ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 10 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهماالسلام
أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَبِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ عليهالسلام وَنَادَى الصَّلَوةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَصَلَّى
عَلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ قَالَ:
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ (وَالْجُمُودُ) وَلا يُكْدِيهِ الاْءِعْطَاءُ وَالْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَكُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَالْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَالطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَالآْخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ
عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ وَلا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَلا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الاْءِنْعَامِ مَا لا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤالُ السَّائِلِينَ وَلا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَلا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه واله وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللّهِ عَلَيْكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الاْءِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللّهُ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لا يُنَالُ بِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَلا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِه الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَلا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ
معهود (مَعْبُودٍ) كَانَ قَبْلَهُ وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَظَهَرَتْ فِى الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَأَعْلامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلاً عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَتَلاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبُهُ الْيَقِينَ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّأَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وَجَزَّؤوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وَأَنَّكَ أَنْتَ اللّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَلا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً.
قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ وَوَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ وَلَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ وَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا وَلا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا وَلا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ وَلا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ فَتَمَّ خَلْقُهُ
بِأَمْرِهِ وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ وَلا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَنَهَجَ حُدُودَهَا وَلاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَالْأَقْدَارِ وَالْغَرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا.
وَنَظَمَ بِلا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا وَلاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَوَشَّجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وَفَتَقَ بَعْدَ الارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لأَمْرِهِ وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَقَدَّرَ سيرهما (مسَيْرَهُمَا) فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيَّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى إِذْلالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَمَسِيرِ سَائِرِهَا وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا
ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ وَمَلأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَبَيْنَ
فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ وَسُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَسُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا وأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ لا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَلا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُوصِرَاتُ الآْثَامِ وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَلا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الاْءِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَسَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جلاله (جَلالَتِهِ) فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَفِي قَتُرَةِ الظَّلامِ الْأَيْهَمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَوصلت (وَسَّلَتْ) حَقَائِقُ الاْءِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَقَطَعَهُمُ الاْءِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ
مَعْرِفَتِهِ وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ
وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَلا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ الاْءِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الاْءِجْلالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُؤوبِهِمْ وَلَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَلَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ وَلا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ وَلا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاتِ وَلا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ وَلا يَرْجِعُ بِهِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلاّ إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤثِرُوا
وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَلا تَوَلاّهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ وَلا تشعبتهم (ولا شَعَّبَتْهُمْ) مَصَارِفُ الرَّيْبِ وَلا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَلا عُدُولٌ وَلا وَنًى وَلا فُتُورٌ وَلَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلاّ وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً
كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ وَلُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَاعْتِلائِهِ وَشُمُوخِ أَنْفِهِ وَسُمُوِّ غُلَوَائِهِ وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جِرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وَحَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَأَخَادِيدِهَا وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلامِيدِهَا وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لرسوب (بَرُسُوبِ) الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَتَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا وَرُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَجَرَاثِيمِهَا وَفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا وَلا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَتَبَايُنِ قَزَعِهِ حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كِفَفِهِ وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَمُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ تَمْرِيهِ
الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَدُفَعَ شَآبِيبِهِ فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بَوَانِيهَا وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَحِلْيَةِ مَا سُمِّطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلْأَنَامِ وَرِزْقاً لِلْأَنْعَامِ وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وَأَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ عليه السلام خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الاْءِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلَمْ يُخلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَيَصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه واله حُجَّتُهُ وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَنُذُرُهُ وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا وَقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَالسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وَبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا وَبِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَخَلَقَ الآْجَالَ فَأَطَالَهَا وَقَصَّرَهَا وَقَدَّمَهَا وَأَخَّرَهَا وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَجَعَلَهُ خَالِجاً لأَشْطَانِهَا وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ وَعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ وَمَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ وَمَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ وَغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ وَمَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ وَمَصَائِفِ الذَّرِّ
وَمَشَاتِي الْهَوَامِّ وَرَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُوَلَّهَاتِ وَهَمْسِ الْأَقْدَامِ وَمُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ وَمُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا وَمُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَأَلْحِيَتِهَا وَمَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ وَمَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلابِ وَنَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَمُتَلاحِمِهَا وَدُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي تَرَاكِمِهَا وَمَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَتَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا وَعَوْمِ نَبَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ وَمُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرىَ شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ وَتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ وَمَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ وَمَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَسُبُحَاتُ النُّورِ وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ وَحِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَمُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَهَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةٍ دَمٍ وَمُضْغَةٍ أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَسُلالَةٍ لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ وَلا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ وَلا فَتْرَةٌ بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدَهُ وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ إِنْ تُؤمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَإِنْ تُرْجَ فَأَكْرَمُ مَرْجُوٍّ اللَّهُمَّ وَقَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَلا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ وَلا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الْرِّيْبَةِ وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآْدَمِيِّينَ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ اللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ
الْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَالْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلاّ فَضْلُكَ وَلا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلاّ مَنُّكَ وَجُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وَأَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال ابن أبي الحديد: الأشباح: الأشخاص، والمراد بهم ها هنا الملائكة لأنّ الخطبة تتضمّن ذكر الملائكة(1)وتبعه الخوئي(2)إلاّ أنّ الظاهر أنّ الخطبة كانت متضمّنة لذكر لفظ الأشباح، كما أنّ الخطبة الشقشقيّة(3)متضمّنة لذكر الشقشقة، وروى (الروضة) خطبة معروفة بالطالوتية(4)تضمّنت قصة طالوت، وروى خطبة معروفة بالوسيلة(5)لكونها متضمّنة لذكر الوسيلة.
قال التسترى: وفي هذه وإن لم نقف على لفظ أشباح، إلاّ أنّ المصنف لم ينقل جميعها، بل انتخب منها، فقال تارة فيها: منها: في صفة خلق السماء، وأخرى قال: منها: ثمّ خلق سبحانه، وثالثة: منها: في صفة الأرض.
و لو كانت العلّة ما ذكر كان كثير من خطب النهج متضمّنا لذكر الملائكة، ومنها في الأولى، فلم خصّت هذه بالتّسمية، مع أنّه أيّ مناسبة للتعبير عن الملائكة بالأشباح وإنّما استعمل الأشباح في كلامه عليهالسلام في مقابل الأجناس، ففي خطبة له عليهالسلام (توحيد الصدوق): «ليس بجنس فتعادله
الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح»(1)، والظاهر أنّ المراد به الجسميّة، ففي أخرى رواها: «ليس بشبح فيرى»(2).والظاهر أنّه كان فيها هذه الفقرة: «وكيف يوصف بالأشباح وينعت بالألسن الفصاح» ـ رواها أواخر توحيد توحيده(3)ـ فسقطت منها، يعني لم ينقلها(4).
وهي من جلائل خطبه وكان سائل سأله أن يصف اللّه له حتى كأنه يراه عيانا فغضب لذلك رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهما السلام أَنَّهُ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَبِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَنَادَى الصَّلَوةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله عن الأسدي عن البرمكي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن مهران عن إسماعيل بن إسحاق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة عن الصادق عليهالسلام: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَبِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام وَنَادَى الصَّلاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ ثُمَّ قَامَ
مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ فَقَالَ الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي لا يَفِرُهُ [لا يُغَيِّرُهُ] الْمَنْعُ وَلا يُكْدِيهِ الاْءِعْطَاءُ(1)لكن ليس فيه جميع ما في النهج، وفيه اختلافات.
وكيف كان فإنّما غضب عليهالسلام لأنّه أحسّ من الرّجل أنّه طلب منه عليهالسلاموصفه تعالى بالكنه، وتعريفه بالتّشبيه، ففي الخطبة على رواية (التّوحيد): الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزّه، وقربهم من غيب ملكوته أن يعلموا من أمره إلاّ ما أعلمهم(2).
وفيها أيضا: أيّها السائل اعلم أنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين أعضاء خلقه...(3). فسؤل الرجل وغضبه عليهالسلام نظير سؤل بني إسرائيل موسى بن عمران عليهالسلامأن يريهم اللّه عيانا، فغضب تعالى عليهم كما أخبر عزّ وجلّ عنهم بقوله: «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون»(4).
بالضمّ، قال تعالى: «وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى»(5)، أي: قطع القليل.
كالمخلوقين
علة لقوله: «ولا يكديه الإعطاء والجود».
وفي الحديث القدسيّ: يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كلّ إنسان مسألته، ما نقص ذلك ممّا عندي شيئا، إلاّ كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر(1).
وفي الدعاء: «وَلا تَزِيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ الاّ جُوداً وَكَرَما»(2).
يعني: سواه، والجملة علّة لقوله: »لا يفره المنع« يعني ليس منعه بخلا فيستحق الذم، بل حكمة فيستحق الحمد أيضا، لأنّه منع ظاهرا وأعطى في الحقيقة، والمعنى: «وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ»(3)، «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا...»(4).
ووجه كونه علّة: أنّ المنع لوفر المال مذموم لكونه بخلا.
وقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلاّ الْفَقْرُ فَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ(5).
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤمِنِينَ لَعِبَاداً لا يَصْلُحُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلاّ بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَأَبْلُوهُمْ بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فَيَصْلُحُ عَلَيْهِمْ أَمْرُ دِينِهِمْ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ
عَلَيْهِ أَمْرُ دِينِ عِبَادِيَ الْمُؤمِنِين(1).
أى كثير الأنعام على العباد والمعطى لهم ابتداء من غير سبق سؤل، وبه فسّره الفيروز آبادي(2).
ويدلّ عليه ما رواه الطريحي قال: وفي حديث عليّ عليهالسلام وقد سئل عن الحنّان والمنّان فقال: الحنّان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنّان هو الذي يبدء بالنّوال قبل السؤل(3).قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا»(4).
وقال تعالى: «وَلكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه»(5).وقال تعالى: «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين»(6).
في دعاء أبي حمزة: وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُكَ وَفِي قَبْضَتِك(7).قال تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِين»(8).
وقال تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرا»(1).
أي: ارزاق جميع خلقه من الانسان وأقسام الحيوان، وأصناف الطير، وصنوف الوحش والهوام والحيتان، ولكن غلّب الإنسان في الضّمير.
قيل أوحى اللّه تعالى إلى يوسف عليه الصلاة والسلام: أنظر إلى الأرض فنظر إليها، فانفجرت، فرأى دودة على صخرة، ومعها الطعام، فقال له: أتراني لم أغفل عنها، وأغفل عنك، وأنت نبي وابن نبي(2).
وهو أيضا من باب التغليب، فقدّر لكلّ جنس قوته بحسب ما يناسبه حتّى الجنين والرّضيع، والأصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: «... وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ(3).
لقائل ان يقول: إنّ الرزق هل يقبل الزيادة والنّقصان بالسّعى وعدمه؟ ظاهر بعض الأخبار العدم، وهو ما عن أمير المؤنين عليهالسلام أنه قال:
ايّها النّاس اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم والعمل به، ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم
وضمنه وسيفى لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه(1).وفي دعاء الصّحيفة السجادية على صاحبها آلاف الصّلاة والسّلام والتّحية: جعل لكلّ روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقة لا ينقص من زاده ناقص ولا يزيد من نقص منهم زائد(2)، يعنى أنّ من زاد اللّه رزقه منهم لا ينقصه ناقص، ومن نقصه سبحانه لا يزيده زايد، وتقديم المفعول في الفقرتين لمزيد الاعتناء ببيان فعله من الزيادة والنقصان وهو نصّ في أنّ غيره تعالى لا يستطيع أن يتصرّف في الرزق المقسوم بالزيادة والنّقص(3).وفي رواية اخرى: إنّ أرزاقكم تطلبكم كما تطلبكم آجالكم فلن تفوتوا الأرزاق كما لم تفوتوا الآجال(4).
والمستفاد من الأدلّة الاخر مدخلية الطلب والسّعى فيها، مثل ما روى عن أمير المؤنين عليهالسلام قال: الدّنيا دول فاطلب حظك منها بأجمل الطلب(5).وما عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: مَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ؟ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَتَرَكَ التِّجَارَةَ، فَقَالَ وَيْحَهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ تَارِكَ الطَّلَبِ لا يُسْتَجَابُ لَهُ، إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَمَّا نَزَلَتْ «وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»(6)أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ وَقَالُوا قَدْ كُفِينَا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا
صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ تُكُفِّلَ لَنَا بِأَرْزَاقِنَا فَأَقْبَلْنَا عَلَى الْعِبَادَةِ فَقَالَ إِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ عَلَيْكُمْ بِالطَّلَبِ(1).وعن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام: أرأيت لو أنّ رجلا دخل بيته وأغلق بابه أ كان يسقط عليه شيء من السّماء؟(2)وعَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنِّي لأَرْكَبُ فِي الْحَاجَةِ الَّتِي كَفَانِيهَا اللّهُ مَا أَرْكَبُ فِيهَا إِلاّ لالْتِمَاسِ أَنْ يَرَانِيَ اللّهُ أُضْحِي فِي طَلَبِ الْحَلالِ أَ مَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّهِ»(3)أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ بَيْتاً وَطَيَّنَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَقَالَ رِزْقِي يَنْزِلُ عَلَيَّ كَانَ يَكُونُ هَذَا أَمَا إِنَّهُ يَكُونُ أَحَدَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ قُلْتُ مَنْ هَؤلاءِ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ فَيَدْعُو عَلَيْهَا فَلا يُسْتَجَابُ لَهُ لأَنَّ عِصْمَتَهَا فِي يَدِهِ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ فَلا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَجْحَدُهُ حَقَّهُ فَيَدْعُو عَلَيْهِ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُ لأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ وَالرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ فَيَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ فَلا يَنْتَشِرُ وَلا يَطْلُبُ وَلا يَلْتَمِسُ الرِّزْقَ حَتَّى يَأْكُلَهُ فَيَدْعُو فَلا يُسْتَجَابُ لَهُ(4)، وبمعناها روايات اخر.
ويمكن الجمع بينها وبين الأخبار السّابقة بجعل الرزق على قسمين:
أحدهما ما ليس للطلب والسعى مدخلية فيه، والثاني ما لا ينال إلاّ بالطلب فيحمل الأخبار السّابقة على القسم الأوّل، والأدلّة الأخيرة على القسم الثّاني.
ويشهد على هذا الجمع ما روى عن الصادق عليهالسلام: الرِّزْقُ مَقْسُومٌ عَلَى ضَرْبَيْنِ
أَحَدُهُمَا وَاصِلٌ إِلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَالآْخَرُ مُعَلَّقٌ بِطَلَبِهِ فَالَّذِي قُسِمَ لِلْعَبْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ آتِيهِ وَإِنْ لَمْ يَسْعَ لَهُ وَالَّذِي قُسِمَ لَهُ بِالسَّعْيِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَمِسَهُ مِنْ وُجُوهِهِ وَهُوَ مَا أَحَلَّهُ اللّهُ تَعَالَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ طَلَبَهُ مِنْ جِهَةِ الْحَرَامِ فَوَجَدَهُ حُسِبَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ وَحُوسِبَ بِهِ(1).
اى: أوضح
لعبادته.
من الأجر والثواب بنهج السبيل، بخلق العقول لهم، وبعث الرّسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.
قال تعالى: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(2).
وقال تعالى: «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة»(3).
وقال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه»(4).
وبعد النبي صلىاللهعليهوآله امرنا بالتمسك بالعترة، قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ
الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً(1).
في الدّعاء: يَا مَنْ يُعْطِي مَنْ سَأَلَهُ يَا مَنْ يُعْطِي مَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تُحَنُّناً مِنْهُ وَرَحْمَة(2).
قال ابن أبي الحديد: فيه معنى لطيف وذاك لأن هذا المعنى مما يختص بالبشر لأنهم يتحركون بالسؤل وتهزهم الطلبات فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه وأما البارئ سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج لأن جوده عام في جميع الأحوال(3).وفي الخبر: «كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسى بن عمران عليهالسلام
خرج يقتبس لأهله نارا فكلّمه اللّه عزّ وجلّ ورجع نبيّا مرسلا، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليهالسلام، وخرجت سحرة فرعون يطلبون العزّ لفرعون فرجعوا مؤنين»(4).
وعَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا الْحَسَنِ الْأَوَّلَ عليهالسلام وَهُوَ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْجَوَادِ فَقَالَ: إِنَّ لِكَلامِكَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُؤدِّي مَا افْتَرَضَ اللّهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْخَالِقِ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ لأَنَّهُ إِنْ أَعْطَاكَ أَعْطَاكَ مَا لَيْسَ لَكَ وَإِنْ
مَنَعَكَ مَنَعَكَ مَا لَيْسَ لَكَ(1).
في دعاء العديلة الكبير: وُجُودُهُ قَبْلَ الْقَبْلِ فِي أَزَلِ الآْزَالِ وَبَقَاؤهُ بَعْدَ الْبَعْدِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَلا زَوَال(2).
إنّ الأشياء في سلسلة الوجود بداية ونهاية منتهية إليه سبحانه، فهو أوّل الأشياء و آخرها ليس شيء قبله ولا شيء بعده.
قال النيسابوري في تفسيره: معنى الأول والآخر أنه أوّل في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب، فانه ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل إلى المعلولات ومن الأشرف إلى الأخسّ وعلى الاخذ من الوحدة إلى الكثرة مما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز، فهو تعالى أوّل بالترتيب الطبيعى وآخر بالترتيب المنعكس، انتهى(3).
و مراده بالترتيب المنعكس أنّ الأشياء إذا نسبت إلى أسبابها وقفت عنده، وذلك انّك إذا نظرت إلى وجود شيء وفتّشت عن سببه ثمّ عن سبب سببه وهكذا فتنتهى بالأخرة إليه تعالى، لأنّه آخر ما ينحلّ إليه اجتماع أسباب الشّيء، فظهر بذلك أن كونه أوّلا وآخرا إنّما هو بالنّظر إلى ذاته المقدّس لا باعتبار تقدّمه زمانا و تأخّره زمانا، لكون الزمان متأخّرا عنه تعالى إذ هو من لواحق الحركة المتأخّرة
عن الجسم المتأخّر عن علّته، فلا يلحقه القبليّة والبعديّة الزمانية فضلا أن تسبق عليه أو تلحق به، فلم يكن شيء قبله ولا بعده لا من الزمانيات ولا من غيرها.
أى المانع.
جمع إنسان العين، وفي (الصحاح): إنسان العين: المثال الذي يرى في السواد، أي: سواد العين، وجميع أيضا على أناسي. قال ذو الرمة يصف إبلا غارت عيونها من التعب والسير: أناسي ملحود لها في الحواجب(1).
أى تصله.
كما تدرك الأجسام، عن إِسْمَاعِيل بْن الْفَضْلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ عليهالسلام عَنِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ يُرَى فِي الْمَعَادِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللّهِ
وَتَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً يَا ابْنَ الْفَضْلِ إِنَّ الْأَبْصَارَ لا تُدْرِكُ إِلاّ مَا لَهُ لَوْنٌ وَكَيْفِيَّةٌ وَاللّهُ خَالِقُ الْأَلْوَانِ وَالْكَيْفِيَّةِ(2).قال تعالى: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤمِنِينَ»(1). وقال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصار»(2).
هذا وفي (تاريخ الطبري) في الفداء بين المسلمين وصاحب الروم عن الواثق ـ الخليفة ـ : أنّه وجّه من يمتحن الاسراء منهم: فمن قال منهم إن القرآن مخلوق وإن اللّه عزّ وجلّ لا يرى في الآخرة فودي به، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم(3).وفيه أيضا: قتل الواثق بيده بسيف عمرو بن معد يكرب أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي ـ وكان جدّه مالك أحد نقباء بني العباس ـ وحظر على رأسه في بغداد حظيرة، وضرب عليه فسطاط، وأقيم عليه الحرس، وعرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضالّ الّذي أقرّ بالتّشبيه، وتكلّم بالكفر، فاستحلّ دمه. وكان الواثق قال له: ما تقول في ربّك فقال: جاءت الآثار عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال: ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر، لا تضامون في رؤته. فنحن على الخبر. وقال حدّثني سفيان بن عيينة بحديث يرفعه: انّ قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع اللّه يقلّبه، وأنّ النبي صلىاللهعليهوآله كان يدعو: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي...(4)وخبره الأول موضوع وأخيراه عمّا رامه بمراحل.
يمكن أن يريد عليهالسلام بعدم اختلاف الحال منه تعالى لعدم اختلاف الدهر عليه، بالنسبة إلى الفقرات المذكورة قبله من إعطائه تعالى ومنعه، وضمانه للأرزاق، وتقديره للأقوات، ونهجه السبيل، واستواء المساول فيه عنده مع غيره، وغيرها، فإنّ أسخياء الناس إنّما يجودون إذا جاد عليهم الزمان، ويبخلون إذا بخل عليهم، ويعطون أوّلا ثمّ يمنعون، ويضمنون شيئا ثمّ يتبرّؤن، كلّ ذلك بحسب تأثير الدهر والزّمان فيهم، وهو تعالى منزّه عن ذلك.
و يمكن أن يريد عليهالسلام به الأعمّ، مثلا الإنسان في نشئه، وباختلاف دهره يختلف حاله، فهو ـ كما في فقه اللغة ـ ما دام في الرحم فهو جنين، فإذا ولد فهو وليد، وما دام لم يستتم سبعة أيّام فهو صديغ، لأنّه لا يشتدّ صدغه إلى تمام السبعة، ثم ما دام
يرضع فهو رضيع، ثمّ إذا قطع عنه اللبن فهو فطيم، ثمّ إذا غلظ وذهبت عنه ترارة الرضاع فهو جحوش عن الأصمعي وأنشد للهذليّ:
قتلنا مخلدا وابني حراق ***وآخر جحوشا فوق الفطيم
قال الأزهري: كأنّه مأخوذ من الجحش الّذي هو ولد الحمار، ثمّ هو إذا دبّ ونما دارج، فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسيّ، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور، عن أبي زيد، فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فهو مثغّر بالثّاء ومتغّر بالتّاء، عن أبي عمرو، فإذا كاد يجاوز عشر سنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشئ، فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق، فإذا أدرك واجتمعت قوّته فهو حزوّر، واسمه في جميع هذه الأحوال غلام، فإذا اخضرّ شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل: بقل وجهه، فإذا صار ذا فتاء فهو فتى وشارخ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه،
فهو مجتمع، ثمّ ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شابّ، ثم هو كهل الى أن يستوفي ستّين(1). وهكذا نقل له أسام بحسب ازدياد سنّه، واللّه تعالى منزّه عن جميع ذلك.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا عليهالسلام: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ مَا تَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ عليهالسلام: لَعَنَ اللّهُ الْمُحَرِّفِينَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَاللّهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ذَلِكَ إِنَّمَا قَالَ عليهالسلام: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنْزِلُ مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْل(2).
هو استعارة كقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ(3)
التكوير: 18.
، والمراد ما تشقّقت عنه المعادن.هو أيضا استعارة كقوله تنفّست، والمراد أيضا ما تشقّقت، ولا يخفى حسن التعبير عن تشقّق الجبال بالفلزّات بالتنفّس عن الشيء، وعن تشقّق الأصداف بالآللي.
روى الحافظ البرسيّ قال: إنّ اللّه تعالى قال لداود: يا داود وعزّتي وجلالي لو أن أهل سمواتي وأرضي، أمّلوني فأعطيت كل مؤل أمله بقدر دنياكم سبعين ضعفا لم يكن ذاك إلاّ كما يغمس أحدكم إبرة في البحر ويرفعها فكيف ينقص شيء، أنا أعطيته(1).
رواه (التّوحيد) مع زيادة وتغيّر، ففيه: «الّذي لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنّواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره، فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد، وارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالمحدود من كفرة العباد: «وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(2)، فما دلّك القرآن عليه من صفته فاتّبعه ليوصل بينك وبين معرفته، وائتمّ به، واستضئ بنور هدايته، فإنّما هي نعمة وحكمة أوتيتهما، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما دلّك الشيطان...»(3).
«وانظر أيّها السائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضئ بنور
هدايته» وممّا دلّنا القرآن عليه من صفته تعالى:... «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ... وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»(1)»، وقال تعالى: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ...»(2)، وقال جلّ وعلا:... «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»(3)، وقال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»(4)، وقال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْما»(5).
قال تعالى: «الْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعالَمِين»(6).
وقال تعالى: «تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِين»(7).
وقال تعالى: «يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ»(8).
وقال تعالى: «اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم»(9).
وقال تعالى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْن»(10).
وقال تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب»(11).
قال تعالى: «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيم»(12).
وقال تعالى: «هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيم(1).
قال تعالى: «وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد»(2).وقال تعالى: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(3).
قال تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم»(4).
وقال تعالى: «وَاللّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم»(5).
قال تعالى: «وَلكِنَّ اللّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاْءِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَنِعْمَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم»(6).
وقال تعالى: «وَلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد»(1).
قال تعالى: «وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون»(2).
وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيه»(3).
قال تعالى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير»(4).
وقال تعالى: «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِـ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَة»(5).
قال تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالآْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم»(6). عَنِ الْمَيْمُونِ الْبَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالآْخِرُ(7).
فَقَالَ عليهالسلام: الْأَوَّلُ لا عَنْ أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ وَلا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَالآْخِرُ لا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ بِلا بَدْءٍ وَلا نِهَايَة(1).
قال تعالى: «اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل»(2).
وقال تعالى: «اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّار»(3).
قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين»(4).
قال تعالى: «فَتَعالَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم»(5).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الاْءِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم»(6).
قال تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِير»(7).
وقال تعالى: «قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِير»(8).
وقال تعالى: «وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِير»(1).
قال تعالى: «الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآْخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ»(2).وقال تعالى: «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير»(3).
قال تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُور»(4).
قال تعالى: «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للّهِ»(5).
قال تعالى: «هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّر»(6).
قال تعالى: «اللّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ»(1).
وقال تعالى: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيز»(2).
قال تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُون»(3).
وقال تعالى: «يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُون»(4).
قال تعالى: «وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهَّار»(5).
وقال تعالى: «هُوَ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهَّار»(6).
وقال تعالى: «اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّار»(7).
إلى غير هذه ممّا فيها من الأسماء الحسنى والأمثال العليا.
ونظير إرشاده عليهالسلام للسّائل إلى الرجوع إلى القرآن والائتمام به إرشاد أبي الحسن الرّضا عليهالسلام لأبي هاشم الجعفري إلى الرجوع إليه والأخذ به على ما روي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن
الرّضا عليهالسلامقال: سألته عن اللّه هل يوصف؟ فقال عليهالسلام: أما تقرء القرآن؟ قلت: بلى، قال: أما تقرء قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»(1)
الأنعام: 103.
، قُلْتُ بَلَى، قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى، قال: ما هي؟ قلت: أبصار العيون قال عليهالسلام: إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا يدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام(2).وعَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَتِيكٍ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّ قَوْماً بِالْعِرَاقِ يَصِفُونَ اللّهَ بِالصُّورَةِ وَبِالتَّخْطِيطِ فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَكَتَبَ إِلَيَّ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللّهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قِبَلَكَ فَتَعَالَى اللّهُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللّهَ بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللّهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَانْفِ عَنِ اللّهِ تَعَالَى الْبُطْلانَ وَالتَّشْبِيهَ فَلا نَفْيَ وَلا تَشْبِيهَ(3)هُوَ اللّهُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ تَعَالَى اللّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَلا تَعْدُوا الْقُرْآنَـ فَتَضِلُّوا بَعْدَ الْبَيَانِ(4).1) .
2) .الكافي: 98/1، ح10؛ بحار الأنوار: 39/4، ح16.
3) . أمر بنفي البطلان والتشبيه لأن جماعة أرادوا تنزيه اللّه سبحانه عن مشابهة المخلوقات فوقعوا في البطلان والتعطيل وأخرى أرادوا أن يصفوه بصفات ليعرفوه فأثبتوا له صفات غير لائقة بذاته فشبهوه بخلقه فهم بين معطل ومشبه فالواجب على المسلم أن لا يقول بنفي الصفات رأسا ولا بإثباتها على وجه التشبيه قوله هو اللّه الثابت الموجود إشارة إلى نفي البطلان وقوله تعالى اللّه عما يصفه الواصفون إشارة إلى نفي التشبيه ولا تعدوا القرآن أي لا تجاوزوا ما فيه الوافي: 406/1.
4) .الكافي: 100/1، ح1.
من عرفان كنهه.
أي القرآن.
وَلا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ
وهم أهل بيته عليهمالسلام: وأمّا الثلاثة وإن سمّوهم الخلفاء الرّاشدين، إلاّ أنّه لا يصدق إلاّ إذا صدق قول من قال:... ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ(1).
من وكل: أي فوّض
كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهالسلام يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ إِلاّ الْمَعْرِفَةَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا كَمَا لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ إِدْرَاكِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لا يُدْرِكُه(2).
لأنّه لم يكلّف أحدا ما لم يطقه.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» قَالَ: إِذَا
انْتَهَى الْكَلامُ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمْسِكُوا(1).وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ النَّاسَ لا يَزَالُ بِهِمُ الْمَنْطِقُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا فِي اللّهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ ذَلِكَ فَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(2).
فلا يمكن لأحد الوقوف عليها.
أشار عليهالسلام الى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ * رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ»(3).
قال التسترى رحمهالله: ثمّ إنّه وإن اختلفت الخاصّة والعامّة في الآية هل «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» عطف على (اللّه) أو مستأنف(4)، إلاّ أنّ كلامه عليهالسلام دالّ على الثاني، وهو
الظّاهر من الآية، حيث إنّه لو كان عطفا لكان الأنسب أن يقال: «ويقولون» لا «يقولون»(1).
ولا ينافي ذلك علم النبيّ صلىاللهعليهوآله وأوصيائه بتأويل القرآن، فإنّ علمهم به بوحيه وإلهامه، فعلم تأويله من علم الغيب، وقد قال تعالى في موضع: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ...»(2)مع أنّه قال: «إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ...»(3)وقال: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللّهُ...»(4)، وحينئذ فالآية في مقام آخر نظير قوله تعالى الآخر: «...فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلا»(5).عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ(6).
وعَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَوْلُ اللّهِ: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(7)قَالَ: يَعْنِي تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَرَسُولُ اللّهِ أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ قَدْ عَلَّمَهُ اللّهُ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّأْوِيلِ وَمَا كَانَ اللّهُ مُنْزِلاً عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْهُ تَأْوِيلَهُ ـ وَأَوْصِيَاؤهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ(8).
وعن امير المؤنين عليهالسلام في حديث قال: ثُمَّ إِنَّ اللّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لِسَعَةِ رَحِمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ وَعِلْمِهِ بِمَا يُحْدِثُهُ الْمُبَدِّلُونَ مِنْ تَغْيِيرِ كِتَابِهِ قَسَّمَ كَلامَهُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ فَجَعَلَ قِسْماً مِنْهُ يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ وَقِسْماً لا يَعْرِفُهُ إِلاّ مَنْ صَفَا ذِهْنُهُ وَلَطُفَ حِسُّهُ وَصَحَّ تَمْيِيزُهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلاْءِسْلامِ وَقِسْماً لا يَعْرِفُهُ إِلاّ اللّهُ وَأُمَنَاؤهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَإِنَّمَا فَعَلَ اللّهُ ذَلِكَ لِئَلاّ يَدَّعِيَ أَهْلُ الْبَاطِلِ مِنَ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى مِيرَاثِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُمْ وَلِيَقُودَهُمُ الاضْطِرَارُ إِلَى الايتِمَارِ لِمَنْ وَلاّهُ أَمْرَهُمْ فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَتِهِ تَعَزُّزاً(1)وَافْتِرَاءً عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَاغْتِرَاراً بِكَثْرَةِ مَنْ ظَاهَرَهُمْ وَعَاوَنَهُمْ وَعَانَدَ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَه...(2).
وعَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: يَا أَبَا الصَّبَّاحِ نَحْنُ قَوْمٌ فَرَضَ اللّهُ طَاعَتَنَا لَنَا الْأَنْفَالُ وَلَنَا صَفْوُ الْمَالِ وَنَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم(3).وعن امير المؤنين عليهالسلام في حديث له مع معاوية قال عليهالسلام: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَنُورٌ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَشِفَاءٌ لِلْمُؤمِنِينَ وَالَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ـ إلى أن قال عليهالسلام: ـ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلاّ وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَمَا مِنْ حَرْفٍ إِلاّ وَلَهُ تَأْوِيلٌ «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(4)وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَمَا مِنْهُ حَرْفٌ إِلاّ وَلَهُ حَدُّ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَهْرِ الْقُرْآنِ وَبَطْنِهِ وَتَأْوِيلِهِ «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ وَأَمَرَ اللّهُ سَائِرَ الْأُمَّةِ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ وَأَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْنَا وَيَرُدُّوا الْأَمْرَ إِلَيْنَا وَقَدْ قَالَ اللّهُ: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» هُمُ الَّذِينَ يُسْأَلُونَ عَنْهُ وَيُطْلَبُونَه(1).روى أبو بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر و آمر يأمر بالجنّة ويزجر عن النّار وفيه محكم ومتشابه، فأمّا المحكم فيؤن به ويعمل به ويدين به وأمّا المتشابه فيؤن به ولا يعمل به وهو قول اللّه: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَهِـ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»(2)وَآلُ مُحَمَّدٍ عليهمالسلام الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(3).وعَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ـ وساق الحديث إلى أن قال: ـ وَأَوْصِيَاؤهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ فِيكُمْ قَوْلاً عَظِيماً، قَالَ: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَالْقُرْآنِ قَالَ عِلْمُ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَالْقُرْآنِ يَسِيرٌ فِي جَنْبِ الْعِلْمِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار(4).
وعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليهالسلام قال: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(1).وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ(2).
أى فهم.
من المتشابه، حيث حكى عنهم أنّهم يقولون: آمنّا به ـ أي: بالكتاب ـ كلّ من المحكم الّذي فهمنا، والمتشابه الذي لم نفهمه من عند ربّنا.
أي: الكشف، والأصل فيه كشف التراب عن الشيء المدفون، قال ابن دريد: وفي مثل من أمثالهم: كباحثة عن حتفها بظلفها، وذلك أنّ شاة بحثت عن سكين مدفون بظلفها فذبحت به(3).
أي حقيقته وبلوغ غايته.
أي: ثبوتا مستحكما، من رسخ الجبل، فعبّر عنهم بقوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» وقوله: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ».
إشارة إلى السدد المضروبة وحجب الغيوب.
فلنشر إلى ما كشف عنه بعض العلماء الصوفيّة هاهنا وأشار إليه الخبر عن سيّد المرسلين صلىاللهعليهوآله: إنّ للّه تعالى سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ من أدرك بصره. ولمّا ثبت أن اللّه تعالى متجلّى لذاته بذاته فالحجاب لابدّ وأن يكون بالنسبة إلى محجوب.
منهم من حجب بمجرّد ظلمة، ومنهم من حجب بمجرّد نور، ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة، وتحت كلّ قسم من هؤاء أقسام كثيرة لا تحصى فيكفينا الإشارة إلى اصولها فنقول:
وهؤاء هم الملحدة الّذين لا يؤنون باللّه وهم صنفان: فصنف منهم طلبوا للعالم سببا فأحالوه على الطبع وقد علمت أنّ الطبع صفة جسمانيّة مظلمة خالية عن المعرفة والإدراك، وصنف منهم لم يتفرّغوا لذلك ولم يتنبّهوا لطلب السبب بل اشتغلوا بأنفسهم وعاشوا عيش البهايم فكانوا محجوبين بكدورات نفوسهم وشهواتهم المظلمة ولا ظلمة أشدّ من الهوى ولذلك قال اللّه تعالى: «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ
اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ»(1)وقال النبىّ صلىاللهعليهوآله: الهوى أبغض إله عبد على وجه الأرض. وتحت هؤاء فرق كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
وهم ثلاثة أصناف:
فصنف منهم منشأ ظلمته الحسّ، وصنف منهم منشأها الخيال، وصنف منهم
منشأها مقايسات عقليّة فاسدة. فالأوّلون أيضا طوائف:
الأولى: عبدة الأوثان.
فإنّهم علموا على سبيل الجملة أنّ لهم ربّا وأوجبوا إيثاره على أنفسهم واعتقدوا أنّه أعزّ وأنفس من كلّ شيء، ولكنّهم حجبوا بظلمة الحسّ عن أن يتجاوزوا العالم المحسوس في إثبات ربّهم فاتّخذوا من أنفس الجواهر كالفضّة والذهب والياقوت أشخاصا مصوّرة بأحسن صورة وجعلوها آلهة فهؤاء محجوبون بنور العزّ والجلال من صفات اللّه لكنّهم وضعوها في الأجسام المحسوسة فصارت حجبهم أنوارا مكدّرة بظلمة الحسّ إذ الحسّ ظلمة بالإضافة إلى عالم المعقولات.
الثانية: طائفة ترقّوا عن رتبة الأحجار فكانوا أدخل من عبدة الأوثان في ملاحظة الأنوار.
كما يحكى عن قوم من أقاصى الترك ليس لهم ملّة ولكن يعتقدون أنّ لهم ربّا هو أجمل الأشياء فإذا رأو إنسانا في غاية الجمال أو فرسا أو شجرا عبدوه، وقالوا: هو ربّنا فهؤاء محجوبون بنور الجمال مع ظلمة الحسّ أيضا.
1) . الجاثية: 23.
الثالثة: طائفة ترقّوا عن هؤاء وقالوا: ينبغي أن يكون الربّ نورانيّا في صورته ذا سلطان في نفسه مهيبا لا يطاق القرب منه، و لم يترقّوا عن درجة المحسوس فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه الصفات فهؤاء محجوبون بنور السلطنة والبهاء وكلّ ذلك من أنوار اللّه مع ظلمات حسّهم.
الرابعة: طائفة ترقّوا عن ذلك فرأوا أنّ النار تطفى وتقهر فلا تصلح للإلهيّة.
فقالوا: بل ما يكون بهذه الصفات ولكن نكون نحن تحت تصرّفه ويكون مع ذلك موصوفا بالعلوّ.
وكان المشهور بينهم علم النجوم وإضافة التأثيرات إليها فعبدوا النجوم فمنهم عبدة المشترى ومنهم عبدة الشعرى وغيرهم فهؤاء محجوبون مع ظلمه الحسّ بنور الاستعلاء والإشراف وهي من أنوار اللّه تعالى.
الخامسة: طائفة ترقّوا عن هؤاء فقالوا: وإن وجب أن يكون الربّ بالصفات
المذكورة إلاّ أنّه ينبغي أن يكون أكبر الكواكب فعبدوا الشمس فهؤاء محجوبون مع ظلمة الحسّ بنور الكبرياء والعظمة مع بقيّة الأنوار.
السادسة: طائفة ترقّوا عن ذلك فقالوا: إنّ الشمس لا تتفرّد بالنور بل لغيرها أنوار.
و الإله لا يجوز أن يكون له شريك في نورانيّته فعبدوا النور المطلق على كلّ نور، وزعموا أنّه إله العالم والخيرات كلّها منسوبة إليه ثمّ رأوا في العالم شرورا فلم
يستحسنوا إضافتها إلى ربّهم تنزيها له فجعلوا بينه وبين الظلمة منازعة وأحالوا العالم إلى النور والظلمة وهؤاء الثنويّة.
وهم الّذين جاوزوا الحسّ وأثبتوا وراء المحسوس أمرا لكنّهم لم يهتدوا إلى مجاوزة الخيال فعبدوا موجودا قاعدا على العرش وأخسّهم رتبة المجسّمة ثمّ أصناف الكراميّة وأرفعهم درجة من نفى الجسميّة وجميع عوارضها إلاّ الجهة فخصّصوه بجهة فوق، وهؤاء لم يثبتوا موجودا غير محسوس ولا متخيّل حتّى ينزّهوه عن الجهة.
فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلّما عالما قادرا منزّها عن الجهات لكن فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم، وربّما صرّح بعضهم فقال: كلامه صوت مثل كلامنا.
وربّما ترقّى بعضهم فقال: لا بل هو كحديث أنفسنا ولا صوت ولا حرف. ولذلك إذا حقّق القول عليهم رجعوا إلى التشبيه في المعنى وإن أنكروه لفظا إذ لم يدركوا كيفيّة إطلاق هذه الألفاظ في حقّ اللّه. فهؤاء محجوبون بجمل من الأنوار مع ظلمات المقايسات العقليّة.
وهم أصناف لا تحصى أيضا لكن نذكر منهم ثلاثة أصناف:
الأوّل: الّذين عرفوا معانى هذه الصفات وفرّقوا بين إطلاق أسمائها على اللّه تعالى وبين إطلاقها على البشر.
فتحاشوا من تعريفه بهذه الصفات وعرّفوه بالإضافة إلى المخلوقات فقالوا:
ربّنا ربّ السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها وهو الربّ المنزّه عن هذا المفهوم الظاهر وهو محرّك السماوات ومدبّرها.
الصنف الثاني: الّذين عرفوا أنّ في السماوات ملائكة كثيرة.
و أنّ محرّك كلّ سماء منها موجود آخر يسمّى ملكا، وأنّ هذه السماوات في ضمن فلك يتحرّك الجميع بحركته في اليوم والليلة مرّة واحدة والربّ تعالى هو المحرّك للفلك الأقصى منها المشتمل عليها.
الصنف الثالث: الّذين ترقّوا عن هؤاء وقالوا: إنّ تحريك الأجسام الفلكيّة من الملائكة يكون خدمة لربّ العالمين وعبادة له.
ويكون الربّ تعالى هو المحرّك للكلّ بطريق الأمر. فهؤاء كلّهم محجوبون بأنوار محضة وقفت بهم عمّا وراءها. ووراء هؤاء صنف رابع تجلّى لهم أنّ هذا المطاع موصوف بصفة الوحدة المطلقة والكمال البالغ وكشفت عنهم حجب المقايسات والاعتبارات إلى الغير وهم الواصلون. فمنهم من أحرق ذلك التجلّى في تلك الأنوار جميع ما أدركه بصره بالكلّيّة وبقى ملاحظا لرتبة الحقّ فيها فانمحقت فيه المبصرات دون المبصر، ومنهم من تجاوز هؤاء وهم خواصّ الخواصّ فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال فانمحقوا وتلاشوا في أنفسهم فلم يبق لهم إليها التفات وملاحظة لفنائهم عن أنفسهم ولم يبق إلاّ الواحد الحقّ وهؤاء هم الواصلون كما سبقت الإشارة إليه، وينتهى الكلّ إلى حجاب الإمكان الّذى يهلك فيه كلّ موجود ولا يبقى إلاّ وجه اللّه ذى الجلال والإكرام.
إذا عرفت ذلك فنقول: السدد المضروبة وحجب الغيب الّتى أشار إليها هي درجات؛ الانتقالات في مفهومات صفات اللّه تعالى ومراتب عرفانه ومعرفة
ملائكته ومراتبهم وكمالاتهم وساير حجب الأنوار الّتى حجب بها أهل القسم الثالث، والراسخون الّذين أشار إليهم هم في ظاهر كلامه الواقفون في المرتبة الاولى وهم الّذين اقتصروا في صفات اللّه وملائكته وعالم غيبه على ما وقفتهم الشريعة عليه على سبيل الجملة كما أوصل إلى أفهامهم الرسول صلىاللهعليهوآله وعقلوا في
وصفه تعالى بصفات الكمال ونعوت الجلال أنّه ليس على حدّ وصف البشر بها ورسخ في أذهانهم ما تصوّروه إجمالا لو فصّل لكان مطابقا. ومن أعدّته العناية الإلهيّة لقبول التفصيل وصل إليه. وبقى هاهنا بحث لطيف وهو أنّه لمّا كان التكليف في نفس الأمر إنّما هو على قدر العقول وتفاوت مراتبها ولذلك قال صلىاللهعليهوآله: بعثت لأكلّم الناس على قدر عقولهم. كان كلّ عقل قوى على رفع حجاب من حجب الغيب وقصر عمّا ورائه واعترف به وبالعجز عنه فذلك تكليفه وهو من الراسخين فعلى هذا الرسوخ ليس مرتبة واحدة هي تقليد ظواهر الشريعة واعتقاد حقيّتها فقط بل تقليدها مرتبة اولى من مراتب الرسوخ وما ورائها مراتب غير متناهية بحسب مراتب السلوك وقوّة السالكين على رفع حجب الأنوار الّتى أشرنا إليها وكلامه عليهالسلام لا ينافي ما قلناه بل يصدق إذا نزّل عليه فإنّ قوله: وسمّى ترك التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا صادق أيضا على من قطع جملة من منازل السلوك وعجز عمّا ورائها فوقف ذهنه عن التعمّق فيه والبحث إذ لا يكلّف بما لا يفي به قوّته(1).
1) .شرح نهج البلاغة لابن ميثم: 331/2.
وتأدّب بأدب اللّه.
أي لا تعيّن مقداراً.
وذاته.
لقصوره.
حيث تجاوزت حدّك، قال الباقر عليهالسلام: إنّ قوما تكلّموا في اللّه عزّ وجلّ فتاهوا حتّى كان الرجل ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادي من خلفه فيجيب من بين يديه(1).
وقال الصادق عليهالسلام: إنّ ملكا عظيم الشأن كان في مجلس له، فتناول الرّبّ تبارك وتعالى، ففقد فما يدرى أين هو(2).
وفي خبر آخر: تكلّموا في كلّ شيء، ولا تتكلّموا في ذات اللّه تعالى(3).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: تَكَلَّمُوا فِي خَلْقِ اللّهِ وَلا تَتَكَلَّمُوا فِي اللّهِ فَإِنَّ الْكَلامَ فِي اللّهِ لا يَزْدَادُ صَاحِبَهُ إِلاّ تَحَيُّراً(1).
على كلّ شىء.
أي قصدت.
وفي رواية (التوحيد) بدل جميع الكلام: لأنّه اللطيف الّذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه(2).
أي قصد.
وفي رواية (التوحيد) بدل جميع الكلام: »و حاولت الفكر المبرأة من خطر الوسواس إدراك علم ذاته(3).
أي صارت والهة.
وفي رواية (التوحيد): لتحوي منه مكيّفا في صفاته(1).
من أغمض في الأرض، إذا ذهب وغاب.
أي في مكان.
أي التوصيفات.
أي حقيقته.
أي كفّها.
أي تقطع.
1) . التوحيد للصدوق: 51، ح13.
أي مهالك.
أي ظلم.
لا يخالطها قصد غيره.
قال الشاعر:
فيك يا أعجوبة الكون ***غدا الفكر كليلا
أنت حيرت ذوي اللب ***وبلبلت العقولا
كلما أقدم فكري ***فيك شبرا فر ميلا
ناكصا يخبط في عمياء ***لا يهدى السبيلا(1)
أي صكّت جباهها.
تعالى.
أي كثرة.
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 51/13.
أي الأخذ على غير الطريق.
عزّ وجلّ لكونه من المحالات.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَرَفْتُمُ اللّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لَزَايَلَتْ بِدُعَائِكُمْ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وَلا يَبْلُغُ أَحَدٌ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ فَقِيلَ وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ وَلا أَنَا اللّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ(1).
أي ذهن.
أي أصحاب التفكّر في الأمور.
كيف لا، وقد قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»(2).
وكلامه عليهالسلام من أوّله إلى آخره ناظر إلى قوله تعالى:... «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ
الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ»(1).ومثله دعاء قنوت الامام زين العابدين عليهالسلام الثانية: سبحانك طوت الأبصار في
صنعتك مديدتها، وثنت الألباب عن كنهك أعنّتها(2).
وقال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فإن قالوا: ولم يختلف فيه تعالى قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته، وتعدّيها أقدارها في طلب معرفته، وأنّها تروم الإحاطة به، وهي تعجز عن ذلك وما دونه، فمن ذلك: هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلك كثرت الأقاويل فيها، واختلف الفلاسفة المذكورون في وصفها، فقال بعضهم: هو فلك أجوف مملوّ نارا له فم يجيش بهذا الوهج والشّعاع. وقال آخرون: هو سحابة. وقال آخرون: هو جسم زجاجي يقلّ ناريّة في العالم ويرسل عليه شعاعها. وقال آخرون: هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار. وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة.
ثم اختلفوا في شكلها... وكذلك اختلفوا في مقدارها... ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحسّ قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف ما لطف عن الحسّ واستتر عن الوهم(3).
هذا، وزاد في رواية التوحيد بعد «من تقدير جلال عزّته»: «لبعده من أن يكون
في قوى المحدودين لأنّه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين، وإنّما يشبه الشيء بعديله، فأمّا ما لا عديل له، فكيف يشبه بغير مثاله»(1).
قال فضيل بن يسار: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: إنّ اللّه لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه: «وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»(2)فلا يوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك(3).
وروى عن محمّد بن عليّ الباقر عليهالسلام أنّ كلّ ما تصوّره أحد في عقله أو وهمه أو خياله فاللّه سبحانه غيره وورائه، لأنّه مخلوق والمخلوق لا يكون من صفات الخالق(4).
وروى هشام انه سئل الزنديق عن الصادق عليهالسلام انّ اللّه تعالى ما هو؟ قَالَ عليهالسلام: هُوَ شَيْءٌ بِخِلافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي شَيْءٌ إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَأَنَّهُ شَيْءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لا جِسْمَ وَلا صُورَةَ وَلا يُحَسُّ وَلا يُجَسُّ وَلا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَلا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَلا يُغَيِّرُهُ الزَّمَان(5).
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام يَا زِيَادُ إِيَّاكَ وَالْخُصُومَاتِ فَإِنَّهَا تُورِثُ الشَّكَّ وَتَحْبِطُ الْعَمَلَ وَتُرْدِي صَاحِبَهَا وَعَسَى أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالشَّيْءِ لا يُغْفَرُ لَهُ يَا زِيَادُ إِنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضَى قَوْمٌ تَرَكُوا عِلْمَ مَا وُكِّلُوا بِهِ(6)وَطَلَبُوا عِلْمَ مَا
كُفُوهُ(1)حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ الْكَلامُ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَحَيَّرُوا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُدْعَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ أَوْ يُدْعَى مِنْ خَلْفِهِ فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ(2).وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّفَكُّرَ فِي اللّهِ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي اللّهِ لا يَزِيدُ إِلاّ تَيْهاً إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَلا يُوصَفُ بِمِقْدَارٍ(3).
وعَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ إِذَا انْتَهَى الْكَلامُ إِلَى اللّهِ فَأَمْسِكُوا وَتَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَلا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَتَاهَتْ عُقُولُهُم الخبر(4).وسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهالسلام عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ وَالآْيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلَى قَوْلِهِ «وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ(5)»(6)فَمَنْ رَامَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ(7).
وعَنِ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَأَلَ أَبِي أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ عليهالسلام عَنْ شَيْءٍ
1) .أي علم ما كفاهم اللّه مئونتهـ ان كان من الكفايهـ أو علم ما صرفه اللّه عنهمـ ان كان من الكف والمراد التفحص عما كانت أفهام البشر عن دركه قاصرة، كالكلام في العرش وما فوقه، و الكلام في كنه الذات والصفات.
2) . الأمالي للصدوق: 417/ م 65، ح2؛ بحار الأنوار: 259/3، ح3.
3) .الأمالي للصدوق: 417/ م 65، ح3؛ بحار الأنوار: 259/3، ح4.
4) . تفسير القمي: 25/1؛ بحار الأنوار: 259/3، ح6.
5) . الحديد: 6.
6) .وغيرهما من الآيات ليتعمقوا ويتفكروا فيها ويعرفوا ربهم ويستغنوا عن وصف الواصفين وأقاويل المتكلّمين المتكلفين وكلمات المتفلسفين.
7) .التوحيد للصدوق: 284، ح2؛ بحار الأنوار: 264/3، ح21.
مِنَ الصِّفَةِ فَقَالَ لا تَجَاوَزْ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ(1).
أي: اخترعه، قال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ...»(2).
لنفسه، كالصائغ الّذي يصوغ حلقة من رصاص، ثمّ يصوغ حلقة من ذهب عليها، وكالبنّاء الّذي يخطّ في الأرض أو غيرها خطوطا، ثمّ يبني بحسبها، وكالّذي يضرب اللّبن على القالب.
أي: جعله مقابلا له، يقال: حذو النّعل بالنّعل، والقذّة بالقذّة، والقذّة، ريش السّهم.
كصنّاع يتّبعون صنّاعا قبلهم كانوا مخترعي تلك الصنعة.
قال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ»(3)،فهل قدرة أملك من تلك القدرة التي جعلت التراب بشرا ينتشر.
قال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(1)، فهل من حكمة أعجب من هذه فلو لم تكن أزواج الناس من جنس أنفسهم لنفروا عنها ولم يسكنوا اليها، ولنفرت الأزواج عنهم، ولم تسكن إليهم، كما أنّه لو لم يكن جعل تعالى بينهم مودّة ورحمة كيف كان الرجال يتحمّلون مشاق مئونات النساء، وكيف كانت النساء يتحملن مشاقّ تكليفات الرجال، الى غير ذلك من غرائب قدرته وعجائب حكمته في خلقه الّذي لا يحصى.
بلسان الحال.
قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ...»(2).
بالوجود والقدرة والحكمة.
هكذا في (النهج)(1)، والظاهر وقوع سقط لعدم ربط الكلام من أوّله بما قبله.
ويشهد للسّقط رواية (التوحيد) ففيها قبله هههاالّذي صدرت الأمور عن مشيئته، و تصاغرت عزّة المتجبرين دون جلال عظمته، وخضعت له الرقاب، وعنت الوجوه من مخافته»(2).
قال:
فوا عجبا كيف يعصي الإله ***أم كيف يجحده الجاحد
و في كل شيء له آية ***تدل على أنه الواحد(3)
أي بوجود مدبّر للخلائق.
بلسان الحال.
أي كونه تعالى مبدعاً لها.
بشهادة العقول، قال بعضهم في وصف النّرجس:
عيون في جفون في فنون ***بدت فأجاد صنعتها المليك
بأبصار التغنج لا محات(1)***كأنّ حداقها ذهب سبيك
على غصن الزمرد مخبرات***بأنّ اللّه ليس له شريك(2)
إخباره عليهالسلام عن شهادته لتأكيد المطلب نظير قول هود عليهالسلام لقومه:...إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ...(3).
في كون بعضها أفرادا وبعضها أزواجا، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فالرّأس ممّا خلق فردا، ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له أكثر من واحد، ألا ترى أنّه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة اليه، لأنّ الحواس الّتي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثمّ كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة اليه، وإن تكلّم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج اليه، وإن تكلّم بأحدهما بغير الّذي تكلّم به من الآخر، لم يدر السّامع بأيّ ذلك يأخذ، و أشباه هذه من الأخلاط. واليدان ممّا خلق أزواجا، ولم يكن للإنسان خير في أن
يكون له يد واحدة، لأنّ ذلك كان يخلّ به في ما يحتاج إلى معالجته من الأشياء، أ لا ترى أنّ النّجار والبنّاء لو شلّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلّف ذلك لم يحكمه، ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل(1).
أي تلاصق من تلاحمت الشجة: تلائم لحمها.
جمع الحقّ بالضمّ، وفي (الجمهرة): الحقّ رأس العضد الذي فيه الوابلة، وأصل الورك الّذي فيه عظم رأس الفخذ(2)، وزاد (اللّسان): والنقرة التي في رأس الكتف أيضا(3).
عن العيون، وفي (توحيد المفضل): ولو رأيت الدّماغ اذا كشف عنه لرأيته قد لفّ بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما تقيه هدّ الصدمة والصكّة التي ربّما وقعت في الرّأس، ثمّ قد جلّلت الجمجمة بالشعر حتّى صارت بمنزلة الفرو للرأس، يستره من شدّة الحرّ والبرد، فمن حصّن الدماغ هذا التّحصين إلاّ الّذي خلقه، وجعله ينبوع الحس والمستحقّ للحيطة والصيانة بعلوّ منزلته من البدن، وارتفاع درجته وخطير مرتبته. تأمّل ـ يا مفضّل ـ الجفن على العين كيف جعل كالغشاء، والأشفار
كالأشراح وأولجها في هذا الغار، وأظلّها بالحجاب، وما عليه من الشعر.
يا مفضل من غيّب الفؤد في جوف الصدر، وكساه المدرعة التي هي غشاوة وحصّنه بالجوانح، وما عليها من اللّحم والعصب لئلاّ يصل إليه ما ينكؤ(1).
في تباين ما تباين من الأعضاء، وتلاحم حقاق ما احتجبت من المفاصل على ما عرفت.
أي أنّ المشبّه له تعالى بالخلق، وإن ادّعى أنّه عرفك، إلاّ أنّه لم يصل إلى معرفتك، حيث إنّ ما تصوره الربّ ليس بربّ.
ولمّا اتّهم الواثق أحمد بن نصر الخزاعيّ بالخروج عليه، فأخذ وحمل اليه، قال له الواثق: دع ما أخذت له، أ فترى ربّك في القيامة قال: كذا جاءت الرواية.
فقال: ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم يحويه مكان، ويحصره الناظر، أنا أكفر بربّ هذه صفته، ما تقولون فيه فقال ابن أبي داود: شيخ مختل لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل.
قال الواثق: ما أراه إلاّ مؤّيا لكفره قائما بما يعتقده، ودعا بالصّمصامة وقال: إذا قمت إليه، فلا يقومنّ أحد معي، فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الّذي يعبد ربّا لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها. ومشى إليه حتّى ضرب عنقه(2).
ومن المضحك أنّ الخطيب الحشويّ وضع له نومين، أحدهما: رأوه في النوم،
فقال: لقيت اللّه فضحك إليّ. والثاني: رأوه في النوم، فقال: غضبت للّه فأباحني النّظر الى وجهه. تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا(1).
وروى ذاك الحشوي في عنوانه للحسين بن شبيب خبرا عن أبي بكر الصيد لاني عن أبي بكر المروزيّ بأسناد له أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: الكرسيّ الّذي يجلس عليه الربّ وما يفضل منه إلاّ قدر أربع، وإن له أطيطا كأطيط الرّحل الجديد (أي صوته)(2).
وقال ذاك الحشويّ: من ردّ هذا فإنّما أراد الطعن على أبي بكر المروزي، وعلى أبي بكر بن سلم. وهل كانا إلاّ رجلين معروفين بالمنكر(3).
ومن العجب أنّ ذاك الحشوي يطعن على أدلّة العقول وعلى كلام الرسول صلىاللهعليهوآله،ويذعن ويسكن الى جمع حشويّين ناصبيّين معتقدين بما «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا»(4).(5)
وقال الرّضا عليهالسلام: إلهي بدت قدرتك، ولم تبد هيئة، فجهلوك وقدّروك، والتقدير على غير ما به وصفوك، وإنّي بريء يا الهي من الذين بالتّشبيه طلبوك(6).
وعَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ عليهالسلام فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ إِنِّي دَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَسَمِعْتُ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ اللّه له [للّهِِ] وَجْهاً كَالْوُجُوهِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَهُ يَدَانِ وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ قَوْلَ اللّهِ تَعَالَى: بِيَدَيَّ «أَسْتَكْبَرْتَ»
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ كَالشَّابِّ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلاثِينَ سَنَةً فَمَا عِنْدَكَ فِي هَذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ؟ قَالَ: فَكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ ثُمَّ قَالَ: يَا يُونُسُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ للّهِِ وَجْهاً كَالْوُجُوهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ للّهِِ جَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللّهِ فَلا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَلا تَأْكُلُوا ذَبِيحَتَهُ تَعَالَى اللّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ فَوَجْهُ اللّهِ أَنْبِيَاؤهُ وَقَوْلُهُ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ فَالْيَدُ الْقُدْرَةُ كَقَوْلِهِ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللّهَ فِي شَيْءٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ أَوْ يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ يَشْغَلُ بِهِ شَيْءٌ فَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَاللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يُقَاسُ بِالْقِيَاسِ وَلا يُشَبَّهُ بِالنَّاسِ لا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلا يَشْغَلُ بِهِ مَكَانٌ قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ ذَلِكَ اللّهُ رَبُّنَا لا إِلَهَ غَيْرُهُ فَمَنْ أَرَادَ اللّهَ وَأَحَبَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَمَنْ أَحَبَّهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَاللّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ وَنَحْنُ مِنْهُ بُرَآء(1).وَعَنِ الصَّادِقِ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ لِهِشَامٍ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئاً وَلا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَكُلَّمَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلافِهِ(2).
وَرُوِيَ عَنْهُ عليهالسلام أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ لا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلاّ هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لا يُحَدُّ وَلا يُحَسُّ وَلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَلا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَلا هُوَ جِسْمٌ وَلا صُورَةٌ وَلا بِذِي تَخْطِيطٍ وَلا تَحْدِيدٍ(3).وعَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ عليهالسلام: يَا جَابِرُ مَا أَعْظَمَ
فِرْيَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيْثُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ(1)وَلَقَدْ وَضَعَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللّهِ قَدَمَهُ عَلَى حَجَرَةٍ(2)فَأَمَرَنَا اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى يَا جَابِرُ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا نَظِيرَ لَهُ وَلا شَبِيهَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ وَجَلَّ عَنْ أَوْهَامِ الْمُتَوَهِّمِينَ وَاحْتَجَبَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ لا يَزُولُ مَعَ الزَّائِلِينَ وَلا يَأْفِلُ مَعَ الآْفِلِينَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(3).
وفي سئوال الزنديق عن الصادق عليهالسلام برواية هشام قال عليهالسلام: أَنَّهُ تعالى لا جِسْمٌ وَلا صُورَةٌ وَلا يُحَسُّ وَلا يُجَسُّ وَلا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَلا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَلا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ(4).
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلامِي وَمَا عَرَفَنِي مَنْ شَبَّهَنِي بِخَلْقِي وَمَا عَلَى دِينِي مَنِ اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي دِينِي(5).وعَنِ الصَّقْرِ بْنِ دُلَفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليهمالسلام عَنِ التَّوْحِيدِ قَالَ عليهالسلام: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللّهَ جِسْمٌ نَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ فِي
1) . المقدم والتالى كلاهما مزعومهم الباطل.
2) .هو إبراهيم النبيّ على نبيّنا وآله وعليه السلام وضع قدمه على حجرة في مكّة حين تفقد عن ابنه إسماعيل لتغسلها زوجته فبقى فيها نقش منها، وهي الآن في المحل المعروف بمقام إبراهيم عليهالسلام قرب الكعبة، وقصته طويلة تطلب من مظانها (التوحيد: تعليقة 4).
3) . التوحيد للصدوق: 179، ح13؛ بحار الأنوار: 329/3، ح31.
4) .الكافي: 81/1، ح5؛ بحار الأنوار: 29/3، ح3.
5) . الأمالي للصدوق: 6/ م 2، ح3؛ بحار الأنوار: 297/2، ح16.
الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ يَا ابْنَ دُلَفَ إِنَّ الْجِسْمَ مُحْدَثٌ وَاللّهُ مُحْدِثُهُ وَمُجَسِّمُهُ(1).وعَنْ يُونُسَ بْنِ بَهْمَنَ قَالَ: قَالَ لِي يُونُسُ اكْتُبْ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عليهالسلام فَاسْأَلْهُ عَنْ آدَمَ هَلْ فِيهِ مِنْ جَوْهَرِيَّةِ اللّهِ شَيْءٌ قَالَ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ فَأَجَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ رَجُلٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّة(2).
وعَنْ يُونُسَ بْنِ بَهْمَنَ، قَالَ: قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام سَأَلْتُهُ عَنْ آدَمَ عليهالسلام هَلْ كَانَ فِيهِ مِنْ جَوْهَرِيَّةِ الرَّبِّ شَيْءٌ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ جَوَابَ كِتَابِي: لَيْسَ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ، زِنْدِيقٌ...(3).
وإنّما استندوا إلى أوهام، واعتمدوا على أباطيل، ومنهم أبو إسماعيل الهرويّ، فاستند في ما توهم إلى ما عن مرامه بمراحل، فقال: لما عاب تعالى الأصنام بعدم أرجل يمشون بها، وأيد يبطشون بها، وأعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها حيث قال: «أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها...»(4)وقال: «إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ...»(5). وقال: «... أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً...»(6)وقال: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً...»(7)تبيّن أنّه تعالى تمدّح بها، وأنّها حقائق فيه(8).
فإنّ عيبهم بما قال لا يستلزم مدحه بها كما توهّم، وإلاّ لزم أن يكون جميع البشر آلهة، فعاب آلهتهم بعدم كونهم مثلهم تهجينا لعقولهم، ولا ينافي ذلك اختصاص الإله من عبيده بكونه جامعا للصفات الكماليّة بدون الحاجة إلى الجوارح الظاهرية.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّأَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: «تَاللّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ»(1)
والآيتان في الشعراء، وقبلهما: «قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ»(2). والمراد من التابعين: الغاوون، ومن المتبوعين: ما يعبدون من دون اللّه، قال تعالى: «وَبُرِّزَتِ
الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ. وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ»(3).وخطابه عليهالسلام وإن كان مع الموحّدين، والآيات في المشركين، إلاّ أنّهم لمّا شبّهوه بخلقه صاروا كالمشركين غيره تعالى له عزّ وجلّ كما قال عليهالسلام: «اذ شبّهوك بأصنامهم».
أي الجاعلون لك عديلاً ومثلاً.
في إثبات الجسميّة له، وفي (التوحيد) بدل (بأصنامهم) (بأصنافهم)(4).
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئاً وَلا يُشْبِهُهُ شَيْء(1).
أي ادّعوا لك باطلاً.
الّتى يكون الخالق منزّها عنها.
ولم يراجعوا عقولهم.
الناقصة والمراد: باستنباط عقولهم الضعيفة، والأصل في القريحة أوّل ماء يستنبط من البئر.
