ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 16 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين و صلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين سيما بقيّة اللّه في الأرضين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللّهِ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللّهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وَأَمَّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ وَضِغْنٌ غَلا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى وَالْحِسَابُ عَلَى اللّه.
منها: سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ السِّرَاجِ فَبِالاْءِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ
وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاْءِيمَانِ وَبِالاْءِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآْخِرَةُ وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقينَ وَتُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى.
(و منه): قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ وَصَارُوا إِلَى مَصَايِرِ الْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ
أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلا يُنْقَلُونَ عَنْهَا.
وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ـ وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْق.
وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللّهِ فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ وَالرِّيُّ النَّاقِعُ وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ لا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ وَلا يُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ وَوُلُوجُ السَّمْعِ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَق.
وقام إليه رجل، فقال: أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله؟
فقال عليهالسلام: لَمَّا أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: «الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللّهُ بِهَا فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللّهِ أَ وَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَىَّ ـ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ ـ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ وَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي بِأَمْوَالِهِمْ وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ـ وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة.
بعد فتحها.
جمع الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتن(1)، ويمكن أن يريد عليهالسلام ملاحم عصره من معاوية وأتباعه وملاحم بعده.
أى: وقوع ملحمة اقتصها عليهالسلام لهم.
أى: يحبس.
أى: سبيل الجنّة.
فقد قال تعالى:... «وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ...»(2).
سبيلها: العمل بالحق، ومعلوم من حاله عليهالسلام أيّام النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأيّام المتقدمين عليه وأيّامه التزامه بالعمل بالحق وحمل النّاس عليه.
وقد كان أعداؤ معترفين بذلك، قال عمر يوم الشورى له عليهالسلام: وإنّك أحرى القوم، إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم(1).
ولمّا بلغ عمرو بن العاص وهو بوادي السباع قتل عثمان، قال: وإن يل الأمر بعده ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقّ، وهو أكره من يليه إليّ(2).
أى: مرّة «لأنّ الجنّة حفّت بالمكاره، كما أنّ النار حفّت بالشهوات»(3)، «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(4).
وقال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها»(5).
هي بنت فلان الذي قال عليهالسلام فيه: «أما واللّه لقد تقمصها فلان وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى»(6).
وقال ابن أبي الحديد: ضعف رأي النساء(1).
قال ابن قتيبة: أنكر عليّ عليهالسلام على طلحة إخراجه بعائشة، فقال طلحة: إنّها إنّما جاءت للإصلاح. فقال عليّ عليهالسلام: هي لعمر اللّه إلى من يصلح لها أمرها أحوج(2).
وروى الواقدي عن الحسن البصريّ قال: أقبل أبو بكرة يريد أن يدخل مع طلحة والزبير في أمرهما، فلمّا رأى أنّ عايشة تدبرهما رجع عنهما فقيل له: مالك لم تدخل قال: رأيت امرأة تلي أمرهما، وقد سمعت النّبيّ صلىاللهعليهوآله ـ وقد ذكر ملكة سبأ ـ يقول: «لا أفلح قوم تدبر أمرهم امرأة» فكرهت الدخول معهما(3).
وقال ابن أبي الحديد في شرح (و من كلام له عليهالسلام عند ذكر السائرين إلى البصرة): في (غريب حديث ابن قتيبة): في حديث حذيفة ذكر خروج عائشة قال النّبي صلىاللهعليهوآله: تقاتل معها مضر مضرها اللّه في النار(4)وأزد عمان سلت اللّه أقدامها(5)، وإنّ قيسا لا تنفك تبغي دين اللّه شرّا حتى يركبها اللّه بالملائكة فلا يمحو ذنب تلعة.
وهذا الحديث من أعلام نبوّة النّبي صلىاللهعليهوآله، لأنّه إخبار عن غيب تلقاه حذيفة قبل الجمل، وهذا الحديث يؤد مذهب أصحابنا في فسق أهل الجمل، إلاّ من ثبت
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 192/9.
2) . الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 70/1.
3) . الجمل للمفيد: 297.
4) . قال ابن الأثير في شرحه للحديث: «أى جعلها في النار، فاشتق لذلك لفظا من اسمها؛ يقال: مضرنا فلانا فتمضر؛ أى صيرناه كذلك، أي نسبناه إليها. وقال الزمخشرىّ: مضرها: جمعها كما يقال: جند الجنود، وقيل: مضرها: أهلكها، من قولهم: ذهب دمه خضرا مضرا، أي هدرا». النهاية 4: 338 مادة مضر.
5) . سلت اللّه أقدامها: قطعها.
توبته وهم الثلاثة(1).
ولكن لو كان قال بثبوت عدم توبتهم كان أقرب إلى الحقّ والواقع.
وقال ابن عبد ربه: دخلت امّ أو في العبدية بعد الجمل على عائشة فقالت: يا امّ المؤنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد. قالت: خذوا بيد عدوّة اللّه. وماتت عايشة في أيّام معاوية، وقد قاربت السبعين وقيل لها تدفنين مع النّبيّ، فقالت: إنّي أحدثت بعده حدثا فادفنوني مع إخوتي بالبقيع. وقد كان النّبي صلىاللهعليهوآله قال لها: يا حميرا كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليّا وأنت له ظالمة.
والحوأب: قرية في طريق المدينة إلى البصرة، وبعض النّاس يسمّونها الحوب، وقد زعموا أنّ الحوأب ماء في طريق البصرة، قال في ذلك بعض الشيعة:
إنّي ادين بحبّ آل محمّد *** وبني الوصيّ شهودهم والغيّب
وأنا البريء من الزبير وطلحة *** ومن التي نبحت كلاب الحوأب(2)
ومرّ فضّال بن الحسن بن فضّال الكوفي بأبي حنيفة ـ وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه ـ فقال فضّال لصاحب كان معه: واللّه لا أبرح أو اخجل أبا حنيفة.
فقال صاحبه: إنّ أبا حنيفة ممّن قد علمت حاله وظهرت حجّته. فقال: مه هل رأيت حجّة كافر علت على مؤن. ثمّ دنا منه فسلّم عليه وقال له: إنّ لي أخا يقول
خير النّاس بعد النّبي صلىاللهعليهوآله عليّ، وأنا أقول: أبو بكر ثمّ عمر، فما تقول أنت فأطرق مليا، ثمّ رفع رأسه وقال: كفى بمكانهما من النّبيّ كرما وفخرا، أما علمت انّهما ضجيعاه في قبره، فأي حجّة أوضح لك من هذا فقال فضال: قد قلت ذلك لأخي، فقال: واللّه إن كان الموضع للنّبي صلىاللهعليهوآله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ، وإن كان الموضع لهما فوهباه للنبيّ صلىاللهعليهوآله لقد أساءا وما أحسنا إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما ـ فأطرق أبو حنيفة ساعة. ثمّ قال: قل له لم يكن لهما ولا له خاصّة، ولكنّهما نظرا في حق عايشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما.
فقال له فضال: قد قلت ذلك له، فقال: أنت تعلم أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله مات عن تسع حشايا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثمّ نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك وبعد فما بال عايشة وحفصة ترثان النّبي صلىاللهعليهوآله وفاطمة ابنته عليهاالسلام تمنع الميراث فقال أبو حنيفة: يا قوم نحّوه فإنّه رافضيّ خبيث(1).
والغريب «أنّ عمر لمّا طعن بعث إلى عايشة يستأذن منها في دفنه مع النّبي صلىاللهعليهوآله(2)، فلم لم يستأذن ابنته حفصة كما قال أبو حنيفة لكنّه أراد أن يجرئها ويعرّفها مالكة للبيت، حتّى تمنع دفن بني هاشم فيه، كما منعت من دفن الحسن عليهالسلام فيه.
وقال يحيى بن الحسن: سمعت عليّ بن طاهر بن زيد يقول لمّا أرادوا دفن
الحسن بن عليّ عليهالسلام: ركبت عايشة بغلا واستعونت بني اميّة ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو قول القائل:
فيوما على بغل ويوما على جمل(1)
وقال اليعقوبي: ـ في دفن الحسن عليهالسلام ـ قيل: أنّ عايشة ركبت بغلة شهباء وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد، فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر فقال لها: يا عمّة ما غسلنا رؤسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء(2).
وعن أبي جعفر عليهالسلام: لمّا احتضر الحسن عليهالسلام قال لأخيه عليهالسلام: اوصيك بوصيّة فأحفظها، إذا مت هيئني ثمّ وجّهني إلى النّبي صلىاللهعليهوآلهلأحدث به عهدا، ثمّ اصرفني إلى امّي، ثمّ ردني فادفنّي بالبقيع، واعلم أنّه سيصيبني من الحميراء ما يعلم النّاس من ضغنها وعداوتها للّه ورسوله وعداوتها لنا أهل البيت.
فلمّا قبض الحسن عليهالسلام وضع على سريره، وانطلقوا به إلى مصلّى النّبيّ صلىاللهعليهوآله الذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فصلّوا على الحسن عليهالسلام، ثمّ حمل فلمّا أوقف على قبر النّبيّ صلىاللهعليهوآله بلغ عايشة الخبر، وقيل لها: إنّهم أقبلوا به ليدفن مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله فخرجت مبادرة على بغل بسرج. فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا، فوقفت وقالت: نحّوا ابنكم عن بيتي، فإنّه لا يدفن فيه ولا يهتك على النّبيّ حجابه. فقال لها الحسين عليهالسلام: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وأدخلت بيته من لا يحبّ قربه وإنّ اللّه يسألك عن ذلك، يا عائشة إنّ أخي أمرني أن اقرّبه من أبيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ليحدث به عهدا، واعلمي أنّ أخي أعلم النّاس باللّه ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على النّبيّ سرّه وإنّ اللّه تعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤذَنَ لَكُمْ...»(1)، وقد أدخلت أنت بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله الرجال بغير إذنه، وقد قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...»(2)، ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند اذن النّبيّ صلىاللهعليهوآله المعاول. وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى...»(3)ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على النّبيّ صلىاللهعليهوآله بقربهما منه الأذى وما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسوله ان اللّه حرّم من المؤنين امواتا، ما حرّم منهم أحياء. وتاللّه يا عايشة لو كان هذا الذي كرهته من دفن الحسن عليهالسلام عند أبيه جائزا فيما بيننا وبين اللّه تعالى، لعلمت أنّه سيدفن وإن رغم معطسك. ثمّ تكلم محمّد بن الحنفية وقال: يا عايشة يوما على بغل ويوما على جمل، فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم...(4).
وعن ابن عبّاس في وصية الحسن عليهالسلام ودفنه ـ إلى أن قال ـ قال ابن عبّاس: فإذا أنا بعايشة في أربعين راكبا على بغل مرحل تقدمهم وتأمرهم بالقتال، فلمّا رأتني قالت: إليّ إليّ يا بن عبّاس، لقد اجترأتم عليّ في الدّنيا تؤونني مرّة بعد اخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احبّ. فقلت: واسوأتاه يوم على بغل ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي نور اللّه وتقاتلي أولياء اللّه، وتحولي بين رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وبين حبيبه أن يدفن معه ارجعي فقد كفى اللّه المئونة، ودفن الحسن إلى جنب امّه، فلم يزدد من اللّه إلاّ قربا وما ازددتم منه واللّه إلاّ بعدا. يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرّك.
فقطبت في وجهي ونادت بأعلى صوتها: ما نسيتم الجمل يا بن عبّاس إنّكم لذووا أحقاد ـ فقلت: أم واللّه ما نسيه أهل السماء فكيف ينساه أهل الأرض. فانصرفت وهي تقول:
فألقت عصاها(1)واستقرّت بها النوى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر(2)
قال المجلسى رحمهالله: الرحل للبعير كالسرج للفرس ولعل المراد بالمرحل هنا المسرج ويحتمل أن يكون من الرحالة ككتابة وهي السرج والنوى الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد ويقال استقرّت نواهم أي أقاموا(3).
ورئي بالبصرة رجل مصطلم الاذن، فسئل عن قصّته، فذكر أنّه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردتنا حومة الموت امّنا *** فلم تنصرف إلاّ ونحن رواء
أطعنا بني تيم لشقوة جدنا *** وما تيم إلاّ أعبد وإماء
فقلت: سبحان اللّه لو تتشهد بدل ذلك كان خيرا لك. فصاح بى: ادن منّي لقنّي الشهادة. فصرت إليه، فلمّا قربت منه استدناني ثمّ التقم اذني فذهب بها، فجعلت ألعنه فقال: إذا صرت إلى امك فقالت: من فعل بك هذا فقل: عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أميرة المؤنين(4).
وإخواننا افتعلوا لامّهم روايات وما تغني عنها، وقد تحقّق أنّه نزل في ذمّها آيات. قال بعض الشيعة مشيرا إلى ما ذكرت العامّة لها، أنّها حفظت أربعين ألف
حديث، ولكن نست قوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى...»(1).
حفظت أربعين ألف حديثا *** ومن الذكر آية تنساها
ومن الآيات التي قلنا قوله تعالى: «... وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ...»(2).
روى الثعلبي أنّها نزلت في عايشة وحفصة، سخرتا من ام سلمة، وذلك أنّ ام سلمة ربطت حقويها بسبيبة ـ وهي ثوب أبيض ـ وكان سدلت طرفها خلفها فكانت تجرّه. فقالت عايشة لحفصة: انظري ما تجر خلفها كأنّه لسان كلب(3). إلاّ انّهما كانتا تسخران النّبيّ كما يأتي فكيف تباليان من مسخرة امّ سلمة.
الثانية: قوله تعالى:... لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ...(4). قال الزمخشرى: روى أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عايشة وحفصة فقالتا له: إنّا نشم منك ريح المغافير فحرّم العسل، فنزلت الآية(5).
وعن عائشة قالت: إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، فآليت أنا وحفصة أن أيّنا دخل النّبيّ عليها تقول له: انّي أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ـ إلى أن قال ـ فقال صلىاللهعليهوآله لها: بل شربت عسلا عند زينب
ولن أعود، فنزلت: «لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ»(1).
الثالثة: قوله تعالى: «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(2). قال الزمخشري: خطاب لحفصة وعايشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما(3).
قال: وعن ابن عبّاس: لم أزل حريصا على أن أسأل عنهما عمر، حتّى حجّ وحججت معه، فلمّا كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه، فسكبت الماء على يده فتوضأ ـ فقلت من هما ـ فقال: عجبا يابن عبّاس ـ كأنّه كره ما سألته عنه ـ ثمّ قال: هما حفصة وعايشة(4).
وتدبّر في قوله تعالى: «... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(5)، حيث جعل في مقابل مظاهرة عايشة وحفصة على عداوة نبيّه صلىاللهعليهوآله، معاونته تعالى له، ثمّ معاونة جبرئيل و صالح المؤنين ـ وهو أميرالمؤمنين عليهالسلام ـ له، ثمّ مظاهرة ملائكته له.
قال الزمخشري: فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤاء ظهراؤ(6).
وقال أبو أسيد الساعدىّ: تزوّج النبيّ صلىاللهعليهوآله أسماء ابنة النعمان الجونيّة، وأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة ـ أو عائشة لحفصة ـ: اخضبيها أنت، وأنا امشطها،
ففعلتها، ثمّ قالت إحداهما لها: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله يعجبه من المرأة إذا ادخلت عليه أن تقول: أعوذ باللّه منك. فلمّا ادخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر ومدّ يده إليها قالت: أعوذ باللّه منك، فجعل كمّه على وجهه وقال: عذت معاذا ـ ثلاث مرّات ـ وخرج، وقال لأبي أسيد: الحقها بأهلها، فقالت: ادعوني الشقيّة وماتت كمدا(1).
فتظاهرتا على النّبيّ صلىاللهعليهوآله في منعه عمّا أحل اللّه له، وتسببتا لهلاك مؤنة.
وروى أبو مخنف والواقدي والمدائني: أنّ عايشة كتبت إلى حفصة: أمّا بعد فإنّي اخبرك أنّ عليّا قد نزل ذاقار وأقام بها مرعوبا خائفا لمّا بلغه من عدتنا وجماعتنا، فهو بمنزلة الأشقر إن تقدّم عقر، وإن تأخّر نحر. فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف، فأمرتهن أن يقلن في غنائهن: (ما الخبر ما الخبر، عليّ في السفر، كالفرس الأشقر، إن تقدّم عقر، وإن تأخّر نحر)، وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء. فبلغ ذلك امّ كلثوم بنت عليّ عليهالسلام، فلبست جلابيبها ودخلت عليهنّ في نسوة منكرات، ثمّ أسفرت عن وجهها، فلمّا عرفتها حفصة خجلت واسترجعت، فقالت لها امّ كلثوم: لئن تظاهرتما على أبي منذ اليوم لقد تظاهرتما على أخيه النّبيّ صلىاللهعليهوآله فأنزل تعالى فيكما ما أنزل(2). الرابعة: قوله تعالى: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ»(3).
روى إبراهيم الثقفىّ: أنّ عثمان صعد المنبر فنادته عايشة ـ ورفعت قميص النّبيّ صلىاللهعليهوآله ـ : لقد خالفت صاحب هذا القميص. فقال عثمان: إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه، ضرب اللّه مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب بامرأة نوح و امرأة لوط(1).
وقال الزمخشريّ مشيرا إلى هذه الآية وإلى الآية التي بعدها: «وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ...»(2)، في طيّ هذين التمثيلين تعريض بامّي المؤنين المذكورتين في أوّل السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول اللّه بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر، وأشار إلى أنّ من حقّهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤنتين، وألاّ تتّكلا على أنّهما زوجا النّبيّ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما، إلاّ مع كونهما مخلصتين. و التعريض بحفصة أرجح، لأن امراة لوط أفشت عليه، كما أفشت حفصة على النّبيّ صلىاللهعليهوآله.
وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة في اللطف والخفاء حدّا يدق عن تفطّن العالم ويزل عن تبصره(3). نعم أسرار التنزيل كما ذكر، إلاّ ان آيات امّي المؤنين لهم من اعلانها لا أسرارها، ومن محكماتها لا متشابهاتها، إلاّ أنّ المكابر لا علاج له «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤمِنُوا...»(4).
الخامسة: قوله تعالى: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً»(1)، وهل فاحشة أبين ممّا أتت به في الجمل.
وعن عمّار الدّهنى: أخذ عليّ عليهالسلام مصحفا يوم الجمل فطاف به في أصحابه، وقال: من يأخذ هذا المصحف ويدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول فقام إليه فتى من أهل الكوفة عليه قباء أبيض محشوّ، فقال: أنا، فأعرض عنه. ثمّ قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول فقال الفتى: أنا. فأعرض عنه. ثمّ قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول فقال الفتى: أنا. فدفعه إليه فدعاهم، فقطعوا يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى فأخذه بصدره والدماء تسيل على قبائه، فقتل. فقالت امّ الفتى:
لا همّ إنّ مسلما دعاهم *** يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
وامّهم قائمة تراهم *** يأتمرون الغيّ لا تنهاهم(2)
وعن الزهريّ، قال: قال عليّ عليهالسلام لأصحابه: أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الاخرى، وإن قطعت أخذه بأسنانه قال فتى شاب أنا...(3).
وخبر أبي مخنف ـ بعد ذكر غدر عائشة وطلحة والزبير بعثمان بن حنيف وأسره ـ فلمّا ضرب ضرب الموت ونتف حاجباه وأشفار عينيه وكل شعرة في رأسه ووجهه وأخذوا السبابجة وهم سبعون رجلا فانطلقوا بهم وبابن حنيف إلى
عائشة فقالت لأبان بن عثمان: اخرج إليه فاضرب عنقه، فإنّ الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله. فنادى ابن حنيف: يا عائشة ويا طلحة ويا زبير، إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة، واقسم باللّه أن لو قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم ورهطكم. فكفّوا عنه وخافوا أن يوقع سهل بأهليهم بالمدينة.
وأرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة، فإنّه قد بلغني الذي صنعوا بك ـ تعني تأخير السبابجة الزبير عن أمام الصفوف حتّى يصلّي بهم ابن حنيف ـ فذبحهم واللّه كما يذبح الغنم، ولّي ذلك منهم ابن الزبير وهم سبعون رجلا(1).
واللّه تعالى يقول: «... مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً»(2)، واخواننا يقولون: إنّ عايشة وإن أتت بما أتت من الفواحش المبيّنات إلاّ انّ عذابها عندنا عسير.
فقال الجرزي بعد نقل رجز ربيعة العقيلي من أصحابه عليهالسلام:
يا امّنا أعقّ امّ نعلم *** والامّ تغذو ولدا وترحم
أ لا ترين كم شجاع يكلم *** وتختلى منه يد ومعصم
كذب ربيعة، هي أبرّ امّ نعلم(3).
السادسة: قوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى...»(4).
وقال الطبريّ: أقبل زيد بن صوحان ومعه كتاب من عائشة إليه خاصّة، وكتاب
منها إلى أهل الكوفة عامة، تثبطهم عن نصرة عليّ عليهالسلام وتأمرهم بلزوم الأرض.
فقال زيد: أيّها النّاس انظروا إلى هذه امرت أن تقرّ في بيتها، وامرنا نحن أن نقاتل حتّى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما امرت به وركبت ما امرنا به(1). ثمّ قرأ: «الم
إذا كانت بذاك الحياء وتلك العفّة حتّى تتقنّع من ميت عمر تحت التراب، فلم تبرجت لآلاف من أخلاط النّاس والجنود ومعلوم من حالهم ان أغلبهم فسقة وطالبوا الفجور، وكيف لم تلاحظ طلحة يلازمها ركوبا ونزولا، وقد كان له فيها نظر في حياة النّبيّ صلىاللهعليهوآله حتّى قال: إن مات محمّد أنكح عائشة كما ينكح هو امرأة كلّ من مات منّا(5).
وقالوا: قال ابن الجوزيّ يوما على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عمّا روي أنّ عليّا عليهالسلام سار في ليلة إلى سلمان فجهّزه ورجع، فقال: روي ذلك. فقالت: فعثمان طرح ثلاثة أيّام منبوذا إلى المزابل وعليّ حاضر قال: نعم. فقالت: فقد الزم الخطأ لأحدهما، فقال لها: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة اللّه وإلاّ فعليه. فقالت له: فعائشة خرجت إلى حرب عليّ بإذن
النبيّ أو بغير إذنه فانقطع ولم يحر جوابا(1).
السابعة: قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
عن الواقدي عن محمّد بن عبداللّه عن الزهري عن عروة عن عايشة ـ قالت: لمّا ولد إبراهيم جاء به النّبيّ صلىاللهعليهوآله إليّ، فقال: انظري إلى شبهه بى ـ فقلت: ما أرى شبها ـ فقال: ألا ترين إلى بياضه ولحمه فقلت: من قصر عليه اللقاح ابيضّ وسمن(3).
وعنه عن ابن حزم عن عروة عن عائشة مثله ـ إلاّ أنّه قال: قالت عايشة من سقى ألبان سمن وابيض. قال الواقدى: كانت للنّبيّ صلىاللهعليهوآله قطعة غنم تروح عليه ولبن لقاح له...(4)وسيأتي زيادة كلام في نقل كلام ابن أبي الحديد.
وروى ابن حمدان الحضيني عن الرضا عليهالسلام: أنّ مارية لمّا أهداها المقوقس إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله كان معها خادم ممسوح يقال له جريح، وحسن إسلامهما وإيمانهما، ثمّ ملكت مارية النّبيّ صلىاللهعليهوآله فحسدها بعض أزواجه، فأقبلت حفصة وعايشة تشكيان إلى أبويهما ميل النبيّ إلى مارية وإيثاره إيّاها عليهما، حتّى سوّلت لهما ولأبويهما
أنفسهم بأن يقذفوا مارية بأنّها حملت بإبراهيم من جريح، وهم لا يظنّون أنّ جريحا خادم ممسوح فأقبل أبواهما وقالا للنّبي صلىاللهعليهوآله ـ وهو جالس في مسجده ـ
أنّ جريحا لا يحلّ لنا أن نكتمك من أمره وما يظهر من خيانته شيئا، فقال: ما تقولان قالا: يأتي من مارية الفاحشة العظمى، وإنّ حملها من جريح وليس هو بخادم. فأربد(1)وجهه وتلوّن، ثمّ قال: ويحكما ما تقولان قالا: إنّا خلفنا جريحا ومارية في مشربتها ـ يعنيان حجرتها ـ وهو يفاكهها ويروم منها ما يروم الرجل من النساء، فابعث إلى جريح فإنّك تجده على هذه الحال، فانفذ فيه حكم اللّه. فانثنى النبيّ صلىاللهعليهوآلهإلى عليّ عليهالسلام وقال: قم يا أخي، ومعك ذو الفقار حتّى تمضي إلى مشربة مارية، فإن صادفتها وجريحا يصنعان فأخمدهما بسيفك، فقام و اتّشح بسيفه(2)واتّخذه تحت ثيابه، فلمّا ولّى قال: يا رسول اللّه أكون في ما أمرتني به كالسكة المحماة في العهن(3)، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فأقبل عليهالسلام سيفه في يده حتى تسوّر من فوق مشربة مارية ـ وهي في جوف المشربة جالسة ويقول لها: عظمي النبيّ صلىاللهعليهوآلهوكرميه ونحو هذا الكلام ـ حتّى التفت إليه عليهالسلام وسيفه مشهور في يده ففزع إلى نخلة في المشربة، فصعد إلى رأسها، فنزل عليهالسلام إلى المشربة وكشفت الريح عن أثواب جريح فاذا خادم ممسوح.
فقال له: انزل. فقال: آمنا على نفسي فقال: امنا على نفسك. فنزل فأخذ بيده وجاء به إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله، فقال: إنّ جريحا خادم ممسوح ـ إلى أن قال ـ فأنزل تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤمِناتِ...»(4)،(5).
وقال ابن بكير لأبي عبداللّه عليهالسلام: جعلت فداك أمر النّبي صلىاللهعليهوآله بقتل القبطي، وقد علم أنّها كذبت أو لم يعلم، وإنّما دفع اللّه تعالى القتل عن القبطي بتثبيت عليّ عليهالسلام... فقال: بل كان واللّه يعلم ولو كان عزيمة من النّبيّ صلىاللهعليهوآلهالقتل ما انصرف عليّ عليهالسلام حتّى يقتله، و لكن إنّما فعل النّبي صلىاللهعليهوآله ذلك لترجع عن ذنبها، فما رجعت و لا اشتدّ عليها قتل رجل مسلم(1). الثامنة: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»(2). عن أبي جعفر عليهالسلام قال: أما لو قد قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتّى يجلدها الحدّ، وحتّى ينتقم اللّه لابنة محمّد صلىاللهعليهوآله فاطمة عليهاالسلام. قلت له: جعلت فداك ولم يجلدها الحدّ قال: لفريتها على امّ إبراهيم(3).قال التسترى(4): ولا يستنكر ما في الخبر، فلا ريب أنّ عائشة رمت مارية باتّفاق الخاصّة والعامّة، وأنّها استحقت الحدّ، ولم يقل أحد أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله أجرى عليها الحد، ولم يكن النّبيّ ليعطّل حدا من حدود اللّه على قريب ولا بعيد. فلا بد أنّ الحكمة اقتضت تأخير إجرائه على يد المهدي من ولده عليهالسلام.
ورجعة جمع في أيّام المهديّ عليهالسلام عند الإمامية قطعية.
ويناسب أن ننقل كلام شيخ ابن أبي الحديد، يوسف بن إسماعيل اللمعانيّ، الذي نقله عنه بعد التحقيق، ما في الخبر من رمي عائشة لمارية وإيذائها لسيّدة
نساء العالمين. وكلامه وإن كان مشتملا على الغثّ والسمين، لكن نشير بعد إلى ما في غشّه.
فقال: أوّل بدء الضغن كان بين عائشة وبين فاطمة، لأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله تزوّجها عقيب خديجة، ومعلوم أنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها وتزوّج أبوها اخرى كان بينهما كدر وشنآن، ثمّ اتفق أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله مال إليها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله. وأكرم النّبي صلىاللهعليهوآله فاطمة إكراما عظيما، أكثر ممّا كان النّاس يظنّونه وأكثر
من إكرام الرجال لبناتهم، حتّى خرج بها عن حد حبّ الآباء للأولاد، فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لا مرّة واحدة، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد: إنّها سيّدة نساء العالمين، وإنّها عديلة مريم بنت عمران، وإنّها إذا مرّت في الموقف نادى مناد من جهة العرش: يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلىاللهعليهوآله، وهذا من الأحاديث الصحيحة وليس من الأخبار المستضعفة.
وإنّ إنكاحه عليّا إيّاها ما كان إلاّ بعد أن أنكحه اللّه تعالى إيّاها في السماء بشهادة الملائكة.
وكم قال لا مرّة: «يؤيني ما يؤيها، ويغضبني ما يغضبها، وإنّها بضعة منّي يريبني ما رابها».
فكان هذا وأمثاله زيادة الضغن عند الزوجة، حسب زيادة هذا التعظيم والتبجيل، والنفوس البشرية تغيظ على ما دون هذا، فكيف هذا ثمّ حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها، أعني عليّا فإنّ النساء كثيرا ما يحصلن الاحقاد في قلوب الرجال، لا سيّما وهنّ محدّثات الليل كما قيل في المثل.
وكانت تكثر الشكوى من عائشة، ويغشاها نساء المدينة وجيران بيتها فينقلن
إليها كلمات عن عائشة ثمّ يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة، وكما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كذلك كانت عايشة تشكو إلى أبيها، لعلمها أنّ بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما. ثمّ تزايد تقريظ النّبي صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام وتقريبه واختصاصه، فأحدث ذلك حسدا له وغبطة في نفس أبي بكر عنه وهو أبوها، وفي نفس طلحة وهو ابن عمّها وهي تجلس إليهما وتسمع كلامهما وهما يجلسان إليها ويحادثانها، فأعدى إليها منهما كما أعدى إليهما(1).
ولست أبرّىء عليّا عليهالسلام من مثل ذلك، فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النبيّ صلىاللهعليهوآله إليه وثناءه عليه، ويحب أن ينفرد هو بهذه المزايا والخصائص دونه ودون النّاس أجمعين، ومن انحرف عن إنسان انحرف عن أهله و أولاده، فتأكدت البغضة بين الفريقين. ثمّ كان من أمر القذف ما كان، ولم يكن عليّ عليهالسلام من القاذفين، ولكنّه كان من المشيرين على النبيّ صلىاللهعليهوآله بطلاقها، تنزيها لعرض النبيّ عليهالسلامعن أقوال الشنأة والمنافقين.
وقال له لمّا استشاره: إن هي إلاّ شسع نعلك، وقال له: سل الخادم وخوّفها وإن أقامت على الجحود فاضربها، وبلغ عائشة هذا الكلام وسمعت أضعافه ممّا جرت عادة النّاس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة.
ونقل النساء إليها كلاما كثيرا عن عليّ وفاطمة، وأنّهما قد أظهرا الشماتة بها جهارا وسرّا بوقوع هذه الحادثة لها، فتفاقم الأمر وغلظ. ثمّ إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله صالحها ورجع إليها ونزل القرآن ببراءتها، فكان منها ما يكون من الإنسان ينتصر بعد أن قهر، ويستظهر بعد أن غلب، ويبرأ بعد أن اتّهم، من بسط اللسان وفلتات القول،
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 192/9 ـ 194.
وبلغ ذلك كلّه عليّا وفاطمة، فاشتدت الحال وغلظ وطوى كل من الفريقين قلبه على الشنآن لصاحبه.
ثمّ كان بين عائشة وعليّ عليهالسلام في حياة النّبي صلىاللهعليهوآله أحوال وأقوال، كلّها تهيج ما في النفوس نحو قولها له ـ وقد استدناه النّبي صلىاللهعليهوآله فجاء حتّى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان: أما وجدت مقعدا لكذا ـ لا تكني عنه ـ إلاّ فخذي ونحو ما روي أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله ساير عليّا عليهالسلام يوما وأطال مناجاته، وهي سائرة خلفهما حتّى دخلت بينهما وقالت: فيم أنتما فقد أطلتما. فيقال إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله غضب ذلك اليوم.
وما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها، ونحو ذلك ممّا يكون بين الأهل وبين المرأة وأحمائها(1).
ثمّ اتّفق أنّ فاطمة ولدت كثيرا بنين وبنات ولم تلد هي ولدا، وأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه ويسمّي الواحد منهما ابني ويقول: دعو إليّ ابني ولا ترزموا(2)على ابني وما فعل ابني. فما ظنّك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل، ثم رأت البعل تبنّى بني ابنته من غيرها، ويحنو عليهم حنوّ الولد المشفق، هل تكون محبّة لاولئك البنين ولامّهم ولأبيهم أم مبغضة وهل تودّ دوام ذلك واستمراره أم زواله وانقضاءه ثمّ اتفق أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله سدّ باب أبيها إلى المسجد وفتح باب صهره، ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثمّ عزله عنها بصهره، فقدح ذلك أيضا في نفسها.
وولد للنّبي صلىاللهعليهوآله إبراهيم من مارية فأظهر عليّ عليهالسلامبذلك سرورا كثيرا، وكان
يتعصّب لمارية، ويقوم بأمرها عند النّبي صلىاللهعليهوآله ميلا على غيرها، وجرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرّأها عليّ عليهالسلام منها وكشف بطلانها، أو كشفه اللّه تعالى على يده، وكان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيّأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة، وكلّ ذلك ممّا كان يوغر صدر عائشة عليه، ويؤّد ما في نفسها منه، ثمّ مات إبراهيم فأبطنت شماتة وإن أظهرت كآبة، ووجم عليّ عليهالسلام من ذلك وكذلك فاطمة، وكانا يؤران ويريدان أن تتميّز مارية عليها بالولد، فلم يقدر لهما و لا لمارية ذلك وبقيت الامور على ما هي عليه وفي النفوس ما فيها حتّى مرض النّبي صلىاللهعليهوآله المرض الذي توفي فيه فكانت فاطمة وعليّ عليهماالسلام يريدان أن يمرّضاه، وكذلك كان أزواجه، فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة التي كانت لها دون نسائه، وكره أن يزاحم فاطمة وبعلها في بيتهما، فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما، ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه. وعلم أنّ المريض يحتاج إلى فضل مداواة ونوم ويقظة وانكشاف وخروج حدث، فكانت نفسه إلى بيتها أسكن منها إلى بيت صهره وبنته، فإنّه إذا تصوّر حياءهما منه استحيى هو أيضا منهما، وكلّ أحد يجب أن تخلو بنفسه ويحتشم الصهر والبنت، ولم يكن له الميل إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها، فمرض في بيتها فغبطت على ذلك، ولم يمرض النّبي صلىاللهعليهوآله منذ قدم المدينة مثل هذا المرض، وإنّما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثمّ يبرأ، فتطاول هذا المرض، وكان عليّ عليهالسلام لا يشكّ أنّ الأمر له، وأنّه لا ينازعه فيه أحد من النّاس. ولقد قال له عمّه وقد مات النّبي صلىاللهعليهوآله: امدد يدك ابايعك، فيقول النّاس عمّ رسول اللّه بايع ابن عمّ رسول اللّه فلا يتخلّف عليك اثنان، قال: يا عم وهل يطمع فيها طامع غيري قال: ستعلم. قال:
فإنّي لا احب هذا الأمر من وراء رتاج، واحبّ أن أصحر به. فسكت عنه(1).
فلمّا ثقل النّبي صلىاللهعليهوآله في مرضه أنفذ جيش اسامة وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار. فكان عليّ بوصوله إلى الأمر إن حدث بالنبيّ صلىاللهعليهوآله حدث أوثق. وغلب على ظنّه أنّ المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكليّة فيأخذه صفوا عفوا ويتمّ له البيعة، فلا يتهيّأ فسخها لو رام ضدّ منازعته عليها. فكان من عود أبي بكر من جيش اسامة بإرسال عائشة إليه، وإعلامه أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله يموت ما كان، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب عليّ عليهالسلام عائشة إلى أنّها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمر أباها فليصلّ بالنّاس، لأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كما روي قال: يصلّي بالناس أحدهم ولم يعيّن ـ وكانت صلاة الصبح فخرج النّبي صلىاللهعليهوآله وهو في آخر رمق يتهادى بين عليّ عليهالسلام والفضل بن عبّاس، حتّى قام في المحراب كما ورد في الخبر، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى.
فجعل عمر صلاته حجّة في صرف الأمر إليه، وقال: أيّكم يطيب نفسا أن يتقدّم قدمين قدمهما النّبي صلىاللهعليهوآله في الصلاة. ولم يحملوا خروج النّبي صلىاللهعليهوآله إلى الصلاة لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن، فبويع على هذه النكتة التي اتّهمها عليّ عليهالسلام انّها ابتدئت منها، وكان عليّ عليهالسلاميذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا، ويقول: إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله لم يقل: (إنّكن لصويحبات يوسف) إلاّ إنكارا لهذه الحال و غضبا منها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنّه استدركهما بخروجه وصرفه عن المحراب، فلم يجد ذلك ولا أثر مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهّد له قاعدة الأمر، وتقرّر حاله في نفوس النّاس ومن اتّبعه على ذلك
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 195/9.
من أعيان المهاجرين والأنصار، ولمّا ساعد على ذلك من الحظّ الفلكيّ، الأمر السمائيّ الذي جمع عليه القلوب والأهواء، فكانت هذه الحال عند عليّ عليهالسلامأعظم من كلّ عظيم وهي الطامّة الكبرى والمصيبة العظمى، ولم ينسبها إلاّ إلى عائشة وحدها، ولا علّق الأمر الواقع إلاّ بها، فدعا عليها في خلواته وبين خواصّه، وتظلّم إلى اللّه منها(1)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 196/9 ـ 198.
،وجرى له في تخلّفه عن البيعة ما هو مشهور حتّى بايع، وكان يبلغه وفاطمة عنها كلّ ما يكرهانه منذ مات النّبي صلىاللهعليهوآله إلى أن توفيت فاطمة عليهاالسلام، وهما صابران على مضض ورمض، واستظهرت بولاية أبيها واستطالت وعظم شأنها وانخذل عليّ عليهالسلام وفاطمة عليهاالسلام وقهرا، وأخذت فدك، وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا، فلم تظفر بشيء، وفي كلّ ذلك تبلغها النساء الداخلات والخارجات عن عائشة كلّ كلام يسؤها، ويبلغن عائشة عنها وعن بعلها مثل ذلك، إلاّ أنّ شتّان ما بين الحالين، وبعد ما بين الفريقين هذه غالبة وهذه مغلوبة، وهذه آمرة وهذه مأمورة، وظهر التشفّي والشماتة، ولا شيء أعظم مرارة ومشقّة من شماتة العدوّ(2).
قال ابن أبي الحديد قلت له: أفتقول إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة والنّبي صلىاللهعليهوآله لم يعيّنه فقال: أمّا أنا فلا أقول ذلك، ولكنّ عليّا كان يقول وتكليفي غير تكليفه، كان
حاضرا ولم أكن حاضرا، فأنا محجوج بالأخبار التي اتّصلت بي، وهي تتضمّن تعيين النّبي صلىاللهعليهوآله لأبي بكر في الصلاة، وهو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنّه من الحال التي كان حضرها، قال: ثمّ ماتت فاطمة فجاءت نساء النّبي صلىاللهعليهوآله
كلّهن إلى بني هاشم في العزاء إلاّ عائشة، فإنّها لم تأت أظهرت مرضا، ونقل إلى عليّ عليهالسلامعنها كلام يدلّ على السرور، ثمّ بايع عليّ أباها فسرّت بذلك وأظهرت من الاستبشار بتمام البيعة واستقرار الخلافة وبطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا، واستمرت الامور على هذه مدّة خلافة أبيها، وخلافة عمر وعثمان، والقلوب تغلي، والأحقاد تذيب الحجارة، وكلّما طال الزمان على عليّ عليهالسلام تضاعفت همومه وغمومه، وباح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان ـ و قد كانت عائشة أشدّ النّاس عليه تأليبا وتحريضا ـ فقالت: أبعده اللّه، لمّا سمعت قتله وأملت أن تكون الخلافة في طلحة فيعود الأمر تيميّة، كما كانت أوّلا، فعدل النّاس عنه إلى عليّ عليهالسلام، فلمّا سمعت ذلك صرخت: واعثماناه قتل عثمان مظلوما فثار ما في الأنفس حتّى تولّد من ذلك يوم الجمل وما بعده. قال ابن أبي الحديد: وهذه خلاصة كلام اللمعاني وكان شديدا في الاعتزال(1).قال التسترى(2): أمّا قول: (إنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها... ففيه أنّ فاطمة التي قال أبوها أنّها سيدة نساء العالمين وعديلة مريم وينادي المنادي في مرورها بالموقف: غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ، وإنّ إنكاحها عليّا عليهالسلام كان بعد إنكاح اللّه تعالى بشهادة ملائكته ـ ويؤيه ما يؤيها ـ وما ينطق أبوها عن الهوى ـ أجلّ من ذلك، ولم لم يحدث بينها وبين باقي نساء أبيها من ام سلمة وغيرها كدر وشنآن، وكلّهن كنّ كالضرائر لامّها وقال الطبريّ: لا خلاف بين جميع أهل العلم أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله بنى بسودة قبل عائشة(3). فيعلم أنّ شنآنها لتلك المرأة ولصاحبتها لكونهما عدوتي اللّه
بتصريح الكتاب، في قوله تعالى: «... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ...»(1).
ولو كانت هذه العلل أعذارا لكان أبو جهل معذورا في عداوته للنّبي صلىاللهعليهوآله، فقد قال: كنّا بني مخزوم وبني هاشم كفرسي رهان(2)، ولقد أراد محمّد السبق علينا، ولكان يزيد معذورا في قتل الحسين عليهالسلام، فقال للسجّاد: إنّ أباك كان يبغي الغوائل لسلطاني.
ومن المضحك قوله: «و لست ابرىء عليّا عليهالسلام من مثل ذلك فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النّبيّ إليه وثناءه عليه». هل سكن إليه يوم الغار وهو يكثر الجزع، حتّى قال له لا تحزن وهل أثنى عليه يوم فرّ في خيبر حتّى قال فيه تعريضا: إنّه فرّار غير كرّار، لا يحبّ اللّه ورسوله ولا يحبّه اللّه ورسوله وهل حسد عليّ عليهالسلام أبي بكر عزله عن (براءة). وأي مزايا كانت له حتّى يحب أن يتفرّد بها وإنّما كانت مزاياه أمران ذكرهما عمر يوم السقيفة.
الأوّل: كونه صاحب الغار، وهو عوار حيث إنّ إمامهم أحمد بن حنبل قال: إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله خرج منفردا، وإنّما ذهب أبو بكر خلفه من قبل نفسه، ولمّا سمع النّبي صلىاللهعليهوآله حسّ أبي بكر ظنّه من قريش الذين أرادوا أخذه، فسعى في المشي حتّى أدمى رجله، وان جزعه ثمّة صار سببا لسلب السكون عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، حتّى أنزل تعالى سكينته عليه منفردا. فيفهم من صاحبه في الغار عدم إيمانه، وإلاّ لأنزل
تعالى عليه السكينة كما أنزلها في موضع آخر على رسوله وعلى المؤنين(1).
والثانى: كونه قدّمه للصلاة، وهو قد شرح علنه وخافيه، ولمّا خرج النّبي صلىاللهعليهوآله في تلك الحال اضطرارا يجر رجليه معتمدا على نفرين ـ وأخّره وعزله عن الصلاة كما عن (براءة)، لم يبق له مجال أن يبقى في ذاك المحلّ فاضطرّ إلى خروجه إلى منزله بسنح مع قوة داعية إلى أن يبقى مراقبا لساعة موت النّبي صلىاللهعليهوآله، فاضطرّ عمر لغيبته إلى أن يهدّد النّاس ويقول: «إنّ النّبيّ لم يمت وإنّما غاب كغيبة موسى»(2)، حتّى يصل أبو بكر ويفعلا بتظاهرهما على الوصيّ كتظاهر ابنتيهما على النّبي صلىاللهعليهوآله.
وكيف يقول كان عليّ ينفس على أبي بكر وقد كتب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر: قد كنّا وأبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما وفضله مبرزا علينا، فلمّا اختار اللّه تعالى لنبيّه ما عنده، وأتمّ له ما وعده، قبضه اللّه إليه، فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزه وخالفه على ذلك اتّفقا واتسقا(3).
وأمّا قوله: ولم يكن عليّ من القاذفين ولكنّه كان من المشيرين على النّبي صلىاللهعليهوآلهبطلاقها، فاللّه تعالى أيضا كان من المشيرين فقال تعالى بعد قوله: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ... وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(4): «عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً»(5).
وفيه إشارة إلى خلوّ المرأتين من صفات الإسلام والإيمان وغيرهما، وقوله: (ثيّبات) إشارة إلى حفصة و(أبكارا) إلى عائشة.
وأمّا قوله إنّ عليّا عليهالسلام قال للنّبي صلىاللهعليهوآله خوّف الخادم وإن أقامت على الجحود فاضربها، فبهتان من عايشة. وامّا قوله: فنزل القرآن ببراءتها فشيء تفرّدوا به، ورواياتهم تنتهي إليها انّها ادعت أنّهم قذفوها، ونزلت الآية فيها.
وممّا يوضح افك عايشة في روايتها أنّها قالت في خبرها: فدعا النبيّ بريرة يسألها، فقام إليها عليّ فضربها ضربا شديدا، وهو يقول: اصدقي رسول اللّه فتقول: واللّه ما أعلم إلاّ خيرا(1). فلا ريب في عصمة أميرالمؤمنين عليهالسلام من أوّله إلى آخره، بإقرار مخالفيه وشهادة القرآن له، وفي خبرها قالت عائشة: وايم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل فيّ قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلّى به، ولكنّي قد كنت أرجو أن يرى النبيّ في نومه شيئا يكذب اللّه به عنّي لما يعلم من برائتي، أو يخبر خبرا، فأمّا قرآن ينزل فيّ فواللّه لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.
فيقال لها: فلم كنت أحقر من أن ينزل فيك قرآن، ولقد جعلك اللّه أشدّ من جميع جبابرة قريش ومشركي مكة حيث قال في أولئك: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ»(2)، وقال فيك وفي صاحبتك: «... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(3).
وأمّا الإماميّة فعلى أنّ آية الإفك نزلت في مارية، فإنّ إفك عائشة مع ذويها لها
محقّق، كما أنّ طهارة ساحتها عن إفكها محققّة بعد كون من رميت به خصيا، كما أقرّ به، فكيف نزلت آية الإفك في عائشة دون مارية هل كانت لكونها بنت أبي بكر أكرم على اللّه، كما هي أكرم عند إخواننا، وقد قال تعالى: «... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ...»(1)، ولا ريب في كونها أتقى، كما لا ريب في عتوّ عائشة وطغيانها، بتصريح اللّه تعالى في قوله: «... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ...»(2)وقوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ...»(3)، بل وفوقهما «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ...»(4).
وامّا شرح قضية مارية ما ذكره المفسّرون من العامّة والخاصّة في تفسير قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(5)قال الزمخشرى: روى أنّه عليه الصّلاة والسّلام خلا بمارية في يوم عايشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمى عليّ وقد حرمت مارية على نفسى وابشرك أنّ أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر امّتي فأخبرت به وكانتا متصادقتين(6)، وفي التّفسير الكبير في تفسير قوله تعالى: «وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ»(7)قال الفخر الرّازي يعني ما أسرّ إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه واستكتمها ذلك، وقيل: لمّا
رأى النّبي الغيرة في وجه حفصة أراد أن يرضاها فأسرّ إليها بشيئين: تحريم الأمة على نفسه، والبشارة بأنّ الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر، قاله ابن عباس وقوله: فلمّا نبأت به أى أخبرت به عايشة وأظهره اللّه عليه اطلع نبيّه على قول حفصة لعايشة فأخبر النّبيّ حفصة عند ذلك ببعض ما قالت وهو قوله تعالى: عرّف بعضه حفصة وأعرض عن بعض لم يخبرها انّك أخبرت عايشة على وجه التّكريم والإغضاء، والذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر(1)وقال القمّى: سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطيّة تكون معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها فتناول رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهمارية فعلمت حفصة بذلك فغضبت وأقبلت على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقالت: يا رسول اللّه في يومي وفي دارى وعلى فراشي، فاستحى رسول اللّه منها فقال: كفى فقد حرّمت مارية على نفسي ولا أطاها بعد هذا أبدا، وأنا أقضى اليك سرّا إن أنت أخبرت به فعليك لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين فقالت: نعم ما هو؟ فقال صلىاللهعليهوآله: إنّ أبا بكر يلي الخلافة بعدي، ثمّ بعده أبوك فقالت من أنباك؟ فقال نبّأني العليم الخبير، فأخبرت حفصة به عايشة من يومها ذلك وأخبرت عايشة أبا بكر فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له: إنّ عايشة أخبرتني عن حفصة بشيء ولا أثق بقولها، فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الّذي أخبرت عنك عايشة؟ فأنكرت ذلك وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئا، فقال عمر: إنّ هذا حقّ فأخبرينا حتّى نتقدّم فيه، فقالت: نعم قد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفاجتمعوا أربعة على أن يسمّوا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فنزل جبرئيل على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بهذه السّورة قال:
1) . تفسير الرازي: 43/30.
وأظهره اللّه عليه يعني وأظهره اللّه على ما أخبرت به وما همّوا به من قتله عرف بعضه أى خبرها وقال: لم أخبرت بما خبرتك به وأعرض عن بعض قال: لم يخبرهم بما يعلم بما همّوا به من قتله(1)، وقال تعالى في هذه السّورة: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ»(2)قال في تفسير الصّافى: مثل اللّه حال الكفّار والمنافقين في أنّهم يعاقبون بكفرهم ونفاقهم ولا يحابون بما بينهم وبين النّبي صلىاللهعليهوآله والمؤنين من النّسبة والوصلة بحال امرأة نوح وامرأة لوط، وفيه تعريض بعايشة وحفصة في خيانتهما رسول اللّه بافشاء سرّه ونفاقهما إيّاه وتظاهرهما عليه كما فعلت امرئتا الرّسولين فلم يغن الرّسولان عنهما بحقّ الزّواج إغناء ما وقيل لهما بعد موتهما أو يوم القيامة: ادخلا النّار مع الدّاخلين الّذين لا وصلة بينهم و بين الأنبياء(3). وأمّا قوله: (فكان منهما ما يكون من الانسان ينتصر بعد أن قهر من بسط اللسان وفلتات القول). فيه أنّه على رواياتهم لم ينحصر بسط لسانها بأميرالمؤمنين عليهالسلام فقط، بل بسطت لسانها على النّبي صلىاللهعليهوآله أيضا ـ ففي خبرها كما قال الطبريّ ـ أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال لها: يا عائشة إنّه قد كان ما بلغك من قول اللّه، فاتّقي اللّه وإن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى اللّه ـ إلى أن قالت ـ: فجعل النبيّ يمسح العرق عن جبينه وهو يقول: ابشري يا عائشة فقد أنزل اللّه براءتك، فقلت: بحمد اللّه وذمّكم(4).
والكاذب يفضحه اللّه فادعت أنّ القرآن الذي يقرأ به في المساجد ويصلي به نزل فيها وجعلت النّبي صلىاللهعليهوآله من المذمومين.
فان كان كل ما قالت امّهم حقّا لم ينحصر الأمر في كون النّبي صلىاللهعليهوآله من المذمومين، بل يكون اللّه تعالى أيضا من الملومين، قالت عائشة يوم الجمل في خطبتها: «بي ميز بين منافقكم ومؤنكم»(1).
فعلى قولها يكون اللّه تعالى من المنافقين، حيث قال فيها وفي صاحبتها: «...وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ...»(2)«ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ...(3)».
وأمّا قوله: فكانت فاطمة وعليّ يريدان أن يمرّضانه في بيتهما، والنّبي صلىاللهعليهوآله مال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة. فليس كما قال، بل بمقتضى تظاهرها مع صاحبتها وأبويهما عليه صلىاللهعليهوآله وقد منعوه عن الوصيّة، وتخلّفوا عمّا أمرهم به من الخروج في جيش اسامة، وطعنوا في جعل اسامة أميرا عليهم، حتى قال صلىاللهعليهوآله: إن قلتم فيه فقد قلتم في أبيه من قبل(4)، وقال الطبري: عن أسامة، لمّا ثقل النّبي صلىاللهعليهوآله هبطت وهبط النّاس معي إلى المدينة فدخلنا عليه، وقد أصمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثمّ يضعها عليّ فعرفت أنه يدعو لي(5)ـ وهو مضحك فإنّ
النّبي صلىاللهعليهوآله كان أشار عليه بحركته وإخراج الرجلين معه، كما يفصح عنه أنّه صلىاللهعليهوآله كان
كلّما أفاق يقول جهّزوا جيش اسامة لعن اللّه من تخلّف عنه(1)ـ وتفسيره إشارة النّبي صلىاللهعليهوآله كتفسير امّ خالد بن يزيد كلام مروان لمّا سمّته، فدخل عليه ابنه عبد الملك وقد اعتقل لسانه فأشار إليها أنّها قتلته. فقالت: جعلت فداه حتّى في احتضاره يوصيكم بي(2).
وروى العيّاشيّ الذي كان عامّيا ثمّ صار إماميا في تفسير قوله تعالى:... أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ...(3): إنّ عائشة وحفصة سمّتاه فقتلتاه(4).
ولدّوه أيضا، روى الطبري: قالت عائشة: لدّدنا النّبي صلىاللهعليهوآله في مرضه، فقال: لا تلدّوني فقلنا: كراهية المريض الدواء. فلما أفاق قال: لا يبقى منكم أحد إلاّ لدّ غير
العبّاس فإنّه لم يشهدكم(5).
وهل كان متولي النّبي صلىاللهعليهوآله حتّى قبض ومتصدي تجهيزه غير أميرالمؤمنين عليهالسلام والباكي عليه غير بنته الصديقة والقوم كانوا في شورى الخلافة وطلب الرياسة، وروى الطبريّ: قالت عائشة: ما علمنا بدفن النّبي صلىاللهعليهوآله حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء(6).
وقال النّبي صلىاللهعليهوآله في مرضه: ادعوا لي أخي فدعي له عليّ عليهالسلامفقال: ادن منّي. فدنوت منه فاستند اليّ، فلم يزل مستندا إليّ وإنّه ليكلّمني حتّى أنّ بعض ريق النّبي صلىاللهعليهوآله ليصيبني، ثمّ نزل بالنبيّ صلىاللهعليهوآله وثقل في حجري(7).
وقوله: (لم يجد استدراك النّبي صلىاللهعليهوآله بخروجه، مع قوّة داعي أبي بكر ومن تبعه من أعيان المهاجرين والأنصار) غير صحيح، فإنّما تبعه الطلقاء وأبناء الطلقاء، وبهم صار داعية قويا، وأمّا عمر وأبو عبيدة فإنّما كانا متواطئين معه وكلّهم كنفس واحدة.
وإنّما كان القول بالمحبّة القلبية شيء تدعيه لنفسها، ويدّعيه لها عمر ففضّلها في العطاء على باقي نساء النّبي صلىاللهعليهوآله، بأن النبيّ كان يحبّها أكثر من باقيهن. فعل ذلك بها شكرا لها لتأسيس سلطنتهم، وهي وإن فعلت ذلك لأبيها، إلاّ أنّ سلطنة أبيها كانت سلطنته، بل كان حظّه أكثر، لأنّه كان شريك أبيها في حياته، ومستقلا بعد وفاته ولذا كان جده في ذلك أكثر، مع أنّ عمر فضل ـ على خلاف الكتاب والسّنة ـ مطلق الأشراف، فكيف لا يفضل عايشة مع أنّ مثل عايشة لو لم يفضّلها لأخلّت في سلطنته، كما أخلّت في أمر عثمان، وكانت من الأسباب القويّة لقتله، لأنّه لم يفضّلها، ولقد تفطّن لذلك معاوية، ففضّلها ولمّا قالت له: ما خفت اللّه في قتل حجر العابد الزاهد؟ قال لها: كيف أمر عطائك قالت: حسن، قال: فخليني و إيّاه للقيامة.
وقوله: «و كره النّبي صلىاللهعليهوآله أن يزاحم عليّا وفاطمة في بيتهما» أيضا غير صحيح، فهل كان رأسه في غير حجر عليّ عليهالسلام حتّى مات وهل كان اتكاؤ لمّا خرج إلى المسجد لتأخير أبي بكر إلاّ عليه عليهالسلام وأمّا قوله: «و ساعد على ذلك الحظ الفلكي والأمر السمائى»، ففي غير موضعه، فلم تقل الكلمة في هذا الموضع، وإنّما تقال تلك في التصادفات الدنيويّة، وأمّا مثلها فيقال: إنّها كانت امتحانا من اللّه تعالى للناس. ولمّا قتل أميرالمؤمنين عليهالسلام واضطرّ الحسن عليهالسلام إلى مصالحة معاوية، خطب
وقال: «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(1).
وقوله: «و لم ينسب عليّ عليهالسلام الحال إلاّ إلى عايشة، ولا علق الأمر إلاّ بها، فدعا عليها في خلواته وبين خواصّه، وتظلّم إلى اللّه منها» صحيح، وكان عليه أن يزيد فيه كما كانت امرأته فاطمة تدعو على أبيها في أدبار صلواتها، روى ابن قتيبة: إنّ أبا بكر وعمر لمّا دخلا عليها ولّت وجهها عنهما، ولم تردّ عليهماالسلام لمّا سلّما، وإنّها قالت لهما بعد قول أبي بكر لها: «يا حبيبة رسول اللّه، إنّك لأحبّ إليّ من ابنتي عايشة» نشدتكما اللّه ألم تسمعا النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: «رضى فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطنى» فقالا: نعم. فقالت: فإنّي اشهد اللّه وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النّبي صلىاللهعليهوآله لأشكونكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ باللّه من سخطه وسخطك. ثمّ انتحب يبكي، وهي تقول: واللّه لأدعون اللّه عليك في كل صلاة اصلّيها(2).
وقوله: «و أنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بى» كما ترى، فإنّها أخبار تتناقض صدرا وذيلا، وهي أخبار أمر بوضعها معاوية، ويكفيها اعتقاد أميرالمؤمنين عليهالسلام فيها.
وقوله: «و لم تأت عايشة في وفاة فاطمة لتعزية بني هاشم» صحيح لكنها أرادت ان تحضر غسلها شماتة، فمنعتها أسماء بنت عميس مع كونها زوجة أبيها بوصيّة فاطمة عليهاالسلام بمنعها، قال ابن عبد البر: لمّا توفيّت فاطمة جاءت عائشة، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكتها إلى أبي بكر، فقال لها أبو بكر: ما حملك على منع أزواج
النبيّ فقالت: أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد(1). ومن أكاذيبها: ادّعاؤا أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله توفي بين سحرها ونحرها، روى ابن سعد عن أبي عطفان قال: سألت ابن عبّاس، أرأيت النّبي صلىاللهعليهوآله توفي ورأسه في حجر أحد قال: توفي ورأسه مستند إلى صدر عليّ عليهالسلام قلت: فإنّ عروة حدّثني عن عايشة أنّها قالت: توفي النّبيّ بين سحري ونحري. فقال ابن عبّاس: أتعقل واللّه لتوفي النّبي صلىاللهعليهوآله وإنّه لمستند إلى صدر عليّ وهو الذي غسّله...(2).
وقول عمر فيها أنّها التي نزلت فيها وفي صاحبتها «... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ...»(3)، ولعثمان فيها أقوال، روى الجوهريّ في خبر في تكلّم عائشة وحفصة في عثمان، فقال عثمان وقد أقبل على النّاس بعد صلاته: إنّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما وأنا بأصلهما عالم(4).
وإنّ عثمان صعد المنبر، فرفعت عايشة قميص النّبيّ ونادت: لقد خالفت يا عثمان صاحب هذا القميص. فقال عثمان: إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه ضرب اللّه مثلها ومثل صاحبتها في الكتاب «... امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ...»(5)،(6).
وجاءت عائشة إلى عثمان فقالت: اعطني ما كان يعطيني أبي وعمر، قال: لا أجد له موضعا في الكتاب ولا في السّنة، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة
أنفسهما، وأنا لا أفعل. قالت: فأعطني ميراثي من النّبي صلىاللهعليهوآله. قال: أو لم تجيء فاطمة
تطلب ميراثها من النبيّ، فشهدت أنت ومالك بن أوس البصري أنّ النبيّ لا يورث، وأبطلت حقّ فاطمة وجئت تطلبينه، لا أفعل...(1). ومن منكراتها خلافا على اللّه تعالى ورسوله: تقريرها فعل معاوية في إلحاق زياد، قال البلاذري: نهر مرة منسوب إلى مرة مولى عبد الرحمن بن أبي بكر. سأل عايشة أن تكتب له إلى زياد وتبدأ به في عنوان كتابها، فكتبت إليه بالوصاية وعنونته (إلى زياد بن أبي سفيان من عايشة امّ المؤنين) فلمّا رأى زياد أنّها قد كاتبته ونسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك وأكرم مرة وألطفه، وقال: هذا كتاب امّ المؤنين إليّ فيه، وعرضه عليهم ليقرؤا عنوانه، ثمّ أقطعه مائة جريب على نهر الأبلة، وأمره فحفر لها نهرا(2).
ومن أكاذيبها مع النّبي صلىاللهعليهوآله: ما رواه الخطيب في محمّد بن أحمد المؤّب: أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله أرسل عائشة إلى امرأة فقالت: ما رأيت طائلا، فقال: لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرّت منه ذؤبتك. فقالت: ما دونك ستر ومن يستطع أن يكتمك(3)
ومن شهادة النّبي صلىاللهعليهوآله في حقّها ما روى: قام النّبي صلىاللهعليهوآله خطيبا ـ وأشار نحو مسكن عائشة ـ وقال: هاهنا ـ الفتنة ـ ثلاثا ـ منه يطلع قرن الشيطان(4).
أى حقد.
في الصحاح: المرجل قدر من نحاس.
أى: الحداد، قال الطبريّ: عن عايشة قالت رجع النّبي صلىاللهعليهوآله من البقيع في مرضه، فوجدني وأنا أقول وا رأساه، فقال: بل أنا وا رأساه ـ ثمّ قال لى: ما ضرّك لو مت قبلي، فقمت عليك وكفنتك وصلّيت عليك ودفنتك، فقلت: واللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك. فتبسم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتّى استعز به وهو في بيت ميمونة، فدعا نسائه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي، فأذنّ له فخرج بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عبّاس ورجل آخر تخطّ قدماه إلى الأرض، عاصبا رأسه حتّى دخل بيتي. قال عبيد اللّه بن عبداللّه بن عتبة: فحدّثت هذا الحديث عن عايشة ابن عبّاس فقال: هل تدري من الرجل الآخر قلت: لا. قال: عليّ بن أبي طالب عليهالسلام، ولكن عايشة لا تقدر أن تذكره بخير(1).
وقال الطبري: أنّ عايشة لمّا انتهت إلى (سرف) راجعة في طريقها إلى مكّة، لقيت عبد بن ام كلاب ـ وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى امه ـ قالت له: مهيم، قال: قتلوا عثمان فمكثوا ثمانيا. قالت: ثمّ صنعوا ما ذا قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الامور إلى خير مجاز، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب. فقالت: واللّه ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ردّوني ردّوني.
1) . تاريخ الطبري: 433/2 سنة 11.
فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل عثمان واللّه مظلوما، واللّه لأطلبن بدمه، فقال لها ابن ام كلاب: فو اللّه إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا
فقد كفر. قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل.
فقال لها ابن امّ كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا إنّه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا *** ولم ينكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرء *** يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها *** وما من وفي مثل من قد غدر
فانصرفت إلى مكّة، فنزلت على باب المسجد، فقصدت للحجر واجتمع إليها النّاس، فقالت: أيّها النّاس، إنّ عثمان قتل مظلوما، واللّه لأطلبن بدمه(1).
ورواه محمّد بن نعمان هكذا، قال: لمّا جاء ناعي عثمان إلى مكّة، بكى لقتله قوم، فأمرت عائشة مناديا ينادى: ما بكاؤم على نعثل، أراد ان يطفىء نور اللّه فأطفأه اللّه، وأن يضيّع سنّة رسوله فقتله.
ثمّ ارجف(2)بمكّة أنّ طلحة بويع، فركبت مبادرة بغلتها وتوجهت نحو المدينة وهي مسرورة، حتّى انتهت إلى سرف، استقبلها عبد بن أبي سلمة فقالت له: ما
عندك من الخبر قال: قتل عثمان. قالت: فمن ولّوه قال عليّ ابن عمّ الرسول، فقالت: واللّه لوددت أن هذه تطامن على هذه إن تمّت لصاحبك. فقال: ولم فو اللّه ما على هذه الغبراء نسمة(1)أكرم منه على اللّه(2).
وعن ابن عبّاس: لمّا انقضى أمر الجمل قال لي عليّ عليهالسلام: إيت هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرها اللّه تعالى أن تقرّ فيه. فجئت فاستأذنت عليها، فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها. فقالت: تاللّه يا بن عبّاس ما رأيت مثلك تدخل بيتنا بلا إذن، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا. فقلت: واللّه ما هو بيتك ولا بيتك إلاّ الذي أمرك اللّه أن تقرّي فيه فلم تفعلي، إنّ أميرالمؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت منه، قالت: رحم اللّه أميرالمؤمنين ذاك عمر بن الخطاب. قلت: نعم، وهذا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب. قالت: أبيت أبيت، قلت: ما كان إباؤ إلاّ فواق ناقة، ثمّ صرت ما تحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين ـ فبكت حتّى علا نشيجها، ثمّ قالت: نعم أرجع، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه. قلت: أما واللّه ما كان ذلك جزاؤا منك، اذ جعلناك للمؤنين امّا، وجعلنا أباك صديّقا. قالت: أتمنّ عليّ بالنّبيّ يا بن عبّاس قلت: نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننت به علينا.
فأتيت عليّا فأخبرته فقبّل بين عيني، وقال: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(3)،(4).
ورواه أعثم الكوفي مع زيادة، وفي روايته قالت عايشة لابن عبّاس: أخطأت السنّة، فقال لها: نحن علمناك وأباك السّنة، وانّما بيتك الذي خلفك فيه النّبي صلىاللهعليهوآلهفخرجت منه ظالمة لنفسك، غاشة لدينك، عاتبة على ربك، عاصية لرسوله.
وفي روايته قالت: رحم اللّه أميرالمؤمنين ذاك عمر بن الخطاب، فقال ابن عبّاس: هذا واللّه أميرالمؤمنين وإن تربدت فيه وجوه ورغمت فيه معاطس، أما واللّه لهو أميرالمؤمنين أمسّ برسول اللّه رحما، وأقرب قرابة وأقدم سبقا وأكثر علما وأعلى منارا وأكثر آثارا من أبيك ومن عمر.
وفي روايته: إنّا جعلناك للمؤنين اما، وأنت بنت ام رومان وأبوك ابن أبي قحافة. وفي روايته: ولم لا نمنّ عليك بمن لو كانت شعرة وقلامة منه منك لمننت به علينا وما أنت إلاّ حشية من تسع حشايا خلفهن بعده، لست بأبيضهن لونا ولا أحسنهن وجها، ولا بأرشحهن عرقا، ولا بأنضرهن ورقا، ولا بأطراهن أصلا، فصرت تأمرين فتطاعين، وتدعين فتجابين، ونحن لحم النّبيّ ودمه ومنه وإليه.
فقالت: إنّ عليّا لا يقرّ لك بذلك. فقال: أنا لا انازعه في هذا الباب، فإنّه أقرب إلى النّبيّ مني وأولى بعلمه وميراثه، فإنّه أخوه، وابن عمّه، وزوج ابنته فاطمة، وأبو ابنيه الحسن والحسين، ووصيّه وباب مدينة علمه، وفارسه في غزواته، وما أنت وهذا واللّه ما فعلنا لك ولأبيك لا تقدرون على شكره، ولو كنتم تقدرون لا تفعلون، كما فعلتم ما فعلتم، ثمّ خرج من عندها(1).
وروى الإسكافي عن الزهرى: أنّه كان عنده حديثان عن عروة عن عائشة في
1) . الفتوح: 483/2 ـ 486.
عليّ عليهالسلام. قال معمر: فسألت الزهري عنهما يوما فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما، اللّه أعلم بهما، إنّي لأتهمهما في بني هاشم(1).
وعن عمر بن أبان قال: لمّا ظهر عليّ عليهالسلام على أهل البصرة جاءه رجال منهم فقالوا: ما السبب الذي دعا عايشة إلى المظاهرة عليك، حتّى بلغت من خلافك وشقاقك ما بلغت، وهي امرأة من النساء، لم يكتب عليها القتال، ولا رخص لها في الخروج من بيتها، ولا التبرج بين الرجال فقال عليّ عليهالسلام: سأذكر أشياء حقدتها عليّ، ليس في واحد منها ذنب عليّ، ولكنها تجرّمت(2)بها عليّ.
أحدها: تفضيل النّبي صلىاللهعليهوآله لي على أبيها وتقديمه إيّاي في مواطن الخير عليه، فكانت تضطغن ذلك ويصعب عليها.
وثانيها: إنّه لمّا آخى بين أصحابه آخى بين أبيها وبين عمر واختصّني باخوته، فغلظ ذلك عليها(3).
وثالثها: أوصى النبيّ بسدّ أبواب كانت في المسجد لجميع أصحابه إلاّ بابي، فلما سد باب أبيها وصاحبه، وترك بابي مفتوحا في المسجد، تكلّم في ذلك بعض أهله فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ، بل اللّه عزّ وجلّ سد أبوابكم وفتح بابه»(4)، فغضب لذلك أبو بكر وعظم عليه، وتكلّم في أهله بشيء سمعته منه ابنته فاضطغنته عليّ.
وكان النّبي صلىاللهعليهوآله أعطى أباها الراية يوم خيبر، وأمره ألا يرجع حتّى يفتح أو يقتل، فلم يلبث لذلك وانهزم، فأعطاها في الغد عمر، وأمره بمثل ما أمر صاحبه، فانهزم، فساء النّبي صلىاللهعليهوآله ذلك وقال لهم ـ ظاهرا معلنا ـ: (لأعطينّ الراية غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، كرّارا غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يده»(1)، فأعطاني الراية فصبرت حتّى فتح اللّه على يدي، فغم ذلك أباها، فاضطغنه عليّ فحقدت لحقد أبيها.
