ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 12 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ وَعِزُّ كُلِ ذَلِيلٍ وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ وَلا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ وَلا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ وَلا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ وَلا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ وَلا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ وَلا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ وَلا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ أَنْتَ الْأَبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلا مَحِيصَ عَنْكَ وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاّ إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَمَا أَصْغَرَ (عظمه) كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآْخِرَةِ.
منها:
مِنْ مَلَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلابَ وَلَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ وَلَمْ
يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَلَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ وَاسْتِجْمَاع أَهْوَائِهِمْ فِيكَ وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ.
سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَمَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً مَشْرَباً وَمَطْعَماً وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً وَقُصُوراً وَأَنْهَاراً وَزُرُوعاً وَثِمَاراً ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا وَلا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَلا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَوَلَّهِتْ عَلَيْهَا نَفْسَهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لا يَنْزَجِرُ مِنَ اللّهِ بِزَاجِرٍ وَلا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ ـ حَيْثُ لا إِقَالَةَ وَلا رَجْعَةَ ـ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وَقَدِمُوا مِنَ الآْخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ ـ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ ـ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ
يَنْعَمُونَ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونَ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهِ وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لا يُسْعِدُ بَاكِياً وَلا يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَحَطٍّ فِي الْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا وَأَرَجَّ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَهَا وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفْرِيقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُ مِنْ مُسَاءَلَتِهِمْ عَنْ (خَفَايَا) الْأَعْمَالِ وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤلاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هَؤلاءِ فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لا يَظْعَنُ النُّزَّالُ وَلا يَتَغَيَّرُ لَهُمُ الْحَالُ وَلا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ وَلا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ وَلا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ وَلَهَبٌ سَاطِعٌ
وَقَصِيفٌ هَائِلٌ لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلا يُفَادَى أَسِيرُهَا وَلا تُفْصَمُ كُبُولُهَا لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى وَلا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى منها: في ذكر النبي صلى اللّه عليه واله:
قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَّرَهَا وَأَهْوَنَ بِهَا (أهونها) وَهَوَّنَهَا وَعَلِمَ أَنَّ اللّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَامًا بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ وَمَحَطُّ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفُ الْمَلَئِكَةِ وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ وَيَنَابِيعُ الْحُكْمِ نَاصِرُنَا وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ وَعَدُوُّنَا وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ.
قال ابن أبي الحديد: من أراد أن يتعلم الفصاحة والبلاغة ويعرف فضل الكلام بعضه على بعض فليتأمل هذه الخطبة فإن نسبتها إلى كل فصيح من الكلام عدا كلام اللّه ورسوله نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء والجلالة والرواء والديباجة وما تحدثه من الروعة والرهبة والمخافة والخشية حتى لو تليت على زنديق ملحد مصمم على اعتقاد نفي البعث والنشور لهدت قواه وأرعبت قلبه وأضعفت على نفسه وزلزلت اعتقاده فجزى اللّه قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليا من أوليائه فما أبلغ نصرته له تارة بيده وسيفه وتارة بلسانه ونطقه وتارة بقلبه وفكره إن قيل جهاد وحرب فهو سيد المجاهدين والمحاربين وإن قيل وعظ وتذكير فهو أبلغ الواعظين والمذكرين
وإن قيل فقه وتفسير فهو رئيس الفقهاء والمفسرين وإن قيل عدل وتوحيد فهو إمام أهل العدل والموحدين
ليس على اللّه بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد(1)
وخشوع كلّ شيء له بمعنى كونه تحت إرادته كالسجود له، قال تعالى: «وَللّهِِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآْصالِ»(2).
وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً للّهِِ وَهُمْ داخِرُونَ * وَللّهِِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ»(3).
قال تعالى: «أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ...»(4).
وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ...»(5).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِي الْحَمِيدُ»(6).
وقال تعالى: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَللّهِِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى»(2).
وقال تعالى: «إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً * فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ...»(3).
قال تعالى: «أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للّهِِ جَمِيعاً»(4).
وقال تعالى: «وَللّهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ»(5).
قال تعالى: «أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى»(6).
روي أنّ الحسن عليهالسلام قال: وا عجبا لنبيّ اللّه لوط إذ قال: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ»(7)أ تراه أراد ركنا أشدّ من اللّه تعالى(8).
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام رَحِمَ اللّهُ لُوطاً لَوْ يَدْرِي مَنْ مَعَهُ فِي الْحُجْرَةِ لَعَلِمَ أَنَّهُ مَنْصُورٌ حَيْثُ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» أَيُّ رُكْنٍ أَشَدُّ مِنْ جَبْرَئِيلَ مَعَهُ فِي الْحُجْرَة(9)
قال تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ...»(1).
وقال تعالى: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ»(2).
والى هذا المعني اشار سيد الساجدين وزين العابدين في دعاء أبي حمزة الثمالي حيث قال عليهالسلام : وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِي (للراجين خ ل) بِمَوْضِعِ إِجَابَةِ وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ عِوَضاً مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ(3)
وفي دعاء آخر: يَا عُدَّتِي فِي كُرْبَتِي وَيَا صَاحِبِي فِي شِدَّتِي، الدعاء(4)وفي موضع آخر: هَذَا مَقَامُ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ هَذَا مَقَامُ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ هَذَا مَقَامُ الْمَحْزُونِ الْمَكْرُوبِ هَذَا مَقَامُ الْمَحْزُونِ الْمَغْمُومِ الْمَهْمُومِ هَذَا مَقَامَ الْغَرِيبِ الْغَرِيقِ هَذَا مَقَامُ الْمُسْتَوْحِشِ الْفَرِقِ هَذَا مَقَامُ مَنْ لا يَجِدُ لِذَنْبِهِ غَافِراً غَيْرَكَ وَلا لِضَعْفِهِ مُقَوِّيا إِلاّ أَنْتَ وَلا لِهَمِّهِ مُفَرِّجاً سِوَاك، الدعاء(5).
وقد قال امير المؤنين عليهالسلام في مناجاته المنظومة المنسوبة إليه:
لَكَ الْحَمْدُ يَا ذَا الْجُودِ وَالْمَجْدِ وَالْعُلَى *** تَبَارَكْتَ تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ وَتَمْنَعُ
إِلَهِي وَخَلاّقِي وَحِرْزِي وَمَوْئِلِي*** إِلَيْكَ لَدَى الاْءِعْسَارِ وَالْيُسْرِ أَفْزَعُ
إِلَهِي لَئِنْ جَلَّتْ وَجَمَّتْ خَطِيئَتِي*** فَعَفْوُكَ عَنْ ذَنْبِي أَجَلُّ وَأَوْسَعُ
إِلَهِي تَرَى حَالِي وَفَقْرِي وَفَاقَتِي*** وَأَنْتَ مُنَاجَاتِي الْخَفِيَّةَ تَسْمَعُ
إِلَهِي فَلا تَقْطَعْ رَجَائِي وَلا تُزِغْ *** فُؤادِي فَلِي فِي سَيْبِ جُودِكَ مَطْمَعُ
إِلَهِي لَئِنْ خَيَّبْتَنِي أَوْ طَرَدْتَنِي*** فَمَنْ ذَا الَّذِي أَرْجُو وَمَنْ ذَا أُشَفِّعُ
إِلَهِي أَجِرْنِي مِنْ عَذَابِكَ إِنَّنِي*** أَسِيرٌ ذَلِيلٌ خَائِفٌ لَكَ أَخْضَعُ
إِلَهِي أَذِقْنِي طَعْمَ عَفْوِكَ يَوْمَ لا *** بَنُونَ وَلا مَالٌ هُنَالِكَ يَنْفَع(1)
قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ عليهالسلام : يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ دُلَّنِي عَلَى اللّهِ مَا هُوَ فَقَدْ أَكْثَرَ عَلَيَّ الْمُجَادِلُونَ وَحَيَّرُونِي، فَقَالَ عليهالسلام لَهُ: يَا عَبْدَ اللّهِ هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لا سَفِينَةَ تُنْجِيكَ وَلا سِبَاحَةَ تُغْنِيكَ قَالَ نَعَمْ؟ قَالَ: فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَالِكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللّهُ الْقَادِرُ عَلَى الاْءِنْجَاءِ حَيْثُ لا مُنْجِيَ وَعَلَى الاْءِغَاثَةِ حَيْثُ لا مُغِيث(2).
قال تعالى: «إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاه...»(3).
ويشهد لجميع الفقرات قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»(4).
قال تعالى: «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ
وَسارِبٌ بِالنَّهارِ»(1).
وقال تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُم...»(2).
وقال تعالى: «وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى»(3).
قال تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(4).
وقال الشاعر:
إنّ الّذي شقّ فمي ضامن *** للرّزق حتّى يتوفّاني(5)
قال تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(6).
الكاف مفعول (لم تر).
كما ترى الجسمانيّات.
بكيفيّة أو كميّة.
يعني أنّ شهادة العقول بكونك قبل الخلق دالّة على أنّ المخبر عنك إنّما هو القلوب الشاهدة للغيوب لا العيون القاصرة عن رؤة أمر محجوب.
قال تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاْءِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»(1).
قال تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(2).
قال تعالى: «وَإِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ»(3).
وقال تعالى: «أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا...»(4).
أي لا يخرج من تحت يدك.
قال تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ»(1).
وقال تعالى: «فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ»(2).
وقال تعالى: «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(3).
قال تعالى: «وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئاً...»(4)
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(5).
قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها...»(6).
وقال تعالى: «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ»(7).
المراد: أمره القدريّ لا التكليفي.
قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(1).
قال تعالى: «وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ»(3).
وقال تعالى: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً...(4)».
وقال تعالى: «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً...»(5).
وقال تعالى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(6).
والمراد: أمره التشريعي، ولذا لم يقل عنه مع تقدّم قوله: ولا يردّ أمرك، قال تعالى: «وَإِذا مَسَّ الاْءِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ
مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ...»(7).
وقال تعالى: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ»(8).
عَنْ سَعْدٍ الْخَفَّافِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام لِرَجُلٍ: إِنْ كُنْتَ لا تُطِيعُ خَالِقَكَ فَلا تَأْكُلْ رِزْقَهُ، وَإِنْ كُنْتَ وَالَيْتَ عَدُوَّهُ فَاخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَانِعٍ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَاطْلُبْ رَبّاً سِوَاهُ(1).
قال تعالى: «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ»(2).
قال تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ»(3).
وقال تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعال»(4)وغيرهما من الآيات. و امّا الآيات الدالة علي كونه عالما بالاسرار فقد مضت.
ثم اعلم انّ بين السرّ والغيب فرق وهو انّ السّر يقال للعلم المكتوم في الضمير، و الغيب يقال لما هو خارج عن كونه معلوما وبعبارة اخري السّر من مصاديق المعلوم والغيب لا يكون منها ألا ترى انك اذا علمت شيئا وكتمته عن غيرك يقال له السّر واذا لم تعلم شيئا اصلاً يقال له الغيب فالغيب عبارة عما هو خارج عن قوّة الادراك، والسّر لما هو داخل فيها، ولاجل هذه الدقيقة لا يكون الشيئ غائباً عن علمه ويكون من سرّه فالغيب بالنسبة إليه لا معني له والسّر ثابت له اذ كثير من
العلوم تختص به تعالى وليس لاحدٍ إليها من سبيل ويعبّر عنها بالأسرار الإلهيّة فكل ما يعلمه اللّه تعالى ولم يعلمه غيره من مخلوقه فهو سرّ وليس من الغيب بشيئ فاذا اطلق عليه لفظ الغيب فهو بمعني السّر وانّما يقال له غيب بالنسبة الينا لا بالنسبة إليه تعالى كقوله تعالى: لا يعلم الغيب الاّ هو، أي لا يعلم السّر إلاّ هو وامّا
بالنسبة الينا فصحّ عنه التعبير بالغيب لكونه غائباً عن حواسنا ومشاعرنا فالعلم بالمغيبات حاصل لغيره باذنه والعلم بالاسرار يختص به وحاصل الكلام هو انّ الاشياء لكونها مخلوقة له تعالى فهي حاضرة لديه من اولها إلى آخرها فلا غيب بالنسبة إلى علمه تعالى وانما هو بالنسبة الينا ومعني عالم الغيب هو انّه تعالى عالم
بما تسمونه غيباً لغيبه عن حواسكم وان شئت قلت: السّر عبارة عن العلم الذي لم يخرج عن مقام ذاته والغيب ما هو خارج عنه الاّ انه سيوجد في المستقبل والاول مختص به تعالى والثاني اعلمه غيره ممن له قابليّة واستعداد وهذا معني قولنا إنّ الانبياء والأوصياء والصّلحاء يعلمون الغيب فمن نفي علم الغيب عنهم بقوله تعالى: لا يعلم الغيب الاّ هو لم يفرق بين الغيب المصطلح والغيب بمعني السّر و إلى هذا المعني اشار عليهالسلام بقوله انّ للّه تعالى علم مخزون وعلم غير مخزون والاول لا يعلمه الاّ هو والثاني علّمه انبيائه ورسله علي نبينا وآله وعليهم السلام.
أي: وجودك أبديّ.
أي: لا نهاية.
كما للخلق حتى السماء والأرض والشمس والقمر، وقال ابن أبي الحديد: «أنت الأبد فلا أمد لك» هذا الكلام علويّ شريف لا يفهمه إلاّ الرّاسخون في العلم، وفيه شمّة من قول النبيّ صلىاللهعليهوآله: «لا تسبّوا الدهر فإنّ الدّهر هو اللّه»(1)وفي مناجاة الحكماء لمحة منه أيضا وهو قولهم: أنت الأزل السرمد، وأنت الأبد الّذي لا ينفد(2).
وهو كما ترى، فإنّ الطبيعيّين ينسبون الخلق إلى الدّهر فيعبّرون عن اللّه تعالى بالدّهر، وأمّا الأبد فلم ينسب أحد إليه أفعال اللّه، والنهي عن سبّ الدّهر في الخبر
إنّما هو لكون النّاس إذا نزلت بهم حادثة ينسبونها إلى الدهر ويسبونه، مع أنّ المبدئ لكلّ أمر هو اللّه تعالى، والكلام الّذي نسبه إلى الحكماء لا يعرف حجّيته، مع أنّه لو كان مأخوذا من كلامه عليهالسلام فيه تجوز، والأصل إلى الأبد.
أي لا عدول.
قال تعالى: (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُم»(4).
أي في القيامة.
قال تعالى: «وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً»(1).
الأصل فيه قوله تعالى:... وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ...(2).
لأنّه في معنى كلامه عليهالسلام ، فكما لا ملجأ غيره كذلك لا منجي غيره.
قال تعالى: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»(3).
قال الشارح البحراني: وانما خصت النّاصية لحكم الوهم بأنّه تعالى في جهة فوق فيكون أخذه بالناصية، ولأنها أشرف ما في الدابة فسلطانه تعالى على الأشرف يستلزم القهر والغلبة وتمام القدرة(4).
وقال الخوئي: والأظهر أنّ تخصيصها من جهة جريان العادة بأنّ الممسك للدابة والمريد لتسخيرها إنّما يستمسك ويقبض ناصيتها بيدها، فأجرى كلامه تعالى وكلام وليّه عليهالسلام على ما هو المتعارف المعتاد.
أي: ذي روح أو ذي نفس، قال تعالى: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً...»(1).
وقال تعالى: «لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِير»(2).
وقال تعالى: «وَللّهِِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِير»(3).
من السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأنهار والوحوش والطيور.
قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»(4).
وقال تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ»(5).
وفي الخبر أنّ رجلا جاء إليه عليهالسلام فقال: أ يقدر اللّه أن يدخل الأرض في بيضة
ولا يصغّر الأرض ولا يكبّر البيضة فقال: ويلك إنّ اللّه لا يوصف بالعجز، و من أقدر ممّن يلطّف الأرض أو يعظّم البيضة(6).
قال تعالى: «لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون»(1).
وقال تعالى: «خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ...»(2).
وقال تعالى: «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى»(3).
قال تعالى: «... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»(4).
وقال تعالى: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للّهِِ...»(5).
وقال تعالى: «وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ»(6).
عن الصادق عليهالسلام : صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأن النبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه عزّ وجلّ فدهش فقال: «سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر»، فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة(7).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ مَا تَرَى عَالَمٌ مِنْهُمْ أَنَّ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ عَالَماً غَيْرَهُمْ وَأَنَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ(1).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ رَبُّ الْعالَمِينَ قَالَ إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ ثَلاثَمِائَةِ عَالَمٍ ـ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَالَماً خَلْفَ قَافٍ وَخَلْفَ الْبِحَارِ السَّبْعَةِ ـ لَمْ يَعْصُوا اللّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ ـ وَلَمْ يَعْرِفُوا آدَمَ وَلا وُلْدَهُ ـ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ يَزِيدُ عَلَى ثَلاثِمِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ مِثْلِ آدَمَ وَمَا وَلَدَ ـ فَذَلِكَ قَوْلُهُ «إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِين(2)(3)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام عَنِ الْخَلْقِ فَقَالَ خَلَقَ اللّهُ أَلْفاً وَمِائَتَيْنِ فِي الْبَرِّ وَأَلْفاً وَمِائَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ وَأَجْنَاسُ بَنِي آدَمَ سَبْعُونَ جِنْساً وَالنَّاسُ وُلْدُ آدَمَ مَا خَلا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ(4)،(5).
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام لَيْلَةً وَأَنَا عِنْدَهُ وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ هَذِهِ قُبَّةُ أَبِينَا آدَمَ عليهالسلام وَإِنَّ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ سِوَاهَا تِسْعاً وَثَلاثِينَ قُبَّةً فِيهَا
1) . الخصال: 639/2، ح14؛ بحار الأنوار: 41/27، ح1.
2) .التكوير: 29.
3) . تفسير القمي: 409/2؛ بحار الأنوار: 322/54، ح4.
4) . سند الخبر ضعيف ويدلّ على أن يأجوج ومأجوج ليسوا من ولد آدم عليهالسلام وروى الصدوق بإسناده عن عبد العظيم الحسنى عن عليّ بن محمّد العسكريّ أن جميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من ولد يافث علل الشرايع: 32/1، ح1 والحديث كبير وهذا الخبر عندي أقوى سندا من خبر المتن فيمكن حمله على أن المراد أنّهم ليسوا من الناس وان كان من ولد آدم. مرآة العقول: 145/26.
5) .الكافي: 220/8، ح274؛ بحار الأنوار: 54/ 335، ح20.
خَلْقٌ مَا عَصَوُا اللّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ(1).
وعَنْ عَجْلانَ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذِهِ قُبَّةُ آدَمَ عليهالسلام قَالَ نَعَمْ وَللّهِِ قِبَابٌ كَثِيرَةٌ أَلا إِنَّ خَلْفَ مَغْرِبِكُمْ هَذَا تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ مَغْرِباً أَرْضاً بَيْضَاءَ مَمْلُوَّةً خَلْقاً يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ لَمْ يَعْصُوا اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا يَدْرُونَ خُلِقَ آدَمُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ يَبْرَءُونَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ(2).
أي ما أكمل.
قال تعالى: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً...»(3).
قال تعالى: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(4).
و في الخبر: في الجنّة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا على خاطر خطر(5).
وان نعمة أدنى أهل الجنّة سبعون ضعفا لنعم الدّنيا جميعا(6).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ شَوِّقْنِي فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ مِنْ أَدْنَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ مِنْ مَسَافَةِ الدُّنْيَا ـ وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً ـ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الثَّقَلَيْنِ الْجِنُّ وَالاْءِنْسُ ـ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَشَرَاباً ـ وَلا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْءٌ ـ وَإِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلاثُ حَدَائِقَ ـ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ ـ وَالْخَدَمِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَثْمَارِ مَا شَاءَ اللّهُ ـ مِمَّا يَمْلأُ عَيْنَهُ قُرَّةً وَقَلْبَهُ مَسَرَّةً ـ فَإِذَا شَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ قِيلَ لَهُ ـ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ ـ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي الْأُخْرَى ـ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ اللّهُ تَعَالَى إِنْ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا ـ فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا شَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ ـ قَالَ فَيُقَالُ افْتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَنَّةِ وَيُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ـ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخُلْدِ ـ وَيَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ ـ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لا يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَنَجَّيْتَنِي مِنَ النِّيرَانِ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَبَكَيْتُ ـ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي ـ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً ـ فِي حَافَتِهِ جَوَارٍ نَابِتَاتٌ ـ إِذَا مَرَّ الْمُؤمِنُ بِجَارِيَةٍ أَعْجَبَتْهُ قَلَعَهَا ـ وَأَنْبَتَ اللّهُ مَكَانَهَا أُخْرَى ـ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي ـ قَالَ الْمُؤمِنُ يُزَوَّجُ ثَمَانَمِائَةِ عَذْرَاءَ ـ وَأَرْبَعَةَ آلافِ ثَيِّبٍ وَزَوْجَتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ـ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ ثَمَانُمِائَةِ عَذْرَاءَ قَالَ: نَعَمْ ـ مَا يَفْرِشُ [يَفْتَرِشُ يَفْتَرِسُ(1). فِيهِنَّ شَيْئاً ـ إِلاّ وَجَدَهَا كَذَلِكَ ـ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خُلِقْنَ الْحُورُ الْعِينُ؟ قَالَ: مِنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ النُّورَانِيَّةِ ـ وَيُرَى مُخُّ سَاقَيْهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً ـ كَبِدُهَا مِرْآتُهُ وَكَبِدُهُ مِرْآتُهَا، قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ لَهُنَّ كَلامٌ يُكَلِّمْنَ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ قَالَ نَعَمْ كَلامٌ يَتَكَلَّمْنَ بِهِ
1) .لَعَلَّهُ تَصْحِيفُ تفرس مِنْ «تفرست فِيهِ خَيْراً».
لَمْ يَسْمَعِ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِ، قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ يَقُلْنَ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلا نَمُوتُ ـ وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نَبْأَسُ ـ وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلا نَظْعَنُ ـ وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلا نَسْخَطُ طُوبَى لِمَنْ خُلِقَ لَنَا ـ وَطُوبَى لِمَنْ خُلِقْنَا لَهُ ـ نَحْنُ اللَّوَاتِي لَوْ أَنَ قَرْنَ إِحْدَانَا عُلِّقَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ ـ لَأَغْشَى نُورُهُ الْأَبْصَار(1).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله وَلَيْسَ مِنْ مُؤمِنٍ إِلاّ وَفِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْهَا لا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ شَهْوَةُ شَيْءٍ إِلاّ أَتَاهُ بِهِ ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّ رَاكِباً مُجِدّاً سَارَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَوْ طَارَ مِنْ أَسْفَلِهَا غُرَابٌ مَا بَلَغَ أَعْلاهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرِماً(2)أَلا فَفِي هَذَا فَارْغَبُوا(3).
وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ أَعْلاهَا الْحُلَلُ وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ عَتَاقٌ مُسْرَجَةٌ مُلْجَمَةٌ ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ لا تَرُوثُ وَلا تَبُولُ فَيَرْكَبُهَا أَوْلِيَاءُ اللّهِ فَتَطِيرُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ يَا رَبَّنَا مَا بَلَغَ بِعِبَادِكَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ فَيَقُولُ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَلا يَنَامُونَ وَيَصُومُونَ النَّهَارَ وَلا يَأْكُلُونَ وَيُجَاهِدُونَ الْعَدُوَّ وَلا يَجْبُنُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا يَبْخَلُونَ(4).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام في قال اللّه تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها
غُرَفٌ(1)سَأَلَ عَلِيٌّ عليهالسلام رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ فَقَالَ: لِمَا ذَا بُنِيَتْ هَذِهِ الْغُرَفُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ تِلْكَ غُرَفٌ بَنَاهَا اللّهُ لِأَوْلِيَائِهِ ـ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ـ سُقُوفُهَا الذَّهَبُ مَحْبُوكَةً بِالْفِضَّةِ ـ لِكُلِّ غُرْفَةٍ مِنْهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ ـ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ ـ وَفِيهَا فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ـ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ـ وَحَشْوُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ وَالْكَافُورُ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمُؤمِنُ إِلَى مَنَازِلِهِ فِي الْجَنَّةِ وُضِعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْمُلْكِ وَالْكَرَامَةِ ـ وَأُلْبِسَ حُلَلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْيَاقُوتِ وَالدُّرِّ ـ مَنْظُوماً فِي الاْءِكْلِيلِ تَحْتَ التَّاجِ ـ وَأُلْبِسَ سَبْعِينَ حُلَّةً بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ـ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤلُؤ وَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ ـ وَذَلِكَ قَوْلُهُ «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤلُؤً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ»(2)، فَإِذَا جَلَسَ الْمُؤمِنُ عَلَى سَرِيرِهِ اهْتَزَّ سَرِيرُهُ فَرَحاً ـ فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ لِوَلِيِّ اللّهِ مَنَازِلُهُ فِي الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِجِنَانِهِ ـ لِيُهَنِّيَهُ بِكَرَامَةِ اللّهِ إِيَّاهُ ـ فَيَقُولُ لَهُ خُدَّامُ الْمُؤمِنِ وَوُصَفَاؤهُ مَكَانَكَ ـ فَإِنَّ وَلِيَّ اللّهِ قَدِ اتَّكَأَ عَلَى أَرَائِكِهِ ـ وَزَوْجَتُهُ الْحَوْرَاءُ الْعَيْنَاءُ قَدْ هُيِّئَتْ لَهُ ـ فَاصْبِرْ لِوَلِيِّ اللّهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ شُغُلِه الحديث(3).
وعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ عَرْضُ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً(4).
وعَنْ سُهَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى خَلَقَ فِي الْجَنَّةِ عَمُوداً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ غُرْفَةٍ خَلَقَهَا اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُتَحَابِّينَ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي اللّهِ الْخَبَرَ(1).
مِنْ مَلَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ
رواه القمّي هكذا: «و ملائكة خلقتهم، وأسكنتهم سماواتك، فليس فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا فيهم معصية. هم أعلم خلقك بك، وأخوف خلقك منك، وأقرب خلقك إليك، وأعملهم بطاعتك. لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان. لم يسكنوا الأصلاب، ولم تتضمّنهم الأرحام، ولم تخلقهم من ماء مهين، أنشأتهم إنشاء، فأسكنتهم سماواتك، وأكرمتهم بجوارك، وائتمنتهم على وحيك، وجنّبتهم الآفات، ووقيتهم البليّات، وطهّرتهم من الذّنوب، و لولا قوّتك لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رحمتك لم يطيعوا، ولولا أنت لم يكونوا. أما إنّهم على مكانتهم منك، وطواعيتهم إيّاك، ومنزلتهم عندك، وقلّة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا ما خفي عنهم منك، لاحتقروا أعمالهم، ولأزروا على أنفسهم»(2).
كلامه عليهالسلام هذا دالّ على أنّ الأصل في مسكن الملائكة السماوات، وأنّهم إنّما ينزلون إلى الأرض، ويمكن أن يراد قسم خاص منهم، حيث قال: من ملائكة، ولعلّه ذكر قبله قسم خاص لم ينقله المصنّف.
حيث يشاهدون ملكوت السماوات، وأنّه ليس حاكم فيهم غيره تعالى، فيكونون أعلم به تعالى من البشر، ولمّا كانوا أعلم كانوا أخوف... إِنَّما يَخْشَى اللّهَ
مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ...(1).
قال الطبرسي أى ليس يخاف اللّه حقّ خوفه ولا يحذر معاصيه خوفا من نقمته إلاّ العلماء الذين يعرفونه حقّ معرفته وإنما خصّ العلماء بالخشية لأنّ العالم أحذر
لعقاب اللّه من الجاهل، حيث يختصّ بمعرفة التوحيد والعدل ويصدّق بالبعث والحساب والجنّة والنّار(2).
حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ صَالِحٍ الْهَرَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليهالسلام عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَا خَلَقَ اللّهُ خَلْقاً أَفْضَلَ مِنِّي وَلا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنِّي قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَأَنْتَ أَفْضَلُ أَمْ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ عليهالسلام : يَا عَلِيُّ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ عَلَى مَلائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ وَفَضَّلَنِي عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْفَضْلُ بَعْدِي لَكَ يَا عَلِيُّ وَلِلأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِك...(3)
حيث لا يعصونه أبداً.
أصلاب آباء.
أرحام امّهات.
و هو المني، كبني آدم، قال تعالى:... وَبَدَأَ خَلْقَ الاْءِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ(1).
ومهين فعيل من «مهن» أي: ضعف.
أي: لم يفرّقهم.
أي صرف.
قال الفرّاء: تكون المنون واحدة وجمعا(2).
والأصل في المنون الضعف، ويقال لكلّ من الدّهر والمنيّة: المنون لأنّهما يضعفان ويقطعان المدد وينقصان العدد، قال الأعشي:
أ أن رأت رجلا أعشى أضرّ به *** ريب المنون ودهر مبتل خبل(1)
وقال آخر:
كأن لم يغن يوما في رخاء *** إذا ما المرء منّته المنون(2)
(فريب المنون) في الأوّل بمعنى حوادث الدّهر، و(منّته المنون) في الثاني بمعنى قطعته المنيّة، ومراده عليهالسلام أنّهم ليسوا كالبشر الّذين يتشعّبهم حوادث الدّهر، واخترام المنايا.
و ممّن تشعّبهم ريب المنون حتّى ضرب بهم المثل ولد سبأ، فقالوا تشبيها بهم: تفرقوا أيادي سبأ.
و قالوا: نزل حسّان بن عمرو الحميريّ جبلا باليمن يقال له: شعب. ثمّ تشعب ولده، فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم: شعبيون ـ ومنهم الشعبي المعروف ـ ومن صار منهم إلى الشام يقال لهم: الشعبانيون، ومن صار منهم إلى اليمن يقال لهم: آل ذي شعبين، ومن صار منهم بالمغرب ومصر يقال لهم: الأشعوب(3).
بالقرب المعنوي.
بالدرجة الرفيعة.
و في عبادتك وطاعتك، وليسوا كالبشر الّذين «زيّن لهم حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ»(1).
حتّى لم يكن لهم شغل غير عبادته.
قال تعالى: «فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُون»(2).
قال تعالى: «لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ»(3).
وفي دعاء الصّحيفة العلويّة السجّادية على صاحبها آلاف الصّلاة والسّلام والتحيّة في الصّلاة على حملة العرش: اللّهمّ وحملة عرشك الذي لا يفترون من تسبيحك ولا يسأمون من تقديسك ولا يستحسرون عن عبادتك ولا يؤرون التقصير على الجدّ في امرك ولا يغفلون عن الوله اليك(4).
و كيف لا يخفى عليهم، وهو الّذي لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ولو جيء بمثله مددا.
في جنب عظمته.
أي عتبوا وعابوا، قال:
نبّئت نعما على الهجران زارية *** سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري(1)
وأيضا:
وإنّي على ليلى لزار وإنّني *** على ذاك في ما بيننا مستديمها(2)
في تقصيرهم في حقّك.
كما لم يعرفوه حقّ معرفته، وكذلك الأنبياء والأوصياء كانوا معترفين بذلك.
قال ابن أبي الحديد: لينظر النّاظر إلى ما عليها من البهاء والجلالة والرواء والديباجة، وما يحدثه من الروعة والرهبة والمخافة والخشية حتّى لو تليت على زنديق ملحد مصمّم على اعتقاد نفي البعث والنّشور لهدّت قواه ورعّبت قلبه وأصعقت على نفسه، فجزى اللّه قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليّا من أوليائه، في ما بلغ نصرته له تارة بيده وسيفه، وتارة بلسانه ونطقه، وتارة بقلبه
وفكره، إن قيل جهاد وحرب هو سيّد المجاهدين والمحاربين، وإن قيل وعظ وتذكير فهو أبلغ الواعظين والمذكّرين، وان قيل فقه وتفسير، فهو رئيس الفقهاء والمفسّرين، وان قيل عدل وتوحيد، فهو إمام العدل والموحّدين، وليس منه تعالى بمستنكر أن يجمع العالم في واحد(1).
سبحانك خالقا ومعبودا
الظاهر أنّ «خالقا ومعبودا» تميّزان، أي: أنت خالق ومعبود، منزّه عن النقص.
أي: دار الآخرة التي قال فيها: وَإِنَّ الدَّارَ الآْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ...(2).
وخلقة تلك، كانت بلاء حسنا منه تعالى عند خلقه فقوله: «بحسن» متعلّق بقوله «خلقت».
أدب من باب ضرب: صنع صنعا دعا الناس إليه، واسم الصّنع المأدبة (بضمّ الدّال وفتحها)(3).
أي: تلك المأدبة مشتملة على الأقسام الثمانية الّتي لوازم كمال كلّ مأدبة، أمّا مشربها فقد قال تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُورا»(4).
وقال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها
عِبادُ اللّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً»(1).
واما مطعمها فقد قال عزّ وجلّ: «وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ»(2).
وقال تعالى: «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ»(3).
وقال تعالى: «وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ»(4).
وأمّا أزواجها فقد قال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ»(5).
وقال تعالى: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ»(6).
وقال تعالى: «وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ»(7).
وأمّا خدمها فقد قال تعالى: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤلُؤ مَكْنُونٌ»(8).
وأمّا قصورها فعن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: (إنّ في الجنّة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من امّتي من أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والنّاس نيام، فقيل: ومن يطيق ذلك قال: من قال إذا أصبح
وأمسى: (سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر) عشر مرات، فقد أطاب الكلام، أمّا اطعام الطعام فنفقة الرّجل على عياله، وأمّا الصلاة بالليل والنّاس نيام، فمن صلّى المغرب والعشاء الآخرة، وصلّى الغداة في المسجد في جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه، وإفشاء السلام، ألاّ تبخل بالسّلام على أحد من المسلمين(1).
وامّا أنهارها فقد قال تعالى: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى...»(2).
وأمّا زروعها وثمارها فقد قال تعالى: «وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ...»(3).
وقال تعالى: «وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ»(4)
ص: 49 ـ 51.
.وقال تعالى: «وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُون»(5).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيراً»(6).
وقال تعالى: «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِم»(7).
قال تعالى: «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً»(1).
قال تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(2).
قال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ»(3)فلم يتنافسوا، قال تعالى: «بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ
أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ»(4).
والكلام تحسّر منه عليهالسلام على النّاس كتحسّر اللّه تعالى عليهم في قوله تعالى: «يا
حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤنَ»(5)وكتحسّر نوح عليهالسلام
في قوله: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً»(6).
قالوا: الدّنيا جيفة وطالبها كلاب.
قال عليهالسلام :
وَمَا هِيَ إِلاّ جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ *** عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْماً لِأَهْلِهَا *** وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلابُهَا(1)
أي: تصالحوا، وإنّما اصطلحوا على حبّها حيث إنّها معشوقة جميعهم، ولذا يبغضون أهل الآخرة حيث أنّهم أعداء محبوبهم ولذا يريدون أهل الدّنيا، ولو كانوا مزاحميهم في كثير من امورهم، ويعادون أهل الآخرة ولو لم يزاحموهم في شيء من امورهم.
أي: أضعفه، قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا(2)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 207/7.
و في (الأساس): اشتقاق العشق من العشقة، وهي اللّبلاب لأنّه يلتوي على الشّجر ويلزمه(3).
عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنِ الْعِشْقِ؟ قَالَ عليهالسلام : قُلُوبٌ خَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ حُبَّ غَيْرِهِ(4).
هذا وقال بشّار: (و الأذن تعشق قبل العين أحيانا)(5).
وعن امير المؤنين عليهالسلام : عين المحبّ عمية عن معايب المحبوب وأذنه صمّاء عن قبح مساوئه(1).
وعن رسولُ اللّه صلىاللهعليهوآله: يَقولُ اللّه عزَّ وجلَّ: إذا كانَ الغالِبُ عَلَى العَبدِ الاشتِغالَ بي جَعَلتُ بُغيَتَهُ ولَذَّتَهُ في ذِكري، فإذا جَعَلتُ بُغيَتَهُ ولَذَّتَهُ في ذِكري عَشِقَني وعَشِقتُهُ، فإذا عَشِقَني وعَشِقتُهُ رَفَعتُ الحِجابَ فيما بَيني وبَينَهُ(2).
مرض القلب فوق مرض الجوارح، قال تعالى في المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً...(3).
قال تعالى: «... لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ»(4).
و سئل أحمد بن يحيى عن حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلىاللهعليهوآله: «حبّك الشيء يعمي ويصمّ» فقال: يعمي العين عن النظر إلى مساويه ويصمّ الآذان عن استماع العذل فيه، وأنشأ يقول:
وكذّبت طرفي فيك والطرف صادق *** واسمعت أذني منك ما ليس تسمع(5)
يجوز في (خرقت) التّخفيف والتّشديد يقال: (خرقت الثّوب وخرّقته).
قال تعالى: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ»(1).
(ولهت) من باب علم، والوله: ذهاب العقل والتحيّر من شدّة الوجد. قال الحصين بن المنذر: وددت أنّ لي مثل احد ذهبا لا أنتفع منه بشيء قيل: فما فائدتك منه قال لكثرة من يخدمني عليه لأنّ المال مخدوم(2).
قال ابن أبي الحديد: نظر إليه الشاعر فقال:
ما النّاس إلاّ مع الدّنيا وصاحبها *** فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدّنيا فإن وثبت *** يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا(3)
قال تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَر»(4).
وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ»(1).
قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُم...»(2).
وقال تعالى: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤمِنُونَ خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ»(3).
قال تعالى: «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ»(4).
وقال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ»(5).
وقال تعالى: «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»(6).
وقال تعالى: «وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ»(7).
قال تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(1).
من غمرات الموت، قال تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ...»(2).
قال تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِين»(3).
«تعزي عالم احدا من الملوك لموت ابنه» فقال: مات إبنك وهو فرعك، ومات أبوك وهو أصلك، ومات أخوك وهو وصلك، فما ذا ترتقب بعد فناء الأصل والفرع والوصل(4).
في (تاريخ بغداد): (لمّا استتمّ للمعتصم غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا وعلّق له خمسون ألف مخلاة على فرس وبرذون وبغل، وذلّل العدوّ بكلّ النواحي، أتته المنيّة على غفلة، فقيل: إنّه يقول في حمّاه التي مات فيها «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ»(5)،(6).
قال تعالى: «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ»(1).
وقال تعالى: «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(2).
وفي سنة (282) ذبح أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بدمشق وكان بنى في سفح الجبل أسفل من دير مروان قصرا، وكان يشرب فيه في تلك الليلة، وعنده طغج، وكان الّذي تولّى ذلك خادما من خدمهم، وأتى بهم على أميال، فقتلوا وصلبوا، ومنهم من رمى بالنشّاب، ومنهم من شرح لحم من أفخاذه وعجيزته، وأكله السّودان من ممالك أبي الجيش. وحمل أبو الجيش في تابوت إلى مصر، وورد الخبر بذلك إلى مصر، فأخرج من التابوت، وجعل على السّرير على باب مصر، وخرج ولده الأمير جيش وساير الأمراء والأولياء، فتقدّم القاضي ابن عبدة المعروف بالعبداني وصلّى عليه. وحكى أبو بشر الدّولابي عن أبي عبداللّه البخاري ـ وكان شيعيّا من أهل العراق، وكان يقرأ في دور آل طولون ومقابرهم ـ انّه كان بات في تلك الليلة ممّن يقرأ عند القبر، وقدّم أبو الجيش ليدلّى في القبر،
ونحن نقرأ سورة الدخان، فأحدر من السرير، ودلّي في القبر، وانتهينا من السورة في هذا الوقت إلى قوله عزّ وجلّ: «خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ»(3)فخفضنا أصواتنا وأذعرنا حياء ممّن حضر(4).
تَفَانَوْا جَمِيعاً فَمَا مُخْتَبَرٌ *** فَمَاتُوا جَمِيعاً وَمَاتَ الْخَبَرُ
تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرَى *** فَتَمْحُو مَحَاسِنُ تِلْكَ الصُّوَرِ
فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا *** أَ مَا لَكَ فِيمَا تَرَى مُعْتَبَرٌ(1)
روى أنّ في التوراة: (مثل الموت كمثل شجرة شوك أدرجت في بدن ابن آدم، فتعلّقت كلّ شوكة بعرق وعصب، ثمّ جذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع، وبقي ما بقي(2).
قال الغزالي: واعلم أنّ شدّة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فانما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها، بيان ذلك القياس
أنّ كلّ عضولا روح فيه فلا يحسّ بالألم، فاذا كان فيه فالمدرك للألم هو الرّوح فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسرى إلى الروح يتألّم، والمؤم يتفرّق على اللّحم والدم وساير الأجزاء فلا يصيب الرّوح إلاّ بعض الألم، فان كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره، فما اعظم ذلك الألم وما أشدّ، والنزع عبارة عن مؤم نزل بنفس الرّوح، فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء المنتشر في أعماق البدن إلاّ وقد حلّ به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذى يجده إنّما يجرى في جزء من الرّوح يلاقي ذلك الموضوع الذي أصابته الشوكة، وإنما يعظم أثر الاحتراق لأنّ أجزاء النار تغوص في ساير أجزاء البدن، فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا وباطنا إلاّ و تصيبه
النّار، فتحسر الأجزاء الرّوحانية المنتشرة في ساير أجزاء اللحم، وأمّا الجراحة فانّما تصيب الموضوع الذي مسّه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار فألم النزع يهجم على نفس الرّوح ويستغرق جميع أجزائه، فانّه المنزوع المجذوب من كلّ عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كلّ شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم حتّى قالوا إنّ الموت لأشد من ضرب بالسّيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض، لأنّ قطع البدن بالسيف إنما يولمه لتعلّقه بالرّوح فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح، وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوّته في قلبه وفي لسانه، وإنّما انقطع صوت الميّت وصياحه مع شدّة ألمه لأنّ الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ كلّ موضع منه، فهدّ كلّ قوّة وضعف كلّ جارحة، فلم يترك له قوّة الاستغاثة(1).
قالوا: كان هشام بن عبد الملك كساء ظهره وثياب مهنته لا يحملها إلاّ سبعمائة بعير من أجلد ما يكون من الإبل، وكان مع ذلك يتقلّلها، فمات والوليد غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل الخزائن فلم يجدوا لهشام ما يكفّنونه، فلم يدفن إلاّ بعد ثلاثة أيّام
كان الوليد قد قدم(2).
ولو كانت أطرافهم قبل في غاية القوّة، قال ابن أبي داود: كان المعتصم يخرج ساعده إليّ ويقول: عضّ ساعدي بأكثر قوّتك فأقول: ما تطيب نفسي لذلك، فيقول:
إنّه لا يضرّني فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فضلا عن الأسنان وانصرف يوما من دار المأمون إلى داره، ـ وكان شارع الميدان منتظما بالخيم فيها الجند ـ فمرّ بامرأة تبكي وتقول: ابني ابني وإذا بعض الجند قد أخذ ابنها، فأمره المعتصم أن يردّ ابنها عليها، فأبى فقبض عليه بيده فسمع صوت عظامه، ثمّ أطلقه من يده فسقط، وأمر بإخراج الصبيّ إلى امّه(1).
و لمّا خرج الرشيد إلى طوس في سنة (193) مرض بها مرضا شديدا فجمع له الأطباء يعالجونه، فقال:
إنّ الطبيب بطبّه ودوائه *** لا يستطيع دفاع محذور جرى
ما للطبيب يموت بالدّاء الذي *** قد كان يشفي مثله فيما مضى
فلمّا اشتدّ به الوجع قال للفضل بن الرّبيع: يا عبّاسي ما يقول النّاس قال: يقولون: إنّ شانئ الخليفة قد مات، فأمر أن يسرج له حمار ليركبه، ويخرج فاسرج له وحمل حتّى وضع على السّرج استرخت فخذاه، ولم يستطع الثبوت فقال: أرى النّاس قد صدقوا، ثمّ توفّي(2).
(و لوج) مصدر ولج يلج أي: دخل. قال سيبويه: جاء المصدر فعولا مع أنّ فعولا من مصادر غير المتعدّي، لأنّه على معنى ولجت فيه(3).
عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال: الحياة والموت خلقان من خلق اللّه فاذا جاء
الموت فدخل في الانسان لم يدخل في شيء إلاّ وخرج منه الحياة(1).
فانّ ظاهر هذه الرواية مفيدة لكون الولوج في كلامه مستعملا في معناه الحقيقي اللهمّ إلاّ أن يرتكب المجاز في ظاهره فافهم.
لسقوط قوّة المنطق قبل السّامعة والباصرة.
انّ رجلا قال للصادق عليهالسلام : انّي خرجت إلى مكّة مع رجل، فمرض في الطريق
شديدا فكنت أقوم عليه، ثمّ أفاق حتّى لم يكن عندي به بأس، فمات، فقال عليهالسلام : ما من ميّت يحضره الوفاة إلاّ ردّ اللّه تعالى عليه من سمعه وبصره وعقله للوصيّة، أخذ
الوصيّة أو تركها وهي الرّاحة التّي يقال لها راحة الموت، وهي حقّ على كلّ مسلم(2).
لمّا اشتدّت علّة معاوية وأيس من برئه أنشأ يقول:
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة *** ولم أك في اللّذّات أعشى النّواظر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة *** من الدّهر حتّى زار أهل المقابر(3)
الأصل فيه غضّ البصر، كأنّه لم ير الحرام.
(المصرّح) غير المشتبه من (يوم مصرّح) ليس فيه غيم أو من (تصريح الخمر) بأن يذهب عنها الزّبد. روي أنّ في القيامة يكون جمع لهم أعمال كالجبال، فتصير هباء منثورا لعدم تورّعهم في الدّنيا عن المحرّمات(1).
في النبوى المعروف قال عليهالسلام إنما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم(2).
قيل لرجل: إنّ فلانا مات، وترك عشرة آلاف، فقال: أمّا العشرة آلاف فلا تتركه.
ذكروا ان عمرو بن العاص دخل عليه ابنه في احتضاره فقال له: خذ ذلك الصندوق وهو مملوّ مالا، وليته كان مملوّا بعرا(3).
حيث أتاه من غير تعب في تحصيله.
و العبء ـ بالكسر ـ الحمل الثقيل.
قال النبي صلىاللهعليهوآله: إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتُ فِي نَعْشِهِ رَفْرَفَتْ رُوحُهُ فَوْقَ نَعْشِهِ تُنَادِي يَا أَهْلِي وَيَا وُلْدِي لا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا لَعِبَتْ بِي مَالٌ جَمَعْتُهُ مِنْ حِلِّهِ وَمِنْ غَيْرِ حِلِّهِ وَخَلَّفْتُهُ لَكُمْ فَالْمَهْنَأُ لَكُمْ وَالتَّبِعَةُ عَلَيَّ فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا قَدْ نَزَلَ بِي(1).
و نعم ما قيل:
يمرّ أقاربي جنبات قبرى *** كأنّ أقاربي لم يعرفوني
وذو الميراث يقتسمون مالي *** وما يألون أن جحدوا ديوني
وقد أخذوا سهامهم وعاشوا *** فياللّه أسرع ما نسوني(2)
لمّا حضرت الوفاة معاوية بن يزيد بن معاوية اجتمعت إليه بنو اميّة فقالوا له: اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: واللّه ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلّد وزرها وتتحلّون أنتم حلاوتها، واتعجّل أنا مرارتها اللّهمّ إنّي بريء منها(3).
غلق الرّهن: استحقّه المرتهن إذا لم يفتك في الوقت المشروط، والمراد أنّه كما لو رهن الإنسان علق مضنّة بمال في مدّة ولم يسع في تلك المدّة لتحصيل مال يفكّه به يعلق ذاك العلق، كذلك هذا الإنسان الّذي رهن نفسه النفيسة بالواجبات التي عليه، ولم يفكّها بأداء تلك الواجبات في مدّة حياته في الدّنيا، يصير كذلك، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(1).
اصحر بالأمر وأصحره: أظهره(2).
مقتضى كلامه عليهالسلام كون الإصحار بمعنى الظّهور، لا الإظهار، قال تعالى : «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي...»(3).
قال في التفسير أى يعضّ على يديه ندما وأسفا، قال عطا: يأكل يديه حتى تذهب إلى المرفقين ثمّ تنبتان لا يزال هكذا كلّما نبتت يداه أكلهما ندامة على ما فعل(4)، هذا فغضّ اليد في الآية مستعمل على التّفسير المذكور في معناه الحقيقي، وفي كلامه عليهالسلام كناية عن النّدم والتّحسّر على ما فرّط في جنب اللّه وقصر في امتثال أمر مولاه قال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِين، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِين(1).
وقال تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها»(2).
لمّا اشتدّ وجع عبد الملك تمثّل ببيت اميّة بن أبي الصّلت:
ليتني كنت قبل ما بدا لي *** في قلال الجبال أرعى الوعولا
فلم يمس يومه ذلك حتى قضى(3).
قال تعالى: «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ»(4).
ليس في (ابن أبي الحديد وابن ميثم)(5)كلمة «لسانه» ولا مناسبة لها أيضا، فإنّ اللّسان لا يخالط السمع بل الموت يخالطه.
سقطت قوّة ناطقته وقوّة سامعته وبقيت قوّة باصرته.
الطرف: العين ولا يجمع لأنّه في الأصل مصدر فيكون واحدا ويكون جماعة، قال تعالى: «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...»(1)
ابراهيم: 43.
،(2).أي: حاصل مرادهم.
أي: لصوقا به.
قال ابن عباس: دخلت على عمرو بن العاص في احتضاره فقلت له: إنّك كنت تقول: «اشتهي أن أرى عاقلا يموت حتّى أسأله كيف يجد»، فكيف تجد قال: أجد السّماء كأنّها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنّي أتنفّس من خرت أبرة ـ يعني ثقبها(3).
قال ابن ميثم: نبّه عليهالسلام على انّ البصر يبطل بعد السمع، كالسمع بعد النطق لعلمه بأسرار الطبيعة، والذي يلوح من أسبابه أنّه لمّا كان السبب العامّ القريب للموت هو
انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصليّة التي منها خلقنا وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل، كان كلّ عضو أيبس في طبيعته وأبرد، أسرع إلى البطلان، وأسبق إلى الفساد فنقول: أمّا أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع، فلأنّ آلة النّطق مبنيّة على الأعصاب المحرّكة ومركّبة منها، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ، واتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس وأبرد لكونها منبعثة من مؤّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ، فإنّ جلّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكانت لذلك أقرب إلى البطلان، وأمّا بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة فكانت أيبس و أبرد، وأقبل لانطفاء القوّة الغريزية(1).
الإنسان أوّله نطفة، وآخره جيفة.
لكونهم من أهل الدّنيا، والميّت من أهل الآخرة، وأنت يوم ترحل عنهم كضيف بتّ فيهم.
ذكر المدائني انّ الحجّاج لم يكن يظهر لندمائه بشاشة إلاّ في يوم دخلت عليه
1) . شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 65/3.
ليلى الأخيليّة، فقال لها: بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن حمير، وعدلت عنه، فو اللّه ما وفّيت له، ولو كان هو بمكانك وأنت بمكانه ما عدا عنك، قالت: لي عذر قال: وما هو قالت: «سمعته وهو يقول:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت *** عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا *** إليها صدى من جانب القبر صائح
وكان معي نسوة قد سمعن قوله، فكرهت أن أكذّبه، فاستحسن الحجّاج قولها.
وذكر حماد الرّواية غير هذا الوجه، وهو أنّ زوج ليلى حلف عليها ـ وقد أجاز بقبر توبة ليلى ـ أن تنزل وتأتي وتسلّم عليه وتكذّبه في قوله ذاك البيت، فأبت أن تفعل فأقسم عليها زوجها، فنزلت حتّى جاءت إلى القبر ودموعها على صدرها، فقالت: السلام عليك يا توبة، فلم تستتمّ النداء حتى انفرج القبر عن طائر كالحمامة البيضاء فضربت صدرها فوقعت ميتة، فأخذوا في جهازها وكفنها، ودفنت إلى جانب قبره(1).
بقدر قامته، قال الشاعر: (و كأنّني بك راكبا أجيادهم بدل الجياد(2))، الأجياد جمع الجيد: العنق، والجياد جمع الجواد: الفرس، روى «محط» بالحاء المهملة، والخاء المعجمة، والأوّل أحسن فيكون في معنى الحفرة، و نكّره لأنّه لا تدري نفس بأيّ أرض تموت، وأيّ موضع يدفن.
قال مطرود الخزاعي في ولد عبد مناف:
قبر بردمان، وقبر بسلمان، وقبر عند غزّات *** وميّت مات قريبا من الحجون عن شرق البنيّات
قال البلاذري: أما الّذي بردمان ـ ناحية اليمن ـ المطّلب والّذي بسلمان نوفل والّذي بغزّة هاشم، والّذي مات بمكّة ودفن بقرب الحجون عبد شمس(1).
وقال أبو صالح صاحب التفسير: ما رأينا بني أمّ قطّ أبعد قبورا من بني العباس لأمّ الفضل، مات الفضل بالشام، وعبداللّه بالطائف، وعبيد اللّه بالمدينة، وقثم بسمرقند، ومعبد بافريقية(2).
فالأقرباء إنّما صحابتهم إلى إنزاله في حفرته، وأمّا الّذي يكون معه أبدا فهو عمله، إن خيرا فخير، وان شرّا فشرّ، وحينئذ فكأنّ الأقرباء بعد إنزاله أسلموه بيد العمل.
انّ عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدّنيا والرّاكنين إليها والمغترّين بها إنما هى امور ثلاثة احدها حبّ المال والثاني حبّ الوجود والثالث حبّ الأولاد والبنين والأزواج والأقربين، فزهّد عليهالسلام عن كلّ ذلك بأحكم بيان وأوضح برهان.
أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه وينتقل عنه ويكون لذّته ومهنائه لغيره ويبقى وزره وتبعته عليه.
و أمّا عن وجوده ونفسه فبأنّه سينمحى أعضاؤ وجوارحه ويبطل قواه وآلاته و يكون بالآخرة جيفة منبوذة بين أهله.
و أما عن الأولاد والابناء والاخوان والأقرباء فبأنهم سيفارقونه ويتنفّرون عنه و يستوحشون منه، فمن كان مآل ما أحبّه ذلك فكيف يغترّ بذلك مع علمه بأنّ كلّ ذلك واقع لا محالة واعتقاده بأنّ الموت لا يمكن الفرار منه البتة.
قال عليّ بن الحسين عليهالسلام : عجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من
يموت كلّ يوم وليلة، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الاولى(1)وقال اللّه سبحانه: «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»(2).
روى الأعمش عن خثيمة قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبيّنا وآله وعليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر الىّ كأنه يريدني، قال عليهالسلام : فما ذا تريد؟ قال: اريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتّى تحملني إلى أقصى الهند، ففعلت الرّيح ذلك ثمّ قال سليمان عليهالسلام لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا: رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائى، قال: نعم كنت أتعجّب منه، لأنى كنت أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة قريبة وكانت عندك فتعجّبت من ذلك(3).
وفي الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن عمرو بن عثمان عن مفضل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أخبرني جبرئيل أنّ ملكا من ملائكة اللّه كانت له عند اللّه منزلة عظيمة فتعتّب عليه فأهبطه من السماء إلى
الأرض، فأتى ادريس عليهالسلام فقال: إنّ لك من اللّه منزلة فاشفع لى عند ربك، فصلّى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيّامها لا يفطر، ثمّ طلب الى اللّه في السحر في الملك، فقال الملك: إنك قد اعطيت سؤك وقد اطلق لى جناحى وأنا احبّ أن اكافيك فاطلب إلىّ حاجة قال: ترينى ملك الموت لعلّي آنس به فانه ليس يهنئني مع ذكره شيء، فبسط جناحه ثمّ قال: اركب، فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدّنيا، فقيل له: اصعد، فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة فقال الملك: يا ملك الموت مالى أراك قاطبا؟ قال: العجب انى تحت ظلّ العرش حيث امرت أن أقبض روح آدمى بين السماء الرابعة والخامسة، فسمع إدريس عليهالسلام بها فامتعض فخرّ من جناح الملك فقبض روحه مكانه، وقال اللّه عزّ وجلّ: ورفعناه مكانا عليّا(1)،(2)ونعم ما قيل:
انّ الحبيب من الاحباب مختلس *** لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس
فكيف تفرح بالدّنيا ولذّتها *** يا من يعدّ عليه اللّفظ والنّفس
أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا *** وأنت دهرك في اللّذات منغمس
لا يرحم الموت ذا جهل لغرّته *** ولا الذى كان منه العلم يقتبس
كم أخرس الموت في قبر وقفت به *** عن الجواب لسانا ما به خرس
قد كان قصرك معمورا به شرف *** فقبرك اليوم في الأجداث مندرس(3)
لمّا مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عليهالسلام على قبره فسطاطا إلى سنة، فلمّا كان رأس السنة، قالت لموإليها: قوّضوا هذا الفسطاط في اللّيل، فلّما أظلم اللّيل سمعت قائلا يقول: هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا(1).
ايقاظ: في ذكر بعض ما ورد في وصف الموت وحالات الميّت
قال الغزالي: روى عن مكحول عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنه قال: لو أنّ شعرة من شعر الميت وضعت على أهل السّماوات والأرض لماتوا باذن اللّه، لأنّ في كلّ شعرة الموت ولا يقع الموت بشيء إلاّ لمات، قال: ويروى لو أنّ قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدّنيا كلها لذابت، قال: وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وأنّ مفاصله يسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقنى وافارقك الى يوم القيامة(2).
وعن جابر قال قال عليّ بن الحسين عليهماالسلام ما ندرى كيف نصنع بالناس، إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ضحكوا، و إن سكتنا لم يسعنا، قال: فقال ضمرة بن معبد: حدّثنا فقال: هل تدرون ما يقول عدوّ اللّه إذا حمل على سريره؟ قال: فقلنا: لا، قال عليهالسلام : فانه يقول لحملته ألا تستمعون إني أشكو إليكم عدوّ اللّه خدعنى وأوردنى ثمّ لم يصدرني، وأشكو اليكم اخوانا واخيتهم فخذلونى، وأشكو اليكم أولادا حاميت عليهم فخذلونى «فأسلموني خ» وأشكو اليكم دارا أنفقت فيها
حريبتى(1)فصار سكّانها غيرى، فارفقوا بى ولا تستعجلوني قال: فقال ضمرة يا أبا الحسن إن كان هذا يتكلّم بهذا الكلام يوشك أن يثب(2)على أعناق الذين يحملونه؟ قال: فقال عليّ بن الحسين عليهماالسلام: اللهمّ إن كان ضمرة هزاء من حديث رسولك فخذه أخذة أسف(3).قال: فمكث أربعين يوما ثمّ مات، فحضره مولى له قال: فلما دفن أتى عليّ بن الحسين عليهماالسلام فجلس إليه فقال له: من أين جئت يا فلان؟ قال: من جنازة ضمرة فوضعت وجهى عليه حين سوى عليه فسمعت صوته واللّه أعرفه كما كنت أعرفه وهو حىّ يقول: ويلك يا ضمرة بن معبد اليوم خذلك كلّ خليل، وصار مصيرك إلى الجحيم، فيها مسكنك ومبيتك والمقيل قال: فقال عليّ ابن الحسين عليهماالسلام: أسأل اللّه العافية هذا جزاء من يهزء من حديث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله(4).
وعن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال: سألته عن قوله اللّه عز وجلّ: «وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ»(5).قال: فانّ ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت قال: هل من طبيب إنه الفراق أيقن بمفارقة الأحبّة قال، «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ»(6)التفّت الدّنيا بالآخرة، ثمّ «إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ»(7)قال: المصير إلى ربّ العالمين(8).
وعن عبداللّه بن سليم العامري عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّ عيسى بن مريم جاء
إلى قبر يحيى بن زكريّا عليهالسلام وكان سأل ربّه أن يحييه له، فدعا فأجابه وخرج إليه من القبر، فقال له ما تريد منّى؟ فقال له: اريد أن تونسنى كما كنت في الدّنيا، فقال له يا عيسى ما سكنت عنّى حرارة الموت وأنت تريد أن تعيدنى إلى الدّنيا وتعود علىّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره(1).
وعن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي أيّوب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال: إنّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين، وكانت العبادة في اولاد ملوك بني إسرائيل وأنهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا، فمرّوا بقبر على ظهر الطّريق قد سفى عليه السّافي(2)ليس منه إلاّ اسمه، فقالوا: لودعونا اللّه السّاعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فساءلناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا اللّه وكان دعائهم الذى دعوا اللّه به: أنت إلهنا يا ربّنا ليس لنا إله غيرك والبدىء الدّايم غير الغافل الحىّ الذي لا يموت، لك في كلّ يوم شأن، تعلم كلّ شيء بغير تعليم، انشر لنا هذا الميت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللّحية ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره إلى السماء، فقال له: ما يوقفكم على قبرى؟
فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت فقال لهم: قد سكنت في قبرى تسعة وتسعون «تسعين خ ل» سنة ما ذهب عنّى ألم الموت وكربه، ولا خرج مرارة طعم الموت من حلقي فقال له: متّ يوم متّ وأنت على ما نرى أبيض الرّأس واللّحية؟ قال: لا ولكن لما سمعت الصيحة اخرج اجتمعت تربة عظامى إلى روحى
وبقيت فيه فخرجت فزعا شاخصا بصرى مهطعا(1)إلى صوت الدّاعى فابيضّ لذلك رأسي ولحيتي(2).