قال الدواني: المشبّهة منهم من قال: إنّه جسم حقيقة. ثم افترقوا، فقال بعضهم: إنّه مركّب من لحم ودم. وقال بعضهم: هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ومنهم من قال: إنّه على صورة إنسان. ومنهم من يقول: إنّه شاب أمرد جعد قطط. ومنهم من قال: إنّه شيخ أشمط الرأس واللحية. ومنهم من قال: هو في جهة الفوق مماسّ للصّفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال،
1) . التوحيد للصدوق: 80، ح36؛ بحار الأنوار: 299/3، ح30.
تبدل الجهات ويئطّ العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الرّاكب الثقيل، وهو يفضل على العرش بقدر أربع أصابع. ومنهم من قال: هو محاذ للعرش غير مماسّ له، وبعده عنه بمسافة متناهية، وقيل: بمسافة غير متناهية(1)... إلى غير ذلك من خرافاتهم.
عن جلالك.
قال تعالى: «قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّار»(2).
وقال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر»(3).
غيرك.
قال تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء»(4).
وقال تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد»(5).
وقال تعالى: «أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ»(6).
وقال تعالى: «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآْخِرَةِ
وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ»(1).
وقال تعالى: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ»(2).
وقال تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم»(3).
وقال تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَة»(4).
وقال تعالى: «أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَة»(5).
من دلالة العقول على عدم إمكان كون الخالق كالخلائق.
لقصورها عن الإحاطة بك.
رياح.
ككثير من الاشياء.
بكيفيّة
أي تفكّرها في الامور.
كخلقه، ورد أنّ رجلا قال له عليهالسلام: أين المعبود فقال عليهالسلام: لا يقال له: أين. لأنّه أيّن الأينية، ولا يقال له: كيف. لأنّه كيّف الكيفيّة، ولا يقال له: ما هو. لأنّه خلق الماهية.
سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيّار أمواج عظمته، وحصرت الألباب عن ذكر أزليته، وتحيّرت العقول في أفلاك ملكوته(1).
هذا، وفي (منهاج العلاّمة): حكي عن بعض المنقطعين التاركين من شيوخ الحشويّة أنّه اجتاز عليه في بعض الأيام نفّاط ومعه أمرد حسن الصورة قطط الشعر على الصفات التي يصفون ربّهم بها، فألحّ بالنّظر إليه وكرّره، فتوهم منه النّفاط أمرا، فجاء إليه ليلا وقال له: رأيتك تلحّ بالنّظر إلى هذا الغلام وقد أتيتك به، فإن كان لك فيه نيّة فأنت الحاكم. فحرد عليه، وقال: إنّما كرّرت النظر لأنّ مذهبي: أنّ اللّه ينزل على صورة هذا الغلام، فتوهّمت أنّه اللّه. فقال له النفّاط: واللّه ما أنا عليه من النفاطة أجود ممّا أنت عليه من الزّهد مع هذه المقالة.
و فيه: وذهب بعضهم إلى أنّه تعالى ينزل في كلّ ليلة جمعة على شكل أمرد ببغداد راكبا على حمار، حتى انّ بعضهم ببغداد صنع على سطح داره معلفا، ويضع كلّ ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا، فلعلّ ينزل اللّه على حماره على ذلك السطح، فيشتغل الحمار بالأكل، ويشتغل الرّبّ بالنّداء، ويقول: هل تائب مستغفر(2).
منها :
قال تعالى: «فالِقُ الاْءِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(1).
وقال تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم»(2).
عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ: لا يَكُونُ شَيْءٌ إِلاّ مَا شَاءَ اللّهُ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى... قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَدَّرَ؟ قَالَ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ مِنْ طُولِهِ وَعَرْضِهِ قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَضَى؟ قَالَ: إِذَا قَضَى أَمْضَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ(3).
«قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ»(4).
وفي دعاء الهلال: «سبحانه ما أعجب ما دبّر في أمرك، وألطف ما صنع في
شأنك، جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث»(1).
وفي (توحيد المفضل) قال الصادق عليهالسلام: «انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواسّ
التي خصّ بها الإنسان في خلقه، وشرّف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكّن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ كاليدين والرجلين فتعترضها الآفات، ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلّلها ويؤّر فيها، وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر، فيعسر تقلّبها واطّلاعها نحو الأشياء»(2).
وفيه أيضا: «اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه، وتسهيل خروج الأذى، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها فكذا جعل اللّه سبحانه المنفذ المهيّا للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه، فلم يجعله بارزا من خلفه، ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيّب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان، وتحجبه الإليتان بما عليهما من اللّحم فتواريانه، فإذا احتاج الإنسان الى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصبا مهيّئا لانحدار الثفل، فتبارك من تظاهرت آلاؤ ولا تحصى نعماؤ»(3).
أي ما خلق.
الّتى ينبغى أن يكون عليها.
قال تعالى: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون»(1).
بل يصير إلى ما خلق له بلا زيادة ولا نقصان.
في (توحيد المفضل): انظر الآن كيف حياء الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها، فإذا هاجت للضّراب ارتفع وبرز حتّى يتمكّن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام، ثمّ جعلت فيه هذه الخلّة ليتهيّأ للأمر الّذي فيه قوام النّسل ودوامه(2).
ما خلق.
والنفوذ.
ووفق مشيئته، قال تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها
وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(1).
وقال تعالى: «لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(2).
يستصعب شىء عن إرادته تعالى.
قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(3).وقال تعالى: «وَما تَشاؤنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ...»(4).
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلامقَالَ: خَلَقَ اللّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ(5).
وقد ذكروا في تأويل هذا الحديث وجوها أشار إليها المحدّث العلاّمة المجلسيّ طاب رمسه:
الأوّل: أن لا يكون المراد بالمشيّة الارادة بل احدى مراتب التّقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشّيء، كالتّقدير في اللّوح مثلا والاثبات
فيه، فانّ اللّوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير اخر في لوح سوى ذلك اللّوح وإنما وجد ساير الأشياء بما قدّر في ذلك اللّوح وربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار، وعلى هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير.
الثّاني: أن يكون خلق المشيّة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقّفه على تعلّق إرادة اخرى بها، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحقّقها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقّف على مشيّة اخرى، أو أنه كناية عن أنّه اقتضى علمه الكامل وحكمته الشّاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح، فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلاّ على الوجه الأصلح والأكمل فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلاّ بارادته المقتضية لذلك.
الثالث: ما ذكره السيّد داماد قدّس اللّه روحه وهو: أنّ المراد بالمشيّة هنا مشيّة العباد لأفعالهم الاختيارية، لتقدّسه تعالى عن مشيّة مخلوقة زايدة على ذاته عزّ وجلّ وبالأشياء أفاعيلهم المترتّب وجودها على تلك المشيّة، وبذلك تنحلّ شبهة ربما اوردت ههنا، وهي: أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بارادتهم لكانت الارادة مسبوقة بارادة اخرى وتسلسلت الارادات لا إلى نهاية.
الرّابع: ما ذكره بعض الأفاضل وهو: أنّ للمشيّة معنيين أحدهما متعلّق بالشّائى وهي صفة كمالية قديمية هي نفس ذاته سبحانه، وهي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير والصّلاح والاخر يتعلّق بالمشيء وهو حادث بحدوث المخلوقات لا تتخلّف المخلوقات عنه، وهو ايجاده سبحانه إيّاها بحسب اختياره، وليست صفة زايدة على ذاته عزّ وجلّ وعلى المخلوقات بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيّتها على المنتسبين معا فنقول إنه لما كان
ههنا مظنّة شبهة هي: أنه إن كان اللّه عزّ وجلّ خلق الأشياء بالمشيّة فبم خلق المشيّة أبمشيّة اخرى فيلزم أن تكون قبل كلّ مشيّة مشيّة إلى ما لا نهاية له، فأفاد الامام عليهالسلام أنّ الأشياء مخلوقة بالمشيّة وأما المشيّة نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشيّة اخرى، بل هي مخلوقة بنفسها لأنها إضافة ونسبة بين الشائي والمشىء تتحصّل بوجوديهما العيني والعلمي، ولذا أضاف خلقها إلى اللّه سبحانه لأنّ كلّ الوجودين له وفيه ومنه، وفي قوله: بنفسها، دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك، نظير ذلك ما يقال: إنّ الأشياء إنما توجد بالوجود وأما الوجود نفسه فلا يفتقر على وجود آخر بل إنما يوجد بنفسه.
الخامس: ما ذكره بعض المحقّقين بعد ما حقّق: أنّ إرادة اللّه المتحقّقه المتجدّدة هي نفس أفعاله المتجدّدة الكائنة الفاسدة، فارادته لكلّ حادث بالمعنى الاضافي يرجع إلى ايجاده، وبمعنى المراديّة ترجع إلى وجوده.
قال: نحن إذا فعلنا شيئا بقدرتنا واختيارنا فاردناه أوّلا ثمّ فعلناه بسبب الارادة فالارادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بارادة اخرى وإلاّ لتسلسل الأمر لا إلى نهاية فالارادة مرادة لذاتها والفعل مراد بالارادة، وكذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها لذيذة بنفسها وساير الأشياء مرغوبة بالشهوة.
فعلى هذا المثال حال مشيّة اللّه المخلوقة وهي وجودات الأشياء، فانّ الوجود خير ومؤر لذاته ومجعول بنفسه والأشياء بالوجود موجودة والوجود مشيء بالذات والأشياء مشيئة بالوجود، وكما أنّ الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشدّة والضعف والكمال والنقص، فكذا الخيرية والمشيئة، وليس الخير المحض الذي لا يشوبه شرّ إلاّ الوجود البحت الذى لا يمازجه عدم ونقص، وهو ذات الباري جلّ
مجده فهو المراد الحقيقى إلى آخر ما حقّقه.
قال المحدّث المجلسيّ رحمهالله: بعد ايراد هذه الوجوه: والأوفق بأصولنا هو الوجه الأوّل(1).
قال الخوئى رحمهالله: بل ما سوى الوجه الأخير كلّها أوفق وإن كانت متفاوتة بالقرب والبعد، وإنما الوجه الأخير الذى مرجعه إلى القول بوحدة الوجود مخالف للأخبار واصول الأئمة الأطهار سلام اللّه عليهم ما تعاقب اللّيل والنّهار، واللّه العالم بحقايق
صفاته والمتعالى عن مجانسة مخلوقاته(2).
أي تأمّل.
أي رجع.
كالناس في أفعالهم قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً»(3).
والأصل في القريحة أوّل ماء يستنبط من البئر، ثمّ استعير لما يستنبط بجودة الطبع.
بتقديم الراء على الزاء: أي الطبيعة.
أي عمل في الضمير.
أي على تلك القريحة.
كالناس المعمّرين.
حسب شأن الخلائق.
من حيث جمعه لجميع مصالحه قال تعالى: «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ
تَفاوُتٍ...»(1).
1) .الملك: 3.
أي خضع وذلّ.
أي إطاعته.
فلمّا قال بلسان القدرة للسّماء والأرض:... «ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً»... قالتا بلسان المذلّة له:... «أَتَيْنا طائِعِينَ»(1).
الريث: ضدّ العجلة كالبطؤ
أي تأنّي.
أي: المتباطئ، في رواية (التوحيد) بدل «و أجاب إلى دعوته... أناة المتلكّئ»: «ووافى الوقت الّذي أخرجه إليه إجابة لم يعترض دونها ريث المبطئ، ولا أناة المتلكّئ»(2). وهو الأقرب لإفادة المقصد.
والمراد: أنّ ما يحصل في الوجود كالأسنان للرّضيع، واللحية للرجل، والثّدي للمرأة، إنّما كان لأنّ الأوّل إنّما يوافي الوقت الذي يحتاج إلى الأكل، والثاني إنّما
يوافي الوقت الذي يتميّز الرّجل من الطفل، والثالث إنّما يوافي الوقت الذي تستعدّ المرأة للحمل، وكلّ منها قبل ذلك وجوده لغو، لا أنّها تلكّأت وأبطأت عليهـ تعالىـ
كالناس يريدون شيئا لا يحصل لهم في ذاك الوقت.
أي عوجها.
أي اوضح.
في (التوحيد) بدل الجملة «و نهى معالم حدودها»(1).
فسّر متضادّ الأشياء ـ التي لاءم تعالى بينها ـ بعضهم بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وبعضهم بالنّار والماء والريح والتراب.
قيل: المراد اقتران النفوس بالأبدان. وقيل: هدايتها لما هو الأليق بها في معاشها و معادها. وزاد (التوحيد) «و خالف بين ألوانها»(2).
الإنسان وأنواع الحيوانات والطيور والهوامّ.
أي المقادير.
بتقديم الراء: أي الطبائع.
أي: الأشكال، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر يا مفضّل في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان، وفي خلقها على ما هي عليه ممّا صلاح كلّ واحد منها، فالإنس لمّا قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والنجارة والصباغة وغير ذلك خلقت لهم أكفّ كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الأشياء وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لمّا قدّر أن تكون معائشها من الصيد خلقت لهم أكفّ لطاف مدمجة ذوات براثن ومخالب تصلح لأخذ الصيد ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لمّا قدّر أن يكونوا لا ذوات صنعة ولا ذوات صيد، خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاولت طلب المرعى، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض عند تهيّئها للركوب والحمولة. تأمّل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد وبراثن شداد وأشداق وأفواه واسعة، فإنّه لمّا قدّر أن يكون طعمها اللّحم، خلقت خلقة تشاكل ذلك، وأعينت بسلاح
وأدوات تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخالب مهيّأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا تحتاج إليه، لأنّها لا تصيد ولا تأكل اللّحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه، أعني السلاح الذي تصيد وتتعيّش. أفلا ترى كيف أعطي كلّ واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته، بل ما فيه بقاؤ وصلاحه(1).
قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها، وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهّال باللّه تعالى أنّ نتاجها من فحول شتّى قالوا: وسبب ذلك أنّ أصنافا من حيوان البرّ إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتّى، وهذا جهل من قائله وقلّة معرفة بالبارئ جلّ قدسه، وليس كلّ صنف من الحيوان يلقح كلّ صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، و إنّما يكون التلقيح من بعض الحيوان في ما يشاكله، ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمار، فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع، فيخرج بينهما السمع(2).
قال تعالى: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى»(3).
وقال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر في الفطن الّتي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة، لطف من اللّه عزّ وجلّ لهم لئلاّ يخلو من نعمه جل وعزّ أحد من خلقه، لا بعقل ورويّة، فإنّ الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا، فيمتنع عن شرب الماء خوفا من أن يدبّ السمّ في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا، فيعجّ عجيجا عاليا ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته. فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمّل الظماء الغالب الشديد خوفا من المضرّة في الشرب، وذلك ممّا لا يكاد الإنسان العاقل المميّز يضبطه من نفسه(1).
هذا، وزاد (التوحيد) على ما مرّ: «انتظم علمه صنوف ذرئها، وأدرك تدبيره حسن تقديرها»(2).
الأظهر أنّ رهوات في كلامه عليهالسلام بمعنى المنفتحات، كقوله تعالى: «وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً...»(3). والمراد نظمها أوّلا، ويشهد له إضافتها إلى فرجها.
أي: جعلها ملصقة ابتداء.
أي: خلّط، والأصل فيه الاشتباك، ولهذا يطلق الوشيجة على عرق الشّجر،
وعلى ليف يفتل لشدّ الحمل، لأنّهما يشتبكان.
أي: قرائنها، كقوله تعالى: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ...»(1).
أي للملائكة الهابطين.
من السماء.
من الأرض.
أي خشونة.
أي العروج إليها.
الأصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي
1) . الصافات: 22.
يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها...»(1)، والنّداء في كلامه عليهالسلام، كالقول في الآية، حاليّ لا مقاليّ.
قال الطبرسي: أى ثمّ قصد إلى خلق السماء وكانت السماء دخانا، وقال ابن عباس: كانت بخار الأرض وأصل الاستواء الاستقامة والقصد للتدبير المستقيم تسوية له: «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ»(2)قال ابن عباس: أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت الأرض بما فيها من الأنهار والأشجار والثمار وليس هناك أمر بالقول على الحقيقة ولا جواب لذلك القول بل أخبر اللّه سبحانه عن اختراعه السّماوات والأرض وإنشائه لهما من غير تعذّر ولا كلفة ولا مشقّة بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير تلبّث ولا توقّف فعبّر عن ذلك بالأمر والطاعة وهو كقوله: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(3).
وإنما قال أتينا طائعين ولم يقل أتينا طائعتين لأنّ المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء وقيل إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال: «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(4).(5)
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئاً غَيْرَ
الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الآْخَرُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: مَا ذَاكَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ خَلْقِهِ ـ وساق الحديث إلى أن قال: ـ وَلَكِنَّهُ تعالى كَانَ إِذْ لا شَيْءَ غَيْرُهُ وَخَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَاءِ نَسَباً يُضَافُ إِلَيْهِ وَخَلَقَ الرِّيحَ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ سَلَّطَ الرِّيحَ عَلَى الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ الرِّيحُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ زَبَدٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَثُورَ(1)فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ أَرْضاً بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ(2)وَلا ثَقْبٌ وَلا صُعُودٌ وَلا هُبُوطٌ وَلا شَجَرَةٌ ثُمَّ طَوَاهَا(3)فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اللّهُ النَّارَ مِنَ الْمَاءِ فَشَقَّقَتِ النَّارُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتَّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَثُورَ فَخَلَقَ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ سَمَاءً صَافِيَةً نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ وَلا ثَقْبٌ الحديث(4).
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَاءً وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فَأَمَرَ اللّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ الْمَاءَ فَاضْطَرَمَ نَاراً ثُمَّ أَمَرَ النَّارَ فَخَمَدَتْ فَارْتَفَعَ مِنْ خُمُودِهَا دُخَانٌ فَخَلَقَ اللّهُ السَّمَاوَاتِ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ وَخَلَقَ الْأَرْضَ مِنَ الرَّمَادِ ثُمَّ اخْتَصَمَ الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالرِّيح الحديث(5).وعَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ عليهالسلام فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللّهُ قَالَ: خَلَقَ النُّورَ قَالَ: فَمِمَّ خُلِقَتِ
السَّمَاوَاتُ قَالَ مِنْ بُخَارِ الْمَاء(1).ووَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ جَوْهَراً أَخْضَرَ ثُمَّ ذَوَّبَهُ فَصَارَ مَاءً مُضْطَرِباً ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ بُخَاراً كَالدُّخَانِ فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاءَ كَمَا قَالَ: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخان»(2).(3)
وعن ابن عباس: «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»(4)فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات(5).
وعن علي عليهالسلام: ان اللّه َّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَضَرَبَ بِأَمْوَاجِ الْبُحُورِ فَثَارَ مِنْهَا مِثْلُ الدُّخَانِ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ خَلْقِ اللّهِ فَبَنَى بِهَا سَمَاءً رَتْقاً ـ إلى أن قال: ـ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ تِلْكَ الْبُحُور(6).وعن الصادق عليهالسلام: فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ وَالزَّبَدِ مِنْ وَسْطِهِ دُخَانٌ سَاطِعٌ مِنْ غَيْرِ نَارٍـ فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاء(7).
وروى عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ إلى أن قال: ـ فَأَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَاناً وَطِيناً وَزَبَداً فَأَمَرَ الدُّخَانَ فَعَلا وَسَمَا وَنَمَا فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ الْأَرَضِين(8).
1) . عيون اخبار الرضا عليهالسلام: 241/1، ح1؛ بحار الأنوار: 73/54، ح48.
2) . فصلت: 11.
3) . حدائق الحقائق: 131/1 ـ 132؛ بحار الأنوار: 29/54، ح4.
4) .هود: 7.
5) .الدر المنثور: 349/6.
6) . تفسير الفرات الكوفي: 185؛ بحار الأنوار: 92/54، ح79.
7) .تفسير القمي: 70.2؛ بحار الأنوار: 72/54، ح46.
8) . الدر المنثور: 43/1؛ بحار الأنوار: 206/54، ح154.
عرى جمع عروة؛ عروة الكوز وغيره.
قال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما...»(1)لكن الأخبار فسّرت الآية بأنّ السماء كانت رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت. ففتقتا بالأمطار والنّبات ففى حديث طويل سئل الشامى ابا جعفر عليهالسلامعن عدة مسائل ـ إلى أن قال: ـ فَقَالَ لَهُ الشَّامِيُّ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ قَوْلُ اللّهِ تَعَالَى «أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما»(2)فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: فَلَعَلَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُمَا كَانَتَا رَتْقاً مُلْتَزِقَتَيْنِ مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفُتِقَتْ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ فَإِنَّ قَوْلَ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ كانَتا رَتْقاً يَقُولُ كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقاً لا تُنْزِلُ الْمَطَرَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقاً لا تُنْبِتُ الْحَبَّ فَلَمَّا خَلَقَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْخَلْقَ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ فَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَالْأَرْضَ بِنَبَاتِ الْحَبِّ فَقَالَ الشَّامِيُّ أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ وُلْدِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ عِلْمَكَ عِلْمُهُمْ(3).عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ(4)قَالَ: سَأَلَ نَافِعٌ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما»(5)قَالَ: إِنَّ اللّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَهْبَطَ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ وَكَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقاً لا تَمْطُرُ شَيْئاً وَكَانَتِ
الْأَرْضُ رَتْقاً لا تُنْبِتُ شَيْئاً فَلَمَّا أن تَابَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى آدَمَ عليهالسلام أَمَرَ السَّمَاءَ فَتَقَطَّرَتْ بِالْغَمَامِ ثُمَّ أَمَرَهَا فَأَرْخَتْ عزالاها(1)[عَزَالِيَهَا] ثُمَّ أَمَرَ الْأَرْضَ فَأَنْبَتَتِ
الْأَشْجَارَ وَأَثْمَرَتِ الثِّمَارَ وَتَفَهَّقَتْ بِالْأَنْهَارِ فَكَانَ ذَلِكَ رَتْقَهَا وَهَذَا فَتْقَهَا فَقَالَ نَافِعٌ صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ(2).وأمّا قوله عليهالسلام: «صوامت أبوابها» فقال ابن أبي الحديد: هو وقوله بعد: «على نقابها» صريح في أنّ للسّماء أبوابا، وهو مطابق لقوله تعالى:... «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ...»(3)، والقرآن وكلام هذا الامام المعظّم أولى بالاتّباع من كلام الفلاسفة الّذين أحالوا الخرق على الفلك(4).
و قال المجلسي: وفتق صوامت الأبواب، إمّا كناية عن إيجاد الأبواب فيها وخرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها، أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين ايجادها، وهذه الأبواب هي الّتي منها عروج الملائكة وهبوطها وصعود أعمال العباد وأدعيتهم وأرواحهم، كما قال تعالى: «...لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ...»(5)والتي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه تعالى بقوله: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَم ِرٍ»(6).(7)
1) .العزالى بالألف الأخيرة والعزالى بالياء الخفيفة جمع «العزلاء» بفتح العين المهملة وسكون الزاى وهو مصب الماء من القربة ونحوها، وأرخت عزاليها أي أمطرت بشدة.
2) . الكافي: 121/8، ح93؛ بحار الأنوار: 15/54.
3) . الأعراف: 40.
4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 421/6.
5) . الأعراف: 40.
6) . القمر: 11.
7) . بحار الأنوار: 129/54.
ولقائل أن يقول: إنّ الآية الأولى كناية عن عدم المبالاة بهم، فبعدها: «... وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ...»(1)والآية الثانية المراد بالسماء
فيها جهتها كما انّ كلامه عليهالسلام لا إباء فيه عن تفسيره بما فسّر به الآية المتقدمة كما عرفت، وبالجملة، كلامه عليهالسلام كالقرآن لا صراحة فيه في ما ادّعيا.
نقاب، جمع نقب: الطريق بين الموضعين. قال تعالى: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآْنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»(2)، لكن ظاهر كلامه عليهالسلام أنّ الإرصاد كان من الأوّل، وظاهر الآية حكاية عن الجنّ أنّه كان أخيرا، والمراد بعد مولد النبيّ صلىاللهعليهوآله، وجمع بينهما بكونه أوّلا خفيفا وشدّد أخيرا.
قال الطبرسيُّ: ثمّ حكى اللّه الجنّ وقولهم: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ»(3)أى مسّنّاها، وقيل: طلبنا الصعود إلى السّماء فعبّر عن ذلك بالمسّ مجازا.
«فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً» أي حفظة من الملائكة شدادا «وَشُهُباً»(4)والتقدير ملئت السّماء من الحرس والشهب وهو جمع شهاب وهو نور يمتدّ من السّماء كالنار.
«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ» أى لاستراق السّمع أى كان يتهيّأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع صوت الملائكة وكلامهم: «فَمَنْ يَسْتَمِعِ»
منّا «الآْنَ» ذلك «يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»(1)يرمي به ويرصد له، وشهابا مفعول به ورصدا صفته قال معمّر: قلت للزّهرى أ كان يرمي بالنجوم في الجاهليّة؟ قال: نعم قلت: أ فرأيت قوله: «أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها»(2)الآية قال: غلّظ وشدّد أمرها حين بعث النّبي صلىاللهعليهوآله(3).
قال الفيض قدسسره عند قوله تعالى «إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ»(4)ما لفظه: والشهاب شعلة نار ساطعة وقد يطلق للكواكب والسِّنان لما فيهما من البريق.ثمّ قال قدسسره: في المجالس عن الصادق عليهالسلام: كان إبليس يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى عليهالسلام حجب عن ثلاث سموات وكان يخترق أربع سموات فلما ولد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حجب عن السبع كلّها ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش هذا قيام الساعة الذي كنّا نسمع أهل الكتاب يذكرونه وقال عمرو بن أميّة وكان من أرجز أهل الجاهلية انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أزمان الشتاءِ والصيف فان كان رمي بها فهو هلاك كلّ شيءٍ وان كانت تثبت ورمي بغيرها فهو أمر حدث. الحديث(5)قال قدسسره: والقمّيّ قال: لم تزل الشياطين تصعد إلى السماء وتتجسّس حتّى ولد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ثمّ ذكر مقالة عمرو بن أميّة ونسبها إلى وليد بن المغيرة ثمّ قال وكان بمكّة يهودي يقال له يوسف فلما رأى النجوم تتحرّك وتسير في السماءِ خرج إلى نادي(6)قريش فقال يا معشر قريش هل ولد فيكم
الليلة مولود فقالوا لا فقال أخطأتم والتوراة قد ولد في هذه الليلة آخر الأنبياء وأفضلهم و هو الذي نجده في كتبنا أنّه إذا ولد ذلك النبيّ صلىاللهعليهوآله رجمت الشياطين وحجبُوا من السماءِ فرجع كل واحد إلى منزله فسأل أهله فقالوا قد ولد لعبد اللّه بن
عبد المطلب بن عبد مناف الحديث(1).و قال قدسسره في تفسير قوله تعالى: «إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ»(2)لفظه: كأنّه يثقب الجوّ بضوئه والشهاب ما يرى كأنّ كوكباً انقضّ القمّيّ وهو ما يرمون به فيحرقون؛ قال: وعن الصادق عليهالسلام في حديث المعراج قال: فصعد جبرئيل فصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال له إسماعيل و هو صاحب الخطفة التي قال اللّه إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ وتحته سبعون ألف ملك تحت كلّ ملك سبعون الف ملك(3)الحديث(4).
قال تعالى: «وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِه»(5).
أي: تضطرب، قال تعالى: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً»(6)والمراد في القيامة.
جمع: خرق: أى متّسعات
أي: بقوّته، قال تعالى: «وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ...»(1).وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ...»(2).
أى أمرها بالوقوف والقيام وأراد منها ذلك منقادة لارادته كما قال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ»(3).قال الطبرسيّ: بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تتعلّق بها بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(4).
وقيل بأمره أى بفعله وإمساكه إلاّ أنّ أفعال اللّه عزّ اسمه تضاف إليه بلفظ الأمر لأنه أبلغ في الاقتدار فانّ قول القائل أراد فكان أو أمر فكان أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول فعل فكان، ومعنى القيام الثبات والدّوام(5)و قال تعالى:
«وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها»(6).
قال تعالى: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ»(1).قال الصادق عليهالسلام: فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا لإِقَامَةِ دَوْلَتَيِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ فَلَوْ لا طُلُوعُهَا لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَيَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا يَتَهَنَّوْنَ بِالعَيْشِ مَعَ فَقْدِهِمْ لَذَّةَ النُّورِ وَرَوْحَهُ وَالاْءِرْبُ فِي طُلُوعِهَا ظَاهِرٌ مُسْتَغْنٍ بِظُهُورِهِ عَنِ الاْءِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ وَالزِّيَادَةِ فِي شَرْحِهِ بَلْ تَأَمَّلِ الْمَنْفَعَةَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْ لا غُرُوبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هُدُوءٌ وَلا قَرَارٌ مَعَ عِظَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْهُدُوءِ وَالرَّاحَةِ لِسُكُونِ أَبْدَانِهِمْ وَجُمُومِ حَوَاسِّهِمْ(2)وَانْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَتَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ ثُمَّ كَانَ الْحِرْصُ يَسْتَحْمِلُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ وَمُطَاوَلَتِهِ عَلَى مَا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَوْ لا جُثُومُ(3)هَذَا اللَّيْلِ بِظُلْمَتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُدُوءٌ وَلا قَرَارٌ حِرْصاً عَلَى الْكَسْبِ وَالْجَمْعِ وَالادِّخَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْأَرْضُ تَسْتَحْمِى بِدَوَامِ الشَّمْسِ بِضِيَائِهَا وَيُحْمَى كُلُّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ فَقَدَّرَهَا اللّهُ بِحِكْمَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ تَطْلُعُ وَقْتاً وَتَغْرُبُ وَقْتاً بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُرْفَعُ لأَهْلِ الْبَيْتِ تَارَةً لِيَقْضُوا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِيَهْدَؤوا وَيَقِرُّوا فَصَارَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ مَعَ تَضَادِّهِمَا مُنْقَادَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلاحُ الْعَالَمِ وَقَوَامُهُ.
ثُمَّ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَانْحِطَاطِهَا لإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ(1)مِنَ السَّنَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَالْمَصْلَحَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَعُودُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ فِيهِمَا مَوَادُّ الثِّمَارِ وَيَتَكَثَّفُ(2)الْهَوَاءُ فَيَنْشَأُ مِنْهُ السَّحَابُ وَالْمَطَرُ وَتَشْتَدُّ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَتَقْوَى وَفِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ وَتَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَتَنَوَّرُ(3)الْأَشْجَارُ وَيَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ وَفِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَتَتَحَلَّلُ فُضُولُ الْأَبْدَانِ وَيَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَالْأَعْمَالِ وَفِي الْخَرِيفِ يَصْفُو الْهَوَاءُ وَتَرْتَفِعُ الْأَمْرَاضُ وَتَصِحُّ الْأَبْدَانُ وَيَمْتَدُّ اللَّيْلُ فَيُمْكِنُ فِيهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ لِطُولِهِ وَيَطِيبُ الْهَوَاءُ فِيهِ إِلَى مَصَالِحَ أُخْرَى لَوْ تَقَصَّيْتُ لِذِكْرِهَا لَطَالَ فِيهَا الْكَلامُ.
فَكِّرِ الآْنَ فِي تَنَقُّلِ الشَّمْسِ فِي الْبُرُوجِ الاثْنَيْ عَشَرَ(4)لإِقَامَةِ دَوْرِ السَّنَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الدَّوْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَزْمِنَةُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ السَّنَةِ الشِّتَاءُ وَالرَّبِيعُ وَالصَّيْفُ وَالْخَرِيفُ تَسْتَوْفِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَفِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ دَوَرَانِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ الْغَلاّتُ وَالثِّمَارُ وَتَنْتَهِي إِلَى غَايَاتِهِمْ ثُمَّ تَعُودُ فَيَسْتَأْنِفُ النُّشُوَّ وَالنُّمُوَّ أَ لا تَرَى أَنَّ السَّنَةَ مِقْدَارُ مَسِيرِ الشَّمْسِ مِنَ الْحَمَلِ إِلَى الْحَمَلِ فَبِالسَّنَةِ وَأَخَوَاتِهَا يُكَالُ الزَّمَانُ مِنْ لَدُنْ خَلَقَ اللّهُ تَعَالَى الْعَالَمَ إِلَى كُلِّ وَقْتٍ وَعَصْرٍ مِنْ غَابِرِ الْأَيَّامِ وَبِهَا يَحْسُبُ النَّاسُ الْأَعْمَارَ وَالْأَوْقَاتَ الْمُوَقَّتَةَ لِلدُّيُونِ وَالاْءِجَارَاتِ وَالْمُعَامَلاتِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَبِمَسِيرِ الشَّمْسِ تَكْمُلُ السَّنَةُ وَيَقُومُ حِسَابُ الزَّمَانِ عَلَى الصِّحَّةِ ـ الى أن قال: ـ وَلَوْ تَخَلَّفَتْ مِقْدَارَ عَامٍ أَوْ بَعْضَ عَامٍ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ حَالُهُمْ بَلْ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءٌ أَ فَلا تَرَى كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لِلنَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهَا حِيلَةٌ فَصَارَتْ تَجْرِي عَلَى مَجَارِيهَا لا تفتل(1)[تَعْتَلُ] وَلا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَوَاقِيتِهَا لِصَلاحِ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ بَقَاؤهُ.
فَكِّرْ فِي إِنَارَة القمر فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَالاْءِرْبِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى الظُّلْمَةِ لِهُدُوءِ الْحَيَوَانِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ عَلَى النَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ صَلاحٌ فِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ ظُلْمَةً دَاجِيَةً لا ضِيَاءَ فِيهَا فَلا يُمْكِنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَمَلِ لأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الْعَمَلِ بِاللَّيْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ (تقضي) الْأَعْمَالِ فِي النَّهَارِ وَلِشِدَّةِ الْحَرِّ وَإِفْرَاطِهِ فَيَعْمَلُ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَعْمَالاً شَتَّى كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَضَرْبِ اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْخَشَبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجُعِلَ ضَوْءُ الْقَمَرِ مَعُونَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعَايِشِهِمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ وَأُنْساً لِلسَّائِرِينَ وَجُعِلَ طُلُوعُهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَنُقِصَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ وَضِيَائِهَا لِكَيْلا يَنْبَسِطَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ انْبِسَاطَهُمْ بِالنَّهَارِ وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْهُدُوءِ وَالْقَرَارِ فَيُهْلِكَهُمْ ذَلِكَ وَفِي تَصَرُّفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً فِي مُهَلِّهِ(2)وَمُحَاقِهِ(3)وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ وَكُسُوفِهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قُدْرَةِ اللّهِ تَعَالَى خَالِقِهِ الْمُصَرِّفِ لَهُ هَذَا التَّصْرِيفَ لِصَلاحِ الْعَالَمِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُعْتَبِرُون(4).
وفِي خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ سَلاّمٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله مَا بَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لا يَسْتَوِيَانِ
فِي الضَّوْءِ وَالنُّورِ قَالَ لَمَّا خَلَقَهُمَا اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَطَاعَا وَلَمْ يَعْصِيَا شَيْئاً فَأَمَرَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَبْرَئِيلَ أَنْ يَمْحُوَ ضَوْءَ الْقَمَرِ فَمَحَاهُ فَأَثَّرَ الْمَحْوُ فِي الْقَمَرِ خُطُوطاً سَوْدَاءَ وَلَوْ أَنَّ الْقَمَرَ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ لَمْ يُمْحَ لَمَا عُرِفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَلا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ وَلا عَلِمَ الصَّائِمُ كَمْ يَصُومُ وَلا عَرَفَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ «وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِساب»(1).(2)
وعَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام عَنِ الْمَحْوِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْقَمَرِ قَالَ عليهالسلام: اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَر رَجُلٌ أَعْمَى يَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ عَمْيَاءَ أَ مَا
سَمِعْتَ اللّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»(3)الْخَبَر(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَالْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَالْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ الْخَبَرَ(5).
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ جُمْهُورٍ الْقُمِّيِّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ فَقَالَ: أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ أَ مَا سَمِعْتَ أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»(1)فَالْمَحْوُ السَّوَادُ الَّذِي تَرَاهُ فِي الْقَمَرِ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ شَمْسَيْنِ وَأَمَرَ تَعَالَى جَبْرَائِيلَ فَأَمَرَّ جَنَاحَهُ بِالَّذِي سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَعَدَدِ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ وَالدُّهُورِ وَالارْتِحَالِ وَالنُّزُولِ وَالاْءِقْبَالِ وَالاْءِدْبَارِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَحَلِّ الدَّيْنِ وَأَجْرِ الْأَجِيرِ وَعِدَّةِ أَيَّامِ الْحَمْلِ وَالْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِك(2).وعن أمير المؤنين عليهالسلام في الخطاب إلى الشّمس عند طلوعها: «أيّتها الشمس البديعة التصوير، المعجزة التقدير، التي جعلت سراجا للأبصار، ونفعا لسكّان الأمصار، شروقك حياة، وغروبك وفاة، إن طلعت بأمر عزيز، وإن رجعت إلى مستقر حريز، أسأل الّذي زيّن بك السماء، وألبسك الضياء، وصدع لك أركان المطالع، وحجبك بالشعاع اللاّمع، فلا يشرف بك شيء إلاّ امتحق، ولا يواجهك بشر إلاّ احترق، أن يهب لنا بك من الصّحة ودفع العلّة، وردّ العزبة، وكشف الكربة...»(3).
وعن السجّاد عليهالسلام في الخطاب إلى القمر عند مستهلّه: أيّها الخلق المطيع، الدّائب السّريع، المتردّد في منازل التقدير، المتصرّف في فلك التدبير، آمنت بمن نوّر بك الظّلم، وأوضح بك البهم، وجعلك آية من آيات ملكه، وعلامة من علامات سلطانه، وامتهنك بالزّيادة والنّقصان، والطّلوع والأفول، والإنارة والكسوف، في
كلّ ذلك أنت له مطيع، وإلى إرادته سريع. سبحانه ما أعجب ما دبّر في أمرك، وألطف ما صنع في شأنك، جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث، فأسأل اللّه ربّي وربّك، وخالقي وخالقك، ومقدّري ومقدّرك، ومصوّري ومصوّرك أن يصلّي على محمّد وآله، وأن يجعلك هلال بركة لا تمحقها الأيّام، وطهارة لا تدنسها الآثام، هلال أمن من الآفات وسلامة من السّيئات، هلال سعد لا نحس فيه، ويمن لا نكد معه، ويسر لا يمازجه عسر، وخير لا يشوبه شرّ، هلال أمن وإيمان ونعمة وإحسان وسلامة وإسلام. اللّهم صلّ على محمّد وآله، واجعلنا من أرضى من طلع عليه، وأزكى من نظر إليه، وأسعد من تعبّد لك فيه، ووفّقنا فيه للتّوبة، وأعصمنا فيه من الحوبة، واحفظنا من مباشرة معصيتك، وأوزعنا فيه شكر نعمتك، وألبسنا فيه جنن العافية، وأتمم علينا باستكمال طاعتك فيه المنّة، إنّك المنّان الحميد ـ الخ ـ(1).
أي: حركتهما، قال تعالى في الأوّل: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»(2)وفي الثاني: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ»(3).
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عبّاس في منازل القمر أنّها ثمانية وعشرون، ينزل القمر كلّ ليلة منزلا منها، وهي: الشّرطان، والبطين، والثّريا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنّثرة، والطرف، والجبهة، والزّبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزّبانا، والإكليل، والقلب، والشّولة، والنّعائم، والبلدة،
وسعد الذّابح، وسعد بلع، وسعد السّعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدّم والفرغ المؤّر(ومقدم الدلو ومؤر الدلو) وبطن الحوت(1).
وفي (الصحاح): والنّعائم منزل من منازل القمر، وهي ثمانية أنجم كأنّها سرير معوج، أربعة صادرة وأربعة واردة(2).
اختلف في أن أيّهما أسبق، فروى الطبريّ عن ابن عباس تقدّم اللّيل وعن آخرين العكس(3).
وروى ابن طاوس عن كتاب (واحدة بن جمهور القمي) أنّ من مسائل ذي الرئاستين للرضا عليهالسلام: أنّ الناس تذاكروا بين يدي المأمون في خلق الليل والنّهار، فقال بعض: خلق اللّه النهار قبل الليل، وقال بعض: خلق اللّه الليل قبل النّهار، فرجعوا بالسؤل إلى أبي الحسن الرضا عليهالسلام فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق النهار قبل الليل، وخلق الضياء قبل الظلمة، فإن شئتم أوجدتكم ذلك من النجوم، وإن شئتم من القرآن. فقال ذو الرئاستين: أوجدنا من الجهتين جميعا. فقال عليهالسلام: أمّا من النجوم فقد علمت أنّ طالع العالم السرطان، ولا يكون ذلك إلاّ والشمس في شرفها في نصف النهار، وأمّا من القرآن فاستمع قوله تعالى فيه: «لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(4).(5)
السنى الشمسية والسنى القمرية.
الأصل فيه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآْياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(1)وقوله تعالى: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً»(2)وقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...»(3).
ومرّ قول الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر الآن في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السّنة ـ إلى أن قال: ـ واستدل بالقمر، ففيه دلالة جليلة تستعملها العامّة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السّنة، لأنّ دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة ونشوّ الثّمار وتصرّمها، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل، فيكون مرّة بالشتاء ومرّة بالصيف(4).
الظاهر أنّ معناه أنّه تعالى علّق في جوّ السماء فلك الشّهب والشمس والقمر، قال تعالى: «... وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(1).
أي: علق وألصق.
أي: كواكبها الصغار التي كالدّرّ.
أي: كواكب كالسّراج.
قال تعالى: «وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيح»(2).وقال تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِب»(3).
وقال تعالى: «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً»(4).وقال تعالى: «أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها»(5).
أي: شياطين مسترقين للسّمع.
قال تعالى: «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ»(1).
وقال تعالى: «إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ»(2).
قال الطبرسيُّ: والتقدير لا يتسمّعون إلى الملائكة إلاّ من وثب الوثبة إلى قريب من السّماء فاختلس خلسة من الملائكة واستلب استلابا بسرعة فلحقه وأصابه نار مضيئة محرقة، والثاقب النيّر المضيء(3).فان قلت: تقدّم ذكر الشهب في قوله: وأقام رصدا من الشّهب الثواقب على نقابها فما وجه إعادتها؟
قلنا: إنّه عليهالسلام ذكر سابقا أنه أقامها رصدا، ونبّه ههنا على أنّ إرصادها لرمى مسترق السّمع، روى عن ابن عباس أنه كان في الجاهليّة كهنة ومع كلّ واحد شيطان فكان يقعد من السّماء مقاعد للسّمع فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض فينزل ويخبر به الكاهن فيفشيه الكاهن إلى النّاس، فلما بعث اللّه عيسى عليهالسلام منعوا من ثلاث سماوات، ولمّا بعث محمّد صلىاللهعليهوآله منعوا من السّماوات كلّها؛ وحرست السّمآء بالنّجوم والشّهاب من معجزات نبيّنا صلىاللهعليهوآله لأنّه لم ير قبل زمانه، وقيل: إنّ الشهاب يقتل الشياطين، و قيل لا يقتلهم(4).
ولعلّه كناية ان سكان الأرض لا يعرفون شيئا عن سكان الكواكب الأخرى،
كما ان هؤاء لا يعرفون شيئا عن سكان الأرض، فقد نقل عن الإمام الصادق عليهالسلام
انه قال: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ عَيْنِ شَمْسِكُمْ هَذِهِ أَرْبَعِينَ عَيْنَ شَمْسٍ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَمَرِكُمْ أَرْبَعِينَ قَمَراً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، لا يَدْرُونَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ، أُلْهِمُوا إِلْهَاماً لَعْنَةَ.. فُلانٍ وَفُلان(1)بل في القرآن ما يومئ الى ذلك، قال سبحانه: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ(2)أي في السموات والأرض.
قال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ»«(3).وقال تعالى: َالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ... لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ»(4).
وقال تعالى: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ»(5).قال الطبرسي رحمهالله: أى مذلّلات جاريات في مجاريهنّ بتدبيره وصنعه خلقهنّ لمنافع العباد(6).
كلّ منهما لحكمة، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها، كمثل الثّريّا والجوزاء والشّعريين وسهيل، فإنّها
لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض أمورهم، كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثّور والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت، فصار ظهور كلّ واحد منها واحتجابه في وقت غير وقت الآخر، لينتفع الناس بما يدلّ عليه كلّ واحد منهما على حدته، وما جعلت الثّريا وأشباهها تظهر حينا وتحتجب حينا إلاّ لضرب من المصلحة، وكذلك جعلت بنات نعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة، فإنّها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البرّ والبحر للطرق المجهولة، وكذلك انّها لا تغيب ولا تتوارى، فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاءوا، وصار الأمران جميعا على اختلافهما موجّهين نحو الإرب والمصلحة.
و فيها مآرب أخرى علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الأعمال كالزّراعة والغراس، والسفر في البرّ والبحر، وأشياء ممّا يحدث في الأزمنة من الأمطار والرياح، والحرّ والبرد، وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة واللّجج الهائلة(1).
وقال عليهالسلام: فكّر يا مفضّل في النجوم واختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك(2)، ولا تسير إلاّ مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج، وتفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق، كالنّملة التي تدور على الرّحى، فالرّحى تدور ذات اليمين، والنملة تدور ذات الشمال، والنّملة في ذلك تتحرّك
حركتين مختلفتين، إحداهما بنفسها فتتوجّه أمامها، والأخرى مستكرهة مع الرّحى تجذبها إلى خلفها. فاسأل الزّاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد، ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة(1)أو تكون كلّها منتقلة، فإنّ الإهمال معنى واحد(2)، فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير ففي هذا بيان أنّ مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير، وليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.
فإن قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا، وبعضها منتقلا قلنا: إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدّلالات التي يستدلّ بها من تنقل المتنقلة، ومسيرها في كلّ برج من البروج، كما يستدلّ على أشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف، ولا رسم يوقف عليه، لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الرّاتبة، كما يستدلّ على سير السائر في الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها ولو كان تنقّلها بحال واحدة لا ختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إنّ
1) . راتبة أي ثابتة غير متحركة.
2) . يحتمل أن يكون المراد ان الطبيعة او الدهرـ الذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤرينـ كل منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك.. أو المراد ان العقل يحكم بان مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين علي قانون الحكمة لا يكون إلاّ من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم.. او المراد ان الاهمال أي عدم الحاجة الى العلة، وترجح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما، فلم صارت إحداهما راتبة والأخرى منتقلة؟ ولم لم يعكس الامر.. ولعلّ المعنى الأول الذي ذكرناه أفضل وأقرب من تعليقات البحار .
كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال(1).
روي أنّ الصادق عليهالسلام سئل عن الحرّ والبرد ممّا يكونان، فقال عليهالسلام: إنّ المرّيخ كوكب حارّ، وزحل كوكب بارد، فإذا بدأ المريخ في الارتفاع انحطّ زحل، وذلك في الرّبيع، فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع زحل درجة انحطّ المرّيخ درجة حتّى ينتهي المرّيخ في الهبوط، وينتهي زحل في الارتفاع فيجلو زحل، وذلك في أوّل الشتاء، وآخر الخريف، فلذلك يشتدّ البرد.
وكلّما ارتفع هذا هبط هذا، وكلّما هبط هذا ارتفع هذا. فإذا كان في الصيف يوم بارد، فالفعل في ذلك للقمر، وإذا كان في الشتاء يوم حار، فالفعل في ذلك للشمس(2).(3)
الكافي: 306/8، ح474؛ بحار الأنوار: 246/55، ح27.
قالت أهل النجوم: زحل النّحس الأكبر، ومرّيخ النّحس الأصغر، والمشتري السّعد الأكبر، وزهرة السّعد الأصغر، وعطارد مع السّعد سعد ومع النّحس نحس، والنيران الشمس والقمر سعدان من التّثليث والتسديس، ونحسان من المقابلة
والتّربيع، والمقارنة والرّأس سعد، والذنب والكبد نحسان(1).
وقال الجوهري: سعود النجوم عشرة: أربعة منها في برج الجدي، والدّلو ينزلها القمر، وهي: سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد الأخبية، وسعد السّعود، وهو كوكب منفرد نيّر، وأمّا السّتة التي ليست من المنازل: فسعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر.
وكلّ سعد من هذه السّتّة كوكبان، بين كلّ كوكبين في رأي العين قدر ذراع، وهي متناسقة، وأمّا سعد الأخبية فثلاثة أنجم كأنّها أثافيّ، ورابع تحت واحد منهنّ(2)، وسعد بلع من منازل القمر كوكبان متقاربان زعموا أنّه طلع لما قال تعالى «للأرض:... ابْلَعِي ماءَكِ...»(3)يعني سمّي بلع لذلك(4).
وفي (كنايات الجرجانى): والعرب تكنّي عن الحشرات بجنود سعد، ويريدون سعد الأخبية، لأنّه إذا طلع انتشرت الهوام وخرج منها ما كان مختبئا، ويقال لذلك سمّي سعد الأخبية، قال الشاعر:
قد جاء سعد مؤنا بشرّه ***مؤنة جنوده بحرّه(5)
هذا، ومن أمثالهم: أسعد أم سعيد(6). والأصل فيه أنّ سعدا وسعيدا ابنا ضبّة خرجا، فرجع سعد وفقد سعيد، فصار سعيد ممّا يتشأم به(7).
ومنها، قولهم: بكلّ واد بنو سعد(1). والأصل فيه أنّ الأضبط بن قريع السعدي من سعد بن زيد مناة بن تميم رأى جفوة من قومه، فتحوّل في قبائل أخرى، فرأى أيضا منهم الجفوة، فرجع، وقال: بكل واد بنو سعد(2).
هذا، وقال أبو العبّاس بن الفرات: إنّ منجّما أخبره أنّه لم ينزل زحل في برج السّنبلة إلاّ حدثت حادثة، وقد جرت العادة بذلك على مضيّ الأوقات، ومن ذلك أنّه نزل هذا البرج سنة ثمان للهجرة، فكان في تلك السنة فتح خيبر ومكّة، ونزل في سنة (38) فكانت حرب صفّين بين علي عليهالسلام ومعاوية، ونزل في سنة (68) فكان فيها حرب المختار وعبد الملك وقضيّة عبد اللّه بن الزبير، ونزل فيه سنة (98) فمات سليمان بن عبد الملك، وانتقل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز، ونزل في سنة (128) فظهر أبو مسلم وجرت قضية مروان بن محمّد، ونزل في سنة (158) فمات المنصور، ونزل في سنة (188) فأوقع الرّشيد بالبرامكة، ونزل في سنة (218) فتوفّي المأمون، ونزل في سنة (248) فتوفّي المنتصر وقتل المتوكّل، ونزل في سنة (278) فتوفّي الموفّق، وحدث من الأمور ما حدث(3).
1) . مجمع الامثال الميدا نى: 111/1.
2) .الصحاح: 488/2.
3) . تحفة الامراء في تاريخ الوزراء هلال الصابى: 1/ 248. (اما اتفاق الطبري والمسعودى فإن فتح خيبر كان في سنة (7) وفتح مكة سنة (8) وحرب صفين سنة (36) وحرب المختار سنة (66) وحرب عبد الملك وابن الزبير سنة (72) وموت سليمان سنة (99) وموقعة الزاب بين اصحاب أبي مسلم ومروان سنة (132) وموت منصور سنة (158) وايقاع الرشيد بالبرامكة سنة (187) وموت المأمون سنة (218) وموت المنتصر سنة (248) وقتل المتوكل سنة (247) وموت الموفق سنة (278)؛ ثم ان الحوادث المذكورة ليس اكثرها مهما ففى التاريخ حوادث كثيرة اعظم منها وهذه الاقوال من خرافات المنجّمين) .
اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليهالسلام متضمّن لبيان صفات الملائكة وكيفية خلقتهم وحالة عبوديّتهم وخشوعهم وذلّتهم لمعبودهم، وقد مضى شطر واف من الكلام على هذا العنوان في شرح الخطبة الأولى، وتقدّم ثمّة ما ينفعك في هذا المقام ولما كان الغرض من هذه الخطبة الاشارة إلى عظمة اللّه سبحانه وقدرته والابانة عن الصّفات الجمالية والجلالية له تعالى، وكان ملائكة السماوات من أفضل الموجودات وأشرف المجعولات وعجائب الخلايق وبدايع الصّنايع وعظم المخلوق كان دالا على عظم الخالق وبديع صنعة المصنوع كان دليلا على كمال قدرة الصّانع وتدبيره وحكمته، لا جرم ساق عليهالسلام هذا الفصل لبيان حالهم وضمنه ذكر أوصافهم المختلفة وشئوناتهم المتفاوتة بعبارات رائقة وبدائع فائقة.
قال الشّارح المعتزلي ولنعم ما قال: إذا جاء هذا الكلام الرّباني واللّفظ القدسي بطلت فصاحة العرب وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص، ولو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أين لهم المادّة التي عبرت هذه الألفاظ عنها ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله هذه المعاني الغامضة السّمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها.
أما الجاهلية فانّهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك.
و أما الصّحابة المذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا يتجاوز السطرين أو الثلاثة إما في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ الدّنيا وما
يتعلّق بحرب وقتال من ترغيب أو ترهيب.
فأمّا الكلام في الملائكة وصفاتها وعبادتها وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبّها له وولهها إليه وما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل بطوله فانّه لم يكن معروفا عندهم على هذا التّفصيل، نعم ربّما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم ولا مرتّبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، فثبت أنّ هذه الامور الدقيقة مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلاّ لعليّ عليهالسلام وحده، واقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللّبيب اقشعرّ جلده ورجف قلبه واستشعر عظمة اللّه العظيم في روعه وخلده وهام نحوه وغلب الوجد عليه وكاد أن يخرج من مسكه شوقا وأن يفارق هيكله صبابة ووجدا(1).
اللّه.
كإسكان أرضه.
أى الجانب.
أي: السماء، وقال الجزريّ: الصفيح من أسماء السماء، ومنه حديث عليّ عليهالسلام
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 425/6.
«وعمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته»(1).
الملكوت من الملك كالرهبوت من الرّهبة، يقال له: ملكوت العراق، وملكوة العراق أيضا مثال الترقوة، وهو الملك والعز(2).
أى شقوق.
أى طرقها الواسعة.
أى جعلهم في حشو.
أي: متّسعها، في خبر ابن أبي العوجاء مع الصادق عليهالسلام أنّه قال له في مقام إقناعه: لو كان الأمر كما تقولون لم يضرّ بالمتديّنين، وإن كان كما يقولون فأنتم هالكون. فقال له ابن أبي العوجاء: ما قولي وقولهم إلاّ واحدا. فقال له عليهالسلام: كيف يكون كذلك وهم يقولون: إنّ لهم معادا وثوابا وعقابا، ويدينون بأنّ في السماء إلها وأنّها عمران، وأنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد(3).
أى ساحات.
أى الشقوق المتقدّمة في قوله عليهالسلام «فروج فجاجها».
بفتحتين: أى صوت
والأصل في الحظر المنع، وسمّيت السماوات التي هي محالّ الملائكة حظائر القدس، لأنّ الشياطين ـ وهم أهل الرجس ـ ممنوعون منها.
يمكن أن يكون (السترات) و(السرادقات) استعارة كما في قول رؤة:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ***سرادق المجد عليك ممدود(1)
ويمكن أن تكونا حقيقة، عن وهب بن منبه فوق السّماوات حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضا لكثرتهم يسبّحون اللّه تعالى بلغات مختلفة وأصوات كالرّعد العاصف(2).
وقد أشار عليهالسلام إلى تفصيل الحجب والسرادقات فيما روي عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤنين عليهالسلام عن الحجب، فقال عليهالسلام: أوّل الحجب سبعة غلظ كلّ
حجاب منها مسيرة خمسمائة عام وبين كلّ حجابين مسيرة خمسمائة عام، والحجاب الثاني سبعون حجابا بين كلّ حجابين مسيرة خمسمائة عام وطوله خمسمائة عام حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك قوّة كلّ ملك منهم قوّة الثّقلين، منها ظلمة، ومنها نور، ومنها نار، ومنها دخان، ومنها سحاب، ومنها برق، ومنها مطر، ومنها رعد، ومنها ضوء، ومنها رمل، ومنها جبل، ومنها عجاج، ومنها ماء، ومنها أنهار، وهي حجب مختلفة غلظ كلّ حجاب مسيرة سبعين ألف عام.
ثمّ سرادقات الجلال وهي ستّون «سبعون» سرادقا في كلّ سرادق سبعون ألف ملك بين كلّ سرادق وسرادق مسيرة خمسمائة عام، ثمّ سرادقات العزّ، ثمّ سرادق الكبرياء، ثمّ سرادق العظمة، ثمّ سرادق القدس، ثمّ سرادق الجبروت، ثمّ سرادق الفخر، ثمّ سرادق النور الأبيض، ثمّ سرادق الوحدانية، وهو مسيرة سبعين ألف عام في سبعين ألف عام، ثمّ الحجاب الأعلى وانقضى كلامه عليهالسلام وسكت، فقال له عمر: لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن(1).وقد روى فِي تَعْقِيبِ صَلاةِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام انه قال: وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ اسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ نُورَ حِجَابِكَ النُّورِ إِلَى قَوْلِهِ عليهالسلام: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الزَّكِيِّ الطَّاهِرِ الْمَكْتُوبِ فِي كُنْهِ حُجُبِكَ الْمَخْزُونِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ عَلَى سُرَادِقِ السَّرَائِر(2).
وفِي تَعْقِيبَاتِ نَوَافِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام اللَّهُمَّ: إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْمَجْدِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْبَهَاءِ
وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ
الْجَلالِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعِزَّةِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ السَّرَائِرِ السَّابِق؛ الدّعاء(1).
وعن علي بن أبي طالب عليهالسلام: خَلَقَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَحِجَابَ الْعَظَمَةِ وَحِجَابَ الْمِنَّةِ وَحِجَابَ الرَّحْمَةِ وَحِجَابَ السَّعَادَةِ وَحِجَابَ الْكَرَامَةِ وَحِجَابَ الْمَنْزِلَةِ وَحِجَابَ الْهِدَايَةِ وَحِجَابَ النُّبُوَّةِ وَحِجَابَ الرِّفْعَةِ وَحِجَابَ الْهَيْبَةِ وَحِجَابَ الشَّفَاعَة(2).وعن الصادق عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: قال جبرئيل في ليلة المعراج: إِنَّ بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ [تِسْعُونَ] أَلْفَ حِجَابٍـ وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَى اللّهِ أَنَا وَإِسْرَافِيلُ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَرْبَعَةُ حُجُبٍـ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ وَحِجَابٌ مِنْ ظُلْمَهٍـ وَحِجَابٌ مِنَ الْغَمَامِ وَحِجَابٌ مِنَ الْمَاءِ الحديث(3).
وفي الخبر: إنّ ما فوق السماء السابعة صحارى من نور، ولا يعلم ما فوق ذلك إلاّ اللّه تعالى(4).
وأمّا الاستار فانها على ما يستفاد من بعض الاخبار غير الحجب والسرادقات و يظهر من بعض اخر انّها عين الحجب وذلك لان الاستار والحجب من حيث اللغة لا فرق فيها الا بالاعتبار فممّا يدل على الغيرية ما عن أبي عبداللّه عليهالسلام قَالَ:
الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَالْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَالْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ الْخَبَرَ(1).
وممّا روى في الباب من طريق العامة ما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ أَتَى النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَلِ احْتَجَبَ اللّهُ مِنْ خَلْقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ السَّمَاوَاتِ قَالَ نَعَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ظُلْمَةٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ رَفَارِفِ الاْءِسْتَبْرَقِ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ رَفَارِفِ السُّنْدُسِ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَبْيَضَ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَحْمَرَ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَصْفَرَ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرٍّ أَخْضَرَ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ضِيَاءٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ثَلْجٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ مَاءٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ بَرْدٍ وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ عَظَمَتِهِ الَّتِي لا تُوصَف(2).
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَيْنَ الْمَلائِكَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَحِجَاباً مِنْ ظُلْمَةٍ(3).وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله دُونَ اللّهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ لا يَسْمَعُ (ما يسمع) مِنْ نَفْسٍ [مِنْ حِسٍ] تِلْكَ الْحُجُبَ إِلاّ زَهَقَتْ نَفْسُهُ(4).
وعن شَرْحُ النَّهْجِ، نهج البلاغة لِلْكَيْدُرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(1)حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى حِجَابٍ مِنْ حُجُبِ الْعِزَّةِ ثُمَّ إِلَى حِجَابٍ آخَرَ حَتَّى قَطَعْتُ سَبْعِينَ حِجَاباً وَأَنَا عَلَى الْبُرَاقِ وَبَيْنَ كُلِّ حِجَابٍ وَحِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ قَالَ وَرَأَيْتُ فِي عِلِّيِّينَ بِحَاراً وَأَنْوَاراً وَحُجُباً وَغَيْرَهَا لَوْ لا تِلْكَ لاحْتَرَقَ كُلُّ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَبْرَئِيلَ عليهالسلام قَالَ: للّهِِ دُونَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً لَوْ دَنَوْنَا مِنْ أَحَدِهَا لأَحْرَقَتْنَا سُبُحَاتُ وَجْهِ رَبِّنَا(2).
الأصل في الرّجيج الحركة الشديدة، كقوله تعالى: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا(3).ولازم الحركة الشديدة تولد صوت، كقوله عليهالسلام في ذي الثدية: «وأمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجّة صدره»(4).
أي: تذهب منه السامعة، قال عبيد بن الأبرص: دعا معاشر فاستكّت مسامعهم(5)والأصل في السكّ اصطلام الأذن وقطعها، وفي الخبر «مرّ رسول
1) . سِدْرَةُ المنتهى: شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهى علم الأوّلين والآخرين ولا يتعدّاها. النهاية: 353/2/ مادّة (سدر.
2) .حدائق الحقائق: 462/1 ـ 463؛ بحار الأنوار: 44/55، ح13.
3) .الواقعة: 4.
4) . نهج البلاغة فيض الاسلام : 811/ خ 234 ونهج البلاغة ( صبحى صالح ) خ 192 خطبة القاصعة.
5) . لسان العرب: 440/10 مادّة سكك
أي تجلياته ولمعاته.
والمراد بسبحات النور إما الأنوار التي تغشي العرش؛ ويدلّ عليه ما روى عن ميسرة قال: لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور(3).
وعن زاذان قال: حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور(4).وفي حديث المعراج قال: ورأيت في علّيين بحارا وأنوارا وحجبا وغيرها لو لا تلك لاحترق كلّ ما تحت العرش من نور العرش(5)
بحار الأنوار: 45/55، ح13.
، وإمّا حجب النّور التي دون العرش، ويؤّده ما في الحديث أنّ جبرئيل عليهالسلام قال للّه سبحانه: دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لاحترقتنا سبحات وجه ربّنا(6)، وفي حديث آخر من طرق المخالفين حجابه النّور والنّار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره(7).أي تكفّ.
والمراد استكاك أسماع البشر، وردع أبصارهم لو فرض بلوغهم إلى ذلك المحلّ، ويمكن أن يقرأ (الرّجيج) بالرّفع مبتدأ لقوله: (وراء)، ويكون (سبحات) مصحّف (وسبحات) عطفا على (الرّجيج)، وحينئذ فالمراد: استكاك أسماع الملائكة وردع أبصارهم، ويشهد له ما في الخبر: قال جبرئيل: للّه دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربّنا(1).
أي الأبصار.
أي: كليلة ولا تتجاوز.
قال عليهالسلام: «ومنهم الثابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم»(2).
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام في خبر المعراج قَال النّبى صلىاللهعليهوآله: وَصَعِدَ جَبْرَئِيلُ وَصَعِدْتُ مَعَهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَعَلَيْهَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ صَاحِبُ الْخَطْفَةِ الَّتِي قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ»(1)وَتَحْتَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍـ تَحْتَ كُلِّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ـ و ساق الحديث الى قوله: ـ حَتَّى دَخَلْتُ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَمَا لَقِيَنِي مَلَكٌ إِلاّ كَانَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَهِـ لَمْ أَرَ أَعْظَمَ خَلْقاً مِنْهُ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ ظَاهِرَ الْغَضَبِ ـ إلى أن قال: ـ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟ قال: هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ ـ ثم ساق الحديث الى قوله: ـ ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَهُوَ جَالِسٌ وَإِذَا جَمِيعُ الدُّنْيَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَإِذَا بِيَدِهِ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ فِيهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيهِـ وَلا يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَلا شِمَالاً مُقْبِلاً عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ الْحَزِينِ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ... ثُمَّ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ جَعَلَ اللّهُ أَمْرَهُ عَجَباً نِصْفُ جَسَدِهِ نَارٌ وَالنِّصْفُ الآْخَرُ ثَلْجٌ فَلا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَلا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ... اللَّهُمَّ يَا مُؤلِّفَ بَيْنِ الثَّلْجِ وَالنَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤمِنِينَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ وَكَّلَهُ اللّهُ بِأَكْنَافِ السَّمَاوَاتِ وَأَطْرَافِ الْأَرَضِينَ وَهُوَ أَنْصَحُ مَلائِكَةِ اللّهِ تَعَالَى لأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤمِنِينَ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا تَسْمَعُ مُنْذُ خُلِقَ، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ فِي السَّمَاءِ أَحَدُهُمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً وَالآْخَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً.
ثُمَّ... قَالَ: ثُمَّ مَرَرْنَا بِمَلائِكَةٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمُ اللّهُ كَيْفَ شَاءَ وَوَضَعَ وُجُوهَهُمْ كَيْفَ شَاءَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَطْبَاقِ أَجْسَادِهِمْ إِلاّ وَهُوَ يُسَبِّحُ اللّهَ
1) .الصافات: 10.
وَيُحَمِّدُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ أَصْوَاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ بِالتَّحْمِيدِ وَالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ كَمَا تَرَى خُلِقُوا إِنَّ الْمَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى جَنْبِ صَاحِبِهِ مَا كَلَّمَهُ قَطُّ وَلا رَفَعُوا رُؤوسَهُمْ إِلَى مَا فَوْقَهَا وَلا خَفَضُوهَا إِلَى مَا تَحْتَهُمْ خَوْفاً مِنَ اللّهِ وخُشُوعاً.
