ghaemiyeh.com
اسم الكتاب: خطابُ المرحلة / الجزء الثالث
تأليف: توثيق لخطابات وبيانات سماحة
آية الله العظمى المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي
الطبعة : الثانية
السنة : 1437 هـ - 2016م
الناشر: دار الصادقين للطباعة والنشر والتوزيع
النجف الاشرف / شارع الرسول ص 07808289364
خطابُ المرحلة توثيق لخطابات وبيانات سماحة
آية الله العظمى المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي
ومواقفه وتوجيهاته منذ تصديه لقيادة الحركة الإسلامية في العراق بعد استشهاد استاذه
السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) عام 1999
الجزء الثالث
نيسان 2003-كانون الثاني 2005
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيد خلقه أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يوثِّق هذا المجلد والأجزاء التالية ما صدر من سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي من خطابات وبيانات وتوجيهات وتعليق على الأحداث في الفترة التي تلت احتلال القوات الأمريكية وحلفائها للعراق عام 2003، ونحاول أن نبيّن باختصار ظروف وملابسات تلك الفترة.
لقد سادت ظروف الحرب الحياة في العراق قبل بدئها بأسابيع فدبَّ القلق والخوف من المجهول وشُلَّت أكثر مرافق العمل، وانشغل الناس بتجميع ضروريات الحياة وتخزينها فارتفعت الأسعار ولم يكن بمقدور الأكثر توفير احتياجاتهم؛ للفقر المدقع الذي ابتلي به أكثر العراقيين والحصار المفروض، وكان ضرورياً توجيه بيان إلى الشعب يعرّفه بواجباته ويطمئنه ويشرح للناس ما يجب فعله.
وبدأ العد التنازلي للحرب مع مهلة الثمان وأربعين ساعة التي منحها الرئيس الأمريكي لصدام المقبور لكي يترك السلطة ويغادر العراق، وتوسطت لإقناعه بعض الدول الخليجية من دون نتيجة، فبدأ الهجوم مساء الخميس 16 محرم/1424 الموافق 20/ 3/ 2003 بعبور القوات الأمريكية مع دباباتها وآلياتها
من الحدود الجنوبية مع الكويت ورافقها طلعات السلاح الجوي وإطلاق الصواريخ من الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي، وزحفت القوات الأمريكية المحتلة شمالاً في الصحراء غرب العراق بمحاذاة المحافظات الواقعة على الفرات، وكانت تحصل مناوشات لا ترقى إلى تسميتها معارك كلما اقتربت من المدن للقضاء على أية مقاومة، وتهاوت أوكار النظام الواحدة تلو الأخرى خلال أيام كلما تقدمت القوات المحتلة شمالاً، فسقط النظام بمحافظات الناصرية ثم السماوة فالديوانية فالنجف الأشرف، وكان بعض أفراد الجيش العراقي يعتقد فعلاً أنه يؤدي واجبه الوطني في مقاومة القوات الغازية، وفرّت فلول النظام واستبشر أهالي النجف وخرجوا إلى الشوارع في حين كانت قوات الاحتلال تتقدم نحو بغداد.وبسبب الاحتقان والحرمان الذي كان يشعر به الشعب والمرارة الطويلة من الأنظمة المستبدة المجرمة فقد قام بعض الناس بمهاجمة مقرات السلطة والحزب ومؤسسات الدولة ونهبوا ما فيها، وكان ذلك بضوء أخضر وتسهيل من قوات الاحتلال التي أرادت لحالة التخريب والتدمير أن تحصل، ودرّبت آلافاً من الرجال من العراقيين وغيرهم في الخارج لعملية سرقة منظمة لحضارة العراق العريقة وتدمير حاضره لكي يبنوا مستقبل العراق على وفق ما خططوا له، لكن المؤسسات التي أرادوا لها أن تبقى بما فيها –كوزارة النفط- فقد حموها بسرعة، وحصلت حوادث انتقام وتصفية، مما استدعى إصدار بيان توجيهي إلى الشعب لتوعيته وإلفات نظره إلى واجباته ومسؤولياته في هذه المرحلة الخطيرة وعلاقته مع الأحزاب العائدة من الغربة، في الوقت الذي كان النظام حاكماً في
بغداد التي تقدمت إليها القوات الأمريكية ودخلتها بلا قتال يذكر ودخلت إلى وسطها وأسقطت تمثال صدام في ساحة الفردوس يوم الأربعاء 6/صفر/1424 المصادف 9/ 4/ 2003 معلنة سقوط النظام وانتهاء حكمه الإجرامي.وبدأت عند ذاك صفحة جديدة من التحديات هي أوسع وأعقد وأصعب مما مضى، فقد حضر الشياطين الكبار بأنفسهم ومعهم أحدث التقنيات للإفساد وتمييع الهوية الإسلامية وبخطط ودعوات ماكرة خبيثة تخفى سمومها على أكثر الناس بعد أن طلَوها بالعسل الزائف الزائل، وجاؤوا ليؤسسوا مشروع الشرق الأوسط الكبير انطلاقاً من العراق، ولتطبيق (العولمة) التي يريدونها والتي تقتضي تذويب هويات الشعوب واقتصادياتها وسياساتها لتسير في ركاب الغرب وتلتحق بمسيرته نحو الانحدار، ومكنوا لهذه الهجمة بترسانة عسكرية ضخمة مؤلفة من أكثر من مائة ألف جندي وأحدث الأسلحة الفتاكة، وقد رسموا سياسة لإدارة مباشرة لشؤون العراق مع وضع واجهات عراقية عقدوا معها صفقات في مؤتمرات سبقت الغزو في لندن وروما وصلاح الدين وزيارات متكررة إلى واشنطن، على أن ينطلقوا بعد ذلك لتغيير المنطقة كلها.
ومواجهة هذا المشروع الخطير الواسع تتطلب تقديم الإسلام كمشروع حضاري قادر على أن يقود الحياة بكل مفاصلها ويقدم رؤية ناضجة ومتكاملة، وأن يشخص النقص في المشروع المادي الذي جاء به الغرب ويكشف فشله في تحقيق السعادة للفرد والمجتمع، ويبصر الأمة بالنتائج الكارثية التي تحصل بالسير معهم كما هو واضح من سلوكياتهم ومشاكلهم التي يعانون منها.
وكان من أهم المبادئ التي أراد سماحته تأصيلها للمرحلة الجديدة هي
مرجعية الدين وأنه الأصل الذي يُبنى عليه الوضع الجديد، وعدم تجاوز المرجعيات الدينية، فعندما عقدت قوى المعارضة التي دخلت العراق مؤتمراً لها في الناصرية بعد أن تحررت من قبضة النظام، أوعز سماحة الشيخ إلى أتباعه ومريديه هناك لتنظيم مسيرة وتجمع عند محل الانعقاد لتنبيه المؤتمرين إلى ضرورة الرجوع إلى العلماء عند رسم مستقبل العراق ونظامه الجديد، فاحتشد حوالي (20) ألفاً وأوصلوا رسالة قوية إلى زعماء العراق الجديد، واستمر هذا التأصيل في كل المراحل التالية.ولا نكشف سراً إذا قلنا أن الجو العام في الحوزة العلمية في النجف الأشرف لم يكن متهيئاً لمواجهة تلك التحديات بسبب غلبة المدرسة التقليدية التي اعتادت إهمال أمر الأمة وعدم التفاعل مع الأحداث مضافاً إلى المعاناة القاسية التي عاشتها الحوزة بشكل عام من بطش صدام المقبور الذي أفقدها الكثير من علمائها ومفكريها.
أما سماحة الشيخ فقد كان مواكباً للأحداث ومهتماً بشؤون الأمة قبل زوال الصنم كما اتضح من المجلدين السابقين، وكان يحسب لهذه الأمور وأعد لها المشاريع المناسبة.
ولأجل إلقاء الحجة وإعطاء الفرصة للمرجعيات الكبيرة حتى تأخذ دورها قام بزيارتهم وعرض عليهم تلك المشاريع –كمقترح إنشاء جماعة الفضلاء وإقامة صلاة الجمعة في النجف الأشرف- وقدم خبرته وعرض نصرته لكي ينهضوا بالمسؤولية التي تتطلبها المرحلة الجديدة، ولم يجد غير التمييع والتشكيك والسلبية.
وحينئذٍ لم يجد سماحته بداً من تحمل مسؤولية المواجهة الحضارية مع المشروع الغربي التي نبّه إليها وباشر فيها قبل ذلك بسنتين، لكنه صار من الضروري إعلان استقلاليته عن المراجع الآخرين وقدرته على المضي في المشروع، ومن شروط ذلك التصريح بتحقق ملكة الاجتهاد التي أخفاها سنين مراعاة للتقاليد الموجودة في الحوزة العلمية، لكن لم يكن هناك وقت للمجاملة والانتظار، ولم ينتظر الشهادة من أحد لأنه لم ولن يتوقع صدورها منهم، ومع ذلك فقد تبرع عدد من المجتهدين في قم المقدسة وعدد من العلماء في النجف الأشرف بكتابة هذه الشهادات بعد عدة أشهر (جزاهم الله خير جزاء المحسنين).وقد ولد هذا الإعلان ارتياحاً وفرحاً لدى الكثير من المؤمنين الواعين والمثقفين الحركيين؛ لما يعتقدونه من وجود مؤهلات المرجعية والقيادة في سماحته، وقد أثبتت أهليته خلال السنوات الأربعة التي تلت استشهاد السيد الصدر الثاني (قدس سره) حتى سقوط الصنم.
وبعد شهر تقريباً من السقوط اتخذ سماحته مكتباً قرب الحرم الشريف يدرس فيه صباحاً ثم يبدأ جلسته العامة لاستقبال المراجعين والضيوف من علماء وسياسيين ورجال فكر ووفود شعبية من عامة المؤمنين حيث كان يغص بهم المكتب يومياً، ثم يتوجه حين حلول أذان الظهر إلى مسجد الكرامة حيث رجع إلى إمامة الصلاة فيه بعد السقوط ويعود إلى المكتب عصراً ليستقبل ذوي المواعيد الخاصة إلى ما بعد صلاة المغرب والعشاء.
وبدأت الوفود تترى عليه بالمئات ثم بالآلاف لمبايعته على القيادة وولاية
أمر الأمة وكان يخرج لاستقبالهم حيث يزدحمون في الشارع ويلقي فيهم كلمة توجيهية وكان يطلب منهم توقف هذه الوفود لأنه ليس بصدد التصدي للمرجعية فضلاً عن ولاية الأمر وأنه ما زال ينتظر من الآخرين ليتقدموا ويتحملوا المسؤولية وأنه ومن معه مستعد لنصرة أي مرجع يكون بمستوى التحديات القائمة.ومع كل هذا التأكيد فقد أثارت هذه الحركة المتصاعدة لسماحة الشيخ وحركته الجماهيرية وقاعدته الحوزوية الواسعة حفيظة أقطاب المؤسسة الدينية فعملوا على تحجيم حركة سماحته بمختلف الأساليب حتى انحدرت إلى مستوى إصدار الاستفتاءات الخطية التي تنال من سماحته وتحط من قدره لتفريق القاعدة عنه، ولم يزده ذلك إلا تسامياً وتكرماً عن الرد بالمثل، بل قال في أحد لقاءاته أنني أمتنع حتى عن الدفاع عن نفسي لأنه يستلزم القدح في الآخرين ونزاهة كلماتهم وهذا ما لا أريده لهم.
وقد توقفت هذه الوفود فعلاً، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً ترك سماحة الشيخ مكتبه قرب الحرم الشريف وأخذ يستقبل ضيوفه ومراجعيه في داره الذي يقع في حيّ بعيد عن الحرم الشريف ليهدأ بال الآخرين.
يقول سماحته في مذكراته المختصرة عن تلك الفترة:
(وجدت أكثر من دافع للذهاب إلى بغداد فسافرت يوم الخميس 21/صفر/1424 الموافق 24/ 4/ 2003 بعد سقوط الصنم بأسبوعين والتقيت بعدد من الفضلاء والأساتذة الجامعيين والمثقفين لبلورة مشروع سياسي للمرحلة
القادمة كنت قد أعددتُ مبادئه قبل ذلك(1)، وحل يوم الجمعة ورأيت أن منبر الجمعة خير نافذة نطل منها على الناس لنوضح لهم معالم المرحلة الجديدة وما ينبغي عمله، فصار الاتفاق على إمامة الجمعة في الصحن الكاظمي الشريف وحصل تبليغ سريع للمؤمنين ليلة الجمعة وصباحها، فحضرها الآلاف غص بهم الصحن الشريف وامتدت صفوفهم إلى خارجه، وأعلنت في الخطبتين أني مجتهد لي حق النظر في مصادر التشريع لاستخراج أحكام كل واقعة تحدث للأمة، وقابل المؤمنون هذا الإعلان بالفرح والتكبير والشعارات الحماسية.وتأكيداً لأهم أسس بناء العراق الجديد وهو العمل ضمن إطار توجيهات المرجعية الدينية فقد دعوت المؤمنين إلى القيام بمسيرة يوم الاثنين 28/4 من ساحة الفتح قرب المسرح الوطني إلى ساحة الفردوس حيث يقيم في الفنادق المطلة عليها مراسلو وسائل الإعلام والمسؤولون الأجانب، وقد كانت المسيرة ضخمة جداً رغم محاولة بعض الجهات إلى التبري منها وعدم المشاركة فيها، وكانت مطالبها واضحة بأننا شعب مسلم ونرفض قيادة البلد من دون الرجوع إلى المرجعية الدينية)).
وكانت جميع الخطب والبيانات الصادرة في تلك المرحلة واضحة في المطالبة بإنهاء الاحتلال والرجوع إلى الشعب في اختيار من يحكمه بانتخاب جمعية وطنية أولاً تقوم بتشكيل حكومة مؤقتة وهيئة لكتابة الدستور يعرض على الشعب لنيل موافقته، ثم إجراء انتخابات عامة لتطبيق النظام الذي ينص عليه الدستور.ق.
1) تقدم الكلام عن هذا المشروع في المجلد السابق.
وكانت القوى المتسلطة في العراق والماسكة بأموره من احتلال ومَن اتفق معه لا تصغي لتلك المشاريع الناصحة، وتريد أن تفرض أجندتها التي جاءت بها، ولكنها لما تفشل تعود لتأخذ بما عرضه سماحة المرجع قبل ذلك بمدة، ويكلف هذا الفشل المزيد من الدماء والأموال والخراب والزمن المهدور والتخلف عن ركب الإنسانية.فبدأوا بقيادة عسكرية لإدارة البلاد، ثم بإدارة مدنية وحاولوا –للتمويه- تشكيل مجلس استشاري من نخب عراقية –سياسيين ورجال دين وأكاديميين وتكنوقراط- فرفض سماحة الشيخ كل المشاريع، ثم تحوّلوا إلى تأسيس ما سمّي بمجلس الحكم لإعطاء انطباع أن هذا المجلس العراقي هو من يحكم العراق، وانبثقت عنه حكومة مؤقتة، وظلوا يتخبّطون حتى أذعنوا للموافقة على الخطوات الانتقالية التي أوردها سماحة الشيخ في مشروعه.
وفي موازاة ذلك كان سماحة الشيخ يخوض معركة التأسيس للمرحلة الجديدة بكل جوانبها، يقول سماحته:
((وبعد ذلك انطلقت المؤسسات والمشاريع التي نعتقد بضرورة وجودها للنهوض بمتطلبات المرحلة الجديدة وكان أهم معالمه العمل السياسي وضرورة اقتناص الفرصة التي أتيحت للطائفة المحرومة المظلومة وإبراز أغلبيتها واستحقاقها في أن يكون لها الدور الأكبر في النظام الجديد، وتطلب ذلك الكثير من التضحية مني حفاظاً على هذه الوحدة والتماسك ودعمنا بقوة المشاركة في العمل السياسي وأوجبنا على الأمة أن تقف وراء قيادتها أملاً في تحقيق الخير والصلاح)).
ورغم حداثة التجربة وقلة الإمكانيات المادية البشرية، فقد تحرّك سماحته بمن معه من الشباب من الحوزة وخارجها وأنشأ كيانات تؤلف مشروعاً حضارياً ناضجاً، ومن تلك التشكيلات:1-فروع جامعة الصدر الدينية في المحافظات لنشر الحوزات العلمية في المحافظات حتى تجاوزت عشرين فرعاً استفاد منها أكثر من ألفي طالب.
2-فروع جامعة الزهراء (علیها السلام) لنشر الحوزات العلمية الدينية للنساء وقد بلغت فروعها في المدن المختلفة (14) ضمت حوالي (800) امرأة.
3- جماعة الفضلاء لتنظيم عمل الحوزة العلمية في المجتمع وضم رجالها في كيان منظم.
4-حزب الفضيلة الإسلامي لتمثيل قواعد المرجعية ومن يؤمن بمشروعها في العمل السياسي.
5-العشرات من منظمات المجتمع المدني بمختلف النشاطات ومراكز البحوث والدراسات.
6-عدة إذاعات محلية تُوِّجت بقناة فضائية.
7-مكاتب إعلامية ودور نشر.
يقول سماحة الشيخ (دام ظله الشريف) عن السنوات الأولى من العمل في هذه المرحلة:
((ورغم أهمية العمل السياسي إلا أننا كنا ومنذ خطاباتنا الأولى نحذر من الانهماك فيه والانشغال بالصراع على المناصب إلى حد نسيان المبادئ والأهداف التي نريدها في حياتنا والتي ضحى من أجل تحقيقها السلف الصالح
وهي إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى ونشر تعاليم أهل البيت (علیهم السلام) وصلاح الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكنا نؤكد عليها حتى في أشد اللحظات غفلة عنها حينما تحلو الدنيا ويلوح بريق المناصب أو حينما تشتد الأزمات والمواجهات. وبمرور الوقت واشتداد حلاوة الدنيا التي انفتحت على مصراعيها فقد زلت أقدام الكثيرين وضاعوا في الصراعات المحمومة والتنافس المذموم على حطام الدنيا الزائف حتى وصل حالهم إلى التقاتل وسفك الدماء التي حرمها الله تبارك وتعالى، ولم تنفع بيانات النصح والموعظة والتذكير.
وعلى أثر ذلك فقد ضعف حماسنا لدعم السياسيين، وابتعدنا عن الحالة شيئاً فشيئاً، ولم نجد حلاً في نهاية الأمر لإعلان براءتنا من المتصدين للسلطة والحكم وسحب تأييدنا السابق إلا بأن نأمر أتباعنا في حزب الفضيلة الإسلامي بالانسحاب من مفاوضات تشكيلة الحكومة عام 2006 وقد حاول المتصدون إقناعنا بالعودة وتقديم المغريات من أجل إسكاتنا إلا أننا أصررنا على الموقف وأعلمناهم بأن قرار الانسحاب (مرجعي) وليس قراراً (حزبياً) حتى يمكن أن يخضع للصفقات والمصالح المتبادلة).
وقد كلّف هذا القرار سماحته الكثير من الحملات المسعورة للتشويه والتسقيط والافتراء والكذب وإلصاق التهم مع إقصاء لأتباع المرجعية ومحاصرتهم وتطويقهم، مضافاً إلى الاعتداء على بعض مؤسسات المرجعية وقد كانت بأيديهم كل مقومات التأثير، فبيدهم السلطة بكل مفاصلها والمال الوفير والإعلام الرسمي والديني ومدعومة بالفتاوى المتقدسة، ومع ذلك كله
فقد كان سماحته واثقاً بنصر الله تبارك وتعالى ولم يستفزوه وتسامى عن الرد عليهم ومضى بنور الله تعالى على بصيرة من أمره يعبر عن مظلومية الشعب ومحروميته ويقف للفساد والاستبداد والاستئثار بالمرصاد.يقول سماحته: (لقد تحملنا كل ذلك لأننا وجدنا أن من مسؤوليتنا حماية التشيع كعقيدة ومدرسة من ممارسات المحسوبين عليها ممن يسمون شيعة، الذين لم يأبهوا لهذه الخسارة الاستراتيجية من أجل تحقيق مكاسب شخصية آنية زائلة، فكان لزاماً علينا أن نتخذ موقفاً شجاعاً يبرز الفرق بين التشيع والشيعة عندما يسيئون التصرف ويصدر منهم ما يتنافى مع التعاليم السامية لهذه المدرسة المباركة.
وقد أدى الانسحاب إلى نتيجة مهمة أخرى وهو كشف القناع الطائفي عن السياسيين المتصارعين وفضح تسترهم بالطائفية لحشد كل من الفريقين طائفته من ورائه مع أن الصراع في حقيقته سياسي لقضم أكبر مقدار ممكن من الكعكة التي يتنافسون عليها، وما الدعوات الطائفية إلا لتضليل الناس وسوقهم ليكونوا وقوداً في المعركة فتسيل دماء الأبرياء وتخرب دورهم ويهجروا منها وتقطع أرزاقهم من أجل أن يتمتع أمراء الحروب، وبعد هذا الانفصال والبينونة في الفكر والسلوك والمبادئ الذي أحدثته بياناتنا ومواقفنا فقد وضحت الرؤية وكانت بداية الطريق حيث خمدت جذوة الصراع الطائفي وبدا ما كانوا يخفون من الصراع السياسي.
وتحملنا وحدنا ضريبة القيام بهذه المسؤولية، ولم يرُقْ عملنا للآخرين سواء كانوا زعماء دينيين أو سياسيين، لكن الذي يهون علينا أنه كله بعين الله تعالى
وبعين إمامنا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء. الذي كانت قضيته والتمهيد لدولته المباركة هي القضية المصيرية والاستراتيجية في كل الحركة والأفكار والمشاريع، ولم تغب عنا بل كانت البوصلة لمسيرتنا.لقد شعرنا بضرورة أعادة النظر في تقييم الأمة ومدى قدرتها على تجاوز الامتحان، فإنها وإن نجحت بدرجة من الدرجات في امتحان الشدة والضراء وإدبار الدنيا في عهد المقبور، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في امتحان العافية وإقبال الدنيا، مما يتطلب وضع برامج جديدة للتربية والتهذيب والإصلاح، خصوصاً مع حدوث امتحان جديد للمرجعية والحوزة هو ابتلاء بناء الأمة ككيان اجتماعي واحد في ضوء ما شرحناه في محاضرة (الأسس العامة للفقه الاجتماعي) مضافاً إلى المسؤولية التقليدية عن بناء وإرشاد الأفراد كأفراد، وهذا مما لم تألفه المرجعية الدينية والحوزة العلمية عموماً في مراحلها السابقة)).
وانطلق سماحة الشيخ (دام ظله) لإبراز بعض معالم مرجعيته من العام 2006، فبدأ بحث الخارج في الفقه في شعبان /1427 الموافق أيلول /2006 واختار للبحث والمناقشة المسائل الخلافية التي تتميز بالعمق العلمي وكونها ذات أثر عملي في حياة الأمة، كما بدأ بنشر رسالته العملية (سبل السلام) على شكل حلقات متتابعة في صحيفة الصادقين ابتداءً من العدد (39) الصادر بتأريخ 15/صفر/1427 الموافق 16/آذار/2006.
والخلاصة أن من يقلب صفحات هذه المجلدات فإنه سيعيش مع القيادة خلال تلك السنين كل آلامها وآمالها وتحدياتها ومشاريعها، ويتحسس مواضع
الخطر والحذر، والنصر والهزيمة، وما تضمنت من صفحات إيجابية ومواقف مشرّفة وخططاً للإصلاح والبناء لا تختص بالمرحلة التي صدرت فيها وإنما هي متجددة وصالحة حتى للمستقبل، وهذا معنى المرحلية في هذه الخطابات فإنها لا تعني الانغلاق على زمان الصدور والاختصاص به، بل تعني مواكبة الزمان والتجدد معه وتأهيل كل مرحلة لتكون حلقة في سلسلة الحركة الربانية الممتدة من الزمان السحيق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويقيم دولة الحق والعدل.وسيجد من خلالها سعة المسؤولية التي يجب أن تتحملها القيادة الدينية الحقة، وما يجب أن تحيط به من علوم ومعارف وخصال كريمة؛ لكي تكون وارثة حقاً للأنبياء والمرسلين والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين.
وكان من ثمرات حركة سماحة الشيخ تحريك الخط التقليدي للمرجعية الدينية ليكون لهم دورٌ بالأحداث، إما عن قناعة وإما خوفاً من سحب البساط من تحتهم وإعراض الناس عنهم عندما يكتشفون أن عدم أدائهم لدور اجتماعي ليس لوجود المانع من بطش الأنظمة المتعاقبة أو عملاً بالتقية، بل لعدم وجود القدرة والأهلية لممارسة الدور القيادي للمرجعية الدينية، وكانوا يتبنون مواقف سماحة الشيخ اليعقوبي ولو بعد حين، بل ربما انتظروا أحياناً صدور موقف من سماحة الشيخ إزاء قضية معينة ليتبنّوه من دون الإشارة إلى مصدره.
ولقد استفاد سماحة الشيخ (دام ظله) في خطابه من مدرسة القرآن وحركته في إصلاح الأمة التي طالما دعا القادة والمصلحين وعموم الأمة إلى الاستفادة منها، وبرزت هذه الاستفادة من خلال عدة أساليب:1-توظيف كل حقول العلم والمعرفة التي تناولها كالسياسة والاقتصاد والتأريخ والاجتماع واللغة والطب وغيرها، وتحريك كل قنوات هذه المعارف المؤثرة في توجيه الإنسان وحركته كالعقل والنفس والضمير والوجدان للوصول إلى الهدف وهو الإصلاح والهداية إلى الكمال ببلوغ رضا الله تبارك وتعالى.
2-التدريجية والمرحلية: فإن هذا الكتاب لم يقدمه سماحته دفعة واحدة وإنما خرج إلى الأمة نجوماً وأبعاضاً بحسب المناسبات والدواعي، ليكون مواكباً لحركة الأمة وملاحقاً لأحداثها، وليقدّم الجرعة المناسبة في الوقت المناسب فيكون أجدى في الفهم والتأثير.
3-استمرارية التأثير والانتفاع: لأن الخطابات وإن صدرت في مناسبات وأوقات محددة إلا أن صياغتها بشكل يخدم الهدف الاستراتيجي وهو بناء الفرد الصالح والأمة الصالحة والدولة الكريمة جعل هذه الخطابات مستمرة العطاء والانتفاع ما دام الهدف لم يتحقق، ولا تنتفي فائدتها بفوات المناسبة.
ونذكر في نهاية المقدمة عدة ملاحظات:
1-إننا شرحنا في الهوامش بعض الأحداث التي أشير إليها في النصوص لأن طول المدة قد ينسيها فلا يعرف القارئ ما المراد من تلك الإشارات والشواهد، وقد جعلناها مختصرة، وإن كانت الصورة لا تكتمل إلا بالتعرف
على كل الأحداث والملابسات والخلفيات في تلك الفترة، ولكنه أمر لا يتيسر وضعه في هذا الكتاب ويمكن أن يُذكر في مذكرات مستقلة بإذن الله تعالى.2-رتّبنا خطابات المرحلة بحسب تواريخ صدورها ليتمكن المطالع من معرفة مجرى الأحداث وكيفية حصول التحوّلات، وألحقنا بكل جزء مختارات من أعداد صحيفة الصادقين المناسبة لتلك الفترة؛ لأنها تساهم في تكميل الصور بإذن الله تعالى.
الاستماع إلى الأخبار في أوقات الأزمات(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (أدام الله ظلكم المبارك).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عودْتَنا يا سماحة الشيخ المفدى التصدي إلى المواضيع التي تمس واقع المسلمين، وخاصة في هذا البلد الذي تكالب عليه رموز الشر وأعداء الدين، لا سيما في الآونة الأخيرة.
فيرجى من سماحتكم أن تمنوا علينا بالرأي والنصيحة في هذه النقاط المهمة.
أولاً: الاشتغال التام باستماع الأخبار من الإذاعات المعادية للإسلام ولساعات متأخرة من الليل ناسين ومتغافلين عن أهمية الرجوع والارتباط الحقيقي بالله والتضرع إليه، وتذكر الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) والذي جيَّشت قوى البغي والضلال قواها لتدمير دولته الموعودة.
1) صدر بتأريخ 26 ذو القعدة 1423 الموافق 30/ 1/ 2003 عند تصاعد إرهاصات الهجوم الأمريكي على العراق الذي بدأ يوم 16 محرم 1424 المصادف 20/ 3/ 2003 وانتهى بسقوط الصنم في ساحة الفردوس وهزيمة الطاغية وأزلامه يوم 6 صفر 1424 المصادف 9/ 4/ 2003.
ثانياً: استغلال بعض الاتجاهات المنحرفة لهذه الظروف الصعبة لتمرير ونشر الأفكار الضالة والهدامة، فما هو تكليف المؤمنين أيدهم الله؟ثالثاً: ما هي نصيحتكم للتجار وأصحاب المهن الأخرى في حالة حدوث أزمة لا سامح الله؟
بسمه تعالى
لقد بني كيان الغرب اليوم وسائر الكيانات المادية على أساس (المصالح) والسعي المستمر للازدياد من الثروة كما وصفهم الحديث الشريف بأن طالب المال منهوم لا يشبع ولا يملأ فمه إلا التراب. وقد أدى بهم هذا الجشع والحرص إلى حب التسلط على الآخرين واستعبادهم والتحكم بشؤونهم للانتفاع بهم من جهتين:
الأولى: نهب ثرواتهم.
والثانية: استخدامهم لتحقيق أغراضهم وجعلهم أسواقاً لتصريف بضائعهم.
وتدير هذه السياسة العدوانية مؤسسات ضخمة ذات إمكانيات عالية وتقنيات متطورة، وقد رأت هذه المؤسسات أن من الضروري الإيحاء لشعوبهم والخاضعين لسيطرتهم بوجود عدو ــ سواء كان حقيقاً أو وهمياً ــ وخلق ضجة باتجاهه وهذا يحقق لهم عدة نتائج:
1 ــ بعث الهمة والحماس والنشاط في العمل بالاتجاه الذي يريدونه هم ومن يتأثر بهم.
2 ــ خلق المبررات لاستمرار وجودهم وإقناع الناس بصحة عملهم والحاجة إليهم.
3 ــ التشويه والتعتيم على أي شخص أو عقيدة يمكن أن تتهددهم.
4 ــ تمرير الأفكار والسلوكيات المنحرفة والهدامة تحت عناوين براقة ومزخرفة وهي ستأخذ مجراها بسرعة لانشغال الناس بالضجة المفتعلة.
5 ــ هدر طاقات الأمة المادية والمعنوية وتبديدها من أجل لا شيء.
وقد قضى الغرب عقودا في حرب (باردة) مع الشيوعية ومعقلها الاتحاد السوفيتي، واستطاع في ظل هذه الحرب أن يحقق الكثير من الأهداف المتقدمة مما لا يسع المجال لشرحها، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال هذا العدو لم يبق أمامهم ما يبرر الكثير من أفعالهم فاحتاجوا إلى إيهام شعوبهم بعدو جديد يتهدد كيانهم وينذر بزوالهم ذلك هو الإسلام، وهم يستطيعون أن يجدوا الكثير من النقاط التي تقنع المخدوعين والمتأثرين بإعلامهم المزيف بهذا العدو الذي ليس هو عدو للشعوب، بل على العكس هو يريد السعادة والخير وسيادة العدل والمحبة في المجتمع الإنساني برمّته، وإنما هو عدو للمستبدين والمستكبرين والظلمة والمعتدين على الشعوب الذين يريدون إن يخرجوا الناس من عبادة الله الواحد التي تدعوهم إليها الفطرة السليمة إلى عبادة الطواغيت والآلهة المزيفة التي يصنعونها ويجّددون فيها فما إن تملّ البشرية إلهاًً حتى يصنعوا له آخر.
ومن أهم وسائلهم لتنفيذ هذه الخطط، الإعلام بكل قنواته المسموعة والمرئية والمقروءة، وقد سخّروا لها إمكانيات هائلة لتشد إليها الإنسان وتأخذ بمجامع قلبه وعقله وتسلب منه رشده وقدرته على التفكير، ويبقى منصاعاً لها ومصدقاً بها حتى لا تبقى عنده فرصة للتأمّل والتمييز بين ما هو صحيح وما هو فاسد وما هو ضار أو نافع أو حق أو باطل، حتى في نشرات الأخبار التي
يوهمون الناس أنهم ينقلونها بكل أمانة وموضوعية وحياد فتراهم يضعون السم في العسل ويخترقون أفكارك وقناعتك بل وحتى معتقداتك من حيث لا تشعر، ويخلقون فيك الشك والحيرة والتردد وهي الخطوة الأولى في طريق الضياع والانحراف. ولهم في ذلك أساليب متعددة، منها الالتقاء بناس ضعيفي الحجة لا يستطيعون إقناع الآخرين بحقهم، بينما يلتقون بشخص قوي الحجة في الباطل، أو يوجهون أسئلة إلى طرف الباطل يريدون إيصال أجوبتها إلى الناس بينما لا يسألون أهل الحق عما يريد الناس معرفته، أو ينقلون أخبارنا ويعلقون عليها بأنها (لم تثبت من مصادر مستقلة)، بينما تؤخذ أخبارهم كمسلّمات وغير قابلة للمناقشة، أو تنقل تفسيراتهم للأحداث بشكل مقنع أما تفسيراتنا فتعرض ممزوجة بالتشكيك، وهكذا.
لذا وأمام هذه الهجمة الشرسة يجب أن نكون واعين حذرين مدققين في الأمور ولا نكون همجاً رعاعاً ينعقون مع كل ناعق، وأشَّّبه سماع الأخبار من الإذاعات بقراءة كتب التأريخ، إذ من غير المعقول أن نصدق كل ما فيها من غث أو سمين ونحن نعلم أن جملة نقائض فيها، فقد كتب بعضها تزلفاً إلى السلطات ولتبرير أفعالها، وكتب بعض آخر لتأييد عقيدة أو مذهب، وكتب غيرها لتسقيط شخص مخالف وتشويه صورته أو لرفع شخص وتأييده، مضافاً إلى أنها كتبت من وجهة نظر الكاتب التي قد لا تعبر عن الحقيقة وليست مستوعبة لتفاصيل الحدث، لذا فإن الباحث المنصف يحتاج إلى تأمل وغربلة في الكتب وجمع القرائن والأدلة لتمييز الصادق عن المكذوب.
وهكذا يجب أن نكون تجاه ما تبثه وسائل الإعلام فنحن لا نستطيع أن نتخلى عن متابعة الأخبار لأنها حاجة نفسية ملحة ولكن علينا أن نلبي هذه الحاجة بشكل نظيف ومفيد وغير مشوه وليس فيه ضرر، بالالتزام بعدة نقاط:1 ــ إن الإذاعات متفاوتة في درجة الاطمئنان إليها فبعضها واضح الكيد والتضليل والتشويه وبعضها أقل، فلا بد أن يتفاوت الحذر منها بمقدار درجة الاطمئنان إليها.
2 ــ الوعي والتأمل في مضمون الخبر والتثبت منه فإن القائمين على هذه الإذاعات المعادية للإسلام فسقة لا ورع لهم، وقد قال تعالى: [يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] (الحجرات:6).
3 ــ الرجوع إلى الحوزة الشريفة والواعين المخلصين من المثقفين لمعرفة تقييمهم للخبر والأثر المترتب عليه التزاماً بقوله تعالى: [وإذا جَاءهُمْ أمر مِّنَ الأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء:83).
4 ــ عدم المبالغة والإفراط في الاستماع إلى الأخبار، والاكتفاء بنشرتين من إذاعتين مختلفتين مع التعليقات التي تتعقبها فإن العمر ثمين وهو رأس مال الإنسان المعد للتجارة مع الله تعالى، ويستطيع إن يستثمر كل دقيقة وكل ثانية في طاعة الله تعالى بعمل صالح ونافع دينياً أو دنيوياً للفرد أو للعائلة أو للمجتمع. وليجرب كل فرد أن قضاء عدة ساعات مع نشرات الأخبار هل
تعطيه أزيد مما يحصل عليه لو تابع ما اكتفينا به من نشرتين مع تعليقهما؟ فلماذا هذه المضيعة للوقت؟5 ــ إن كثرة الاستماع إلى الأخبار يؤدي إلى التشويش الفكري وانشغال القلب والعقل بالأفكار المتضاربة، مما يفوّت على الفرد فرصة الازدياد من العلم والمعرفة والتفقه فيما هو ضروري له فلا تبقى له همة بمطالعة الكتب والتأمل فيها والانتفاع منها واستنتاج ما هو جديد ونافع، رغم أن كل مسلم مطالب بالكثير من القراءات في العقائد والأخلاق والسيرة والفقه والثقافة والتأريخ والأدب والتفسير.
ولو ثنيت لي الوسادة لألزمت كل فرد بقراءة كتاب واحد على الأقل في كل من هذه المجالات كـ(عقائد الإمامية) أو (أصل الشيعة وأصولها) في العقائد و(مرآة الرشاد) أو (إرشاد القلوب) في الموعظة والأخلاق و(رسالة عملية مختصرة) في الفقه و(مختصر تفسير الميزان) أو (تفسير شبر) في التفسير و(نفحات من السيرة) في سيرة المعصومين (علیهم السلام) وهذا يمثل الحد الأدنى من الالتزام بقول الإمام الصادق (علیه السلام): (لوددت أن السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين).
كما أني من موقع المسؤولية الأخلاقية والشرعية ألزم كل فرد بقراءة كتاب (تأريخ الغيبة الكبرى) لسيدنا الأستاذ (قدس سره) وفهمه وتلخيص أفكاره ومعرفة ما ينبغي علينا معرفته والعمل به وجعل الكتاب محوراً للمناقشات والحوارات والمسابقات وجعل نسخ الكتاب والكتب المتقدمة هدايا للفائزين.
6 ــ ولكي يكون استماعنا للأخبار هادفاً وواعياً علينا أن نتصيد الدروس والعبر منها لندعم بها عقائدنا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا فإن الله تبارك وتعالى يوالي الحجج على البشر، لكن غفلتهم وانشغالهم بالماديات واتباع الهوى يصدهم عن الاتعاظ بها، فعلى الواعين إلفات نظرهم إلى ذلك، واذكر لكم مثالاً واحداً ذكرته في إحدى محاضراتي، ففي صيف 2002م اجتاحت أوربا موجة من الفيضانات، أتلفت الكثير من الأنفس والممتلكات وشرّدت الآلاف وكلّفت الملايين من الأضرار، خصوصاً في ألمانيا والنمسا وجيكوسلوفاكيا، وعجزت تكنولوجيتهم التي صوروها وكأنها الذراع التي لا تعجز عن شيء من مواجهة هذه الكارثة. وهذا درس مهم لمعرفة ضآلتهم أمام الطبيعة التي هي إحدى مخلوقات الله فكيف ينصبون أنفسهم أرباباً على البشر من دون الله تعالى يريدون من الناس جميعاً أن يطيعوهم ويأتمروا بأمرهم؟ فهذا درس استفدناه.
والدرس الأخر الأهم أن التعليقات على الأخبار قالت إن أوربا تحمّل الولايات المتحدة مسؤولية حصول هذه الكارثة لأنها امتنعت عن التوقيع على معاهدة (كيوتو) للمحافظة على البيئة والتي من بنودها عدم تشغيل المعامل في وقت واحد فأدى عدم الالتزام بها إلى الاحتباس الحراري وارتفاع درجة الحرارة فزيادة الأمطار فحصول الفيضانات، فهذا شاهد معترف به من قبلهم على أن معاصي البشر وسوء تصرفاتهم وفسادهم وانحرافهم يؤدي إلى حصول الكوارث الطبيعية لأن السنن الإلهية المتحكمة في الكون والمخلوقات واحدة.
فقبل هذا الشاهد وأمثاله لا نستطيع إقناعهم بهذه الملازمة بين (فساد الإنسان وحصول الكوارث الطبيعية) لأنهم لا يؤمنون بالغيب وتأثيراته فأرجو ــ ولا أريد أن أكثر من كلمة ألُزم ــ من كل فرد من المجتمع أن يسجل يومياً في دفتر خاص ما يمكن استفادته من الأخبار من دروس وعبر وسأكون أنا والأخوة من فضلاء الحوزة الشريفة بخدمتهم في مراجعة هذه الدفاتر وتقييمها والاستفادة منها ونشر ما هو نافع منها.7 ــ ولكي لا يأخذ الاستماع لنشرات الأخبار وقتاً كثيراً فيمكن جعله مزامناً لعمل أو وظيفة لا تتنافى معه كالأعمال اليدوية الروتينية أو حين تناول الطعام ــ مع عدم الغفلة عن آداب المائدة كالتسمية والحمد لله وغيرها ــ أو حين الاستلقاء للراحة، وإبقاء الأوقات الفعالة للمسؤوليات الأخرى كالعمل لكسب المعيشة والقراءة والعبادة واللقاء بالإخوان وقضاء الحوائج ونحوها.
8 ــ تقوية الثقة بالنفس وحسن الظن بالله تعالى والرضا بما قضى وقدّر، فإن المحن والبلايا إن كانت من الله تبارك وتعالى فلا راد لقضائه، وإن كانت من مظالم العباد وشرورهم، كما لو اعتدت دولة متجبرة على شعب آمن فإن فيه جهتين: جهة منسوبة إلى المعتدي، ونتيجتها الخزي والعار في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، وجهة منسوبة للمظلوم وهي مواجهة الظالم بالصبر والإيمان والثبات وحسن الظن بالله تعالى: [إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ] (النحل:128)، و[إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ] (الزمر:10)، و[يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ] (محمد:7)، وكل هذه الأمور تتطلب عزماً وهمة من المجتمع في طاعة الله تعالى ووعياً وفهماً صحيحاً للأمور وتصرفاً سليماً تجاه الأحداث.إن عدم الالتفات إلى كل أو بعض النقاط المتقدمة يجعل هذه الأخبار تسبب آثاراً تدميرية في المجتمع، منها:
1 ــ إضعاف القوة المعنوية وتحطيم نفسية الأمة، وتحقيق العجز عن التفكير فيما هو نافع.
2 ــ بث الشك وفقدان الثقة بالنفس أولاً، وبأولي الأمر ثانياً، وبالدين والعقيدة والمبادئ ثالثاً.
3 ــ أحداث التفرقة والاتجاهات المتباينة وتمزيق وحدة الصف ونشر الخلافات و(إن من المؤسف حقاً أن تصبح العواطف الدينية لعبة بيد صانعي الحروب النفسية يستخدمونها في المواقف الحرجة ليجنوا هم ثمارها بخبث ودهاء وما فتنة رفع المصاحف في صفين عنك ببعيد)(1).
4 ــ خلق أزمات اجتماعية وإرباك اقتصادي يؤدي إلى إهدار الطاقات وتبديد القدرات في أمور قد تكون وهمية أو مبالغاً فيها.
5 ــ تغيير أخلاق المجتمع وسلوكياته وأنماط حياته وأفكاره وفق الرؤية التي يريدون، وهو ما يسمونه (بالعولمة) و(النظام العالمي الجديد) الذي هو ليس بجديد، وإنما قالها فرعون من قبل: [مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى] (غافر:29) وهذا).
1) عن كتاب (الشائعات وآثارها في المجتمع) للشيخ مرتضى النجفي وكان مخطوطاً حينئذٍ وطبع لاحقاً ضمن سلسلة (نحو مجتمع نظيف).
ما يسمونه بـ(غسيل الدماغ) حيث يمارسون تضليلاً إعلامياً وتشويهاً وتزييفاً للحقائق حتى يجعلوا الآخرين يقتنعون برؤيتهم التافهة المنحطة.وأخيراً تذكروا عتاب الله تعالى ومساءلتَه قال تعالى: [أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] (البلد:8-10)، وقوله تعالى: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] (الإسراء:36)، فهذه الجوارح المُوهوَبة لنا من الله تعالى لا بد أن نوظفها في طاعته ونحميها من معصيته، وإلاّ فإنها أول الشهود على الإنسان.
وللاستزادة في هذا المجال أوصي بقراءة كتب مثل: (نحن والغرب) و(الشائعات وآثارها التدميرية في المجتمع).
وفي خضم هذه الأزمات ــ أعاذنا الله منها ــ يكون الجميع مطالبين بالتعاون والمودة والرحمة والعطف، وعدم التقصير في قضاء حوائج الناس، وقد ذكرت ذلك في مناسبات سابقة، إلا إنني اذكر هنا ما يتعلق بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية فقد روي حماد بن عثمان قال: (أصاب أهل المدينة قحط حتى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير ويأكله ويشتري ببعض الطعام وكان عند أبي عبد الله (علیه السلام) طعام جيد قد اشتراه أول السنة فقال لبعض مواليه: اشتر لنا شعيراً فاخلطه بهذا الطعام أو بعه فإنا نكره أن نأكل جيداً ويأكل الناس رديئاً)(1).
وعن معتب قال: قال أبي عبد الله (علیه السلام): (وقد يزيد السعر بالمدينة كم عندنا من الطعام؟ قال: قلت عندنا ما يكفينا أشهر كثيرة، قال: أخرجه وبعه، قال: قلت2.
1) وسائل الشيعة: كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، باب32، ح1، 2.
له: وليس بالمدينة طعام، قال: بعه. فلما بعته قال: اشتر مع الناس يوماً بيوم، وقال: يا معتب اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطة فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها ولكنني أحببت أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة)(1). فالإمام (علیه السلام) يعطي عدة تعاليم أخلاقية واقتصادية في أوقات الأزمات (منها): مواساة الآخرين ومشاركتهم في الصعوبات.
(ومنها): عدم الإقبال على شراء كميات كبيرة من المواد الضرورية لان تخزين المواد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والإجحاف بغير القادرين عليها بل على العكس فإن المطلوب أن يعرض كل واحد السلع المدخرة عنده في البيت ليساهم في تخفيض الأسعار.
(ومنها): حسن التدبير في المعيشة وعدم الإسراف والتبذير سواءٌ في كمية المواد المستهلكة أو في نوعيتها والمحافظة على الوسط بين الإفراط والتفريط (ومنها): مراقبة الله في جميع التصرفات لأنه [يَعْلَمُ خَائِنَةَ اْلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] (غافر:19)، و [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ] (الحاقة:18)، فإذا تعاملنا معه تبارك وتعالى بهذا الشكل فإن الكثير من التصرفات ستتغير.
أسأل الله تعالى أن يجنب الإنسانية جميعاً كل شر وظلم وأن يوحّد قلوبهم على الرحمة والحب وينتقم من كل من يريد بعباده الغوائل وأن يعجل للبشرية بسعادتها المنشودة على يد بقيته الأعظم (أرواحنا له الفداء) وما ذلك على الله ببعيد.
محمد اليعقوبي 26 ــ ذ. ق 14232.
1) وسائل الشيعة: كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، باب32، ح1، 2.
خطاب المرحلة 1 : توجيهات الحوزة إلى الشعب أثناء حرب إسقاط النظام(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
بعدما قمنا بجولة على علماء الحوزة الشريفة خرجنا بهذه التوجيهات العامة في هذا الظرف الحرج انطلاقاً من حرص الحوزة ومسؤولياتها تجاه أبناء المجتمع، فعلى الجميع الالتزام بها، قال تعالى: [أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء:59):
1ـ التركيز على وحدة الصف وعدم التركيز على الأسماء، وليكن العنوان الذي يجمعنا اسم الحوزة الشريفة.
2ـ أقامة صلوات الجماعة في الجوامع من قبل طلاب الحوزة والحث على الحضور المكثف من قبل أبناء المجتمع.
3ـ أقامة صلاة الجمعة في المواضع التي تحددها لجنة من قبل الحوزة العلمية في النجف، ويؤمّها ويخطب فيها فضلاء الحوزة على التناوب، ويجب على الجميع الالتفاف حولهم والصلاة خلفهم دون النظر إلى الجهة التي ينتمون إليها.
1) صدرت هذه التوجيهات والنظام الصدامي المقبور محاصر في بغداد يوم 3 صفر 1424 الموافق 6/ 4/ 2003 قبيل سقوطه.
4ـ إعداد لجنة محلية مكونة من وجهاء المنطقة وطلبة الحوزة لتنظيم شؤون المنطقة سواء الإدارية أو الاجتماعية أو الصحية.
5ـ عدم التجاوب مع أي حزب أو سلطة أو اتجاه خارجي، لعدم وضوح مناهجهم وأطروحاتهم، ومدى مطابقتها لرؤى الحوزة العلمية الشريفة.
6ـ الحفاظ على الممتلكات العامة وحمايتها وتأمين الأموال العامة داخل البيوت الأمينة إلى حين صدور تعليمات جديدة من الحوزة.
7ـ توزيع المساعدات للمحتاجين من خلال المساجد أو الوجهاء أو وكلاء المواد الغذائية، وحرمة حالات الإذلال التي تحصل أثناء توزيع المساعدات القادمة.
8ـ على أئمة الجمعة والجماعة التطرق إلى المواعظ الأخلاقية والحالات الاجتماعية المنحرفة المعاصرة وعدم الخوض في الأمور التي تثير الفرقة والتشتت.
9ـ المحافظة على الهدوء وعدم تصفية الحسابات الشخصية في الوقت الحاضر.
10ـ احترام التركيبة الاجتماعية سواء الأديان السماوية، أو المذاهب الدينية أو القوميات المختلفة.
11ـ دعوة موظفي الدوائر الرسمية والخدمية لمزاولة أعمالهم والعودة إليها، أما ما يتعلق برواتبهم فتنظم من قبل اللجنة المشرفة بمراجعة الحوزة العلمية الشريفة.
3 صفر 1424 ، 6/ 4/ 2003
خطاب المرحلة(1): الشعب العراقي إيجابيات ومسؤوليات(2)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
لقد عانى الشعب العراقي الكريم ما لم يعانه شعب على مدى التأريخ، فقُتِل منهُ الملايين وسُجِن وشُرِّد منهم ملايين أخرى وما ذلك لنقص فيه وانحطاط على ما أرجو، بل لأنه الشعب الذي سيحتضن دولة العدل الإلهي في اليوم الموعود، وهذا يتطلب منه التعرض لأنواع البلاء وأشده حتى يكون مؤهلاً لنصرة الأمام لكل ما تتطلبه من أعباء وتضحيات جسيمة، وكانت المحنة(2) الأخيرة قاسية على شعبنا المظلوم، عانى فيها الكثير من القتل والحرمان والترويع والتشريد، مما يضاف إلى سجل المآسي التي مرت به، ومع كل ذلك فإن المراقب للساحة بمنظار إسلامي واعي يشاهد حالات ايجابية مهمة لا ينبغي إغفالها أشير إليها باختصار:
1- التوجه إلى الله تعالى والالتزام بشريعته، حيث تجد المساجد والمشاهد المقدسة ممتلئة بالمصلين، وأصوات الذكر والدعاء وتلاوة القرآن وزيارات المعصومين (علیهم السلام) تتصاعد من كل مكان، وهذه العودة إلى الله تعالى والرجوع إليه هو العلاج للمشاكل والأزمات الذي نثبت به هويتنا وانتماءنا وشخصيتنا، فاستحق الشعب الكريم بذلك (النصر الإلهي) ورفع البلاء وإزالة كابوس الظلم كما حثَّ الله تعالى وضرب مثالاً عليه قوم يونس (ع)، قال تعالى مبتدءاً بأداة الحث والتحضيض لولا: [فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمانهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ] (يونس:98).
فهذا هو موقف المسلم ورده في الأزمات والمحن، وعن هذا الطريق يعلن هويته والجهة التي ينتمي إليها، فنحن ننتمي إلى هذه الأماكن المقدسة وهذه الشعائر الشريفة.
2- الطاعة الكاملة للحوزة العلمية الشريفة والالتزام بتعاليمها وأوامرها، فما أن أمرت الحوزة بترك السلب والنهب من الممتلكات العامة حتى امتنعوا، وحين أمرتهم بإعادة المسروقات أعادوها، وحين أمرتهم بالتوجه إلى محلات عملهم ووظائفهم لتسيير الخدمات للناس توجهوا، فالمجتمع إذن يعرف بوضوح قادته الحقيقيين الذين يعملون بإخلاص من أجل سعادته وضمان الحرية والعدالة له؛ لأنهم المتفهمون لشريعة الله تعالى والساعون إلى تطبيقها بالشكل الصحيح [أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] (يونس:35).
3- الوعي التام لما يجري في الساحة وأهداف اللاعبين فيها، فكان موقفهم في المحنة الأخيرة يدل على فهم جيد، ولم ينجرف مع الأهواء والعواطف أو الإغراءات، ولا تأثر بالتضليل الإعلامي والسياسي، بل بقي موقفه متزناً ومتوازناً مما أذهل المراقبين للوضع والمتخصصين بقراءة المستقبل، وأفشل توقعات وتخمينات الذين تحدثوا كثيراً عما سيقع، وفق المعطيات التي بين أيديهم ووفق رؤيتهم، ولم يحسبوا لوعي هذا المجتمع المسلم وقوة أرادته أي حساب.
4- الوحدة وتراصّ الصفوف وتذويب الخلافات سواء كانت دينية أو شخصية أو اجتماعية، وهذه المسيرات الجماهيرية التي خرجت ولازالت تخرج وهي تطالب بتوحيد الأمة مهما كانت اتجاهاتها المذهبية أو الطائفية أو العرقية، حيث تسير الجموع متحابةً متآلفة قد جمعتها الأهداف المشتركة (عراق مسلم، حر، مستقل، تتحقق فيه العدالة وتكفل فيه حقوق الإنسان، لا استبداد فيه لأحد، ولا استئثار بثروات الأمة ولا تبديد لطاقاتها)، وحتى حينما كان يشعل المغرضون والجهلة فتنةً لكي يفرقوا بين الإخوة كانت النتائج تأتي بعكس ما يخططون له، وتكون نفس الفتنة سبباً للوحدة والتقريب وتناسي الاختلافات الجزئية.
وكل هذه النتائج الطيبة وغيرها مما لم نذكر هي من الرحمات الإلهية وألطاف صاحب العصر الأمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لهذا الشعب الذي جاهد وضحى من أجل الاحتفاظ بهويته الإسلامية وشخصيته الأصيلة.
ونحن مُطاَلبون أن نبقى على نفس الهمة والعزيمة بل نزيد منها لما ينتظرنا
من تحديات بعدة اتجاهات:1- السياسية: حيث يسعى الشعب لاغتنام الفرصة في تشكيل حكومة نابعة من صميمه ذات أرادة مستقلة لا تخضع للأجنبي وتوفر له حقوقه وتسعى لتحقيق آماله، في حين يريد الآخرون فرض الحكومة التي تخدم مصالحهم.
2- العقائدية والأخلاقية: فإن الانفتاح والحرية المدّعاة ستحمل معها الكثير مما يتنافى مع مبادئ الإسلام وتعاليمه، وسيكون ذلك مدعاة للتمحيص والابتلاء الشديد الذي لا ينجو منه إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان وتمسك بدينه وأطاع ولاة أمره الحقيقيين.
3- الاجتماعية فإن النظام العالمي الجديد يتطلبُ نظماً وأوضاعاً اجتماعية لا تتلاءم مع تركيبة الأمة وثقافتها الأصيلة، وستتغير أنماط العلاقات والمعايير المتحكمة فيها.
أمام هذه التحديات العظيمة الذي شاء قدرنا أن نكون أمام مفرق طريقين فإما أن نؤدي واجبنا كما ينبغي ونرد الأمانة إلى أهلها فيؤتينا الله كفلين من رحمته، أو نقصر لا سامح الله تعالى فنظلم أنفسنا ومجتمعنا ونضع علامة سوداء في تأريخ أمتنا.
فما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقنا في هذا الظرف العصيب، إنها باختصار:
1- الرجوع إلى الله تعالى والتمسك بشريعته وتنظيم حياتنا كلها في العبادات والمعاملات على أساس المنهج الإلهي السديد، والإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والاستعانة به واللجوء إليه [وَاستَعِينُوا بِالصَبْرِ وَالصَلاةِ]
(البقرة:45).2- تجديد البيعة مع إمامنا وولينا بقية الله في أرضه الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بوضع يدنا اليمنى بيدنا اليسرى، لتكون الأولى عن الإمام (علیه السلام) والثانية عن المبايع، وان تكون البيعة حقيقية بمعنى أن نطيعهُ ونعمل كل ما يرضيه ونتجنب ما يسخطه.
3- الحضور المكثف في المساجد لإقامة صلوات الجماعة والشعائر الدينية والتأكيد على أقامة صلاة الجمعة في كل مكان سواء في المساجد أو الساحات العامة، وان تكون خطبتا الصلاة واعية وبمستوى التحديات الموجودة في الساحة ومعبرة عن الواقع، فإنها رمز وحدتنا وشعار عزتنا.
4- المحافظة على الوحدة ونبذ الخلاف والتأكيد على القواسم المشتركة التي تجمعنا وهي كثيرة، أما الجزئيات المختلف فيها فيحتفظ بها كل واحد لنفسه، وقطع الطريق أمام كل من يحاول بذر الفتنة وشق عصا المسلمين.
5- الطاعة الكاملة للحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف، والالتزام بتوجيهاتها ومواقفها تجاه مختلف القضايا والأحداث، واعتبارها الممثل الشرعي للشعب والمعبر عن مطالبه وتطلعاته، فإنها ستسعى بمقدار جهدها لتحقيق هذه المطالب.
6- الاحتفاظ بهويتنا الإسلامية ورفض ومقاطعة كل محاولة لمصادرتها والتأثير فيها ومحاولة تمييعها بالوسائل المذكورة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
7- استمرار التظاهرات والمسيرات السلمية والتجمعات الجماهيرية التي
تحمل شعارات واعية وحضارية ومعبرة عن مطالب الشعب، والتي (أولها) تشكيل حكومة تمثل جميع فئات الشعب وتياراته لتعيد الأمن والاستقرار و (ثانيها) وضع دستور للبلاد يقوم على أساس الإسلام ولا يخالفه بحيث يكون مصدر التشريع هو الإسلام وتدعوا إلى انتخابات حرة.8- التجرد عن الأنانية وحب الذات والنظرة الضيقة بل الواجب هو العمل تحت الإطار العام الذي يجمعنا جميعاً.
9- عدم التقاطع في العمل مع كل المخلصين الذين يسعون لاسترداد حقوق الشعب المظلوم.
10- عدم التأثر بالإشاعات والأخبار التي لا تستند إلى أساس صحيح فيجب التأكد والتثبت من الخبر قبل نقله، قال تعالى: [إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا] (الحجرات:6).
وأنتم أيها المؤمنون بزحفكم المبارك المليوني إلى هذه الأرض الطاهرة كربلاء التي سال على ثراها دم سيد الشهداء قد تحملتم العناء والجهد وضحيتم بالكثير من أجل تكريس الأهداف التي خرج من أجلها الحسين (علیه السلام) وعبر عنها بقوله: (وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلی الله علیه و آله) ولأسير بسيرة جدي وأبي صلوات الله عليهما ولآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) فاثبتوا على ما أنتم عليه والتي تتجسد في النقاط أعلاه ولا تتوانوا في طلبها حتى تتحقق، والله معكم ولن يتِرَكم أعمالكم.
(إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد:7)
خطبتا صلاة الجمعة المباركة في الصحن الكاظمي الشريف(1)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليماً..
(اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك وأنت مسددٌ للصواب بمنك وأيقنت أنك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موضع الكبرياء والعظمة)
أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن فيها السعادة والطمأنينة والأمن والسلام في الدنيا والنجاة والفوز بالدرجات الرفيعة في الآخرة، وقد لخّص بعضهم تعريف التقوى بأن يجدك الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك، فكل قول أو فعل أو تصرّف أو فكرة لا بد أن تعرض على القانون الإلهي فإن وافقته أداها ونفذها وإلا نبذها وأعرض عنها، وقد حذّر الله تعالى عباده من نفسه فقال عز من قال [ويحذّركمُ الله نفسَه] وهذه التقوى هي بعض ما يمكن أن يكون شكراً لله تعالى على نعمه فإن شكر النعمة إنما يكون بتوظيفها في طاعة الله تعالى
1) أم سماحة الشيخ اليعقوبي صلاة الجمعة في الصحن الكاظمي الشريف بحضور آلاف من المؤمنين اكتظ بهم الصحن وخارجه، بتأريخ 22/صفر/1424هـ الموافق 25/نيسان/2003م وقد اختصرنا من الخطبتين ما تكرر في بيان زيارة الأربعين، وكان قد ذكر فيه التحديات المقبلة على البلاد وكيفية مواجهتها.
وعدم استعمالها في معصيته.لم يكن ما شهده العراق في زيارة الحسين (علیه السلام) بمناسبة ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاده حدثاً عابراً، أو أنه مجرد شعيرة دينية بل إن فيه الكثير مما يستحق الوقوف والتأمل، بل الإكبار والإشادة والتقدير حتى تزداد ثقتنا بأنفسنا في مقابل المحاولات المنظمة لإظهار الشعب وكأنه بعيد عن الحضارة والإنسانية(1)...
1-تمسك الشعب بإسلامه العظيم وبخطّه الأصيل رغم المحاولات الكثيرة التي بذلت لإبعاده عنه أو لتمييع عقيدته وتشويهها في ذهنه، وكانت روح الولاء والتضحية تتدفق في عروقه، فقد بذل المشاركون في هذه الشعائر الكثير من الجهد، وأصابهم الكثير من العناء، حيث سار هذا الكم الهائل مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام من دون حمل أي مستلزمات السفر حتى الطعام والشراب، وتركوا أهلهم وديارهم في هذا الظرف العصيب حيث لا دولة ولا نظام، ولا جهاز لحفظ الأمن، ولا كفيل، وأمضوا الليالي والأيام في العراء مواساةً لأهل بيت النبوة الذين فُعل بهم ذلك وتحملوه بكل سرور في سبيل حفظ هذا الدين وكرامة المسلمين، وتجلى هذا الولاء الصادق في البذلم.
1) في إشارة إلى تشويه وسائل الإعلام لصورة العراقيين بعد حوادث السلب للممتلكات العامة التي صدرت من البعض بسبب الشعور بالحرمان نتيجة سياسات الأنظمة المستبدة، مع أن الذي قادها ودبّر عمليات السلب المنظم لممتلكات الشعب العراقي ودولته وحضارته هم آلاف تدربوا في الدول المحتلة وجاؤوا مع قواتها ليدمروا حضارة العراق وبنيته التحتية حتى يعيدوا بناءه على مرادهم.
والإنفاق الذي قدمه المؤمنون بكل سخاء ليس فقط في داخل مدينة كربلاء بل على طول كل الطرق المؤدية لها ولم يدعوا هذه الملايين تحتاج إلى شيء.2-وعي الشعب لمطالبه وحقوقه، فلم تكن شعارات المشاركين دينية صرفة بل كانت تعبر بصراحة عن تطلعاته وآماله وحقوقه التي يطالب باستردادها، وكانت الشعارات حضارية ومستندة إلى أسس شرعية لا يستطيع أحد إنكارها.
3-إصراره على الوحدة والألفة والمحبة ونبذ الخلافات، فقد شاركت في الشعائر مختلف الطوائف من السنة والشيعة ومختلف القوميات من العرب والأكراد والتركمان وغيرهم، وكانت روح المودة والإيثار سائدة في هذا التجمع، وكل واحد يؤثر غيره على نفسه بالخير ويقيه بنفسه من السوء والشر.
4-حسن الإدارة والتنظيم الرائع والسيطرة الكاملة على الأمن والاستقرار والنظام وتسيير الخدمات، فلم يسجَل أي خلل أمني ولا حتى حادث مروري بسيط وكان الجميع يشعر بالطمأنينة رغم غياب الدولة وسلطة القانون، مما تعجز عنه أكثر الدول تقدماً، فإنها لكي تحافظ على سلامة تجمع أقل منها بكثير وتنظمه تجند الآلاف من الأفراد المزودين بأحدث التقنيات ومع ذلك فقد لا تسيطر على النظام. ألا يكشف هذا عن قدرة هذا الشعب نفسياً وعقلياً على إدارة نفسه بنفسه، وأنه بحوزته الشريفة وكوادره المختصة الكفوءة يمتلك من القدرات مايؤهله لأن يقدم النموذج الحضاري الأرقى للبشرية؛ لأن عنده من الوسائل ما لا توجد عند غيره، وفيه قوة العقيدة والإخلاص التي توفر ما لا تستطيع تحقيقه كل الوسائل
المادية، وهي قوة إن استفادت منها الحكومات وغرستها في نفوس شعوبها فإنها ستأتي عليها بالمعجزات. والذي حصل في كربلاء من الأمن والاستقرار وحفظ النظام من المعجزات.كل هذه البركات إنما حصلت بفضل الله تبارك وتعالى ولبركة صاحب المناسبة الإمام الحسين (علیه السلام) سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله) الذي هو ليس ملكاً للشيعة فقط، بل يشعر جميع المسلمين بل كل الإنسانية أنه رمزهم وقدوتهم، بما جسد من مبادئ وقيم حيث قام بتلك التضحيات الجسيمة من أجل الأهداف النبيلة التي أعلنها للأمة بوضوح، وهي الإصلاح ونيل الحرية الحقيقية برفض الاستعباد والاستكبار والإذلال ورفض الظلم والعدوان، والاستئثار بثروات الأمة التي يجب أن تصل بعدالة إلى جميع أفرادها والمنع من تبديدها بنزق وجهالة على النزوات والشهوات الحيوانية وحرمان الأمة.
فإحياؤنا لذكرى الحسين (علیه السلام) باستمرار إنما هو تجديد للعهد معه (ع) ومع حفيده الإمام المهدي الموعود (عجل الله فرجه) على مواصلة المسير على هذا النهج والتضحية من أجله الذي هو نهج كل التواقين للحرية والسلام والمحبة والبناء، فبوركت جهودكم وأسأل الله تعالى أن يعوضكم بأحسن العطاء ويتم نعمته عليكم ويحقق آمالكم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إنَّا أعْطَينَاكَ الكَوثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتَرُ. صدق الله العلي العظيم.
الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها التي ابتدأنا بها من غير استحقاق منا والصلاة والسلام على أمين الله على وحيه وعزائم أمره الخاتم لما سبق والفاتح لما استُقبِل والمهيمن على ذلك كله ورحمة الله وبركاته.
والصلاة والسلام على أئمة المسلمين والهداة الميامين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن المجتبى والحسين الشهيد وزين العابدين علي بن الحسين والباقر محمد بن علي والصادق جعفر بن محمد والكاظم موسى بن جعفر والرضا علي بن موسى والجواد محمد بن علي والهادي علي بن محمد والعسكري الحسن بن علي والحجة المهدي بن الحسن قادتي وسادتي بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ.
رغم أن الحوزة العلمية كيان عريق مضى على تشكيله أكثر من ألف عام، إلا أنه لم يحظ بالتركيز الإعلامي وتسليط الأضواء كالذي نعيشه هذه الأيام، ولعل وراء ذلك أكثر من سبب:
الأول: الالتفاف الجماهيري الواسع والولاء المطلق الذي أبداه الشعب للحوزة العلمية وتعبيره المستمر وبالفعاليات المختلفة عن اعترافه بالحوزة على أنها قيادته والممثل الشرعي له.
الثاني: المقدرة الجيدة للحوزة في إدارة أمور البلد وملء الفراغ الذي حصل بغياب الدولة وكان ما حصل في زيارة الأربعين خير شاهد على ذلك رغم أن هذه التجربة جديدة عليها ولم تمارسها من قبل.
هذان الأمران وربما غيرهما دفع المراقبين والمهتمين بالساحة العراقية إلى
إحاطة الحوزة العلمية بعناية خاصة ودراسة معمقة، ومن هنا تولدت على الحوزة مسؤوليتان:الأولى: تعريف نفسها للآخرين وإبداء ما تطلبه من أهداف ورؤى.
والثانية: السعي الحثيث لتحقيق مطالب الشعب الذي أدى ما عليه تجاهها وبقي ما عليها تجاهه.
فالحوزة العلمية بشكلها المعروف اليوم يعود تأسيسها إلى أكثر من ألف ومائتي عام حين بدأ الإمام الصادق ع بتأسيس المدارس الدينية وحلقات الدرس في عدة علوم ونشر الفقهاء في البلاد المختلفة وأرجعَ الناس إليهم بعد أن وضع لهم الأسس والقواعد والأصول وأذن لهم في التفريع عنها، لذا نسب المذهب إليه رغم أنه ع واحد من اثني عشر إماماً أرسوا دعائم المذهب وتجذر خلال القرون بجهود العلماء وتضحياتهم قدس الله أرواحهم.
ويقف على قمة الهرم الحوزوي المراجع العظام أيدهم الله تعالى الذين يجب توفر عدة صفات فيهم (أهمها) النزاهة والموضوعية ونكران الذات وضبط شهوات النفس والالتزام الكامل فكراً وسلوكاً بالشريعة المقدسة وهو ما نسميه بالعدالة. و(ثانيها) الاجتهاد وهي مرتبة علمية عالية تتحقق بفضل الله تعالى للعالم بعد جهد جهيد حيث تكون له القدرة على فهم واستخراج الحكم الشرعي من مصادره الأصيلة أعني القرآن الكريم والسنة الشريفة. وهي عملية معقدة ولذا لا يجوز لأحد أن يعبر عن آراء الشريعة وينسبها إليها إلا إذا كانت له القابلية على هذا العمل المضني. و(ثالثها) دقة النظر والإحاطة بالواقع الذي يعيشه ويساعده في ذلك مستشارون مؤتمنون.
وللحوزة العلمية عدة وظائف تُـستفاد بالاستقراء من الأعمال التي أداها الأئمة المعصومون ع في حياة الأمة منها:1-تربية الناس وتكميل نفوسهم وهدايتهم وإصلاحهم وتقريبهم من طاعة الله تبارك وتعالى وتجنيبهم معصيته.
2-تبليغ الأحكام وتعليم الناس مسائل الفقه في جميع شؤون حياتهم من عبادات ومعاملات.
3-حماية كيان الأمة من الاضمحلال ومواجهة التحديات المختلفة التي تهدد هذا الكيان.
4-مساعدة الأمة على إيصال الحقوق إلى أهلها وتوفير العدالة والأمن والاستقرار والسلام لأبناء المجتمع ورفع الظلم والحيف عنها.
من هنا نعلم أن شعبية الحوزة وجماهيريتها لم تأت من فراغ أو بعملية خداع للناس من خلال التظاهر بلباس القداسة، وإنما هي ناشئة من الخدمات العظيمة التي تؤديها للأمة والخصال الحميدة التي تتصف بها، كما أن تنوع الأعمال لها هي من صميم مسؤولياتها تجاه الله أولاً وتجاه الأمة ثانياً ولا جديد فيها إلا الشكل وآلية العمل أما الهدف فهو واحد.
والآن وقد منح الشعب تأييده للحوزة أصبح لزاماً عليها أن تعبر عن مطالبه بوضوح، وبصفتي أحد مجتهدي(1)الحوزة العلمية في النجف الأشرف أستطيع أن أنقل رؤى الشريعة المقدسة (من وجهة نظري طبعاً) فأقول:- إن المطلوبن.
1) قابل المصلون هذه الكلمات بالصلاة على النبي وآله الطاهرين باعتبارها أول إعلانٍ للشيخ اليعقوبي عن اجتهاده وهو ما كان يتلهف إليه الكثيرون.
في الحاكم أن يكون مسلماً عادلاً ولا يهم بعد ذلك أن يكون حوزوياً أو غيره، بمعنى أنه يحفظ لجميع الناس حقوقهم بكل إنصاف وعدالة من غير استبداد ولا استئثار ولا حرمان ولا ظلم ولا تبديد للطاقات في تصرفات غير عقلائية كما قال الإمام الرضا (علیه السلام) للمأمون العباسي (إنما يحتاج الناس من الأمراء عدلهم) وأن لا يتخذ قراراً مخالفاً للشريعة المقدسة وأن يستشير في آرائه. وفي ضوء هذا الكلام المتقدم نطالب بالإسراع(1)بتشكيل حكومة مؤقتة تتصف بأنها وطنية حرة ذات أرادة مستقلة تنبثق بكل ديمقراطية عن مؤتمر يجمع كل القوى الفاعلة في الساحة العراقية التي تمثل الشعب بجميع تياراته وطوائفه وأعراقه، إذ لا يمكن بقاء هذا البلد على هذه الحالة من الفراغ السياسي، وسيمثل الحوزة العلمية في هذا المؤتمر وفد يضم عدداً من الأكاديميين والمتخصصين في السياسة والإدارة حيث يتدارسون(2)الآن وضع برنامج عمل كامل، وهذا لا يتقاطع مع جهود الفصائل الأخرى العاملة بإخلاص، فإني أنظر إلى الجميع على أنهم روافد تصب في نهر واحد يجلب الخير والسلام والأمن لهذا المجتمع المظلوم.
وتكون من أولويات هذه الحكومة:
1-إعمار البلد وإعادة الحياة الطبيعية إليه وتوفير الأمن والاستقرار.م.
2-وضع الدستور المستند إلى عناصر كل كيان اجتماعي (الحرية، العدالة، الاستقرار، التآلف، حقوق الإنسان) وان تتكفل إحدى مواده بتشكيل لجنة فقهية تضم علماء السنة والشيعة لمراقبة الدستور والمنع من حصول أي مخالفة للشريعة.
3-الدعوة إلى انتخابات حرة نزيهة لاختيار الحكومة والبرلمان.
أرجو إعلان تأييدكم لهذه المطالب بالصلاة على محمد وآل محمد.
وأدعو جميع الإخوة الذين يمنحون صوتهم إلى الحوزة العلمية أن يشاركوا بمسيرات كبيرة تنطلق من ساحة المسرح الوطني إلى فندق فلسطين ميريديان يوم الاثنين المقبل في الساعة التاسعة صباحاً ليظهروا تأييدهم(1).
هذه هي الحوزة وهذه هي مطالبها التي لا يستطيع أحد الاعتراض عليها، فهي تريد نشر العدالة والمحبة والسلام والخير في جميع الأرض وترفض العنف والإرهاب والعدوان والظلم وتعمل على إزالته، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وارحم شهداءنا خصوصاً الشهيدين الصدرين وجميع شهداء الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. إذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتحُ، وَرَأيتَ النَاسَ يَدخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً. صدق الله العلي العظيم.م.
1) انطلقت هذه المسيرة في موعدها المحدد الاثنين 25/صفر/1424 الموافق 28/ 4/ 2003، رغم سعي بعض الجهات لتخذيل الناس والتشويش عليها كيداً لسماحة الشيخ، ووصفت بأنها أكبر تظاهرة في تأريخ العراق الحديث حيث اتصل سيل الجماهير من نقطة البداية إلى النهاية، وعبّر ممثلو المتظاهرين عن مطالبهم في أحاديث مع وسائل الإعلام.
خطاب المرحلة 3 : الكلمة التأسيسية لجماعة الفضلاء(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على النبي وآله وسلم تسليماً.
أود أن أقدم تعريفاً بفكرة تأسيس الجماعة وأهدافها وطبيعة عملها وآلياته:
(جماعة الفضلاء) تجمع يهدف إلى النهوض بواقع الأمة لتكون بمستوى التحديات، وهو مفتوح لكل فضلاء وأساتذة الحوزة الشريفة وأئمة الجُمعات والجماعات وخطباء المنبر الحسيني، وكل المؤمنين الرساليين العاملين على رفعة الإسلام ونشره وعزة المسلمين مهما كانت انتماءاتهم واتجاهاتهم الحوزوية وتنفتح الجماعة في عملها على جميع الجهات الأخرى في المجالات التي تلتقي بها معها.
والغرض من تأسيسها أمران:
1 ـ تنظيم آلية عمل الحوزة الشريفة في أداء المسؤوليات ومواجهة التحديات بتشكيل اللجان المختلفة، فالجماعة ليست بديلاً عن المرجعية في
1) ألقيت في المؤتمر التأسيسي لجماعة الفضلاء في مقرها العام في النجف الأشرف يوم27 صفر 1424 المصادف 30/ 4/ 2003 وقد حضره المئات من فضلاء وأساتذة الحوزة وحظي بتغطية إعلامية واسعة.
قيادة الأمة، وإنما هي أداة بيدها لتقوم بمسؤولياتها وتؤدي وظائفها.2 ـ توحيد اتجاهات الحوزة مرجعياً وفكرياً، وتقريب وجهات نظرها وتنسيق المواقف بينها وتمثيل الحوزة في المؤتمرات والمناسبات باعتبار انضمام الفضلاء من مختلف الاتجاهات إليها، وانبثاق هذه اللجان المشتركة كممثلة للجميع.
والمسؤوليات المشار إليها يمكن إجمالها بما يلي:
1- إصلاح الناس وهدايتهم وتكميل نفوسهم وتقريبهم إلى طاعة الله بإيجاد فرص الطاعة وتكثيرها، فمثلاً حينما يدعى إلى صلاة الجمعة أو يُفتح مشروع خيري فهذا إيجاد لفرص جديدة للطاعة وتجنيبهم المعصية بتقليل فرص المعصية ومنعها.
2- تبليغ الأحكام وتعليم مسائل الحلال والحرام في مختلف شؤون الحياة.
3- الدفاع عن الشريعة ضد الشبهات الفكرية والعقائدية وأي خطر يهدد كيان الأمة.
4- تنظيم حياة المجتمع وبسط العدل فيه وإيصال الحقوق إلى أهلها وقضاء حوائج الناس.
5- العمل على وحدة الصف ومقاومة أي محاولة لزرع الشقاق بين أهله والانتباه والتحذير لهذه المحاولات.
أما التحديات فيمكن ملاحظة عدة أشكال منها:
1ـ السياسية: حيث يسعى الشعب لاغتنام الفرصة في نيل حقه للمشاركة في إدارة البلد وعدم فرض حكومة لا يرتضيها سواء من جهة عناصرها كونهم
متورطين في جرائم النظام أو غير كفوئين لشغل المواقع أو من جهة نسب توزيعها أو شكلها واتجاهها.2- العقائدية والأخلاقية: فإن الانفتاح المقبل والحرية المدعاة ستحمل معها الكثير مما يتنافى مع مبادئ الإسلام وتعاليمه، وسيكون ذلك مدعاة للتمحيص والابتلاء الشديد الذي لا ينجو منه إلا من امتحن الله قلبه للإيمان وتمسك بدينه وأطاع ولاة أمره الحقيقيين، وهذا الاختراق الأخلاقي والفكري يتوقع حصوله من خلال عدة قنوات، أولها وسائل الإعلام المؤثرة وثانيها الوافدين إلى البلد من أبنائه المهاجرين وغيرهم الذين يحملون ذلك الفكر والسلوك الغريبين.
3- الاجتماعية: فإن النظام العالمي الجديد الذي يراد للعراق أن يكون جزءاً منه يتطلب نظماً وأوضاعاً اجتماعية لا تتلاءم مع تركيبته الإسلامية الأصيلة وستتغير أنماط العلاقات والمعايير المتحكمة فيها.
إن مما يؤسف له انشغال الأمة وحتى الحوزة بالهم السياسي فقط، والاندفاع لتحصيل مكاسب سياسية، وانصبت المحاضرات والخطب والكلمات على هذا الاتجاه، رغم أن بناء شخصية المسلم والمحافظة على سلوكه وإصلاح المجتمع أهم وأولى، وقد تحصل مكاسب سياسية بمقدار معين وبآخر، ولكن يبقى الهدف الرئيسي للحوزة هو هذا اعني هداية البشر ومساعدتهم على تكميل نفوسهم، وهذا ما استفدناه من الأئمة المعصومين (علیهم السلام) فلم يكونوا يهتمون بالمواقع الدنيوية سواء حصلت في حالة توفر ظروفها الموضوعية أم لم تحصل،
لكن الواقع الآن هو العكس فلا أحد فكر في إنشاء مراكز ثقافية أو حوزات(1)علمية في مختلف المدن أو رابطة للمرأة المسلمة تعمل على تثقيف النساء وتعليمهن أو جمعيات خيرية بل قد انحسر عدد المصلين في المساجد وترك أئمة المساجد خطبهم ومحاضراتهم ودروسهم إلا ما ندر، وهذه هي الهزيمة الحقيقية التي استدرجنا إليها ونحن ما زلنا في أول الأزمة فكيف ستكون النهاية؟إن هذا يوم له ما وراءه كما يقولون فإن المجتمع يتلقف كل جديد ويتأثر به ويتخذه طريقة دائمة لحياته، فإذا وجهناه وعبأناه بهذا الاتجاه أعني الانخراط في المراكز الثقافية والحوزات العلمية والمنتديات الأدبية والدينية فسيأخذ هذا الطريق وإلا فالعكس وحينئذ لا نلوم إلا أنفسنا.
ولضخامة هذه المسؤوليات وقوة هذه التحديات لا بد من تنظيم العمل وتوجيهه ووحدة العاملين وتنسيق جهودهم، أو قل لا بد من ترتيب بيتنا الحوزوي أولاً.
ومن واقع هذه المسؤوليات والتحديات تنشأ الحاجة إلى تشكيل لجان ومكاتب تتوزع على أعضائها أعمال وتكون لها فروع في مختلف المدن تقوم بنفس المسؤوليات والوظائف.
ونشير إلى هذه اللجان إجمالاً على أن تضع كل لجنة لاحقاً برنامج عملهان.
1) قام سماحة الشيخ بنشر فروع جامعة الصدر الدينية في المحافظات بعد سقوط الصنم الصدامي، وفتح المراكز الثقافية والمنظمات الاجتماعية والإنسانية والروابط النسوية وفروع جامعات الزهراء (عليها السلام) لهن.
ووظائفها بإشراف الأمانة العامة:1- لجنة أئمة الجمعات والجماعات: حيث تقوم باختيار الكفوئين علماً وعملاً لهذه المواقع ومتابعة نشاطهم وتقييمه ومساعدتهم في إعداد الخطب والكلمات وتحديد محاور الكلام.
2- المكتب الثقافي والعلمي: يقوم بنشر الكتب والإصدارات النافعة لجميع الاتجاهات المرجعية وتشخيص حالات الخلل والانحراف وإعطاء العلاج لها وإعلان رأي الجماعة في مختلف القضايا الفكرية والأخلاقية والعقائدية وتصدر عنه مجلة أو جريدة ناطقة باسمها كما ينقل المكتب أولاً بأول ما يصدر من المرجعيات الشريفة من استفتاءات وتوجيهات اجتماعية ويقوم بتفجير الطاقات العلمية والثقافية وتشجيعها وتطويرها.
3- لجنة خطباء المنبر الحسيني: تفتح معهداً لإعداد الخطباء وتأهيلهم وتضع له المناهج اللازمة، وتشرف على اختيار الخطباء الكفوئين وتوزيعهم ومتابعة نشاطاتهم.
4- لجنة الشعائر الدينية والتجمعات الجماهيرية: حيث تتولى أقامة الاحتفالات الدينية وتوجيه الشعائر وتوظيفها في خدمة القضايا المصيرية والدعوة إلى عقد التجمعات للمطالبة بأمور محددة.
5- المكتب الإعلامي: ينشر نشاطات الجماعة ويتابع الأخبار ويحللها وينشر تعليقات الجماعة على هذه الأخبار وتحليلها.
6- لجنة التنسيق بين المرجعيات واستعلام مواقفها وآرائها.
7- لجنة الرعاية الاجتماعية: فيما يتعلق بحضورها مناسبات الناس كإقامة
الفاتحة وعيادة المرضى وغير ذلك من النشاطات التي تعكس العمل الإنساني للجماعة.8- لجنة شؤون المرأة المسلمة: فإنه يوجد إغفال تام لدور المرأة ولم توضع آليات وبرامج عمل لتثقيف المرأة وتعليمها من خلال تأسيس مراكز ثقافية حتى ولو في البيوت وإعداد دروس في الفقه والعقيدة والأخلاق والتفسير مناسبة لطبيعتهن.
ليست الجماعة تشكيلاً سياسياً بالمعنى المتعارف لكنه مستعد لمشاركة الأحزاب والحركات السياسية ضمن الإطار الذي حددته الجماعة لنفسها وباعتبار أن الجماعة تضم بحسب العنوان فضلاء من جميع الاتجاهات الحوزوية فيمكن للجماعة أن تمثل الحوزة في الفعاليات السياسية، وبذلك تحل هذه المعضلة التي يتحدث عنها كل أطراف القضية العراقية الذين يتساءلون من هي الحوزة التي يعلن الشعب باستمرار عن كونها الممثل الوحيد له.
إن أهم قضية تواجهنا هي قضية الدستور لأنه المرجع في كل قضايا البلاد، فلا بد أن يكون وفق الشريعة الإسلامية التي تكفل حقوق جميع البشر، ولكي يتحقق ذلك يجب تصدي مجموعة من الفقهاء للإشراف على صياغة الدستور ومراقبته، ومن مسؤوليات هذا المجلس مراجعة أطروحات وبرامج عمل الحركات والأحزاب السياسية التي تود دعم الحوزة لها ولو بشكل غير مباشر وإعطاء الضوء الأخضر لما صح منها أو ترشيح عناصر مستقلة، وسيؤثر موقف
الحوزة هذا كثيراً في فوز تلك الأحزاب أو النقابات أو الحركات في الانتخابات. وتحث الجماعة كافة المؤمنين على تشكيل النقابات النظيفة والجمعيات الثقافية والحركات الوطنية والإسلامية المخلصة بإشراف الحوزويين لتشارك في الحياة السياسية مستقبلاً ودعم من يعمل على تحقيق المطالب الشرعية للشعب.
وأعتقد أن هذا هو المقدار الذي يمكن للحوزة بمستوياتها العليا المشاركة فيه فإن لها دور الإشراف والرعاية والأبوة والتوجيه للجميع ولا يمكن تحجيمها في حزب سياسي ونحوه.
إن العمل غير المنظم وغير المنسق يؤدي إلى سلبيات عديدة:
1ـ ضعف النتائج وقلة الثمرات التي ينبغي قطفها.
2ـ إهمال الكثير من الأعمال لقصور العمل الفردي عن القيام بها وقلة فاعليته.
3ـ كثرة الأخطاء، بينما بالمشاورة والمشاركة يمكن اجتناب الكثير منها (من شاور الرجال شاركهم في عقولهم).
فنحن مدعوون أيها الأخوة إلى تضافر الجهود والتجرد من العناوين الشخصية والفئوية والعمل سوية للنهوض بالواقع الذي نعيشه إلى مستوى الطموح الذي نأمله ويريده منا الله تبارك وتعالى وأمامنا المهدي الموعود عجل الله فرجه، وأرجو أن تبارك مرجعيتنا الشريفة هذا العمل وتشد من أزر العاملين.
إن ركيزة الانطلاق في هذه المسؤوليات الجبارة هي المساجد فلا بد من
تفعيل دورها وإعادة الحياة إليها، وليكن كل مسجد بالإضافة إلى كونه محلاً للصلاة مركزاً ثقافياً ومدرسة دينية ومحلاً للشعائر الدينية والتجمعات الجماهيرية ومقراً لانعقاد الجمعيات والمؤتمرات، فإن المسجد إذا أخذ دوره الحقيقي كما كان في عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله) فإن الأمة تكون بخير وتسترد عافيتها.
خطاب المرحلة 4 :حوار عن الخطاب السياسي العراقي الشيعي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
س1: هل تعتبرون أن الخطاب السياسي الشيعي ناضجٌ في هذه المرحلة أم لا؟ وعلى من تقع مسؤولية هذا الخطاب.. على الحوزة العلمية أم على الأحزاب الإسلامية؟
بسمه تعالى: إن الخطاب السياسي يعني الأطروحة والرؤية وبرنامج العمل الذي يقدمه أي حزب أو تنظيم لتحقيق الأهداف التي يعمل من أجل تحقيقها والخطاب السياسي الشيعي فيه مطالب عامة يشترك فيها مع جميع الطوائف والتيارات الممثلة للشعب، وأخرى خاصة بالطائفة نفسها لما فيها من خصوصيات في هذا البلد كوجود المرجعية الدينية والعتبات المقدسة والحوزة العلمية الشريفة والمظلومية وغمط الحقوق التي تعرضت لها خلال العقود السابقة.
والخطاب السياسي الشيعي لا بد أن يشمل جميع هذه المحاور وتتحمل الحوزة العلمية والأحزاب السياسية مسؤولية كلا الخطابين، وسوف أؤجل الحديث عن الخطاب الثاني الخاص أما الخطاب الأول العام فيمكن للحوزة أن
1) أُجرِي الحوار بعد المؤتمر التأسيسي لجماعة الفضلاء.
تشارك فيه من خلال عدة خطوات:ـ1ـ وضع الأهداف العامة التي يجب السعي لتحقيقها.
2ـ الانفتاح على الأحزاب والتشكيلات السياسية الإسلامية الموجودة في الساحة والاطلاع على برامج عملها لمعرفة مدى وعيها لهذه الأهداف وقدرتها على تحقيقها ونظافة آليات عملها ونزاهة وإخلاص القائمين عليها وتقييم دورها.
3ـ دعوة المؤمنين المخلصين لتشكيل النقابات والاتحادات والجمعيات المتخصصة وغيرها لاستقطاب وتجميع الطاقات الكفوءة والنزيهة وحثها على العمل السياسي والإشراف على برامج عملها وأطروحتها والحفاظ على جاهزيتها لممارسة دورها في إدارة البلد.
4ـ دعم وإسناد الأحزاب والتشكيلات المؤهلة لتحقيق الأهداف المطلوبة وتوجيه الجماهير نحوها بالآليات المتعددة كإخراج المسيرات وعقد التجمعات.
ونستطيع أن نضع جملة من الخطوط العريضة لمطالب الأمة التي يراد تحقيقها وعلى الأحزاب بلورة وصياغة هذه الأفكار في خطاب سياسي وآليات عمل تفصيلية كأي اختصاصي في مجال معين وتتفاوت الخطابات والأطروحات السياسية في النضج تبعاً لكفاءة وخبرة القائمين عليها ووعيهم وإخلاصهم لقضيتهم والمهم هي الجدية في الانجاز ومنها:ـ
1ـ نشر الفضيلة في المجتمع ومنع الفساد والانحراف والمحافظة على هويتنا الإسلامية الأصيلة.
2ـ وصول العناصر الكفوءة والنزيهة إلى مواقع المسؤولية والإدارة.
3ـ الارتقاء بمستوى العلم والمعرفة والوعي لدى أبناء الأمة لتكون بالمستوى الحضاري المعاصر.
4ـ تحقيق العدالة في الأمة واستقرار الأمن وإنعاش الوضع الاقتصادي للبلد.
5ـ الحفاظ على وحدة البلد وتركيبته الاجتماعية واستقلاله.
6ـ توفير الحقوق والحريات لجميع فئات الشعب وطوائفه وأعراقه بما لا ينافي الفقرات أعلاه.
7ـ وضع دستور للبلد يضمن النقاط أعلاه ووسائل تفعيلها ولا يتقاطع مع الشريعة.
8ـ ضمان انتخابات حرة نزيهة لاختيار برلمان وحكومة تمثل بصدق تركيبة المجتمع العراقي وتحترم أرادته بحسب التوزيع السكاني.
ولكي يتحقق ذلك لا بد من الحوار بين جميع التيارات الممثلة للشعب وانفتاح بعضها على بعض خصوصاً الإسلامية منها لتنسيق المواقف اتجاه القضايا العامة. فمسؤولية وضع الخطاب السياسي والعمل على انجازه على أرض الواقع تقع على الحوزة الشريفة والتشكيلات السياسية وعموم المؤمنين كلٌ بحسبه ولكل فرد في الأمة تأثير في مستقبلها السياسي كالمشاركة في التصويت على الدستور بعد فهمه واستيعابه أو لانتخاب ممثليه في البرلمان والحكومة.
س2: هل كانت الحوزة العلمية في النجف الأشرف على مستوى الحدث مما حصل مؤخرا في العراق؟. وهل لبت أو ستلبي طموحات
الشارع المسلم الشيعي؟بسمه تعالى: تواجه الحوزة العلمية مسؤوليتين مرتبطتين بالأحداث الراهنة، (الأولى) آنية مرحلية تتضمن ملء الفراغ السياسي الذي حصل في البلد بعد غياب السلطة وعدم وجود ما يعوّض عنها، و(الثانية) مستقبلية وهي المشاركة في الحياة السياسية للبلد وتشكيل الحكومة ووضع الدستور ونحوها.
وعلى صعيد المسؤولية الأولى فقد بذلت الحوزة جهداً كبيراً وأدّت خدمات جليلة من حيث حفظ الأمن والاستقرار وحماية الممتلكات العامة واستعادة الأموال المسروقة وإعادة تشغيل المرافق الحيوية وهذه الأعمال وإن لم تألفها الحوزة من قبل ولم تخض مثل هذه التجربة إلا أنها أثبتت نجاحاً يُسجّل بإكبار وعملوا بشكل دؤوب وجنّدوا أنفسهم ليل نهار لهذه الخدمات مما دفع الجماهير أن تعلن بصراحة وبقوة أن الحوزة ممثلها الحقيقي ولا يجوز تجاوزه.
وأما على صعيد الثانية فإن الحوزة تعمل وفق الآليات التي تناسبها وتستطيعها والتي مرّ إيضاحها في جواب السؤال الأول والنتائج على الله تبارك وتعالى فإنه مسبّب الأسباب.
س3: أسس سماحتكم مؤخراً جماعة الفضلاء، فهل تُعنى هذه الجماعة بالسياسة وهل في النية أن تشارك جماعة الفضلاء في صنع القرار السياسي العراقي في المستقبل؟
بسمه تعالى: (جماعة الفضلاء) جزء من الحوزة فيقع عليها من المسؤوليات ما يقع على الحوزة، وقد قلت عند عرض فكرة التأسيس أن الجماعة ليست
بديلاً عن المرجعية وإنما هي أداة بيدها تؤدي عنها وظائفها، ولما كان المفروض انضمام الفضلاء والأساتذة من جميع جهات المرجعية إلى الجماعة وإمضاء المراجع لها فإنها ستكون حينئذ ممثلة حقيقية للحوزة وناطقة باسمها ومعبرة عن آرائها ومواقفها تجاه مختلف القضايا. وعلى أي حال فإن الدور الذي يمكن أن تؤديه جماعة الفضلاء هو نفس الدور الذي ذكرناه للحوزة وتكتسب قوة فاعليتها من تفهم المرجعيات للغرض من إنشائها ولمبررات وجودها ودعمهم لها.
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الحجة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
نحن لفيف من طلبة الكلية التقنية والمعهد التقني في النجف الأشرف، نرجو من سماحتكم التفضل علينا والنظر في قضايانا ومسائل الابتلاء التي نعيشها لحظة بلحظة في مجتمعنا الدراسي لاسيما، وأن مجمعنا أصبح ثكنة عسكرية للقوات الأمريكية المحتلة، وأننا نتعرض إلى حرب ثقافية وفكرية وعقائدية من قبل المحتلين، مما يستدعي منا حالة طوارئ فكرية وثقافية بين شبابنا وفتياتنا لأننا نواجه صراع الإرادات كأقوى ما يكون عليه الصراع، وعلينا أن نركز وجودنا وخطنا الإسلامي الأصيل في قبال خطوط الكفر والإلحاد الأخرى… هذا ولكم منا وافر الامتنان وأدامكم الله للأمة الإسلامية بركة وعطاءً وجهاداً والله من وراء القصد.
س1: نرى البعض منهم قد أقام علاقات ودية وحميمة مع جند الاحتلال تصل إلى حد تبادل الأطعمة والأشربة فيما بينهم والبعض يقوم بتدريسهم اللغة العربية لقاء أجر معين، فماذا ترون؟
س2: تقوم بعض النساء بالتجوال عصراً مع أطفالهم في شوارع الحي السكني وعلى مرأى من جند الاحتلال وبصورة غير لائقة، فماذا ترون؟س3: البعض منهم يمارس لعبة كرة القدم في القاعة الرياضية داخل المجمع السكني مع قوات الاحتلال والتقاط الصور الشخصية معهم، وقد وصلت الحد في شباب الحي إلى أن يقوم بعضهم بمعانقة الجندي الأمريكي المحتل وتقبيله في بعض الأحيان، بماذا تصرحون؟
س4: يدعى البعض أن واجبنا تجاه القوات المحتلة هو في إظهار الصورة الحسنة لنا والأخلاق الفاضلة والتعاون معهم على أنهم قوات محررة وليست محتلة تتواجد لحمايتنا ومساعدتنا في إعمار المجتمع الدراسي وأن أي عمل خلاف ذلك يؤدي إلى ضررنا وإخلال الأمن والأمان داخل المجتمع، فما رأيكم؟
س5: إن وجود القوات المحتلة بين الدور السكنية أمر يؤدي إلى فقدان الحشمة والعفة بين الأهالي وإن موقعهم يهيئ لهم للإطلالة على ما في الحي السكني ككل من خلال ما يمتلكون من مراصد ونواظر، علما أن هنالك مشروع تعيين بعض هذه الدور السكنية لأخواتنا الطالبات كقسم داخلي، فما رأيكم في ذلك؟
س6: يقوم جند الاحتلال بترويج بعض المجلات والأقراص الليزرية الماجنة بين بعض طلبتنا من ذوي النفوس الضعيفة، فما تعليقكم؟
س7: نظراً للتواجد المستمر لقوات الاحتلال في داخل الحرم
الجامعي، فما توجيهكم لأخواتنا الطالبات والموظفات لمراعاة الحشمة والعفة في زيهن وأسلوب تجمعهن وحركتهن في داخل الحرم؟س8: أخيراً نرجو من سماحتكم أن توضحوا للإخوة والأخوات بعض واجباتهم وتكاليفهم الشرعية في هذه المرحلة تجاه كل القضايا التي تمس عقيدتنا ووجودنا الإسلامي؟
بسمه تعالى
قال تعالى: [لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ] (الممتحنة:8) وقال تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أو أبناءهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] (المجادلة:22).
فهناك شكلان للتعامل مع غير المسلمين، فإن هم احترموا تعاليم الإسلام وحافظوا على كيان المجتمع المسلم، ولم يعتدوا عليهم، فيأمر الله تعالى المسلمين أن يتعاملوا معهم بالقسط والعدل والبر كعلاقتنا مع الإخوة المسيحيين الذين جاورونا في هذا البلد.
وإن هم انتهكوا حرمة الإسلام، فتجب مقاطعهتم وإظهار الامتعاض منهم، والرفض لوجودهم، وإشعارهم بأنهم حالة غير طبيعية وليس لهم موقع بيننا فالحكم متوقف على شكل تصرفهم إزاء كيان الأمة الإسلامية.
وبحسب المنقول عن الثقات فإن القوات الأمريكية المتواجدة في هذا البلد
صدرت منها تصرفات توحي بأنها اختارت الشكل الثاني من التعامل.ويمكن أن يكون انتهاكهم هذا بعدة أشكال:
1- إهانة المسلمين وإذلالهم والإساءة إليهم ومن أوضح مصاديقه اعتقالهم بغير حق.
2- الاعتداء على بيوتهم وأموالهم أو على عرضهم وشرفهم، ومن أشكاله مداهمة البيوت واقتحامها بغير استئذان وتفتيش النساء من قبل الرجال، ومصادرة الممتلكات، والتطلع إلى نساء المسلمين وحريم بيوتهم.
3- المخالفة العلنية للقيم والمبادئ التي يؤمن بها الشعب ويقدسها لأنها مستمدة من شريعة الله تبارك وتعالى وفي ذلك اعتداء على أخلاق الأمة وعقيدتها.
4- نشر الفساد والرذيلة والانحلال الخلقي كترويج الصور الخلاعية والخمور أو ممارسة الأفعال الجنسية اللامشروعة علناً، أو الظهور بهيئة مخدشة للحياء والعفة.
5- منع الناس من حقوقهم المشروعة إسلامياً وإنسانياً، وتعويق أي محاولة لتحصيلها، وفرض أمور على غير أرادتهم، كعرقلة تشكيل حكومة وطنية حرة من أشخاص اختارهم الشعب لبعض المواقع كالمحافظ(1).
هذه بعض أشكال المحادّة مع الله ورسوله التي رتبَّ عليها حكماً وهو إظهار الامتعاض وعدم المودة والمقاطعة والرفض لهم، وجعل كل ذلك علامة لإيمانل.
1) إشارة إلى ما حصل في البصرة من مظاهرات ضخمة لرفض تنصيب حكومة محلية من قبل الاحتلال.
المسلم وإخلاصه له تبارك وتعالى، أياً كان الذين يقومون بهذه الأفعال حتى لو كانوا اقرب الناس إليهم كالأب والابن والأخ والعشيرة، وقد جعل جزاءً عظيماً لمن يمتثل هذا الحكم وهو تثبيت الإيمان في القلب والتأييد بروح القدس وجنات النعيم والخلود، وهذه منازل عظيمة لا تنال إلا بالهمّة العالية والإخلاص. وعلى ما قيل من أن الأمور تعرف بأضدادها فنستطيع أن نعرف من مقابلة هذه المراتب العظيمة بأضدادها استحقاق من لم يلتزم بهذا الحكم الشرعي فإنه سيصاب بسلب الإيمان من قلبه، والتوفيق من عمله، والخزي في الدنيا والذل والهوان في الآخرة والحرمان من جنان الله تبارك وتعالى ورضوانه وهو الخسران العظيم.
فلا يخدعنّ أحد نفسه بأنه ينبغي أن نفعل كذا لأجل إظهار الصورة الحسنة لنا، فليلتفت إلى هذه العواقب الوخيمة هؤلاء الذين يقيمون العلاقات الودية معهم بكل أشكالها، وعليهم أن يعلموا أن من أعظم المحرمات في الشريعة هو الدخول في ولاية الكافرين، والرضا بتسلطهم رغم محاددتهم لله ولرسوله، وقد أكدَّ القرآن الكريم عليها كثيراً وجعلها علامة بارزة لتمييز المؤمنين عن المنافقين ومن الأخلاق الفاضلة، فإن الله تبارك وتعالى كما أنه (غفور رحيم) كذلك هو (شديد العقاب) وكما أنه أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة كذلك هو أشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وقد أمر الله تعالى عباده أن يتخلقوا بأخلاقه ووصف أصحاب نبيه (صلی الله علیه و آله) بأنهم [أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ] (الفتح:29)، فلسنا نحن نحدّد الأخلاق الفاضلة والصورة الحسنة وفق ما
تشتهيه أهواؤنا وتقتضيه مصالحنا، بل وفق ما تأمر به الشريعة. وعلى أي حال فإن تصرف الإخوة المؤمنين متوقف على سلوك الطرف الآخر فإن احترم قوانين الإسلام وحافظ على مقدساته ولم ينتهكها فلا مانع من التعامل معه في ما فيه مصلحة البلاد والعباد، وإلا فالشكل الآخر وعليهم أن يثبتوا صدقهم في ما يقولون وما يعلنون من أغراض وجودهم كحفظ الأمن ومساعدة الناس على تحصيل حقوقهم، وعلى المسلمين أن يكونوا حريصين على هويتهم الإسلامية بكل ما تتضمنه من عناصر العقيدة والأخلاق والتصرف النظيف، ولا يفّرطوا في شيء من ذلك تحت ضغط أهواء النفس أو الحاجة الاقتصادية أو الانبهار بالحضارة الزائفة التي تستبطن عوامل الانهيار والفناء وإن بدا وجهها براقاً.
وأشدّد في وصيتي على الشباب والنساء فإنهم الأكثر تعرضاً للانزلاق وان استهدافهم أكثر من غيرهم فالمسؤولية عليهم مضاعفة لكن عطاءهم الإلهي أعظم ويؤتيهم الله كفلين من رحمته إن هم تمسّكوا بدينهم وبقرآنهم العظيم وسيرة النبي (صلی الله علیه و آله) وآله الطاهرين.
وقد كتبت عدة محاضرات طُبعت بكتاب عنوانه (نحن والغرب) استعداداًً لهذه المرحلة وما تتضمنه من تحديات وما تقتضيه من تكاليف، فيجب الاستفادة منه وقراءته بإمعان وتطبيق ما فيه لنجتاز هذا الامتحان بنجاح ونتأهل لنصرة الأمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) في دولته المباركة التي سيقيمها على هذه الأرض الطيبة فلا تحرموا أنفسكم من هذه الفرصة الثمينة.
وإني أكبر في هؤلاء الإخوة السائلين وعيهم وإخلاصهم وغيرتهم وأسأل
الله تعالى أن يؤجرهم على ذلك ويثبت قلوبهم في هذا الامتحان الصعب وأن يجعلهم قدوة لغيرهم ويكثر من أمثالهم في صفوف الأمة ويشملهم بألطاف صاحب العصر (عجل الله فرجه) إنه نعم المولى ونعم النصير.محمد اليعقوبي
مايس / آيار 2003
تنظيم تظاهرات ضد قرار سلطة الاحتلال بنصب حاكم أجنبي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الحجة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (أدام الله ظله)
بسبب ما هو حادث من سيطرة وتسلط قوات الاحتلال على بلدنا العزيز عموماً والقوات البريطانية على محافظة البصرة خصوصاً وممارسة تنصيب حاكم عسكري بريطاني لإدارة محافظة البصرة وتسويف قضية الجماهير المطالبة بترشيح محافظ عراقي مخلص قامت الجماهير المؤمنة الغيورة على دينها ووطنها بمظاهرة سلمية قُدّر عدد المتظاهرين فيها بمائة ألف متظاهر أو يزيدون ولمسافة طويلة وفي حرّ شديد حتى قيل إن درجة الحرارة فاقت الخمسين مئوية من أجل تحقيق مطالبها برفض الحاكم البريطاني وترشيح مجلس إداري يمثل الجماهير، شيخنا المفدى هناك عدة أسئلة:(1)
لكن الفضلاء المرتبطين بمرجعية سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله الشريف) عقدوا اجتماعاً واتفقوا على تنظيم مظاهرة احتجاجية يوم 30 ربيع الأول 1424 المصادف 31/ 5/ 2003 وهو موعد الاجتماع الأول لمجلس المحافظة التكنوقراط المعين من قبل الاحتلال.
وسارت التظاهرة التي قُدِّر المشاركون فيها بـ(50) ألفاً إلى مبنى محافظة البصرة حيث تقرر عقد اجتماع المجلس المعيَّن وأسفرت عن إلغاء الاجتماع، وفاوض البريطانيون جماعة الفضلاء من خلال الناطق باسمهم (الشيخ خزعل الساعدي). لكن تراخي القوى السياسية الأخرى وترك أبناء المرجعية الرشيدة وحدهم في الساحة دفع البريطانيين إلى الإصرار على مشروعهم.
فقررت جماعة الفضلاء (التي افتُتح مكتبها في البصرة يوم 29 ربيع الأول) القيام بتظاهرة أخرى يوم 14 ربيع الثاني 1424 المصادف 14/ 6/ 2003 وهو الموعد الجديد لعقد اجتماع المجلس المعين من قبل الاحتلال، وكانت التظاهرة أكبر من الأولى حيث قُدّر المشاركون بمائة ألف أو أكثر، وسارت مسافة طويلة من البصرة القديمة إلى القصور الرئاسية حيث قرّر الاحتلال عقد الاجتماع تحت حمايته، وجرى التفاوض عند باب القصور في خارجها بإصرار من الشيخ خزعل الساعدي، وأعيد تقديم المطالب وكادت تفلت زمام الأمور حيث رمى بعض المتظاهرين بالحجارة الشاحنات التابعة للاحتلال وعلى أثر ذلك رضخ البريطانيون ولكنهم أصروا على إشراك القوى السياسية الأخرى، وبعد مفاوضات صعبة تمت الموافقة على تشكيل مجلس المحافظة من التكنوقراط الذين لا ينتمون إلى الأحزاب التي ترشحهم، ويكون عدد الأعضاء (30)، ترشح جماعة الفضلاء (12) وجميع الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية (12) والباقي من المستقلين. وانتخب المجلس القاضي وائل عبد اللطيف محافظاً.
ثم خرجت التظاهرة الثالثة الكبرى في البصرة يوم 15 جمادى الأولى تزامناً مع تظاهرات في عدة مدن عراقية (من بينها بغداد) للاحتجاج على تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، كما كان وفد مدينة البصرة من أضخم الوفود التي جاءت إلى النجف الأشرف لمبايعة سماحة الشيخ اليعقوبي يوم 23 ربيع الثاني حيث أقلتهم أكثر من (100) حافلة كبيرة.
:1) كانت البصرة من حصة البريطانيين، والدنماركيون في القرنة شمال البصرة ولهم قنصلية في البصرة، وقررت الإدارة المدنية لقوات الاحتلال (CPA) تشكيل مجلس محافظة يعينوه هم من التكنوقراط ويكون المحافظ دانماركياً، ولم تُبدِ الأحزاب والقوى السياسية (التي تجاوز عددها الثلاثين) إسلامية وغير إسلامية أي اعتراض (وهي التي رضيت فيما بعد بخطوة مماثلة بتأسيس مجلس الحكم في بغداد).
1-بما أن منبر الجماهير هو المظاهرات السلمية فهل تؤيدون هكذا مظاهرات للضغط على قوات الاحتلال؟
2-لوحظ مشاركة فاعلة ومؤثرة للعشائر فما هو توجيهكم لشيوخ العشائر وأبنائها؟
3-لوحظ أن قوات الاحتلال أعادت النظر في خططها عند قيام هكذا مظاهرات، فهل توجهون نحو أقامتها في بقية المناطق عند قيام قوات الاحتلال بمثل هذا الأمر؟
لفيف من جماهير محافظة البصرة
18 ربيع الثاني 1424
بسمه تعالى1- قال تعالى: [وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] (النساء:141)، فلا يجوز تسلّط غير المسلم على المسلم فمن حق المؤمنين الملتزمين أن يطالبوا بأن يدير شؤونهم مسلم ملتزم نظيف كفوء لم يتورط بظلم الناس، وهذا مطلب تقرّه الإنسانية كلها بأن لا يفرض على الناس شخص من غير إرادتها فلماذا المماطلة والرفض؟ وحينئذٍ فيجب على المؤمنين المطالبة بحقوقهم المشروعة بالوسائل السلمية كالحوار والتفاوض فإن لم يفلح فالمظاهرات السلمية التي ترفع شعارات واضحة وواعية تعبر عن إرادتها وما دام تحصيل الحق ممكناً بالمرتبة الأدنى فلا ينتقل الأسلوب إلى المرتبة الأعلى، وقد تابعتُ من خلال القرص الليزري التظاهرات المباركة التي جرت في مدينة البصرة الحبيبة والقريبة إلى كل المؤمنين الأغيار الموالين لأهل بيت العصمة (ع) لما تتميز به من وعي وإيمان وحماس وغيرة على الدين والأمة فوجدتها نظيفة وصادقة ولا تطلب أزيد من حقها فعلى الطرف الآخر الاستجابة للحق وعدم المماطلة والتسويف ولا يقف حجر عثرة في طريق تحصيله فإن هذه الجموع لا ترضى بغير تحقيق ما خرجت من أجله وإنّ فِعل المرجفين والمخذلين والمشككين محرم وفيه إضعاف لعزيمة الأمة وخلخلة لصفوفها وهي جريمة كبيرة وإذا كان في هذا الطريق أذى وألم ومعاناة فما أحلاه في سبيل الله تعالى إذا كان جزاؤه رضاه تبارك وتعالى ومرافقة أوليائه.
2- سررتُ بهذه المشاركة لما شاهدت الأمة بجميع فئاتها تقف صفّاً واحداً لانتزاع الحق، وسرّني أكثر وجود شيوخ العشائر وأبنائها برغم الحر
الشديد وطول المسافة والظروف العصيبة التي تحيط بالأمة وبرغم المحاولات الكثيرة للالتفاف عليهم وفصلهم عن مرجعيتهم الدينية الشريفة بوسائل المكر والخداع والإغراء إلا أنهم كانوا كما أرادهم الله ورسوله وأمير المؤمنين [وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً] (النساء: 27)، وذكّرونا بأولئك الأجداد الأماثل الذين كانوا اليد الضاربة للمرجعية الشريفة، وكم أودُّ أن أكون بينهم لأعيش تلك المشاعر النبيلة، فاثبتُوا على دينكم والتزموا حوزتكم الشريفة ولا تتركوا بينكم ثغرة ينفذ منها من لا دين له.3- لا بد لهم أن يحترموا إرادة الجماهير وقد بيّنا في جواب السؤال الأول أن هذا الوجوب ليس مختصاً بأهل البصرة الشرفاء فقط، وإنما هو حكم شرعي يتنجّز كلما تحقق موضوعه.
أدعو الله تبارك وتعالى أن تنالوا حقوقكم وأن يثبتكم على الصراط المستقيم ويجعل عواقب أموركم إلى خير ويختم لكم بالحسنى إنه نعم المولى ونعم النصير.
محمد اليعقوبي
19 ربيع الثاني 1424
19/ 6/ 2003
خطاب المرحلة 6 : جهاز الستلايت أول هدية بعد سقوط النظام (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
من المعلوم أن جهاز (الستلايت) بذاته هو آلة يمكن الاستفادة منها في الخير ويمكن استعمالها في الشر كنشر الرذيلة والفساد فالمشكلة في كيفية استخدام هذه الآلة التي هي كالتلفزيون والأقراص الليزرية وغيرها، فإذا أمكن الاقتصار على النافع المحلل كالاطلاع على الأحداث العالمية ومتابعة البرامج الثقافية والعلمية والدينية فهو خير، ولا يمكن إنكار أن الوسائل المرئية هي من أهم وسائل الإعلام وتأثيرها في الجماهير بكل الأعمار والمستويات ملحوظ جداً.
وان استعمل –والعياذ بالله - في متابعة الأفلام الخليعة والأغاني الماجنة فهو شر، وقد نُقل أن بعض دول العالم تخصص محطات بث لهذا الغرض موجهة إلى العالم الإسلامي وغيره، وهي في غاية الانحطاط الأخلاقي والهمجية الحيوانية، بحيث انه حتى الدول الغربية كألمانيا اشتكت من هذا التدمير
1) من أوائل الخطابات التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) بعد سقوط (صدام) مباشرة حيث كانت أول هدية قدمها الاحتلال للشعب العراقي هي مليون جهاز ستلايت لإفساده وقد لخص الخطاب من عدة كتب ألفت تحت إشراف سماحة الشيخ منها (احذر في بيتك شيطان) و(الأفلام والمسلسلات مشكلة وعلاج) وقد طبعت.
الاجتماعي والأخلاقي والنفسي الذي تعمل على إيجاده الصهيونية العالمية وأدواتها. وقد صدرت ضمن حركتنا في الإصلاح الاجتماعي عدة كتب ونشرات من تأليف ومشاركة عدد من الإخوة والأخوات لبيان هذه الآثار السلبية ككتاب (الأفلام والمسلسلات: مشكله وعلاج) وكتاب (أحذر في بيتك شيطان) ونشرات مختصرة وسأقتبس منها هنا ما هو مناسب، وأحيل بقية التفاصيل إليها.
فمن تلك الآثار السلبية للأفلام والمسلسلات والأغاني المنافية للدين والعفة والأخلاق مما تعرضه الوسائل الإعلامية المرئية ومنها جهاز الستلايت.
1ـ الآثار الجنسية: دأب الإسلام على تهذيب هذه الغريزة للحد من الشهوة، ففرض الحجاب، وغض البصر للرجل والمرأة، والتفريق في المضاجع بين الإخوة والأخوات، فماذا يصنع التلفزيون؟!! إنهم أرادوا جعل مناظر الفسوق مألوفة لدينا، بل هي مقتضى عرفنا، فإن أخف المناظر خلاعة مذيعة بأبهى حلة وأزهى مكياج وأعمق خضوع في القول. والقضية الأساسية في كل فلم أو مسلسل هو (الحب)، حتى أن المشاهد صار يستشعر النقص في الفلم إن طرح الحب فيه كأمر ثانوي، وبالغوا في هذا الجانب حتى لجئوا إلى تشويه التأريخ الإسلامي في المسلسلات من خلال قصة الحب للشخصية الإسلامية كما في مسلسل (بلال الحبشي) ومسلسل (عمر بن عبد العزيز)، كل ذلك لجعل قضية الحب من أبجديات حياة الإنسان، أما عن المجون فحدّث ولا حرج فالعري صورة طبيعية في كل يوم بل ضرورية، والقبلات والمداعبات أيسر ما تقدمه الشاشة وصورة الجنس مشهد عادي أدركه حتى الأطفال الصغار.
إذن استطيع أن أقول (إن من أهداف التلفزيون جعل ممارسة الفحش أمراً طبيعياً كما هو الحال في الدول التي يطلق عليها متقدمة) انظر وتأمل كلام الماسونية (يجب أن نخلق الجيل الذي لا يخجل من كشف عورته) كما في المشاهد الخليعة التي تعرض، وخاصة في المسلسلات المدبلجة لتحفيز شبابنا وبناتنا على مثل هذا وتهوينه في نظرهم. وغريزة الجنس من أشد الغرائز ضغطاً على الإنسان فقد يأكل الإنسان وجبة من الطعام فتشبعه إلى وقت معين، ولكن غريزة الجنس لا تنطفئ طالما وجد ما يثيرها ويهيجها، فلو انتشرت أسباب الإثارة الجنسية سعى المرء إلى تلبية هذه الرغبة الملحة فيبقى هم المرء وتفكيره محصوراً في هذا الجانب لهذا تجد ضعف المستوى الدراسي لكثير من الشباب بسبب ضغط الغريزة الجنسية، وهناك علاقة بين مستوى الذكاء والانحراف الجنسي فكلما زاد أحدهما قل الآخر [وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ] (يوسف:33).
