الوسیط فی اصول الفقه کتاب یبحث عن الادلة اللفظیة و العقلیة بین الایجاز و الاطناب جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان قراردادی:الوسیط فی اصول‌الفقه: کتاب یبحث عن الادلة اللفظیة و العقلیة بین الایجاز و الاطناب

عنوان و نام پديدآور:الوسیط فی اصول‌الفقه/ تالیف جعفر السبحانی

مشخصات نشر:دارالجواد(ع) - بیروت - لبنان

مشخصات ظاهری:2ج.

شابک:160000 ریال: ج.1‌978-600-316-066-8 : ؛ 160000 ریال: ج.2‌978-600-316-067-5 : ؛ 250000 ریال(ج.2،چاپ سوم)

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:فارسی- عربی.

يادداشت:ج.2 (چاپ اول: 1392).

يادداشت:ج.2(چاپ سوم : 1395).

يادداشت:عنوان دیگر: الوسیط فی اصول‌الفقه.

یادداشت:کتابنامه.

عنوان دیگر:الوسیط فی اصول‌الفقه.

موضوع:اصول فقه شیعه

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدّمة المؤلّف

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه الذي عجزت العقول عن كنه معرفته، و قصرت الألباب عن الإحاطة بكماله، و الصّلاة و السّلام على أفضل خليقته و أشرف بريّته أبي القاسم المصطفى محمّد الّذي بعثه بالحقّ ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، و من طاعة الشيطان إلى طاعته ، و على آله الطيّبين الطّاهرين الذين هم موضع سرّه، و عيبة علمه، و موئلُ حُكْمِه، و كهوف كتبه، و جبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، و أذهب ارتعاد فرائصه.

أمّا بعد، فإنّ خلود الشريعة و بقاءها على مرّ الزمان و مسايرتها للحضارات الإنسانية، و استغناءها عن كلّ تشريع، رهن أمرين:

الأوّل: احتواء التشريع على مادة حيوية خلاّقة للتفاصيل، بحيث يتمكّن علماء الأُمّة من استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من الأعصار.

الثاني: فتح باب الاجتهاد و عدم إيصاده، ليقوم الفقهاء بدورهم في استنباط الأحكام التي تنسجم مع تطور الحياة و مواكبة العصر.

و من مفاخر الشيعة الإمامية هو عدم ايصاد باب الاجتهاد منذ رحيل النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)إلى يومنا هذا، فلذلك صار هذا سبباً لحفظ غضاضة الفقه و طراوته عندهم.

و مما لا شكّ فيه انّ أُصول الفقه يحظى بأهمية كبيرة في استنباط الأحكام الشرعية، ففي ظلّ قواعده يُتاح للمجتهد أن يُبدي رأيه في كافة الحوادث و المستجدّات.

و لقد قام بالتأليف حول هذه المهمة واحد بعد واحد من أُولي البصائر، و كابر بعد كابر من الأعاظم و الفطاحل، فللّه درّ عصابة ألّفوا فأسّسوا، و صنّفوا فأفادوا، و قد كانت كتبهم محور الدراسة جيلاً بعد جيل.

غير انّ لكلّ عصر لغتَه، و لكلّ مجتمع حاجتَه، هذا و ذاك ، ممّا يُلزم أساتذة الحوزة و المشرفين على المناهج الدراسية بإعادة النظر في ما أُلّف و صار محوراً للدراسة، لكي يُنتفع بنقاط قوته و يضاف إليه مسائل جديدة تلبّي حاجات عصره، حتى يكون التأليف كحلقة متسلسلة من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق.

و هذا، ما قمت به بفضل من اللّه خلال تدريسي لأُصول الفقه أزيد من خمسين سنة فجاء متمثّلاً في هذه الكتب:

1.

»الموجز « أعددته للمبتدئين في علم الأُصول في جزء واحد.

2.

»الوسيط« أعددته لمن أراد الخوض في علم الأُصول في جزءين بعد انّ كوّن فكرة عامّة عن المسائل الأُصوليةِ عبر دراسته لكتاب »الموجز«.

و أمّا المرحلة النهائية فقد ألقيت محاضرات لدورات متتابعة حتى انتهى بنا الأمر إلى الدورة الخامسة كلّ ذلك بفضل منه سبحانه فجاءت خلاصتها في كتابين:

1.

»المحصول«طبع في أربعة أجزاء.

2.

»إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول«طبع منه إلى الآن جزءان.

و انبرى بعض الفضلاء من حضار بحوثي »حفظهم اللّه« إلى كتابتها و تدوينها.

و التمس من طالع» الوسيط« بكلا جزأيه أن يرشدني إلى مواضع الخلل فيه »فانّ أحبّ إخواني من أهدى إليَّ عيوبي«.

كما أرجو من اللّه سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

جعفر السبحاني قم مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) 17رمضان المبارك1421ه

المقصد السادس: في الحجج و الأمارات

اشارة

1. العقل 2. الإجماع 3. الكتاب 4. السنّة 5. الإجماع المنقول بخبر الواحد 6. الشهرة الفتوائية 7. قول اللغوي

تمهيد

يعلم الفقيه أنّ بينه و بين ربّه حججاً معتبرة تقطع العذر و تُنجّز الواقع، غير انّه لا يعلم في بدء الأمر خصوصياتها و معالمها، فيبعثه العقل إلى التعرّف عليها بالتفصيل عن كثب، و هي عند الشيعة الإمامية أربعة:

الكتاب، السنّة، الإجماع، و العقل التي يدور عليها رحى الفقه و الاستنباط، و أمّا سائر الأمارات فهي غير معتبرة عندنا و إن كانت معتبرة عند الآخرين.

إذا كانت الحجج منحصرة عندنا في الأدلّة الأربعة كان اللازم على الأُصوليّين المتأخّرين الذين أفاضوا القول في علم الأُصول أن يعقدوا لكلّ منها فصلاً خاصاً ليتعرّف عليه المبتدئ و يقف على معالمه و حدوده، و لكنّهم لم يقوموا بهذه المهمة.

و مع ذلك كلّه لم تفتهم الإشارةُ إليها في ثنايا بحوثهم حيث أدرجوا البحث عن الكتاب في مبحث حجّية الظواهر على الإطلاق، و البحث عن السنّة في مبحث حجّية خبر الواحد، كما أدغموا البحث عن الإجماع محصَّلاً كان أو منقولاً في مبحث الإجماع المنقول، و البحث عن حجّية العقل في مبحث القطع. و لكن مرّوا عليها مروراً خاطفاً دون التركيز عليها. و لأجل الأهميّة التي تمتعت بها الأدلّة الأربعة عقدنا لكلّ واحد عنواناً خاصاً متميزاً عن غيره و مع ذلك فلصيانة المنهج السائد في الكتب الأُصولية عقدنا الفصول كالتالي:

العقل، الإجماع المحصّل، الكتاب، و السنّة.

و إن كان الأنسب تقدّم الكتاب و السنّة على الآخرين.

الأدلّة الأربعة

1- العقل أحد مصادر التشريع

اشارة

انّ العقل أحد الحجج الأربع الّذي اتّفق أصحابنا إلاّ قليلاً منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، ثمّ إنّ البحث عن حجّية حكم العقل يقع في مقامين:

الأوّل: حجّية حكم العقل بما انّه من مصاديق القطع.

الثاني: كشفه عن حكم الشارع.

أمّا الأوّل فالبحث فيه من فروع البحث عن حجّية القطع مطلقاً (1)و انّ حجّيته ذاتية. و هذا هو الذي بسط الأُصوليون الكلام فيه في رسالة القطع و بحثوا عن حجّيته بحثاً مُسْهباً.

و أمّا الثاني فيرجع فيه البحث إلى وجود الملازمة بين حكمي العقل و الشرع و عدمه و هذا هو الذي اختصروا الكلام فيه غالباً (2). دون أن يعقدوا له فصلاً مستقلاً، و لأجل مزيد ايضاح، نفرد لكل بحثاً مستقلاً في ضمن مقامين:


1) . سواء أ كان مصدره العقل أو غيره.

2) . إلاّ المحقّق القمي في قوانينه و صاحب الفصول في فصوله.

المقام الأوّل: في أحكام القطع و أقسامه
اشارة

و فيه أُمور:

الأمر الاوّل: في حجّية القطع

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه ما دام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، و ليس حجّة منطقية أو أُصولية، و لإيضاح الحال نذكر أقسام الحجّة، فنقول: إنّ الحجّة على أقسام:

1.

الحجّة العقلية.

2.

الحجّة المنطقية.

3.

الحجّة الأُصولية.

أمّا الأُولى، فهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة ، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يُحذّره عن المخالفة، و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له.

و بهذا يمتاز القطع عن الظن، فإنّ العقل لا يستقلُّ بالعمل على وفق الظن و لا يحذِّر عن المخالفة لعدم انكشاف الواقع لدى الظن، فلا يكون حجّة إلاّ إذا أُفيضت له الحجّية من قِبَلِ المولى، بخلاف القطع فانّ العقل مستقل بالعمل على

وفقه و التحذير عن مخالفته لانكشاف الواقع، و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ حجّية القطع ذاتية دون الظن فإنّها عرضية.

و بذلك يتبيّن أنّ للقطع ثلاث خصائص:

1.

كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.

2.

منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يُثاب و لو عصى يعاقَب.

3.

معذِّريته عند عدم الإصابة، فيُعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.

و أمّا الثانية، فهي عبارة عن كون الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، فيوصف بالحجّة المنطقية، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت الحدوث للعالم.

يقال:العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

و القطع بهذا المعنى ليس حجّة، لأنّه ليس علّة لثبوت الحكم للموضوع و لا معلولاً له، لأنّ الحكم تابع لموضوعه، فإن كان الموضوع موجوداً يثبت له الحكم سواء أ كان هنا قطع أم لا، و إن لم يكن موجوداً فلا يثبت له، فليس للقطع دور في ثبوت الحكم و لذلك يُعدُّ تنظيم القياس بتوسيط القطع باطلاً، مثل قولك: هذا مقطوع الخمرية، و كلّ مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام، و ذلك لكذب الكبرى، فليس الحرام إلاّ نفس الخمر لا خصوص مقطوع الخمرية.

و أمّا الثالثة، فهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، و من المعلوم أنّ القطع غنيّ عن إفاضة

الحجّية عليه، و ذلك لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

أضف إليه انّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي، أو بدليل ظنّي.

و على الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته؟ و هكذا فيتسلسل.

و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظن، و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله »أنّ كلّ ما هو بالعرض لا بد و أن ينتهي إلى ما بالذات«.

و بذلك يعلم أنّه ليس للشارع الأمرُ المولويّ بالعمل بالقطع لسبق العقل بذلك، كما ليس له المنع عن العمل بالقطع، فلو قطع إنسان بكون مائع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به، لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، و في الواقع إذا أصاب قطعه للواقع.

الأمر الثاني: تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، كترتّبا لحرمة على ذات الخمر و القمار فيكون القطع بهما طريقيّاً ، و لا دور للقطع حينئذ سوى تنجيز الواقع، و إلاّ فمع قطع النظر عن التنجيز فالخمر و القمار حرام سواء أ كان هناك قطع أم لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب كما يكون العلم منجزاً للواقع.

و أمّا إذا أُخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، و هذا كما إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بالخمريّة بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة، و هذا التقسيم جار في الظنّ أيضاً، و لقد وردت في الشريعة المقدسة موارد أخذ القطع وحده أو الظن كذلك موضوعاً للحكم، نظير:

1.

الحكم بالصحّة، فإنّه مترتّب على الإحراز القطعي للركعتين في الثنائية و للركعات في الثلاثية من الصلوات و للأُوليين في الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.

2.

الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

3.

الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز بالقطع أو الظن كون استعمال الماء مضرّاً.

4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا الطريقين.

فلو انكشف الخلاف، و أنّ الطريق لم يكن مخطوراً، و لا الماء مضرّاً، و لا الوقت ضيّقاً لما ضرَّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.

ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً من أيّ سبب حصل، لانّ الحكم مترتب على الموضوع بما هو هو و ليس للقطع دور سوى كونه كاشفاً عن الواقع، فإذا قطع به، انكشف له الواقع و ثبت وجود الموضوع، فيترتب عليه حينئذ حكمه، ويحكم العقل بلزوم العمل به من غير فرق بين حصوله بالأسباب العادية أو غيرها فليس للشارع تجويز العمل بالقطع الحاصل من سبب و النهي عن القطع الحاصل من سبب آخر.

و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع فبما أنّ لكلّ مقنّن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة و الضيق، فللشارع أيضاً حقُّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء أ حصلت من الأسباب العادية أم من غيرها، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها.

الأمر الثالث: تقسيم القطع الموضوعي إلى طريقي و وصفي

ثمّ إنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قسمين:

1.

موضوعي طريقي.

2.

موضوعي وصفي.

توضيح ذلك: انّ القطع من الصفات النفسية ذات الإضافة، فله إضافة إلى القاطع(النفس المدرِكة) و إضافة إلى المقطوع به(المعلوم بالذات و الصورة المعلومة في الذهن)، فتارة يؤخذ في الموضوع بما أنّ له وصف الطريقية و المرآتية فيطلق عليه القطع الموضوعي الطريقي، أي أُخذ في الموضوع بما انّ له وصف الحكاية، و أُخرى يؤخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني كسائر الصفات مثل الحسد و البخل و الإرادة و الكراهة، فيطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، أي المأخوذ في الموضوع لا بما أنّه حاك عن شيء وراءه بل بما أنّه وصف للنفس المدركة.

لنفترض انّك تريد شراء مرآة من السوق، فتارة تلاحظها بما أنّها حاكية عن الصور التي تعكسها، و أُخرى تلاحظها بما أنّها صُنعت بشكل جميل مثير للإعجاب مع قطع النظر عن محاكاتها للصور.

فالقطع الموضوعي الطريقي أشبه بملاحظة المرآة بما أنّها حاكية، كما أنّ القطع الموضوعي الوصفي أشبه بملاحظة المرآة بما لها من شكل جميل ككونها مربعة أو مستطيلة و غيرهما من الأوصاف.

و أمّا ما هو الأثر الشرعي لهذا التقسيم فموكول إلى دراسات عليا.

الأمر الرابع: الموافقة الالتزامية
اشارة

لا شكّ أنّ المطلوب في الأُصول الدينيّة و الأُمور الاعتقادية هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً، إنّما الكلام في الأحكام الشرعية التي ثبتت و تنجّزت بالقطع أو بالحجّة الشرعية، فهل هناك تكليفان؟ أحدهما الالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً و جناناً.

ثانيهما الامتثال عملاً و خارجاً.

فهل لكلّ، امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و خالف عملاً فقد عصى عملاً; كما أنّه لو وافق عملاً و خالف جناناً و التزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤاخذ عليه؟ أو أنّ هناك تكليفاً واحداً، و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل و إن لم يلتزم بها قلباً و جناناً، و هذا كمواراة الميّت فتكفي و إن لم يلتزم قلباً بأنّها حكم اللّه الشرعي؟ فليعلم أنّ البحث في غير الأحكام التعبدية، فإنّ الامتثال فيها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره أو غير ذلك ممّا لا ينفك الامتثال عن الالتزام و التسليم بأنّه حكمه سبحانه، فينحصر البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه في الأحكام التوصلية.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الثاني، باعتبار أنّ الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان خير شاهد على عدم صحّة عقوبة العبد الممتثل لأمر

المولى و إن لم يلتزم بحكمه.

و ربّما يقال: إنّ الالتزام مع العلم بأنّ الحكم للّه أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلمُ الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد.

و على هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه. (1)

و لكن الظاهر عدم الملازمة بين العلم و التسليم، فربّ عالم بالحق، غير مسلِّم قلباً، فإنّ الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه و لا يسلّمه باطناً، و إن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه و سطوته، و هكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بنبوّته كما نطق به القرآن، و مع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً و لا مقرّين باطناً، و لو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة. (2)

و الذي يدلّ على أنّ بين العلم و التسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه:( فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3)). (4)

قيل: نزلت في الزبير و رجل من الأنصار خاصمه إلى النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)في شراج (5)من الحرّة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير: »اسق ثمّ أرسل إلىة.


1) . لاحظ تهذيب الأُصول: 2/46.

2) . نهاية الدراية:2/26.

3) سوره 4 - آیه 65

4) . النساء:65.

5) . مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، و»الحرّة«: الأرض ذات الحجارة.

جارك«، فغضب الأنصاري و قال: يا رسول اللّه لئن كان ابن عمتك.... (1)

فإنّ خطاب الأنصاري للنبي(صلى الله عليه و آله و سلم)كشف عن عدم تسليمه لقضائه و إن لم يخالف عملاً، و بذلك يعلم أنّ المراد من الجحد في قوله سبحانه:( وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (2)) . (3)هو الجحد القلبي و عدم التسليم لمقتضى البرهان، لا الجحد اللفظي; فالفراعنة أمام البيّنات التي أتى بها موسى كانوا:

1.

عالمين بنبوة موسى و هارون(عليهما السلام)( اِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (4)).

2.

لكن غير مسلِّمين قلباً، مستكبرين جناناً( وَ جَحَدُوا بِها (5)).

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، فهل يجري الأصل العملي، كأصل الطهارة في كلّ منهما باعتبار كون كلّ واحد منهما مشكوك الطهارة و النجاسة أو لا؟ فثمة موانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي.منها: وجوب الموافقة الالتزامية، فلو قلنا به، لمنع عن جريان الأُصول، فإنّ الالتزام بوجود نجس بين الإناءين، لا يجتمع مع الحكم بطهارة كلّ واحد منهما، فمن قال بوجوب الموافقة الالتزامية لا يصح له القول بجواز جريان الأصل في أطراف المعلوم إجمالاً، و أمّا من نفاه فهو في فسحة عن خصوص هذا المانع، و أمّا الموانع الأُخر فنبحث عنها في مبحث الاحتياط و الاشتغال إن شاء اللّه.


1) . مجمع البيان:2/69.

2) سوره 27 - آیه 14

3) . النمل:14.

4) سوره 27 - آیه 14

5) سوره 27 - آیه 14

المقام الثاني: كشف العقل عن حكم الشرع

إنّ العقل كما مرّ أحد الحجج الأربع الّذي اتّفق أصحابنا إلاّ قليلاً منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، غير انّ اللازم هو تحرير محلّ النزاع و تبيين إطار البحث، فإنّ عدم تحريره أوقع الكثير لا سيما الأخباريّين في الخلط و الاشتباه، فنقول:

إنّ عدّ العقل من مصادر التشريع و أحد الأدلّة الأربعة يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، و تجرّد في قضائه عن كلّ شيء إلاّ النظر إلى نفس الفعل فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع، و هذا نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و حسنه معه، فهل يستكشف منه انّ حكم الشرع كذلك؟ و هكذا إذا أمر المولى بشيء و استقل العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع الأمر و النهي على شيء واحد بعنوانين، أو جوازه إلى غير ذلك من أنواع الملازمات، فهل يكشف حكم العقل عن حكم الشرع؟ و بذلك يظهر انّ الموضوع للحسن و القبح هو نفس الفعل بما انّه صادر عن فاعل مختار، سواء أ كان الفاعل واجباً أم ممكناً، و سواء أ ترتب عليه المصالح أو

المفاسد أو لا، و سواء أ كان مؤمِّناً للأغراض العقلائية و عدمها، فالموضوع للحكم بالحسن أو القبح أو الملازمة أو ما أشبه ذلك هو ذات الفعل دون سائر الأُمور الجانبية.

الثاني: إذا أدرك الفقيه مصالح و مفاسد في الفعل، فهل يمكن أن يتخذ وقوفَه على أحدهما ذريعة إلى استكشاف الحكم الشرعي في الوجوب أو الحرمة بحيث يكون علم الفقيه بالمصالح و المفاسد من مصادر التشريع الإسلامي؟ و بعبارة أُخرى: إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه و لكن أدرك الفقيه بعقله، وجودَ مصلحة فيه و لم يَرد من الشارع أمر بالأخذ و لا بالرفض، فهل يصحّ تشريع الحكم على وفقها؟ و هذا هو الذي يسمّى بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح في فقه أهل السنّة لا سيما المالكية، فكلّ مصلحة لم يرد فيها نصّ يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها و لكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر فهل يتخذ دليلاً على الحكم الشرعي أو لا؟ الثالث: تنقيح مناطات الأحكام و ملاكاتها بالسبر و التقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم و تصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها و يختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلة، و بواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علة، و يستبقى ما يصحّ أن يكون علّة ، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة ثمّ يتبعه التشريع، و هذا ما يسمّى في الفقه الشيعي الإمامي بتنقيح المناط و استنباط العلّة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ محطّ النزاع بين الأُصوليّين و الأخباريّين من أصحابنا هو المعنى الأوّل.

و سنرجع إليه بعد استيفاء البحث في الأخيرين فنقول:

أمّا المعنى الثاني و الثالث فلم يقل به أحد من أصحابنا إلاّ الشاذّ النادر منهم، و ذلك لأنّ كون الفعل ذا مصلحة أو مفسدة عند الفقيه لا يكشف عن الحكم الشرعي لقصور العقل عن الإحاطة بالمصالح و المفاسد الواقعية، فربما يُدرك المصلحة و المفسدة و يَغفل عن موانعهما، فإدراك العقل المصالح و المفاسد لا يكون دليلاً على أنّها ملاكات تامة لتشريع الحكم على وفقها.

و هكذا المعنى الثالث، فإنّ الخوض في تنقيح مناطات الأحكام عن طريق السبر و التقسيم من الخطر بمكان، إذ انّى نعلم أنّ ما أدركه مناطاً للحكم هو المناط له، فانّ العقل قاصر عن إدراك المناطات القطعية.

ثمّ لو افترضنا انّه أصاب في كشف المناط، فمن أين علم أنّه تمام المناط و لعلها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضم إليه في الواقع و لم يصل الفقيه إليه؟ و لأجل ذلك رفض أصحابنا قاعدة الاستصلاح و المصالح المرسلة و هكذا استنباط العلّة عن طريق القياس، بمعنى السبر و التقسيم.

نعم يستثنى من المعنى الثاني، المصالح و المفاسد العامة التي أطبق العقلاء عامة على صلاحها أو فسادها على نحو صار من الضروريات، و هذا كتعاطي المخدّرات التي أطبق العقلاء على ضررها; و مثله التلقيح الوقائي عند ظهور الأمراض السارية كالجُدري، و الحصبة و غيرهما ، فقد أصبح من الأُمور التي لا يتردّد في صلاحيتها ذوو الاختصاص.

و لشيخنا المظفر قدَّس سرّه كلام يشير إلى خروج المعنيين عن محط النزاع، بنصّ واحد لا بأس بنقله:

»لا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر، و لم يكن إدراكه مستنداً إلى

المصلحة أو المفسدة العامّتين اللّتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه أعني: العقل لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرَك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل انّ ما هو مناط الحكم عند الشارع، غير ما أدركه العقل مناطاً، أو أنّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، و إن كان ما أدرك مقتضياً لحكم الشارع«. (1)

فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: انّ حكم العقل بشيء يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً و يكون المدرَك حكماً عاماً. و ذلك لما عرفت من انّ المدرك حكم عام لا يختصّ بفرد دون فرد، و الشرع و غير الشرع فيه سيان، كما هو الحال في الأمثلة المتقدمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي. دون ما لا يكون كذلك كادراك فرد أو فردين وجود المصلحة الملزِمة.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام و مفاسدها، و سوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع في المعنى الأوّل في موردين:

الأوّل: إمكان استقلال العقل بدرك حسن الشيء أو قبحه أو دركه الملازمة0.


1) . أُصول الفقه:1/239 240.

بين الوجوبين.

الثاني: إذا استقلّ العقل بما ذكر فهل يكشف عن كونه كذلك عند الشرع.

أمّا الأوّل، فالعدلية متّفقة على إمكانه ، و هو من الأحكام البديهية للعقل ضرورة انّ كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل و قبح الظلم، و إذا عرض الأمرين على وجدانه يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل و تنفّراً عن الظلم و هكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات الأمرين.

يقول العلاّمة الحلّي: »إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء و قبح بعضها من دون نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان و يمدح عليه و بقبح الإساءة و الظلم و يذم عليه، و هذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ و ليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة و الملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع«. (1)

إنّ حكم الإنسان بحسن العدل و قبح الظلم ليس بأدون من الجزم بحاجة الممكن إلى العلّة، أو انّ الأشياء المساوية لشيء متساوية، فإذا أمكن الجزم بالأمرين الأخيرين فليكن الأمر الأوّل كذلك.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني أعني: الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع فهو ثابت أيضاً، لأنّ الموضوع للحسن و القبح هو نفس الفعل بغضِّ النظر عن فاعل خاص، بل مع غض النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح و المفاسد، فإذا كان هذا هو الموضوع فما وقف عليها العقل بفطرته و وجدانه يعمّ فعل الواجب و الممكن.

و بعبارة أُخرى: انّ ما يدركه العقل في الحكمة العملية مثل ما يدركه في الحكمة النظرية، فكما انّ ما يدركه لا يختص بالمدرِك بل يعمه و غيره، فهكذا الحال في الحكمة العملية، مثلاً: إذا أدرك العقل بفضل البرهان الهندسي بانّ زوايا).


1) . كشف المراد مع تعليقتنا: 59 نشر المؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).

المثلث تساوي قائمتين فقد أدرك أمراً واقعياً لا يختص بالمدرك لانّ التساوي من آثار طبيعة المثلث، فهكذا إذا أدرك حسن شيء أو قبحه و الفرق بين الحكمتين انّ المعلوم في النظرية من شأنه أن يعلم كما انّ المعلوم في العملية من شأنه أن يعمل به.

فإن قلت: كيف يمكن الاعتماد على حكم العقل و جعله دليلاً على الحكم الشرعي مع أنّه قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم تتوسط الحجّة في تبليغه و بيانه و لا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة؟ و تدلّ على ذلك الأحاديث التالية:

1.

صحيح زرارة »فلو انّ رجلاً صام نهاره، و قام ليله، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و تكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب و لا كان من أهل الإيمان«. (1)

2.

قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »من دان بغير سماع ألزمه اللّه التيه يوم القيامة«. (2)

3.و قال أبو جعفر(عليه السلام): »كلّما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل«. (3)إلى غير ذلك من الروايات. (4)

قلت أوّلاً: انّ الروايات ناظرة إلى المُعْرضين عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)و المستهدين بغيرهم على وجه كان جميع أعمالهم بدلالة سواهم، و أمّا من أناخ مطيّته على عتبة أبوابهم في كلّ أمر كبير و صغير، و مع ذلك اعتمد على العقل في مجالات خاصة فالروايات منصرفة عنه جداً.ل.


1) . الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

2) . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و18.

3) . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و18.

4) . الكافي:161/13، باب العقل و الجهل.

و بعبارة أُخرى: كما للآيات أسباب و شأن نزول، فهكذا الروايات لها أسباب صدور فهي تعبِّر عن سيرة قضاة العامة و فقهائهم كأبي حنيفة و ابن شبرمة و أضرابهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)و لم ينيخوا مطاياهم على أبواب أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فيخاطبهم الإمام بما في هذه الروايات.

و أمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب و السنّة و تمسّكوا بالثقلين فلا تعمّهم، و المورد (صدورها في مورد فقهاء العامة) و إن لم يكن مخصصاً لكن يمكن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى المماثل و المشابه لا المباين، و تمسّك أصحابنا بالعقل في مجالات خاصة لا يعدُّ إعراضاً عنهم بخلاف غيرهم.

و ثانياً: إذا كان العقل أحد الحجج كما في صحيح هشام فيكون الحكم المستكشف ممّا وصل إلى المكلّف بتبليغ الحجّة أيضاً.

روى هشام عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): »يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة; فالظاهرة الرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة فالعقول«. (1)

و هناك كلام للمحقّق القمي نتبرّك بذكره ختاماً للبحث، قال:

»إنّ انحصار الطاعة و المخالفة في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته، دعوى بلا دليل، بل هما موافقة طلب الشارع و مخالفته و إن كان الطلب بلسان العقل، و نظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا كلّف نبيّه بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل(عليه السلام)و إتيان كلام، و امتثله النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)فيقال إنّه أطاع اللّه جزماً، و العقل فينا نظير الإلهام فيه.7.


1) . لاحظ الكافي:1/60، باب الرد إلى الكتاب و السنة، الحديث 6; و أيضاً ص 56 باب البدع و الرأي و المقاييس، الحديث7.

ثمّ يقول: إنّ من يدّعي حكم العقل بوجوب ردّ الوديعة و حرمة الظلم يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى و تكليفه، و لا يجوز العمل مع اليقين به؟ فإن كان و لا بدّ من المناقشة، فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل و انّه لا يمكن ذلك«. (1)

ثمرات البحث إذا قلنا بالحسن و القبح العقليّين و الملازمة بين الحكمين تترتب عليه ثمرات أُصولية نذكر منها ما يلي:

1.

البراءة من التكليف لقبح العقاب بلا بيان.

2.

لزوم تحصيل البراءة اليقينيّة عند العلم الإجمالي و تردّد المكلّف به بين أمرين لأجل حكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

3.

الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة و القضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.

4.

وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.

و أمّا الثمرات الفقهية المترتّبة على القول بالملازمة العقلية فيستنتج منها الأحكام التالية:

1.

وجوب المقدّمة على القول بحكم العقل بالملازمة بين الوجوبين.

2.

حرمة ضد الواجب على القول بحكم العقل بالملازمة بين الأمر بالشيء و النهي عن ضدّه.2.


1) . القوانين: 32/2.

3.

بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي و تقديم النهي عن الأمر.

4.

صحّة العبادة على القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر.

5.

صحّة العبادة على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

6.

فساد العبادة إذا تعلّق النهي بنفس العبادة سواء كان المنهي نفسها أو جزئها أو شرطها أو أوصافها.

7.

فساد المعاملة إذا تعلّق النهي بالثمن أو المثمن للملازمة بين النهي و فسادها.

8.

انتفاء الحكم(الجزاء) مع انتفاء الشرط إذا كان علة منحصرة.

الأدلّة الأربعة

2- الإجماع المحصّل

اشارة

الإجماع المحصّل أحد مصادر التشريع عند أهل السنّة بما هو هو لا بما هو كاشف عن حجّة شرعية، كما عليه الإمامية، و قد اختلفت كلمة الأُصوليّين في تعريفه.

فعرّفه الغزالي بقوله: إنّه اتّفاق أُمّة محمّد(صلى الله عليه و آله و سلم)بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. (1)

و على هذا التعريف لا يكفي اتّفاق المجتهدين، بل يجب اتّفاق جميع المسلمين في عصر من العصور، و هو أمر نادر الوقوع.

و عرّفه الآخرون: باتّفاق أهل الحلّ و العقد على حكم من الأحكام، أو اتّفاق المجتهدين من أُمّة محمّد في عصر على أمر.

المهم في المقام هو الوقوف على وجه حجّية الإجماع عند أهل السنّة أوّلاً، و عند الشيعة ثانياً، فانّ الإجماع عند الطائفة الأُولى بما هو هو دليل شرعي يُضفي على الحكم صبغة الشرعية فهو في عرض الكتاب و السنّة و العقل.

أمّا الإجماع عند الطائفة الثانية فهو عندهم حجّة لأجل كشفه عن قول المعصوم أو دليل معتبر، و لأجل إيقاف القارئ على موقف الطائفتين من الإجماع، نوضح الموضوع إجمالاً.


1) . المستصفى:1/110.

موقف أهل السنّة من الإجماع المحصَّل

إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد(صلى الله عليه و آله و سلم)في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة و لا تجوز مخالفته، و ليس معنى ذلك انّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد و المصالح المرسلة و القياس و الاستحسان.

فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً و معاضداً له; و لو كان دليلاً ظنياً كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع و اليقين.

و مثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً و إن لم ينزل به الوحي. (1)

و على ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع و اتّفاق الأُمّة منزلة كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً قطعياً كالحكم الوارد في القرآن و السنّة النبويّة، و لذلك قلنا بأنّ الإجماع عندهم من مصادر التشريع.

ثمّ إنّهم استدلّوا على ما راموه بوجوه:

منها: قوله سبحانه:( وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (2)). (3)

وجه الاستدلال انّه سبحانه ابتدأ كلامه بجملتين شرطيّتين:


1) . الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة:49.

2) سوره 4 - آیه 115

3) . النساء:115.

أ.( وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى (1)).

ب.(و [ مَنْ (2)] يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (3)).

ثمّ إنّه سبحانه جعل لهما جزاءً واحداً و هو قوله:( نُوَلِّهِ ما تَوَلّى... (4)) فإذا كانت مشاقّة اللّه و رسوله حراماً كان اتّباع غير سبيل المؤمنين حراماً مثله بشهادة وحدة الجزاء، فإذا حرم اتّباع غير سبيلهم، فاتّباع سبيلهم واجب إذ لا واسطة بينهما. و يلزم من وجوب اتّباع سبيلهم كون الإجماع حجّة، لأنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. (5)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الوقوف على مفاد الآية يتوقّف على تبيين سبيل المؤمن و الكافر أي سبيل لا من يشاقق و من يشاقق في عصر الرسول الذي تحكي الآية عنه ، فسبيل المؤمن هو الإيمان باللّه و إطاعة الرسول و مناصرته، و سبيل الآخر هو الكفر باللّه و معاداة الرسول و مشاقّته، فاللّه سبحانه يندّد بالكافر و يذكر جزاءه بقوله:( نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ (6)) و يكون جزاء المؤمن بطبع الحال خلافه.

و على ضوء ذلك يكون المراد من اتّباع سبيل المؤمنين هو إطاعة الرسول و مناصرته، و من سبيل غيرهم هو معاداة الرسول و مناقشته فأي صلة للآية بحجّية اتّفاق المؤمنين على حكم من الأحكام.

و بعبارة أُخرى: أنّ الموضوع للجزاء في الآية مركّب من أمرين:

أ.معاداة الرسول.

ب. سلوك غير سبيل المؤمنين.

فَعَطفَ أحدهما على الآخر بواو الجمع و جَعَلَ سبحانه لهما جزاءً واحداً و هو قوله:( نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ (7)).9.


1) سوره 4 - آیه 115

2) سوره 4 - آیه 115

3) سوره 4 - آیه 115

4) سوره 4 - آیه 115

5) . الوجيز:49.

6) سوره 4 - آیه 115

7) سوره 4 - آیه 115

و بما انّ معاداة الرسول وحدها كافية في الجزاء و هذا يكشف عن انّ المعطوف عبارة أُخرى عن المعطوف عليه، و المراد من اتّباع غير سبيل المؤمنين هو شقاق الرسول و معاداته و ليس أمراً مغايراً معه كما حسبه المستدل.

و ثانياً: أنّ سبيل المؤمنين في عصر الرسول هو نفس سبيل الرسول، فحجّية السبيل الأوّل لأجل وجود المعصوم بينهم و موافقته معه فلا يدلّ على حجّية مطلق سبيل المؤمنين بعد مفارقته عنهم.

و منها: قوله سبحانه:( وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (1)). (2)

وجه الاستدلال: انّ الوسط من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شيء من المحظورات لما وُصِفُوا بالخيرية فيكون قولهم حجة.

يلاحظ عليه: أنّ وصف جميع الأُمّة بالخير و العدل مجاز قطعاً، فإنّ بين الأُمّة من بلغ في الصلاح و الرشاد إلى درجة يُستدرُّ بهم الغمام، و في الوقت نفسه فيها من بلغ في الشقاء إلى درجة خضّب الأرض بدماء الصالحين و المؤمنين، و مع ذلك كيف تكون الأُمّة بلا استثناء خياراً و عدلاً، و تكون بعامة أفرادها شهداء على سائر الأُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتهم في الدنيا فكيف في الآخرة.

يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير الآية: »فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أ فترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادته يوم القيامة و تقبل منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟!«. (3)

و هذا دليل على أنّ الوسطية وصف لعدة منهم، و لمّا كان الموصوف بالوسطية0.


1) سوره 2 - آیه 143

2) . البقرة:143.

3) . البرهان في تفسير القرآن:1/160.

جزءاً من الأُمّة الإسلامية صحّت نسبة وصفهم إلى الجميع، نظير قوله سبحانه:( وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً (1)) (2)فقد وصف عامّة بني إسرائيل بكونهم ملوكاً، مع أنّ البعض منهم كان ملكاً.

و إذا كانت الوسطية لعدّة منهم دون الجميع، يكون قولهم هو الحجّة كما يكونوا هم الشهداء يوم القيامة لا جميع الأُمّة و إنّما نسب إلى الجميع مجازاً.و أمّا من هو هذه العدّة فبيانه على عاتق التفسير.

و منها: ما روي عن النبي(صلى الله عليه و آله و سلم): »انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة«. و رواه أصحاب السنن. (3)

يلاحظ عليه: أوّلاً :أنّ الحديث مع أنّه روي في غير واحد من السنن ضعيف السند.

قال الشيخ العراقي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي: »جاء الحديث بطرق في كلّها نظر«. (4)

و قد قمنا بدراسة هذا الحديث و تحليله في رسالة (5)جمعنا فيها أسانيده و خرجنا بحصيلة انّ جميع تلك الأسانيد ضعيفة، مضافاً إلى أنّ الحديث خبر واحد لا يحتجّ به في الأُصول.

ثانياً: أنّ الوارد في الحديث هو عدم الاجتماع على »الضلالة« لا عدم الاجتماع على »الخطأ«، فيكون الحديث ناظراً إلى مسائل العقيدة التي هي مدار الهداية و الضلالة لا إلى الفروع، فلا يوصف المصيب فيها بالهداية و المخطئ بالضلالة.09


1) سوره 5 - آیه 20

2) . المائدة:20.

3) . ابن ماجه: السنن:2، الحديث 3950; الترمذي: السنن:4، برقم 2167; أبو داود: السنن:4، برقم 4253; مسند أحمد:5/145.

4) . سنن ابن ماجه:2/1303.

5) . لاحظ كتاب »رسائل و مقالات«: ج/194.2 209

ثالثاً: أنّ المصون من الضلالة هي الأُمّة بما هي أُمّة لا الفقهاء فقط و لا أهل العلم و لا أهل الحل و العقد، و على ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتّفقت عليه جميع الأُمّة في مجال العقائد و الأُصول و الفروع.

إلى هنا تمّ ما استدلّ به أهل السنّة على حجّية الإجماع و كونه من مصادر التشريع بما هو هو، و قد عرفت قصور أدلّتهم عن إثبات مرامهم فهلمّ معي ندرس مكانة الإجماع عند الشيعة.

مكانة الإجماع المحصّل عند الشيعة
اشارة

إنّ الأُمّة مع قطع النظر عن الإمام المعصوم بينهم، غير مصونة من الخطأ في الأحكام فليس للاتّفاق و الإجماع رصيد علمي، إلاّ إذا كشف عن الحجّة بأحد الطريقين:

1.

استكشاف قول المعصوم بالملازمة العقلية(قاعدة اللطف).

2.

استكشاف قوله(عليه السلام)بالملازمة العادية(قاعدة الحدس).

أمّا الأمر الأوّل فحاصل النظرية انّه يمكن أن يستكشف عقلاً رأي الإمام(عليه السلام)من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم و عدم ردعهم عنه نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة الموصوف بالعلم و العصمة في كلّ الأزمنة.فإنّ من أعظم فوائدها، حفظ الحقّ و تمييزه عن الباطل كي لا يضيع بخفائه و يرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، و تلقينُهم طريقاً يتمكن العلماء و غيرهم من الوصول به إليه و منعهم و تثبيطهم عن الباطل أوّلاً أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه ثانياً. (1)


1) . كشف القناع:114.

و حاصل هذا الوجه: انّ من فوائد نصب الإمام هو هداية الأُمّة و ردّهم عن الإجماع على الباطل و إرشادهم إلى الحقّ، فلو كان المجمع عليه باطلاً كان على الإمام ردّهم عن ذلك الاتّفاق بوجه من الوجوه.و هذا ما يسمّى بقاعدة اللطف.

و أمّا الثاني أي استكشاف قوله(عليه السلام) بالملازمة العادية فيمكن تقريره بالنحوين التاليين:

الف: تراكم الظنون مورث لليقين

إنّ فتوى كلّ فقيه و إن كان يفيد الظن و لو بأدنى مراتبه، إلاّ أنّها تعزَّز بفتوى فقيه ثان فثالث، إلى أن يحصل للإنسان اليقين من إفتاء جماعة على حكم القطعُ بالصحة، إذ من البعيد أن يتطرق البطلان إلى فتوى جماعة كثيرين.

نقل المحقّق النائيني عن بعضهم: إنّ حجّيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حدّ يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر. (1)

ب: الاتّفاق كاشف عن دليل معتبر

إنّ حجّية الاتّفاق ليس لأجل إفادتها القطع بالحكم، بل لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا، و هذا هو الذي اعتمد عليه صاحب الفصول و قال: يستكشف قول المعصوم عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة في الأحكام و طريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و الاستحسان.


1) . فوائد الأُصول:3/149

و هذان الوجهان هما السندان لحجية الإجماع المحصل، و هناك بحوث أُخرى تطلب من دراسات عليا.

ثمّ إنّ الدارج في الكتب الأُصولية هو البحث عن حجّية الإجماع المحصّل المنقول إلينا بخبر الواحد، و بما انّ حجّية مثل هذا النقل، فرع حجّية خبر الواحد آثرنا تأخيره إلى الفراغ من حجّية خبر الواحد.

الأدلّة الأربعة

3- الكتاب

اشارة

إنّ الكتاب من أهم المصادر الشرعية للاستنباط، فلا محيص للفقيه من مراجعة الكتاب و استنطاقه، و قد نقل عن بعض أصحابنا الأخباريين عدم حجّية ظواهر الكتاب، و هذا ما يندى له الجبين، إذ كيف تكون المعجزة الكبرى للنبي(صلى الله عليه و آله و سلم)مسلوبة الحجية. و لعل اقتصارهم على السنّة كان رد فعل لما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب انّه قال عند ما طلب النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)القلم و الدواة ليكتب كتاباً للأُمّة لئلاّ يضلّوا بعده:حسبنا كتاب اللّه. (1)

و على كلّ تقدير فالاقتصار على الكتاب كالاقتصار على السنّة على طرفي الإفراط و التفريط.

و المراد من حجّية ظواهر القرآن في مجال الفقه مضافاً إلى موارده الخاصة هو التمسك بعموماته و مطلقاته بعد الفحص عن القرائن العقلية أو اللفظية المتصلة أو الحالية المنقولة بخبر الثقة خصوصاً بعد الفحص عن مقيداته و مخصصاته في أحاديث العترة الطاهرة، فإذا تمت هذه الأُمور فهل يتمسك بظواهر القرآن في موردها؟ ذهب علماء الأُصول إلى وجوب الاستضاءة بنور القرآن فيما يدل عليه


1) . صحيح البخاري:1/30، كتاب العلم، باب كتابة العلم.

بظاهره و الاخباريون إلى المنع و انّ الاستدلال بالقرآن يتوقف على تفسير المعصوم فيُصبح الاحتجاج بتفسيره(عليه السلام)لا بنصّ القرآن.

ثمّ إنّ الأدلّة على حجّية ظواهر القرآن كثيرة نذكر منها ما يلي:

الأوّل: دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن نور، و النور بذاته ظاهر و مظهر لغيره، قال سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (1)). (2)

و في آية أُخرى:( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ (3)) (4)فلو كان قوله( وَ كِتابٌ مُبِينٌ (5)) عطفَ تفسير لما قبله، يكون المراد من النور هو القرآن.

إنّه سبحانه يصف القرآن بأنّه تبيان لكلّ شيء، و حاشا أن يكون تبياناً له و لا يكون تبياناً لنفسه، قال سبحانه:( وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (6)). (7)

و قال سبحانه:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (8)). (9)

أ فيمكن أن يهدي من دون أن يكون المهتدي مستفيداً من هدايته؟! فإن قلت: إنّ الاستدلال بظواهر القرآن على حجّيتها دور واضح، فإنّ الأخباري لا يقول بحجّيتها.

قلت: إنّ الاحتجاج على حجّية القرآن إنّما هو بنصوصه لا بظواهره، و الأخباري إنّما يمنع حجّية ظواهره لا حجّية نصوصه.9.


1) سوره 4 - آیه 174

2) . النساء:174.

3) سوره 5 - آیه 15

4) . المائدة:15.

5) سوره 5 - آیه 15

6) سوره 16 - آیه 89

7) . النحل:89.

8) سوره 17 - آیه 9

9) . الإسراء:9.

الثاني: قد تضافر بل تواتر عن النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)وجوب التمسك بالثقلين و فسرهما بالكتاب و السنّة، و قال: »إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي. ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا« فكلّ من الثقلين حجّة و انّ كلاً يؤيد الآخر.

الثالث: الروايات التعليمية التي علّم فيها الإمام تلاميذه كيفية استنباط الحكم من القرآن الكريم، فلو لم تكن ظواهر الكتاب حجّة لما كان للتعليم قيمة، فإنّ موقف الإمام في هذه المقامات موقف المعلّم لا موقف المتكلم عن الغيب.

و الروايات في ذلك المجال كثيرة نذكر منها واحدة، و هي رواية عبد الأعلى مولى آل سام و قد سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام)بقوله: رجل عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة، فقال:»إنّ هذا يعرف من كتاب اللّه:( وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1)) (2)ثمّ قال: »امسح على المرارة«. (3)

فأحال الإمام(عليه السلام)حكم المسح على اصبعه المغطّى بالمرارة إلى الكتاب.

الرابع: قد تضافر عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مورد تعارض الروايات لزوم عرضه على القرآن و انّ ما وافق كتاب اللّه يؤخذ به و ما خالف يضرب به عرض الجدار.

فقد روي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »إنّ على كلّ حق حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه«. (4)

الخامس: اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه فهو مرفوض،ك.


1) سوره 22 - آیه 78

2) . الحج:78.

3) . الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

4) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، و لاحظ الحديث 11، 12، 14 إلى غير ذلك.

ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول: »من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه«.

و في رواية أُخرى: »المسلمون عند شروطهم، إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز«. (1)

فلو لم يكن ظواهر الكتاب حجّة، لما كان هناك معنى لعرض الشرط على الكتاب في هذه الروايات و غيرها ممّا يشرف الفقيه على القطع بحجّية ظواهر الكتاب، و إنّما المهم دراسة أدلّة المخالف.

أدلّة الأخباري على عدم حجّية ظواهر الكتاب

استدلّ الأخباري على عدم حجّية ظواهر الكتاب بوجوه، أهمها وجهان:

الأوّل: انّ حمل الكلام الظاهر في معنى على أنّ المتكلّم أراد هذا، تفسير له بالرأي، و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): »من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار«. (2)

يلاحظ عليه: أنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّ المتكلّم أراده ليس تفسيراً فضلاً عن كونه تفسيراً بالرأي، فانّ التفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه المراد.

و أمّا الرأي فهو عبارة عن الميل إلى أحد الجانبين اعتماداً على الظن الذي لم يدلّ عليه دليل.

إذا عرفت معنى التفسير أوّلاً ثمّ الرأي ثانياً، نقول:

إنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّه مراد المتكلّم، ليس من مقولة التفسير، إذ


1) . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1و2.

2) . الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 76.

ليس هنا أمر مستور يُكشف عنه، فالاستدلال بإطلاق الظاهر أو عمومه، ليس تفسيراً، و رافعاً لإبهامه بل هو من قبيل تطبيق الظاهر على مصاديقه، و التفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه الآية، كالغطاء الموجود في الصلاة الوسطى في قوله سبحانه:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى (1)) (2)فحملها على إحدى الصلوات، يقال انّه تفسير و كشف للقناع.

فإذا لم يكن حمل الظاهر على معنى على أنّه المراد، تفسيراً للآية يكون بالنسبة إلى الجزء الآخر »برأيه« أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

الثاني: اختصاص فهم القرآن بأهله. يظهر من مذاكرة الإمام أبا حنيفة و قتادة انّه لا يفهم القرآن إلاّ من خوطب به، و هم أئمّة أهل البيت، و إليك نصّ ما دار بينهما من الحوار:

»يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حق معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ؟« قال: نعم.

قال: »يا أبا حنيفة: لقد ادّعيت علماً، ما جعل اللّه ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، و لا هو إلاّ عند الخاص من ذريّة نبيّنا محمّد، و ما ورثك اللّه عن كتابه حرفاً«. (3)

أقول: إنّ الرواية لا تنفي عن أبي حنيفة المعرفة الإجمالية، و إنّما تنفي حقّ المعرفة، و هو لا يتحقّق إلاّ بمعرفة الناسخ و المنسوخ و الخاص و العام و المطلق و المقيد إلى غير ذلك من القرائن المنفصلة التي تؤثِّر في الاحتجاج بالآية، و كلّها مخزونة عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فمن عمل بظاهر الآية ، بعد الرجوع إليهم في7.


1) سوره 2 - آیه 238

2) . البقرة:238.

3) . وسائل الشيعة:الجزء18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

معرفة تلك المواضع، فهو غير مشمول للرواية بل هي تردُّ على المستبدين بالقرآن الذين يفسرونه و يفتون به من دون مراجعة إلى من نزل القرآن في بيوتهم حتى يعرفوا ناسخه و منسوخه، و عامّه و خاصّه، و مطلقه و مقيده، و أين هو من عمل أصحابنا؟! فانّهم يحتجون بالقرآن بعد الرجوع إلى حديث العترة الطاهرة ، في مجملاته و مبهماته، و مخصصات عمومه و مقيدات مطلقاته، ثمّ الأخذ بمجموع ما دلّ عليه الثقلان.

فالاستبداد بالقرآن شيء و الاحتجاج بالقرآن بعد الرجوع إلى أحاديث العترة الطاهرة شيء آخر، و الأوّل ممنوع و الثاني مجاز جرى عليه أصحابنا رضوان اللّه عليهم عبر القرون.

و بذلك يظهر مفاد سائر الروايات الواردة في هذا المضمار.

إلى هنا تمّ ما استدلّ به الأخباريون من منع التمسّك بظواهر القرآن و بقيت هناك أدلة أُخرى لهم تظهر حالها بالإمعان فيما ذكرنا.

الظواهر من القطعيات

ثمّ إنّ الأُصوليين ذكروا ظواهر القرآن تحت الظنون التي ثبتت حجّيتها بالدليل و أسموه بالظن الخاص مقابل الظن المطلق الذي ليس على حجّيته دليل سوى دليل الانسداد.

و لكن الحقّ انّ ظواهر كلام كلّ متكلم فضلاً عن ظواهر القرآن من الكواشف القطعية، و يظهر حال هذا المدعى بالإمعان فيما ذكرناه في الموجز و ما نوضحه في المقام.

إنّ الفرق بين الظاهر و النص هو انّ كلا الأمرين يحملان معنى واحداً و يتبادر منهما شيء فارد، غير انّ الأوّل قابل للتأويل، فلو أوّل كلامه لعدّ عمله

خلافاً للظاهر و لا يعدّ مناقضاً في القول، كما إذا قال: أكرم العلماء، الظاهر في الوجوب ثمّ أشار بدليل خاص بأنّ المقصود هو الندب.

و أمّا النصّ فهو لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، و لا يصحّ تأويله بل يعد أمراً متناقضاً، و هذا مثل قوله سبحانه:( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)). (2)

فإنّ كون حظّ الذكر مثلي حظ الأُنثى شيء ليس قابلاً للتأويل و لذلك يعدّ نصاً، و من حاول تأويله لا يقبل منه، و مثله قوله سبحانه:( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (3)).

إذا علمت ذلك، فنقول: إنّ القضاء بين الرأيين: كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظني، يتوقّف على بيان الوظيفة التي حملت على عاتق الظواهر؟ و تبيين رسالتها في إطار التفهيم و التفهّم؟ فلو تبيّن ذلك لسهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظني.

فنقول: إنّ للمتكلّم إرادتين:

1.

إرادة استعمالية، و هي استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء أ كان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء أ كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.