و في عقايد الصّدوق رحمهالله قال: قيل لأمير المؤنين عليهالسلام : صف لنا الموت، فقال عليهالسلام : على الخبير سقطتم هو أحد امور ثلاثة يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد وإما تخويف وتهويل وأمر مبهم لا يدرى من أىّ الفرق هو، أمّا وليّنا والمطيع لأمرنا فهو المبشّر بنعيم الأبد، وأما عدوّنا والمخالف لأمرنا فهو المبشّر بعذاب الأبد.
و أما المبهم أمره الذي لا يدرى ما حاله فهو المؤن المسرف على نفسه لا يدرى ما يؤ إليه حاله، يأتيه الخبر مبهما مخوفا ثمّ لن يشوبه اللّه عزّ وجلّ بأعدائنا ولكن يخرجه من النّار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا ولا تتّكلوا ولا تستصغروا عقوبة اللّه، فانّ من المسرفين من لا يلحقه شفاعتنا إلاّ بعد عذاب اللّه
بثلاثمأة ألف سنة قال: وسئل عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ما الموت الذي جهلوه؟
فقال: أعظم سرور يرد على المؤنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا من جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد(3).
قال: وقيل لعليّ بن الحسين عليهالسلام : ما الموت؟ قال: للمؤن كنزع ثياب وسخة قملة أو فكّ قيود وأغلال ثقيلة والاستبدال بأفخر الثّياب وأطيبها روايح وأوطى
المراكب وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة والنقل عن منازل أنيسة والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها وأوحش المنازل وأعظم العذاب(1).
قال: وقيل للصادق عليهالسلام : صف لنا الموت، فقال: هو للمؤن كأطيب ريح يشمّه فينفس لطيبه فيقطع التعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الأفاعى ولذع العقارب وأشدّ، قيل له: فانّ قوما يقولون هو أشدّ من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالحجارة وتدوير قطب الارحية(2)في الأحداق، فقال: هو كذلك على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون من يعاين تلك الشدائد، فذلكم الذي هو أشد من هذا وهو أشدّ من عذاب الدّنيا، قيل: فما لنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفى وهو يتحدّث ويضحك ويتكلّم، وفي المؤنين من يكون أيضا كذلك، وفي المؤنين والكافرين من يقاسى عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال عليهالسلام : ما كان راحة للمؤن فهو من عاجل ثوابه، وما كان من شدّة فهو تمحيصه من ذنوبه ليرد إلى الآخرة تقيا طاهرا نظيفا مستحقا لثواب اللّه ليس له مانع دونه، وما كان هناك من سهولة على الكافرين فليستوفي أجر حسناته في الدّنيا ليرد إلى الآخرة وليس له إلاّ ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدّة على الكافرين هناك فهو ابتداء عقاب اللّه تعالى عند نفاد حسناته، ذلك بأنّ اللّه عزّ وجلّ عدل لا يجور(3).
و روى عن الصّادق عليهالسلام قال: جاء رجل إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله و سلّم فقال: يا رسول اللّه ما بالى لا أحبّ الموت؟ فقال صلىاللهعليهوآله: ألك مال؟ قال: نعم، قال صلىاللهعليهوآله: قدمته أمامك قال:
لا، قال صلىاللهعليهوآله: فمن ثمّ لا تحبّ الموت.
وقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : ذِكْرُ الْمَوْتِ يُمِيتُ الشَّهَوَاتِ فِي النَّفْسِ وَيَقْطَعُ مَنَابِتَ الْغَفْلَةِ وَيُقَوِّي الْقَلْبَ بِمَوَاعِدِ اللّهِ تَعَالَى وَيُرِقُّ الطَّبْعَ وَيَكْسِرُ أَعْلامَ الْهَوَى وَيُطْفِئُ نَارَ الْحِرْصِ وَيُحَقِّرُ الدُّنْيَا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله فِكْرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ مَا تَحُلُّ أَطْنَابَ خِيَامِ الدُّنْيَا وَتَشُدُّهَا بِالآْخِرَةِ وَلا يَسْكُنُ نُزُولُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَمَنْ لا يَعْتَبِرُ بِالْمَوْتِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ وَطُولِ مُقَامِهِ فِي الْقَبْرِ وَتَحَيُّرِهِ فِي الْقِيَامَةِ فَلا خَيْرَ فِيهِ قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله اذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ
قِيلَ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ صلىاللهعليهوآله: الْمَوْتُ فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي سَعَةٍ إِلاّ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَلا فِي شِدَّةٍ إِلاّ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَالْمَوْتُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآْخِرَةِ وَآخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا فَطُوبَى لِمَنْ أُكْرِمَ عِنْدَ النُّزُولِ بِأَوَّلِهَا وَطُوبَى لِمَنْ أُحْسِنَ مُشَايَعَتُهُ فِي آخِرِهَا وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَهُوَ يَعُدُّهُ أَبْعَدَ فَمَا أَجْرَأَ الاْءِنْسَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا أَضْعَفَهُ مِنْ خَلْقٍ وَفِي الْمَوْتِ نَجَاةُ الْمُخْلِصِينَ وَهَلاكُ الْمُجْرِمِينَ وَلِذَلِكَ اشْتَاقَ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْمَوْتِ وَكَرِهَ مَنْ كَرِهَ قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله
مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَه(1).
وعَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآلهِ وَآلِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالُوا:
وَمَا نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ فَلا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاّ وَأَجَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلِيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْقَبْرَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآْخِرَةَ فَلْيَدَعْ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(2).
وقَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ وَيَوْمِ خُرُوجِكُمْ مِنَ الْقُبُورِ وَقِيَامِكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ تُهَوَّنْ عَلَيْكُمُ الْمَصَائِبُ(1).
وعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : كَمْ مِنْ غَافِلٍ يَنْسِجُ ثَوْباً لِيَلْبَسَهُ وَإِنَّمَا هُوَ كَفَنُهُ وَيَبْنِي بَيْتاً لِيَسْكُنَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ(2).
قال: وجاء رجل إلى أبي ذر رحمه اللّه وقال ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمّرتم الدّنيا وخرّبتم الآخرة فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب، وقيل له كيف ترى قدومنا على اللّه تعالى؟ فقال: أما المحسن فكالغائب يقدم على اهله، وأما المسىء فكالآبق يقدم على مولاه وهو منه خائف، قيل: وكيف ترى حالنا عند اللّه؟ قال: اعرضوا أعمالكم على كتاب اللّه تعالى حيث يقول: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(3)قال رجل «الرجل ظ» فأين رحمة اللّه؟ قال: «إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»(4)،(5).
أحببت أن أورد هنا الرّواية المتضمّنة لتكلّم الميّت مع سلمان الفارسي رضىاللهعنه وما أخبره به من حالات سكرات الموت وما بعدها من الشدائد والدّواهى لأنّ فيها تنبيها للغافلين وتذكرة للجاهلين.
روى غير واحد من أصحابنا أنار اللّه برهانهم عن أبي الفضل سديد الملّة
والدّين شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب القمّي عن أبي الحسن بن عليّ بن محمّد المهدي بِالاْءِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللّهُ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدَائِنِ فِي زَمَانِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وَلاّهُ الْمَدَائِنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَامَ إِلَى أَنْ وُلِّيَ الْأَمْرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام قَالَ الْأَصْبَغُ: فَأَتَيْتُهُ يَوْماً زَائِراً وَقَدْ مَرِضَ مَرَضَهَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ حَتَّى اشْتَدَّ بِهِ وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ يَا أَصْبَغُ عَهْدِي بِرَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَقَدْ أَرْدَفَنِي يَوْماً وَرَاءَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ لِي يَا سَلْمَانُ سَيُكَلِّمُكَ مَيِّتٌ إِذَا دَنَتْ وَفَاتُكَ وَقَدِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَدْرِي وَفَاتِي دَنَتْ أَمْ لا فَقَالَ الْأَصْبَغُ مَا ذَا تَأْمُرُنِي بِهِ يَا سَلْمَانُ قَالَ لَهُ يَا أَخِي تَخْرُجُ وَتَأْتِينِي بِسَرِيرٍ وَتَفْرُشُ عَلَيْهِ مَا يُفْرَشُ لِلْمَوْتَى ثُمَّ تَحْمِلُنِي بَيْنَ أَرْبَعَةٍ فَتَأْتُونَ بِي إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ الْأَصْبَغُ حُبّاً وَكَرَامَةً قَالَ فَخَرَجْتُ مُسْرِعاً وَغِبْتُ سَاعَةً وَأَتَيْتُهُ بِسَرِيرٍ وَفَرَشْتُ عَلَيْهِ مَا يُفْرَشُ لِلْمَوْتَى ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِقَوْمٍ حَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوْا بِهِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَلَمَّا وَضَعُوهُ فِيهَا قَالَ لَهُمْ يَا قَوْمِ اسْتَقْبِلُوا بِوَجْهِي الْقِبْلَةَ فَلَمَّا اسْتُقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ نَادَى بِعُلُوِّ صَوْتِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ عَرْصَةِ الْبِلادِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحْتَجَبِينَ مِنَ الدُّنْيَا قَالَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَنَادَى ثَانِيَةً السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مَنْ جُعِلَتِ الْمَنَايَا لَهُمْ غِذَاءً السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مَنْ جُعِلَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ غِطَاءً السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مَنْ لَقُوا أَعْمَالَهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا مُنْتَظِرِينَ النَّفْخَةَ الْأُولَى سَأَلْتُكُمْ بِاللّهِ الْعَظِيمِ وَالنَّبِيِّ الْكَرِيمِ إِلاّ أَجَابَنِي مِنْكُمْ مُجِيبٌ فَأَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَإِنَّهُ صلىاللهعليهوآله قَالَ لِي: يَا سَلْمَانُ إِذَا دَنَتْ وَفَاتُكَ سَيُكَلِّمُكَ مَيِّتٌ وَقَدِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَدْرِي دَنَتْ وَفَاتِي أَمْ لا فَلَمَّا سَكَتَ سَلْمَانُ مِنْ كَلامِهِ فَإِذَا هُوَ بِمَيِّتٍ قَدْ نَطَقَ مِنْ قَبْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ
اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أَهْلَ الْبِنَاءِ وَالْفَنَاءِ الْمُشْتَغِلُونَ بِعَرْصَةِ الدُّنْيَا هَا نَحْنُ لِكَلامِكَ مُسْتَمِعُونَ وَلِجَوَابِكَ مُسْرِعُونَ فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ يَرْحَمُكَ اللّهُ تَعَالَى قَالَ سَلْمَانُ أَيُّهَا النَّاطِقُ بَعْدَ الْمَوْتِ الْمُتَكَلِّمُ بَعْدَ حَسْرَةِ الْفَوْتِ أَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْتَ بِعَفْوِهِ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِعَدْلِهِ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ أَنَا مِمَّنْ أَنْعَمَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ وَكَرَمِهِ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ بِرَحْمَتِهِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ الآْنَ يَا عَبْدَ اللّهِ صِفْ لِيَ الْمَوْتَ كَيْفَ وَجَدْتَهُ وَمَا ذَا لَقِيتَ مِنْهُ وَمَا رَأَيْتَ وَمَا عَايَنْتَ قَالَ مَهْلاً يَا سَلْمَانُ فَوَ اللّهِ إِنَّ قَرْضاً بِالْمَقَارِيضِ وَنَشْراً بِالْمَنَاشِيرِ لَأَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ غُصَصِ الْمَوْتِ وَلَسَبْعُونَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ نَزْعَةٍ مِنْ نَزَعَاتِ الْمَوْتِ فَقَالَ سَلْمَانُ مَا كَانَ حَالُكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَالَ اعْلَمْ أَنِّي كُنْتُ فِي دَارِ الدُّنْيَا مِمَّنْ أَلْهَمَنِيَ اللّهُ تَعَالَى الْخَيْرَ وَكُنْتُ أَعْمَلُ بِهِ وَأُؤدِّي فَرَائِضَهُ وَأَتْلُو كِتَابَهُ وَأَحْرِصُ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَأَنْزِعُ عَنِ الْمَظَالِمِ وَأَكُدُّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فِي طَلَبِ الْحَلالِ خَوْفاً مِنْ وَقْفَةِ السُّؤالِ فَبَيْنَا أَنَا فِي أَلَذِّ الْعَيْشِ وَغِبْطَةٍ وَفَرَحٍ وَسُرُورٍ إِذْ مَرِضْتُ وَبَقِيتُ فِي مَرَضِي أَيَّاماً حَتَّى انْقَضَتْ مِنَ الدُّنْيَا مُدَّتِي وَقَرُبَ مَوْتِي فَأَتَانِي عِنْدَ ذَلِكَ شَخْصٌ عَظِيمُ الْخِلْقَةِ فَظِيعُ الْمَنْظَرِ فَوَقَفَ(1)مُقَابِلَ وَجْهِي لا إِلَى السَّمَاءِ صَاعِداً وَلا إِلَى الْأَرْضِ نَازِلاً فَأَشَارَ إِلَى بَصَرِي فَأَعْمَاهُ وَإِلَى سَمْعِي فَأَصَمَّهُ وَإِلَى لِسَانِي فَأَخْرَسَهُ فَصِرْتُ لا أُبْصِرُ وَلا أَسْمَعُ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكَى أَهْلِي
1) .لعلّ هذا الرجل قد كان عليه من الذنوب ما أراد اللّه تمحيصها عنه عند الموت ولذا رأى ملك الموت على تلك الصورة كما ترى انّه ما ذكر حضور الوصى عليهالسلام عند موته وقد قامت به الضرورة وفى الأمالي من صام أربعة وعشرين يوما من رجب فاذا نزل به ملك الموت ترائى له في صورة شاب عليه حلة من ديباج اخضر على فرس من افراس الجنان وبيده حرير اخضر ممثلا بالمسك الاذفر وبيده قدح من ذهب مملو من شراب الجنان فسقاه إيّاه عند خروج نفسه يهون عليه سكرات الموت الخبر. نفس الرحمن.
وَأَعْوَانِي وَظَهَرَ خَبَرِي إِلَى إِخْوَانِي وَجِيرَانِي فَقُلْتُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا الَّذِي أَشْغَلْتَنِي مِنْ مَالِي وَأَهْلِي وَوُلْدِي فَقَالَ أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ أَتَيْتُكَ لِأَنْقُلَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الآْخِرَةِ فَقَدِ انْقَطَعَتْ مُدَّتُكَ وَجَاءَتْ مَنِيَّتُكَ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ يُخَاطِبُنِي إِذْ أَتَاهُ شَخْصَانِ وَهُمَا أَحْسَنُ خَلْقِ اللّهِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُمَا فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآْخَرُ عَنْ شِمَالِي فَقَالا لِي السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ قَدْ جِئْنَاكَ بِكِتَابِكَ فَخُذْهُ الآْنَ وَانْظُرْ مَا فِيهِ فَقُلْتُ لَهُمْ أَيَّ كِتَابِ لِي أَقْرَؤهُ قَالا نَحْنُ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ كُنَّا مَعَكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا نَكْتُبُ مَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ فَهَذَا كِتَابُ عَمَلِكَ فَنَظَرْتُ فِي كِتَابِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ بِيَدِ الرَّقِيبِ فَسَرَّنِي مَا فِيهِ وَمَا رَأَيْتُ مِنَ الْخَيْرِ فَضَحِكْتُ عِنْدَ ذَلِكَ وَفَرِحْتُ فَرَحاً شَدِيداً وَنَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ السَّيِّئَاتِ وَهُوَ بِيَدِ الْعَتِيدِ فَسَاءَنِي بِمَا رَأَيْتُ وَأَبْكَانِي فَقَالا لِي أَبْشِرْ فَلَكَ الْخَيْرُ ثُمَّ دَنَا مِنِّي الشَّخْصُ الْأَوَّلُ فَجَذَبَ الرُّوحَ فَلَيْسَ مِنْ جَذْبَةٍ يَجَذْبِهُا إِلاّ وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ كُلِّ شِدَّةِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى صَارَتِ الرُّوحُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَشَارَ إِلَيَّ بِجَذْبَةٍ لَوْ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَذَابَتْ فَقَبَضَ رُوحِي مِنْ عِرْنِينِ أَنْفِي فَعلا مِنْ أَهْلِي عِنْدَ ذَلِكَ الصُّرَاخُ وَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَالُ وَيُفْعَلُ إِلاّ وَأَنَا بِهِ عَالِمٌ فَعَلا وَاشْتَدَّ صُرَاخُ الْقَوْمِ وَبُكَاؤهُمْ جَزَعاً عَلَيَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ مَلَكُ الْمَوْتِ بِغَيْظٍ وَقُنُوطٍ وَقَالَ مَعَاشِرَ الْقَوْمِ مِمَّ بُكَاؤكُمْ فَوَ اللّهِ مَا ظَلَمْنَاهُ فَتَشْكُوا وَلا اعْتَدَيْنَا عَلَيْهِ فَتَضِجُّوا وَتَبْكُوا وَلَكِنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَبِيدُ رَبٍّ وَاحِدٍ وَلَوْ أُمِرْتُمْ فِينَا كَمَا أُمِرْنَا فِيكُمْ لامْتَثَلْتُمْ فِينَا كَمَا امْتَثَلْنَا فِيكُمْ وَاللّهِ مَا أَخَذْنَاهُ حَتَّى فَنِيَ رِزْقُهُ وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُ وَصَارَ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَحْكُمُ فِيهِ كَمَا يَشَاءُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ صَبَرْتُمْ أُجِرْتُمْ وَإِنْ جَزِعْتُمْ أَثِمْتُمْ كَمْ لِي مِنْ رَجْعَةٍ إِلَيْكُمْ آخُذُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَالآْبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ ثُمَّ انْصَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَنِّي وَالرُّوحُ مَعَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَتَى
مَلَكٌ آخَرُ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَتَرَكَهَا فِي ثَوْبٍ أَخْضَرَ مِنْ حَرِيرٍ وَصَعِدَ بِهَا وَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ فِي أَقَلَّ مِنْ طَبَقَةِ جَفْنٍ عَلَى جَفْنٍ فَلَمَّا حَصَلَتِ الرُّوحُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَأَلَهَا عَنْ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَعَنِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ بَيْتِ اللّهِ الْحَرَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَيَّامِ وَطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ وَعَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَعَنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَعَنِ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَمَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ رُدَّتِ الرُّوحُ إِلَى الْأَرْضِ بِإِذْنِ اللّهِ تَعَالَى فَعِنْدَ ذَلِكَ أَتَانِي غَاسِلٌ فَجَرَّدَنِي مِنْ أَثْوَابِي وَأَخَذَ فِي تَغْسِيلِي فَنَادَتْهُ الرُّوحُ يَا عَبْدَ اللّهِ رِفْقاً بِالْبَدَنِ الضَّعِيفِ فَوَ اللّهِ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِرْقٍ إِلاّ انْقَطَعَ وَلا عُضْوٍ إِلاّ انْصَدَعَ فَوَ اللّهِ لَوْ سَمِعَ الْغَاسِلُ ذَلِكَ الْقَوْلَ لَمَا غَسَّلَ مَيِّتاً أَبَداً ثُمَّ إِنَّهُ أَجْرَى عَلَيَّ الْمَاءَ وَغَسَّلَنِي ثَلاثَةَ أَغْسَالٍ وَكَفَّنَنِي فِي ثَلاثِ أَثْوَابٍ وَحَنَّطَنِي فِي حَنُوطٍ وَهُوَ الزَّادُ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ إِلَى دَارِ الآْخِرَةِ ثُمَّ جَذَبَ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِيَ الْيُمْنَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغُسْلِ وَدَفَعَهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْ وُلْدِي وَقَالَ آجَرَكَ اللّهُ تَعَالَى فِي أَبِيكَ وَأَحْسَنَ لَكَ الْأَجْرَ وَالْعَزَاءَ ثُمَّ أَدْرَجَنِي فِي الْكَفَنِ وَلَفَّنِي وَنَادَى أَهْلِي وَجِيرَانِي وَقَالَ هَلُمُّوا إِلَيْهِ بِالْوَدَاعِ فَأَقْبَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ لِوَدَاعِي فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ وَدَاعِي حُمِلْتُ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَالرُّوحُ عِنْدَ ذَلِكَ بَيْنَ وَجْهِي وَكَفَنِي حَتَّى وُضِعْتُ لِلصَّلاةِ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الصَّلاةِ حُمِلْتُ إِلَى قَبْرِي وَدُلِّيتُ فِيهِ فَعَايَنْتُ هَوْلاً عَظِيماً يَا سَلْمَانُ يَا عَبْدَ اللّهِ اعْلَمْ أَنِّي لَمَّا وَقَعْتُ مِنْ سَرِيرِي إِلَى لَحْدِي تُخُيِّلَ لِي أَنِّي قَدْ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي لَحْدِي وَشُرِّجَ عَلَيَّ اللَّبِنُ وَحُثِيَ التُّرَابُ عَلَيَّ وَوَارَوْنِي فَعِنْدَ ذَلِكَ سُلِبْتُ الرُّوحَ مِنَ اللِّسَانِ وَانْقَلَبَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ فَلَمَّا نَادَى الْمُنَادِي بِالانْصِرَافِ أَخَذْتُ فِي النَّدَمِ وَبَكَيْتُ مِنَ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ وَضَغَطِهِ
وَقُلْتُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مِنَ الرَّاجِعِينَ لَعَمَلْتُ عَمَلاً صَالِحاً فَجَاوَبَنِي مُجِيبٌ مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ «كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(1)فَقُلْتُ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا الَّذِي تُكَلِّمُنِي وَتُحَدِّثُنِي فَقَالَ أَنَا مُنَبِّهٌ فَقُلْتُ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا مُنَبِّهُ قَالَ أَنَا مَلَكٌ وَكَّلَنِيَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ لِأُنَبِّهَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لِيَكْتُبُوا أَعْمَالَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ جَذَبَنِي وَأَجْلَسَنِي وَقَالَ لِي اكْتُبْ عَمَلَكَ فَقُلْتُ إِنِّي لا أُحْصِيهِ فَقَالَ لِي أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَبِّكُمْ أَحْصاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ ثُمَّ قَالَ لِي اكْتُبْ وَأَنَا أُمْلِي عَلَيْكَ فَقُلْتُ أَيْنَ الْبَيَاضُ فَجَذَبَ جَانِباً مِنْ كَفَنِي فَإِذَا هُوَ رَقٌّ فَقَالَ هَذِهِ صَحِيفَتُكَ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ الْقَلَمُ قَالَ سَبَّابَتُكَ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ الْمِدَادُ قَالَ رِيقُكَ ثُمَّ أَمْلَى عَلَيَّ مَا فَعَلْتُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَعْمَالِي صَغِيرَةٌ وَلا كَبِيرَةٌ ثَمَّ تَلا عَلَيَّ «لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»(2)ثُمَّ إِنَّهُ أَخَذَ الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمٍ وَطَوَّقَهُ فِي عُنُقِي فَخُيِّلَ لِي أَنَّ جِبَالَ الدُّنْيَا جَمِيعاً قَدْ طَوَّقُوهَا فِي عُنُقِي فَقُلْتُ لَهُ يَا مُنَبِّهُ وَلِمَ تَفْعَلُ بِي هَكَذَا قَالَ أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ رَبِّكَ «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»(3)فَهَذَا تُخَاطَبُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُؤتَى بِكَ وَبِكِتَابِكَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ مَنْشُوراً تَشْهَدُ فِيهِ عَلَى نَفْسِكَ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي فَأَتَانِي مُنْكَرٌ بِأَعْظَمِ مَنْظَرٍ وَأَوْحَشِ شَخْصٍ وَبِيَدِهِ عَمُودٌ مِنَ الْحَدِيدِ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّقَلَيْنِ مَا حَرَّكُوهُ مِنْ ثِقَلِهِ فَرَوَّعَنِي وَأَزْعَجَنِي وَهَدَّدَنِي ثُمَّ إِنَّهُ قَبَضَ بِلِحْيَتِي وَأَجْلَسَنِي ثُمَّ إِنَّهُ صَاحَ بِي صَيْحَةً لَوْ سَمِعَهَا أَهْلُ الْأَرْضِ لَمَاتُوا جَمِيعاً
ثُمَّ قَالَ لِي يَا عَبْدَ اللّهِ أَخْبِرْنِي مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَمَا قَوْلُكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَاعْتُقِلَ لِسَانِي مِنْ فَزَعِهِ وَتَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي وَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ وَلَيْسَ فِي جِسْمِي عُضْوٌ إِلاّ فَارَقَنِي مِنَ الْفَزَعِ وَانْقَطَعَتْ أَعْضَائِي وَأَوْصَالِي مِنَ الْخَوْفِ فَأَتَتْنِي رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَأُمْسِكَ بِهَا قَلْبِي وَأُطْلِقَ بِهَا لِسَانِي فَقُلْتُ لَهُ يَا عَبْدَ اللّهِ لِمَ تُفْزِعُنِي وَأَنَا مُؤمِنٌ أَعْلَمُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَأَنَّ اللّهَ رَبِّي وَمُحَمَّداً نَبِيِّي وَالاْءِسْلامَ دِينِي وَالْقُرْآنَ كِتَابِي وَالْكَعْبَةَ قِبْلَتِي وَعَلِيّاً إِمَامِي وَالْمُؤمِنِينَ إِخْوَانِي وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ وَالسُّؤالَ حَقٌّ وَالصِّرَاطَ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَهَذَا قَوْلِي وَاعْتِقَادِي وَعَلَيْهِ أَلْقَى رَبِّي فِي مَعَادِي فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لِيَ الآْنَ أَبْشِرْ يَا عَبْدَ اللّهِ بِالسَّلامَةِ فَقَدْ نَجَوْتَ وَمَضَى عَنِّي وَأَتَانِي نَكِيرٌ وَصَاحَ بِي صَيْحَةً هَائِلَةً أَعْظَمَ مِنَ الْأُولَى فَاشْتَبَكَتْ أَعْضَائِي بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ كَاشْتِبَاكِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ قَالَ هَاتِ الآْنَ عَمَلَكَ يَا عَبْدَ اللّهِ فَبَقِيتُ حَائِراً مُتَفَكِّراً فِي رَدِّ الْجَوَابِ فَعِنْدَ ذَلِكَ صَرَفَ اللّهُ عَنِّي شِدَّةَ الرَّوْعِ وَالْفَزَعِ وَأَلْهَمَنِي حُجَّتِي وَحُسْنَ الْيَقِينِ وَالتَّوْفِيقِ فَقُلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا عَبْدَ اللّهِ رِفْقاً بِي وَلا تُزْعِجْنِي فَإِنِّي قَدْ خَرَجْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَئِمَّةَ الطَّاهِرِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّتِي وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ وَالصِّرَاطَ حَقٌّ وَالْمِيزَانَ حَقٌّ وَالْحِسَابَ حَقٌّ وَمُسَاءَلَةَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حَقٌّ وَالْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَمَا وَعَدَ اللّهُ مِنَ النَّعِيمِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ وَمَا وَعَدَ اللّهُ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ أَبْشِرْ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ وَالْخَيْرِ الْمُقِيمِ ثُمَّ إِنَّهُ أَضْجَعَنِي وَقَالَ نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ ثُمَّ إِنَّهُ فَتَحَ لِي بَاباً مِنْ عِنْدِ رَأْسِي إِلَى الْجَنَّةِ وَبَاباً
مِنْ عِنْدِ رِجْلَيَّ إِلَى النَّارِ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ انْظُرْ إِلَى مَا صِرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ وَإِلَى مَا نَجَوْتَ مِنْهُ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ ثُمَّ سَدَّ الْبَابَ الَّذِي مِنْ عِنْدِ رِجْلِي وَأَبْقَى الْبَابَ الَّذِي مِنْ عِنْدِ رَأْسِي مَفْتُوحاً إِلَى الْجَنَّةِ فَجَعَلَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ رَوْحِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَأَوْسَعَ لَحْدِي مَدَّ الْبَصَرِ وَأَسْرَجَ لِي سِرَاجاً أَضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَضَى عَنِّي(1)فَهَذِهِ صِفَتِي وَحَدِيثِي وَمَا لَقِيتُهُ مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مَرَارَةَ الْمَوْتِ فِي حَلْقِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَرَاقِبِ اللّهَ أَيُّهَا السَّائِلُ خَوْفاً مِنْ وَقْفَةِ الْمَسَائِلِ وَخَفْ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ وَمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ لَكَ هَذَا الَّذِي لَقِيتُهُ وَأَنَا مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ثُمَّ انْقَطَعَ عِنْدَ ذَلِكَ كَلامُهُ فَقَالَ سَلْمَانُ رض لِلأَصْبَغِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَلُمُّوا إِلَيَّ وَاحْمِلُونِي فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَنْزِلِ قَالَ حُطُّونِي رَحِمَكُمُ اللّهُ فَأَنْزَلْنَاهُ إِلَى الْأَرْضِ فَقَالَ أَسْنِدُونِي فَأَسْنَدْنَاهُ ثُمَّ رَمَقَ بِطَرْفِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ ـ يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ بِكَ آمَنْتُ وَلِنَبِيِّكَ اتَّبَعْتَ وَبِكِتَابِكَ صَدَّقْتُ وَقَدْ أَتَانِي مَا وَعَدْتَنِي يَا مَنْ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ اقْبِضْنِي إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَنْزِلْنِي كَرَامَتَكَ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنَّ عَلِيّاً أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّتِي وَسَادَتِي فَلَمَّا كَمَلَ شَهَادَتُهُ قَضَى نَحْبَهُ وَلَقِيَ رَبَّهُ رض قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى رَجُلٌ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُتَلَثِّماً فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَرَدَدْنَا السَّلامَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَصْبَغُ جِدُّوا فِي أَمْرِ سَلْمَانَ فَأَخَذْنَا فِي أَمْرِهِ فَأَخَذَ مَعَهُ حَنُوطاً وَكَفَناً فَقَالَ هَلُمُّوا فَإِنَّ عِنْدِي مَا يَنُوبُ عَنْهُ فَأَتَيْنَاهُ بِمَاءٍ وَمِغْسَلٍ فَلَمْ يَزَلْ يَغْسِلُهُ بِيَدِهِ حَتَّى فَرَغَ وَكَفَّنَهُ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ
1) . ومضى عنى وأنا يا سلمان لم أجد عند اللّه شيئا يحبّه اللّه أعظم من ثلاثة: صلاة الليلة شديدة البرد، وصوم يوم شديدة الحرّ، وصدقة بيمينك لا يعلم بها شمالك «خ ل».
وَلَحَدَهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ وَهَمَّ بِالانْصِرَافِ تَعَلَّقْنَا بِهِ وَقُلْنَا لَهُ مَنْ أَنْتَ فَكَشَفَ لَنَا عَنْ وَجْهِهِ عليهالسلام فَسَطَعَ النُّورُ مِنْ ثَنَايَاهُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ فَإِذَا هُوَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ كَيْفَ كَانَ مَجِيئُكَ وَمَنْ أَعْلَمَكَ بِمَوْتِ سَلْمَانَ قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عليهالسلام وَقَالَ آخُذُ عَلَيْكَ يَا أَصْبَغُ عَهْداً للّهِِ وَمِيثَاقَهُ أَنَّكَ لا تُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً مَا دُمْتَ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَمُوتُ قَبْلَكَ فَقَالَ لا يَا أَصْبَغُ بَلْ يَطُولُ عُمُرُكَ قُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ خُذْ عَلَيَّ عَهْداً وَمِيثَاقاً أَنِّي لَكَ سَامِعٌ مُطِيعٌ وَأَنِّي لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً حَتَّى يَقْضِي إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقْضِي وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَقَالَ يَا أَصْبَغُ بِذَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ هَذِهِ السَّاعَةَ بِالْكُوفَةِ وَقَدْ خَرَجْتُ أُرِيدُ مَنْزِلِي فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى مَنْزِلِي اضْطَجَعْتُ فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي وَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ سَلْمَانَ قَدْ قَضَى فَرَكِبْتُ بَغْلَتِي وَأَخَذْتُ مَعِي مَا يَصْلُحُ لِلْمَوْتَى فَجَعَلْتُ أَسِيرُ فَقَرَّبَ اللّهُ لِيَ الْبَعِيدَ فَجِئْتُ كَمَا تَرَانِي وَبِهَذَا أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ إِنَّهُ دَفَنَهُ وَوَارَاهُ فَلَمْ أَدْرِ أَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْكُوفَةَ وَالْمُنَادِي يُنَادِي لِصَلاةِ الْمَغْرِبِ فَحَضَرَ عِنْدَهُمْ عَلِيٌّ عليهالسلام (1). هذا ما كان من حديث وفاة سلمان الفارسي رض على التمام والكمال والحمد للّه حق حمده(2).
وقد رويت الخبر على طوله لاقتضاء المقام ذلك من حيث اشتماله على كثير
1) . هذه الرواية كما ترى صريحة فى أنّ وفات سلمان رضىاللهعنه كان أيام خلافة أمير المؤنين عليهالسلام بالكوفة والمستفاد من الروايات الاخر أنّ وفاته كان عند كونه عليهالسلام بالمدينة ولعلّنا نشير إلى تلك في أواخر الشرح إن ساعدنا التوفيق إن شاء اللّه.
2) .الفضائل لابن شاذان القمي: 86 ـ 92؛ بحار الأنوار: 374/22 ـ 380، ح13.
من أحوال الميّت وأهوال البرزخ المسوق لها هذا الفصل من كلامه عليهالسلام ، وأوردت ذيله مع خروجه عن مقتضى المقام لانّى إن ساعدني التوفيق إنشاء اللّه اورد في شرح باب الكتب والوصايا مبدء أمر سلمان وكيفيّة اسلامه وبعض مناقبه فأحببت أن اورد هنا مآل أمره ومنتهاه ليطلع النّاظر في الشرح على بداية حاله ونهايته مع ما فيه من اعجاز عجيب لأمير المؤنين سلام اللّه عليه وعلى آله الطّيبين هذا.
الأصل في لفظه قوله تعالى: «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ...»(1)وهو كناية عن حضور الوقت.
قال تعالى:... «قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً»(2).
قال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُوم»(3).
ورد (انّما ينتظر بأوّلكم آخركم)(4).
قال تعالى: «لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ...»(1).
«أماد السّماء» قال (ابن أبي الحديد): ويروى أمار(2).
الثّاني أصحّ حيث انّه لفظ القرآن وفي (الصحاح): ماد الشيء يميد ميدا: تحرّك(3).
ومار الشيء يمور مورا أي تحرّك وجاء وذهب كما يكفأ النّخلة العيدانة والتموّر مثله وقوله تعالى «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً»(4).
قال الضّحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة تكفأ والأخفش مثله(5).
قال تعالى: «السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا»(6).
قال الطبرسي: المعنى أن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله(7).
وقال تعالى: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ»(8).
قال الطبرسي: أي انشقت وتقطعت(9).
رجّه أي: حرّكه وزلزله... قال تعالى: «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا»(1).
قال الطّبرسيّ أى حركت حركة شديدة، وقيل زلزلت زلزالا شديدا، وقيل معناه رجّت بما فيها كما يرجّ الغربال بما فيه فيكون المراد ترجّ باخراج من في بطنها من الموتى(2).
قال تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً»(3).
قال الطبرسي: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ» أي تتحرك باضطراب شديد «وَالْجِبالُ»
أي وترجف الجبال معها أيضا وتضطرب بمن عليها «وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً»
أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس وقيل المهيل الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها وإذا أخذت أسفله انهار أعلاه عن الضحاك والمعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل(4).
وقال تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة»(5).
نسفت البناء نسفا قلعته...(6).
قال تعالى: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً
صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً»(1).
قال الطّبرسيّ أى ويسألك منكروا البعث عند ذكر القيامة عن الجبال ما حالها فقل: يا محمّد ينسفها ربّى نسفا، أى يجعلها ربّي بمنزلة الرّمل، ثمّ يرسل عليها الرّياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور والتّراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شيء وقيل يصيّرها كالهباء، وقيل إنّ رجلا من ثقيف سأل النبيّ صلىاللهعليهوآله كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها؟ فقال صلىاللهعليهوآله: إنّ اللّه يسوقها بأن يجعلها كالرّمال ثمّ يرسل عليها الرّياح فتفرّقها، فيذرها، اى فيدع أما كنها من الأرض إذا نسفها، قاعا، أى أرضا ملساء، وقيل منكشفة، صفصفا، أى أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، أى ليس فيها منخفض ولا مرتفع(2).
وقال تعالى: «وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا»(3)، أى فتت فتأ أو كسرت كسرا، فكانت غبارا متفرّقا كالذى يرى من شعاع الشّمس اذا دخل من الكوّة(4)،(5).
دككت الشيء دكّا إذا ضربته وكسرته حتّى سوّيته بالأرض ومنه قوله تعالى:
«فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً»(6)،(7)وتمام الآية «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ *
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ»(1).
أى رفعت الأرض والجبال من اماكنها وضرب بعضها ببعض حتّى تفتت الجبال وسفتها الرّياح وبقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها ولا رابية، بل تكون قطعة مستوية، «وقال عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيرها: قد وقعت فدكّ بعضها على بعض(2)»، وقال الطّبرسىّ: أى كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوى ما عليها من شيء مثل الأديم الممدود(3).
قال تعالى: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها * وَقالَ الاْءِنْسانُ ما لَها»(4).
اخلاقهم بكسر الهمزة مصدر أخلق وفي (الصحاح) خلق الثوب (بالضّمّ) خلوقة أي بلي وأخلق الثوب مثله(5)قال تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ. قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها اوّل مرّة وهو بكلّ خلق عليم(6).
قال تعالى: «وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآْخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً»(1). أي هم وآل فرعون.
قال تعالى: «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ»(2).
وقال تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤلُونَ»(3).
اختبأت استترت(4).قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ»(5).
وقال تعالى: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّه لَطيفٌ خَبير»(6).
عَنْ رُقَيَّةَ بِنْتِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهَا عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صلىاللهعليهوآله: لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَشَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاه وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ(7).
وعَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُ كُلَّ خَلْقٍ إِلاّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللّهِ فَإِنَّهُ لا يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُؤمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ(1).
وعَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ
حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ(2).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: إِنَّمَا يُدَاقُّ اللّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا(3).
وعَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهماالسلام قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَقَفَ عَبْدَانِ مُؤمِنَانِ لِلْحِسَابِ كِلاهُمَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقِيرٌ فِي الدُّنْيَا وَغَنِيٌّ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُ الْفَقِيرُ يَا رَبِّ عَلَى مَا أُوقَفُ فَوَ عِزَّتِكَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُوَلِّنِي وِلايَةً فَأَعْدِلَ فِيهَا أَوْ أَجُورَ وَلَمْ تَرْزُقْنِي مَالاً فَأُؤدِّيَ مِنْهُ حَقّاً أَوْ أَمْنَعَ وَلا كَانَ رِزْقِي يَأْتِينِي مِنْهَا إِلاّ كَفَافاً عَلَى مَا عَلِمْتَ وَقَدَّرْتَ لِي فَيَقُولُ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: صَدَقَ عَبْدِي خَلُّوا عَنْهُ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى الآْخَرُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ مِنَ الْعَرَقِ مَا لَوْ شَرِبَهُ أَرْبَعُونَ بَعِيراً لَكَفَاهَا ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَهُ الْفَقِيرُ مَا حَبَسَكَ فَيَقُولُ طُولُ الْحِسَابِ مَا زَالَ الشَّيْءُ يَجِيئُنِي بَعْدَ الشَّيْءِ يَغْفِرُ لِي ثُمَّ أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تَغَمَّدَنِيَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَلْحَقَنِي بِالتَّائِبِينَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا الْفَقِيرُ الَّذِي كُنْتُ مَعَكَ آنِفاً فَيَقُولُ لَقَدْ غَيَّرَكَ النَّعِيمُ بَعْدِي(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا فُلانُ مَا لَكَ وَلِأَخِيكَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَانَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ فَاسْتَقْصَيْتُ مِنْهُ حَقِّي قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللّهِ «وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ»(1)أَ تَرَاهُمْ خَافُوا أَنْ يَجُورَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَظْلِمَهُمْ لا وَاللّهِ خَافُوا الاسْتِقْصَاءَ وَالْمُدَاقَّةَ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤدَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤلاً»(3)قَالَ يُسْأَلُ السَّمْعُ عَمَّا يَسْمَعُ وَالْبَصَرُ عَمَّا يَطْرِفُ وَالْفُؤادُ عَمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ(4).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلاةُ فَإِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَا سِوَاهَا(5).
وعَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليهالسلام يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ـ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ـ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام يُحَدِّثُ النَّاسَ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلاً بُهْماً جُرْداً مُرْداً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ(6)يَسُوقُهُمُ النُّورُ وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى عَقَبَةِ
1) . الرعد: 21.
2) . معاني الأخبار: 246، ح1؛ بحار الأنوار: 266/7، ح28.
3) . الإسراء: 36.
4) . تفسير العياشي: 292/2/ ح 75 وبحار: 267/7/ ح 30 .
5) .تهذيب الاحكام: 239/2/ ح15؛ بحار الأنوار: 267/7/ 33.
6) . عزلا: لا سلاح لهم ـ بضم العين وسكون الزاى ـ جمع أعزل وكذلك أخواته، «بهما» أي ليس معهم شيء وقيل: يعنى أصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشيء، «جردا» لا ثياب لهم، «مردا» ليس لهم لحية وهذه كلها كناية عن تجردهم عما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقائقهم ممّا كان معهم في الدنيا، «يسوقهم النور» أي نور الايمان والشرع فانه سبب ترقيهم طورا بعد طور وفي بعض النسخ [بالنار] أى نار التكاليف فان التكليف بالنسبة إلى بعض المكلفين نار وبالإضافة إلى آخرين نور «يجمعهم الظلمة» أي ما يمنعهم من تمام النور والايقان فانه سبب تباينهم الموجب لكثرتهم التي يتفرع عليها الجمعية ويحتمل أن يكون المراد كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا والمعنيان متقاربان. وهذا كلام الفيض رحمهالله في الوافي: 652/25. واللّه العالم بحقائق الأمور.
الْمَحْشَرِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَزْدَحِمُونَ دُونَهَا فَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُضِيِّ فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ وَتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ وَيَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ(1)وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ قَالَ وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَفَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلالٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ(2)فَيَأْمُرُ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ فَيُنَادِي فِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ أَنْصِتُوا وَاسْتَمِعُوا مُنَادِيَ الْجَبَّارِ قَالَ: فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ قَالَ: فَتَنْكَسِرُ أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ وَتَضْطَرِبُ فَرَائِصُهُمْ(3)وَتَفْزَعُ قُلُوبُهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّوْتِ ـ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ(4)قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ ـ «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»(5)، قَالَ فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ الْيَوْمَ أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِي وَقِسْطِي لا يُظْلَمُ الْيَوْمَ عِنْدِي أَحَدٌ الْيَوْمَ آخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ بِحَقِّهِ
1) .أي صياحهم واصواتهم.
2) . يمكن أن يكون إشراف اللّه تعالى كناية عن توجهه إلى محاسبتهم فالاشراف في حقّه مجاز وفي الملائكة حقيقة. مرآة العقول: 254/25.
3) .أي أوداج أعناقهم، قال الفيروزآبادي: الفريص: أوداج العنق والفريصة واحدته واللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد.
4) . أي يمدون اعناقهم لسماع صوته. مهطعين أي مسرعين.
5) . القمر: 8.
وَلِصَاحِبِ الْمَظْلِمَةِ بِالْمَظْلِمَةِ بِالْقِصَاصِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَأُثِيبُ عَلَى الْهِبَاتِ(1)وَلا يَجُوزُ هَذِهِ الْعَقَبَةَ الْيَوْمَ عِنْدِي ظَالِمٌ وَلِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ إِلاّ مَظْلِمَةً يَهَبُهَا صَاحِبُهَا وَأُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَآخُذُ لَهُ بِهَا عِنْدَ الْحِسَابِ فَتَلازَمُوا أَيُّهَا الْخَلائِقُ وَاطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِي شَهِيداً قَالَ فَيَتَعَارَفُونَ وَيَتَلازَمُونَ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ أَوْ حَقٌّ إِلاّ لَزِمَهُ بِهَا قَالَ فَيَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللّهُ فَيَشْتَدُّ حَالُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ(2)وَيَشْتَدُّ غَمُّهُمْ وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِضَجِيجٍ شَدِيدٍ فَيَتَمَنَّوْنَ الْمَخْلَصَ مِنْهُ بِتَرْكِ مَظَالِمِهِمْ لِأَهْلِهَا قَالَ وَيَطَّلِعُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى جَهْدِهِمْ(3)فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ أَنْصِتُوا لِدَاعِي اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاسْمَعُوا إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ [لَكُمْ] أَنَا الْوَهَّابُ إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَوَاهَبُوا فَتَوَاهَبُوا وَإِنْ لَمْ تَوَاهَبُوا أَخَذْتُ لَكُمْ بِمَظَالِمِكُمْ قَالَ فَيَفْرَحُونَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْدِهِمْ وَضِيقِ مَسْلَكِهِمْ وَتَزَاحُمِهِمْ قَالَ فَيَهَبُ بَعْضُهُمْ مَظَالِمَهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِمَّا هُمْ فِيهِ وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَظَالِمُنَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نَهَبَهَا قَالَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ الْعَرْشِ أَيْنَ رِضْوَانُ خَازِنُ الْجِنَانِ جِنَانِ الْفِرْدَوْسِ قَالَ فَيَأْمُرُهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطْلِعَ(4)مِنَ الْفِرْدَوْسِ قَصْراً مِنْ فِضَّةٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ(5)وَالْخَدَمِ قَالَ فَيُطْلِعُهُ عَلَيْهِمْ فِي حِفَافَةِ
1) .أي هبات المظالم وإبراء الذمم. الوافي: 654/25.
2) . لما رأوا من شغل ذممهم بالمظالم وترددهم في إبراء خصمائهم من مظالمهم أو أخذهم بها لجهلهم. الوافي: 654/25.
3) .يعني أنهم يطلعون وقتئذ على اطلاع اللّه على مشقتهم وإلاّ فان اللّه سبحانه لم يزل مطلعا على السرائر والعلن. الوافي: 654/25.
4) . من باب الافعال أي يظهره لهم.
5) .في غير واحد من النسخ [من الآنية].
الْقَصْرِ الْوَصَائِفُ وَالْخَدَمُ(1)قَالَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْقَصْرِ قَالَ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَكُلُّهُمْ يَتَمَنَّاهُ قَالَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ تَعَالَى يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ هَذَا لِكُلِّ مَنْ عَفَا عَنْ مُؤمِنٍ قَالَ فَيَعْفُونَ كُلُّهُمْ إِلاّ الْقَلِيلَ قَالَ فَيَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يَجُوزُ إِلَى جَنَّتِيَ الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَلا يَجُوزُ إِلَى نَارِيَ الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَلِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْهُ عِنْدَ الْحِسَابِ أَيُّهَا الْخَلائِقُ اسْتَعِدُّوا لِلْحِسَابِ قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى سَبِيلُهُمْ فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْعَقَبَةِ يَكْرُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً(2)حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى الْعَرْصَةِ وَالْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ(3)قَدْ نُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ وَنُصِبَتِ الْمَوَازِينُ وَأُحْضِرَ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ وَهُمُ الْأَئِمَّةُ يَشْهَدُ كُلُّ إِمَامٍ عَلَى أَهْلِ عَالَمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدَعَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ اللّهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُؤمِنِ عِنْدَ الرَّجُلِ الْكَافِرِ مَظْلِمَةٌ أَيَّ شَيْءٍ يَأْخُذُ مِنَ الْكَافِرِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهالسلام يُطْرَحُ عَنِ الْمُسْلِمِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَى الْكَافِرِ فَيُعَذَّبُ الْكَافِرُ بِهَا مَعَ عَذَابِهِ بِكُفْرِهِ عَذَاباً بِقَدْرِ مَا لِلْمُسْلِمِ قِبَلَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ فَإِذَا كَانَتِ الْمَظْلِمَةُ لِلْمُسْلِمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَيْفَ تُؤخَذُ مَظْلِمَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ قَالَ يُؤخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ حَقِّ الْمَظْلُومِ فَتُزَادُ عَلَى حَسَنَاتِ الْمَظْلُومِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ قَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ
لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ سَيِّئَاتٍ يُؤخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَتُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِ الظَّالِمِ(1).
قال تعالى: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم»(3).
وقال تعالى: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ»(4).
قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(5).
وقال تعالى: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا...»(6).
قال تعالى: «إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ»(7).
وقال تعالى... «وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ»(1)
قال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ»(2).
وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ
قال تعالى بعد ذكر عذاب المكذّبين: «قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً لَهُمْ فِيها ما يَشاؤنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤلاً»(3).
وقال تعالى: «وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً * إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً * وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً * إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللّهِ مَتاباً * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً * وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً * أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً * خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً»(1).
ظعن أي: سار(2).
قال تعالى: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ»(3).
قال تعالى: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ»(4).
النّوبة (بالضّمّ) الاسم من قولك نابه أمر وانتابه أي: أصابه والنائبة المصيبة واحدة نوائب الدّهر(5).
قال تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(6).
وقال تعالى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ»(1).
قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ»(2).
الخطر الاشراف على الهلاك(3).
تشخص من الاشخاص في (الصحاح): شخص من بلد الى بلد، ذهب وأشخصه غيره(4).
قال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ
فِيها خالِدُونَ»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا(2).
وقال تعالى: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ»(3).
وقال تعالى: «وَقالُوا الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوب»(4).
جالسين على منابر الياقوت الأحمر في خيام من اللّؤؤالرّطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر متّكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة بالغلمان والولدان مزيّنة بالحور العين من الخيرات الحسان، كأنّهنّ الياقوت والمرجان لم يطمثهنّ انس قبلهم ولا جانّ، يمشين في درجات الجنان واذا اختالت احديهنّ في مشيها حمل اعطافها سبعون ألفا من الولدان عليها من طرايف الحرير ما تتحيّر فيه الأبصار مكلّلات بالتّيجان المرصّعة باللّؤؤوالمرجان شكلات غنجات(5)عطرات امنات من الهرم والبوس وحوادث الزّمان مقصورات في الخيام في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان قاصرات الطرف عين ثمّ يطاف عليهم وعليهنّ بأكواب وأباريق وكأس من معين بيضاء لذّة للشّاربين، ويطوف عليهم ولدان مخلّدون كأمثال اللّؤؤالمكنون جزاء
بما كانوا يعملون، في مقام أمين في جنّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يرهقهم قتر ولا ذلّة بل عباد مكرمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن ريب المنون آمنون، خالدون فيها ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا مصفّى، وأيّ أنهار أراضيها من فضّة بيضاء وحصبائها مرجان، ويمطرون من سحاب من ماء النسرين على كثبان الكافور ويجلسون على أرض ترابها مسك أذفر، ونباتها زعفران.
فيا عجبا لمن يؤن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحلّ الفجائع بمن نزل بساحتها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن اللّه في خرابها، ونودى بالرّحيل قطانها، واللّه لو لم يكن فيها الاّ سلامة الأبدان مع الأمن من البلاء والموت وساير الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدّنيا بسببها، ولا تؤر عليها مع كون التنغّص والتصرّم من ضروراتها، فانّ نعم الدّنيا زايلة كلّها فانية، ونعم الجنّة دائمة باقية، وأهل الدّنيا كلّهم متنغّصون هالكون، وأهل
الجنّة منعّمون آمنون.
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ينادى مناديا أهل الجنة انّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وانّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وانّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وانّ لكم أن تنعّموا فلا تيأسوا أبدا، فذلك قول اللّه عزّ وجلّ: «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(1)،(2).
قال تعالى: «جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ»(1).
وقال تعالى: «فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ»(2).
الغلّ واحد الاغلال يقال في رقبته غلّ من حديد وغللت يده الى عنقه وقد غلّ فهو مغلول(3).
قال تعالى: «إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً»(4).
وقال تعالى: «وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»(5).
وقال تعالى: «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ»(6).
وقال تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ»(7).
واما قوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ»(8)قال الطّبرسيّ: يعني أيديهم، كنّى عنها وان لم يذكرها لأنّ الأعناق والأغلال تدلاّن عليها، وذلك انّ الغلّ انما يجمع اليد الى الذقن والعنق ولا يجمع
الغلّ العنق الى الذقن، وروى عن ابن عباس وابن مسعود انهما قرءا انّا جعلنا في أيمانهم أغلالا، وقرأ بعضهم في أيديهم، والمعنى في الجميع واحد، لأنّ الغلّ لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون العنق، وقوله: «فهم مقمحون»(1).
أراد أنّ أيديهم لما غلّت الى أعناقهم ورفعت الأغلال أذقانهم ورؤسهم صعدا فهم مرفوعو الرّأس برفع الأغلال ايّاها(2)«وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ»(3).اشارة الى ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدّما ولا متأخّرا إذ سدّ عليهم جوانبهم فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار(4).
بالأغلال. الأصفاد كما قال تعالى: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤخَذُ
بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ»(5).
قال الطّبرسيّ في تفسيره: تأخذهم الزّبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغلّ ثمّ يسحبون في النّار ويقذفون فيها(6).
عن الجاحظ: السّربال: القميص(7)والقطر بالكسر النحاس(8)ومنه قوله تعالى: «مِنْ قَطِرانٍ»... وتمام الآية «وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
قال المفسّر: وهو ما يطلى به الابل الجربي فيحرق الجرب والجلد، وهو شيء أسود لزج منتن يطلون به فيصير كالقميص عليهم ثمّ يرسل النار فيهم ليكون أسرع إليهم وأبلغ في الاشتعال وأشدّ في العذاب(2)، وقيل السّربال من قطران تمثيل لما يحيط بجوهر النّفس من المهلكات الرّدية والهيئات الموحشة المؤمة(3).
قيل: المقطّعات كلّ ثوب يقطع كالقميص والجبّة ونحوهما لا ما لا يقطع كالازار و الرّداء، ولعلّ السرّ في كون ثياب أهل النار مقطعات كونها أشدّ في العذاب لاشتمالها على جميع البدن(4).
قال تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ...)(5)
قال الطبرسي: قال ابن عباس حين صاروا إلى جهنم لبسوا مقطعات النيران وهي الثياب القصار وقيل يجعل لهم ثياب نحاس من نار وهي أشد ما تكون حرا عن سعيد بن جبير وقيل أن النار تحيط بهم كإحاطة الثياب التي يلبسونها بهم(6).
قال تعالى: «يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ»(1).
وقال تعالى: «فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ»(2).
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ خَوِّفْنِي فَإِنَّ قَلْبِي قَدْ قَسَا، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ اسْتَعِدَّ لِلْحَيَاةِ الطَّوِيلَةِ فَإِنَّ جَبْرَائِيلَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَهُوَ قَاطِبٌ(3)وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَجِيءُ وَهُوَ مُبْتَسِمٌ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: يَا جَبْرَئِيلُ جِئْتَنِي الْيَوْمَ قَاطِباً فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ وُضِعَتْ مَنَافِخُ النَّارِ، فَقَالَ: وَمَا مَنَافِخُ النَّارِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِالنَّارِ فَنُفِخَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ـ وَنُفِخَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ـ ثُمَّ نُفِخَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ ـ لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الضَّرِيعِ قَطَرَتْ فِي شَرَابِ أَهْلِ الدُّنْيَا ـ لَمَاتَ أَهْلُهَا مِنْ نَتْنِهَا ـ وَلَوْ أَنَّ حَلْقَةً مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي طُولُهَا سَبْعُونَ ذِراعاً وُضِعَتْ عَلَى الدُّنْيَا لَذَابَتِ الدُّنْيَا مِنْ حَرِّهَا، وَلَوْ أَنَّ سِرْبَالاً مِنْ سَرَابِيلِ أَهْلِ النَّارِ عُلِّقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ـ لَمَاتَ أَهْلُ الْأَرْضِ مِنْ رِيحِهِ وَوَهَجِهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَبَكَى جَبْرَئِيلُ فَبَعَثَ اللّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكاً فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَبَّكُمَا يُقْرِئُكُمَا السَّلامَ ـ وَيَقُولُ قَدْ آمَنْتُكُمَا أَنْ تُذْنِبَا ذَنْباً أُعَذِّبُكُمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : فَمَا رَأَى رَسُولُ اللّه صلىاللهعليهوآلهجَبْرَئِيلَ مُبْتَسِماً بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يُعَظِّمُونَ النَّارَ وَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُعَظِّمُونَ الْجَنَّةَ وَالنَّعِيمَ ـ وَإِنَّ أَهْلَ جَهَنَّمَ إِذَا دَخَلُوهَا هَوَوْا فِيهَا مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَاماً ـ
فَإِذَا بَلَغُوا أَعْلاهَا قُمِعُوا بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ وَأُعِيدُوا فِي دَرَكِهَا هَذِهِ حَالُهُمْ ـ وَهُوَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيق»(1)ثُمَّ تُبَدَّلُ جُلُودُهُمْ جُلُوداً غَيْرَ الْجُلُودِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ـ فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام حَسْبُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قُلْتُ حَسْبِي حَسْبِي(2).
لكونهم في العذاب مخلّدين، وفي النار محبوسين، ومن خروج الباب ممنوعين، فالأبواب عليهم مغلقة، وأسباب الخروج بهم منقطعة قال تعالى: «كُلَّما
أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ»(3).
قال الحسن: انّ النار ترميهم بلهبها حتّى اذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فاذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرّون ساعة فذلك قوله: كلّما أرادوا الآية(4).
وأمّا أهل الجنّة فأبوابها عليهم مفتوحة كما قال تعالى: «وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابٌ»(5).
كلبه بالضّمّ الشدّة من البرد وغيره وكذلك الكلب بالتّحريك ودفعت عنك كلب فلان أي شرّه واذاه(6)واللّجب الصّوت(7).
رعد قاصف: شديد الصّوت(3)
قال تعالى: «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(4).
وقال تعالى: «بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها. تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ. دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً»(5).
عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا كَمَا يَتَعَاوَى الْكِلابُ وَالذِّئَابُ مِمَّا يَلْقَوْنَ مِنْ أَلَمِ [أَلِيمِ] الْعَذَابِ مَا ظَنُّكَ يَا عَمْرُو بِقَوْمٍ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا عِطَاشٍ فِيهَا جِيَاعٍ كَلِيلَةٍ أَبْصَارُهُمْ صُمٍّ بُكْمٍ عُمْيٍ مُسْوَدَّةٍ وُجُوهُهُمْ خَاسِئِينَ فِيهَا نَادِمِينَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ فَلا يُرْحَمُونَ وَمِنَ الْعَذَابِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ وَفِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
وَمِنَ الْحَمِيمِ يَشْرَبُونَ وَمِنَ الزَّقُّومِ يَأْكُلُونَ وَبِكَلائِبِ النَّارِ يُحْطَمُون(1).
وفِي كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام إِلَى أَهْلِ مِصْرَ فِي وَصْفِ النَّارِ(2): قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحَرُّهَا شَدِيدٌ وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ وَمَقَامِعُهَا حَدِيدٌ لا يَفْتُرُ عَذَابُهَا وَلا يَمُوتُ سَاكِنُهَا دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَلا تَسْمَعُ لِأَهْلِهَا دَعْوَةٌ الْخَبَرَ(3).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ أُطْفِئَتْ سَبْعِينَ مَرَّةً بِالْمَاءِ ثُمَّ الْتَهَبَتْ ـ وَلَوْ لا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ آدَمِيٌّ أَنْ يُطْفِئَهَا (يطفئها) ـ وَإِنَّهَا ليؤ [لَيُؤتَى] بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَة(4).
قال تعالى: «كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ»(5).
وقال تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ»(6).
1) .الأمالي للصدوق: 557/ م 82، ح14؛ بحار الأنوار: 281/8، ح3. س
2) . كتبه أمير المؤنين عليهالسلام إلى محمّد بن أبي بكر لمّا ولاّه مصر، وأمر أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصاه به فيه، والكتاب طويل جدا وأوله: سلام عليكم فانّى أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
3) .الأمالي للطوسي: 29/ م1، ح31؛ بحار الأنوار: 286/8، ح16.
4) . تفسير القمي: 366/1؛ بحار الأنوار: 288/8، ح21.
5) .البقرة: 167.
6) .المائدة: 37.
وقال تعالى: «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ»(1).
وقال تعالى: «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون»(2).
قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»(3).
قال تعالى: «وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ * أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ * قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ * قالَ اخْسَؤا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ»(6).
بل عذابها أبديّ سرمديّ.
قال تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ * قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ»(2).
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: يؤى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين الجنّة والنّار، ويقال: يا أهل الجنّة خلود بلا موت، ويا أهل النّار خلود بلا موت(3).
فيا أيّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدّنيا المؤنة بالزّوال والانقضاء، دع التّفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر الى موردك ومصيرك وقد اخبرت بأنّ النار مورد للجميع اذ قيل: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا»(4).
فانت من الورود على يقين ومن النّجاة في شكّ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعدّ للنجاة منه، وتأمّل في حال الخلايق وقد قاسوا من دواهى القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها، اذ
أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب وأظلّت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدّة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالهلاك والعطب، وجثت الامم على الركب، حتى اشفق البرآء من سوء المنقلب، وخرج المنادى من الزّبانية قائلا أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدّنيا بطول الأمل المضيّع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التّهديد ويسوقونه الى العذاب الشّديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له: ذق إنّك أنت العزيز الكريم(1).
فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، ومستقرّهم الجحيم، الزّبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، ومآلهم منها فكاك، قد شدّت أقدامهم إلى النواصي، واسودّت وجوههم من ظلمة المعاصى.
ينادون من أكنافها، ويصيحون في أطرافها، يا مالك قد حقّ علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك اخرجنا منها فانّا لا نعود، فتقول الزّبانية لات حين أمان، لا خروج لكم من دار الهوان، فاخسئوا فيها ولا تكلّمون، ولو اخرجتم لكنتم الى ما نهيتم عنه تعودون، فعند ذلك يقنطون و على ما فرّطوا في جنب اللّه يتأسّفون، ولا يغنيهم الأسف ولا ينجيهم الندّم، اذ زلّت بهم القدم، بل يكبّون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، والنّار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنّار عن شمائلهم. فهم غرقى في النّار، طعامهم وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار.
1) . الدخان: 49.
فهم بين مقطعات النّيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السّلاسل، وهم يتجلجلون في مضايقها، ويتحطّمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، تغلي بهم النّار كغلى القدور، ويهتفون بالويل والعويل والثبور، ومهما دعوا بذلك صبّ من فوق رؤسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، تهشم بها جباههم، فيتفجّر الصّديد من أفواههم، وتنقطع من العطش اكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم ويسقط من الوجنات لحومها، ويتمعّط(1)من الأطراف شعورها بل جلودها، وكلّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها قد عريت من اللّحم عظامهم، فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلايق العصب، وهى تنش في نفخ تلك النيران وهم مع ذلك يتمنّون الموت فلا يموتون.
فكيف بك لو نظرت إليهم وقد اسودّت وجوههم أشدّ سوادا من الحميم، واعميت ابصارهم، وابكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم. وجدعت آذانهم، ومزّقت جلودهم، وغلّت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم وهم يمشون على النار بوجوههم ويطؤ حسك الحديد بأحداقهم، فلهيب النار سار في بواطن أجزائهم، وحيّات الهاوية وعقاربها متشبّثة بظواهر أعضائهم(2).
قال أبو الدّردا: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع، ويستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذى غصّة فيذكرون انّهم كانوا يجيزون «يجرعون» الغصص في الدّنيا فيستغيثون بشراب فيرفع إليهم الحميم
بكلاليب الحديد فاذ ادنت من وجوههم شوت وجوههم، فاذا دخل الشراب بطونهم قطع ما في بطونهم فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، قال: فيدعون فيقولون: ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يوما من العذاب، ويقولون أولم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال، قال فيقولون ادعوا مالكا، فيدعون، فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربّك، قال فيجيبهم إنّكم ما كثون.
قال الأعمش: انبئت أنّ بين دعائهم وبين اجابة مالك إيّاهم ألف عام قال: فيقولون: ادعوا ربّكم، فلا أحد خير من ربّكم فيقولون:
«رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ)(1).
قال: فيجيبهم: اخسئوا فيها ولا تكلّمون، قال: فعند ذلك يئسوا من كلّ خير، وعند ذلك اخذوا في الزّفير والحسرة والويل(2).
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: «سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ»(3).
قال صبروا مأئة سنة ثمّ جزعوا مأئة سنة ثمّ صبروا مأئة سنة ثمّ قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا(4).
وقال محمّد بن كعب: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم اللّه عزّ وجلّ في أربعة فاذا كانت الخامسة لم يتكلّموا بعدها أبدا يقولون: «رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا
اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ»(1)فيقول اللّه تعالى مجيبا لهم:
«ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤمِنُوا فَالْحُكْمُ للّهِِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ»(2)ثمَّ يقولون: «رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً»(3)فيجيبهم اللّه تعالى: «أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ»(4)فيقولون: «رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ»(5)فيجيبهم اللّه تعالى: «أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(6)ثمّ يقولون: «رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ»(7)فيجيبهم اللّه تعالى: «اخْسَؤا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ»(8). فلا يتكلّمون بعدها أبدا، وذلك غاية شدّة العذاب(9).
وهذه بعض أحوال أهل النّار اجمالا، وأمّا تفصيل غمومها وأحزانها ومحنها وحسراتها فلا نهاية لها، فالعجب كلّ العجب لي ولأمثالي نضحك ونلهو ونشتغل بمحقرات الدّنيا وقيناتها، ولا ندرى أنحن من أهل الجنّة وفيها منعّمون، أم من أهل النّار وفيها معذّبون، وكيف لنا بالجنّة مع شرور أنفسنا وغرورها، ولا رجاء بل لا طمع إلاّ برحمة الغفّار وشفاعة الشّفعاء الأطهار نعوذ باللّه من النّار ومن غضب الجبّار.
منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه واله
أي عدّها حقيرة صغيرة.
لم يقل عليهالسلام وأهانها للازدواج بينه وبين قوله عليهالسلام : «و هوّنها» كما في (ما زورات)
مع (ماجورات) وإلاّ فالواجب (موزورات) أي: عدّها هونا، وجمعه عليهالسلام بينهما للمبالغة، قال ابن قتيبة: وتدخل فعّلت على أفعلت إذا أردت تكثير العمل والمبالغة تقول: أجدت وجوّدت، وأغلقت الأبواب وغلّقت، وأقفلت وقفّلت(1).
وفي مثل: (هان على الأملس ما لاقى الدبر)(2)وفي آخر: (أهون من قعيس عمّته)(3).
أي عدل بها.
مفعول له لقوله «زوى» أي: زواها عنه باختياره تعالى له الأصلح، لا منصوب بنزع الخافض لقوله «و علم»، كما يفهم من ابن أبي الحديد حيث قال: «اختيارا»، أي: باختيار من النبيّ صلىاللهعليهوآله(4).
قال تعالى: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ»(1).
وقال جلّ وعلا: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى»(2).
وقال عزّ اسمه: «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤنَ. وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا»(3).
ويشهد بذلك كلّه ما روي عن عبداللّه بن القاسم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إذا أراد اللّه بعبد خيرا زهّده في الدّنيا وفقّهه في الدّين وبصّر عيوبها ومن اوتيهنّ فقد اوتى
خير الدّنيا والآخرة(4).
وعن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: خرج النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربّك افتح وخذ منها ما شئت من غير أن ينقص شيئا عندى، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله الدّنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك والذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السّماء الرابعة حين اعطيت المفاتيح(5).
وَقَالَ النبيّ صلىاللهعليهوآله: الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ وَشَهَوَاتِهَا يَطْلُبُ مَنْ لا فَهْمَ لَهُ وَعَلَيْهَا يُعَادِي مَنْ لا عِلْمَ لَهُ وَعَلَيْهَا يَحْسُدُ مَنْ لا فِقْهَ لَهُ وَلَهَا يَسْعَى مَنْ لا يَقِينَ لَهُ(1).
وعن جميل بن دراج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: مرّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهبجدى أسك ملقى على مزبلة ميّتا فقال لأصحابه: كم يساوى هذا؟ فقالوا: لعله لو كان حيّا لم يساو درهما، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: و الذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدى على أهله(2).
وقال نبيّنا صلىاللهعليهوآله: إنّ ربّي عزّ وجلّ عرض علىّ أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا ربّ أجوع يوما وأشبع يوما، فأمّا اليوم الذي أجوع فيه فأتضرّع اليك وأدعوك، وأمّا اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك واثنى عليك(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُهَا كَمَثَلِ الرَّاكِبِ رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقَالَ تَحْتَهَا ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا(4).
وعَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ: دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جِسْمِهِ وَوِسَادَةِ لِيفٍ قَدْ أَثَّرَتْ فِي خَدِّهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ وَيَقُولُ مَا رَضِيَ بِهَذَا كِسْرَى وَلا قَيْصَرُ إِنَّهُمْ يَنَامُونَ عَلَى الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: لَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَاللّهِ لَأَنَا أَكْرَمُ
مِنْهُمَا وَاللّهِ مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَجُلٍ رَاكِبٍ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ وَلَهَا فَيْءٌ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَهَا فَلَمَّا أَنْ مَالَ الظِّلُّ عَنْهَا ارْتَحَلَ فَذَهَبَ وَتَرَكَهَا(1).
وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا خَيْراً كُلُّهَا لَمَا ابْتَلَى فِيهَا مَنْ أَحَبَّ، سُبْحَانَ مَنْ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا شَرّاً لَمَا نَجَا مِنْهَا مَنْ أَرَادَ(3).
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤمِنِ وَغَمُّ الْمُؤمِنِ وَإِنَّ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ وَرَوْحُ الْكَافِرِ(4).
وعَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: شَكَا رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام الضِّيقَ ـ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِاللّهِ مَا ذَنْبِي أَنْتُمْ اخْتَرْتُمُوهُ قَالَ الرَّجُلُ وَمَتَى اخْتَرْنَاهُ ـ فَقَالَ إِنَّ اللّهَ عَرَضَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةَ فَاخْتَرْتُمُ الآْخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ـ وَالْمُؤمِنُ ضَيْفٌ عَلَى الْكَافِرِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَأَنْتُمُ الآْنَ تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ وَتَلْبَسُونَ وَتَنْكِحُونَ وَهُمْ فِي الآْخِرَةِ لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَلْبَسُونَ وَلا يَنْكِحُونَ وَيَسْتَشْفِعُونَكُمْ فِي الآْخِرَةِ فَلا تَشْفَعُونَ فِيهِمْ وَهُوَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ(5)فَيُجِيبُونَهُمْ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ(6).
عن السجّاد عليهالسلام : ما من عمل بعد معرفة اللّه تعالى، ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدّنيا، فإنّ لذلك شعبا كثيرة، وللمعاصي شعبا... فاجتمعن كلهنّ في حبّ الدّنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد ذلك، حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة(1).
وعن الصادق عليهالسلام : قال تعالى لموسى عليهالسلام : إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها
آدم عليهالسلام عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي يا موسى إنّ عبادي الصالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم(2).
قال الغزالي: روى أنه صلىاللهعليهوآله مرّ في أصحابه بعشار من النوق حصل وهى الحوامل وكانت من أحبّ أموالهم إليهم وأنفسها عندهم، لأنها تجمع الظهر واللّحم واللّبن والوبر، ولعظمها في قلوبهم قال اللّه تعالى: «وإذا العشار عطّلت»(3)، قال: فأعرض عنها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأغمض بصره، فقيل له: يا رسول اللّه هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني اللّه عن ذلك ثمّ تلا قوله تعالى: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا»(4)الآية(5).
مرّ في سابقه: «لكيلا يتّخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا، ولا يرجو فيها مقاما».
حتّى لم يبق لأحد عذر في المخالفة.
لهم من عذاب اللّه بالمعصية.
بنعمه العالية بالإطاعة، قال أبو جعفر الباقر عليهالسلام خطب النبيّ صلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع، فقال: أيّها الناس واللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ
وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه، ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا اللّه وأجملوا في الطلب، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه فانّه لا يدرك ما عند اللّه إلاّ بطاعته(1).
وقال أبو عبداللّه الصادق عليهالسلام : وقف النبيّ صلىاللهعليهوآله بمنى حين قضى مناسكه في حجّة الوداع، فقال: أيّها الناس اسمعوا ما أقول لكم، واعقلوه عنّي، لا أدري لعلّي لا ألقاكم في هذا الموقف بعد عامنا هذا. ثمّ قال: أيّ يوم أعظم حرمة قالوا: هذا اليوم.
1) . الكافي: 74/2، ح2؛ بحار الأنوار: 96/67/ح 3.
فقال: أيّ شهر أعظم حرمة قالوا: هذا الشهر. قال: أيّ بلد أعظم حرمة قالوا: هذا البلد. قال: إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت قالوا: نعم. قال: اللّهم اشهد، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحلّ دم امرىء مسلم، ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه، ولا ترجعوا بعدي كفّارا(1).
و في الخبر: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه المسجد، وقال: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(2)أيّها الناس لا يدعّ مدّع ولا يتمنّى متمنّ أنّه ينجو إلاّ بعمل، ورحمة من اللّه. وقال: لو عصيت لهويت. وقال: اللّهمّ هل بلّغت(3).
قال ابن أبي الحديد عند قوله عليهالسلام : «في تخويف أهل النّهروان»: روى محمّد بن حبيب، قال: خطب عليّ عليهالسلام الخوارج يوم النّهر، فقال لهم: «نحن أهل بيت النبوّة وموضع الرّسالة، ومختلف الملائكة، وعنصر الرّحمة، ومعدن العلم والحكمة، نحن افق الحجاز، بنا يلحق البطيء، وإلينا يرجع التّائب...»(4).
«نحن شجرة النّبوّة»
وهو عليهالسلام وإن لم يكن نبيّا إلاّ أنّه لمّا كان بمنزلة نفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله حيث قال
تعالى:... وَأَنْفُسَنا... مريدا لهما(1).
وقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم احد لجبرئيل ـ بعد تعجّبه من مواساته له ـ: ما يمنعه من مواساتي وهو منّي وأنا منه فقال جبرئيل عليهالسلام : وأنا منكما(2).
وقال صلىاللهعليهوآله: أنا وعليّ من شجرة واحدة، وسائر النّاس من شجر شتّى(3).
وقال صلىاللهعليهوآله أيضا له عليهالسلام : الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي(4).
وَفِي خُطْبَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لَمَّا قُبِضَ أَبُوهُ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ
فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ وَلا يُدْرِكْهُ الآْخَرُونَ كَانَ يَبْعَثُهُ رَسُولُ اللّهِ لِلْحَرْبِ وَجَبْرَئِيلُ عليهالسلام عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عليهالسلام عَنْ يَسَارِهِ(5).
وكذلك قال صلىاللهعليهوآله في سيّدة النساء ـ صلوات اللّه عليها ـ: فاطمة بضعة منّي يرضيني ما يرضيها، ويسخطني ما يسخطها(6). وقد قررت ـ صلوات اللّه عليها ـ الرّجلين بذلك، وبعد إقرارهما بسماعهما له من أبيها فيها قالت: «اللّهمّ اشهد أنّهما أسخطانى»(7). وكذلك قال صلىاللهعليهوآله في ابنيه الحسن والحسين عليهماالسلام: إنّهما منه وأنّه منهما(8)، يصدق أنّهم شجرة النّبوّة.
وعن جابر الأنصاري قال: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : الناس من شجر شتى، وأنا
1) .آل عمران: 61.
2) . الارشاد: 85/1؛ بحار الأنوار: 85/20.
3) .تفسير فرات الكوفي: 161، ح203.
4) . الأمالي للصدوق: 97/ م21، ح1؛ بحار الأنوار: 137/65، ح75.
5) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 219/7؛ بحار الأنوار: 87/40.
6) . بحار: 212/29.
7) .الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 20/1؛ بحار الأنوار: 357/28.
8) . تاريخ مدينة دمشق: 219/13 وسنن الترمذي: 324/5، ح3864.
وأنت يا عليّ من شجرة واحدة. وتلا هذه الآية: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ...»(1)،(2).
وعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها»(3)قَالَ أَمَّا الشَّجَرَةُ فَرَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَفَرْعُهَا عَلِيٌّ عليهالسلام وَغُصْنُ الشَّجَرَةِ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَثَمَرُهَا أَوْلادُهَا عليهالسلام وَوَرَقُهَا شِيعَتُنَا ثُمَّ قَالَ عليهالسلام : إِنَّ الْمُؤمِنَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيَمُوتُ فَيَسْقُطُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقَةٌ وَإِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيُولَدُ فَتُورِقُ الشَّجَرَةُ وَرَقَةً(4).
وعَنْ سَلاّمِ بْنِ مُسْتَنِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى «مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً» الآْيَةَ(5)قَالَ الشَّجَرَةُ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَنَسَبُهُ ثَابِتٌ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَفَرْعُ الشَّجَرَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام وَغُصْنُ الشَّجَرَةِ فَاطِمَةُ عليهاالسلام وَثَمَرَاتُهَا الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ
عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ عليهمالسلام الحديث(6).
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
«كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ
رَبِّها»(1)فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: أَنَا أَصْلُهَا وَعَلِيٌّ فَرْعُهَا وَالْأَئِمَّةُ أَغْصَانُهَا(2).
لمّا كانت نفوسهم مستعدّة لدرجة الرسالة ـ وإن كانت النبوّة مختومة به صلىاللهعليهوآله ـ لكونهم عليهمالسلام مثله صلىاللهعليهوآله في العصمة والملكات الربّانية، فقد قال النّبيّ صلىاللهعليهوآلهلأمير
المؤنين عليهالسلام في المستفيض بل المتواتر: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدى»(3)يصدّق أنّهم عليهم محطّ الرسالة.
ويشهد بذلك ما عن حمران بن أعين عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّ جبرئيل أتى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله برمّانتين فأكل رسول اللّه إحداهما وكسر الاخرى بنصفين فأكل نصفا وأطعم عليا نصفا، ثمّ قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يا أخى هل تدرى ما هاتان الرّمانتان؟ قال: لا، قال: أمّا الاولى فالنبوّة ليس لك فيها نصيب، وأمّا الاخرى فالعلم فأنت شريكى فيه، فقلت: أصلحك اللّه كيف يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعلم اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله علما إلاّ وأمره أن يعلّمه عليّا(4).
وعن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول، نزل جبرئيل عليهالسلام على محمّد صلىاللهعليهوآله برمّانتين من الجنّة فلقيه عليّ عليهالسلام فقال: ما هاتان الرّمانتان اللتان في يديك؟ فقال: أمّا هذه فالنبوّة ليس لك فيها نصيب، وأمّا هذه فالعلم، ثمّ فلقها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول اللّه نصفها ثمّ قال: أنت شريكى فيه وأنا
شريكك فيه وقال عليهالسلام فلم يعلم واللّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حرفا مما علّمه اللّه إلاّ وقد علّمه عليا عليهالسلام ، ثمّ انتهى العلم إلينا ثمّ وضع يده على صدره(1).
انّ شاميّا رأى الحسن عليهالسلام راكبا، فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليهالسلام إليه، فسلّم عليه وضحك، وقال: أيّها الشيخ أظنّك غريبا، ولعلّك شبّهت فلو استعتبتنا أعتبناك(2)، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعا رحبا، وجاها عريضا، ومالا كبيرا. فلمّا سمع الرّجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه... «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ(3)»...(4).
و دخل عبداللّه بن مطرف بن ماهان على المأمون يوما وعنده عليّ بن موسى الرّضا عليهالسلام ، فقال له المأمون: ما تقول في أهل البيت فقال عبداللّه: ما قولي في طينة عجنت بماء الرسالة، وشجرة غرست بماء الوحي، هل ينفح منه إلاّ مسك الهدى وعنبر التّقى فدعا المأمون بحقّة فيها لؤؤ فحشا فاه(5).
قال ابن أبي الحديد: إن أراد بها نفسه وابنيه فهي أيضا صحيحة، ولكن مدلوله
مستنبط، فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنّه قال: يا جبرئيل إنّه منّي وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما(1).
وروى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: لقد صلّت الملائكة عليّ، وعلى عليّ سبع سنين، لم يصلّ على ثالث(2).
وفي خطبة الحسن عليهالسلام لمّا قبض أبوه: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهبالرّاية يبعثه وجبرئيل عن يمينه ومكائيل عن شماله(3).
وفي الحديث: في يوم احد سمع صوت من السّماء:
لا سيف إلاّ ذو الفقار *** ولا فتى إلاّ علي
وقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: هذا صوت جبرئيل(4).
و كذلك سيّدة النساء وسائر الأئمّة عليهمالسلام، روى محمّد بن يعقوب الكليني عن الصّادق عليهالسلام قال: إنّ فاطمة عليها السّلام مكثت بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله خمسة وسبعين يوما، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل عليهالسلام يأتيها فيحسن عزاها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها، وكان عليّ عليهالسلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السّلام(5).
وفي أخبار كثيرة: أنّ مصحف فاطمة عليها السّلام عند الأئمّة عليهمالسلام(6).
و لا يستبعد ذلك مخالفونا بعد كونها من أصحاب الكساء، ونزول آية التّطهير: «... إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1)فيها وفي ابنيها مع زوجها وأبيها، ودخولها في المباهلة في قوله تعالى: «... وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ...»(2).ونصّ القرآن على مخاطبة الملائكة لمريم عليهاالسلام في قوله تعالى: «وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ»(3). وتواتر عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عصرها، وإنّ بنته فاطمة سيّدة نساء العالمين(4).
وعن الصادق عليهالسلام : أنّ النّاس في ليلة القدر في صلاة ودعاء ومسألة، وصاحب هذا الأمر في شغل تنزّل الملائكة إليه بامور السنّة، من غروب الشمس إلى طلوعها «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»(5)،(6).
وروى ابن سعد ـ مع نصبه ـ بعد ذكر استيذان ملك الموت لقبض النّبيّ صلىاللهعليهوآله:
فتوفّي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وجاءت التّعزية يسمعون الصوت والحسّ ولا يرون الشّخص: السّلام عليكم يا أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ...»(7)إنّ في اللّه عزاء عن كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ ما فات، فباللّه فثقوا و إيّاه فارجوا، إنّما المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته(8).
وروي عن الواقدي عن رجل عن جعفر عن أبيه عن عليّ عليهالسلام قال: ودخل عليه رجلان من قريش، فقال: ألا اخبر كما عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قالا: بلى حدّثنا عن أبي القاسم. قال: لمّا كان قبل وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهبثلاثة أيّام، هبط إليه جبرئيل ـ ثمّ ذكر مثل الحديث الأوّل وقال في آخره ـ: فقال عليّ عليهالسلام : أ تدرون من هذا قالوا: لا. قال: هذا الخضر(1).
وروى محمّد بن يعقوب عن الباقر عليهالسلام قال: لمّا قبض النّبيّ صلىاللهعليهوآلهبات آل محمّد صلىاللهعليهوآله بأطول ليلة، حتّى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم، ولا أرض تقلّهم، لأنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله وتر الأقربين والأبعدين في اللّه، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه، ويسمعون كلامه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، إنّ في اللّه
عزاء من كلّ مصيبة، ونجاة من كلّ هلكة، ودركا لما فات، «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ»(2)، إنّ اللّه اختاركم، وفضّلكم وطهّركم، وجعلكم أهل بيت نبيّه، واستودعكم علمه، وأورثكم كتابه، وجعلكم تابوت علمه، وعصا عزّه، وضرب لكم مثلا من نوره، وعصمكم من الزّلل، وآمنكم من الفتن، فتعزّوا بعزاء اللّه فإنّ اللّه لم ينزع منكم رحمته، ولن يزيل عنكم نعمته، فأنتم أهل اللّه تعالى الّذين بهم تمّت النّعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الكلمة، وأنتم أولياؤ، فمن تولاّكم فاز، ومن ظلم حقّكم زهق، مودّتكم من اللّه واجبة في كتابه على عباده المؤنين، ثمّ اللّه على نصركم إذا يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الامور، فإنّها إلى اللّه
تصير، قد قبلكم اللّه من نبيّه وديعة، واستودعكم أولياءه المؤنين في الأرض، فمن
أدّى أمانته آتاه اللّه صدقه، فأنتم الأمانة المستودعة، ولكم المودّة الواجبة والطاعة المفروضة، وقد قبض النّبيّ صلىاللهعليهوآله وقد أكمل لكم الدّين وبيّن لكم سبيل المخرج، فلم يترك لجاهل حجّة، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى اللّه حسابه واللّه من وراء حوائجكم، وأستودعكم اللّه والسلام عليكم. فقال الرّاوي: ممّن أتاهم التّعزية قال عليهالسلام : من اللّه(1).
وعن مسمع كردين البصرى قال: كنت لا أزيد على اكلة باللّيل والنّهار فربّما استأذنت على أبي عبداللّه وأجد المائدة قد رفعت(2)لعلّى لا أراها بين يديه فاذا دخلت دعابها فاصيب معه من الطعام ولا أتأذّى بذلك واذا عقبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقرّ ولم أنم من النفخة، فشكوت ذلك إليه عليهالسلام وأخبرته بأنّى اذا أكلت عنده لم أتأذّبه، فقال: يا با سيّار إنّك تأكل طعام قوم صالحين تصافحهم الملائكة على فرشهم، قال: قلت: ويظهرون لكم قال، فمسح يده على بعض صبيانه فقال: هم ألطف بصبياننا منّا بهم(3).
وعن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال يا حسين وضرب بيده إلى مساور في البيت: مساور طال ما اتّكت عليها الملائكة وربّما التقطنا من زغبها(4)والمساور جمع المسورة وهو المتّكاء، والزّغب محرّكة صغار الريش ولينه.
1) .الكافي: 445/1، ح19؛ بحار الأنوار: 537/22، ح39.
2) . جملة حالية، يعنى استأذنت عليه والحال انى أجد في نفسى أن المائدة قد رفعت وانما فعلت ذلك لكيلا أرى المائدة بين يديه عليهالسلام والمعنى كنت أتعمد الاستيذان عليه بعد رفع المائدة لئلا يلزمنى الأكل لزعمى أنى أتضرر به الوافى: 634/3
3) .الكافي: 393/1، ح1؛ بحار الأنوار: 158/47، ح223.
4) .الكافي: 393/1، ح2 وكشف الغمة ط ـ القديمة: 187/2.
وعن أبي حمزة الثمالي قال: دخلت على عليّ بن الحسين عليهماالسلام فاحتبست في الدار ساعة ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئا وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت، فقلت: جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أىّ شيء هو؟ فقال: فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا نجعله سبحا لأولادنا، فقلت جعلت فداك وانّهم ليأتونكم؟ فقال: يا با حمزة انّهم ليزاحمونا على تكائتنا(1).
والسبح بالباء الموحدة النّوم والسّكون، وفي بعض النّسخ سيحا بالياء المثناة التحتانيّة وهو الكساء المخطط، وفي بصائر الدّرجات(2)سخابا بدله وهو ككتاب خيط ينظم فيه خرز ويلبسه الصبيان والجوارى، والتّكأة كهمزة ما يتّكا عليه.
وعن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليهالسلام قال: سمعته يقول: ما من ملك يهبطه اللّه في أمر ما يهبطه إلاّ بدء بالامام فعرض ذلك عليه، وأنّ مختلف الملائكة من عند اللّه تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر(3).
وعن أَحْمَد عَنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ بَرَّةَ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَتَنَزَّلُ عَلَيْنَا فِي رِحَالِنَا وَتَتَقَلَّبُ عَلَى فُرُشِنَا وَتَحْضُرُ مَوَائِدَنَا وَتَأْتِينَا فِي كُلِّ نَبَاتٍ فِي زَمَانِهِ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَتُقَلِّبُ عَلَيْنَا أَجْنِحَتَهَا وَتُقَلِّبُ أَجْنِحَتَهَا عَلَى صِبْيَانِنَا وَتَمْنَعُ الدَّوَابَّ أَنْ تَصِلَ إِلَيْنَا وَتَأْتِيَنَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ لِتُصَلِّيَهَا مَعَنَا وَمَا مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيْنَا وَلا لَيْلٍ إِلاّ وَأَخْبَارُ الْأَرْضِ عِنْدَنَا وَمَا يَحْدُثُ
فِيهَا وَمَا مِنْ مَلِكٍ يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَيَقُومُ غَيْرُهُ إِلاّ وَتَأْتِينَا بِخَبَرِهِ وَكَيْفَ كَانَ سِيرَتُهُ فِي الدُّنْيَا(1).
هذا، وروى عن سهل الأدميّ لمّا أن صنّف عبداللّه بن المغيرة كتابه (أي عن أحاديثهم عليهمالسلام) وعد أصحابه أن يقرأ عليهم في زاوية من زوايا مسجد الكوفة ـ وكان له أخ مخالف ـ فلمّا أن حضروا لاستماع الكتاب جاء الأخ وقعد، فقال لهم: انصرفوا اليوم، فقال الأخ: أين ينصرفون فإنّي أيضا جئت لما جاءوا. فقال: لما جاءوا قال: يا أخي رأيت ما يرى النّائم أنّ الملائكة تنزل من السماء. فقلت: لما ذا ينزل هؤاء فقال قائل: ينزلون يستمعون الكتاب الذي يخرجه عبداللّه بن المغيرة، فأنا أيضا جئت لهذا، وأنا تائب إلى اللّه تعالى. فسرّ عبداللّه بذلك(2).
قال أبو نواس في الرّضا عليهالسلام :
مطهّرون نقيّات ثيابهم *** تجري الصّلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علوّيا حين تنسبه *** فماله من قديم الدّهر مفتخر
فاللّه لما برا خلقا فأتقنه *** صفّاكم واصطفاكم أيّها البشر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم *** امّ الكتاب وما جاءت به السور(3)
وقال الفرزدق في السّجاد عليهالسلام :
من معشر حبّهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبّهم *** ويستربّ به الإحسان والنّعم
مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهم *** في كلّ بدء ومختوم به الكلم
إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يدانيهم قوم وإن كرموا بصائر
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحلّ الذّل ساحتهم *** خيم كريم وأيد بالعدى هضم
لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم *** سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أيّ الخلائق ليست في رقابهم *** لأوّلية هذا أوله نعم(1)
وروى المسعودي عنه عليهالسلام خبرا في مبدء الخليقة، وفيه قال عليهالسلام : قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: قال تعالى: وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق، ولا يعييهم خفي، وأجعلهم حجّتي على بريّتي، والمنبّهين على قدرتي ووحدانيّتي ـ إلى أن قال ـ: فنحن أنوار السماء، وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنّا مكنون العلم، وإلينا مصير الامور...(2)واستفاض عنهم عليهمالسلام قالوا: عندنا علم ما كان وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة(3).
وعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِاللّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عليهالسلام يَقُولُ وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: عَجَباً لِلنَّاسِ يَقُولُونَ أَخَذُوا عِلْمَهُمْ كُلَّهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله
فَعَمِلُوا بِهِ وَاهْتَدَوْا وَيَرَوْنَ أَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ لَمْ نَأْخُذْ عِلْمَهُ وَلَمْ نَهْتَدِ بِهِ وَنَحْنُ أَهْلُهُ وَذُرِّيَّتُهُ فِي مَنَازِلِنَا أُنْزِلَ الْوَحْيُ وَمِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ الْعِلْمُ أَ فَتَرَاهُمْ عَلِمُوا وَاهْتَدَوْا وَجَهِلْنَا وَضَلَلْنَا إِنَّ هَذَا مُحَالٌ(1).
وعن يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا يُونُسُ إِذَا أَرَدْتَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ فَخُذْ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَإِنَّا رَوَيْنَاهُ وَأُوتِينَا شَرْحَ الْحِكْمَةِ وَفَصْلَ الْخِطَابِ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَانَا وَآتَانَا ما لَمْ يُؤتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ(2).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ للّهِِ لَعِلْماً لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَعِلْماً يَعْلَمُهُ مَلائِكَتُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَأَنْبِيَاؤهُ الْمُرْسَلُونَ وَنَحْنُ نَعْلَمُهُ(3).
وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام يَمُصُّونَ الثِّمَادَ(4)وَيَدَعُونَ النَّهَرَ الْعَظِيمَ قِيلَ لَهُ وَمَنِ النَّهَرُ الْعَظِيمُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَإِنَّهُ وَالْعِلْمُ الَّذِي آتَاهُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله سُنَنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آدَمَ هَلُمَّ جَرّاً إِلَى مُحَمَّدٍ قِيلَ لَهُ وَمَا تِلْكَ السُّنَنُ قَالَ عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ إِنَّ اللّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله عِلْمَ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ وَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَيَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ـ فَأَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ أَعْلَمُ أَوْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام : اسْمَعُوا مَا نَقُولُ إِنَّ اللّهَ يَفْتَحُ مَسَامِعَ مَنْ يَشَاءُ إِنِّي حَدَّثْتُ أَنَّ اللّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله عِلْمَ النَّبِيِّينَ وَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ وَهُوَ يَسْأَلُنِي هُوَ أَعْلَمُ أَمْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ(5).
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ(1)قَالَ فَفَرَّجَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَوَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهِ ثُمَ قَالَ وَاللّهِ عِنْدَنَا عِلْمُ الْكِتَابِ كُلُّهُ(2).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام : إِنِّي سَأَلْتُ أَبَاكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهَا قَالَ وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْأَلُ قَالَ قُلْتُ لَهُ عِنْدَكَ عِلْمُ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله
وَكُتُبُهُ وَعِلْمُ الْأَوْصِيَاءِ وَكُتُبُهُمْ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ وَأَكْثِرُ مِنْ ذَاكَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ(3).
وعَنْ سَيْفٍ التَّمَّارِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ وَرَبِّ هَذِهِ الْكَعْبَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ مُوسَى وَالْخَضِرِ لَأَخْبَرْتُهُمَا أَنِّي أَعْلَمُ مِنْهُمَا وَلَأَنْبَأْتُهُمَا بِمَا لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمَا(4).
أى منهم عليهمالسلام يخرج الأحكام إلى العباد يجرى إلى الموادّ القابلة على حسب الاستعداد حسبما يجرى المياه من مجاريها ومنابعها فتربط الجاش وتسقى العطاش كما يروّى الماء للغليل ويقوى للعليل، والمراد بالحكم إمّا الأحكام الشرعية أو فصل الخطاب أعنى القضاء وقطع الخصومات بالصّواب في كلّ باب، ويحتمل أن يراد بالحكم الحكمة كما فسّربه قوله سبحانه: «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ
صَبِيًّا»(1)، قال الباقر عليهالسلام : مات زكريّا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبىّ صغير، ثمّ تلى هذه الآية(2)ويؤّد هذا الاحتمال ما في بعض النّسخ من ضبط الحكم بكسر الحاء وفتح الكاف وهو جمع الحكمة والحكمة هو الفهم والعقل وبه فسّره الكاظم عليهالسلام في قوله سبحانه: ولقد آتينا لقمان الحكمة(3)،(4)وقال الطبرسي: أى أعطيناه العقل والعلم والعمل به والاصابة في الأمور(5).
وكيف كان فلا غبار على كون الأئمة متّصفين بالحكم بأىّ معنى يراد، وهم الحاكمون بين العباد بالحقّ والصّواب والسّداد.
نزل على الصادق عليهالسلام قوم من جهينة فأضافهم، فلمّا أرادوا الرّحلة، زوّدهم ووصلهم وأعطاهم، ثمّ قال لغلمانه: تنحّوا لا تعينوهم. فلمّا فرغوا، جاءوا ليودّعوه، فقالوا له: يابن رسول اللّه لقد أضفت فأحسنت الضيافة، وأعطيت فأجزلت العطيّة، ثمّ أمرت غلمانك ألاّ يعينونا على الرّحلة. فقال عليهالسلام : إنّا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرّحلة من عندنا(6).
قال الشافعي:
إن كان رفضا حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي(7)
وقال الصاحب بن عبّاد:
يا ربّ سهّل زياراتي مشاهدهم *** فإنّ روحي تهوى ذلك الطّينا
يا ربّ صيّر حياتي في محبّتهم *** ومحشري معهم آمين آمينا(1)
وقال الزمخشري:
كثر الشكّ والخلاف وكلّ *** يدّعي الفوز بالصّراط السّويّ
فاعتصامي بلا إله سواه *** ثمّ حبّي لأحمد وعليّ
فاز كلب بحبّ أصحاب كهف *** كيف أشقى بحبّ آل نبيّ(2)
وعن جابر الأنصاري قال: كنت ذات يوم عند النّبيّ صلىاللهعليهوآله، إذ أقبل بوجهه على علي بن أبي طالب عليهالسلام فقال: ألا ابشّرك يا أبا الحسن قال: بلى يا رسول اللّه. قال: هذا جبرئيل يخبرني عن اللّه عزّ وجلّ أنّه قد أعطى شيعتك ومحبيّك سبع خصال: الرّفق عند الموت، والانس عند الوحشة، والنّور عند الظلمة، والأمن عند الفزع، والقسط عند الميزان، والجواز على الصّراط، ودخول الجنّة قبل النّاس «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ»(3).(4)
وعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقال: يا محمّد اعرض عليّ الإسلام. فقال: تشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: تسألني عليه أجرا. قال: لا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى(5). قال: قرابتي أو قرابتك. قال:
قرابتي. قال: هات أبايعك، فعلى من لا يحبّك ولا يحبّ قرابتك لعنة اللّه. فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: آمين(1).
وروى أيضا عنه صلىاللهعليهوآله قال: من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويتمسّك بالقضيب الياقوتة الّتي خلقها اللّه تعالى، ثمّ قال لها: كوني فكانت، فليتولّ عليّ بن أبي الطالب من بعدي(2).
و قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ النَّاسَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى حُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَمَا خَلَقَ اللّهُ النَّارَ(3).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنِّي لَأَرْجُو لِأُمَّتِي فِي حُبِّ عَلِيٍّ كَمَا أَرْجُو فِي قَوْلِ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ(4).
وعن علي بن موسي الرضا ع... رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله قَالَ حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ عليهالسلام قَالَ سَمِعْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُول: كَلِمَةُ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ حِصْنِي فَمَنْ قَالَهَا دَخَلَ حِصْنِي وَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي(5).
وقال: أخذ بيد الحسن والحسين عليهماالسلام فقال: من أحبّني وأحبّ هذين و أباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة(6).
وقال صلىاللهعليهوآله: حبّي وحبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهنّ عظيمة: عند
1) .كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام : 90.
2) . كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام : 82.
3) .مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: 238/3؛ بحار الأنوار: 248/39، ح8.
4) . بشارة المصطفي: 145؛ بحار الأنوار: 249/39، ح13.
5) .كشف الغمة ط ـ القديمة: 308/2؛ بحار الأنوار: 49/ 127.
6) . كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام : 81.
الوفاة، وفي القبر، وعند النّشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصّراط(1).
وعن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: من مات على حبّ آل محمّد مات تائبا. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرّحمة(2).
وروى أبو الفرج بأسانيد: أنّ الحسن عليهالسلام خطب بعد وفاة أبيه فقال: إنا من أهل البيت... الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا(3)والّذين افترض اللّه مودّتهم في كتابه إذ يقول: «... وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً...»(4)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت(5).
وروى أيضا بأسانيد عنه عليهالسلام : قال لسفيان بن الليل: فأبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليهالسلام يقول: سمعت النّبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي ومن أحبّهم من أمّتي كهاتين ـ يعني السّبابتين ـ أو كهاتين ـ يعني السّبابة والوسطى ـ إحداهما تفضل على الاخرى(6).
وعن بلال بن حمامة قال: طلع علينا النّبيّ صلىاللهعليهوآله ذات يوم متبسّما ضاحكا، ووجهه مشرق كدارة القمر، فقام إليه عبد الرّحمن بن عوف، فقال: يا رسول اللّه ما هذا النّور قال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، فإن اللّه تعالى
زوّج عليّا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان، فهزّ شجرة طوبى، فحملت رقاقا ـ يعني صكاكا ـ بعدد محبّي أهل البيت ـ إلى أن قال ـ: فلا يبقى محبّ لأهل البيت إلاّ دفعت الملائكة إليه صكّا فيه فكاكه من النّار(1).
وعن الرّضا عن آبائه عليهمالسلام أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهتلا هذه الآية: «لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ»(2). فقال صلىاللهعليهوآله أصحاب الجنّة من أطاعني وسلّم لعليّ بن أبي طالب بعدى وأقرّ بولايته، فقيل وأصحاب النّار قال من سخط الولاية ونقض العهد وقاتله بعدى(3).
وعن عباد الكلبيّ عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن عليّ عن امّه فاطمة بنت محمّد صلوات اللّه عليهم قالت خرج علينا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عشيّة عرفة فقال: إنّ اللّه تبارك تعالى باهى بكم وغفر لكم عامّة ولعلىّ خاصّة، وإنّى رسول اللّه إليكم غير محاب لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني أنّ السّعيد كلّ السّعيد حقّ السّعيد من أحبّ عليّا في حياته وبعد موته، وأنّ الشقىّ كلّ الشقيّ حقّ الشّقي من أبغض عليّا في حياته وبعد وفاته(4).
وعن الرّضا عليهالسلام قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام من أحبّك كان مع النّبيّين في درجتهم يوم القيامة، ومن مات وهو يبغضك فلا يبالي مات يهوديا او نصرانيا(5).
و روى عن الكاظم عليهالسلام قال: إنّ اللّه تعالى غضب على الشّيعة(6). فخيّرني نفسي
1) . الفصول المهمة ابن صباغ: 149.
2) . الحشر: 20.
3) . الأمالي للطوسي: 363/ م13، ح762 ـ 13؛ بحار الأنوار: 203/27، ح2.
4) .الأمالي للصدوق: 182/ م 34، ح8؛ بحار الأنوار: 74/27، ح14 ـ 1.
5) . عيون أخبار الرضا عليهالسلام : 58/2، ح221؛ بحار الأنوار: 79/27، ح16.
6) .لتركهم التقية أو عدم انقيادهم لامامهم وخلوصهم في متابعته مرآة العقول: 126/3.
أو هم، فوقيتهم واللّه بنفسي(1).
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام فِي قَوْلِهِ: «ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»(2)قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام : لا يَجْتَمِعُ حُبُّنَا وَحُبُّ عَدُوِّنَا فِي جَوْفِ إِنْسَانٍ ـ إِنَّ اللّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ـ فَيُحِبُّ هَذَا وَيُبْغِضُ هَذَا فَأَمَّا مُحِبُّنَا فَيُخْلِصُ الْحُبَّ لَنَا ـ كَمَا يُخْلَصُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ لا كَدَرَ فِيهِ ـ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ حُبَّنَا فَلْيَمْتَحِنْ قَلْبَهُ ـ فَإِنْ شَارَكَهُ فِي حُبِّنَا حُبُّ عَدُوِّنَا ـ فَلَيْسَ مِنَّا وَلَسْنَا مِنْهُ وَاللّهُ عَدُوُّهُمْ وَجَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَاللّهُ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ(3).
وعَنْ حُبَيْشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ كَيْفَ أَمْسَيْتَ قَالَ أَمْسَيْتُ مُحِبّاً لِمُحِبِّنَا وَمُبْغِضاً لِمُبْغِضِنَا وَأَمْسَى مُحِبُّنَا مُغْتَبِطاً بِرَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ كَانَ يَنْتَظِرُهَا وَأَمْسَى عَدُوُّنَا يُؤسِّسُ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَكَأَنَّ ذَلِكَ الشَّفَا قَدِ انْهَارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَكَأَنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ قَدْ فُتِحَتْ لِأَهْلِهَا فَهَنِيئاً لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ رَحْمَتُهُمْ وَالتَّعْسُ(4)لِأَهْلِ النَّارِ وَالنَّارُ لَهُمْ يَا حُبَيْشُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ أَ مُحِبٌّ لَنَا أَمْ مُبْغِضٌ فَلْيَمْتَحِنْ قَلْبَهُ فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ وَلِيّاً لَنَا فَلَيْسَ بِمُبْغِضٍ لَنَا وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُ وَلِيّاً لَنَا فَلَيْسَ بِمُحِبٍّ لَنَا إِنَّ اللّهَ تَعَالَى أَخَذَ الْمِيثَاقَ لِمُحِبِّينَا بِمَوَدَّتِنَا وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ اسْمَ مُبْغِضِنَا نَحْنُ النُّجَبَاءُ وَأَفْرَاطُنَا أَفْرَاطُ الْأَنْبِيَاء(5).
وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عليهالسلام يَقُولُ مَنْ أَحَبَّنَا للّهِِ وَأَحَبَّ مُحِبَّنَا لا لِغَرَضِ دُنْيَا يُصِيبُهَا مِنْهُ وَعَادَى عَدُوَّنَا لا لإِحْنَةٍ(1)كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثُمَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ وَزَبَدِ الْبَحْرِ غَفَرَ اللّهُ تَعَالَى لَه(2). وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَنْ أَحَبَّنَا وَأَبْغَضَ عَدُوَّنَا فِي اللّهِ مِنْ غَيْرِ وَتِيرَةٍ وَتَرَهَا إِيَّاهُ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ زَبَدِ الْبَحْرِ غَفَرَهَا اللّهُ لَهُ(3).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجْمَعَ اللّهُ لَهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فَلْيُوَالِ عَلِيّاً بَعْدِي وَلْيُوَالِ أَوْلِيَاءَهُ وَلْيُعَادِ أَعْدَاءَهُ(4).
وعَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنِ الرِّضَا عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام : مَنْ سَرَّهُ أَنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّهِ حِجَابٌ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى اللّهِ وَيَنْظُرَ اللّهُ إِلَيْهِ فَلْيَتَوَالَ آلَ مُحَمَّدٍ وَيَتَبَرَّأْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَيَأْتَمَّ بِالاْءِمَامِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ نَظَرَ اللّهُ إِلَيْهِ وَنَظَرَ إِلَى اللّهِ(5).
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللّهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ وَيَنْظُرَ اللّهُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ فَلْيَتَوَلَّ آلَ مُحَمَّدٍ وَلْيَتَبَرَّأْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَلْيَأْتَمَّ بِإِمَامِ الْمُؤمِنِينَ مِنْهُمْ
فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَظَرَ اللّهُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ وَنَظَرَ إِلَى اللّهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ(6).
1) .الإحنة: الحقد والعداوة.
2) . الأمالي للطوسي: 156/ م 6، ح259 ـ 11؛ بحار الأنوار: 54/27، ح7.
3) .ثواب الاعمال: 170؛ بحار الأنوار: 55/27، ح10.
4) . الأمالي للصدوق: 474/ م 72، ح7؛ بحار الأنوار: 55/27، ح9.
5) .قرب الاسناد ط ـ الحديثة: 351؛ بحار الأنوار: 81/23، ح17.
6) . المحاسن: 60/1، ح101؛ بحار الأنوار: 90/27، ح42.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: يَا عَلِيُّ إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي فِيكَ بِأَمْرٍ قَرَّتْ بِهِ عَيْنِي وَفَرِحَ بِهِ قَلْبِي قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ لِي أَقْرِئْ مُحَمَّداً مِنِّي السَّلامَ وَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلِيّاً إِمَامُ الْهُدَى وَمِصْبَاحُ الدُّجَى وَالْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَالْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ وَإِنِّي آلَيْتُ بِعِزَّتِي أَنْ لا أُدْخِلَ النَّارَ أَحَداً تَوَلاّهُ وَسَلَّمَ لَهُ وَلِلأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَلا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ مَنْ تَرَكَ وَلايَتَهُ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ وَلِلأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَحَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ وَأَطْبَاقَهَا مِنْ أَعْدَائِهِ وَلَأَمْلأَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَشِيعَتِه(1).
ولنعم ما قال أبو نواس:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا *** فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن *** فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا *** وجميل ظني ثم إني مسلم
مستمسكا بمحمد وبآله *** إن الموفق من بهم يستعصم (يستمسك)
1) .مائة منقية من مناقب امير المؤنين والائمة عليهم السلام: 56؛ بحار الأنوار: 113/27، ح88.
ثم الشفاعة من نبيك أحمد *** ثم الحماية من علي أعلم
ثم الحسين وبعده أولاده *** ساداتنا حتى الإمام المكتم
سادات حر ملجأ مستعصم *** بهم ألوذ فذاك حصن محكم(1)
روى الكنجي الشّافعي مسندا: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ عليهالسلام : لو أنّ أمّتي أبغضوك لأكبّهم اللّه في النّار(2).
وروى الثّعلبي عن جرير البجلي قال: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: ألا ومن مات على بغض آل محمّد صلىاللهعليهوآله، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه «آيس من رحمة اللَّه»، ألا ومن مات على بغض آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، لم يشمّ رائحة الجنّة(3).
و خطب النّبي صلىاللهعليهوآله فقال: أيّها النّاس من أبغضنا أهل البيت بعثه اللّه يوم القيامة يهوديا(4).
وقال صلىاللهعليهوآله: لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ بعثه اللّه يوم القيامة أجذم(5).
وعن أبي عمر البزّاز قال: سمعت الشّعبي وهو يقول: ـ وكان إذا غدا إلى القضاء جلس في دكاني فإذا رجع جلس في دكاني ـ فقال لي ذات يوم: يا أبا عمر إنّ لك عندي حديثا أحدّثك به. قال: قلت له: يا أبا عمرو(1)ما زال لي ضالّة عندك قال: فقال لي: لا أمّ لك فأيّ ضالّة تقع لك عندي قال: فأبى أن يحدّثني يومئذ، ثمّ سألته بعد فقلت: يا أبا عمرو حدّثني بالحديث الّذي قلت لي. قال: سمعت الحارث الأعور وهو يقول: أتيت أمير المؤنين عليّا عليهالسلام ذات ليلة فقال: يا أعور ما جاء بك فقلت: جاء بي واللّه حبّك. فقال: أما إنّي ساحدّثك لتشكرها، أما إنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يحبّ، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يكره...(2).
و روى القتيبي عن الشّعبي أيضا قال: ما لقينا من آل أبي طالب إن أحببناهم قتلونا، وإن أبغضناهم أدخلونا النّار(3).
وعن الصّادق عليهالسلام ما معناه: أنّ النّاصب شرّ من ولد الزّنا، وولد الزّنا شرّ من الكلب والخنزير(4).ولو شفّع كلّ نبيّ مرسل وملك مقرّب للنّاصب ما شفّعوا(5).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ ـ إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ الاْءِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ـ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاْءِسْلامِ ـ وَكَلِمَةُ الاْءِخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ ـ وَإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ ـ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ ـ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ ـ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ ـ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ ـ وَصِلَةُ الرَّحِمِ ـ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ ـ وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ ـ وَصَدَقَةُ الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ـ وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ ـ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ ـ وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ ـ وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ ـ وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ ـ وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ ـ وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ ـ وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ ـ وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ـ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ ـ بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ـ وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ أَلْوَم.
روي الشيخ مسنداً عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: أَفْضَلُ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ الاْءِيمَانُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَكَلِمَةُ الاْءِخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ وَإِقَامَةُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ اللّهِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللّهِ وَحِجُّ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مِيقَاتٌ لِلدِّينِ وَمَدْحَضَةٌ لِلذَّنْبِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهُ مَثْرَاةٌ لِلْمَالِ مَنْسَاةٌ لِلأَجَلِ وَالصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْخَطِيئَةَ وَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ وَتَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ أَلا فَاصْدُقُوا فَإِنَّ اللّهَ مَعَ مَنْ صَدَقَ وَجَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَ الْكَذِبَ مُجَانِبُ الاْءِيمَانِ أَلا وَإِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ أَلا وَإِنَّ الْكَاذِبَ عَلَى شَفَا مَخْزَاةٍ وَهَلَكَةٍ أَلا وَقُولُوا خَيْراً تُعْرَفُوا بِهِ وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ وَصِلُوا مَنْ قَطَعَكُمْ وَعُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَيْهِمْ(1).
ونقله الحلبي مع اضافات فقال: ـ خطبته عليهالسلام المعروفة بالديباج ـ الْحَمْدُ للّهِِ فَاطِرِ الْخَلْقِ وَخَالِقِ الاْءِصْبَاحِ وَمُنْشِرِ الْمَوْتَى وَبَاعِثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلىاللهعليهوآله عِبَادَ اللّهِ إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الاْءِيمَانُ بِاللّهِ وَبِرُسُلِهِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاْءِسْلامِ(2)وَكَلِمَةُ الاْءِخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ وَإِقَامَةُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ وَحِجُّ الْبَيْتِ وَالْعُمْرَةُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيُكَفِّرَانِ الذَّنْبَ وَيُوجِبَانِ الْجَنَّةَ وَصِلَةُ
الرَّحِمِ فَإِنَّهَا ثَرْوَةٌ فِي الْمَالِ(1)وَمَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ وَتَكْثِيرٌ لِلْعَدَدِ وَالصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ
فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطَأَ وَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالصَّدَقَةُ فِي الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ وَأَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ(2)فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ وَهُوَ أَمَانٌ مِنَ النِّفَاقِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَتَذْكِيرٌ لِصَاحِبِهِ عِنْدَ كُلِّ خَيْرٍ يَقْسِمُهُ اللّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَلَهُ دَوِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ(3)وَارْغَبُوا فِيمَا وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فَإِنَّ وَعْدَ اللّهِ أَصْدَقُ الْوَعْدِ وَكُلُّ مَا وَعَدَ فَهُوَ آتٍ كَمَا وَعَدَ فَاقْتَدُوا بِهَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله(4)فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَشْرَفُ السُّنَنِ وَتَعَلَّمُوا كِتَابَ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُ الْمَوْعِظَةِ وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْقَصَصِ ـ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْكُمْ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(5)
وَإِذَا هُدِيتُمْ لِعِلْمِهِ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ(6)بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ أَلْوَمُ وَالْحَسْرَةُ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِثْلُ مَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ وَكِلاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ مُضِلٌّ مَفْتُونٌ مَبْتُورٌ ما هُمْ فِيهِ(7)وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُون، «عِبَادَ اللّهِ لا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا وَلا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا
1) . الثروة: الكثرة. وفي النهج [مثراة]. المنسأة ـ من النساء ـ: التأخير.
2) .أفيضوا: أسرعوا واندفعوا.
3) . الدّوىّ: الصوت.
4) .الهدى ـ بالفتح ـ: الطريقة والسيرة.
5) . الأعراف: 203.
6) .أي كالجاهل المتحير الذي لا يفيق من جهله.
7) . البائر: الفاسد، الهالك، الذي لا خير فيه وفي المثل «حائر بائر» أي لا يطيع مرشدا و لا يتّجه لشيء: والمبتور: المقطوع.
وَلا تَكْفُرُوا فَتَنْدَمُوا وَلا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَدْهَنُوا وَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ فَتَهْلِكُوا وَلا تُدَاهِنُوا(1)فِي الْحَقِّ إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ وَعَرَفْتُمُوهُ فَتَخْسَرُوا خُسْراناً مُبِيناً.
عِبَادَ اللّهِ إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَتَّقُوا اللّهَ وَإِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَلاّ تَغْتَرُّوا بِاللّهِ.
عِبَادَ اللّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وَأَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لَهُ.
عِبَادَ اللّهِ إِنَّهُ مَنْ يُطِعِ اللّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ وَمَنْ يَعْصِهِ يَخِبْ وَيَنْدَمْ وَلا يَسْلَمْ.
عِبَادَ اللّهِ سَلُوا اللّهَ الْيَقِينَ فَإِنَّ الْيَقِينَ رَأْسُ الدِّينِ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ فَإِنَّ أَعْظَمَ النِّعْمَةِ الْعَافِيَةُ فَاغْتَنِمُوهَا لِلدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي التَّوْفِيقِ فَإِنَّهُ أُسٌ وَثِيقٌ(2)وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ مَا لَزِمَ الْقَلْبَ الْيَقِينُ وَأَحْسَنَ الْيَقِينِ التُّقَى وَأَفْضَلَ أُمُورِ الْحَقِّ عَزَائِمُهَا وَشَرَّهَا مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَبِالْبِدَعِ هَدْمُ السُّنَنِ، الْمَغْبُونُ مَنْ غبنَ دِينهُ وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَحَسُنَ يَقِينُهُ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ.
عِبَادَ اللّهِ اعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَأَنَّ إِخْلاصَ الْعَمَلِ الْيَقِينُ وَالْهَوَى يَقُودُ إِلَى النَّارِ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ اللَّهْوِ يُنْسِي الْقُرْآنَ وَيُحْضِرُ الشَّيْطَانَ وَالنَّسِيءَ(3)زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ وَأَعْمَالَ الْعُصَاةِ تَدْعُو إِلَى سَخَطِ الرَّحْمَنِ وَسَخَطَ الرَّحْمَنِ يَدْعُو إِلَى النَّارِ وَمُحَادَثَةَ النِّسَاءِ تَدْعُو إِلَى الْبَلاءِ وَتُزِيغُ الْقُلُوبَ وَالرَّمْقَ لَهُنَّ يَخْطَفُ نُورَ أَبْصَارِ
الْقُلُوبِ(1)وَلَمْحَ الْعُيُونِ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ السُّلْطَانِ يُهَيِّجُ النِّيرَانَ.
عِبَادَ اللّهِ اصْدُقُوا فَإِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ وَجَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ وَإِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ(2)وَالْكَاذِبَ عَلَى شَفَا مَهْوَاةٍ وَهَلَكَةٍ وَقُولُوا الْحَقَّ تُعْرَفُوا بِهِ وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا وَصِلُوا أَرْحَامَ مَنْ قَطَعَكُمْ وَعُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ وَإِذَا عَاقَدْتُمْ فَأَوْفُوا وَإِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا وَإِذَا ظُلِمْتُمْ فَاصْبِرُوا وَإِذَا أُسِيءَ إِلَيْكُمْ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُعْفَى عَنْكُمْ وَلا تَفَاخَرُوا بِالآْبَاءِ ـ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاْءِيمانِ(3)وَلا تَمَازَحُوا وَلا تَغَاضَبُوا وَلا تَبَاذَخُوا(4)ـ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً(5)وَلا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الاْءِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ(6)وَأَفْشُوا السَّلامَ فِي الْعَالَمِ وَرُدُّوا التَّحِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا وَارْحَمُوا الْأَرْمَلَةَ(7)وَالْيَتِيمَ وَأَعِينُوا الضَّعِيفَ وَالْمَظْلُومَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَالْمُكَاتَبَ وَالْمَسَاكِينَ وَانْصُرُوا الْمَظْلُومَ وَأَعْطُوا الْفُرُوضَ وَجاهِدُوا
1) . والرمق: طول النظر إلى الشيء وفعله من باب قتل واللمحة ـ بالفتح ـ: النظرة بالعجلة والنظرة الخفيفة اي ونظر العيون إليهن بنظر خفيف من حبائل الشيطان ومكائده.
2) .شرف ـ بالتحريك ـ: العلو والمكان العالى. والمنجاة ـ بالفتح ـ: الباعث على النجاة ويقال: الصدق منجاة أي منج. وشفا كل شيء طرفه وجانبه والمهواة: ما بين الجبلين ونحوه.
3) . الحجرات: 11.
4) . التمازح: التداعب و التلاعب. و التباذخ: التفاخر.
5) . الحجرات: 12.
6) .الحالقة: الخصلة السيئة التي تحلق أي تهلك كل خصلة حسنة.
7) . الارملة: الضعفاء. ويطلق أيضا على المسكين ومن لا أهل له ومن ماتت زوجها.
أَنْفُسَكُمْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاقْرُوا الضَّيْفَ(1)وَأَحْسِنُوا الْوُضُوءَ وَحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ بِمَكَانٍ ـ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ـ فَإِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ(2)تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الاْءِثْمِ وَالْعُدْوانِ(3)وَاتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(4).
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ الْأَمَلَ يُذْهِبُ الْعَقْلَ وَيُكَذِّبُ الْوَعْدَ وَيَحُثُّ عَلَى الْغَفْلَةِ وَيُورِثُ الْحَسْرَةَ فَاكْذِبُوا الْأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ وَإِنَّ صَاحِبَهُ مَأْزُورٌ(5)فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا وَاجْمَعُوا مَعَهَا رَغْبَةً فَإِنَّ اللّهَ قَدْ تَأَذَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْحُسْنَى(6)وَلِمَنْ شَكَرَ بِالزِّيَادَةِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَلا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا وَلا أَكْثَرَ مُكْتَسِباً مِمَّنْ كَسَبَهُ الْيَوْمَ تُذْخَرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَإِنَّ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ وَمَنْ لا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى تَضُرُّهُ الضَّلالَةُ(7)وَمَنْ لا يَنْفَعُهُ الْيَقِينُ يَضُرُّهُ الشَّكُّ وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ(8)وَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ.
أَلا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ طُولُ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا
1) . قرى الضيف. أضافه.
2) .البقرة: 158 وقوله «تطوّع» أي تبرّع.
3) . المائدة: 2.
4) .آل عمران: 102.
5) . المأزور: الآثم ـ من وزر ـ وقياسه موزور.
6) .الحسنى: العاقبة الحسنة.
7) . لأنّه ليس بين الهدى والضلالة شيء فان وراء الهدى ضلال كله. وفي النهج [و من لم يستقم به الهدى يجربه الضلال إلى الردى].
8) . الظعن: الرحيل والامر تكوينى والمراد بالزاد عمل الصالحات وترك السيئات.
قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِانْقِلاعٍ(1). أَلا وَإِنَّ الآْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَآذَنَتْ بِاطِّلاعٍ أَلا وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَالسِّبَاقَ غَداً. أَلا وَإِنَّ السُّبْقَةَ [السَّبَقَةَ] الْجَنَّةُ وَالْغَايَةَ النَّارُ أَلا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلٍ مِنْ وَرَائِهِ(2)أَجَلٌ يَحُثُّهُ الْعَجَلُ فَمَنْ أَخْلَصَ للّهِِ عَمَلَهُ فِي أَيَّامِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَلمْ يَضُرَّهُ أَجَلُهُ وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ ضَرَّهُ أَجَلُهُ وَلَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ.