وبعث النّبيّ أباها ليؤي سورة (براءة)، وأمره أن ينبذ العهد للمشركين، فمضى حتّى انحرف، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّه أن يردّه ويأخذ الآيات منه، ويسلّمها إليّ فعزل أباها بإذن اللّه تعالى، وكان فيما أوحى اللّه تعالى إليه: لا يؤّي عنك إلاّ رجل منك(2)، وكنت من النّبي صلىاللهعليهوآله وكان مني، فاضطغن لذلك عليّ أيضا واتبعته عايشة في رأيه.
وكانت عايشة تمقت خديجة بنت خويلد وتشنؤا شنآن الضرائر، وكانت تعرف مكانها من النّبي صلىاللهعليهوآله فيثقل ذلك عليها، وتعدى مقتها إلى ابنتها فاطمة، فتمقتني وتمقت فاطمة وتمقت خديجة وهذا معروف في الضرائر.
ولقد دخلت على النّبي صلىاللهعليهوآله ذات يوم قبل أن يضرب الحجاب على أزواجه وكانت عايشة بقرب النّبي صلىاللهعليهوآله، فلمّا رآني النّبي صلىاللهعليهوآله رحّب بي وقال: ادن مني يا عليّ. ولم يزل يدنيني حتّى أجلسني بينه وبينها، فغلظ ذلك عليها فأقبلت عليّ وقالت ـ بسوء رأي النساء وتسرعهن إلى الخطاب ـ: ما وجدت لاستك يا عليّ
موضعا غير فخذي، فزبرها النّبي صلىاللهعليهوآله وقال لها: «أ لعليّ تقولين هذا إنّه واللّه أوّل من آمن بي وصدّقني، وأوّل خلق ورودا بي على الحوض، وهو أحق النّاس عهدا إليّ، لا يبغضه أحد إلاّ أكبّه اللّه على منخره في النار»(1)، فازدادت بذلك غيضا عليّ. ولمّا رميت بما رميت اشتدّ ذلك على النّبي صلىاللهعليهوآله، فاستشارني في أمرها، فقلت له: سل جاريتها بريرة واستبرىء الحال منها، فإن وجدت عليها شيئا فخل سبيلها فالنساء كثيرة. فأمرني أن أتولّى مسألة بريرة، ففعلت ذلك فحقدت عليّ، وو اللّه ما أردت بها سوءا ولكني نصحت للّه ولرسوله ـ وأمثال ما ذكرت ـ فإن شئتم فاسألوها ما الذي نقمت عليّ حتّى خرجت مع الناكثين لبيعتي وسفك دماء شيعتي، والتظاهر بين المسلمين بعداوتي، إلاّ البغي والشقاق والمقت لي بغير سبب يوجب ذلك في الدين.
فقال القوم: القول واللّه ما قلت يا أميرالمؤمنين، ولقد كشفت الغمّة، ولقد نشهد أنّك أولى باللّه ورسوله ممّن عاداك (دعاك)، فقام الحجاج بن غزية الأنصاري و قال أبياتا(2).
روى الخطيب: أنّ عليّا عليهالسلام لمّا فرغ من قتال أهل النهروان، قفل أبو قتادة الانصاري ومعه ستون أو سبعون من الأنصار، فبدأ بعايشة فقالت له: ما وراءك فشرح لها قتالهم وقتل ذي الثدية. فقالت عايشة: ما يمنعني ما بيني وبين عليّ أن
أقول الحق، سمعت النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: تفترق امّتي على فرقتين، تمرق بينهم فرقة محلقون رؤسهم، محفون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرءون القرآن، لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبّهم إليّ وأحبّهم إلى اللّه تعالى.
قال أبو قتادة: فقلت يا ام المؤنين فأنت تعلمين هذا، فلم كان الذي منك قالت: يا أبا قتادة وكان أمر اللّه قدرا مقدورا وللقدر أسباب(1).
وقال عمّار لعايشة حين فرغ القوم: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك قالت: أبو اليقظان قال: نعم. قالت: واللّه إنّك ما علمت قوال بالحق. قال: الحمد للّه
الذي قضى لي على لسانك(2).
ولقد أجاد الحميري في قصيدته مشيرا إلى أنّ شجاعة عايشة وقوّة قلبها في قتال أميرالمؤمنين عليهالسلام، كانت أكثر من شجاعة أبيها يوم خيبر، فإنّه فرّ وهي ثبتت فقال:
يا للرجال لرأي ام قادها *** ذئبان يكتنفانها في أذؤ
ذئبان قادهما الشقاء وقادها *** للحين فاقتحما بها في منشب
في ورطة لحجابها فتحملت *** منها على قتب باثم محقب
ام تدبّ إلى ابنها ووليها *** بالمؤيات له دبيب العقرب
لو أنّ والدها بقوّة قلبها *** لاقى اليهود بخيبر لم يهرب(3)
عن العتبي عن أبيه قال: قالت أم سلمة [و في نسخة كتبت إليها أم سلمة] رحمة
اللّه عليها لعائشة لما همت بالخروج إلى الجمل(1): يا عائشة إنك سدة(2)بين رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وبين أمته حجابك مضروب على حرمته(3)وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه(4)وسكن اللّه من عقيراك فلا تصحريها(5)
أي سكنك بيتك وسترك فيه قال القتيبي لم أسمع بعقير إلاّ في هذا الحديث قال الزمخشري كأنّه تصغير العقرى على وزن فعلى من عقر إذا بقي مكانه لا يتقدم ولا يتأخر وأصله من عقرت به إذا أطلت حبسه كأنّك عقرت راحلته لا يقدر على البراح وأرادت بها نفسها أي سكني نفسك التي حقها ان تلزم مكانها ولا تصحريها اي ولا تبرزيها إلى الصحراء ـ ويروى وهدأ من عقيرتك فلا تصحليها اي وسكني من صوتك فلا ترفعيه وتحديه.
اللّه من وراء هذه الأمة قد علم رسول اللّه مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهد(6)بل قد نهاك عن الفرطة(7)في البلاد ما كنت قائلة لو أن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عارضك(8)بأطراف الفلوات(9)ناصة(10)1) . لتركبه ذاهبة من المدينة إلى البصرة تطالب بدم عثمان.
2) . أي باب فمتى أصيب ذلك الباب بشيء فقد دخل على رسول اللّه في حريمه وحوزته واستفتح ما حماه فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك فتحوجي الناس إلى أن يفعلوا مثلك.
3) . تريد الحجاب الخاص بأزواج النبيّ صلىاللهعليهوآله قال تعالى: «وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ» الأحزاب: 53. الضمير راجع لأزواج النبيّ خاصّة دون غيرهن من النساء.
4) . فلا توسعيه وتنشريه أرادت قوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» الأحزاب: 33 وهذه الآية في سياق الأمر لنساء النبيّ خاصّة أيضا.
5) .
6) . ويروى «اللّه من وراء هذه الأمة لو أراد رسول اللّه عليهالسلام ان يعهد فيك عهد علت» كذا ورد.
7) . التقدّم في البلاد.
8) . استقبلك.
9) . الصحارى الواسعة.
10) . ناصة من نص ناقته استخرج اقصى ما عندها من السير ـ والمنهل الموضع الذي فيه المشرب أي مكان الشرب او المنزل يكون في المفازة.
قعودا من منهل إلى منهل إن بعين اللّه مثواك(1)وعلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله تعرضين ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمّدا صلىاللهعليهوآله هاتكة حجابا جعله اللّه علي فاجعليه سترك وقاعة البيت قبرك حتى تلقيه(2)وَأَنْتِ عَلَى تِلْكِ الْحَالِ أَطْوَعَ مَا تَكُونِينَ للّهِِ مَا لَزِمْتِهِ(3).
ونقل المرتضى في شرحه للقصيدة، عن كتاب (جمل نصر بن مزاحم) عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي، قال: كنت بمكة ـ إلى أن قال ـ فأقبلت عايشة حتّى دخلت على ام سلمة فقالت ام سلمة لها: مرحبا بعايشة، ما كنت لي بزائرة فما بدا لك قالت: قدم طلحة والزبير فخبّرا أنّ أميرالمؤمنين عثمان قتل مظلوما. فصرخت ام سلمة صرخة أسمعت من في الدار. فقالت: يا عايشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر، وهو اليوم أميرالمؤمنين قتل مظلوما فما تريدين قالت: تخرجين معي، فلعل اللّه أن يصلح بخروجنا أمر امّة محمّد، فقالت: يا عايشة أخرج وقد سمعت من النّبي صلىاللهعليهوآله ما سمعت، نشدتك يا عايشة باللّه الذي يعلم صدقك إن صدقت، أتذكرين يومك من النّبي صلىاللهعليهوآله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو يقول: «و اللّه لا تذهب الليالي والأيام حتّى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فئة باغية» فسقط الإناء من يدي، فرفع رأسه إليّ فقال: مالك يا ام سلمة قلت: ألا يسقط الإناء من يدي وأنت تقول ما تقول، ما يؤنني أن أكون أنا هي فضحكت أنت يا عايشة فالتفت إليك فقال: ما يضحك يا حمراء الساقين، اني لأحسبك هي، وأنشدتك باللّه يا عائشة
أتذكرين ليلة أسرى بنا النّبي صلىاللهعليهوآله من مكان كذا وكذا، وهو بيني وبين عليّ بن أبي طالب يحدّثنا فأدخلت جملك فحال بينه وبين عليّ، فرفع مرفقة كانت معه فضرب بها وجه جملك، وقال: أما واللّه ما يومه منك بواحد ولا بليته منك بواحدة، وأما إنّه لا يبغضه إلاّ منافق أو كذّاب، وأنشدك اللّه يا عايشة أتذكرين مرض النّبي صلىاللهعليهوآلهالذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده ومعه عمر وقد كان عليّ يتعاهد ثوب النّبي صلىاللهعليهوآلهونعله وخفه ويصلح ما وهى منها، وكان دخل قبل ذلك و أخذ نعل النّبي صلىاللهعليهوآلهيخصفها خلف البيت، فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا له: كيف أصبحت قال: أصبحت أحمد اللّه. قالا: ما بد من الموت قال: لا بد منه، قالا: فهل استخلفت أحدا فقال: ما خليفتي فيكم إلاّ خاصف النعل. فخرجا فمرّا على عليّ عليهالسلاموهو يخصف النعل. كل ذلك تعرفينه يا عايشة وتشهدين عليه لأنّك سمعته من النّبي صلىاللهعليهوآله. يا عايشة أنا أخرج على عليّ عليهالسلام بعد هذا الذي سمعته من النّبي صلىاللهعليهوآله.
فرجعت عايشة إلى منزلها وقالت: يا بن الزبير أبلغ طلحة والزبير أنّي لست بخارجة بعد الذي سمعته من امّ سلمة. فرجع فبلغهما.
قال عبد الرحمن: فما انتصف الليل حتّى سمعنا رغاء إبلها ترتحل...(1)قال المرتضى: ومن العجائب أن يكون مثل هذا الخبر الذي يتضمن النص بالخلافة، وكل فضيلة غريبة موجودا في كتب المخالفين وفيما يصححونه من رواياتهم ويصنفونه من سيرتهم ولا يتبعونه(2).
أوّل ما تكلّمت به الخوارج يوم الجمل قالوا: ما أحلّ له دماءهم وحرّم علينا أموالهم؟ فقال عليّ عليهالسلام: هي السّنة في أهل القبله. قالوا: ما ندري ما هذا. قال: فهذه عايشة رأس القوم، أتتساهمون عليها قالوا: سبحان اللّه امّنا. قال: فهي حرام قالوا:
نعم. قال: فإنّه يحرم من أبنائها ما يحرم منها(1).
ولمّا عزم عليهالسلام على المسير إلى الكوفة أنفذ إلى عايشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة، فتهيأت لذلك وأنفذ معها أربعين امرأة ألبسهن العمائم والقلانس وقلدهن السيوف، وأمرهن أن يحففنها ويكن عن يمينها وشمالها ومن ورائها، فجعلت تقول في الطريق: اللهمّ افعل بعليّ وافعل، بعث معي الرجال ولم يحفظ فيّ حرمة النّبيّ. فلمّا قدمن المدينة ألقين العمائم والسيوف ودخلن معها، فلمّا رأتهن ندمت على ذمّه عليهالسلام وقالت: جزى اللّه ابن أبي طالب خيرا، فلقد حفظ فيّ حرمة النّبي صلىاللهعليهوآله(2).
وقد روى محمّد بن عليّ المعروف بأعثم الكوفي في (فتوحه) المؤف في سنة (204) وترجمة أحمد بن محمّد المتوفى في سنة (596) ـ وهما من رجالهم، وقد ذكرهما صاحب (كشف الظنون) ـ ما معناه: أنّ عايشة لم ترد الشخوص من البصرة فخوّفها عليهالسلام بطلاقها من النّبي صلىاللهعليهوآله المفوّض إليه عليهالسلام، فقال بعد ذكر إرساله عليهالسلام ابن عبّاس إليها ثمّ دخوله بنفسه عليها، وتبكيتها بما فعلت وأمرها بشخوصها إلى المدينة. وبعث في غده ابنه الحسن إليها، فقال لها: يحلف أميرالمؤمنين لئن لم تشخصي الساعة أقول كلاما أنت تعلمينه في حقّك ـ وكانت تسرح رأسها في تلك الساعة، وكانت نسجت إحدى ذؤبتيها وبقيت الاخرى ـ فلمّا سمعت ذلك من
الحسن عليهالسلام، تركت الاخرى بحالها وقامت وقالت: عجّلوا براحلتي أرجع إلى المدينة. وكانت امرأة من المهالبة عندها، فقالت لها: يا امّ المؤنين جاءك ابن عباس وكلمك بكلمات واجبتيه بجوابات غليظة حتى رجع مغضبا وجاءك عليّ بنفسه وقد ردّت بينكما كلمات، وجاءك هذا الغلام وكلّمك بكلمات اضطربت منها، فما سببه فقالت: قلقت من كلامه لأنّه ابن النّبيّ وإنسان عينه، فمن أراد أن يرى انسان عين النّبي صلىاللهعليهوآله فلينظر في إنسان عين الحسن. وكانت كلمة اخرى متعلقة بلسان علي فأرسل الحسن إلي منها برمز، فلا بد من استماعها وشخوصي إلى المدينة.
فقالت المرأة: أنشدك بالذي أرسل محمّدا بالحق إلاّ تخبريني ما تلك الكلمة. فقالت عايشة: لمّا أحلفتني اخبرك، إنّه كان اتي في غزوة بغنائم كثيرة، وكان النّبي صلىاللهعليهوآله يقسمها على أصحابه، فطلبت أنا وبعض نسائه الاخرى منها شيئا وألححنا عليه حتّى ضاق صدره منّا ـ وكان علي حاضرا ـ فلامنا على إلحاحنا وقال: لا تكثرنّ الكلام واسكتن فقد آذيتن النّبي صلىاللهعليهوآله، فأجبناه بكلمات غليظة فتلا علينا قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ...(1)، فألححنا مرّة اخرى وقلنا لعلي كلمات شديدة، فغضب النّبيّ مما كلمنا عليّا فقال: جعلت طلاق هؤاء النسوة بيدك فمن شئت أن تطلق منهن بعد وفاتي فافعل، فخفت إن لم أشخص هذه الساعة أن يطلقني علي ويقطع سببي عن النّبي صلىاللهعليهوآله(2).
ومن الغريب أن النصّاب وضعوا لها في مقابل هذه الرواية، مع كونها من طريقهم: (أنا زوجته في الدّنيا والآخرة وزوجته في الجنّة) وكيف هي استحيت من
مجاورة جسدها لجسد النّبي صلىاللهعليهوآله، فأوصت ألاّ تدفن معه صلىاللهعليهوآله لإحداثها. والرواية وإن لم تتضمن وقوع الطلاق منه عليهالسلام، إلاّ أنّ نساء الأنبياء كأبنائهم لسن وليسوا كنساء باقي النّاس وأبنائهم، فنسبتهن ونسبتهم إنّما تكون باقية ما داموا سالكين على منهاج النبوّة من الإيمان باللّه تعالى حقيقة، والإتيان بالعمل الصالح صدقا وإلاّ فلا. قال تعالى لنوح في ابنه: «... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ...»(1).
وقال سبحانه لنبيّه صلىاللهعليهوآله مخاطبا نساءه: «يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ...»(2)و(... مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً»(3).
روى محمّد بن عبداللّه بن عمر بن دينار ـ بعد ذكر هزيمة أهل الجمل ـ: وقال عليّ عليهالسلام لمحمد بن أبي بكر: سلها هل وصل إليها شيء فسألها، قالت: نعم، وصل إليّ سهم خدش رأسي، اللّه بيني وبينكم. فقال لها محمّد: واللّه ليحكمنّ عليك يوم القيامة ما كان بينك وبين أميرالمؤمنين، حتّى تخرجين عليه وتؤّبين النّاس على قتاله، وتنبذي كتاب اللّه وراء ظهرك. فقالت: دعنا يا محمّد، وقل لصاحبك يحرسنى ـ والهودج كالقنفذ من النبل ـ فرجع محمّد إليه عليهالسلام وأخبره بما جرى بينهما.
فقال عليهالسلام: هي امرأة والنساء ضعاف العقول، فتولّ أمرها واحملها إلى دار ابن خلف. فحملها، وإنّ لسانها لا يفتر من السّب له ولعلي عليهالسلام(1).
وقال ابن أبي الحديد: قوله عليهالسلام: «و الحساب على اللّه» يدل على توقفه في أمرها، ويجوز أن يكون قاله قبل أن يتواتر عنده توبتها، وقالت أصحابنا إنّها تابت بعد قتله عليهالسلام وندمت وقالت: لوددت أنّ لي من النّبيّ عشرة بنين كلّهم ماتوا ولم يكن يوم الجمل، وإنّها كانت بعد قتله عليهالسلام تثني عليه وتنشر مناقبه، وقد أكّد وقوع التوبة منها ما روي في الأخبار المشهورة أنّها زوجة النّبيّ في الآخرة أيضا(2).
وعن عمارة بن عمير قال حدثني من سمع عائشة إذا قرأت هذه الآية وقرن في بيوتكن(3)بكت حتى تبل خمارها(4)
وعن عبد الرحمن بن الحارث وهو قد شهد الجمل مع عائشة وكانت عائشة تقول: لان أكون قعدت في منزلي عن مسيري إلى البصرة أحب إلي من أن يكون لي من رسول اللّه عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث(5)
قال تعالى: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرا»(6).
أمّا ما ذكره ابن أبي الحديد من توبتها بعد قتله عليهالسلام، فإن أراد به ما قاله أبو الفرج في مقالته إنّ عايشة لمّا جاءها قتل أميرالمؤمنين عليهالسلام سجدت وتمثلت:
فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قر عينا بالإياب المسافر
ثم قالت: من قتله فقيل رجل من مراد، فقالت:
فإن يك نائيا فلقد بغاه *** غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت ام سلمة: ألعلي عليهالسلام تقولين هذا؟ فقالت: إذا نسيت فذكروني، ثمّ تمثّلت:
ما زالت اهداء القصائد بيننا *** شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتّى تركت كأنّ قولك فيهم *** في كل مجتمع طنين ذباب(1)
ولمّا أرادوا دفن الحسن عليهالسلام ركبت عايشة بغلا واستعونت بني اميّة وبني مروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو قول القائل:
«فيوما على بغل ويوما على جمل»(2)
فلعل وإلاّ فلم نقف على توبة لها بعده عليهالسلام.
وقال الشيخ الطائفة قدس اللّه روحه في ابطال تلك الدعوى: وأمّا الكلام في توبة عايشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة والزّبير هى معتمدة فيما يدّعونه من توبة عايشة.
أوّلها أنّ جميع ما يروونه من الأخبار لا يمكن ادّعاء العلم فيها ولا القطع على صحّتها، وأحسن الأحوال فيها أن يوجب الظنّ وقد بيّنا أنّ المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون.
والثاني أنها معارضة بأخبار تزيد ما رووه في القوّة أو تساويه، فمن ذلك ما رواه الواقدى باسناده عن شعبة عن ابن عباس قال: أرسلنى علىّ إلى عايشة بعد الهزيمة وهى في دار الخزاعييّن يأمرها أن ترجع إلى بلادها وساق الحديث إلى
قوله فبكت مرّة أخرى أشدّ من بكائها الأوّل ثمّ قالت: واللّه لئن لم يغفر اللّه لنا لنهلكنّ ثمّ ساق الحديث إلى آخره ثمّ قال:
فان قيل: ففى هذا الخبر دليل على التوبة وهى قولها عقيب بكائها لئن لم يغفر اللّه لنا لنهلكنّ.
قلنا: قد كشف الأمر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أميرالمؤمنين وبغض أصحابه المؤنين، وقد أوجب اللّه عليها محبّتهم وتعظيمهم، وهذا دليل على الاصرار وأنّ بكائها إنّما كان للخيبة لا للتّوبة، وما كان في قولها لئن لم يغفر اللّه لنا لنهلكنّ من دليل على التّوبة وقد يقول المصرّ مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه، وليس كلّ من ارتكب ذنبا يعتقد أنّه حسن حتّى لا يكون خائفا من العقاب عليه، وأكثر مرتكبى الذّنوب يخافون العقاب مع الاصرار، ويظهر منهم مثل ما حكى من عايشة ولا يكون توبة وروى الواقدي باسناده أنّ عمّارا رحمة اللّه عليه استأذن على عايشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال: يا امه كيف رأيت اللّه صنع حين جمع بين الحقّ والباطل ألم يظهر اللّه الحقّ على الباطل ويزهق الباطل؟ فقالت: إنّ الحرب دول وسجال وقد اديل على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولكن انظر يا عمّار كيف تكون في عاقبة أمرك.
وروى الطبرىّ في تاريخه أنّه لمّا انتهى إلى عايشة قتل أميرالمؤمنين قالت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى *** كما قرّ عينا بالأياب المسافر
من قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت:
فان يك تائبا فلقد نعاه *** بنعى ليس في فيه التراب
فقالت زينب بنت سلمة بن أبي سلمة: أ لعلىّ تقولين هذا؟ فقالت: إنّى أنسى فاذا
نسيت فذكّروني، وهذه سخريّة منها بزينب وتمويه خوفا من شناعتها، ومعلوم أنّ النّاسي والسّاهى لا يتمثّل بالشّعر في الأغراض المطابقة، ولم يكن ذلك منها إلاّ عن قصد ومعرفة.
وروى عن ابن عبّاس أنّه قال لأميرالمؤمنين لمّا أبت عايشة الرّجوع إلى المدينة: أرى أن تدعها يا أميرالمؤمنين بالبصرة ولا ترحلها، فقال له أميرالمؤمنين عليهالسلام: إنّها لا تالو شرّا ولكنّي أردّها إلى بيتها الّذي تركها فيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفانّ اللّه بالغ أمره.
وروى محمّد بن إسحاق عن جنادة أنّ عايشة لمّا وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرّض النّاس على أميرالمؤمنين، وكتبت إلى معاوية وإلى أهل الشّام مع الأسود بن أبي البختري تحرّضهم عليه صلوات اللّه عليه.
وروى عن مسروق أنّه قال: دخلت على عايشة فجلست إليها فحدّثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له: عبد الرّحمن، فجاء حتّى وقف فقالت: يا مسروق أ تدرى لم سمّيته عبد الرّحمن؟ فقلت: لا، فقالت: حبّا منّى لعبد الرّحمن بن ملجم.
فأمّا قصّتها في دفن الحسن فمشهورة حتّى قال لها عبداللّه بن عباس: يوما على بغل ويوما على جمل، فقالت: أو ما نسيتم يوم الجمل يا ابن عبّاس إنّكم لذوو أحقاد.
ولو ذهبنا إلى تقصّى ما روى عنها من الكلام الغليظ الشّديد الدّالّ على بقاء العداوة واستمرار الحقد والضغينة لأطلنا وأكثرنا، وما روى عنها من التّلهف والتّحسّر على ما صدر عنها فلا يدلّ على التّوبة إذ يجوز أن يكون ذلك من حيث
خابت عن طلبتها ولم تظفر ببغيتها مع الذّلّ الّذي لحقها وألحقها العار في الدّنيا والاثم في الآخرة، انتهى كلامه رفع مقامه(1).
وأمّا ما ذكره من نشرها مناقبه عليهالسلام وثنائها عليه، فإنّما كان من باب إجراء الحق على لسانها، إتماما للحجة عليها وعلى أتباعها، كما جرى على لسان أبيها وفاروقه وباقي ستتهم وعشرتهم وساير أعوانهم، ولم ينحصر ذلك منها بكونه بعد قتله عليهالسلام، بل كان ذلك طول عمرها وفي أيّام خلافته عليهالسلام التي تمنّت وقوع السماء على الأرض وعدم وصول الخلافة إليه عليهالسلام، فقد عرفت أنّها قالت لأبي قتادة بعد فراغه من قتل الخوارج: سمعت النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه وإليّ.
مع أنّه لو أراد بأخبارهم المشهورة أخبار مثل سيف الذي يضع في مقابل كل أمر أمرا، فقال: إنّ عايشة سئلت عن عدّة من كان معها ومن كان عليها، فكلّما نعي لها منهم واحد قالت: يرحمه اللّه. فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك قالت: كذلك قال النّبي صلىاللهعليهوآله فلان في الجنّة وفلان في الجنّة، وقال عليّ يومئذ: إنّي لأرجو أن لا يكون أحد من هؤاء نقى قلبه إلاّ أدخله اللّه الجنّة(2).
وقال سيف أيضا: إنّ عايشة لمّا أرادت الارتحال من البصرة ودّعت النّاس وقالت: يا بنيّ يعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنّه ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنّه عندى ـ على معتبتى ـ من الأخيار. وقال علىّ: أيّها
النّاس صدقت وبرّت، ما كان بيني وبينها إلاّ ذلك، وإنّها لزوجة نبيّكم في الدّنيا والآخرة(1).
وقال أيضا: إنّ عليّا لمّا انتهى إلى عايشة قال لها: يغفر اللّه. قالت: ولك(2)، بل روى أن عليّا أيضا تاب كعايشة، فقال: دخل القعقاع بن عمرو على عايشة في أوّل من دخل، فقالت له: إنّي رأيت بالأمس رجلين اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا، فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم ذلك الذي قال: «أ عقّ امّ نعلم» وكذب إنّك لأبرّ امّ نعلم، ولكن لم تطاعي. فقالت: واللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وخرج فأتى عليّا فأخبره أن عايشة سألته، فقال: ويحك من الرجلان قال: ذاك أبو هالة الذي يقول: «كيما أرى صاحبه عليّا». فقال: واللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. فكان قولهما واحد(3).
كما انّه بدّل خبر نبح كلاب الحوأب لعايشة مع تواتره واتفاق السير عليه، بنبحها لام زمل، وقال: هي عتيقة عايشة.
روى الطبري عن سيف: اجتمعت فلال غطفان إلى ظفر، وبها ام زمل وهي تشبه بامها امّ قرفة، وفي مثل عزّها وعندها جملها ـ وكانت قد سبيت أيّام ام قرفة، فوقعت لعايشة فأعتقها، فكانت تكون عندها ثمّ رجعت إلى قومها. وكان النّبيّ دخل عليهن يوما فقال: إنّ إحداكن تستنبح كلاب الحوأب، ففعلت ام زمل سلمى ذلك حين ارتدت، فسيرت في ما بين ظفر والحوأب ليجمع إليها كل فل(4).
ومن أخبار سيف: أنّه قيل لعلىّ: إنّه قام رجلان على الباب فقال أحدهما: «جزيت عنّا عقوقا»، وقال الآخر: «يا امّنا توبي فقد خطأت»، فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين فقال: اضرب أعناقهما، ثم قال: لأنهكنهما عقوبة فضربهما مائة مائة وأخرجهما من ثيابهما(1).
سبحان اللّه من هؤاء يعبدون هذه المرأة من دون اللّه «... وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُون»(2)ولا غرو فكانوا يأخذون بعر جملها ويقولون ريح بعر جمل امّنا ريح المسك(3)، وقد صرّحوا بعبادتهم لها من دون اللّه.
فقال الواقدي والمدائني وغيرهما: إنّه خرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه، نبيل عليه جبّة وشيء يحض النّاس على الحرب ويقول:
يا معشر النّاس عليكم امّكم *** فإنّها صلاتكم وصومكم(4)
وأرادوا قتل أميرالمؤمنين الذي هو نفس النّبي صلىاللهعليهوآله بنص القرآن، وابنيه سيدي شباب أهل الجنّة وريحانتي النّبي صلىاللهعليهوآله، وهم الذين شهد اللّه بعصمتهم وطهارتهم، لامرأة تبرّجت تبرّج الجاهليّة الاولى، وضربها اللّه مثلا للذين كفروا كامرأة نوح ولوط، فقال أبو مخنف: خرج عوف بن قطن الضبي وهو ينادى: ليس لعثمان ثار إلاّ عليّ وولده، وقال:
يا ام يا ام خلا مني الوطن *** لا أبتغي القبر ولا أبغي الكفن
من هاهنا معشر عوف بن قطن*** إن فاتنا اليوم عليّ فالغبن
أو فاتنا ابناه حسين وحسن *** إذن أمت بطول همّ وحزن(1)
ومن المصيبة العظمى وما يضحك الثكلى أنّها تجعل نفسها كالنبيّ صلىاللهعليهوآلهويصدّقونها، فأخذت كفّا من حصى وحصبت بها أصحاب أميرالمؤمنين عليهالسلاموصاحت بأعلى صوتها: شاهت الوجوه، وقد كان النّبي صلىاللهعليهوآله فعل ذلك يوم حنين، فقال لها قائل: «... وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى...»(2)،(3).
ولقد كان الواجب أن يقال لها: (و ما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى)، ولكن لا غرو إذا كانت إلهتهم أن تكون نبيتهم، فإن كان أصحاب سجاح يقولون: «أضحت نبيتنا انثى نطيف بها»(4)، وهؤاء ليقولوا: أضحت إلهتنا انثى نطيف بها.
ولأجل أخبارهم المتناقضة ومذهبهم المتضاد ذهب جمع من أئمتهم كواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبي هذيل العلاف وأبى بكر الملقب بجريال، بأنّ أحد الفريقين فاسق إمّا علي وإمّا طلحة والزبير وعايشة، أحد الفريقين فاسق لا بعينه كالمتلاعنين(5).
وقال هشام القوطي وعباد بن سليمان الصيمرى: إنّ الجميع كانوا على حق، وانّهم لم يريدوا القتال أصلا، وإنّما أنشب القتال غوغاء الفريقين(6)وهو مذهب سيف بن عمر(7).
خبر ومبتدؤ ضمير راجع إلى المذكور قبله الذي حذفه المصنف ولعلّه الدين ويحتمل أن يكون المراد الايمان لقوله بعد (فبالايمان).
أى: مشرق مضيء.
أى: الطريق الواضح.
قال تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...»(1).
قال تعالى: «... وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها...»(2).
جعل ابن أبي الحديد الايمان الأول بالمعنى اللغوي وهو التصديق والثاني بالمعنى الشرعي العقد بالجنان والقول باللسان والعمل بالأركان لئلا يلزم الدور.
إلاّ ان ما توهمه وهم فالاستدلال بالايمان على الصالحات قياس لمى
وبالعكس اني نظير ان يقال يستدل بالنار على الدخان وبالدخان على النار ولا دور، والمراد ان كلاّ منهما يدلّ على الآخر وللاستلزام بين الايمان وعمل الصالحات كرره اللّه تعالى في كتابه، فورد الجمع بينهما في الآيات: (البقرة) (25) (82) (277) (آل عمران) (57) (النساء) (57) (122) (173) (المائدة) (9) (93) (93) أيضا (الأعراف) (42) (يونس) (4) (9) (هود) (23) (الرعد) (29) (إبراهيم) (23).
(الكهف) (30) (107 ـ 108) (الحج) (14) (23) (50) (56) (العنكبوت) (7) (9) (58) (الروم) (15) (45) (لقمان) (8 ـ 9) (السجدة) (19) (سبأ (4) (فاطر) (7) (ص) (24) (28) (المؤن) (58).
(الشورى) (22) (23) (26) (الجاثية) (21) (30) (محمّد) (2) (1) (الفتح) (29) (الطلاق) (11) (الانشقاق) (25) (البروج) (11) (التين) (5 ـ 6) (البينة) (7 ـ 8) (العصر) (3) وها ننقلها.
1 ـ «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ...»(1).
2 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(2).
3 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ»(3).
4 ـ «وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ»(1).
5 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً»(2). 6 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً»(3).
7 ـ «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ...»(4). 8 ـ «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ»(5).
9 ـ «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا
وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»(6).
10 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(7).
11 ـ «... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ...»(8).
12 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(1).
13 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ
الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(2).
14 ـ «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ»(3).
15 ـ «وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ»(4).
16 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً»(5).
17 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً»(6). 18 ـ «إِنَّ اللّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ»(7).
19 ـ «إِنَّ اللّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤلُؤً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ»(8). 20 ـ «فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ»(9).
21 ـ «... فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(10).
22 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ»(1).
23 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ»(2).
24 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ»(3). 25 ـ «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ»(4).
26 ـ «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ...»(5). 27 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»(6).
28 ـ «أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(7). 29 ـ «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ»(8).
30 ـ «... وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ»(9).
31 ـ «... قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤلِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات...»(10).
32 ـ «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ
نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ»(1).
33 ـ «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ»(2).
34 ـ «تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ»(3).
35 ـ «ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ...»(4). 36 ـ «وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ...»(5).
37 ـ «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ»(6).
38 ـ «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ»(7).
39 ـ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ»(8).
40 ـ «إِنَّ اللّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ...»(9).
41 ـ «... وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً»(1).
42 ـ «... لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ»(2).
43 ـ «إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»(3). 44 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ»(4).
45 ـ «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ. إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»(5). 46 ـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزاؤهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ»(6).
47 ـ «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الاْءِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ»(7).
هذا ما ورد بلفظ «آمنوا وعملوا الصالحات» وورد بلفظ آخر.
1 ـ عن ذي القرنين: «وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً»(8).
2 ـ «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى»(1).
3 ـ «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيما»(2).
4 ـ «فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ»(3). 5 ـ «وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاّ الصَّابِرُونَ»(4).
6 ـ «وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ»(5). 7 ـ «... وَمَنْ يُؤمِنْ بِاللّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(6).
8 ـ «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً»(7).
9 ـ «... قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ...»(8).
10 ـ «إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً»(1). 11 ـ «... وَمَنْ يُؤمِنْ بِاللّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً»(2).
12 ـ «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً...»(3).
13 ـ «... قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدا»(4)والمجموع ستون.
قال عيسى عليهالسلام للحواريين: بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر، وكذلك في السهل
ينبت الزرع لا في الجبل(5). وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاّ ارْتَحَلَ عَنْهُ(6).
وعَنْ حُسَيْنٍ الصَّيْقَلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ لا يَقْبَلُ اللّهُ عَمَلاً إِلاّ بِمَعْرِفَةٍ وَلا مَعْرِفَةَ إِلاّ بِعَمَلٍ فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْعَمَلِ وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلا مَعْرِفَةَ لَهُ أَلا إِنَّ الاْءِيمَانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ(7).
وجاء رجل إلى السجّاد عليهالسلام فسأله عن مسائل فأجابه، ثمّ عاد ليسأل عن مثلها
فقال عليهالسلام مكتوب في الانجيل، لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، ولمّا تعملوا بما علمتم، فان العلم إذا لم يعمل به صاحبه لم يزدد صاحبه إلاّ كفرا ولم يزدد من اللّه إلاّ بعدا(1). وعن الصادق عليهالسلام قيل له عليهالسلام بم يعرف الناجي من الهالك فقال عليهالسلام: من كان فعله لقوله موافقا(2).
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل الحجّة عليه أعظم(3).
قال تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماء»(4). وقال تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ * أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ»(5).
يمكن أن يراد بموت كلّ انسان يختم دنياه، وان يراد بموت كلّ الناس تختم دنياهم، «يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للّهِِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ»(6).
فان الدنيا مزرعة الآخرة، ومتجرة الآخرة وانّ الدّنيا دار التكليف وفيها يقام العبادات ويقتنى الحسنات فيفاز بالجنّات وينال السّعادات فهى محلّ الاستعداد لتحصيل الزاد ليوم المعاد.
اقتباس من الآية الشّريفة قال سبحانه: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ»(1)أى قربت الجنّة وقدّمت للسّعداء بحيث يرونها من الموقف فيبجحون بأنّهم المحشورون إليها، وتظهر الجحيم للأشقياء فيرونها مكشوفة بارزة فيتحسّرون على أنهم المسوقون اليها
قال تعالى: «ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ»(2).
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليهالسلام، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله، قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللّهُ الْخَلائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، يَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ(3)، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا كَانَ صَبْرُكُمْ هَذَا الَّذِي صَبَرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَبَّرْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى طَاعَةِ اللّهِ، وَصَبَّرْنَاهَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللّهِ. قَالَ:
فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ: صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ(1).
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهالسلام أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنِ الْقِيَامَةِ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللّهُ الْأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ وَجَمَعَ مَا خَلَقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ نَزَلَتْ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَأَحَاطَتْ بِهِمْ صَفّاً ثُمَّ ضَرَبَ حَوْلَهُمْ سُرَادِقَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ نَزَلَتْ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَأَحَاطُوا بِالسُّرَادِقِ ثُمَّ ضَرَبَ حَوْلَهُمْ سُرَادِقَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ نَزَلَتْ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَأَحَاطُوا بِالسُّرَادِقِ ثُمَّ ضَرَبَ حَوْلَهُمْ سُرَادِقَ مِنْ نَارٍ حَتَّى عَدَّ مَلائِكَةَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ سُرَادِقَاتٍ فَصَعِقَ الرَّجُلُ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ أَيْنَ عَلِيٌّ وَشِيعَتُهُ قَالَ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يُؤتَوْنَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لا يَحْزُنُهُمْ ذَلِكَ(2).
وعن عبد العظيم بن عبداللّه الحسنى عن ابيه معنعنا عن أميرالمؤمنين عليهالسلام قال:
اسْمَعْ يَا ذَا الْغَفْلَةِ وَالتَّصْرِيفِ، مِنْ ذِي الْوَعْظِ وَالتَّعْرِيفِ، جَعَلَ يَوْمَ الْحَشْرِ يَوْمَ الْعَرْضَ وَالسُّؤالِ، وَالْحِبَاءِ وَالنَّكَالِ، يَوْمَ تُقْلَبُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْأَنَامِ، وَتُحْصَى فِيهِ جَمِيعُ الآْثَامِ، يَوْمَ تَذُوبُ مِنَ النُّفُوسِ أَحْدَاقُ عُيُونِهَا، وَتَضَعَ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ وَحَبِيبِهَا، وَيَحَارُ فِي تِلْكَ الْأَهْوَالِ عَقْلُ لَبِيبِهَا، إِذْ تَنَكَّرَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ حُسْنِ عِمَارَتِهَا، وَتَبَدَّلَتْ بِالْخَلْقِ بَعْدَ أَنِيقِ زَهْرَتِهَا، أَخْرَجَتْ مِنْ مَعَادِنِ الْغَيْبِ أَثْقَالَهَا، وَنُفِّضَتْ إِلَى اللّهِ أَحْمَالُهَا، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الْجَدُّ إِذْ عَايَنُوا الْهَوْلَ الشَّدِيدَ فَاسْتَكَانُوا، وَعُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَاسْتَبَانُوا، فَانْشَقَّتِ الْقُبُورُ بَعْدَ طُولِ
انْطِبَاقِهَا، وَاسْتَسْلَمَتِ النُّفُوسُ إِلَى اللّهِ بِأَسْبَابِهَا، كُشِفَ عَنِ الآْخِرَةِ غِطَاؤهَا، وَظَهَرَ لِلْخَلْقِ أَنْبَاؤهَا، فَدُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَمُدَّتْ لِأَمْرٍ يُرَادُ بِهَا مَدّاً مَدّاً، وَاشْتَدَّ الْمُثَارُونَ إِلَى اللّهِ شَدّاً شَدّاً، وَتَزَاحَفَتِ الْخَلائِقُ إِلَى الْمَحْشَرِ زَحْفاً زَحْفاً، وَرُدَّ الْمُجْرِمُونَ عَلَى الْأَعْقَابِ رَدّاً رَدّاً، وَجَدَّ الْأَمْرُ ـ وَيْحَكَ يَا إِنْسَانُ ـ جَدّاً جَدّاً، وَقُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، يَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً، فَجِيءَ بِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ، أَمَامَهُمُ الْحِسَابُ، وَمِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ، يَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا، وَيَرَوْنَ سَعِيرَهَا، فَلَمْ يَجِدُوا نَاصِراً وَلا وَلِيّاً يُجِيرُهُمْ مِنَ الذُّلِّ، فَهُمْ يَعْدُونَ سِرَاعاً إِلَى مَوَاقِفِ الْحَشْرِ، يُسَاقُونَ سَوْقاً، فَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وَالْعِبَادُ عَلَى الصِّرَاطِ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لا يَسْلَمُونَ، وَلا يُؤذَنُ لَهُمْ فَيَتَكَلَّمُونَ، وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، قَدْ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَاسْتُنْطِقَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. يَا لَهَا مِنْ سَاعَةٍ مَا أَشْجَى مَوَاقِعَهَا مِنَ الْقُلُوبِ حِينَ مِيزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ! فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، مِنْ مِثْلِ هَذَا فَلْيَهْرَبِ الْهَارِبُونَ، إِذَا كَانَتِ الدَّارُ الآْخِرَةُ لَهَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ(1).
من (الرقل الجمل) اسرع قال النابغة:
إذا استنزلوا للطعن عنهن ارقلوا *** إلى الموت ارقال الجمال المصاعب(2)
أى: مضمار الدنيا، والمضمار الموضع الذي تجري فيه الخيل(1).
أى: البعيدة، قال تعالى: «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما...»(2).
وقال تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ»(3).
وقال تعالى: «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ...»(4). وقال تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(5).
شخص بصره إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف ويقال للرّجل إذا ورد عليه أمر أقلقه شخص به وشخص شخوصا أى: ذهب(6)والجدث: القبر، والجمع: اجداث.
قال تعالى: «إِنَّما يُؤخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ»(7).
وقال تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ»(1). وقال تعالى: «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ»(2). وقال تعالى: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»(3).
قال تعالى: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ»(4).
عن الصادق عليهالسلام قال ما خلق اللّه خلقا إلاّ جعل له في الجنّة منزلا وفي النّار منزلا فاذا دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النّار النّار، ينادي مناد: يا أهل الجنّة أشرفوا. فيشرفون على أهل النّار وترفع لهم منازلهم فيها ثمّ يقال لهم هذه منازلكم الّتي لو عصيتم اللّه لدخلتموها فلو انّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنّة في ذلك اليوم فرحا لما صرف عنهم من العذاب ثمّ ينادي مناد يا أهل النّار ارفعوا رؤسكم
فيرفعون رؤسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنّة وما فيها من النّعيم فيقال لهم هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم لدخلتموها فلو ان أحدا مات حزنا لمات أهل النّار حزنا فيورث هؤاء منازل هؤاء ويورث هؤاء منازل هؤاء وذلك قوله تعالى:
وقد روى هذا المعنى عنه عليهالسلام في حديث آخر وهو ما روى عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ حَسَنٍ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عليهالسلام
فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَيْثُ مَا عَمِلُوا مِنَ الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ الْعُقُوبَاتُ فَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يُقَرِّبَا أَجَلاً وَلَمْ يَقْطَعَا رِزْقا(3).
قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ...»(4).
وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاْءِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(5).
وعن الحسن بن عليّ بن شعبة عن الحسين عليهالسلام قال: ويروى عن عليّ عليهالسلام:
اعْتَبِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا وَعَظَ اللّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ سُوءِ ثَنَائِهِ عَلَى الْأَحْبَارِ إِذْ يَقُولُ: «لَوْ
لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الاْءِثْمَ»(1)وَقَالَ: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ» إِلَى قَوْلِهِ: «لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ»(2)وَإِنَّمَا عَابَ اللّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنَ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ الْمُنْكَرَ وَالْفَسَادَ فَلا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيمَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُمْ وَرَهْبَةً مِمَّا يَحْذَرُونَ وَاللّهُ يَقُولُ: «فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ»(3)وَقَالَ: «الْمُؤمِنُونَ وَالْمُؤمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(4)فَبَدَأَ اللّهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةً مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا إِذَا أُدِّيَتْ وَأُقِيمَتِ اسْتَقَامَتِ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا هَيِّنُهَا وَصَعْبُهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ دُعَاءٌ إِلَى الاْءِسْلامِ مَعَ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَمُخَالَفَةِ الظَّالِمِ وَقِسْمَةِ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ وَأَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ مَوَاضِعِهَا وَوَضْعِهَا فِي حَقِّهَا(5).
هذا وينبغي القيام بوظايف الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر بالشروط المقرّرة في الكتب الفقهيّة، ومن جملتها الأمن من الضّرر على المباشر أو على بعض المؤنين نفسا أو مالا أو عرضا، فلو غلب على ظنّه أو قطع بأن يصيبه أو يصيبهم ضرر بهما سقط وجوبهما، بل يحرمان كما صرّح به علماؤا الأخيار ودلّت عليه أخبار أئمّتنا الأطهار.
وعن الصادق عليهالسلام انما يؤر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤن فيتعظ أو جاهل فيتعلم وأما صاحب سوط أو سيف فلا(6)
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام: ومن تعرّض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤر عليها ولم يرزق الصبر عليها(1). وعن الصادق عليهالسلام قال النّبي صلىاللهعليهوآله من طلب مرضاة الناس بما يسخط اللّه كان حامده ذاما ومن آثر طاعة اللّه تعالى بما يغضب الناس كفاه اللّه عداوة كلّ عدوّ وبغي كلّ باغ وكان اللّه له ناصرا وظهيرا(2).
اعلم أن اللّه تعالى أنعم على أمة محمّد صلىاللهعليهوآله وأكرمهم بأن جعلهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ووصفهم بذلك في كتابه وأثنى عليهم فقال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللّهِ»(3)فقرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان باللّه «وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ»(4)وذم قوما وعابهم وقبح فعلهم وأوعدهم أشد العذاب بتركهم الأمر بالمعروف والأخذ على يد الظالم فقال تعالى: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ»(5)وقال تعالى: «تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الاْءِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ إلى قوله يَصْنَعُونَ»(6)
فسوى تعالى بين المباشر للمعصية والتارك لنهيه عنها في تهجين فعلهم والوعيد لهم إن اللّه أمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر في غير موضع من كتابه ووعد عليه الثواب العظيم وأوعدنا على تركه العقاب الأليم وكذلك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال تعالى:
«وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1)أي الناجون من عذاب اللّه. وقال تعالى: «وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ»(2).
وَقَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عليهالسلام أَيُّهَا الْمُؤمِنُونَ إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ(3).
روى الثعلبي في تفسير: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا...(4)بأسانيد عن النّبي صلىاللهعليهوآله قال: أيها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين، ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء إلى
الأرض، وعترتي أهل بيتي ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(1).
قال تعالى: «فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا»(2). وقال تعالى: «الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ»(3). وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن زيد بن أرقم، قال قام النّبي صلىاللهعليهوآله فينا خطيبا بماء يدعى خمأ بين مكة والمدينة ـ ثمّ قال: أيها الناس انما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب واني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به ـ فحث على كتاب اللّه ورغب فيه ـ ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم اللّه في أهل بيتي(4).
لمريض عالج به، فقال تعالى: «... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ...»(5).
وقال تعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاّ خَسارا»(6)
وقال تعالى: «قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ»(7).
وهو ضد العطش.
من (نقع الماء العطش) إذا سكنه.
عن الضلال.
به فقد قال النّبي صلىاللهعليهوآله فيه وفي عترته: (ان تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا)(1).
من المهالك.
به قال تعالى: «... وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤمِنِينَ»(2).
ككثير من الخلق.
أى: يجعل مستقيما قال تعالى: «الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً»(1).
وقال تعالى: «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون»(2).
أى: لا يميل إلى الباطل.
أى: يطلب منه الرجوع إلى الحق.
افعال من (خلق الثوب) بالضم إذا بلي.
قال تعالى: «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(3).
ولقد ردوا عليه من يوم نزل إلاّ انّه لا أثر لردودهم لوضوح بطلانها، ولصدورها
من أهل الزيع والأهواء، ولأنّ كلّ رد أورده أحد من أهل الباطل أجاب عنه أهل الحق بأجوبة متعددة ـ وأوّل من أجاب عن شبهات أهل الشبهة في القرآن هو عليهالسلام من أراد الوقوف عليها راجع (توحيد) ابن بابويه.
بالجر.
أى: لا يخلقه كثرة دخوله السمع بتلاوة الانسان له ليلا ونهارا واستماعه من غيره بخلاف غيره من الكتب فتخلق بسماعها مرتين.
لانّه الحق.
غير العامل به إلى الدرجات. هذا، وروى (سنن أبي داود) عن أنس عن النّبي صلىاللهعليهوآله: مثل المؤن الذي يقرأ القرآن مثل الاترجة ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها(1).
1) . سنن أبي داود: 442/2/ ح 4829.
وقام إليه رجل، فقال: أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله؟ فقال: لَمَّا أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: «الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ـ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ»
قال الزمخشرى في تفسير الآية: الفتنة الامتحان بشدايد التّكاليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وساير الطّاعات الشّاقّة وهجر الشّهوات والملاذّ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على اذاهم وكيدهم وضرارهم، والمعنى أحسب الّذين أجروا كلمة الشّهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالايمان أنّهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم اللّه بأنواع المحن وضروب البلا حتّى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم وصحّة عقايدهم وخلوص نيّاتهم ليتميّز المخلص من غير المخلص والرّاسخ في الدّين من المضطرب والمتمكّن من العابد على حرف، انتهى(1).
وبنحو ذلك فسّره غير واحد من علماء التّفسير، ومحصّله أنّ المراد بالفتنة الامتحان والابتلاء في النّفس والمال.
ورواه الطبرسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم(2)، والمستفاد من غير واحد من الأخبار الآتية أنّ المراد بها خصوص الامتحان بالولاية، واليه يرجع ما أجاب به أميرالمؤمنين عليهالسلام هنا للسائل المستخبر، ولا تنافي بين المعنيين إذ الأوّل تنزيله والثاني تأويله ولا غبار عليه قال ابن أبي الحديد: هذا الخبر رواه كثير من المحدّثين عنه عليهالسلام أنّ النبي قال له: انّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. فقلت: يا
رسول اللّه ما هذه الفتنة الّتي كتب علي فيها الجهاد قال: قوم يشهدون ألاّ إله إلاّ اللّه، وأني رسوله، وهم مخالفون للسنّة. فقلت: فعلام اقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد. قال: على الإحداث في الدين، ومخالفة الامة.
فقلت: انّك وعدتني الشهادة. فاسأل اللّه أن يعجّلها إليّ بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين وأمّا أنّي وعدتك الشهادة وستستشهد، تضرب على هذه فتخضب هذه. فكيف صبرك إذن فقلت: ليس ذا بموطن صبر ولكنه موطن بشرى وشكر. قال: أجل. أصبت. فأعدّ للخصومة. فإنّك مخاصم. فقلت: لو بيّنت لي قليلا. فقال: إنّ امّتي ستفتتن من بعدي. فتتأوّل القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحلّ الخمر بالنبيذ. والسّحت بالهديّة، والربا بالبيع، وتحرّف الكلام عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال، فكن حلس بيتك حتّى تقلّدها. فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور. وقلّبت لك الامور.
تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى. فقلت: فبأيّ المنازل أنزل هؤاء المفتونين من بعدك أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: أ يدركهم العدل منّا أم من غيرنا قال: بل منّا بنا فتح وبنا يختم، وبنا الّف بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤّف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله(1). ورواه المفيد في أماليه عن علي بن بلال المهلّبي مثله(2).
قال ابن أبي الحديد: قول النّبي صلىاللهعليهوآله «بمنزلة فتنة» تصديق لمذهبنا في أهل البغي، وأنّهم لم يدخلوا في الكفر بالكليّة بل هم فسّاق، والفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر(1).
لم ترك ما هو الاهمّ من دلالة كلام النّبي صلىاللهعليهوآله على افتتان جميع الامّة بعده صلىاللهعليهوآله بما ذكر من تأويل القرآن، والعمل بالرأي، واستحلال الخمر والسحت والربا وتحريف الكلم، وغلبة كلمة الضلال، وانّ أميرالمؤنين عليهالسلام كان مأمورا من قبل النّبي صلىاللهعليهوآله بالقعود في داره وكونه جليس بيته حتى يصل الأمر إليه، وانّ الامّة من يوم وفاة النّبي صلىاللهعليهوآله بمنزلة فتنة ليست أدون في الضلال من حالهم الاولى في عبادة الأوثان، وهم كذلك إلى أن يظهر المهدي عليهالسلام من ولده. فيخرجهم من الفتنة كما أخرجهم النّبي صلىاللهعليهوآله من الشرك ثمّ عدم دخولهم في الكفر موضوعا غير مفيد لهم وله لأنهم مثلهم حكما في الهلكة، واليهود والنصارى من الموحّدين اسما وهم من المشركين معنى.
قال: أبو المقدام لأبي جعفر الباقر عليهالسلام ان العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى، وما كان اللّه ليفتن امّة محمّد صلىاللهعليهوآلهمن بعده. فقال أبو جعفر عليهالسلام أو ما يقرءون كتاب اللّه أو ليس اللّه يقول: «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ»(2)فقال: انّهم يفسّرونه على وجه آخر. فقال: أو ليس قد أخبر اللّه عن الذين من قبلهم من الامم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما
جاءتهم البيّنات حيث قال: «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ»(1)،(2).
وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»(3)لمّا نزلت هذه الآية قال النّبي صلىاللهعليهوآله: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء قبلى»(4). قال: ورواه ابن مسعود مع زيادة(5).
وقام إليه رجل، وقال: اخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله؟
بيّن النّبي صلىاللهعليهوآله الفتنة لمن سأله عنها، ومن لم يسأله، بل بيّن صلىاللهعليهوآله منشأ الفتنة أيضا. ففي الجمع بين صحيحي الحميدي في الحديث الثلاثين من مسند ابن عمر: قام النّبي صلىاللهعليهوآله خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة وقال «هاهنا الفتنة ـ ثلاثا ـ من حيث يطلع قرن الشيطان»(6).
فان الخبر إشارة إلى بعث عائشة في مرض النّبي صلىاللهعليهوآله إلى أبيها أن يصلّي بالناس مقام النّبي صلىاللهعليهوآله فجعل ذلك عمر شبهة شبّه بها على الناس فقال لمّا أراد بيعته
«رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»(1). جعل عمر خلافة النّبي صلىاللهعليهوآله أمرا دنيويا مع أنّ خالد بن الوليد استحلّ قتل مالك بن نويرة مع إسلامه باعتراف عمر بتعبيره عن أبي بكر في مكالمته بقوله «صاحبك» وانّه ما رآه صاحبا له. إن هذا إلاّ تهافت عجيب واختلاط غريب.
وأيضا عيّن النّبي صلىاللهعليهوآله ميزانا للحق والحقيقة عند الفتن واختلاف الناس فروى ابن ديزيل ـ وهو منهم ونقله ابن أبي الحديد في موضع آخر ـ أنّ رجلا جاء إلى ابن مسعود. فقال: إنّ اللّه تعالى آمننا أن يظلمنا، ولم يؤّنا أن يفتتنا. أرأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع. فقال: عليك كتاب اللّه. فقال: أ فرأيت ان جاء قوم كلّهم يدعو إلى كتاب اللّه. فقال ابن مسعود: سمعت النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقّ يعني عمارا(2).
جعل عمّار ميزانا كالنص في أميرالمؤمنين عليهالسلام حيث ان متابعته له وكونه من خواصّه عليهالسلام أمر متحقق، كما انّ مباينته مع عثمان واستحلاله دمه وتكفيره له أمر مقطوع، ويظهر مباينته مع أبي بكر وعمر واعتقاده كون تصدّيهما للأمر ظلما من كلامه يوم الشورى الّذي رواه الكلّ(3).
«فقال عليهالسلام لما أنزل اللّه سبحانه قوله «الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ»(4).
عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا أى: وهو في الحياة.
روى أنّه لما نزلت هذه الآية قال صلىاللهعليهوآله: لا بدّ من فتنة تبتلى به الأمّة بعد نبيّها ليتعيّن الصّادق من الكاذب، لأنّ الوحى قد انقطع وبقى السّيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة(1).
انما علم عليهالسلام انّ نزول الفتنة ليس في حياة النّبي صلىاللهعليهوآله لأنّ للفتنة أسبابا كانت حياته مانعة منها. فمن يقدر منهم أن يدّعي كونه خليفته صلىاللهعليهوآله في حياته كما انّ فتن السامري لبني إسرائيل كانت بعد غيبوبة موسى عليهالسلام، وما دام كان شاهدا لم يمكنه ذلك.
ونزول الفتن وان كان بعد النّبي صلىاللهعليهوآله: إلاّ أنّ تهيئة أسبابها كانت من زمن مرضه صلىاللهعليهوآله قال الشهرستاني بعد ذكر اعتراضات من المنافقين في حياته وفي حال صحته كقول ذي الخويصرة له «اعدل يا محمّد فإنّك لم تعدل» «و اما الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية ـ كما قيل ـ كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين»(2).
لو كان الأمر كما ذكر وكما قاله بعضهم في غرضهم لم يكن اللّه عالما حيث يجعل رسالته، وكان رسوله ينطق عن الهوى، وانّما كان اجتهادهم ذلك لعمر اللّه لأن اعتقادهم كان كما قال غير مرائيهم:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل
قال الشهرستانى ـ بعد ما مرّ ـ «فأوّل تنازع في مرضه في ما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري باسناده عن عبداللّه بن عباس قال: لما اشتدّ بالنبيّ صلىاللهعليهوآله مرضه الّذي مات فيه قال: «إيتوني بدواة وقرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدى». فقال عمر: «إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع. حسبنا كتاب اللّه» وكثر اللغط. فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع» قال ابن عباس: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله.
وقال: «الخلاف الثاني في مرضه أنّه صلىاللهعليهوآله قال: «جهّزوا جيش اسامة.
لعن اللّه من تخلّف عنه» فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، واسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره».
قال الشهرستانى: وإنما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربّما عدّوا ذلك من الخلافات المؤّرة في أمر الدين، وليس كذلك، وإن كان الغرض كلّه إقامة مراسم الشرع في حالة تزلزل القلوب، وتسكين نائرة الفتنة المؤرة عند تقلّب الامور(1).
ولكن قد عرفت الجواب عن قوله «و ان كان الغرض إقامة مراسم الشرع» ولعمر اللّه كان الغرض إقامة مراسم رياستهم، وهذا الشهرستاني في كتابه ذاك المترجم ب (الملل والنحل) جمع الملل الباطلة الحادثة في الإسلام. أليس ذنب جميعهم على عمر الّذي لم يدع النّبي صلىاللهعليهوآله يكتب كتابا لا تضلّ الامّة بعده أليس ذلك فوق كلّ رزيّة، وسبب كلّ فتنة حدثت في الإسلام أو تحدث إلى يوم القيامة
1) . الملل والنحل: 22/1 ـ23.
والعجب انّه يقول: «حسبنا كتاب اللّه» وهو يردّ كتاب اللّه تعالى في قوله جلّ وعلا: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(1)بقوله «قد غلبه الوجع» في قوله «ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدى» وان نطقه هذا ليس من وحي يوحى إليه بل من سلب شعوره.
ثمّ أيّ شيء كان عمر يفهم من كتاب اللّه إلاّ الضرب بالسياط لمن سأله عن تفسير بعض آياته، فرووا ومنهم ابن أبي الحديد أنّ رجلا جاء إلى عمر فقال: انّ ضبيعا التميمي لقينا فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن.
فقال: اللّهم امكنّي منه. فبينا عمر يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع وعليه ثياب وعمامة فتقدّم فأكل حتّى إذا فرغ قال: يا أميرالمؤمنين ما معنى قوله تعالى: «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً * فَالْحامِلاتِ وِقْراً»(2)قال: ويحك أنت هو؟ فقام إليه فحسر عن ذراعيه. فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته. فإذا له ضفيرتان. فقال: والّذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك. ثمّ أمر به. فجعل في بيت. ثمّ كان يخرجه كلّ يوم. فيضربه مئة، فإذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى. ثمّ حمله على قتب، وسيّره إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحرّم على الناس مجالسته، وان يقوم في الناس خطيبا، ثمّ يقول: ان ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه. فلم يزل وضيعا في قومه وعند الناس حتى هلك، وكان من قبل سيّد قومه(3).
وأليس كلّ فرقة باطلة تحاجّ لمدّعاها بكتاب اللّه فكيف يكون حسبهم كتاب
اللّه ثمّ ما يفعل بلعن النّبي صلىاللهعليهوآله المتخلّف عن جيش اسامة، وقد كان عمر فيهم بالإجماع، وأبو بكر على المشهور عندهم.
قال الشهرستانى ـ بعد ما مرّ ـ «الخلاف الثالث في موته صلىاللهعليهوآله قال عمر: «من قال انّ محمّدا مات قتلته بسيفي هذا وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى» ـ وقال أبو بكر: «من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد اله محمّد. فإنّه حيّ لم يمت ولا يموت، وقرأ هذه الآية: «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ»(1)فرجع القوم إلى قوله وقال عمر: كأنّي ما سمعت هذه الآية حتّى قرأها أبو بكر(2).
تارة يقول عمر «حسبنا كتاب اللّه ولا نحتاج إلى وصيّة رسوله» واخرى ما سمع من كتاب اللّه آية يعرفها جميع الصحابة، هب ما سمع آية قرأها أبو بكر وهي «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ»(3)الآية أو ما سمع آية «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»(4)هب ما سمع تلك الآية ولا هذه الآية، أو ما رأى أنّ جميع الأنبياء من آدم إليه صلىاللهعليهوآله ماتوا أ وهل سمع يوما من النّبي صلىاللهعليهوآله: إنّي ما أموت، حتّى يقول ما يقول ولعمر اللّه ان الرجل ما كان مغفّلا، وإنّما كان مزوّرا أراد بما قال حضور أبي بكر ولم يكن ذاك الوقت حاضرا. فألقى تلك الكلمة ليشوّش أذهان الناس حتّى لا يذكروا اسم أميرالمؤمنين عليهالسلامفيجيء أبو بكر فيفعلا ما أرادا.
ثم بعد فهمه موت النّبي صلىاللهعليهوآله من قراءة أبي بكر الآية لم ترك حضور جنازته بل أحضر عوضه النار ليحرق أهل بيته لو لم يحضروا لبيعة مع أبي بكر. قال
الشهرستاني «الخلاف الخامس في الإمامة، وأعظم خلاف بين الامّة خلاف الإمامة إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان»(1).
روى علي بن إبراهيم القمي أنّ العباس جاء إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام بعد النّبي صلىاللهعليهوآله.
فقال: انطلق بنا نبايع الناس لك. فقال له: أ تراهم فاعلين قال: نعم قال: فأين قوله تعالى: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ»(2)،(3).
وقال محمّد بن محمّد بن النعمان: قد جاءت الرواية انّه لمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ وبايعه من بايع جاء رجل إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام وهو يسوّي قبر النّبي صلىاللهعليهوآلهبمسحاة
في يده. فقال له «انّ القوم بايعوا أبا بكر، ووقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر» فوضع طرف المسحاة على الأرض، ويده عليها ثمّ قال: «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ»(4)،(5).
وعن عمرو بن ثابت قال: قال أبو جعفر في قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَيْءٌ(1)انّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان حريصا على أن يكون بعده على الناس علي بن أبي طالب عليهالسلام وكان عند اللّه خلاف ذلك وعنى بذلك قوله عزّ وجلّ: «الم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ»(2)فرضي النّبي صلىاللهعليهوآله بأمره عزّ وجلّ(3).
وروى نصر بن مزاحم في (صفّينه): ان عكبر الأسدي فارس أهل الكوفة كان له عبادة ولسان، فقام إلى علي عليهالسلام وقال: إنّ في أيدينا عهدا من اللّه لا نحتاج فيه إلى الناس، وقد ظننّا بأهل الشام الصبر، وظنّوه بنا. فصبرنا وصبروا وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة، وصبر أهل الحق على أهل الباطل ورغبة أهل الدنيا. ثم نظرت. فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من كتاب اللّه «الم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ»(4)قال: وأثنى عليه علي عليهالسلام خيرا(5).
قال الجوهرى: «الفتنة والاختبار الامتحان تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته»(6)وقال الزمخشرى: «و كلّ شيء أدخل النار فقد فتن. قال الحارثى:
تثعلبت لي أن خلتني بك واقعا *** وقد يفتن المكواة والعير يضرط(7)
في قوله جلّ وعلا: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ يُفْتَنُونَ»(1).
أى: يختبرون.
وروى الطبري عن أبي مويهبة مولى النّبي صلىاللهعليهوآله قال: بعثني النّبي صلىاللهعليهوآله من جوف الليل. فقال لى: يا أبا مويهبة إنّي قد أمرت ان استغفر لأهل البقيع. فانطلق معي. فانطلقت معه. فلمّا وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم أهل المقابر. ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الاولى ـ إلى أن قال ـ ثمّ استغفر لأهل البقيع، ثمّ انصرف فبدئ النّبي صلىاللهعليهوآله بوجعه الّذي قبض فيه(2).
وروى عن عائشة قالت: رجع النّبي صلىاللهعليهوآله من البقيع. فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه قال: بل أنا واللّه يا عائشة وا رأساه. ثمّ قال: ما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك، وكفّنتك، وصلّيت عليك، ودفنتك، فقلت: واللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. فتبسّم النّبي صلىاللهعليهوآلهوتتأمّ به وجعه ـ إلى أن قالت ـ فخرج النّبي صلىاللهعليهوآله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس، ورجل آخر تخطّ قدماه الأرض عاصبا رأسه حتى دخل بيتي. قال عبيد اللّه بن عتبة الراوي عن عائشة فحدّثت هذا الحديث عنها عبداللّه بن عباس. فقال: هل تدري من الرجل. قلت: لا، قال: علي بن أبي طالب،
ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع(1).
وهذه هى التى لمّا سمعت في مكّة ببيعة الناس له قالت «ليت السماء خرّت على الأرض، ولم أسمع بذلك»(2)وإذا كان هذا حال امرأة منهم لم يكن بينه عليهالسلام وبينها ثأر، كيف كان حال رجال قتل عليهالسلام صناديدهم. فكانوا ينظرون إليه عليهالسلام كما قال عمر: نظر الثور إلى جازره(3). فكيف لا يشعلون بعد النّبي صلىاللهعليهوآلهنار فتنة وكيف يخلّون وصيّه يقوم مقامه ولو كان عليهالسلام عيّنه اللّه تعالى في كتابه في قوله جلّ وعلا: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(4)، ودلّ عليه نبيّه صلىاللهعليهوآله في خلائه وملائه، ومنه في المتواتر عنه صلىاللهعليهوآله: «من كنت مولاه وأولى به من نفسه فعليّ مولاه»(5)وأولى به نفسه، وكان متعيّنا في علمه وعمله، وكونه من جنس النّبي صلىاللهعليهوآلهوسنخه في دلالة فطرة العقول وناموس الطبيعة.
وروى الجوهري: انّ عبد الرحمن بن عوف لمّا بايع عثمان قال المقداد «و اللّه ما رأيت مثل ما أتى إلى هذا البيت» فقال له عبد الرحمن: وما أنت وذاك يا مقداد. قال: إنّي واللّه أحبّهم لحبّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وانّي لأعجب من قريش، وتطاولهم على الناس بفضل رسول اللّه ثمّ انتزاعهم سلطانه من أهله. قال عبد الرحمن: أما واللّه لقد
أجهدت نفسي لكم. قال المقداد: أما واللّه لقد تركت رجلا من الّذين يأمرون بالحقّ
وبه يعدلون أما واللّه لو أنّ لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إيّاهم ببدر واحد فقال عبد الرحمن: ثكلتك امّك لا يسمعنّ هذا الكلام الناس. فإنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة وفرقة. قال المقداد: إنّ من دعا إلى الحقّ وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحقّ فذلك صاحب الفتنة والفرقة ـ فتربّد وجه عبد الرحمن ـ الخبر(1)
السقيفة وفدك: 88؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 56/9؛ بحار الأنوار: 439/22/ ح5.
وتربّد وجهه لأنّه جعلهم في قوله «قتالي إياهم ببدر واحد» نظير أبي جهل ونظرائه.وعَنْ أَبِي لَيْلَى الْغِفَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله سَتَكُونُ مِنْ بَعْدِي فِتْنَةٌ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْزَمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ الْفَارُوقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ(2)
وعن إبن عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ ص: مَنْ فَارَقَ عَلِيّاً فَقَدْ فَارَقَنِي وَمَنْ فَارَقَنِي فَقَدْ فَارَقَ اللّهَ(3).
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِي قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ لِعَمَّارٍ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ وَأَنْتَ إِذْ ذَاكَ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَكَ يَا عَمَّارُ إِنْ رَأَيْتَ عَلِيّاً سَلَكَ وَادِياً وَسَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِياً فَاسْلُكْ مَعَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ لَنْ يُدْلِيَكَ فِي رَدًى وَلَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ هُدًى يَا عَمَّارُ مَنْ تَقَلَّدَ سَيْفاً وَأَعَانَ بِهِ عَلِيّاً عَلَى عَدُوِّهِ قَلَّدَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِشَاحَيْنِ مِنْ دُرٍّ وَمَنْ تَقَلَّدَ سَيْفاً أَعَانَ بِهِ عَدُوَّ عَلِيٍّ قَلَّدَهُ اللّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِشَاحَيْنِ مِنْ نَارٍ قُلْنَا يَا هَذَا حَسْبُكَ يَرْحَمُكَ اللّهُ حَسْبُكَ يَرْحَمُكَ اللّه(4)
وعن علقمة وأبي أيّوب أنّه لمّا نزل ألم أحسب النّاس الآيات، قال النّبي صلىاللهعليهوآله لعمّار: إنّه سيكون من بعدى هناة حتّى يختلف السّيف فيما بينهم وحتّى يقتل بعضهم بعضا وحتّى يتبرّء بعضهم من بعض، فاذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني عليّ بن أبي طالب، فان سلك النّاس كلّهم واديا فاسلك وادى علىّ وخلّ عن النّاس، يا عمّار إنّ عليّا لا يردّك عن هدى ولا يردّك إلى ردى، يا عمّار طاعة علىّ طاعتي وطاعتي طاعة اللّه(1).