2.

إرادة جدية، و هي انّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جداً، و ما هذا إلاّ لأنّه ربما يفارق المرادُ الاستعمالي، المرادَ الجدي، كما في الهازل و المورّي و المقنّن الذي يُرتِّب الحكم على العام و المطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص و المقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادةُ الجدية الإرادةَ الاستعمالية، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل و المورّي و اللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق1.


1) سوره 4 - آیه 11

2) . النساء:11.

3) سوره 112 - آیه 1

الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.

و على ضوء ذلك فيجب علينا أن نركِّز على أمرين:

الأوّل: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟ الثاني: ما هو السبب لتسميتها ظنوناً؟ أمّا الأوّل: فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء أ كانت المعاني حقائق أم مجازات، فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس، و إذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فكشف الجملة في كلا الموردين عن المراد الاستعمالي كشف قطعي و ليس كشفاً ظنياً، و قد أدّى اللفظ رسالته بأحسن وجه. و على ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنياً، اللّهمّ إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي بوجه متعيّن، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث فإنّ الكلام في الظواهر لا في المجملات و المتشابهات.

و أمّا الثاني: أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً، فانّه يتلخص في الأُمور التالية:

1.

لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.

2.

أو استعمل في المعنى المجازي و لم ينصب قرينة.

3.

أو كان هازلاً في كلامه.

4.

أو مورّياً في خطابه.

5.

أو لاغياً فيما يلقيه.

6.

أو أطلق العام و أراد الخاص.

7.

أو أطلق المطلق و أراد المقيّد.

إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدي على وجه القطع.

و لكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في المقام:

1.

انّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي لأجلها بالظنّية، و ذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلاّ شيء واحد و هو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، و أمّا الاحتمالات المذكورة و كيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها بأنّه ظني.

2.

انّ بعض هذه الاحتمالات موجودة في النصوص فيحتمل فيه كون المتكلم لاغياً، أو هازلاً، أو مورّياً، أو متّقياً، أو غير ذلك من الاحتمالات، مع أنّا نرى أنّهم يعدّونها من القطعيات.

3.

إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها، كأصالة كون المتكلّم في مقام الإفادة ، لا الهزل و لا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف و غيره.

و الظاهر انّه لا حاجة إلى هذه الأُصول فإنّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة و التفاهم بين الأُستاذ و التلميذ و البائع و المشتري و السائس و المسوس، يعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم على المراد الاستعمالي و الجدي دلالة قطعية لا ظنية، إلاّ إذا كان هناك إبهام أو إجمال، أو جريان عادة على فصل الخاص و القيد عن الكلام.

و بذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة الخصوصية (1)كشف قطعي و لا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.ي.


1) . أي لا في مجال التقنين فإن كشفها عن المراد الجدّي ليس بقطعي.

الأدلّة الأربعة

4- السنّة

قد تطلق السنّة و يراد منها قول المعصوم و فعله و تقريره، فلا شك انّ السنّة بهذا المعنى من الأدلة القطعية، إذ هي عدل القرآن الكريم فهي الحجّة الثانية بعد الذكر الحكيم، و من أعرض عن السنّة و استغنى بالقرآن الكريم فقد عدل عن المحجّة البيضاء.

و قد يطلق السنة و يراد منها الخبر الحاكي عن السنّة الواقعية و هو المراد في المقام سواء نقلت بصورة متواترة أو مستفيضة أو محفوفة بالقرائن أو مجرّدة عن الاستفاضة و القرائن، و الكلام هنا في حجّية الخبر الواحد المجرّد عن كلّ شيء، فانّ المتواتر أو الخبر الواحد المحفوف بالقرينة يفيدان العلم، و هكذا الخبر المستفيض يورث الاطمئنان المتاخم للعلم.

امّا كون السنّة الخبر الواحد المجرد عن القرائن« دليلاً ظنياً فإنّما هو لأجل سندها، و أمّا من حيث الدلالة فقد عرفت أنّ الدلالة في الجميع دلالة قطعية بالنسبة إلى المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي في بعض المقامات.

ثمّ إنّ الإفتاء بمضمون الخبر الواحد يتوقف على ثبوت أمرين:

أ: إمكان التعبّد به إمكاناً ذاتيّاً.

ب: إمكان التعبّد به إمكاناً وقوعيّاً.

أمّا الإمكان بالمعنى الأوّل الذي يعبّر عنه بالإمكان الماهوي فهو أمر لا سترة عليه، ضرورة انّ التعبّد بالخبر ليس واجباً و لا ممتنعاً فيُصبح أمراً ممكناً بالذات، فنسبة جواز التعبد إلى الخبر كنسبة الوجود و العدم بالنسبة إلى الإنسان، فالبحث عن الإمكان بهذا المعنى، أمر خارج عن محط البحث.

و أمّا الإمكان بالمعنى الثاني و هو الذي لا يمنع عن وقوعه مانع خارجي عن الذات بعد إمكانه الذاتي فهو داخل محطّ البحث.

و هذا نظير إدخال المطيع في النار، فإنّه و إن كان ممكناً بالذات، لأنّه سبحانه قادر على الحَسن و القبيح، لكن غير ممكن وقوعاً لمخالفته لعدله و حكمته، فهو ممكن بالذات غير ممكن وقوعاً.

فذهب بعضهم كابن قبة (1)إلى امتناع التعبّد بالظن وقوعاً و استدلّ له بوجهين:

الأوّل: لو جاز العمل بالخبر الواحد في الفروع، لجاز العمل به في الأُصول، فلو أخبر أحد من اللّه سبحانه لزم قبول قوله إذا كان عادلاً بلا حاجة إلى طلب البيّنة و المعجزة.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر في الفروع أسهل، فقبول الخبر فيها لا يلازم قبول خبره في ادّعاء النبوة التي هي أمر خطير.

الثاني: انّه يستلزم تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فإذا كان الحكم الواقعي هو الحلية و قام خبر الواحد على الحرمة أو بالعكس و قلنا بحجّيته، يلزم أحد المحذورين.4.


1) . محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي المتكلّم المعاصر لأبي القاسم البلخي الذي توفّي عام 317 و قد توفى ابن قبة قبله بقليل. لاحظ رجال النجاشي برقم 1024.

و يعبّر عن حلّ هذا الاشكال في مصطلح الأُصوليّين »بالجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي«.

و قد فصّل المتأخرون الكلام فيه و موجز الجواب في هذا المقام عن هذا الإشكال انّه إذا كان مفاد الخبر موافقاً للواقع يكون منجّزاً للحكم الواقعي، و أمّا إذا كان مخالفاً للواقع فيكون الحكم الواقعي عند من قامت الأمارة على خلافه، إنشائياً لا فعلياً، و إنّما يتوجّه الإشكال إذا كان هناك حكمان فعليان متضادان في واقعة واحدة، و أمّا إذا كان أحد الحكمين(الحكم الواقعي )إنشائياً و الآخر فعلياً فلا إشكال فيه، و التفصيل يطلب من دراسات علياء.

ما هو الأصل في العمل بالظنّ؟

اشارة

و قبل التعرّف على أدلّة وقوع التعبّد بالظن في الشريعة الإسلامية يجب الوقوف على ما هي القاعدة الأوّلية في العمل بالظن، فهل هي حرمة العمل بالظن إلاّ ما خرج بالدليل؟ أو الأصل جواز العمل بالظن إلاّ ما خرج بالدليل؟ فعلى الأوّل يكون الأخذ بواحد من أقسام الظنون كالخبر الواحد و قول اللغوي و الشهرة الفتوائية و غيرها متوقفاً على وجود دليل، و إلاّ فالأصل هو الحرمة; كما أنّه تنعكس القاعدة على القول الثاني، فالأصل هو حجّية كلّ ظن إلاّ ما قام الدليل على الحرمة كالقياس و الاستحسان.

و بذلك يعلم أنّ المراد من الأصل في العنوان هو مقتضى الأدلة الاجتهادية، و يعبّر عنها بمقتضى القاعدة الأوّلية و ليس المراد منه هو الأصل العملي.

و على كلّ تقدير اتّفقت كلمة المحقّقين على أنّ الأصل هو حرمة العمل بالظن إلاّ أن يقوم الدليل على الحجّية.

و الدليل عليه هو انّ البدعة أمر محرم إجماعاً من غير خلاف ; و هي عبارة عن ادخال ما يعلم انّه ليس من الدين أو يشكّ انّه منه، في الدين; و الاعتماد على الظن الذي لم يقم دليل على جواز العمل و الإفتاء على وفقه ، التزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه و حقّ غيره، و هذا هو نفس البدعة، لأنّه يُدخل في الدين ما يشكّ انّه من الدين.

و بعبارة أُخرى: انّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، و من المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع و العمل به إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّه حكم الشارع و إلاّ يكون الإسناد تشريعاً قولياً و عملياً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، و ليس التشريع إلاّ إسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.

قال سبحانه:( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ (1)). (2)

فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه، و في غير هذه الصورة يعدّ افتراءً سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم، و الآية تعمّ كلا القسمين، و المفروض انّ العامل بالظن شاك في إذنه سبحانه و مع ذلك ينسبه إليه.

و قال سبحانه:( وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (3)). (4)

تجد انّه سبحانه يذم التقوّل بما لا يُعلم حدودُه من اللّه سواء أ كان مخالفاً للواقع أم لا، و العامل بالظن يتقوّل بلا علم.8.


1) سوره 10 - آیه 59

2) . يونس:59.

3) سوره 7 - آیه 28

4) . الأعراف:28.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الضابطة الكلية في العمل بالظن هي المنع، لكونه تشريعاً قولياً و عملياً محرّماً و تقوّلاً على اللّه بغير علم، فالأصل في جميع الظنون أي في باب الحجج هو عدم الحجّية، إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.

ثمّ إنّ الأُصوليّين ذكروا خروج بعض الظنون عن هذا الأصل بالدليل القطعي و بذلك خرج عن كونه تقولاً بلا علم، و هي:

1.

خبر الواحد.

2.

الإجماع المنقول بخبر الواحد.

3.

الشهرة الفتوائية.

4.

قول اللغوي.

و إليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر:

الأدلّة الظنّية

1- حجّية السنّة المحكية بخبر الواحد
اشارة

السنّة بمعنى قول المعصوم أو فعله أو تقريره حجّة بلا كلام، كما أنّه لا شكّ في حجّية الخبر الحاكي للسنّة إذا كان خبراً متواتراً أو محفوفاً بالقرينة لإفادتهما العلم، إنّما الكلام في حجّية الحاكي إذا كان خبراً مجرّداً عن القرينة و كان الراوي ثقة، فقد ذهب معظم الأُصوليين إلى حجّيته و استدلّوا عليه بالكتاب و السنّة و الإجماع، و قد ذكرنا دلائلهم في كتاب »الموجز« فلا حاجة إلى الإعادة.

لكن الأولى الاستدلال عليها بالسيرة العقلائية المنتشرة بينهم، فقد جرت سيرتهم على العمل بخبر الثقة المفيد للاطمئنان الذي هو علم عرفي و إن لم يكن علماً عقلياً، و ما هذا إلاّ لأجل انّ تحصيل العلم في أغلب الموارد موجب للعسر و الحرج، هذا من جانب، و من جانب آخر انّ القلب يسكن إلى قول الثقة، و يطمئن به، و لأجل ذلك يعد عند العرف علماً لا ظنّاً، لما له من ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب، فبملاحظة هذين الأمرين جرت سيرتهم على الأخذ بقول الثقة.

و لو كانت السيرة أمراً غير مرضي للشارع، كان عليه الردع عنها كما ردع عن العمل بقول الفاسق.

و بعبارة أُخرى: انّك إذا سبرت أحوال الأُمم في العصور الغابرة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بخبر الثقة، و انّ عمل المسلمين به لم يكن إلاّ

استلهاماً من تلك السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.

و لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً لكان للنبي(صلى الله عليه و آله و سلم)و الأئمّة المعصومين، الردع القارع و الطرد الصارم حتى يتنبه الغافل و يفهم الجاهل. كما تضافرت الروايات على ردّ القياس و سائر المقاييس الظنّية الدارجة بين أهل السنّة. فلو كان العمل بخبر الواحد على غرار العمل بالقياس لعمّه الردع من قبل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، و لوصلت إلينا رواياتهم الناهية عن العمل بخبر الواحد، و حيث إنّه لم يرد شيء من هذا القبيل، دلّ ذلك على إمضائهم العمل بخبر الواحد.

و ثمة نكتة أُخرى و هي انّ ما استدلّ به الأُصوليّون من الكتاب و السنّة على حجّية قول الثقة ليس في مقام تأسيس القاعدة و اضفاء الحجية على قول الثقة، بل الكلّ عند الدقة و الإمعان ناظر إلى هذه السيرة العقلائية، فلاحظ قول الراوي(عبد العزيز بن المهتدي، و الحسن بن علي بن يقطين) للإمام الرضا(عليه السلام).

أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: »نعم«. (1)

كما يشير إليه قول أبي الحسن الثالث لأحمد بن إسحاق عند ما سأله بقوله من أُعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال الإمام: »العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسمع له، و أطع فإنّه الثقة المأمون«. (2)

فإنّ الحوار الدائر بين الراوي و الإمام حاك عن أنّ الكبرى(حجّية قول الثقة) كان أمراً مسلّماً بينهما، و إنّما الكلام في الموارد و المصاديق، فقال الإمام انّ4.


1) . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33، 34.

2) . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

العمري ثقة.

و لو قيل انّه ليس على حجية قول الثقة إلاّ دليل واحد، و هو السيرة العقلائية فقط و سائر الأدلّة إرشاد إليها أو بيان لصغريات القاعدة لم يقل قولاً مجازفاً.

ثمّ إنّ الشيخ الطوسي »جعل سيرة الأصحاب على العمل بخبر الواحد دليلاً على الحجّية، و بما انّ سيرتهم كانت بمرأى و مسمع من الأئمّة، تكشف عن إمضائهم لها«، و لكن الحقّ انّ سيرة أصحابنا لم تكن سيرة منقطعة عن سيرة العقلاء بل كانت متفرعة عنها، و بما انّ دليل الشيخ من أتقن الأدلة على حجّية قول الثقة نذكر عبارته في المقام، حيث يقول:

إنّي وجدت الفرقة المحقّة مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في أُصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه حتى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه، سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، و كان راويه ثقة لا يُنكر حديثه، سكتوا و سلّموا الأمر في اللّه و قبلوا قوله، و هذه عادتهم و سجيّتهم من عهد النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)و من بعده من الأئمّة(عليهم السلام)، و من زمن الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام)الذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته، فلولا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما أجمعوا على ذلك و لأنكروه، لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط و السهو. (1)

ثمّ إنّ الشيخ و ان عبر في المقام بلفظ الإجماع الموهِم انّه استدلّ بالإجماع، و لكنّه في الحقيقة احتجاج بالسيرة العملية للأصحاب، المستمدة من السيرة العقلائية..


1) . العدة في أُصول الفقه:1/126، ط عام 1376ه.

الحجّة هي الخبر الموثوق بصدوره

إذا كانت السيرة هي الدليل الوحيد على حجّية قول الثقة، فاعلم أنّ عمل العقلاء بمفاده لأجل كون وثاقة الراوي مفيداً للاطمئنان بصدق الخبر و مطابقته للواقع، و ليست لوثاقته موضوعية في المقام حتى نتوقف عن العمل عند عدم إحراز وثاقة الراوي مع حصول الوثوق بصدور الرواية من قرائن أُخرى، وعليه فمناط الحجّية عند العقلاء هو الخبر الموثوق بصحته و صدوره لا خصوص كون الراوي ثقة، و لذلك لو كان المخبر ثقة لكن دلّت القرائن على عدم صدق الخبر لما عملوا به.

فاتّضح بما ذكرنا انّ موضوع الحجّية هو الخبر الموثوق بصدوره فيشمل الخبر الصحيح و الموثق و الحسن إذا كانت بمرحلة موروثة للاطمئنان، بل يشمل الضعيف إذا دلّت القرائن على صدقه.

و إلى ما ذكرنا أشار الشيخ الأنصاري بعد بيان الأدلّة العقلية التي أُقيمت على حجّية الخبر الواحد بقوله: و الإنصاف انّ الدال فيها لم يدلّ إلاّ على وجوب العمل بما يفيد الوثوق و الاطمئنان بمؤدّاه، و هو الذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء (1)و المعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيداً بحيث لا يعتني به العقلاء، و لا يكون عندهم موجباً للتحيّر و التردّد. (2)


1) . الصحيح عند القدماء ما يورث الوثوق بالمضمون، و الصحيح عند المتأخرين ما يكون آحاد رجال السند عدولاً.

2) . الفرائد:106، طبعة رحمة اللّه.

الأدلّة الظنّية

2- الإجماع المنقول بخبر الواحد

ينقسم الإجماع إلى محصَّل و منقول، فلو قام المجتهد بنفسه بتتبّع آراء العلماء في حكم واقعة و حصّل اتّفاقهم عليه فهو إجماع محصَّل، و أمّا إذا قام مجتهد آخر بهذا العمل و وقف على اتفاقهم على حكم في واقعة ثمّ نقله إلى غيره، فيكون هذا بالنسبة إلى المنقول إليه إجماعاً منقولاً و إن كان بالنسبة إلى الناقل إجماعاً محصَّلاً.

و قد عرفت وجه حجّية الإجماع المحصَّل، إنّما الكلام في حجّية الإجماع المحكي بخبر الثقة، و البحث في المقام منصبٌّ على أمر واحد و هل يشتمل دليل حجّية قول الثقة هذا المورد(نقل الإجماع)و عدمه، فلو قلنا بشموله له يكون الإجماع المنقول حجّة كالإجماع المحصّل بملاك واحد و إلاّ فلا.

و بما انّ ملاك حجّية الإجماع المحصل هو كشفه عن قول المعصوم أو عن حجّة معتبرة فلا يكون الإجماع المنقول حجّة إلاّ إذا بلغ بهذه المرتبة أي يكون كاشفاً عن قول المعصوم أو عن حجّة معتبرة.

ثمّ إنّ المشهور عدم حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، بمعنى انّ أدلّة حجّية خبر الواحد لا يعمُّ المورد، و ذلك لأنّ قول الثقة إنّما يكون حجّة إذا أخبر عن قول المعصوم أو الحجّة المعتبرة عن حس لا عن حدس، كما إذا أخبر زرارة عن قول الإمام بالسماع عنه، و أمّا المقام فإنّ ناقل الإجماع و إن كان ينقل الاتفاق

عن حس لكنّه لا ينقل قول الإمام عن حس و إنّما ينقله عن حدس، و دليل حجّية قول الثقة لا يشمل ما ينقله المخبر لا عن حس.

فإن قلت: إنّ الإخبار عن حدس إذا كان مستنداً إلى الحس، الملازم للمخبر به عند الناقل و المنقول إليه، فهو حجّة، كما إذا أخبر عن الشجاعة و العدالة اللّتين هما من الأُمور النفسانية غير المحسوسة مستنداً إلى مشاهداته في ميدان القتال و تورّعه عن المحرّمات و المشتبهات، فليكن الإجماع المنقول بخبر الواحد من هذا النوع من الخبر فانّ الناقل و إن لم يخبر عن قول الإمام عن حس و إنّما يخبر عنه عن حدس لكن حدسه مستند إلى اتّفاق العلماء الذي هو أمر محسوس، و هو عند الناقل و المنقول إليه ملازم لوجود الدليل المعتبر للعلماء في إفتائهم.

قلت: ما ذكرته صحيح إذا بذل الناقل جهده لتحصيل مثل ذلك الاتّفاق الذي لا يفارق الحجّة و أنّى لأكثر الناقلين للإجماع هذا النوع من تحصيل الجهد، فإنّ غالب نَقَلَة الإجماع يتساهلون في نقل الإجماع، و ربما يكتفون في ادّعاء الإجماع بالعثور على فتوى جماعة قليلة من دون أن يكون هناك ملازمة بين الاتّفاق و الدليل المعتبر.

فإذا كان هذا هو الحال في أغلب الإجماعات الدارجة على ألسن الفقهاء المتقدّمين و المتأخّرين، فلا يصحّ الاعتماد عليه إذ ليس هناك أيّة ملازمة بين السبب(الاتفاق الذي حصَّله الناقل) و المسبب(قول المعصوم أو الدليل المعتبر).

نعم لو كان الناقل ممّن لا يدّعي الإجماع إلاّ بعد تتبع تام في المصادر، و كانت المسألة من المسائل المعنونة في العصور السابقة يمكن الاعتماد على إخباره عن الإجماع الملازم لقول المعصوم أو الحجّة المعتبرة، و هو بين نقلة الإجماع نادر جدّاً.

و أقصى ما يمكن أن يقال انّ الإجماعات المنقولة تصدّ الفقيه عن التسرّع بالفتوى إلاّ بعد التتبع التام في كلمات العلماء لتُعرف مدى صحّة الإجماع.

الأدلّة الظنّية

3- الشهرة الفتوائيّة

إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

أ. الشهرة الروائيّة.

ب. الشهرة العمليّة.

ج. الشهرة الفتوائيّة.

أمّا الأُولى، فهي الرواية التي اشتهر نقلها بين المحدِّثين و كثرت رواتها، كالأحاديث الواردة في نفي التجسيم و التشبيه و نفي الجبر و التفويض عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)و يقابلها النادر.

ثمّ إنّ الخبر المشهور إنّما يكون معبِّراً عن الحكم الشرعي فيما إذا أفتى الفقهاء على وفقه، و أمّا إذا رواه المحدّثون و لكن أعرض عنه الفقهاء، فهذه الشهرة موهنة لا جابرة.

أمّا الثانية، فهي الرواية التي عمل بها مشهور الفقهاء و أفتوا على ضوئها، فهذه الشهرة تورث الاطمئنان، و تسكن إليها النفس، و هي التي يصفها الإمام في مقبولة عمر بن حنظلة الّتي وردت في علاج الخبرين المتعارضين اللّذين أخذ بكلّ واحد منهما أحد الحكَمين في مقام فصل الخصومات بقوله:»يُنظرُ إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخذ به من

حُكْمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك«. (1)

و على ضوء ذلك فالشهرة العملية تكون سبباً لتقديم الخبر المعمول به على المتروك الشاذّ الذي لم يعمل به.

و هل يكون عمل الأصحاب المتقدّمين بالرواية جابراً لضعف سندها و إن لم يكن لها معارض؟ ذهب المشهور إلى أنّه جابر لها. نعم الجابر للضعف هو عمل المتقدّمين من الفقهاء الذين عاصروا الأئمة(عليهم السلام)، أو كانوا في الغيبة الصغرى، أو بعدها بقليل كوالد الصدوق و ولده و المفيد و غيرهم، و أمّا المتأخّرون فلا عبرة بعملهم و لا إعراضهم، و قد أوضحنا ذلك في محاضراتنا. (2)

و أمّا الثالثة، فهي عبارة عن اشتهار الفتوى في مسألة لم ترد فيها رواية و هي التي عقدنا البحث لأجله، مثلاً إذا اتّفق المتقدّمون على حكم في مورد، و لم نجد فيه نصاً من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يقع الكلام في حجّية تلك الشهرة الفتوائية و عدمها.

و الظاهر حجّية مثل هذه الشهرة، لأنّها تكشف عن وجود نص معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا حتى دعاهم إلى الإفتاء على ضوئه، إذ من البعيد أن يُفتي أقطاب الفقه بشيء بلا مستند شرعي و دليل معتدّ به، و قد حكى سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف أنّ في الفقه الإمامي مسائل كثيرة تلقّاها الأصحاب قديماً و حديثاً بالقبول، و ليس لها دليل إلاّ الشهرة الفتوائية بين8.


1) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. و قد رواها المشايخ الثلاثة في جوامعهم و تلقّاها الأصحاب بالقبول. و لذلك سمّيت بالمقبولة.

2) . المحصول في علم الأُصول:3/207 208.

القدماء، بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلّة، لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجرّدة عن الدليل.

و يظهر من غير واحد من الروايات أنّ أصحاب أئمّة أهل البيت كانوا يقيمون وزناً للشهرة الفتوائية السائدة بينهم و يقدّمونها على نفس الرواية التي سمعوها من الإمام(عليه السلام)، و لنأت بنموذج:

روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانس قال: أوصى إليّ رجل و ترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، و ترك ابنة، و قال: لي عصبة بالشّام، فسألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن ذلك فقال: أعط الابنة النصف، و العصبة النصف الآخر، فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر. ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه(عليه السلام)فأخبرته بما قال أصحابنا و أخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: أحسنت إنّما أفتيتك مخالفة العصبة عليك.. (1)

توضيح الرواية: انّه إذا توفّي الأب و لم يكن له وارث سوى البنت، فالمال كلّه لها، غاية الأمر:

النصف الأوّل فرضاً و النصف الآخر ردّاً.

و لكن أهل السنّة يورّثون البنت في النصف و العصبةَ في النصف الآخر، و قد كان حكم الإمام في اللقاء الأوّل بما يوافق فتوى العامة، و لمّا وقف الراوي على أنّ المشهور بين أصحاب الإمام غير ما سمعه ترك قول الإمام و عمل بما هو المشهور عند أصحابه. فلولا أنّ للشهرة الفتوائية قيمة علمية لما عمل الراوي بقول الأصحاب، و هذا يدلّ على أنّه كانت للشهرة الفتوائية يومذاك مكانة عالية إلى حدّ ترك الراوي القولَ الذي سمعه من الإمام و قد أخبر الإمام عند وفد إليه في العام القادم و هو عليه صحّح عمله.4.


1) . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث4.

الأدلّة الظنّية

4- حجّية قول اللغوي

إنّ لتمييز الموضوع له عن غيره طرقاً قد تقدّم بعضها في الجزء الأوّل، أعني: التبادر و صحّة الحمل و الاطراد و قول اللغويّ، و الكلام في المقام في حجّية الأخير في تعيين الموضوع له.

و على القول بالحجّية، فهل هو حجّة من باب الشهادة و انّ اللغوي يشهد انّ العرب تستعمل ذلك اللفظ في هذا المعنى؟ أو حجّة من باب حجّية أهل الخبرة كالمقوم؟ فيها وجهان.