2ـ إباحة المحرمات: التلفزيون يعرض لنا يومياً أنواع المحرمات التي يلتقطها الذهن وترسخ فيه فمن السفور إلى العلاقات المحرمة إلى شرب الخمر والغناء وغيرها، لقد جعل الله تعالى التقوى معيار التفضيل [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] (الحجرات:13)، وللأفلام والمسلسلات كلمات ومعايير متعددة في التفضيل إلا التقوى فمرة يكون المال وأخرى الجمال وثالثة الشهادة الراقية أو الوظيفة الممتازة… وبذلك تقتل التقوى و تحل محلها الأباطيل، ورد في كلام لوزير يهودي بريطاني: (يجب أن نسحب بساط الإسلام من المسلمين ونمزق
القرآن بهدوء) فليتأمل أولو الأبصار.وتجد أن الذي يستقطب مشاعر الناس في الأفلام ويصبح القدوة والمثل الأعلى بكل بساطة تجده شخصا فاسقاً، آخر ما يعكسه في سلوكه هو تعاليم الدين، بل يزني ويشرب الخمر ولكنه قد يحارب عصابة لصوص أو فساد اقتصادي.هذا القدوة سيقلده الكثيرون في سلوكه وقيمه، فأي فائدة في انتصاره للحق وهو يسير إليه في طريق معوج ضال.
3ـ التربية اللا إسلامية: إن أول ما يقوم به التلفزيون هو طمس الحياء الناتج من تكرار مشاهد المناظر الخليعة وعلاقات الحب والغرام المحرمة، وما أعمق قول رسول الله (صلی الله علیه و آله): (من لا حياء له لا إيمان له)، وتُصوِّر كثير من الأفلام والمسلسلات أردأ صور العلاقات العائلية، والشيء الطبيعي أنها تعتمد على نظريات الغربيين في التربية، وغالباً ما تحتوى أفضل صورة على كثير من الجفاء والعقوق وقطيعة الرحم..
وبذلك يستجيب المراهقون لما يشاهدون وتعجبهم الصورة الرديئة بما تحمل من شموخ وتكبر وحصول على كثير من المكاسب وبهذا تعلمهم معنى العقوق والصراع مع أقرب الناس من أجل دراهم معدودات، فالتلفزيون يرسم حياة لا علاقة لها بالإسلام يطبعها في قلوب الأجيال عن طريق الأكل والشرب والمشي والتعامل السيئ مع الناس والبغض والانتقام.
4ـ تحويل الدين إلى تراث والتربية إلى ملل: إن هذا الجهاز موجه بطريقة شيطانية تنفذ إلى أعماق الجيل الغافل فتملئ قلبه بالأوساخ والسموم، والخطة المتبعة هي إقصاء الدين عن مسرح الحياة وذلك بتحويله إلى تراث لا صلة له
بالواقع والطريقة المتبعة هي كما يلي:أـ حصر الفترة الدينية في مدة قصيرة لا تساوي شيئاً أمام أي فترة أخرى.
ب ـ الأحاديث النبوية منتقاة لغرض خاص هو توجيه الرأي العام توجيهاً خاصاً يتناسب والأزمة المعاصرة.
جـ ـ الأفلام الدينية لا تعرض إلا في مناسبات معينة وهي تحوي تشويه الحقائق أكثر من أي شيء آخر كما أنها مكررة لا تتغير منذ سنين حتى ملها المشاهد.
د ـ البرامج الدينية أو التربوية تكون عادة رديئة الإخراج بحيث لا تستخدم التقنيات لتشجيع المشاهد على المتابعة، وعادة تعرض في ساعات مهملة من اليوم على عكس البرامج الهدامة، فتكون متطورة إخراجاً وتقديماً وتعرض في ساعات تجمع العائلة إلى شاشة التلفزيون.
هـ ـ الإكثار من البرامج المنوعة التي تكون الأغنية عصبها الحي بحيث تحاصر السامع من حيث يريد أو لا يريد، قال الرسول الأعظم
(صلی الله علیه و آله): (لا تستمعوا للمعازف والغناء فإنها تنبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل).
5ـ الشعور بالحقارة: بقطع الصلة بين الجيل ودينه وتأريخه وقيمه، فالأفلام والمسلسلات توضح لنا التطور العلمي والتقدم الحضاري الهائل في الغرب، وتصور لنا أن نظرتهم للحياة هي الحق وان ما سواهم الباطل، وكل حركة تصدر منهم لا بد أن تعبر عن روح العصر المتقدمة.
إن خططهم نجحت إلى الدرجة التي جعلت من أبنائنا يخجلون حتى من
عزاء الحسين (علیه السلام) مثلاً أو زيارة قبور المعصومين (علیهم السلام) وغيرها كثير، بينما هم يتبجحون بأفعالهم المشينة واللاعقلانية.6ـ منع التكامل لأفراد المجتمع: لأن الفرد عندئذ يقضي الوقت كله أو أغلبه في مشاهدة الأفلام والمسلسلات، ويبقى الوقت الباقي لديه في ضرورات حياته وأسرته ولا يبقى له وقت آخر ليقضيه في تكامله العلمي والعقلي والديني والروحي، وبهذا يخطط الغرب الكافر أن يكون الجهل والتدني هو الصفة العامة في العالم كله ليكونوا لقمة سائغة له ولأطماعه وأرباحه ولكبريائه.
7ـ تأييد للاستكبار والظلم: وأنها تأييد بخلاف المصلحة العامة وأن الاستكبار إنما يبذُر بيننا هذه الأمور لأجل إبعاد الناس عن المصالح العامة وعن واقعهم وعن مشاكلهم وترك الاحتجاج والمناقشة وخاصة التغافل عن البلاء الوارد علينا من جانب الغرب نفسه.
8ـ لهو ولغو: الإسلام يرفض وسائل اللهو ويحرم الكثير منها؛ لأنها تشغل القلب وتهدر الوقت الذي هو رأس مال الإنسان وقيمته، فبهذا الوقت يكتسب الصديقون والصالحون منازلهم في الجنان، قال الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله): (يا بن آدم إنما أنت أيامك).
فانظروا أيها المؤمنون كم تهدر الأفلام والمسلسلات من الوقت وكم حرمنا من صلاة الفجر بسبب السهر على فلم السهرة، فأي كارثة اشد من هذه، وينبغي التفريق هنا بين اللهو المرفوض والتسلية والترويح عن النفس الذي هو أمر عقلائي وضروري للنفس لكي تستعيد نشاطها..
9ـ شغل القلب: القلب يتشبع بما يوضع فيه والأفلام والمسلسلات منهاج
مرسوم ومخطط يشغل القلب عن كل أمر مهم، فبدل أن يخشع ويبكي من خشية الله يرتجف ويتحرك لمشهد فلم أو مسلسل، ويبقى مشغولاً به لساعات من الزمن، ومن المؤسف أن ترى المؤمن يذرف الدموع لان بطل المسلسل أو الفلم قد مات، أو يحترق لما يصيبه أو يصيب البطلة من الأذى والضرر، ولا تخرج من عينيه دمعة واحدة ألماً وأسفا على ما يصيب الإسلام والمسلمين من مخاطر وكوارث، فتحولت عواطفنا بعيدة عن الله تعالى.10ـ التأثر بالآراء والفلسفات المنحرفة: فتوحي للمشاهد أن القيم الأخلاقية والأعمال الصالحة لا جدوى منها وهي مجرد حبر على الورق، ومن ثم تحشر بعض الآراء الفاسدة على ألسنة الممثلين الذين تعطيهم مكانة مرموقة كالطبيب أو العالم أو السياسي، وترسل هذه الأفكار إلى المشاهد فيتقبلها ويتعبد بها دون أن يعرف ما هو مصدرها أو لا يشعر بمدى خطرها على عقيدته.
11ـ تكريس الأنانية عند الإنسان: فيبتعد عن هموم مجتمعه ومشاكله وتعمل على طمس الروح الجماعية ويتولد شعور داخلي لدى المتلقي بأنه مسؤول عن نفسه فقط ويصبح شعاره بمرور الوقت (آني شَعْليّه).
12ـ إضعاف الغيرة: حرص الإسلام على تنمية الغيرة فمنها ينبع الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، وهذا عكس ما يريده الغرب لنا فعن طريق عرض هذه الأفلام والمسلسلات ومشاهدتها من قبل رب الأسرة وزوجته وأولاده تضعف الغيرة على العرض، وان من لا يغار على أهله لا يغار على جاره ومجتمعه حتماً، عن الصادق (علیه السلام) (إن الله غيور يحب كل غيور ومن غيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها) وعن النبي (صلی الله علیه و آله) (أرغمَ الله انف من لا يغار
من المؤمنين). وها أنت ترى مع الأسف الكثير من الرجال تخرج امرأته وبناته شبه عاريات وقد لطخن وجوههن بالمساحيق وهو معهنَّ وعيون الآخرين تلاحقهن وتتلصص على مفاتنهن وكأن الأمر لا يعنيه !!!!!
13ـ تلويث النسل الإنساني: وذلك بتكثير أعداد المواليد غير الشرعيين والذين لا يرتبطون بأسرة، فسيكون هؤلاء ثورة وبركاناً يحطم كيان المجتمع من جهة حقده على المجتمع حيث لم يترب بالجو المشحون بالعواطف فيحس بظلم المجتمع له، ومن جهة أخرى لأنه لم يتربَ على أي قيم أو أخلاق.
والمعروف أن الصهاينة تشجع على هذا الأمر وتمهد له الأرضية من خلال عرض الأفلام التي تصور أن زنى المرأة غلطة بسيطة وطبيعية ويمكن إصلاحها، وأن اجتماع المرأة مع رجل أو أكثر في مكان واحد وبلا رابطة تجمعهم أمر طبيعي جداً، وكل هذا لتهوين هذه الأمور في نفوس الناس واستصغارها بالرغم من خطورتها وبشاعتها.
14ـ تفكيك العلاقات الأسرية: حيث يؤدي انتشار الفساد والفاحشة إلى فقدان الثقة وسوء الظن والاختلاف داخل الأسرة، تفريقاً للمجتمع بتدمير نواته الأولى، فكيف لا يكون ذلك وكل أفراد الأسرة يشاهدون كل يوم هذه المشاهد الخطيرة التي تعبر عن خيانة المرأة لزوجها وكذب البنت على أبيها وأخيها وعلاقاتها غير الشريفة مع شباب الجيران وزملائها، مما يؤدي إلى انطباع هذه الصور والمشاهد في أنفسهم، وبمرور الوقت يقيس على أساسها علاقته مع أفراد أسرته.
والغريب ما نجده من بعض الآباء أنه يهدد ابنته بالذبح عندما يسمع أن لها علاقة مع شاب وقد يصل الأمر إلى ذبحها فعلاً، ألا يعلم هذا الأب الجاهل أنه هو السبب الرئيسي في انحراف ابنته، بسماحه لها بمشاهدة برامج التلفزيون من أفلام وأغاني وغيرها والتي بمرور الوقت تنمو هذا المشاهد بداخلها فتؤدي بها إلى هذا الانحراف، فالمسؤول الأول هو الأب وما يبدر من الأولاد ما هو إلا بسبب تقصيره وتهاونه في تربيتهم التربية الصحيحة، فبادروا معاشر الآباء برفع كل ما يؤدي إلى انحراف أولادكم فأنتم مسؤولون أمام الله تعالى عن كل ما يتعرض له أبناؤكم من ضغوط واتقوا الله لعلكم تفلحون.15ـ تنمية روح العنف والعدوانية: والهدف منها هو إثارة الغضب (الذي هو مفتاح الشرور ورأس الآثام وداعية الأخطار)، وتنمية روح المقاتلة من أجل الأنا أو التسلط أو السرقة أو من أجل قيم مزيفة وهابطة أو لمجرد اعتبار الغضب والعنف والقسوة من مظاهر الرجولة، والملاحظ أن الأفلام التي تتخذ العنف كمادة أساسية لموضوعها أن أساس السرد أسطوري لا واقع له، فالبطل برشاشة واحدة يقتل جيشاً بأكمله ويسقط الطائرات وغيرها من القصص الأسطورية التي تنمي في الذهن الإنساني روح الاعتقاد بالأسطورة وتوجيهه الوجهة الخيالية لإبعاده عن كل تفكير واقعي سليم، والبعض اخذ يرسم حياته على أساسها فما أن يجلس قوم حتى يكلمهم ببطولاته الزائفة التي لا واقع لها، وحتى أفلام الكارتون مبنى على أساس العنف والصراع والأسطورة فتجد الأطفال بعد مشاهدته يتقاتلون فيما بينهم وكأنهم أعداء.
16ـ ابتذال المرأة: وذلك من خلال تعرية المرأة من كل القيم الأخلاقية
السامية كالعفة والحياء وتدنيس طهارتها بغية الاستفادة الجنسية منها بأقصى حد لإشباع رغباتهم الفاسدة والمنحرفة منها.17ـ غسل الدماغ: فالهدف الأول والأخير للإعلام هو خلق جيل بعيد عن الإسلام يحمل فلسفة وروح وتأريخ أعداء الدين فيصبح جزءاً من قطيع تتحول لغته ولهجته.. حب.. مسلسلة الموسم، وتنطبع على لسانه أغنية الموسم.
عن الصادق (علیه السلام) (أدّبني أبي بثلاث: من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن لا يقيد ألفاظه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يُتَّهَم).
ومن المضحك المبكي أنك ترى في كل فترة بروز اسم تقدمه الشاشة يصبح حديث الصغار والكبار في الشوارع والبيوت دون أن يفكر أحد أن هذه الشخصية قد اقتحمت حياتهم لتشغلهم عن مشاكل مجتمعهم، فكم من إحساس بالثورة على المعاصي والمفاسد امتصه لهوٌ بمسلسلة أو فلم فهل من تفريغ وتسيير للعقل أكبر من هذا.
إن من أهم أسباب تفكيك الأسرة وعدم الترابط بينهم هو الانشداد إلى هذه الأجهزة بدلا من أن يجتمعوا وينشد بعضهم إلى بعض، إضافة إلى ما يشاهدونه من انهيار اجتماعي من خلال المسلسلات فيتركز عندهم عدم الثقة بالنفس ولا بالآخرين، فلا بد من الحذر والحيطة خصوصاً وأن بلدنا أصبح مفتوحاً لكل غزو فكري وأخلاقي واجتماعي، فإذا لم نحصّن مجتمعنا بالوعي والإيمان فإن الانهيار والسقوط متحقق، والعياذ بالله؛ لأن أدوات الفساد قوية ومثيرة وتبهر الإنسان إلا من عصم الله.
وقد نقلت بعض الأخبار أن (1000) حالة طلاق تحصل في الكويت البلد
المسلم كل كذا مدة بسبب جهاز الستلايت وذلك من عدة وجوه:1ـ إنه يفكك العلاقة الأسرية ويجعل الجميع مرتبطين بهذا الجهاز بدلاً من أن يرتبطوا ببعض فتضعف العلاقة بينهم حتى تذوب وتنتهي.
2ـ إنه يدفع الرجل وكذا المرأة إلى ممارسة الفاحشة بما يثير عندهم من الشذوذ الجنسي مما يجعل الطرف الآخر يشمئز من الاستمرار معه.
3ـ إنه يجعل الرجل لا يكتفي بزوجته ويزدري بها بعد أن يطلع على وجوه وأجساد جذابة فاتنة فينبذ زوجته وكذا العكس، وهو أثر خطير يحصل من كل نظرة إلى الجنس الآخر سواء عبر الصورة في الجرائد والمجلات أو في التلفزيون أو في الشارع؛ لذا شدد الشرع المقدس في وجوب غض البصر من الجنسين وهذا الأثر الخطير يحصل أيضاً من انتشار الصورة الخلاعية في كل شيء حولنا.
4ـ إن ما يعرض في هذه الأجهزة يعتمد زرع الشك في قلب كلا الزوجين لكثرة ما يعرضه من الخيانة الزوجية، حتى يخيَّل للمشاهد أنه لا يوجد طرف نظيف وعفيف في الحياة الزوجية، فإذا حصل الشك فسيفسّر كل طرف تصرف الطرف الآخر على أنه ناشئ من هذه النظرة فإذا عنف زوجته لأمرٍ ما أو أعرض عنها أو لم يلبّ طلباً فذاك من وجهة نظرها لأنه لم يعد يحبها وارتبط بغيرهاً وتبدأ المشاكل بالتضاعف.
إن الشيطان الأكبر جاء بنفسه إلى هنا بعد أن رأى أن شياطينه فشلوا في استئصال عناصر القوة في الأمة الإسلامية وهي العقيدة والأخلاق والعلم والغيرة والتضحية من أجل الدين، وهي أسلحة الدمار الشامل التي جاؤوا لينتزعوها
لأنها القوة الحقيقية عند الأمة وبها سينتصر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) عليهم، فنحن أمام تحدي خطير لأنه يعني إما بقاء الأمة أو فناءها ولا أعني فناءها المادي فإنه ليس ذا قيمة، وما قيمة الإنسان إذا كان بلا روح ولا قيم ولا إيمان [إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً] (الفرقان:44). إن الغرب حينما يتمسك بأدوات اللهو والعبث ويحاول إشباع نهمته الجنسية فلأنهم:
1ـ فارغون من الوازع الديني والأخلاقي ومن الاعتقاد بالآخرة ولسان حالهم [مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ] (الجاثية:24)، أما نحن فقد خاطبنا الله تعالى: [وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] (النساء:104) من جنة ونعيم مقيم خالدين فيها.
2ـ إن فلسفتهم المادية تبتني على التمتع أقصى ما يمكن بالدنيا وإطلاق العنان للنفس الأمارة بالسوء لتفعل كل ما تشتهيه، ولا يمتنعون عما فيه لذة أو متعة ولسان حالهم (إننا خُلِقنا لنلهوا ولنتمتع)، ولذا تشاهد اجتماعاتهم الصاخبة في ملاعب الرياضة ودور الفن والملاهي وغيرها وكلما ملت نفوسهم شيئا منها ابتكروا غيره.
3ـ إنهم يفكرون بالأرباح التي يحصلون عليها بهذه الأعمال، ومنها وسائل اللهو والمجون، وهم يحرصون على أن يصل إليهم الدينار والدولار بأي شكل وان كان فيه دمار غيرهم، بل حتى لو كان بطرق غير شرعية بمقاييسهم وعصابات المافيا شاهد على ذلك.
4ـ إلهاء شعوبهم عن مشاكلهم ومظالمهم لتلافي المظاهرات والاحتجاجات
بتكثير الملاهي والسينمات ووسائل الفاحشة وأنواع الرياضة واللعب.فهل نحن فارغون مثلهم وهل أننا نعتقد كما يعتقدون، وهل أننا تجردنا من الأهداف الحقيقية حتى نكون مثلهم وننساق وراء خططهم الخبيثة، وإذا كان الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يقول عن التلفزيون بأنه (سيف مشهور في وجهي) فماذا سيقول عن جهاز الستلايت الذي يفتح فرصاً أوسع للفساد والانحراف.
فاحذروا يا أولي الألباب واخشوا غضب الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فإن الشقاء في حرماننا من لطفه ورعايته، وأكرر ضرورة العودة إلى الكتابين المنشورين اللذين ذكرتهما للاطلاع على تفاصيل هذه الكلمات التي ذكرتها.
وما هو الحل:
يبدأ الحل بتوعية الأمة إلى هذه المخاطر والآثار السلبية على النفس وعلى الكيان الاجتماعي عموماً، والتي تسرق أول ما تسرق الدين والشرف والكرامة وتجعل صاحبها عبداً ذليلاّ طائعاً لغير الله تعالى فقد ورد في الحديث الشريف (من أصغى إلى ناطق فقد عبده) فإن كان ينطق عن الرحمن فقد عبد الرحمن وان كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان، فلينظر الإنسان وليتأمل في الجهة التي يوصلها إليه هذا المعروض بهذا الجهاز.
والخطوة الأخرى في العلاج هي توفير البدائل المفيدة كالمسلسلات الدينية والبرامج الثقافية والعلمية والمسابقات النافعة، ويمكن تقليل فترة استعمال الجهاز إلى أقل قدر ممكن فلا يؤذن بفتحه في أوقات الصلاة ولا في
المناسبات الدينية ولا الليالي الشريفة، والاهتمام بالجلسات العائلية للاطلاع على تفاصيل حياتها، والإكثار من زيارة المؤمنين، والحضور في المساجد والمشاركة في الشعائر الدينية، والحث على قراءة الكتب والمجلات النافعة، وإعطاء جزء من الوقت للكسب والعمل وغيرها مما ذكر في المنشورات المتقدمة.
خطاب المرحلة 7 : تكليفنا في هذه المرحلة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليماً.
الصراع بين الخير والشر قديم بدأ مع خلق آدم (ع)، ثم تجلى في صراع ابنيه، و هو نابع من الصراع الأكبر في داخل الإنسان بين جنود الرحمن التي تأتمر بالعقل، وجنود الشيطان التي تأتمر بأهواء النفس الأمارة بالسوء.
ويشهد بلدنا الحبيب اليوم حلقة جديدة من سلسلة هذا الصراع الطويل فهاهي أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني جاءوا لينتزعوا منكم هذه الجوهرة الثمينة وهو الإسلام وولاية أهل البيت (علیهم السلام) التي لا يعدلها شيء، يأتي شخص إلى الإمام (علیه السلام) يشكوا له ضعف حاله وأنه ليس عنده شيء فقال (علیه السلام): بل إن عندك أكثر من الدنيا وما فيها، فتعجب وقال: كيف يا ابن رسول الله؟ قال (علیه السلام): إن عندك ولايتنا أهل البيت فهل تتخلى عنها مقابل الدنيا كلها، قال لا، قال إذن عندك ما هو أثمن من الدنيا وما فيها في الوجود.
1) الكلمة التي ألقاها سماحة الحجة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على جموع أهل الناصرية الذين وفدوا لمبايعته وإعلان الولاء له بتأريخ 16 ربيع الثاني 1424 المصادف 16/ 6/ 2003..
حتى الحياة التي هي أثمن شيء عند الإنسان لا قيمة لها بدون الصلة بالله تعالى وولاية أهل البيت (علیهم السلام) قال تعالى (والفتنة اشد من القتل)؛ لأن الفتنة عن الدين قتل للروح وتخريب للحياة الأبدية الخالدة، فهي أخطر من قتل هذا الجسد المادي وإنهاء هذه الحياة القصيرة وهم جاءوا ليفتنوكم عن دينكم وليقتلوكم معنوياً، وإن وعدوا بالرخاء المادي، لكن ما قيمته مهما عظم إذا كان ديننا في خطر وولاية أهل البيت (علیهم السلام) في خطر، فكونوا يقظين وحذرين ومتأهبين وواعين فإن الدين أمانة في أعناقنا جميعاً فأدّوا الأمانة إلى أهلها كما أداها السلف الصالح وأوصلوها إلينا ناصعة نظيفة رغم مرور 1400 عام.إن أمريكا وإن حاولت الإيحاء بأنها صاحبة فضل علينا حين قضت على النظام البائد تريد في ذلك أن تخدعنا بأنها جاءت لتحررنا من الظلم والبطش، وأجيبهم بمثال بسيط لو أن أحداً جاء بكلب مسعور ودربّه على أذى الجيران وسهّل له ذلك ومكّنه حتى قتل وجرح وأتلف، والناس تستغيث وتطالب صاحبه بالتخلص منه وهو لا يسمع، حتى استفحل أمر الكلب فصار يؤذي صاحبه فرأى هذا أن من المصلحة القضاء عليه فتخلص منه، لكن هل يكون صاحب هذا الكلب متفضلاً على الجيران؟ على العكس بل عليه أن يدفع كل الخسائر والأضرار التي حصلت بسببه.
هذا هو حالنا فإن أمريكا هي التي جاءت بعميلها ودربته ومكنته وسكتت عن جرائمه ودافعت عنه، ولكنه لما فشل في القضاء على الإسلام بالوسائل الوحشية وامتدت حركة الإسلام والعودة إلى الله تبارك وتعالى لتشمل أغلب هذه الأمة الكريمة، رأت أمريكا أن تتدخل بنفسها وبأساليب اشد مكراً وخبثاً،
فإن ظاهرها الحرية والديمقراطية والتحضر ونحوها من العناوين البراقة، لكنها تستبطن السم الزعاف. فها هم شبابنا يعتقلون وفيهم عدد من فضلاء الحوزة العلمية، وديار أهلنا تقتحم ووسائل الفساد والانحراف تنتشر في كل مكان، وها هم يعرقلون ويعطلون كل خطوة لإعادة البلد إلى إدارة أهله سواء على مستوى المحافظ أو المجلس البلدي أو على مستوى تشكيل الحكومة المؤقتة.
أيها الأحبة: إنكم بالتزامكم بدينكم والمواظبة على شعائركم والتفافكم حول علمائكم تحبطون خططهم وتصيبونهم بالإرباك، وتشعرونهم باليأس من أن ينالوا من إيمانكم وشرفكم وكرامتكم، فإنه كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): (إن إيمان المؤمن أقوى من الجبل لأن الجبل يُستقل منه بالمعاول ولا يستقل من إيمان المؤمن شيء).
وقد أفشلتم كل ما قرروه قبل الحرب وظنوا أن الشعب سيستقبلهم بالزهور، ويرضى بتنفيذ كل ما رسموه لكنهم فوجئوا بوعيكم وإيمانكم وتفانيكم من أجل الله، وأنكم لا ترضون بأي شيء مهما كان في الحسابات المادية مهماً إذا كان ثمنه الابتعاد عن الدين، وأثبتّم لهم أننا بخير ما دام ديننا بخير وليست بطوننا بخير، وأننا بشر والعياذ بالله إذا أصيب ديننا بمكروه، ولا يمكن أن نقبل بأي بديل عن الله ورسوله وأمير المؤمنين كما قال الحديث الشريف (ما خير بخير بعده النار وما شر بشر بعده الجنة).
وأنقل لكم أحد الشواهد على ذلك فقبل أيام جاءت مجموعة من الأمريكان ومترجم معهم إلى إحدى مدارس الطالبات للنظر في احتياجات المدرسة
وسألوهن عن مطالبهن، فقالت إحداهن نريد تعلية الجدار الخارجي لحماية الطالبات من نظر الأجانب، فقال المترجم: لا نستطيع ذلك لأنهم يريدون منكن خلع الحجاب وأنت تريدين تعلية الجدار؟ فقالت هذه المؤمنة العفيفة المنتمية لمدرسة الزهراء (علیها السلام) وزينب الكبرى: إذن نرميهم في (الزبالة) -أي سلّة النفايات والمهملات- رغم أنها كانت قبل قليل تشكو للمترجم ضعف حالتها المادية.إنهم حينما يتحدثون عن أسلحة الدمار الشامل إنما يقصدونكم أنتم جنود الإمام المهدي (عجل الله فرجه) الذين سيفتح بكم الإمام (عجل الله فرجه) العالم كله منطلقاً من هذه الأرض الحبيبة المعطاء، وحينما تقول أخبار الظهور أنه في زمانه يكشف الفرات عن كنوز ما هي والله من الذهب والفضة، فالكنوز هم انتم الذين أنجبكم الفرات والعراق كله بدجلة والفرات هو ابن الفرات لأنه الاسم الأوضح في الأذهان يومئذٍ كما نقول الحسنين تغليباً للحسن والشمسين تغليباً للشمس فنقول للعراق الفرات تغليباً له، فإذا أردتم الفوز والفلاح فحافظوا على دينكم واقطعوا أسباب الفساد والانحراف عن أنفسكم أولاً وعن أسركم ثانياً وعن مجتمعكم ثالثاً لتكونوا من تلك الكنوز.
وإن كانت أمريكا صادقة في زعمها فلا تتدخل في شؤوننا، ولا تعرقل مساعينا لانتخاب إدارات كفوءة نزيهة مؤمنة لم تتورط في ظلم هذا الشعب وتشكيل حكومة تدير البلد وتشرف على صياغة دستور عادل للبلد وتتولى أعماره، ولا يحق لأمريكا أن تتولى إبرام عقود الإعمار فتعطي ما تشاء لمن تشاء وتمنع من تشاء.
وقد قرأت الرسالة التي رفعتها الجماهير(1)المؤمنة يوم أمس من مدن الشطرة والغراف والنصر وغيرها، وآلاف التواقيع التي وصلت من مدينة الناصرية الفيحاء والتي تطالبني بإعلان القيادة للأمة في هذه المرحلة، وبحسب ما اعتقد فإن القيادة ليست أمراً يُعلن وإنما هي حالة يفرزها الواقع وتكشف عنه حاجة الأمة إلى القائد وقدرته على أن يكون بمستوى تطلعات الأمة وطموحها والتحديات التي تواجهها كما نقل عن الخليل الفراهيدي عندما سئل عن الدليل على إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: حاجة الكل إليه وعدم احتياجه إلى الكل. والآن أطمئنكم وأقول لكم إن مراجعتي مبرئة للذمة إن شاء تعالى فعودوا مرفوعي الرأس، ولا يهمكم نقاش الذين لا يعيشون إلا همومهم الشخصية وأنانياتهم، ولا تتعبوا أنفسكم معهم فإن في ذلك مضيعة للوقت وقسوة للقلب [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ] (الأنفال:42) [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أنفسكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ] (المائدة:105)، وإني لا أرضى بأن يكون انتماء الشخص لجهة معينة سبباً لتهجمه على الآخرين فإن اختلاف القناعات لا يمكن أن يكون سبباً لفرقة الأمة وتشتتها.
ولكي لا أطيل عليكم فإني ألخص لكم بنقاط ما يجب علينا من تكاليف في هذه المرحلة:
1- توثيق الصلة بالله تعالى وتعميقها من خلال التركيز على الطاعاتم.
1) كان طلب هؤلاء الآلاف من سماحة الشيخ (دام ظله) أن يعلن مرجعيته وولاية أمر الأمة، لكن سماحته كان يعتقد بأنه لا زال سابقاً لأوانه، ولا بد من إعطاء فرصة للآخرين ليقدموا ما عندهم.
واجتناب المحرمات وتلاوة القرآن والدعاء وذكره تعالى على كل حال بحيث نحاول أن نجعل هدفنا في كل قول أو فعل هو رضاه تبارك وتعالى.2- تجديد البيعة مع الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بوضع اليد اليمنى باليسرى، وقد سئلت عن الدليل على ذلك فقلت: إنه فعل قام به الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله (صلی الله علیه و آله) حينما تولى أمير المؤمنين الخلافة، وكان حذيفة في المدائن وهو مريض فخشي أن تدركه الوفاة قبل أن يبايع علياً، فوضع يده اليسرى باليمنى إشعاراً ببيعة أمير المؤمنين، وأمر ولديه بالالتحاق به فتوفي (رضوان الله عليه) ولم يدرك علياً (ع) والتحق به ولده وشاركوا في معاركه، ونحن نقوم بنفس الفعل مع إمامنا (ع) الذي هو حاضر بيننا إلا أننا لا نعرفه لقصورنا وتقصيرنا، فالأولى عن الإمام (علیه السلام) والثانية عن المبايع، وأن تكون بيعة صادقة بالتعهد بعمل ما يدخل السرور عليه، وتجنب كل ما يسخطه (ع) حتى نحظى بلطفه وتأييده ورعايته، والمواظبة على الدعاء له بالحفظ والتأييد، والالتزام بقراءة دعاء الندبة بشكل جماعي صباح كل جمعة في المساجد.
3- التمسك بالحوزة الشريفة واحترام المرجعيات الدينية والعلماء والقيادات العاملة في سبيل الله، ومهما صدر من تقصير من أحد فإنه ليس مبرراً للقدح فيه قال تعالى: [فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأنفسهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى] (النساء:95)؛ لأن كلاً منهم يساهم بقدر أو بآخر في أقامة صرح الدين، وكما قلنا سابقا فإن الإسلام محتاج إلى كل أبنائه.
4- الالتزام الجدي بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشكيل
لجان لذلك قال تعالى [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ] (آل عمران: 104)، وأن تكون هذه الأمة أي اللجان قد استجمعت شروطها من التفقه والوعي وإجادة أسلوب العمل، والالتزام بالمراتب المقررة في الرسائل العملية، فأولها الدعوة بالحكمة الموعظة الحسنة فإن لم تنفع فالزجر والتوبيخ وهكذا.5- تنظيم أموركم في اتحادات ونقابات وجمعيات بحسب ما يقتضيه الحال، كاتحاد إسلامي للطلبة ورابطة للمرأة المسلمة ونقابات إسلامية وللأطباء والصيادلة والمعلمين والمهندسين وغيرهم، وجمعيات ومراكز ثقافية واجتماعية وإنسانية ودينية، فإن هذه التنظيمات قوة لكم وإعزاز لأمركم، كما أنها تجعل العطاء أكثر وأفضل، وتقطعون بذلك الطريق على العناصر غير النظيفة أن تصل إلى مواقع القرار.
6- ممارسة الضغط لاختيار محافظ ومجالس بلدية من قبل الشعب تتوفر فيهم صفات الكفاءة والنزاهة وحب المصلحة العامة ونكران الذات والخبرة والالتزام الديني وأن لا يكونوا قد تورطوا بظلم الناس.
7- الحضور المكثف في المساجد لإقامة صلوات الجماعة والجمعة والشعائر الدينية والمحاضرات النافعة، وأن يكون خطيب الجمعة بمستوى متطلبات المرحلة.
8- إنشاء المدارس الدينية والحوزات العلمية في كل مدينة للرجال والنساء لتعليمهم الفقه والتفسير والعقائد والأخلاق وتوعيتهم وتثقيفهم، وتنبيههم إلى عناصر القوة في الإسلام ونقاط الضعف في المناهج الأرضية المادية،
وتحذيرهم من الأخطار الفكرية والاجتماعية والأخلاقية واستغلال كل الوسائل المتاحة من صحف ومجلات وأقراص.9- التعاون والتكافل والمساعدة في قضاء حوائج المحتاجين وتزويج الشباب ورعاية الأرامل والأيتام، فإن الإمام (علیه السلام) يقول لشخص من الشيعة: أيمد أحدكم يده إلى جيب أخيه فيأخذ ما يحتاج من دون أن يسأله الآخر؟ قال: لا يا ابن رسول الله، قال: إذن أنتم لستم بشيعة. ويقطع الإمام طواف الحج ليقضي حاجة المؤمن.
أسأل الله تعالى أن يؤجركم بكل خطوة سعيتموها وكلمة قلتموها أو كتبتموها، وأن يسرَّ قلوبكم يوم لقائه بقدر ما أغظتم الكفار وأعداء الدين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
خطاب المرحلة 8 :جماعة الفضلاء: الأهداف والأعمال(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما أهله وصلى الله على نبيّه وآله الطيبين الطاهرين.
كثيراً ما نسأل عن مشروع جماعة الفضلاء والهدف من تأسيسها، وهل أن توقيتها مرتبط بظروف المرحلة الراهنة، وما هي أنشطتها فأود أن أجيب عن هذه الأسئلة المشروعة في هذا الجمع المبارك، وليصل الصوت من خلالكم إلى جميع المؤمنين؛ لأنه بحسب فهمي إن تفعيل دور جماعة الفضلاء الآن هي خطوة مهمة في طريق تحقيق آمال الشعب، ولتبقى الحوزة الشريفة عند حسن ظن الموالين لها وشوكة في عيون أعدائها.
وإنما أخاطبكم لأنكم جميعاً من الفضلاء قال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] (يونس:54) والرحمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: 107)، والفضل هو علي بن أبي طالب كما ورد في التفسير عن أهل البيت (علیهم السلام)وأنتم أبناء رسول الله
1) الكلمة التي ألقاها سماحة الحجة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على جموع أهل بغداد الذين وفدوا لمبايعته وإعلان الولاء له يوم الاثنين 22 ربيع الثاني 1424 الموافق 22/ 6/ 2003.
(صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين (علیه السلام) فانتم من الفضلاء، ولكم الفرصة كاملة في الاشتراك بأنشطة الجماعة التي سنبينها بأذن الله تعالى.
إن انبثاق فكرة الجماعة مرتبط بمتطلبات المرحلة التي نعيشها بكل ما تتضمنه من تحديات وأخطار، وتقتضيه من مسؤوليات وأعمال، بحيث لا يستطيع فرد أو جهة مهما كثر عدد أفرادها أن تنهض بها وحدها، بل لا بد من تضافر الجهود واجتماع القلوب، أو قل الانتقال من العمل الفردي الذي دأبت عليه الحوزة الشريفة في الأزمنة السابقة ولها مبرراتها وقد أدّت ما عليها بمقدار ما تستطيع، إلى العمل المجموعي الذي يكون أكثر عطاءً وأقل أخطاءً باعتبار انضمام العقول ومشاورتها وقد أوصى الإمام (علیه السلام) شيعته بـ (نظم أمرهم) أي تنظيم أمورهم ووضعها في إطار (جماعة) بل لعله المستفاد … من قوله تعالى [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ] (آل عمران: 104)، وهذه الأمة والجماعة هي النخبة المثقفة الواعية الملتزمة التي تقوم بهذه الوظائف فهذا هو الدافع الأول.
الثاني: إننا كثيراً ما نطالب بوحدة الحوزة الشريفة وهو مطلب حق وضروري، وإذا تحقق فإنه سيأتي ببركات كثيرة فماذا نعني بتوحيد الحوزة؟ لا نريد بذلك طبعاً وحدة الفتوى الصادرة منهم، فإن هذا متوقف على ما يراه الفقيه حجة بينه وبين الله تعالى ولا يمكن أن تفرض على فقيه فتوى معينة، وإنما نعني بالوحدة وحدة المواقف إزاء القضايا العامة والمصيرية التي تواجه
الأمة، أو على الأقل عدم التقاطع بينهم، وهذا إنما يتحقق بتشكيل جماعة تضم علماء وفضلاء يمثلون مختلف الجهات المرجعية الموجودة، ويتدارسون القضايا التي تواجه الأمة ويقررون اتخاذ موقف موحد بإزائها.الثالث: إننا وبعد أن سنحت الفرصة لاسترداد حقوق الشعب نطالب بأن يكون للحوزة دور في الكثير من الأمور، كصياغة الدستور وشكل الحكم، والأشخاص المؤهلين له وتعيين القضاة وغيرها، فحينئذ من الذي يمثل الحوزة وفيها مرجعيات متعددة قد تختلف رؤاها، ويستطيع الخصم أن يلعب على هذا الوتر فيقول إن هذا لا يمثل الحوزة كلها وإنما جهة معينة منها، فيرفض كل مطلب بهذا العذر.
فإذا نجحنا في تأسيس جماعة ينضم إليها فضلاء وأساتذة من جميع الجهات المرجعية، فحينئذ يصبح له كل الحق في أن تتحدث باسم الحوزة، وتعبّر عن مطالبها، وتشارك باسمها على مختلف الأصعدة، وبذلك نخرج من هذه العقدة المستعصية والإشكالية الراسخة عند السؤال (من هي الحوزة) و(من الذي يمثل الحوزة) فإنها عنوان مجمل ومبهم لدى الكثير من المهتمين بهذه القضية.
الرابع: استقطاب الطاقات والكفاءات والنخب المثقفة من الشعب وجعلهم ضمن إطار ينتمون إليه، فإن بقاءهم بلا انتماء رغم نزوع الإنسان الفطري إلى الانتماء سيدفعهم إلى الانخراط في أي حزب أو تنظيم، مما يؤدي إلى ضياعهم وتشتتهم، فالجماعة وجدت كأطروحة للوحدة، وكحل لإشكالية مستعصية وكأسلوب للعمل المجموعي البناء، وليست هي بديلاً عن المرجعية الشريفة ولا تتقاطع معها بل هي آلية من آليات عمل المرجعية.
وأعلن أمامكم أنني والجماعة سوف نعمل في إطار المرجعية الشريفة خصوصاً المتحركة منها في الساحة ولا نتجاوزها ما دامت ملبية لطموحات الأمة، من أجل تحقيق وحدة الموقف الإسلامي عموماً، والشيعي خصوصاً فإن من عناصر قوتنا في هذه المرحلة العصيبة من حياة الأمة أن تتوحد المواقف وتتسق الأعمال وتتقارب الرؤى. وأنتم أيها الأحبة وإن بذلتم الكثير من الجهد والعناء، وأصابكم العنت من أجل زيارة أمير المؤمنين (علیه السلام)، والوصول إلى هذا العبد القاصر ولتعلنوا تأييدكم له، وهذا عمل نبيل اسأل الله تعالى أن لا يضيّعه لكم وأن يجازيكم به بما يسَّر قلوبكم يوم تلقونه، إلا أنني أكرر أن قوتنا في وحدتنا ولا تتحقق الوحدة إلا برص الصفوف وتجنب الخلاف والعمل سوية في إطار المرجعية الشريفة، هذه وصيتي فمن كان يحبّني فليعمل بها ليكون ذلك أعظم رد توجهونه إلى الأعداء الذين يتربصون بكم الدوائر عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم، حتى لو استفّزكم بعضهم بكلام عليَّ أو عليكم وتشويه صورتي ومحاولة تسقيطي في أعين الناس فلا تردّوا عليهم بالمثل ولا تذكروا الجهة التي يرجعون إليها بسوء، ألا يكفيكم في الجواب عليهم قول الأمام (ع): (كفى بك نصراً على عدوك أن يعصي الله فيك)؛ لأنه سيقحم نفسه في كبائر عديدة كالغيبة والكذب والبهتان، ألا يكفيكم في جوابه قول الإمام (علیه السلام) (من روى رواية على أخيه المؤمن يبتغي بها شينه وهدم مروته وليسقطه في أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ثم لا يقبله الشيطان)؟ ألا يكفيكم في رده قوله تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] (فصلت:34)؟ ألا يكفيكم في رده هذه الوفود المباركة التي جاءت لتعلن عن وعيها وقدرتها الكاملة على التمييز بين الضار والنافع وعدم تأثرها بتلك الأباطيل.إذن أيها الأحبَّة أنا لا أرضى بما يحصل في الشارع من التقاطع وتبادل الاتهامات، فإن عاقبته وخيمة وكلكم أبناء رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين (علیه السلام) وأبناء الإسلام، والإسلام اليوم أكثر من أي يوم محتاج إلى جميع أبنائه، ولا نريد أن نخسر أي أحد من أبناء الإسلام لا مادياً ولا معنوياً.
هذا باختصار ما دفعنا إلى الإعلان عن فكرة تأسيس الجماعة والعمل على إخراجها إلى حيّز الواقع، وكلما كان تفهَّم الحوزة لفكرة الجماعة ولمضمون عملها ولدورها أكثر ومشاركتها أوسع كلما كان دور الجماعة فاعلاً ومؤثراً في تحقيق الأهداف.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن فكرة الجماعة قد تكون في محافظة أنجح منها في محافظة أخرى، باعتبار تعاون الحوزويين في تلك المحافظة في الاجتماع والتآلف وتنظيم أمورهم وتوزيع المسؤوليات عليهم، وعلى أي حال فإن الباب ما زال مفتوحاً والأهداف ما زالت قائمة والتحديات آخذة بالازدياد ولنعلم جميعاً أن الحوزة كلما كانت أكثر وعياً وانسجاماً وتنظيماً فإن الأمة تكون كذلك والعكس بالعكس.
إن الدور الذي تؤديه الجماعة في حياة الأمة نابع من مسؤولياتها التي
تحملتها باعتبارها جزءاً من الحوزة الشريفة التي هي وارثة للأنبياء والأئمة (علیهم السلام) كما في الحديث (العلماء أمناء الرسل وورثة الأنبياء) ويمكن أن تكون بعدة صور:1- الثقافية: من خلال نشر الكتب والإصدارات والنشرات والأقراص وأشرطة التسجيل لعلماء ومفكري الإسلام، وإقامة الندوات والمحاضرات والفعاليات المختلفة لتوعية الأمة وتعريفها بهويتها الإسلامية الأصيلة وإنشاء المراكز والجمعيات الثقافية.
2- الإعلامية: بإصدار الصحف والمجلات لتثقيف الأمة بقضاياها المصيرية والتحديات التي تواجهها والمسؤوليات الملقاة عليها فإن أموراً مهمة في حياة الأمة ومستقبلها نجدها غائبة عن أذهان المجتمع كوضع الدستور للبلاد وتشكيل الحكومة الانتقالية.
3- الاجتماعية: برعاية اسر الشهداء وقضاء حوائج المؤمنين وتزويج شبابهم والسعي للإصلاح بينهم والتقريب بين المؤمنين.
4- الدينية: بإنشاء الجوامع والحسينيات وإحياء ما هو موجود منها بإقامة صلاة الجماعة والجمعة وإقامة الشعائر الدينية.
5- الحوزوية: بفتح حوزات علمية لتدريس مختلف العلوم الإسلامية في كل المحافظات والأقضية والنواحي.
6- إحاطة المرأة والطفل برعاية خاصة وإعداد مناهج دراسية وبرامج عمل وفعاليات خاصة لتوعيتهم وتربيتهم بالاتجاه الإسلامي الصحيح.
7- الاهتمام بالمنبر الحسيني ووضع خطة لإعداد خطباء ومبلغين كفوئين
وقادرين على تربية الأمة وتوجيهها وبمستوى حاجة الأمة.هذه عناوين عريضة لما يمكن أن تؤديه الجماعة من أعمال وانتم جميعاً مسؤولون عن انجازها والتعاون لتحقيقها.
ومن ضرورات المرحلة تنظيم أموركم واستجماع قواكم ليكون لكم دور فاعل في إدارة شؤون البلد ورسم حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا حباً في الدنيا ولا طمعاً في المناصب، ولكن كما قال الإمام (علیه السلام) لأننا نأسى أن يغلب على هذه الأمة سفهاؤها فيتخذون عباد الله خولا ومال الله دولا) أي يتداولون ثروات الشعب بينهم، وقد ذقتم الأمرّين من تسلّط الناس غير النظيفين مما جعل أكثر الشعب يعيش حالة الحرمان والاضطهاد والكبت وحرموا من أبسط حقوقهم المشروعة.
فاعملوا على أن يكون لكم دور فاعل ووجود مؤثر في جميع النقابات كنقابة الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين والصيادلة والعمال وغيرهم، والاتحادات كالطلاب والمرأة وغيرهم وانتم بحمد الله كثيرون ومن السهل فرض وجودكم، ولا يحتاج الأمر إلى أزيد من التجمع والانضمام وتنظيم الصفوف فلا يغلبنكم عليه غيركم.
وليكون لكم بعد ذلك الدور الكبير في الحياة السياسية للبلد بالشكل الذي تكفل لكم حقوقكم ويعوضكم عن الظلم والاضطهاد الذي عانيتم منه، ومن أولويات جماعة الفضلاء رعاية ودعم هذه التحركات إذ من غير المعقول
تغييب صوت الأكثرية(1)ومع أنهم أكثر عدداً فإنهم ذوو كفاءات وقدرات عالية.عزّزوا ثقتكم بالله تبارك وتعالى وعمقوا صلتكم به فإنه وعد أن يذكركم إذا ذكرتموه [اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] (البقرة: 152)، واعلموا أن رصيدكم الحقيقي إنما هو في سعيكم المخلص في كسب رضاه تبارك وتعالى (ماذا وجدَ مَن فَقَدَك وماذا فقد من وجدك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل لها من حبّك نصيباً) وأكثروا من ذكر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وادعوا له دائماً بالحفظ والنصر والتأييد والتعجيل بظهوره الميمون ليعزّ به الدين ويظهره على الدين كله ويكسر شوكة الكافرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.د.
1) عملت الأحزاب السياسية التي كانت في خارج العراق ودخلت مع قوى الاحتلال في صفقات واتفاقات على الاستئثار بالحكم والسلطة وأقصت القوى الفاعلة في معارضة النظام داخل البلاد.
خطاب المرحلة 9 : شبابنا والتحديات الراهنة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على نبيه وآله الميامين.
أحبكم أيها الشباب حباً خاصاً لأنكم وصية رسول الله (صلی الله علیه و آله) لقوله (أوصيكم بالشباب خيراً، فإنهم أرق أفئدة)، وأنقى نفوساً؛ لأنكم ما زلتم قريبين إلى الفطرة لم تلوثكم الذنوب كثيراً، كما أنكم نشأتم في ظل الصحوة الإسلامية المباركة التي اتسعت في العقدين الأخيرين، ووسع مداها سيدنا الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) بحركته الإصلاحية العظيمة، وكان ثمنها غالياً بدمه هو والدماء الطاهرة للشهداء الأبرار.
واهتم بكم أيها الشباب لأنكم المحرك الرئيسي لحياة الأمة، والدم الذي يجري في عروقها، وانتم معيار صلاح الأمة وفسادها -والعياذ بالله- فكلما كانت شريحة الشباب بخير وصلاح وفاعلية ووعي والتفات لما هو مهم كانت الأمة جميعاً بخير وصلاح، ولأن فيكم الطاقة والحيوية والحماس والاندفاع والتفاعل
1) الكلمة التي ألقاها سماحة الحجة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على جموع أهل البصرة الذين وفدوا لمبايعته وإعلان الولاء له يوم الثلاثاء 23 ربيع الثاني 1424 المصادف 23/ 6/ 2003.
والعاطفية والحب والمودة والصدق والإخلاص والتواضع فكل هذه الخصال الحميدة تجدها عند الشباب لذا تجد الاستجابة الفعالة للدعوات الإصلاحية-كرسالة الإسلام- أكثر ما تكون بين الشباب، وإن النهوض بواقع الأمة والأخذ بيدها في مواجهة التحديات إنما يكون على يد الشباب.وأخشى عليكم لأن سهام الباطل وحملات الإفساد والتضليل أكثر ما توجه إليكم لأهميتكم في كيان الأمة.
أيها الأحبة: إننا أمام أخطار وتحديات عديدة وضخمة وجديدة علينا ومعقدة مما يضاعف المسؤولية علينا ويدفعنا إلى مضاعفة الهمة لنخرج من عهدة المسؤولية وقد فزنا برضا الله تبارك وتعالى وشفاعة أوليائه العظام.
وأولى هذه التحديات هي الأخلاقية فقد بدأ الفساد والانحراف بالانتشار من خلال الوسائل الإعلامية المتنوعة، والبدء باستعمال المخدرات والإدمان عليها والتي هي منشأ لكثير من الجريمة والفساد، كما أن وجود الغزاة الأجانب في أوساط المجتمع بما اعتادوا عليه من حياة حيوانية منفلتة من القيم والأخلاق يعتبر تحدياً أخلاقياً وعاملاً مساعداً على تشجيع الانحلال الخلقي وهم يوزعون بسخاء المجلات والصور المنافية للحياء والعفة والشرف والدين.
وثانيها التحديات الاجتماعية: فإن تعقيد الحياة التي يخططون لها، ودمج العراق في نظام العالم الجديد سيضيّع في دوامته الكثير من العلاقات الاجتماعية والتقاليد والأعراف الحميدة التي بني عليها مجتمعنا المسلم، وستبنى العلاقات على الأسس المادية والمصالح ومقدار النفع الحاصل، وليس على الأسس الإسلامية والإنسانية فلا يبقى من وجهة نظرهم معنى لصلة الرحم أو لزيارة
المؤمنين أو قضاء حوائجهم لأنه لا مصالح لهم توجد فيها. كما أن المجتمع يعاني من التمزق والتشتت الذي يضعفه ويذهب بقوته ويشغله بأمور هامشية وقد حصل هذا التفرق إما للخلاف في أمور دينية أو تحزّبات سياسية أو عرقية أو عشائرية ونحوها.وثالثها: العقائدية والفكرية والثقافية فإن الانفتاح المزعوم سيجلب معه الكثير من التشكيكات والشبهات التي تحاول خلخلة العقيدة في عقل المسلم وتشوش فكره وتجعله أسير الأوهام والشكوك.
ورابعها: السياسية، فأننا نعيش حالة (احتلال) بكل ما تعنيه الكلمة من الذل والصغار وسلب الإرادة وعدم الاستقرار، وهم وإن ادعوا أنهم جاءوا لتحرير الشعب العراقي ومساعدته على التخلص من الظلم والاستبداد، والشعب فعلاً محتاج إلى من يمد له يد المساعدة ليسترد عافيته إلا أن فعل قوى الاحتلال يخالف ذلك، ومن تلك التحديات أن البلد يعاني من فراغ سياسي وغياب الدولة والسلطة والقانون وفقدان الأمن والاستقرار وعدم وجود مؤسسات لإدارة شؤون البلد وصعوبات حياتية أخرى، وكلما يحاول الشعب أن يحل هذه الإشكاليات ويضع صيغة لإدارة نفسه بنفسه، فإن الأمريكان يعرقلونها ويؤجلونها ليبقى المبرر لوجودهم، وليستمروا في نهب ثروات الشعب المسكين، أو يعينوا إدارات عميلة خاضعة للأجنبي وربما مرتبطة بالنظام السابق ومتورطة في ظلم الناس.
وخامساً: الاقتصادية، فإن المجتمع ما زال يعاني منذ ثلاث عشرة سنة من الفقر والجوع والمرض والحرمان حتى من أبسط حقوقه في الحياة وفرص
العمل وهذه الطبقة المحرومة هي أولى من ينظر إليه في المرحلة الجديدة.وسادساً: السكانية، أو ما يسمى الديمغرافية حيث نقل كثيرون عن وجود عملية منظمة لشراء العقارات وإنشاء المؤسسات من قبل الأجانب وإسكانهم مما يؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية، وقيل إن اليهود مهتمون بهذا الأمر وبدأت لهم وجودات علنية على الأرض من خلال مستشفى وفندق في بغداد، وربما سيصل الحال بشعبنا أن يكون مشرداً ولاجئاً يبحث عن أرض تؤويه بعد أن فرط بأرضه المباركة بثمن بخس مهما كان مقداره كبيراً في نظر أهل الدنيا، لذا كانت فتاوى العلماء واضحة وصريحة بحرمة عملية البيع هذه وإنها من الكبائر.
أمام هذه التحديات الضخمة ماذا سيكون واجباً:
1- تعميق صلة الأمة بالله تبارك وتعالى وتقوية إيمانها بإسلامها من خلال الوعظ والإرشاد والتوجيه، وبيان محاسن الإسلام وإبراز نقاط قوته في العقيدة والسلوك، وقيادة الحياة في كل جوانبها، وإبراز نقاط الضعف في المناهج الوضعية ويكون ذلك من خلال تكثيف الخطب والمحاضرات والندوات وسائر قنوات التوعية الأخرى.
2- انفتاح الحوزة على جميع شرائح المجتمع خصوصاً طلبة الجامعات والمدارس بزيارات منتظمة لتنبيههم إلى المخاطر المحدقة بالأمة ودورهم الكبير في مواجهتها ولتعزيز ثقتهم بأنفسهم وتقوية موقفهم.
3- نبذ أسباب الفرقة والخلاف والالتفات إلى القضايا المصيرية التي تهمنا جميعاً على حد سواء، فإن أعداءكم يحاربونكم لا لأنكم سنة أو شيعة أو من
مقلدي سين أو صاد ولا لأنكم من هذه العشيرة أو تلك أو هذه المدينة أو تلك، بل يحاربونكم جميعاً على حد سواء لأنكم مسلمون، فاجتمعوا في مواجهتكم لهم على هذا المحور وهو الإسلام، ولا تنشغلوا بالخلافات الجزئية وتنازلوا عن الكثير من حقوقكم من أجل عزة الإسلام ووحدة المسلمين وتأسوا بأمير المؤمنين (علیه السلام) الذي يقول: (لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين وكان الظلم عليّ خاصة).وقد أعلنت بالأمس أمام أهل بغداد وأكرره اليوم لتتبينوا موقفي (إن جماعة الفضلاء ليست بديلاً عن المرجعية الشريفة ولا تتقاطع معها بل هي آلية من آليات عملها)، وأعلن أمامكم إني وهذه الجماعة سوف نعمل في إطار المرجعية الشريفة خصوصاً المتحركة منها في الساحة ولا نتجاوزها، ما دامت وافية بحاجة الأمة من أجل تحقيق وحدة الموقف الإسلامي عموماً والشيعي خصوصاً، فإن من عناصر قوتنا في هذه المرحلة العصيبة من حياة الأمة أن تتوحد المواقف وتنسق الأعمال وتتقارب الرؤى، وهذا لا يتنافى مع ما أعلناه من قبل ببراءة الذمة بمراجعتي والأخذ مني، كما من الضروري التعاون وتوحيد المواقف مع القوى الإسلامية الأخرى العاملة في الساحة وعدم التشنج باتجاهها، فإن لها رصيدها في العمل السياسي والجهادي، وهي تريد أن تشارك بمقدار ما في تحصيل حقوق الشعب ورد اعتباره، وان التقاطع معها مما يضعف الصوت الإسلامي ويجعله عاجزاً عن فرض أرادته وقول كلمته بقوة، فالأمر يتطلب الكثير من التنازل والمرونة وغض الطرف لتحقيق هذه الوحدة.
4- السعي لتشكيل إدارات محلية نزيهة كفوءة لم تتورط في ظلم الناس
تنتخب من قبل الشعب، بإرادات كاملة من دون تدخل أحد أو استبداد أحد واستئثاره لتقوم: بحفظ الأمن والاستقرار وأعمار البلد، وإعادة الحياة إلى مرافقه المختلفة وتوفير القرار في الدوائر والمؤسسات والنقابات والاتحادات واحترام أرادة أعضائها ومنتسبيها في اختيار من يديرهم.وكذلك الإسراع في تشكيل الحكومة الانتقالية لتتولى ترتيب الدولة سياسياً وإدارياً وأعادتها إلى مصاف الدول المتحضرة، وما زال المحتلون يعرقلون مثل هذه المساعي بحجج واهية كعدم وجود آلية للانتخاب ولا جهة مشرفة عليه.
إن شعبنا قادر على تنظيم أدق انتخابات وأنزهها في ظرف أيام ومن دون الحاجة إليهم وبالخطوات التالية:
تحديد الأشخاص والجهات المتنفذة في كل مدينة بحسبها كالحوزة العلمية أو رؤساء العشائر أو القوى والحركات السياسية أو الشخصيات المعروفة والموثوقة بها جماهيرياً فيدعون جميعاً لتشكل منهم لجان انتخابية.
تجنيد عدد من الشباب المثقفين متطوعين أو غيرهم لإحصاء عدد السكان وتحديد المشمولين بالانتخاب باستجواب الموطنين وتطبيق المعلومات التي يدلون بها على ما في البطاقة التموينية.
تقسيم المناطق بحسب الكثافة السكانية وتحديد عدد الممثلين لكل تجمع، ففي انتخابات البرلمان يكون لكل مائة ألف إنسان ممثل واحد مثلاً، وفي المجلس البلدي يكون لكل 50 ألف مثلاً ممثل واحد، إضافة إلى رؤساء الدوائر العاملة في المحافظة وتقسيم عمله إلى وحدات متخصصة فوحدة للصحة وأخرى للتعليم وأخرى للأمن وأخرى للمالية وأخرى فنية وهكذا.
5- الاهتمام بقضية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والدفاع عنها والعمل على الاستعداد لاستقباله والفوز بنصرته وتحديد تكاليفنا تجاهه وفي عصر غيبته، ومن هذه التكاليف أقامة الشعائر الدينية الجماعية باستمرار من صلاة الجمعة أو الجماعة أو مآتم حسينية أو احتفالات أو مجالس ذكر ودعاء والحضور المستمر في المساجد وفتح حلقات الدروس في العقائد والأخلاق والسيرة والتفسير.
6- التعاون والتكافل الاجتماعي كمشروع صندوق (الزواج رحمة) الذي أسس قبل مدة ونشرت أفكاره في كتاب (الزواج والمشكلة الجنسية)، وقام بتزويج العشرات من الشباب المؤمنين كرد عملي إيجابي على الفساد، وفتح بعض المشاريع الاقتصادية لتوفير فرص العمل وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتستمر الحوزة الشريفة إن شاء الله تعالى في دعم هذه المشاريع وتفعيلها وتشجيع المؤمنين على المساهمة فيها.
7- الالتزام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الجميع وليست هي مسؤولية الحوزة فقط، فإن إحياء هذه الفريضة سيكون سبباً2.
1) نُضِّجَ المشروع أكثر وقُدِّمَ لاحقاً كما سيأتي صفحة 112.
لبركات كثيرة ورادعاً عن مفاسد كثيرة بينّاها وأشرنا إلى اهتمام القرآن الكريم والأئمة المعصومين بهذه الفريضة في مناسبات سابقة.8- أن تأخذ المرأة دورها في حملة التثقيف والتوعية، فتساهم المؤمنات المثقفات في الجامعات والمدارس والجمعيات النسوية والمراكز الثقافية وبكل الوسائل المتاحة في التنبيه إلى المشاكل الموجودة في هذه الصنف من المجتمع وكيفية علاجها وقد أشرنا إلى الكثير منها في كتب عديدة.
أسأل الله تعالى أن يؤجركم على عنائكم هذا، ويجعلكم حصناً حريزاً للإسلام وجنوداً مخلصين لصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأن يشملكم بلطفه ورحمته ويتولاكم برعايته.
وأطلب أن تتوقف(1)
1- عدم رغبة سماحة الشيخ (دام ظله) في التصدي العلني للمرجعية لإعطاء الفرصة للموجودين.
2- طمأنة بعض المرجعيات التي أقلقها هذا التوجه الشعبي الكبير نحو سماحة الشيخ فصدرت منها أقوال وأفعال غير لائقة.
مثل هذه الوفود عن المجيء فقد كفيتم ووفيتم وأديتم ما عليكم وبقى ما علينا وهو كثير، فلا تحملونا أزيد من ذلك، وأسأل الله تعالى أن يكتب الأجر للأخوة الذين لم يأتوا على حسن نياتهم..[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ
وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: 200).ة.
1) لهذا الطلب منشآن:
خطاب المرحلة(10) : جواب بعض الإشكالات عن اجتهاد ومرجعية الشيخ اليعقوبي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على نبيه والأئمة الميامين من آله وسلم تسليماً...
أهنئكم بخلاصكم من الظلم والاضطهاد والإذلال الذي ما كان ليتحقق لولا التزامكم بالشريعة وتطبيقكم لها؛ لان الله تبارك وتعالى لا يغيّر حال قوم نحو الأحسن أو نحو الأسوأ إلا بتغيرهم في داخل أنفسهم بهذا الاتجاه أو ذاك، فمثلكم كمثل قوم يونس الذين ضربهم الله مثلاً لكل قرية استحقت العذاب لكنها عادت إلى الله تبارك وتعالى ورجعت إليه فدفع الله عنها العذاب، وحث على الاقتداء بهم فبدأ كلامه تعالى بكلمة (لولا..) التي تدل على الحث والتحضيض قال تعالى [فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ] (يونس:98). وقال أمير المؤمنين (علیه السلام) (ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لردّ عليهم
1) الكلمة التي ألقيت في أهالي مدينة الصدر وأهالي العامرية من بغداد والصويرة والحمزة الشرقي بتأريخ 1 جمادي الأولى 1424 المصادف 1/ 7/ 2003.
كل شارد وأصلح لهم كل فاسد).وقال تعالى: [وَلَوْ أَنَّ أهل الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأرض] (الأعراف:96).
هذه الحياة السعيدة التي يعيشها المؤمن في داخله مهما كانت الظروف المحيطة به هي إحدى ثمرات الإيمان بالله تبارك وتعالى والالتزام بشريعته. قال عز من قائل: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ] (النحل: 97).
هذه الحياة الطيبة السعيدة الآمنة المستقرة هي التي يفتقدها الغرب وكل البعيدين عن الله تعالى ويبحثون عنها فلا يجدونها؛ لأنهم لم يتجهوا الاتجاه الصحيح، فظنوها في زيادة المال وادخاره، وظنوها في الانغماس في الشهوات الحيوانية، وظنوها في قضاء الوقت في المتعة واللهو والعبث، ولكنهم يعودون خائبين تتمزقهم الأمراض النفسية والاجتماعية، وفي كل مرة يتجهون إلى شيء يهتمون به ويعبدونه ويظنون أنه الذي يكفل سعادتهم لكنهم يكتشفون عجزه وعدم قدرته عن توفيرها فيذهبون إلى غيره ويكتشفون فشلهم مرة أخرى [فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي] (الأنعام:76-77)... وهكذا جربوا فلم يفلحوا فتحول هذا الفشل إلى غيظ وحسد للمؤمنين [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أهل الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أنفسهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ] (البقرة: 109) وقال تعالى: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً]
(النساء:53). فتمسكوا بإسلامكم فإنه سر سعادتكم، وضمان فوزكم في حياتكم الباقية، وحافظوا على هذا الحس الثوري والغيرة العظيمة للإسلام فإنه رمز قوتكم، ولا تعطوا فرصة للأعداء لكي يميعوا فيكم هذه الهمة العالية والاندفاعة الشامخة والولاء المطلق لدينكم القويم، وعبروا عنها في كل فرصة بالمناسبات والشعائر الدينية والاجتماعية، وبكل الوسائل من قصائد وأهازيج وكلمات ومحاضرات.
عمقوا في عقولكم وفي قلوبكم الوعي والإيمان ورسخوهما لكيلا تتركوا فرصة للأعداء فيخترقوكم، واعلموا أن أي شيء مهما عظمت أهميته في عين الإنسان فإنه لا قيمة له إذا لم يكن لله فيه نصيب ويبقى تافهاً كما وصفه الحديث الشريف (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً شربة ماء) وفي حديث آخر إن الدنيا لو كانت ذات قيمة عند الله تعالى لما صرفها عن أنبيائه وأوليائه.
فلماذا لا يلتفت إلى هذه الحقيقة هؤلاء(1)المتكالبون على الدنيا مما يوقعهم في المعاصي ويجرهم إلى [نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] (التحريم:6)؟ ألم يسمعوا قوله (علیه السلام): (حب الدنيا رأس كل خطيئة)؟ لماذا كل هذا الحماس والاندفاع والهمة في تشويه صورتي وتسقيطي في أعين الناس؟ اسألوهم هل إن هذا لله تعالى؟ سيجيبون بالنفي في داخل نفوسهم وإن لم يعلنوها! إذن هو الخوفه.
1) تعريض ببعض الجهات الحوزوية والمرجعية التي اتحدت في مناصبة العداء لسماحة الشيخ (دام ظله) بالقول والفعل وعملت على إزاحته.
على مصالحهم ودنياهم وقد ذكرتهم فما ذّكروا ووعظتهم فما اتعظوا وتكفيهم رواية واحدة عن أهل بيت العصمة لو وعوها لاقشعرت منها أبدانهم ولبكوا على حالهم قال (علیه السلام) (من روى رواية على أخيه المؤمن يبتغي بها شينه وهدم مروّته وليسقطه في أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان).يقولون لكم إن محمد اليعقوبي خرج عن خط السيد الصدر (قدس سره)، فهل استوعبوا هم هذا الخط وفهموه أكثر مني، الذي كنت أول من نصره (قدس سره) فآزره واتصل به، وآخر الناس عهداً به حيث صليت عليه وواريته في لحده ورافقته طيلة حياته المرجعية وقبلها بسنين كما شهد هو (قدس سره) بذلك؟
وهل هم أكثر فهماً لخط السيد الصدر (قدس سره) منه نفسه الذي أشار بوضوح إلى من هو الجدير بفهم الخط ومواصلته حين قال (إن المرشح الوحيد بعدي من حوزتنا هو الشيخ محمد اليعقوبي وإني لا أعدل به غيره)، هذه هي وصيته (قدس سره) فالخارج عن الخط من لا يلتزم بها، هذا غير كلماته الأخرى المنشورة وغير المنشورة. وقد أثبتت تجربة السنين الماضية التي تلت استشهاده (قدس سره) من الذي واصل نهجه وثبته في الساحة كقوة متينة ثابتة.
ثم ألا يوجد ارتكاز متشرعي بأن الإمام لا يصلي عليه إلا إمام، وأن المرجع لا يصلي عليه إلا مرجع أو قريب من ذلك، وقد وفقني الله تبارك وتعالى للصلاة عليه (قدس سره) دونهم جميعاً فهل يوفق للصلاة عليه من هو خارج عن نهجه؟ إنها إساءة له (قدس سره) قبل أن تكون لي.
وقد ناقشوا في الاجتهاد رغم أنني قدمت الدليل قبل المدعى في كتابين في
الفقه الاستدلالي هما حجة كافية في ذلك لكل منصف ذي بصيرة، ثم ألم يقل السيد الشهيد (قدس سره) بأني أسير بخطو حثيث نحو الاجتهاد ومعرفة السداد وكان ذلك عام 1418 هـ ألا تكفي ست سنوات لكي يبلغ السير الحثيث مداه وهدفه المنشود، خصوصاً وأنه (قدس سره) تحدث في تلك الكلمة عن أهلية للمرجعية الطيبة والقيادة المخلصة، ورغم كل ذلك فإني حفاظاً على الوحدة داخل الصف الإسلامي والشيعي عموماً وضمن خط السيد الشهيد (قدس سره) خصوصاً، طلبت من كل من يحسن الظن بي ويسمع لكلامي أن لا يطالبني بمرجعية أو ولاية فلست الآن بصددهما، وإنما علينا جميعاً أن نوحد جهودنا عسى أن يكتب لها النجاح في تحقيق طموحات الأمة ونيلها لحقوقها المشروعة، وقد بذلت ما لا يبذله غيري وعرضت(1)خدماتي ومن معي في سبيل إنجاح عملهم. فعليهم أن يتجاوبوا بإخلاص وإنما فعلت ما فعلت، وتنازلت عما تنازلت إبراءً لذمتي وإلقاءً للحجة عليهم، فإذا كانوا صادقين في الدعوة إلى الوحدة فليتركوا هذه التصرفات العدوانية وليعملوا على تجسيدها على أرض الواقع.
وقد بلغني أنهم حاولوا بشدة وبقسوة وبكل الوسائل(2)منعكم من القدوم إلى هنا وتأييد من اقتنعتم بإخلاصه لقضيتكم ومعايشته لكم طول فترة المحنة ووقوفه معكم في البأساء والضراء، ولا أدري ما الذي يغيظهم من ذلك؟ أيريدون أن يخنقوا صوت الأمة ويمنعوها عن التعبير عن إرادتها؟ ألم يكند.
الأجدر بهم أن يعترفوا بحق الأمة في الاختيار والتعاون مع من يختارون بدلاً من هذه الأساليب. وإني أطمّئنهم مرة أخرى أنني لست بصدد إعلان مرجعية أو ولاية، وإن كنت أعلنت أن مراجعتي مبرئة للذمة إن شاء الله تعالى؛ حفاظاً على وحدة الكلمة الذي هو أعظم سلاح نوجهه إلى الأعداء وسأقدم ما أستطيع لإنجاح العمل المخلص للآخرين، وليتأكدوا أنني عنصر ساند لهم ومؤازر ولست منافساً أو مزاحماً فليستفيدوا من هذه الفرصة ولا يضيعوها فإنهم مساءلون يوم القيامة عن تصديهم.
وهذه الوفود التي تأتي طواعية رغم طلبي المتكرر منها بعدم القدوم لكي لا يحملوني مسؤولية إضافية أعجز عن تأديتها لهم، واحتراماً لمشاعر الآخرين وتحسسهم من هذا التأييد، ولكي أحميهم من الوقوع في المعصية التي يرتكبونها حين يتحسسون من هذه المسيرات ويتخذون منها مواقف مضادة، على العكس مني فإني أفرح حين أرى الوفود تأتيهم وتؤيدهم؛ لأن في ذلك إعلاناً لولاء الأمة لعلمائها وحوزتها بغض النظر عن الأسماء والعناوين، ولأن هذا الالتفاف الجماهيري حول المرجعية الشريفة والحوزة عموماً هو الذي يجعل الأعداء يهابون العلماء ويحترمونهم ويأخذون بكلامهم، فهؤلاء المؤمنون أبوا إلا أن يعلنوا حبهم وولائهم وشهادتهم لهذا القاصر المقصر بأنه وقف معهم وأخذ بأيديهم، ودلهم على ما يصلحهم ولم يخذلهم ويتركهم في أيام المحنة، وعمل على توعيتهم وإرشادهم وكانوا يسمعون صوته وصوت من سار معه طيلة تلك المدة، وجاءوا ليعلنوا عن وعيهم وبصيرتهم في الأمور وفشل
حملات التضليل والتشويه والتسقيط مهما كانت قوية وشرسة وغير نظيفة؟أسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب عباده ويجمعهم على الهدى والصلاح ويخلص نياتهم، وأود أن أشيد بوفائكم للشهيدين الصدرين العظيمين حينما سميتم اسم مدينتكم بهما، فإن هذه المدينة كانت سباقة لنصرتهما والتضحية من أجل السير على دربهما وأرجو أن يفعل الآخرون ذلك فإن حسن الاسم يسري إلى المسمى فيكسبه حسناً، وعلى العكس فإن سوء الاسم يعطي انطباعاً أولياً عن سوء المسمى، فهل أن التجاوب النفسي مع اسم مثل محمد وعلي وحسن وحسين مثل التجاوب مع مثل صخر وحرب ومعاوية؟ لذا أكدت السنة الشريفة على تحسين أسماء الأولاد وجعلته حقاً للولد على أبيه وأنت حينما تسمع اسماً سيئاً تنقبض منه وان لم تعرف المسمى به عكس الاسم الجميل.
أكرر شكري ودعائي لكم بأن تكونوا حصناً حريزاً للإسلام وجنوداً أوفياء لصاحب العصر والزمان وأملاً للأمة تعملون بإخلاص على إسعادها وانتم لذلك أهل بإذن الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خطاب المرحلة 11 :هل لأمريكا الفضل في حصول التغيير(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما يستحقه حمداً كثيراً وأعوذ به من شر نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي والصلاة والسلام على سيد خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تدّعي أمريكا أنها هي صاحبة الفضل على الشعب العراقي في تحريره من ظلم الطاغية وحكمه المشؤوم، ومن المؤسف أن الكثيرين قد وقعوا في هذا الوهم ويشعر البعض انه مدين للولايات المتحدة في ذلك وبعضهم ممن يسمون بالإسلاميين؛ لذا تجدهم موافقين على كل ما تمليه عليهم الولايات المتحدة وإن كان فيه مصادرة لاستقلالهم ولأرادتهم ولحقوق شعبهم.
لذا وجب تصحيح هذا الوهم من خلال عدة نقاط:-
1-إن الشعب بجهاده المتواصل ضد النظام وتضحياته الكثيرة ورفضه الشديد للحكام المتسلطين أوجد حالة من الرفض والكراهية والانعزال والمحاصرة للنظام مما أوجب سقوطه وانهياره من دون قتال يذكر، بحيث لم
1) الكلمة التي ألقيت في أهالي مدينة الكوت وقضاء الحي بتأريخ 2 جمادي الأولى 1424 المصادف 2/ 7/ 2003.
تقع معركة حقيقية طيلة الحرب، وكل الذي حصل هو مناوشات متفرقة وعمليات فردية حتى بغداد التي هي عاصمة النظام وموضع اعتنائه المكثف لم تقاتل، وأي حكومة إذا كانت مرفوضة ومعزولة ومقاطعة من قبل الشعب فإنها تسقط لأنها لا تمتلك مصادر القوة والبقاء، ولو كان الشعب ملتفاً حول قيادته لكان على الولايات المتحدة أن تدفع ثمناً باهظاً من دون أن تحقق شيئاً.2- إن أمريكا وإن كانت أفضل من النظام في بعض الجهات المعلومة لديكم، إلا أنها أضرّ علينا من جهات أخرى هي أهم فإن أساليب الطاغية وان كانت شرسة وهمجية في إيذاء الشعب وحرمانه، إلا أنها واضحة ومكشوفة مما جعل رد الفعل يكون واضحاً، وهو انتشار الالتزام الديني لذا فإنها لم تكن خطراً على الحركة الدينية المتصاعدة، ولم تمنع من نموها وانتشارها ومازلنا نشهد بركاتها العميمة.
أما المواجهة الجديدة فهي أخلاقية وعقائدية وفكرية واجتماعية مع انفتاح وانفلات ودغدغة لشهوات النفس الأمّارة بالسوء وتوسع مادي، فهي أخبث وأخفى وأخطر وقد لا ينجو فيها من نجى في الامتحان السابق؛ لذا فإن المسألة تحتاج إلى همة عالية وجهد إضافي واعتصام مكثف بالله تبارك وتعالى، مثل هذه المحنة عبر عنها أحد أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) إننا نجحنا كلنا في امتحان الشدة والبلاء في عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله) لكن أكثرنا فشل في امتحان النعمة والرخاء التي حصلت بسبب الفتوحات الإسلامية وتوسع الدولة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، بحيث صار يقاتل بعضهم بعضاً وخرج عدد منهم على أمير المؤمنين (علیه السلام) يقاتله وهو صاحب أوضح حق في إمامة
المسلمين بالنص والاختيار والشورى والاستحقاق.فنحن إذن لم ينته تمحيصنا ولا اختبارنا بزوال النظام، وإنما انتقلنا إلى نمط جديد من التمحيص هو أشد على النفس، وسنة التمحيص المتدرج في الشدة جارية خصوصاً على هذا الشعب الكريم لإعداده لنصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي جاء هؤلاء لتطويقه ومحاصرته وسلب القدرات ومنابع القوة الموجودة في هذه الأرض، حتى لا يجد الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ما يعينه على حركته، وإنهاء القواعد المؤمنة به والمستعدة لنصرته بكل أشكال الإنهاء، كما فعل فرعون مع قوم موسى (علیه السلام) حين علم أن نهايته على يد رجل منهم فأخذ يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لكن فرعون كان مهتماً بالقضاء المادي على أعدائه المحتملين، أما هؤلاء فيضيفون إليها القتل المعنوي بمسخ القيم الروحية وسلخ الناس عنها وإبعادهم عن مصدر قوتهم الحقيقية وهو الإيمان بالله تعالى.
ورد في تفسير قوله تعالى (ويقتلون النبيين) عن الإمام أن ذلك بتحريف تعاليمهم وتمييع دعوتهم وعزلهم عن مؤيديهم، وتشويه صورتهم في أعين الناس، وهو أسلوب أخطر في القضاء على الدعوات الإصلاحية وعلى المصلحين من القتل الجسدي الذي يصنع من الضحية بطلاً شعبياً تلتف الجماهير حوله وتزداد إعجاباً به وأخذاً بأفكاره وقد رأيتم كلا الشكلين في حياة الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) فقد كان القتل المعنوي لتشويه سمعته وأنه عميل للدولة وأنه زرع الفتنة والتشكيك في اجتهاده كان أقسى عليه من القتل المادي الذي رفعه مكاناً عليَاً وأدى إلى التفاف الجميع عليه عكس الأول، وقد
عبّر (قدس سره) عن فترة القتل المعنوي أوائل مرجعيته بأنني عشتها بأعصابي، فكونوا واعين لهذه المخاطر فاني أرى أن كثيراً من الناس قد وقعوا في هذا الفخ الخطير.3- إن أمريكا وبريطانيا وكل القوى المادية لا تفكر إلا بمصالحها، أما القيم والمبادئ الإنسانية فهي آخر ما تفكر فيه بل لا تفكر فيه إلا بمقدار ما يخدم مصالحها، فلا نصدق أنها جاءت لتحريرنا، نعم قد تلتقي مصلحتها مع مصلحتنا فتفعل ما يبدو أنه خدمة لنا، إلا أن الواقع أنها مملوءة أنانية فلا تفكر إلا في نفسها، وهذه الصفة من المرتكزات الأساسية للشخصية الغربية المبنية على الأسس المادية.
4-إن الشعب وإن تحرر من شكل من أشكال الظلم إلا أنه بقي مهدداً بالظلم الأكبر، وهو ظلم النفس الأمارة بالسوء التي تدعو إلى معصية الله تبارك وتعالى، وتجرّ صاحبها إلى المهالك وتجعله عند الله أهون هالك – كما في الدعاء – هذا العدو الذي نحمله في داخلنا يكون معنا في السر والعلن ويجري في عروقنا مجرى الدم، وقد وصفه الحديث الشريف بأنه (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) فنحن لم نتحرر من (الظلم) كل الظلم وإنما تحررنا من (ظلم) أي شكل من أشكال الظلم وبقي الأهم، لذا كان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر والفوز فيه هو الفوز الحقيقي، ويؤازره عدو آخر هو الشيطان الذي لا يفارقنا حتى الموت وقد وصفه الله تبارك وتعالى بالعدو المبين، وهو يزيّن المعصية ويغري الإنسان بها بشتى الأساليب حتى يوقعه بها ولا يهدأ باله إلا بذلك وقد حذرنا القرآن منه أشد تحذير.
ينقل عن أحد الواعظين انه قال يوماً لحضّار مجلسه إني قد أُخبرت عن طريق أحد الثقاة أن لصاً بينكم ويريد أن يسرقكم، فاهتم الجالسون بالأمر وحرص كل منهم على ما يحمل واخذ الحيطة والحذر، فقال الواعظ مؤنباً إلا تهتمون بدينكم كاهتمامكم بديناركم ودرهمكم، فتحمون دينكم من سارق لا يغيب لحظة عنكم ولا يرضى بغير إدخالكم في جهنم، وخسارتكم في الحياة الباقية وقد أخبركم عن تربصه بكم الله تبارك وتعالى أصدق القائلين.5- إن التغيير وإن حصل ظاهراً على يد الولايات المتحدة وحلفائها وهو صحيح لأن الظالم لا يقدر عليه إلا من هو أظلم منه إلا أنّ المسبب الحقيقي هو الله تبارك وتعالى وبيده الأمور كلها [لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ] (الأعراف:54)، وما هذه الأسباب الطبيعية إلا وسائل وأدوات يهيئها الله تبارك وتعالى عند تحقق الشرط، وشرط تغيير الظلم وإزالته هو عودة الأمة إلى ربها ودينها والتزامهم بشريعته قال تعالى: [إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأنفسهِمْ] (الرعد:11).
فعندما حققتم الشرط وبدأت الحياة الدينية تدب في المجتمع وأصبح الإسلام هو خيار الجميع، ووصلوا إلى مستوى التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى أذن الله بالتغيير الذي يستحقونه، ولولا هذا الإذن لما استطاعت أمريكا ولا كل القوى المادية أن تفعله كما ورد في الحديث (إن إزالة جبل من مكانه أهون من زوال ظالم قبل أوانه).
فاعملوا على تحرير أنفسكم من أنفسكم فإنها مرهونة بأعمالكم، فاستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وحطموا الأغلال النفسية والفكرية والاجتماعية التي تعيق تكاملكم،
وإن ظهوركم ثقيلة بأوزاركم فخففوا عنها بالاستغفار وأكثروا من الطاعات وتنافسوا لنيل رضى الله تبارك وتعالى فإن الله تبارك وتعالى بعث أنبيائه لتحريركم وتخليصكم من هذه الأغلال، قال تعالى [وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] (الأعراف:157). ويوجد تفصيل لهذا الكلام في كتاب (نحن والغرب) وكتاب (كونوا أحراراً) وهو من حلقات سلسلة (نحو مجتمع نظيف).
أسأل الله تعالى لكم الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة إنه ولي النعم.
خطاب المرحلة 12 : وظائف طلبة الجامعات في هذه المرحلة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه وآله الميامين من أهله وسلم تسليماً كثيراً.
(الطلبة الجامعيون) شريحة مهمة من المجتمع وعليهم تنعقد الآمال في قيادة الأمة في المستقبل القريب؛ فإنهم سيتوزعون على مراكز القرار والمسؤولية في جميع النواحي، فإذا كانوا صالحين وكفوئين وأقوياء فإن الأمة ستعيش بسعادة وأمان وعزة، وإذا كانوا فاسدين والعياذ بالله فإن الأمة ستعيش حالة الفقر والحرمان وستقع في مهاوي الذل والامتهان.
لذا فإن معاول الهدم والفساد والانحراف أشد ما توجّه إلى هذه الطبقة، وهم لكي ينفذّوا مآربهم يُلبسون خططهم أسماء وعناوين براّقة وخادعة لتنطلي على السذّج، كالحرية والتقدم وأمثالها لكنهم يخفون تحتها خبثهم ومكرهم وأهدافهم الشريرة في فصل هؤلاء الشباب عن إسلامهم، مثلاً ما الضرورة إلى
1) الكلمة التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي في وفد جامعتي بابل والمستنصرية وأهالي وطلبة الهندية (طويريج) وأهالي الزعفرانية مع وفد نسائي ضمن الوفود التي وفدت لمبايعته وإعلان الولاء له.
الاختلاط بين الجنسين في الجامعات وهو في سن الاندفاع الجنسي والشبق، بحيث صار من الهموم الرئيسية لدى كل من الجنسين هو العمل على كسب ود وإعجاب الجنس الآخر والارتباط به، ولم يترك للعلم في حيّز تفكيره إلا مساحة ضئيلة فكيف سيبدع ويتقدم؟ لقد ذكروا أعذاراً واهية كعدم وجود إمكانيات كافية من الأجهزة أو الهيئة التدريسية، رغم وجود آليات للفصل بين الجنسين لا تتطلب المزيد من هذه الإمكانيات، وإن الدولة قادرة على توفيرها بل إنه في بعض المدن توجد أكثر من كلية في نفس العلم، فلماذا لا تخصص واحدة للذكور وأخرى للإناث. ومحل الشاهد أنهم علموا أن الأمر لا يستقيم لهم إلا إذا افسدوا تربية الجيل حتى يحطموا فيه كل عناصر القوة من الإيمان والشجاعة وقوة الإرادة والاستقلال، وقد أفلحوا على مدى عقود في ذلك فقد كنت طالباً جامعياً قبل ربع قرن ولم يكن بالإمكان إعلان الطالب التزامه الديني ليس خوفاً وتقية فقط، وإنما لأن المتدين كان يُعيَّر بأنه رجعي ومتخلف، ويجد نفسه وحيداً أمام تيار ضخم من الذين أفسد الأعداء ذوقهم وعقلهم وفطرتهم، أما اليوم فتجد التيار الإسلامي قوياً في أوساط الطلبة الجامعيين، ويُظهرون التزامهم الديني بكل شموخ واعتزاز كل ذلك ببركة جهود وتضحيات العلماء الربانيين والنخبة المخلصين من أبناء هذه الأمة الكريمة، وعلى رأسهم الشهيدان السيدان الصدر الأول والصدر الثاني (قدّس الله إسرارهما) ومئات الآلاف من شهداء الإسلام العظيم.
ونتيجة لهذا التغيير والسمو الروحي الذي حصل في داخل الإنسان استحقت
الأمة هذا التغيير العظيم في حياتها، حيث زال النظام الطاغوتي المتسلط على رقاب الناس بالحديد والنار، وهذه سنّة إلهية أكد عليها القرآن الكريم بأن التغيير في الخارج إنما هو نتيجة ما يحصل بمقداره في الداخل، قال تعالى: [إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأنفسهِمْ] (الرعد:11) بكلا الاتجاهين السلبي والإيجابي أي باتجاه النصر أو الهزيمة، ففي الاتجاه الايجابي ما حصلتم عليه من نعمة بزوال النظام السابق ببركة انتصاركم على نفوسكم الأمارة بالسوء، وتطهير قلوبكم من عبادة غير الله تبارك وتعالى، وأما في الاتجاه السلبي فما عبّر عنه أمير المؤمنين(ع) (وأيمُ الله ما كان قومٌ قط في غضَّ نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد، ولو أنَّ الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى ربهم بصدقٍ من نيّاتهم وولهٍ من قلوبهم، لردَّ عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد، وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة جهالة وغفلة). فإذا كنتم حريصين على تحصيل المزيد من المكاسب، فاعملوا على توثيق الصلة بالله تبارك وتعالى وترك التعلق بما سواه، وتمسّكوا بعلمائكم الربانيين فإنهم يدلونكم على الهدى ويحمونكم من الوقوع في الردى، وقد التفت الأعداء إلى أهمية هذه الصلة بين الحوزة العلمية وطلبة الجامعات والشباب عموماً فعملوا على قطعها؛ لأبعاد الشباب عن مصادر الهداية والنور، ولإضعاف المرجعية الشريفة التي تكتسب قوتها من التفاف الجماهير حولها، وإنما يحسب الطواغيت ألف حساب للمرجعية لوجود هذا الامتداد الجماهيري.
ولهم في قطع هذه الصلة عدة أشكال من التصرفات لا تقتصر على الأساليب
الوحشية من القتل والسجن والتعذيب والتشريد، وإنما التجأوا إلى الأساليب الخبيثة الماكرة بتشويه صورة الحوزويين وتسقيطهم في أعين الناس من خلال التفتيش عن أخطائهم، والمبالغة فيها وتضخيم حجمها أو الكذب والافتراء عليهم، وقد وقع عدد من السذج والبسطاء ضحية هذه الخطة الخبيثة فأصبحوا يحفرون قبورهم بأيديهم، لكنكم انتم الواعون لم تنطل عليكم وبقيتم على بصيرة من أمركم وأعدتم صورة عمار بن ياسر الصحابي العظيم الذي قال فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله): (مُلئ عمار إيماناً من قرنه إلى أخمص قدميه) كان (رضي الله عنه) يقول في صفين (والله لو ضربونا بأسيافهم حتى أبلغونا سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وهم على الباطل).وأنتم حين اتبعتم الحوزة الشريفة وبذلتم الغالي والنفيس من أجل الدفاع عنها ومؤازرتها، فلأنكم وجدتم فيها المثال القريب لأهل بيت العصمة، ولمستم فيها الأهلية لأن تأخذ بأيديكم في طريق التكامل والقرب من الله تعالى، ففيهم -أي المراجع العظام- النزاهة والطهارة والعفاف، حيث توزع المرجعية عشرات الملايين من الدنانير شهرياً على المحتاجين والمصالح العامة وهي تسكن بيتاً متواضعاً، وفيهم الرحمة والحب للآخرين، ونكران الذات والتضحية حتى الشهادة من أجل الآخرين فهم أول من يضحي، وفيهم العلم الغزير والإحاطة التفصيلية بالشريعة التي وضعها الله تبارك وتعالى للبشر من أجل إصلاحهم وإسعادهم، ومن أولى من خالق هذا الكائن المعقد في تركيبه بأن يعرف ما يصلحه.
وعندهم -أي المراجع الكرام- التواضع والإنصاف والمروءة والعدالة وكل
هذه أخذوها من نبيهم الكريم (صلی الله علیه و آله) وأئمتهم الأطهار، يرسل قاضي الكوفة على أمير المؤمنين رئيس دولة مترامية الأطراف تضم العراق والجزيرة العربية وشمال أفريقيا وبلاد فارس، لادّعاء يهودي عليه بأخذ درع له فيمثل أمام القاضي ويقول له: قف يا أبا الحسن إلى جنب خصمك، فيمتعض الإمام (علیه السلام) وظن القاضي أن ذلك من أجل عدم الاعتناء به كخليفة للمسلمين، فاعتذر إليه بأن ذلك من آداب القضاء، لكن الإمام بيّن له أن امتعاضه لأجل تكنيته بأبي الحسن في حضور خصمه وكان عليه المساواة بين الخصمين حتى في النظر، ويشتري ثوبين عاديين يخيّر مولاه قنبر بأن يأخذ أولاً أحبهما إليه ويأخذ هو (ع) الثوب الآخر، وكان يذهب إلى الصلاة وعليه ثوب مبلل قد غسله ليس له بديل فيخطب الناس وهو يروّح بثوبه ليجف.هذه الأخلاق نجدها في الإسلام أترى نرضى بغيره بدلاً؟ أو بغير رموزه وعلمائه قادة؟
قبل يومين أو ثلاثة أجرى بعض الصحفيين الأجانب لقاءً مطولاً معي وكان أحد أسئلته بأنك بحكم لقائك المستمر بالناس ما هي أهم المشاكل التي يكثر عرضها عليك فقلت له: المشاكل الرئيسية ثلاثة:
1- القلق على الهوية الإسلامية للمجتمع والتي تتهدد بالتمييع والانحراف من خلال نشر وسائل الإفساد والرذيلة وتشجيعها وآخرها جهاز الستلايت الذي يعطي فرصة الانغماس في المعصية ويوجد في الناس ذوو نفوس مريضة يستجيبون لداعي المعصية ويزينّونها لغيرهم.
2- القلق من تغيير الخارطة السكانية للبلد حيث نرى إقبال الأجانب بما فيهم
الصهاينة على امتلاك العقارات بكل ثمن، مما قد يؤدي إلى تشرد أهل البلد الأصليين ولجوئهم في البلدان وخسارة أرضهم ووطنهم وما أتعس الإنسان حين يعيش بلا وطن ولا هوية.3- القلق من عدم حصولهم على حقوقهم المشروعة باعتبارهم الأغلبية في هذا البلد وعودة دورة الحياة من جديد لتبدأ كما بدأت قبل حوالي قرن بالغزو البريطاني لأرض العراق وحرمان الأكثرية من أبسط حقوقهم الإنسانية.
إننا حين نهتم بالطلبة الجامعيين ونرعاهم ونحتضنهم ونؤلف لهم؛ فلأنهم مقياس صحة الأمة وعافيتها فإن كانوا صالحين كان المجتمع كله صالحاً، ولأنهم المؤثر في حياة الأمة فإن الطالب الجامعي له كلمته المسموعة في أهله وذويه وعشيرته ومجتمعه، ولأنهم من الشباب الذي يتدفق حيوية ونشاطاً وحماساً وحباً، ولأنهم مستهدفون بقوة بعملية الإفساد والتضليل والانحراف مما يوجب علينا أن نفكر بجدية في تحسين وضعهم الإيماني وحمايتهم من الوقوع في الخطأ والمساعدة قدر الإمكان في حل مشاكلهم.
وأُبيِّنُ بحضرتكم بعض النقاط العملية في هذا الطريق:
1- توجيه الدعوات باستمرار إلى فضلاء الحوزة وأساتذتها الواعين لزيارة الجامعات وإلقاء المحاضرات وعقد الندوات والاتصال المباشر بأحبتنا الطلبة.
2- توجيه السفرات الطلابية لتكون إلى المرجعية الشريفة والمعالم الدينية والحضارية التي تعمق إيمان الشاب وتزيد من ثقته بنفسه واعتزازه بتأريخه بعد أن كانت إلى مناطق الفسق والفجور واللهو والعبث.
3- تجميع الطاقات المؤمنة في اتحادات طلابية نزيهة تكون لها قوة وفاعلية
في تحقيق طموحات الطلبة واختيار الإدارات الكفوءة المخلصة.4- فتح المراكز الثقافية الإسلامية والمساجد داخل الجامعات للتعريف بالإسلام الأصيل وقدرته الكاملة على قيادة الحياة وإسعاد البشرية وممارسة الأنشطة الفكرية والدينية داخل الجامعات.
5- رفع المستوى العلمي لدى الطلبة حتى نضاهي أكثر الأمم تقدماً في العلم والتكنولوجيا، فقد ولى الزمان الذي كان الطلبة لا يهتمون بتحصيلهم العلمي بعذر أن الشهادة لا تنفع وإنما نريدها للتخلص من الخدمة العسكرية، ونحن لم نرتضِ هذا الكلام في الزمان السابق فكيف نقبله الآن والبلد مقبل على بناء وإعمار واستعادة لحياته بعد أن دبّ الخراب في جميع نواحيه، وأجبنا عن مثل هذه الأفكار في محاضرة نشرت في كتاب (الحوزة وقضايا الشباب).
فنحن نبني أنفسنا أولاً بهذا العلم وبلدنا ثانياً ونسخره لإسعاد مجتمعنا ولتهيئة الأرضية الصالحة المتينة لاستقبال دولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي سيتخذ من العراق عاصمة له ومنطلقاً لفتح العالم وبسط الخير والعدل في جميع الأرض، وسوف تكون وسيلته الرئيسية في هذا الفتح هو العلم والأخلاق والفكر لذا تدخل الأمم تحت قيادته طوعاً وعن قناعة كاملة وأولها أوروبا بحسب ما تفيد الأخبار الشريفة.
6- التحاق الطلبة الجامعيين بالدورات السريعة المكثفة التي تنظمها الحوزة الشريفة لهم في العطلة الصيفية لتحصيل الدروس الحوزوية الأساسية، وليمارسوا دورهم في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وإصلاح المجتمع خلال العام الدراسي وقد نفذت بنجاح في العام الماضي واستفاد منها المئات من
الطلبة في مختلف الاختصاصات.7- فتح فروع الصندوق (الزواج رحمة) الذي أسسناه وفق ضوابط معينة ذكرتها في محاضرة مسجلة وطبعت في كتاب (الزواج والمشكلة الجنسية)؛ لتشجيع الشباب على التزويج كمعالجة ايجابية للمعاناة الجنسية حتى نردَّ كيد الأعداء إلى نحورهم.
أشكر الله سبحانه وتعالى على أن منّ علينا بكم وأسأله تعالى أن يثبّتكم على صراطه المستقيم ويكثّر من أمثالكم في أوساط الجامعات والشباب عموماً، وإني متفاءل بكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خطاب المرحلة 13 : المشروع السياسي المقترح من الحوزة(1)الشريفة للفترة الانتقالية
بسم الله الرحمن الرحيم
إن همنا الكبير هو ضمان مستقبل العراق وسعادة شعبه وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لجميع المواطنين بما فيهم غير المسلمين.
ورغم إيماننا العميق بأن ذلك لا يكون إلا بالإسلام إلا أننا نرى أن الطريقة المثلى اليوم هي ترك الأمة حرة تختار ما تشاء ومن تشاء فتكون الأمة هي الحاكمة وهي المراقبة وآليات ذلك. هو الاستفتاء والانتخاب فلا سلطة سياسية إلا برضا الأمة الناشئ من هاتين الآليتين.
وعلى هذا تعلن المرجعية الرشيدة الصالحة وقوفها خلف الأمة مدافعة عن حقوقها داعية كل قواها الوطنية الخيرة من أحزاب عاملة وجمعيات فاعلة
1) وضع خطوطه العامة الشيخ اليعقوبي ووضع تفاصيله المكتب السياسي لحزب الفضيلة الإسلامي، وأجرى عليه تعديلات معدودة مكتب السيد الحائري في النجف بإدارة السيد نور الدين الأشكوري، وتأريخه جمادي الأولى 1424 تموز 2003، وأخذت به (مع بعض التعديلات) سلطة الاحتلال والحكومة المؤقتة التي شكلها مجلس الحكم بعد عامٍ بالضبط وبعد أن فشلت عمليتها السياسية فرجعت إلى هذا المشروع وشكلت الجمعية التأسيسية بنفس الخطة (راجع صفحة 392).
وشخصيات تشاركنا همّنا هذا إلى توحيد الجهود وصهر الطاقات لتشكل درعاً يدفع عن أمتنا الأخطار ويحقق الطموحات.وعلى هذا الأساس نطرح مشروعنا السياسي والقائم على ما يلي:-
1ـ لا شرعية لكل الخطوات السياسية التي حدثت بعد سقوط النظام باعتبار كونها فاقدة للشرعية لعدم رجوعها إلى رأي الشعب ورضاه.
2ـ ندعو إلى إجراء انتخابات عامة لتشكيل المجلس التأسيسي الذي تنبثق عنه الحكومات المؤقتة الانتقالية ويسن من خلالها الدستور الدائم للبلاد.
3ـ المجلس التأسيسي: وفيما يأتي تفصيلاته في المشروع السياسي لهذه المرحلة:
أـ تأسيسه:
أولاً: يقسم البلد إلى 260 دائرة انتخابية.
ثانياً: يتم انتخاب مرشح واحد لكل (25) ألف مواطن أي بمعدل (4) مرشحين عن الدائرة الانتخابية الواحدة.
ثالثاً: وبذلك يتكون المجلس التأسيسي من (1040) مواطناً منتخباً.
ب ـ مهامه:
أولاً: يقوم المجلس بانتخاب ثمانية أشخاص من بين أعضائه لهم حظ من الفقه التشريعي الإسلامي وتؤيدهم المرجعية الدينية يشكلون مجلساً يقوّم التشريعات الصادرة لضمان عدم تقاطعها مع الشريعة الإسلامية لحين إقرار الدستور وانتخاب الحكومة الدائمية فتحفظ مقاعدهم في المحكمة الدستورية العليا بعنوانها لا بعنوانهم ولا يحق لهؤلاء الثمانية المشاركة في أي تشكيل آخر
ما داموا في هذا التشكيل.ثانياً: يقوم بانتخاب أعضاء البرلمان المؤقت من بين أعضائه.
ثالثاً: يقوم بانتخاب أعضاء الحكومة المؤقتة من بين أعضائه.
رابعاً: يقوم بالإشراف على وضع دستور دائم للبلاد عن طريق لجان متخصصة في مدة أقصاها سنة واحدة من تأريخ انتخابه.
خامساً: يحل المجلس نفسه بعد موافقة الشعب على الصيغة النهائية للدستور الدائم عبر الاستفتاء الشعبي العام.
4ـ البرلمان المؤقت: ويمثل السلطة التشريعية المؤقتة في البلاد
أـ تأسيسه:
أولاً: يتكون(260) عضواً منتخباً من بين أعضاء المجلس التأسيسي.
ثانياً: يجب أن يكون بمعدل مرشح واحد لكل(100) ألف مواطن بشرط أن يكون مرشح واحد لكل دائرة انتخابية.
ب ـ مهامه:
أولاً: إلغاء أو تعديل القوانين السارية والتي تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
ثانياً: سن القوانين الضرورية للبلاد.
ثالثاً: مناقشة الميزانية العامة وأفرادها.
رابعاً: مراقبة أعمال الحكومة ومحاسبتها عن طريق الاستجواب والمساءلة وحجب الثقة.
خامساً: تعيين القضاة المدنيين بناء على ترشيح وزير العدل مع موافقة
المرجعية الدينية.5ـ الحكومة المؤقتة: وتمثل السلطة التنفيذية المؤقتة في البلاد.
أـ تأسيسها:
أولاً: تتكون من (23) وزيراً منتخباً.
ثانياً: يتم انتخابهم من بين أعضاء المجلس التأسيسي على أن يكونوا أعضاءً في البرلمان المؤقت.
ثالثاً: يقوم الوزراء بانتخاب رئيس يسمى رئيس الوزراء بانتخاب نائب لرئيس الوزراء من بينهم.. ويتم استحداث الوزارات الآتية:
(1) وزارة حقوق الإنسان.
(2) وزارة السياحة.
(3) يتم دمج وزارتي الثقافة والإعلام بوزارة واحدة.. وبذلك تصبح الوزارات العراقية هي كالآتي:.
أـ وزارة الدفاع.
ب ـ وزارة الداخلية.
جـ ـ وزارة الخارجية.
د ـ وزارة التخطيط.
هـ ـ وزارة المالية.
وـ وزارة العدل.
زـ وزارة الثقافة والإعلام.
ح ـ وزارة التجارة.
ط ـ وزارة النفط.ي ـ وزارة الزراعة.
ك ـ وزارة الري.
ل ـ وزارة الصناعة والمعادن.
م ـ وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
ن ـ وزارة التربية.
س ـ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
ع ـ وزارة النقل والمواصلات.
ف ـ وزارة الإسكان والتعمير.
ص- وزارة الصحة.
ق ـ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
ر ـ وزارة حقوق الإنسان.
ش ـ وزارة السياحة.
ب ـ مهامها:
أولاً: العمل على استتباب الأمن والنظام في البلاد.
ثانياً: العمل على توفير الخدمات والحاجة الأساسية للمواطنين.
ثالثاً: العمل على رفع مستوى المعيشة للمواطنين جميعاً وبإجراءات سريعة.
رابعاً: المحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدة أراضيه وشعبه.
خامساً: تحسين علاقات العراق الدولية خصوصاً مع دول الجوار على أساس مبدأ حسن الجوار والمصالح المتبادلة.
سادساً: التنسيق مع الحكومة الأمريكية من أجل إلغاء أو جدولة الديون الخارجية المترتبة على العراق بسبب السياسات غير المسؤولة للنظام الاستبدادي المخلوع.سابعاً: حق اقتراح القوانين الضرورية.
6ـ نوع الانتخاب المعتمد:
أـ يعتمد الانتخاب الفردي.
ب ـ يتم الحسم في الانتخابات بالأغلبية النسبية.
جـ ـ يتم انتخاب المجلس التأسيسي بواسطة الانتخاب الشعبي المباشر.
د ـ يتم انتخاب البرلمان والحكومة المؤقتة بواسطة الانتخاب الشعبي غير المباشر.
7 ـ الآليات:
أـ يقسم العراق إلى (260) دائرة انتخابية.
ب ـ تعيين لجان انتخابية في كل دائرة انتخابية.
جـ ـ تعيين تلك اللجان من أهالي الدائرة الانتخابية.
د ـ تتكون اللجنة الانتخابية من (150) عضواً ينتخبون من بينهم رئيساً لهم.
هـ ـ يشترط في عضو اللجنة الانتخابية ما يأتي:.
أولاً: النزاهة.
ثانياً: الكفاءة.
ثالثاً: المعرفة الكافية بأصول الانتخابات وآلياتها ونظمها.
رابعاً: أن يكون حاصلاً على شهادة البكالوريوس أو ما يعادلها على الأقل.
خامساً: أن لا يكون حاصلاً على العضوية الكاملة في حزب البعث المنحل.سادساً: أن لا يكون متورطاً بظلم المواطنين أو إيذائهم.
سابعاً: أن يكون مؤمناً بحق الأمة في تعيين مصيرها وكارهاً للاستبداد والمستبدين.
ثامناً: أن يكون له منزلة اجتماعية مرموقة.
تاسعاً: تنحصر مهام اللجنة الانتخابية بما يأتي:
(1) تنظيم قوائم بعدد الناخبين حسب المعلومات الواردة في هوية الأحوال المدنية.
(2) تنظيم قوائم تعريفية بالمرشحين وعرضها على الجمهور.
(3) تحديد المواقع الملائمة كمراكز انتخابية.
(4) إبداء المشورة والتوجيهات اللازمة للمواطنين بصدد العملية الانتخابية بمجملها.
(5) فرز الأصوات وإعلان أسماء الفائزين بالانتخابات العامة.
8ـ التوقيتات:
أـ يتم تقسيم العراق إلى (260) دائرة انتخابية في مدة أسبوع واحد بالاستفادة من تجارب الاستفتاء السابقة على منصب رئيس الجمهورية التي تمت عامي1995و2002.
ب ـ يتم تشكيل اللجان الانتخابية في كل دائرة انتخابية على حدة في مدة أقصاها ثلاثة أسابيع.
جـ ـ تقوم اللجان الانتخابية بإنجاز أعمالها في مدة أقصاها ثلاث أسابيع.
د ـ يتم الإعلان عن تشكيل المجلس التأسيسي المنتخب بعد إنجاز اللجان الانتخابية أعمالها في مدة أقصاها ثلاثة أيام.هـ ـ يقوم المجلس التأسيسي بانتخاب أعضاء البرلمان المؤقت والحكومة المؤقتة خلال ثلاثة أيام من إعلان تشكيله.
وـ يقوم المجلس التأسيسي بالإشراف على سن دستور دائم للبلاد عن طريق لجان متخصصة في مدة أقصاها سنة واحدة من إعلان تشكيله.
زـ تنتهي مدة ولاية البرلمان المؤقت خلال سنتين من تأريخ انتخابه.
ح ـ تنتهي مدة ولاية الحكومة المؤقتة خلال سنتين من تأريخ انتخابها.
9ـ الجهات المشرفة على الانتخابات: تشرف على الانتخابات العامة القوى الآتية:-
أـ الشعب العراقي: بوصفه صاحب السيادة والطرف الأساس في أي عقد اجتماعي تنبثق منه مؤسسات الحكم مستقبلاً وصاحب المصلحة الأولى في أي ترتيبات سياسية محتملة في العراق.
ب ـ الأمم المتحدة: كونها تمثل الشرعية الدولية.
جـ ـ الإدارة المدنية للاحتلال: لكونها أجنبية وسلطة احتلال يجب أن ينحصر دورها في ما يلي:-
1ـ حفظ الأمن والنظام أثناء سير الانتخابات العامة من خلال شرطة عراقيين تدربهم وتعدهم لذلك.
2ـ توفير ما يلزم العملية الانتخابية من أموال العراق المجمدة ومن عائدات نفطه.
3ـ يجب عليها احترام أرادة الشعب ورأيه وان لا تتدخل في نتائج الانتخابات.
10ـ شروط الناخب:
الانتخابات حق مكفول لأي مواطن عراقي تتوفر فيه الشروط الآتية:-
أـ كل مواطن أتم الثامنة عشر من عمره.
ب ـ كامل الأهلية.
جـ ـ أن لا يكون من المجرمين الذين يشكلون خطراً على امن المجتمع العراقي.
د ـ أن لا يكون أحد الكوادر العليا في حزب البعث المنحل (عضو قيادة فرقة فما فوق).
11ـ شروط المرشح: الترشيح لمناصب الدولة كلها مكفول لأي مواطن عراقي تتوفر فيه الشروط الآتية:-
أـ أتم الثلاثين من عمره.
ب ـ كامل الأهلية رشيداً.
جـ ـ أن لا يكون من المجرمين الذين يشكلون خطراً على امن المجتمع العراقي.
د ـ أن لا يكون حاصلاً على العضوية الكاملة في حزب البعث المنحل.
هـ ـ أن يكون ذا ثقافة اجتماعية وسياسية وحاصل على شهادة الدراسة الإعدادية أو ما يعادلها.
12ـ ملاحظة ختامية: إننا لا نشك في وطنية أحد ما لم يثبت العكس ونطالب
من الجميع تبني هذا المشروع حفاظاً على بلاد الرافدين وحرصاً على شعبه المظلوم وندعو الجميع إلى غض الطرف عن التصرفات الماضية بعضهم لبعض والنظر بعين الأمل والتفاؤل وعلى الله فلنتوكل جميعاً فإنه نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.
خطاب المرحلة 14 : الموقف من تشكيل مجلس الحكم(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه وآله الميامين وسلم تسليماً كثيراً.
حينما غزت أمريكا العراق كانت مطمئنة إلى أن العراقيين يقبلون أية حكومة وبأية صيغة فالمهم عندهم هو زوال النظام، لذا وضعوا السيناريو لشكل الحكومة وعيّنوا الأشخاص عبر عدة مؤتمرات في لندن وصلاح الدين وغيرها، إلا أنهم في أثناء الحرب وبعدها فوجئوا بوعي العراقيين وإيمانهم والتزامهم بمبادئهم فإنهم -أي العراقيين- وإن كانوا يريدون الخلاص من النظام، إلا أنه ليس بأي ثمن ولا أنهم يقبلون أي بديلٍ، وإنما هم أصحاب حق وعندهم قضية لا يستقر لهم قرار حتى يحققوا مطالبهم وتحترم أرادتهم في اختيار شكل الحكم وممثليهم فيه.
1) محاضرة ألقيت على فضلاء وطلبة الحوزة العلمية يوم 5/ 7/ 2003 بمناسبة انعقاد جلسات تهدف لتأسيس مجلس الحكم، وقام سماحة الشيخ بزيارة الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) –وهي الثانية منذ عودته إلى العراق في مايس- يوم الخميس 10/ 7/ 2003 وسلّمه نسخة من البيان، وقد أقيم احتفال رسمي يوم الأحد 13/ 7/ 2003 نقل مباشرة على وسائل الإعلام قُدِّم فيه (25) شخصاً اختيروا من قبل الحاكم الأمريكي ليكوّنوا مجلس الحكم ويديروا شؤون العراق بإشراف أمريكي.
من هنا أُصيبت خطط المحتلين بالاضطراب والإرباك فغيروا ما رسموه وقلت ثقتهم بالأشخاص الذين هيئوهم لتسلم الحكم، وعرضوا أشكالاً أخرى للحكم وكلها كانت تصطدم برفض الأمة لها وكان آخرها قبل شهر تقريباً، وهو ما سُميَّ بالمجلس الاستشاري ذي الـ (35) شخصاً، والذي أجهض قبل ولادته بعد أن اطلعنا على هيكليته وصلاحياته، وكانت فيه عدة عيوب:1- إنه لا يمثل فئات الشعب جميعاً ولا يعلم كيفية تعيينه.
2- إنهم عيّنوا له رئيساً سلفاً ولم يوكلوا ذلك إلى الانتخاب ولا هو يمثل رأي الأكثرية.
3- لا يمتلك صلاحيات وإنما وظيفته تقديم الاستشارات فقط.
4- إن الإدارة العليا فيه وصاحب القرار هم الأمريكيون.
فكان هذا المجلس كما وصفه الشاعر:
تماثيل ينحتها الاحتلال *** وتعرض في قاعة المجلسِ
واليوم تجري مساعي حثيثة وحركة مداولات دؤوبة لتشكيل مجلس أسموه (مجلس الحكم)، وجاء اختيار الاسم للدلالة على إن المجلس الجديد سيحصل على قدر من الصلاحيات تجعله مؤهلاً لممارسة قدرٍ من أساسيات الحكم لسد بعض الفراغ السياسي والأمني والدستوري في البلاد، ومن المتوقع إعلان تشكيل المجلس في موعدٍ لا يتجاوز أسبوعين من اليوم (السبت 5 تموز 2003 عن صحيفة الزمان)، ولم يحددوا كيفية اختيار أعضائه، إلا أن الذي
نشرته الصحف هو أن المجلس يتكون عبر توسيع (مجموعة السبعة)(1)لتضم أعضاء آخرين صرّحوا ببعض ولمحوا إلى بعض.وبغض النظر عن الأهمية السياسية للمشاركين في المجلس ومساعيهم في تحرير هذا البلد، إلا أن الإصرار على تغييب عراقيي الداخل أمر لا يمكن قبوله فإنهم الذين اضطُهدوا وحرموا وهم الذين صنعوا التغيير بشكل أساسي عبر جهادهم الطويل، وهم الذين يشكلون التركيبة السكانية للمجتمع العراقي وفيهم الكفاءات والقدرات الخلاقة ولا يمكن إهمال دورهم في بناء مستقبل البلد.
وبالإضافة إلى ما ذكرناه فإنهم لم يحددوا صلاحيات المجلس وسلطته ولا مدى استقلالية قراره، إلا أنني فهمت من بعض المطلعين والذين لهم دور في العملية أن هذا المجلس يمتاز عن سابقه بعدة نقاط إيجابية:
1- إن المجلس له صلاحية تعيين الوزراء وليس فقط ترشيحهم.
2- إن الميزانية بيده.
إلا أن الأفكار تجتمع على أن تشكيل المجلس يكون بالتعيين، ويضم رؤساء القوى السياسية والتيارات الجماهيرية الفاعلة في الساحة وليس بالانتخاب لأسباب لا تخفى على المتأمل.
وهذه الآلية -أي التعيين- مهما كانت واسعة ومستقطبة لهذه القوى والتيارات فإنها لا تستوعب كل فئات الشعب ولا تعبّر بدقة عن أرادته، لكن الإيجابية فيها أنه حل سريع للأزمة بدرجة معتد بها إذا كان شاملاً لكلا.
1) ويُقصد بهم الأحزاب السياسية إسلامية وكردية وشيوعية وليبرالية التي كانت تجتمع بالأمريكان وتخطط لمستقبل العراق قبل الغزو في لندن وصلاح الدين وغيرهما.
الأحزاب والواجهات والأفراد الممثلة للشعب ومن دون ذلك يبقى حلاً مرفوضاً من قبل الشعب.ونظراً لعدم تقديم أي مشروع ترضى به جميع الأطراف ويكفل حقوق الشعب ويحترم أرادتهم من دون أن تفرض عليه حكومة لا تعبِّر عن خياره، كما أنه لا يمكن بقاء الحال على ما هو عليه الآن من فراغٍ سياسي، وغيابٍ لسلطة القانون وفقدانٍ للأمن والاستقرار وتردٍ في الحياة الاقتصادية والاجتماعية فإنه يؤذن بعواقب وخيمة إذا لم نتعاون على الخروج من هذا المأزق.
وبمناسبة التحركات الحثيثة لتشكيل حكومة انتقالية خلال أسبوعين أو ثلاثة نقول إن ذلك يمكن بآليتين:
الأولى: التعيين، من خلال تأسيس مجلس سياسي يضم رؤساء القوى السياسية والتيارات الجماهيرية التي أثبتت وجودها في الساحة، ومشكلته: أنه مهما كان واسعاً ومستقطباً لهذه القوى والتيارات فإنه لا يستوعب كل الشعب ولا يعبّر بدقة عن أرادته، لكن إيجابيته: أنه حل سريع للأزمة بدرجة معتدٌ بها إذا كان شاملاً لكل الأحزاب والواجهات والأفراد.
الثانية: الانتخاب، وهي الطريقة العادلة للتعبير عن أرادة الشعب، وقد ذكروا لها جملة من المصاعب التي تعرقل العملية كعدم وجود دستور تستند إليه الانتخابات وعدم وجود جرد سكاني، إلا إنها لا أصل لها فإن هذه الانتخابات تستمد مشروعيتها من مشاركة وتأييد الشعب لها، ولا تحتاج إلى أزيد من أسبوعين أو ثلاثة، وتكون بإشراف الأمم المتحدة كما حصل في بعض نقاط العالم كـ(تيمور الشرقية) من دون أي مشكلة تذكر، ولا تتدخل قوات الاحتلال
إلا عند طلب المساعدة منها في أية نقطة سواء على صعيد حفظ الأمن أو الإشراف وغيرهما، ويتحقق من خلال الخطوات التالية:1- تحديد الجهة المتنفذة في كل تجمع سكاني (الحوزة العلمية، قوى سياسية، رؤساء العشائر، الوجهاء،...) وتشكيل لجنة انتخابية في كل تجمع من هذه الجهة أو أكثر.