عِبَادَ اللّهِ افْزَعُوا إِلَى قِوَامِ دِينِكُمْ(3)بِإِقَامِ الصَّلاةِ لِوَقْتِهَا وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي حِينِهَا وَالتَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَخَوْفِ الْمَعَادِ وَإِعْطَاءِ السَّائِلِ وَإِكْرَامِ الضَّعَفَةِ وَالضَّعِيفِ وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَصِدْقِ الْحَدِيثِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِذَا اؤتُمِنْتُمْ ـ وَارْغَبُوا فِي ثَوَابِ اللّهِ وَارْهَبُوا عَذَابَهُ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ وَاعْمَلُوا بِالْخَيْرِ تُجْزَوْا بِالْخَيْرِ
1) . آذنت أي أعلمت، وإعلامها هو ما أودع في طبيعتها من التقلّب والتحوّل. ومن نظر إليها تحصل له اليقين بفنائها. والاطّلاع من اطّلع على فلان أي أشرف وأتاه ويفهم منه الإتيان بفجأة. وفي النهج كذا [قد آذنت بوداع والآخرة قد أشرفت باطلاع ألا وان اليوم المضمار وغدا السباق]. والمضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل. وتضميره أن تربط ويكثر علفها وماؤا حتى تسمن ثمّ يقلل علفها وماؤا وتجرى في الميدان حتّى تهزل وذلك في مدّة أربعين يوما وهذه المدة أيضا تسمّى المضمار. والسباق: المسابقة وإجراء الخيل في مضمار فتسابق فيه. والسبقة ـ بفتح فسكون ـ: المرة من السبق ـ وبفتحتين ـ: الغاية المحبوبة التي يحب السابق أن يصل إليها، و ـ بضم فسكون ـ: ما يتراهن عليه المتسابقون وهذا الكلام على سبيل الاستعارة أي العمل في الدنيا للاستباق في الآخرة.
2) . المهل ـ بالفتح ـ: المهلة. وأيضا. الرفق. وفي النهج «أمل». أى الامل في البقاء واستمرار الحياة.
3) . الافزاع: الاخافة، الإغاثة وإزالة الفزع ضد.
يَوْمَ يَفُوزُ بِالْخَيْرِ مَنْ قَدَّمَ الْخَيْرَ أَقُولُ قَوْلِي وَأَسْتَغْفِرُ اللّهَ لِي وَلَكُمْ(1).
وروي الكليني مسندا عن محمد البرقي رفعه قال: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فِي
كَلامٍ لَهُ خَطَبَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ عَنْ جَهْلِهِ بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةَ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ وَكِلاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ لا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا وَلا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا وَلا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتُدْهِنُوا وَلا تُدْهِنُوا فِي الْحَقِّ فَتَخْسَرُوا وَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَفَقَّهُوا وَمِنَ الْفِقْهِ أَنْ لا تَغْتَرُّوا وَإِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ وَأَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاكُمْ لِرَبِّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ يَخِبْ وَيَنْدَمْ(2).
قد عرفت ان (التحف) قال ان هذه الخطبة معروفة بالديباج لكن ليس في ما نقل لفظ ديباج فان وصفت بالوسيلة فله مناسبة.
أي: تقرّب به المتقربون، وهو واجب عقلا وقد نبّه تعالى عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ...(3)
جعله عليهالسلام أول الوسائل لأنّه الأصل، قال تعالى: «آمَنَ
الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِير»(1).
والمراد به هنا التصديق المجرّد عن الاقرار والعمل بقرينة ذكر كلمة الاخلاص التي هو الاقرار وساير العبادات التي هو من باب الأعمال بعده، وتحقيق المقام يحتاج إلى بسط في المقال وبيان الفرق بين الاسلام والايمان.
إعلم إنّك قد عرفت المعنى اللّغوى للايمان وأنه التّصديق، وأما الاسلام فمعناه لغة هو التّسليم والانقياد، وأمّا في لسان الشرع فقد يستعملان على التساوق والترادف كما في قوله تعالى: «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»(2).
ولم يكن بالاتفاق إلاّ بيت واحد وقال تعالى: «يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ»(3)وقال تعالى: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ(4).
وربما استعملا على التقابل كما في قوله تعالى: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاْءِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(5)فقد نفى عنهم الايمان مع اثبات وصف الاسلام.
والمستفاد من كلام أكثر الأصحاب ومعظم أخبار الأئمة الأطهار الأطياب أنّ الاسلام أعمّ من الايمان:
قال الصّادق عليهالسلام في رواية الفضيل بن يسار عنه عليهالسلام : الايمان يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان(1).
وفي رواية سماعة بن مهران قال: سألته عن الايمان والاسلام قلت: أفرق بين الاسلام والايمان؟ قال: فأضرب لك مثله قال: قلت أراد «أورد خ» ذلك قال: مثل الايمان والاسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم، قد تكون في الحرم ولا تكون في الكعبة ولا تكون في الكعبة حتى تكون في الحرم، وقد يكون مسلما ولا يكون مؤنا ولا يكون مؤنا حتى يكون مسلما(2).
وفي رواية أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : أيّهما أفضل الايمان أو الاسلام؟ فانّ من قبلنا يقولون إنّ الاسلام أفضل من الايمان، فقال: الايمان أرفع من الاسلام، قلت: فاوجدنى ذلك، قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمّدا؟ قال: قلت: يضرب ضربا شديدا، قال: أصبت فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمّدا؟ قلت: يقتل، قال: أصبت ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد وأنّ الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا يشرك الكعبة، وكذلك الايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان(3).
فانّ المستفاد من هذه الرّوايات وأمثالها أنّه كلّما وجد الايمان وجد الاسلام لا
بالعكس وذلك: اما من جهة أنّ الاسلام عبارة عن التصديق بالظاهر أعني الاعتراف باللّسان والايمان عبارة عن التّصديق بالباطن، والأوّل غير مستلزم للثّاني ولذلك كذب اللّه سبحانه الأعراب بقوله: قل لم تؤنوا، في دعويهم وصف الايمان لأنفسهم، حيث قالوا آمنّا، وذلك لأجل أنهم لم يكونوا مصدّقين بالباطن و لم يكونوا على ثقة وطمأنينة فيما أقرّوا به ظاهرا، وأثبت لهم وصف الاسلام بقوله: ولكن قولوا أسلمنا باعتبار شهادتهم بالتوحيد والرّسالة واعترافهم ظاهرا.
ويدلّ على ما ذكرنا ما عن سماعة قال: قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : أخبرني عن الاسلام والايمان أهما مختلفان؟ فقال عليهالسلام : إنّ الايمان يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان فقلت: فصفهما لى، فقال عليهالسلام : الاسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه والتصديق برسول اللّه صلىاللهعليهوآله به حقنت الدّماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة النّاس، والايمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام وما ظهر من العمل به، والايمان أرفع من الاسلام بدرجة، إنّ الايمان يشارك الاسلام في الظّاهر، والاسلام لا يشارك الايمان في الباطن، وان اجتمعا في القول والصفة(1).
ونحوه رواية فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: إنّ الايمان يشارك الاسلام ولا يشاركه الاسلام، إنّ الايمان ما وقر في القلوب، والاسلام ما عليه المناكخ والمواريث وحقن الدّما، والايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان(2).
وأمّا من جهة أنّ الاسلام عبارة عن الشّهادة بالتوحيد والرسالة مع التصديق الباطني وبدونه، سواء كان معه الاقرار بالولاية والاذعان بها أم لا، والايمان يعتبر فيه ذلك.
ويرشد إليه ما عن سفيان بن السمط قال: سأل رجل أبا عبداللّه عليهالسلام عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما فلم يجبه ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبداللّه عليهالسلام : كأنه قد أزف منك رحيل، فقال: نعم، فقال: فالقنى في البيت فلقاه فسأله عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما؟ فقال عليهالسلام : الاسلام ما هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه وإقام الصّلاة وايتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان فهذا الاسلام، وقال: الايمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فان أقرّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا(1).
وعن عجلان بن أبي صالح قال: قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : أوقفنى على حدود الايمان، فقال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وسلّم والاقرار بجميع ما جاء من عند اللّه وصلاة الخمس وأداء الزكاة وصوم شهر رمضان وحجّ البيت وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصّادقين(2).
فانّ المراد بالدّخول مع الصادقين الدّخول في زمرة آل محمّد سلام اللّه عليهم والكون معهم كما قال: يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وكونوا مع الصّادقين(3).
واما من جهة أنّ الايمان يعتبر فيه العمل دون الاسلام أعنى العمل بما يقتضيه ذلك التّصديق.
ويدلّ عليه ما عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال: الايمان إقرار وعمل والاسلام إقرار بلا عمل(1).
فانّ الظّاهر أنّ قوله: والاسلام إقرار بلا عمل هو أنّ العمل غير معتبر فيه لا أنّ عدمه فيه معتبر، ويدلّ عليه أخبار أخر.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الاْءِيمَانِ فَقَالَ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ [وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ] وَالاْءِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَمَا اسْتَقَرَّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ قَالَ قُلْتُ الشَّهَادَةُ أَ لَيْسَتْ عَمَلاً قَالَ بَلَى قُلْتُ الْعَمَلُ مِنَ الاْءِيمَانِ قَالَ نَعَمْ الاْءِيمَانُ لا يَكُونُ إِلاّ بِعَمَلٍ وَالْعَمَلُ مِنْهُ وَلا يَثْبُتُ الاْءِيمَانُ إِلاّ بِعَمَلٍ(2).
وعَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنِ الاْءِيمَانِ فَقَالَ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ قَالَ قُلْتُ أَ لَيْسَ هَذَا عَمَلٌ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَالْعَمَلُ مِنَ الاْءِيمَانِ قَالَ لا يَثْبُتُ لَهُ الاْءِيمَانُ إِلاّ بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ مِنْهُ(3).
و ما عن عبد الرّحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبى عبداللّه عليهالسلام أسأله عن الايمان ما هو، فكتب الىّ مع عبد الملك بن أعين: سألت رحمك اللّه عن الايمان، والايمان هو الاقرار باللّسان وعقد في القلب وعمل
بالاركان، والايمان بعضه من بعض، وهو دار وكذلك الاسلام دار والكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤنا ولا يكون مؤنا حتى يكون مسلما، فالاسلام قبل الايمان وهو لا يشارك الايمان فاذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عزّ وجلّ عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان وثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى دار الايمان ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال، أن يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان بذلك فعندها يكون خارجا من الاسلام والايمان، داخلا في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار(1).
فقد ظهر لك مما ذكرنا كلّه أنّ الاسلام يصدق على مجرّد الاقرار باللّسان من غير تصديق، وعلى الاقرار والتّصديق مجرّدا عن الولاية، وعلى جميع ذلك مجرّدا من العمل، والايمان يعتبر فيه ذلك، فيكون الايمان أخصّ لكنّ الانصاف أنّ العمل ليس داخلا في مفهوم الايمان حقيقة وإن كان شرطا في كماله.
أما أنّه غير داخل في حقيقته فللتبادر وعدم صحّة السلب ولقوله تعالى: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا»(2)وقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى(3)وقوله: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ»(4)دلّ
اقتران الايمان بالمعاصي فيها على أنّ العمل غير داخل في حقيقته وقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»(1)دلّ على التّغاير وأنّ العمل ليس بداخل فيه لأنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا الجزء على كلّه ومثله كلام أمير المؤنين عليهالسلام في هذا المقام وأمّا أنه شرط في كماله فللخبرين السابقين.
لا يقال: إنّ ظاهرهما كون العمل داخلا في مفهومه، لا شرطا في كماله.
لأنا نقول: بعد تسليم الظهور لا بدّ من حملهما على ما ذكرنا بمقتضى الجمع بينهما وبين الأدلّة الّتي قدّمناها آنفا.
فان قلت: ما الدّليل على هذا الجمع؟
قلت: الدليل على ذلك ما عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمر الزبيرى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أىّ الأعمال أفضل عند اللّه؟ قال: ما لا يقبل اللّه شيئا إلاّ به، قلت: وما هو؟ قال: الايمان باللّه الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا قال: قلت: ألا تخبرني عن الايمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال: الايمان عمل كلّه والقول بعض ذلك العمل بفرض من اللّه بيّن في كتابه واضح نوره ثابتة حجّته يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه قال: قلت له: صِفهُ لى جعلت فداك حتّى أفهمه، قال: الايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل: فمنه التامّ المنتهى تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزّايد رجحانه قلت: إنّ الايمان ليتمّ وينقص ويزيد؟ قال: نعم، قلت: كيف ذاك؟
قال: لأنّ اللّه تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها و
1) .البقرة: 25.
فرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلاّ وقد وكّلت من الايمان بغير ما وكّلت به اختها، فمنها قلبه الذى به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلاّ عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللّتان يبصر بهما، واذناه اللّتان يسمع بهما ويداه اللّتان يبطش بهما ورجلاه اللّتان يمشى بهما، وفرجه الذى الباه من قبله «قلبه خ» ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه فليس من هذه جارحة إلاّ وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلّت به اختها بفرض من اللّه تبارك وتعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على اللّسان، وفرض على اللّسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرّجلين، وفرض على الرّجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فاما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار والمعرفة والعقد والرّضا والتسليم بأن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا و أنّ محمّدا عبده ورسوله صلوات اللّه عليه وآله، والاقرار بما جاء من عند اللّه من نبىّ أو كتاب، فذلك ما فرض اللّه على القلب من الاقرار والمعرفة وهو قول اللّه عزّ وجلّ: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاْءِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً»(1)وقال: «أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»(2)وقال: «الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤمِنْ قُلُوبُهُمْ(3)وقال: «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ(4).
فذلك ما فرض اللّه عزّ وجلّ على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس ايمان.
وفرض اللّه على اللّسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقرّ به قال اللّه تبارك وتعالى اسمه: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»(1)وقال: «قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(2).
فهذا ما فرض اللّه على اللّسان وهو عمله.
وفرض على السّمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه وأن يعرض عمّا لا يحلّ له مما نهى اللّه عزّ وجلّ عنه والاصغاء إلى ما اسخط اللّه عزّ وجلّ فقال في ذلك: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»(3).
ثمّ استثنى اللّه عزّ وجلّ موضع النسيان فقال:
«وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(4)وقال: «فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ(5)وقال عزّ وجلّ: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ»(6)وقال: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ»(7)وقال: «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً»(8).
فهذا ما فرض اللّه على السّمع من الايمان أن لا يصغى إلى ما لا يحلّ له وهو عمله وهو من الايمان.
وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه وأن يعرض عمّا نهى اللّه عنه مما لا يحلّ له وهو عمله وهو من الايمان فقال تبارك وتعالى: «قُلْ لِلْمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»(1)فنهيهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه.
وقال: «وَقُلْ لِلْمُؤمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ»(2)من أن ينظر احديهنّ إلى فرج اختها وتحفظ فرجها من أن تنظر إليها وقال عليهالسلام كلّ شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزّنا إلاّ هذه الآية فانّها من النظر ثمّ نظم ما فرض اللّه عزّ وجلّ على القلب واللّسان والسّمع والبصر في آية اخرى فقال : «وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ»(3)يعني بالجلود الفروج والافخاذ وقال: «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤدَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤلاً»(4).
فهذا ما فرض اللّه على العينين من غضّ البصر عمّا حرّم اللّه وهو عملهما وهو من الايمان.
وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم اللّه وأن يبطش بهما إلى ما أمر اللّه عزّ وجلّ وفرض عليهما من الصّدقة وصلة الرّحم والجهاد في سبيل اللّه والطّهور للصّلوات فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»(1)وقال: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها»(2)فهذا ما فرض اللّه على اليدين لأنّ الضّرب من علاجهما.
وفرض على الرّجلين أن لا يمشى بهما إلى شيء من معاصي اللّه وفرض عليهما المشي إلى ما يرضى اللّه عزّ وجلّ فقال:
«وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً(3). وقال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»(4).
وقال فيما شهدت الأيدى والأرجل في أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر اللّه عزّ وجلّ به وفرضه عليهما: «الْيَوْمَ
نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(5)فهذا أيضا ممّا فرض اللّه عزّ وجلّ على اليدين وعلى الرّجلين وهو عملهما وهو من الايمان.
وفرض على الوجه السّجود له باللّيل والنهار في مواقيت الصّلاة فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(6).
وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرّجلين وقال في موضع آخر: «أَنَّ
الْمَساجِدَ للّهِِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً»(1).
وقال فيما فرض على الجوارح من الطّهور والصلاة بها وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا صرف نبيّه صلىاللهعليهوآله إلى الكعبة عن بيت المقدّس أنزل اللّه عزّ و جلّ: «وَما كانَ اللّهُ
لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤفٌ رَحِيمٌ»(2)فسمّى الصّلاة إيمانا فمن لقى اللّه عزّ وجلّ حافظا لجوارحه موفيا كلّ جارحة من جوارحه ما فرض اللّه عزّ وجلّ عليها لقى اللّه عزّ وجلّ مستكملا لايمانه وهو من أهل الجنّة، ومن خان في شيء منها أو تعدّى ما أمر اللّه عزّ وجلّ فيها لقى اللّه عزّ وجلّ ناقص الايمان قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟ فقال عليهالسلام : قول اللّه عزّ وجلّ «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ»(3)وقال: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً»(4).
ولو كان كلّه واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الايمان دخل المؤنون الجنّة، وبالزّيادة في الايمان تفاضل المؤنون بالدّرجات عند اللّه، وبالنقصان دخل المفرطون النّار(5).
فانّ صدر هذه الرّواية الشريفة أعنى قوله عليهالسلام : الايمان عمل كلّه، وإن كان
موهما في بادى الرأى كون العمل داخلا في مفهوم الايمان، إلاّ أنّ ذيلها أعنى قوله: لقى اللّه عزّ وجلّ مستكملا لايمانه، إلى قوله: لقى اللّه عزّ وجلّ ناقص الايمان، إلى آخر الرّواية نصّ صريح في كونه شرطا في كماله لاجزء من مفهومه وقد استفيد منها أيضا كونه قابلا للزّيادة والنقصان كما هو مذهب المحقّقين من الفريقين.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً لِأَنَّهُ يُؤمِنُ عَلَى اللّهِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ(1).
وعَنْ سِنَانِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ: لِمَ سُمِّيَ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً فَقُلْتُ لا أَدْرِي إِلاّ أَنَّهُ أَرَاهُ يُؤمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَقَالَ صَدَقْتَ وَلَيْسَ لِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً فَقُلْتُ لِمَ سُمِّيَ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً قَالَ إِنَّهُ يُؤمِنُ عَلَى اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجِيزُ أَمَانَهُ(2).
وعَنِ الصَّادِقِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤمِنُ هَاشِمِيٌّ لِأَنَّهُ هَشَمَ الضَّلالَ وَالْكُفْرَ وَالنِّفَاقَ وَالْمُؤمِنُ قُرَشِيٌّ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلشَّيْءِ وَنَحْنُ الشَّيْءُ وَأَنْكَرَ اللاّشَيْءَ الدَّلامَ وَأَتْبَاعَهُ وَالْمُؤمِنُ نَبَطِيٌّ لِأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ الْأَشْيَاءَ فَعَرَفَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَالْمُؤمِنُ عَرَبِيٌّ لِأَنَّهُ أَعْرَبَ عَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَالْمُؤمِنُ أَعْجَمِيٌّ لِأَنَّهُ أُعْجِمَ عَنِ الدَّلامِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ بِخَيْرٍ
وَالْمُؤمِنُ فَارِسِيٌّ لِأَنَّهُ يَفْرِسُ فِي الاْءِيمَانِ لَوْ كَانَ الاْءِيمَانُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أَبْنَاءُ
فَارِسَ يَعْنِي بِهِ الْمُتَفَرِّسَ فَاخْتَارَ مِنْهَا أَفْضَلَهَا وَاعْتَصَمَ بِأَشْرَفِهَا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللّهِ(1).
وقِيلَ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام لِمَ سُمِّيَ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً قَالَ لِأَنَّهُ اشْتَقَّ لِلْمُؤمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَسَمَّاهُ مُؤمِناً وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤمِنُ لِأَنَّهُ يُؤمَنُ مِنْ عَذَابِ اللّهِ تَعَالَى وَيُؤمِنُ عَلَى اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجِيزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ أَوْ نَامَ أَوْ نَكَحَ أَوْ مَرَّ بِمَوْضِعِ قَذَرٍ حَوَّلَهُ اللّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ طُهْراً لا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قَذَرِهَا شَيْءٌ وَإِنَّ الْمُؤمِنَ لَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَوْقِفِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله الحديث(2).
وعَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَأَنَا جَالِسٌ [عِنْدَهُ] عَنْ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها»(3)أَ يَجْرِي لِهَؤلاءِ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ مِنْهُمْ هَذَا الْأَمْرَ قَالَ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُؤمِنِينَ خَاصَّةً(4).
وعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللّهِ ثَوَابٌ عَلَى عَمَلٍ إِلاّ لِلْمُؤمِنِينَ(5).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِذَا أَحْسَنَ الْعَبْدُ الْمُؤمِنُ ضَاعَفَ اللّهُ لَهُ عَمَلَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ»(6)،(7).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ الْمُؤمِنَ لَيَزْهَرُ نُورُهُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَزْهَرُ نُجُومُ
السَّمَاءِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَقَالَ إِنَّ الْمُؤمِنَ وَلِيُّ اللّهِ يُعِينُهُ وَيَصْنَعُ لَهُ وَلا يَقُولُ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقَ وَلا يَخَافُ غَيْرَهُ وَقَالَ إِنَّ الْمُؤمِنَيْنِ لَيَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ فَلا يَزَالُ اللّهُ عَلَيْهِمَا مُقْبِلاً بِوَجْهِهِ وَالذُّنُوبُ تَتَحَاتُّ عَنْ وُجُوهِهِمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا [يَتَفَرَّقَا (1).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: فَكَمَا لا تَقْدِرُ الْخَلائِقُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَكَمَا لا تَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الرَّسُولِ صلىاللهعليهوآله كَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الاْءِمَامِ وَكَمَا لا تَقْدِرُ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الاْءِمَامِ كَذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلَى كُنْهِ صِفَةِ الْمُؤمِنِ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: يُتَوَفَّى الْمُؤمِنُ مَغْفُوراً لَهُ ذُنُوبُهُ وَاللّهِ جَمِيعاً(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: رَأْيُ الْمُؤمِنِ وَرُؤيَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى عَلَى الثُّلُثِ(4).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: يَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَلَى الْمُؤمِنِ لِأَنِّي أُحِبُّ لِقَاءَهُ وَيَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَزْوِيهِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مُؤمِنٌ وَاحِدٌ لاكْتَفَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَحَدٍ(5).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَا مِنْ مُؤمِنٍ يَمُوتُ فِي غُرْبَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَيَغِيبُ عَنْهُ بَوَاكِيهِ إِلاّ بَكَتْهُ بِقَاعُ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اللّهَ عَلَيْهَا وَبَكَتْهُ أَثْوَابُهُ وَبَكَتْهُ أَبْوَابُ
السَّمَاءِ الَّتِي كَانَ يَصْعَدُ بِهَا عَمَلُهُ وَبَكَاهُ الْمَلَكَانِ الْمُوَكَّلانِ بِهِ(1).
وَعَنْ أَحَدِهِمَا عليهماالسلام قَالَ: إِنَّ ذُنُوبَ الْمُؤمِنِ مَغْفُورَةٌ فَيَعْمَلُ الْمُؤمِنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ إِلاّ لِأَهْلِ الاْءِيمَانِ(2).
وعَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَنْ أَسْبَغَ وُضُوءَهُ
وَأَحْسَنَ صَلاتَهُ وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ وَكَفَّ غَضَبَهُ وَسَجَنَ لِسَانَهُ وَاسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ وَأَدَّى النَّصِيحَةَ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ حَقَائِقَ الاْءِيمَانِ وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ لَه(3)
الاختصاص: 233؛ وسائل الشيعة: 487/1، ح1289 ـ 2.
وعَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: الاْءِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ بَاباً أَكْبَرُهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ(4).
وعَنِ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: أَ لا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُؤمِنِ ـ الْمُؤمِنُ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُؤمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم(5).
أمّا الآيات:
قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم»(6).
وقال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُون»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزاؤهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْن...»(2).
وأمّا الأخبار:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهالسلام قَالَ: الْمُؤمِنُ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَيَنْطِقُ لِيَغْنَمَ لا يُحَدِّثُ أَمَانَتَهُ الْأَصْدِقَاءَ وَلا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ مِنَ الْبُعَدَاءِ وَلا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَلا يَتْرُكُهُ حَيَاءً ـ إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ وَيَسْتَغْفِرُ اللّهَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ لا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ وَيَخَافُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: الْمُؤمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَحَزْمٌ فِي لِينٍ وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَحِرْصٌ فِي فِقْهٍ وَنَشَاطٌ فِي هُدًى وَبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَعِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَسَخَاءٌ فِي حَقٍّ وَقَصْدٌ فِي غِنًى وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَعَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ وَطَاعَةٌ للّهِِ فِي نَصِيحَةٍ وَانْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ وَوَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ وَحِرْصٌ فِي جِهَادٍ وَصَلاةٌ فِي شُغُلٍ وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ وَفِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ وَلا يَغْتَابُ وَلا
يَتَكَبَّرُ وَلا يَقْطَعُ الرَّحِمَ وَلَيْسَ بِوَاهِنٍ وَلا فَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَلا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ وَلا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ وَلا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ وَلا يَحْسُدُ النَّاسَ يُعَيَّرُ وَلا يُعِيِّرُ وَلا يُسْرِفُ يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ وَيَرْحَمُ الْمِسْكِينَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ لا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَلا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا لِلنَّاسِ هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَلَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ لا يُرَى فِي حُكْمِهِ نَقْصٌ وَلا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ وَلا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ(1)يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ وَيُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ وَيَكِيعُ عَنِ الْخَنَا وَالْجَهْلِ(2)،(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُؤمِنِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانُ خِصَالٍ وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلاءِ شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللّهُ لا يَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ وَلا يَتَحَامَلُ لِلأَصْدِقَاءِ بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ إِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤمِنِ وَالْحِلْمَ وَزِيرُهُ وَالصَّبْرَ أَمِيرُ جُنُودِهِ وَالرِّفْقَ أَخُوهُ وَاللِّينَ (البرّ) وَالِدُهُ(4).
وعَنِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عليهالسلام قَالَ: لا يَكُونُ الْمُؤمِنُ مُؤمِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصَالٍ سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ وَسُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ وَسُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ فَكِتْمَانُ السِّرِّ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ
1) .أي دينه متين لا يضيع بالشكوك والشبهات ولا بارتكاب المعاصى.
2) . يكيع كيبيع بالياء المثناة التحتانية وفي نسخ الخصال بالتاء المثناة الفوقانية وفي بعضها بالنون والكل متقاربة المعنى، قال في القاموس: كعت عنه أكيع وأكاع عنه كيعا وكيعوعة إذا هبته وجبنت عنه وقال، كنع عن الامر: كمنع: هرب وجبن. وقال: كتع كمنع: هرب وفي النهاية الخنا: الفحش في القول. والجهل مقابل العلم أو السفاهة مرآة العقول: 232/9.
3) . الكافي: 231/2، ح4؛ بحار الأنوار: 271/64، ح3.
4) . الكافي: 239/2، ح2 والخصال: 406/2، ح1.
رَسُولٍ(1)وَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ نَبِيِّهِ فَمُدَارَاةُ النَّاسِ فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ صلىاللهعليهوآله بِمُدَارَاةِ النَّاسِ فَقَالَ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ(2)وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ(3)وَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ وَلِيِّهِ فَالصَّبْرُ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ يَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ(4)أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(5)،(6).
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام قَالَ: رَفَعَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله(7)قَوْمٌ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ؟(8)فَقَالُوا مُؤمِنُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ وَمَا بَلَغَ مِنْ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلاءِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله حُلَمَاءُ
(حكماء خ ل) عُلَمَاءُ كَادُوا مِنَ الْفِقْهِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَصِفُونَ فَلا تَبْنُوا مَا لا تَسْكُنُونَ وَلا تَجْمَعُوا مَا لا تَأْكُلُونَ وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(9).
ومنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ومنه جهاد النفس قال تعالى:
1) . الجن: 26 ـ 27.
2) .العرف: المعروف المستحسن من الافعال.
3) .الاعراف: 199.
4) .البأساء: الفقر. والضراء: الوجع. وحين البأس: وقت الحرب.
5) . البقرة: 177.
6) . معاني الأخبار: 184، ح1؛ بحار الأنوار: 280/64، ح5.
7) . «رفع إلى رسول اللّه» كمنع على بناء المعلوم أي أسرعوا إليه. أو على بناء المجهول أي ظهروا فان الرفع ملزوم للظهور مرآة العقول: 297/7.
8) .أي من أي صنف أنتم.
9) . الكافي: 48/2، ح4؛ بحار الأنوار: 285/64، ح7.
«...وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون»(1).
وقال تعالى: «وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِه»(2).
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ الْجِهَادَ وَعَظَّمَهُ وَجَعَلَهُ نَصْرَهُ وَنَاصِرَهُ وَاللّهِ مَا صَلَحَتْ دُنْيَا وَلا دِينٌ إِلاّ بِهِ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ وَلا يُقِيمُ النَّاسَ إِلاّ السَّيْفُ وَالسُّيُوفُ مَقَالِيدُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ بَابُ الْمُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وَهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ وَالْجَمْعُ فِي الْمَوْقِفِ وَالْمَلائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ تَرَكَ الْجِهَادَ أَلْبَسَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذُلاًّ وَفَقْراً فِي مَعِيشَتِهِ وَمَحْقاً فِي دِينِهِ إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْنَى أُمَّتِي بِسَنَابِكِ خَيْلِهَا وَمَرَاكِزِ رِمَاحِهَا(5).
وعن أبي عبداللّه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: خُيُولُ الْغُزَاةِ فِي الدُّنْيَا خُيُولُهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ أَرْدِيَةَ الْغُزَاةِ لَسُيُوفُهُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عليهالسلام بِأَمْرٍ قَرَّتْ بِهِ عَيْنِي وَفَرِحَ بِهِ قَلْبِي قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ غَزَا مِنْ أُمَّتِكَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَأَصَابَهُ قَطْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ صُدَاعٌ كَتَبَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ شَهَادَةً يوم القيامة(6)
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ عليهالسلام : مَنْ عُقِرَ
جَوَادُهُ وَأُهَرِيقَ دَمُهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله مَا بَالُ الشَّهِيدِ لا يُفْتَنُ فِي قَبْرِهِ فَقَالَ [النَّبِيُ] صلىاللهعليهوآله كَفَى بِالْبَارِقَةِ فَوْقَ رَأْسِهِ فِتْنَةً(2).
و قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لِلشَّهِيدِ سَبْعُ خِصَالٍ مِنَ اللّهِ أَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ مَغْفُورٌ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ وَالثَّانِيَةُ يَقَعُ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَتَمْسَحَانِ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ تَقُولانِ مَرْحَباً بِكَ وَيَقُولُ هُوَ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُمَا وَالثَّالِثَةُ يُكْسَى مِنْ كِسْوَةِ الْجَنَّةِ وَالرَّابِعَةُ يَبْتَدِرُهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ بِكُلِّ رِيحٍ طَيِّبَةٍ أَيُّهُمْ يَأْخُذُهُ مَعَهُ وَالْخَامِسَةُ أَنْ يُرَى مَنْزِلَتَهُ وَالسَّادِسَةُ يُقَالُ لِرُوحِهِ اسْرَحْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ وَالسَّابِعَةُ أَنْ يَنْظُرَ فِي وَجْهِ اللّهِ وَإِنَّهَا لَرَاحَةٌ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَشَهِيدٍ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بَرٌّ حَتَّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِذَا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ(4).
وعَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ: وَمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مُجَاهِداً فَلَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَيُمْحَى عَنْهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَيُرْفَعُ لَهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دَرَجَةٍ وَكَانَ فِي ضَمَانِ اللّهِ بِأَيِّ حَتْفٍ مَاتَ كَانَ شَهِيداً وَإِنْ رَجَعَ رَجَعَ مَغْفُوراً لَهُ مُسْتَجَاباً دُعَاؤهُ(5).
هذا جهاد العدّو.
وامّا جهاد النفس: عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله بَعَثَ بِسَرِيَّةٍ فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ جِهَادُ النَّفْسِ(1).
وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : احْمِلْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ يَحْمِلْكَ غَيْرُكَ(2).
وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام لِرَجُلٍ إِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ وَبُيِّنَ لَكَ الدَّاءُ وَعُرِّفْتَ آيَةَ الصِّحَّةِ وَدُلِلْتَ عَلَى الدَّوَاءِ فَانْظُرْ كَيْفَ قِيَامُكَ عَلَى نَفْسِكَ(3).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام لِرَجُلٍ: اجْعَلْ قَلْبَكَ قَرِيناً بَرّاً وَوَلَداً وَاصِلاً وَاجْعَلْ عِلْمَكَ وَالِداً تَتَّبِعُهُ وَاجْعَلْ نَفْسَكَ عَدُوّاً تُجَاهِدُهُ وَاجْعَلْ مَالَكَ عَارِيَّةً تَرُدُّهَا(4).
وَمِنْ أَلْفَاظِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ(5).
وعَنِ الْمُفَضَّلِ عَنِ الصَّادِقِ عليهالسلام قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ قَلْبِهِ وَزَاجِرٌ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِينٌ مُرْشِدٌ اسْتَمْكَنَ عَدُوَّهُ مِنْ عُنُقِه(6).
وقال امير المؤنين عليهالسلام : إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ(7).
بالكسر والضم أي أعلي.
1) . الكافي: 12/5، ح3؛ بحار الأنوار: 182/19، ح31.
2) .الكافي: 454/2، ح5؛ وسائل الشيعة: 161/15، ح20209 ـ 2.
3) . الكافي: 454/2، ح6؛ وسائل الشيعة: 161/15، ح20210 ـ 3.
4) .الكافي: 454/2، ح7؛ وسائل الشيعة: 162/15، ح20211 ـ 4.
5) . من لا يحضره الفقيه: 378/4، ح5787؛ وسائل الشيعة: 162/15، ح20212 ـ 5.
6) .الأمالي للصدوق: 441/ م 68، ح2؛ بحار الأنوار: 187/71، ح8.
7) . معاني الأخبار: 160، ح1؛ بحار الأنوار: 65/67، ح7.
عطف علي (الايمان).
عن الصادق عليهالسلام من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنّة واخلاصه بها ان
تحجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه(1).
وروي عن حذيفة: لا تزال (لا إله إلاّ اللّه) ترد غضب الرب عن العباد ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم، فاذا كانوا لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ثم قالوها ردت عليهم وقيل كذبتم ولستم بها صادقين(2).
التي فطر اللّه الناس عليها.أى الفطرة المعهودة الواردة في الكتاب العزيز المأمور باتّباعها بقوله: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْها»(3)وأصلها الخلقة من الفطر بمعنى الخلق ثمّ جعلت للخلقة القابلة لدين الحقّ على الخصوص، وربما تطلق على التّوحيد والمعرفة وبه فسّرت الآية الشريفة وفسّر قوله صلىاللهعليهوآله: كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه(4).
قال الطبرسي: أى اتبع فطرة اللّه وهى التّوحيد
التي فطر النّاس أى خلق النّاس عليها ولها وبها، أى لأجلها والتمسّك بها فيكون كقوله: وما خلقت الجنّ والانس إلاّ ليعبدون، وهو كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا، والمعنى واحد(1).
وعن الصّدوق في التوحيد في أخبار كثيرة عن الصّادق عليهالسلام قال: فطرهم على التوحيد(2)
وعَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ حُنَفاءَ للّهِِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ(3)وَعَنِ الْحَنِيفِيَّةِ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللّهُ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ وَقَالَ فَطَرَهُمُ اللّهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ زُرَارَةُ وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ(4)الآْيَةَ قَالَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وَأَرَاهُمْ صُنْعَهُ وَلَوْ لا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَالِقُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه»(5)،(6).
وعَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها(7)قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَلَوْ لا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا إِذَا سُئِلُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَمَنْ رَازِقُهُم(8).
أي: الدين والشريعة. وقال الطّريحى الملّة في الأصل ما شرع اللّه لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار اللّه ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا يكاد توجد مضافة إلى اللّه ولا إلى آحاد امّة النبيّ صلىاللهعليهوآله بل يقال ملّة محمّد صلىاللهعليهوآله قال تعالى: ملّة أبيكم إبراهيم، أى دينه(1).
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله الصَّلاةُ عِمَادُ الدِّينِ فَمَنْ تَرَكَ صَلاتَهُ مُتَعَمِّداً فَقَدْ هَدَمَ دِينَه(2)
والآيات والروايات في فضلها وعقوبة تاركها فوق حدّ الاحصاء قال تعالى: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً»(3).
وقال تعالى: «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً»(4).
وقال تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ»(5).
وقال تعالى: «أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»(6).
وقال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ»(7).
أى غافلون غير مبالين بها قال القمّي: عنى به تاركون لأنّ كلّ انسان يسهو في
الصّلاة(1)، وعن الصّادق عليهالسلام هو التّرك لها والتواني عنها(2)، وعن أمير المؤنين عليهالسلام : ليس عمل أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من الصّلاة فلا يشغلكم عن أوقاتها شيء من امور الدّنيا، فانّ اللّه عزّ وجلّ ذمّ أقواما فقال: «الَّذينَ هُمْ عَن صَلاتِهِم ساهُون»(3).يعنى أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها(4).
وَقالت عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يُحَدِّثُنَا وَنُحَدِّثُهُ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْنَا وَلَمْ نَعْرِفْهُ شُغُلاً بِاللّهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ(5).
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام إِذَا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلاةِ يَتَمَلْمَلُ وَيَتَزَلْزَلُ وَيَتَلَوَّنُ فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَيَقُولُ جَاءَ وَقْتُ الصَّلاةِ وَقْتُ أَمَانَةٍ عَرَضَهَا اللّهُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ـ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها(6)،(7).
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهالسلام أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَضَرَ الوضوء [لِلْوُضُوءِ] اصْفَرَّ لَوْنُهُ فَيَقُولُ لَهُ أَهْلُهُ مَا هَذَا الَّذِي يَعْتَادُكَ عِنْدَ الْوُضُوءِ فَيَقُولُ مَا تَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أَقُوم(8).
وعن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم وأحبّ ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ ما هو؟ فقال عليهالسلام : ما أعلم شيئا بعد المعرفة
أفضل من هذه الصّلاة، ألا ترى أنّ العبد الصّالح عيسى بن مريم قال: «وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيّا(1)»،(2).
وعَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلاةُ وَهِيَ آخِرُ وَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ عليهمالسلام فَمَا أَحْسَنَ الرَّجُلَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ(3)ثُمَّ يَتَنَحَّى حَيْثُ لا يَرَاهُ أَنِيسٌ فَيُشْرِفُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ نَادَى إِبْلِيسُ يَا وَيْلاهْ أَطَاعَ وَعَصَيْتُ وَسَجَدَ وَأَبَيْتُ(4).و نحوه في الفقيه إلاّ أنّ فيه فيشرف اللّه عليه(5).
وعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله:: إذا قام العبد المؤن في صلاته نظر اللّه إليه أوقال أقبل اللّه عليه حتى ينصرف، وأظلّته الرّحمة من فوق رأسه إلى افق السماء والملائكة تحفّه من حوله إلى افق السّماء، ووكل اللّه به ملكا قائما على رأسه يقول: أيّها المصلّى لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما التفتّ ولا زلت من موضعك أبدا(6).
وعن الصادق عليهالسلام إذا قام المصلّي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان
1) . مريم: 31.
2) .الكافي: 264/3، ح1؛ بحار الأنوار: 225/79، ح50.
3) .إسباغ الوضوء اتمامه وإكماله وذلك في وجهين إتمامه على ما فرض اللّه تعالى واكماله على ما سنّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله. مجمع البحرين.
4) . الكافي: 264/3، ح2؛ وسائل الشيعة: 38/4، ح4454 ـ 2.
5) . من لا يحضره الفقيه: 210/1، ح638.
6) . الكافي: 265/3، ح5؛ وسائل الشيعة 32/4، ح4437 ـ 5؛ بحار الأنوار: 260/81.
السماء(1)إلى أعنان الأرض وحفّت به الملائكة، وناداه ملك لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل(2)،(3).
وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرّضا عليهالسلام قال: الصّلاة قربان(4)كلّ تقىّ(5).
وعَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا عليهالسلام يَقُولُ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ(6)وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ»(7)،(8).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام صَلاةٌ فَرِيضَةٌ خَيْرٌ مِنْ عِشْرِينَ حَجَّةً وَحَجَّةٌ خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَمْلُوءٍ ذَهَباً يُتَصَدَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَفْنَى(9).
وعن حفص بن البخترى عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من قبل اللّه منه صلاة واحدة لم يعذّبه ومن قبل منه حسنة لم يعذّبه(10).
وعن الحسين بن سيف عن أبيه قال: حدّثنى من سمع أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: من
1) . اعنان السماء: نواحيها.
2) . أي ما انصرف. فى القاموس: انفتل وتفتّل وجهه: صرفه.
3) .الكافي: 265/3، ح4؛ وسائل الشيعة: 32/4، ح4435 ـ 3.
4) .القربان: ما تقربت به إلى اللّه تعالى.
5) . الكافي: 265/3، ح6؛ بحار الأنوار: 307/79، ح4.
6) . قربه في حال السجود اي الصلاة تسمية لها باسم اشرف اجزائه أو السجود نفسه لما فيه من الخضوع والتذلل ما لا يوجد في غيره.
7) . العلق: 19.
8) .الكافي: 265/3، ح3؛ بحار الأنوار: 162/82، ذ ح3.
9) .الكافي: 266/3، ح7؛ بحار الأنوار: 227/79، ح55.
10) . الكافي: 266/3، ح11؛ وسائل الشيعة: 33/4، ح4439 ـ ج7.
صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين اللّه ذنب(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَثَلُ الصَّلاةِ مَثَلُ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ إِذَا ثَبَتَ الْعَمُودُ نَفَعَتِ الْأَطْنَابُ وَالْأَوْتَادُ وَالْغِشَاءُ وَإِذَا انْكَسَرَ الْعَمُودُ لَمْ يَنْفَعْ طُنُبٌ وَلا وَتِدٌ وَلا غِشَاءٌ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا مِنْ صَلاةٍ يَحْضُرُ وَقْتُهَا إِلاّ نَادَى مَلَكٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ أَيُّهَا النَّاسُ قُومُوا إِلَى نِيرَانِكُمُ الَّتِي أَوْقَدْتُمُوهَا عَلَى ظُهُورِكُمْ فَأَطْفِئُوهَا بِصَلاتِكُمْ(3).
وعَنْ عَلِيٍّ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنَّ عَمُودَ الدِّينِ الصَّلاةُ وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ فَإِنْ صَحَّتْ نُظِرَ فِي عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ لَمْ يُنْظَرْ فِي بَقِيَّةِ عَمَلِهِ(4).
وقال الصّادق عليهالسلام : أوّل ما يحاسب به العبد الصّلاة فاذا قبلت منه قبل ساير عمله، وإذا ردّت عليه ردّ عليه ساير عمله(5)
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّما مثل الصّلاة فيكم كمثل السّرىّ وهو النهر على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم واللّيلة يغتسل منه خمس مرّات فلم يبق الدّرن على الغسل خمس مرّات، ولم يبق الذّنوب على الصّلاة خمس مرّات(6).
1) . الكافي: 266/3، ح12؛ بحار الأنوار: 240/81.
2) .الكافي: 266/3، ح9؛ بحار الأنوار: 218/79، ذ ح36.
3) . ثواب الاعمال: 35؛ بحار الأنوار: 209/79، ح21.
4) .تهذيب الاحكام: 237/2، ح936 ـ 5؛ وسائل الشيعة: 34/4، ح4445 ـ 13.
5) . من لا يحضره الفقيه: 208/1، ح626 ؛ وسائل الشيعة: 34/4، ح4442 ـ 10.
6) .من لا يحضره الفقيه: 211/1، ح640؛ وسائل الشيعة: 15/4، ح4392 ـ 8.
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: لا تضيّعوا صلاتكم، فانّ من ضيّع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون وفرعون وهامان لعنهم اللّه وأخزاهم وكان حقا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته(1).
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: من ترك الصّلاة حتّى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله، ثمّ قال: بين العبد وبين الكفر ترك الصّلاة(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ لا تَدَعِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّداً فَإِنَّ مَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّداً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ مِلَّةُ الاْءِسْلامِ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالاْءِيمَانِ إِلاّ تَرْكُ الصَّلاةِ(4).
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله من ترك الصّلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا ابالي يموت يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا(5).
وقال صلىاللهعليهوآله: من أعان تارك الصّلاة بلقمة أو كسوة فكأنّما قتل سبعين نبيّا أوّلهم آدم وآخرهم محمّد صلىاللهعليهوآله(6)هذا.
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا وإنما المهمّ الاشارة إلى علّة وجوب الصلوات الخمس وبعض أسرارها.
1) . جامع الأخبار للشعيري: 74؛ بحار الأنوار: 202/79، ح2.
2) .جامع الأخبار للشعيري: 73؛ بحار الأنوار: 202/79، ذ ح2.
3) . الكافي: 488/3، ح11؛ وسائل الشيعة: 42/4، ح4466 ـ 5.
4) .ثواب الاعمال: 231؛ بحار الأنوار: 217/79، ح33.
5) . جامع الأخبار للشعيري: 74؛ بحار الأنوار: 202/79، ذ ح2.
6) .جامع الأخبار للشعيري: 74.
اما علة وجوبها فقد روى عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهمالسلام أنّه قال: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَسَأَلَهُ أَعْلَمُهُمْ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ
أَخْبِرْنِي عَنِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَيِّ شَيْءٍ فَرَضَ هَذِهِ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي خَمْسِ مَوَاقِيتَ عَلَى أُمَّتِكَ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله إِنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ الزَّوَالِ لَهَا حَلْقَةٌ(1)تَدْخُلُ فِيهَا فَإِذَا دَخَلَتْ فِيهَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَيُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ بِحَمْدِ رَبِّي وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيَّ فِيهَا رَبِّي فَفَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي فِيهَا الصَّلاةَ وَقَالَ: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ»(2)،(3)وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي يُؤتَى فِيهَا بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَا مِنْ مُؤمِنٍ يُوَافِقُ تِلْكَ السَّاعَةَ أَنْ يَكُونَ سَاجِداً أَوْ رَاكِعاً أَوْ قَائِماً إِلاّ حَرَّمَ اللّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ وَأَمَّا صَلاةُ الْعَصْرِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَكَلَ آدَمُ فِيهَا مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَخْرَجَهُ اللّهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَمَرَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذُرِّيَّتَهُ بِهَذِهِ الصَّلاةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاخْتَارَهَا لِأُمَّتِي وَهِيَ مِنْ أَحَبِ الصَّلَوَاتِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَوْصَانِي أَنْ أَحْفَظَهَا مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَاتِ وَأَمَّا صَلاةُ الْمَغْرِبِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ اللّهُ تَعَالَى فِيهَا عَلَى آدَمَ وَكَانَ بَيْنَ مَا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَبَيْنَ مَا تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَفِي أَيَّامِ الآْخِرَةِ يَوْمٌ كَأَلْفِ سَنَةٍ(4)مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَصَلَّى آدَمُ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ رَكْعَةً لِخَطِيئَتِهِ وَرَكْعَةً لِخَطِيئَةِ حَوَّاءَ وَرَكْعَةً لِتَوْبَتِهِ فَافْتَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الثَّلاثَ رَكَعَاتٍ عَلَى أُمَّتِي
1) . الظاهر أنّ المراد بها دائرة نصف النهار.
2) . الإسراء: 78.
3) . غسق الليل منتصفة لا ظلمة اوله كما قال بعض اللّغويين، مفتاح الفلاح
4) .أى يوم واحد من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا وقوله ما بين العصر الى العشاء اى كان ثلاث مأئة سنة من أيام الدنيا ما بين العصر الى العشاء من أيام الاخرة، حاشية فقيه.
وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ فَوَعَدَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِمَنْ دَعَاهُ فِيهَا وَهِيَ الصَّلاةُ الَّتِي أَمَرَنِي بِهَا رَبِّي فِي قَوْلِهِ: «فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ»(1)وَأَمَّا صَلاةُ الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ فَإِنَّ لِلْقَبْرِ ظُلْمَةً وَلِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ظُلْمَةً فَأَمَرَنِي اللّهُ تَعَالَى وَأُمَّتِي بِهَذِهِ الصَّلاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِتُنَوِّرَ الْقَبْرَ وَلِيُعْطِيَنِي وَأُمَّتِيَ النُّورَ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَا مِنْ قَدَمٍ مَشَتْ إِلَى صَلاةِ الْعَتَمَةِ(2)إِلاّ حَرَّمَ اللّهُ جَسَدَهَا عَلَى النَّارِ وَهِيَ الصَّلاةُ الَّتِي اخْتَارَهَا لِلْمُرْسَلِينَ قَبْلِي وَأَمَّا صَلاةُ الْفَجْرِ فَإِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَطْلُعُ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَأَمَرَنِيَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أُصَلِّيَ صَلاةَ الْغَدَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا الْكَافِرُ فَتَسْجُدُ أُمَّتِي للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُرْعَتُهَا أَحَبُّ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ الصَّلاةُ الَّتِي تَشْهَدُهَا مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَار(3).
وعلة اخرى لذلك وهو ما عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنه قال: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ ـ ظَهَرَتْ بِهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ فِي وَجْهِهِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ(4)فَطَالَ حُزْنُهُ وَبُكَاؤهُ عَلَى مَا ظَهَرَ بِهِ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا آدَمُ؟ فَقَالَ: مِنْ هَذِهِ الشَّامَةِ الَّتِي ظَهَرَتِ بِي قَالَ: قُمْ يَا آدَمُ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلاةِ الْأُولَى(5)فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ(6)إِلَى عُنُقِهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ
1) . الروم: 17.
2) . العتمة محركة ثلث الليل الاول بعد غيبوبة الشفق او وقت صلاة الاخرة، حاشية فقيه
3) .علل الشرايع: 337/2، ح1؛ بحار الأنوار: 253/79، ح4.
4) . في بعض النسخ «شامة سوداء من وجهه الى قرنه فطال» وفي بعض النسخ «و طال». والشامة علامة تخالف لون البدن، وأثر أسود في البدن.
5) .لعل المراد بها صلاة الظهر اذ في عدة أحاديث أنّها أول صلاة فرضت.
6) .المراد بالانحطاط على نسخة «الى قرنه» الانتقال. وعلى نسخة «الى قدمه» الزوال فتأمل. سلطان.
قُمْ فَصَلِّ يَا آدَمُ ـ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى سُرَّتِهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلاةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلاةِ الثَّالِثَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلاةِ الرَّابِعَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلاةِ الرَّابِعَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى قَدَمَيْهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلاةِ الْخَامِسَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلاةِ الْخَامِسَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَخَرَجَ مِنْهَا فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليهالسلام يَا آدَمُ ـ مَثَلُ وُلْدِكَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ كَمَثَلِكَ فِي هَذِهِ الشَّامَةِ مَنْ صَلَّى مِنْ وُلْدِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الشَّامَةِ(1).
و عِلَّةٌ أُخْرَى لِوُجُوبِ الصَّلاةِ:
كَتَبَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى عليهالسلام إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِيمَا كَتَبَ مِنْ جَوَابِ مَسَائِلِهِ أَنَّ عِلَّةَ الصَّلاةِ أَنَّهَا إِقْرَارٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَلْعُ الْأَنْدَادِ وَقِيَامٌ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلالُهُ بِالذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْخُضُوعِ وَالاعْتِرَافِ وَالطَّلَبُ لِلإِقَالَةِ مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ وَوَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ إِعْظَاماً للّهِِ جَلَّ جَلالُهُ وَأَنْ يَكُونَ ذَاكِراً غَيْرَ نَاسٍ وَلا بَطِرٍ(2)وَيَكُونُ خَاشِعاً مُتَذَلِّلاً رَاغِباً طَالِباً لِلزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الاْءِيجَابِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذِكْرِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِئَلاّ يَنْسَى الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وَمُدَبِّرَهُ وَخَالِقَهُ فَيَبْطَرَ وَيَطْغَى وَيَكُونَ ذَلِكَ فِي ذَكَرِهِ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ
وَقِيَامِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ زَاجِراً لَهُ عَنِ الْمَعَاصِي وَمَانِعاً لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ(1)،(2).
وَقَالَ النبيّ صلىاللهعليهوآله: إِنَّمَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ وَأُمِرَ بِالْحَجِّ وَالطَّوَافِ وَأُشْعِرَتِ الْمَنَاسِكُ لاِءِقَامَةِ ذِكْرِ اللّهِ(3)
قال الخوئي(4): وأما أسرار الصلاة فهى كثيرة لا يمكن استقصاؤا وإنّما نشير إلى نبذ منها مما اشير إليها في الروايات ووصل إلينا من أولى الألباب والدّرايات وأرباب المعرفة والاشارات فنقول وباللّه التوفيق:
إنّ الصّلاة الكاملة قد خصّت من بين ساير العبادات بأنّها بمنزلة انسان كامل مشتمل على روح وجسد، منقسم إلى ظهر وبطن وسرّ وعلن، ولروحه وسرّه أخلاق وصفات، ولجسده وعلن أعضاء وأشكال، فروح الصّلاة أهل معرفة الحقّ والعبوديّة له بالاخلاص والتوحيد.
أمّا أخلاقها وصفاتها الباطنة فيجمعها امور وهي: حضور القلب، والتفهّم والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء، وهذه ستّ خصال شريفة وحالات كريمة وملكات عظيمة لا يوجد جميعها إلاّ في مؤن امتحن اللّه قلبه بنور الايمان والعرفان اما حضور القلب فهو تفريغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلّم به وصرفه إلى ما يتلبّس به من الأفعال ويتكلّم به من الأقوال، ولا يحصل ذلك إلاّ بعد معرفة المصلّى بانّ الغرض المطلوب منه هو الايمان والتصديق بأنّ الآخرة
خير وأبقى، وأنّ الصّلاة وسيلة إليها، فاذا اضيف إلى تلك المعرفة العلم بحقارة الدّنيا وخسّتها وزوالها انصرف القلب عن مهمّات الدّنيا لا محالة وتوجّه إلى صلاته الموصلة وإلى سعادات الآخرة وهو معنى حضور القلب.
روى إبراهيم الكرخي عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال: إنّي لاحبّ الرّجل المؤن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى اللّه تعالى ولا يشغل قلبه بأمر الدّنيا، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى اللّه تعالى إلاّ أقبل اللّه إليه بوجهه، وأقبل بقلوب المؤنين إليه بالمحبة بعد حبّ اللّه إليه ايّاه(1).
وعن علىّ عليهالسلام في حديث الأربعمائة قال: لا يقومنّ أحدكم في الصّلاة متكاسلا، ولا ناعسا، ولا يفكّرن في نفسه، فانه بين يدي ربّه عزّ وجلّ، وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه(2).
و مرّ ذلك أنّ الصّلاة في الحقيقة معراج المؤن ومناجاة الرّب المعبود، فلا بدّ فيه من الاقبال، لأنّ من لا يقبل عليك لا يستحقّ اقبالك عليه، كما لو حاربك من تعلم غفلته من محاربتك وإعراضه عن محاورتك، فانّه يستحق إعراضك عن خطابه واشتغالك بجوابه.
قال الصّادق عليهالسلام من أراد أن ينظر منزلته عند اللّه فلينظر منزلة اللّه عنده، فانّ اللّه ينزل العبد مثل ما ينزل العبد إليه من نفسه(3).
و أما التفهم فهو التّدبر في معنى اللّفظ، وهو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللّفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللّفظ هو المراد بالتفهم، وقد ذمّ اللّه أقواما على ترك التدبّر حيث قال:
«أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها»(1).
وروى سيف بن عمير عمّن سمع أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين اللّه ذنب إلاّ غفر له(2).
ثمّ الناس في هذا المقام أى مقام التفهّم متفاوتون، إذ ليس يشترك الجميع في تفهّم معاني القرآن والتّسليمات، وكم من معاني لطيفة يفهمها المصلّى في أثناء الصّلاة ولم يكن خطر بقلبه قبل ذلك، ومن هذا الوجه كانت الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فانّما يفهم امورا هى مانعة من الفحشاء لا محالة.
روى يونس بن ظبيان عن أبى عبداللّه عليهالسلام أنه قال: اعلم أنّ الصّلاة حجزة اللّه في الأرض فمن أحبّ أن يعلم ما أدرك من نفع صلاته فلينظر، فان كانت صلاته حجزته عن الفواحش والمنكر فانّما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز، و من أحبّ أن يعلم ماله عند اللّه فليعلم ما للّه عنده(3).
واما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والفهم، فربما يخاطب الرّجل عبده بكلام وهو حاضر القلب فيه ومتفهّم لمعناه، ولا يكون معظما له، فالتعظيم أمر زايد عليهما، وهو حالة للقلب منشاها معرفة جلال الرّب سبحانه وكبريائه وعظمته مع
معرفة حقارة النّفس وخسّتها وكونها عبدا مسخّرا مربوبا، فيتولّد من هاتين المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع للّه سبحانه، فيعبّر عنه بالتعظيم.
روى الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع والاقبال على صلاتك، فانّ اللّه تعالى يقول: «الّذينهم في صلاتهم خاشعون»(1).
ثمّ الخشوع كما يكون في القلب كذلك يكون في الجوارح، ويدلّ عليه ما رواه الطّبرسي : أنّ النبيّ رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال صلىاللهعليهوآله: أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه(2).
و اما الهيبة فأمر زايد على التعظيم، وهى عبارة عن خوف منشاه التعظيم، لأنّ من لا يخاف لا يسمّى هايبا، والمخافة من العقرب والحيّة وساير الموذيات ومن العقوبة وسوء خلق العبد وما يجرى مجرى ذلك من الأسباب الخسيسة لا تسمّى مهابة، فالهيبة خوف مصدره الاجلال، وهى متولّدة من المعرفة بقدرة اللّه وسطوته ونفوذ أمره ومشيّته فيه مع قلّة مبالاته به، وأنّه بحيث لو أهلك الأوّلين والآخرين لم ينقص من ملكه مثقال ذرّة، لا سيّما إذا انضمّ إلى ذلك ملاحظة ما جرى على الأنبياء والأولياء من أنواع المحن والمصائب والبلاء، وكلّما زاد العلم باللّه وكبريائه زادت الهيبة والخشية، ولأجل ذلك قال تعالى: «إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء»(3).
روى فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: كان عليّ بن الحسين عليهالسلام اذا قام
إلى الصّلاة تغيّر لونه، فاذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا(1).
وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام إنى رأيت عليّ بن الحسين عليهماالسلام إذا قام إلى الصلاة غشى لونه لون آخر، فقال لي: واللّه إنّ عليّ بن الحسين عليهماالسلامكان يعرف الذى يقوم بين يديه(2).
وعن جهم بن حميد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال أبي: كان عليّ بن الحسين إذا قام إلى الصّلاة كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه شيء إلاّ ما حرّكت الرّيح منه(3).
و اما الرجاء فلا شك أنّه زايد على ما سبق، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولا يرجو انعامه ومبرّته، والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللّه، ومنشا الرّجا معرفة لطف الحقّ وكرمه وعميم جوده واحسانه وشمول رحمته وانعامه ومعرفة صدقه في وعده على الصلاة بالثواب وبشراه بالجنّة وحسن المآب، فبمجموع المعرفة بلطفه سبحانه والمعرفة بصدقه يحصل الرجاء.
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الصَّلاةُ مَرَضَاةُ اللّهِ تَعَالَى وَحُبُّ الْمَلائِكَةِ وَسُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ وَأَصْلُ الاْءِيمَانِ وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَقَبُولُ الْأَعْمَالِ وَبَرَكَةٌ فِي الرِّزْقِ وَرَاحَةٌ فِي الْبَدَنِ وَسِلاحٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَكَرَاهَةُ الشَّيْطَانِ وَشَفِيعٌ بَيْنَ صَاحِبِهَا وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَسِرَاجٌ فِي الْقَبْرِ وَفِرَاشٌ تَحْتَ جَنْبَيْهِ وَجَوَابُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَمُونِسٌ فِي السَّرَّاءِ
وَالضَّرَّاءِ وَصَائِرٌ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(1).
و أما الحياء فزيادته على ما سبق واضحة، لأنّ مستنده استشعار تقصير وتوهّم ذنب، ويتصوّر التعظيم والخوف والرّجاء من غير حياء، حيث لا يتوهّم تقصير وخطاء ومنشا استشعار التقصير وتوهّم الذّنب علم المكلف بالعجز عن القيام بوظائف العبوديّة والتعظيم على ما يليق بحضرة الرّبوبيّة سبحانه، ويزيد ذلك بالاطلاع على كثرة عيوب النّفس وآفاتها، وفرط رغبتها في أفعالها وحركاتها وسكناتها إلى الدّنيا وشهواتها، وقلّة اخلاصها في طاعاتها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال اللّه وعظمته وكبريائه، ومع المعرفة بأنه خبير بصير مطلع على السرائر، عالم بالضمائر، وهذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها الحياء.
و أما اعضاء الصلاة وأشكالها فهى: القيام، والقعود، والقرائة، والتشهد والركوع، و السجود، وظاهرها يرتبط بظاهر الانسان، وبه يكلف العوام الذين درجتهم درجة الأنعام، ليمتازوا بذلك التعبّد الظاهرى عن ساير أنواع الحيوان في العاجل، و يستحقوا به نوعا من الثواب في الاجل، وباطنها يلتزم بباطن الانسان ممن له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد.