وعن الحسين بن على عن ابيه عليهمالسلام قال لما نزلت «الم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ»(2)قال عليّ عليهالسلام: يا رسول اللّه ما هذه الفتنة؟ قال صلىاللهعليهوآله: يَا عَلِيُّ إِنَّكَ مُبْتَلًى وَمُبْتَلًى بِكَ وأنك مخاصم فأعدّ للخصومة(3).
وعن أحمد بن هوذة عن إبراهيم بن إسحاق عن عبداللّه بن حماد عن سماعة بن مهران قال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ذات ليلة في المسجد، فلمّا كان قرب الصّبح دخل أميرالمؤمنين عليهالسلام فناداه رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفقال يا عليّ، فقال: لبيّك قال: هلمّ إليّ، فلمّا دنى منه قال: يا عليّ بت اللّيلة حيث تراني وقد سألت ربّي ألف حاجة فقضيها لي وسألت لك ربّي أن يجمع لك امّتى من بعدي فأبى عليّ ربّي فقال:«الم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ»(4)،(5)
استشهد يوم احد عمّه حمزة، وسبعون من الصحابة، منهم حنظلة غسيل الملائكة.
وفي احد قال جبرئيل للنّبي صلىاللهعليهوآله لمّا رأى مواساة أميرالمؤمنين عليهالسلام معه صلىاللهعليهوآله في الدفاع عنه لمّا أراد المشركون طائفة بعد طائفة قتله صلىاللهعليهوآله: «إنّ هذه للمواساة» فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: «إنّه منّي وأنا منه» فقال جبرئيل: «و أنا منكما» فسمعوا صوتا: «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ على»(1).
وفي احد فرّ عثمان إلى جبل يلي الأعوص، وأقام به ثلاثا. فقال له النّبي صلىاللهعليهوآله: لقد ذهبت فيها عريضة(2)،(3).
أى: انعدلت.
فلم اقتل في من قتل.
بحرماني عن الشهادة.
أى: قلت لك ذاك اليوم الشهادة من ورائك وهو كذلك، شتان بين من شهد بشهادته رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومن شهد بكون قتله شهادة كعب الأحبار الّذي كان يهوديا ثم صار مسلما منافقا يحسّن لعثمان مساويه، ويصحّح له نهبه بيت مال المسلمين حتّى ضربه أبو ذر رضى اللّه عنه بعصاه فشجّه.
قال ابن قتيبة: دخل كعب الاحبار على عمر بعد طعنه. فقال: قد كنت أنبأتك أنّك شهيد قال: ومن أين لي الشهادة وأنا بجزيرة العرب. ثمّ جعل الناس يثنون عليه(1).
«أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كمن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» وبشارة النّبي صلىاللهعليهوآله بالشهادة من اعلام النبوّة حيث وصل خبرها متواترا مع ذكر خصوصيّاتها بضربة على رأسه تخضب منها لحيته، وكذلك تواتر عنه عليهالسلام إخباره بذلك(2).
قول النّبي صلىاللهعليهوآله له عليهالسلام «فكيف صبرك إذن»(3)كان على حسب الظاهر من كون القتل بلاء وليصبر عليه، وجوابه عليهالسلام بحسب المعنى من كون القتل إذا كان في سبيل اللّه يصير نعمة يبشّر بها، ويلزم الشكر عليها.
أى: يمتحنون.
أى بقلّتها وكثرتها وباكتسابها من حلال أو حرام وبصرفها في مصارف الخير أو الشّر وباخراج الحقوق الواجبة منها والبخل بها وغير ذلك من طرق الامتحان.
قال تعالى: «أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ»(1).
وعن ابن عباس: إنّ أوّل درهم ودينار ضربا في الأرض نظر إليهما إبليس فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه، ثمّ ضمّهما إلى صدره، ثمّ صرخ صرخة، ثمّ ضمّهما إلى صدره، ثمّ قال: أنتما قرّة عيني، وثمرة فؤدي ما ابالي من بني آدم إذا أحبّوكما أن لا يعبدوا وثنا، وحسبي من بني آدم أن يحبّوكما(2). وإنّما قال صلىاللهعليهوآله: «سيفتنون بأموالهم بعده» لأنّ في عصره عليهالسلام لم يكن لهم مال وإنّما صاروا ذوي أموال بفتوح فارس والروم. روى ابن عبد البر في ترجمة عبد الرحمن بن عوف بأسانيد، انّه دخل على امّ سلمة فقال يا أمه قد خفت ان يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالا قالت: تصدّق فإنّي سمعت النّبي صلىاللهعليهوآلهيقول: «إنّ من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه» فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بما قالت ام سلمة. فدخل عليها فقال لها: «باللّه منهم أنا» قالت: لا ولن أقول لأحد بعدك. وفي خبر: ولن ابرئ بعدك أحدا أبدا(3).
وإنّ عمر احتمل بموجب الخبر أن يكون من صحابة لا يرون النّبي صلىاللهعليهوآله في الآخرة، وقول امّ سلمة له ليس هو في من سمّاهم لها لو لم يكن عن تقيّة أو استحياء لم يكن دليلا على عدم كونه منهم، لأنّ غاية ما يدلّ عليه عدم المعلومية عندها لا العدم، وقولها لعمر: «لا أقول لأحد بعدك هكذا» أو «و لن ابرئ بعدك أحدا أبدا» دالّ على أنّ ام سلمة كانت معتقدة أنّ جميع الصحابة الّذين كانوا مثل عمر كانوا منهم.
وروى ابن عبد البر أيضا: أنّ عبد الرحمن خلّف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس، وروى أنّ امرأته الّتي طلّقها في مرضه صولحت عن ثلث الثمن من ميراثه بثلاثة وثمانين ألفا(1).
وروى ابن الأثير: أنّ عبد الرحمن خلّف مالا عظيما من ذهب قطع بالفؤ حتّى مجلت أيدي الرجال منه(2). وروى ابن عبد البر: في طلحة: أنّ غلّته كانت كلّ يوم ألفا وافيا والوافي درهم وزنه وزن الدينار(3).
وقال المسعودى: وبنى عثمان داره في المدينة، وشيّدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة، وذكر عبداللّه بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين، وغيرهما مائة ألف
دينار، وخلّف خيلا كثيرا وإبلا(1).
وفي (المروج) أيضا: وفي أيّام عثمان بنى الزبير بالبصرة داره المعروفة في هذا الوقت سنة (332) تنزلها التجّار، وأرباب الأموال، وأصحاب الجهاز من البحرين وغيرهم، وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والاسكندرية. وبلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلّف ألف فرس، وألف عبد وأمة(2). وفيه: وابتنى طلحة داره بالكوفة المشهورة به في هذا الوقت، وكانت غلّته من العراق كلّ يوم ألف دينار، وقيل أكثر(3).
وفيه: وذكر سعيد بن المسيب أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس غير ما خلّف من الأموال والضياع(4). وفيه: ومات يعلى بن منية، وخلّف خمسمائة ألف دينار وديونا على الناس وعقارات وغير ذلك(5).
وعن الواقدي وأبي مخنف وابن دأب والمدائني بعد ذكر غدر طلحة والزبير بعامل أميرالمؤمنين عليهالسلام وقتلهما حارسي بيت المال: «و عاد طلحة والزبير إلى بيت المال فتأمّلا إلى ما فيه من الذهب والفضة، قالوا: هذه الغنائم التي وعدنا اللّه بها وأخبرنا أنّه يعجلها لنا. قال أبو الأسود الدؤى: وقد سمعت هذا منهما، ورأيت عليّا عليهالسلام بعد ذلك، وقد دخل بيت مال البصرة، فلمّا رأى ما فيه قال: «يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري المال يعسوب الظلمة، وأنا يعسوب المؤنين» قال أبو الأسود:
فلا واللّه ما التفت إلى ما فيه، ولا فكّر في ما رآه منه، وما وجدته عنده إلاّ كالتراب هوانا. فتعجبت من القوم ومنه، فقلت: أولئك ممّن يريد الدنيا، وهذا ممّن يريد الآخرة وقويت بصيرتي فيه(1).
وروى الخطيب عن عتبة بن غزوان قال: لقد رأيتني سابع سبعة من النّبي صلىاللهعليهوآلهقد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر ـ إلى أن قال ـ وما منّا اليوم إلاّ أمير على مصر وأنّها لم تكن نبوّة إلاّ أنّها تناسخت حتّى تكون ملكا(2). وروى أيضا عن أبي موسى قال: لو شهدتنا، ونحن مع نبيّنا، وقد أصابتنا السماء لحسبت ريحنا ريح الضأن من لبسنا الصوف(3).
وقد قال جلّ وعلا: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلاْءِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(4).
وقال تعالى: «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» ـ إلى ـ «كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً»(5).
وقال عزّ اسمه: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(6).
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: يَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَكِبْرِيَائِي وَنُورِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لا يُؤثِرُ عَبْدٌ هَوَاهُ عَلَى هَوَايَ إِلاّ شَتَّتُّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَبَّسْتُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَشَغَلْتُ قَلْبَهُ بِهَا وَلَمْ أُؤتِهِ مِنْهَا إِلاّ مَا قَدَّرْتُ لَهُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَنُورِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لا يُؤثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلاّ اسْتَحْفَظْتُهُ مَلائِكَتِي وَكَفَّلْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ رِزْقَهُ وَكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ(1). روى محمّد بن يعقوب عن النّبي صلىاللهعليهوآله قال: انّ اللّه تعالى يقول: ويل للّذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للّذين يسير المؤن فيهم بالتقيّة. أبي يغترّون أم علي يجترءون فبي حلفت لاتيحنّ لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران(2).
هذا، وقال المسعودى: سأل المنصور عبداللّه بن مروان بن محمّد عن قصّته مع ملك النوبة لمّا هرب إليه مع عدّة من أهل بيته من بني اميّة. فقال: قال لى: لم تشربون الخمر، وهي محرّمة عليكم في كتابكم فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم قال: فلم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرّم عليكم في كتابكم فقلت: فعل ذلك عبيدنا واتباعنا بجهلهم. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير والذهب، وهو محرّم عليكم في كتابكم ودينكم فقلت: انتصرنا بقوم من العجم
دخلوا في ديننا. فلبسوا ذلك على الكره منّا فأطرق إلى الأرض يقلّب يده مرّة وينكت في الأرض اخرى ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا علينا في ديننا، ثم رفع رأسه. فقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم اللّه وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم في ما ملكتم فسلبكم اللّه العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم، وللّه فيكم نقمة ولم يبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحلّ بكم العذاب، وأنتم ببلدي فينالني معكم فتزود ما احتجت، وارحل عن أرضي(1).
وهو كلّ مسكر. عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام في قوله: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ»(2)الآية، أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشّراب إذا أخمر فهو خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام وذلك إنّ أبا بكر شرب قبل أن يحرم الخمر فسكر إلى أن قال فأنزل اللّه تحريمها بعد ذلك وإنّما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتّمر، فلمّا نزل تحريمها خرج رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفقعد في المسجد ثمّ دعا بآنيتهم الّتى كانوا ينبذون فيها فأكفاها كلّها، وقال صلىاللهعليهوآله: هذه كلّها خمر حرّمها اللّه فكان أكثر شيء أكفى في ذلك اليوم الفضيخ ولم أعلم اكفى يومئذ من خمر العنب شيء إلاّ إناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، فأمّا عصير العنب فلم يكن منه يومئذ بالمدينة شيء، وحرّم اللّه الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشرائها والانتفاع بها(3)
ويدلّ على حرمة النّبيذ بخصوصه ما عن خضر الصّيرفي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من شرب النّبيذ على أنّه حلال خلد في النّار، ومن شربه على أنّه حرام عذّب في النّار(1).
الذي لم يكن بمسكر.
روى الكلينى: أنّ الكلبي النسّابة سأل أبا عبداللّه عليهالسلام عن النبيذ. فقال حلال. فقال الكلبى: انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك. فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة. فقال له: جعلت فداك: فأيّ نبيذ تعني قال: إنّ أهل المدينة شكوا إلى النّبي صلىاللهعليهوآلهتغير الماء وفساد طبائعهم. فأمرهم أن ينبذوا. فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له. فيعمد إلى كف من التمر. فيلقيه في الشنّ فمنه شربه، ومنه طهوره. فقال: وكم كان عدد التمرات الّذي كانت تلقى. فقال: ما يحمل الكف فقال: واحدة واثنتين، فقال: ربما كانت واحدة وربما كانت اثنتين (أي كف واحدة وكفان ثنتان)(2). وروى الطبري عن أبي مالك الأشعري عن النّبي صلىاللهعليهوآله قال: ليشربنّ ناس من امّتي الخمر يسمّونها بغير اسمها، ويضرب على رؤسهم المعازف يخسف اللّه عزّ وجلّ بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير(3).
وروى ابن سعد في وفد جيشان على النّبي صلىاللهعليهوآله أنّهم سألوه عن أشربة تكون
باليمن. فسمّوا له البتع من العسل والمرز من الشعير. فقال صلىاللهعليهوآله: هل تسكرون منها قالوا: إن أكثرنا سكرنا. فقال: فحرام قليل ما أسكر كثيره، وقال: كلّ مسكر حرام(1).
وروى الخطيب عن عبداللّه بن مصعب قال: حضرت شريكا في مجلس أبي، و عنده الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب والجريري. فتذاكروا الحديث في النبيذ، واختلافهم فيه. فقال شريك «حدّثنا أبو اسحق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب قال: إنّا نأكل من لحوم هذه الإبل، ونشرب عليها من النبيذ ليقطعها في أجوافنا وبطوننا. فقال الحسن بن زيد: ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق(2).
وفي (الأغانى) ـ في عزّة الميلاء بعد ذكر غناء عزّة ورائقه بقول حسّان:
انظر خليلي بباب جلّق هل *** تبصر دون البلقاء من أحد
قال حسّان: لقد أذكرتني أمرا ما سمعته أذناى بعد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم ـ إلى أن قال ـ فجاء اللّه بالإسلام فمحابه كلّ كفر، وتركنا الخمر وما كره،
وأنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ من التمر، والفضيح من الزهر والرطب، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتّى يصاحب صاحبته ويفارقها وتضرب فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون(3).
هذا، وقالوا: حرّم رئيس القرامطة على القرامطة النبيذ، وأحلّ لهم الخمر ـ كما أنّه جعل صلاتهم ركعتين قبل الطلوع، وركعتين بعد الغروب ـ وجعل صومهم
يومين: يوم النيروز ويوم المهرجان، وجعل غسلهم وضوء(1).
و روى الطبري أنّ قتيبة بن مسلم الباهلي بعد فتح كشّ ونسف، سرّح أخاه إلى طرخون. فسار حتّى نزل بمرج قريبا منهم. فانتبذوا وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا. فأمر مولاه أبا مرضية أن يمنع الناس من الشرب.
فكان يضربهم ويكسر آنيتهم، ويصبّ نبيذهم، فسال في الوادي. فسمّي مرج النبيذ، فقال بعضهم:
أمّا النبيذ فلست أشربه *** أخشى أبا مرضية الكلب(2)
وروى الطبري أيضا في سبب خروج بهلول الملقّب كثارة في زمن هشام على خالد القسري أنّه أمر غلامه أن يبتاع له خلاّ بدرهم، فجاءه غلامه بخمر فأمر بردّها و أخذ الدرهم فلم يجب إلى ذلك فجاء بهلول إلى عامل القرية، وهي من السواد فكلّمه فقال العامل «الخمر خير منك ومن قومك» فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه وعزم على الخروج ـ إلخ(3).
وفي (شعراء ابن قتيبة): مدح ابن هرمة المنصور فاستحسن شعره فقال: سل حاجتك، قال: تكتب إلى عامل المدينة لا يحدّني في الشراب، فقال: هذا حدّ من حدود اللّه، وما كنت لأعطله. قال: فاحتل لي فيه. فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران، فاجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين. فكان الناس يمرّون به، وهو سكران، فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة(4).
السّحت الحرام وكلّ ما لا يحلّ كسبه، وعن عليّ عليهالسلام هو الرّشوة في الحكم ومهر البغى وكسب الحجام وعسب الفحل وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة(1).
والظّاهر أنّ المراد به هنا خصوص الرّشوة كما فسّره بها الصّادق عليهالسلام فيما روى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان عن ابن مسكان عن يزيد بن فرقد قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن السّحت فقال: هو الرّشاء في الحكم(2).
والمقصود أنّهم يأخذون الرّشوة إذا اهديت إليهم ويستحلّونها بزعم أنّها هديّة قال الفاضل النّراقى: الفرق بين الرّشوة والهديّة أنّ الأولى هى المال المبذول للقاضي للتوسّل به إلى الحكم ابتداء أو إرشادا، والثّانية هى العطيّة المطلقة أو لغرض آخر نحو التّودّد والتّقرّب إليه أو إلى اللّه، والحاصل أنّ كلّ مال مبذول للشّخص للتّوسّل به إلى فعل صادر منه ولو مجرّد الكفّ عن شرّه لسانا أو يدا أو نحوهما فهو الرّشوة، ولا فرق في الفعل الذي هو غاية البذل أن يكون فعلا حاضرا أو متوقّعا كان يبذل للقاضي لأجل أنّه لو حصل له خصم يحكم للباذل وان لم يكن له بالفعل خصم حاضر ولا خصومة حاضرة، وكلّ مبذول لا لغرض يفعله المبذول له بل لمجرّد التقرّب أو التودّد إليه أو يصفة محمودة أو كمال فيه فهو هدية وإن كان
الغرض من التودّد والتقرّب الاحتفاظ من شرّ شخص آخر أو التّوسل إلى فعل شخص آخر يوجبه التقرّب والتودّد إليه.
وقد يستعمل لفظ أحدهما في معنى الآخر تجوّزا فما كان من الأوّل فان كان الفعل المقصود الحكم فهو حرام مطلقا سواء كان الحكم لخصومة حاضرة أو
فرضيّة، ولذا حكموا بحرمة الهديّة الغير المعهودة قبل القضاء، لأنه قرينة على أنّ المقصود منه الحكم ولو فرضا وهو كذلك لصدق اسم الرّشوة عرفا فيشمله إطلاقاتها وعليه يحمل إطلاق ما ورد من طريق العامّة والخاصّة كما في أمالي الشيخ أنّ هدايا العمّال كما في بعضها أو هديّة الامراء كما في بعض آخر غلول أو سحت(1)ويدلّ عليه أيضا رواية أبي حميد الساعدي قال: استعمل النّبي صلىاللهعليهوآله رجلا يقال له اللّثة على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا اهدى لى، فقام النّبي صلىاللهعليهوآله على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه على أعمالنا يقول: هذا لكم وهذا اهدى لي فهلاّ جلس في قعب بيته أو في بيت امّه ينظر أ يهدى له أم لا، والّذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلاّ جاء يوم القيامة يحمل على رقبته(2)، الحديث.
وإن كان غير الحكم فان كان أمرا محرّما فهو أيضا كرشوة الحكم محرّم لكونه إعانة على الاثم واتّباعا للهوى، وان لم يكن محرّما فلا يحرم للأصل واختصاص الأخبار المتقدّمة برشوة الحكم، وما كان من الثاني لا يحرم(3).
الرّبا لغة هو الزّيادة وشرعا هو الزّيادة على رأس المال من أحد المتساويين جنسا ممّا يكال أو يوزن، والمراد أنهم يأخذون الزّيادة بواسطة البيع أى يجعلون المبايعة وسيلة إلى أخذ تلك الزيادة ويزعمون حليّتها لأجل أنّها معاملة بتراضى الطرفين أو أنهم يستحلّون الرّبا بقياسه على البيع كما كان عليه بناء أهل الجاهليّة
على ما أخبر اللّه سبحانه عنهم بقوله: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا»(1).
قال الشيخ الطبرسيّ أى ذلك العقاب لهم بسبب قولهم إنّما البيع الّذي لا ربا فيه مثل البيع الّذي فيه الرّبا.
قال ابن عباس: كان الرّجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له: زدني في الأجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فاذا قيل لهم هذا ربا قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزّيادة في الثمن حال البيع و الزّيادة فيه بسبب الأجل عند حلّ الدّين سواء، فذمّهم اللّه به والحق الوعيد بهم وخطاهم في ذلك لقوله تعالى: «وَأَحَلَّ
اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا»(2).
عن ابن بكير أنّه بلغ أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أنّه كان يأكل الربا ويسمّيه اللبا(3). فقال: لئن أمكنني اللّه تعالى لأضربن عنقه(4). وعن الأصبغ سمعت أميرالمؤمنين عليهالسلام يقول على المنبر: يا معشر التجار الفقه ثم المتجر. الفقه ثمّ المتجر، واللّه للربا في هذه الامّة أخفى من دبيب النمل على الصفا(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ قَالَ وَكَانَ أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام يَقُولُ لا يَقْعُدَنَّ فِي السُّوقِ إِلاّ
مَنْ يَعْقِلُ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ(1).
وروى الواحدي عن ابن عباس: أنّ بني المغيرة من مخزوم كانوا يربون لبني عمرو من ثقيف. فلمّا أظهر اللّه تعالى رسوله على مكّة وضع يومئذ الربا كلّه، فأتى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكّة فقال بنو المغيرة ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنا. فقال بنو عمرو: صولحنا على أنّ لنا ربانا. فكتب عتاب في ذلك إلى النّبي صلىاللهعليهوآله فنزلت: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ»(2)فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من اللّه ورسوله(3).
وَقَالَ ص: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاّ أَكَلَ الرِّبَا فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ(4).
وروى عن النّبىّ ص: إِنَّ أُمَّتِي سَتُفْتَنُ مِنْ بَعْدِي فَتَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ وَتَعْمَلُ بِالرَّأْيِ وَتَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ وَتُحَرِّفُ الْكِتَابَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَغْلِبُ كَلِمَةُ الضَّلالِ فَكُنْ حِلْسَ(5)بَيْتِكَ حَتَّى تُقَلَّدَهَا فَإِذَا قُلِّدْتَهَا جَاشَتْ عَلَيْكَ الصُّدُورُ وَقُلِبَتْ لَكَ الْأُمُور(6).
1) . الكافي: 154/5/ ح 23؛ وسائل الشيعة: 382/17/ ح 22795 ـ 2.
2) . البقرة: 278 ـ 279.
3) . اسباب نزول الآيات: 58 ـ 59.
4) . مستدرك الوسائل: 333/13/ ح 15513.
5) . أي كن ملازما لبيتك كملازمة الجلس لظهر البعير. والحلس: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب.
6) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 206/9؛ بحار الأنوار: 243/32.
من الإنزال.
أى: وقت صاروا مفتونين بأموالهم مانّين بدينهم على ربّهم آمنين سطوته، مستحلّين حرامه بالشبهات الكاذبة.
عن الإسلام.
وامتحان في الدين هل يثبتون على ما قرّر لهم أم لا.
لأنّهم لم ينكروا كما أنكر الحرث الفهري حتّى ينزلوا بمنزلة ردّة.
قال سبط ابن الجوزي ذكر الثعلبي في (تفسيره): أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله لما قال ذلك ـ أي في أميرالمؤمنين عليهالسلام ـ طار في الأقطار وشاع في الأمصار. فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري، فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد. ثمّ عقلها، وجاء فدخل في المسجد. فجثا بين يدي النّبي صلىاللهعليهوآله فقال: «يا محمّد إنّك أمرتنا أن نشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، وأنّك رسوله. فقبلنا منك ذلك. وأمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم والليلة، ونصوم رمضان ونحجّ البيت، ونزكّي أموالنا. فقبلنا منك ذلك، ثمّ لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك، وفضّلته على الناس، وقلت: من كنت
مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أو من اللّه فقال النبى ـ وقد احمرّت عيناه ـ واللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه وليس منّى ـ قالها ثلاثا ـ فقام الحرث وهو يقول:
«اللّهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأرسل علينا من السماء حجارة أو ائتنا بعذاب أليم» فو اللّه ما بلغ ناقته حتّى رماه اللّه من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره ومات، وأنزل تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ»(1)،(2).
ومن لم يظهر نصبا ولم يكن له قوّة التمييز كان مسلما مفتونا يرجى له النجاة قال الباقر عليهالسلام إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أميرالمؤمنين عليهالسلاممن أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظرا للناس، وتخوّفا عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام. فيعبدوا الأوثان، ولا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا رسول اللّه وكان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام، وانّما هلك الّذين ركبوا ما ركبوا، فأمّا من لم يصنع ذلك، ودخل في ما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأميرالمؤمنين عليهالسلام فإنّ ذلك لا يكفره، ولا يخرجه من الإسلام، ولذلك كتم علي عليهالسلام أمره وبايع مكرها حيث لم يجد أعوانا(3).
وأمّا من عاند وناصب أو عرف الأمر وخالف فمسلم اسما لشهادته بالشهادتين، كافر معنى.
روى نصر بن مزاحم مسندا عن الأصبغ قال: جاء رجل إلى علي عليهالسلام. فقال: يا أميرالمؤمنين هؤاء القوم الّذين نقاتلهم الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة
واحدة، والحج واحد فبم نسمّيهم. قال: تسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه، قال: ما كلّ ما في الكتاب أعلمه قال: أما سمعت اللّه تعالى قال: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» ـ إلى قوله ـ «وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ»(1)فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه وبالكتاب وبالنبيّ، وبالحقّ. فنحن الّذين آمنوا، وهم الّذين كفروا، وشاء اللّه قتالهم هدى بمشيئة اللّه ربّنا وإرادته(2).
وقال أبو المقدام للباقر عليهالسلام إنّ العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى، وما كان اللّه ليفتن أُمّة محمّد صلىاللهعليهوآله من بعده. فقال أبو جعفر عليهالسلام أو ما يقرءون كتاب اللّه أو ليس اللّه يقول: «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ»(3)فقال: انّهم يفسّرون على وجه آخر. فقال: أو ليس قد أخبر اللّه عزّ وجلّ عن الّذين من قبلهم من الامم انّهم قد اختلفوا
من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال: «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ»(4)،(5).
قال المجلسى رحمهالله: اعلم أنه اختلف في أحكام البغاة في مقامين الأول في كفرهم فذهب أصحابنا إلى كفرهم قال المحقق الطوسي رحمهالله في التجريد محاربو علي كفرة ومخالفوه فسقة.
أقول: ولعل مراده أن مخالفيه في الحرب والذين لم ينصروه فسقة كما يومي إليه بعض كلماته فيما بعد.
وذهب الشافعي إلى أن الباغي ليس باسم ذم بل هو اسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة من خالف الفقهاء في بعض المسائل وقال شارح المقاصد: والمخالفون لعلي عليهالسلام بغاة لخروجهم على إمام الحق بشبهة من ترك القصاص من قتلة عثمان.
ولقوله صلىاللهعليهوآله لعمار تقتلك الفئة الباغية. وقد قتل يوم صفين على يد أهل الشام.
ولقول علي عليهالسلام إخواننا بغوا علينا وليسوا كفارا ولا فسقة وظلمة لما لهم من التأويل وإن كان باطلا فغاية الأمر أنهم أخطئوا في الاجتهاد وذلك لا يوجب التفسيق فضلا عن التكفير. وذهبت المعتزلة إلى أنه اسم ذم ويسمونهم فساقا.
أقول: والدلائل على ما ذهب إليه أصحابنا أكثر من أن تحصى وقد مضت الأخبار الدالة عليه وسيأتي في أبواب حب أميرالمؤمنين عليهالسلام وبغضه وأبواب
مناقبه وإيرادها هنا يوجب التكرار فبعضها صريح في كفر مبغض أهل البيت عليهمالسلام ولا ريب في أن الباغي مبغض.
وبعضها يدل على كفر من أنكر إمامة أميرالمؤنين عليهالسلام وأبغضه.
وبعضها يدل على أن الجاحد له عليهالسلام من أهل النار ولو عبداللّه منذ خلق
السماوات والأرضين في أشرف الأماكن وظاهر أن المؤن مع تلك العبادة لا يكون من أهل النار.
وبعضها يدل على كفر من لم يعرف إمام زمانه وذلك مما اتفقت عليه كلمة الفريقين والبغي لا يجامع في الغالب معرفة الإمام ولو فرض باغ على الإمام لأمر دنيوي من غير بغض له ولا إنكار لإمامته فهو كافر أيضا لعدم القائل بالفرق.
ثم إن الظاهر أن قوله تعالى: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(1)لا يتعلق بقتال البغاة بالمعنى المعروف لما عرفت من كفرهم وإطلاق المؤن عليهم باعتبار ما كانوا عليه بعيد.
وظاهر الآية الآتية وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(2)بقاء المذكورين في الآية السابقة على الإيمان ولعله السر في خلو أكثر الأخبار عن الاحتجاج بهذه الآية في هذا المقام فتكون الآية مسوقة لبيان حكم طائفتين من المؤنين تعدى وبغت إحداهما على الأخرى لأمر دنيوي أو غيرهما مما لا يؤي إلى الكفر.
المقام الثاني فيما اغتنمه المسلمون من أموال البغاة فذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يقسم أموالهم مطلقا.
وذهب بعضهم إلى قسمة ما حواه العسكر دون غيره من أموالهم وتمسك الفريقان بسيرته عليهالسلام في أهل البصرة.
قال الأولون لو جاز الاغتنام لم يردع عليهم أموالهم وقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عليهالسلام نَادَى مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ(1).
فكان الرجل منهم يمر بمسلم يطبخ في قدره فيسأله أن يصبر حتى ينضج فلا يصبر فيكفأها ويأخذها وإنه كان يعطي من القوم من له بينة ومن لم يكن له بينة فيحلفه ويعطيه.
وقال الآخرون لو لا جوازه لما قسم عليهالسلام أموالهم أولا بين المقاتلة وقد كان ردها عليهم بعد ذلك على سبيل المن لا الاستحقاق كما من النبي صلىاللهعليهوآله على كثير من المشركين.
وقد رووا عنه عليهالسلام أنه قال مننت على أهل البصرة كما من النبي صلىاللهعليهوآله على أهل مكة.
ولذا ذهب بعض أصحابنا إلى جواز استرقاقهم كما جاز للرسول صلىاللهعليهوآله في أهل مكة والمشهور بين علمائنا عدمه.
والذي نفهم من الأخبار أنهم واقعا في حكم المشركين وغنائمهم وسبيهم في حكم غنائم المشركين وسبيهم والقائم عليهالسلام يجري تلك الأحكام عليهم ولما علم أميرالمؤمنين عليهالسلام استيلاء المخالفين على شيعته لم يجر هذه الأحكام عليهم لئلا يجروها على شيعته وكذا الحكم بطهارتهم وجواز مناكحتهم وحل ذبيحتهم لاضطرار معاشرة الشيعة معهم في دولة المخالفين.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ: لَسِيرَةُ عَلِيٍّ عليهالسلام يَوْمَ الْبَصْرَةِ كَانَتْ خَيْراً لِشِيعَتِهِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ لِلْقَوْمِ
1) . السرائر: 17/2.
دَوْلَةً فَلَوْ سَبَاهُمْ لَسُبِيَتْ شِيعَتُهُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقَائِمِ عليهالسلام أَ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ قَالَ لا إِنَّ عَلِيّاً عليهالسلام سَارَ فِيهِمْ بِالْمَنِّ لِلْعِلْمِ مِنْ دَوْلَتِهِمْ وَإِنَّ الْقَائِمَ عليهالسلام يَسِيرُ فِيهِمْ بِخِلافِ تِلْكَ السِّيرَةِ لِأَنَّهُ لا دَوْلَةَ لَهُمْ(1).
وأما ما لم يحوها العسكر من أموالهم فنقلوا الإجماع على عدم جواز تملكها وكذلك ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الإمام وإنما الخلاف فيما حواه العسكر مع إصرارهم.
وأما مدبرهم وجريحهم وأسيرهم فذو الفئة منهم يتبع ويجهز عليه ويقتل بخلاف غيره.
وقد مضت الأخبار في ذلك وسيأتي في باب سيره عليهالسلام في حروبه.
قال الشيخ قدس اللّه روحه في تلخيص الشافي عندنا أن من حارب أميرالمؤنين عليهالسلام وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقة الإمامية على ذلك فإنهم لا يختلفون في هذه المسألة على حال من الأحوال وقد دللنا على أن إجماعهم حجة فيما تقدم.
وأيضا فنحن نعلم أن من حاربه كان منكرا لإمامته ودافعا لها ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد(2)
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً(1). وميتة الجاهلية لا تكون إلاّ على كفر
وَأَيْضاً رُوِيَ عَنْهُ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: حَرْبُكَ يَا عَلِيُّ حَرْبِي وَسِلْمُكَ يَا عَلِيُّ سِلْمِي(2).
ومعلوم أنه إنما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربي ولم يرد أن أحد الحربين هي الأخرى لأن المعلوم ضرورة خلاف ذلك فإن كان حرب النبي صلىاللهعليهوآله كفرا وجب مثل ذلك في حرب أميرالمؤنين عليهالسلام لأنه جعله مثل حربه.
ويدل على ذلك أيضا قوله ص: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه(3).
ونحن نعلم أنه لا يجب عداوة أحد بالإطلاق إلاّ عداوة الكفار.
وأيضا فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقرب إلى اللّه بذلك واستحلال دم امرئ مسلم مؤن كفر بالإجماع وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق.
فإن قيل لو كانوا كفارا لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم ويسبي ذراريهم فلما لم يفعل ذلك دل على أنهم لم يكونوا كفارا.
قلنا لا يجب بالتساوي في الكفر التساوي في جميع أحكامه لأن أحكام الكفر مختلفة فحكم الحربي خلاف حكم الذمي وحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الأصنام فإن أهل الكتاب يؤذ منهم الجزية ويقرون على أديانهم ولا يفعل ذلك بعبّاد الأصنام.
وعند من خالفنا من الفقهاء يجوز التزوج بأهل الذمة وإن لم يجز ذلك في غيرهم وحكم المرتد بخلاف حكم الجميع.
وإذا كان أحكام الكفر مختلفة مع الاتفاق في كونه كفرا لا يمتنع أن يكون من حاربه عليهالسلام كافرا وإن سار فيهم بخلاف أحكام الكفار.
وأما المعتزلة وكثير من المنصفين من غيرهم فيقولون بفسق من حاربه عليهالسلام ونكث بيعته ومرق عن طاعته ولكنهم إنما يدّعون أنهم تابوا بعد ذلك ويرجعون في ادعاء توبتهم إلى أمور غير مقطوع بها ولا معلومة من أخبار الآحاد.
والمعصية منهم معلومة مقطوع عليها وليس يجوز الرجوع عن المعلوم إلاّ بمعلوم مثله(1).
1) . بحار الأنوار: 32/ 327 ـ 332.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ وَدَلِيلاً عَلَى آلائِهِ وَعَظَمَتِهِ.
عِبَادَ اللّهِ إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ وَلا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ آخِرُ أَفْعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَالزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَلا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى عِبَادَ اللّهِ اللّهَ اللّهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ فَإِنَّ اللّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لا تَدْرُونَ مَتَى تُؤمَرُونَ بِالسَّيْرِ أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآْخِرَةِ
وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ عِبَادَ اللّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اللّهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وَتَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ اعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَلا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ وَيَجِيءُ الْغَدُ لاحِقاً بِهِ فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُر.
قال ابن أبي الحديد: لأنّ أوّل القرآن، الحمد للّه ربّ العالمين والقرآن الذّكر، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ...»(1)،(2).
وقال ابن ميثم: أي جعل الحمد مفتاحا لذكره في عدّة سور(3). وتبعه الخوئي
وقال: لعدم معلوميّة كون الفاتحة أوّل القرآن وإن روى انّها أوّل ما أنزلت ثمّ (اقرء) فروى أيضا انّ أول ما نزل (اقرء)(4).
والأولى أن يقال مراده عليهالسلام انّه تعالى جعل حمده مفتاح ذكره في كلّ موضع لوجوب حمده أوّل كلّ امر او في خصوص الصلاة فانّ الأصل في ذكره تعالى الصّلاة قال عزّ وجلّ: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي»(1).
قالوا اشارة إلى قوله تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ...»(2).
الآلاء النّعم واحدها إلى بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء مثاله معي وأمعاء(3)كأنّه عليهالسلام أشار إلى انّ حمده تعالى في قولك الحمد للّه دليل على شيئين الأوّل آلائه تعالى لأنّه لو لم تكن آلاء لم يكن حمد وشكر والثاني عظمته عزّ اسمه لاختصاص الحمد به.
ناداهم بوصف كونهم عبيده تعالى ليستشعروا كونهم غير مختارين في حياتهم.
يعني أنّ جريانه بالأخلاف كجريانه بالأسلاف قال ابن أبي الحديد: قال
الشاعر:
فما الدّهر إلاّ كالزمان الذي مضى *** ولا نحن إلاّ كالقرون الأوائل(1)
وقال الشاعر:
خمسون عاما كنت آملها *** كانت أمامي ثمّ خلفتها
كنز حياة لي أنفقته *** على تصاريف تطرفتها
لو كان عمري ماية هدني *** تذكري أني تسوفتها(2)
يعني أنّ ما ولّي منه وأدبر فقد فات ومضى لا عود له أبدا، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
ما أحسن الأيام إلاّ انّها *** يا صاحبي إذا مضت لم ترجع(3)
يعنى ما هو موجود فيه فهو في معرض الزّوال والفناء ليس له ثبات ولا بقاء، إذ وجود الزّماني إنّما هو بوجود زمانه، فيكون منقضيا بانقضائه، والسرمد: الدائم(4). قال ابن أبي الحديد قال عدى:
ليس شيء على المنون بباق *** غير وجه المهيمن الخلاّق(5)
قال ابن أبي الحديد: ويروى كأوّلها ومن رواه (كأوّله) أي أوّل الدّهر حذف
المضاف(1). والمراد واحد وانّ هو أجزاء الزّمان أوّلا وآخرا سابقا ولا حقا على وتيرة واحدة ونسق واحد.
نقله (ابن ميثم) «متشابهة اموره»(2)وكذلك ابن أبي الحديد إلاّ انّه قال وروى «متسابقة أموره» أي شيء منها قبل كلّ شيء كأنّها خيل تتسابق في مضمار(3). فانّه كما كان أوّلا يعدّ قوما للفقر وآخرين للغنى وطائفة للصحّة واخرى للمرض، وفرقة للضّعة واخرى للرّفعة، وجمعا للوجود وآخر للعدم، وهكذا كذلك هو آخرا، وبالجملة فانّ حديثه يخبر عن قديمه، وجديده ينبىء عن عتيقه.
قال ابن أبي الحديد أي دلالاته على سجيّته التي عامل النّاس بها قديما وحديثا متظاهرة يقوي بعضها بعضا(4).
السّاعة: القيامة(5)والحدو سوق الابل والغناء لها(6). وزجر البعير أي ساقه(7).
و الشّول: النّوق التي جفّ لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو
ثمانية، الواحدة شائلة، وهو جمع على غير القياس ويقال منه شوّلت النّاقة بالتّشديد أي صارت شائلة(1)قالوا: خصّ عليهالسلام الشّول لأنّه يعنف بها في السّوق ولا يرفق بها كذات الحمل أو اللّبن، قال تعالى لموسى: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى)(2).
وقال تعالى: «وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(3).
وقال تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»(4).
وقال تعالى: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ»(5).
وقال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»(6).
ارتبك الرّجل في الأمر أى: نشب فيه ولم يكد يتخلّص منه(7)قال ابن أبي الحديد يعني من لا يوفى النّظر حقّه ويميل إلى الأهواء ونصرة الاسلاف والحجاج
عمّا ربّى عليه بين الأهل والاستاذ من الّذين زرعوا في قلبه العقائد يكون قد شغل نفسه بغير نفسه لأنّه لم ينظر لها ولا قصد الحقّ من حيث هو حقّ وإنّما قصد نصرة مذهب معيّن يشقّ عليه فراقه ويصعب عنده الانتقال عنه ويسوءه أن يرد عليه حجّة تبطله فيسّهر عينه ويتعب قلبه في تهوّس(1)تلك الحجّة والقدح فيها بالغثّ والسّمين لا لأنّه يقصد الحقّ بل يقصد نصرة المذهب المعيّن وتشييد دليله لا جرم انّه متحيّر في ظلمات لا نهاية لها(2).
اعلم: انّ ما قاله مصداق قوله عليهالسلام في الاصول، وكلامه عليهالسلام عامّ للفروع أيضا كمن شغل نفسه بغير نفسه في عباداته وأعماله وفي إنفاق ماله وفي تجنّب شهواته ولذّاته يصير أيضا كما قال عليهالسلام متحيّرا في الظّلمات مرتبكا في الهلكات.
قال ابن أبي الحديد: وروي «و مدّت له»(3)كلامه عليهالسلام مأخوذ من قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ»(4)، يعني أنّ الّذين اتّقوا اللّه باجتناب معاصيه إذا طاف عليهم الشّيطان بوساوسه تذكّروا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبوه ويتركونه فاذاهم مبصرون للرّشد، وإخوان المشركين من شياطين الجنّ والانس يمدّونهم في الضّلال والمعاصى ويزيدونهم فيه ويزينون ما هم فيه ثمّ لا يقصرون لا يكفّون الشّياطين عن استغوائهم ولا يرحمونهم وقيل: معناه وإخوان
الشّياطين من الكفّار يمدّهم الشّياطين في الغىّ ثمّ لا يقصر هؤاء مع ذلك كما يقصر الّذين اتّقوا(1).
وقال تعالى: «قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا...»(2).
قال ابن أبي الحديد(3)مأخوذ من قوله تعالى: «أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ
حَسَناً...»(4).
قلت: ومن قوله تعالى: «... وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ...»(5).
ومن قوله تعالى: «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ»(6).
ومن قوله تعالى: «وَإِذا مَسَّ الاْءِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»(7).
ومن قوله تعالى: «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُون»(8).
قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(1).
وقال تعالى: «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا»(2).
قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ طَغى. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى»(3).
وقال تعالى: «قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها»(4).
كأنّه سقط بعده شيء كقولك يعصم المتمسّك به ولا ينفصم للمتمسّك به بقرينة قوله عليهالسلام في الفجور بعد قوله (دار حصن ذليل) (لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ اليه) وكيف كان ففي المصباح الحصن المكان الّذي لا يقدر عليه لارتفاعه(5)قال تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»(6).
وقال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى»(7).
قال تعالى: «وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ * وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّهِِ»(1).
وقال تعالى: «كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّين *ٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(2).
وقال تعالى: «أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ»(3).
قال ابن ميثم: وروى حمّة الخطايا بالتّشديد(4)قال الحوهرى: حمّة العقرب سمّها وضرّها وأصله حمو وحمى والهاء عوض وامّا حمّة الحرّ وهو معظمه فبالتّشديد(5)ومعنى قوله عليهالسلام «بالتّقوى تقطع حمّة الخطايا» انّ التّقوى بازهر للخطايا (بازهر معرّب وپازهر مخفّف پاش زهر اى ما يذيب السّمّ)، قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(6).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(7).
قال الجوهرى: قصا المكان يقصو قصوا بعد فهو قصيّ ويقال فلان بالمكان الأقصى والنّاحية القصوى والقصيا بالضّمّ فيهما...(1)، قال تعالى: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(2).
ذكره مقدّمة لتحذيره بعد.
قال ابن أبي الحديد: منصوبان بالاغراء وتقديره راقبوا اللّه(3)... ولكن انّ مثله يسمّى تحذيرا لا اغراء.
أى: في أنفسكم فانّ نفس الانسان أعزّ نفس عليه حتّى من ابنه الّذي كالجزء منه، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ...»(4).
وقال تعالى: «يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ...»(5).
هذا، وقال ابن ميثم: في قوله عليهالسلام: «في أعزّ الأنفس عليكم» اشارة إلى انّ للإنسان نفوسا متعدّدة وهي باعتبارٍ مطمئنة وامّارة بالسّوء ولوّامة وباعتبارٍ عاقلة وشهويّة وغضبيّة والاشارة إلى الثّلاثة الأخيرة وأعزّها النّفس العاقلة...(1). و هو كما ترى.
بالعقل والنّقل قال تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها»(2). وقال تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»(3).
نقله ابن ميثم: «و أبان طرقه» وقال: وروى: «و أنار طرقه»(4)قال تعالى: «قَدْ
تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...»(5).
معنى الكلام انّ بعد ايضاح السّبيل وإبانة الطّريق من سلك السّبيل يكون له السّعادة الدّائمة ومن تنكب الطّريق يكون له الشّقوة اللازمة قال تعالى: «يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ
وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»(1).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(2).
أى: زاد هذا السّفر وكونه منحصرا في التّقوى.
قال تعالى: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى»(3).
قال الجوهرى: ظعن أى: سار ظعنا وظعنا بالتّحريك، وقرئ بهما قوله تعالى: «يَوْمَ ظَعْنِكُمْ...»(4)،(5).
وقال تعالى: «يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(6).
قال الجوهرى: حثّه على الشّيء واستحثّه حضّه عليه(7).
قال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ»(1).
قال تعالى: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»(2).
قال تعالى: «وَإِنَّ الدَّارَ الآْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»(3).
قال تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلاّ...»(4).
وروي أنّ عيسى عليهالسلام توجّه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فمرّ بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطّريق فقال عيسى عليهالسلام لأصحابه انّ هذا يقتل النّاس ثمّ مضى فقال أحدهم انّ لي حاجة فانصرف ثمّ قال آخر انّ لي حاجة فانصرف ثمّ قال الآخر لي حاجة فانصرف فوافوا عند الذّهب ثلاثتهم فقال اثنان لواحد اشتر لنا طعاما فذهب فشرى لهما وجعل فيه سمّا ليقتلهما كيلا يشاركاه في
الذّهب وقال الاثنان اذا جاء قتلناه كيلا يشاركنا فلّما جاء قاما اليه فقتلاه ثمّ تغدّيا فماتا فرجع اليهم عيسى عليهالسلام وهم موتى فأحياهم باذن اللّه ثمّ قال لهم ألم أقل لكم انّ هذا يقتل النّاس(1).
قال تعالى: «الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً»(2).
وقال تعالى: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِباد»(3).
وقال تعالى: «إِنَّما يُؤمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(4). ** «سجدة واجبة»
وقال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ
فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ»(1).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام: أنّ من أدنى نعيم الجنّة ان يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدّنيا وانّ من أدنى أهل الجنّة منزلا لو نزل به أهل الثّقلين من الجنّ
والإنس لو سعهم طعاما وشرابا ولا ينقص ممّا عنده شيئا وانّ أيسر أهل الجنّة منزلا من يدخل الجنّة فيرفع له حدائق فاذا دخل ادناهنّ رأى فيها من الأزواج والخدم والأنهار والثّمار ما شاء اللّه ممّا يملأ عينه قرّة وقلبه مسّرة فاذا دخلها شكر اللّه تعالى وحمده فيقال افتحوا له بابا إلى الجنّة ويقال له ارفع رأسك واذا فتح له باب من الخلد فيرى أضعاف ما كان في ما قبل فيقول عند تضاعف مسرّاته ربّ لك الحمد الّذي لا يحصى إذ مننت عليّ بالجنان وانجيتني من النّيران ـ إلى أن قال ـ قلت من أيّ شيء خلقت الحور العين قال من تربة الجنّة النّورانيّة ويرى مخّ ساقيها من وراء سبعين حلّة كبدها مراته وكبده مراتها يكلّمن بكلام لم يسمع الخلائق بمثله يقلن بأصوات رخيمة: «نحن الخالدات فلا نموت ونحن النّاعمات فلا نبؤ ونحن المقيمات فلا نظعن ونحن الرّاضيات فلا نسخط طوبى لمن خلق لنا وطوبى لمن خلقنا له ونحن اللّواتي لو انّ قرن إحدانا علّق في جوّ السّماء لأغشى نوره الأبصار(2).
قال تعالى: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ»(3).
وقال تعالى: «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها...»(1).
وقال القمي في قوله تعالى: «... هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق»(2)
ص: 55 ـ 57.
قال: الغسّاق واد في جهنّم فيه (330) قلّة من سمّ ولو أنّ عقربا منها نضحت سمّها على أهل جهنّم لو سعتهم سمّها(3). وأيضا عن الصادق عليهالسلام انّ أهون الناس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح من النار عليه نعلان من نار وشراكان من نار يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل ما يرى، انّ في النّار أشدّ عذابا منه وما في النّار أحد أهون عذابا منه(4).قال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(5).
وقال تعالى: «ووَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ...»(6).
وقال تعالى: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ»(7).
وقال تعالى: «وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ
أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً...»(1)وقال تعالى: «وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون»(2).
وقال تعالى: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِير»(3).
زلزل اللّه الأرض زلزلة وزلزالا بالكسر فتزلزلت هي والزّلزال بالفتح الاسم(4).
قال تعالى: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها * وَقالَ الاْءِنْسانُ ما لَها»(5).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللّهِ شَدِيدٌ»(6).
قال ابن أبي الحديد: قال تعالى: «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً»(7).
وليس ذلك على حقيقته لأنّ الامّة مجمعة على انّ الأطفال لا يتغيّر حالهم وانّما
هو كلام جار مجرى المثل قال أبو الطّيّب:
والهمّ يخترم الجسيم مخافة *** ويشيب ناحية الصّبيّ ويهرم(1)
ولكن يقال: الاجماع ليس بمعلوم فقد قال السّيوطي في تفسيره: يجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة(2).
قال الجوهرى: الرّاصد للشّيء الرّاقب له والرّصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع والمؤث(3).
قال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(4).
ذكروا للعين معاني ومنها الجاسوس وهو المراد هنا.
قال تعالى: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(5).
وقال تعالى: «حَتَّى إِذا ما جاؤها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ *
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ»(1).
عن القمّي: نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها فيقولون ما عملنا شيئا منها، فيشهد عليهم الملائكة الّذين كتبوا عليهم أعمالهم فقال الصّادق عليهالسلام فيقولون للّه: يا ربّ هولاء ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون باللّه ما فعلوا من ذلك شيئا وهو قول اللّه عزّ وجلّ «يوم يبعثهم اللّه جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم»(2)وهم الّذين غصبوا أميرالمؤمنين عليهالسلام فعند ذلك يختم اللّه عزّ وجلّ على ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهد السّمع بما سمع ممّا حرّم اللّه، و يشهد البصر بما نظر به إلى ما حرّم اللّه عزّ وجلّ، وتشهد اليدان بما أخذتا، وتشهد الرّجلان بما سعتا فيما حرّم اللّه، ويشهد الفرج بما ارتكب ممّا حرّم اللّه، ثمّ أنطق اللّه عزّ وجلّ ألسنتهم، فيقولون هم لجلودهم: لم شهدتم علينا الآية قال: والجلود الفروج(3).
وعن القمّي أيضا في تفسير قوله تعالى: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(4)، قال: إذا جمع اللّه عزّ وجلّ الخلق يوم القيامة دفع إلى كلّ إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئا، فتشهد عليهم الملائكة، فيقولون، يا ربّ ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون أنّهم لم يعملوا من ذلك شيئا وهو قول اللّه عزّ وجلّ: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ»(5)فاذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون(6).
قال تعالى: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظ»(1).
وقال تعالى: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ»(2)أراد بهم الكرام الكاتبين قال تعالى: «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(3).
قال الطبرسى: ذكر سبحانه أنّه مع علمه به وكّل به ملكين يحفظان عليه عمله الزاما للحجّة، فقال: إذ يتلقّى المتلقّيان، وهما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه، عن اليمين وعن الشّمال قعيد، المراد بالقعيد هو الملازم الّذي لا يبرح لا القاعد الّذي هو ضدّ القائم، وقيل: عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشّمال كاتب السّيئات عن الحسن ومجاهد، وقيل: الحفظة أربعة: ملكان باللّيل، وملكان بالنّهار عن الحسن، ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد أى ما يتكلّم بكلام فيلفظه أى يرميه من فيه إلاّ لديه حافظ حاضر معه يعني الملك الموكّل به إمّا صاحب اليمين وإمّا صاحب الشّمال، يحفظ عمله لا يغيب عنه، وعن أبي أمامة عن النّبي صلىاللهعليهوآله قال: إنّ صاحب الشّمال ليرفع القلم ستّ ساعات عن العبد المسلم المخطى أو المسىء، فان ندم واستغفر اللّه منها ألقاها وإلاّ كتب واحدة، وفي رواية اخرى قال: صاحب اليمين أمير على صاحب الشّمال، فاذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشّمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: امسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فان استغفر اللّه
منها لم يكتب عليه شيء، وإن لم يستغفر اللّه كتب له سيّئة واحدة(1)، هذا وقد علم بذلك أنّه سبحانه مع علمه بحال العبد وكونه أقرب إليه من حبل الوريد وكّل عليه لحكمة اقتضته من تشديد في تثبط العبد من المعصية وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء وإلزام الحجّة يوم يقوم الأشهاد حفظة صدق يحفظون عمله ويضبطونه وهم ملازمون له غير غائبين عنه أبدا.
وقال تعالى: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها»(2).
وعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُونِيِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: مَا مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلاّ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ وَأَنَا عَلَيْكَ شَهِيدٌ فَقُلْ فِيَّ خَيْراً وَاعْمَلْ فِيَّ خَيْراً أَشْهَدُ لَكَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة(3)
وقال تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهِيدا)(4).
قال تعالى: «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا»(5)فسّر بتعداد الأنفاس.
قال الجوهرى: الدّجى الظّلمة يقال دجا اللّيل يدجو دجواً ـ إلى أن قال ـ قال
الأصمعي دجا اللّيل انّما هو ألبس كلّ شيء وليس هو من الظّلمة ومنه قولهم «دجا الإسلام أي قوى وألبس كلّ شيء»(1).
قال الكسائى: كننت الشيء سترته(2).
قال الجوهرى: الرتج بالتّحريك الباب العظيم وكذلك الرّتاج ومنه رتاج الكعبة ويقال الرّتاج الباب المغلق وعليه باب صغير(3). ... وكلامه عليهالسلام يشهد للأخير قال تعالى: «اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ * عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ * سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ * لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ...»(4).
وعن الحجّاج بن التميمي قال:
اذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل*** خلوت ولكن قل عليّ رقيب(5)
قال تعالى: «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ...»(6).
وقال تعالى: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً»(1).
وقال تعالى: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها»(2).
وقال تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤفَكُونَ»(3).
قال تعالى: «وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ * يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(4).
قال تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ...»(5).
المخطّ بالكسر عود يخطّ به(6).
عن الصادق عليهالسلام قال ما من موضع قبر إلاّ وهو ينطق كلّ يوم ثلاث مرّات أنا
بيت التّراب أنا بيت البلى أنا بيت الدّود(1). وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ لِلْقَبْرِ كَلاماً فِي كُلِّ يَوْمٍ يَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ أَنَا بَيْتُ الدُّودِ أَنَا الْقَبْرُ أَنَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ(2).
قال تعالى: «ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(3).
قال الطبرسى: أى ما ينتظرون إلاّ صيحة واحدة يريد النّفخة الاولى عن ابن عبّاس، يعني أنّ القيامة تأتيهم بغتة تأخذهم الصّيحة وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أى يختصمون
في امورهم ويتبايعون في الأسواق(4)، ثمّ أخبر عن النفخة الثّانية وما يلقونه فيها إذا بعثوا بعد الموت فقال: ونفخ في الصّور فاذاهم من الأجداث، وهى القبور، إلى ربّهم أى إلى الموضع الّذي يحكم اللّه فيه لا حكم لغيره هناك، ينسلون، أى يخرجون سراعا ثمّ أخبر عن سرعة بعثهم فقال: إن كانت إلاّ صيحة واحدة، أى لم تكن المدّة إلاّ مدّة صيحة واحدة، فاذا هم جميع لدينا محضرون، أي فاذا الأوّلون
و الآخرون مجموعون في عرصات القيامة محضرون في موقف الحساب(1).
وقال تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ»(2)، قال في مجمع البيان: فصعق من في السّموات آه أى يموت من شدّة تلك الصّيحة الّتي تخرج من الصّور جميع من في السّماوات والأرض، وقوله: ثمّ نفخ فيه أخرى، يعني نفخة البعث وهي النّفخة الثّانية(3).
وقال تعالى: «يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج»(4).
قال تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ»(5).
وقال تعالى: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً * تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها راضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً * فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ * فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ»(6).
وأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان يذكر السّاعة وقيامها حتّى كأنّه منذر جيش(7)يقول
صبّحتكم السّاعة مسّتكم الساعة ثمّ يقول بعثت أنا والسّاعة كهاتين (و يجمع بين سبّابتيه)(1).
أى لحكم العدل الفاصل بين الحقّ والباطل ليتميّز المصيب من المخطى، والمسلم من الكافر، والمؤن من المنافق ليجزى كلّ ما عمل كما قال عزّ من قائل: «وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»(4).
عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليهالسلام يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ـ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ـ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام يُحَدِّثُ النَّاسَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلاً بُهْماً جُرْداً مُرْداً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ(5)يَسُوقُهُمُ النُّورُ وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى عَقَبَةِ
1) . الأمالي للمفيد: 211/ م 24/ ح 1؛ بحار الأنوار: 256/16/ ح 36.
2) . الزمر: 69 ـ 70.
3) . الحج: 17.
4) . السجدة: 25.
5) . عزلا: لا سلاح لهم ـ بضم العين وسكون الزاى ـ جمع أعزل وكذلك أخواته، «بهما» أي ليس معهم شيء وقيل: يعنى أصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشيء، «جردا» لا ثياب لهم، «مردا» ليس لهم لحية وهذه كلها كناية عن تجردهم عما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقائقهم ممّا كان معهم في الدنيا، «يسوقهم النور» أي نور الايمان والشرع فانه سبب ترقيهم طورا بعد طور وفي بعض النسخ [بالنار]أى نار التكاليف فان التكليف بالنسبة إلى بعض المكلفين نار و بالإضافة إلى آخرين نور «يجمعهم الظلمة» أي ما يمنعهم من تمام النور والايقان فانه سبب تباينهم الموجب لكثرتهم التي يتفرع عليها الجمعية ويحتمل أن يكون المراد كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا والمعنيان متقاربان الوافى: 652/25.
الْمَحْشَرِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَزْدَحِمُونَ دُونَهَا فَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُضِيِّ فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ وَتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ وَيَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ(1)وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ قَالَ وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَفَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلالٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ(2)فَيَأْمُرُ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ فَيُنَادِي فِيهِمْ يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ أَنْصِتُوا وَاسْتَمِعُوا مُنَادِيَ الْجَبَّارِ قَالَ فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ قَالَ فَتَنْكَسِرُ أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ وَتَضْطَرِبُ فَرَائِصُهُمْ(3)وَتَفْزَعُ قُلُوبُهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّوْتِ ـ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ(4)قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»(5).
قَالَ فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا
1) . أي صياحهم واصواتهم.
2) . يمكن أن يكون إشراف اللّه تعالى كناية عن توجهه إلى محاسبتهم فالاشراف في حقه مجاز و في الملائكة حقيقة. آت
3) . أي أوداج أعناقهم، قال الفيروزآبادى: الفريص: أوداج العنق والفريصة واحدته واللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد.
4) . أي يمدون اعناقهم لسماع صوته. مهطعين أي مسرعين. واهطع؟ إذا مد عنقه.
5) . القمر: 8.
الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ الْيَوْمَ أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِي وَقِسْطِي لا يُظْلَمُ الْيَوْمَ عِنْدِي أَحَدٌ الْيَوْمَ آخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ بِحَقِّهِ وَلِصَاحِبِ الْمَظْلِمَةِ بِالْمَظْلِمَةِ بِالْقِصَاصِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَأُثِيبُ عَلَى الْهِبَاتِ(1)وَلا يَجُوزُ هَذِهِ الْعَقَبَةَ الْيَوْمَ عِنْدِي ظَالِمٌ وَلِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ إِلاّ مَظْلِمَةً يَهَبُهَا صَاحِبُهَا وَأُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَآخُذُ لَهُ بِهَا عِنْدَ الْحِسَابِ فَتَلازَمُوا أَيُّهَا الْخَلائِقُ وَاطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِي شَهِيدا(2).
قال الجوهرى: (زاح الشّيء يزيح زيحا) أي بعد وذهب(3)والباطل ضدّ الحقّ و الجمع أباطيل على غير قياس كأنّهم جمعوا أبطيلا(4)قال تعالى: «وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ»(5). وقال تعالى: «قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ»(6).
وقال تعالى: «وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ»(7).
انّ المراد بالعلل المعاذير الباطلة، قال تعالى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ»(1).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).
وقال تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ»(3).
وعن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى «... فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ...»(4): قال عليهالسلام : إذا كان يوم القيامة قال تعالى للعبد أ كنت عالما فان قال نعم قال له أفلا عملت وان قال كنت جاهلا قال أفلا تعلّمت حتّى تعمل فيخصمه، قال فتلك الحجّة البالغة على خلقه(5).
في الصّحاح الحاقّة القيامة سمّيت بذلك لأنّ فيها حواقّ الامور(6)إلخ.
قال تعالى: «الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ»(7).
وقال تعالى: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً * ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ
عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً»(1).
قال تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(2).
قال تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا...»(3).
فاتّعظوا بكلّ ما يفيد اعتبارا وتنبّها على أحوال الآخرة وبما فيه تذكرة للموت وما بعده من الشّدايد والأهوال، ألا ترى إلى الآباء والاخوان والأبناء والولدان والأقرباء والجيران كيف طحنتهم المنون، وتوالت عليهم السّنون، وفقدتهم العيون، اندرست عن وجه الأرض آثارهم وانقطعت عن الأفواه أخبارهم.
إذا كان هذا حال من كان قبلنا *** فانّا على آثارهم نتلاحق(4)
أى بتغيّرات الدّهر وانقلاباته على أهله، لا يدوم سروره، ولا تتمّ اموره، لا يقيم
على حال، ولا يمتنع بوصال، وعوده كاذبة. وآماله خائبة.
تحدّثك الأطماع أنّك للبقاء *** خلقت وأنّ الدّهر خلّ موافق
كأنّك لم تبصر اناسا ترادفت *** عليهم بأسباب المنون اللّواحق(1)
وعن محمّد بن عبد الرّحمان الهاشميّ قال: دخلت على أمي يوم الأضحى فرأيت عندها امرأة في أثواب دنسة فقالت لي امّى: أتعرف هذه قلت: لا قالت: هي امّ جعفر البرمكيّ فسلّمت عليها وقلت لها: حدّثيني ببعض أمركم. قالت: اذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم انّ ابني جعفرا عاق لي وقد أتيتكم اليوم أسألكم جلد شاتين بشعار ودثار(2).
قال تعالى: «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ»(3).
وقال تعالى مشيرا إلى غرق قوم نوح: «وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»(4).
وانتفعوا بكلّ ما أفاد تخويفا بالآخرة وما فيها من المفزعات والدّواهى فيامن عدم رشده، وضلّ قصده، إنّ أوقاتك محدودة، وأنفاسك معدودة، وأفعالك مشهورة، وأنت مقيم على الاصرار، غافل عن يوم تشخص فيه الأبصار.
إذا نصب الميزان للفصل والقضا *** وابلس محجاج واخرس ناطق
واجّجت النّيران واشتدّ غيظها *** إذا فتحت أبوابها والمغالق
فانّك مأخوذ بما قد جنيته *** وإنّك مطلوب بما أنت سارق
فقارب وسدّد واتّق اللّه وحده *** ولا تستقلّ الزّاد فالموت طارق(1)
1) . الديوان المنسوب إلى الإمام السجّاد عليهالسلام: 142.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ـ وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَم فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ـ وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ـ وَلَنْ يَنْطِقَ وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ ـ أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِى ـ وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِى ـ وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُم.
منها: فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ ـ إِلاّ وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً وَأَوْلَجُوا
فِيهِ نِقْمَةً ـ فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَكُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ ـ وَلا فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ ـ أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ ـ وَسَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ ـ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ ـ مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَالْمَقِرِ ـ وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَدِثَارِ السَّيْفِ ـ وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَزَوَامِلُ الآْثَامِ ـ فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ ـ لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ ـ ثُمَّ لا تَذُوقُهَا وَلا تَتَطَعَّمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً ـ مَا كَرَّ الْجَدِيدَان
الفترة ما بين الرسولين من رسل اللّه تعالى من الزمان الّذي انقطعت فيه الرسالة،
ومنه فترة ما بين عيسى ومحمّد صلىاللهعليهوآله(1).
وكان كعب بن لؤ يخطب الناس في أيّام الحجّ، فيقول: أعظموا هذا الحرم، وتمسّكوا به فسيكون له نبأ، ويبعث منه خاتم الأنبياء، بذلك جاء موسى وعيسى. ثمّ ينشد:
على فترة يأتي نبيّ مهيمن *** يخبّر أخبارا عليها خبيرها(2)
ولم يقل من الأنبياء لاتصال الأنبياء، وهم أوصياء المسيح من المسيح إليه صلىاللهعليهوآله.
قال الجوهرى: الهجوع: النوم ليلا(3).
وعدم تنبّههم لرشدهم.
أى: حلّ الحبلين اللذين فتلا فجعلا واحدا، والمراد نقض الديانات الإلهية وما أبرمه الأنبياء والرّسل من أحكام الدّين وأحكموه من قوانين الشرع المبين وكناية عن تعطيل قواعد الشرع وتزلزل أساس الدين.
أى: التوراة والإنجيل والأصل فيه قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالاْءِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ»(1).
وقال تعالى: «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ...»(2).
وقال تعالى: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها...»(3). وقال تعالى: «قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤمِنِينَ»(4).
وقال تعالى: «وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ»(5).
وقال تعالى: «قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم»(6).
وقال تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ...»(7).
وأما نسخه لبعض ما فيهما فلا ينافي تصديقه لما فيهما. فالقرآن ينسخ بعضه بعضا والنسخ أيضا نوع تصديق ـ كما ان نسخ النّبي صلىاللهعليهوآله لشرائع من تقدّم عليه من الرسل لا ينافي تصديقه لهم ـ وكيف لا والكافر بموسى وعيسى كافر به.
عطف على (تصديق).
هكذا في النسخ والظاهر كونه تصحيف (المهتدى به) فالنور يهتدى به لا يقتدى به. والمراد كونه نورا يهتدى به في ظلمات الجهل، ويقتدى بأحكامه ظاهراً، قال سبحانه: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ»(1).
مبتدأ.
خبره.
بالنطق المعنوي.
1) . المائدة: 15.
نطقا ظاهرا كبشر ينطق.
كان عليهالسلام يخبر عن التوراة والانجيل والزبور كما يخبر عن القرآن ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ...»(1)عن زاذان قال: قال علي عليهالسلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم ـ والذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ وأنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار، فقال له رجل: يا أميرالمؤمنين فما آيتك التي أنزلت فيك فقال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ»(2)فالنبي صلىاللهعليهوآله على بيّنة وأنا شاهد منه(3).
أى أخبار اللاّحقين كليّاتها وجزئياتها وأحوال الموت والبرزخ والبعث والنّشور والقيامة والجنّة والنّار ودرجات الجنان ودركات الجحيم وأحوال السّابقون إلى الاولى والسّائرون إلى الأخرى، وتفاوت مراتب المثابين والمعاقبين في الثواب والعقاب شدّة وضعفا وقلّة وكثرة وغير ذلك ممّا يحدث في المستقبل.
قال تعالى: «وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِين»(1).
عن الحارث الأعور قال: دخلت على أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام
فقلت: يا أميرالمؤمنين إنا إذا كنا عندك ـ سمعنا الذي نسد به ديننا، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة ـ لا ندري ما هي قال: أ وقد فعلوها قال: قلت: نعم ـ قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمّد سيكون في أمتك فتنة: قلت: فما المخرج منها فقال: كتاب اللّه فيه بيان ما قبلكم من خبر، وخبر
ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من ولاه من جبار فعمل بغيره قصمه اللّه ومن التمس الهدى في غيره أضله اللّه ـ وهو حبل اللّه المتين، وهو الذكر
الحكيم، وهو الصراط المستقيم لا تزيغه الأهوية، ولا تلبسه الألسنة ولا يخلق على الرد ولا ينقضي عجائبه ـ ولا يشبع منه العلماء(2)الحديث.
أى أخبار السّابقين وكيفيّة بدء الخلق من السّماء والأرض والشّجر والحجر والنّبات والانسان والحيوان وقصص الأنبياء السّلف واممهم ومعاصريهم من ملوك الأرض والسّلاطين وغير ذلك ممّا مضى.
لاشتماله على الفضائل العلمية والعملية التي بها يحصل اصلاح النفوس والشفاء من الأمراض النفسانية والبرء من داء الغفلة والجهالة.
أي أنه ينظّم العلاقة بين الناس فإن أحكام الشريعة وقوانينها تضبط قضايا الإنسان وتحكمها وتجعل لكل فرد حقه بالعدل والإنصاف فلا يظلم أحد أحدا ولا يعتدي أحد على أحد وبهذه الأحكام تحفظ حقوق الناس ويؤن الاعتداء والظلم...
قال تعالى: «... وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ»(1).