2- تجنيد عدد من المتطوعين أو الموظفين بأجرٍ لجمع المعلومات عن التجمعات السكانية وتسجيل لوائح الذين لهم حق الانتخاب باستجواب المواطنين ومطابقة المعلومات مع البطاقة التموينية.
3- تحديد المراكز الانتخابية بواقع مركز لكل (100) ألف إنسان وفتح باب الترشيح لكل مركز مع اشتراط أمور في المرشح بأن يكون كفوءاً نزيهاً عنده نكران للذات ولم يتورط بظلم الناس وإيذائهم.
4- تجري الانتخابات بإشراف اللجان الانتخابية وممثلي الأمم المتحدة المشار إليهم أعلاه وهم الذين يتولون فرز الأصوات وإعلان أسماء الفائزين الذين يصل عددهم إلى (260) عضواً عن (26) مليون عراقي.
5- تعطى (10) مقاعد لكل حزب أو حركة من (مجموعة السبعة) إن لم يحصل على هذا العدد في الانتخابات أو يكمل له العدد احتراماً لدورهم السياسي، وكذا تعطى مقاعد للشخصيات المستقلة الذين لهم هذا الدور.
6- يعطى مقعد لكل طائفة أو قومية يقل عددها عن (100) ألف ويزداد العدد بمقعدٍ لكل (100)ألف أخرى إن لم يفز منها أحد في الانتخابات بسبب انتشار أفرادها.
7- من مجموع الأعضاء أعلاه يتأسس مجلس وطني انتقالي يمارس عمله كبرلمان، والوظيفة الثانية: أنه ينتخب من بين أعضاءه أو من يرشحهم الأعضاء كممثلين عنهم في الحكومة الانتقالية، والثالثة: أنه يتولى الإشراف على اختيار الأشخاص الذين يضعون الدستور من بين أعضاءه أو ممثليهم.
8- تتولى الحكومة الجديدة:
إبرام عقود الإعمار.
الإشراف على ميزانية الدولة ومواردها المالية.
إجراء الاستفتاء العام على الدستور بعد صياغته.
الإعداد لانتخابات الحكومة والبرلمان الدستوريين.
9- يكون تمويل هذا المشروع من صندوق أموال العراق بإشراف الأمم المتحدة وإذا تعذر ذلك فإن الجهة المتنفذة في أي تجمع سكاني تقوم بذلك. وحينئذٍ نضمن استقلالية الانتخابات.
وبتنفيذ هذا المشروع تحل مشكلاتنا السياسية والدستورية معاً بطريقة عادلة وتعتبر هذه الرؤية إيضاحاً وتفصيلاً وآلية لما طالبت به المرجعية الشريفة ببيانات صريحة: إن هذه الأمور لا تكون موكولة إلى الأجنبي وإنما باختيار الشعب.
خطاب المرحلة 15 : بيان باسم الجماهير للاعتراض على تأسيس مجلس الحكم(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
إن من أوّليات حقوق الإنسان أن يختار بإرادته من يحكمه، وقد أعلن عن تشكيل (مجلس الحكم) بتغييب شريحة كبيرة من الشعب، وقد حضر هذا الحشد المبارك ليعلن عن عدم مشروعية مثل هذه الطريقة في التعيين، مما يوجب حالة من الانفصال بين الشعب وحكومته تنذر بعواقب وخيمة على الجميع.
فكيف تتصور تشكيل حكومة في العراق بلد الإسلام ومهوى أفئدة
1) نص البيان الذي كتبه سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) وتلي على المتظاهرين الذين تجمعوا في الصحن الكاظمي الشريف يوم الثلاثاء 15/ج1/ 1424 المصادف 15/ 7/ 2003 من مناطق بغداد تلبية لدعوة سماحة الشيخ لإعلان رفضهم لتشكيل مجلس الحكم بإشراف قوات الاحتلال، وفي اليوم التالي قام الدكتور أحمد الجلبي عضو مجلس الحكم وأحد الرؤساء الدوريين للمجلس بزيارة سماحة الشيخ في مكتبه للاستماع إلى مطالب سماحته والاستفادة من توجيهاته قبل مغادرته إلى الولايات المتحدة ليترأس وفد العراق في اجتماعات مجلس الأم الدولي.
المسلمين من دون أن تستشار المرجعية الدينية وتعرض عليها الأسماء وتبين لها صلاحيتها.إن من يعتقد أن أمريكا هي التي حررت العراق ولها الحق في التدخل في شؤونه واهمٌ؛ لأن عملها لم يكن إلا جزءاً من عملية التغيير التي كان سببها الأساسي هو الشعب.
فنحن الذين أزلنا النظام وغيرناه حين حققنا سنة الله في عباده [إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأنفسهِمْ] (الرعد:11)، فلما تحررنا من عبادة الهوى والطاغوت وحب الدنيا وعدنا إلى إسلامنا والى عبادة الله وحده في داخل نفوسنا، حررنا الله من الخارج وفاءً بوعده السابق وسنته الجارية في عباده فسخر أمريكا أداة لهذا التغيير.
ونحن الذين أزلنا النظام حين رفضناه وقاطعناه وتركناه وحدة فسقط بلا قتال لأن بناء الطواغيت أوهن من بيت العنكبوت وإن بدا على خلاف ذلك، ولو كان نظاماً له امتداده وجذوره في الأمة لما استطاعت أمريكا ولا غيرها أن تزيله.
ومن الواضح أن أمريكا وسائر النظم المادية تقوم على أساس المصالح لا على المثل الإنسانية العليا حتى نصدق أنها جاءت لتحريرنا، نعم، ربما تلتقي مصلحتها مع مصلحة الشعب، ولكن هذا لا يعني أنها جاءت من أجله، بل على العكس فإنها جاءت لتستعبدنا وتصادر حريتنا وما رفضها المتكرر لإجراء الانتخابات إلا أول الغيث.
ويجب أن ننتبه إنّ خطرها الأخلاقي والفكري والاجتماعي علينا اشد لان
فيه قتلاً للروح وللمبادئ وإفساداً للحياة الأبدية وهو أعظم من قتل الجسد قال تعالى: [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ] (البقرة:191) أي الفتنة عن الدين، إن إصلاحنا بصلاح ديننا فما دام ديننا بخير فنحن بخير، وهم أول ما بدأوا به هو إفساد ديننا وأخلاقنا وإضلال شبابنا ونسائنا فأي تحرير جاءوا من أجله؟ وأي زمان عسير ينتظرنا منهم؟ انه بلاء تطول مدته ولا يخفف عن أهله ولا ينجوا منه إلا من عصم الله تعالى.ومع احترامنا لأعضاء مجلس الحكم وجهادهم السياسي في القضية العراقية، إلا أنهم لم يستشيرونا في اختيار أعضائه، ولا أطلعونا على صلاحياته ومدى استقلاليته، وعمله على إنهاء الاحتلال والهيمنة الأجنبية، وقدرته على التعبير عن آمال الشعب وطموحاته والمحافظة على هويته، فإن القلق الشديد يساور هذه الجموع المؤمنة خشية ضياع دينه وأخلاقه وقيمه وقد لاحت بوادر ذلك.
إن هذه الجموع المؤمنة احتشدت هنا لتقول إن ممثلينا الحقيقيين مغّيبون، فنحن لا نعترف بشرعية أي حكومة دون إمضاء المرجعية الرشيدة، وكل ما يصدر منها باطل إلا إذا حظي بموافقة الشعب.
وقد قدمت الحوزة العلمية في النجف الأشرف مشروعاً متكاملاً لإجراء انتخابات حرة تكفل حقوق الجميع من قوميات وطوائف وأحزاب وحركات وتحل مشاكله السياسية والدستورية، فلا بد من تدارك الأمر ومحاورة قادتنا الشرعيين.
ونطالب هيئة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية بأن يكون لها دور الإشراف والرعاية لهذه الانتخابات ولمجمل العملية السياسية
حتى يستعيد الشعب عافيته وينهض من جديد، وأي تقصير في هذا المجال سيكون عثرة لا تُقال وسوف لا ينساها الشعب لهذه الواجهات التي انضم إليها وآمن بمبادئها,أسأل الله تعالى أن يتم نعمته على هذا الشعب الكريم ويحقق له أمنياته ويتولى رعايته بلطفه ويؤهله لدولة العدل الإلهي الشامل وما ذلك على الله ببعيد.
بسم الله الرحمن الرحيم
[إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً، وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً، وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] (الفتح:1-7).
الدولة الكريمة والفرج الحقيقي يبدآن من داخل النفس(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
حينما نطلب في الدعاء (اللهم إنا نرغب إليك بدولة كريمة...) فهذا لا يعني أن أملنا يتحقق ودعاؤنا يستجاب بقيام حكومة يترأسها وتضمّ رجالاً يرفعون لافتات إسلامية أو يتظاهرون بالارتباط بالمرجعية الدينية، وإنما تتحقق الدولة الإسلامية بأن نعيش الإسلام في كل تفاصيل حياتنا ونحكّمه في كل أمورنا وقضايانا وتصرفاتنا [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أنفسهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً] (النساء:65)،وهذا واضح من أوصاف هذه الدولة في الدعاء (تُعزُّ بها الإسلام وأهله، وتُذلُّ بها النفاق وأهله)، فلا تكون الدولة كريمة إلا حينما يكون رعاياها أحراراً يعيشون بعزة وكرامة وأعداؤهم أذلاء مقهورين.
وقد يتحقق هذا المعنى للدولة الكريمة عند المؤمنين وهم بعيدون عن الحكم وليس لهم في السلطة نصيب، كما كان عند أهل البيت (سلام الله عليهم) ومن الشواهد على ذلك –وإن كانت القضية لا تحتاج إلى شاهد- ما
1) يعود تاريخ هذه الكلمة إلى صيف عام 2003 حينما أقيمت في جامع المنتظر في مدينة الحرية ببغداد دورات للأطفال في العطلة، وفي نهاية الدورة استقبل سماحة الشيخ المشرفين عليها ومعلمات الأطفال المشاركين، حيث قام البراعم ببعض الفعاليات في مكتبه ثم تحدّث سماحته، كان ذلك بتاريخ 28/ 8/ 2003.
روي عن الإمام الهادي (علیه السلام) لما جلبه المتوكل العباسي من المدينة إلى سامراء وأنزله خان الصعاليك فدخل عليه أحد أصحابه وبكى رقّةً لحال الإمام (علیه السلام) حيث لم يكتفِ الظلمة بجلبه وإبعاده عن مدينة جده (صلی الله علیه و آله) حتى أنزلوه هذا المكان البائس فهوّن عليه الإمام (علیه السلام) وكشف له عن بصره فرأى جناناً وأنهاراً ومناظر خلاّبة وقال له: (حيث كنا فهذا لنا عتيد ولسنا في خان الصعاليك).وهكذا فحينما ندعو لإمامنا المهدي (علیه السلام) بالفرج وتعجيل الظهور فإن الفرج الحقيقي يبدأ من داخل أنفسنا حينما نهذّبها بطاعة الله تبارك وتعالى وتسير نحو الكمال، وإلا فما الذي نجنيه من ظهور الإمام (علیه السلام) إذا لم نحقق هذه الدرجات في داخلنا؟ ربما سنكون في الصف المعادي له أو مع المتخاذلين عن نصرته حرصاً على مصالح دنيوية أو وضع اجتماعي أو مكاسب سياسية ونحوها.
فالدولة الكريمة والفرج يبدآن من داخل النفس ثم يشرقان على الآخرين فإذا عاش المجتمع أجواءً إسلامية وكان سلوكه إسلامياً، وتفكيره مبنياً على أساس الإسلام فهذه هي الدولة الكريمة وهذا هو الفرج الحقيقي.
وهذا لا يتحقق إلا بمواصلة العمل الدؤوب على صعيد تهذيب النفس وعلى صعيد أقامة المشاريع الإسلامية الإصلاحية في المجتمع وإدامتها وأن لا يكتفي بالعمل الارتجالي الذي دافعه وهج العاطفة أو ردود الأفعال وعلينا أن نفهم الأعداء قبل الأصدقاء من الكبار والصغار، إن اندفاعة هذا الشعب الكريم نحو الإسلام ونشر تعاليم أهل البيت (علیهم السلام) ليس رد فعل على طول حرمانهم من
ممارسة شعائرهم من قبل الطواغيت كما ربما يصوّر البعض، ولا إنها فرار من الواقع المرير وتعلّق بالغيب للشعور العميق بالإحباط واليأس كما يصوّر البعض الآخر، وإنما هو نزوع نحو الكمال مبني على القناعة والمعرفة، ولا يمكن إيصال هذه الرسالة إلا بإدامة هذه المشاريع المباركة وبذل الوسع في تأصيلها وترسيخها.
خطاب المرحلة 16 : الأربعون حديثاً في قضايا المرأة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على رسوله والأئمة الميامين من آله وسلم تسليماً كثيراً.
في الخصال للصدوق (رحمه الله) (2)أن مما أوصى رسول الله (صلی الله علیه و آله) علياً أمير المؤمنين قوله (صلی الله علیه و آله): يا علي من حفظ من أمتي أربعين حديثاً يطلب بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً).
وكان هذا الحديث حافزاً لأن يؤلف علماؤنا الكثير من الكتب تحت عنوان (الأربعون حديثاً) في شتى العلوم والفنون، وبمناسبة مولد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (علیها السلام) يوم الثلاثاء المقبل والذي هو أفضل مناسبة ليكون يوم المرأة المسلمة، تجدد الأمة النظر في قضايا المرأة وما ينبغي أن نفعله لتأخذ المرأة بموقعها الكريم الذي جعلها الله تبارك وتعالى فيه، وإعادة تقييم عملنا في
هذا الاتجاه. ولأهمية هذا الموضوع وغفلة العلماء والمفكرين –في مجتمعنا على الأقل- عن البحث فيه، ارتأينا تعطيل الدراسة في الأسبوع المقبل والتفرغ لإحياء أسبوع للمرأة المسلمة وعدم الاكتفاء بيوم واحد.
وسأعرض بخدمتكم وبمقدار ما يتسع له الوقت عدداً من قضايا المرأة التي يمكن أن تكون محاور لفعاليات هذا الأسبوع من ندوات ومحاضرات وغيرها، وعليكم إيصالها إلى الأربعين لنكون ممن عمل بالحديث النبوي الشريف المتقدم، وإذا قدر لمساهماتكم أن تجمع وتنقح لتطبع في كتاب أو أكثر يكون خطوة أولى في طريق سد هذه الثغرة في حياتنا والتي أدت إلى عدة مفاسد منها:
1- تعطيل هذه الشريحة التي تمثل نصف المجتمع عن أداء دورها الرسالي العظيم للأمة وفي ذلك خسارة جسيمة.
2- تمرير الغرب لمؤامرته في تدمير عقيدة المجتمع وأخلاقه من خلال تشويه صورة المرأة في الإسلام ومن خلال التلويح بمصطلحات براقة خادعة كحرية المرأة ومساواتها للرجل.
3- نفور عدد من النساء من الشريعة وأهلها بسبب عدم فهم وجهة نظر الشريعة، أو سوء التطبيق لجملة من إحكامها كقيمومة الرجل على المرأة، أو تنصيف حصتها في الميراث والشهادة ونحوها.
4- كثرة المشاكل وتعقيد الحياة بسبب عدم فهم المرأة لدورها وما هو المطلوب منها؟ وما هي الأولويات التي يجب عليها الاهتمام بها؟ فمثلاً تتصور
أن أهميتها تكمن في غلاء مهرها؟ أو منافستها لقريناتها في ارتداء احدث الموديلات، أو قابليتها على اجتذاب الجنس الآخر وغيرها من المفاهيم الخاطئة. لذا احتجنا إلى حملة واسعة للنهوض بواقع المرأة والبلوغ بها إلى ما نطمح إليه بأن تكون بالصورة التي أرادها الله تبارك وتعالى لها.
واليكم عناوين هذه القضايا مع إثارة بعض النقاط حولها:
1- الأحكام المختصة بالنساء، وهو بحث فقهي يستقرئ الرسائل العلمية للفقهاء، ويسجل الأحكام الشرعية الخاصة بالنساء على مستوى الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات من أول الفقه إلى آخره وقد ألف في هذا الباب كتاب (فقه المرأة المسلمة) ابتداءً من الاجتهاد والتقليد حيث لا يجوز للمرأة التصدي لبعض المواقع، إلى نهاية الديات حيث إن دية المرأة نصف دية الرجل في الجنايات التي تزيد على ثلث الدية الكاملة، وعزل هذه الأحكام يكون فيه إلفات نظر المرأة وشدة الاهتمام بها، لذا رأينا إقبال النساء الشديد على اقتناء هذا الكتاب.
2- فلسفة تشريعات المرأة: يتناول البحث فيه العلل والحِكَم وراء تلك الأحكام المختصة بالنساء وقد يكون اتجاه البحث فيه اجتماعياً أو اقتصادياً أو فسلجياً أو أخلاقياً، فنعلل لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ولماذا جاز تعدد الزوجات ولماذا حصّتها من الميراث نصف حصة الرجل ولماذا لا يجوز مجامعة المرأة في الحيض وهو بحث فسلجي يراجع فيه مثل كتاب الطب محراب الإيمان وهكذا.
وقد ذكر المعصومون (علیهم السلام) عدداً من الأجوبة عليها في كتاب (علل الشرائع) و(وسائل الشيعة) وغيرها وتوجد في بعض الكتب الفكرية عدة حكم لها ككتاب (ما وراء الفقه) لسيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وكتاب (شبهات حول الإسلام) لمحمد قطب وفي تفسير الميزان للسيد الطباطبائي (رضي الله عنه) وتفسير (في ظلال القرآن) للمرحوم سيد قطب ولهذا البحث أهمية في تصحيح النظر إلى مثل هذه التشريعات التي استغلها أعداء الإسلام لتضليل أبنائه وإقناعهم بنبذه والإعراض عنه. 3- قيمومة الرجل على المرأة: قال تعالى [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] (النساء:34) ورغم أن القيمومة للرجل مسألة إدارية تنظيمية؛ لأن الأسرة تجمُّع يشكل نواة المجتمع فلا بد من رأس يديرها، وقد ذكرت الآية علة إعطاء هذا الموقع للرجل، وأنه يرجع إلى سببين أولهما ذاتي يعود إلى نفس تركيبة الرجل الفسلجية والنفسية والعقلية وثانيهما الموضوعي فإن الرجل غالباً هو المنفق على الأسرة ويدبر شؤونها.
لكن الكثير حولوا هذه المسألة الفنية إلى ظلم وتعسف واستبداد بسوء تطبيقهم مما انعكس سلبياً على فهم هذا التشريع.
4- حرية المرأة: من المصطلحات المجملة التي طبل لها أعداء الإسلام كثيراً هي الحرية والمطالبة بحرية المرأة ورفض القيود عليها، وهم لا يريدون بالحرية إلا الانفلات من كل الضوابط والانصياع وراء الشهوات الحيوانية والانغماس في اللذات، وهي عين العبودية للنفس الأمارة بالسوء فإن الحرية
الحقيقية في التحرر من عبودية ما سوى الله تبارك وتعالى من آلهة الجاهلية الحديثة المعقدة التي اشرنا إليها في كتاب (شكوى القرآن) وغيرها. ولو سألتهم هل تريدون بالحرية عدم الخضوع إلى القانون وتنفيذ كل ما يريد الشخص ولو على حساب الآخرين؟ فسيقولون لا إذ أن حرية الشخص تنتهي عند حقوق الآخرين، فلا بد من قانون إذن ينظم حياة البشر ويوزع الحقوق والواجبات، هذا القانون نراه هو الشريعة التي وضعها خالق البشر وصانعهم والعارف بما يصلحهم، لا القوانين الوضعية التي يضعها نفس الإنسان الناقص التائه العاجز، ولا تتحقق السعادة إلا بالتسليم المطلق لأوامر الشريعة الإلهية [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنفسهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء:65).
5- المرأة والتعليم: لا يوجد ما يدل على منع المرأة من التعليم بل على العكس، فإن المرأة كالرجل مشمولة بمئات الآيات والروايات التي حثت على طلب العلم النافع والتدبر في آيات الله والتفكير فيها وتفضيل أهل العلم على غيرهم درجات، لكن لا بد من تعيين الآليات المناسبة لتعليم المرأة بما يصون عفتها وحجابها ولا يجعلها فتنة للآخرين، ومن دون أن تخل بمسؤولياتها تجاه زوجها وأطفالها، وأن تقنن العلوم التي تدرسها بما يناسب حاجتها ورسالتها ويمكن تقديم عدة أطروحات وأفكار في هذا المجال.
6- الأسوة الحسنة للنساء: مما لا شك فيه ارتباط النظرية بالتطبيق فإن الكلام مهما كان ناضجاً ومتكاملاً، فإنه إذا لم يجسده لا يكون مؤثراً وأي تصرف سلبي ينعكس سلبياً على النظرية لذا تشوهت صورة الإسلام حين تصدى
للخلافة ناس منحرفون. من هنا ورد التأكيد المستمر على ضرورة اقتران العلم بالعمل وكانت من العناصر المهمة في التربية الأسوة الحسنة التي تجسد النظرية على ارض الواقع كما قال الإمام (علیه السلام): (كونوا لنا دعاة صامتين) قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (الأحزاب: 21)، ولك أن تتعرف على هذه الأهمية من خلال بحث (حاجتنا إلى الأسوة الحسنة) المنشور في كتاب (نحن والغرب).
ويزخر تأريخ الإسلام بعدد وافر من نساء الأسوة الحسنة وعلى رأسهن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (علیها السلام) وزينب العقيلة وأم المؤمنين خديجة ومريم بنت عمران وفاطمة بنت أسد وأم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية والشهيدة بنت الهدى وغيرهن وقد عرضت سيرة بعضهن في مجموعة روايات بعنوان (هدى والطواهر) يتحرى من كل واحدة منهن خصلة حميدة.
7- المساواة بين الرجل والمرأة: فقد خدع الأعداء كثيراً من أبنائنا بهذه الدعوى من دو ن أن يعرفوا بدقة مغزاها، ويتخبّطون بمجرد أن نسألهم عن معنى المساواة وهم بأنفسهم يحجبون المرأة عن كثير من الأعمال والمسؤوليات التي لا تناسب المرأة، ولا يفرقون بين المساواة والمماثلة، فإن الإسلام هو مؤسس العدل والمساواة إلا أن ذلك لا يعني المماثلة في الحقوق والواجبات.
وأضرب لذلك مثالاً فلو أن رجلاً يملك أموالاً وعقارات ومعامل فأراد أن يوزع ممتلكاته بالتساوي فقد يعطي لأحدهم نقداً ولآخر عقارات بنفس القيمة ولآخر معامل بنفس القيمة مراعياً حال كل منهم وما يناسبه وما يحسنه من
أعمال، فهل يؤاخذ الأب على ذلك أم يحمد لأنه ساوى بين أولاده، وبالشكل الذي يصلحهم وان لم يماثلهم في العطاء، فهكذا فعلت الشريعة تساوي الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وان لم يتماثلوا فيها. 8- الخطابة النسائية بين الواقع والطموح: لا يخفى ما للمنبر الحسيني وشبهه من دور عظيم في توعية الأمة وتثقيفها وتزويدها بعقيدتها وحمايتها من الانحراف لذا اهتم به المعصومون (علیهم السلام) وحافظوا على وجوده وكانت وصية الإمام الباقر (علیه السلام) أن تندبه النوادب عشر سنين في منى، وكان لهذا الفعل أثره في نشر مظلومية أهل البيت وتقويض أسس الدولة الأموية، لكن الملحوظ أن أداء المنبر النسائي ضعيف وشكلي فما هي أسباب تراجعه عن أداء دوره؟ وكيف تنهض به ليمارس دوره الرسالي في عالم المرأة؟ ويوجد كتاب يحمل هذا العنوان (الخطابة النسائية بين الواقع والطموح).
9- المرأة بين الإسلام والأنظمة الوضعية: دراسة تأريخية يقارن فيها بين نظرة الإسلام للمرأة ونظرة الأيديولوجيات والنظم الأخرى ليجد في النهاية أن المرأة ما كرمت ولا أعطيت المكانة اللائقة إلا في الإسلام، ومن مصادر هذا البحث: المرأة في القرن العشرين والمرأة في الإسلام للعقاد وتفسير الميزان في أول سورة النساء.
10- تعدد الزوجات: وهو موضوع صوَّره الأعداء وكأنه ظلم للمرأة وتجاوز على عواطفها فنفروا المرأة من الشريعة بسببه، فما فلسفة هذا التشريع؟ وما هي الحكمة وراءه؟ والمشاكل التي يعالجها هذا التشريع؟ وكيف اضطرت الكثير من الأمم إلى إباحته بعد أن منعته لما وجدت أن المنع أدى إلى تدمير كيان
المجتمع وانحلال روابطه، راجع تفسير الميزان وفي ظلال القرآن وشبهات حول الإسلام لمحمد قطب والمرأة في الإسلام وغيرها. 11- جمال المرأة: لقد اقنع الأعداء المرأة بأن جمالها في لبسها افخر الثياب وأغلاها أو وضعها للزينة الصارخة أو شكل تسريحة شعرها أو المبالغة في إبداء مفاتنها، فحولوا المرأة إلى دمية تتفنن دوائر الإفساد العالمي في صنعها وإخراجها وليس لها إلا التسليم والإذعان.
أما الإسلام فيرى أن الجمال الحقيقي للمرأة في عفتها وحيائها وحجابها وسترها عن أعين الرجال، وفي تقواها وتدينها قال تعالى -مشيراً إلى أن اللباس الحقيقي الذي يزين الإنسان هو التقوى-: [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] (الأعراف: 26)، وتستطيع تلك المرأة المغلوب على أمرها أن تستقرئ أذواق الرجال لترى أنهم إلى أي المرأتين أشد ميلاً وأكثر إعجاباً فستجدهم يختارون المرأة المحتشمة العفيفة الممتنعة عن الرجال، ويشترك في هذه النظرة المؤمنون والفسقة من الرجال.
مع موعظة للمرأة المغترة بجمالها مما يدفعها إلى معصية الله تبارك وتعالى بأن هذا الجمال زائل، وقد يكون زواله سريعاً لتعرضها لحادث سيارة أو حرق ونحوها مما هو محتمل ووارد وكم امرأة كان جمالها وبالاً عليها وعلى زوجها وأدى إلى طغيانها واستعلائها وتفكك أسرتها وتوجيه النصيحة إلى الشباب الذين يبحثون عن أوصاف مثالية في المرأة التي يريدون الزواج منها فلا يجدونها مما يؤدي إلى تعطيلهم وتعطيل النساء وحصول مفسدة كبيرة، وقد
ذكرنا في مناسبة(1)سابقة أن هذا العزوف هو من النتائج التي يريد أولياء الشيطان إيصال شبابنا إليها بنشر صور من يسمونهن بالحسناوات في الصحف والمجلات وقد عالج الشرع المقدس ذلك بالأمر بغض البصر عن ما حرم الله تعالى. 12- كيف تحقق المرأة حياة زوجية سعيدة: إن الزواج سنة إلهية تتناغم مع متطلبات الفطرة والحاجات الإنسانية ويطمح كل من الجنسين بالارتباط بالآخر لتكتمل شخصيته ويؤدي دوره في الحياة بشكل فاعل، ولكي تكون حياة زوجية سعيدة لا بد من توفير عدة صفات في المرأة بيّنها المعصومون (علیهم السلام) ويمكن استخلاصها من الروايات ومن تجارب الآخرين وتأملات المفكرين، راجع كتاب وسائل الشيعة والجزء السادس من (ما وراء الفقه)
13- ولاية الأب على تزويج الباكر: ما هي فلسفتها وأهميتها الاجتماعية؟ وهل ذلك مصادرة لحرية المرأة أم حماية لها من اختيار الرجل غير المناسب؟ وهل هي ثابتة للأب مطلقاً أم في ظروف معينة وهل للبنت حصة في هذا الاختيار أم لا؟ ولماذا تختص بالبكر دون الثيب وقد بحثت المسألة استدلالياً واجتماعياً في كتاب (مسائل في الفقه الاستدلالي المقارن)(2).
14- الزواج المؤقت: مشروعيته في الكتاب والسنة، الحالات التي يكون الزواج المؤقت حلاً ناجحاً لها، تحليل كلمة أمير المؤمنين (علیه السلام) لو لا نهية.
عمر عن المتعة لما زنى إلا شقي، تثقيف الأمة بهذا الاتجاه حتى تقبل هذا التشريع في ظروف معينة كأسلوب محلل لمواجهة الضغط الجنسي والفساد والانحلال المستشري في عالم اليوم، وكحل لمشكلات الكثير من النساء المطلقات والأرامل جنسياً واقتصادياً ونحوها. إن بعض مفكري الغرب كالفيلسوف الرياضي الإنكليزي برتراند رسل دعوا إليها على الأقل في أوساط الجامعات وبالشكل الذي لا يخرج عن التقاليد الاجتماعية كتجربة ومقدمة وتعارف قبل الزواج الدائم، وقد تحدثت عن الموضوع في كتاب (مسائل في الفقه الاستدلالي المقارن).
15- تعطيل المرأة عن الزواج: مشكلة وعلاج انتشرت هذه الظاهرة وكثر عدد العوانس والمتقدمات بالسن من غير زواج في مجتمعنا المسلم، وهذه كارثة كبيرة يجب التفكير في أسبابها، ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها وقد أثرت نقاطاً عديدة ومهمة في كتاب (الزواج والمشكلة الجنسية) وأرجعت المشكلة إلى أسباب نفسية واجتماعية واقتصادية ثم قدمت ما يقابلها من الحلول ولا بد من تضافر الجهود والتفكير الجدي في الحد من هذه الظاهرة لإدخال السرور على قلب رسول الله (صلی الله علیه و آله) وصاحب الزمان (علیه السلام).
16- المرأة وآلهة الجاهلية الحديثة: قلنا في كتاب (شكوى القرآن) إن الجاهلية ليست فترة زمنية انتهت بظهور الإسلام بل هي حالة اجتماعية وفكرية عقائدية تتردى إليها البشرية كلما ابتعدت عن المنهج الإلهي، ولها سمات وخصائص ذكرناها هناك وهي مجتمعة في عالم اليوم، بل إن الجاهلية المعاصرة جمعت مساوئ كل تلك الجاهليات.
وتشكل المرأة ركيزة أساسية في حالة التردي هذه ووسيلة مهمة لإعادة الأمة إلى جاهليتها لذا ورد في الحديث أن النساء حبائل الشيطان والهم الرئيسي للشيطان إبعاد الناس عن طاعة الله تعالى، وقد صنعت الجاهلية آلهة جديدة اقتنعت المرأة بالخضوع لها وطاعتها وعدم الخروج عن مقتضياتها وهي معاني العبادة [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ] (الجاثية: 23)، فالمرأة اليوم تخضع للتقليد وللأعراف ولما يقتضيه الأتكيت الاجتماعي من مشاركة في الحفلات المختلطة وارتياد النوادي ولبس أفخر الثياب وتبديل أثاث البيت في كل موسم وتلهث وراء الموضة –كما يسمونها- وتقلد الفنانات وعارضات الأزياء، وقد كلفها هذا الخضوع وهذه العبادة الخروج عن دينها وأخلاقها، بل أدى إلى تفكك الكثير من الأسر وانحلالها لعدم قدرة الزوج على تلبية هذه المتطلبات فإما أن يلتجئ إلى الوسائل المحرمة أو ينهي علاقته بمثل هذه المرأة، وقد ذكرت تفاصيل لهذه الظاهرة في كتاب (رفقاً بالرجال يا قوارير). 17- المرأة والعلاقات الجنسية غير المشروعة والشذوذ الجنسي، كثرت مثل هذه الحالات في مجتمعنا المسلم المحافظ الغيور فما هي أسبابها: سوء التربية وتقصير أولياء الأمور في ممارسة دورهم ووجود أجهزة الإفساد والإثارة الجنسية كالتلفزيون والستلايت والأقراص الليزرية، ضعف الوازع الديني والأخلاقي، عدم التفكير في البدائل، الأسباب الاقتصادية كإعواز بعض النساء المطلقات والأرامل، إهمال بعض الأزواج لزوجاتهم وعدم إعطائها الحق الجنسي لأسباب شتى وانشغاله عنها إما حراماً بعلاقات غير مشروعة أو حلالا بانهماكه في أعماله ومسؤولياته من دون الالتفات إلى إعطاء كل ذي حق حقه.
إن مجتمعنا يعيش تناقضاً بين معتقداته وتقاليده التي تعاقب بأشد العقوبات من يرتكب جريمة جنسية خصوصاً المرأة حيث تقتل غسلا لعارها، وبين سلوكه حيث تراه غير مكترث بانتشار وسائل الإفساد والإغراء والإثارة فلا هو كالغرب المنحل ولا هو كالمجتمع المسلم فكرا وسلوكاً، فعلينا أن نفكر جدياً في هذه المشكلة وكيفية علاجها قبل أن يستفحل الداء ويتسع الخرق على الراتق. 18- الخلافات الزوجية وعلاجها: كثيراً ما تحدث خلافات داخل الأسرة، وأحياناً تكون بين زوجين مؤمنين مثقفين في الوقت الذي نتعب كثيراً للجمع بين رجل وامرأة لإنشاء زواج مبارك، ثم لا نلبث حتى نسمع بحصول المشاكل التي قد تؤدي إلى الطلاق مما يقلل من الهمة للسعي في التزويج، فما هي أسباب نشوء مثل هذه المشاكل كيف نعالجها لكي لا تنتشر وتصبح مانعاً عن تفكير الشباب في الزواج خشية الوقوع فيها ويوجد كتاب بهذا العنوان يمكن الاستفادة منه (المشاكل الزوجية أسباب وعلاج).
19- المرأة والعرفان: هل يمكن للمرأة أن تسلك طريق تهذيب النفس حتى تصل إلى المعرفة الحقيقة وكيف يمكنها ذلك ووسائل إيصالها ضعيفة؟ وهل أن وصفة العلاج للنفس والروح التي تأخذها هي نفس وصفة الرجل؟ ما هي معوقات هذا الطريق بالنسبة للمرأة، نماذج لنساء عارفات، كل ذلك يمكن أن نبحث ويقدم كدراسة تستفيد منها المرأة الطالبة للكمال.
20- المرأة والعمل: مما خدعوا به المرأة وأخرجوها من بيتها ضرورة عمل المرأة وأن جلوسها في البيت تعطيل لنصف المجتمع، وضرب المثل بالمرأة
الغربية التي خرجت للعمل، وكل هذه أباطيل فإن ممارسة المرأة لوظيفتها الإلهية في بناء أسرة متكاملة أهم من خروجها للعمل الذي أدى إلى تعطيل دورها ودور الآخرين بإشغالهم وفتنتهم بها فتعطل المجتمع كله، وهل أننا وفرنا فرصة عمل لكل رجل حتى نحتاج إلى خروج المرأة، وإن مقارنة المرأة المسلمة للمرأة الأوربية باطل فإن المرأة في الإسلام مكفولة الرزق ضمن نظام أسري قبل الزواج وبعده، أما الأوربية فليست كذلك، كما أن أوربا مرت بظروف الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر والحروب الكارثية التي اضطرت المرأة للعمل، وليس حالنا مثلها، ومحل الشاهد أننا نحتاج إلى عرض هذه الشبهات التي ظللوا بها نساءنا والإجابة عنها، وبيان مساوئ الخروج العشوائي وغير المنتظم والمبرمج للمرأة إلى ميدان الحياة العامة مما يسوق الأمة إلى التردي والاضمحلال.هذه عشرون عنواناً لقضايا المرأة اتسع لها الوقت بإذن الله تعالى، عليكم البحث فيها واستخلاص النتائج والالتفات إلى عناوين أخرى حتى يكتمل عدد الأربعين وزيادة.
أسأل الله تعالى أن يأخذ بيد هذه الأمة نحو الصلاح والفلاح إنه ولي النعم.
بيان استنكار الاعتداء على مكتب آية الله السيد محمد سعيد الحكيم(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
روعنا يوم أمس بالاعتداء الأثيم الذي حصل على مكتب سماحة آية الله السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) وذهب ضحيته عدد من الأبرياء وهو حادث جلل لا يمكن أن يمر كحدث عابر لأنه انتهاك لحرمة النجف الأشرف أولاً وللمرجعية الدينية ثانياً وللإسلام والمذهب ثالثاً.
وبغض النظر عن معرفة الجهة أو الجهات التي قامت بهذه الجريمة إلا أنهم يجمعهم هدف واحد وهو زرع الفتنة بين صفوف هذه الأمة المؤمنة، وإبقاء حالة الفوضى وعدم الأمن والاستقرار؛ لأنها فئة ضالة لا تريد الخير للآخرين وتحاول أن تستغل الخلافات(2)بين الجهات الحوزوية لكي تشعل الفتنة بينهم وتضرب بعضهم ببعض وتبقى هي في منأى عن ذلك؛ لتأخذ الغنيمة لها وحدها.
وقبل أيام فجروا مكتب الأمم المتحدة في بغداد وقتلوا ممثل أمينها العام
1) تعرّضت دار ومكتب السيد الحكيم يوم الأحد 25 جمادى الثانية 1424 المصادف 24/ 8/ 2003 لتفجير عبوة موضوعة في قنينة غاز فاستشهد ثلاثة من العاملين، وقد عطّل سماحة الشيخ درسه في اليوم التالي وتلا على حشود الحاضرين هذا البيان ثم زار مكتب السيد الحكيم لتقديم التعازي والمواساة ولاظهار وحدة المرجعية والأمة ازاء هذه الفتن.
2) كان المكتب يتّهم أتباع بعض الجهات الحوزوية بتنفيذ العملية.
ليجهزوا علي أي مشروع لإصلاح حال العراق وأعادته إلى وضعه الطبيعي والذي يكون للأمم المتحدة دور مهم فيه.فإذا أردنا أن نقطع الطريق على هؤلاء الأشرار فإن أول خطوة وأهمها هي لم الشمل ونبذ الخلافات وعدم ترك أي فجوة داخل الحوزة الشريفة وخارجها يمكن أن يستثمرها العدو ويخترقنا من خلالها فنكون نحن من المساهمين في إنجاح عمله.
وليكن هذا الحادث بكل ما يحمل في طياته من خطورة لا يعلم مداه إلا الله تبارك وتعالى أكبر حافز لتحقيق هذه الوحدة الحوزوية والتجرد عن الأنانيات ولنجعل الله تبارك وتعالى نصب أعيننا فإننا سنوقف للحساب وسنسأل عن كل صغيرة وكبيرة فهل راقبنا أنفسنا ودققنا أعمالنا إن كانت مخلصة لله تعالي أو لا، يقول الإمام (علیه السلام) في الدعاء: (عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً).
لقد آن الأوان لكي تتبنى المرجعية الدينية مشروعاً(1)وحدوياً يمكنها من مواجهة الأخطار والتحديات التي تعصف بكيانها فإن الزمن ليس في صالحنا والأعداء يخططون فلا نبقى غافلين، أسأل الله أن يوقظنا جميعاً من الغفلة ويخلص نياتنا له تبارك وتعالى ويسدد خطانا لما فيه الخير والصلاح للأمة ولنا جميعا ولهذا الدين ولهذا المذهب إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.ة.
1) يحثّهم سماحة الشيخ (دام ظله) على تبني مشروع جماعة الفضلاء وأمثاله في الأهداف والآليات الهيكلية.
خطاب المرحلة 17 : ماذا استهدفوا بعملية يوم الجمعة الدامي وماذا علينا أن نفعل(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد كانت المصيبة التي وقعت يوم الجمعة الأول من رجب عام 1424 جليلة وعظيمة انتهكت فيها حرمة الإسلام والمذهب والحوزة العلمية والنجف الأشرف، فقد نفذت الجريمة في واحدة من أقدس بقاع الأرض في جوار مرقد أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) حيث تعدل الصلاة الواحدة عنده مائتي ألف صلاة تشريفاً لهذه البقعة، وفي واحدة من أشرف اللحظات وهي الساعة التي تعقب صلاة الجمعة والتي قال فيها الله تبارك وتعالى [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرض وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الجمعة:10) ويكو ن المصلي حينها قد غفرت ذنوبه كلها وعاد كيوم ولدته أمه وتقول له الملائكة استأنف العمل فقد غفر لك، وفي يوم الأول من رجب أحد الأيام المباركة المخصوصة، وفي مدينة النجف مركز الإشعاع الفكري ومستقر المرجعية الشريفة ومصنع رجالات الفكر والعلم
1) بيان أصدره سماحة الشيخ أثر التفجير الإجرامي الذي أدى إلى شهادة سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم وأكثر من ثمانين شخصاً بعد أداء صلاة الجمعة في الحرم العلوي الشريف.
والجهاد والفضيلة ومهوى أفئدة المسلمين في العالم، وقد كانت عظيمة بالخسائر التي نتجت عنها كمّاً وكيفاً فقد استشهد أحد رموز العمل الإسلامي السياسي والاجتماعي والفكري والديني وهو آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) والعشرات من المؤمنين تجاوز عددهم المائة لأن مكان الجريمة يزدحم عادة بالمصلين والزوار في مثل هذه الساعة المباركة.وقد كان المجرمون الذين نفذوا العملية ملتفتين إلى كل الجوانب ومتعمدين لها فماذا استهدفوا من ذلك؟
1ـ خلق الفتنة بين أبناء المجتمع لأن أصابع الاتهام ستتجه إلى هذا وذاك وتجري أعمال أخذ الثأر ورد الاعتبار من كل من يحتمل ولو ضعيفاً أنه خصمٌ للسيد الحكيم (قدس سره) الشخص أو النوع سواء داخل المذهب أو خارجه ومن دون تروٍّ وتأمل وتورّع، وقد تؤدي إلى حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله تعالى وربما كما من خطط المنفذين أن يقوموا بعمليات مماثلة ضد الأطراف المقابلة للسيد الحكيم (قدس سره) شخصاً أو نوعاً لتعزيز هذه الفتنة وتأكيد الاحتمالات، وقد حدث فعلاً بعد الجمعة التالية اعتداء على مسجد لأبناء السنة في مدينة الشعب ببغداد، وإن اختيارهم لمرقد أمير المؤمنين (علیه السلام) وللزمان الشريف وتكثير عدد الشهداء والجرحى إنما هو تفعيل للفتنة وتعظيم لتداعيات الحادث حتى تفلت زمام الأمور من العقلاء.
2ـ نشر الرعب والفوضى وإرباك الوضع والمنع من الأمن والاستقرار لربوع البلد وهذه هي النتيجة التي أرادوها أيضاً بتفجير مكتب الأمم المتحدة في بغداد وقتل فيها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الذي قيل أنه عمل لإعادة
العراق إلى وضعه الطبيعي حتى سمي (صديق الشعب العراقي) ومثل هذا الاستقرار يضّر بوضع بعض عصابات المجرمين لأنه سيسّهل القبض عليهم ويعرقل حركتهم ونشاطهم كما أنه يسلب مبررات وجود آخرين.3ـ التأثير في المعادلة السياسية الجديدة التي بدأت تتبلور بعد سقوط النظام البائد لمصلحة الإسلام وخط أهل البيت (علیهم السلام) خاصة، ولا شك أن السيد الحكيم (قدس سره) كان عنصراً مؤثراً في هذه المعادلة الآن وفي المستقبل بما يمتلك من رصيد فكري وسياسي واجتماعي وديني فيمكن أن يكون عائقاً من تمرير الحالة التي يريدونها للعراق الجديد بمعارضته العملية أو النظرية على الأقل من خلال الخطب والكلمات التي كان يلقيها ويوعي الجماهير ويلفت أنظارهم إلى هذه الهواجس حسب تعبيره (قدس سره).
4ـ تعويق الحركة الإسلامية المتصاعدة بتصفية رموزها العاملين وهو أحد الأهداف الرئيسية التي جاءوا من أجلها لذا ليس من المصادفة أن يستهدف الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة حماس في غزة بعد حادث الجمعة بأيام.
إذا عرفنا ذلك فماذا علينا أن نعمل:
1ـ العمل أزيد من ذي قبل على توحيد الأمة ونبذ الخلافات والالتفات إلى القضايا المصيرية التي تهمنا، وقد أبدى الشارع العراقي سنة وشيعة عرباً وأكراداً وتركمان مسلمين مسيحيين تفهمه للحاجة إلى هذه الوحدة من خلال المشاركة المليونية في التشييع وكانت هذه ثمرة كبيرة هوّنت المصاب الجليل، والمطلوب هو مواصلة العمل لترسيخ هذه الوحدة وإعادة النظر في الاختلافات السابقة وتنسيق مواقف الجميع وتوحيدها على خط رضا الله تبارك وتعالى
ومصلحة الأمة.2ـ مضاعفة الهمّة والجهد لإعداد جيل من العلماء والمفكرين والقادة ليعوضوا الخسارة، فإن العالم إذا مات ثلم في الإسلام ثلمه لا يسدها شيء إلا عالم مثله فمثل هذه الأحاديث الجليلة تحملّنا مسؤولية إضافية خصوصاً نحن الحوزة الشريفة ـ لتعويض هذا النقص وإدامة الحركة الإسلامية المباركة وتكثير مشاريعها سواء على صعيد تأسيس الحوزات العلمية في كل مكان وفتح المراكز والمجمعات الثقافية وإقامة المجالس والشعائر الدينية وعقد الندوات والمحاضرات والمسابقات وتكثيف اللقاءات ونشر وتوزيع الكتب والإصدارات الواعية ومن العناصر المهمة في هذه الحركة هو أعمار المساجد بكل ما يناسبها من الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية.
3ـ توعية الأمة وتثقيفها سياسياً لتكون على بصيرة بالأمور وتستطيع أن تشخص مصالحها وتميّيز النافع من الضار من القرارات التي تصدر في حقها وحتى تتوفر لها القابلية الكاملة على قراءة الأحداث وتحليلها وها هي تواجه قضية مهمة في تأريخها وهي كتابة الدستور الذي هو المرجع والفيصل في قضايا البلاد ويمكن أن تكتب فيه فقرة على غفلة أو جهل من الشعب فتقوده إلى الكارثة.
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبناء شعبنا العراقي الحر الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
لا يخفى على أحد الأهمية العظيمة التي يمثلها الدستور في حياة الدول، فهو الإطار القانوني الأعلى الذي يتكفل بيان الحقوق والواجبات ويرسم شكل الدولة ويحدد منطلقاتها الدينية والفكرية، ويكون بمثابة المسطرة التي يقاس عليها شرعية وعدم شرعية القوانين والتعليمات واللوائح التي تصدرها الجهات التشريعية لتنظيم جميع مفاصل حياة المواطنين في البلاد.
ومن منطلق هذه الأهمية تعتبر كتابة الدستور خطوة خطيرة في حياة البلدان تحتاج إلى جهود متضافرة حتى يكون الدستور ناطقاً بتوجيهات وإرادات وطموحات أبناء البلد.
وليس بخافٍ عليكم أيضاً أن الاستكبار العلني والسري لا يريد للشعوب أن ترسم أرادتها بشكل مستقل وبعيداً عن إملاءاته ووصايته، فهو يسعى جاهداً وبشتى الوسائل أن ينفذ إلى دساتير البلاد ليثبت الفقرات التي تحمي مصالحه
وتلائم توجهاته.
ومن هنا توجب أن تكون العيون والعقول مفتوحة ومتيقظة لأجل رصد عملية كتابة الدستور وتفحص بنوده عن قرب.
وبغية إلفات نظركم واستحصال مراداتكم وتوجهاتكم تجاه هذا العمل الخطير نتوجه إليكم بهذا الاستبيان:
ولا يخفى أن الغرض من هذا الاستبيان ليس فقط استطلاع الرأي العام وإنما يراد منه أن تكون وسيلة لتوعية الأمة وتثقيفها إزاء قضايا الدستور ونظام الحكم لذا حاولنا كتابة مقدمة تعريفية قبل كل سؤال(1)
ضع علامة (*) في المربع المناسب
(أ) الدستور
س1: هل يمثل لك الدستور قضية مهمة تثير اهتمامك ومتابعتك؟
نعم:.... لا:....ق.
1) راجع نتائج الاستطلاع في بيان لاحق.
س2: هل تدرك أهمية الدستور وتأثيره على مستقبل حياتك؟
نعم:.... لا:....
س3: إن الجهة التي ترعى كتابة الدستور هي التي توفر الأجواء المناسبة لحرية الكتابة وتضمن لممارسي عملية الكتابة حرية الرأي وتثبيت أرادة الشعب دون أي وصاية أو ضغوط لذلك، وتعتبر بصدق وأمانة عن حقوقه وطموحاته.
فهل تريد أن يكتب الدستور برعاية؟
مجلس الحكم - مجلس تأسيسي منتخب - الحوزة الشريفة والعلماء
س 4: إن إسناد مهمة كتابة الدستور يمكن أن تكون بأشكال مختلفة، فإما أن يتم تعيين جماعة لهذه المهمة وفي هذه النقطة مخاطر كثيرة، منها وضع أشخاص لا يمثلون أرادة الشعب ضمن هذه الجماعة خصوصاً إذا كانت الجهة التي تقوم بالتعيين غير منتخبة من الشعب. والأسلوب الآخر هو انتخاب الشعب لمجموعة متخصصة يتم ترشيحها للقيام بهذه المهمة، فإلى من تريد إسناد كتابة الدستور؟
جماعة معينة من ذوي الاختصاص - جماعة مختصة منتخبة من الشعب
س5: المعروف استفتاء الشعب على الدستور وله أشكال، فإما أن يكون الاستفتاء على الدستور بشكل عام أي مقبولية هذا النص، وإما أن يتم استشارة الشعب على فقراته واحدة واحدة أو بالتفصيل: فهل تفضل أن يكون الاستفتاء الشعبي على:
الدستور بكليته - الدستور بمواده وفقراته بالتفصيل
س6: هل تفضل أن يكون الدستور:
دائمیا - موقتا
س7: الدستور يمثل الأصل الذي تتفرع منه القوانين والتعليمات واللوائح وهذه الثلاثة يجب أن تكون متناسبة مع رؤية الدستور وتوجيهاته. ولكن قد يحصل أن يتم تشريع قوانين واتخاذ قرارات تتنافى وروح الدستور. فلضمان اتساق هذه القوانين مع الدستور يقتضي أن تكون هنالك جهة مراقبة ومشرفة على دستورية القوانين وهناك صيغ لهذه الجهة مطبقة في العالم منها هيئة سياسية، مجموعة من السياسيين للمراقبة، أو هيئة قضائية. ويمكن إيجاد هيئة مركبة من الاثنين لضمان دستورية القوانين.فهل تفضل أن تكون الرقابة على دستورية القوانين من:
هيئة سياسية - هيئة قضائية - آلية محكمة جديدة تضبط دستورية الدستور
س8: دستور البلد وما يتفرع عنه من قوانين إنما يوضع لضمان سعادة الشعب، فقد يرى جيل معين من المصلحة ما لا يراه الجيل السابق مما يقتضي تعديل الدستور وحينئذ...هل تفضل أن يكون تعديل الدستور كلياً أو جزئياً؟ عن طريق:
الاستفتاء الشعبي - البرلمان
س9: من المسائل المهمة التي يحاول الاستكبار تحقيقها هي أبعاد الإسلام عن ساحاته وإحلال الرؤية العلمانية بدلا منه، ولما كان الدين هو الأساس العقيدي الذي تستند إليه رؤية الفرد عن مفردات الحياة وتفاصيلها، لذا جرت الدساتير في أغلب صياغتها على تدوين بشكل واضح يضمن مفرداتها.
برأيك هل ترى من الضروري أن يدون في الدستور أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وان القوانين التي تشرع يجب أن لا تتعارض معه؟
نعم ... لا...
س10: هل توافق على التأخير النسبي لكتابة الدستور مقابل أن يكون عن طريق انتخاب أعضائه أو ترغب بالإسراع في كتابته عن طريق تعيين أعضاء لكتابته؟
التأخير النسبي لأجل انتخابات أعضائه - التعيين لأجل الإسراع بكتابته
س11: هناك أشكال متعددة لنظام الدولة فإما أن تكون الدولة موحدة،
بمعنى: أن تكون أجزاؤها الداخلية مرتبطة بشكل مركزي بحكومة عليا تدير شؤون البلاد داخلياً وخارجياً كما كان شكل العراق قبل سقوط النظام، أو أن تكون الدولة فدرالية بحيث يكون البلد مقسماً إلى ولايات تدير كل ولاية شأنها الداخلي بنفسها ضمن حكومة محلية وترتبط الولايات بحكومة مركزية عليا تدير شؤونها الكبرى وسياسية البلاد الخارجية وتقسيم الموارد المالية كما في الولايات المتحدة الأمريكية. ماذا تفضل أن يكون شكل الدولة؟
دولة فدرالية - دولة موحدة
س 12: النظام البرلماني تكون السلطة فيه لرئيس الحكومة، أما رئيس الدولة فيمكن أن يكون ملكاً، أو رئيس جمهورية دون صلاحيات فعلية، والحكومة تكون من وزراء مسؤولين أمام البرلمان كما هو الحال في بريطانيا وايطاليا والهند.
والنظام الرئاسي تكون السلطة فيه لرئيس الدولة الذي ينتخبه الشعب وهو يرأس الحكومة وهو يكون على قدم المساواة مع السلطة التشريعية المنتخبة كما هو في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. هل تفضل أن يكون النظام الحكم:
برلماني - رئاسي
س13: هناك صورتان لإمكان تدخل علماء الدين في حكم البلاد فإما أن يكونوا جزءاًً من مفاصل الحكم التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإما أن يشرفوا
من بعيد على سير مفاصل الدولة لتقديم المشورة والنصح وتسديدها عند الخطأ. هل تفضل أن يشارك علماء الدين في الحكم أم يكونوا مشرفين عليه فقط؟
داخل دائرة الحكم - مشرفين عليه فقط
س14: هل ترغب بتركيز الوزارات في العاصمة أم نشرها في المحافظات:
فی العاصمة - نشرها فی المحافظات
س15: إن أخصر عبارة لحال العالم في هذا الزمان هي ساحة صراع بين الأقوياء والضعفاء وتنافس أرادات، ويمثل الجيش الأداة القوية التي يدافع بها البلد عن أرادته وسياسته. وهناك توجهات لتحويل العراق إلى بلد محايد ومهمش من خلال تحديد قوته الدفاعية بجيش صغير يتدرج من 4 ألاف إلى 60 ألف بعد عشرة سنوات.
فهل ترغب أن يكون الجيش العراقي صغيراً وخدمياً، أم يكون جيشاً قوياً يوازي القوى الإقليمية ويتناسب مع التحديات الخارجية؟
جيش صغير وخدمي - جيش كبير ومتكامل
س 16: هل ترغب أن يعتمد على نظام التطوع، أم الخدمة الإلزامية، أم كلاهما معاً؟
نظام التطوع - الخدمة الإلزامية - كلاهما معاً
س17: القضاء ركيزة مهمة لضمان العدالة وإحقاق الحق. وقد كانت المحاكم تستند إلى قوانين وضعية من صنع الإنسان الظالم لنفسه فضلاً عن ظلم الآخرين، وأما اليوم فتوجد فرصة لإنشاء محاكم تستند في قضائها إلى القواعد الإسلامية، ويمكن ان ينظم كلا الشكلين ويكون المواطن مخيراً إلى أي منهما.
هل ترجّح أن يكون القضاء معتمداً على الشريعة الإسلامية، أم القوانين الوضعية، أم كلاهما؟
معتمداً على الشريعة الإسلامية - معتمداً على القوانين الوضعية - كلاهما
س18: الاقتصاد هو أهم عوامل القوة للدولة، وإن بناء هذا الاقتصاد يختلف بحسب رؤية الشعب للآلية التي تتحكم بالاقتصاد. فهنالك توجه يسعى إلى تمليك وسائل الإنتاج ومؤسساته بما فيها القطاع النفطي والصحي إلى الأفراد ويعبر عن ذلك بالخصخصة، أي تمكين القطاع الخاص، ويقابله توجه يرى ضرورة أن تكون المؤسسات الإنتاجية الكبرى ووسائل الإنتاج ملكاً لجميع الشعب وبيد الدولة وتسمح بتمليك القطاع الخاص في حدود المشاريع والشركات الصغيرة.
فهل ترغب أن يكون الفاعل الرئيسي في الاقتصاد قطاع الدولة أم القطاع
الخاص؟
قطاع الدولة - القطاع الخاص
س19: هل إن إجراء مثل هذا الاستبيان حول مختلف القضايا التي تهم الأمة له دور في التوعية والتثقيف السياسي؟
نعم .... لا ...
ملاحظة: تجد نتائج الاستطلاع صفحة 199.
بسم الله الرحمن الرحيم
عقدت في بغداد يوم الخميس 18/ 9/ 2003 ندوة الإعلان عن تأسيس (لجنة الدفاع عن العلمانية في المجتمع العراقي وقد اعترف مؤسسها عصام شكري في لقاء مع هيئة الإذاعة البريطانية مساء نفس اليوم بعدم حضور معظم الفعاليات السياسية والاجتماعية المدعوة وعدم استجابتهم للدعوات الموجهة إليهم، مما يعني أن عصام غريب عن هذا المجتمع وتوجهاته وميوله الذي يرفض اللادينية والتخلي عن المبادئ والقيم والأخلاق السامية التي يربيها الدين في النفوس وتنعكس على السلوك وأنه (يغرد خارج السرب) كما يقول المثل، وقد كانت الدعوة لحضور الندوة صريحة في الكشف عن نوايا اللجنة فإنها تروج لـ (حرية اختيار الملبس دون قيد أو شرط) وعند هذه اللجنة إن المجتمع المؤمن الغيور (يترنح اليوم تحت ضربات سيوف تيارات الإسلام السياسي الشاذة) وبسبب ذلك فإن (مدنية المجتمع العراقي نفسها تمر اليوم بأزمة حقيقية) وتطالب بـ(حرية الإلحاد) كالإيمان.
ولو أن هذه الأفكار تقال في دول الغرب لكان الأمر طبيعياً بالنسبة لهم أما أن تكون حقوقاً يراد المطالبة بها في العراق المسلم الغيور الذي عبر بملء
أرادته في المسيرات والاحتفالات والشعائر أن خياره الإسلام وأنه يرفض أي مسخ أو تمييع أو إفراغ لهويته الإسلامية التي تعبر عن عقيدته وأخلاقه وتقاليده. فهذه العلمانية المزوقة بالمصطلحات البراقة الخداعة كالحرية والمساواة وحقوق الإنسان لهي اعتداء صريح على هوية هذا البلد وانتمائه العربي والإسلامي.إن الحرية لا تعني الانفلات من الضوابط فإنها حينئذ عين الهمجية فلكل دولة قانون ينظم حياة الشعب فيها ولا ترضى سلطاتها بتجاوز هذا القانون وقانون هذا الشعب هو الإسلام بعقيدته وأفكاره وسلوكه وأعرافه وتقاليده لأن الإسلام من صنع الله تبارك وتعالى خالق الإنسان والعارف بما يصلح عيوبه ويسعد روحه وجسده وينظم حياته وعلاقاته بالآخرين، أما القوانين الوضعية فهي من صنع البشر الناقص الذي لا يستقر له رأي فيحذف اليوم ما ثبته بالأمس ويعدل غداً ما يقرره اليوم وهكذا فأيهما أولى بالاتباع؟ [أفَمَنْ يَهْدِي إلى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] (يونس: 35) فماذا يريدون من حرية الملبس بلا قيد ولا شرط إلا العري والانسلاخ من الحياء والعفة والعودة إلى الحيوانية.
وهل علموا معنى المساواة حتى جاؤوا يحررون المرأة ويعيدون لها حقوقها؟ إن المساواة ظلمت عند العلمانية التي يروج لها الغرب، حيث امتهنت كرامة المرأة وأصبحت سلعة رخيصة يتداولها الرجال بأبخس الأثمان، وما أن يذهب جمالها وجاذبيتها حتى ترمى كالعلبة الفارغة لا يعبأ بها أحد ولا يعطف عليها أحد، أما المرأة في الإسلام فهي معززة مكرمة يجب على الرجل رعايتها
وإسعادها وإكرامها، وجعل الحقوق والواجبات متساوية على الرجل والمرأة [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ] (آل عمران: 195). [وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً] (النساء:124). نعم، إن حقوق الرجل وواجباته لا تماثل كلياً حقوق المرأة وواجباتها وهذا لا ينافي المساواة، كما لو أن رجلاً يملك عقاراً ونقداً ومعملاً كل منه بمليون دينار وأراد أن يوزعها على أولاده الثلاثة فأعطى أحدهم العقار والآخر النقد والآخر المعمل بحسب ما يناسب شأنهم وقدراتهم فهو قد ساوى بينهم لكنه لم يماثل في العطاء من أجل مصلحتهم حيث راعى ما يصلح حالهم وهذا هو شأن الإسلام.
ولا أدري إن كانت ليلى محمد (الناشطة) في شؤون المرأة وإحدى حضور الندوة، والتي تحدثت للإذاعة البريطانية قائلة إن العلمانية هي الطريق لتحقيق الحرية والمساواة ملتفتة إلى هذه المعاني وتخالفها عن عمد أم لا؟! وظاهر اسم أبيها أنها مسلمة، فهل قرأت كتاب الله يوماً وهو يقول [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أنفسهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً] (النساء:65). فالذي يشرع أحكاماً وحقوقاً خارج الشريعة فإنه يخرج من ربقة الإيمان.
إن الإسلام هي الشريعة الوحيدة التي وازنت بين متطلبات الفرد والمجتمع، بل وازنت قوى الفرد نفسه فللروح حقوق وللجسد حقوق وللنفس والعقل كذلك وكفلت حقوق الآخرين، وإذا وضع الله تبارك وتعالى حدوداً يمنع
تجاوزها فذلك لمصلحة الإنسان نفسه الجهول الذي كثيراً ما تختلط عليه الأمور فلا يميز بين ما يضره وما ينفعه، كما أن القوانين الوضعية تضع حدوداً تعاقب على تجاوزها وتقول إن حرية الفرد تنتهي عند حدود حرية الآخرين وإنما الفرق في مفردات ومصاديق هذه الحقوق، فلماذا التباكي على الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، ألم يسمع هؤلاء بفصل الدستور التركي العلماني لمريم قاوقجي عضو البرلمان التي انتخبها الشعب لامتناعها عن خلع الحجاب؟ وقرار الإذاعة السويدية بفصل مذيعة فيه كانت ترتدي الحجاب؟ فهل هذه هي حرية التعبير عن المعتقد والسلوك، بينما تقرأ في كتاب الله الخالد [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ] (البقرة:256) ويوفر الحماية الكاملة للمشركين إن أرادوا الاستماع إلى كلمة الحق ثم يوصلهم إلى مكانهم الآمن ليختاروا ما يريدون بحرية كاملة [وَإِنْ أحد مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ] (التوبة:6)، فهل الحرية موجودة في الإسلام أم عند الغرب رافع لواء العلمانية الذي يريد اليوم أن يخضع العالم بالترغيب والترهيب لرؤيته السياسية والاقتصادية والأخلاقية تحت عنوان (العولمة) أو (النظام العالمي الجديد)، وصنع آليات متعددة لذلك كصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجلس الأمن والقوة العسكرية الهائلة.وإنك لو فتشت عن سبب لهاث هؤلاء المنتمين إلى هذه اللجنة وراء العلمانية وتشدقهم بها لوجدت عدة أسباب:
1ـ انسياقهم وراء الشهوات وأهواء النفس [إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا
رَحِمَ رَبِّيَ] (يوسف:53) يريدون إشباع غرائزهم بإشاعة الفوضى الجنسية واللاأخلاقية باسم الحرية والعلمانية.2ـ إنهم ينفذون ما يملي عليهم أسيادهم من شياطين الأنس الذي يرون الإسلام معارضاً لمصالحهم ولا يرضخ لاستعبادهم فيريدون تمييع هذه العقيدة وبالتالي إخضاع الشعوب بهذه العناوين المضللة
3ـ انبهارهم بالتطور والتقدم الذي وصل إليه الغرب فراحوا يقلدونه في كل شيء فأخذوا منه أسوأ ما عنده من الرذيلة والانحطاط الخلقي وأخذ الغرب منهم أعز ما عندهم وهو دينهم وأخلاقهم.
4ـ حبهم للظهور والشهرة من خلال تسويق هذه الأفكار المرفوضة ولو من باب (خالف تعرف).
إن مثل هذه العلمانية تعني معاداة الدين والسعي للقضاء عليه وليست حالة وسطى بين الدين والكفر [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] (المائدة:44) وفي آية أخرى (الفاسقون) وفي ثالثة (الظالمون).
ومن الغريب أن تصدر مثل هذه الدعوات اليوم، في الوقت الذي أعترف فيه الغرب غير المتدين بحاجته إلى العودة إلى الدين والأخلاق لأنه العلاج الوحيد لأمراضه الجسدية والاجتماعية والنفسية كجرائم السرقة والقتل والاغتصاب والأمراض الفتاكة كالأيدز حيث فشلت كل العلاجات في القضاء عليه ولا زالت نسبته في ازدياد ولا يقضي عليه إلا بث المواعظ والأخلاق السامية والعقائد الصحيحة كالإيمان بالله واليوم الآخر وتربية المجتمع على الفضيلة وهذه كلها تكفل بها الإسلام.
فنصيحتي الأكيدة لهؤلاء ولغيرهم أن يثوبوا إلى رشدهم وينظروا في مصلحة أنفسهم وأمتهم ولا يكونوا عاراً تلحقهم اللعنة، وليلغوا إلى الأبد لجنتهم هذه ويغيروها إلى لجنة إنسانية اجتماعية تعتني بنشر الفضيلة والأخلاق السامية ورعاية الأسر المتعففة والمحرومة خلال العقود الطويلة من الظلم والاستبداد والاستئثار، وليعلم المؤمنون أن هذه العلمانية مهما زوّقوا لها من ألفاظ ومصطلحات فهي لا تعني إلا نبذ الدين والأخلاق والانحلال من القيم والمثل العليا، وإني لكم ناصح أمين فلا تكونوا ممن قال فيهم الله تبارك وتعالى [يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون] (يس:30).
بسم الله الرحمن الرحيم
نشرت جريدة الصباح بعددها المؤرخ 13/ 9/ 2003 مسودة قانون الجنسية العراقية وقد اقره مجلس الحكم وحسب ما أفاده أحد أعضاء مجلس الحكم انه أريد من القانون أعادة الحق للعراقيين في تحصيل الجنسية العراقية بعد أن أسقطها النظام المقبور عن عراقيين أصلاء بحجة عدم امتلاكهم لشهادة الجنسية العثمانية ونحوها من الأعذار التي كان الهدف منها إضعاف شوكة شريحة اجتماعية يعتقد بأنها لا تسير في ركابه.
وتكمن خطورة هذا القانون بفتحه للباب على مصراعيه أمام كل من هبّ ودبّ من عدو وصديق حتى لو كان صهيونياً أن يحمل الجنسية العراقية إذا أقام في العراق عشر سنين (الفقرة الثالثة من المادة السادسة)، أو تزوج امرأة عراقية وأقام ثلاث سنين في العراق (المادة السابعة)، أو المرأة غير العراقية التي تزوجت من عراقي وأقامت ثلاث سنين (المادة الحادية عشر)، أو من ولد خارج العراق من أم عراقية وأب مجهول أو لا جنسية له (المادة الرابعة)، فتستطيع العاهرات أن تنجب للعراق من يحملون جنسية من آباء مجهولين أو لا جنسية لهم من أهل الفسق والفجور في بلدان العالم وتأتي بهم من الخارج أبناء
شرفاء للعراق الكريم، واحتياطاً لهذه الاقتراحات فقد نصّت (المادة الثامنة) على مثل هؤلاء الأشخاص أن يؤدّوا يمين الإخلاص للعراق أمام مدير الجنسية المختص، ولا ادري إن كان هذا اليمين كافياً لحماية العراق وأهله ودينه وأخلاقه من هؤلاء الشذاذ الذين سيفدون إليه من الآفاق، وهل منع هذا اليمين الذي يؤديه الرؤساء والوزراء باستمرار من خيانة البلاد واستعباد أهلها والاستئثار بالخيرات؟ وإذا تجنس هؤلاء بالجنسية العراقية أصبح لهم الحق كاملا في مزاحمة أهله والتمتع بكافة الامتيازات والحقوق التي يتمتع بها العراقي إلا ما استثني بقانون خاص (الفقرة الأولى من المادة التاسعة).
وهنا ينبغي الالتفات إلى أمور:
1 ـ إن مجلس الحكم (انتقالي) فلا يحق له أن يتخذ قرارات ستراتيجية كهذا، وإنما وظيفته القيام بالمسؤوليات الحيوية كإعادة الأمن والاستقرار وإعادة الخدمات الضرورية كالماء والكهرباء والوقود وتأهيل الصحة والتعليم والنقل ونحوها وخصوصاً وانه لا يملك المشروعية، إذ لم يحصل على إمضاء من المرجعية الدينية الشريفة ولا نال موافقة الشعب باستفتاء عام، وإنما غض الشعب طرفه عن الاعتراض راجياً أن يمنحه الفرصة للنجاح في أداء المسؤوليات المتقدمة حتى تنشأ حكومة وبرلمان دستوريان منتخبان من قبل الشعب ليتخذ مثل هذه القرارات الاستراتيجية.
2ـ إن القوانين ومنها قانون الجنسية إنما هي شروح وتفصيلات لمواد الدستور الذي يعتبر المستند الشرعي والأصل لهذه القوانين فما دام الدستور
غائباً لا يمكن اتخاذ مثل هذه القرارات لعدم وجود مستند لها.3ـ إن هذا القانون لا يلائم طبيعة المجتمع العراقي وكذا دول المنطقة (إلا الكيان الصهيوني) اللقيط لذا لا تجد دولة منها تلتزم بمثل هذه المواد، وغاية ما تعطي تلك الدول حق الإقامة على أراضيها بشرط تجديدها كل ستة أشهر أو سنة مثلاً وبعض الحقوق والامتيازات المحدودة ولا يمكن أن تساويه بابن البلد الذي يملك هو وحده الحق كاملاً في خيرات وطنه وليس بلدنا بحاجة إلى متجنّسين جدد وهو لم يوفّر السعادة الكافية لأبنائه.
4 ـ إن مثل هذا القانون يفتح الباب واسعاً لأعداء هذا الشعب كالصهاينة أن يتجنّسوا ويمتلكوا ويتمتعوا بكل امتيازات العراقي وسنجد أنفسنا بعد عشر سنين أو عشرين سنة غرباء في أرضنا ومستعبدين ويدير الأجانب بلدنا ونتشرد في أصقاع الأرض كما حل بالفلسطينيين.
فهل التفت إلى كل هذا أعضاء مجلس الحكم الموقّر؟!
وبعد أسبوع أي في العشرين من أيلول أطل علينا وزير المالية (كامل الكيلاني) من دبي ليبشّر الشعب العراقي بالسعادة والرفاهية المقبلة عليه من خلال السماح للأجانب بتملك كل شيء في العراق عدا النفط، لأن سياسته موجهة من قبل الأجانب أصلاً بلا حاجة إلى قرار، وكلنا يعلم أن العالم اليوم شهد تكتلات اقتصادية تمتلك رؤوس أموال ضخمة لا يستطيع منافستها أصحاب الأموال العراقيين الذين أضعفهم النظام المقبور واستأثر بثروات البلاد لنفسه وبالتالي فإن مثل هذا القرار سيملّك العراق بكل قطاعاته إلى هؤلاء الأجانب ليتحكموا في اقتصاده ومن ثم في سياسته، وهو استعباد جديد بأسلوب
متحضر مقبول. وإذا انتظرت أمريكا مائتي عام منذ دخول اليهود إلى أراضيها ونشاطهم فيها حتى امتلكوا مفاصل الاقتصاد والسياسة فراحوا يوجهونها كيف يشاؤون فإن العراق سوف يحتاج إلى أقل من عشرين عاماً ليقع فريسة لهذا الإخطبوط، لذا كان أول المستبشرين بهذا القرار قادة الكيان الصهيوني حيث صرح (نتنياهو) أمام الكنيست بشطب العراق من قائمة الدول المعادية (لإسرائيل) وفتح الأسواق (الإسرائيلية) أمام التجار العراقيين وكأنه أول من يعلم بالقرار قبل صدوره.
وإذا كان عذرهم هي حاجة العراق إلى أموال ضخمة لإعماره وإعادة تأهيله فيمكن أن يكون بغير هذه القرارات المجحفة، كما تفعل بعض دول المنطقة من حصر التملك بأبناء البلد وإعطاء فرصة الاستثمار للأجنبي باسم أبناء البلد على أن يكون لهذا الأخير أكثر من نصف عدد الأسهم لتبقى سلطة القرار بيده أو أي صيغ أخرى.
إن ما ذكرناه من النقاط تعليقاً على قانون الجنسية تنطبق على هذا القانون أيضاً لذا تدعوا الحوزة العلمية الشريفة أعضاء مجلس الحكم والوزراء أن ينظروا أولاً وقبل كل شيء إلى رضا الله تبارك وتعالى ومصلحة هذا الشعب المحروم والوفي والغيور على دينه وقيمه، وليكونوا شجعاناً وحازمين، وأن يتجردوا عن المصالح الشخصية أو الفئوية فإنها مرحلة تأريخية عصيبة سيسجل التأريخ مواقف أبنائها ومن لا يجد في نفسه الكفاءة والقدرة والشجاعة لاتخاذ القرارات الكبيرة فلينسحب.
وإننا إذ نؤدي واجبنا الشرعي بهذه البيانات نطلب من المثقفين والسياسيين والعلماء أن ينتبهوا إلى مثل هذه التجاوزات وليعملوا على توعية الأمة وتبصيرها بالأمور وليتخذوا الوسائل والتدابير التي تمنع من تمرير مثل هذه القرارات.[وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد:35)
خطاب المرحلة 21 : كيف نستفيد من حياة الإمام السجاد (عليه السلام)في مواجهة التحديات الراهنة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه محمد وآله الطاهرين
وصف الله تبارك وتعالى القرآن بأنه (تبيان لكل شيء) وقال عز من قائل عنه [مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ] (الأنعام:38) وما على الإنسان إلا أن يستثير كوامنه ويستخرج درره وجواهره بالوسائل التي تؤهله لهذا الحرث (فمن يرد حرث الآخرة نزد له في حرثه) وأولها الإخلاص لله تبارك وتعالى وتطهير القلب من الرذائل والنفس من الأهواء وثانيها طلب العلم والمعرفة على يد المؤهلين الصادقين (فلينظر الإنسان إلى طعامه).
وقد دلّت الأحاديث الشريفة بل الآيات المباركة على أن أهل البيت (علیهم السلام) هم عدل الكتاب وصنوه كما في حديث الثقلين المشهور، وإنهما لن يفترقا فحيثما تجد القرآن تجد أهل البيت (علیهم السلام) وكل ما تريد أن تعرفه من الكتاب
1) محاضرة ألقيت بمناسبة ذكرى ميلاد الإمام السجاد (عليه السلام) 4/شعبان/1424 المصادف 1/ 10/ 2003.
تجده في صدور أهل البيت (علیهم السلام) مجسداً في سلوكهم لذا لما قيل لإحدى أمهات المؤمنين صفي لنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) قالت: كان خلقه القرآن، فلو حولّت القرآن إلى سيرة عملية لكانوا هم (ع)، ولو دوّنت سيرتهم (ع) في كتاب لكان هو القرآن فهم (ع) كتاب الله الناطق قال تعالى [فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ] (الواقعة:78،79) أي أن حقائق هذا القرآن ومعارفه في اللوح المحفوظ المكنون ولا يصل إلى هذه الحقائق ويطلّع عليها إلا المطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس وهم أهل بيت النبي (صلی الله علیه و آله) بنص القرآن الكريم [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] (الأحزاب:33)(1).ومحل الشاهد من هذه المقدمة العميقة أن سيرة أهل البيت (علیهم السلام) كتاب مفتوح تجد فيه العلاج الناجح لكل مشاكلنا وأمراضنا والجواب الشافي لكل هواجسنا وتساؤلاتنا؛ لأن في سيرتهم تبياناً لكل شيء وما علينا إلا أن نفهمها فهما صحيحاً ومعمقاً وجديدا بعد أن نقرأ الواقع الخارجي بدّقة، ونشخص مواطن العلة وما أحوجنا نحن المسلمين اليوم إلى أن نستلهم من تلك السيرة المباركة ما نواجه به التحديات المتكثرة والمتنوعة وأريد أن اتخذ من حياة الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين (علیه السلام) في ذكرى مولده مضماراً للشواهد على ذلك.
فنحن على أبواب انفتاح واسع على ثقافات العالم من خلال وسائل الاتصال المتطورة، كالبريد الالكتروني والستلايت مما يهّدد هوية المسلم في عقيدته).
1) راجع كتاب شكوى القرآن في الكتاب الأول (خطاب المرحلة: 1/ 83).
وأخلاقه وسلوكه بالتمييع والانحراف والإعراض بعد أن تأخذه حالة الانبهار بتلك الثقافات، وهو غير متسلح بما يحمي عقيدته ويحفظ له توازنه والإنسان مجبول على الإعجاب بكل جديد، والتهديد الآخر الذي تواجهه الأمة هو الرخاء المادي الذي يمكن أن يحصل في البلد وفق الوضع الاقتصادي الذي بدأت معالمه تتضح، ونحن نعلم أن حياة الدعة والترف تؤدي إلى التوسع في الماديات، والإخلاد إلى الأرض والابتعاد عن القيم الروحية والأخلاقية فيزداد اللهاث وراء الدنيا ولا يقف طمع الإنسان وحرصه على حد.ومن جهة أخرى فإن حملة موجهة لإفساد الأخلاق وإشاعة الفاحشة والانحلال من خلال الصحف والمجلات والأقراص ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة وهي حملة قوية بما تمتلك من مقدرة ساحرة على التأثير ومدعومة بتقنيات هائلة إضافة إلى موافقتها لشهوات النفس الأمّارة بالسوء والميّالة للهوى.
مثل هذه الأخطار واجهتها الأمة في فترة إمامة زين العابدين حيث اتسعت رقعة البلاد التي شملتها الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك بن مروان وإخوته وبنيه من تخوم الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غرباً، وقد كانت ثقافة المسلمين وإيمانهم دون المستوى الذي يؤهلهم لاستيعاب هذه الأقوام التي خضعت للمسلمين بثقافاتهم ودياناتهم وأخلاقهم وتذويبهم في الإسلام، بل على العكس فإن عقائد المسلمين تزعزعت وسرى الشك إلى قلوبهم وانتشرت الفاحشة في بلاد المسلمين وشجّع على ذلك ملوك بني أمية الذين كانوا يرون في الإسلام الحقيقي عدوّهم الوحيد، لذلك رحّبوا بهذا الانحراف
وعملوا على تكريسه بحيث وصل الأمر إلى أن يصبح الفاسق عمر بن أبي ربيعة المخزومي أشهر رجل في مكة المكرمة، فيتسكع سكراناً في شوارعها وحوله الفاجرات من أمثاله ينشدهن الشعر وهنَّ يغنينه، هذا ولم يمر قرن من الزمان على وفاة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ونزول الوحي ولازال ثلة من الصحابة على قيد الحياة، فإذا كان هذا هو حال الحرمين المقدسين فما هو حال بقية مدن وحواضر الإسلام ما دام ملك المسلمين يشرب الخمر على منبرهم ويتقيأها في محرابهم ويرمي المصحف الشريف بالسهام مهدّداً إياه.وقد رافق كل ذلك توسع وترهّل في الحياة الاقتصادية لغزارة واردات الدولة من تلك الفتوحات، ولم ينل المسلمون القسط الكافي من التربية الروحية بسبب عزل قادته الحقيقيين والهداة إلى الله تبارك وتعالى وإبادتهم والتنكيل بهم.
فكيف واجه الإمام السجاد (علیه السلام) هذه الأخطار، واجهها بالإعداد الروحي والأخلاقي وتزويد الأمة بعقيدتها الصحيحة من خلال الدعاء الذي يعتبر وسيلة لا تثير قلق الحكام باعتباره لا يهدّد مصالحهم ولكنه (علیه السلام) كان من خلال الأدعية يعبّئ المسلم ويثير في عقله وقلبه ما يعينه على مواجهة تلك الهجمة الشرسة ونوازع النفس ونزغات الشيطان.
وفي روضة الكافي أنّ الإمام السجاد (علیه السلام) كان يعظ الناس في مسجد جده رسول الله (صلی الله علیه و آله) كل جمعة(1)وكان يعقد حلقات الدرس في مختلف العلوم والمعارف حتى تخرج على يديه فقهاء وعلماء كثيرون انتشروا في الأمصار،9.
1) الكافي: 8/ 72 حديث 29.
واعترف له بذلك حتى أعداؤه فقد قال له عبد الملك بن مروان (ولقد أوتيت من العلم والدين والورع ما لم يؤتَه أحد مثلك قبلك إلا من مضى من سلفك)(1). وهذا الإعداد الروحي وإثارة قوى الإيمان عند المسلم هي ما نحتاجه اليوم فعلى خطبائنا ومثقفينا ومفكرينا استغلال كل مناسبة لهذه التربية الروحية، خصوصاً في هذه الأشهر المباركة رجب وشعبان ورمضان التي تمتاز بألطاف ونفحات إلهية خاصة يتكامل بها الإنسان أضعاف ما يحصل له في غيرها من الشهور، فإذا فشلت لا سامح الله في استغلالها فسوف تكون خسارة عظيمة ولا تتوقع تعويضها في غيرها من الشهور، وإذا كان الإمام المعصوم يقول لولا أننا نزداد في كل ليلة جمعة لنفد ما عندنا فكم نحتاج نحن من هذه الشحنات المتدفقة علماً وإيماناً وحياة للقلب.
إننا لا نحتاج إلى مؤونة كبيرة في معرفة الزاد فإن كلمات المعصومين فيها الكثير مما يحيي القلوب ويهذّب النفوس والصحيفة السجادية حافلة بالمعاني السامية التي تصف العلاقة بالله تبارك وتعالى فله (ع) دعاء في الحمد والثناء على الله تبارك وتعالى، وآخر في اللجوء إليه، وآخر في الرضا بقضائه، وآخر في الشكر وآخر في التذلل له سبحانه وآخر في طلب الستر والوقاية وآخر في الإلحاح وآخر في الاستعاذة ثم يصلي على النبي وآله والملائكة وحملة العرش والأنبياء والرسل.
ولا يترك مناسبة إلا أحياها فله (ع) دعاء في الفطر والأضحى وعرفة7.
1) بحار الأنوار:46/ 57.
ويوم الجمعة وأيام الأسبوع واستقبال شهر رمضان ووداعه، بل في كل صباح ومساء ليكون العبد على ذكر دائم واتصال مستمر بربه وخالقه ومدبّره ومولاه (واجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة) وهذا الذكر المتواصل وعدم الغفلة هو صمام الأمان للإنسان من الوقوع في الخطأ والانحراف فليس من المعقول أن يرتكب الذاكر لله تعالى معصية.وضمت الصحيفة أيضاً دروساً في الأخلاق وتنظيم العلاقات مع الآخرين وبيان حقوقهم فله (ع) دعاء لأبويه وآخر لولده وآخر لجيرانه وأوليائه، ودعاء طويل في طلب مكارم الأخلاق وتعليمها بهذا الأسلوب أي الدعاء فمن ذلك قوله (علیه السلام) (وأجرِ للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمنّ وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر) ويقول (ع) (ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلةً باطنة عند نفسي بقدرها اللهم لا تدع خصلةً تعابُ مني إلا أصلحتها ولا عائبة أؤنب بها إلا حسنّتها، ولا أكرومةً فيَّ ناقصة إلا أتممتها) (اللهم صل على محمد وآله وسدّدني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة وأغضي عن السيئة اللهم صلِ على محمد وآل محمد وحلَّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في بسط العدل وكظم الغيظ... والقول بالحق وإن عزّ واستقلال الخير وإن كثرُ من قولي وفعلي واستكثار الشر وإن قلَّ من قولي وفعلي).
ومما نستفيده من حياة الأمام السجاد (علیه السلام) في مرحلتنا الراهنة تخطيطه
للاستقلال النقدي للدولة الإسلامية عن الروم، حينما حاول ملك الروم إذلال المسلمين وإخضاعهم لمطاليبه وإلا سكّ الدنانير الرومية التي كانت هي العملة المتداولة في الدولة الإسلامية بسب نبي الإسلام، فاضطرب عبد الملك بن مروان وقال: أحسب أنني أشأم مولود في الإسلام ولم يجد حلاً لهذه المشكلة فاستنجد بالإمام السجاد (علیه السلام) الذي أرسل له ولده الباقر (علیه السلام) وشرح له كيفية صّب عملة جديدة وإلغاء التعامل بالعملة الرومية ونفذ عبد الملك ذلك، وفرج الله تبارك وتعالى عنه وعن دولة الإسلام ببركة الإمام (علیه السلام) الذي أنقذ الدولة وحفظ لها استقلالها وأرادتها.
ونحن نواجه اليوم خططاً محبوكة ومبرمجة لربط الاقتصاد العراقي بالنظام العالمي الجديد الذي وضعه الغرب ليجعل العالم يدور في فلك مصالحه وسلب قدرته على التخطيط لنفسه، فيحيطونه بشراك من الديون والفوائد والقوانين الصارمة بحيث لا يستطيع الخلاص منها ولا يملك إلا الاستسلام لإملاءاتهم والخضوع لمطاليبهم، فتفقد الدول استقلالها السياسي بسبب خضوعها الاقتصادي فلنتعلم من الإمام السجاد (علیه السلام) كيفية الاستقلال الاقتصادي وحرية اتخاذ القرار.
ومما نجده في حياة الإمام السجاد (علیه السلام) عمله الدؤوب على محاربة الأعراف والتقاليد المنحرفة فقد كانت سياسة الأمويين عنصرية ترفع من شأن العرب وتحط من قدر غيرهم وهم الموالي ويعيرون من يتزوج من أمة مملوكة خصوصاً إذا كان سيداً قرشياً، لكن الإمام السجاد (علیه السلام) وهو من اشرف الناس نسباً يتزوج أمة مملوكة مما عرّضه إلى انتقاد شديد من قبل ملوك الأمويين
وكان يجيبهم بأجوبة مسكتة في مراسلات متبادلة تجد نماذج منها في المجلد الرابع عشر من وسائل الشيعة وقد ولدت الأمة لهُ زيداً الشهيد.وذات مرة استدعى هشام بن عبد الملك زيداً وقال له موبخاً: أتطمح نفسك للخلافة وأنت ابن أمَة فقال زيد (رضي الله عنه): إن النبوة خير من الخلافة وقد كان إسماعيل الذبيح نبياً وهو ابن أمة، فأفحمه. وكان الإمام (علیه السلام) يشتري العبيد فيثقفهم ويعلمهم حتى إذا أتقنوا العلوم الإسلامية أعتقهم لينتشروا في الأمصار ويعلموا الناس الإسلام الصحيح حتى كان جلّ فقهاء الأمصار نهاية القرن الأول الهجري من الموالي.
ومما حفلت به سيرته استخدام مختلف الأساليب لتعرية الظالمين وكشف زيفهم وتحريض الجماهير عليهم، فحينما جاءه وفد الكوفة يسألونه عن مشروعية المشاركة في ثورة المختار الثقفي لاستئصال قتلة الحسين (علیه السلام) قال سبحان الله لو كان عبداً حبشياً لوجبت نصرته وكان يقول ما اكتحلت هاشمية حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحرملة.
وكان يحشد الأمة ضد بني أمية بإثارة عواطفهم وإلفات نظرهم إلى مظلومية أهل البيت (علیهم السلام) فقد بكى أباه الحسين (علیه السلام) أربعة وثلاثين عاماً وكان يمزج طعامه وشرابه بدموع عينيه ولا يترك مناسبة إلا واستغلها في هذا المجال، يمر في سوق القصابين فيسمع جزاراً يقول لغلامه: هل سقيت الكبش ماءً فيلتفت الإمام (علیه السلام) إلى الجزار ويقول له: أنتم معاشر القصابين لا تذبحون الكبش حتى تسقوه الماء قال: نعم سيدي يا ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: لكن أبي
الحسين (علیه السلام) ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذبحوه عطشاناً إلى جنب الفرات، هذه الإثارة الواعية للأمة ضد الظلم أتت ثمارها بعد فترة قصيرة بانهيار ملك بني أمية.أسأل الله تعالى أن يعرّفنا حق أهل البيت (علیهم السلام) ويأخذ بأيدينا على مناهجهم وهديهم ولا يفرّق بيننا وبينهم إنه نعم المولى ونعم النصير،
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
خطاب المرحلة 22 : الغرب والإمام المهدي (عجل الله فرجه)(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
يعيش العالم اليوم أزمة خانقة تتجلى في الرعب والقلق والخوف الذي يستولي عليه من المستقبل، وتراه يبحث عن السعادة فلا يجدها رغم أن شعوباً عديدة في بلاد الغرب تتمتع برفاهية مادية عالية إلا أن أعلى مستويات الجريمة والانتحار والأمراض الصحية والاجتماعية الفتاكة تتواجد فيها، وهذا كله نتيجة طبيعية للابتعاد عن المنهج الإلهي والإعراض عن الالتزام بشريعة الله تبارك وتعالى وهي سنة إلهية جارية في مخلوقاته قال تعالى [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً] (طه:124) أي ضيقة خانقة وقال [وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ] (الزخرف:36) فأي حياة بائسة سيفرضها هذا الشيطان على قرينه.
وهذه الحالة من البؤسِ والتعاسة التي جعلت البشرية تتوقع اليوم أكثر من ذي قبل ظهور المصلح العظيم الذي يتكفل بإقامة دولة الحق؛ لأن جميع الديانات السماوية تُبشر بمثل هذا اليوم، إلا أن أتباع كل ديانة يقولون أنه منهم
1) كلمة ألقيت بالنيابة في الحفل الذي أقامته كلية التربية للبنات في جامعة الكوفة بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي (عليه السلام) في النصف من شعبان عام 1424 المصادف 12/ 10/ 2003.
ونسمع اليوم أن العالم المسيحي يبشر اليوم بقرب ظهور المنقذ وتُباع الآن في أوربا بطاقات المراهنة على ذلك.لكن اعتقادهم ناشئٌ من عنجهيتهم واستكبارهم واستعلائهم على الآخرين، وإلا فإن كتبهم صريحة في أنه من ذرية نبي آخر الزمان ومن ولد إسماعيل الذبيح وليس من إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (علیه السلام)، وما مجيء أساطيلهم وعدتهم وعددهم إلا لمواجهة هذا الرجل الذي سينطلق من هذه الأرض المباركة ليفتح العالم، وهم لا يعلمون انه ربما كان الآن يعيش بين ظهرانيهم ومطَّلع على أساليب عملهم ومكامن القوة عندهم وليعّرف أصحابه السبيل إلى تعطيل كل هذه القوة بأيسر السبل.
وقد قدم أحد الأخوة أطروحة لدعم هذه الفكرة فإن بعض الروايات تقول إنه حين الظهور تشرق الشمس من الغرب وقد وصفت روايات أخرى الإمام (علیه السلام) بأنه كالشمس التي جللها السحاب، فما المانع أن يكون شروق الشمس بمعنى ظهور الإمام (علیه السلام) وبزوغ نوره من الغرب أي أن قدومه يكون من هناك.
ويؤيد هذه الفكرة أن للإمام (علیه السلام) شبهاً بعدد من الأنبياء ومنهم موسى الكليم (ع)، ومن وجوه تشابهه معه أن فرعون الذي علا في البلاد واستكبر وأخذ يذّبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم خوفاً من الوليد المنتظر الذي تناقلت الأخبار أن نهاية ملكه على يديه، وإذا به نفسه يتولى رعاية هذا المولود وخدمته ليتحقق بالإرادة الإلهية ما كان يخشاه، فربما كانت القوى المستكبرة في الغرب كفرعون هي التي تتولى رعاية الإمام وأصحابه فيتنعمون بخيراتها.
وأذكر شاهدين على كيفية انهيار هذه القوى المستكبرة التي تحاول أن تظهر عظمتها وجبروتها، وبأيسر السبل عندما يأذن الله تبارك وتعالى.الأول: ما رأيناه من تفكك الاتحاد السوفيتي وذوبانه من دون تعرضه لأي هجوم خارجي بعد أن كان قوة عظمى كما يصفونها تقف في مقابل حلف شمال الأطلسي كله، لكن هذه القوة تلاشت بفعل ضعفها الحقيقي وكمون عوامل الفناء فيها بسبب ابتعادها بل محاربتها للشريعة الإلهية، واندثرت معها كل الأفكار التي كانت تبشر بها وتخدع الناس بالسعادة التي توفرها لها.
الثاني: مشكلة الصفرين التي أرعبت العالم المتقدم في التكنولوجيا حتى استعد لحرب النجوم لكن غفلة بسيطة كادت تودي بكل مشاريعه، وذلك حينما كان يؤرخ للسنين وينظم برامجه على ذكر أول مرتبتين فيشير للسنة 1998 بـ 98 ولم يصحُ إلا على خطر مرعب في نهاية عام 1999 حيث إن انقلاب (99) إلى الصفرين يعني العودة إلى سنة 1900 وليس الانتقال إلى عام 2000، فارتبكت الحسابات المصرفية ومواعيد الرحلات وغيرها، والأخطر من ذلك نظام الأسلحة الاستراتيجية والعابرة للقارات وحَبَسَت الدول أنفاسها وحشدت قواتها ومعداتها خشية وقوع الكارثة في ساعة الصفر من ليلة 1/ 1 /2000، وبذلت المليارات من أجل تجنبها، وشاء الله تبارك وتعالى أن يدفع عنها البلاء الذي كاد أن يدمرها بسبب غفلة بسيطة، فكانت موعظة إلهية لعلها تتخلى عن جبروتها وطغيانها المصطنع ولكنها لم تستفد من هذا الدرس ولا غيره كما هو شأن المستكبرين.
وترى شعوب الغرب نفسها الآن تتذمر وتخرج في مظاهرات للاعتراض
على سياسات حكّامها، هذا وهم متنعمون فيما توفره لهم حكوماتهم وغارقون في الماديات واللهو والمتعة التي تقسي القلب وتمنع من التوصل إلى حقائق الأمور، فكيف لو التفتوا إلى حقيقة حالهم في الحاضر والمستقبل خصوصاً بعد الموت وفي الآخرة إذا بعثوا للحساب ونشرت أعمالهم.وهاهم مثقفوهم ومفكروهم ينادون بأن الحل الوحيد لهذا الضياع وعلاج الأمراض الفتاكة كالايدز هو العودة إلى القيم الروحية والالتزام بها وتربية الناس على الأخلاق الفاضلة.
هذه كلها إرهاصات ومقدمات الظهور الميمون المبارك لإقامة دولة العدل، وما علينا إلا التمسك بديننا القويم وتجسيد مبادئه الإلهية الكفيلة بتوفير السعادة للإنسان في الدارين حتى يقتنع الآخرون بان الحل الوحيد لعلاج البشرية هو الإسلام، وإذا أساء بعض من أنتسب إليه وحسب عليه فالذنب ذنبه وليس ذنب الشريعة الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم
يضاف يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان سنة 1424 الموافق للحادي والعشرين من تشرين الأول سنة 2003 إلى سجل المواقف البطولية للمرأة المسلمة عندما رفضت تلك الموظفة الشريفة الغيورة بكل أباء وشمم تفتيش الأمريكان المكلفين بحماية مبنى وزارة النفط لحقيبتها بواسطة الكلاب البوليسية لان تلك الحقيبة احتوت نسخة من المصحف الشريف فأبت هذه المرأة الشريفة تنجيس الكتاب الكريم، فقام هؤلاء الجهلة بمقدسات هذا الشعب المسلم بشد وثاقها وأرغموها على الوقوف في الشمس ساعة كاملة.
فما كان من آلاف الموظفين من زملائها في هذا المبنى الذي تشغله أربع وزارات (النفط، الكهرباء، التجارة، الموارد المائية) إلا أن يتظاهروا أمام المبنى في احتجاج عارم على هذا التصرف اللاإنساني، ويرددون الشعارات باللغة الانكليزية ضد أمريكا ورئيسها وعادوا إلى منازلهم احتجاجاً على هذه الأساليب، وطالبوا بتولي الشرطة العراقية مهمة حماية المبنى في المستقبل.
وشاركت الشرطة العراقية في هذه المواقف النبيلة حيث عبرت القوة التي تقوم بحماية الجانب الآخر من المبنى عن غضبها برفع عدد من أفرادها (شارة
الشرطة) من قمصانهم.إن هذه الوقفة الشجاعة لكل هؤلاء الشرفاء في نصرة القرآن الكريم جديرة بالثناء والتكريم وسوف يرد لهم القرآن جوائز ثمينة أولها: الشفاعة لهم يوم الحساب فإنه -كما تصفه الأحاديث الشريفة- (شافع مشفَّع) أي لا ترد شفاعته، وعلى المؤمنين الالتفات والحذر لكيلا تمر عليهم مثل هذه الأمور بشكل طبيعي.
ونطالب قوات الاحتلال بان تتعرف أكثر على طبيعة هذا الشعب المؤمن الغيور وعلى مقدساته وآدابه وأخلاقه لكيلا تتكرر منها هذه الأخطاء التي تعمق رفض وجود الأجنبي على هذه الأرض المباركة. وان يلتزموا بما ألزموا به أنفسهم من احترام حقوق الإنسان التي طالما تشدقوا بها.
ونضّم صوتنا إلى هؤلاء الشرفاء في أن تتولى الشرطة العراقية التعامل مع العراقيين لأنهم إخوتهم والصق الناس بهم وأكثرهم مراعاة لهم.
والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لطاعته.
خطاب المرحلة 24 : رسالة إلى العراقيين بمناسبة شهر رمضان(1)وفيها مشروع المصالحة الوطنية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على رسوله والأئمة الميامين من آله وسلم تسليماً كثيراً
حينما يحلّ شهر رمضان ويتطلع المسلم إلى هلاله ينتابه شعوران:
الأول: الفرح لكونه ممن حظي فشهد هذا الشهر المبارك ولم يكن من الذين اخترمهم الأجل خلال العام الماضي فحرِم من هذه الفرصة الثمينة للتكامل والقرب من الله تعالى،فكم شخص كان بيننا في رمضان السابق وهو اليوم ليس فينا أما نحن فقد شملنا الله بلطفه وفتح لنا الباب على مصراعيه للاستزادة من الفضائل والحسنات والتقرب أكثر إلى الله تبارك وتعالى، كالطالب الذي تعطى له فرصة أخرى للامتحان في الدور الثاني ونحوه من أجل أن ينجح أو يحسّن درجته فحاله أفضل ممن يمنح فرصة واحدة.
1) صدر بمناسبة حلول شهر رمضان 1424 وصادف الأول من رمضان يوم 27/ 10/ 2003.
وإن لله تبارك وتعالى ألطافاً ونفحات خاصة في شهر رمضان لا ينالها العبد في غيره وقد ورد في الحديث الشريف: (إن لله تبارك وتعالى نفحات ألا فتعرضوا لها)، هذه الألطاف والإمدادات الروحية يحسها حتى البعيدون عن الله تعالى فالمرأة السافرة تتحجب في شهر رمضان والذي يعاقر الخمرة يجتنبها احتراماً لهذا الشهر وتارك الصلاة يلتزم بها كل ذلك من بركات هذا الشهر الكريم.من هذه الألطاف ما ذكرها رسول الله (صلی الله علیه و آله) في خطبته التي ألقاها على المسلمين في آخر جمعة من شعبان ورواها أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال (صلی الله علیه و آله): (أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، أيها الناس: إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم.... الخ).
الثاني: الرهبة والهيبة لهذا الشهر الكريم لأنه شهر الله وله حرمة عظيمة فلذا أوجب الله تبارك وتعالى صومه من دون الشهور، وجعل فيه ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر وأنزل فيه القرآن ودعا عباده إلى ضيافته يرتعون في موائده ويغدق عليهم من كرمه وماذا تجد على تلك الموائد.
يقول رسول الله (صلی الله علیه و آله): (هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن
يوفقكم لصيامه وقيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حُرِم غفران الله في هذا الشهر العظيم).فيشعر المؤمن بهيبة لهذا الشهر خشية أن يقصر فيه، ولا يكون أهلاً لضيافة الله تعالى فيحرم من بعض كرمه ويكون من الأشقياء، وعن هذه الحالة عبر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) في دعائه، مخاطباً شهر رمضان: (السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات ويا خير شهر في الأيام والساعات، السلام عليك من مجاور رقّت فيه القلوب وقلّت فيه الذنوب، السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان وصاحب سهل سبل الإحسان، السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب وأسترك لأنواع العيوب).
ويمكن أن تقرب الصورة بمثال من الواقع: فلو أن ملكاً أو رئيساً دعا أحداً لضيافته فكم سيكون هذا المدعو حريصاً على آداب الضيافة وعدم الإخلال بها ليكون أهلاً لهذه الدعوة ويكون سعيداً وفخوراً بتوجيهها إليه، فكيف إذا صدرت بطاقة الدعوة من الله تبارك وتعالى خالق الخلق وجبار السموات والأرض وأوصلها إليك اشرف المخلوقات محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) فكم هي ثمينة وقيمة هذه الدعوى وكيف سيكون حرصك على أن تكون أهلاً لها.
ومن اقتران هذين الشعورين: الفرح والرهبة في القلب يندفع المسلم للعمل الصالح ويكون الحافز فيه مضاعفاً لطاعة الله تبارك وتعالى وأعمال البر والإحسان وصفاء القلوب والمودة والألفة ونزع ما فيها من غلّ وحقد وحسد وبغضاء ليكون من الفائزين يوم القيامة قال تعالى: [يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ،
إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء:88-89) أي خال من الغش للآخرين خصوصاً إذا التفت إلى عظمة العطاء الإلهي على أعمال الخير، يقول رسول الله (صلی الله علیه و آله): (مَن حسّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن كف فيه شره كف الله غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور).فلتتوحد قلوبنا على الصفاء والمودة والعمل المخلص لإرجاع البسمة إلى هذا الشعب الأبي الكريم الذي ذاق صنوف الاضطهاد والحرمان والكبت، وقد أذن الله تبارك وتعالى له أن يسترد عافيته بجهود المخلصين من أبنائه فلا تفرقنا اتجاهات دينية أو نوازع عرقية، فهذا أمير المؤمنين (علیه السلام) يوصي مالك الأشتر عندما ولاه مصر ويعهد إليه بكتاب طويل ومما جاء فيه: (واستشعر الرحمة في قلبك للرعية فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى المحبة والتسامح والحوار حتى نخرج من هذه الأزمة الخانقة التي أوصلت جميع الأطراف إلى طريق مسدود، وبمناسبة حلول شهر رمضان الذي هو أثمن فرصة للمودة والصفاء والسلام أقدم هذا المشروع الذي هو بمثابة دعوة للمصالحة والحوار بين جميع الأطراف المعنية بالقضية العراقية، وهذا هو نص المشروع:
بسم الله الرحمن الرحيم
تعد المشكلة الأمنية من اخطر ما يواجه العراق اليوم والوضع ينذر بالأسوأ إذا لم يتصد عقلاء القوم المعنيون بالأمر لاتخاذ التدابير اللازمة للعلاج لأن انعدام الأمن والاستقرار سيترك آثاره على جميع النواحي الأخرى كالاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويعرقل تلك النشاطات.
وإذا استقرأنا جذور المشكلة ومناشئها فسنجد أن حل المشكلة الأمنية ليس عسكرياً أي لا يكون بجلب المزيد من القوات وإشراك الدول الأخرى، وإنما الحل يكون سياسياً بان تستشعر الأمة سيادتها على أرضها وصون كرامتها وعزتها وحفظ هويتها الوطنية والإسلامية وهذا ما نراه مهدداً الآن، وبدلاً من أن تعمل قوات الاحتلال على تقوية مجلس الحكم وإنجاح عمله لتزداد قناعة الشعب به، حصل العكس بتهميش دوره وعدم الاعتناء بآرائه ومواقفه تجاه عدد من قضايا الأمة وعدم اعتباره عنصراً أساسياً في الساحة العراقية، وأُنيطت مسؤولية إدارة العراق وأمواله ومؤسساته بمسؤول الإدارة المدنية لقوات الاحتلال.
وهذا ما يثير قلق الشعب لأنه وإن أبدى بعض التحفظات على كيفية تشكيل مجلس الحكم واختيار أعضائه وأسلوب عمله وعدم شموليته لكل القوى والتيارات الجماهيرية، إلا أنه يعتبره هيئة عراقية يمكن أن تكون منطلقاً وفق
خطة تدريجية لعودة السيادة الوطنية، فأي إضعاف له يكون محبطاً لتلك الآمال، وهذا الفشل والشعور بالإحباط يولد ردود أفعال مذمومة ويعطي المبررات لنشوء مشاريع لا تكون في مصلحة الشعب العراقي، كما أن إهمال بعض القوى المؤثرة في الساحة وتجاهل دورها في صنع مستقبل العراق أدى إلى حصول هذه النتائج السيئة.إننا وإن أبدينا هذه التحفظات إلا أننا لا نستطيع إنكار الانجازات الكبيرة التي حققها مجلس الحكم خلال الفترة الماضية(1)على صعيد أعادة الخدمات الأساسية وتشكيل الدولة وتأهيل مفاصلها المدنية والعسكرية للعمل من جديد.
وفي ضوء هذه الدراسة للأسباب نخرج بنتيجة مفادها ضرورة قيام مجلس الحكم بمبادرة (مصالحة وطنية) تخرج البلد من حالة الاختناق والتوتر، وتقطع الطريق أمام الانتهازيين وتعيد عملية البناء والإعمار والتقدم إلى مسارها الصحيح من خلال الخطوات التالية:
1ـ إشراك قوتين جماهيريتين(2)في مجلس الحكم فيصبح عدد المقاعد (26) بنسبة مقعد واحد لكل مليون شخص مع مراعاة التوازن في تمثيل قوميات وطوائف المجتمع العراقي.).
1) شكل مجلس الحكم المكون من (25) عضواً حكومة من وزراء بنفس العدد حيث كان من حق كل عضو أن يعين وزيراً، أما رئاسة مجلس الحكم فكانت لواحد كل شهر من تسعة اختيروا ويمثلون الأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة المعارضة للحكم.
2) كان المقصود بهما القوتين الرئيسيتين اللتين ضمتا مقلدي السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) ومريديه فرجعت إحداهما إلى السيد كاظم الحائري (دام ظله) والأخرى إلى الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله).
2ـ أن لا يتخذ مجلس الحكم أي قرارات مصيرية كقانون تجنيس الأجانب وخصخصة قطاع النفط؛ لأنها من اختصاص المجالس المنتخبة من قبل الشعب وبعد وضع الدستور الذي تستند إليه هذه القرارات واكتفاء هذا المجلس باتخاذ القرارات المرحلية لأنه (انتقالي) أسس لكي يتجاوز بالأمة هذه الفترة العصيبة.
3ـ أن تعمل قوات الاحتلال على تقوية مجلس الحكم وإنجاح عمله واحترام قراراته والتعامل معه كممثل حالي للشعب العراقي فحينما رفض استخدام قوات تركية لا ينبغي لمسؤول الإدارة المدنية لقوات الاحتلال أن يقول (ليس بيد مجلس الحكم أن يرفض مثل هذا القرار)؛ لأن العراق للعراقيين وهم الذين يقررون مصيره.
4ـ أن يعلن مجلس الحكم عن خطوات جدية لإعادة السيادة للعراقيين وإنهاء الاحتلال تدريجياً وبأقرب وقت، بان يضع برنامجاً بتوقيتات محددة لوضع الدستور وإجراء انتخابات وطمأنة الشعب بوجود صدق في هذا الاتجاه ولنبدأ الخطوة الأولى وهي تحديد موعد إجراء التعداد العام للسكان وليس الإحصاء التفصيلي وهو أمر ليس عسيراً بعد تشكيل الوزارات وبدأ العام الدراسي ووجود البطاقات التموينية فيمكن أن تقوم الهيئات التعليمية والموظفون بهذه المهمة كما كانت في النظام البائد.
بسم الله الرحمن الرحيم
نُقل لي وتؤيده بعض الشواهد أن توجه الناس إلى الشعائر الدينية اقل مما كان في زمن النظام المهزوم، وحتى صلاة الجمعة المباركة التي كان يتوقع لها أن تكون أمضى سلاح في عملية التغيير والتربية والإصلاح لم يعُد لها ذلك البريق والجاذبية الروحية التي كنّا نحسّها حين أقامها السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، وكانت من أعلى درجات المواجهة مع الطغاة، وكان المفروض زيادة عدد المصلين الآن بعد زوال المانع من الحضور ومشاركة عدد من الجهات المرجعية في دعمها وإقامتها.
لكن الذي حصل هو انحسار عدد المصلين ولا نجد فيهم ذلك الحماس الجماهيري والروح الثورية التي كانت تتدفق من المؤمنين وهم يزحفون بشجاعة وصبر إلى محاّل أقامتها فلماذا حصل هذا وكيف نحمي الشعائر المقدسة من هذه التداعيات التي تقلل من تأثيرها، في تحقيق أهدافها وهي تزكية النفوس وتطهير القلوب ولمّ الشمل وتقوية الصف وعزة الدين والمذهب وتحقيق وحدة الموقف بإزاء القضايا المصيرية.
وإذا استقرأنا الواقع ودرسناه برؤية تحليلية عميقة فسنجد لذلك أسباباً
ومناشئ يكون تشخيصها والتعرف عليها الخطوة الأولى، والمهمة في وضع الحلول المناسبة، إلا أنني أودّ الإشارة إلى أحد تلك الأسباب، وهو عدم شعور الناس بعنصر التحدي والمواجهة بإقامة هذه الصلاة، بعكس ما كان في زمن النظام المقبور حيث كان كل مصلَّ يشعر بحضوره ومشاركته في هذه الشعيرة أنه يسجل موقفاً معارضاً للسلطة ورافضاً لوجودها ومتحدياً لأساليبها وأعمالها الوحشية في القمع والمنع، وهذا الشعور كان يدفع الكثيرين للحضور والتضحية من أجل المشاركة بكل شيء حتى النفس ولا يُنكر أثر هذا الحافز في التحرك والفعالية والهمة والنشاط وهذا واضح ومجرب فمثلاً الطالب عليه أن يحضّر الدرس من قبل تلقيه والمدرس عليه التحضير كذلك قبل إلقائه، لكن اهتمام المدرس بذلك أكبر لوجود تحدي من قبل الطلبة، إذ ربما يسأله أحدهم أو يعترض وتشكل عليه فيستعد المدرس ليكون بمستوى هذا التحدي، بعكس الطالب الذي وظيفته التلقي، نعم إذا توقع الطالب امتحاناً فإنه سيشكل له تحدياً وسيدفعه إلى بذل الجهد.وقد التفتت القوى المستكبرة إلى هذه النقطة لذا فإنها توجّه شعبها دائماً نحو عدو سواء كان حقيقياً أو وهمياً لكي تقنعه بمخططاتها ومشاريعها التي لولا هذا التحفيز باتجاه العدو لما وجدت الشعب متجاوباً معها ومؤيداً لها فلا يتحمس لتنفيذها فقضوا عشرات السنين في حرب باردة مع الاتحاد السوفيتي وكلما احتاجوا إلى تمرير أمر على شعوبهم سخنوا هذه الحرب وهوّلوا من أخطارها ونشروا القلق والرعب من مستقبلها، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وجدوا في الإسلام عدوهم الجديد الذي يحشّد الناس من ورائهم فضخّموا من خطورة
هذا العدو ونعتوه بأوصاف مقززة ومثيرة للاشمئزاز والكراهية والنفور، واستطاعوا بذلك إقناع شعوبهم بأمور مخالفة للمبادئ التي يؤمنون بها، فخصصوا زيادات بمليارات الدولارات للميزانية العسكرية، وسنّوا قوانين منافية لحقوق الإنسان التي يتشدقون بها، وأجازوا لأنفسهم الحرب الاستباقية والتدخل في شؤون البلدان الأخرى تحت ذرائع شتى ومصادرة أرادة الشعوبوحينما جاؤوا إلى هنا أباحوا كل شيء وسمحوا بحرية الصحافة والنشر وإقامة الشعائر، واندفع الجميع نحو التمتع بهذا الحق فالكل يكتب والكل ينشر والكل يتحدث ويتكلم والكل يتدخل في السياسة من غير رؤية واضحة وعمل منظم وتوزيع دقيق للمسؤوليات، حتى لم يبق قارئ حينما تكتب ولا مستمع حينما تتحدث ففقدت الكلمة بريقها وتأثيرها وصار الكثير منها ينطلق في فراغ.
وهكذا صلاة الجمعة والجماعة وإقامة المجالس الحسينية لم يعد يشعر الفرد بأهمية لإقامتها والمشاركة فيها بعد أن أصبحت في متناول الجميع أو قل إن الدوافع الموجودة غير كافية لتحقيق الحماس والاندفاع الكافيين.
وحصول هذا الشعور خاطئ بل خطير وقد اتضح ذلك من خلال الشواهد التي ذكرناها أول الكلام فلابد من توعية الأمة باتجاهه، وهنا يمكن إثارة عدة نقاط:ـ
الأولى: إن هؤلاء الذين جاءوا ليحررونا بزعمهم ويعطونا الفرصة الكاملة لممارسة شعائرنا لا يحبّون هذه الشعائر ويخافون منها ومن تأثيرها، ويعملون على منعها والحد منها، لكن بأساليب مختلفة ومنها أنهم يتركون فرصة العمل للجميع ويبقون هم مراقبين ليتعرفوا على الشكل المناسب لمواجهتها، فوجدوا
مع الأسف أن هذا كافٍ لتمييعها وإفراغها من محتواها وإعراض المجتمع تلقائياً عنها بسبب سوء التطبيق والاستفادة من هذا الحق فتصدى الجميع لإقامتها من دون مراعاة لشروط الصحة بالنسبة لصلاة الجمعة، وأصبحت سبباً للفرقة والتنازع وصار هذا الموقع الشريف مثاراً للحسد والتباغض والتقاطع، فتحملّت هذه الشعيرة المباركة آثاراً سلبية بسبب عدم الوعي في الاستفادة منها وتوظيفها في الاتجاه الصحيح، فعلى جميع الأطراف أن يعيدوا النظر في طريقة أداء هذه الفريضة الإلهية ويفكروا في الطريقة المثلى لإعادة رونق هذه الفريضة وتأثيرها العظيم في النفوس والقلوب، لتكون كما أريد لها الأداة الأقوى في مواجهة التحديات الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية وغيرها.فهذا هو العنصر الأول من التحدي الذي يمكن أن يعيد لهذه الفريضة مكانتها وهو إفشال مخطط الأعداء في تمييعها وتفريغها من محتواها ويجعلها أداة للفرقة والاختلاف بدلاً من الوحدة والشعور بالعزة والقوة.
العنصر الثاني: من التحدي هو اتجاه النفس الأمارة بالسوء فإن الأعداء الخارجيين الذين نتحمس لمواجهتهم مهما ضعفوا وانهزموا أو تلاشوا يبقى العدو الأول الذي نحمله في داخلنا وهي النفس الأمارة بالسوء التي تدعوا إلى اتباع الشهوات وإشباع الغرائز بأي وسيلة كانت ولو كانت محرمة، وتورث عذاب الله الأليم وتميل إلى الراحة والدعة والسكون وعدم الامتثال لأوامر الله تبارك وتعالى حتى جاء في الحديث الشريف (اعدي أعدائك نفسك التي بين جنبيك)، وحتى سمي الوقوف في وجه اندفاعة النفس للشهوات وتحقيق
الرغبات بالجهاد الأكبر، في حين إن جهاد الأعداء الآخرين بكل ما يمتلكون من قوة وعدة وعدد هو جهاد أصغر لأن الأول دائمي ومستمر ولأنه يخفى على غير البصير الذي وفقه الله تبارك وتعالى ونال ألطافه، ولأنه صعب عسير التحمل ولأنه ضد مشتهيات النفس بينما يمكن أن يكون الآخر موافقاً لها لما فيه من سمعة ورياء وامتيازات أخرى تحببه إلى النفوس فهذا هو التحدي الثاني الذي نواجهه ويولد فينا الحماس والاندفاع للمشاركة في العبادات والطاعات بأوسع أشكالها وذلك لقهر النفس وتهذيبها وترويضها لتأتي آمنةً يوم الفزع الأكبر على تعبير أمير المؤمنين (علیه السلام).فالالتفات إلى هؤلاء الأعداء وما تتطلبه مواجهتهم من عمل دؤوب سيعيد هذه الشعائر الإلهية إلى مكانتها السامية وهي مسؤولية الجميع أئمة ومأمومين.
أسال الله تعالى أن يبصّرنا وإياكم طريق الحق ويأخذ بأيدينا للسير عليه إنه ولي النعم.
خطاب المرحلة 26 : رسالة الشعب العراقي المظلوم إلى الإخوة في فلسطين بمناسبة يوم القدس العالمي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليماً كثيرا
للقدس مكانة مقدسة وسامية في قلوب المسلمين فهي أول قبلة توجه لها رسول الله (صلی الله علیه و آله) والمسلمون بالصلاة في السنين الأولى من البعثة النبوية الشريفة تمييزاً لهذه الفئة الحنيفية الطاهرة من أدناس الشرك عن المشركين الذين اتخذوا الكعبة المشرفة محلاً لأصنامهم يعبدونها من دون الله تبارك وتعالى، حتى بدأ اليهود –بعد الهجرة إلى المدينة- ينتقصون من المسلمين وأنهم تبع لهم لأنهم يتوجهون إلى نفس قبلتهم فكان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يتطلع إلى الله تبارك وتعالى ليخص المسلمين بقبلة تميزهم فنزل قوله تعالى: [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ] (البقرة:144) فحول رسول الله (صلی الله علیه و آله) وجهه من القدس إلى الكعبة وكان في أثناء الصلاة في المكان
1) أعلن السيد الخميني الراحل (قدس سره) بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، آخر يوم جمعة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس لكي تبقى حيّة في ضمير الأمة.