أمّا صلاة الظاهر المأمور بها شرعا والمفروضة على كافة المكلّفين سمعا فاعدادها معلومة، وأوقاتها مرسومة، وأركانها مضبوطة، وأحكامها في الكتب مسطورة، لا حاجة بنا إلى تفصيلها لشهرتها، وكفاية الكتب الفقهيّة في تعيين شرايطها وأحكامها وأمّا صلاة الباطن وصلاة أهل الخصص فنشير إلى بعض أسرارها ويسير ممّا ينبغي لها لتكون على ذكر منها عند القيام بها، وتأتى بها على
1) . جامع الأخبار للشعيري: 72.
وجه البصيرة والمعرفة إن كنت من أهل القرب والطّاعة فنقول وباللّه التوفيق:
اما الطهارة فاذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد، ثمّ في ثيابك وهو غلافك الأقرب، ثمّ في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن تطهير ذاتك وإزالة رجس الشيطان عن لبّك بالتوبة والنّدم على التفريط في جنب اللّه كما قال سبحانه: «وثيابك فطهّر * والرّجز فاهجر»(1)، فطهّر قلبك فانّه منظر معبودك.
و اما ستر العورة فمعناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق أعنى سكّان عالم الأرض، فاذا وجب عليك ستر ظاهر البدن عن الخلق وهم مخلوق مثلك فما ظنك في عورات باطنك وفضايح سترك الذي هو موضع نظر معبودك وخالقك، فانها أولى بالسّتر وأحرى، فاحضر تلك الفضايح ببالك، وطالب نفسك بسترها بالنّدم والخوف والحياء، ونزل نفسك منزلة العبد المجرم المسىء الآبق الذى ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف.
و اما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك من ساير الجهات إلى جهة البيت الحرام، أفترى أنك مأمور بذلك ولست مأمورا بتوجيه قلبك إلى معبودك، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك، وكما لا يمكن التوجّه بالبيت إلاّ بالالتفات عن ساير الجهات، فكذلك لا يمكن التّوجّه إلى الحقّ، إلاّ بالاعراض عن كلّ ما عداه، و الانقطاع بكلّيته إلى اللّه.
قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله إِذَا قَامَ الْعَبْدُ إِلَى الصَّلاةِ فَكَانَ هَوَاهُ وَقَلْبُهُ إِلَى اللّهِ تَعَالَى انْصَرَفَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ(2).
وقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ فَآيِسْ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالْخَلْقِ وَمَا هُمْ
فِيهِ وَفَرِّغْ قَلْبَكَ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يَشْغَلُكَ عَنِ اللّهِ تَعَالَى وَعَايِنْ بِسِرِّكَ عَظَمَةَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى: «هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ»(1)وَقِفْ عَلَى قَدَمِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاء الحديث(2)
و أما القيام فليكن على ذكرك في الحال خطر القيام بين يدي الربّ المتعال في القيامة وهو المطّلع في مقام العرض والسّؤل حين ما أيقن أهل الجرائم بالعقاب وعاينوا أليم العذاب، فقم بين يديه سبحانه قيام عبد ذليل بين يدي ملك جليل، وعليك بخفوت أطرافك وهدر أطراقك وسكون جوارحك وخشوع أجزائك وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وزن نفسك قبل أن توزن.
وأما النية فاعلم أنّ الأعمال بالنيات وأنّ النّية رأس العبادات، فاجتهد في تحصيل الاخلاص، رجاء للثّواب وخوفا من العقاب وطلبا للقرب إلى ربّ الأرباب قال الصادق عليهالسلام : إذا كان أوّل صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضرّه ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشّيطان(3).
وقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : الاْءِخْلاصُ يَجْمَعُ فَوَاضِلَ الْأَعْمَالِ وَهُوَ مَعْنًى مِفْتَاحُهُ الْقَبُولُ ـ الي ان قال عليهالسلام : ـ وَأَدْنَى حَدِّ الاْءِخْلاصِ بَذْلُ الْعَبْدِ طَاقَتَهُ ثُمَّ لا يَجْعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللّهِ قَدْراً فَيُوجِبَ بِهِ عَلَى رَبِّهِ مُكَافَأَةً بِعَمَلِهِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ بِوَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ لَعَجَزَ وَأَدْنَى مَقَامِ الْمُخْلِصِ فِي الدُّنْيَا السَّلامَةُ مِنْ جَمِيعِ الآْثَامِ وَفِي الآْخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّة(4).
وقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : صَاحِبُ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ صَاحِبُ الْقَلْبِ السَّلِيمِ لِأَنَّ سَلامَةَ الْقَلْبِ مِنْ هَوَاجِسِ الْمَحْذُورَاتِ بِتَخْلِيصِ النِّيَّةِ للّهِِ تَعَالَى فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم»(1)،(2).
وأما التكبير فاذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذّبه قلبك، فان كان هواك أغلب عليك من أمر اللّه وأنت أطوع له منك للّه فقد اتّخذته إلها لك ومعبودا من دون اللّه كما قال عزّ من قائل: «أرأيت من اتّخذ إلهه هويه»(3).
فقولك: اللّه أكبر يكون حينئذ كلاما بمجرّد اللّسان من دون أن يساعده القلب والجنان، فيشهد اللّه سبحانه عليك بأنك لكاذب في تكبيره وتعظيمه كما شهد على المنافقين بأنهم لكاذبون في قولهم: نشهد أنّك لرسول اللّه(4).
وما أعظم الخطر في ذلك لو لا التّدارك بالتوبة والاستغفار.
و اما القرائة فالناس فيها على ثلاثة أقسام: السّابقون وهم المقرّبون، وأصحاب اليمين وهم أهل الجنّة، وأصحاب الشّمال وهم أهل النّار، فرجل يتحرّك لسانه وقلبه غافل عما هو فيه ويتكلّم به، بل مشغول الفكر بأغراض نفسه ومعاملاته وتجاراته وخصوماته وغيرها، ورجل يتحرّك لسانه وقلبه يتبع اللّسان فيفهم ويسمع منه كانه يسمعه من غيره وهو مقام أصحاب اليمين، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أوّلا ثمّ يخدم اللّسان القلب فيترجمه كما ربّما يخطر ببالك شيء فينبعث منك داعية الشّوق إلى التكلّم به وفرق بين أن يكون اللّسان ترجمان القلب وبين أن يكون القلب ترجمانا تابعا للسان، والمقرّبون لسانهم ترجمان قلوبهم.
وتوضيح ترجمة المعاني أنك اذا قلت: «أعوذ باللّه من الشيطان الرّجيم»، فادفع وساوس قلبك وعجب نفسك، وطهّر ساحة قلبك من خطرات ابليس وأحاديث النفس ليتيسّر لك الدّخول في باب الرّحمة فينفتح لك باب الملكوت بالمغفرة وباب الجبروت بالفضل والكرامة، وإذا قلت: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» ، فانو به التبرّك باسمه، واعلم أنّ الامور كلّها باللّه وهى من فيض رحمته في الدّنيا والآخرة
فاذا كانت النعم الدّنيويّة والاخرويّة مبدؤا وجوده وكانت كلّها من بحر كرمه وجوده كما قال عزّ من قائل: «وما بكم من نعمة فمن اللّه»(1)، فاعلم أنه لا يليق الحمد والثناء إلاّ للّه سبحانه، فقل: «الحمد للّه»، فلو كنت ترى نعمة من عند غيره
وتتوقّع منه الوصول إليها وتقرع بيد السّؤل بابه بزعم استقلاله فيها لا باعتقاد أنه واسطة في ايصالها إليك وآلة لوصولها إلى يديك فتشكره بذلك، ففي تسميتك وتحميدك نقصان وأنت بقدر التفاتك إلى غيره كاذب فيهما.
ثمّ اعلم أنّك تأسّيت في تحميدك للّه بالملائكة المقرّبين حيث قالوا قبل أن يخلق اللّه سبحانه هذه النشأة: «نحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك»(2)، وبعباد اللّه الصّالحين، حيث إنّهم بعد ما يحكم بينهم وبين المجرمين يوم الحاقة بالحقّ فيحمدون ربهم كما اخبر عنهم بقوله: «وقضي بينهم بالحقّ وقيل الحمد للّه ربّ العالمين»(3). وبعد ما يعتبرون الصراط ويجدون رايحة الجنان يقولون: «الحمد للّه الذي هدانا لهذا»(4)، وبعد ما يتمكنون في قصور الجنّات ويجلسون وسط الرّوضات يقولون: «الحمد للّه الذي صدقنا وعده»(5). وبعد ما ينالون غاية
الآمال ويجزون الحسنى بالأعمال يكون آخر كلامهم حمد الرّب المتعال، «وآخر دعويهم أن الحمد للّه رب العالمين»(1)، فاذا كان بداية العالم ونهايته مبنيّة على الحمد فاجتهد أن يكون بداية عملك ونهايته كذلك، وكما أنّ حمد هؤاء المقرّبين ناش عن وجه الاخلاص واليقين، فليكن ثناؤ كذلك وإذا قلت: «ربّ العالمين»، فاعلم أنّه سبحانه مربّيك ومربّي ساير الخلائق أجمعين، حيث إنه خلقهم وساق إليهم أرزاقهم ودبّر امورهم وقام بمصالحهم وبدء بالآمال قبل السؤل، وأنه رباهم بعظيم ما لديه من دون جلب ربح ومنفعة منهم إليه كما هو شأن ساير المربّين والمحسنين فانهم انما يربون ويحسنون ليربحوا على ذلك وينتفعوا بذلك إما ثوابا أو ثناء، فاذا كان تربيته كذلك فلينبعث منك مزيد شوق ورجاء إلى فضله ونواله.
وليشتدّ ذلك الرّجاء إذا قلت: «الرّحمن الرّحيم»، فانّ رحمته سبحانه لانهاية لها، فبرحمته الرّحمانية خلق الدّنيا وما فيها، وبرحمته الرّحيميّة يجزى المؤنين الجزاء الأوفى، وهو الذي ينادى عبده ويشرفه بألطف الخطاب حين ما وارده في التراب، وودّعه الأحباب ويقول: «عبدي بقيت فريدا وحيدا فأنا أرحمك اليوم رحمة يتعجّب الخلائق منها»(2).
ثمّ لا تغترّ بذلك ولا تأمن من غضبه واستشعر من قلبك الخوف، وإذا قلت: «مالك يوم الدّين»، فاحضر في نظرك أنواع غضبه وقهره على أهل الجرائم والجوائز واعلم أنّه لا مانع ذلك اليوم من سخطه ولا رادّ من عقابه، لانحصار الملك يومئذ فيه، فليس لأحد لجأ يؤيه.
ثمّ إذا حصلت بين الخوف والرّجاء فجرد الاخلاص والتوحيد وقل: «إيّاك نعبد»، أى لا يستحقّ العبادة إلاّ أنت ولا معبود سواك ولا نعبد إلاّ إيّاك، و تفطّن
لسرّ التكلّم بصيعة الجمع نكتة تشريك الغير معك في الاذعان بالعبوديّة، و هو أنّ من باع أمتعة كثيرة صفقة بعضها صحيح وبعضها معيب فاللاّزم على المشتري إمّا قبول الجميع أو ردّ الجميع، ولا يجوز له ردّ المعيب وأخذ الصحيح، فههنا قد مزجت عبادتك بعبادة غيرك من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين و عباد اللّه الصّالحين، وعرضت الجميع صفقة واحدة على حضرة ربّ العالمين، فهو سبحانه أجلّ من أن يردّ المعيب ويقبل الصحيح، فانّه قد نهى عباده عن ذلك فلا يليق بكرمه ذلك، كما لا يليق به ردّ الجميع لكون بعضها مقبولا البتة فلم يبق إلاّ قبول الجميع وهو المطلوب.
ثمّ القيام منك بوظايف العبودية والاتيان بلوازم الطّاعة لما لم يكن ممكنا إلاّ باعانة منه سبحانه وإفاضة منه الحول والقوّة اليك فتضرّع إليه تعالى واطلب منه التوفيق والاعانة وقل: «وإيّاك نستعين»، وتحقّق أنه ما تيسّرت طاعتك إلاّ باعانته وأنّه لولا توفيقه لكنت من المطرودين مع الشّيطان اللعين وإذا أظهرت حاجتك إليه سبحانه في إفاضته الاعانة والتّوفيق فعيّن مسئولك واطلب منه تعالى أهمّ حاجاتك وليس ذلك إلاّ طلب القرب من جواره، ولا يكون ذلك إلاّ بالحركة والسكون نحوه وسلوك السّبيل المؤّى إليه ولا يمكن ذلك إلاّ بهدايته سبحانه فقل: «اهدنا الصّراط المستقيم»، قال الصادق عليهالسلام يعني أرشدنا للزوم الطّريق المؤّى إلى محبّتك والمبلغ إلى جنّتك والمانع من أن نتبع أهوائنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك(1).
1) .معاني الأخبار: 33، ح4؛ بحار الأنوار: 228/89، ح6.
و زد ذلك شرحا وتفصيلا وتأكيدا بقولك: «صراط الذين أنعمت عليهم»، وهم الذين أنعم عليهم بالتوفيق والطّاعة لا بالمال والصّحة وهم الذين قال اللّه تعالى:
«وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(1).
وأمّا الذين انعم عليهم بالمال والصحّة فربما يكونون كفّارا أو فسّاقا من الذين لعنهم اللّه وغضب عليهم، أو من الضّالين المكذّبين، ولذلك حسن التأكيد بأن تقول: «غير المغضوب عليهم»، وهم اليهود قال اللّه فيهم: «مَنْ لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ»(2).«وَ لا الضَّالِّينَ»، وهم النّصارى قال اللّه فيهم: «قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرا»(3).
فاذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب فأقرء ما شئت من السّور، وعليك بالترتيل وتعمد الاعراب في ألفاظ ما تقرؤا والتّفكّر في معناها، وسؤل الرحمة والتّعوّذ من النقمة عند قراءة آيتيهما، ثمّ إذا فرغت من القرائة فجدّد ذكر كبرياء اللّه سبحانه وعظمته وارفع يديك حيال وجهك وقال: اللّه أكبر استجارة بعفوه عن عقابه واتباعا لسنّة رسوله، ثمّ تستأنف له ذلاّ وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وفي استشعار الخشوع له، وعليك بالطمأنينة والوقار وتسوية ظهرك ومدّ عنقك.
فقد قال أبو جعفر عليهالسلام : من أتمّ ركوعه لم يدخله وحشة في القبر(4).
و في مرفوعة أبي القاسم بن سلام قال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إذا ركع لوصبّ على
ظهره ماء لاستقرّ(1)، وأمّا مدّ العنق فمعناه إنّى آمنت بك ولو ضربت عنقى.
ثمّ تشهد على ربّك بالعظمة وأنّه أعظم من كلّ عظيم فتقول: «سبحان ربّى العظيم وبحمده»، وتكرّر ذلك على القلب وتؤده بالتكرير، ثمّ تنتصب قائما وتقول:«سمع اللّه لمن حمده والحمد للّه ربّ العالمين»، ثمّ تهوى إلى السّجود وهو أعلى درجات التذلّل والاستكانة حيث الصقت أعزّ جوارحك وأشرفها وهو الجبهة بأذلّ الأشياء وأخسّها وهو التراب، وقد نهيت عن السجود على الذهب والفضّة والمطاعم والملابس، لأنها متاع الحياة الدّنيا والسّجدة زاد الآخرة.
عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبداللّه عليهالسلام : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعما لا يجوز، قال: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس، فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك، قال: لأنّ السّجود خضوع للّه عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤل ويلبس، لأنّ أبناء الدّنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يضع جهته في سجوده على معبود أبناء الدّنيا الذين اغترّوا بغرورها(2).
وأمّا تعدّد السجود فسّره ما أشار إليه أمير المؤنين عليهالسلام حيث سأله رجل ما معنى السجدة الاولى؟ فقال عليهالسلام : تأويلها اللّهم إنّك منها خلقتنا يعني من الأرض، وتأويل رفع رأسك: ومنها أخرجتنا والسجدة الثانية: وإليها تعيدنا، ورفع رأسك منها: ومنها تخرجنا تارة اخرى(3).
وهو مأخوذ من قوله سبحانه: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى»(1).
ثمّ تجلس لتشهد على يسارك وترفع يمينك وتأويل ذلك: اللّهمّ أمت الباطل و اقحم الحقّ، فتجدّد العهد للّه سبحانه بالشهادة بالتوحيد وللنبيّ بالشهادة بالرّسالة، وتصلّى عليه وآله الذين هم وسايط الفيوضات النازلة، وبهم قبول الصّلاة وساير العبادات، وبالتقرّب إليهم يرجى نزول الرّحمة من الحقّ، لكونهم واسطة بينك وبين الرسول كما أنّه واسطة بين اللّه وبين الخلق.
ثمّ احضر شخصه صلىاللهعليهوآله في قلبك وقل: السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته، لتدخل في زمرة المؤنين المجيبين لنداء يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما، ثمّ سلّم على نفسك وعلى عباد اللّه الصّالحين، و تأمّل أنّ اللّه يردّ عليك سلاما بعدد عباده الصالحين، وأما قولك: السّلام عليكم و رحمة اللّه وبركاته، فتقصد بخطابك فيه الأنبياء والملائكة والأئمة عليهمالسلام والمؤنين من الجنّ والانس وتحضرهم ببالك وتخاطبهم به، وإلاّ كان التسليم بصيغة الخطاب لغوا وإن كان مخرجا عن العهدة، وحقيقة هذا التسليم هو الرّجوع عن الحقّ إلى الخلق، فانّ الصّلاة معراج للمؤن ومناجاة للعبد مع معبوده وحضور له مع اللّه وغيبته له عما سواه، فاذا انصرف منه لزم عليه تجديد العهد بالخلق والتسّليم عليهم كما يسلم الغائب إذا قدم من سفره.
هذا قليل من كثير ونبذ يسير من أسرار الصّلاة، والمقام لا يسع الزيادة، واللّه وليّ التوفيق والهداية.
1) .طه: 55.
وقال صاحب مفتاح السعادة:(1)
اعلم ان الصلوة عبادة جامعة، لها وحدة جمعية بين الواجبات كما ان الانسان له وحدة جمعية بين الموجودات، فالصلوة ام الكتاب والانسان ام القري والسواد الاعظم وان شئت قلت: الصلوة ام للكتاب التدويني باشتمالها علي الحمد وهو امّه و الانسان امّ الكتاب التكويني لاشتماله علي الروح والنفس الناطقة الانسانية التي هي من اكبر حجج اللّه علي خلقه، فالانسان بجامعيّته يشبه الملك بعقله، والحيوان بصفاته الحيوانيّة وكونه منه في الجنس الاعم، والجماد لكونه في بدو الامر اعني حين النطفة من الجماد، والنّبات لان فيه الروح النباتي وبها صارت النطفة علقة ومضغة وحيوانا وانسانا فالانسان جامع للأرواح الجمادية والنباتية والحيوانية والانسانية والملكة العقلية فهو النسخة الجامعة الكاملة لجميع مراتب الوجود وكمالات الشهود فالانسان لا يصير انسانا الاّ بعد تمام مراتب المذكورة وبالعقل يمتاز منها والوجه فيه انّ العقل من المجردات والانسان ما لم يكن منسلخا عن هذه المراتب الدنية لا يكون انسانا والانسلاخ لا يتحقق الاّ بالتجريد وهو لا يكون إلاّ بسبب العقل المجرد فكمال الحقيقي له بالعقل والاتباع له.
اذا عرفت هذه الجامعيّة في الانسان فاعرف هذه الجامعيّة بعينها للصلوة في الواجبات فهي مشتملة علي الصوم لاشتراط الكفّ الذي هو معني الصوم فيها ألا تري ان المصلي لا يجوز له الاكل والشرب وغيرهما مما يجب علي المصلي
1) . مفتاح السعادة: 115/9 خ 109.
الكف عنها حين الصلوة فكما ان الصائم يجب عليه الكف عما يفسده كذلك المصلي يجب عليه الكف عما يفسد الصلوة.
و اما اشتمالها علي الزكوة فلان اصل الزكوة النمو الحاصل عن بركة اللّه تعالى و يعتبر ذلك بالامور الدنيوية والاخروية والصلوة ايضا كذلك فانها توجب نموّ الروح وارتقائها إلى مدارج الكمال كما قال عليهالسلام الصّلوة معراج المؤن(1)وقال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر»(2)وأيّ نموّ للانسان اعظم واعلي من المعراج إلى مقام القرب والإعراض عن القبائح، فالصلوة توجب نموّ الانسان بحسب الواقع بل الظاهر ايضا كما انّ الزكوة توجب نموّ المال .
و اما اشتمالها علي الحج فلان الحج التوجه إلى الكعبة واتيان الاعمال بها والصلوة التوجه إلى كعبة القلب التي هي أعلي وأشرف من كعبة الخارج وانما قلنا ذلك لان اللّه تعالى جعل بيته قلب عبده المؤن وقال لا يسعني ارضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤن(3)، وقال عليهالسلام قلب المؤن عرش الرحمن(4)ولم يقل ذلك في حق الكعبة فظهر انّ كعبة القلب اعظم واشرف وهو المطلوب ثمّ ان الطواف حول الكعبة مشروط بالطهارة كذلك الطواف حول كعبة القلب اعني الصلوة مشروط بالطهارة، وكما انّ الحاجّ يغتسل في الميقات ويحرم عليه ما يحرم ثمّ بعد الفراغ عن العمل يصير محلاّ كذلك المصلّي بعد الاغتسال او الوضوء او التيمم والجامع بعد الطهارة يصير محرماً بالحرام الصلوة وهو تكبيرة الاحرام
ويحلّ باحلاله وهو التسليم في آخرها بعد الفراغ عن العمل فتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وكما انّ الحج فيه اذكار من قوله لبيك وامثاله كذلك الصلوة فيها قرائة والذكر.
و امّا اشتمالها علي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فهو واضح فانّها بنفسها معروفة ومع ذلك ناهية عن المنكر قال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر»(1).
وامّا اشتمالها علي الولاية: التي هي اهمّ الواجبات واعظمها فلان الصلوة اذا لم تكن مشتملة عليها فهي ليست بصلوةٍ كيف والافعال المخصوصة اعني الصلوة بمنزلة الجسم لها والولاية بمنزلة الروح فالصلوة الفاقدة للولاية كالجسم الفاقد للروح ولأجل هذه الدقيقة لم تقبل الصلوة إلاّ بها وهذا اعني الولاية معني قولك اهدنا الصّراط المستقيم إلى آخر السّورة.
والاتيان بالوجوب بعد الفرض لمحض التأكيد والاشارة إلى تأكّد وجوبها نظير قوله سبحانه: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(2)فانّه سبحانه بعد الأمر بها بالجملة الخبرية التي هى في معنى الانشاء، عقّبه بقوله: فريضة، تأكيدا للوجوب.
قال تعالى: «وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاة»(1).
وقال تعالى: «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا»(2).
وقال تعالى حكاية عن عيسي بن مريم: «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا»(3).
عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام (لمّا) أُنْزِلَتْ إِلَيْهِ آيَةُ الزَّكَاةِ «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها»(4)فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الزَّكَاةَ كَمَا فَرَضَ عَلَيْكُمُ الصَّلاةَ ـ إلى أن قال عليهالسلام : ـ قَالَ ثُمَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِمُ الْحَوْلُ مِنْ قَابِلٍ فَصَامُوا وَأَفْطَرُوا فَأَمَرَ عليهالسلام مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ زَكُّوا أَمْوَالَكُمْ تُقْبَلْ صَلاتُكُم الحديث(5).
وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فِي حَدِيثٍ: وَالزَّكَاةُ نَسَخَتْ كُلَّ صَدَقَةٍ وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ نَسَخَ كُلَّ غُسْلٍ(6).
وعن الصادق عليهالسلام ما فرض اللّه على هذه الأمة شيئا أشدّ عليهم من الزكاة، وفيها تهلك عامتهم(7).
وعَنْ مَعْمَرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ لا يَسْأَلُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْداً عَنْ
صَلاةٍ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَلا عَنْ صَدَقَةٍ بَعْدَ الزَّكَاة(1).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ قُمْ يَا فُلانُ قُمْ يَا فُلانُ قُمْ يَا فُلانُ حَتَّى أَخْرَجَ خَمْسَةَ نَفَرٍ فَقَالَ اخْرُجُوا مِنْ مَسْجِدِنَا لا تُصَلُّوا فِيهِ وَأَنْتُمْ لا تُزَكُّونَ(2).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا(3).
وعَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله لِعَلِيٍّ عليهالسلام قَالَ: يَا عَلِيُّ كَفَرَ بِاللّهِ الْعَظِيمِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَشَرَةٌ وَعَدَّ مِنْهُمْ مَانِعَ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ لا يَقْبَلُ اللّهُ مِنْهُمُ الصَّلاةَ وَعَدَّ مِنْهُمْ مَانِعَ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ مَنْ مَنَعَ قِيرَاطاً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَلَيْسَ بِمُؤمِنٍ وَلا بِمُسْلِمٍ وَلا كَرَامَةَ يَا عَلِيُّ تَارِكُ الزَّكَاةِ يَسْأَلُ اللّهَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ...(4)،(5).
والكلام فيها في مقامين:
المقام الاول: في علّة وجوبها وفضلها وعقوبة مانعها.
أمّا فضلها ووجوبها فكفى بذلك أنّ أكثر الآيات المتضمّنة للأمر باقامة الصّلاة متضمّنة للأمر بايتاء الزّكاة، فجعل الزّكاة تالى الصّلاة، والأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء.
عن محمّد بن مسلم وأبي بصير وبريد عن أبي جعفر وأبي عبداللّه عليهماالسلام قالا: فرض اللّه الزّكاة مع الصّلاة(1).
وعن مبارك العقرقوفي قال: قال أبو الحسن عليهالسلام إنّ اللّه عزّ وجلّ وضع الزّكاة قوتا للفقراء وتوفيرا لأموالكم(2).
وعن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه وغيره عن رجل من أهل ساباط قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام لعمّار السّاباطي: يا عمّار أنت ربّ مال كثير؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: فتؤّى ما افترض اللّه عليك من الزّكاة؟ فقال: نعم، قال: فتخرج الحقّ المعلوم من مالك؟ قال: نعم، قال: فتصل قرابتك؟ قال: نعم، قال: وتصل اخوانك؟ قال: نعم، فقال عليهالسلام : يا عمّار إنّ المال يفنى والبدن يبلى والعمل يبقى والدّيان حىّ لا يموت، يا عمّار إنّه ما قدّمت فلن يسبقك(3).
وما أخّرت فلن يلحقك(4).
وعَنْ مُعَتِّبٍ مَوْلَى الصَّادِقِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : إِنَّمَا وُضِعَتِ الزَّكَاةُ اخْتِبَاراً لِلأَغْنِيَاءِ وَمَعُونَةً لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَدَّوْا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ مَا بَقِيَ مُسْلِمٌ فَقِيراً مُحْتَاجاً وَلاسْتَغْنَى بِمَا فَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَإِنَّ النَّاسَ مَا افْتَقَرُوا وَلا احْتَاجُوا وَلا جَاعُوا وَلا عَرُوا إِلاّ بِذُنُوبِ الْأَغْنِيَاءِ وَحَقِيقٌ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَمْنَعَ رَحْمَتَهُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللّهِ فِي مَالِهِ وَأُقْسِمُ بِالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ وَبَسَطَ الرِّزْقَ أَنَّهُ مَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍّ وَلا
1) .الكافي: 498/3، ح5؛ وسائل الشيعة: 13/9، ح11394 ـ 8.
2) . الكافي: 498/3، ح6؛ وسائل الشيعة: 211/9، ح11860 ـ 5.
3) .«ما قدمت» أي من الوقف والصدقة وأمثالهما «فلن يسبقك» أي لن يفوتك ولا يتجاوز منك الى غيرك بل يصل ثوابه لا محالة إليك. «و ما أخرت» أي ما تركت بعدك «فلن يلحقك» بل يكون لوارثك يفعل فيه ما يشاء، فان صرفه في الخيرات يصل ثوابه إليه دونك.
4) .الكافي: 501/3، ح15؛ وسائل الشيعة: 50/9، ح11495 ـ 10.
بَحْرٍ إِلاّ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ وَمَا صِيدَ صَيْدٌ فِي بَرٍّ وَلا بَحْرٍ إِلاّ بِتَرْكِهِ التَّسْبِيحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَسْخَاهُمْ كَفّاً وَأَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ(1)وَلَمْ يَبْخَلْ عَلَى الْمُؤمِنِينَ بِمَا افْتَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي مَالِهِ(2).
وعَنْ زُرَارَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي حَدِيثٍ قَالَ: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي مَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يَسَعُهُمْ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لا يَسَعُهُمْ لَزَادَهُمْ إِنَّهُمْ لَمْ يُؤتَوْا مِنْ قِبَلِ فَرِيضَةِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِنْ أُوتُوا مِنْ مَنْعِ مَنْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ لا مِمَّا فَرَضَ اللّهُ لَهُمْ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَدَّوْا حُقُوقَهُمْ لَكَانُوا عَائِشِينَ بِخَيْرٍ(3).
وَكَتَبَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى عليهالسلام إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ جَوَابِ مَسَائِلِهِ أَنَّ عِلَّةَ الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ قُوتِ الْفُقَرَاءِ وَتَحْصِينِ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ لِأَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّفَ أَهْلَ الصِّحَّةِ الْقِيَامَ بِشَأْنِ أَهْلِ الزَّمَانَةِ وَالْبَلْوَى(4)كَمَا قَالَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ»(5)فِي أَمْوَالِكُمْ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ تَوْطِينُ الْأَنْفُسِ عَلَى الصَّبْرِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَدَاءِ شُكْرِ نِعَمِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالطَّمَعِ فِي الزِّيَادَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَهْلِ
1) . الأفضليّة اضافية بالنسبة الى من لم يؤّ الزكاة و ان أعطى في غيرها كثيرا. و قال الفاضل التفرشى رحمهالله: لعل المراد بالاسخى من لم يكن فيه شيء من البخل و في هذا المعنى يستوى جميع من أدى زكاة ماله سواء أتى بالعطايا زائدة على زكاة المال أم لا و ان كان الآتي بالعطايا بعد أداء الزكاة أسخى ممن لم يأت بها بمعنى آخر.
2) . من لا يحضره الفقيه: 7/2، ح1579؛ وسائل الشيعة: 12/9، ح11392 ـ 6.
3) . الكافي: 496/3، ح1؛ وسائل الشيعة: 19/9، ح11388 ـ 2.
4) .الزمانة: آفة في الحيوانات ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة. الصحاح.
5) .آل عمران: 186.
الضَّعْفِ(1)وَالْعَطْفِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْحَثِّ لَهُمْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَتَقْوِيَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَعُونَةِ لَهُمْ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ وَهُوَ عِظَةٌ لِأَهْلِ الْغِنَى وَعِبْرَةٌ لَهُمْ لِيَسْتَدِلُّوا عَلَى فُقَرَاءِ الآْخِرَةِ بِهِمْ(2)وَمَا لَهُمْ مِنَ الْحَثِّ فِي ذَلِكَ عَلَى الشُّكْرِ للّهِِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَا خَوَّلَهُمْ(3)وَأَعْطَاهُمْ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْخَوْفِ مِنْ أَنْ يَصِيرُوا مِثْلَهُمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ(4)فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ(5).
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عليهالسلام مَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ تَامَّةً فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا لَمْ يُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ مَالَهُ(6)،(7).
وَقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : إِنَّمَا جَعَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ أَلْفٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَماً لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ غَنِيَّهُمْ وَفَقِيرَهُمْ وَقَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ فَجَعَلَ مِنْ
1) . أي من حيث الشكر كما قال اللّه تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» مع ما فيه من الزيادة أيضا من حيث خاصّة الزكاة بخصوصها فلا تكرار، ويحتمل أنّه إشارة الى تحقّق المطموع قطعا أي في أداء الزكاة طمع الزيادة مع وقوعها البتة لا مجرد رجاء وقوع وان تخلف ويحتمل أن المراد بإحداهما الزيادة الدنيوية وبالاخرى الزيادة الاخروية. سلطان.
2) .المراد بفقراء الآخرة من ليس له من أعمال صالحة وذخيرة في الآخرة أي عبرة للاغنياء من حيث انهم لما وقفوا من سوء حال الفقراء قاسوا عليهم أحوال فقر الآخرة وسوء أحوالهم و ذلك موجب لتحصيل الاعمال والثواب والذخيرة في الآخرة. سلطان.
3) . خولهم أي أنعم عليهم.
4) .ناظر الى شكر اللّه تعالى، وفي «أداء الزكاة» بدل منه مراد وقال في الوافي: يعنى ما ذكر من الأمور في جملة أمور أخر كثيرة هي العلة في ذلك.
5) .من لايحضره الفقيه: 8/2، ح1580؛ بحار الأنوار: 18/93، ح38.
6) . أي يرتفع عنه مئونة حساب ذلك المال، لا أنّه لو اكتسبه من الحرام يرتفع منه اثم ذلك الكسب.
7) .من لا يحضره الفقيه: 9/2، ح1581؛ بحار الأنوار: 19/93، ح42.
كُلِّ أَلْفٍ(1)خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِيناً وَلَوْ لا ذَلِكَ لَزَادَهُمُ اللّهُ لِأَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ(2).
اما عقوبة تارك الزكاة ومانعها فقد قال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَللّهِِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(3).
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»(4).
عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : دَمَانِ فِي الاْءِسْلامِ حَلالٌ مِنَ اللّهِ لا يَقْضِي فِيهِمَا أَحَدٌ حَتَّى يَبْعَثَ اللّهُ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِذَا بَعَثَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ حَكَمَ فِيهِمَا بِحُكْمِ اللّهِ لا يُرِيدُ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةً الزَّانِي الْمُحْصَنُ يَرْجُمُهُ وَمَانِعُ الزَّكَاةِ يَضْرِبُ عُنُقَه(5).
ولا يخفى ما في الآيتين من وجوه الحثّ على الانفاق والوعيد على الامساك. أمّا الآية الأولى فجهات الانذار فيها غير خفيّة:
الاولى: انّه سبحانه نهى عن حسبان الممسكين إمساكهم خيراً لهم ونفعاً في حقّهم وأكّد ذلك بالنون المفيدة للتوكيد.
الثانية: انّه وصف الممسكين بصفة البخل وهو صفة ذمّ.
الثالثة: انّ ما بخلوا به هو ممّا آتاهم اللّه فاللازم عليهم أن يتصرّفوا فيه بما أمر اللّه ويصرفوه إلى ما أراده اللّه. الرابعة: انّ ذلك شرّ لهم وضرّ في حقّهم.
الخامسة: انّهم يطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة.
رَوَى حَرِيزٌ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ ذِي مَالٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلاّ حَبَسَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ(1)وَسَلَّطَ عَلَيْهِ شُجَاعاً أَقْرَعَ يُرِيدُهُ وَهُوَ يَحِيدُ عَنْهُ(2)فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ أَمْكَنَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَضِمَهَا كَمَا يُقْضَمُ الْفُجْلُ(3)ثُمَّ يَصِيرُ طَوْقاً فِي عُنُقِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَ «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»(4)وَمَا مِنْ ذِي مَالٍ إِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ يَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلاّ حَبَسَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ يَطَؤهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَيَنْهَشُهُ كُلُّ ذَاتِ نَابٍ بِنَابِهَا(5)وَمَا مِنْ ذِي مَالٍ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَرْعٍ يَمْنَعُ زَكَاتَهُ إِلاّ طَوَّقَهُ اللّهُ تَعَالَى رَيْعَةَ
1) .في الصحاح القاع: المستوى من الأرض. والقرقر: القاع الاملس. ولا يبعد أن يراد به هنا ما لا شجر فيه ولا كلاء ولا ماء.
2) . الشجاع والاشجع ضرب من الحيات أو الذكر منها، والاقرع من الحيات المتمعط شعر رأسه لكثرة سمه يعنى قد تمعط وذهب شعر رأسها لكثرة سمها وطول عمرها «و هو يحيد عنه» أي يميل ويتنفر عنه.
3) .القضم: كسر الشيء بأطراف الأسنان. وفي بعض النسخ «كما يقضم الفحل» بالحاء المهملة.
4) .آل عمران: 180.
5) .ينهشه ـ كيمنعه ـ أى يلسعه وعضه أو أخذه بأضراسه.
أَرْضِهِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)،(2).
وعن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة، فقال: يا محمّد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلاّ جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، ثمّ قال هو قول اللّه عزّ وجلّ: سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة، يعنى ما بخلوا به من الزكاة(3).
السادسة: أنّ ميراث السماوات والأرض كلّه للّه سبحانه بمعنى أنّه وحده يبقى وغيره يفنى ويبطل ملك كلّ مالك إلاّ ملكه، فاذا كان المال في معرض الفناء والزّوال فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بالانفاق، ولا يحرص على الامساك، فيكون وزره عليه ونفعه لغيره السابعة أنّه سبحانه خبير بما يعمله المكلّفون بصير بمخالفتهم لأمره لا يعزب عن علمه بخلهم بالانفاق ومنعهم عن أهل الاستحقاق، فسيذيقهم وبال أمرهم عند المساق، اذا التفّت السّاق بالساق.
وروى الطبرسيّ عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه لما نزلت هذه الآية: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيم»(4)قال صلىاللهعليهوآله: تبّا للذّهب تبّا للفضّة، يكرّرها ثلاثا، فشقّ ذلك على أصحابه فسأله عمر: أىّ المال نتّخذ؟ فقال:
1) . المراد بالريعة هاهنا أصل أرضه التي فيها الكرم والنخل والزراعة الواجبة فيها الزكاة. أى تصير الأرض طوقا في عنقه الى يوم القيامة بان يحشر وفي عنقه الأرض «الى سبع أرضين» أي الى منتهاها.
2) . من لا يحضره الفقيه: 9/2، ح1583؛ بحار الأنوار: 16/93، ح37.
3) . الكافي: 502/3، ح1؛ بحار الأنوار: 196/7، ح66.
4) .التوبة: 34.
لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤنة تعين أحدكم على دينه(1).
وعن أمير المؤنين عليهالسلام : ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤّ(2).
وعن الصادق عليهالسلام ما أعطى اللّه عبدا ثلاثين ألفا وهو يريد به خيرا، وقال ما جمع رجل قطّ عشرة ألف درهم من حلّ، وقد يجمعها ـ اللّه ـ لأقوام إذا أعطى القوت ورزق العمل فقد جمع اللّه له (لقوم) الدّنيا والآخرة(3).
ومحصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال ولا يؤّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، وللتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهّكّم، لأنّ من يكنز الذّهب والفضّة فانما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة، والتوسل الى الفرج يوم الشدّة فقيل له: هذا هو الوجاهة والفرج كما يقال تحيّتهم ليس إلاّ الضرب وإكرامهم ليس إلاّ الشتم «يوم يحمى عليها» أى يوقد على الكنوز «فى نار جهنّم» حتى تصير نارا «فتكوى بها» أى بتلك الأموال والكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة «جباههم وجنوبهم وظهورهم» وتخصيص هذه الأعضاء بالكىّ بوجوه:
أحدها: أنّ منظورهم بكسب الأموال وترك الانفاق ليس إلاّ الأغراض الدّنيويّة وهو حصول الوجاهة لهم عند النّاس وحصول الشّبع لهم بأكل الطّيبات فينفتح منه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فوقع الكىّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.
الثاني: أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن والجنوب عن طرفيه والظهور عن المآخير، والمراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن.
الثالث: أنّ الجبهة محلّ السّجود فلم يقم فيه بحقّه والجنب مقابل القلب الّذي لم يخلص في معتقده، والظّهر محلّ الأوزار قال: يحملون أوزارهم على ظهورهم.
الرّابع: أنّ هذه الأعضاء مجوفة وليست بمصمتة وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم التألم بسبب وصول أدنى أثر إليها، بخلاف ساير الأعضاء.
الخامس: وهو أحسن الوجوه وألطفها أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أوّلا قبض جبهته وعبس وجهه وإذا دار الفقير يوليه جنبه وإذا دار يولّيه ظهره وقوله: «هذا ما كنزتم لأنفسكم»(1)أى يقال لهم في حالة الكىّ هذا هو الذى ادّخرتموه لأنفسكم، وهو تبكيت لهم بأنّ المال الذى بخلتم بانفاقه وادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به، فكأنّكم أكنزتموه ليجعل عقابا لكم «فذوقوا»(2)عقاب «ما كنتم تكنزون»(3)به لا بغيره.
قال الطّبرسيّ: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ما من عبد له مال لا يؤّى زكاته إلاّ جمع يوم القيامة صفايح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره حتّى يقضى اللّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثمّ يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النّار قال وروى ثوبان عن النبيّ صلىاللهعليهوآله من ترك كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ينتبعه ويقول: ويلك ما أنت، فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثمّ يتبعه ساير جسده(4).
المقام الثاني في أسرار الزّكاة ودقايق بذل المال وهى أمور:
الأوّل: أنّ المؤن الموحّد إذا أقرّ بالتّوحيد باللّسان لزم إذعانه به بالجنان ومعنى التوحيد إفراد المعبود بالمحبوبيّة واخلاص القلب عمّا سواه والفراغ عن كلّ ما عداه، فانّ المحبّة أمر لا يقبل الشركة والأموال محبوبة عند الخلايق، لأنّها آلة تمتّعهم بالدّنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب، فجعل اللّه بذل المال امتحانا لهم وتصديقا لدعوتهم المحبّة له سبحانه والناس في ذلك ثلاثة أصناف:
صنف صدقوا التوحيد وحذفوا عن ساحة قلوبهم ما سوى المعبود وبذلوا أموالهم من غير تعرّض بوجوب الزّكاة ولم يدّخروا لأنفسهم دينارا ولا درهما، ولم يتركوا بعدهم صفراء ولا بيضاء، وهم الذين قال اللّه سبحانه في حقهم: «وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»(1)«وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(2).
عن محمّد بن سنان عن المفضّل قال: كنت عند أبي عبداللّه عليهالسلام فسأله رجل في كم تجب الزّكاة من المال؟ فقال عليهالسلام له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ فقال: أريدهما جميعا، فقال عليهالسلام : أمّا الظّاهرة ففي كلّ ألف خمسة وعشرون، وأمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك(3).
و صنف درجتهم دون درجة الصنف السابق وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادّخار الانفاق على
نفسه وعياله الواجب النفقة بقدر الحاجة، وصرف الفاضل إلى وجوه البرّ مهما ظهر، وهؤاء لا يقتصرون على مقدار الزّكاة وهم الذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم.
وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَمَعَنَا بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ فَذَكَرُوا الزَّكَاةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام إِنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَ يُحْمَدُ بِهَا صَاحِبُهَا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَاهِرٌ إِنَّمَا حَقَنَ بِهَا دَمَهُ وَسُمِّيَ بِهَا مُسْلِماً وَلَوْ لَمْ يُؤدِّهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ غَيْرَ الزَّكَاةِ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللّهُ وَمَا عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللّهِ أَ مَا تَسْمَعُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(1)قَالَ قُلْتُ مَا ذَا الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الَّذِي عَلَيْنَا؟ قَالَ هُوَ الشَّيْءُ يَعْمَلُهُ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ يُعْطِيهِ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي الْجُمْعَةِ أَوْ فِي الشَّهْرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ غَيْرَ أَنَّهُ يَدُومُ عَلَيْه(2).
وعن إسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّ وجلّ: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(3)أهو سوى الزكاة؟ فقال عليهالسلام : هو الرّجل يؤيه اللّه الثروة من المال فيخرج منه الألف والألفين والثلاثة آلاف والأقلّ والأكثر فيصل به رحمه ويحمل به الكلّ عن قومه(4).
وعن القاسم بن عبد الرّحمن الأنصارى قال: سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: إنّ
رجلا جاء إلى أبي عليّ بن الحسين عليهماالسلام فقال له: أخبرني عن قوله اللّه عزّ وجلّ: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(1).
ما هذا الحقّ المعلوم؟ فقال له عليّ بن الحسين عليهماالسلام: الحقّ المعلوم الشيء يخرجه الرّجل من ماله ليس من الزّكاة ولا من الصّدقة المفروضين، قال: فاذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو؟ فقال عليهالسلام : هو الشيء يخرجه الرّجل من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقلّ على قدر ما يملك، فقال له الرّجل: فما يصنع به؟ قال: يصل به رحما ويقوى به ضعيفا ويحمل به كلاّ أو يصل به أخا له في اللّه أو لنائبة تنوبه فقال الرّجل: اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته(2)هذا.
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُمَا قَالا: الْمَحْرُومُ الرَّجُلُ الَّذِي لَيْسَ بِعَقْلِهِ بَأْسٌ وَلَمْ يُبْسَطْ لَهُ فِي الرِّزْق(3).
والصنف الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه وهى أدون الرتب، وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وفرط ميلهم إليه وضعف حبّهم للاخرة.
السر الثاني من أسرار الزّكاة: أنها مطهّرة من صفة البخل وهى صفة مذمومة من جنود النفس قال سبحانه: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها»(4)وقال: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(5).
الثالث: أنّ شكر النّعمة واجب عقلا وشرعا وهو على ما قاله العلماء عبارة عن صرفها إلى طلب مرضات المنعم، فالعبادات البدنيّة شكر لنعمة البدن، والعبادات المالية شكر لنعمة المال، فيحكم العقل بوجوبها لكونها شكرا للمنعم، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وانتقع لونه من مسّ الجوع ثمّ لا يسمح نفسه أن يؤّى شكر اللّه تعالى على إغنائه عن السّؤل وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله.
قال الصّادق عليهالسلام في رواية سماعة بن مهران: ومن أدى ما فرض اللّه عليه فقد قضى ما عليه وأدّى شكر ما انعم اللّه عليه في ماله إذا هو حمده على ما أنعم اللّه عليه فيه بما فضّله به من السّعة على غيره، ولما وفّقه لأداء ما فرض اللّه عزّ وجلّ عليه وأعانه عليه(1).
الرابع: أنّ النفس الناطقة لها قوّتان: نظريّة وعمليّة، فالقوّة النظريّة كمالها في التعظيم لأمر اللّه، والقوّة العمليّة كمالها في الشفقّة على خلق اللّه فأوجب اللّه الزّكاة ليحصل لجوهر الرّوح هذا الكمال، وهو اتّصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في ايصال الخيرات إليهم، دافعا للآفات عنهم.
الخامس: أنّ المال سمّى مالا لميل كلّ أحد إليه وهو في معرض التلف والزّوال مهادم في يده فهو غاد ورائح، وإذا أنفق في مصارف الخير ووجوه اللّه بقى بقاء لا يزول، لأنّه يوجب الثناء الجميل في الدّنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وانّ لسان الصدق يجعله اللّه للمرء في النّاس خير له من المال يورثه غيره، فانّ المراد بلسان الصدق هو الذكر الجميل، قال حاتم لامرأته مارية:
1) .الكافي: 498/3، ح8؛ وسائل الشيعة: 47/9، ح11487 ـ 2.
أ ماوىّ إنّ المال غاد ورائح *** ويبقى من المال الأحاديث والذكر
لقد علم الأقوام لو أنّ حاتما *** أراد ثراء المال كان له وفر(1)
السادس: أنّ كثرة المال موجبة لحصول الطغيان والانحراف عن سبيل الرحمن كما قال عزّ من قائل: «إِنَّ الاْءِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى»(2).
فأوجب اللّه الزكاة لتقليل سبب الطغيان وجبرا لمفسدته، إلى غير ذلك من الأسرار التي يستنبطها العقل بأدنى توجّه، واللّه الهادى إلى الخيرات.
ووقاية من النّار يوم الحساب.
وانما خصّه بهذه العلة مع كون ساير العبادات كذلك لكونه أشدّ وقاية من غيره، بيان ذلك أنّ استحقاق الانسان للعقوبة إنّما هو بقربه من الشيطان واطاعته له وللنفس الامّارة، وبشدّة القرب وضعفه يتفاوت العقاب شدّة وضعفا، وبكثرة الطاعة وقلّتها يختلف العذاب زيادة ونقصانا، وسبيل الشّيطان على الانسان ووسيلته إليه إنّما هي الشّهوات، وقوّة الشهوة بالأكل والشرب، فبالجوع والصوم يضعف الشهوة وينكسر صولة النفس وينسد سبيل الشيطان وينجى من العقوبه والخذلان، كما قال صلىاللهعليهوآله إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع(3).
وقال صلوات اللّه عليه وآله لعايشة: داومى قرع باب الجنّة، قالت: بماذا؟
قال صلىاللهعليهوآله بالجوع(1).
قال الغزالي في احياء العلوم في تعداد فوائد الجوع: «الفائدة الخامسة» وهى من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلّها والاستيلاء على النّفس الامارة بالسّوء، فانّ منشأ المعاصي كلّها الشهوات والقوى ومادّة الشهوات و القوى لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كلّ شهوة وقوّة، وإنّما السعادة كلّها في أن يملك الرّجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه، وكما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلاّ بضعف الجوع، فاذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس، وهذه ليست فائدة واحدة، بل هى خزائن الفوائد، ولذلك قيل الجوع خزانة من خزائن اللّه(2).
فقد اتّضح بذلك كون الصّوم جنّة من النّار، ووقاية من غضب الجبّار، وأنّ فيه من إذلال النّفس وقهر إبليس وكسر الشهوات ما ليس في ساير العبادات وهو واجب بالضرورة من الدّين واجماع المسلمين ونصّ الكتاب المبين قال سبحانه:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(3).
قال الصادق عليهالسلام في هذه الآية: لذّة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء(1)وفي قوله: لعلّكم تتّقون، إشارة إلى ما ذكرنا سابقا من أنّ الصوم جنّة و وقاية به يتّقى من العقاب وينجى من العذاب.
والمستفاد من الآية الشريفة أنّ الصّوم كان مكتوبا مفروضا على الامم السالفة كما أنه مكتوب على الامة المرحومة، ولا خلاف في ذلك، وإنّما الخلاف في أنّ الصوم المفروض علينا بهذه الكيفية المخصوصة في وقته وعدده هل كان في ساير الامم كذلك؟ ذهب بعض العامّة إلى ذلك على ما حكاه في مجمع البيان، حيث روى فيه عن الشعبي والحسن أنهما قالا إنه فرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النّصارى، وكان يتّفق ذلك في الحرّ الشديد والبرد الشديد فحوّلوه إلى الرّبيع وزادوا في عدده.
وذهب آخرون إلى أن التّشبيه في الآية بين فرض صومنا وفرض صوم من تقدّمنا من الامم، أى كتب عليكم صيام أيّام كما كتب عليهم صيام أيّام، وليس في ذلك تشبيه عدم الصوم المفروض علينا ولا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم ولا وقته، قال الطبرسي: وهو اختيار أبي مسلم والجبائي(2).
وهذا هو الأقوى ويدلّ عليه صريحا ما روي عن سليمان ابن داود المنقرى عن حفص بن غياث النخعي قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: إنّ شهر رمضان لم يفرض اللّه صيامه على أحد من الامم قبلنا، فقلت له: فقول اللّه عزّ وجلّ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»(3).
قال عليهالسلام : إنما فرض اللّه صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الامم، ففضّل اللّه به هذه الامّة وجعل صيامه فرضا على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وعلى امّته(1).
وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ فَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي حَدِيثٍ قَالَ: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ(3). هذا.
قال المحقق البحراني: لا ريب أن الصوم من أفضل الطاعات وأشرف العبادات إذا وقع على الوجه المأمور به، ولو لم يكن فيه إلا الارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به فضلا ومنقبة(4).
والكلام بعد في علّة وجوب الصوم وفضله وفضل صوم شهر رمضان خصوصا والآداب التي يكون عليها الصايم.
سأل هشام بن الحكم أبا عبداللّه عليهالسلام عن علّة الصّيام فقال عليهالسلام : إنما فرض اللّه الصيام ليستوى به الغنى والفقير، وذلك إنّ الغنى لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغنىّ كلّما أراد شيئا قدر عليه، فأراد اللّه أن يسوّى بين خلقه وأن يذيق
الغنى مسّ الجوع والألم ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع(1).
وكتب أبو الحسن علىّ بن موسى الرّضا عليهالسلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: علّة الصّوم عرفان مسّ الجوع والعطش ليكون ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا ويكون ذلك دليلا له على شدايد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشّهوات واعظا له في العاجل دليلا على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدّنيا والآخرة(2).
وروى عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهمالسلام أنّه قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فسأله أعلمهم من مسائل فكان فيما سأله أنّه قال: لأىّ شيء فرض اللّه الصّوم على امّتك بالنّهار ثلاثين يوما وفرض على الامم أكثر من ذلك؟
فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ آدم عليهالسلام لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض اللّه على ذرّيته(3)ثلاثين يوما الجوع والعطش، والذي يأكلونه باللّيل تفضّل من اللّه عليهم وكذلك كان على آدم ففرض اللّه عزّ وجلّ ذلك على امتي ثمّ تلى هذه الآية: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ»(4)قال اليهودى صدقت يا محمّد فما جزاء من صامها؟ فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: ما من مؤن يصوم شهر رمضان احتسابا إلاّ أوجب اللّه له سبع خصال: أولها يذوب الحرام من جسده و الثانية يقرب من رحمة اللّه والثالثة يكون قد كفّر
1) . من لا يحضره الفقيه: 73/2، ح1766؛ بحار الأنوار: 371/93، ح53.
2) .من لا يحضره الفقيه: 73/2، ح1767؛ بحار الأنوار: 370/93، ح52.
3) .اى ذريته من امة محمد ومن الانبياء السالفين دون الامم السالفة كما ظهر من رواية حفص بن غياث ويظهر من قوله فى هذه الرواية ففرض اللّه ذلك على امتى.
4) .البقرة: 183 ـ 184.
خطيئة أبيه آدم عليهالسلام والرابعة يهوّن اللّه عليه سكرات الموت والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة والسادسة يعطيه اللّه برائة من النّار والسابعة يطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، قال: صدقت يا محمّد(1).
وأما فضل الصوم مطلقا عن أبي جعفر عليهالسلام قال: بنى الاسلام على خمسة أشياء: على الصّلاة، والزكاة، والصّوم، والحجّ، والولاية وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهالصّوم جنّة
من النار(2).
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَ لا أُخْبِرُكَ بِأَصْلِ الاْءِسْلامِ وَفَرْعِهِ وَذِرْوَتِهِ وَسَنَامِهِ؟ قُلْتُ بَلَى قَالَ عليهالسلام : أَصْلُهُ الصَّلاةُ وَفَرْعُهُ الزَّكَاةُ وَذِرْوَتُهُ وَسَنَامُهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ، أَ لا أُخْبِرُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ إِنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ(3)
وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةُ الْعَبْدِ الْمُؤمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يَقِي أَحَدَكُمْ سِلاحُه(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام ان للّه تعالى في كلّ ليلة من شهر رمضان عتقاء و طلقاء من النار، إلاّ من أفطر على مسكر، فاذا كان في آخر ليلة منه أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه(5).
وعَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لِأَصْحَابِهِ: أَ لا أُخْبِرُكُمْ
1) . من لا يحضره الفقيه: 73/2، ح1769؛ وسائل الشيعة: 240/10، ح13317 ـ 4.
2) .الكافي: 62/4/ ح1 ومن لا يحضره الفقيه: 74/2، ح1770 وح 1771؛ بحار الأنوار: 333/65، ح10.
3) . الكافي: 62/4، ح3؛ بحار الأنوار: 386/65، ح35.
4) .الخصال: 45/1، ح42. بحار: 249/93، ح14.
5) . الكافي: 68/4، ح7؛ بحار الأنوار: 362/93، ح30.
بِشَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَبَاعَدَ الشَّيْطَانُ عَنْكُمْ كَمَا تَبَاعَدَ الْمَشْرِقُ مِنَ الْمَغْرِبِ قَالُوا بَلَى قَالَ الصَّوْمُ يُسَوِّدُ وَجْهَهُ وَالصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ وَالْحُبُّ فِي اللّهِ وَالْمُوَازَرَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَقْطَعَانِ دَابِرَهُ وَالاسْتِغْفَارُ يَقْطَعُ وَتِينَهُ(1)وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْأَبْدَانِ الصِّيَامُ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى عليهالسلام : مَا يَمْنَعُكَ مِنْ مُنَاجَاتِي؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُجِلُّكَ عَنِ الْمُنَاجَاةِ لِخُلُوفِ(3)فَمِ الصَّائِمِ فَأَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدِي مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ(4).
وَقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ وَصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ وَعَمَلُهُ مُتَقَبَّلٌ وَدُعَاؤهُ مُسْتَجَابٌ(5).
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا مِنْ صَائِمٍ يَحْضُرُ قَوْماً يَطْعَمُونَ إِلاّ سَبَّحَتْ لَهُ أَعْضَاؤهُ وَكَانَتْ صَلاةُ الْمَلائِكَةِ عَلَيْهِ وَكَانَتْ صَلاتُهُمُ اسْتِغْفَاراً(6).
وعن الصادق عليهالسلام للصّائم فرحتان: فرحة حين افطاره، وفرحة حين لقاء ربّه(7).
1) . قوله: «و الموازرة» يقال: وازرته موازرة أي أعنته وقويته ومنه الوزير. وقوله: «دابره» أي آخره بحيث لم يبق منه شيء ويمكن أن يقال: المراد بالدابر هاهنا تابعه و جنده أو كناية عن الاستيصال. والوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه.
2) .الكافي: 62/4، ح2؛ بحار الأنوار: 380/16، ح39.
3) . قال السيد الداماد قدسسره: «الخلوف» بضم الخاء المعجمة قبل اللام والفاء بعد الواو: رائحة الفم (مرآة العقول: 203/16).
4) .الكافي: 64/4، ح13؛ بحار الأنوار: 345/13. ح 31.
5) . من لا يحضره الفقيه: 76/2/ 1783؛ بحار الأنوار: 253/93، ح21.
6) .من لا يحضره الفقيه: 87/2، ح1805؛ بحار الأنوار: 247/93، ح4.
7) .الكافي: 65/4، ح15؛ بحار الأنوار: 248/93، ح7.
وقال الصادق عليهالسلام من صام للّه يوما في شدّة الحرّ فأصابه ظماء وكّل اللّه به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشّرونه حتّى إذا أفطر قال اللّه عزّ وجلّ: ما أطيب ريحك وروحك يا ملائكتي اشهدوا أنى قد غفرت له(1).
وعن أبي الصباح عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا اجزى عليه(2).ورواه في الفقيه عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهمثله إلاّ أنّ فيه «به» بدل «عليه»(3).
وتخصيصه من بين ساير العبادات مع كون جميعها للّه سبحانه من جهة مزيد اختصاصه به تعالى، إمّا لأجل أنّ الصّوم عبادة لم يعبد بها غير الحقّ سبحانه بخلاف ساير العبادات والرّكوع والقيام والقربان ونحوها، فانها ربما تؤى بها للمعبودات الباطلة كما يعبد بها للمعبود بالحقّ، وأما الصّوم فلم يتعبّد به إلاّ للّه سبحانه وتعالى، أو لأنّ الصوم عبادة خفيّة بعيدة عن الرّيا وليست مثل ساير العبادات التي تعلّقها بالجوارح والأعضاء الظاهرة غالبا، ولذلك لم تسلم من الشرك الخفى والرياء كثيرا.
وأما فضل شهر رمضان وفضل صومه، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: اعطيت أمّتي في شهر رمضان خمسا لم يعطها اللّه امة نبيّ قبلي إذا كان أوّل
يوم منه نظر اللّه إليهم فاذا نظر اللّه عزّ وجلّ إلى شيء لم يعذّبه بعدها، وخلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند اللّه من ريح المسك، ويستغفر لهم الملائكة كلّ
يوم وليلة منه، ويأمر اللّه عزّ وجلّ جنّته فيقول تزّيني لعبادى المؤنين يوشك أن يستريحوا من نصب الدّنيا واذاها إلى جنّتي وكرامتي، فاذا كان آخر ليلة منه غفر اللّه عزّ وجلّ لهم جميعا(1).
وعن عليّ بن موسى الرّضا عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: رجب شهر اللّه الأصبّ وشهر شعبان تتشعّب فيه الخيرات وفي أوّل يوم من شهر رمضان تغلّ المردة من الشياطين ويغفر في كلّ ليلة لسبعين ألفا فاذا كان ليلة القدر غفر اللّه لمثل ما غفر في رجب وشعبان وشهر رمضان إلى ذلك اليوم إلاّ رجل بينه وبين أخيه شحناء، فيقول اللّه عزّ وجلّ انظروا هؤاء حتّى يصطلحوا(2).
وعن عليّ بن الحسين عليهالسلام كان يقول: إنّ للّه عزّ وجلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلّ قد استوجب النار، فاذا كان آخر ليلة من شهر رمضان اعتق مثل ما اعتق في جميعه(3).
وعن الصّادق عليهالسلام قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في حديث قال: من صام شهر رمضان وحفظ فرجه ولسانه وكفّ أذاه عن النّاس غفر اللّه له ذنوبه ما تقدّم منها وما تأخّر، وأعتقه من النّار، وأحلّه دار القرار، وقبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التّوحيد(4).
وعن عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا
1) .الخصال: 317/1، ح101؛ بحار الأنوار: 364/93، ح36.
2) . وسائل الشيعة: 315/10، ح13495 ـ 21 وعيون أخبار الرضا عليهالسلام : 71/2، ح331.
3) .اقبال الاعمال ط ـ القديمة: 261/1؛ وسائل الشيعة: 317/10، ح13502 ـ 28.
4) . الأمالي للصدوق: 19/ م 6، ح1؛ وسائل الشيعة: 243/10، ح13321 ـ 8؛ بحار الأنوار: 356/93، ح24.