هذا، وعن الأصبغ عن أميرالمؤمنين عليهالسلام والذي بعث محمّدا صلىاللهعليهوآلهبالحق نبيا وأكرم أهل بيته، ما من شيء تطلبونه من حرق أو غرق أو شرق أو افلات دابة من صاحبها أو ضالة أو آبق إلاّ وهو في القرآن فمن أراد ذلك فليسألني عنه، فقام رجل فقال: اخبرني عمّا يؤن من الحرق والغرق فقال: اقرأ «... اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»(2)«وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»(3)ـ إلى ـ «وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(4)فقرأها رجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شيء، ثمّ قام إليه آخر فقال: ان دابتي استصعبت علي وأنا منها على وجل، فقال: اقرأ في اذنها اليمنى «... وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ»(5)فقرأها فذلت له دابته ـ وقام إليه آخر فقال: ان أرضي أرض مسبعة وان السباغ تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال: اقرأ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤمِنِينَ رَؤفٌ
رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»(1)فقرأها الرجل فاجتنبته السباع ـ ثمّ قام إليه آخر فقال، ان في بطني ماء أصفر(2)فهل من شفاء فقال: اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك، ففعل الرجل فبرىء باذن اللّه تعالى ـ ثمّ قام إليه آخر فقال: اخبرني عن الضالة فقال أقرأ (يس) في ركعتين وقل (يا هادي الضالة رد عليّ ضالتى) ففعل فرد اللّه عليه ضالته ـ ثمّ قام إليه آخر فقال اخبرني عن الآبق فقال اقرأ: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّىٍّ ـ إلى ـ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ(3)فقالها الرجل فرجع إليه الابق ـ ثمّ قام إليه آخر فقال: أخبرني عن السرق فانّه لا يزال قد يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا، فقال: أقرأ إذا آويت إلى فراشك «قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» ـ إلى ـ «وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً»(4)ثمّ قال عليهالسلام من بات بأرض قفر فقرأ: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ـ إلى ـ «تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ»(5)حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين، فمضى الرجل فاذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ الآية فتغشاه الشيطان فاذا هو آخذ بخطمه(6)، فقال له صاحبه انظره فاستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه ارغم اللّه أنفك أحرسه الآن حتى يصبح،
فلمّا اصبح الرجل رجع إليه عليهالسلامفقال له: رأيت في كلامك الشفاء والصدق ...(1). وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحزان، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة وفيه كمال دينكم فهذه صفة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله للقرآن، وما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار(2).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ هذا القرآن هو النور المبين، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والفضيلة الكبرى، والسعادة العظمى، من استضاء به نوّره اللّه، ومن اعتقد (عقد) به أموره عصمه اللّه، ومن تمسّك به أنقذه اللّه، ومن لم يفارق أحكامه رفعه اللّه، ومن استشفى به شفاه اللّه، ومن آثره على ما سواه هداه اللّه، ومن طلب الهدى في غيره أضلّه اللّه، ومن جعله شعاره ودثاره اسعد اللّه، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوّله(3)الذي ينتهي إليه أدّاه اللّه إلى جنّات النعيم والعيش السليم(4).
أى: حزنا.
أى: ادخلوا.
أى: مكروها، وبيت مدر ووبر كناية عن الجميع لأنّ الناس رجلان ذو بيت مدر، وذو بيت وبر، بل لم يبقوا بيتا شريفا، ولا مكانا منيفا إلاّ وأدخلوا بسببه على
الناس ترحة ونقمة.
فهدموا الكعبة مرّتين واستخفّوا بمسجد النّبي صلىاللهعليهوآله فجعلوه مربط خيولهم.
والصواب: (لهم) ولأنّ الخطاب للناس لا لبني اميّة.
لتجاوزهم في العتوّ والطغيان.
لوصول أذاهم إلى البرّ والفاجر.
وورد مثله في معاوية خاصة كما ورد في بني اميّة عامة. عن سفيان بن أبي ليلى قلت للحسن عليهالسلام: أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلّمت الأمر إلى اللعين ابن اللعين ابن آكلة الاكباد ومعك مئة ألف كلّهم يموت دونك، وقد جمع اللّه لك أمر الناس. فقال: يا سفيان إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به، وإنّي
سمعت عليّا عليهالسلام يقول: سمعت النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: لا تذهب الليالي والأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر اللّه إليه، ولا يموت حتّى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وانّه لمعاوية ـ إلى أن قال ـ قال عليهالسلام: أبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليهالسلام يقول
سمعت النّبي صلىاللهعليهوآله يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي، ومن أحبّهم من امّتي كهاتين ـ يعني السبابتين ـ أو كهاتين ـ يعني السبابة والوسطى ـ احدهما تفضل على الاخرى، أبشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البر والفاجر حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد صلىاللهعليهوآله(1).
وإصفاؤم بالأمر غير أهله لأنّ أهل الأمر إنّما كانوا أهل بيت النّبي صلىاللهعليهوآله الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وإيرادهم الأمر غير ورده لكونه عليهالسلاممع المعصومين من عترته أهل الذكر الّذين قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»(2)واولى الأمر الّذين قال تعالى: «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى»(3)والمراد أنّ اللّه تعالى سلّط عليهم بني اميّة بفعلهم يوم السقيفة حيث تركوه عليهالسلام، واعترف بذلك ابن عمر لمّا رأى مروان على منبر النّبي صلىاللهعليهوآله مع إنكاره على سلمان يوم السقيفة إنكاره عليهم(4).
وروى محمّد بن يعقوب: أنّ أميرالمؤمنين عليهالسلام خطب بالمدينة فقال: أيها الامّة الّتي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها. فأصرّت على ما عرفت، واتّبعت أهواءها، وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحق فصدّت عنه، والطريق الواضح فتنكّبته.
أما والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء
بعذوبته، وادّخرتم الخير من موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلكتم من الحقّ نهجه. لتنهّجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام. فأكلتم رغدا، وما عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام. فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسدّت عليكم أبواب العلم. فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم. فأفتيتم في دين اللّه بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم ـ إلى أن قال ـ رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم، والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لقد علمتم أنّي صاحبكم والّذي به امرتم وأنّي عالمكم والّذي بعلمه نجاتكم، ووصيّ نبيّكم، وخيرة ربكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم. فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم وما نزل بالامم قبلكم...(1).
متعلق بقوله «مأكلا».
يقال للحنظل، وكلّ شيء مرّ علقم.
متعلق بقوله «و مشربا».
1) . الكافي: 32/8/ ح 5.
بالفتح فالكسر: دواء مرّ، ولا يسكن إلاّ في ضرورة الشعر. قال الراجز: أمرّ من صبر ومقر وحضض(1).
هو أيضا بالفتح فالكسر وبمعناه. وقال المنصور لأبي مسلم لمّا قتله:
إشرب بكأس كنت تسقي بها *** أمرّ في الحلق من العلقم(2)
أى يبدل نعمتهم بالنّقمة ومطاعمهم اللّذيذة الشّهية بالمريرة.
عطف على مأكلا.
والشعار ما ولى الجسد من اللباس.
والدثار كلّ ما كان من الثياب فوق الشعار.
وقال المسعودى: لمّا اتي السفاح برأس مروان بن محمّد ـ آخر الاموية ـ قال: الحمد للّه الّذي لم يبق ثاري قبلك وقبل رهطك. ثمّ قال: ما ابالي متى طرقني الموت. قد قتلت بالحسين عليهالسلام وبني أبيه من بني اميّة مئتين، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي ثمّ تمثل:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم *** ولا دماؤم للغيظ ترويني(1)
جمع المطية، قال الجوهرى: قال الأصمعى: المطية: الّتي تمطّ في سيرها وهو مأخوذ من المطو: أى: المدّ...(2)ولكن الصواب: أنّ المطية مأخوذ من المطا بمعنى الظهر، أى: ماله ظهر يركب أو يحمل عليه. قال ابن دريد: «المطا الظهر وأصله الواو و يثنى مطوين، ومنه اشتقاق المطية»(3)والمد معنى المطط لا المطا، قال ابن دريد: «مطّ الشيء يمطه مطّا إذا مدّه، ومنه قولهم مط الرجل حاجبيه، وخده إذا تكبر. وكذلك مطّ أصابعه إذا مدّها، وخاطب بها. وأحسب أنّ التمطي من هذا، وكأنّ أصله التمطط. فقالوا: التمطي كما قالوا تقضي البازي وما أشبهه...(4)وبالجملة التمطي بمعنى المدّ كما في قوله تعالى: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى»(5)وكما في قول الشاعر في وصف ليل استطالة:
كلّما قلت قد تقضّى تمطّى *** حالك اللون دامسا يحموما(6)
لا المطية، والتمطي قد عرفت كون الأصل فيه التمطط ظاهرا.
ولعل الأصل فيه «الخطايا» فإنّه الأنسب بالمطايا.
جمع الزاملة: بعير يستظهر به الرجل يحمل متاعه، وطعامه عليه(1)تقول: ركب الراحلة وحمل على الزاملة.
بالمدّ جمع الإثم أى: الذنب، وأمّا الأثام بدون المدّ فجزاء الاثم(2)وكون بني اميّة مطايا الخطايا، وزوامل الآثام أمر معلوم.
وقال المسعودى: بعث المنصور إلى عبداللّه بن مروان بن محمّد ـ وكان في من هرب إلى أرض النوبة فأخذ وحبس ـ فأحضر من الحبس، وقال له: قصّ عليّ قصّتك وقصّة ملك النوبة. قال: قدمت إلى النوبة فأقمت بها ثلاثا. فأتاني ملكها. فقعد على الارض ـ وقد أعددت له فراشا ـ فقلت له: ما منعك من القعود على فراشنا فقال: لأنّي ملك وحقّ لكلّ ملك أن يتواضع لعظمة اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إذ رفعه اللّه. ثمّ قال: لم تشربون الخمر، وهي محرّمة عليكم في كتابكم فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا، وأتباعنا. قال: فلم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرّم عليكم في كتابكم فقلت: فعل ذلك عبيدنا، وأتباعنا لجهلهم. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير والذهب وهو محرّم عليكم في كتابكم، ودينكم فقلت: ذهب منّا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا. فلبسوا ذلك على الكره منّا.
فأطرق إلى الأرض يقلب يده مرة وينكت في الارض اخرى ويقول: عبيدنا واتباعنا واعاجم دخلوا علينا في ديننا ثمّ رفع راسه. فقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم اللّه، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم في ما ملكتم. فسلبكم
اللّه العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم، وللّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحلّ بكم العذاب، وأنتم ببلدي فينالني معكم فتزوّد ما احتجت إليه، وارحل عن أرضي...(1).
وقال زيد بن أسلم عن ابيه عن جده: رأيت طارقا وهو وال لبعض الخلفاء من بني اميّة على المدينة يدعو بالغداء. فيتغدى على منبر النّبي صلىاللهعليهوآله ويكون فيه العظم الممخّ فينكته على رمانة المنبر فيأكله(2).
قال ابن دريد: «النخاعة، والنخامة واحد وهو ما يطرح الانسان من فيه(3)، ولفظه: أى: رماه من فيه(4).
قال سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومى: كنت مع مروان بن محمّد بالزاب. فقال: من هذا الّذي يقاتلني قلت: عبداللّه بن عليّ بن عبداللّه بن العباس ـ إلى أن قال ـ فقال: يا ليت عليّ بن أبي طالب في الخيل تقاتلني. إنّ عليّا وأولاده لا حظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني العباس ومعه ريح خراسان ونصر الشام(5).
أى: ما اختلف الليل والنهار يقال: لا أفعله ما اختلف الجديدان، وما اختلف الاجدّان.
يعني أنّهم لا يجدون حلاوتها ولا يستلذّون بها ولا ينالون إليها أبدا الدّهر، لأنه تعالى قد أخبر نبيّه صلىاللهعليهوآله إنّ مدّة ملكهم ألف شهر بقوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ
شَهْرٍ(1). وأخبره رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أميرالمؤمنين عليهالسلام وأولاده الطاهرين.
عن عليّ بن إبراهيم القمّي رحمهالله قال: رأى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان قرودا تصعد منبره فغمّه ذلك، فأنزل اللّه سورة القدر: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»(2)، تملكه بنو أميّة ليس فيها ليلة القدر(3).
وعن الصادق عليهالسلام أري رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في منامه أنّ بني أميّة يصعدون على منبره من بعده ويضلّون الناس عن الصراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا قال عليهالسلام: فهبط عليه جبرئيل عليهالسلام فقال: يا رسول اللّه مالى أراك كئيبا حزينا قال: يا جبرئيل إنّي رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلّون النّاس عن الصراط القهقرى، فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيا إنّي ما اطّلعت عليه، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآى من القرآن يونسه بها قال: «أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ»(4)وأنزل عليه «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»(5). جعل اللّه ليلة القدر لنبيّه خيرا من ألف شهر ملك بني أميّة(6)، وفي معناه أخبار أخر.
وفي السير: بعث صالح بن علي العباسي عامر بن إسماعيل لطلب مروان بن محمّد إلى بوصير مصر. فهرب بين يديه في نفر يسير. فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق ليس للخيل عبور إلاّ على القنطرة، وعامر من ورائهم. فصادف مروان على القنطرة بغالا عليها زقاق عسل فحبسته عن العبور حتّى أدركه عامر فقتله. فقال صالح بن عليّ «إنّ للّه جنودا من عسل»(1). وقالوا أيضا: وقف مروان يوم الزاب وأمر بالأموال فاخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، وهذه الأموال لكم. فجعل ناس يصيبون من ذاك المال، ويشتغلون به عن الحرب. فقال مروان لابنه: سر في أصحابك، وامنع من يتعرّض لأخذه هذا المال. فتنادى الناس: الهزيمة الهزيمة فانهزموا، وركب أصحاب عبداللّه بن عليّ أكتافهم(2).
وقال أبو الخطاب الأزدى: لمّا قتل مروان بن محمّد هجم عامر بن إسماعيل على الكنيسة الّتي فيها بنات مروان ونساؤ، وقد أغلقن الأبواب دونهنّ فصحن وولولن. فأخذ الخصي الموكّل بهنّ فسئل عن أمره فقال: أمرني مروان أن أضرب رقاب بناته وجواريه إذا قتل. فجيء بابنتي مروان إلى عامر. فأمر بوضع رأس مروان في حجر ابنته الكبرى، وقال لها عامر: معذرة إنّما فعلت هذا بك بما فعلتم برأس يحيى بن زيد إذ وضع في حجر امّه، والبادئ أظلم. ثمّ وجّه عامر بهما، وبجواري مروان إلى صالح بن علي.
فقالت له الكبرى: نحن بنات أخيك فليسعنا عدلك. قال: إذن لا نستبقي منكم أحدا رجلا ولا امرأة. ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم في محبس حرّان أ
لم يقتل هشام زيدا وصلبه، وأمر بقتل امرأته. فقتلها يوسف بن عمر صبرا ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بخراسان، وأحرق جثته وخشبته(1).
1) . بلاغات النساء: 200 ـ 201.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ ـ وَأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ ـ وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَحَلَقِ الضَّيْمِ ـ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ ـ وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ ـ وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِير
الظاهر أنّها إشارة إلى دفاعه عليهالسلام عن الناس أيّام عثمان، وإذلال بني اميّة للناس، ففي (الطبري) قال الواقدى: كتب الصحابة في سنة (34) بعضهم إلى بعض: إن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد ـ إلى أن قال ـ: فاجتمع الناس وكلّموا عليّا عليهالسلام فدخل على عثمان فقال: الناس ورائي وقد كلّموني فيك ـ إلى أن قال ـ: ثم خرج عليّ عليهالسلام من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر، فقال: أمّا بعد فإنّ لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الامّة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون، يرونكم ما تحبّون ويسرّون ما تكرهون، يقولون لكم و يقولون، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نغصا ولا
يرون إلاّ عكرا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الامور وتعذّرت عليهم المكاسب ـ
إلى أن قال ـ: فقام مروان فقال: إن شئتم حكّمنا بيننا وبينكم السيف(1).
وعن الواقدي أيضا: جاء عليّ عليهالسلام إلى عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلّم كلاما يسمعه الناس منك، ويشهدون عليه، وتشهد اللّه على ما في قلبك من النزوع ـ إلى أن قال ـ: فقال عثمان لمروان: اخرج إلى الناس فكلّمهم، فإني أستحيي أن اكلّمهم. فخرج مروان إلى الناس فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم قد جئتم لنهب، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا اخرجوا عنّا أما واللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم، ولا تحمدوا غبّ رأيكم.
ارجعوا فو اللّه ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا. فرجع الناس وأتى بعضهم عليّا عليهالسلام فأخبره، فدخل مغضبا على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان و لا رضي منك إلاّ بتحرفك عن دينك وعقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، واللّه ما مروان بذي رأي في دينه، وإنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك(2).
وأنّ عثمان صعد المنبر، فقام رجل وقال له: أقم كتاب اللّه ـ إلى أن قال ـ: فتحاثّوا بالحصباء حتى ما ترى السّماء، وسقط عثمان عن المنبر وحمل إلى داره مغشيّا عليه، ودخل عليه عليّ عليهالسلام وبنو اميّة حوله، فأقبلت بمنطق واحد على عليّ عليهالسلام وقالوا له: أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع به، أما واللّه لئن بلغت الذي تريد لتمرّن عليك الدّنيا. فقام عليهالسلام مغضبا(3).
ويفهم من هذه الروايات درايات، ومنها: أنّ اعتقاد كون أمر النّبي صلىاللهعليهوآله ملكا، لم
ينحصر بيزيد بن معاوية الذي قال: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل. ولا بالوليد بن يزيد الذي قال: تلعّب بالخلافة هاشمي و لا بمعاوية بن أبي سفيان الذي تلهف للمغيرة بعدم استطاعته بإزالته اسم أخي هاشم ـ أى: النّبي صلىاللهعليهوآله ـ عن المأذنات، بل الأصل فيهم عثمان، فيوم نال الأمر قال أبو سفيان بمشهده: يا بني اميّة اجعلوا هذا الأمر كرة بينكم فلا جنّة ولا نار ـ وقال أيضا أبو سفيان أيّام عثمان ـ وقد مرّ بقبر حمزة وضربه برجله ـ: يا حمزة إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس، في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به.
ويقول مروان ـ الذي كان سفير عثمان وبمنزلة روحه بل فوقه، حيث رضى بقتله دون أن يصل أذى بمروان، وكان من الخبث فوق يزيد ـ: أ تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا بل يظهر حال المؤّس له ولهم.
الجوار: كسحاب الماء الكثير القعير، وبالكسر أن تعطي الرجل ذمة فيكون بها جارك فتجيره(1).
قال الفرّاء: الجهد بالضم: الطاقة، وبالفتح: من قولك: اجهد جهدك. أى: ابلغ غايتك(2).
الربق: حبل فيه عدّة عرى، يشدّ به البهم، الواحدة ربقة(1).
جمع حلقة.
أى: الذلّ، قد كان الناس أيّام عثمان أرقّاء أذلاّء، في ربق ذلّ بني اميّة وحلق ضيمهم، حسبما أخبر به النّبي صلىاللهعليهوآله في قوله: إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد اللّه خولا ودينه دغلا، وماله خولا(2)فأطلقهم أميرالمؤمنين عليهالسلام في أيّامه وأعتقهم بطرد بني أميّة.
من لجأهم إليه عليهالسلام أيّام عثمان، واتفاقهم على بيعته بعده.
قال يعقوب: أطرق الرجل إذا سكت فلم يتكلّم، وأطرق أى: أرخى عينيه ينظر إلى الأرض(3).
من تركهم له عليهالسلام وخذلانهم إيّاه، مع كونه بمنزلة نفس النّبي صلىاللهعليهوآلهبنص القرآن علما وعملا وتعيين النّبي صلىاللهعليهوآله له عليهالسلام من يوم بعثته إلى وقت وفاته قولا وفعلا، يوم السقيفة ويوم الشورى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةُ ـ يَقْضِي بِعِلْمٍ وَيَعْفُو بِحِلْمٍ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِى ـ وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِى ـ حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ ـ وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ ـ حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ ـ حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ ـ حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ ـ فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ ـ إِلاّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ ـ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ـ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ ـ أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ ـ وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ـ وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ ـ وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ ـ وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ ـ وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ ـ وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ ـ وَحَالَتْ سُتُورُ الْغَيْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَم فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ ـ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ ـ وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ ـ وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً ـ وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً وَسَمْعُهُ وَالِهاً وَفِكْرُهُ حَائِرا.
منها:
يَدَّعِي بِزُعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللّهَ كَذَبَ وَالْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤهُ فِي عَمَلِهِ
فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤهُ فِي عَمَلِهِ (فَكُلُّ رَجَاءٍ) ـ إِلاّ رَجَاءَ اللّهِ ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاّ خَوْفَ اللّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اللّهَ فِي الْكَبِيرِ وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لا يُعْطِي الرَّبَّ فَمَا بَالُ اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ لِعِبَادِهِ أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَوَعْداً وَكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللّهِ فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَصَارَ عَبْداً لَهَا وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهكَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللّهِ عليهالسلام إِذْ يَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ وَاللّهِ مَا سَأَلَهُ إِلاّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ عليهالسلامصَاحِبِ الْمَزَامِيرِ وَقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عليهالسلام فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ (وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ) وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ وَظِلالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ وَلَمْ
تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ وَلا طَمَعٌ يُذِلُّهُ دَابَّتُهُ رِجْلاهُ وَخَادِمُهُ يَدَاهُ فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صلىاللهعليهوآله فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَعَزَاءًلِمَنْ تَعَزَّى وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ وَالْمُقْتَصّ لِأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَعَلِمَ أَنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللّهُ وَرسوله وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللّهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للّهِِ وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللّهِ وَلَقَدْ كَانَ صلىاللهعليهوآله يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ يَا فُلانَةُ ـ لاِءِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَارا وَلا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِى الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَأَكْرَمَ اللّهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَاللّهِ الْعَظِيمِ (وَأَتَى بِالاْءِفْكِ الْعَظِيمِ) وَإِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ وَإِلاّ فَلا يَأْمَنُ الْهَلَكَةَ فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَ
مُحَمَّداً صلىاللهعليهوآله عَلَماً لِلسَّاعَةِ وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَوَرَدَ الآْخِرَةَ سَلِيماً لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ وَاللّهِ لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لا تَنْبِذُهَا عَنْكَ فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى
لا مردّ له قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(1).
ولو لم يهتد إليها الأفهام، فقالت الملائكة في خلق آدم: «... أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ»(2)، وكم من أمر خفيت حكمته أوّلا وظهرت أخيرا، قال تعالى: «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»(3).
تعالى عن العبد.
عن عذابه.
منه تعالى.
بين عباده.
فيقضى حقاً.
عمّن يستحقّ العقوبة.
قال تعالى: «وَلَوْ يُؤخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ...»(1).
لأنّ كلاّ منهما على حسب المصلحة، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ ـ إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عليهالسلام قَالَ يَا رَبِّ رَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ تُمِيتُ الْكَبِيرَ وَتُبْقِي الطِّفْلَ
1) . النحل: 61.
الصَّغِيرَ فَقَالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ يَا مُوسَى أَ مَا تَرْضَانِي لَهُمْ رَازِقاً وَكَفِيلاً قَالَ بَلَى يَا رَبِّ فَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَنْتَ وَنِعْمَ الْكَفِيلُ(1).
وقد ثبت في محله أنّ اللّه عزّ وعلا الغنيّ المطلق عمّا سواه والمتعالى عن الحاجة إلى ما عداه، بل غني كلّ مخلوق بجوده، وقوام كلّ موجود بوجوده، فاذا جميع ما يصدر عنه سبحانه في حقّ العباد من الأخذ والاعطاء والمعافاة والابتلاء والافتقار والاغناء ليس الغرض منها جلب منفعة لذاته أو دفع مضرّة عن نفسه، بل الغرض منها كلّها مصالح كامنة للمكلّفين ومنافع عائدة إليهم يعلمها سبحانه ولا نعلمها إلاّ بعضا منها ممّا علّمنا اللّه سبحانه بالقوّة العاقلة أو بتعليم حججه، فكم من فقير لا يصلحه إلاّ الفقر ولو استغنى لطغى، وكم من غنيّ لا يصلحه إلاّ الغنى ولو افتقر لكفر، وربّ مريض لو كان معتدل المزاج لا نهمك في الشّهوات واقتحم في الهلكات، وكأيّن من صحيح البنية لو مرض لم يصبر عليه وأحبّ المنيّة، وهكذا جميع ما يفعله سبحانه في حقّ المكلّفين فهو في الحقيقة نعمة منه تعالى عليهم ظاهرة أو باطنة كما قال عزّ من قائل وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فاذا ثبت أنّ هذه كلّها إنعام منه سبحانه عليهم، وإحسان اليهم ظهر وجه استحقاقه للحمد والثّناء عليها كلّها إذ الشّكر على النّعم فرض عقلا ونقلا هذا.
ويدلّ على ما ذكرنا من كون الابتلاء منه تعالى في الحقيقة نعمة منه على العباد ما عن سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّه ليكون للعبد منزلة عند اللّه فما ينالها إلاّ باحدى خصلتين: إمّا بذهاب في ماله أو ببليّة في جسده(2).
وعن يونس بن رباط قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: إنّ أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة اما إنّ ذلك إلى مدّة قليلة وعافية طويلة(1).
وعن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول إنّ المؤن من اللّه عزّ وجلّ لبأفضل مكان ثلاثا إنّه ليبتليه بالبلاء ثمّ ينزع نفسه عضوا عضوا وهو يحمد اللّه على ذلك(2).
لأنّ ابتلاءه من الحكمة، عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: فِيمَا أَوْحَى اللّهُ إِلَى مُوسَى عليهالسلام أَنْ يَا مُوسَى مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤمِنَ وَإِنِّي إِنَّمَا أَبْتَلِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأُعْطِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَزْوِي عَنْهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ عَبْدِي فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلائِي وَلْيَرْضَ بِقَضَائِي وَلْيَشْكُرْ نَعْمَائِي أَكْتُبْهُ فِي الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي(3).
وإذا كان أمره تعالى عن حكمة وقضاه بعلم وعفوه عن حلم يجب حمده تعالى على كلّ فعل منه تعالى، كما قال عليهالسلام، ولكن كثيرا من العامّة قالوا: إنّ له تعالى أن يفعل كلّ ما شاء، لا من حيث الحكمة، بل من حيث قدرته كالسّبع القوي.
قال الغزالي: إنّ السّبع يخاف لا لجناية سبقت إليه، بل لصفته وبطشه وهيبته، ولأنّه يفعل ما يفعل ولا يبالي، فإن قتلك لم يرقّ قلبه، وإن خلاّك لم يخلّك شفقة عليك، وإبقاء على روحك، بل أنت أخسّ عنده من أن يلتفت إليك، بل إهلاك ألف
مثلك، وإهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة، وإذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته، وما هو موصوف به من قدرته وسطوته «... وَللّهِِ الْمَثَلُ الْأَعْلى...»(1)ولكن من عرفه عرفه بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق من المشاهدة الظاهرة، إنّه صادق في قوله: «هؤاء إلى الجنّة ولا أبالي، وهؤاء إلى النّار ولا أبالي...(2)وما أجهل قوما يصفون إلههم هكذا، تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا.
يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ وتكرار لفظ الحمد إمّا لقصد التّعظيم كما في قوله: «وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ»(3)وفي قوله: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ»(4).
أو للتّلذّذ بذكر المكرّر كما في قول الشّاعر:
سقى اللّه نجدا والسّلام على نجد *** ويا حبّذا نجد على الناى والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونه *** لعلّى أرى نجدا وهيهات من نجد(5)
وفي قوله:
تاللّه يا ظبيات القاع قلن لنا *** ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر(6)
أو للاهتمام بشأنه، ثمّ إنّه عليهالسلام لمّا بالغ في حمده سبحانه والثّناء عليه من حيث
الكيف والكمّ والخلوص والعدد والمدد، وكان الحمد عبارة عن الوصف بالجميل على وجه التّعظيم والتّبجيل، وكان ذلك موهما لمعرفة عظمة المحمود له حقّ معرفتها، عقّب ذلك بالاعتراف بالعجز عن عرفان كنه عظمته، تنبيها على عدم إمكان القيام بوظايف الثّناء عليه وإن بولغ فيه منتهى المبالغة، تأسيّا بما صدر عن صدر النّبوّة من الاعتراف بالعجز حيث قال صلىاللهعليهوآله: لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك(1)، ولهذا أتى بالفاء المفيدة للتّعقيب والاتّصال فقال عليهالسلام: (فلسنا نعلم كنه عظمتك)
وفي (دعاء تحميد الصحيفة): حمدا نعمّر به في من حمده من خلقه، ونسبق به من سبق إلى رضاه وعفوه، حمدا يضيء لنا به ظلمات البرزخ، ويسهل علينا به سبيل المبعث، ويشرّف به منازلنا عند مواقف الأشهاد «يَوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ»(2)، «يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ»(3)حمدا يرتفع منّا إلى أعلى علّيين «في كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ»(4)حمدا تقرّ به عيوننا إذا برقت الأبصار، وتبيضّ به وجوهنا إذا اسودّت الأبشار، حمدا نعتق به من أليم نار اللّه إلى كريم جوار اللّه، حمدا نزاحم به ملائكته المقرّبين، ونضامّ به أنبياءه المرسلين، في دار المقامة التي لا تزول، ومحلّ كرامته التي لا تحول(5).
أيضا: والحمد للّه بكلّ ما حمده به أدنى ملائكته إليه، وأكرم خليقته عليه، وأرضى حامديه لديه، حمدا يفضل سائر الحمد، كفضل ربّنا على جميع خلقه. ثمّ له الحمد مكان كلّ نعمة له علينا، وعلى جميع عباده الماضين والباقين(1).
قال السجاد عليهالسلام: لو اجتمع أهل السماء والأرض على أن يصفوا اللّه بعظمته ما قدروا(2).
سئل الرضا عليهالسلام عن أدنى المعرفة فقال: الإقرار بأنّه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنّه قديم مثبت، موجود غير فقيد، وأنّه ليس كمثله شيء(3).
قال الزمخشرى: الحىّ الباقي الّذي لا سبيل عليه للفناء وعلى اصطلاح المتكلّمين الّذي يصحّ أن يعلم ويقدر، والقيّوم الدّائم القيام بتدبير الخلق وحفظه(4).
كما وصف نفسه عزّ وجلّ في قوله: «اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ...»(1).
(لا تأخذك سنة) هى ما يتقدّم النّوم من الفتور يسمّى النّعاس (و لا نوم) بالطّريق الأولى.
قال الزّمخشرى: وهو تأكيد للقيّوم لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّوما، ومنه حديث موسى عليهالسلام أنه سأل الملائكة ـ وكان ذلك من قومه كطلب الرؤة ـ: أ ينام ربّنا؟ فأوجى اللّه إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام، ثمّ قال: خذ بيدك قارورتين مملوّتين فأخذهما وألقى اللّه عليه النعاس فضرب إحداهما على الاخرى فانكسرتا، ثمّ أوحى إليه قل لهؤاء إنّى امسك السماوات و الأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا(2).
من نبىّ أو ملك.
من جنّ أو إنس، والنظر أعمّ من أن يكون بالبصر.
وقوله عليهالسلام: إبطال لزعم المجوّزين للرّؤة، فانّ الامة قد اختلفوا في رؤة اللّه
تعالى على أقوال، فذهب الاماميّة والمعتزلة إلى امتناعها مطلقا، وذهبت المشبّهة(1)
اعلم أن المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات البارى سبحانه بذات غيره وصنف شبهوا صفاته بصفات غيره فمن الأول جماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه مثل مضر وكهمش وأحمد الجهيمى وغيرهم من أهل السنة قالوا: معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض اما روحانية أو جسمانية يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقراء والتمكن و أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة وأن المخلصين من المسلمين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتّحاد المحض وحكى عن داود الجواربى أنّه قال: اعفونى عن الفرج واللحية واسألونى عما وراء ذلك، قاله الشهرستانى. ونسب إلى الحنابلة أنهم مشاركون معهم في بعض التشبيهات.
أقول: ومنهم الكرامية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية والحلولية والاتّحادية وغير ذلك، يطول ذكرهم وبيان معتقداتهم فمن شاء فليطلب من المعاجم.
و من الصنف الثاني المعتزلة البصرية والكرامية الذين زعموا أن ارادته تعالى من جنس ارادتنا وغيرهما ممن يعتقدون بأن صفاته كصفاتنا زائدة على وجوده تعالى. بحار الأنوار: 60/4 /تعليقة 1
والكراميّة(2)إلى جوازها منزّها عن المقابلة والجهة والمكان.قال الآبى في كتاب إكمال الاكمال ناقلا عن بعض علمائهم إنّ رؤته تعالى جايزة في الدّنيا عقلا، واختلف في وقوعها وفي أنّه هل رآه النّبي صلىاللهعليهوآله ليلة الاسرى أم لا، فأنكرته عايشة وجماعة من الصّحابة والتّابعين والمتكلّمين، وأثبت ذلك ابن عباس، وقال: إنّ اللّه اختصّه بالرّؤة وموسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة، وأخذ به
جماعة من السّلف، والأشعريّ، وجماعة من أصحابه وابن حنبل وكان الحسن يقسم لقد رآه، وقد توقّف فيه جماعة، هذا حال رؤته في الدّنيا.
وأمّا رؤته في الآخرة فجايزة عقلا، وأجمع على وقوعها أهل السّنة وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج، والفرق بين الدّنيا والآخرة أنّ القوى والادراكات ضعيفة في الدّنيا حتّى إذا كانوا في الآخرة وخلقهم للبقاء قوى إدراكهم فأطاقوا رؤته، انتهى كلامه.
وقد عرفت فيما تقدّم أنّ استحالة ذلك مطلقا هو المعلوم من مذهب أهل البيت عليهمالسلام، وعليه إجماع الشّيعة باتّفاق المخالف والمؤلف، وقد دلّت عليه الأدلّة العقليّة والنقليّة من الآيات والأخبار المستفيضة(1).
قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»(2).
قال تعالى حكاية عن العباد يوم التّناد: «...
وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً...»(3).
وقال تعالى: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(4). أى أحاط به عددا لم يغب عنه شيء ونسوه لكثرته أو تهاونهم به، واللّه على كلّ شيء شهيد أى يعلم الأشياء كلّها من جميع وجوهها لا يخفى عليه شيء منها.
قال تعالى: «... ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»(1).
وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ وَحَالَتْ سُتُورُ (سواتر) الْغَيْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَم وعَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام هَلْ فِي السَّمَاءِ بِحَارٌ قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ لَبِحَاراً عُمْقُ أَحَدِهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فِيهَا مَلائِكَةٌ قِيَامٌ مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمَاءُ إِلَى رُكَبِهِمْ(2)الخبر.
عن الشواغل.
باطالته.
عن الصادق عليهالسلام قال: إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كلّ سبب وضع في
القرآن صفة على حدة(1)، فقوله: «... رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»(2)يقول: الملك العظيم، وقوله: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»(3)يقول: على الملك احتوى، وهذا ملك الكيفوفيّة في الأشياء(4). ثمّ العرش في الوصل متفرّد من الكرسيّ(5)، لأنّهما
بابان من أكبر أبواب الغيوب، وهما جميعا غيبان، وهما في الغيب مقرونان، لأنّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدء، ومنه الأشياء كلّها.
والعرش هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف والكون، والقدر والحدّ، و الأين والمشيئة، وصفة الإرادة، وعلم الألفاظ والحركات والتّرك، وعلم العود والبدء. فهما في العلم بابان مقرونان، لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه
1) . سبب» مضاف إلى «وضع» بصيغة المصدر، أي للعرش في كل مورد في القرآن اقتضى سبب وضعه وذكره في ذلك المورد صفة على حدة.
2) . التوبة: 129.
3) . طه: 5.
4) . الكيفوفية بمعنى الكيفية مأخوذة من الكيف، وهو سؤل عن حال الشيء يقال: كيف أصبحت أي على أي حال أصبحت، فملك الكيفوفية ملك الأحوال الواقعة في الأشياء والأمور الحاصلة فيها بعد ايجادها، فانه تعالى مالك الايجاد ومالك ما يقع في الموجودات بعد الايجاد «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ».
5) . أي ثمّ العرش في حال كونه متّصلاً بالكرسيّ مرتبطا به متفرّد منه متميّز عنه، أو المعنى: ثمّ العرش متفرد من الكرسيّ ومتميز عنه في وصله بالأمور الواقعة في الكون فإنّه متصل بها مؤّر فيها بلا واسطة، وأمّا العرش فمقدم على الكرسيّ ومؤّر فيها بواسطته، وحاصل كلامه عليهالسلام أن العرش والكرسيّ موجودان من الموجودات الملكوتيّة غائبان عن ادراكنا، في كلّ منهما علم الأشياء ومن كلّ منهما تدبيرها من حيث سلسلة علّلها وخصوصيّاتها، إلاّ أن العرش مقدّم في ذلك على الكرسيّ، ومن العرش يجرى إلى الكرسيّ ما يجرى في الأشياء، كما أن عرش السلطان يجرى منه تدبير الأمور إلى الأمير صاحب الكرسيّ ثمّ منه إلى المقامات العاملة المباشرة لأمور المملكة.
أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»(1)، أى: صفته أعظم من صفة الكرسي(2).
وروى الفتال النيسابورى مرسلا: أنّه عليهالسلام قال: في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه في البرّ والبحر، وهذا تأويل قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ...»(3)، وإنّ بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام، والعرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق اللّه، والأشياء كلّها في العرش كحلقة في فلاة. وإن للّه تعالى ملكا يقال له حزقائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر: هل فوق العرش شيء فزاده اللّه تعالى مثلها أجنحة أخرى، فكان له ستّة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، ثمّ أوحى اللّه إليه: أيّها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف عام، لم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش، ثمّ ضاعف اللّه له في الجناح والقوّة، وأمره أن يطير فطار مقدار ثلاثين ألف عام ولم ينل أيضا، فأوحى اللّه إليه: أيّها الملك لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوّتك لم تبلغ إلى ساق العرش. فقال الملك سبحان ربّي الأعلى. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»(4). فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: اجعلوها في سجودكم(5).
أى كثّرت ونشرت.
قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ»(1).
وقال تعالى: «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»(2).
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ لَقَدْ خَلَقَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ خَلَقَهَا سَبْعَةَ عَالَمِينَ لَيْسَ هُمْ وُلْدَ آدَمَ خَلَقَهُمْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَأَسْكَنَهُمْ فِيهَا وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ مَعَ عَالَمِهِ ثُمَّ خَلَقَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ أَبَا هَذَا الْبَشَرِ وَخَلَقَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْهُ وَلا وَاللّهِ مَا خَلَتِ الْجَنَّةُ مِنْ أَرْوَاحِ الْمُؤمِنِينَ مُنْذُ خَلَقَهَا وَلا خَلَتِ النَّارُ مِنْ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ مُنْذُ خَلَقَهَا عَزَّ وَجَلَّ لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَصَيَّرَ اللّهُ أَبْدَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَصَيَّرَ أَبْدَانَ أَهْلِ النَّارِ مَعَ أَرْوَاحِهِمْ فِي النَّارِ أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُعْبَدَ فِي بِلادِهِ وَلا يَخْلُقُ خَلْقاً يَعْبُدُونَهُ وَيُوَحِّدُونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ بَلَى وَاللّهِ لَيَخْلُقَنَّ اللّهُ خَلْقاً مِنْ غَيْرِ فُحُولَةٍ وَلا إِنَاثٍ يَعْبُدُونَهُ وَيُوَحِّدُونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيَخْلُقُ لَهُمْ أَرْضاً تَحْمِلُهُمْ وَسَمَاءً تُظِلُّهُمْ أَ لَيْسَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ»(3)وَقَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
«أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيد»(4)،(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ مَا تَرَى عَالَمٌ مِنْهُمْ أَنَّ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ عَالَماً غَيْرَهُمْ وَأَنَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ(1).
قال تعالى: «اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها...»(2)
وقال تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها...»(3).
أى: اضطرابه وذهابه ومجيئه.
فاستقرت.
أى: عينه وبصره، قال تعالى: «... لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...»(4).
أى: كليلا ومنقطعا، والأصل فيه قوله تعالى: «... يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ»(5).
أى مغلوباَ.
أى متحيّراَ.
غير واصل إلى مقصد. ومحصّله أنّه لو بالغ أحد في إعمال فكره وبذل وسعه للوصول إلى معرفة بعض ما أبدعه اللّه سبحانه في عالم الغيب والشّهادة من بدايع القدرة، ولطايف الحكمة، وعجايب الصّنعة لعجز وحار، وانقطع واستحار، فكيف لو رام معرفة كلّه.
اعلم أنّه عليهالسلام قد نبّه في هذا الفصل من كلامه عليهالسلام على بطلان دعوى من يدّعى رجاء ثواب اللّه سبحانه وخوف عقابه ويزعم اتّصافه بهذين الوصفين اللّذين هما من أوصاف السّالكين وحالات الطّالبين ومقامات العارفين الرّاغبين، وعقبّه بالتّزهيد عن الدّنيا بالأمر بالتّأسّي على رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوجملة من السّلف الصّالحين من الأنبياء والمرسلين حيث زهدوا في الدّنيا، وآثروا الآخرة على الاولى لما رأوا من معايبها ومساويها.
أى قسماً بالرب العظيم.
يعني انّه لو كان رجاؤ صدقا لظهر رجاؤ في عمله، وذلك لأنّا نرى أنّ كلّ من رجا شيئا من سلطان أو غيره فانّه يتابعه ويخدمه ويتقرّب إليه ويتحبّب إليه ويبالغ في طلب رضاه ويسارع إلى خدمته ويأتي بقدر طوعه كلّ ما هو مطلوب له ومحبوب عنده ليظفر بمراده وينال إلى ما يرجوه منه، وهذا المدّعي للرّجاء حيث لا يظهر رجاؤ في عمله يتبيّن أنّه كاذب في دعواه، غير خالص في رجاه.
قيل للصادق عليهالسلام: إنّ قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو. فقال عليهالسلام: كذبوا، ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجحت بهم الأماني، من رجا شيئا عمل له، ومن خاف شيئا هرب منه(1).
وقال الصادق عليهالسلام أيضا: ما أحب اللّه تعالى من عصاه ـ ثمّ تمثّل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه *** هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته *** انّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(2)
وعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ مَوْلايَ الصَّادِقَ عليهالسلام يَقُولُ: كَانَ فِيمَا نَاجَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عليهالسلام أَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ عِمْرَانَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ نَامَ عَنِّي أَ لَيْسَ كُلُّ مُحِبٍّ يُحِبُّ خَلْوَةَ حَبِيبِه(3).
وشكا رجل إلى الصادق عليهالسلام الحاجة فقال له: أ تصلّي بالليل؟ قال: نعم ،
فالتفت عليهالسلام إلى أصحابه وقال: كذب من زعم انّه يصلّي بالليل ويجوع بالنهار(1).
وفي (تاريخ بغداد): في (سمنون الصولي الذي صحب سري السقطى) قال سمنون:
فليس لي في سواك حظ *** فكيفما شئت فامتحنّي
فحصر بوله في ساعته، فسمّى نفسه سمنون الكذّاب(2).
وقال الحسن ـ أي البصرى ـ: إنّ دين اللّه ليس بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكنه ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال(3).
وقال محمود الوراق:
يا ناظرا يرنو بعيني راقد *** مشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى *** درك الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أنّ اللّه أخرج آدما *** منها إلى الدّنيا بذنب واحد(4)
وأخذ مضمونه البهائي فقال بالفارسية:
جد تو آدم بهشتش جاى بود *** قدسيان كردند بهر او سجود
يك گنه ناكرده گفتندش تمام *** مذنبى مذنب برو بيرون خرام
تو طمع دارى كه با چندان گناه *** داخل جنت شوى اى رو سياه(5)
ولو كان خوفه محققا لكان كما قال الصادق عليهالسلام: المؤن بين مخافتين: ذنب قد
مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، وعمر قد بقي لا يدري ممّا يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلاّ خائفا ولا يصلحه إلاّ الخوف(1). وكما قال الحسين عليهالسلام لمّا كتب إليه ـ بعد خروجه من مكة ـ عمرو بن سعيد عاملها بطلب عبداللّه بن جعفر: إنّ لك الأمان عندى: «خير الأمان أمان اللّه، ولن يؤن اللّه يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، فنسأل اللّه مخافة في الدّنيا توجب لنا أمانة يوم القيامة»(2).
أى يرجو رحمته ومغفرته ونعمته ومنّته وجنّته الّتي عرضها السّماء والأرض.
أى في امور دنيويّه زهيدة المنفعة قليلة الجدوى سريعة الزّوال والانقضاء.
قالت رابعة العدوية:
لك ألف معبود مطاع أمره *** دون الإله وتدّعي التوحيدا(3)
وقال زياد الأعجم:
وتشكر يشكر من ضامها *** ويشكر اللّه لا تشكر(4)
وقال ابن دريد: يشكر بطن من بكر بن وائل(1).
دخل معن بن زائدة على الرشيد ـ وكان قد وجد عليه ـ فمشى فقارب الخطو، فقال له الرشيد: كبرت يا معن. قال: في طاعتك. قال: وإنّ فيك على ذلك لبقية. قال: لأوليائك. قال: وإنك لجلد. قال: على أعدائك. فرضي عنه وولاّه.
قال: وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة، فقال ويح هذا ما ترك لربه شيئا(2).
وفي (سير ملوك الأعاجم): ان شيرويه بن أبرويز بينا هو في منتزهاته بأرض العراق وكان لا يسايره أحد وأهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم، فإن التفت يمينا دنا منه صاحب الجيش، وإن التفت شمالا دنا منه الموبذان فيأمره باحضار من أراد مسايرته، فالتفت يمينا فدنا منه صاحب الجيش فقال أين شدّاد بن خزيمة، فأحضر فسايره فقال له: أفكرت في حديث حدّثنا به عن أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر حدّثني به إن كنت تحفظه ـ وكان شدّاد قد سمع هذا الحديث في مكيدة أوقعها أردشير بملك الخزر ـ فاستعجم عليه وأوهمه أنّه لا يعرفه، فحدّثه شيرويه بالحديث، فأصغى إليه الرجل بجوارحه كلّها ـ وكان مسيره على شاطىء نهر، فترك الرجل لا قباله على شيرويه النظر إلى موطىء حافر دابته، فزلّت احدى قوائمها فوقع في الماء، فابتدر حاشية الملك فأخرجوه فنزل شيرويه ودعا بثياب من خاصّ كسوته فألقيت عليه وقال له: غفلت عن موضع حافر
دابتك، فقال: على قدر
النعم تكون المحن، وان اللّه تعالى قد أنعم عليّ بنعمتين عظيمتين: إقبال الملك عليّ من بين هذا السواد الأعظم، وفائدة تدبير الحرب التي حدث بها عن أردشير، فلما اجتمعت نعمتان جليلتان قابلتهما هذه المحنة، ولو لا اساورة الملك لكنت بمعرض هلكة، وعلى ذلك لو كنت غرقت لكان أبقى لي الملك ذكرا مخلّدا، فسرّ شيرويه بذلك وقال له: ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه، فحشا فاه جوهرا واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره(1).
ونقل نظير هذه القصة عن رجل مع معاوية(2)، وعن شخص مع السفاح(3).
وقد قالوا:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إنّ السفينة لا تجري على اليبس(4)
وقد قال تعالى لموسى عليهالسلام: ما دمت لا ترى زوال ملكي فلا ترج أحدا غيري(5).
اعلم انّ الخوف عبارة عن تألّم القلب واحتراقه بسبب توقّع مكروه في الاستقبال، وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرّجاء وهو صفة تقتضى علما وعملا.
اما العلم فهو العلم بالسّبب المفضى إلى المكروه، وذلك كمن جنى على ملك ثمّ وقع في يده فيخاف القتل مثلا ويجوز العفو والافلات، ولكن يكون تألّم قلبه بالخوف بحسب قوّة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، وهو تفاحش جنايته وكون الملك حقودا غضوبا منتقما، وكونه محفوفا بمن يحثّه على الانتقام، خاليا عمّن يتشفّع إليه في حقّه، وكان هذا الخائف عاطلا عن كلّ وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك، فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوّة الخوف وشدّة تألّم القلب، وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف.
وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية قارفها الخائف، بل عن صفة المخوف منه كالّذى وقع في مخالب سبع، فانّه يخاف السّبع لصفة ذات السّبع وهى سطوته وحرصه على الافتراس غالبا وإن كان افتراسه بالاختيار.
وقد يكون من صفة جبليّة للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق من الغرق والاحتراق، لأنّ طبع الماء مجبول على السّيلان والاغراق، وكذا النّار على الاحراق، فالعلم بأسباب المكروه هو السّبب الباعث المثير لاحراق القلب وتألّمه، وذلك الاحراق هو الخوف.
فكذلك الخوف من اللّه تارة يكون لمعرفة اللّه ومعرفة صفاته وأنّه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، وتارة يكون بهما جميعا، ويحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال اللّه تعالى واستغنائه وأنّه لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون تكون قوّة خوفه فأخوف النّاس لربّه أعرفهم بنفسه وبربّه ولذلك قال صلىاللهعليهوآله: أنا أخوفكم للّه، وكذلك قال اللّه:
«إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»(1).
وأما العمل فهو أنّه إذا حصل له الخوف أوجب ذلك الكفّ والتّوقّى عن كلّ ما يؤّى إلى المكروه المتوقّع الّذي يخاف منه.
وخوف اللّه سبحانه إذا ثبت في القلب واشتدّ يظهر أثره على البدن وعلى الجوارح والصّفات.
اما البدن فبالنّحول والصّفار والغشية والزّعقة والبكاء، وقد ننشقّ به المرارة فيفضى إلى الموت، أو يصعد إلى الدّماغ فيفسد العقل، أو يقوى فيورث القنوط واليأس.
واما الجوارح فبكفّها عن المعاصي وتقييدها بالطّاعات تلافيا لما فرّط واستعدادا للمستقبل.
واما الصفات فبأن يقمع الشّهوات ويكدّر اللّذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أنّ فيه سمّا فتحرق الشّهوات بالخوف وتتأدّب الجوارح ويحصل في القلب الذّبول والخشوع و الاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهمّ بخوفه والنّظر في خطر عاقبته، فلا يتفرّغ لغيره ولا يكون له شغل إلاّ المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنّة بالأنفاس واللّحظات، ومؤخذة النّفس بالخطرات والخطوات و الكلمات ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدرى أنّه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا متّسع فيه لغيره هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه.
1) . فاطر: 28.
وقوّة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوّة الخوف الّذي هو تألّم القلب واحتراقه وقوّة الخوف بحسب قوّة المعرفة بجلال اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وبعيوب النّفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال.
وأقلّ درجات الخوف ممّا يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ويسمّى الكفّ الحاصل عن المحظورات ورعا، فان زادت قوّته كفّ عمّا يتطرق إليه امكان التّحريم فيكفّ أيضا عن المشتبهات ويسمّى ذلك التّقوى، إذ التّقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، وهو الصّدق في التّقوى، فاذا انضمّ إليه التّجرّد للخدمة فصار لا يبنى ما لا يسكنه، ولا يجمع مالا يأكله، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنّها تفارقه، ولا يصرف إلى غير اللّه تعالى نفسا من أنفاسه، فهو الصّدق وصاحبه جدير بأن يسمّى صديقا.
ويدخل في الصّدق التّقوى، ويدخل في التّقوى الورع، ويدخل في الورع العفة فانّها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشّهوات خاصّة فاذا الخوف يؤّر في الجوارح بالكفّ والاقدام، ويتجدّد له بسبب الكفّ اسم العفّة، وهو كفّ عن مقتضى الشّهوة وأعلى منه الورع، فانّه أعمّ لأنّه كفّ عن كلّ محظور وأعلى منه التّقوى، فانّه اسم للكفّ عن المحظور والشّبهة جميعا وورائه اسم الصّديق والمقرّب(1).
وقال عليهالسلام لرجل: كيف أنتم فقال: نرجو ونخاف. فقال عليهالسلام: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما
1) . احياء العلوم: 3/13 ـ 5.
خاف منه، وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو(1).
قال الجوهرى: «الضمار» ما لا يرجى من الدين، و«الوعد» ما لا تكون منه على ثقة قال:
حمدن مزاره فأصبن منه *** عطاء لم يكن عدة ضمارا(2)
قالوا: إنّ أعرابيا قال لابن الزبير: أعطني اقاتل عنك أهل الشام. قال: قاتل، فإن أغنيت أعطيناك، قال: أراك تجعل روحي نقدا ودراهمك وعدا(3).
وان عبد الملك لمّا بعث خالدا الأسيدي إلى البصرة أيام ابن الزبير وكان قيس بن الهيثم السلمي من الزبيرية يستأجر الرجال يقاتلون معه، فتقاضى منه رجل أجرته فقال: غدا أعطيكها ـ وكان قيس يعلم في عنق فرسه جلاجل فقال بعضهم:
لبئس ما حكمت يا جلاجل *** النقد دين والطعان عاجل وأنت بالباب سمير آجل(4)
أى: اختارها. قال عمر بن سعد لعنه اللّه:
فواللّه ما أدري وإنّي لحائر *** أفكّر في أمري على خطرينِ
أأترك ملكَ الرّيّ والريُّ منيتي *** أم ارجع مأثوماً بقتل حسينِ
ألا إنما الدنيا بخير معجل *** فما عاقل باع الوجود بدين
يقولون إنّ اللّه خالق جنة *** ونار وتعذيب وغلّ يدينِ
فإن صدقوا فيما يقولون إنّني *** أتوب إلى الرحمن من سنتينِ
وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة *** وملك عقيم دائم الحجلينِ(1)
وهذا الكلام منه ومن امثاله يدّل على عظمة الدّنيا وانّها من الملك العظيم.
قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى»(2).
قَالَ الحسين عليهالسلام في خطبة خطبها لاصحابه: النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ... فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ(3).
وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ أى: التأسّي، قال تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً»(4).
قال تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآْخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ»(5).
وقال تعالى: «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ»(1). وقال تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ... وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ»(2).
جمع المخزية: اسم الفاعل من أخزى، أى: الخصلة القبيحة(3).
أى: نقائصها ومعايبها.
عن الصادق عليهالسلام: ما أعجب النّبي صلىاللهعليهوآله شيء من الدّنيا إلاّ أن يكون فيها جائعا خائفا(4).
وعن الصادق عليهالسلام خرج النّبي صلىاللهعليهوآله وهو محزون فأتاه ملك، ومعه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمّد، هذه مفاتيح خزائن الأرض، يقول لك ربّك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي. فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: الدّنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له. فقال الملك: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، لقد سمعت هذا
الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح(1).
أى هيّأت.
أى: جوانبها.
أى: قطع. والفطيم بعد الفطم يبغض الثدي، فكان صلىاللهعليهوآله يبغضها، وأمّا أهل الدّنيا فيحبّونها حبّ الرضيع للثدي، قال ابن همّام السلولى:
وذمّوا لنا الدّنيا وهم يرضعونها *** أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل(2)
أى: عدل به عن زيناتها.
ودلالة هذه الجملة على ذمّها وعيبها أنّه لو كان لها وقع عنده سبحانه ولها كرامة لديه لم يضن بها على أحبّ خلقه إليه وأشرفهم وأكرمهم عنده، فحيث زويها عنه وبسطها لغيره دلّ ذلك على خسّتها وحقارتها وهوانها وإلى ذلك يشير ما في الحديث: ما زوى اللّه عن المؤن في هذه الدّنيا خير ممّا عجّل له فيها(3).
قال بعض شرّاح الحديث: أى ما نحّى من الخير والفضل، وتصديق ذلك انّ
الرّجل منهم يوم القيامة يقول: يا ربّ إنّ أهل الدّنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النّساء ولبسوا الثّياب اللّينة وأكلوا الطّعام وسكنوا الدّور وركبوا المشهور من الدّواب فأعطني مثل ما أعطيتهم، فيقول اللّه تبارك وتعالى: ولكلّ عبد منكم ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت الدّنيا إلى أن انقضت سبعون ضعفا(1).
أى: جعلت دليلا ثانيا في ذمّ الدّنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها.
بِمُوسَى كَلِيمِ اللّهِ عليهالسلام
والدّليل الأوّل: عمل الدّنيا مع نبيّنا صلىاللهعليهوآله، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها، وكون موسى عليهالسلام كليم اللّه ممّا نطق به القرآن، قال عزّ وجلّ «... وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً»(2)، وعن النّبي صلىاللهعليهوآله: أنّ اللّه تعالى ناجى موسى بن عمران بمائة الف كلمة، وأربعة وعشرين ألف كلمة، في ثلاثه أيّام ولياليهنّ، ما طعم فيها موسى ولا شرب فيها، فلمّا انصرف إلى بني إسرائيل وسمع كلامهم مقتهم، لما كان وقع في مسامعه من حلاوة كلام اللّه تعالى(3).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: أَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى عليهالسلام أَ تَدْرِي لِمَا اصْطَفَيْتُكَ لِكَلامِي دُونَ خَلْقِي فَقَالَ مُوسَى لا يَا رَبِّ فَقَالَ يَا مُوسَى إِنِّي قَلَّبْتُ عِبَادِي ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ أَحَداً أَذَلَّ لِي مِنْكَ نَفْساً يَا مُوسَى إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ
وَضَعْتَ خَدَّيْكَ عَلَى التُّرَابِ(1).
وكان موسى عليهالسلام إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض والأيسر(2).
الآية في سورة القصص، وقبلها: «وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ...»(3).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِيَّاكُمْ أَنْ تَشَمُّوا الْخُبْزَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ فَإِنَّ الْخُبْزَ مُبَارَكٌ أَرْسَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ السَّمَاءَ مِدْرَاراً وَلَهُ أَنْبَتَ اللّهُ الْمَرْعَى وَبِهِ صَلَّيْتُمْ وَبِهِ صُمْتُمْ وَبِهِ حَجَجْتُمْ بَيْتَ رَبِّكُمْ(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِيهِ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِه(5)
وعن الرضا عليهالسلام: أنّ سلمان دعا أبا ذر إلى منزله فقدّم إليه رغيفين، فأخذ أبو ذر
الرغيفين فقلّبهما، فقال سلمان: يا أبا ذر لأي شيء تقلّب هذين الرّغيفين قال:
خفت أن لا يكونا نضيجين، فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا، ثمّ قال: ما أجرأك حيث تقلّب هذين الرغيفين، فو اللّه لقد عمل في هذا الخبز الماء الّذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكة حتّى ألقوه إلى الرّيح، وعملت فيه الريح حتّى ألقته إلى السحاب، وعمل فيه السحاب حتّى أمطره إلى الأرض، وعمل فيه الرّعد والبرق والملائكة حتّى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب و الحديد والبهائم والنار والحطب والملح، وما لا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر فقال أبو ذر: إلى اللّه أتوب وأستغفر إليه ممّا أحدثت(1).
البقلة.
من شف عليه ثوبه، إذا رقّ حتّى يرى ما خلفه.
أى: الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر.
الهزال مقابل السمين.
1) . عيون أخبار الرضا عليهالسلام: 52/2/ ح 203؛ بحار الأنوار: 320/22/ ح 8.
أى: تفرّقه. ويروى أنّه أى موسى عليهالسلام قال يوما يا ربّ إنّي جائع فقال اللّه أنا أعلم بجوعك، قال: يا ربّ أطمعني قال: إلي أن اريد.
وفيما أوحى إليه عليهالسلام يا موسى الفقير من ليس له مثلي كفيل، والمريض من ليس له مثلي طبيب، والغريب من ليس له مثلي مونس قال: ويروى حبيب، يا موسى ارض بكسرة من شعير تسدّ بها جوعتك، وبخرقة توارى بها عورتك، واصبر على المصائب، وإذا رأيت الدّنيا مقبلة عليك فقل: إِنَّا للّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عقوبة قد عجلت في الدّنيا، وإذا رأيت الدّنيا مدبرة عنك فقل: مرحبا بشعار الصّالحين، يا موسى لا تعجبنّ بما اوتى فرعون وما تمتّع به فانّما هي زهرة الحياة الدّنيا(1).
أى: جعلت دليلا ثالثا لك في نقص الدّنيا.
بِدَاوُدَ عليهالسلام
بن أيش من أولاد يهودا سمّى به لأنّه داوي جرحه بودّ وقد قيل: داوى ودّه بالطّاعة حتّى قيل عبد، رواه في البحار من معانى الأخبار وغيره.
جمع المزمار، قيل: قيل له صاحب المزامير، لأنّه كان كأنّ في حلقه مزامير من حسن صوته(2).
قال الفيروزآبادى: مزاميره ما كان يتغنّى به من الزّبور(1)وقال ابن أبي الحديد: يقال: إنّ داود اعطى من طيب النّغم ولذّة ترجيع القراءة ما كان الطّيور لأجله تقع عليه وهو في محرابه، والوحش تسمعه فيدخل بين النّاس ولا تنفر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته(2).
وعن هشام بن سالم عن الصّادق عليهالسلام كان إذا قرء الزّبور لا يبقى جبل و لا حجر ولا طائر ولا سبع إلاّ جاوبه(3)
قال تعالى: «... وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً»(4). وقال تعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالاْءِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ»(5)
ص: 17 ـ 20.
.وقال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ...»(6).
ولعله لطيب صوته كان قاري أهل الجنّة.
أى: نسائج.
أى: ورق النخل.
وروى الطبري أنّه كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان على ثلاثين ألفا من الناس يحطب في عباءة يفترش نصفها، ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤ أمضاه ويأكل من سفيف يده(1).
وأنّ قوما دخلوا على سلمان وهو أمير على المدائن، وهو يعمل الخوص، فقيل له: تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق فقال: إنّي أحبّ أن آكل من عمل يدي(2).
قال المجلسى رحمهالله: لعلّ هذا كان قبل أن ألان اللّه له الحديد(3).
عن عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ» أى سبّحى للّه «وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد»(4)قال: كان داود إذا مرّ في البرارى يقرأ الزّبور يسبّح الجبال والطّير معه والوحوش وألان اللّه له الحديد مثل الشّمع
حتّى كان يتّخذ منه ما أحبّ(1).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: أوحى اللّه إلى داود نعم العبد لو لا أنّك تأكل من بيت المال ولا تأكل بيدك شيئا قال: فبكى داود عليهالسلام فأوحى اللّه تعالى إلى الحديد أن لن لعبدى داود فألان اللّه له الحديد(2)
كما في قوله تعالى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» قيل ان ذوب الحديد إنّما كشف قبل ميلاد المسيح عليهالسلام بألف عام وكان ذلك يطابق عصر داود عليهالسلام وكذلك ذوب النحاس وقد قال اللّه تعالى: «وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ» والقطر النحاس أي أذبناها له فسالت له كالعين الجارية.
، فكان يعمل كلّ يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمأة وستّين درعا فباعها بثلاثمأة وستّين ألفا، واستغنى عن بيت المال(3).وكان داود بن ايشاح (ايش خ ل) من أولاد يهودا وكان قصيرا أزرق قليل الشّعر، فلمّا قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود وأعطوه خزاين طالوت وملكوه عليهم. وقيل إنّ داود ملك قبل أن يقتل جالوت، فلمّا ملك جعله اللّه نبيّا ملكا وأنزل عليه الزّبور وعلّمه صنعة الدّرع وألان له الحديد وأمر الجبال والطّير أن يسبّحن معه إذا سبّح، ولم يعط اللّه أحدا مثل صوته كان إذا قرء الزّبور تدنو الوحش حتّى يؤذ بأعناقها، وكان شديد الاجتهاد، كثير العبادة والبكاء، وكان يقوم اللّيل ويصوم نصف الدّهر، وكان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، وكان يأكل من كسب يده أربعة آلاف، وكانت مدّة ملكه أربعين وتمام عمره مأئة(4)، هذا.
وقد اتّضح بذلك أنّه عليهالسلام مع ما آتاه اللّه من الملك والنّبوة والبسطة زهد في الدّنيا
ورغب عنها وجعل رزقه في كدّ يمينه، والعجب أنّه مع زهده ذلك عيّره حزقيل النّبيّ، روى الصّدوق عن أبيه عن عليّ عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصّادق جعفر بن محمّد عليهماالسلام قال: إنّ داود خرج ذات يوم يقرأ الزّبور وكان إذا قرء الزّبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلاّ جاذبه، فما زال يمرّ حتّى انتهى إلى جبل فاذا على ذلك الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل، فلمّا سمع دويّ الجبال وأصوات السّباع والطّير علم أنّه داود فقال داود: يا حزقيل أ تأذن لي فأصعد إليك؟ قال: لا، فبكى داود عليهالسلام فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه يا حزقيل لا تعيّر داود وسلنى العافية، فقام حزقيل فأخذ بيد داود عليهالسلام فرفعه إليه فقال: داود عليهالسلاميا حزقيل هل هممت بخطيئة قطّ؟ قال: لا، قال: فهل دخلك العجب ممّا أنت فيه من عبادة اللّه تعالى؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدّنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذّتها؟ قال: بلى ربّما عرض بقلبي، قال: فما ذا تصنع إذا كان ذلك؟ قال: أدخل هذا الشّعب فأعتبر بما فيه. قال: فدخل داود النّبيّ الشعب فاذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية وعظام فانية، وإذا لوح حديد فيه كتابة، فقرأها داود فاذا هى: أنا أردى شلم ملكت ألف سنة وبنيت ألف مدينة وافتضضت ألف بكر فكان آخر أمري أن صار التّراب فراشى، والحجارة وسادتى، والدّودان والحيّات جيراني، فمن رآني فلا يغترّ بالدّنيا(1).
ودَخَلَ دَاوُدُ عليهالسلام غَاراً مِنْ غِيرَانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَوَجَدَ حِزْقِيلَ عليهالسلام يَعْبُدُ رَبَّهُ قَدْ يَبِسَ جِلْدُهُ عَلَى عَظْمِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَسْمَعُ صَوْتَ شَبْعَانَ نَاعِمٍ، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا دَاوُدُ. قَالَ: الَّذِي لَهُ كَذَا وَكَذَا امْرَأَةً وَكَذَا وَكَذَا أَمَةً؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ
1) . الأمالي للصدوق: 99/ م 21/ ح 8؛ بحار الأنوار: 25/14/ ح 3.
الشِّدَّةِ؟ قَالَ: مَا أَنَا فِي شِدَّةٍ وَلا أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ حَتَّى نَدْخُلَ الْجَنَّة(1).
عن الرّضا عليهالسلام: ما من نبيّ إلاّ وقد دعا لأكل الشعير وبارك عليه، وما دخل جوفا إلاّ وأخرج كلّ داء فيه، وهو قوت الأنبياء وطعام الأبرار، أبى اللّه تعالى أن يجعل
قوت أنبيائه إلاّ شعيرا(2).
هذا، وروى الطبري: أنّ أصحاب الإبل وأصحاب الغنم تفاخروا عند النّبي صلىاللهعليهوآله، فقال أصحاب الإبل: ما أنتم يا رعاء الشّاة، هل تجبون شيئا أو تصيبونه ما هي إلاّ شويهات أحدكم يرعاها ثمّ يروحها. حتّى أصمتموهم، فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: بعث داود عليهالسلام وهو راعي غنم، وبعث موسى عليهالسلام، وهو راعي غنم، وبعثت أنا وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد. فغلبهم أصحاب الغنم(3).
قال تعالى: «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالاْءِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي
بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ»(1).
أى: عيسى.
أى: يجعله له وسادة، وفي الخبر: أنّ إبليس أتى عيسى عليهالسلام وكان نام وجعل وسادته لبنة، فقال له عليهالسلام: ما تريد منّي وليس لي شيء من علائق الدّنيا فقال: ما دام هذه اللبنة تحت رأسك أرجو منك ذلك. فأخذه عيسى، ورمى به(2).
قال العلاّمة المجلسىّ: لعلّ المعنى أنّ الانسان إنّما يحتاج إلى الادام لأنّه يعسر على النّفس أكل الخبز يابسا، فأمّا مع الجوع الشّديد فيلتذّ بالخبز ولا يطلب غيره فهو بمنزلة الادام، أو أنّه كان يأكل الخبز دون الشّبع فكان الجوع مخلوطا به كالادام(3).
يستضيء به كما يستضاء بالسراج.
أى مكمنه من البرد.
في الضحى.
في المساء ولم يكن له دار ولا بناء.
ولم يأكل لحما ولا فواكه.
كما اتّفق للكثير من العبّاد والزهّاد افتتانهم بنسائهم.
بمرضه أو خوف فقره أو موته.
أى: يصرفه عن اللّه تعالى ذكره، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ(1).
1) . المنافقون: 9.
فقالوا: عزّ من قنع وذلّ من طمع(1).
أى انتفاعه بهما كما ينتفع غيره بالدابة والخادم.
وفي الخبر: قام عيسى عليهالسلام وقال بعد وصفه نفسه، كما وصفه عليهالسلام: أصبحت وليس لي شيء، وأمسيت وليس لي شيء، وأنا أغنى ولد آدم(2).
واعلم أنّ ما وصف عليهالسلام به عيسى فقد روى عنه عليهالسلام نحوه فقال: وأمّا عيسى روح اللّه وكلمته فانّه كان يقول: خادمى يداي ودابّتي رجلاى وفراشي الأرض ووسادي الحجر ودفئي في الشّتاء مشارق الأرض وسراجي باللّيل القمر وادامي الجوع وشعارى الخوف ولباسي الصّوف وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أحد أغنى منّي(3)ورواه في البحار إلاّ أنّ فيه بدل مشارق الأرض مشارق الشّمس(4)، وبدل ريحاني ريحانتي(5).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: في الانجيل إنّ عيسى قال: اللّهمّ ارزقني غدوة رغيفا من شعير وعشيّة رغيفا من شعير ولا ترزقني فوق ذلك فاطغى(6).
وان شئت فاتّبع ذكر حال هؤاء الأنبياء الأكرمين بذكر حال غيرهم من الأنبياء والمرسلين.
واذكر نوحا نجيّ اللّه فانّه مع كونه شيخ المرسلين وقد روي أنّه عاش ألفى عام و خمسمائة عام، وعمّر في الدّنيا مديدا، مضى منها ولم يبن فيها بيتا، وكان إذا أصبح يقول لا امسى وإذا أمسى يقول لا أصبح(1). وفي خبر انّه مضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتا وكان يستظل هو وعياله بالاشجار، وكان إذا أصبح يقول: لا أمسي وإذا أمسى يقول: لا أصبح فلما كبر قال: يا ربّ ائذن لي ببناء بيت يقيني الحر والبرد فاذن اللّه له ان يصنع بيتا من سعف النخل إذا نام فيه يكون نصفه في الظل ونصفه في الشمس(2)، وروي انه من قصب، فقيل له: لو بنيت دارا فقال: هذا لمن يموت كثير(3).
وانظر إلى أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرّحمن فقد كان لباسه الصّوف وطعامه الشّعير.
ثمّ انظر إلى يحيى بن زكريا كان لباسه اللّيف وأكله ورق الشّجر.