المعروف اليوم بمسجد القبلتين.والقدس ثالث الحرمين الشريفين من المساجد الأربعة التي عظمها الله تبارك وتعالى بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وقد وصف الله تبارك وتعالى المسجد الأقصى في القدس بقوله تعالى: [الذِي بَارَكْنَا حَولَهُ] (الإسراء:1) ومنه عرج رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى السماء بعد أن أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
والقدس إضافة إلى ذلك مستقر كثير من أنبياء الله ورسله وفيها عاشوا ومنها انطلقوا للدعوة إلى الله تبارك وتعالى وإعلاء كلمته، هذه القدس الشريفة أسيرة اليوم بيد الصهاينة الذين التقطهم الاستكبار العالمي من شتات الأرض ليقيم لهم كياناً هنا في قلب العالم الإسلامي لأهداف عديدة:
1- تفريق شمل الأمة وتمزيق وحدتها وإلقاء الخلاف بينها لأن المواقف تجاه هذا الكيان ستكون مثار جدل وخلاف وتباين وربما نزاع وتقاتل.
2- استنزاف قدراتها في حروب باردة أو ساخنة مع هذا الكيان اللقيط تثار بين وقت وآخر، ونهب خيراتها بعنوان تسليحهم بأحدث الأسلحة والتي يطورونها لهم باستمرار، أو ابتزازهم من أجل مواقف سياسية معينة.
3- تدمير الأخلاق والعقيدة المتأصلة في قلوب ونفوس شعوب المنطقة بتمسكها بالإسلام من خلال الوسائل الخبيثة المتنوعة فنسمع أن الدول لها ناقلات طائرات تجوب البحار، أما الكيان الصهيوني فله ناقلات من قبيل آخر تقف قبالة سواحل البلاد الإسلامية كدول الخليج ومصر وتحمل فرق الفاسقات واللهو والمجون والخمر وأندية القمار فيهرول لها المسلمون !!
ليفرغوا جيوبهم على شهوات النفس الأمارة بالسوء ولينزعوا من قلوبهم وعقولهم نور الإيمان والعزة والهيبة والتسامي وليكونوا عبيد هؤلاء الشياطين وقد بلغت واردات الكيان الصهيوني (3) مليارات دولار من هذه التجارة سنوياً.4- ليكون هذا الكيان أداة لتنفيذ مخططات الاستكبار في المنطقة، ولإفشال كل مشروع يتقاطع مع مصالحهم فيكون يدهم الضاربة لتنفيذ ذلك، والشواهد على كل ذلك كثيرة. فقد أدى هذا الكيان دوره بإتقان؛ لذا لم تقصر قوى الاستكبار في دعمه ورعايته وإسناده مادياً حتى أصبح معدل دخل الفرد فيه يمثل أعلى المستويات حيث يصل إلى أكثر من (17) ألف دولار سنوياً، ومعنوياً حيث أصبح دولة فوق القانون ولا يعامل كما تعامل الدول الأخرى، وقد سمعتم بالضجة التي أثيرت حول رئيس وزراء ماليزيا (مهاتير محمد) الشهر الماضي لأنه قال كلاماً فسر بأنه معاداة للسامية، أو ما يثار حول المسلسل التلفزيوني (الشتات) فأصبحت هذه التهمة سيفاً مشهوراً على رأس كل من يقول الحق ويبين الموقف الصحيح التي تمليه الإرادة الحرة، بينما هم يقولون ما شاؤوا من الكلمات ويخرجوا ما يحبون من الأفلام والمسلسلات التي تشوه صور المسلمين والعرب والقرآن الكريم ولا رادع لهم.
وقد سمعت في أخبار اليوم (22 رمضان 1424 – 17/ 11/ 2003) أن مدير مدرسة مزرعة الشبيبة في القدس طرد طالبة يهودية من المدرسة تنحدر من أصل كازاخستاني لأنها اعتنقت الإسلام وارتدت الحجاب، وكذا فعلوا في فرنسا وألمانيا، بينما لا يستنكر أحد لبس اليهودي لزيه التقليدي.
لكن مع ذلك توجد صحوة ضمير لدى الغربيين إزاء القضية الفلسطينية
العادلة حيث صوت أغلبية الأوربيين قبل أيام لصالح القول أن إسرائيل هي المصدر الأول للإرهاب في العالم وكانت صعقة لهؤلاء المعتدين الآثمين، بل إن الإقرار بحق الشعب الفلسطيني وضرورة تخلي الكيان الصهيوني عن تصرفاته العدوانية في ظلم وإذلال المسلمين في فلسطين بدأ يصدر من رموزهم كرئيس الأركان الصهيوني مما ادخله في هذه الأيام بنزاع مع رئيس حكومته. وقبل أيام عقد المدراء السابقون لجهاز (الشن بت) الصهيوني لقاءً وكان من مقرراتهم تقديم النصيحة لحكومة الصهاينة بان تتخلى عن ممارساتها العدوانية وتفكك المستوطنات المقامة على الأرض الفلسطينية، وما كان ذلك ليتحقق إلا بصبر وجهاد وتضحيات الشعب الفلسطيني بعد أن التفت إلى الإسلام وجعله محور قضيته وبدأت شعارات (الله أكبر) و(لا اله إلا الله) و(محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتذكير الصهاينة بخيبر وصولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام).
لقد ولى الزمان الذي كانت تعتبر فيه قضية فلسطين قضية قومية تخص العرب تحت مبررات واهية، وعزلوا بذلك قوة كبيرة وطاقة فعالة لو استثمرت فإنها ستحقق للأمة مرادها هي قوة العقيدة، وما الانتصارات التي حققتها الجيوش العربية المسلمة في حرب 6 تشرين 1973 إلا بفضل الروح الدينية التي كان يحملها أولئك الجنود بالتأثير الساحر لشهر رمضان لان الحرب بدأت في العاشر من شهر رمضان المبارك ولا زلت أتذكر رغم مرور ثلاثين سنة بالضبط كيف دخل المرحوم الشهيد الشيخ عبد الجبار البصري إلى قاعة الدرس وكنت حينها طالباً في متوسطة الإمام الجواد (علیه السلام) الأهلية، وكان في
غاية الحماس والانفعال بعد إعلان بدء الحرب وطالبنا بكتابة موضوع في درس الإنشاء عن (إخوانٍ لنا يقاتلون في سبيل الله لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يستوحشون الطريق لقلة سالكيه) ولا زالت كلماته هذه ترن في أذني. لكنهم مع الأسف لم يسموها بحرب العاشر من رمضان وإنما أسموها حرب السادس من تشرين فأفقدوها سلاحها الروحي المضاء، والغريب من القيادات الفلسطينية والعربية أن تغفل عن هذا الإطار للقضية وهم يرون عدوهم يقاتلهم بعقيدته اليهودية، ويزرع في قلوب جنوده الهمة والحماس للدفاع عنها، فلماذا لا نواجههم بنفس السلاح الذي شهروه في وجوهنا ولا يعني هذا أننا ضد العقيدة اليهودية التي هي بالأصل ديانة سماوية جاء بها رسول كريم عظيم من أولي العزم هو كليم الله موسى بن عمران (ع)، ولكننا ضد التوظيف السيئ والمنحرف لها من أجل تحقيق أهداف شيطانية للصهيونية.
إننا نحن المسلمين في العراق رغم ما بنا من الم الجراح والفقر والاضطهاد والحرمان والمآسي الكثيرة، لا نغفل عن قضية إخواننا المسلمين في فلسطين لأنها قضيتنا جميعاً، ولا يشغلنا شيء عن مواساتهم والألم لما يصيبهم والدعاء لهم بالنصر والتأييد والثبات، فإن المؤمن فيه من صفات الله تبارك وتعالى ومن صفاته عز وجل أنه لا يشغله شأن عن شأن، فلنتخلق بأخلاق الله تبارك وتعالى.
وإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله فنحن نحب إخواننا في فلسطين ونحس بآلامهم في الله، ونبغض أعداءهم الذين هم أعداؤنا في الله تبارك وتعالى فنحن معهم في خندق واحد في هذه المواجهة التي شاء الله تبارك وتعالى أن يجعلهم في الخندق الأول.
وأنا اذكرهم بحديثين شريفين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ففي مسند أحمد وتهذيب ابن عساكر وكنز العمال عن النبي (صلی الله علیه و آله): (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين ولا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس).وعنه (صلی الله علیه و آله): (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة).
فبورك لكم هذا الاختيار لتكونوا طليعة الأمة وواضعي حجر الأساس لدولة المصلح الأعظم الإمام المهدي الموعود (علیه السلام) الذي ادخره الله تبارك وتعالى ليقيم دولة الحق والعدل في الأرض وليحقق للبشرية يومها السعيد الذي تحلم به.
إن أقل ما نقدمه لإخواننا في فلسطين هو الاهتمام بقضيتهم والتفاعل معهم والدعاء لهم بالنصر والتثبيت خصوصاً في مظان الإجابة، ومنها هذه العشر الآواخر من شهر رمضان والجمعة الأخيرة منه وفي الشعيرة المقدسة المباركة صلاة الجمعة، وليس هذا قليلاً في الحقيقة إذا كان عن إخلاص وصدق فإن الدعاء سلاح المؤمن قال تعالى: [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ] (الفرقان:77).
محمد اليعقوبي
22 رمضان 1422- 17/ 11/ 2003
عقد مجلس الحكم العراقي اتفاقاً مع سلطات الاحتلال في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني الحالي 2003 يبين جدولاً زمنياً لعملية أعادة السيادة والسلطة إلى العراقيين ليديروا شؤونهم بأيديهم ويتخلصوا من الاحتلال.
والاتفاق من حيث المبدأ خطوة على الطريق الصحيح فلطالما طلبنا ومعنا المخلصون من أبناء البلد بوضع مثل هذا الجدول الزمني لطمأنة الشعب بجدية مثل هذه الخطوات لسحب المشروعية من كثير من الهجمات التي تحصل هنا وهناك وذهب ضحيتها الأبرياء أكثر من غيرهم، ولرد المشاريع التي تطرح بين آونة وأخرى كحل للخروج من المأزق السياسي الذي يعيشه البلد، وقد قلنا إن جزءاً من حل المشكلة الأمنية هو الحل السياسي الذي يحفظ للجميع حقوقهم وللبلد كرامته وعزته.
ونأمل أن تكون الأطراف الموقعة على الاتفاق جادة وصادقة في وضعه وتنفيذه إلا أن عدة مؤشرات تحبط هذا الأمل وتبدده:
الجدول الزمني قبل الخامس عشر من كانون الأول، بل إن الدلائل تشير إلى أن سلطة الاحتلال هي التي وضعته ونسبته إلى مجلس الحكم للحفاظ على ماء الوجه.2. تصريحات العديد من المسؤولين والمحللين في الولايات المتحدة بأن إعلان الاتفاق كان لأغراض دعائية تخص حملة الرئيس الأمريكي بوش لإعادة انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة العام المقبل بعد أن تصاعد استياء الشعب الأمريكي من كثرة خسائره في العراق وتورط الولايات المتحدة في حرب (فيتنام ثانية)، فيعيد الاتفاق للأمريكيين الأمل بالتخلص من هذا الكابوس، وقد دلت استطلاعات الرأي العام الأمريكي على تراجع شعبية بوش والشعور بفشل العمليات العسكرية في العراق.
ويبدو أن مجلس الحكم تساوره هذه الاحتمالات أو يعلم بها لذا طلع علينا السيد جلال الطالباني الرئيس الدوري لمجلس الحكم في لقاء مع جريدة الزمان أجراه الأسبوع الماضي في طهران أثناء زيارته لها قائلاً: (في السياسة لا
يوجد إطلاق) (جريدة الزمان عدد 22/ 11/ 2003) وهو بصدد الحديث عن جدية الولايات المتحدة في تنفيذ هذا الاتفاق لذا فإن خط الرجوع عن تنفيذ الاتفاق في أي مرحلة من مراحله يبقى مفتوحاً كما أن الأمل بالله تبارك وتعالى في أن يحقق الخير لهذا الشعب المضطهد المظلوم أكبر من أن ينال منه كيد الخائنين ومكر الماكرين وان كان مكرهم لتزول منه الجبال.وإن الحوزة الشريفة التي هي المرجعية الحقيقة للأمة ولها إمامة القلوب وإن تسلط غيرها على الأجساد ترى من وظيفتها الإلهية أن تنظر بدقة وعمق إلى كل ما يطرح من مشاريع ويثار من قضايا لتقدمها وتنقدها نقداً بنّاءً، فتصحح ما صح منها وتعالج خلل ما أخطأ منها، وفي الحقيقة فإن هذه المراقبة هي وظيفة الأمة جميعاً فمن المؤلم حقاً أن ترى العراق مهد الحضارات وبلد الأنبياء والأوصياء (ع) وعاصمة دولة العدل الإلهي ومجمع الخيرات، وكأنه سفينة في بحر هائج تتقاذفها الأمواج يتفرج عليها مالكوها ويحاول الانتهازيون سلب خيراتها، ولا يتصدى لها قائد مخلص أمين يأخذ بزمامها إلى بر الأمان.
وفي هذه السياق نبين التعليقات التالية على الترجمة العربية لنص الاتفاق:
وأنا كفرد عراقي لا أريد الفدرالية التي هي مقدمة لتقسيم العراق والتفكيك، بل هي كذلك فعلاً من الناحية المعنوية والشعور على الأقل، والفدرالية إن كان فيها خير فللأجزاء التي تريد أن تتجمع وليس للكل المتحد الذي يراد تجزئته فلا بد أن يبقى العراق كلاً واحداً متحداً ولجميع أبنائه حق فيه كله.
وهذا من الناحية السياسية وهو لا يمنع من تحقيق لا مركزية في الإدارة لمراعاة خصوصيات المحافظات المختلفة من حيث اللغة والدين والمذهب والعرق وإعطاء صلاحيات واسعة للإدارات المحلية في المحافظات.
4.يعطي الاتفاق دوراً مهماً للمجلس البلدي أو مجلس المحافظة الحالي فثلث أعضاء اللجنة التنظيمية الخمسة عشر هم من هذا المجلس، وستتكفل هذه اللجنة بعقد المؤتمرات الانتخابية مع الواجهات الاجتماعية والسياسية والعشائرية والدينية لانتخاب ممثلي المجلس الانتقالي، وهي التي تصادق على ترشيح الأشخاص للمجلس وتختبر أهليتهم.
ونحن نعلم أن المجالس البلدية وأتكلم من زاوية مدينة النجف الأشرف قد شكلت في غفلة من الزمن وفي عمليات ارتجالية هزيلة لا تعبر بشكل من الأشكال عن إرادة أبناء المدينة، فلا بد من أعادة انتخابات المجلس البلدي بطريقة حرة ومباشرة وعلنية ويحضّر لها أو يعاد النظر في تشكيل هذه اللجان التنظيمية خصوصاً مع ملاحظة النقطة التالية. 5. إن اللجنة التنظيمية المذكورة تُغَيِّب صوت أبناء مراكز المحافظات تماماً والأقضية والنواحي غير الرئيسية لأنها افترضت أن أعضاء اللجنة خمسة عشر يعين مجلس الحكم خمسة منهم ويعين المجلس البلدي خمسة آخرين، وأما الخمسة الآخرون فهم عضو واحد من قبل المجلس المحلي في المدن الخمس الكبرى في المحافظة فمن الذي سيمثل أبناء مركز المحافظة والمدن غير الكبرى؟
أ. تغييب لشريحة كبيرة من المجتمع من الذي لا ينتمون إلى هذه الواجهات ولا يعترفون بمصداقيتها في تمثيلهم.
ب. غبن مراكز الثقل في المجتمع كالمرجعية الدينية التي سيكون لها صوت كما لبعض الواجهات التي لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد صوت واحد مثلها، وهذه قسمة ضيزي وغير معبرة عن تطلعات الشعب.
جـ- إنها ستتعرض للإشكالات التي تعرض لها مجلس الحكم والمجالس
البلدية من أنها تمثل الفئوية والطائفية وعدم الاستيعاب والانفتاح على الجميع وغيرها مما سيعرض البلد إلى مزيد من المشاكل والمصادمات وفقدان الأمن والاستقرار وضياع هذه الفرصة التي يتطلع فيها الجميع لحل مرضي لجميع الأطراف.وفي عقيدتي فإن هذه الفقرة هي من أخطر ما في الاتفاق وأكبر سبب لإفشاله ووصوله إلى طريق مسدود بعد أن يكون الشعب قد أضاع سنتين من عمره في هذه العملية المعقدة بما تتضمنه السنتان من خسائر وآلام وضحايا لنعود إلى نقطة الصفر والبداية من جديد.
ومن جهة أخرى فإنهم قالوا: إن المجلس الوطني الانتقالي يتألف من (36) عضواً حيث يمثل كل محافظة عراقية عضوان فأين هذا من النسب المئوية لتعداد كل محافظة.
وعلى أي حال كان بالإمكان تلافي هذه الإشكالات والآليات المعقدة الطويلة لترتيب المرحلة الانتقالية بتنفيذ المشروع الذي وضعنا خطوطه العريضة الرئيسية، ولم تعترض عليه مرجعية رئيسية أخرى في النجف الأشرف، ويتلخّص بإجراء انتخابات عامة مباشرة لاختيار أعضاء مجلس تأسيسي بمثابة البرلمان من (260) عضواَ حيث يمثل كل عضو (100) ألف من الشعب، ويعين هذا المجلس لجنة لصياغة الدستور وهو الذي يختار حكومة أو يصادق على الحكومة الحالية بعد أن تعرض عليه فرداً فرداً وينحل مجلس الحكم ويبقى منه مجلس الرئاسة فقط بعد تقليص عدده ليمارس دور رئاسة الجمهورية ويمكن أن تقوم وزارة التخطيط بالتعاون مع وزارة التربية والجهات الشعبية والدينية والسياسية لتوزيع المراكز الانتخابية على المدارس ويتولى المعلمون والمدرسون جمع المعلومات وتدقيقها على البطاقة التموينية وهي عملية لا تستغرق طويلاً وتكون ذات مشروعية كاملة في كل قراراتها لاستنادها إلى إرادة الشعب وبإشراف لجان خاصة وكان المشروع يمكن أن ينفذ قبل الآن لأنه عرض قبل عدة أشهر ونكون قد جنبنا بلدنا وشعبنا الكثير من المشاكل ومع ذلك فإن الفرصة لم تفت ومازالت قائمة.
إن ما يثار من إشكالات على إجراء عملية انتخابات حرة مباشرة كعدم
وجود حالة أمن مستقرة لا واقع لها(1)لأن أكثر مناطق البلد مستقرة وتجري فيها الأمور بشكل طبيعي، وإن عدم إمكان إجراء انتخابات في عشرة أو عشرين بالمائة من مناطق العراق غير المستقرة أو غير المثبتة في بيانات لا يضر بصحة الانتخابات ومشروعيتها، فإنه ما من بلد في العالم يشارك فيه كل من يحق له الانتخابات بل إن المشاركة في بعض البلدان تصل حتى إلى 50% كما في الولايات المتحدة. مع ذلك فإن المدن التي يتعذر إجراء الانتخابات فيها يمكن أن تطالب بتقديم مرشحها ولو تعييناً من قبل أبنائها بحسب النسب المقررة.إن شعبنا الذي اثبت قدرته على إدارة مشاكل معقدة في الفترة السابقة وفي تنظيم الزيارات المليونية التي تحصل للأئمة الأطهار (ع) بين فترة وأخرى فتجري بكل دقة ونظام ولا تشهد أي خرق أمني بل ولا حتى حادث مروري، لا يصعب عليه تنظيم انتخابات عامة.
فإذا توفر الإخلاص والصدق والشعور بالمسؤولية والهمة العالية فإن العملية ستتم بإذن الله تعالى وبأسرع وقت وبها يخرج بلدنا من هذا المأزق الذي هو به، ومن يرفض مثل هذا المشروع فإننا لا نتوقع منه الصدق في تنفيذ الاتفاق المعقود للفترة الانتقالية الذي نحن بصدد التعليق عليه لأنه يتضمن إجراء انتخابات أيضاً في بعض مراحله فما الفرق بينهما.
أرجو أن تؤخذ هذه التعليقات بنظر الاعتبار وقد كتبناها باختصار ويمكن5.
1) استمرت هذه التوعية للضغط على قوات الاحتلال حتى ترضخ لمطلب إجراء الانتخابات وتبعها بعدئذٍ مسيرات شعبية دعت إليها المرجعيات الدينية حتى أثمرت عن تحديد موعد انتخابات عامة في 31/ 1/ 2005.
استمرار الحوار لبيان تفاصيلها، وأسأل الله تعالى أن يحمي هذا البلد وشعبه من كل سوء ويوفق العاملين المخلصين لما فيه خير الأمة وصلاحها.محمد اليعقوبي
29 رمضان 1424 المصادف 24/ 11/ 2003
خطاب المرحلة 28 :نتائج(1)استطلاع الرأي العام الأول الذي أجرته الحوزة الشريفة عن بعض قضايا الحكم والدستور
بسم الله الرحمن الرحيم
قامت الحوزة العلمية الشريفة بنشر بيانات تتضمن تعريفاً ببعض القضايا السياسية والدستورية ومذيلة بتسعة عشر سؤالاً وكان لها هدفان:
الأول: تثقيف المجتمع بهذه القضايا وتأهيله للدخول في الحياة السياسية بنجاح لانتزاع حقوقه لذا فإن البيان لم يكتف بتدوين الأسئلة وإنما قدم لكل سؤال شرحاً مبسطاً، فمثلاً قبل أن يسأل هل تريد نظاماً برلمانياً أم رئاسياً؟ عرّف كلاً من النظامين وحسنات وسيئات كل منهما ليكون المواطن واعياً حين الإدلاء بالإجابة.
الثاني: استطلاع الرأي العام حول هذه القضايا لننطلق من مستند متين وهي إرادة الشعب واختياره عند التعبير عن المواقف الوطنية.
وقد لاقت هذه العملية نجاحاً باهراً سواء خلال المشاركة الواسعة التي تجاوزت بكثير العدد المقرر للعينات وهو خمسة آلاف، حيث تطوع الكثير
1) تلى سماحة الشيخ (دام ظله) النتائج بنفسه مع رسالته الآتية إلى الرئيس الفرنسي في لقائه مع قناة الجزيرة الفضائية.
بطبع ونشر هذه البيانات من أجل تحقيق الهدفين المذكورين، أو من خلال المباركة والثناء على هذا العمل الصادر من الحوزة الشريفة، وقد شملت العينات أكثر من عشر محافظات في وسط وجنوب العراق وتوزعت على مختلف الأعمار والمستويات الثقافية والاقتصادية وقد اقتصرنا في إحصاء النتائج على عدد من العينات مقارب لما قررناه.
1- من حيث العدد: البصرة (375) الديوانية (81) ديالى (79) الناصرية (636) ميسان (851) كربلاء (130) بابل (156) المثنى (601) النجف (320) بغداد (948) واسط (610) أخرى (198).
2- من حيث الأعمار: كانت نسبة المشاركين ممن تقل أعمارهم عن العشرين (77 بالألف) وفي العشرينات (381 بالألف) وفي الثلاثينات (256 بالألف) وفي الأربعينيات (138 بالألف) وفي الخمسينات (137 بالألف) وفي الستينات (11 بالألف).
3- ومن حيث التحصيل الدراسي: كانت نسبة المشاركين من حملة الشهادات الابتدائية (118 بالألف) والمتوسطة (175 بالألف) والثانوية (218 بالألف) والجامعية (444 بالألف) والأخرى (44 بالألف).
4- من حيث القومية: فقد استطلع رأي (37) شخصاً من الإخوة الأكراد ضمن العدد الكلي.
5- من حيث الجنس: توجد (944) امرأة من بين العدد الكلي.
6- من حيث الديانة: فقد شمل الاستطلاع ستة من غير المسلمين.
7- من حيث المهنة: كانت نسبة الموظفين (545 بالألف) والطلاب (120 بالألف) والكسبة (291 بالألف) وربات البيوت (43 بالألف).
1- أجاب (99) بالمئة: بأن الدستور يمثل لهم قضية مهمة تثير اهتمامهم ومتابعتهم.
2- أجاب (98.5) بالمئة: انه يدرك أهمية الدستور وتأثيره على مستقبل حياته.
3- اختار (685) بالألف: أن تتولى الحوزة الشريفة والعلماء رعاية كتابة الدستور من أجل ضمان حرية الرأي وتثبيت إرادة الشعب دون أي وصاية أو ضغوط واختار (268) بالألف أن يتولى ذلك مجلس تأسيسي منتخب بينما اختار (47 بالألف) أن يتولى ذلك مجلس الحكم.
4- وحول آلية تشكيل لجنة صياغة الدستور اختار (69) بالمئة أن يكون عن طريق انتخاب الشعب لمجموعة متخصصة يتم ترشيحها للقيام بهذه المهمة واختار (31) بالمئة أن يكون من خلال جماعة معينة من ذوي الاختصاص.
5- واختار (78) بالمئة أن يتم استفتاء الشعب على كل فقرة من الدستور بالتفصيل بينما فضل (22) بالمئة الاستفتاء على الدستور بشكل عام.
6- وفضل (74) بالمئة أن يكون الدستور دائمياً وفضل (26) بالمئة أن يكون مؤقتاً.
7- ولاستطلاع رأيهم عن كيفية مراقبة القوانين والتعليمات واللوائح الصادرة من الحكومة لضمان عدم خروجها عن الدستور وانسجامها معه اختار (741) بالألف إيجاد آلية محكمة جديدة تضبط دستورية القوانين بينما اختار (223) بالألف أن يكون ذلك من خلال هيئة قضائية واختار (36) بالألف فقط أن تكون الهيئة سياسية.
8- إن دستور البلد وما يتفرع عنه من قوانين إنما يوضع لضمان سعادة الشعب، فقد يرى جيل معين من المصلحة ما لا يراه الجيل السابق مما يقتضي تعديل الدستور كلياً أو جزئياً وقد اختار (838) بالألف أن يكون التعديل عبر استفتاء شعبي عام بينما فضل (162) بالألف أن يكون عن طريق تصويت البرلمان.
9- وبرغم حملات التشويه التي يتعرض لها الإسلام ومحاولات إبعاده عن تنظيم شؤون الحياة فقد اختار (987) بالألف أن يدون في الدستور أن الإسلام دين الدولة الرسمي وأن القوانين التي تُشرَّع يجب أن لا تتعارض معه ورفض ذلك (13)بالألف فقط.
10- ووافق (73) بالمئة على التأخير النسبي لكتابة الدستور مقابل أن يكون عن طريق انتخاب أعضائه ورغب (27) بالمئة في الإسراع في كتابته ولو عن طريق تعيين أعضاء لكتابته.
11- واختار (73) بالألف أن تكون الدولة العراقية موحدة ومرتبطة بحكومة مركزية تدير شؤون البلاد داخلياً وخارجياً كما هو وضعه السابق، واختار (27) بالألف أن يكون نظام الحكم فدرالياً بحيث يكون البلد مقسماً إلى ولايات
تدير كل ولاية شأنها الداخلي بنفسها ضمن حكومة محلية وترتبط الولايات بحكومة مركزية عليا تدير شؤونها الكبرى وسياسة البلاد الخارجية وتقسم الموارد المالية كما في نظام الولايات المتحدة الأمريكية.12- وتقاربت أجوبة السؤال عن نظام الحكم فاختار (484) بالألف النظام البرلماني حيث تكون السلطة فيه لرئيس الحكومة، أما رئيس الدولة فيمكن أن يكون ملكاً أو رئيس جمهورية دون صلاحيات فعلية والحكومة تكون من وزراء مسؤولين أمام البرلمان كما هو الحال في مثل بريطانيا وايطاليا والهند، واختار (516) بالألف النظام الرئاسي حيث تكون السلطة فيه لرئيس الدولة الذي ينتخبه الشعب وهو رأس الحكومة وهو يكون على قدم المساواة مع السلطة التشريعية المنتخبة كما هو الحال في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
13- وعن كيفية مشاركة علماء الدين في الحكم فقد اختار (546) بالألف أن يكونوا جزءاً من مفاصل الحكم التنفيذية والتشريعية والقضائية بينما اختار (451) بالألف أن يشرفوا من بعيد على سير مفاصل الدولة لتقديم المشورة والنصح وتسديدها عند الخطأ.
14- فضل (60) بالمئة أن تبقى الوزارات في العاصمة ورغب (40) بالمئة في نشرها في المحافظات.
15- ولم يتجاوب المواطنون مع تهميش الجيش وتحديد قوته الدفاعية وتحويله إلى جيش صغير خدمي يصل تعداده بحسب ما أعلنوه إلى (60) ألفاً بعد عشر سنوات لان العالم يعيش صراعاً بين الأقوياء والضعفاء وتتنافس فيه
الإرادات وتتزاحم المصالح فقد وافق على هذا التهميش (19) بالمئة بينما اختار (81) بالمئة أن يكون الجيش كبيراً ومتكاملاً.16- وتوجد أغلبية ساحقة ترفض انحصار الخدمة العسكرية في الجيش بالإلزامية فلم يوافق عليها إلا (6) بالمئة بينما فضل (47) بالمئة أن يعتمد الجيش على نظام التطوع و(47) بالمئة على نظام يعتمدهما معاً.
17- ومرة أخرى يثبت الشارع إسلاميته والتزامه بالشريعة فلم يوافق على استناد القضاء في أحكامه إلى القوانين الوضعية إلا (2) بالمئة بينما اختار (63) بالمئة إنشاء محاكم تستند في قضائها إلى القواعد الإسلامية واختار (35) بالمئة انضمام كلا الشكلين ويكون المواطن مخيراً في الترافع إلى أي منهما.
18- ولم يوافق (93.5) بالمئة على خصخصة وسائل الإنتاج ومؤسساته بما فيها القطاع النفطي والصحي -أي تمليكها إلى الأفراد- وأصروا على إبقاء قطاع الدولة فاعلاً رئيسياً في الاقتصاد على أن تسمح الدولة بتملك القطاع الخاص في حدود المشاريع والشركات الصغيرة بينما اختار (6,5) بالمئة فقط تمكين القطاع الخاص من الاقتصاد.
19- وفي السؤال الأخير أجاب أكثر من (99) بالمئة أن إجراء مثل هذا الاستبيان حول مختلف القضايا التي تهم الأمة له دور في التوعية والتثقيف السياسي بينما نفى ذلك أقل من (1) بالمئة.
لقد أثبت الشعب من خلال هذه الأجوبة عدة نقاط:
1- التزامه الكامل بالشريعة ورفضه للمبادئ الخارجة عن الإسلام سواء على مستوى الأيدلوجية كالعلمانية أو على مستوى الحكم كالقضاء غير المستند إلى
الشريعة.2- ثقته العالية بعلماء الدين واتباعه لهم وتجاوبه مع مشاريع الحوزة العلمية الشريفة.
3- وعيه السياسي وإدراكه لمصالحه الوطنية بوضوح فبالرغم من أن المشاريع السياسية المعروضة تفترض الفدرالية أمراً مسلماً إلا أن ثلاثة أرباع المشاركين رفضوها.
4- عدم تأثر تفكيره السليم بانعكاسات جرائم النظام السابق وسياساته الصبيانية فبالرغم من أن أكثر الشعب ذاق الويلات من انخراطه في الجيش الذي زّجه في معارك مدمرة إلا أن الأكثر رغبوا في بناء جيش قوي متكامل، وغيرها من النتائج الطيبة التي أفرزتها هذه التجربة التي تؤديها الحوزة العلمية لأول مرة انطلاقاً من شعورها الأكيد بضرورة التجديد في آليات العمل وتنويعها حتى تكون بمستوى طموح الأمة والتحديات التي تواجهها.
[وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ] (التوبة:105)
أنهت أمس الحادي عشر من كانون الأول 2003 (16 شوال 1424) اللجنة الحكومية الخاصة بدراسة ظاهرة الحجاب الإسلامي في المدارس الفرنسية وقدّمت توصية بمنع الرموز الدينية ومنها الحجاب الإسلامي في المدارس ومن باب التضليل وذرّ الرماد في العيون تضمنت التوصيات منع القبعات اليهودية والصلبان الكبيرة للمسيحيين وأوصت بجعل يوم عيد المسلمين واليهود عطلة رسمية وعدم الاقتصار على التعطيل في عيد المسيحيين.
ونحن إذ نعبّر عن أسفنا لمثل هذه التوصيات نأمل عدم توقيع رئيس الجمهورية الفرنسية عليها حتى لا تكتسب صفة القرار للنقاط التالية:
1- إن مثل هذه القرارات منافية لحقوق الإنسان والتي تتضمن حرية التعبير عن المعتقد والقيام بما يتطلبه معتقده ما دام غير مضر بالمصالح الوطنية، وإن دول الغرب ومنها فرنسا تتبجح وتفتخر على الكثير من دول العالم بمراعاتها لحقوق الإنسان، فتأتي مثل هذه القرارات لتكشف زيف هذه الادعاءات وتُظهِر الصورة الحقيقية للنظم الغربية التي تضع تحت أقدامها كل الشرائع الإنسانية والسماوية إذا اقتضت النظرة الضيقة للمصالح ذلك.
2- إن الحجاب الإسلامي ليس فقط رمزاً دينياً كالصليب والقبعة اليهودية حتى تُقرن جميعاً بقرار رغم أنه أجاز الصلبان الصغيرة وبعض الرموز اليهودية، فإن الحجاب شعار لنظام كامل في الحياة تختطه المرأة المسلمة؛ لأن الحجاب يعني انتهاج السلوك النظيف والعفيف الخالي من الخيانة والرافض للخطيئة والذي يمتنع عن الفساد، والانحراف عن الأخلاق الإسلامية العليا ولا يعني حمل الصليب أو لبس القبعة شيئاً من ذلك.
نحن نعتقد أن ارتداء الحجاب هو العلامة الفارقة للمرأة الملتزمة بالشريعة عمّن سواها، فإذا كانت محجبة فهذا يعني أنها ملتزمة بكل تفاصيل الشريعة الأخرى فهذه المقايسة باطلة.
3- إن الحجاب جزء مهم وضروري من كيان المرأة المسلمة ولا تتخلى عنه مهما كان الثمن حتى لو كلّفها حياتها، فمثل هذا القرار سيدفع النساء المسلمات إلى ترك الدراسة وعدم التخلي عن الحجاب وفي ذلك حرمان لهّن من حق أساسي في الحياة وهو التعليم.
4- إن مريم المقدسة والدة السيد المسيح (ع) كانت امرأة عفيفة طاهرة متعبّدة لله تبارك وتعالى ولم تكن خالعة للحجاب ومبذولة للنظر للرجال، فهي أول من ترفض هذا القرار لأنها تريد للنساء أن يقتدين بها، فأناشدكم بالله تعالى أن لا تدخلوا الأذى على الروح المقدسة لها بمثل هذه القرارات.
5- إن العلمانية المتبعة كنظام حكم في الدول الغربية والتي تذرعوا بها لمثل هذه التصرفات حيث عدّوها منافية للعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة، ولا تعني بأي حال من الأحوال مناهضة الدين ومعاداته فهذا تطبيق سيئ للعلمانية
التي يريدون إقناع الشعوب المتدينة بها.6- إن الغرب قد التفت أخيراً إلى أن العلاج الوحيد لأمراضه الجسدية كالايدز والاجتماعية كالانتحار والجريمة هو بتعزيز القيم الروحية وبناء الأخلاق السامية والحجاب جزء من هذه التربية.
أكرر أملي بأن لا تقرر الحكومة الفرنسية هذه التوصيات ولتترك الناس أحراراً في التعبير عن معتقداتهم الدينية خصوصاً وأن فرنسا ترتبط في أذهان الشعوب بتأريخ حضاري حافل وأوضح معالمه الثورة الفرنسية الكبرى فلا تعملوا على زعزعة هذه النظرة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عباده الذين اصطفى.
محمد اليعقوبي
17 شوال 1424
خطاب المرحلة 30 : أوجه نشاط الإمام الصادق (عليه السلام) والمرحلة الراهنة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
إن سيرة أهل البيت (علیهم السلام) سفر جامع لكل ما تحتاجه البشرية من آراء ومواقف وحلول وبرامج عمل لمختلف القضايا التي تواجهها، ولا عجب في ذلك فإنهم عدل الكتاب العزيز وصنوه وقد وصف القرآن نفسه بكونه تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ومَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ فهم كذلك.
وبمناسبة ذكرى وفاة الإمام الصادق (علیه السلام) نريد أن نستلهم من حياته (ع) بعض المعالجات لمشاكلنا، ونتعلم منه (علیه السلام) كيف نصمد أمام التحديات التي تحاول تقويض شخصيتنا ومسخ هويتنا، ونعرض ذلك باختصار من خلال نقاط:
الأولى: إن الفترة التي نعيشها تشابه تلك التي عاشها الإمام الصادق (علیه السلام) من حيث أنها شهدت ضعف وانحلال دولة هي الأموية، وظهور دولة جديدة هي العباسية، فكان أهم عمل قام به في هذه الفترة الانتقالية وتخفيف قبضة
1) محاضرة ألقيت بمناسبة ذكرى استشهاد الامام الصادق (عليه السلام) في 25 شوال 1424 المصادف 20/ 12/ 2003.
الظالمين عنه هو نشر علوم أهل البيت (علیهم السلام) وتثبيت الركائز الفكرية والعلمية الرصينة لهذه المدرسة، حتى لقد نسب المذهب إليه فقيل المذهب الجعفري لأن جهده (ع) كان هو الأوضح في تأسيس هذا الصرح الشامخ، وقد قطع الإمام شوطاً واسعاً في هذا المجال فقد تخرج على يديه أربعة آلاف عالم في مختلف العلوم والفنون، فأبو حنيفة شيخ أئمة المذاهب من تلاميذه (ع) وله كلمته المشهورة (لولا السنتان لهلك النعمان) وجابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء من طلابه (علیه السلام) وغيرهم كثير، وقد انتشر هؤلاء في الأمصار ونقلوا معهم ما تعلموه. وكان (ع) يحث على طلب العلم ويقول: (لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا)(1)وخاطب (ع) أصحابه: (عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعراباً فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر إليه يوم القيامة ولم يزكِّ له عملاً)(2) ونقل (ع) عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله): (أفٍ لرجل لا يفرغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه)(3).
ونحن إذ نعيش اليوم زوال أيام النظام الجائر الذي حرمنا من كثير من حقوقنا، ونشوء دولة جديدة، يكون من أولوياتنا تأسيس الحوزات العلمية الشريفة والمؤسسات الثقافية في جميع المدن، لخلق واقع جديد من انتشار مراكز العلم والمعرفة يكون أساساً تبنى عليه الحياة الجديدة حتى يتسع الوضع الحالي الذي يفترض وجود الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف؛ لأن مجرد وجود الكيان العلمي الديني في مدينة ما يعني دفعة قوية للحركة0.
1) و (2) و (3) الكافي:1/ 31، 40.
الإسلامية والالتزام الديني، فضلاً عما لو تحرك هذا الكيان ليبلّغ الأحكام ويعظ ويوجه ويرشد فإنه سيملأ تلك المدينة ولا يترك فراغاً يمكن أن يشغله غيره ويحاصر الفساد والانحراف ويسد عليه منافذ الحركة.الثانية: بيان وتوضيح المعالم الصحيحة لشخصية المسلم بعد أن مسخها الحكام الظلمة بما كانوا يصورون للأمة من جوانب مخزية لشخصيتهم، وبما كانوا ينشئون في حياة المجتمع الإسلامي من واقع فاسد من فسق وفجور وخيانة وجور وانكباب على الدنيا وتقاتل من أجلها وولع بالخمر وعدوان على أهل الحق.
وكان وعاظ السلاطين السائرون في ركابهم يرقعون لهم هذه المخازي بضلالاتهم فضاعت الصورة الحقيقية للمسلم خصوصاً عند الأقوام التي دخلت الإسلام جديداً وليس لهم عمق تأريخي فيه وحرموا من التعرف على أئمتهم الحقيقيين.
فنهض الإمام (علیه السلام) بمسؤولية هذا التعريف، وكان يركز اهتمامه أكثر على شيعته باعتبارهم طليعة هذه الأمة التي عرفت الحق واتبعته فتكون المسؤولية عليهم أكبر قال (علیه السلام): (فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدّى للناس الأمانة وحسن خلقه معهم وقيل هذا شيعي يسرني ذلك ويدخل عليَّ منه السرور ومن كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره)(1)وقال (علیه السلام): (والله ما شيعة علي إلا من عف بطنه وفرجه وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف6.
1) الكافي: 2/ 636.
عقابه)(1)ويروي الإمام الصادق (علیه السلام) قال: (خرجت أنا وأبي حتى إذا كنا بين القبر والمنبر إذا هو بأناس من الشيعة فسلم عليهم ثم قال من كلامٍ (واعلموا أن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد من ائتم منكم بعبدٍ فليعمل بعمله)(2)وقال (ع): أوصيكم بتقوى الله وأداء الأمانة لمن ائتمنكم وحسن الصحبة لمن صحبتموه وأن تكونوا لنا دعاة صامتين) ولما سأله أحدهم مستغرباً: يا ابن رسول الله كيف ندعوا إلى الله ونحن صامتون، فقال (علیه السلام): تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله وتعاملون الناس بالصدق والعدل وتؤدون الأمانة وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولا يطلِّع الناس منكم إلا على خير فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فعادوا إليه).ومجتمعنا اليوم يتعرض لحملة عالمية منظمة مدعومة بأحدث التقنيات والوسائل الإعلامية كالصحف والمجلات والتلفزيون والستلايت، من أجل سلخه عن عقيدته وأخلاقه وأعادته إلى الجاهلية التي استنقذهم الله تبارك وتعالى منها، فلكي نحافظ على هويتنا الإسلامية في العقيدة والسلوك علينا أن نحشد طاقاتنا ونبتكر الأساليب والوسائل المناسبة للتصدي لتلك الحملة المنظمة، فنعّرف بعناصر شخصية المسلم ومعالمه التي تميزه عن غيره، وقد كتبت بحثاً بعنوان عناصر شخصية المسلم في آثار أهل البيت (ع) ونُشر في كتاب نحن والغرب.
الثالثة: الوقوف في وجه التيارات الفكرية التي تنشأ من داخل المجتمع3.
المسلم، أو تفد عليه من الخارج والتي تهدد عقيدة الأمة أو سلوكها، فعندما نشأت شبهة القول بالجبر وأن الله قد قهر العباد على أفعالهم وساهمت السلطات الحاكمة على ترويجها لتبرير ظلمهم للعباد، وقف الإمام (علیه السلام) بحزم لتفنيدها وخصص عدداً من أصحابه للحوار والجدال، وانتشرت كلمته التي تعبر باختصار عن مذهب أهل البيت (علیهم السلام) وهي: (لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين). وكذا واجه حملات الإلحاد وإنكار الصانع لهذا الكون وقد تبناها عدد من الزنادقة والدهريين وكانوا يصرحون بها ويدافعون عنها ويطلبون من يناظرهم فيها ويستغلون موسم الحج لنشر ضلالاتهم وتسفيه عقائد المسلمين في شعائر الحج، وكان الإمام الصادق (علیه السلام) يقف لهم بالمرصاد فيفحمهم ويرد كيدهم إلى نحورهم وينصر المؤمنين ويشد على قلوبهم ويعزز إيمانهم.
وكذا وقف بقوة ضد الفقهاء الذين بدأوا العمل بالقياس لاستنباط الأحكام الشرعية، وحذرهم مغبة عملهم وقال لهم إياكم أن يقف الناس يوم القيامة فيقولون قال الله ورسوله وتقولون قسنا ورأينا وقال لهم (إذا قيست السنة محق الدين)، واثبت بطلان العمل بالقياس بموارد ثابتة من الفقه تخالف أقيستهم، ولولا هذه الوقفة الشجاعة لكانت الأحكام الشرعية الآن مخالفة تماماً لما أراده الله ورسوله بحيث تؤدي إلى محق الدين كما عبر الإمام (علیه السلام).
وتأسياً بالإمام (علیه السلام) فيجب على العلماء والمفكرين والمثقفين التصدي للشبهات والتيارات الفكرية والاجتماعية التي تهدد كيان الأمة كالإلحاد وإنكار الخالق والقول بالصدفة أو الطبيعة وكالعلمانية ودعوات تحرير المرأة التي لا
تعني إلا تدمير أخلاق المجتمع تحت هذه العناوين البراقة الخادعة، ومثل دعوات التغريب التي يراد منها إلحاق المجتمع الشرقي المسلم بالغربي بجميع أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية رغم البون الواسع في مرتكزات كل منهما.الرابعة: التصدي لتصحيح التصرفات المنحرفة التي تنشأ عن الجهل والغرور والحماقة فمنها ما روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) انه قال: قوله عز وجل (اهدنا الصراط المستقيم) يقول أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك من أن نتبع أهواءنا فنعطب ونأخذ بآرائنا فنهلك فإن من اتبع أهوائه وأعجب برأيه، كان كرجل سمعت غثاء الناس تعظمه وتصفه فأحببت لقائه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحله، فرأيته في موضع قد أحدق به جماعة من غثاء العامة فوقفت منتبذاً عنهم متغشياً بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم) إلى أن يقول (فلم يلبث أن مر بخبازٍ فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة ثم مر بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه) فسأله الإمام (علیه السلام) عن سر فعله هذا فاتهمه بجهله للقرآن يقول الإمام (علیه السلام): قلت: وما الذي جهلت؟ قال: قول الله عز وجل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) واني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فهذه أربع سيئات فلما تصدقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة، انقص من أربعين حسنة أربع سيئات بقي ست وثلاثين، قلت: ثكلتك أمك! أنت
الجاهل بكتاب الله أما سمعت قول الله عز وجل: (إنما يتقبل الله من المتقين) إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ولما دفعتهما من غير رضا صاحبها كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات فجعل يلاحيني فانصرفت عنه وتركته).وكم يوجد مثل هذا الرجل في زماننا وكل زمان حيث يقومون بأفعال يظنون أنها تقرّبهم إلى الله تعالى وهي لا تزيدهم منه إلا بعداً كالذين ينفذون التفجيرات الإجرامية وينشرون العنف فيقتلون الأبرياء ويخرّبون الممتلكات العامة تحت عنوان المقاومة وأمثالها، أو يحرصون على فعل المستحبات ويتركون الواجبات كالذي ينفق ماله في إقامة الولائم على حب أهل البيت (علیهم السلام) وهو لا يدفع ما بذمته من الحقوق الشرعية وهو بذلك يسرق حقوق مستحقيها.
الخامسة: حرصه (ع) على وحدة المسلمين والتأليف بين قلوبهم، فرغم أنه (علیه السلام) وأهل بيته ظُلِموا وغُصِبت حقوقهم إلا أنه لم يثر فتنة وسلّم لهم من أجل أن تسلم أمور المسلمين كما قال جده أمير المؤمنين (ع): (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري ووالله لأسلِّمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه).
وضربوا (ع) لذلك مثلاً في امرأتين تنازعتا في ولدٍ كل واحدة تقول هو لي وتحيّر الخليفة الثاني في كيفية حل النزاع فالتجأ إلى أمير المؤمنين (ع)
فما كان منه (علیه السلام) إلا أن دعا بسيفه وقال سأقطع الولد نصفين لكل واحدة نصف، فصاحت أم الولد الحقيقية لا تفعل يا أمير المؤمنين واحفظ الولد سالماً ولتأخذه المرأة الأخرى، فقال لها (ع) أنت أمه الحقيقية ودفعه إليها، فكان كل إمام يشعر أنه أم الولد وعليه أن يضحي حفاظاً لسلامة كيان الأمة من التمزق والتشتت وكان الإمام الصادق (علیه السلام) يقول: (ولدني أبو بكر مرتين)(1)تأليفاً لقلوب العامة.السادسة: الاهتمام بأمور المسلمين وقضاء حوائجهم ومساعدة ضعفائهم بحيث يصل إلى درجة التعبير عمن لم يهتم بأمور المسلمين بأنه ليس منهم، وكان الإمام الصادق (علیه السلام) يطوف بالبيت الحرام فجاء رجل إلى أحد أصحابه طالباً منه قضاء حاجة فاجله إلى حين انتهاء الطواف فلم يرض الإمام عليه وطلب منه قطع الطواف حتى يقضي حاجة أخيه المؤمن ويعود إلى طوافه، ومر المعلى بن خنيس وهو من خواص أصحاب الإمام (ع) بمسلمين يتنازعان على مالٍ فدفع منه مالاً يرضيهما ولما استغربا من عظيم صنعه، قال: والله ليس هو من مالي وإنما وضعه عندي سيدي ومولاي جعفر بن محمد للمساعدة في إصلاح الخلافات بين المؤمنين وحل نزاعاتهم.
وفي هذه السيرة المباركة دروس لكل من يلي شيئاً من أمور الرعية أن يحافظ على وحدة الشعب وزرع الألفة بينهم، وأن يتفانى في خدمتهم وتحقيق).
1) فأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وكانت في غاية الجلالة والكرامة بحيث قيل للإمام الصادق (عليه السلام) ابن المكرمة وكانت من أتقى نساء زمانها وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (معجم رجال الحديث: 14/ 49، ومنتهى الآمال مج2).
السعادة لهم.
شهدت الفترة الأخيرة من الدولة الأموية اجتماعات عديدة كان يعقدها العلويون والعباسيون لإعلان الثورة، وقد حاولوا إقناع الإمام (علیه السلام) بالانضمام إليهم إلا أن الإمام (علیه السلام) كان يبين موقفه بوضوح بأننا لسنا طلاب دنيا وليس لنا مطامع في السلطة، وإنما نريد الإصلاح وتهذيب النفوس وتكاملها ورقيها وهو ما يجب أن نعمل لأجله ومن دون وصول الأمة إلى مستوى رفيع من التربية الإيمانية لا يمكن أن تنجح فيهم سيرة الإمام (علیه السلام) في الحكم بين الناس.
وعندما كتب إليه أبو سلمة الخلال أحد قادة جيوش العباسيين التي أطاحت بالأمويين يعرض عليه الدعوة إليه بعدما تكشفت له نوايا القوم بالاستئثار بالسلطة دون العلويين، قال الإمام (علیه السلام) مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري، ثم قال لخادمه: أدن مني السراج فأدناه منه فوضع الكتاب على النار حتى احترق بكامله والرسول ينظر إليه، فقال له الإمام (علیه السلام) هذا جواب كتابه.
ولما جاء أبو مسلم الخراساني قائد جيوش العباسيين يعرض عليه تسليم الأمر إليه بعدما أحس بخيانة العباسيين الذين بنوا حركتهم على الدعوة إلى الرضا من آل محمد (صلی الله علیه و آله) قال (علیه السلام): لست من رجالي ولا الزمان زماني.
فالتصدي للسلطة عند الإمام (علیه السلام) وسيلة لإحقاق الحق وإقامة شريعة الله تبارك وتعالى، وليست شهوة وغاية في نفسها، فلذا نأى بنفسه عن الخوض في
هذه الحياة بل تركها لأهلها الذين رضوا بهذه الدنيا الدنية ثمناً لدخولهم نار جهنم، وتفرغ هو لبناء النفس المطمئنة والقلب السليم والمجتمع الإسلامي النظيف. ولكنه (علیه السلام) كان يرى أن بعض الثورات التي تنطلق بين حين وآخر بقيادة العلويين كزيد الشهيد وبني الحسن (علیه السلام) كانت مخلصة وضرورية لإبقاء إرادة الأمة حية ولتعميق وإدامة رفض الظلم والظالمين، وهو (ع) وإن لم يتبناها بشكل مباشر وحرص على أن لا يدان بشيء متصل بها إلا أن تعاليمه وخطه الفكري والتربوي والأخلاقي كان يصب في إشعال هذه الثورات، لذا كانت السلطات تعتبره المرشد لها وكان (ع) يقول: (لا زالت أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد)(1)أي الثوار الرافضون لظلم الطواغيت ويقول: (لوددت أن الخارجي يخرج من آل محمد وعليَّ نفقة عياله).
فهو وإن لم يكن يرى أن المقاومة المسلحة هي الحل الأمثل لبناء الأمة، إلا أنه يراها قوة له وتصب في مصلحة الإسلام العليا.
وكتب (ع) رسالة تفصيلية إلى عبد الله المحض وأخوته وأولاده وبني عمومته من بني الإمام الحسن (علیه السلام) بعد أن اعتقلهم المنصور العباسي في الهاشمية للضغط على ولديّ عبد الله محمد النفس الزكية وإبراهيم أحمر العينين حتى يتركا الثورة ويستسلما، وضمَّنَ الرسالة كل معاني المواساة والصبر والمصابرة والتسلية.
وحينما قتل قائد شرطة الوالي العباسي على المدينة مولاه المعلى بن خنيس،2.
1) بحار الأنوار: 46/ 172.
قصد مقر السلطة بنفسه على غير عادته وطالب بالاقتصاص من القاتل وبعد محاولات عديدة للتخلص من الموقف، قابلها الإمام (علیه السلام) بالإصرار على إقامة العدل استسلم الوالي وقدم الجاني للقصاص.بهذه النشاطات الكبيرة والمتعددة التي كان يؤديها الإمام (علیه السلام) نجح في إدامة الروح الدينية في الأمة وتوعيتها، وبناء الأسس الرصينة لشخصيتها، لذا حظيّ بتقدير الأمة بجميع طبقاتها وصدرت منهم أعلى كلمات الثناء والإطراء، قال مالك بن أنس أحد أئمة المذاهب (ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً) وقال فيه أبو حنيفة (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد) وقال ابن أبي العوجاء –من زعماء الملحدين- عندما قصد الإمام الصادق (علیه السلام) ليناظره وقد قال له الإمام: ما يمنعك من الكلام، فقال له: إجلالاً لك ومهابة منك ولا ينطق لساني بين يديك وإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني من هيبة أحد منهم مثلما تداخلني من هيبتك يا ابن رسول الله، وكان المنصور على شدة عداوته للإمام (ع) يقول: إن جعفر بن محمد من السابقين بالخيرات ومن الذين اصطفاهم الله من عباده وأورثهم الكتاب.
خطاب المرحلة 31 :دور المرأة في بناء العراق الجديد(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على حبيبه وسيد خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً.
تحتل المرأة مكاناً ضخماً في خطط بناء العراق الجديد من عدة جهات.
1- أنها تمثل أكثر من نصف عدد المجتمع العراقي وتقدر نسبتها بـ 60 بالمئة بعد مقتل وتشريد الملايين من رجال العراق لذا فإن من يكسب صوت المرأة وينجح في إقناعها ستكون له الفرصة الأوفر للنجاح في الحياة السياسية بكل تفاصيلها.
2- أن المرأة عنصر مهم في تربية المجتمع فإن كانت واعية وصالحة وملتزمة فإنها تكون قادرة على إنشاء جيل صالح لأنها المربي المباشر للأبناء باعتبار انشغال الرجال في أعمالهم خارج البيت وقد سمعنا عن الكثير من النساء اللواتي كن سبباً في هداية أزواجهن وبقية ذويهن.
3- أن المرأة أداة مهمة في عملية إفساد المجتمع وتدمير أخلاقه فيما إذا
1) محاضرة ألقيت في كلية التربية للبنات في جامعة الكوفة يوم 25 شوال 1424 المصادف 20/ 12/ 2003 بحضور أساتذة الكلية وطالباتها.
أقنعوها بخلع جلباب العفة والحياء والطهارة، وفي الروايات أن أحد الأنبياء التقى بإبليس ومعه أدوات غوايته فكانت المرأة من أهمها وقال (قرة عيني في النساء) ووصف أمير المؤمنين (علیه السلام) أخاً له في الله تبارك وتعالى ومن أوصافه التي ركز عليها (انه لم يستسلم لشهوة فرجه)(1)، ولا نحتاج إلى إسهاب لكي نبين الجريمة الكبرى التي ترتكبها المرأة المتبرجة التي تظهر مفاتنها أمام الرجال مما يؤدي إلى عدة نتائج سيئة كالوقوع في الفاحشة ومعصية الله تبارك وتعالى، أو الكبت لمن يضغط على نفسه لمنعها من الوقوع في الحرام، وكم من أسر دُمِّرت وحصل الفراق بسبب تداعيات وآثار الانحلال الجنسي. وعلم المستكبرون أن وسيلتهم للسيطرة على الشعوب هي بإعادتهم إلى الهمجية الحيوانية وجعلهم عبيداً لشهواتهم، وقد اعترف القادة الفرنسيون أن سقوط فرنسا بيد هتلر في ثلاثة أيام فقط كان بسبب انهماكهم في الجنس ووقوعهم في أسر الشهوة الحيوانية، وعندما احتلت فرنسا جزءاً في بلاد المسلمين في لبنان كانت فرقة في جيش الجنرال غورو من الغانيات؛ لأنه يعلم أن فتكهن في المجتمع أقوى من الطائرات والدبابات.
لذا كان أول هدية قدمها الاحتلال إلى الشعب العراقي هو جهاز الستلايت الذي لو أسيئ استعماله فإنه أداة مدمرة لأخلاق الأمة وعقيدتها، وينهي فيها كل قيم الكرامة والعزة والشرف، وكذا سخروا الأدوات الأخرى كبرامج التلفزيون والصحف والمجلات والروايات لأداء نفس الدور، ووظفوا لها التقنيات العالية المثيرة والجذابة والقادرة على تحطيم أي مناعة ضد الوقوع في المعصية إلا من3.
1) شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار: 3/ 453.
عصم الله تعالى. ثم عززوا هذه العملية المفسدة بخطوات أخرى منها:
1- تشويه صورة التشريعات الإسلامية وعرضها كقانون ظالم للمرأة فهو يبيح تعدد الزوجات ويجعل شهادة امرأتين بشهادة رجل وحصتها في الميراث نصف حصته وغيرها، مستغلين جهل المرأة بفلسفة هذه التشريعات وأسرارها، مما يؤدي إلى نفور المرأة عن الإسلام، ومن نتائج ذلك أنها لا ترغب في سن دستور إسلامي لأنه يضطهدها كما تتخيل.
2- خداع المرأة بعناوين براقة تخدعها وتدفعها إلى التشبث بها كالحرية والمساواة بالصورة التي تخدم مصالحهم وأغراضهم الخبيثة وليس بمعانيها الحقيقية التي لا تجدها إلا في الإسلام، فيفسرون الحرية بالانحلال الخلقي والتخلي عن القيم والمبادئ الإسلامية وأوضح معالمه عندهم خلع الحجاب، ويُعَرِّفون المساواة بأنها مزاحمة المرأة للرجل في كل شيء وإهمالها لأهم وظيفة لها تضمن بها سعادتها وتحفظ كيان أسرتها وهي الاعتناء بزوجها وأطفالها وبيتها.
3- توجيه اهتمام المرأة إلى قيم زائفة لا قيمة لها كالاهتمام بالأزياء وقصة الشعر وأدوات التجميل ونوع الأثاث والتباهي بأمور دنيوية زائلة، وصنعوا لذلك مهرجانات واحتفالات لعرض أحدث الأزياء واختيار ملكة الجمال أو أحسن أغنية وهكذا؛ لإقناع المرأة بأن هذه هي الحياة التي يجب أن تحياها، وهذه هي الأهداف التي تعيش من أجلها وتبقى بهذه التفاهات وتنسى الأهداف الحقيقية الخالدة التي خلقت من اجلها وتضمن لها السعادة وهي طهارة النفس وسمو
الذات والفوز برضوان الله تبارك وتعالى [وَرِضْوَانٍ مِنَ اللهِ أكبر] (التوبة:72). قال تعالى في سياق المقارنة بين هذين التوجهين في الاهتمامات [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] (آل عمران: 14- 15) وإذا سقطت المرأة في حضيض هذه الاهتمامات فإنها ستسقط الرجل معها لان امرأة منحرفة واحدة كافية لإفساد مجتمع بأكمله.
إخواني وأخواتي:
إن العولمة التي يريدون أن يشيدوا أركانها اليوم خصصت جزءاً كبيراً من نشاطها لتثقيف المرأة وإقناعها بالأفكار التي يريدون لها أن تسيّر المرأة وترسم لها طريقة سلوكها، فمثلاً في إحدى حلقات برنامج (للنساء فقط) في قناة الجزيرة كان موضوعها (المرأة المسلمة في الغرب بين الذوبان والاندماج) وعرض شبهات وإشكالات وانتقادات تربك تفكير المرأة وتجعلها في حيرة من أمرها، ولم يقم البرنامج بالرد على هذه الشبهات ودفع الإشكالات وهو غاية الخيانة وعدم الإنصاف للمشاهدين، ولم يستضف عالماً دينياً ليقدم الحلول والأجوبة بحجة أن البرنامج للنساء فقط رغم أن كون موضوعه مختصا بالنساء لا يستلزم أن يقتصر على مناقشة النساء فقط، بل عليه أن يعطي الفرصة للرجال ليقدموا الحلول والأجوبة خصوصاً وأن الأنبياء وهم أكمل الخلق والذين سعوا وعملوا بجد واجتهاد بكل تضحية من أجل إصلاح البشرية وإسعادها كانوا -
وهم مئة وأربعة وعشرون ألف- كانوا من الرجال، وليس في ذلك منقصة للمرأة بقدر ما هو توزيع للمسؤوليات بين الرجل والمرأة فيعطي لكل واحد منهما الدور الذي يناسبه، فإلقاء الشبهات من دون إعطاء الفرصة لدفعها، خيانة وخطوة على طريق الإفساد وقد كتبتُ موضوعاً لمناقشة هذه القضية نشر في مجلة فيض الكوثر. وقبل أيام استضافت فضائية المستقلة امرأة من الحزب الشيوعي العراقي لا تلتزم بأي شيء، وقد أساءت إلى نفسها قبل أن تسيء إلى الإسلام والقرآن كما فعلت، وتزعم أنها لا تعتبر الإسلام عادلاً لأنه أباح للزوج أن يعدد الزوجات ولم يسمح لزوجته أن تعدد الأزواج، فهي من الجهل بحيث لا تفرق بين وظيفة الرجل والمرأة، فإن الرجل هو صاحب الماء ولا مانع من أن يعدّد الأوعية التي يلقي فيها ماءه ولا يؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب بينما المرأة وعاء وإذا اختلطت المياه فيه فإنه يضيّع الأنساب.
تصوروا أيها الأخوة والأخوات كيف يعطون الفرصة لمثل هؤلاء الجهلة الضائعين الذين ليست لهم هوية ولا معالم للشخصية.
ويوم الخميس الماضي (23 شوال 1424، 18/ 12/ 2003) وافق الرئيس الفرنسي جاك شيراك على التوصيات التي قدمّتها اللجنة الحكومية الخاصة التي شكلت لدراسة مشروع منع المظاهر الدينية وأهمها الحجاب الإسلامي في المدارس الحكومية الفرنسية، ولم يستمع إلى النصائح التي وجهت إليه منها الرسالة التي بعثتها إليه من خلال عدة قنوات فضائية ولا أدري إن كانت وصلت إليه أم لا.
وأحب أن أقرأ عليكم نص الرسالة لألفت نظركم إلى زيف ما يتشدق به هؤلاء من معاني الحضارة والإنسانية(1):هذه غير المؤتمرات والندوات التي تعقد لبث هذه السموم، كندوة الإعلان عن تأسيس لجنة الدفاع عن العلمانية في المجتمع العراقي يوم 18/ 9/ 2003 والتي تدعوا إلى (حرية اختيار الملبس دون قيد أو شرط) كما تضمنتها دعوة الحضور للندوة وجاء فيها أن المجتمع (يترنح اليوم تحت ضربات سيوف تيارات الإسلام السياسي الشاذة) وبسبب ذلك فإن (مدنية المجتمع العراقي نفسها تمر اليوم بأزمة حقيقية) وتطالب بحرية الإلحاد كالإيمان، وقد كتبت بياناً بعنوان (نصيحة إلى المدافعين عن العلمانية)(2)ونشرته عدة صحف.
والأخطر من كل ذلك ما يترشح من قرارات مؤتمر نساء قلب العراق ويقصدون بقلب العراق (بابل، كربلاء، النجف، الكوت، الديوانية) الذي تنظمه عدة مؤسسات أمريكية (الوكالة الدولية للتنمية الأمريكية، المعهد العراقي في واشنطن، منظمة الشرق الأوسط للتحالف، منظمة نساء من أجل عراق حر وبمباركة ودعم قوات الاحتلال وعقدوا أول ندوة في كربلاء يوم 29 -30 أيلول سنة 2003 وفي جامعة بابل وهو المؤتمر الأوسع ما بين 3 - 7/ 10/ 2003 وتحدثوا فيها عن مشاريع وأطروحات مغرية ورصدوا لها مبالغاً ضخمة من أجل تخلي النساء عن عفتّهن ودينهم وقد حضرت عدة أخوات مؤمنات يحملهن شهادات أكاديمية راقية كالطب والقانون والاقتصاد بحجابهن الكامل).
حتى قناع الوجه وتحدثن باللغة الانكليزية وأذهان القائمين على المؤتمر، مما دفعهم إلى الاعتراف بأنهم لم يتوقعوا وجود مثل هذه القدرات عند المرأة العراقية، وقد قدمت لي إحدى الأخوات تقريراً بما دار في الجلسات. هذه بعض ما يدور من حولنا مما يستهدف المرأة فماذا أعددنا لنداء الله تبارك وتعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ] التي تشمل القوة العلمية والفكرية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
إننا بحاجة إلى حملة واسعة من التوعية والتثقيف في قضايا المرأة وتبصيرها بمسؤولياتها والتحديات التي تواجهها، وقد لخصت الأفكار التي ينبغي مناقشتها في هذه الحملة بمحاضرة ألقيتها بمناسبة مولد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بعنوان (الأربعون حديثاً في قضايا المرأة) تيمناً بوصية رسول الله (صلی الله علیه و آله) لأمير المؤمنين (علیه السلام) وما جاء فيها (يا علي من حفظ على أمتي أربعين حديثاً يطلب بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) ولا شك أن كل قضية مبحوثة تتضمن عدة أحاديث وآيات شريفة وتكون مصداقاً لهذا الحديث الشريف.
وأثرت في البحث عشرين قضية بحسب ما سمح به المجال ويختلف منحى البحث فيها بحسب موضوع القضية، فبعضها فقهي كتسجيل الأحكام الفقهية الخاصة بالنساء ومن أول الفقه إلى آخره ليسهل عليها معرفة ما يخصها من الأحكام، وبعضها فسلجي كإمكان حصول الحيض عند الحامل، وبعضها اجتماعي كقيمومة الرجل على المرأة التي هي مسألة تنظيمية لإدارة الأسرة
وقد ذكرت الآية الشريفة منشأين لجعله بيد الرجل [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا] (النساء: 34) فالأول طبيعة تكوين الرجل جسمياً ونفسياً واجتماعياً والثاني هو إلزامه بالنفقة وكإعطاء الرجل ميراثاً ضعف الأنثى باعتبار وجوب الإنفاق على الرجل فيكون لها ثلث خالص وتشارك الرجل ثلثيه وهكذا. أسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على تحمل مسؤولياتنا وأداء الأمانة إلى أهلها إنه نعم المولى ونعم النصير.
خطاب المرحلة 32 :محاولات بائسة لاستنقاذ صدام حسين(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
تتصاعد الدعوات الإقليمية والدولية لاستنقاذ صدام حسين شاركت فيها عدة دول مستكبرة وأعلنت السويد عن استعدادها لاستضافة سجن صدام حسين لتجمعه مع شياطينه وأمواله التي حلبها من العراق بحرمان أهله ومصادرة حقوقهم وليعيد إجرامه من جديد ويحرك خيوطه من بعيد.
والغريب من الأمين العام للأمم المتحدة التي يفترض أن تمثل الشريعة الإنسانية أنه يرفض إنزال عقوبة الإعدام به بعد محاكمته وتغض الطرف عن ملايين النفوس التي أزهقها صدام مجرم العصر.
وتشكل (هيئة الدفاع عن صدام حسين) في الأردن باعتباره بطلاً قومياً رفع اسم العروبة عالياً ووقف في وجه الطواغيت.
ويتحدث محامون آخرون في لندن وبعض الدول الغربية وغيرها عن ضرورة إجراء محاكمة عادلة لهذا المجرم، ونحن نطالب معهم بإصرار بمثل هذه المحاكمة لا لكي نثبت بالأدلة الجرائم الملصقة به فإنها أوضح من
1) أعلنت القوات الأمريكية القبض عى صدام حسين الساعة 8.26 مساء السبت 18/شوال/1424 المصادف 13/ 12/ 2003 في حفرة كالقبر عمقها (6) أقدام في قرية جنوب تكريت (15 كم).
الشمس في وسط النهار، وإنما لكي نثبت للعالم أخلاق هذا الشعب وعدالته التي تعلمها من دينه الإسلامي العظيم والتي لا يحيد عنها وهو في قمة الانتصار وعدوه في ذل الهزيمة وهوانها كما وصفهم الحديث الشريف (المؤمن لا يخرجه غضبه عن حق ولا يدخله رضاه في باطل)، وليكشف أقنعة الطواغيت وعملائهم الذين آزروا وناصروا صدام وسكتوا عن جرائمه، وليظهر نفاق الحكام الذين تسلطوا على رقاب شعوبهم بالقهر والإذلال والبطش والقسوة وخدعوا وضللوا المساكين بالشعارات البراقة والكلمات الرنانة والحركات البهلوانية.وإذا أردنا فهم المنطلقات النفسية والفكرية لهؤلاء الذين يدافعون عن صدام مع وضوح جرائمه فيمكن أن نحدد جملة منها: ـ
إنهم يخشون الفضيحة لان كثيراً منهم كانوا شركاءه في الجريمة أو على الأقل سكتوا عنه.
عدم رضا بعضهم على المعادلة السياسية الجديدة التي حصلت في العراق وحصول الطائفة الشيعية على بعض حقوقها فساءهم أن يعود الحق إلى أهله لأنهم ألفوا حياة الظلم والعدوان والتسلط بغير حق.
بعضهم مخدوع بشعارات صدام الوطنية والقومية الكاذبة وحركاته الخداعة كضرب الكيان الصهيوني بصواريخ غير مجدية عادت على الصهاينة أنفسهم بالنفع.
العصبية الجاهلية التي تتحكم في عقول البعض والتي تدعو إلى نصرة ابن قومه ولو كان ظالماً غشوماً.
وهم جميعاً مشتركون في أنهم لم يكتووا بنار صدام بل كان بعضهم يرفل بظله بالسعادة والهناء ويغدق عليه بـ(الدولارات)، وإلا فإنه لا يعقل أن يدافع عن صدام من أفنى زهرة شبابه خلف قضبان السجون ولازالت آثار التعذيب القاسي على جسده بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، أو من فقد أحبته في أحواض التيزاب والمقابر الجماعية والأسلحة الكيمياوية وآتون الحروب العابثة مع جيران العراق المسلمين، أو قضى حياته في الفقر والحرمان من ابسط الحقوق وهو يرى بأم عينيه صداما يبني قصوراً بحجم المدن الكبيرة، ويصرف عليها المليارات ويحول خزينة العراق من فائض مقداره (40) مليار دولار إلى ديون تبلغ مئات المليارات من الدولارات. فهل بعد هذا يوجد من يدافع عن صدام حسين؟ وماذا سيقول.
أقول لهؤلاء المخدوعين لا تغرنكم تلك الكلمات الرنانة، فإن صدام قدم أكبر خدمة لأسياده المستكبرين حين أشعل الحروب والأزمات في المنطقة وخلق المبررات لاستقدام قواتهم وأساطيلهم إليها، وكان المستكبرون كلما تعالت الصيحات لخروجهم من المنطقة واستقرار الأمن فيها يدفعون صدام إلى خلق أزمة ليقنعوا أبناء المنطقة بضرورة تواجدهم فيها.
وهو الذي أزهق أرواح الملايين من أبناء العراق وإيران وغيرهما في حروبه الجنونية التي لا معنى لها ولا هدف سوى الاستجابة لنزعاته الشريرة، وكانوا طاقة كبرى للإسلام وللعروبة ولهذه البلاد العزيزة.
وهو الذي أهدر الثروات الطائلة لهذه المنطقة فبلغ العجز والتضخم ذروته وجعل شعبه يئن تحت وطأة البؤس والحرمان وملأ جيوب أسياده بهذه الثروات
بما باعته للمنطقة من سلاح وتكنولوجيا دفاعية. وهو الذي قتل خيرة علماء الأمة ومفكريها ومراجعها وعلى رأسهم المصلحان الصدران الشهيدان وكانوا حصون هذه الأمة من الفساد والانحراف ومواجهة الاستكبار فأي خدمات لأعداء الإسلام والعروبة أكبر من هذه وماذا بقى لهم مما يدافعون به عن صدام.
إننا نبدي امتعاضنا واشمئزازنا من تصرف هؤلاء وندعوهم إلى المشاركة في محاكمة صدام حسين وفسح المجال لكل من يريد أن يرفع دعوى ضد صدام حسين ليتبصر هؤلاء ويقتنعوا ببعدهم عن الصواب.
إن المطالبة بالعفو والسماح والمصالحة لا تنفع مع مثل هؤلاء الذين لو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه وأسوأ منه ولو كان العفو حلاً ناجحاً مع كل أحد لما خلق الله تبارك وتعالى -وهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين وهو الغفور الكريم الجواد المتفضل المنان- النار وما فيها من عذاب للمجرمين تقشعر منه الأبدان وتصطك له الأسنان.
فلا بد أن تكون محاكمة صدام في العراق وعلى يد العراقيين، ليكون يوم العدالة الإنسانية ويوم ينتصف المظلوم من الظالم والحديث يقول (إن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم) وليكون يوم إظهار الحق والمظلومية للشعب العراقي الممتحن الصابر، وشريكيه الشعب الإيراني والكويتي ويوم تعرية المنافقين والخونة وفاقدي الضمير. وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل في الشدة والرخاء
[وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ] (القصص:5). محمد اليعقوبي
27 شوال 1424
22/ 12/ 2003
خطاب المرحلة 33 :عوامل نجاح الحركة الإصلاحية المباركة للسيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره)(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
لقد كان سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) قائداً ناجحاً على أكثر من صعيد فقد استطاع بفضل الله تبارك وتعالى إيصال صوت الهداية والإيمان إلى أقصى مكان، وقلل من الانحراف والجريمة بدرجة كبيرة خصوصاً في مناطق وسط وجنوب العراق التي أقيمت فيها صلاة الجمعة، وأعاد للحركة الإسلامية نشاطها وحيويتها بعد أن جمدت روحها في الثمانينيات بعد استشهاد السيد الصدر الأول، وهز أركان النظام الطاغوتي وأسياده، وأدخل عليهم الرعب، وشد الجماهير إليه، ودخل قلوبها إلى حد العشق والفناء.
فما السر في ذلك وما هي العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا النجاح؟
عند تحليل شخصية السيد الصدر (قدس سره) وملاحظة الظروف المحيطة به
1) كلمة ألقاها سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في الحفل التأبيني الذي أقامه منتسبو مستشفى الصدر التعليمي في النجف الأشرف يوم الأربعاء 7 ذ ق 1424 المصادف 31/ 12/ 2003.
نستطيع تحصيل عدة عوامل استعرضها باختصار لضيق الوقت، وهي في الحقيقة أسس نجاح كل قائد يريد أن يتصدى لإصلاح الأمة.1. تهذيبه لنفسه وسيطرته على غرائزها، وانتصاره على ذاته بحيث أصبح هو يملك زمام نفسه، وليست هي التي تملكه وكان معروفاً بنكران الذات، وطالما كان يكرر أنه يدوس ذاته بقدميه، ونجح بدرجة كبيرة في الجهاد الأكبر مما سهل عليه النجاح في ساحة العمل الاجتماعي وهو الجهاد الأصغر، ومن كلماته (قدس سره): إن النجاح في الجهاد الأصغر لا قيمة له إذا لم يقترن بالانتصار في الجهاد الأكبر، وهو معنى قرآني ذكرته كثيراً في كلماتي، وفي الحقيقة فإن أي شخص يراد تأهيله لتحمل المسؤولية لا بد له من المرور بهذه المرحلة حتى يصل إلى درجة الإمساك بزمام نفسه، وقد خاض (قدس سره) هذه التجربة العملية على يد أكثر من شخص، وذكر لي في رسائله التي قاربت المائتي صفحة(1)نكتاً من هذه التربية.
وكان يحب الموعظة لأن فيها إحياءً للقلوب كما أوصى أمير المؤمنين (علیه السلام) ولده الحسن (علیه السلام): (يا بني أحيِ قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة) فكان يحث على مطالعة كتب الموعظة كإرشاد القلوب ومجموعة ورام وعموم جوامع الأحاديث الشريفة كتحف العقول والخصال، ولقد كانت هذه سيرته منذ نهاية السبعينيات، وحدثني انه كان ملازما لأستاذه وابن عمه الشهيد الصدر الأول الذي كان يحترم هذا المسلك ويدافع عنه، بل التزمه في أيامه الأخيرة كما هو واضح من محاضرته الأخيرة عن حب الدنيا ضمن محاضرات السنن).
1) نشرت في كتاب (قناديل العارفين).
التأريخية في القرآن الكريم، وكان (قدس سره) يود أن يأخذ من كل شيء عظة وعبرة تأسياً برسول الله (صلی الله علیه و آله) فمثلاً: حيث يدخل إلى الحمام ويرى الماء الحار يقول (صلی الله علیه و آله): (نعم البيت الحمام يزيل الدرن ويذكر الآخرة)، وقد فصلنا شيئاً من الكلام في محاضرات (الأسوة الحسنة). 2.ارتباطه بالله تعالى وإدامه ذكره وجعله الهدف الوحيد الذي يسعى من أجله، وقد انتقد في أحدى خطب الجمعة ما يفعله أئمتها من الاكتفاء بسطر واحد أو أقل من الحمد والثناء على الله تبارك وتعالى ثم الخوض في موضوع الخطبة، أما هو (قدس سره) فكان ينقل مقطعاً من دعاء أو آيات قرآنية أو خطبة لأحد الأئمة (علیهم السلام) تعمق الصلة بالله تعالى وتعرف بصفاته الحسنى، وتبين حاجتنا وفقرنا إليه تبارك وتعالى، وكان مراقباً لله سبحانه، ومراعياً له في السر والعلن.
ومما أدبني به ما رواه عن أحد العلماء: أنه دخل عليه شخص فرآه بزيه الكامل وهو جالس وحده في البيت فسأله عن ذلك، قال: لأني بحضرة الله تبارك وتعالى، وكان آخر لا يمدد رجليه حتى لو كان وحده لنفس السبب، ومما حكاه (قدس سره) لي عن سيرته: أنه مرة صلى ركعتين استغفاراً لأنه قال لشخص التقى به وكان غائباً عنه مدة: مشتاقين، وهي كلمة متعارفة، ويمكن أن تبرر إلا أنه خشي أن يكون كاذباً بهذه الدعوى.
وهذا – أعني العمل لله تبارك وتعالى – إحدى مميزات حركته عن قادة وعلماء آخرين عاشوا للإسلام، وأشربت قلوبهم حب الإسلام وهو عمل عظيم إلا أنه ليس كمن يعيش لله تبارك وتعالى، وبينهما فرق أوضحته في محاضرة
سابقة، وهذا التعلق بالله تبارك وتعالى والإخلاص له ومحبته تجعل الشخص يفيض نوراً على الآخرين، ويلقي الله محبته وهيبته وتأثيره في قلوب الناس، (من أراد عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته)، وفي الحديث القدسي: (إن العبد ليتقرب لي بالنوافل حتى يكون سمعي وبصري) فيكون دليلاً للخلق إلى الله تعالى. 3. معايشته مع القرآن وتفاعله مع مضامينه، ففي وقت مبكر من حياته كان له دفتر يسجل فيه ما ينقدح في ذهنه من نفخات أثناء تلاوته للقرآن، ويثبت فيه الآيات التي توحي له بخلق قرآني أو موقف إزاء حال معينة أو سلوك عليه أن يطبقه، وفي مرحلة أخرى أخبرني أن له نسخة من المصحف ثبت على هوامش صفحاته القراءات المتعددة للكلمات القرآنية، وقال (قدس سره): إنه كان يستفيد من هذه القراءات معاني لا توحيها الكلمات المرسومة، وأحياناً تحل له معضلة فقهية لا ينسجم حلها مع القراءة الموجودة لكنها تنسجم تماماً مع قراءات أخرى، وختم حياته (قدس سره) وهو يلقي محاضرات (منة المنان في الدفاع عن القرآن)، ويمكن مراجعة كتاب (شكوى القرآن) لتطلع على بركات الحياة في ظل القرآن ودوره في صنع القادة والمصلحين.
فعرف (قدس سره) متى ينكمش ومتى يتحرك، وماذا عليه أن يفعل، وكيف يتعامل مع الآخرين أفراداً أو طوائف أو سلطات، فبينما يكتب لي في منتصف الثمانينيات وكنت شاباً متحمساً للعمل الإسلامي فيقول: إننا في ظروف لعلها أشد من ظرف الإمام الحسن (علیه السلام)، وحاجته إلى الصمت والتقية تجده في سنته الأخيرة يقود تحركاً جماهيرياً مليونياً في وجه نفس السلطات العاتية.5. الجد والاجتهاد في تحصيل العلوم، لأن العلم من الركائز الأساسية في بناء شخصية القائد المصلح حتى بلغ أسنى درجاته ونال ملكة الاجتهاد. كان يقول إنني اشتغل حوالي ثمان عشرة ساعة في اليوم بالدراسة والتدريس والكتابة والتأليف، وقال مرة (قدس سره): إنه أثناء اشتغاله بتأليف موسوعة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) كان ربما يكتب أربعين صفحة في اليوم الواحد وهو إنجاز ضخم يعرفه من مارس عملية التأليف والكتابة، وحتى حينما يذهب إلى بغداد لكي تزور زوجته أهلها فإنه لا يضيع الوقت بل يقضيه بالكتابة والتأليف، وقد أجمع زملاؤه وأقرانه على جده حيث بدأ بدراسة العلوم الدينية وانتمى إلى كلية الفقه سنة 1957 وهو في الرابعة عشر من العمر بعد امتحان أجراه له عميدها المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر وكان متفوقاً على أقرانه.
تؤمن بالمادة والمحسوسات فقط.وكان يستمع إلى الإذاعة ويطلع على ما يدور في العالم حتى حصلت عنده رؤية رصينة للأحداث. ومن بحوثه التي كتبها وأهداها لي – وهي محفوظة لدي- بحث بعشرات الصفحات بعنوان (فلسفة الأحداث في العالم المعاصر والدروس والعبر المستفادة منه)(1)، وقد علقت عليه وأضفت إليه مثله فرغب إليَّ في أن أضمهما في كتاب.
وكان مهتماً بأخبار الجمهورية الإسلامية في إيران وخطابات قائدها العظيم السيد الخميني (قدس سره)، ويستمع مباشرة باللغة الفارسية، وقال (قدس سره) في ذلك: لأنه تجري على لسانه نكات عرفانية وأخلاقية لا تعرضها الترجمة التي تهتم بالمقاطع السياسية والمتعلقة بالعمل الاجتماعي.
وبعد تحرير الجمهورية الإسلامية لأراضيها من القوات العراقية في معركة (المحمرة) في آيار 1982 وانتقال العمليات الحربية إلى الأراضي العراقية في تموز 1982 سارت الحرب سنين عجاف رتيبة ثقيلة باهظة التكاليف بشرياً واقتصادياً، فكان من وجهة نظره (قدس سره): أنه لا جدوى من استمرارها لأنه استنزاف لطاقات بلدين شيعيين (وهو توجه السيد الخامنئي رئيس الجمهورية آنذاك)، وعارضه الرأي القائل بضرورة استمرارها حتى القضاء على المعتدي ومحاسبته، وكنت معه وأردد ما كان يقوله الساسة الإيرانيون الآخرون كالرفسنجاني والأردبيلي وتبناه السيد الخميني (قدس سره): أن السلم المفروض أسوأ من الحرب المفروضة، فطلب مني أن نفتح حواراً عبر المراسلة طبعاً -).
1) طبع في كتاب (الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) كما أعرفه).
لأنه كان تحت الإقامة الجبرية – لمناقشة الرأيين فكتبت بحثاً بعنوان (نظرات في الحرب والثورة) وقد أتلفته حين داهمتنا القوات الصدامية عقب الانتفاضة الشعبانية المباركة.7. نزوله إلى المجتمع ومخاطبته لجميع الناس بما يناسبهم وعدم الابتعاد عنهم فقد كان، إلى حين تصديه للمرجعية يذهب بنفسه إلى السوق ليوفر الحاجات المنزلية، وكان يحب أن يطلع على آلام المجتمع وآماله وهمومه من دون أن يتخذ حاجباً أو (سكرتيراً).
نقل أحدهم: أنه قلد السيد الصدر (قدس سره) بسبب الطماطة، قيل له: وكيف؟
قال: لأني سألت عدداً من المراجع وأنا أبحث عمن أقلده كم هو سعر الطماطة في السوق، فكان جوابهم جميعاً هو الزجر وان هذا ليس من اختصاصنا، إلا السيد الصدر فقد أجاب بالتفاصيل عن سعر الجيدة منها والرديئة فعلمت – والكلام له – إن هذا هو الرجل الذي يصلح لقيادة الأمة، وسواء صح هذا أو لم يصح لكن المهم أنه يعبر عن آلية للإيمان بالقيادة وصلاحيتها كما نقل عن ابن سينا وهو الفيلسوف العظيم: اللهم إيماناً كإيمان العجائز، أي أن هذه الوسائل الساذجة للإيمان بالحقائق قد تكون اثبت في القلب والنفس من طرق الاستدلال العقلية المتضخمة بالإشكالات والشبهات.
وقد رأينا في صلاة الجمعة كيف يتحدث بلغة المجتمع فيفهمه المجتمع ويشاركهم الحر والبرد ويعيش في أوساطهم بلا تمييز عنهم، ويشمل بخطاباته كل شرائح المجتمع فخاطب الحوزة والعشائر والمسؤولين السياسيين والديانات الأخرى حتى الغجر بحيث أحس الجميع انه منهم فيتأثرون به ولا يشعرون
بالغربة والانفصال. 8. استثماره لطبيعة العلاقة مع السلطة الحاكمة التي شعرت بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة وامتداد الحركة الإسلامية في العراق، بالحاجة إلى الحوار مع المرجعية الشريفة والانفتاح عليها وتخفيف القبضة الحديدية عن بعض ممارساتها الدينية لكي تتجنب حصول ثورة شعبية عارمة قد لا تنجو منها هذه المرة، ولكي تبقي على وجود للقيادة الدينية في النجف لأن انحسارها التام يعني رجوع الشيعة في العراق إلى القيادات الدينية في إيران، وفي ذلك خطر عظيم عليهم، لذا كانوا حساسين جداً من مقولة انتقال الحوزة إلى قم المقدسة، وحريصين على عدم حصوله.
وهاتان الحاجتان كانتا تمسكان يد النظام بدرجة من الدرجات عن التعرض لبعض النشاطات الإسلامية للحوزة، في حين لم تكن تسمح بها أولاً ولا بأقل منها قبل ذلك فاستثمر السيد الشهيد (قدس سره) هذا الوضع لينطلق بمشاريعه الاجتماعية،وكانت قمتها صلاة الجمعة، وحينما كان يحذر من بعض الخطوات التي يراها العارفون ببطش النظام أنها تؤدي إلى الخسارة كان يقول (قدس سره): إنما السلطة لنا كإشارات المرور، فنحن نسير حتى تشعل لنا ضوءاً أحمر فنقف ثم نتقدم وهكذاً.
هذا الاستغلال الدقيق الواعي للعلاقة مع السلطة أتاح الفرصة لانجازات عظيمة، في حين أن المتعارف على التصرف الشيعي أمام السلطات، أما المواجهة غير المتكافئة والتي نتيجتها إهلاك الحرث والنسل وإزهاق أرواح المؤمنين الذين تعبت أجيال من العلماء على تربيتهم، والذين يقول فيهم السيد
الخميني (قدس سره) فيما ينقل عنه: (أن بعض ما يسميه الشباب استشهاداً هو انتحار)، أو الانكماش والانسحاب الذي يفوت الكثير من المصالح، أو الخضوع للحكام والانسياق وراء رغباتهم وفي ذلك تضييع الدين وأهله.هذا بعض ما استطعت أن أدوّنه بهذه العجالة، وهي أفكار ينفتح منا ألف باب لأولي الألباب.
أسأل الله تعالى أن يتغمد شهداءه خصوصاً العلماء الأعلام بالرحمة الرضوان، ويأخذ بيد الأمة والحوزة الشريفة لتسير على منهاجهم وتأخذ بتعاليمهم وذلك هو الفوز العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قداسة البابا يوحنا بولص الثاني زعيم الفاتكان
أغتنم أول فرصة تمر علينا ونحن نستطيع أن نعبر بحرية عن مشاعرنا بعد زوال (صدام) الظالم لأهنئكم بذكرى ميلاد السيد المسيح النبي الكريم والرسول العظيم وكلمة الله التي ألقاها إلى مريم المقدسة وروح منه ليهب للبشرية الرحمة والسلام والمحبة والتسامح ونبذ الدنيا التافهة التي تزرع البغضاء والشحناء وتصنع الحروب والجرائم وتفرق بين البشر.
لقد كان السيد المسيح من أولي العزم من أصحاب الرسالات الذين أمر الله تعالى نبيه محمداً (صلی الله علیه و آله) أن يسير على هداهم ويلتزم بطريقتهم المثلى فقال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ] (الأحقاف: من الآية35).
إننا نحن المسلمين نعرف عظمة السيد المسيح بما عرّفه لنا القرآن الكريم النازل من الله تبارك وتعالى ونحترم أتباعه لأنهم أقرب الناس إلينا، قال تعالى: [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وإذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] (المائدة: 82-83).
وعلماء الإسلام والحوزة العلمية تتمنى لقداستكم طول العمر بالصحة
والعافية لتقودوا أمتكم لهذه المبادئ السامية، ونشكر مواقفكم النبيلة تجاه قضايانا ومشاكلنا وأزماتنا، وآخرها دعوتكم الإنسانية المباركة لمساعدة منكوبي الزلازل في مدينة (بم)(1)بمحافظة كرمان في جمهورية إيران الإسلامية، وندعوكم إلى أن تكونوا معنا ومع كل المخلصين الأنقياء من بني البشر لنسير يداً بيد نحو تحقيق المثل الإنسانية العليا التي ضحى من أجلها الأنبياء والرسل الكرام نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلوات الله عليهم أجمعين). ونصلي وندعوا لكي يأتي اليوم الذي يتآلف فيه الناس جميعاً، وتسودهم العدالة والمحبة ليرضى عنهم الله ويدخلهم جناته الواسعة، وأنتم في موقعكم الشريف لكم الدور العظيم في ذلك فأسأل الله تعالى أن يسدد خطاكم ويجري الخير على يديكم لكل الناس.
وتقبلوا تهنئتي وشكري ودعائي لكم ولكل العاملين من أجل الخير والمحبة والسلام.
محمد اليعقوبي
30/ 12/ 2003 - 6 ذ.ق 1424 النجف الأشرفد.
1) حصل زلزال في هذه المدينة الإيرانية يوم الجمعة 2 ذ.ق./1424 المصادف 26/ 12 /2003 وقد بلغت شدته 6.3 درجة على مقياس ريختر وذهب ضحيته أكثر من 35 ألف نسمة كما أصيب أكثر من هذا العدد.
بسمه تعالى
إلى سماحة الشيخ محمد اليعقوبي دامت بركاته..
عرضت قناة الجزيرة ليلة أمس برنامجاً - للنساء فقط- طرحت فيه فكرة اندماج المرأة المسلمة في الغرب أو ذوبانها في الواقع الغربي.. وخلصت نتيجة البرنامج -من خلال آراء الضيوف الحاضرين في البرنامج- على تأييد فكرة الاندماج دون الذوبان لأنه مسخ للهوية الإسلامية وانسلاخ عن القيم والتقاليد الإسلامية.
السؤال الأول: إذا لم يكن في البرنامج رجل الدين -مع وجود امرأة محجبة هي عضو في الرابطة الإسلامية في بريطانيا- إلا أنه لم تكن هناك رؤية دينيه واضحة لتوضيح المسألة من الناحية الدينية والشرعية. أقصد عن فكرة الاندماج وإذا لم يكن رجل دين حاضراً في البرنامج، مع تداعي الحضارة الغربية إلى مستوى متدني من الأخلاق وفساد الواقع الغربي.. نريد أن نُعلم ونوصل صوتنا إلى نسائنا هناك في الغرب ما هي الخطوط البيانية لحالة الاندماج مع الغرب.. هذا إذا قلنا أنه لا بد من اختيار إحدى الحالتين إما الاندماج أو الذوبان..
السؤال الثاني: في البرنامج طرحت فكرة تخلي بعض النساء المسلمات عن
هويتهن الإسلامية.. وذلك بانجرارهن وراء الحضارة الغربية وحالة الذوبان الحاصلة لديها مع الغرب.. إلى أن صار من المعتاد تزوج امرأة مسلمة من رجل غير مسلم.. وللعلم.. إنه لم تعالج مقدمات ذلك – السقوط – في وحل الحضارة الغربية وأسباب تخلي المرأة المسلمة عن هويتها الإسلامية، سوى أنه قيل إن هذا الزواج سينتهي بالفشل علماً أنه باطل أصلاً وأن الرابطة الإسلامية ستعالج العقد النفسية الناجمة من فشل الزواج..
فالسؤال.. توضيح مقدمات انحدار المرأة إلى هذا المستوى وما هي الأسباب التي أدت إلى تخليها عن هويتها الإسلامية.. وإذا كان الزواج باطلاً فهل يعد من الزنا.. وكيف تعالج تلك الحالة بعد ذلك.. والظاهر من خلال عدم طرح الحلول الناجحة في ذلك البرنامج هو غياب المرجعية الدينية هناك.. فكيف نملأ ذلك الفراغ وهل يمكن أن نطرح رأياً إسلامياً يخدم القضية؟
السؤال الثالث: طرحت في البرنامج قضية اضطهاد المرأة المسلمة في الغرب وبالذات في فرنسا والسعي (الحاصل الآن) لإصدار قرار يمنع ارتداء الحجاب نهائياً.
المرأة الملزمة بالعيش هنالك -في الغرب- لأسباب متعددة.. كيف دعوتكم لها.. هل تواجه وتصر على طلب حقوقها المشروعة أم يجب عليها أن تركن إلى البيت حفاظاً على دينها لئلا تتطور الأمور أكثر من ذلك؟
ثم ما هو واجبنا نحن اتجاهها.. وما هو واجب رجال الدين في هذه القضية..؟
السؤال الرابع: تتحجج النساء المتزوجات من رجال غير مسلمين إلى أن المسلم لا يحترمها ولا يعطيها حقها بعكس غير المسلم.. ماذا تقولون؟ وماذا تقول بخصوص ظاهرة البوي فريند؟ مجلة فيض الكوثر
16 رمضان 1424
سؤال قد نطرحه أكثر من غيرنا، نحن الذين لم نعش في الغرب، ولم تطأه أصلا أقدامنا.. في ظل تداعي الحضارة الغربية والانحطاط الملازم لها لابتعادها وتنصلها عن قيم السماء والرسالات السماوية..
هذا السؤال نطرحه، في الوقت الذي نسمع فيه عن حالات اضطهاد المرأة المسلمة في الغرب. وخصوصا في فرنسا التي تسعى بعض الجهات فيها، التي ترى في الحجاب رمزا دينيا وسياسيا ينافي سياستها العلمانية.. تسعى لإصدار قرار يمنع ارتداء الحجاب إلى الأبد. وبالمقابل نسمع هنالك الاقتراحات والدعوات الموجهة إلى المرأة المسلمة لقبول إحدى الحالتين المشار إليهما في العنوان إما الاندماج أو الذوبان في الغرب، من قبل دعاة الاندماج أنفسهم أو دعاة الذوبان.. كل بحسب ما يرى من صحة موقفه.. ولنا أن نسأل:
ما معنى الاندماج؟ وإلى أين تصل بالمرأة حالة الذوبان التي يدعونها إليها؟ في أحسن الأحوال.. يقولون إن الاندماج هو التنازل عن بعض التقاليد العربية
وقبول بعض تقاليد الغرب.. لتحصل الموازنة بين كفتي حقوق المسلمين العرب وغير العرب وإمكان عيشهم في الغرب وحقوق أهل الغرب أنفسهم في بلدانهم.. ليتمكنوا بعد ذلك من العيش بسلام وأمن واطمئنان.. والذوبان هو أن تأخذ الفتاة المسلمة العربية بيد (البوي فريند) إلى (النايت كلاب).. لتكون غربية مئة بالمئة..َ!!
هذا ما يقولون حسب ما عرضته قناة الجزيرة القطرية في برنامج للنساء فقط قبل شهر تقريباً.. فماذا نقول نحن كإسلاميين لنا رؤيتنا الإسلامية التي ليس فيها لبس ولا غبار..؟
الشيخ محمد اليعقوبي دامت بركاته دام عزه..
أعطى فكرته الإسلامية الواضحة في الموضوع بصورة عامة ثم أجابنا تحديداً عن كل أسئلتنا وبحسب ما جاء في البرنامج المذكور الذي غابت عنه الرؤية الإسلامية الواضحة والصريحة..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه وآله الميامين وسلم تسليما.
إننا حينما نتحدث عن (المرأة المسلمة في الغرب) فلا بد أن نلحظها على شكلين:
الأول: المرأة الشرقية التي نشأت في مجتمعاتنا الإسلامية ثم سافرت إلى بلاد الغرب لسبب أو لآخر.
الثاني: المرأة الغربية التي هداها الله للإسلام وادخل في قلبها نور الإيمان. ويبدو أن الأسئلة تتعلق بالشكل الأول وعندئذ فإننا ننصح أولياء الأمور والنساء أنفسهن بعدم ذهاب المرأة إلى الخارج بل الرجل أيضاً، وربما يصل الحكم إلى المنع لأنه سينتقل من مجتمع مسلم له صورة متدينة ظاهراً –مما يساعد على زيادة فرص الطاعة ويقلل من فرص المعصية لان ارتكابها سيصطدم برادع الدين أو الأخلاق أو الأعراف الاجتماعية- إلى كيان تنتشر فيه المعصية من تبرج وإظهار للزينة واختلاط فاحش وممارسات علنية للمعصية فيتورط الإنسان بها شاء أم أبى، فعليه أن يسد منافذ الوقوع في المعصية إما بالامتناع أصلا عن السفر إلى بلاد لا تسودها الأجواء الإسلامية، أو بخلق كيانات إسلامية مصغرة داخل تلك الكيانات، كما ينقل من أخواتنا في لندن وبعض المدن الأسترالية مثلاً، وبدون ذلك فإنه ربما ينطبق على من يترك بلاد الإسلام ويقيم في المجتمع الغربي البعيد عن الإسلام أنه (متعرب بعد الهجرة) وهي من الكبائر المحرمة، وحتى لو كان مطمئناً من قدرته على الاحتفاظ بالتزامه الديني فإن الخشية ستكون من تميع عقيدة وسلوك الأجيال اللاحقة بعد أن تنشأ في تلك البيئة وتتطبع بأخلاقها وسلوكياتها.
ونستثني من هذا الحكم الذين يذهبون إلى تلك البلاد للدعوة إلى الله تبارك وتعالى وتنظيم شؤون المسلمين هناك أو تلجئهم ضرورة لذلك.
وبعد أن عرفنا لزوم تجنب المرأة المسلمة الحياة في مجتمعات غير إسلامية فسيكون الكلام عن الذوبان أو الاندماج في تلك المجتمعات لا موضوع له.
وهذا هو الطريق الصحيح لمعالجة انحرافات المجتمع بان نوجهه إلى البديل
الصالح ونهيئه له وليس بأن نرقّع الواقع الفاسد، وعلى تعبير أستاذنا السيد الشهيد الصدر (قدس سره) علينا أن نرتفع بالواقع إلى مستوى الشريعة وليس بأن ننزل الشريعة إلى مستوى الواقع الفاسد غير المبني على أسس إلهية رصينة. وإذا أراد برنامج (للنساء فقط) التي تبثه قناة الجزيرة وكذا سائر البرامج والقنوات أن يعالج مشاكلنا بإخلاص وصدق وجدية فعليه أن يقدم الحلول المناسبة لما يعرضه من قضايا وشبهات وإشكاليات، ومن الخيانة أن يلقي هذه الشبهات في آذان المجتمع ويتركهم ضحية التشتت والتمزق والضياع والوهم من دون أن يقدم لهم الجواب الصحيح لها، فكان عليه أن يستضيف علماء دين ومفكرين واختصاصيين مخلصين وواعين وان كان البرنامج (للنساء فقط) من حيث المواضيع والقضايا لكن علاجها لا يكون بيد النساء فقط، فإن الأنبياء الذين هم أطهر الخلق وأنزههم وأكثرهم صدقاً وإخلاصاً وكان لهم الأثر الفعال في إصلاح البشرية وإسعادها وتنظيم شؤونها كانوا -وهم مئة وأربعة وعشرون ألفا- كلهم من الرجال، وليس في ذلك منقصة للمرأة فإن لها دوراً مهما تؤديه في فهم قضاياها وتشخيص مشاكلها ووضع الحلول المناسبة لها. خصوصاً وأن عدداً كبيراً من نسائنا قد بلغن من العلم والوعي والثقافة ما يؤهلهن لممارسة هذا الدور المهم.
وإذا عدنا إلى ما طرح في البرنامج فإن الذوبان أمر مرفوض لأنه يعني التخلي عن الهوية الإسلامية على صعيد المظهر والمحتوى، فإن الذوبان يعني خلع الحجاب لأنه من وجهة نظرهم يرمز إلى عنصرية دينية وخروج عن متطلبات المجتمع، ويعني الذوبان الخضوع إلى الأتكيت المتعارف من مشاركة
في حفلات ماجنة واتخاذ أخدان وأصدقاء وعلاقات غير مشروعة، وتتسع قائمة مستحقات الذوبان حتى لا تبقى من عناصر شخصية المسلم إلا القشور التي تركن في زاوية مظلمة لا يكاد يمر بها أحد. أما الاندماج فهو معنى مطاط ومجمل فيمكن أن يراد منه نفس مستحقات الذوبان المتقدمة، ويمكن أن يعني حالة من التعايش الايجابي المشترك من دون إلغاء خصوصيات الهوية الإسلامية ولكن أنى يمكن ذلك وهذه الأخبار تتناقل عن قرارات في فرنسا وألمانيا تمنع من ارتداء الطالبات للحجاب، وقد فصلت مذيعة سويدية من التلفزيون لأنها ترتدي الحجاب وفصلت طالبة يهودية في مدرسة مزرعة الشبيبة في القدس لأنها اعتنقت الإسلام وارتدت الحجاب فهم لا يتركوننا وإن تركناهم [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: 120) [وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ](البقرة: 145).
والقران الكريم أكد على البينونة بين المجتمع المسلم وغيره والانفصال في العقيدة والسلوك والمظهر. [بِسمِ اللهِ الرَحمَنِ الرَحِيمِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] (الكافرون: 1-6).
ولا يكون المجتمع مسلماً إلا إذا تميز بكيانه [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: 71)، أما الاندماج فيتطلب نوعاً من المداهنة والتخلي عن بعض الالتزامات المطلوبة أمام الله تبارك وتعالى [وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] (القلم:9) [لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً] (الإسراء: 74) [لا تَجِدُ قَوْماً
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] (المجادلة:22) فهو مرفوض حتى بهذا المقدار، فهل أن الموافقين على الاندماج لهم من الشجاعة والحزم والإيمان الراسخ مقدار يكفي للثبات على حدود الله تبارك وتعالى، أم أنهم يميّعون التزاماتهم تدريجياً. فيتحول الحجاب الذي هو التزام أمام الله تعالى بالعفة والحياء والشرف بكل ما تقتضيه هذه الخصال الكريمة إلى خرقه قماش تغطي بها جزءاً من شعرها وتربطه على العنق مع قميص ضيق يبين معالم جسمها، وزينة واضحة وخضوع بالكلام وميوعة بالحركات فتشير بكل كيانها إلى الفتنة والإغراء بالمعصية.
وتتحول الصلاة والصوم إلى طقوس عبادية فارغة من المعاني وتؤدى بشكل روتيني لا يعود على الروح بسمو ولا على النفس بتهذيب، وتذوب كل الحواجز التي جعلها الله تعالى حدودا له يميز بها عباده الصالحين وقال عنها [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: 229).
وحينئذ فإن المرأة المسلمة سوف لا تجد مانعا من الزواج بغير المسلم رغم إن ذلك مضر بدينها ودين ذريتها، وتصطنع له مبررات واهية كعدم احترام الرجل الشرقي للمرأة، وهو من المفارقات المضحكة بل المبكية فهل تجد تكريم الزوجة إلا عند المسلم المؤمن الذي يقول عنه الحديث (زوّجها المؤمن
فإنه إن أحبها أكرمها وإن لم يحبها لم يظلمها)، أما الغرب فقد تفشت عندهم الخيانات الزوجية والشذوذ الجنسي الذي هو أكبر خيانة لهذا العقد المبارك المقدس، وقد دلت إحدى الإحصائيات الأخيرة في بريطانيا أن 70% من الأزواج والزوجات خانوا الشريك الآخر وهذه نسبة من اعترفوا ويضاف لهم من لم يعترف، وتستطيع أن تعقد مقارنة بين نسب حالات الزواج التي انتهت إلى الفشل عندهم وعندنا لترى أينا أكثر نجاحاً، وإذا وجدت حالات سيئة للعلاقات الزوجية في بلادنا فإنها لا تمثل الصورة العامة والمتوقعة من المؤمنين. ولكي لا أطيل الكلام أجيب باختصار على ما ورد من أسئلة:
1- إن الصحيح في علاقة المرأة المسلمة بالغرب هو عدم الذهاب إلا لضرورة، وعندئذ فإن استطاع المسلمون أن يؤسسوا لهم كيانات ذات أجواء إسلامية داخل مجتمعاتهم بما فيها إنشاء مدارس ومؤسسات ذات هوية إسلامية فيتعين عليهم فعل ذلك، وإلا فليحافظوا على كل تفاصيل التزامهم الديني ولو بالتخلي عن بعض حقوقهم الدنيوية كترك المدارس الحكومية أو الوظائف التي تمنع ارتداء الحجاب، ويتطلب الأمر الاستعداد بالتفّقه في الدين وترسيخ العقيدة والاستماع إلى الموعظة والتذكير بالله والآخرة والموت باستمرار لتكون معبأة ومهيأة بشكل جيد في هذه المواجهة.
2- زواج المسلمة من غير المسلم باطل ويجب إنهاؤه فور العلم ببطلان العقد والاستمرار فيه بعد العلم ببطلانه حرام ويعني أن العلاقة غير مشروعة ويستلزم الزنا.
3- على المسلمين المطالبة باحترام هويتهم الإسلامية وإلزام حكومات تلك
الدول بما ألزمت أنفسها من الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي، فلماذا يحق ذلك لكل أحد إلا المسلمين فأين ما يتشدقون به من هذه العناوين، وإذا أصروا على ارتكاب مخالفة شرعية فلتنسحب من هذه المفاصل الموجبة لذلك ولو بالركون في البيت يعني إذا قرروا منع لبس الحجاب في المدارس الحكومية فليتركوا الدراسة فيها وينشئوا لهم مدارساً أهلية وإلا فليضحوا بالدراسة أصلاً. 4- ظاهرة البوي فريند قد تناولتها في خطاب تفصيلي سابق ونشر في أحد أعداد مجلة الكوثر وهي بالشروط التي دعا إليها بعض المسلمين كالزنداني رئيس الجامعة في اليمن فهي عين الزواج المؤقت الذي ثبت مشروعيته في الكتاب والسنة، غير أنهم يجبنون عن التصريح بضرورة إحياء هذا الحكم الشرعي المعطل ويلتفون عليه بهذه الاقتراحات رغم علمهم أن أي تشريع لا يستند إلى دليل وحجة كافية أمام الله تبارك وتعالى فإنه يعني الشرك ومزاحمة الله تبارك وتعالى في سلطانه [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء:65).
اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمد اليعقوبي
23 رمضان 1424
18/ 11/ 2003
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده وصلى الله على النبي وآله وسلّم تسليماً كثيراً.
حينما نتحدث عن وظيفة الشباب المسلم وعموم العراقيين في هذه المرحلة فليس ذلك من آثار واستحقاقات توقيع الاتفاق بين مجلس الحكم الانتقالي وقوات الاحتلال؛ لأننا قد أبدينا تحفظاتنا على هذا الاتفاق وبينّا نقاط الخلل فيه التي لا تنسجم مع الحقوق المشروعة لهذا الشعب، وإنما أتحدث عن الوظيفة التي تمثل تكليفنا في كل حالة جديدة إذ ما من واقعة إلا ولله فيها حكم.
والأحداث السياسية التي يمر بها البلد من أهم تلك الوقائع لأنها تتعلق بالأمة جميعاً وتؤثر سلباً أو إيجاباً في مستقبلها سياسياً وثقافياً وأخلاقياً ودينياً واجتماعياً، فهي من أهم مستحدثات المسائل الفقهية المرتبطة بأفعال المكلفين كأفراد، فالتعرف عليها وبيانها والعمل على تنفيذها -أي الأحكام الاجتماعية العامة- أكثر إلحاحاً وأشد وجوباً.
من هنا كان لزاماً على علماء الإسلام (أيدهم الله تعالى) توعية الأمة وإرشادها إلى ما يجب أن تتخذه من مواقف بإزاء القضايا التي تعترضها، ومن تلك القضايا تسلّم العراقيين بأنفسهم إدارة شؤون بلدهم وبناء مؤسساته التي
تحفظ كيانه وتوفر للشعب حقوقه كافة، وحتى لا تبقى ذريعة لقوات الاحتلال في البقاء، ولا تتحقق هذه النتيجة إلا من خلال خطوات:1- توعية الأمة بمطالبها الحقيقية ومصالحها المشروعة والإصرار عليها وضرورة المشاركة الجدية الفاعلة في تحقيقها.
2- تنظيم شؤون الأمة وترتيب أمورها من خلال تأسيس الاتحادات والنقابات أو إنشاء الأحزاب والجمعيات والحركات التي تتبنى تلك المطالب وتتخذ المنهج المناسب لتحقيقها.
3- وحدة الصف بإزاء القضايا المصيرية وإن تعددت الرؤى واختلفت المناهج، فإن هذا أمر طبيعي ما دام هناك عقل يفكر ويقتنع بما يتوصل إليه ولكن يجب أن ننظر إلى هذا التعدد على أنه حالة إيجابية باعتباره تنويعاً لآليات العمل التي تصب في الهدف الواحد، لتتمكن من استيعاب كل شرائح المجتمع ذي القناعات المتعددة وعندئذ تجتمع هذه التشكيلات وتنسق أعمالها وتوحّد مواقفها وتتفق على مرشحيها في قوائم موحدة لتقف كلها صوتاً واحداً وراء هؤلاء المرشحين النزيهين الكفوئين مهما كانت انتماءاتهم بعيداً عن الأنانية والمصالح الحزبية أو الشخصية ولا يكون حالة سلبية إلا إذا لبس ثوب الأنانية والفئوية والشخصية فيتعصب كلٌ لحزبه ويحاول إلغاء الآخر وتسقيطه.
4- الشعور بالمسؤولية وتحملها بشكل كامل ولا يلقيها على غيره وليعود نفسه هذه المعاناة ولا يخلد إلى حياة الراحة والكسل ولا يكونوا كالذين قالوا لنبيهم [اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] بل كالذين [قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ].
وقد وجدت كثيراً من الناس الأكفاء الذين يتمتعون بثقة الناس ينسحبون من المسؤولية وكأنهم لطول حرمانهم من المواقع السياسية والوظيفية العليا ألِفُوا الحياة في الظل، ولم يستطيعوا الخروج إلى النور ليروا أن اللذة الحقيقية في التعب والعناء لنيل رضا الله تبارك وتعالى، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ] (الانشقاق:6)، وكلما كان العنت والمشقة في سبيل الله تعالى وإدخال السرور والسعادة على البشرية فهذا عمل مرضي لله تبارك وتعالى، فإن الأمة كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فأي تقصير من قبل العناصر الملتزمة النزيهة في ملئ المواقع الوظيفية والإدارية من أدناها إلى أعلاها يعني إعطاء الفرصة للعناصر الفاسدة في إشغالها وسيكونون وبالاً على الأمة التي لا تلوم إلا نفسها على هذا التقصير.وتتحمل الحوزة العلمية الشريفة مسؤولية كبيرة في القيام بهذه الخطوات وتعبئة الأمة لأداء دورها الرسالي وأن تتولى رعايتها على طول الخط وفي جميع المراحل.
والحوزة العلمية قد عملت بالوسائل التي تراها مناسبة للضغط على الأطراف المعنية بالقضية العراقية مما دفعهم إلى الرضوخ إلى مطالب الشعب المشروعة وتسليم السيادة إليهم وتمكينهم من إدارة البلد بأنفسهم، ونحن قد قدمنا مشروعاً لحل المشكلة السياسية في المرحلة الانتقالية قبل عدة أشهر ويبدو أنهم احتاجوا إلى كل هذه المعاناة والخسائر وتدهور الوضع ليقتنعوا بتنفيذه ومع ذلك فإنهم التفوا عليه وصادروا عدة نقاط مهمة فيه وخصوصاً إجراء انتخابات حرة مباشرة لكل الشعب لاختيار أعضاء البرلمان الانتقالي، ولجأوا إلى هذه
التفاصيل والآليات المعقدة والطويلة.وعلى أي حال فإن على الشعب أن يشارك لاستنقاذ ما يمكن تحصيله من حقوقه وتختلف طبيعة المشاركة بحسب مؤهلات الشخص لموقع المسؤولية فيرشح من يجد نفسه أهلاً لموقع ما، في انتخابات تلك الموقع ولكي تتوحد الأصوات وراء مرشح واحد جامع للصفات يكون على المرشحين التفاهم فيما بينهم لكي ينسحب الجميع لمصلحة واحد منهم حتى لا تتشتت الأصوات فتضيع وتتحول القوة والكثرة إلى ضعف وهزيمة.
ويجب على الشعب الاستمرار بالمطالبة في إشراكه في الاختيار من خلال انتخابات حرة مباشرة من أدنى موقع إلى أعلاه سواء على مستوى المجلس البلدي أو المحافظ أو البرلمان أو رئاسة الجمهورية أو لجنة وضع الدستور، وإذا تعذر ذلك بأوسع أشكاله فيمكن القبول بدرجة أقل منه إلا أنه لا بد أن تمنح الفرصة الكافية للشعب ليختار ممثليه ليكتسب المسؤولون شرعيتهم، وإلا فإن الفجوة تبقى قائمة بل تتعمق وتزداد حالة الإحباط والشعور بالغبن والظلم مما يؤدي إلى عواقب وخيمة.
ويجب استغلال الوقت وعدم إضاعته بل ينبغي الاستفادة من كل لحظة لتعبئة الطاقات وحشدها وتوحيدها واختيار المؤهلين وتعريفهم للجماهير وحثهم على دعمهم وانتخابهم وتسخر كل الوسائل والقنوات والآليات وتوظيفها لهذه العملية وتوعية الأمة بمواصفات وشروط من ينتخبونه، فإنها أمانة ثقيلة يجب أن تؤدى إلى أهلها.
الخطاب السياسي الشيعي في العراق:
وأحب أن أذكر هنا جواب سؤال وُجِّه إليّ عن الخطاب السياسي الشيعي وأهدافه وآلياته.
س: هل تعتبرون أن الخطاب السياسي الشيعي ناضج في هذه المرحلة أم لا؟ وعلى من تقع مسؤولية هذا الخطاب، على الحوزة العلمية أم على الأحزاب الإسلامية؟
جـ: بسمه تعالى: إن الخطاب السياسي يعني الأطروحة والرؤية وبرنامج العمل الذي يقدمه أي حزب أو تنظيم لتحقيق الأهداف التي يعمل من أجل تحقيقها، والخطاب السياسي الشيعي فيه مطالب عامة يشترك فيها مع جميع الطوائف والتيارات الممثلة للشعب، وأخرى خاصة بالطائفة نفسها لما فيها من خصوصيات في هذا البلد كوجود المرجعية الدينية والعتبات المقدسة والحوزة العلمية الشريفة، والمظلومية وغمط الحقوق التي تعرضت لها خلال العقود السابقة.
والخطاب السياسي الشيعي لا بد أن يشمل جميع هذه المحاور وتتحمل الحوزة العلمية والأحزاب السياسية مسؤولية كلا الخطابين، وسوف أؤجل الحديث عن الخطاب الثاني الخاص، أما الخطاب الأول العام فيمكن للحوزة أن تشارك فيه من خلال عدة خطوات:
1- وضع الأهداف العامة التي يجب السعي لتحقيقها.