قَالَ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ... وَإِذَا فِيهَا مِنَ الْمَلائِكَةِ مِثْلُ مَا فِي السَّمَاءِ الْأُولَى وَعَلَيْهِمُ الْخُشُوعُ قَدْ وَضَعَ اللّهُ وُجُوهَهُمْ كَيْفَ شَاءَ لَيْسَ مِنْهُمْ مَلَكٌ إِلاّ يُسَبِّحُ للّهِِ وَيُحَمِّدُهُ بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وكذا السماء الثالثة.
ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ... وَإِذَا فِيهَا مِنَ الْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخُشُوعِ مِثْلُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، فَبَشَّرُونِي بِالْخَيْرِ لِي وَلأُمَّتِي، ثُمَّ رَأَيْتُ مَلَكاً جَالِساً عَلَى سَرِيرٍ تَحْتَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ...
ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ... وَرَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي خَلَقَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَسَخَّرَ بِهِ عَلَى مَا أَرَادَهُ دِيكاًـ رِجْلاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَهِـ وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ وَمَلَكاً مِنْ مَلائِكَةِ اللّهِ خَلَقَهُ كَمَا أَرَاد الحديث(1).
قال تعالى:... «جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2).عن النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: الْمَلائِكَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ فَجُزْءٌ لَهُمْ جَنَاحَانِ وَجُزْءٌ لَهُمْ
ثَلاثَةُ أَجْنِحَةٍ وَجُزْءٌ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَة(1).قال المجلسى قدسسره: لعل المراد أن أكثر الملائكة كذلك فلا ينافي ما ورد من كثرة أجنحة بعض الملائكة(2).
قَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام: خَلَقَ اللّهُ الْمَلائِكَةَ مُخْتَلِفَةً وَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله جَبْرَئِيلَ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ عَلَى سَاقِهِ الدُّرُّ مِثْلُ الْقَطْرِ عَلَى الْبَقْلِ قَدْ مَلأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ: إِذَا أَمَرَ اللّهُ مِيكَائِيلَ بِالْهُبُوطِ إِلَى الدُّنْيَاـ صَارَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْأُخْرَى فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَإِنَّ للّهِِ مَلائِكَةً أَنْصَافُهُمْ مِنْ بَرْدٍ وَأَنْصَافُهُمْ مِنْ نَارٍ يَقُولُونَ يَا مُؤلِّفاً بَيْنَ الْبَرْدِ وَالنَّارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَقَالَ: إِنَّ للّهِِ مَلَكاً بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ خَفَقَانَ الطَّيْرِ، وَقَالَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَنْكِحُونَ وَإِنَّمَا يَعِيشُونَ بِنَسِيمِ الْعَرْشِ، وَإِنَّ للّهِِ مَلائِكَةً رُكَّعاً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ للّهِِ مَلائِكَةً سُجَّداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْداللّه عليهالسلام: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا مِنْ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللّهُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَإِنَّهُ لَيَهْبِطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَيَأْتُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَيَطُوفُونَ بِهِ ثُمَّ يَأْتُونَ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ يَأْتُونَ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَأْتُونَ الْحُسَيْنَ عليهالسلام فَيُقِيمُونَ عِنْدَهُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ وُضِعَ لَهُمْ مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ أَبَدا(3).وعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام عَنْ قُدْرَةِ اللّهِ
تَعَالَى جَلَّتْ عَظَمَتُهُ فَقَامَ خَطِيباً فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ للّهِِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلائِكَةً لَوْ أَنَّ مَلَكاً مِنْهُمْ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَا وَسِعَتْهُ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَكَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَوْ كُلِّفَتِ الْجِنُّ وَالاْءِنْسُ أَنْ يَصِفُوهُ مَا وَصَفُوهُ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ مَفَاصِلِهِ وَحُسْنِ تَرْكِيبِ صُورَتِهِ وَكَيْفَ يُوصَفُ مِنْ مَلائِكَتِهِ مَنْ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَشَحْمَةِ أُذُنَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسُدُّ الْأُفُقَ بِجَنَاحٍ مِنْ أَجْنِحَتِهِ دُونَ عِظَمِ بَدَنِهِ وَمِنْهُمْ مَنِ السَّمَاوَاتُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَمُهُ عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ فِي جَوِّ الْهَوَاءِ الْأَسْفَلِ وَالْأَرَضُونَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَوْ أُلْقِيَ فِي نُقْرَةِ إِبْهَامِهِ جَمِيعُ الْمِيَاهِ لَوَسِعَتْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَوْ أُلْقِيَتِ السُّفُنُ فِي دُمُوعِ عَيْنَيْهِ لَجَرَتْ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِين(1)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّ للّهِِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دِيكاً رِجْلاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ ثَانِيَ عُنُقِهِ تَحْتَ الْعَرْشِ ـ إلى أن قال ـ وَإِنَّ لِذَلِكَ الدِّيكِ جَنَاحَيْنِ إِذَا نَشَرَهُمَا جَاوَزَا الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ وَخَفَقَ بِهِمَا وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِ يَقُولُ سُبْحَانَ اللّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ سُبْحَانَ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ الْقُدُّوسِـ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دِيَكَةُ الْأَرْضِ كُلُّهَا وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي الصُّرَاخِ فَإِذَا سَكَنَ ذَلِكَ الدِّيكُ فِي السَّمَاءِ سَكَنَتِ الدِّيَكَةُ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ السَّحَرِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ فَجَاوَزَا الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَخَفَقَ بِهِمَا وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِـ سُبْحَانَ اللّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ سُبْحَانَ اللّهِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ سُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الرَّفِيعِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دِيَكَةُ الْأَرْضِ فَإِذَا هَاجَ هَاجَتِ الدِّيَكَةُ فِي الْأَرْضِ تُجَاوِبُهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِذَلِكَ الدِّيكِ رِيشٌ أَبْيَضُ كَأَشَدِّ بَيَاضِ مَا رَأَيْتُهُ
1) . التوحيد للصدوق: 278/ ح3؛ بحار الأنوار: 178/56، ح13.
قَطُّ وَلَهُ زَغَبٌ أَخْضَرُ تَحْتَ رِيشِهِ الْأَبْيَضِ كَأَشَدِّ خُضْرَةٍ مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ فَمَا زِلْتُ
مُشْتَاقاً إِلَى أَنْ أَنْظُرَ إِلَى رِيشِ ذَلِكَ الدِّيك(1).وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: إِنَّ للّهِِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ نِصْفُ جَسَدِهِ الْأَعْلَى نَارٌ وَنِصْفُهُ الْأَسْفَلُ ثَلْجٌ فَلا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَلا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ وَهُوَ قَائِمٌ يُنَادِي بِصَوْتٍ لَهُ رَفِيعٍ: سُبْحَانَ اللّهِ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ فَلا تُذِيبُ هَذَا الثَّلْجَ وَكَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلا يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ اللَّهُمَّ يَا مُؤلِّفاً بَيْنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤمِنِينَ عَلَى طَاعَتِكَ(2).
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ إِنَّ للّهِِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ دَرْدَائِيلُ كَانَ لَهُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ... ثُمَّ أَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَنْ طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَاماً فَلَمْ يَنَلْ رَأْسَ قَائِمَةٍ مِنْ قُوَّامِ الْعَرْش(3).
قال تعالى: «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ»(4).
عن جميل عن الصادق عليهالسلام: إنّ في السّماوات السّبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام، فيها ملائكة قيام منذ خلقهم اللّه تعالى، والماء إلى ركبهم، ليس فيهم
ملك إلاّ وله ألف وأربعمائة جناح، في كلّ جناح أربعة وجوه، في كلّ وجه أربعة
ألسن، ليس فيها جناح ولا وجه ولا لسان ولا فم إلاّ وهو يسبّح اللّه تعالى بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه(1).
وعن ابن عبّاس عن النبيّ صلىاللهعليهوآله: إن للّه تعالى ملائكة ليس شيء من أطباق أجسادهم إلاّ وهو يسبّح اللّه تعالى ويحمده من ناحية بأصوات مختلفة(2).
أي لا يدّعون لأنفسهم.
قال تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤمِنُونَ»(3).
قال تعالى حكاية عنهم: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا»(4).
اقتباس من الآية في سورة الأنبياء وقبلها: «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
سُبْحانَهُ...»(1)، وبعدها «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(2).
قيل: نزلت في خزاعة حيث قالت: الملائكة بنات اللّه، فنزّه اللّه سبحانه نفسه عن ذلك وقال سبحانه أنفة له: بل هؤاء الّذين زعموا أنهم ولد اللّه ليسوا أولاده، بل هم عباد مكرمون أكرمهم اللّه واصطفاهم لا يسبقونه بالقول ولا يتكلّمون إلاّ بما يأمرهم به ربّهم، فكلّ أقوالهم طاعة لربّهم ويكفى بذلك جلالة قدرهم، وهم بأمره يعملون، ومن كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولد(3).
فلا يمكن خيانتهم فيه نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(4).
وقال تعالى: «اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا»(5).
لا كما يقول الغلاة من أنّ اللّه تعالى أرسل جبرئيل إلى عليّ عليهالسلام فذهب إلى محمّد صلىاللهعليهوآله.
أي: حفظهم.
أي: ريب يعرض من الشّبهات، قال شيخنا المفيد: إنّ الملائكة معصومون ممّا يوجب لهم العقاب بالنّار، وعلى هذا القول جمهور الإمامية، وسائر المعتزلة، وأكثر المرجئة، وجماعة من أصحاب الحديث، وقد أنكر قوم من الإمامية أن يكون الملائكة مكلّفين، وزعموا أنّهم إلى الأعمال مضطرّون، ووافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث(1).
قال التسترى رحمهالله: فيكون حال الملائكة عند أولئك حال الشمس والقمر والنجوم في طلوعها وغروبها حيث سخّرت على ذلك، ويردّهم قوله تعالى:... «لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ»(2)، وقوله تعالى: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ»(3)، وقوله تعالى: «... بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ»(4)الآية المذكورة في كلامه عليهالسلام، ويردّهم قوله عليهالسلام في العنوان: «لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه... فتقترع برينها على فكرهم»، وقوله عليهالسلام: «قد استفرغتهم... في قلوبهم عظما».
وأيّ شيء يقولون في قوله تعالى: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها... فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»(5)، وأيّ شيء يقولون في قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ
أي مائل.
تعالى.
أي أمدّهم بالاعانة بدء وعودا.
أي جعل كالشعار لها.
مصدر أخبت: أي خشع.
أي: السكون والطمأنينة والوقار، قال تعالى: «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ...»(3).
وفي حديث المعراج: إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ، ولا رفعوا
رؤسهم إلى ما فوقها، ولا خفضوها إلى ما تحتها خوفا من اللّه وخشوعا(1).
أي بلا صعوبة.
أي: تسابيحه جمع التّمجيد، قال تعالى: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ»(2).وورد في الخبر: أن شرابهم التسبيح وطعامهم التقديس(3).
«على أعلام» متعلّق بقوله: ونصب، والأعلام الجبال، وهو أحسن استعارة، كما في قول الخنساء في أخيها صخر:
و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ***كأنّه علم في رأسه نار(4)
فلا يمكن أن يتطرّق اليهم شكّ.
بالتشديد: أي لم تجعلهم ثقلاء الحمل.
أي مضيقات.
ككثير من الناس، قال تعالى: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ»(1).
أي تعاقب.
الحاصلتين من طلوع الشمس وغروبها، أي: لم يحملهم تعاقب الليالي والأيّام على الرّحلة كالنّاس، قال الشاعر:
أفناه قيل اللّه للشّمس ارجعي ***حتّى إذا واراك أفق فارجعي(2)
أي: أيمانهم الثابت الّذي لا يتزايل، بمعنى: أنّ الشكوك وإن كانت ذات روام نوازع لم تستطع أن تجعل ايمانهم هدفا لها.
أي: ولم تقاتل، والأصل في العرك الدّلك، وفي القتال يدلك كلّ من القرنين الآخر.
فتسلّط على حلّه من قلوبهم، والمراد أنّ الملائكة لم يحصل لهم ظنون مخالفة ليقيناتهم في المعارف الالهية كما قد يتفق للبشر، وذكر الظّنون بعد الشكوك كالاعتراك بعد الرّمي في غاية الحسن.
القادحة: الدودة التي تقع في الأشجار والأسنان(1).
جمع الأحنة: أي الحقد والضغن(2).
ككثير من الناس.
أي التحيّر وعدم الإهتداء.
أي لصق.
أي المعرفة له تعالى.
متعلّق بقوله: لاق.
لا كبعض النّاس الّذين يسلب عنهم أيمانهم، كما حكى تعالى عن بعضهم: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ(1).
الظاهر كون الكلمة تحريف (فتفرغ) من قوله تعالى:... «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً»(2).
من (الريبة)، وقرئ (برينها) من «... رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ...»(3)، والأوّل أقرب إلى الوساوس.
فيكون المعنى: لو كانت الوساوس تطمع فيهم، يمكن أن تفرغ ارتياباتها على فكرهم كالبشر، لكنّهم ليسوا كذلك.
أي السحاب: أي خلقه كخلق الغمام.
أي الماشى بحمل ثقيل؛ ويمكن أن يراد به أنّ منهم من عمله صنع السّحاب الدّلح.
ويشهد للحمل هنا ما في دعاء الصحيفة في الصلاة على حملة العرش وكلّ ملك مقرّب: «وخزّان المطر وزواجر السّحاب، والّذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود، وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، ومشيّعي الثّلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل»(1).
أي: الرّفيعة، ظاهره أن يكون خلقه في عظم الجبال، ويمكن أن يراد به أنّهم مقيمون في تلك الجبال موكّلون بها، وفي دعاء الصحيفة المتقدّم «و القوّام على خزائن الرياح والموكّلين بالجبال فلا تزول»(2).
أي غبرة.
والأصل في (يهم) ما لا علاج له، ولذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها: يهماء، وللبرّ الذي لا يهتدى فيه: أيهم، والمراد ظلام لا يهتدى فيه من شدّته.
وفي الخبر عن الصادق عليهالسلام أنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السدّ جاوزه فدخل في الظّلمات فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع... فقال له ذو القرنين: من أنت قال: أنا ملك من ملائكة الرحمن موكّل بهذا الجبل، وليس من جبل خلقه اللّه تعالى إلاّ وله عرق متصل بهذا الجبل...(1).
أي منتهى.
من الأرضين السبع.
أي فأقدامهم.
أي جاوزت.
1) . من لا يحضره الفقيه: 542/1، ح1511؛ بحار الأنوار: 127/57، ح19.
الّتى لا تمنع الأشياء من النفوذ فيها.
أي تحت تلك الاقدام.
أي سريعة المرور في هبوبها(1).
أي تحبس الريح أقدامهم.
تلك الأقدام.
في الأرض والهواء.
بالفتح جمع شغل.
قال شيخنا المفيد: إنّ الملائكة مكلّفون وموعودون(2).
قال تعالى: «وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ»(1).
عن كلّ شئ.
تعالى، وفي المناجاة الشعبانية عنهم عليهمالسلام: «إلهي وألهمني ولها بذكرك إلى ذكرك وهمّني (اجعل همّتى) إلى روح نجاح أسمائك ومحلّ قدسك»(2).
وفي ذاك الدّعاء: «إلهي وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا، ومنك خائفا مراقبا»(3).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَتَفَرَّغَ لَهَا فَهُوَ لا يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَمْ عَلَى يُسْرٍ(4).
وعَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ عليهالسلام فَقُلْتُ الْمَلائِكَةُ أَفْضَلُ أَمْ بَنُو آدَمَ؟ فَقَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام: إِنَّ اللّهَ
عَزَّ وَجَلَّ رَكَّبَ فِي الْمَلائِكَةِ عَقْلاً بِلا شَهْوَةٍ وَرَكَّبَ فِي الْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلا عَقْلٍ وَرَكَّبَ فِي بَنِي آدَمَ كِلَيْهِمَا فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَه فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَمَنْ غَلَبَ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ(1).
قال ابن الاعرابي: لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ وفيها الشّراب(2).
أي الرافعة للعطش.
وفي المناجاة الخامسة عشرة: «ما أطيب طعم حبّك، وما أعذب شرب قربك»(3).
أي حبّة.
أي اشتباك عروق.
أي عوّجوا.
أي العبادة.
والمراد ركوعهم.
أي لم يفن.
فهم متضرّعون اليه دائماً.
أي التقرّب لديه تعالى.
بالكسر فالفتح: جمع ربقة حبل فيه عدة عرى يشدّ به البهائم.
فهم أبداً في حبالته.
بأعمالهم.
وأمّا ما روي في (عقاب الأعمال) عن ابن خالد الصيقل عن الباقر عليهالسلام: «إنّ اللّه
عزّ وجلّ فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة، فخلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء، فلمّا رأى الأشياء قد انقادت له قال: من مثلي فأرسل اللّه عزّ وجلّ نويرة من نار قلت: وما نويرة من نار قال: نار بمثل أنملة. قال: فاستقبلها بجميع ما خلق فتحلّلت لذلك حتّى وصلت إليه لما أن دخله العجب(1)فهو خبر واحد(2).
للّه تعالى.
لهم.
فيعدّونها حقيرة.
الفترة: الإنكسار والضعف.
أي سعيهم وجدّهم في عبادته.
قال زين العابدين وسيّد السّاجدين عليهالسلام في الصلاة على حملة العرش: اللّهمّ وحملة عرشك الذين لا يفترون عن تسبيحك وَلا يَسْأَمُونَ مِنْ تَقْدِيسِك(1).
من (غاض الماء): أي قلّ ونضب.
اليه تعالى.
إلى رجاء غيره.
أي لم تيبس.
مع خالقهم.
أي مستدقّاتها.
1) . الصحيفة السجادية: 36/ د 3؛ بحار الأنوار: 217/56
الشخصية.
أي الصوت الخفى.
بالهمز: أي التضرع.
تعالى.
فاعل (تنقطع).
جمع مقام.
أي العبادة.
بأن يبدّلوا منكبا بمنكب للاستراحة، ويحتمل أن يكون (تختلف) مصحّف (تتخلّف) فيكون الكلام استعارة عن عدم إعراضهم عن طاعته.
أي لم يرفعوا.
أي لا تتجاوز ولا تتعدى.
في عبادته.
فيقصّرون في طاعته.
عن الصادق عليهالسلام: إنّ طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللّذّات والشهوات
ـ أعني لكم: الحلال ليس الحرام ـ قال فأنف اللّه للمؤنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم، قال: فألقى اللّه في همم أولئك الملائكة اللّذّات والشهوات كيلا يعيبوا
المؤنين. قال: فلمّا أحسّوا ذلك من هممهم عجّوا إلى اللّه من ذلك، فقالوا: ربّنا عفوك عفوك ردّنا إلى ما خلقتنا له وأجبرتنا عليه، فإنّا نخاف أن نصير في أمر مريج. قال: فنزع اللّه ذلك من هممهم(1).وليس هذا الخبر مخالفا لعصمتهم، فمضمونه نظير كلامهم في خلقة آدم عليهالسلام.
1) . تفسير العياشى: 211/2، ح42؛ بحار الأنوار: 142/8، ح59.
رووا أن علي بن الحسين عليهالسلام صلى أربعين سنة صلاة الصبح بوضوء المغرب(1).وعن أبي جعفر عليهالسلام: مَا أَطَاقَ أَحَدٌ عَمَلَهُ وَإِنْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهالسلام لَيَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ مِنْ كُتُبِ عَلِيٍّ عليهالسلام فَيَضْرِبُ بِهِ الْأَرْضَ وَيَقُولُ مَنْ يُطِيقُ هَذَا(2).
أي جميع أيّامهم، فإنّهم كغيرهم في جميعها محتاجون إليه تعالى.
أي قصدوه تعالى.
أي مسافة.
أي نهاية.
لانّه تعالى أهل لأن يعبد فوق تلك المرتبة.
أي الحرص والولع.
(غير) صفة لمواد ومن (من) لبيانها.
قال الشارح البحرانى: لمّا كانوا غرقى في محبّته عالمين بكمال عظمته وأنّ ما يرجونه من تمام جوده أشرف المطالب وأربح المكاسب، وما يخشى من انقطاع جوده ونزول حرمانه أعظم المهالك والمعاطب لا جرم دام رجاؤم له وخضوعهم في رقّ الحاجة إليه والفزع من حرمانه وكان ذلك الرجاء والخوف هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته الّتى يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها(1).
أي الخوف.
أي يضعفوا.
في العبادة.
في المادّيات.
1) .شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 362/2.
أي يختاروا.
أي سرعته إلى ما طمعوا فيه.
في طاعته تعالى.
في الأزمنة المتطاولة.
أي ما مضى من أعمالهم.
أي أزال.
في عظم أعمالهم.
جمع شفقة؛ وفي (الأساس): لي عليه شفقة وشفق (يعني به) رحمة ورقة
وخوف من حلول المكروه به مع نصح(1).
أي خوفهم؛ قال الشاعر:
لَعَمْرُكَ ما أَدرِي، وإِنِّي لأَوْجَلُ ***على أَيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أَوَّل(2)
كالبشر؛ فلم يصفه أحد منهم بما لا يليق بجنابه.
أي غلبة.
ككثير من البشر.
كتقاطع عن عداوة؛ وانّما تقاطعهم تقاطع حسن بأن يذهب كلّ إلى ما وظّف له.
أي لا صار وليّهم.
بالكسر: الغش والحسد.
حسد هذا ذاك وذاك هذا.
أي فرّقتهم.
أي مغيّرات.
أي الحوادث.
أي لم يجعلهم قسماً قسماً.
جمع خيف؛ والأصل فيه الاختلاف، قالوا: سمّي مسجد الخيف خيفا، لاختلافه بانحداره عن غلظ الجبل، وارتفاعه عن مسيل الماء(1).
كالبشر همّ بعضهم في الطعام والشراب، وهمّ بعضهم في الألبسة، وهمّ بعضهم في الأبنية، وهمّ بعضهم في النساء.
1) . معجم البلدان للحموي: 412/2.
به تعالى.
أي ربقة الأسر المفهوم من (أسراء).
أي ميل عن الحق.
عنه (عن الحق).
أي ضعف.
أي انكسار.
أي طبقات.
أي جلد غير مدبوغ.
أي عامل.
أي سريع؛ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَنَّهُ سُئِلَ هَلِ الْمَلائِكَةُ أَكْثَرُ أَمْ بَنُو آدَمَ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَعَدَدُ مَلائِكَةِ اللّهِ فِي السَّمَاوَاتِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ التُّرَابِ فِي الْأَرْضِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاّ وَفِيهَا مَلَكٌ يُسَبِّحُهُ وَيُقَدِّسُه(1).وقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ رُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الْجِنِّ وَالْجِنُّ وَبَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّ وَهَؤلاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ الطُّيُورِ وَهَؤلاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ وَهَؤلاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ مَلائِكَةِ الْأَرْضِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا وَكُلُّ هَؤلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَكُلُّ هَؤلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ الْكُلُّ فِي مُقَابَلَةِ مَلائِكَةِ الْكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ ثُمَّ كُلُّ هَؤلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سُرَادِقِ وَاحِدٍ مِنْ سُرَادِقَاتِ الْعَرْشِ الَّتِي عَدَدُهَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ طُولُ كُلِّ سُرَادِقٍ وَعَرْضُهُ وَسَمْكُهُ إِذَا قُوبِلَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ شَيْئاً يَسِيراً وَقَدْراً صَغِيراً وَمَا مِنْ مِقْدَارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إِلاّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ قَائِمٌ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ ثُمَّ كُلُّ هَؤلاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ وَلا يَعْرِفُ عَدَدَهُمْ إِلاّ اللّهُ ثُمَّ مَعَ هَؤلاءِ
مَلائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هُمْ أَشْيَاعُ إِسْرَافِيلَ عليهالسلام وَالْمَلائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ جُنُودُ جَبْرَئِيلَ عليهالسلام وَهُمْ كُلُّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ لا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ رِطَابُ الْأَلْسِنَةِ
1) . تفسير القمي: 255/2؛ بحار الأنوار: 210/24، ح7.
بِذِكْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ يَتَسَابَقُونَ فِي ذَلِكَ مُنْذُ خَلَقَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلا يَسْأَمُون(1).وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاّ وَفِيهِ مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً للّهِِ وَاللّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرا(2).
بإلههم.
حيث تزداد معرفتهم.
وينبغي تذييل المقام بأمرين مهمّين: أحدهما في عصمة الملائكة.
وهو مذهب أصحابنا الاماميّة رضوان اللّه عليهم وعليه دلّت الآيات القرآنيّة والأخبار الكثيرة من طرقنا، ولنقتصر على رواية واحدة، وهي:
قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ وَأَبُو الْحَسَنِ:(3)قُلْنَا لِلْحَسَنِ أَبِي الْقَائِمِ عليهماالسلام: فَإِنَّ قَوْماً عِنْدَنَا
يَزْعُمُونَ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ اخْتَارَتْهُمَا الْمَلائِكَةُ لَمَّا كَثُرَ عِصْيَانُ بَنِي آدَمَ، وَأَنْزَلَهُمَا اللّهُ مَعَ ثَالِثٍ لَهُمَا إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمَا افْتَتَنَا بِالزُّهُرَةِ، وَأَرَادَا الزِّنَا بِهَا، وَشَرِبَا الْخَمْرَ، وَقَتَلا النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ، وَأَنَّ اللّهَ تَعَالَى يُعَذِّبُهُمُا بِبَابِلَ، وَأَنَّ السَّحَرَةَ مِنْهُمَا
يَتَعَلَّمُونَ السِّحْرَ وَأَنَّ اللّهَ تَعَالِي مَسَخَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ هَذَا الْكَوْكَبَ الَّذِي هُوَ الزُّهَرَةُ.
فَقَالَ الاْءِمَامُ عليهالسلام: مَعَاذَ اللّهِ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّ مَلائِكَةَ اللّهِ تَعَالَى مَعْصُومُونَ [مِنَ الْخَطَإِ] مَحْفُوظُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْقَبَائِحِ بِأَلْطَافِ اللّهِ تَعَالَى، فَقَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: «لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ»(1).
وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ» يَعْنِي الْمَلائِكَةَ «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ»(2)وَقَالَ فِي(3)الْمَلائِكَةِ: «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ»(4)إِلَى قَوْلِهِ: «وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ»(5).(6)
نعم في بعض الرّوايات ما يدلّ على خلاف ذلك ويمكن حملها على التقية، ويشعر به كون السائل في هذه الرواية من علماء العامة؛ وهو ما رواه عليّ بن إبراهيم القميّ رحمهالله عن أبيه، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلامقَالَ: سَأَلَهُ عَطَاءٌ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ عَنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إِنَّ الْمَلائِكَةَ كَانُوا يَنْزِلُونَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَحْفَظُونَ أَوْسَاطَ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ وُلْدِ آدَمَ وَالْجِنِّ وَيَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ وَيَعْرُجُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ فَضَجَّ أَهْلُ السَّمَاءِ مِنْ مَعَاصِي أَهْلِ الْأَرْضِ فَتَآمَرُوا(7)فِيمَا بَيْنَهُمْ مِمَّا يَسْمَعُونَ وَيَرَوْنَ مِنِ افْتِرَائِهِمُ الْكَذِبَ عَلَى اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىـ وَجُرْأَتِهِمْ عَلَيْهِ
وَنَزَّهُوا اللّهَ مِمَّا يَقُولُ فِيهِ خَلْقُهُ وَيَصِفُونَـ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ «يَا رَبَّنَا مَا تَغْضَبُ مِمَّا يَعْمَلُ خَلْقُكَ فِي أَرْضِكَـ وَمِمَّا يَصِفُونَ فِيكَ الْكَذِبَ وَيَقُولُونَ الزُّورَ وَيَرْتَكِبُونَ الْمَعَاصِيَ وَقَدْ نَهَيْتَهُمْ عَنْهَا ثُمَّ أَنْتَ تَحْلُمُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِي قَبْضَتِكَ وَقُدْرَتِكَ وَخِلالِ عَافِيَتِكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: فَأَحَبَّ اللّهُ أَنْ يُرِيَ الْمَلائِكَةَ الْقُدْرَةَ وَنَافِذَ أَمْرِهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ وَيُعَرِّفَ الْمَلائِكَةَ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ وَمِمَّا عَدَلَهُ عَنْهُمْ مِنْ صُنْعِ خَلْقِهِ وَمَا طَبَعَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَعَصَمَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، قَالَ فَأَوْحَى اللّهُ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِ انْتَخِبُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ حَتَّى أُهْبِطَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَجْعَلَ فِيهِمَا مِنْ طَبَائِعِ المَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ وَالْأَمَلِ مِثْلَ مَا جَعَلْتُهُ فِي وُلْدِ آدَمَ ثُمَّ أَخْتَبِرَهُمَا فِي الطَّاعَةِ لِي، فَنَدَبُوا إِلَى ذَلِكَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَكَانَا مِنْ أَشَدِّ الْمَلائِكَةِ قَوْلاً فِي الْعَيْبِ لِوُلْدِ آدَمَ وَاسْتِيثَارِ غَضَبِ اللّهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ فَأَوْحَى اللّهُ إِلَيْهِمَا أَنِ اهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ فَقَدْ جَعَلْتُ فِيكُمَا مِنْ طَبَائِعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ وَالْأَمَلِ مِثْلَ مَا جَعَلْتُهُ فِي وُلْدِ آدَمَ، قَالَ ثُمَّ أَوْحَى اللّهُ إِلَيْهِمَا انْظُرَا أَنْ لا تُشْرِكَا بِي شَيْئاً وَلا تَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ وَلا تَزْنِيَا وَلا تَشْرَبَا الْخَمْرَ قَالَ ثُمَّ كَشَطَ عَنِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ لِيُرِيَهُمَا قُدْرَتَهُ ثُمَّ أَهْبَطَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَلِبَاسِهِمْـ فَهَبَطَا نَاحِيَةَ بَابِلَ فَوَقَعَ لَهُمَا بِنَاءٌ مُشْرِقٌ فَأَقْبَلا نَحْوَهُ فَإِذَا بِحَضْرَتِهِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ حَسْنَاءُ مُتَزَيِّنَةٌ عَطِرَةٌ مُقْبِلَةٌ مُسْفِرَةٌ نَحْوَهُمَا، قَالَ فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهَا وَنَاطَقَاهَا وَتَأَمَّلاهَا وَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمَا مَوْقِعاً شَدِيداً لِمَوْقِعِ الشَّهْوَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمَا فَرَجَعَا إِلَيْهَا رُجُوعَ فِتْنَةٍ وَخِذْلانٍ وَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهِمَا فَقَالَتْ لَهُمَا إِنَّ لِي دِيناً أَدِينُ بِهِ وَلَيْسَ أَقْدِرُ فِي دِينِي عَلَى أَنْ أُجِيبَكُمَا إِلَى مَا تُرِيدَانِ إِلاّ أَنْ تَدْخُلا فِي دِينِيَ الَّذِي أَدِينُ بِهِ فَقَالا لَهَا وَمَا دِينُكِ، قَالَتْ لِي إِلَهٌ مَنْ عَبَدَهُ وَسَجَدَ لَهُ كَانَ لِيَ السَّبِيلُ إِلَى أَنْ أُجِيبَهُ إِلَى كُلِّ مَا
سَأَلَنِي، فَقَالا لَهَا وَمَا إِلَهُكِ قَالَتْ إِلَهِي هَذَا الصَّنَمُ.
قَالَ: فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ: هَاتَانِ خَصْلَتَانِ مِمَّا نَهَانَا عَنْهُمَا الشِّرْكُ وَالزِّنَا لأَنَّا إِنْ سَجَدْنَا لِهَذَا الصَّنَمِ وَعَبَدْنَاهُ أَشْرَكْنَا بِاللّهِ وَإِنَّمَا نُشْرِكُ بِاللّهِ لِنَصِلَ إِلَى الزِّنَا وَهُوَ ذَا نَحْنُ نَطْلُبُ الزِّنَا وَلَيْسَ نَخْطَأُ إِلاّ بِالشِّرْكِ فَائْتَمَرَا بَيْنَهُمَا فَغَلَبَتْهُمَا الشَّهْوَةُ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمَا، فَقَالا لَهَا: فَإِنَّا نَجِيبُكِ مَا سَأَلْتِ فَقَالَتْ فَدُونَكُمَا فَاشْرَبَا هَذَا الْخَمْرَ فَإِنَّهُ قُرْبَانٌ لَكُمَا عِنْدَهُ بِهِ تَصِلانِ إِلَى مَا تُرِيدَانِ، فَائْتَمَرَا بَيْنَهُمَا فَقَالا: هَذِهِ ثَلاثُ خِصَالٍ مِمَّا نَهَانَا رَبُّنَا عَنْهَا الشِّرْكُ وَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا نَدْخُلُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَالشِّرْكِ حَتَّى نَصِلَ إِلَى الزِّنَا فَائْتَمَرَا بَيْنَهُمَا، فَقَالا: مَا أَعْظَمَ الْبَلِيَّةَ بِكِ قَدْ أَجَبْنَاكِ إِلَى مَا سَأَلْتِ، قَالَتْ: فَدُونَكُمَا فَاشْرَبَا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ وَاعْبُدَا هَذَا الصَّنَمَ وَاسْجُدَا لَهُ، فَشَرِبَا الْخَمْرَ وَعَبَدَا الصَّنَمَ ثُمَّ رَاوَدَاهَا مِنْ نَفْسِهَا فَلَمَّا تَهَيَّأَتْ لَهُمَا وَتَهَيَّئَا لَهَا دَخَلَ عَلَيْهِمَا سَائِلٌ يَسْأَلُ، فَلَمَّا رَآهُمَا وَرَأَيَاهُ ذَعِرَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّكُمَا لامْرَءَانِ ذَعِرَانِ فَدَخَلْتُمَا بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الْعَطِرَةِ الْحَسْنَاءِ، إِنَّكُمَا لَرَجُلا سَوْءٍ وَخَرَجَ عَنْهُمَا فَقَالَتْ لَهُمَا: لا وَإِلَهِي لا تَصِلانِ الآْنَ إِلَيَّ وَقَدِ اطَّلَعَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى حَالِكُمَا وَعَرَفَ مَكَانَكُمَا وَيَخْرُجُ الآْنَ وَيُخْبِرُ بِخَبَرِكُمَا وَلَكِنْ بَادِرَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاقْتُلاهُ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكُمَا وَيَفْضَحَنِي ثُمَّ دُونَكُمَا فَاقْضِيَا حَاجَتَكُمَا وَأَنْتُمَا مُطْمَئِنَّانِ آمِنَانِ، قَالَ فَقَامَا إِلَى الرَّجُلِ فَأَدْرَكَاهُ فَقَتَلاهُ ثُمَّ رَجَعَا إِلَيْهَا فَلَمْ يَرَيَاهَا وَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَنُزِعَ عَنْهُمَا رِيَاشُهُمَا وَأسقط [أُسْقِطَا] فِي أَيْدِيهِمَا، قَالَ فَأَوْحَى اللّهُ إِلَيْهِمَا إِنَّمَا أَهْبَطْتُكُمَا إِلَى الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ فَعَصَيْتُمَانِي بِأَرْبَعٍ مِنْ مَعَاصِيَ كُلُّهَا قَدْ نَهَيْتُكُمَا عَنْهَا فَلَمْ تُرَاقِبَانِي فَلَمْ تَسْتَحْيَا مِنِّي وَقَدْ كُنْتُمَا أَشَدَّ مَنْ نَقَمَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لِلْمَعَاصِيـ وَاستجز [اسْتَجَرَّ] أَسَفِي وَغَضَبِي عَلَيْهِمْ، وَلِمَا جَعَلْتُ فِيكُمَا مِنْ طَبْعِ
خَلْقِي وَعصمني [عِصْمَتِي] إِيَّاكُمَا مِنَ الْمَعَاصِي فَكَيْفَ رَأَيْتُمَا مَوْضِعَ خِذْلانِي فِيكُمَا، اخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا أَوْ عَذَابَ الآْخِرَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: نَتَمَتَّعُ مِنْ شَهَوَاتِهَا فِي الدُّنْيَا إِذْ صِرْنَا إِلَيْهَا إِلَى أَنْ نَصِيرَ إِلَى عَذَابِ الآْخِرَةِ، فَقَالَ الآْخَرُ: إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا لَهُ مُدَّةٌ وَانْقِطَاعٌ وَعَذَابَ الآْخِرَةِ قَائِمٌ لا انْقِضَاءَ لَهُ فَلَسْنَا نَخْتَارُ عَذَابَ الآْخِرَةِ الدَّائِمَ الشَّدِيدَ عَلَى عَذَابِ الدُّنْيَا الْمُنْقَطِعِ الْفَانِي قَالَ: فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا وَكَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ فِي أَرْضِ بَابِلَ ثُمَّ لَمَّا عَلَّمَا النَّاسَ السِّحْرَ رُفِعَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى الْهَوَاءِ فَهُمَا مُعَذَّبَانِ مُنَكَّسَانِ مُعَلَّقَانِ فِي الْهَوَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(1).(2)
وقال بعض أهل العرفان بعد ما أورد الرّوايات الدّالّة على تكذيب أمر هاروت وماروت والرّوايات الدّالّة على صحّة قصّتهما:
1) . لا يخفى أن هذه الرواية وإن كان ظاهرها مما ينكره العقل والنقل لكونه قادحا في قداسة الملائكة الذين لا يعصون اللّه طرفة عين لأنهم «عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ»، وأنه قد ورد في الباب أخبار رادة لها كالخبر المروي في تفسير الإمام العسكري عليهالسلام، إلا أن التأمل الدقيق يعطي عدم منافاتها للعقل لأن عصيان الملائكة مستحيل مع كونهم كذلك أما بعد أن أعطاهما اللّه تعالى ما للبشر من القوى الشهوية. والإحساسات النفسانية كما يظهر من الرواية فظاهره صيرورتهما بشراً أو مثل البشر في فقدان العصمة وإمكان المعصية، وإشكال الفلاسفة بعدم إمكان انقلاب الماهيات مدفوع، بعموم قدرة اللّه تعالى، والمعاجز الصادرة عن المعصومين عليهمالسلام شاهدة على ذلك لكنه قد ورد في تفسير الإمام العسكري عليهالسلام ما يرد هذا الخبر فحينئذ يؤذ بالأوضح متناً والأوثق سنداً ويعمل بالمرجحات كما هو المناط في باب اختلاف الروايتين ولما لم يكن ثمة ثمرة عملية لم نطل الكلام في تنقيح المقام ج ـ ز. تفسير القمي: 58/1، تعليقة 1. چلم يسمع له حس أبدا.
2) . تفسير القمي: 55/1 العياشى: 52/1، ح75؛ بحار الأنوار: 316/56، ح2.
والوجه في الجمع والتوفيق أن يحمل روايات الصّحة على كونها من مرموزات الأوائل وإشاراتهم، وأنّهم عليهالسلام لمّا رأوا أنّ حكاتها كانوا يحملونها على ظاهرها كذّبوها(1)ثمّ قال: وأمّا حلّها فلعلّ المراد بالملكين الرّوح والعقل فانّهما من العالم الرّوحاني اهبطا إلى العالم الجسمانى لاقامة الحقّ فافتتنا بزهرة الحياة الدّنيا، ووقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، وعبدا صنم الهوى، وقتلا عقلهما النّاصح لهما بمنع تغذيته بالعلم والتقوى، ومحو أثر نصحه عن أنفسهما، وتهيّئا للزّنا
ببغى الدّنيا الدّنيّة التي تلى تربية النشاط والطرب فيها الكوكب المسمّى بالزّهرة،
فهربت الدّنيا منهما وفاتتهما لما كان من عادتهما أن تهرب من طالبيها لأنّها متاع الغرور وبقي اشراق حسنها في موضع مرتفع بحيث لا تنالها ايدى طالبها ما دامت الزّهرة باقية في السّماء وحملهما حبّها في قلبهما إلى أن وضعها طرائق مر السّحر و هو ما لطف مأخذه ودقّ، فخيّرا للتخلّص منها فاختارا بعد التنبّه وعود العقل إليهما أهون العذابين، ثمّ رفعا إلى البرزخ معذّبين ورأسهما بعد الى أسفل إلى يوم القيامة.
هذا ما خطر بالبال في حلّ هذا الرّمز(2)واللّه الهادي.
الثاني:
اختلف المسلمون في أنّ الأنبياء والملائكة أيّهم أفضل أى أكثر ثوابا، فذهب أكثر الأشاعرة إلى أنّ الأنبياء أفضل، وقال المعتزلة إنّ نوع الملائكة أفضل من نوع البشر، والملائكة المقرّبون أفضل من نوع الأنبياء وليس كلّ ملك عند الاطلاق أفضل من محمّد صلىاللهعليهوآله، بل بعض المقرّبين أفضل منه، وهو صلىاللهعليهوآله أفضل من ملائكة
اخرى غير الأوّلين(1).ولا خلاف بين علماء الاماميّة قدّس اللّه أرواحهم في أنّ الأنبياء والأئمّة صلوات اللّه عليهم أفضل من جميع الملائكة، وأخبارهم على ذلك مستفيضة، وإنّما نقتصر على رواية واحدة توضيحا للمرام.
وهي ما روى عن الْحَسَن بْن مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا فُرَاتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فُرَاتٍ الكوفي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِاللّهِ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِاللّهِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ صَالِحٍ الْهَرَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليهالسلام، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهمالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا خَلَقَ اللّهُ خَلْقاً أَفْضَلَ مِنِّي وَلا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنِّي قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَأَنْتَ أَفْضَلُ أَمْ جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ صلىاللهعليهوآله: يَا عَلِيُّ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ عَلَى مَلائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ وَفَضَّلَنِي عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْفَضْلُ بَعْدِي لَكَ يَا عَلِيُّ وَلِلْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِكَ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَخُدَّامُنَا وَخُدَّامُ مُحِبِّينَا يَا عَلِيُّ «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ...وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا»(2)بِوَلايَتِنَا يَا عَلِيُّ لَوْ لا نَحْنُ مَا خَلَقَ اللّهُ آدَمَ وَلا حَوَّاءَ وَلا الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ وَلا السَّمَاءَ وَلا الْأَرْضَ وَكَيْفَ لا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَقَدْ سَبَقْنَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةِ رَبِّنَا
عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْبِيحِهِ وَتَقْدِيسِهِ وَتَهْلِيلِهِ لأَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحُنَا فَأَنْطَقَنَا بِتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلائِكَةَ فَلَمَّا شَاهَدُوا أَرْوَاحَنَا نُوراً وَاحِداً اسْتَعْظَمُوا أُمُورَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ أَنَّا خَلْقٌ مَخْلُوقُونَ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِنَا فَسَبَّحَتِ الْمَلائِكَةُ لِتَسْبِيحِنَا وَنَزَّهَتْهُ عَنْ صِفَاتِنَا فَلَمَّا شَاهَدُوا عِظَمَ شَأْنِنَا هَلَّلْنَا لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ... فَقَالُوا لا إِلَهَ إِلاّ اللّهُ فَلَمَّا شَاهَدُوا كِبَرَ مَحَلِّنَا كَبَّرْنَا اللّهَ لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ أَنَّ اللّهَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُنَالَ وَأَنَّهُ عَظِيمُ الْمَحَلِّ فَلَمَّا شَاهَدُوا مَا جَعَلَ اللّهُ لَنَا مِنَ الْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ قُلْنَا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ أَنْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ فَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ فَلَمَّا شَاهَدُوا مَا أَنْعَمَ اللّهُ بِهِ عَلَيْنَا وَأَوْجَبَهُ لَنَا مِنْ فَرْضِ الطَّاعَةِ قُلْنَا الْحَمْدُ للّهِِ لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ مَا يَحِقُّ اللّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَيْنَا مِنَ الْحَمْدِ عَلَى نِعَمِهِ فَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ الْحَمْدُ للّهِِ فَبِنَا اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِ اللّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَحْمِيدِهِ ثُمَّ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عليهالسلام وَأَوْدَعَنَا صُلْبَهُ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَعْظِيماً لَنَا وَإِكْرَاماً وَكَانَ سُجُودُهُمْ للّهِِ عَزَّ وَجَلَّ عُبُودِيَّةً وَلآِدَمَ إِكْرَاماً وَطَاعَةً لِكَوْنِنَا فِي صُلْبِهِ فَكَيْفَ لا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَقَدْ سَجَدُوا لآِدَمَ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وَأَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أَذَّنَ جَبْرَئِيلُ مَثْنَى مَثْنَى وَأَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى ثُمَّ قَالَ تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ أَتَقَدَّمُ عَلَيْكَ فَقَالَ نَعَمْ لأَنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ عَلَى مَلائِكَتِهِ أَجْمَعِينَ وَفَضَّلَكَ خَاصَّةً فَتَقَدَّمْتُ وَصَلَّيْتُ بِهِمْ وَلا فَخْرَ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى حُجُبِ النُّورِ قَالَ لِي جَبْرَئِيلُ ع تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ وَتَخَلَّفْ عَنِّي فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ تُفَارِقُنِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَذَا انْتِهَاءُ حَدِّيَ الَّذِي وَضَعَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي فِي هَذَا الْمَكَانِ فَإِنْ تَجَاوَزْتُهُ احْتَرَقَتْ أَجْنِحَتِي لِتَعَدِّي حُدُودِ رَبِّي جَلَّ جَلالُهُ فَزُخَّ بِي زَخَّةً فِي
النُّورِ(1)حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حَيْثُ مَا شَاءَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مَلَكُوتِهِ فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ فَإِنَّكَ نُورِي فِي عِبَادِي وَرَسُولِي إِلَى خَلْقِي وَحُجَّتِي فِي بَرِيَّتِي لِمَنْ تَبِعَكَ خَلَقْتُ جَنَّتِي وَلِمَنْ خَالَفَكَ خَلَقْتُ نَارِي وَلأَوْصِيَائِكَ أَوْجَبْتُ كَرَامَتِي وَلِشِيعَتِكَ أَوْجَبْتُ ثَوَابِي فَقُلْتُ يَا رَبِّ وَمَنْ أَوْصِيَائِي فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَوْصِيَاءَكَ الْمَكْتُوبُونَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَنَظَرْتُ وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَرَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ نُوراً فِي كُلِّ نُورٍ سَطْرٌ أَخْضَرُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمُ كُلِّ وَصِيٍّ مِنْ أَوْصِيَائِي أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَآخِرُهُمْ مَهْدِيُّ أُمَّتِي فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَ هَؤلاءِ أَوْصِيَائِي مِنْ بَعْدِي؟ فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ هَؤلاءِ أَوْلِيَائِي وَأَحِبَّائِي وَأَصْفِيَائِي وَحُجَجِي بَعْدَكَ عَلَى بَرِيَّتِي وَهُمْ أَوْصِيَاؤكَ وَخُلَفَاؤكَ وَخَيْرُ خَلْقِي بَعْدَكَ وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُظْهِرَنَّ بِهِمْ دِينِي وَلأُعْلِيَنَّ بِهِمْ كَلِمَتِي وَلَأُطَهِّرَنَّ الْأَرْضَ بِآخِرِهِمْ مِنْ أَعْدَائِي وَلأُمَلِّكَنَّهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وَلأُسَخِّرَنَّ لَهُ الرِّيَاحَ وَلأُذَلِّلَنَّ لَهُ الرِّقَابَ الصِّعَابَ وَلأُرَقِّيَنَّهُ فِي الْأَسْبَابِ وَلأَنْصُرَنَّهُ بِجُنْدِي وَلأُمِدَّنَّهُ بِمَلائِكَتِي حَتَّى يُعْلِنَ دَعْوَتِي وَيَجْمَعَ الْخَلْقَ عَلَى تَوْحِيدِي ثُمَّ لأُدِيمَنَّ مُلْكَهُ وَلأُدَاوِلَنَّ الْأَيَّامَ بَيْنَ أَوْلِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلاةُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً(2).
وإنّما ذكرت الرّواية بطولها مع كون ذيلها خارجا عن الغرض لتضمّنه مناقب أهل البيت الأطهار، وكونه نصّا في خلافة الأئمة الأبرار ولعا منّى بايراد فضايلهم
ومناقبهم ما تعاقب على اللّيل والنّار، سلام اللّه عليهم أجمعين، ولعنة اللّه على أعدائهم ومنكري فضائلهم إلى يوم الدّين.
أي أهجم.
أي مضطرب.
قيل: أي: هايجة هيجان الفحول، وقيل: أي: صائلة.
جمع لجّة، قال الجوهري: لجّة الماء بالضمّ: معظمه(1)
أي الممتدّة المرتفعة.
جمع آذيّ.
1) . صحاح اللغة للجوهري: 338/1/ مادّة لجج.
أي أمواج تلك البحار.
من صفقت العود فاصطفق إذا حرّكت أوتاره.
أي: قذف هذا بذاك، وقذف ذاك بهذا.
جمع ثبج: أي أوساطها.
من (رغا البعير) إذا صوّت.
أى كالإبل الفحول.
أى هيجانها للسفاد.
استعارة لسكونه.
استعارة ايضا من (جمح الفرس براكبه) إذا غلبه.
من البحار الزاخرة.
بالأرض.
أي هيجان.
أي تراميه.
أي صدرها، والمراد كلّها، فالوطي بالكلكل لا يمكن إلاّ بالكلّ.
أي مسترخيا ومنقاداً.
أي تمرّغت وتدلكت عليه.
الكاهل مقدّم ظهر البعير الذي يكون عليه المحمل، وهو أيضا كناية عن الكلّ، فالتّمعك بالكواهل يستلزمه.
من اصطخاب الطير، أي: اختلاط أصواتها.
أي ساكناً ليّناً.
«وفي حكمة» بفتحتين: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه.
كفرس ملجم لصاحبه، ومن صار أسيرا لك.
أي مبسوطة.
في دلايل القدرة في الأرض والمنافع المعدّة فيها للخلق وهي كثيرة لا تحصى ونحن نقتصر على البعض بما ورد في الكتاب وأفاده أولو الألباب؛
فمنها أنه سبحانه جعلها مدحوّة على الماء وبارزة منه مع اقتضاء طبعها الغوص فيه وإحاطة البحار بها، وذلك لحكمة الافتراش وأن يكون بساطا للنّاس كما قال
تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً»(1)وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً»(2)وقال تعالى: «اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً»(3).
فلو كانت غائصة في الماء لبطل تلك الحكمة فأخرج سبحانه بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا ومهادا.
ومنها: كونها ساكنة في حيزها الطبيعى وهو وسط الأفلاك لأنّ الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أنّ الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب مايلي السماء والتحت مايلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الارض فيما بيننا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأنّ ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فاذن لاحاجة في سكون الأرض وقرارها إلى علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها فالقها، وركز فيها من الميل الطبيعى إلى الوسط الحقيقى بقدرته «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ»(4).
ومنها: توسّطها في الصلابة واللّين:
قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها»(5).اذ لو كانت في غاية الصلابة كالحجر لكان المشى والنوم عليها ممّا يولم البدن ولتعذرت الزراعة عليها ولا متنع إجراء الأنهار وحفر الآبار فيها ولم يمكن اتخاذ الأبنية والآنية منها لتعذّر تركيبها، ولو كانت في غاية اللين بحيث تغوص فيه
الرّجل كالماء لا متنع الاستقرار والافتراش والنوم والمشى واستحال الزرع والحرث.
ومنها: أنه جعل لونها الغبراء لتكون قابلة للانارة والضياء إذ ما كان في غاية اللّطافة والشفّافية لا يستقرّ النور عليه، وما كان كذلك فانه لا يتسخّن بالشمس فكان يبرد جدّا ولا يمكن جواره، هكذا قال الرازى(1)وصدر المتألهين(2). والأولى ما في شرح البحرانى قدسسره من أنها لو كانت مخلوقة في غاية الشفافية واللطافة فامّا أن تكون مع ذلك جسما سيّالا كالهواء لم يتمكن من الاستقرار عليه، أو يكون جسما ثابتا صقيلا براقا احترق الحيوان وما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها كما يحترق القطن إذا قرب من المرايا المحاذية للشّمس والبلور، لكنها خلقها غبراء ليستقرّ النّور على وجهها فيحصل فيها نوع من السخونة، وخلقها كثيفة لئلاّ تنعكس الأشعة منها على ما فيها فتحرقه، فصارت معتدلة في الحرّ والبرد تصلح أن تكون فراشا ومسكنا للحيوان(3).
ومنها: كونها يتولّد منها النبات والحيوان والمعادن قال تعالى: «وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ»(4).
ومنها: أن يتخمّر الرّطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات.
ومنها: اختلاف بقاعها فمنها أرض رخوة وصلبة ورملة وسبخة وعذبة وحزنة وسهلة، قال تعالى: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ»(5).
ومنها: اختلاف ألوانها فأحمر وأبيض وأسود ورمادي اللّون وأغبر، قال سبحانه: «وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ»(1).ومنها: انصداعها بالنبات قال تعالى: «وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ»(2).
ومنها: كونها خازنة للماء المنزّل من السماء قال تعالى: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ»(3).ومنها: إجراء العيون والأنهار فيها قال تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ»(4)وقال تعالى: «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً»(5).
ومنها: أنّ لها طبع السماحة والجود تدفع إليها حبّة واحدة وهي تردّها عليك سبعمائة قال تعالى: «كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ»(6).
ومنها: موتها في الشّتآء وحياتها في الرّبيع قال تعالى: «فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ»(7).
ومنها: انبثاث الدّواب المختلفة فيها قال تعالى: «وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»(8).
وقال تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(9).
ومنها: كونها مبدء الخلايق ومنشأها قال تعالى: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى»(1).
وجعل ظهرها مقرّ الأحيا وبطنها موطن الأموات قال تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً؛ أَحْياءً وَأَمْواتاً»(2).
ومنها: ما فيها من النباتات المختلفة الألوان والأنواع والمنافع قال تعالى: «وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»(3).
فبعضها للانسان وبعضها للحيوان قال تعالى: «كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ»(4).
وما للانسان بعضها طعام وبعضها إدام وبعضها فواكه وبعضها دواء وبعضها لباس كالقطن والكتان.
ومنها: ما فيها من الأحجار المختلفة، فبعضها للزينة كالدّرّ والياقوت والعقيق ونحوها، وبعضها للحاجة كما تستخرج منه النّار، فانظر الى قلّة الأوّل وكثرة الثاني، ثمّ انظر إلى قلّة المنفعة بذلك الخطير وكثرة المنفعة بذلك الحقير إلى غير ذلك من آثار القدرة ودلائل الصنع والعظمة والعجائب والغرائب التي يعجز عن إدراك معشارها عقول البشر، ويحتار في البلوغ إليها الأذهان والفكر.
أي موجه.
أي كبره.
أي تعاليه.
أي ارتفاع.
أي علوّ.
أي غلوّه وتجاوزه عن حدّه.
أي شدّت فاه.
أي امتلاء.
أي جريانه.
أي سكن.
من (مزق الفرس): أي نزا.
أي أقام ولصق.
أي تبختر. ويروى (زفيان): أي شدّة.
الوثبات جمع الوثبة.
أي جوانبها.
أي مرتفعات.
و الاصل الجبال الشواهق.
«البذّخ »: أي العوالى.
جواب (لمّا).
يفهم من إضافته عليهالسلام الينابيع إلى العيون كون الينبوع غير العين، وأنّ الينبوع أصل العين، ومحل خروج الماء، والعين ماؤ المجتمع، لا كما توهّم من اتّحادهما.
قال الجوهري: عرنين الأنف تحت مجتمع الحاجبين، وهو أوّل الأنف حيث يكون فيه الشّمم(1).في انفجار الينابيع والعيون من الأرض المشار إليه بقوله عليهالسلام :«فجر ينابيع الأرض من عرانين انوفها».
ظاهر قوله سبحانه: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ»(2)وقوله تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ»(3)هو كون ماء العيون والأنهار هو الماء المنزل من السحاب، وبه صرّح جمع من الأصحاب في باب طهورية الماء بقول مطلق بعد الاستدلال عليها بقوله سبحانه: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً(4).
ويدلّ عليه ما روي عن أبي جعفر عليهالسلام في قوله تعالى: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ»(1)فهي الأنهار والعيون والآبار(2)، ومحصّل ذلك أنّ القادر المختار أنزل بقدرته الكاملة وحكمته البالغة من السّماء ماء فأسكنه في الأرض وأخرج منه في العيون والآبار والقنى والأنهار ما اقتضاه الحكمة والتدبير في بقاء نوع الانسان والحيوان وإصلاح النّباتات والزراعات وغير ذلك من وجوه الحاجات، وإليه ذهب أبو البركات البغدادى حيث قال: إنّ هذه المياه متولّدة من أجزاء مائية متولّدة من أجزاء متفرّقة في ثقب أعماق الأرض ومنافذها إذا اجتمعت، ويدلّ عليه أنّ مياه العيون والأنهار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار وقالت الحكماء: إنّ البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب وفرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية، فاذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض وانفجرت منه العيون.
أمّا الجارية على الولاء فهى إما لدفع تاليها سابقها أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلاّ يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء ويفيض، وهكذا استتبع كلّ جزء منه جزء آخر وأما العيون الرّاكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من قوّتها وكثرة موادّها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللاّحق السابق وأما مياه القنى والآبار فهى متولّدة من أبخرة ناقصة القوّة عن أن يشقّ الأرض، فاذا ازيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فان لم يجعل هناك مسيل فهو البئر، وإن جعل فهو القناة، ونسبة القنا إلى الآبار كنسبة العيون
السيالة إلى الراكدة، وإنما كثر تفجّر العيون في الجبال والأماكن المرتفعة لشدّة احتقان الأبخرة تحتها بالنسبة إلى ساير الأماكن الهابطة الرّخوة، فانّ الأرض إذا كانت رخوة نفضت «نفذت خ ل» فلا يكاد يجتمع منه قدر ما يعتدّ به وقال الشيخ: هذه الأبخرة إذا انبعث عيونا أمدّت البحار بصبّ الأنهار إليها ثمّ ارتفع من البحار والبطائح والأنهار وبطون الجبال خاصة أبخرة اخرى، ثمّ قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلّل منها على الدّور دائما(1).
أي فرّق الينابيع.
أي واسعات.
البيد جمع البيداء: أي الأرض البر.
أخاديد: جمع اخدود: أي شقّ في الأرض مستطيل.
ظاهر كلامه عليهالسلام أنّ للأرض حركات متعدّدة.
وفي (الهيئة والإسلام): وحكماء عصرنا يذكرون لكرة الأرض خمس حركات
1) . بحار الأنوار: 57 / 50.
مختلفة وهي المشهورة، وحكى (فيلكس ورنه) عنهم القول بإحدى عشرة حركة، وقد انتخبت من كتبهم حركات ثمانية: الأولى: الحركة المحورية على منطقة الاستواء، وهي في حيّزها وموضعها، ولذلك تسمى بالحركة الوضعية و الاستوائية، ويتمّ دورها في (23) ساعة و(58) دقيقة و(49) ثانية، ويحصل منها الليل والنهار، وتتولد من تركّب هذه الحركة مع جزء من الحركة السنوية الحركة اليومية كما تقدّم، فيتم الدور في (24) ساعة.
الثانية: الحركة السنوية حول مركز الشمس على منطقة البروج في دائرة بيضيّة، و يتمّ دورها في (365) يوما و(6) ساعات و(8) دقائق و(38) ثانية، وبها تحصل الأشهر الأشهر الفرسيّة والرّومية والنّجومية ونحوها، وتتولّد الحركة الميليّة من هذه الحركة بسبب انحراف محور الأرض عن سطح دائرة البروج (23) درجة ونصف تقريبا، وهذه الحركة محور الأرض عن سطح دائرة البروج (23) درجة ونصف تقريبا، وهذه الحركة غير مستقلّة، وبها نرى للشّمس في كلّ سنة كرّا من الشّمال إلى نقطة الجنوب، ثمّ رجوعها منها إلى نقطة الشمال، ولو عدّت هذه الحركة والحركة اليوميّة مستقلّتين بلغت الحركات عشرا.
الثالثة: الحركة الإقباليّة: أي إقبال دائرة البروج إلى دائرة الاستواء في كلّ (670) عاما درجة واحدة، وهذه الحركة محصورة في زاوية ثلاث درجات، ولا تكمل دورة مستديرة. فلا نرتقب زمانا تنطبق فيه إحدى الدائرتين على الأخرى كما كان القدماء يتوقّعون ذلك، وبه فسّر بعضهم قيامة الدّنيا.
الرابعة: حركة نقطتي الأوج والحضيض حول المحيط من دائرة البروج في كلّ (20931) سنة دورة كاملة بسبب تجاذب المشتري والزهرة مع الأرض، وبذلك
تتغيّر أزمنة الفصول. ففي سنة (648) كانت نقطة الحضيض على نقطة الانقلاب الصيفي. فكانت أيّام الصيف مساوية لأيّام الربيع، وبهذه الحركة تقرب الأرض من الشمس في نقطة الحضيض ثلاثمائة ألف فرسخ بالنسبة إلى أوجها، فتزداد قوّة جاذبيّة الشمس في الأرض قدر الخمس ممّا كان لها قبلئذ.
و من آثار اشتداد هذه القوّة سرعة تحرّك الأرض في فلكها كلّ يوم إحدى وستين دقيقة، مع أنّها تتحرّك في أوجها كلّ يوم سبعا وخمسين دقيقة من فلكها.
و من آثارها أيضا ارتفاع السائلات المستنبطة على وجه الأرض كمياه البحار المحيطة وتراكمها نحو أقرب نقاط الأرض إلى الشمس، على هذا فنحن الآن نرى المياه متراكمة في النواحي الجنوبية من عرض أربعين درجة، بحيث توجد ثمّة بقاع تلمع بصفاح متّسعة كالأقطار الشمالية، لكن الأمر ينعكس بعد اليوم بخمسة آلاف سنة، حيث تنتقل نقطة الحضيض الى شمالنا، فتتجه المياه نحو الشمال طالبة أقرب النقاط إلى الشمس، فتحسر الأقطار الجنوبية قناع الغمر عن أوجهها وتبدي محاسنها وما أودع اللّه فيها لنوع البشر، ويصبح فيها العمران والعلم والتمدّن الأواخر، وتدعونا نحوها مبشّرات، ويمسي في شمالنا الغرق والخراب والعطالة وتزجرنا بالخروج منذرات، فتعرف الامم عند ذلك أثمان المراكب البحرية والهوائية، ويومئذ ينجو المخفّون.
الخامسة: حركة تقديم الاعتدالين الربيعي والخريفيّ، وبها ترى الثوابت متحركة على موازاة دائرة البروج في (26000) سنة شمسيّة مرّة، وكان القدماء يظنّون أنّ الثوابت بأسرها مركوزة في ثخن فلك يدور دورة في تلك المدّة.
السادسة: الحركة الرّقصية أو الارتعاش القمري، وهي التي تعرض على
محوري الأرض، فتميل بذلك إلى دائرة البروج في كلّ (29) سنة مرّة، اكتشفها الفلكيّ (برادله) سنة (1844 م) ومنشؤا تأثير الجاذبيتين من الشمس والقمر في أرضنا مع تسطيحها القطبي وتفرطحها الاستوائي، وينتقل محور الأرض بهذه الحركة في دورة عقدتي القمر بمقدار (18 درجة وكسر) إلى الجنوب والشمال.
السابعة: الارتعاش الشمسي، قال في (الحدائق): النّجوم ما معناه أنّ الأرض يرتعش محورها ـ أي يرتعش محورها من طرف قطبيها ـ بجاذبيّة الشمس، وتتمّ في سنة شمسيّة وغايتها دقيقة من الفلك.
الثامنة: الحركة التبعية، وهي سير الأرض كباقي السيارات بتبعيّة الشمس في الفضاء المهول حول مركز مجهول، والأرجح أنّ الحركات أكثر مما وصلوا إليه...(1).نقلناه بطوله لاشتماله على وجود حركات للأرض، وإن كانت تفاصيل ما قاله غير معلومة، ونكله إلى أهل فنّه.
أي الثابتات صفة (الجبال) مقدّرة.
أي صخورها العظيمة.
أي بصاحبات.
1) . الهيئة والاسلام: 83/1. (السيد هبة الدين الشهرستاني؛ نجف؛ مطبعة الآداب).
أي: الرّؤس، قال الجوهري: الشنخوبة والشنخوب واحد شناخيب الجبل، وهي رؤسه(1).
أي الطوال.
أي شدادها.
أي من الاضطراب وحركة غير معتدلة.
من رسب الشيء في الماء، أي: سفل فيه.
هكذا في النسخ، والظاهر كونه مصحّف (أياديهما) أي: متونها.
قال الجوهري: الغلغلة سرعة السير، وتغلغل الماء في الشجر إذا تخللها(2).
والظاهر أنّ المراد هنا الثاني، بأن يكون المعنى تخلّلت الجبال في الأرض تخلّل الماء في الشجر.
أي بلا مانع للجبال من التخلل.
الجوبات جمع الجوبة، أي: الحفرة المستديرة الواسعة.
أي اُنوفها.
أي ركوب الجبال.
أي مسطّحاتها.
و هي ضدّ سهولها، وفي (النهاية): الجراثيم: أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أو طين(1).
أي وسّع.
1) .النهاية لابن الأثير: 254/1 مادة جرثم.
أي وبين الأرض.
أي سبب تنفس.
من البشر وغيره.
قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: أُنَبِّهُكَ عَلَى الرِّيحِ وَمَا فِيهَا أَ لَسْتَ تَرَى رُكُودَهَا إِذَا رَكَدَتْ كَيْفَ يُحْدِثُ الْكَرْبَ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النُّفُوسِ وَيُمْرِضُ الْأَصِحَّاءَ وَيَنْهَكُ الْمَرْضَى وَيُفْسِدُ الثِّمَارَ وَيُعَفِّنُ الْبُقُولَ وَيُعْقِبُ الْوَبَاءَ فِي الْأَبْدَانِ وَالآْفَةَ فِي الْغَلاّتِ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي صَلاحِ الْخَلْقِ .