ثمّ إلى سليمان بن داود فقد كان مع ما هو فيه من الملك العظيم يلبس الشّعر وإذا جنّه اللّيل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائما باكيا حتّى يصبح، وكان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده(4)، وهكذا كان حال ساير الأنبياء في إعراضهم عن الدّنيا.
هذا، ولبعضهم في وصف نفسه:
أ تراني أرى من الدهر يوما *** لي فيه مطية غير رجلي
كلّما كنت في جمع فقالوا *** قرّبوا للرحيل قرّبت نعلي
حيثما كنت لا أخلف رحلا *** من رآني فقد رآني ورحلي(1)
ولبعضهم أيضا:
برزت من المنازل والقباب *** فلم يعسر على أحد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي *** سماء اللّه أو قطع السحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتي *** دخلت(2)مسلّما من غير باب
لأنّي لم أجد مصراع باب***يكون من السحاب إلى التراب
ولا خفت الإباق على عبيدي***ولا خفت الهلاك على دوابي
ولا حاسبت يوما قهرماني***محاسبة فأغلظ في حسابي
وفي ذا راحة وفراغ بال***فدأب الدهر ذا أبدا ودابي(3)
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صلىاللهعليهوآله فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى
أى: حقيق لأن يتأسّى به.
أى: أنّ فيه موضع انتساب.
أى: أراد الانتساب إليه.
قالوا: الأصل فيه قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ...»(1).
قال الفخر الرّازى: قال المتكلّمون محبّة اللّه للعبد عبارة عن إرادته تعالى ايصال الخيرات والمنافع في الدّين والدّنيا إليه(2).
أى: المتّبع.
فيفعل ما فعل صلىاللهعليهوآله، ويترك ما ترك صلىاللهعليهوآله.
أى: قنع منها بقدر الضرورة، فقالوا: الخضم الأكل بجميع الفم، والقضم دونه، قال: أعرابي قدم على ابن عمّ له بمكة: هذه بلاد مقصم، وليست ببلاد مخضم(3).
قال ابن أبي الحديد: وأصل القضم أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان
والخضم أكل بكل الفم للأشياء الرطبة وروى: «قصم الدّنيا قصما»(1).
وهو الأنسب بقوله عليهالسلام بعد «و لم يعرها طرفا». وقالوا: الفصم كسر غير بيّن، والقصم كسر بيّن(2)، وتفسير ابن أبي الحديد(3)له بمطلق الكسر في غير محلّه.
أى لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بأن يجعلها مطمح نظره، وهو كناية عن عدم التفاته إليها.
أى: نظرا بمؤّر العين، فعلم أنّها ما تعدل عند اللّه جناح بعوضة، وإلاّ لما سقى الكافر منها شربة ماء.
يقال رجل أهضم إذا كان خميصا لقلة الأكل(4).
قال الجوهرى: الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف(5)، قال طرفة:
وأنّ له كشحا إذا قام أهضما(6)
أى: أضمرهم، وأرقّهم.
قال:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا *** فإنّ زمانكم زمن خميص(1)
وفي الخبر: كان النّبي صلىاللهعليهوآله إذا تغدّى لا يتعشى، وإذا تعشّى لا يتغدّى(2)، وكان صلىاللهعليهوآلهما شبع من خبز شعير قطّ، وما أكل خبز برّ قطّ،(3)وقد يلصق بطنه بظهره من شدّة الجوع(4).
وروى أنّه صلىاللهعليهوآله إذا اشتدّ جوعه كان يربط على بطنه حجرا و يسميّه المشبع(5)مع كونه مالكا لقطعة واسعة من الدّنيا.
وفي الخبر أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان يجوع من غير عوز أى مختارا لذلك(6).
وكانت عايشة تقول إنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لم يمتل قطّ شبعا و ربّما بكيت رحمة له مما أرى به من الجوع فأمسح بطنه بيدى وأقول نفسى لك الفداء لو تبلّغت من الدّنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع، فيقول: يا عايشة اخواني من اولى العزم من الرّسل قد صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم فقدموا على ربّهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصر بي
غدا دونهم، فالصّبر أيّاما يسيرة أحبّ إلىّ من أن ينقص حظّى غدا في الآخرة، وما من شيء أحبّ إلىّ من اللّحوق بأصحابي وإخواني، قالت عايشة: فو اللّه ما استكمل بعد ذلك جمعة حتّى قبضه اللّه إليه(1). وعن أنس قال: جاءت فاطمة صلوات اللّه وسلامه عليها بكسرة خبز إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال: ما هذه الكسرة؟ قالت: قرص خبزته ولم تطب نفسى حتى أتيتك منه بهذه الكسرة، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أما أنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام(2).
وعن جابر الأنصارى: أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئا، فأتى فاطمة عليهاالسلام فقال: يا بنيّة هل عندك شيء آكل فإنّي جائع فقالت: لا و اللّه بأبي أنت وأمّي فلمّا خرج النّبي صلىاللهعليهوآله من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين، وبضعة لحم. فأخذته منها ووضعته في جفنة، وغطّت عليه، وقالت: لأوثرنّ بها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على نفسي، ومن عندي.
وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسنا وحسينا إلى جدّهما رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قد أتانا اللّه بشيء فخبأته لك. قال: فهلمّي به. فأتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما. فلمّا نظرت إليه بهتت، وعرفت أنّها من بركة اللّه، فحمدت اللّه تعالى وصلّت
على نبيّه. فقال صلىاللهعليهوآله: من أين لك هذا يا بنيّة قالت: «فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها
نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا...»(1)، فحمد النّبي صلىاللهعليهوآلهوقال: الحمد للّه الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل، فإنّها كانت إذا رزقها اللّه رزقا حسنا، فسئلت عنه
«فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما...»(2).
قال الرضا عليهالسلام: قال النّبي صلىاللهعليهوآله: أتاني ملك، فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك: إن شئت جعلت لك بطحاء مكّة ذهبا. فرفع رأسه إلى السماء فقال: يا ربّ أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوما فأسألك(3). وعن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: خرج النّبي صلىاللهعليهوآله وهو محزون، فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال: يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الدّنيا يقول لك ربّك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندى، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الدّنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له، فقال له الملك: والّذي بعثك بالحقّ لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السّماء الرّابعة حين اعطيت المفاتيح(4).
وعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث طويل وفيه: ثمّ قال عليهالسلام: يا محمّد لعلّك ترى أنّه صلىاللهعليهوآله شبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام منذ بعثه اللّه إلى أن قبض، ثمّ ردّ على نفسه ثمّ قال: لا واللّه ما شبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام متوالية منذ بعثه اللّه إلى أن قبضه، أما أنّي لا أقول إنّه كان لا يجد، لقد كان يجير الرجل الواحد بالمأة من
الابل فلو أراد أن يأكل لأكل، وقد أتاه جبرئيل بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرّات يخيّره من غير أن ينقص ممّا أعدّ اللّه له يوم القيامة شيئا، فيختار التّواضع للّه(1)، الحديث.
وَعَلِمَ صلىاللهعليهوآله أَنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً ولم يرده لاوليائه.
النّبي صلىاللهعليهوآله لنفسه لأنّه لا يشاء إلاّ أن يشاء اللّه روى عن موسى بن يسار قال: قال النّبي صلىاللهعليهوآله إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدّنيا وأنّه منذ خلقها لم ينظر إليها(2).
وقال رسول اللّه: الدّنيا موقوفة بين السّماء والأرض منذ خلقها اللّه لم ينظر إليها وتقول يوم القيامة: يا ربّ اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيبا، فيقول اسكتي يا لا شيء إنّي لم أرضك لهم في الدّنيا ارضاك لهم اليوم؟(3)
وعن الصادق عليهالسلام في مناجاته تعالى لموسى عليهالسلام: إنّ الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي...(4).
عن الصادق عليهالسلام: مرّ النّبي صلىاللهعليهوآله بجدي أسكّ (أي مقطوع الأذنين) ملقى على
مزبلة ميتا، فقال لأصحابه: كم يساوي هذا، فقالوا: لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما. فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: والّذي نفسي بيده للدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدي على أهله(1).
أراد تصغيره بالنّسبة إلى ما أعدّه لأوليائه في الآخرة فصغّره صلىاللهعليهوآله قال في إحياء
العلوم قال داود بن هلال: مكتوب في صحف إبراهيم عليهالسلام: يا دنيا ما هونك على الابرار الّذين تمنّعت وتزيّنت لهم إنّي قذفت في قلوبهم بغضك والصّدود عنك، وما خلقت خلقا أهون علىّ منك كلّ شأنك صغير، وإلى الفناء تصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومى لأحد، ولا يدوم لك أحد وإن بخل به صاحبك وشحّ عليك، طوبى للأبرار الّذين اطلعوني من قلوبهم على الرضا، ومن ضميرهم على الصّدق والاستقامة، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلىّ من قبورهم إلاّ النّور
يسعى أمامهم، والملائكة حافّون بهم حتّى ابلغهم ما يرجون من رحمتى(2).
أى: خلافا، وفي كوننا في غير شقه تعالى.
أى: مخالفة، وكوننا في حدّ آخر.
وما يريده منّا، وفي الخبر: مرّ موسى عليهالسلام برجل يبكي، فقال: إلهي عبدك يبكي من مخافتك، فقال: يا موسى لو نزل دماغه مع دموع عينيه وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَسْقُطَا
لَمْ أَغْفِرْ لَهُ وَهُوَ يُحِبُّ الدُّنْيَا(1). وعنهم عليهمالسلام: حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة(2).
وعن الباقر عليهالسلام: إيّاك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك. فكفى بما قال اللّه تعالى
لنبيّه صلىاللهعليهوآله: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ...»(3)، وقال: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا...»(4)فإن دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، فإنّما كان قوته الشعير، وحلوه التمر، ووقوده السعف(5)
السَّعَف: أغصان النخل، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فهي الشطبة، هذا ما دامت بالخوص، فإذا زال الخوص عنها قيل: جريدة؛ أو السعف: الورق، والواحدة: سَعَفة. وكلاهما يمكن أن يراد هنا. راجع: لسان العرب، ج9، ص151؛ المصباح المنير، ص277 سعف.
إذا وجده(6).وقالوا: وقف صوفي على إبراهيم بن أدهم فقال: يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب عن اللّه عزّ وجلّ قال: لأنّها أحبّت ما أبغض اللّه، أحبّت الدّنيا، ومالت إلى
دار الغرور، وتركت العمل لدار فيها حياة الأبد(1).
وروى أنّ سلمان رضى اللّه عنه كان متحسّرا عند موته، فقيل له: يا أبا عبداللّه على ما تأسّفك؟ قال: ليس تأسّفي علي الدّنيا، ولكن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عهد إلينا وقال: لتكن بلغة أحدكم كزاد الراكب، وأخاف أن يكون قد جاوزنا أمره وحولى هذه الأساور، وأشار إلى ما في بيته وإذا هو دست(2)وسيف و جفنة(3)
الجفنة بالفتح: القصعة اقرب.
،(4).عن قيس بن أبي حازم: جاء رجل إلى النّبي صلىاللهعليهوآله فأصابته رعدة. فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: هوّن عليك فإنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد(5)
القديد: اللحم المشرّر المقدّد أو ما قطع منه طولا.
،(6).وفي الخبر: مرّت امرأة بذيّة على النّبي صلىاللهعليهوآله وكان جالسا جلسة العبيد، فقالت: يا محمّد إنّك تجلس جلسة العبيد فقال: وأيّ عبد أعبد منّي(7).
وعن أبي أمامة، قال: بينما نحن مع النّبي صلىاللهعليهوآله إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء، وقد أسبل، فجعل النّبي صلىاللهعليهوآله يأخذ بحاشية ثوبه، ويتواضع للّه عزّ وجلّ ويقول: اللّهمّ عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حتّى سمعها عمرو بن زرارة فالتفت إلى النّبي صلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول اللّه إنّي حمش الساقين. فقال
النّبي صلىاللهعليهوآله: «إنَّ اللّهَ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ»(1)يا عمرو بن زرارة، إنّ اللّه لا يحبّ المسبلين(2).
والظاهر أنّ مراد عمرو في قوله: إنّي حمش الساقين: إنّي أسلبت لأستر حمشهما.
وفي الخبر: كان النّبي صلىاللهعليهوآله يجيب دعوة العبد، ويدعى إلى خبز الشعير والاهالة السنخة، فيجيب(3).
وفي حديث قدوم عدي بن حاتم على النّبي صلىاللهعليهوآله لإسلامه ـ قال عدى: فانطلق بي النّبي صلىاللهعليهوآله إلى بيته، إذا لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلّمه في حاجتها. فقلت في نفسى: ما هذا بملك. ثمّ مضى بي حتّى دخل بيته تناول وسادة محشوّة ليفا، فقذفها إليّ، وقال: اجلس على هذه. قلت: بل أنت. قال: بل أنت. فجلست عليها، وجلس بالأرض. فقلت في نفسى: واللّه ما هذا بأمر ملك. ثمّ قال: أيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا ـ قيل: الركوسي دين بين النصارى والصابئين ـ قلت: بلى. قال: أولم تك تسير في قومك بالمرباع قلت: بلى. قال: فإنّ ذلك لا يحلّ لك في دينك، قلت: أجل، وعرفت أنّه نبيّ مرسل يعلم ما يجهل...(4). وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد ويعلم أنّه عبد(5).
وعن البرقي عن عمرو بن جميع عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله
يأكل بالأرض(1)، هذا.
وظهور التّواضع في الأكل على الأرض واضح.
والمراد بأكله أكل العبد إمّا ذلك أعنى الأكل على الأرض، أو الأكل بثلاثة أصابع لا بالإصبعين كما يشعر به ما عن البرقي عن أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليهالسلامأنّه كان يجلس جلسة العبد ويضع يده على الأرض ويأكل بثلاثة أصابع، وقال: إنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان يأكل هكذا، ليس كما يفعله الجبّارون يأكل أحدهم بإصبعيه(2)، أو الأكل من غير اتّكاء ويدلّ عليه ما عن الكلينيّ عن معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما أكل رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهمتّكئا منذ بعثه اللّه إلى أن قبضه تواضعا للّه عزّ وجلّ(3). وعن زيد الشّحام عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما أكل رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهمتّكئا منذ بعثه اللّه حتّى قبض كان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، قلت: ولم ذلك؟ قال: تواضعا للّه عزّ وجلّ(4).
وأما المراد من كون جلوسه جلسة العبد إمّا جلوسه على الأرض، ويدلّ عليه ما مر أو الجلوس من غير تربّع كما هو جلوس الملوك، ويدلّ عليه ما عن الكلينيّ عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال قال أميرالمؤمنين عليهالسلام إذا جلس أحدكم على الطّعام فليجلس جلسة العبد ولا يضعنّ احدى رجليه على الأخرى ويتربّع، فانّها
جلسة يبغضها اللّه ويمقت صاحبها(1).
أو الجلوس دون شرفه، ويفيده ما عن الكلينيّ مرسلا عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل(2).
وقد يكل ذلك إليه عليهالسلام، وحديث خاصف النعل معروف(3).
ومعلوم أنّ ركوب الحمار العاري آية التواضع وهضم النفس، وإرداف غيره خلفه آكد في الدّلالة عليه وكذلك لبس الثوب المرقع لا سيما إذا كان اللاّبس هو الراقع.
وفي (تفسير القمي) ـ في غزوة الخندق في مجيء حي بن أخطب إلى كعب بن أسيد، رئيس بني قريظة، ليحمله على نقض العهد بينه وبين النّبي صلىاللهعليهوآله لتجمع أحزاب قريش وغيرهم عليه ـ فقال كعب لبني قريظة: ما تريدون قالوا: أنت سيّدنا والمطاع فينا وأنت صاحب عهدنا، فإن نقضت نقضنا، وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك. فقال الزبير بن ياطا ـ وكان شيخا كبيرا مجرّبا قد ذهب بصره ـ قد قرأت التوراة الّتي أنزلها اللّه في سفرنا بأنّه يبعث نبيّا في آخر الزمان
يكون مخرجه بمكّة، ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة، يركب الحمار العريّ، ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسيرات والتميرات، وهو الضحوك القتّال، في عينيه الحمرة، وبين كتفيه خاتم النبوّة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقاه، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر. فإن كان هذا هو فلا يهولنّه هؤاء وجمعهم، ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها. فقال حى: ليس هذا ذلك، وذلك النبيّ من بني إسرائيل، وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا(1). وفيه أيضا ـ بعد ذكر ظفر النّبي صلىاللهعليهوآله ببني قريظة: فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يديه إلى عنقه، وكان جميلا وسيما، فلمّا نظر إليه النّبي صلىاللهعليهوآله قال له: يا كعب أما نفعتك وصيّة ابن الحوّاس الحبر الذكي الّذي قدم عليكم من الشام فقال: تركت الخمر والخنزير، وجئت إلى البؤ والتمور لنبي يبعث، مخرجه بمكّة، ومهاجرته في هذه البحيرة، يجتزي بالكسيرات والتمرات، ويركب الحمار العريّ، في عينيه حمرة، بين كتفيه خاتم النبوّة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقي منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فقال: قد كان ذلك يا محمّد، ولو لا أنّ اليهود يعيّروني أنّي جزعت عند القتل لآمنت بك وصدّقتك، ولكنّي على دين اليهود عليه أحيى، وعليه أموت(2).
وعن الرّضا عليهالسلام عن آبائه عن النّبي صلىاللهعليهوآله قال خمس لا أدعهنّ حتى الممات:
الأكل على الحضيض(1)مع الْعَبِيدِ وَرُكُوبِيَ الْحِمَارَ مُؤكَفاً(2)وَحَلْبِيَ الْعَنْزَ بِيَدِي وَلُبْسُ الصُّوفِ وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الصِّبْيَانِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي(3).
روى الواحدي عن عروة بن الزبير أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله سار يعود سعد بن عبادة، فركب حمارا على قطيفة فدكيّة، وأردف أسامة خلفه(4).
ووقف النّبي صلىاللهعليهوآله بعرفات وهو مردف أسامة بن زيد، وكان أسامة يدعى الردف، لأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان يردفه كثيرا(5). وأردف النّبي صلىاللهعليهوآله الفضل بن العبّاس من مزدلفة إلى منى(6).
وعن ابن مندة: عدّ من أردفه النّبي صلىاللهعليهوآله إلى ثلاثة وثلاثين نفرا(7).
الظاهر أنّ المراد به تصاوير الشجر والنبات ونحوها لا تصاوير الحيوان وغيره من ذوى الأرواح، إذ بيته صلىاللهعليهوآله كان مهبط الوحى ومختلف الملائكة ولا يدخل الملك بيتا فيه صورة مجسّمة كما ورد به الأخبار(8).
1) . قال في النهاية: الحضيض قرار الأرض واسفل الجبل.
2) . الوكف محرّكة: العيب والضعف والثقل. ق
3) . عيون أخبار الرضا عليهالسلام: 81/2/ ح 14؛ بحار الأنوار: 425/63/ ح 42.
4) . اسباب النزول: 90.
5) . انساب الاشراف: 469/1 ـ 470.
6) . كنز العمال: 151/5/ ش 12426.
7) . سبل الهدى: 376/7.
8) . الخصال: 138/1/ ح 155؛ الطرائف: 220/1/ ح 320.
روى الخطيب في محمّد بن حمويه عن عايشة أنّها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلمّا رآها النّبي صلىاللهعليهوآله قام بالباب ولم يدخل، فعرفت عائشة وأنكرت وجهه، فقالت: يا رسول اللّه تبت إلى اللّه، ما ذا أذنبت فقال: ما هذه النمرقة قالت: اشتريتها لك
تجلس عليها وتوسّدها. فقال: إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإنّ البيت الّذي فيه الصور لا تدخله الملائكة(1).
وعن عايشة قالت: إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله خرج في بعض مغازيه. فأخذت نمطا كان لنا فسترته على العرض، فلمّا جاء أتى النمط حتّى هتكه، ثمّ قال: إنّ اللّه لم يأمرنا في
ما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن. فقطعته، وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفا، فلم ينكر ذلك عليّ(2).
والظاهر أنّ أمره صلىاللهعليهوآله بتغييبها إنما هو لأجل أنّ الدّنيا وزخارفها كانت مبغوضة عنده بالذات ومكروهة لديه بالطبع، فأمر بتغييبها لكونها موجبة لذكر ما يبغضه ويتنفّر عنه ويعاديه.
قال تعالى له: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى»(3).
عن أميرالمؤمنين عليهالسلام: كان فراش النّبي صلىاللهعليهوآله عباءة، وكانت مرفقته أدم حشوها ليف، فثنيت له ذات ليلة، فلمّا أصبح قال: لقد منعني الفراش الليلة من الصلاة فأمر أن يجعل بطاق واحد(1).
أى: زينة وتجمّلا ولباسا فاخرا، والأصل فيه ريش الطائر، قال جرير:
فريشي منكم وهواي معكم *** وإن كانت زيارتكم لماما(2)
وذلك لما روى عنه صلىاللهعليهوآله إنّ اللّه يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس قال أبو بردة: اخرجت لنا عايشة كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في هذين(3).
وفي الخبر اشترى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ثوبا بأربعة دراهم وكانت قيمة ثوبيه عشرة وكان إزاره أربعة أذرع ونصفا واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين وكانت تسمى حلّة لأنّهما ثوبان من جنس واحد، وربّما كان يلبس بردين يمانين أو سحوليين من هذه الغلاظ(4)، وكان شراك نعله قد اخلق فابدل
بسير جديد فصلّى فيه فلما سلّم: قال اعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فانى نظرت إليه في الصلاة، وكان صلىاللهعليهوآله قد احتذى مرّة نعلين جديدين فأعجبه حسنهما فخرّ ساجدا وقال: أعجبني حسنهما فتواضعت لربّي خشية أن يمقتني فدفعهما إلى أوّل مسكين رآه(5).
قال مؤن آل فرعون: «يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(1).
ولانها دار مجاز لا دار قرار.
أحلام نوم أو كظلّ زائل *** إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع(2)
ولذلك قال صلىاللهعليهوآله: الدّنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له ولنعم ما قيل:
أرى طالب الدّنيا وإن طال عمره *** ونال من الدّنيا سرورا وأنعما
كبان بنى بنيانه فأقامه *** فلمّا استوى ما قد بناه تهدّما(3)
وعن النّبي صلىاللهعليهوآله قال: ما لي وللدنيا، إنّما مثلي ومثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها ثمّ راح وتركها(4).
قوله صلىاللهعليهوآله «فقال» أى: أتى بالقيلولة من: قال يقيل.
أى: أذهبها عن قلبه.
والمراد إعراضه عنها ظاهرا وباطنا، فبعض يمكن ألاّ تكون الدّنيا متمكّنة من قلوبهم، لكن أوضاع الدنيا لهم منبسطة، وهو غير مذموم، وبعض بالعكس وهو مذموم، والأوّل كالغنيّ الزاهد، والثاني كالفقير الحريص. والممدوح إذهابها عن القلب والبصر، كما فعل صلىاللهعليهوآله، وقد قال تعالى له: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَياةَ الدُّنْيا»(1).
قالوا: اجتمعت عدّة من الفقهاء والزهاد عند رابعة العدوية فذمّوا الدّنيا وهي ساكتة، فلمّا فرغوا قالت: من أحبّ شيئا أكثر من ذكره إمّا بحمد، وإمّا بذمّ. فانّ كانت الدّنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرونها(2).
كما أنّ في عمل الدّنيا مع المنقطعين عن اللّه أيضا ما يدلّ على نقائصها، إذ يكونون فيها مرفّهين.
أمّا جوعه صلىاللهعليهوآله فقد عرفته فيما تقدّم، وأقول هنا مضافا إلى ما سبق:
روى أحمد بن فهد أنه صلىاللهعليهوآله أصابه يوما الجوع فوضع صخرة على بطنه ثمّ قال: ألا ربّ مكرم لنفسه وهولها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ألا ربّ نفس
جايعة عارية في الدّنيا طاعمة في الآخرة ناعمة يوم القيامة، ألا ربّ نفس كاسية ناعمة في الدّنيا جايعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ نفس متخوّض متنعّم فيما أفاء اللّه على رسوله ما له في الآخرة من خلاق، ألا إنّ عمل أهل الجنّة حزنة بربوهألا إنّ عمل أهل النّار سهلة لشهوة، ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا يوم القيامة(1).
وأما جوع خاصته فقد ورد في روايات مستفيضة.
منها: قال أبو هريرة: ما أشبع النّبي صلىاللهعليهوآله أهله أعني أهل بيته وأزواجه وأهل بطانته من أصحابه ثلاثة أيّام تباعا من خبز الحنطة حتّى فارق الدّنيا، وقال إنّ أهل
الجوع في الدّنياهم أهل الشّبع في الآخرة(2).
وقال الفضيل: ما شبع رسول اللّه منذ قدم المدينة ثلاثة أيّام من خبز البرّ(3)
وقالت عايشة: كانت تأتي علينا أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله مصباح ولا نار، قيل لها: فيم كنتم تعيشون؟ قال: بالأسودين: التّمر والماء(4).
وأما جوع أخصّ خاصّته أعني أهل بيت العصمة والطّهارة فهو غنيّ عن البيان، و كتب الخاصّة بل العامّة قد تضمّنت أخبارا كثيرا في ذلك المعنى، ولنقتصر على ثلاثة أحاديث.
أحدها ما عن الصدوق طاب ثراه باسناده إلى خالد بن ربعى قال: إنّ أميرالمؤمنين عليهالسلام دخل مكّة في بعض حوائجه فوجد اعرابيا متعلّقا بأستار الكعبة
وهو يقول: يا صاحب البيت، البيت بيتك والضيف ضيفك ولكلّ ضيف من مضيفه قرى فاجعل قراى منك اللّيلة المغفرة فقال أميرالمؤمنين عليهالسلام لأصحابه: أما تسمعون كلام الأعرابي؟! قالوا: نعم قال عليهالسلام: اللّه اكرم من أن يردّ ضيفه.
قال: فلمّا كان من اللّيلة الثانية وجده متعلّقا بذلك الركن وهو يقول: يا عزيزا في عزّك فلا أعزّ منك في عزّك أعزّني بعزّ عزّك في عزّ لا يعلم أحد كيف هو، أتوجّه إليك وأتوسّل إليك بحقّ محمّد وآل محمّد عليك، اعطنى ما لا يعطيني أحد غيرك، واصرف عني ما لا يصرفه أحد غيرك.
فقال أميرالمؤمنين عليهالسلام لأصحابه: هذا واللّه الاسم الأكبر بالسريانية أخبرني به حبيبي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله سأله الجنّة فأعطاه وسأله صرف النار فصرفها عنه.
قال: فلما كان اللّيلة الثالثة وجده وهو متعلّق بذلك الركن وهو يقول: يا من لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، ارزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.
قال: فتقدّم إليه أميرالمؤمنين عليهالسلام وقال يا اعرابي سألت ربّك فأقراك، و سألت الجنّة فأعطاك، وسألته أن يصرف عنك النار فصرفها عنك وفي هذه اللّيلة تسأله أربعة آلاف درهم؟ قال الاعرأبي: من أنت؟ قال عليهالسلام: أنا علىّ بن أبي طالب قال الاعرأبي: أنت واللّه بغيتي وبك أنزلت حاجتي، قال عليهالسلام: سل يا اعرابي، قال: اريد ألف درهم للصداق، وألف درهم اقضى بها (به خ) ديني، وألف درهم اشترى بها دارا، وألف درهم أتعيّش بها، قال أنصفت يا اعرابي، فاذا خرجت من مكّة فسل عن دارى بمدينة الرسول صلىاللهعليهوآله.
فأقام الاعرابي بمكّة اسبوعا فخرج في طلب أميرالمؤمنين عليهالسلام إلى المدينة
ونادى من يدلّني على دار أميرالمؤمنين عليهالسلام فقال الحسين بن عليّ من بين الصبيان: أنا أدلّك على دار أميرالمؤمنين وأنا ابنه الحسين بن عليّ، فقال الاعرأبي:
من أبوك؟ قال: أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام، قال: من امّك؟ قال: فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، قال: من جدّك؟ قال: رسول اللّه محمّد بن عبداللّه بن
عبد المطلب، قال من جدّتك؟ قال خديجة بنت خويلد، قال: من أخوك؟ قال أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهالسلام، قال: قد أخذت الدّنيا بطرفيها امش إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام وقل له إنّ الاعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.
قال: فدخل الحسين بن عليّ عليهماالسلام فقال: يا أبه، اعرابيّ بالباب ويزعم أنه صاحب الضمان بمكّة، قال: فقال: يا فاطمة عندك شيء يأكله الاعرابي؟ قالت: اللّهم لا، فتلبّس أميرالمؤمنين عليهالسلام وخرج وقال: ادعو الي أبا عبداللّه سلمان الفارسي قال. فدخل سلمان الفارسي رضىاللهعنه فقال عليهالسلام: يا أبا عبداللّه اعرض الحديقة التي غرسها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لى على التجار.
قال: فدخل سلمان إلى السوق وعرض الحديقة فباعها باثنى عشر ألف درهم وأحضر المال وأحضروا الاعرابي فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهما نفقة، و وقع الخبر إلى سؤال المدينة فاجتمعوا، ومضى رجل إلى فاطمة فأخبرها بذلك فقالت: آجرك اللّه في ممشاك، فجلس عليّ عليهالسلام والدّراهم مصبوبة بين يديه حتّى اجتمع عليه أصحابه فقبض قبضة قبضة وجعل يعطى رجلا رجلا حتى لم يبق معه درهم واحد فلما أتى المنزل قالت له فاطمة عليهاالسلام: يا ابن عم بعت الحائط الذى غرسه لك والدى، قال: نعم بخير منه عاجلا وآجلا، قالت: فأين الثمن؟ قال دفعته إلى أعين استحييت أن أذلّها بذلّ المسألة اعطيتها قبل أن تسألنى، قالت فاطمة: أنا
جايعة وأولادي جايعان ولا شكّ إلاّ وأنّك مثلنا في الجوع لم يكن لنا منه درهم وأخذت بطرف ثوب عليّ، فقال علىّ: خلّيني، فقالت عليهاالسلام: لا واللّه أو يحكم بيني وبينك أبي.
فهبط جبرئيل على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال: يا محمّد ربك يقرءك السّلام ويقول اقرء عليّا منّي السّلام وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزمى بثوبه فلمّا أتى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله منزل عليّ عليهالسلام وجد فاطمة ملازمة لعليّ عليهالسلام، فقال لها يا بنيّة ما لك ملازمة لعليّ؟ قالت: يا أبت باع الحائط الّذي غرسته له باثنى عشر ألف درهم لم يحبس لنا منه درهما واحدا نشترى به طعاما، فقال: يا بنيّة إنّ جبرئيل يقرئني من ربّي السّلام ويقول: اقرء عليّا منّي السّلام وأمرني أن أقول لك ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزمي بثوبه، قالت فاطمة: أستغفر اللّه ولا أعود أبدا.
قالت فاطمة عليهاالسلام: فخرج أبي في ناحية وزوجي في ناحية فما لبث أن أتى أبي صلىاللهعليهوآله ومعه سبعة دراهم سود هجرية، فقال صلىاللهعليهوآله: يا فاطمة أين ابن عمّي فقلت له: خرج، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: هاك هذه الدّراهم فاذا جاء ابن عمّي فقولي له يبتاع لكم بها طعاما، فما لبث إلاّ يسيرا حتّى جاء عليّ عليهالسلامفقال: رجع ابن عمّي فانّي أجد رايحة طيّبة، قالت: نعم وقد دفع إلىّ شيئا تبتاع به طعاما قال: فقال عليّ عليهالسلام: هاتيه، فدفعت إليه سبعة دراهم سود هجريّة فقال: بسم اللّه والحمد للّه كثيرا طيبا
وهذا من رزق اللّه تعالى، ثمّ قال عليهالسلام: يا حسن قم معى فأتيا السّوق فاذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الملى الوفي؟ قال: يا بنيّ نعطيه قال: اى واللّه يا أبه، فأعطاه علىّ الدّراهم كلّها، فقال: يا أبتاه أعطيته الدّراهم كلّها؟ قال: نعم يا بنيّ إنّ الّذي يعطى القليل قادر على أن يعطى الكثير.
قال: فمضى عليّ عليهالسلام إلى باب رجل يستقرض منه شيئا، فلقيه اعرابيّ و معه ناقة، فقال: يا عليّ اشتر منّي هذه النّاقة قال: ليس معى ثمنها قال: فاني انظرك به إلى القبض، قال: بكم يا اعرابي؟ قال: بمأة درهم، فقال عليّ عليهالسلام: خذها يا حسن فأخذها.
فمضى عليّ عليهالسلام فلقيه اعرابي آخر المثال واحد والثياب مختلفة فقال: يا علي تبيع النّاقة، قال عليّ عليهالسلام: وما تصنع بها؟ قال: أغزو بها أوّل غزوة يغزوها ابن عمّك؟ قال عليهالسلام: إن قبلتها فهى لك بلا ثمن، قال: معى ثمنها وبالثّمن أشتريها، قال: فبكم اشتريتها؟ قال عليهالسلام: بمأة درهم، قال الاعرأبي: فلك سبعون ومأئة درهم، قال عليّ عليهالسلام للحسن عليهالسلام: خذ السّبعين و المأة وسلّم المأة للأعرابي الّذي باعنا الناقة والسبعين لنا نبتاع بها شيئا، فأخذ الحسن عليهالسلام الدّراهم وسلّم الناقة قال عليّ عليهالسلام:
فمضيت أطلب الاعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه ثمنه فرأيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله جالسا لم أر فيه جالسا قبل ذلك اليوم ولا بعده على قارعة الطريق، فلما نظر النّبي صلىاللهعليهوآله إليّ تبسّم ضاحكا حتّى بدت نواجذه، قال عليّ عليهالسلامأضحك اللّه سنّك وبشرك بيومك، فقال يا أبا الحسن إنك تطلب الاعرابي الذي باعك الناقة لتوفيه الثمن؟ فقلت: إى واللّه فداك أبي وامّي، فقال: يا أبا الحسن الّذي باعك النّاقة جبرائيل والّذي اشتريها منك ميكائيل والناقة من نوق الجنة والدّراهم من عند ربّ العالمين فأنفقها في خير ولا تخف إقتارا(1).
الثاني ما روته العامة والخاصة بروايات كثيرة تنيف على عشرين في سبب نزول سورة هل أتى، فلنقتصر على رواية واحدة.
1) . الأمالي للصدوق: 467 ـ 471/ م 71/ ح 10؛ بحار الأنوار: 44/41/ ح 1.
وهي ما في غاية المرام عن الصّدوق بسندين مذكوريين فيه أحدهما عن ابن عبّاس، وثانيهما عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام في قول اللّه عزّ وجلّ: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ»(1)قال عليهالسلام: مرض الحسن والحسين وهما صبيّان صغيران فعادهما رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومعه رجلان فقال أحدهما: لو نذرت في ابنيك نذرا إن عافاهما اللّه قال عليهالسلام أصوم ثلاثة أيّام للّه شكرا للّه عزّ وجلّ، وكذلك قالت فاطمة، وقال الصّبيان ونحن أيضا نصوم ثلاثة أيّام، وكذلك قالت جاريتهم فضّة فألبسهما اللّه العافية فأصبحوا صائمين، وليس عندهم طعام.
فانطلق عليّ عليهالسلام إلى جار له من اليهود يقال له: شمعون يعالج الصّوف، فقال له:
هل لك أن تعطيني جزّه من صوف تغزلها ابنة محمّد بثلاثة أصوع من شعير قال: نعم، فأعطاه، فجاء بالصّوف والشّعير وأخبر فاطمة فقبلت وأطاعت، ثمّ عمدت فغزلت ثلث الصّوف ثمّ أخذت صاعا من الشّعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرص، وصلّى عليّ عليهالسلام مع النّبي صلىاللهعليهوآله المغرب ثمّ أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم.
فأوّل لقمة كسرها عليّ عليهالسلام إذا مسكين قد وقف بالباب، فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه من موائد الجنّة، فوضع اللّقمة من يده ثمّ قال عليهالسلام:
فاطم ذات المجد واليقين *** يا بنت خير النّاس أجمعين
أما ترين البائس المسكين *** جاء إلى الباب له حنين
يشكو إلى اللّه ويستكين *** يشكو إلينا جائع حزين
1) . الانسان: 7.
كلّ امرء بكسبه رهين *** من يفعل الخير يَقِفْ سَمِين
(يكن حسين)
موعده في جنّة ومين *** حرّمها اللّه على الضّنين
وصاحب البخل يقف حزين *** تهوى به النّار إلى سجّين
شرابه الحميم والغسلين
فأقبلت فاطمة عليهاالسلام تقول.
أمرك سمع يا ابن عم وطاعة *** ما بى من لؤ ولا ضراعة
غذيت باللّب وبالبراعة أرجو *** إذا أشبعت في مجاعة
أن الحق الخيار والجماعة *** وأدخل الجنّة في شفاعة
وعمدت إلى ما كان من الخوان فدفعته إلى المسكين وباتوا جياعا وأصبحوا صياما لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.
ثمّ عمدت إلى الثلث الثّاني من الصّوف فغزلته ثمّ أخذت صاعا من الشّعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد قرص، وصلّى عليّ عليهالسلام المغرب مع النّبي صلىاللهعليهوآله ثمّ أتا إلى منزله فلمّا وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم.
فأوّل لقمة كسرها عليّ عليهالسلام إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد صلىاللهعليهوآلهأنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه على موائد الجنّة، فوضع عليّ عليهالسلاماللّقمة من يده ثمّ قال عليهالسلام:
فاطم بنت السّيد الكريم *** بنت نبيّ ليس بالزّنيم
قد جاءنا اللّه بذا اليتيم *** من يرحم اليوم فهو رحيم
موعده في جنّة النّعيم *** حرّمها اللّه على اللّئيم
وصاحب البخل يقف ذميم *** تهوى به النّار إلى الجحيم
شرابه الصّديد والحميم
فأقبلت فاطمة عليهاالسلام تقول:
فسوف أعطيه ولا ابالي *** واوثر اللّه على عيالي
أمسوا جياعا وهم أشبالي *** أصغرهما يقتل في القتال
في كربلا يقتل باغتيال *** لقاتليه الويل والوبال
تهوى به النّار إلى سفال *** كبوله زادت على الأكبال
ثمّ عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، وباتوا جياعا لم يذوقوا إلاّ الماء القراح فأصبحوا صياما.
وعمدت فاطمة عليهاالسلام فغزلت الثّلث الباقي من الصّوف وطحنت الثّلث الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرص وصلّى عليّ عليهالسلامالمغرب مع النّبيّ ثمّ أتى منزله فقرب إليه الخوان فجلسوا خمستهم.
فأوّل لقمة كسرها عليّ عليهالسلام إذا أسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد صلىاللهعليهوآله تأسرونا و تشدّونا ولا تطعمونا، فوضع عليّ عليهالسلام اللّقمة من يده ثمّ قال:
فاطم يا بنت النّبي أحمد *** بنت نبيّ سيّد مسدّد
قد جاءك الأسير ليس يهتدى *** ما يزرع الزارع سوف يحصد
فأعطيه ولا تَجْعَلِيهِ يُنْكَد
فأقبلت فاطمة عليهاالسلام وهى تقول:
لم يبق ممّا كان غير صاع *** قد دبرت كفّي مع الذّراع
شبلاى واللّه هما جياع *** يا ربّ لا تتركهما ضياع
أبوهما للخير ذو اصطناع *** عبل الذّراعين طويل الباع
وما على رأسي من قناع *** إلاّ عباء نسجتها بصاع
وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعا وأصبحوا مفطرين ليس عندهم شيء.
قال شعيب في حديثه: وأقبل عليّ عليهالسلام بالحسن والحسين عليهماالسلام نحو رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهما يرتعشان كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهقال: يا أبا الحسن أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم انطلق إلى إبنتي فاطمة عليهاالسلام فانطلقوا وهى في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها، فلمّا رآها رسول اللّه ضمّها إليه، وقال: وا غوثاه أنتم منذ ثلاث فيما أرى فهبط جبرائيل فقال: يا محمّد صلىاللهعليهوآله خذ ما هيّأ لك في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: «هَلْ أَتى عَلَى الاْءِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» حتّى بلغ «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً»(1)وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النّبي صلىاللهعليهوآله حتّى دخل منزل فاطمة فرأى ما بهم فجمعهم ثمّ انكبّ عليهم يبكى، وقال: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، فهبط جبرائيل بهذه الآيات: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً»(2)قال: هى عين في دار النّبيّ يتفجّر إلى دور الأنبياء والمؤنين «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ»(3)يعني عليّا وفاطمة
والحسن والحسين وجاريتهما فضّة «وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً»(1)يقول عابسا كلوحا «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ» يقول على حبّ شهوتهم الطّعام وايثارهم له «مِسْكِيناً» من مساكين المسلمين «وَيَتِيماً» من يتامى المسلمين «وَأَسِيراً» من اسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً»(2)
الانسان: 8 ـ 9.
قال: واللّه ما قالوا هذا و لكنّهم أضمروا في أنفسهم فأخبر اللّه باضمارهم يقول: لا نريد منكم جزاء تكافوننا به، ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنّا إنّما نطعمكم لوجه اللّه وطلب ثوابه قال اللّه تعالى ذكره:«فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً»(3)نضرة في الوجوه وسرورا في القلب «وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً»(4)جنّة يسكنونها و حريرا يفرشونه ويلبسونه «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» والأرائك السّرير عليه الحجلّة «لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً»(5)قال ابن عبّاس: فبينا أنّ أهل الجنّة في الجنّة إذا رأوا مثل الشّمس اشرقت له الجنان فيقول أهل الجنّة: يا ربّ إنّك قلت في كتابك لا يرون فيها شمسا، فيرسل اللّه جلّ اسمه إليهم جبرئيل فيقول: ليس هذه بشمس لكن عليّا وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، ونزلت «هَلْ أتى» فيهم إلى قوله: «وكان سعيكم مشكورا»(6).
وقد أثبتّ الرّواية برمّتها وإن كان خاتمتها خارجة من الغرض الذي نحن فيه
شعفا منّي بذكر مآثر أميرالمؤمنين وزوجته والطّيّبين من أولادهما سلام اللّه عليهم،
وفيما رويناه من الفضل الّذي تخصّصوا به ما لم يشركهم فيه أحد ولا ساواهم في نظير له مساو.
الثالثَ: انَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَشَكَا إِلَيْهِ الْجُوعَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ إِلَى أَزْوَاجِهِ فَقُلْنَ مَا عِنْدَنَا إِلاّ الْمَاءُ فَقَالَ صلىاللهعليهوآله مَنْ لِهَذَا الرَّجُلِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ وَأَتَى فَاطِمَةَ وَسَأَلَهَا مَا عِنْدَكَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلاّ قُوتُ الصِّبْيَةِ لَكِنَّا نُؤثِرُ بِهِ ضَيْفَنَا فَقَالَ عَلِيٌّ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وَأَطْفِئِي الْمِصْبَاحَ وَجَعَلا يَمْضَغَانِ بِأَلْسِنَتِهِمَا وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَكْلِ أَتَتْ فَاطِمَةُ بِسِرَاجٍ فَوَجَدَتِ الْجَفْنَةَ مَمْلُوءَةً مِنْ فَضْلِ اللّهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآلهمِنْ صَلاتِهِ نَظَرَ إِلَى أَمِيرِالْمُؤمِنِينَ وَبَكَى بُكَاءً شَدِيداً وَقَالَ: يَا أَمِيرَالْمُؤمِنِينَ لَقَدْ عَجِبَ الرَّبُّ مِنْ فِعْلِكُمُ الْبَارِحَةَ اقْرَأْ: «وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» أَيْ مَجَاعَةٌ «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» يَعْنِي عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1)،(2). هذا.
وقد ظهر لك ممّا تضمنّته هذه الرّوايات الثلاث الذي هو أنموذج ممّا تضمّنته ساير الرّوايات كيفيّة عيش رسول اللّه مع خواصّه في دار الدّنيا وزهدهم فيها وايثارهم الآخرة على الاولى وأنّها قبضت عنه وعن أهل بيته.
أى: قربته إلى اللّه تعالى ودرجته عنده.
الّذي يحكم بالحقّ، ولا ينظر بهواه الّذي يحبّ الباطل بأنه لو يكون في الدّنيا والاكثار منها خير لم يفت هؤاء الأكياس الذين هم أقرب الخلق إلى اللّه وخاصّته و حججه على ساير الناس، بل تقرّبوا إليه سبحانه بالبعد عنها، وتحبّبوا إليه تعالى بالبغض لها.
ناظر إلى قوله تعالى: «فَأَمَّا الاْءِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ»(1).
بأخذ الدّنيا عنه.
في قوله. ضرورة أنّ أحقر ملك من ملوك الدّنيا لا يقصد بأحد من خاصّته إذا كان مطيعا له منقادا لأمره مخلصا في طاعته الاهانة فكيف يصدر ذلك عن ملك الملوك وسلطان السلاطين حكيم الحكماء ورحيم الرحماء في حقّ أخصّ خواصّه وأقربهم إليه وأشدّهم زلفة عنده واكثرهم طاعة له.
بذلك كما هو الحقّ والصدق.
1) . الفجر: 15 ـ 16.
إذ الشيء إن كان عدمه إكراما وكمالا كان وجوده نقصا وإهانة.
أى لذلك الغير.
أى: عدل بها.
في الخبر: استسقى النّبي صلىاللهعليهوآله اللبن من راع فمنعه، ومن راع آخر، فبعث إليه بموجوده من اللبن، وما قدر عليه من الحلب مع شاة، فدعا للأوّل بكثرة ماله وولده، وللثاني بالكفاف، فعجب النّاس، وقالوا: دعوت للّذي ردّك بدعاء تحبّه عامّتنا، ودعوت للّذي أسعفك بحاجتك بدعاء جميعنا نكرهه فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: إنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، اللهمّ ارزق محمّدا وآل محمّد الكفاف(1).
وفي التاريخ: لمّا فرغ عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس من بناء (الزهراء) وقصورها وقد قعد في قبّة مزخرفة بالذهب والبناء البديع الّذي لم يسبق إليه، فقال لمن معه من الأعيان: هل بلغكم أنّ أحدا بنى مثل هذا البناء فأثنى الجميع بأنّهم لم يروا، ولم يسمعوا بمثله إلاّ القاضي منذر بن سعيد فإنّه سكت. فقال له الناصر: لم لا تنطق أنت فبكى وقال: ما كنت أظنّ أنّ الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ
1) . الكافي: 140/2/ ح 4؛ بحار الأنوار: 61/69/ ح 4.
حتّى أنزلك منازل الكافرين، قال تعالى: «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤنَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالآْخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ»(1)،(2).
أمر بصورة الخبر، أى: ليقتد مقتد بنبيّه، قال مصعب بن الزبير:
وإنّ الالى بالطف من آل هاشم *** تأسّوا فسنّوا للكرام التّاسيا(3)
أى: اتّبع.
في ترجيح الآخرة.
أى: دخل مدخله.
لانحصار النجاة باتّباعه ولأنّ حبّ الدّنيا والتّنافس فيها رأس كلّ خطيئة جاذبة من درجات النّعيم إلى دركات الجحيم.
أى مطلعا بأحوال الآخرة جميعها، فحيث آثر الآخرة على الاولى وترك الرّكون إليها مع اطلاعه عليهما علم أن ليس ذلك إلاّ لكون الدّنيا مظنّة الهلاك، والعقبى محلّة النّجاة والحياة، فالرّاكن إليها متعرّض للهلاك الدائم والخزي الأبد لا محالة.
وقوله عليهالسلام مأخوذ من قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ...»(1)وإن قالوا: إنّ المراد بالآية نزول عيسى عليهالسلام من السماء.
قال تعالى: «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ»(2).
ضامر البطن.
كما قال تعالى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(3).
بارتحاله، عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج النّبي صلىاللهعليهوآله من جريد
النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود. فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج النّبي صلىاللهعليهوآله في مسجد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيّب يقول يومئذ: واللّه لوددت أنّهم تركوها على حالها ينشأ ناشىء من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق، فيرى ما اكتفى به النّبي صلىاللهعليهوآله في حياته، فيكون ذلك مما يزهّد الناس في التكاثر والتفاخر. فلمّا فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطيّنة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر، فوجدته ثلاث أذرع في ذراع(1). وقال الحسن: مات رسول اللّه ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة(2).
وقال عبداللّه بن عمر: مرّ علينا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ونحن نعالج خصّا، فقال صلىاللهعليهوآله: ما هذا؟ قلنا: خصّ لنا قد وهى، فقال: أرى الأمر أعجل من ذلك(3). وقال الغزالي: وقال النّبي صلىاللهعليهوآله من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة(4).
أى: بالنبيّ صلىاللهعليهوآله.
قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(1). وقال تعالى: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(2).
رواه الصدوق عن الدقاق عن محمّد بن الحسن عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن محسن عن المفضل عن الصادق عن آبائه عليهمالسلام عنه عليهالسلام مع زيادات هكذا:
قال عليهالسلام واللّه ما دنياكم عندي إلاّ كسفر على منهل(3)حلّوا، إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا، ولا لذاذتها في عيني إلاّ كحميم أشربه غساقا و علقم أتجرّعه زعاقا وسم افعى أسقاه دهاقا، وقلادة من نار أوهقها خناقا، ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها وقال لى: اقذف بها قذف الاتن لا يرتضيها ليرقعها، فقلت له: «أعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى»، وتنجلي عنهم علالات الكرى، ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم ولأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكنّي أصدّق اللّه جلّت عظمته حيث يقول: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآْخِرَةِ إِلاّ النَّارُ»(4)،(5).
قوله عليهالسلام: «و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه» روى أبو مخنف أنّه عليهالسلام لمّا أراد التوجه من البصرة إلى الكوفة قام فيهم فقال: ما تنقمون عليّ يا أهل البصرة: واللّه
إنّهما ـ واشار إلى قميصه وردائه ـ لمن غزل أهلي، ما تنقمون منّي يا أهل البصرة: واللّه ما هى ـ واشار إلى صرّة في يده ـ إلاّ من غلتي بالمدينة، فان أنا خرجت من عندكم بأكثر مما ترون فأنا عند اللّه من الخائنين. ثمّ خرج وشيّعه الناس(1). وقال ابن أبي الحديد: انه عليهالسلام كان يطوف الأسواق مؤزرا بإزار مرتديا برداء ومعه الدّرة كأنّه إعرابيّ بدوي، فطاف مرّة حتى بلغ سوق الكرابيس فقال لواحد: بعني قميصا قيمته ثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ثمّ أتى آخر، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، فلما جاء أبوه، اخبروه فأخذ درهما ثمّ جاء إليه عليهالسلام وقال له: إنّ القميص الّذي باعك ابني كان يساوي درهمين، فلم يأخذ عليهالسلام الدرهم وقال: باعني رضاي وأخذ رضاه(2).
وعن أبي النوار بائع الخام بالكوفة، قال: جاءني علي عليهالسلام إلى السوق ومعه غلام له وهو خليفة، فاشترى منّي قميصين وقال لغلامه: اختر أيّهما شئت، فأخذ أحدهما وأخذ علي عليهالسلام الآخر، ثمّ لبسه ومدّ يده فوجد كمّه فاضلة، قال: اقطع الفاضل، فقطعته ثمّ كفّه وذهب(3).
وعن الصمال بن عمير قال: رأيت قميص علي عليهالسلام الّذي أصيب فيه وهو كرابيس سبيلاني، ورأيت دمه سال عليه كالدردي(1).
وقال أحمد بن حنبل: لمّا أرسل عثمان إلى علي عليهالسلام وجدوه مؤزرا بعباءة محتجزا بعقال وهو يهنأ بعيرا له(2).
وللحمدوني في طيلسان مرقوع:
طيلسان رفوته ورفوت *** الرفو منه حتى رفوت رقاعه
فاطاع البلى وصار خليعا *** ليس يعطى الرفا على الرفو طاعه(3)
أى: تطرحها
أى: أبعد ـ بضم الهمزة وكسرها.
أى: السير بالليل. وأن بعده «و تنجلي عنهم علالات الكرى» وكلاهما شعر جاء مثلا لتعب آخره راحة طويلة، ولا يعلم الأصل في المثل، وربع في الشعر فقيل:
يا نفس قومي بي فقد نام الورى *** إن تفعلي خيرا فذو العرش يرى
وأنت يا عين دعي عنك الكرى *** عند الصباح يحمد القوم السرى(1)
ولكن قال العسكري: هو في شعر للخيم يقول فيه:
تسألني عن بعلها أي فتى *** خب جبان وإذا جاع بكى
لا خطب القوم ولا القوم سقى *** ولا ركاب القوم إذا ضاعت بغا
كأنه غرارة ملأ خشى *** لما رأى الرمل وفيران الغضى
بكا وقال هل ترون ما أرى *** أليس للسير الطويل منقضى
قلت اعرى صاحبى إلاّ بلا *** عند الصباح يحمد القوم السرى
وتنقضي عنهم غيابات الكرى(2)
وقال في (أمثال الكرمانى): قال المفضل: بعث أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن سر إلى العراق، فأراد سلوك المفازة فقال له رافع(3)الطائى: قد سلكتها في الجاهلية هي خمس للابل(4)الواردة ولا أظنّك تقدر عليها إلاّ أن تحمل من الماء، فاشترى ماه شارف(5)فعطشها ثمّ سقاها الماء حتى رويت، ثم كبتها وكعم أفواهها، ثمّ سلك المفازة(6)حتى إذ مضي يومان وخاف العطش على الناس
1) . عقلاء المجانين: 134.
2) . جمهرة الأمثال العسكري، أبو هلال: 42/2.
3) . رافع بن عميرة ويقال: رافع بن أبي رافع الطائى، يكنى ابا الحسن وهو كان دليل خالد بن الوليد لما سار من العراق إلى الشام فسلك به البر فقطعه في خمسة ايام، وهو الذى كلّمه الذئب وكان لصا في الجاهلية فدعاه الذئب إلى اللحوق برسول اللّه صلىاللهعليهوآله، مات سنة 23.
4) . اى خمس مراحل.
5) . الشارف: الناقة الجسيمة.
6) . المفازة: البرية القفر والجمع المفاوز، سميت بذلك لانها مهلكة من فوز اذا مات، وقيل: سميت تفاؤا من الفوز: النجاة.
والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون الإبل، نحر الإبل فاستخرج ما في بطونها من الماء فسقى الناس والخيل ومضى، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: أنظروا هل ترون سدرا عظاما فان رأيتموها وإلاّ فهو الهلاك فنظروا فرأوا فأخبروه، فكبّر وكبّر الناس ثمّ هجموا على الماء، فقال خالد:
للّه درّ رافع أنّى اهتدى *** فوزّ من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ساربه الجيش بكى *** ما سارها من قبله انس يرى
عند الصباح يحمد القوم السرى *** وتنجلي عنهم غيابات الكرى(1)
وقريب من المثل قولهم «التمر في البئر»(2)يعنى: ما لم تستق من البئر للنخيل، لم تصر صاحب التمر.
ومن أمثالهم في السّرى والصباح قولهم: «إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنّه مصبح». قال الكرماني، قال الأصمعى: أصله أن القين بالبادية ينتقل في مياههم، فيقيم بالموضع أياما، فيكسد عليه عمله، ثمّ يقول لأهل الماء: إني راحل عنكم الليلة، وإن لم يرد ذلك، ولكنه يشيعه ليستعمله من يريد استعماله، فكثر ذلك من قوله حتى صار لا يصدق(3).
وقال جعفر بن محمّد عليهالسلام رأى النّبي صلىاللهعليهوآله فاطمة عليهاالسلام وعليها كساء من جلد الإبل وهي تطحن بيدها وترضع ولدها، فدمعت عينا النبي فقال: يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة. فقالت: الحمد للّه على نعمائه والشكر للّه على آلائه، فأنزل تعالى: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى»(4)،(5).
هذا، وفي السير، أن المعتز ولّى يعقوب بن الليث، وعلي بن شبل، كرمان ليغلب أحدهما الآخر، فأقبل يعقوب وطوق بن المغلس من قبل ابن شبل إلى كرمان ولم يقاتلا، وارتحل يعقوب بعد شهرين وأظهر الارتحال إلى سجستان، فقعد طوق للأكل والشرب والملاهي، وإذا هو بيعقوب قد رفع طوى مرحلتين في يوم، ففر أصحاب طوق وأسر طوق، فنزع يعقوب خفّه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، فقال لطوق: هذا خفّي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي، وخبزي فيه آكل منه، وأنت جالس في الشراب(1)
الكامل لابن الاثير: 191/7 ـ 192.
. وقال أبو تمام:رب خفض تحت السّرى وغناء *** من عناء ونضرة من شحوب(2)
وقال عليهالسلام:
إذا شام الفتى برق المعالي *** فأهون فائت طيب الرقاد(3)
أيضا:
فليس بياض المجد إلاّ لمكتس *** سواد الليالي ساهرا غير راقد
وكم ليلة راعيت فيها فراقدا *** لكسب على فوق السها والفراقد(4)
وذكروا، أن بقابس منارا كبيرا، يحدو به الحادي، إذا ورد من مصر يقول:
يا قوم لا نوم ولا قرارا *** حتى نرى قابس والمنارا(5)
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتي *** أكلفها سير الكلال مع الظلع
ومن أجل ذات الخال أحببت منزلا *** تحلّ به لا ذا صديق ولا زرع(1)
هذا، وفي دار السلام عن زين العابدين السلماسى: رأيت في الطيف بيتا عاليا له باب كبير وعلى جدرانه مسامير من الذهب، فسألت عن صاحبه فقيل لى: إنّه للسيد محسن الكاظمى ـ وهو صاحب الوسائل والوافي ـ فتعجّبت وقلت: داره في الكاظمية صغيرة حقيرة ضيّقة الباب والفناء، فمن أين اوتي هذا البناء قالوا: لمّا دخل من ذاك الباب الحقير أعطاه اللّه تعالى هذا البيت العالي الكبير قال: وكان بيته في غاية الحقارة، ولم يكن له ما يضع سراجه فيه، فكان يوقد الشمعة على الطابوق والمدر(2).
وقال الخوئى: قوله عليهالسلام: «عنّي فعند الصّباح يحمد القوم السّرى » هو مثل يضرب لمن احتمل المشقّة عاجلا لينال الرّاحة آجلا.
وأصله أنّ المسافر إذا احتمل المشقّة وحرّم على نفسه لذة الرّقاد وبادر إلى السّرى من أوّل اللّيل وجدّ في سيره فانّه يبلغ عند الصّباح منزله ويصل إليه سالما غانما وينزل أحسن المنازل وأشرفها مقدّما على غيره، ويستريح من تعب اللّيل ويكون محمودا، بخلاف من أخذه نوم الغفلة وآثر اللّذة العاجلة على الآجلة، فانّه إذا سرى في آخر اللّيل وفي اخريات النّاس فانّه ربما يغيله اللّصوص فلا يسلم أو يضلّ عن الطّريق فيعطب، ومع سلامته يكون مسيره في حرّ النّهار على وصب وتعب، فيصل إلى المنزل بعد ما سبق غيره إلى أحسنه وأشرفه، فلا يجد له منزلا ومقيلا إلاّ أردء المنازل وأدونها، فعند ذلك يلوم نفسه بتفريطه، ويذمّه غيره ويندم على ما فرّط ولا ينفعه النّدم.
وبهذا التّقرير انقدح لك وجه المطابقة بين المثال والممثّل.
بيانه أنّ ذلك النشأة المشوبة بالكدورات والعلايق الظّلمانية البدنيّة بمنزلة اللّيل، والنّشأة الاخرويّة المطابقة لتلك النشأة الّتي هى دار التجرّد الصّافية عن
الكدورات والعلاقات بمنزلة الصّباح الواقع عقيب اللّيل، والوطن الأصلي للانسان هى الدّار الآخرة، وهو في الدّنيا بمنزلة المسافر، فمن ترك الدّنيا وجدّ في السّير إلى الآخرة بالمواظبة على الطّاعات والرّياضات الشّاقّة الموصلة له إليها وصل إلى مقصده، ونزل في غرفات الجنان، وفيهنّ خيرات حسان فعند ذلك يكون محمودا مسرورا عند نفسه وعند الخالق والخلايق لما صبر على مشاقّ الدّنيا ومقاساة الشّدائد.
ومن أخذه نوم الغفلة فيها واغترّ باللّذات الحاضرة والشهوات العاجلة، ورد الآخرة وليس له مقام إلاّ سجّين، ولا شراب وطعام إلاّ من حميم وغسلين، فعند ذلك يلومه نفسه وغيره ويندم على تقصيره، ويقعد ملوما محسورا ويدعو ثبورا(1)
الاول:
قد مضى في شرح الخطبة الشقشقيّة وفي غيرها بعض الكلام في زهد أميرالمؤمنين عليهالسلام، وأقول هنا مضافا إلى ما سبق:
قال النّبىّ صلىاللهعليهوآله: عَلِيٌّ لا يَرْزَأُ مِنَ الدُّنْيَا وَلا تَرْزَأُ الدُّنْيَا مِنْهُ(2).
وعن عَمَّار بْن يَاسِرِ رضىاللهعنه: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لِعَلِيٍّ عليهالسلام: يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللّهَ قَدْ زَيَّنَكَ بِزِينَةٍ لَمْ يُزَيِّنِ الْعِبَادَ بِزِينَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللّهِ مِنْهَا، زَيَّنَكَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَكَ لا تَرْزَأُ(1)مِنْهَا شَيْئاً، وَلا تَرْزَأُ مِنْكَ شَيْئاً، وَوَهَبَ لَكَ حُبَّ الْمَسَاكِينِ، فَجَعَلَكَ تَرْضَى بِهِمْ أَتْبَاعاً، وَيَرْضَوْنَ بِكَ إِمَاما(2)
قال السروى: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا عَلِمْنَا أَحَداً كَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَزْهَدَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ص.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَزْهَدُ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ سَالِمُ بْنُ الْجَعْدِ رَأَيْتُ الْغَنَمَ تَبْعُرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي زَمَنِ أَمِيرِالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام وَفِيهَا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام يَنْضَحُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ.
وَعَنْ سَالِمٍ الْجَحْدَرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِمَالٍ عِنْدَ الْمَسَاءِ فَقَالَ اقْتَسِمُوا هَذَا الْمَالَ فَقَالُوا قَدْ أَمْسَيْنَا يَا أَمِيرَالْمُؤمِنِينَ فَأَخِّرْهُ إِلَى غَدٍ فَقَالَ لَهُمْ تَقْبَلُونَ لِي أَنْ أَعِيشَ إِلَى غَدٍ قَالُوا مَا ذَا بِأَيْدِينَا فَقَالَ لا تُؤخِّرُوهُ حَتَّى تَقْسِمُوهُ.
وَروى أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتٌ لا يَكُونُ عِنْدَهُ قِيمَةُ ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا إِزَاراً وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ثُمَّ يَقْسِمُ كُلَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقُولُ الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ كَمَا دَخَلْتُهُ(3).
وقال الْبَاقِرُ عليهالسلام: لَقَدْ وَلِيَ خَمْسَ سِنِينَ وَمَا وَضَعَ آجُرَّةً عَلَى آجُرَّةٍ وَلا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَلا أَقْطَعَ قَطِيعاً وَلا أَوْرَثَ بَيْضاً وَلا حُمْراً.
ولنعم ما قيل فيه:
لم يشتمل قلبه الدنيا بزخرفها *** بل قال غري سواي قول محتقر
وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام اشْتَرَى قَمِيصاً فَقَطَعَ مَا فَضَلَ عَنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ حُصَّهُ أَيْ خُطَّ كِفَافَهُ.
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْبَلْخِيِّ أَنَّهُ اجْتَازَ بِسُوقِ الْكُوفَةِ فَتَعَلَّقَ بِهِ كُرْسِيٌّ فَتَخَرَّقَ قَمِيصُهُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى الْخَيَّاطِينَ فَقَالَ خِيطُوا لِي ذَا بَارَكَ اللّهُ فِيكُمْ.
وعَنْ شَبِيكَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيّاً يَأْتَزِرُ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَيَرْفَعُ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ.
وَفِي فَضَائِلِ أَحْمَدَ: رُئِيَ عَلِيٌّ ع، إِزَارٌ غَلِيظٌ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَرُئِيَ عَلَيْهِ إِزَارٌ مَرْقُوعٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عليهالسلام: يَقْتَدِي بِهِ الْمُؤمِنُونَ وَيَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ وَيَقْصِدُ بِهِ الْمُبَالِغُ وَفِي رِوَايَةٍ أَشْبَهُ بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وعن مُسْنَدُ أَحْمَدَ: وَكَانَ كُمُّهُ لا يُجَاوِزُ أَصَابِعَهُ وَيَقُولُ لَيْسَ لِلْكُمَّيْنِ عَلَى الْيَدَيْنِ فَضْلٌ وَنَظَرَ عليهالسلام إِلَى فَقِيرٍ انْخَرَقَ كُمُّ ثَوْبِهِ فَخَرَقَ كُمَّ قَمِيصِهِ وَأَلْقَاهُ إِلَيْهِ.
وقال أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام: مَا كَانَ لَنَا إِلاّ إِهَابُ كَبْشٍ أَبِيتُ مَعَ فَاطِمَةَ بِاللَّيْلِ وَيُعْلَفُ عَلَيْهَا النَّاضِحُ(1).
روى في عدّة الدّاعي عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن خطّاب نازلة قام لها وقعد، وتربخ لها وتقطر(2)ثمّ قال: يا معشر المهاجرين ما عندكم فيها قالوا: يا أميرالمؤمنين أنت المفزع والمنزل، فغضب وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ
وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»(1)، أما واللّه إنّا وإيّاكم لنعرف ابن بجدتها(2)والخبير بها، قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنّي يعدل بي عنه وهل طفحت(3)جرّة(4)بمثله؟ قالوا: فلو بعثت إليه، قال: هيهات هيهات هناك شمخ من هاشم ولحمة من الرّسول واثرة من علم يؤى لها ولا يأتي، امضوا إليه فاقصفوا(5)نحوه وأفضوا إليه، وهو في حايط له عليه تبّان يتركّل على مسحاته(6)وهو يقول: «أَ يَحْسَبُ الاْءِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى»(7)و دموعه تهمى على خدّيه، فأجهش(8)القوم لبكائه ثمّ سكن وسكنوا، وسأله عمر عن مسألة فأصدر إليه جوابها فلوى عمر يديه ثمّ قال: أما واللّه لقد أرادك الحقّ ولكن أبى قومك، فقال عليهالسلام: يا أبا حفص خفّض عليك من هناك ومن هنا إنّ يوم الفصل كان ميقاتا(9)، فانصرف وقد أظلم وجهه وكأنّما ينظر إليه من ليل(10).
وعن أحمد بن حنبل قال: لمّا ارسل عثمان إلى عليّ عليهالسلام وجدوه مؤزرا بعباة
1) . الأحزاب: 70.
2) . ابن بجدتها بالباء والجيم يقال: بالعالم بالشىء، وللدليل الهادى، ولمن لا يبرح عن قوله هكذا في ق.
3) . طفح الاناء طفوحا: امتلأ حتّى يفيض.
4) . الجرة بالفتح: إناء خزف له بطن كبير و هذا كناية عن كثرة علمه عليهالسلام.
5) . اى تزاحموا اليه.
6) . سراويل صغير يستر العورة المغلظة يكون مع الملاحين، وتركل بمسحاته ضربها برجله لتدخل الارض.
7) . القيامة: 36 ـ 38.
8) . اى تهيئوا للبكاء
9) . النبأ: 17.
10) . عدة الداعى: 111؛ بحار الأنوار: 112/30/ ح 13.
محتجزا بعقال(1)وهو يهنأ(2)بعيرا له(3).
وعن عبداللّه بن أبي الهذيل قال: رأيت على عليّ عليهالسلام قميصا زريّا(4)إذا مدّه بلغ الظفر، وإذا أرسله كان مع نصف الذراع(5)،
وعن عديّ بن ثابت قال: اتي عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بفالوذج فأبى أن يأكل منه، وقال: شيء لم يأكل منه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لا أحبّ أن آكل منه(6).
ومنه عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فاذا رجل ينادي من خلفى: ارفع إزارك فانّه أتقى لثوبك وأبقى لك وخذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه و هو مؤزر بازار ومرتد برداء ومعه الدّرة كأنّه أعرابيّ بدويّ، فقلت من هذا؟ فقال لي رجل أراك غريبا بهذا البلد، قلت: أجل رجل من أهل البصرة، قال: هذا عليّ أميرالمؤمنين عليهالسلام حتّى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو سوق الابل فقال: بيعوا ولا تحلفوا فانّ اليمين تنفق(7)السّلعة وتمحق البركة.
ثمّ أتى أصحاب التمر فاذا خادم (خادمة خ ل)(8)تبكى فقال: ما يبكيك؟
قالت: باعنى هذا الرّجل تمرا بدرهم فردّوه موالىّ فأبى أن يقبله، فقال: خذ تمرك
1) . أى شدّ وسطه بالحبل لتشمير ثوبه ويقال لذلك الحبل: الحجاز.
2) . أى يطلبه بالقطران.
3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 236/9؛ بحار الأنوار: 162/41.
4) . الزرى: المحتقر الذي لا يعد شيئا.
5) . كشف الغمة ط ـ القديمة: 162/1؛ بحار الأنوار: 330/40/ ح 13.
6) . كشف الغمة: 163/1؛ بحار الأنوار: 353/34.
7) . أي ينفذ ويفنى.
8) . الخادم يطلق على المذكر والمؤث فعن المطرزى انه قال الخادم واحد الخدم غلاما كان أم جارية والمراد هنا هو الثاني وفي بعض النسخ «خادمة».
و أعطها درهمها فانّها خادم ليس لها أمر، فدفعه، فقلت أ تدرى من هذا؟! قال: لا قلت: عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين عليهالسلام فصبّ تمره وأعطاها درهمها وقال: احبّ أن ترضى عنّى، فقال: ما أرضاني عنك إذا وفيتهم حقوقهم.
ثمّ مرّ مجتازا بأصحاب التّمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يربو كسبكم.
ثمّ مرّ مجتازا ومعه المسلمون حتّى أتى أصحاب السّمك فقال: لا يباع في سوقنا طاف(1).