عَنْ آبائه عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهمالسلام قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللّهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللّهِ وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللّهِ أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ وَدُعَاؤكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ فَاسْأَلُوا اللّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلاتِكُمْ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَكُفُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ وَظُهُورُكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ وَأَنْ لا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللّهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَلَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ صلىاللهعليهوآله:
اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ وَمَنْ خَفَّفَ فِي
هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ خَفَّفَ اللّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ كَتَبَ اللّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَلَيْكُمْ وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فَقُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَكَى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ يَا عَلِيُّ أَبْكِي لِمَا يُسْتَحَلُّ مِنْكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي لِرَبِّكَ وَقَدِ انْبَعَثَ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ شَقِيقُ عَاقِرِ نَاقَةِ ثَمُودَ فَضَرَبَكَ ضَرْبَةً عَلَى قَرْنِكَ فَخَضَبَ مِنْهَا لِحْيَتَكَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ وَذَلِكَ فِي سَلامَةٍ مِنْ دِينِي فَقَالَ فِي سَلامَةٍ مِنْ دِينِكَ ثُمَّ قَالَ صلىاللهعليهوآلهيَا عَلِيُّ مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي وَمَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ سَبَّكَ فَقَدْ سَبَّنِي لِأَنَّكَ مِنِّي كَنَفْسِي رُوحُكَ مِنْ رُوحِي وَطِينَتُكَ مِنْ طِينَتِي إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَنِي وَإِيَّاكَ وَاصْطَفَانِي وَإِيَّاكَ وَاخْتَارَنِي لِلنُّبُوَّةِ وَاخْتَارَكَ لِلإِمَامَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ إِمَامَتَكَ فَقَدْ أَنْكَرَ نُبُوَّتِي يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي وَخَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي(1).
1) .الأمالي للصدوق: 93/ م 20، ح4؛ بحار الأنوار: 356/93، ح25.
وأما آداب الصوم والحالات التي يجب أن يكون الصّائم عليها فنقول: اعلم ان الصوم مع شرائطه من اقوي المكمّلات للنفس القدسيّة النطقيّة واعظم المعدات للتشبيه بالملائكة الروحانيّة الذي قد امرنا به لقوله عليهالسلام تخلّقوا باخلاق الروحانيين(1)، وفي الحديث: باخلاق اللّه(2)ولا طريق للوصول إليه إلاّ بالجوع كما قيل: الجوع سحاب يمطر الحكمة(3)وايضا البطنة تميت الفطنة(4)والوجه فيه
ان زيادة الاكل توجب زيادة شرب الماء وهي توجب زيادة النوم وهو لا يعدّ من العمر لكون النائم علي غفلة كالميّت كما قال علي امير المؤنين عليهالسلام .
إِذَا عَاشَ امْرُؤ سِتِّينَ حَوْلاً *** فَنِصْفُ الْعُمْرِ تَمْحَقُهُ اللَّيَالِي(5)
والوجه الآخر انّ الملائكة الروحانيين قوتهم التهليل والتسبيح وهم مبرّئون عن الاكل والشرب والجماع وغيرها من الاوصاف فمن اراد التشبيه بهم ينبغي له ترك هذه الاعمال ولاجل هذا جعلت النية في الصوم ركناً بل لا صوم بدونها وقد شرطوا فيها الاستدامة إلى آخر النهار بمعني ان قطعها يوجب بطلان الصوم اصلاً وفيه أي في اشتراط النية بالمعني الذي ذكرناه ايماءٌ إلى التخلق باخلاق اللّه وذلك لان القربة المحضة عين التخلق والتحقق، فالصوم في الحقيقة مظهرٌ لقوله: صمدٌ لا يطعم، وانّ الصمد هو المقصود في الحوائج فهو غنيّ علي الاطلاق بخلاف الممكن اذ هو فقير كذلك وهذا هو الوجه في اشتراط القربة في كل عمل عبادي، و الانسان
لكونه موجودا مركبا من الاعضاء والاجزاء والقوي لا يمكن له ان لا يطعم بالمرّة لكن له ان يتشبّه بمن لا يطعم اصلا وهو اللّه، فهو اعني الانسان به يكون متوسطا بين الاضداد ومعتدلا بين الاطراف وهو كالخالي عنها بوجه علي سبيل التشبيه وهذا القدر كافٍ في صدق التشبيه والتخلق بأخلاقه ولاجل كفاية هذا الاعتدال في طريق السّلوك نهي الشارع عن صوم الوصال وهو وصل صوم اليوم بالغد بغير افطار بين اليومين اذ هو خروج عن الاعتدال المأمور به في هذه الامة اعني امة الوسط وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَنْ وُقِيَ شَرَّ قَبْقَبِهِ وَلَقْلَقِهِ وَذَبْذَبِهِ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ كُلَّهُ
وَالْقَبْقَبُ الْبَطْنُ وَاللَّقْلَقُ اللِّسَانُ وَالذَّبْذَبُ الْفَرْجُ(1)ولا يخفي انّ في الصوم وقاية عنها ان كان بمعناه الواقعي، فالصائمون هم الفرشيّون بأجسادهم و العرشيّون بقلوبهم ثمّ إنّ الصّوم على ثلاث مراتب ودرجات بعضها فوق بعض الاولى صوم العموم الثانية صوم الخصوص الثالثة صوم الأخصّ.
أما صوم العموم فهو المفروض على عامة المكلّفين، وهو الكفّ عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب الشرعى مع النيّة، والمشهور في المفطرات أنها عشرة: الأكل، والشرب، والجماع، والبقاء على الجنابة عمدا، وفي حكمه النوم بعد انتباهتين، والغبار الغليظ، وفي حكمه الدخان كذلك، والكذب على اللّه سبحانه ورسوله والأئمة عليهمالسلام، والارتماس، والاستمناء مع خروج المني، والحقنة، والقيء والتفصيل مذكور في الكتب الفقهيّة.
وأمّا صوم الخصوص فهو أن يكون جامعا لشرائط الكمال مضافة إلى شرايط الصحّة كما أشار إليه الامام سيّد السّاجدين وزين العابدين عليهالسلام في دعائه عند
1) .ارشاد القلوب: 103/1؛ بحار الأنوار: 169/74.
دخول شهر رمضان حيث قال: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وألهمنا معرفة فضله واجلال حرمته والتحفّظ ممّا حظرت فيه، وأعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك واستعمالها بما يرضيك حتّى لا نصغى بأسماعنا إلى لغو ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتّى لا نبسط أيدينا إلى محظور ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتّى لا تعى بطوننا إلاّ ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلاّ بما مثلث، ولا نتكلّف إلاّ ما يدنى من ثوابك ولا نتعاطى إلاّ ما يقي من عقابك، ثمّ خلص ذلك كلّه من رياء المرائين وسمعة المسمعين لا نشرك فيه أحدا دونك، ولا نبغى به معبودا (لا نبتغي فيه مراداً) سواك»(1).
ومحصّل شروط الكمال أن لا يكون يوم صومه كيوم فطره، ومداره على امور:
منها: غضّ السّمع والبصر عن محارم اللّه، وعن كلّ ما يلهى النّفس عن ذكر اللّه، وكذلك حفظ ساير الأعضاء عن المعاصي والآثام.
قال أبو عبداللّه عليهالسلام : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وعدّد أشياء غير هذا وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك(2).
ومنها: حفظ اللّسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنّميمة والفحش والخصومة بل عن مطلق التّكلّم الاّ بذكر اللّه.
عن جراح المدايني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ قَالَتْ مَرْيَمُ ـ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أَيْ صَوْماً صَمْتاً وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى أَيْ صَمْتاً فَإِذَا صُمْتُمْ فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَلا
تَنَازَعُوا وَلا تَحَاسَدُوا. قال: وسمع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله امرأة تسبّ جارية لها وهي صائمة، فدعى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بطعام فقال لها: كلى، فقالت: إنّي صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصّوم ليس من الطعام والشّراب. قال: وقال أبو عبداللّه عليهالسلام إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح ودع المراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصّيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك(1).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِاللّهِ: يَا جَابِرُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ مَنْ صَامَ نَهَارَهُ وَقَامَ وِرْداً(2)مِنْ لَيْلِهِ وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ وَكَفَّ لِسَانَهُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَخُرُوجِهِ مِنَ الشَّهْرِ فَقَالَ جَابِرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَا جَابِرُ وَمَا أَشَدَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ(3).
وعن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ما من عبد صالح يشتم فيقول: إنّي صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلاّ قال الرّب تبارك وتعالى: استجار عبدى بالصّوم من شرّ عبدي وقد أجرته من النّار(4).
وعن حمّاد بن عثمان وغيره عن أبى عبداللّه عليهالسلام قال: لا ينشد الشعر بليل ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولا نهار، فقال له إسماعيل: يا أبتاه وإن كان فينا؟
فقال عليهالسلام : وإن كان فينا(1).
وفي فقه الرضا عليهالسلام اعْلَمْ يَرْحَمُكَ اللّهُ أَنَّ الصَّوْمَ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الْأَلْسُنِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ لِمَا لَهُ فِي عَادَةٍ مِنْ سِرِّهِ وَطَهَارَةِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ حَتَّى يُسْتَرَ بِهِ مِنَ النَّارِ وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ عَلَى كُلِّ جَارِحَةٍ حَقّاً لِلصِّيَامِ فَمَنْ أَدَّى حَقَّهَا كَانَ صَائِماً وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنْهَا نَقَصَ مِنْ فَضْلِ صَوْمِهِ بِحَسَبِ مَا تَرَكَ مِنْهَا(2).
وبالجملة فاللازم على الصّائم التحفظ من سقطات اللّسان وفضول البيان والمواظبة على الاستغفار والدّعاء وتلاوة القرآن وساير الأذكار.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : عَلَيْكُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِكَثْرَةِ الاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ فَأَمَّا الدُّعَاءُ فَيُدْفَعُ بِهِ عَنْكُمُ الْبَلاءُ وَأَمَّا الاسْتِغْفَارُ فَيَمْحَى ذُنُوبَكُمْ(3).
وقال أبو عبداللّه عليهالسلام وكان عليّ بن الحسين عليهالسلام إذا كان شهر رمضان لم يتكلّم إلاّ بالدّعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير فاذا أفطر قال: اللّهم إن شئت أن تفعل فعلت(4).
ومنها: ترك شمّ الرّياحين ولا سيّما النرجس.
ومنها: الكفّ عن الافطار على الشّبهات، عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام قال:
جاء قنبر مولى عليّ عليهالسلام بفطره إليه فجاء بجراب فيه سويق وعليه خاتم قال عليهالسلام :
فقال له رجل: يا أمير المؤنين إنّ هذا لهو البخل تختم على طعامك قال:
فضحك عليهالسلام ثمّ قال: أو غير ذلك لا أحبّ أن يدخل بطني شيء لا أعرف سبيله(1).
ومنها: أن لا يكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلي ويثقل فما من وعاء أبغض الى اللّه من بطن مملوّ.
عن علي بن موسي الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهمالسلام في حديث
طويل لابليس مع يحيى عليهالسلام قال: قال يحيى عليهالسلام : فهل ظفرت بي ساعة قطّ؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة تعجبني، قال يحيى عليهالسلام : فما هى؟ قال: أنت رجل أكول فاذا أفطرت أكلت وبشمت، فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك باللّيل، قال يحيى: فانى اعطى اللّه عهدا أني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه، قال له إبليس: وأنا أعطى اللّه عهدا أنى لا أنصح مسلما حتّى ألقاه ثمّ خرج فما عاد إليه بعد ذلك(2).
ومنها أن يكون قلبه بعد الافطار مضطربا بين الخوف والرّجاء إذ لا يدرى أنّ صومه مقبول فهو من المقرّبين أو مردود فهو من المحرومين.
روي عن الحسن بن أبي الحسن عليهماالسلام أنّه مرّ بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلَّف أقوام فخابوا، فالعجب كلّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الَّذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون(3).
وأمّا صوم أخص الخواصّ فصوم القلوب عن الهمم الدّنيوية والأغراض الدّنية
وكفّه عن التوجّه إلى ما سوى اللّه بالكلّية لدوام استغراقه بالحقّ عن الالتفات بغيره، فالفطر في هذا الصّوم الذي هو فيه هو الفكر فيما سوى اللّه واليوم الآخر وصرف الهمة في غير طاعة اللّه وطاعة رسوله صلىاللهعليهوآله من أغراض النفس ومقاصد الطبع.
قال تعالى: «وَللّهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»(1).
وقال تعالى: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا»(3).
وقال تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِِ»(4).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِِ ـ قَالَ هُمَا مَفْرُوضَانِ(5).
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام أَمَرَ النَّاسَ بِإِقَامَةِ أَرْبَعٍ إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَيُتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِِ جَمِيعاً(6).
وعَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَذْكُرُ الْحَجَّ فَقَالَ قَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله هُوَ أَحَدُ الْجِهَادَيْنِ هُوَ جِهَادُ الضُّعَفَاءِ وَنَحْنُ الضُّعَفَاءُ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ
شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْحَجِّ إِلاّ الصَّلاةَ فِي الْحَجِّ هَاهُنَا صَلاةٌ وَلَيْسَ فِي الصَّلاةِ حَجٌّ لا تَدَعِ الْحَجَّ وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ أَ مَا تَرَى أَنَّهُ يَشْعَثُ فِيهِ رَأْسُكَ وَيَقْشَفُ فِيهِ جِلْدُكَ وَيَمْتَنِعُ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ وَإِنَّا نَحْنُ هَاهُنَا وَنَحْنُ قَرِيبٌ وَلَنَا مِيَاهٌ مُتَّصِلَة الحديث(1).
وفي فقه الرضا عليهالسلام اعْلَمْ يَرْحَمُكَ اللّهُ أَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ اللاّزِمَةُ مِنْهُ الْوَاجِبَةُ عَلَى مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا(2).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: «فَفِرُّوا إِلَى اللّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»(3)قَالَ: حُجُّوا إِلَى اللّهِ عَزَّ وَ جَل(4).
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ»(5)يَعْنِي أَحُجَّ(6).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْخَلْقِ بِمَنْزِلَةِ الْحَجِّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ لِأَنَّ اللّهَ تَعَالَى يَقُولُ ـ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِِ وَإِنَّمَا نَزَلَتِ الْعُمْرَةُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ قُلْتُ لَهُ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ(7).
1) .علل الشرايع: 2/ 457، ح2 و بحار: 12/96، ح36.
2) . فقه الرضا عليهالسلام : 214؛ بحار الأنوار: 11/96، ح31.
3) . الذاريات: 50.
4) . الكافي: 256/4، ح21؛ وسائل الشيعة: 9/11/ 14114 ـ 8.
5) . المنافقون: 10.
6) . تفسير القمي: 370/2؛ بحار الأنوار: 6/96، ح8.
7) .الكافي: 265/4، ح4؛ وسائل الشيعة: 9/11، ح14111 ـ 5.
وعَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: صَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ مَالِكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ(1).
أي يغسلان ويطهّران.
فيزيلانه.
اعلم انّ في تعليل الحجّ والاعتمار بنفى الفقر ورحض الذنب إشارة إلى أنّ فيهما جمعا بين منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ»(2).
قال ابن عباس: يعنى بالمنافع التجارات، وقال سعيد بن المسيّب وعطيّة: هى منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة، وقال مجاهد: هي التّجارة في الدّنيا والأجر والثّواب في الآخرة(3).
ويشعر به المرويّ عن الصّادق عليهالسلام حيث قال في رواية: إنّي سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول: «ليشهدوا منافع لهم»(4)فقيل: منافع الدّنيا أو منافع الآخرة؟
فقال عليهالسلام : الكلّ(5).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ما من حاجّ يضحّى ملبّيا(1)حتّى تزول الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها، والحجّ والعمرة ينفيان الفقر كما ينفى الكير خبث الحديد(2).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَسْرَعَ غِنًى وَلا أَنْفَى لِلْفَقْرِ مِنْ إِدْمَانِ حِجِّ هَذَا الْبَيْت(3).
وعن خالد القلانسي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال عليّ ابن الحسين عليهماالسلام: حجّوا واعتمروا تصحّ أبدانكم وتتّسع أرزاقكم وتكفون مؤات عيالاتكم، وقال عليهالسلام
الحاجّ مغفور له وموجوب له الجنّة ومستأنف له العمل ومحفوظ في أهله وماله(4).
وعن السّكوني عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الحجّة ثوابها الجنّة، والعمرة كفّارة لكلّ ذنب(5).
وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام إِنِّي قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى لُزُومِ الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ بِنَفْسِي أَوْ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِي بِمَالِي فَقَالَ وَقَدْ عَزَمْتَ عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنْ فَعَلْتَ فَأَيْقِنْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ أَوْ أَبْشِرْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ(6).
وعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لا يُحَالِفُ(7)الْفَقْرُ وَالْحُمَّى مُدْمِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ(8).
1) .أي يبرز في حر الشمس ويلبى.
2) . من لا يحضره الفقيه: 222/2، ح2238.
3) .الأمالي للطوسي: 694/ م 39، ح1478 ـ 21؛ بحار الأنوار: 14/96، ح44.
4) . الكافي: 252/4، ح1؛ وسائل الشيعة: 9/11، ح14113 ـ 7.
5) .الكافي: 253/4، ح4؛ وسائل الشيعة: 96/11، ح14332 ـ 6.
6) . من لا يحضره الفقيه: 218/2، ح2215؛ بحار الأنوار: 25/96، ح107.
7) .قال في الوافى: المحالفة بالحاء المهملة: الملازمة والمعاقدة ج12 ص218.
8) .الكافي: 254/4/ ح8 ووسائل: 133/11، ح14448 ـ 2.
وعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْفَرَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عليهالسلام يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ (1).
وعن ابن الطيّار قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام : حجج تترى وعمر تسعى يدفعن عيلة الفقر وميتة السّوء(2).
فالمستفاد من هذه الروايات أنّ للحجّ والعمرة بذاتهما مدخليّة في زيادة المال و نفى الفقر لا من حيث التجارة الحاصلة في موسم الحجّ وقيام الأسواق حينئذ كما زعمه الشارح البحراني(3).
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ سَعْدٍ الاْءِسْكَافِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ: إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَخَذَ فِي جَهَازِهِ(4)لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً فِي شَيْءٍ مِنْ جَهَازِهِ إِلاّ كَتَبَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ جَهَازِهِ مَتَى مَا فَرَغَ فَإِذَا اسْتَقْبَلَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَمْ تَضَعْ خُفّاً وَلَمْ تَرْفَعْهُ إِلاّ كَتَبَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ فَإِذَا قَضَى نُسُكَهُ غَفَرَ اللّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَكَانَ ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ وَلا تُكْتَبُ
عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَ بِمُوجِبَة(1)،(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَقِيَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ ـ إِنِّي خَرَجْتُ أُرِيدُ الْحَجَّ فَفَاتَنِي وَأَنَا رَجُلٌ مُمِيلٌ(3)فَمُرْنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي مَا أَبْلُغُ بِهِ مِثْلَ أَجْرِ الْحَاجِّ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ انْظُرْ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ ـ فَلَوْ أَنَّ أَبَا قُبَيْسٍ لَكَ ذَهَبَةٌ حَمْرَاءُ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ مَا بَلَغْتَ مَا يَبْلُغُ الْحَاجُّ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَخَذَ فِي جَهَازِه الحديث(4).
وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : الْحَاجُّ يَصْدُرُونَ عَلَى ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٌ يُعْتَقُ مِنَ النَّارِ وَصِنْفٌ يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَهَيْئَةِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَصِنْفٌ يَحْفَظُهُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَذَاكَ أَدْنَى مَا يَرْجِعُ بِهِ الْحَاجُّ(5).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: الْحَاجُّ ثَلاثَةٌ فَأَفْضَلُهُمْ نَصِيباً رَجُلٌ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ وَوَقَاهُ اللّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَأَمَّا الَّذِي يَلِيهِ فَرَجُلٌ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَيَسْتَأْنِفُ الْعَمَلَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَلِيهِ فَرَجُلٌ حُفِظَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ(6).
وَقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : لَمَّا حَجَّ مُوسَى عليهالسلام نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا جَبْرَئِيلُ مَا لِمَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ بِلا نِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَلا نَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ لا أَدْرِي حَتَّى
1) . أي الكبيرة الموجبة للنار او الافعال والأقوال الموجبة للكفر والأول أظهر. آت
2) .الكافي: 254/4، ح9؛ وسائل الشيعة: 96/11، ح14334 ـ 8.
3) .مجمع البحرين: 476/5.
4) . تهذيب الاحكام: 19/5، ح56 ـ 2؛ وسائل الشيعة: 113/11، ح14385 ـ 1.
5) .الكافي: 253/4، ح6؛ بحار الأنوار: 26/96، ح111.
6) . الكافي: 262/4، ح39؛ وسائل الشيعة: 101/11، ح14348 ـ 22.
أَرْجِعَ إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جَبْرَئِيلُ مَا قَالَ لَكَ مُوسَى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ قَالَ يَا رَبِّ قَالَ لِي مَا لِمَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ بِلا نِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَلا نَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ أَهَبُ لَهُ حَقِّي وَأُرْضِي عَنْهُ خَلْقِي قَالَ فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ فَمَا لِمَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ فَرَجَعَ إِلَى اللّهِ تَعَالَى فَأَوْحَى اللّهُ إِلَيْهِ قُلْ لَهُ أَجْعَلُهُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقا(1).
قال تعالى: «وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحام»(2).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: أُوصِي الشَّاهِدَ مِنْ أُمَّتِي وَالْغَائِبَ مِنْهُمْ وَمَنْ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَى مَسِيرَةِ سَنَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَصِلَةُ الاْءِخْوَانِ بِعِشْرِينَ وَصِلَةُ الرَّحِمِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ(4).
وعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام إِنَّ الرَّحِمَ مُتَعَلِّقَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَرْشِ تَقُولُ اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي(5).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتصفح عمّن ظلمك(1).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: خير النّاس أقرؤم وأفقههم في دين اللّه وأتقاهم للّه وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرّحم(2).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنَّ أَعْجَلَ الْخَيْرِ ثَوَاباً صِلَةُ الرَّحِمِ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالتَّسْلِيمِ يَقُولُ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»(4)،(5).
أي الصلة.
أي مكثرة.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُحَسِّنُ الْخُلُقَ وَتُسَمِّحُ الْكَفَّ وَتُطَيِّبُ النَّفْسَ وَتَزِيدُ فِي الرِّزْق الحديث(6).
أي مؤرة.
وموجبة لطول العمر.
عن أبي جعفر عليهالسلام صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئى في الأجل(1).
وعَنْ حَنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَنْزِلِ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَفِيهِمْ مُيَسِّرٌ فَتَذَاكَرُوا صِلَةَ الْقَرَابَةِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَا مُيَسِّرُ لَقَدْ حَضَرَ أَجَلُكَ غَيْرَ مَرَّةٍ كُلَّ ذَلِكَ يُؤخِّرُكَ اللّهُ لِصِلَتِكَ لِقَرَابَتِكَ(2).
وقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام : يَكُونُ الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ فَيُصَيِّرُهَا اللّهُ ثَلاثِينَ سَنَةً وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ(3).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام مَا نَعْلَمُ شَيْئاً يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلاّ صِلَةَ الرَّحِمِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ أَجَلُهُ ثَلاثَ سِنِينَ فَيَكُونُ وَصُولاً لِلرَّحِمِ فَيَزِيدُ اللّهُ فِي عُمُرِهِ ثَلاثِينَ سَنَةً فَيَجْعَلُهَا ثَلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةً وَيَكُونُ أَجَلُهُ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةً فَيَكُونُ قَاطِعاً لِلرَّحِمِ فَيَنْقُصُهُ اللّهُ ثَلاثِينَ سَنَةً وَيَجْعَلُ أَجَلَهُ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ(4).
وعن الصادق عليهالسلام صلة الرحم وحسن الجوار يعمّران الديار ويزيدان في الأعمار(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ سَرَّهُ النَّسَاءُ فِي الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةُ فِي الرِّزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ الْقَوْمَ لَيَكُونُونَ فَجَرَةً وَلا يَكُونُونَ بَرَرَةً فَيَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ فَتَنْمِي أَمْوَالُهُمْ وَتَطُولُ أَعْمَارُهُمْ فَكَيْفَ إِذَا كَانُوا أَبْرَاراً بَرَرَةً(3).
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمُدَّ اللّهُ فِي عُمُرِهِ وَأَنْ يَبْسُطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ فَإِنَّ الرَّحِمَ لَهَا لِسَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلْقٌ تَقُولُ يَا رَبِّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي فَالرَّجُلُ لَيُرَى بِسَبِيلِ خَيْرٍ إِذَا أَتَتْهُ الرَّحِمُ الَّتِي قَطَعَهَا فَتَهْوِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ قَعْرٍ فِي النَّارِ(4).
وعن الصادق عليهالسلام صلة الرحم تهوّن الحساب يوم القيامة وهي منسائة في العمر وتقي مصارع السوء(5).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام : اني أحب أن يعلم اللّه اني قد أذللت رقبتي في رحمي واني لابادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني(6).
1) .الكافي: 152/2، ح14؛ بحار الأنوار: 120/71، ح82.
2) . الكافي: 152/2، ح16؛ بحار الأنوار: 121/71، ح84.
3) .الكافي: 155/2، ح21؛ بحار الأنوار: 125/71، ح88.
4) . الكافي: 156/2، ح29؛ بحار الأنوار: 130/71، ح96.
5) .الكافي: 157/2، ح32؛ بحار الأنوار: 104/71، ذ ح64.
6) . الكافي: 156/2، ح25؛ بحار الأنوار:129/71، ح92.
وعن الصادق عليهالسلام وقع بينه وبين عبد اللّه بن الحسن كلام فافترقا فغدا عليهالسلام على باب عبد اللّه فخرج عبد اللّه إليه عليهالسلام فقال عليهالسلام له: اني تلوت آية من كتاب اللّه البارحة فأقلقتني قال وما هي قال: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ»(1)قال صدقت وكاني لم أقرأ هذه الآية ـ فاعتنقا وبكيا(2).
وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَالْبِرَّ لَيُهَوِّنَانِ الْحِسَابَ وَيَعْصِمَانِ مِنَ الذُّنُوبِ فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَبَرُّوا بِإِخْوَانِكُمْ وَلَوْ بِحُسْنِ السَّلامِ وَرَدِّ الْجَوَابِ(3).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ:
حَافَتَا الصِّرَاطِ(4)يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّحِمُ وَالْأَمَانَةُ فَإِذَا مَرَّ الْوَصُولُ لِلرَّحِمِ الْمُؤدِّي لِلأَمَانَةِ نَفَذَ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِذَا مَرَّ الْخَائِنُ لِلأَمَانَةِ الْقَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُمَا عَمَلٌ وَتَكَفَّأَ بِهِ(5)الصِّرَاطُ فِي النَّارِ(6).
قال الشارح البحراني: كونها مثراة في المال من وجهين: أحدهما أنّ العناية الالهية قسمت لكلّ حيّ قسطا من الرّزق يناله مدّة الحياة الدّنيا وتقوم به صورة بدنه، فاذا اعدّت شخصا من النّاس للقيام بأمر جماعة وكفلة بامدادهم ومعونتهم وجب في العناية إفاضة أرزاقهم على يده وما يقوم بامدادهم بحسب استعداده
لذلك، سواء كانوا ذوى أرحام أو مرحومين في نظره حتّى لو نوى قطع أحدهم فربما نقص ماله بحسب رزق ذلك المقطوع، وذلك معنى كونه مثراتا للمال.
الثّاني أنّ صلة الرّحم من الأخلاق الحميدة التي يستمال بها طباع الخلق فواصل رحمه مرحوم في نظر الكلّ، فيكون ذلك سببا لامداده ومعونته من ذوى الأمداد والمعانات كالملوك ونحوهم فكان صلة الرّحم مظنّة لزيادة المال.
و كونها منساة في الأجل من وجهين: أحدهما أنّ صلة الرّحم توجب تعاطف ذوى الأرحام وتوازرهم ومعاضدتهم لواصلهم، فيكون عن أذى الأعداء أبعد وفى ذلك مظنّة تأخيره وطول عمره.
الثّاني أنّ مواصلة ذوى الأرحام توجب تعلّق هممهم ببقاء واصلهم واعداده بالدّعاء، ويكون دعاؤم وتعلّق هممهم ببقائه من شرايط بقائه ونساء أجله فكانت مواصلتهم منساة في أجله(1).
هذا كله في صلة الرحم والثواب فيها والحثّ عليها.
وامّا قطع الرحم فهو ضدّها فاذا كانت الصلة ممدوحة فلا محالة قطعها مذموم وهو كذلك بالآيات والأخبار ايضاً قال اللّه تعالى: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار»(2).
وقال تعالى: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُون»(3).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّ رَجُلاً مِنْ خَثْعَمٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إِلَى اللّهِ؟ قَالَ الشِّرْكُ بِاللّهِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ ثُمَّ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمَعْرُوفِ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لا تَقْطَعْ رَحِمَكَ وَإِنْ قَطَعَتْكَ(2).
وقَالَ رَسُولُ اللّهِ عَنْ جَبْرَئِيلَ عَنِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ شَقَقْتُ الرَّحِمَ مِنِ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ(3).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ حَافَتَا الصِّرَاطِ ـ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّحِمُ وَالْأَمَانَةُ فَإِذَا مَرَّ الْوَصُولُ لِلرَّحِمِ الْمُؤدِّي
لِلأَمَانَةِ نَفَذَ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِذَا مَرَّ الْخَائِنُ لِلأَمَانَةِ الْقَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُمَا عَمَلٌ وَتَكَفَّأَ بِهِ الصِّرَاطُ فِي النَّار(4).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : إِذَا قَطَّعُوا الْأَرْحَامَ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ(5).
وقَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فِي خُطْبَتِهِ: أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ الْيَشْكُرِيُّ(6)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَ وَتَكُونُ ذُنُوبٌ تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ فَقَالَ نَعَمْ وَيْلَكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ وَيَتَوَاسَوْنَ وَهُمْ فَجَرَةٌ
1) .الكافي: 58/5، ح9؛ وسائل الشيعة: پ121/6، ح21137 ـ 11.
2) . الكافي: 347/2، ح6؛ بحار الأنوار: 137/71، ح106.
3) .مشكاة الانوار: 166؛ بحار الأنوار: 212/47.
4) . الكافي: 152/2، ح11؛ بحار الأنوار: 67/8، ح9.
5) .الكافي: 348/2، ح8؛ بحار الأنوار: 138/71، ح108.
6) . كان من رءوس الخوارج ويشكر اسم أبى قبيلتين كان هذا الملعون من إحداهما.
فَيَرْزُقُهُمُ اللّهُ وَإِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَتَفَرَّقُونَ وَيَقْطَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيَحْرِمُهُمُ اللّهُ وَهُمْ أَتْقِيَاءُ(1).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام اتَّقُوا الْحَالِقَةَ فَإِنَّهَا تُمِيتُ الرِّجَالَ قُلْتُ وَمَا الْحَالِقَةُ قَالَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ(2).
وتطفي غضب الرّبّ سبحانه، وإنما خصّها بذلك مع كون ساير العبادات كذلك لكونها أبعد من الرّياء وتضمّنها من الخلوص والتقرّب ما ليس في غيرها.
قال تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤتُوهَا
الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...»(3).
وقال تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون»(4).
قال ابن عباس: نزلت الآية في علي (ع)، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد نهارا وبواحد ليلا وبواحد سرا وبواحد علانية وهو المروي عن أبي عبداللّه عليهالسلام وأبي جعفر عليهالسلام .
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ(5).
وعن عمار السّاباطي قال: قال لي أبو عبداللّه عليهالسلام : يا عمار الصّدقة واللّه في السّر أفضل من الصّدقة في العلانية، وكذلك واللّه العبادة في السّر أفضل منها في العلانية(1).
وَقَالَ الباقر عليهالسلام سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاّ ظِلُّهُ إِلَى أَنْ قَالَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَمْ تَعْلَمْ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ(2).
وعن معلّى بن خنيس قال: خرج أبو عبداللّه عليهالسلام في ليلة قد رشت(3)و هو يريد ظلّة بني ساعدة فاتّبعته فاذا قد سقط منه شيء فقال: بسم اللّه اللّهمّ ردّ علينا، قال:
فأتيته فسلّمت عليه فقال عليهالسلام : معلّى قلت: نعم، جعلت فداك، فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه الىّ، فاذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع عليه ما وجدت فاذا أنا بجراب(4)أعجز عن حمله من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمله على رأسى «عاتقى خ» فقال: لا، أنا أولى به منك ولكن امض معى، قال: فأتينا ظلّة بني ساعدة فاذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف والرّغيفين حتى أتا على آخرهم ثمّ انصرفنا، فقلت: جعلت فداك يعرف هؤاء الحق؟ فقال: لو عرفوه لو اسيناهم بالدّقة والدّقة هي الملح إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق شيئا إلاّ وله خازن يخزنه إلاّ الصدقة فانّ الرّب يليها بنفسه وكان أبي عليهالسلام إذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثمّ ارتدّه منه فقبّل وشمّه ثمّ ردّه في يد السّائل، إنّ صدقة اللّيل تطفى
غضب الرّب وتمحو الذّنب العظيم وتهوّن الحساب، وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر، إنّ عيسى بن مريم عليهماالسلام لما أن مر على شاطيء البحر رمى بقرص من قوته في الماء، فقال له بعض الحواريّين يا روح اللّه وكلمته لم فعلت هذا وانما هو من قوتك؟ قال عليهالسلام : فعلت هذا لدابة تأكله من دوابّ الماء وثوابه عند اللّه عظيم(1).
كالغرق والحرق والهدم ونحوها.
عن عبداللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: إنّ الصّدقة باليد تقى ميتة السّوء وتدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء وتفكّ عن لحى سبعين شيطانا كلّهم يأمره أن لا يفعل(2).
وعَنْ أَبِي وَلاّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ بَكِّرُوا بِالصَّدَقَةِ وَارْغَبُوا فِيهَا فَمَا مِنْ مُؤمِنٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ يُرِيدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللّهِ لِيَدْفَعَ اللّهُ بِهَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلاّ وَقَاهُ اللّهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ(3).
وعن السّكوني عن جعفر عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهإنّ اللّه لا إله إلاّ هو ليدفع بالصّدقة الدّاء والدّبيلة(4)والحرق والغرق والهدم والجنون وعدّ صلىاللهعليهوآله
سبعين بابا من السّوء(1).
وعَنْ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ السَّامُ عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلَيْكَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ إِنَّمَا سَلَّمَ عَلَيْكَ بِالْمَوْتِ قَالَ الْمَوْتُ عَلَيْكَ قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله وَكَذَلِكَ رَدَدْتُ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ يَعَضُّهُ أَسْوَدُ فِي قَفَاهُ فَيَقْتُلُهُ قَالَ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ فَاحْتَطَبَ حَطَباً كَثِيراً فَاحْتَمَلَهُ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنِ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ضَعْهُ فَوَضَعَ الْحَطَبَ فَإِذَا أَسْوَدُ فِي جَوْفِ الْحَطَبِ عَاضٌّ عَلَى عُودٍ فَقَالَ يَا يَهُودِيُّ مَا عَمِلْتَ الْيَوْمَ ( أي شيء عملت اليوم خ ل)؟ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً إِلاّ حَطَبِي هَذَا احْتَمَلْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ وَكَانَ مَعِي كَعْكَتَانِ(2)فَأَكَلْتُ وَاحِدَةً وَتَصَدَّقْتُ بِوَاحِدَةٍ عَلَى مِسْكِينٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بِهَا دَفَعَ اللّهُ عَنْهُ وَقَالَ إِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ عَنِ الاْءِنْسَانِ(3).
وعن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليهالسلام قال: إنّ الصّدقة لتدفع سبعين بلية من بلايا الدّنيا مع ميتة السوء، إنّ صاحبها لا يموت ميتة السوء أبدا مع ما يدخر لصاحبها (من الأجر) في الآخرة(4).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام : الْبِرُّ وَالصَّدَقَةُ يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَزِيدَانِ فِي الْعُمُرِ وَيَدْفَعَانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا سَبْعِينَ مِيتَةَ سَوْءٍ(5).
وعن الصادق عليهالسلام داووا مرضاكم بالصدقة وادفعوا البلاء بالدعاء، واستنزلوا
الرزق بالصدقة فانها تفك من بين لحى سبعمائة شيطان وَلَيْسَ شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُؤمِنِ وَهِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْعَبْدِ.(1)كلّهم يأمره ألا يفعل.
وعن محمد بن عمر بن يزيد قال أخبرت ابا الحسن الرضا عليهالسلام اني أصبت بابنين وبقي لي بني صغير، فقال: تصدّق عنه ـ ثم قال: حين حضر قيامي مر الصبي فليتصدق بيده بالقبضة والكسرة والشيء وان قل(2).
والأخبار في فضل التصدق كثيرة قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: تصدّقوا ولو بتمرة فإنّها تسدّ من الجائع وتطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النّار(3).
وَعَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة(4).
وقال صلىاللهعليهوآله: ما من عبد مسلم يتصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل اللّه إلاّ طيّبا إلاّ كان اللّه آخذها بيمينه فيربّيها كما يربّى أحدكم فصيله حتّى تبلغ التّمرة مثل أحد(5).
وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاّ أَحْسَنَ اللّهُ الْخِلافَةَ عَلَى تَرِكَتِهِ(6)
وعَنْ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ اللّهَ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ وَالدُّبَيْلَةَ وَالْحَرَقَ وَالْغَرَقَ وَالْهَدْمَ وَالْجُنُونَ وَعَدَّ صلىاللهعليهوآله سَبْعِينَ بَاباً مِنَ السُّوءِ (من الشرّ)(7).
1) .الكافي: 3/4، ح5؛ وسائل الشيعة: 375/9، ح12276 ـ 1.
2) . الكافي: 4/4، ح10؛ وسائل الشيعة: 376/9، ح12278 ـ 1.
3) .نهج الفصاحة: 385، ح1153.
4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 120/19؛ عوالي اللئالي: 367/1، ح65.
5) . احياء العلوم: 409/3 وجامع السعادات: 111/2.
6) . مستدرك الوسائل: 3/3، ح7918.
7) . الكافي: 5/4، ح2؛ بحار الأنوار: 269/59، ح61.
وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عليهالسلام قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِذَا طَرَقَكُمْ سَائِلٌ ذَكَرٌ بِاللّهِ بِاللَّيْلِ فَلا تَرُدُّوهُ(1).
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام أَعْطِ السَّائِلَ وَلَوْ كَانَ(2)عَلَى ظَهْرِ فَرَسٍ(3).
المعروف اسم لكلّ فعل يعرف حسنه بالعقل والشرع كالاحسان والبرّ والصّلة والصّدقة على الناس والرفق معهم وساير أعمال الخير، واصطناع المعروف لما كان مستلزما لتأليف قلوب الخلق وجامعا لهم على محبة المصطنع لاجرم كان وقاية له، والنّاس يتّقون قتله ويجتنبون عن فعل ما يوجب الهوان به وذلّته وهو ظاهر.
ونظير هذا الكلام ما رواه عبد اللّه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهمالسلامقال: صنايع المعروف تقى مصارع السوء(4).
وعَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ إِنَّ صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَدْفَعُ مَصَارِعَ السُّوءِ(5).
1) .الجعفريات: 57 ومستدرك الوسائل: 189/7، ح7999.
2) . قوله عليهالسلام : «ولو كان» أي السائل راكبا على فرس فإن ركوبه لا يمنع العطاء، وفي بعض الروايات ولو على ظهر فرس، فيحتمل أن يكون المراد ولو كان المسؤل راكبا فإنه قل ما يتيسر في تلك الحالة شيء يعطيه، أو المعنى ولو لم يكن معك غير الفرس الذي أنت راكبه فلا ترده وأعطه الفرس مرآة العقول: 142/16.
3) . الكافي: 15/4، ح2؛ وسائل الشيعة: 417/9، ح12371 ـ 1.
4) . الكافي: 29/4، ح1.
5) .الكافي: 29/4، ح3؛ وسائل الشيعة: 287/16، ح21565 ـ 9.
وقَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام اصْطَنِعُوا الْمَعْرُوفَ بِمَا قَدَرْتُمْ عَلَى اصْطِنَاعِهِ فَإِنَّهُ يَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ(1).
وانَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: أَ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ الْأَسَدُ فِي زَئِيرِهِ قَالُوا اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ صلىاللهعليهوآله: إِنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُسَلِّطْنِي عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرُوفِ(2).
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الْمَعْرُوفُ زَرْعٌ مِنْ أَنْمَى الزَّرْعِ وَكَنْزٌ مِنْ أَفْضَلِ الْكُنُوزِ فَلا يُزَهِّدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ كُفْرُ مَنْ كَفَرَهُ وَلا جُحُودُ مَنْ جَحَدَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ مِنْكَ فِيهِ وَقَدْ تُصِيبُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ مَا أَضَاعَ مِنْهُ الْعَبْدُ الْجَاحِدُ(3).
و هذا من جملة خواصّه في الدّنيا ومنها أيضا زيادة البركة.
روى السّكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار(4)منه «فيه خ» المعروف من الشفرة إلى سنام البعير أو من السّيل الى منتهاه(5).
و أمّا ثمراته الاخروية فكثيرة: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمَعْرُوفُ وَأَهْلُهُ وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ(6).
1) . الخصال: 617/2؛ بحار الأنوار: 409/71، ح11.
2) .عوالي اللئالي: 376/1، ح105؛ بحار الأنوار: 83/62.
3) . الجعفريات: 235 ومستدرك الوسائل: 340/12، ح14229.
4) . البيت يُمْتَارُ منه المعروف: أي يؤذ منه مجمع البحرين: 486/3 ـ مادة (مير ـ).
5) .الكافي: 29/4، ح2؛ وسائل الشيعة: 287/16، ح21564 ـ 8.
6) . الكافي: 28/4، ح11؛ وسائل الشيعة: 303/16، ح2 ـ 21606.
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَجِيزُوا لِأَهْلِ الْمَعْرُوفِ عَثَرَاتِهِمْ (اقيلوا خ ل) وَاغْفِرُوهَا لَهُمْ فَإِنَّ كَفَّ اللّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هَكَذَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يُظِلُّ بِهَا شَيْئاً(1).
وعن الصادق عليهالسلام قال: ان للجنّة بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلاّ أهل المعروف، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة(2).
وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام تَنَافَسُوا فِي الْمَعْرُوفِ(3)لإِخْوَانِكُمْ وَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّ لِلْجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ ـ الْمَعْرُوفُ لا يَدْخُلُهُ إِلاّ مَنِ اصْطَنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَمْشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُؤمِنِ فَيُوَكِّلُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مَلَكَيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ يَسْتَغْفِرَانِ لَهُ رَبَّهُ وَيَدْعُوَانِ بِقَضَاءِ حَاجَتِه(4)
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الآْخِرَةِ يُقَالُ لَهُمْ إِنَّ ذُنُوبَكُمْ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمْ فَهِبُوا حَسَنَاتِكُمْ لِمَنْ شِئْتُمْ(5).
وقال صلىاللهعليهوآله: أهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة، وتفسيره انه اذا كان يوم القيامة قيل لهم: هبوا حسناتكم لمن شئتم وادخلو الجنة(6).
وقال صلىاللهعليهوآله: كلّ معروف صدقة والدّالّ على الخير كفاعله واللّه يحبّ اغاثة اللهفان(7).
1) .الكافي: 28/4، ح12؛ وسائل الشيعة: 304/16، ح21607 ـ 3.
2) . الكافي: 30/4، ح4؛ بحار الأنوار: 156/8، ح96.
3) .التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه النهاية: 95/5. والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه تعالى والتقرب إلى اللّه والاحسان إلى الناس وحسن الصحبة مع الاهل وغيرهم من الناس.
4) . الكافي: 195/2، ح10؛ بحار الأنوار: 328/71، ح99.
5) .الكافي: 29/4، ح2؛ بحار الأنوار: 418/71، ح41.
6) . من لا يحضره الفقيه: 55/2، ح1681.
7) .الكافي: 27/4، ح4؛ بحار الأنوار: 409/71، ح10.
وقال الصّادق عليهالسلام : أيّما مؤن أوصل الى أخيه المؤن معروفا فقد أوصل ذلك إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله(1).
وقال الصادق عليهالسلام : المعروف شيء سوى الزّكاة فتقرّبوا إلى اللّه عزّ وجلّ بالبرّ
وصلة الرّحم(2).
وقال الصادق عليهالسلام : رأيت المعروف كاسمه وليس شيء أفضل من المعروف إلاّ ثوابه، وذلك يراد منه، وليس كلّ من يحبّ أن يصنع المعروف الى الناس يصنعه وليس كلّ من يرغب فيه يقدر عليه ولا كلّ من يقدر عليه يوزن له فيه فاذا اجتمعت الرغبة والقدرة والاذن فهنا لك تمّت السّعادة للطالب والمطلوب إليه(3).
وقال الصّادق عليهالسلام أيضا: رأيت المعروف لا يصلح الاّ بثلاث خصال: تصغيره، وستره، وتعجيله فانّك إذا صغّرته عظّمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تمّمته، وإذا عجّلته هنّاته، وان كان غير ذلك محقته ونكدته(4)،(5). ورواه في الكافي باسناده عنه عليهالسلام نحوه، وهو إشارة إلى بعض آداب صنع المعروف.
و من جملتها أيضا ما اشير إليه في رواية مفضّل بن عمر قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام يا مفضّل إذا أردت أن تعلم الى خير يصير الرّجل أم إلى شرّ انظر الى أين يضع معروفه، فان كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنّه يصير إلى خير، وإن كان يضع
معروفه عند غير أهله فاعلم أنّه ليس له في الآخرة من خلاق(1).
أي اندفعوا فيه مرّة بعد أخري.
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أكثروا ذكر اللّه عز وجل على كل حال فإنه ليس عمل أحب إلى اللّه تعالى، ولا أنجى لعبد من كل سيئة في الدنيا والآخرة من ذكر اللّه قيل ولا
القتال في سبيل اللّه؟ قال صلىاللهعليهوآله: لولا ذكر اللّه لم يؤر بالقتال(2)
وعن الصادق عليهالسلام ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجّار فيقومون على غير ذكر اللّه تعالى إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة(3).
وَعَنِ الصَّادِقِ عليهالسلام : مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ لَمْ يَذْكُرُوا اللّهَ وَلَمْ يَذْكُرُونَا إِلاّ كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(4).
وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى فَلْيَقُلْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعالَمِينَ(5)»(6).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي فِي مَلاَءٍ أَذْكُرْكَ فِي مَلاَءٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِكَ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلاَءٍ مِنَ النَّاسِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلاَءٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ(2).
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي لَمْ تُغَيَّرْ أَنَّ مُوسَى عليهالسلام سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ يَا رَبِّ أَ قَرِيبٌ أَنْتَ مِنِّي فَأُنَاجِيَكَ أَمْ بَعِيدٌ فَأُنَادِيَكَ فَأَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي فَقَالَ مُوسَى فَمَنْ فِي سِتْرِكَ يَوْمَ لا سِتْرَ إِلاّ سِتْرُكَ فَقَالَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَنِي فَأَذْكُرُهُمْ وَيَتَحَابُّونَ فِيَّ فَأُحِبُّهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِسُوءٍ ذَكَرْتُهُمْ فَدَفَعْتُ عَنْهُمْ بِهِمْ(3).
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي لَمْ تُغَيَّرْ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ إِلَهِي إِنَّهُ يَأْتِي عَلَيَّ مَجَالِسُ أُعِزُّكَ وَأُجِلُّكَ أَنْ أَذْكُرَكَ فِيهَا فَقَالَ يَا مُوسَى إِنَّ ذِكْرِي حَسَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ(4).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: لا يَزَالُ الْمُؤمِنُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللّهِ قَائِماً كَانَ أَوْ جَالِساً أَوْ مُضْطَجِعاً إِنَّ اللّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِم»(5)،(6).
وقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: يَا عَلِيُّ سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلاثُ خِصَالٍ إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمُوَاسَاةُ الْأَخِ فِي اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذِكْرُ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال(1)
وعَنِ الْحَسَنِ الْبَزَّازِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَ لا أُخْبِرُكَ بِأَشَدِّ مَا فَرَضَ اللّهُ عَلَى خَلْقِهِ ثَلاثٌ ـ إلى أن قال عليهالسلام : ـ وَذِكْرُ اللّهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ للّهِِ وَلا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَاللّهُ أَكْبَرُ وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ ذَاكَ وَلَكِنْ ذِكْرُ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ إِذَا هَجَمْتَ عَلَى طَاعَةٍ أَوْ عَلَى مَعْصِيَةٍ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مِنْ أَشَدِّ مَا فَرَضَ اللّهُ عَلَى خَلْقِهِ ذِكْرُ اللّهِ كَثِيراً ثُمَّ قَالَ لا أَعْنِي سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ للّهِِ وَلا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَاللّهُ أَكْبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ وَلَكِنْ ذِكْرَ اللّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ فَإِنْ كَانَ طَاعَةً عَمِلَ بِهَا وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً تَرَكَهَا(3).
وَعَنِ الْبَاقِرِ عليهالسلام : [المتكلمون] ثَلاثَةٌ سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَشَاجِبٌ فَالسَّالِمُ الصَّامِتُ وَالْغَانِمُ الذَّاكِرُ للّهِِ وَالشَّاجِبُ الَّذِي [يَلْفِظُ وَ] يَقَعُ فِي النَّاسِ(4).
وعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : مَنْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللّهِ؟ قَالَ عليهالسلام : أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً للّهِِ وَأَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِه(5).
وعَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ذِكْرُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ اللّهِ عِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكَ فَيَكُونُ حَاجِزاً(6).
وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ جَلَسَ فِي مُصَلاّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْفَجْرَ يَذْكُرُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَحَاجِّ بَيْتِ اللّه(1).
و قَالَ النبيّ عليهالسلام : إِذَا وَجَدْتُمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا فِيهَا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ مَجَالِسُ الذِّكْرِ وَقَالَ مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ نَادَى بِهِمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ قُومُوا فَقَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ وَغُفِرَ لَكُمْ جَمِيعاً وَمَا قَعَدَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يَذْكُرُونَ اللّهَ ـ إِلاّ قَعَدَ مَعَهُمْ عِدَّةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَقَالَ مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرْتُهُمْ فِيمَنْ عِنْدَهُمْ.
و قَالَ مُوسَى فَمَا جَزَاءُ مَنْ ذَكَرَكَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ قَالَ يَا مُوسَى أُظِلُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِظِلِّ عَرْشِي وَأَجْعَلُهُ فِي كَنَفِي(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّ اللّهَ أَمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَاللّهُ ذَاكِرٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤمِنِينَ إِلاّ ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ(3).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما من شيء إلاّ وله حد ينتهي إليه إلاّ الذكر فليس له حد ـ إلى أن قال ـ ثم تلا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلاً»(1)ـ قال ابن القداح: لقد كنت أمشي معه عليهالسلام وانّه ليذكر اللّه وآكل معه الطعام وانّه ليذكر اللّه ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر اللّه وكنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول: لا إله إلاّ اللّه وكان يجمعنا و يأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر ومن يقرأ يأمره بالقرأة ـ وقال: البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر اللّه تعالى فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدري لأهل الأرض ـ والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر اللّه تعالى فيه تقلّ بركته وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين ـ وقال النبي صلىاللهعليهوآله: ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها، في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم؟ قالوا بلى قال: ذكر اللّه تعالى. وعنه عليهالسلام جاء رجل إلى النبي صلىاللهعليهوآله فقال: من خير أهل المسجد فقال أكثرهم ذاكرا للّه(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللّهِ أَحَبَّهُ اللّهُ وَمَنْ ذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ(3).
وقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : إِنَّ الصَّاعِقَةَ تُصِيبُ الْمُؤمِنَ وَالْكَافِرَ وَلا تُصِيبُ ذَاكِراً(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام يموت المؤن بكلّ ميتة إلاّ الصاعقة، لا تأخذه و هو يذكر اللّه تعالى(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي
أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي مَنْ سَأَلَنِي(1).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من ذكرني سرّا ذكرته علانية(2).
وقال في قوله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً...(3)فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غيره تعالى لعظمته(4).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : «الذَّاكِرُ للّهِِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي الْهَارِبِينَ»(5).
من الثواب قال تعالى: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا»(6).
وقال تعالى: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً»(7).
وقال تعالى: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيم»(8).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُم»(9).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِ»(10).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم * فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُون»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً وَكَأْساً دِهاقاً لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابا»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين»(4).
وقال تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا»(5).
وقال تعالى: «لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ»(6).
و الرّغبة فيه إنّما هو بتحصيل التقوى والاتّصاف بأوصاف المتّقين الّذين:
«يقولون ربّنا إنّنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النّار الصّابرين والصّادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار»(1).
قال تعالى: «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً»(2).
وقال تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...»(4).
بالفتح فالسكون أي: سيرة.
ورووا عن النبي صلىاللهعليهوآله: واهدوا هدى عمّار(5).
قال تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(6).
قال تعالى: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(1).
وقال تعالى: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...»(2).
سمى القرآن حديثا اتباعا لقوله تعالى: «نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِها»(3).
أى أحسن الكلام، وسمّى الكلام به لتجدّده وحدوثه شيئا فشيئا، ولعلوّ مقامه وسموّ مكانه وحسن نظمه وجلالة قدره وبعد غوره وعذوبة معناه ودقّة مغزاه واشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره من كلام المخلوقين كان أحسن الكلام وأمر عليهالسلام بتعلّمه بذلك الاعتبار مضافا إلى ما يترتّب على تعلّمه من عظيم الفوائد ومزيد القسم والعوايد.
عَنْ عَلِيٍّ عليهالسلام : أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ(4).
وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَتَعَلَّمُوا غَرَائِبَهُ وَغَرَائِبُهُ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى خَمْسَةِ وُجُوهٍ حَلالٍ وَحَرَامٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَأَمْثَالٍ فَاعْمَلُوا بِالْحَلالِ وَدَعُوا الْحَرَامَ وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ وَدَعُوا الْمُتَشَابِهَ وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ(5).
و أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَإِلَى الْعَقِيقِ أَوْ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ
فَيُؤتَى بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، فَيُدْعَى بِهِمَا إِلَى أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَأْثَمٍ وَلا قَطِيعَةِ رَحِمٍ قَالُوا: كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ: لَأَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَيَتَعَلَّمَ آيَةً خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَةٍ، وَآيَتَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ(1).
و قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ عَلَّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا حَجَّ الْبَيْتَ عَشَرَةَ آلافِ حِجَّةٍ وَاعْتَمَرَ عَشَرَةَ آلافِ عُمْرَةٍ وَأَعْتَقَ عَشَرَةَ آلافِ رَقَبَةٍ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ عليهالسلام وَغَزَا عَشَرَةَ آلافِ غَزْوَةٍ وَأَطْعَمَ عَشَرَةَ آلافِ مِسْكِينٍ مُسْلِمٍ جَائِعٍ وَكَأَنَّمَا كَسَى عَشَرَةَ آلافِ عَارٍ مُسْلِمٍ وَيُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَيُمْحَى عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ حَتَّى يُبْعَثَ وَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ وَيُجَاوَزُ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ الْقُرْآنُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ أَفْضَلَ مَا يَتَمَنَّى(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُؤمِنِ أَنْ لا يَمُوتَ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَوْ يَكُونَ فِي تَعْلِيمِهِ (في تعلّمه)(3).
وعن الصادق عليهالسلام الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة(4).
وفِي مَنَاهِي النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: أَلا وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ مُتَعَمِّداً لَقِيَ اللّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولاً يُسَلِّطُ اللّهُ عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ نَسِيَهَا حَيَّةً تَكُونُ قَرِينَتَهُ إِلَى النَّارِ إِلاّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
صَاحِبَهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ جَمِيلٍ شَاحِبِ اللَّوْنِ فَيَقُولُ لَهُ الْقُرْآنُ (انا القرآن خ ل) أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ هَوَاجِرَكَ وَأَجْفَفْتُ رِيقَكَ وَأَسَلْتُ دَمْعَتَكَ أَئُولُ مَعَكَ حَيْثُمَا أُلْتَ وَكُلُّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ وَأَنَا الْيَوْمَ لَكَ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ وَسَيَأْتِيكَ كَرَامَةٌ مِنَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَبْشِرْ فَيُؤتَى بِتَاجٍ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُعْطَى الْأَمَانَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِيَسَارِهِ وَيُكْسَى حُلَّتَيْنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَهْ فَكُلَّمَا قَرَأَ آيَةً صَعِدَ دَرَجَةً وَيُكْسَى أَبَوَاهُ حُلَّتَيْنِ إِنْ كَانَا مُؤمِنَيْنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمَا هَذَا لِمَا عَلَّمْتُمَاهُ الْقُرْآنَ(1).
وعن عليّ بن محمّد عن عليّ بن العبّاس عن الحسين بن عبد الرّحمن عن سفيان الحريري عن أبيه عن سعد الخفاف عن أبي جعفر عليهالسلام قال: يا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليه الخلق، والنّاس صفوف عشرون ومأئة ألف صفّ ثمانون ألف صفّ امّة محمّد صلىاللهعليهوآلهوأربعون ألف صفّ من ساير الامم فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلّم فينظرون إليه، ثمّ يقولون: لا إله إلا اللّه الحليم الكريم إنّ هذا الرّجل من المسلمين نعرفه بنعته وصفته غير أنه كان أشدّ اجتهادا منّافي القرآن، فمن هناك اعطى من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثمّ يتجاوز حتّى يأتي على صفّ الشهداء فينظر إليه الشهداء ثمّ يقولون لا إله إلاّ اللّه الرّبّ الرّحيم انّ هذا الرّجل من الشّهداء نعرفه بسمته(2)وصفته غير أنّه من شهداء البحر فمن هناك اعطى من البهاء والفضل ما لم نعطه، قال فيجاوز حتّى يأتي صفّ شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء
البحر فيكثر تعجّبهم ويقولون إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غير أنّ الجزيرة التي اصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة «الجزائر خ» التي اصبنا فيها فمن هناك اعطى من البهاء والجمال و النّور ما لم نعطه، ثمّ يجاوز حتّى يأتي صفّ النبيّين والمرسلين في صورة نبيّ مرسل، فينظر النّبيون والمرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجّبهم ويقولون: لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم إنّ هذا النبيّ مرسل نعرفه بصفته وسمته غير انه اعطى فضلا كثيرا، قال: فيجتمعون فيأتون رسول اللّه صلىاللهعليهوآله
فيسألونه ويقولون: يا محمّد من هذا؟ فيقول لهم: أو ما تعرفونه؟ فيقولون: ما نعرفه هذا ممّن لم يغضب اللّه عليه فيقول رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: هذا حجّة اللّه على خلقه فيسلم، ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الملائكة في صورة ملك مقرّب فينظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم ويكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله ويقولون: تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته ووصفه غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى اللّه
عزّ وجلّ مقاما فمن هناك البس من النور والجمال ما لم نلبس، ثمّ يجاوز حتّى ينتهى إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك وتعالى: يا حجّتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيرفع رأسه فيقول اللّه تبارك: كيف رأيت عبادى؟ فيقول: يا ربّ منهم من صانني وحافظ علىّ ولم يضيّع شيئا، ومنهم من ضيّعنى واستخفّ بحقّي وكذب بي وأنا حجّتك على جميع خلقك فيقول اللّه تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لاثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب، ولأعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب، قال فيرفع القرآن رأسه في صورة اخرى قال: فقلت له: يا ابا جعفر في أيّ صورة
يرجع؟ قال: في صورة رجل شاحب متغيّر(1)ينكره أهل الجمع فيأتي الرّجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول: ما تعرفني فينظر إليه الرّجل فيقول: ما أعرفك يا عبد اللّه، قال: فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأوّل(2)، فيقول: ما تعرفني؟ فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبت عيشك، وسمعت فيّ الأذى ورجمت بالقول، ألا وانّ كلّ تاجر قد استوفى تجارته وانا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فيقول: يا ربّ عبدك وأنت أعلم به قد كان نصبا بى(3)مواظبا علىّ يعادي بسببي ويحبّ فيّ ويبغض، فيقول اللّه عزّ وجلّ ادخلوا عبدي جنّتي واكسوه حلّة من حلل الجنّة وتوّجوه بتاج، فاذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقول له: هل رضيت بما صنع بوليّك؟ فيقول: يا ربّ إنيّ أستقلّ هذا له فزده مزيد الخير كلّه، فيقول عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي وعلوّي وارتفاع مكاني لأنحلنّ له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له ولمن كان بمنزلته ألا أنّهم شباب لا يهرمون، وأصحّاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون، ثمّ تلا هذه الآية «لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الْأُولى»(4).
قال قلت: يا أبا جعفر وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسّم عليهالسلام ثمّ قال: رحم اللّه الضّعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم، ثمّ قال عليهالسلام : نعم يا سعد والصّلاة تتكلّم، وله صورة
وخلق تأمر وتنهى(1).