فذهب بعض إلى أنّ قوله حجّة من باب الشهادة، فيعتبر فيه التعدّد و العدالة و اخباره عن حس.

و ربما يقال بأنّه حجّة من باب حجّية قول أهل الخبرة، كالمقوّم و الطبيب، فتشمله أدلّة حجّية قول أهل الخبرة، فلا تعتبر فيه العدالة و التعدّد، بل يكفي الوثوق بقوله.

يستدلّ للقول الأوّل بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأُمور الحسية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات و المحاورات، و ليس له إعمال النظر و الرأي، فيكون داخلاً في باب الشهادة و تشمله أدلّة الشهادة، و يعتبر فيها العدالة و التعدّد على قول المشهور. (1)


1) . مصباح الأُصول:2/131.

يلاحظ عليه: أنّ إخباره عن موارد الاستعمال فضلاً عن إخباره عن المعنى الحقيقي في مقابل المعنى المجازيّ ليس مجرداً عن إعمال النظر و الاجتهاد، بل هو مزيج بالحدس، و يدلّ على ذلك انّ أصحاب المعاجم يستشهدون على إثبات مقاصدهم بالآيات و الأحاديث النبوية و الأشعار، فيستخرجون موارد الاستعمال ببركة الإمعان فيها، فالجلُّ لو لا الكل مزيج بالاجتهاد و يتّضح ذلك لمن سَبَرَ كتب اللغة، فالحق حجّية قولهم من باب انّهم أهل الخبرة.

و قد أورد على هذا القول بعدم حجّية هذه السيرة، لعدم وجودها في زمان المعصومين(عليهم السلام)، فإنّ الرجوع إلى كتب اللغويين أمر حادث. (1)

يلاحظ عليه: بوجود هذه السيرة(أي الرجوع إلى أئمّة اللغة و كتبهم) في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، و هذا هو الخليل بن أحمد الفراهيدي من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)و قد أدرك عصر الإمام الكاظم(عليه السلام)ألّف كتابه العين ليرجع إليه الناس، و قد توفّي عام 170ه، و كان مرجعاً في اللغة.

و كان الأصمعي(المتوفّى207ه) المرجع في اللغة و الأدب، و كان الناس يسألونه عن معاني الألفاظ، و قد سئل يوماً عن الألمعيّ فأنشد:

الألمعيّ الذي يظن بك الظن كأن قد رأى و قد سمعا

و كان ابن عباس المرجعَ الكبير في تفسير لغات القرآن، و كان يقول:الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانه، فالتمسنا معرفة ذلك منه ثمّ قال:

إذا سألتموني عن غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب.

و كان يُسأل عن القرآن فينشد فيه بالشعر، و قد سأله نافع بن الأزرق عن7.


1) . تهذيب الأُصول:2/97.

لغات القرآن ما يربو على مائة و سبعين سؤالاً، فأجابه مستشهداً بشعر العرب، و هو يعرب عن إحاطة ابن عباس بشعر العرب و موارد استعماله، و قد نقلها السيوطي في »الإتقان«. (1)

هذا إذا قلنا بحجية قول اللغوي و أمّا إذا لم نقل بحجيّة قوله (2)، فليس للفقيه أيضاً غنى عن الرجوع إلى المعاجم، و ذلك لأنّ هناك ألفاظاً فقهية معلومة إجمالاً، لكنّها مجهولة من حيث الشروط و القيود فلا تفهم إلاّ بالرجوع إلى المعاجم المعتبرة لاستظهار الحقيقة منها بالدقة و الإمعان.

لا أقول: إنّ قول اللغوي الواحد حجّة، بل أقول إنّ الرجوع إلى المعاجم المختلفة المعتبرة و الدقّة في كلماتهم و ضرب بعضها على بعض، يورث الاطمئنان و يزيح الستار عن وجه الواقع، مثلاً: اختلف الفقهاء في معنى القمار و المقامرة و انّه هل يعتبر فيهما العوض أو لا؟ و هل يعتبر فيه الآلة المتعارفة أو لا؟ و لا يعلم ذلك إلاّ بعد مراجعة اللغات الأصلية حتّى يحصل الاطمئنان بواحد من الطرفين.

إلى هنا تمّ البحث في الأدلّة الظنّية الّتي قامت على حجّيتها أدلّة قطعية، فيبقى البحث في العرف و السيرة، و قد تطرّقنا إليها في »الموجز« على قدر الكفاية.

ثمّ إنّ هناك ظنوناً غير معتبرة عندنا و معتبرة عند أهل السنّة نتناولها بالبحث لمسيس الحاجة إلى الوقوف عليها.6.


1) . الإتقان:1/382 416.

2) . ذكرنا دليل القائلين بحجّية قول اللغوي و عدمها في الموجز، ص175 176.

الظنون غير المعتبرة

اشارة
1. القياس 2. الاستحسان 3. الاستصلاح أو المصالح المرسلة 4. سدّ الذرائع 5. فتح الذرائع 6. قول الصحابي 7. إجماع أهل المدينة

الظنون غير المعتبرة تنقسم الظنون عندنا إلى قسمين: معتبرة و قد مضى الكلام فيها و غير معتبرة عندنا، و معتبرة عند أكثر أهل السنّة، و هي عبارة عن الأُمور التالية:

القياس، الاستحسان، الاستصلاح، سد الذرائع، الحيل(فتح الذرائع)، قول الصحابي، إجماع أهل المدينة، فلنأخذ كلّ واحد بالبحث على حدة.

1. القياس
و لنقدم أُموراً:
الأمر الأوّل: حقيقة القياس

القياس في اللّغة: هو التسوية، يقال قاس هذا بهذا أي سوّى بينهما، قال علي(عليه السلام):»لا يقاس بآل محمد(صلى الله عليه و آله و سلم)من هذه الأُمّة أحد« (1)أي لا يُسوّى بهم أحد.

و في الاصطلاح: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصٌّ، عن حكم واقعة ورد فيها نصٌّ، لتساويهما في علّة الحكم، و مناطه و ملاكه.

ثمّ إنّ أركان القياس أربعة:

الأصل: و هو المقيس عليه.

الفرع: و هو المقيس.


1) . نهج البلاغة، الخطبة الثانية.

الحكم: و هو ما يحكم به على الثاني بعد الحكم به على الأوّل.

العلّة: و هو الوصف الجامع، الذي يجمع بين المقيس و المقيس عليه، و يكون هو السبب للقياس.

مثلاً إذا قال الشارع: »الخمر حرام لكونه مسكراً«، فإذا شككنا في حكم سائر السوائل المسكرة كالنبيذ و الفقاع يحكم عليهما بالحرمة، لاشتراكهما مع الخمر في الجهة الجامعة.

الأمر الثاني: أقسام القياس

إنّ القياس ينقسم إلى منصوص العلّة، و مستنبطها.

فالأوّل فيما إذا نصَّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه على وجه علم أنّها علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها لا حكمته التي ربّما يتخلّف الحكم عنها.

و الثاني، فيما إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، و إنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره و جهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

و ينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:

تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم و مناطه.

و أُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظن بكونه كذلك.و سيوافيك حكم القسمين تحت عنوان »تنقيح المناط«.

و قلّما يتّفق لإنسان عادي أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع و مناطه واقعاً، و أنّه ليس هناك ضمائم أُخرى وراء ما أدرك.

الأمر الثالث: الفرق بين علّة الحكم و حكمته

الفرق بين علّة الحكم و حكمته، هو أنّ الحكم لو كان دائراً مدار الشيء وجوداً و عدماً، فهو علّة الحكمِ و مناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، و امّا إذا كان الحكم أوسع ممّا ذُكر في النصّ، أو اسْتُنْبِطَ، فهو من حِكَم الأحكام و مصالحه، لا من مناطاته و ملاكاته، فمثلاً:

الإنجاب و تكوين الأُسرة من فوائد النكاح و مصالحه، و ليس من مناطاته و ملاكاته، بشهادة أنّه يجوز تزويج المرأة العقيمة و اليائسة و من لا تطلب ولداً بالعزل، و غير ذلك من أقسام النكاح.

الأمر الرابع: القياس في منصوص العلّة

العمل بالقياس في منصوص العلّة راجع في الحقيقة إلى العمل بالسنّة، لا بالقياس، لأنّ الشارع شرّع ضابطة كلّية عند التعليل، فنسير على ضوئها في جميع الموارد التي تمتلك تلك العلّة، كما في قول الإمام الرضا(عليه السلام)في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح، و يطيب طعمه، لأنّ له مادة. (1)

فإنّ قوله :»لأنّ له مادة« تعليل لقوله:»لا يفسده شيء« فيكون حجّة في غير ماء البئر، لانّه يشمل بعمومه ماء البئر، و ماء الحمام، و العيون و حنفية الخزّان و غيرها، فلا ينجس الماء إذا كانت له مادّة، و عندئذ يكون العمل بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة، و الفروع بأجمعها داخلة تحتها.


1) . وسائل الشيعة:1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

الأمر الخامس: قياس الأولوية

القياس الأولوي: هو عبارة عن كونِ الفرع(ضرب الوالدين) أولى بالحكم من الأصل(التأفيف) عند العرف، مثل دلالة قوله تعالى:( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (1)) (2)على تحريم الضرب، و لا شكَّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفيّ، يقف عليه كل من سمع الآية.

الأمر السادس: تنقيح المناط أو إلغاء الخصوصيّة

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف، و خصوصيات، لا يراها العرف المخاطب دخيلة في الموضوع، و يتلقّاها من قبيل التمثيل على وجه القطع و اليقين، فهذا ما يسمّى بتنقيح المناط أو الغاء الخصوصية كما إذا ورد في السؤال: رجل شك في المسجد بين الثلاث و الأربع، فأُجيب بأنّه يبني على الأكثر، فإنّ العرف لا يرى للرجولية و مكان الشك(المسجد) تأثيراً في الحكم، و لذلك يرى الحكم ثابتاً لمطلق الشاك، من غير فرق بين الرجل و المرأة، و المسجد و غيره.

و هذا(قياس المرأة بالرجل و غير المسجد بالمسجد) ليس بقياس في الحقيقة بل حكم الكل مستفاد من النصّ، بمساعدة فهم العرف على عدم مدخلية القيدين.

و مما ذكرنا ظهر انّ النزاع في حجّية القياس منحصر في القياس الذي استنبط المجتهد علّته و مناطه، من دون أيّ دلالة عليه من جانب الشرع و إنّما يقوم به عقل المستنبط و حدسه على حدّ الظنّ بأنّ ما استنبطه مناط الحكم و ملاكه.


1) سوره 17 - آیه 23

2) . الإسراء:23.

الأمر السابع: السبب من وراء العمل بالقياس

ظهر القول بالقياس بعد رحيل النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)لمواجهة الأحداث الجديدة، و كان هناك اختلاف حادّ بين الصحابة في الأخذ به، و لو توفّرت بأيديهم نصوص فيها لما حاموا حول القياس، و لكن إعواز النصوص جرّهم إلى العمل بالقياس لأجل معالجة المشاكل العالقة و المسائل المستحدثة، و قد نقل ابن خلدون عن أبي حنيفة أنّه لم يصح عنده من أحاديث الرسول إلاّ سبعة عشر حديثاً. (1)فإذا كان الصحيح عنده هذا المقدار اليسير فكيف يقوم باستنباط الأحكام من الكتاب و السنّة؟! فلم يكن له محيص إلاّ اللجوء إلى القياس و الاستحسان.

فأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)و لفيف من الصحابة و التابعين رفضوه و أكثروا من ذمِّه، و الشيعة عن بكرة أبيهم تبعاً للنبي(صلى الله عليه و آله و سلم)و أهل بيته أبطلوا العمل بالقياس، و وافقهم من الفقهاء داود بن خلف، إمام أهل الظاهر، و تبعه ابن حزم الأندلسي، فلم يقيموا له وزناً، و أوّل من توسّع في القياس هو أبو حنيفة شيخ أهل القياس، و تبعه مالك، و ابن حنبل.

و قد عقد شيخنا الحرّ العاملي في وسائله باباً خاصاً، أسماه باب »عدم جواز القضاء و الحكم بالمقاييس« و نقل فيه ما يربو على عشرين حديثاً في النهي عن العمل بالقياس.

و مما نقل فيه انّ أبا حنيفة دخل على أبي عبد اللّه(عليه السلام)، فقال له: »يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس«.

قال: نعم، قال: »لا تقس فانّ أوّل من قاس هو إبليس«. (2)فقد قاس نفسه


1) . مقدمة ابن خلدون:444، الفصل السادس في علوم الحديث. نعم الحنفية ينكرون هذه النسبة إلى إمامهم.

2) . الوسائل: الجزء18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 24.

بآدم، فزعم أنّه أفضل من آدم، لأنّه خُلِق من طين، و هو خُلِقَ من النار، و لم يلتفت إلى أنّ ملاك السجود هو الروح الإلهية التي نفخت في آدم، فصار مجلى لأسمائه و صفاته تعالى و عاد معلّماً للملائكة.

أدلّة القائلين بالقياس
أ. الدليل النقلي

و اعلم أنّ الأصل الأوّلي في الظنون التي لم يقم دليل على حجّيتها، هو عدم الحجّية و قد سبق انّ الشكّ في حجّية كلّ ظن لم يقم على حجّيته دليل يلازم القطع بعدم الحجّية ما لم يدل دليل عليه (1)، و قد استدل القائلون بحجّية القياس بوجوه نشير إلى أهمّها:

1.

حديث الجارية الخثعمية قالت: يا رسول اللّه إنّ أبي أدركته فريضة الحج شيخاً، زمناً لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟ فقال لها:»أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه، أ كان ينفعه ذلك؟« قالت: نعم، قال: »فدَيْن اللّه أحقّ بالقضاء«.

2.

حديث ابن عباس: انّ امرأة جاءت إلى النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)فقالت: إنّ أُمي نذرت أن تحجّ فماتت قبل أن تحجّ، أ فأحج عنها؟ قال: »نعم حجّي عنها، أ رأيت لو كان على أُمّك دَيْن أ كنت قاضية؟«.

قالت: نعم، فقال: »اقضوا للّه فإنّ اللّه أحقّ بالوفاء«. (2)

وجه الاستدلال: انّ الرسول ألْحق دَيْن اللّه بدين الآدمي في وجوب القضاء


1) . مرّ صفحة 51 من هذا الكتاب.

2) . السرخسي، أُصول الفقه:2/130.

و نفعه، و هو عين القياس بشهادة أنّه قال: »فدَيْن اللّه أحقّ بالقضاء و الوفاء«. (1)

يلاحظ على الاستدلال بكلا الحديثين مضافاً إلى أنّ الاستدلال على حجّية قياس غير المعصوم، بقياس المعصوم نوع من القياس، و هو أوّل الكلام أنّ القياس الوارد في كلام النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)من باب القياس الأولوي، و ذلك لأنّه إذا وجب الوفاء بحقوق الناس حسب النص فحقوق اللّه أولى بالقضاء و الوفاء كما نصّ به النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)في الحديث و أين هذا من مورد النزاع؟! و قد تقدّم انّ القياس الأولوي عمل بالنصّ، لأنّه مدلول عرفي.

3. حديث عمر بن الخطاب، قال: قلت: يا رسول اللّه، أتيتُ أمراً عظيماً، قبّلتُ و أنا صائم، فقال رسول اللّه: »أ رأيت لو تمضمضت بماء و أنت صائم«، فقلتُ: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه: »فصم«.

وجه الاستدلال: انّه(صلى الله عليه و آله و سلم)قاس القُبْلة بالمضمضة، فحكمَ بعدم بطلان الصوم فيها إيضاً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحديث دليل على بطلان القياس، لأنّ عمر ظنَّ أنّ القُبلة تُبطل الصوم قياساً على الجماع، فردَّ عليه رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): بأنّ الأشياء المماثلة و المتقاربة لا تستوي أحكامها.

و ثانياً: أنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع من حكم الأصل، بحيث يستمد الفرع حكمه من الأصل، و ليس المقام كذلك، بل كلاهما في مستوى واحد كغصني شجرة، أو كجدولي نهر.

و إن شئت قلت: إنّ المبطل هو الشرب لا مقدّمته(المضمضة)، كما أنّ المبطل هو الجماع لا مقدّمته، فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في0.


1) . السرخسي، أُصول الفقه:2/130.

الشرب، دون الجماع، أرشده النبي إلى تشبيه القُبلَة بالمضمضة إقناعاً للمخاطَب، لا استنباطاً للحكم من الأصل.

ب: الدليل العقلي

و يقرّر بوجهين:

أ. انّه سبحانه ما شرّع حكماً إلاّ لمصلحة، و أنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعةُ المسكوت عنها، الواقعةَ المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة و العدالة أن تساويها في الحكم، تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، و لا يتفق و عدلَ اللّه و حكمتَه أن يحرّم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده، و يبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر، و هي الإسكار، لأنّ مآل هذا ، المحافظةُ على العقول من مسكر، و تركها عرضة للذهاب بمسكر آخر. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الكبرى مسلّمة، و هي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح و المفاسد، إنّما الكلام في وقوف الإنسان على مناطات الأحكام و عللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، و أمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علماً قطعيّاً بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، و لذلك روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أنّه سبحانه حرّم الخمر و حرّم النبيُّ كلَّ مسكر. (2)و لو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجية القياس اثنان.

و لأجل إيضاح الحال، و أنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:


1) . عبد الوهاب الخلاف: مصادر التشريع الإسلامي: 3534.

2) . الكليني:الكافي:1/265، باب التفويض إلى رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم).

اعلم أنّه إذا نصّ الشارع على حكم و لم ينصّ على علّته و مناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر و التقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم، و تصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها، و يختبرها وصفاً وصفاً، و بواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علّة، و يستبقي ما يصحّ أن يكون علة، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟ و لكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غض النظر عن النهي الوارد في العمل بالقياس:

أوّلاً: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم بأنّ العلّة عندنا و عنده واحدة؟ ثانياً: لو افترضنا أنّ المُقيس أصاب في أصل التعليل، و لكن من أين نعلم أنّها تمام العلّة، لعلّها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع و لم يصل المُقيس إليه؟ ثالثاً: نحتمل أن تكون خصوصية المورد دخيلة في ثبوت الحكم، مثلاً لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعاً في فساد البيع، و لكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه، إذا كان المهر فيه مجهولاً، فالعلّة هي الجهل بالثمن، لا مطلق الجهل بالعوض حتى يشمل المهر، و مع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.

و قد ورد على لسان أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)النهي عن الخوض في تنقيح المناط، و يشهد بذلك ما رواه أبان بن تغلب، عن الإمام الصادق(عليه السلام)يقول أبان:

قلت له: ما يكون في رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟

قال: »عشر من الإبل«.

قلت: قطع اثنتين؟ قال: »عشرون«.

قلت: قطع ثلاثاً؟ قال:»ثلاثون«.

قلت: قطع أربعاً؟ قال: »عشرون«.

قلت: سبحان اللّه، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعاً، فيكون عليه عشرون؟! إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: الذي جاء به شيطان.

قال: »مهلاً يا أبان: هذا حكم رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية. فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان: إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست مُحِق الدين«. (1)

و الإمام ليس بصدد تخطئة أبان لقطعه الحاصل من القياس، بل بصدد إزالة يقينه بالتصرّف في مقدّماته، و هو أنّه أخذ الشريعة من القياس.

و الذي يكشف عن هذا المطلب، هو أنّ الجارية تحت العبد إذا أعتقت فلها الخيار إن شاءت مكثت مع زوجها، و إن شاءت فارقته، أخذاً بالسنّة حيث إنّ بريدة كانت تحت عبد، فلمّا أُعتقت، قال لها رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم):»اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، و إن شئت أن تفارقيه«. (2)2.


1) . الوسائل:19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

2) . الشوكاني: نيل الأوطار:3/152.

ثمّ إنّ الحنفية قالت بأنّ الجارية تحت الحرّ إذا أُعتقت لها الخيار كالمعتقة تحت العبد لاشتراكهما في كونهما جاريتين اعتقتا، و لكن من أين نعلم بأنّ الانعتاق تمام المناط للحكم؟ و لعلّ كونها تحت العبد و افتقاد المماثلة جزء العلّة؟ فما لم نقطع بالمناط لا يمكن إسراء الحكم، و هذا هو الذي دعا الشيعة إلى منع العمل بالقياس و طرح تخريج المناط الظني الذي لا يغني من الحق شيئاً.

إلى هنا تمّ الدليل الأوّل للقائلين بالقياس و إليك دليلهم الثاني.

ب. انّ نصوص القرآن و السنّة متناهية، و الوقائع غير محدودة فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية مصادر تشريعيّة لما لا يتناهى، و القياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة، و يكشف عن حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث. (1)

يلاحظ عليه: أنّ استدلاله هذا أشبه بدليل الانسداد عند القائلين بحجّية الظن المطلق، و من المعلوم أنّه لا تصل النوبة إلى الظن إلاّ بعد انسداد باب العلم، و العلمي، لكنه مفتوح عندنا ببركة أحاديث العترة الطاهرة الّذين أمر النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)بالتمسّك بهم و بالكتاب معاً.

إنّ أهل القياس من السنّة رووا و صحّحوا حديث الثقلين فيجب عليهم الرجوع إليهم في العقيدة و الشريعة لكونهم عدل القرآن و لو رجعوا إليهم لاستغنوا عن العمل بالقياس الذي ما أنزل اللّه به من سلطان.

إلى هنا تبيّن عدم توفر دليل صالح لحجّية القياس مع قطع النظر عن النهي الوارد فيه، و قد عرفت تضافر الروايات على النهي عن القياس، و لنذكر ما روي عن أعلام السنّة حول القياس:2.


1) . الشوكاني: نيل الأوطار:3/152.

1.

روي عن ابن سيرين أنّه قال: أوّل من قاس إبليس، و ما عُبدت الشمس و القمر إلاّ بالمقاييس.

2.

و روي عن الحسن البصري: أنّه تلا هذه الآية:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (1)) (2)، قال:

قاس إبليس و هو أوّل من قاس.

3.

و روي عن مسروق أنّه قال: إنّي أخاف و أخشى أن أقيس فتزلّ قدمي.

4.

و روي عن الشعبي قال: و اللّه لأن أخذتم بالمقاييس لتُحرّمنّ الحلال و لتحلنّ الحرام.

إلى غير ذلك. (3)

2. الاستحسان

الاستحسان لغة: عدّ الشيء حسناً، كالاستقباح، و هو عدّه قبيحاً.

و أمّا اصطلاحاً فقد اختلفوا في تعريفه و لنذكر تعريفين:

1. الاستحسان: ترك القياس و الأخذ بما هو أوفق للناس. و على هذا التعريف، فالاستحسان استثناء من القياس و مخصِّص له، و كأنّ المجتهد يترك القياس الجلي بقياس خفي.

فمثلاً مقتضى القياس الجلي، هو إلحاق سؤر الطيور المعلّمة بسؤر الحيوان المفترس في النجاسة على القول بنجاسة سؤره لاشتراكهما في الافتراس، و لكن مقتضى القياس الخفي إلحاقه بسؤر الإنسان في الطهارة.

2. الاستحسان:هو ترك الدليل في المسألة قياساً كان أو غيره، لدليل

1) سوره 7 - آیه 12

2) . الأعراف:12.

3) . الدارمي، السنن:1، باب تفسير الزمان، ص65.و لاحظ كتاب العدة للشيخ الطوسي:2/688 690للوقوف على كلمات نفاة القياس من أعلام السنّة.

يستحسنه المجتهد بعقله. و لعلّ التعريف الثاني أوفق كما يظهر من الأمثلة التي سنذكرها.

و قد كان مالك بن أنس أكثر الناس أخذاً به، حيث قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم; و كان الشافعي رافضاً له، حيث قال: من استحسن فقد شرّع; إلى ثالث يفصِّل بين الاستحسان المبني على الهوى و الرأي، و الاستحسان المبني على الدليل.

و القول الحاسم في الاستحسان هو أن يقال: إنّ المجتهد المستحسِن إذا استند إلى ما يستقل به العقل من حسن العدل و قبح الظلم، أو إلى دليل شرعي، فلا إشكال في كونه حجّة، لأنّه أفتى بالدليل، لا بمجرّد الاستحسان، و أمّا إذا استند لمجرد استحسان طبعه و فكره، و أنّ الحكم الشرعي لو كان كذا لكان أحسن، فهو تشريع باطل، و إفتاء بما لم يقم عليه دليل شرعي و هو تشريع محرّم.

و لنذكر أمثلة:

1. انّ مقتضى قوله سبحانه:( وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1)). (2)

هو قطع يد السارق من دون فرق بين عام الرخاء و المجاعة، لكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة.

2. يقول سبحانه:( وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ (3)). (4)

و قد نقل عن مالك بن أنس إخراج الأُم، الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن تُرضع ولدها.

يلاحظ عليه: بأنّ التفريق بين عام المجاعة و غيره، أو بين الأُمّهات، إن كان3.


1) سوره 5 - آیه 38

2) . المائدة:38.

3) سوره 2 - آیه 233

4) . البقرة:233.

مستنداً إلى دليل شرعي لا أقلّ من انصراف الدليل عن عام المجاعة، أو الأُم الرفيعة المنزلة فهو، و إلاّ فلا وجه لصرف الحكم عنهما، لأنّ ذمّة المجتهد رهن إطلاق الدليل الأوّل فلا يجوز له العدول عن مقتضى دليله إلى حكم آخر بمجرّد الاستحسان و موافقته لطبعه، بل لا بدّ من دليل شرعي يعتمد عليه في العدول، و على ضوء ذلك فالعدول لو كان مستنداً إلى دليل شرعي فهو عدول من حجّة إلى حجّة أقوى، سواء استحسنه الطبع أم لا، و إن لم يكن كذلك فهو تشريع محرّم.

و بذلك يظهر أنّ الاستحسان بما هو استحسان ليس له قيمة في مجال الإفتاء، بل الاعتبار بالدليل، فلو كان هناك دليل للعدول فالمنكر و المثبت أمامه سواء، و إن لم يكن فلا وجه للعدول.