ثمّ أتى دار فرات وهو سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميصي بثلاثة دراهم، فلمّا عرفه لم يشتر منه شيئا، ثُمَّ أَتَى آخَرَ فَلَمَّا عَرَفَهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئاً فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرّسغين(2)إلى الكعبين، وقال حين لبسه: الحمد للّه الّذي رزقني من الرّياش ما أتجمّل به في النّاس واوارى به عورتي.
فقيل له: يا أميرالمؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: بل شيء سمعته من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقوله عند الكسوة: فجاء أبو الغلام صاحب الثّوب فقيل يا فلان قد باع ابنك اليوم من أميرالمؤمنين عليهالسلام قميصا بثلاثة دراهم قال: أفلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ أبوه درهما وجاء به إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام وهو جالس على باب الرّحبة ومعه المسلمون، فقال: امسك هذا الدّرهم يا أميرالمؤمنين، قال عليهالسلام: ما شأن هذا الدّرهم؟ قال: كان ثمن قميصك
درهمين، فقال: باعني رضاى وأخذ رضاه(1).
وقال ابن الأعرأبي: إنّ عليّا عليهالسلام دخل السّوق وهو أميرالمؤمنين فاشترى قميصا بثلاثة دراهم ونصف فلبسه في السّوق فطال أصابعه، فقال عليهالسلامللخيّاط: قصّه، قال: فقصّه وقال الخيّاط: أحوصه(2)يا أميرالمؤمنين؟ قال: لا ومشى والدّرة على كتفه وهو عليهالسلام يقول: شرعك ما بلغك المحلّ شرعك(3)ما بلغك المحل(4).
وقال هارون بن عنترة: قال حدّثني أبي قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بالخورنق(5)وهو يرعد تحت سمل(6)قطيفة، فقلت: يا أميرالمؤمنين إنّ اللّه تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعمّ وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: واللّه ما أرزاكم(7)من أموالكم شيئا وانّ هذه لقطيفتي الّتي خرجت بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها(8).
1) . كشف الغمة: 163/1؛ بحار الأنوار: 331/40/ ح 14.
2) . الحوص: الخياطة.
3) . أى كفاك وحسبك.
4) . كشف الغمة: 165/1؛ بحار الأنوار: 333/40.
5) . بفتحتين وراء ساكنة ونون مفتوحة موضع بالكوفة قيل انه نهر، والمعروف انه القصر القائم إلى الآن بالكوفة بظاهر الحيرة، قيل: بناه النعمان بن المنذر في ستين سنة بناه له رجل يقال له سنمار وكان يبنى فيه السنتين والثلاث ثمّ يغيب الخمس سنين وأكثر أو أقل ويطلب فلا يوجد ثمّ يأتي فيحتج، فلما فرغ من بنائه صعد نعمان على رأسه ونظر إلى البحر تجاهه والبر خلفه، فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قط، فقال سنمار: انى اعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر فقال له النعمان: يعرفها أحد غيرك؟ قال: لا، قال النعمان: لادعنها لا يعرفها أحد ثمّ أمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطع. فضربت به العرب المثل وقالوا: جزاء سنمار.
6) . السمل الخلق من الثياب.
7) . رزأه ماله: نقصه.
8) . كشف الغمة: 173/1؛ بحار الأنوار: 334/40/ ح 15.
وخرج عليهالسلام يوما وعليه ازار مرقوع فعوتب عليه فقال: يخشع القلب بلبسه ويقتدى بي المؤنين إذا رآه عليّ(1). واشترى عليهالسلام يوما ثوبين غليظين فخيّر قنبرا فيهما، فأخذ واحدا ولبس هو الآخر، ورأى في كمّه طولا عن أصابعه فقطعه(2).
وكان عليهالسلام قد وليّ على عكبرا(3)رجلا من ثقيف قال: قال لي عليّ عليهالسلام إذا صلّيت الظّهر غدا فعد إليّ، فعدت إليه في الوقت المعيّن فلم أجد عنده حاجبا يحبسني دونه فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز ماء، فدعا بوعاء مشدود مختوم، فقلت في نفسي: قد أمننى حتّى يخرج إلىّ جوهرا، فكسر الختم فاذا فيه سويق فأخرج منه فصبّه في القدح وصبّ عليه ماء فشرب وسقاني فلم أصبر فقلت له: يا أميرالمؤمنين أتصنع هذا في العراق وطعامه كما ترى في كثرته؟ فقال عليهالسلام: أما واللّه ما أختم عليه بخلا به ولكنّى أبتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن ينقص فيوضع فيه من غيره وأنا أكره أن أدخل بطني إلاّ طيّبا، فلذلك أحترز عليه كما ترى، فايّاك وتناول ما لا تعلم حلّه(4).
قال كاشف الغمّة بعد روايته لهذه الأخبار وغيرها ممّا تركنا روايتها خوف الاطالة: وكم له صلّى اللّه عليه من الآثار والأخبار والمناقب الّتي لا تستر أو يستر
وجه النّهار، والسّيرة الّتي هى عنوان السّير، والمفاخر الّتي يتعلّم منها من فخر، ومآثر الّتي تعجز من بقى كما أعجزت من غبر(1)، فأعجب بهذه المكارم والأفعال الّتي هي غرر في جهات الأيّام، والزّهادة الّتي فاق بها جميع الأنام، والورع الّذي حمله على ترك الحلال فضلا عن الحرام، والعبادة الّتي أوصلته إلى مقام وقف دونه كلّ الأقوام.
ولمّا ألزم نفسه الشّريف تحمّل هذه المتاعب، وقادها إلى اتّباعه فانقادت انقياد الجنائب، وملكها حتّى صاحب منها أكرم عشير وخير مصاحب، واستشارها ليختبرها فلم تنه إلاّ عن منكر ولا أمرت إلاّ بواجب صار له ذلك طبعا وسجيّة، وانضمّ عليه ظاهرا ونية، واعمل فيه عزيمة بهمّة قويّة، واستوى في السّعى لبلوغ غاياته علانية وطويّة، فما تحرّك حركة إلاّ بفكر وفي تحصيل أجر، وفي تخليد ذكر لا لطلب فخر وإعلاء قدر، بل لامتثال أمر وطاعة في سرّ وجهر، فلذلك شكر اللّه سعيه حين سعى، وعمّه بألطافه العميمة ورعى، وأجاب دعائه لما دعى، وجعل اذنه السّميعة الواعية فسمع ووعى، فاسأل اللّه بكرمه أن يحشرني ومحبّيه وإيّاه معا(2).
قال كاشف الغمّة: أنشدني بعض الأصحاب لبعض العلويّين:
عتبت على الدّنيا وقلت إلى متى *** أكابد(3)عسرا ضرّه ليس ينجلي
أكلّ شريف من على جدوده***حرام عليه الرّزق غير محلّل
لمّا كان هذا الفصل من خطبته عليهالسلام متضمّنا للتحريض على الجوع والترغيب فيه تأسّيا بالنّبيّ صلىاللهعليهوآله وساير السّلف الصّالحين أحببت أن أعرّفك فوايد الجوع وآفات الشّبع على ما يستفاد من الأخبار ويدلّ عليه الوجدان والتجربة.
قال الغزالي ما ملخّصه ببعض تصرّف وتغيير منّا: إنّ في الجوع عشر فوايد.
الفائدة الاولى صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، فانّ الشّبع يورث البلادة ويعمى القلب ويكثر البخار في الدّماغ شبه السّكر حتّى يحتوي على معادن الفكر، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الادراك قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أحيوا قلوبكم بقلّة الضّحك وقلّة الشّبع، وطهّروها بالجوع تصفو وترق.
وقال لقمان لابنه: يا بنىّ إذا امتلائت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة(3).
الثانية رقّة القلب وصفائه الّذي به يتهيّأ لادراك لذّة المناجاة والتّأثر بالذّكر، فكم من ذكر يجرى على اللّسان ولكنّ القلب لا يلتذّ به ولا يتأثّر حتّى كأنّ بينه وبينه حجابا من قسوة القلب، وإنّما يحصل التّلذّذ والتّأثّر بخلوّ المعدة كما هو معلوم بالتّجربة.
الثالثة الانكسار والذّل وزوال البطر والأشر والفرح الّذي هو مبدء الطغيان والغفلة عن اللّه كما قال تعالى: «إِنَّ الاْءِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى»(1)فلا تنكسر النّفس ولا تذلّ بشيء كما تذلّ بالجوع، فعنده تسكن لربّها وتخشع وتذعن بعجزها و ذلّها لما ذاقت حيلتها بلقمة طعام وأظلمت الدّنيا عليها بشربة ماء، وما لم
يشاهد الانسان ذلّ نفسه وعجزه لا يرى عزّة مولاه ولا قهره.
ولذلك إنّ النّبي صلىاللهعليهوآله لمّا جاءه جبرئيل وعرض عليه خزائن الدّنيا وأبي من قبولها قال لجبرئيل: دعنى أجوع يوما وأشبع يوما، فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي وأسأله، واليوم الّذي أشبع فيه أشكر ربّي وأحمده، فقال له جبرئيل: وفّقت لكلّ خير(2).
الرابعة التّذكّر بجوعه جوع الفقراء والمساكين والمحتاجين، لأنّ الانسان إنّما يقيس غيره على نفسه فيلاحظ حال الغير بملاحظة حاله، فاذا شاهد في نفسه ألم الجوع يعرف بذلك ما في المحتاجين من الألم، فيوجب ذلك مواساتهم، ويدعو إلى الاطعام والشّفقة والرّحمة على خلق اللّه، والشّبعان بمعزل عن ذلك وغفلة منه.
ولذلك قيل ليوسف عليهالسلام: لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن اشبع فانسى الجايع(3).
الخامسة التّذكّر به جوع يوم القيامة وعطشه، فانّ العبد لا ينبغي أن يغفل أهوال يوم القيامة وآلامها.
قال النّبي صلىاللهعليهوآله: أكثر النّاس شبعا أكثرهم جوعا يوم القيامة(1)، لأنّ تذكّرها يهيج الخوف والخشية من اللّه وهو زمام النّفس الأمّارة العاطف لها عن الفحشاء والمنكر.
السادسة وهي أعظم الفوايد كسرة شهوات المعاصي كلّها والاستيلاء على النّفس فانّ منشأ المعاصى الشّهوات والقوى، ومادّة القوى والشّهوات هى الأطعمة البتّة، فتقليلها يضعف كلّ شهوة وقوّة، وإنّما السّعادة كلّها في أن يملك الرّجل نفسه و لا يملكه نفسه وكما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلاّ بضعف الجوع والهزال فاذا شبعت قويت وشردت وجمحت، فكذلك النّفس.
ولذلك قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم في العروق، فضيّقوا مجاريه بالجوع(2).
السابعة دفع النوم ودوام السّهر، فانّ من شبع شرب كثيرا، ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النّوم ضياع العمر وفوات التهجّد والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال الانسان به يتّجر ويتزوّد لآخرته، وفضيلة التّهجّد غير خفيّة.
الثامنة تيسير المواظبة على العبادات، فانّ كثرة الأكل مانعة منها، لأنّها محتاجة إلى زمان يشتغل فيه بالأكل ومضغ الطّعام وازدراده في الفم، وربّما يحتاج إلى شراء الطّعام وطبخه وغسل اليد ونحوها، وفي ذلك تفويت العمر وتضييع الوقت فلو صرف زمانه المصروف إلى ذلك في الطّاعات والمناجاة لعظم أجره وكثر ربحه.
التاسعة صحّة البدن والسّلامة من الأمراض، فانّ سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق.
روى إنّ سقراط الحكيم كان قليل الأكل فقيل له في ذلك: فأجاب إنّ الأكل للحياة وليس الحياة للأكل(1).
قال المحدّث الجزائرى: ورد في الحديث أنّ حكيما نصرانيّا دخل على الصّادق عليهالسلام فقال: أفي كتاب ربّكم أم في سنّة نبيّكم شيء من الطّب؟ فقال: أمّا في كتاب ربّنا فقوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا(2)وأمّا في سنّة نبيّنا: الاسراف
في الأكل رأس كلّ داء والحمية منه رأس كلّ دواء، فقام النّصراني وقال: و اللّه ما ترك كتاب ربّكم ولا سنّة نبيّكم شيئا من الطبّ لجالينوس(3)
قال: روي عنه عليهالسلام أنه لو سئل أهل القبور عن السّبب والعلّة في موتهم لقال أكثرهم التّخمة(4)، فعلم من ذلك أنّ عمدة السبب للمرض هو كثرة الأكل وممانعة المرض من العبادات وتشويشه للقلب ومنعه من الذّكر والفكر وتنغيصه للعيش معلوم.
العاشرة خفّة المؤة، فانّ من اعتاد قلّة الأكل كفاه القليل من الطعام واليسير من المال، بخلاف من تعوّد البطنة، فانّ بطنه صار غريما له آخذا بخناقه في كلّ يوم وليلة، فيلجاه إلى أن يمدّ عين الطمع إلى الناس، ويدخل المداخل فيكتسب إما من الحرام فيعصى، أو من الحلال فيحاسب(5).
هذا كله مضافا إلى ما في قلّة الأكل من التمكّن من الايثار والتصدّق بفاضل قوته على الفقراء والمساكين، فيكون يوم القيامة في ظلّ صدقته، وقد تقدّم في شرح الخطبة المأة والتاسعة في فضايل الصوم والصدقة ما يوجب زيادة البصيرة في هذا المقام فليتذكّر.
ثم انه بقى الكلام في مقدار قلّة الأكل، وقد عيّنه النّبي صلىاللهعليهوآله فيما رواه عنه في عدّة الدّاعي قال: ويروى عنه صلىاللهعليهوآله أنه قال: حسب ابن آدم لقيمات يقمن به صلبه، فان كان ولا بدّ فليكن الثّلث للطعام والثّلث للشراب والثّلث الآخر للنّفس(1).
قال القرطبي: لو سمع بقراط بهذه القسمة لتعجّب في هذه الحكمة(2).
قيل: لا شكّ إنّ أثر الحكمة في هذا الحديث واضح وإنّما خصّ الثلاثة(3)بالذّكر، لأنّها أسباب حياة الحيوان، لأنّه لا يدخل البطن سواها.
ومراتب الأكل على ما قاله بعضهم سبع: الاولى ما به تقوم الحياة. الثانية أن يزيد حتّى أن يصوم ويصلّى عن قيام، وهذان واجبان. الثالثة أن يزيد حتّى يقوى على أداء النوافل. الرابعة أن يزيد حتّى يقدر على التكسّب للتّوسعة، وهذان مستحبّان. الخامسة أن يملاء الثّلث وهذا جايز. السادسة أن يزيد على ذلك فيثقل البدن ويكثر النوم، وهذا مكروه. السابعة أن يزيد حتّى يتضرّر وهى البطنة المنهىّ عنها وهذا حرام، ويمكن إدخال الأولى إلى الثّانية والثالثة إلى الرّابعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ وَالْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي وَالْكِتَابِ الْهَادِي أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ عَلا بِهَا ذِكْرُهُ وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ وَدَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاْءِسْلامِ ديْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ ثُمَّ يَكُونُ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبِيل وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللّهِ تَوَكُّلَ الاْءِنَابَةِ إِلَيْهِ وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّهِ بِتَقْوَى اللّهِ وَطَاعَتِهِ فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً رَهَّبَ فَأَبْلَغَ وَرَغَّبَ فَأَسْبَغَ وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللّهِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللّهِ فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اللّهِ غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا لِمَا أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالِهَا فَاحْذَرُوا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِدِّ الْكَادِحِ وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ
تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلادِ فَقْدَهَا وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا لا يَتَفَاخَرُونَ وَلا يَتَنَاسَلُونَ وَلا يَتَزَاوَرُونَ وَلا يَتَحَاوَرُونَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ وَالْعَلَمَ قَائِمٌ وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ وَالسَّبِيلَ قَصْد
أى: القرآن، قال تعالى: «... الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالاْءِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ...»(1).
قال تعالى: «... قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً»(2).
أى: الطريق الواضح.
أى: الظاهر المستبين، من: بدا يبدو، لا بادى بدى الّذي أصله الهمز بمعنى الابتداء، قال تعالى:... قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...(3).
إلى اللّه تعالى، قال تعالى: «... وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ...»(1).
وقال تعالى: «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه»(2). وقال تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِين»(3).
أى: عشيرته، وهم بنو هاشم.
قالت قتيلة ابنة النضر (اخت النصر خ ل) الداري الّذي قتله أميرالمؤمنين عليهالسلام
صبرا بأمر النّبي صلىاللهعليهوآله في أبيات:
أ محمّد ولأنت صنو نجيبة *** من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت ولربّما *** منّ الفتى وهو المغيظ المحنق(4)
والمراد أصله الّذي خلق صلىاللهعليهوآله منه، كما يشهد له قول النّبي صلىاللهعليهوآله: أنا وعليّ من شجرة واحدة، والناس من أشجار شتّى(5).
ليس فيها زيغ واعوجاج.
أى: نازلة لا تمتنع من قطفها، والمراد من أغصانها وثمارها خلفاؤ الحقّة، وعن الباقر عليهالسلام سئل عن قوله تعالى: «... كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها...»(1)، فقال: قال النّبي صلىاللهعليهوآله: أنا أصل تلك الشجرة وعليّ، والأئمّة عليهمالسلام أغصانها، وعلمنا ثمرها، وما يخرج من الإمام من الحلال والحرام في كلّ سنة إلى شيعته هو إيتاء أكلها كلّ حين(2).
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام: نحن شجرة النبوّة، ومحطّ الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم(3).
حرم اللّه. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَضْلُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبْرِسِيُّ رَحِمَهُ اللّهُ وُلِدَ صلىاللهعليهوآله بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَامَ الْفِيلِ(4)
كشف الغمة: 14/1.
. وفِي كِتَابِ الدُّرِّ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ وُلِدَ صلىاللهعليهوآله عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ يَوْماً مِنْ هَلاكِ أَصْحَابِ الْفِيلِ(5)أى: المدينة، فطيبة أحد أسمائها، ففي (شرح المرتضى لقصيدة الحميرى): أنّ للمدينة اثني عشر اسما: طيبة، ويثرب، والدار، والسكينة، وجابرة، والمجبورة، والمحبّة، والمحبوبة، والعذراء، والرعبوبة، والقاصمة، وبندد(1). وكانت قبل دخول النّبي صلىاللهعليهوآله إياها موضع الحميات فأذهب اللّه منها ذلك بدعائه(2).
وروى أنّ يزيد بن معاوية سمّاها خيبة(3). وقال ابن أبي الحديد: ومما أكفر الناس به يزيد بن معاوية أنه سماها خبيثة مراغمة لرسول اللّه ص(4).
وقال سيف بن ذي يزن لجدّه عبد المطلب لما بشّره به: أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أنّ يثرب دار هجرته وبيت نصرته(5). وهاجر إليها وهو ابن ثلاث وخمسين كما يدلّ عليه ما عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام قال: قبض رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهو ابن ثلاث وستّين سنة في سنة عشر من الهجرة، فكان مقامه بمكّة أربعين سنة، ثمّ نزل عليه الوحى في تمام الأربعين، وكان بمكّة ثلاث عشر سنة، ثمّ هاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فأقام بالمدينة عشر سنين وقبض صلىاللهعليهوآله(6).
أى: بطيبة.
في الآفاق.
قال قيس بن صرمة من بني النجار فيه صلىاللهعليهوآله:
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة *** يذكّر من يلقى صديقا مواليا
ويعرض في أهل المواسم نفسه *** فلم ير من يؤي ولم ير داعيا
فلمّا أتانا أظهر اللّه دينه *** فأصبح مسرورا بطيبة راضيا(1)
وقال الأعشى:
نبي يرى ما لا يرون وذكره *** أغار لعمري في البلاد وأنجدا(2)
ولنعم ما قيل فيه صلىاللهعليهوآله:
لقد طابت الدنيا بطيب محمّد *** وزيدت به الأيام حسنا على حسن
لقد فك أغلال العتاة محمّد *** وأنزل أهل الخوف في كنف الأمن(3)
هذا، وعن الصادق عليهالسلام: كان اسم النّبي صلىاللهعليهوآله يكرّر في الأذان، فأوّل من حذفه ابن أروى(4).
أى: عثمان(1)، وكان معاوية يتلهف على عدم استطاعته رفع اسمه صلىاللهعليهوآله رأسا من الأذان.
وهي القرآن، قال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاْءِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»(2)، وقال عزّ وجلّ: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ...»(3).
قال تعالى: «وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤمِنِينَ»(4).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ»(5). ولو لم يكن في القرآن إلاّ قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(6)، أو قوله تعالى: «... يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ...»(7)، أو قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(8)، إلى غير ذلك من
نظائرها، لكفى في كونها موعظة شافية لأسقام القلوب وأمراض النّفوس، والمراد بها ما اشتمل عليه الكتاب الكريم والسنّة الكريمة من الوعد والوعيد وضرب الأمثال والتّذكير بالقرون الخالية والامم الماضية الموقظة للخلق من نوم الغفلة والمنقذة لهم من ضلال الجهالة.
إلى اللّه.
أى: متداركة بها ما فسد من نظام أمر الدّين في أيّام الجاهليّة، قال تعالى: «... إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً»(1).
وقال تعالى: «... وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِم»(2).
قال تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ...»(3)، عن البراء بن عازب: مرّوا على النّبي صلىاللهعليهوآله بيهودي قد حمّم وجهه (أى: سوّد) وهو يطاف به، فناشدهم ما حدّ الزاني في
كتابهم، فأحالوه على رجل منهم، فنشده النّبي صلىاللهعليهوآله: ما حدّ الزّنا في كتابكم فقال:
الرّجم، ولكن ظهر الزّنا في أشرافنا فكرهنا أن يترك الشريف ويقام على من دونه، فوضعنا هذا عنّا، فأمر به النّبي صلىاللهعليهوآله فرجم. ثمّ قال: اللّهم إنّي أوّل من أحيا ما أماتوا من كتابك(1).
في الدين، أراد بها ما كان أهل الفترة وأيّام الجاهليّة أبدعوها في الدّين وأدخلوها على الشّرع المبين من عبادة الأصنام ونحرهم لها وحجّهم لأجلها وزعمهم أنّها تقرّبهم إلى اللّه زلفى، ومن النّسىء والطواف بالبيت عريانا وغيرها من البدع الّتي لا تحصى فأذلّ اللّه سبحانه ببعث النّبي صلىاللهعليهوآله تلك البدع وأذلّ المبدعين وقطع دابر الكافرين.
قال تعالى: «ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ...»(2). وقال الجزرى: كانوا إذا ولدت إبلهم سقبا بحروا أذنه ـ أى: شقّوها ـ وقالوا: اللّهم إن عاش ففتيّ وإن مات فذكيّ. فإذا مات أكلوه وسمّوه: البحيرة. وقيل: البحيرة: بنت السائبة، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلاّ ولدها أو ضيف، وتركوها مسيبة لسبيلها وسمّوها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقّوا أذنها وخلّوا سبيلها، وحرم منها ما حرم من أمّها وسمّوها البحيرة(3).
والوصيلة: هي الشاة إذا ولدت ستّة أبطن اثنيين اثنيين، وولدت في السابعة
ذكرا وأنثى. قالوا: وصلت أخاها. فأحلّوا لبنها للرجال، وحرّموه على النساء. وقيل: إن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ولم تذبح، وكان لبنها حراما على النساء(1).
وقال الجوهرى: الحامى: الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم. قال الفرّاء: إذا لقح ولد ولده، فقد حمى ظهره، ولا يجزّ له وبر، ولا يمنع من مرعى(2).
وعن (البخاري) البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكّر في أوّل نتاج الإبل ثمّ تثنّي بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالاخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلا يحمل عليه شيء وسمّوه الحامي(3). وقال تعالى: «وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ * وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ»(4).
وقالوا: كانت تلبية قريش والعرب تلبية إبراهيم والأنبياء عليهمالسلام: «لبّيك اللّهم لبّيك لا شريك لك لبّيك» فجاءهم إبليس في صورة شيخ وقال: ما هذا تلبية أسلافكم
وإنّما تلبيتهم (لا شريك لك إلاّ شريك هو لك) فنفرت قريش من هذا القول، فقال لهم إبليس: على رسلكم(1)حتّى آتي على آخر كلامي. فقالوا: وما هو؟ قال: (إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك) ألا ترون أنّه يملك الشريك وما ملكه. فرضوا بذلك، وكانت قريش خاصّة يلبّون به، فقال لهم النّبي صلىاللهعليهوآله: هذا شرك، وأنزل تعالى: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ»(2)،(3).
قال تعالى: «... وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ...»(4)،
وقال تعالى: «... أَ فَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلا»(5).
قال تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاْءِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ»(6).
أى: تنقطع.
فإنّ العروة الوثقى التي لا انفصام لها هي دين الإسلام.
بحيث لا يرجى نعشه.
أى: مرجعه.
الذي لا انقضاء له.
أى: الوخيم، قال أبو طالب فيه:
نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه *** ومن قال: لا. يقرع بسنّ نادم(1)
هذا، وللبحتري في أحمد بن محمّد الطائى:
ولو تناهت بنو شيبان عنه إذن *** لم يجشموا غير ذي حدّين مذروب
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 73/14.
ما زادها النفر عنه غير تغوية *** وبعدها من رضاه غير تتبيب(1)
«أناب إلى اللّه» أى: أقبل وتاب(2). أى توكّل الملتفت عن غيره والرّاجع بكليّته إليه للعلم بأنّ غيره لا يضرّ ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ الْغِنَى وَالْعِزَّ يَجُولانِ فَإِذَا ظَفِرَا بِمَوْضِعِ التَّوَكُّلِ أَوْطَنَاهُ(3).
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليهالسلام سَأَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدٍ السَّائِيُّ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(4)فَقَالَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللّهِ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ تَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ رَاضِياً تَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَأْلُوكَ إِلاّ خَيْراً وَفَضْلاً وَتَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ ـ وَوَثِقْتَ بِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا(5). وَقَالَ صلىاللهعليهوآله مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ ـ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللّهَ وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ فِي يَدَيْهِ(6).
وَقَال صلوات اللّه عليه: لَوْ أَنَّ رَجُلاً تَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ بِصِدْقِ النِّيَّةِ لاحْتَاجَتْ إِلَيْهِ
الْأُمَرَاءُ فَمَنْ دُونَهُمْ فَكَيْفَ يَحْتَاجُ هُوَ وَمَوْلاهُ الْغِنِيُّ الْحَمِيدُ(1).
وَقَالَ الْبَاقِرُ عليهالسلام: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ لا يُغْلَبُ وَمَنِ اعْتَصَمَ بِاللّهِ لا يُهْزَمُ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى دَاوُدَ عليهالسلام مَا اعْتَصَمَ بِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي(3)دُونَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ ثُمَّ تَكِيدُهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِلاّ جَعَلْتُ لَهُ الْمَخْرَجَ مِنْ بَيْنِهِنَّ وَمَا اعْتَصَمَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ إِلاّ قَطَعْتُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ يَدَيْهِ وَأَسَخْتُ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ(4)وَلَمْ أُبَالِ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ(5).
السبيل: الطريق، يذكّر ويؤّث(6). قال تعالى: «هذِهِ سَبِيلِي...»(7)وقال تعالى:
«وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً...»(8).
قال تعالى، بعد نهيه عن الشرك، وأمره بإحسان الوالدين، ونهيه عن قتل
1) . مشكاة الانوار: 18.
2) . مشكاة الانوار: 17؛ بحار الأنوار: 151/68.
3) . عبد من عبادى» أي مؤن.
4) . قال المصنّف في مرآة العقول: واسخت بالخاء المعجمة وتشديد التاء من السخت هو الشديد، وهو من اللغات المشتركة بين العرب والعجم، أي لا ينبت له زرع ولا يخرج له خير من الأرض، أو من السوخ وهو الانخساف على بناء الافعال اي خسفت الأرض به، وربما يقرأ بالحاء المهملة من السياحة كناية عن الزلزلة.
5) . الكافي: 63/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 41/14/ ح 29.
6) . الصحاح: 1724/5 مادة سبل.
7) . يوسف: 108.
8) . الاعراف: 146.
الأولاد للإملاق، وعن قرب الفواحش ظاهرة وباطنة، وعن قتل النّفس المحرّمة، و عن قرب مال اليتيم، وأمره بايفاء الكيل والميزان، وبالعدل في القول ولو على القربى، وبالايفاء بعهده تعالى ـ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(1).
لأنّه تعالى وصّى بهما.
قالوا أى: تقواه وطاعته، وتوحيد الضمير لكونهما في المعنى واحدا.
أى: القيامة، قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا(2).
أى: اليوم وغدا، قال تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ...»(3)، والظاهر أنّ (المنجاة) هنا اسم مكان مثله في قول أبي شيبة الباهلى:
فهل تأوى إلى المنجاة انّي *** أخاف عليك معتلج السّيول(1)
كما أنّ المراد (بالنجاة) قيل المحلّ المرتفع الّذي تظنّ أنّه نجاؤك لا يعلوه
السّيل لا النّاقة التي ينجى عليها لأنّه لا قرينة لإرادتها، وممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد: «المنجاة مصدر نجا ينحو نجاء ومنجاة والنّجاة النّاقة ينجى عليها استعارها للطاعة والتقوى»(2).
المجرمين بعذاب الجحيم والسخط العظيم (فأبلغ) في ترهيبه.
قال تعالى: «إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ»(3).
قال تعالى: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(4). وقال تعالى: «... وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ»(5).
قال تعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ...»(6).
وقال تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ
فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآْخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُور»(1).
قال الشارح البحرانى: وإنّما قال: لقلّة ذلك ولم يقل لعدمه لأنّ السالكين لا بدّ أن يستصحبوا منها شيئا وهو ما يكتسبه أحدهم من الكمالات إلى الآخرة، ولكنّ القدر الذي يكتسبه المترفون من الكمالات إذا قصدوا بأموالهم وساير زينة الحياة الدّنيا الوصول إلى اللّه نزر قليل، ومع ذلك فهم في غاية الخطر ومزلّة القدم في كلّ
حركة وتصرّف، بخلاف أهل القشف الذين اقتصروا منها على مقدار الضرورة البدنيّة، ويحتمل أن يريد بالقليل الّذي يصحبهم منها كالكفن ونحوه(2).
لأنّها محفوفة بالشهوات الموجبة لسخطه وأكثر أهلها محبّون لها راغبون إليها متابعون للهوى، ورأس كلّ خطيئة حبّ الدّنيا.
عن السجّاد عليهالسلام سئل أيّ الأعمال أفضل عند اللّه تعالى فقال: ما من عمل بعد معرفة اللّه تعالى ورسوله أفضل من بغض الدّنيا(3).
وعن الصادق عليهالسلام في ما ناجى اللّه تعالى موسى عليهالسلام لا تركن يا موسى إلى الدّنيا ركون الظّالمين وركون من اتّخذها أبا وأمّا ـ إلى أن قال ـ واعلم انّ كلّ فتنة بدؤا
حبّ الدّنيا(1).
وعن النّبي صلىاللهعليهوآله: أنّه مرّ على جدي مقطوع الاذن ميت، فقال الدّنيا أهون على اللّه تعالى من هذا على أهلها(2)، وروى انّها لو كانت تساوي عنده تعالى جناح بعوضة ما سقي كافرا شربة منها(3).
يعني أنّ الغمّ والاشتغال انما يحسن أن يوجها نحو ما يبقى دون ما يفنى مع أنّ الاشتغال بما يفنى شاغل عن الاشتغال بما يبقى، وهو ليس فعل العاقل.
عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقْبَةَ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا مَثَلُ دُودَةِ الْقَزِّ كُلَّمَا ازْدَادَتْ مِنَ الْقَزِّ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً كَانَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ غَمّاً(4)وقد أنشد بعضهم فيه:
أ لم تر أن المرء طول حياته *** حريص على ما لا يزال يناسجه
كدود كدود القز ينسج دائما *** فيهلك غما وسط ما هو ناسجه(5)
وَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَغْنَى الْغِنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيراً وَقَالَ لا تُشْعِرُوا
قُلُوبَكُمُ الاشْتِغَالَ بِمَا قَدْ فَاتَ فَتَشْغَلُوا أَذْهَانَكُمْ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِمَا لَمْ يَأْتِ(1).
قيل أى: فاحذروها على أنفسكم لأنفسكم كما يحذر الشفيق النّاصح على صاحبه.
قيل أى: وكما يحذر المجدّ الكادح ـ أى: الساعى ـ من خيبة سعيه(2)وفي الصحاح يقال جدّ واجدّ قال الأصمعي يقال (انّه جادّ مجدّ) باللّغتين(3). عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ صلىاللهعليهوآله إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ مَا أَلْيَنَ مَسَّهَا وَفِي جَوْفِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ يَحْذَرُهَا الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَيَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُ(4).
قال تعالى ـ بعد ذكر أهلاكه كلاّ من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط ـ : «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»(5)، وقال تعالى بعد ذكر قوم فرعون:
«فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ»(6)، وقال تعالى أيضا: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ»(1).
قال الصادق عليهالسلام لأبي بصير لمّا شكا إليه وسواس الدّنيا: «اذكر تقطّع أوصالك
في قبرك»(2).
أى: عيونهم وآذانهم.
كان جذيمة الأبرش لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه وينادم الفرقدين فاذا شرب قدحا صبّ لهذا قدحا ولهذا قدحا(3)، وكان لنعمان بن المنذر يوم بؤ ويوم نعيم و هو صاحب الغريّين وكان يغريهما بدم من يقتله ممّن رآه يوم بؤه(4).
فلا تنظر إلى طيب عيشهم ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم.
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله *** إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت منعّمة *** كرّ الجديدان إقبالا وإدبارا
كم قد أبادت صروف الدّهر من ملك *** قد كان في الدّهر نفّاعا وضرّارا
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها *** يمسى ويصبح في دنياه سفّارا
هلاّ تركت من الدّنيا معانقة *** حتّى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها *** فينبغي لك أن لا تأمن النارا(1)
قال تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِين»(2).
ثمّ انظر إلى أهل القبور كيف صاروا إليها بعد سكنى القصور، وانتقلوا إلى دار الوحدة وارتحلوا إلى بيت الوحشة ليس لهم أنيس به يستأنسون ولا سكن إليه يسكنون.
بل استوحش من قربهم الأولاد والأصحاب، واستنفر من قبرهم الألاّف والأحباب.
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام: تدارك ما بقي من عمرك ولا تقل غدا وبعد غد فانّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتّى أتاهم أمر اللّه بغتة وهم غافلون فنقلوا على أعوادهم إلى القبور المظلمة الضيّقة وقد أسلمهم الأولاد والأهلون(3).
كما كانوا في حياتهم قال تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ»(1).
هذا، وقال عمرو بن هند ملك الحيرة ذات يوم: هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمّه من خدمة امّي قالوا: لا نعلمها إلاّ ليلى امّ عمرو بن كلثوم، قال وكيف قالوا
لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة وعمّها كليب وائل أعزّ العرب وبعلها كلثوم بن عتاب فارس العرب وابنها عمرو سيّد من هو منه، فأرسل إلى عمرو بن كلثوم يستزيره وسأله ان يزير امّه فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة في جماعة من بني تغلب وأقبلت ليلى في ظعن من بني تغلب وأمر عمرو بن هند برواقة فضرب ما بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا ودخل عمرو بن كلثوم رواقة ودخلت ليلى امّه على هند امّ (عمرو بن هند) قبّتها فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها ثمّ دعا بالطّرف فقالت هند: يا ليلى ناوليني ذلك الطّبق، فقالت: لتقم صاحب الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها فلّما ألّحت صاحت ليلى واذلاّه يا لتغلب فسمعها عمرو بن كلثوم، فثار الدّم في وجهه، فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرّواق ـ وليس هناك سيف غيره ـ فضرب به رأس عمرو بن هند حتّى قتله، ونادى بني تغلب فانتهبوا جميع ما في الرّواق، واستاقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة(2).
ويقال وقع إلى الأرض من صلب المهلّب ثلاثمائة ولد(3)، أيضا توفّي أبو بكرة عن أربعين ولدا من بين ذكر وانثى(4).
بالحاء من المحاورة وقيل بالجيم من المجاورة حتى الّذين ماتوا معا.
وانّ المتوكّل قال للبخترى: إنّي أحبّ أنّ يحيى الفتح بن خاقان معي، ولا أفقده، فيذهب عيشي ولا يفقدني، فقل في هذا شعرا، فقال:
لا أرتني الأيّام فقدك يا فتح *** ولا عرّفتك ما عشبت فقدي
أعظم الرزء ان تقدّم قبلي *** ومن الرّزء أن تؤّر بعدي
حذرا أن تكون إلفا لغيري *** إذ تفرّدت بالهوى فيك وحدي
فقتلا معا(1).
قال الشاعر:
وحلّوا بدار لا تزاور بينهم *** وأنّى لسكّان القبور التّزاور(2)
وإنما صار هوام الأرض لهم الزّوار والضيفان، والحشرات والديدان لهم الجيران وانحصر لباسهم ورياشهم في الأكفان.
قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(3).
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ * أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ»(4).
قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»(1). وقال تعالى: «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...»(2).
بالفتح أى: صلب، وفي المثل (من سلك الجدد أمن العثار)(3).
قال تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...»(4).
فَطُوبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللّهَ رَبَّهُ *** وَجَادَ بِدُنْيَاهُ لِمَا يَتَوَقَّع(5)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ أَمَّا الاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَالْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ صلىاللهعليهوآله نَوْطاً فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَالْحَكَمُ اللّهُ وَالْمَعْوَدُ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ
ـ وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ ـ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ وَلا غَرْوَفَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وَسَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُون
ومن كلام له عليهالسلام لبعض أصحابه، وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به
الأصل فيه رواية الصدوق في (علله وأماليه)، والمفيد في (ارشاده).
قال الصدوق: عن أبي أحمد الحسن بن عبداللّه العسكري عن ابراهيم بن رغد العبشمي، عن ثبيت بن محمّد، عن أبي الأحوص المصري عمّن حدّثه، عن أبي محمّد الحسن بن علي عليهالسلام، عن آبائه عليهمالسلام قال: بينا أميرالمؤمنين عليهالسلام في أصعب موقف بصفين اذ قام إليه رجل من بني دودان، فقال له: لم دفعكم قومكم عن هذا الأمر، وكنتم أفضل الناس علما بالكتاب والسنّة فقال عليهالسلام سألت يا أخا بني دودان، ولك حقّ المسألة، وذمام الصهر، فإنّك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد. إنّها كانت إمرة شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ولنعم الحكم اللّه، والزعيم محمّد صلىاللهعليهوآله ودع عنك نهبا صيح في حجراته، وهلّم الخطب في ابن أبي سفيان. فلقد اضحكني الدهر بعد ابكائه.
ولا غرو إلاّ جارتي وسؤلها*** ألا هل لنا أهل سألت كذلك
بئس القوم من خفضني، وحاولوا الإدهان في دين اللّه فان ترفع عنّا محن البلوى أحملهم من الحق على محضه، وان تكن الاخرى، «فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ»(1). إليك عنّي يا أخا بني دودان(2).
وقال في الأمالي: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَعْدٍ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَعْدٍ الْعَبْشَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ثُبَيْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو
الْأَحْوَصِ الْمِصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فِي أَصْعَبِ مَوْقِفٍ بِصِفِّينَ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي دُودَانَ فَقَالَ مَا بَالُ قَوْمِكُمْ دَفَعُوكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَأَشَدُّ نَوْطاً بِالرَّسُولِ وَفَهْماً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَالَ سَأَلْتَ يَا أَخَا بَنِي دُودَانَ وَلَكَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ [الْمُسَاءَلَةِ] وَذِمَامُ الصِّهْرِ وَإِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ تُرْسِلُ عَنْ ذِي مَسَدٍ إِنَّهَا إِمْرَةٌ [امْرَأَةٌ] شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّهُ.
وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ بكائه [إِبْكَائِهِ]
لا غَرْوَإِلاّ جَارَتِي وَسُؤالُهَا*** أَلا هَلْ لَنَا أَهْلٌ سَأَلَتْ كَذَلِكَ
بِئْسَ الْقَوْمُ مَنْ خَفَضَنِي وَحَاوَلُوا الاْءِدْهَانَ فِي دِينِ اللّهِ فَإِنْ تُرْفَعْ عَنَّا مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ(1)إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَخَا بَنِي [دُودَانَ(2)].
وقال المفيد: رَوَى نَقَلَةُ الآْثَارِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَقَفَ عَلَى أَمِيرِالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فَقَالَ: يَا أَمِيرَالْمُؤمِنِينَ الْعَجَبُ مِنْكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ كَيْفَ عُدِلَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْكُمْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً نَوْطاً(3)بِالرَّسُولِ وَفَهْماً لِلْكِتَابِ (بالكتاب خ ل) فَقَالَ أَمِيرُالْمُؤمِنِينَ عليهالسلام
يَا ابْنَ دُودَانَ(1)إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ(2)ضَيِّقُ الْمَحْزَمِ تُرْسِلُ غَيْرَ ذِي مَسَدٍ لَكَ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ كَانَتْ أَثَرَةً سَخَتْ بِهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ فَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حُجُرَاتِهِ(3)
ودع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل...
وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي أَمْرِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ وَلا غَرْوَيَئِسَ الْقَوْمُ وَاللّهِ مِنْ خَفْضِي وَهِينَتِي وَحَاوَلُوا الادِّهَانَ فِي ذَاتِ اللّهِ وَهَيْهَاتَ ذَلِكَ مِنِّي فَإِنْ تَنْحَسِرْ عَنَّا مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ»(4)،(5).وقال ابن أبي الحديد بعد العنوان: سألت أبا جعفر يحيى بن محمّد العلوي نقيب البصرة وقت قراءتي عليه عن هذا الكلام ـ وكان على ما يذهب إليه من مذهب العلوية منصفا وافر العقل ـ فقلت له من يعنى بقوله «كانت اثرة شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين» ومن القوم الذين عناهم الأسدي بقوله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحقّ به هل المراد يوم السقيفة أو يوم الشورى فقال: يوم السقيفة. فقلت: إن نفسي لا تسامحني ان أنسب إلى الصحابة عصيان
1) . دودان: أبو قبيلة من أسد، وهو دودان بن أسد بن خزيمة. «الصحاح ـ دود ـ 2: 471».
2) . الوضين للهودج بمنزلة الحزام للسرج. «الصحاح ـ وضن ـ 6: 2214».
3) . مثل سائر، ذكره الميداني في مجمع الامثال 1: 267/ 1403، وقال: «النهب المال المنهوب، وكذلك النهبى، والحجرات: النواحي. يضرب لمن ذهب من ماله شيء ثمّ ذهب بعده ما هو أجل منه» ثمّ ذكر قصة المثل، وهو شطر من بيت لامرئ القيس يقول فيه:
4) . فاطر: 8.
5) . الارشاد: 294/1؛ بحار الأنوار: 557/29/ ح 9.
الرسول صلىاللهعليهوآله ودفع النص. فقال: وأنا ايضا لا تسامحني أن أنسب الرسول صلىاللهعليهوآله إلى إهمال أمر الامة، وان يترك الناس فوضى سدى مهملين، وكان لا يغيب عن المدينة إلاّ ويؤّر عليها أميرا، وهو حيّ ليس بالبعيد عنها، فكيف لا يؤّر، وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث.
ثم قال: لا يشك أحد من الناس ان النّبي صلىاللهعليهوآله كان عاقلا كامل العقل.
أمّا المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم، واما اليهود والنصارى والفلاسفة، فيزعمون انّه حكيم تامّ الحكمة سديد الرأي اقام ملّة، وشرع شريعة. فاستجدّ ملكا عظيما بعقله وتدبيره، وهذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب، وغرائزهم وطلبهم بالثارات والذحول، ولو بعد الأزمان المتطاولة، ويقتل الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر. فلا يزال أهل ذلك المقتول واقاربه يتطلّبون القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثارهم منه، فان لم يظفروا به قتلوا بعض اقاربه وأهله. فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة، وان لم يكونوا رهطه الادنين والإسلام لم يحل طبائعهم، ولا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم، والغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب انّ هذا العاقل الكامل وتر العرب، وعلى الخصوص قريشا، وساعده على سفك الدماء، وازهاق الأنفس وتقلد الضغائن ابن عمه الأدنى وصهره، وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس ويتركه بعده، وعنده ابنته، و له منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوّا عليهما، ومحبّة لهما، ثمّ يعدل عنه في الامر بعده، ولا ينصّ عليه، ولا يستخلفه فيحقن دمه، ودم بنيه وأهله باستخلافه ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا تركه وترك بنيه وأهله سوقة ورعية فقد عرّض دماءهم للاراقة بعده، بل يكون هو صلىاللهعليهوآله هو الذي قتلهم، وأشاط
بدمائهم(1)، لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم، وإنّما يكونون مضغة للآكل، وفريسة للمفترس، يتخطّفهم الناس، ويبلغ فيهم الاغراض فأمّا اذا جعل السلطان فيهم والأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم وحقن دماءهم بالرياسة التي يصولون بها، و يرتدع الناس عنهم لأجلها، ومثل هذا معلوم بالتجربة.
ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس ووترهم وابقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه ثمّ أهمل أمر ولده وذريته من بعده، وفسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم، وجعل بنيه سوقة كبعض العامة، لكان بنوه بعده قليلا بقاؤم سريعا هلاكهم، ولوثب عليهم ذوو الأحقاد والتراث من كل جهة يقتلونهم ويشرّدونهم كل مشرّد، ولو انّه عيّن واحدا من أولاده للملك، وقام خواصّه وخدمه وخوله بأمره بعده، لحقنت دماء أهل بيته، ولم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك، وابّهة السلطنة، وقوّة الرياسة، وحرمة الامارة افترى ذهب عن النّبي صلىاللهعليهوآله هذا المعنى أم أحبّ أن يستأصل أهله وذريّته من بعده، واين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه أ تقول: انّه احبّ ان يجعلها كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس، وان يجعل عليا المكرّم المعظّم عنده الّذي كانت حاله معه معلومة كأبي هريرة الدوسي، وأنس بن مالك الأنصاري يحكم الامراء في دمه وعرضه ونفسه وولده فلا يستطيع الامتناع، وعلى رأسه مئة ألف سيف مسلول يتلظى اكباد اصحابها عليه، ويودّون ان يشربوا دمه بافواههم، ويأكلوا لحمه بأسيافهم. قد قتل أبناءهم واخوانهم وآباءهم، وأعمامهم، والعهد لم
1) . أشاط بدمائهم: أهدرها أو عمل على هلاكها.
يطل، والقروح لم تتقرف(1)، والجروح لم تندمل.
فقلت له: لقد أحسنت فيما قلت إلاّ أن لفظه عليهالسلام يدل على أنه لم يكن نص عليه أ لا تراه يقول « ونحن الأعلون نسبا والأشدون بالرسول نوطا » فجعل الاحتجاج بالنسب وشدة القرب فلو كان عليه نص لقال عوض ذلك « وأنا المنصوص علي المخطوب باسمي ».
فقال رحمهالله: إنما أتاه من حيث يعلم لا من حيث يجهل أ لا ترى أنه سأله فقال « كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به » فهو إنما سأل عن دفعهم عنه وهم أحق به من جهة اللحمة والعترة ولم يكن الأسدي يتصور النص ولا يعتقده ولا يخطر بباله لأنه لو كان هذا في نفسه لقال له لم دفعك الناس عن هذا المقام وقد نص عليك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولم يقل له هذا وإنما قال كلاما عاما لبني هاشم كافة كيف دفعكم قومكم عن هذا وأنتم أحق به أي باعتبار الهاشمية والقربى فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الذي تعلق به الأسدي بعينه تمهيدا للجواب فقال إنما فعلوا ذلك مع أنا أقرب إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله من غيرنا لأنهم استأثروا علينا ولو قال له أنا المنصوص علي والمخطوب باسمي في حياة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لما كان قد أجابه لأنه ما سأله هل أنت منصوص عليك أم لا ولا هل نص رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بالخلافة
على أحد أم لا وإنما قال لم دفعكم قومكم عن الأمر وأنتم أقرب إلى ينبوعه ومعدنه منهم فأجابه جوابا ينطبق على السؤل ويلائمه أيضا فلو أخذ يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الأمر لنفر عنه واتهمه ولم يقبل قوله ولم ينجذب إلى
تصديقه فكان أولى الأمور في حكم السياسة وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة
1) . تقرف الجرح: طلعت فوقه قشرة. أى شارف البرء.
منه ولا مطعن عليه فيه(1)
وقال ابن أبي الحديد أيضا: في ضمن شرح عنوان «للّه بلاد فلان» بعد ذكر أخبار من طريقهم دالّة على النصّ كخبر ابن عباس قال: خرجت مع عمر إلى الشام في احدى خرجاته. فانفرد يوما، يسير على بعيره فاتّبعته فقال لى: يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمّك. سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال أراه واجدا افيم تظنّ موجدته قلت: إنك لتعلم. قال: اظنّه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة. قلت: هو ذاك. إنه يزعم أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله أراد الأمر له فقال: يا ابن عباس، وأراد النبي الأمر له فكان ما ذا إذا لم يرد اللّه ذلك ان النبي أراد ذلك وأراد اللّه غيره فنفذ مراد اللّه ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلّ ما أراده النّبي صلىاللهعليهوآله كان؟ انه أراد اسلام عمّه ولم يرده اللّه فلم يسلم.
قال ابن أبي الحديد: وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ وهو قوله «ان النّبي صلىاللهعليهوآله أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الإسلام فعلم النبي ما في نفسي فأمسك، وأبى اللّه إلاّ امضاء ما حتم»(2).
وكخبر الحسين بن محمّد السبتي انّ عمر نزلت به نازلة فقام لها وقعد وترنّح لها و تفطّر وقال لمن عنده، معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الامر فقالوا: أنت المفزع والمنزع فغضب وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»(3)ثمّ قال «اما واللّه انّي وايّاكم لنعلم ابن نجدتها والخبير بها.
قالوا: «كانّك اردت ابن أبي طالب» قال «و انّى يعدل عنه، وهل طفحت حرة مثله» قالوا: فلو دعوت به قال: «هيهات انّ هناك شمخا من هاشم، واثرة من علم، و لحمة من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يؤى ولا يأتي فامضوا بنا إليه فأقصفوا نحوه وأفضوا إليه فألفوه في حائط له عليه تبّان وهو يتركّل على مسحاته و يقرأ: «أَ يَحْسَبُ الاْءِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً»(1)
القيامة: 36.
إلى آخر السورة ودموعه تهمي على خدّيه فأجهش الناس لبكائه فبكوا ثمّ سكت وسكتوا. فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر جوابها فقال عمر: « اما واللّه لقد ارادك الحقّ، ولكن أبى قومك» فقال: «يا أبا حفص خفّض عليك من هنا ومن هنا «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً»(2)فوضع عمر إحدى يديه على الاخرى وأطرق إلى الأرض وخرج كأنما ينظر في رماد(3).وكخبر ابن عباس قال: دخلت على عمر يوما فقال: يا ابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياء. قلت: من هو فقال: هذا ابن عمك ـ يعني عليا عليهالسلام ـ قلت: وما يقصد بالرياء قال: يرشّح نفسه بين الناس للخلافة. قلت: وما يصنع بالترشيح قد رشحه لها النّبي صلىاللهعليهوآله فصرفت عنه قال: انّه كان شابّا حدثا فاستصغرت العرب سنّه، وقد كمل الآن ألم تعلم أنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ بعد الأربعين. قلت: أما أهل الحجى والنهى فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملا منذ رفع اللّه منار الإسلام، ولكنهم يعدّونه محروما محدودا.
فقال: أما إنّه سيليها بعد هياط ومياط(4)ثمّ تزلّ فيها قدمه، ولا يقضي منها
إربه، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبداللّه. ثمّ يتبين الصبح لذي عينين، وتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأولين الّذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبداللّه إنّ الحرص محرّمة، وانّ دنياك كظلك كلّما هممت به ازداد عنك بعدا(1).
وكخبره أيضا ـ كما في (امالي ابن حبيب) ـ قال ابن عباس: تبرّم عمر بالخلافة في آخر ايّامه، وخاف العجز، وضجر من سياسة الرعية. فكان لا يزال يدعو اللّه بأن يتوفاه. فقال لكعب الأحبار يوما وأنا عنده: إنّي قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الأمر، وأظنّ وفاتي قد دنت، فما تقول في علي أشر علي في رأيك، واذكر لي ما تجدونه عندكم فإنكم تزعمون أنّ أمرنا هذا مسطور في كتبكم.
فقال: أمّا من طريق الرأي فانّه لا يصلح، إنّه رجل متين الدّين، لا يغضي على عورة، ولا يحلم عن زلّة، ولا يعمل باجتهاد رأيه، وليس هذا من سياسة الرعية في شيء، وأمّا ما نجده في كتبنا فنجده لا يلي الأمر هو ولا ولده، وان وليه كان هرج شديد. قال: وكيف ذاك قال: لأنه أراق الدماء، ومن أراق الدماء لا يلي الملك. إنّ داود لمّا أراد أن يبني حيطان بيت المقدس أوحى اللّه إليه: إنّك لا تبنيه، لأنك أرقت الدماء، وإنّما يبنيه سليمان. فقال عمر: أليس بحق أراقها قال كعب: وداود بحقّ أراقها يا أميرالمؤمنين. قال: فإلى من يفضي الأمر تجدونه عندكم.
قال: نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة واثنين من أصحابه إلى أعدائه الّذين حاربهم وحاربوه على الدين. فاسترجع عمر مرارا، وقال: أ تستمع يا ابن عباس أما واللّه لقد سمعت من النبي ما يشابه هذا، سمعته يقول: ليصعدن بنو امية على منبري، ولقد اريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة، وفيهم انزل: «وَما جَعَلْنَا
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 80/12.
الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ»(1)،(2).
وكخبر (أمالي أبي بكر بن الأنبارى): ان عليّا عليهالسلام جلس إلى عمر في المسجد، وعنده ناس، فلمّا قام عرّض واحد بذكره، ونسبه إلى التيه والعجب فقال عمر: حقّ لمثله أن يتيه. واللّه لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الامّة وذو سابقتها وذو شرفها. فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أميرالمؤمنين عنه قال: كرهناه على حداثة السن وحبّه بني عبد المطلب(3).
قال ابن أبي الحديد: «سألت النقيب أبا جعفر يحيى، وقد قرأت عليه هذه الأخبار فقلت له: ما أراها إلاّ تكاد تكون دالة على النص، ولكنّي أستبعد أن تجتمع الصحابة على دفع نص النّبي صلىاللهعليهوآله على شخص بعينه كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصّه على الكعبه، وشهر رمضان وغيرهما من معالم الدين».
فقال: أبيت إلاّ ميلا إلى المعتزلة، ثمّ قال: إنّ القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين، وأنّها جارية مجرى العبادات الشرعية كالصلاة الصوم، ولكنهم كانوا يجرونها مجرى الامور الدنيوية، مثل تأمير الامراء، وتدبير الحروب، وسياسة الرعية، وما كانوا بهذا الأمر وأمثاله من مخالفة نصوص النّبي صلىاللهعليهوآله إذا رأوا المصلحة في غيرها. ألا ترى كيف نصّ على إخراج أبي بكر، وعمر في جيش اسامة، ولم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة للّه وله وللملّة، وحفظا للبيضة، ودفعا للفتنة وقد كان النّبي صلىاللهعليهوآله يخالف وهو حيّ في أمثال ذلك فلا ينكره، ولا يرى به بأسا. أ لست تعلم أنه نزل في غزاة بدر منزلا على أن يحارب قريشا فيه فخالفته الأنصار،
وقالت له: ليس الرأي في نزولك هذا المنزل فاتركه، وانزل في منزل كذا فرجع إلى آرائهم.
وهو الّذي قال للأنصار عام قدم المدينة «لا تؤّروا النخل» فعملوا على قوله فحالت نخلهم في تلك السنة حتى قال لهم: أنتم اعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم.
وهو الذي أخذ الفداء من اسارى فخالفه عمر فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر، وخلص الأسرى، ورجعوا إلى مكّة.
وهو الذي أراد ان يصالح الأحزاب على ثلث تمر المدينة ليرجعوا عنه.
فأبى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة ذلك، وخالفاه فرجع إلى قولهما، وقد كان قال لأبي هريرة: اخرج فناد في الناس «من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا بها قلبه دخل
الجنة فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفع في صدره حتّى وقع على الأرض فقال: «لا تقلها فإنّك إن تقلها يتّكلوا عليها ويدعوا العمل» فأخبر أبو هريرة النّبي صلىاللهعليهوآله بذلك فقال «لا تقلها وخلّهم يعملون» فرجع إلى قول عمر.
وقد أطبقت إطباقات واحدا على ترك كثير من النصوص لمّا رأوا المصلحة في ذلك كاسقاط سهم ذوي القربى، وإسقاطهم سهم المؤّفة قلوبهم، وهذان الأمران في باب الدين أدخل منهما في باب الدنيا، وقد عملوا بآرائهم امورا لم يكن لها ذكر في السنّة كحدّ الخمر. فإنّهم عملوه اجتهادا، ولم يحدّ النّبي صلىاللهعليهوآله شاربي الخمر، وقد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم.
ولقد كان أوصاهم في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب: فلم يخرجوهم حتّى مضى صدر من خلافة عمر، وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم في
ذلك واستصلاحهم.
وهم الّذين هدموا المسجد بالمدينة، وحوّلوا المقام بمكة، وعملوا بمقتضى ما تغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص حتّى اقتدى بهم الفقهاء. فرجّح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة، وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة(1).
قال النقيب: وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم في ما يجري مجرى الولايات والتأمير والتدمير، وتقرير قواعد الدولة، وما كانوا يقفون مع نصوص النّبي صلىاللهعليهوآله وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها، كأنّهم كانوا يقيّدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظا، وكانّهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله، وتقدير ذلك القيد: «افعلوا كذا ان رأيتموه مصلحة».
فأمّا مخالفتهم له في ما هو محض الشرع والدين، وليس يتعلّق بامور الدنيا وتدبيراتها فإنّه يقلّ جدا، نحو أن يقول النّبي صلىاللهعليهوآله: الوضوء شرط في الصلاة فيجمعوا على ردّ ذلك، ويجيزوا الصلاة من غير وضوء، أو يقول صوم شهر رمضان واجب فيطبقوا على مخالفة ذلك ويجعلوا شوّالا عوضا عنه. فانه بعيد إذ لا غرض لهم فيه، ولا يقدرون على اظهار مصلحة عثروا عليها خفيت عن النّبي صلىاللهعليهوآله.
قال: والقوم الّذين كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطيع عليا عليهالسلام فبعضها للحسد، وبعضها للوتر والثأر، وبعضهم لاستحداثهم سنّه، وبعضهم لاستطالته عليهالسلام عليهم ورفعه عنهم، وبعضهم لكراهية اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، وبعضهم للخوف من شدّة وطأته، وشدّته في دين اللّه، وبعضهم لرجاء
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 82/12 ـ 84.
تداول قبائل العرب الخلافة إذا لم يقتصر بها على بيت واحد مخصوص فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتا مستمرا، وبعضهم يبغضه لبغضهم من قرابة النّبي صلىاللهعليهوآله وهم المنافقون من الناس، ومن في قلبه زيغ من أمر النبوة. فأصفق الكل إصفاقا واحدا على صرف الأمر لغيره فقال رؤاؤم: بانّا خفنا الفتنة، وعلمنا انّ العرب لا تطيعه وتتركه، وتأوّلوا عند أنفسهم وقالوا: لا ننكر النص انه لنصّ ولكن يرى الحاضر ما لا يرى الغائب، وأعانهم على ذلك مسارعة الأنصار إلى ادّعائهم الأمر، وإخراجهم سعد بن عبادة من بيته وهو مريض لينصبوه خليفة في ما زعموا، واختلط الناس، وكثر الخبط، وكادت الفتنة أن تضطرم نارا فوثب رؤاء
المهاجرين فبايعوا أبا بكر، وكانت فلتة كما قال قائلهم، وزعموا انهم أطفئوا نائرة الأنصار. فمن سكت من المسلمين وأغضى ولم يتعرض، فقد كفاهم أمر نفسه، ومن قال سرّا أو جهرا إنّ فلانا قد ذكره النّبي صلىاللهعليهوآله أو نصّ عليه أو أشار إليه، أسكتوه في الجواب بأنّا بادرنا إلى عقد البيعة مخافة الفتنة، واعتذروا عنده ببعض ما تقدم: إمّا أنه حديث السن أو تبغضه العرب لأنه وترها وسفك دماءها أو لأنّه صاحب زهو وتيه، أو كيف تجتمع النبوة والخلافة في مغرس واحد، بل قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا وأوكد، قالوا: أبو بكر أقوى، منه على هذا الأمر لا سيّما وعمر يقصده ويساعده، والعرب تحبّ أبا بكر، ويعجبها لينه ورفقه، وهو شيخ مجرّب للامور لا يحسده أحد، ولا يحقد عليه احد، ولا يبغضه احد، وليس بذي شرف في النسب فيشمخ على الناس بشرفه، ولا ذي قربى فيدلّ بقربه، ودع ذا كله فإنه فضل مستغنى عنه.
قالوا: لو نصبنا عليّا ارتدّ الناس عن الإسلام، وعادت الجاهلية كما كانت، فأيّما
أصلح في الدين، الوقوف مع النص المفضي إلى ارتداد الخلق ورجوعهم إلى الأصنام والجاهلية، أم العمل بمقتضى الأصلح، واستبقاء الإسلام، واستدامة العمل بالدين وان كان فيه مخالفة النص.
قال رحمهالله وسكت الناس عن الانكار لانّهم كانوا متفرّقين، فمنهم من هو مبغض شانئ لعليّ عليهالسلام فالّذي تمّ من صرف الأمر عنه قرّة عينه، وبرد فؤده، ومنهم ذوو الدين، وصحّة اليقين. إلاّ انه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه ظنّ أنّهم إنّما فعلوا ذلك خلاف النص من النّبي صلىاللهعليهوآله بنسخ ما كان سمعه من النص علي أميرالمؤمنين عليهالسلام لا سيما ما رواه ابو بكر من قول النّبي صلىاللهعليهوآله«الأئمة من قريش» فإنّ كثيرا من الناس توهّموا أنه ناسخ للنص الخاص، وأنّ معنى الخبر أنّكم مباحون في نصب إمام من قريش من أيّ بطون قريش كان فانّه يكون اماما، وأكّد أيضا في نفوسهم رفض النص الخاص، ما سمعوه من قول النّبي صلىاللهعليهوآله «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن» وقوله: «سألت اللّه ألاّ يجمع امّتي على ضلال فأعطانيها» فأحسنوا الظن بعاقدي البيعة، وقالوا: هؤاء أعرف بأغراض النّبي صلىاللهعليهوآله
من كل أحد. فامسكوا وكفّوا عن الإنكار ، ومنهم فرقة اخرى وهم الأكثرون أعراب وجفاة وطغام، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. فهؤاء مقلّدون لا يسألون، ولا ينكرون، ولا يبحثون، وهم مع امرائهم وولاتهم، لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها فلذلك امحق النص، وخفي، ودرس، وقويت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر، وقوّاها زيادة على ذلك اشتغال علي عليهالسلام وبني هاشم بالنبيّ صلىاللهعليهوآله وإغلاق بابهم عليهم، وتخليتهم الناس يعملون ما شاءوا وأحبّوا من غير مشاركة لهم في ما هم فيه، لكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات، وهيهات
الفائت لا رجعة له، وأراد علي عليهالسلام بعد ذلك نقض البيعة فلم يتمّ له ذلك، وكانت العرب لا ترى الغدر، ولا تنقض البيعة صوابا كانت أو خطأ، وقد قالت له الأنصار وغيرها: أيّها الرجل لو دعوتنا إلى نفسك قبل البيعة لما عدلنا بك أحدا، ولكنّا بايعنا فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها(1).
قال النقيب: ومما جرّأ عمر على بيعة أبي بكر، والعدول عن علي عليهالسلام مع ما كان يسمعه من النّبي صلىاللهعليهوآله في أمره أنّه أنكر مرارا على النّبي صلىاللهعليهوآله امورا اعتمدها فلم ينكر عليه النّبي صلىاللهعليهوآله وسلم إنكاره بل رجع في كثير منها إليه، وأشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها بموافقته. فأطمعه ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الامور الّتي كان يرى فيها المصلحة بما هي خلاف النص، وذلك نحو انكاره في الصلاة على عبداللّه بن أبيّ المنافق، وإنكاره فداء اسارى بدر، وإنكاره عليه تبرّج نسائه للناس، وإنكاره قضيّة الحديبية، وإنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة، وإنكاره أمره بالنداء «من قال لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة» وإنكاره أمر النّبي صلىاللهعليهوآله بذبح النواضح، وإنكاره على النساء بحضرة النّبي صلىاللهعليهوآله وآله هيبتهن له دون النّبي صلىاللهعليهوآله إلى غير ذلك من امور كثيرة يشتمل عليها كتب الحديث، ولو لم يكن إلاّ إنكاره قول النّبي صلىاللهعليهوآله في مرضه «آتوني بدواة وكتاب أكتب لكم ما لا تضلّون بعدى» وقوله ما قال وسكوت النّبي صلىاللهعليهوآله عنه لكفى.
وأعجب الأشياء انه قال ذلك اليوم: «حسبنا كتاب اللّه» فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار وبعضهم يقول: «القول ما قال النبى» وبعضهم يقول: «القول ما قال عمر» فقال النّبي صلىاللهعليهوآله وقد كثر اللغط وعلت الأصوات: «قوموا عنّي فما ينبغي
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 84/12 ـ 87.
لنبي ان يكون عنده هذا التنازع» فهل بقي للنبوّة مزيّة أو فضل اذا كان الاختلاف وقع بين القولين، ومثّل المسلمون بينهما فرجّح قوم هذا وقوم هذا أ فليس ذلك دالاّ على انّ القوم سوّوا بينه وبين عمر وجعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق إلى نصرة واحد منهما كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا وينصر ذاك آخرون. فمن بلغت قوّته وهمّته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر لمصلحة رآها، ويعدل عن النص، ومن الذي كان ينكر عليه ذلك، وهو في القول الذي قاله للنّبي صلىاللهعليهوآله في وجهه غير خائف من الانصار، ولا أنكر عليه أحد لا النبي و لا غيره، وهو أشدّ من مخالفة النص في الخلافة وأفظع وأشنع(1).
قال النقيب: على انّ الرجل ما أهمل أمر نفسه بل اعدّ أعذارا وأجوبة، وذلك لأنّه قال لقوم عرّضوا له بحديث النص: إن النبي رجع عن ذلك باقامة أبي بكر مقامه في الصلاة، وأوهمهم أنّ ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة، وقال يوم السقيفة «ايّكم يطيب نفسا ان يتقدم قدمين قدّمهما النبي في الصلاة» ثمّ أكّد ذلك بأن قال لأبي بكر ـ وقد عرض عليه البيعة ـ «أنت صاحب رسول اللّه في المواطن كلها شدّتها ورخاها رضيك لديننا أفلا نرضاك لدنيانا».
قال ثمّ عاب عليا عليهالسلام بخطبة بنت أبي جهل فأوهم أنّ النبي كرهه لذلك و وجد عليه، وأرضاه عمرو بن العاص، فروى حديثا افتعله، واختلقه على النّبي صلىاللهعليهوآله قال: سمعته يقول «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليي اللّه وصالح المؤنين»
فجعلوا ذلك كالناسخ لقول النّبي صلىاللهعليهوآله «من كنت مولاه فهذا مولاه».
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 87/12.
قلت للنقيب: أيصحّ النسخ في مثل هذا أليس هذا نسخا للشيء قبل تقضي وقت فعله فقال: سبحان اللّه من أين تعرف العرب هذا وأنّى لها ان يتصوّره فضلا عن أن يحكم بعدم جوازه فهل يفهم حذّاق الاصوليّين هذه المسألة فضلا عن حمقى العرب هؤاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة، ويستمالون بأضعف سبب ويبنى الأمر معهم على ظواهر النصوص، وأوائل الأدلّة، وهم أصحاب جمل وتقليد لا أصحاب تفصيل ونظر.
قال: ثمّ أكد حسن ظنّ الناس بهم أنّهم أطلقوا (ظلفوا) أنفسهم عن الأموال، وزهدوا في متاع الدنيا وزخرفها، وسلكوا مسلك الرفض لزينتها والرغبة عنها، والقناعة بالطفيف النزر منها، وأكلوا الخشن، ولبسوا الكرابيس، ولمّا ألقت الدنيا إليهم أفلاذ كبدها وفّروا الأموال على الناس، وقسّموها بينهم، ولم يتدنّسوا منها بقليل ولا كثير. فمالت إليهم القلوب، وأحبّتهم النفوس، وحسنت فيهم الظنون، وقال من كان في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم: لو كان هؤاء قد خالفوا النص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدنيا، ولغلب عليهم الميل إليها، والرغبة فيها، والاستيثار
بها، وكيف يجمعون على أنفسهم بين مخالفة النص، وترك لذات الدنيا فيخسرون الدنيا والآخرة، وهذا لا يفعله عاقل والقوم عقلاء ذوو الباب، وآراء صحيحة. فلم يبق عند أحد شك في أمرهم، ولا ارتياب لفعلهم، وثبتت العقائد على ولايتهم، وتصويب أفعالهم، ونسوا لذّة الرياسة، وانّ أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى المأكل والمشرب والمنكح، وانما يريدون الحكم والرياسة ونفوذ الأمر كما قال الشاعر:
وقد رغبت عن لذة المال أنفس *** وما رغبت عن لذة النهي والأمر(1)
قال: والفرق بين الرجلين، وبين الثالث ما اصيب الثالث، وقتل تلك القتلة وخلعه الناس، وحصروه وضيّقوا عليه بعد ان توالى إنكارهم أفعاله في وجهه، وفسّقوه، وذلك لأنه استأثر هو وأهله الأموال، وانغمسوا فيها واستّبدوا بها، فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريق الأوّلين، فلم تصبر العرب على ذلك، ولو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد، وجمع الناس، وردع الامراء والولاة عن الأموال، وتجنّب استعمال أهل بيته، ووفّر أعراض الدنيا وملاذها وشهواتها على الناس، زاهدا فيها تاركا لها معرضا عنها، لما ضرّه شيء قط، ولا أنكر عليه أحد قطّ، و لو حوّل الصلاة من الكعبة إلى بيت المقدس، بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس واقتنع منهم بأربع، وذلك لأنّ همم أهل الدنيا مصروفة إلى الدنيا و الأموال. فإذا وجدوها سكتوا، وإذا فقدوها هاجوا واضطربوا. أ لست ترى النّبي صلىاللهعليهوآله كيف قسّم غنائم هوازن على المنافقين، وعلى أعدائه الّذين يتمنّون قتله وموته وزوال دولته.