قال سعد: فتغيّر لذلك لونى وقلت: هذا شيء لا أستطيع التكلّم به في النّاس، فقال أبو جعفر عليهالسلام : وهل الناس إلاّ شيعتنا، فمن لم يعرف الصّلاة فقد أنكر حقّنا، ثمّ قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن؟ قال سعد: فقلت: بلى صلّى اللّه عليك، فقال: «إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر اللّه أكبر»(2)، فالنهى كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر اللّه ونحن أكبر(3)
قوله عليهالسلام في اول الخبر: القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة لعله إشارة الى أن القرآن بما هو المثل العليا للفضائل والكمالات ولاصول الخير وقوانين السعادات، به يتدرج العامل مدارج الكمالات ويفوز نعيم الآخرة يتمثل في القيامة بصورة جامعة لتلك الكمالات التي يدعو الإنسان إليها، ويتشكل بما يمكن أن يحصل من الصفات للإنسان من العمل بها، فلجامعيته لتلك الخلق والصفات ما يمر بصف من صفوف أهل الخير والصلاح إلاّ أنهم يرون فيه صفة مشابهة لاوصافهم مع زيادة فيظن القراء والشهداء والنبيون والملائكة أنّه منهم وأنّه أفضلهم. وأمّا تمثله بصورة رجل شاحب متغير فلعله تمثل بصورة قاريه وعامليه في الدنيا كما يوعز إليه قوله: أنا الذي أسهرت ليلك، وأنصبت عيشك اه.
ومغزى ذلك أن رياضة النفس في الدنيا بالاسهار والجوع وردع النفس عن الشهوات والزامها بالطاعات والقربات وغيرها من قوانين القرآن تخلف سعادة باقية خالدة، وتستلزم حصول كمالات وفضائل شوهدت في صورته الأولى بحار: 321/7، تعليقة 2.
،(4).1) .ولعلّ صورة الصلاة هي الملكة الحاصلة للنفس بعد مزاولتها واتيانها بحدودها وشرائطها، وهذه الملكة تستلزم صفاتا من الخضوع والخشوع للّه والخوف منه تعالى، وهذه الصفات خلقها التي تستلزم اتيان الطاعات ومزاولة الحسنات، واجتناب المعاصى والسيئات، فالصلاة أدعى الدواعى الى الطاعات، وأقوى الصوارف عن المقبحات، ولاستلزامه ذلك كأنها تأمر وتنهى وتتكلم.
2) . العنكبوت: 45.
3) .
4) .الكافي: 596/2، ح1؛ بحار الأنوار: 319/7، ح16.
وذم تعالى أقواما لا يتدبرون فيه فقال: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها»(1).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : أَلا لا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ أَلا لا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَلا لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ أَلا لا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّر(2).
وعن الصادق عليهالسلام قال: ان هذا القرآن فيه منار الهدى، ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره، ويفتح للضياء نظره، فان التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور(3).
وعَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام أَصْحَابَهُ اعْلَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ هُدَى النَّهَارِ وَنُورُ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جَهْدٍ (جهلٍ) وَفَاقَةٍ(4).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قُرَّاءُ الْقُرْآنِ ثَلاثَةٌ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةً وَاسْتَدَرَّ بِهِ الْمُلُوكَ وَاسْتَطَالَ بِهِ عَلَى النَّاسِ وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَحَفِظَ حُرُوفَهُ وَضَيَّعَ حُدُودَهُ وَأَقَامَهُ إِقَامَةَ الْقِدْحِ ـ فَلا كَثَّرَ اللّهُ هَؤلاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَوَضَعَ دَوَاءَ الْقُرْآنِ عَلَى دَاءِ قَلْبِهِ فَأَسْهَرَ بِهِ لَيْلَهُ وَأَظْمَأَ بِهِ نَهَارَهُ وَقَامَ بِهِ فِي مَسَاجِدِهِ وَتَجَافَى بِهِ عَنْ فِرَاشِهِ فَبِأُولَئِكَ يَدْفَعُ اللّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْبَلاءَ وَبِأُولَئِكَ يُدِيلُ اللّهُ عَزَّ
وَجَلَّ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَبِأُولَئِكَ يُنَزِّلُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ فَوَ اللّهِ لَهَؤلاءِ فِي قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ(1).
و لنختم الكلام بذكر فوائد ينبغي للقاري التوجه إليها عند قرائته القرآن وهي امور:
أحدها: حضور القلب وترك حديث النفس وقيل في تفسير قوله تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّة»(2)اي بجدّ واجتهاد(3)، واخذه بالجدّ ان يتجرد عند قرائته ذهنه عما ينافيه من امور الدنيا.
وثانيها: التدبر في الآيات وهو طور وراء حضور القلب فان الانسان قد لا يتفكر في القرآن ويقتصر علي سماعه او استماعه، والاستماع غير التفكر والتدبر و المقصود من التلاوة التدبر فيه قال اللّه تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُه»(4)وقال تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»(5)وقال النبي صلىاللهعليهوآله: لا خير في قرائة لا تدبر فيها(6).
و ثالثها: التفهم وهو ان يستوضح من كل آية ما يليق بها اذ القرآن يشتمل علي ذكر صفات اللّه وافعاله واحوال انبيائه واحوال الملائكة وذكر اوامره وزواجره والجنة والنار والوعد والوعيد وغير ذلك فينبغي للقاري التامل في هذه الامور لينكشف له اسرارها قال ابن مسعود: من اراد ان يعلم علم الاولين والآخرين
فعليه بالقرآن(1)قال اللّه تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدا»(2)وقال امير المؤنين عليهالسلام لَوْ شِئْتُ لَأَوْقَرْتُ سَبْعِينَ بَعِيراً فِي تَفْسِيرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ(3)فمن لم يتفهم معاني القرآن في تلاوته وسماعه ولو في ادني المراتب كان من مصاديق قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِم»(4).
ورابعها: التخلّي عن موانع الفهم فان اكثر الناس قد منعوا من فهم القرآن لاسباب وحجب اسدلها الشيطان علي قلوبهم وإلى هذا اشار صلىاللهعليهوآله بقوله: لولا ان الشياطين يحومون علي قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت(5)ومعاني القرآن و اسراره من الملكوت، ومن جملة الحجب المانعة عن التفهم الاشتغال بتحقيق الحروف واخراجها عن مخارجها من غير ملاحظة إلى معانيها وقيل المتولي بحفظ ذلك هو الشيطان وكّل بالقرائة ليصرف عن معاني كلام اللّه تعالى.
وخامسها: ان يخصص نفسه بكل خطاب في القرآن من امر او نهي او وعد او وعيد وكذلك لو سمع قصص الانبياء توجّه ان مجرد ذكر القصة غير مقصود وانّما المقصود الاعتبار واعتقد ان كل خطاب خاص في القرآن ليس المقصود به الخصوص فان القرآن وغيره من الخطابات الشرعية واردة من باب ايّك اعني واسمعي يا جارة وهي كلها نور وهدىً ورحمة للعالمين.
وسادسها: التّأثر وهو ان يتأثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآنات فيكون له بحسب كل فهم حالٌ ووجدٌ، يتصف به عند توجه نفسه إليه في كلّ حال من خوف او حزن او رجاء او غيره فيحصل له التأثّر والخشية مهما قويت معرفته كانت الخشية اغلب علي قلبه فان التضيّق غالب علي العارفين.
وسابعها: التّرقي وهو توجّه القلب والعقل إلى القبلة الحقيقية فيسمع الكلام من اللّه تعالى لا من نفسه ودرجات القرائة ثلاثة: ادناها ان يقدّر العبد كانّه يقرء علي
اللّه عز وجل واقفاً بين يديه وهو ناظر إليه مستمع فيه فيكون حاله علي هذا التقدير
السؤال والتّضرع والابتهال وافضل منه ان يشهد بقلبه كانّه سبحانه يخاطبه بالطافه ويناجيه بانعامه وكلامه وهو في مقام الحياء والتعظيم والاصغاء منه والمرتبة الاعلي ان يري في الكلام المتكلم وفي الكلام الصفات فلا ينظر إلى قلبه و لا إلى قرائته ولا إلى التعلق بالانعام من حيث هو منعم عليه بل يققصر الهمّ علي المتكلم ويوقف فكره عليه ويستغرق في مشاهدة صفاته وجماله وهذه درجة المقربين قال الصادق عليهالسلام لَقَدْ تَجَلَّى اللّهُ لِخَلْقِهِ فِي كَلامِهِ وَلَكِنَّهُمْ لا يُبْصِرُونَ(1).
و ثامنها: التّبري والمراد به البرائة من حوله وقوّته فلا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية فاذا تلي آيات الوعد ومدح الصالحين مثلاً حذف نفسه عن درجة الاعتبار وشهد فيها الموقنين والصديقين ويتشوّق ان يلحقه اللّه بهم واذ تلا آيات المقت والذم للمقصرين شهد نفسه هناك وكانّه هو المخاطب بها وإلى هذه المرتبة اشار علي عليهالسلام في الخطبة التي تاتي ان شاء اللّه بقوله: وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِم إلى
1) .تفسير الصافي: 73/1؛ بحار الأنوار: 107/89.
آخر(1)ما قال عليهالسلام وسيأتي شرحه وبيانه، فهذه الامور لو روعيت حقّ رعايتها لكانت القرائة علي وجهها والقاري يفهم ما يقول والاّ فلا فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لا يتدبّرها.
شبّه عليهالسلام القران بالسراج واثبت له نور والنور ظاهر بالذات ومظهر للغير والقران كذلك وقد عبر عنه بالنور في كثير من الآيات فكلامه اقتباس منه قال اللّه تعالى: «فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِير»(2).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِينا»(3).
وقال تعالى : «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الاْءِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاء»(4).
وقال تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِين»(5).
وقال تعالى: «وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَه»(6).
من أمراض الأخلاق الرذيلة، ومن الأمراض الظاهرية والباطنية.
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: شَكَا رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله وَجَعاً فِي صَدْرِهِ
فَقَالَ صلىاللهعليهوآله: اسْتَشْفِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ»(1)
يونس: 57.
،(2).وقال تعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِين»(3).
وقال تعالى: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاء»(4).
وقد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفي خطبة: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ هُدْنَةٍ وَإِنَّ السَّيْرَ بِكُمْ سَرِيعٌ وَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ كَيْفَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَيَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ يَا نَبِيَّ اللّهِ وَمَا الْهُدْنَةُ فَقَالَ دَارُ بَلاءٍ وَانْقِطَاعٍ فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَشَاهِدٌ مُصَدَّقٌ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ إِلَى خَيْرِ سَبِيلٍ ظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ لا تُحْصَى عَجَائِبُهُ وَلا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ وَهُوَ حَبْلُ اللّهِ الْمَتِينُ وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ فَاز الخطبة(5).
للبشر ولما كان أحسن القصص وأنفعها كما يرشد إليه قوله تعالى: نحن نقصّ
عليك أحسن القصص(1)، لا جرم ينبغي أن يحسن تلاوته وأن يتلى حقّ التلاوة بحسن التّدبّر والنظر لتدرك منافع قصصه وتنال بها فيها من الفوائد العظيمة.
أما أنفعيته قصصا فروى عن الصادق عليهالسلام القرآن عهد اللّه إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وان يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية(2).
وعن السّجاد عليهالسلام آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها(3).
وأما احسان تلاوته فروي في ترتيله عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ لا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ(4).
وعَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً»(5)قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام : بَيِّنْهُ تِبْيَاناً وَلا تَهُذَّهُ(6)هَذَّ الشِّعْرِ وَلا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ وَلَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ(7).
1) . يوسف: 3.
2) . الكافي: 609/2، ح1؛ وسائل الشيعة: 198/6، ح7721 ـ 1.
3) .الكافي: 609/2، ح2؛ وسائل الشيعة: 198/6، ح7722 ـ 2.
4) . الكافي: 614/2، ح3؛ وسائل الشيعة: 210/6، ح7754 ـ 1.
5) .المزمل: 4.
6) . الهذّ سرعة القرائة أى لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر ولا تفرّق كلماته بحيث لا يكاد تجتمع كذرّات الرمل، والمراد به الاقتصاد بين السرعة المفرطة والبطؤالمفرط «صافى»
7) . الكافي: 614/2، ح1؛ وسائل الشيعة: 207/6، ح7743 ـ 1.
وعن الصادق عليهالسلام ان القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ وَحِلْيَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ(2).
في رواية المصنف سقط لقلّة ربطه بما قبله وقد عرفت ان (الكافى) رواه «إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون ان العالم» ـ إلخ ـ وكذا (التحف) كما مر.
قَالَ النّبيّ صلىاللهعليهوآله: الْعِلْمُ عِلْمَانِ عِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ آدَمَ وَعِلْمٌ فِي
الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ(3).
وكيف كان عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ الصَّادِقِ عليهالسلام : بِمَ يُعْرَفُ النَّاجِي؟ فَقَالَ عليهالسلام : مَنْ كَانَ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً فَهُوَ نَاجٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً فَإِنَّمَا ذَلِكَ مُسْتَوْدَعٌ(4).
وعن هاشم بن البريد، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهالسلام فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها ـ فقال عليهالسلام مكتوب في الانجيل، لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم، فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفرا ولم يزدد من اللّه إلاّ بعدا(5).
وعن الصادق عليهالسلام ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا(1).
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهالسلام أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ رَحًى تَطْحَنُ أَ فَلا تَسْأَلُونِّي مَا طَحِينُهَا فَقِيلَ وَمَا طَحِينُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ الْفَجَرَةُ وَالْقُرَّاءُ الْفَسَقَةُ وَالْجَبَابِرَةُ الظَّلَمَةُ وَالْوُزَرَاءُ الْخَوَنَةُ وَالْعُرَفَاءُ الْكَذَبَةُ الحديث(2)
وَعَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِذَا ظَهَرَ الْعِلْمُ وَاحْتُرِزَ الْعَمَلُ وَائْتَلَفَتِ الْأَلْسُنُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَتَقَاطَعَتِ الْأَرْحَامُ هُنَالِكَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ(3).
وعَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْجُهَّالَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَالْفُجَّارَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ فِتْنَةُ كُلِّ مَفْتُونٍ(4).
يقال: أفاق المجنون واستفاق إذا رجع إليه عقله من جهله، فيكون كالمجنون الاطباقي لا الادواري.
وعن الصادق عليهالسلام الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ لا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلاّ بُعْداً(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ(1).
من الجاهل.
منه.
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في حديث: وَإِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وَحَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى اللّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللّهَ فَأَدْخَلَهُ اللّهُ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ وَاتِّبَاعِهِ الْهَوَى(2)
قال الشارح البحراني «قد»: إنّ النفوس الجاهلة غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتفصيل فإذا فارقت أبدانها فهى وإن كانت محجوبة عن ثمار الجنّة وما أعدّها اللّه فيها لأوليائه العلماء، إلاّ أنها لما لم تجد لذّتها ولم تطعم حلاوة المعارف الالهية لم تكن لها كثير حسرة عليها ولا أسف على التقصير في تحصيلها، بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللّذات الدّنيويّة، فانّه بعد المفارقة إذا علم وانكشف له أنّ الصارف له والمانع عن الوصول إلى حضرة جلال اللّه هو تقصيره في العمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته من الكمالات والدّرجات، كان أسفه وحسرته على ذلك أشدّ الحسرات، وجرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة ثمينة تساوى
جملة من المال ثمّ اشتغل عن تحصيلها ببعض لعبه فانّه يعظم حسرته عليها وندمه على التفريط فيها بخلاف الجاهل بقيمتها(1)
أي: أحق باللوم منه. وشدّة اللاّئمه مساوق لشدة العقوبة، وهو باعتبار أنّ عدم قيامه بوظايف علمه واتّباعه هواه كاشف عن منتهى جرأته على مولاه، فبذلك يستحقّ من اللؤ والعتاب والخزى والعذاب ما لا يستحقّه غيره ممّن ليس له هذه الجرأة، فهو عند اللّه أشد لؤا وعتابا، وأعظم نكالا وعقابا.
عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ: يَا حَفْصُ يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ(2).
و قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلامُ: وَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ السَّوْءِ كَيْفَ تَلَظَّى عَلَيْهِمُ النَّارُ(3).
وعَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ تَوْبَةٌ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ(4)،(5).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَتَحَلَّتْ بِالآْمَالِ وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَلا تُؤمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً لَمْ يَكُنِ امْرُؤ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلاّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً وَلَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً إِلاّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلاّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاءٍ وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لا يَنَالُ امْرُؤ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلاّ أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَلا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلاّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاّ التَّقْوَى مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤمِنُهُ وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وَزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ وَذِي
طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ وَذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وَذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَعَيْشُهَا رَنِقٌ وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ وَحُلْوُهَا صَبِرٌ وَغِذَاؤهَا سِمَامٌ وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً وَأَبْقَى آثَاراً وَأَبْعَدَ آمَالاً وَأَعَدَّ عَدِيداً وَأَكْثَفَ جُنُوداً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ وَلا ظَهْرٍ قَاطِعٍ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ وَأَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاّ السَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاّ الضَّنْكَ أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاّ الظُّلْمَةَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاّ النَّدَامَةَ أَ فَهَذِهِ تُؤثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا ـ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ـ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ» فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً وَلا يَمْنَعُونَ ضَيْماً وَلا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ وَقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لا يُخْشَى فَجْعُهُمْ وَلا يُرْجَى دَفْعُهُمْ اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً وَبِالْأَهْلِ
غُرْبَةً وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاؤهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ.
كما تحذّرون ممّن يقتلكم كاعدائكم وممّا يهلككم كالسّباع والسّموم.
في ظاهرها ومرّة سودآء باطنها.
عن النبي صلىاللهعليهوآله: إنّ الدّنيا حلوة خضرة فمن أخذ عفوها بورك له فيها(1).
أي احيطت بها.
قال تعالى: «بَلْ تُؤثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى»(2).
وقال تعالى: «كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآْخِرَة»(3).
وقال تعالى: «إِنَّ هؤلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَة»(4).
الاّ انّ العقلاء يذرون عاجلهم برجاء آجل اكثر منه ولو بجزء فكيف بعاجل كلا شئ وآجل هو كلّ شئ.
أي اعجبت به قال تعالى: «نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظ»(1)
وقال تعالى: «أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآْخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآْخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ»(2).
أي تزيّنت بها قال تعالى: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون»(3).
قال تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآْخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ»(4).
وقال تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُور»(5).
وقال ابن سكرة في هجو امرأة:
فقلت للزّوج لا يغررك حمرتها *** فانّها القفل موضوع على خربة(6)
أي: سرورها، قال تعالى: «مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»(1).
ولمّا قتل عبد الملك مصعبا، ودخل الكوفة، أمر بطعام كثير فصنع وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عامّا فدخل النّاس، فأخذوا مجالسهم ثمّ جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك: ما ألذّ عيشنا لو أنّ شيئا يدوم ولكنّا كما قال الأول:
وكلّ جديد يا أميم إلى بلى *** وكلّ امرىء يوما يصير إلى كان
فلما فرغ من الطعام طاف في القصر يقول لعمرو بن حريث لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت، وعمرو يخبره، فقال عبد الملك:
وكلّ جديد يا أميم إلى بلى *** وكلّ امرىء يوما يصير إلى كان
ثمّ أتى مجلسه فاستلقى وقال:
اعمل على مهل فانّك ميّت *** واكدح لنفسك أيّها الإنسان
فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى*** وكأنّ ما هو كائن قد كان(2)
أي رزيّتها.
قال تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُور»(3).
وقال تعالى: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، فَالْيَوْمَ
نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا»(1).
حائلة من (حالت القوس): انقلبت عن حالها، وحصل فيها اعوجاج.
من (نفد الشيء): فنى.
من (باد الشيء يبيد ويبود): هلك.
من (غاله الشيء) إذا أخذه من حيث لم يدر.
أي: لا تجاوز.
وأمنيتهم، تمنيّاتهم كما في البرامكة، فتناهت الدّنيا بهم إلى أن كانوا يزوّجون بنات هارون بمن يعلمون بدون مراجعته أوّلا.
1) . الاعراف: 51.
أي: يابسا متكسّرا.
من (ذرت الريح التّراب).
و الآية التي ذكرها عليهالسلام من (الكهف) وأوّلها: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا...»(1)، وقريب منها قوله تعالى: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآْياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(2).
وبدّلت (الكافى) تلك بهذه، فروت خطبة عنه عليهالسلام في الجمعة ـ إلى أن قال ـ لَنْ تَعْدُوَالدُّنْيَا إِذَا تَنَاهَتْ إِلَيْهَا أُمْنِيَّةُ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا الْمُحِبِّينَ لَهَا الْمُطْمَئِنِّينَ إِلَيْهَا الْمَفْتُونِينَ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ» الآْيَة(3)،(4).
فتبدّل ضحكه بالبكاء، عن النبي صلىاللهعليهوآله: ما امتلأت دار حبره الاّ امتلأت عبرة(1).
قال البحتري:
إذا عاجل الدّنيا ألمّ بمفرح *** فمن خلفه فجع سيتلوه آجل(2)
وفي قوله عليهالسلام : «إلاّ اعقبته بعدها عبرة» وجهان:
احدهما: العبرة بعد موته كما قال اللّه تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِين»(3).
وثانيهما: العبرة قبل موته فقد رأينا كثيرا من ابناء الزمان الذين كانوا في نعمة ولذة ثم صاروا بعد ذلك فقراء اذلاّء وقد نقل انّ احد الخلفاء العباسين صار بعد العزل عنها مسكيناً فقيراً وكان يقول: ارحموا من كان امس امير المؤنين واليوم فقيرٌ مسكين فاعتبروا يا اولي الأبصار وعلي كلا المعنيين المقصود انّ الدنيا لا عبرة بها واذا كانت كذلك فكذلك نعمها ولذّاتها لا بقاء لها وهي مع ذلك محفوفة بالهموم والغموم.
أي اعطته.
خصّ عليهالسلام البطن بالسّراء، والظّهر بالضّراء، لأنّ سراءها في إقبالها، ومن أقبل عليك يريك بطنه، والضّراء في إدبارها ومن أدبر عنك يريك ظهره.
من (طلّت الارض): امطر عليها مطر ضعيف.
عن أبي زيد: الدّيمة: مطر ليس فيه رعد وبرق، وأقلّه ثلث النّهار أو ثلث الليل(1).
«قال عليّ عليهالسلام في بعض خطبه: إنّ امرأ لم يكن منها في فرحة إلاّ أعقبته بعدها
ترحة، ولم يلق من سرّائها بطنا الاّ منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تظلّه فيها غبابة رخاء إلاّ هبّت عليه مزنة بلاء...»(2).
ولا يبعد أن يكون (هبّت) فيه مصحّف «هتنت» كما لا يخفى.
قَالَ امير المؤنين عليهالسلام مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ وَمَنْ غَالَبَهُ هَانَهُ.
وَقَالَ امير المؤنين عليهالسلام الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِنْ كَانَ لَكَ فَلا تَبْطَرْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ فَكِلاهُمَا عَنْكَ يَمْضِى.
قال بعض الشعراء:
وإن امرأ دنياه أكثر همه *** لمستمسك منها بحبل غرور
ولبعض الحكماء: إياك الاغترار بالدنيا والركون إليها فإن أمانتها كاذبة وآمالها خائبة وعيشها نكد وصفوها كدر وأنت منها على خطر إما نعمة زائلة وإما بلية نازلة وإما مصيبة موجعة وإما منية مفجعة(1).
قال الرضي رضى اللّه عنه في قصيدته التي يصف فيها القبض على الطائع العبّاسي:
من بعد ما كان ربّ الملك مبتسما *** إلى ادنيه في النّجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه *** لقد تقارب بين العزّ والهون
ومنظر كان بالسّرّاء يضحكني *** يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني(2)
و(حرى) في كلامه عليهالسلام ـ بالفتح ـ ففي (الصّحاح): «هو حري أن يفعل» ـ بالفتح ـ أي: خليق وجدير لا يثنّى ولا يجمع، أنشد الكسائي:
وهنّ حري ان لا يثبنك نقرة(3)
في كلام عليّ عليهالسلام اعذوذب جانب منها واحلولى» هما (افعوعل) من العذوبة والحلاوة، وهو من أبنية المبالغة(4).
من المرارة.
من الوباء، قال البحتري:
اعن واجب الاّ يسامح جانب *** من العيش الاّ جانب يتمنّع(1)
وقال الآخر:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة *** إذا اخضر منها جانب جف جانب
فلا تكتحل عيناك منها بعبرة *** على ذاهب منها فإنك ذاهب(2)
أي طيب عيشها.
أي اعسرته.
قال الشاعر:
ألا إنّما الدّنيا غضارة أيكة *** إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب(3)
و ما على قوادم الطائر ـ وهي عشر ريشات في مقاديم كلّ جناح(1)ـ لابدّ أن يسقط والمراد بكونه في جناح الأمن، كالفرخ الذي تحت جناح امّه.
يا عاشق الدّنيا لغيرك وجهها *** ولتندمنّ إذا أرتك قفاها(2)
قال تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَه»(3).
وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالاْءِكْرام»(4).
تحرّز من الدّنيا فإنّ فناءها *** محلّ فناء لا محلّ بقاء
فصفوتها ممزوجة بكدورة *** وراحتها مقرونة بعناء(5)
قال تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى»(6).
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ
تُقاتِهِ(1)قَالَ يُطَاعُ وَلا يُعْصَى وَيُذْكَرُ وَلا يُنْسَى وَيُشْكَرُ فَلا يُكَفَّرُ(2).
وعَنْ حَدِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : يَقُولُ اتَّقُوا اللّهَ وَصُونُوا دِينَكُمْ بِالْوَرَعِ(3).
وعَنْ فُضَيْلٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : بَلِّغْ مَنْ لَقِيتَ عَنَّا السَّلامَ وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ أَحَدَنَا لا يُغْنِي عَنْهُمْ وَاللّهِ شَيْئاً إِلاّ بِوَرَعٍ فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(4).
وَعَنِ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللّهِ وَالاجْتِهَادِ فِي دِينِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا يُغْنِي عَنْكَ اجْتِهَادٌ لَيْسَ مَعَهُ وَرَعٌ(5).
وقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: جِمَاعُ التَّقْوَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ـ «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاْءِحْسانِ» وَقَالَ: اتَّقُوا اللّهَ فَإِنَّهُ جِمَاعُ الْخَيْر(6).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام يَقُولُ: إِنَّ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا صِدْقَ الْحَدِيثِ وَأَدَاءَ الْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَقِلَّةَ الْفَخْرِ وَالْبُخْلِ وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ وَرَحْمَةَ الضُّعَفَاءِ وَقِلَّةَ الْمُؤاتَاةِ لِلنِّسَاءِ وَبَذْلَ الْمَعْرُوفِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَسَعَةَ الْحِلْمِ وَاتِّبَاعَ الْعِلْمِ فِيمَا يُقَرِّبُ
إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللّه(2).
وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا وَآمَنَ بِنَبِيِّنَا وَشَهِدَ
شَهَادَتَنَا وَدَخَلَ فِي دِينِنَا أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَحُدُودَ الاْءِسْلامِ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلاّ بِالتَّقْوَى ـ أَلا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ اللّهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَأَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَالْمَآبِ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: الْقِيَامَةُ عُرْسُ الْمُتَّقِينَ(4).
أي من الدّنيا.
بيت وثوب وقوت يوم *** يكفي لمن في غد يموت
وربّما مات نصف يوم *** والنّصف من قوته يفوت
بيت يواري الفتى وثوب *** ليستر من عورة وقوت
هذا بلاغ لمن يحيى *** وذا كثير لمن يموت(5)
لأنّه كماء البحر من استكثر منه ازداده عطشا حتّى يهلكه. وفي (تحف العقول)(1)و(مطالب السؤل)(2).
«و من استكثر منها لم يدم له».
قال تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(3).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ وَمَنْ أَحَبَّ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ وَارْزُقْ مَنْ أَبْغَضَ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ الْمَالَ وَالْوَلَدَ(4).
وعَنِ الْبَاقِرِ عليهالسلام قَالَ: أَتَى أَبَا ذَرٍّ رَحِمَهُ اللّهُ سَارٌّ لَهُ فِي غَنَمِهِ فَقَالَ قَدْ كَثُرَتِ الْغَنَمُ وَوَلَدَتْ فما [فَقَالَ] بشرني [تُبَشِّرُنِي] بِكَثْرَتِهَا فَمَا قَلَّ مِنْهَا وَكَفَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا كَثُرَ مِنْهَا وَأَلْهَى(5).
وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ(6).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليهالسلام فِي خُطْبَةٍ قَامَ بِهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصْبَحْتُ فِيكُمْ وَإِدَامِيَ الْجُوعُ وَطَعَامِي مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْوُحُوشِ
وَالْأَنْعَامِ وَسِرَاجِيَ الْقَمَرُ وَفِرَاشِيَ التُّرَابُ وَوِسَادَتِيَ الْحَجَرُ لَيْسَ لِي بَيْتٌ يَخْرُبُ وَلا مَالٌ يَتْلَفُ وَلا وَلَدٌ يَمُوتُ وَلا امْرَأَةٌ تَحْزَنُ أَصْبَحْتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَأَمْسَيْتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَأَنَا أَغْنَى وُلْدِ آدَمَ(1).
وَقَالَ النّبيّ صلىاللهعليهوآله: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ(2).
وَقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: مَا مِنْ أَحَدٍ غَنِيٍّ وَلا فَقِيرٍ إِلاّ وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُؤتَ إِلاّ قُوتاً(3).
لبس سليمان بن عبد الملك يوم جمعة ثيابا خضراء من خزّ ونظر في المرآة فقال: أنا واللّه الملك الشابّ فخرج إلى الصلاة فلم يرجع حتّى وعك فلمّا ثقل عهد...(4).
كانت خلافة المعتصم ثماني سنين وثمانية أشهر ولمّا احتضر جعل يقول: إنّي أخذت من بين هذا الخلق، لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت(5).
زاد (التحف)(1)و(مطالب السوول)(2).
«و كم ذي تاج قد أكبّته لليدين والفم».
استوزر الواثق محمد بن عبد الملك الزّيّات، وفوّض إليه الامور ثم غضب عليه المتوكّل، فقبض ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان، ووجّه راشد المولى إلى بغداد في قبض ما هنا لك من أمواله وخدمه، وأمر بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت وحبس وكان أوّلا في حبسه مطلقا ثمّ قيّد فامتنع من الطعام، وكان شديد الجزع في حبسه، كثير البكاء، قليل الكلام، فمكث أيّاما ثمّ سوهر ومنع من النوم، يساهر وينخس بمسلة، ثمّ ترك يوما وليلة، فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا، فاتي به فأكل ثمّ أعيد إلى المساهرة ثم بتنّور من خشب فيه مسامير من حديد، وكان هو أوّل من أمر بعمل ذلك، فعذّب به ابن أسباط المصري حتّى استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتلي به فعذّب به أيّاما، قال الموكّل به: كنت أخرج وأقفل الباب عليه، فيمدّ يديه إلى السماء جميعا، حتّى يدقّ موضع كتفيه ثمّ يدخل التنّور، فيجلس والتنّور فيه مسامير من حديد وفي وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذّب إذا أراد أن يستريح فيجلس على الخشبة ساعة ثم يجيء الموكّل به، فاذا هو سمع صوت الباب يفتح، قام قائما كما كان، ثمّ شدّدوا عليه قال المعذّب له: خاتلته يوما وأريته أنّي أقفلت، ولم أقفله إنّما أغلقته ثمّ مكثت قليلا ثم دفعت الباب غفلة، فاذا هو قاعد في التنّور على الخشبة فقلت: أراك تعمل هذا العمل، فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه فكان لا يقدر على القعود واستللت الخشبة حتّى كادت تكون بين رجليه، فما مكث بعد ذلك إلاّ أيّاما حتّى مات،
وقيل في قتله: إنّه بطح فضرب على بطنه خمسين مقرعة، ثمّ قلب فضرب على استه مثلها، فمات وهو يضرب وهم لا يعلمون فأصبح ميتا، قد التوت عنقه ونتفت لحيته، وعن مبارك العرفي: ما أظنّه أكل في طول حبسه إلاّ رغيفا واحدا وكان يأكل العنبة والعنبتين، وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه: يا محمّد بن عبد الملك لم يقنعك النّعمة والدّواب الفره والدّار النظيفة والكسوة الفاخرة وأنت في عافية حتّى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك، فكان يكرّر ذلك على نفسه، فلمّا مات أحضر ابناه ـ وكانا محبوسين ـ وقد طرح على باب من خشب في قميصه الّذي حبس فيه وقد اتّسخ، فغسلاه على الباب ودفناه وحفرا له فلم يعمّقا، فذكر أنّ الكلاب نبشته وأكلت لحمه(1).
قال تعالى: «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ...»(2).
وقال تعالى: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَالْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(3).
هتف بالمنصور هاتف من قصره بالمدينة، فسمعه يقول:
أما وربّ السّكون والحرك *** انّ المنايا كثيرة الشّرك
عليك يا نفس ان اسأت وان *** أحسنت بالقصد كلّ ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولا *** دارت نجوم السماء في الفلك
إلاّ لنقل السلطان عن ملك *** إذا انقضى ملكه إلى ملك
حتّى يصير انّه إلى ملك *** ما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض و *** المرسي الجبال المسخّر الفلك
فقال هذا واللّه أوان أجلي(1).
وجد المعتصم في علّته التي توفّي فيها افاقة فقال: هيّئو إلى الزلاّل لأركب غدا فركب، وركب معه زنام الزّامر، فمرّ في دجلة بأزاء منزله، فقال يا زنّام أزمر لي:
يا منزلا لم تبل اطلاله *** حاشى لا طلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنّني *** بكيت عيشي فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى *** لابدّ للمخزون أن يسلى
قال زنّام: فما زلت أزمر هذا الصوت، حتّى دعا برطليّة فشرب منها قدحا وجعلت أزمره، واكرّره، وقد تناول منديلا بين يديه فما زال يبكي ويمسح دموعه فيه وينتحب حتّى رجع إلى منزله ولم يستتمّ شرب الرّطليّة(2).
أي ماء ها الطّيّب ملح مرّ.
بكسر الباء، دوآء مرّ.
جمع سمّ.
أي حبالها حبال بالية.
قال تعالى: «لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا»(1).
عن امير المؤنين عليهالسلام : لِكُلِّ ذِي رَمَقٍ قُوتٌ وَلِكُلِّ حَبَّةٍ آكِلٌ وَأَنْتَ قُوتُ الْمَوْت(2)
قال سعيد العلاّف: دخلت على المأمون لمّا كان ببلاد الروّم، فوجدته جالسا على شاطئ البدندون، والمعتصم جالس عن يمينه وهما مدليان أرجلهما في الماء، وقال: أدل رجليك في هذا الماء وذقه، فهل رأيت قطّ أشدّ بردا وأعذب وأصفى منه، ففعلت، وقلت: ما رأيت مثله قطّ فقال: أيّ شيء يطيب أن يؤل ثمّ يشرب هذا الماء عليه فقلت: أنت أعلم، فقال: رطب الآزاد، فبينا هو يقول إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال من بغال البريد على اعجازها حقاب فيها الألطاف، فقال لخادم له: اذهب فانظر هل في هذه الألطاف رطب فانظر فان كان آزاد فأت به فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاد كأنّما جني من النخل في تلك الساعة فكثر تعجّبنا منه، فقال: الآن فكل، فأكل هو والمعتصم وأكلت، وشربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منّا أحد إلاّ وهو محموم فكانت ميتة المأمون من تلك العلّة، ولم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق ولم أزل عليلا حتى كان قريبا(1).
لما احتضر الواثق، جعل يردّد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك *** لا سوقة بينهم يبقى ولا ملك
ما ضرّ أهل قليل في تنافرهم *** وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
ثمّ أمر بالبسط فطويت، وألصق خدّه بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه(2).
النكبة: واحدة نكبات الدهر(1).
زاد (التحف) : «و من وراء ذلك سكرات الموت، وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل»(2).
«لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ
الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى»(3).
والمحروب من سلب ماله، وقال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»(4).
روى من ذكر أخبار العرب: أنّ لقمان بن عاد كان أطول الناس عمرا عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ويقال عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النّسر الذّكر، فيجعله في الجبل، فيعيش النّسر ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فربّاه حتّى كان آخرها (لبد) وكان أطولها عمرا فقيل: «طال العمر على لبد» وفيه يقول الأعشى:
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر *** إذا ما مضى نسر خلدت إلى نسر
فعمّر حتّى خال انّ نسوره *** خلود وهل تبقى النّفوس على الدّهر
وقال لأدناهنّ إذ حلّ ريشه *** هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري(1)
ومن المعمّرين ربيع بن ضبيع الفزاري عاش ثلاثمائة وأربعين سنة(2).
ومنهم المستوغر عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة(3)، وعاش أكثم بن صيفي الأسدي ثلاثمائة وثلاثين سنة أدرك النبيّ صلىاللهعليهوآلهوآمن به ومات قبل أن يلقاه، وله أخبار كثيرة، وحكم وأمثال(4).
وعاش أبوه مائتين وسبعين سنة لا ينكر من عقله شيء، وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمّس:
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا *** وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما(5)
وعاش ضبيرة بن سعيد مائتين وعشرين سنة ولم يشب، أدرك الإسلام ولم يسلم(6).
وعاش دريد بن الصمّة مائتي سنة أدرك الإسلام ولم يسلم، كان أحد قوّاد المشركين يوم حنين فقتل يومئذ(7)، و عاش محصن بن عتبان الزبيدي (256) سنة(8).
و عاش عمرو بن حممة الدّوسي أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتّى كأنني *** سليم افاع ليلة غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت *** عليّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مائة قد مررن كواملا *** وها أنا هذا أرتجي منه أربع(1)
وعاش الحارث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة وهو القائل:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي والجدود العواثر(2)
وعاش عبد المسيح الغسّاني (350) سنة كان نصرانيّا أدرك الإسلام ولم يسلم(3)، وخبره مع خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة معروف، قال له خالد: ما أدركت قال: أدركت سفن البحر ترقا إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها لا تزوّد إلاّ رغيفا واحدا حتّى تأتي الشام وقد أصبحت خرابا وذلك دأب اللّه في العباد والبلاد، ومن قوله:
النّاس أبناء علاّت لمن علموا *** ان قد أقلّ فمجفوّ ومحقور
وهم بنون لامّ ان رأو نشبا *** فذاك بالغيب محفوظ ومحصور(4)
وعاش ذو الأصبع العدواني (300) سنة وهو أحد حكّام العرب في الجاهلية،
وأخباره وأشعاره وحكمه معروفة(5).
وعاش زهير بن الحباب الحميري (420) سنة وواقع مائتي وقعة، وكان سيّدا مطاعا عاش شريفا في قومه ويقال كان فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيّد قومه، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وفارسهم، وله البيت فيهم، والعدد منهم، وأوصى إلى بنيه فقال: إنّي كبرت سنّي وبلغت خرسا من دهري، فاحكمتني
التجارب، فاحفظوا عنّي ما أقول، إيّاكم والخور عند المصائب والتواكل عند النوائب فانّ ذلك داعية الغمّ، وشماتة العدوّ، وسوء الظنّ بالرّبّ، وإيّاكم أن تكونوا
بالأحداث مغترّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فانّه ما سخر قوم قط إلاّ ابتلوا، ولكن توقّعوها فإنّ الإنسان غرض تعاوره الرّماة، فمقصّر دونه، ومجاوز موضعه، و واقع عن يمينه وشماله، ثمّ لابدّ أن يصيبه(1).
وعاش رويد بن زيد القضاعي (456) سنة ومن قوله:
ألقى عليّ الدهر رجلا ويدا *** والدّهر ما أصلح يوما أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا(2)
ومن المعمّرين: يعرب بن قحطان أبو اليمن كلّها، وأوّل من تكلّم بالعربيّة على ما ذكره أبو الحسن النسّابة الأصفهاني في كتابه الفرع والشجر(3).
ومن المعمّرين: عمرو بن عامر مزيقيا روي عن شرقي بن قطامي أنّه عاش (800) سنة (400) سنة سوقة و(400) سنة ملكا، وكان في سنيّ ملكه يلبس في كلّ يوم حلّتين، فإذا كان بالعشيّ مزّقت الحلّتان عنه لئلا يلبسهما غيره، فسمّي مزيقيا وقيل: إنّما سمّي بذلك لأنّ على عهده تمزّقت الأزد، فصاروا إلى أقطار الأرض وكان ملك سبأ، فحدّثته الكهّان بأنّ اللّه يهلكها بالسيّل العرم، فاحتال حتّى باع ضياعه وخرج في من أطاعه من أولاده وأهله قبل سيل العرم ومنه انتشرت الأزد كلّها والأنصار كلّها من ولده(4).
و من المعمّرين: جلهمة بن أدد، وإليه ينسب طيّ كلّها، وكان له ابن أخ يقال له يحابر بن مالك، وكان قد أتى على كلّ واحد منهما خمسائة سنة، وقع بينهما ملاحاة بسبب مرعى، فخاف جلهمة هلاك عشيرته، فرحل عنه وطوى المنازل فسمّي طيّا وهو صاحب أجا، وسلمى ـ جبلين بطيّ ـ (1).
ومن المعمّرين: «عمرو بن لحى» كان رئيس خزاعة في حربها مع جرهم، وهو الذي سنّ السّائبة والوصيلة والحام ونقل صنمي (هبل) و(مناة) من الشام إلى مكّة فسلّم (هبل) إلى خزيمة بن مدركة فقيل: هبل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمشلل وكان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتّى هلك وهو ابن (345) سنة وبلغ ولده وأعقابهم ألف مقاتل في ما يذكرون، وعن النبي صلىاللهعليهوآله: «رفعت لي النّار فرأيت عمرو بن لحي يجرّ قصبه في النار فقلت: من هذا قيل عمرو بن لحى»(2).
هذا طرف من أخبار معمّري العرب، واستيفاؤ في الكتب المصنّفة في هذا المعنى.
وامّا الفرس فانّها تزعم أنّ في ما تقدّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيروون أنّ الضحاك صاحب الحيّتين عاش ألفا ومائتي سنة، وأفريدون العادل عاش فوق ألف سنة«»، ويقولون: إنّ الملك الّذي أحدث المهرجان عاش ألفين وخمسمائة سنة...(3).
الأصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: «أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ واقٍ»(1).
وقال تعالى في قارون مع إيتائه من الكنوز: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى...»(2)
القصص: 76.
.«أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً...»(3).وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون»(4).
وقال الأسود النهشلي:
ما ذا تؤّل بعد آل محرّق *** تركوا منازلهم، وبعد اياد
أهل الخورنق والسدير وبارق *** والقصر ذي الشرفات من سنداد
كانوا بانقرة يفيض عليهم *** ماء الفرات يخرّ من أطواد
جرت الرّياح على رسوم ديارهم *** فكأنّهم كانوا على ميعاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به *** يوما يصير إلى بلى ونفاد(5)
وكان عبد العزيز عاملا لأخيه عبد الملك على مصر فأتاه رجل متنصّح فقال له:
بالقبّة الفلانية كنز عظيم، قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر، ثمّ ينتهي بنا الحفر إلى قلع باب من الصفر تحت عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدّنيا وجناحاه مضرّجان بالياقوت والزمرّد على رأسه صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود، فأمر له عبد العزيز بنفقة ألوف من الدنانير لأجرة من يحفر من الرّجال في ذلك، ويعمل فيه، وكان هناك تلّ عظيم فاحتفروا حفرة عظيمة في الأرض والدلائل المقدّم ذكرها من الرّخام والمرمر تظهر فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك، وأوسع في النفقة وأكثر من الرجال فانتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الدّيك فبرق عند ظهوره لمعان عظيم كالبرق الخاطف لما في عينيه من الياقوت وشدّة نوره ولمعان ضيائه، ثم بان جناحاه ثمّ بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع من الأحجار والرّخام وقناطر مقنطرة، وطاقات على أبوابه معقودة، ولاحت منها تماثيل وصور أشخاص من أنواع الصور والذهب و أجربة من الأحجار، قد أطبقت عليها أغطيتها وسبكت، وقيّد ذلك بأعمدة الذهب، فركب عبد العزيز حتّى أشرف على الموضع فنظر إلى ما ظهر من ذلك، فأسرع بعضهم فوضع قدمه على درجة منسكبة من نحاس تنتهي إلى ما هنالك فلمّا استقرّت قدمه على المرقاة الرابعة، ظهر سيفان عظيمان عاديان عن يمين الدرجة وشمالها، فالتّفا على الرجل فلم يدرك حتّى جزّتاه قطعا وهوى جسمه سفلا، فلمّا استقرّ جسمه على بعض الدّرج اهتزّ العمود، وصفّر الديك تصفيرا عجيبا سمعه من كان بالبعد من هنالك، وحرّك جناحه فظهرت من تحته أصوات عجيبة، قد عملت بالكواكب والحركات إذا ما وقع على بعض تلك الدّرج شيء أو ماسّها، تهافت من هنالك من
الرجال إلى أسفل تلك الحفيرة، وكان فيها ممّن يحفر ويعمل وينقل التراب ويبصر ويتحرّك ويأمر وينهى نحو ألف رجل فهلكوا جميعا فجزع عبد العزيز، وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النّيل نعوذ باللّه منه وأمر جماعة من الناس، فطرحوا ما أخرج من هناك من التراب على من هلك من الناس فكان الموضع قبرا لهم.
و قد كان جماعة ممّن أغرى بحفر الحفائر، وطلب الكنوز، وذخائر الملوك المستودعة، وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السالفة، فيه وصف موضع ببلاط على أذرع من الأهرام بأن فيه مطلبا عجيبا، فأخبروا الأخشيد محمد بن طغج بذلك فأذن لهم في حفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى ازج وأقباء وحجارة مجوّفة، في صخر منقور، فيه تماثيل قائمة على أرجلها من أنواع الخشب قد طلّيت بالأطلية المانعة من سرعة البلى وتفرّق الأجزاء، والصور مختلفة منها صورة شيوخ وشبّان ونساء وأطفال، أعينهم من أنواع الجواهر، كالياقوت، والزمرّد، والفيروزج، والزّبرجد، ومنها ما وجوهها ذهب وفضّة، فكسروا بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها رمما بالية وأجساما بالية، وإلى جانب كلّ تمثال منها نوع من الأبنية كالبرابي وغيرها من الآلات من المرمر والرخام وفيه نوع من الطّلاء الذي قد طلي منه ذلك الميّت، الموضوع في تمثال الخشب، وما بقي من الطّلاء متروك في ذلك الاناء، والطّلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النّار ففاح منه روائح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطيب، وقد جعل كلّ تمثال من الخشب على صورة ما فيه من الناس على اختلاف أسنانهم ومقادير أعمارهم وتباين صورهم، وبإزاء كلّ تمثال منها تمثال من الحجر المرمر أو الرّخام الاخفّه على
هيئة الصّنم حسب عبادتهم للتّماثيل والصور عليها أنواع من الكتابات لم يقف على استخراجها أحد، وكان ذلك في سنة (328) وقد كان لمن سلف وخلف من ولاة مصر إلى أحمد بن طولون وغيره إلى هذا الوقت، وهو سنة (332) أخبار عجيبة في ما استخرج في أيّامهم من الدّفائن والأموال والجواهر وما أصيب في هذه المطالب من القبور والخزائن(1)
مروج الذهب: 407/1 ـ 410.
.وطول الأهرام عظيم وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الامم السالفة، والممالك الداثرة، لا يدرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها، وقد قال: من عني بتقدير ذرعها أنّ مقدار ارتفاع ذهابها في الجوّ نحو من أربعمائة ذراع، أو أكثر، وكلّما علا به الصّعداء دقّ ذلك، وأنّ من تلك الكتابة: إنّا بنيناها فمن يدّعي موازاتنا في الملك، وبلوغنا في القدرة، وانتهاءنا من السلطان، فليهدمها وليزل رسمها، فانّ الهدم أيسر من البناء، والتفريق أيسر من التأليف، وقد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها لا يفي بقلعها وهي من الحجر والرّخام(2).و خطّ خالد بن برمك مدينة المنصور له، وأشار بها عليه فلمّا احتاج إلى الإنقاض قال له: ما ترى في نقض بناء مدينة أيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه قال: لا أرى ذلك. قال: ولم قال لأنّه علم من علم الإسلام يستدلّ به النّاظر إليه على أنّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا وإنّما هو على أمر
دين ومع هذا فانّ فيه مصلّى علي بن أبي طالب عليهالسلام قال: هيهات يا خالد أبيت إلاّ الميل بأصحابك العجم، وأمر أن ينقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه، و حمل نقضه، فنظر في مقدار ما يلزمهم النقص والحمل، فوجدوا ذلك أكثر من ثمن
الجديد لو عمل، فرفع ذلك إلى المنصور فدعا بخالد فأعلمه ما يلزمه، في نقضه وحمله وقال له: ما ترى قال: قد كنت أرى قبل ألاّ تفعل، فامّا إذ فعلت فانّي أرى أن تهدم الآن حتّى تلحق بقواعده، لئلاّ يقال أنّك عجزت عن هدمه، فأعرض المنصور عن ذلك وأمر ألا تهدم(1).
وقال البحتري أبياتا في أيوان كسرى، ومنها:
مشمخرّ تعلو له شرفات *** رفعت في رءوس رضوى وقدس
ليس يدري أصنع إنس لجنّ *** صنعوه أم صنع جنّ لانس
غير أنّي أراه يشهد ان لم *** يك بانيه في الملوك بنكس(2)
قال تعالى: «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»(3).
قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ(4).
وقال تعالى: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ»(1).
وقال تعالى: «فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى»(2).
قال الشاعر:
ألم يخبرك أنّ الدّهر غول *** ختور العهد يلتقم الرجالا
أزال عن المصانع ذا رياش *** وقد ملك السّهولة والجبالا
وأنشب في المخالف ذا منار *** وللزّرّاد قد نصب الحبالا(3)
عن الصادق عليهالسلام مرّ عيسى عليهالسلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها، فقال: أما إنّهم لم يموتوا إلاّ بسخط ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا، فقال الحواريون: يا روح
اللّه ادع اللّه تعالى أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها، فدعا عيسى عليهالسلام ربّه فنودي من الجوّ أن نادهم فقام عيسى عليهالسلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه مجيب منهم، لبيّك يا روح اللّه فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم قال: عبادة الطاغوت وحبّ الدّنيا مع خوف قليل، وأمل بعيد، وغفلة في لهو، فقال: كيف كان حبّكم للدّنيا قال كحبّ الصبيّ لامّه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا أدبرت عنّا بكينا وحزنا، قال: فكيف كان عبادتكم للطاغوت قال: الطاعة لأهل المعاصي. قال: كيف كان عاقبة أمركم قال بتنا ليلة في
عافية وأصبحنا في الهاوية ـ إلى أن قال ـ: فالتفت عيسى عليهالسلام إلى الحواريّين، فقال لهم: أكل الخبز اليابس، بالملح الجريش، والنّوم على التراب، خير كثير مع عافية الدّنيا والآخرة(1).
لمّا خرج محمّد بن عبد اللّه المحض بالمدينة على المنصور بعث إليه جندا فقتلوه، وقال: لو خرج عليّ صاحب القبر ـ أي: النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ لقتلته(2).
أي ارتحلوا.
و في (التحف)(3)و(مطالب السؤل)(4): ثمّ ظعنوا عنها بالصغار.
وَلا ظَهْرٍ قَاطِعٍ
أي: راحلة،
قال تعالى: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ»(5).
وقال تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ
صالِحاً فِيما تَرَكْتُ...»(1).
وقال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(2).
قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ»(3).
بدّله (مطالب السؤل)(4)(أو أغنت عنهم فيما أهلكهم من خطب) وكيف كان، قال تعالى: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ»(5).
نقله ابن ميثم هكذا بالرّاء، أي: «غشيتهم»(6). ونقله ابن أبي الحديد: «أوهقتهم» بالواو، قال أي: جعلتهم في الوهق وهو حبل كالطول(7).
من (فدحه الدين): اثقله وقال ابن أبي الحديد: ويروي (بالقوادح) بالقاف، وهي آفة تظهر في الشجر وصدوع تظهر في الأسنان(1).
أي الشّدآئد.
أي المصائب.
أي الصقت ثقب انافهم بتراب الارض.
أي توطأتهم باخفافها كدوس البقر البيدر.
أي حوادث الدهر.
أي: كان مطيعا لها يعني شاهدتم بأعينكم معاملتها مع أهل عصركم فضلا عن سماع أخبار الماضين.
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 232/7.
أي اختارها علي آخرته.
وكلّ غائب يئوب، وغائب الموت لا يئوب(1).
أي الجوع.
أي الضّيق.
نظير قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ(2).
قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ»(3).
قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُون»(1).
عن الصادق عليهالسلام قال تعالى لموسى عليهالسلام : يا موسى إنّ الدّنيا دار عقوبة، عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي، يا موسى إنّ عبادي الصّالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها، ولم يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها(2)،
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام من أصبح وأمسى والدّنيا أكبر همّه جعل اللّه تعالى الفقر بين عينيه، وشتّت أمره ولم ينل من الدّنيا إلاّ ما قسم اللّه له، ومن أصبح و أمسى والآخرة أكبر همّه جعل اللّه تعالى الغناء في قلبه، وجمع له أمره(3).
عن الصادق عليهالسلام من زهد في الدّنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدّنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدّنيا سالما(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام خرج النبي صلىاللهعليهوآله وهو محزون، فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الأرض، يقول لك ربّك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآله: الدّنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال له الملك: والذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد
سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السّماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح(1).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: مالي وللدّنيا، وما أنا والدّنيا، إنّما مثلي ومثلها، كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف، فقال ـ من القيلولة ـ تحتها ثمّ راح وتركها(2).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام مرّ النبيّ صلىاللهعليهوآله بجدي أسكّ ملقى على مزبلة ميّتا، فقال: والّذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدي على أهله(3).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان إزداد عطشا حتّى يقتله(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا(5).
قال الشاعر:
وحسن ظنك بالأيام معجزة *** فظنّ شرا وكن منها على وجل(6)
أي: مرتحلون عنها، وزاد (التحف)(7)«و انّما هي كما نعت اللّه: «لَعِبٌ وَلَهْوٌ
1) .الكافي: 129/2، ح8؛ بحار الأنوار: 54/70، ح26.
2) . الكافي: 134/2، ح19؛ وسائل الشيعة: 17/16، ح20843 ـ 1.
3) .الكافي: 129/2، ح9؛ بحار الأنوار: 55/70، ح27.
4) . الكافي: 136/2، ح24؛ بحار الأنوار: 79/70، ح40.
5) .الكافي: 316/2، ح7؛ بحار الأنوار: 68/70، ح36.
6) . الكشكول الشيخ البهائي 112/2. ( 3 مجلد، الناشر: مؤسة الاعلمي للمطبوعات )
7) . تحف العقول: 182.
وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ»(1).
وانّما قال عليهالسلام : «فاعلموا» مع علم المخاطبين بمعلومه ولذا استدركه بقوله (و أنتم تعلمون) لعدم جريهم على مقتضى علمهم.
وقالوا في علم البيان: ينزّل العالم التّارك لمقتضى علمه منزلة الجاهل فيخاطب خطابه فيقال لتارك الصلاة مع كون وجوبها ضروريا يعلمه كلّ أحد: الصلاة واجبة.
وفي الخبر: ما خلق اللّه يقينا أشبه بالشّك من الموت(2).
إشارة إلى قوله تعالى في سورة حم السجدة: «فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ»(3).
إنّ المراد أنّهم لمّا رفعوا نعشهم، وحملوهم على أكتافهم فيكونوا ركبوا أكتاف الناس، إلاّ أنّهم لا يسمّون بهذا ركبانا كما أنّهم لمّا أنزلوا من الأكتاف إلى القبور لا يسمّون ضيفانا، وإنّما الضيفان من انزل من مركبه في قرية للضيافة.
أي: الحجارة العراض.
«و من التراب أكفان» هكذا في النسخ، ونقله ابن أبي الحديد «أكنان» فقال: «الأكنان: جمع كنّ وهو السّترة»(2)وهو الأنسب، لأنّه كان لهم أكفان من الملبوس، فلم نقول من التراب وإنّما يقولون لميّت، لم يجعل له كفن، ولا عجّل دفنه حتّى نسفت الرياح عليه التراب، إنّه كفّن من تراب، ولأنّ الأكفان أمر مرغوب عنه، يشمئزّ عنه الأحياء، ولو كان من الملبوس.
أي الحطام.
و إنّما خصّ عليهالسلام الرّفاة بجيرانه دونه لأنّه أوّل إنزاله سالم الجسد، وإنّما يصير رفاتا بعد.
فلو نبش المقابر عن كليب *** فيخبر بالذّنائب أي: زير(3)
أي تحمّل ظلم.
من يندبهم، يعدّد محاسنهم ويبكي عليهم.
أي جاد المطر عليهم.
كالأحياء.
كناس في الدنيا.
إلى هذا المعنى نظر السّجاد عليهالسلام في ندبته حيث قال:
وَأَضْحَوْا رَمِيماً فِي التُّرَابِ وَأَقْفَرَتْ *** مَجَالِسُ مِنْهُمْ عُطِّلَتْ وَمَقَاصِرُ
وَحَلُّوا بِدَارٍ لا تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ*** وَأَنَّى لِسُكَّانِ الْقُبُورِ التَّزَاوُرُ
فَمَا إِنْ تَرَى إِلاّ جُثًى قَدْ ثَوَوْا بِهَا *** مُسَنَّمَةً تَسْفِي عَلَيْهَا الْأَعَاصِر(1)
1) . البلد الامين: 320.
وقال آخر:
لكلّ اناس معمر في ديارهم *** فهم ينقصون والقبور يزيد
فكاين ترى من دار حيّ قد اخربت *** وقبر بأكنان التّراب جديد
هم جيرة الأحياء أما مزارهم *** فدان وأمّا الملتقى فبعيد(1)
وقال الرضيّ في رثاء أبي إسحاق الصّابي:
أعزز عليّ بان نزلت بمنزل *** متشابه الأمجاد بالأوغاد
في عصبة جلبوا إلى آجالهم *** والدّهر يعجلهم عن الإرواد
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم *** من غير اطناب ولا أوتاد
ركب أناخوا لا يرجّى منهم *** قصد لاتهام ولا انجاد
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة *** للدهر نازلة بكلّ مقاد
فتهافتوا عن رحل كلّ مذلّل *** وتطاوحوا عن سرح كلّ جواد
بادون في صور الجميع وانّهم *** متفرّقون تفرّق الآحاد(2)
كانت أضغانهم بحيث يقولون لخصمائهم:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم *** كما دماؤم للغيظ لا ترويني(3)
وكانت أحقادهم بحيث لا يقدرون أن يكالموهم، فقالوا: كان عبد الرحمن بن عوف مهاجرا لعثمان حتّى مات(4)، وطاوس مهاجرا لوهب بن منبّه حتى مات،
وهجر سعيد بن المسيّب أباه فلم يكلّمه إلى أن مات، وجرى بين الحسن وابن سيرين شيء فمات الحسن ولم يشهد ابن سيرين جنازته. وكان الثّوري يتعلّم من ابن أبي ليلى فمات ابن أبي ليلى ولم يشهد جنازته(1).
ومات يعقوب بن الليث الصفّار في سنة (265) بجند نيسابور من القولنج، وكان أمره الأطباء بالاحتقان، فلم يفعل، واختار الموت، وكان المعتمد أنفد إليه رسولا يستميله ويقلّده أعمال فارس، فجعل عنده سيفا ورغيفا من الخبز الخشكار و بصلا وقال للرّسول: قل للمعتمد: إنّي عليل، فإن متّ استرحت أنا وأنت، وان عوفيت فليس بيني وبينك إلاّ هذا السيف، أمّا آخذ ثأري، وأمّا أرجع إلى هذا الخبز والبصل، فمات. وكان الحسن بن زيد العلوي يسمّيه السّندان لثباته(2).
وروي بعد ذكر بشّار وحمّاد عجرد وما بينهما من الهجاء وموت حمّادا أوّلا ودفن بشّار بعده إلى جنبه ـ مرّ بقبرهما أبو هاشم فقال:
قد تبع الأعمى قفا عجرد *** فأصبحا جارين في دار
قالت بقاع الأرض لا مرحبا *** بقرب حمّاد وبشّار
تجاورا بعد تنائيهما *** ما أبغض الجار إلى الجار(3)
وامّا قول مهلهل في أخيه كليب وائل، وتمثّل به مصقلة بن هبيرة على قبر المغيرة بن شعبة:
انّ تحت الأحجار خرما وغرما *** وخصيما ألدّ ذا معلاق
حيّة في الوجار أربد لا *** ينفع منه السّليم نفثّ الرّاقي(1)
فالمراد به أنّه كان كذلك في الدّنيا وإنّ من تحت الأحجار كان شخصا هكذا.
هذا، وقال بعضهم رأيت قبرين مكتوبا على أحدهما: «من رآني فلا يصغّر قدري، أنا كنت أجلب الرّيح وافرّقها» وعلى الآخر: «كذب ابن الفاعلة إنّما كان يجمع الرّياح في الزّق ينفخ فيه» فما رأيت مشاجرة بين موتى غيرهما(2).
إنّما كانت بينهم صورة، وإلاّ فلابدّ أنّ الأوّل وصّى بأن يكتب على قبره أو كتب بنفسه على لوح ما على الأوّل والثاني، كذلك ما على الثاني.