و لأجل ذلك نرى أنّ بعض المتأخرين من أهل السنّة فسّره بوجه ثالث، و قال: هو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة إلى حكم آخر فيها، لدليل شرعي اقتضى هذا العدول، و هذا الدليل الشرعي المقتضي للعدول هو سند الاستحسان. (1)

أقول: إذا كان ثمة دليل معتبر على العدول فلا عبرة بالاستحسان حتى يكون الدليل سنداً و عماداً له.

و يكون استخدام لفظ»الاستحسان« في المقام غير صحيح، لأنّ الفقيه إمّا يعتمد على دليل شرعي، فالحجّة هو الدليل سواء استحسنه المجتهد أم لا، و إلاّ فلا قيمة له بمجرد أنّ الفقيه يميل إليه بطبعه.1.


1) . عبد الوهاب الخلاف: مصادر التشريع الإسلامي: 71.

3. الاستصلاح أو المصالح المرسلة

المصالح المرسلة:عبارة عن تشريع الحكم في واقعة لا نصّ فيها، و لا إجماع، وفقَ مصلحة مرسلة لم يدلّ دليل على اعتبارها و لا على عدم اعتبارها، و في الوقت نفسه في اعتبارها جلب نفع أو دفع ضرر.

فقد ذهب مالك و آخرون تبعاً له إلى أنّ الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الأحكام فيما لا نصّ فيه و لا إجماع، و لكنّ الشافعي و من تبعه ذهبوا إلى أنّه لا استنباط و لا استصلاح، و من استصلح فقد شرّع.

و قد استدل عليها بما يلي:

إنّ الحياة في تطوّر مستمر و مصالح الناس تتجدّد و تتغيّر في كل زمن. فلو لمتشرّع الأحكام المناسبة لتلك المصالح لوقع الناس في حرج، و تعطّلت مصالحهم في مختلف الأزمنة و الأمكنة، و وقف التشريع عن مسايرة الزمن و مراعاة المصالح و التطورات، و هذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس و تحقيقها. (1)

و قد اشترط الإمام مالك فيها شروطاً ثلاثة:

1.

أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع و لا دليلاً من أدلّته.

2.

أن تكون ضرورية للناس مفيدة لهم، أو دافعة ضرراً عنهم.

3.

أن لا تمسَّ العبادات، لأنّ أغلبها لا يعقل لها معنى على هذا التفسير. (2)


1) . الوجيز في أُصول الفقه: 94 لابن وهبة.

2) . الدكتور أحمد شلبي: تاريخ التشريع الإسلامي: 173172.

فلنذكر عدّة أمثلة:

1.

ما روي انّ عمر منع إعطاء المؤلّفة قلوبهم ما كانوا يأخذونه في عهد الرسول بعد ما قوي الإسلام.

2.

تجديد عثمان أذاناً ثانياً لصلاة الجمعة لمّا كثر المسلمون، و لم يكف الأذان بين يدي الخطيب و إعلامهم.

3.

اشتراط سن معيّنة للمباشرة عند الزواج.

4.

انشاء الدواوين و سَكِّ النقود.

أقول: إنّ الإمعان في الدليل يثبت بأنّ اللجوء إلى قاعدة الاستصلاح لأجل أمرين:

1. إعواز النصوص في المسائل الفرعية المستجدة ذات المصالح. فلم يجدوا بُدّاً من تشريع الحكم على وفقها.

و معنى هذا أنّهم وجدوا التشريع الإسلامي الموروث من النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)غير واف بحاجات الناس المستجدة، لأنّ الحاجات كثيرة و المصادر قليلة، و لا يفي القليل بالكثير.

2. أنّهم أعطوا لأنفسهم حقّ التشريع في تلك المواضع.

و كلا الأمرين لا يوافقان روح الإسلام لتصريحه بكمال الدين، و كماله رمز كمال تشريعه، فكيف لا يكون التشريع الموروث عن النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)وافياً بالمقصود مع أنّه سبحانه قال:( اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1))؟! (2)كما أنّ حقّ التشريع مختص باللّه سبحانه لم يفوِّضه لأحد ، و قد بيّنه بقوله:( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ (3):3


1) سوره 5 - آیه 3

2) . المائدة:3

3) سوره 12 - آیه 40

لا يَعْلَمُونَ (1)). (2)

و النظر الحاسم في المقام هو: إنّ استخدام المصالح المرسلة في مجال الإفتاء يتصوّر على وجوه:

الأوّل: الأخذ بالمصلحة و ترك النصّ بالمصلحة المزعومة، و هذا نظير إمضاء الطلاق ثلاثاً، ثلاثاً.

روى مسلم عن ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول اللّه و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناها عليهم، فأمضاه عليهم. (3)

لا شكّ أنّ الخليفة صدر في حكمه هذا عن مصلحة تخيّلها، و لكنّ هذا النوع من الاستصلاح رفض للنصّ في موردها، و هو تشريع محرّم.

و على هذا نهى الخليفة عن متعة الحج و متعة النساء، و الحيعلة في الأذان.

الثاني: إذا كان الحكم على وفق الاستصلاح مخالفاً لإطلاق الدليل كما هو الحال في منع إعطاء المؤلّفة قلوبهم، فإنّ مقتضى إطلاق الآية كونهم من مصارف الزكاة، سواء أ كان للإسلام قوّة أم لا، فتخصيص الحكم بحالة ضعف الإسلام تقديم للرأي على إطلاق الكتاب، و قد مرّ عن الإمام مالك أنّ من شرائط العمل بالاستصلاح عدم مخالفته لإطلاق أُصول الشرع.

الثالث: أن يكون الحكم على وفق المصلحة مستلزماً لإدخال ما ليس من الدين في الدين، فيكون تشريعاً محرّماً بالأدلّة الأربعة، و قد عرفت أنّ من الشرائط1.


1) سوره 12 - آیه 40

2) . يوسف:40.

3) . صحيح مسلم:4/183، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.

التي اعتبرها مالك بن أنس أن لا تمس المصالح المرسلة العبادات، لأنّ أغلبها توقيفية، و على هذا يكون الأذان الثاني أو الثالث بدعة محرّمة.

و أمّا المصلحة المزعومة من عدم كفاية الأذان بين يدي الخطيب لإعلامهم فلا يكون مسوّغاً لتشريع أذان آخر، و إنّما يتوصل إليه بأمر آخر.

الرابع: أن يكون المورد ممّا ترك أمره إلى الحاكم الإسلامي، و لم يكن للإسلام فيه حكم خاص، و هذا كتجنيد الجنود و إعداد السلاح و حماية البلاد، فإنّ القانون هو ما ورد من قوله سبحانه:( وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَ عَدُوَّكُمْ (1)). (2)

و أمّا تطبيق هذا القانون الكلّي فهو رهن المصالح، فللحاكم تطبيق القانون الكلّي على حسب المصالح، و هذا كتدوين الدواوين، و سك النقود، فإنّ الحكم الشرعي فيها هو حفظ مصالح المسلمين و صيانة بلادهم من كيد الأعداء.

و على هذا فالاستصلاح أو المصالح المرسلة تتحدّد بهذا القسم دون سائر الأقسام.

الخامس: تشريع الحكم حسب المصالح و المفاسد العامّة، فلو افترضنا أنّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي و الأئمّة المعصومين، و فيه مصلحة عامة للمجتمع، كالتلقيح للوقاية من الجدريّ أو مفسدة لهم، كالمخدّرات القتّالة فالعقل يحكم بارتكاب الأُولى و الاجتناب عن الثانية فيمكن أن يكون الاستصلاح منشأ لكشف العقل عن حكم شرعي من دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع.

و بذلك يظهر أنّ الاستصلاح لا يكون سبباً للتشريع، و إنّما العقل ببركة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد القطعيّة، يكشف عن الحكم الشرعي.0.


1) سوره 8 - آیه 60

2) . الأنفال:60.

4. سد الذرائع

الذرائع جمع ذريعة بمعنى الوسيلة، فقد تطلق و يراد منها مقدّمة الشيء، أعني ما يتوقف عليه وجوده، من غير فرق بين أن يكون واجباً كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة أو حراماً كالمشي إلى النميمة أو استماع الغيبة.

و قد تطلق و يراد منها ما يفضي إلى الحرام، و إن لم يكن وجود الشيء متوقفاً عليه كضرب المرأة برجلها ذات الخلاخيل فإنّه ذريعة للافتتان بها، فإنّ الضرب بالأرجل في هذه الحالة يُفضي إلى الافتتان و إن كان الافتتان لا يتوقف على الضرب بالأرجل.

و على هذا، فحكم الذرائع بالإطلاق الاوّل تابع لحكم ذي الذريعة، فلو كانت ذريعة للواجب أو المستحب أو الحرام توصف بحكمه على القول بالملازمة بين وجوب الشيء أو حرمته و بين وجوب مقدمته أو حرمته.و يكون سدّ الذرائع عنواناً آخر لحكم المقدمة الذي يبحث عنه في الأُصول.

كما أنّ الذريعة بالاطلاق الثاني تدخل في الإعانة على الإثم و تكون محكومة بحكمها، يقول سبحانه:

( وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (1)). (2)

و بذلك تبيّن انّه ليس سدّ الذرائع مصدراً فقهيّاً مستقلاً بل هو داخل في أحد العنوانين(حرمة مقدّمة الحرام، أو حرمة الإعانة بالإثم).

و قد أكثرت المالكية و الحنابلة من إعماله خلافاً للحنفية حيث حلّ فتح الذرائع مكانها كما سيوافيك.


1) سوره 6 - آیه 108

2) . الأنعام:108.

5. فتح الذرائع(لحيل)

إنّ فتح الذرائع من أُصول الحنفية كما أنّ سد الذرائع من أُصول المالكية، و قد صارت هذه القاعدة مثاراً للنزاع و سبباً في الطعن بالحنفية حيث إنّ نتيجة التحيّل، إبطال مقاصد الشريعة.

و من أكثر الناس ردّاً للحيل، الحنابلة ثمّ المالكية، لأنّهم يقولون بسدِّ الذرائع، و هو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة.

إنّ إعمال الحيل على أقسام:

الأوّل: أن يكون التوصل بها منصوصاً في الكتاب و السنّة فليس المكلّف هو الذي يتحيّلها، بل الشارع رخّص في الخروج عن المضائق بطريق خاص، كتجويز السفر في شهر رمضان لغاية الإفطار، و قال:( وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (1)). (2)

الثاني: إذا كان هناك أمر واحد له طريقان أحلّ الشارع أحدهما و حرّم الآخر، فلو سلك الحلال لا يعد ذلك تمسّكاً بالحيلة، لأنّه اتخذ سبيلاً حلالاً إلى أمر حلال، و ذلك كمبادلة المكيل و الموزون من المثلين، فلو بادل التمر الرديء بالجيد متفاضلاً عُدّ رباً محرماً، دون ما يباع كل على حدة، فالنتيجة واحدة و لكن السلوك مختلف.

الثالث: إذا كان السبب غير مؤثر في حصول النتيجة شرعاً، فالتوصّل بمثله


1) سوره 2 - آیه 185

2) . البقرة:185.

محرم غير ناتج، و ذلك كالمثال الذي نقله البخاري عن أبي حنيفة و قال: في مسألة »إذا غصب جارية فزعم انّها ماتت« فحكم القاضي في المفروض بقيمة الجارية الميّتة، ثمّ وجدها صاحبها، فالجارية لصاحبها و ترد القيمة و لا تكون القيمة ثمناً.

ثمّ أضاف البخاري و قال: قال بعض الناس يريد أبا حنيفة »الجارية للغاصب لأخذه القيمة«.

ثمّ إنّ البخاري ردّ عليه بقوله:»و في هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها، و اعتلَّ بأنّها ماتت حتى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره، ثمّ رد على أبي حنيفة، بقوله: قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):»أموالكم عليكم حرام و لكل غادر لواء يوم القيامة«. (1)

و هذا النوع من الاحتيال حرام، لأنّ السبب الأصلي في كلام أبي حنيفة(زعم الغاصب موت الجارية) غير مؤثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها، كما أنّ إخبار الغاصب بموت الجارية جازماً أو عالماً بالخلاف(السبب الفرعي في كلام البخاري) لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها و خروج قيمتها عن ملك الغاصب، فعدم جواز التحيّل يرجع إلى أنّ السبب غير مؤثر.

الرابع: إذا كانت الوسيلة حلالاً، و لكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو لا تتعلّق إرادته الجدية إلاّ بالمحرّم، و لو تعلّقت بالسبب فإنّما تعلّقت به صورياً لا جدياً، كما إذا باع ما يساوي عشرة بثمانية نقداً ثمّ اشتراه بعشرة نسيئة إلى أربعة أشهر، فمن المعلوم أنّ الإرادة الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية و دفع عشرة و حيث إنّه رباً محرّم احتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الإرادة الجدية بهما، فيكون فتح هذه الذريعة أمراً محرّماً، و هذا ما يسمّى ببيوع الآجال، و قد أشار سبحانه إلىه.


1) . البخاري: الصحيح: 9/32، كتاب الإكراه.

هذا النوع من فتح الذرائع بقوله سبحانه:( وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (1)) (2). (3)

6. قول الصحابي

تَعدّ المذاهب غير المذهب الحنفي قولَ الصحابي من مصادر التشريع إجمالاً، و التحقيق انّ لقول الصحابي صوراً يختلف حكمها باختلاف الصور:

1.

لو نقل قول الرسول و سنّته يؤخذ به إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية.

2.

لو نقل قولاً و لم يسنده إلى الرسول و دلّت القرائن على أنّه نقل قول لا نقل رأي، فهو يعدّ في مصطلح أهل الحديث من الموقوف للوقف على الصحابي من دون إسناد إلى النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)فليس حجّة لعدم العلم بكونه قول الرسول.

3.

إذا كان للصحابي رأي في مسألة و لم يقع موقع الإجماع إمّا لقلّة الابتلاء، أو لوجود المخالف، فهو حجّة لنفس الصحابي المستنبِط و لمقلّديه إذا كان مفتياً و قلنا بجواز تقليد الميت، و ليس بحجّة للمجتهد الآخر.

نعم ذهب مالك و بعض الأحناف إلى حجّيته ، و اختار الإمام الرازي و الأشاعرة و المعتزلة عدم كونه حجّة، و ثمة كلمة قيمة للشوكاني(المتوفّى1255 ه) ننقلها بنصّها قال: و الحقّ انّه رأي الصحابي ليس بحجّة، فإنّ اللّه لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبينا محمّداً(صلى الله عليه و آله و سلم)و ليس لنا إلاّ رسول واحد و كتاب واحد و جميع الأُمّة


1) سوره 7 - آیه 163

2) . الأعراف:163.

3) . مجمع البيان:2/490، ط صيدا. و اقرأ سبب نزولها فيه.

مأمورة باتّباع كتابه و سنّة نبيه، و لا فرق بين الصحابة و من بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية و باتباع الكتاب و السنّة، فمن قال: إنّها تقوم الحجّة في دين اللّه عزّ و جلّ بعد كتاب اللّه تعالى و سنّة رسوله(صلى الله عليه و آله و سلم)و ما يرجع إليها، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت. (1)

و هناك حقيقة مرّة و هي أنّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي الذي يعد الحجر الأساس للبناء الفقهيّ على صعيد التشريع، يوجب انهيار صَرْحِ البناء الذي أُشيد عليه و بالتالي انهيار القسم الأعظم من فتاواهم، و لو حلَّ محلّها فتاوى أُخرى ربما استتبع فقهاً جديداً لا أنس لهم به.

7. إجماع أهل المدينة

ذهب مالك إلى حجّية اتّفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ أهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل، فالحق لا يخرج عمّا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدم على القياس و خبر الواحد، و قد أفتى بمسائل نظراً لاتفاق أهل المدينة عليها.نظير الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، و القضاء بشهادة واحد و يمين صاحب الحق، و الاسهام في الجهاد لفرس أو لفرسين (2);و قد ردّ عليه معاصره الليث بن سعد في رسالة مبسّطة.

لكن القول الحاسم: إنّ اتّفاق أهل المدينة لو كان ملازماً لقول المعصوم ملازمة عادية فيؤخذ به، و إلاّ فلا يكون حجّة، و مثله اتّفاق المصرين الكوفة


1) . إرشاد الفحول:214.

2) . اعلام الموقعين:3/94 100، طبع دار الفكر.

و البصرة و إلاّ فلا قيمة لاتفاق فئة ليسوا بمعصومين.

و كان على الإمام مالك أن يعدَّ اتّفاق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أحد الحجج، مكان عدّ إجماع أهل المدينة منها، لأنّهم معصومون بنصِّ الكتاب و تصريح صاحب الرسالة.

هذه هي الأمارات التي عدّها فقهاء أهل السنّة حججاً شرعيّة، و قد تجلّت الحقيقة، و اتضح الحق و ليس وراءه شيء.

المقصد السابع: في الأُصول العملية (البراءة، التخيير الاشتغال، و الاستصحاب)

اشارة

الأُصول العملية إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي تحصل له إحدى حالات ثلاث:

1. القطع، 2. الظن، 3. الشك.

فإن حصل له القطع فقد فرغنا عن حكمه في بابه، و انّه حجّة عقلية لا مناص من العمل على وفقه، و إن حصل له الظن فالأصل فيه عدم الحجّية إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على صحّة العمل به.

و إن حصل له الشكّ يجب عليه العمل وفق القواعد التي قررها العقل و النقل للشاك. (1)

ثمّ إنّ المستنبط إنّما ينتهي إلى تلك القواعد التي تسمى ب»الأُصول العملية« إذا لم يكن هناك دليل قطعي، كالخبر المتواتر، أو دليل علمي كالظنون المعتبرة التي دلّ على حجّيتها الدليل القطعي و تسمّى بالأمارات و الأدلّةك.


1) . انّ تقسيم حال المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إلى حالات ثلاث، تقسيم طبيعيّ، و لا يختص التقسيم الثلاثي بمورد التكليف بل كلّ موضوع وقع في أُفق الالتفات، فهو بين إحدى حالات ثلاث فمن قال بأنّ للمكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي إحدى حالات ثلاث فقد انطلق من هذا المنطَلق، و استلهم عن تلك القاعدة العامّة. فما أورده المحقّق الخراساني على التقسيم الثلاثي، من »إرجاعه إلى الثنائي من انّ الظن بالحكم إن كان حجّة فهو ملحق بالقطع بالحكم(الظاهري) و إلاّ كان في حكم الشكّ، فليس هنا إلاّ القطع بالحكم أو الشكّ فيه« غفلة عن ملاك التقسيم الثلاثي و إن كان للثنائي منه أيضاً ملاك.

الاجتهادية، كما تسمّى الأُصول العملية، بالأدلة الفقاهية، و إلاّ فلا تصل النوبة إلى الأُصول مع وجود الدليل.

و بذلك تقف على ترتيب الأدلّة في مقام الاستنباط، فالمفيد لليقين هو الدليل المقدّم على كلّ دليل، و يعقبه الدليل الاجتهادي ثمّ الأصل العملي.

إنّ الأُصول العملية على قسمين:

القسم الأوّل: ما يختصّ بباب دون باب، نظير:

أ: أصالة الطهارة المختصة بباب الطهارة و النجاسة.

ب: أصالة الحلّية المختصة بباب الشك في خصوص الحلال و الحرام.

ج: أصالة الصحة المختصة بعمل صدر عن المكلّف و شُكّ في صحّته و فساده، سواء أ كان الشكّ في عمل نفس المكلّف فيسمّى بقاعدة التجاوز و الفراغ، أو في فعل الغير فيسمّى بأصالة الصحّة.

القسم الثاني: ما يجري في عامة الأبواب الفقهية كافة و هي حسب الاستقراء أربعة:

الأوّل: البراءة.

الثاني: التخيير.

الثالث:الاشتغال.

الرابع: الاستصحاب.

فهذه أُصول عامّة جارية في جميع أبواب الفقه، إنّما الكلام في تعيين مجاريها و تحديد مجرى كلّ أصل متميّزاً عن مجرى أصل آخر، و هذا هو المهم في المقام، و قد اختلفت كلمتهم في تحديد مجاريها و الصحيح ما يلي:

تحديد مجاري الأُصول

إنّ الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه أو لا يكون. فالأوّل مورد الاستصحاب; و الثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً، أو لا; و الثاني مورد التخيير، و الأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا; و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة. (1)

و على ذلك فقد عُيِّن مجرى كلّ أصل بالنحو التالي:

أ. مجرى الاستصحاب: أن تكون الحالة السابقة ملحوظة.

ب. مجرى التخيير: أن لا تكون الحالة السابقة ملحوظة و كان الاحتياط غير ممكن.

ج. مجرى الاشتغال: إذا أمكن الاحتياط و نهض دليل على العقاب لو خالف.

د. مجرى البراءة: إذا أمكن الاحتياط و لم ينهض دليل على العقاب بل على عدمه من العقل، كقبح العقاب بلا بيان، أو من الشرع كحديث الرفع.

و مما ذكرنا يُعلم أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في التكليف مجرى البراءة غير تام بل مجرى البراءة عمّا لم ينهض فيه دليل على العقاب في صورة وجود التكليف، و إلاّ يجب الاحتياط و إن كان الشكّ في التكليف كما في الشكّ فيه قبل الفحص فيجب الاحتياط مع كون الشكّ في التكليف.

كما أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في المكلّف به الذي هو عبارة عمّا إذا علم نوع التكليف مع تردد المكلّف به بين أمرين، كالعلم بوجوب إحدى


1) . انّ للشيخ في أوّل رسالة القطع تقريرين مختلفين في تحديد مجارى الأُصول، و قد عدل عنهما في أوّل رسالة البراءة إلى تقرير ثالث و هو الذي أوردناه في المقام لإتقانه.

الصلاتين مجرى الاحتياط غير تام بل مجرى الاشتغال هو ما إذا أمكن الاحتياط و نهض دليل على العقاب لو خالف و إن كان نوع التكليف مجهولاً كما إذا علم بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، فالعلم بالالزام أي الجنس الجامع بين الوجوب و الحرمة موجب للاحتياط لوجود الدليل على العقاب و إن كان نوع التكليف مجهولاً.

و الحاصل انّ ما ذكرنا من الميزان لمجرى البراءة و الاشتغال أولى من جعل الشكّ في التكليف مجرى البراءة و الشكّ في المكلّف به مجرى الاشتغال.

هذه هي الأُصول العملية الأربعة و هذه مجاريها على النحو الدقيق، و إليك البحث في كلّ من هذه

الأُصول العملية الأربعة

اشارة

واحداً تلو الآخر.

الأصل الأوّل: أصالة البراءة

اشارة

عقد الشيخ الأعظم لمبحث البراءة فصولاً ثلاثة باعتبار انّ الشبهة تكون إمّا تحريمية أو وجوبية أو مشتبهة بينهما، فهذه مطالب ثلاثة.

ثمّ عقد لكلّ فصل مسائل أربع و ذلك، لأنّ منشأ الشكّ في الجميع أحد الأُمور الأربعة.

فقدان النصّ، أو إجماله، أو تعارض النّصين، أو خلط الأُمور الخارجية، و على ضوء ذلك فباب البراءة مشتمل على مطالب ثلاثة في اثنتي عشرة مسألة، و بذلك طال كلامه في المقام.

و أمّا ما هو السبب لعقد الفصول الثلاثة على حدة فهو يرجع إلى أمرين:

أ: اختصاص النزاع بين الأُصولي و الأخباري بالشبهة الحكمية التحريمية دون الوجوبية و دون الموضوعية منها، و دون دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة.

ب: اختصاص بعض أدلّة البراءة بالشبهة التحريمية و لا تعم الوجوبية و الموضوعية، مثل قوله: »كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى«.

لكنّ المحقّق الخراساني أدخل جميع المسائل تحت عنوان واحد و بحث عن الجميع بصفقة واحدة»و هو من لم يقم عنده حجّة على واحد من الوجوب و الحرمة و كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه أو خلط الأُمور الخارجية« و لكلّ من السلوكين وجه.

و بما انّا اقتفينا أثر الشيخ الأعظم في الموجز، نمسك عن الاطالة و نعقد

للجميع عنواناً واحداً فنقول:

دلّت الأدلة على أنّ الوظيفة العملية فيما إذا أمكن الاحتياط و لكن لم ينهض دليل على العقاب حسب تعبيرنا أو إذا كان الشكّ في التكليف حسب تعبير المشهور هو البراءة و عدم وجوب الاحتياط، فلنذكر ما هو المهم

من الأدلة
اشارة

روماً للاختصار:

الاستدلال بالكتاب
1. التعذيب فرع البيان

دلّت آيات الذكر الحكيم على أنّه سبحانه لا يعذِّب قوماً على تكليف إلاّ بعد بعث الرسول الذي هو كناية عن بيان التكليف، و قد تواتر ذلك المضمون في الآيات الكريمة نذكر منها ما يلي:

1.

قال سبحانه:( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (1)). (2)

2.

و قال تعالى:( وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَ أَهْلُها ظالِمُونَ (3)). (4)

و الاستدلال بالآيتين مبني على أمرين:

الأوّل: انّ صيغة »و ما كنّا « أو »ما كان« تستعمل في إحدى معنيين: إمّا نفي الشأن و الصلاحية لقوله تعالى:( وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (5)) (6)، أو نفي الإمكان كقوله تعالى:

( وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ (7)


1) سوره 17 - آیه 15

2) . الإسراء:15.

3) سوره 28 - آیه 59

4) . القصص:59.

5) سوره 2 - آیه 143

6) . البقرة:8143

7) سوره 3 - آیه 145

بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً (1)). (2)

الثاني: انّ بعث الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم)كناية عن إتمام الحجّة على الناس، و بما انّ الرسول أفضل واسطة للبيان و الإبلاغ أُنيط التعذيب بالرسول، و إلاّ يصحّ العقاب ببعث غيره أيضاً لوحدة المناط و حصول الغاية المنشودة.

و على ضوء ذلك فلو لم يبعث الرسول بتاتاً، أو بعث و لم يتوفق لبيان الأحكام أبداً، أو توفق لبيان البعض دون البعض الآخر، أو توفق للجميع لكن حالت الحواجز بينه و بين بعض الناس، لقبح العقاب إلاّ في الواصل من التكليف، و ذلك لاشتراك جميع الصور في عدم تمامية الحجة.