وَأُنَبِّئُكَ عَنِ الْهَوَاءِ بِخُلَّةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الصَّوْتَ أَثَرٌ يُؤثِّرُهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْهَوَاءِ وَالْهَوَاءُ يُؤدِّيهِ إِلَى الْمَسَامِعِ(1)وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَمُعَامَلاتِهِمْ طُولَ نَهَارِهِمْ وَبَعْضَ لَيْلِهِمْ فَلَوْ كَانَ أَثَرُ هَذَا الْكَلامِ يَبْقَى فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَبْقَى الْكِتَابُ فِي الْقِرْطَاسِ لامْتَلأَ الْعَالَمُ مِنْهُ فَكَانَ يَكْرُبُهُمْ وَيَفْدَحُهُمْ وَكَانُوا يَحْتَاجُونَ فِي تَجْدِيدِهِ وَالاسْتِبْدَالِ بِهِ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَجْدِيدِ الْقَرَاطِيسِ لأَنَّ مَا يُلْفَظُ
1) .تعريف الإمام عليهالسلام للصوت لا يتعارض مع التعريف الذي اصطلحه العلم الحديث له، فالصوت في النظر العلمي هو حركة اهتزازية تحدث في الهواء من جسم اهتز فيه، والصوت إذ يحدث الرجات في الهواء تنتقل هذه الرجات الى طبلة الاذن ليحملها عصب السمع الى المخ وممّا يدلّ على ان الصوت هو رجات تحدث في الهواء انه لو احدث صوت داخل ناقوس مفرغ الهواء لم يسمع له حس أبداً.
مِنَ الْكَلامِ أَكْثَرُ مِمَّا يُكْتَبُ فَجَعَلَ الْخَلاّقُ الْحَكِيمُ جَلَّ قُدْسُهُ هَذَا الْهَوَاءَ قِرْطَاساً
خَفِيّاً يَحْمِلُ الْكَلامَ رَيْثَمَا يَبْلُغُ الْعَالَمُ حَاجَتَهُمْ ثُمَّ يُمْحَى فَيَعُودُ جَدِيداً نَقِيّاً وَيَحْمِلُ مَا حَمَلَ أَبَداً بِلا انْقِطَاعٍ وَحَسْبُكَ بِهَذَا النَّسِيمِ الْمُسَمَّى هَوَاءً عِبْرَةً وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ حَيَاةُ هَذِهِ الْأَبْدَانِ وَالْمُمْسِكُ لَهَا مِنْ دَاخِلٍ بِمَا يَسْتَنْشِقُ مِنْهُ مِنْ خَارِجٍ بِمَا يُبَاشِرُ مِنْ رَوْحِهِ وَفِيهِ تَطَّرِدُ هَذِهِ الْأَصْوَاتُ فَيُؤدِّي الْبُعْدَ الْبَعِيدَ وَهُوَ
الْحَامِلُ لِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ يَنْقُلُهَا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ.
أَ لا تَرَى كَيْفَ تَأْتِيكَ الرَّائِحَةُ مِنْ حَيْثُ تَهُبُّ الرِّيحُ فَكَذَلِكَ الصَّوْتُ وَهُوَ الْقَابِلُ
لِهَذَا الْحَرِّ وَالْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْعَالَمِ لِصَلاحِهِ وَمِنْهُ هَذِهِ الرِّيحُ الْهَابَّةُ فَالرِّيحُ تَرُوحُ عَنِ الْأَجْسَامِ وَتُزْجِي السَّحَابَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ حَتَّى يَسْتَكْشِفَ فَيَمْطُرَ وَتَفُضُّهُ حَتَّى يَسْتَخِفَّ فَيَتَفَشَّى وَتُلْقِحُ الشَّجَرَ وَتُسِيرُ السُّفُنَ وَتُرْخِي الْأَطْعِمَةَ وَتُبَرِّدُ الْمَاءَ وَتَشُبُّ النَّارَ وَتُجَفِّفُ الْأَشْيَاءَ النَّدِيَّةَ وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّهَا تُحْيِي كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ فَلَوْ لا الرِّيحُ لَذَوَى النَّبَاتُ وَلَمَاتَ الْحَيَوَانُ وَحُمَّتِ الْأَشْيَاءُ وَفَسَدَت(1).في حكمة خلق الهواء المشار إليها بقوله عليهالسلام: «وأعدّا لهواء متنسما لساكنها»، فيه نفع عظيم للانسان والحيوان، لأنّه من ضروريّات العيش لأنها مادّة النفس الذى لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات، وقيل هنا: إنّ كلّ ما كانت الحاجة إليه أشدّ كان وجدانه أسهل ولمّا كان احتياج الانسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتّى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلّ شيء، وبعد الهواء الماء، فانّ الحاجة إليه أيضا شديدة فلا جرم سهل أيضا وجدان الماء، ولكن
1) . توحيد المفضل: 140؛ بحار الأنوار: 119/3.
وجدان الهواء أسهل لأنّ الماء لا بدّ فيه من تكلّف الاغتراف بخلاف الهواء فانّ الآلات المهيّاة لجذبه حاضرة أبدا ثمّ بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة ولكن دون الحاجة إلى الماء فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والادوية النّادرة قليلة فلا جرم عزّت هذه الأشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من الياقوت والزبرجد نادرة جدّا فلا جرم كانت في نهاية العزّة، فثبت أنّ كلّ ما كان الاحتياج إليه أشدّ كان وجدانه أسهل وكلّ ما كان الحاجة إليه أقلّ كان وجدانه أصعب، وما ذاك إلاّ رحمة منه سبحانه على العباد قال الشاعر:
سبحان من خصّ القليل بعزّة ***والنّاس مستغنون عن أجناسه(1)
وكمال مصالحها قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: ُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَالدَّلالَةِ عَلَى الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَنَظْمُهَا(2)عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَخَبَرْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ وَالْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ وَالنُّجُومُ مُضِيئَةٌ(3)كَالْمَصَابِيحِ وَالْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ وَالاْءِنْسَانُ كَالْمَلِكِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَالْمُخَوَّلِ(4)جَمِيعَ مَا فِيهِ وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ
وَصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ فَفِي هَذَا دَلالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ
الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَحِكْمَةٍ وَنِظَامٍ وَمُلائَمَةٍ وَأَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَنَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ(1).
أي لم يترك.
بتقديم الرّاء على الزاي، أرض انقطع عنها النبات، وفيه لغات: بضمّتين، وفتحتين، وضمّ فسكون، وفتح فسكون.
أي عواليها.
قال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعا»(2).
قال الجوهري: الجدول: النهر الصغير(3).
و المراد الكبيرة.
أي وسيلة.
أي بلوغ تلك الروابي كرؤس الجبال والآكام، أو بلوغ تلك الأرض الجرز كأراض ليست فيها أنهار ولا عيون.
بالأمطار النازلة من السحاب.
(حتى أنشألها ناشئة سحاب تحيى مواتها) من باب المجاز في الاسناد (و) كذلك (تستخرج نباتها) لأنّ المحيى والمخرج هو اللّه سبحانه والسحاب سبب قال اللّه تعالى: «وَاللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ»(1).وقال تعالى: «وَاللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها»(2).
وقال تعالى: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيرا»(3).وقال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ»(4).
وقال تعالى: «وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتا»(1).قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: تأمّل في نزول المطر عَلَى الْأَرْضِ وَالتَّدْبِيرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ جُعِلَ يَنْحَدِرُ عَلَيْهَا مِنْ عُلْوٍ لِيَغْشَى مَا غَلُظَ وَارْتَفَعَ مِنْهَا فَيُرْوِيَهُ وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا يَأْتِيهَا مِنْ بَعْضِ نَوَاحِيهَا لَمَا عَلا الْمَوَاضِعَ الْمُشْرِفَةَ مِنْهَا وَيَقِلُّ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ أَ لا تَرَى أَنَّ الَّذِي يُزْرَعُ سَيْحاً(2)أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَالْأَمْطَارُ هِيَ الَّتِي تُطَبِّقُ الْأَرْضَ وَرُبَّمَا تُزْرَعُ هَذِهِ الْبَرَارِي الْوَاسِعَةُ وَسُفُوحُ الْجِبَالِ وَذُرَاهَا فَتُغِلُ الْغَلَّةَ الْكَثِيرَةَ وَبِهَا يَسْقُطُ عَنِ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ مَئُونَةُ سِيَاقِ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَمَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّشَاجُرِ وَالتَّظَالُمِ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ بِالْمَاءِ ذُو الْعِزِّ وَالْقُوَّةِ وَيُحْرَمُهُ الضُّعَفَاءُ ثُمَّ إِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَنْحَدِرَ عَلَى الْأَرْضِ انْحِدَاراً جُعِلَ ذَلِكَ قَطْراً شَبِيهاً بِالرَّشِّ لِيَغُورَ فِي قَعْرِ الْأَرْضِ فَيُرْوِيَهَا وَلَوْ كَانَ يَسْكُبُهُ انْسِكَاباً كَانَ يَنْزِلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلا يَغُورُ فِيهَا ثُمَّ كَانَ يَحْطِمُ الزُّرُوعَ الْقَائِمَةَ إِذَا انْدَفَقَ عَلَيْهَا فَصَارَ يَنْزِلُ نُزُولاً رَقِيقاً فَيُنْبِتُ الْحَبَّ الْمَزْرُوعَ وَيُحْيِي الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ الْقَائِمَ وَفِي نُزُولِهِ أَيْضاً مَصَالِحُ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَبْدَانَ وَيَجْلُو كَدَرَ الْهَوَاءِ فَيَرْتَفِعُ الْوَبَاءُ الْحَادِثُ مِنْ ذَلِكَ وَيَغْسِلُ مَا يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ مِنَ الدَّاءِ الْمُسَمَّى بِالْيَرَقَانِ(3)إِلَى أَشْبَاهِ هَذَا مِنَ الْمَنَافِع(4).
في خلق السّحاب والمطر والبرد والثلج والرّعد والبرق والصواعق قال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ»(1).
قال الرازيّ: في كونها خوفا وطمعا وجوه الاول عند لمعان البرق يخاف وقوع الصّواعق ويطمع في نزول الغيث الثاني أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في خزينته التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع الثالث أنّ كلّ شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشرّ بالنسبة إلى آخر فكذلك المطر خير في حقّ من يحتاج في أوانه وشرّ في حقّ من يضرّه ذلك إما بحسب المكان أو بحسب الزّمان ثمّ اعلم أنّ حدوث البرق دليل عجيب على قدرة اللّه سبحانه وبيانه أنّ السحاب لا شك أنه جسم مركب من أجزاء مائية وأجزاء هوائية «نارية ظ» ولا شكّ أنّ الغالب عليه الاجزاء المائية والماء جسم بارد رطب والنّار جسم حارّ يابس، فظهور الضّد من الضدّ التام على خلاف العقل فلابدّ من صانع مختار يظهر الضدّ من الضدّ فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنّ الرّيح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثمّ إنّ ذلك الرّيح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولّد من ذلك التمزيق الشّديد حركة عنيفة والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق فالجواب أنّ كلّ ما ذكرتموه خلاف المعقول من وجوه:
1) .الرعد: 12 ـ 13.
الأوّل: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال أينما حصل البرق فلابدّ وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحاصل من تمزّق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فانه كثيرا ما يحدث البرق القوى من غير حدوث الرعد الثّانى أنّ السخونة الحاصلة بسبب قوّة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا المعارض القوى كيف تحدث النّارية بل نقول: النيران العظيمة ينتفي لصبّ الماء عليها والسّحاب كلّه ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية الثالث من مذهبكم أنّ النار الصرفة لا لون لها البتة فهب أنه حصلت النارية بسبب قوّة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدث ذلك اللّون الأحمر، فثبت أنّ السبب الذي ذكروه ضعيف وأنّ حدوث النّار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلاّ بقدرة القادر الحكيم وقال في قوله: وينشىء السحاب الثقال: السحاب اسم الجنس والواحدة سحابة، والثقال جمع ثقيلة أى الثقال بالماء واعلم أنّ هذا أيضا من دلائل القدرة والعظمة، وذلك لأنّ هذه الأجزاء المائية إمّا يقال إنّها حدثت في جوّ الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض فان كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب.
وإن كان الثاني وهو أن يقال إنّ تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلمّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت ورجعت إلى الأرض فنقول: هذا باطل، وذلك لأنّ الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة، وتارة صغيرة، وتارة تكون متقاربة، واخرى تكون متباعدة، وتارة تدوم مدّة نزول المطر زمانا طويلا، وتارة قليلا، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أنّ طبيعة الأرض
واحدة وطبيعة الأشعّة المسخنة للبخارات واحدة لابدّ وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضا فالتجربة دلّت على أنّ للدّعاء والتضرّع في نزول الغيث أثرا عظيما ولذلك شرعت صلاة الاستسقاء فعلمنا أنّ المؤّر فيه قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة(1).وفي الصافي في قوله: «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ»، روى عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنه سئل عن الرعد فقال: ملك موكّل بالسحاب معه مخاريق من النّار يسوق بها السحاب وفي الفقيه روى أنّ الرّعد صوت ملك أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور وفيه عن الصادق عليهالسلام أنّه بمنزلة الرجل يكون في الابل فيزجرها هاى هاى كهيئة ذلك وقوله: «وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ من خوفه واجلاله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من عباده فيهلكه وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللّهِ».
حيث يكذبون رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فيما يصفه تعالى من التفرّد بالالوهيّة «وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ».
أى المماحلة والمكايدة لأعدائه وقيل: من المحل أى شديد القوّة وقال عليّ بن إبراهيم القمّي أى شديد الغضب(2)هذا.
وقال الرّازي في تفسير قوله سبحانه: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ»(3): قال أهل الطبايع: إنّ تكوّن السحاب والمطر والثلج والبرد والطلّ والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقلّ من تكاثف الهواء، أمّا الأول فالبخار الصّاعد أن كان قليلا وكان
في الهواء، من الحرارة ما يحلّل ذلك البخار فحينئذ ينحلّ وينقلب هواء، وأمّا إن كان البخار كثيرا ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلّله فتلك الأبخرة المتصاعدة إمّا أن يبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أولا تبلغ، فان بلغت فامّا أن يكون البرد قويّا أو لا يكون، فان لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر؛ والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم وأمّا إن كان البرد شديدا فلا يخلو إمّا أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبّات كبارا، أو بعد صيرورتها كذلك، فان كان على الوجه الأوّل نزل ثلجا، وإن كان على الوجه الثاني نزل بردا وأمّا إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة فهي
إمّا أن تكون قليلة أو تكون كثيرة، فان كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحابا ماطرا وقد لا تنعقد، أمّا الأوّل فذاك لأحد أسباب خمسة أولها إذا منع هبوب الرّياح عن تصاعد تلك الأبخرة وثانيها أن تكون الرّياح ضاغطة لها إلى اجتماع بسبب وقوف جبال قدام الرّيح وثالثها أن تكون هناك رياح متقابلة متضادّة فتمتنع صعود الأبخرة حينئذ ورابعها أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطوء حركته ثمّ تلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة العدد وخامسها لشدّة برد الهواء القريب من الأرض فقد يشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنّه مكبة موضوعة على وهدة ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس أمّا إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فاذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء يكون محسوسا ونزل نزولا متفرّقا لا يحسّ به إلاّ عند اجتماع شيء يعتدّ به، فان لم
يجمد كان طلاّ، وإن جمد كان صقيعا ونسبة الصقيع إلى الطلّ نسبة الثلج إلى المطر وامّا أن تكون السحاب من انقباض الهواء وذلك عند ما يبرد الهواء وينقبض وحينئذ تحصل منه الأقسام المذكورة والجواب انّا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسّلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه ايجاد الاجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه، لاحتمال أنّه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذى ذكرتموه، وأيضا فهب أنّ الأمر كما ذكرتم ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلابدّ لها من مؤر، ثمّ إنّها متماثلة فاختصاص كلّ واحد منها بصفة معينّة من الصعود والهبوط واللّطافة والكثافة والحرارة والبرودة لابدّ له من مخصّص، فاذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبايع وتلك الطبايع مؤّرة في هذه الأحوال وخالق السّبب وخالق المسبّب فكان سبحانه: هو الذي يزجى سحابا، لأنّه هو الذي خلق تلك الطبايع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جوّ الهواء، ثمّ إنّ تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي: جعلها ركاما، فثبت على جميع التقريرات أنّ وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بيّن انتهى(1).
قال الخويي رحمهالله: وتحقيق المقام هو ما ذكره بما لا مزيد عليه وأقول: دلائل القدرة في خلق السحاب مضافا إلى ما ذكره هو أنّ الماء بطبعه ثقيل يقتضي النزول فبقاؤ في الجوّ خلاف الطبع، ولذلك إذا انفصل منه قطرة نزلت دفعة فلابدّ من قادر قاهر يمسكه في الجوّ على ثقله بقهره وقدرته وأيضا لو دام السحاب لعظم ضرره حيث يستر ضوء الشمس وتكثر الأمطار وتبتلّ المركبات فتفسد، ولو انقطع لعظم
1) .تفسير الرازى: 404/24.
ضرره لافضائه الى القحط فيهلك المواشى والانسان، فكان تقديره بالمقدار المعلوم مقتضى الحكمة والمصلحة.
وأيضا ترى السّحاب يرشي الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاضلة لا يدرك قطرة منها قطرة ولا يعلم عددها إلاّ الذي أوجدها، ثمّ إنّ كلّ قطرة منها عيّنت لجزء من الأرض ولحيوان معيّن فيها من طير ووحش ودود مكتوب عليها بخطّ غيبيّ غير محسوس أنه رزق الحيوان الفلاني في الموضع الفلاني في الوقت الفلاني هذا، مع ما في انعقاد البرد الصّلب من الماء اللّطيف وفى تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التي لا تحصى، كلّ ذلك عناية من اللّه سبحانه ورحمة منه على العباد، وفيها هداية لمن استهدى ودراية لمن ابتغى الرشاد(1).
أي سحابها.
بالضّمّ فالفتح: جمع لمعة بالضّمّ فالسّكون، أي: قطعاته، سمّيت القطعة من الغمام لمعة للمعانها، كما سميّت القطعة من النبات إذا يبست لمعة للمعانها، وكما سمّيت قطعة من الجسد لم يصبها الماء في الوضوء والغسل لمعة للمعانها.
أي انفصال.
1) . منهاج البراعة للخويي: 26/7.
بالضم فالفتح أيضا، جمع قزعة بالضّمّ فالسّكون، أي: قطعه الرقيقة التي تعدو سريعا. والأصل في القزعة السرعة في العدو.
الأصل في المخاض قرب الولادة، قال:
تمخّضت المنون له بيوم ***أنى ولكلّ حاملة تمام(1)
قالوا: لجّة الماء: معظمه.
«المزن» أي: السحابة البيضاء.
الضمير فيه راجع إلى الغمام كما في (لمعه) و(قزعه)
بالكسر فالفتح: جمع كفّة بالفتح، أي: في أطرافه، وسمّي الطرف كفّه لأنّ الشيء إذ انتهى إلى الطرف كفّ عن الزيّادة، كما أنّ الرزق الكفاف يكفّ صاحبه عن النّاس.
1) . اساس البلاغة: 585 مادة مخض ولسان العرب: 230/7 مادة (مخض).
قال الجوهري: ومض البرق وميضا لمع لمعا خفيفا، ولم يعترض في نواحي الغيم، فإن اعترض فهو الخفو، فإن استطال في وسط السماء وشقّ الغيم من غير أن يعترض يمينا وشمالا فهو العقيقة(1).
قال الجوهري: والكنهور: العظيم من السحاب(2).
«ربابه» قال الجوهري: رباب سحاب أبيض واحدته ربابة(3). ومراده أنّه اسم جنس كتمر وتمرة.
وقال الجوهري أيضا: ويقال: إنّ رباب السّحاب الذي تراه كأنّه دون السحاب قد يكون أبيض وقد يكون أسود(4).
الذى بعضه فوق بعض.
أي صابّا.
أي ملحقاً آخره بأوّله.
أي: دنا من الأرض، قال عبيد في سحاب قرب من الأرض كثيرا:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ***يكاد يدفعه من قام بالراح(1)
قال الجوهري: هيدب السحاب: ما تهدّب منه إذا أراد الودق كأنّه خيوط(2).
قال الجوهري: الرّيح تمري السحاب وتمتريه، أي: تستدرّه(3).
أي صبّ.
أي مطراته؛ والمراد مطرة بعد مطرة.
جمع شؤوب، أي: دفعة بعد دفعة، قال الشاعر:
كأنّ ثناياها بنات سحابة ***سقاهنّ شؤوب من الغيث باكر
وبنات سحابة: البرد(1).
فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ
قال الجوهري: البرك الصدر(2)
قال الجزري: البواني في الأصل أضلاع الصدر. وقيل: الأكتاف والقوائم، الواحدة بانية، ومن حقّ هذه الكلمة أن تجيء في باب الباء والنون والياء، وإنّما ذكرناها هاهنا حملا على ظاهرها، فإنّها لم ترد حيث وردت إلاّ مجموعة، ومنه حديث عليّ عليهالسلام: ألقت السماء برك بوانيها(3).
في (النهاية): البعاع شدّة المطر، ومنهم من يرويها بالثّاء المثلّثة، من: ثعّ يثعّ، إذا
تقيّأ، أي: قذفها في البطحاء، ومنه حديث علي عليهالسلام: ألقت السحاب بعاع ما استقلّت به من الحمل(4).
أي ارتفعت به.
أي على السحاب.
جواب لمّا وفاعله هو تعالى.
بعبأها.
أي أراض لا نبات فيها.
و الأصل في قوله عليهالسلام من »فلما ألقت«إلى »النبات«قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون»(2).
وقال تعالى: «وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»(1).
قال سبحانه: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ»(2)وقال تعالى: «وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ»(3).
ودلايل القدرة في ذلك من وجوه:
الأوّل: أنّ الماء ثقيل بطبعه كما قلنا سابقا إنّه إذا انفصل قطرة منه من المزن تنزل إلى الأرض ولا تبقى في الجوّ بمقتضى طبعه فانظر الى قدرته تعالى كيف رقا الماء المصبوب في أسفل الأشجار مع هذا الطبع والثقل إلى أعالى أغصانها، فهوى الى سفل ثمّ ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث ينتشر في جميع الأوراق فغذاء كلّ جزء من كلّ ورقة تجرى إليه في تجاويف العروق، ففى كلّ ورقة عرق ممتد طولا وينشعب منه عروق صغار كثيرة عرضا وطولا، فكان الكبير نهل وما انشعب عنها جداول، ثمّ ينشعب من الجداول سواقي أصغر منها ثمّ ينتشر منها خيوط عنكبوت دقيقة خارجة عن ادراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورق فيصل الماء في أجوافها إلى ساير أجزاء الورق لتسقيها وتغذيها بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الانسان والحيوان لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منه وكذلك إلى ساير أجزاء الفواكه، فانّ الماء المتحرّك بطبعه إلى سفل كيف انجذب
الى فوق من غير حامل أو قاسر، فعلم أنّ له جاذبا آخر ومحرّكا خارجا عن الحسّ ليسخّره ويدبّره وينتهى بالأخرة إلى مدبّر السماوات والأرض جلّت عظمته وتعالى شأنه.
الثاني: أنّ أصناف النبات والأشجار لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم في بقاء نضرته وطراوته كحاجة الحيوان إلى الغذاء ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان جعل لها أصول مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذا فتؤّيه اليها فصارت الأرض كالأمّ المرّبية وصارت اصولها كالأفواه الملتقمة للأرض، وأيضا لو لا تلك الأصول لما انتصب تلك الأشجار الطّوال العظام ولم يكن لها ثبات ودوام في الريح العاصف، فهي لها بمنزلة عمد الفساطيط والخيم تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل، ثمّ انظر إلى هذه العروق الصغار المنشعبة من الأصول المركوزة وأنها على دقّتها وضعفها كيف تجرى في أعماق الأرض وتسير فيها على صلبها عرضا وطولا.
الثالث إخراج أنواع مختلفه من النّبات وأصناف متشتّة من الأشجار من حبّ وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمّان وفواكه كثيرة مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروايح يفضل بعضها على بعض في الاكل مع أنّها جميعا يسقى بماء واحد ويخرج من أرض واحدة فان قلت: سبب اختلافها بذورها وحبوبها قلنا: هل يكفى ذلك في ترتّب هذه الآثار؟ فانّ الحبوب على اختلافها متشابهة في الصورة والجوهر فكيف يصير بهذا الاختلاف موجبة لهذه الأنواع المتباعدة المتباينة في الصور الجوهرية والكيفيّات والخاصيّة، فهل كان في النواة نخلة مطوّقة بعنا قيد الرطب؟
سلّمنا أنّ اختلافها من المرجّحات لكن نسوق الكلام إلى موجد هذه الاختلافات وفاعلها، فانظر إلى اختلاف طبايع النبات وخواصها ومنافعها فهذا يغذي وهذا يقوي، وهذا يقتل وهذا يحيي وهذا داء وهذا دواء وهذا يسخّن وهذا يبرّد، وهذا يسهل الصّفرا وهذا يولد السّوداء، وهذا يقمع البلغم وهذا يولده، وهذا يستحيل دما وهذا يطفيه، وهذا يسكر وهذا ينوم، وهذا يفرّح وهذا يضعف، إلى غير هذا ممّا لو أردنا استقصاء العجايب المودعة فيها انقضت الأيام ومع ذلك فالحكم الباطنة والمصالح الكامنة فيها أكثر جدّا مما وصلت اليه عقولنا القاصرة، فهذه هي دلائل القدرة وعلامات العظمة وآثار الصنع والحكمة في الأشياء المذكورة نبّهنا عليها على وجه الاختصار إذ الاستقصاء فيها خارج عن الطّوع والاختيار، فسبحان من أقام الحجّة على مخلوقاته بما أراهم من بدايع آياته وجعلها تذكرة لاولى الألباب، وهو أعلم بالصواب(1).
من أضافة الصفة: أي جبال قليلة النبات.
أي أخرج منها الأعشاب؛ والأعشاب جمع العشب: الكلاء والرطب.
كمرئة تبهج بزينة حليها؛ وألبستها المتلونة.
1) . تفسير القرآن الكريم صدرا: 88/7؛ بحار الأنوار: 131/3 ومنهاج البراعة للخوئى: 27/7.
أي تتكبّر.
قيل: ريطة: كلّ ثوب رقيق ليّن.
أزاهير جمع زهرة بالفتح؛ وزهرة: النبت نوره.
قال الجوهريّ: السّمط: الخيط ما دام فيه الخرز، وإلاّ فهو سلك، قال طرفة:
مظاهر سمطي لؤؤوزبرجد(1).
أي رونق.
أنوار جمع نور بالفتح، أي: أزهارها، قال تعالى:... «وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»(2).وقال تعالى: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءًـ فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَة»(3).
وقال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللّهَ
لَطِيفٌ خَبِير»(1).
قال ابن عمران المخزومي: أتيت مع أبي واليا كان على المدينة من قريش، وعنده أعرابي يقال له ابن مطير، واذا مطر جود، فقال له الوالي: صفه.
فقال: دعني أشرف وأنظر. فأشرف ونظر، ثم قال:
كثرت لكثرة ودقه أطباؤ***فإذا تحلّب فاضت الأطباء
وله رباب هيدب لرفيفه ***قبل التبعّق ديمة وطفاء
وكأنّ بارقه حريق تلتقي ***ريح عليه وعرفج وإلاء
وكأنّ ريقه ولمّا يحتفل ***ودق السماء عجاجة طخياء
مستضحك بلوامع مستعبر ***بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرّة ***ضحك يؤّف بينه وبكاء
حيران متّبع صباه يقوده ***وجنوبه كنف له ورهاء
ثقلت كلاه فبهّرت أصلابه ***وتبعّجت عن مائه الأحشاء
غدق تبعّج بالأباطح مزّقت ***تلك السّيول ومالها أشلاء
غرّ محجّلة دوالج ضمّنت ***حمل اللّقاح وكلّها عذراء
سحم فهنّ إذا عبسن فواحم ***سود وهنّ إذا ضحكن وضاء
لو كان من لجج السواحل ماؤ***لم يبق في لجج السواحل ماء(2)
قال تعالى: «أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً
وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا * مَتاعاً لَكُمْ وَلأَنْعامِكُمْ»(1).
وقال تعالى: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ»(2).
وقال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُم»(3).
وقال تعالى: «وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ»(4).
والفجاج جمع الفج: الطريق الواسع بين الجبلين.
أي أطرافها، قال تعالى:... «وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ»(5).
وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».
وقال تعالى: «(6)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً، وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلا»(7).
وقال تعالى: «وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً»(8).
وقال الصادق عليهالسلام: فلو لا امتداد هذه الأرض كيف كانت تتّسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم، والعقاقير العظيمة، والمعادن
الجسيم غناؤا(1).
للنّاس بنجوم السماء، قال تعالى: «وَعَلاماتٍ
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»(2).
بالتشديد جمع الجادّة.
أي طرق الأرض.
قال تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادا»(3).
وقال تعالى: «وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ»(4).
وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدا»(5).
فيها بما اراد من الجبال والبحار وغيرهما.
قال تعالى: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ـ الى ـ قالَ يا
آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(2).
وقد اشير إلى بعض جهات التفضيل والاصطفاء في الآيات الشريفة.
فمنها: أنه سبحانه شرّفه بالاستخلاف كما قال تعالى: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»(3).ومنها اضافة روحه إليه كما قال تعالى: «وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِنْ رُوحِي»(4).ومنها اضافة خلقته إلى يديه كما قال تعالى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»(5).
ومنها أمر الملائكة بالسجود له كما قال تعالى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ»(6).
ومنها تعليمه الأسماء وايثاره بذلك على ملائكة السّماء كما قال تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»(1).ومنها تكرمته وذرّيته بما اشير إليه بقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً»(2).
ومنها جعلهم قابلا لاتيان الطّاعات وحمل الأمانات كما قال تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الاْءِنْسانُ»(3).ومنها تصويره لهم بالصور الحسنة كما قال تعالى: «صَوَّرَكُمْ
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ»(4).ومنها تعليمهم البيان كما قال تعالى: «خَلَقَ
الاْءِنْسانَ؛ عَلَّمَهُ الْبَيانَ»(5).ومنها تعديل الأعضاء واستقامة القامة كما قال تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»(6).
ومنها التّعليم بالقلم كما قال تعالى: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ؛ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ؛ عَلَّمَ الاْءِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ»(7).ومنها كونه نسخة جامعة لما في الملك والملكوت وكتابا مبينا لاسرار القدرة والجبروت، ولذلك عقّب بيان خلقته بقوله تعالى: «فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»(8).
وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤنين عليهالسلام فيما نسب اليه:
دَوَاؤكَ فِيكَ وَمَا تَشْعُرُ ***وَدَاؤكَ مِنْكَ وَمَا تَنْظُرُ
وَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ***وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ
وَأَنْتَ الْكِتَابُ الْمُبِينُ الَّذِي***بِأَحْرُفِهِ يَظْهَرُ الْمُضْمَر(1)
وقال الشارح البحرانى في قوله تعالى «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً»(2)بيان هذا التكريم من وجهين: أحدهما: إنّ أنواع كرامات اللّه تعالى في حقّ البشر غير متناهية كما قال تعالى «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها»(3)هذا على سبيل الإجمال.
أمّا التفصيل فمن وجوه: الأوّل: أنّه سبحانه يمطر كلّ ساعة على المتوكّلين مطر الكفاية كما قال تعالى «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(4).
الثاني: أنّه يمطر كلّ ساعة على المطيعين مطر المودّة كما قال تعالى: «سَيَجْعَلُ
لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا»(5).
الثالث: أنّ يمطر على المجتهدين مطر الهداية كما قال تعالى «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا».
الرابع: أنّه يمطر على الشاكرين مطر الزيادة كما قال: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ»(6).الخامس: أنّه يمطر(7)على المتذكّرين مطر البصيرة كما قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ»(8).
الثاني: أنّ التكريم لآدم عليهالسلام وذريّته إمّا بأحوال داخلة في الإنسان أو خارجة عنه والداخلة فيها إمّا بدنيّة أو غيرها: أمّا البدنيّة الّتى اكرم بها فامور: الأوّل:
الصورة الحسنة كما قال تعالى: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ»(1).
الثاني: حسن القامة والتعديل كما قال تعالى «لَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»(2)وذلك أنّ الشيء كلّما كان أكثر علوّا وارتفاعا كان أشرف في نوعه فإنّ أحسن الأشجار أعلاها امتدادا.
الثالث: أنّه أكرمه بتمكينه من القيام والقعود والاستلقاء والانبطاح والاضطجاع و ذلك أنّه تعالى ركّب الخلق على أصناف أربعة: أحدها: ما يشبه القائمين كالأشجار، وثانيها: ما يشبه الراكعين كالبهائم، وثالثها: ما يشبه الساجدين كالحشرات الّتى تدبّ على وجوهها وبطونها، ومنها ما يشبه القاعدين كالجبال ثمّ إنّه سبحانه خلق الإنسان قادرا على جميع هذه الهيئات، ومكنّه من ذكره على جميع هذه الأحوال كما قال تعالى «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ»(3).وأمّا الأحوال الّتى اكرم بها غير بدنيّة فامور: أحدها: الروح الّتى هي محلّ العلم بأشرف الموجودات ومبدئها وهو اللّه تعالى كما قال وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ(4)و شرّفه بإضافة روحه إليه، وبهذا التشريف تميّز عن ساير الموجودات في هذا العالم.
الثاني: العقل وشرفه من وجوه: الأوّل: روى أنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود عليهالسلام
إذا رأيت عاقلا فكن له خادما.
الثاني: قول الرسول صلىاللهعليهوآله: أوّل ما خلق اللّه العقل فقال له: أقبل فأقبل ثمّ قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزّتى وجلالى ما خلقت خلقا أكرم علىّ منك، بك آخذ وبك اعطى وبك اثيب وبك اعاقب(1).واعلم أنّ للعقل بداية و نهاية وكلاهما يسمّيان عقلا: أمّا الأوّل: فهو القوّة المهيّئة للعلوم الكلّيّة الضروريّة كما للطفل وهو المشار إليه بقول النبىّ صلىاللهعليهوآله.
و الثاني: العقل المستفاد وهو المشار اليه بقوله صلىاللهعليهوآله لعلىّ عليهالسلام: إذا تقرّب الناس إلى خالقهم بأبواب البرّ فتقرّب أنت إليه بعقلك تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا وعند اللّه في الآخرة(2).
الثالث: العلم والحكمة الّتى هي ثمرة العقل كما قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ... يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(3)وقال تعالى: «يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ»(4)وسمّاه حياة ونورا فقال تعالى: «أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ»(5).وأمّا التكرمة الخارجة عنه فامور: أحدها: أنّه خلق ما سواه منفعة له فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»(6)وقال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمْ ما
فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»(1)ففرش الأرض وجعل السماء سقفا محفوظا وجعل ما أخرج من الأرض رزقا له وما أرسله من السحاب من ماء مادّة لذلك كما قال تعالى: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ»(2)وقال تعالى: «اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ»(3)وأكرمه بخلق الشمس والقمر والنجوم كما قال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ»(4)قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»(5)وقال تعالى: «وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ»(6)و أكرمه بخلق الأنعام فجعل منها غذاءه وملبوسه وراحته وجماله و زينته فقال تعالى: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ إلى قوله وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ»(7).
الثاني: روى عن أمير المؤنين عليهالسلام في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ(8)أنّه قال: بالدعوة إلى الجنّة كما قال تعالى: «وَاللّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ»(9).
الثالث: أنّه أكرمهم بتخيّر قلوبهم لمعرفته وألسنتهم لشهادته وأبدانهم لخدمته فشرّفهم بتكليفه وبعثة الأنبياء إليهم من أنفسهم كما قال تعالى: «لَقَدْ جاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ»(10)ثمّ جعل آدم والأنبياء من ذريّته أكرم عباده
لديه فحباهم بالنبوّة والرسالة كما قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ»(1)ثمّ فضّل اولى العزم منهم فقال تعالى: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ»(2)ثمّ فضّل بعضهم على بعض وهو الخليل والكليم والروح والحبيب فقال: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»(3)ثمّ فضّل محمّد صلىاللهعليهوآله على الكلّ فقال: «وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»(4)وجعله غاية طينتهم وخاتمة كمالهم فقال: «وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ(5)(6).
فقد ظهر بذلك كلّه أنه سبحانه اختاره على غيره.
أي خليقته من البشر قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَة»(7).
قال تعالى: «وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ»(8).
أي أوسع، قال تعالى: «وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما»(1).
أي تقدّم.
في قوله تعالى لهما: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِين»(2).
أي على ما نهاه عنه.
قال تعالى: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى»(3).
قال تعالى: «فَقُلْنا يا آدَم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى»(4).
قال تعالى: «فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّة»(5).
يمكن أن يكون مفعولا مطلقا لقوله «فأقدم»، والأصل (اقداما موافاة)، وأن يكون مفعولا له، من باب «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً...»(1)لسابق علمه بجعله في الأرض خليفة له.
إنّ نفس توبة آدم كانت قبل الهبوط، وإنّما وعد القبول كان بعده قال تعالى: «ثُمَّ
اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى؛ قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعا»(2).
في خبر عن الصادق عليهالسلام ما معناه: أنّ ملكا زار آدم بعد هبوطه، فلمّا رأى قلقه سلاّه ثلاثا بأن قال له: إنّ اللّه تعالى قال لنا فيك: «... وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة...»(3)، فهو خلقك لأن تكون في الأرض أ يستقيم أن تكون في السماء(4).
عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَمَعَ الْخَلْقِ وَبَعْدَ الْخَلْقِ(5).
وعَنْ أَبِي عُمَارَةَ بْنِ الطَّيَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلاّ رَجُلانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ(1).هذا، واشتهر إجماع الإمامية على عدم جواز صدور معصية ولو صغيرة من الأنبياء ولو قبل نبوّتهم(2)، لكن قال شيخنا المفيد: إنّ الصغيرة لا يجوز منهم مع الاستخفاف مطلقا، وأمّا بدونه فجاز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير التعمّد(3).قال التسترى:(4)وما قاله الصواب وعليه يحمل أكل آدم من الشجرة، فإنّه لم يكن عن تعمّد، لقوله تعالى: «... فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»(5).
وفي خبر الهرويّ عن الرّضا عليهالسلام: أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَمَ عليهالسلام: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى»(6)فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ حُجَّةً فِي أَرْضِهِ وَخَلِيفَةً فِي بِلادِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ وَكَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لا فِي الْأَرْضِ لِتَتِمَّ مَقَادِيرُ أَمْرِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَجُعِلَ حُجَّةً وَخَلِيفَةً عُصِمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِين»(7).(8).
ومثله خبر ابن الجهم، عنه عليهالسلام مع زيادة: إنّ إبليس ألبس عليهما بأنّ المراد بهذه الشجرة في خطابه تعالى الشخص لا الجنس، وحلف لهما، وما ظنّ آدم أنّ أحدا يحلف باللّه كاذبا(9).
1) . علل الشرايع: 197/1، ح10؛ بحار الأنوار: 22/23، ح24.
2) . اعتقادات الامامية للصدوق: 96/ ش 36 وتنزيه الانبياء: 2.
3) . اوائل المقالات: 62/ ش 32.
4) .بهج الصباغة: 596/1.
5) .طه: 115.
6) .طه: 121.
7) . آل عمران : 33 .
8) . الأمالي للصدوق: 91/ م 20، ح3؛ بحار الأنوار: 72/11، ح1.
9) . عيون اخبار الرضا عليهالسلام: 195/1، ح1؛ بحار الأنوار: 78/11، ح8.
بالتشديد.
أي آدم.
فأرسل اليهم رسولاً بعد رسول.
عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ للّهِِ عَلَى خَلْقِهِ إِلاّ بِإِمَامٍ حَتَّى يُعْرَفَ(1).
و عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَا زَالَتِ الْأَرْضُ إِلاّ وَللّهِِ فِيهَا الْحُجَّةُ يُعَرِّفُ الْحَلالَ وَالْحَرَامَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ اللّهِ(2).وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ الْأَرْضَ لا تَخْلُو إِلاّ وَفِيهَا إِمَامٌ كَيْمَا إِنْ زَادَ الْمُؤمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ وَإِنْ نَقَصُوا شَيْئاً أَتَمَّهُ لَهُمْ(3).
وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قُلْتُ لَه: تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ؟ قَالَ لا(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الْأَرْضَ بِغَيْرِ إِمَامٍ عَادِلٍ (5).
و عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام أَ تَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ قَالَ ع: لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ(1).
قال تعالى: «فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤمِنِين»(2).قال الصادق عليهالسلام: بِنَا عُرِفَ اللّهُ وَبِنَا عُبِدَ اللّه(3)وَلَوْلانَا مَا عُرِفَ اللّه(4)وَلَوْلانَا مَا عُبِدَ اللّهُ(5).
قال تعالى: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَة»(6).
قال تعالى: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا»(7).
في (إثبات المسعودى) بعد سرد الأنبياء إلى لمك: فلمّا مضى لمك قام نوح بأمر
اللّه تعالى، وهو أوّل ذوي العزم من الرّسل وأظهر نبوّته، وأمره اللّه تعالى بإظهار الدعوة، فأقبل نوح عليهالسلام يدعو قومه، والملك في بني راسب وأهل مملكته وعوج بن عناق، وكان دعاؤ إيّاهم في أوّل أمره سرّا فلم يجيبوه، فلم يزل يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة كلّما مضى منهم قرن تبعهم قرن على ملّة آبائهم، و كان الّذي آمن به العقب من ولد هبة اللّه، والّذين كذّبوه العقب من ولد قابيل وعوج بن عناق بني عمّهم مع كثرتهم وعظم أمرهم وسلطانهم في الأرض، وكانوا إذا دعاهم يقولون له:... «أَ نُؤمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ»، يعنون: العقب من ولد شيث، يعيّرونهم بالفقر والفاقة، وأنّه لا مال لهم، ولا عزّ ولا سلطان في الأرض، وكانت شريعة نوح التّوحيد وخلع الأنداد، والفطرة، والصّيام، والصلاة، والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر(1)ـ إلى أن قال في قيام سام بعده: ـ فآمن به شيعة نوح، وأقام ولد قابيل، وعوج بن عناق على كفرهم وطغيانهم، وخالف حام ويافث على أخيهما سام ولم يؤنا به، وقام بعده أرفخشد بن سام، فعند ذلك ملك آفريدون، وهو ذو القرنين، وكان من قصّته أنّ اللّه تعالى بعثه إلى قومه، فدعاهم إلى اللّه، فكذّبوه وجحدوا نبوّته، ثمّ أخذوه فضربوه على قرنه الأيمن، فأماته اللّه مائة عام، ثمّ أحياه فبعثه
فجحدوا نبوّته، وضربوه على قرنه الأيسر... وروي أنّ الخضر بن أرفخشد بن سام بن نوح كان على مقدّمته...(2)
قال تعالى: «وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّين»(3).
قال تعالى: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَة»(1).وقال تعالى: «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيما»(2).
قال تعالى: «اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَه»(3).
وقال تعالى: «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِر»(4).
قال تعالى: «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»(5).
لأنّ تقديره تعالى وتقسيمه عزّ وجلّ على وفق الحكمة، وفي الخبر: من منعه تعالى منعه ما ليس له، ومن أعطاه فإنّما أعطاه ما ليس له، فهو المتفضّل بما أعطى والعادل في ما منع، ولا يفعل إلاّ ما كان حكمة وصوابا، ومن وجد في نفسه حرجا في شيء ممّا قضى فقد كفر(6).
أي يمتحن.
أي: يمتحن بعضا بالميسور، وبعضا بالمعسور، وروى التوحيد عن أنس عن النبي صلىاللهعليهوآله في حديث قال: قال تعالى: إنّ من عبادي المؤنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالغناء، ولو أفقرته لأفسده ذلك(1).
أي يمتحن.
هل يشكر غنيّها، وهل يصبر فقيرها، وعن الكاظم عليهالسلام يقول تعالى: إنّي لم أغن الغنيّ لكرامة به عليّ، ولم أفقر الفقير لهوان به عليّ، وهو ممّا ابتليت به الأغنياء
بالفقراء، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنّة(2).
جمع عقبول، وهي قرح صغار تخرج بالشفة من بقايا المرض، والمراد هنا الشدائد.
فقالوا: الفقر الموت الأحمر، ولا شيء أمرّ منه.
والأصل في الطروق الإتيان ليلا، وهنا كناية عن البغتة.
«آفاتها» فحكمته اقتضت جعل الدّنيا كذلك لئلاّ يخلد النّاس إليها وينسوا إلههم.
بالضم فالفتح: جمع فرجة.
ومسارّها.
الاصل في الغصة اعتراض الطعام في الحلق.
جمع التّرح ضدّ الفرح، ولم تر في الدّنيا فرحا لا يخلطه ترح، والحكمة ما مرّ.
قال الأعشى:
ولكن أرى الدّهر الذى هو خائن ***اذا صلحت كفاى عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة ***فللّه هذا الدّهر كيف تردّدا(1)
و قال الحريرىّ:
وقع الشّوائب شيّب ***والدّهر بالناس قلّب
إن دان يوما لشخص ***ففي غد يتغلّب
فلا تثق بوميض من ***برقه فهو خلّب(2)
و قال آخر:
استقدر اللّه خيرا وارضينّ به ***فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ***إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير(3)
بدون أن يطلع عليها أحدا، والجاهل والعالم في ذلك سواء حتّى الأطباء، قال «تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»(4).
أي: أسباب الآجال، والمراد الأمراض والآفات.
أي الموت.
أي جاذبا.
أي حبالها الطويلة.
جمع مريرة: حبل اشتدّ فتله.
أي حبالها؛ وإضافة مرائر إليها من إضافة الصفة؛ قال تعالى: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ»(1).
قال تعالى: «يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى»(2).
وقال تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوه»(3).
قال تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ»(1).
قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم»(2).
ممّا لا حقيقة له، ولا وجود له إلاّ في الخيال، قال الجوهري: الرّجم أن يتكلّم الرّجل بالظنّ.
قال تعالى: «... رَجْماً بِالْغَيْبِ...»(3)يقال: صار فلان رجما لا يوقف على حقيقة أمره(4).
أي قطع يطابق اليقين.
جمع مسرق يقال: هو يسارق النظر: اذا اهتبل غفلته.
من اومضت المرئة: اذا سارقت النظر.
من العيون؛ والاصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور(1).
أي جعلته في ضمنها.
جمع الكنّ بمعنى السترة.
قال تعالى: «وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُون»(2).وقال تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُون»(3).
جمع الغيابة يقال: غيابة الجب: أي قعره.
جمع الغيب خلاف الشهود، والغيب ما غاب من العين قال تعالى: «... فَلَمَّا
أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»(1).
وقال تعالى: «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاّمُ الْغُيُوب»(2).
أي استمعت.
من استرق السمع: أي استمع مستخفياً كانّه يسرق الخبر.
المصائخ جمع المصيخة، ما فيها قوّة السّماع، والأسماع جمع السمع، أي: الآذان السّمعية، قال تعالى: «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ»(3).
الذرّ جمع ذرّة: أصغر النمل؛ ومصائفها: مواضعها في الصيف.
الهوامّ جمع الهامّة، قال الجوهري: لا يقع اسم الهامّة إلاّ على المخوف من الأحناش. ومشاتيها مواضعها في الشتاء(1).
قال الجوهري: حنين النّاقة: صوتها في نزاعها إلى ولدها(2).
جمع المولهة، أي: التي فرّق بينها وبين ولدها فهي عليه والهة.
أي: أخفى صوتها، قال تعالى: «... فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً»(3).
أي متّسعها.
جمع الوليجة: أى مداخل.
بضمتين: جمع غلاف.
جمع الكمّ، بالكسر وعاء الطّلع وغطاء النّور، قال:
بوائج في أكمامها لم تفتّق(1).
و أما الكمّ بالضّمّ فهو كمّ القميص، وليس بمراد هنا.
أي مختفى.
أي حيوانات البرّ.
بالكسر: جمع غار كالكهف في الجبل.
جمع الوادى؛ وفي المصباح: الوادى كلّ منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذاً للسيل(2).
أي مختفى.
قال الجوهرى: البعوض: البق(1).
بالضم: جمع ساق.
بفتح الهمزة: جمع اللحاء قشر الشجر.
من غرزت الشىء بالإبرة.
جمع الورق؛ والمراد ورق الشجر.
جمع الفن غصن الشجر.
أي محلّ نزول.
أي: نطفة الرّجل والمرأة، جمع المشيج، مثل يتيم وأيتام، يقال: نطفة أمشاج.
1) . صحاح اللغة: 1066/3 مادة بعض.
لماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها. قال تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ...»(1).
جمع مسرب: أي مجرى.
قال تعالى: «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِب»(2).
قال الجوهرى: النشأ أوّل ما ينشأ من السحاب(3).
جمع الغيم يقال: غامت السماء إذا أطبق بها السحاب.
أي: متضاعفها.
أي سيلان.
أي مجتمعها وركوب بعضها بعضاً.
من سفت الريح التراب: إذا ذرته.
جمع الإعصار، وهو ريح تثير الغبار فيرتفع إلى السماء كأنّه عمود، قال تعالى: «... فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ...»(1)
البقرة: 266.
ويقال: هو ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق.الّتى تلاقى الأرض.
من (عفت الريح المنزل) درسته.
أي السيول الحاصلة منها.
أي سباحة.
1) .
روي «نبات» بتقديم النّون(1)، فتكون إضافة العوم إليه مجازا، وبتقديم الباء فيكون المراد بها الحشرات والهوامّ التي تكون في تلال الرّمال، فتكون نسبة العوم إليها استعارة.
أي: تلالها، قال الجوهري: كلّ ما انصبّ في شيء فقد انكثب فيه، ومنه سمّي الكثيب من الرّمل، لأنّه انصبّ في مكان فاجتمع فيه، والجمع: الكثبان(2).
أي الطيور.
بالضم جمع ذروة: أي أعالى.
أي رؤسها.
من (غرّد الطائر) إذا صوّت وغنّى.
أي طيور تتغنّى، وليس كلّ طير كذلك.
جمع ديجور: أي ظلمة.
جمع الوكر عشّ الطائر.
و نقل: وما أوعته ومعنى (ما أوعته) جعلت له وعاء.
جمع الصدف غشاء الدرة.
من: حضن الطائر بيضه، إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحه، وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها.
يفهم من كلامه عليهالسلام أنّ أمواج البحار تربّي أشياء حيّة وغير حيّة.
أي حوته.
أي ظلمة.
من (ذرّت الشمس) أي طلعت.
أي طالع يقال: لا آتيك ما ذرّ شارق.
و المراد بشارق النهار الشمس.
أي تعاقبت.
أي طبقات.
1) . الأمالي الشريف المرتضى: 151/2.
أي الظلم.
أي اشعّته.
أي قدم.
أي صوت خفى.
من كل ّمتحرك.
أي أثرها في الهواء بالتّموّج.
بكلام جهر أو خفى.
أي: كلّ نفس إنسانا أو غيره، قال تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ
رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(1).
قال تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِين»(2).
جمع همهمة: ترديد الصوت في الصدر.
بالتّشديد، أي: قاصدة لشيء لا تدري تفعله أم لا، قال الشاعر:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ***تركت على عثمان تبكي حلائله(3)
هكذا في النسخ، وقال ابن أبي الحديد: »و ما عليها«أي: ما على الأرض، فجاء بالضمير ولم يسبق ذكر صاحبه اعتمادا على فهم المخاطب، كما قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ(4).(5)
قال تعالى: «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا
رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِين»(1).
قال تعالى: «ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ»(2).
الظاهر أنّ المراد بنقاعة دم: العلقة، بقرينة ذكر النّطفة قبلها والمضغة بعدها.
وقال الجوهري: دم ناقع، أي: طريّ، قال الشاعر قسام بن روامة:
و ما زال من قتلي رزاح بعالج
دم ناقع أو جاسد غير ما صح
وقال أبو سعيد: يريد بالنّاقع الطّريّ، وبالجاسد القديم(3).
أي: قطعة لحم، قال تعالى: «ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً...»(4).
و المراد نطفة تصير منشأ مولود، وليس كلّ نطفة كذلك.
أي: الخلاصة، قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ»(5).
أي: مشقّة، قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ»(1).
تمنعه من الحفظ، قال تعالى:... «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤدُهُ
حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»(2).
أي لا اعترضته.
وإمضاءها.
أي: ضعف، وكيف تلحقه كلفة أو تعترضه عارضة أو تعتوره فترة في خلقه وأمره، وهو الّذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون.
قال تعالى: «... يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ...»(3).
قال تعالى: «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا»(1).
قال تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»(2).
من غمره الماء إذا علاه.
قال تعالى: «... وَلَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ»(3).
أي: حقيقة.
قال تعالى: «وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(4).
هذا، وقال ابن أبي الحديد بعد نقل هذا العنوان: لو سمع النّضر بن كنانة هذا
الكلام لقال لقائله ما قاله عليّ بن إسماعيل بن جريح لإسماعيل بن بلبل:
قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم***كلاّ ولكن لعمري منه شيبان
و كم أب قد علا بابن ذرى شرف ***كما علا برسول اللّه عدنان
إذن كان يفتخر به على عدنان وقحطان بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرّحمن، ويقول له: إنّه لم يعف ما شيّدت من معالم التوحيد، بل أخرج اللّه لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهليّة النّبط، بل لو سمع هذا الكلام أرسطا طاليس القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيات لخشع قلبه وقفّ شعره، واضطرب فكره. ألا ترى ما عليه من الرّواء والمهابة، والعظمة، والفخامة، والمتانة والجزالة، مع ما قد أشرب من الحلاوة والطّلاوة، واللطف والسّلاسة، ولا أرى كلاما يشبه هذا إلاّ أن يكون كلام الخالق سبحانه، فإنّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة، وجدول من ذلك البحر، وجذوة من تلك النّار، وكأنّه عليهالسلام شرح قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(1).(2)
وقد أجاد في ما أفاد، لكن عرفت ممّا نقلنا من الآيات في شرح الفقرات أنّ كلامه عليهالسلام تفسير لما قاله من الآية ولآيات أخر.
العليم الكريم الرحيم الى غير ذلك من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.
في اوصاف كمالك حتى انها لا تحصى.
قال تعالى: «وَللّهِِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها»(1).وقال تعالى: «أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»(2).
وقال تعالى: «اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»(3).وقال تعالى: «هُوَ اللّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»(4).
وكونه تعالى خير مأمول لانه القادر على اعطاء كل أمل دون غيره.
لانه الذى لا يخيب رجاء راجيه.
بقوة البيان.
لعدم اتصاف غيره بما مدحه.
لفقدان سواه لما به أثنى عليه، فتقول: «إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(5)و«أَنَّ اللّهَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم»(1)فهل يكون أحد غيره كذلك.
أي مدحي وثنائي.
ممن رجاهم غيره.
باحتمال كونهم على ضدّ ما يمدحون به.
إلى مدحك.
عن.
إلى الثناء عليك لانك اللّه خالق الخلق وربّ العالمين.
فاثبني جزاء ثنائي
1) . النساء: 97 ومواضع اخرى.
أي معروف.
فأعطني عطاء معروفاً على ثنائي.
قال تعالى: «وَللّهِِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْض»(1).
وقال تعالى: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُوم»(2).
أي كنوز أسبابها كقوله تعالى: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم»(3).
أي بالاقرار بواحدانيتك المختصة بك.
جمعا المحمدة والمدحة وجاء جمع الثانى بلفظ الاماديح ايضاً؛ والاصل في الحمد الارتضاء يقال احمدت الارض ارتضيت سكناها.
لعدم صدقها في سواه تعالى.
أي حاجة اليك.
لا استحقاقي.
أي لا يرفع.
بالفتح أي فاقتها.
على عبادك.
مقام حمدك وثنائك.
عنّا.
لانّك الرزاق.
على اغنائنا واصلاح جميع شؤنا.
هذا، وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام قَالَ: كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا خَيْرَهُ وَنَصْرَهُ وَبَرَكَتَهُ وَفَتْحَهُ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَه(1).وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: الدُّعَاءُ مَفَاتِيحُ النَّجَاحِ وَمَقَالِيدُ الْفَلاحِ وَخَيْرُ الدُّعَاءِ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ تَقِيٍّ وَقَلْبٍ نَقِيٍّ وَفِي الْمُنَاجَاةِ سَبَبُ النَّجَاةِ وَبِالاْءِخْلاصِ يَكُونُ الْخَلاصُ فَإِذَا اشْتَدَّ الْفَزَعُ فَإِلَى اللّهِ الْمَفْزَعُ(2).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام: الدُّعَاءُ تُرْسُ الْمُؤمِنِ(3)وَمَتَى تُكْثِرْ قَرْعَ الْبَابِ يُفْتَحْ لَكَ(4).
وفي (المحاسن والأضداد للجاحظ): يقال أنّ عليّا عليهالسلام لمّا اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد اللّه قائده، ولا أسعد رائده، ولا أصاب غيثا، ولا سار إلاّ ريثا، ولا رافق إلاّ ليثا، أبعده اللّه وأسحقه، وأوقد على أثره وأحرقه، لا حطّ اللّه رحله، ولا كشف محلّه، ولا بشّر به أهله، لا زكّى له مطلب ولا رحب له مذهب، ولا يسّر له مراما، لا فرّج اللّه له غمّه، ولا سرّى همّه، لا سقاه اللّه ماء، ولا حل عقده، ولا
أروى زنده، جعله اللّه سفر الفراق، وعصا الشقاق وأنشد:
بأنكد طائر وبشرّ فال ***لأبعد غاية وأخسّ حال
بحدّ السدّ حيث يكون منّي ***كما بين الجنوب إلى الشمال
غريبا تمتطي قدميك دهرا ***على خوف تحنّ إلى العيال(1)
1) . المحاسن والأضداد: 122/1.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَإِنَّ الآْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَاعْلَمُوا إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً.
الأصل في العنوان رواية سيف الذي كان رواياته كذبا وافتعالا(1)
وسيجيئ إن شاء اللّه من أكاذيبه في محله.
، إمّا كلاّ وإمّا جزءا، وأنّه يدخل في كل شيء شيئا ويضع في مقابل أمر أمرا.ومما يوضح تصرفه في هذا الخبر إدخاله فيه إكراه طلحة والزبير على بيعته عليهالسلام،
مع وضوح أنّه عليهالسلام لم يكن يجبر أحدا. وأيضا إدخاله فيه أنّ أهل البصرة أرادوا جعل الأمر لطلحة، وأنّ أهل الكوفة أرادوا جعل الأمر للزبير، ولم يرد الأمر له عليهالسلام
غير أهل مصر، وهو أيضا واضح البطلان، فأهل البصرة جاءوا كأهل الكوفة جاءوا
1) .
كلّهم كانوا شيعته عليهالسلام، كيف لا ورئيس البصريين حكيم بن جبلة العبدي ورئيس الكوفيين الأشتر النخعي.
وهذه رواية سيف كتب إلى السري، عن شعيب عن سيف، عن محمّد وطلحة قالا: قالوا ـ أي أهل الكوفة والبصرة ومصر الذين شهدوا قتل عثمان ـ لأهل المدينة: أجلناكم يومين، فو اللّه لئن لم تفرغوا لنقتلنّ غدا عليّا عليهالسلام وطلحة و الزبير واناسا كثيرا، فغشى النّاس عليّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا
به من ذوى القربى، فقال عليّ: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول» فقالوا: ننشدك اللّه ألا
ترى ما نرى، ألا ترى الإسلام، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف اللّه فقال: «قد أجبتكم لمّا
أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فأنا كأحدكم إلاّ أنّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم».
ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد، وتشاور النّاس في ما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت، فبعث البصريون إلى الزبير بصريا وقالوا: احذر لا تحاد به ـ وكان رسولهم حكيم بن جبلة العبدي ـ فجاءوا به يحدونه بالسيف ـ وإلى طلحة كوفيّا وقالوا له: احذر لا تحاد به، فبعثوا الأشتر في نفر فجاءوا به يحدونه، وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعا لأهل مصر وحشوة فيهم ـ إلى أن قال: ـ وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع، فقال: إنّي إنّما ابايع كرها. فبايع ـ إلى أن قال: ـ ثمّ جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع، وفي الزبير
اختلاف يعني هل بايع أو لا(1)وأخذ قوله: «وأنا لكم وزيرا» من خبر آخر.
قال التسترى: والعجب من المصنّف كيف يأخذ من رواياته ويرى اشتمالها على مقطوع الكذب، ألم ينقل كلامه عليهالسلام في كتابه عليهالسلام إلى طلحة والزبير: «أنّي لم أرد النّاس حتى أرادوني، ولم ابايعهم حتّى بايعوني، وإنّكما ممّن أرادني وبايعني»(2)إلى غير ذلك ممّا نقل(3).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَأَتَوْا عَلِيّاً فَقَالُوا لَهُ لابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ قَالَ لا حَاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضِيتُ بِهِ فَقَالُوا مَا نَخْتَارُ غَيْرَكَ وَتَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَاراً وَقَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ إِنَّا لا نَعْلَمُ أَحَداً أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ لا أَقْدَمَ سَابِقَةً وَلا أَقْرَبَ قَرَابَةً مِنْ رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ لا تَفْعَلُوا فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيراً خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيراً فَقَالُوا وَاللّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ قَالَ فَفِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ بَيْعَتِي لا يَكُونُ خَفِيّاً وَلا تَكُونُ إِلاّ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ فِي بَيْتِهِ وَقِيلَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَطَاقُ قَمِيصٍ وَعِمَامَةُ خَزٍّ وَنَعْلاهُ فِي يَدِهِ مُتَوَكِّئاً عَلَى قَوْسِهِ فَبَايَعَهُ النَّاسُ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ النَّاسِ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ ذُؤيْبٍ فَقَالَ إِنَّا للّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْبَيْعَةِ مِنَ النَّاسِ يَدٌ شَلاّءُ لا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ فَبَايَعَهُ الزُّبَيْرُ.
وَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ إِنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ تُبَايِعَا لِي وَإِنْ أَحْبَبْتُمَا بَايَعْتُكُمَا فَقَالا بَلْ نُبَايِعُكَ
وَقَالا بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا صَنَعْنَا ذَلِكَ خَشْيَةً عَلَى أَنْفُسِنَا وَعَرَفْنَا أَنَّهُ لا يُبَايِعُنَا وَهَرَبَا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَعْدَ مَا بَايَعَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ.
وَجَاؤوا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ عَلِيٌّ بَايِعْ قَالَ لا حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ وَاللّهِ مَا عَلَيْكَ مِنِّي بَأْسٌ فَقَالَ خَلُّوا سَبِيلَهُ وَجَاؤوا بِابْنِ عُمَرَ فَقَالُوا بَايِعْ فَقَالَ لا حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ قَالَ ائْتِنِي بِكَفِيلٍ قَالَ لا أَرَى كَفِيلاً قَالَ الْأَشْتَرُ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ دَعُوهُ أَنَا كَفِيلُهُ إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَسَيِّئُ الْخُلُقِ صَغِيراً وَكَبِيراً وَبَايَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلاّ نَفَراً يَسِيراً مِنْهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَسَلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ وَكَانُوا عُثْمَانِيَّةً فَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ أَصَابِعَ نَائِلَةَ امْرَأَةِ عُثْمَانَ الَّتِي قُطِعَتْ وَقَمِيصَ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ وَهَرَبَ بِهِ فَلَحِقَ بِالشَّامِ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُعَلِّقُ قَمِيصَ عُثْمَانَ وَفِيهِ الْأَصَابِعُ فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ ازْدَادُوا غَيْظاً وَجَدُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَتَوْا عَلِيّاً لِيُبَايِعُوهُ قَالَ دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَلَهُ أَلْوَانٌ لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ فَقَالُوا نَنْشُدُكَ اللّهَ أَ لا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَ لا تَرَى الاْءِسْلامَ أَ لا تَرَى الْفِتْنَةَ أَ لا تَخَافُ اللّهَ فَقَالَ قَدْ أَجَبْتُكُمْ وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ أَرْكَبُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ فَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ إِلاّ أَنِّي مِنْ أَسْمَعِكُمْ وَأَطْوَعِكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوه(1)
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ عَنِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّاسَ غَشُوهُ وَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ يَطْلُبُونَ مُبَايَعَتَهُ وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَلا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ قَالُوا لَهُ نَنْشُدُكَ اللّهَ أَ لا
1) . الكامل لابن الاثير: 193/3 ـ 190؛ بحار الأنوار: 32/ 8 ـ 7/ ش 2.
تَرَى الْفِتْنَةَ أَ لا تَرَى إِلَى مَا حَدَثَ فِي الاْءِسْلامِ أَ لا تَخَافُ اللّهَ فَقَالَ قَدْ أَجَبْتُكُمْ لِمَا أَرَى مِنْكُمْ وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ بَلْ أَنَا أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ فَقَالُوا مَا نَحْنُ بِمُفَارِقِيكَ حَتَّى نُبَايِعَكَ قَالَ إِنْ كَانَ لابُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَفِي الْمَسْجِدِ إِنَّ بَيْعَتِي لا تَكُونُ خَفِيّاً وَلا تَكُونُ إِلاّ عَنْ رِضَا الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَلاَءٍ وَجَمَاعَةٍ فَقَامَ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَانْثَالَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَبَايَعُوهُ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْر(1).
وفِي جُمَلِ أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ أَنَّهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي خَبَرٍ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ لِيُبَايِعُوهُ وَمَالُوا إِلَيْهِ فَمَدُّوا يَدَهُ فَكَفَّهَا وَبَسَطُوهَا فَقَبَضَهَا حَتَّى بَايَعُوهُ.
وفِي سَائِرِ التَّوَارِيخِـ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَكَانَتْ إِصْبَعُهُ أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ فَشَلَّتْ فَبَصُرَ بِهَا أَعْرَابِيٌّ حِينَ بَايَعَ فَقَالَ ابْتِدَاءُ هَذَا الْأَمْرِ يَدٌ شَلاّءُ لا يَتِمُّ ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ وَيُرْوَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ عُبَيْدَ بْنَ ذُوَيْبٍ فَقَالَ يَدٌ شَلاّءُ وَبَيْعَةٌ لا تَتِم(2).
وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين من الهجرة(3)، وعن المعلّى بن خنيس عن أبي عبداللّه عليهالسلام انّ اليوم الذي بويع فيه أمير المؤنين ثانية كان يوم النيروز(4)هذا.
و لمّا بويع عليهالسلام انشأ أبو العباس أحمد بن عطيّة هذه الأبيات:
رأيت عليّا خير من وطىء الحصا ***وأكرم خلق اللّه من بعد أحمد
وصيّ رسول المرتضى وابن عمّه ***وفارسه المشهور في كلّ مشهد
تخيّره الرّحمن من خير اسرة ***لأطهر مولود وأطيب مولد
إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا ***ببيعته بعد النبيّ محمّد صلىاللهعليهوآله(1)
وأنشأ خزيمة بن ثابت:
إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا ***أبو حسن ممّا نخاف من الفتن
وجدناه أولى النّاس بالنّاس انه ***أطبّ قريش بالكتاب وبالسنن
وانّ قريشا لا تشقّ غباره ***إذا ما جرى يوما على ضمر البدن
ففيه الذي فيهم من الخير كلّه ***وما فيهم مثل الذي فيه من حسن
وصيّ رسول اللّه من دون أهله ***وفارسه قد كان في سالف الزّمن
وأوّل من صلّى من الناس كلّهم ***سوى خيرة النسوان واللّه ذى المنن
وصاحب كبش القوم في كلّ وقعة ***يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن
فداك الذي تثنى الخناصر باسمه ***إمامهم حتّى اغيّب في الكفن(2)
واعلم أنّ المستفاد من الروايات الآتية وغيرها في سبب هذا الكلام هو أنّ خلفاء الجور بعد ما غيّروا سنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وسيرته التي كان يسيرها من العدل بالقسمة والمواساة بين الرّعية، ففضّلوا العرب على العجم، والموالي على العبيد، والرؤاء على السفلة، وآثر عثمان أقاربه من بني امية على ساير الناس وجرى على ذلك ديدنهم سنين عديدة، واعتاد الناس ذلك أزمنة متطاولة حتّى نسوا سيرة الرّسول صلىاللهعليهوآله، وكان غرض الطالبين لبيعته عليهالسلام أن يسير عليهالسلام فيهم مثل سيرة من سبق
عليه من المتخلّفين من تفضيل الشريف على الوضيع، وكان عليهالسلام تفرّس ذلك منهم وعرفه من وجنات حالهم خاطبهم بهذا الكلام إتماما للحجّة وإعلاما لهم بأنّه عليهالسلام إن قام فيهم بالأمر لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه من الترجيح والتفضيل فقال عليهالسلام (دعوني والتمسوا غيرى) للبيعة...
قال ابن أبي الحديد: يحمل أصحابنا كلامه عليهالسلام على ظاهره ويقولون إنّه لم يكن منصوصا عليه، وإن كان أولى النّاس بها، لأنّه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول: «دعوني والتمسوا غيري»، ولا أن يقول: «ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم» ولا أن يقول: «وأنا لكم وزيرا خير منّي لكم أميرا» وتحمله الإمامية على وجه آخر فيقولون: إنّ الذين أرادوه على البيعة هم كانوا عاقدين بيعة الخلفاء من قبل، وكان عثمان منعهم أو منع كثيرا منهم عن حقّه من العطاء، لأن بني اميّة استأصلوا الأنام في أيّام عثمان، فلمّا قتل قالوا لعليّ عليهالسلامنبايعك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما، وقال عليهالسلام للناس كلاما تحته رمز وهو قوله عليهالسلام: «إنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكّرت» قالوا: هذا كلام له باطن و غور عميق، معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو ويجهلون هم، وهو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض، واختلاف الكلمة وظهور الفتنة.
ومعنى قوله عليهالسلام: «الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت»: أنّ الشبهة استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر النّاس محجّة الحق أين هي، فأنا لكم وزيرا عن الرسول صلىاللهعليهوآله، أفتي فيكم بشريعته وأحكامه، خير لكم منّي أميرا محجورا عليه،
مدبرا بتدبيركم، فإنّي أعلم أنّه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة الرسول صلىاللهعليهوآلهفي أصحابه، مستقلا بالتدبير لفساد أحوالكم وتعذّر صلاحكم.
و معنى قوله عليهالسلام: «له وجوه وألوان» أنّه موضع شبهة وتأويل، فمن قائل يقول: (أصاب علىّ) وآخر يقول: (أخطأ).
وكذلك القول في تصويب محاربيه من الجمل وصفين والنهروان، وتخطئتهم فإنّ المذاهب فيه وفيهم تشعّبت وتفرّقت جدا. قال: وحمل بعضهم كلامه عليهالسلامعلى محمل آخر، فقال: هذا كلام مستريب شاكّ من أصحابه، يقول لهم: «دعوني والتمسوا غيري» على طريق الضجر منهم، والتبرّم بهم، والتسخّط لأفعالهم، لأنّهم كانوا عدولا عنه من قبل واختاروا عليه، فلمّا طلبوه بعد أجابهم جواب المتسّخط العاتب.
وحمله بعضهم على محمل آخر فقالوا: إنّه أخرجه مخرج التهكم والسخرية أي: «أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا» في ما تعتقدونه، كما قال سبحانه: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» أي: تزعم ذلك لنفسك وتعتقده. وما ذكروه من المحامل ليس ببعيد لو كان الدليل عليه دل(1).
وأورد عليه المحدّث العلامة المجلسىّ طاب رمسه بعد نقل كلامه بقوله: ولا يخفى على اللّبيب بعد الاغماض عن الأدلّة القاهرة والنّصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التّأويل ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلاّ على القول بأنّ إمامته عليهالسلام كان مرجوحا وأنّ كونه وزيرا كان أولى من كونه أميرا، وهو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به، فانّه عليهالسلام إذا كان أحقّ بالامامة وبطل تفضيل المفضول
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/ 33 ـ 35.
على ما هو الحقّ واختاره أيضا كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له عليهالسلام أن يأمر الناس بتركه والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الامامة؟ ومع وجود الضّرورة كما جاز ترك الامامة الواجبة بالدّليل جاز ترك الامامة المنصوص عليها، فالتأويل واجب على التقديرين ولا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان، على أنّ الظّاهر للمتأمّل في أجزاء الكلام حيث علّل الأمر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول ويتنكّر المحجة وأنّه إن أجابهم حملهم على محض الحقّ، هو أنّ السّبب في ذلك وجود المانع دون عدم النّص وأنّه لم يكن متعيّنا للامامة أو لم يكن أحقّ وأولى به ونحو ذلك(1).
والعجب كل العجب من ابن أبي الحديد مع كونه من اهل السّير كيف انكر النص فيه عليهالسلام وقال انه لم يكن منصوصا عليه ولم يعلم ان المتعصب اذا بلغ هذا المبلغ يدّل على حماقة المتعصب بل الحاده وكفره.
فقد روى أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله دَعَا النَّاسَ بِغَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِمَا كَانَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّوْكِ فَقُمَّ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ بِضَبْعِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام فَرَفَعَهَا حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى بَيَاضِ إِبْطِ رَسُولِ اللّهِص فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَلَمْ يَنْزِلْ [عَنِ الْمِنْبَرِ] حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلامَ دِيناً»(2)فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: اللّهُ أَكْبَرُ عَلَى
إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ.
وَرِضَى الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَبِوِلايَةِ عَلِيٍّ مِنْ بَعْدِي فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا رَسُولَ اللّهِ ائْذَنْ لِي لأَقُولَ فِي عَلِيٍّ عليهالسلام أَبْيَاتاً فَقَالَ صلىاللهعليهوآله: قُلْ عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ فَقَالَ حَسَّانُ: يَا مَشِيخَةَ قُرَيْشٍ اسْمَعُوا قَوْلِي بِشَهَادَةٍ مِنْ رَسُولِ اللّهِ [ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ]:
أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّداً ***لَدَى دَوْحِ خُمٍّ حِينَ قَامَ مُنَادِياً
وَقَدْ جَاءَ [جَاءَهُ] جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ***بِأَنَّكَ مَعْصُومٌ فَلا تَكُ وَانِياً
وَبَلِّغْهُمْ مَا أَنْزَلَ اللّهُ رَبُّهُمْ ***وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ وَحَاذَرْتَ بَاغِياً
عَلَيْكَ فَمَا بَلَّغْتَهُمْ عَنْ إِلَهِهِمْ ***رِسَالَتَهُ إِنْ كُنْتَ تَخْشَى الْأَعَادِيَا
فَقَامَ بِهِ إِذْ ذَاكَ رَافِعَ كَفِّهِ***بِيُمْنَى يَدَيْهِ مُعْلِنَ الصَّوْتِ عَالِياً
فَقَالَ لَهُمْ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ مِنْكُمْ ***وَكَانَ لِقَوْلِي حَافِظاً لَيْسَ نَاسِياً
فَمَوْلاهُ مِنْ بَعْدِي عَلِيٌّ وَإِنَّنِي***بِهِ لَكُمُ دُونَ الْبَرِيَّةِ رَاضِياً
فَيَا رَبِّ مَنْ وَالَى عَلِيّاً فَوَالِهِ***وَكُنْ لِلَّذِي عَادَى عَلِيّاً مُعَادِياً
وَيَا رَبِّ فَانْصُرْ نَاصِرِيهِ لِنَصْرِهِمْ***إِمَامَ الْهُدَى كَالْبَدْرِ يَجْلُو الدَّيَاجِيَا
وَيَا رَبِّ فَاخْذُلْ خَاذِلِيهِ وَكُنْ لَهُمْ ***إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ الْحِسَابِ مُكَافِيَا(1)
فنقول للشارح المعتزلى: من قال هذه الاشعار؟ وما معنى الولاية والإمامة بعد النّبىّ صلىاللهعليهوآله؟ وما المراد بالنص من جهة الرسول؟ وليس هذا اول قارورة كسرت فيالاسلام والأمر يومئذ للّه ربّ العالمين.
وقال التسترى: قد عرفت عدم معلوميّة كونه كلامه عليهالسلام وعلى فرض كونه كلامه عليهالسلام فنقول: أمّا ما نقله عن أصحابه أنّه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول:
1) . كتاب سليم بن قيس: 828/2، ح39؛ بحار الأنوار: 195/37، ح78.
(دعوني والتمسوا غيري ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا) فهل الإمامة هي السلطنة والرّياسة، فالإمام كالنبيّ صلىاللهعليهوآله سواء كان له بسط يد أم لا، والسّلطنة وإن كانت حقّهما إلاّ أنّ تلك السلطنة أيضا من
اللّه، وهم يريدون أن يجعلوه سلطانا من قبلهم وببيعتهم، ولم يكونوا يعتقدوا أنّ طاعته عليهالسلامطاعة اللّه، ومعصيتة معصية اللّه كالنبيّ صلىاللهعليهوآلهفلم يكن واجبا عليه عليهالسلامقبول
رياستهم، فأي مانع أن يقول دعوني والتمسوا غيري لإمامتكم المصنوعة، وأمّا طاعته لمن ولوه فلوجوب التقيّة.
وأمّا كون كونه وزيرا لهم خيرا لهم من إمارته، لأنّ بامارته كانوا يخرجون عليه فيكفروا، فإنّ طلحة والزبير صارا بسبب إمارته عليهالسلام في غاية الخزي والشقاوة، مع أنّ تكلّم الإنسان في مثله على عقيدة خصمه، فقالوا: ان طائفة بجيلة في صفين قالوا لأبي شداد قيس بن مكشوح: خذ رايتنا. فقال: غيري خير لكم منّي، قالوا: ما نريد غيرك. قال: فو اللّه لئن أعطتيمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب ـ يعني معاوية فكان على رأسه رجل معه ترس مذهب يستره من الشمس ـ .
وأمّا ما نقل عن الإمامية من المحامل، وقال ليست ببعيدة لو دلّ عليها دليل، فيدلّ على المحمل الأوّل من عدم قبوله عليهالسلام العمل بسيرة أبي بكر وعمر: إنّه لمّا قال له ابن عوف يوم الدار: ابايعك على أن تعمل بسنّتهما أنكر عليه، وقال: لا أعمل إلاّ بكتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله(1)، ولمّا بايعه عليهالسلام أصحابه بيعة ثانية بعد التحكيم، أراد رجل خثعمي بيعته على شرط ذلك فأنكر عليه أيضا، وكونه عليهالسلاموزيرا عن
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 188/1؛ بحار الأنوار: 399/31.
الرسول صلىاللهعليهوآله أمر معلوم بالضرورة، لا ينكره أحد حتّى انّ معاوية كان مقرّا به، كما في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر(1)، وتواتر به الخبر في حديث المنزلة(2).ويدلّ على الثاني: أنّ تسخطه عليهالسلام على النّاس وعتابه لهم في عدولهم عنه أمر مقطوع من الواضحات، وقد كان يصرّح به في أيّام الثلاثة في غير مقام ويخطب به في أيّامه مقاما بعد مقام، بل كان عليهالسلام قلمّا يرقى المنبر إلاّ ويشكو من مظلوميته.
ويدلّ على الثالث: أنّ كونه عليهالسلام رائي نفسه بمنزلة النبيّ صلىاللهعليهوآله أيضا أمر معلوم، فكان عليهالسلام يقول: «و أنا من رسول اللّه كالصنو من الصنو والذراع من العضد»(3)،وكان يقول: «إنّا صنائع اللّه والنّاس صنائع لنا»(4)وكيف لا يقول عليهالسلام ذلك والقرآن في قوله تعالى: «... وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ...»(5)و«إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(6)يشهد له بذلك وكان عليهالسلاملا يرى الإمامة لغيره وغير المعصومين من عترته، ولذا أجمعت قريش ـ على طوائفها ـ إجماع رجل واحد على صرف الأمر عنه يوم السقيفة ويوم الدار، ليكون لكلّ منهم نصيب من الأمر وكانوا يريدون أن يجعلوه كواحد من عرض النّاس، خواصهم عنادا وحسدا وعامّتهم قلّة معرفة، فكان حدّ معرفتهم أنّ أهل الشام لمّا رفعوا المصاحف، بأنّا حكمنا القرآن لم يعرفوا انّه عليهالسلام مع سوابقه تلك في الإسلام والتقى أحقّ بالخلافة من معاوية مع سوابقه تلك في الكفر والفجور، ثم
كفّره عليهالسلامجمع منهم بمعاهدته في ذلك مع شرطه.
ثمّ إنّ ابن أبي الحديد قال: نذكر ها هنا قصّة بيعته عليهالسلام عن كتاب (نقض عثمانية) أبي جعفر الاسكافي قال: لمّا أجمعت الصحابة في مسجد النبيّ صلىاللهعليهوآلهبعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامه، أشار أبو الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن العجلان وأبو أيوب الأنصاري وعمّار بن ياسر بعليّ عليهالسلام، وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته، فأجابهم النّاس إليه، فقام كلّ واحد منهم خطيبا يذكر فضل عليّ عليهالسلام فمنهم من فضّله على أهل عصره خاصّة، ومنهم من فضّله على المسلمين كافة، ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة. فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر محمّدا فصلّى عليه، ثم ذكر نعمة اللّه على أهل الإسلام، ثم ذكر الدنيا فزهّدهم فيها وذكر الآخرة فرغّبهم إليها ثم قالـ: أمّا بعد فإنّه لمّا قبض رسول اللّه استخلف النّاس أبا بكر، ثم استخلف
أبو بكر عمر فعمل بطريقة ثم جعلها شورى بين ستة، فأفضى الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم وعرفتم، ثم حصر و قتل، ثم جئتموني فطلبتم إليّ وإنّما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليّ ما عليكم، وقد فتح اللّه الباب بينكم وبين أهل القبلة وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، ولا يحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر، وإنّي حاملكم على منهج نبيّكم صلىاللهعليهوآله ومنفّذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي وباللّه المستعان ألا إنّ موضعي من رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهبعد وفاته كموضعي منه أيّام حياته، فامضوا لما تؤرون به وقفوا عند ما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتّى نبيّنه لكم، فإنّ لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا، ألا وإنّ اللّه عالم من فوق سمائه وعرشه أنّي كنت كارها للولاية على امّة محمّد صلىاللهعليهوآله، حتّى اجتمع رأيكم على ذلك
لأنّي سمعته صلىاللهعليهوآلهيقول: أيما والّ ولّي الأمر من بعدي اقيم على حدّ الصراط ونشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلا أنجاه اللّه بعدله، وإن كان جائرا انتفض به الصراط تتزايل مفاصله، ثم يهوي إلى النّار فيكون أوّل ما يتقيها به أنفه وحر وجهه، ولكنّي لمّا اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم، ثم التفت عليهالسلام يمينا وشمالا
فقالـ: ألا لا يقولن رجل منكم غدا: قد غمرتهم الدّنيا فاتّخذوا العقار وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي كانوا يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب الرسول صلىاللهعليهوآلهيرى أنّ الفضل له على من سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيّر غدا عند اللّه وثوابه وأجره على اللّه، وأيّما
رجل استجاب للّه وللرسول فصدّق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد اللّه، والمال مال اللّه، يقسم بينكم بالسويّة لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتّقين غدا عند اللّه أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل اللّه الدّنيا للمتّقين أجرا وثوابا وما عند اللّه خير للأبرار...(1).
هذا، وفي قوله عليهالسلام فيه: وسمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: «ايّما وال...» تعريض بهلاك المتقدمين عليه، أمّا كون عثمان جائرا فواضح، كونه معدن كلّ خطيئة، وأمّا عمر فمعلوم أنّه جار في تفضيل العربي على العجمي والصحابي على التابعي.
ففي ذيل هذا الخبر: أنّه عليهالسلام قال لطلحة والزبير: «ما الذي كرهتما من أمري» قالا: خلافك عمر في القسم، فقال عليهالسلام لهما: «قد وجدت أنا وأنتما رسول اللّه صلىاللهعليهوآله
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 36/7 ـ 37؛ بحار الأنوار: 16/32/ ش 7.
يحكم بذلك وكتاب اللّه ناطق به»(1). وأمّا أبو بكر فواضح جوره في قضية مالك بن نويرة، وتعطيله حدود اللّه تعالى في حق خالد بن الوليد كما اعترف به عمر «إِنَّ فِيذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»(2)ولو لم يكن
لشيخيهم إلاّ تفويض خلافة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وسلّم إلى أعداء النبيّ صلىاللهعليهوآله لكفاهم هلاكه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
على فضله وعلمه ويبيّن فتنة بني أمية
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ وَلَمْ تَكُنْ لِيَجْرُأَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَاشْتَدَّ كَلَبُهَاـ فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَتُضِلُّ مِائَةً إِلاّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا وَمُنَاخِ رِكَابِهَا وَمَحَطِّ رِحَالِهَا وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً وَيَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ لأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اللّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُم إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً أَلا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَخُصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَأَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَايْمُ اللّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ
أَرْبَابَ سَوْءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَتَمْنَعُ دَرَّهَا لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاّ نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ وَلا يَزَالُ بَلاؤهُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاّ كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ (مَخْشِيَّةً) وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَلا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لا يُعْطِيهِمْ إِلاّ السَّيْفَ وَلا يُحْلِسُهُمْ إِلاّ الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونَنِيهِ.
قال ابن أبي الحديد: وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليهالسلام بعد انقضاء امر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي...(1).
وعن أبى بكر محمّد بن المظفر البزاز، عن أبي مالك كثير بن يحيى، عن محمّد بن أبي السري، عن أحمد بن عبد اللّه بن يونس، عن سعد الكناني، عن الأصبغ قال: لمّا بويع أمير المؤنين عليهالسلام بالخلافة خرج إلى المسجد معتمّا بعمامة الرسول صلىاللهعليهوآلهلابسا بردته، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، و وعظ وأنذر، ثمّ جلس متمكّنا وشبك بين أصابعه ووضعها أسفل سرّته.
ثمّ قال: يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني. سلوني فإنّ عندي علم الأولين والآخرين. أما واللّه لو ثني لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم.
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 57/7.
ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني فو الّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية لأخبرتكم بوقت نزولها، وفيم نزلت، وأنبأتكم بناسخها من منسوخها، و خاصّها من عامها، ومحكمها من متشابهها ومكّيها من مدنيّها، واللّه ما من فئة تضلّ أو تهدي إلاّ وأنا أعرف قائدها، وسائقها، وناعقها إلى يوم القيامة(1).
وروى عن الأعمش، عن عباية بن ربعي قال: كان عليّ عليهالسلام كثيرا ما يقول: سلوني قبل أن تفقدوني. فو اللّه ما من أرض مخصبة ولا مجدبة، ولا فئة تضلّ مئة أو تهدي مئة إلاّ وأنا أعلم قائدها، وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة»(2).وعن الأصبغ قال: سمعت عليّا عليهالسلام يقول على هذا المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، واللّه ما أرض مخصبة ولا مجدبة، ولا فئة تضلّ مئة أو تهدي مئة إلاّ وقد عرفت قائدها وسائقها، وقد أخبرت بهذا رجلا من أهل بيتي يخبرها كبيرهم لصغيرهم إلى أن تقوم الساعة(3).
وروى ابن عقدة عن أحمد بن محمّد الدينوري، عن علي بن الحسن الكوفي، عن عميرة بنت دوس، عن جدّها الخضر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدّه عمر بن سعيد قال: قال علي عليهالسلام يوما لحذيفة: لا تحدّث الناس بما لا يعرفون فيكفروا. إنّ من العلم صعبا شديدا محمله لو حملته الجبال عجزت عن حمله ـ إلى أن قال: ـ يا ابن اليمان إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله تفل في فمي، وأمرّ يده على صدري، وقال: اللّهمّ أعط خليفتي، ووصيّي، وقاضي ديني ومنجز وعدي وأمانتي ووليّي في حوضي،
وناصري على عدوّك وعدوّي، ومفرّج الكرب عن وجهي، ما أعطيت آدم من العلم، ونوحا من الحلم، وإبراهيم من العترة الطيبة والسماحة، وأيّوب من الصبر عند البلاء، وداود من الشدّة عند منازلة الأقران، وسليمان من الفهم.
اللّهمّ لا تخف عن عليّ شيئا من الدنيا حتّى تجعلها كلّها بين عينيه، مثل المائدة الصغيرة بين يديه. اللّهمّ أعطه حلاوة موسى، وأجعله في نسله شبيه عيسى. اللّهمّ إنّك خلّفتني عليه، وعلى عترته، وذرّيّته الطيبة المطهّرة الّتي أذهبت عنها الرجس و النجس، وصرفت عنها ملامسة الشيطان. اللّهمّ إن بغت قريش عليه، وقدّمت غيره عليه، فاجعله بمنزلة هارون من موسى إذا غاب عنه موسى.
ثمّ قال: يا عليّ كم في ولدك من ولد فاضل يقتل والناس قيام ينظرون لايغيّرون. إنّ القاتل والآمر والشاهد الّذي لا يغيّر، كلّهم في الإثم واللّعان مشتركون.
يا ابن اليمان إنّ قريش لا تشرح صدورها، ولا ترضى قلوبها، ولا تجري ألسنتها ببيعة عليّ وموالاته إلاّ على الكره والعمى.
يا ابن اليمان ستبايع قريش عليّا ثمّ تنكث عليه وتحاربه وتناضله وترميه بالعظائم، وبعد عليّ يلي الحسن، وسينكث عليه. ثمّ يلي الحسين فتقتله فلعنت امّة تقتل ابن بنت نبيّها، ولا تعزّ من امّة، ولعن القائد لها، والمرتّب لفاسقها.
و الّذي نفس عليّ بيده لا تزال هذه الامّة بعد قتل الحسين ابني في ضلالة وظلمة وجور، واختلاف في الدين، وتبديل لما أنزل اللّه تعالى في كتابه، وإظهار البدع، وإبطال السنن، وترك محكمات حتّى تنسلخ من الاسلام وتدخل في العمى. ما لكم يا بني اميّة لا هديتم يا بني اميّة وما لكم يا بني فلان لكم الاتعاس. فما في
بني فلان إلاّ ظالم معتد متمرّد على اللّه بالمعاصي، قتّال لولدك، هتّاك لستر حرمتي. فلا تزال هذه الامّة جبّارين يتكالبون على حرام الدنيا منغمس في بحار الهلكات، وفي أودية الدماء، حتّى اذا غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس، وماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته، أطلعت الفتنة، ونزلت البلية، والتحمت العصبية، وغلا
الناس في دينهم، وأجمعوا على أنّ الحجّة ذاهبة والإمامة باطلة، وتحجّ حجيج الناس في تلك السنة من شيعة عليّ وتواصيهم التمكن والتجسس عن خلف الخلفاء، فلا يرى له أثر. فعند ذلك سبّت شيعة علي. سبّها أعداؤا، وغلبت عليها الأشرار والفسّاق باحتجاجها، حتّى إذا بقيت الامّة، وتدلّهت وأكثرت في قولها إنّ الحجّة هالكة، والإمامة باطلة. فوربّ علي إنّ حجّتها عليها قائمة ماشية في طرقاتها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق الأرض وغربها، تسمع الكلام وتسلّم على الجماعة، ترى ولا ترى الى الوقت والوعد، ونداء المنادي من السماء(1).
وعن إسماعيل بن أبان، عن عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد، عن المنصور بن عمرو، عن زرّ بن حبيش، وعن أحمد بن عمران الأنصاري عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو عن زرّ قال: خطب علي عليهالسلام بالنهروان فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس أمّا بعد، فأنا فقأت عين الفتنة ولم يكن
أحد ليجترئ عليها غيري، وفي حديث أبن أبي ليلى: «لم يكن ليفقأها أحد غيري»، ـ إلى أن قال: ـ سلوني قبل أن تفقدوني، إنّي ميّت أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم ـ وضرب بيده إلى لحيته ـ والّذي نفسي
1) .الغيبة للنعمانى: 142، ح3؛ بحار الأنوار: 70/28، ح31.
بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تضلّ مئة، أو تهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها. فقام إليه رجل فقال: حدّثنا يا أمير المؤنين
عن البلاء. قال عليهالسلامإنّكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل، وإذا سئل مسئول فليتثبّت. ألا وإنّ من ورائكم امورا أتتكم جللا مزوجا، وبلاء مكلحا مبلحا. والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة أن لو فقد تموني، ونزلت كرائه الامور، وحقائق البلاء. لقد أطرق كثير من السائلين، وفشل كثير من المسئولين، وذلك إذا قلصت حربكم وشمّرت عن ساق، وكانت الدنيا بلاء عليكم وعلى أهل بيتي حتّى يفتح اللّه لبقية الأبرار. الخبر(1).
في (القاموس): فقأ العين والبثرة ونحوهما كمنع: كسرها أو قلعها أو بخقها كفقأها(2).و المراد فقئوه عليهالسلام عين فتنة: الجمل، وصفين، والنهروان.
هذا، وكانت العرب إذا بلغت إبلهم ألفا فقئوا عين الفحل فإن زادت فقئوا الاخرى. فذلك المقفّى والمعمّى وكانوا يفتخرون بذلك قال:
فقأت لها عين الفحيل تعيفّا ***وفيهن رعلاء المسامع والحام
أيضا:
وهب لنا وأنت ذو امتنان ***يفقأ فيها أعين البعران(3)
قالوا: كان عامر بن الطفيل يوم فيف الريح (اسم مكان كان به الوقعة) يتعهد الناس فيقول: يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا. فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه، فكان كلّ من أبلى بلاء حسنا أتاه فأراه الدم على سنان رمحه أو سيفه.
فأتاه رجل من العدوّ. فقال: انظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي. فلمّا أقبل عليه لينظر وجاه بالرمح في وجنته ففلقها وفقأ عينه، وترك رمحه وعاد إلى قومه. دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل بقومه. فقال: هذا واللّه مبير قومي(1). وفقأ رجل عين آخر بحديدة محماة. فسمّى بنوه بني سمّال(2).
ومن النوكى: عجل بن لجيم، قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا في حلبة فجاء سابقا، فقال لابيه: كيف ترى أن أسمّيه يا أبت؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.
قال الشاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ***وأيّ عباد اللّه أنوك من عجل؟
أليس أبوهم عار عين جواده ***فأضحت به الامثال تضرب في الجهل(3)
لعدم علمهم بقتال أهل القبلة. قال الصادق عليهالسلام: لو لم يقاتلهم أمير المؤنين عليهالسلام
لم يدر أحد بعده كيف يسير فيهم(1).
وفي (المناقب): إنّ لمحمّد بن الحسن الفقيه كتابا يشتمل على ثلاثمئة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعل عليّ عليهالسلام(2).
وقتل عليهالسلام في صفين المقبل والمدبر، وأجهز على الجريح لكون قائدهم معاوية باقيا وقال عليهالسلام يوم الجمل بعد قتل طلحة والزبير: لا تتبعوا موليّا، ولا تجهزوا على جريح(3).
ثمّ مراده عليهالسلام بقوله «و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري» من باقي الناس، لا أهل بيته. فأهل بيته عليهالسلام مثله.
و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد: لو لا أنّه عليهالسلام اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحد عليه، حتّى الحسن عليهالسلام ابنه أشار عليه ألاّ يبرح عرصة المدينة، ونهاه عن المسير إلى البصرة حتّى قال له منكرا عليه إنكاره، و لا تزال تحنّ حنين الامّة، وقد روى ابن هلال أنّه كلّم أباه في قتال أهل البصرة بكلام أغضبه. فرماه ببيضة حديد عقرت ساقه فعولج منها شهرين...(4)، غلط، وخبراه من الروايات المجعولة من العامة. وكيف يعقل اعتراض من شهد القرآن بعصمته في صغره في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(5)، ومن باهل به النبيّ صلىاللهعليهوآله في صباه في قوله جلّ وعلا: «فَقُلْ
تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ...»(1)في كبره على أمير المؤنين عليهالسلام.
ولو أغمضنا عن ذلك كيف يمكن أن يخفى على الحسن عليهالسلام وجه الحكمة في وجوب قتال الناكثين لبيعة أبيه والمفسدين في الأرض أما كان سمع قوله تعالى: «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ»(2)وكان تركهم خلاف الشريعة والسياسة ثمّ كيف يفعل مثل أمير المؤنين عليهالسلام ما نسبه اليه سبحانك هذا بهتان عظيم.
قال ابن أبي الحديد من الخطبة مما لم ينقله الرضي قوله عليهالسلام: «و لو لم أك فيكم لما قوتل أصحاب الجمل وأهل النهروان» ولم يذكر عليهالسلام صفين. قيل: لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس، لأنّ طلحة و الزبير موعودان بالجنّة، وعائشة موعودة أن تكون زوجة النبيّ صلىاللهعليهوآله في الآخرة كما هي زوجته في الدنيا، وحال طلحة والزبير في السبق والجهاد والهجرة معلومة وحال عائشة في محبّة النبيّ صلىاللهعليهوآله لها وثناؤ عليها، ونزول القرآن فيها معلوم.
وأمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن وعبادة واجتهاد، وعزوف عن الدنيا وإقبال على امور الآخرة، وهم كانوا قرّاء أهل العراق وزهّادها.
وأمّا معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلّة الدين والانحراف عن الاسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص، ومن اتّبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهّال الاعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم واستحلال قتالهم (كأهل الجمل والنهروان)(3).
قلت: كلامه كلّه خبط في خبط. ففيه أوّلا: من أين أنّه عليهالسلام اقتصر على ما قال. فقد نقل ابن ميثم: قال عليهالسلام: «أمّا بعد، فأنا فقأت عين الفتنة شرقيّها و غربيّها، ومنافقها ومارقها، لم يكن ليجترئ عليها غيري ولو لم أكن لما قوتل أصحاب الجمل ولا صفين ولا أصحاب النهروان(1).
و ثانيا: إنّ جمعا من الأجلاّء عندهم كابن عمر، ومحمّد بن مسلمة، وأبي موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص ـ وهو عندهم من العشرة وهو من الستة ـ استشكلوا في قتال أهل صفين وكانوا من القاعدين.
وثالثا: إنّ زهادهم وقرّأءهم، وفي رأسهم ربيع بن خثيم استشكلوا في قتال معاوية. فروى نصر بن مزاحم: أنّه عليهالسلام لمّا ندب الناس إلى حرب معاوية أتاه جمع من أصحاب عبد اللّه بن مسعود منهم ربيع بن خثيم، وهم يومئذ أربعمائة رجل. فقالوا: إنّا قد شككنا في هذا القتال، ولا غنى بك ولا بنا ولا بالمسلمين عمّن يقاتل العدوّ من الكفّار، فولّنا بعض الثغور. فوجّه الربيع على ثغر الري(2).
وروى أبو حنيفة الدينوري: انّ جلّ الناس أجاب عليّا عليهالسلام إلى المسير إلى الشام إلاّ أصحاب عبد اللّه بن مسعود وعبيدة السلماني وربيع بن خثيم في نحو من أربعمائة رجل من القرّاء. فقالوا: يا أمير المؤنين قد شككنا في هذا القتال، فولّنا بعض هذه الثغور. فولاّهم ثغر قزوين والري، وولّى عليهم الربيع، وعقد له لواء وكان أوّل لواء عقد بالكوفة(3).
و كيف لا يستشكون في قتال معاوية، وقد سمّو قيامه عليهالسلام فتنة. فروى
(استيعاب أبي عمرو) هو من كتبهم المعتبرة في اسامة أنّ عليّ بن حشرم قال: قلت لوكيع: من سلم من الفتنة قال: أمّا المعروفون من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله فأربعة: سعد بن مالك، وعبد اللّه بن عمر، ومحمّد بن مسلمة، واسامة بن زيد و اختلط سائرهم قال: ولم يشهد أمرهم من التابعين أربعة: الرفيع بن خثيم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو عبد الرحمن السلمي(1).وروى نصر بن مزاحم أنّه عليهالسلام لمّا حرّض الناس لقتال أهل الشام، وقال: «سيروا
إلى أعداء السنن والقرآن سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين و الأنصار» فقام رجل من بني فزارة يقال له: أربد. فقال: أ تريد أن تسيّرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى اخواننا من أهل البصرة... (2).
وروى المفيد عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن عليّ عليهالسلام فقال له ابن عباس: إنّ عليّا عليهالسلام صلّى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنما ولا وثنا، ولم يضرب على رأسه بزلم، ولا قدح، ولد على الفطرة ولم يشرك باللّه طرفة عين، فقال الرجل: إنّي لم أسألك عن هذا، وإنّما سألتك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتّى أتى البصرة. فقتل بها أربعين ألفا ثمّ سار إلى الشام فلقي حواجب العرب. فضرب بعضهم ببعض حتّى قتلهم، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم، وفي آخره: قال له ابن عباس: وعلم أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله كلّهم في علم عليّ عليهالسلام كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر(3).
وقال المسعودي: نادى منادي المأمون في سنة (212) أن برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدّمه على أحد من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوانشئت الكتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر. فأعظم الناس ذلك و أكبروه واضطربت العامّة فاشير عليه بترك ذلك فأعرض عمّا كان همّ به(1).
قال التسترى: لم يكبر اولئك سبّ أمير المؤنين عليهالسلام وهو نفس النبيّ صلىاللهعليهوآله نص القرآن(2)ثمانين سنة، وأكبروا سبّ معاوية وهو عدوّ اللّه وعدوّ رسوله ساعة(3).وروى الآبي عن العلاء بن صاعد قال: لمّا حمل رأس صاحب الزنج ودخل به المعتضد إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله. فلمّا صار بباب الطاق صاح قوم: «رحم اللّه معاوية» وزاد حتّى علت أصوات العامة. فتغيّر وجه المعتضد، وقال: ما أعجب هذا، وما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت.
و اللّه لقد بلغ أبي إلى الموت، وما أفلتّ أنا إلاّ بعد مشارفة الموت، ولقينا كلّ بلاء حتّى أنجينا هؤاء الكلاب من عدوّهم وحصّنا حرمهم وأولادهم، فتركوا أن يترحموا على العبّاس، وعبد اللّه بن العبّاس، ومن ولد من الخلفاء، وتركوا الترحم على عليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين...(4).
وكيف جعل ابن أبي الحديد أمر معاوية عندهم ميتا وقد أخذوا دينهم عنه، وكان عندهم ستر أبي بكر وعمر، ومن طعن فيه طعن فيهما كما صرّح بذلك الخطيب(5).
مع أنّ معاوية وإن كان فاسقا مشهورا إلاّ أنّ طلحة والزبير بايعا أمير المؤنين عليهالسلامثم نكثا بيعته ومعاوية لم يبايع حتّى ينكث، وعائشة وطلحة والزبير خرجوا للطلب بدم عثمان وهم قتلوه وحرّضوا الناس على قتله، وقد قتل مروان طلحة مع كونه في عسكره أخذا منه بثأر عثمان، ومعاوية لم يكن ذلك، ولو فرض براءتهم من دم عثمان مع أنّ كونهم من الدخيلين في دمه كان أمرا واضحا لا يستطيعون إنكاره، فلم يكونوا من عشيرة عثمان، ولا من أوصيائه حتّى يطالبوا بدمه.
وأمّا معاوية فكان ابن عم عثمان، ويجتمعان في اميّة، وقد جعل عثمان إليه الطلب بدمه، وكان عندهم خليفة وامامهم الثالث، وكان معاوية واليا من قبله، وقبله من قبل عمر، وكانوا ينفذون أحكام عمر حتّى في قبال حكم النبيّ صلىاللهعليهوآله فأمر صلىاللهعليهوآله بقتل معاوية إذا رأوه على منبره(1)، فأراد رجل سمع ذلك قتله. فقالوا له: هو خليفة عمر. فقال: سمعا وطاعة لعمر.
وحتّى كانوا ينفذون أمر عمر في قتل أمير المؤنين الّذي هو بمنزلة نفس النبيّ صلىاللهعليهوآلهبنصّ القرآن لو خالف أمره. فقال أبو طلحة الأنصاري يوم الشورى له عليهالسلام
«إن لم تقبل حكمية ابن عمر لنقتلنّك كما أمر عمر.
فكان أمر طلحة والزبير وعائشة ـ وإن كانوا في نفوسهم أجلّ من معاوية ـ أوضح بطلانا حيث كانوا هم القاتلين، وطلبوا دمه من أمير المؤنين عليهالسلام مع أنّه كان أبرأ منهم، وإنّما كان عليهالسلام قد آوى قتلته وكانوا شيعته، وهذا دليل على رضاه عليهالسلام بقتله وهو غير دخالته.
1) . وقعة صفين: 216 و221 و186، سنة 284.
وأمّا ما ذكره من أنّ الزبير وطلحة كانا موعودين بالجنّة فعجب فمن أراد أن يتفلسف لم يتمسك إلاّ بامور معلومة، ولو فرض صحّة هذه الرواية كان دليلا على بطلان الإسلام حيث لم تجوّز العقول أن يكون الرسول من اللّه يخبر ـ من يصدر منه الخروج على الإمام، ويفسد في الأرض ويسفك دماء آلاف من المسلمين بغير حقّ ـ بأنّه من أهل الجنّة.
و العجب من إخواننا يسقطون اسم مالك بن نويرة من الصحابة، ومن المسلمين لكونه قال لخالد بن الوليد، صاحبك فعل كذا.
فقتله خالد بذلك مؤنا ظلما وغدرا كما اعترف به فاروقهم ويجعلون الرجلين مع إحداثهما تلك وارادتهما قتل أمير المؤنين عليهالسلام وهو بمنزلة نفس النبيّ صلىاللهعليهوآله
والحسنين عليهماالسلام وهما سيّدا شباب أهل الجنّة، وإن لم يتمكّنا من ذلك، من أهل الجنّة.
وما ذكره من كون عائشة موعودة بكونها زوجة النبيّ في الآخرة مضحك فانّهم وضعوا ذلك في قبال ما روت الإمامية أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله فوّض إلى أمير المؤنين عليهالسلامع طلاقها في الدنيا منه صلىاللهعليهوآله إن عصته عليهالسلام ورواه ابن أعثم الكوفي منهم(1).
وكيف تكون زوجته في الآخرة وقد أوصت ألاّ تدفن عند النبيّ صلىاللهعليهوآله لاستحيائها منه لإحداثها.
وأعجب منه قوله «من كون نزول القرآن فيها معلوما» ففرعون والشيطان نزول القرآن فيهما أيضا معلوم وليته استحيا ولم يذكر ذلك، ولم يذكّر من غفل عن ذلك. فإنّ القرآن الّذي نزل فيها آيات منها: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
1) . الفتوح لابن أعثم: 484/2 والفضائل لابن شاذان: 70؛ بحار الأنوار: 249/33، ح523.
الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى»(1)ومنها: «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً»(2).
يقول اللّه تعالى: من أتت من أزواج نبيّه صلىاللهعليهوآلهبفاحشة مبيّنة كالخروج على خليفة الرسول صلىاللهعليهوآله وقتل المؤنين تعمّدا يضاعف لها العذاب بالنسبة إلى باقي الناس لو فعلوا ما فعلت، ويقول إخواننا: إنّها تصير بذلك قرينة نبيّه في الجنّة، ويقول تعالى إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ ويكون هذا من فعله تعالى على اخواننا عظيما، ويأتي باقي آياتها.
وأمّا قول ابن أبي الحديد: «و حال عائشة في محبّة الرسول صلىاللهعليهوآله لها وثناؤ عليها معلومة» فكيف لا يستحي من التّفوه بذلك، وقد قال تعالى مخاطبا لها ولصاحبتها بنت فاروقهم: «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(3).
فأيّ عدوّ للنبيّ صلىاللهعليهوآله أعدى منهما حتّى يكون اللّه تعالى وجبريل وصالح المؤنين ـ أي أمير المؤنين عليهالسلام ـ مولاه والملائكة بعد ذلك ظهير لنبيّه صلىاللهعليهوآله في قبالهما.
لكنّ الأصل في قوله محبّة النبيّ صلىاللهعليهوآله لها فاروقهم لمّا أراد أن يعطيها من بيت المال وحقوق المسلمين أكثر من حقّها خلافا على اللّه ورسوله، و شكرا لها على مساعدتها له وصاحبه صدّيقهم في مرض موت النبيّ صلىاللهعليهوآله فإنّه لو لاها لما تمّ أمرهما من صلاة أبي بكر بالناس فيجعله عمر دليلا على استخلافه. فاعتذر عمر
لعمله بأنّ النبيّ كان يحبّها.
وقد ضرب اللّه تعالى لهما المثل بالكفار فقال: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ»(1)إلاّ أنّ ذلك من فساد المبنى. فالمساكين لا يدرون ما يقولون.
وعن الأصبغ قال: كنت واقفا مع عليّ عليهالسلام يوم الجمل فجاء رجل حتّى وقف بين يديه. فقال: كبّر القوم، وكبّرنا، وهلّل القوم وهلّلنا، وصلّى القوم وصلّينا فعلام نقاتلهم فقال عليّ عليهالسلام على ما أنزل اللّه تعالى في كتابه.
فقال: الرجل ليس كلّ ما أنزل اللّه أعلمه فعلّمنيه.
فقال عليّ عليهالسلام: ما أنزل في سورة البقرة. فقال الرجل: ليس كلّ ما أنزل في تلك السورة أعلمه. فقال عليهالسلام: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» ـ إلى ـ «وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ»(2)فنحن الّذين آمنّا، وهم الّذين كفروا. فقال الرجل: كفر القوم وربّ الكعبة ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل(3).
قال ابن دريد: «غيهب ثقيل وخم وكساء غيهب: كثير الصوف» و«الغيهب: سواد الليل»(4).
والمراد هنا الأخير.
بولاية عثمان وتصدّى بنى امية للامور.
قال لبيد:
في مقام ضيّق فرّجته ***ببيان ولسان وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ***زلّ عن مثل مقامي وزحل(1)
روى الصدوق حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الدَّقَّاقُ رَحِمَهُ اللّهُ قَالا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ سَعْدٍ الْكِنَانِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا جَلَسَ عَلِيٌّ عليهالسلام فِي الْخِلافَةِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ مُتَعَمِّماً بِعِمَامَةِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لابِساً بُرْدَةَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهمُتَنَعِّلاً نَعْلَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مُتَقَلِّداً سَيْفَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عليهالسلام عَلَيْهِ مُتَمَكِّناً ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَوَضَعَهَا أَسْفَلَ بَطْنِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ النَّاسِ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي هَذَا سَفَطُ(2)الْعِلْمِ هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهزَقّاً زَقّاً سَلُونِي فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَـ أَمَا وَاللّهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لأَفْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ حَتَّى تَنْطِقَ التَّوْرَاةُ
فَتَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيَّ وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الاْءِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الاْءِنْجِيلُ فَيَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيَّ وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْقُرْآنُ فَيَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيَّ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْقُرْآنَ لَيْلاً وَنَهَاراً فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ مَا نَزَلَ فِيهِ وَلَوْ لا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللّهِ لأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهِيَ هَذِهِ الآْيَةُ: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»(1).
ثُمَّ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ اللّهِ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ آيَةٍ فِي لَيْلٍ أُنْزِلَتْ أَوْ فِي نَهَارٍ أُنْزِلَتْ مَكِّيِّهَا وَمَدَنِيِّهَا سَفَرِيِّهَا وَحَضَرِيِّهَا نَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا مُحْكَمِهَا وَمُتَشَابِهِهَا وَتَأْوِيلِهَا وَتَنْزِيلِهَا لأَخْبَرْتُكُمْ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ وَكَانَ ذَرِبَ(2)اللِّسَانِ بَلِيغاً فِي الْخُطَبِ شُجَاعَ الْقَلْبِ فَقَالَ لَقَدِ ارْتَقَى ابْنُ أَبِي طَالِبٍ مِرْقَاةً صَعْبَةً لأُخَجِّلَنَّهُ الْيَوْمَ لَكُمْ فِي مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ قَالَ فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ صِفْهُ لَنَا قَالَ وَيْلَكَ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاْءِيمَانِ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ إِنَّ رَبِّي لا يُوصَفُ بِالْبُعْدِ وَلا بِالْحَرَكَةِ وَلا بِالسُّكُونِ وَلا بِالْقِيَامِ قِيَامِ انْتِصَابٍ ، وَلا بِجَيْئَةٍ وَلا بِذَهَابٍ، لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ، عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ، كَبِيرُ الْكِبْرِيَاءِ لا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ، جَلِيلُ الْجَلالَةِ لا يُوصَفُ بِالْغِلَظِ، رَؤوفُ الرَّحْمَةِ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ، مُؤمِنٌ لا بِعِبَادَةٍ، مُدْرِكٌ لا
بِمَجَسَّةٍ، قَائِلٌ لا بِاللَّفْظِ، هُوَ فِي الْأَشْيَاءِ عَلَى غَيْرِ مُمَازَجَةٍ، خَارِجٌ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مُبَايَنَةٍ، فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يُقَالُ شَيْءٌ فَوْقَهُ، وَأَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يُقَالُ لَهُ أَمَامٌ، دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ لا كَشَيْءٍ فِي شَيْءٍ دَاخِلٍ، وَخَارِجٌ مِنْهَا لا كَشَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ، فَخَرَّ ذِعْلِبٌ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ: تَاللّهِ مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ وَاللّهِ لا عُدْتُ إِلَى مِثْلِهَا.
ثُمَّ قَالَ عليهالسلام: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ كَيْفَ يُؤخَذُ مِنَ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ وَلَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ
نَبِيٌّ؟ قَالَ عليهالسلام: بَلَى يَا أَشْعَثُ قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِمْ كِتَاباً وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً حَتَّى كَانَ لَهُمْ مَلِكٌ سَكِرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَدَعَا بِابْنَتِهِ إِلَى فِرَاشِهِ فَارْتَكَبَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ تَسَامَعَ بِهِ قَوْمُهُ فَاجْتَمَعُوا إِلَى بَابِهِ فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ دَنَّسْتَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَهْلَكْتَهُ فَاخْرُجْ نُطَهِّرْكَ وَنُقِمْ عَلَيْكَ الْحَدَّ فَقَالَ لَهُمُ: اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا كَلامِي فَإِنْ يَكُنْ لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ارْتَكَبْتُ وَإِلاّ فَشَأْنَكُمْ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ؟ قَالُوا: صَدَقْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ: أَ فَلَيْسَ قَدْ زَوَّجَ بَنِيهِ مِنْ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ؟ قَالُوا: صَدَقْتَ هَذَا هُوَ الدِّيْنُ فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ فَمَحَا اللّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعِلْمِ وَرَفَعَ عَنْهُمُ الْكِتَابَ فَهُمُ الْكَفَرَةُ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِلا حِسَابٍ وَالْمُنَافِقُونَ أَشَدُّ حَالاً مِنْهُمْ.
قَالَ الْأَشْعَثُ: وَاللّهِ مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ وَاللّهِ لا عُدْتُ إِلَى مِثْلِهَا أَبَداً.
ثُمَّ قَالَ عليهالسلام: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَسْجِدِ مُتَوَكِّئاً عَلَى عَصَاهُ فَلَمْ يَزَلْ يَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى دَنَا مِنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَنَا إِذَا عَمِلْتُهُ نَجَّانِيَ اللّهُ مِنَ النَّارِ قَالَ لَهُ: اسْمَعْ يَا هَذَا ثُمَّ افْهَمْ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ قَامَتِ
الدُّنْيَا بِثَلاثَةٍ بِعَالِمٍ نَاطِقٍ مُسْتَعْمِلٍ لِعِلْمِهِ وَبِغَنِيٍّ لا يَبْخَلُ بِمَالِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِ اللّهِ وَبِفَقِيرٍ صَابِرٍ فَإِذَا كَتَمَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ وَبَخِلَ الْغَنِيُّ وَلَمْ يَصْبِرِ الْفَقِيرُ فَعِنْدَهَا الْوَيْلُ وَالثُّبُورُ وَعِنْدَهَا يَعْرِفُ الْعَارِفُونَ بِاللّهِ أَنَّ الدَّارَ قَدْ رَجَعَتْ إِلَى بَدْئِهَا أَيِ الْكُفْرِ بَعْدَ الاْءِيمَانِ، أَيُّهَا السَّائِلُ فَلا تَغْتَرَّنَّ بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ وَجَمَاعَةِ أَقْوَامٍ، أَجْسَادُهُمْ مُجْتَمِعَةٌ وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أَيُّهَا السَّائِلُ إِنَّمَا النَّاسُ ثَلاثَةٌ زَاهِدٌ وَرَاغِبٌ وَصَابِرٌ فَأَمَّا الزَّاهِدُ فَلا يَفْرَحُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَتَاهُ وَلا يَحْزَنُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَاتَهُ وَأَمَّا الصَّابِرُ فَيَتَمَنَّاهَا بِقَلْبِهِ فَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا شَيْئاً صَرَفَ عَنْهَا نَفْسَهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا وَأَمَّا الرَّاغِبُ فَلا يُبَالِي مِنْ حِلٍّ أَصَابَهَا أَمْ مِنْ حَرَامٍ.
قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَمَا عَلامَةُ الْمُؤمِنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟
قَالَ عليهالسلام: يَنْظُرُ إِلَى مَا أَوْجَبَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ فَيَتَوَلاّهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَا خَالَفَهُ فَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ حَمِيماً قَرِيباً قَالَ: صَدَقْتَ وَاللّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ثُمَّ غَابَ الرَّجُلُ فَلَمْ نَرَهُ فَطَلَبَهُ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ عليهالسلام عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ قَالَ: مَا لَكُمْ هَذَا أَخِي الْخَضِرُ عليهالسلام.
ثُمَّ قَالَ عليهالسلام: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صلىاللهعليهوآله.
ثُمَّ قَالَ لِلْحَسَنِ عليهالسلام: يَا حَسَنُ قُمْ فَاصْعَدِ الْمِنْبَرَ فَتَكَلَّمْ بِكَلامٍ لا تَجْهَلُكَ قُرَيْشٌ مِنْ بَعْدِي فَيَقُولُونَ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لا يُحْسِنُ شَيْئاً.
قَالَ الْحَسَنُ عليهالسلام: يَا أَبَتِ كَيْفَ أَصْعَدُ وَأَتَكَلَّمُ وَأَنْتَ فِي النَّاسِ تَسْمَعُ وَتَرَى؟
قَالَ لَهُ: بِأَبِي وَأُمِّي أُوَارِي نَفْسِي عَنْكَ وَأَسْمَعُ وَأَرَى وَأَنْتَ لا تَرَانِي فَصَعِدَ
الْحَسَنُ عليهالسلامالْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللّهَ بِمَحَامِدَ بَلِيغَةٍ شَرِيفَةٍ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله صَلاةً مُوجَزَةً ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهيَقُولُ: أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا وَهَلْ تُدْخَلُ الْمَدِينَةُ إِلاّ مِنْ بَابِهَا ثُمَّ نَزَلَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ عليهالسلام فَحَمَلَهُ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ لِلْحُسَيْنِ عليهالسلام: يَا بُنَيَّ قُمْ فَاصْعَدِ الْمِنْبَرَ وَتَكَلَّمْ بِكَلامٍ لا تَجْهَلُكَ قُرَيْشٌ مِنْ بَعْدِي فَيَقُولُونَ إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لا يُبْصِرُ شَيْئاً وَلْيَكُنْ كَلامُكَ تَبَعاً لِكَلامِ أَخِيكَ.
فَصَعِدَ الْحُسَيْنُ عليهالسلام الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صلىاللهعليهوآله صَلاةً مُوجَزَةً ثُمَّ قَالَ:
مَعَاشِرَ النَّاسِ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيّاً هُوَ مَدِينَةُ هُدًى فَمَنْ دَخَلَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَهُ.
ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ اشْهَدُوا أَنَّهُمَا فَرْخَا رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَوَدِيعَتُهُ الَّتِي اسْتَوْدَعَنِيهَا وَأَنَا أَسْتَوْدِعُكُمُوهَا مَعَاشِرَ النَّاسِ وَرَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله سَائِلُكُمْ عَنْهُمَا(1).
في (صاحبي ابن فارس في باب الأسباب الإسلامية): قال عليّ صلوات اللّه عليه والمهاجرون والأنصار متوافرون: سلوني فواللّه ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل وحتّى قال صلوات اللّه عليه وأشار إلى ابنيه يا قوم استنبطوا منّي ومن هذين علم ما مضى وما يكون(2).
قال الشاعر:
ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل ***يقول سلوني ما يحل ويحرم
سلوني ففي جنبي علم ورثته ***عن المصطفى ما فات مني به الفم
سلوني عن طرق السماوات إنني ***بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم
و لو كشف اللّه الغطاء لم أزد به ***يقينا على ما كنت أدري وأفهم(1)
ومن انبائه عليهالسلام الغيبية: ما رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ ثَابِتٍ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عَلِيّاً عليهالسلام خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ تَحْتِ مِنْبَرِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنِّي مَرَرْتُ بِوَادِي الْقُرَى، فَوَجَدْتُ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ قَدْ مَاتَ فَأَسْتَغْفِرُ لَهُ. فَقَالَ عليهالسلام: وَاللّهِ مَا مَاتَ وَلا يَمُوتُ حَتَّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلالَةٍ، صَاحِبُ لِوَائِهِ حَبِيبُ بْنُ حَمَّادٍ [جَمَّارٍ «خ»].
فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ تَحْتِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَنَا حَبِيبُ بْنُ حَمَّادٍ، وَإِنِّي لَكَ شِيعَةٌ وَمُحِبٌّ. فَقَالَ [عَلِيٌّ عليهالسلام] أَنْتَ حَبِيبُ بْنُ حَمَّادٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ لَهُ ثَانِيَةً: اللّهَ! إِنَّكَ لَحَبِيبُ بْنُ حَمَّادٍ [جَمَّارٍ «خ»] فَقَالَ: إِي وَاللّهِ.
قَالَ: أَمَا وَاللّهِ إِنَّكَ لَحَامِلُهَا وَلَتَحْمِلَنَّهَا، وَلَتَدْخُلَنَّ بِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَأَشَارَ إِلَى بَابِ الْفِيلِ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ.
قال ثابت: فو اللّه ما مت حتّى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى [حرب ]الحسين عليهالسلام وجعل خالد بن عرفطة [من رجال صحاح أهل السنّة ] على مقدّمته، وحبيب بن حمّاد صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل(2).
وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى التَّيْمِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ رَجَاءٍ قَالَ: قَامَ أَعْشَى بَاهِلَةُ وَهُوَ غُلامٌ يَوْمَئِذٍ حَدَثٌ إِلَى عَلِيٍّ عليهالسلام، وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَذْكُرُ
الْمَلاحِمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ مَا أَشْبَهَ هَذَا الْحَدِيثَ بِحَدِيثِ خُرَافَةَ! فَقَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: إِنْ كُنْتَ آثِماً فِيمَا قُلْتَ يَا غُلامُ فَرَمَاكَ اللّهُ بِغُلامِ ثَقِيفٍ. ثُمَّ سَكَتَ.
فَقَالُوا: وَمَنْ غُلامُ ثَقِيفٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! قَالَ: غُلامٌ يَمْلِكُ بَلْدَتَكُمْ هَذِهِ، لا يَتْرُكُ للّهِِ حُرْمَةً إِلاّ انْتَهَكَهَا، يَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْغُلامِ بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: كَمْ يَمْلِكُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! قَالَ: عِشْرِينَ إِنْ بَلَغَهَا قَالُوا: فَيُقْتَلُ قَتْلاً أَمْ يَمُوتُ مَوْتاً؟ قَالَ: بَلْ يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ بِدَاءِ الْبَطْنِ، يُثْقَبُ سَرِيرُهُ لِكَثْرَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ: فَوَ اللّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي أَعْشَى بَاهِلَةَ وَقَدْ أُحْضِرَ فِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى الَّذِينَ أُسِرُوا مِنْ جَيْشِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ، فَقَرَعَهُ وَوَبَّخَهُ وَاسْتَنْشَدَ شِعْرَهُ الَّذِي يُحَرِّضُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى الْحَرْبِ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ(1).
وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي عن حبّة العرنى قال: كان جويرية بن مسهر العبدي صالحا، وكان لعليّ بن أبى طالب صديقا، وكان عليّ يحبّه، وكان له شدّة اختصاص به حتّى دخل على عليّ يوما وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية أيّها النّائم استيقظ فلتضر بنّ على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك، قال:
فتبسّم أمير المؤنين عليهالسلام قال: وأحدّثك يا جويرية بأمرك أما والذي نفسي بيده لتعتلنّ إلى العتلّ الزّنيم فليقطعنّ يدك ورجلك وليصلّبنك تحت جذع كافر، قال: فو اللّه ما مضت الأيّام على ذلك حتّى أخذ زياد جويرية، فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعا طويلا فصلبه على جذع قصير إلى جانبه(2).
وروى عن زياد بن النّصر الحارثى قال: كنت عند زياد وقد اتى برشيد الهجرى و كان من خواصّ أصحاب عليّ عليهالسلام فقال له زياد: ما قال لك خليلك إنّا فاعلون بك؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني! فقال زياد: أما واللّه لأكذّبنّ حديثه خلّوا سبيله، فلما أراد أن يخرج قال: ردّوه لا نجد شيئا أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقا في عنقه، فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: خلّوا (نفسوا) عنّي أتكلّم كلمة، فنفسوا عنه، فقال: هذا واللّه تصديق خبر أمير المؤنين أخبرني بقطع لساني، فقطعوا لسانه وصلبوه(1).
و في كتاب لطف التّدبير لمحمد بن عبد اللّه الخطيب قال: حكي أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لجلسائه بعد الحكومة: كيف لنا أن نعلم ما تؤ إليه العاقبة في أمرنا، قال جلساؤ: ما نعلم لذلك وجها، قال: فأنا استخرج علم ذلك من عليّ فانّه لا يقول الباطل.
فدعا ثلاثة رجال من ثقاته وقال لهم امضوا حتّى تصيروا جميعا من الكوفة على مرحلة، ثمّ تواطئوا على أن تنعوني بالكوفة وليكن حديثكم واحد في ذكر العلّة واليوم والوقت وموضع القبر ومن تولّى الصلاة عليه وغير ذلك حتى لا تختلفوا في شيء ثمّ ليدخل أحدكم فليخبر بوفاتي، ثمّ ليدخل الثاني فيخبر بمثله، ثمّ ليدخل الثّالث فليخبر بمثل خبر صاحبيه وانظروا ما يقول عليّ.
1) .الغارات ط ـ الحديثة: 799/2؛ بحار الأنوار: 345/41 ـ 346.
فخرجوا كما أمرهم معاوية ثمّ دخل أحدهم وهو راكب مغذّ شاحب(1)فقال له النّاس بالكوفة: من أين جئت؟ قال: من الشّام قالوا له: ما الخبر؟ قال: مات معاوية، فأتوا عليّا عليهالسلام فقالوا رجل راكب من الشّام يخبر بموت معاوية فلم يحفل عليّ عليهالسلام بذلك(2)، ثمّ دخل آخر من الغد وهو مغذّ فقال له النّاس: ما الخبر؟
فقال: مات معاوية وخبر بمثل ما خبر صاحبه، فأتوا عليّا عليهالسلام فقالوا: رجل راكب يخبر بموت معاوية بمثل ما أخبر صاحبه ولم يختلف كلامهما، فأمسك عليّ عليهالسلام ثمّ دخل الآخر في اليوم الثّالث فقال النّاس: ما وراك؟ قال: مات معاوية، فسألوه عمّا شاهد فلم يخالف قول صاحبيه، فأتوا عليّا فقالوا: يا أمير المؤنين صحّ الخبر هذا راكب ثالث قد خبر بمثل ما خبر صاحباه.
فلمّا أكثروا عليه قال عليّ صلوات اللّه عليه، كلاّ أو تخضب هذه من هذه يعني لحيته من هامته ويتلاعب بها(3)ابن آكلة الاكباد، فرجع الخبر بذلك إلى معاوية(4)هذا، و قال مقاتل يوما: سلوني عمّا دون العرش. فقام قيس القياس فقال: من حلق رأس آدم في حجّته. فبقي لا يدري ما يقول، وقال مقاتل ايضاً يوما: سلونى عمّا دون العرش. فقال له رجل: أرأيت النملة امعاؤا في مقدّمها أو مؤّرها؟ فبقى لا يدرى ما يقول(5).
و دخل قتادة الكوفة. فقال: اسألوني عمّا شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا وهو إذن غلام حدث فقال: اسألوه عن نملة سليمان أ كان ذكرا أم انثى فسألوه فلم يجب. فقال أبو حنيفة: كانت انثى. فقيل له: بم عرفت فقال: من قوله تعالى: «قالَتْ
نَمْلَةٌ»(1)ولو كان ذكرا لقال قال نملة فلفظ النملة تقع على الذكر والانثى كلفظ الحمامة والشاة وإنّما يميّز بينهما بعلامة التأنيث(2).
ولكن يقال: من أين أنّه ليس تاء الوحدة؟
وكان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيّام العرب. فمضى يوما ليسمع المغازي وأخلّ بمجلس أبي حنيفة أيّاما. فلمّا آتاه قال له يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت. فقال له أبو يوسف: إنّك إمام، وإن لم تمسك عن هذا سألتك على رءوس الناس أيّما كان أوّل وقعة بدر أو احد فإنّك لا تدري ذلك، وهي أهون مسائل التاريخ. فأمسك عنه (3).
و خطب إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام ـ وهو وال على الحجاز من قبلهـ في سنة (109) بمنى. فقال: سلوني فأنا ابن الوحيد لا تسألون أحدا أعلم منّي. فقام إليه رجل من أهل العراق. فسأله عن الاضحية أ واجبة هي أم لا فما درى أيّ شيء يقول له. فنزل(4).
وقال مقاتل بن سليمان وقد دخلته ابّهة العلم سلوني عمّا تحت العرش إلى أسفل من الثرى. فقام إليه رجل. فقال: ما نسألك عمّا تحت العرش ولا أسفل الثرى، ولكن نسألك عمّا كان في الأرض، وذكره اللّه في كتابه، أخبرني عن كلب
أهل الكهف ما كان لونه. فأفحمه(1).
وقالوا: قال ابن الجوزي يوما على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فسألته امرأة عمّا روي انّ عليّا عليهالسلام سار في ليلة الى سلمان فجهّزه ورجع. فقال: روى ذلك. قالت: فعثمان طرح ثلاثة أيّام على المزابل منبوذا وعليّ حاضر قال: نعم: قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما. فقال لها: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة اللّه، وإلاّ فعليه. فقالت المرأة: خرجت عائشة إلى حرب عليّ عليهالسلامبإذن النبيّ صلىاللهعليهوآله أم لا. فانقطع ولم يحر جوابا(2).
وشتّان بينه عليهالسلام يقول: سلوني عمّا أردتم من الدين والدنيا، والأرض والسماء، وبين أئمّتهم الّذين حظروا الناس عن سؤل تفسير قرآنهم.
فرووا انّه قيل لعمر: إنّ ضبيعا التميمي يسأل الناس عن تفسير حروف من القرآن. فقال: اللّهمّ أمكنّي منه. فبينما كان عمر يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع، وعليه ثياب وعمامة. فتقدّم فأكل فلمّا فرغ قال لعمر: ما معنى قوله تعالى: «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً»(3)قال: ويحك أنت هو؟ فقام إليه فحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتّى سقطت عمامته. فإذا له ضفيرتان. فقال له: والّذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك. ثمّ أمر به فجعل في بيت ثمّ يخرجه كلّ يوم فيضربه مئة فإذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى ثمّ حمله على قتيب و سيّره إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى أن يحرّم على الناس مجالسته، ويقوم في
الناس خطيبا ثمّ يقول «إنّ ضبيعا قد ابتغى العلم وأخطأه» فلم يزل وضيعا في قومه ـ وكان قبل سيّدهم ـ حتّى مات(1).
صدق عمر في أنّ ضبيعا ابتغى العلم فأخطأه. فإنّه كان ترك باب مدينة علم النبيّ صلىاللهعليهوآله وابتغى العلم عند من كان كلّ الناس أفقه منه حتّى المخدّرات «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ»(2).
وكانوا يعلمون شيئا من امور أنفسهم حتّى يخبرهم اليهود والنصارى.