قال ابن أبي الحديد: قال الرضيّ رضى اللّه عنه:
متوسّدين على الخدود كأنّما *** كرعوا على ظمأ من الصّهباء
صور ضنت على العيون بحسنها *** أمست فوقرها من البوغاء
ونواظر كحل التّراب جفونها *** قد كنت أحرسها من الأقذاء
قربت ضرائحهم على زوّارها *** ونأوا عن الطّلاّب أيّ تناء(3)
روي أنّ هذه الأبيات وجدت مكتوبة على قبر سيف بن ذي يزن آخر ملوك اليمن:
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم *** غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم *** فأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا *** أين الأسرّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت محجّبة *** من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود تنتقل
قد طالما أكلوا شيئا وما شربوا *** فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا
ولمّا أحضر المتوكّل الهادي عليهالسلام لمّا اتّهمه بممالاته عليه أمره بالتّغني فتمثّل عليهالسلام هذه الأبيات، فبكى المتوكّل حتّى ابتلّت لحيته واعتذر إليه من فعله(1).
جمع الحافي: الماشي بلا نعل.
جمع العاري، قال تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ...»(2).
قال تعالى: «وَإِنَّ الدَّارَ الآْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ...»(3).
كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ»(4).
وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ»(1).
وقال تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآْخِرَةَ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2).
وقال تعالى: «وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ»(3).
وقال تعالى: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ»(4).
اعلم أنّ هذه الخطبة رواها المحدّث العلاّمة المجلسي «قد» في البحار من كتاب مطالب السؤل لمحمّد بن طلحة الشافعي باختلاف كثير،
قال: قال عليهالسلام : احذّركم الدّنيا فانّها خضرة حلوة حفّت بالشّهوات وتخيبت بالعاجلة وعمّرت بالآمال وتزيّنت بالغرور ولا يؤن فجعتها ولا يدوم خيرها، ضرّارة غدّارة غرّارة زايلة بايدة أكّالة عوّالة، لا تعدو إذا تناهت إلى امنيّة أهل
الرّضا بها والرّغبة فيها أن يكون كما قال اللّه عزّ وجلّ: «كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ»(5)على أنّ امرأ لم يكن فيها في حيرة «حبرة ظ» إلاّ أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرّائها بطنا إلاّ منحته
من ضرّائها ظهرا، ولم تنله فيها ديمة رخاء إلاّ هتنت عليه مزنة بلاء، وحرىّ إذا أصبحت له متنصّرة أن تمسى له متنكّرة، فان جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمرّ عليه جانب وأوباه، وان لقى امرء من غضارتها زوّدته من نوابئها تعبا، ولا يمسى امرء منها في جناح أمن إلاّ أصبح في خوافي خوف وغرور.
فانية فان من عليها من أقلّ منها استكثر مما تؤنه ومن استكثر منها لم تدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته وذى طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته، وذي ابّهة قد صيّرته حقيرا وذي نخوة قد صيّرته خائفا فقيرا، وذي تاج قد أكبّته لليدين والفم، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها اجاج، وحلوها صبر، وغذائها سمام، وأسبابها رمام، حيّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، عزيزها مغلوب، وملكها مسلوب، وضيفها مثلوب، وجارها محروب.
ثمّ من وراء ذلك هول المطلع وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزى الّذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا، وأعدّ منكم عديدا، وأكثف جنودا وأشدّ منكم عنودا تعبّدوا الدّنيا أيّ تعبّد، وآثروها أىّ ايثار، ثمّ ظعنوا عنها بالصغار فهل يمنعكم أنّ الدّنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعفّرتهم للمناخر، وأعانت عليهم ريب المنون.
فقد رأيتم تنكّرها لمن دان بها وأجدّ إليها حتّى ظعنوا عنها بفراق ابدالى آخر المستند، هل أحلّتهم الاّ الضنك، أو زوّدتهم إلاّ التّعب، أو نورّت لهم إلاّ الظلمة، أو
أعقبتهم إلاّ النّار، أ فهذه تؤرون، أم على هذه تحرصون، أم إلى هذه تطمئنّون، يقول اللّه جلّ من قائل:
«مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآْخِرَةِ إِلاّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»(1).
فبئست الدار لمن لا يتّهمها وان لم يكن فيها على وجل منها، اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ فانما هى كما نعّتها اللّه لهو ولعب، واتّعظوا بالذين كانوا يبنون بكلّ ريع آية تعبثون ويتّخذون مصانع لعلّهم يخلدون، واتّعظوا بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة، واتّعظوا باخوانكم الّذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا قد جعل لهم من الضّريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرّفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، قد بادت أضغانهم، فهم كمن لم يكن وكما قال اللّه عزّ وجلّ: «فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ»(2)استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، جاءوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عزّ من قائل: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِين»(3)،(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذكر فيها ملك الموت: هَلْ تَحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً ـ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً ـ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ـ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا ـ أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا ـ أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا ـ كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ ـ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ.
بالفتح.
قال الصادق عليهالسلام : ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلاّ وملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات(1).
1) .الكافي: 256/3، ح22؛ بحار الأنوار: 143/6، ح10.
بلفظ المعلوم
قال تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(1).
وقال تعالى: «فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ(2).
قَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام : ـ قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ عليهالسلام : ـ كَيْفَ تَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ وَبَعْضُهَا فِي الْمَغْرِبِ وَبَعْضُهَا فِي الْمَشْرِقِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ أَدْعُوهَا فَتُجِيبُنِي قَالَ فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ عليهالسلام ـ إِنَّ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيَّ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا مَا شَاءَ وَالدُّنْيَا عِنْدِي كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ(3).
وعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ـ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ بِيَدِهِ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ ـ لا يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَلا شِمَالاً مُقْبِلاً عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ الْحَزِينِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ مَشْغُولٌ فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ ـ فَقُلْتُ أدنيني [أَدْنِنِي] مِنْهُ يَا جَبْرَئِيلُ لِأُكَلِّمَهُ، فَأَدْنَانِي مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا مَلَكَ
الْمَوْتِ أَ كُلُّ مَنْ مَاتَ أَوْ هُوَ مَيِّتٌ فِيمَا بَعْدُ أَنْتَ تَقْبِضُ رُوحَهُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَتَحْضُرُهُمْ بِنَفْسِكَ قَالَ نَعَمْ ـ وَمَا الدُّنْيَا كُلُّهَا عِنْدِي فِيمَا سَخَّرَهَا اللّهُ لِي ـ وَمَكَّنَنِي مِنْهَا إِلاّ كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ الرَّجُلِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ ـ وَمَا مِنْ دَارٍ فِي الدُّنْيَا إِلاّ وَأَدْخُلُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ـ وَأَقُولُ إِذَا بَكَى أَهْلُ الْبَيْتِ عَلَى مَيِّتِهِمْ لا تَبْكُوا عَلَيْهِ ـ فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ عَوْدَةً وَعَوْدَةً حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَفَى بِالْمَوْتِ طَامَّةً يَا جَبْرَئِيلُ! فَقَالَ جَبْرَئِيلُ إِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَطَمُّ وَأَعْظَمُ مِنَ الْمَوْتِ(1).
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليهالسلام لَقِيَ مَلَكاً فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ أَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي الصُّورَةَ الَّتِي تَقْبِضُ فِيهَا رُوحَ الْمُؤمِنِ قَالَ نَعَمْ أَعْرِضْ عَنِّي فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ شَابٌّ حَسَنُ الصُّورَةِ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الشَّمَائِلِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ فَقَالَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ لَوْ لَمْ يَلْقَ الْمُؤمِنُ إِلاّ حُسْنَ صُورَتِكَ لَكَانَ حَسْبَهُ قَالَ لَهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي الصُّورَةَ الَّتِي تَقْبِضُ فِيهَا رُوحَ الْفَاجِرِ قَالَ لا تُطِيقُ فَقَالَ بَلَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَسْوَدُ قَائِمُ الشَّعْرِ مُنْتِنُ الرَّائِحَةِ أَسْوَدُ الثِّيَابِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَنَاخِرِهِ النَّارُ وَالدُّخَانُ فَغُشِيَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ أَفَاقَ وَقَدْ عَادَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ لَوْ لَمْ يَلْقَ الْفَاجِرُ إِلاّ صُورَتَكَ لَكَفَتْه(2).
هو نظير قوله عليهالسلام : «بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل وميكائيل...»(1)، بل الإنسان عاجز عن وصف نفسه وروحه وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي...(2).
فكيف لا يعجز عن وصف ربّ لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ولو جيء بمثله مددا.
كَيْفِيَّةُ الْنفس لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا *** فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِي الْقِدَمِ
هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الْأَشْيَاءَ مُبْتَدِعاً *** فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ مُسْتَحْدَثُ النَّسَم(3)
قال علي عليهالسلام : إن العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية ثم تنفس الصعداء وأنشأ هذين البيتين(4).
في بيان معنى الموت وايراد بعض الأخبار الواردة في وصف حال ملك الموت، قال الشّارح البحراني أخذا من أبي حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم: أنّ الموت ليس إلاّ عبارة عن تغيّر حال، وهو مفارقة الروح لهذا البدن الجاري مجرى الآلة لذي الصنعة، وأنّ الروح باقية بعده كما شهدت به البراهين العقليّة في مظانّها، والآثار النبويّة المتواترة. ومعنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه لخروجه عن حدّ الانتفاع به فما كان من الأمور المدركة لها تحتاج في إدراكه إلى آلة فهي متعطَّلة عنه بعد مفارقة البدن إلى أن تعاد إليه في القبر أو يوم القيامة، وما
كان مدركا لها لنفسها من غير آلة فهو باق معها يتنعّم به ويفرح أو يحزن من غير حاجة إلى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم والإدراكات الكلَّيّة لها هناك(1).
قال الغزالي: تعطل الجسد بالموت يضاهى تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدّة تقع في الاعصاب تمنع نفوذ الرّوح فيها، فتكون الرّوح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها، والموت عبارة عن استعصاء الاعضاء كلّها وكلّ الأعضاء آلات، والرّوح هى المستعملة لها، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلّها، وحقيقة الانسان نفسه وروحه وهى باقية، نعم تغيّر حاله من جهتين إحداهما أنه سلب منه عينه واذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه، وسلب منه أهله وولده وأقاربه وساير معارفه، وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وساير أملاكه، ولا فرق بين أن يسلب هذه الأشياء من الانسان أو يسلب الانسان من هذه الأشياء، فانّ المؤم هو الفراق، والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرّجل وتارة بأن يسلب الرّجل عن الملك والمال، والألم واحد في الحالتين وإنما معنى الموت سلب الانسان عن أمواله بازعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم، فان كان له في الدّنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ويعتدّ بوجوده فيعظم تحسّره عليه بعد الموت، ويصعب شقاؤ في مفارقته
ويلتفت إلى واحد واحد من ماله وجاهه وعقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا، و يفرح به، وإن لم يكن يفرح إلاّ بذكر اللّه ولم يأنس إلاّ به عظم نعيمه وتمّت سعادته، إذ خلى بينه وبين محبوبه وقطعت عنه العوائق والشواغل المانعة له عن ذكر اللّه.
1) .شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 90/3؛ احياء العلوم: 181/15.
و الجهة الثانية أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن له مكشوفا في الحياة كما ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا في النوم، والنّاس نيام فاذا ماتوا انتبهوا(1)، هذا وقد مضى الكلام في شرح حالة الاحتضار وكيفيّة زهوق الروح وشرح حال الميت حينئذ في شرح الخطبة الثانية والثمانين، وفي شرح الخطبة المأة والثمانية ومضى ثمة أيضا وصف حال ملك الموت ونورد هنا ما لم يسبق ذكره هناك فأقول:
عن اسباط بن سالم مولى أبان قال: قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : جعلت فداك يعلم ملك الموت بقبض من يقبض؟ قال عليهالسلام : لا، إنما هي صكاك(2)تنزل من السّماء اقبض نفس فلان بن فلان(3).
وعن زيد الشّحام قال: سئل أبو عبداللّه عليهالسلام عن ملك الموت فقال: يقال: الأرض بين يديه كالقصعة يمدّ يده منها حيث يشاء فقال عليهالسلام نعم(4).
وعن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال سألته عن لحظة ملك الموت قال عليهالسلام : أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكتة (السّكينة خ ل) فما يتكلّم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم(5).
بقى الكلام في أنّ قابض الأرواح هل هو اللّه سبحانه، أم ملك الموت فقط، أم هو مع ساير الملائكة.
فأقول: الآيات في ذلك كالرّوايات مختلفة، ووجه الجمع بينها امور اشير إليها في أخبار أهل البيت عليهمالسلام.
سئل الصادق عليهالسلام عن قول اللّه عز وجلّ: «اللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها»(1). وعن قوله تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ»(2).
وعن قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ وَالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ»(3)وعن قوله عزّ وجلّ: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا»(4)وعن قوله عزّ وجلّ: «وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ»(5)، وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلاّ اللّه عزّ وجلّ فكيف هذا؟ فقال عليهالسلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الانس، فيبعثهم في حوائجه فتتوفّاهم الملائكة ويتوفّاهم(6)ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو ويتوفّاهم اللّه من ملك الموت(7).
وعن أمير المؤنين عليهالسلام أنّه سئل عن قول اللّه تعالى: «اللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها»(8)وقوله: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ»(9)وقوله عزّ وجلّ: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا»(10)وقوله تعالى: «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ»(11)فمرّة يجعل الفعل لنفسه، ومرّة لملك الموت، ومرّة للرّسل، ومرّة للملائكة فقال عليهالسلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى أجلّ
وأعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنّهم بأمره يعملون، فاصطفى من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال اللّه فيهم: «اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ»(1)فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرّحمة، ومن كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من الملائكة الرّحمة والنقمة يصدرون عن أمره وفعلهم فعله، وكلّ ما يأتونه منسوب إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت ففعل ملك الموت فعل اللّه لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء، ويعطى ويمنع ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وانّ فعل امنائه فعله كما قال: وَما تَشاؤنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ ربّ العالمين(2)،(3).
وعن أبي معمر السّعداني، أنّ رجلا أتى أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام فقال: يا أمير المؤنين إنّي قد شككت في كتاب اللّه المنزل قال له عليّ عليهالسلام : ثكلتك امّك وكيف شككت في كتاب اللّه المنزل؟ قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا فكيف لا أشكّ فيه، فقال عليّ بن أبي طالب عليهالسلام إنّ كتاب اللّه ليصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، وأظنّك لم ترزق عقلا تنتفع به فهات ما شككت فيه من كتاب اللّه(4)ـ فذكر الرجل آيات مختلفة الظواهر ومن جملتها الآيات التي قدّمناها ـ فقال أمير المؤنين عليهالسلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى يدبّر الامور كيف يشاء، ويوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فانّ اللّه يوكّله بخاصّة من
يشاء، ويوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه والملائكة الذين سماهم اللّه عزّ ذكره، وكلهم بخاصة من يشاء من خلقه تعالى يدبّر الامور كيف يشاء وليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس، لأنّ منهم القوىّ والضعيف، ولأنّ منه ما يطاق حمله ومنه ما لا يطاق حمله إلاّ من يسهل اللّه له حمله وأعانه عليه من خاصّة أوليائه، وإنّما يكفيك أن تعلم أنّ اللّه المحيى والمميت، وأنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم، قال: فرّجت عنّى يا أمير المؤنين انفع اللّه المسلمين بك(1).
1) . التوحيد للصدوق: 268، ح5؛ بحار الأنوار: 141/90، ح2.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ ـ وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ ـ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ـ وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا ـ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا ـ وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا ـ لَمْ يُصْفِهَا اللّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ ـ وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ ـ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ ـ وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ ـ فَمَا خَيْرُ دَارٍ يُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ ـ وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ ـ وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ ـ اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ وَاسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا سَأَلَكُمْ ـ وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ ـ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ ـ إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا ـ وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ـ وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا ـ قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآْجَالِ ـ وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآْمَالِ ـ فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآْخِرَةِ ـ وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآْجِلَةِ ـ وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللّهِ ـ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاّ خُبْثُ السَّرَائِرِ ـ وَسُوءُ الضَّمَائِرِ ـ فَلا تَوَازَرُونَ وَلا تَنَاصَحُونَ ـ وَلا تَبَاذَلُونَ وَلا تَوَادُّونَ ـ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تَمْلِكُونَهُ ـ وَلا
يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآْخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ ـ وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ ـ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ ـ وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ ـ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ ـ وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ـ إِلاّ مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ ـ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآْجِلِ وَحُبِّ الْعَاجِلِ ـ وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ ـ صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَحْرَزَ رِضَا سَيِّدِه.
فانها كما قال العباس بن الأحنف في ذات الخال:
وصالكم صرم وحبّكم قلى *** وعطفكم صدّ وسلمكم حرب(1)
قلعة ـ بالضمّ ـ أي: ليس بمستوطن.
بالضمّ ـ أي: طلب الكلأ قال ذو الرّمة:
رأيت النّاس ينتجعون غيثا *** فقلت لِصَيْدَح انتجعي بلالا(2)
لا يخفى لطفه حيث ردّ العجز على الصّدر والفقرة الثانية عكس الاولى لفظا، ومتّحدة معها معنى، أمّا تزيّنها بغرورها، فقد قال تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا
لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآْخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ»(1)وامّا غرّتها بزينتها، فقد قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ»(2).
عن الصادق عليهالسلام قال في مناجاة موسى: «يا موسى إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي، يا موسى إنّ عبادي الصالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها، ولم يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها»(3).
وقال الحسين عليهالسلام : إنّ من هوان الدّنيا على اللّه إنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدى إلى بغىّ من بغايا بنى إسرائيل وأنّ رأسى هذا يهدى إلى بغىّ من بغايا بنى أميّة. إنّ
بنى إسرائيل كانوا يقتلون سبعين نبيّا بين طلوع (الفجر إلى طلوع) الشّمس(4)ثمّ يجلسون فى الأسواق كأنّهم لم يصنعوا شيئا فأمهلهم اللّه فأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذى انتقام(5).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بِجَدْيٍ أَسَكَّ مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كَمْ يُسَاوِي هَذَا فَقَالُوا لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَماً فَقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللّهِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِهِ(1).
و جعل في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب.
قال تعالى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(2).
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(3).
و في الخبر: أحلى امور الدنيا مشي الشابّ بين يدي أبيه، وأمرّها موت الولد الشابّ منه(4).
من (أصفى) من قولهم (ماء صاف): ليس فيه كدر.
حتّى لأنبيائه حتّى لنبيّه المصطفى صلىاللهعليهوآله.
بفتح الضّاد والكسر، لغة من (ضنّ) إذا بخل.
قال تعالى: «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤنَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالآْخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ»(1).
وعن الصادق عليهالسلام ما كان من ولد آدم مؤن إلاّ فقيرا، ولا كافر إلاّ غنيّا حتّى جاء إبراهيم عليهالسلام فقال: «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا...»(2)فصيّر اللّه في هؤاء أموالا وحاجة وفي هؤاء أموالا وحاجة(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ الْمُؤمِنَ لَيَكْرُمُ عَلَى اللّهِ حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ الْجَنَّةَ بِمَا فِيهَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَهُونُ عَلَى اللّهِ حَتَّى لَوْ
سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لَأَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِص مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَإِنَّ اللّهَ لَيَتَعَاهَدُ عَبْدَهُ الْمُؤمِنَ بِالْبَلاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالطُّرَفِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ(1).
قال تعالى: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالآْخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً»(2).
أي: حاضر مهيّأ.
قال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللّهِ باقٍ...»(3).
قال تعالى: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للّهِِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ»(4).
وقال تعالى: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ...»(5).
رَأَيْتُ الدَّهْرَ مُخْتَلِفاً يَدُورُ *** فَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرُورٌ
وَقَدْ بَنَتِ الْمُلُوكُ بِهِ قُصُوراً *** فَمَا بَقِيَ الْمُلُوكُ وَلا الْقُصُور(1)
وقال الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي والجدود العواثر(2)
قال تعالى: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ»(3).
وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ...»(4).
بضمّتين جمع عمر بسكون الثاني.
قال تعالى وَمَنْ «نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ»(5).
فكما أنّ كلّ مسافة طويلة أو قصيرة معيّنة تنقطع بالسّير إليها قدما قدما، كذلك مدّة بقاء الإنسان في الدّنيا معيّنة، فكلّ نفس يتنفّس يكون خطوة إلى انقضائها.
يعني اجعلوا مفترضات اللّه تعالى مطلوبات أنفسكم، كمطلوباتكم في أمور الدّنيا التي تجدّون في تحصيلها.
سؤلنا إيّاه تعالى بالدّعاء وسؤله تعالى إيّانا بالأمر، قال سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...»(2).
وفي الدعاء المأثور: أللّهمّ إنّك سألتنى من نفسى ما لا أملكه إلاّ بك فأعطنى منها ما يرضيك عنّى(3).
وقال زين العابدين وسيّد السّاجدين سلام اللّه عليه وعلى آبائه وأولاده الطّاهرين في دعاء يوم عرفة:
وخذ بقلبي إلى ما استعملت به القانتين، واستعبدت به المتعبّدين، واستنقذت به المتهاونين، وأعذني مما يباعدني عنك ويحول بيني وبين حظّي منك ويصدّني عمّا
احاول لديك، وسهّل لى مسلك الخيرات اليك، والمسابقة إليها من حيث أمرت والمشاحة فيها على ما أردت(1).
وفي دعاء الاشتياق إلى طلب المغفرة:
اللّهم وإنّك من الضعف خلقتنا، وعلى الوهن بنيتنا، ومن ماء مهين ابتدئتنا ولا حول لنا إلاّ بقوّتك، ولا قوّة لنا إلاّ بعونك، فأيّدنا بتوفيقك، وسدّدنا بتسديدك وأعم
أبصار قلوبنا عمّا خالف محبّتك، ولا تجعل لشيء من جوارحنا نفوذا إلى معصيتك(2).
وفي دعائه عليهالسلام في ذكر التّوبة:
اللّهم انّه لا وفاء لي بالتوبة إلاّ بعصمتك، ولا استمساك بي عن الخطايا إلاّ عن قوّتك، فقوّني بقوّة كافية، وتولّني بعصمة مانعة(3)
من الإسماع.
هي الدّنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشي وفتكي
ولا يغرركم حسن ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي(4)
وكان السجّاد عليهالسلام يقول في الليلة (27) من شهر رمضان من أوّلها إلى آخرها:
اللّهمّ ارزقني التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل حلول الفوت(1).
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام فَقَالَ يَا جَابِرُ وَاللّهِ إِنِّي لَمَحْزُونٌ وَإِنِّي لَمَشْغُولُ الْقَلْبِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا شَغَلَكَ وَمَا حَزَنَ قَلْبَكَ فَقَالَ يَا جَابِرُ إِنَّهُ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ صَافِي خَالِصِ دِينِ اللّهِ شُغِلَ قَلْبُهُ عَمَّا سِوَاهُ يَا جَابِرُ مَا الدُّنْيَا وَمَا عَسَى أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا هَلْ هِيَ إِلاّ طَعَامٌ أَكَلْتَهُ أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ أَوِ امْرَأَةٌ أَصَبْتَهَا يَا جَابِرُ إِنَّ الْمُؤمِنِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إِلَى الدُّنْيَا بِبَقَائِهِمْ فِيهَا وَلَمْ يَأْمَنُوا قُدُومَهُمُ الآْخِرَةَ يَا جَابِرُ الآْخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ وَالدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَزَوَالٍ وَلَكِنْ أَهْلُ الدُّنْيَا أَهْلُ غَفْلَةٍ وَكَأَنَّ الْمُؤمِنِينَ هُمُ الْفُقَهَاءُ أَهْلُ فِكْرَةٍ وَعِبْرَةٍ لَمْ يُصِمَّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ جَلَّ اسْمُهُ مَا سَمِعُوا بِآذَانِهِمْ وَلَمْ يُعْمِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ مَا رَأَوْا مِنَ الزِّينَةِ بِأَعْيُنِهِمْ فَفَازُوا بِثَوَابِ الآْخِرَةِ كَمَا فَازُوا بِذَلِكَ الْعِلْمِ وَاعْلَمْ يَا جَابِرُ أَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى أَيْسَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا مَئُونَةً وَأَكْثَرُهُمْ لَكَ مَعُونَةً تَذْكُرُ فَيُعِينُونَكَ وَإِنْ نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ(2)قَوَّالُونَ بِأَمْرِ اللّهِ قَوَّامُونَ عَلَى أَمْرِ اللّهِ قَطَعُوا مَحَبَّتَهُمْ بِمَحَبَّةِ رَبِّهِمْ وَوَحَشُوا الدُّنْيَا لِطَاعَةِ مَلِيكِهِمْ وَنَظَرُوا إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى مَحَبَّتِهِ بِقُلُوبِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ لِعَظِيمِ شَأْنِهِ فَأَنْزِلِ الدُّنْيَا كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ ثُمَّ ارْتَحَلْتَ عَنْهُ أَوْ كَمَالٍ وَجَدْتَهُ فِي مَنَامِكَ فَاسْتَيْقَظْتَ وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْهُ شَيْءٌ إِنِّي [إِنَّمَا] ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا مَثَلاً لِأَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّبِّ وَالْعِلْمِ بِاللّهِ كَفَيْءِ الظِّلال(3)
من عبادة اللّه فيرون أنفسهم مقصّرين.
ومن دعاء لعلي بن الحسين عليهالسلام : إِلَهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ وَعَظَمَتِكَ لَوْ أَنِّي مُنْذُ بَدَعْتَ فِطْرَتِي مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ عَبَدْتُكَ دَوَامَ خُلُودِ رُبُوبِيَّتِكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ سَرْمَدَ الْأَبَدِ بِحَمْدِ الْخَلائِقِ وَشُكْرِهِمْ أَجْمَعِينَ لَكُنْتُ مُقَصِّراً فِي بُلُوغِ أَدَاءِ شُكْرِ أَخْفَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِكَ عَلَيَّ وَلَوْ أَنِّي كربيت [كَرَبْتُ] مَعَادِنَ حَدِيدِ الدُّنْيَا بِأَنْيَابِي وَحَرَثْتُ أَرْضَهَا بِأَشْفَارِ عَيْنِي وَبَكَيْتُ مِنْ خَشْيَتِكَ مِثْلَ بُحُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ دَماً وَصَدِيداً لَكَانَ ذَلِكَ قَلِيلاً فِي كَثِيرِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّكَ عَلَيَّ وَلَوْ أَنَّكَ إِلَهِي عَذَّبْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ بِعَذَابِ الْخَلائِقِ أَجْمَعِينَ وَعَظَّمْتَ لِلنَّارِ خَلْقِي وَجِسْمِي وَمَلأْتَ جَهَنَّمَ وَأَطْبَاقَهَا مِنِّي حَتَّى لا يَكُونَ فِي النَّارِ مُعَذَّبٌ غَيْرِي وَلا يَكُونَ لِجَهَنَّمَ حَطَبٌ سِوَايَ لَكَانَ ذَلِكَ بِعَدْلِكَ عَلَيَّ قَلِيلاً فِي كَثِيرٍ اسْتَوْجَبْتُهُ مِنْ عُقُوبَتِكَ(1).
قال تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»(2).
وقال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ»(3).
قال تعالى: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»(1).
قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى»(2).
وقال تعالى: «بَلْ تُؤثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى»(3).
قال ابن أبي الحديد: قوله «أملك بكم» مثل (أولى بكم)(4).
بل بمعنى أكثر تسلّطا وسلطانا عليكم من باب تسمية المسبّب باسم السبّب، فانّ الملك سبب التّسلط.
قال تعالى: «كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآْخِرَةَ»(5).
قال تعالى: «ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...»(6).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: سَيَأْتِي فِي أُمَّتِي زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَتُهُمْ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا لا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ
يَكُونُ أَمْرُهُمْ رِيَاءً لا يُخَالِطُهُمْ خَوْفٌ يَعُمُّهُمُ اللّهُ بِعِقَابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعَاءَ الْغَرِيقِ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ(1).
وعن الصادق عن أبيه عليهماالسلام قال: إنّ اللّه تعالى أنزل كتابا على نبيّ من الأنبياء، وفيه: إنّه يكون خلق من خلقي يلحسون الدنيا بالدين يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب، أعمالهم أشدّ مرارة من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيف، أ فبي يغترّون أم إيّاي يخادعون؟ فبعزّتي حلفت لأبعثنّ عليهم فتنة تطأ في خطامها حتّى تبلغ أطراف الأرض تترك الحليم حيرانا(2)
عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِذَا ظَهَرَ الْعِلْمُ وَاحْتُرِزَ الْعَمَلُ وَائْتَلَفَتِ الْأَلْسُنُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَتَقَاطَعَتِ الْأَرْحَامُ هُنَالِكَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِذَا تَصَامَّتْ أُمَّتِي عَنْ سَائِلِهَا وَمَشَتْ بِتَبَخْتُرٍ حَلَفَ رَبِّي جَلَّ وَعَزَّ بِعِزَّتِهِ فَقَالَ وَعِزَّتِي لَأُعَذِّبَنَّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَخُونُهُ
وَيَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الاجْتِهَادُ فِي التَّوَاصُلِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى التَّعَاطُفِ وَالْمُوَاسَاةُ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ وَتَعَاطُفُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَكُونُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ رُحَمَاءَ بَيْنَكُمْ(1)مُتَرَاحِمِينَ مُغْتَمِّينَ لِمَا غَابَ عَنْكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله(2).
وعَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلاّ وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وِلايَةِ اللّهِ وَطَاعَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ للّهِِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا هِيَ قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَلا تَحْفَظَ وَتَعْلَمَ وَلا تَعْمَلَ قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَتَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَالْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَتَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ وَتُطِيعَ أَمْرَهُ وَالْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ وَمَالِكَ وَلِسَانِكَ وَيَدِكَ وَرِجْلِكَ وَالْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَدَلِيلَهُ وَمِرْآتَهُ وَالْحَقُّ الْخَامِسُ أَنْ لا تَشْبَعَ وَيَجُوعُ وَلا تَرْوَى وَيَظْمَأُ وَلا تَلْبَسَ وَيَعْرَى وَالْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَلَيْسَ لِأَخِيكَ خَادِمٌ فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَيَصْنَعَ طَعَامَهُ وَيَمْهَدَ فِرَاشَهُ وَالْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ(3)وَتُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَتَعُودَ مَرِيضَهُ وَتَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى
1) . اشارة إلى سورة الفتح آية: 29.
2) .الكافي: 174/2، ح15؛ بحار الأنوار: 256/71، ح53.
3) . الظاهر أن قسمه بفتحتين وهو اسم من الاقسام وأن المراد ببر قسمه قبوله؛ وأصل البر الاحسان ثمّ استعمل في القبول، يقال بر اللّه عمله إذا قبله كانه أحسن إلى عمله بان قبله ولم يرده كذا في الفائق وقبول قسمه وإن لم يكن واجبا شرعا لكنه مؤد لئلا يكسر قلبه ولا يضيع حقه .
قَضَائِهَا وَلا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَلَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلايَتَكَ بِوَلايَتِهِ وَوَلايَتَهُ بِوَلايَتِكَ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ لا يَشْبَعَ وَيَجُوعُ أَخُوهُ وَلا يَرْوَى وَيَعْطَشُ أَخُوهُ وَلا يَكْتَسِيَ وَيَعْرَى أَخُوهُ فَمَا أَعْظَمَ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَقَالَ أَحِبَّ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَإِذَا احْتَجْتَ فَسَلْهُ وَإِنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ لا تَمَلَّهُ خَيْراً وَلا يَمَلَّهُ لَكَ(2)كُنْ لَهُ ظَهْراً فَإِنَّهُ لَكَ ظَهْرٌ إِذَا غَابَ فَاحْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ وَإِذَا شَهِدَ فَزُرْهُ وَأَجِلَّهُ وَأَكْرِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْكَ وَأَنْتَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَاتِباً فَلا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسْأَلَ سُمَيْحَتَهُ(3)وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَاحْمَدِ اللّهَ وَإِنِ ابْتُلِيَ فَاعْضُدْهُ وَإِنْ تُمُحِّلَ لَهُ فَأَعِنْهُ(4)وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ أُفٍّ انْقَطَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَلايَةِ وَإِذَا قَالَ أَنْتَ عَدُوِّي كَفَرَ أَحَدُهُمَا فَإِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الاْءِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ(5).
1) . الكافي: 169/2، ح2؛ بحار الأنوار: 238/71/ ح40.
2) .الظاهر أنّه من أمليته بمعنى تركته وأخرته والاملاء فروگذاشتن ومهلت دادن ودرازا كشيدن مدت. ولامه ياء وأمّا الاملال بمعنى (ملول كردن) فبعيد (لح). وقال الفيض رحمهالله في الوافي: لعلّ المراد بقوله «لا تمله خيرا ولا يمل لك» لا تسأمه من جهة اكثارك الخير و لا يسأم هو من جهة اكثاره الخير لك. يقال مللته ومللت منه إذا سأمه. انتهى.
3) . أي بالعفو عن التقصير ومساهلته بالتجاوز لئلا يستقر في قلبه فيوجب التنافر والتباغض وفي بعض النسخ [تسل سخيمته] والسل انتزاعك الشيء واخراجه في رفق والسخيمة: الحقد أى تستخرج حقده وغضبه برفق.
4) .«تمحل له» أي كيد. يقال: رجل محل اي ذو كيد ومحل بفلان إذا سعى به إلى السلطان والمحال بالكسر الكيد فى. وفي القاموس «تمحل» وقع في شدة.
5) . الكافي: 170/2، ح5؛ بحار الأنوار: 243/71، ح43.
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: مِنْ حَقِّ الْمُؤمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤمِنِ أَنْ يُشْبِعَ جَوْعَتَهُ وَيُوَارِيَ عَوْرَتَهُ وَيُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ فَإِذَا مَاتَ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ وَوُلْدِهِ(1).
ومما جاء في التناصح:
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: يَحِقُّ عَلَى الْمُؤمِنِ لِلْمُؤمِنِ النَّصِيحَةُ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُؤمِنِ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُنَاصِحْهُ فَقَدْ خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ(3).
وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ عَلَيْكَ بِالنُّصْحِ للّهِِ فِي خَلْقِهِ فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ(4).
ومما جاء في التباذل:
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَيُّمَا مُؤمِنٍ مَنَعَ مُؤمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ أَقَامَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَيُقَالُ هَذَا الْخَائِنُ الَّذِي خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ يُؤمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ(5).
وعَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام مَنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ فَاحْتَاجَ مُؤمِنٌ إِلَى سُكْنَاهَا فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا مَلائِكَتِي أَ بَخِلَ عَبْدِي عَلَى عَبْدِي بِسُكْنَى الدَّارِ الدُّنْيَا وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا يَسْكُنُ جِنَانِي أَبَداً(6).
وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: قَالَ اللّهُ تَعَالَى وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ ـ وَالْمُتَجَالِسِينَ
فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ(1).
ومما جاء في المودّة:
عَنْ أَبِي الْمَأْمُونِ الْحَارِثِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام مَا حَقُّ الْمُؤمِنِ عَلَى الْمُؤمِنِ قَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤمِنِ عَلَى الْمُؤمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ وَالْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ وَالْخَلَفَ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَالنُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَإِنْ كَانَ نَافِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ غَائِباً أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ وَإِذَا مَاتَ الزِّيَارَةَ إِلَى قَبْرِهِ وَأَنْ لا يَظْلِمَهُ وَأَنْ لا يَغُشَّهُ وَأَنْ لا يَخُونَهُ وَأَنْ لا يَخْذُلَهُ وَأَنْ لا يُكَذِّبَهُ وَأَنْ لا يَقُولَ لَهُ أُفٍّ وَإِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلايَة الحديث(2).
فانّ أهل الدّنيا يفرحون بما يدركونه، ولو لم يكن ملكهم.
مع أنّه كان الواجب العكس، وفي الدّعاء: اللّهمّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدّنيا أكثر همّنا ولا مبلغ علمنا(3).
ولبعضهم:
باعوا جديدا جميلا باقيا أبدا *** بدارس خلق يا بئس ما اتّجروا(1)
وقال الأقيشر الشّاعر، في ابن عمّ له موسر، سأله فمنعه، فشكاه إلى قومه فوثب إليه فلطمه:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه *** وليس إلى داعي النّدى بسريع
حريص على الدّنيا مضيع لدينه *** وليس لما في بيته بمضيع(2)
وقال الرّضيّ رضىاللهعنه:
نقص الجديدين من عمري يزيد على *** ما ينقصان من الأيام من حالي
دهر تؤّر في جسمي نوائبه *** فما اهتمامي أن أودى بسربالي(3)
مثل أهل الجاهليّة، الّذين كان «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ»(4).
مع أنّ اللّه تعالى قال: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ(5).
مع أنّها دار مجاز.
مع أنّه ينفد، وما عند اللّه باق.
هكذا في النسخ، ولا يبعد أن تكون كلمة «يخاف» محرّف (يخفى) كما لا يخفى، فالمراد أنّ كلّهم معيوبون فلا يستطيع أحد منهم أن يقول لصاحبه: لك عيب كذا تخفيه لئلاّ يقول صاحبه له وأنت أيضا لك عيب كذا تخفيه.
عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام : مَنْ رَوَى عَلَى مُؤمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ وَهَدْمَ مُرُوءَتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللّهُ مِنْ وَلايَتِهِ إِلَى وَلايَةِ الشَّيْطَانِ فَلا يَقْبَلُهُ الشَّيْطَانُ(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِيمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَوْرَةُ الْمُؤمِنِ عَلَى الْمُؤمِنِ حَرَامٌ قَالَ مَا هُوَ أَنْ يَنْكَشِفَ فَتَرَى مِنْهُ شَيْئاً إِنَّمَا هُوَ أَنْ تَرْوِيَ عَلَيْهِ أَوْ تَعِيبَهُ(2).
عن الصادق عليهالسلام قال: بينما عيسى عليهالسلام في سياحته إذ مرّ بقرية أهلها موتى في
الطريق والدّور فقال: إنّ هؤاء ماتوا بسخطه تعالى ولو ماتوا بغيرها تدافنوا، فقال أصحابه: وددنا أن تعرّفنا قصّتهم فقيل له: نادهم يا روح اللّه فقال: يا أهل القرية
فأجابه مجيب لبّيك قال: ما قصّتكم؟ قال: أصبحنا في عافية وبتنا في الهاوية فقال: ما الهاوية؟ قال: بحار من نار، فيها جبال من نار، قال: وما بلغ بكم ما أرى؟ قال: حبّ الدنيا وعبادة الطاغوت ـ إلى أن قال ـ كانوا إذا أمرونا أطعناهم. قال: فكيف أجبتني من دونهم؟ قال: لأنّهم ملجمون بلجم من نار، وعليهم ملائكة غلاظ شداد وأنّني كنت فيهم، ولم أكن معهم فلمّا أصابهم العذاب أصابني معهم، وأنا معلّق بشعرة أخاف أن أنكبّ في النار، فقال عليهالسلام لأصحابه: النوم على المزابل وأكل خبز الشعير يسير، مع سلامة الدين(1).
لعق العسل بالملعقة واللعقة، اسم ما تأخذه بالملعقة(2).
إلى هنا إنتهى الجزء الثاني عشر وأسأل اللّه أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشرح إنّه سميع الدّعاء قريب مجيب.
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
2 ـ الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، القاهرة، الأولى 1960م.
3 ـ الاختصاص: محمد بن محمد المفيد، (المتوفى 413ق)، مصحح: على اكبر غفارى ومحمود حرمى زرندى، المؤتمر العالمى للالفية الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
4 ـ أدب الكاتب: أبوبكر محمّد بن يحيى الصولي، (المتوفّى 335 ه)، مصحّح: محمّد بهجة الأثرى، 1 مجلّد، المكتبة العربيّة، بغداد، 1341.
5 ـ أرجوزة في الفقه: السبزواري، الملاّ هادي، (المتوفى 1288ق).
6 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
7 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.
8 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
9 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
10 ـ اسرار الآيات: صدر الدين محمد الشيرازي، (المتوفي: 1050ق)، انتشارات انجمن اسلامي حكمت وفلسفه ايران، محرم الحرام 1402 / آبان 1360 ش.
11 ـ أسرار الحكم: السبزواري، الملاّ هادي، (المتوفي: 1288 ق)، مطبوعات ديني، قم، الأولي 1383 ش.
12 ـ اعتقادات الامامية (للصدوق) محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الثانية 1414ق.
13 ـ اعلام الورى باعلام الهدى (ط القديمة): فضل بن حسن طبرسى، (المتوفى 548ق)، 1 مجلد، اسلامية، تهران، الثالثة 1390ق.
14 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
15 ـ اقبال الأعمال (ط ـ القديمة): علي بن موسى ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، 2 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الثانية 1409ق.
16 ـ الكامل في التاريخ: ابن الأثير، (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1386ق ـ 1966م.
17 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
18 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
19 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.
20 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
21 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
22 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
23 ـ الايضاح فى علوم البلاغة، المعانى والبيان والبديع: الخطيب القزوينى (المتوفى 739ق)، 1 مجلد، دارالكتب العلمية ، بيروت، لبنان، الثانية.
24 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
25 ـ البخلاء: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، دار كتبة الهلال، بيروت 2004م.
26 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.
27 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبرى الآملي، (المتوفى 553ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدرية، نجف الأشرف، الثانية 1383ق.
28 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد:: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
29 ـ البلد الأمين والدرع الحصين: الكفعمي، إبراهيم بن علي العاملي، (المتوفى 905ق)، 1 مجلد، مؤسسّة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1418ق.
30 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
31 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
32 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
33 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
34 ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، (المتوفى 571ق)، 70 مجلد، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، چاپ 1415ق.
35 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
36 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.
37 ـ تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل): البيضاوي، (المتوفي 682ق)، 5 مجلد، دار الفكر، بيروت.
38 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
39 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
40 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
41 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
42 ـ تفسير فرات الكوفي: فرات بن ابراهيم كوفي، (المتوفى 307ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد كاظم، مؤسسة الطبع والنشر في وزارة الارشاد الاسلامي، طهران، الأولى 1410ق.
43 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
44 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.
45 ـ تفسير كبير منهج الصادقين: كاشانى، فتح اللّه بن شكر اللّه، (المتوفى 988ق)، 10 مجلد، كتابفروشى اسلاميه، ايران، طهران، الأولى.
46 ـ تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب اللّه العزيز المحكم: السيد حيدر الآملي، 2 مجلد، تحقيق: السيد محسن الموسوي التبريزي، مؤسسة الثقافي والنشر نور على نور، الثالثة 1428.
47 ـ تفسير نور الثقلين عبد علي بن جمعة الحويزي، (المتوفى 1112ق)، 5 مجلدات، اسماعيليان، قم، الرابعة 1415ق.
48 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
49 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
50 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح: حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.
51 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.
52 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.
53 ـ جامع البيان عن تأويل آى القرآن (تفسير الطبري): محمّد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، 30 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1415ق 1995م.
54 ـ الجعفريّات (الأشعثيّات): محمّد بن محمّد بن الأشعث، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مكتبة النينوى الحديثة، طهران، الأولى.
55 ـ الجواهر السنية فى الأحاديث القدسيّة: محمّد بن حسن شيخ حرّ العاملي، (المتوفى 1104ق)، 1 مجلد، انتشارات دهقان، طهران، الثالثة 1380ش.
56 ـ حدائق الأزهر: ابن عاصم الأندلسي.
57 ـ الحدائق الناظرة: المحقّق البحراني، (المتوفي 1186)، 25 مجلد، مؤسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
58 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبداللّه الاصبهاني، (المتوفى 430ق)، السعادة، بجوار محافظة مصر، 1394ق 1974م.
59 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
60 ـ دلائل الامامة (ط ـ الحديثة): الطبري الآملي، محمد بن جرير بن رستم، (المتوفى قرن 5)، 1 مجلد، بعثت، ايران، قم 1413ق.
61 ـ ديوان البحتري: وليد بن عبيد، (206 ـ 284ق)، بيروت، دار صادر، 1381.
62 ـ ديوان الشريف الرضي: 2 مجلد، وزارة الارشاد الإسلامي.
63 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام : حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
64 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
65 ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: محمّد بن أحمد، فتال النيشابوري، (المتوفى 508ق)، 2 مجلد، النشر الرضي، قم، الأولى 1375ش.
66 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليهالسلام : سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
67 ـ زاد المعاد ـ مفتاح الجنان: المجلسي، محمّد باقر بن محمّد تقي، (المتوفى 1110ق)، 1 مجلد، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الأولى 1423ق.
68 ـ الزهد: حسين بن سعيد، كوفى اهوازى، (المتوفى القرن الثالث)، مصحّح: غلامرضا عرفانيان يزدى، 1 مجلد، المطبعة العلميّة، قم، الثانية 1402ق.
69 ـ سفينة البحار: القمي، عبّاس، (المتوفى 1359ق)، 8 مجلد، اسوة، قم، الأوّل 1414ق.
70 ـ سنن الترمذى: الترمذي، (المتوفى 279)، تحقيق: عبدالرحمان محمد، 5 مجلد، دار الفكر للطباعة والتوزيع، بيروت، الثانية 1403ق 1983م.
71 ـ شجرة طوبى: الشيخ محمّد مهدي الحائري، (المتوفى 1369ق)، 2 مجلد، منشورات المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الخامسة محرّم الحرام 1385.
72 ـ شرح دعاء الكميل: السيّد عبدالأعلي السبزواري، مؤسة عاشورا للتحقيقات والبحوث الاسلامية، الأولي.
73 ـ شرح شواهد المغني: عبدالرحمن السيوطي، نشر أدب الحوزة، 2 مجلد، قم، ايران.
74 ـ شرح فارسى شهاب الأخبار (كلمات قصار پيامبر خاتم صلىاللهعليهوآله): محمّد بن سلامة، قضاعي، (المتوفى 454ق)، 1 مجلد، مركز انتشارات علمى وفرهنگى، ظهران، الأولى 1361ش.
75 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
76 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
77 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
78 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.
79 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
80 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين عليهالسلام ، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر
الهادي، قم، الأولى 1376ق.
81 ـ الصناعتين: الكتابة والشعر: ابو هلال العسكري، الحسن بن عبد اللّه، (المتوفي نحو 395 ق)، المكتبة العنصرية، بيروت، 1419 ق.
82 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
83 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
84 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
85 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
86 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.
87 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
88 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام : محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
89 ـ غرر الأخبار: الديلمي، حسن بن محمد، (المتوفى 841ق)، 1 مجلد، دليل ما، ايران، قم 1427ق.
90 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: عبدالواحد بن محمد تميمي آمدي، (المتوفى 550ق)، 1 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الثانية 1410ق.
91 ـ الغيبة (للطوسي): الطوسي، محمّد بن الحسن (المتوفى 460ق)، دار المعارف الإسلاميّة، إيران، قم، 1411ق.
92 ـ الفصول المختارة: محمّد بن محمّد، المفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: علي الميرشريفي، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
93 ـ الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ابن صباغ المالكي، (المتوفى 855ق)، 2 مجلد، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، شارع معلم، الأولى 1422ق.
94 ـ الفضائل: ابن شاذان القمي، ابو الفضل شاذان بن جبرئيل، (المتوفى حدود 600ق)، رضي، قم، الثاني 1363ش.
95 ـ فضائل الشيعة: ابن بابويه، محمد بن علي، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، اعلمي، تهران، الأولى بىتا.
96 ـ فقه الرضا عليهالسلام : علي بن بابويه القمي، (المتوفى 329ق)، المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليهالسلام ، مشهد المقدسة، الأولى 1406ق.
97 ـ فقه القرآن: قطبالدين الراوندي، سعيد بن هبة اللّه، المتوفى 573ق)، 2 مجلد، مكتبة آية اللّه المرعشي، قم، الثانية 1405.
98 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
99 ـ قرب الاسناد (طبعة الحديثة): عبداللّه بن جعفر الحميري، نيمه دوم قرن 3ق)، المصحح والناشر: مؤسسه آل البيت:، قم، الأولى 1413ق.
100 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
101 ـ الكافى: (ط. الحديثة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، 15 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1429ق.
102 ـ كتاب الدعاء: ابو القاسم سليمان بن احمد الطبراني، (المتوفي 360 ق).
103 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.
104 ـ الكشاف: الزمخشري، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1385ق ـ 1966م.
105 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
106 ـ كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام : الگنجي الشافعي، محمد بن يوسف، 1 مجلد، دار احياء تراث اهل البيت عليهمالسلام.
107 ـ كلمات الصادقين: دهلوي كشميري همداني، محمد صادق، 1 مجلد، اسلام آباد، پاكستان، مركز تحقيقات فارسي ايران وپاكستان.
108 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
109 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.
110 ـ كنز الفوائد: محمد بن علي الكراجكى، (المتوفى 449ق)، 2 مجلد، مصحح: عبداللّه نعمه، دار الذخائر، قم، الأولى 1410ق.
111 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
112 ـ مائة منقبة من مناقب اميرالمؤمنين والائمة عليهمالسلام: ابن شاذان، محمد بن احمد (المتوفى 460ق)ف 1 مجلد، مدرسة الامام المهدى(عج)، ايران، قم ، الاول 1407ق.
113 ـ متشابه القرآن و مختلفه: ابن شهر آشوب مازندرانى، محمد بن على (المتوفى 588 ق)، 7 مجلد، دانشگاه تهران، تهران، 1366ش.
114 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
115 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
116 ـ مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي: أحمدقبش، 11 مجلد.
117 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
118 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
119 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء: الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 8 مجلد، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثالثة.
120 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.
121 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
122 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمد تقي، النوري، (المتوفى 1320ق)، 28 مجلد، مصحح و مؤسسة آل البيت عليهمالسلام، قم، الأولى 1408ق.
123 ـ مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد: زين الدين على شهيد الثاني (المتوفى 966ق)، 1 مجلد، قم، بصيرتى، بىتا، الأولى.
124 ـ مسند الإمام الرضا عليهالسلام : الشيخ عزيز اللّه عطاردي، (معاصر)، 2 مجلد، ربيع الآخر 1406.
125 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.
126 ـ مصباح الشريعة: منسوب به امام صادق عليهالسلام د (م 148ق)، الأعلمى، بيروت، الأولى
1400ق.
127 ـ مصباح المتهجّد: محمّد بن الحسن الطوسي، (المتوفى 460ق)، 2 مجلد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الأولى 1411ق.
128 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
129 ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: محمّد بن طلحة الشافعي، (المتوفى 652ق)، تحقيق: ماجد أحمد العطيّة.
130 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
131 ـ معانى الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
132 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
133 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
134 ـ المعمرون والوصايا: السجستاني، ابو حاتم.
135 ـ مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: السيّد محمّد تقي النقوي القايني الخراساني، معاصر، 7 مجلد، مكتبة المصطفوى، طهران.
136 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
137 ـ مقتل الحسين عليهالسلام : السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم، مؤسة البعثة.
138 ـ مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
139 ـ مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام : ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، 1 مجلد، دار الآثار، صنعا، الطبعة الأولى 1424ق / 2003م.
140 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
141 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
142 ـ منية المريد: الشهيد الثانى، (ش 965ق)، تحقيق: رضا المختارى، مكتب الأعلام الاسلامى، الأولى 1409ق 1368ش.
143 ـ المؤمن: حسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، (المتوفى قرن سوم، 1 مجلد، مؤسسة الامام المهدي عليهالسلام ، قم، 1404ق.
144 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.
145 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
146 ـ نهج الفصاحة: كلمات القصار للنبى الأكرم صلىاللهعليهوآله، دنياى دانش، طهران، الرابعة 1382ش.
147 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين عليهالسلام ، اصفهان، الأولى 1406ق.
148 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهمالسلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
149 ـ يتيمة الدهر: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، 5 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.
الخطبة (108): ومن خطبة له عليهالسلام
(··· 5 ـ 132)
ومن خطبة له عليهالسلام ··· 8
كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ، غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ··· 9
وَعِزُّ كُلِ ذَلِيلٍ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ··· 10
وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ··· 11
مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ··· 12
وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ، لَمْ تَرَكَ، الْعُيُونُ··· 13
فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ، لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ··· 14
وَلا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَلا يُفْلِتُكَ··· 14
مَنْ أَخَذْتَ، وَلا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ··· 15
وَلا يَرُدُّ أَمْرَكَ··· 15
مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ، وَلا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ··· 16
كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ··· 17
أَنْتَ الْأَبَدُ، فَلا أَمَدَ··· 18
لَكَ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلا مَحِيصَ، عَنْكَ··· 19
وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ، فَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاّ إِلَيْكَ، بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ··· 20
وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ، سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ··· 21
وَمَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ··· 21
وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ··· 22
وَمَا أَسْبَغَ، نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآْخِرَةِ··· 24
منها··· 28
مِنْ مَلَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ··· 28
من ملائكة أسكنتهم سماواتك، ورفعتهم عن أرضك··· 28
هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ··· 29
لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلابَ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ··· 30
وَلَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ، رَيْبُ، الْمَنُونِ··· 30
وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ، وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ··· 31
وَاسْتِجْمَاع أَهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ··· 32
وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ··· 32
لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ، وَلَزَرَوْا، عَلَى أَنْفُسِهِمْ··· 33
وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ··· 33
سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَمَعْبُوداً··· 33
بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً··· 34
مَشْرَباً وَمَطْعَماً وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً وَقُصُوراً وَأَنْهَاراً وَزُرُوعاً وَثِمَاراً··· 34
ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا··· 36
فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا··· 37
وَلا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا، أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا··· 37
وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ··· 38
وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ··· 39
قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَه، وَوَلَّهِتْ عَلَيْهَا نَفْسَهُ··· 40
فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ··· 40
أَقْبَلَ عَلَيْهَا، لا يَنْزَجِرُ مِنَ اللّهِ بِزَاجِرٍ··· 40
وَلا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّة··· 41
حَيْثُ لا إِقَالَةَ وَلا رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ··· 42
وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ··· 42
وَقَدِمُوا مِنَ الآْخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ··· 43
فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ··· 44
وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ··· 45
وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً··· 46
فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ··· 47
وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ··· 47
يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ، وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا··· 48
وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا··· 48
وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا··· 48
فَيَكُونَ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْءُ، عَلَى ظَهْرِهِ··· 49
وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا··· 50
فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ··· 50
وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهِ··· 51
وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ··· 51
فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ··· 51
فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ··· 52
يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ··· 52
ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ··· 52
وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ··· 53
قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ، لا يُسْعِدُ بَاكِياً وَلا يُجِيبُ دَاعِياً··· 53
ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَحَطٍّ فِي الْأَرْضِ··· 54
فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ··· 55
وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ··· 58
ايقاظ: في ذكر بعض ما ورد في وصف الموت وحالات الميّت··· 58
تنبيه··· 64
حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ··· 73
وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ··· 74
أَمَادَ السَّمَاءَ، وَفَطَرَهَا··· 74
وَأَرَجَّ الْأَرْضَ، وَأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَهَا··· 75
وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ··· 76
وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ··· 77
وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفْرِيقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُ مِنْ مُسَاءَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ··· 78
وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ··· 78
وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ، أَنْعَمَ عَلَى هَؤلاءِ، وَانْتَقَمَ مِنْ هَؤلاءِ··· 84
فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ··· 85
حَيْثُ لا يَظْعَنُ النُّزَّالُ، وَلا يَتَغَيَّرُ لَهُمُ الْحَالُ، وَلا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ··· 86
وَلا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ، وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ، وَلا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ··· 87
وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ··· 90
وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ··· 91
وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ··· 92
فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ··· 93
وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ··· 94
وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ··· 95
لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا··· 96
وَلا يُفَادَى أَسِيرُهَا، وَلا تُفْصَمُ كُبُولُهَا، لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى··· 97
وَلا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى··· 98
منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه واله، قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَّرَهَا··· 103
وَأهونها وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللّهَ زَوَاهَا، عَنْهُ اخْتِيَاراً··· 103
وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً··· 104
فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ··· 107
لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَامًا··· 108
بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً··· 108
نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ··· 109
وَمَحَطُّ الرِّسَالَةِ··· 112
وَمُخْتَلَفُ الْمَلَئِكَةِ··· 113
وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ··· 119
وَيَنَابِيعُ الْحُكْمِ··· 122
نَاصِرُنَا وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ··· 123
وَعَدُوُّنَا وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ··· 131
الخطبة (109): ومن خطبة له عليهالسلام
(133 ـ 269)
ومن خطبة له عليهالسلام : إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ··· 140
إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الاْءِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ··· 141
فضل المؤن··· 153
اوصاف المؤن وعلاماته··· 156
وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ··· 159
فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاْءِسْلام··· 162
وَكَلِمَةُ، الاْءِخْلاصِ، فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ··· 163
وَإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ··· 165
تنبيه عرفاني··· 189
وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ··· 191
وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ··· 206
أما علة وجوب الصوم··· 209
وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ··· 223
فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ، الذَّنْبَ··· 225
فضل الحج والثواب عليه··· 227
وَصِلَةُ الرَّحِمِ··· 229
فَإِنَّهَ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ··· 230
وَمَنْسَأَةٌ، فِي الْأَجَلِ··· 231
وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ··· 236
وَصَدَقَةُ الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ··· 238
وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ··· 241
أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللّهِ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ··· 245
وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ··· 250
فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ··· 252
نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ، وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ··· 252
فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ، وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ··· 253
وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ··· 258
وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ، فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ··· 263
وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ··· 264
وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ··· 266
كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ··· 267
بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ··· 268
وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ أَلْوَم··· 269
الخطبة (110): ومن خطبة له عليهالسلام
(··· 270 ـ 317)
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ··· 272
حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ··· 272
وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالآْمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ··· 273
لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلا تُؤمَنُ فَجْعَتُهَا، غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ··· 274
حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ، بَائِدَةٌ، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ، لا تَعْدُو··· 275
إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا··· 275
أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ··· 276
فَأَصْبَحَ هَشِيماً، تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً··· 276
لَمْ يَكُنِ امْرُؤ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلاّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً··· 277
وَلَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً إِلاّ مَنَحَتْهُ··· 277
مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً، وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا، دِيمَةُ رَخَاءٍ، إِلاّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاءٍ··· 278
وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً··· 279
وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى··· 279
أَمَرَّ، مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى، لا يَنَالُ امْرُؤ مِنْ غَضَارَتِهَا··· 280
رَغَباً إِلاّ أَرْهَقَتْهُ، مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً··· 280
وَلا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلاّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ··· 281
غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا، فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا··· 281
لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاّ التَّقْوَى··· 281
مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا، اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤمِنُهُ··· 283
وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ، وَزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ··· 284
كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ، وَذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ··· 285
وَذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وَذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً··· 286
سُلْطَانُهَا دُوَلٌ··· 287
وَعَيْشُهَا رَنِقٌ··· 288
وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ، وَحُلْوُهَا صَبِرٌ، وَغِذَاؤهَا سِمَامٌ··· 289
وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ، حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ··· 289
مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ··· 290
وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ، وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ··· 291
أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً··· 291
وَأَبْقَى آثَاراً··· 296
وَأَبْعَدَ آمَالاً وَأَعَدَّ عَدِيداً، وَأَكْثَفَ جُنُوداً··· 300
تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ··· 301
وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ، ثُمَّ ظَعَنُوا، عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ··· 302
فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ··· 303
أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً، بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ··· 303
بِالْفَوَادِحِ، وَأَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ··· 304
وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ··· 304
فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا··· 304
وَآثَرَهَا، وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ··· 305
وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاّ السَّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاّ الضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاّ الظُّلْمَةَ··· 305
أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاّ النَّدَامَةَ، أَ فَهَذِهِ تُؤثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ··· 305
فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا··· 306
فَاعْلَمُوا ـ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ـ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا··· 307
وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً··· 308
حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وَأُنْزِلُوا (الْأَجْدَاثَ) فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً··· 308
وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ··· 308
أَجْنَانٌ، وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ، وَمِنَ الرُّفَاتِ، جِيرَانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً··· 309
وَلا يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَلا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً، إِنْ جِيدُوا··· 310
لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا··· 310
جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ وَقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ··· 310
حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ··· 311
لا يُخْشَى فَجْعُهُمْ وَلا يُرْجَى دَفْعُهُمْ··· 313
اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً··· 313
فَجَاؤهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً، عُرَاةً··· 314
قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ··· 314
تكملة··· 315
الخطبة (111): ومن خطبة له عليهالسلام
(318 ـ 326)
هَلْ تَحِسُّ، بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً··· 318
أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى، أَحَداً··· 319
بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ الرُّوحُ··· 319
أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا··· 319
كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ··· 321
تنبيه··· 321
الخطبة (112): ومن خطبة له عليهالسلام
(327 ـ 346)
وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ··· 328
وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا··· 328
هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا··· 329
فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا، وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا، وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا··· 330
لَمْ يُصْفِهَا اللّهُ تَعَالَى، لِأَوْلِيَائِه، وَلَمْ يَضِنَّ، بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ··· 331
خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ، وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ··· 332
وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ، فَمَا خَيْرُ دَارٍ يُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ··· 333
وَعُمُرٍ، يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ··· 333
وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ، اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ··· 334
وَاسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا سَأَلَكُمْ··· 334
وَأَسْمِعُوا، دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ··· 335
إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا··· 336
وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا، قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآْجَالِ··· 337
وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآْمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآْخِرَةِ··· 338
وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآْجِلَةِ··· 338
وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاّ خُبْثُ السَّرَائِرِ وَسُوءُ··· 338
الضَّمَائِرِ··· 338
فَلا تَوَازَرُونَ وَلا تَنَاصَحُونَ وَلا تَبَاذَلُونَ وَلا تَوَادُّونَ··· 339
مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تَمْلِكُونَهُ··· 343
وَلا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآْخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ··· 343
وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ··· 344
وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ··· 344
كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ··· 345
وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلاّ مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ··· 345
قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآْجِلِ وَحُبِّ الْعَاجِلِ··· 345
وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ··· 346
المصادر··· 347
المحتويات··· 363