و المكلف الشاك في الشبهات التحريمية من مصاديق القسم الأخير، فإذا لم يصل إليه البيان لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي كإيجاب الاحتياط، ينطبق عليه قوله سبحانه:( وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (3))أي نُبيّن الحكم و الوظيفة.

و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعلّق إهلاك القرية على وجود المنذر و يقول:( وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (4)). (5)هذا كلّه حول الآيتين الأُوليين.

3.

و قال سبحانه:( وَ لَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى (6)). (7)

4.

و قال سبحانه:( وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (8)). (9)

و الاستدلال بهما مبني على أنّه سبحانه استصوب منطق المجرمين ، و هو7.


1) سوره 3 - آیه 145

2) . آل عمران:145.

3) سوره 17 - آیه 15

4) سوره 26 - آیه 208

5) . الشعراء:208.

6) سوره 20 - آیه 134

7) . طه:134.

8) سوره 28 - آیه 47

9) . القصص:47.

انّ التعذيب قبل البيان قبيح، فأرسل الرسل لإفحام المشركين و دحض حجتهم يوم القيامة، فلو كان منطقهم عند عدم البيان منطقاً، زائفاً كان عليه سبحانه نقض منطقهم ببيان انّ التعذيب صحيح مطلقاً مع أنّا نرى أنّه سبحانه استصوبه و أرسل الرسل لإتمام الحجّة.

2. الإضلال فرع البيان

قال سبحانه:( وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (1)). (2)

وجه الاستدلال: انّ التعذيب من آثار الضلالة، و الضلالة معلَّقة على البيان في الآية، فيكون التعذيب معلَّقاً عليه، فينتج انّه سبحانه لا يعاقب إلاّ بعد بيان ما يجب العمل أو الاعتقاد به.

فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فانّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟ قلت: انّ الإضلال يقابل الهداية، و هي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً مثلها.

توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين:

هداية عامّة تعم جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة و الفراعنة، و هي تتحقق ببعث الرسل و إنزال الكتب و دعوة العلماء إلى بيان الحقائق، مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، و إلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.

هداية خاصّة و هي تختص بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله


1) سوره 9 - آیه 115

2) . التوبة:115.

الألطاف الإلهية الخفية التي نعبر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.

قال سبحانه:( وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ (1)). (2)

و قال تعالى:( وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (3)). (4)

و أمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقاً للهداية الثانية، فيضلّ بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض من الاستضاءة بالهداية الأُولى.

قال سبحانه:( فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5)) (6)فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغهم و إعراضهم و كِبْرهم و تولّيهم عن الحقّ.

و بذلك يظهر مفاد كثير من الآيات التي تنسب الضلالة إلى اللّه سبحانه فالمراد هو قبض الفيض لأجل تقصير العبد لعدم استفادته من الهداية الأُولى فيصدق عليه انّه أضلّه اللّه سبحانه. قال سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (7)) (8)أي يضلّه لأنّه مسرف كذّاب(لم يهتد بالهداية الأُولى فأسرف و كذّب) فاستحق قبض الفيض و عدم شمول الهداية الخاصة له.

و في آية أُخرى( كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (9)) (10)فقوله: »يضلّ« في هذه الآية هو نفس قوله: »لا يهدي القوم الفاسقين« في الآية السابقة فكلاهما يرميان إلى معنى واحد و هو عدم الهداية لقبض الفيض لعدم قابليته للهداية الثانوية لأجل إسرافه و كذبه و ارتيابه.

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات و هناك آيات أُخر تركنا البحث فيها روماً للاختصار.4.


1) سوره 47 - آیه 17

2) . محمد:17.

3) سوره 29 - آیه 69

4) . العنكبوت:69.

5) سوره 61 - آیه 5

6) . الصف:5.

7) سوره 40 - آیه 28

8) . غافر:28.

9) سوره 40 - آیه 34

10) . غافر:34.

الاستدلال بالسنّة
1. حديث الرفع
اشارة

روى الصدوق في »التوحيد« و»الخصال« عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة«. (1)

و رواه محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): »وضع عن أُمّتي تسع خصال:

الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد«. (2)

و رواة الحديث الأُولى كلهم ثقات، و الرواية صحيحة.

و أمّا أحمد بن محمد بن يحيى، فهو و إن لم يوثق ظاهراً و لكن المشايخ أرفع من التوثيق فهو من مشايخ الصدوق فهو ثقة قطعاً.

نعم الرواية الثانية مرفوعة، مضافاً إلى انّ محمد بن أحمد النهدي مضطرب فيه، كما ذكره النجاشي في ترجمته.

و توضيح الاستدلال رهن بيان أُمور:

1. انّ الفرق بين الرفع و الدفع هو انّ الأوّل عبارة عن إزالة الشيء بعد

1) . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.

2) . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.

وجوده و تحقّقه، كما أنّ الثاني عبارة عن المنع عن تقرر الشيء و تحقّقه بعد وجود مقتضيه، يقول سبحانه:( اَللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها (1)) (2)، فكانت السماء و الأرض ملتصقتين فأزالها عن مكانها.

( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (3)) (4)، أي ما له من شيء يمنع عن تحقّقه بعد تعلّق إرادته بالوقوع.

و على ذلك فاستعمال الرفع في المقام لأجل تحقّق هذه الأُمور التسعة في صفحة الوجود، فتعلّق الرفع بها باعتبار كونها أُموراً متحقّقة.

نعم رفع هذه الأُمور التسعة بعد تحقّقها رفع ادّعائي باعتبار رفع آثارها، فتعلّقت الإرادة الاستعمالية برفع نفس هذه الأُمور التسعة المتحقّقة، و تعلّقت الإرادة الجدية برفع آثارها.

2.

انّ نسبة الرفع إلى هذه التسعة مع وجودها يحتاج إلى مصحّح و مسوّغ و إلاّ يلزم الكذب، و ليس الحديث متفرداً في هذا الباب، بل له نظائر، مثل قوله: »لا ضرر و لا ضرار«، »لا طلاق إلاّ على طهر« ، »لا رضاع بعد فطام«، »لا رهبانية في الإسلام« فمع أنّ هذه الأُمور التي دخلت عليها »لا« النافية، موجودة متحقّقة في صحيفة الوجود لكن الشارع أخبر عن عدمها و المصحح لهذا الإخبار هو سلب آثارها، مثلاً لا يترتب على الرضاع بعد الفطام أثر الرضاعة و هكذا، و على ذلك فيلزم تعيين ما هو الأثر المسلوب في هذه التسعة خصوصاً قوله:»ما لا يعلمون« و هذا هو المهم في المقام.

3.

انّ لفظة »ما« في قوله:»ما لا يعلمون« موصولة تعمّ الحكم و الموضوع المجهولين، لوضوح انّه إذا جهل المكلّف بحكم التدخين، أو جهل بكون المائع7.


1) سوره 13 - آیه 2

2) . الرعد:2.

3) سوره 52 - آیه 7

4) . الطور:87.

الفلاني خلاً أو خمراً ، صدق على كلّ منهما انّه من »ما لا يعلمون«، فيكون الحديث عاماً حجّة في الشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.

و ربما يتصوّر أنّ الموصول مختص بالموضوع المجهول لا الحكم المجهول، بشهادة قوله(صلى الله عليه و آله و سلم)في الفقرات التي أعقبته، أعني: »و ما أُكرهوا عليه« و »ما لا يطيقون« و »ما اضطروا إليه«، فإنّ المراد هو الفعل المكرَه عليه، و العمل الخارج عن الإطاقة، و العمل المضطرّ إليه، فيلزم أن يكون المراد من الموصول في »ما لا يعلمون« هو العمل المجهول لا الحكم المجهول، فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعية.

يلاحظ عليه: أنّ »ما« الموصولة استعملت في جميع الفقرات في المعنى المبهم، لا في الحكم و لا في الموضوع، و إنّما يعلم السعة(شمولها للحكم و الموضوع المجهولين)، و الضيق(اختصاصها بالموضوع) من صلتها، و الصلة »فيما لا يعلمون« قابل للانطباق على الموضوع و الحكم، دون سائر الفقرات، فإنّها لا تنطبق إلاّ على الفعل، و لا يكون ذلك قرينة على اختصاص الفقرة الأُولى بالشكّ في الموضوع.

أضف إلى ذلك: أنّ المرفوع في »الحسد« »و الطيرة« و »التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة« هو الحكم، أي حرمة الحسد و الطيرة، و أمّا النسيان و الخطأ المرفوعان في الحديث فيتعلّقان بالحكم و الموضوع معاً، فيصلحان لكلا الأمرين: نسيان الحكم أو الموضوع و مثله الخطأ.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الرفع كما عرفت رفع تشريعي، و المراد منه رفع الموضوع بلحاظ رفع أثره، فحينئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر المسلوب الذي صار مصحِّحاً لنسبة الرفع إليها، فهنا أقوال ثلاثة:

1. المرفوع هو المؤاخذة.
2.

المرفوع هو الأثر المناسب لكلّ واحد من تلك الفقرات، كالمضرّة في الطيرة، و الكفر في الوسوسة.

3.

المرفوع هو جميع الآثار أو الآثار البارزة.

و الظاهر هو الأخير، لوجهين:

الأوّل: أنّه مقتضى الإطلاق و عدم التقييد بشيء من المؤاخذة و الأثر المناسب.

الثاني: أنّ فرض الشيء مرفوعاً في لوح التشريع ينصرف إلى خلوّه عن كلّ أثر و حكم، أو عن الآثار البارزة له. (1)فلو كان البعض مرفوعاً دون البعض، فلا يطلق عليه أنّه مرفوع.

و على ذلك فالآثار كلّها مرفوعة سواء تعلّق الجهل بالحكم كما في الشبهة الحكمية، أو بالموضوع كما في الشبهة الموضوعية.

و إن شئت قلت: إنّ وصف الشيء بكونه مرفوعاً في صفحة التشريع إنّما يصحّ إذا كان الشيء فاقداً للأثر مطلقاً فيصحّ للقائل أن يقول بأنّه مرفوع، و إلاّ فلو كان البعض مرفوعاً دون بعض لا يصحّ ادّعاء كونه مرفوعاً، من غير فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر و وجوب جلد الشارب، أو الوضعية كالجزئية و الشرطية عند الجهل بحكم الجزء و الشرط أو نسيانهما و كالصحة في العقد المكره.

و يؤيد عموم الآثار ما رواه البرقي، عن صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن(عليه السلام)في الرجل يُستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال: »لا، قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا«. (2)ن.


1) . كما في قول الإمام علي(عليه السلام): »يا أشباه الرجال و لا رجال« هذا إذا كان الأثر منقسماً إلى بارز و غيره، و أمّا إذا كان الجميع على حد سواء، فالمرفوع هو جميع الآثار كما في المقام.

2) . الوسائل:16، الباب 12من أبواب الأيمان، الحديث 12، نقلاً عن المحاسن.

و قد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق و رفع الصحة، فيكشف عن أنّ الموضوع أعم من المؤاخذة و الحكم التكليفي و الوضعي.

تنبيه

المراد من الآثار الموضوعة، هي الآثار المترتبة على المعنون، أي ما تعلّق بالنسيان أو الخطاء أو الجهل، لا آثار هذه العنوانات مثلاً دلّ الدليل الاجتهادي على وجوب سورة تامّة في الصلوات الواجبة كما في قوله(عليه السلام)»لا تقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا بأكثر«. (1)و اطلاقه يعم حالتي الذكر و النسيان فالوجوب الضمني ثابت في الحالتين مع قطع النظر عن حديث الرفع و أمّا معه فهو حاكم عليه، حيث يرفع وجوبها في حالة النسيان، و يخصّه بحالة الذكر.

و أمّا ما دلّ على وجوب سجدتي السهو عند نسيان الجزء كما في قوله(عليه السلام):»تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة و نقصان تدخل عليك أو نقصان« (2)فهو غير مرفوع لأنه أثر نفس النسيان، لا أثر المنسىّ أعني وجوب السورة.

و مثله إذا قتل إنساناً خطأ، فالمرفوع هو أثر القتل أعني القصاص الوارد في قوله سبحانه:( وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (3)) (4)الشامل اطلاقه حالتي العمد و الخطأ.

و أمّا الأثر المترتّب على عنوان الخطأ كالدية الّتي دلّ عليها قوله سبحانه:( وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ« (5)) (6)فهي غَيْرُ مرفوعة.


1) . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب الخلل، الحديث 3.

2) . الوسائل: 4، الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 2.

3) سوره 5 - آیه 45

4) . مائدة: 45.

5) سوره 4 - آیه 92

6) . النساء: 92.

2. مرسلة الصدوق

روى الصدوق مرسلاً في »الفقيه« و قال: قال الصادق(عليه السلام): »كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي«. (1)

و الحديث و إن كان مرسلاً، و لكن الصدوق يُسنده إلى الإمام الصادق(عليه السلام)بصورة جازمة، و يقول: قال الصادق(عليه السلام)، و هذا يعرب عن يقينه بصدور الحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام)، نعم لو قال رُوي عن الإمام الصادق(عليه السلام)كان الاعتماد على مثله مشكلاً.

أمّا كيفية الاستدلال: فقد دلّ الحديث على أنّ الأصل في كلّ شيء هو الإطلاق و الإرسال حتى يرد فيه النهي بعنوانه، فإنّ الضمير في قوله: »يرد فيه« يرجع إلى الشيء بما هو هو، كأن يقول: الخمر حرام، أو الرشوة حرام، فما لم يرد النهي عن الشيء بعنوانه يكون محكوماً بالإطلاق و الإرسال، و بما أنّ التدخين لم يرد فيه النهي بعنوانه الأوّلي فهو مطلق، و على هذا فلا يكفي في رفع الإطلاق ورود النهي بعنوانه الثانوي كأن يقول: إذا شككت فاحتط، بل هو باق على إطلاقه حتى يرد النهي فيه بالعنوان الأوّلي، فتكون الشبهات البدوية التي لم يرد النهي فيها بعنوانها الأوّلي محكومة بالإطلاق و الحليّة.

و على هذا لو تمّ دليل الأخباري بورود النهي عن ارتكاب الشبهات التحريمية بالعنوان الثانوي(الشبهة) وقع التعارض بينه و بين دليله.

نعم لو قلنا بأنّ المراد من قوله»حتى يرد فيه نهي« هو الأعم من ورود النهي بعنوانه الأوّلي أو بعنوانه الثانوي، يكون دليل الأخباري مقدّماً عليه، لأنّ الإطلاق في المقام معلّق على عدم ورود النهي مطلقاً، لا بالعنوان الأوّلي و لا الثانوي، و الأخباري يدّعي ورود النهي بعنوانه الثانوي و حصول المعلّق عليه.


1) . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

و لكن تفسير الحديث بهذا النحو الأعم خلاف الظاهر،لأنّ ظاهر قوله:»حتى يرد فيه« أي يرد النهي في نفس الشيء بما هو هو.

إلى هنا تمّ الاستدلال على البراءة بالكتاب العزيز و السنّة المطهّرة، بقي الكلام في الاستدلال عليها بالعقل .

الاستدلال بحكم العقل
اشارة

استدلّ القائل بالبراءة بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد إعمال العبد ما تقتضيه وظيفتُه من الفحص عن حكم الشبهة و اليأس عن الظفر به في مظانّه، و انّ وجود التكليف في الواقع مع عدم وصوله إلى المكلّف غير كاف في صحّة التعذيب، و انّ وجوده بلا وصول إلى المكلّف كعدمه في عدم ترتب الأثر، و ذلك لأنّ فوت المراد مستند إلى المولى في كلتا الصورتين التاليتين:

1.

ما إذا لم يكن هناك بيان أصلاً فحاله معلوم.

2.

ما إذا كان هناك بيان صادر من المولى لكنّه غير واصل إلى العبد، فلأنّ الفوت أيضاً مستند إلى المولى إذ في وسعه إيجاب الاحتياط على العبد، في كلّ ما يحتمل وجود التكليف، و مع تركه يكون ترك المراد مستنداً إلى المولى و ذلك لانّه اقتصر في طلب المقصود، بالحكم على الموضوع بالعنوان الواقعي، و لو كان مريداً للتكليف حتى في ظرف الشك فيه و عدم الظفر به بعد الفحص، كان عليه استيفاء مراده بإيجاب التحفّظ، و مع عدمه يحكم العقل بالبراءة و انّ العقاب قبيح، و يشكَّل قياساً بالشكل التالي:

العقاب على محتمل التكليف بعد الفحص التام و عدم العثور عليه في مظانّه لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي عقاب بلا بيان.

و العقاب بلا بيان مطلقاً أمر قبيح.

فينتج انّ العقاب على محتمل التكليف أمر قبيح.

الإشكال على كبرى البرهان

ثمّ إنّ السيد الشهيد الصدر قدِّس سرُّه استشكل على كبرى هذا البرهان و أنكر قبح العقاب بلا بيان بتأسيس مسلك »حق الطاعة للّه سبحانه«، فقال:

و الذي ندركه بعقولنا انّ مولانا سبحانه و تعالى، له حقّ الطاعة في كلّ ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال، ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفّظ.

و على ذلك فليست منجّزية القطع ثابتة له بما هو قطع بل بما هو انكشاف و انّ أيّ انكشاف، منجِّز، مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به.

نعم كلما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة و قبح المخالفة أشد، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشدّ من التنجز و الإدانة، لأنّها المرتبة العليا من الانكشاف، و بهذا يظهر انّ القطع لا يتميز عن الظن و الاحتمال في أصل المنجزية، و إنّما يتميز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجزية(بأن يرخص على خلاف ما قطع) لانّ الترخيص في مورده مستحيل، و ليس كذلك في حالات الظن و الاحتمال، فانّ الترخيص الظاهري فيها ممكن لأنّه لا يتطلب أكثر من فرض الشك و الشكّ موجود.

و من هنا صحّ أن يقال بأنّ منجزية القطع غير معلقة بل ثابتة على الإطلاق و انّ منجزية غيره من الظن و الاحتمال معلقة لأنّها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ. (1)


1) . دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية:32 33.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القول بأنّ احتمال التكليف منجِّز للواقع عند العقل و إن لم يستوف المولى البيان الممكن غير تام، و ذلك لأنّ الاعتمادَ في التعذيب و المؤاخذة على مثل هذا الحكم العقلي، إنّما يصحّ إذا كان ذلك الحكم من الأحكام العقلية الواضحة لدى العقلاء حتى يعتمد عليه المولى سبحانه في التنجيز و التعذيب و لكن المعلوم خلافها إذ لو كان حكماً واضحاً لما أنكره العلماء من غير فرق بين الأُصولي و الأخباري لما ستعرف من أنّ الأخباري لا ينكر الكبرى و إنّما ينكر الصغرى أي عدم البيان و يقول بورود البيان بالعنوان الثانوي كوجوب الاحتياط و التوقّف في الشبهات.

و ثانياً: أنّ اتفاق العقلاء على قبح العقاب بلا بيان نابع عن حكم العقل بأنّ العبد إذا قام بوظيفته في الوقوف على مقاصد المولى و لم يجد بياناً بأحد العنوانين، يُعدُّ العقاب بحكم وحي الفطرة أمراً قبيحاً و إلاّ يعود بناء العقلاء إلى أمر تعبدي و هو كما ترى.

و ثالثاً: انّ الظاهر من الذكر الحكيم كون المسألة من الأُمور الفطرية حيث يستدلُّ بها الوحي على الناس و يقول:( وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (1)) (2)و يذكر في آية أُخرى انّه سبحانه أبطل ببعث الرسل، حجّة الكفار و العصاة حيث قال:( وَ لَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى (3)) (4)فتبين بذلك انّ الكبرى من الأحكام الواضحة لدى العقل و العقلاء بشرط التقرير على نحو ما ذكرناه.

الإشكال على صغرى البرهان

قد عرفت حال الإشكال على الكبرى، و لكنّ هناك إشكالاً آخر يتوجه إلى


1) سوره 17 - آیه 15

2) . الاسراء:15.

3) سوره 20 - آیه 134

4) . طه:134.

الصغرى تعرّض إليه المحقّقون، و حاصل الإشكال انّه يكفي في مقام البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، الموجود في مورد الشبهة التحريمية الحكمية، و يكون شكل القياس بالنحو التالي:

في المشتبه التحريمي ضرر محتمل.

و كل ما فيه ضرر محتمل يلزم تركه.

فينتج المشتبه التحريمي يجب تركه.

يلاحظ عليه: انّ المراد من الضرر في القاعدة أحد الأُمور الثلاثة:

أ. العقاب الأُخروي.

ب. الضرر الدنيوي الشخصي.

ج. المصالح و المفاسد الاجتماعية.

أمّا الأوّل: أي العقاب الأُخروي فهو بين قطعيّ الإحراز، و قطعيّ الانتفاء، و ليس هنا ضرر محتمل، فالأوّل كما في مورد العلم الإجمالي بحرمة أحد الأمرين أو وجوبه، فينطبق الكبرى على الصغرى و لذلك أطبق العلماء على وجوب الموافقة القطعية.

و أمّا الثاني: أي قطعي الانتفاء كما في المقام، فانّ الضرر بمعنى العقاب قطعي الانتفاء بحكم العقل على قبح العقاب بلا بيان، و مع العلم بعدمه لا يصحّ الاحتجاج بالكبرى المجردة عن الصغرى، و بذلك يعلم انّه لا تعارض بين الكبريين »قبح العقاب بلا بيان«و »وجوب دفع الضرر المحتمل« و انّ لكلّ موضعاً خاصاً، فمورد الأُولى هو الشبهة البدوية، كما أنّ موضع الثانية إنّما هو صورة العلم بالتكليف إجمالاً أو تفصيلاً.

و هذا يعرب عن أنّ ما اشتهر من ورود القاعدة الأُولى على الثانية أمر غير

صحيح، فانّ الورود فرع التعارض و لا معارضة بينهما بل كلّ يطلب لنفسه مورداً خاصاً غير ما يطلبه الآخر لنفسه، فمورد قاعدة القبح هو ما إذا لم يكن من المولى أيّ بيان، كما أنّ مورد القاعدة الثانية ما إذا تم البيان و إن جهل المتعلّق.

هذا كلّه حول العقاب الأُخروي و أمّا الضرر الدنيوي الشخصي فالإجابة عنه واضحة، لأنّ الأحكام الشرعية لا تدور مدار الضرر أو النفع الشخصيين حتى يكون احتمال الحرمة ملازماً لاحتمال الضرر الشخصي على الجسم و الروح بل الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد نوعية، و ربما تكمن المصلحة النوعية في الضرر الشخصي كما في ترك الربا و ترك الظلم على الناس.

نعم ربما يجتمع الضرر الشخصي مع المفسدة النوعية كشرب المسكر لكنّه ليس ضابطة كلية.

سلّمنا انّ في ارتكاب المشتبه احتمالَ ضرر دنيوي لكن إنّما يجب دفعه إذا لم يكن في تجويز الارتكاب مصلحة كما هو المقام، لأنّ في الترخيص دفعَ عسر الاحتياط.

و أمّا الثالث: أي المصالح و المفاسد النوعية فحكم الشارع بالبراءة يكشف عن أحد الأمرين: إمّا عدم الأهمية، و إمّا لوجود المصلحة الغالبة على المفسدة الحاصلة.

أدلة الأخباري على وجوب الاحتياط

استدلّ الأخباري على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية بالأدلة الثلاثة: الكتاب و السنة و العقل، و بما انّا استقصينا ذكر أدلّتهم و أجوبتها في الموجز فلا حاجة إلى التكرار. (1)


1) . الموجز:186 193.

تنبيهات
اشارة

إنّ في المقام أُموراً يلزم التنبيه عليها، لأنّ لها دوراً هاماً في استنباط الأحكام.

التنبيه الأوّل: في حكومة الأصل الموضوعي على البراءة و الحلية

من المعروف انّ الأُصول الموضوعية التي تجري في الموضوع و تُنقّح حاله مقدمة على الأُصول الحكمية كأصالة البراءة و الحلّية بيانه:

إنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، و موضوع البراءة الشرعية هو الشكّ في الحكم الشرعي، فلو كان هناك أصل آخر يصلح لأن يكون بياناً أو رافعاً للشكّ تعبّداً فلا يبقى موضوع لأصل البراءة، و لهذا اشتهر أنّ الأصل المنقِّح للموضوع، حاكم على أصل البراءة، أو أصالة الحلّية.

فمثلاً: إذا شككنا في تذكية حيوان على النحو الوارد في الشرع فمقتضى الأصل الحكمي هو الحليّة، لدخوله تحت قوله: »كلّ شيء حلال حتّى تعرف انّه حرام بعينه« ، و لكنّه محكوم بأصل موضوعيّ آخر أعني أصالة عدم التذكية، و هو أصل موضوعي ينقِّح حال الموضوع، و يُحرِز انّه غير مذكى، و بطبع الحال يكون محرّماً لا حلالاً، و هذا الأصل عبارة عن استصحاب عدم التذكية، لأنّه حينما كان حيّاً لم يكن مذكى، و بعد زهوق روحه نشكّ في تذكيته، فاستصحاب عدم التذكية مقدّم على أصالة الحل، و ذلك لأنّ الشكّ في الحليّة مُسَبب عن الجهل بحال الموضوع و أنّه هل وردت عليه التذكية أو لا؟ فإذا ثبت حال الحيوان بالاستصحاب، و حكم عليه بعدم التذكية، لا يبقى الشكّ في حرمته، و هذا ما يعبر عنه بتعبيرين:

أ. حكومة الأصل الموضوعي(عدم التذكية) على الأصل الحكمي(الحلية).

ب. حكومة الأصل السببي(عدم التذكية ) على الأصل المسببي(الحلية).

مثال آخر: لو افترضنا دلالة الدليل الاجتهادي على جواز مسّ المرأة بعد النقاء و قبل الاغتسال، و لكن وقع الشكّ في حصول النقاء، فاستصحاب كونها حائضاً حاكم على أصالة الحلية لأنّه بيان، فيرتفع موضوع البراءة العقلية، و رافع أيضاً للشك في الظاهر فيكون رافعاً لموضوع البراءة الشرعية.