ففي (كامل الجزرى) في فتح البيت المقدس ـ بعد ذكر فتح عمرو بن العاص مرج عيون ـ فلمّا تمّ له ذلك أرسل إلى أرطبون رجلا يتكلّم بالرومية وقال له: اسمع ما يقول: وكتب معه كتابا. فلمّا وصل قال أرطبون لوزرائه: لا يفتح عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين. فقالوا: من أين علمت قال: صاحبها رجل صفته كذا وكذا ـ وذكر صفة عمر ـ فرجع الرسول إلى عمرو، وأخبره فكتب عمرو إلى عمر «إنّي اعالج بلادا قد ادّخرت لك» فعلم عمر أنّ عمرا لم يقل ذلك إلاّ لشيء سمعه. فسار عمر ـ إلى أن قال: ـ فلمّا قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود: إنّك لا ترجع إلى بلادك حتّى يفتح اللّه عليك ـ إلى أن ذكر طلبهم الأمان، ومصالحة عمر لهم على الجزية ـ فشهد ذلك اليهودي الصلح. فسأله عمر عن الدجّالـ وكان كثير السؤل عنهـ فقاله اليهودي: وما مسألتك عنه أنتم واللّه تقتلونه دون باب لدّ ببضع عشر ذراعا(3).
وعن الأصبغ قال: بينا عليّ عليهالسلام يخطب الناس وهو يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني. فو اللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلاّ أنبأتكم به» فقام اليه سعد بن أبي وقاص فقال: يا أميرالمؤنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة فقال له: «أما واللّه لقد سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أنّك تسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من عشرة إلاّ وفي أصلها شيطان جالس، وإنّ في بيتك لسخلا يقتل الحسين أبني وعمر يومئذ يدرج بين يديه(1).
وروى زكريا بن يحيى القطّان، عن فضل بن الزبير، عن أبي الحكم قال: سمعت مشيختنا وعلماءنا يقولون: خطب عليّ عليهالسلام فقال في خطبته: «سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة وتهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة» فقام اليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر فقال عليهالسلام: واللّه لقد حدّثني خليلي بما سألت عنه، وأنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك، وعلى كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطانا يستفزّك، وأنّ في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول اللّه، وآية ذلك مصداق ما أخبرتك به، ولو لا أنّ الّذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به ـ وكان ابنه في ذلك الوقت صغيرا يحبوـ فلمّا كان من أمر الحسين عليهالسلام ما كان تولّى قتله، وكان الأمر كما قال عليهالسلام(2). وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ: يَمُصُّونَ الثِّمَادَ(3)وَيَدَعُونَ النَّهَرَ الْأَعْظَمَ فَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ
فَقَالَ عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ أَوْحَاهُ اللّهُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَجَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ عَلِيٍ وَكَانَ عليهالسلام يَدَّعِي فِي الْعِلْمِ دَعْوَى مَا سَمِعْتُ قَطُّ مِنْ أَحَدٍ(1).
فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ.
صدّر عليهالسلام كلامه بالتأكيد القسمي حيث إنّ ما قاله عليهالسلام من إنبائهم عن كلّ ما سألوه في ما بينهم وبين القيامة أمر عظيم ينكره كثير من الناس. فإنّ عيسى عليهالسلام وهو أحد المرسلين، ومن اولي العزم من النبيّين إنّما قال: «وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ»(2)من إنبائهم بامور معيّنة مشخّصة، وأمّا الإنباء بما يحدث إلى يوم القيامة. فامور غير متناهية لا يحصل ذلك إلاّ لمن له اتّصال تام بالمبدأ الأعلى.
و هذا يصدّق ما عليه جمهور الإمامية من كون الأئمّة عليهالسلام أفضل من جميع الأنبياء حتّى اولى العزم من الرسل. فإنّ بالأعلمية تحصل الأفضلية بحكم البداهة فكما انّ العالم أفضل من الجاهل كذلك الأكثر علما أفضل من الأقلّ علما.
قال الجاحظ في رسالة له في فضل أهل البيت عليهالسلام ـ وقد نقلها الشيخ سليمان الحنفي بتمامها في كتابه (ينابيع المودّة) ـ فقد علم الناس كيف كان كلام عليّ كرّم اللّه وجهه قاعدا وقائما، وفي الجماعات ومنفردا. في الشرائع والأحكام، و الحلال والحرام، وأخبار الأكوان، وتأويلات القرآن، وإنباء الحوادث بما كان وما يكون، بالتعلّم من النبيّ صلىاللهعليهوآله أو بالكشف الجليّ، أو بالجفر و الميراث، أو بالوهب اللدني(3).
وروي عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رض قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلامفِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ مَمْلُوءٍ نَمْلاً فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ تَرَى يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللّهِ تَعَالَى يَعْلَمُ كَمْ عَدَدُ هَذَا قَالَ نَعَمْ يَا عَمَّارُ أَنَا أَعْرِفُ رَجُلاً يَعْلَمُ عَدَدَهُ وَكَمْ فِيهِ ذَكَرٌ وَكَمْ فِيهِ أُنْثَى فَقُلْتُ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا مَوْلايَ فَقَالَ يَا عَمَّارُ أَ مَا قَرَأْتَ فِي سُورَةِ يس «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ»(1)فَقُلْتُ بَلَى يَا مَوْلايَ فَقَالَ أَنَا ذَلِكَ الاْءِمَامُ الْمُبِينُ(2).وكان ابن عباس يتلو حم عسق ويقول: كان علي عليهالسلام يعلم الفتن بهذين اللفظين(3).
وعن مجاهد قال: قال عليّ عليهالسلام وهو بالكوفة «كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيّكم يحمل قويّهم ضعيفهم» فقال: «نفعل ونفعل» فحرّك رأسه ثمّ قال «توردون ثمّ تعرّدون ثمّ تطلبون البراءة ولا براءة لكم»، وروى عن يوسف بن موسى مثله، وزاد وتعينون عليه شرّ أهل زمانه في نسبه وسيرته(4).
وعن مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ كَانَ عَلِيٌّ عليهالسلام إِذَا قَالَ شَيْئاً لَمْ يَشُكَّ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ خَازِنُ سِرِّي بَعْدِي عَلِيٌّ كما قال الحميري فيه:
وعلي خازن الوحي الذي ***كان مستودع آيات السور(5)
وقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ: أَ كَانَ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَعْلَمُ مِنْ عَلِيٍّ! قَالَ: لا وَاللّهِ لا أَعْلَمُه(1).
النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلِيٌّ عُلِّمَ عِلْماً عَلَّمَهُ رَسُولُ اللّهِ وَرَسُولُ اللّهِ عَلَّمَهُ اللّهُ فَعِلْمُ النَّبِيِّ مِنْ عِلْمِ اللّهِ وَعِلْمُ عَلِيٍّ مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ وَعِلْمِي مِنْ عِلْمِ عَلِيٍّ وَمَا عِلْمِي وَعِلْمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ إِلاّ كَقَطْرَةٍ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ(2).
وقال الجاحظ اجتمعت الأمة على أن الصحابة كانوا يأخذون العلم من أربعة علي وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وقال طائفة وعمر بن الخطاب ثم أجمعوا على أن الأربعة كانوا أقرأ لكتاب اللّه من عمر
وَقَالَ صلىاللهعليهوآله يَؤمُّ بِالنَّاسِ أَقْرَؤهُمْ.
فسقط عمر ثم أجمعوا على
أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ.
فسقط ابن مسعود وزيد وبقي علي وابن عباس إذا كانا عالمين فقيهين قرشيين فأكثرهما سنا وأقدمهما هجرة علي فسقط ابن العباس وبقي علي أحق بالأمة بالإجماع(3).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أَعْلَمُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب(4).وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: أَعْطَى اللّهُ عَلِيّاً مِنَ الْفَضْلِ جُزْءاً لَوْ قُسِمَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
لَوَسِعَهُمْ وَأَعْطَاهُ اللّهُ مِنَ الْفَهْمِ جُزْءاً لَوْ قُسِمَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَهُم(1).و عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَسُئِلَ عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ:
قُسِّمَتِ الْحِكْمَةُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ فَأُعْطِيَ عَلِيٌّ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍـ وَأُعْطِيَ النَّاسُ جُزْءاً وَاحِداً(2).
وقَالَ أَبُو أُمَامَةَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(3).وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِ الْبَابَ(4).
ولنعم ما قيل فيه...
وله يقول محمد أقضاكم ***هذا وأعلم يا ذوي الأذهان
إني مدينة علمكم وأخي له ***باب وثيق الركن مصراعان
فأتوا بيوت العلم من أبوابها ***فالبيت لا يؤى من الحيطان(5)
أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ عليهالسلام قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَلْفَ بَابٍ يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إِلَيَّ أَلْفَ بَاب(6).ورَوَى حَنَشٌ الْكِنَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيّاً يَقُولُ: وَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالاتِ وَتَصْدِيقِ الْعِدَاتِ وَتَمَامِ الْكَلِمَاتِ وَقَوْلُهُ إِنَّ بَيْنَ جَنْبَيَّ لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً
1) . الأمالي للصدوق: 8/ م 2، ح 7؛ بحار الأنوار: 37/39، ح7.
2) .شواهد التنزيل: 135/1، ح146؛ بحار الأنوار: 180/40.
3) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 33/2؛ بحار الأنوار: 150/40.
4) .شواهد التنزيل: 104/1، ح118؛ بحار الأنوار: 206/40، ح14.
5) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 33/2.
6) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 36/2؛ بحار الأنوار: 151/40.
وَقَوْلُهُ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً(1).
وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ قَوْلُهُ «الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ»(2)قَالَ: إِنَّ اللّهَ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قَالَ: قُلْتُ: «خَلَقَ الاْءِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ(3)قَالَ: ذَاكَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلَّمَهُ بَيَانَ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ(4).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قَالَ وَعَتْ أُذُنُ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُْ(5).وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ الْعِلْمَ عَنْ سِتَّةِ أَجْزَاءٍ فَأَعْطَى عَلِيّاً عليهالسلام مِنْهُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ وَلَهُ سَهْمٌ فِي الْجُزْءِ الآْخِرِ مَعَ النَّاسِ(6).
وعَنِ اب نِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْلَمُ أُمَّتِي وَأَقْضَاهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَعْدِي(7).
الأصل في النعق صياح الراعي بالغنم قال تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ
1) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 38/2؛ بحار الأنوار: 153/40.
2) . الرحمن: 1 ـ 2.
3) .الرحمن: 3 ـ 4.
4) .بصائر الدرجات: 505/1، ح5؛ بحار الأنوار: 142/40، ح45.
5) . بصائر الدرجات : 517/1/ ح 48 و بحار : 326/35/ ح 3 .
6) .بصائر الدرجات: 518/1، ح52؛ بحار الأنوار: 143/40، ح48.
7) . الارشاد: 33/1؛ بحار الأنوار: 144/40، ح49.
إِلاّ دُعاءً(1)أي: الغنم تسمع صوت الراعي ولا تدري ما يقال لها، وقال الأخطل:
انعق بضأنك يا جرير فإنّما ***منّتك نفسك في الخلاء ضلالا(2)
ثم استعير لمن يأمر ويزجر جمعا تحت أمره، وقالوا: الناعقان، كوكبان من كواكب الجوزاء(3).
روى أبو مخنف ـ ونقله ابن أبي الحديد في موضع آخر ـ أنّه عليهالسلام قال في عائشة
وفئتها: «وقد علمت واللّه أنّها الراكبة الجمل لا تحلّ عقدة، ولا تسير عقبة، ولا تنزل منزلا إلاّ إلى معصية اللّه حتّى تورد نفسها، ومن معها موردا يقتل ثلثهم، ويهرب ثلثهم، ويرجع ثلثهم»(4).
وفي (مقاتل أبي الفرج) ـ بعد ذكر صلح الحسن عليهالسلام مع معاوية ودخول معاوية الكوفة ـ مسندا عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: بينما عليّ عليهالسلام على المنبر إذ دخل رجل. فقال: يا أمير المؤنين مات خالد بن عرفطة. فقال عليهالسلام: لا واللّه ما مات. إذ دخل رجل آخر. فقال: يا أمير المؤنين مات خالد بن عرفطة. فقال عليهالسلام لا واللّه ما مات ولا يموت حتّى يدخل من باب هذا المسجدـ يعني باب الفيلـ براية ضلالة يحملها حبيب بن عمار. فوثب رجل. فقال: يا أمير المؤنين أنا حبيب بن عمّار، وأنا لك شيعة. قال عليهالسلام: فإنّه كما أقول.
قال: فقدم خالد بن عرفطة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار.
قال مالك: حدّثنا الأعمش بهذا الحديث. فقال: حدّثني صاحب هذه الدار ـ وأشار إلى دار السائب أبي عطا ـ أنّه سمع عليّا عليهالسلام يقول هذه المقالة(1).
و عن معلّى بن خنيس قال: كنت عند أبي عبداللّه عليهالسلام إذ أقبل محمّد بن عبداللّه(2)، فسلّم ثمّ ذهب. فرقّ له أبو عبداللّه عليهالسلام ودمعت عيناه. فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع. فقال: رققت له لأنّه ينسب إلى أمر ليس له(3)، لم أجده في كتاب عليّ عليهالسلام من خلفاء الامّة ولا ملوكها(4).وفي (تذكرة سبط ابن الجوزى) ـ بعد ذكر تخيير عبيداللّه بن زياد عمر بن سعد بين ردّه عهد الري وتصدّيه لقتال الحسين عليهالسلام وقتله، واختياره التصدّي ـ قال محمّد بن سيرين: وقد ظهرت كرامة عليّ عليهالسلام في هذا، فإنّه لقي عمر بن سعد يوما وهو شابّ. فقال له: «ويحك يا ابن سعد كيف بك إذا أقمت يوما مقاما تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار»(5).
أي اضجاع آبالها على ركباتها.
أي: إنزال أمتعتها من ظهورها.
روى نصر بن مزاحم عن الحسن بن كثير، عن أبيه أنّ عليّا عليهالسلام أتى كربلاء فوقف
بها، فقيل يا أمير المؤنين هذه كربلا. فقال: ذات كرب وبلاء ثمّ أومى بيده إلى مكان فقال هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم وأومى إلى موضع آخر فقال هاهنا مهراق دمائهم(1).
والموضع الأوّل الّذي أشار عليهالسلام إليه يقال له بالفارسية: «خيمگاه» والموضع الثاني يقال له بالفارسية: «قتلگاه».
وعن غرفة الأزدي ـ بالغين المعجمة ـ قال: دخلني شكّ من شأن عليّ عليهالسلام فخرجت معه على شاطئ الفرات. فعدل عن الطريق، ووقف ووقفنا حوله. فقال بيده: «هذا موضع رواحلهم ومناخ ركابهم، ومهراق دمائهم بأبي من لا ناصر له في الأرض ولا في السماء إلاّ اللّه» فلمّا قتل الحسين عليهالسلام خرجت حتّى أتيت المكان الّذي قتلوا فيه. فإذا هو كما قال، ما أخطأ شيئا فاستغفرت اللّه ممّا كان منّي من الشك، وعلمت أنّ عليّا لم يقدم فيه إلاّ بما عهد إليه(2).
انّ رشيد الهجري كان من أصحاب أسرار أمير المؤنين عليهالسلام وكان عليهالسلام علّمه من يقتل من شيعته بقتله، ومن يموت منهم بميتته، وكان يسمّيه رشيد البلايا(3).
قال ابن أبي الحديد: وهذه الدعوى، أي: قوله عليهالسلام: «فاسألوني قبل أن تفقدوني ـ إلى ـ ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا» ليست منه عليهالسلامادّعاء
الربوبيّة، ولا ادّعاء النبوّة، ولكنّه كان يقول: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أخبره بذلك، ولقد امتحنّا
أخباره. فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخباره عن الضربة الّتي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته.
وكإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهالسلام وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها.
وكإخباره بملك معاوية الأمر بعده.
وكإخباره عن الحجاج، وعن يوسف بن عمر، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب منهم.
وكإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
وكإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليهالسلام إلى البصرة لحرب أهلها.
وكإخباره عن عبد اللّه بن الزبير، وقوله فيه «خبّ ضبّ(1)يروم أمرا(2)ولا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش».
وكإخباره عن هلاك البصرة تارة بالغرق، واخرى بالزنج وهو الّذي صحّفه قوم.
فقالوا: بالريح.
وكإخباره عن الأئمّة الّذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي(3)
1) . خبّ الرجل منع ما عنده ونزل المنهبط من الأرض ليجهل موضعه بخلائق، خب ضب أي خداع خبيث مراوغ وقيل خب ضب إذا كان فاسدا مفسدا مرا.
2) . أي الخلافة.
3) . هو حسن بن على الملقب بالناصر الكبير وناصر الحق وحسن بن زيد الملقب بالداعي الكبير ومحمد بن زيد الملقب بالداعي الصغير وكان ابتداء امارتهم في طبرستان في سنة مأتين وخمسين.
وغيرهما في قوله عليهالسلام: «و إنّ لآل محمّد صلىاللهعليهوآله بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاه حتّى يقوم بإذن اللّه فيدعو إلى دين اللّه».
وكإخباره عن ظهور الرّايات السود من خراسان وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببنى رزيق بتقديم المهملة وهم آل مصعب منهم طاهر بن الحسين وإسحاق ابن إبراهيم وكانوا هم وسلفهم دعاة الدّولة العباسيّة، وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة(1)، وقوله فيه: «يقتل عند أحجار الزيت»، وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا: «يقتل بعد أن يظهر ويقهر بعد أن يقهر، يأتيه سهم غرب(2)يكون فيه منيّته. فيا بؤا للرامي، شلّت يده، ووهن عضده».
وكإخباره عن قتلى فخّ وقوله فيهم: «و هم خير ـ أو من خير ـ أهل الأرض».
وكإخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتائته(3)وهم الّذين نصروا أبا عبد اللّه المعلّم، وكقوله عليهالسلام ـ مشيرا إلى عبيد اللّه المهدي وهو أوّلهمـ «ثمّ يظهر صاحب القيروان(4)الغضّ البضّ(5)ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذى البداء المسجّى بالرداء» وكان عبيد اللّه المهدي مترفا مشربا حمرة رخص
البدن تارّ الأطراف(1)وذو البداء: إسماعيل بن جعفر بن محمّد وهو المسجّى بالرداء لأنّ أباه أبا عبد اللّه جعفرا سجّاه بردائه لمّا مات، وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته، وتزول عنهم الشبهة(2)في أمره.
وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم «و يخرج من ديلمان بنو الصيّاد» إشارة إليهم، وكان أبوهم صياد السمك يصيد منهم بيده ما يقوت هو وعياله بثمنه فأخرج اللّه تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريّتهم حتّى ضربت الأمثال بملكهم، و كقوله عليهالسلام فيهم: «ثمّ يستشري أمرهم حتّى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء» فقال له قائل: فكم مدّتهم يا أمير المؤنين فقال عليهالسلام: «مئة أو تزيد قليلا» وكقوله عليهالسلام فيهم «و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمّه على دجلة» و هو إشارة إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين ـ وكان معزّ الدولة أقطع اليد قطعت يده في الحرب ـ وكان ابنه بختيار مترفا صاحب لهو وشراب، وقتله عضد الدولة فنّا خسرو ابن عمّه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب، وسلبه ملكه.
فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي، ورتّب عوضه المطيع، و إنّ بهاء الدولة أبا نصر ابن عضد الدولة خلع الطائع، ورتّب عوضه القادر وكانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليهالسلام.
وكإخباره عبد اللّه بن العباس بانتقال الأمر إلى أولاده فإنّ علي بن عبد اللّه لمّا ولد أخرجه أبوه عبد اللّه بن عبّاس إلى عليّ عليهالسلام فأخذه وتفل في فيه، وحنّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه، وقال له: خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة، وهي الّتي ذكرها أبو العبّاس المبرّد في كتاب (الكامل)، وليست الرواية التّي يذكر فيها
العدد بصحيحة، ولا منقولة من كتاب معتمد عليه، وكم له عليهالسلام من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى، ممّا لو أردنا استقصاءه لكرسنا له كراريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحه(1).
قال التسترى: إنّ ابن أبي الحديد قال: إنّ هذا الادعاء منه لا تسألوني عن شيء في ما بينكم وبين الساعة إلى آخر ما مرّ ليست منه عليهالسلام ادّعاء الربوبية، ولا ادّعاء النبوّة. كون ذلك عدم ادّعاء منه عليهالسلام للربوبيّة ولا للنبوّة مسلّم لكن لم لم يذكر أنّ ذلك ادّعاء منه للإمامة إن أراد بذلك إلاّ المغالطة فإنّه عليهالسلام إنّما كان مدّعيا للإمامة وأقام على دعواه هذه البيّنة، كما أنّ الأنبياء أقاموها على دعواهم الرسالة فيقول عيسى عليهالسلام «وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ»(2).(3)
قال محمّد بن محمّد بن النعمان: ومن آيات اللّه الباهرة في أمير المؤنين عليهالسلام والخواص الّتي أفرده بها، ودلّ بالمعجز منها على إمامته، ووجوب طاعته، و ثبوت حجّته، ما هو من جملة الخواص الّتي أبان اللّه تعالى بها الأنبياء والرسل عليهالسلام، وجعلها إعلاما لهم على صدقهم. فمن ذلك ما استفاض عنه عليهالسلام من إخباره عن الغائبات والكائن قبل كونه. فلا يخرم من ذلك شيئا، ويوافق المخبر منه خبره حتّى يتحقّق الصدق فيه، وهذا من أبهر معجزات الأنبياء عليهالسلام ألا ترى إلى قوله تعالى في ما أبان به المسيح عليهالسلام من المعجز الباهر والآية العجيبة الدالة على نبوّته: «وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ»(4)وجعل تعالى مثل ذلك من
عجيب آيات النبيّ صلىاللهعليهوآله فقال عند غلبة فارس على الروم: «الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ»(1)فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى، وقال تعالى في أهل بدر قبل الوقعة: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ»(2)فكان الأمر كما قال تعالى من غير اختلاف في ذلك، وقال عزّ وجلّ: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ»(3)فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى، وقال سبحانه: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً»(4)فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى، وقال سبحانه مخبرا عن ضمائر قوم من أهل النفاق: «وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِما نَقُولُ»(5)فخبّر عن ضمائرهم وما أخفوه من سرائرهم، وقال تعالى في قصّة اليهود: «قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ للّهِِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ»(6)فكان الأمر كما قال تعالى، ولم يجسر أحد منهم أن يتمنّاه فحقّق ذلك خبره وأبان به عن صدقه ودلّ به على نبوّته(7).
وقول ابن أبي الحديد: «ولكنّه عليهالسلام كان يقول: انّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أخبره بذلك» لا يدلّ على عدم إمامته بل على عدم نبوّته. فإنّ الإمام علومه من النبيّ، والنبيّ من اللّه
تعالى، وإذا كانت أخباره الغيبية من الكثرة بمثابة تكون مظنّة لزعم الإلهية فيه عليهالسلام كما وقع من جمع فقال شاعرهم فيه عليهالسلام:
ومن قال على المنبر يوما ***سلوني فحاروا في معانيه(1)
لم لم يقل بإمامته عليهالسلام.
لكن إخواننا أنكروا في مورده عليهالسلام البديهيّات والمتواترات والفطريات و جعلوا أقوال اللّه تعالى، وأقوال رسوله صلىاللهعليهوآله فيه عليهالسلام من اللغويات.
أ لم يقل اللّه تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»(2)ولم يقل «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى
الْحَقِّ أَحَقٌ»(3).أ لم يقل رسوله صلىاللهعليهوآله في غدير خم بالتواتر: «أ لست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى. فقال: فمن كنت مولاه وأولى به من نفسه فعلي مولاه، وأولى به من نفسه»(4)إلى غير ذلك من يوم دعوته أوّلا عشيرته الأقربين إلى يوم وفاته.
وأمّا قول ابن أبي الحديد في ما مرّ: «و أمّا الرواية الّتي يذكر فيها العدد (أي من بني العباس) فليست بصحيحة ولا منقولة من كتاب معتمد عليه» فلعلّه أشار إلى ما ذكر عن عليّ بن يحيى المنجم أنّه قال: كنت أقرأ على المتوكّل قبل قتله بأيّام كتابا
من كتب الملاحم. فوقفت على موضع من الكتاب فيه «إنّ الخليفة العاشر يقتل في مجلسه» فتوقفت عن قراءته وقطعته، فقال لي: مالك قد وقفت، قلت: خير. قال: لابدّ واللّه من أن تقرأه فقرأته، وحدت عن ذكر الخلفاء. فقال المتوكّل: ليت شعري من هذا الشقي المقتول(5).
وقال أبو البديل: بعث الربيع والحسن الحاجب إليّ في الليل. فجئت وعندهما رجل. فقال: هذا غلام الغمر بن يزيد وقد أصبنا معه كتاب الدولة. ففتحت الكتاب فنظرت فيه إلى سني المهدي، فإذا هي عشر سنين ـ إلى أن قال: ـ فأتى بعنبسة الورّاق الاعرأبي مولى آل بديل.
فقلت له: «خطّ مثل هذا الخطّ، وورقة مثل هذا الورقة، وصيّر مكان عشر سنين أربعين سنة وصيّرها في الكتاب. ففعل فواللّه لو لا أنّي رأيت العشر في تلك والأربعين في هذه ما شككت أنّ الخطّ ذلك الخط وأنّ الورقة تلك الورقة»(1).
وعن أبي حشيشة قال: كان المأمون يقول: «إنّ الخليفة بعدي في اسمه عين» فكان يظنّ أنّه العباس ابنه، فكان المعتصم، وكان يقول: «و بعده (من اسمه) هاء» فيظنّ أنّه هارون فكان الواثق، وكان يقول «و بعده أصفر الساقين» فكان يظّن أنّه أبو الجنائز العباس. فكان المتوكّل ذلك فلقد رأيته إذا جلس على السرير يكشف عن ساقيه فكانا أصفرين كانّما صبغا بزعفران (واسم الواثق هارون)(2).
وكتاب الدولة وإن لم يذكر فيه أنّه عمّن إلاّ أنّ الأصل فيه هو عليهالسلام فقال الطبري: أوصى أبو هاشم بن محمّد بن الحنيفة إلى محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، ودفع إليه كتبه، وقال له «إنّ هذا الأمر إنّما هو في ولدك. فكانت الشيعة الّذين كانوا يأتون أبا هاشم، ويختلفون إليه قد صاروا بعد ذلك إلى محمّد بن عليّ...(3).
ومعلوم أنّ كتب أبي هاشم من أبيه محمّد بن الحنفية وأنّ كتب ابن الحنفية من أبيه أمير المؤنين عليهالسلام.
وفي (تاريخ القرطبى) ـ بعد ذكره أسر سبكرى من فارس سنة (298) وادخاله على فيل، وعليه برنس، وبين يديه ثلاثة عشر أسيرا عليهم البرانسـ قال الصولي: شهدت هذا اليوم فتذكّرت فيه حديثا كان حدّثناه صافي الحرم يوم بويع فيه المقتدر. قال: رأيت المقتدر، وهو صبي في حجر المعتضد أبيه والمعتضد ينظر في دفتر كان كثيرا ما ينظر فيه وهو يضرب على كتف المقتدر، ويقول له «كأنّي بملوك فارس قد ادخلوا عليك على الفيلة والجمال عليهم البرانس» كان صافي يوم بيعة المقتدر يحدّث بهذا ويدعو أن يحقّق اللّه هذا القول(1).
و قد أخبر عليهالسلام ابنه محمّد بن الحنفية بإرادة ابن الزبير إهلاكه وخلاصه منه بخيل المختار.
قال الديال بن حرملة: كنت في من استفزّه أبو عبد اللّه الجدلي من قبل المختار. فنفرنا معه في أربعة آلاف فارس. فقال الجدلي: هذه خيل عظيمة، وأخاف أن يبلغ ابن الزبير الخبر فيعجل على بني هاشم فيأتي عليهم. فانتدبوا معي فانتد بنا معه في ثماني مئة فارس جريدة خيل فما شعر ابن الزبير إلاّ والرايات تخفق على رأسه ـ إلى أن قال: ـ وخطب ابن الزبير. فقال: قد بايعني الناس، ولم يتخلّف إلاّ هذا الغلام ـ يعني ابن الحنفية ـ والموعد بيني وبينه أن تغرب الشمس. ثمّ اضرم داره عليه نارا.
فدخل ابن العباس عليه وقال: إنّي لا آمنه عليك فبايعه. فقال له ابن الحنفية «سيمنعه عنّي حجاب قويّ» فجعل ابن عبّاس ينظر إلى الشمس ويفكّر في كلام ابن الحنفية، وقد كادت الشمس أن تغرب. فوافاهم الجدلي في الخيل(2).
وقد نقل ابن أبي الحديد في ما مرّ إخباره عليهالسلام بعدم نيل ابن الزبير خلافة تامة وكونه مصلوب قريش، ولم يذكر إخباره عليهالسلام بقتله في مكّة وخراب الكعبة بواسطته.
قال ابن سليم وابن المشمعل الأسديان: خرجنا حاجّين من الكوفة حتّى قدمنا مكّة: فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين عليهالسلام وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى في ما بين الحجر والباب. فتقرّبنا منهما. فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين عليهالسلام: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك. فقال له الحسين عليهالسلام: إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشا يستحل حرمتها. فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش(1).
ولم يذكر ابن أبي الحديد أيضا في ما أخبر عليهالسلام به من حال أهل بيته زيد الشهيد فروى أبو الفرج مسندا عنه عليهالسلام قال: يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في ابّهة(2)...(3).
ولم يذكر في ما أخبر عليهالسلام به من حال الرجال أبا مسلم مبيد بني اميّة ومؤّس الدولة العباسيّة، فروى الأعمش: أنّ أهل الشام لمّا هزموا ميمنة عليّ عليهالسلامقال ـ ثلاث مرّات ـ : «يا أبا مسلم خذهم» فقال الأشتر، أو ليس أبو مسلم معهم. فقال عليهالسلام لست اريد الخولاني، وإنّما اريد رجلا يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك اللّه به أهل الشام، ويسلب عن بني امية ملكهم (4).
ولم يذكر إخباره عليهالسلام ببناء بغداد كما في المناقب(1)، وببناء المعتصم سامرا واتّخاذه جنده من الترك، وتركه العرب كما في خطبته المعروفة بالزهراء(2)، لكن عرفت أنّ ابن أبي الحديد أراد الإجمال حيث قال: وكم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجري ممّا لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس.
و قد أخبر عليهالسلام ببناء الحلّة وببانيه سيف الدولة، وبعلماء الشيعة علىّ بن طاوس وغيره. نقل المجلسي عن خط الجباعى عن الشهيد عن خط العلاّمة عن خط والده قال: وجدت رقعة عليها مكتوب بخط عتيق ما صورته «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أخبرنا به الشيخ الأجل أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي إملاء من لفظه عند نزوله بالحلّة السيفية، وقد وردها حاجّا سنة (574) ورأيته يلتفت يمنة ويسرة، فسألته عن سبب ذلك قال: إنّني لأعلم أنّ لمدينتكم هذه فضلا جزيلا.
قلت: وما هو؟
قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جعفر بن قولويه، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم القمي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة الثمالي، عن الأصبغ بن نباتة. قال: صحبت أمير المؤنين عليهالسلام عند وروده إلى صفّين، وقد وقف على تلّ ثمّ أومأ إلى أجمة ما بين بابل وتل عرير وقال «مدينة وأيّ مدينة».
فقلت له: يا مولاي أراك تذكر مدينة، أ كان هاهنا مدينة وانمحت آثارها فقال: «لا ولكن ستكون مدينة يقال لها: الحلّة السيفية يمدّنها رجل من بني أسد يظهر بها
قوم أخيار لو أقسم أحدهم على اللّه لأبرّ قسمه»(1).
وقد أخبر عليهالسلام بهدم الكعبة. فعن (غريب الحديث والفائق): قال عليّ عليهالسلام: أكثروا الطواف بهذا البيت. فكأنّي برجل من الحبشة أصلع أصمع(2)جالس عليه وهو يهدم(3).
وقد أخبر عليهالسلام بسفيان الثوري. فروى الكشّي في عنوان سفيان الثوري دخول جمع من أهل حديث البصرة على الصادق عليهالسلام وتحديث رجل منهم، عن سفيان عن جعفر ـ يعني الصادق عليهالسلام ـ بمفتريات. فقال الصادق عليهالسلام له: إنّ عليّا عليهالسلاملمّا أراد الخروج من البصرة لعنها، وقال: فيك الداء الدويّ! قالوا: وما هو يا أميرالمؤمنين؟ قال: كلام القدر الّذي فيه الفرية على اللّه، واستحلالهم الكذب علينا(4).
وقد أخبر عليهالسلام بتزلزل أمر بني اميّة تارة بكونه بعد هشام. روى عاصم عن ابن الزبير أنّه سمع علي بن أبي طالب يقول: هلاك بني اميّة على رجل أحول منهم، وهشام كان أحول(5).
واخرى بكونه بعد سنة مئة بقيام دعاة العباسيّين. فروى المنهال عن نعيم بن دجاجة قال: قال أبو مسعود لعليّ عليهالسلام: سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: لا يأتي على الناس سنة مئة وعلى الأرض عين تطرف. فقال عليهالسلام له، غلطت في أوّل ظنّك وهل الرخاء إلاّ بعد المئة(6).
1) . بحار الأنوار: 222/57 ـ 223، ح55.
2) .الاصمع: الذي صغرت اذنه ولزقت بالرأس.
3) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 258/2؛ بحار الأنوار: 304/41.
4) .رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: 397، ح741؛ بحار الأنوار: 357/47، ح64.
5) . تهذيب الكمال: 545/13 والمناقب والمثالب: 338.
6) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 76/4.
وفي اخباره عليهالسلام المنامية ما ذكره التنوخى قال: حدّثني أبو الحسين المنجّم الصوفي في عضد الدولة ثمّ حدّثني عضد الدولة وأبو الحسين حاضرـ وقد مضت سنون على حديث أبي الحسين، ولم أكن حدّثته ولا غيرهـ فقال عضد الدولة: اعتللت علّة صعبة أيس منها الطبيب، وأيست من نفسيـ وكان تحويل سنتي تلك في النجوم رديّا نحسا موحشا، ثمّ زادت العلّة علي. فأمرت أن يحجب الناس كلّهم، ولا يدخل عليّ أحد إلاّ حاجب النوبة، وحتّى منعت الطبيب. فأقمت كذلك أيّاما ثلاثة أو أربعة وأنا أبكي في خلوتي على نفسي إذ جاء حاجب النوبة فقال: أبو الحسين الصوفي يطلب الوصول، وقد اجتهدنا به في الانصراف. فما فعل وقال عندي بشارة.
فقلت: بصوت ضعيف يريد أن يقول لي: بلغ الكوكب الفلاني، ويمخرق عليّ من هذا القبيل ما يزيد به ألمي فلينصرف. فخرج الحاجب، ورجع وقال: إمّا أن يكون أبو الحسين جنّ أو معه أمر عظيم. فإنّه قال: قل له لو أمرت بضرب عنقي ما انصرفت، وواللّه ما اكلّمك في معنى النجوم بكلمة واحدة.
فقلت: ادخله فلمّا دخل قال: أنت واللّه في عافية واليوم تبرأ رأيت في منامي أمير المؤنين عليّا عليهالسلام والناس يهرعون إليه يسألونه المسائل فتقدّمت أنا و قلت: أنا رجل غريب، وتعلّقت بحبّ هذا الأمير الّذي أنا معه، وقد بلغ إلى اليأس من العلّة الّتي أصابته فادع اللّه له بالعافية.
فقال: تعني فنا خسرو بن الحسين بن بويه فقلت: نعم.
فقال: قل له: أنسيت ما أخبرتك به امّك في المنام الّذي رأته ـ وهي حامل بك ـ أ لست قد أخبرتها بمدّة عمرك وأنّك ستعتلّ إذا بلغت كذا وكذا سنة علّة تيأس منها
الأطباء ثمّ تبرأ منها، وأنت تصلح من هذه العلّة غدا ويتزايد صلاحك إلى أن تركب وتعاود عاداتك كلّها في يوم كذا، وكذا يوما ولا قطع عليك قبل الأجل الّذي أخبرتك به امّك عنّي.
قال: وقد كنت نسيت أنّ امّي قالت لي إنّها رأت في المنام أنّي إذا بلغت هذه السنة اعتللت هذه العلّة. فحين سمعت الكلام من أبي الحسين ذكرت وحدثت لي في نفسي قوّة لم تكن قبل ـ إلى أن قال: ـ وعادت عاداتي في اليوم الّذي قال أبو الحسين. ثمّ قال: ما فاتني في نفسي من هذا المنام إلاّ شيء كنت أشتهي أن يكون فيه، وشيء كنت أشتهي ألاّ يكون فيه: أمّا الّذي أشتهي ألاّ يكون فهو عليهالسلاموقف على أنّي أملك حلب، ولو كان عنده أنّي أملك شيئا ممّا يجاوز حلبا لقاله. فأخاف أن يكون هذا غاية حدّي من تلك الناحية حتّى لمّا جاءني الخبر بأنّ سيف الدولة قد أخذ لي الدعوة بحلب ذكرت المنام فتنغّص عليّ لأجل هذا الاعتقاد، وأمّا الّذي كنت أشتهي أن يكون فيه فهو أن أعلم من هذا الّذي يملك من ولدي.
قال التنوخي: وبقي عضد الدولة بعد هذا سنين وما تجاوزت دعوته حلب(1).
وفي (مروج المسعودى): رأى المعتضد في النوم ـ وهو في سجن أبيه ـ كأن شيخا جالسا على دجلة يمدّ يده إلى ماء دجلة فيصير في يده وتجفّ دجلة ثمّ يردّه من يده. فتعود دجلة كما كانت. قال: فسألت عنه. فقيل لي: هذا عليّ بن أبي طالب عليهالسلام. قال: فقمت وسلّمت عليه. فقال لي: يا أحمد إنّ هذا الأمر صائر إليك. فلا تتعرّض لولدي ولا تؤهم. فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤنين عليهالسلام.
قال المسعودي: لمّا ورد مال من محمّد بن زيد من بلاد طبرستان ليفرّق في آل
1) .فرج المهموم: 198؛ بحار الأنوار: 305/55.
أبي طالب سرّا، وغمز بذلك إلى المعتضد، أحضر الرجل الّذي كان يحمل المال إليهم. فأنكر عليه إخفاء ذلك، وأمره بإظهاره، وقرّب آل أبي طالب(1).
وفي (كامل الجزرى) بعد ذكر القبض على الطائع وإعادة القادر ـ وكان في البطيحة من قبل بهاء الدولة ـ حكى هبة اللّه بن عيسى كاتب مهذب الدولة صاحب البطيحة أنّي كنت احضر القادر كلّ اسبوع مرّتين. فيكرمني فدخلت عليه يوما. فلم أرمنه ما ألفته من إكرامه، ورأيته تأهّب تأهّبا لم تجر به عادته.
فسألته عن السبب فقال: رأيت البارحة في منامي كأنّ نهركم هذا قد اتّسع.
فصار مثل دجلة دفعات. فسرت على حافّته متعجّبا منه، ورأيت قنطرة عظيمة إذ رأيت شخصا قد تأمّلني من ذلك الجانب. فقال: أ تريد أن تعبر قلت: نعم.
فمدّ يده حتّى وصلت إليّ فأخذوني وعبّرني، فهالني فعله. فقلت: من أنت قال: عليّ بن أبي طالب، وهذا الأمر صائر إليك، ويطول عمرك فيه. فأحسن إلى ولدي وشيعتي.
قال هبة اللّه. فما انتهى القادر إلى هذا القول حتّى سمعنا صياح الملاّحين الواردين لإصعاده ليتولّى الخلافة، فخاطبته بالإمرة، وكان في عزله سنتين وأحد عشر شهرا(2).
ومن الأمثال «معضلة ولا أبا حسن»(3).
وعن زرّ بن حبيش قال: مرّ عليّ عليهالسلام على بغلة النبيّ صلىاللهعليهوآله وسلمان في ملأ فقال
سلمان: ألا تقومون تأخذون بحجزته تسألونه فو الّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لا يخبركم بسرّ نبيّكم أحد غيره وإنّه لعالم الأرض، وزرها(1)
قال في النهاية: «و في حديث أبى ذر، قال يصف عليا: وانه لعالم الأرض وزرها الذي تسكن إليه» أي قوامها، وأصله من زر القلب [بالكسر] و هو عظم صغير يكون قوام القلب به. وأخرج الهروى هذا الحديث عن سلمان» النهاية: 300/2.
، وإليه تسكن، ولو فقد تموه لفقدتم العلم وأنكرتم الناس(2).أي شدائد الامور.
أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض، ولم يتكلّم.
لتحيّره من يسأل.
أي جبن.
إنّما قال عليهالسلام كثير من المسئولين لأنّ المراد باقي الناس غير أهل بيته، وأما أهل بيته فهم مثله.
روى أبو الفرج الأصبهاني بأسانيد متعدّدة عن فضل بن عبد الرحمن الهاشمي وابن داجة، وعبد الأعلى بن أعين، ومحمّد بن أبي الكرام الجعفري، وعبد اللّه بن يحيى، وعبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ ـ قال: وقد دخل حديث بعضهم في بعض ـ أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء ـ وفيهم إبراهيم الإمام، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن عليّ، وعبد اللّه بن الحسن، وابناه محمّد، وإبراهيم، ومحمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان ـ فقال صالح بن عليّ: قد علمتم أنّكم الّذين
يمدّ الناسّ إليهم أعينهم، وقد جمعكم اللّه في هذا الموضع. فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم. وتواثقوا على ذلك حتّى يفتح اللّه وهو خير الفاتحين.
فقال عبداللّه بن الحسن: قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلمّوا فلنبايعه.
وقال أبو جعفر المنصور: واللّه لقد علمتم ما الناس إلى أحد أميل أعناقا ولا أسرع اجابهً إلى هذا الفتى يعني محمّد بن عبداللّه.
فقالوا: واللّه صدقت إنّ هذا لهو الّذي نعلم. فبايعوا محمّدا جميعا، ومسحوا على يده ـ إلى أن قال: ـ وجاء جعفر بن محمّد عليهالسلام فاوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه، وتكلّم عبد اللّه بمثل كلامه.
فقال جعفر عليهالسلام: لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد، وإن كنت ترى يا عبد اللّه أنّ ابنك هذا هو المهدي. فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنّما تريد أن تخرج غضبا للّه ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. فإنّا واللّه لا ندعك وأنت شيخنا، ونبايع ابنك في هذا الأمر. فغضب عبد اللّه، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، واللّه ما اطلعك اللّه على غيبه ولكنه يحملك على هذا، الحسد لابني.
فقال: واللّه ما ذاك يحملني، ولكن هذا ـ وضرب بيده على ظهر السفاح ـ وإخوته وأبناؤم، دونكم ـ وضرب بيده على كتف عبداللّه ـ وقال: إنّها واللّه ما هي إليك، ولا إلى ابنيك، ولكنّها لهم، وإنّ ابنيك لمقتولان ثمّ نهض وتوكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري. فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر ـ يعني أبا جعفر المنصور ـ واللّه يقتل محمّدا. قال عبد العزيز: قلت: أ يقتل محمّدا فقال: نعم. فقلت:
في نفسي حسده وربّ الكعبة، ثمّ واللّه ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته.
قال: فلمّا قال جعفر ذلك نهض القوم وافترقوا، وتبعه عبد الصمد والمنصور فقالا له: أتقول هذا. قال: نعم أقوله واللّه وأعلمه(1).
و روى مسندا عن عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم أنّ عيسى بن موسى العباسي ـ وهو الّذي قتل محمّدا وإبراهيم من قبل المنصور، وكان ولىّ العهد بعده من السفاح فجعله المنصور بعد ابنه المهدي وخلعه رأسا ـ لمّا قدم قال جعفر بن محمّد عليهالسلام: أهو هو قيل: من تعني يا أبا عبد اللّه قال: المتلعّب بدمائنا، واللّه لا يخلأ منها بشيء.
وعن الرومي قال: أرسلني جعفر بن محمّد أنظر ما يصنعون. فجئته فأخبرته أنّ محمّدا قتل، وأنّ عيسى بن موسى قبض على عين أبي زياد. فابلس طويلا. ثمّ قال: ما يدعو عيسى إلى أن يسيء بنا، ويقطع أرحامنا. فو اللّه لا يذوق هو ولا ولده منها شيئا أبدا(2).
وقال الأصمعي: دخلت على الرشيد ـ وكنت غبت عنه حولين بالبصرة ـ فأومأ إليّ بالجلوس قريبا منه فجلست في خفّ الناس ثمّ قال: أتحبّ أن ترى محمّدا
وعبد اللّه ـ إلى أن قال: ـ كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع بأسهما بينهما حتّى تسفك الدماء، ويودّ كثير من الأحياء أنّهم كانوا موتى، فقلت للرشيد: هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما أو شيء أثرته العلماء في أمرهما قال: بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما. قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر عليهالسلام فلذلك قال ما قال(1).
وروى انّ عليّا عليهالسلام دخل المسجد الحرام يوما ومعه الحسن عليهالسلام إذ جاء رجل حسن الهيئة. فسلّم عليه عليهالسلام وقال: أسألك عن ثلاث قال: سل عمّا بدا لك: فقال: أخبرني عن الإنسان إذا نام أين يذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر وينسى، وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال. فالتفت عليهالسلام إلى الحسن عليهالسلاموقال:
أجبه يا أبا محمّد. فقال له: أمّا ما سألت عن الروح. فإنّ الروح معلّقة بالريح، والريح معلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة فإن أذن اللّه تعالى بردّ تلك الروح على ذلك البدن جذبت تلك الروح الريح، وجذبت الريح الهواء فأستكنت في بدن صاحبها، وإلاّ جذب الهواء الريح، وجذبت الريح الروح. فلا تردّ على صاحبها إلى وقت بعثه(2).
أي ارتفعت.
أي: خفّت. لمّا أخبر علي عليهالسلام الناس بغلبة أهل الشام عليهم قالوا: قد علمنا يا أمير المؤنين أنّ قولك كله وجميع لفظك يكون حقّا أ ترى معاوية يكون علينا أميرا فقال: لا تكرهون إمرة معاوية فإن إمرته سلم وعافية. فلو قد مات رأيتم الرءوس تندر عن كهولها كأنّها الحنظل وعدا كان مفعولا(1).
قال الشاعر:
فأيام الهموم مقصصات ***وأيام السرور تطير طيرا(2)
روى أبو الفرج بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال: أتيت الحسن بن عليّ عليهالسلام حين بايع معاوية ـ إلى أن قال: ـ قال الحسن عليهالسلام: أبشر يا سفيان. فإنّى سمعت عليّا عليهالسلام يقول: سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي، ومن أحبّهم كهاتين، يعني السبّابتين ـ أو كهاتين ـ يعني السبابة والوسطى ـ إحداهما تفضل على الاخرى. ابشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البر والفاجر حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد صلىاللهعليهوآله(3).
عن زر بن حبيش قال: خطب علي عليهالسلام بالنهروان ـ إلى أن قال: ـ فقام إليه رجل آخر فقال له عليهالسلام: حدّثنا عن الفتن. قال: ان الفتن إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت نبهت، يشبهن مقبلات ويعرفن مدبرات، ان الفتن تحوم كالرياح يصبن بلدا ويخطئن اخرى(1).
قال الجزرى: التشابه قسمان، قسم إذا ردّ إلى المحكم يفهم معناه، وقسم لا سبيل إلى معرفة حقيقته، فالمتتبع له متتبع للفتنة، لأنّه لا يكاد ينتهي إلى شيء تسكن إليه نفسه، ومنه حديث ذكر فيه فتنة «تشبه مقبلة وتبين مدبرة» أي أنّها إذا أقبلت شبهت على القوم وأرتهم أنّهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يجوز، فإذا أدبرت بان أمرها فعلم من دخل فيها أنّه كان على الخطأ(2)
قد عرفت ان غارات الثقفى رواه «يشبهن مقبلات ويعرفن مدبرات »
أي كما أن الرياح الشديدة تصيب بلدا وتخطىء بلدا كذلك الفتن يصبن بلدا فيبتلى الناس بوخامتهن ويخطئن بلدا فيسلمون منها.
قال ابن أبي الحديد: ذكر هذه الخطبة جماعة من أهل السيرة، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليهالسلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمهاللهـ إلى أن قال: ـ ومنها في ذكر بني اميّة: «يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتّى تملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا، إلى أن يضع اللّه ـ عزّ وجلّ ـ جبروتها، ويكسر عمدها، وينزع أوتادها. ألا وإنّكم مدركوها.
فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤروا، ولا تمالئوا عليهم عدوّهم فتصرعكم البلية وتحلّ بكم النقمة(1).
ففتنوا الناس حتّى أن أمير المؤنين عليهالسلام الّذي ولايته جزء الدين كولاية اللّه تعالى وولاية رسوله صلىاللهعليهوآله لقوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(2)وتكون التصلية عليهالسلام في الصلاة شرط قبولها، تقول أهل حران: لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب، وأقاموا بعد إزالة سبّه عن المنابر يوم الجمعة على سبّه حتّى ظهر أمر بني العباس(3).ويقول جدّ الأصمعي للحجّاج: إنّ أبي عقّني، فسمّاني عليّا(4).
وقال هشام الكلبي: قال أبي: أدركت بني أود وهم يعلّمون أبناءهم وخدمهم سبّ عليّ عليهالسلام.
وعن الكلبي: دخل رجل من بني أود على الحجّاج. فأغلظ له. فقال له: لا تقل هكذا، فلا لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدّون بها إلاّ ونحن نعتدّ بمثلها. قال: وما مناقبكم قال: ما شهد منّا مع أبي تراب مشاهده إلاّ رجل واحد فأسقطه ذلك عندنا وأخمله، فما له عندنا قدر، وما أراد منّا رجل قطّ أن يتزوّج امرأة إلاّ سأل عنها هل
تحبّ أبا تراب أو تذكره بخير فإن قيل: إنّها تفعل ذلك لم يتزوّجها، وما ولد فينا ذكر فسمّي عليّا ولا حسنا ولا حسينا، ولا ولدت فينا جارية فسمّيت فاطمة، ونذرت منّا امرأة حين أقبل الحسين إلى العراق إن قتل أن تنحر عشر جزر. فلمّا قتل وفت بنذرها، ودعي رجل منّا إلى البراءة من عليّ ولعنه. فقال: نعم وأزيدكم حسنا وحسينا(1).
البر والفاجر. وفي (الصحاح): الخطّة بالكسر: الأرض يختطّها الرجل لنفسه وهو أن يعلّم عليها علامة بالخط ليعلم أنّه قد اختارها ليبنيها دارا، ومنه خطط الكوفة والبصرة، والخطة بالضم:الأمر والقصّة. قال تأبط شرّا:
هما خطّتا إمّا اسار ومنة ***وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر
وفي حديث قيلة «أن يفصل الخطّة، وينتصر من وراء الحجزة» وقولهم «قبّح اللّه معزى خيرها خطّة» قال الأصمعي: خطّة اسم عنز وكانت عنز سوء، والخطّة أيضا اسم من الخط كالنقطة من النقط(2).
قال الشعبي فلما دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار
ثم أغلقوها عليهم فقال أبو سفيان بن حرب أ عندكم أحد من غيركم قالوا لا قال يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة(1).
روى المدائني في (كتاب احداثه): أنّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن: برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، وانظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته، والّذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم(2).
فكانوا يأخذون الجزية ممّن أسلم من أهل الذمة ويقولون فرّوا من الجزية، ويأخذون الصدقة من الخيل، وكانوا إذا أبصروا آخيّة في دار يطالبون صاحبها بصدقة حيوانه، ولو كان بيع أو هلك وكانوا يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل، وينقشون في أكفّهم علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة(3).
وكان أهل إفريقية أطوع أهل البلدان إلى زمن هشام، وكانوا يقولون: لا تخالف
الأئمة بما تجنى العمّال. فقال لهم أهل العراق الّذين دبّوا فيهم: إنّما يعمل هؤاء
بأمر اولئك. فقالوا: نختبرهم. فخرج منهم ميسرة في بضعة وعشرين رجلا. فقدموا على هشام. فلم يؤن لهم. فدخلوا على الأبرش فقالوا له: «أبلغ الخليفة أنّ أميرنا يغزو بنا وبجنده. فإذا غنمنا نفلهم وحرمنا، ويقول: هذا أخلص لجهادكم، وإذا حاصرنا مدينة قدّمنا، وأخّرهم ويقول: هذا ازدياد في الأجر. ثمّ إنّهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء الأبيض للخليفة. فيقتلون ألف شاة في جلد فاحتملنا ذلك. ثمّ إنّهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنّة ونحن مسلمون. فأحببنا أن نعلم أعن رأي الخليفة هذا» فطال عليهم المقام، ونفدت نفقاتهم فرجعوا...(1).
الناب: ألمسنّة من النوق يقال: سمّيت لطول نابها، والجمع النيب، وفي المثل: «لا أفعل ذلك ما حنّت النيب»(2).
الضرس العضّ الشديد بالأضراس، والأسنان كلّها اناث إلاّ الأضراس والأنياب، وناقة ضروس تعضّ حالبها، ومنه قولهم: هي بجنّ ضراسها، أي: بحدثان نتاجها. وإذا كانت كذلك حامت عن ولدها. قال بشر:
عطفنا لهم عطف الضروس من الملا ***بشهباء لا يمشي الضراء رقيبها(3)
أي تعضّ.
أي فمها.
يقال: خبط البعير الأرض بيدها: أي ضربها.
زبنت الناقة: إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب، وناقة زبون تضرب حالبها وتدفعه(1).
أي: جريان لبنها، وكذلك كان بني اميّة، «وكانوا يقولون: ضحّى بنو حرب بالدين يوم كربلاء، وضحّى بنو مروان بالمروّة يوم العقر. يعني يوم قتل بني المهلب »(2).
كان خالد القسري لمّا كان واليا على مكّة من قبل الوليد بن عبد الملك يقول:
ـ وكان الحجّاج كتب إلى الوليد أنّ من قبلي من مرّاق أهل العراق، لجئوا إلى المدينة و مكّة، وذلك وهن. فكتب الوليد إليه أشر عليّ برجلين لهما. فكتب يشير
إليه بعثمان بن حيان للمدينة، وخالد القسري لمكّة. فعزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة واستعمل عثمان عليها، واستعمل خالدا على مكّة ـ : أيّها الناس إنّكم بأعظم بلاد اللّه حرمة. ثمّ كتب على عباده حجّه، فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، وإيّاكم والشبهات. فإنّي واللّه ما اوتى بأحد يطعن على امامه إلاّ صلبته في الحرم.
إنّ اللّه جعل الخلافة منه بالموضع الّذي جعلها فسلّموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيت وكيت. إنّه لا أرى في ما كتب به الخليفة أو رآه إلاّ إمضاءه واعلموا أنّه بلغني أنّ قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادكم، فإيّاكم أن تنزلوا أحدا ممّن تعلمون أنّه زائغ عن الجماعة. فإنّي لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلاّ هدمت منزله، واللّه لو أعلم أنّ هذه الوحش الّتي تأمن في الحرم، لو نطقت لم تقرّ بالطاعة لأخرجتها من الحرم. فلا يسكن الحرم مخالف للجماعة(1).
أخذ مسلم بن عقبة بعد غلبته على المدينة ونهبها، وقتله من قتل ممّن حاربه من البقية البيعة على انّهم عبد قنّ ليزيد(2).
لابد له أن يطيعه لأنّه تابع له، وهو رئيس عليه. فلمّا أمر معاوية خطباءه أن يخطبوا لاستخلاف يزيد قام رجل من الأزد، وقال: أنت أمير المؤنين ـ وأشار
إلى معاوية ـ فإذا متّ فهذا ـ وأشار إلى يزيد ـ فمن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه ـ فقال له معاوية: اقعد فأنت من أخطب الناس. فقال ابن همام السلولي:
فإن تأتوا برملة أو بهند ***نبايعها أميرة مؤنينا
فيا لهفا لو أنّ لنا الوفا ***ولكن لا نعود كما عنينا
إذن لضربتم حتّى تعودوا ***بمكّة تلعقون بها السخينا(1)
أي قبيحة.
أي مخوفة.
سمّي ملك من ملوك اليمن ذا المنار لأنه ضرب المنار على طريقه ليهتدي بها إذا رجع(2).
العلم العلامة، والجبل وأنشد ابو عبيدة لجرير «إذا قطعن علما بدا علم»(3).وقام الوليد بن عتبة بعد معاوية يدعو الناس إلى بيعة يزيد: فرأى روح بن زنباع
إبطاءهم. فقال: أيّها الناس إنّا لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكن إلى قريش، ونحن أبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت(1).
وخطب الوليد بن عبد الملك لمّا ولّي (وكان جبّارا عنيدا) فقال: من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الّذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه...(2)
المنجاة: كالنجوة المكان المرتفع الّذي تظن أنّه نجاؤ لا يعلوه السيل(3)، وجمعها المناجي.
عن الباقر عليهالسلام أنّ عبد الملك كان يطوف بالبيت، وعليّ بن الحسين عليهالسلام يطوف
بين يديه فلا يلتفت إليه، ولم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه. فقال: من هذا الّذي يطوف بين أيدينا، ولا يلتفت إلينا فقيل له: هذا عليّ بن الحسين عليهالسلام فجلس مكانه، وقال: ردّوه إليّ فردّوه. فقال له: يا علي بن الحسين إنّي لست قاتل أبيك. فما يمنعك من المصير إليّ.
فقال عليهالسلام إنّ قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه عليه وأفسد أبي عليه آخرته. فإن أحببت أن تكون كهو فكن. فقال: كلاّ، ولكن صر إلينا لتنال من دنيانا. فجلس زين العابدين عليهالسلام وبسط رداءه وقال: «اللّهم اره حرمة أوليائك عندك» فإذا رداؤ دررا يكاد شعاعها يخطف الأبصار، ثمّ قال له: «من تكون هذه حرمته عند ربه يحتاج
إلى دنياك ثمّ قال: اللّهم خذها فما لي فيها حاجة»(1).
وقال الزهري: شهدت عليّ بن الحسين عليهالسلام يوم حمله عبد الملك إلى الشام.
فأثقله حديدا. فما لبثنا إلاّ أربع ليال حتّى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة. فما وجدوه. فقالوا: انّا نراه متبوعا ـ إلى أن قال: ـ فقال لي عبد الملك: قد جاءني عليّ بن الحسين يوم فقده الأعوان. فقال: ما أنا وأنت فقلت له: أقم عندي. فقال: لا أحب ثم خرج فو اللّه لقد امتلأ ثوبي منه خيفة. قال الزهري فقلت له: ليس عليّ بن الحسين حيث تظنّ أنّه مشغول بنفسه. فقال: حبذا شغل شغله، فنعم ما شغله(2).
أيفتنة بنى اميّة.
أيككشف الجلد يعنى عن اللحم حتّى ينتفع به.
أي: يعطيهم ذلاّ وهوانا.
أيسوقاً شديداً.
أي: فيها الصبر، وهو دواء مرّ. وفي (الصحاح): أدهقت الكأس إلى أصبارها وأصمارها أي: إلى رأسها. قال الأصمعي: إذا لقي الرجل الشدّة بكمالها، قيل: لقيها بأصبارها(1).
قال المسعودى: مات الحجاج في سنة خمس وتسعين، وهو ابن أربع وخمسين سنة بواسط العراق، وكان تأمُّرُه على الناس عشرين سنة، واحصي من قتله صبرا سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفاً، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف أمرأة...(2)
وذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد، على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد، والواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض وكان المسجد له ثمانية عشر بابا، يدخل منها إليه. فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة: ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي، وسيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت
عمامتي على ركبتي، فضعوا أسيافكم، فلما دخل المسجد، وقد حانت الصلاة، صعد المنبر ثم قال: أيها الناس إن عبد الملك وقد ولاني مصركم، وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم:سيف رحمة، وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا عليه خلع عمامته، فوضعها على ركبته،فجعلت السيوف تبري الرقاب، فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا الناس إلى جوف المسجد،و لم يتركوا خارجا يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، وإلى السكك(1).
أي: لا يلبسهم من «أحلست البعير» أي: ألبسته الحلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة(2).
أي في ذاك الزمان.
بنو اميّة وغيرهم.
أي باعطاء الدنيا وما فيها.
أي مرّة واحدة.
أي نحر.
أي إبل.
عن المازني لم يصح عندنا أنّ عليّا عليهالسلام تكلّم بشيء من الشعر غير هذين البيتين:
تلكم قريش تمنّاني لتقتلني ***ولا وجدّك ما برّوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم ***بذات روقين لا يعفو لها أثر(1)
قال ابن أبي الحديد: قوله عليهالسلام «ثمّ يفرّجها اللّه عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا...» إخبار عن ظهور المسوّدة وانقراض ملك بني اميّة، ووقع الأمر بموجب إخباره عليهالسلام حتّى لقد صدقه قوله عليهالسلام «فعند ذلك تود قريش لو يرونني...» فإنّ أرباب السيرة كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد قال يوم الزاب(2)لمّا شاهد عبد اللّه
بن علي بن عبد اللّه بن عباس بإزائه في صف خراسان: لوددت أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى(1).
قال التسترى: بل قوله عليهالسلام «ثمّ يفرّجها اللّه...» إخبار بالقائم عليهالسلام من عترته عليهالسلام فبظهوره يفرّج اللّه عن الناس، وأما بظهور المسودة فأيّ فرج كان للناس، ولم تكن شدّة ملك بني العباس أقلّ من شدّة ملك بني اميّة.
كما أنّ ما ذكره في تفسير قوله عليهالسلام «فعند ذلك تودّ قريش» من كلام مروان بن محمّد(2)خبط أيضا لأنّ مروان تمنّى أن يكون في قباله أمير المؤنين عليهالسلام لأنّه أخبر في الملاحم أنّه عليهالسلام كولده لم يكن له حظ في ملك مستقر. فلا يسلبه ملكه بخلاف بني العباس. فأخبر فيها أنّهم يأخذون الملك منهم، و يملكون أكثر منهم.
و ممّا يوضح أنّ المراد بمن يفرّج اللّه به، القائم، وأنّ قريشا يتمنون أمير المؤنين عليهالسلام ويرونه حتّى يملّكوه الأمر لا كيوم السقيفة ويوم الشورىـ وقد كانوا أجمعوا فيهما على الحيلولة بينه عليهالسلام وبين الأمرـ ويكفّ القائم عليهالسلام عن قتلهم، ما رواه النعماني في غيبته مسندا عن الحارث الأعور قال: قال أمير المؤنين عليهالسلام
بأبي ابن خيرة الإماء ـ يعني القائم من ولده عليهالسلام ـ يسومهم خسفا ويسقيهم بكأس مصبّرة، ولا يعطيهم إلاّ السيف هرجا. فعند ذلك تتمنّى فجرة قريش لو أنّ لها مقاما منّي بالدنيا وما فيها لا غفر لها لا نكف عنهم حتى يرضى اللّه(3).
و ما رواه ابن أبي الحديد نفسه ـ فقال ذكر الخطبة أصحاب السير، وفيها ألفاظ
لم يوردها الرضي، ومنها ـ «فانظروا أهل بيت نبيّكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر حتّى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما ورفاتا «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً»(1).(2)
وأما قول ابن أبي الحديد بعد هذه الزيادة: «و المراد بابن خيرة الإماء المهدي من ولده عليهالسلام وببني اميّة الّذين يقتلهم السفياني من ولد أبي سفيان الموعود به في الخبر، وليس ما قلت هنا مخالفا لما قلت قبل من أنّ الوعد إنّما هو بالسفاح، و عمّه عبد اللّه بن علي، والمسودة. فإنّ ما مرّ قبل تفسير ما نقله الرضي من كلامه عليهالسلام وما قلته هنا تفسير الزيادة من كلامه عليهالسلام(3)فخطأ.
فإنّ الأصل في ما نقله الرضي، وما نقله هو، وسمّاه زيادة، واحد، وإنّما اختلفت ألفاظ الرواية باختلاف الرواة، وبالجملة لم يكن ببني العباس فرج للناس بل حرج، وإن كانوا انتقموا من بني اميّة.
ولو كان ابن أبي الحديد قال في ما نقله من الزيادة أيضا من قوله عليهالسلام في ذكر بني اميّة: «يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتى تملأ الأرض عدوانا وظلما، وبدعا إلى أن يضع اللّه عزّ وجلّ جبروتها، ويكسر عمدها، وينزع أوتادها»(4): أنّ
اللّه تعالى وضع جبروتها، وكسر عمدها، ونزع أوتادها ببني العباس لكان أصاب.
ودخل شبل مولى بني هاشم على عبد اللّه بن علي، وقد أجلس ثمانين رجلا من بني اميّة على سمط الطعام فمثل بين يديه فقال:
أصبح الملك ثابت الآساس ***بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها ***بعد ميل من الزمان وياس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ***واقطعن كلّ رقلة وأواسي
ذلّها أظهر التودد منها ***وبها منكم كحزّ المواسي
فأمر بهم عبد اللّه فشدخوا بالعمد، وبسطت عليهم البسط، وجلس عليها ودعا بالطعام، وإنّه ليسمع أنينهم حتّى ماتوا جميعا(1).
وحكى الهيثم بن عدي عن عمرو بن هاني قال: خرجت مع عبد اللّه بن علي لنبش قبور بني اميّة في أيّام السفاح. فانتهينا إلى قبر هشام فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلاّ خثمة أنفه. فضربه عبد اللّه بن علي ثمانين سوطا ثمّ أحرقه، واستخرجنا سليمان من أرض دابق. فلم نجد منه شيئا إلاّ صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني اميّة وكانت قبورهم بقنّسرين ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك. فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلاّ شئون رأسه. ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية. فما وجدنا فيه إلاّ عظما واحدا أو وجدنا مع لحده خطّا أسود كأنّما خطّ بالرماد في طول لحده. ثمّ اتّبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا منهم(2).
وونبش قبر معاوية فلم يجدوا فيه إلاّ خيطا مثل الهباء(1). قيل ضرب عبد اللّه بن علي جسد هشام ثمانين سوطا لقذفه زيد بن علي.