2- الانفتاح على الأحزاب والتشكيلات السياسية الإسلامية الموجودة في الساحة والاطلاع على برنامج عملها، لمعرفة مدى وعيها لهذه الأهداف
وقدرتها على تحقيقها ونظافة آليات عملها ونزاهة وإخلاص القائمين عليها وتقييم دورها.3- دعوة المؤمنين المخلصين لتشكيل النقابات والاتحادات والجمعيات المتخصصة وغيرها لاستقطاب وتجميع الطاقات الكفوءة والنزيهة، وحثها على العمل السياسي والإشراف على برامج عملها وأطروحتها، والحفاظ على جاهزيتها لممارسة دورها في إدارة البلد.
4- دعم وإسناد الأحزاب والتشكيلات المؤهلة لتحقيق الأهداف المطلوبة وتوجيه الجماهير نحوها بالآليات المتعددة كإخراج المسيرات وعقد التجمعات.
ونستطيع أن نضع جملة من الخطوط العريضة لمطالب الأمة التي يراد تحقيقها، وعلى الأحزاب بلورة وصياغة هذه الأفكار في خطاب سياسي وآليات عمل تفصيلية كأي اختصاصي في مجال معين، وتتفاوت الخطابات والأطروحات السياسية في النضج تبعاً لكفاءة وخبرة القائمين عليها ووعيهم وإخلاصهم لقضيتهم، والمهم هي الجدية في الانجاز، ومنها:
1- نشر الفضيلة في المجتمع ومنع الفساد والانحراف والمحافظة على هويتنا الإسلامية الأصيلة.
2- وصول العناصر الكفوءة والنزيهة إلى موقع المسؤولية والإدارة.
3- الارتقاء بمستوى العلم والمعرفة والوعي لدى أبناء الأمة لتكون بالمستوى الحضاري المعاصر.
4- تحقيق العدالة في الأمة واستقرار الأمن وإنعاش الوضع الاقتصادي للبلد.
5- الحفاظ على وحدة البلد وتركيبته الاجتماعية واستقلاله.
6- توفير الحقوق والحريات لجميع فئات الشعب وطوائفه وأعراقه بما لا ينافي الفقرات أعلاه.
7- وضع دستور للبلد يضمن النقاط أعلاه ووسائل تفعيلها ولا يتقاطع مع الشريعة.
8- ضمان انتخابات حرة نزيهة لاختيار برلمان وحكومة تمثل بصدق تركيبة المجتمع العراقي وتحترم إرادته بحسب التوزيع السكاني.
ولكي يتحقق ذلك لابد من الحوار بين جميع التيارات الممثلة للشعب وانفتاح بعضها على بعض خصوصاً الإسلامية منها لتنسيق المواقف اتجاه القضايا العامة.
فمسؤولية وضع الخطاب السياسي والعمل على انجازه على ارض الواقع تقع على الحوزة الشريفة والتشكيلات السياسية وعموم المؤمنين كل بحسبه، ولكل فرد في الأمة تأثير في مستقبلها السياسي كالمشاركة في التصويت على الدستور بعد فهمه واستيعابه أو انتخاب ممثليه في البرلمان والحكومة.
أسأل الله تعالى أن يأخذ بيد هذه الأمة لما فيه صلاحها وفلاحها ونجاحها في الدنيا والآخرة إنه نعم المولى ونعم النصير [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ] (القصص:5).
محمد اليعقوبي
6 ذ.ق 1424
30/ 12/ 2003
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله الوارف)
قائدنا المفدى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يخفى عليكم ما مر بالعراق من ظروف عصيبة ويمر بها بعد زوال النظام البائد وما أعقبه من دخول كثير من الأحزاب العلمانية والتي تطرح شعارات براقة من حرية وديمقراطية، فما هو رأي سماحتكم:
بدعوى هذه الأحزاب بالإصلاح الاجتماعي والدعوة إلى تحرير المرأة؟
بمن يدعو لهذه الأحزاب ويؤيد أيدلوجيتها؟
السعي بالمشاركة لفتح مكاتب هذه الأحزاب في محافظات العراق؟
وما هي نصيحة سماحتكم للجماهير العراقية، علماً أنهم يقولون إن أحزابنا تعترف بوجود الخالق وأن بعض أعضائها متدينون.
وفقكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين.
28 رمضان 1424
بسمه تعالى
لا أرى مسوغاً لهذه الانتماءات، فإن المؤمنين مرتبطون بالحوزة الشريفة والمرجعية الدينية وهي التي تحدد لهم مواقفهم، وقد رأينا أن هذه الانتماءات تمزق جسد المؤمنين وتفرق وحدتهم، أعاذنا الله من كل سوء، وحينما تقدر المرجعية الرشيدة وجود حاجة لتأسيس حزب لا ليكون رقماً مع بقية الأرقام الحزبية، وإنما ليكون آلية لتنظيم عمل قواعد المرجعية فلا يكون منفصلاً عنها وإنما يتحرك بتوجيهاتها، فإن المرجعية سوف لا تتوانى عن ذلك وقد تحقق ذلك فعلاً حينما وجهت قواعدها لتأسيس حزب الفضيلة الإسلامي بعد السقوط بأسبوعين تقريباً(1).
وعلى كل حال فإنه لا يجوز الانتماء إلى الأحزاب التي لا تلتزم بالشريعة الإسلامية إطاراً لعملها لأنها ستقع في معصية الله شرعاً وهذا (ما لا تقوم له السموات والأرض) كما ورد عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في دعاء كميل (رضي الله عنه)، وإذا حرم الانتماء حرم الترويج بفتح المكاتب والدعوة لها وغيرها، ومجرد الاعتراف بالخالق لا يكفي إذا لم يقترن بتطبيق الشريعة في الحياة وعدم مخالفتها(2)[قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِة.
1) عقد سماحة الشيخ أول اجتماع للكوادر المرشحة لتأسيس الحزب في جامع البياع ببغداد يوم الخميس 21 صفر 1424 المصادف 24/ 4/ 2003.
2) صدرت لاحقاً لسماحة الشيخ عدة خطابات تبين شرعية تأسيس الأحزاب وضرورتها وأهدافها ونظامها الداخلي وعلاقة عملها بعمل الكيان الحوزوي (جماعة الفضلاء) كما صدر كتيب بإشراف سماحة الشيخ عنوانه (فقه التعامل مع الأحزاب) يجيب عن أسئلة تفصيلية.
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] (الحجرات:14) فعلى المؤمنين الحذر والوعي وعدم الانسياق وراء الدعوات المضللة.محمد اليعقوبي
29 رمضان 1424
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على نبيه وسيد خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تحل علينا مع إطلالة شهر ذي الحجة الحرام أيام مباركة وصفها الدعاء المروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) بأعظم الأوصاف: (اللهم هذه الأيام التي فضلتها على الأيام وشرفتها وقد بلغتنيها بمنك ورحمتك فأنزل علينا من بركاتك وأوسع علينا فيها من نعمائك، اللهم إني أسألك أن تصليَّ على محمدٍ وآل محمد وأن تهدينا فيها لسبيل الهدى والعفاف والغنى والعمل فيها بما تحب وترضى، اللهم إني أسألك يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل ملأ ويا عالم كل خفية أن تصلي على محمد وآل محمد وان تكشف عنّا فيها البلاء وتستجيب لنا فيها الدعاء وتقوينا فيها وتعيننا وتوفقنا فيها لما تحب ربنا وترضى وعلى ما افترضت علينا من طاعتك وطاعة رسولك وأهل ولايتك...... إلخ).
هذه هي مشاعرنا ونحن نستقبل هذه الأيام الشريفة: إدامة الحمد والثناء لله
تبارك وتعالى على إبلاغنا هذه الأيام وإدراكنا لها فنستزيد من طاعته وننال القرب منه والزلفى لديه، فإن العطاء الإلهي يتضاعف في مثل هذه الأيام الشريفة فمن أعظم المنة على الإنسان أن يبقيه الله تعالى لها ويوفقه لاستثمارها ولم يجعله فيمن اختطفهم الأجل في الأيام السابقة فيحرم من هذه الفرصة ويردد الكلمات التي قالها الذين من قبله [.. رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ] (المؤمنون:99-100)، فليعتبر كل إنسان أنه قد أدركه الأجل ثم طلب من ربه أن يعيده ليعمل صالحاً وقد أعاده فماذا سيعمل وكيف يتدارك أمره؟أما مطالبنا في هذه الأيام من مدبر الأمور ومسبب الأسباب فهي الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى والإعانة على ذلك ودفع البلاء ونحوها.
وشهر ذي الحجة شهر شريف وكان صلحاء الصحابة والتابعين يهتمون بالعبادة فيه اهتماماً بالغاً، والعشر الأوائل من أيامه هي الأيام(1)المعلومات المذكورة في القرآن الكريم، وهي أيام فاضلة غاية الفضل وقد روي عن النبي (صلی الله علیه و آله): (ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله عز وجل من أيام هذه العشر) لذا ورد عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) أعمال خاصة بهذه الأيام كالصوم عدا اليوم).
1) إشارة لقوله تعالى: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ] (الحج:27 - 28) وقوله تعالى: [وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (البقرة:203).
العاشر لأنه يوم العيد وعدا التاسع وهو يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء، وصلوات مخصوصة منها ركعتان في كل ليلة من الليالي العشر يقرأ في كل ركعة بعد الحمد والتوحيد قوله تعالى: [وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ] (الأعراف:142) ليشارك الحاج في ثوابهم، ويتأكد مضاعفة الهمة في يومي التاسع والعاشر أي عرفة وعيد الأضحى.فعلينا أن نستثمر هذه الفرص العظيمة للطاعة استجابة لقوله تعالى: [فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ] (البقرة: 148) وقال تعالى: [وَسَارِعُوا إلى مَغفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَمَاوَاتِ وَالأَرضِ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ] (آل عمران: 133) فإن إضاعة الفرصة غصة، وقد لا نبقى أحياء حتى نمنح فرصة أخرى ورأس مال الإنسان في حياته هي هذه الساعات والدقائق والثواني:
دقّاتُ قلبِ المرء قائلة لهُ *** إن الحياة دقائق وثواني
والخيار مفتوح أمام الإنسان ليختار طريق الخير أو الشر [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإنسان:3).
فالاختيار له في كيفية استغلال هذا الوقت وما يزرعه اليوم يجنيه غداً: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ] (الزلزلة: 7-8) [يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ، فَأمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسرُوراً، وَأمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهرِهِ فَسَوفَ يَدعُو ثُبُوراً وَيَصلَى سَعِيراً] (الانشقاق: 6 - 12).
هذه المواعظ أريد أن نتذكرها جميعاً وفي كل الأوقات وأخص بالذكر
أعضاء مجلس الحكم الذين سيجتمعون في هذا الشهر المبارك الشريف الحرام الذي سيصادف شهر شباط وهو الموعد المحدد لهم ليسنوا (قانون إدارة العراق في المرحلة الانتقالية) ضمن آليات تسليم السلطة إلى العراقيين. وقد أبدينا تحفظاتنا على هذه الآليات ببيان سابق، وقلنا انه سيتكون من عملية معقدة طويلة فاقدة للمشروعية الكاملة لعدم استنادها إلى انتخابات حرة عامة لكل من يحق له التصويت من أبناء الشعب، ولو وفروا على أنفسهم وعلى الشعب هذه المؤونة وعملوا على إعداد متطلبات مثل هذه الانتخابات لكانت شرعية تماماً، ولما احتاجت إلى كل هذا الوقت الطويل الذي يمتد إلى نهاية عام 2005.
وقد كررنا أن مشاكل البلد لا تحل إلا بإصلاح الوضع السياسي ويبدأ بانتخاب مجلس شورى من قبل الشعب بعد اتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لنزاهة الانتخابات وسلامة نتائجها وأمن المشاركين فيها، ثم يتولى هذا المجلس تشكيل لجنة من المتخصصين لصياغة دستور دائمي مباشرة وعدم الحاجة إلى قانون مؤقت لإدارة العراق وينظر في قضايا البلاد وتعرض عليه الحكومة لمنح الثقة أو حجبها عن كل وزير على حدة.
وقد وقع بيدي نموذج للمشاريع المطروحة لقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وهو مليء بالمخالفات لتوجهات هذا الشعب المسلم الغيور التي أعلنها عبر الشعارات والتظاهرات والاعتصامات وغيرها من الفعاليات واستكشفناه من نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجريناه لخمسة آلاف عينة عشوائية من قوميات وديانات وطوائف ومستويات وأعمار متعددة في أكثر من
عشر محافظات. لذا أضع بين يدي أعضاء مجلس الحكم الذين تحملوا هذه المسؤولية الشاقة في هذا الظرف العصيب بعض المعالم الرئيسية، وهم إن أدوا هذه الأمانة إلى أهلها آتاهم الله تعالى كفلين من رحمته، وإن قصّروا ونظروا إلى مصالح أنفسهم دون مصالح الشعب والبلد فإنهم سيجنون على أنفسهم قبل أبناء جلدتهم وسوف لا يرحمهم التاريخ.
وهذه بعض المواد القانونية العامة:
1- عدم الاكتفاء بعبارة (يحترم هذا القانون الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي) فإنها مطاطة ويمكن تفسيرها بمعنى بخس لا قيمة له، فلا بد من التأكيد على انسجام هذا القانون بكل مواده مع روح الشريعة الإسلامية وعدم مخالفته للقرآن والسنة الشريفة، والتأكيد على أنها مصدر التشريع فإن الإسلام هو المعبّر عن ثقافة هذا الشعب وحضارته وطموحاته ويحدّد معالم حياته، والشعوب تجعل مثل هذا الشيء مكوناً أساسياً لدساتيرها، وتنص المادة (38) من هذا المشروع على (إلزام الدولة كافة الجامعات والمعاهد المدنية والعسكرية بتدريس مادة القانون الدولي لحقوق الإنسان كمادة إلزامية بهدف تعميم ثقافة حقوق الإنسان في العراق)، والإسلام هو مصدر حقوق(1)الإنسان، لكن هذه المادة يمكن أن يراد منها إلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية في التشريعات، وإرجاعها إلى القانون الوضعي وقد ورد في المقدمة ما يشعر بذلكق.
1) راجع عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر وشرحه القانوني توفيق الفكيكي في كتاب (الراعي والرعية) وراجع رسالة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الحقوق.
فقد جاء فيها (يبعد هذا القانون أي شكل من أشكال الإشادة أو حتى الإشارة لهذه الأيدلوجية أو تلك والابتعاد بشكل مطلق عن أدلجة هذا القانون) وهو يشير بشكل رئيسي إلى الشريعة الإسلامية وإلا كيف يصاغ دستور بلا أيدلوجية؟ ثم إن الإسلام ليس هذه الأيدلوجية أو تلك وإنما هو هوية وثقافة وحضارة أكثر من 98% من هذا الشعب فكيف يقاس بغيره؟2- إن القانون سلّم بان نظام الحكم فدرالي ولم يشرح معنى الفدرالية فإن لها أشكالاً بعضها مقبول لدى الشعب كمنح إدارة لا مركزية للمحافظات، وبعضها غير مقبول كالفدرالية السياسية المبنية على أساس عرقي أو طائفي والتي تتضمن تأسيس برلمان وحكومة غير البرلمان والحكومة الوطنيتين، فهل من العدالة أن تكون منطقة كردستان خالصة للأكراد لا يشاركهم في حكمها أحد وهم يشاركون في حكم العاصمة حتى رئاسة مجلس الحكم؟ وماذا سيكون مصير البلد لو طالب أهل الوسط والجنوب بمثل ذلك وهم قد ذاقوا الويلات أكثر من الأكراد على يد جلادي النظام المقبور؟
فلا بد أن يستفتى الشعب على شكل الحكم وقد رفض 73% ممن استطلعنا رأيهم الفدرالية السياسية المذكورة، وفي الحقيقة فإن في هذا المشروع لقانون المرحلة الانتقالية إشارات لمعنى خطير للفدرالية قريب من التقسيم كالمادة (17) التي تبقي كافة القوانين التي صدرت في إقليم كردستان العراق سارية النفاذ خلال المرحلة الانتقالية، بل إن المادة (59) جعلت رئيس الجمعية الوطنية ورئيس المجلس الوطني لإقليم كردستان في صف واحد ضمن المجلس الدستوري.
3- تشكل لجنة من فقهاء وقانونيين كبار لمراقبة القوانين الصادرة من البرلمان والتعديلات التي يراد إجراؤها، وضمان عدم خروجها عن الدستور وعدم مخالفتها للشريعة الإسلامية ويحدد ممثلو الشعب عدد أعضائها ووظائفهم وكيفية اختيارهم.
4- صياغة القانون بلغة حضارية تكشف عن عمق تاريخ وثقافة وفكر وأخلاق هذه الأمة وطموحاتها وصلاحيتها لان تكون في طليعة المجتمع الإنساني لأن الدستور مرآة الأمة.
5- الاعتراف بقضاة شرعيين يستمدون أحكامهم من الشريعة الإسلامية تعينهم المرجعية الدينية في المحاكم الرسمية إلى جنب القضاة الذين يستندون إلى القوانين الوضعية والمواطن مخير في مراجعة أيهما ويكتسبان نفس الدرجة القانونية.
وتوجد مواد أخرى كثيرة تضمنتها الدساتير المقترحة والتي يجب استفتاء الشعب عليها مادة مادة قبل إقرارها.
أما إذا أريد وضع قانون وبرلمان للمرحلة الانتقالية لاتفاق الأغلبية على الحاجة إلى ذلك فلابد من الالتفات إلى عدة أمور:
1- أن يكون اختيار واضعي القانون على أسس مقبولة لدى أغلبية الشعب وإلا فإنه سيكون فاقداً للمشروعية.
2- لا يحق للبرلمان الانتقالي أن يتخذ قرارات ستراتيجية كتجنيس الأجانب وخصخصة القطاعات الحيوية كالنفط والتعليم والصحة أو تبديل البطاقة التموينية إلى مبلغ مالي فإنها من مسؤوليات البرلمان المنتخب وكذا عقد
الأحلاف والمعاهدات الأمنية طويلة الأمد ونحوها.3- لا يكون سن هذا القانون بديلاً عن الدستور الدائمي ولا موجباً لتأخيره بل يجب الإسراع في صياغة وتهيئة المقدمات اللازمة لذلك ويثبت سقف زمني لهذا القانون المؤقت، وفي الحقيقة فإن هذا القانون يثير مخاوف من إبقائه كدستور للبلد وتمييع قضية الدستور الدائمي، بل إن بعض فقراته صريحة بتسميته دستوراً كالمواد (58، 59، 60) المتعلقة بالمجلس الدستوري، وعدم تضمنه لموعد انتهاء العمل به، وكذا فإن المادة (51) المتكفلة ببيان صلاحيات الجمعية الوطنية تشير إلى صلاحيات دائمية وكأنها هي حكومة منتخبة بشكل حر نزيه من قبل الشعب.
4- إلزام جميع الأطراف بتنفيذ آليات تسليم السلطة والسيادة إلى العراقيين في التوقيتات التي يُتفق عليها.
5- الالتزام بتأسيس جهازي شرطة وجيش قويين كفوئين نزيهين للمحافظة على امن البلد واستقراره وعدم تسييسهما.
6- التأكيد على ضرورة إنهاء الاحتلال في اقرب وقت.
7- وضع أسس وضوابط واضحة لعملية انتخابات البرلمان من حيث شروط المشاركين والمرشحين ومعالجة قضية العراقيين خارج البلد أو الذين لا يملكون وثائق كافية.
8- مناقشة قانونية التشريعات التي صدرت من مجلس الحكم حتى سن هذا القانون وكيفية التعامل معها.
9- وضع مواد مفصلة ودقيقة لموضوع الاقتصاد ومديونية العراق وآلية
تسديدها وبرنامج النفط مقابل الغذاء والجهة التي تشرف على تنفيذه ومصير الأموال المجمدة في الخارج وأرصدة أزلام النظام.10- ذكرت المادة (7) أن غير المسلمين يتمتعون بكامل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو صحيح من حيث المبدأ لكن يجب تقييده بعدم المنافاة مع تقاليد وأعراف هذا الشعب ودينه الذي لا يجوز انتهاك حرماته بشكل علني وسافر.
11- أشارت المادة (19) إلى مساواة الرجل والمرأة في مختلف المجالات وهو صحيح لكن تجب الإشارة إلى خصوصيات كلا الجنسين كالطلاق والقيمومة للزوج والنفقة والحضانة للزوجة وهكذا.
هذا وقد ذكرت(1)تعليقات على أصل اتفاق 15/ 11 ومن الضروري مراجعتها والاستفادة منها.
أسأل الله تعالى أن يحمي هذا البلد من كل سوء ويوفق أهله لما فيه الخير والصلاح ويجمع كلمتهم ويؤلف قلوبهم ويسدد خطى العاملين فيه إنه ولي النعم.
محمد اليعقوبي
21 ذ.ق 1424 ).
1) تقدمت في خطاب المرحلة (27) (صفحة 190).
خطاب المرحلة 38 :حاجة البشرية إلى علي بن أبي طالب: صوت العدالة الإنسانية(1)
بسمه تعالى
تبلورت فكرة (صراع الحضارات) لدى الحكومات الغربية المستكبرة منذ اضمحلال الاتحاد السوفيتي وظهور علامات التفكك فيه باعتباره القوة المقابلة لهم، ولما كانت إيديولوجيتهم مبتنية على وجود أو إيجاد عدو حقيقي أو وهمي لإقناع شعوبهم بسياساتهم العدوانية والمخالفة لأبسط حقوق الإنسان واستمرارهم في ابتلاع خيرات الشعوب والتمدد والإثراء على حساب حرمان الآخرين والتي تبدو مبررة ظاهراً لمواجهة هذا العدو المفتعل فتنساق أممهم وراءهم وتنخدع بأباطيلهم.
وكانت الجهة الجديدة التي أوهموا شعوبهم أنه عدوهم هو الإسلام، فضخموا من خطورته وبالغوا في التحذير منه ووجوب مواجهته، وتنفخ في ذلك كله الصهيونية العالمية التي لا تريد للعالمين المسيحي والإسلامي أن يقتربا؛ لأن في ذلك تهديداً لوجودهم، فكان همهم في خلق العداوة بينهم
1) مقدمة كتبها سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي لكتاب (علي بن أبي طالب: صوت العدالة الإنسانية) لمؤلفه (جورج جرداق) والمعاد طبعه حديثاً باللغة الإنكليزية.
لتفريقهم عن بعضهم ولأنهم الوحيدون الذين يكنون عداوة ذاتية متأصلة للإسلام والمسلمين، وإلا فإنه لا توجد عداوة ولا منافرة ذاتية بين المسلمين والمسيحيين أي بما هم مسلمون ومسيحيون كما أخبر الله تبارك وتعالى لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ.ولكن مما يؤسف له غفلة كلا الطائفتين عن هذه الحقيقة فضاعوا في النزاعات، ولكنني أرى بوادر الوعي لدى العالمين الإسلامي والمسيحي لهذه المؤامرة الصهيونية فأدركا معاً أن تقارب الحضارتين ممكن والالتقاء قريب، وأن هذا الصراع لا مسوغ له وتوجد دلائل على هذا الوعي كنتائج استطلاع الرأي الأوربي الأخير الذي كشف عن أن أكثرهم أجاب بأن الكيان الصهيوني هو مصدر القلق والإرهاب الأول في العالم، مضافاً إلى تصويت أكثر من ولاية في بلجيكا وكندا لمصلحة قطع العلاقات مع هذا الكيان.
وقد حاول المستكبرون فرض هيمنتهم على العالم وبالذات على الشرق المسلم لما يتمتع به من خيرات هائلة ومواقع ستراتيجية تمثل عصباً أساسياً لمصالحهم وقد جعلوا لذلك مصطلح العولمة الذي يريدون به جعل العالم كله يفكر ويسير ويتحرك ويعيش كما يريدون هم، وهو منطق المستكبرين دائماً كما ينقل القرآن الكريم عن فرعون [مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى] (غافر:29) [أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ] (الزخرف:51) وليس لأحد أن يخالفهم ويخرج عن دائرة نفوذهم ومصالحهم وإلا فالويل كل
الويل له، ووظفوا لذلك آلة عسكرية ضخمة تطال أي متمرد عنهم، ومؤسسات اقتصادية تبتلع أي بلد وتغرقه في ديون وتضخمات لا ينجوا منها ليبقى يدور في فلكهم ولا تكون إرادته مستقلة عن إرادتهم، وسوقوا إلينا ثقافتهم الهزيلة وصنعوا لها رموزاً تافهة لنقتدي بها ونتأثر بها فكراً وسلوكاً ونظاماً، بعد أن صنعوا لأنفسهم هالة من الإعجاب والانبهار لتفوقهم العلمي والتكنولوجي، فحاولوا أن يكون هذا منطلقاً للتبعية الفكرية والأخلاقية والاجتماعية، ويجردونا عما نمتلك من قوة في هذه الجوانب يحسدوننا عليها ولا يرضون منا إلا بتركها.من هنا وجب على مفكرينا عدة خطوات:
1- انفتاح الحضارتين على بعضهما والتعرف على حقيقة كل منهما من حيث المقومات والأهداف والآليات وغيرها فإنها خطوة كبيرة ومقدمة مهمة للالتقاء(1).
2- عرض النماذج الكاملة من رموزنا ودراسة سيرتهم وتحليلها وبيان نقاط العظمة فيها وهم كثر بفضل الله تبارك وتعالى، وأولهم أكمل الخلق جميعاً محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب اخو رسول الله (صلی الله علیه و آله) ونفسه، والأئمة الطاهرون وأصحابهم البررة؛ لأن من طبع الناس التأثر بالرموز الكبيرة الشهيرة والاقتداء بها، وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية هذا الأسلوب في التربية وهو الاقتداء بالنماذج الكاملة قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ] (الأحزاب:21) فإذا لم نوفر للناس مثل هذه الأسوة فإنهم سينساقون وراء قدوات تافهة كالرياضيين).
1) راجع كتاب (المعادل الموضوعي) وهو الحلقة الثانية من سلسلة (نحن والغرب).
والفنانين ونحوهم.3- أن نجيد لغة الخطاب والحوار مع الطرف الآخر، ونفهم المداخل المناسبة لعقله وقلبه ونفسه، فلا يناسب أن اشرح للأوربي الغارق في الماديات بان سبب ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) على يزيد بأنه كان يشرب الخمر وينكح المحارم ويضرب بالطنبور ومثل الحسين (علیه السلام) لا يبايع مثله؛ لأن المخاطب لا يرى في ذلك أي مشكلة؛ لأنه يرى أن غايته في الحياة هو التمتع بهذه الأمور: الجنس والخمر والموسيقى فلا يوجد مبرر لخروج الحسين (علیه السلام)، لكن إذا عرضت يزيد كقاتل للنفس المحترمة بغير حق، ومصادر للحريات ويسرق الأموال العامة لينفقها على ملذاته الشخصية، ويثري بغير حق، وتسلَّط بالقهر على رقاب الأمة من دون الرجوع إلى الشعب وممثليه، فسيكون المبرر للثورة عليه واضحاً ومثيراً للإعجاب.
هذه الأفكار التي عرضتها جمعها الأستاذ جورج جرداق في كتابه (صوت العدالة الإنسانية)، فهو مسيحي تعرف على عظيم من عظماء الإسلام، صنعته يد الرسالة فكان معجزتها كالقرآن لذا كان (القرآن مع علي وعلي مع القرآن)، وعاش في ظلال شخصيته المباركة واستلهم منها الكثير وقدمه لنا ببيان رشيق وفكر ينسجم مع ذوق الجيل وأفكاره، رغم أنه كتب قبل ما يقرب من خمسين عاماً (1956) فتحدث فيه عن حقوق الإنسان كالحرية والعدالة والثورة ضد الظالم والعبقرية والجمال والمبادئ، وقدمه لنا بدراسة تحليلية خرجت عن المألوف في تراجم
الرجال وسيرهم نموذجاً صالحاً لتتأسى به البشرية وتستضيء بنوره حتى تتحقق إنسانيتها الكاملة وتسود العدالة ويسعد الناس وما ذلك على الله ببعيد.محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
23 ذ.ق 1424
16/ 1/ 2004
صورة العبادة لا تكتمل إلا بالمستحبات(1)
تضمن برنامج الرحلة السفر براً إلى البصرة يوم الخميس آخر ذي القعدة 1424 ثم عبور الحدود اكويتية عصر الجمعة 1/ذ.ح./1424 المصادف 23/ 1/ 2004 حيث استضافت الحكومة الكويتية الحجاج العراقيين في مدينة الحجاج في الجهراء، وغادر سماحة الشيخ اليعقوبي مطار الكويت قبيل فجر الأحد إلى جدة ومن ثم إلى ميقات الجحفة والإحرام منه ودخل مكة المكرمة منتصف ليلة الاثنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
توجد سنن ومستحبات تسبق الصلاة المفروضة كالأذان والإقامة والجلوس في محل الصلاة انتظاراً لدخول الوقت وفسرت المرابطة في الآية الشريفة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران:200) بحالة الانتظار هذه، وتوجد سنن ومستحبات تلحق الصلاة كالدعاء والاستغفار وتسبيح الزهراء (علیها السلام) الذي ورد فيه أنه يعدل ألف ركعة.
وهذه الأعمال وإن كانت مستحبة يمكن تركها إلا أنها ضرورية لإتمام تأثير الفرائض وإنتاجها للأغراض المطلوبة منها، ولو اقتصر الإنسان على أداء الواجب من الصلاة لكانت خاوية.
1) توقف سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) عند المعبر الحدودي في صفوان أثناء سفره لأداء فريضة الحج المباركة وأقام صلاة الجماعة التي شارك فيها عدد من الحجاج والمودعين، وصادف يوم الجمعة 1/ ذي الحجة/1424 هـ الموافق 23/ 1/ 2004 وتحدث إلى المصلين بعد الصلاة وقد وقع بأيدينا تسجيل الحديث فأحببنا ذكر هذا الملخّص لحديث سماحته.
ويمكن لأي شخص أن يقارن النتائج بين صلاتين، الأولى بمستحباتها ومقدماتها وتعقيباتها، وأخرى خالية من كل ذلك ليدرك عظيم الفرق بين الحالتين.وهذا التخطيط الإلهي للحرص على أداء الفرائض بأفضل صورها لا يختص بالصلاة وإنما هو جارٍ في العبادات الأخرى، فإلى جنب واجبات كل فريضة توجد أضعافها من المستحبات والسنن، فإن الصوم الواجب هو رمضان فقط لكن المستحب أكثر منه خصوصاً في رجب وشعبان لتطهير القلب وتهذيب النفس وتأهيلهما لتلّقي النفحات الإلهية في شهر رمضان.
والشعائر الحسينية مستحبة وقد يعترض كثيرون على بعض مظاهرها لكنها ضرورية لحماية أصل الدين، ولم يستطع النظام الصدامي البطش بالدين وأهله إلا بعد أن أوقف تلك الشعائر في منتصف سبعينيات القرن الماضي بحجة أنها قشور لا قيمة لها، وكنّا ندافع عنها بأن القشور ضرورية لحفظ اللب وإذا ترك اللب بدون قشور تحفظه فإنه يتلف.
والأمر كذلك في المحرمات حيث جعل الشارع المقدس إزائها أكثر منها من المكروهات وعبّر عنها بالحمى والحدود وأن من يقتحمها يوشك أن يقع في المحرمات، فمنعَ الاختلاء بالأجنبية أو المسامرة معها خشية الوقوع في الحرام، ولأن ضغط الشهوة الجنسية وتأثيرها قوي فقد وصل التحصين منها إلى مستوى كراهية أن يقعد الرجل في مكان جلست فيه المرأة قبل أن يبرد من حرارة جسمها خشية أن يذهب خياله بعيداً ويحرّك شهواته.
فمن غير المناسب لمن يسعى لنيل رضا الله تبارك وتعالى أن يدخل في الصلاة من دون مقدمات ولو الإقامة على الأقل، أو يقوم من مصلاه فور التسليم والانتهاء من صلاته دون الإتيان بالتعقيبات ولو تسبيح الزهراء وسجدة الشكر. خصوصاً في مثل هذه الساعة الشريفة من يوم الجمعة التي قال فيها الله تبارك وتعالى [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الجمعة: 10) وفضل الله تعالى لا يختص بالرزق المادي وإنما يشمل الرزق المعنوي واستنزال الألطاف الإلهية بالدعاء والذكر.
خطاب المرحلة 39 :رسالة مفتوحة إلى مسؤول الإدارة المدنية لقوات الاحتلال في العراق(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
تناقلت الأنباء تصريحات لمسؤول الإدارة المدنية لقوات الاحتلال (بول بريمر) يقول فيها انه سيستعمل حق النقض ضد إقرار الإسلام كمصدر أساسي للتشريع في الدستور العراقي المؤقت أو الدائمي.
وتصريحه هذا يذكرني بالحديث الشريف (رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه حتى لا يوردها موارد الهلكة) فيبدو أنه لم يعرف حدود اللياقة في الحديث فأقحم نفسه في ما ليس له حق فيه، وقد بين الحديث الشريف عاقبة من يفعل ذلك، لذا الفت نظره إلى عدة نقاط:
1- إنه من أعطاه حق النقض حتى يتحدث عن استعماله وان القوانين الدولية تحدد صلاحيات المحتل ومسؤولياته وليس منها هذا التدخل السافر في خصوصيات أهل البلد المحتل التي يقررونها بأنفسهم كما هو شأن كل
1) أُلقيت على المئات من أبناء مدينة بغداد الذين وفدوا لتهنئة سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على سلامة الوصول بعد أداء مناسك الحج لموسم 1424 وكان ذلك في الأول من محرم عام 1425 المصادف 22/ 2/ 2004.
الشعوب والأمم.2- إن مثل هذه الكلمات تكشف عن نواياهم الحقيقية من حربهم على العراق واحتلاله وتزيّف ادعاءاتهم بأنهم جاءوا للتحرير، فمن جهة يقولون إن الدستور يجب أن تكتبه أيدي عراقية لأنه شأن عراقي، ومن جهة أخرى يتحدث عن معارضته لتدوين فقرات تعبر عن إرادة الشعب واختياره، وهذا يعني أن أحد أهدافهم هو تغيير ثقافة هذا الشعب وطريقة حياته ونمط سلوكه وشكل النظام الذي يحكمه وهذا ما يأباه الشعب العراقي الأبي الغيور الملتزم.
3- إن من حق كل شعب أن يثبّت في دستوره معالم حضارته وثقافته وتأريخه وتوجهاته في الحاضر والمستقبل، وتجد ذلك واضحاً في دساتير كل الأمم فإنها ترسخ كل تلك القيم والمبادئ والمعالم، والإسلام هو منبع ثقافة هذه الأمة وأساس حضارتها والصورة المشرقة لتأريخها، فلماذا تمنع هذه الأمة دون غيرها من الأمم من ممارسة هذا الحق المشروع؟ عجباً عجباً.
4- إن الذي يخيف بريمر والغرب ليس كل الإسلام، فإنهم يعلمون أن هذه الشريعة الإلهية هي نظام حضاري للحياة وفيه مقومات التجدد والإبداع والتكيّف ومواكبة المستجدات والانسجام مع تطورات الحياة ونموها وهو يلتقي مع المبادئ الإنسانية التي يتفق جميع البشر على أحقيّتها بل إليه ترجع ومنه تصدر، فهو يحترم حرية المعتقد [لا إكْرَاهَ في الدِينِ] (البقرة:255) ولا يطلب من الآخرين إلا الاستماع إليه، ثم هم أحرار في الاقتناع وعدمه، وهو يكفل لهم أمنهم على كلا التقديرين وَإِنْ أحد مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ، وهو
منفتح على الحوار مع الآخرين [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ] (آل عمران:64)، ويقيم الحق [وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ] (الإسراء: 35)، ويدعو إلى المساواة [أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى] (آل عمران:195)، ويحكم بالعدل والإنصاف [إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] (النحل:90)، ويرفض الظلم [وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ] (الأعراف:85) وغيرها كثير، فماذا يريدون أفضل من هذه المبادئ لتسود النظام الإنساني؟نعم، هم يخافون من الإسلام قدرته على تقديم مشروع حضاري بديل عنهم، ورفضه لأي حكم لا يستند إلى شرعية من دين الله تبارك وتعالى، ومقاومة الظلم والاستكبار والتسلط بغير حق، ومن دون ذلك فهم لا يمانعون من تسليم زمام الحكم للأحزاب الإسلامية، مع إظهار رفضهم لشيئين رئيسيين في الإسلام: وهما نظام الحكم فيه المبتني على ولاية الفقيه، وقانون العقوبات وهذا ناشئ من عدم فهمهم العميق للإسلام، فإن نظام العقوبات لا يكون ناجحاً وفعالاً إلا إذا كانت الجوانب الأخرى للنظام الإسلامي مطبقة، أي أن الاقتصاد إسلامي والمجتمع إسلامي والقضاء إسلامي ونمط السلوك والبيئة الاجتماعية إسلامية، وإلا فلا تقطع يد السارق إذا دفعه إلى ذلك الحرمان والعوز وسوء توزيع الثروة وعدم وجود فرصة العمل، أما إذا كان وضعه الاقتصادي مؤمناً ورزقه مكفولاً ومع ذلك يسرق عناداً أو تمرداً فإن قطع يده يكون مبرراً ومفهوماً.
5- إن المطلعين على طبيعة الشعب العراقي وتوجهاته وانتمائه
العقيدي وتأريخ حركته يعلمون أن هذا الشعب قد يسكت على هضم حقوقه وهدر ثرواته لا ضعفاً وجبناً وإنما انتظاراً وتربصاً، لكنه لا يسكت إذا مس عقيدته ودينه شيء، وهو لم يرفض نظام صدام ويقف في وجهه متحملاً بطشه وقسوته ووحشيته الدموية إلا لأنه حارب شعائر الإسلام وهتك حرماته وقتل علمائه ومنع هذا المجتمع المؤمن من التعبير عما تقتضيه عقيدته؛ لذا من المحتمل أن ينتفض الشعب ويرفض الظلم والاستبداد ومصادرة الحريات من دون الرجوع إلى أحد أو استئذانه، حتى المرجعية الدينية باعتبار أنه تعلّم ذلك من القرآن الكريم ومن سيرة أهل بيت النبي (صلی الله علیه و آله) قال تعالى: [وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ] (هود:113) [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ] (البقرة:217) والفتنة هي الإبعاد عن الدين بالإكراه أو بالتضليل أو الإفساد، كما فعلت الجماهير في الانتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991 ولم تستأذن أحداً من مراجع الدين فيها.ويبدو أن المدة التي قضاها بريمر في العراق والمعلومات التي حصل عليها غير كافية لمعرفة هذه الحقائق والالتفات إليها، بل إنه أساء حتى في اختيار الزمن إذ الأمة مقبلة على شهر محرم الحرام الذي تفور فيه شرايين الأمة بدماء التضحية والفداء وتمتلئ القلوب بحب الشهادة في سبيل الله تعالى متأسين بأبي الأحرار الحسين بن علي (علیه السلام) الذي جاد بكل شيء في سبيل الله وللفوز بكرامته ولم يترك عذراً لكل أحرار العالم في السكوت على الظلم والقهر والحرمان والاعتداء على الإسلام
العظيم.لذا أحببت تسجيل عدد من الحقائق في هذه الرسالة المفتوحة إعذاراً وإبراءً للذمة أمام الله تعالى [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد:7).
محمد اليعقوبي
28 ذ.ح 1424 الموافق 20/ 2/ 2004
بسمه تعالى
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا نهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
والصلاة والسلام على اشرف خلقه وأكرمهم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لقد أثبتت جامعاتنا عمق انتمائها للإسلام من خلال التزام أبنائها بتعاليمه، وإصرارهم على إقامة مختلف الفعاليات التي تبرز هذا الارتباط الوثيق والانتماء العميق، وهو مما يثلج صدور المؤمنين ويعجل بظهور بقية الله الأعظم، وهم -أساتذة وطلاباً ومنتسبين- مدعوون اليوم وكل يوم لترسيخ هذه العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ليردوا كيد الأعداء إلى نحورهم [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصرِ اللهِ] (الروم: 4-5) ويزداد المؤمنون إيماناً إلى إيمانهم، ولتبرز الصورة الحضارية للإسلام العظيم وقدرته الكاملة على تنظيم شؤون البشرية وقيادتها نحو الحياة السعيدة.
وتأكيداً لهذا الانتماء أدعوهم إلى أعادة تلك الصورة الزاهية التي عاشتها جامعاتنا في منتصف الستينيات، حين انطلقت مواكب الجامعة في يوم عاشوراء إلى كربلاء بكل نظام ووعي، لتعبر عن فهمها لحقيقة أهداف الثورة الحسينية،
فنالت إعجاب الأمة وحظيت باهتمامها وأثارت الآمال الكبيرة في نهوضها من جديد على يد هذه الثلة المؤمنة.وأعتقد أن في الوقت متسعاً للإعداد لهذه المواكب وحتى لو لم تكن في مستوى الطموح بسبب عدم الاستعداد الكافي والإعلام المبكر، فإن المهم وهو تأسيس هذه السيرة المباركة حتى يتسنى للأجيال الآتية متابعتها وترسيخها، وأظن أن عدداً ممن شاركوا في تلك المسيرات قبل أربعين عاماً أو رأوها أو اعدوا لها هم موجودون الآن، ويسمعون هذا النداء فيكون من لطف الله تعالى بهم المساهمة مرة أخرى في تنظيمها هذه المرة.
وأقدم بين أيدي أحبائي أساتذة وطلبة الجامعات الملاحظات التالية:
1- إن الدعوة موجهة بشكل رئيسي إلى الجامعات والمعاهد الفنية في المحافظات القريبة من كربلاء واعني بها جامعات بغداد والمستنصرية والتكنولوجية وبابل وكربلاء والكوفة والقادسية والمعاهد الفنية وبقية المؤسسات العلمية المرتبطة بالوزارات المختلفة.
2- أن يرفع موكب كل جامعة لافتة تبين اسم الجامعة أو المؤسسة العلمية التي يمثلها.
3- يُقسم كل موكب إلى مجاميع بمعدل (50) فرداً للمجموعة الواحدة وترفع كل مجموعة لوحة تختار لها اسماً معيناً مشتقاً من أهداف ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) والمبادئ الإسلامية السامية مثلاً: (الإيمان – الإخلاص – المحبة – السلام – الإصلاح – الحرية – الإباء – الولاية – النصر – التقوى – الرضا – التسليم – الشهادة – الإيثار – التضحية – الطاعة – التوحيد – العدل –
الاستقلال – النظام – التفاني – اليقين – الصبر – الإرادة – الصدق – الكمال – الحق – التوكل – الأخوة – البصيرة – الفتح – الأمر بالمعروف – النهي عن المنكر – الخير – الصلاة – الصوم – الزكاة – الإقدام – الغيب – الظهور – الانتظار – النور – العزة – الرحمة – السعادة – الاستقامة – الصفاء – الوفاء – الانفتاح – التفاهم – الطموح – التنظيم – البذل – التصدي – التحدي – الالتزام – العفة – الحياء – التهذيب – حسن الخاتمة).4- تشكل لجان تحضيرية للإعداد لهذه المواكب تحدد نقاط الانطلاق والتجمع وتوزيع الشعارات والأناشيد التي ترددها المجاميع وتنظيم سير المواكب وتحديد زمانها صباح يوم عاشوراء والتنسيق مع اللجان المشرفة على تنظيم المواكب في مدينة كربلاء.
5- تؤخذ الشعارات ومضامين اللافتات من أهداف الثورة الحسينية ومطالب الأمة في المرحلة الراهنة ومن تلك الشعارات الحسينية:
(على الإسلام السلام إذا ابتليت الأمة براعٍ مثل يزيد).
(والله لو لم يكن ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية).
(إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً).
(الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون).
(ألا ترون الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه فليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً).
(خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة).
(ما الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله).(رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجر الصابرين).
(من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا).
(إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي).
(لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد).
(هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون).
(فهل إلا الموت؟ فمرحبا به).
(صبراً بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم).
(موت في عز خير من حياة في ذل).
(إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم).
(هل من ناصر ينصرني، هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله).
(سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقا وجاهد مسلماً).
6- يتقدم الأساتذة الأفاضل مجاميع الطلبة ليعطوا للمسيرة رونقاً عظيماً ومعنى مؤثراً.
7- استغلال الوقت أثناء السفر والتجمعات لإلقاء المحاضرات التي تحيي المناسبة.
8- ينبغي لكافة الذي يجدون سعة في وضعهم الاقتصادي أن يساهموا في تأمين نفقات السفر ونحوه فإنها فرصة كبيرة للطاعة وقد قال تعالى (فاستبقوا
الخيرات) وسيكون للحوزة العلمية دور واضح في ذلك بإذن الله تبارك وتعالى.9- أسجل هنا بعض المقطوعات الحسينية التي ترددها المجاميع ويمكن أن تلحن بما ينسجم مع المناسبة، والمقاطيع التالية نظمها المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي (قدس سره) المتوفى في ثلاثينيات القرن الماضي لموكب النجف الأشرف:
يا تريب الخد في رمضا الطفوف *** ليتني دونك نهباً للسيوف
يا نصير الدين إذ عز النصير *** وحمى الجار إذا عز المجير
وشديد البأس واليوم عسير *** وثمال الرفد في العام العسوف
كيف يا خامس أصحاب الكسا *** وابن خير المرسلين المصطفى
وابن ساقي الحوض في يوم الظما *** وشفيع الخلق في اليوم المخوف
يا صريعا ثاويا فوق الصعيد *** وخضيب الشيب من فيض الوريد
كيف تقضي بين أجناد يزيد *** ظامئاً تسقى بكاسات الحتوف
كيف تقضي ظامئاً حول الفرات *** دامياً تنهل منك الماضيات
وعلى جسمك تجري الصافنات *** عافر الجسم لقى بين الصفوف
سيدي أبكيك للشيب الخضيب *** سيدي أبكيك للوجه التريب
سيدي أبكيك للجسم السليب *** من حشا حران بالدمع الذروفسيدي إن منعوا عنك الفرات *** وسقوا منك ظماء المرهفات
فسنسقي كربلا بالعبرات *** وكفاً من علق القلب الأسُوف
سيدي أبكيك منهوب الرحال *** سيدي أبكيك مسبي العيال
بين أعداك على عجف الرحال *** في الفيافي بعد هاتيك السجوف
سيدي إن نقضِ دهراً في بكاك *** ما قضينا البعض من فرض ولاك
أو عكفنا عمرنا حول ثراك *** ما شفى غلتنا ذاك العكوف
لهف نفسي لنِساك المعولات *** واليتامى إذ عدت بين الطغاة
باكيات شاكيات صارخات *** وُلَّها حولك تسقى وتطوف
يا حمانا من لنا بعد حماك *** ومن المفزع من أسر عداك
ولمن نلجأ إن طال نواك *** ودهتنا بدواهيها الصروف
لست أنساها وقد مالت إلى *** صفوة الأنصار صرعى في الفلى
أشرقت منها محاني كربلا *** كشموس غالها ريب الكسوف
هاتفات بهم مستصرخات *** باكيات نادبات عاتباتصارخات: أين عنا يا حماة *** يا بدور التم ما هذا الخسوف
أفنسبى بعدكم سبي العبيد *** ثم نهدى من عنيد لعنيد
لا وقفنا في السبا عند يزيد *** حبذا الموت ولا ذاك الوقوف
وقد أضاف سماحة الشيخ حيدر اليعقوبي (دام فضله) المقطوعات التالية:
كربلا جئناك والدمع هتون *** بقلوب شجها سيف الشجون
نمتطي أرجلنا دون المتون *** ليس تثنينا سهول أو حزون
فعلى أرضك خطت كلمات *** شامخات واضحات راسيات
نورها يطغى على كل اللغات *** علمتنا سر عنوان الحياة
علمتنا أن نضحي بالنفوس *** أن ندير الوجه عن رشف الكؤوس
إن نصد الجبت لا نحني الرؤوس *** علمتنا كربلا أسمى الدروس
فنداءات حسين ما تزال *** وصداها هز آذان الرجال
إن للحق كراماً كالجبال *** لبسوا ثوب الفدى يوم النزال
إن دين الله عز وإباء *** ورؤوس طمحت نحو السماء
شغلت بالله حباً ووفاء *** بعد أن أدركها نور الولاءعلمتنا كربلا صبر العظام *** حينما تعصفنا ريح الطغام
علمتنا السير دوماً للأمام *** والجراحات لها يوم التئام
علمتنا أن أبواق العدى *** خرست بالطف ضاعت بددا
بينما ضجت هتافات الفدى *** وتعالى في المدى صوت الهدى
والفرصة مفتوحة لكل الأدباء الملتزمين الذين يحبون أن يسجل اسمهم في ديوان أبي الأحرار (ع).
10- قد يكون من المناسب أن يكون السفر إلى كربلاء ليلة العاشر من محرم لإعطاء فرصة مناسبة للاستعداد للمسيرة في الصباح المبكر(1)ولتحصيل فضل المبيت ليلة عاشوراء عند الحسين (علیه السلام) فإن من فعل ذلك حشر ملطخاً بدم الحسين (علیه السلام) كما يفيد الحديث الشريف.
محمد اليعقوبي 27 ذ.ح 1424- 18/ 2/ 2004ت.
1) رغم ضيق وقت الدعوة عن الاستعداد فقد لبّاها أكثر من عشرة آلاف طالب جامعي وجمع من الأساتذة من وسط وجنوب العراق وجمع من فضلاء الحوزة العلمية توزّعوا عليهم للإرشاد والتبليغ، وقد وصلت وفودهم يوم التاسع من محرم على التوالي، وانطلقت المسيرة من جامعة كربلاء ليلة العاشر من محرم بعد أداء صلاتي المغرب والعشاء جماعةً، وأقيمت فعاليات في محل إقامتهم تلك الليلة، وستجد في الخطاب (45) صفحة 300 شيئاً عن هذه الفعاليات.
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أبصار الشعب العراقي المضطهد المظلوم ترنوا إليكم وأنتم تتدارسون وضع قانون لإدارة العراق في المرحلة الانتقالية، وتطالبكم بعدم خيانة أهدافها التي ضحت بالملايين من خيرة أبنائها في سبيل تحقيقها، وإنها أمانة كبيرة في أعناقكم ستسجل في صفحات التاريخ كما حفظ لها صفحات الماضين بيضاء كانت أو سوداء والله لا يضيع أجر المحسنين.
فاعملوا لما يُرضي الله تبارك وتعالى ويقر عيون هذا الشعب الكريم الذي غض الطرف عن كثير مما يستحق الاعتراض(1)منتظراً منكم أن لا تبخسوه حقه في الاحتفاظ بهويته الإسلامية والعراقية، وإنه لا يغفر لكم أن تفرطوا في أن يكون دستوره منسجماً مع تعاليم الإسلام الذي هو دين حوالي 96% من الشعب، ومحافظاً على وحدة العراق مهد الحضارات ومصدر الخير للبشرية في الماضي والمستقبل فهذه خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.
وإن الله تعالى هو الذي يجب أن يطاع وليست قوات الاحتلال التي يجب عليها أن تزداد معرفة بهوية هذا الشعب وطموحاته التي عبر عنها ولا زال يعلنها
1) ستأتي الإشارة إلى بعض الفقرات التي رفضها سماحته في الخطاب (45) صفحة 302.
وهو لا يتسامح في تجاهلها، ومن لا يعرفه فستنبئه شعائر عاشوراء بأن الدم رخيص من أجل أن تسود العدالة والحرية الحقيقية ويرتفع الظلم والحيف والاستبداد والاستئثار والأنانية والفساد والانحراف. وحسناً فعلتم إذ أجلتم الاتفاق على القانون إلى ما بعد مراسم عاشوراء لتعطوا الفرصة للغافلين حتى يفهموا هذا الشعب فيندفعوا أكثر نحو إسعاده وإعادة الفرحة إلى أبنائه.
إن أيام عاشوراء كفيلة بأن تعطيكم بركات شهادة الإمام الحسين (علیه السلام) وأبنائه وثباته على المبادئ التي قال عنها (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين أثنين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت ونفوس أبية وقلوب حمية) وهو موقف يتكرر أمام كل إنسان مؤمن وأنتم تتعرضون له الآن فليكن جوابكم لأي ذل قول الإمام الحسين (علیه السلام). هيهات منا الذلة.
وأقلّ ما تسجلونه إذا أصرّ المستكبرون على الاستخفاف بهذا الشعب وتجاهل مطالبه أن تنسحبوا من هذا المجلس، وتحافظوا على سمعتكم وكرامتكم، ولتعظموا في عين الله تعالى وعين إخوانكم وأبنائكم وليس أقل من تأجيل القضايا المصيرية كتفاصيل الفدرالية إلى مجلس منتخب من قبل الشعب.
نكتب كلماتنا هذه ونحن بين الأمل بأن تحققوا آمال الأمة، وبين القلق أن يتمادى المستكبرون فتحصل نتائج لا تحمد عقاباها.
[إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد:7)
محمد اليعقوبي
9 محرم 1425- 1/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 42 : بيان عن الجرائم التي ارتكبت في كربلاء والكاظمية ومدينة كويتا الباكستانية يوم عاشوراء(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
مرة أخرى تحلّ بشعبنا نكبة كبرى نتيجة التقصير المتعمد لقوات الاحتلال التي تفكر بأمن نفسها فقط وليحصل بالشعب ما يحصل، بل إنها تعمل بشكل وبآخر على إدامة هذا الوضع المأساوي وتهيئ له أجواءه وتعرقل كل محاولة وطنية وشعبية صادقة لضبط الأمن والاستقرار، من أجل أن تُديم المبررات الواهية لبقاء الاحتلال، ولإلهاء الشعب عن قضاياه المصيرية وزرع الفتنة بين أبنائه.
1) قام تكفيريون حاقدون بعمليات انتحارية وإلقاء قذائف صاروخية وزرع متفجرات استهدفت الحشود المتجمعة في مدينة كربلاء لإحياء مراسم عاشوراء يوم 10/محرم/1425 المصادف 1/ 3/ 2004 فاستشهد حوالي (85) وجرح أكثر من (250)، ولم تنثنِ عزيمة الموالين حيث عادت الأمور إلى طبيعتها مباشرة وانطلقت مسيرة عزاء (طويريج) المليونية كأروع ما يكون، ووقعت تفجيرات مثلها في الكاظمية ومدينة كويتا الباكستانية فاستشهد في الكاظمية (75) وجرح أكثر من (100) أما في مدينة كويتا فقد استشهد (45) وجرح أكثر من (70)، وقد توجّه سماحة الشيخ اليعقوبي فور علمه بالنبأ إلى مركز التبرع بالدم في مستشفى النجف العام وتبرع بقنينة دم مواساة للجرحى وإعلاناً لرفضه واستنكاره هذه العملية الخسيسة.
وهذا ليس غريباً منهم وهم عبدة المصالح وأتباع الهوى الأنانيون، لكن العجب لا ينقضي من أولئك المتعصبين المتحجرين الذين لبسوا الإسلام بالمقلوب فلم يميزوا بين إخوانهم وأعدائهم، فراحوا يخدمون أهداف المستكبرين وينفذونها لهم بجهلهم وحماقتهم مجاناً وبلا ثمن إلا خزي الدنيا وعذاب الآخرة وبئس الورد المورود، فهلا راجعوا نفسهم لحظة وتأملوا في أعمالهم وعرضوها على مقاييس الشريعة ليروا بأي ذنبٍ قتلوا هؤلاء المؤمنين؟ وبأي جريرة أخذوهم؟ وقد اجتمعوا ليجددّوا عقد البيعة والولاء مع رسول الله (صلی الله علیه و آله) وذريته الطيبة الطاهرة؟ ويبرهنوا للعالم أنهم ماضون على طريق رفض الظلم والاستبداد والاستكبار والأنانية والحقد والكراهة والاستئثار؟ وأنهم ينشدون السلام والحب والحرية والعدالة والمساواة والتسامح والرحمة والإيثار؟ فلماذا كل هذا الحقد عليهم، ولماذا لا توجه هذه الأيدي الآثمة أسلحتها إلى الأعداء الحقيقيين الذي يملأون أراضيهم، ويهيمنون على قرارات بلدانهم ويتحكمون في ثرواتها وجاءوا إلى العراق الجريح المظلوم المضطهد الذي لم يضمد جراحه النازفة التي أدماها صدام الملعون، ومتى يفيق هؤلاء من تعصبهم الأعمى وحماقتهم الرعناء ويرحموا أنفسهم قبل الآخرين، فلماذا يضيّعون الدنيا والآخرة وماذا ينفعهم الندم حين يقدمون على رسول الله (صلی الله علیه و آله) تجرُّهم زبانية جهنم بما اعتدوا على ذريته ومواليه.إن كلمات الشجب والاستنكار غير كافية بل هي سلاح العاجز في مثل هذه المواقف، بل لا بد من خطوات عملية كان على الجميع القيام بها قبل الآن حتى لا نفقد هذا العدد الكبير من أعزائنا وأحبائنا، فالكيِّس من اتعظ بغيره وحسب
للأمر قبل وقوعه ولا يحتاج إلى هذه المعاناة الطويلة لكي يصحو، فعلى الشعب أن يتمسك بالإسلام العظيم وعدم التفريط به واتباع تعاليمه، بحيث تُبنى حياتنا بكل تفاصيلها على أساس الإسلام وان يحافظ على وحدتنا الوطنية والدينية وسد الطريق أمام كل باغٍ يريد أن يحدث الشقة بين الإخوان.وعلى أعضاء مجلس الحكم أن يكونوا شجعاناً وواعين وحازمين ومتجردين عن أنانيتهم ومراعين لمصلحة شعبهم، فيعملون بكل ما أوتوا من قوة على تقوية جهاز الشرطة وتزويده بأحدث التقنيات، ورفده بالعناصر الملتزمة النزيهة المخلصة من غير مجاملة أو محسوبية أو مصلحة شخصية، وأن يطالبوا بإعادة تشكيل وزارة الدفاع فوراً فإن الجيش سور الوطن، والدولة بلا جيش كالبيت بلا سور يطمع فيه كل غادي ورائح، خصوصاً وأن جيشنا العراقي يمتلك تأريخاً وأصالة وإبداعاً ولا نحتاج إلى جلب ضباط من الأردن ليدربوا هذا الجيش العريق، وهم قد رتعوا في عطايا صدام وأشربت قلوبهم حبَّه ولم تُعرف عنهم شجاعة ولا مشاركة حقيقية في معارك الأمة بل المعروف عكس ذلك.
فليس من المعقول يا أعضاء مجلس الحكم أن يجري كل ذلك وانتم ساكتون، بل الأعجب من ذلك أن يخلو قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية الذي سيُعمل به سنتين على الأقل من فقرة تشير إلى تشكيل وزارة الدفاع، فهل يبقى العراق طيلة هذه المدة نهباً للأعداء والغرباء الجهلة والمتحجرين القساة.
وإني وجميع الشعب مستعد للمساعدة في بناء هذه الوزارة لأننا نعرف الكثير من الضباط الملتزمين الأحرار الذين لم يبيعوا ضمائرهم للطواغيت، وتحملوا في سبيل ذلك صنوف العذاب وعرض كثير منهم استعدادهم للعمل عليَّ
والمساهمة في تشكيل الوزارة، وأقدّم هذا العرض بين يدي المرجعيات الدينية والسياسية ليكون حجة عليهم أمام الله تبارك وتعالى.وعلى قوات الاحتلال والمستكبرين جميعاً أن تفهم أن هذه الأعمال تعّمق حالة الرفض لهم وتقرب حالة الانفجار(1)، فليثوبوا إلى رشدهم وليتركوا هذا الشعب يبني نفسه ويقرّر مصيره كما يريد، فإذا أرادوا الحرية والسلام لشعوبهم فليعملوا على أن تعيش شعوب العالم بحرية وسلام(2)فإن العالم كله اليوم (قرية صغيرة) لا يمكن التفكيك بين أجزائها، فإما أن تعيش كلها في خير ووئام أو تغرق كلها في فوضى وانتقام.
وعلى العلماء والمرجعيات الدينية والنخب المثقفة أن يربوا الناس على حب الخير والسلام والرحمة للعالمين جميعاً وليس على العصبية والتطرف، وأن يضعوا لهم الموازين الصحيحة لسلوكهم حتى لا يتصرفوا من غير بصيرة وتختلط عليهم الأمور، فيسمّون الجريمة وقتل الأبرياء وتدمير المؤسسات الوطنية (مقاومة) إن هذا لهو الضلال المبين.
إن الدماء التي جرت على الثرى الطاهر في كربلاء والكاظمية وفي مدينة كويتا الباكستانية وإن عز علينا وآلمنا وأضاف إلينا حزناً وغماً، إلا أننا نردد فيش.
1) وقد حصلت هذه الحالة بعد أقل من شهر كما سيأتي بإذن الله تعالى.
2) هذه الاستراتيجية لو تبنّتها الولايات المتحدة لكانت أجدى سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً لحفظ مصالحها وأمنها بدل شنّ الحروب على الدول، ولم== ==تلتفت إليها وتتبناها إلا حوالي عام 2011 حين دعمت تحركات بعض الشعوب العربية في ما عرف بالربيع العربي وتهاوت فيه أنظمة مصر وتونس حين كتابة هذا الهامش.
هذا الموقف وكل موقف ما قاله صاحب الذكرى الإمام الحسين بن علي (علیه السلام): (إنه هوّنَ ما نزل بي أنه بعين الله) و(يا إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى لك العتبى يا ربِّ). وقد لمسنا بركة هذا الدماء بإصرار المؤمنين على أداء شعائرهم وتضاعف أعدادهم وكلهم شوق للشهادة والالتحاق بالرفيق الأعلى ويتمسحون بالمصابين تبركاً بهم وغبطة لهم أنهم حظوا بشرف التضحية من أجل أن يبقى نور الله تبارك وتعالى حتى يظهره على الدين كله ولو كره المشركون والكافرون والجهلة المتعصبون.
وأسأل الله تعالى أن يتغمد الشهداء برحمته ويلحقهم بأوليائهم الطاهرين ويمنَّ بالشفاء والسلامة للجرحى والمصابين وأن يدخلنا في زمرتهم؛ لأننا ممن أحب عملهم وبادر إلى نصرتهم باليسير حين تبرعنا(1)بالدم للمصابين ودعائي لذويهم بالصبر وحسن الجزاء وان يخلفهم الله تبارك وتعالى بما يقرُّ عيونهم ويُسرُّ قلوبهم.
وطلبي للمؤمنين أن لا يقصروا في تشييع الشهداء بالشكل الذي يرد كيد الأعداء إلى نحورهم، ويظهر لهم أننا جميعاً مشاريع استشهاد لنصرة هذا الدين العظيم حتى يرث الأرض ومن عليها عبادُ الله الصالحون وتسعد البشرية بدولة العدل الإلهي بقيادة الإمام المهدي (ع) وإن غداً لناظره قريب.
محمد اليعقوبي ،10 محرم 1425 الموافق 2/ 3/ 2004ى.
1) بادر سماحة الشيخ (دام ظله) بعد علمه بالخبر إلى الذهاب إلى مركز التبرع بالدم في مستشفى النجف العام وتبرّع بقنينة للمساعدة في معالجة الجرحى.
خطاب المرحلة 43 :الأسس النظرية لحزب الفضيلة الإسلامي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى أنصار الحسين والشهداء بين يديه.
كثرت التساؤلات عن حزب الفضيلة الإسلامي، متى تأسس ولماذا وما هي أهدافه وبرنامج عمله ومدى ارتباطه بالمرجعية، والتزامه بمواقفها وما هي أسسه النظرية وغيرها مما سيتضح بإذن الله تعالى، وقد وجدت حفلكم المبارك هذا فرصة مناسبة للإجابة عن هذه التساؤلات بعد التمهيد بعدة مقدمات مختصرة:
الأولى: إن تنظيم أمر الأمة في التشكيلات المؤسساتية التي تعتمد العمل المجموعي لا الفردي ضرورة اجتماعية يمليها تشعب الحاجات الإنسانية وتنوعها واحتياجها إلى التخصص من دون استغناء أحدها عن الآخر، فلا بد من
1) كلمة ألقاها جناب السيد كمال الموسوي بالنيابة عن سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي في حفل افتتاح فرع البصرة لحزب الفضيلة الإسلامي بتأريخ 15 محرم 1425 المصادف 7/ 3/ 2004.
انضمام الجهود بعضها إلى البعض في خلية واحدة ليتكامل العطاء وينضج ويكون فاعلاً ومؤثراً ومثمراً.وقد حث القرآن الكريم على مثل هذا العمل المنظم ودعا إلى تشكيل الجماعات، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] (آل عمران: 104) وهذه الأمة التي يراد لها تحمل المسؤولية لها خصوصياتها وشروطها وأهدافها التي تسعى لتحقيقها، وقد بينتها آيات قرآنية عديدة.
وأوصى أمير المؤمنين (علیه السلام) في بعض كلماته بتقوى الله تبارك وتعالى ونظم أمر الأمة.
وهذه الضرورة تأكدت في المرحلة الراهنة لأن طبيعة العمل تقتضيها.
الثانية: إن العمل ضمن الإطار الحزبي يكون ايجابياً إذا كان نظيفاً في سلوكه وأهدافه أي من حيث النظرية والتطبيق، بأن ينظر إلى الحزب على أنه قناة أو آلية للعمل البناء في سبيل الوصول إلى الأهداف الصحيحة، لكنه أحياناً يقترن بالأخطاء حينما تنزل النظرية إلى حيز التطبيق، كما أن خللاً ما قد يحصل في فهم النظرية أو برنامج العمل بسبب القصور أو التقصير في فهم مصادر التشريع وكيفية استفادة الأحكام منها.
وهذا أحد الأسباب التي دعت عدداً من العلماء (قدس الله أسرارهم) إلى اتخاذ مواقف سلبية من الأحزاب، فالاعتراض ليس على أصل التشكيل وإنما على الانحراف في الفهم والتطبيق.
ثم إن انحرافاً آخر كثيراً ما يقترن بالعمل الحزبي وهو ظهور (الأنا) الحزبية
فقبل أن ينتهي من العمل على تذويب الأنا الشخصية لمصلحة المبادئ العليا تراه يسقط في أنانية جديدة هي التعصب للحزب، وقد عرّف الإمام السجاد (علیه السلام) العصبية بأن ترى الرجل المفضول من قومك خيراً من الرجل الفاضل من غيرهم، وهذه العصبية هي التي تؤدي إلى التقاطع والتناحر والعداوات وما يستلزم ذلك من محرمات كبيرة كالافتراء والبهتان والكذب والغيبة والإساءة إلى المؤمنين وتشويه سمعتهم فلا يبقى لله تبارك وتعالى أي نصيب في العمل وإن حاول الحزبي المتعصب إقناع نفسه بغير ذلك.فلنجعل دعاء الإمام الحسين (علیه السلام) نصب أعيننا دائماً (إلهي خسرت صفقة عبد لم تجعل له فيها من حبك نصيباً)، والأحزاب مبتلاة بهذا الداء فإنها تكافح من أجل أن تدفع بعناصرها إلى الواجهة وإن حصل لها العلم بوجود عناصر أفضل وأقدر على تحمل المسؤولية من الآخرين فإذا أردنا أن نلتزم بقوله تعالى [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ] (هود: 121) فإن الاستقامة تقتضي التجرد عن الأنانية والتعصب مع الاحتفاظ بالقناعة والأسلوب والنظرية اللتين تطمئن بسلامتها ونظافتها.
الثالثة: إن نظام الحكم في الإسلام يبتني على ولاية الفقيه الجامع للشرائط من الاجتهاد والعدالة والكفاءة فهو قمة الهرم في القرار وإليه ترجع السلطات، وله مستشارون يرجع إليهم في التعرّف على حقيقة القضايا المعروضة واستنباط الأحكام الشرعية المنطبقة عليها، وتهيئة مقدمات القرار له، ويستمد مشروعيته من نيابته للإمام المنتظر (علیه السلام) بعد شهادة أهل الخبرة في هذا المجال باجتماع الشروط فيه، وينزع عنه هذا القميص متى ابتعد عن هذه الشروط وزلت أقدامه
والعياذ بالله، قال الإمام (علیه السلام): (إذا رأيتم العالم مكباً على الدنيا فاتهموه على دينكم). وكذا إذا فقد الأهلية للقيام بمسؤوليات هذا الموقع المشرف. وبالرغم من أن الحجة الشرعية قائمة على صحة هذا النظام، إلا أن موانع عديدة تحول الآن عن السعي لتحقيقه على أرض الواقع، ومنها باختصار:
1-ديمغرافية الشعب العراقي وتكوّنه من قوميات وأديان وطوائف بعيدة عن هذا النظام وترفضه.
2- شهرة القول بعدم ولاية الفقيه في أروقة الحوزة العلمية في النجف الأشرف وعند مرجعياتها، وسعة قواعد هذه المرجعيات.
3-تشتت مراكز القرار وعدم وجود قيادة دينية يلتف حولها الأكثر.
وغيرها من الأسباب.
لذا فإن الخيار الأقرب للشرعية هو أن يقوم الشعب بقيادة نفسه بنفسه وفق الآليات الديمقراطية المعمول بها ومنها: إجراء الانتخابات لاختيار ثلة تقوم بإدارة البلد، على أن يراعوا توجيهات القيادة الدينية الواعية المخلصة.
ومستند هذه الشرعية تفويض الناخبين لهذه الثلة باعتبار أن الأصل عدم ولاية أحد على أحد إلا إذا فوضه بذلك ولكن مشروعيته تبقى مقيدة بحدود الشريعة الإلهية ولا يحق مخالفتها؛ لأن الحاكمية لله تبارك وتعالى وحده، وهو المصدر الوحيد للتشريع [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] (الحجرات:14).
فحينما نطالب بالانتخابات لإدارة العملية السياسية فلا بد أن نلتفت إلى هذه الحقيقة المهمة بأن هذه الطريقة ليست هي القاعدة في حكم الأمة المسلمة،
وإنما هي الاستثناء الذي يلجأ إليه عند وجود المانع من إجراء القاعدة، كأكل الميتة الذي يحل عند الضرورة وحليته هذه لا تعني إن حكم الميتة ذلك بالعنوان الأولي بل بالعنوان الثانوي، وإدراك هذه الحقيقة مهم وضروري نظرياً وعملياً؛ لكي لا تختلط علينا الأمور وتضيع معالم شخصيتنا وهويتنا الإسلامية العظيمة التي شيد أركانها أهل البيت (علیهم السلام) وننساق وراء الأطروحات الغربية البراقة، وحتى نبقى ملتزمين بأن الأصل في العمل السياسي هو طاعة المرجعية، وليس قرار الحزب. الرابعة: إن هذه النمط من العمل السياسي أعني التداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع يتطلب أن يكون لأبناء الشعب واجهات أو عناوين تعبر عن آمالهم، وتطالب بحقوقهم وتسعى لتحقيق طموحاتهم وتدخل نيابة عنهم في كل تفاصيل العملية السياسية ابتداءً من المجالس البلدية إلى البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية وقد تتعدد هذه الواجهات بحسب تعدد القناعات بها.
الخامسة: مع احترامنا الكبير للجهات السياسية التي تساهم بإخلاص في بناء عراق حر كريم، إلا أنها غير مستوعبة لتوجهات كل الشعب وحائزة على قناعته فتوجد شرائح أخرى من المجتمع غير منتمية لها ولا يمكن تجاهلها وإهمال دورها في بناء العراق الجديد.
فمن هنا نشأت الحاجة إلى انبثاق حزب من هذه الشريحة يمثلها ويتحدث باسمها، إلا أنه لا ينغلق عليها بل هو منفتح لكل من يؤمن بأهدافه ويقتنع ببرنامج عمله، ويكون دور هذا الحزب مكملاً لفعاليات الجهات الأخرى
وسانداً لها وعاملاً معها لتحقيق الأهداف المشتركة، وليس بديلاً عنها ولا لاغياً لدورها أو مزاحماً لها، ويكون الجميع كالروافد التي تلتقي على نهر واحد، فنحن ننظر إلى الأحزاب والحركات المخلصة على أنها رؤى متعددة وآليات متعددة في العمل إلا إنها تصب في هدف واحد هو رضا الله تبارك وتعالى وصلاح الأمة وبناء البلد وعلى هذا الأساس فستكون العلاقة بينهم جميعاً متصفة بالتآلف والتآزر والتنسيق والتشاور.هذه هي الحاجة لتشكيل حزب الفضيلة الإسلامي وهذه أسسه النظرية وعلاقته مع الآخرين، وقد سارعنا إلى جمع عدد من النخب المثقفة والكوادر المتخصصة في العمل السياسي والفكري والإداري والاجتماعي بعد سقوط الطاغية بأيام، وهم ممن تعرفنا عليهم وعملوا معنا قبل سقوط الطاغية بسنين، وكنا نعدهم لمثل هذه المرحلة ونأمل منهم وممن التحق بهم الخير.
وقد وضعت لهم الخطوط العريضة لعملهم وأوضحت كل علاقتهم مع المرجعية الشريفة والمعالم العامة لأهدافهم التي لخصتها ما يلي:
2.إيصال العناصر الكفوءة والنزيهة إلى المواقع المسؤولة في إدارة البلد على جميع المستويات.
الارتقاء بمستوى الوعي والثقافة والعلم لدى أبناء المجتمع.
تحقيق العدالة في الأمة واستقرار الأمن وإنعاش الوضع الاقتصادي.
الحفاظ على وحدة البلد وتركيبته الاجتماعية واستقلاله.
توفير الحقوق والحريات لجميع فئات الشعب وطوائفه وأعراقه بما لا
ينافي الفقرات أعلاه.7. وضع دستور للبلد يضمن النقاط أعلاه ولا يتقاطع مع الشريعة.
الحوار مع جميع التيارات الممثلة لفئات الشعب والانفتاح عليها.
تنسيق المواقف تجاه القضايا العامة مع الأحزاب والحركات الإسلامية.
إن اختيار (الفضيلة) عنواناً له جاء منسجماً مع أهدافه وطبيعة الصراع الجاري في هذه المرحلة، فإن الحكومات الغربية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية جاءت إلى هنا لتنفذ المشروع الذي وضعته لتغيير المعالم الثقافية والأخلاقية والعقائدية والسلوكية وإلحاقها بالنموذج الغربي الذي نختلف معه في أسسه الحضارية ومنطلقاته الفكرية وأهدافه وغاياته، وقد اعترفوا بأنهم جاءوا ليخوضوا (صراع حضارات) وماذا تعني حضارتهم بغض النظر عن التطور العلمي والتكنولوجي. غير الظلم والفساد والانحراف والرذيلة حتى باتوا يئنون من ويلاتها وآلامها وغرقوا في رعب وخوف من مصيرهم المشؤوم الذي سيحل بهم عن قريب، فمرض الأيدز يفتك بحياة (8) ملايين سنوياً وعجزوا عن الحد من استفحاله فضلاً عن مقاومته والقضاء عليه.
أما حضارتنا فيمكن تلخيصها بالفضيلة في العقيدة والسلوك والأخلاق.
ولكي لا أطيل عليكم فإني أحيلكم لمعرفة تفاصيل هذه الأفكار وغيرها إلى عدة من إصداراتنا ككتاب(نحن والغرب) الذي يصور الصراع بين الإسلام والغرب وما هو تكليفنا فيه، وكتاب (خطاب المرحلة) بأجزائه لزيادة الوعي باستحقاقات هذه المرحلة وكتاب (المعادل الموضوعي) الذي شرح فيه أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب الأسس النظرية للحضارتين الإسلامية والغربية
وأهدافهما، وخصائص النموذج الإسلامي المعادل والمقابل للنموذج الغربي، وكتاب (نظام الحكم المناسب في العراق) للأستاذ الدكتور الأمين العام لحزب الفضيلة الإسلامي.وقد اشتركت كوادر الحزب مع فضلاء الحوزة العلمية بإشراف المرجعية في تقديم أعمال ناضجة كمشروع الحل السياسي للمرحلة الانتقالية الذي أنجز قبل تأسيس مجلس الحكم، وهو مشروع مفصل يقدم الحل عبر مراحل تضمنت خطوات العمل حتى توقيتات هذه المرحلة، وكان يمكنه لو أخذ به أن يعجل بتصحيح الوضع السياسي القائم إلا أنهم بعد عدة أشهر من المعاناة والخسائر اخذوا ببعضه وافرغوا البعض الآخر من محتواه باتفاق 15 تشرين الثاني.
واشتركت هذه النخبة أيضاً في إجراء استطلاع للرأي حول عدد من القضايا السياسية المهمة تضمن (19) سؤالاً مع مقدمات تعريفية بالأفكار المستفتى عنها.
نسأل الله تعالى أن يزيد بصيرتكم ويسدد خطاكم ويخلص نياتكم ويؤيدكم بنصرة ويؤلف قلوبكم ويجري الخير على أيديكم إنه نعم المولى ونعم النصير.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
13 / محرم /1425 الموافق 5/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 44 :الدين الإسلامي طريق السلام والسعادة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم أيها الحضور ورحمة الله وبركاته
الدين الإسلامي هو المحرك الرئيسي للشعوب في هذه المنطقة الحساسة من العالم، لعدة أمور أشير إليها باختصار:
1- قناعتها بأن الدين هو النظام القادر على توفير السعادة للإنسان في الدنيا، لأنه من وضع الله تبارك وتعالى خالق الإنسان والعارف بما يصلحه ويقوّم انحرافه ويعالج أمراضه، كما أن أي جهاز إذا أريد وضع نظام لعمله بالشكل الصحيح أو إصلاحه إذا أصيب بخلل يكون بالرجوع إلى الجهة المصنعة له، وهذه معادلة بسيطة لا تحتاج إلى استدلال.
وقد وجدت هذه الشعوب في الشريعة الإسلامية ما ينظم لهم كل تفاصيل حياتهم الفردية والاجتماعية حتى آداب الجلوس على مائدة الطعام، والتخلي والاتصال الجنسي بين الزوجين وهم ينقلون عن أئمتهم (ع) (ما من واقعة
1) الكلمة التي أُعدت ليلقيها ممثل آية الله الشيخ محمد اليعقوبي في المؤتمر الثالث لمنظمة المؤتمر العالمي للأديان من أجل السلام الذي افتتح في عمان يوم 10/ 3/ 2004 ولم يتيسر له السفر لإجراءات إدارية وفنية.
إلا ولله فيها حكم).2- فشل النظم التي وضعها البشر لتنظيم حياتهم، وقد رأينا بأم أعيننا كيف انهارت الشيوعية في معقلها وذاب الاتحاد السوفيتي العملاق والرأسمالية سائرة بنفس الطريق؛ لأن الأمراض الاجتماعية والنفسية والاقتصادية تنخر بجسدها وبدأت الشعوب في الغرب تتململ من النظم المتحكمة فيها، وعبرت عن ذلك من خلال المؤتمرات والتظاهرات كالذي شاهدناه ضد العولمة في سياتل ودافوس وقد وصل الأمر إلى قتل المتظاهرين كما حصل في ايطاليا.
وهذا الفشل متوقع لهذه النظم لأنها من صنع البشر العاجز القاصر الذي يجهل نفسه فكيف يعرف غيره بحيث يؤلف كتاب (الإنسان ذلك المجهول).
3- إن أئمة الإسلام وعلماء الدين الإسلامي اتصفوا بالنزاهة والاستقامة والترفع عن الدنيا ونكران الذات، وهي صفات رفعتهم في عيون الناس وجعلتهم منقادين لهم ويمنحونهم مطلق الثقة ويأخذون بأقوالهم، فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) وهو رئيس دولة مترامية الأطراف يقول على منبر الكوفة بعد أن نقل العاصمة الإسلامية إليها من المدينة المنورة (لو خرجت منكم بغير القطيفة التي جئتكم بها من المدينة لكنت خائناً).
4- إن الناس يؤمنون بوجود حياة ثانية يلاقي فيها كل إنسان جزاء ما فعل في هذه الحياة الدنيا فيثاب على العمل الحسن بالجنة، ويعاقب على الفعل السيئ بالنار، وقد اخبر بصحة ذلك رجال ثقات مصدقون لا يشك أحد في نزاهتهم وهم الأنبياء وقد بلغ عددهم مئة وأربعة وعشرين ألف نبي على مدى آلاف السنين فلم يبق احتمال لكذب هذه الحقيقة، والالتزام بالدين يضمن لهم
الفوز بالجنة والنجاة من عذاب الله تعالى في تلك الدار الخالدة الباقية فلا يجوز التفريط فيها.5- إن الدين الإسلامي لا يمثل للمسلمين طقوساً عبادية يؤديها الفرد في الأمكنة الخاصة المعدة لها فقط، بل يجد المسلمون في الإسلام حضارتهم وثقافتهم وتأريخهم وأعرافهم وتقاليدهم، لذا فإن المسلم يعتز به ولا يفرط فيه ويدافع عنه ويتمسك به كما تتمسك الشعوب بهذه المعالم في حياتها وتضحي من اجلها.
لهذه الأمور وغيرها كان للدين تأثير قوي في نفوس الشعوب وتوجيه مشاعرها وتحديد مواقفها، وقد التفت العالم كله إلى ذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة وشاهد تفاعل هذه الشعوب مع الشعائر الدينية كالحج إلى مكة المكرمة وزيارة الأربعين لمرقد الإمام الحسين (علیه السلام) في كربلاء، واستجابتها لداعي الدين.
وإن كانت الحالة ليست جديدة بالنسبة لنا فتاريخ شعوب المنطقة حافل بالشواهد على هذا التأثير وكانت ثورات التحرير الحقيقية التي شهدها القرن الماضي في بلدان هذه المنطقة تستمد قوتها من هذا الدين العظيم وكان أكثر قادتها من علماء الدين كابن باديس في الجزائر وعمر المختار في ليبيا وعبد الرحمن الكواكبي في سوريا ومراجع الدين الشيعة في العراق وإيران.
ولأن الدين يمتلك هذا التأثير القوي في القلوب فإنه يمكن أن يوظف لتحقيق الكثير من الانجازات لمصلحة الشعوب مما لا يمكن تحقيقه بالوسائل الأخرى، وكمثال على ذلك فإن مليارات الدولارات أنفقت لتغطية إعلانات
محاربة التدخين وتأسيس المراكز والجمعيات التي تعالج هذه الظاهرة فلم تفلح في عملها، لكن اقل من نصف سطر قالته المرجعية الدينية حسم الأمر حينما أبرمت الحكومة البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر عقداً مع شاه إيران القاجاري اشترت بموجبه امتياز شراء وتصدير وتصنيع التبوغ في إيران لمدة خمسين عاماً، فأحس المخلصون بخطورة هذه الاتفاقية على اقتصاد وسياسة إيران وانه باب يجر التبعية والفساد على شعب إيران، وأقنعوا المرجع الأعلى السيد محمد حسن الشيرازي وكان مقره مدينة سامراء في العراق بضرورة التصدي للأمر، فكتب في ورقة صغيرة (شارب الدخان محارب لإمام الزمان) فامتنع الشعب الإيراني كله عن التدخين، حتى أن زوجة الشاه نفسه كسرت الغليون الخاص به طاعة للمرجعية الدينية وفشلت الخطة البريطانية.وقد جربنا نحن الشعب العراقي قوة تأثير الدين في حياة الأمة عامي 1998 - 1999 حينما أقام السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) صلاة الجمعة المباركة في العراق واشترك فيها مئات الآلاف كيف قلّصت الجريمة والفساد والانحراف بنسبة 90% حسب اعتراف المسؤولين رغم الفقر والحرمان والتسلط والفساد الإداري الذي كان متفشياً.
ولأن الدين يركز المبادئ الإنسانية العليا ويعمل على ترسيخها في قلوب البشر، فهو أنجح أسلوب لأداء هذا الدور في إنقاذ البشرية من المشاكل والاضطرابات والرعب الذي يحدق به، وقد التفت الغربيون إلى ذلك واعترفوا بفشلهم في القضاء على مرض الآيدز، وقالوا إن الأسلوب الناجح في المعالجة هي التربية الروحية والأخلاقية ومراعاة القيم السماوية في العلاقات الإنسانية،
وهو رأي صحيح وكان يجب عليهم الالتفات إليه من أول الأمر من جهتين:الأولى: ما قلناه من أن الإنسان من صنع الله تبارك وتعالى فلا أحد يستطيع وصف العلاج الناجح الكامل لمشاكله وأمراضه إلا الصانع نفسه.
الثانية: إن السنن والقوانين المتحكمة في الإنسان والكون مترابطة لان المتصرف فيها واحد، فأي خلل أو انحراف وعصيان لله تبارك وتعالى يفعله الإنسان يؤدي إلى اضطراب في الطبيعة بكل أجزائها.
وقد لا تستطيع فهم هذا الترابط الجدلي إلا أنني أذكر لكم شاهداً على ذلك فقد شهد وسط أوربا خصوصاً بافاريا في ألمانيا في صيف إحدى السنين القريبة فيضانات ضخمة لم تشهدها منذ (150) عاماً تسببت في قتل العشرات وجرح غيرهم وتدمير الكثير وقد قيل في سببها أن عدم توقيع الولايات المتحدة لمعاهدة كيوتو للمحافظة على البيئة التي تقتضي عدم تشغيل المعامل في آن واحد مما أدى إلى احتباس حراري وارتفاع درجة الحرارة الذي سبب ذوبان أكبر للجليد فحصل الفيضان.
فإذن عصيان هذا المبدأ الإنساني المنسجم مع التعاليم والقيم السماوية أدى إلى كوارث طبيعية والعكس بالعكس فإن الالتزام بالتعاليم السماوية والمبادئ الإنسانية العليا يؤدي إلى أن تعيش البشرية كلها في محبة وسلام وسعادة وخير وفير، قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (الأعراف:96).
والدين حافل بهذه المثل العليا بل يجعلها الهدف الرئيسي من بعثة النبي
محمد (صلی الله علیه و آله) برسالة الإسلام وهي تكميل أخلاق البشر قال (صلی الله علیه و آله): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فهو يدعوا إلى السلام قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] (البقرة: 208) وتحيته هي السلام، ومن آدابه التي حث عليها إفشاء السلام في المجتمع ويأمر بالعدل والإحسان [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] (النحل:90) حتى إلى غير المسلمين ما داموا لا يعتدون قال تعالى [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] (الممتحنة:8) ويدعو إلى الحوار مع الديانات الأخرى [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ] (آل عمران: 64) وينظم أسلوب الحوار مع الآخرين [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (العنكبوت: 46) وقال تعالى [ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: 125) ويعطي الحرية كاملة للإنسان كي يعتنق العقيدة التي يقتنع بها قال تعالى [لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة: 256)، بل إنه يأمر بتوفير الأمن وسائر الظروف المناسبة لأي أحد يبحث عن الحقيقة ويترك له حرية اتخاذ القرار [وَإِنْ أحد مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ] (التوبة: 6) ويعتبر إرسال النبي (صلی الله علیه و آله) رحمة بالناس من أجل إنقاذهم وإسعادهم قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] (الأنبياء:107)، ولم يقل للمسلمين
فقط؛ لأنه رحمة لجميع المخلوقات، ولا أريد أن أطيل عليكم بكثرة الشواهد وان كان هذا الحديث نافعاً وشيقاً ومثيراً.أيها الإخوة والأخوات:
إنكم حين أسستم (منظمة المؤتمر العالمي للأديان من أجل السلام) اضطلعتم بمسؤولية كبيرة، لكنها سامية ومثيرة للإعجاب والاحترام والشكر والثناء، وأنتم مدعوون لتفعيل دورها في تأسيس هذه المبادئ العظيمة ونشر ثقافة المحبة والسلام والتآلف واحترام الآخرين، لا ثقافة التطرف والتعصب والاحتراب الذي أهلك الحرث والنسل.
ونحن في العراق الجريح نئن من المظالم والاعتداء، وعدم إعطائنا ابسط حقوقنا بذرائع شتى، فندعوكم إلى مساعدتنا وإعطائنا الدور المناسب فإننا شعب ذو حضارة عريقة ويمتلك كل مقومات الازدهار والرقي، وأول خطوة في ذلك أن تفهموا مطالبنا بوضوح وتتعاملوا معها بإنصاف تطبيقاً لقوله تعالى [وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] (الأعراف: 85).
أدعو الله تبارك وتعالى أن يسدد خطى كل الخيرين ويؤيدهم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
15 محرم 1425 الموافق 7/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 45 :موقف الشعب من قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية(1)
وقد اقتحمت القوات الأمريكية في اليوم التالي جامع الرحمن في حي المنصور ببغداد الواجهة الرئيسية لنشاطات أتباع سماحة الشيخ اليعقوبي والموقع الدائم لصلاة الجمعة وصادرت أسلحة الحراس وطالبت الإدارة بوثائق تثبت أحقيتهم بإدارة المسجد في عملية تخويفية واضحة ومعلومة التوقيت، وقد تكررت هذه الاقتحامات في كل حركة مماثلة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمداً كثيراً وأعوذ به من شر نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الأبرار الأخيار الذين فرضت علينا طاعتهم ومودتهم وعرفتنا بذلك منزلتهم وسلم تسليماً كثيراً.
1) خطبتا صلاة الجمعة التي أقيمت في ساحة الفردوس وسط بغداد بإمامة الشيخ علي الإبراهيمي وحضور الآلاف من المؤمنين بأمر سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)؛ للاحتجاج على فقرات في قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية يوم الجمعة 20 محرم 1425 الموافق 12/ 3/ 2004، ودعا فيها طلبة الجامعات إلى الإضراب يوم غد السبت، وقد عطلّت الجامعات فيه بشكل كامل، وقد وقع مجلس الحكم على ذلك القانون يوم الأثنين 16 محرم الموافق 8/ 3/ 2004 بعد شد وجذب وتحفظات شديدة، وجاءت إقامة هذه الصلاة كخطوة في سلسلة من الخطوات لتحريك الشارع العراقي باتجاه رفض بعض فقرات القانون المذكور.
يسألني كثير من الشباب المتحمس الغيور على دينه ومجتمعه ووطنه عن تكليفهم في هذه المرحلة شعوراً منهم بالتقصير أمام الله تبارك وتعالى والإمام الحجة القائم بالأمر (ع) وأمام التاريخ الذي لا يرحم المسيئين والمقصرين لكنه يخلد العاملين المخلصين المضحين بأحرف من نور.والشعور بالتقصير في العمل مهما تعاظم حجمه وازدادت أهميته ضروري لكي يندفع الإنسان نحو المزيد من التكامل ولا يقع في الرياء والعجب فيحبط عمله ويكون من الهالكين ولا أقل من تقاعسه عن التكامل وفي ذلك خسارة عظيمة.
فهؤلاء الشباب على حق بشعورهم هذا إلا أنني عندما رأيت مواكب(1)طلبة الجامعات ليلة عاشوراء في كربلاء المقدسة بتنظيمهم الرائع وشعاراتهم الواعية وعواطفهم الثورية وتلبيتهم المخلصة لنداء مرجعيتهم، وعددهم الضخم الذي فاق كل التوقعات وعجز المنظمون للمواكب عن القيام بخدماتهم بالشكل اللائق رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها في سبيل ذلك، فامتدت المسيرة عدة كيلومترات واستغرقت عدة ساعات من قبل المغرب حتى بعد منتصف الليل.
1) إشارة إلى مواكب الوعي الحسيني لطلبة الجامعات العراقية التي دعا آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) إلى تنظيمها في كربلاء المقدسة ليلة عاشوراء في بيان سابق منشور في هذا الجزء من خطاب المرحلة، واستجاب للنداء أكثر من عشرة آلاف طالب وعدد كبير من الأساتذة قدموا من مختلف جامعات العراق ومعاهده.
أقول: عندما رأيت كل ذلك قلت ماذا يريد أن يقدم هؤلاء الأحبة أكثر من هذا؟ وأي نصرٍ أعظم من هذا؟ فقد حاول المستكبرون وأذنابهم على تسميم الأجواء الجامعية بالرذائل الخلقية، وحرفوا المناهج الدراسية وعزلوا طلبة الجامعات عن علمائهم وقادتهم الحقيقيين، وقضوا على نخب طاهرة منهم وظنوا أن الجامعات قد سقطت بأيديهم ولم يعد للإسلام مكان فيها، وإذا بها تهب بهذا الشكل المهيب رغم قصر وقت الإعداد لتعبر عن انتمائها للإسلام فكراً وعقيدةً وسلوكاً وعن طاعتها وولائها للقادة الحقيقيين للأمة.أي صفعة وجهوها لأئمة الضلال الذين ولوا الأدبار هم وشياطينهم من الجن والإنس بعد أن نفضوا أيديهم وخسرت صفقتهم، إنها حرب سجال بين الخير والشر وصراع إرادات بدأ قبل أن يهبط آدم أبو البشر إلى الأرض حينما أطاع إبليس نفسه الأمارة بالسوء وتمرد واستكبر على أمر الله تعالى ثم تجلت في صراع ابني آدم وظل الفريقان متصارعين [فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] (الشورى: 7) والإنسان مخير في الانتماء إلى أيهما [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإنسان:3) [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا] (الجاثية: 15) وإن كنا نود أن لا يبقى إنسان عاصياً لله تعالى ومتمرداً على شريعته لأننا نريد الخير والسعادة والفلاح للجميع أما هم [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ] (النساء: 89)، فأنتم منتصرون في هذا الصراع ما دمتم متمسكين بدينكم موالين لأولياء الله ومعادين لأعدائه.
وقد كنت وأنا أشاهد دخولكم بذلك الجلال والكمال إلى الحرم الحسيني المطهر أتخيل أن الإمام الحسين (علیه السلام) واقف أمام ضريحه المبارك يحتضنكم
واحداً واحداً، وحوله أولاده وأهل بيته وأصحابه يباركون لكم هذا الانتماء المقدس إلى مدرسة الإمام الحسين (علیه السلام)، وهو (ع) يستعرض كتائبكم وأفواجكم ويقرأ أسماء جامعاتكم وكلياتكم ومعاهدكم ومؤسساتكم، ويردد معكم الشعارات الواعية المستوعبة لأهداف ثورته العظيمة مسرور القلب منشرح الصدر، وهو يرى أن دمه المبارك لازال منتجاً ومثمراً، ألم يقل (ع) (وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلی الله علیه و آله)) وأمة جده باقية إلى يوم القيامة فخروجه للإصلاح شامل لكل الأجيال وخالد على مر الزمان إلى يوم القيامة ما دام هناك فساد يجب إصلاحه.وهنأت في نفسي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي الموعود (علیه السلام) بهؤلاء الجنود الذين تعبأوا وتهيأوا لنصرته والتضحية من أجل إقامة دولته المباركة وقلت: قرت عينك يا سيدي يا ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله) بهذه الوجوه المشرقة المنيرة التي تشع إيماناً وولاء صادقاً وشوقاً لنيل رضا الله تبارك وتعالى.
وقَرت عين علمائنا وشهدائنا وهم يرون أن جهودهم وجهادهم لم يذهب سدى.
وفي نفس الوقت كنت أتوقع من أعضاء مجلس الحكم أعانهم الله تعالى على المسؤولية الشاقة التي اضطلعوا بحملها أن يحترموا مطالب وتوجهات ذلك الحشد المليوني في مدينة كربلاء المقدسة الممتلئ ثورة وحباً للتضحية، وما زادته الجريمة النكراء(1)التي حصدت أرواح المئات منهم إلا ثباتاً وإصراراًل.
1) في صبيحة عاشوراء والمؤمنون في قمة ثورتهم العاطفية قام التكفيريون المجرمون بتفجير قنابل وأحزمة ناسفة وسط هذا الحشد البشري الهائل.
على مواصلة الشعائر بذلك الشكل المهيب، حيث انطلقت مواكب الهرولة(1)تلبية لنداء الإمام الحسين (علیه السلام) (هل من ناصر، هل من مغيث، هل من معين) بعد صلاة الظهر وعقيب الانفجارات المروعة بشكل منقطع النظير، ويعجز غير الموالي لأهل البيت (علیهم السلام) عن فهم سره ومعرفة كنهه فطوبى لهم جميعاً.أقول: كنت أتوقع من أعضاء مجلس الحكم وقد أجّلوا التوقيع على قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية إلى ما بعد عاشوراء، أن يكونوا أوفياء لهذه الجماهير وملبين لمطالبها لكنهم تجاهلوهم ولم يكلفوا أنفسهم الاتصال بالقيادة الحقيقية الممثلة لهذه الجماهير والتي تدين لها بالولاء والطاعة.
إنها أول ديمقراطية يكون فيها رأي الأقلية القليلة هو السائد والمهيمن والأكثرية تكافح من أجل البقاء فقط، فالإسلام دين أكثر من 90% من أبناء الشعب بل إن الإسلام هو مصدر ثقافته وأعرافه وتقاليده وعنوان حضارته وتاريخه أُحتِرم بخجل في هذا القانون وعُدَّ مصدراً للتشريع كبقية المصادر، ولم تقيد الحريات الممنوحة في مواد القانون بعدم مخالفتها للشريعة الإسلامية بكلام متصل، عدا ما قيل في (المادة السابعة/أ) من عدم جواز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها وهو كلام يمكن التحايل عليه.
والفدرالية التي أقرت على أساس جغرافي لا مبرر لها في بلد متوحد صغير نسبياً كالعراق، وإنما هو مناسب لدول تريد أن تجتمع كما أن الفدرالية من القرارات التي يجب أن يشارك الشعب كله في اتخاذها باستفتاء عام، كما أن إقرارها بهذا الشكل الآن سوف يركزها في الواقع وتصبح حقيقة مسلّمة يصعبج.
1) المعروفة بمواكب عزاء طويريج.
على واضعي الدستور الدائم إلغاؤها أو تعديلها، كما أنها ستكون منشأ للكثير من الخلافات التي تمزق الوحدة الوطنية للخلاف أصلاً على حدود الأقاليم.هذا غير الفقرة (جـ) من المادة الحادية والستين التي تعطي حق النقض لثلاث محافظات على الدستور الدائم إذا صوت ثلثا سكانها على الرفض، وثلثا الثلاثة اثنان، ففي أي ديمقراطية يوجد حق لاثنين أن ينقضوا إرادة ستة عشر(1)؟ إن هذه الفقرة ستعرقل وضع أي دستور؛ لأن أي فقرة تحفظ حقوق طائفة ينقضها الآخر لأنه يراها غير منسجمة مع أطروحاته فيمكن لثلاث محافظات في وسط أو جنوب العراق أن تنقض المادة التي تنص على شكل نظام الحكم المقرر، وتختار نظام ولاية الفقيه مثلاً وهكذا في بقية المواد فكيف ستكون النتيجة؟ ! وكيف سنتمكن من كتابة دستور؟
والمرأة التي يتاجرون بظلمها واضطهادها لا تعاد لها كرامتها بتخصيص ربع المقاعد لها، فهذا مما لا يوجد حتى في ديمقراطيتهم التي يتشدقون بها، وإنما بمساواتها بالرجل من حيث حق الترشيح والانتخاب، ثم يترك الحكم لصناديق الاقتراع لتقرر الأكفأ والأصلح سواء كان رجلاً أو امرأة ومهما بلغ عدد كل منهما.
والخلاصة إن هذا القانون فيه ثغرات كبيرة يمكن أن تكون مفتاحاً للشر والعياذ بالله، ومهما قيل في تبريرها كحفظ حقوق الأقلية ونحوها فإنها واهية وضعيفة، ونحن نطالبهم بما ألزموا به أنفسهم من احترام رأي الأكثرية مع ضمان حقوق الأقلية بالنظام الذي وضعوه لهم وليس بهذه القرارات المجحفة.ر.
1) مجموع محافظات العراق ثمانية عشر.
وهل روعيت الأقلية المسلمة في بلاد الغرب بمثل هذه الفقرات، والشواهد في الولايات المتحدة وفرنسا تشير إلى غير ذلك. فالحقيقة إن هذه الفقرات إنما وضعت لضمان تحكم إرادة المحتل في القرار الوطني عبر هذه الثغرات، وإلا فإن الشعب العراقي بخصاله الكريمة ورحمته وتسامحه وحبه لوطنه لا يحتاج إلى ضمانات لحفظ حقوق الأقليات التي لم تضطهد من الأكثرية ولا من فئة معينة عرقية أو مذهبية، وإنما اضطهد الجميع بما فيهم الأكثرية من قبل عصابة لا إنسانية متسلطة، وأنا واحد من أبناء هذا الشعب يعلم الله كم ملأني السرور حينما اجتمعنا عرباً وأكراداً سنة وشيعة في منطقة واحدة(1)حين سافرنا لأداء فريضة الحج المباركة، بعد أن حرمنا المجرمون منذ سنين من هذا الاجتماع المبارك.
إن لهذه الجماهير مطالب لا تتنازل عنها وسوف تعود إلى إقامة هذه الشعيرة المقدسة في هذا المكان إذا لم تتحقق بتعهدات واضحة من أعضاء مجلس الحكم.
1- إن لا يتحكم قانون الإدارة الانتقالية بالدستور الدائم الذي تكتبه لجنة منتخبة من قبل الشعب مطلقاً.
2- إن لا يتخذ مجلس الحكم قرارات مصيرية كتجنيس الأجانب، وخصخصة القطاعات الحيوية وعقد المعاهدات الأمنية الإستراتيجية؛ لأنه مجلس انتقالي فاقد للشرعية وهذه من صلاحيات مجلس منتخب من قبل).
1) يقصد به محل استضافة الحجاج في مدينة الجهراء الكويتية، وقد تقدمت الإشارة إليها (صفحة 268).
الشعب، ولا تكون قراراته ملزمة للحكومة المنتخبة.3- المشاورة والتنسيق مع القوى الدينية والسياسية الموجودة في الساحة العراقية قبل اتخاذ مثل هذه القرارات وعدم التفرد بإصدارها ولتكون شاملة لأكبر مساحة من أبناء الشعب.
4- الإعداد الفوري لإجراء انتخابات حرة مباشرة لجميع أبناء الشعب حتى يختار الجمعية الوطنية وما يليها من مؤسسات دستورية وعدم تجاوز السقف الزمني المحدد لها.
5- تقييد مواد الدستور بعدم المخالفة للشريعة الإسلامية في كل موضع يمكن أن تنفذ منه هذه المخالفة.
6- العمل الجاد لتشكيل الأجهزة الوطنية التي تحفظ النظام كالجيش والشرطة وتجهيزها بما ينجح عملها، ومن ذلك المباشرة بإعادة تشكيل وزارة الدفاع(1)بالعناصر الوطنية الملتزمة التي لم تتورط بالجريمة ولم تصر عليها.
إننا إذ نقدر الجهود التي بذلها أعضاء مجلس الحكم للوصول إلى هذا القانون، ونعتقد أنه خطوة مهمة في طريق بناء العراق الجديد وتسلم العراقيين للسلطة، إلا أننا لا نريد لهم أن يفسدوا من حيث يريدون أن يصلحوا، ولا نقبل بوضع حلول مرتجلة قد تنفع أياماً إلا أنها تؤسس واقعاً مليئاً بالمشاكل، بل نريده.
1) استمر سماحة الشيخ (دام ظله) بالمطالبة بتشكيل وزارة الدفاع (راجع صفحة 286 ومواضع أخرى) للضغط على المحتل الذي كان يسوّف فيها ليبقى ماسكاً بالملف الأمني في العراق يديره كيف يشاء وينفّذ مآربه.
منهم جميعاً أن يتعاونوا لوضع حلولٍ صالحة بناءة كريمة وهو أمل كل مخلص غيور، كما أننا لا نكتفي بتسليم السلطة وإنما نطالب بتسليم السيادة أيضاً.محمد اليعقوبي
18 محرم 1425 الموافق 10/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 46 :إنجازات ترتبت على تفعيل دور المثقفين وطلبة الجامعات(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من القضايا التي شغلتني كثيراً خلال هذه الفترة عدم حضور المثقف في الساحة وهو خطر عظيم على الأمة أن ينزوي مفكروها وعلماؤها وعقولها الواعية، ولا أدري إن كان هذا غياباً منهم أو تغييباً لهم؛ لأن أعداء الأمة والأنانيين لا يريدون أن تقاد الأحداث من قبل النخب الواعية المخلصة لان مثل هؤلاء لا يخدمون مصالحهم ولا ينقادون لهم، فلا بد من تغييبهم، لكن عقول الأمة لا يجوز لهم أن تغيب أو تستسلم بل عليها أن تبقى في الطليعة لتقود الأمة نحو ساحل الأمان والسعادة والخير.
وإن مثل هذه القضية -أعني غياب أو تغييب المثقف- تحتاج إلى ملتقى
1) خطبتا صلاة الجمعة التي أقيمت في ساحة الفردوس للمرة الثانية يوم 27 محرم 1425 الموافق 19/ 3/ 2004 بإمامة الشيخ يوسف الكناني وحضور الآلاف من أبناء بغداد وبعض المدن القريبة لتعريف الأمة بما حقق حضورها في الجمعة السابقة والاضراب الطلابي من انجازات.
موسع وندوات وحوارات لمعرفة الأسباب وآليات تفعيل دور المثقف في قضايا الأمة، لكن بركات ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) اختصرت كل تلك الجهود فخلال أيام انقلبت المعادلة وعادت الجامعات بأساتذتها وطلبتها إلى واجهة الأحداث وتسلموا زمام المبادرة، فبدأوها بمواكب الوعي الحسيني العظيمة والمهيبة التي احتشدت في كربلاء المقدسة ليلة العاشر من محرم، ثم تلاها الإضراب الطلابي الناجح يوم السبت الماضي والفعاليات الواسعة الأخرى كالمشاركة في هذه الصلاة المباركة، مما جعل أروقة الجامعات قلب الأمة النابض الذي تتدفق منه الحياة في جسدها ودب الحماس والنشاط في قلوب الأساتذة والطلبة الجامعيين وانتبهوا إلى دورهم المهم ومسؤوليتهم العظيمة في رسم مستقبل الأمة.وان من نتائج هذا الانقلاب الكبير قوة التأثير والسرعة في تحقيق النتائج، لأن أصحاب القرار يخشون من تحرك هذه الشريحة وأنهم يحسبون لألف جامعي يتظاهرون أكثر من عشرة آلاف من عامة طبقات الناس، فلا بد من إدامة هذه الحركة الواعية وتعميمها إلى الجامعات الأخرى، ولكن بالطريقة الحضارية من دون إخلال بالأصول والآداب العامة، ومن تلك الأشكال الواعية مشاركتكم في الشعائر الدينية والمواظبة عليها ومنها هذه الشعيرة المقدسة التي حضرتم لأدائها لكنني أقول لكم وبصراحة أن حجم المشاركة كان غير كاف للضغط على مصادر القرار حتى يرضخوا لمطاليبكم، ولكن الإخلاص والصبر يعطيان زخماً للعمل وقوة أكبر في التأثير فالصبر يضاعف قوة الواحد إلى اثنين قال تعالى [فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] (الأنفال: 66).
والإخلاص الذي هو نتيجة المعرفة بالله تعالى التي هي معنى الفقه تضاعف القوة إلى عشرة قال تعالى [إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ] (لأنفال: 65).لذا فقد تحققت خلال الأيام السابقة استجابة لعدد من المطالب الذي ناديتم بها خلال صلاة الجمعة المباركة في الأسبوع الفائت ودعمها الإضراب الطلابي الناجح يوم السبت ومنها:
1- أعلن السبت عن البدء بتشكيل وزارة الدفاع وإتمامها خلال شهرين وهو ما كان معرضاً عنه، لكننا ركزنا المطالبة بها وتأسيسها وبناء الجيش العراقي الذي هو سور الوطن من العناصر الكفوءة الملتزمة التي لم تتورط بظلم أبناء البلد ولا الجيران وهم كثر، وهنا أضم صوتي إلى أبناء مدينة الناصرية الفيحاء الذي يطالبون بأن يكون وزير الدفاع منهم، وأن يكون من أتباع الشهيد الصدر الثاني (قدس سره)(1)لأن مدينة الناصرية وتيار الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) غُيّبوا في تشكيلة مجلس الحكم والوزراء رغم ثقلها في الساحة العراقية، وأن يبنى جيش وطني مستقل غير تابع لأحد.
كما إنني الفت النظر هنا إلى مؤسسات التصنيع العسكري التي غيبت عن علم وعمد لأنها رمز الإبداع العراقي والقدرة على التفوق بما تمتلك من عقول كبيرة وهمم عالية، ونحن وان كنا نتألم لكون هذه المؤسسات في يد العصابة المجرمة في الزمان السابق وقد وظفها لتلبية نزواته الصبيانية وأعماله الشريرة، إلا أنها تبقى ثروة وطنية عظيمة ولكنهم لا يريدون للعراق أن يكون مبدعاًي.
1) بكلا شقيه سواء رجعوا إلى السيد الحائري أو الشيخ اليعقوبي.
متفوقاً ولو سمحوا لها بإعمار العراق لأنجزت الأعمال بفترة اقصر وكلفة أقل جربناها في عام 1991م حيث أعيدت الخدمات الحيوية والبنية التحتية خلال أشهر رغم الدمار الذي أحدثه عدوان الحلفاء على العراق والذي استمر أكثر من أربعين يوماً وما تلاه من أحداث الانتفاضة الشعبانية المباركة وقمع قوات الحرس الجمهوري لها. ونريد الاحتفاظ بها أفراداً وشركات ولكن تحوَّل وظيفتها إلى ما فيه خدمة الشعب وهم قادرون على التكيّف بسرعة لإسداء أي تكليف يكفّرون به عن خدمتهم للنظام البائد.2- طالبنا بالإعداد الفوري لانتخابات حرة مباشرة يشارك فيها الشعب لاختيار البرلمان والحكومة ولجنة كتابة الدستور، وقد بدأ مجلس الحكم يوم الاثنين الماضي بمناقشة آليات الانتخاب وتفاصيل العملية الانتخابية، ونحن نريد إجراءها في موعدها المحدد وعدم المماطلة فيها أو خلق أجواء تعرقلها.
3- إننا والكثير من المخلصين اعترضوا على كثير من الفقرات لأنها منافذ للضرر بالوطن وبمصالح الشعب كالفقرتين (جـ، د) من المادة الحادية عشر التي أعطت الحق للعراقي الذي أسقطت عنه الجنسية العراقية لأسباب سياسية أو دينية أو عنصرية أو طائفية أن يستعيدها وله الحق أن يحمل أكثر من جنسية واحدة، وهذه المادة وان كان فيها إنصاف لكثير من الذين هجروا وسفروا وأسقطت عنهم الجنسية ظلماً وعدواناً، إلا أنها تتيح الفرصة لعدد كبير من الذين انتموا للكيان الغاصب للقدس واخلصوا له ولو على حساب الإضرار ببلدهم الأصلي العراق، فلا بد من إضافة قيود تمنع مثل هؤلاء من اكتساب الجنسية العراقية وبالتالي تمكينهم من مقدرات العراق والتغلغل بين أبنائه، وقد وعدوا بإضافة مثل هذه القيود كإحراز الولاء للوطن في الملحق الذي يشرح هذا القانون والذي سيصدر لاحقاً.
4- إننا قلنا بضرورة المشاورة والتنسيق وعرض الأفكار على ممثلي المرجعية الحقيقية للشعب قبل إصدار القرارات وهو أجدى من توقيعها ثم الاعتراض عليها، وقد رحب من زارنا من أعضاء مجلس الحكم أو ممثلوهم باستضافة ممثل المرجعية في مشاورات المجلس والاستئناس بآرائه وتوجيهاته.
5- إن حق النقض الذي ضمنته الفقرة (جـ) من المادة الحادية والستين الذي أعطى الحق لثلثي ثلاث محافظات أن يوقفوا إرادة الأكثرية سوف لا يستخدم؛ لأن القضايا المعروضة ستحل بقرارات توفيقية بين الأعضاء، وقد هددنا بقدرة المرجعية على تعبئة ثلثي ثلاث محافظات فنستطيع إيقاف أي مادة في الدستور لا نراها منسجمة مع مبادئنا وحقوقنا.
فلا تعتقدوا أن هذه الفقرة هي لمصلحتهم فقط فالصحيح هو إلغاؤها والعمل بأسس الديمقراطية التي يؤمنون بها ونحن نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم.
إن هذا الذي تحقق وان كان يدل على حالة ايجابية ومرونة في الحوار وتفهم وجهات نظر الآخرين، إلا انه ما زال غير كاف لإقناع الجماهير المؤمنة الذي ينبغي لها أن تستمر في رفضها للمواد والفقرات التي تغمط حقوقها وتكون باباً للإضرار بمبادئ الأمة وحقوقها ومصالح الوطن، وعلى عقول الأمة من مفكرين ومثقفين وعلماء أن تستثمر هذا التوجه الشعبي الكبير لتزيد من وعيه وتبصره بقضاياه المصيرية وأن تعلمه الحضور الدائم في الساحة لأن وقوفه كالمتفرج وترك الساحة للآخرين يفوت عليه مستقبله.
أسأل الله تعالى أن يرعاكم بلطفه ورحمته ويمدكم بنصره وتأييده.
محمد اليعقوبي
26 محرم 1425 الموافق 18/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 47 :ماذا يعني استشهاد الشيخ المجاهد أحمد ياسين(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
[وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ] (الصافات : 171-173)
هذه السنة الإلهية حقيقة ثابتة لكن الطواغيت والمستكبرين يغفلون عنها لأن حب الدنيا والإخلاد إلى الأرض أعمى بصائرهم [لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ] (الأعراف: 179) فيقعون في نفس الخطأ ولم يستفيدوا من الدروس الكثيرة التي حفل بها التاريخ، ويظنون أنهم حين يرتكبون جرائمهم يثنون المؤمنين المجاهدين عن المضي في طريق ذات الشوكة، ولا يعلمون أن هؤلاء الصفوة أبناء رسول الله (صلی الله علیه و آله) الذي يقول بكل عزيمة وصدق: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن
1) بيان صدر في استشهاد الشيخ المجاهد أحمد ياسين في غزة فجر 30 محرم 1425 الموافق 22/ 3/ 2004، حينما وجّهت له إحدى الطائرات صاروخاً وهو على مقعده المتحرك يغادر المسجد بعد صلاة الفجر.
أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه)، وأن كرامة المؤمن من الله الشهادة و(أن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه). وإن هذه الدماء الزكية حينما تسقط إلى الأرض فإنها تثمر أبطالاً ومجاهدين، وإنها أعظم السبل لتربية الأمة على التضحية والفداء، وإنهم حين قتلوا المرحوم الشهيد الشيخ أحمد ياسين فجر هذا اليوم فإنما جعلوا منه مدرسة خالدة ترفد الأمة بمشاريع الاستشهاد كما كان حال حياته (طيب الله ثراه).
وقد اختاره الله تبارك وتعالى لدار كرامته وحباه بالشهادة تكريماً له وتتويجاً لجهاده وليركس الكافرين أكثر ويتحقق عليهم عذاب الله تبارك وتعالى، وهذا هو الصراع الأزلي بين الحق والباطل وهذه هي مستحقاته ومقتضياته فلكل شيء ثمن يعظم بعظمته، وأي شيء أثمن من ديمومة شجرة الإسلام المباركة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ومن بركات هذه الدماء الشريفة أنها تفضح أعداء الله تعالى الذين يتشدقون بحقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية العليا وهم يقتلون شيخاً كبيراً مقعداً مبتلى بالأمراض العديدة وقد خرج لتوه من المسجد بعد أن أدى صلاة الفجر ويتبجحون بهذه الجريمة النكراء ويتبادلون التهاني على هذا الانجاز.
ومن بركات هذه الدماء أنها توحد الأمة وتشعرها بلذة وقوف الأمة صفاً واحداً وقوتها وعزتها.
ومن بركات هذه الدماء أنها تزيد من وعي الأمة وبصيرتها وتريها أن عدوها لا يفرق بين سني وشيعي ولا بين العراق وفلسطين، فقتلت بالأمس الشهداء السعداء السيد الصدر الأول والثاني والسيد محمد باقر الحكيم، واليوم تقتل
المرحوم الشيخ أحمد ياسين، فالحرب ليست ضد حركة حماس أو فلسطين أو العراق أو أي بلد آخر، بل المعركة ضد الإسلام الواعي المتحرك الذي يريد الحرية الحقيقية من استعباد الطواغيت وسلطان النفس الأمارة بالسوء.فسلام الله عليك أيها الشيخ الشهيد يوم ولدت ويوم ربيت الأبطال في مدرستك ويوم قضيت سنين في السجون والتعذيب ويوم صمدت وأبيت الاستسلام ويوم استشهدت صابراً محتسباً مظلوماً وارفع التعازي بل التهاني لذوي الفقيد الشهيد ولأبطال حركة حماس ولكل السائرين على طريق الحق والخلود [وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: 35).
محمد اليعقوبي / النجف الأشرف
30 محرم 1425 - 22/ 3/ 2004
خطاب المرحلة 48 :صور من معاناة الشعب العراقي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين...
لقد وقع عدد من أبناء المجتمع بين الإفراط أو التفريط في تحديد الموقف من قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية، فبعضهم لم يكترث لصدور هذا القانون ولا يرى فيه أي مشكلة، بل لم يكلف نفسه الاطلاع عليه أو السؤال عنه، رغم أنه يؤسس لمستقبله ويحدد الخارطة السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والاقتصادية لهذا البلد إلى زمن طويل، فليس من المعقول أن يقابل باللامبالاة بل لا بد من تثقيف الأمة عليه وإلفات نظرهم إلى تفاصيله، وإدامة هذا الوعي ونشره حتى يتكون لديهم وعي سياسي عميق يحصنهم من تمرير المخططات المعادية لهم.