التنبيه الثاني: في حسن الاحتياط

لا شكّ في حسن الاحتياط(بشرط أن لا يخل بالنظام عقلاً، أو لا ينجرّ إلى العسر و الحرج شرعاً)، و لكن الظاهر من الشيخ الأعظم اتّفاق الفقهاء على لزوم الاحتياط في الموارد الثلاثة: النفوس، و الأعراض، و الأموال مطلقاً، فيجب الاحتياط لكون المحتمل ذا أهميّة حتّى و إن كان الاحتمال ضعيفاً، مع كون الشبهة موضوعية.

و الظاهر انّ اتّفاقهم على وجوب الاحتياط فيها مبنيّ على قاعدة مضى الإيعاز إليها في مبحث العام و الخاص (1)و هي انّ كلّ موضوع كانت الحرمة و الفساد هو الحكم الأصلي فيه، يجب الاجتناب عنه حتى في الشبهة الموضوعية، و لذلك حكم الفقهاء بالاحتياط وراء الموارد الثلاثة أيضاً، كما إذا ترددت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها أو غيرها، أو تردّد بيع الوقف بين احتمال وجود المسوِّغ فيه و عدمه، أو تردّد تصرف غير الولي في مال اليتيم بين وجود الغبطة فيه، و عدمه، ففي هذه الموارد يحمل على الحرمة و الفساد، لأنّ طبيعة الموضوع تقتضي الحرمة و الفساد إلاّ ما خرج بالدليل.


1) . راجع الوسيط:الجزء الأوّل ص 208.

التنبيه الثالث: قاعدة التسامح في أدلّة السنن
اشارة

اشتهر بين الأصحاب قاعدة »التسامح في أدلّة السنن« و يراد منها انّه لا يعتبر في ثبوتها و العمل بها ما يشترط في ثبوت غيرها كالواجبات و المحرمات من كون الراوي ثقة، ضابطاً، بل يكفي وروده و لو عن طريق ضعيف، و المسألة معنونة في كلمات الفريقين، غير انّ أهل السنة يعبِّرون عن المسألة بقولهم: العمل بالخبر الضعيف في فضائل الأعمال. (1)

و قد ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)روايات متعددة في ذلك المضمار و ربما يناهز عددها إلى خمسة بعد توحيد بعضها مع بعض. (2)

و قد اختلفت كلمة الأُصوليّين في تفسير هذه الروايات، و نحن نذكر بعض الروايات ثمّ نبحث في مدلولها.

1. روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن حسن بن سالم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: »من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له، و إن لم يكن على ما بلغه«.

رواه البرقي عن هشام بن سالم بمتن آخر و هو:

»من بلغه عن النبي شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه(عليه السلام)لم يقله«.


1) . و قد ألمع إليها الشهيد الأوّل(734 786ه) في الذكرى، و ابن فهد الحلي(المتوفّى 841ه) في عدة الداعي، و الشهيد الثاني(المتوفّى 966ه) في درايته، و بهاء الدين العاملي(المتوفّى1030ه) في أربعينه، إلى ان وصلت النوبة للشيخ الأنصاري فألف رسالة مستقلة فيها طبعت في ذيل كتاب المتاجر له قدِّس سرّه و أدرجها تلميذه الشيخ موسى التبريزي في حاشيته على الفرائد، باسم »أوثق الوسائل« فلاحظ.

2) . الوسائل:1، الباب 18 من أبواب مقدّمات العبادات،بعد توحيد بعضها مع بعض.

2. روى صفوان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: »من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك و إن كان رسول اللّه لم يقله«.

إلى غير ذلك من الروايات.

فذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ هذه الأخبار لا تدلّ إلاّ على ثبوت الأجر للعامل و لا يدلّ على استحباب نفس العمل، و بالتالي لا يمكن تصحيح العمل العبادي المردد بين الاستحباب و غير الوجوب، بهذه الأخبار.

و قال صاحب العناوين: إنّ مفادها هو انّه لا يعتبر في الخبر الوارد في المستحبات ما يشترط فيما دلّ على الحكم الإلزامي، و يكون مفاد هذه الأخبار إضفاء الحجية للخبر الضعيف في مجال خاص و بالتالي بكون الفعل مستحباً بالذات، مضافاً إلى ترتب الثواب. (1)

و الحقّ مع النظرية الأُولى، لأنّ لسانها غير لسان إعطاء الحجية للخبر الضعيف، و ذلك لأنّ لسان الحجية هو إلغاء احتمال الخلاف و البناء على أنّ مؤدّى الطريق هو الواقع كما في قوله: »العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي« (2)،لا الأخذ به مع احتمال عدم ثبوت المؤدّى في الواقع كما هو الحال في روايات هذا الباب حيث يقول: »و إن كان رسول اللّه لم يقله«، فهذا اللسان غير مناسب لإعطاء الحجية و لا يصلح لها.

ثمرات القاعدة

و تظهر الثمرة في عدّة موارد منها:

1. لو ورد خبر غير معتبر بالأمر بالوضوء في وقت خاص كدخول المسجد،

1) . العناوين:1: العنوان 151، قاعدة التسامح:420.

2) . الوسائل:الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث4.

فعلى القول الأوّل لا يترتب عليه إلاّ الثواب، و على الثاني يعامل معه معاملة المستحب بالذات فيكون رافعاً للحدث.

2. لو ورد خبر ضعيف يدل على استحباب غسل اللحية المسترسلة، فلو قلنا باستفادة الاستحباب يجوز المسح ببلله إذا جفّت يده، دون ما إذا قلنا بالنظرية الأُولى.

و في بعض هذه الثمرات نظر ذكرناه في محاضراتنا الأُصولية. (1)4.


1) . لاحظ إرشاد العقول:1/443 444.

الأصل الثاني: أصالة التخيير

اشارة

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: كان الواجب على علماء الأُصول المتأخرين عقد فصل خاص لأصالة التخيير كبقية الأُصول العملية غير انّهم بحثوا قسماً منه في أصالة البراءة و قسماً آخر في أصالة الاحتياط، و صار ذلك سبباً لغموض البحث و عدم وقوف الطالب على مجرى أصالة التخيير. بصورة واضحة.

الثاني: انّ الميزان في جريان أصالة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط، أعني الموافقة القطعية، سواء أ كانت المخالفة القطعية أيضاً ممتنعة كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في واقعة واحدة، كشرب مائع مردد بين الحلف على فعله أو تركه في ليلة واحدة، أو كانت ممكنة كتردده بينهما مع تعدد الواقعة ككل ليلة جمعة إلى شهر.

الثالث: انّ دوران الأمر بين المحذورين يجتمع تارة مع الشكّ في التكليف إذا كان نوعه مجهولاً، و مع الشكّ في المكلف به إذا كان نوعه معلوماً و المتعلّق مردداً بين أمرين غير قابلين للاحتياط:

أمّا الأوّل: كتردد العبادة في أيام الاستظهار بين كونها واجبة أو محرمة، فهنا تكليف واحد مجهول نوعه، فلو كانت المرأة حائضاً فنوع التكليف هو الحرمة و لو كانت مستحاضة فنوع التكليف هو الوجوب.

و أمّا الثاني: كما إذا علم أنّ واحدة من الصلاتين واجبة و أُخرى محرمة، و تردد

أمرهما بين الظهر و الجمعة، فالنوع هنا معلوم و هو انّ هنا واجباً و محرماً، غير انّ الموضوع مردد بين الجمعة و الظهر، فالجامع لكلا القسمين عدم امكان الموافقة القطعية.

ثمّ إنّ القوم ذكروا ما إذا كان نوع التكليف مجهولاً كدوران الأمر بين محذورين في باب البراءة، كما ذكروا ما إذا كان نوعه معلوماً و المتعلّق مردداً في باب الاشتغال، و صار ذلك سبباً لغموض البحث.

و نحن عقدنا لهذا الأصل عنواناً مستقلاً و أوردنا الجميع في هذا الفصل.

الرابع: انّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة:

أ. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التوصلي.

ب. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي.

ج. دوران الأمر بين المحذورين مع العلم بنوع التكليف و الشكّ في المكلّف به.

و إليك الكلام في كلّ واحد منها.

المقام الأوّل: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع الحكم التوصلي

إذا دار أمر التكليف بين المحذورين، كما إذا علم إجمالاً بوجوب قتل إنسان أو حرمته، و منشأ التردد كونه مجهول الهوية، فهو دائر بين كونه مؤمناً أو محارباً، فعلى الأوّل يحرم قتله، و على الثاني يجب، فأمر القتل دائر بين الحرمة و الوجوب، و لكن الحكم الواقعي الأعم من الوجوب و الحرمة على فرض ثبوته ، توصلي.

هذا فيما إذا كانت الشبهة موضوعية، و ربما تكون الشبهة حكمية كالولاية عن الجائر لدفع الظلامة عن الناس، فقالت طائفة بالحرمة، لأنّها إعانة للظالم،

و أُخرى بالوجوب لأنّ فيها التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حسب المقدرة.

لا شكّ انّ المخالفة و الموافقة القطعيتين غير ممكنة و المكلّف مخيّر تكويناً بين الفعل و الترك، لكن يقع الكلام في الحكم الظاهري و الأصل الجاري في المقام. و الظاهر انّ المقام محكوم بالبراءة العقلية و النقلية.

أمّا الأوّل: فلأنّ كلاًّ من الوجوب و الحرمة مجهولان فيقبح المؤاخذة عليهما.

و أمّا الثاني: فلعموم قوله: رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون.

نعم لا تجري أصالة الإباحة المستفادة من قولهم: كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام، و ذلك لأنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال لأنّ مفاد أصالة الإباحة الرخصة في الفعل و الترك و ذلك يناقض العلم بالإلزام، و هو لا يجتمع مع جعل الإباحة و لو ظاهراً.

هذا هو أحد الأقوال في الحكم الظاهري، و هناك أقوال أُخرى تطلب من محالها.

المقام الثاني: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي

إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما تعبديّين كصلاة المرأة في أيام الاستظهار، فلو كانت حائضاً حرمت العبادة حرمة توصلية، و أمّا إذا كانت طاهراً وجبت الصلاة وجوباً تعبدياً، فلا تجري هنا البراءتان العقلية و النقلية لاستلزام الجريان المخالفة القطعيّة، للفرق بين المقام و ما قبله، ففي المقام السابق كانت الموافقة القطعيةَ كالمخالفة القطعية ممتنعة، و أمّا في المقام فالموافقة القطعية و إن كانت ممتنعة لكن المخالفة القطعية ممكنة، فلو صلت بلا نيّة القربة معتمدة على جريان البراءة من الوجوب و الحرمة فقد أتت بالمبغوض إذ لو كانت طاهرة فصلاتها

باطلة، و لو كانت حائضاً فقد ارتكبت الحرام بناء على أنّ صورة العبادة محرمة عليها.

فالمرجع هو أصالة التخيير إمّا الإتيان بالصلاة مع قصد القربة أو تركها أصلاً، و الميزان في جريان أصالة التخيير هو امتناع الموافقة القطعية سواء أمكنت المخالفة القطعية كما في المقام أو لا كما في المقام السابق.

المقام الثالث:دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في المكلّف به

أنّ أصالة التخيير بملاك عدم إمكان الموافقة القطعية كما تجري في الشك في التكليف كما في الصورتين السابقتين، كذلك تجري في الشكّ في المكلّف به كما في المقام و مثلاً:

1.

إذا علم أنّ أحد الفعلين واجب و الآخر حرام في زمان معيّن و اشتبه أحدهما بالآخر، فهو مخيّر بين فعل أحدهما و ترك الآخر، لأنّ الموافقة القطعية غير ممكنة، نعم ليس له ترك كليهما أو فعل كليهما، إذ تلزم فيه المخالفة القطعية.

2.

إذا علم بتعلّق الحلف بإيجاد فعل في زمان، و ترك ذاك في زمان آخر، و اشتبه زمان كلّ منهما كما إذا حلف بالإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، فاشتبه اليومان فهو مخيّر بين الإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، لكن ليس له المخالفة القطعية كأن يصومهما أو يفطر فيهما.

نعم لا تجري أصالة التخيير فيما إذا دار أمر شيء بين كونه شرطاً للصحّة أو مانعاً كالجهر، و ذلك لأنّ الموافقة القطعية بإقامة صلاة واحدة و إن كانت غير ممكنة لكنّها ممكنة بإقامة صلاتين يجهر في إحداهما و يخافت في الأُخرى.

و قد عرفت أنّ الملاك لجريان أصالة التخيير امتناع الموافقة القطعية و هو ليس بموجود في هذا المورد.

هذا كلّه في دوران الأمر بين المحذورين عند عدم النص و نظيره إجمال النصّ، و تعارض النصّين أو الشبهة الموضوعية التحريمية، فالحكم في الجميع واحد، و قد استقصينا الكلام في هذه الصور في »الموجز«.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1.

انّ الميزان في جريان أصل التخيير عدم إمكان الموافقة القطعية سواء أمكنت المخالفة القطعية أو لا.

2.

انّ المكلّف في المقام الأوّل مخيّر تكويناً، و الحكم الظاهري هو البراءة، بخلاف المقامين الأخيرين فالحكم الظاهري فيهما هو التخيير.

الأصل الثالث: أصالة الاحتياط

اشارة

قد تقدّم بيان مجرى الاحتياط (1)و هو ما إذا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع، و له صور أربع:

أ. الشبهة التكليفية قبل الفحص.

ب. الشبهة البدوية و لكن كان للمحتمل أهمية بالغة، كما في الدماء و الأعراض و الأموال.

ج. إذا دار الأمر بين وجوب فعل و ترك فعل آخر.

د. إذا علم نوع التكليف و تردّد الواجب بين أمرين، كتردد الفريضة بين الظهر و الجمعة، و الخمر بين الإناءين. و الثلاثة الأُول من قبيل الشك في التكليف مع وجوب الاحتياط فيها، و الرابع من قبيل الشكّ في المكلّف به.

و من هنا علم أنّ مجرى أصالة الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به، و الميزان قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجود العقاب عند المخالفة و الجميع داخل تحت هذا العنوان، و بما انّ حكم الصور الثلاث الأُول واضحة نكرس البحث في الصورة الرابعة أي الشكّ في المكلّف به، و الكلام فيه في مقامين:

1.

اشتباه الحرام بغير الواجب بمسائله الأربع، و يعبّر عنه بالشبهة التحريمية.

2.

اشتباه الواجب بغير الحرام بمسائله الأربع، و يعبّر عنه بالشبهة الوجوبية.

و إليك الكلام في كلا المقامين:


1) . لاحظ صفحه 95.

المقام الأوّل: أصالة الاحتياط الشبهة التحريمية
اشارة

مقتضى ما ذكرناه في الشكّ في التكليف أن يكون في هذا المقام أيضاً مسائل أربع، لأنّ منشأ الشكّ إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين، أو خلط الأُمور الخارجية، و بما انّ المسائل الثلاث الأُول، فاقدة للتطبيقات الفقهية، خصصنا البحث في الشبهة التحريمية الموضوعية.

و هي على قسمين: لأنّ الحرام المشتبه بغيره إمّا مشتبه في أُمور محصورة أو غير محصورة، فيقع

الكلام في هذا المقام في موردين:
المورد الأوّل: حكم الشبهة المحصورة
اشارة

إذا علم المكلّف بتكليف(الحرمة) على وجه لا يرضى المولى بمخالفته، فلا محيص عن وجوب الموافقة القطعية، فضلا عن حرمة المخالفة القطعية سواء أ كان العلم إجمالياً أم تفصيلياً، فالبحث عن إمكان جعل الترخيص لبعض الأطراف أو لجميعها مع العلم الوجداني بالتكليف الجدي تهافت، لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتضادتين، و هذا كمثل قتل المؤمن إذا اشتبه بغيره، و هذا النوع من العلم الإجمالي يناسب البحث عنه في باب القطع.

و أمّا المناسب للمقام، كما هو الظاهر من كلام الشيخ (1)فهو ما إذا قامت الأمارة على حرمة شيء و شمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي، كما إذا قال:


1) . لاحظ الفرائد:240، طبعة رحمة اللّه.

اجتنب عن النجس، و كان مقتضى إطلاقه شموله للنجس المعلوم إجمالاً أيضاً، و عندئذ فمقتضى القاعدة الأوّلية هو تحصيل البراءة القطعيّة بالاجتناب عن كلا الطرفين لأن المفروض شمول اطلاق الدليل، المعلوم اجمالاً كشموله للمعلوم تفصيلاً.

انّما الكلام في مقتضيا لقاعدة الثانويّة أعني إمكان الترخيص اوّلاً، و وقوعه ثانياً و إليك الكلام فيهما.

الأوّل: إمكان الترخيص

فالحقّ إمكانه لأنّك عرفت أنّ ما لا يقبل الترخيص هو العلم الوجداني بالتكليف و هو الذي لا يجتمع مع الترخيص لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتناقضتين.

و أمّا لو كان سبب العلم بالتكليف هو إطلاق الدليل أعني:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1)) (2)الشامل للصور الثلاث.

أ. المعلوم تفصيلاً.

ب. المعلوم إجمالاً.

ج. المشكوك وجوداً مع وجوده واقعاً.

فكما يصحّ تقييد إطلاقه بإخراج المشكوك و جعل الترخيص فيه، فهكذا يجوز تقييد إطلاقه بإخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاص حرمة الخمر بصورة العلم به تفصيلاً، فالشكّ في إمكان التقييد كأنّه شكّ في أمر بديهي، إنّما الكلام في الأمر الثاني.


1) سوره 5 - آیه 90

2) . المائدة:90.

الثاني: ورود الترخيص في لسان الشارع

و هذا هو الأمر المهم في هذا الباب، و المتتبع للروايات و فتاوى العلماء يقف على عدم ورود الترخيص لبعض الأطراف، فكيف بجميعها، و قد ذكرنا بعض الروايات في الموجز (1)؟ فلا نعيد.

نعم ربما استدلّ ببعض الروايات على جعل الترخيص نذكر منها ما يلي:

الأوّل: قوله »كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه« بناء على أنّ قوله»بعينه« تأكيد للضمير في قوله: »انّه« فيكون المعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام، فيكون مفاده انّ محتمل الحرمة ما لم يتعين انّه بعينه حرام فهو حلال فيعم العلم الإجمالي و الشبهة البدوية.

يلاحظ عليه: بأنّ الرواية جزء من رواية مسعدة بن صدقة، و الإمعان في الأمثلة الواردة فيها يورث اليقين بأنّ موردها هو الشبهة البدوية و لا صلة لها بأطراف العلم الإجمالي، و قد أوضحنا حالها في الموجز فلاحظ. (2)

الثاني: ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن الجبن، فقال لي: »لقد سألتني عن طعام يُعجبني« ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال: »يا غلام ابتع لنا جبناً«، ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا معه، فأتى بالجبن فأكل و أكلنا، فلمّا فرغنا من الغذاء، قلت: ما تقول في الجبن... إلى أن قال:» سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّما كان فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه«. (3)

و ربّما يتوهم جواز الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لكن الرواية ناظرة إلى الشبهة غير المحصورة، إذ كان في المدينة المنورة أمكنة كثيرة تُجعل الميتة في الجبن، و كان هذا سببَ السؤال، فأجاب الإمام(عليه السلام)بما سمعت.


1) . الموجز:199.

2) . الموجز:199.

3) . الوسائل:17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.

و يشهد على ذلك ما رواه أبو الجارود، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)في الجبن، فقلت له: أخبرني مَنْ رأى أنّه يجعل فيه الميتة فقال: »أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرّم في جميع الأرضين«. (1)

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الروايتين المرخِّصتين خارجتان عن محطّ البحث، و انّ العلم الإجمالي بالتكليف منجّز مطلقاً سواء أ كان علماً قطعياً، أم حاصلاً من إطلاق الدليل، فتحرم مخالفته القطعية كما تجب موافقته القطعية.


المورد الثاني: حكم الشبهة غير المحصورة

قد عرفت أنّ الشبهة التحريمية الموضوعية تنقسم إلى محصورة و غير محصورة، و قد عرفت حكم الأُولى، و إليك الكلام في الثانية، فيقع الكلام تارة في معيار كون الشبهة غير محصورة، و أُخرى في حكمها.

أمّا الأوّل: فقد عُرّفت الشبهة غير المحصورة بتعاريف أفضلها:بلوغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى درجة لا يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها، أ لا ترى أنّ المولى إذا نهى عبده عن المعاملة مع زيد، فعامل مع واحد من أهل قرية كثيرة الأهل يعلم وجود زيد فيها لم يكن ملوماً و إن صادف الواقع، و قد ذكر انّ المعلوم بالإجمال قد يؤثر مع قلّة الاحتمال، ما لا يؤثّر مع الانتشار و كثرة الاحتمال، كما إذا نهى المولى عن سبّ زيد و هو تارة مردّد بين اثنين و ثلاثة، و أُخرى بين أهل بلدة و نحوها. (2)

و أمّا الثاني أي حكمها، فانّ عنواني المحصورة و غير المحصورة لم يردا في


1) . الوسائل:17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.

2) . الفرائد:261.

النصوص لكن العنوان الأوّل مشير إلى تنجيز العلم الإجمالي لاعتناء العقلاء بالعلم فيها لقلة الأطراف، و العنوان الثاني مشيراً إلى عدم تنجيزه لعدم اعتنائهم بالتكليف فيه لصيرورته موهوماً في كلّ طرف، و هذا هو الدليل القاطع على عدم التنجيز.

هذا مضافاً إلى أنّ الاجتناب عن الأطراف في الثاني يوجب العسر، و التبعيض في الارتكاب إلى حدّ العسر غير خال عن العسر أيضاً.

على أنّ هناك روايات في أبواب مختلفة تدلّ على إمضاء الشارع بناء العقلاء، و هذه الروايات مبثوثة في أبواب أربعة.

1.

ما ورد حول الجبن. (1)

2.

ما ورد حول شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم. (2)

3.

ما ورد حول قبول جائزة الظالم. (3)

4.

ما ورد حول التصرف في المال الحلال المختلط بالربا. (4)

و لعلّ هذه الروايات مع بناء العقلاء و السيرة الجارية بين المتشرعة كافية في رفع اليد عن إطلاق الدليل لو قلنا بأنّ له إطلاقاً لصورة اختلاط الحرام بين كثير من الحلال.

إذا عرفت حكم الشبهتين: المحصورة و غير المحصورة فاعلم انّ هنا تنبيهات مهمة حول المحصورة نذكرها واحداً بعد الآخر.ة.


1) . انظر الوسائل:7/61 من أبواب الأطعمة المباحة.

2) . الوسائل:12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 3، 5.

3) . الوسائل: 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، و الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و3.

4) . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 2و3. و قد اقتصرنا بذكر مصادر الروايات خشية الإطالة فبإمكان الأُستاذ، نقل الروايات عن الوسائل خلال إلقاء المحاضرة.

تنبيهات
التنبيه الأوّل: تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات

لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين أن يكون أطرافه حاصلة بالفعل، أو يكون بعضها حاصلة بالفعل دون بعض، و هذا ما يسمّى بالعلم الإجمالي بالتدريجيات، كما إذا علم بأنّ أحد البيعين: إمّا ما يبيعه اليوم أو ما يبيعه غداً، ربوي، فلا فرق عند العقل بينه و بين ما علم أنّ أحد البيعين الحاضرين ربوي، فيجب ترك الجميع تحصيلاً للموافقة القطعية.

التنبيه الثاني: تنجيز العلم الإجمالي إذا تعلّق بحقيقتين

لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين أن تكون المشتبهات من حقيقة واحدة ، كما إذا علم بنجاسة ماء أحد الإناءين، أو من حقيقتين، كما إذا علم إجمالاً إمّا نجاسة هذا الماء، أو غصبية الماء الآخر، و المناط في الجميع واحد، و هو انّ الاشتغال اليقيني بالتكليف(وجوب الاجتناب) يستلزم البراءة اليقينية.

التنبيه الثالث: شرط التنجيز كونه محدثاً للتكليف على كلّ تقدير

يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ حال فلو وقعت النجاسة في أحد الإناءين الطاهرين و لم يعلم أنّها وقعت في أيّ واحد منهما، فهو ينجّز، لأنّها لو وقعت في أيّ منهما يحدث تكليفاً بإيجاب الاجتناب عنه. و أمّا إذا لم يحصل لنا علم بحدوث التكليف على كلّ تقدير فلا يكون منجزاً، كما إذا علم بوقوع النجاسة إمّا في هذا الماء القليل، أو في ذاك الماء الكر، فلا ينجّز

حتى يجب الاجتناب عن الماء القليل فإنّه لو وقع في الماء القليل يكون محدثاً للتكليف دون ما إذا وقع في الكر، فلا يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير فلا يكون هناك علم بالتكليف على كلّ تقدير.

فالعلم الاجمالي بوقوع النجاسة في أحد الماءين و إن كان متحقّقاً، لكنّ العلم بانعقاده مؤثّر على كلّ تقدير بمعنى احتمال احداث التكليف في كلّ من الطرفين على فرض وقوعها فيه غير متحقّق و ذلك لأنّه لو وقعت النجاسة في الماء الكر لا تؤثر فيه أبداً فلا يُحتمل فيه التكليف، فهو طاهر قطعاً على كلّ تقدير، و لو وقعت في الإناء الآخر فهو و إن كان يحدث تكليفاً، لكن وقوعه فيه محتمل فيكون محتمل النجاسة و يقع مجرىً لأصل البراءة و بالتالي: ينحلّ العلم الإجمالي بوقوع النجاسة في أحدهما ،إلى طاهر قطعي و هو الماء الكرّ، و مشكوك النجاسة و هو الماء القليل فلا ينعقد العلم الإجمالي مؤثّراً.

و مثله ما إذا كان أحد الإناءين نجساً قطعاً و الآخر طاهراً قطعاً، فوقعت النجاسة في أحدهما، فمثل هذا العلم بما أنّه لا يحدث تكليفاً على كلّ تقدير لا يكون منجزاً، لأنّه لو وقعت في الإناء النجس لا تزيده النجاسة الجديدة حكماً جديداً، و وقوعه في الإناء الآخر مشكوك، فتجري فيه البراءة ، فلا ينعقد العلم الإجمالي مؤثّراً، إذ لا يصحّ لنا أن نقول: إمّا هذا نجس، أو ذاك نجس، بل الأوّل نجس قطعاً، و الثاني مشكوك النجاسة.