و قتل سليمان بن علي بالبصرة أيضا جماعة من بني اميّة عليهم الثياب الموشية المرتفعة، وأمر بهم فجرّوا بأرجلهم، فالقوا على الطريق فأكلهم الكلاب. فلمّا رأى بنو اميّة ذلك اشتدّ خوفهم، وتشتت شملهم، واختفى من قدر على الاختفاء(2).وقال أبو الخطاب الأزدي: لمّا قتل مروان بن محمّد هجم عامر بن إسماعيل على الكنيسة الّتي فيها بنات مروان ونساؤ، وقد أغلقن الأبواب دونهنّ فصحن وولولن. فأخذ الخصي الموكّل بهنّ فسئل عن أمره فقال: أمرني مروان أن أضرب رقاب بناته وجواريه إذا قتل. فجيء بابنتي مروان إلى عامر. فأمر بوضع رأس مروان في حجر ابنته الكبرى، وقال لها عامر: معذرة إنّما فعلت هذا بك بما فعلتم برأس يحيى بن زيد إذ وضع في حجر امّه، والبادئ أظلم. ثمّ وجّه عامر بهما، وبجواري مروان إلى صالح بن علي، فقالت له الكبرى: نحن بنات أخيك فليسعنا عدلك. قال: إذن لا نستبقي منكم أحدا رجلا ولا امرأة. ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم في محبس حرّان أ لم يقتل هشام زيدا وصلبه، وأمر بقتل امرأته. فقتلها يوسف بن عمر صبرا ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بخراسان، وأحرق جثته وخشبته(3).
وقال ابن فرّوخ المكّي:
أمست نساء بني اميّة أيّما ***وبناتهم بمضيعة أيتام(4)
هذا، وأمّا قوله عليهالسلام في الزيادة التي نقلها ابن أبي الحديد: «ألا وإنّكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤروا، ولا تمالئوا عليهم عدوّهم فتصرعكم البلية، وتحل بكم النقمة»(1).
والظاهر أنّ المراد: انصروا أهل بيتي الّذين هم أصحاب رايات بدر وحنين لأنّهم منّي، وأنا كنت صاحب رايات بدر وحنين، وإن مالأتم عليهم عدوّهم يبتلون هم بالقتل وتحل بكم نقمة اللّه لعملكم.
وأشار عليهالسلام في ذلك إلى عملهم مع ابنه الحسين عليهالسلام يوضح ذلك ما رواه نصر بن مزاحم عن سعيد بن وهب قال: بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليهالسلام فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول: «هاهنا هاهنا» فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤنين قال عليهالسلام «ثقل لآل محمّد عليهمالسلام ينزل ها هنا فويل لهم منكم، وويل لكم منهم» فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤنين فقال عليهالسلام: «ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم اللّه بقتلهم الى النار»(2)
وقعة صفين: 141؛ بحار الأنوار: 420/32، ح384.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَتَبَارَكَ اللّهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ الْأَوَّلُ الَّذِي لا
غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي.
فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللّهِ خَلَفٌ حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللّهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه واله فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وَأَعَزِّ الْأُروُمَاتِ مَغْرِساً مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَثَمَرَةٌ لا تُنَالُ فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤهُ وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ وَكَلامُهُ الْفَصْلُ وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ (أَرْسَلَهُ) عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللّهُ عَلَى أَعْلامٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَأَنْتُمْ فِي دَارِ
مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَفَرَاغٍ وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَالْأَقْلامُ جَارِيَةٌ وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَالتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ وَالْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ.
اقتباس من القرآن الكريم حيث قال تعالى: «فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِين»(1)وقال تعالى: «تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقان»(2)وقال تعالى: «فَتَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِين»(3)وقال تعالى: «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك»(4).
أي لا يصل إلى كنهه الهمم العالية الراقية إلى شوامخ الأمور.
وإنّ نعوت الجلال وصفات الكمال للّه سبحانه المتعال لمّا كانت غير متناهية ولا محدودة نبّه عليهالسلام بذلك على عدم إمكان الوصول إليها وتعذّر إدراكها، إذ كلّ مدرك متناه محدود، فالمعنى أنه تعالى لا يبلغه الهمم والقصود على بعدها وعلوّها، ولا يصل إليه إدراك الفطن وإن ذكت واشتدّت في ذكائها وحدّتها وسرعة انتقالها من المبادي إلى المطالب، بل كلّ سابح في بحار جلاله غريق وكلّ مريد للوصول إلى أنوار جماله حريق.
أي لاينتهى إلى هويّته الفطن الغائصة لجج الأفكار.
عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ «هُوَ الْأَوَّلُ وَالآْخِرُ»(1)وَقُلْتُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وَأَمَّا الآْخِرُ فَبَيِّنْ لَنَا تَفْسِيرَهُ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلاّ يَبِيدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ أَوْ يَدْخُلُهُ الْغِيَرُ(2)وَالزَّوَالُ أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ وَمِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ وَمِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ وَمِنْ زِيَادَةٍ إِلَى نُقْصَانٍ وَمِنْ نُقْصَانٍ إِلَى زِيَادَةٍ إِلاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ وَاحِداً هُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الآْخِرُ عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ لا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ وَالْأَسْمَاءُ مَا يَخْتَلِفُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الاْءِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ تُرَاباً مَرَّةً وَمَرَّةً لَحْماً وَمَرَّةً دَماً وَمَرَّةً رُفَاتاً وَرَمِيماً وَكَالتَّمْرِ الَّذِي يَكُونُ مَرَّةً بَلَحاً وَمَرَّةً بُسْراً وَمَرَّةً رُطَباً وَمَرَّةً تَمْراً فَيَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ وَاللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخِلافِ ذَلِك(3).
الضميررا جع إلى الرسل.
أي من الأصلاب.
أي: من الأرحام، قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآْياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُون»(1).
أي بدّلتهم.
من صلب إلى صلب.
من رحم إلى رحم، روي أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قرأ قوله تعالى: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآْصالِ»(2)فقيل له: أيّ بيوت هذه فقال: بيوت الأنبياء(3).
وورد في الزيارة: أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الْأَصْلابِ الشَّامِخَةِ وَالْأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجَاهِلِيَّةُ بِأَنْجَاسِهَا وَلَمْ تَلْبِسْكَ مِنْ مُدْلَهِمَّاتِ ثِيَابِهَا الخ(4).
قال الصدوق: اعتقادنا في آباء النبي صلىاللهعليهوآله أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد اللّه.
ثمّ قال: وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله أخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم(5).
روى عن أمير المؤنين عليهالسلام بطريق العامة عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله في قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ»(1)، قال: نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلّنا بنكاح، قال الكلبي كتبت للنبيّ صلىاللهعليهوآلهخمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحا ولا شيئا مما كان عليه أهل الجاهليّة(2).و قال الشارح البحرانى: وتناسخ الأصلاب لهم إلى مطهّرات الأرحام نقلهم إليها نطفا، وكرائم الأصلاب: ما كرم منها وحقّ لأصلاب سمحت بمثلهم أن توصف بالكرم. ومطهّرات الأرحام: ما طهر منها وحقّ لما استعدّ منها الإنتاج مثل هذه الأمزجة وقبولها أن تكون طاهرة من كدر الفساد. والشيعة يطهّرون اصول الأنبياء من طرف الآباء والامّهات عن الشرك ونحوه قول الرسول صلىاللهعليهوآله «نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة (3).(4)
وفي حديث الجابر المرويّ في كيفية خلقة الانسان وولادته قال: فقلت: يا رسول اللّه هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟
فسكت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله مليّا ثمّ قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلاّ ذو حظّ عظيم، إنّ الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمة اللّه جلّ ثناؤ(5)
وروى الصفار في البصائر مسندا عن محمّد بن مروان عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال: سمعته يقول: «ان اللّه خلقنا من نور عظمته ثمّ صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فأسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيب». الحديث.
وبمعناهما أخبار أخر، وقال الراغب الأصفهانيّ في تفصيل النشأتين الباب الرابع عشر في بيان الشجرة النبويّة وفضلها على جوهر سائر البرية: اقتضت الحكمة أن تكون الشجرة النبويّة صنفا ونوعا واحدا واقعا بين الإنسان وبين الملك ومشاركا لكل واحد منهما على وجه، فانهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السماوات والأرض وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب، ومثله في كونه واقعا بين نوعين مثل المرجان فانه حجر يشبه الاحجار بتشذب أغصانه وكالنخل فانه شجر شبيه بالحيوان في كونه محتاجا الى التلقيح وبطلانه إذا قطع رأسه، وجعل اللّه النبوّة في ولد إبراهيم ومن قبله في نوح كما نبه عليه بقوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ» وقال: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» فهم عليهمالسلام وإن كانوا من حيث الصورة كالبشر فهم من حيث الأرواح كالملك قد أيدوا بقوة روحانية وخصوا بها كما قال اللّه تعالى في عيسى عليهالسلام: «وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» وقال في محمّد صلىاللهعليهوآله: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ»وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم أن يقبلوا من الملائكة لما بينهم من المناسبة بتلك الأرواح و يلقون الى الناس لما بينهم من المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه: «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» تنبيها على أن ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك الروح أن يقبلوا الا من البشر، ولما عمى الكفّار عن ادراك هذه المنزلة وعما للأنبياء من الفضيلة أنكروا نبوة الأنبياء فالأنبياء صلوات اللّه عليهم بالإضافة الى سائر الناس كالانسان بالإضافة الى الحيوانات وكالقلب بالإضافة الى سائر الجوارح ـ الى آخر ما قاله رحمهالله فراجع.
1) . التوبة: 128.
2) . الدر المنثور: 294/3 وينابيع المودّة: 61/1.
3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 67/14.
4) . شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 396/2.
5) . روى الكليني ـ 2 ص 2 عن القمّيّ، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي ابن عبداللّه، عن رجل عن عليّ بن الحسين عليهماالسلام قال: «ان اللّه عزّ وجلّ خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم وخلق قلوب المؤنين من تلك الطينة وجعل أبدان المؤنين من دون ذلك». الحديث.
يودع اللّه أنوارهم أصلابا طيبة وأرحاما طاهرة يحفظها بملائكته، ويربّيها بحكمته ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف، وأحوالهم تدّق عن أن يعلم، لأنّهم
نجوم اللّه في أرضه، وأعلامه في بريّته، وخلفاؤ على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه، هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلاّ من أهله(1).و أمّ (آزر): روي عن العالم عليهالسلام أنّه كان جدّ إبراهيم عليهالسلام لأمّه، و كان أبو إبراهيم توفّي وهو طفل، وبقيت أمّه، فبينا قومه يعملون الأصنام إذ أخذ إبراهيم عليهالسلامخشبة وأخذ الفأس، ونجر منها صنما لم يروا مثله قط، فقال آزر لأمّه: إنّي لأرجو أن أصيب خيرا كثيرا ببركة ابنك هذا. فأخذ إبراهيم الفأس فكسر الصنم، فأنكر ذلك أبوه عليه، فقال له إبراهيم عليهالسلام: وما تصنعون به قال: نعبده. قال إبراهيم عليهالسلام: «... أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ» بأيديكم(2).
أي مات.
يدعو الناس إلى ربّهم وعبادته، ولمّا حضرت وفاة إبراهيم عليهالسلام أمره اللّه أن يستودع نور اللّه وحكمته ومواريث الأنبياء عليهمالسلام إسماعيل ابنه، فدعاه وأوصى إليه وسلّم إليه جميع ما في يده فقام إسماعيل بالنبوّة والأمر مقامه، و لم يزل يدبّر أمر
اللّه تعالى، وهو أوّل من تكلّم بالعربيّة وأبو العرب، فلمّا حضرت و فاته أوحى إليه
أن يستودع الاسم ونور اللّه وحكمته أخاه إسحاق.
و روى أنّه شريكه في الوصيّة، وتقدمه إسماعيل بالسن ـ إلى أن قال: ـ إنّ
يوسف قال لبني إسرائيل: إنّ هؤاء القبط سيظهرون عليكم، ويفرّج اللّه عنكم برجل من ولد لاوي اسمه موسى بن عمران، ولن يظهر حتّى يخرج قبله سبعون كذّابا. وروي أنّه كان إذا ولد في بني إسرائيل ولد يسمّى عمران، ثمّ يأتي لعمران ولد فيسمّى موسى، يتعرّضون بذلك لقيام القائم موسى عليهالسلام(1).وهو نظير أنّه لمّا أخبر النبي صلىاللهعليهوآله وأمير المؤنين عليهالسلام بقيام قائم آل محمّد صلىاللهعليهوآله الملقّب بالمهدي، تصدّى جمع من الطالبين لذلك، وتسمّوا بالمهدي، كالملقّب بالنفس الزّكية، وغيره.
وقال بعد ذكر شعيب: كان شعيب من ولد نابت بن إبراهيم، وكان من قصّته أنّ اللّه تعالى بعثه إلى قوم نبيّا حين كبرت سنّه، فدعاهم إلى التوحيد والإقرار والطاعة، فلم يجيبوه، فغاب عنهم ما شاء اللّه، ثمّ عاد إليهم شابّا، فدعاهم، فقالوا:
ما صدّقناك شيخا فكيف نصدّقك شابّا فروى أنّ أمير المؤنين عليهالسلام كان يعيد ذكر
هذا الحديث ويكرّره، ويتمثّل به كثيرا ـ إلى أن قال بعد ذكر موسى عليهالسلام ثمّ يوشع ـ :
وخرج يوشع وجمع أولاد بني إسرائيل الّذين ولدوا في التيه معه، وهم لا يعرفون الجبّارين ولا العمالقة ولا يمتنعون من قتالهم، وفتح بيت المقدس، وجميع مدائن الشام حتّى انتهى إلى البلقاء، فجعلوا يخرجون ويقاتلون، و لا يقتل منهم أحد. فسأل يوشع عن ذلك، فقيل له: إنّ في مدينته امرأة كاهنة تدّعي أنّها منجّمة تستقبل الشّمس بفرجها، ثمّ تحسب وتعرض عليها الخيل والرجال، ولا يخرج يومئذ إلى الحرب رجل قد حضر أجله. فصلّى يوشع عليهالسلام ركعتين، ودعا ربّه أن يحبس الشمس عنهم ساعة فأجابه، وأخّرت الشمس، فخرجت فاختلط عليها حسابها،
1) . اثبات الوصية: 45 ـ 50.
فقالت لباق (يعني ملكهم): انظر ما يعرض عليك يوشع، فاعطه، فإنّ حسابي قد اختلط علي(1).
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَهُوَ يَقُولُ: خُلِقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ نُسَبِّحُ اللّهَ يَمْنَةَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا أَنْ خَلَقَ اللّهُ آدَمَ جَعَلَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ وَلَقَدْ سَكَنَ الْجَنَّةَ وَنَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَلَقَدْ هَمَّ بِالْخَطِيئَةِ وَنَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَلَقَدْ رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ وَنَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَلَقَدْ قُذِفَ بِإِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ وَنَحْنُ فِي صُلْبِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَصْلابٍ طَاهِرَةٍ إِلَى أَرْحَامٍ طَاهِرَةٍ حَتَّى انْتَهَى بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَمَنَا بِنِصْفَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ عَبْدِ اللّهِ وَجَعَلَ عَلِيّاً فِي صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ وَجَعَلَ فِيَّ النُّبُوَّةَ وَالْبَرَكَةَ وَجَعَلَ فِي عَلِيٍّ الْفَصَاحَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَشَقَّ لَنَا اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَأَنَا مُحَمَّدٌ وَاللّهُ الْأَعْلَى وَهَذَا عَلِيٌّ(2).
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ جَعَلَنَا فِي صُلْبِهِ ثُمَّ نَقَلَنَا مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْبٍ فِي أَصْلابِ الطَّاهِرِينَ وَأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَاتِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، الحديث(3).وَروى عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنِيَ اللّهُ مِنْ أَصْلابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى
أَرْحَامِ الْمُطَهَّرَاتِ حَتَّى أَخْرَجَنِي فِي عَالَمِكُمْ هَذَا لَمْ يُدَنِّسْنِي بِدَنَسِ الْجَاهِلِيَّةِ(1).قال الشاعر:
هذا هوالنّور الذى عذباته ***كانت بجبهة آدم يتلالؤ(تتطلع)(2)
وعن المناقب لأحمد بن حنبل والنّسائى عن عليّ عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله:
إنّ اللّه خلق خلقه في ظلمة، ثمّ رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من النّور شيء اهتدى ومن أخطأه ضلّ(3).ثمّ فسّره عليّ عليهالسلام فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ حين شاء تقدير الخليقة وذرء البريّة وإبداع المبدعات ضرب الخلق في صور كالهباء قبل وجود الأرض والسماء وهو سبحانه في انفراد ملكوته وتوحّد جبروته، فأشاع نورا من نوره فلمع، وقبأ من ضيائه فسطع، ثمّ اجتمع ذلك النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق صورة نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآله وقال اللّه له: أنت المختار المنتخب وعندك ثابت نورى وأنت كنوز هدايتى، ثمّ أخفى الخليقه في غيبه وسترها في مكنون علمه، ثمّ وسّط العالم وبسط الزمان وموّج الماء وأثار الزبد وأفاج (أهاج) الرّيح، فطفى (فطغى) عرشه على الماء فسطح الأرض على ظهر الماء، ثمّ انشأ الملائكة من أنوار ابتدائها وأنوار اخترعها، وقرن بتوحيده نبوّة محمّد صلىاللهعليهوآله ظاهرا فهو أبو الأرواح ويعسوبها كما أنّ آدم عليهالسلام أبو الأجساد وسببها، ثمّ انتقل النور في جميع العوالم عالما بعد عالم وطبقا بعد طبق وقرنا بعد قرن إلى أن ظهر محمّد صلىاللهعليهوآلهبالصورة والمعنى في آخر الزمان،
ويطابق هذا الكلام قول عمّي العبّاس بن عبد المطلب رضى اللّه عنه قال: يا رسول اللّه أريد أن أمدحك قال: قل لا يفضض اللّه فاك قال رحمهالله:
من قبلها طبت في الظلال وفي ***مستودع حيث يخصف الورق(1)
ثمّ انبطت البلاد لا بشر***أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السّفير وقد***الجمت نسرا وأهله الغرق
وردت نار الخليل مكتتما***تجول فيها ولست تحترق
تنقل من صالب إلى رحم***إذا مضى عالم بدا طبق
حتّى احتوى بيتك المهيمن***من خندف(2)عليا تحتها النّطق
وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض***وضاءت بنورك الافق
فنحن في ذلك الضياء وفي***النّور وسبل الرّشاد نحترق(3)
وأُمّه صلىاللهعليهوآله آمنة بنت وهب وهي كانت من اجلّ النساء شرفاً وقدراً وانّها وعبد اللّه من شجرة واحدة «قال ابن إسحاق قالت آمنة وسمعت في الضوء نداء إنك ولدت سيد الناس فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وسميه محمدا وأتي به عبد المطلب فوضعه في حجره ثم قال:
الحمد للّه الذي أعطاني ***هذا الغلام الطيب الأردان(4)
قد ساد في المهد على الغلمان***عوذه الإله بالأركان(5)
روى أن النبيّ صلىاللهعليهوآله أتى ببدر ـ أي: طبق فيه خضرات من البقول ـ فوجد لها ريحا، فقال: قرّبوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلمّا رآه كره أكلها، فقال له: كلْ فإنّي أناجي من لا تناجي(1).وعن الخركوشى وهو من أعيان العامّة في شرف النّبى صلىاللهعليهوآله: إن أبا طالب قال رأى عبد المطلب في منامه شجرة نبتت على ظهره قد نال رأسها السماء وضربت أغصانها الشرق والغرب ونورا يزهر بينها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا والعرب والعجم ساجدة لها وهي كل يوم تزداد عظما ونورا ورأى رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثيابا فيأخذهم ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم فقص ذلك على كاهنة قريش قالت لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب ويتنبأ في الناس(2).
عن الكاظم عليهالسلام: أنّ يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف الأنبياء وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس فيه أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله وفيهم علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد الجهني، فقال: يا أمّة محمّد ما تركتم لنبيّ درجة، ولا لمرسل فضيلة إلاّ نحلتموها نبيّكم، فهل تجيبوني عمّا أسألكم عنه فكاع القوم عنه، فقال علي بن أبي طالب: نعم، ما أعطى اللّه نبيّا درجة ولا مرسلا فضيلة إلاّ وقد جمعها لمحمّد صلىاللهعليهوآله، وزاد محمّدا على الأنبياء أضعافا مضاعفة(3).
بالفتح جمع أرومة أصل الشجرة.
من حيث النسل، أي: النسل السامي، وفي خطبة له عليهالسلام: ثمّ أذنت في إيداعه صلىاللهعليهوآله
ساما دون حام ويافث، فضربت لهما بسهم في الذلّة، وجعلت ما أخرجت من بينهما لنسل سام خولا(1).
وفي (معارف ابن قتيبة): العرب كلّها، والأنبياء كلّها من ولد سام(2).
أي شقّ.
والمراد من الشجرة إبراهيم عليهالسلام، فرسل جاءوا بعده كانوا من نسله.
أي اختار.
على وحيه، وفسّر قوله تعالى: «الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ»(1)في الأخبار بمعنى: حين تقوم في النبوّة، وتقلّبك في أصلاب النبيين (2).
عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى مِنْ وُلْدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشاً وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ(3).
كما أنّه خير البشر، و«عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون»(4).
عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ عليهالسلام وَعِنْدَهُ ابْنُ ظَبْيَانَ وَالْقَاسِمُ الصَّيْرَفِيُّ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ وَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ أَيْنَ كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللّهُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَأَرْضاً مَدْحِيَّةً أَوْ ظُلْمَةً أَوْ نُوراً قَالَ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ عليهالسلام بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللّهُ آدَمَ عليهالسلام فَرَّغَنَا
فِي صُلْبِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا مِنْ صُلْبٍ طَاهِرٍ إِلَى رَحِمٍ مُطَهَّرٍ حَتَّى بَعَثَ اللّهُ مُحَمَّداً صلىاللهعليهوآله الْخَبَرَ(5).
روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه عزّ وجلّ حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي
أهل بيتي، وأخبرني اللطيف أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض(1).
وعَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله:
إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ كَهَاتَيْنِ وَضَمَّ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَنْ عِتْرَتُكَ قَالَ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(2).
قال مصنف هذا الكتاب قدس اللّه روحه(3)حكى محمد بن بحر الشيباني عن محمد بن عبد الواحد صاحب أبي العباس تغلب في كتابه الذي سماه كتاب الياقوتة أنه قال حدثني أبو العباس تغلب قال حدثني ابن الأعرابي وقال العترة قطاع المسك الكبار في النافجة(4)وتصغيرها عتيرة والعترة الريقة العذبة وتصغيرها عتيرة والعترة شجرة تنبت على باب وِجار الضب وأحسبه أراد وِجار الضبع لأن الذي للضب مكو(5)وللضبع وجار ثم قال وإذا خرجت الضب وجارها تمرغت على تلك الشجرة فهي لذلك لا تنمو ولا تكبر والعرب تضرب مثلا للذليل والذلة فيقولون أذل من عترة الضب قال وتصغيرها عتيرة والعترة ولد الرجل وذريته من صلبه فلذلك سميت ذرية محمد صلىاللهعليهوآله من علي وفاطمة عليهماالسلام عترة
محمد صلىاللهعليهوآله قال تغلب فقلت لابن الأعرابي فما معنى قول أبي بكر في السقيفة نحن عترة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال أراد بلدته وبيضته وعترة محمد صلىاللهعليهوآله لا محالة ولد فاطمة عليهاالسلام والدليل على ذلك رد أبي بكر وإنفاذ علي عليهالسلام بسورة براءة و قوله صلىاللهعليهوآله
أمرت ألا يبلغها عني إلا أنا أو رجل مني.
فأخذها منه ودفعها إلى من كان منه دونهـ فلو كان أبو بكر من العترة نسبا دون تفسير ابن الأعرابي أنه أراد البلدة لكان محالا أخذه سورة براءة منه ودفعها إلى علي عليهالسلام ـ وقد قيل إن العترة الصخرة العظيمة يتخذ الضب عندها جحرا يأوي إليه وهذا لقلة هدايته وقد قيل أن العترة أصل الشجرة المقطوعة التي تنبت من أصولها وعروقها والعترة في غير(1)هذا المعنى.
قول النبي صلىاللهعليهوآله لا فرعة ولا عتيرة.
قال الأصمعي كان الرجل في الجاهلية ينذر نذرا على أنه إذا بلغت غنمه مائة أن يذبح رجبيته وعتائره(2)فكان الرجل ربما بخل بشاته فيصيد الظباء ويذبحها عن غنمه عند آلهتهم ليوفي بها نذره وأنشد الحارث بن حلزة
عنتا باطلا وظلما كما تعتر ***عن حجرة الربيض الظباء
يعني يأخذونها بذنب غيرها كما يذبح أولئك الظباء عن غنمهم وقال الأصمعي والعترة الريح والعترة أيضا شجرة كثيرة اللبن صغيرة تكون نحو القامة ويقال العتر الظباء الذكر عتر يعتر عترا إذا نعظ وقال الرياشي سألت الأصمعي عن العترة فقال
هو نبت مثل المرزنجوش ينبت متفرقا.
قال مصنف هذا الكتاب رضىاللهعنه: والعترة علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة
وسلالة النبي صلىاللهعليهوآله وهم الذين نص اللّه تبارك وتعالى عليهم بالإمامة على لسان نبيه صلىاللهعليهوآلهوهم اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم عليهالسلام على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة و ذلك أن الأئمة عليهمالسلام من بين جميع بني هاشم ومن بين جميع ولد أبي طالب كقطاع المسك الكبار في النافجة وعلومهم العذبة عند أهل الحل والعقد(1)وهم الشجرة التي قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أنا أصلها وأمير المؤنين عليهالسلام فرعها والأئمة من ولده أغصانها وشيعتهم ورقها وعلمهم ثمرها.
وهم عليهمالسلام أصول الإسلام على معنى البلدة والبيضة وهم عليهمالسلام الهداة على معنى الصخرة العظيمة التي يتخذ الضب عندها جحرا يأوي إليها لقلة هدايته وهم أصل الشجرة المقطوعة لأنهم وتروا وظلموا وجفوا وقطعوا ولم يوصلوا فنبتوا من أصولهم وعروقهم ولا يضرهم قطع من قطعهم وإدبار من أدبر عنهم إذ كانوا من قبل اللّه منصوصا عليهم على لسان نبيه عليهالسلام ومن معنى العترة هم المظلومون المأخوذون بما لم يجرموه ولم يذنبوه ومنافعهم كثيرة وهم ينابيع العلم على معنى الشجرة الكثيرة اللبن وهم عليهمالسلام ذكران غير إناث على معنى قول من قال إن العترة هو الذكر وهم جند اللّه عز وجل وحزبه على معنى قول الأصمعي إن العترة الريح قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله الرِّيحُ جُنْدُ اللّهِ الْأَكْبَرُ، في حديث مشهور عنه عليهالسلام والريح عذاب
1) .في بعض النسخ [عند أهل الحكمة والعقل].
على قوم ورحمة لآخرين وهم عليهمالسلام كذلك كما في القرآن(1)المقرون إليهم بقول النبي صلىاللهعليهوآله إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي.
قال اللّه عز وجل: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاّ خَساراً»(2)وقال عز وجل: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ»(3)وهم عليهمالسلامأصحاب المشاهد المتفرقة على معنى الذي ذهب إليه من قال إن العترة هو نبت مثل المرزنجوش ينبت متفرقا وبركاتهم منبثة في المشرق والمغرب(4).
وهم بنو هاشم.
فكانت بنو هاشم افضل طوائف قريش.
ويدل عليه ما في تفسير الامام عن أمير المؤنين عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله:
إنّ للّه عزّ وجلّ خيارا من كلّ ما خلقه: فله من البقاع خيار وله من الليالى والأيام خيار، وله من الشهور خيار، وله من عباده خيار، وله من خيارهم خيار.
فامّا خياره من البقاع فمكّة والمدينة وبيت المقدس وإنّ صلاتا في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام والمسجد الأقصى يعنى
مكّة و بيت المقدّس، وأمّا خياره من اللّيالي فليالي الجمع وليلة النصف من شعبان وليلة القدر وليلة العيد، وأما خياره من الأيام فأيّام الجمع والأعياد، وأمّا خياره
من الشهور فرجب وشعبان وشهر رمضان، وأما خياره من عباده فولد آدم عليهالسلام، وخياره من ولد آدم من اختاره على علم منه بهم فانّ اللّه عزّ وجلّ لما اختار خلقه اختار ولد آدم عليهالسلام، ثمّ اختار من ولد آدم العرب، ثمّ اختار من العرب مضر، ثمّ اختار من مضر، قريشا، ثمّ اختار من قريش هاشما، ثمّ اختارني من هاشم، وأهل بيتى كذلك، فمن أحبّ العرب فيحبّني واحبّهم ومن أبغض العرب فيبغضني وابغضهم(1)ونعم ما قيل:
للّه في عالمه صفوة ***وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من هاشم ***محمّد الطّهر أبو القاسم(2)
ويشهد به أيضا ما روي بطريق العامة عن عايشة عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبرئيل فقال. قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمّد صلىاللهعليهوآله، ولم أر بنى أب أفضل من بني هاشم(3).
وإن جبرائيل عليهالسلام قال لي: يا محمد قد طفت الأرض شرقا وغربا فلم أجد فيها أكرم منك ولا بيتا أكرم من بني هاشم(4).
وقال صلىاللهعليهوآله: سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا أنا وعلي وحسن وحسين وحمزة وجعفر(5).
وقال صلىاللهعليهوآله: إنه لا يبغض أحد أهلي إلا حرمه اللّه الجنة(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ»(2)قَالَ: النَّبِيُّ وَالْأَئِمَّةُ هُمُ الْأَصْلُ الثَّابِتُ وَالْفَرْعُ الْوَلايَةُ لِمَنْ دَخَلَ فِيهَا(3).
وقال صلىاللهعليهوآله: إن اللّه اصطفى من العرب معدا واصطفى من معد بني النضر بن كنانة واصطفى هاشما من بني النضر واصطفاني من بني هاشم(4).
وقال صلىاللهعليهوآله: اما بعد الا أيها الناس فإنما انا بشر يوشك ان يأتي رسول ربى فأجيب وانا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه
واستمسكوا به فحث على كتاب اللّه ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي(5).قال الامام الحافظ ابو العباس احمد بن عمر بن ابراهيم القرطبى: (قوله: وأهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي ـ ثلاثا، هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي: وجوب احترام آل النبي صلىاللهعليهوآله وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم وجوب الفروض المؤدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها. هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلىاللهعليهوآله وبأنَّهم جزء منه، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه، كما قال صلىاللهعليهوآله فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها، ومع ذلك فقابل بنو أمية
عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخرَّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سَبَّهم، ولَعنَهم، فخالفوا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه!(1)
وفي رواية ابن عمر أنّه صلىاللهعليهوآله قال: إنّ اللّه اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثمّ اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم ازل خيارا من خيار ألا من أحبّ العرب فيحبّني احبّهم ومن ابغض العرب فيبغضنى ابغضهم(2).
وقال صلىاللهعليهوآله: الناس تبع لقريش برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم(3).
وهم قريش.
أى أصله خير الاصول، وأراد بها إمّا هاشما أو اسماعيل على سبيل الاستعارة، و يجوز أن يراد بها نفسه صلوات اللّه وسلامه عليه وآله على كون الاضافة بيانية ويدل عليه ما عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها»(4)، قال عليهالسلام
أمّا الشجرة فرسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وفرعها عليّ عليهالسلام، وغصن الشجرة فاطمة بنت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وثمرها أولادها عليهم السّلام، وورقها شيعتنا ثمّ قال عليهالسلام: إنّ المؤن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة وإنّ المولود من شيعتنا ليولد فتورق الشجرة ورقة(1).وبمعناه أخبار كثيرة، وقد نظم بعض الشعراء مضمونها وقال:
يا حبذا دوحة في الخلد نابتة ***ما مثلها نبتت في الخلد من شجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمة ***ثمّ اللّقاح عليّ سيّد البشر
والهاشميّان سبطاه لها ثمر ***والشّيعة الورق الملتفّ بالثمر
هذا مقال رسول اللّه جاء به ***أهل الرّواية في العالي من الخبر(2)
فكانت قريش افضل طوائف العرب.
أي: عزّ ومنعة، وليس المراد مكّة كما احتمله ابن أبي الحديد(3)، فلو كانت
مرادة لقال: في الحرم لا في حرم.
أي علت.
وشرف. عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ لَهُ جُدُدٌ فَأَلْقَى الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ سَلَى نَاقَةٍ فَمَلَئُوا ثِيَابَهُ بِهَا فَدَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللّهُ فَذَهَبَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ يَا عَمِّ كَيْفَ تَرَى حَسَبِي فِيكُمْ فَقَالَ لَهُ وَمَا ذَاكَ يَا ابْنَ أَخِي فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَدَعَا أَبُو طَالِبٍ حَمْزَةَ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَقَالَ لِحَمْزَةَ خُذِ السَّلَى ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْقَوْمِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ فَأَتَى قُرَيْشاً وَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَرَفُوا الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ لِحَمْزَةَ أَمِرَّ السَّلى عَلَى سِبَالِهِمْ(1)فَفَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ ثُمَّ الْتَفَتَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي هَذَا حَسَبُكَ فِينَا(2).
قال تعالى له: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»(3).
قال ابن أبي الحديد: ليس على أن يريد به أنّ ثمرها لا ينتفع به، لأن ذلك ليس بمدح، بل يريد به أنّ ثمرها لا ينال قهرا، ولا يجنى غصبا(4).
قال التسترى: إنّما ينال قهرا وغصبا من الإنسان لا من الشجر والثمر،
والصواب أن يقال: إنّ شرف الشجر بعلوّه حتّى لا ينهب ثمره كلّ من مرّ عليه، والمراد أنّ علوم النبيّ صلىاللهعليهوآله وكمالاته ليست عاديّة متعارفة حتّى يدّعي نيابته كلّ أحد، وغرضه عليهالسلامالتعريض بالمتقدّمين عليه بكونهم غير أهلين لتصدي مقامه صلىاللهعليهوآله،
لأنّ النائب كالمنوب عنه بقضية العقول، وأين هم من النبيّ صلىاللهعليهوآله، وإنّما كان أهل بيته مثله، وممّا يوضح كونهم عليهمالسلام ثمرة شجرة النبيّ صلىاللهعليهوآله قوله عليهالسلاملمّا بلغه أنّ قريشا احتجّوا في السقيفة لتقدّمهم على الأنصار بكونهم شجرة النبيّ صلىاللهعليهوآله: «احتجّوا
بالشجرة وأضاعوا الثمرة»(1).وفي زياراتهم عليهمالسلام: «السلام على الشجرة النبوية، والدوحة الهاشمية المضيئة المثمرة بالنبوّة، المونعة بالإمامة»(2).
اللّه في عمله فليتّبعه غيره، روى الطبري: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله عدّل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدّل به القوم، فمرّ بسواد بن غزية حليف بني عدي من النجّار وهو مستنتل من الصف، فطعن النبيّ صلىاللهعليهوآله في بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد بن غزية. فقال: يا رسول اللّه أوجعتني وقد بعثك اللّه بالحقّ، فأقدني. فكشف النبيّ صلىاللهعليهوآله عن بطنه، ثمّ قال: استقد. فاعتنقه وقبّل بطنه، فقال ما حملك على هذا يا سواد فقال: يا رسول اللّه حضر ما ترى فلم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك. فدعا له النبيّ صلىاللهعليهوآله بخير(3).
فليسلك مسلكه، عن أبي سفيان قال: كنّا قوما تجّارا، وكانت الحرب بيننا وبين محمّد قد حصرتنا حتّى نهكت أموالنا، فلمّا كانت الهدنة بيننا وبينه لم نأمن أن لا نجد أمنا فخرجت في نفر من قريش تجّارا إلى الشام، وكان وجه متجرنا غزّة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس، وأخرجهم منها، وانتزع له منهم صليبه الأعظم، وكانوا قد استلبوه إيّاه، فلمّا بلغ ذلك منهم وبلغه أنّ صليبه
قد استنقذ له، وكانت حمص منزله، خرج منها يمشي على قدميه متشكرا للّه حين ردّ عليه ما ردّ ليصلّي في بيت المقدس، تبسط له البسط، وتلقى عليها الرياحين، فلمّا انتهى إلى إيليا، وقضى فيها صلاته، ومعه بطارقته، وأشراف الروم، أصبح ذات غداة مهموما يقلّب طرفه إلى السماء، فقال له بطارقته: قد أصبحت مهموما. قال: أجلّ أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر. قالوا له: ما نعلم أمّة تختتن إلاّ اليهود، وهم في سلطانك، فابعث إلى كلّ من لك عليه سلطان في بلادك، مره ليضرب أعناق كلّ من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهمّ، وأنّهم لفي ذلك من رأيهم يديرونه، إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده ـ وكانت الملوك تهادى الأخبار بينها ـ فقال: إنّ هذا الرجل من أهل الشام والإبل، يحدّث عن أمر حدث ببلاده عجب، فسله عنه. فلمّا انتهى به إلى هرقل قال لترجمانه: سله ما كان فسأله، فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنّه نبيّ، وقد اتّبعه ناس وصدّقوه، وخالفه ناس، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة، فتركتهم على ذلك.
فلمّا أخبره الخبر، قال: جرّدوه. فجرّدوه، فإذا هو مختون. فقال هرقل: هذا واللّه
الذي أريت لا ما تقولون. أعطوه ثوبه، انطلق عنّا.
ثم دعا صاحب شرطته، فقال له: قلّب الشام لي ظهرا وبطنا حتّى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل ـ يعني النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ قال أبو سفيان: وأنا بغزّة، إذ هجم علينا صاحب شرطته، فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الّذي ظهر بالحجاز قلنا: نعم. قال: انطلقوا إلى الملك. فانطلقنا، فلمّا انتهينا إليه، قال: أنتم من رهط هذا الرجل قلنا:
نعم. قال: فأيّكم أمسّ به رحما قلت: أنا. فقال: ادن فأقعدني بين يديه، و أقعد أصحابي خلفي، ثمّ قال: إنّي سأسأله، فإن كذب فردّوا عليه ـ قال أبو سفيان: فو اللّه
لو كذبت ما ردّوا عليّ، ولكنّي كنت امرأ سيّدا أتكرّم عن الكذب، وعرفت أنّ أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عليّ ثمّ يحدّثوا به عنّي فلم أكذبهـ فقال: اخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهر كم يدّعي ما يدّعي. فجعلت أصغّر أمره، وأقول: ما يهمّك من أمره، إنّ شأنه دون ما يبلغك. فجعل لا يلتفت إلى ذلك، ثمّ قال: أنبئني عمّا أسألك عنه من شأنه. قلت: سل. قال: كيف نسبه قلت: محض أوسطنا نسبا. قال: هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول به، فهو يتشبّه به قلت: لا. قال: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه قلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه منكم من هم قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء، وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه، فلم يتّبعه منهم أحد.
قال: فأخبرني عمّن تبعه، أيحبّه ويلزمه أم يقليه ويفارقه قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه. قلت: سجال يدال علينا، وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا ممّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها، قلت:
لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره ـ فو اللّه ما التفت إليها منّي، ثمّ كرّ عليّ الحديث ـ قال: سألتك كيف نسبه فيكم فزعمت أنّه محض من أوسطكم نسبا، وكذلك يأخذ اللّه الأنبياء، وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله فهو يتشبّه به، فزعمت أن لا، وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه، فزعمت أن لا، وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنّهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان، وسألتك عمّن يتّبعه، أيحبّه ويلزمه أم يقليه ويفارقه، فزعمت ألاّ يتّبعه أحد فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه، انطلق لشأنك. فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ على الأخرى، وأقول: يا عباد اللّه لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، لقد أصبح ملوك بني الأصفر يهابونه في سلطانهم بالشام(1).
فلم يبق معه ظلمة.
قال تعالى: «وَداعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيرا»(2).
الشهاب: الّذي ينقضّ في الليل شبه الكوكب، وهو في الأصل الشعلة من النار(3).
أي ارتفع.
حتّى أضاء كلّ جانب.
الزند: العود الّذي يقدح به النار، وهو الأعلى، والزندة: السفلى فيها ثقب، وهي الأنثى، فإذا اجتمعا قيل: زندان، ثم قال: وتقول لمن أنجدك وأعانك: وردت بك زنادي(1).
حتّى حصلت منه الاستنارة، في (الطبقات): أنّ عليّا عليهالسلام كان إذا نعت النبيّ صلىاللهعليهوآله
يقول: لم يكن بالطويل الممغّط، ولا بالقصير المتردّد، كان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط، ولا السبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهّم ولا المكلثم، وكان في وجهه تدوير أبيض مشرب، أدعج العينين، أهب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى تقلّع كأنّما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوّة، وهو خاتم النبييّن. أجود الناس كفّا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه. يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله(2).
أي: الوسط، ليس بإفراط ولا تفريط، وفي الخبر كانت صلاة النبيّ صلىاللهعليهوآله قصدا وخطبته قصدا(1).
عن عبد اللّه بن أبي الحمساء قال: بايعت النبيّ صلىاللهعليهوآله ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثمّ ذكرت بعد ثلاث. فجئت فإذا هو في مكانه. فقال: يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك(2).
وكان صلىاللهعليهوآله يقسم لحظاته بين جلسائه(3)قال عمّه أبو طالب فيه:
وميزان صدق لا يخيس شعيرة ***ووزّان صدق وزنه غير عائل(4)
وعن أمير المؤنين عليهالسلام كان النبيّ صلىاللهعليهوآله إذا أوى إلى منزله جزّا دخوله ثلاثة أجزاء: جزء للّه، وجزء لأهله، وجزء لنفسه. ثمّ جزّا جزأه بينه وبين الناس، فيسرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدّخر عنهم شيئا،
و كان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل ناديه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلّغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إيّاه ثبّت اللّه قدميه يوم
القيامة. لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا ولا يفترقون إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلّة. ثم قال: كان صلىاللهعليهوآله يخزن لسانه إلاّ ممّا يعنيهم ويؤّفهم
ولا يفرّقهم ـ أو قال: ينفّرهم ـ ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي من أحد بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عمّا في الناس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوّهنه. معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، لكلّ حال عنده عاد، لا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤساة وموازرة.
ثمّ قال: كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لا يجلس ولا يقوم إلاّ عن ذكر، لا يوطّن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا في الحقّ عنده سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤّن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤرون ذا الحاجة
ويحفظون أو يحوطون الغريب.
ثم قال: كان النبيّ صلىاللهعليهوآله دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش ولا عيّاب، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يدنس منه، ولا يجنب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار، وممّا لا يعنيه، و ترك
الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلاّ في ما رجا ثوابه. إذا تكلّم أطرق جلساؤ كأنّما على رؤسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلّم انصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّ ليتهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ـ إلى أن قال: ـ كان سكوت النبيّ صلىاللهعليهوآله على أربع:
على الحلم والحذر والتقرير والتفكّر، فأمّا تقريره ففي تسوية النظر و الاستماع من الناس، وأمّا تذكّره أو تفكّره ففي ما يبقى ويفنى، وجمع الحلم والصبر، وكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسني ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي في ما أصلح أمّته، و القيام في ما جمع لهم الدّنيا والآخرة(1).
قال صلىاللهعليهوآله: أوتيت جوامع الكلم(2). وليس بعد كلام اللّه تعالى كلام فوق كلامه، وقد جمع جمع من العامة والخاصة كلمه صلىاللهعليهوآله كالزجاجي صاحب المبرد، ونفطويه النحوي، وجعفر بن حمدان الموصلي، والمصنّف في كتابه (المجازات النبويّة).
و عن الجاحظ: يجب أن يكون الإنسان سخيّا لا يبلغ التبذير، وشجاعا لا يبلغ الهوج، محترسا لا يبلغ الجبن، ماضيا لا يبلغ القحة، قوّالا لا يبلغ الهذر، صموتا لا
يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذلّ، منتصرا لا يبلغ الظلم، وقورا لا يبلغ البلادة، نافذا لا يبلغ الطيش. ثمّ وجدنا النبيّ صلىاللهعليهوآله قد جمع ذلك كلّه في كلمة واحدة، وهي قوله:
«خير الأمور أوسطها» فعلمنا أنّه أوتي جوامع الكلام، وعلم فصل الخطاب(1)، ومن عجيب كلماته قوله صلىاللهعليهوآله: «خمس من أتى اللّه عزّ وجلّ بهنّ أو بواحدة منهنّ أوجبت له الجنّة: من سقى هامّة صادية، أو أطعم كبدا هافية، أو أكسى جلدا عارية، أو حمل قدما حافية، أو أعتق رقبة عانية»(2).
وروى أنّ أعرابيا قدم بإبل له، فقال للنبيّ صلىاللهعليهوآله: يا رسول اللّه بع لي إبلي هذه. فقال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لست ببيّاع في الأسواق. قال: فأشر عليّ.
فقال له: بع هذا الجمل بكذا، وبع هذه الناقة بكذا، حتّى وصف له كلّ بعير منها.
فخرج الأعرابي إلى السوق فباعها، ثم جاء إليه، فقال: والّذي بعثك بالحقّ ما زادت درهما ولا نقصت درهما ممّا قلت لي...(3).
وعنه صلىاللهعليهوآله قال: «لا طلاق، ولا عتاق في غلاق»(4).
قال التسترى: وهو دليل على بطلان مذهبهم في الحلف بالعتاق والطلاق(5).وانّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا دخل على عائشة ورأى عندها رجلا، فتغيّر وجهه، فقالت: إنّه أخي من الرضاعة. قال: انظرن من اخوانكنّ، فانّما الرضاعة من الجماعة(6).
وعن أبي عياش قال: قال لي النبيّ صلىاللهعليهوآله في غزوة ذي قرد: «لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك، فقلت: أنا أفرس الناس. فو اللّه ما جرى بي خمسين ذراعا حتّى طرحني، فعجبت أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: لو أعطيته أفرس منك، وأنا أقول:
أنا أفرس الناس(1).
وأقبل النبيّ صلىاللهعليهوآله في المسلمين، فإذا مسجّى ببردة أبي قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة. فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: ليس بأبي قتادة، ولكنّه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه برده لتعرفوا أنّه برده(2).
وفي السيرة أيضا ـ بعد ذكر إغارة عيينة على لقاح النبيّ صلىاللهعليهوآله وفيها رجل من غفار، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللقاح ـ قال: وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل النبيّ صلىاللهعليهوآله وقالت: نذرت للّه أن أنحرها إن نجّاني اللّه عليها.
فتبسّم النبيّ صلىاللهعليهوآله ثمّ قال: بئس ما جزيتها أن حملك اللّه عليها ونجّاك بها ثمّ تنحرينها، إنّه لا نذر في معصية اللّه، ولا في ما لا تملكين، إنّما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة اللّه(3).
أعطى النبيّ صلىاللهعليهوآله ليهود خيبر أرضها ونخلها بالمناصفة، فلمّا أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة، فقوّم عليهم وخرص، فقال لهم: إمّا أن تأخذوه وتعطوني نصف التمر، وإمّا أخذه وأعطيكم نصف التمر. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض(4).وروى انّ رجلا من الأنصارى ورجلا من ثقيف أتيا النبيّ صلىاللهعليهوآله، فقال الثقفي: يا رسول اللّه حاجتي. فقال صلىاللهعليهوآله: سبقك أخوك الأنصاري. فقال: يا رسول اللّه إنّي على
ظهر سفر، وإنّي عجلان. وقال الأنصاري: إنّي قد أذنت له...(1).
وفي خبر من صار رئيس الخوارج أنّه قال للنبيّ صلىاللهعليهوآله في غنائم خيبر: ما عدلت فغضب النبيّ صلىاللهعليهوآله وقال له: ويلك إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون فأراد المسلمون قتله، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: دعوه فإنّه سيكون له أتباع يمرقون من الدّين...(2).
وعن أبي جعفر عليهالسلام: أنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان يمرّ به إلى نخلته ولا يستأذن، فشكاه الأنصاري إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله، فأرسل إليه وقال له: إذا أردت الدخول فاستأذن. فأبى، فساومه حتّى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق في الجنّة. فأبى، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنّه لا ضرر ولا ضرار(3).وروى أنّ جمعا من الصحابة كانوا مع النبيّ صلىاللهعليهوآله فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلما(4).
وانقطاع لهم.
أي زلّة.
فلم يكن منهم عمل رأساً أو عمل صالح.
في رشدهم وصلاحهم، كما قال شاعر:
كما بعث اللّه النبيّ محمّدا
على فترة والناس مثل البهائم(1)
قال تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنْ بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها»(2).
أي واضح قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُورا»(3).
قال تعالى: «وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآْياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون»(4).
أي: الدّنيا، فلا استعتاب ـ أي: استرضاء ـ في الآخرة، قال تعالى: «فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِين»(1).
قال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُون»(2).
أي: لكتابة الأعمال وأمّا القيامة فإنّما تنشر للقراءة.
قال تعالى: «لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَطَؤنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُون»(3).
غير معتقلة بحضور الموت.
قال تعالى: «تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحا»(1).
وقال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه»(2).
وقال تعالى: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ...»(3).
قال تعالى: «لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُم»(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاّلٌ فِي حَيْرَهٍـ وَخَابِطُونَ فِي فِتْنَهٍـ قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُـ وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَبَلاءٍ مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ صلىاللهعليهوآله فِي النَّصِيحَةِ وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة
كان الناس وقت بعثته صلىاللهعليهوآله بين طبيعي، وثنوي، ووثني، وبراهمة، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، وصابي، ونظائرهم.
خبط البعير الأرض بيده خبطا: ضربها، ومنه قيل: خبط عشواء، وهي الناقة الّتي في بصرها ضعف، تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا(1).
1) .الصحاح: 1121/3 مادة خبط.
أي: ما يوجب امتحان الخلق. والأصل فيها فتن الصائغ الذهب بإدخاله النار لينظر ما جودته.
أي استهامتهم.
كما قال تعالى:... «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ...»(1).
عن الثبات.
أي التكبّر كما حصلت لإبليس.
قال تعالى: «ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين»(2).
أي عدّتهم خفيفين.
أي الغاية في الجهالة.
قال تعالى: «يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّة»(1).
أي متحيرين.
فلا يدرون رشدهم وصلاحهم.
والجهل بلاء فوق كلّ بليّة، فكانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق وفقر، ولا يعلمون أنّ اللّه يرزقهم كما خلقهم، ويئدون بناتهم لئلاّ يصلن إلى غير عشيرتهم مع كونه أشنع عمل، وينسئون الشهور الحرم، ويخترعون البدع من السائبة، والوصيلة، و الحام، والبحيرة، وغيرها بالنسبة إلى أحشامهم وأغنامهم.
فَبَالَغَ صلىاللهعليهوآله فِي النَّصِيحَةِ.
رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(2)صَعِدَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله
ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ(3)فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصْبِحُكُمْ أَوْ مُمْسِيكُمْ مَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ قَالُوا: بَلَى
1) .آل عمران: 154.
2) . الشعراء: 214.
3) . يا صباحاه: كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنّهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمون يوم الغارة يوم الصباح فكان القائل يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو، وقيل: ان المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عادوا فكانه يريد بقوله يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال النهاية: 6/3.
قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّاً لَكَ أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا
فَنَزَلَتْ سُورَةُ تَبَّتْ.
قَتَادَةُ إِنَّهُ صلىاللهعليهوآله خَطَبَ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرَّائِدَ لا يَكْذِبُ أَهْلَهُ وَلَوْ كُنْتُ كَاذِباً لَمَا كَذَبْتُكُمْ وَاللّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ حَقّاً خَاصَّةً وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً وَاللّهِ لَتَمُوتُونَ كَمَا تَنَامُونَ وَلَتُبْعَثُونَ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ وَلَتُحَاسَبُونَ كَمَا تَعْمَلُونَ وَلَتُجْزَوْنَ بِالاْءِحْسَانِ إِحْسَاناً وَبِالسُّوءِ سُوءً وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَداً وَالنَّارُ أَبَداً وَإِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ أُنْذِرْتُم(1).
طريق الحقّ قال تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(2).
أى دعا إلى سبيل اللّه بهما امتثالا لأمر اللّه سبحانه وهو قوله: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»(3).قال الطبرسىّ أى ادع إلى دينه لأنّه السبيل إلى مرضاته، بالحكمة أى بالقرآن وسمّى القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن والنهى عن القبيح وأصل الحكمة المنع ومنه حكمة اللجام وإنّما قيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا
ينبغي أن يختار وقيل: إنّ الحكمة هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصّلاح والفساد، لأنّ بمعرفة ذلك يقع المنع من الفساد والاستعمال للصّدق والصّواب في الأفعال والأقوال.
و الموعظة الحسنة، معناه الوعظ الحسن وهو الصّرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله، وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع وقيل: إنّ الحكمة هي النبوّة والموعظة الحسنة مواعظ القرآن.
وجادلهم بالتي هي أحسن، أى ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج وتقديره بالكلمة التي هي أحسن، والمعنى اقتل المشركين واصرفهم عما هم عليه من الشرك بالرفق والسكينة ولين الجانب في النصيحة ليكونوا أقرب إلى الاجابة، فانّ الجدل هو قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، وقيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه كما جاء في الحديث: أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم(1).
وكان صلىاللهعليهوآله يحاجّ كلّ فرقة بلسانهم، ويلزمهم بما يتمّ الحجّة عليهم. قال شاعر:
اللّه قد أيّد بالوحى ***محمّدا ذا الأمر والنهي
يأمر بالعدل وينهي عن ***الفحشاء والمنكر والبغي(2)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِِ الْأَوَّلِ فَلا شَيْءَ قَبْلَهُ وَالآْخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ وَالظَّاهِرِ فَلا شَيْءَ فَوْقَهُ
وَالْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ.
مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ وَمَمَاهِدِ السَّلامَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ دَفَنَ اللّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وَأَطْفَأَ بِهِ النَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ كَلامُهُ بَيَانٌ وَصَمْتُهُ لِسَان.
ومن خطبة له عليهالسلام
الْحَمْدُ للّهِِ الْأَوَّلِ فَلا شَيْءَ قَبْلَهُ وَالآْخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ وَالظَّاهِرِ فَلا شَيْءَ فَوْقَهُ
وَالْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ
الأصل فيه قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالآْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»(1).
1) .الحديد: 3.
يحتمل أن يكون المراد بالظاهر والباطن كونه تعالى ظاهرا بآياته وآثار قدرته فلا شيء فوقه من حيث الظهور والجلاء، بل هو أجلى الأشياء وأظهرها، وباطنا من حيث ذاته وحقيقته فلا شيء دونه من حيث البطون والخفاء،
و أن يكون المراد بالظاهر الغالب القاهر على كلّ شيء فكلّ شيء مقهور دون قدرته، ذليل تحت عزّته، وبالباطن العالم بما بطن من خفيّات الامور فلا شيء دونه أى أقرب منه سبحانه إليه، هذا.
وفي دعاء عرفة لمولانا الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما: مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآْثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيبا(1).
مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ
الظاهر أنّ مراده عليهالسلام بمستقرّه المدينة، وقد سمّاها النبيّ صلى اللّه عليه و آله الطيّبة، ووصفها بأنّها تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد(2)، كما في الخبر.
والظاهر أنّ مراده عليهالسلام بمنبته صلىاللهعليهوآله مكّة، وقد قال تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً...»(3).
وفي خطبة له عليهالسلام على رواية (المسعودى) في محالّ نوره صلىاللهعليهوآله: «و أيّ ساحة من الأرض سلكت به لم يظهر بها قدسه، حتّى الكعبة التي جعلت منها مخرجه، غرست أساسها بياقوتة من جنّات عدن، وأمرت الملكين المطهّرين: جبرئيل وميكائيل، فتوسّطا بها أرضك، وسميّتها بيتك، واتّخذتها معبدا لنبيّك...»(1).
الظاهر رجوعه إلى (مستقرّه) على اللفّ والنشر المرتّب، قال الحميري:
فاحتلّ دار كرامة في معشر ***آووه في سعة المحلّ الأرحب(2)
جمع ممهد: اسم مكان.
الظاهر رجوع (مماهد السلامة) إلى (منبته)، قال تعالى:... «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً...»(3).
فصاروا مصدّقيه وملازميه، وفي (الطبري): وفد الأسود بن ربيعة على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوقال: جئت لأقترب إلى اللّه تعالى بصحبتك. فسمّاه صلىاللهعليهوآلهالمقترب(4).
وقال: أبو طالب فيه:
وإنّ عليه في العباد محبّة ***ولا حيف(1)في من خصّه اللّه بالحبّ(2)
وقال أيضا:
لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد ***وأحببته حبّ الحبيب المواصل
وجدت بنفسي دونه فحميته ***ودافعت عنه بالذرى والكواهل(3)
قال بعضهم: إذا تفكّرت في أشعار أبي طالب في مدائح النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ وأنّها أشعار ذاك الشيخ المبجّل في ابن أخيه، وهو شابّ مستجير به معتصم بظلّه من قريش، قد ربّاه في حجره غلاما، وعلى عاتقه طفلا، وبين يديه شابّا، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره علمت موضع خاصّية النبوّة وسرّها، وأنّ أمره كان عظيما، وأنّ اللّه تعالى
أوقع له في القلوب والأنفس منزلة رفيعة، ومكانا جليلا(4).
أي: رفعت، من ثانِيَ عِطْفِهِ...(5).
فلا تخفض إلى غيره، كان الجلف البدوي يرى وجهه، فيقول: واللّه ما هذا وجه كذّاب(6). وكان عظيما مهيبا في النفوس حتّى ارتاعت منه رسل كسرى، مع أنّه
كان بالتواضع موصوفا(1).
و قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش: واللّه لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، واللّه ما رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا: يقتتلون على وضوئه، ويتبادرون لأمره، ويخفضون أصواتهم عنده، وما يحدّدون النظر إليه تعظيما(2)، ولمّا دخل أبو سفيان عام الفتح عليه، ورأى أيدي المسلمين تحت شعره يستشفون بالقطرات من وضوئه، قال: تاللّه إن رأيت كاليوم كسرى وقيصر(3).
و دخل النبيّ صلىاللهعليهوآله على كبشة الأنصارية، فشرب من فم قربة معلّقة، فقطعت فمها فرفعته. (أي: تبرّكا به)(4).
و أنّ زيد بن الدثنة لمّا أسره المشركون، فاجتمع رهط من قريش ليقتلوه وفيهم أبو سفيان، قال له: أتحبّ أن تكون في أهلك، ويكون محمّد عندنا مكانك، فنضرب عنقه فقال: واللّه ما أحبّ أنّ محمّدا تصيبه شوكة في مكانه الّذي فيه، وأنا في أهلي.
فتعجّب أبو سفيان(5).
كان بين الأوس والخزرج ضغائن من حروب كانت بينهما، وقتلى كثيرة منهما، فأماتها اللّه به صلىاللهعليهوآله.
قال تعالى:... «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ...»(1).
قال تعالى:... «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(2)وقال تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها...»(3)وقال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ...»(4).
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله: المؤنون إخوة تتكافأ دماؤم، يسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم(5).
بواسطة مخالفتهم في الدين، فكم ابن وأخ ترك أباه وأخاه به، وكم امرأة تركت زوجها به.
لان الاقران يتفرقون بالدين فان المومن لا يكون قرينا للكافر الا ترى ان حمزة عليهالسلام وابا لهب كانا اخوين ففرّق الاسلام بينهما فصار احدهما اعنى حمزة
ممدوحا والآخر اعنى ابا لهب مذموماً مطروداً.
و قالوا: أتى الوليد بن المغيرة قريشا، فقال لهم: إنّ الناس غدا يجتمعون بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل، فيسألونكم فما تقولون لهم فقال أبو جهل: أنا أقول: إنّه مجنون. وقال أبو لهب: أنا أقول: إنّه شاعر. وقال عقبة بن أبي معيط: أنا أقول: إنّه كاهن. فقال الوليد: وأنا أقول: إنّه ساحر يفرّق بين الرجل والمرأة وبين الرجل وأخيه وأبيه(1).
فكم من أذلاّء في اعين المشركين صاروا أعزّاء بالايمان به امثال سلمان وأبي ذر ومقداد وعمار وغيرهم لان مدار العزّة في الاسلام على التقوى قال اللّه تعالى: «إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتقاكُم»(2).
وكم من جبابرة أعزّاء صاروا أذلاّء بالكفر به امثال أبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان وغيرهم فانهم كانوا في الجاهلية اعزّة في اعين الناس والاسلام صيّرهم اذلّة لكفرهم.
قال تعالى فيه: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(3)ولكنّ الثاني قال: ـ لمّا قال صلىاللهعليهوآله في مرض وفاته: «ايتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم ما لا
تضلّون بعدي» ـ : إنّ الرجل ليهجر، حسبنا كتاب اللّه(1).
وروى عن ابن أبي حدرد الأسلمي، قال: كان ليهودي عليه أربعة دراهم، فاستعدى عليه فقال: يا محمّد إنّ لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها. فقال: أعطه حقّه. قال: والّذي بعثك بالحقّ ما أقدر عليها. قال: أعطه حقّه. قال: والّذي نفسي بيده ما أقدر عليها، قد أخبرته إنّك تبعثنا إلى خيبر، فأرجو أن تغنمنا شيئا، فأرجع فأقضيه. قال: فاعطه حقّه. قال: وكان النبيّ صلىاللهعليهوآله إذا قال ثلاثا لا يراجع، فخرج بابن أبي حدرد إلى السوق، وعلى رأسه عصابة، وهو متّزر ببردة، فنزع العمامة من رأسه، فاتّزر بها، ونزع البردة، فقال: اشتر منّي هذه البردة. فباعها منه بأربعة دراهم..(2).
وجاء مجوسي إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قد أعفى شاربه، وأحفى لحيته، فقال: من أمرك بهذا قال ربّي. قال: لكن ربّي أمرني أن أحفي شاربي، وأعفي لحيتي(3).
حيث إنّ تقريره صلىاللهعليهوآله أيضا حجّة كقوله وفعله، وفي (الطبري) أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهعهد
إلى أمرائه في فتح مكّة أن لا يقتلوا أحدا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنّه قد عهد في نفر
سمّاهم أمر بقتلهم، منهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، لأنّه أسلم فارتدّ، ففرّ إلى
عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيّبه حتّى أتى به النبيّ صلىاللهعليهوآله فاستأمنه له، فذكر أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهصمت طويلا، ثمّ قال: نعم.
فلمّا انصرف به عثمان، قال النبيّ صلىاللهعليهوآله لمن حوله من أصحابه: أما و اللّه لقد صمتّ ليقوم إليه بعضكم، فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أو مأت. قال: إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة(1).
هذا، ويناسب كلامه عليهالسلام في وصفه صلىاللهعليهوآله كلام أبي الفضل الهمداني في بعض
(أعيان دهره): له من الصدور ما ليس للفؤد، ومن القلوب ما ليس للأولاد، فكأنّما اشتق من جميع الأكباد، وولد بجميع البلاد، سواء الحاضر فيه و الباد، وكلّ أفعاله غرّة في ناصية الأيّام، وزهرة في جنح الظلام(2).
وذكر أعرابي رجلا، فقال: واللّه لكأنّ القلوب والألسن ريّضت له، فما تنعقد إلاّ على ودّه، ولا تنطق إلاّ بحمده(3).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللّهُ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤلاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ أَيُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ
أُمَرَاؤهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَاللّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ
فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاثٍ
وَاثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُوا أَسْمَاعٍ وَبُكْمٌ ذَوُوا كَلامٍ وَعُمْيٌ ذَوُوا أَبْصَارٍ لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ الاْءِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَاللّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وَحَمِيَ الضِّرَابُ قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِيَطالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَلا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا وَلا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه واله فَمَا أَرَى أَحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ.
قال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ»(1).
قال أبو القاسم البلخي معناه: ولا يحسبّن الذين كفروا أنّ إملاءنا لهم رضا
1) . آل عمران: 178.
بأفعالهم وقبول لها بل هو شرّ لهم لأنّا نملي لهم وهم يزدادون إثما يستحقّون به العذاب الأليم(1)، فالمقصود أنه سبحانه وإن أمهل الظالم وهو مغمور في ظلمه مستبشر بجوره ولكنه مدركه لا محالة وآخذه بالنّكال العظيم والعذاب الأليم.
وقال تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ»(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَهْبَطَ مَلَكاً إِلَى الْأَرْضِ فَلَبِثَ فِيهَا دَهْراً طَوِيلاً ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَقِيلَ لَهُ مَا رَأَيْتَ فَقَالَ رَأَيْتُ عَجَائِبَ كَثِيرَةً وَأَعْجَبُ مَا رَأَيْتُ أَنِّي رَأَيْتُ عَبْداً مُتَقَلِّباً فِي نِعْمَتِكَ يَأْكُلُ رِزْقَكَ وَيَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَعَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِهِ عَلَيْكَ وَمِنْ حِلْمِكَ عَنْهُ فَقَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَ فَمِنْ حِلْمِي عَجِبْتَ قَالَ نَعَمْ يَا رَبِّ قَالَ قَدْ أَمْهَلْتُهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لا يَضْرِبُ عَلَيْهِ عِرْقٌ وَلا يُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً إِلاّ نَالَهُ وَلا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا مَطْعَمٌوَلا مَشْرَبٌ(3).
قال ابن دريد: فلان لفلان بمرصد ومرصاد، أي: حيث يرقبه ويرى فعله(4).
قال تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصاد»(5)، قال الطبرسيّ: والمعنى أنّه لا يفوته شيء من أعمالهم لأنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد وروى عن عليّ عليهالسلام أنّه قال: معناه إنّ ربّك قادر على أن يجزى أهل
المعاصى جزائهم وعن الصّادق عليهالسلام أنّه قال: المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد، وقال عطا: يعني يجازي كلّ أحد وينتصف من الظالم للمظلوم انتهى(1).