والبعض الآخر بالغ في الاعتراض عليه وطالب بإلغائه، وإلغاؤه يعني العودة إلى نقطة الصفر والرجوع إلى حالة الفوضى واللا قانون وهو ما لا يرضى به أي
1) خطبة صلاة الجمعة يوم 11 صفر 1425 المصادف 2 / 4 / 2004، التي أمر سماحة الشيخ (دام ظله) أن تكون موحدة للاستمرار في توعية الأمة إزاء قانون إدارة العاق في المرحلة الانتقالية.
غيور مخلص يحب هذا الوطن ويريد لأهله الخير.والموقف المبني على الإنصاف والتوازن هو الاعتراف بأن وضع هذا القانون يمثّل خطوة على الطريق الصحيح، وهو بناء العراق الجديد الخالي من الظلم والإجحاف وغمط الحقوق والتسلط والاستعباد وهدر الثروات.
إلا أننا نريد لهذه الخطوة أن تكون صحيحة وناضجة ومتكاملة، وندعوا إلى التعاون والحوار والتنسيق لمعالجة الثغرات التي حصلت والتي يمكن أن تكون مفتاحاً للظلم والفتنة والشر وتمزيق وحدة الصف، وما هذه التجمعات التي تعقد والمطالبات المستمرة بهذا التعديل إلا أشكالاً من التعبير عن هذا الحق الذي يجب أن يستمر حتى يعود الحق إلى مستقره، ولا يشعر أحد بالغبن والإجحاف التزاماً بقوله تعالى [وَلا تَبخَسُوا النَاسَ أشيَاءَهُم] (الأعراف:85).
وقد حددنا مطالبنا بست نقاط تُليت في خطبة صلاة الجمعة الأولى في ساحة الفردوس وهي متوازنة ومنصفة وفيها محافظة على حقوق الجميع، وقد تحقق بعضها ولا زال الحوار مستمراً لمعالجة الباقي، إذ أن الفرصة لم تفت فيوجد ملحق للقانون سيصدره مجلس الحكم لشرح فقرات القانون الأصلي وإيضاحها وتقييد بعضها، وهذه الأمة إنما تستمر بمطالبتها لكي يتداول الأخوة الأعضاء في مجلس الحكم هذه الأمور في الملحق، ونحن لا نريد لكرامتهم أن تُمسَّ بسوء(1)أو تحدث حالة الانفصال وعدم الثقة بينهم وبين الشعب، فإنهاه.
1) تعرضت شخصيات مجلس الحكم لكلمات الشجب والرفض والأوصاف السيئة الشائنة من بعض التيارات المندفعة وخرجت المظاهرات في النجف الأشرف ضد عددٍ منهم بسبب توقيعهم على قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية رغم تحفظ المرجعية على عدة فقرات منه.
خسارة عظيمة لنا ولهم، وهو عين ما خطط له الأعداء الذين يحاولون باستمرار إسقاط رموز الشعب السياسية والدينية، فعلى الجميع أن ينتبهوا لهذه المؤامرة ولا يمكِّنوا الأعداء من أنفسهم، وأن يحفظوا لكل إنسان جهده وجهاده في تحقيق الخير والسعادة لمستقبل هذا الشعب. إن الاعتراض على هذا القانون صوَّر وكأنه خلاف بين الشيعة والأكراد، وأن الأغلبية لا تريد توفير حقوق الأقلية، وأن هذه الأقلية تريد ضمانات من الأكثرية، وهو تفكير غير سليم وغير واقعي ومحاولة خبيثة للتفريق بين هاتين الطائفتين المظلومتين اللتين وقفتا في خندق واحد ضد الطاغوت، وتحملتا بسبب ذلك افجع المآسي وأفظع الكوارث، ومن غير المعقول أن تفترقا الآن بعد زوال السلطة الجائرة حيث حان وقت العمل المشترك البناء من أجل مستقبل زاهر لهما ولجميع العراقيين الشرفاء.
إن المرجعية الدينية حينما اعترضت على الفقرة (جـ) من المادة الحادية والستين فلأنها ترى في هذه الفقرة تعويقاً لكتابة أي دستور دائم، وأنها ستجعل البلد غير مستقر ويدور في حلقة مفرغة، وهو ما لا يرضى به حتى الإخوة الأكراد أنفسهم وإذا كانوا يبررونها بأنها ضمانات لهم فإن الضمانات ليست كلمات تكتب فقد كان في زمن صدام دستور مكتوب فهل استطاع أن يحدَّ من جرائم صدام وأفعاله الهمجية أم كان حبراً على ورق فقط.
إن الضمانات الحقيقية هي في التآلف والمحبة والتسامح والإيثار وحكمة القيادة، وقد أثبتت المرجعية الدينية خلال الفترة الماضية أنها تتصف بدرجة عالية من النزاهة والإنصاف والرحمة وسعة الصدر والعدالة وحب الخير لجميع
الناس مما جعلها صمام أمان وحدة الشعب وسلامة مسيرته، ولولا وجود هذه المرجعية وامتلاكها زمام الأمور وانقياد الناس لها لأصاب العراق بلاء شديد، وهو يمر في هذه الظروف الصعبة وقد تخلّى عنه كل إخوته بل عملوا على إيذائه من أجل مصالح زائفة وأنانيات مقيتة. وما تأجيل مؤتمر القمة العربية الأخير(1) إلا طعنة جديدة في قلب هذا الشعب المظلوم، فإذا كان القادة العرب لا يجتمعون في مثل هذه الأخطار العظيمة حيث العراق يرزح تحت الاحتلال ويشق طريقه بصعوبة والكيان الصهيوني يمعن في اضطهاد الشعب الفلسطيني ويقتل الشيخ المجاهد أحمد ياسين في باب المسجد بعد أن أتم صلاة الصبح، والولايات المتحدة تطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير وتطالب بإصلاح وضع الأنظمة العربية، والشعوب العربية تعاني من الجهل والتخلف والتمزّق والضياع والفقر، فإذا كان كل ذلك لا يمثل دافعاً لقادة العرب كي يجتمعوا فمتى يجتمعون ؟ إننا وإن لم نكن نعوّل كثيراً على مثل هذه المؤتمرات إلا أنها تمثّل الحد الأدنى من العمل العربي المشترك وصورة ظاهرية للوحدة العربية. فهذا التأجيل هو هروب من تحمل المسؤولية أمام شعوبهم وأمام العالم وإذا كانوا غير قادرين على الإصلاح والتكيف وفق متطلبات المرحلة الراهنة فليتركوا شعوبهم تقرّر مصائرها بأنفسهاذ.
1) كان من المقرر عقد مؤتمر القمة العربي في تونس في أواخر آذار 2004 وقد فوجئ الجميع بتأجيله بعد انتهاء اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم 6 صفر 1425 الموافق 28/ 3/ 2004 للإعداد لمؤتمر القمة وكان وفد العراق برئاسة السيد محمد بحر العلوم رئيس مجلس الحكم العراقي حينئذ.
وتختار من يقودها.إن الشعب العراقي يستقرئ من هذا التأجيل ظلماً آخر وهو عدم إعطاء الفرصة لرئيس مجلس الحكم الحالي فضيلة السيد محمد بحر العلوم لحضور المؤتمر ظلماً وعتوّاً ومبالغة في إقصاء هذه الطائفة التي تمثل أكثرية الشعب العراقي، فأبت أنفسهم الأمارة بالسوء أن يُمَثَّل العراقيون بمن يرتدي هذا الزي الروحاني المقدس؛ لذلك تجدهم ما أن أجلوا المؤتمر حتى بدأوا يتنافسون على عقده بأسرع وقت فما حدا مما بدا، وما ذلك إلا لكي تنتهي فترة رئاسة السيد بحر العلوم نهاية آذار ويعقدون المؤتمر.
هذه بعض الصور من ظلم الأخوة وما خفي أعظم مما يضاعف علينا المسؤولية ويدفعنا نحو المزيد من التعاون والحوار وسعة الصدر والتجرد عن الأنانية والتصرفات الارتجالية، لكي نبني ذاتنا رغم كل هذه المعوقات، وعلى أعضاء مجلس الحكم الذين تحمّلوا عبئاً ثقيلاً في هذه المرحلة العصيبة أن يمدّوا جسور الثقة مع الشعب، الذي يتوقع الكثير من التعويض عن الحرمان الذي عاشه وأن يتفاعلوا مع قضاياه ويستمعوا لمطالبه، وأن يبثّوا العيون المخلصة في كل مكان لكي تنقل لهم بصدق وأمانة كل مظلمة لأحد في شرق الأرض وغربها حتى يتمكنوا من رفع الظلم والحيف عن الناس تأسياً بأمير المؤمنين (علیه السلام) الذي يقول : (أأقنع من نفسي أن يقال لي أمير المؤمنين ولا أشاركهم في جشوبة العيش ولعل في الحجاز أو في اليمامة من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالقرص).
وها هي عوائل مئات الآلاف من الشهداء الذين أعدمهم صدام لأنهم لم
ينحنوا له وبقوا شامخين أعزاء لا يطرق بابهم أحد ولا يرعاهم أحد، بينما يخصَّص راتب شهري لعبد الرحمن عارف الذي سلَّم العراق بكل ذلة إلى حكومة حزب البعث عام 1968 والكثير من أزلام النظام يقبضون رواتبهم الضخمة وهم آمنون مطمئنون في بيوتهم.وها هم الآلاف من السجناء في أبي غريب ومعتقلات الاحتلال الأخرى وغيرها من السنّة والشيعة يرزحون تحت ظروف سيئة بلا ذنب اقترفوه وإنما اعتقلوا لتُهم وافتراءات رفعها عليهم منافقون ومرتزقة وذوو مصالح شخصية، وفيهم الكثير من النساء اللواتي يُعتدى على شرفهن من قبل الكفار وتغتصب عفتهن وان بعضهن حوامل من هؤلاء العتاة المردة ولا تتحرك غيرة أحد لإنقاذهن.
وها هم مئات الآلاف من حملة الشهادات وذوي التخصصات عاطلون عن العمل لا يلتفت إليهم أحد، ولا يكترث بأمرهم أحد، ولا يطالب بحقهم أحد من أجل توظيفهم وإيجاد فرص العمل لهم رغم حاجة البلد إلى جهودهم وهمتهم وحماسهم في العمل.
هذه بعض صور معاناة هذا الشعب التي لا ترتفع إلا بالعمل المضني المخلص، وما دامت موجودة فإن التشدق بالكلمات عن الانجازات التي تحققت لا تقنع هؤلاء المحرومين لأنهم لم يروا تغييراً حقيقياً في حياتهم رغم مرور سنة على زوال صدام اللعين.
إن الوجود في مواقع المسؤولية من أعلاها كالعضوية في مجلس الحكم إلى أدناها فرصة كبيرة لطاعة الله تبارك وتعالى ونيل رضاه لأنه يمكِّن من قضاء
مثل هذه الحاجات الكبيرة من خلال إدخال السرور على المؤمنين وتفريج همهم وكربهم وإنصافهم في الحقوق ورد الظلم عنهم فمن الخسران المبين أن تضيع من الإنسان هذه الفرص الكبيرة.[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ].
محمد اليعقوبي
10 صفر 1425 الموافق 1/ 4/ 2004
خطاب المرحلة 49 : ماذا سيفعل الشهيد الصدر الأول (قدس سره) لو كان حياً بيننا الآن؟ (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تهتم الاحتفالات المقامة لأحياء العظماء بسبر سيرتهم وتعداد آثارهم ومنجزاتهم وهو عمل جليل وفيه الكثير من الإنصاف لهؤلاء الذين تشكل حياتهم منعطفاً في حياة الأمة، إلا أنه مع ذلك يبقى صورة للماضي وإرشيفاً للتاريخ، فإذا أردنا أن يكون احتفالاً واعياً مثمراً فلابد من محاولة استلهام روح ذلك العظيم وقراءة أفكاره ومشاريعه؛ لنلتمس منها الحلول لمشاكلنا وقضايانا المعاصرة المستقبلية، وبذلك يتحوّل العظيم إلى مصدر للعطاء يرافقنا في كل مستجدات الحياة ويضع أيدينا بدقّة على الموقف المناسب .
هذا ما أراده السيد الشهيد الصدر (قدس سره) من محاضرة (دور الأئمة في الحياة
1) كلمة أعدّت لإلقائها في الاحتفال الذي يقيمه حزب الدعوة الإسلامية بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لاستشهاد مؤسس الحركة الإسلامية في العراق السيد محمد باقر الصدر، وأقيم في كربلاء يوم 6/ 4/ 2004 وتحدث سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) بمضمون الكلمة ارتجالاً من تلفزيون (العراقية) في بغداد وأعيد بثه عدة مرات.
الإسلامية) وهي محاضرة واحدة، إلا أنني إلى الآن قدّمت أكثر من عشرين محاضرة لشرحها وتعميق أفكارها وما زال الحديث مستمراً. وفي عقيدتي إن أحد مناشئ عظمته (قدس سره) هو فهمه الواعي المستوعب للأدوار المشتركة التي عاشها الأئمة (علیهم السلام) في حياة الأمة، وقدرته على تمييز الحالة التي تناسب هذا التصرف أو ذاك، مما يبدو لأول وهلة أنها مواقف متناقضة إلا أنها في الحقيقة ادوار متبادلة والقائد الناجح من يستطيع ربط كل موقف بحالته المناسبة، وبتعبير آخر ربط كل حكم بموضوعه الخاص ، فإذا انضّم لهذه الدراسة المجموعية لحياة الأئمة فهم وتفسير موضوعي للقرآن الكريم يجمع شتات الموضوع الواحد من آيات متفرقة وينظر إليها نظرة واحدة ويرتب بين مفرداتها ليحصل على نظرة متكاملة إلهية لقضايا الكون والإنسان.
أقول: إذا انضّم هذان المكوّنان لشخصية الإنسان فإنه حتماً سيكون مؤهلاً لقيادة الأمة بحكمة حتى يوصلها إلى الكمال المنشود؛ لذا لم يكن غريباً أن تجد هذين العنصرين واضحين في شخصيات المصلحين العظام كالسيد الخميني والشهيدين الصدر الأول والثاني (قدس الله أسرارهم) .
في ضوء هذه المقدمة نريد أن نقرأ أفكار وآثار ومشاريع السيد الشهيد الصدر الأول (قدس سره) لنجيب عن تساؤل مهم يفترض أن يفكر فيه كل عامل مخلص يهمّه الوصول إلى حل للقضية العراقية لإخراج هذا البلد العريق وشعبه الكريم من أزمته وبناء عراق حر كريم كما وصفه الشهيد (قدس سره) في خطاباته الأخيرة والتساؤل هو أنه لو كان الشهيد الصدر (قدس سره) حياً الآن لفعل ماذا ؟ وهو أبو العراق والعراقيين ومؤسس الحركة الإسلامية في العراق وباعث الروح
فيها بل تجاوز تأثيره إلى غير العراقيين من المسلمين والى غير المسلمين من البشر فأصبح رمزاً عراقياً وإسلامياً وإنسانياً.وحينما أسجل الأفكار التالية بالترتيب فإني لا أعني أنه سيسير فيها طولياً كالسلسلة فينتهي من حلقة ليدخل في الأخرى، بل أنه سيعمل لها جميعاً في خطوط متوازية وبعرض واحد، وهي مسؤولية شاقة وعظيمة إلا أنها ليست كثيرة على همة أهل العزم والإخلاص لله تبارك و تعالى وذوي الأهداف السامية الكبيرة حتى قيل (كم من همّة صنعت أمة) وشواهدها التاريخية كثيرة.
وبما أن العراق يواجه تحديات ستراتيجية ومرحلية فأنه (قدس سره) سيفكّر على كلا المستويين وسيقيم مشاريعه في كلا الاتجاهين.
فيقوم بتطوير الحوزة العلمية الشريفة لتكون قادرة على تحمل هذه المسؤولية الجديدة، فيتوسع في قبول الطلبة فيها لأن النجف الأشرف ليست مسؤولة عن نفسها فقط ولا عن العراق فحسب، بل عن العالم كله وهذا يحتاج عدداً ضخماً من حملة الرسالة والدعاة إلى الله تعالى، وسيجعل شروطاً لقبولهم بأن يكونوا من الواعين للمسؤولية ولدورهم في حياة الأمة، ويحاول استقطاب حملة الشهادات الأكاديمية لأنهم يكونون أكثر تأثيراً في المجتمع أولاً وذوي ذهنية معمقة ثانياً ومستوعبين لواقع الأمة لأنهم عاشوه بكل تفاصيله ثالثاً، وسيعمل ضمن هذا الإطار على وضع برنامج إداري مركزي ينظم شؤونها يشابه النظام الأكاديمي ليتمكن من استثمار كل طاقاتها وقدراتها ولا يتحقق ذلك إلا بالنظام.
وسيهذِّب مفردات المنهج الدراسي فيحذف الكثير من المطالب التي تعتبر
ترفاً فكرياً ولّدته ظروف موضوعية في حينها، ولم يعد لها الآن مبرر، والاستمرار بتدريسها يضيع الكثير من وقت الطالب الذي هو في حاجة إليه وسيضع مناهج جديدة في بعض العلوم، يلاحظ فيها التدرج الدراسي والتدريب الذهني واللغة المعاصرة مع المحافظة على عمق المطالب، كما فعل في كتابه (دروس في علم الأصول) وجعله بحلقات ثلاث . ويضيف إلى العلوم المتداولة في الحوزة دروساً في الوعي السياسي والاجتماعي والنفسي والاقتصادي وتعليم اللغات الحية ويدخل الوسائل التعليمية وأدوات الاتصال المعرفي المتطورة .كما أنه (قدس سره) سيهتم ببناء الجانب الأخلاقي لطلبة العلوم الدينية ويهذب نفوسهم ويسمو بأهدافهم ويعمّق صلتهم بالله تبارك وتعالى ويزهدهم فيما سواه، كما فعل في محاضرته الأخيرة عن حب الدنيا قبل استشهاده (قدس سره) حتى أبكى عيون الحاضرين وارتقى بهم إلى أجواء روحية صافية لازال يعيشها كل من سمعها، فإن العلم وحده غير كافٍ للتكامل وهداية الآخرين إذا لم يقترن بالعمل الصالح قال تعالى [إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ] (فاطر: 10).
وسيعمل على نشر الحوزات العلمية في جميع مدن العراق ليخلق واقعاً إسلاميا ً دينياً شاملاً بدلاً من اقتصاره على مدينة النجف الأشرف، ولأنه يعلم أن الحوزات العلمية هي حصون الأمة التي تحفظ لها هويتها وتقودها نحو الهدى وتجنبها الردى.
وسيعمر المساجد بالدعاة والمبلغين الرساليين الذين يحملون همّ الإسلام بين
جوانحهم، ويسعون إلى إقناع الناس به حتى يحكّموه في حياتهم، وبذلك تنطلق من المساجد شعلة الإيمان المتدفقة كما كانت في عصر النبوة وصدر الإسلام فما دامت المساجد بخير وتؤدي وظيفتها فإن الأمة تكون بخير. وسيعطي للمرأة والشباب حيّزاً كبيراً من مشاريعه فينشر المراكز الثقافية والتربوية، ويزودها بالكتب التي تنمي الوعي الإسلامي وتعرف المسلم بهويته وتعلمه تكاليفه، ويرسم لهذه المراكز نشاطاتها من عقد الندوات والحلقات العلمية للفقه والأخلاق والتفسير والعقائد والسيرة، ويزودها بكل المرغبات التي تجذب إليها أبناء الأمة من الذكور والإناث، ويجعلها عامرة بالفعاليات وحافلة بالخدمات الاجتماعية والإنسانية.
وسيختار للمدن وكلاء من طراز خاص يفهمون رسالته، ويقومون بكل تلك الأدوار ليس للدنيا في حساباتهم نصيب.
وسيضع للأطفال برامج تثقيفية واجتماعية تنشئهم على الإيمان بالله تبارك وتعالى والالتزام بشريعته بالوسائل المحببة إلى نفوسهم.
وسيمثّل للإسلام والمسلمين نموذجهم الحضاري الأول في هذا الصراع الذي أعلنه الغرب في مواجهته للإسلام بما يسمونه (صراع الحضارات)، وسيعمل في مسارين مزدوجين.
أحدهما التعريف بالإسلام كشريعة وقانون قادر على قيادة الحياة بكل أنشطتها ويغطي كل شاردة وواردة من فعاليات الإنسان، ويبين معالم هوية المسلمين كأفراد وكأمة وأسس حضارتهم ومبادئهم ومرتكزاتهم.
وثانيهما بيان نقائص الحضارة الغربية على مستوى النظرية والسلوك فيبين
نقاط الخلل في الأيديولوجية التي يتبنونها والابتعاد عن الإنسانية في تصرفاتهم التي تهبط إلى مستوى الهمجية الحيوانية أحياناً. وهو بذلك يفتح باباً واسعاً لحوار الحضارات لأنه ابن القرآن الذي دعا للحوار وللرجوع للثوابت المشتركة [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران:64)، [لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة: 256)، فليست العلاقة بين بني البشر هي الصراع والتزاحم بل التعاون البنّاء، فإن الأرض بخيراتها تسعهم جميعاً ولكل واحدٍ منهم مكان عليها ولن تضيق عن أحد.
وعلى الصعيد السياسي فسيكون (قدس سره) البوتقة التي تنصهر فيها كل رؤى ومطالب أطياف الشعب العراقي الدينية والعرقية ليصوغها في نسيج موحد يحفظ لهم جميعاً حقوقهم ولا يحيف على أحد لمصلحة أحد، وسيكون أباً للجميع وصمام أمان لوحدة هذا الشعب لثقة العراقيين جميعاً بنزاهته وفكره النيّر وتجرده عن الأنا، وقلبه الكبير الذي وسع حتى أعداءه جلاوزة الأمن الذين كانوا يحاصرون بيته ومنعوا عنه أبسط حقوق الحياة، ومع ذلك فلما أطلّ من شرفته عليهم في يوم حار ورآهم يتصببون عرقاً أمر خادمه الشخصي بسقيهم الماء ، هذه الذات السامية سيجتمع عليها جميع العراقيين ويلتمسون عنده المخرج، وقد جربوا رجاحة عقله وعمق وعيه السياسي في حله للقضية الكردية حينما اجتمع به عدد من طلبة جامعة بغداد من الأكراد في ذروة الأزمة السياسية بينه وبين النظام، فقدم الأطروحة التالية التي رواها أحد أعضاء الوفد
قائلاً :(إن حل القضية الكردية في العراق سهلٌ وبسيط إننا نؤمن أن تدار المناطق الكردية من قبل الأكراد وبأي تسمية كانت حكم ذاتي أو إدارة ذاتية وبعد إجراء انتخابات بهذا الخصوص لكي يحدد الأكراد أنفسهم طريقة الحكم . ونؤمن أن تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية للمناطق الكردية (لغة تدريس وتداول ثقافة) على أن تكون عقيدة الرجال الذين يديرون المناطق الكردية مسلمون حقيقيون عقيدة وسلوكاً وهذا من حقنا حيث أن رؤساء مناطق الحكم الذاتي وجمهوريات الاتحاد السوفيتي هم من نفس عقيدة السلطة المركزية (أي الشيوعيين)).
وسيضع كل هذه الرؤى مع الضمانات الضرورية لتنفيذها في دستور متكامل ينظم عمل السلطات في البلاد والهيئات الدستورية المراقبة لها .
كل هذه وغيره كان يمكن أن يقدمه السيد الشهيد الصدر الأول (قدس سره) للأمة، لولا أن مجرم العصر صداماً أقدم على جريمته النكراء بإعدامه وأخته العلوية الطاهرة بنت الهدى، وحرم الأمة من بركات عطائه، لكنه (قدس سره) لم يمت بل سيبقى محركاً للأجيال كي تواصل مسيرته وتحقق له آماله كي تقر عيناه عسى الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته في جوار أجداده الطاهرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خطاب المرحلة 50 : توجيهات(1)في ذكرى زيارة الأربعين عام 1425
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لقد حاول أعداء أهل البيت (علیهم السلام) عبر التاريخ أساليب شتى ثني الموالين لهم (ع) عن الاستمرار بإحياء شعائر الله تبارك وتعالى، وقد وصلت هذه الأساليب حد القتل والسجن وتقطيع الأعضاء وتغريم الأموال الباهظة، وفي كل ذلك يخرج أولياء الله منصورين ولا يزيد الظالمين إلا تبارا والمؤمنين إلا إصرارا على مواصلة نهج أهل البيت (علیهم السلام)، وما درى هؤلاء الأعداء أن شيعة أهل البيت ع خلقوا من فاضل طينتهم (ع) –كما أخبروا هم (ع)- قبل الخلق والخليقة، فهم يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، وأن هذه الشعائر تمدهم بالإيمان وحرارة الولاء التي كلما خبت زادتها هذه الشعائر اتقاداً، وما بقاء الدين عامراً في أمتنا رغم المحن الكثيرة إلا ببركات الحسين (علیه السلام).
وما هذا الحماس الديني الذي تنبض به قلوب المؤمنين إلا من آثار إقامة الشعائر الحسينية.
وقد ظنوا أن تفجيرات يوم عاشوراء التي جددت لنا تلك الفاجعة ستمنع
1) صدرت قبيل الزيارة لإلفات نظر الزوار الكرام.
المؤمنين من الاستمرار في أداء مراسيمهم، فخابت ظنونهم فورا حيث انطلقت مواكب الهرولة ملبية نداء الحسين (علیه السلام) (هل من ناصر ، هل من معين) بأعداد ضخمة، فاقت حد التصور بعد التفجيرات مباشرة. ثم عادوا وهددوا زوار الأربعين، وهاهي الآلاف المؤلفة تنطلق قبل موعد الزيارة بأيام في مواكب راجلة لترد على أولئك المجرمين، وتؤكد انتماءها لمدرسة أهل البيت (علیهم السلام) ومواصلتها لنهجهم القويم، وما أشبه اليوم بالبارحة ففي مثل هذه الأيام من صفر 1397 هـ المصادف شباط 1977 حاول جلاوزة البعث المقبور بكل وحشية لقمع مواكب المشاة التي انطلقت من النجف الأشرف، واستعملوا الدبابات والمدرعات وكانت الطائرات تُغير على الموالين وهم في هذه الصحراء المكشوفة، إلا أن المسيرة استمرت ووصلوا إلى كربلاء وسلموا الراية إلى الإمام الحسين (علیه السلام) وأخيه أبي الفضل العباس فاحتضنهم (ع) بدعائه ولطفه ورعاية ولده الإمام الحجة المنتظر (علیه السلام).
هذا الولاء والإخلاص والإصرار على مواصلة النهج الحسيني هو صمام الأمان لبقاء الدين حياً، فلا تقصروا في أدائه ووعي أهدافه الحقيقية التي لا يحتاج التعريف بها إلى مؤونة كبيرة، فلقد لخصها صاحب الثورة الإمام الحسين (علیه السلام) بكلمات دقيقة (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلی الله علیه و آله) ولآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربه فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً).
فعلينا جميعاً أن نعمل لكي تكون زيارة الأربعين ناجحة في تحقيق الأهداف التي أرادها أهل البيت (علیهم السلام)، من حثّ شيعتهم على هذه الفعاليات، كما كانت زيارة الأربعين في العام الماضي ناجحة وفق كل الاعتبارات، فبالرغم من أنها حدثت بعد سقوط صدام بأيام وكان البلد يشهد فراغاً أمنياً وسياسياً حيث لا دولة ولا قانون ولا جيش ولا شرطة ولا أي قوة لتحمي الأمن وتبسط النظام ومع ذلك فقد أدت اللجان الشعبية دورها بأكمل وجه ولم يقع أي حادث أمني بل ولا حادث مروري رغم كثافة الناس والسيارات، وهذه من المعجزات التي يفخر بها شعبنا ولا يستطيع الارتقاء إليها كل شعوب العالم التي تدعي التحضر وسيادة القانون، وكانت الشعارات واعية وهادفة ومعبرة عن مطالب الشعب الحقيقية التي بينتها لهم مرجعيتهم الدينية الحكيمة، فنريد زيارة هذا العام كسابقتها وقد أعلنا بوضوح عن مطالب الشعب في خطاب صلاة الجمعة في ساحة الفردوس وما تلاها من الخطابات، فلا بد أن تكون مسيرتنا ضمن الحدود التي ترسمها المرجعية الواعية ولتحقيق تلك الحالة النموذجية علينا:1- التعاون الكامل مع اللجان الشعبية التي تشرف على حفظ النظام والأمن للزائرين والمتطوعين الذين يقدمون الخدمات الأساسية لهم.
2- عدم تواجد النساء في مناطق التجمعات الكبيرة لصعوبة تفتيشهن أو توفير الكادر النسوي للقيام بهذه المهمة فقد تندس بينهن بعض النسوة المستأجرات للأعداء وتكون وسيلة لتنفيذ جرائمهم الشيطانية.
3- الوعي الكامل لأهداف الثورة الحسينية والاستفادة من الخطباء والمرشدين في كل مناسبة سواء أثناء الطريق أو في أماكن التجمعات.
4- أن يستغلوا هذه المناسبة للتعبير عن مطالبهم المشروعة وقد أجملناها في ستة نقاط في خطبة صلاة الجمعة الأولى في ساحة الفردوس وما أضيف إليها في خطابات المرجعية الدينية الحكيمة .
5- أن ينظم الذهاب على شكل مواكب وتجمعات لا أفراد متفرقين مهما كثروا لتكون أكثر هيبة وعزّة، ومن الأفضل أن يكون على رأس كل موكب خطيب ومرشد، وأن تبرز شمولية المشاركة بإبراز بعض الخصوصيات كالطوائف والأديان الأخرى، وكذا بالنسبة إلى طلبة الجامعات إذ ينبغي لهم التنسيق فيما بينهم وبين اللجنة المنظمة في جامعة كربلاء وأن يعلنوا أسماء الجامعات والكليات والمعاهد التي يمثلونها ليؤكدوا باستمرار انتماء الجامعات للإسلام .
6- أن تسود بينهم روح الأخوة والتآلف والتراحم بل الإيثار كما وصفهم الله تعالى [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] (الحشر: 9) ليكونوا مع رسول الله (صلی الله علیه و آله) فإن الله تعالى وصف من هو مع رسول الله (صلی الله علیه و آله) عبر الأجيال ولا تختص بالمعاصرين له (صلی الله علیه و آله) بأنهم [أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً] (الفتح: 29).
7- أن لا يقصر المتمولون في رعاية الزوار وتهيئة مستلزماتهم من غذاء وسكن وغيرها ليظهروا للعالم أن أهل البيت (علیهم السلام) علموا شيعتهم أن يكونوا أقدر من أفضل جيوش العالم في تقديم الإسناد والخدمات اللوجستية كما يسمونها . كما أن نفس الصيغ المتعددة للشعائر إنما هي عبارة عن تدريبات عنيفة على الجهاد والتضحية في سبيل الله تعالى.
وليتذكروا دائماً أن كل ما يصيبهم من شدة وعنت وبلاء وصعوبات وجهود وتضحيات وإنفاق فإنما هو في عين الله تعالى وسيجزي به أفضل الجزاء كما قال تعالى: [وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ] (سبأ: 39) وهي شاملة لكل إنفاق وأعلاها الجود بالنفس لذلك كان الإمام الحسين (علیه السلام) يردد يوم عاشوراء (هوّن ما نزل بي أنه بعين الله تعالى) وقد وعد الله تبارك وتعالى وهو اصدق القائلين : [أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى] (آل عمران: 195) وقال عز من قائل : [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ] (التوبة: 120).فطوبى لكم هذه النعمة الإلهية التي منّ الله تعالى بها عليكم والتي لا يعادلها شيء، فحينما شكى أحدهم للإمام (علیه السلام) وقال له : إني لا أملك شيئاً فقال : بل عندك أثمن من الدنيا وما فيها . قال : وما ذاك يا ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله) . قال (علیه السلام) : عندك ولايتنا أهل البيت. فهل تتخلى عنها لو أعطوك الدنيا وما فيها . قال الرجل الموالي : لا يا ابن رسول الله حتى لو بذلوا لي أكثر من ذلك . قال (علیه السلام) : فإذن عندك خير من الدنيا وما فيها .
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على اشرف خلقه الذي كان سبب هدايتنا ونجاتنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
محمد اليعقوبي
13 صفر 1425 الموافق 4/4/ 2004
بيانات حول المواجهات الشعبية مع قوات الاحتلال(1)
بيان رقم 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه والصلاة والسلام على اشرف خلقه محمد الرحيم بأمّته الذي وصفه ربّه بأنه [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] (التوبة: 128) لقد عز علينا والله ما حصل للمؤمنين من إزهاق أرواح واعتقالات ومداهمات ومحاصرة لجامع الرحمن في بغداد، وكلها من الاستفزازات الكبيرة التي يجب الكف عنها.
وأدعو أعضاء مجلس الحكم ليتحملوا مسؤوليتهم التاريخية في إيقاف هذه التداعيات الخطيرة، وحل هذه الأزمة وإنصاف المظلومين من ظالميهم، ولا بد من احترام الرموز والمقدسات الدينية واتباع الطرق الإنسانية الكريمة في حل المشكلات.
1) بدأت المواجهات أثناء تقدّم مسيرة احتجاجية نحو الكوفة ضمت الآلاف من الذين قدموا إلى النجف الأشرف من مختلف مدن وسط وجنوب العراق صبيحة يوم الأحد 13 صفر 1425 الموافق 4/ 4/ 2004، وقد صدر البيان الأول بعد سماع سماحة الشيخ بحصول إطلاق النار وفي نفس الوقت حصل اقتحام قوات الاحتلال الأمريكي لمسجد الرحمن في بغداد.
كما أدعو المؤمنين إلى الالتزام بالوعي والحذر وضبط النفس وعدم التفريط بالثلة المؤمنة التي ضحى العلماء والأولياء من أجل تربيتهم وهدايتهم، وأن لا يسمحوا للأعداء الذين يتربصون بأهل الحق الدوائر بالدخول فيما بينهم من أجل أن يُلقوا الفتنة بينهم. وإني سأواصل سعيي للدفاع عن المؤمنين ورفع الظلم عنهم وصيانة أرواحهم وكرامتهم بإذن الله تعالى .
محمد اليعقوبي
13 صفر 1425 الموافق 4/4/ 2004
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ].
فجعنا أمس بشباب مملوئين بالحماس والغيرة على الدين وأهله حصدتهم نيران الاحتلال في الكوفة وبغداد خرجوا للتعبير عن مطالبهم وحقوقهم في ظلال الحرية التي يزعم الغرب انه جاء بها إلينا، فكان رده قاسياً على المتظاهرين فقتل العشرات وجرح المئات من أبنائنا وأحبتنا .
إن الانفجار الأخير للشعب لم يكن وليد أحداث آنية(1)
وقد بدأ سماحة الشيخ بتوجيه الرسالة المفتوحة إلى بريمر يوم (1 محرم) ثم تسيير مواكب طلبة الجامعات في ذكرى عاشوراء، وفي يوم عاشوراء تبرع بالدم في مصرف الدم في النجف لإفهام المحتلين أننا مستعدون للتضحية بالدم في سبيل الله تعالى، ثم إقامة صلاة الجمعة لأسبوعين متتالين في ساحة الفردوس وسط بغداد وقرب فنادق المسؤولين الغربيين، ثم إضراب طلبة الجامعات حيث نجح وأغلقت الجامعات في بغداد والمحافظات الأخرى أبوابها، ثم بتحريك صلاة الجمعة إلى المحافظات، وبدأ بمحافظة الكوت بخطبة جمعة موحدة.
وحينئذ امتلأ الشارع العراقي حنقاً وغيظاً، وتفجر في هذه المواجهات التي عبر سماحة الشيخ في بياناته هذه عن المطالب الحقيقية التي يجب العمل على تحقيقها، لكن الأحداث لم تجرِ بعدئذٍ تحت قيادته الحكيمة.
وإنما جاء كنتيجة1) بدأ سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) بتحريك الشارع العراقي قبل انفجار هذه الأحداث بشهرين تقريباً للرد على الاستهتار الأمريكي واستخفافه بمقدرات الشعب العراقي المسلم، خصوصاً بعد تصريحات بريمر المتقدمة وتمرير قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية الذي أحس اتباع أهل البيت (عليهم السلام) بالغبن فيه.
طبيعية لخزين من الغضب والرفض بسبب تراكم من تجاهل الشعب والتفريط بحقوقه وعدم العمل الجاد لإصلاح وضع البلد وتحسين أحوال الأمة وتسويف الانتخابات والاستخفاف بقيمه ومبادئه ورموزه ومقدساته وعدم مراعاة المبادئ الإنسانية في التعامل معه.لذا لابد من تقييم شامل جديد لمجمل العملية السياسية يجري على أساس من الإنصاف والشفافية تشارك فيه جميع الأطراف المعنية بالقضية العراقية ولا يتجاهل فيه دور أي عراقي لأنه مستقبلهم جميعاً.
وقد دعوت أعضاء مجلس الحكم في بياني الأول لتحمل مسؤوليتهم الكبيرة ومطالبة قوات الاحتلال بالنظر في مطالب الجماهير، وإجراء تحقيق نزيه في الاعتداءات الأخيرة ومعاقبة الجناة وتعويض أسر الشهداء والجرحى.
وإننا إذ نعزّي ذوي هؤلاء الضحايا ونحتسب أبناءهم عند الله تعالى، نسأل الله تعالى أن يمنّ عليهم بالصبر والأجر، وعلى الجرحى بالشفاء والسلامة.
ونسجل شكرنا هنا لعناصر الشرطة العراقية وسائر الأجهزة الرسمية التي أبت مواجهة الجماهير ورفضت إطلاق النار عليهم وانسحبت أمامهم، وهذا الموقف الشريف يزيد من وعي الأمة بأن العراق عاد للعراقيين ولم يعد حكراً على صدام وجلاوزته، وأن أجهزته الرسمية مدنية أو عسكرية إنما هي منه وإليه وهذا يؤدي إلى مزيد من التلاحم والعمل المشترك لبناء عراقٍ حر كريم كما
وصفه الشهيد الصدر الأول (قدس سره). وهذا يدعونا جميعاً إلى مراعاة الحكمة في التصرفات وأن نميّز بدقة بين العدو والصديق، ولا نسمح لأحد من المنافقين والانتهازيين أن يخلط الأوراق علينا فنخسر دنيانا وآخرتنا ونجني على أنفسنا ومستقبل بلدنا وامتنا ونكون من الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
ويحتاج كل ذلك إلى إخلاص كبير لله تعالى ودعاء مستمر بطلب التسديد والتوفيق.
محمد اليعقوبي
14 صفر 1425 الموافق 5/ 4/ 2004
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أثار استغرابي بشدة كلام مسؤول الإدارة المدنية الأميركية في العراق بول بريمر، والذي اعتبر فيه الجماهير الغاضبة التي خرجت لتعبر عن حقوقها بطرق سلمية إنها خارجة عن القانون، ولم تسعفه حنكة السياسيين لاحتواء الموقف وترضية الثائرين، ولا أدري أي قانون خرج عنه هؤلاء الناس ومن الذي وضعه ولمن سُنّ هذا القانون إذا كانت هذه النسبة الكبيرة من أبناء البلد خارجين عنه؟
إن الكرة الآن في ملعب مجلس الحكم الذي عليه أن ينتخب عدداً من أعضائه المقبولين لدى الشعب ليكوِّنوا غرفة قرار(1)
وقد دوّن سماحته في مذكراته تفاصيل هذه الحركة والمفاوضات مع تواريخها.
وطوارئ تتابع هذه القضية فتطلب من قوات الاحتلال وقف اعتداءاته واقتحامها للمدن، خصوصاً للمكاتب التي ترفع أسم السيد الشهيد الصدر (قدس سره) الرمز الذي له معنى كبير في قلوب محبيه الذين عاشوا حبه لهم وتضحيته من أجل هدايتهم وإنقاذهم1) كانت دار سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي في تلك الأيام (غرفة عمليات) رئيسية لاحتواء الأزمة وإيجاد الحلول المناسبة لها وشهدت حضور عدد من أعضاء مجلس الحكم وقادة التشكيلات السياسية، كما كان حلقة الوصل مع المراجع العظام والعلماء الكرام وعلى رأسهم سماحة آية الله الشيخ الفياض وسماحة آية الله الشيخ الآصفي والعلامة الحجة السيد علي السبزواري، وشارك في العمليات بشكل فاعل الأمين العام لحزب الفضيلة الإسلامي وعدد من أعضاء الأمانة العامة وأمانة فرع النجف الأشرف، وبعد أكثر من عشرة أيام شكّل سماحة آية الله السيد السيستاني لجنة علمائية سداسية دعمت هذه الجهد وأثمرت عن وقف إطلاق النار.
من عبادة الطاغوت، وتعد من الكبائر جريمة قصف مكتب الشعلة واستشهاد عدد من الأبرياء وجرح آخرين ومتابعة هذه القضية أهم من قضاء الوقت بالمناقشات مع الأخضر الإبراهيمي(1)والساحة مشتعلة بهذا الشكل .وبعدئذ تبدأ غرفة القرار هذه بالنظر في مطالب الشعب وقضاياه الضرورية في حياته التي تجاهلها أعضاء مجلس الحكم وراح يناقش أخرى لا يحس الشعب بأهميتها بل أن بعضها ضد مصلحته حتماً ، ومن تلك المطالب:
1- تعديل قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية وفق التحفظات التي أعلنتها المرجعية الدينية والسياسية وعلى رأسها عدم جواز تحكم هذا القانون الانتقالي بالدستور الدائم الذي تصدره جمعية منتخبة من قبل الشعب.
2- عدم تجاهل أي شريحة من نسيج الشعب العراقي وإهمال دورها في العملية السياسية ورسم الملامح الجديدة لعراق المستقبل.
3- الإعداد الفوري لإجراء انتخابات حرة مباشرة لجميع أبناء الشعب حتى يختار الجمعية الوطنية وما ينبثق عنها من مؤسسات دستورية وإنهاء الاحتلال مباشرة.
4- العمل الجاد من أجل تحسين الأوضاع المعيشية للشعب وإيجاد فرصم.
1) دبلوماسي جزائري كان مبعوث الأمم المتحدة في العراق عام 2004، وقد وصل بغداد يوم الاثنين 14/صفر/1425 المصادف 5/ 4/ 2004 والتقى برئيس وأعضاء مجلس الحكم، وقدّم توصياته يوم الجمعة 25/صفر تضمنت حل مجلس الحكم وتشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط بعيداً عن المحاصصة تتسلم السلطة في نهاية حزيران، وأن يكون للأمم المتحدة والولايات المتحدة ومجلس الحكم دور في اختيارها، كما أوصى الأمريكان باتباع سياسة (متوازنة) مع البعثيين بين ضرورة الاجتثاث والاستفادة من كفاءتهم.
العمل للخريجين والعاطلين فإن المواطن لا يرى تغيراً نحو الأفضل رغم مرور سنة.5- إطلاق السجناء الذين اعتقلوا من غير ذنب سوى اتهامات زائفة خصوصاً النساء فإن لهن في ديننا وأعرافنا كرامة ومنعة واحتراماً.
6- أن لا يتخذ مجلس الحكم الانتقالي أي قرارات ستراتيجية تتعلق بمصير العراق فإنها من شؤون برلمان منتخب.
7- احترام الحريات العامة والرموز الدينية ومقدسات الشعب العراقي.
إن القمع بقوة الحديد والنار ليس حلاً بل أنه يؤدي إلى عنف اشد وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، ونؤكد هنا ما قلناه في بياننا السابق إن هذا الانفجار الشعبي الهائل ليس وليد إغلاق صحيفة أو اعتقال شخص كما ربما يتصور وإنما هو تعبير عن شعور عميق بالحيف والظلم والإهمال والاحتقار، وما دامت الأسباب هذه قائمة فإنه سوف لا يكون هناك استقرار، وإنما الحل في إعادة النظر والتأمل بعمق في العملية السياسية ، وإذا قام مجلس الحكم بهذه الخطوة فإنه يوفر الأرضية للخيرين لكي يعملوا على إعادة الأمن وبسط النظام وهو أمل الجميع.
إن الولايات المتحدة أمام تحدٍ كبير في العراق اليوم فهي رمز حضارة الغرب وهذه الحضارة كلها أمانة في أعناقهم فإما أن يثبتوا للبشرية مصداقيتهم في حملها وإعطاء صورة مقنعة عنها للشعوب وإما أن تتهاوى هذه الحضارة وسوف لا تقوم لها قائمة [بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ].
محمد اليعقوبي الاثنين / 14 صفر 1425 الموافق 5/ 4/ 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
في خضّم الأحداث والمواجهات حدثت بلبلة في الأفكار والمواقف واختلطت الأوراق وساهمت وسائل الإعلام في تضليل الرأي العام وتوجيهه نحو خدمة أهدافها ومصالحها لا مصالح الشعب العراقي، ولتلخيص موقف المرجعية الرشيدة وتوجيهاتها التي تضمنتها البيانات السابقة فقد وجه سماحة الشيخ أئمة الجمعة (وخصوصاً في جامع الرحمن في بغداد) ليوم الجمعة 18 صفر 1425 أن يبينوا للأمة هذه النقاط:
1- اتباع الوسائل السلمية في التعبير عن الرأي لان أي بلبلة سوف يستفيد منها الأعداء كالصداميين والإرهابيين لينتقموا من الشعب.
2- المحافظة على المؤسسات العامة وعدم عرقلة عملها وحرمة التصرف فيها والسماح لموظفي الدولة بالعمل لأنها ملك الشعب.
3- عدم حمل السلاح الظاهر داخل المدن لعدم إعطاء الذريعة لقوات الاحتلال حتى تضرب المدنيين.
4- الوعي والحذر من دخول الغرباء والمخربين الذين يستغلون الفوضى وعدم وجود سلطة لنشر التدمير والخراب.
5- المحافظة على الوحدة وتعزيزها وعدم السماح لمثيري الفتن للتفرقة بكلمات ضالة فالحذر من الانخداع فيهم وضرورة احترام آراء الآخرين.
6- إننا لا نتخذ موقفاً منفرداً في مثل هذه القضايا المصيرية ولا بد من التشاور مع أقطاب المرجعية وتوحيد الموقف ولا يجوز للأمة أن تملي على المرجعية شكل الموقف المتخذ.
7- إن من أولويات المرجعية حفظ كيان الإسلام وحماية أرواح المؤمنين وممتلكاتهم، لذا فإنها تبذل مساعي حثيثة لحل الأزمة سياسياً يشارك فيها أقطاب المرجعية وعدد من أعضاء مجلس الحكم والخيرين.
رسالة مفتوحة إلى مسؤول الإدارة المدنية للعراق بول بريمر(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
إن من أولويات المرجعية الدينية حفظ كيان المجتمع وحماية أرواحهم وممتلكاتهم والدفاع عن حقوقهم وإقامة نظام المجتمع المدني بآلياته المتحضرة ولذا كان لها الدور الرئيسي في حفظ البلد من الوقوع في كوارث عديدة كالحرب الأهلية وحماية الممتلكات والمؤسسات العامة من السلب والنهب وغيرها من الأخطار التي كان أعداء الشعب والنظام المقبور قد اعدوا لها.
وقد تصرفت المرجعية الدينية عبر المراحل التاريخية ومنها الحالة الحاضرة بحكمة عالية وضبط نفس كبير كلفها الكثير من التضحيات بالأرواح والكرامة الشخصية أحيانا في سبيل المصلحة العامة، ونتيجة لذلك ولصفات سامية أخرى
1) أطلقها سماحة الشيخ (دام ظله) يوم زيارة الأربعين العشرين من صفر عام 1425 المصادف 11/ 4/ 2004 بعد تهديد الإدارة الأمريكية باجتياح مدينة النجف وغيرها، وقد وصلت الرسالة إلى مكتب المعني بها لتوجيه النصيحة إليه باعتباره لم يسمع من مستشاريه -عراقيين وغيرهم- مثل هذا الكلام، وكان وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد قد أمهل المدن المقدسة إلى انتهاء زيارة الأربعين لاقتحامها فوجهت اليه هذه النصائح قبل اتخاذ مثل هذا القرار، ولم يحصل الاقتحام المذكور.
فيها فإن لها مكانة مقدسة في قلوب أتباعها الذين يرون أن أقل ما يقدمون في سبيلها هي التضحية بالنفس.هذه الحقيقة يجب أن يعلمها بدقة كل من يتعامل مع القضية العراقية لكي تكون قراراته بعيدة عن الأخطاء التي تكون مميتة أحيانا كما في المرحلة الحاضرة حيث تهدد الولايات المتحدة باقتحام مدينة النجف الأشرف لأهداف معلنة وغير معلنة، وهو ما سيجعل الأرض محروقة ليس فقط تحت أرجل الشعب وإنما تحت أرجل قوات الاحتلال أيضاً، وقد بلغتنا أخبار عن وجود تيار واسع لدى العشائر وشباب المحافظات المختلفة للدخول في مواجهة مفتوحة إن تعرضت النجف أو المرجعية الدينية أو العتبات المقدسة للانتهاك والاعتداء بشكل مقصود أو غير مقصود وهذا ما تحاول المرجعية تجنب وقوعه بكل ما تستطيع لكنه إذا وقع فربما سيكون للمراجع رأي آخر.
إن الانفجار الأخير الذي حصل لم يكن وليد أحداث آنية مهما كانت مهمة في ذاتها وإنما جاء كنتيجة طبيعية لخزين من الغضب والرفض بسبب تراكم من تجاهل شرائح واسعة من الشعب والتفريط بحقوقه وعدم العمل الجاد لإصلاح وضع البلد وتحسين أحوال الأمة وتسويف الانتخابات والاستخفاف بقيم الشعب ومبادئه ورموزه ومقدساته وعدم مراعاة المبادئ الإنسانية في التعامل معه وهي كلها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
إن القمع بقوة الحديد والنار ليس حلاً بل انه يؤدي إلى عنف أشد وهذه حقيقة لا ينكرها أحد خصوصاً في الوسط العراقي الشيعي المحتقن والمتحمس لكل حركة نتيجة بطش الأنظمة السابقة وقسوتها وجرائمها التي لم يشهد لها
التاريخ مثيلاً.لذا فلا بد من الالتزام بمنطق العقل والحكمة في حل القضايا فليلتزم الطرفان أولاً بوقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الأجنبية إلى خارج المدن والمسلحين من شوارعها وعودة الأجهزة الوطنية مدنية وعسكرية لأداء دورها الطبيعي في حفظ الأمن واستتباب النظام، ومن ثم مناقشة القضايا العالقة حتى نصل إلى إجراء تقييم شامل جديد لمجمل العملية السياسية يجري على أساس من الإنصاف والشفافية تشارك فيه جميع الأطراف المعنية بالقضية العراقية ولا يتجاهل فيه دور أي عراقي لأنه مستقبلهم جميعاً.
إننا كما تعتصر قلوبنا ألماً للمشاهد المفجعة التي تحصل في مدن العراق خصوصاً ما حصل في النجف والشعلة ومدينة الصدر والفلوجة، كذلك نتألم لحال الأسر الأمريكية التي تنتظر عودة أبنائها سالمين لتحتضنهم بفرح وإذا بها تستقبل جنائزهم.
إن الولايات المتحدة اليوم أمام تحدي كبير في العراق لأنها رمز حضارة الغرب ونموذجها الأول وهذه الحضارة كلها أمانة في أعناق الأمريكيين فإما أن يثبتوا للبشرية مصداقيتهم في حملها وإعطاء صورة مقنعة عنها للشعوب وإما أن تتهاوى هذه الحضارة وسوف لا تقوم لها قائمة وتقابل بالاشمئزاز والكراهية.
إننا نطمح أن تنشأ بين شعبينا علاقة احترام متبادل بعد زوال الاحتلال لأننا نعتقد أن الشعب الأمريكي عنده الكثير مما نريد أن نستفيد منه، كما أن عند شعبنا العريق في الحضارة الكثير مما يمكن انتفاع الشعب الأمريكي منه في ظل حوار ودي بناء. لكن كثرة التصرفات الخاطئة تزيد من الكراهية والعداوة وان
كثيراً ممن رحّبوا بقدوم القوات الأمريكية قبل عام تحولوا إلى أعداء.نذكركم أيضا أن مدينة النجف الأشرف ستستقبل بعد ثمانية أيام مناسبة دينية ضخمة في ذكرى وفاة نبي الإسلام محمد (صلی الله علیه و آله) حيث يفد الملايين من المؤمنين إلى النجف وهي لا تقل أهمية عن ذكرى زيارة الأربعين في مدينة كربلاء المقدسة التي تصادف اليوم.
أرجو أن تؤخذ جميع هذه الأمور بنظر الاعتبار بعقل مفتوح ونية مخلصة لنصل إلى ما يحفظ مصالح شعوبنا.
محمد اليعقوبي – النجف الأشرف
20 صفر 1425 - 11 / 4 / 2004
بسمه تعالى
تناقلت وسائل الإعلام أنباء المساعي إلى تشكيل حكومة عراقية للمرحلة الانتقالية، وهي فرصة ثمينة لأعضاء مجلس الحكم ليستعيدوا مصداقيتهم؛ لأن مثل هذه الخطوة يمكن أن تكون جزءاً من الحل للمشكلة القائمة في العراق، والتي يدفع أبناء هذا البلد ثمنها غالياً، وقلنا في تحليلها أنها نشأت من تراكم من الأخطاء في العملية السياسية والتصرفات غير المسؤولة، والآن حان الوقت لتصحيح المسيرة وجعل هذه الخطوة نقطة انطلاق للحل العادل الشامل للقضية العراقية.
ولكي يتحقق ذلك لا بد من إعادة تقييم ودراسة الواقع العراقي بشكل منصف وموضوعي بعيداً عن الأنانية والمصالح الشخصية والفئوية، ومبني على الحوار والثقة المتبادلة وعدم تجاهل أي شريحة يتركب منها نسيج الشعب العراقي وتريد أن تساهم بإخلاص في بناء العراق الجديد. والاستفادة من الأخطاء السابقة التي كلفت جميع الأطراف الكثير من الخسائر التي كان يمكن تجنبها وعلى الأقل عدم تكرارها حتى يظهر الجميع أمام العالم بمظهر القادر على تجاوز الصعاب وحل الأزمات وتصحيح الأخطاء بالأساليب الحضارية التي تحترم الإنسان وتعطيه فرصة التعبير عن رأيه وتوفر له كل حقوقه.
ولا بد من انجاز هذا المشروع قبل موعد تسليم السلطة والسيادة للعراقيين
لتجنب حصول فراغ امني وسياسي وإداري يعطي الفرصة للعابثين لخلق الفوضى في حياة الناس، وهذا التسريع لا يكون على حساب الدقة والحكمة في انجاز المشروع.ولتوفير الظروف الملائمة لإنجاح هذه الخطوة وهذا الحوار البناء تدعى قوات الاحتلال إلى التوقف عن عملياتها العسكرية والاستفزازية، وكذا تدعى المجاميع والأفراد المسلحة إلى إلقاء أسلحتها والتوقف عن أي عمل يربك النظام ويعيق تقدم هذه العملية السياسية، والمشاركة في الحوار للوصول إلى حكومة معبرة عن إرادة الشعب وتسعى لتحقيق مستقبل زاهر بعيداً عن العنف والإرهاب والعدوان.
إن المحنة والأزمة الخانقة التي يمر بها شعبنا تجعل الجميع أمام مسؤوليات خطيرة لمساعدة هؤلاء المحرومين والمضطهدين للخروج من الأزمة ويتطلب الأمر الكثير من التضحية والشجاعة ونكران الذات [وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ](البقرة: 110).
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
6 ربيع الأول 1425 الموافق 26 / 4 / 2004
خطاب المرحلة 51 : ما هو تكليفنا في المرحلة الراهنة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
تعودّت الأمة أن تمتد إليها اليد الرحيمة للمرجعية في كل لحظة عصيبة تمر بها لتنقذها من التردد والحيرة والضياع وتدلّها على الهدى والصلاح، وبالرغم من اعتقادي أن كتاب (نحن والغرب) ما زال حياً ويلبّي احتياجات الأمة العلمية والعملية وما يجب عليها فعله، وأن دراسته والتأمل فيه يفتح آفاقاً واسعة للعمل الإسلامي البّناء والّهادف، إلا انه من باب إن الذكرى تنفع المؤمنين ولأجل التواصل مع الأمة نعيد التأكيد على بعض النقاط المهمة في حياتنا :
1- تعميق الصلة بالله تعالى والتقرب إليه من خلال الالتزام الكامل بالشريعة واجتناب ما يبّعد عن الله تعالى، والذكر المستمر له سبحانه وذلك باستحضار وجوده وإطلاعه الكامل على ما تخفي الصدور فضلاً عمّا هو أظهر، وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد ولا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، ومن عَلم أن الله تبارك وتعالى مطلّع عليه بهذا الشكل فسيعيد النظر في كثير من تصرفاته، ومن مقوّمات ذلك الدعاء والشعور المستمر بالحاجة إلى الله تعالى
1) صدر هذا البيان والمواجهات الشعبية مع قوات الاحتلال لا زالت قائمة في النجف وكربلاء وغيرهما والعواطف متأججة لما تحصل من انتهاكات وهي تنتظر موقف المرجعية الرشيدة.
والاهتمام بصلاة الليل ولو بركعة واحدة وتلاوة القرآن والكون على طهارة زماناً معتداً به.2- اتباع المرجعية الدينية وعدم تجاوزها ولا التأخر عنها، فإن العلماء أمناء الرسل وامتداد المعصومين الذين يصفهم الدعاء بأن المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق، وقد أمر الأئمة (علیهم السلام) شيعتهم ألاّ يعلّموا العلماء بل يتعلموا منهم ويتبعوهم في كل القضايا سواء التي تهم الفرد كالوضوء والصلاة والصوم أو التي تهم الأمة كالقضايا المصيرية التي تتطلب موقفا موحداً من المرجعية والعلماء.
3- الحذر من مؤامرات الأعداء والتنبه لها، ومن ذلك ما تفعله الفضائيات من توجيه الأحداث بالاتجاه الذي يخدم مصالحها بالكذب والتزييف والمبالغة والتهويل، ولذلك امتنعتُ عن مقابلة أي منها خلال الأحداث الأخيرة، لأنني اعلم أنها ستقّطع اللقاء وتعرضه بالشكل الذي ينفّذ سياستها، ولو أنَّ في هذا الغياب تعتيما على الجهد الذي ابذله إلا أنني أضحي بسمعتي من أجل رضا الله تبارك وتعالى ومصلحة أمتي.
4- زيادة الوعي والثقافة الإسلامية بالاطلاع على الكتب والنشرات والاستماع إلى المحاضرات والندوات المخلصة وتبادل هذه الأفكار مع الآخرين وتوسيع دائرة فائدتها إلى أوسع قاعدة من الأمة.
5- نبذ الفرقة والخلاف باجتناب أسبابه التي أهمها التعصب للانتماءات سواء كانت للأشخاص أو الجهات ومحاولة إلغاء الآخر، والتطرف في المعتقدات، والتحجر في الأفكار، فلا بد أن نحترم وجهات نظر الآخرين
خصوصاً إخواننا في المذهب والدين، ونعتقد أن الأنماط المختلفة من السلوك إنما هي ادوار مختلفة يؤديها أصحابها لتصب في هدف واحد، وإذا أريد إقناع الآخرين فبالحوار والدليل والحكمة والموعظة الحسنة وليس القسر والإكراه.6- إحياء الشعائر الدينية في المناسبات وغيرها وإعمار المساجد بالنشاطات المتعددة العبادية والفكرية والإنسانية والاجتماعية. ويستفاد في هذا المجال من كتاب (شكوى المسجد).
7- توحيد خطاب الأمة وتوجهاتها نحو المطالب الحقيقية وعدم التشتت في الرؤية أو التركيز على مطالب جزئية، فتضيع الأمة ولا تعرف ماذا تريد وبماذا تطالب، وقد عبّرنا بلسان الأمة عن مطالب سبعة في البيان الثالث عن المواجهات الأخيرة.
وقد اعترف الساسة وقادة البلاد بأنه أفضل تحليل للوضع الراهن وكيفية الخروج منه ومن دون هذا الخطاب الموحد تضيع الجهود والدماء هدراً.
8- المحافظة على النظام الاجتماعي العام وعدم الإخلال به فانه من أعظم الواجبات الشرعية وقد تنازل أمير المؤمنين عن حقه في الخلافة لهذه الغاية. فما بالك بالأقل منه.
9- الإعراض عن حب الدنيا والمنافسة عليها بكل أشكالها ومصاديقها فإنها رأس كل خطيئة وباب الشرور كلها، وإن النجاة في تركها تأسّياً بأمير المؤمنين (علیه السلام) الذي خاطبها : (يا دنيا غرّي غيري قد طلقّتك ثلاثا لا رجعة لي فيك). وعلى تعبير الإمام الحسين (علیه السلام): (فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته). وقد شبّهها الأئمة (علیهم السلام) بالجيفة التي تتزاحم عليها الكلاب، وهذه هي حقيقتها فهل
يقبل العاقل أن يكون ضمن هذا المشهد المقزّز وكلما ابتعد عنها الإنسان فانه يكون سعيداً مرتاح البال فالعاقل من جعلها مزرعة لآخرته.وهكذا فإن زيادة الموعظة تزيد البصيرة وتنير القلب وتهذّب النفس.
10- دراسة سيرة المعصومين (علیهم السلام) بشكل مفصّل وتحليلي على نحو ما جرينا عليه في محاضرات (دور الأئمة (علیهم السلام) في الحياة الإسلامية) وموسوعة الإمام المهدي لسيدنا الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وغيرها لنتعلم منهم (ع) كيف نواجه متغيرات الحياة بالموقف السليم.
هذه نقاط عشر على نحو الاختصار وهي لا تغني عمّا اشرنا إليه في الكتب والبيانات المختلفة.
أسأل الله تعالى أن يجمع كلمة عباده على طاعته ويوفقَّ أولياء أمورهم لما فيه صلاحهم إنه أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
27 صفر 1425
18 / 4 / 2004
خطاب المرحلة 52 : الحل والعلاج في العودة إلى الله تبارك وتعالى(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحقائق التي بينها الله تبارك وتعالى من خلال القرآن الكريم لتثبيتها في قلوب وعقول المؤمنين أن ما يصيبهم من بلاء وعنت وضيق وشدة فإنما هي نتيجة أعمالهم السيئة [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير] (الشورى: 30) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ](النساء: 79)، ويلفت أنظار المسلمين من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) وهم في قمة المواجهة العسكرية مع مشركي قريش في معركة أحد أن هزيمتهم كانت بسبب عدم تهذيب أنفسهم فهذا هو السبب الحقيقي وليس الأسباب المادية [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا] (آل عمران: 155).
وفي نفس الوقت يعلمنا الحل وسبيل النجاة من هذه المعاناة.
انه بالعودة إلى الله تبارك وتعالى والتضرع إليه والتوسل إليه تبارك وتعالى
1) من النصائح والمواعظ التي كان يوجهها سماحة الشيخ (دام ظله) إلى الأمة من خلال أئمة الجمعة خلال فترة المواجهات المسلحة.
وتصفية القلوب مما فيها من غلٍّ وضغائن ورذائل كالحسد والعجب والكراهية والأنانية [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ] (الأعراف:96-100). والمراد بالبأس هنا ليس الاستئصال كما كان يحصل للأمم السابقة على الإسلام، فإن مثل هذا العذاب قد رُفع عن هذه الأمة ببركة النبي (صلی الله علیه و آله)، ولكن الأمة بقيت معرضة -بسوء تصرفها- لألوان أخرى من العذاب: نقص الثمرات، وقوع الفتن والحروب بينهم فيذيق بعضهم بأس بعض، تداعي الأمم الأخرى عليهم لاستعبادهم، وهذه البلاءات كلها قد نزلت بالأمة والعياذ بالله. وقال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ] (الطلاق:2-3)، ويخاطب الأمم التي تتخبط في جهلها وغفلتها وبعدها عن الطريق الحقيقي [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] (سبأ: 46) أي أن تلتفتوا إلى أنفسكم فتعودوا إلى الله تبارك وتعالى أفراداً وجماعات وتجأرون إلى الله بالدعاء والاستغاثة.
وهذا لا يعني أن هذا القيام لله تبارك وتعالى واللجوء إليه مختص بحال الاضطرار، إذ المطلوب أن يكون الإنسان في كل حالاته ذاكراً لله تعالى مستجيراً به طالباً منه التوفيق والتثبيت على الإيمان والزيادة من عمل الخير
والتأييد، بل إنه سبحانه يعرض مستغرباً مثل هذا النموذج الذي لا يعرف الله إلا في أوقات الضيق والشدة كانقطاع السبل في البحر الهائج [فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون] (العنكبوت: 65)، ولا يقصد الشرك الظاهري أي عبادة الأصنام ونحوها لأنه خلاف دعوتهم لله مخلصين، وإنما يريد الشرك الخفي أي الإعراض عن الله والالتجاء إلى الأسباب من دونه. ويضرب لنا مثلاً في قوم يونس فإنهم قد أحيطوا بعذاب، وظن نبيهم أنهم قد أُخذوا ولم تبق فرصة لنجاتهم، فغادر المدينة إلا أنهم عادوا إلى الله وخرجوا جميعاً مستغيثين بالله أن يرفع عنهم البلاء، فاستجاب الله تبارك وتعالى لهم ونجاهم [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] (يونس:98).
ولا يتم هذا الاتصال بالله تبارك وتعالى وينتج ثمراته إلا بولاية أهل البيت والتوسل بهم إلى الله تبارك وتعالى وإدامة ذكرهم وإقامة شعائرهم والاستغاثة بالإمام القائم بالأمر (عجل الله تعالى فرجه)، قال تعالى [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فإن لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى] (طه:124) وقد ورد في الروايات أن الذكر هي ولاية أهل البيت (علیهم السلام) فمن لم يتمسك بهم يكن في عيشة ضيقة تعيسة خالية من الإمدادات الروحية.
يروى عن الإمام الهادي (علیه السلام) قوله ما معناه إذا ضاقت بنا الأمور دعونا الله تبارك وتعالى بـ(يا من تحل به عقد المكاره …) وهو من أدعية الصحيفة السجادية ويوجد في كتاب مفاتيح الجنان.
هكذا علمنا الله تبارك وتعالى وهكذا أدبنا أهل البيت (علیهم السلام) فأين نحن من ذلك التأديب الذي يراد منه نفعنا وسعادتنا ؟أنا لا أنكر تقدم المستوى الإيماني لدى هذا الجيل بفضل الله تبارك وتعالى بشكل أذهل الأعداء وأصاب خططهم بالخيبة والخسران، إلا أنه مع الأسف في كثير من حالاته عبارة عن وهج عاطفي وحرارة متدفقة غير مقترن بوعي عميق وتربية راسخة للقلب والنفس، مما يجعل هذه الاندفاعة في مهب الريح -والعياذ بالله- إذا لم نتداركها بما يصلحها.
وإلا بماذا تفسر انتشار الافتراء والبهتان والتسقيط والتشويه بين المؤمنين بل أصبح شغل الكثير من أهل الغفلة هو ذم العلماء والمراجع والقدح فيهم وانتقادهم، ولا أدري من أين نال هؤلاء القيمومة على الآخرين ليعطوا لهم الحق في تقييم أعمال المراجع والمفكرين ؟! ألم يسمعوا الحديث الشريف (إن حرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة)، فالاعتداء على سمعة المؤمن وكرامته وتشويه صورته اشد من الاعتداء على الكعبة، أو على العتبات الطاهرة للأئمة المعصومين (علیهم السلام) -رغم أنها من الجرائم الشنيعة-، فهل التفت المؤمنون إلى هذه الكبائر التي تورطوا فيها، وعميت بصائرهم عن رؤيتها حتى تنشر صحائف أعمالهم أمام الحكم العدل [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] (قّ: 22).
وهل غضبوا لانتهاك حرمات المؤمنين أم على العكس إنهم خاضوا في هذه الكبائر وشربوا كأسها حتى الثمالة، حتى أن بعض أئمة الجمعات استغلوا هذا الموقع الآلي الذي يعبر عنه الإمام (علیه السلام) (اللهم إن هذا مقام أوليائك
وخلفائك) استغلوه للمهاترات الكلامية وتصفية الحسابات الشخصية ولانتقاد العلماء.عن هذا النقص في تربية المشتغلين بالعمل الاجتماعي الإسلامي والأسف من عدم اكتمال التربية قال الشهيد السيد محمد باقر الصدر رائد الحركة الإسلامية في العراق(1). (إننا استطعنا أن نربي الآخرين إلى نصف الطريق) وعلق عليه الشهيد السيد محمد الصدر (قده): (ولم يقل إلى نهايته لأنه لو كان الأمر كذلك لما حصل أي شيء من تلك النتائج. ولو كان أولئك المتدينون قد أصلحوا أنفسهم قبل إصلاح الآخرين، وما رسوا المقدمات المنتجة لصفاء النفس ونور القلب وعمق الإخلاص وقوة الإرادة وعفة الضمير لما عانوا ما عانوا، بل ولعلهم لم يحتاجوا في الحكمة الإلهية إلى كل هذا البلاء الذي وقع عليهم، وإنما كانوا مع شديد الأسف مصداقاً لقوله تعالى [وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم] (محمد: 38) ولم يكونوا مصداقاً لقوله تعالى [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج:41)، وليس ذلك إلا لان الأفراد التامين من جميع الجهات والأوصاف الجامعين للشرائط عددهم قليل، وأقل من الحاجة بكثير.
أيها الإخوة والأخوات زادهم الله بصيرة:
إننا مطالبون بمحاربة الشياطين في أنفسنا الأمارة بالسوء قبل كل شيء،).
1) من بحث بعنوان (التربية الدينية) كتبه السيد الشهيد الصدر الثاني أيام إقامته الجبرية في الثمانينات وهو مخطوط محفوظ عندي، ونشر ضمن سلسلة (حديث الروح).
ومهما تعاظمت شياطين الجن والأنس فإنها دون هذا العدو الأكبر الذي وصفه الحديث الشريف (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك)، بل إن كل شياطين الإنس هي ثمرة هذا الشيطان ولو أصلحنا ما في نفوسنا لم يبق شيء من تلك الشياطين؛ لذا سمى النبي (صلی الله علیه و آله) جهاد النفس بالجهاد الأكبر ومعناه أن العدو في هذا الجهاد هو العدو الأكبر. وجهاد الأعداء الآخرين مهما تفرعنوا بالأصغر.إن نصرنا الحقيقي حينما نستطيع سحق أهوائنا وأنانياتنا ونزيل الغل والحقد والكراهية وحب الدنيا بكل أشكالها (وأخطرها حب الرئاسة والتسلط وتصفيق الجماهير) والحسد والرياء والعجب والتكبر والعنجهية والاستعلاء وغيرها من الرذائل، ونملأ قلوبنا بالحب والرحمة والشفقة والعفو والصفح والتآلف والمودة والصبر وكظم الغيظ وغيرها من الفضائل.
هذه هي وصايا أهل البيت (علیهم السلام) وهذه تربيتهم، حتى حينما كان يظن شيعتهم أن الفرصة قد حانت وان الثمرة قد آن قطافها، كانوا (ع) دائماً يذهبون في الاتجاه الآخر غير الذي يفكر به الآخرون مهما قربوا من الإمام (علیه السلام)، وهو اتجاه محاسبة النفس ومراقبتها وعرضها على الميزان الذي نصبه أهل البيت (علیهم السلام)، وأقرأ كشواهد على ذلك أقوال الإمام الصادق (علیه السلام) لمن عرضوا عليه النصرة وتسليم مفاتيح السلطة بعد القضاء على الأمويين، ونصائح الإمام الرضا (علیه السلام) للذين خرجوا لاستقباله على طول الطريق من المدينة المنورة إلى مرو.
إننا ضيعنا حتى الحد الأدنى من ذكر الله تعالى وهو الالتجاء إليه عند الاضطرار، فها هو البلاء يحيق بنا والأعداء يتربصون بنا ولا أجد المؤمنين
يعقدون مجالس الدعاء والتوجه إلى الله تعالى والاستغاثة بالمعصومين (علیهم السلام) والتوسل إلى صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه) كي يتولانا برعايته مع عدم الإخلال بالواجبات الأخرى طبعاً، يروي لنا سلفنا انه إذا مر بهم بلاء اجتمعوا في المساجد والحسينيات للدعاء ولذكر مصائب أهل البيت (علیهم السلام) وزيارتهم، وكان طلبة العلم في النجف يتوجهون مشياً على الأقدام إلى مسجد السهلة مستغيثين بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) أو كربلاء لزيارة الحسين (علیه السلام) أو أي مسجد جامع لأبناء المدينة فيرفع الله عنهم البلاء، كما فعل بقوم يونس، بل ما حصل لنفس النبي يونس (ع) فانه لما نادى [لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] (الأنبياء: 87) جاءه الغوث والخلاص [فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ] (الأنبياء:88) وقال تعالى [فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] (الصافات:143 - 144). لذا يبين الإمام المهدي (علیه السلام) امتعاضه من شيعته لأجل هذه الغفلة عن الله تعالى وعن أهل البيت (علیهم السلام) في كثير من اللقاءات معه (ع) ومنها قصة السيد الرشتي المذكورة في مفاتيح الجنان لما ضلَّ الطريق في ظروف صعبة قال له موبخاً لماذا تتركون زيارة عاشوراء والنافلة وزيارة الجامعة الكبيرة(1).
هذا هو الحل وهذا هو طريق النجاة أن نقوم لله تعالى مثنى وفرادى متآلفين ومتحابين أنقياء القلوب أصفياء النفوس ونعمل بوصايا المعصومين (علیهم السلام) ونتأدب بأدبهم ونترك التعصب والتشنج والتطرف والأنانية وحب الدنيا.).
1) تفصيل الكلام في كتاب (شكوى الإمام (عليه السلام)).
[قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود:88).والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمد اليعقوبي
2 ربيع الثاني 1425
22/ 5/ 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
يبدأ خلال أيام أحباؤنا الطلبة في أداء الامتحانات العامة ومن ثم يتمتعون بعطلة صيفية، وقد ألقيتُ في مثل هذه المناسبات قبل عامين عدة محاضرات طبع بعضها في كتاب (الحوزة وقضايا الشباب) وكتاب (موعظة وإرشادات في فصل الصيف) وذكرتُ فيها معاني جليلة مستوحاة من مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) لا ينبغي للأمة أن تقصر في تأملّها والاستفادة منها.
وقد كانت تكلفني مثل هذه المحاضرات التي القيها تحت أبصار وأسماع جلاوزة صدام أخطر النتائج، ولكنني كنت مطمئناً إلى قول أمير المؤمنين (علیه السلام): (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقرّبا أجلا ولن يقطعا رزقاً) وأنا لم أزد على إحياء هذه الفريضة الإلهية العظيمة.
ومما قلت بمناسبة الامتحانات إننا لنأخذ منها الموعظة، فإن هذا الجهد المضني وسهر الليالي والأعصاب المشدودة التي يعاني منها الطالب في فترة الامتحانات إذا كانت تستحقها شهادة دنيوية –مهما عظمت أهميتها- فإنها زائلة، فكيف يجب أن نستعد لامتحان الآخرة ونتائجها الباقية إما نعيم مقيم أو عذاب خالد –والعياذ بالله- مما لا تحتمله جلودنا الرقيقة.
ولنأخذ أيضاً من لذة النجاح والتفوق في هذه الامتحانات أو الشعور بالخجل
والخيبة والحقارة عند الرسوب فيها درساً لموقفنا يوم القيامة حينما يحشر الأولون والآخرون في عرصة القيامة والحكم هو الله تبارك وتعالى والشهود هم الأنبياء والرسل والأئمة (علیهم السلام) وتعرض نتائج السعي في الدنيا على الملأ العظيم، فيا قرة عين الفائزين وطوبى لهم وواخجلة المسيئين.وقد دعوت في تلك المحاضرة إلى الجد والاجتهاد في الدراسة لتحصيل تسنى المراتب حتى يكون شبابنا المؤمن هم القدوة في كل شيء وليكونوا بذلك سبباً لهداية غيرهم، وتفاصيل هذه المعاني وغيرها في كتاب (الحوزة وقضايا الشباب).
وقلت بمناسبة العطلة الصيفية أن الإنسان المؤمن لا يعرف (التعطيل) بمعنى الكسل والخمول والسبات فإنه ما خلق لذلك، بل خلق ليتكامل ويسمو ويتنافس في درجات القرب من الله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات:56).
وقد عبّرت الآية الشريفة عن حياة الإنسان بالكدح والعمل المضني الشاق [يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيه] (الانشقاق: 6) فلا نعني بالتعطيل: التعطيل المطلق، وإنما التعطيل النسبي أي بلحاظ الدراسة وإلا فانه ينتقل إلى نشاطات أخرى ليريح عقله من الجهد العلمي بالاتجاه الذي كان يدرس فيه، لكنه يقوم بنشاطه الفكري والبدني في اتجاهات أخرى لا تقل نفعاً وأهمية عن ذلك الجهد، وهي بالتالي تعينه على العودة بهمّة كبيرة واستعداد مفتوح للعطاء عند بداية العام الدراسي المقبل بإذن الله تعالى.
ومن النشاطات التي دعوتُ الطلبة إليها الالتحاق بالحلقات السريعة المكثفة
التي تعقدها الحوزة العلمية وفق منهج معين خلال أشهر العطلة يفي بمتطلبات سنة دراسية كاملة وفق المسار المعمول به في الحوزة العلمية، وبذلك هم يتجاوزون مراحل الدراسة الحوزوية من دون أن تؤثر على تحصيلهم الأكاديمي، وبنفس الوقت ننشئ داخل الجامعات والمدارس جيلاً يحمل أفكار الإسلام ويهدي الآخرين إليها، وعلى الأقل فانه يحصّن نفسه وعقيدته من الانحراف المستشري في أوساط الجامعات وفوائد أخرى ذكرناها في المحاضرة.وبالرغم من أن الكلام لم يذكر على شكل دعوة واضحة للالتحاق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف وإنما ذكر عَرَضاً إلا أن الاستجابة من الشباب كانت مثيرة للإعجاب، فزهت النجف بالمئات من الشباب الجامعيين من مختلف الاختصاصات حتى الراقية منها، وبقدر ما افرح المؤمنين وعبّر الكثير من المراجع والعلماء والفضلاء والمفكرين عن سرورهم بهذه الخطوة فإنه أزعج الطغاة وأقض مضاجعهم فراحوا يرفعون (التقارير) المتتالية إلى أسيادهم عن هذا النشاط.
وقد بارك الله تعالى بذلك المشروع وسهّل لهم محلات السكن ورواتب شهرية تغطي نفقات سفرهم وإقامتهم بشكل لم تعهده الحوزة العلمية التي تشكو عجزاً وتقصيراً واضحاً في إدارة شؤون الطلبة وإسكانهم بهذه السرعة والتنظيم.
وفي نهاية الدورة كتبت للمشاركين كلمة ألقاها المشرفون عليهم حيث قسموا إلى مجموعات تضم كل مجموعة (25) طالباً في المعدل ولهم مشرف
يهيئ لهم الأساتذة ويوجههم ويوفر لهم الخدمات وكانت تجربة تستحق الإكبار وتسجيل الشكر لكل المساهمين فيها.وقد تقدم (في الجزء الثاني من هذا الكتاب) فراجعوها لتحاولوا أن تعيشوا معنا تلك اللحظات القدسية والألطاف الإلهية التي عاشها المؤمنون، والتي ببركاتها وأمثالها من المشاريع المخلصة منَّ الله تبارك وتعالى على الأمة بزوال الطاغوت المتجبّر بعد عدة أشهر لما علم الله من هذه الأمة الإخلاص له والعمل الصادق في سبيله.
وعلى أبواب العطلة الصيفية هذا العام نحن مطالبون بأن نعيد تلك الأنشطة بشكل أوسع؛ لأن المانع قد زال بفضل الله تبارك وتعالى ولم تعد الدراسة الحوزوية مقتصرة على النجف الأشرف، فهذه فروع جامعة الصدر الدينية المحروسة في المحافظات قد بلغت (12) فرعاً وهي تضاهي في مستواها ومنهجها وإدارتها النظام المعمول به في النجف الأشرف.
وأشير هنا إلى بعض الخطوات العملية:
1- ينتظم الطلبة في مجاميع أو (مواكب) ويُحدَّد العدد المناسب لكل موكب ويختار له مشرفاً بالانتخاب.
2- تُحدَّد النشاطات وبرامج العمل المناسبة لكل مدينة بحسب الفرصة ومنها:
أ- بناء المساجد والحسينيات إن توفرت إمكانياتها.
ب- تنظيف الطرق والحدائق العامة بما يشبه العمل الشعبي.
جـ- مساعدة المتضررين.
د- مفاتحة المؤسسات الخدمية كالكهرباء والماء والبلدية والمستشفيات لتقديم الخدمات المجانية أو بنصف الأجور.هـ- الالتحاق بالدراسة الحوزوية، أي الدورات السريعة أو أي شكل من أشكال التحصيل للدروس الحوزوية في مدنهم.
و- إقامة الشعائر الدينية لأهل البيت (علیهم السلام) حتى بدون مناسبة.
ز- المواظبة على صلاة الجماعة.
ح- تنظيم مباريات رياضية بعيداً عن روح الشحناء والتباغض وإنما للتأليف بين القلوب ولتحقيق الوحدة واجتماع المؤمنين.
ط- القيام بأعمال الكسب والارتزاق لتحقيق الاكتفاء الذاتي أو لمساعدة الآخرين.
ي- تأسيس مكتبات جماعية أي جمع أموال من الأعضاء وشراء كتب بالمال المتجمع وتعود ملكيتها للجميع والحث على القراءة والمطالعة.
ك- إقامة المسابقات في شتى المجالات.
ل- دعوة المفكرين والفضلاء لإلقاء المحاضرات واستماع التوجيهات ومناقشتهم في قضايا الساعة.
3- تتولى الحوزة العلمية رعاية هذه المواكب وتنظيم نشاطاتها وتوجيهها وتقديم الدعم المادي والمعنوي لعملها.
4- تتحمل إدارات فروع جامعة الصدر في المحافظات مسؤولية تنظيم الدورات السريعة وتوفير المدرسين لها ووضع المناهج الدراسية ومن المفضّل مفاتحة رئاسة الجامعات الأكاديمية أو المدارس لتوفير القاعات لعقد هذه
الدروس وتقوم بتقديم الهدايا على المتفوقين والمواظبين على التحصيل وتقوم بمراعاة المستويات العلمية للطلبة.5- يقتصر التدريس على العلوم الأساسية: الفقه، العقائد، الأخلاق، التفسير والتلاوة، سيرة المعصومين (علیهم السلام)، دروس في علم المنطق. والمناهج الملائمة هي (الصراط القويم) في الفقه و(عقائد الإمامية أو بداية المعرفة) في العقائد و(مرآة الرشاد أو أخلاق أهل البيت أو القلب السليم) في الأخلاق و(مختصر تفسير الميزان أو تفسير شبر) في التفسير وكتاب (دور الأئمة في الحياة الإسلامية بقسميه الأول والثاني أو نفحات من السيرة) في تاريخ المعصومين، وعند عدم توفر المصادر يُشجع الطلبة على تحضير دفاتر وتقرير شرح المدرسين.
هذه أفكار رئيسية أضعها بين يدي أحبائي وإخواني وعليهم وضع التفاصيل، وأملي بهم كبير أن يجعلوا من العطلة الصيفية (خلية نحلّ) تعج بالحركة والنشاط وكل ما فيه خير الأمة وصلاحها، واعلموا أن من أقسام الجهاد هو من أسس مشروعاً خيرياً أو سنة حسنة وجاهد من أجل إدامتها وانتفاع الأمة منها. ومن أولى هذه أهل هذا البلد الكريم في أن يزدهر فيهم هذا النشاط.
محمد اليعقوبي
9 ربيع الثاني 1425
29 / 5 / 2004
خطاب المرحلة 54 :ملاحظات بين يدي الحكومة المؤقتة الجديدة(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لقد شهد العراق خلال الأسبوع الماضي حدثاً كبيراً في تاريخه وهو تعيين رئيس الجمهورية والحكومة للفترة الانتقالية للإشعار بحياة جديدة انبثقت في هذا البلد، وقد افتعلت أزمات في البلد خلال الفترة الماضية لتنشغل الأمة بها ويمرر هذا المشروع كما خطط له وقد اشتركت في حبكه عدة أطراف بعضها مؤثر وبعضها مغلوب على أمره.
إن هذا الحدث يمكن أن نلاحظ عليه عدة نقاط:
1- غياب الصورة الإسلامية عن التشكيل وعدم وضوح ما يشير إلى أن هذه حكومة تمثل بلداً سمته البارزة فعالية التيار الإسلامي فيه وتغطيته لمساحات واسعة من الشعب، ولا يتناسب الوجود الإسلامي في هذا التشكيل مع جسامة التضحيات التي تكبدها هذا التيار خلال عقود البطش الصدامي، حتى أن النساء
1) اختار مجلس الحكم حكومة مؤقتة برئاسة الدكتور أياد علاوي يوم 12 ربيع الثاني 1425 الموافق 1/ 6/ 2004 قبل موعد تسليم السلطة للعراقيين الذي حددّه قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية في الثلاثين من حزيران.
المنّضمات إليه لا توجد فيهن واحدة ترتدي الحجاب الإسلامي لترمز إلى وجود شريحة واسعة من الملتزمات بالشريعة الإسلامية والتي تمثل أغلبية نساء هذا المجتمع.وبعد كل هذا يقول مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إن هذا أفضل الممكن أو الموجود.
2- الترحيب العربي والإقليمي الذي حصل بهذه الحكومة رغم أن آلية تشكيلها لا تختلف عما حصل في إنشاء مجلس الحكم حينما اعترضوا عليه ولم يعترفوا به لأنه فاقد للشرعية وغير منتخب من قبل الشعب فما حدا مما بدا ؟ أم أن وراء ذلك أغراضا ونوايا غير نظيفة قد تحققت ؟
3- إن هذه الحكومة غير شرعية بالتأكيد لأنها لم تستند إلى إرادة الشعب ولكنها قادرة على أن تحظى بتأييده لاحقاً حينما يلمس منها هذا الشعب خطوات ايجابية على طريق حل مشاكله وقيادته نحو الاستقرار والبناء والأمن والازدهار، وإن تكون لهم مصداقية وجدية في وعودهم للشعب لأن وظيفتهم الأساسية هي إنهاء الاحتلال بتسلم السيادة الكاملة، والإعداد الكامل لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وتصريف أعماله خلال المرحلة الانتقالية.
ويتفرع عن ذلك عدم وجود حق لهذه الحكومة في اتخاذ قرارات ستراتيجية وتكبيل الشعب وحكومته الدستورية بعقود ومعاهدات وقوانين ملزمة لتلك الحكومة التي ينتخبها الشعب.
4- إن البلد قد عانى خلال الأشهر الأربعة عشر من عمر الاحتلال من أزمات ضخمة كلفته الكثير من الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي ما كان
ليتحملها لولا صبره وترقبه وحسن ظنه بالله تعالى، وقد أرجعنا أسباب تلك الأزمات إلى عدة أمور في بعض بياناتنا السابقة ومنها التخبط في العملية السياسية، تجاهل إرادة الشعب، عدم الجدية في إعمار البلد وتحسين وضع أهله، عدم إيجاد فرص العمل الكافية وغيرها. وإذا شخصنا الأسباب فلا بد من العمل بصدق وإخلاص على تلافيها وعدم تكرار الوقوع فيها فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وقد لدغ شعبنا مرات ومرات.
إن عيون هذا الشعب المضطهد المحروم الذي يستحق كل تكريم ورعاية تترقب من الحكومة الجديدة أن تمسح بيدها على جروحه وتخفف عن آلامه وتعينه على المكاره ولا تضيف إليه هماً على همه ومصيبة على مصائبه فينعدم عنده الأمل ويدب إلى قلبه اليأس فلا يجد حلاً أمامه إلا الانتحار.
محمد اليعقوبي
14 ربيع الثاني 1425
3 / 6 / 2004
خطاب المرحلة 55 : العمل السياسي من الواجبات الشرعية(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه والميامين من آله وسلّم تسليماً كثيراً.
تقسم الأعمال التي أوجب الشارع المقدس أداءها إلى قسمين:
الواجبات الفردية: وهي التي يتعين على الفرد القيام بها أمام الله تبارك وتعالى سواء قام غيره بمثل ذلك العمل أم لا كالصلاة والصوم فإن الصلاة واجبة على الفرد سواء صلّى غيره أم لا.
الواجبات الاجتماعية: وهي الأعمال التي يجب على مجموع الأمة القيام بها، فإن تصدى واحد أو أكثر لانجاز هذا الواجب سقط التكليف عن الآخرين وإن لم تقم الأمة به أثم الجميع لتقصيرهم كمهنة الطب، فلا بد أن يدرس الطب عدد من أبناء الأمة حتى يقوموا بهذه المهنة الإنسانية فإذا لم يتوفر العدد الكافي لتلبية حاجة المجتمع حوسب الجميع على التقصير.
1) محاضرة ألقاها سماحة آية الله الشيخ اليعقوبي (دام ظله) على العشرات من طلبة معهد التطوير الاجتماعي الذين انهوا محاضراتهم في الدورة الأولى في المعهد وقد أسس المعهد المرحوم الشهيد مؤيد الكعبي بمباركة سماحة الشيخ وقد اقترح الشهيد أن تكون آخر محاضرة يتلقاها الطلبة من سماحة الشيخ.
وقد شرحت التفاصيل في محاضرة (الأسس العامة للفقه الاجتماعي) وهي منشورة في كتاب مستقل وضمن كتاب (نحن والغرب)، ويبدو أن المصطلح جديد على أذهان المتفقهين لأن الأول يسمى (الواجب العيني) والثاني (الواجب الكفائي)، لكنني ذكرت في تلك المحاضرة مبررات هذه التسمية وأثبتُّ وجود هذا الفهم في ذهن الفقهاء وإن لم يطلقوا عليه هذه التسمية.وقد عُلِم من ذوق الشريعة اهتمامها البالغ بالواجبات الاجتماعية وأعطتها قيمة اكبر من الفردية، كتفضيل العالم على العابد بدرجات كبيرة وان (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام)، والجهاد الذي وصفه أمير المؤمنين (باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه) وليس لأوليائه فحسب، وكوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي رتّبت عليها الأحاديث الشريفة مصالح حيوية للأمة فبها تقام الفرائض وتحيى السنن وتحل المكاسب ويأمن العباد إلى غيرها من الثمرات، ومثل هذه الثمرات الكبيرة لم تُعط للواجبات الفردية وان كانت تكتسب شيئاً منها باعتبار آثارها الاجتماعية ككون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي ثمرة اجتماعية ونحوها.
ولعل من أهم الواجبات الاجتماعية إدارة شؤون الأمة على جميع المستويات وحفظ مصالحها وإقامة الحق والعدل في البلاد، وتفهم هذه الأهمية من واقعة يوم الغدير حينما أمر الله تبارك وتعالى نبيه الكريم (صلی الله علیه و آله) أن ينصب علياً أمير المؤمنين قائداً للأمة من بعده وإماماً لها وجعل هذا العمل في كفة وتبليغ أحكام الشريعة كلها في كفة أخرى فقال تعالى [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه] (المائدة:67)(1)وحينما يوصي أمير المؤمنين (علیه السلام) شيعته بالتقوى ونظم الأمر فإنما يقصد بتنظيم الأمر هذه الواجبات الاجتماعية لا الفردية التي لا تحتاج إلى نظم الأمر.هذا هو منشأ وجوب العمل السياسي وهذه هي أهميته بحيث إن الإمام الحسن السبط (ع) يجعله من أهم وظائف الإمامة (إن الله تعالى ندبنا لسياسة الأمة)(2)ويقول الإمام الحسين (علیه السلام) (إن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)(3).
وإن أحببت دليلاً إضافياً على الوجوب فنقول إن العمل السياسي هو من أوضح آليات وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوسع القنوات للقيام بها فوجوبه من وجوبها؛ لأن الفرد العامل يستطيع من خلال موقعه الإداري إصلاح الكثير من الفساد والانحراف وقضاء حوائج المؤمنين وحل مشاكلهم ورد الحقوق إلى أهلها وإقامة العدل في الرعية وهذه الأعمال هي المصاديق الرئيسية لهذه الوظيفة الإلهية ولا تتحقق بمعناها الواسع إلا من خلال التصدي لإدارة شؤون الأمة.
وكثيراً ما ننتقد وجود الفساد الإداري واختلاس أموال الأمة والأنانية والفئوية والطائفية وعدم الاكتراث بمطالب الشعب ومعاملتهم بالقسوة والبطش والظلم ولا نعلم أننا أحد الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة بالعزوف عن4.
العمل السياسي وترك الساحة لأولئك العابثين بمقدرات الأمة، فهذا تقصير غير مغتفر وإذا كان له عذر في الزمان الماضي فليس له عذر اليوم.فهي مسؤولية كل إنسان كفوء نزيه قادر على أن ينصف الناس ويعطي لكل ذي حق حقه ويقيم النظام ويبسط الأمن ويسير بالعدل ويمنع الظلم والفساد والانحراف بمقدار ما يستطيع، وهذه هي السياسة في الإسلام التي كان على رأس من باشرها رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين والهداة من أهل بيته بحيث نخاطبهم في الزيارة بأنهم (ساسة العباد وأركان البلاد)(1).
فالسياسة في الإسلام نظيفة في أهدافها؛ لأنها تبتغي رضا الله تبارك وتعالى وإعلاء كلمته والرفق والرحمة بالعباد وتخليصهم من الظلم والاستعباد، ولا تجعل هدفها (المصالح) المادية الضيقة التي تستتبع الأنانية والاستئثار والشح والاستغلال والقهر والقسوة وهي نظيفة في وسائلها فإنها تحافظ على المبادئ والقيم السامية التي تؤمن بها(2).
ولا تخالفها من أجل متاع زائل بعكس سياسة أهل الدنيا التي تبرر لهم كل وسيلة همجية يربأ عنها حتى وحوش الغاب.
وهذه الفروق نابعة من الأيدلوجية التي يستند إليها كل من الطرفين، ونضرب مثلاً على ذلك من سيرة أمير المؤمنين الذي كان يعلم أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي سيقتله وطالما سمع تهديده بذلك ولكنه لم يتخذ ضده أيم.
إجراء ويقول (ع) (لا يجوز القصاص قبل الجناية) وحاول أصحابه (علیه السلام) القضاء على مؤامرته إلا أنه (علیه السلام) منعهم وقال: (دعوه فإن قتلني فالحكم فيه لولي الدم)(1).أما الحكومات المتسلطة حتى التي تدعي الديمقراطية فإنها تجوب البلاد بعدّتها وعددها شرقاً وغرباً لتعتقل أو تعاقب كل من تتهمه بأنه يهدد أمنها، ولو لمجرد الظن والاحتمال، وها هي الولايات المتحدة عنوان حضارة الغرب تسن القوانين التي تبيح لها الضربة الاستباقية في أي بلد على الأرض لإجهاض أي عمل يمكن أن يُعد تهديداً لمصالحها بالمعنى المطاط الواسع الذي شرعته لنفسها.
فالعمل السياسي الذي جعلناه من الواجبات هو ما كان في إطار الإسلام تشريعاً وتطبيقاً، نعم، قد تختلف آلياته بحسب الفرص المتاحة، والشيء المناسب اليوم هو تشكيل التنظيمات الحزبية والنقابية والشعبية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، لا لتعيش الأنانية الحزبية والعصبية المقيتة لها بل لتكون قنواتٍ للعمل وواجهات وكيانات تدافع عن الفرد وتعبر عن مطالبه وتخوض باسمه ومن أجله العملية السياسية.
وقد أوضحت جانباً من هذه الوظيفة الشرعية في بيان سابق بعنوان (ضرورة مشاركة العراقيين في العملية السياسية)(2)وشرحت فيه دور الحوزة العلمية والمرجعية الشريفة في احتضان هذا العمل ورعايته ودعمه وتوجيهه لأننا نعتقد1.
إن الوقائع الاجتماعية التي تمس حياة الأمة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو فكرية أو أخلاقية هي من أوضح وأهم مصاديق (الحوادث الواقعة) التي قال عنها إمام العصر صاحب الزمان الحجة بن الحسن (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم)(1).ويبقى على الأمة مباشرة تفاصيل العمل بهمة وحماس وإخلاص حتى لا تترك ثغرة يمكن أن ينفذ منها من لا وازع أخلاقي ولا ديني ولا أنساني له فيعيث في الأرض فساداً ويهلك الحرث والنسل والأمة بمجموعها آثمة لتقصيرها ووقوفها مكتوفة الأيدي حتى ملك زمامها مثل هؤلاء.
وهنا علينا أن نلتفت إلى نقاط:
1- إن العمل السياسي بالشكل المتقدم –أعني تشكيل الأحزاب والمنظمات ونحوها- لا يعني التخلي عن الخيار المرجعي في قيادة الأمة لأنه النظام الأكمل والأقدر على تصحيح مسار الأمة وفق المنهج الإلهي، وقد خطط له أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ووضعوا له أسسه وقواعده، روي عن الإمام الحسين (علیه السلام) قوله: (مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه) وروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)(2)، وأمر الإمام المهدي (علیه السلام) في حديثه المتقدم بالرجوع إلى الفقهاء العارفين بالكتاب والسنة.4.
بل إن عمل هذه التشكيلات إنما يكتسب مشروعيته في نظر الجماهير حتى تندفع لتأييده ورفده بالعناصر المؤهلة للعمل إذا توفر له الغطاء الشرعي من المرجعية الرشيدة وقد أوضحنا ذلك في بيان بعنوان (الأسس النظرية لحزب الفضيلة الإسلامي)(1).2- ضبط أخلاق المهنة فللتعليم أخلاق وللطب أخلاق وللتجارة أخلاق حتى قال الإمام (علیه السلام) (التاجر فاجر ما لم يتفقه في دينه)، فللعمل السياسي أخلاق هي صمام أمان له من الزيغ والانحراف عن أهدافه السامية فلا بد من دراستها ومراقبة النفس باستمرار خلال التطبيق(2).
وقد حفلت جوامع الحديث بوصايا المعصومين (علیهم السلام) في هذا المجال وإذا تعذر استخلاص الدروس منها فيمكن مراجعة كتب بحثت هذا الموضوع ككتاب (السياسة من واقع الإسلام) للسيد صادق الشيرازي و(الراعي والرعية) للمرحوم توفيق الفكيكي وهو شرح عهد الإمام علي (علیه السلام) إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر والفصل الرابع من كتاب (دور الأئمة في الحياة الإسلامية) الذي عنوانه (هل كان الأئمة (علیهم السلام) يحاولون استلام الحكم).
3- إن وظيفة هذه التشكيلات السياسية ليس الدوران في أروقة السياسة والاحتجاب عن الأمة، بل إن وظيفتها جماهيرية فمكانها ليس المكاتب الفارهة الخاوية من المعاني الروحية، وإنما مكانها قلوب الناس وعقولهم وأماكنة.
تجمعاتهم من خلال عطائها للجماهير، فهي تعيش في وعي الأمة وفكرها وهمومها ومشاكلها ومشاريعها الخيرية، وقد نبهت إلى جملة من هذه الخطوات العملية في بيان رقم (53) من سلسلة خطاب المرحلة عن كيفية استثمار العطلة الصيفية للطلبة.4- إن وجوب العمل السياسي على الأمة لا يعني أنها كلها تترك أعمالها وتعمل بالسياسة فلكل إنسان ما يناسبه وحاجات المجتمع متنوعة وكلها ضرورية لحياته وإنما يتحقق امتثال هذا الوجوب بتصدي النخبة المؤهلة لأداء هذا العمل، نعم، على الأمة أن تمتلك وعياً سياسياً ويكون لها حضور فاعل في قضاياها المصيرية ولا تبقى متفرجة إزاء الأحداث فساحة العمل ليست كساحة كرة القدم يلعب بها اثنان وعشرون ويبقى الآلاف متفرجين بل الكل يشترك بحسب دوره المناسب.
5- على العاملين في الأحزاب والحركات وسائر التنظيمات أن يتجنبوا الأنانية الحزبية، فمن أهم علامات المؤمن الرسالي انه يعيش هم الأمة والرسالة الإلهية العظيمة ويذوّب نفسه وحزبه وعشيرته وكل شيء في الله تبارك وتعالى، فهو يقدّم الأكفأ وينتخبه ولو كان منتمياً لجهة أخرى وهذه الأنانية هي التي أوجبت نفور شرائح اجتماعية واسعة من العمل التنظيمي وفي ذلك خسارة كبيرة للأمة.
6- من الضروري للقائمين على العمل السياسي والفاعلين فيه إنشاء المعاهد لتطوير المهارات والخبرات السياسية والإشعار بأهمية ومسؤولية الأمة عن القيام به حتى يكون الدافع ذاتياً ولا يتوقف على أمر الآمر وتُدَّرس فيها أخلاق المهنة
التي اشرنا إليها.7- اهتمام العاملين في هذا المجال باستماع الموعظة وقراءة القرآن وحضور الشعائر الدينية وعمل كل ما يحيي القلب؛ لأن هذا العمل مهما كانت نيته مخلصة لله تعالى فانه يبقى من أمور الدنيا التي تقسي القلب كالكسب وغيره، وهذه القساوة إذا استمرت بلا جلاء وتنقية فإنها تؤدي إلى الطبع على القلوب فلا تسمع صوت الحق والهدى والعياذ بالله ويذهب نور الإيمان، وإنما يكون جلاؤها بما ذكرناه قال أمير المؤمنين (علیه السلام) موصياً ولده الإمام الحسن (علیه السلام): (يا بني أحيي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة) وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) يوما لأصحابه: (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد) قيل وما جلاؤها يا رسول الله (صلی الله علیه و آله)، قال (صلی الله علیه و آله) ذكر الموت وتلاوة القرآن.
أسأل الله تعالى أن ينور قلوبنا ويثبتها على الهدى ويسدد خطانا،
ويجري الخير على أيدينا لعباده إنه ولي النعم.
محمد اليعقوبي
27 ج1 1425 الموافق 15 / 7 / 2004
خطاب المرحلة 56 :دور الأئمة في الحياة الإسلامية(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على محمد وآله الطيبين الطاهرين
كثيراً ما يسألني الفضلاء وطلبة العلم والشباب الواعون الرساليون: ما هو تكليفنا في هذه المرحلة؟ وهو سؤال نابع من الشعور بالمسؤولية تجاه الله تبارك وتعالى وتجاه الامة وقادتها وتجب إثارته ليس في هذه المرحلة بل في كل مرحلة لان التكاليف تتنوع بحسب اختلاف الظروف كما ان الاحكام تختلف بحسب تعدد الموضوعات.
والمصدر الذي ننطلق منه لمعرفة تكليفنا ودورنا وعملنا هي سيرة المعصومين (علیهم السلام) لانهم إعدال الكتاب وصنوه كما نصّ عليه حديث الثقلين المشهور - وأنهما لا يفترقان، فإذا كان القرآن لم يفرّط في شيء(2)يمكن أن يستفاد منه في هداية الإنسان وتكميله وإصلاحه وتهذيبه وسعادته واستقامته وأن فيه تبياناً لكل شيء(3)كما نطقت به الآيات الشريفة -، فإن سيرة أهل البيت
(ع) كذلك لم تترك حالة أو واقعة أو موقفاً إلاّ وتجد في سيرتهم (ع) حكمه ورأي الشريعة فيه، حتى ورد عنهم (علیهم السلام): (ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم)، وروى سماعة عن الامام أبي الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) في حديث قال: فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله (صلی الله علیه و آله) الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال (علیه السلام): (نعم وما يحتاجون اليه الى يوم القيامة) فقلت: فضاع من ذلك شيء ؟ فقال (علیه السلام) : (لا هو عند أهله)(1). وهي تجسيد عملي على أرض الواقع لكلمات القرآن وما علينا إلا استقراء مفردات حياتهم (ع) واستثارة كوامنها وتحليلها وفهم المغزى منها، ونظم هذه المفردات في منهج متكامل نتعرف من خلاله على (دور الائمة في الحياة الاسلامية) ليكون نبراساً لنا في معرفة دورنا نحن بمقدار ما نفهم وما نستطيع تطبيقه من هذه الاعمال والفعاليات الضخمة التي كان يقوم بها الإمام (علیه السلام)، فكان هذا الكتاب قراءة تحليلية لسيرة الائمة (ع) لاستنباط هذه الادوار المتنوعة لكنها تنتظم ضمن أهداف محددة، وهي تلك التي سعى الائمة (ع) لتحقيقها وأنجز منها بمقدار ما وُفقّت الامة له، وعليها أن تسعى لإتمام المسيرة حتى يقام العدل الكامل على يد بقية الله الاعظم (أرواحنا له الفداء).
ولا أدعي أنني استقصيت ما كان يقوم به الائمة من نشاطات في حياة الأمة، وأنى لمثلي ذلك وكل ما فعلت هو إثارة جملة من النقاط في هذه المسيرة3.
1) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 57، باب البدع والرأي والمقاييس: ج 13.
الطويلة المباركة، تكون كافية لايضاح معلم هذا المنهج التحليلي في دراسة سيرة المعصومين (ع) أمام المفكرين والباحثين والعلماء.فهذا الكتاب مما لا يستغني عنه القادة ليعرفوا كيف يتصرفون في المواقف وما هي مسؤولياتهم ووظائفهم.
والمربّون ليتعلموا الطرق السليمة والمنافذ الدقيقة لتربية الامة وإصلاح مفاسدها.
والعلماء والفقهاء ليتعرفوا على الاتجاه العام لسيرة الأئمة (علیهم السلام) والمنهج الذي ساروا عليه والذوق الذي من خلاله نقيّم ما يمكن نسبته اليهم (ع) أو عدم نسبته.
والرساليون الذين حملوا همّ العمل الاسلامي المبارك وسعوا الى نشر راية الاسلام وبسط نظامه العادل السعيد في كل مكان.
وتعود أصل فكرة هذا الكتاب الى اربعين سنة حين أقامت جمعية الرابطة الادبية في النجف الاشرف موسماً ثقافياً سنة 1386 هـ - 1966، وشارك فيه نخبة من العلماء والمفكرين والادباء من بلدان عربية واسلامية عديدة ونشرت نصوص بحوثهم وكلماتهم وقصائدهم في العدد الاخير من مجلة الايمان النجفية التي كان يصدرها والدي (رحمه الله) وهو العدد (7 - 10) من السنة الثالثة.
وكان منها بحث قيم ومبتكر للسيد الشهيد الصدر الأول (قدس سره) بعنوان (دور الائمة في الحياة الاسلامية)(1).وكان مما يسّر لي الله تبارك وتعالى الاطلاع على هذا البحث أثناء فترة اختفائي في البيت ابتداءً من عام 1982 لامتناعي عن المشاركة في جيش صدام المجرم الذي كان يخوض حرباً عدوانية شرسة ضد جمهورية ايران الإسلامية، وأعجبت بفكرته وعزمت على توسيعه وذكر الشواهد عليه واستقراء المفردات التفصيلية في حياة الائمة (ع) لاستنباط المزيد من الادوار المشتركة، مستفيداً مما توفّر لدي من ثقافة دينية وتاريخية ومن مصادر قليلة نسبياً حيث كان الكتاب الاسلامي يومئذ محظوراً ويتعرض لاقسى العقوبات من يضبط عنده، لذا فإنك تجد اكثر المصادر التي اعتمدتها هي مصادر ليست أصلية وإنما ناقلة (سيرة الائمة الاثني عشر، الشيعة والتشيع، منتهى الآمال، مجلة الإيمان، ...) ولم تتيسر لي المصادر الأصلية (أصول الكافي، عيون الأخبار، ...).
والآن وبعد أن توفرت لم تسمح لي كثرة مشاغلي بتخريج الاحاديث والروايات من جديد، وعلى أي حال فقد بدأت بالعمل حتى تجاوز البحث - الذي أصله عشر صفحات تقريباً - مائتي صفحة، ومنّ الله تبارك وتعالى في عام 1985 بالاتصال سراً عن طريق المكاتبة مع السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) الذي كان هو الآخر في إقامة جبرية ومراقبة من قبل جلاوزة صدام.).
1) أعقبه نفس السيد (قدس سره) لاحقاً بمحاضرات أخر تدور حول نفس المحور ونشرت لاحقاً في كتاب (حياة الائمة: تنوع أدوار وهدف مشترك).
فعرضت مجموع ما كتبت عليه (قدس سره) فعلّق على أصل البحث وعلى تعليقاتي وإضافاتي مع تقريض من عدة اسطر للكتاب رفع من همّتي وأكّد لي ما أحسّه من أهمية الكتاب، وكان من تعليقاته (قدس سره) أن تعدّد الهوامش وكثرتها وطولها يشوش القارئ ويشتت ذهنه فتارة يقرأ في المتن (والذي هو أصل بحث السيد الشهيد الاول (قدس سره)) وأخرى في شرحه وبيانه في الهامش وأخرى في التعليقات وذكر الشواهد في هامش منفصل آخر، ورفعاً لهذا الاشكال ارتأيت أن يكون الكتاب بقسمين:الاول: كتابة المتن أي أصل بحث السيد الشهيد الاول (قدس سره) وتعليقاتي وتعليقات السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) عليه وتخريج شواهده التاريخية.
وهذه التعليقات للسيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) على اختصارها إلاّ أنها تعبّر عن اراءه (قدس سره) في جملة من القضايا المهمة التي قد يختلف فيها مع السيد الشهيد الاول (قدس سره)، وهو من تراثه الذي لم يُنشر ولم يتعرف عليه القرّاء فجاء هذا القسم مزيجاً من عطاء هذين المرجعين القائدين المصلحين المفكرين، أقدّمه وفاءً لهما وإحياءً لذكرهما وتراثهما فإن بحثاً يكتبه مثل السيد الشهيد الصدر الاول (قدس سره) ويعلّق عليه مثل السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) لحقيقٌ بأن يكون محلاً للنظر والتأمل والتدقيق.
وسنرمز لتعليقة السيد الشهيد الصدر الثاني بوضع الحرف (صلی الله علیه و آله) في نهايتها تمييزاً لها عن بقية الهوامش والتعليقات.
الثاني: الكتاب الذي ألفته في ضوء النقاط التي أثارها السيد الشهيد الصدر الاول في بحثه.
ولم يتيسر لي تنفيذ هذه الصياغة وإعادتها لضخامة العمل وتكثّر المسؤوليات وشعوري بعدم الجدوى من إنجازه سريعاً مادام البطش الصدامي وإخراس الالسن والاقلام موجوداً، حتى بدأ الغزو الامريكي البريطاني على العراق لاسقاط صدام ليلة الخميس 16/ محرم/ 1424 الموافق 20/ 3/ 2003، وتعطلت الحياة العامة تفرّغتُ في البيت لإعادة النظر في ترتيب الكتاب وصياغته وفق الرؤية المذكورة آنفاً، وأنجزته خلال الاسابيع الثلاثة التي استمرت فيها العمليات العسكرية.وبعد انتهائها بزوال الطاغوت وعودتنا للتدريس ولقاء المؤمنين، وبدأت بالقائه على شكل محاضرات يومية ثم اسبوعية على فضلاء وطلبة الحوزة العلمية الشريفة لتحقق الحاجة إليه، وكان نبراساً للكثير من الحاجات والتحديات التي استجدّت، وكانت هذه المحاضرات فرصة لاضافة معلومات مفيدة وقد كنت خلال المحاضرات أحاول تطبيق بعض الافكار على ما تعيشه الامة من تحديات وقضايا مما لم اذكره في هذا الكتاب للمحافظة على عموميته.
هذه هي قصة الكتاب وهذا هو هدفه وقد لمستُ بركاته في حياتي ولازلت انهل منه واجد في طيّاته ما احتاج، لم تصبني حيرة او تردد برغم المشاكل المعقدة التي تعيشها الامة الاسلامية والاضطراب الذي يعاني منه العراق في ظل الاحتلال المتغطرس وتخريب المنافقين والمتحجرين والمرتزقة وحماقات الجهلة والنزقين(1).ت.
1) لا يصعب معرفة المراد بالجهات الموصوفة بهذه الصفات.
ولا يمكن لقائد أن يتصدى لمسؤولية تربية الامة وإصلاحها دون أن يعيش في أجواء المدرسة القرآنية المباركة وينهل من سيرة المعصومين (علیهم السلام) قادة الاسلام العظيم، وقد توفرت لي هذه الفرص بمقدار ما يناسب عجزي وقصوري وتقصيري، وقد شرحت هذه التجارب في كتب (شكوى القرآن) و (الاسوة الحسنة في بناء الذات وإصلاح المجتمع) المستفادة من سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله) و(دور الائمة في الحياة الاسلامية) الخاص بسيرة الائمة (ع).فالحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم ونسأله تعالى التوفيق لما وفق له محمداً وآل محمد صلى الله عليهم أجمعين.
محمد اليعقوبي
جمادى الأولى / 1425 الموافق تموز /2004
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة وجناب سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يوجد لفيف من الشباب المؤمن الواعي ومن خريجي كلية القانون يستفسرون عن إمكانية الالتحاق بمعهد القضاة العالي في بغداد بالحصول على إذن خاص في ذلك من سماحتكم وانتم تعلمون مدى حيوية هذه الوظيفة في المجتمع وضرورة توفير جانب النزاهة والعدالة فيمن يتولاها.
وما تجدر إليه الإشارة هو أننا نعرف حكم القضاء وفق ما أفتى به السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره) وهي الحرمة، إلا أن المعهد فيه بعض التخصصات التي نتساءل عن إمكانية الدخول فيها وهي القضاء الشرعي (الطلاق، الزواج، ميراث، وصايا) ووظيفة المدعي العام التي يقتصر دور الشخص فيها على المطالبة بإحقاق الحق أينما تجسد وإرشاد المحكمة إليه.
هذا ولكم جزيل الأجر والثواب
وأدامكم الله ذخراً للدين وللمذهب والأمة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
3 ج2 1425
بسمه تعالىلا مانع من دخول المعهد على مستوى التعلّم والمعرفة ونيل الشهادة، فإن القوانين الوضعية مما يحسُنُ الاطلاع عليها لأنها تمثل خلاصة جهد إنساني طويل يزوّد الفقيه بثقافة وعمق نظر ينفعانه عند الدخول في عملية الاستنباط الفقهي، وإنما تبدأ مشكلة القضاء عند التعيين بعد إنهاء الدراسة في وظائف القضاة وهي مبنية على أحكام وضعية تخالف الشريعة في كثير من الموارد، لذا فهنا عدة حلول:
الأول: وهو ما طالبنا به الحكومة ونأمل أن تُحتَرم إرادة الشعب فيه حيث أظهر استطلاع الرأي العام الذي أجريناه قبل أشهر أن 98% من الشعب العراقي يريد قضاء مستنداً إلى الشريعة الإسلامية، أو على الأقل منضماً إلى المحاكم التي تعمل وفق القوانين الوضعية.
لذا نطالب بإنشاء معاهد للقضاء تعتمد المناهج الوضعية لمعاهد القضاء كما أنها تعطي دروساً إضافية في أصول وقواعد القضاء الإسلامي ويكون هذا المشروع بإشراف المرجعية الرشيدة، ووفق الضوابط الرسمية المعتمدة.
وبالنتيجة ستضم محاكم الدولة قضاة يعتمدون القوانين الوضعية بشرط عدم مخالفتها للشريعة الإسلامية، وأن يبنوا مقدمات الحكم وآليات التوصل إليه على القواعد الإسلامية من شروط الشهود والأخذ بالبينة وتحليف المنِكر وغيرها.
وإذا تطورت الحالة الإسلامية في البلد فيمكن إنشاء محاكم تعتمد الشريعة الإسلامية خالصة -في حدود ما تسمح به الظروف- وممضاة من قبل المرجعية
الدينية، وتكتسب الصفة الرسمية والمشروعية من قبل الدولة، ولها حق أمر الأجهزة التنفيذية أي الشرطة ونحوها، لعدم إمكان تعدد آليات التنفيذ غير الأجهزة الوطنية وإلا لزم اختلال النظام، وتكون قراراتها فاعلة كالمحاكم المتعارفة التي تستند إلى القانون الوضعي فيتعين هؤلاء القضاة في هذه المحاكم بعد إلمامهم بقواعد القضاء الإسلامي.الثاني: أن يدرس خريجو المعهد القضائي عند فضلاء وأساتذة الحوزة العلمية القواعد الإسلامية في القضاء ليستندوا إليها في المرافعات واتخاذ الأحكام، ولو كانوا ضمن المحاكم العرفية مع ضمان القانون لهم ذلك وعدم النقض عليهم حين مخالفة القانون الوضعي، أي تشرّع الجهات الرسمية قانوناً يخيّر القاضي -وبحسب رغبة المتخاصمين- في النظر في القضايا وفق القانون الإسلامي أو الوضعي ويلزمان بما اختارا، ولا ينظر القاضي الملتزم بالشريعة إلا في مرافعات المواطنين الذين يختارون الأحكام الشرعية فإن الحق أحقُّ أن يتبع، [أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] (يونس: 35).
الثالث: أن لا يتصدى القاضي للمحاكم التي تصدر أحكاما كالجنائية والبداءة وإنما يمارس عمله في المحاكم الحسبية كإجراء عقود الزواج والطلاق مع اجتماع الشروط أو نصب الأب والجد للأب الجامعين للشرائط قيمين على القاصرين أو طلاق المرأة المفقود زوجها بعد مراجعة الحاكم الشرعي ونحوها.