فلمّا أعطاهم أحبّوه إمّا كلّهم، وإمّا أكثرهم، ومن لم يحبّه منهم بقلبه جامله وداراه، وكفّ عن اظهار عداوته والاجلاب عليه، ولو أنّ عليّا عليهالسلام صانع أصحابه بالمال، وأعطى الوجوه والرؤاء المال، لكان أمره إلى الانتظام والاطراد أقرب، ولكنّه رفض جانب التدبير الدنيوي، وآثر لزوم الدين، وتمسّك بأحكام الشريعة، والملك أمر آخر غير الدين، فاضطرب عليه أصحابه، وهرب كثير منهم إلى عدوّه(2).
نقلنا الكلامين بطولهما لكون الاول متكفلا لبيان وجوب وجود النص في العقل و الحكمة، وكون الثاني متحمّلا لبيان دفع الاستبعاد في مخالفة الصحابة للنص على أميرالمؤمنين عليهالسلام كما تعلق به الخصم بما يقنع المنصف، وان كان في كلامه الثاني، مخلّطا بين الغثّ والسمين إمّا مما شاة وجدلا، وإمّا لما قاله من ابن أبي الحديد عدم كون الرجل إماميا ولا يبرأ من السلف، فذكر في كلامه الثاني أحاديث موضوعة، وألبس لباس المناقب وجعل القدح مدحا، فلنتكلّم على بعض فقراته دفعا للالتباس.
قال التسترى:(1)أمّا قوله أوّلا «إنّ القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين» فنقول: إنّ قول عمر يوم السقيفة لأبي بكر: «ابسط يدك ابايعك، رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»، لفظه وان دلّ على ما ذكر من كون الخلافة رياسة دنيوية الاّ ان عملهم يضاده، حيث انّهم حكموا بارتداد من أنكر خلافة أبي بكر، وسوّوا بين المنكرين لخلافته والمنكرين لأصل الإسلام كمسيلمة، وطليحة والأسود العنسي. قال ابن أعثم، وهو من رجالهم: «انّ في يوم دبا قتل عكرمة بن أبي جهل رجالهم وبعث بنسائهم واسرائهم إلى أبي بكر فجعل نساءهم إماء، وأراد قتل الرجال فشفع إليه عمر بأنهم يشهدون بالشهادتين، ويقيمون الصلاة فحبسهم مدّة خلافته ثمّ أطلقهم عمر في أيّامه»(2).
وقال ابن الاثير ـ في قصة مالك بن نويرة، وقتل خالد بن الوليد له ـ «و قيل: إنّ المسلمين لمّا غشوا مالكا وأصحابه ليلا أخذوا السلاح، فقالوا: نحن المسلمون
فقال أصحاب مالك: ونحن المسلمون. قالوا لهم: ضعوا السلاح، فوضعوه ثمّ قتلوا.
و كان (خالد بن الوليد) يعتذر في قتله انه قال: «ما اخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا» فقال له «او ما تعدّه لك صاحبا» ثمّ ضرب عنقه(1).
وكذلك اتباعهم هل يكفّرون شيعة أميرالمؤمنين عليهالسلام الّذي هو من النّبي صلىاللهعليهوآله بمنزلة هارون من موسى بل بمنزلة نفسه بنص الكتاب، وشيعة أهل بيته الّذين هم بمنزلة سفينة نوح في عدم النجاة إلاّ بهم، واحد الثقلين اللذين خلّفهما النّبي صلىاللهعليهوآله في امّته لئلا يضلّوا الاّ لرفضهم شيخيهما مع انه كان مغالطة من عمر نظير مغالطته في قوله: «حسبنا كتاب اللّه والرجل يهجر ولا نحتاج إلى وصيته»(2)ومغالطته بقوله: «ان النّبي صلىاللهعليهوآله ما مات وانه انّما غاب عن قومه كما غاب موسى عن قومه»(3)غالط كل هذه المغالطات لتنفيذ أغراضه.
وكيف لا يكون قوله: «رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا» مغالطة وخليفة كل رجل لا بدّ أن يكون نظيره حتى يتمكن من عمل أعماله، وقد قال تعالى في شموخ مقام النبوّة وخليفته مثله «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ»(4).
واما قوله: «الا ترى كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش اسامة، ولم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة» فمن أعجب العجب «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ»(5)فهل منشأ الاختلافات الواقعة في الإسلام، وحدوث المذاهب الباطلة فيه، وقتل النفوس، ونهب الأموال، وهتك
الأعراض، وعزّة المنافقين، وذلّة المؤنين كان إلاّ من بقائهما في المدينة،
وتصديهما لما تصدّيا وكيف يكونان أعرف بالمصالح ممّن قال تعالى في حقه: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(1)وما يفعل بلعنه صلىاللهعليهوآله للمتخلف عن الجيش وكذلك إنكار الثاني وصيته صلىاللهعليهوآله فهل كان حدوث جميع المفاسد الحادثة في الإسلام إلاّ لذاك الانكار، ولذا كان ابن عباس يبكي من تذكّره بكاء الثكلى ويتأسّف تأسّف الحرّى، وما يفعل بنسبته الهجر إليه صلىاللهعليهوآله.
وأما نزوله صلىاللهعليهوآله في بدر منزلا، واستصلاح الانصار منزلا آخر فلم يكن مخالفة لقوله، كيف والأصل فيه أنّ الحباب بن المنذر قال للنّبي صلىاللهعليهوآله: أرأيت هذا المنزل أ منزل أنزلكه اللّه فيه ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخره، أم هو الرأي والحرب والمكيدة
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال: «يا رسول اللّه فإنّ هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتّى نأتي أدنى مأمن القوم فتنزله ثمّ تغوّر ما سواه من القلب، ثمّ تبني عليه حوضا فتملأه ماء ثمّ نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون» فقال النّبي صلىاللهعليهوآله لقد أشرت بالرأي(2).
فأين هذا الأدب والمعرفة والديانة من تلك الجلافة والجسارة، وعدم الاكتراث باللّه ورسوله.
وأمّا قوله: «و انّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال: لا تؤّروا النخل» ـ إلخ ـ فمضمون حديث خبيث من أحاديثهم، والنّبي صلىاللهعليهوآله يجب أن يكون أعرف بأمر الدين والدنيا من جميع الناس، وعلى تسليم كون علم الدنيا خارجا عن وظيفته فالعاقل الحكيم لا يأمر بما لا يعرف، والتعرض لمثل ذلك شأن المغفّلين، ووضعوا ذلك لبيان انّ
تخلف الرجلين عن الخروج في جيش اسامة، ومنع الثاني له عن الوصيّة، ودفعه ودفع صاحبه وصيّه عليهالسلام عن مقامه صلىاللهعليهوآله إنّما كان لكونهما أعرف من النّبي صلىاللهعليهوآله، لكن لازم ذلك كونهما أعرف من اللّه تعالى حيث أوحى إلى نبيّه صلىاللهعليهوآلهبتلك الامور، واللّه سبحانه يفضح المبطل والكاذب.
وأمّا ما عدّد من إنكارات الثاني على النّبي صلىاللهعليهوآله من صلاته على ابن ابّي، وفداء اسارى بدر، وقصّة الحديبية، وأمان أبي سفيان، وواقعة أبي حذيفة فنشأت من حوزته الخشناء وكلها من مطاعنه، ولو كان النّبي صلىاللهعليهوآله يفعل ما يراه الرجل لا نفضّوا من حوله، وما استقرّ للاسلام عمود.
وما ذكره من نزول القرآن بموافقته من مجعولاتهم الّتي أمر بوضعها معاوية كقوله بانكاره على النّبي صلىاللهعليهوآله تبرّج نسائه للناس.
مع أنّ في جميع ذلك رووا خلافه بل رووا في الأخير عكسه، فروى الحميدي في (الجمع بين الصحيحين) من المتفق عليه مسند عائشة قالت: كان ازواج النّبي صلىاللهعليهوآلهيخرجن ليلا إلى ليل قبل المصانع فخرجت سودة بنت زمعة. فرآها عمر وهو في المجلس فقال: عرفتك يا سودة، وفي رواية فنزل الحجاب عقيب ذلك(1)وهو كما ترى دالّ على انّ الحجاب نزل بسبب عمل عمر و هتكه، وإنما النواصب بدّلوه بموافقته، كما أنّ في قضية الحديبية اتفقت الروايات على تصريح عمر بشكّه في الدين وكفره.
ونزيد على ما قاله النقيب من تدليسه للناس بصلاة أبي بكر، أنّ أصل إقامته للصلاة أيضا كان تلبيسا. فلم يكن بأمر النّبي صلىاللهعليهوآله وإلاّ لم خرج النّبي صلىاللهعليهوآله بنفسه مع
1) . صحيح البخارى: 129/7 والطرائف: 445/2؛ بحار الأنوار: 342/30/ ح 162.
شدّة مرضه، وتأخيره أبا بكر كان عمله صلىاللهعليهوآله نهيا عمليا غير قابل للانكار، أتمّ به الحجّة، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة.
وأمّا ما قاله من أنّه عاب عليا عليهالسلام بخطبته بنت أبي جهل، وأرضاه عمرو بن العاص بما افتعل له من الخبر. فأصل وقوع الخطبة أيضا كان افتعالا منه ولو كان صحيحا كان طعنا على النّبي صلىاللهعليهوآله حيث أنكر حلال اللّه.
ثم لنتكلّم على الأخبار الّتي نقلها: أمّا الخبر الأوّل، وقول عمر «انّ النّبي صلىاللهعليهوآله أراد أمرا وأراد اللّه غيره» فمغالطة، ولو كان ما قال عذرا لكان للناس في كل جيل أن يقولوا لأنبيائهم أنتم تريدون إيماننا واللّه يريد كفرنا.
وقال ابن قتيبة: صاحب رجل من القدرية مجوسيا في سفر فقال له: يا مجوسي مالك لا تسلم قال: حتّى يشاء اللّه قال: قد شاء اللّه ذلك، ولكنّ الشيطان لا يدعك.
قال المجوسى: فأنا مع أقواهما(1).
وأمّا الخبر الثاني فناقش فيه ابن أبي الحديد وقال: أجدر بعد الخبر أن يكون موضوعا لتضمنه إتيان عمر عليّا عليهالسلام والأخبار الكثيرة متضمنة بأنّه ما زال يدعوه، ولتضمنه تكنيته عليهالسلام لعمر، وكتب الحديث والسّير متضمنة مخاطبته بأميرالمؤمنين، ولانه لم يسند إلى كتاب معيّن وراو معيّن(2).
قال التسترى(3): أمّا إنكاره إتيان عمر أميرالمؤمنين عليهالسلام فإنكار منه لفضل لعمر، فانّا لا ننكر له إنصافا في بعض المقامات، وانه كان لا تمنعه رياسته عن عمله بهذه القاعدة الفطرية انّ «في بيته يؤى الحكم» وفي أخبارنا إنكاره على أبي بكر في
مقامات أراد إحضار أميرالمؤمنين عليهالسلام لكشف معضلة لهم بهذه القاعدة.
واما ما قاله من انه عليهالسلام دائما يخاطب عمر بأميرالمؤمنين فلا نسلّم أصله، وما قاله من الكتب لم نتحققه مع أنه غفل عن نكات قالوها في علم المعاني من اختلاف المقتضيات باختلاف المقامات. فلمّا كان عمر قال له عليهالسلام «واللّه أرادك الحق، ولكن أبى قومك» كان المناسب أن يقول في جوابه «خفّض عليك أبا حفص» لا «خفّض عليك أميرالمؤمنين» فانه كان باردا وفي غير مورد، و قد رووا أنّ عمر قال لعلي والعباس لما حاكما إليه في ميراث النّبي صلىاللهعليهوآله «فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها» حتّى قال عبد الرزاق الصنعاني «ألا يقول الأنوك: رسول اللّه»(1)
وأمّا عدم إسناده، فربّ مرسل صحيح بالشواهد، ومسند باطل بالدلائل، مع أنّه رواه علي بن طاوس في كتابه وفيه تفصيل تلك النازلة الّتي نزلت على عمر هكذا: «قال شريح: كنت أقضي لعمر، فأتاني يوما رجل فقال: إنّ رجلا أو دعني امرأتين احداهما حرّة مهرة والاخرى سرّية. فجعلتهما في دار، وقد ولدتا غلاما وجارية، وكلتا هما تدّعي الغلام وتنتفي من الجارية ـ إلى أن قال بعد ذكر إتيان عمر إليه عليهالسلام كشف الأمر كما في ذاك الخبر ـ فأخذ عليهالسلام بيده من الأرض شيئا ثمّ قال: «الحكم فيها أهون من هذا». ثمّ استحضر المرأتين وأحضر قدحا ثمّ دفعه إلى إحداهما فقال: احلبي فيه. فحلبت فيه ثمّ وزن القدح، ودفعه إلى الاخرى. فقال: احلبي فيه فحلبت ثمّ وزنه فقال لصاحبة اللبن الخفيف خذي ابنتك، ولصاحبة اللبن الثقيل
1) . معجم البلدان: 429/3.
خذي ابنك. الخبر(1).
وأمّا الخبر الثالث فنسبة عمر إليه عليهالسلام الريا مع وصف اللّه له بصالح المؤنين في تظاهر ابنته مع صاحبتها ابنة صاحبه على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ووصفه له بوليّ المؤنين بعده وبعد رسوله يكفيه خزيا.
ومن العجب قوله: إن اللّه لم يبعث نبيا إلاّ بعد الأربعين. أو ما قرأ قوله تعالى في يحيى عليهالسلام «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»(2)وفي عيسى عليهالسلام حكاية عنه في المهد: «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا»(3).
وقوله: «و تعلم العرب صحة رأي المهاجرين الأوّلين» فرأت بالعيان كون رأي اولئك المهاجرين موجبا لإفساد الدين، وإذلال العرب، وتحقير الأنصار واستيصال أهل بيت الرسول صلىاللهعليهوآله، فاتّخذوا عباد اللّه خولا، و مال اللّه دولا وقد قتلوا سادات العرب عامة، أ لم يقتلوا سعد بن عبادة باسم الجن؟ أ لم يقتلوا مالك ابن نويرة باسم الارتداد؟ أ لم يقتلوا حجر بن عدي باسم الإخلال في الملك؟ ولقت الأنصار أثرة خاصة فوسموا على أكفهم وأذلّوهم كل اذلال، وقد اعترف بما قلنا ابنه عبداللّه بن عمر فقال: لما سمعت قول سلمان يوم السقيفة «كردند ونكردند» أبغضته، لكن لمّا رأيت بعد ذلك مروان على منبر النّبي صلىاللهعليهوآلهصدّقته(4). أو لم يكف في فساد رأيهم وقعة الطف، وقتلهم سيد شباب أهل الجنة عطشانا، وسبيهم بنات رسول اللّه صلىاللهعليهوآله؟ أو لم يكف فيه تبديل الشجرة
الطيبة بالشجرة الخبيثة، وتبديل أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا بالشجرة الملعونة في القرآن؟
وقد شرح في بعض زياراتهم بعض مفاسد عملهم ذاك، وهذا لفظه «يا سادتي يا آل رسول اللّه انّي بكم أتقرب إلى اللّه تعالى بالخلاف على الّذين غدروا بكم، ونكثوا بيعتكم، وجحدوا ولايتكم، وأنكروا منزلتكم، وخلعوا ربقة طاعتكم، وهجروا أسباب مودّتكم، وتقربوا إلى فراعنتهم بالبراءة منكم، والإعراض عنكم، و منعوكم من إقامة الحدود، واستيصال الجحود، وشعب الصدع، ولمّ الشعث، وسدّ الخلل، وتثقيف الأود(1)، وإمضاء الأحكام، وتهذيب الإسلام، وقمع الآثام، وأرهجوا عليكم نقع(2)الحروب والفتن، وانحوا عليكم سيوف الأحقاد(3)، وهتكوا منكم الستور، وابتاعوا بخمسكم الخمور، وصرفوا صدقات المساكين إلى المضحكين والساخرين، وذلك بما طرّقت لهم الفسقة الغواة، والحسدة البغاة، أهل النكث والغدر، والخلاف والمكر، والقلوب المنتنة من قذر الشرك، والأجساد المشحنة(4)من درن الكفر، أضبّوا على النفاق، وأكبّوا على علائق الشقاق(5)، فلمّا مضى المصطفى صلىاللهعليهوآله اختطفوا الغرّة(6)، وانتهزوا الفرصة، وانتهكوا الحرمة،
1) . الثّقاف: ما يقوم به الرّماح، يريد أنّه سوى عوج المسلمين.
2) . أرهج: أثار الغبار، النّقع: الغبار.
3) . أنحى عليه ضربا إذا أقبل، وأنحى له السّلاح ضربه بها.
4) . شحنه وأشحنه: ملأه.
5) . أضبّ فلانا: لزمه فلم يفارقه وعليه أمسك، أكبّ عليه: إذا أقبل ولزم.
6) . العترة خ ل، الاختطاف: استلاب الشّيء وأخذه بسرعة، أي اغتنموا غفلة النّاس وأخذوها لتحصيل مرامهم.
وغادروه على فراش الوفاة، وأسرعوا لنقض البيعة، ومخالفة المواثيق المؤّدة،
وخيانة الأمانة المعروضة على الجبال الراسية، وأبت أن تحملها و حملها الإنسان الظلوم الجهول. ذو الشقاق والعزّة بالآثام المولمة، والأنفة عن الانقياد لحميد العاقبة. فحشر سفلة الأعراب، وبقايا الأحزاب إلى دار النبوّة والرسالة، ومهبط الوحي والملائكة، ومستقر سلطان الولاية، ومعدن الوصية والخلافة والإمامة، حتى نقضوا عهد المصطفى في أخيه علم الهدى، والمبيّن طريق النجاة من طرق الردى، وجرحوا كبد خير الورى في ظلم ابنته، واضطهاد حبيبته، و اهتضام عزيزته، بضعة لحمه، وفلذة كبده، وخذلوا بعلها، وصغّروا قدره، واستحلّوا محارمه، وقطعوا رحمه، وأنكروا اخوّته، وهجروا مودّته، ونقضوا طاعته، وجحدوا ولايته، وأطمعوا العبيد في خلافته، وقادوه إلى بيعتهم، مصلتة سيوفها(1)مُشْرِعَة (مقذعة خ ل)(2)أسنّتها، وهو ساخط القلب، هائج الغضب، شديد الصبر، كاظم الغيظ، يدعونه إلى بيعتهم التي عمّ شؤها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعقّت(3)سلمانها، وطردت مقدادها، ونفت جندبها، وفتقت بطن عمّارها، وحرّفت القرآن، وبدّلت الأحكام، وغيرّت المقام، وأباحت الخمس للطلقاء، وسلّطت أولاد اللعناء على الفروج، وخلطت الحلال بالحرام، واستخّفت بالإيمان والإسلام، وهدمت الكعبة، وأغارت على دار الهجرة يوم الحرّة، وأبرزت بنات
المهاجرين والأنصار للنكال والسوءة (السورة خ ل)(1)، وألبستهن ثوب العار والفضيحة، ورخّصت لأهل الشبهة في قتل أهل بيت الصفوة، وإبادة نسله واستيصال شافته، وسبي حرمه، وقتل أنصاره، وكسر منبره، وقلب مفخره، وإخفاء دينه، وقطع ذكره. يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى وسهام الامة مغرقة(2)في أكبادكم، ورماحهم مشرعة(3)في نحوركم، وسيوفها مولعة في دمائكم.
يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم، وغيظ الكفر من إيمانكم، وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شكّت أكفانه(4)بالسهام، وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة(5)رأسه، ومكبّل في السجن قد رضّت بالحديد أعضاؤ(6)، ومسموم قد قطّعت بجرع السمّ أمعاؤ، وشملكم عباديد(7)، تفنيهم العبيد، وأبناء العبيد. فهل المحن يا سادتي إلاّ التي لزمتكم ـ إلخ(8).
ولو لم يكن رأي اولئك المهاجرين لكانت العرب لأهل بيت نبيّهم صلىاللهعليهوآله في غاية التمكين. قال عبداللّه بن جعفر لمعاوية لمّا أراد البيعة لابنه: «و ايم اللّه لو ولّوه (أى: عليّا عليهالسلام بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولأطيع الرحمن وعصي
1) . السّورة خ ل، السّورة: السّطوة والاعتداء.
2) . مغرقة خ ل، معرقة من أعرق الشّجرة إذا اشتدّت عروقه في الأرض.
3) . أشرعت الرّمح نحوه سددت.
4) . شكّها بالرّمح: خرقها.
5) . العراء: الفضاء الّذي لا يستر فيه بشيء، والقناة الرّمح.
6) . الكبل: القيد، كبله حبسه في سجن أو غيره، والرّضّ: الدّقّ.
7) . العباديد: الفرق من النّاس والخيل الذّاهبون في كلّ وجه.
8) . المزار الكبير لابن المشهدى: 295 ـ 299؛ بحار الأنوار: 99/ 165 ـ 167.
الشيطان، وما اختلف في الامة سيفان(1).
واما الخبر الرابع وقول كعب الأحبار فيه «نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة واثنين من أصحابه إلى أعدائه» فهل كان السبب في انتقال الأمر إلى أعداء صاحب الشريعة إلاّ هو وصاحبه، ولا سيما في تدبير الشورى ودستوره في رجالها. فلم استرجع هل كان استرجاعه إلاّ استهزاء واما الخبر الرابع وقوله فيه: «كرهناه على حداثة السنّ، وحبّه بني عبد المطلب» فردّ منه ومنهم على اللّه ورسوله، ولم يكره عثمان، وعينه معينا بعده مع علمه بانّه يولّي بني اميّة، وهم يهدمون الدين، ويذلّون المؤنين، ويعزّزون المنافقين، ولولا بغضه لأميرالمؤمنين عليهالسلاموبهتانه عليه، أيّ حبّ أظهر عليهالسلام لبنيّ عبدالمطلب وقد عمل مع أخيه لمّا طلب منه صاعا من البر زائدا على حقه ما عمل من إحراقه بحديدة محماة. تعالوا أهل العالم ابصروا كلام هذا الرجل وفهم اتباعه.
قول المصنف «و من كلام له عليهالسلام لبعض أصحابه، وقد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به» سأل أبو زيد النحوي خليل بن أحمد العروضي، لم هجر الناس عليا عليهالسلام وقرباه من النّبي صلىاللهعليهوآله قرباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناه في الإسلام عناه، فقال «بهر واللّه نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كل منهل، والناس إلى أشكالهم أميل. أما سمعت قول الأول يقول:
وكل شكل لشكله آلف *** أما ترى الفيل يألف الفيلا
قال: وانشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن أحنف:
وقائل كيف تهاجرتما *** فقلت قولا فيه إنصاف
1) . الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 149/1.
لم يك من شكلي فهاجرته *** والناس أشكال والاّف(1)
وسأله أيضا في مقام آخر فقال: ما بال أصحاب النبي كأنّهم بنو امّ واحدة، وعلي عليهالسلام كأنه ابن علّة فقال: تقدّمهم إسلاما، وبذّهم شرفا، وفاقهم علما، و رجحهم حلما، وكثرهم هدى، فحسدوه، والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل(2).
وقيل لسلمة بن كهيل: ما لعلي رفضته العامة وله في كل خير ضرس قاطع قال: لأن وضوء عيونهم قصير عن نوره والناس إلى أشكالهم أميل(3)
وقيل للسجّاد عليهالسلام ما أشدّ بغض قريش لجدّك علي عليهالسلام قال: لأنّه أورد أوّلهم النار، وألزم آخرهم العار(4).
وسأل الحسن بن فضال الرضا عليهالسلام كيف مال الناس عن أميرالمؤمنين عليهالسلام إلى غيره وقد عرفوا فضله وسابقته، ومكانه من النّبي صلىاللهعليهوآله قال: إنّما مالوا عنه إلى غيره لأنه كان قتل من آباءهم وأجدادهم وأعمامهم، وأخوالهم، واقرباءهم المحاربين للّه ولرسوله عددا كثيرا، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم فلم يحبّوا ان يتولّى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك لانه لم يكن له في الجهاد بين يدي النّبي صلىاللهعليهوآله مثل ما كان له(5).
وروى الزبير بن بكار في (موفّقياته) خبرا طويلا وفيه انّ عثمان قال لابن عباس: ولقد علمت أنّ الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم فو
اللّه ما أدري أ رفعوه عنكم أم رفعوكم عنه ـ إلى أن قال ـ فقال ابن عباس: فأمّا صرف قومنا عنّا الأمر فعن حسد قد واللّه عرفته، وبغي قد واللّه علمته. فاللّه بيننا و بين قومنا، وأمّا قولك إنك لا تدري أرفعوه عنّا أم رفعونا عنه فلعمري أنك لتعرف أنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلا إلى فضلنا، ولا قدرا إلى قدرنا، و انّا لأهل الفضل وأهل القدر، وما فضل فاضل إلاّ بفضلنا، ولا سبق سابق إلاّ بسبقنا، ولولا هدانا ما اهتدى أحد، ولا أبصروا من عمى(1).
وروى الواقدي عن ابن عباس ـ في خبر ـ قال: فقال عثمان له عليهالسلام فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله النّبي صلىاللهعليهوآله لك فقد رأيناك حين توفّي نازعت. ثمّ أقررت، فإن كانا لم يركبا من الأمر جددا فكيف أذعنت لهما بالبيعة ونجعت بالطاعة ـ إلى أن قال ـ فقال علي عليهالسلام:... واما عتيق، وابن الخطاب فان كانا أخذا ما جعله رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون، ومالي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين ـ الخبر(2).
ويكفيهم لإتمام الحجّة عليهم ادعاؤ عليهالسلام ونزاعه أوّلا، وأما إقراره أخيرا فكان عن اضطرار لعدم حصول أنصار له بعد تكرر الاستنصار منه.
وروى الجوهري عن محمّد بن قيس الأسدي عن معروف بن سويد قال: كنت بالمدينة ايّام بويع عثمان. فرأيت في المسجد رجلا جالسا وهو يصفق بإحدى يديه على الاخرى والناس حوله ويقول: واعجبا من قريش واستيثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد، واللّه إنّ فيهم
لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل، ولا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر. قال: فسألت عنه فقيل: هذا المقداد. فتقدّمت إليه، وقلت: أصلحك اللّه من الرجل الّذي تذكر قال ابن عم نبيّك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله علي بن أبي طالب. قال: فلبثت ما شاء اللّه ثمّ إني لقيت أبا ذر فحدّثته ما قال المقداد فقال: صدق. قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم قال: أبى ذلك قومهم ـ الخبر(1). وقال ابن قتيبة بعد ذكره انّ عديّ بن حاتم الطائي دعا طيئا قومه إلى نصرته عليهالسلام ما أراد حرب الجمل، وقال لهم «قد أظلّكم علي عليهالسلاموالناس معه من المهاجرين والبدريين والأنصار فكونوا أكثرهم عددا فإنّ هذا سبيل للحيّ فيه الغنى والسرور، وللقتيل فيه الحياة والرزق» فصاحت طيء نعم. حتّى كاد أن يصمّ من صياحهم ـ أنه عليهالسلام لمّا أقدم على طيء أقبل شيخ من طيّئ هرم من الكبر فرفع له من حاجبيه، فنظر إلى علي عليهالسلام فقال له: أنت ابن أبي طالب قال: نعم قال: مرحبا بك وأهلا، قد جعلناك بيننا وبين اللّه، وعدي بن حاتم بيننا وبينك، ونحن بينه وبين الناس، لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك لقرابتك من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأيّامك الصالحة، ولئن كان ما يقال فيك من الخير حقّا إنّ في أمرك وأمر قريش لعجبا اذ أخّروك وقدّموا غيرك، سر فو اللّه لا يتخلّف عنك من طيّئ إلاّ عبد أو دعيّ(2).
وقال ابن عبد ربه: قال ابن عباس، ماشيت عمر بن الخطاب يوما فقال لى: يا ابن عباس ما يمنع قومكم منكم، وأنتم أهل البيت خاصّة قلت: لا أدري قال: لكنّي
أدري. انّكم فضّلتم بالنبوّة فقالوا: إن فضّلوا بالخلافة مع النبوّة لم يبقوا لنا شيئا وانّ أفضل النصيبين بأيديكم بل ما أخالها إلاّ مجتمعة لكم، وان نزلت على رغم أنف قريش(1).
وروى ابن ديزيل مسندا عن زيد بن أرقم قال: قال النّبي صلىاللهعليهوآله ألا أدّلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا إنّ وليّكم اللّه وإمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه وصدّقوه فإنّ جبرئيل أخبرني بذلك. وقال ابن أبي الحديد: فإن قلت: هذا نص صريح في الإمامة فما الّذي تصنع المعتزلة بذلك قلت: يجوز أن يريد أنّه إمامهم في الفتاوى والأحكام الشرعية لا في الخلافة، وقال إنّ قول شيوخه البغداديين إنّ الإمامة كانت له إن رغب فيها نازع عليها، وأميرالمؤمنين لم ينازع الأئمة الثلاثة، ولا جرّد السيف فدل ذلك على إقراره لهم فلذلك تولّيناهم(2).
فإن كان هذا الدين، فالحق للملحدين، وإن كان هؤاء عقلاء، فأقوالهم ضحكة المجانين. فنازع يوم السقيفة حتّى أرادوا إحراقه مع امرأته وابنيه وكتب إليه معاويه «كنت تقاد لبيعة أبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش»(3)ونازع يوم الشورى حتى هدّدوه بقتله بالسيف حسب دستور عمر في من لم يقبل دستوره، ولم يتكلّم يوم عمر لأنّه لم يقدر على التكلم في قبال سلطنة مستقرة، وهل يقدر رجل واحد أو بيت واحد أن يجرّد السيف في وجه حكومة قاهرة إلاّ أنّهم كما أنكروا النص المتواتر لا غرو أن ينكروا نزاعه وقد عرفت خبر (كتاب شورى
الواقدى) أنّ عثمان قال له «فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله النبي لك. فلقد رأيناك حين توفى نازعت ثمّ أقررت»(1)ولمّا أراد عثمان اغراء العامة به بأن يقول عليهالسلام في أبي بكر وعمر شيئا قال عليهالسلام له: «ما لي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين»(2). ورووا أنّ عمر قال لابن عباس: أنتم أهل رسول اللّه وآله وسلم وبنو عمّه. فما تقول في منع قومكم منكم. قال «لا أدري علّتها، واللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا» قال: اللّهم غفرا. إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة، والخلافة فتذهبوا في السماء شمخا وبذخا، ولعلكم تقولون انّ أبا بكر أوّل من أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك، ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل، ولو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا، ولو فعل ما هنأكم مع قومكم أنّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره»(3).
وروى إبراهيم الثقفي في كتابه عن عبد الرحمن بن أبي ليلي أنّه لمّا كثر أقاويل الناس في أميرالمؤمنين عليهالسلام وفي المتقدّمين عليه قال له عليهالسلام ما أدري ما أقول إذا سئلت عن المتقدمين عليك. فإن قلت: إنّهم كانوا أولى منك. فعلام نصبك النّبي صلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع، وقال ما قال، وانت كنت أنت أولى فعلام نتولّى اولئك فقال عليهالسلام انّ اللّه تعالى قبض نبيّه صلىاللهعليهوآله وأنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا، وإنّه كان من النّبي صلىاللهعليهوآله إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت سمعا وطاعة ـ إلى أن قال ـ فقال
عبد الرحمن له عليهالسلام أنت يا أميرالمؤمنين كما قال الأول:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما *** وأسمعت من كانت له اذنان(1)
فقال: يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ ***كان الرجل من دودان بن أسد بن خزيمة. فقد عرفت أنّ المفيد نقله «يا ابن دودان»(2)والصدوق نقله «يا أخا بني دودان»(3)وبنو أسد في العرب اثنان أحدهما من مضر وهو «اسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر» والآخر من ربيعة وهو «أسد بن ربيعة بن نزار»(4).
هذا، وقال المساور أى: العبسي للمرار أى: الأسدي.
ما سرّني أنّ امّي من بني أسد *** وأنّ ربّي ينّجيني من النار
وأنّهم زوّجوني من بناتهم *** وأنّ لي كلّ يوم ألف دينار
فأجابه المرار:
فلست للام من عبس ومن أسد *** وإنّما أنت دينار ابن دينار
وان تكن أنت من عبس وأمّهم *** فإنّ امّكم من جارة الجار
قال دينار ابن دينار عبد ابن عبد وجارة الجار الاست والجار الفرج(5).
قال في النهاية بعد نقل كلامه عليهالسلام أراد أنّه سريع الحركة يصفه بالخفة، وقلّة
الثبات كالحزام إذا كان رخوا وهو بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج(1).
قالوا: أى: تطلق الدابة في غير استقامة(2)، وقد عرفت أنّ المفيد رواه «ترسل غير ذي مسد»(3)والمسد حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الابل أو أوبارها(4)ـ أي تطلق مركبا غير ذي حبل فلا تقدر على أخذه إذا أردت أخذه ـ والمراد تتكلم في موضع لا ينبغي التكلم فيه لعدم قدرتك على جبران ما يحدث منه لأنه عليهالسلام كان في أصعب موقف بصفين كما عرفت من رواية الصدوق، و أكثر أصحابه كانوا غير مستبصرين فيه، وكيف وكانت منهم الخوارج الّذين أحدثوا في أمره بمجرد رفع معاوية المصاحف على القناة. فأجبروه على التحكيم ثمّ كفّروه فكيف امكنه عليهالسلام الشكاية منهم، ونسبة الظلم إلى صدّيقهم وفاروقهم.
ذاكر رجل مع الباقر عليهالسلام شيئا من أمرهما فقال عليهالسلام «ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة، وهم يعلمون أنه كان ظالما فكيف إذا ذكرتم صنميهم(5).
أى حرمة.
قال ابن أبي الحديد ويروى «ماتّة الصهر» أى: وسيلته قال: قال عليهالسلام ذلك لأنّ زينب بنت جحش زوج النّبي صلىاللهعليهوآله كانت أسدية، وهي بنت جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وأمّها اميمة بنت عبد المطلب فهي بنت عمة النّبي صلىاللهعليهوآله، والمصاهرة المشار إليها هي هذه، ولم يفهم الراوندي فقال «كان عليهالسلام تزوّج في بني اسد»(1)ولم يصب فانّه عليهالسلام لم يتزوج فيهم. ثمّ ذكر ابن أبي الحديد أولاده عليهالسلام وامّهاتهم لبيان عدم تزوجه فيهم(2).
والجواب: إنّ مدّعاه وان كان صحيحا إلاّ أنّ للخصم أن يقول تزوج بأسدية لم تكن ذات ولد. ثمّ يمكن أن يريد عليهالسلام بالمصاهرة ما ذكره من زينب زوج النّبي صلىاللهعليهوآله وهي أول من مات من أزواجه صلىاللهعليهوآله بعده، وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه، ويمكن أن يريد عليهالسلام بالمصاهرة كون أنّ جحشا وهو أسدي تزوج عمته عليهالسلام اميمة، ويمكن أن يريد عليهالسلام بالمصاهرة كون أم كلاب الثالثة ـ وكلاب جدّ عبد مناف جدّ جدّه عليهالسلام ـ هند بنت دودان بن أسد، وامّ لؤّ بن غالب الثالثة ـ ولؤّ أبو جدّ كلاب ـ تماضر بنت الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وام تلك رهم بنت كاهل بن أسد بن خزيمة كما صرّح به كاتب الواقدي في امّهات آباء النّبي صلىاللهعليهوآله(3)، والصهر يعمّ أقرباء الزوجين. قال الجوهرى: «و كلّ شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ فهم الأحماء، وكلّ شيء من قبل المرأة فهم الاختان والصهر يجمع هذا كلّه»(4).
ورعاية ذمامة الصهر كرعاية ذمامة الرحم قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ
الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً»(1)وكانت عداوة يزيد بن عبد الملك مع يزيد ابن المهلّب لأنّه كان عذّب أصهاره آل أبي عقيل، فكانت عنده بنت محمّد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف، وهي امّ ابنه الوليد. فعذّبهم أيّام سليمان بن عبد الملك بعداوة سليمان مع الحجاج لأنّه كان حمل الوليد أخاه على خلعه، فكان يزيد بن عبد الملك حلف لئن أمكن من يزيد بن المهلّب ليقطعنّ منه طابقا. فكان ذلك سببا لفراره من سجن عمر بن عبد العزيز، وخروجه حتّى قتل مع أهل بيته(2).
وقال الطبري: أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله لمّا قسّم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث لثابت بن قيس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وذكر أنّها جاءت إلى النّبي صلىاللهعليهوآله، واستعانت به على كتابتها وأنّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال لها: فهل لك في خير من ذلك أقضي كتابتك، وأتزوجك قالت: نعم قال: قد فعلت، وخرج الخبر إلى الناس أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله تزوج جويرية بنت الحارث.
فقال الناس اصهار النّبي صلىاللهعليهوآله فأرسلوا ما بأيديهم. فاعتق بتزوجه إيّاها مائة أهل بيت من بني المصطلق. فما علم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها(3).
وأمّا حقّ المسألة فلأنّ للرّعيّة من الإمام حقّ السؤل وإن لم يفرض عليه الجواب لو لم يكن فيه المصلحة.
يدلّ على ذلك ما عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن الوشا قال:
سألت الرّضا عليهالسلام فقلت له: جعلت فداك «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»(1)فقال عليهالسلام: نحن أهل الذكر ونحن المسئولون، قلت: أ فأنتم المسئولون ونحن السائلون؟ قال: نعم فقلت: حقّا علينا أن نسألكم؟ قال: نعم، قلت: حقّا عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل أما تسمع قول اللّه تبارك وتعالى: «هذا عَطاؤنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ»(2)،(3).
عن الصادق عليهالسلام قال: قرأت في كتاب علي عليهالسلام أنّ اللّه تعالى لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال لأنّ العلم كان قبل الجهل(4).
أى: التقدم.
أى: الخلافة والسلطنة.
ممّن تقدم علينا قال الباقر عليهالسلام كان للنّبي صلىاللهعليهوآله صديقان يهوديان قد آمنا بموسى عليهالسلام وأتيا النّبي صلىاللهعليهوآله سمعا منه وكانا قد قرءا التوراة. وصحف ابراهيم وموسى عليهالسلام وعلما علم الكتب الأولى. فلمّا قبض اللّه تعالى رسوله أقبلا يسألان
عن صاحب الأمر بعده، وقالا: إنّه لم يمت نبيّ قط الاّوله خليفة يقوم بالأمر في امّته بعده، قريب القرابة إليه من أهل بيته، عظيم الخطر جليل الشأن. فقال أحدهما لصاحبه: هل تعرف صاحب هذا الأمر من بعد النبي. قال الآخر: لا أعلمه إلاّ بالصفة التي أجدها في التوراة. هو الأصلع المصفرّ قال: فلمّا نظرا إلى أبي بكر قالا:
ليس هذا صاحبنا، ثمّ قالا له: ما قرابتك من النبي قال: إنّي رجل من عشيرته وهو زوج ابنتي عائشة قالا: ليس غير هذا قال: لا. قالا: ليست هذه بقرابة. قالا: فأخبرنا أين ربك قال: فوق سبع سماوات. قالا: هل غير هذا قال: لا. قالا: دلّنا على من هو أعلم منك. فأرشدهما إلى عمر ـ إلى أن قال ـ: فأرشدهما عمر إلى علي عليهالسلام فلمّا نظرا إليه قال أحدهما: إنّه الرجل الّذي نجد صفته في التوراة. إنّه وصي هذا النبي وخليفته، وزوج ابنته وابو السبطين والقائم بالحق بعده، فلمّا سألاه قالا: هذه القرابة الفاخرة والمنزلة القريبة، وهذه الصفة التي نجدها في التوراة وقال عليهالسلام في جواب سؤلهما ـ اين ربّك عزّ وجلّ ـ إن شئتما أنبأتكما بالذي كان على عهد نبيّكما، وإن شئتما أنبأتكما بالّذي كان على عهد نبيّنا ـ الخبر(1).
أى: لصوقا، ويكفي في شدّة نوطهم بالنبيّ صلىاللهعليهوآله قوله تعالى: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ»(2)فجعل عزّ وجلّ ابني أميرالمؤمنين عليهالسلام أبناء النّبي صلىاللهعليهوآله، وامرأة أميرالمؤمنين عليهالسلام نساء النّبي صلىاللهعليهوآله ونفس
أميرالمؤمنين عليهالسلام نفس النّبي صلىاللهعليهوآله.
قال المأمون يوما لأبي الحسن الرضا عليهالسلام أخبرني بأكبر فضيلة لأميرالمؤمنين عليهالسلام دلّ عليها القرآن.
فقال الرضا عليهالسلام هو في المباهلة قال اللّه تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ»(1)فدعا النّبي صلىاللهعليهوآله الحسن والحسين عليهماالسلامفكانا ابنيه، ودعا فاطمة عليهاالسلام فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا أميرالمؤمنين عليهالسلام فكان نفسه بحكم اللّه عزّ وجلّ، وقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق اللّه أجلّ من النبي وأفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل ممّن هو نفس الرسول صلىاللهعليهوآله بحكم اللّه عزّ وجلّ. فقال المأمون: أليس اللّه قد ذكر الأبناء بلفظ الجمع، وإنما دعا النّبي صلىاللهعليهوآله ابنيه خاصة، وذكر النساء بلفظ الجمع وانما دعا النّبي صلىاللهعليهوآله ابنته وحدها فلم لا جاز ان يذكر الدعاء لمن هو نفسه، ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون له ما ذكرت من الفضل.
فقال الرضا عليهالسلام ليس بصحيح ما ذكرت، وذلك أنّ الداعي إنّما يكون داعيا لغيره كما يكون الآمر آمرا لغيره، واذ لم يدع النّبي صلىاللهعليهوآله رجلا في المباهلة إلاّ أميرالمؤمنين عليهالسلام ثبت أنّه نفسه التي عناها اللّه تعالى في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله. فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط سؤل(2).
قال ابن أبي الحديد: يعني به على قولنا نفوس أهل الشورى، وعلى قول الامامية نفوس أهل السقيفة(1).
ويشهد لقول الامامية قوله عليهالسلام في كتابه إلى عثمان بن حنيف في أمر فدك «فشحّت عليها نفوس قوم»(2)فلا ريب أنّ الآخذين لفدك إنّما كانوا أهل السقيفة وهل يوم الشورى إلاّ فرع يوم السقيفة، ولولا أثر يوم السقيفة لم يوجد يوم شورى ومؤس يوم الشورى أيضا كان رجال أهل السقيفة، وهل كان يوم السقيفة يوما لا يشكا منه، وقد أرادوا إحراقه وإحراق أهل بيته، وهل كان يوم السقيفة يوما تخفى سوأته حتى يواريه، ولقد أجاد أبو بكر بن قريعة القاضي في أبياته في ذاك اليوم وما ترتب عليه.
يا من يسائل دائبا *** عن كلّ معضلة سخيفه(3)
لا تكشفنّ مغطّاً *** فلربما كشفت جيفه.
ولربّ مستور بدا *** كالطبل من تحت القطيفه.
إن الجواب لحاضر *** لكنّني أُخفيه خيفه.
وسيوف أعداء بها *** ها ماتنا أبداً نقيفه.(4)
لنشرت من أسرار آ *** ل محمد جملاً طريفه.
تغنيكم عمّا رواه *** مالك وأبو حنيفه.
وأُريكم أن الحسين *** أُصيب في يوم السقيفه.
ولأيّ حال لحدت *** بالليل فاطمة الشريفه.
ولما حمت شيخيكم *** عن وطي حجرتها المنيفه.
أوه لبنت محمد *** ماتت بغصتها أسيفه(1)
وهل شكاياته عليهالسلام من أهل السقيفة أمر غير متحقق حتّى يتشكك فيه، و مع تقيته عليهالسلام منهم أمر متواتر. روى ابن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير قال: حدّثنا من شهد عليا عليهالسلام بالرحبة يخطب فقال في ما قال: «أيّها الناس انكم قد أبيتم إلاّ أن أقول. أما ورب السماء والأرض لقد عهد الىّ خليلي انّ الامة ستغدر بك من بعدى»(2).
وروى إسماعيل بن سالم عن ابن أبي ادريس الأودي قال: سمعت عليا يقول: انّ في ما عهد الي النبي الامي صلىاللهعليهوآله أنّ الامّة ستغدر بك من بعدي(3).
وقد روى العباس بن عبداللّه العبدي عن عمرو بن شمر عن رجاله عن علي عليهالسلام قال في كلام: «حتّى قبض اللّه تعالى نبيّه صلىاللهعليهوآله فكانت الطامّة الكبرى»(4)، إلاّ أنّ دأب إخواننا التشكيك في البديهيات.
هذا، ومن أسباب شحّ نفوس قوم ـ وهم قريش ـ عليه عليهالسلام بنيل الأمر إليه أنّهم علموا أنّه لو صار الأمر إليه لا يرى غيره مستحقا لكون الإمامة عنده كالنبوة أمرا من قبل اللّه تعالى، فلا يدع رجوع الأمر إليهم يوما، ولذا شحّوا عليه عليهالسلام يوم الشورى أيضا كالسقيفة فقال عليهالسلام «فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنّهم كانوا يسمعونني وأنا احاجّ أبا بكر، فأقول: يا معشر قريش أنّا احقّ بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن ويعرف السنّة، فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب» ـ إلى آخره(1).
والعجب أنّ بعض العامّة كانوا يقولون: إنّ مذهب الشيعة كان سياسة من بعض الملوك مع أنّ أصل اختيار قريش لأبي بكر كان سياسة منهم حتّى يحصل لهم شركة في الأمر، فقال المغيرة بن شعبة لأبي بكر وعمر يوم السقيفة حاثّا لهما على ادعاء الامر «ا تريدون أن تنظروا حبل الحبلة(2)من أهل هذا البيت وسّعوها في قريش تتّسع»(3).
وقال أميرالمؤمنين عليهالسلام يوم السقيفة لعمر: «امّرت أبا بكر اليوم ليؤّرك غدا»(4)
وقال عليهالسلام لعبد الرحمن بن عوف يوم الشورى لما بايع عثمان مثل ذلك(5)، ولمّا كان عمار يوم الشورى يحضّ عليه عليهالسلام انتهره بنو مخزوم وسبّوه، وقالوا له: ما أنت والدخالة في أمر قريش وهنا قول المقداد يوم الشورى صافقا إحدى يديه على
الاخرى: واعجبا من قريش واستيثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل ونجوم الأرض ـ إلخ(1)ومرّ قول عمر وعثمان لابن عباس أ تدري ما منع قومكم منكم(2).
وانّما مذهب لا يجامع السياسة مذهب الشيعة حيث لا يرون لغير أميرالمؤمنين عليهالسلام وأحد عشر من عترته حقّا ولا أهل حق والسياسة ليست قائلة بحق، فمذهب الشيعة بالضد ممّا قالوا لم يمنع من نشره الاّ السياسة، ولمّا أنشأ المعتضد كتابا بلعن معاوية مستدلاّ فيه بالكتاب والسنّة والحجج الجليّة وأراد نشره، قال له قاضيه يوسف بن يعقوب: أخاف أن تضطرب العامّة فقال المعتضد: ان تحرّكت العامة أو نطقت وضعت فيهم سيفي. قال له: «فما تصنع بالطالبيين الّذين هم في كل ناحيه يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس بقرابتهم من النّبي صلىاللهعليهوآلهوبمآثرهم، وفي هذا الكتاب اطراؤم، واذا سمع الناس ذلك كانوا إليهم أميل وكانوا أبسط ألسنة، وأثبت حجّة منهم اليوم» ـ فأمسك المعتضد عن جوابه ولم يردّ عليه شيئا، ولم يأمر في الكتاب بشيء(3).
وملوك آل بويه كانوا شيعة متدينين، وكانوا متمكنين من خلع العباسيين ونصب العلويين كالرضي والمرتضى، ولم يفعلوا ذلك سياسة.
وكيف لا يشحّون عليه عليهالسلام فمع علمهم بأنّه لو صار الأمر إليه عليهالسلام لم يدع صيرورته إليهم أبدا، علموا أنّهم لو صرفوا النظر عن وصول الأمر إليهم لم يدعهم
اذا وصل الأمر إليه وهو أهم لتنمّره في ذات اللّه كما أفصحت عنه سيدّة نساء العالمين فقالت: ما نقموا منه عليهالسلام إلاّ تنمّره في ذات اللّه(1).
وقد كان عمر بن عبد العزيز مع انه انما كان صالحا بالنسبة إلى بني اميّة لا بالنسبة إلى الواقع لم يقدر سليمان بن عبد الملك على نصبه لهواه فيه حتّى دبّر في أمره بجعل أخيه يزيد بن عبد الملك بعده، ولما أراد العمل بالحق في الجملة، قتلوه.
قال الطبري في الخارجة الذين خرجوا على عمر بن عبد العزيز في سنة (100) وأرسلوا رجلين لمناظرته فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقرّه خليفة بعدك قال: صيّره غيري. قالا: أ فرأيت لو ولّيت مالا لغيرك ثمّ وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت ادّيت الأمانة إلى من ائتمنك فقال: انظراني ثلاثا فخرجا من عنده وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم، وما في أيديهم من أموال، وأن يخلع يزيد، فدسّوا إليه من سقاه سمّا فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلاّ ثلاثا حتّى مات(2).
وكما أنّ السياسة أخفت مذهب الشيعة مع كون حقيقته كالشمس في رابعة النهار فهل خليفة النبي إلاّ من كان مثله علما وحلما وفضلا وتقوى أم بالضد نشرت و شهرت مذهب السنة مع كون بطلانه واضحا لاشتماله على الجمع بين الضدين وانكار المتواترات، وغير ذلك من خلاف مقتضى العقول.
قال الطبري: قال الرشيد لعبد اللّه بن مصعب الزبيري، ما تقول في الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه فهم أنواع الشيع وأهل البدع، وأنواع الخوارج، أمّا الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة إلى اليوم فقال له: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا.
وسأله أيضا عن منزلة أبي بكر وعمر من النّبي صلىاللهعليهوآله فقال له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتهما في مماته فقال: كفيتني ما أحتاج إليه(1).
أفلم يكن هارون عارفا بحقيقة الأمر أ كان عاميا يغفّل بمثل هذه الكلمات إلاّ انّه لو كان لم يقبل قوله يقال له: وما أنت وهذا الأمر فكان مضطرا إلى قبول قوله.
ثم كيف سمّى المتفرقين عن عثمان أهل الشيع وأهل البدع وأبوه ـ أي أبو مصعب الزبيرى ـ قائل الكلام وهو حواريّهم، وصاحبه طلحة أحد عشرتهم وستّتهم، كانا ممّن تفرق عنه بل من المؤّبين عليه، وابن عوف حكم عمر الذى نصبه مات متهاجرا له.
وكيف سمّاهم أهل البدع، وعمّار ـ المتّفق على جلاله حتّى من أعدائه ـ أحد قتلته. قال له عمرو بن العاص في صفين: ما ترى في قتل عثمان؟ فقال عمار: فتح لكم باب كل سوء قال عمرو: فعليّ قتله؟ قال عمار: بل اللّه ربّ علي قتله، وعلي معه. قال له عمرو: أ كنت في من قتله؟ قال: كنت مع من قتله، وأنا اليوم اقاتل معهم. قال له عمرو: لم قتلتموه قال عمار: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه. فقال عمرو لأهل الشام: ألا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان قال عمار: وقد قالها قبلك فرعون لقومه: « ألا تستمعون(2)»،(3)
وكذلك استدلاله للأوّل والثاني، ومنزلتهما بقرب قبريهما، ألم يعلم هارون أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله أمر في مرضه بإخراجهما من المدينة بتأكيد في تجهيز جيش اسامة لئلاّ
يشهدا موته فيحدثا فتنة؟ ألم يمنعه الثاني من الوصية لئلاّ يضلّوا بعده، وقال إنّه ليهجر، ولم يخرجا في جيش اسامة مع لعنه المتخلّف وإعراضه عنهما لما حضراه في احتضاره.
قال ابن أبي الحديد: «سخت: يعني جادت»(1)نعم: «سخت به» بمعنى جادت، و اما «سخا عنه» كما هنا فبمعنى تركه. قال الجوهرى: «سخيت نفسي عن الشيء» إذا تركته(2).
وقال ابن أبي الحديد أيضا: «يعني عليهالسلام بقوله وسخت عنها نفوس آخرين: نفسه»(3)
بل أراد عليهالسلام بقوله «نفوس آخرين» نفوس المهاجرين والأنصار غير الشيخين واتباعهما، كما أنّ المراد بقوله عليهالسلام «شحّت عليها نفوس قوم» الشيخان وأتباعهما من قريش.
ونظير كلامه عليهالسلام هذا، قول زوجته سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام لما انصرفت من مجلس أبي بكر: هذا ابن أبي قحافة قد ابتزّني نحلة أبي، وبلغة ابنيّ و اللّه لقد اجدّ
في ظلامتي، وألدّ في خصامي حتّى منعتني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع»(4)والحكم بيننا وبين الشاحين عليها والساحين عنها اللّه الذي يجري كل نفس بما كسبت.
قال تعالى: «هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون»(1).
وفي كلام الصّديقة لأبي بكر في ذلك برواية أحمد بن أبي طاهر البغدادي: أأبتزّ ارث أبي(2)، أفي الكتاب أن ترث أباك، ولا أرث أبي «لَقَدْ جِئْتَ شَيئاً فرياً»(3)، فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، والزعيم محمّد، و الموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون(4)، «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ»(5)،(6). وقال تعالى: «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون»(7).
اقتصر في (المصرية) من هذا البيت وهو بيت امرىء القيس على صدره هذا والنهج كان مشتملا على عجزه وهو «و لكن حديثا مّا حديث الرواحل(8)»؟(9)
1) . السجدة: 25.
2) . ويروى أيها المسلمة المهاجرة ابتز إرث أبي أبا للّه في الكتاب يا ابن أبي قحافة ـ تريد أبا بكر الخليفة ـ أن ترث أباك ولا أرث أبى» وفي رواية ابتز إرث أبيه.
3) . مريم: 27.
4) . الجاثية: 27.
5) . الانعام: 67.
6) . بلاغات النساء: 26؛ بحار الأنوار: 238/20.
7) . التوبة: 94.
8) . والرواحل: جمع الراحلة، والراحلة الإبل المختصة بالركوب، وعن النّبي صلىاللهعليهوآله: «الناس كابل مأئة لا تجد فيها راحلة» بحار الأنوار: 66/58.
9) . النهاية: 342/1 ـ 343 .
واما قول ابن أبي الحديد: روي ان أميرالمؤمنين عليهالسلام لم يستشهد إلاّ بصدره فقط واتمه الرواة(1)، فلم يدلّ إلاّ على أنّ النهج وان كان مشتملا عليه إلاّ أنّ أصل كلامه عليهالسلام كان خاليا منه، وإنّما زاده الرواة فأخذ منهم المصنّف، وقد عرفت أنّ روايه الصدوق والمفيد كانت خالية منه(2). قال ابن أبي الحديد: وكان من قصّة هذا الشعر أنّ امرأ القيس لمّا تنقّل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة طي يقال له: طريف بن مل فأجاره وأكرمه وأحسن إليه، فمدحه وأقام عنده، ثمّ انه لم يوله نصيبا في الجبلين أجأ وسلمى فخاف أن لا يكون له منعة، فتحوّل ونزل على خالد بن سدوس بن أسمع النبهاني فاغارت بنو جديلة على امرئ القيس وهو في جوار خالد بن سدوس فذهبوا بإبله. وكان الّذي أغار عليه منهم باعث بن حويص، فلما أتى امرأ القيس الخبر ذكر ذلك لجاره فقال له: أعطني رواحلك ألحق عليهم القوم فأردّ عليك إبلك، ففعل فركب خالد في أثر القوم حتى أدركهم فقال: يا بني جديلة أغرتم على إبل جاري. فقالوا: ما هو لك بجار. قال: بلى، وهذه رواحله. قالوا: كذلك قال: نعم. فرجعوا إليه فانزلوه عنهن وذهبوا بهن وبالابل وقيل بل انطوى خالد على الابل فذهب بها فقال امرؤالقيس دع عنك نهبا... البيت(3).
والذي رواه أبو الفرج هكذا: نزل امرؤالقيس في أرض طيء برجل من بني
جديلة يقال له المعلّى بن تيم فقال فيه:
كأنّى إذ نزلت على المعلّى *** نزلت على البواذخ من شمام(1)
فما ملك العراق على المعلّى***بمقتدر ولا ملك الآشم
فلبث عنده، واتخذ إبلا هناك فعدا قوم من بني جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الابل وكانت لامرئ القيس رواحل مقيّدة عند البيوت خوفا من ان يدهمه امر ليسبق عليهن، فخرج حينئذ فنزل ببني نبهان من طيء فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا له الإبل فأخذتهن جديلة فرجعوا إليه بلا شيء، فقال:
وأعجبني مشي الحزقة خالد *** كمشي اتان حلّئت بالمناهل
فدع عنك نهبا صيح في حجراته *** ولكن حديثا ما حديث الرواحل
ففرّقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحلبها ـ الخبر(2).
ورواه ابن الأثير هكذا: «نزل (امرؤالقيس) على المعلّى بن تيم الطائي فأقام عنده واتّخذ إبلا هناك. فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها فأعطاه بنو نبهان معزى يحلبها فقال:
إذا ما لم يكن إبل فمعزى *** كانّ قرون جلّتها العصيّ(3)
وقال ابن دريد: أنّ من رجال طيء في الجاهلية باعث بن حويص، وهو الذي أغار على ابل امرئ القيس فقال:
تلاعب باعث بنمّة خالد *** واودى دثار في الخطوب الاوائل
ودثار راعي امرئ القيس(4).
أى: تعال. قال الجوهرى: قال الخليل: أصله لمّ من قولهم «لمّ اللّه شعثه» أى: جمعه كانّه أراد لمّ نفسك إلينا أى: أقرب، وها للتنبيه وانّما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال جعلا اسما واحدا يستوي فيه والواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز قال تعالى: «قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لاِءِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا»(1)،(2).
قالوا: الخطب سبب الأمر.
في مقابلته مع كونه ممّن حارب النّبي صلىاللهعليهوآله إلى أن أسره الإسلام بفتح مكة.
ونظير كلامه عليهالسلام كلام ابنه الحسن عليهالسلام ففي قال ابو الفرج: «كتب الحسن عليهالسلام إلى معاوية ـ بعد ذكره عليهالسلام محاجّة قريش العرب بأنّهم أقرب من العرب إلى النّبي صلىاللهعليهوآله ـ فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلىاللهعليهوآلهوأولياؤ إلى محاجّتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا فالموعد اللّه، و هو الولي النصير، وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبيّنا، وان كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام. فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به
من فساده. فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله
لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله، ولكنّ اللّه خيّبك(1). ويقال لأميرالمؤمنين عليهالسلامأنّ الأمر وإن كان كما ذكرت من كون الخطب في ابن أبي سفيان، إلاّ انّ تصدّي تيم وعدي وتدبير الثاني لابن أبي العاص هو الذي أطمع ابن أبي سفيان في الأمر. كما قال الفرزدق في ولاية ابن هبيرة:
ولقد علمت لئن فزارة امّرت *** أن سوف تطمع في الإمارة أشجع(2)
من خلق ربك ما هم ولمثلهم***في مثل ما نالت فزارة يطمع(3)
وكما قال دعبل في تولّي ابراهيم بن المهدي المغنّي للخلافة.
فلئن صلحت لإبراهيم *** فلتصلحن من بعده لمخارق(4)،(5)
وقد كتب معاوية إلى الحسن عليهالسلام جواب كتابه بأنّ مثلي مثل أبي بكر في تقدّمه عليكم بقوّته على هذا الأمر(6).
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر بعد نقل مكاتبات بينه عليهالسلام وبين معاوية: «أعجب وأطرف ما جاء به الدهر، وإن كانت عجائبه وبدائعه جمّة، أن يفضي أمر علي عليهالسلام إلى أن يصير معاوية ندّا له ونظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب والجواب ـ
1) . مقاتل الطالبيين: 35.
2) . أشجع: قبيلة خاملة لا شأن لها يقول: ما دامت فزارة وليت الإمارة فسوف تليها أحقر القبائل.
3) . يعني أنه ما كان لأشجع ومثلها مطمع في الإمارة فأصبحوا الآن يطمعون فيها.
4) . كان أهل بغداد قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلعوا المأمون، وذلك في سنة 201هـ ثمّ خلعوا إبراهيم ودعوا للمأمون بالخلافة، وذلك سنة 203هـ.
5) . الشعر والشعراء: 839/2/ ش 1599.
6) . مقاتل الطالبيين: 37.
إلى أن قال ـ فليت محمّدا صلىاللهعليهوآله كان شاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أنّ الدعوة التي قام بها وقاسى أعظم المشاقّ في تحمّلها، و كابد الأهوال في الذبّ عنها، وضرب السيوف عليها لتأييد دولتها، وشيّد أركانها، و ملأ الآفاق به خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذّبوه لمّا دعا إليها، وأخرجوه عن أوطانه لمّا حضّ عليها رموا وجهه، وقتلوا عمّه وأهله، فكأنّه كان يسعى لهم، ويدأب لراحتهم. كما قال ابو سفيان في أيام عثمان وقد مرّ بقبر حمزة وضربه برجله وقال: يا أبا عمارة إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس، في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ـ إلخ(1).
والأمر كما ذكر ابن أبي الحديد لكن أيّ تعيير لمعاوية:
بأبه اقتدى عدى في الكرم *** ومن يشابه أبه فما ظلم
اقتدى معاوية بصدّيقهم وفاروقهم كما صرّح به معاوية نفسه في جواب كتابه إلى محمّد بن أبي بكر وأفصح فيه عن الحقيقة إذ قال فيه مخاطبا محمّد بن أبي بكر: «ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب، وقديم سوابقه، وقرابته إلى النّبي صلىاللهعليهوآله ومواساته إيّاه في كل هول وخوف ـ إلى أن قال ـ وقد كنّا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب، وحقّه لازما لنا، مبرورا علينا، فلمّا اختار اللّه لنبيّه صلىاللهعليهوآله ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته وأبلج حجّته وقبضه اللّه إليه. فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتّسقا، ثمّ إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم، ثمّ إنه بايع لهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، و لا يطلعانه على سرّهما، حتى قبضهما اللّه ـ إلى أن قال في قيامه بالامر في قباله عليهالسلام ـ أبوك مهّد مهاده، وبنى لملكه وساده، فإن
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 136/16؛ بحار الأنوار: 88/33.
يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك.
وكتاب معاوية في جواب محمّد بن أبي بكر هو الكتاب الذي اعتذر الطبري في (تاريخه) عن نقله بانه كتاب لا تحتمله العامة(1)ونقله المسعودي(2)وغيره(3)ويقال للطبرى: ان هذا الكتاب لا يحتمله إلاّ من انسلخ عن الانسانيّة.
ثم هل زمان ذي نوريهم الذي قال فيه أبو سفيان ما قال كان أحسن من زمان معاوية بل يزيد أيضا، فكيف يقبل عثمان بالإمامة ولا يقبل معاوية فهل السلطان في زمان عثمان إلاّ مروان وأبو سفيان وغلمان بني اميّة ولم يصلّ عامل من عمّال معاوية، ويزيد صلاة الفجر بالناس في حال السكر أربعا مع إنشاد أبيات في العربدة فيها.
ومن العجب أن عامّة العامة قتلوا النسائي أحد أئمة حديثهم، وصاحب أحد صحاحهم الستة لأنه أنكر فضل معاوية قال ابن خلكان: سئل النسائي عن معاوية و فضائله فقال: ما أعرف له فضيلة إلاّ قول النّبي صلىاللهعليهوآله فيه: «لا أشبع اللّه بطنك» فما زالوا يدفعون في حضنيه وداسوه ثمّ حمل إلى الرملة فمات بها(4).
ومما يضحك الثكلى، ويبدّل البكاء بالضحك عجبا انّ المتسمّين بالعلم منهم جعلوا من لم يكن فساد في الأرض الاّ عمل به حتّى كفّره من نصبه، واستباحوا
دمه، وحرّموا تجهيزه، أفضل ممّن قال رسول ربّ العالمين في حقه: «لو لا أن تقول الناس فيك بالالوهية لقلت فيك ما إن لا تمرّ في طريق إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك»(1).
فهل للجزاف حدّ وهل يتفوّه أحد بأفضلية الظلمات من النور، قال الخطيب: قال ابو عبيد القاسم بن سلام: فعلت بالبصرة فعلتين أرجو بهما الجنّة، أتيت يحيى القطّان وهو يقول أبو بكر وعمر وعلي فقلت: معي شاهدان من أهل بدر يشهدان أن عثمان أفضل من علي. قال: بمن؟ قلت: أنت حدّثتنا عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: خطبنا عبداللّه بن مسعود فقال: أميرنا خير من بقي ولم نال قال: ومن الآخر؟ قلت: «الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسوّر بن مخرمة قال: سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: شاورت المهاجرين الأوّلين وامراء الأجناد وأصحاب النّبي صلىاللهعليهوآله فلم أر أحدا يعدل بعثمان» قال: فترك قوله وقال ابو بكر وعمر وعثمان(2).
قبّح اللّه دينا هذا أساسه، مع أنّ شاهديه من أهل بدر وما رواه عنهما رواية لم تعلم صحتها، والذي نعلم بالدراية أنّ ذينك الشاهدين هجراه وفجّراه وكفّراه. وقوله في خبره الثانى: «شاورت المهاجرين وأمراء الأجناد» فلا بد أنّه أراد بالمهاجرين الأوّلين مثل المغيرة بن شعبة جعله فاروقهم من المهاجرين الأوّلين لمّا أراد منع زياد عن أداء شهادته في زناه حتى يبطل حدّ اللّه فيه، كما أنّه لا بدّ من أراده معاوية بن أبي سفيان بأمراء الأجناد.
ومن الغريب أنّ إمامهم الثالث وذا نوريهم يقول لأميرالمؤمنين عليهالسلام ـ في خبر إخراجه لأبي ذر من المدينة إلى الربذة ومشايعته عليهالسلام لأبي ذر مع حظر عثمان عن مشايعته، وإرادة مروان منعه عليهالسلام عن ذلك وشتمه له عليهالسلام ـ «لم لا يشتمك كانّك خير منه»(1)فأنكر أن يكون من كان بمنزلة نفس النّبي صلىاللهعليهوآله خيرا من ذاك اللعين ابن اللعين على لسان النّبي صلىاللهعليهوآله.
ونقل ابن قتيبة في جملة ما ذكره متكلّموهم في محدّثيهم أنّهم يقدحون في الشيخ يسوّي بين علي وعثمان أو يقدّم عليّا عليهالسلام عليه(2).
هذا، ونظير كلامه عليهالسلام في الأدب أنه لمّا ولّي خالد بن عبداللّه القسرى بعد ابن هبيرة الفزاري الذي قال فيه الفرزدق مخاطبا يزيد بن عبد الملك الذي ولاّه:
أولّيت العراق ورافديه *** فزاريا أحذّ يد القميص(3)،(4)
قال شاعر أسدى:
عجب الفرزدق من فزارة أن رأى *** عنها أمية بالمشارق تنزع
فلقد رأى عجبا وأحدث بعده *** أمر تضجّ له القلوب وتفزع
بكت المنابر من فزارة شجوها *** فاليوم من قسر تذوب وتجزع
وملوك خندف أسلمونا للعدى *** للّه درّ ملوكنا ما تصنع
كانوا كتاركة بنيها جانبا *** سفها وغيرهم تصون وترضع(5)
في قيام ابن أبي سفيان في قبالى.
بقيام الاولين.
ومما يبدّل البكاء بالضحك عجبا في أمر معاوية أنّ بعض النصّاب حرّف قول النّبي صلىاللهعليهوآله فيه: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»(1)من القتل بقوله: «فاقبلوه» من القبول أو لم ير أن الحسن البصري الذي رواه قال بعد الخبر: «فما فعلوا ولا أفلحوا»، وروى أيضا بلفظ «اذا رأيتم معاوية على منبرى فاضربوا عنقه»(2). وكيف وروى نصر بن مزاحم: أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال: «انّ معاوية في تابوت في الدرك الاسفل من النار ولو لا كلمة فرعون «انا ربكم الأعلى» ما كان أحد أسفل من معاوية»(3).
وروى عن النّبي صلىاللهعليهوآله أيضا قال: «شر خلق اللّه خمسة: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون ذو الأوتاد، ورجل من بني اسرائيل ردّهم عن دينهم، ورجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لدّ»(4)، وروى أنّ رجلا شاميا سمع ذلك
من النّبي صلىاللهعليهوآله فلمّا رأى معاوية بويع عند باب لدّ، ذكر قول النّبي صلىاللهعليهوآله فلحق بعليّ عليهالسلام(1).
أى لا عجب.
في المصباح الخطب: الأمر الشديد ينزل(2).