ما رواه عن الصادق عليهالسلام هو المعنى الحقيقى للمرصاد وما رواه عن عليّ عليهالسلام بيان للمراد عن كونه سبحانه على المرصاد ومحصّله أنه تعالى أجلّ وأعلى من أن يكون في المكان لأنّ ذلك من صفات الامكان فلابدّ من حمل كونه بالمرصاد على التوسع والمجاز وإرادة عدم إمكان الهرب والفوت منه كما لا يمكن الفوت ممن هو بالرّصد والترقب.
أي: مسلك.
قال الجوهري: الشّجا ما ينشب في الحلق من عظم وغيره(2).
قال الجوهري: ساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق(3).
ماء فمه، قال تعالى: «... وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ
باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ...»(1).والأصل في العنوان إلى هنا ما رواه (الإرشاد): أنّ معاوية لمّا نقض شرط الموادعة وأقبل يشنّ الغارات على أهل العراق قال عليهالسلام: قاتل اللّه معاوية، لقد أرادني على أمر عظيم: أراد أن أفعل كما يفعل، فأكون قد هتكت ذمتي ونقضت عهدي، فيتّخذها عليّ حجّة فيكون عليّ شينا إلى يوم القيامة كلّما ذكرت، فإن قيل له: أنت بدأت. قال: ما علمت ولا امرت. فمن قائل يقول: صدق. ومن قائل يقول: كذب. أم واللّه إنّ اللّه لذو أناة وحلم عظيم، لقد حلم عن كثير من فراعنة الأولين وعاقب فراعنة، فإن يمهله اللّه فلن يفوته، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، فليصنع ما بدا له، فإنّا غير غادرين بذمّتنا ولا ناقضين لعهدنا، ولا مروعين لمسلم ولا معاهد حتى ينقضي شرط الموادعة بيننا(2).
روى أبو مخنف في قصة يوم الحرة: أنّ مسلم بن عقبة ركب فرسا فأخذ يسير في أهل الشام ويحرّضهم ويقول: يا أهل الشام إنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عددا ولا أوسعها بلدا، ولم يخصصكم اللّه بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم إلاّ بطاعتكم واستقامتكم، وإنّ هؤاء القوم أشباههم من العرب غيّروا فغيّر اللّه بهم ـ إلى أن
قال: ـ قال ابن الغسيل لأهل المدينة: واللّه ما أظن ربّكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط من هؤاء القوم الذين كانوا يقاتلونكم(1).
جمع الراعى، ولمناسبة الإشارة إلى خوف الرعية من ظلم الراعي نذكر هذه الحكمة البالغة، قيل: إن كونفوشيوس مرّ في مكان قفر وبعيد، فرأى امرأة تبكي بحرارة إلى جانب قبر، ولمّا سألها قالت: قتل النمر والد زوجي، ثم قتل زوجي.
ثم قتل ولدي. فقال: ولما ذا سكنتم هنا فقالت: لأنه ليس هنا حكومة ظالمة. فالتفت كونفوشيوس إلى أصحابه وقال: تذكروا ان الحكومة الظالمة أشد فظاعة من الوحش المفترس(2).وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي
كان المعتمد أوّل خليفة قهر وحجر عليه، وكان أخوه الموفق غلب على الامور، و كان المعتمد هرب الموصل فبعث الموفق من رده ووكل به في «فم الصلح(3).(4)
هو نظير قول نوح عليهالسلام... «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي
إِلاّ فِرارا»(1).
كان عليهالسلام ناصحا للناس كالأنبياء، قال نوح عليهالسلام لقومه: «وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ...»(2).
حيث لا يحصل منكم جواب.
حيث لا تبالون العتاب ولا تخافون العقاب.
بالكسر فالفتح جمع الحكمة.
قال تعالى: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة»(3).
قال تعالى لنبيّه صلىاللهعليهوآله: «... وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا»(4).
أي ارغبكم.
كما أمر اللّه تعالى به:... «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ...»(1).
قال الجوهري: سبأ: اسم رجل ولد عامة قبائل اليمن، يصرف ولا يصرف(2)، وقولهم: ذهبوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، أي: متفرّقين اسمان جعلا واحدا(3).
وروى عن النبي صلىاللهعليهوآله: ولد سبأ عشرة، تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأمّا الذين تيامنوا: فالأزد وكندة ومذحج والأشعرون وانمار منهم بجيلة، وأمّا الذين تشاءموا: فعاملة وغسان ولخم وجذام وهم الذين أرسل عليهم سيل العرم، وذلك أنّ الماء كان يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلمّا كذّبوا رسولهم بعث اللّه جرذا نقبت ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنّتيهم فغرقهم ودفن السيل بيوتهم، فذلك قوله تعالى:... «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ...»(4).(5)
وروى عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر ـ الذي يقال له: مزيقيا بن ماء السماء ـ أنّ سد مأرب سيخرب، وأنّه سيأتي سيل العرم فيخرّب الجنّتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فأقاموا بمكة وما حولها، فأصابتهم الحمّى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون وهو مفرّق بيننا. قالوا: فما ذا تأمرين قالت: من كان منكم ذا همّ بعيد وحمل شديد ومزاد حديد فليلحق بقصر عمان المشيدـ فكانت أزد عمان ـ ثم قالت: من منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدهر فعليه بالاراك من بطن مرّ ـ فكانت خزاعة ـ ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل ـ فكانت الأوس والخزرج ـ ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والتأمير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغويرـ وهما من أرض الشام، وكان الذي سكنوها آل جفنة من غسان ـ ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق. فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق(1).
وتجعلونها اساطير.
قال الشّارح البحراني: المخادعة هي الاستغفال عن المصلحة أى أنّهم إذا
1) .مجمع الامثال الميدانى: 287/1.
رجعوا من مجلس وعظه أخذ كلّ منهم يستغفل صاحبه عن تذكّر الموعظة ويشغله بغير ذلك من الأحاديث وإن لم يكن عن قصد خداع بل تقع منهم صورة المخادعة(1).
أي اجعلكم مستقيما.
أي صباحاً.
أي مساءً.
أي القوس.
والمراد نفسه عليهالسلام عن التقويم.
أي اشكل.
قال نافع بن كليب: دخلت الكوفة للتسليم على عليّ عليهالسلام فإنّي لجالس تحت
1) .شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 406/2.
منبره وعليه عمامة سوداء ـ إلى أن قال: ـ ثم نزل عليهالسلام تدمع عيناه فقال: «إِنَّا للّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»(1)أقوّمهم واللّه غدوة ويرجعون إليّ عشية مثل ظهر الحنية، حتى متى، وإلى متى(2).
والمراد اصحابه عن قبول التقويم.
أُمَرَاؤهُمْ
وقال عليهالسلام: «أيّها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤم»(3).
صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ وقال عليهالسلام: «وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ، وطاعتهم إمامهم في الباطل» (4).
ان الحتات بن يزيد المجاشعي وفد على معاوية في جماعة من الرؤاء، فأعطى كل واحد منهم مئة ألف، وأعطى الحتات سبعين، فلما رجعوا، وكانوا في بعض الطريق أخبر بعضهم بعضا بالجائزة، فرجع الحتات الى معاوية يعاتبه، فقال له معاوية: اشتريت من القوم دينهم، فقال الحتات: وأنا أبيعك ديني، فأمر له بتمام جائزته(5).
فكان الصرف بين الدينار والدرهم في عصره عليهالسلام كذلك، ثم صعد الدينار، «وكان في أيّام المتوكل كلّ خمسة وعشرين درهما بدينار(1)».
ومرّ في الأول قوله عليهالسلام: لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم.
هنالك لو دعوت أتاك منهم ***فوارس مثل أرمية الحميم(2)
وقال ابن أبي الحديد: أخذ ابن الزبير لفظه عليهالسلام هنا، فلمّا وفد أهل البصرة وفيهم
الأحنف تكلّم منهم أبو حاضر الأسدي ـ وكان خطيبا جميلا ـ فقال له ابن الزبير: اسكت، فو اللّه لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. فقال له: إنّ لنا ولك مثلا قول الأعشى:
علقتها عرضا وعلقت رجلا ***غيري وعلق اخرى غيرها الرجل
أحبّك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحبّ أهل الشام عبد الملك(3).هذا، وسئل أبو العيناء عن حماد بن زيد بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار، فقال: بينهما في القدر ما بين آبائهما في الصرف(4)، أي: ما بين جديهما درهم ودينار .
وكان الحسن بن الرجاء وأحمد بن هشام وعليّ بن هشام ودينار بن عبداللّه ويحيى بن أكثم ينزلون المخرم ـ محلّة ببغداد ـ فقال دعبل الخزاعي يهجوهم:
ألا فاشتروا منّي دروب المخرم ***أبع حسنا وابني هشام بدرهم
واعطي رجاء بعد ذاك زيادة ***وأدفع دينارا بغير تندم
فإن ردّ من عيب عليّ جميعهم ***فليس يرد العيب يحيى بن أكثم(1)
ولابد أنّه هجا أبا الحسن بن رجاء أيضا لقوله: «و اعطي رجاء» ولم يذكره الحموي.
الثلاثة الاولى مقتبسة من القرآن الكريم حيث قال تعالى: «صُمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لايَرْجِعُون»(2).قال ابن أبي الحديد: لم يقل عليهالسلام: بخمس، لأنّ الثلاث إيجابية والاثنتين سلبية، فأحبّ أن يفرّق بين الإثبات والنفي(3).
ليس التفريق من حيث الإثبات والنفي، بل من حيث إنّ الثلاث من واد والاثنتين من آخر، وفي مثله مقتضى البلاغة أن يفرّق بينهما.
روى أنّ عمر لمّا استخلف أقبل يهودي فسأله عن مسائل عجز عن جوابها، فارشد إلى أمير المؤنين عليهالسلام فقال له عليهالسلام: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة: أخبرني عن أوّل حجر وضع في الأرض، وأوّل شجرة غرست على وجه الأرض، وأوّل عين نبعت على وجه الأرض، وأخبرني كم لهذه الامّة من إمام هدى وأين منزل نبيّكم في الجنّة ومن معه في منزله وأخبرني عن وصيّ: محمّد كم يعيش
بعده... فكلّها إيجابية إلاّ أنّها لاختلاف ثلاث منها مع اخرى، واختلاف واحدة منها معهما، فرّق بينهما بما فيه(1).
رفع إلى المنصور أنّ أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم يطعنون على عاملهم، ويتظلّمون من أميرهم، ويتكلّمون في سلطانهم.
فقال للربيع: أخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة فقل لهم: إنّ الخليفة يقول لكم: لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقن رؤسهما ولحاهما ولأضربن ظهورهما، فالزموا منازلكم وأبقوا على أنفسكم. فخرج اليهم الربيع بهذه الرسالة، فقال له ابن عيّاش: يا شبه عيسى بن مريم أبلغ الخليفة عنّا كما أبلغتنا عنه، فقل له:
واللّه ما لنا بالضرب طاقة، فأمّا حلق اللحى ـ وكان ابن عياش منتوفا، كما كان الربيع لقيطا ـ فاذا شئت. فأبلغه فضحك فقال: قاتله اللّه ما أدهاه وأخبثه(2).
وقال عليهالسلام: «ما أنتم إلاّ كإبل ضلّ رعاتها، فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر»(3).
أي أظن.
أي اشتد.
أي الحرب.
بالكسر من (حمى التنور) اشتد حره.
مصدر ضارب أي المجالدة في الحرب.
وقال عليهالسلام: «وايم اللّه إنّي لأظن بكم أن لو حمس الوغى واستحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس»(1).
وعنه عليهالسلام: «و اللّه لكأني بكم لو حمس الوغى واحمرّ البأس قد انفرجتم عن عليّ انفراج الرأس وانفراج المرأة عن قبلها»(2).
وممّا قيل في الانفراج عن الرئيس قول دختنوس ـ بنت لقيط بن زرارة ـ في تخلية بني أسد وهوازن أباها، وقول شاعر في تخلية أصحاب زيد الشهيد له:
فرّت بنو أسد فرا ***ر الطير عن أربابها
هذا صريح في إمامته عليهالسلام بالمعنى الذي يقوله الإمامية من كون الإمام كالنبي صلىاللهعليهوآلهمن قبل اللّه لا من قبل الناس، وقد قال تعالى في نبيّه صلىاللهعليهوآله: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ...»(3).
أيطريق واضح.
فإنّه عليهالسلام كان يسلك بعد النبي صلىاللهعليهوآله على حسب دستوره قدما بقدم، فأخبره بأنّ الامّة ستغدر به بعده، وأمره بالتسليم أيّام الثلاثة، وبيّن صلىاللهعليهوآلهله قيام الناكثين والقاسطين والمارقين عليه، وأمره بقتالهم فامتثل ما مثل له، وكل ذلك ممّا يشهد لغير المكابر كونه عليهالسلام حجّة من قبل اللّه تعالى.
و قد أقرّ فاروقهم أنّه لو ولي الخلافة ليحملنّ النّاس على المحجّة البيضاء(4).
قال ابن أبي الحديد: يريد أنّ الضلال غالب على الهدى، فيلتقط طريق الهدى من بين طرق الضلال، كما يسلك الانسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك والعوسج من جانبيها كليهما، فهو يلتقط المنهج التقاطا(1).
يمكن أن يكون الضمير في (ألقطه) إلى الحق المفهوم من المقام، بمعنى: أنّه عليهالسلام
يلقط الحقّ كما يلقط السّنبل.
قال ابن أبي الحديد في شرح خطبته عليهالسلام: «أمّا بعد أيّها النّاس فأنا فقأت عين الفتنة»: هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليهالسلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي ـ إلى أن قال: ـ ومنها: «فانظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم. فليفرجّنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الإماء، لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا مرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر، حتّى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا.
يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما ورفاتا «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً»(2)ـ الآية ـ (3)وغفل عنه هنا.
وعن زر بن حبيش قال: خطب عليّ عليهالسلام بالنّهروان ـ إلى أن قال: ـ فقام رجل فقال: يا أمير المؤنين ما نصنع في ذلك الزّمان قال عليهالسلام: انظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا فالبدوا(1)، وإن استصرخوكم(2)فانصروهم تؤروا، ولا تسبقوهم فتصرعكم البليّة فقام رجل آخر، فقال: ثمّ ما ذا يكون بعد هذا يا أمير المؤنين قال عليهالسلام: ثمّ إنّ اللّه تعالى يفرّج الفتن برجل منّا أهل البيت، كتفريج الأديم(3).(4)
وفي (كتاب سليم بن قيس) ـ بعد ذكر فتنة بني اميّة ـ قال رجل: فما أصنع في ذلك الزّمان يا أمير المؤنين قال: انظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا وإن استنصروكم فانصروهم تنصروا وتعذروا، فإنّهم لن يخرجوكم من هدى ولن يدعوكم إلى ردى، ولا تسبقوهم بالتقدّم، فيصرعكم البلاء وتشمت بكم الأعداء. قال: فما يكون بعد ذلك يا أمير المؤنين قال: يفرّج اللّه برجل من بيتي، كانفراج الأديم من بيته(5).وقال النّعماني: قال أمير المؤنين عليهالسلام في خطبته المشهورة التي رواها الموافق والمخالف، في جملة ما قال: ولقد علمالمستحفظون من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله أنّه قال: إنّي وأهل بيتي مطهّرون فلا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتخلّفوا عنهم فتزلّوا، ولا
1) . البدوا: أي الزموا الأرض واقعدوا في منازلكم.
2) . استصرخوكم: استغاثوا بكم، والمستصرخ: المستغيث والمصرخ: المغيث.
3) . الأديم: الجلد، وتفريجه: سلخه عن اللحم، قال المجلسي رحمهالله «ويحتمل أن يكون المراد بالأديم الجلد الذي يلف به الإنسان للتعذيب لأنّه يضغطه شديدا، وفي تفريجه راحة له».
4) . الغارات ط ـ القديمة: 9/1؛ بحار الأنوار: 368/33، ح599.
5) . كتاب سليم بن قيس: 715/2؛ بحار الأنوار: 261/34، ح1006.
تخالفوهم فتجهلوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، هم أعلم النّاس صغارا، وأعلم النّاس كبارا، فاتّبعوا الحقّ وأهله حيثما كان، وزايلوا الباطل وأهله حيثما كان(1).
وقال أمير المؤنين عليهالسلام: وَاللّهِ لَئِنْ خَالَفْتُمْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لَتُخَالِفُنَّ الْحَقَّ إِنَّهُمْ لا يُدْخِلُونَكُمْ فِي رَدًى، وَلا يُخْرِجُونَكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ وَعَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَنِّي وَأَهْلَ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الْفَوَاحِشِ، وَلَقَدْ قَالَ صلىاللهعليهوآله: لا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلا تُخَالِفُوهُمْ فَتَجْهَلُوا، وَلا تَخَلَّفُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا(2).
لأنّهم عليهمالسلام كانوا صادقين قولا وعملا، وقد قال تعالى فيهم كما في التفسير... «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»(3)وقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيهم في المستفيض: إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(4).
أي: هلكة، والأصل في قوله عليهالسلام قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيهم: من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي قضبانا من قضبانها غرسها في جنّة الخلد فليتولّ علي بن أبي طالب عليهالسلام وذرّيته من بعده فإنّهم لن يخرجوكم من باب
هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة(1).
ومرمى كلامه عليهالسلام أنّ المتقدّمين عليه، والمدّعين مقام أهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله أخرجوهم من هدى الإسلام، وأعادوهم في ردى الجاهلية والكفر.
أي اقاموا ولم يشخصوا.
مثلهم.
أي شخصوا.
معهم، والمراد بلبدهم: قعودهم عن طلب الخلافة، كما فعل الحسن عليهالسلام،
وبنهوضهم: طلبهم لها، كما فعل الحسين عليهالسلام، قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله في الحسن والحسين عليهماالسلام: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا(2).
وقال الباقر عليهالسلام: واللّه ما صنعه الحسن بن علي عليهالسلام كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشّمس، واللّه لقد نزلت هذه الآية «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا
أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ...»(1)انّما هي طاعة الإمام عليهالسلام، وطلبوا القتال فلمّا كتب عليهم القتال مع الحسين عليهالسلام «... وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ...»(2).(3)
ومن كان كذلك فالعقل يحكم بمتابعته قال اللّه تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون»(4)
يونس: 35.
ولمّا تمّ الصلح بين الحسن بن عليّ عليهالسلام ومعاوية، صعد الحسن عليهالسلام الى المنبر وقال: أيّها الناس إنّ اللّه هدى أوّلكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في
رقابكم بيعة: تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ ـ وأشار إلى معاوية ـ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(5).(6)
عن سواء الصراط والطريق المستقيم لان السبقة على الامام توجب الضلالة في الطريق. في الخبر مرّ عمر على أمير المؤنين عليهالسلام في إحرامه. فقال له: ما هذان الثّوبان المصبوغان وأنت محرم فقال عليهالسلام له: ما نريد أحدا يعلّمنا بالسنّة، إنّ هذين ثوبين صبغا بطين(7).
أي ولا تتاخّروا عن اهل البيت عليهمالسلام في القول والعمل فتهلكوا والتأخر عن الامام يوجب عدم المتابعة وهو الهلاكة وبعبارةٍ اخرى السّبقة افراط في العمل وهو الضلالة والتأخّر تفريط وهو الهلاكة.
لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلّى اللّه عليه وآله فَمَا أَرَى أَحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ لَقَد كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ
رواه ابن قتيبة في (عيونه)، ورواه المفيد في (إرشاده)، والشيخ في (أماليه).
روى الأوّل عن مالك بن مغول، عن رجل من جعفي، عن السدي، عن أبي أراكة، قال: صلّى عليّ عليهالسلام الغداة ثمّ جلس حتّى ارتفعت الشمس كأنّ عليه كآبة، ثمّ قال: واللّه لقد رأيت إثرا من أصحاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فما أرى أحدا يشبههم، واللّه إن
كانوا ليصبحوا شعثا غبرا صفرا، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب اللّه، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذكروا اللّه مادوا كما يميد الشجر في يوم ريح، وانهملت أعينهم حتّى تبلّ ثيابهم، وكأنّهم واللّه باتوا غافلين. يريد أنّهم يستقلّون ذلك(1).
1) . عيون الاخبار لابن قتيبة: 324/2.
وقال الثاني: ومن كلامه عليهالسلام في ذكر خيار الصحابة وزهّادهم ما رواه صعصعة بن صوحان العبدي قال: صلّى بنا أمير المؤنين عليهالسلام ذات يوم صلاة الصبح، فلمّا سلّم أقبل على القبلة بوجهه يذكر اللّه لا يلتفت يمينا ولا شمالا، حتّى صارت الشمس على حائط مسجدكم هذاـ يعني جامع الكوفهـ قيس رمح، ثمّ أقبل علينا بوجهه عليهالسلام فقال: لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوأنّهم ليراوحون في هذا الليل بين جباههم وركبهم، فإذا أصبحوا أصبحوا شعثا غبرا، بين أعينهم شبه ركب المعزى، فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح، ثمّ انهملت عيونهم حتّى تبلّ ثيابهم. ثمّ نهض عليهالسلام وهو يقول: كأنّما القوم باتوا غافلين(1).
وروى الثالث صحيحا عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر عليهالسلام قال: صلّى أمير المؤنين عليهالسلام بالناس الصبح بالعراق، فلمّا انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف اللّه تعالى، ثمّ قال: أما واللّه لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأنّهم ليصبحون ويمسون شعثاء غبراء خمصاء، بين أعينهم كركب المعزي، يبيتون لربّهم سجّدا وقياما، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربّهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار، واللّه لقد رأيتهم ـ وهم مع ذلك ـ وهم جميع مشفقون منه خائفون(2). ورواه (الكافي) عنه أيضا(3)، ورواه عن علي بن الحسين عليهالسلام أيضا عنه عليهالسلام، وفي خبره: واللّه لقد أدركت أقواما يبيتون لربّهم سجّدا وقياما، يخالفون بين
جباههم وركبهم، كأنّ زفير النار في آذانهم، إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر، كأنّما القوم باتوا غافلين. قال: ثمّ قال: فما رئي ضاحكا حتّى قبض(1).
الأصل في كلام المصنّف رواية ابن قتيبة المتقدمة، وقد عرفت أنّها بلفظ «رأيت إثرا من أصحابه» أي: خلّصا، وهو الصحيح. فلم يكن جميع أصحابه كذلك بل إثر منهم، وقد عرفت أنّ روايتي الشيخين بدلتاه بلفظ «لقد عهدت أقواما على عهد خليلي»(2)ولو كانت رواية المصنّف صحيحة، فالمراد أصحابه الخاصّون الملازمون له ليلا ونهارا المتخلقون بأخلاقه، لا ما اصطلح عليه أصحاب الكتب الصحابية.
وقوله عليهالسلام «لقد رأيت» أو «عهدت» دالّ على عدم بقائهم في وقت إخباره، وكان من أراده عليهالسلام مات جمع منهم في حياة النبيّ صلى اللّه عليه و آله كحمزة، وجعفر، وزيد بن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، وعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ وغيرهم، وبقي منهم جمع ماتوا بعده صلىاللهعليهوآله في أيّام الثلاثة، وفي أوائل أيّامه كسلمان وأبي ذر، والمقداد، وعمّار، وحذيفة، وذي الشهادتين، وابن التيهان، ونظرائهم.
وقد وصفوا في القرآن في قوله عزّ وجلّ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاْءِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيما»(1).
أي متغيرى الشعور ومنتشريها.
بالضم فالسكون جمع أغبر.
فيكون ليلهم بين السجود والقيام، والأصل فيه قوله تعالى: «وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً»(2).
بمعنى أنّه إذا كلّت جباههم من طول سجودهم، وضعوا خدودهم لتحصل راحة للجباه، وبالعكس، وكانوا يتأسّون في ذلك بصاحبهم النبيّ صلىاللهعليهوآله فقد كان يتعب نفسه في عبادة ربّه حتّى خاطبه عزّ وجلّ بقوله: «طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى»(3)فكان يقوم في صلاته حتّى ورمت قدماه.
هذا، وقد عرفت أنّ في رواية (عيون القتيبى): «يراوحون بين أقدامهم وجباههم» (4)وهو الأنسب بقوله عليهالسلام: «سجّدا وقياما» تبعا للآية(5).
من النار.
قال تعالى في وصفهم: «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً»(1).ولمّا ودّع عبداللّه بن رواحة ـ وهو الثالث من أمراء مؤة ـ الناس بكى، فقالوا له: ما يبكيك يابن رواحة فقال: أما واللّه ما بي حبّ الدّنيا ولا صبابة بكم، ولكنّي
سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقرأ آية من كتاب اللّه تعالى يذكر فيها النار «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا»(2)فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.
فقال المسلمون: صحبكم اللّه ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين. فقال عبد اللّه بن رواحة:
لكنّني أسأل الرحمن مغفرة ***وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ***بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا(3)
جمع ركبة.
المعز من الغنم خلاف الضأن، وكذلك المعز، والمعيز والمعزى(1).
قال تعالى: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود»(2)
أي فاضت.
أي تصير رطباً.
قال الجوهرى: الجيب للقميص(3).
أي تحرّكوا.
قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...»(4).
وعقابه ما لا تقوم له السماوات والأرض، وثوابه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
ورووا في قصّة غزوة ذي قرد عن سلمة بن الأكوع قال: أخذت عنان فرس الأخرم، وقلت له: احذر لا يقتطعوك حتّى تلحق بنا النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: يا سلم إنْ كنت تؤن باللّه واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ فلا تخل بيني وبين الشهادة. فخلّيته فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعقر الأخرم فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله(1).
هذا، وروى عن أبي مدينة الدارمي، قال: كان الرجلان من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله إذا التقيا لم يتفرّقا حتّى يقرأ أحدهما على الآخر «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الاْءِنْسانَ لَفِي
خُسْرٍ(2)إلى آخرها، ثمّ يسلّم أحدهما على الآخر(3).
ورووا أنّ أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله كانوا يتهيئون لآداب يوم الجمعة من يوم الخميس(4).وروى أنّ أمير المؤنين عليهالسلام صاحب رجلا ذميّا، فقال له الذّمّي: أين تريد يا عبد اللّه قال: أريد الكوفة، ـ وكان الذمى يريد غيرها ـ فلمّا عدل الطريق بالذمي عدل معه عليّ عليهالسلام، فقال الذمّي له: أ لست تريد الكوفة قال عليهالسلام: بلى. فقال له الذمّي: فقد تركت الطريق. فقال له: قد علمت. فقال له: فلم عدلت معي، وقد علمت ذلك فقال له عليّ عليهالسلام: هذا من تمام حسن الصحبة، أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، هكذا أمرنا نبيّنا صلىاللهعليهوآله فقال له: هكذا قال؟ قال: نعم. فقال له الذمّي: لا جرم
إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أشهدك أنّي على دينك. فرجع الذمي مع عليّ عليهالسلام، فلمّا عرفه أسلم(1).إلى هنا إنتهى الجزء العاشر وأسأل اللّه أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشرح إنّه سميع الدّعاء قريب مجيب.
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1) . قرب الاسناد: 10، ح33؛ الكافي: 670/2، ح5؛ بحار الأنوار: 53/41، ح5.
1 ـ اثبات الوصية: المسعودى، (المتوفى 344ق).
2 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
3 ـ احقاق الحق: الشهيد نور اللّه التستري، (المتوفى 1019).
4 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
5 ـ الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، القاهرة، الأولى 1960م.
6 ـ اخبار الظراف: ابن الجوزي، (المتوفى 597ق)، 1 مجلد، دار ابن حزم، بيروت، الأولى 1997م.
7 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
8 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.
9 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
10 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
11 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
12 ـ اعتقادات الامامية (للصدوق) محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الثانية 1414ق.
13 ـ اعلام الورى باعلام الهدى (ط القديمة): فضل بن حسن طبرسى، (المتوفى 548ق)، 1 مجلد، اسلامية، تهران، الثالثة 1390ق.
14 ـ أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين، (المتوفى 1371ق)، 10 مجلد، تحقيق: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.
15 ـ اقبال الأعمال (ط ـ القديمة): علي بن موسى ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، 2 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الثانية 1409ق.
16 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
17 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
18 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.
19 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
20 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
21 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
22 ـ اوائل المقالات فى المذاهب والمختارات: محمد بن محمد مفيد (المتوفى 413ق) 1مجلد.
23 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
24 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبرى الآملي، (المتوفى 553ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدرية، نجف الأشرف، الثانية 1383ق.
25 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد:: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
26 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
27 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
28 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.
29 ـ تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون، (قرن 9)، 8 مجلد، دار الفكر، بيروت، الثانية 1408ق.
30 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
31 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
32 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
33 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
34 ـ التبيان في تفسير القرآن: طوسي، محمّد بن الحسن، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، دار إحياء التراث العربي، لبنان، بيروت، الأوّل.
35 ـ تذكرة الخواص: سبط ابن جوزى، (المتوفى 654ق)، 1 مجلد، منشورات الشريف الرضى، قم، 1418ق 1376ش.
36 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
37 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى
911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
38 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
39 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
40 ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظام الأعرج، حسن بن محمّد، (المتوفى 728ق)، 6 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، لبنان، بيروت، الأولى 1416ق.
41 ـ تفسير فرات الكوفي: فرات بن ابراهيم كوفي، (المتوفى 307ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد كاظم، مؤسسة الطبع والنشر في وزارة الارشاد الاسلامي، طهران، الأولى 1410ق.
42 ـ تفسير القرآن الكريم: صدرالدين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، (المتوفى 1050ق)، 7 مجلد، بيدار، ايران، قم، الثانية 1361ش.
43 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
44 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.
45 ـ التفسير الكبير: فخر رازى (المتوفى 606 ق) 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، لبنان، الثالثة 1420ق.
46 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري عليهالسلام: الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1409ق.
47 ـ التنبيه والاشراف: المسعودي، (المتوفى 346ق)، دار صعب، بيروت، لبنان.
48 ـ تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات، شرح شواهد الكشاف: محبالدين
الأفندي، (المتوفى 1016ق)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي
49 ـ تنزيه الأنبياء عليهمالسلام: الشريف المرتضى، (المتوفى 436ق)، 1 مجلد، دار الأضواء، لبنان، بيروت، الثانية 1409ق / 1989م.
50 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
51 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بىتا.
52 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح: حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.
53 ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الكلبي المزي، يوسف بن عبدالرحمن، (المتوفى 742ق)، 35 مجلد، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الأولى 1400ق.
54 ـ جمهرة اللغة: أبوكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
55 ـ الجواهر السنية فى الأحاديث القدسيّة: محمّد بن حسن شيخ حرّ العاملي، (المتوفى 1104ق)، 1 مجلد، انتشارات دهقان، طهران، الثالثة 1380ش.
56 ـ حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة: قطب الدين محمد بن حسين بيهقي كيذري (قرن 6)، قم، الأولى 1375ش.
57 ـ الحسين عليهالسلام في مواجهة الضلال الأموي واحياء سيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله: السيّد سامي
البدري، 1 مجلد، دار الفقه للطباعة والنشر، الأولى 1426ق.
58 ـ حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبداللّه الاصبهاني، (المتوفى 430ق)، 10 مجلد، السعادة، بجوار محافظة مصر، 1394ق 1974م.
59 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
60 ـ الخرائج والجرائح: سعيد بن هبة اللّه، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، المصحح والناشر: مؤسسة الامام المهدي عليهالسلام، 3 مجلد، قم، الأولى 1409ق.
61 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
62 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى
911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
63 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
64 ـ رسائل الشريف المرتضى: الشريف المرتضى، (المتوفى 817ق)، 4مجلد، دار القرآن الكريم، قم، 1405ق.
65 ـ روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمّد تقى بن مقصود على، المجلسي، (المتوفى 1070ق)، 14 مجلد، مصحح: حسين الموسوي الكرماني وعلىپناه الاشتهاردي، مؤسسة الثقافة الإسلاميّة كوشانبور، قم، الثانية 1406ق.
66 ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: محمّد بن أحمد، فتال النيشابوري، (المتوفى
508ق)، 2 مجلد، النشر الرضي، قم، الأولى 1375ش.
67 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليهالسلام: سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
68 ـ زاد المعاد ـ مفتاح الجنان: المجلسي، محمّد باقر بن محمّد تقي، (المتوفى 1110ق)، 1 مجلد، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الأولى 1423ق.
69 ـ سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزوينى، (المتوفى 273)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقى، 2 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
70 ـ سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، (المتوفى 275ق)، 2 مجلد، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأولى 1410ق ـ 1990م.
71 ـ السيرة النبوية: ابن هشام الحميري، (المتوفى 218ق)، 1 مجلد، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1383ق ـ 1963م.
72 ـ شرح آقا جمال خوانسارى بر غرر الحكم ودرر الكلم: آقا جمال خوانسارى، محمّد بن حسين، (المتوفى 1125ق)، 7 مجلد، دانشگاه طهران، الرابعة 1366ش.
73 ـ شرح أصول الكافي (صدرا): محمّد بن ابراهيم، صدرالدين الشيرازي، 4 مجلد (المتوفى 1050ق)، مصحح: محمد الخواجوي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى طهران، الأولى 1383ش.
74 ـ شرح الكافي ـ الأصول والروضة: المولى صالح المازندراني، (المتوفى 1081ق)،
12 مجلد، المكتبة الاسلاميّة، طهران، الأولى، 1382ق.
75 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
76 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
77 ـ شمس العلوم: نشوان بن سعيد الحميري، 12 مجلد، دار الفكر، دمشق، الأولى 1420ق.
78 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيداللّه بن عبداللّه الحسكاني، (المتوفى 490 ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد باقر المحمودي، التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، مجمع احياء الثقافة الاسلامية، طهران، الأولى 1411ق.
79 ـ الصاحبي في فقه اللغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها: أحمد بن فارس بن زكريّا القزويني الرازي، (المتوفى 395ق)، الناشر محمّد علي بيضون، الأولى 1418ق.
80 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
81 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
82 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين عليهالسلام، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر
الهادي، قم، الأولى 1376ق.
83 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى
877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
84 ـ صلة تاريخ الطبري: عريب بن سعد القرطبي، (المتوفى 369)، مؤسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
85 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
86 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
87 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
88 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
89 ـ عمدة عيون صحاح الأخبار فى مناقب امام الأبرار: ابن البطريق، (المتوفى 600ق)، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، جمادي الأولى 1407ق.
90 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.
91 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
92 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
93 ـ الغارات (ط ـ القديمة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، 2 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الأوّل 1410ق.
94 ـ الغارات (ط ـ الحديثة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، تحقيق: جلال الدين حسينى ارموى، طهران، انجمن آثار ملى، 1353ش.
95 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح: على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.
96 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.
97 ـ الفتوح: ابو محمد احمد بن الأعثم الكوفي، (المتوفى 1314، تحقيق: على الشيري، چاپ بيروت، دار الأضواء، الأولى 1411ق ـ 1991م.
98 ـ فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الذخائر، قم 1368ق.
99 ـ فرحة الغري في تعيين قبر أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام في النجف: ابن طاووس، عبدالكريم بن أحمد، (المتوفى 693ق)، 1 مجلد، منشورات الرضي، إيران، قم، الأوّل¨.
100 ـ الفصول المختارة: محمّد بن محمّد، المفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: علي الميرشريفي، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
101 ـ الفصول المهمّة في أصول الأئمّة (تكملة الوسائل): شيخ حرّ العاملي، محمّد بن حسن، (المتوفى 1104ق)، 3 مجلد، مؤسّسة معارف اسلامي امام رضا عليهالسلام، قم، الأولى 1418ق / 1376ش.
102 ـ الفضائل: ابن شاذان القمي، ابو الفضل شاذان بن جبرئيل، (المتوفى حدود 600ق)، رضي، قم، الثاني 1363ش.
103 ـ فضائل أميرالمؤمنين عليهالسلام: احمد بن محمّد، ابن عقدة الكوفي، (المتوفى 332ق)، 1 مجلد، دليلنا، ايران، قم، الأولى 1424ق.
104 ـ فقه الرضا عليهالسلام: علي بن بابويه القمي، (المتوفى 329ق)، المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليهالسلام، مشهد المقدسة، الأولى 1406ق.
105 ـ فقه اللغة وسر العربية: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، دار الكتاب العربي، بيروت، ل بنان، الثانية 1416ق / 1996م.
106 ـ في ظلال نهج البلاغة: محمّد جواد مغنية، (المتوفى 1400ق)، 4 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الثالثة 1358.
107 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
108 ـ قرب الاسناد (طبعة الحديثة): عبداللّه بن جعفر الحميري، نيمه دوم قرن 3ق)، المصحح والناشر: مؤسسه آل البيت:، قم، الأولى 1413ق.
109 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
110 ـ كامل الزيارات: جعفر بن محمد، ابن قولويه، (المتوفى 367ق)، 1 مجلد، مصحح: عبدالحسين الأميني، دار المرتضويه، نجف الأشرف، الأولى 1356ش.
111 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
112 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.
113 ـ الكشاف: الزمخشري، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1385ق ـ 1966م.
114 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
115 ـ كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثنى عشر:: علي بن محمد، الخزاز الرازي، (المتوفى قرن 4، 1 مجلد، مصحح: عبداللطيف الحسيني الكوهكمري، بيدار، قم، 1401ق.
116 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
117 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.
118 ـ كنز الفوائد: محمد بن علي الكراجكى، (المتوفى 449ق)، 2 مجلد، مصحح: عبداللّه نعمه، دار الذخائر، قم، الأولى 1410ق.
119 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
120 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة
الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
121 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
122 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
123 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
124 ـ المحاسن والأضداد: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1423ق.
125 ـ محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء: ابو القاسم الحصين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني، (المتوفى 502ق)، 2 مجلد، دار الارقم، بيروت، الأولى 1420ق.
126 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.
127 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
128 ـ المسترشد في إمامة علي بن أبى طالب عليهالسلام: محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، (المتوفى 326ق)، 1 مجلد، مصحح: احمد المحمودي، كوشانپور، قم، الأولى 1415ق.
129 ـ المستطرف في كلّ فن مستظرف: الابشيهي، (المتوفى 850ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
130 ـ مسند أحمد: أحمد بن حنبل، (المتوفى 241ق)، 6 مجلد، دار صادر، بيروت.
131 ـ مشارق أنوار اليقين في أسرار أميرالمؤمنين عليهالسلام: رجب بن محمّد، حافط البرسي، (المتوفى 813 ق)، تحقيق: على عاشور، 1 مجلد، أعلمى، بيروت، الأولى 1422ق.
132 ـ مصباح المتهجّد: محمّد بن الحسن الطوسي، (المتوفى 460ق)، 2 مجلد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الأولى 1411ق.
133 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
134 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
135 ـ معانى الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
136 ـ المعتبر: المحقّق الحلّي، (المتوفى 676ق)، 2 مجلد، مؤسسة سيّد الشهداء عليهالسلام، قم.
137 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
138 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
139 ـ معجم ما استعجم: البكري الأندلسي، (المتوفى 487ق)، 4 مجلد، عالم الكتب، بيروت، لبنان، الثالثة 1403ق / 1983م.
140 ـ مفتاح العلوم: يوسف السكاكي، المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار الكتب العلميّة، لبنان، بيروت، الثانية 1407ق.
141 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
142 ـ مقامات الحريري: أبو محمّد القاسم الحريري، (المتوفى 516ق)، 1مجلد، مطبعة المعارف، بيروت 1873م.
143 ـ المقنعة: المفيد، محمّد بن محمّد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، قم، الأوّل 1413ق.
144 ـ مناقب آل أبي طالب:: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
145 ـ المناقب والمثالب: القاضي نعمان المغربي، 1 مجلد، الناشر الأعلمي.
146 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
147 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
148 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
149 ـ منهاج الكرامة: العلاّمة الحلّي، (المتوفى: 726 ق)، تحقيق: عبدالرحيم مبارك، انتشارات تاسوعا، مشهد، الأولى 1379ش.
150 ـ مهج الدعوات ومنهج العبادات: ابن طاووس، عليّ بن موسى، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الذخائر، قم، الأولى 1411 ق.
151 ـ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: حسين بن محمد بن حسن بن نصر الحلواني، (المتوفى قرن 5)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الامام المهدي عليهالسلام، مدرسة الامام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1408ق.
152 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367ش.
153 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
154 ـ نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: محمّد باقر محمودى، معاصر، 8 مجلد، سازمان چاپ وانتشارات وزارت فرهنگ وارشاد اسلامى، تهران، الأولى 1376ش.
155 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين عليهالسلام، اصفهان، الأولى 1406ق.
156 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت:، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
157 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
158 ـ الهيئة والاسلام: سيد هبة الدين شهرستانى (المتوفى 386ق) مطبعة الآداب، الاول 1328ق.
159 ـ يتيمة الدهر: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.
160 ـ ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، (المتوفى 1294ق)، 3 مجلد، تحقيق: سيد على جمال اشرف الحسينى، دار الاسوة للطباعة والنشر، الأولى 1416ق.
الخطبة (90): ومن خطبة له عليهالسلام: تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه
وكان سائل سأله أن يصف اللّه له حتى كأنه يراه عيانا فغضب لذلك
( 5 ـ 242 )
منها··· 7
ومنها في صفة السماء، ومنها في صفة الملائكة··· 8
ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء··· 11
ومن خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الأشباح··· 14
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ (وَالْجُمُودُ) وَلا يُكْدِيهِ، الاْءِعْطَاءُ وَالْجُودُ··· 16
إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ··· 16
وَكُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ··· 17
وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَالْقِسَمِ، عِيَالُهُ الْخَلائِقُ··· 18
ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ··· 19
وَنَهَجَ، سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ، وَالطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ··· 22
وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ··· 23
الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَالآْخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ··· 24
شَيْءٌ بَعْدَهُ··· 24
وَالرَّادِعُ، أَنَاسِيَّ، الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ، أَوْ تُدْرِكَهُ··· 25
مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ··· 27
وَلا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ، وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ··· 28
وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ··· 28
مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ...··· 29
فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ··· 29
أنّه تعالى:، ربّ، رحمان، رحيم··· 30
شهيد، عليم، حكيم··· 31
قادر، قاهر، قديم··· 32
خالق، رازق، كريم، سميع، بصير··· 33
خبير، غفور شكور، مجير، عزيز، جبار، متكبّر··· 34
قوى، منتقم، قهار··· 35
وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ، مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ··· 37
وَلا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ، عِلْمَهُ إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ··· 37
فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللّهِ عَلَيْكَ··· 37
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ··· 38
دُونَ الْغُيُوبِ، الاْءِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ··· 38
فَمَدَحَ اللّهُ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ، مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ··· 42
فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ··· 42
رُسُوخاً،فأقسام المحجوبين ثلاثة:، القسم الأوّل: المحجوبون بمجرّد الظلمة··· 43
القسم الثاني: المحجوبون بنور مقرون بظلمة··· 44
الصنف الثاني: المحجوبون ببعض الأنوار مقرونة بظلمة الخيال··· 46
الصنف الثالث: المحجوبون بأنوار الإلهيّة مقرونة بمقايسات عقليّة فاسدة مظلمة··· 46
القسم الثالث: المحجوبون بمحض الأنوار··· 46
فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلا تُقَدِّرْ، عَظَمَةَ اللّهِ سُبْحَانَهُ، عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ··· 49
فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ··· 49
هُوَ الْقَادِرُ، الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ، الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَاوَلَ··· 50
الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ··· 50
وَتَوَلَّهَتِ، الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ، مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ··· 51
لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ، لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا، وَهِيَ تَجُوبُ··· 51
مَهَاوِيَ، سُدَفِ، الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ، مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ··· 52
لا يُنَالُ بِجَوْرِ··· 52
الاعْتِسَافِ، كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَلا تَخْطُرُ بِبَالِ، أُولِي الرَّوِيَّاتِ··· 53
خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِه··· 53
الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ، وَلا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ··· 57
مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ··· 57
وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ··· 58
إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ، مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ··· 58
وَظَهَرَتْ فِى الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَأَعْلامُ حِكْمَتِهِ··· 59
فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلاً عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ، نَاطِقَةٌ··· 59
وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ··· 59
قَائِمَةٌ، وَأَشْهَدُ، أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ··· 60
وَتَلاحُمِ، حِقَاقِ، مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ··· 61
لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ··· 62
وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبُهُ الْيَقِينَ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ··· 66
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّأَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: (تَاللّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي··· 67
كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ، إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ··· 67
وَنَحَلُوكَ، حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ، بِأَوْهَامِهِمْ··· 68
وَجَزَّؤوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ··· 68
الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ··· 68
وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ··· 69
كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ··· 69
وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ، وَأَنَّكَ أَنْتَ اللّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ··· 70
فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ، فِكْرِهَا، مُكَيَّفاً··· 70
وَلا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا، مَحْدُوداً مُصَرَّفاً··· 71
قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ··· 72
وَوَجَّهَهُ··· 73
لِوِجْهَتِهِ، فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبْ··· 74
إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ، عَلَى إِرَادَتِهِ··· 74
وَكَيْفَ، وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ··· 75
الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فكرٍ، آلَ، إِلَيْهَا··· 78
وَلا قَرِيحَةِ، غَرِيزَةٍ، أَضْمَرَ، عَلَيْهَا، وَلا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ··· 79
وَلا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُور، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ··· 79
وَأَذْعَنَ، ِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ، وَلا أَنَاةُ، الْمُتَلَكِّئِ··· 80
فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، َنَهَجَ، حُدُودَهَا، وَلائمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا··· 81
وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا··· 81
وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ، فِي الْحُدُودِ وَالْأَقْدَارِ، وَالْغَرَائِزِ، وَالْهَيْئَاتِ··· 82
بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا··· 83
ومنها في صفة السماء··· 84
وَنَظَمَ بِلا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَلاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَوَشَّجَ··· 84
بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ، بِأَمْرِهِ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ، حُزُونَةَ··· 85
مِعْرَاجِهَا، وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ··· 85
فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا، وَفَتَقَ بَعْدَ الارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا··· 89
وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا··· 91
وَأَمْسَكَهَا، مِنْ أَنْ تَمُورَ··· 93
فِي خَرْقِ، الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لأَمْرِهِ··· 94
وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا··· 95
وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَقَدَّرَ مسَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا··· 100
لِيُمَيَّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا··· 101
وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ، وَالْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا··· 102
ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا، وَنَاطَ، بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا، وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا··· 103
وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ··· 103
بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا··· 104
وَأَجْرَاهَا عَلَى إِذْلالِ تَسْخِيرِهَا، مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَمَسِيرِ سَائِرِهَا··· 105
وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا··· 108
ومنها في صفة الملائكة··· 111
ثُمَّ خَلَقَ، سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ، وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ، الْأَعْلَى··· 112
مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ وَمَلأَ بِهِمْ فُرُوجَ، فِجَاجِهَا، وَحَشَا بِهِمْ··· 113
فُتُوقَ أَجْوَائِهَا··· 113
وَبَيْنَ فَجَوَاتِ، تِلْكَ الْفُرُوجِ، زَجَلُ، الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ··· 114
وَسُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَسُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ··· 114
وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ، الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ··· 118
سُبُحَاتُ نُورٍ··· 119
تَرْدَعُ، الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا، فَتَقِفُ، خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا··· 120
أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ··· 120
أُولِي أَجْنِحَةٍ··· 122
تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ··· 125
لايَنْتَحِلُونَ، مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ··· 126
وَلا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ··· 126
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ··· 126
جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ··· 127
وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهُمْ··· 127
مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ··· 128
فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ، عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، وَأَمَدَّهُمْ بِعَوَائِدِ الْمَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ··· 129
تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ، السَّكِينَةِ··· 129
وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً، إِلَى تَمَاجِيدِهِ، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ، تَوْحِيدِهِ··· 130
لَمْ تُثْقِلْهُمْ، مُوصِرَاتُ، الآْثَامِ، وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ، اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ··· 131
وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ··· 131
وَلَمْ تَعْتَرِكِ، الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ، وَلا قَدَحَتْ قَادِحَةُ، الاْءِحَنِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ··· 132
وَلا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ··· 132
مَا لاقَ، مِنْ مَعْرِفَتِهِ، بِضَمَائِرِهِمْ، وَسَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ··· 133
وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ، بريبها (بِرَيْنِهَا)··· 133
عَلَى فِكْرِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ، الدُّلَّحِ، وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ··· 134
وَفِي قَتُرَةِ، الظَّلامِ الْأَيْهَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ، الْأَرْضِ السُّفْلَى··· 135
فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ··· 135
فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَتَحْتَهَا، رِيحٌ هَفَّافَةٌ، تَحْبِسُهَا، عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ··· 136
مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ··· 136
وَوصلت (وَسَّلَتْ) حَقَائِقُ الاْءِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ··· 136
وَقَطَعَهُمُ الاْءِيقَانُ بِهِ، إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ··· 137
قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ، الرَّوِيَّةِ، مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ··· 138
قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ··· 138
خِيفَتِهِ فَحَنَوْا، بِطُولِ الطَّاعَةِ، اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يُنْفِدْ··· 139
طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ، رِبَقَ، خُشُوعِهِمْ··· 139
وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ الاْءِعْجَابُ، فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الاْءِجْلالِ··· 140
نَصِيباً، فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ، وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ··· 140
فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُؤوبِهِمْ، وَلَمْ تَغِضْ، رَغَبَاتُهُمْ، فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ تَجِفَّ··· 141
لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ، أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ··· 141
وَلا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ، فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ، الْجُؤارِ، إِلَيْهِ، أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ··· 142
الطَّاعَةِ، مَنَاكِبُهُمْ··· 142
وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ، وَلا تَعْدُو، عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ··· 143
بَلادَةُ الْغَفَلاتِ، وَلا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ··· 143
قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ··· 144
وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ··· 144
لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ، غَايَةِ، عِبَادَتِهِ، وَلا يَرْجِعُ بِهِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ··· 144
إِلاّ إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ··· 145
مِنْهُمْ فَيَنُوا، فِي جِدِّهِمْ، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ··· 145
فَيُؤثِرُوا، وَشِيكَ السَّعْيِ، عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ··· 146
وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ، لَنَسَخَ، الرَّجَاءُ مِنْهُمْ، شَفَقَاتِ··· 146
وَجَلِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ، بِاسْتِحْوَاذِ، الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ··· 147
وَلَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ، وَلا تَوَلاّهُمْ، غِلُّ··· 147
التَّحَاسُدِ، وَلا شَعَّبَتْهُمْ، مَصَارِفُ، الرَّيْبِ، وَلا اقْتَسَمَتْهُمْ، أَخْيَافُ، الْهِمَمِ··· 148
فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ، لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ، زَيْغٌ، وَلا عُدُولٌ، وَلا وَنًى، وَلا فُتُورٌ··· 149
وَلَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ (السماوات)، مَوْضِعُ إِهَابٍ··· 149
إِلاّ وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ، حَافِدٌ··· 150
يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً··· 151
ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء، كَبَسَ، الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ··· 160
أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَلُجَجِ، بِحَارٍ زَاخِرَةٍ، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ··· 160
أَمْوَاجِهَا، وَتَصْطَفِقُ، مُتَقَاذِفَاتُ، أثباجها، وَتَرْغُو زَبَداً، كَالْفُحُولِ، عِنْدَ هِيَاجِهَا··· 161
فَخَضَعَ··· 161
جِمَاحُ، الْمَاءِ الْمُتَلاطِمِ، لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ، ارْتِمَائِهِ، إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا··· 162
وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً، إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ··· 162
بِكَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ، أَمْوَاجِهِ سَاجِياً، مَقْهُوراً وَفِي حَكَمَةِ··· 163
الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً، وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً··· 163
فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ··· 167
وَاعْتِلائِهِ، وَشُمُوخِ أَنْفِهِ، وَسُمُوِّ، غُلَوَائِهِ، وَكَعَمَتْهُ، عَلَى كِظَّةِ، جِرْيَتِهِ، فَهَمَدَ··· 168
بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَلَبَدَ، بَعْدَ زَيَفَانِ، وَثَبَاتِهِ، فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا··· 169
وَحَمَلَ شَوَاهِقَ، الْجِبَالِ الشُّمَّخِ، الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا··· 169
فَجَّرَ، يَنَابِيعَ الْعُيُونِ، مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا··· 170
وَفَرَّقَهَا، فِي سُهُوبِ، بِيدِهَا، وَأَخَادِيدِهَا، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا··· 172
بِالرَّاسِيَاتِ، مِنْ جَلامِيدِهَا، وَذَوَاتِ، الشَّنَاخِيبِ، الشُّمِّ، مِنْ صَيَاخِيدِهَا··· 176
فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ، بَرُسُوبِ الْجِبَالِ، فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا، وَتَغَلْغُلِهَا··· 176
مُتَسَرِّبَةً، فِي جَوْبَاتِ، خَيَاشِيمِهَا، وَرُكُوبِهَا، أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ، وَجَرَاثِيمِهَا··· 177
وَفَسَحَ··· 177
بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً، لِسَاكِنِهَا··· 178
وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا··· 180
ثُمَّ لَمْ يَدَعْ، جُرُزَ، الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا، وَلا تَجِدُ جَدَاوِلُ··· 181
الْأَنْهَارِ··· 181
ذَرِيعَةً، إِلَى بُلُوغِهَا، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا··· 182
في دلايل القدرة وبراهين الجلال والجبروت··· 184
أَلَّفَ غَمَامَهَا، بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ، وَتَبَايُنِ، قَزَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ، لُجَّةُ، الْمُزْنِ، فِيهِ··· 190
وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كِفَفِهِ··· 190
وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ، فِي كَنَهْوَرِ، رَبَابِهِ، وَمُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ، أَرْسَلَهُ سَحّاً··· 191
مُتَدَارِكاً، قَدْ أَسَفَّ، هَيْدَبُهُ، تَمْرِيهِ، الْجَنُوبُ دِرَرَ، أَهَاضِيبِهِ، وَدُفَعَ شَآبِيبِهِ··· 192
بَوَانِيهَا، وَبَعَاعَ، مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ··· 193
مِنَ الْعِبْءِ، الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ، بِهِ، مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ، النَّبَاتَ··· 194
في دلايل القدرة والعظمة في إنبات النبات والأشجار··· 195
وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ، الْأَعْشَابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا··· 197
وَتَزْدَهِي، بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ، أَزَاهِيرِهَا، وَحِلْيَةِ مَا سُمِّطَتْ، بِهِ مِنْ نَاضِرِ، أَنْوَارِهَا··· 198
وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلْأَنَامِ وَرِزْقاً لِلْأَنْعَامِ··· 199
وَخَرَقَ الْفِجَاجَ، فِي آفَاقِهَا··· 200
وَأَقَامَ الْمَنَارَ، لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ، طُرُقِهَا، فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ، وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ··· 201
اخْتَارَ آدَمَ عليه السلام خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ··· 201
وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ··· 208
وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ، إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الاْءِقْدَامِ عَلَيْهِ··· 209
التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ··· 209
مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ، فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ··· 210
وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ··· 210
وَلَمْ يُخلِهِمْ، بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ، مِمَّا يُؤكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ··· 213
بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ، عَلَى أَلْسُنِ الْخِيرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ··· 213
وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً··· 213
حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه واله حُجَّتُهُ··· 214
وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَنُذُرُهُ، وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا··· 215
وَقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، فَعَدَلَ فِيهَا··· 215
لِيَبْتَلِيَ، مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا، وَلِيَخْتَبِرَ··· 216
بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا، ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ··· 216
فَاقَتِهَا، وَبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ، آفَاتِهَا، وَبِفُرَجِ، أَفْرَاحِهَا، غُصَصَ، أَتْرَاحِهَا··· 217
وَخَلَقَ الآْجَالَ فَأَطَالَهَا وَقَصَّرَهَا وَقَدَّمَهَا وَأَخَّرَهَا، وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا··· 218
وَجَعَلَهُ، خَالِجاً، لأَشْطَانِهَا، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ، أَقْرَانِهَا، عَالِمُ السِّرِّ··· 219
مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ··· 220
وَعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ، وَمَسَارِقِ··· 220
إِيمَاضِ، الْجُفُونِ، وَمَا ضَمِنَتْهُ، أَكْنَانُ، الْقُلُوبِ، وَغَيَابَاتُ··· 221
الْغُيُوبِ، وَمَا أَص غَتْ، لاسْتِرَاقِهِ، مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ، وَمَصَائِفِ الذَّرِّ··· 222
وَمَشَاتِي الْهَوَامِّ، وَرَجْعِ الْحَنِينِ، مِنَ الْمُوَلَّهَاتِ، وَهَمْسِ الْأَقْدَامِ، وَمُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ··· 223
مِنْ وَلائِجِ، غُلُفِ··· 223
الْأَكْمَامِ، وَمُنْقَمَعِ، الْوُحُوشِ، مِنْ غِيرَانِ، الْجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا، وَمُخْتَبَإِ··· 224
الْبَعُوضِ، بَيْنَ سُوقِ، الْأَشْجَارِ وَأَلْحِيَتِهَا، وَمَغْرِزِ، الْأَوْرَاقِ، مِنَ الْأَفْنَانِ، وَمَحَطِّ··· 225
الْأَمْشَاجِ··· 225
مِنْ مَسَارِبِ، الْأَصْلابِ، وَنَاشِئَةِ، الْغُيُومِ، وَمُتَلاحِمِهَا، وَدُرُورِ··· 226
قَطْرِ السَّحَابِ فِي تَرَاكِمِهَا، وَمَا تَسْفِي، الْأَعَاصِيرُ، بِذُيُولِهَا، وَتَعْفُو··· 227
الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا، وَعَوْمِ، نَبَاتِ الْأَرْضِ··· 227
فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ، وَمُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ، بِذُرىَ، شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ··· 227
وَتَغْرِيدِ··· 228
ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ، فِي دَيَاجِيرِ، الْأَوْكَارِ، وَمَا أَوْعَبَتْهُ، الْأَصْدَافُ، وَحَضَنَتْ··· 229
عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ، وَمَا غَشِيَتْهُ··· 229
سُدْفَةُ، لَيْلٍ، أَوْ ذَرَّ، عَلَيْهِ شَارِقُ، نَهَارٍ، وَمَا اعْتَقَبَتْ، عَلَيْهِ أَطْبَاقُ··· 230
الدَّيَاجِيرِ، وَسُبُحَاتُ النُّورِ، وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ، وَحِسِّ، كُلِّ حَرَكَةٍ، وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ··· 231
وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَمُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ··· 231
وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَهَمَاهِمِ، كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ، وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ··· 232
أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ ،أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ، أَوْ نُقَاعَةٍ دَمٍ، وَمُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ، وَسُلالَةٍ··· 233
لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ، وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ··· 234
وَلا اعْتَوَرَتْهُ، فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ، وَتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ وَلا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ··· 234
وَأَحْصَاهُمْ عَدَدَهُ، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَغَمَرَهُمْ، فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ··· 235
مَا هُوَ أَهْلُهُ··· 235
اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ··· 236
وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ، إِنْ تُؤمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ، وَإِنْ تُرْجَ فَأَكْرَمُ مَرْجُوٍّ··· 237
اللَّهُمَّ وَقَدْ بَسَطْتَ لِي، فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ··· 237
وَلا أُوَجِّهُهُ، إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ، وَمَوَاضِعِ الْرِّيْبَةِ··· 238
وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآْدَمِيِّينَ، وَ، الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ··· 238
اللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ··· 238
أَوْ عَارِفَةٌ، مِنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ، وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ··· 239
اللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ··· 239
وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَالْمَمَادِحِ··· 239
غَيْرَكَ، وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ، لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلاّ فَضْلُكَ، وَلا يَنْعَشُ، مِنْ خَلَّتِهَا··· 240
إِلاّ مَنُّكَ وَجُودُكَ، فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ، رِضَاكَ··· 240
وَأَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ··· 241
الخطبة (91): ومن خطبة له عليهالسلام لمّا اريد على البيعة بعد قتل عثمان
( 243 ـ 257 )
دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ . . .··· 243
الخطبة (92) وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عليهالسلام: و فيها ينبّه أمير المؤنين على فضله
وعلمه ويبيّن فتنة بني أمية
( 258 ـ 331 )
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ··· 263
وَلَمْ تَكُنْ لِيَجْرُأَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي··· 264
بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا··· 273
وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي··· 274
وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَتُضِلُّ مِائَةً إِلاّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا··· 291
وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا··· 292
وَمُنَاخِ رِكَابِهَ، وَمَحَطِّ رِحَالِهَا··· 293
وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً وَيَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً··· 294
وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ··· 308
وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ، لأَطْرَقَ، كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وَفَشِلَ، كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ··· 309
وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ··· 312
حَرْبُكُمْ وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ··· 313
وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ··· 313
حَتَّى يَفْتَحَ اللّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُم··· 313
إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ··· 314
يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً··· 314
إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ··· 314
يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ··· 314
يَحُمْنَ حَوْم الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً··· 314
أَلا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ...··· 315
أَلا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّة··· 315
فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا··· 316
وَخُصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا··· 317
وَايْمُ اللّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سَوْءٍ بَعْدِي··· 317
كَالنَّابِ، الضَّرُوسِ··· 318
تَعْذِمُ، بِفِيهَا، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا، وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا··· 319
لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاّ نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ··· 319
وَلا يَزَالُ بَلاؤهُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاّ كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ، رَبِّهِ··· 320
وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ··· 320
تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ، (مَخْشِيَّةً)، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى··· 321
وَلا عَلَمٌ يُرَى··· 321
نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ··· 322
ثُمَّ يُفَرِّجُهَا، اللّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ، بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً··· 323
وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ، لا يُعْطِيهِمْ إِلاّ السَّيْفَ··· 324
وَلا يُحْلِسُهُمْ، إِلاّ الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ، تَوَدُّ قُرَيْشٌ··· 325
بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً، وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ، جَزُورٍ··· 326
لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونَنِيهِ··· 326
الخطبة (93) ومن خطبة له عليهالسلام
( 332 ـ 368 )
منها في وصف الأنبياء··· 332
فَتَبَارَكَ اللّهُ، الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ··· 333
الْأَوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي··· 334
منها في وصف الأنبياء··· 334
فَاسْتَوْدَعَهُمْ، فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ··· 334
وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ، تَنَاسَخَتْهُمْ، كَرَائِمُ الْأَصْلابِ، إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ··· 335
كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ، سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللّهِ خَلَفٌ··· 338
حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللّهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه واله··· 340
فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً··· 343
وَأَعَزِّ الْأُروُمَاتِ، مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ، مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَخبَ، مِنْهَا أُمَنَاءَهُ··· 344
عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ··· 345
وَأُسْرَتُهُ، خَيْرُ الْأُسَرِ··· 349
وَشَجَرَتُهُ··· 352
خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ··· 353
فِي كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرَةٌ لا تُنَالُ··· 354
فهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى··· 355
وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى··· 356
سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤهُ، وَشِهَابٌ··· 358
سَطَعَ، نُورُهُ، وَزَنْدٌ، بَرَقَ لَمْعُهُ··· 359
سِيرَتُهُ الْقَصْدُ، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ··· 360
وَكَلامُهُ الْفَصْلُ··· 362
وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ··· 364
أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ··· 365
وَهَفْوَةٍ، عَنِ الْعَمَلِ، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللّهُ عَلَى أَعْلامٍ بَيِّنَةٍ··· 366
فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ، يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ··· 366
وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ، عَلَى مَهَلٍ وَفَرَاغٍ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالْأَقْلامُ جَارِيَةٌ··· 367
وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ··· 367
وَالتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَالْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ··· 368
الخطبة (94) ومن خطبة له عليهالسلام
( 369 ـ 373 )
بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاّلٌ فِي حَيْرَةٍ، وَخَابِطُونَ··· 369
فِي فِتْنَةٍ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ، الْأَهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ، الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ، الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاء··· 370
حَيَارَى، فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَبَلاءٍ مِنَ الْجَهْلِ··· 371
وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة··· 372
الخطبة (95) ومن خطبة له عليهالسلام
( 374 ـ 382 )
منها في ذكر الرسول صلى اللّه عليه واله··· 374
ومن خطبة له عليهالسلام··· 374
منها في ذكر الرسول صلى اللّه عليه واله، مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ··· 375
فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ، السَّلامَةِ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ··· 376
وَثُنِيَتْ، إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ··· 377
دَفَنَ اللّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ··· 378
وَأَطْفَأَ بِهِ النَّوَائِرَ، أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً··· 379
أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ، كَلامُهُ بَيَانٌ··· 380
وَصَمْتُهُ لِسَان··· 381
الخطبة (96) ومن كلام له عليهالسلام
( 383 ـ 411 )
وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللّهُ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ··· 384
وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ··· 385
عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا، مِنْ مَسَاغِ، رِيقِهِ··· 386
أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤلاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ...··· 387
وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا··· 388
اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً··· 388
وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا··· 388
وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ، وَعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ، أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ··· 389
فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا··· 389
وَأَحُثُّكُمْ، عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ··· 390
فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا··· 390
تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ··· 391
أُقَوِّمُكُمْ، غُدْوَةً، وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً، كَظَهْرِ الْحَنيَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَأَعْضَلَ··· 392
الْمُقَوَّمُ، أَيُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ··· 393
أُمَرَاؤهُمْ··· 393
لَوَدِدْتُ وَاللّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي··· 394
عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ··· 394
يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاثٍ وَاثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُوا أَسْمَاعٍ وَبُكْمٌ ذَوُوا كَلامٍ...··· 395
تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ··· 396
يَا أَشْبَاهَ الاْءِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ··· 396
وَاللّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُ··· 396
أَنْ لَوْ حَمِسَ، الْوَغَى، وَحَمِيَ، الضِّرَابُ··· 397
قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِيَطالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا··· 397
وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَمِنْهَاجٍ، مِنْ نَبِيِّي، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ··· 398
أَلْقُطهُ لَقْطاً··· 399
انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ...··· 399
انظروا أهل بيت نبيّكم صلّى اللّه عليه وآله فالزموا سمتهم، واتّبعوا أثرهم··· 401
فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى··· 401
فَإِنْ لَبَدُوا، فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا، فَانْهَضُوا··· 402
وَلا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا··· 403
وَلا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا··· 404
لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله فَمَا أَرَى أَحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ...··· 404
لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله فَمَا أَرَى أَحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ··· 406
لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً، غُبْراً··· 407
وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ··· 407
وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ، مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ··· 408
كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ، الْمِعْزَى··· 408
مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللّهُ هَمَلَتْ، أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ، جُيُوبَهُمْ··· 409
وَمَادُوا، كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ··· 409
المصادر··· 412
المحتويات··· 429