وليحذر القضاة فإن موقفهم عسير وقد وردت تهديدات شديدة من الأئمة
(ع) في حقهم لان من لم يحكم بما أنزل الله فقد نازع الله في سلطانه ولذلك وصفتهم الآيات الشريفة بأنهم كافرون ظالمون ، فاسقون، ...(1)فالمطلوب منهم أن لا يضيعوا آخرتهم بدنيا زائلة تافهة لا قيمة لها مهما عظمت عند عبّاد المادة. [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً] (الطلاق:2-3).ومن يراجع المجلد الثامن عشر من كتاب وسائل الشيعة يجد أحاديث جمة تحذر من التصدي للقضاء إلا للعالمين بالشريعة القادرين على استنباط الأحكام منها:
قال الإمام الصادق (علیه السلام) (اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصي نبي) (الباب3 حديث3 من أبواب صفات القاضي).
وقال الإمام الباقر (علیه السلام) (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه) (الباب4 حديث1).
1) قال تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] (المائدة:44) [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (المائدة:45) [وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ] (المائدة:47).
من أبواب صفات القاضي).وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) (يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئاً من الجوارح فيقول: أي ربِّ عذّبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً، فيقال له: خرجت عنك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها فسُفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام وانتهكت بها الفروج الحرام، وعزتي لاعذبَّنك بعذاب لا أعذَّب به شيئاً من جوارحك) (الباب4 حديث4 من أبواب صفات القاضي) ومثل هذه الكلمة يتورط بها أكيداً في أحكامه القاضي غير القادر على استنباط الأحكام من الشريعة فيحكم بغير ما انزل الله تعالى.
وعن الإمام الصادق (علیه السلام) (القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة) (الحديث6 من المصدر السابق).
وقال الإمام الباقر (علیه السلام) (الحكم حكمان: حكم الله عز وجل وحكم أهل الجاهلية وقد قال الله عز وجل [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة:50) (الحديث8 من نفس المصدر). فكل حكم بغير ما انزل الله فهو حكم جاهلية (راجع كتابنا شكوى القرآن).
اعتقد أن في هذا موعظة كافية لمن [كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (قّ: 37) [وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ] (الحاقة: 12).
محمد اليعقوبي
3 جمادي الآخرة 1425 - 21 / 7 / 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد واله الطيبين الطاهرين
سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله الشريف)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يرجى من سماحتكم الموقرة التفضل بالإجابة عن هذا الاستفتاء جزاكم الله خير جزاء المحسنين:
في الآونة الأخيرة ظهرت هناك عدة أفكار من قبل بعض الناس بخصوص الأيام التي نمر بها، ومن هذه الأفكار:
1- وجوب العمل بالتقية وترك العمل في فتن آخر الزمان وان يكون الإنسان جليس داره.
2- ترك الفقه والدروس الحوزوية لأنها تبعد الإنسان عن طريق الأخلاق الصحيح.
3- قراءة الكتب وعدم الرجوع إلى العلماء في الحوادث التي تقع، ومهمة الفقيه هي الفقه فقط لا غير.
4- عدم العمل في الوظائف التابعة للحكومة لأنها تؤدي إلى إعانة الظالم.
5- الابتعاد عن إقامة وحضور صلاة الجمعة والجماعة.
6- ترك الدراسة الأكاديمية والحوزوية.
بعض أبناء مدينة السماوة
بسمه تعالى
1- وجوب العمل بالتقية لا يعني الانزواء وترك الحبل على الغارب لأعداء الله تبارك وتعالى كي يفعلوا ما يشاؤون، وقد كان الأئمة (علیهم السلام) يعملون بالتقية ويؤكدون عليها ويقول الإمام (علیه السلام): (التقية ديني ودين آبائي)، أو (من لا تقية له لا دين له) ومع ذلك فقد ترشح من نشاطهم ما ملأ الخافقين، وقد أشرت إلى العشرات من أدوارهم المتنوعة في حياة الأمة في سلسلة محاضرات (دور الأئمة في الحياة الإسلامية)، فالتقية هي العمل بالممكن من دون أن يكون الثمن المدفوع أكثر من المثمن أي النتيجة الحاصلة والمرجوة، ولا تعني السلبية والانكماش والتقصير في العمل.
2- هذه مخالفة صريحة لأوامر أئمتنا (ع) وأحاديثهم الموجودة في كتاب أصول الكافي وغيرها والتي منها (لوددتُ أن السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين) وكيف ينجو في الآخرة من لم يتفقه في أمور دينه ويعرف معالم الحلال والحرام حتى ورد (التاجر فاجر ما لم يتفقه في دينه) وهو معنى غير خاص بالتجار بل كل شريحة اجتماعية عليها أن تتفقه في الأحكام التي تتعلق بها كأفراد وكمهنة.
وأما الدراسة الحوزوية فإنها من أوسع الأبواب لطاعة الله تبارك وتعالى لما فيها من الفرص الكثيرة للعمل الإسلامي المبارك، وإذا تخلى عنها الإنسان فما
هي الفرصة الأفضل منها، وإذا وجد بعض الانحراف في سلوك بعض طلبة الحوزة فهذا لا يعني أنها فقدت مصداقيتها لأننا نعرف أن عدداً من الجهلة والمنافقين وطلاب الدنيا وعملاء الطواغيت ارتدوا الزي الديني لخدمة أهداف أسيادهم ولتشويه صورة الحوزة العلمية الشريفة وهي منهم براء، ويوجد لي بيانان تفصيليان عن الموضوع نُشِرا في كتاب (الحوزة وقضايا الشباب).3- قيل مثل هذا الكلام قديماً لأمير المؤمنين (علیه السلام) بأننا نكتفي بالقرآن ولا حاجة إلى قائد أو إمام أو فقيه فدفع إليهم نسخة من المصحف مغضباً وقال: ها هو القرآن فاستنطقوه هل تجدون به انتم وأمثالكم حلاً لمشكلاتكم وخلافكم، ولو كان فيه كل ذلك فلماذا اختلفتم معنا حتى صرنا إلى القتال ويلكم إنما يحتاج القرآن إلى من ينطق به ليوصل تعاليمه إلى الناس وإلا لما احتجنا إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) أصلا ولا الأئمة المعصومين ليبينوا لنا مفاهيمه وهكذا كل الكتب تحتاج إلى من يعلمها ويعمل بها فلا بد من الرجوع إلى الفقيه العادل امتثالاً لأوامرهم (ع) (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم) وعنوان الحوادث الواقع شامل -كما هو واضح- لكل الوقائع الفردية والاجتماعية وفي خطاباتنا المتعددة توضيح ذلك.
4- أجبنا عن مثل هذا السؤال وقلنا إن انسحاب المؤمنين من المواقع الوظيفية يعني إخلاءها إلى الفسقة وعبيد الدنيا ليفسدوا ويأكلوا مال الله دولا ويتخذوا عباد الله خولا كما ورد الحديث في حق بني أمية وأضرابهم، فالصحيح هو مباشرة الوظائف التي فيها نفع الأمة وحماية مصالحها وإقامة
النظام الاجتماعي العام مع مراعاة الحدود الشرعية والحذر من الوقوع في المعصية وان لا يستولي حب الموقع أو أي شيء من حطام الدنيا الفانية على قلب المؤمن.5- هذا تعطيل لأهم السنن والفرائض الإلهية المقدسة وقد نبهنا إلى بركاتها الواسعة في كتاب (شكوى المسجد).
6- وهذا خلل آخر في التفكير يلزم منه تعطيل الحياة بدل إعمارها الذي جعله الله تبارك وتعالى من وظائف الإنسان [وَاستَعمَرَكُم فِيهَا].
وأعتقد أن هذه الأفكار ناشئة من عدة أمور أختصرها بما يلي:
1- اختلاط الأوراق عليهم فلا يعرفون لكل حالة موقفها المناسب وقرارها الصحيح، وكذلك لكل شخص تكليفه الخاص فالشخص غير الواعي وغير المزوَّد بالمعلومات الكافية لتحصينه من التأثر بالشبهات فيُنصح بتجنب الخوض فيها، أما العالم فعليه أن يقتحم الشبهات والفتن ليردها ويحمي الأمة من الانحراف امتثالاً للحديث الشريف (إذا ظهرت الفتن ولم يظهر العالم علمه ألجمه الله بلجام من نار)، فالانعزال الذي أمر به الناس عند ظهور الفتن ليس هو الانعزال المادي أي الانزواء في البيت، بل المعنوي أي الابتعاد عن الخوض فيها واجتنابها أما العالم الذي فهم الكتاب الكريم وسنة المعصومين (علیهم السلام) فيضع الأمور في نصابها ولا تختلط عليه ولا تلتبس، والذي يطلّع على سلسلة من محاضرات (دور الأئمة في الحياة الإسلامية) يجد المواقف المتنوعة بإزاء الأحداث والقضايا والمشاكل ولا يميّز بينها إلا القائد البصير.
2- الجهل وسوء الفهم لمقاصد الشريعة وأهدافها السامية التي تريد تحقيقها
من خلال التطبيق الكامل للشريعة حيث أنهم يفهمون وجهاً من وجوه الشريعة ويعرضون عن الوجوه الأخرى، فيظنون مثلاً إن الدين هو الانزواء في الصوامع ونحوها ولا يعلمون أن هذا واحدٌ من الوجوه الايجابية للعمل الإلهي المبارك الذي كان يؤديه المعصوم (علیهم السلام) في حياة الأمة.3- ردود الفعل إزاء بعض التصرفات السيئة الصادرة من بعض المتصدين للمجتمع، ولكنها ردود فعل لم تتخذ الاتجاه الصحيح، فإن المسلم إذا أساء فهذا لا يعني أن الإسلام ليس بشيء، والشيعي إذا أساء فلا يعني أن المذهب ليس بحق وكذا الحوزة الشريفة إذا أساء بعض أفرادها.
4- الشعور بالإحباط والعجز أمام حالات الانحراف الموجودة في المجتمع، ولم يأخذوا درساً من قضية أصحاب الكهف الذين تملّكهم هذا الشعور فأنامهم الله تعالى ثلاثمائة وتسعة أعوام وأيقظهم ليريهم كيف أثمرت جهود المؤمنين وتضحياتهم رغم مرور مدة طويلة فهذه النتائج بيد مسبب الأسباب وليس على المؤمن المخلص إلا أداء تكليفه إزاء نفسه والمجتمع [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (الأعراف:164).
5- التأثر بالدعوات الضالة التي يدعمها الاستكبار العالمي الذي يريد من المسلمين الانزواء في التكايا والصوامع والانشغال بأنفسهم وترك مصالح العباد والبلاد بأيدي الطواغيت وعبّاد الدنيا والشهوات ليعيثوا فيها فساداً ويهلكوا الحرث والنسل ويملئوا السجون والمشانق بالمؤمنين.
6- الوصول من خلال هذه الدعوات إلى الرئاسة والجاه الذي هو من أعظم
الرذائل الخلقية والأمراض القلبية حيث يتبوأ مكاناً مقدساً في قلوب أتباعه ومريديه المخدوعين به وقد حذّر الأئمة (علیهم السلام) من هذا الداء وجعلوه قمة الأمراض المعنوية (آخر ما يُنزع من قلوب الصديقين حب الجاه).والمنجي من هذه الفتن اتباع العلماء المجتهدين الموثوق بعدالتهم ونزاهتهم وحبّهم للناس وتجردهم عن الأنانية.
عصمنا الله وإياكم من الزلل، وأعاذنا جميعاً من شرور الفتن
إنه الهادي إلى سبيل الرشاد.
محمد اليعقوبي
12 جمادى الثانية 1425
30/ 7/ 2004
الموقف من المواجهات الشعبية الثانية مع قوات الاحتلال(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] (البقرة : 155 ــ 156 ــ 157).
لقد ابتلى شعبنا المؤمن الموالي لأهل البيت (علیهم السلام) بألوان المصائب والمحن وتكالبت عليه قوى الشر والبغي والعدوان من الكفار والمنافقين والحاسدين، وساعدهم في تنفيذ مآربهم الجهلة والمرتزقة والمتحجرون، وفي جميع الأحوال يدفع هذا الشعب الممتحن الثمن الباهظ الذي لا يذهب سدى؛ لأنه يولّد وعياً وثورة ورسوخاً للإيمان في الدنيا والمقامات الرفيعة في الآخرة التي لا تنال إلا بمثل هذه البلاءات، ولا زالت الجرائم الفضيعة ترتكب في حق أهلنا ومقدساتنا في النجف وبغداد والكوت والعمارة والبصرة والناصرية وغيرها.
وكان آخرها ما جرى اليوم في مدينة الكوت الحبيبة حيث أودى القصف
1) اندلعت هذه المواجهات ليلة الخميس 18 ج2 1425 الموافق 5/ 8/ 2004 في مدينة النجف الأشرف، أي مساء نفس اليوم الذي غادر فيه سماحة السيد السيستاني (دام ظله الشريف) النجف إلى لندن عبر الكويت لإجراء فحوصات طبية.
الجوي الأمريكي بحياة (75) بريئاً وجرح حوالي (150) مما يندى له جبين الإنسانية ويضع عليها وصمة عار لا تنسيها الأيام.لقد طالبنا باستمرار أن يسود منطق الحكمة والتعقل في معالجة الأمور، وتحل المشاكل بالحوار البناء وأن يتخلى الجميع عن أنانيتهم وأغراضهم الشخصية وعنجهيتهم ولا يكون لهم إلا هدف واحد هو رضا الله تبارك وتعالى ورفع الظلم والحيف والحرمان عن هذا الشعب المضطهد المغلوب على أمره حتى تستعاد حقوقه ويعيش حياة حرة كريمة.
وقلنا إن لغة السلاح لا تنفع بل تضر وتولد مشاكل معقدة وتهدد كيان الأمة بالاضمحلال اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ولا يرضى أي مخلص غيور بهذه النتيجة.
ومن أجل ذلك بادرنا إلى تحريك المجلس السياسي الشيعي لاتخاذ كل الوسائل وسلوك كل القنوات الفعالة للضغط على أصحاب القرار حتى يوقفوا نزف الدم الحرام في البلد الحرام، وليصونوا المقدسات ويعودوا إلى مائدة الحوار والتفاهم وهم ساعون في هذا الطريق بلا كلل أو ملل، وما دعوتهم للتظاهرات اليوم الخميس 12 / 8 / 2004م إلا حلقة من هذه السلسلة من المساعي الحثيثة التي تستهدف إظهار الاستنكار الشعبي العارم لهذه الجرائم ولهذه الطرق الوحشية في معالجة الأمور.
ولا شك إن استمرار مثل هذه الفعاليات الجماهيرية تؤدي إلى إقناع الأطراف المعنية بإلقاء السلاح جانباً، واحترام إرادة الشعب واللجوء إلى الحوار في حل المشاكل العالقة، وقد حرمنا القتال بين المسلمين مهما كانت مبرراته،
وإذا حصلت مشكلة لا بد من التعامل معها بالصبر وسعة الصدر وقوة التحمل حتى نتجاوزها ونحلها من دون خسائر أو تقليلها على الأقل، أما أن يكون الحل الأول هو اللجوء إلى القتل والتدمير فهذا من أكبر المحرمات في الشريعة ويوجب الخلود في جهنم.لقد نصحنا جميع الأطراف المعنية في وقت مبكر وقبل أن تتدهور الأمور إلى هذا الحد، بأن إصلاح العملية السياسية وإجراءها بالشكل الذي يرضي جميع شرائح الشعب، ويكفل مشاركتهم بصورة حرة ونزيهة في التعبير عن آرائهم هو الحل الجذري للمشكلة الأمنية، بحيث لا يبقى مبرر لقوات الاحتلال بالبقاء، ولكل من يقوم بأعمال إرهابية أو تمرد على النظام الاجتماعي.
ولابد أيضاً من العمل الجدي لتحسين الأوضاع المعيشية للناس وإيجاد فرص العمل للعاطلين وتمكين العناصر الكفوءة المخلصة النزيهة في إدارة البلاد.
هذا باختصار هو المنطق الحكيم في فهم المشكلة وكيفية علاجها، ولا بد أولاً وقبل كل شيء من إيقاف نزف الدم وإلقاء السلاح وبدء الحوار الوطني المخلص لإنقاذ البلد والشعب من دوامة هذه الكوارث المهولة.
محمد اليعقوبي
25 / ج2 / 1425هـ
12 / 8 / 2004م
خطاب المرحلة 59 : رسالة للمؤتمر الوطني العراقي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد فؤاد معصوم رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العراقي.
السادة والسيدات أعضاء المؤتمر الوطني العراقي.
إن انعقاد مؤتمركم في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها العراق الجريح وهو يضم تشكيلة متنوعة تمثل شرائح واسعة من المجتمع العراقي يمثل دليلاً معبراً عن الإرادة الصادقة لهذا الشعب ورغبته الأكيدة في حياة سياسية حرة كريمة يعبّر فيها بكل حرية عن مطالبه وحقوقه.
ونحن برغم تحفظنا على آليات اختيار الأعضاء في هذا المؤتمر إلا أننا نجد فيه خطوة مهمة في تأسيس الديمقراطية في العراق التي يشتاق إليها أهله. فلا بد من العمل الدؤوب لإقامة هذه الحياة في العراق والمحافظة على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر.
إن شعوب كل الدول تنظر إلى حكوماتها على أنها الراعي والأب العطوف
1) بدأ المؤتمر الوطني العراقي الذي ضم أكثر من (1300) شخصية جلساته يوم 28 ج2 1425 الموافق 15/ 8/ 2004 التي تستمر ثلاثة أيام ولم تكن أزمة النجف ضمن جدول أعماله لو لا ضغط ممثلي حزب الفضيلة الذي تجاوزوا العشرين وآخرين تعاطفوا معهم.
والأم الحنونة لأفراد الأمة لذا فهم يتوقعون منها كل خير ويأمنون منها كل شر وينتظرون منها الصدر الواسع والحلم الطويل لحل المشاكل، وليس المعالجة المباشرة بالاستئصال ولكم في قول الله تبارك وتعالى أسوة حسنة [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ] (فاطر: 45)؛ لذا نحن نأمل من الحكومة أن تتحلى بالصبر والحكمة وسعة الصدر بأقصى صورة وبمقدار ما تكون الحكومة كذلك فإنها تحظى بثقة واحترام الشعب وإطاعته لها.ولما كان مؤتمركم ممثلاً لفئات واسعة من الشعب فإنه ينتظر منكم الخير الكثير ومنه:
1- التوسط لدى الجهات المسؤولة للإفراج عن المعتقلين الذين لم تثبت عليهم جرائم وجنايات خصوصاً علماء الدين لأنهم رموز اجتماعية مقدسة والاستمرار في اعتقالهم يمثل حاجزاً نفسياً يعيق التقارب وعودة الثقة المتبادلة.
2- الاهتمام الجدي بتحسين الأوضاع المعيشية وإيجاد فرص عمل للعاطلين، وإعادة المفصولين السياسيين بسرعة.
3- إعادة إعمار البلاد والبدء بمشاريع واسعة تخفف من آلام الشعب وتمسح على جروحه.
4- إعطاء الصلاحيات التشريعية المتعارفة للجمعية الوطنية المنتخبة من قبلكم وعدم الاقتصار على دور تشريفي أو قريب من ذلك.
[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]
محمد اليعقوبي / النجف الأشرف - 17/ 8/ 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
(معاً يداً بيد لنبني عراق السلام والازدهار) كان هذا هو النشيد الذي ترنمت به مئات الآلاف من الجماهير المؤمنة التي لبت دعوة المرجعية الدينية الشريفة في التوجه إلى النجف الأشرف(1)
لكن الذي يؤسف له أن الداعين للمبادرة لم ينسقوا مع الحكومة لضمان سلامة هذه المسيرة السلمية فتصدت لهم القوات الحكومية عند وصولهم إلى النجف بحجة عدم وجود قرار لوقف إطلاق النار، فاستشهد على أقل التقادير (75) وجرح المئات من دون أي إجراء رادع.
رغم أن ضراوة النار قد بلغت شدّتها لكن ذلك لم يمنعهم من المجيء رغم عدم توفر ابسط الخدمات من الماء والغذاء1) وصل سماحة آية الله السيد السيستاني إلى البصرة قادماً من رحلته إلى لندن لإجراء عملية جراحية في القلب، ووجه الناطق باسمه بياناً يدعو المؤمنين من مختلف المدن العراقية للتوجه إلى النجف لاستقبال سماحة السيد وإعلان بنود وثيقة حل الأزمة، وقد وجه سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي أتباعه في البصرة وبقية المدن العراقية التي مرت بها الرحلة إلى الخروج مع هذه المسيرة للضغط على قوات الاحتلال والقوات الحكومية والمسلحين حتى توقف عملياتها في النجف الأشرف، فزحفت الجماهير من البصرة والتحقت بها أثناء مسيرتها التي استغرقت حوالي ثمان ساعات سائر المدن العراقية جنوب النجف أما محافظات شمال النجف وشرقها كبغداد وكربلاء والحلة فقد توجهت الجموع منها مباشرة إلى النجف وكان ذلك يوم 9 رجب 1425 المصادف 26/ 8/ 2004.
لمثل هذا العدد الهائل وفي هذه الظروف الشديدة.جاءوا ليقولوا اتركوا السلاح جانباً وانبذوا لغة العنف وابدأوا حوار الأخوة والمحبة والصدق والإخلاص، وليقولوا إننا نحن هذا الجمع المليوني –ومن ورائهم أضعافهم- نمثل إرادة الشعب الحقيقية وليس أحداً غيرنا له الحق أن يتحدث باسمنا.
جاءوا ليقولوا كفى دماراً وتخريباً وإراقة للدماء البريئة ولتتوحد الجهود لبناء عراق جديد يسوده السلام والعدالة والنظام فمن شذ عن هذه الإرادة فهو عدو للشعب.
لذا كان من الواجب شرعاً احترام هذه الإرادة وعدم ارتكاب ما ينافيها من خلال النقاط التالية:
1- يحرم الإخلال بالنظام الاجتماعي العام والإضرار بحياة المواطنين في جميع أنشطتها.
2- تجب المحافظة على مؤسسات الدولة لأنها ملك للشعب سواء كانت خدمية أو حيوية أو اقتصادية أو صناعية أو أي شيء آخر، ولا يمكن لخلاف مع شخص أو مجموعة في أي موقع أن يكون مبرراً لتخريبه فإنها ليست ملكاً لهذا الشخص أو الجهة، وتخريبها اعتداء سافر على ممتلكات الشعب فيكون من أكبر المحرمات ويجب على المواطنيّن مساعدة الجهات المختصة في الدفاع عنها ضد عمليات التخريب.
3- يحرم القتال بين المسلمين والاعتداء على أعراضهم ونفوسهم وممتلكاتهم وشخصياتهم المعنوية.
4- يجب على جميع الجهات الفاعلة أن تبذل أقصى الجهود لإنجاح التعداد العام للسكان وسائر المقدمات التي تساهم في إجراء الانتخابات العامة في موعدها المحدد حتى يشعر كل واحد من أبناء الشعب بأنه جزء من العملية السياسية وان له صوتاً في إدارة البلد مما يجعله مدافعاً عنها وحريصاً عليها ومندداً بكل من يخرج عليها، وأي تعويق لهذه العملية هو اعتداء صارخ على الشعب.
5- التحلي بالصبر وسعة الصدر والتسامح والتعاون ولا نتعامل مع الأمور بعاطفية وانفعال وتسرع وارتجال.
6- على جميع الفعاليات السياسية خصوصاً الممثلة في السلطة أن تتخلى عن أنانيتها وإقصائها للآخرين وتجاهلهم فان هذا يولد الكراهية والبغضاء والشقاق وهي من أهم عوامل انهيار الأمم فلا بد من التعامل بإنصاف وموضوعية وتجرد، وستكون النتيجة هي الرفعة والعزة والمحبة في قلوب الناس وأن تجري العملية السياسية نظيفة بعيدة عن الغدر والمخاتلة والمساومات غير الشريفة.
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
12 رجب 1425 - 29/ 8/ 2004
خطاب المرحلة 61 : الفريضة المعطلة(1)(بيان في الوجوب التعييني لصلاة الجمعة المباركة)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يوم الجمعة يوم شريف عظمه الله تبارك وتعالى وجعله فرصة كبيرة لنيل رضاه بما بارك فيه لفاعل الحسنات، وعن أبي بصير قال: (سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة) وعن الإمام الرضا (علیه السلام) قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) إن يوم الجمعة سيد الأيام يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات، وتكشف فيه الكربات، وتقضى فيه الحوائج العظام، وهو يوم المزيد لله فيه عتقاً وطلقاً من النار، ما دعا به أحدٌ من الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حقاً لله عز وجل أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيداً وبُعث آمناً، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقاً على الله عز وجل ان يصليه نار جهنم إلا أن يتوب).
وروى الصدوق أن أمير المؤمنين (علیه السلام) خطب في الجمعة فقال: الحمد لله الولي الحميد ... (إلى أن قال) ... ألا إن هذا اليوم يوم جعله الله لكم عيداً وهو
1) مستل من كتاب بنفس العنوان وتجد البحث مفصلاً في كتاب فقه الخلاف.
سيد أيامكم وأفضل أعيادكم، وقد أمركم الله في كتابه بالسعي فيه إلى ذكره، فلتعظم رغبتكم فيه، ولتخلص نيتكم فيه، وأكثروا فيه التضرع والدعاء ومسألة الرحمة والمغفرة، فإن الله عز وجل يستجيب لكل من دعاه، ويورد النار من عصاه وكل مستكبر عن عبادته، قال الله عز وجل: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] (غافر: 60) وفيه ساعة مباركة لا يسأل الله عبدٌ مؤمن فيها شيئاً إلا أعطاه). وقد فسرت بعض الروايات الساعة بأنها وقت النداء لصلاة الجمعة، فعن الإمام الباقر (علیه السلام): (أول وقت الجمعة ساعة نزول الشمس إلى أن تمضي ساعة فحافظ عليها فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: لا يسأل الله عبد فيها خيراً إلا أعطاه) وفي رواية إنها هي وآخر ساعة من يوم الجمعة.
ومن أجل أن يعيش المسلم هذه الأجواء الإلهية المباركة يوم الجمعة، وضع الأئمة (علیهم السلام) لشيعتهم برنامج عمل يهذبون به أنفسهم ويطهرون أجسادهم ويذهبون درن أسبوع ماضٍ ويتزودون إمداداً لأسبوع قادم، وقد حفلت كتب الأدعية والسنن والمستحبات بالكثير منها.
وتاج تلك الأعمال صلاة الجمعة المباركة بدعائها وركعتيها، وجماعتها وخطبتيها، وأحاطوا هذه الشعيرة المقدسة بعناية خاصة فأبانوا فضلها وثواب من يؤديها وحذروا من تركها فعن الصادق (علیه السلام): (ما من قدمٍ سعت إلى الجمعة إلا حرم الله جسدها على النار) وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله): (من أتى الجمعة إيماناً واحتساباً استأنف العمل) أي غفر له ما مضى من ذنوبه وقيل له ابدأ العمل بصفحة بيضاء من جديد.
وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله): (أما يوم الجمعة فيوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين فما من مؤمن مشى فيه إلى الجمعة إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة ثم يأمر به إلى الجنة) وعن أبي جعفر الباقر (علیه السلام): (من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع الله على قلبه) وجاء إعرابي يشكو إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) عدم الاستطاعة إلى الحج فقال له (صلی الله علیه و آله) (عليك بالجمعة فإنها حج المساكين).ومن هنا أوصى الأئمة (علیهم السلام) شيعتهم بان لا يضيعوا وقتهم في هذا اليوم بغير ما يقربهم إلى الله زلفى، فعن الباقر (علیه السلام) في تفسير قوله تعالى [فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ] (الجمعة: 9) قال (علیه السلام) اعملوا وعجلوا فانه يوم مضيق على المسلمين فيه وثواب أعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم، والحسنة والسيئة تضاعف فيه، قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام): والله لقد بلغني أن أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله) كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخميس لأنه يوم مضيق على المسلمين).
ونقل الشهيد الثاني في (رسالة الجمعة) عن النبي (صلی الله علیه و آله) من خطبة له: (إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا لا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برَّ له حتى يتوب).
وكان أبو جعفر الباقر (علیه السلام) يبكر إلى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح، فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك وكان يقول: إن لجمع شهر رمضان على جمع سائر الشهور فضلاً كفضل شهر رمضان على سائر الشهور)، وفي هذا السياق قال الإمام الصادق (علیه السلام): (فضل الله يوم الجمعة
على غيرها من الأيام، وإن الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن أتاها، وإنكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة، وإن أبواب السماء لتفتح لصعود أعمال العباد) وكانوا ينهون شيعتهم عن اللغو واللهو ومضيعة الوقت يوم الجمعة أكثر من غيره فعن رسول الله (صلی الله علیه و آله): (إذا رأيتم الشيخ يحدّث يوم الجمعة بأحاديث الجاهلية فارموا رأسه ولو بالحصى).هذه الفريضة الإلهية العظيمة حُرِم منها أجيال من شيعة أهل البيت (علیهم السلام) على مدى قرون، حينما أقصي أئمتهم (ع) عن قيادة الأمة، وتقمَّصها من ليس أهلاً لها، وكانت صلاة الجمعة من وظائف الأمير التي لا يمكن مزاحمته فيها وإلا عُدَّ خروجاً وتمرداً على الدولة، وقد ولَّد طول الإقصاء شعوراً بعدم وجوبها وإمكانية اختيار صلاة الظهر بدلاً عنها، وهذا الشعور يمكن قبوله مع وجود المحذور المتقدم، أما بعد انحسار أسم الخلافة وفصل الدين عن الدولة، بحيث أصبحت السلطات لا ترى من واجباتها القيام بالوظائف الدينية ولا ترى من يؤديها مزاحماً لها في سلطانها فلماذا التقصير في إقامتها وحرمان الأمة من بركاتها؟ بل حتى في عصور الخلافة لا يوجد محذور في إقامتها في القرى والمدن الصغيرة التي ليس من شأن الولاة تعيين أئمة جمعة لها، وبالتالي فلا تُعدُّ إقامتها فيها خروجاً على الدولة، ولذا سنسمع في بعض الروايات عتب الإمام الصادق (علیه السلام) على أصحابه أن لا يقيموها في مدنهم متذرعين بعدم إقامة الإمام (علیه السلام)، لها لكن وضع الإمام في المدينة المنورة –حيث يقيم بنفسه أو من ينصبه جمعتها- يختلف عن مدنهم.
لكن هذا الاتجاه ترسّخ في أذهان الأجيال اللاحقة حتى اتفقوا على عدم وجوبها التعييني، أي انحصار الفرض في ظهر يوم الجمعة بها دون صلاة الظهر في مقابل من قال بالتخيير بينهما أو قال بعدم مشروعية صلاة الجمعة في عصر الغيبة وانحصار الفرض بالظهر، هذا مع إجماعهم بل يُعدُ من ضروريات الدين وجوبها التعييني في زمن الحضور وتمامية الأدلة على وجوبها، إلا أنهم فهموا عدم إقامة الأئمة (علیهم السلام) وأصحابهم لها تغييراً في نحو الوجوب، وقصوراً في اقتضاء الأدلة للوجوب التعييني، أما نحن -وهذه نقطة الفرق الجوهرية- فلا نرى قصوراً في المقتضي، وإنما لم يقمها الأئمة (علیهم السلام) وأصحابهم لوجود المانع الذي زال في العصور الأخيرة فيكون وجوبها تعيينياً وليس تخييرياً.وقد سرنا في رحلة من البحث الاستدلالي المعمق في القرآن الكريم والسنة الشريفة وناقشنا أقوال الفقهاء (قدس الله أسرار الماضين وحفظ الباقين)، وكانت نتيجة الرحلة المباركة في رحاب القرآن الكريم والسنة الشريفة وفرة الأدلة على وجوب صلاة الجمعة على الأمة إلى يوم القيامة، ولو أن جزءاً يسيراً من هذه الأدلة تعلّق بموضوع آخر لما تردد الفقهاء في القول بوجوبه، لكنهم ترددوا هنا مع اعترافهم بتمامية الأدلة على هذا الوجوب -أعني الوجوب التعييني لصلاة الجمعة- لما رأوه من عدم إقامتها من قبل الأئمة (علیهم السلام) وأصحابهم العارفين بنهجهم.
ونحن متفقون معهم في عدم جريان سيرة الأئمة (علیهم السلام) وأصحابهم على إقامة صلاة الجمعة بشكل خاص بهم، إلا أنهم -أي الفقهاء- فسروا ذلك بالوجوب التخييري أي قصور الأدلة عن إفادة الوجوب التعييني، ونحن نرى أن
السبب ليس قصور المقتضي وإنما هو وجود المانع؛ لأن إقامة الجمعة كان من شؤون الدولة ومختصات الوالي ومن يزاحمه فيها يكون متمرداً على السلطة وخارجاً عليها فيستحق العقاب الأليم، منها وفي الأعصار المتأخرة لما تخلت السلطات عن الشؤون الدينية زال المانع وتوفرت فرصة العودة لإقامة صلاة الجمعة التي هي الواجب المتعين وما صلاة الظهر إلا بديلاً طولياً عنها عند تعذر إقامتها، وليست بديلاً عرضياً بحيث يختار المكلف أيهما شاء. فقد تحصل من الروايات الصريحة الصحيحة الوجوب التعييني لصلاة الجمعة إذا اجتمع سبعة من المؤمنين وفيهم إمام قادر على أداء خطبتي الصلاة بحدودها الشرعية إذا لم يكن مانع ويجب على غيرهم ممن يبعد فرسخين فأقل عن مكان إقامتها أن يحضروا فيها لقول الإمام في صحيحة زرارة (والاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق) وصحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم عن الإمام الصادق (علیه السلام) (إن الله عز وجل فرض في كل سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها) والشهود بمعنى الحضور فيها مضافاً إلى دلالة الآية الشريفة بناءً على فهم أن النداء شرط لوجوب إقامتها وحضورها، والروايات التي أوجبت الحضور على من كان على رأس فرسخين وهذا يعني أنها مقامة فعلاً ولها مكان محدد تقاس المسافة بالنسبة إليه عدا ما استثني من العناوين كالمسافر والمرأة فقد رُخصّ لهم وكذا رُخِّص بعدم إقامتها في بعض الموارد كنزول المطر.
أما إذا وجد المانع من إقامتها كالخوف من السلطات سواء كان شخصياً أي على خصوص هذه الجمعة المنعقدة أو نوعياً أي إنها كصلاة جزئية لا تثير قلق السلطة إلا أن انتشارها كظاهرة اجتماعية عامة يثير قلقها ويدفعها إلى البطش بهم ومن الموانع خوف الفتنة والشقاق بسبب التزاحم والتشاح على إمامتها أو وجود جمعة أخرى مقامة ضمن المسافة التي هي فرسخ واحد (خمسة كيلو مترات ونصف) فحينئذٍ يُرخَّص في عدم إقامتها ولهم أن يصلّوا الظهر ولو جماعة، وإذا لم يجتمع العدد المعتبر لكنه كان موجوداً فهل يجب عليهم أن يجتمعوا لإقامتها إذا وُجد فيهم إمام مستجمع للشروط ؟ الأحوط وجوباً ذلك.فما تعارف عليه شيعة أهل البيت (علیهم السلام) من تعطيل صلاة الجمعة رغم عدم المانع منها وإمكان تحقيق شرائطها لوجود العدد والإمام مجازفة، ومثار لامتعاض أئمتهم (ع) لعدم وجود محذور في إقامتها في أغلب الحالات. وهذا الوجود للعدد والإمام غير كافٍ لوجوب اجتماعهم وإقامتها، فكيف وهم يجتمعون فعلاً في المساجد يوم الجمعة لأداء صلاة الظهر جماعة وفيهم إمام يستطيع أداء الخطبتين، فلماذا هذا التعطيل لهذه الفريضة الإلهية؟ حتى على القول المشهور بالتخيير فهم يقولون أنها أفضل الفردين فلماذا لا يؤدّون الأفضل؟
أسأل الله تعالى أن يجمع كلمة عباده على طاعته ويؤلف بين قلوبهم ويهديهم سبيل الرشاد.
خطاب المرحلة 62 : دراسة واقع الشباب وكيفية النهوض به(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما يستحق حمداً كثيراً وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
الشباب محل عناية كل القادة والمصلحين والمربين وعلى رأسهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقد روي عنه (أوصيكم بالشباب خيراً فإنهم ارقُّ أفئدة) وهذه العناية الخاصة بهم لأنهم قلب الأمة الذي تتدفق منهم الحياة في جسدها فتجد عندهم الحماس والحيوية والاندفاع والصدق والإخلاص والشجاعة، وهم طاقة عظيمة إن أحسنت القيادة توجيهها وتوظيفها في اتجاه الخير كانوا ثروة هائلة في جميع ميادين الحياة لذا جعلت الحكومات وزارة خاصة ترعى شؤونهم.
ولكن هذه الوزارة كانت في بلدنا خلال العقود الماضية عديمة الفاعلية واضمحلت أنشطة الشباب وإبداعاتهم التي كانت تنميها مراكز الشباب ومديرية الرعاية العلمية إلى حدود منتصف السبعينات، وتراجع المستوى العلمي للطلبة بشكل مرعب ومثير للقلق على مستقبل هذا البلد، وأعتقد أن
1) محاضرة أُعَّدت لإلقائها في مؤتمر موسع عن الشباب تقيمه وزارة الشباب والرياضة العراقية تزامناً مع ذكرى مولد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شعبان عام 1425.
القصور ليس فيهم لأن الشباب العراقي مشهود لهم بالذكاء والتفوق والقابلية على الإبداع، وإنما التقصير من الجهات المسؤولة في توفير وسائل وأسباب الرقي العلمي وظروفه. وعلى العكس فقد سيقوا إلى حروب وصراعات وفتن داخلية وخارجية لا هدف من ورائها إلا اتباع الشهوات والمطامع النفسية الدنيئة، فخسرنا خلال عقدين أكثر من مليون شاب ماتوا بلا فائدة، كان يمكن للحياة أن تزدهر بهم ولو كانوا بيننا الآن ونفترض أن كلا منهم ينجب أربعة من الأبناء لازدادت أمتنا خمسة ملايين إنسان يساهم في بناء المجتمع هذا غير أربعة ملايين من الطاقات الكفوءة والعاملة الذين تركوا البلاد للنجاة بأنفسهم أو لتوفير لقمة العيش. أما التدني في المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي فقد بلغ حد الكارثة.
وكانت للمرأة الحصة الأوفر من الحرمان والاضطهاد والضياع والظلم والكبت، فنشأت مشاكل حقيقية في المجتمع كان يمكن أن تفتك بالأمة وتندثر لكنها بقيت محافظة على هويتها بفضل الله تعالى وببركة بقيةٍ من أخلاق ودين ورجال مخلصين مسكت بالمجتمع وحفظته من البوار.
هذه إشارة بسيطة للتركة الثقيلة التي ورثناها فكيف ننهض بها ونعيد هذه الشريحة الحبيبة إلى موقعها المناسب من جسد الأمة خصوصاً ونحن نتطلع إلى مستقبل زاهر لبلدنا ؟ إننا بحاجة أن ننهض كرجل واحد ونلتقي ونتشاور ونتبادل الآراء، وما مؤتمركم المبارك هذا إلا خطوة على هذا الطريق وهي خطوة مباركة حقاً تدل على وعي القائمين على هذا القطاع الحيوي المهم وصدقهم وإخلاصهم في تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ومن حين
علمي بالنية لعقد المؤتمر فقد حرصت على المشاركة فيه من خلال وفد يضم كفاءات متنوعة.إن أول عمل نقوم به هو إعطاء الفرصة لكل المخلصين وذوي النظر في أن يقدمّوا رؤيتهم لمشاكل الشباب وتقييم واقعهم، ومن ثم التفكير في وضع آليات الحلول وتنفيذها من دون كلل أو ملل أو تقصير، وإن هذا المؤتمر الكريم فرصة حقيقية لتبادل الأفكار.
وأرجو أن تنبثق عن المؤتمر لجان متخصصة بحسب تصنيف المشاكل، فهناك مشاكل أخلاقية واجتماعية واقتصادية وعلمية وسياسية وغيرها والتي أشير إلى بعض عناوينها باختصار:
أولاً: المشاكل الأخلاقية ومنها:
1- الانبهار بالغرب وتقليده في الملبس وقصّة الشعر ولبس القلادة والسوار ونحوها.
2- عدم الالتزام بالآداب العامة كالخروج بـ(الشورت) في الشوارع العامة والتخنث بالنسبة للرجال ولبس الملابس الخليعة للنساء.
3- ضياع الهوية العربية الإسلامية ومسخ شخصيتها الأصيلة وانهيار القيم.
4- الانحلال الخلقي وانتشار الفساد والانحراف وعمل المعاصي.
وتعالج مثل هذه المشاكل بحملات التوعية والإرشاد والتوجيه من خلال النشرات والمحاضرات وإقامة الندوات وسائر البرامج الإصلاحية المناسبة ويتصدى لها علماء الدين والمثقفون والمربّون والأساتذة.
ثانياً: المشاكل الاقتصادية:
1- قلة فرص العمل والتصاعد الفظيع لنسبة العاطلين عن العمل.
2- عدم وجود خطة مركزية لدى الوزارات المعنية لتوظيف خريجي الجامعات والمعاهد.
3- افتقار أكثر أبناء المجتمع لأبسط رأس مال يمكنه به تشغيل أي مشروع للكسب.
4- ركود عجلة الاقتصاد والصناعة الوطنية واضمحلال الكثير من مشاريع العمل بسبب منافسة البضائع المستوردة وعدم دعم الدولة لمشاريع القطاع الخاص باستيراد المواد الأولية ونحوها مما حدَّد أنماط العمل وحصرها في صيغ معينة.
وتعالج بـ :
1- إنشاء صناديق تسليف للشباب الراغبين في فتح مشاريع للعمل بعد الاقتناع بجدوى المشروع وأخذ الضمانات عليه.
2- تأسيس شركات مساهمة أو بنوك مختلطة لاستيعاب رؤوس الأموال البسيطة المتوفرة لدى المواطنين والتي لا تفي لوحدها بشيء إلا أن انضمامها إلى بعضها يجعل لها قدرة على المنافسة.
3- إنشاء لجنة توزيع مركزي تشترك فيها عدة وزارات لتعيين حملة الشهادات.
4- تشجيع الصناعة الوطنية وتوفير فرص إنجاحها ودعمها.
ثالثاً: المشاكل العلمية والثقافية:
1- تدني مستوى الطلبة في جميع مستويات الدراسة ولم يعد الطالب بمستوى المرحلة التي هو فيها وانتشار الغش في الامتحانات.
2- عزوف الصبيان والشباب عن الالتحاق بالمدارس والجامعات تحت ذرائع شتى كعدم الفائدة من الشهادات ونحوها.
3- عدم وجود مراكز للرعاية العلمية وتنمية الكفاءات وتطوير المهارات والتدريب على وسائل التقنية الحديثة.
4- ظاهرة التسطيح الفكري وانهماك الشباب في القضايا القشرية كإمضاء الساعات الكثيرة في مشاهدة برامج التلفزيون والرياضة والتسكع في الشوارع والألعاب الفارغة.
وتعالج بـ :
1- القيام بحملات توعية لأهمية العلم والمعرفة ودورهما في تقدم الأمم وازدهارها وتذكيرهم بسيادة امتنا للعالم كله حين اهتمت بالعلم والأخلاق والثقافة وأسست أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية.
2- الاعتناء بالمدارس وتعيين الإدارات من ذوي الكفاءات والأخلاق، وتزويدها بوسائل التعليم المتقدمة.
3- إصلاح حال الجامعات وكليات التربية والآداب وغيرها التي تجهّز المجتمع بالمدرسين ولا بد أن يكونوا عارفين بعظمة مسؤوليتهم.
4- فتح مراكز للرعاية العلمية وتعليم الشباب كيفية التعامل مع التطور العلمي والتكنولوجي المتصاعد في عالم اليوم.
رابعاً: المشاكل الاجتماعية:1- التفكك الأسري والمشاكل العائلية وكثرة حالات الطلاق.
2- انتشار تجارة المخدرات وتناولها والشذوذ الجنسي ووسائل تدمير المجتمع.
3- كثرة العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهور وغيرها مما ذكرت في كتابي (الزواج والمشكلة الجنسية).
هذه مجرد إشارات لبعض ما تعانيه هذه الشريحة المهمة وما يمكن أن تكون حلولاً ومعالجات لها، وقد تناولتها بتفاصيل أكثر في عدة كتب مثل (الحوزة وقضايا الشباب)، (فقه الجامعات)، (شباب في مقبرة الجنس)، (كونوا أحراراً)، (الزواج والمشكلة الجنسية)، (المشاكل العائلية : أسباب وعلاج) و(خطاب المرحلة) وغيرها.
أدعو الله تبارك وتعالى أن يسدد خطى مؤتمركم وان يكون حجر الأساس لنهضة شاملة مباركة لإعادة حقوق هذه الشريحة والمسح على جروحها وتخفيف آلامها وإعادة البسمة إليها.
[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ] (التوبة: 105)
محمد اليعقوبي - النجف الأشرف
13 رجب 1425 - 30/ 8/ 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة المرجع الديني آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله).
هناك شريحة مهمة من المجتمع - من الشباب خصوصاً - يستحلون سب وشتم وتناول الأعراض للرموز الدينية في الحوزة، والحجّة الشرعية لهم في ذلك هو أن بعض المراجع قاموا بذلك .
بسمه تعالى
هذه انتكاسة خطيرة في حالة الأمة أن يقع شبابها فريسة هذه المؤامرة التي دبّرها أعداء الإسلام ومذهب أهل البيت (علیهم السلام)، فقد وجدوا أن قوة هذه المذهب بصمود كيان المرجعية وعدم خضوعه للسلطات الظالمة ونزاهته وهيبته في نفوس المؤمنين وقوة مفعول كلمته، فعملوا على تشتيت شمل الأمة بينها وقتل رموزها وقادتها وعلمائها، إلا أنهم وجدوا أن ذلك أدى إلى عكس ما يشتهون إذ وحّد الأمة وراء قيادة مرجعيتها وعظّم مكانة المرجعية –بتزايد تضحياتها- في قلوب الناس وصنعوا منهم أبطالاً حقيقيين ورموزاً تستلهم الأمة منهم روح التضحية والفداء والإصرار على التمسك بطريق الحق.
فالتجأ الأعداء إلى خطة أخبث تنطلي على السذج والجهلة والعاطفيين، وذلك بقتل العلماء والقادة معنوياً من خلال تسقيطهم وتشويه صورهم وتتبع أخطائهم والافتراء عليهم وإلقاء الخلاف بين أتباعهم، وبذلك يفقدون تلك القدسية والهيبة التي يخشاها الأعداء من أولياء الله التي دفعت هارون العباسي الذي تسلّط على شرق الأرض وغربها إلى قتل الإمام الكاظم (علیه السلام) الذي لم يكن عنده حينما داهموا بيته إلا سجادة لصلاته ومصحفاً ومطهرة .إني أهيب بالمؤمنين خصوصاً الشباب الذين هم أمل الأمة أن لا ينزلقوا في هذه المؤامرة الخبيثة، وأن يعرفوا لعلمائهم قدرهم وأن يقدروا لهم فضلهم وجهدهم وصبرهم ونزاهتهم واستقامتهم وعدم خضوعهم للطغاة، وأن لا يسبقوهم بقول أو فعل وأن لا يتخلفوا عنهم ولا يكونوا ألعوبة بيد الأعداء ينفذون بهم مآربهم من غير فائدة يجنونها سوى خسران الدنيا والآخرة، وليتأدبوا بأخلاق الإسلام وسيرة النبي (صلی الله علیه و آله) والأئمة الهداة المهديين (ع) وليفكروا في عاقبة فعلهم هذا، فإن أتباع كل جهة إذا ساهموا في تسقيط غيرهم فالنتيجة سقوط الجميع وبقاء الأمة بلا راعٍ، وعليهم أن يراجعوا تاريخ مذهب أهل البيت (علیهم السلام) ليجدوا أن المرجعية على اختلاف توجهاتها، كانت عبر التاريخ الحصن الحصين الذي حرس المذهب ودلّ الناس على ما يبرئ ذممهم أمام الله وثبّت الإيمان في قلوبهم وحفظ تعاليم الدين سليمة حية رغم مرور أكثر من ألف سنة على غيبة الإمام (علیه السلام).
نعم، عليهم أن يجروا الفحص الكامل عمّن يتبعونه فإذا لمسوا منه الاجتهاد والورع والاستقامة فليتبعوه، وليس لهم أن ينصبوا أنفسهم قيّمين على علمائهم
يعلمونهم كيف يتصرفون، فليس عند الناس علم العلماء ولا حكمتهم ولا خبرتهم في الحياة ولا سعة رؤيتهم ولا كفاءة مستشاريهم ولا تثبتهم في الأمور ولا رحمتهم الواسعة بالناس ولا نظرتهم الثاقبة في عواقب الأمور ولا شجاعتهم. لقد ورد الحديث الشريف : (إن حرمة المؤمن عند الله اشد من الكعبة) وتصبح هذه الحرمة أأكد عندما يتعلق الأمر بالعلماء لأن (مداد العلماء خير من دماء الشهداء) فهل يرضى مسلم بإهانة الكعبة وانتهاك قدسيتها ؟ إن منزلة المؤمن عند الله أعلى من الكعبة.
وورد في حديث آخر (من روى على أخيه المؤمن رواية يبتغي بها شينه وهدم مروّته وليسقطه في أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان) فهل يعلم هؤلاء الخائضون في ذم العلماء وتسقيطهم والافتراء عليهم وتشويه سمعتهم أنهم بذلك يخرجون من ولاية الله تبارك وتعالى ويدخلون ولاية الشيطان (فبئس القرين) والأنكى من ذلك أن الشيطان اللعين لا يقبلهم في ولايته لخساستهم.
أعيذكم وأعيذ نفسي بالله العلي العظيم من شياطين الجن والإنس أن الشيطان للإنسان عدو مبين فاحذروه.
محمد اليعقوبي
18 شعبان 1425 هـ الموافق 3/ 10/ 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
أغتنم فرصة بدء العام الدراسي الجديد وقرب حلول شهر رمضان المبارك لأبارك لكم هذه المناسبات الجليلة، ولأعبّر لكم عن تقديري واحترامي لجهودكم التي تبذلونها من اجل بناء عراقٍ حرٍ كريم ينافس الأمم المتقدمة ويجد مكانه بينها، ولأذكركم بمسؤولياتكم العظيمة وأنتم تتبوأون هذا المقام الشريف الذي هو عنوان رقي الأمم وتقدمها.
إن المستوى العلمي والأخلاقي والفكري للجامعات هو المقياس الذي تُعرف من خلاله مكانة الأمة في سلّم الحضارة والتمدن فبمقدار ما تعمل هذه المؤسسات على تنمية هذه العناصر الثلاثة (العلم - الأخلاق - الفكر) تحسب درجة نجاحها في تربية الشباب.
ربما سمعتم قبل بضعة أشهر حينما صدر قرار من الحكومة المصرية بترقين قيد الأستاذ الجامعي الذي بلغ السبعين من العمر عن ملاك الجامعات، كيف سارع الأساتذة الجامعيون الجدد إلى تطبيقه بالهجوم على غرف الأساتذة
الكبار المشمولين بالقرار ورموا بكتبهم وأثاثهم إلى خارج الغرف ليحتلوا مكانهم. إنها لخسارة عظيمة وانحدار مريع في أخلاق الأمة ووعيها أن يكون الأساتذة الجامعيون بهذا التسافل الفظيع. واني اربأ بأساتذة وطلبة جامعاتنا أن يفكروا بمثل هذه الأعمال المشينة فضلاً عن القيام بها.كل هذا يكشف عن أن العلم وحده لا يكفي بل لا بد من تغذية الطلبة بالأخلاق الفاضلة والأساليب المتحضرة في التعامل مع الأمور والاطلاع على السير الحميدة لعظماء البشر وعلى رأسهم الأنبياء الكرام والأولياء الهادين المهديين؛ لذا قال جدّنا الشيخ محمد علي اليعقوبي (رحمه الله) مذكراً الأساتذة بهذه المسؤولية:
قل للأساتذة الذين تكلّفوا *** عبئاً من التدريس ليس يطاقُ
كل الدروس مهمة وأهمها *** الدين والتاريخ والأخلاقُ
ولعلّي كناقل التمر إلى هجر حينما اكتب إليكم بهذه المعاني، لكنني أحببتُ أن اعبَّر عن انتمائي للجامعات واحتفاظي بالمنزلة الكبيرة لأساتذتها في قلبي منذ ربع قرن عندما كنت طالباً في كلية الهندسة بجامعة بغداد ولا زلت أجلس بين أيديهم بذلك الأدب الرفيع والمحبة العميقة والاعتراف بالفضل.
أقول هذا ليتخذ الطلبة الجامعيون اليوم هذه المعاني نبراساً لنموذج علاقتهم مع أساتذتهم، ويشاركني في هذا الشعور المئات من أساتذة وطلبة الحوزة العلمية الذين تخرجوا في أروقة الجامعات ونهلوا من علومها، وهذا من عظيم نعم الله تعالى على هذا البلد الكريم لكيلا نعيش الفصل المقيت بين العلم والدين، بين الجامعات والحوزة العلمية، هذا الانفصال الذي راهن عليه أعداء
الأمة ليمسخوا هويتها ويضّيعوا معالم حضارتها تحت عناوين برَّاقة تخدع غير البصير في حقائق الأمور ليسهل بعد ذلك إذلالها وإخضاعها وإلحاقها بركب المستكبرين ناهبي ثروات الشعوب، ولكنهم خابوا وخسروا وآلت صفقتهم إلى البوار بفضل الله تبارك وتعالى الذي ألّف بين قلوب المؤسستين الشريفتين (الحوزة والجامعات) قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (الأنفال:62- 63).ولقد كانت مواكب الوعي الحسيني التي شارك فيها أكثر من عشرة آلاف من طلبة الجامعات العراقية ليلة عاشوراء من هذا العام بكل مهابة وجلال وشعارات واعية ومجاميع منتظمة خير دليل على هذه الوشيجة العميقة.
إن الأمة عموماً والشباب خصوصاً ينظرون إلى المرجعية الدينية على أنها الأب الراعي لمصالحهم والأم الحنون المضحية من أجلهم؛ لذا فهم يتوجهون دوماً إليها لحل مشاكلهم واحتضان مشاريعهم والتخفيف عن آلامهم وتحقيق آمالهم، وهي لا تقصر -في حدود إمكانياتها- في أن تكون عند حسن ظنهم، وإنني من باب المشاركة معكم في المسؤولية اذكر لكم بعض مشاكل الطلبة وهمومهم:
1- مظاهر الانحلال الخلقي كالأزياء الخليعة والحفلات الماجنة وتبادل المجلات المصورة الفاضحة.
2- تردّي المستوى العلمي وعدم نيل الدرجات والشهادات بالاستحقاق
وانتشار ظاهرة الغش في الامتحانات.3- ضعف العلاقة الأبوية بين الأساتذة والطلبة فلا الأستاذ يتواضع للطلبة ويريهم من عطفه ورعايته وتعبه من أجل ترقيتهم، ولا الطلبة يحتفظون بالهيبة والإجلال الذي يليق بالأستاذ.
4- اللغة العلمية هي الانجليزية وفي ذلك مخاطر عديدة:
أ- شعور أبناء البلد بغربتهم العلمية وأنهم ليسوا من الأمم المتقدمة التي كتبت العلوم بلغاتهم.
ب- صرف مبالغ باهظة لشراء المصادر فهي سرقة لثروات الشعوب بطريق متحضر.
جـ- فرض الحصار العلمي على الشعوب التي لا تخضع لسياساتهم بحجب المصادر العلمية عنهم.
5- سوء الأحوال المعيشية في الأقسام الداخلية وسوء الإدارة.
6- الوضع الاقتصادي المنهار حيث لا يستطيع الطالب توفير احتياجاته من نفقات سكن ونقل ومستلزمات الدراسة والاحتياجات المعيشية فترك كثير منهم الدراسة وهم في أقسام علمية راقية.
7- ما عُرض مؤخراً في مؤتمر التعليم العالي الذي عقد يومي 22-23/9/2004 من مشروع خصخصة الجامعات وهو أمر مقلق ولا مصلحة فيه الا المزيد من الأعباء والمتاعب على الطلبة وأولياء أمورهم.
8- سريان الطائفية والتحزب والفئوية إلى أروقة الجامعات.
9- الفدرالية في الجامعات وعدم خضوعها لنظام مركزي واحد.
10- عدم وجود فرص كافية لتعيين الخريجين في دوائر الدولة.
11- عدم التوزيع الجغرافي الكامل للجامعات والمعاهد على تمام المدن العراقية فإن المقاييس الدولية تفترض جامعة واحدة لكل مليون إنسان فيكون استحقاق الشعب العراقي أكثر من (26) جامعة.
إن هذه القضايا وغيرها جديرة بأن تحظى باهتمام ودراسة المعنيين بشؤون الجامعات ليضعوا الحلول المناسبة لها ويرفعوا هذه العوائق والمثبطات في طريق التحصيل العلمي الذي تطمح إليه الأمة، ومن هذه المعالجات:
1- فسح المجال أمام إلقاء المحاضرات الأخلاقية والتوجيهية والتربوية وبيان معالم الاستقامة والسلوك النظيف وترويج النشرات والإصدارات التي ترسخ ذلك.
2- تخصيص رواتب للطلبة تناسب حالهم وهي لا تكلف الدولة شيئاً معتداً به.
3- تحسين وضع الأقسام الداخلية والارتقاء بمستوى خدماتها وشموليتها لكل محتاجيها.
4- الإلزام بالزي الموحد والمحاسبة على السلوك غير النظيف وجعل جزء من درجة النجاح على السلوك والالتزام بالواجبات العلمية والأخلاقية وحظر مظاهر الانحراف والفساد كالملابس غير المحتشمة والحفلات الصاخبة.
5- الإصرار على مجانية التعليم الجامعي مع فتح الفرصة للتعليم الخاص ضمن الضوابط.
6- تشجيع الأساتذة والمتخصصين على وضع مناهج الدراسة باللغة العربية
وبالشكل الذي يناسب حاجات بلادنا ويبني مستقبلنا الزاهر فإن ما كتبه الأجانب ليس بالضرورة مناسباً لنا ويعرف المتخصصون معنى كلامي هذا.7- إقامة معارض الكتب بأسعار مدعومة لتنمية ثقافة الشباب وقدرتهم الفكرية وتأهيلهم لقيادة المجتمع.
8- تشكيل مجلس يضم رؤساء الجامعات ومؤسسة المعاهد الفنية والمراكز العلمية المتخصصة يجتمع في السنة مرتين بحضور وزيري التعليم العالي والتربية لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار وتوحيد الرؤى والمناهج.
9- تجنيب الجامعات أي صراعات سياسية أو طائفية أو عرقية وتكريسها لأداء وظيفتها الأساسية: العلم والأخلاق.
10- إنشاء جامعات جديدة لتشمل كل أنحاء العراق والعمل على أن تضم الجامعة كل الكليات العلمية والإنسانية.
إننا نتحمل معاً مسؤولية إدامة هذه الرابطة المقدسة لنعمل سوية على الرقي بمستوى الأمة وهدايتها إلى طريق السعادة والتقدم وصيانتها من الضياع والتشتت والاضمحلال.
إنني -وسائر أبناء هذا الوطن المنجب المعطاء- نتابع بألم ما يتعرض له الأساتذة الجامعيون وذوي الكفاءات العلمية من اعتداءات تصل حد القتل والتي لا تصدر إلا من أعداء الشعب والإنسانية والحضارة لأن إطفاء هذه الأنوار العلمية المضيئة في جبين الأمة خسارة للإنسانية جمعاء وليس للعراق فقط لكن الذي يهون الخطب أن كل ما يلاقيكم من عناء ومشقة في هذا الطريق فانه بعين الله تبارك وتعالى وهو لا يضيع اجر المحسنين من ذكر وأنثى.
إنكم في هذا الموقع الشريف يمكنكم تحصيل فرص عظيمة لطاعة الله تبارك وتعالى وربح كبير في [تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ] (فاطر: 29) بالسعي الحثيث لتحقيق آمال الأمة وطموحاتها والتخفيف من آلامها ومتاعبها [يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ] (الحديد: 28) خصوصاً ونحن نستقبل شهر الله العظيم الذي ينزل على العباد بالخير والبركة والرحمة وكلما كنتم عند حسن ظن أبنائكم كان الله عند حسن ظنكم بأضعاف ذلك.وفي هذا السياق أكون ممنوناً للأساتذة الأفاضل الوزراء المعنيين ورؤساء الجامعات لو اعتمدوا هذه الرسالة وثيقة رسمية وعمّموها إلى كل عمداء الكليات والمعاهد الفنية والمراكز المتخصصة لتعّم الفائدة ويتوزع الهم والشعور بالمسؤولية.
[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]
محمد اليعقوبي – النجف الأشرف
18 شعبان 1425
3 / 10 / 2004
خطاب المرحلة 65 :ما الذي ينتظره الإمام المهدي (عليه السلام) من شيعته(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق والصلاة والسلام على حبيبه محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.
يثار سؤال عبر الأجيال أنه ما السبب في تأخير ظهور الإمام (علیه السلام) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، خصوصاً وأنه (علیه السلام) ينتظر أكثر من أي مخلوق غيره للإذن بالظهور لينقذ البشرية من الحيرة والضلالة والتخبط وعبادة الطواغيت، يخلصهم من الظلم والاضطهاد والحرمان، وإذا كان كل فرد يحسّ في وجدانه بمقدار من الغضب والرفض للظلم والحماس للتغيير، فإن قلب الإمام (علیه السلام) يختزن مجموع هذه الإحساسات المنتشرة في قلوب البشر كلهم، لأنه شعور محمود وايجابي، وفي عقيدتنا إن الصفات الايجابية للبشر كالعلم والرحمة والكرم تجتمع كلها وأزيد منها عند إمام العصر المعصوم ، فلماذا هذا الانتظار.
كنا نجيب بان من شروط الظهور أن يعود الناس إلى الإسلام ويطبقوه في حياتهم وتحصل لهم القناعة بفشل كل الأنظمة الأرضية وانحصار طريق
1) بيان وجّه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك عام 1425 وقرب إجراء الانتخابات وصادف الأول منه 16/ 10/ 2004.
السعادة والكمال بتطبيق الشريعة الإلهية خصوصاً في العراق عاصمة الإمام (علیه السلام) ومنطلق حركته المباركة، وها قد حصل هذا واعترف العالم كله بان الإسلام وعلماء الدين هم المحركون للشارع العراقي، وأصبح حتى العلماني والملحد يزور مراجع الدين ويستشيرهم ويتجنب إثارتهم واستفزازهم فهذه المرحلة قد تحققت ظاهراً على الأقل .ثم دخلنا في مرحلة جديدة من التربية والامتحان وقلنا إن الإمام (علیه السلام) يريد من أبناء الإسلام أن يصلوا درجة التضحية الكاملة في سبيل دينهم بحيث لا يتخلفون عن أي أمر توجهه المرجعية باعتبارها القيادة النائبة للإمام المعصوم (علیهم السلام) ولو كلفهم حياتهم، ونضرب لهم مثلاً بقصة ذلك الخراساني الذي طلب من الإمام الصادق (علیه السلام) التحرك لإزالة ظلم الطواغيت من أمويين وعباسيين وأن له في خراسان وحدها مائة ألف سيف فأجابه الإمام (علیه السلام) كالمتعجب : مائة ألف سيف؟ قال الخراساني: نعم، ومائتي ألف سيف، فأمر الإمام أن يُسجر التنور وطلب من الخراساني أن يلقي نفسه فرفض، وهنا دخل أبو هارون المكفوف وهو أحد أصحاب الإمام (علیه السلام) فطلب منه الإمام (علیه السلام) ذلك فاستجاب كالبرق وألقى نفسه في التنور المسجور وأخذ الإمام يشاغل الخراساني بالحديث وهو مذهول لتصرف أبي هارون وقال له: كم لديك في خراسان مثل هذا ؟ قال: لا يوجد يا ابن رسول الله(1).
وأنا أجيب نيابة عنكم أيها الشباب المتحمس الغيور ، وأيها الرجال الأشداء المستعدون لفعل ما قام به المؤمن الصادق أبو هارون، أنه يوجد يا ابن رسولة.
1) راجع لمعرفة التفاصيل : الفصل الرابع من دور الائمة في الحياة الاسلامية.
الله الآلاف ممن يقرون عينيك حينما تطلب منهم، بل إنهم يستأنسون بالمنية دونك استئناس الطفل بمحالب أمّه، وقد جرّبنا صبرهم وثباتهم وصدق ولائهم حينما صنع لهم الإخوان قبل الأعداء ناراً اجتماعية من التشويه والتسقيط والسب والاتهام والافتراء والكلام الجارح القاسي الذي يستفزّ حتى الجبال وهي أصعب من النار الطبيعية(1)فصبروا وازدادوا إيماناً وتسليماً وما كان ردّهم إلا أن قالوا: (سلاماً) التزاماً بالأدب الإلهي.وهنا يعود السؤال من جديد: إذن ما الذي ينتظره الإمام (علیه السلام)؟
ونحن في الوقت الذي نحاول الإجابة عن هذا السؤال ونبين ما ينتظره الإمام (علیه السلام) إنما نريد أن نعرف تكليفنا في هذه المرحلة، والعمل الذي نؤديه من أجل التمهيد والإعداد لظهور الإمام (علیه السلام) المبارك الميمون.
ولا بد أن نلتفت إلى أن ما قدمناه من وصول الأمة إلى المستويات التي ذكرناها لا يعني نهاية الامتحان وغلق ملف تلك المراحل من التربية، فإن هذا الشعور هو أول بوادر الفشل والانهيار؛ لأنه يعني العجب والاعتداد بالنفس، والمطلوب هو العمل الجاد للاحتفاظ بالنتائج الطيبة ومنع أي محاولة للتراجع والتردي والانحراف وفقدان مواقع الكمال التي وصلها المؤمن بلطف الله تبارك وتعالى والسعي الحثيث للتقدم.
ففي الروايات إن الإنسان يرى في الجنة مقامات عالية لم يصلها فيتمنى لو كانت له فيقال: ان هذه كانت لك عندما كنت ملتزماً بالطاعة الفلانية ـ كحفظ).
1) هذا ما قاله سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر في لقائه مع طلبة جامعة الصدر الدينية جمادى الثانية 1419. ونشرت مقاطع منه في كتاب (جامعة الصدر الدينية الهوية والإنجازات).
سورة معينة من القرآن الكريم ـ فلما ضيّعتها فقدت هذا المقام الرفيع، وقد حذّرنا الأئمة (علیهم السلام) من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء اللذين يبقيان يزيّنان المعصية بمعناها الواسع الشامل لترك الطاعة حتى تخرج الروح .. خصوصاً مع توسع وتفنن أدوات الإفساد والإضلال وأساليبهما.فهذا مما يجب الالتفات إليه لان وصول الأمة إلى درجة من درجات الكمال لا يعفيها من مسؤولية المراقبة والعمل الجاد للاحتفاظ والسعي لما هو أكمل وقد قالوا في المسابقات الرياضية (إن الاحتفاظ بالقمة أصعب من الوصول إليها).
وأعود إلى الإجابة مرة أخرى وأقول: إن الدرجة الجديدة من التربية هي مرحلة الوعي والبناء واعني بالبناء: بناء النفس والمجتمع وفق الشريعة الإلهية، فقد أثبتت المدة الماضية بعد سقوط صدام اللعين بما تضمنت من امتحانات فشل الأمة في اجتيازها، حيث ظهر الجهل والسذاجة والتعصب واتباع العاطفة والانفعالية في التصرفات، وعدم الاهتداء إلى القيادة الحقيقية بحيث ضاعت حتى أوضح المقاييس للتقييم.
كما أن إتاحة الفرصة لتسنّم الكثير من المواقع الدينية والاجتماعية والسياسية والإدارية أظهرت الأمراض المعنوية التي كانت كامنة في النفس، ولم تظهر من قبل لا لأنها غير موجودة وأن صاحبها قد تخلص منها، بل لأن موضوعها لم يتحقق ولم توجد فرصة لإبرازها، فلما سنحت هذه الفرصة ظهر التحاسد والتباغض والأنانية والاستئثار والاستكبار والتقاطع إلى حد ارتكاب أعظم المعاصي التي وعد الله تبارك وتعالى فاعلها النار، فصرنا نرى أئمة
جمعات يسقطون في وحل الكذب والافتراء وتسقيط المؤمنين وتشويه سمعتهم . والإسلاميون الذين سعوا منذ عشرات السنين لكي يحكم الإسلام لما وصلوا إلى المناصب لم نرّ للإسلام أثراً في عملهم، ولم يجعلوا مناصبهم وسيلة لبسط العدل ومساعدة المحرومين ورفع الظلم والقضاء على الفساد بل وقعوا في الأخطاء نفسها ولم يكن لهم هم إلاّ التشبث بالكراسي.
وتساقطت رموز كبيرة بسبب سوء التصرف وطاعة الهوى والغفلة عن الله تبارك وتعالى، فابتليت الأمة بتخبط وتلوّن واضطراب وكادت الفتن أن تطيح بكيانها العتيد الذي بناه الأئمة المعصومون (علیهم السلام) والعلماء الصالحون بدمائهم وجهدهم وجهادهم وتضحياتهم، لولا أن تداركها اللطف الإلهي وبركة وجود ثلة صالحة واعية ثبّتت أوتاد وكيان الحق وحفظته من الانهيار بعد أن كاد يقع .
هذه الدروس القاسية التي خرجنا بها هي - يا أحبّتي - ما علينا أن نتعلمه في هذه المرحلة، وندرسه بعمق لنتوصل إلى العلاج الشافي الذي يزيل العوائق عن طريق الإمام (علیه السلام).
وأمامنا اختباران أو فرصتان نستطيع من خلالهما أن نثبت نجاحنا ونتقدم إلى الأمام في امتحانَي بناء النفس والمجتمع .
الأول: حلول شهر رمضان المبارك الذي هو فرصة عظيمة للتكامل والتقرب إلى الله تعالى، فإننا - يا أخوة الإيمان - لم نخلق في هذه الدنيا عبثاً ولم تهبط أرواحنا من العالم العلوي وتحلّ في أبداننا لنتسافل ونتردى بل لنسمو ولنرتقي في سلم الكمال، [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات:56)، أي
ليعرفوني أولاً ويطيعوني ثانياً لمصلحتهم هم وإلا فإن الله غني عن العالمين. وقد أنزل إليهم دستوراً خالداً كاملاً يتكفل بهدايتهم وبعث إليهم نبياً رحيماً رؤوفاً كريماً وأئمة هداة معصومين ليبيّنوا لهم ما نُزّل إليهم ولكن الله علم ان هذا غير كافٍ للكثيرين لكي يبلغوا الدرجات العالية، لما تتصف به النفوس من ضعف واتباع للهوى ونزوع للشهوات وفشل أمام المغريات، فجعل لهم محطات لتسريع التكامل فمن استفاد منها طويت له مسافة السير إلى الله تعالى فيقطع في يوم ما يقطعه غيره في سنة، وبعض هذه المحطات زمانية كشهر رمضان وليلة الجمعة وأيامها وليلة النصف من شعبان وعرفة والعيدين وغيرها، وبعضها مكانية كالمساجد والعتبات المقدسة وبعضها فعلية كتجمع المؤمنين في صلاة الجمعة والجماعة والمجالس الحسينية وعند نزول المطر وغيرها، وهي يمكن استثمارها جميعاً كما في المواظبة على اداء الفرائض جماعة في المساجد خصوصاً صلاة الصبح وهي غير عسيرة في شهر رمضان باعتبار استيقاظ المؤمنين لتناول السحور وتوجههم للعبادة .
وقد نقل عن بعض الغربيين (إنكم إذا أردتم معرفة قوة المسلمين فراقبوا مواظبتهم على صلاة الصبح جماعة في المساجد)، ويمكن تحصيلها أيضاً من خلال الاجتماع في مجالس الذكر والدعاء والموعظة والإرشاد وتناول سيرة أهل البيت (علیهم السلام) للتأسي بها والتفجّع لمصائبهم، ومن خلال ما يمكن أداؤه من أعمال وسنن مستحبات شهر رمضان، وقد كان السلف الصالح يضع لنفسه برنامجاً خاصاً يذكر فيه الأعمال العامة لشهر رمضان ثم الأعمال الخاصة بالليالي وبالعشر الأواخر من الشهر وبليالي القدر الثلاث، حتى يكون في حالة
ذكر دائم ومنتبهاً لكل وقت يمرّ به فليلة (23) من الشهر يجد لها أعمالاً في قائمة الأعمال العامة وقائمة العشر الأواخر وقائمة ليالي القدر إضافة إلى ما يخص ليلة (23) وهكذا.كما يضعون نصب أعينهم وصايا المعصومين (علیهم السلام) في بيان حدود الصوم الحقيقي الذي تترتب عليه الآثار المعنوية، كخطبة النبي (صلی الله علیه و آله) في آخر جمعة من شعبان وغيرها وهي موجودة في مفاتيح الجنان والرسالة العملية والكتب الأخلاقية وجوامع أحاديث أهل البيت (علیهم السلام).
ومن أهم أعمال شهر رمضان تلاوة القرآن فان لكل شيء ربيعاً وربيع القرآن شهر رمضان، فليبدأ من أوله بختمة وينهيها في آخر الشهر ومن زاد زاده الله شرفاً في الدنيا والآخرة، وليقرأ الأدعية بتدبر ويلتفت إلى معانيها الحقيقية والروحية فيفهم من (اشفِ كل مريض) الأمراض المعنوية والرذائل النفسية التي توجب البعد عن الله تعالى وتدنّس القلب، ومن (أشبِعْ كل جائع) أي كل طالب للحق كالجائع إلى العلم والمعرفة والبصيرة والهداية إلى طريق الحق، ومن (أغنِ كل فقير) غنى القناعة وعدم الاحتياج إلى المخلوقين والافتقار الحقيقي إلى الغني المطلق وهو الله تبارك وتعالى.
وليتفاعل مع دعاء الافتتاح المروي عن الإمام الحجة (علیه السلام) ليعرف حاله وتكليفه في زمان غيبة الإمام، وليحصّل ولو بمقدار يسير النوافل اليومية الراتبة كركعتين من نافلة الظهر أو العصر وركعتي الشفع والوتر من نافلة الليل.
وليعمل على قضاء حوائج المؤمنين وإدخال السرور عليهم ومساعدة المحتاجين وتخفيف آلام المحرومين وليتجنب ما يبعده عن الله تعالى ويحرمه
من عطائه الكريم (فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم)، وقد ذكرنا تفاصيل كثيرة لهذه التوجيهات في كتاب (رمضان والعيد بين أحكام الشريعة وتقاليد العرف) وكتاب (شكوى القرآن) و (شكوى المسجد) و(شكوى الإمام (علیه السلام)) وغيرها.وعلينا أن نتزود في شهر رمضان من الغذاء الروحي والجرعة الإيمانية ما يحفظ لنا ديننا والتزامنا بنهج القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (علیهم السلام) إلى شهر رمضان المقبل (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) وذلك بالمواظبة على العمل ومراقبة النفس وليس كمن نسي كل شيء وعاد إلى سيرته الأولى بمجرد خروج شهر رمضان أي في العيد أو بعده كالذي نشهده من وقوع الناس في المعاصي في احتفالات وزيارات ومراسيم أيام العيد(1).
الثاني: قرب موعد الانتخابات العامة في البلاد التي يرجو الشعب وقيادته الحقيقية أن تكون حرة نزيهة تتيح لكل أبناء الشعب فرصة المشاركة بلا عوائق ولا ابتزاز أو إرهاب أو إغراء أو تزوير حتى تأتي بحكومة شرعية نابعة من إرادة الشعب واختياره تكون أساساً لعودة العراق حراً مستقلاً وتنهي الاحتلال وتضع حداً لحمامات الدم البريء الذي يسيل في كل لحظة تحت مسمّيات وادعاءات تضحك الثكلى ويسخر منها حتى الطفل.
إن هذه الانتخابات تكتسب أهميتها من عدة جهات:
1- إنها ستؤسس مستقبل العراق وتضع معالمه إلى مدة طويلة لا يعلمها إلاب.
1) راجع: محاضرة (حصيلتنا في شهر رمضان والعيد) المنشورة في كتاب (من وحي المناسبات) وهي في الجزء الأول من هذا الكتاب.
الله تعالى لأنها ستكتب الدستور الذي - إن لم نشارك في وضعه أو لم نحسن كتابته - فإنه يمكن أن يكبّل أي تحرك لإصلاح المجتمع ونشر الفضيلة فيه ومحاربة الرذيلة والفساد كالذي نراه في تركيا.2- إنها ستؤكد انتماء الشعب العراقي وتبيّن ولاءه فان كان يريد الإسلام فليقل بصراحة ووضوح ذلك، وليعبّر من خلال صناديق الاقتراع عن إرادته باختياره الجهات الإسلامية التي تحظى بتأييد المرجعية الشريفة ومباركتها، وقد جرّب الشعب - حتى الأقليات والطوائف والأعراف غير المسلمة - إن المرجعية هي الجهة النزيهة المحبّة لكل الناس الرحيمة بهم المدافعة عن حقوقهم جميعاً والرافضة لأي ظلم مهما كانت جهة صدوره وعلى أي أحد وقع؛ لذا فإنهم صمام أمان وحدة الشعب وبسط العدل فيه.
3- إنها ستوصل إلى مواقع المسؤولية الأكفاء الملتزمين ذوي السلوك النظيف الذين يعملون بإخلاص لإعمار البلد وتحسين حال أهله وتتحقق هذه النتيجة بمقدار إقناعنا لمثل هذه الطاقات بالتصدي لمواقع المسؤولية وتعبئة الجماهير لانتخابها ودعمها.
ومنه تتفرع عدة تكاليف:
أ- توعية الأمة بضرورة المشاركة في الانتخابات خصوصاً بعد ما أصدرت المرجعية فتاواها بوجوب المشاركة فيها وتهيئة مقدماتها كالتسجيل في قوائم الناخبين وتحضير الوثائق الثبوتية الكافية، وتحريم القيام بكل ما يعرقل هذه الخطوة، وكنّا من أوائل من أعلن ذلك في البيان/ 60 من سلسلة خطاب المرحلة قبل أكثر من شهر، فعلى الناس أن يفهموا معنى قول المرجعية (يجب)
أي أن القيام بهذا العمل فريضة دينية لا يحلّ تركها كوجوب الصلاة والصوم بل إن هذه –أي وظيفة العمل على إيصال المؤمنين الكفوئين النزيهين المخلصين إلى مواقع الإدارة والحكم- أهم؛ لأن تلك الواجبات فردية تحدد العلاقة بين الفرد وخالقه أما هذه فتقرر مصير البلاد والعباد(1).يجب أن يصل هذا النداء إلى كل فرد من خلال الخطباء والمبلغين والمثقفين والشباب الرساليين؛ لأن شريحة مهمة من أمتنا يعيشون في الريف والبادية وليس لهم مستوى ثقافي يؤهلهم لفهم هذه المعاني فلا بد من حملة واسعة يشترك فيها كل من يقدر عليها ، مستغلين حلول شهر رمضان حيث تنشر مجالس الوعظ والإرشاد والتوجيه .
ب - التحرك على الكفاءات الملتزمة النزيهة التي تريد الخير للناس جميعاً لكي يرشحوا أنفسهم ويعلنوا عن قدراتهم ويعرّفوا أنفسهم للناس حتى ينتخبوهم .
جـ - التحذير من الجهات التي تعمل على كسب أصوات الناس بالإغراء والتهديد وهي لا تنفعهم ولا تعمل لأجلهم وإنما تسعى وراء مصالحها ومصالح الجهات التي تقف وراءها.
د - دعوة السياسيين والمتصدين للعمل السياسي أن يهيئوا قائمة تضم العناصر النظيفة وان توزع الاستحقاقات فيها بعدالة ليتسنى للمرجعية دعمها والإشارة إليها بعد أخذ التعهدات والضمانات الكافية لالتزام أعضائها الفائزين).
1) راجع: بيان هذه النقطة في البيان / 55، من خطاب المرحلة بعنوان (العمل السياسي من الواجبات الشرعية).
بالأهداف والمبادئ الإنسانية العليا.إننا حينما نبدي اهتمامنا هذا بالانتخابات فإنه لم يكن ناشئاً من الثقة والمصداقية بوعود القائمين عليها بقدر ما هو تكليف شرعي لإبراء ذممنا أمام الله تعالى واتباع كل وسيلة ميسرة لإعادة الحق إلى أهله وحفظ وحدة العراق واستقلاله وحريته وسيادة العدالة فيه .
هذا هو تكليفنا ضمن الإعداد لدولة الإمام (علیه السلام) لأنها دولة مؤسسات تقوم على أساس توزيع الاستحقاقات على أهلها ووضع الشخص في الموقع المناسب بلا مجاملة ولا مداهنة، والظاهر أنه (علیه السلام) سوف لا يبني دولته بالطرق الإعجازية ولا بالسيف والتدمير وقطع الرقاب وإهلاك الحرث والنسل، كما يفعله الإرهابيون اليوم ليشوهوا صورة الإسلام، ولينفروا البشرية من كل داعية مصلح، وإنما يسير بسيرة جده المصطفى (صلی الله علیه و آله) حيث بدأ بدعوته المباركة وحيداً فآمن به واستضاء بنوره وسارع إلى تصديقه الطاهرون ذوو القلوب السليمة والمعرفة العميقة، وانتشرت دعوته حتى ملأت الخافقين وعجزت عن مواجهته أعتى القوى المستكبرة، ولم يحمل شخصياً أي سلاح حتى في اشد المعارك وطأة، فحينما انهزم أصحابه في أحد وأحاط به المشركون لم يكن بيده سلاح يدافع عن نفسه حتى نالوا من جسده الشريف وسال دمه، وكان أمير المؤمنين (علیه السلام) هو الذي يدافع عنه ولم يقتل مشركاً بيده لأنه (صلی الله علیه و آله) رحمة للعالمين وشملت رحمته حتى أعداءه لأنه تجسيد لرحمة الله تبارك وتعالى التي عمّت الموجودات، فالإمام المهدي (علیه السلام) هو ابن ذلك النبي العظيم والمحيي لسنّته والسائر على هديه.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أنصار الإمام (علیه السلام) ومن المؤهلين للإعداد لدولته المباركة، وأن يجعلنا من خير من طلع عليه هذا الشهر الكريم، وأن يقسم لنا خير ما قسم لعباده الصالحين وان يوفقنا لما وفق له محمداً وآله (صلی الله علیه و آله) وأن يعتق رقابنا من النار بعفوه وصفحه إنه غفور رحيم حليم كريم والحمد رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.محمد اليعقوبي
30 شعبان 1425 الموافق 15/ 10/ 2004
أبّن المرجع الدين سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دامت تأييداته) شهداء الحق والفضيلة الشهيد مؤيد الكعبي (أبو عبد الله) والشهيد جاسم الطائي (أبو جعفر) والشهيد (أبو زهراء) والشهيد (أبو مجتبى)، وقال سماحته في محضر عدد من عوائل الشهداء أن هؤلاء الشهداء إنما اختاروا طريق الشهادة لأنه طريق الحسين (علیه السلام) وأهل البيت الأطهار وهم إذ خيروا فقد اختاروا طريق الكرامة والمجد.
وقد كانت العواطف الجياشة حاضرة في المجلس سالت فيها دموع الحاضرين وعلى رأسهم سماحة الشيخ.
وفيما يلي نص البيان التأبيني لسماحة الشيخ (دامت تأييداته)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
[الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] (البقرة: 156-157).
عند الله نحتسب أربعة من شهداء الفضيلة الشهيد مؤيد الكعبي المشرف على تنظيمات حزب الفضيلة في الحلة وكربلاء والشهيد جاسم الطائي (ابو جعفر)، وأبو زهراء، وأبو مجتبى أمين وأعضاء أمانة فرع الحزب في ديالى، الذين كانوا من خيرة شباب الإسلام في وعيهم الرسالي وهمتهم العالية في العمل الإسلامي
المبارك وإخلاصهم لله تبارك وتعالى و ولائهم لقيادتهم، وكلفهم ذلك تحمل الكثير من الظلم والاضطهاد والمعاناة وقضوا سنيناً طويلة في سجون صدام المظلمة وفي قبضة جلاديه، ولم يثنهم ذلك من المضي بثبات على طريق ذات الشوكة لم يستوحشوا الطريق لقلة سالكيه، بل حملوا أرواحهم على أكُفهم طالبين رضا الله الرحيم الكريم، حتى امتدت إليهم يد الحقد والتعصب والطائفية والتحجر فاختطفتهم في اللطيفية من بين آلاف المؤمنين المتوجهين إلى النجف الأشرف ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان(1)لإحياء مراسم الزيارة والعزاء في ذكرى استشهاد أمير المؤمنين، فلم يرعوا ذمة للإسلام ولا لشهر رمضان ولا لليلة القدر وصدق قول الله تعالى فيهم [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً] (التوبة:10).لقد كان همهم بعد زوال حكم الطاغية المجرم أن يبنوا مجتمعاً تسوده الفضيلة، ولا مكان فيه للظلم والفساد والرذيلة وعملوا ضمن الأمانة العامة لحزب الفضيلة من اجل تحقيق هذه الأهداف النبيلة، وكان كل منهم أمة وحده بما يمتلك من مؤهلات خُلُقية وثقة جماهيرية وشهادة أكاديمية راقية وإخلاص في النية، لكن ذلك لا يقبله جنود البغي والتعصب فحرموا الأمة منهم وهي أحوج ما تكون إلى أمثالهم ليعيدوا لها هويتها وحريتها واستقلالها وكرامتها.
فحزننا بهم عظيم بقدر عطائهم المبارك للأمة ولا يسلّينا في مصيبتنا إلا أنهم مضوا على ما مضى عليه الأنبياء و الأئمة والصالحون (ع)، ولا يجبر مصابنا4.
1) المصادف 5/ 11/ 2004.
بهم إلا بأن تثوب الأمة إلى رشدها وتعي أهدافها وتميز بين أعدائها وأصدقائها وتنجب المزيد من الرساليين الذين يعرفون الحق ويتبعونه ويثبتون عليه، ليواصلوا حمل الأمانة حتى يسلموها إلى حجة الله على خلقه .محمد اليعقوبي
23 رمضان 1425 الموافق 7/ 11/ 2004
بسمه تعالى
أقام سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) صلاة عيد الفطر المبارك للعام 1425 هـ في باحة داره، حيث اجتمع العشرات من المؤمنين، وبعد الصلاة قام لأداء الخطبتين وافتتحهما بالحمد والثناء على الله تبارك وتعالى كما هو أهله وكما يستحقه حمداً كثيراً، ثم قال توجد كلمة لأحد العلماء يقول: (بُني الإسلام على ركنين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة) وهي عبارة صادقة بدرجة كبيرة ولم تأتِ من فراغ وإنما هي مستقرأة من مجموعة وفيرة من النصوص الشريفة في القرآن والسنة وهذان الركنان تُساهم فعاليات العيد في ترسيخهما في نفوس وقلوب المؤمنين.
أما كلمة التوحيد –ولا نعني بها لقلقة اللسان فقط- فهي وإن كانت تمثل درجة من درجات الإيمان ومعبّرة عما في قلب الإنسان وضميره ومبرزة لهذا الاعتقاد الباطني، إلا أنها غير كافية كما قال تعالى [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (الحجرات:14)
فالمطلوب من المسلم مراحل أخرى:منها: انعقاد القلب على هذه الحقيقة بأن لا إله ولا مدبر ولا ربَّ ولا معبود ولا كامل وغيرها من المعاني إلا الله تبارك وتعالى.
ومنها: إشراق هذه المعاني على حياة الإنسان وتأثيرها في سلوكه فلا يخشى إلا الله تبارك وتعالى ولا يطيع أحد غيره ولا يرجو الخير إلا منه ولا يبغي رضا أحدٍ غيره ولا يتوكل إلا عليه ... وهكذا.
وقد جعل الله تبارك وتعالى أزمنة شريفة -ومنها يوم العيد- فرصة كبيرة لتعميق هذه المعاني، فقام الأئمة (علیهم السلام) بحكم وظيفتهم الإلهية وهي الأخذ بيد العباد في طريق الهداية وإيصالهم إلى الكمال بوضع برنامج عمل تفصيلي لهذه الأيام، فعلمَّوا شيعتهم عدة صيغ للطاعة من الصلاة والدعاء والسنن والمستحبات وتضمنت الأدعية الحمد والثناء لله تعالى على جميل صنعه إذ وفق لصيام هذا الشهر العظيم، وأعان على قيامه وتلاوة كتابه الكريم في وقت حُرِم منها الكثيرون بحسب درجات الحرمان المتفاوتة، فأحدهم -وهو أسوأهم- لم يؤدِ ما فرض الله عليه من صيام وصلاة واشتغل بالمعاصي، وآخر صام ظاهراً بمعنى أنه امتنع عن الطعام والشراب لكنه لم يمنعه صومه عن الخوض في المحرمات كالغيبة وظلم الناس والمعاملات المحرمة والنظر إلى ما حرم الله وحضور مجالس البّطالين ونحوها فهو قد حُرِم من درجة من درجات العطاء الإلهي، وهكذا تمتد درجات الحرمان بمقابل درجات القبول والقرب من الله تعالى، وكل درجة من درجات القبول تقابلها درجة من درجات الحرمان [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً] (الإسراء: 21).
ومما تضمنته الأدعية من معان: التوسل إلى الله تعالى بالمغفرة وعدم المؤاخذة على التقصير وقبول الأعمال بكرمه وان لا يعاملنا بعدله بل بفضله (اللهم أدِّ عنا حق ما مضى من شهر رمضان واغفر لنا تقصيرنا فيه ولا تؤاخذنا بإسرافنا على أنفسنا واجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين) وفي دعاء آخر (إلهي ربح الصائمون وفاز القائمون ونجى المخلصون ونحن عبيدك المذنبون).فإذن ليس كل عمل يأتي به الإنسان يكون مقبولاً وإن كان مطابقاً للشروط التي ذكرها الفقهاء (قدس الله أسرارهم) في رسائلهم العملية التي تتكفل بإبراء الذمة من التكليف، أما القبول فيتطلب درجة من درجات التقوى [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ] (المائدة:27).
ومن الأجزاء الواجبة في خطبتي صلاة العيد التذكير بتقوى الله تبارك وتعالى كتلاوة الآية الشريفة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] (التوبة:119) [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ] (النساء:1)، وقد ورد مثل هذا الحث كثيراً في القرآن في إشارة واضحة إلى غياب هذه الحالة عن حياة الناس حتى المؤمنين.
فالعيد - بخطبتي صلاته- يعيد للمؤمنين هذه الحالة الروحية الوجدانية التي يستشعرها في حياته ويستحضرها في معاملاته وتصرفاته لتكون هي المقياس؛ لذا فسّروها في بعض الأقوال (أن يجدك الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك) فإذا أمرك بالصوم فيريد أن يجدك مع الصائمين وأمرك بالصلاة فلا بد أن يجدك مع المصلين ... وهكذا ونهاك عن الغيبة فيجب ان يفتقدك في مجالس
الخائضين فيها ... وهكذا.وفي هذا السياق دعا الأئمة (علیهم السلام) شيعتهم إلى الإكثار من ذكر الله تعالى والعمل الصالح يوم العيد، وعدم جواز الاشتغال باللعب والضحك ومما ورد في هذا المجال عن الإمام الحسن بن علي (علیه السلام) أنه نظر إلى ناس في يوم فطر يلعبون ويضحكون فقال لأصحابه والتفت إليهم: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه، فسبق فيه قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخيب في المقصرون وأيم الله لو كشف الغطاء لانشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته)(1).
وهكذا يعمق العيد هذا الركن الأول من ركني الإسلام في شخصية المؤمن).
ثم أنهى خطبته الأولى بقراءة سورة الكوثر، وبعد جلسة خفيفة قام إلى الخطبة الثانية:
فبدأها بالحمد لله تبارك وتعالى ثم الصلاة على النبي وآله بأسمائهم فرداً فرداً وقال: (إن العيد يتكفل بترسيخ الركن الثاني وهو توحيد الكلمة من خلال عملين:
الأول: الحث على التزاور والمعانقة والمصافحة ونبذ القطيعة والتباغض والتشاجر، وهذه الأساليب العملية لها دور فعال في حفظ تماسك المجتمع المسلم ووحدته وسيادة روح الألفة والمحبة بين أفراده فمن الأحاديث الواردة3.
1) وسائل الشيعة: كتاب الصلاة، أبواب صلاة العيد، باب 37، ح3.
في المصافحة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال (إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أدخل الله يده بين أيديهما واقبل بوجهه على أشدهما حباً لصاحبه فاذا اقبل الله بوجهه عليهما تحاتت عنهما الذنوب كما يتحات الورق من الشجر)(1)وغيرها كثير، ولما علم الله تبارك وتعالى أن الناس يشتغلون خلال السنة بتفاصيل حياتهم اليومية فتقل اللقاءات بينهم خصوصاً مع تعقيد الحياة المعاصرة؛ لذا جعل العيد فرصة ليجددوا هذه العلاقات ويزيلوا عنها ما شابها من الكدر ونزعات الشيطان.وهذا التماسك والتآلف هو الأساس الرصين لبناء أمة مزدهرة متقدمة قوية، وترى أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أول ما عمل حين صدع بدعوته المباركة هي المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، ثم بعد ما هاجر آخى بين المهاجرين والأنصار كأول خطوة قبل أن يبدأ عمله الرسالي الواسع العظيم، وكان أصحابه (صلی الله علیه و آله) بمستوى المسؤولية فكان الأنصاري يتنازل للمهاجر عن نصف ماله حتى إذا كان له رغيفان أعطاه واحد وإذا كانت له زوجتان طلّق واحدة وتزوجها المهاجر.
وهكذا استطاع أن يبني رسول الله (صلی الله علیه و آله) دولته المباركة الحصينة في المدينة وانطلق منها ليفتح العالم لأنه (صلی الله علیه و آله) يعلم أنه لا تستقيم له دولة ولا يستطيع أن يبلّغ رسالة ربه، وأصحابُه متقاطعون متباغضون يلعن بعضهم بعضاً، ويفسق بعضهم بعضاً فكان لا يسمع كلام أحدهم السيئ عن الآخر ويقول لهم (أحبّ أن امضي عنكم وأنا سليم الصدر)، وبذلك قطع هذه المادة الأساسية للتقاطع وسوء الظن وهي النميمة ونقل نقائص الآخرين وتشويه سمعتهم7.
1) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب العشرة، باب126، ح7.
وتسقيطهم.فما أحوجنا اليوم إلى وعي هذه العملية المباركة التي قام بها المصلح العظيم وباني دولة الإسلام العظيمة، ولو سألتني عن أهم معوق للعمل الإسلامي في الفترة التي تلت بعد سقوط الطاغية لأجبتك إنه هذا التقاطع والتشنج في العلاقات والتزاحم على المواقع الدينية والسياسية والاجتماعية -رغم أنها كلها إذا خلت من الإخلاص لله تعالى فهي لا تعدو كونها دنيا زائفة وزائلة- مما أنهك الأمة وأضعفها وجعلها نهباً للأعداء يطمع فيها كل قريب وبعيد، وأضاع الكثير من فرص التقدم ومشاريع بناء الأمة المتكاملة وهدر الطاقات وأمات الآمال التي انتعشت في يوم ما.
إننا بإذن الله تعالى مقبلون على عملية انتخابات، وقد بذلت الأمة وقياداتها جهوداً مضنية لإقرارها حتى رضخت الأطراف المعنية، ونحن نريدها أن تكون نزيهة ومنافسة شريفة لتقدم الأكفاء وتحكيم إرادة الأمة في من يقودها، لكنهم سيعملون لتحقيق مصالحهم من خلال هذه العملية، وليس من الضروري أن تتطابق المصالح فستستمر حالة التجاذب والتدافع ليحقق كل طرف ما يريد [لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج:40).
ومحل الشاهد أن من السلبيات المتوقعة والتي سيعمل الأعداء على ترسيخها هي حالة المهاترات الكلامية وتبادل الاتهامات ومحاولة التسقيط والتشويه والإلغاء والإقصاء التي ستتبعها الفئات المتنافسة بشتى الوسائل المتاحة من أجل
إرضاء أنانياتهم وتحقيق مصالحهم الشخصية أو الفئوية، مما سيمزق الأمة بشكل أوسع وها نحن ننبه إلى هذا الخطر من وقت مبكر لأخذ الحيطة والحذر.إن التنوع في التفكير والوصول إلى نتائج مختلفة استناداً إلى مقدمات متباينة حالة طبيعية ودليل على الإبداع، ولكي لا يجوز لها ان تتجاوز حدودها الايجابية لتؤدي إلى التقاطع والتناحر.
إننا نشهد اليوم تمزقاً على صعيد الوطن فبعض الأكراد ينادون بالانفصال في الشمال وآخرون يطالبون بانفصال الجنوب وأسيئ معنى الفدرالية.
ونشهد تمزقاً على صعيد الدين فهؤلاء المتحجرون الجهلة الحاقدون يقتلون ويدمرون ويفجرون بلا رادعٍ من دين أو أخلاق أو إنسانية وبوسائل وحشية، وحوادث اللطيفية والمحمودية والسيارات المفخخة والاغتيالات بعض الشواهد على ذلك، يريدون أن يجروا البلاد والعباد إلى حرب طائفية تهلك الحرث والنسل، وينفذوا خطط أعداء الأمة من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ولولا حكمة المرجعية الشريفة وحلمها وبصيرتها وورعها ووعي الأمة وطاعتها لقيادتها الدينية لما بقي المجتمع على حاله اليوم.
ونشهد تمزقاً داخل المذهب الواحد بسبب اختلاف التوجهات الفكرية والقناعات المتعددة وهكذا تستمر الانشقاقات بشكل لا يُسِّر الصديق ويدمي قلب كل غيور.
ومع هذا الوضع الخطير كيف ستبنى الأمة وتزدهر البلاد وكيف سنحقق السلام والسعادة لأبناء الشعب لذا يجب أن يثوب الجميع إلى رشدهم وينظروا بعين الناقد البصير ويعودوا إلى سنة رسول الله (صلی الله علیه و آله) حيث كان أول عمل هو
تأليف قلوب أتباعه وتوحيد شملهم وبناء مجتمع متماسك محذراً إياهم من مغبة التفرق والتشتت التي يكون أول نتائجها ذهاب القوة والدولة [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] (آل عمران:103) .ولمراسيم العيد وسننه ومستحباته الدور الكبير في سيادة روح المحبة والتصافي بين أفراد الأمة.
الثاني: التذكير وإلفات النظر إلى القيادة الحقيقية للأمة التي أمر الله تبارك وتعالى باتباعها (وجعل إمامتنا نظاماً للملة)(1)، فالإمامة والقيادة الشرعية للأئمة المعصومين (علیهم السلام) وامتدادهم من الفقهاء العدول الجامعين للشرائط هو الحصن الذي يحمي الأمة من التفكك، وما تشتتت الأمة وما تمزقت إلا حينما أعرضت عن قيادتها الحقيقية.
وهذا المعنى يؤكده العيد ويرسخه في قلوب المؤمنين من خلال الحث الأكيد على زيارة الإمام الحسين (علیه السلام) وفهم معاني ثورته المباركة، ومن خلال دعاء الندبة الذي ورد استحباب قراءته في الأعياد وهو دعاء جليل يذكّر الناس بالركب الكريم من أنبياء الله ورسله والأئمة المعصومين والأولياء الصالحين الذين بلّغوا رسالات ربهم وأدوا ما عليهم وقدمّوا التضحيات الجسيمة التي يشير إليها الدعاء.).
1) من خطبة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مسجد أبيها (صلى الله عليه واله وسلم).
ثم يركز في خطابه على الإمام المهدي (علیه السلام) باعتباره الإمام الفعلي والقائم بأعباء الرسالة الإلهية الشريفة والمدخر لإقامة الحق والعدل وإزالة الأمت والعوج، وليذكرنا أن العيد الحقيقي هو يوم إقامة حكم الله تبارك وتعالى في الأرض على يد الأمناء من عباده.هذا هو يوم العيد في شرفه، وهذا هو يوم العيد في معطياته وهذا هو دور يوم العيد في حياة المسلمين.
ويبقى (كل يوم لم تعصِ الله فيه فهو عيد) هو شعار المؤمنين وخلاصة نظرتهم إلى معنى العيد.
جعلنا الله وإياكم من أهل طاعته ورزقنا وإياكم مرافقة أوليائه في بحبوحة جناته إنه ولي النعم.
ملاحظة:
كانت الخطبتان ارتجاليتين
وقد قررهما أحد طلبة جامعة الصدر الدينية
ثم نقحهما سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله).
خطاب المرحلة 67 : دروس وعبر في اليوم العالمي لمكافحة الأيدز(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
جعل المجتمع الدولي هذا اليوم - الأول من كانون الأول- يوماً عالمياً لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة المعروف اختصاراً بالأيدز، وجعل يوم عالمي لقضايا البشرية المهمة كالمرأة والأم والبيئة والعمال والقدس والتوبة حالة ايجابية في حياة الأمم؛ لأن مثل هذه القضايا تتطلب تخصيص يوم لها في السنة على الأقل يستوقف العلماء والمفكرين والمتخصصين والمسؤولين عن هذه القضية أو تلك لإجراء مراجعة لها، ابتداءً من تشخيص المشكلة وتحليل أسبابها إلى كيفية علاجها والآليات التنفيذية للحل وإجراء التحليلات والإحصائيات والدراسات لكل هذه المراحل.
ومرض الأيدز من المشاكل الكبيرة التي تعاني منها البشرية وتسبب لها التعاسة والشقاء والفناء، فيوجد في العالم اليوم –عام 2004- أكثر من (30) مليون إصابة بهذا المرض الذي يفتك بحياة (8-10) آلاف إنسان يومياً أي
1) كلمة ارتجلها سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في وفد حزب الفضيلة الإسلامي من محافظة ميسان الذي زاره يوم الأول من كانون الأول عام 2004 أعيد تنقيحها وكتابتها، وألقاها سماحته من خلال قناة النعيم الفضائية في نفس المناسبة عام 2011.
أكثر من ثلاثة ملايين سنوياً، فهو السبب رقم واحد في قائمة أسباب الموت يتقدم على ضحايا الحروب والمجاعات وحوادث السيارات والطائرات وغيرها، وقد وقفت الدول المتقدمة فضلاً عمن هو دونها عاجزة عن مواجهة هذا المرض واعترفوا بفشلهم في القضاء عليه بل الحد منه.إننا في هذا اليوم نريد أن نتوقف عند عدة دروس وعبر مستفادة من ابتلاء البشرية بهذا المرض الفتاك:
1- إن الغرب مهما بالغ في تفوقه في العلوم والتكنولوجيا والطب حتى صنع هالة مقدسة حوله ويُسعى لإلزام العالم كله باتباعه، يبقى عاجزاً أمام فايروس لا يرى بالعين المجردة فلا يستطيع القضاء عليه بل ولا الحد من انتشاره، ووَقفَ هذا الفايروس الضئيل كالمارد يحطم جبروتهم وطغيانهم مصدقاً قوله تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت:41) وقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ] (الحج:73) فلا ينبغي للمؤمنين أن يغتروا بهم ولا أن يتخذوهم أولياء أو يذوبوا في حضارتهم الزائفة.
2- إن السنن الإلهية جارية في هؤلاء الأقوام الذين استكبروا عن المنهج الإلهي القويم وعصوا شريعة الله تبارك وتعالى، فلا بد أن يتعرضوا لما جرى على الأمم السابقة لهم وقد مرت بهم مرحلتان(1)وهما:ب.
1) راجع بحث (الجاهلية الحديثة وأسلوب مواجهتها)، وقد مر في الجزء الأول من هذا الكتاب.
الأولى: مرحلة الأخذ بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ويعودون إلى الله تبارك وتعالى وقد مروا بويلات وكوارث أحدها الحرب العالمية الثانية التي قتلت (41) مليوناً من البشر من الحلفاء غير دول المحور. فإذا لم ينفع البلاء في استغفارهم وتوبتهم. جاءت الثانية وهي مرحلة الاستدراج وإغداق النعم والإغراق في الترف واللهو والملذات التي تسبب الغفلة وقسوة القلوب، وقد وصف الله تبارك وتعالى هذه الحالة عندهم بقوله [حَتَّى عَفَوا] أي تعافوا وأصبحوا في سعة من الحال وعافية وهي المرحلة التي عاشها الغرب خلال العقود الماضية فراحوا يتفننون في اختراع المتع والملاهي والملذات، ويعقدون المباريات والمهرجانات والاحتفالات الصاخبة لها، وقبل أن يملوا حالة اوجدوا غيرها وامتلأت جيوبهم وبطونهم من خيرات الأرض حتى راحوا يحرقون الفواكه ويرمون اللحوم في البحر ليحافظوا على أسعار السوق في حين يتضور ملايين البشر جوعاً حتى الموت.
وحينئذٍ تأتي مرحلة الأخذ والفناء والقضاء عليهم وها هو ذا مرض الأيدز احد النذر لفنائهم. وتتوالى عليهم الأزمات الخانقة(1)التي تهدد أسس حضارتهم وتنسف أبنيتهم من القواعد.
وقد وردت الإشارة إلى هذه السنن في مواضع عديدة من القرآن الكريمم.
1) وآخرها –اليوم عام 2011- الأزمة المالية التي أنهكتهم ودفعت شعوبهم إلى التظاهر والاحتجاج والمطالبة بنظام اقتصادي جديد للعالم وخرج عشرات الآلاف في ألف مدينة من شرق الأرض وغربها يوم 15/ 10 من هذا العام لرفض النظام القائم.
ومنها قوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُون، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ] (الأعراف : 94-95) فقوله تعالى: [إلا أَخَذنَا ..] يشير إلى المرحلة الأولى وقوله تعالى: [ثُمَّ بَدّلنَا ..] إلى الثانية وقوله تعالى: [فَأَخَذنَاهُم..] إلى المرحلة الثالثة ما لم يتداركوا أمرهم ويرجعوا إلى الله تعالى.3- إن الغرب يتشدق كثيراً بحماية حقوق الإنسان ونشر المنظمات الإنسانية في العالم، بينما يدير وجهه عن تقديم الدعم المناسب لمواجهة هذا المرض بحرب عالمية واسعة للقضاء عليه، وقد اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بتنصل الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأخرى عن تعهداتها بتمويل هذا المشروع الإنساني والتخفيف عن آلام المصابين رغم أنها أنفقت أضعاف هذا المبلغ لتمويل حملتها ضد ما يسمونه بالإرهاب وأمثالها من الحروب التي يصطنعونها ويخلقون المبررات لها رغم أن ضحايا الإرهاب المزعوم لا يتجاوز عشر معشار ضحايا الأيدز، فهم إذن لا يهتمون بالمبادئ الإنسانية ولا حل مشاكل البشر ورفع معاناتهم وإنما يحكمهم الربح والخسارة المادية ومواجهتهم لمرض الايدز لا تدرّ عليهم أرباحاً ولا مكاسب.
4- إن أكثر الدول ابتلاءً بهذا المرض والتي تتواجد فيها أكثر الإصابات هي تلك الواقعة في وسط وجنوب إفريقيا تليها أمريكا اللاتينية ثم الولايات المتحدة وأوربا، وأقل الشعوب تعرضاً للإصابة هم المسلمون وتكاد تكون بلادهم خالية منه إلى وقت قريب حين انساق البعض منهم وراء شهواته وتقليد
الغرب في نمط حياته، حيث نقلت الأنباء خبر موت (588) بمرض الأيدز في المملكة العربية السعودية (النشرات الإخبارية ليوم 30/ 11/ 2004)، وهذا يكشف عن دور الدين خصوصاً الإسلام في حماية المجتمعات المؤمنة به والمحافظة على تقاليده الموروثة من الانحراف والشذوذ وما يؤدي إليه من أخطار، وهذا يبرز أثر القيم الروحية في توفير حياة سعيدة مطمئنة للإنسان عكس ما يتصور البعيدون عن الله تعالى من أن السعادة تتحقق بإشباع الغرائز والشهوات. والمتنفذون المهيمنون على المصالح والشركات في الغرب يعادون الإسلام والمسلمين لأنهم يعرفون هذه الحقيقة ويدركون سرّ قوة المسلمين بتمسكهم بالإسلام؛ لذا فإنهم لا يتوانون عن الكيد لهم وبث الفتن وإشاعة الفساد والانحراف والتشكيك في العقائد قال تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: 120) ولا يتورعون للوصول إلى أهدافهم الشيطانية عن سلوك أي سبيل، ومنها ما حصل في العراق في ظل الحصار أيام النظام المقبور عندما أرسلت إحدى دول أوربا الغربية شحنة من الحقن التي تعطى للنساء عند وضع الحمل إذا كانت فصيلة الدم بين والدي الطفل مختلفة وكانت ملوثة بمرض الأيدز.
وهذه الأخبار تدق ناقوس الخطر أمام المسلمين وتلفت نظرهم إلى شكل من أشكال العدوان الذي يمارسه الغرب المستكبر ضدهم، فهو -أي الغرب- لا يفتر عن الكيد لهم -أي المسلمين- والتخطيط للقضاء عليهم وكسر شوكتهم
وتجريدهم من عقائدهم وأخلاقهم بنشر وسائل الدمار والفساد والفسق والفجور فيهم ليستعبدهم ويسلب ثرواتهم.5- إن عجز الغرب عن مواجهة هذا المرض الفتاك قد يكون له علاقة بالظهور المبارك الميمون للمهدي المنتظر (علیه السلام)، من حيث أن الأخبار دلت على نزول السيد المسيح (ع) لتأييد الإمام (علیه السلام)، ولما كانت معجزته الرئيسية شفاء المرضى من الأمراض المستعصية وإحياء الموتى، فستكون معالجته (ع) لمرضى الايدز بل لموتاه حجة بالغة على اتباعه للتصديق به وبدعوته المباركة.
وهذه مجرد أطروحة قابلة للنقاش، وإلا فإن الرحمة الكبيرة التي يحملها الإمام (علیه السلام) للبشر جميعاً من أتباعه ومن غيرهم لا تسمح بان يترك البشرية معذبة وتعيش الشقاء، بل يتدخل لإنقاذها ولكن ماذا يفعل لها إذا اختارت الشقاء بنفسها كما قال تعالى [أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ] (الزمر:19).
6- مصداقية الأحاديث الواردة عن أهل البيت (علیهم السلام) مما يكشف عن جانب من استحقاقهم لإمامة الأمة والتبليغ عن الله تعالى، ولنحلّل بهذه المناسبة حديثاً مروياً عنهم (سلام الله عليهم) فقد روى الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) في الخصال وفي ثواب الأعمال والمحاسن للبرقي عن الإمام الصادق (علیه السلام) والحديث وارد في الآثار المترتبة على ارتكاب فاحشة الزنا، ومن المعلوم أن السبب الرئيسي للأيدز هي الممارسات الجنسية غير المشروعة، قال (علیه السلام): (للزاني ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة: أما التي في الدنيا فيذهب بنور الوجه ويورث الفقر ويعجل الفناء وأما التي في الآخرة هو سخط
الرب وسوء الحساب والخلود في النار)(1)، وحين تطبق هذه الخصال على نتائج وأعراض مرض الايدز سيكون المطابقة بدرجة دقيقة. أما ذهاب نور الوجه فمن عدة جهات(2):
أ- إن المصاب بالأيدز يكون شاحب الوجه وبسبب ضعف الجهاز المناعي عنده فانه يكون عرضة للإصابة بكافة الأمراض مما يجعل بدنه سقيماً عليلاً.
ب- إن من لوازم الوقاية من الأيدز عزل المصاب به اجتماعياً مما يجعله كئيباً شاحباً ذليلاً ومعذباً؛ لأن من طبع الإنسان الأنس بالآخرين لذا جعلوا من وسائل التعذيب في السجون الزنزانة الانفرادية.
جـ- إن التكاليف الباهظة لمعالجة المرض تستنفد كل ما عند المصاب من أموال مضافاً إلى عزله عن القيام بالأعمال بشكل طبيعي مما يجعله ذليلاً يطلب مساعدة الآخرين ويستجدي عطفهم.
د- إن البعيدين عن طاعة الله تبارك وتعالى يعيشون خواءً روحياً والروح -كالجسد- تحتاج إلى غذائها فالنقص فيه يجعله في هزيمة نفسية وتمزق داخلي عبر عنها الله تبارك وتعالى بقوله [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً] (طه: 124).
هـ- إن المصاب بهذا المرض يكون خائفاً قلقاً لخطورة مرضه وانتهائه بصاحبه إلى الوفاة غالباً فيبقى هذا الهاجس يرعبه ويجعله شاحباً خائفاً.).
وأما أنه يورث الفقر فمن عدة جهات:أ- إن المرض أكثر ما يصيب الشباب الذين يتراوح أعمارهم (15-45) سنة وهي الشريحة التي تبني البلد وتثري المجتمع بالعطاء والإنتاج، والمرض يقعدهم عن العمل فيفتقرون في أنفسهم ويعطلون نشاط الأمة.
ب- كلفة المعالجة الباهظة التي تستنفد كل الإمكانيات المادية، فان الوصفة الطبية للعلاج غالية الثمن وتتطلب مواظبة يومية على مدى سنين فإذا ضربت كل ذلك في عدد المصابين بالمرض حصلت على أرقام مرعبة من المبالغ.
جـ- عزوف أصحاب الأموال عن الاستثمار في المناطق الموبوءة بالمرض وفرارهم منها.
وهذه المعاني والتداعيات الاجتماعية تفسِّر أيضاً ما ورد من النصوص الشريفة في أن الأمم العاصية تحبس عنهم السماء قطرها والأرض بركاتها. ومصداقٌ لقوله تعالى [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] (النحل:112).
وأما تعجيل الفناء فمن أكثر من جهة:
أ- إن النتيجة الحتمية للمصاب بهذا المرض هو الموت في فترة تتراوح بين عدة أشهر إلى عدة سنوات.
ب- إن أكثر ما يصيب المرض هي الفئة العمرية (15-45) سنة وهو عمر الإنجاب الطبيعي، فموتهم يعني حرمان الأمة منهم ومن العدد المحتمل الذي يفترض أنهم ينجبونه حتى يقطع دابرهم ويهلك نسلهم وعن مثل هذا قال تعالى
في قوم لوط [قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ] (الحجر : 63-66) وهي حالة ليست خاصة بقوم بل تشمل كل الأمم المعرضة عن الشريعة الإلهية [وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] (هود:83).جـ- إن مرض الأيدز معدي فهو ينشر سبب الموت بسرعة.
د- إن المصاب بالأيدز يعيش حالة من الحقد على الآخرين والحسد لهم ويعاني من عقدة الحقارة تجاههم خصوصاً عند شعوره بالنهاية فيندفع للانتقام من الآخرين ويسبب الموت والفناء لهم أيضاً.
إن مثل هذه الدراسة الاجتماعية والتفسير الإنساني (الأنثروبولوجي) لنصوص المعصومين (علیهم السلام) تبين عظمتهم (ع) وصدق دعوى اصطفائهم من الخالق المدبر، وتساعد بشكل كبير على إقناع غير المنتمين إلى مدرستهم بالرجوع إليهم، وهو الأسلوب الذي ينفعنا في الحوار الحضاري القائم اليوم. كما أنها تقدّم رؤية دقيقة وفلسفة لمشاكل البشرية وآثارها وتداعياتها وكيفية معالجتها، فهذا النموذج الذي قدمناه للتفسير يعتبر دعوة للمفكرين والكتاب والعلماء لإثراء الفكر الإنساني بهذه المعارف والعلوم المأخوذة من النبع الصافي.
من هذا كله يتحصل أن البشرية إذا أرادت أن تعيش بسعادة وسلام وطمأنينة فعليها العودة إلى الله تبارك وتعالى والالتزام بشريعته [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ] (الأعراف:96) وهنا يأتي العتاب بل الإنذار من الله تبارك وتعالى [أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ] (الأعراف:97، 98، 99) وسلسلة الآيات طويلة تبدأ من الآية 93 من سورة الأعراف وما بعدها وهي جديرة بالتأمل والتدبر وكسائر آيات القرآن ليصحو الإنسان من غفلته فلا تفوتنكم.أسأل الله تعالى أن يوقظنا من نومة الغافلين وأن يهدينا الصراط المستقيم ويجعلنا من المتمسكين بحبله المتين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمد اليعقوبي
18 شوال 1425 الموافق 1/ 12/ 2004
بسمه تعالى وبه نستعين
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين
س1: الفقيه المجتهد المجاهد أين يضع نفسه في سياقات الحدث العراقي الفاعلة وتطوراتها وتعقيداتها؟
بسمه تعالى: الإنسان -كل إنسان- جزء من هذه الأمة فيتأثر بحركتها ويؤثر فيها، وقد شبه رسول الله (صلی الله علیه و آله) كيان الأمة بركاب السفينة لا يستطيع أحد أن يقلع خشبته منها ويقول هذا ملكي وأنا حر بالتصرف فيها فإن مآل ذلك غرق الجميع وهو فيهم، لذا ورد عنه (صلی الله علیه و آله) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ولا يمكن أن يتكل أحد على آخر، بل يشترك الجميع في تحمل المسؤولية ومن هنا ورد في الأحاديث الشريفة (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم).