قال ابن أبي الحديد: أى: يستنفذه ويفنيه. يقول: قد صار العجب لا عجب لأنّ هذا الخطب استغرق التعجب فلم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجب، وهذا من باب الاغراق والمبالغة في المبالغة ـ إلى أن قال ـ قال ابن هاني المغربى:
قد سرت في الميدان يوم طرادهم *** فعجبت حتى كدت أن لا أعجبا(3)
ولكن لم يعلم استعمال الاستفراغ بمعنى الافراغ، وما قاله ركيك، وانما معنى «يستفرغ العجب» لا يدّخر منه شيئا من قولهم «فرس مستفرغ» لا يدّخر من عدوه قال الشاعر:
«مستفرغ كاهله اشمّ»(4)
روى ابن عبد ربه عن الشعبي قال: دخلت بكارة الهلاليه على معاوية بالمدينة وكانت قد اسنّت وعشي بصرها، وضعفت قوّتها. فقال لها معاوية: قد غيّرك الدهر قالت: كذلك هو ذو غير، من عاش كبر، ومن مات قبر فقال عمرو بن العاص: هي و اللّه القائلة:
يا زيد دونك فاحتفر من درانا *** سيفا حساما في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة *** فاليوم أبرزه الزمان مصونا
فقال مروان وهي القائلة:
أ ترى ابن هند للخلافة مالكا *** هيهات ذاك وان أراد بعيد
منّتك نفسك في الخلاء ضلالة *** أغراك عمرو للشقا وسعيد
فقال سعيد بن العاص هي القائلة:
قد كنت أطمع أن اموت ولا أرى *** فوق المنابر من أميّة خاطبا
فاللّه أخّر مدّتي فتطاولت *** حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم للزمان خطيبهم *** بين الجميع لآل أحمد عائبا(1)
وفي السير: لمّا دخل المعتضد برأس صاحب الزنج بغداد دخل في جيش لم ير مثله، واشنق أسواق بغداد، والرأس بين يديه. فلما صار بباب الطاق (الطريق) صاح قوم من درب من تلك الدروب «رحم اللّه معاوية» وزاد حتى علت اصوات العامّة بذلك، فتغير وجه المعتضد، وقال للعلاء بن صاعد: ألا تسمع ما اعجب هذا وما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت واللّه لقد بلغ أبي إلى الموت، وما أفلتّ أنا إلاّ بعد مشارفته، ولقينا كلّ جهد وبلاء حتى أنجينا هؤاء الكلاب من عدوّهم
1) . العقد الفريد: 346/1.
وحصّنا حرمهم وأولادهم، فتركوا أن يترحّموا على العباس، وعبداللّه بن العباس، ومن ولد من الخلفاء، وتركوا الترحم على علي بن ابي طالب، وحمزة وجعفر والحسن والحسين، واللّه لا برحت أو أؤّر في تأديب هؤاء أثرا لا يعودون بعد هذا اليوم لفعل مثله.
ثم أمر بجمع النفّاطين ليحرق الناحية فقيل له: أيّها الأمير إنّ هذا اليوم من أشرف أيّام الإسلام فلا تفسده بجهل عامة لا أخلاق لهم ولم يزل يدارونه حتى سار(1).
وقال الطبري: تقدّم (المعتضد) إلى الشرّاب والذين يسقون الماء في الجامعين ان لا يترحّموا على معاوية، ولا يذكروه بخير ـ إلى آخر ما ذكر(2).
فهل عجب فوق هذا هل كان السقاة والشرّاب يترحمون عليه لأنّ جروه قتل سيد شباب أهل الجنة عطشانا.
من الاكثار.
أى: الاعوجاج.
أى: أرادوا.
أى: سراجه.
قال تعالى: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُون»(2).
عن البزنطي قال: قال لي الرضا عليهالسلام إن الناس قد جهدوا على إطفاء نور اللّه حين قبض اللّه تعالى رسوله، وأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره، وقد جهد علي بن أبي حمزة
على إطفاء نور اللّه حين مضى ابو الحسن عليهالسلام فأبى اللّه إلاّ أن يتم نوره، وقد هداكم اللّه لأمر جهله الناس ـ الخبر(3).
وروى محمّد بن محمّد بن النعمان عن أبي الحسن علي بن محمّد البصري، عن أبي بشر أحمد بن ابراهيم، عن زكريا بن يحيى الساجي، عن عبد الجبار، عن سفيان، عن الوليد بن كثير، عن ابن الصياد، عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا قبض النّبي صلىاللهعليهوآله ارتجّت مكة بنعيه، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول اللّه، قال: فمن ولي الناس بعده قالوا: إبنك. قال: فهل رضيت بنو عبد شمس وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: لا مانع لما أعطى اللّه، ولا معطي لما منع اللّه. ما أعجب هذا الأمر
تنازعون النبوة، وتسلّمون الخلافة «إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ»(1)
ص: 6 .
،(2)،(3).وفي (مروج المسعودى) عن (موفقيات الزبير بن بكار) الذي صنّفه للموفق عن المدائني قال: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي إلى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدّث عنده ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتما فانتظرته ساعة وظننت أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له: ما لي أراك مغتما منذ الليلة قال: يا بني جئت من عند أخبث الناس. قلت له: وما ذاك؟ قال: قلت له ـ وقد خلوت به ـ إنّك قد بلغت منّا يا أميرالمؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم.
فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه فقال لى: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل فو اللّه ما عدا أن هلك، فهلك ذكره إلاّ ان يقول قائل أبو بكر، ثمّ ملك أخو عديّ فاجتهد وشمّر عشر سنين. فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعمل به. فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به. وإنّ أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه. فأيّ عمل يبقى مع
1) .
2) . قال العلاّمة المجلسيّ رحمهالله: أى ما أعجب منازعة بنى عبد شمس وبنى المغيرة في النبوّة الحقة وتسليمهم الخلافة الباطلة، «ان هذا لشيء يراد» أي هذا الامر من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له، أو أن تولى أمر الخلافة شيء يتمنى أو يريده كل أحد، أو أن دينكم يطلب ليؤذ منكم كما قيل في الآية، والأخير هنا أبعد بحار الأنوار: 94/29.
3) . الأمالي للمفيد: 91/ م 10 / 7؛ بحار الأنوار: 94/29/ ح 2.
هذا؟ لا امّ لك واللّه إلاّ دفنا دفنا(1).
وصرح في كتابه إلى محمّد بن ابي بكر أنّ المؤس له ذلك، الصدّيق وفاروقه، و لم يكن المقام مقام افتراء، وإلاّ لكذّبه محمّد بن أبي بكر، مع أنّه يشهد له الاعتبار
الذي كالعيان.
مصدر « فار الماء » نبع وجرى.
والينبوع: عين الماء. قال تعالى: «حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً»(2).
روى الخوارزمى: أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال لعلي عليهالسلام اتّق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلاّ بعد موتي، اولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون ـ ثمّ بكى النّبي صلىاللهعليهوآله
فقيل له ممّ بكاؤ قال: أخبرني جبرئيل أنّهم يظلمونه، ويمنعونه حقّه، ويقاتلونه، ويقاتلون ولده ويظلمونهم بعده ـ الخبر(3).
وقال ابن قتيبة ـ بعد ذكر جعل معاوية جعالة لمن قتل العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ـ قال علي عليهالسلام: (واللّه لودّ معاوية أنّه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه(4)إطفاء لنور اللّه، ويأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون)(5).
الجدح أن يحرّك السويق بالماء، ويخوض حتى يستوي، وكذلك اللبن ونحوه، والمجدح: عود مجنّح الرأس تساط به الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب. ومنه حديث علي عليهالسلام «جدحوا بيني، وبينهم شربا وبيئا»(1).
و«الوباء بالهمز، مرض عام يمدّ ويقصر، ويجمع الممدود على أوبئة مثل متاع و أمتعة، والمقصور على أوباء مثل سبب وأسباب»(2)،
وعن أبي عبيدة «الشرب بالفتح مصدر، وبالخفض والرفع اسمان من شربت»(3).
روى ابن بابويه عن النضر بن مالك قال: قلت للحسين عليهالسلام حدّثني عن قوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ»(4)قال: نحن وبنو اميّة اختصمنا في اللّه تعالى قلنا: صدق اللّه، وقالوا: كذب اللّه، فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة(5).
وروى الشيخ عن قيس بن سعد بن عبادة، عن أميرالمؤمنين عليهالسلام قال: أنا أوّل من يجثو بين يدي اللّه ـ عزّ وجلّ ـ يوم القيامة للخصومة(6).
حسب سنّة اللّه تعالى في امتحان عباده.
روى محمّد بن بابويه عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن محمّد بن الحنفية قال:
أتى رأس اليهود علي بن أبي طالب عليهالسلام عند منصرفه من وقعة النهروان وهو جالس
في مسجد الكوفة فقال له: إنّي أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبي أو وصي نبي. قال: سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.
قال: انّا نجد في الكتاب انّ اللّه عزّ وجلّ إذا بعث نبيّا أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أمّته بعده وأن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى عليه(1)، وأنّ اللّه عزّ وجلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء وبعد وفاتهم، فأخبرني كم يمتحن اللّه الأوصياء في حياة الأنبياء، وكم يمتحنهم بعدهم، وإلى ما يصير آخر أمر الأوصياء إذا رضي محنتهم فقال عليهالسلام لئن اجبتك لتسلمنّ. قال: نعم.
فقال عليهالسلام له: إنّ اللّه يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، ويصير طاعة الأوصياء في أعناق الامم ممن يقول بطاعة الأنبياء، ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبلو صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء وقد أكمل لهم السعادة. قال: صدقت(2).
فأخبرني كم امتحنك اللّه في حياة محمّد، وكم امتحنك بعد وفاته، وإلى ما يصير آخر أمرك قال: فأخذ علي عليهالسلام بيده وقال: انهض بنا انبّئك بذلك. فقام إليه جماعة من أصحابه فقالوا: أنبئنا بذلك معه. فقال: إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم.
قالوا: ولم؟ قال: لامور بدت لي من كثير منكم. فقام إليه الأشتر فقال: أنبئنا
بذلك، فو اللّه إنّا لنعلم ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك، وإنّا لنعلم أنّ اللّه لا يبعث بعد نبيّنا صلىاللهعليهوآله نبيّا سواه، وأنّ طاعتك في أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا صلىاللهعليهوآله فجلس علي عليهالسلام وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود إنّ اللّه عزّ وجلّ امتحنني في حياة نبيّنا صلىاللهعليهوآله في سبعة مواطن ـ فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بنعمة اللّه ـ له مطيعا. أمّا أوّلهن: فإنّ اللّه تعالى أوحى إلى نبيّنا وأنا أحدث أهل بيتي سنّا أخدمه بين يديه وأسعى في قضاء أمره، فدعا صغير بني عبد المطلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه فامتنعوا من ذلك، وهجروه، ونابذوه(1)، واعتزلوه، وسائر الناس مقصين له، ومخالفين عليه، قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم، ولم تدركه عقولهم فأجبت نبيّنا وحدي إلى ما دعا إليه مسرعا مطيعا لم يتخالجني في ذلك شك. فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على وجه الأرض خلق يصلّي أو يشهد للنّبي صلىاللهعليهوآله بما أتاه غيره وغير ابنة خويلد(2)رحمها اللّه وقد فعل، ثمّ أقبل عليهالسلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(3).
فقال عليهالسلام وأما الثانية: فإنّ قريشا لم تزل تجيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النّبي صلىاللهعليهوآله حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك، يوم دار الندوة، وإبليس حاضر في صورة أعور ثقيف(4). فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتى اجتمعت آراؤا على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل، ثمّ يأخذ كل رجل منهم سيفه. ثمّ يأتي النّبي صلىاللهعليهوآله وهو نائم على فراشه، فيضربونه بأسيافهم جميعا ضربة واحد
فيقتلوه، وإذا قتلوه منعت قريش رجالها، ولم تسلمها، فيمضي دمه هدرا.
فهبط جبرئيل على النّبي صلىاللهعليهوآله فأنبأه بذلك، وأخبره بالليلة الّتي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار. فأخبرني النّبي صلىاللهعليهوآله، وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له، مسرورا بأن أقتل دونه. فمضى النّبي صلىاللهعليهوآله لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النّبي صلىاللهعليهوآله. فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه، ناهضتهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي ما قد علمه اللّه وعلمه الناس. ثمّ أقبل عليهالسلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام وأمّا الثالثة يا أخا اليهود: فإنّ ابني ربيعة وابن عتبة(1)ـ وكانوا فرسان قريش ـ دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق، فأنهضني النّبي صلىاللهعليهوآله مع صاحبيّ رضي اللّه عنهما وقد فعل وأنا أحدث أصحابي سنّا، وأقلّهم للحرب تجربة، فقتل اللّه بيدي وليدا وشيبة، سوى من قتلت من جحاجحة(2)قريش في ذلك اليوم، وسوى من أسرت، وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد ابن عمي رحمة اللّه عليه في ذلك اليوم. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام: وأما الرابعة يا أخا اليهود: فان أهل مكّة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم(3)، قد استحاشوا (استجلبوا) من يليهم من قبائل العرب وقريش، طالبين
1) . المراد شيبة وعتبة ابنا ربيعة، ووليد بن عتبة.
2) . الجحاجحة جمع جحجاح: السيّد الكريم، والهاء فيه لتأكيد الجمع. النهاية.
3) . قال الجزريّ في الحديث «جاءت هوازن على بكرة أبيها» هذه الكلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وانهم جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة حقيقة وهي التي يستقى عليها الماء فاستعيرت في هذا الموضع. وفي القاموس: حاش الصيد: جاءه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه وأحوشه.
بثار مشركي قريش في يوم بدر، فهبط جبرئيل على النّبي صلىاللهعليهوآله فأنبأه بذلك، فذهب النّبي صلىاللهعليهوآله وعسكر بأصحابه في سدّ أحد، وأقبل المشركون إلينا فحملوا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان من بقي من المنهزمة، وبقيت مع النّبي صلىاللهعليهوآله، ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة كل يقول: قتل النبي، وقتل أصحابه. ثمّ ضرب اللّه تعالى وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي النّبي صلىاللهعليهوآله نيّفا وسبعين جراحة منها هذه وهذه، ثمّ ألقى عليهالسلام رداءه وأمرّ يده على جراحاته، وكان منّي في ذلك ما على اللّه عزّ وجلّ ثوابه إن شاء. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام: وأمّا الخامسة يا أخا اليهود: فإنّ قريشا والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتّى تقتل النّبي صلىاللهعليهوآله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة، واثقة بأنفسها في ما توجّهت له. فهبط جبرئيل عليهالسلام على النّبي صلىاللهعليهوآله فأنبأه بذلك. فخندق على نفسه ومن معه. فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف، ترعد وتبرق(1)، والنّبي صلىاللهعليهوآله يدعوها إلى اللّه عزّ وجلّ ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلاّ عتوّا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم(2). يدعو إلى البراز ويرتجز،
ويخطر برمحه مرّة، وبسيفه مرّة(1)لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع فيه طامع. فأنهضني إليه النّبي صلىاللهعليهوآله وعمّمني بيده، وأعطاني سيفه هذا ـ وضرب بيده إلى ذي الفقار ـ فخرجت إليه ونساء أهل المدينة تأنين إشفاقا علي من ابن عبد ود فقتله اللّه بيدي، والعرب لا تعدّ لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة ـ وأومأ بيده إلى هامته ـ فهزم اللّه قريشا والعرب بذلك وبما كان منّي فيهم من النكاية. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(2).
فقال: وأما السادسة يا أخا اليهود: فإنّا وردنا مع النّبي صلىاللهعليهوآله مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، كلّ ينادي ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلاّ قتلوه، حتّى إذا احمرّت الحدق، ودعيت إلى النزال، وأهمّت كلّ امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكلّ يقول: يا أبا الحسن انهض، فأنهضني النّبي صلىاللهعليهوآله إلى دارهم، فلم يبرز اليّ أحد منهم إلاّ قتلته، ولا يثبت لي فارس إلاّ طحنته، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتّى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلاّ اللّه وحده. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام: وأما السابعة يا أخا اليهود: فإنّ النّبي صلىاللهعليهوآله لما توجّه لفتح مكّة أحبّ أن يعذر إليهم، ويدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ آخرا كما دعاهم أوّلا. فكتب إليهم كتابا
يحذّرهم فيه، وينذرهم عذاب اللّه، ويعدهم الصفح، ويمنّيهم مغفرة ربّهم، ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم. ثمّ عرض على جميع أصحابه المضيّ به. فكلّهم يرى التثاقل فيه، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا فوجّهه به. فأتاه جبرئيل فقال: يا محمّد لا يؤّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك فأنبأني النّبي صلىاللهعليهوآله بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة، فأتيت مكّة، وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلاّ ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منّى إربا لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله. فبلّغتهم رسالة النّبي صلىاللهعليهوآله وقرأت عليهم كتابه، فكلّهم يلقاني بالتهديد والوعيد، ويبدي لي البغضاء، ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام: يا أخا اليهود هذه المواطن التي امتحنني فيها ربي عزّ وجلّ مع نبيّه صلىاللهعليهوآله فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعا، ليس لأحد فيها مثل الذي لي، ولو شئت لو صفت ذلك، ولكن اللّه عزّ وجلّ نهى عن التزكية فقالوا: صدقت واللّه يا أميرالمؤمنين، لقد أعطاك اللّه عزّ وجلّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلىاللهعليهوآله، وأسعدك بأن جعلك أخاه تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضّلك بالمواقف الّتي باشرتها، والأهوال التي ركبتها، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره، ممّا ليس لأحد من المسلمين مثله. يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا صلىاللهعليهوآله، ومن شهدك بعده(1). فأخبرنا بما امتحنك اللّه عزّ وجلّ بعد نبيّنا صلىاللهعليهوآلهفاحتملته وصبرت، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علما منّا به، إلاّ أنّا نحبّ أن نسمع منك ذلك كما سمعنا
1) . الخصال:369/2/ ح 58؛ بحار الأنوار: 171/38/ ح 1.
منك ما امتحنك اللّه به في حياته فأطعته فيه.
فقال عليهالسلام: يا أخا اليهود إنّ اللّه عزّ وجلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه صلىاللهعليهوآلهفي سبعة مواطن فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسى ـ بمنّه ونعمته صبورا.
أما أوّلهنّ يا أخا اليهود: فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه(1)أو أتقرب به غير رسول اللّه صلىاللهعليهوآله. ربانّي صغيرا وبوّأني كبيرا، وكفاني العيلة وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب، ووقاني المكسب، وعال لي النفس والولد والأهل. هذا في تصاريف أمر الدّنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحقّ عند اللّه عزّ وجلّ فنزل بي من وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملت عنوة(2)كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح(3)ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام، والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزّ يأمر بالصبر وبين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت، والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه، والصلاة عليه ووضعه في حفرته، وجمع كتاب اللّه وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة(4)، ولا جليل مصيبة،
حتى أدّيت في ذلك الحق الواجب للّه تعالى ولرسوله علي، وبلغت منه الذي أمرني به، واحتملته صابرا محتسبا. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى فقال عليهالسلام.
وأما الثانية يا أخا اليهود: فإنّ رسول اللّه أمّرني في حياته على جميع أمّته، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة، والسمع والطاعة لأمري، وأمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب ذلك، فكنت المؤّي عن النّبي صلىاللهعليهوآله أمره أنّي الأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النّبي صلىاللهعليهوآله، ولا بعد وفاته، ثمّ أمر النّبي صلىاللهعليهوآله بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع اسامة بن زيد عند الذي أحدث اللّه به المرض الذي توفّاه فيه، فلم يدع النّبي صلىاللهعليهوآله أحدا من أفناء العرب(1)، ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من ساير الناس ممّن يخاف علي نقضه ومنازعته، ولا أحدا ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه، إلاّ وجّهه في ذلك الجيش، لتصفو قلوب من يبقى معي، ولئلاّ يقول قائل شيئا ممّا أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية، والقيام بأمر رعيّته من بعده، ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمّته أن يمضي جيش اسامة، ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعز فيه أبلغ الايعاز(2)، وأكّد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قبض النّبي صلىاللهعليهوآله إلاّ برجال من بعث أسامة وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم، وخالفوا أمر النّبي صلىاللهعليهوآله في ما أنهضهم له وأمرهم به، وتقدّم إليه من ملازمة أميرهم، والسير معه
تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه، فخلّفوا أميرهم مقيما في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حلّ عقدة عقدها اللّه عزّ وجلّ لي ولرسوله صلىاللهعليهوآله في أعناقهم فحلّوها، ونبذ عهد عاهدوا اللّه ورسوله عليه فنكثوه، وعقدوا لأنفسهم عقدا ضجّت به أصواتهم، واختصّت به آراؤم، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي.
فعلوا ذلك وأنا بالنبيّ صلىاللهعليهوآله مشغول، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بدئ به منها، فكان هذا ـ يا أخا اليهود ـ أقرح ما ورد على قلبي من الذي أنا فيه من عظيم الرزّية، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلاّ اللّه تعالى، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها، على تقاربها وسرعة اتّصالها. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(1).
فقال عليهالسلام: وأما الثالثة يا أخا اليهود: فإنّ القائم بعد النّبي صلىاللهعليهوآله وسلم كان يلقاني معتذرا في كلّ أيّامه، ويلوم غيره(2)ما ارتكبه من أخذ حقّي، ونقض بيعتي، ويسألني تحليله فكنت أقول: تنقضي أيّامه ثمّ يرجع إليّ حقّي الذي جعله اللّه لي عفوا(3)هنيئا من غير أن أحدث في الإسلام، مع حدوثه وقرب عهده بالجاهليّة، حدثا في طلب حقّي بمنازعة لعلّ فلانا يقول فيها: نعم، وفلانا يقول فيها: لا. فيؤل ذلك من القول إلى الفعل، وجماعة من خواصّ أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله أعرفهم بالنصح
للّه ولرسوله ولكتابه ودينه يأتوني عودا وبدءا(1)، وعلانية وسرّا، فيدعونني إلى أخذ حقّي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤّوا إليّ بذلك بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويدا وصبرا قليلا لعل اللّه يأتيني بذلك عفوا، بلا منازعة ولا اراقة دماء فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النّبي صلىاللهعليهوآله، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل. فقال كلّ قوم: منّا أمير، وما طمع القائلون في ذلك إلاّ لتناول غيري الأمر، فلمّا دنت وفاة القائم(2)وانقضت أيامه صيّر الأمر بعده لصاحبه، وكانت هذه اخت أختها، ومحلّها منّي مثل محلّها، وأخذا منّي ما جعله اللّه لي، فاجتمع إليّ من أصحاب محمّد ممّن مضى وممّن بقي ممّن أخّره اللّه من اجتمع. فقالوا لي فيها مثل الّذي قالوا في اختها، فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل، صبرا واحتسابا، واشفاقا من أن تفنى عصبة تألّفهم النّبي صلىاللهعليهوآله باللّين مرة، وبالشدة اخرى، وبالإنذار مرّة، وبالسيف اخرى، حتّى لقد كان من تألّفه أحسن الناس في المسكن، و الشبع والرّي واللباس، والوطاء والدثار(3)، ونحن أهل بيت محمّد صلىاللهعليهوآله لا سقوف لبيوتنا، ولا أبواب ولا ستور إلاّ الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا ولا دثار علينا، يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، ونطوي اللّيالي والأيّام عامّتنا، وربّما أتانا الشيء ممّا أفاءه اللّه علينا وصيّره لنا خاصّة دون غيرنا و نحن على ما وصفت من حالنا فيؤر به النّبي صلىاللهعليهوآلهأرباب النعم والأموال تألّفا منه لهم فكنت أحقّ من لم يفرّق هذه
العصبة التي ألّفها النّبي صلىاللهعليهوآله، ومن لم يحملها على الخطّة(1)التي لا خلاص لها منها دون بلاغها أو فناء آجالها، لأنّي لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا منّي وفي أمري على احدى منزلتين: إمّا متّبع مقاتل، وإمّا مقتول ان لم يتّبع الجميع، وإمّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم اللّه أنّي منه بمنزلة هارون من موسى يحلّ بهم مخالفتي والإمساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته. فرأيت تجرّع الغصص، وردّ أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتّى يفتح اللّه لي، أو يقضي بما أحبّ، أزيد لي في حظّي، وارفق بالعصابة التي وصفت أمرهم، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا، ولو لم أتّق هذه الحالة ثمّ طلبت حقّي لكنت أولى ممّن طلبه لعلم من مضى من أصحاب النّبي صلىاللهعليهوآله، ومن بحضرتك منهم بأنّي كنت أكثر عددا، وأعزّ عشيرة، وأمنع رجالا، وأطوع أمرا، وأوضع حجّة، وأكثر في هذا الدّين مناقب وآثارا، لسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممّن تناولها، وقد قبض محمّد صلىاللهعليهوآله وإنّ ولاية الامّة في يده وفي بيته لا في يد الألى تناولوها ولا في بيوتهم، وأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، أولى بالأمر من بعده من غيرهم في جميع الخصال.
ثم التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(2).
قال: واما الرابعة يا أخا اليهود: فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في الامور فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، لا أعلمه أحدا
ولا يعلمه أصحابي، يناظره في ذلك غيري، ولا يطمع في الأمر بعده سواي. فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله، ولا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه لم أشكّ أنّي قد استرجعت حقّي(1)
قال العلاّمة المجلسيّ رحمهالله: أمثال هذا الكلام إنما صدر عنه عليهالسلام بناء على ظاهر الامر، مع قطع النظر عما كان يعلمه باخبار اللّه ورسوله من استيلاء هؤاء الاشقياء، وحاصل الكلام أن حقّ المقام كان يقتضى أن لا يشك في ذلك كما قيل في قوله تعالى: «لا رَيْبَ فِيهِ»البقرة: 2، بحار الأنوار: 185/38.
في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها، والعاقبة التي كنت ألتمسها، وأنّ اللّه سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت، وأفضل ما أمّلت، وكان من فعله أن ختم أمره بأن سمّى قوما أنا سادسهم، ولم يسوّني بواحد منهم، ولا ذكر لي حالا في وراثة الرسول، ولا قرابة ولا صهر ولا نسب، ولا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي، ولا أثر من آثاري، وصيّرها شورى بيننا، وصيّر ابنه فيها حاكما علينا، وأمره أن يضرب أعناق النفر الستّة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره، وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبرا، فمكث القوم أيّامهم كلّها كلّ يخطب نفسه، وأنا ممسك حتّى سألوني عن أمري فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم، وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكّرتهم عهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إليهم، وتأكيد ما أكّده من البيعة لي في أعناقهم، فدعاهم حبّ الإمارة، وبسط الأيدي والألسن في الأمر و النهي، والركون إلى الدّنيا، والاقتداء بالماضين قبلهم، إلى تناول ما لم يجعل اللّه لهم، فإذا خلوت بواحد ذكّرته أيّام اللّه، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه، التمس منّي شرطا أن أصيّرها له بعدي فلمّا لم يجدوا عندي إلاّ المحجّة البيضاء، والحمل على كتاب اللّه عزّ وجلّ ووصيّة1) .
النّبي صلىاللهعليهوآله وإعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله اللّه له، ومنعه مما لم يجعله اللّه له، أزالها عنّي إلى ابن عفّان طمعا في الشحيح.
ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتّى ظهرت ندامتهم، ونكصوا على أعقابهم، وأحال بعضهم على بعض، كلّ يلوم نفسه ويلوم أصحابه، ثمّ لم تطل الأيام بالمستبدّ بالأمر حتّى أكفروه، وتبرّءوا منه. فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من اختها و أفظع فنالني منها الّذي لا يبلغ وصفه، ولم يكن عندي إلاّ الصبر على ما هو أمضّ منها، ولقد أتاني الباقون من الستّة من يومهم كلّ راجع عمّا كان ركب منّي يسألني خلع ابن عفّان، والوثوب عليه وأخذ حقّي، ويعطيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي، أو يرد اللّه عزّ وجلّ عليّ حقي، فو اللّه يا أخا اليهود ما منعني منها إلاّ الذي منعني من اختيها قبلها، ورأيت الإبقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت أنّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته. فأمّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى ومن غاب من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله أنّ الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحرّ من ذي العطش الصديّ، ولقد كنت عاهدت اللّه عزّ وجلّ أنا وعمّي حمزة وأخي جعفر وابن عمّي عبيدة عهدا وفينا به للّه عزّ وجلّ ولرسوله، فتقدّمني أصحابي وتخلّفت بعدهم لما أراد اللّه عزّ
وجلّ فأنزل اللّه تعالى فينا: «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»(1)حمزة وجعفر وعبيدة من قضى نحبه وأنا واللّه المنتظر، وما بدّلت تبديلا وما سكّتني عن ابن عفان وحثّني على الإمساك عنه إلاّ أنّي عرفت من أخلاقه في ما اختبرت منه بما لن يدعه حتّى
1) . الأحزاب: 23.
يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه، فضلا عن الأقارب، وأنا في عزلة. فصبرت حتّى كان ذلك(1)، لم أنطق فيه بحرف من «لا» ولا «نعم» ثمّ أتاني القوم وأنا ـ علم اللّه ـ كاره، لمعرفتي بما تطامعوا به من اعتقاد الأموال والمرح في الأرض(2)، وعلمهم بأنّ تلك ليست لهم عندى« وشديد عادة منتزعة »(3)فلمّا لم يجدوا عندي تعلّلوا الأعاليل. ثمّ التفت عليهالسلام إلى أصحابه. فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(4).
فقال عليهالسلام: وأما الخامسة: فإنّ المتابعين لي لمّا لم يطمعوا في تلك منّي(5)، وثبوا بالمرأة علي، وأنا وليّ أمرها والوصي عليها، فحملوها على الجمل، و شدّوها على الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي(6)
خبط البعير الأرض بيده خبطا: ضربها، ومنه قيل: خبط عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف إذا مشت لا تتوقّى شيئا. وخبطه: ضربه شديدا. والقوم بسيفه: جلدهم. والفيافي جمع الفيفى والفيفاء والفيفاة. وهي المفازة لا ماء فيها، والمكان المستوى.
وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب(7). وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة، وعندي كلّ حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حياة النّبي صلىاللهعليهوآله، حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عازبة آراؤم.فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم، فوقعت
1) . أي حتّى قتله الأباعد.
2) . المرح: الفرح والنشاط الوافر، والتبختر.
3) . كذا في النسخ. ولعلّ قوله: «عادة» مبتدأ و«شديد» خبره، أي انتزاع العادة وسلبها شديد.
4) . الخصال: 374/2؛ بحار الأنوار: 176/38.
5) . يعني تلك الامانى والاطماع التي لهم في دولة الباطل من اعتقال الأموال والمرح في أرض اللّه. ويعنى بالمرأة عائشة أم المؤنين.
6) .
7) . قال في المراصد 1: 433: الحوأب ـ بالفتح ثمّ السكون وهمزة مفتوحة ـ موضع في طريق البصرة.
من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محله المكروه، ممّن إن كففت لم يرجع ولم يعقل، وإن كنت أقمت قد صرت إلى الّتي كرهت، فقدّمت الحجّة بالإعذار والإنذار، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، والقوم الّذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقض عهد اللّه عزّ وجلّ فيّ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الّذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم فرجع، وذكرته فذكر، ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك، فلم يزدادوا إلاّ جهلا وتماديا وغيّا، فلّما أبوا إلاّ هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة(1)وبهم الهزيمة، ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على الّتي لم أجد بدّا منها وأظهرته آخرا مثل الّذي وسعني منه أوّلا من الإغضاء والإمساك، ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه و طمعوا فيه، من تناول الأطراف، وسفك الدماء، وقتل الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال، كعادة بني الأصفر(2)ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية. فأصير إلى ما كرهت أوّلا وآخرا، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس، ولم أهجم على الأمر إلاّ بعد ما قدمت وأخرت، وتأنيت وراجعت، وأرسلت وسافرت، وأعذرت وأنذرت، وأعطيت القوم كلّ شيء يلتمسوه بعد ان عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه، فلمّا أبوا إلاّ تلك أقدمت عليها، فبلغ اللّه بي وبهم ما أراد، وكان بي عليهم بما كان منّي إليهم شهيدا.
ثم التفت عليهالسلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(3).
فقال عليهالسلام: وأما السادسة يا أخا اليهود: فمحاربة ابن آكلة الأكباد، وهو طليق ابن طليق، معاند للّه عزّ وجلّ ولرسوله وللمؤنين، منذ بعث اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآلهإلى أن فتح اللّه عليه مكّة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالأمس(1)أوّل من سلّم علي بإمرة المؤنين، وجعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني، وأعجب العجب انّه لمّا رأى ربي تعالى قد ردّ إليّ حقّي و أقرّه في معدنه، وانقطع طعمه أن يصير في دين اللّه رابعا، وفي أمانة اللّه حاكما، كرّ علىّ (على) العاصي ابن العاص طمعه فاستماله فمال علي، ثمّ أقبل به بعد أن أطعمه مصر، وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهما، وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقّه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم، ويطأها بالفتن، فمن تابعه أرضاه، ومن خالفه ناواه ثمّ توجّه إليّ ناكثا علينا، مغيرا في البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا، والأنباء تأتيني، والأخبار ترد علي بذلك، فأتاني أعور ثقيف(2)فأشار علي أن أولّيه البلاد الّتي هو بها لا داريه بما أولّيه منها، وفي الّذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند اللّه عزّ وجلّ في توليته لي مخرجا، وأصبت لنفسي في ذلك عذرا. فأعملت الرأي في ذلك، وشاورت من أثق بنصيحته للّه عزّ وجلّ ولرسوله صلىاللهعليهوآله ولي وللمؤنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي، ينهاني عن توليته، ويحذّرني أن أدخل في أمر المسلمين يده، ولم يكن اللّه ليراني متّخذ المضلّين عضدا. فوجّهت إليه أخا
بجيلة مرّة، وأخا الأشعريّين اخرى(1)، كلاهما ركن إلى الدّنيا، وتابع هواه في ما أرضاه، فلمّا لم أره يزداد في ما انتهك من محارم اللّه إلاّ تماديا، شاورت من معي من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله البدريّين، والّذين ارتضى اللّه عزّ وجلّ أمرهم ورضي عنهم بعد بيعتهم، وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين، فكل يوافق رأيه رأيي في غزوته ومحاربته ومنعه ممّا نالت يده، وإني نهضت إليه بأصحابي، وأنفذ إليه من كلّ موضع كتبي، واوجّه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه والدخول في ما فيه الناس معي. فكتب يتحكم علي ويتمنّى علي الأماني، ويشترط علي شروطا لا يرضاها اللّه تعالى ورسوله ولا المسلمون، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله أبرارا فيهم عمّار بن ياسر وأين مثل عمّار واللّه لقد رأيتنا مع النّبي صلىاللهعليهوآله وما يعدّ منّا خمسة إلاّ كان سادسهم، ولا أربعة إلاّ كان خامسهم، اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم بما انتحل دم عثمان، ولعمر اللّه ما ألّب على عثمان(2)ولا جمع الناس على قتله إلاّ هو وأشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، فلمّا لم أجب إلى ما اشترط من ذلك، كرّ مستعليا في نفسه لطغيانه وبغيه، بحمير لا عقول لهم ولا بصائر، فموّه لهم أمرا(3)فاتّبعوه، وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه، فناجزناهم، وحاكمناهم إلى اللّه عزّ وجلّ بعد الإعذار والإنذار.
1) . يعني بالأول جرير بن عبداللّه البجليّ وبالثانى زياد بن النضر أو أبا موسى الأشعريّ ظاهرا و لم أعثر مهما تتبعت الكتب على ارسال أحدهما إلى معاوية ولعله سهو من الراوي. وفي بعض النسخ «و اخا الاشعريين اخرى».
2) . ألب بالتخفيف ـ تجمع وتحشد. ألب بينهم أفسد.
3) . موه عليه الامر أو الخبر: زوّره عليه وزخرفه ولبسه.
فلمّا لم يزده ذلك إلاّ تماديا وبغيا، لقيناه بعادة اللّه التي عوّدناه من النصر على أعدائه، وراية النّبي صلىاللهعليهوآله بأيدينا، لم يزل اللّه يفل حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت، وهو معلم رايات أبيه الّتي لم أزل اقاتلها مع النّبي صلىاللهعليهوآله في كلّ المواطن. فلم يجد من الموت منجى إلاّ الهرب. فركب فرسه، وقلب رايته، لا يدري كيف يحتال. فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه بإظهار المصاحف، ورفعها بأعلى الأعلام والدعاء إلى ما فيها وقال: إنّ ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة، وقد دعوك إلى كتاب اللّه أولا وهم مجيبوك إليه آخرا، فأطاعه في ما أشار به عليه، إذ رأى انّه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره، فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء أخيارهم، وجهدهم في جهاد أعداء اللّه على بصائرهم، وظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أنّ ذلك مكر منه ومن ابن العاص، وأنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي، ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلاّ إجابته، كرهت أم هويت، شئت أو أبيت، حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته(1)، فجهدت ـ علم اللّه ـ جهدي، ولم أدع غلّة في نفسي إلاّ بلغتها في أن يخلّوني ورائي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس، فلم يجيبوا، ما خلا هذا الشيخ ـ وأشار بيده إلى الأشتر ـ وعصبة من أهل بيتي، فو اللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلاّ مخافة أن يقتل هذان ـ وأومأ بيده إلى الحسن والحسين عليهماالسلام ـ فيقطع نسل رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وذرّيته من امّته، ومخافة أن يقتل هذا
1) . يقال: أعطاه الشيء برمته أي بجملته.
وهذا ـ وأومأ بيده إلى عبداللّه بن جعفر ومحمّد بن الحنفية ـ فإني أعلم لو لا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم، مع ما سبق فيه من علم اللّه عزّ وجلّ.
فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا، تحكّموا في الامور، وتخيّروا الأحكام والآراء، وتركوا المصاحف، وما دعوا إليه من حكم القرآن، وما كنت أحكّم في دين اللّه أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شكّ فيه ولا امتراء، فلمّا أبوا إلاّ ذلك أردت أن أحكّم رجلا من أهل بيتي، أو رجالا ممّن أرضى رأيه وعقله، وأثق بنصيحته ومودّته ودينه، وأقبلت لا أسمّي أحدا إلاّ امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلاّ أدبر عنه، وأقبل ابن هند يسومنا عسفا(1)، وما ذلك إلاّ باتّباع أصحابي له على ذلك، فلمّا أبوا إلاّ غلبتي على التحكيم، تبرّأت إلى اللّه تعالى منهم، وفوّضت ذلك إليهم، فقلّدوه امرأ، فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها، وأظهر المخدوع عليه ندما.
ثمّ أقبل عليهالسلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى(2).
قال عليهالسلام: وأما السابعة يا أخا اليهود: فإنّ النّبي صلىاللهعليهوآله كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوما من أصحابي يصومون النهار، ويقومون الليل، ويتلون الكتاب، يمرقون بخلافهم علي، ومحاربتهم إيّاي من الدّين مروق السهم من الرمية، فيهم ذو الثديّة، يختم لي بقتلهم بالسعادة. فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا أقبل بعض القوم على بعض باللاّئمة في ما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم
يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجا إلاّ أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا أن لا يبايع من أخطأ، وأن يقضي بحقيقة رأيه على نفسه وقتل من خالفه منّا، فقد كفر بمتابعته إيّانا وطاعته لنا في الخطأ، وأحلّ لنا بذلك قتله وسفك دمه فتجمّعوا على ذلك، وخرجوا راكبين رؤسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلاّ للّه، ثمّ تفرّقوا فرقة بالنخيلة، واخرى بحروراء، واخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتّى عبرت دجلة، فلم تمرّ بمسلم إلاّ امتحنته، فمن تابعها استحيته، و من خالفها قتلته، فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد اخرى، أدعوهم إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ والرجوع إليه، فأبيا إلاّ السيف، فلمّا أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى اللّه عزّ وجلّ فقتل اللّه هذه وهذه، وكانوا ـ يا أخا اليهود ـ لو لا ما فعلوا لكانوا ركنا قويّا وسدّا منيعا، فأبى اللّه إلاّ ما صاروا إليه، ثمّ كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجّهت رسلي تترى(1)وكانوا من جلّة أصحابي، وأهل التعبّد منهم والزهد في الدنيا، فأبت إلاّ اتّباع اختيها، والاحتذاء على مثالهما، وأسرعت في قتل من خالفها من المسلمين، وتتابعت إليّ الأخبار بفعلهم، فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة، اوجّه السفراء والنصحاء، وأطلب العتبى بجهدي(2)، بهذا مرّة وبهذا مرّة ـ وأومأ بيده إلى الأشتر والأحنف بن قيس وسعيد بن قيس الأرحبيّ والأشعث بن قيس الكندى ـ فلمّا أبوا إلاّ تلك، ركبتها منهم فقتلهم اللّه يا أخا اليهود عن آخرهم، وهم أربعة آلاف أو يزيدون، حتّى لم يفلت منهم مخبر، فاستخرجت ذا الثديّة من قتلاهم بحضرة من ترى له ثديّ كثديّ المرأة.
ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.
فقال عليهالسلام: فقد وفيت سبعا وسبعا، وبقيت الاخرى وأوشك بها. فقالوا: أخبرنا بالاخرى. فقال: أن تخضب هذه ـ وأومأ بيده إلى لحيته ـ من هذه ـ وأومأ بيده إلى هامته ـ وارتفعت أصوات الناس بالضجّة والبكاء حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعا، وأسلم رأس اليهود على يديه من ساعته، ولم يزل مقيما معه عليهالسلام حتّى قتل عليهالسلام وأخذ ابن ملجم، فأقبل رأس اليهود فقال للحسن عليهالسلام: اقتله قتله اللّه، فإنّي رأيت في الكتب الّتي انزلت على موسى عليهالسلام: أنّ هذا أعظم جرما من ابن آدم قاتل أخيه، ومن قيدار عاقر ناقة ثمود(1).
قال المفيد: وقوله عليهالسلام: «فان ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه» أدلّ دليل على انّه عليهالسلام لم يستقرّ به الأمر، ولم يتمكن من إنفاذ حكم من الأحكام(2).
وقد أقر عمر بكونه عليهالسلام لو كان له تمكن يحمل الناس على محض الحق فقال حين وفاته مخاطبا له عليهالسلام من ستّة الشورى «و أنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم»(3).
ولم ترتفع المحن، ولم أتمكن من حملهم على الحق.
اقتباس من قوله تعالى: «أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُون»(1)أى لا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيّهم وضلالهم وإصرارهم على التكذيب « إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ » فيجازيهم عليه.
قال القمي: نزلت في زريق وحبتر(2)، وعليه فالاقتباس بها غير خال من اللّطف والمناسبة.
وقال المجلسى: زُرَيْقٌ وحَبْتَرٌ: كنايتان، والعرب تتشاءم بزرقة العين، والحبتر: الثّعلب، والثاني بالأول أنسب(3).
روى أنّه عليهالسلام خطب الناس بالمدينة. فقال: أيّها الامة الّتي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها، فأصرّت على ما عرفت، واتبعت أهواءها و ضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحق فصدّت عنه، والطريق الواضح فتنكّبته ـ إلى أن قال ـ عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم، وتجدون وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم ـ الخبر(4).
وأتى قيس بن سعد بن عبادة معاوية. فقال له معاوية: بايع، فقال قيس: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية لقد حرصت أن افرّق بين روحك وجسدك قبل ذلك، فأبى اللّه يا ابن أبي سفيان إلاّ ما أحبّ.
ثم أقبل قيس على الناس فقال: (يا معشر الناس لقد اعتضتم الشرّ من الخير، واستبدلتم الذلّ من العزّ، والكفر من الايمان، فأصبحتم بعد ولاية أميرالمؤمنين، وسيّد المرسلين، وابن عمّ رسول ربّ العالمين، قد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم أم طبع اللّه على قلوبكم وأنتم لا تعقلون). فجثا معاوية على ركبتيه ثمّ أخذ بيده وقال: أقسمت عليك. ثمّ صفق على كفّه ونادى الناس بايع قيس فقال: كذبتم واللّه ما بايعت(1).
هذا، وقال البحتري في قتل بني حميد:
ولا عجب للأسد أن ظفرت بها *** كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى *** وموت علي من حسام ابن ملجم(2)
والظاهر أنّ قوله «من فصيح وأعجم» متعلّق بقوله «ولا عجب».
إلى هنا إنتهى الجزء السادس عشر عشية يوم الجمعة الخامس عشر
من شهر جمادى الثانية سنة 1445 من الهجرة النبوية
على هاجرها وآله آلاف التحية والثناء
وأسأل اللّه أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشرح
إنّه سميع الدّعاء قريب مجيب.
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
الخطبة (155) ومن كلام له عليهالسلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم
(5 ـ 127)
ومن كلام له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم··· 7
فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ، أَنْ يَعْتَقِلَ، نَفْسَهُ عَلَى اللّهِ، فَلْيَفْعَلْ··· 7
فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللّهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ··· 7
وان كان ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ، وَأَمَّا فُلانَةُ··· 8
فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ··· 9
وَضِغْنٌ··· 43
غَلا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ، الْقَيْنِ··· 44
وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ··· 50
وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى··· 55
وَالْحِسَابُ عَلَى اللّه··· 57
منها: سَبِيلٌ، أَبْلَجُ، الْمِنْهَاجِ، أَنْوَرُ السِّرَاجِ··· 66
فَبِالاْءِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاْءِيمَانِ··· 66
وَبِالاْءِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ··· 74
وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا··· 75
وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآْخِرَةُ، وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقينَ وَتُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ··· 76
وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ··· 76
مُرْقِلِينَ··· 78
فِي مِضْمَارِهَا، إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، ومنها (ومنه): قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ··· 79
وَصَارُوا إِلَى مَصَايِرِ الْغَايَاتِ، لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلا يُنْقَلُونَ عَنْهَا··· 80
وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللّهِ سُبْحَانَهُ··· 81
وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْق··· 81
تنبيه··· 83
وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللّهِ فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ··· 84
وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ··· 85
وَالرِّيُّ، النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ، لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ، لِلْمُتَعَلِّقِ، لا يَعْوَجُّ··· 86
فَيُقَامَ، وَلا يَزِيغُ، فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا يُخْلِقُهُ، كَثْرَةُ الرَّدِّ··· 87
وَوُلُوج، السَّمْعِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَق··· 88
وقام إليه رجل، فقال: أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول اللّه؟ صلىاللهعليهوآله··· 89
فقال: لَمَّا أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: (الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ـ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا··· 89
عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا··· 94
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ··· 99
الَّتِي أَخْبَرَكَ اللّهُ بِهَا، فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي··· 100
فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللّهِ أَ وَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ··· 104
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ، عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ··· 104
فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ··· 105
فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ··· 105
مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ··· 105
وَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي، بِأَمْوَالِهِم··· 106
وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ··· 109
وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ··· 110
وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ··· 110
فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ··· 111
بِالنَّبِيذِ··· 112
وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ··· 115
وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ··· 116
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ، عِنْدَ ذَلِكَ··· 119
أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ، فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة··· 119
تذييل··· 122
تكملة··· 125
(156) ومن خطبة له عليهالسلام
(128 ـ 160)
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ··· 129
وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلائِهِ وَعَظَمَتِهِ، عِبَادَ اللّهِ··· 130
إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ··· 130
لا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ، آخِرُ أَفْعَالِهِ كَأَوَّلِهِ··· 131
مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ··· 132
فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَالزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ··· 132
فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ··· 133
وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ··· 134
وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ··· 135
فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ··· 136
اعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ··· 136
وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ··· 137
أَلا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا··· 137
وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، عِبَادَ اللّهِ، اللّهَ اللّهَ··· 138
فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ··· 138
فَإِنَّ اللّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَأَنَارَ طُرُقَهُ، فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ··· 139
فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاء، قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ··· 140
وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ··· 140
فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لا تَدْرُونَ مَتَى تُؤمَرُونَ بِالسَّيْرِ··· 141
أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآْخِرَةِ··· 141
وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ··· 141
عِبَادَ اللّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ··· 142
وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ··· 143
عِبَادَ اللّهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ··· 144
وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَتَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ··· 145
اعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ··· 146
وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ··· 148
وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ··· 149
وَلا يُكِنُّكُمْ، مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ··· 150
يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ وَيَجِيءُ الْغَدُ لاحِقاً بِهِ··· 151
فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ··· 151
وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ، فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ··· 151
وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ··· 152
وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ··· 153
وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ··· 154
قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ··· 156
وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ··· 157
وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ··· 158
وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُر··· 159
الخطبة (157) ومن خطبة له عليهالسلام
(161 ـ 179)
أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ··· 161
مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ، مِنَ الْأُمَمِ، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَم··· 162
فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ··· 163
وَالنُّورِ، الْمُقْتَدَى بِهِ، ذَلِكَ، الْقُرْآنُ، فَاسْتَنْطِقُوهُ··· 164
وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ، أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِ··· 165
وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ··· 166
وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُم··· 167
منها: فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلاّ وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً··· 169
وَأَوْلَجُوا··· 169
فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَكُمْ، فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ، وَلا فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ··· 170
أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ (غير ورده)··· 171
وَسَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ مِنْ مَطَاعِمِ··· 172
الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ··· 172
الصَّبِرِ، وَالْمَقِرِ، وَلِبَاسِ، شِعَارِ الْخَوْفِ، وَدِثَارِ السَّيْفِ··· 173
وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا، الْخَطِيئَاتِ··· 174
وَزَوَامِلُ، الآْثَامِ··· 175
فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ··· 176
ثُمَّ لا تَذُوقُهَا وَلا تَتَطَعَّمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَان··· 176
الخطبة (158) ومن خطبة له عليهالسلام
(180 ـ 184)
وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ··· 182
وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ، وَحَلَقِ، الضَّيْمِ··· 183
شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ··· 183
وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِير··· 184
الخطبة (159) ومن خطبة له عليهالسلام
(185 ـ 284)
أَمْرُهُ قَضَاءٌ، وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ··· 188
أَمَانٌ، وَرَحْمَةُ، يَقْضِي، بِعِلْمٍ، وَيَعْفُو، بِحِلْمٍ··· 189
اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي··· 189
وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي··· 191
حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ حَمْداً··· 192
يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ حَمْداً لا··· 192
يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ··· 192
فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إِلاّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ··· 194
لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ··· 195
أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ··· 197
وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ··· 198
وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ··· 198
وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ وَحَالَتْ··· 198
سُتُورُ (سواتر) الْغَيْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَم، فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ··· 198
وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ··· 198
وَكَيْفَ ذَرَأْتَ، خَلْقَكَ··· 201
وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ··· 202
أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ، حَسِيراً··· 202
وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِهاً، وَفِكْرُهُ حَائِرا، منها··· 203
يَدَّعِي بِزُعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللّهَ كَذَبَ وَالْعَظِيمِ··· 203
مَا بَالُهُ لا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤهُ فِي عَمَلِهِ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤهُ فِي عَمَلِهِ (فَكُلُّ··· 204
رَجَاءٍ) ـ إِلاّ رَجَاءَ اللّهِ ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ··· 204
وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاّ خَوْفَ اللّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ··· 205
يَرْجُو اللّهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُوا الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ··· 206
فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لا يُعْطِي الرَّبَّ··· 206
فَمَا بَالُ اللّهِ جَلَّ ثَنَاؤهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ لِعِبَادِهِ (بعباده)··· 207
أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً··· 208
أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً··· 208
وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ··· 211
فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَوَعْداً··· 212
وَكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللّهِ··· 212
فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَصَارَ عَبْداً لَهَا، وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ··· 213
وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا··· 213
وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا، وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا··· 214
وَوُطِّئَتْ، لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا··· 215
وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ، بِمُوسَى كَلِيمِ اللّهِ عليهالسلام··· 216
إِذْ يَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ··· 217
وَاللّهِ مَا سَأَلَهُ إِلاّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ··· 217
لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى··· 218
مِنْ شَفِيفِ، صِفَاقِ، بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ··· 218
وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ، وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ، بِدَاوُدَ عليهالسلام، صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ··· 219
وَقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ··· 220
فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ، الْخُوصِ··· 221
بِيَدِهِ وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا، وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا··· 221
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عليهالسلام··· 224
فَلَقَدْ كَانَ، يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ (وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ) وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ··· 225
وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ··· 225
وَظِلالُهُ فِي الشِّتَاءِ، مَشَارِقَ الْأَرْضِ، وَمَغَارِبَهَا··· 226
وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ··· 226
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ··· 226
وَلا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاهُ وَخَادِمُهُ يَدَاهُ··· 227
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صلىاللهعليهوآله فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً··· 229
لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ··· 230
وَالْمُقْتَصُّ، لِأَثَرِهِ، قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً··· 230
وَلَمْ يُعِرْهَا، طَرْفاً، أَهْضَمُ، أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً··· 231
وَأَخْمَصُهُمْ، مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً··· 232
عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا··· 234
وَعَلِمَ صلىاللهعليهوآله أَنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً، فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ··· 235
وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ··· 236
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللّهُ وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللّهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للّهِِ··· 236
وَمُحَادَّةً، عَنْ أَمْرِ اللّهِ··· 237
وَلَقَدْ كَانَ صلىاللهعليهوآله يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ··· 238
وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ··· 241
وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ··· 243
فَيَقُولُ يَا فُلانَةُ ـ لاِءِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي··· 244
فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا··· 244
فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ··· 244
وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً··· 245
وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً··· 246
فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ··· 246
وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ··· 247
وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِى الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا··· 247
إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ··· 247
وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ··· 258
فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ، أَأَكْرَمَ اللّهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ، فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ··· 259
فَقَدْ كَذَبَ وَاللّهِ الْعَظِيمِ (وَأَتَى بِالاْءِفْكِ الْعَظِيمِ)، وَإِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ··· 259
لْيَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ، حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ··· 260
وَزَوَاهَا، عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ··· 260
فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ، أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلاّ فَلا يَأْمَنُ الْهَلَكَةَ··· 261
فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً صلىاللهعليهوآله عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ··· 262
خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الآْخِرَةَ سَلِيماً··· 262
لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ··· 262
فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ··· 263
سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ، وَاللّهِ لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ··· 264
حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لا تَنْبِذُهَا عَنْكَ··· 266
فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى··· 266
تذييلان··· 271
الاول··· 271
التذييل الثاني··· 280
الخطبة (160) ومن خطبة له صلىاللهعليهوآله
(285 ـ 308)
بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ، وَالْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ، وَالْمِنْهَاجِ، الْبَادِي··· 286
وَالْكِتَابِ الْهَادِي، أُسْرَتُهُ، خَيْرُ أُسْرَةٍ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ··· 287
أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ··· 288
وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ··· 289
عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ مِنْهَا، صَوْتُهُ··· 290
أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ··· 291
وَدَعْوَةٍ، مُتَلافِيَةٍ، أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ··· 292
وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ··· 293
وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ، فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاْءِسْلامِ ديْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ··· 295
وَتَنْفَصِمْ، عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ مَآبُهُ··· 296
إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ، وَالْعَذَابِ الْوَبِيل··· 296
وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللّهِ تَوَكُّلَ الاْءِنَابَةِ إِلَيْهِ··· 297
وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ، الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ··· 298
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّهِ بِتَقْوَى اللّهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِنَّهَا··· 299
النَّجَاةُ غَداً، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً··· 299
رَهَّبَ فَأَبْلَغَ، وَرَغَّبَ فَأَسْبَغَ، وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا··· 300
فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا··· 301
أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللّهِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللّهِ··· 301
فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اللّهِ غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا لِمَا أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ، حَالِهَا··· 302
فَاحْذَرُوا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ، وَالْمُجِدِّ الْكَادِحِ··· 303
وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ··· 303
قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ··· 304
وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ··· 304
فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلادِ فَقْدَهَا وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا··· 305
لا يَتَفَاخَرُونَ وَلا يَتَنَاسَلُونَ··· 305
وَلا يَتَزَاوَرُونَ وَلا يَتَحَاوَرُونَ··· 307
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ··· 307
فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ، وَالسَّبِيلَ قَصْد··· 308
الخطبة (161) ومن كلام له عليهالسلام لبعض أصحابه وقد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به فقال
(309 ـ 397)
ومن كلام له عليهالسلام لبعض أصحابه، وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا··· 310
المقام وأنتم أحقّ به··· 310
فَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ··· 311
وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ بكائه [إِبْكَائِهِ]··· 311
إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ··· 344
تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ، وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ··· 345
الصِّهْرِ··· 346
وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ··· 347
وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ أَمَّا الاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا، بِهَذَا الْمَقَامِ، وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً··· 348
وَالْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ صلىاللهعليهوآله نَوْطاً··· 349
فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ··· 351
وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَالْحَكَمُ اللّهُ··· 357
وَالْمَعْوَدُ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ··· 358
وَهَلُمَّ، الْخَطْبَ، فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ··· 361
فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ، بَعْدَ إِبْكَائِهِ··· 367
وَلا غَرْوَ، فَيَا لَهُ خَطْباً، يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ··· 368
وَيُكْثِرُ، الْأَوَدَ··· 370
حَاوَلَ الْقَوْمُ، إِطْفَاءَ نُورِ اللّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ··· 371
وَسَدَّ فَوَّارِهِ، مِنْ يَنْبُوعِهِ··· 373
وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً، فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى··· 374
أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى··· 395
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُون··· 396
1 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
2 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
3 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
4 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.
5 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
6 ـ اسباب نزول الآيات: الواحدي النيسابوري، (المتوفّى 468ق)، مؤسّسة الحلبي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1388ق 1968م.
7 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
8 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
9 ـ الاشتقاق: ابن دريد (المتوفى 321 ق)، 1 مجلد، دارالجيل بيروت، لبنان، الاولى 1411ق ـ 1991م.
10 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
11 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
12 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
13 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.
14 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
15 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
16 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
17 ـ الأنوار النعمانيّة: السيّد نعمة اللّه بن عبداللّه الجزائرى، (المتوفى 1112ق)، 4 مجلد، دار القارى، بيروت، الأولى 1429ق.
18 ـ الايضاح: الفضل بن شاذان الأزدى، (المتوفى 260ق)، تحقيق: السيد جلالالدين الحسينى الارموى المحدث، مؤسسة النشر والطبع جامعة طهران، 1363ش.
19 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
20 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.
21 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبرى الآملي، (المتوفى 553ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدرية، نجف الأشرف، الثانية 1383ق.
22 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد عليهمالسلام: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
23 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
24 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
25 ـ تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد مرتضى حسينى زبيدى، (المتوى 1205ق)، تحقيق: على هلالى وسيرى على، 20 مجلد، دار الفكر، بيروت، الأولى 1414ق.
26 ـ تاريخ الإسلام: الذهبي، (المتوفى 748ق)، 52 مجلد، دار الكتاب العربي، بيروت، الأولى 1407ق 1987م.
27 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
28 ـ تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، مطابع معتوق اخوان، بيروت.
29 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
30 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
31 ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، (المتوفى 571ق)، 70 مجلد، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، چاپ 1415ق.
32 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
33 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: علي الاسترآبادي، (المتوفى 940ق)، مصحح: حسين استاد ولي، مؤسسة النشر الاسلامى، قم، الأولى 1409ق.
34 ـ تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينورى، (المتوفى 276ق)، دار الكتاب العلميّة، بيروت.
35 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.
36 ـ تذكرة الخواص: سبط ابن جوزى، (المتوفى 654ق)، 1 مجلد، منشورات الشريف الرضى، قم، 1418ق 1376ش.
37 ـ التشريف بالمنن في التعريف بالفتن: ابن طاووس، عليّ بن موسى، (المتوفى 664ق)، مؤسسة صاحب الأمر عجّل اللّه فرجه، قم، الأولى 1416ق.
38 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
39 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
40 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
41 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
42 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
43 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.
44 ـ تفسير الكشاف: زمخشرى، محمود بن عمر، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، دار الكتاب العربي، لبنان، بيروت، الثالثة 1407.
45 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري عليهالسلام: الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1409ق.
46 ـ تقريب المعارف: تقى بن نجم، ابو الصلاح الحلبى، (المتوفى 447ق)، مصحح: تبريزيان (الحسون)، 1 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1404ق.
47 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
48 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
49 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.
50 ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبى): القرطبى، (المتوفى 671ق)، تحقيق: مصطفى السقا، 20 مجلّد، دار احياء التراث العربى، بيروت، 1405ق 1985م.
51 ـ الجمل والنصرة لسيّد العترة في حرب البصرة: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفى 413ق)، تحقيق: على مير شريفى، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
52 ـ جمهرة الأمثال: أبي هلال العسكري، (المتوفى 395ق)، 2 مجلد، دار الجيل، بيروت، لبنان الثانية 1384ق.
53 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
54 ـ حدائق الأزاهر: ابن عاصم الأندلسى.
55 ـ حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة: قطب الدين محمد بن حسين بيهقي كيذري (قرن 6)، قم، الأولى 1375ش.
56 ـ خصائص أميرالمؤمنين عليهالسلام: النسائى (المتوفى 303ق)، تحقيق: محمد هادى الأمينى، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
57 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
58 ـ دار السلام في ما يتعلق بالرؤا والمنام: نوري، حسين بن محمد تقي، (المتوفي 1320ق)، 4 مجلد، دار البلاغة، بيروت، لبنان.
59 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
60 ـ ديوان المنسوب إلى الإمام السجّاد عليهالسلام: مجمع جهانى اهل بيت عليهمالسلام، ايران، قم، 1436ق.
61 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.
62 ـ رسائل الشريف المرتضى: الشريف المرتضى، (المتوفى 817ق)، 4مجلد، دار القرآن الكريم، قم، 1405ق.
63 ـ روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمّد تقى بن مقصود على، المجلسي، (المتوفى 1070ق)، 14 مجلد، مصحح: حسين الموسوي الكرماني وعلىپناه الاشتهاردي، مؤسسة الثقافة الإسلاميّة كوشانبور، قم، الثانية 1406ق.
64 ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: محمّد بن أحمد، فتال النيشابوري، (المتوفى 508ق)، 2 مجلد، النشر الرضي، قم، الأولى 1375ش.
65 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليهالسلام: سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
66 ـ سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد: محمّد بن يوسف الصالحى الشامى (942م)، تحقيق: عادل احمد عبدالموجود، 12 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، الأولى 1414ق 1993م.
67 ـ السرائر الحاوى لتحرير الفتاوى (والمستطرفات): محمد بن احمد بن ادريس، (المتوفى 598ق)، 3 مجلد، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، قم، الثانية 1410ق.
68 ـ السقيفة وفدك: الجوهرى، (المتوفى 323ق)، شركة الكتبى للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الثانية 1413ق 1993م.
69 ـ سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، (المتوفى 275ق)، 2 مجلد، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأولى 1410ق ـ 1990م.
70 ـ سنن الترمذى: الترمذي، (المتوفى 279)، تحقيق: عبدالرحمان محمد، 5 مجلد، دار الفكر للطباعة والتوزيع، بيروت، الثانية 1403ق 1983م.
71 ـ السيرة النبوية: ابن هشام الحميري، (المتوفى 218ق)، 1 مجلد، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1383ق ـ 1963م.
72 ـ الشافي في الامامة: الشريف المرتضى، (المتوفى 436ق)، 4 مجلد، مؤسسة إسماعيليان، قم، الثانتية 1410ق.
73 ـ شرح شافية ابن حاجب: رضيالدين الأسترآبادي، (المتوفى 686)، 4 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت 1395 / 1957 م.
74 ـ شرح القصيدة الذهبيّة: الشريف المرتضى.
75 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
76 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
77 ـ الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، دار الحديث، القاهرة، 2 مجلد، 1427ق ـ 2006م.
78 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيداللّه بن عبداللّه الحسكاني، (المتوفى 490 ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد باقر المحمودي، التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، مجمع احياء الثقافة الاسلامية، طهران، الأولى 1411ق.
79 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
80 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.
81 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
82 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين عليهالسلام، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر الهادي، قم، الأولى 1376ق.
83 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
84 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230ق)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
85 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد، (المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.
86 ـ طرائف المقال: السيّد علي البروجردي (المتوفى 1313ق )، 2 مجلد، مكتبة آية اللّه العظمى المرعشى النجفى، قم، الأولى 1410.
87 ـ الطراز الأوّل والكناز لما عليه من لغة العرب المعول: كبير المدني الشيرازي، سيّد علي خان بن أحمد، (المتوفى 1120 ق)، 9 مجلد، مؤّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، مشهد، 1384 ش.
88 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
89 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
90 ـ عقلاء المجانين: النيسابورى، ابن حبيب.
91 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
92 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.
93 ـ عين العبرة فى غبن العترة: احمد بن موسى، ابن طاووس، (المتوفى 673ق)، 1مجلد، دار الشهاب، قم، الاولى، بىتا.
94 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
95 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
96 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.
97 ـ الفتوح: ابو محمد احمد بن الأعثم الكوفي، (المتوفى 1314، تحقيق: على الشيري، چاپ بيروت، دار الأضواء، الأولى 1411ق ـ 1991م.
98 ـ فتوح البلدان: احمد بن يحيى بن جابر (البلاذرى)، (المتوفى 279)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1956م.
99 ـ الفصول المختارة: محمّد بن محمّد، المفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: علي الميرشريفي، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
100 ـ فقه اللغة وسر العربية: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، دار الكتاب العربي، بيروت، ل بنان، الثانية 1416ق / 1996م.
101 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي، (المتوفى 1031)، 6 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1415 / 1994 م).
102 ـ قاموس الرجال: الشيخ محمد تقى التسترى، (المتوفى 1415ق)، تحقيق: مؤسسة النشر الاسلامى، 12 مجلد، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الاولى 1422ق.
103 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
104 ـ قرب الاسناد (طبعة الحديثة): عبداللّه بن جعفر الحميري، نيمه دوم قرن 3ق)، المصحح والناشر: مؤسسه آل البيت:، قم، الأولى 1413ق.
105 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
106 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
107 ـ الكشاف: الزمخشري، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1385ق ـ 1966م.
108 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
109 ـ كشف اليقين: الحلّي، حسن بن يوسف بن مطهّر، (المتوفى 726ق)، وزارت ارشاد، تهران، الأولى 1411ق.
110 ـ الكشكول للبهائي: محمّد بن حسين العاملي، (المتوفى 1031ش)، المترجم، كريم فيضي، نشر العلم، 1387ش.
111 ـ الكلينى والكافى: الشيخ عبد الرسول الغفار، موسسة النشر الاسلامى، قم، الأولى 1416).
112 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
113 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت،1409ق 1989م.
114 ـ كنز الفوائد: محمد بن علي الكراجكى، (المتوفى 449ق)، 2 مجلد، مصحح: عبداللّه نعمه، دار الذخائر، قم، الأولى 1410ق.
115 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
116 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
117 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
118 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
119 ـ مجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، بنياد پژوهشهاى اسلامى آستان قدس رضوى، مشهد، 1369ش.
120 ـ محاسبة النفس: ابن طاووس، على بن موسى (المتوفى 664 ق)، 1مجلد، مرتضوى، تهران، الرابعة 1376ش.
121 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
122 ـ مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع: القطيعى البغدادى، (المتوفى 739ق) 3 مجلد، دار الجيل، بيروت، الأولى 1412ق.
123 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
124 ـ المزار الكبير (لابن المشهدي): ابن المشهدي، محمّد بن جعفر، (المتوفى 610ق)، 1 مجلد، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، قم 1419ق.
125 ـ مسالك الافهام: الشهيد الثاني، (المتوفى 965)، 15 مجلد، مؤّسة المعارف الإسلاميّة، قم، ايران، الأولى 1418.
126 ـ المستدرك: الحاكم النيسابوري، (المتوفى 405ق)، 4 مجلد.
127 ـ مستدركات أعيان الشيعة: حسن الأمين، (المتوفى 399ق)، 7 مجلد، دار التعارف للمطبوعات، المكتب شارع سوريا، 1409ق 1989م.
128 ـ مستند الشيعة: المحقّق النراقي، (المتوفى 1244ق)، 19 مجلد، مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، قم، الأولى 1419ق.
129 ـ مسند أحمد: أحمد بن حنبل، (المتوفى 241ق)، 6 مجلد، دار صادر، بيروت.
130 ـ مشرق الشمسين واكسير السعادتين (الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين: الشيخ البهايي العاملي، (المتوفى 1031)، منشورات مكتبة بصيرتى، قم.
131 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.
132 ـ مصباح الشريعة: منسوب به امام صادق عليهالسلامد (م 148ق)، الأعلمى، بيروت، الأولى 1400ق.
133 ـ مصباح الشريعة (ترجمة المصطفوى): منسوب به امام صادق عليهالسلام: (م 148ق)، 1 مجلد، انحمن اسلامى حكمت وفلسفه ايران، طهران، 1360ش.
134 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
135 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
136 ـ معالي السبطين في أحوال الحسن والحسين: مهدى حائرى مازندرانى.
137 ـ معاني الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
138 ـ المعجم الأوسط: الطبراني، (المتوفى 360ق)، 1 مجلد، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415ق ـ 1995م.
139 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
140 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
141 ـ مكارم الأخلاق: حسن بن فضل، الطبرسي، (المتوفى قرن 6)، الشريف الرضي، قم، الرابعة 1412ق ـ 1370ش.
142 ـ الملل والنحل: الشهرستانى، (المتوفى 548)، تحقيق: محمد سيد كيلانى، 2 مجلد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
143 ـ المناقب: الموفق الخوارزمى، (المتوفى 568ق)، تحقيق: الشيخ مالك محمودى، مؤسسة سيّد الشهداء عليهالسلام، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، ربيع الثانى 1414ق.
144 ـ مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
145 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
146 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
147 ـ منهاج البراعة: الراوندي، قطبالدين سعيد بن هبهاللّه (القرن السادس)، 3 مجلد.
148 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
149 ـ المؤمن: حسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، (المتوفى قرن سوم، 1 مجلد، مؤسسة الامام المهدي عليهالسلام، قم، 1404ق.
150 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.
151 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
152 ـ نهج الحق وكشف الصدق: حسن بن يوسف، العلاّمة الحلّي، (المتوفى 726ق)، 1 مجلد، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الأولى 1982 م.
153 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين عليهالسلام، اصفهان، الأولى 1406ق.
154 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهمالسلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
155 ـ وفيات الاعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان، (المتوفى 681)، 7 مجلد، دار الثقافة، لبنان.
156 ـ وقعة الجمل: ضامن بن شدقم عليّ بن الحسيني، (المتوفى قرن 11)، نشر محمّد، ايران، قم، الأولى 1420ق.
157 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
158 ـ وقعة الطفّ: لوط بن يحيى أبو مخنف الكوفي، (المتوفى 158ق)، 1 مجلد، جامعة المدرسين ايران، قم، الثالثة 1417ق.
159 ـ يتيمة الدهر: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، 5 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.
160 ـ ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، (المتوفى 1294ق)، 3 مجلد، تحقيق: سيد على جمال اشرف الحسينى، دار الاسوة للطباعة والنشر، الأولى 1416ق.