وما دامت الأمة كياناً واحداً له معالمه وخصائصه فلحركتها – فعلاً أو تركاً – شريعة تنظمها غير التكاليف التي تتوجه إلى أفرادها كأفراد وهذا ما
سميته بالفقه الاجتماعي في بحث (الأسس العامة للفقه الاجتماعي).ولا شك أن المسؤوليات الملقاة على عاتق الناس تختلف سعة وضيقاً بحسب الموقع الذي يشغله الفرد.
ويقف الفقيه في قمة تلك المسؤوليات وأوسعها لأنه الكهف الذي تأوي إليه الأمة إذا نزلت بها عظائم الأمور، والنور الذي تستهدي به في حياتها، والمعين الذي تنهل منه معارفها وصمام أمان وحدتها و تماسكها، والقيادة التي تسير خلفها نحو ما يصلح شانها فمحله من الأمة محل الرأس من الجسد والقطب من الرحى.
وقد نبه الأئمة المعصومون (علیهم السلام) الأمة إلى هذا الموقع الشريف للفقيه الجامع للشرائط فوصفوا الفقهاء بـ (أمناء الرسل)، (حصون الإسلام)، و(القادة) وإن الفقهاء – بحسب تعبير الإمام – (حجتي عليكم وأنا حجة الله).
ولعل من نافلة القول أن أشير إلى أن المراد بالفقيه الذي تنطبق عليه الأوصاف أعلاه ليس من اكتفى بتحصيل العلم حتى لو بلغ أسنى درجاته، وإنما يحتاج إلى ضم تهذيب النفس والمعرفة بالله تبارك وتعالى، والوعي العميق لهموم الأمة ومشاكلها وقضاياها والظروف المحيطة بها وان يحيط نفسه بمستشارين وعيون مخلصين واعين نزيهين.
وفي ضوء هذه المقدمة نقول إن الفقيه هو العقل الذي تجتمع عنده أفكار الأمة ورؤاها فيصوغها بما آتاه الله من مؤهلات في أفضل مشروع يمكن ان تستقيم به حياتها ويعرضه عليها لتسعى إلى تنفيذه، وهذه العلاقة بين الفقيه والأمة هي التي ترسم أدوار كل منها، فالفقيه ليس رئيس حكومة ولا رئيس
دائرة ولا أي شيء من هذا القبيل، وإنما هو الأب والراعي لكل هؤلاء الذين يحققون الخير لأنفسهم ولأمتهم بمقدار أخذهم بتوجيهات المرجعية التي لا تكره أحداً على طاعتها وإنما تعمل على إقناع الناس بمنهجها ومشروعها.هذا هو باختصار موقع الفقيه من فعاليات الأمة وقضاياها وآمالها وآلامها، وبقي على الأمة أن تتعرف على قياداتها الحقيقية وتفي لها بالتزامها.
س2: كما تعلمون أن القرار السياسي يحتاج إلى أهلية ومقومات فما هي هذه المقومات بنظر سماحتكم؟
بسمه تعالى: ليكون القرار السياسي صائباً أو قريباً من ذلك لا بد أن تتوفر في صاحبه عدة مؤهلات:
1- علمية: بمعنى الإحاطة بالعلوم التي لها دخل في هذا القرار، وعلى رأسها الفقه الذي يمثل الشريعة والقانون الذي ينظم حياة الفرد والمجتمع بأن يكون مجتهداً له القدرة على استنباط الأحكام والمواقف الشرعية لمختلف الحالات.
2- أخلاقية: بأن يكون مخلصاً لله تبارك وتعالى متجرداً عن الأنانية الفردية والفئوية نزيهاً في عمله محباً للناس شاعراً بهمومهم وآلامهم وآمالهم وتحصل هذه الصفات بتربية طويلة و (جهاد أكبر) مع النفس.
3- مهنية: أي الكفاءة والقدرة على إدارة العمل المناط به وتتحقق بعد ممارسة طويلة للعمل والاستفادة من خبرات السابقين وتجاربهم.
4- واقعية: بأن يكون ابن الحالة التي تعيشها الأمة ويولد من رحم المعاناة والظروف التي تمر بها ويكون واعياً للملابسات التي تحيط بالقضية التي يريد أن يتخذ قراراً بإزائها.
وقد أشارت الآية الشريفة إلى تشخيص بعض صفات القيادة في شخصية الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله) قال تعالى: [لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ] يحمل رسالة وشريعة ربانية قد استوعبها علماً وعملاً [مِنْ أنفُسِكُم] عاش محنتكم وعرف مشاكلكم وهو خبير بكم، وأنتم أيضاً تعرفونه في صدقه وأمانته وإخلاصه [عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّْم] يتألم لما يصيبكم من عناء وشقاء نتيجة الابتعاد عن المنهج الإلهي في الحياة، فله همة عظيمة في إنقاذكم من هذه الحياة النكدة، ولا يعيش هم نفسه فقط ومصلحته وأنانيته ومعزولاً عن الناس [حَرِيصٌ عَلَيكُم] يبذل كل ما في وسعه لإسعادكم ولا يدخر جهداً في إصلاحكم [بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] يضحي من أجلهم ويؤثر على نفسه. س3: لا يخفى على سماحتكم أن الإفتاء في الأمور السياسية أكثر تعقيداً من الأمور العبادية باعتبار أن المسائل السياسية متغيرة فما تقولون بهذه الرؤيا؟
بسمه تعالى: من الناحية الفنية فإن ممارسة الفقيه للاستنباط لها آليات موحدة كأي ممارسة مهنية، لكن المقدمات و الوسائل التي يستند إليها الفقيه في عمله قد تختلف من مسألة إلى أخرى، ومن هنا قد تنشأ الصعوبة في اتخاذ القرار في القضايا العامة التي تهم الأمة، وهذه الصعوبة لها عدة مناشئ:
أ- أنها تتعلق بمصير الأمة فالخطأ فيها تكون خسارته فادحة بعكس الشؤون الفردية التي لا ضرر فيها على الفرد لأنه معذور باتباعه لمرجعه حتى لو أخطأ ولا تترتب عليه أضرار تذكر. ولهذا كان التدقيق والفحص في المسائل الاجتماعية أكبر والجهد المبذول أكثر.
ب- إن المسائل الفردية قد أشبعت بالبحث من قبل الفقهاء السابقين وبشكل
معمق ومستوعب مما يقلل جهد البحث على الفقيه اللاحق بدرجة كبيرة عكس المسائل العامة التي تكون غالباً مستحدثة وذات ظروف موضوعية مختلفة ويكون البحث فيها مبتكراً ولا تخفى صعوبة مثله. جـ- إن المسائل الفردية قد عولجت مباشرة بالنصوص من قبل المعصومين (علیهم السلام)، أما المسائل العامة فلا يوجد نص ينطبق عليها غالباً، وإنما توجد عمومات وإطلاقات لا تنظر إلى الواقعة بشكل مباشر مما يتطلب إحاطة وموسوعية ودقة نظر الفقيه واستحضار لكل تلك الأدلة، وقد يتطلب الأمر أحياناً ان يفهم الفقيه ذوق الشريعة وروحها وأسلوب عمل المعصومين وهو ما لا يؤتاه إلا ذو حظ عظيم ومن الصعب اكتشافه.
د- إن المسائل العامة تتطلب تعايشاً مع واقع الأمة والظروف المحيطة بها وهو لا يتسنى للفقيه بحسب طبيعة حياته المحافظة، ويمكنه أن يستعيض عنها بمستشارين إلا أن من الصعب أن يجد الفقيه عدداً كافياً من الناصحين الورعين الثقات الموصوفين بالبصيرة الثاقبة ونكران الذات، فمن الممكن أن يكون خطأ الفقيه بسبب الرؤية غير الدقيقة التي ينقلها إليه مستشاروه.
والحل طبعاً وإن كان صعباً على غير العلماء الرساليين الحريصين على إصلاح الأمة وإسعادها، هو أن يعيش الفقيه في أوساط الأمة ولا يحتجب عن أي أحد من أفرادها ويستمع إلى الجميع ليكوِّن لنفسه رؤية خاصة مهما تكون نسبة الخطأ فيها فإنها أفضل من الاعتماد على رؤية الآخرين.
س4: ذكرتم في عدة لقاءات وبيانات أن مجمع السلطات تكون بيد الفقيه الجامع للشرائط في النظام الإسلامي، فأين محل الانتخابات التي
تنادون بها وما هو دور الأمة في هذا النظام، وإذا اختارت الأمة رئيساً للجمهورية لا يتصف بملكة الاجتهاد فهل يكون أمرها في سفال كما جاء في بعض الأحاديث عن المعصومين (علیهم السلام)، باعتبار أن أمر الأمة قد تولاه من ليس أهلاً للولاية عليها.بسمه تعالى: التولية التي مرجعها إلى المجتهد الجامع للشرائط هي التشريعية والقضائية أما التنفيذية كرئاسة الحكومة والوزراء -بحسب النظام السياسي المعمول به-، فيمكن تفويضه إلى الأمة لتختار النزيه الكفوء البصير بمصالحها، ويمضي المجتهد الجامع للشرائط هذا الانتخاب ليكتسب مشروعيته، وباختصار فإن ما هو مختص بالشريعة الإلهية كالتشريع والقضاء فإن مرجعه إلى المجتهد العادل، أما ما يرجع إلى شؤون العباد كإنشاء معمل في المدينة الفلانية وشق طريق بالمواصفات الكذائية فهي التي يمكن لممثلي الأمة في مجلس البرلمان النظر فيها، وليس من حقهم مثلاً أن يشرعوا مساواة المرأة للرجل في الميراث، أو منع تعدد الزوجات ونحوها حتى لو كان التصويت بالأكثرية لصالح هذا القرار.
وعلى أي حال فإن النظام الإسلامي يفترض تطبيقه في مجتمع مقتنع بالإسلام وبقادته، ولذا فهو لا ينتخب إلا من هو ملتزم بالشريعة. وهذا الموضوع من الأمور التي تستحق الكثير من البيان والتفصيل.
محمد اليعقوبي
11 ذ.ق 1425 - 24/ 12/ 2004
تلقى(1)سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله الشريف) مكالمة هاتفية من الدكتور موفق الربيعي مستشار الأمن الوطني أعرب فيها عن تحياته وثنائه على الأفكار القيمة والخطوات الحكيمة التي تصدر من سماحة الشيخ، الذي أكد على ضرورة بذل المساعي لدى الجهات الإقليمية والدولية لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد وحسم هذا الأمر نهائياً؛ لأن في تأجيلها انتصاراً للإرهابيين أعداء الشعب الذين يتخذون التخريب والقتل والتدمير وسيلة لفرض إرادتهم على الأكثرية ويريدون العودة إلى الاستئثار والتسلّط والبطش وحرمان الناس من أبسط حقوقهم، مستغلين عدداً من المضلّلين والمتحجرّين لتنفيذ عملياتهم الإرهابية. كما أن لا أحد يضمن توقف هذه الجرائم إذا أجّلت الانتخابات بل إنهم سيتمادون في غيّهم، فلا بد من الحزم والثبات على الموقف وإن كلّفنا التضحيات؛ لأنها ستكون ثمناً للحرية وإنهاء حياة الظلم والاستبداد وقد كنا ندفع أكثر من هذه التضحيات ونحن في ظل القهر والاستعباد.
والنتيجة السلبية الأخرى للتأجيل أنها تؤسس لحالة خطيرة تهدد مستقبل الأمة وكيانها وهي اتخاذ العنف والإجرام وسيلة لتحقيق المطالب بدلاً من الحوار والطرق السياسية العقلائية.
والنتيجة المقلقة الأخرى أن الأمل الذي كان ولا زال يمسك بزمام أمور الأمة من الانفلات سيتلاشى بالتأجيل وستفقد الأمة ثقتها بالوعود بالمستقبل
1) بتأريخ 22/ذو القعدة/1425 هـ المصادف 4/ 1/ 2005 م.
الأفضل، وحينئذ لا يعلم إلا الله تبارك وتعالى ردود فعل الأمة الذي سيشمل بخطره حتى الدول المجاورة للعراق التي تغذي الإرهاب وتمكن الإرهابيين من الدخول إلى الأراضي العراقية.
الشيخ اليعقوبي يحذر من الأساليب الخاطئة في الدعاية الانتخابية(1)
زار سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دامت تأييداته) في داره العامرة يوم الخميس 26 شوال 1425 وفدٌ ضّم العشرات من أبناء الفضيلة في قضاء الهندية التابع لمحافظة كربلاء وبعد أن تحدث باختصار عن قرب حلول الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد السيد الصدر الثاني (قدس سره) حيث أحال التفاصيل إلى الكلمة التي ألقاها في مناسبة العام الماضي بعنوان (عوامل نجاح الحركة الإصلاحية للسيد الشهيد الصدر الثاني).
تناول سماحته موضوعاً مهماً ومقلقاً بنفس الوقت وهو ما سيحصل بين شرائح المجتمع المختلفة التي ستتنافس في الانتخابات المقبلة، والتي ستشارك فيها عشرات اللوائح ومع عدم ارتقاء مستوى الوعي وثقافة احترام رأي الآخرين فإن هذا التنافس سيؤدي إلى المهاترات الكلامية ومحاولة إبراز نقائص الآخرين وإلصاق التهم بهم لتسقيطهم في أعين الناس بتوهم أن هذا سيدفع الناخبين للتصويت لمصلحته، وهذا خلل أخلاقي كبير ومخالفة شرعية شديدة،
1) نشر على الصفحة الثانية من العدد التاسع من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 3 ذ.ق 1425 الموافق 16 كانون الأول 2004.
فأمتنا ليست كالأمم الغربية التي لا تستحي من شيء ولا يرون بأساً في إظهار رئيس الولايات المتحدة على شاشات التلفزيون متهماً بفضيحة جنسية مع موظفة في مكتبه، أما نحن فمن أمة تلتزم بالأخلاق الفاضلة وتصون حرمات الآخرين، وقد أدبها رسول الله (صلى الله تعالى عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرون (ع) بهذا الأدب الرفيع الذي جاء فيه (من روى عن أخيه المؤمن روايةً يبتغي بها شينه وهدم مروته وليسقطه في أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ثم لا يقبله الشيطان). فلا يجوز للمرشحين في الانتخابات أن ينسوا في خضم هذه العملية مبادئهم و أحكام شريعتهم وأخلاقهم وإذا أرادوا أن يدفعوا الناس لانتخابهم فليقنعوهم بمشروعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي من دون النيل من الآخرين.
وقد ذكرت في كتاب (دور الأئمة في الحياة الإسلامية) إن من استقرأ مناظرات الأئمة مع مخالفيهم سيجدها على قسمين:
الأول: مع المخالفين لهم في أصل الدين والاعتقاد كالمشركين والزنادقة والدهرية، ومع مثل هؤلاء ينصب كلام الإمام ع على تفنيد عقائدهم وتسخيف آرائهم.
الثاني: مع المخالفين لهم في الفروع الموافقين لهم في أصل الدين،هنا لا نجد الإمام ينال من رموزهم أو يستخف بمذهبهم، وإنما يركز الإمام على قوة حجته وبرهانه ونقاط القوة في مذهبه.
وهذا الدرس يجب أن نستوعبه في مناظراتنا اليوم من أجل الانتخابات وغيرها إذ ينبغي أن يكون تركيزنا فيها على قوة المشروع الذي نحمله ونسعى إلى تحقيقه والإيجابيات المتضمنة فيه، ونترك الحرية للناس لكي يقتنعوا به ولا يجوز بأي حال من الأحوال تسقيط الآخرين والنيل منهم.ولعلي أستطيع أن أقول إن من أهم الأهداف التي أرادها الأعداء حين رضخوا لمطالب المرجعية والشعوب وقبلوا بإجراء الانتخابات هو المراهنة على تمزيق وحدة الشعب وتفتيته وتناحره، فلا بد من الحيطة والحذر وتوعية الأمة لهذه المخاطر، ومن هنا كانت خطواتنا العملية بالمشاركة في قائمة ائتلافية حتى يشعر الجميع أن القائمة قائمتهم وتتوجه كل أصواتهم باتجاه واحد.
حوارات سياسية : الحلقة الثانية:المرجعية والعملية السياسية(1)
س: كيف تنظرون إلى الانتخابات كحل للوضع الأمني المضطرب في العراق وهل ستعمل الانتخابات في حالة نجاحها على تحسين الوضع الأمني؟
سماحة الشيخ: إن كانت هناك إرادة جدية لدى الأطراف التي تحمل السلاح لإخراج المحتل، فإن الانتخابات هي خير مخرج للظرف الذي يعيشه الشعب العراقي، على اعتبار أن الانتخابات ستوفر حكومة وطنية يستطيع العراقيون من خلالها مطالبة المحتل بالخروج من البلد، وان لم يكن لديهم الإرادة الجدية في ذلك واستمروا في التخريب والإفساد فلا يسع الحكومة المنتخبة إلا مواجهتهم بالمثل ضمن الحدود الشرعية.
وهنا لا بد من التذكير بتجربة الجزائر عندما اختارت بعض الأطراف أن تلجأ إلى الحلول العسكرية والقتال المسلح ضد الحكومة على اعتبار أنها سلبتها حقوقها الانتخابية، واستمرت الحركة المسلحة في الجزائر أكثر من ست أو
1) لقاء أجراه مراسل صحيفة الصباح الرسمية في النجف الأشرف ونشرته صحيفة الصادقين على الصفحة الرابعة من عددها (12) الصادر بتأريخ 2 ذ.ح 1425 الموافق 13 كانون الثاني 2005.
سبع سنوات إلا أنها لم تجد نفعاً بعدها رضخت إلى الحل السياسي، لذا فإن تجربة الجزائر هي خير دليل على فشل الحل العسكري، ومع علمنا بعدم وجود رغبة جدية لدى هذه الأطراف للتوصل إلى حل إلا أننا نعتقد أن الانتخابات خطوة يجب أن تتخذ لسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء، لأنها ستؤدي إلى تشكيل حكومة منتخبة من قبل أغلبية الشعب العراقي.س: حديث الانتخابات والعملية السياسية والأحداث التي يمر بها العراق والعالم الإسلامي بشكل عام، يفرض على المرجعية الدينية تحديات جديدة ، كيف يمكن مواجهة هذه التحديات برأيكم؟
سماحة الشيخ: التحديات التي يشهدها العالم الآن تفرض على المرجعية الدينية أن تتبنى مشروعاً يوازي حجم التحديات الجديدة، ومن جانبنا فقد بدأنا بوضع مثل هذا المشروع الذي ارتكز على عدة مفاصل منها جماعة الفضلاء وحزب الفضيلة والروابط النسوية وجامعة الصدر الدينية، إذ يؤدي كل مفصل دوره المرسوم له في هذا المشروع سواء على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو السياسي، إلا إننا لم نصل بهذا المشروع حتى الآن إلى مرحلة النضج، لأننا في بداية الطريق ولكننا نأمل أن يلبي هذا المشروع من خلال تطويره جزءاً من متطلبات هذه المرحلة والمراحل المقبلة.
س: كما نعلم أن المرجعية الدينية تعتمد على الأعلمية في الفقه فقط، وهو المنهج السائد منذ عشرات السنين، إلا أن المتغيرات التي تمر بها الآن تفرض على المرجعية أن تكون على دراية بكثير من الأمور غير
الفقه، فهل ترون أن شخصاً بمفرده وهو المرجع الديني يمكن أن يلبي كل هذه الاحتياجات؟سماحة الشيخ: من الطبيعي أن المقاييس السابقة لم تعد كافية في تحديد القيادة الرشيدة للأمة، وهذا الأمر لم نبتدعه نحن وإنما هي مصاديق للعناوين الأصلية، فالقرآن الكريم عندما دعا المسلمين إلى التسلح أمام أعدائهم كان السلاح هو السيف إلا إننا اليوم لا يمكن أن نسلح بالسيف فقد ظهرت مصاديق جديدة للسلاح كالبندقية أو الدبابة والصاروخ كذلك، فإن هناك مصاديق جديدة للمرجعية يجب النظر إليها حسب ما تقتضيه الظروف، إذ لم يعد المرجع قادراً بنفسه على مباشرة جميع الأمور لأن المسؤوليات تعددت والتعقيدات التي ظهرت في الحياة ليست كما كانت في السابق، لذا فإن اللجوء إلى تشكيل مؤسسات وجمعيات يمكن أن يفي بهذا الغرض، ولكن يبقى الفقيه هو قمة الهرم في ذلك مع وجود وكلاء له ومستشارين للتخفيف من العبء الواقع عليه.
س: أكثر من نلتقي بهم ينتظرون من المرجعية أن تحدد لهم قائمة لينتخبوها، إلا ترون في ذلك تحجيما لدور الجماهير في الاختيار من خلال وعيهم وإدراكهم؟
سماحة الشيخ: هذه المسألة لها أسباب أهمها أن تجربة الانتخابات في العراق هي التجربة الأولى لذا فإن قلة الخبرة عند العراقيين جعلت الجماهير بحاجة إلى من يدلها على الاختيار الأصلح ولهذا فإننا نعطي العذر للجماهير في ذلك، أما السبب الثاني فهو أن الثقافة الشيعية مبنية على الرجوع إلى المرجعية
الدينية في جميع الأمور، ومع ذلك فإن المرجعية تطمح إلى أن يرتفع مستوى الوعي لدى الناس بحيث تختار الجماهير من يمثلها دون الرجوع إلى من يرشدها، لأن هناك فرقا بين وجوب الرجوع إلى الفقيه في المسائل الشرعية التي يكون الالتزام بها واجبا لأنها من الفروض الدينية، وبين القضايا التي تخص الناس وشؤونهم أي السلطة التنفيذية والتي كان رسول الله ص نفسه يلجأ فيها إلى التشاور مع أصحابه لأنها من المسائل التي تخص شؤون الشعب ومصالحه، قال تعالى: [وَأمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ] (الشورى:38) فضمير (هم) يعود إلى الشؤون الحياتية الراجعة إليهم.س: هل تعتقدون سماحتكم من خلال كل هذه الظروف أن التجربة الإسلامية يمكن أن تنجح في العراق؟
سماحة الشيخ: للنظام الإسلامي تجارب عديدة والنجاح والفشل يرتبط بنوع التجربة المراد تطبيقها، ونحن نرى أن النظام الديمقراطي في حالة تطبيقه بشكله الصحيح ووصول أشخاص أكفاء إلى الحكومة فهو يحتوي على 80% مما تمنحه التجربة الإسلامية.
أما بالنسبة للنظام الإسلامي المطبق في إيران فإن فرصة نجاحه ضئيلة في العراق حالياً كما أن فرصة القناعة به ضئيلة أيضاً، وثانياً لأن الخط العام للحوزة العلمية في النجف بمجمله يسير ضمن الخط الذي لا يؤمن بولاية الفقيه، وأكثر الأتباع في العراق هم أتباع هذا الخط، وقد أدى هذا إلى عدم تبلور نظرية ولاية الفقيه فكرياً وعملياً، ومع ذلك فإن هذه القناعة يمكن أن تزداد لدى الأمة مع زيادة وعيهم والتفاتهم إلى قيادتهم الحقيقية وفشل الحلول الأخرى.
إن الإنسان في حالة اضطرار وحاجة دائمة إلى الله تعالى فلا بد أن لا يغفل عن ذكره وإقامة شعائر أهل البيت (عليهم السلام)
(1)أقام سماحة الشيخ (دامت تأييداته) يوم الجمعة 10 ذي الحجة صلاة عيد الأضحى المبارك في داره حيث أم العشرات من المصلين وفدوا من مدن مختلفة وبعد الصلاة قام خطيباً فيهم وتحدث في الخطبة الأولى عن المحنة والأزمات التي يمر بها الشعب العراقي مما لا يحتمله شعب أخر. وقال إن في هذا البلاء معنيين:
أحدهما: ايجابي وهو انه يساهم في تربية هذا الشعب وإعداده لتحمل أعباء واستحقاقات حركة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) العالمية التي ستنطلق من عاصمته في العراق.
والآخر: سلبي وهو إعراض الناس عن ذكر الله تعالى وإقامة شعائر أهل البيت فينزل بهم البلاء لأعادتهم إلى الطريق الصحيح رحمة بهم، فبدلاً من أن يزداد إقبال الناس على مجالس الذكر والدعاء وفضائل أهل البيت (علیهم السلام) ومصائبهم بعد سقوط صدام شكراً لله تعالى على نعمه انشغلوا بالستلايت وأنانياتهم وسعيهم لتحصيل المناصب وجمع الثروات.
فإذا أرادوا رفع البلاء فليعودوا إلى تلك الشعائر المباركة فليس من المعقول أن تمر وفاة الإمام الباقر (علیه السلام) وغيرها من المناسبات ولا نرى اهتماماً واضحاً بإحياء هذه المناسبات.5.
1) خطبتا صلاة عيد الأضحى المبارك ونشر ملخصهما في الصفحة الثانية من العدد (13) من صحيفة الصادقين بتأريخ 14 ذ.ح 1425 الموافق 25 كانون الثاني 2005.
وقال سماحته إن هذا الالتجاء إلى الله في أوقات الاضطرار والمحن يمثل الحد الأدنى من المطلوب، وإلا فإن الإنسان في كل حالاته وفي كل نفس هو مضطر ومفتقر ومحتاج إلى الله فكيف يستغني عن الله تعالى.ونبه سماحته إلى إن هذا هو الحل الحقيقي وان كنا في أروقة السياسة نقول إن الأسباب تعود إلى المسيرة الخاطئة للعملية السياسية والفساد الإداري والإقصاء والتجاهل والحرمان لشرائح واسعة من الشعب العراقي، وذكر سماحته عدة حوادث نقلها الثقات رفع فيها البلاء بما يشبه المعجزة ببركة ذكر الله تعالى كقراءة ختمتين من القرآن وإهداء إحداها إلى مؤمني النجف الأشرف والأخرى إلى مؤمني مشهد المقدسة،أو بالمواظبة على الصلاة في أوقاتها أربعين يوماً أو بإقامة مجالس التعزية لأهل البيت (علیهم السلام) .
وفي الخطبة الثانية نبه سماحته إلى وجوب حشد كل الطاقات للمشاركة الواسعة في الانتخابات التي اقترب موعدها وإن المرجعية قد تحملت عبئاً كبيراً وجازفت بمستقبلها وسمعتها حين أفتت بوجوب المشاركة، وتصدت لأعداد قائمة تضم أفضل تشكيلة ممكنة للمرشحين وهو تصرف نادراً ما تقوم به المرجعية عبر تأريخها حرصاً منها على مستقبل الأمة وحفظ حقوقها من الضياع، ولتأسيس حالة جديدة يعبر فيها الشعب بحرية عن إرادته في اختيار الحكام، وإنهاء التسلط بالسلاح والانقلابات العسكرية التي تدبر بليل.
وكمحاولة ولو جزئية لإصلاح الفساد الموجود يكون بترشيح العناصر الكفوءة النزيهة المخلصة، فلا بد أن تتحمل الأمة مسؤوليتها كذلك، وتشارك بفعالية في الانتخابات لتكسر إرادة الشر والتحالف المشؤوم بين الصداميين والتكفيريين الذين يريدون أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء ويملأوا السجون والمقابر الجماعية وأحواض التيزاب بالمؤمنين الشرفاء أو يصادروا أموالهم أو يهجروهم قسراً عن أهلهم وديارهم.
خطاب المرحلة 69 : مشاعر في يوم الانتخابات(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
[اليَومَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُم فَلا تَخْشَوهُم وَاخْشَونِ]
أهنئ سيدي ومولاي صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وكل العراقيين الأحرار والشرفاء في هذا اليوم بما أبدوه من وعي وشعور بالمسؤولية في هذا الفصل التأريخي من حياة الأمة، حيث أنهم أدركوا أنهم عند مفترق طريق، فإما أن يعبئوا قواهم ويعطوا أصواتهم لنخبة صالحة كفوءة قادرة على بناء عراق حر كريم وتحقيق أمل العلماء والشهداء والمضحين والخيرين، أو يبقوا في زوايا النسيان ويتركوا الساحة للظلمة والمجرمين والانتهازيين والمتسلطين ليعيدوا دورة التأريخ الشنيع من جديد.
فلم يترددوا في الاختيار الأول، وأثبتوا أنهم شعب حضاري أخذ مكانه بسرعة وسط أكثر الشعوب تقدماً ونضجاً وفهماً للديمقراطية، أي تمكين الشعب من اختيار قادته بنفسه رغم سياسية التجهيل والحرمان والتخلف عن
1) كتبت لتخليد وقفة الشعب العراقي لاستنقاذ حريته واستقلاله حينما هَبَّ للإدلاء بصوته في أول انتخابات حرة شاملة في تأريخه يوم 30/ 1/ 2005 رغم أن قوى الإرهاب والشر أعلنت الحرب العامة ضد المراكز الانتخابية ومن يشارك فيها وقد صدرت منهم فعلاً جرائم وصمتهم بالعار لكنها لم تنل من شجاعة العراقيين وإصرارهم.
ركب الحضارة الإنسانية التي مارسها صدام المجرم خلال عقود من الزمن، وإن نسبة المشاركة في الانتخابات تزيد عن نسبة المشاركة حتى في الولايات المتحدة، رغم البون الواسع بين ظروف البلدين. وأهنئهم على شجاعتهم وصلابة إرادتهم وقوة عزمهم حين توجهوا إلى صناديق الاقتراع رغم تهديدات القتلة والولعين بسفك الدماء البريئة الذين بلغت بهم الخسة أدنى مراتبها، وأولغوا في الجرائم ليكسروا إرادة العراقيين، ويثنوهم عن عزمهم عن التحرر والانعتاق من تسلط الجبابرة والطواغيت وعبدة الدنيا الزائفة، لكن العراقيين شيوخاً وشباباً ونساءً ورجالاً حتى العجزة والمعاقين جاؤوا وبحالات قل نظيرها ليساهموا في صنع مستقبل أبنائهم إن لم يكن في العمر فسحة ليتنعموا به هم، وقد ارتدى بعضهم الأكفان واغتسل آخرون غسل الشهادة واصطحبت النساء أطفالهن ليقلن للعالم إننا نموت جميعاً من أجل التحرر من سلطة الظالمين، وإعادة الحق إلى أهله، ومشى بعضهم عشرات الكيلومترات سيراً على أقدامهم بسبب حضر مرور السيارات.
وأهنئهم على طاعتهم لمرجعيتهم الشريفة التي ثبتت بحزم على موقفها المطالب بتمكين الشعب من ممارسة حقه ورفضه أية وصايا أو قيمومة إلا لله تعالى ملبية نداء العلي العظيم [وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً] (النساء:75)، وقاتلت المرجعية من أجل المستضعفين والمحرومين والمضطهدين بكل الأدوات المتاحة من حركة دبلوماسية، وتعبئة جماهيرية، وتوعية شعبية، وحزم وإصرار
من أجل تثبيت هذه العملية التي تكفل للأجيال حقوقهم، وانتصرت إرادتها بالإخلاص والحكمة وحسن السيرة.وأهنئهم على أخلاقهم التي زرعها الإسلام في قلوبهم وسلوكهم، فقد سارت الحملة الدعائية شريفة رفيعة رغم تنافس أكثر من مئة كيان، لم يكن للمهاترات الكلامية أي نصيب فيها إلا ما شذ وندر، وهذا السمو الإنساني لم نجده عند أي شعب آخر، وبنفس النزاهة سارت العملية الانتخابية فإن كثيراً من المراكز الانتخابية خلت من مراقبة الأشخاص الممثلين لشبكات المراقبة أو ممثلي الكيانات السياسية إلا أنها لم تخلو من مراقبة الضمير والخلق الإسلامي الرفيع.
وأهنئهم على حبهم لوطنهم وسعيهم الدؤوب لتحريره من قيود الظلم والتخلف والتعسف، بحيث اتحدت قلوبهم جميعاً في داخل العراق وخارجه على حب هذا البلد الكريم الأصيل مهد الحضارات ومنطلق الحرية والعدالة، فاختلطت دموع الفرح مع أهازيج الانتصار، وكان الجميع متآلفين ومتوافقين على بناء مستقبل زاهر ولم يتعكر صفو المحبة بالطمع في المناصب أو الاستئثار و الأنانية.
وأهنئهم على صبرهم رغم طول المحنة وشدة البلاء وظلوا متمسكين بهويتهم ومبادئهم لم يخضعوا للأصنام البشرية ولم يرضوا بعبادتهم من دون الله العلي العظيم حتى جاء اليوم الذي انتزعوا فيه حريتهم وكرامتهم.
في مقابل ذلك كله وبعدما قال الشعب كلمته ووقف وقفته البطولية المشرفة وسطّر كل تلك الملاحم توجد استحقاقات على عدة أطراف أخرى.
فعلى السادة المنتخَبين للجمعية الوطنية أن يعرفوا لهذا الشعب حقه وفضله وتضحيته حتى وضعهم في هذا المكان الشريف؛ بأن يكونوا ممثلين حقيقيين لمطالبه وآماله ويبذلوا كل ما في وسعهم من أجل استعادة حقوقه المشروعة وتخفيف آلامه وجروحه وتحسين وضعه على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية، وأن يجعلوا من الجمعية خيمة لكل العراقيين الشرفاء ليساهموا في صنع المستقبل الحر الكريم وان كنا نقدر لهم حجم المعاناة التي تواجههم والقيود التي تحاصرهم.وعلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى التي تحتفظ بقوات في العراق أن تحترم إرادة هذا الشعب، وتتعامل معه بكل إنصاف وموضوعية وتتجنب سياسة القهر والإذلال والاستعلاء والاستكبار، فإنها قد جربت هذه السياسة طيلة الأشهر العشرين الماضية فجعلها موضع سخرية واستهجان وتهكم وكراهية للعالم، حتى اعترفوا أن ثمانين بالمئة من شعوب العالم تكره الولايات المتحدة، ولكنها حينما رضخت لإرادة الشعب وأعطته حريته رأيناهم كيف رفعوا رؤوسهم وعلت وجوهم البسمة وعوضوا بعض إخفاقاتهم السابقة.
وهم مطالبون اليوم ومن خلال هذه التجربة الناجحة أن يغيروا سياستهم في التعامل مع الشعوب وسيكونون هم أول الناجحين المتحضرين والمستفيدين من نتائجها الانتخابية.
إن الولايات المتحدة تتحمل اليوم مسؤولية كبيرة لأنها رمز حضارة الغرب وعنوانها والنموذج الأرقى لها فأي فشل تقع فيه سيسيء إلى سمعة كل هذه الحضارة ويزيد نفور الشعوب منها.
وعلى الدول الإقليمية التي ساهمت بصورة وبأخرى في تخريب العراق ودفعه إلى الهاوية لولا لطف الله تبارك وتعالى ووعي الشعب العراقي وحكمة قيادته، أن ترجع عن غيها وعدوانها وتقبل خيار الشعب وتحترم إرادته بكل مكوناته ولا تستسلم إلى تعصبها وطائفيتها وأنانيتها، ولتعلم أنهم أول المتضررين من هذا البغي والعدوان، فهذه سنة إلهية في عباده (من سل سيف البغي قتل به) (لو بغى جبل على جبل لتدكدك)، ويتعظوا بالتجارب التأريخية القريبة قبل البعيدة، فقد وقفوا مع صدام في عدوانه على شعبه وجيرانه فكانوا أول ضحية له ودعموا الإرهاب في العراق وها هي حوادث الإرهابين في بلادهم يقودها ناس بعثوهم هم إلى العراق ودفعوهم بالتضليل والعقائد الفاسدة، وإذا كانوا بالأمس قد عانوا كثيراً من ظاهرة (الأفغان العرب) فسيعانون أكثر من (العرب) الذين يقومون بالتخريب وقتل الأبرياء وزعزعة الأمن والاستقرار في العراق حينما يعودون إلى بلادهم في يوم ما.ولا ينقضي عجبي من التسافل الذي وصلت إليه إحدى الفضائيات العربية وهي تتبجح بانتحاري يفجر نفسه في طابور من الناخبين، أو مسلحين يقتلون امرأة متوجهة إلى صناديق الاقتراع، أو يضربون بالقذائف مركزاً انتخابياً!! هل وجدت مثل هذه الحالة في اشد شعوب العالم تخلفاً؟ نعم، لا وجود لها إلا في القلوب القاسية والعقول الفارغة للتكفيريين المتعصبين سلالة الخوارج، وعند صدام المجرم الذي هدد في الثمانينات لمهاجمة المراكز الانتخابية في إيران وأجابه السيد الخميني (قدس سره) بإصراره المعروف: حتى لو بقيت وحدي فإني سأذهب إلى صناديق الاقتراع.
إني أعرف أن هذه الدول الإقليمية حينما تحرض على التخريب إنما تخشى انبعاث الشعوب ومطالبتها الحقة باحترام إرادتها وكرامتها وعدم استعبادها، فلا تريد تلك الأنظمة لنموذج حضاري أن يقوم في المنطقة، ولكن ليعلموا بان الشعوب لا بد أن تتحرك في يوم ما وتطالب بحقوقها، وحينئذٍ سوف لا ينفع الظالمين إيوائهم إلى الجحور كما لم ينفع صداماً من قبل فليعيدوا النظر في سياساتهم مع شعوبهم وليبدأوا التعامل بالعدل والرحمة والإنصاف.أسأل الله تعالى أن يجمع كلمة عباده على الهدى والصلاح ويوفق أولياء أمورهم لما فيه رضاه وصالحهم إنه ولي النعم.
محمد اليعقوبي
النجف الأشرف
20 ذ.ج 1425 هـ المصادف 31/ 1/ 2005
سماحة الشيخ يهنئ أبناء الفضيلة على فوزهم بثقة الشعب في البرلمان(1)
استقبل سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) وفوداً جماهيرية ضمّت حشوداً من أبناء الفضيلة ومحبي الإصلاح والتغيير يتقدمهم فضلاء الحوزة العلمية الشريفة، وشكرهم سماحة الشيخ على هذا الحضور وأثنى على حسن سيرتهم ونزاهتهم وثقة الجماهير بهم حيث انتخبتهم بهذه الكثافة التي فاجأت المراقبين، وقال إن هذا الانتصار له استحقاقات ناشئة من وجوب شكر النعمة ومن إنابة الجماهير لهم لممارسة حق الإدارة والحكم وحفظ النظام.
وقال سماحته في بعض أحاديثه: إن الشعب بمشاركته الواسعة وصور البطولة التي رسمها انتصر على المعسكرين المتصارعين على ارض العراق وهما قوى الاحتلال وعصابات الإرهاب ومن يقف وراءها من دول الجوار.
فأظهر للأول وعيه وقدرته على ممارسة العملية السياسية بأحدث نظمها التي توصلت إليها الأمم المتحضرة، وانه باختياره لحكومة شرعية منتخبة سلب أي مبرر لتحكم وتسلط قوات الاحتلال فعليها الاستجابة لإرادة العراقيين، فأرغم قوى الاحتلال على الرضوخ لمطلبه في إجراء الانتخابات وأحبط مشروعها
1) نشرت الكلمة في الصفحة الثالثة من العدد (15) من صحيفة الصادقين الصادر بتأريخ 14 محرم 1426 المصادف 23/ 2/ 2005، وقد حصل أتباع سماحة الشيخ على (54) مقعداً في مجالس المحافظات وصوّت لهم أكثر من نصف مليون ناخب.
الذي أتت به لإقامة وضع في العراق يحفظ لها مصالحها وأدخلت فيه من ينسجم معها أو لا يتعارض معها على الأقل، وما كانت لتفكر في إجراء الانتخابات لأنها تعلم أن الأمة ستختار الإسلاميين الذين لا يخدمون مشاريع الاستكبار وهو ما وقع فعلاً، ولو كانت هذه القوى راغبة حقاً في إقامة الديمقراطية وتحرير الشعوب لأجرت الانتخابات في الأشهر الأولى حيث كان الوضع مستقراً ومناسباً، وقدّمنا في حينها مشروع الحكومة للمرحلة الانتقالية مقابل تأسيس مجلس الحكم فلم يقبلوه وعادوا إليه بعد طول تخبط وارتباك ومزيد من الخسائر.وهزم المعسكر الثاني الذي ضمّ خليطاً غير متجانس في الأيديولوجيات والأهداف، ولكن جمعهم عدم رعاية أي حرمة للشعب العراقي الذي عليه أن يدفع الثمن لتحقيق مآربهم غير المشروعة، فضمّ هذا المعسكر الصداميين الذي يحلمون بالعودة إلى احتكارهم للسلطة واستعبادهم للشعب، وضمّ التكفيريين الجهلة القساة الذين يستبيحون دماء أتباع أهل البيت (علیهم السلام) ويريدون حبس صوت الحق القادر على إقناع كل عاقل، وضمّ الجهلة والمضللين والمرتزقة الذين وظفتهم الدول الإقليمية لمنع تحرّر الشعب العراقي، وخوفاً من ظهور توازنات سياسية جديدة يكون للمحرومين فيها دور فاعل مما يؤدي إلى تحرّك شعوب المنطقة ونزوعها إلى الحرية والمشاركة المنصفة في إدارة شؤون البلاد والعباد، وبعضهم سعى إلى أن يصنع من أشلاء أطفال العراق ونسائه ومصالحه الحيوية وحلاً يعرقل حركة المشروع الأمريكي قبل أن تعصف بأنظمتهم
الذليلة رياح التغيير(1)، ويتغافلون عن حقيقة أن التغيير آتٍ ولا علاقة له بالإرادة الأمريكية، وأن إرادة الشعوب لا يمكن كبتها إلى الأبد فعليهم أن يغيّروا أنفسهم وينصاعوا لإرادة شعوبهم ويحترموا كرامة الإنسان قبل أن يواجهوا نفس مصير صدام الذي كان أشد فتكاً وأقوى بطشاً.وقال سماحته محذراً القواعد المؤمنة بتعاليم أهل البيت (علیهم السلام): عليكم أن لا تكونوا وقوداً لهذه الحرب الظالمة التي يخوضونها من أجل الدنيا، وحافظوا على أنفسكم ولتكن هممكم عالية في تهذيب أنفسكم وزيادة وعيكم وإصلاح مجتمعكم وبناء بلدكم الجريح الخرب بأيدي كفوءة نزيهة صالحة، واعملوا على إزالة الفساد الأخلاقي والإداري، ويتحقق ذلك كله باتباعكم للمرجعية الرشيدة التي أثبتت بحكمتها وإخلاصها وتضحيتها قدرتها على إنقاذ الأمة في المفاصل الصعبة من حياتها واستعادة كرامتها وحقوقها وعلى رأسها إجراء انتخابات حرة نزيهة عامة. وضرب سماحته لهم مثلا من حياة الإمام الرضا (علیه السلام) حيث انضمّ بعض الشيعة إلى معسكر المأمون ضد الأمين العباسيين طبقاً لوعود قطعها لهم ومراعاة لمصالح قدّروها هم ولم يرجعوا إلى قيادتهم الحقيقية فرفض الإمام منهم هذا السلوك وتبرأ إلى الله تعالى من فعلهم.
وذكر سماحته بمثال آخر حين تصاعدت إرهاصات هجوم القوات الأمريكية والمتحالفة معها على صدام وأتباعه، فانقسمت القوى الإسلامية والوطنية إلى قسمين فبعضهم كان يعتقد بضرورة التصدي للاحتلال وان كانى.
1) ونحن نقدم هذا المجلد للطبعة الثانية عام 2011، تشهد الدول العربية ثورات شعبية سمّيت بالربيع العربي أطاحت بأنظمة تونس ومصر وليبيا، وتترنح أنظمة أخرى.
فيه نصرة لصدام المجرم المولغ في الدماء، واعتقد آخرون بوجوب مساندة أي قوة تحرّرهم من بطش صدام ولو كانت فاسدة، وكنّا أول من تبنى بقوة ضرورة الوقوف على الحياد والحفاظ على المؤمنين لأنها حرب الباطل مع الباطل فلا يجوز التفريط بالمؤمنين، وإنما عليهم استثمار الوضع القائم وتكريس الوجود الإسلامي وتوسيعه، وكان هذا الموقف يكلف حياة من يدعو إليه حيث أعلن صدام وجلاوزته أن لا حياد في الحرب فمن لم يكن معنا فهو ضدنا ومعلوم ماذا يعني ذلك في اللغة الصدامية.وقال سماحته (دامت تأييداته) إن المرجعية قد أوصلت الحالة العراقية إلى النقطة التي تتمكن فيها الأمة من ممارسة حقها وتحكيم إرادتها، ولها بعدئذٍ ما اختارت فإنه [لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة:256)، وإنما يبتني شكل نظام الحكم وسائر الشؤون التي تتعلق بتفاصيل حياة الأمة على قناعتها، والذي تفعله المرجعية توجيه هذه القناعة نحو النظام الأصلح.
خطاب المرحلة 70 : ماذا بعد الانتخابات(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً وأعوذ به من شر نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
الأول: قوى الاحتلال التي جاءت لتحقق مصالح ستراتيجية لها حسبتها وفق المعلومات الاستخباراتية التي وصلتها وأعدت لذلك مشروعاً ذا حلقات ومراحل يولد السابق منها اللاحق ويبقى الأصل واحداً، فبعد سقوط النظام نصّبوا حاكماً عسكرياً ثم مدنياً ثم اختاروا مجلساً للحكم يرشح لجنة لكتابة الدستور ويختاروا حكومة مؤقتة تنظم انتخابات وفق الدستور الذي قننوه هم فلا تكون النتائج إلا على طبق ما وضعوا من برامج فهذا المشروع الذي أرادوه.
الثاني: خليط غير متجانس آيدلوجياً ضم الصداميين والمنتفعين من
1) كلمة أعدت لإلقائها في الحفل الذي يقيمه فرع حزب الفضيلة الإسلامي في البصرة يوم الخميس 15 محرم 1426 – 24/ 2/ 2005 بمناسبة مرور عام على افتتاحه، وقد اكتسح حزب الفضيلة الإسلامي الأحزاب الأخرى في الانتخابات في البصرة وغيرها مما أذهل المراقبين بفضل الله تبارك وتعالى.
وجودهم الذين يحلمون بالعودة إلى التسلط واستعباد الشعب والاستئثار بثرواته وسوقه إلى الحروب والمقابر الجماعية والمعتقلات والتخلف والجهل، وضم التكفيريين والطائفيين الذين غاظهم وأشعل نار حقدهم ارتفاع صوت الحق على أرض المقدسات وهم الذين حاولوا كبته وخنقه قروناً ويخافون ظهوره لأنه يهدد كياناتهم المبنية على الخداع والتضليل والتشويه.وتحمس لدعم هؤلاء عدد من الدول الإقليمية الشقيقة للعراق في الدين والعروبة خافوا انبعاث الشعب العراقي وانطلاقته نحو الحرية مما سيدفع شعوبهم إلى التأسي به فسعت إلى إفشال حركته، أو انهم ارادوا حماية بلدانهم وشعوبهم من جرائم الإرهابيين فزينوا لهم (الجهاد) على ارض الرافدين رغم امتلاء بلدانهم بالقوات الأمريكية، أو أنهم أرادوا أن يصنعوا من أشلاء أطفال العراق ونسائه الأبرياء وحلاً يعرقل العجلة الأمريكية عن الوصول إليهم، فاجتمع كل هؤلاء على الاستخفاف بدماء العراقيين وحقوقهم الإنسانية في الحياة الآمنة المستقرة.
في هذه الحرب الظالمة كان تكليف الشعب العراقي شرعاً وعقلاً هو الاحتفاظ بقوتهم البشرية والمادية وعدم زجها في هذه المحرقة، واستثمار أجواء هذه المواجهة وتداعياتها لنشر الوعي وتوسيع مساحة العمل الإسلامي المبارك ومداواة جراح العراقيين وإعادة بناء البلد وإصلاح بنيته الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية ومعالجة الفساد الضارب بأطنابه.
وهو الموقف الذي نبهنا الأمة إليه قبل أن تطأ اقدام المحتل ارض العراق، حينما تصاعدت حمى التهديدات بغزو العراق وانقسمت القيادات العراقية بين
من يدعو إلى مقاومة المحتل الكافر وان كان في ذلك نصرة لصدام المجرم وإطالة لعمره، وبين من يدعو إلى التعاون مع المحتل الكافر الذي أعلنها حرباً صليبية على الإسلام من باب دفع الأفسد بالفاسد. ونبهنا إلى خطأ كلا الموقفين رغم أن مثل هذا الحياد الايجابي كان يكلفنا حياتنا في ظل النظام الجائر الذي أعلن (لا حياد في الحرب فمن لم يكن معنا فهو ضدنا)، والكل يعرف ما هو تصرف جلاوزة صدام فيمن يحسبونه ضدهم، لكننا اتخذنا ذلك الموقف واعلناه حماية للمؤمنين وحرصاً عليهم، وهم الثلة المؤمنة خلاصة جهاد وجهود ودماء وتضحيات علمائنا الأبرار وشبابنا الرسالي، لذلك ما أسرع ما تهاوى الطاغوت بالشكل المذل المهين الذي فاجأ العالم.
وهذا الموقف مأخوذ من سيرة أئمتنا الطاهرين وعلمائنا الصالحين، فقد مر مثله في عهد الإمام الصادق (علیه السلام) خلال الصراع بين العباسيين والأمويين، وفي عهد الإمام الرضا (علیه السلام) حين تنازع الأخوان المأمون والأمين على الملك، وفي عهد الفيلسوف الفقيه الخواجة نصير الدين الطوسي والمحقق الحلي حين اسقط المغول الخلافة العباسية المتهرئة.
وظل ذلك هو الموقف من مواجهة هذين المعسكرين التي امتدت بصيغ جديدة وأعطت لنفسها صيغاً من المشروعية لإيهام السذج ودفعهم وقوداً للمعركة، ولكن الحرب هي هي لم تتغير أهدافها وان اختلفت آلياتها، فأصبحت سيارات مفخخة تستهدف المساجد والشعائر الحسينية وتجمعات الأطفال، وحزاماً ناسفاً يتفجر وسط طابور الناخبين الذين اصطفوا ليصوتوا للحرية والانعتاق من عبودية الطواغيت، واغتيالات طالت علماء الدين ورموز
الفكر والأساتذة الجامعيين والإدارات الكفوءة، ويسمون كل ذلك (مقاومة) تتبجح بها وسائل الإعلام المأجورة والحاقدة.وبقيت المرجعية الرشيدة على موقفها الحكيم ففي الوقت الذي استمرت فيه بمطالبتها باحترام إرادة الشعب العراقي وإعادة سيادته إليه وتمكينه من ممارسته لحقوقه المشروعة عبر الآليات المتنوعة، لم تنجَّر إلى المحرقة التي يريد أن يؤججها المعسكر المقابل الذي لا يقل جريمة ووحشية وغدراً عن قوات الاحتلال.
وتوج هذا العمل المبارك بهزيمة المعسكرين، حيث انصاع المعسكر الأول لمطلب المرجعية في إجراء انتخابات عامة حرة نزيهة يتمكن فيها الشعب من اختيار ممثليه الذين يعبرون عن ارادته بالرغم من مماطلة هذا المعسكر وتسويفه تحت ذرائع أمنية وتقنية؛ لأنه كان يريد للعراق أن يخضع لمشروعه الذي جاء به، أما الانتخابات فإنها ستظهر انتماء هذا الشعب للإسلام وللمرجعية الرشيدة، وسيحول العلاقة من تبعية مذلة إلى علاقة ندية تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعد أن اثبت الشعب وعيه وقدرته على التكيف على احدث التجارب السياسية وأنضجها وأبداها بالشكل الذي أذهل العالم.
وهزم المعسكر الثاني حيث كشف زيف مقاومته المزعومة، وظهر انه عدو الشعب وانه لا يريد الخير له مما جعل أركانه يتبرأون علناً من هذه المقاومة المزيفة، ويطالبون بإشراكهم بالعملية السياسية التي لم يمنعهم منها أحد بل حرموا أنفسهم عتواً ومكابرة. وثبت أن هؤلاء (المقاومين) بجهلهم وسوء تصرفهم يديمون الاحتلال ويطيلون عمره، لأنهم يخلقون المبررات لوجوده
بسوء الأوضاع الأمنية ونحوها، كما كان يفعل صدام المجرم حينما وفّر فرصة لم تكن تهتدي إليها قوى الاستكبار بالتواجد في المنطقة، بخلقه الأزمات والحروب والعدوان على الدول الجارة وتهديد امن واستقرار المنطقة.بعكس المقاومة السلمية الحكيمة للمرجعية الرشيدة والحضور الفاعل المستمر للجماهير الواعية في الساحة، فإنها سحبت كل المبررات لتسلط القوى الأجنبية.
هذا التلاحم العتيد بين المرجعية والأمة الرسالية هو الذي حقق ذلك الانتصار وبقيت نشوته حتى أيام عاشوراء(1)حين عززته الجماهير بنصر آخر لا يقل عنه عظمةً وزهواً بتلك المشاركة المنقطعة النظير في الشعائر الحسينية في كربلاء وسائر المدن العراقية، حيث بدا للعالم الانتماء الحقيقي لهذا الشعب من خلال تلك السيول العارمة التي انطلقت في موكب النصرة (عزاء طويريج) مهرولة لتلبي صرخة أبي عبد الله الحسين (هل من ناصر) المدوية منذ أربعة عشر قرناً، وستبقى ما بقيت امة جده محمد (صلی الله علیه و آله) فقد خرج للإصلاح فيها وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسير بسيرة جده وأبيه صلوات الله عليهما فأهدافه (ع) باقية وحركته مستمرة ما دام موضوعها قائماً.
وكان أكثر المشاركين من الشباب الذين راهن الغرب على انسياقهم في أطروحاته البعيدة عن الإسلام، فوجدهم في طليعة المتبنين للمشروع الإسلامي المبارك والمتحمسين للدفاع عنه، وتفاجأ الأعداء أكثر حين رأوا تلكً.
1) صادف زيارة عاشوراء والمشاركة المليونية فيها يوم 19/ 2/ 2005، أي بعد إجراء الانتخابات بعشرين يوماً.
المشاركة المهيبة لطلاب وطالبات جامعات بغداد والمستنصرية في مواكب الوعي الطلابي التحضيرية التي نظمت في بغداد قبل الفعالية العامة في كربلاء، حيث ازدهت بجلالهم شوارع بغداد عاصمة الحضارة الإسلامية.أيها العراقيون الأحبة: لقد شاء قدركم أن تكونوا مؤسسي الحضارة وصناع التأريخ الذي بدأ على أرضكم منذ آلاف السنين، وفي ثرى هذه التربة الطيبة يرقد الأنبياء والأئمة والعلماء الذين يلهمون الأجيال ويمدونهم بدفق الحياة الحرة الكريمة، وعلى هذه الأرض سطر الإمام الحسين (علیه السلام) ملحمته الخالدة حتى فاقت في شرفها ارض الكعبة كما نطقت به الروايات(1)وعلى هذه الأرض الكريمة سيقيم الإمام المنتظر دولته المباركة وينطلق منها لنشر العدل في ربوع العالم.
وها أنتم هذا الجيل اختاركم الله تعالى لتؤسسوا نموذجاً حضارياً جديداً تتطلع إليه كل شعوب المنطقة، لا مكانة فيه للاستبداد ولا للاستئثار ولا للتسلط وللاستعباد ولا للظلم والعدوان، فلا يثنين عزمكم هذه الحفنة من الإرهابيين الأراذل الذين يريدون أن يعيقوا حركتكم المباركة، وثقوا بان من ساندوهم على البغي والعدوان سيذوقون عاقبة بغيهم عاجلاً [وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ] (فاطر: 43) [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ](الأنفال: 30) وقد أكدت الأحاديث الشريفة ان عاقبة البغي وخيمة (لو بغى جبل على جبل لتدكدك)، (من سل سيف البغي قتل به).ى.
1) تهذيب الأحكام: الجزء السادس، كتاب المزار، الباب الثاني والعشرون (حد حرم الحسين (عليه السلام)، الحديث السادس، ص1059. مؤسسة الأعلمي بيروت – لبنان، الطبعة الأولى.
وقد وعظت وقدمت النصائح في البيان (69) إلى كل ذوي العلاقة بالقضية العراقية، وبينت لهم الدروس والعبر المستفادة من ملحمة الانتخابات والاستحقاقات المترتبة عليها، وخصصت بالخطاب: السادة المنتخبين للجمعية الوطنية الانتقالية، والقوات الأجنبية المتواجدة على أرض العراق، والدول الجارة للعراق التي تدعم الإرهاب وتغذيه مادياً ومعنوياً، وأرجو أن ينتفعوا بالنصائح قبل فوات الأوان. والآن أتوجه بكلامي إليكم أيها الأحبة أن تحافظوا على عناصر قوتكم ومكاسبكم التي حققتموها بالحضور الفاعل المستمر على الساحة، والالتفاف الواعي حول المرجعية الرشيدة والارتباط الوثيق بالله تبارك وتعالى وشريعته العظيمة، وزيادة وعيكم وثقافتكم حتى تكونوا أهلاً لنصرة الحق [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ](الصف: 14) ولا تفتر عزائمكم وجددوا في أساليب عملكم فإن ذلك كله بعين الله تبارك وتعالى [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى](آل عمران: 195).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على حبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمد اليعقوبي
12 محرم 1426هـ المصادف 21/ 2/ 2005م
خطاب المرحلة 71 :ورقة عمل رابطة بنات المصطفى(1)
وقد نُشر هذا البيان وعدة بيانات توّجه عمل المرأة في كتاب بعنوان (دور المرأة في بناء العراق الجديد).
بسم الله الرحمن الرحيم
أقدم هذه الملامح السريعة لعمل المؤمنات الرساليات في هذه المرحلة من خلال (رابطة بنات المصطفى) أو أي كيان ينظم عمل المرأة، ولا أدّعي أن الكل يستطيع أن ينفّذ الكل فليعمل كل كيان في حدد إمكانياته وظروفه، وسوف ييسر الله تعالى فرصة التوسع بالعمل بحسب إخلاص العاملين وهمتهم وتعاون الجميع في إنجاح المشروع، كما أن روح الإبداع لدى العاملين كفيلة بابتكار مشاريع وأعمال غير هذه [فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ] [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ].
1) (رابطة بنات المصطفى) تجمّع للنساء الرساليات، مقرُّه العام في بغداد، وفتحت له فروع في المحافظات، وقام بدور اجتماعي ملحوظ بحسب هذا البرنامج الموضوع له، ورشّحت عدة أخوات من الرابطة لعضوية البرلمان ومجالس المحافظات. وكان يعقد في بغداد اجتماعاً شهرياً لفروعه في المحافظات.
1- إقامة الشعائر الدينية في مناسبات أفراح وأحزان أهل البيت (علیهم السلام)، وأن تكون واعية ومتحضرة ومناسبة لتحديات العصر في شكل الخطاب ومضمونه، والأخذ بالتوجيهات المذكورة في كتاب (الخطابة النسائية بين الواقع والطموح).
2- حث المؤمنات من حملة الشهادات على الانتماء إلى جامعة الزهراء للعلوم الدينية، التي تلتزم نظاماً حوزوياً متكاملاً مشابهاً لنظام جامعة الصدر الدينية والتي تنتشر فروعها تدريجياً في محافظات القطر.
3- تنظيم سفرات جماعية إلى العتبات المقدسة أو المشاركة في شعيرة دينية كصلاة الجمعة أو لزيارة العلماء ومراجع الدين.
4- تهذيب النفس وإصلاح المجتمع من خلال الممارسة الواسعة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة في البيت والمدرسة والجامعة والوظيفة وغيرها.
1- تنظيم حلقات دروس في المعارف الإسلامية الأساسية: الفقه، العقائد، الأخلاق، تلاوة القرآن، سيرة وتاريخ.
2- نشر بيانات وإصدارات المرجعية وقادة الفكر الإسلامي وإيصالها إلى كل شخص.
3- استضافة الشخصيات الفكرية والعلمية لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات
والحوارات لصقل شخصية المؤمنات الرساليات.4- تشجيع الطاقات القادرة على الكتابة والمساهمات الفكرية من خلال نشر نتاجاتهم أو تقديم المكافئات لهم.
5- إصدار بيانات وتعليقات أسبوعية أو بحسب مقتضيات المرحلة كإحياء مناسبة أو معالجة ظاهرة غير صحيحة أو التعليق على حدث لجعل المجتمع مواكباً للأحداث ومتعايشاً مع الواقع ببصيرة ووعي.
6- إلقاء المحاضرات في المدارس والجامعات والمحافل العلمية والاجتماعية.
7- عرض أقراص محاضرات كبار المفكرين والعلماء من خلال الخطباء واجتماع النسوة مرة أو مرتين أسبوعياً أمام جهاز العرض للاستفادة منها وتوفير الفرصة لمن لا يمتلكها.
1- زيارة التجمعات والهيئات والمدارس والشخصيات والتواصل معها.
2- حل المشكلات العائلية ودراسة الأسباب ومعالجتها وإصلاح ذات البين من خلال تخصيص باحثة اجتماعية.
3- السعي في التوفيق بين الشباب والشابات لإقناعهم بالتزويج وتنظيم سجل بالمعلومات عن المؤهلين للزواج ففي الحديث (ما من شفاعة أحب إلى الله من السعي في تزويج المؤمنين).
4- الإعلان عن استعداد مقر الرابطة لإقامة المناسبات الاجتماعية كحفلات
الزواج والمآتم لجعلها موافقة للشريعة وفرصة للتعارف بين المؤمنين.5- إقامة مسابقات ومهرجانات وحفلات كالاحتفال ببلوغ الفتيات سن التكليف أو دخول شهر رمضان أو ختم القرآن ونحوها.
1- تفقد العوائل المتعففة والأرامل والأيتام والمحرومين ومساعدتهم بما سيتيسر.
2- تقديم خدمات ضرورية مجانية للمجتمع منها:
أ- فتح دروس خصوصية للطلبة في مختلف العلوم الأكاديمية على مدار السنة أو قريباً من الامتحانات.
ب- إقامة دورات لتعليم الخدمات الطبية الضرورية لكل عائلة (زرق الإبر، قياس الضغط، مداواة الجروح والحروق ... وغيرها) يقوم بها متخصصون.
جـ- تعليم استعمال الكومبيوتر والانترنيت وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة.
3- السعي لدى الجهات المختصة لفتح مراكز صحية تقدم خدمات ودواء وفحص وتحليل مجاناً أو بأسعار مدعومة.
4- محو الأمية وإنشاء مدارس ابتدائية في كل تجمع سكاني وعدم حرمان أي أحد من فرصة التعليم.
1- إنشاء صناعات مناسبة في مقر الرابطة أو في البيوت لتوفير فرص عمل واكتفاء ذاتي مثلاً: صناعات غذائية جاهزة، مشاغل حياكة وخياطة، صناعات
يدوية، ...).2- الدخول في مشاريع استثمارية وشركات مساهمة لتنمية رؤوس الأموال البسيطة.
3- التوسط لدى الجهات الحكومية لإيجاد وظائف وفرص عمل لطالبيها.
4- فتح محلات تجارية ومكتبات وأسواق متخصصة للنساء وتديرها النساء توفر احتياجات المرأة من الكتب والأقراص والملابس والاحتياجات الأخرى دفعاً للإحراجات التي تقع في الأسواق العامة.
1- المشاركة الفاعلة في المؤتمرات واللقاءات لبيان رأي الإسلام في قضايا المرأة والرد على الشبهات.
2- إعداد كوادر قادرة على العمل السياسي من خلال المشاركة في معاهد التطوير الاجتماعي واستضافة النخب والقادة السياسيين لإعطاء المحاضرات.
3- الترشيح في الانتخابات المختلفة بحسب الكفاءة والرغبة في العمل.
4- تعبئة النساء للمشاركة في الفعاليات السياسية كالانتخابات والمسيرات ونحوها.
5- متابعة ما يدور على الساحة السياسية ومناقشتها وتحليلها والتعليق عليها وبيان الرأي فيها وإعلان كل ذلك ببيانات للنساء.
محمد اليعقوبي
5 محرم 1426 الموافق 14/ 2/ 2005
تنويه: صحيفة الصادقين بدأت بالصدور يوم 17/شعبان/1425 الموافق 2/ 10/ 2004 وهي متخصصة بنشر خطابات وبيانات وتعليقات واستفتاءات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)، وكان صدورها أسبوعياً في البداية حيث كانت تنشر أخبار وتحركات المرجعية، ثم أصبحت نصف شهرية أو شهرية أحياناً.
قضية الإمام المهدي (عليه السلام) بين تشكيك أحمد الكاتب وبرهان الشيخ اليعقوبي(1)
يمكن أن يكون الاستدلال على وجود الإمام بعدة أشكال من الأدلة:
الشكل الأول: وجود المقتضي لهذا الوجود ويتضمن عدة مستويات:
الأول: التأريخي، حيث روى الثقات بروايات جمة مشاهدتهم للإمام (علیه السلام) ومراسلتهم له في الغيبة الصغرى والكبرى منذ ولادته (ع) ومروراً بفترة السفراء الأربعة حتى الآن، وإذا أردنا إلغاء هذه الوسيلة لإثبات المعلومات فلا تبقى وسيلة للتصديق بشيء إلا في موارد محدودة.
الثاني: العقائدي، حيث دلت روايات أهل البيت (علیهم السلام) أن الأرض لا تخلو من حجة وأن الأئمة اثنا عشر وتعدّهم أحياناً بالأسماء وكل أمام ينص على خلفه، وأن الأرض لو خليت من الإمام لساخت بأهلها وغيرها مما هو موجود في أصول الكافي وغيره.
الشكل الثاني: رفع المانع وهو استبعاد طول العمر أو عدم الحاجة لذلك ونحوه من استبعادات وهي مدفوعة بوجود أمثلة أخرى كنوم أصحاب الكهف ورفع عيسى (ع) إلى السماء ووجود الخضر (ع) حسبما هو مشهور وغيرهم، ورفع الاستبعاد طبياً وفلسفياً، وعرض الثمرات لمثل هذا الوجود المبارك وغيرها من المعلومات التي ذكرتها في كتاب (شكوى الإمام (علیه السلام)) الذي طبع حديثاً وأرجو أن يكون متوفراً في الموقع.
1) نشر في العدد الأول من صحيفة الصادقين وعلى الصفحة الثالثة واقتطفنا منه ما يخص الموضوع والذي جاء في النقطة الرابعة من إجابة سماحة الشيخ لـ(احمد الكاتب).
رسالة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) إلى شيخ عشيرة الكرامشة(1)
إلى الأخ أحمد تويّه وفقه الله تعالى لمراضيه:
لقد بلغني أنباء غير سارة وتثير قلقي ورفضي ومعي جميع المؤمنين والغيارى من أبناء هذا البلد الكريم الذي شرفه الله تعالى بأن جعله مهبط أنبيائه ورسله والأئمة الطاهرين، حيث تجد مشاهدهم ومعالمهم منتشرة فيه وقد اختاره الله تبارك وتعالى ليكون عاصمة الإمام المنتظر الموعود (علیه السلام) ومنطلق دعوته المباركة التي تشرق بنورها على جميع المعمورة.
افبعد كل هذا نسمع أن مجموعة ممن نسبوا إلى عشيرة (الكرامشة) في محافظة البصرة الفيحاء يعيثون في الأرض فسادا فيقتلون ويسلبون ويخربون المنشآت الحيوية في البلد، وها قد كتبت لكم لأستعلم الخبر اليقين، هل أن مثل هذه الأفعال تصدر من أناس ينتسبون إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) الذي أرسله الله رحمة للعالمين وليقيم العدل والقسط وينشر الهدى والسلام والطمأنينة هل أن مثل هذه الأفعال تصدر من أناس ينتمون إلى علي بن أبي طالب رمز العدالة والإنسانية والذي كرّس حياته لإزالة الظلم والفساد من الأرض حتى مضى شهيدا، هل أن مثل هذه الأفعال تصدر من أنس يؤمنون بوجود الإمام المهدي (علیه السلام) وينتظرون ظهوره المبارك ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً، فكيف ينصرونه وهم يملأون الأرض خراباً وفساداً وتصيح الناس من ويلاتهم.
1) نشرت على الصفحة الثالثة من العدد (8) من صحيفة الصادقين الصادر بتأريخ 23 شوال 1425 الموافق 6 كانون الأول 2004.
هل أن مثل هذه الأفعال تقع على التربة التي شرفها الله تعالى كما قلنا؟هل أن هذه المظالم والجرائم تقع على الشعب الطيب المضطهد المحروم الذي عانى الويلات والكوارث من صدام وظن انه سيتنفّس الصعداء بعد زواله فعادت إليه المحن الفظيعة.
هل يعلم هؤلاء أنهم ينفذون خطط أعداء الإسلام والعروبة في تخريب العراق وتدمير بنيته التحتية ونهب ثرواته وقتل شعبه لأنه معقل الوعي والحرية والأخلاق الفاضلة.
هل تستحق مصالح شخصية محدودة وزائلة وعبارة عن أوهام وسراب لا يلبث أن يراه أنه لا شيء وأنه أفنى عمره بما يضره ولا ينفعه.
أو يؤمن هؤلاء بالمعاد والحساب والموت والقبر حيث يقول الله العظيم المنتقم الجبار خالق السماوات والأرض [كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ] (المدثر:38) حيث تعرض صحائف أعمال العباد عليهم فينظر المسيء إلى كتابه المليء بالجرائم والمعاصي ويصف لنا الله تعالى حاله يومئذٍ بقوله: [وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا] (الكهف: 49).
ألم يسمعوا من الخطباء والوعاظ ويقرأوا في الكتب ما جاء عن المعصومين في شدة نزعات الموت وعذاب القبر وأهوال البرزخ وشدائد القيامة حيث يصفها الله تبارك وتعالى [يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ
كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ] (الحج:2).وفوق كل ذلك الحياء والخجل من النبي الكريم محمد (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين (علیه السلام) وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وأبي الفضل العباس والأئمة الطاهرين (علیهم السلام) حيث تعرض عليهم صحائف الأعمال وهم ينظرون فيها تارة وينظرون إلى صاحب الكتاب تارة أخرى قد ملأت عيونهم الشريفة بالعتب والتعجب والتساؤلات الكثيرة فهل يتحمل عاقل هذا الموقف أم يود أن تبتلعه الأرض حيث لا ينفع الندم؟
لقد وجهت إليك رسالتي(1)لعلمي بأن لك مكانة اجتماعية مرموقة وتمتلك تأثيراً كبيراً على أبناء تلك المنطقة، وهذا الجاه يحمّلك مسؤولية مضاعفة في السعي الحثيث للقضاء على هذه الحالة وان كان لهؤلاء الناس مطالب فيمكن أن تستحصل بالحوار، وسوف لا اقصر في تحقيق مطالبكم المشروعة فاني أرى السعادة في السعي لقضاء حوائج المؤمنين فهذه فرصة عظيمة لتحصيل الأجر ولإدخال السرور على قلب رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والإمام المهدي (علیه السلام) قد حباك الله تعالى بها وأنت جدير بان تغتنمها.ة.
1) أثمرت الرسالة توقف عمليات السلب والنهب والقتل الذي يقوم به قطاع الطرق من أبناء العشائر على طريق البصرة – القرنة.
وأكون مسروراً لو لبيت دعوتي(1)لزيارة مرقد أمير المؤمنين (علیه السلام) والحلول ضيفا في داري التي هي دار كل المؤمنين والشرفاء حتى نناقش تفاصيل الحالة وكيفية علاجها. وأملي بكم كبير أن تبذلوا جهودكم بأقصى حدودها لإرضاء الله تبارك وتعالى وإدخال السرور على المؤمنين وتقبلوا شكري لتفضلكم بالإصغاء إلي ودعائي لكم بالتوفيق.
محمد اليعقوبي
8 شوال 1425 الموافق 21/ 11/ 2004
رئيس عشيرة الكرامشة في ضيافة المرجعية(2)
تلبية لدعوة سماحة الشيخ اليعقوبي حلّ ضيفاً عنده جناب الشيخ أحمد تويه رئيس عشيرة الكرامشه في البصرة ورؤساء الأفخاذ ورافقهم بعض الفضلاء والإخوة المرتبطين بالحكومة المحلية، وقد تحدثوا عن الوضع السيئ الذي تعيشه المنطقة وحرمانهم من فرص العيش الكريمة طيلة فترة النظام الصدامي وبعده، مما دفع بعض أبناء تلك العشائر (وليس فقط الكرامشه) إلى أعمال غير
مشروعه لا يرتضيها المسلم الغيور مما سبب سمعة سيئة لعشائر تلك المنطقة، وطالبوا بتوفير فرص العمل في حماية المؤسسات الحيوية لينالوا رزقهم بكرامه وليكونوا جزءا من حماة الوطن ومصالحه بدلاً من أن يكونوا سبباً لإشاعة المشاكل والجرائم.وأبدوا استعدادهم لطاعة المرجعية الشريفة وطلبوا مساعدتها في تحقيق مطالبهم، وقد رحب بهم سماحة الشيخ وشكرهم على تلبيه الدعوة واثني على الخصال الحميدة للعشائر، ودعاهم إلى التحلي بالصبر واتباع الوسائل السلمية السياسية لتحقيق المطالب لكيلا تقع فيما هو أسوأ ووعدهم بالسعي لمساعدتهم في تحقيق مطالبهم المشروعة.
الخطاب الديني لا يكون مؤثراً إلا إذا حرك كل العوالم المكونة لشخصية الإنسان(1)
استقبل المرجع الديني سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دامت تأييداته) مساء الخميس 26 شوال 1425 وفداً من مثقفي البصرة الرساليين بينهم حوالي عشرين طبيباً، وبعد أن ألقى ممثل الوفد كلمة تعرّض فيها لتخبط عدد كبير من الناس بسبب عملهم برأيهم وعدم الالتزام بخط المرجعية الرشيدة، واستشهد خلالها بكلمات شريفة لأمير المؤمنين (علیه السلام) يتعجب فيها من مثل هؤلاء الناس حيث أصبح كل واحد منهم إمام نفسه حسب تعبير الإمام (علیه السلام)،
1) نشر على الصفحة الثانية من العدد التاسع من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 3 ذ.ق 1425 الموافق 16 كانون الأول 2004.
وبعد انتهائه قدم الإخوة الأطباء ملفاً يتضمن عشرات الأسئلة التي تتعلق بمهنتهم الجليلة، وطلبوا من سماحة الشيخ أن يضع لهم دليلاً شرعياً لعملهم في ضوء إجابته عن هذه الأسئلة لخلو المكتبة الإسلامية من مثله. وبعد أن وعدهم سماحة الشيخ خيراً بمقدار ما يلطف الله تبارك وتعالى(1)به، بدأ حديثه من هذه النقطة فقال توجد عدة كتيبات وكراريس تناولت مثل هذا الموضوع أحدها لسيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني(قدس سره) إلا إنكم تبحثون عن نمطٍ آخر من الإجابة تعودتموه منا لا يقتصر على الإجابة الفقهية فقط، وإنما يعطي للمسألة أبعادها الأخلاقية والاجتماعية والعلمية وهي طريقة قرآنية لمعالجة قضايا وهموم وتطلعات البشرية فإنه لم يكتفِ ببيان الأحكام الشرعية وإلا لما احتاج إلى أزيد من خمسمائة صفحة وكانت تكفيه عدة صفحات لذكرها إلا إن الله تبارك وتعالى خالق الإنسان يعلم إن هذا المقدار من البيان غير كاف لتحريكه نحو الامتثال، وإنما لا بد من إثارة الحوافز والدوافع في جميع عوالم و أبعاد الإنسان الجسد والنفس والعقل والروح فالإنسان ليس هذا الكيان المادي المحسوس و إنما هو كيان واسع لذا قيل فيه:
أتحسب انك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
وإن ذلك الطبيب الغربي على حق حين سمى كتابه (الإنسان ذلك المجهول).
والذي انطلق منه الدكتور(خالص جلبي) ليكتب رسالة الدكتوراه في الطب بعنوان (الطب محراب الإيمان) في جزئين، صدر في بداية السبعينات من القرن).
1) صدرت هذه الأجوبة في حلقات تحت عنوان (في محراب الطب والأطباء).
الماضي حينما كانت حركة الربط بين العلم والدين في قمة نشاطها فصدرت كتب (العلم يدعو إلى الإيمان) (التكامل في الإسلام) (الله يتجلى في عصر العلم) وغيرها. وبعد أن استعرض سماحة الشيخ أسباب نمو هذه الحركة عاد إلى أصل الحديث قائلاً إننا إذا أردنا تحقيق السعادة للإنسان فلا بد أن نلبي حاجة كل هذه العوالم فإن السعادة إنما تتحقق بتحقق ما يلائم، والإنسان ليس جسداً فقط حتى تتحقق سعادته بتوفير المتع واللذائذ الحسية كالطعام والجنس والمأوى المريح، فإن كثيراً من أمم الغرب تجد لها حياة مترفة ومملوءة بالمتع ومع ذلك هم أكثر الناس انتحاراً لأن أرواحهم وقلوبهم خاوية لم تجد ما يصلحها ولا تتحقق السعادة إلا بتوفير الأجواء الملائمة لجميع مكونات الإنسان.
ثم انتقل سماحة الشيخ إلى الحديث عن المسؤولية الكبيرة الملقاة على أبناء البصرة التي لا تتحمل مسؤولية نفسها فقط وإن كانت ليست بالقليلة لأن البصرة تمتلك عناصر و مقومات دولة قوية وثرية وهي ـ إضافة إلى ذلك ـ تتحمل مسؤولية الارتقاء بمستوى المحافظات الأخرى فكرياً ودينياً واقتصاديا ثم أشار سماحة الشيخ (دامت تأييداته) باختصار إلى هذه المسؤولية.
ثم نبّه سماحته إلى ضرورة تفعيل دور خطب أمير المؤمنين الموجودة في نهج البلاغة في تربية الأمة وتوعيتها من خلال الندوات والمحاضرات والمنبر الحسيني فإن فيها حياة القلوب والعقول، وأبدى أسفه لابتعاد مدرسة الخطابة الحسينية عن نهج البلاغة عكس ما كان عليه السلف الصالح حيث كانت خطب الإمام (علیه السلام) مادة أساسية لمجالسهم وكانوا يحفظون عدداً وفيراً منها،
واستشهد سماحته بما نقله جده لأبيه الشيخ محمد علي اليعقوبي في كتابه البابليات عن الشيخ مهدي وهو جده لأمه أنه كان يحفظ ثلاثة أرباع نهج البلاغة.
الشيخ اليعقوبي يستجيب لطلب السيد السيستاني في وحدة القائمة الشيعية(1)
استقبل سماحة الشيخ محمد اليعقوبي الحاج حامد الخفاف الناطق بأسم المرجع الديني سماحة اية الله السيد السيستاني (دام ظله الشريف) ونقل تحيات سماحة السيد وشرح خلفيات تحرك السيد لإعداد قائمة بالنخب القادرة على القيام بمستحقات العملية السياسية الانتقالية وكتابة الدستور للبلاد ونجاح اللجنة المكلفة بذلك في التوفيق بين التوجهات المختلفة للأحزاب والحركات السياسية والمستقلين وفي ختام حديثه ابدى رغبة سماحة السيد في انضمام مرشحي حزب الفضيلة الاسلامي الى هذه القائمة بالنسبة المناسبة (2)وعندها
1) ونشر في العدد الثامن من صحيفة الصادقين الصادرة بتاريخ 23/شوال/1425 الموافق 6/كانون الاول/2004
2) كلف سماحة السيد السيستاني لجنة من ستة اعضاء برئاسة الشيخ هادي آل الشيخ راضي وعضوية الدكتور حسين الشهرستاني والدكتور محمود المظفر وآخرين لاعداد قائمة (الائتلاف العراقي الموحد) وترتيب المرشحين بحسب الاستحقاقات لان الانتخابات كانت تجري على اساس القائمة المغلقة وكان المتوقع ان تحرز القائمة اكثر من 120 ==مقعداً ولدى توزيع الاستحقاقات منحت ثلاث مقاعد للمجلس السياسي الشيعي الذي يضم اكثر من 20 حزبا وحركة سياسية، منها حزب الفضيلة الاسلامي والدعوة تنظيم العراق والمؤتمر الوطني والتركمان والاكراد الفيلية وآخرين، فرأى سماحة الشيخ ان ذلك بخساً لحق اتباعه الذين يبلغ عددهم مئات الالاف واللجنة على علم بذلك من خلال الفعاليات التي اقامها، وبلّغ حزب الفضيلة رفضه الانضمام للقائمة والمشاركة بقائمة مستقلة وحينئذٍ حاول اعضاء اللجنة اصلاح الموقف واتصل الدكتور محمود المظفر هاتفيا اكثر من مرة بسماحة الشيخ وعرض منح حزب الفضيلة وحده ثلاث مقاعد، وأصّر سماحته على الرفض وخلال زيارة سماحة الشيخ اليعقوبي الشيخ هادي آل راضي يوم 6/شوال/1425 الموافق 19/ 11/ 2004 طلب الشيخ راضي من سماحة الشيخ اليعقوبي حسم امر اتباعه في قائمة الائتلاف فابلغه سماحته بالشعور بالغبن والبخس والقرار بالمشاركة في قائمة مستقلة مع المحافظة على اللياقات الادبية شارحاً الايجابيات في تعدّد القوائم، وانتهى الامر على هذا، ولكن الحاج حامد الخفاف طلب موعداً من سماحة الشيخ في اليوم التالي ليحمل سلام وتحيات سماحة المرجع السيد السيستاني وينقل رغبته في قيام سماحة الشيخ بضم اتباعه الى قائمة الائتلاف العراقي الموحد ومنحهم تسعة مقاعد ورآها سماحته غير مناسبة ايضا وطلب 9% من المقاعد المتوقعة، ومنح الحزب تسعة مقاعد من مجموع 130 مقعدا، وقد اثبتت النتائج ان هذا العدد كان نصف الاستحقاق لان الحزب جمع اكثر من (510) الاف صوت في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في آن واحد وهذا العدد يعني انهم اضافوا اكثر من 17 مقعدا لقائمة الائتلاف العراقي الموحد بحسب القاسم الانتخابي في تلك الانتخابات
تحدث سماحة الشيخ عن المصالح التي تجنيها الطائفة من تعدد القائمة وتنوعها لتحفيز عدد أكبر من الناخبين للتصويت ولإعطاء ديناميكية في تنوع الاداء وغيرها وعدم وضع البيض في سلة واحدة كما يقال، لكن سماحته اتفق في النهاية مع الضيف على ان مجتمعنا لم يصل الى درجة الوعي الكافية للتجاوب مع التعدد وتنوع الاداء واحترام الرأي الاخر إضافة الى الحاجه للظهور بموقف موحد في هذه القضية المهمة وفي نهاية اللقاء وعد سماحة الشيخ بالتأثير على الأمانة العامة لحزب الفضيلة لانضمام مرشحيها الى القائمة
الائتلافية التي تحظى بدعم المرجعيات الدينية وقد أتصل عدة واجهات سياسيه لحث سماحة الشيخ على هذا الموقف من بينهم الحاج عبد الكريم العنزي والدكتور احمد الجلبي
ما المراد من الأعلمية؟(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة المرجع الديني آية الله الشيخ الأستاذ محمد اليعقوبي (دام ظله)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …
نرجو من سماحتكم الاطلاع على هذه المسألة والإجابة عنها سائلين الله أن يحفظكم استمراراً لنهج الشهيدين الصدرين …
يرى آية الله السيد محمود الهاشمي - وهو أحد ابرز تلامذة الشهيد الصدر الأول (قدس سره) ومن القلائل جداً الحاصلين على إجازة الاجتهاد الخطي منه ويشغل الآن منصب رئيس السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية – يرى أنه لا يكون تعريف الأعلمية ما يقال من بذل الجهد الأكثر في أبحاث علم الأصول أو القواعد الفقهية أو الفلسفية أو علم الرجال أو أشبه ذلك مع ما يستتبع من ابتكارات علمية وما أشبه، أن هذه العلوم لها دور في الاعلمية وانعكاس في البحث الفقهي والاجتهاد لكن يجب مراعاة ما يلي:
أ- فهم روح الإسلام ويحصل عليه الإنسان إثر الإحاطة الدقيقة بالآيات
1) نشر على الصفحة الرابعة من العدد التاسع من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 3 ذ.ق 1425 الموافق 16 كانون الأول 2004.
القرآنية والضرورات الدينية والمسلمات الإسلامية والأوليات الفقهية والإلمام الكامل بما نفذه الرسول (صلی الله علیه و آله) والأئمة الأطهار (ع).ب- فهم الثقافة والأمور الحقوقية المعاصرة إلى حد ما …
جـ- الوقوف على المعارف الصادرة عن أهل البيت المعصومين (علیهم السلام) في المسائل الكلامية والأخلاقية والمعارف الأخرى … إلخ.
واستخلص السيد الهاشمي في النهاية تعريف الأعلمية وتعيين حدودها فقال ما نصّه: إن جميع العوامل المؤثرة في الاستنباط السليم والقويّ والشفاف والأقرب إلى واقع الفقه والرأي المبارك للمعصومين (علیهم السلام) هي حدود الأعلمية ومقاييس الأعلمية والمقصود من الأعلمية - بالمعنى الذي أوضحناه - لأن هذه الأمور تؤثر كثيراً في تقريب الذهن إلى فهم أهداف الأئمة الأطهار (ع) وإلى فهم الأحاديث ويكون دورها في إصابة الواقع الشرعي أكثر من تلك الأبحاث العقلية الأصولية أو الفلسفية، ومن تلك القواعد الأخرى البعيد بعضها عن مقاصدهم (ع) إذ من الممكن أن هذه الأبحاث الفنية المعقدة تبعث في كثير من الأحيان إلى انحراف الذهن واعوجاجه والتوائه في الاستظهار من الرواية وفهمها..
ما رأي سماحتكم في هذا الرأي؟ مفصلين الإجابة ما أمكن وأعتذر عن طول السؤال …!
جمع من المؤمنين
15 جمادى الأولى 1425
بسمه تعالى:
إذا أردنا معرفة وجوب اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد أو عدمه فلا بد أولا من تحديد متعلقها وموضوعها أي الأساس الذي تقاس الأعلمية في ضوئه؛ لأن (أعلم) اسم تفضيل فلا بد أولاً أن نحدد المعيار الذي نجري فيه هذا التفضيل.
والذي أراه أن عنصر الأعلمية هي كل ما له علاقة باستنباط الحكم الشرعي، ولا يقتصر على الفقه والأصول المتعارفين بل يتعدى إلى التأريخ وفهم سيرة المعصومين (علیهم السلام) وأشكال تصرفهم إزاء الحالات والقضايا المختلفة ومرادات القرآن الكريم، وطريقة القرآن والأئمة في تربية الأمة وتبليغ الأحكام وحتى تشمل الثقافة العامة والعلوم العصرية حيث أن لها دخلاً في فهم الموضوع وتنقيحه الذي هو نصف الطريق للوصول إلى الحكم، وكما قيل فإن (فهم السؤال نصف الجواب).
فمثلا: إذا أردنا أن نعرف متى يحمل الإمام السلاح لمقاومة الظلم والانحراف –وهي مسألة مصيرية في حياة الأمة- لا يستطيع أن يحدد الموقف منها إلا العالم الرسالي الذي وعى سيرة المعصومين (علیهم السلام) بالشكل الذي عرضناه في كتاب (دور الأئمة في الحياة الإسلامية).
وقد اخترت لبحوثي الاستدلالية في كتابي (القول الفصل) و (بحوث استدلالية في الفقه المقارن) وكذا في كتاب (الرياضيات للفقيه) مسائل تحتاج إلماما دقيقاً في الرياضيات والكيمياء والفيزياء والاجتماع والإحصاء؛ لأثبت
للفقهاء قبل غيرهم حاجة الفقيه إلى علوم أزيد مما تعارفوها لممارسة الحكم الشرعي.خذ مثلاً مسألة: هل أن الفترة ما بين الطلوعين من الليل أو النهار ويترتب عليها آثار شرعية عديدة ذكرتها في كتاب (الرياضيات للفقيه) واختلف الفقهاء فيها على أقوال لكن التحليل الإحصائي الذي أجريته للبيانات فنّد أقوالهم ثم دعمت النتيجة بالروايات عن أهل البيت (علیهم السلام) وأدلة أخرى.
فدعوى الاعلمية إذن دعوى نسبية وليست مطلقة لأنه من النادر أن تحصل هذه الإحاطة لغير المعصومين (علیهم السلام) والكتب السابقة التي ذكرتها دليل على وجود عجز في جهة أو أكثر لدى الفقهاء مما لها دخل كبير في تحصيل الحكم الشرعي الموافق لرأي المعصوم (علیهم السلام)، ولا يستطيع أحد إنكار تأثير العلم بها في المسائل التي عرضتها في هذه الكتب والذي عزز هذا الاستنتاج مطابقته لروايات واردة عن المعصوم (علیهم السلام) لم توضع في مكانها الصحيح. لذا قد أهملها الفقهاء (راجع كمثال الحكم بحلية المحلول السكري الذي يتعرض للتخمر إلى مدة ثلاثة أيام).
وبهذا التفاعل الواسع مع النص من جميع جوانبه الذي يشبه البناء المتكامل ستجد لكثير من الروايات موقعها من الاستنباط الفقهي كاللبنة التي تجد مكانها الشاغر في البناء الذي يحتاجها.
وإذا أردتُ أن أقبل تفسيراً قريباً لما قلت للأعلمية فهو ما نقلتموه من كلام سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي وهو معنى وعاه من أستاذه العظيم آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الذي وصفه سيدنا الأستاذ
الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) في إحدى رسائله الخطية المحفوظة لديَّ بأنه أعلم الأولين والآخرين، عدا المعصومين (علیهم السلام) وقد اجتمعت لديه بلطف الله تبارك وتعالى الإحاطة التي ذكرناها.وعلى أي حال فتوجد نقاط اتفاق واختلاف مع الكلام المنقول عن آية الله السيد الهاشمي (دام ظله الشريف) ومما اتفق معه أن كثيراً من الأبحاث –خصوصاً في علم الأصول - لا علاقة لها باستنباط الحكم الشرعي كبحث بساطة المشتق وتركيبه وبحث اتحاد الطلب والإرادة ونظرية الأمر بين الأمرين الذي هو بحث كلامي صرف ويستغرق البحث فيها عدة أشهر تضيع من عمر الأستاذ والطالب وتشغله عن الاهتمام بما هو أهم.
كنت أقول لطلابي: إن الخوض فيها يحتاج إلى ركعتي استغفار ومعه – أي السيد الهاشمي - حق حينما قال إن بعض هذه الأبحاث يوجب انحراف الفهم واعوجاج السليقة وهو ما لمسه كل من مارس الاستنباط الفقهي أو اطلع عليه وهو من أهله.
أسأل الله تعالى أن نكون على درجة من الشجاعة والوعي والحكمة والورع بالمقدار الذي يؤهلنا لإصلاح المناهج العلمية واحترام وقت الطالب وتوجيهه بالاتجاه الذي ينفع الأمة ويعّينها على تحمل مسؤولياتها العظيمة.
وممن ساهم في الحركة بهذا الاتجاه الشهيد الصدر الأول (قدس سره) في كتابه (دروس في علم الأصول) المعروف بالحلقات، وقد كتب
بعض أفكاره الإصلاحية في هذا المجال في بحث (الاتجاهات المسقبلية لحركة الاجتهاد) وهو منشور في العدد الأخير من المجلد الثالث من مجلة الإيمان التي كان يصدرها المرحوم والدي في النجف الأشرف في الستينات من القرن الماضي.محمد اليعقوبي
16 جمادى الأولى 1425 الموافق 4/ 7/ 2004
وظيفة وكلاء المرجعية(1)
بسمه تعالى
إلى سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)
من المشاكل المهمة التي نحس أن لها واقع وموجودة فعلاً ولها دور في إضعاف الصوت الإسلامي وإلقاء الفتنة في أوساط المجتمع تلك التي تتعلق بوكلاء المرجعية ومن يحيطون بهم فنرجو الإجابة عن هذه الأسئلة التي تمثل بعض المشاكل:
أولاً: ما هو الدور الأساسي للوكيل.
ثانياً: هل يعتبر الوكيل قيادة مصغرة للمرجعية كما يعتبره البعض.
1) نشر على الصفحة الرابعة من العدد التاسع من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 3 ذ.ق 1425 الموافق 16 كانون الأول 2004.
ثالثاً: ما هو رأيكم بمن يجعل قيادات مصغرة في نفس خط المرجعية التي يقلدها فيصنعون قيادات يكنون لها الولاء إلى حد أنهم لا يصلون وراء غيرها. بسمه تعالى
وكيل المرجعية واسطة بينها وبين الأمة يوصل إليهم فتاواها وأوامرها وتعاليمها ومواقفها تجاه القضايا المختلفة ويعمل على تربية الأمة في الاتجاه الذي تحدده المرجعية، إضافة إلى مسؤولياته غير المرتبطة بالوكالة وهي تبليغ الأحكام وتعليم الناس وتهذيب نفوسهم بالموعظة والإرشاد وإقامة الشعائر الدينية، وإنما يكتسب قيمته من مقدار تطبيقه لتوجيهات المرجعية وطاعته لها وفهمه لمنهجها، كما أن المرجع نفسه يكتسب قيمته من مقدار طاعته لله تبارك وتعالى وإخلاصه وحرصه على الأمة.
محمد اليعقوبي
21 شوال 1425 الموافق 4/ 12/ 2004
توجيه للشباب الرسالي(1)
التقى سماحة الشيخ (دامت تأييداته) بوفد ضم العشرات من مكتب فضلاء مدينة الشطرة وغيرهم، وألقى فيهم كلمة توجيهية حث فيها المثقفين الرساليين على اخذ دورهم القيادي في الأمة، وعدم الاتكال على جهد الحوزة العلمية فقط لأنها قاصرة كماً وكيفاً عن استيعاب كل ساحات المواجهة، كما أن الكثير
1) نشر في الصادقين على الصفحة الثانية من العدد (10) الصادر بتأريخ 10 ذ.ق 1425 الموافق 23 كانون الأول 2004.
من فرص وآليات العمل متاحة للمثقفين الرساليين وهي غير متيسرة للحوزة الآن على الأقل كالعمل الإسلامي داخل أروقة الجامعات.ثم طلب سماحته من الحضور ومن غيرهم المشاركة في دراسة ظاهرة انكماش الشباب الرساليين عن العمل الإسلامي المبارك، وذكر لهم أمثلة لهمة وحماس جيل الشباب في الستينات والسبعينات الذي صنعه الشهيد السعيد الصدر الأول (قدس سره) وإخوانه، ثم ذكرهم برجال من غير الحوزويين اثروا في الشباب وساهموا في جذبهم إلى الإسلام وصيانة أفكارهم وعقائدهم من الانحراف، كالشهيد الدكتور شريعتي والشهيد سيد قطب ومالك بن نبي والمرحوم أحمد أمين صاحب كتاب التكامل في الإسلام.
ثم دعاهم سماحته إلى اخذ دورهم بشجاعة وهمة وحماس إلى معالجة أسباب هذا الانكماش وان يقرأوا كتب هؤلاء العظام لا ليستنسخوا أفكارهم ورؤاهم فإنهم كتبوا لزمان غير زماننا، ولكن لنستفيد من مناهجهم في تشخيص المشكلات وعلاجها إضافة إلى قراءة آثار الشهداء الصدر الأول والثاني والشيخ المطهري (قدس الله أسرارهم) ونظرائهم من دون أن نبخس أحد حقه.
وتفاءل سماحة الشيخ (دام ظله) بوجود نخبة من الشباب الرسالي بهذا المستوى منهم مكتب جماعة الفضلاء في الشطرة، ولكنها لا زالت على نحو بؤر نشطة هنا وهناك فعلينا أن نجعلها حالة عامة فإن المعول في التمهيد للظهور الميمون على سعي هؤلاء الشباب الرساليين وجهدهم وجهادهم.
تخلي الأحزاب والحركات والشخصيات الإسلامية عن مشروعها في تطبيق الإسلام على واقع الحياة(1)
التقى سماحة الشيخ (دامت تأييداته) يوم السبت 19 ذو القعدة بوفد من مسؤولي مدينة الناصرية ضم القائمقام ومدير البلدية ورئيس وأعضاء المجلس البلدي وحضر اللقاء عدد من الفضلاء أعضاء مكتب الناصرية، واطلع سماحته على الخدمات التي يتوسط المجلس البلدي في انجازها للناس مع الدوائر المعنية في قطاعات التعليم والمجاري والطرق والخدمات العامة والمشتقات النفطية، وتحدّث سماحة الشيخ عن ضرورة الوحدة والتآلف بين هذه الأجنحة الإدارية لتقديم أفضل الخدمات للمحرومين الذين يريدون أن يحسّوا بالتغيير الذي حصل بزوال الطاغية خصوصاً، وإنهم ذوو انتماءات إسلامية فهم مطالبون بعرض السيرة الحسنة والنزاهة والإخلاص التي يجب أن يتصف بها الإسلاميون، وإلا فما هو فرقهم عن العلمانيين وغيرهم؟
ثم تعرّض سماحته إلى هذه الإشكالية الأيديولوجية التي تتعرض لها الأحزاب والحركات الإسلامية وهي تكييف نظام إسلامي ينسجم مع النظام السياسي القائم في العراق، بعد أن كانت جميعها تثقف باتجاه نظام ولاية الفقيه المتعذر تطبيقه وفق المعطيات الموجودة على أرض الواقع، وهذه أكثر ما تكون مسؤولية الفقهاء الرساليين المعاصرين بمساعدة الأكاديميين والسياسيين
1) من حديث لسماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في لقائه مع مسؤولي مدينة الناصرية نشر في الصفحة الثانية من العدد 12 من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 2 ذ.ح 1425 الموافق 13 كانون الثاني 2005.
المتخصصين، وهي وظيفة عظيمة تنجزّت في هذه الفترة التأسيسية من حياة الأمة. على أن الأحزاب والحركات والشخصيات تعاني من إشكالية خطيرة اسبق رتبة من هذه الإشكالية القانونية وهي فقدان الروح الرسالية وعدم الحماس والاندفاع لتطبيق الإسلام كنظام شامل للحياة، وهي مشكلة أخلاقية وعقائدية وفكرية قبل أن تكون قانونية وإن كان مبررها ربما يعود إلى الطريق المسدود الذي وصلت إليه من تعذّر ما كانت تثقف عليه وعدم وجود البديل.
وفي نهاية حديثه طالبهم بأن يكونوا بمستوى النعمة التي حباهم الله بها إذ بوّأ المؤمنين هذه المواقع الحكومية بعد أن كانت حكراً على الطغاة وأزلامهم ومقتضى شكر النعمة القيام بالوظائف العملية والأخلاقية التي يقتضيها الموقع.
تعليق على إعصار تسونامي(1)
التقى سماحة الشيخ (دامت تأييداته) يوم السبت 19 ذي القعدة بمجموعة من أبناء مدينة النهروان وأعضاء المكتب الثقافي لجماعة الفضلاء في المدينة وتحدّث عن المكانة التأريخية لهذه المنطقة كونها تشرّفت بوطء أقدام أمير المؤمنين حين مسيره لقتال الخوارج وفيها قبر الشهيد المقتول ظلماً عبد الله بن الصحابي الجليل المعذّب في سبيل الله خباب بن الأرَتّ عامل أمير المؤمنين في تلك المنطقة.
1) في لقاء لسماحة آية الله الشيخ اليعقوبي (دام ظله) مع أبناء النهروان المنشور في الصفحة الثانية من العدد 12 من الصادقين الصادر بتأريخ 2 ذ.ح 1425 الموافق 13 كانون الثاني 2005.
وعلّق سماحة الشيخ على حادث الزلزال الذي ضرب قاع المحيط قرب جزر سومطرة الاندونيسية وتسبب في إعصار تسونامي الذي ضرب سواحل دول عديدة ووصل تأثيره على بعد ستة آلاف كيلو متر حيث قتل العشرات في الصومال وكينيا(1).ونقل سماحته كلمة أحد السوّاح الألمان الذي أصيب في الحادث في تايلاند أنه شاهد بعينه غضب الطبيعة والبحر الهائج ودعا الدول الكبرى إلى عدم إغضاب الطبيعة، وعلّق سماحته بأننا لو أبقينا الكلمة على ما هي عليه فهي تمثل درساً صحيحاً لأن سوء تصرف الإنسان في الطبيعة وبإجراء التجارب النووية وتلويث البيئة والاحتباس الحراري تؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي مما يسبب مثل هذه الحالات التي يكون الإنسان أول ضحاياها.
وإذا فهمنا من كلمة هذا السائح المعنى الحقيقي وهو أن الإنسان كلما تمرّد على خالقه وعصى شريعته فإن السنن الكونية ستجري ضده بعكس ما لو أطاع الله والتزم شريعته [وَلَوْ أَنَّ أهل الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] (الأعراف:96).).
1) حدث ذلك يوم السبت 12 ذ.ق 1425 المصادف 25/ 12/ 2004 حيث وقع زلزال في قعر المحيط الهندي قرب جزيرة سومطرة فسبب في اندفاع الأمواج بارتفاع عدة أمتار وبسرعة كبيرة إلى سواحل عدة دول وكانت أكثر الخسائر في إندنوسيا وماليزيا وتايلند وسري لانكا وجزر المالديف ووصل تأثيرها إلى عُمان والصومال وكينيا في شرق إفريقيا، وتجاوز القتلى (200) ألف كان أكثر من مئة ألف في إندنوسيا وبين القتلى أكثر من ثمانية آلاف سائح أجنبي جاؤوا يقضون عطلة الميلاد ورأس السنة بالفسق والفجور على تلك السواحل (الدافئة).
وأردف سماحة الشيخ أن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن نعلنه الآن لأن الموقف المطلوب الآن هو مد يد المساعدة إلى الضحايا والمنكوبين ومثل هذا الكلام يزيدهم ألماً، إلا أنه بعد استقرار الحال لا بد من مراجعة وتقييم للمرحلة السابقة لأخذ الدروس والعبر وتصحيح الأخطاء، وقد أعلنت الإحصائيات أن ثمانية آلاف سائح أجنبي أكثرهم من أمريكا والسويد فقدوا في الحادث ولا شك أن هؤلاء بما مارسوه من فاحشة وعصيان وتعاون أهل تلك الديار معهم كان سبباً لنزول تلك الكارثة.
رسالة إلى مؤمنة رسالية (1)معاناة الأمة في مخاض التغيير حالة طبيعية
إلى الأخت الفاضلة العلوية (زاد الله في شرفها):
إن المعاناة التي تمرّ بها الأمة طبيعية لأنها تتعرض لولادة من جديد منّ الله تبارك وتعالى عليها لينقلها إلى حالة مواجهة جديدة تختلف عن سابقتها ومخاض الولادة يتضمن معاناة كبيرة والتضحيات التي ندفعها اليوم ثمناً لهذه الحالة هي أقل بكثير مما كنا ندفعه أيام الطاغية من دون أمل يلوح في الأفق.
وهذه الحياة الجديدة وإن لم تكن بالشكل الذي ضحى من أجله علماء وقادة الإسلام وشبابه الواعي، إلا أنها بالتأكيد خطوة نحو الإمام زرعت الأمل
1) من رسائل سماحة آية الله الشيخ اليعقوبي (دام ظله) وجهها إلى أحد المؤمنات الرساليات ونشرتها صحيفة الصادقين على صفحتها الرابعة من عددها (13) بتأريخ 14 ذ.ح 1425 الموافق 25 كانون الثاني 2005.
بحياة إسلامية أفضل وبقي أن نكون نحن على مستوى المسؤولية من الوعي والحكمة وتحمل الأمانة، وهو ما كشفت السنتان منذ سقوط صدام اللعين أن الأمة مازالت تحتاج إلى تربية طويلة لتصل إليها، ونحمد الله تعالى إننا لم نزجّ الأمة في معركة ليست محسوبة النتائج وليست مؤهلة لخوضها أو إنها لا تملك مشروعاً لما بعد المعركة.أقول هذه الكلمات لأنّكِ ممن أؤمل الخير والنصرة في هذه المواجهة الحضارية الشاملة حيث برز الشرك والكفر كله، فعلينا أن نمثل الإيمان كله في أخلاقه وسلوكه وصبره وتضحيته وعلمه وحكمته ورحمته وسعة صدره وحبّه وإخلاصه، فإني أرى اليوم أن قد (برز الإيمان كله إلى الشرك كله) ولكن مهما عظمت هذه المواجهة فإنها تبقى في حيز (الجهاد الأصغر) الذي لا يؤتي ثماره الحقيقية إلا إذا اقترن بـ (جهاد اكبر) تتخلص فيه النفس من أهوائها وعباده الطاغوت وحب الجاه والدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وينقى القلب من أدرانه فلا يبقى فيه حسد ولا حقد ولا تعصب ولا شرك بل يكون (سليماً)(1)مؤهلاً لأن يكون منتصراً ومحصناً في الصراع الطويل الشامل بين جنود الرحمن وجنود الشيطان في ميدان النفس البعيد الأغوار.).
1) إشارة إلى قوله تعالى [الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء: 78-89).
ولا زالت كلماتك في خطاب (في أي مرحلة نحن)(1)وغيرها ماثلة أمام عيني وأن القلب الذي خرجت منه تلك الزفرات لحري أن يبقى متقداً بالإخلاص والغيرة والحماس ببركات جدتك الزهراء س التي هي نبراس الرجال والنساء على حد سواء، أكرر دعائي واعتذاري.محمد اليعقوبي
5 ذج 1425 الموافق 16/ 1/ 2005
مباركة البيان الختامي لتجمع (آل بو محمد)(2)
اجتمع أكثر من ثلاثة آلاف ما بين شيوخ عامين ورؤساء عشائر ووجهاء آلبو محمد يوم 17/ 1/ 2005 وحضر اللقاء عدد من السادة الأشراف وشيوخ عامين ورؤساء عشائر أخرى وصدر عن التجمع بيان ختامي تضمن عدة نقاط وقد أرسلت نسخة منه إلى سماحة الشيخ اليعقوبي (دامت تأييداته) فكتب الرسالة التالية لمباركة هذا التجمع وما تمخّض عنه من نتائج ايجابية:
1) كتبت هذه العلوية الفاضلة بياناً تحت العنوان المذكور وكان حماسياً واعياً يوقظ الغافلين والنائمين ونشره سماحة الشيخ أبّان الحكم الصدامي الجائر بتوقيع (بنت الزهراء) ضمن منشوراته التي كانت تحرّك الشارع الإسلامي وتحافظ على حيويته والتزامه بهويته.
2) نشر في العدد (14) على الصفحة الثالثة من صحيفة الصادقين الصادرة بتأريخ 29 ذ.ح 1425 الموافق 9 كانون الثاني 2005.
بسمه تعالى
إلى جناب الشيخ عبد الصاحب محمد العريبي وسائر أخوانه من شيوخ تجمع قبيلة آلبو محمد (دامت توفيقاتهم).
سررت بهذا التجمع المبارك وما تمخّض عنه من اتفاق أشهدتم الله تبارك وتعالى ورسوله عليه وصالح المؤمنين، وإني مع كل مسلم غيور متفاءل بهذه الخطوة الجليلة راجياً من كل عشائرنا الكريمة أن تحذو حذوكم ولكم بذلك اجر كل من قام بهذا ا لعمل المبارك لأنكم سننتم هذه السنة الطيبة.
أعزائي وأحبائي: لتعزيز الميثاق المبارك والالتزام به ينبغي نشر الوعي الإسلامي في العشائر من خلال عقد محاضرات ومجالس لشرح كتاب (فقه العشائر) لسيدنا الأستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) وكتاب (رؤى إسلامية في أحكام العشائر وتقاليدها) الذي كتب بأشرافي وبيانات أخرى، فإنها الضمانة للارتقاء بعشائرنا إلى المستوى الذي يحظى برضا إمام العصر (أرواحنا له الفداء) المطلع على أعمالنا لتزكيتها ومباركتها، وان حفظ الأمن لطرق المسلمين وبيوتهم وأموالهم والمراكز الانتخابية والوقوف بحزم في وجه من يعكّر صفو ذلك لهي من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى ويشكرها الخالق والمخلوق.
وإني أدعو السلطات المختصة بتقديم وسائل الدعم والمساندة لهؤلاء الغيارى الذين هبوا لنصرة بلدهم وأمتهم وليمسحوا على رؤوس المحرومين والمضطهدين عسى أن تتحقق الآمال ويولد بلد حرّ وأمة كريمة ونظام عادل (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
(سيجعل الله بعد عسر يسراً) (إن مع العسر يسراً) أكرر شكري ودعائي وتحياتي.محمد اليعقوبي
13 ذ.ج 1425 الموافق 24/ 1/ 2005
السلوك العفيف في الجامعات العراقية(1)
بسمه تعالى
الشيخ الجليل آية الله محمد اليعقوبي دام ظله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول الحديث الشريف في معناه (منْ لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)وقد عودتنا مرجعيتكم الشريفة على الرعاية الأبوية لسائر أبناء الأمة والحرص على انتشار المظاهر الإسلامية في مختلف مناحي الحياة لكي تبدو هويتها الإسلامية بارزة واضحة وصادقة قلباً وقالباً.
في خضم حملات التضليل وجدّيه محاولات مسخ الهوية والشخصية الإسلامية خصوصاً في أوساط الجامعات ظهرت حالة إيجابية مباركة انبرت مجموعة خيرّة من الطالبات وبعض الموظفات إلى الاحتشام بأقصى درجة فقد قمن بلبس العباءة الفضفاضة العراقية والحجاب الكامل مما يبعث في النفس الشعور بالانتماء إلى الإسلام العظيم.
1) نشر في الصفحة الثالثة من العدد (14) من صحيفة الصادقين الصادر بتأريخ 29 ذ.ح 1425 المصادف 9 كانون الثاني 2005.
شيخنا الجليل أدامكم الله ما أرجوه حقاً هو أن نحسس هذه النخبة بأن المرجعية الشريفة ترعاها بعناية أبوية صادقة وأقترح بعد إذنكم أن تقدم لهن هدايا من المرجعية عنواناً لتلكَ العناية كأن تكون مجموعة كتب أو أقراص ليزرية بحسب ما تسمح به الحال.ومن جانب آخر هل تنصحون بناتكم في كلية الآداب بالاحتذاء حذو هؤلاء المؤمنات؟ وماذا يشكل لبس العباءة في الوقت الحاضر للشخصية الإسلامية المؤمنة الرسالية هل هو تحدٍ لمعالم الاحتلال والتشتت الاجتماعي على صعيد العائلة والمجتمع.
وهل هو نصرةٌ لقضية الإسلام العظمى ولدولة العدل الإلهي؟.وهل هو تحدٍ لعولمة الغرب الكافر.
أجيبونا جزاكم الله خير جزاء المحسنين؟
بعض طلبة كلية الآداب
في جامعة الكوفة
بسمه تعالى
ورد في الحديث الشريف (كونوا لنا دعاة صامتين) و(كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم)وما فعلته هذه الأخوات الفاضلات مصداق لما أراده الأمام (ع) من عدة وجوه
1- أن من أهم وسائل التربية وجود الأسوة الحسنة وقد ألفت الله تبارك تعالى نظر الأمة إلى شخصية رسول الله (صلی الله علیه و آله) باعتباره النموذج الأكمل الذي يتأسى به فقال عز من قال: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب:21)، فوجود المؤمنات الرساليات بهذه الهيبة والجلالة الإسلامية يجعل منهّن أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ولا أشك أنهّن محط احترام الجميع ومظهر مشّجع على الاقتداء به.2- أنهّن بهذا السلوك العفيف القين الحجة على الجاهلة بالحجاب الإسلامي والمترددة في لبسه والتي تخشى الناس [وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ] (الأحزاب:37) وهو بيان عملي لكيفية الحجاب بعد أن أفرغه أعداء الإسلام من محتواه وجلبوا إلى المسلمين نماذج متميعة يسمونها حجاباً.
3- أنه رَدُ حازم على اللواتي تخليّن عن جلباب العفّة والحياء وأظهرن أنوثتهن أمام الرجال الأجانب فأهانن بذلك أنفسهن وكرامتهن، ويندرج فعل تلكم الفاضلات في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبة على الأمة وأعتقد أن مثل هذا العمل النبيل سينمو ويربو بمباركة الله تبارك وتعالى مما يؤدي إلى انحسار المظاهر المنحرفة من دون التحدث بكلمة.
وقد جربنا ذلك فإن الشباب المؤمن أو المرأة المحجبة إذا مروّا مجرد مرور على جماعة يخوضون بأحاديث الفسق والفجور فإنهم يسكتون ويبدّلون الحدث هيبة وإجلالاً لهؤلاء الطيبين الذين أضاءت أعمالهم الصالحة طريق حياتهم بعد أن نورت قلوبهم وبصائرهم، أما الآخرون فأنهم يطلبون النور ليضيء لهم الدرب بعد أن ملأوا حياتهم ظلمة وسواداً وقتاماً بمعاصيهم وابتعادهم عن الله تعالى فلا يجدونه.
وأنقل لكم هذه الآيات المباركة من سورة الحديد موعظة لي ولكم وهي تبين الحوار بين الفريقين: [يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِإيمانهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ، يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أمر اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] (الحديد: 12-16).محمد اليعقوبي
15 ذق 1425 الموافق 27/ 11/ 2004
دعوا كل طبقة في المجتمع تعبر عن انتمائها لمدرسة الحسين (عليه السلام) بالطريقة التي تراها تناسبها(1)
التقى سماحة الشيخ (دامت تأييداته) بعدد من رؤساء المواكب والهيئات الحسينية في مدينة طويريج وحثهم على المساهمة الفعالة لإنجاح موكب
1) نشر في الصفحة الثانية من العدد (15) من صحيفة الصادقين الصادر بتأريخ 14 محرم 1426 الموافق 23 شباط 2005.
النصرة (عزاء طويريج) الذي يشارك فيه سيل بشري عارم يمتد عدة ساعات يهرول ملبيا نداء الإمام الحسين (علیه السلام) (هل من ناصر) ظهر يوم العاشر من محرم الحرام، ويحظى باهتمام ومشاركة جميع شرائح المجتمع بمن فيهم العلماء والفضلاء والمثقفين وعموم المؤمنين وعاشقي الإمام الحسين (علیه السلام).وردّ سماحته في اللقاء على محاولات حذف بعض الشعائر الحسينية بعنوان أنها متخلفة ولا تناسب حضارة اليوم وقال: متى كان أعداء الإسلام صادقين في إزالة مظاهر التخلف والجهل عند المسلمين وهم الذين يعملون على نشرها لترسيخ التبعية لهم واستعبادهم.
وأجاب سماحته (دام ظله) عن هذه الهجمة نقضاً وحلاً، أما الأول فبإلفات النظر إلى جملة من الفعاليات المتخلفة عند الغرب المتحضر !! وقد أشار سماحته إلى بعضها في بعض خطاباته(1)وأما الثاني فبتوضيح المعاني الايجابية التي تخلفها تلك الشعائر في نفوس وقلوب ممارسيها وعموم المجتمع.
وقال سماحته: دعوا الناس تختار الطريقة التي تعبر بها عن انتمائها لمدرسة الحسين (علیه السلام) في التضحية والإباء ورفض الظلم والسعي إلى الإصلاح في الأمة ما لم تقترن بمخالفة شرعية، فإن كل طبقة لها صيغة تناسبها لتربيتها وقد أثبتت هذه الأنماط من إحياء الشعائر على حفظ الدين لدى اتباع أهل البيت (علیهم السلام) فلا مسوغ لإلغائها.).
1) تناولها سماحته تفصيلاً في كتاب (ظواهر اجتماعية منحرفة) المنشور في هذه الموسوعة (خطاب المرحلة: 1/ 355).
رسالة إلى مؤتمر الأكراد الشيعة تتضمن عدة توجيهات(1)
استقبل سماحة الشيخ (دامت تأييداته) جناب الشيخ سالار علي ميرزا السورميري ممثله لحضور مؤتمر الأكراد الشيعة الذي عقد على قاعة نادي العلوية ببغداد يوم 5 كانون الثاني 2005 بحضور منظمات وحركات وأحزاب إسلامية شعبية ووطنية كردية وتركمانية وعربية وشخصيات دينية واجتماعية وعشائرية، وألقى كلمة باسم سماحة الشيخ ضمّنها النقاط التي أوصى بها المؤتمر في رسالته وهي:
1- الدعوة إلى وحدة واجهات هذا المكوّن والجهات الممثلة له لاستنقاذ حقوق هذه الشريحة المضطهدة التي استشهد الكثير من أبنائها وهُجّر الآخرون وصودرت أموالهم، فإن التفرق يذهب بهيبة هذه الطائفة الكبيرة ويفقد هذه المطالب أهميتها.
2- الارتباط بالمرجعية الرشيدة لأنها أنزه جهة وأكثرها إخلاصاً وارحمها وهي الضمان للمطالبة بحقوقهم ولمّ شملهم.
3- الاهتمام بإعادة الهوية الإسلامية والشيعية للطائفة بعد أن أفرغ النظام الصدامي هذا المحتوى فلا بد من إرسال المؤهلين لطلب العلوم الدينية إلى النجف الأشرف وكفالتهم.
1) نشرت في الصفحة الثالثة من العدد (15) من صحيفة الصادقين الصادر بتأريخ 14 محرم 1426 الموافق 23 كانون الثاني 2006.
4- تشجيع الأكراد الفيليين المنتشرين في بلدان العالم على العودة إلى بلدهم وبناء مدنهم وقراهم، واستعادة وجودهم الواسع العريق ونفوذهم الاقتصادي.