و الحاصل: أنّه لو لم يحدث تكليفاً في كلّ طرف على فرض وقوعها فيه لا ينعقد العلم الإجمالي مؤثراً، لأنّ العلم بوقوع النجاسة في أحد الإناءين و إن كان حاصلاً، لكن العلم الإجمالي بتنجيس أحدهما لا بعينه غير حاصل بل أحدهما نجس قطعاً و الآخر مشكوك، فتدبّر.

التنبيه الرابع: حكم خروج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء قبل العلم

إذا تعلّق العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين اللّذين يتمكّن المكلّف عرفاً من ارتكاب أحدهما دون الإناء الآخر لأنّه في بيت شخص لا يتفق للمكلّف عادة دخوله و استعماله فلا يكون منجِّزاً، لأنّه لا يحدث التكليف على كلّ تقدير، إذ لو وقعت النجاسة في الإناء الذي ابتلى به يُحدث التكليف و يحسن الخطاب بالاجتناب دون ما إذا وقعت فيما لا يبتلى به لأنّه يقبح الخطاب، فلا يصحّ خطابه ب »اجتنب إمّا عن هذا الإناء، أو ذلك الإناء«، فإذا كان الخطاب بالنسبة إلى الإناء الخارج عن ابتلائه قبيحاً لا ينعقد العلم الإجمالي منجّزاً و مؤثراً، فيكون الشكّ في الإناء الأوّل أشبه بالشبهة البدوية.

و لأجل ذلك يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون كلا الطرفين مورداً للابتلاء قبل حدوث العلم الإجمالي حتى يصحّ خطابه بالنسبة إلى كلا الطرفين، و أمّا لو كان أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء قبل حدوث العلم الإجمالي، ثمّ حدث فلا يكون منجزاً، لأنّه ليس محدثاً للتكليف على كلّ تقدير.

نعم لو حدث العلم الإجمالي و الطرفان في محل الابتلاء، ثمّ خرج أحدهما عن محلّ الابتلاء، فالاجتناب عن الإناء الآخر لازم، و ذلك لأنّ الخطاب بالاجتناب على وجه الترديد و إن كان قبيحاً بعد خروج أحد أطرافه عن محلّ الابتلاء، و لكنّ العلم الإجمالي لما انعقد مؤثراً فالاجتناب عن الإناء الباقي، من آثار العلم الإجمالي السابق، فوجوده آناً ما، يوجب الاجتناب عن الثاني ما دام موجوداً.

و يدلّ على ذلك أنّه لو كان الخروج عن محل الابتلاء بعد طروء العلم موجباً لجواز ارتكاب الإناء الآخر، لما أمر الإمام بإهراقهما (1)، بل أمر بإهراق


1) . الوسائل: الجزء2، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث2.

أحدهما و التوضّؤ بالآخر.

التنبيه الخامس: الاضطرار إلى بعض الأطراف

لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات، فهو على قسمين:

الأوّل: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد معيّن.

الثاني: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد لا بعينه.

أمّا القسم الأوّل، فله صورتان:

الأُولى: إذا اضطرّ إلى ارتكاب واحد معيّن قبلَ العلم أو معه، فلا يجب الاجتناب عن الآخر.

الثانية: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد معيّن بعد العلم، فيجب الاجتناب عن الآخر.

أمّا الصورة الأُولى، أي إذا كان الاضطرار إلى طرف معيّن قبل العلم، أو معه، فلما عرفت من أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير و أن يصحّ خطاب المكلّف بالاجتناب عن كلّ من الطرفين، و هذا الشرط غير موجود في هذه الصورة، لأنّ الحرام لو كان فيما اضطرّ إليه معيّناً فلا يكون العلم محدثاً للتكليف لفرض اضطراره إليه و هو رافع للتكليف فلا يصحّ خطابه بالاجتناب عنه، و لو كان الحرام في غير ما اضطرّ إليه فهو، و إن كان يحدث فيه التكليف و يصحّ خطابه بالاجتناب عنه، لكن وجوده فيه عندئذ أمر محتمل فتجري فيه البراءة.

و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي بحرمة واحد من الأُمور إنّما ينجّز فيما لو عُلِم تفصيلاً لوجب الاجتناب عنه على كل حال، و هذا الشرط غير متحقّق، لأنّه لو عُلِم أنّ الحرام في غير الطرف المضطرّ إليه و إن وجب الاجتناب عنه، لكن لو

كان في الجانب المضطرّ إليه لا يجب و يقبح الخطاب، فاذاً العلم التفصيلي بالحرام ليس منجّزاً على كلّ حال بل منجّز على حال دون حال، فيكون العلم الإجمالي مثله، فلا يكون هناك قطع بالتكليف المنجَّز على كلّ التقادير حتى يجب امتثاله.

و أمّا الصورة الثانية، أي إذا كان الاضطرار إلى واحد معيّن بعد انعقاد العلم الإجمالي، فالحقّ وجوب الاجتناب عن الآخر، لأنّ الخطاب بعد طروء الاضطرار بالاجتناب عن كلّ من الطرفين و إن لم يكن صحيحاً، لكن وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر من آثار العلم الإجمالي السابق حيث نجّز التكليف و أوجب الاجتناب و حكم العقل بوجوبه، فإذا طرأ الاضطرار فلا يتقدّر إلاّ بقدر الضرورة، فالحكم العقلي السابق من لزوم الخروج عن عهدة التكليف القطعي باق على حاله إلاّ ما خرج بالدليل، أي المضطرّ إليه.

هذا كلّه إذا كان الاضطرار إلى طرف معيّن.

و أمّا القسم الثاني، أي إذا كان الاضطرار إلى ارتكاب واحد لا بعينه، فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً سواء أ كان الاضطرار بعد العلم كما هو واضح لما عرفت في القسم الأوّل من أنّ وجوب الاجتناب في هذه الصورة من آثار العلم السابق المتقدّم على الاضطرار ، أم كان الاضطرار قبل العلم الإجمالي، أو معه فهو على خلاف ما إذا كان الاضطرار إلى معين.

و الفرق بين القسمين ظاهر ممّا سبق، و هو أنّ العلم الإجمالي في هذا القسم حاصل بحرمة واحد من أُمور على وجه لو علم بحرمته تفصيلاً، وجب الاجتناب عنه على كل تقدير، لإمكان رفع الاضطرار ، بغير الحرام، فيكون العلم الإجمالي مثل التفصيلي، غاية الأمر انّ ترخيص بعضها على البدل لرفع الاضطرار موجب لاكتفاء الآمر في مقام الامتثال، بالاجتناب عن الباقي، بخلاف القسم السابق فإنّ

العلم التفصيلي فيه لم يكن فيه منجزاً على كلّ تقدير،لما قلنا من أنّ الحرام لو كان في غير الطرف المضطرّ إليه و إن وجب اجتنابه لكن لو كان في الجانب المضطر إليه لا يجب بل يقبح الخطاب، فإذا كان هذا حال العلم التفصيلي فكيف بالعلم الإجماليّ؟

التنبيه السادس: حكم ملاقي أحد الأطراف
اشارة

لا شكّ انّه يجب الاجتناب عن ملاقي النجس الواقعي. إنّما الكلام فيما إذا لاقى شيئاً لا نعلم بنجاسته و لكنّه محكوم عقلاً و شرعاً بوجوب الاجتناب، كأحد طرفي العلم الإجمالي، فهل يجب الاجتناب عن الملاقي أيضاً أو لا؟و هذا كما إذا علم بنجاسة موضع من ثوبه و تردد بين أسفله و أعلاه ثمّ أصاب الملاقي الرطب، أحد الموضعين، فيقع الكلام في وجوب الاجتناب عن الملاقي و عدمه.

و بذلك اتضح خروج الموارد التالية عن محلّ النزاع.

أ. إذا لاقى الملاقي كلا الطرفين، فهو معلوم النجاسة قطعاً لا مشكوكها فيجب الاجتناب عنه.

ب. إذا تعدّد الملاقي، بأن يلاقي شيء أحدَ الطرفين و شيء آخر الطرف الآخر، فيحدث علم إجمالي بنجاسة أحد الملاقيين، كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الأصلين.

ج. انّ البحث عن طهارة الملاقي و نجاسته إذا كان هناك مجرّد ملاقاة دون أن يحمل شيئاً من أجزاء الملاقى، و على ذلك فلو غمس يده في أحد الإناءين ثمّ أخرجها تكون اليد طرفاً للعلم الإجمالي لا ملاقياً، فينقلب العلم عن كونه ثنائي الأطراف إلى ثلاثيّها، نظير ما إذا قسّم أحد المشتبهين، قسمين و جعل كلّ قسم في إناء.

إذا علمت ذلك، فالمشهور بين الأُصوليّين المتأخّرين عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي.

ادلّة الطرفين

استدل القائل بعدم وجوب الاجتناب بأنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي من شئون ملاقاة النجس لا من شئون محتمل النجاسة و إن حكم على المحتمل بوجوب الاجتناب مقدمة.

و ذلك لأنّ الشكّ في طهارة الملاقي ناشئ من طهارة الملاقى و نجاسته، فليس الأصل(الطهارة) الجاري في الملاقي، في رتبة الأصل الجاري في الملاقى في رتبة واحدة، و بما أنّ أصالة الطهارة في الملاقى معارضة لأصالة الطهارة في الطرف الآخر فتتعارضان و تتساقطان، فيجري الأصل في الملاقي بلا معارض.

و الحاصل: أنّ الأصل يجري في الملاقى و الطرف الآخر ثمّ يتساقطان، و لا يجري في الملاقي حين جريانه في الملاقى لتأخّر رتبته عن الملاقى و المفروض انّ الأصلين فيهما تعارضا و تساقطا، فيكون الأصل في جانب الملاقي بلا معارض.

استدل القائل بالاجتناب عن الملاقي بأنّه بعد العلم بالملاقاة يتبدّل العلم، الثُنائي الأطراف، إلى ثُلاثي الأطراف، فيحصل العلم إمّا بنجاسة الملاقي و الملاقى أو ذاك الطرف، و ذلك لاتحاد حكم الملاقى و الملاقي، فلو كان الأوّل طرفاً للعلم، فالثاني أيضاً كذلك، وعليه يجب الاجتناب عن الجميع لتحصيل العلم بالاجتناب عن النجس الموجود في البين.

يلاحظ عليه: بما مرّ في التنبيه الثالث من أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير، فلو أحدث على تقدير دون آخر فلا

يكون منجِّزاً.

و هذا الشرط موجود في العلم الأوّل لأنّه لمّا لم يكن واحد من المشتبهين محكوماً بوجوب الاجتناب، حدث العلم الإجمالي مؤثراً، و هذا بخلاف العلم الثاني، لأنّه حدث عند ما كان الطرف الآخر محكوماً بوجوب الاجتناب بالعلم الإجمالي الأوّل، و معه لا يُحدث في الملاقي و لا يؤثر فيه حكماً لفقدان الشرط المؤثّر في تنجيز العلم الإجمالي، أعني: كونه محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، فيكون الملاقي بحكم الشبهة البدويّة يجري فيه الأصل بلا معارض.

فإن قلت: انّ هنا علماً إجمالياً ثالثاً و هو العلم الإجمالي بنجاسة الطرف، أو الملاقي و الملاقى معاً فالطرفان بين أُحاديّ، و ثُنائيّ.

قلت: ليس هذا علماً ثالثاً وراء العلمين و إنّما هو تلفيق منهما و قد عرفت أنّ العلم الأوّل منجز دون الثاني، فليس هنا علم ثالث نبحث في حكمه.

هذا خلاصة الكلام و التفصيل موكول إلى دراسات عليا.

المقام الثاني: أصالة الاحتياط الشبهة الوجوبية

اشارة

قد عرفت أنّ الشكّ في المكلّف به ينقسم إلى شبهة تحريمية و إلى شبهة وجوبية، و قد تمّ الكلام في الأُولى مع الإشارة إلى مسائلها الأربع، و لكن ركزنا البحث على مسألة واحدة من المسائل الأربع و هي الشبهة الموضوعية لعدم وجود تطبيقات عملية لسائر مسائلها الثلاث.

بقي الكلام في الشبهة الوجوبية من المكلّف به فهي تنقسم إلى قسمين، تارة يكون الشكّ مردداً بين المتباينين كتردد الأمر بين وجوب الظهر أو الجمعة.

و أُخرى بين الأقل و الأكثر كتردد الواجب بين الصلاة مع السورة أو بدونها. و بذلك يقع الكلام في موضعين.

و لما كان حكم المتباينين واضحاً و هو وجوب الاحتياط فيهما مضافاً إلى أنّا تعرضنا له في الموجز (1)نقتصر في المقام من الشبهة الوجوبية على الأقل و الأكثر.

ثمّ إنّ الأقل و الأكثر ينقسمان إلى الاستقلاليين و الارتباطيين، و الفرق بينهما بأنّ الأقل الاستقلالي يغاير الأكثر الاستقلالي على فرض وجوبه حكماً و وجوباً، ملاكاً و غرضاً، طاعة و امتثالاً، كالفائتة المرددة بين الواحد و الكثير، و الدّين المردّد بين الدرهم و الدرهمين، بخلاف الأقل الارتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر، متحد معه حكماً و وجوباً، ملاكاً و غرضاً، طاعة و امتثالاً، و لا استقلال له في شيء من الأُمور الثلاثة، كالشكّ في وجوب الصلاة مع السورة أو لا معها.


1) . الموجز:202.

ثمّ إنّ المشكوك في الشبهة الوجوبية يكون تارة الجزء الخارجي كالسورة و القنوت و جلسة الاستراحة بعد السجدتين، و أُخرى الشرط أي الخصوصية المعتبرة في العبادة، المنتزعة من الأمر الخارجي كالطهارة الحاصلة عن الغسلات و المسحات بنيّة التقرب، و ثالثة الخصوصية المتحدة مع المأمور به، كما إذا دار أمر الواجب بين مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة، أو دار أمر الواجب بين واحد معين من الخصال أو المردد بين الأُمور الثلاثة، و حكم الجميع واحد.

و الأقوال في المقام لا تتجاوز عن ثلاثة:

أ. جريان البراءة العقلية و الشرعية.

ب. القول بالاحتياط و عدم جريانهما.

ج. التفصيل بين العقلية و الشرعية تجري الأُولى دون الثانية.

و لكن الحقّ جريانهما معاً، و قد استدل على البراءة العقليّة بوجوه مختلفة نذكر منها وجهاً واحداً و هو أوضح الوجوه.

و هو انّ الأمر و إن تعلق بعنوان الصلاة لكنّها ليست شيئاً مغايراً للأجزاء بل هو عبارة أُخرى عن نفس الأجزاء لكن بصورة الجمع و الوحدة في التعبير. و ذلك لانّ الاجزاء تارة تلاحظ بصورة الكثرة بملاحظة كلّ جزء مستقلاً مع جزء آخر، و أُخرى تلاحظ بنعت الجمع و في لباس الوحدة، و العنوان المشير إلى ذات الأجزاء بهذا النعت هو عنوان الصلاة. و هي نفس الأجزاء في لحاظ الوحدة و على نحو الجمع في التعبير.

إذا علمت ذلك فنقول: إنّ الحجة قامت على وجوب العنوان نحو قوله:»أقم الصلاة« و قيام الحجّة عليه نفس قيامها على الأجزاء، و قد عرفت أنّ نسبة الصلاة إليها نسبة المجمل إلى المفصّل لكن الاحتجاج بالعنوان على وجوب

الأجزاء إنّما يصحّ فيما إذا علم انحلاله إلى جزء و جزء حتى يكون داعياً إليه، و أمّا إذا جُهلت جزئية الشيء فلا يكون الأمر به، حجّة عليها و داعياً إليها ضرورة انّ قوام الاحتجاج بالعلم، و العلم بتعلّق الأمر المركب، إنّما يكون حجّة على الأجزاء التي علم تركب المركب منها دون ما لا يكون.

و إن شئت نزّل المقام على ما إذا تعلّق الأمر بالأجزاء بلا توسط عنوان، فكما أنّه لا يحتج إلاّ على الأجزاء المعلومة دون المشكوكة، فهكذا المقام فانّ الأمر و إن تعلق بالعنوان مباشرة دونها، لكنّك عرفت أنّ نسبة العنوان إليها نسبة المجمل إلى المفصل، فالأجزاء في مرآة الإجمال، عنوان; و في مرآة التفصيل، أجزاء.

و على ضوء ذلك: إذا بذل العبد جهده للعثور على الأجزاء التي ينحلّ العنوان إليها، فلم يقف إلاّ على التسعة منها دون الجزء العاشر المحتمل، يستقل العقل بانّه ممتثل حسب قيام الحجة و يعدّ العقاب على ترك الجزء المشكوك عقاباً بلا بيان.

و بعبارة موجزة: انّ العقل يستقل بقبح مؤاخذ مَنْ أُمر بمركب لم يُعلَم من أجزائه إلاّ عدّة أجزاء، و يشكّ في وجود جزء آخر، ثمّ بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الأمر، فلم يعثر فأتى بما علم و ترك المشكوك، خصوصاً مع اعتراف المولى بعدم نصب قرينة عليه، فكما تقبح المؤاخذة فيما إذا لم ينصب قرينة فهكذا تقبح فيما إذا نصب و لكن لم تصل إلى المكلّف بعد الفحص و هذا تقرير للبراءة العقلية. (1)

و بهذا يعلم جريان البراءة الشرعية حيث إنّ تعلّق الوجوب الشرعي بالنسبة إلى الجزء أو الشرط أو القيد مجهول فيشمله حديث الرفع و غيره من أدلّة البراءةن.


1) . ثمّ إنّ ما ذكرنا من الدليل، غير ما هو المعروف من القوم في المقام من كون الأقلّ واجباً على كلّ تقدير و الأكثر مشكوك الوجوب فانّ الاستدلال على البراءة بهذا الطريق ذو شجون.

الشرعية.

و من هنا يعلم انّ المرجع في الأقل و الأكثر هو البراءة من غير فرق بين أن يكون منشأ الشك فقدان النص كما علمت أو إجمال النص، كما إذا دلّ الدليل على غسل ظاهر البدن و يشك في أنّ الجزء الفلاني داخل فيه أو لا، أو تعارض النصين، كما إذا دلّ دليل على جزئية السورة، و أُخرى على عدم جزئيتها، فالمرجع حسب القاعدة الأُولى هو البراءة، غير انّ الأدلة الشرعية دلت على التخيير بين الدليلين عند عدم المرجح. (1)

أو كان منشأ الشك خلط الأُمور الخارجية، كما إذا أمر بتكريم مجموع العلماء على نحو العام المجموعي بأن يكون هناك وجوب واحد و إطاعة واحدة فشكّ في كون زيد عالماً أو لا.فالمرجع هو البراءة، لأنّ الشكّ في كون زيد عالماً يرجع إلى الشكّ في كون الموضوع ذا أجزاء كثيرة أو قليلة فيكون حكمه، حكم الأقل و الأكثر الارتباطيين. (2)

و ثمة سؤال و هو لما ذا خصصنا الأقل و الأكثر بالشبهة الوجوبية و لم نتعرض له في الشبهة التحريمية؟ و الجواب واضح لأنّ مرجع دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الشبهة التحريمية إلى الشكّ في أصل التكليف، لأنّ الأقل معلوم الحرمة و الشكّ في حرمة الأكثر، نظير الشك في الأقل و الأكثر الاستقلاليين في المقام.2.


1) . سيوافيك تفصيله في التعادل و الترجيح، ص194.

2) . فوائد الأُصول:4/202.

تنبيهات
التنبيه الأوّل: حكم النقيصة السهوية

إذا ترك جزء المركب أو شرطه سهواً فهل تبطل عبادته أو لا؟ و الكلام في المقام في تبيين حكم القاعدة الأُولى دون النظر إلى الأدلة الخارجية.(القاعدة الثانويّة) أقول: إنّ للمسألة صوراً:

الأُولى: إذا كان لدليل المركب إطلاق يدلّ على مطلوبية الباقي مطلقاً سواء كان معه الجزء المنسيّ أو لا، مثل قوله(عليه السلام): »لا تترك الصلاة بحال« إذا كان لفظ الصلاة صادقاً على غير المنسي.

الثانية: إذا كان لدليل الجزء إطلاق يدل على مدخليته في المركب مطلقاً في حالتي الذكر و النسيان، كقوله(عليه السلام): »لا صلاة إلاّ بطهور«.

الثالثة: أن يكون لكلّ من دليلي المركب و الجزء إطلاق، فمقتضى إطلاق دليل المركب وجود الأمر بالباقي، و مقتضى إطلاق دليل الجزء عدم الأمر بالباقي.

الرابعة: أن لا يكون لواحد منهما إطلاق.

أمّا الصورة الأُولى: أي وجود الإطلاق لدليل المركب دون دليل الجزء، فيؤخذ بمقتضى إطلاق دليل المركب، و يحكم بصحّة المأتي به عدا المنسيّ، و لو شكّ في جزئية الجزء أو شرطية الشرط في حال النسيان تجري أصالة البراءة فيها.

أمّا الصورة الثانية: أي إذا كان لدليل الجزء و الشرط إطلاق دون دليل المركب، فيدلّ على فعلية أحكامهما في حالتي الذكر و النسيان، و مقتضى الإطلاق

عدم الاكتفاء بالمأتي به، و لو ارتفع النسيان كان عليه الإعادة أو القضاء.

و أمّا الصورة الثالثة: أي إذا كان لكلّ من الدليلين إطلاق فيقدم إطلاق دليل الجزء على إطلاق المركب تقدمَ المقيد على المطلق، فإنّ دليل المركّب و إن كان يدلّ على مطلوبية كلّ واحد من الأجزاء غير المنسيّة حالتي الذكر و النسيان و بالتالي يدل وجود الأمر بما عدا المنسي سواء أنسي الجزء الآخر أم لا، لكن دليل الجزء أخص منه حيث يدلّ على دخله في صحّة المركب و عدم إيفاء الباقي بغرض المولى مطلقاً ذاكراً كان أو ناسياً، فيقدم على إطلاق المركب، و على ذلك فلا يجوز الاكتفاء بما عدا المنسي، فإذا قال المولى:

»لا صلاة إلاّ بطهور« (1)أو قال: »لا صلاة لمن لا يقيم صلبه«. (2)كان ظاهرهما مدخليتهما في ماهية الصلاة و حقيقتها، فيعمّان حالتي الذكر و النسيان، فتكون النتيجة بطلانَ الصلاة المنسيّ جزؤها حسب إطلاق دليل الجزء و الشرط، و ليس المقام مجرى للبراءة العقلية أو الشرعية من شرطية الشرط أو جزئية الجزء لفرض وجود الدليل الاجتهادي، أعني: الإطلاق فيهما.

و أمّا الصورة الرابعة: أعني: إذا لم يكن لدليل المركب و لا لدليل الجزء إطلاق فأتى بما عدا المنسي ثمّ ذكر بعد الفراغ عن العمل، فهذا هو المناسب للمقام و المحكّم فيه هو البراءة، لأنّ الواقع لا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن تكون الجزئية مطلقة تلزم إعادتها، أو مختصة بحال الذكر فيكفي ما أتى به، فيكون مرجع الشك في وجوب الإعادة، إلى الشك في ثبوت جزئية الجزء أو شرطية الشرط في حال النسيان و الأصل البراءة من الجزئية أو الشرطية في هذه الحالة، فيحكم عليها بالصحّة.2.


1) . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

2) . الوسائل: 1، الباب 16 من أبواب الركوع، الحديث 1و2.

التنبيه الثاني: تعذّر الإتيان ببعض الأجزاء
اشارة

التنبيه الثاني: تعذّر الإتيان ببعض الأجزاء (1)

إذا عُلِمت جزئية شيء أو شرطيته و دار الأمر بين كونه جزءاً أو شرطاً مطلقاً و لو في حال العجز حتى يسقط الأمر بالباقي لعدم تمكنه من الإتيان بالمأمور به، أو كونه جزءاً أو شرطاً في حال التمكّن فيبقى الأمر بالباقي على حاله، فللمسألة صور أربع:

الأُولى: أن يكون لدليل المركّب وحده إطلاق بالنسبة إلى سائر الأجزاء يعم الحكم حالتي التمكّن و التعذّر.

الثانية: أن يكون لدليل الجزء وحده إطلاق يعم الحكم كلتا الحالتين.

الثالثة: أن يكون لكلا الدليلين إطلاق.

الرابعة: أن لا يكون لواحد منهما إطلاق.

فالمحكّم هو الدليل الاجتهادي، أعني: الإطلاق في الأوّلين، فتكون النتيجة لزوم الإتيان بغير المتعذّر في الأُولى و عدمه في الثانية، و تقديم إطلاق الجزء على إطلاق المركّب في الصورة الثالثة، فتكون النتيجة عدم جواز الإتيان بغير المتعذر، لتقدّم إطلاق دليل الجزء على دليل المركّب، تقدمَ المقيد على المطلق. كما مرّ في النقيصة السهويّة.

إنّما الكلام في الصورة الرابعة، أي ما لا يكون هناك إطلاق في كلا الموضعين، فهل يجب الإتيان بالباقي إذا كان عنوان المركّب صادقاً على الباقي، كالأمر بالصلاة في ثوب طاهر مع تعذر إقامتها في الطاهر، أو لا؟


1) . كان البحث في التنبيه السابق في جريان البراءة بعد العمل أي الإتيان بما عدا المنسيّ، بخلاف المقام فالبحث في جريانها قبل الإتيان بما عدا المتعذر. و كلا الأمرين يرجعان إلى أمر واحد: و هو انّ الأصل في الجزئية و الشرطية، الركنيّة أو لا، فلاحظ.

الظاهر هو الثاني، لأنّ التكليف المتيقّن إنّما كان بمجموع الأجزاء و الشرائط، فإذا لم يتمكّن من بعضها فكأنّه لم يتمكّن من الكل بما هو كل، فالتكليف الجديد بالنسبة إلى الباقي يحتاج إلى الدليل و الأصل البراءة منه.

قاعدة الميسور

و ربما يقال بوجوب الإتيان بالباقي تمسّكاً بقاعدة الميسور التي دلّ عليها الحديث النبويّ و الولويّ.

1. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّه قال: خطبنا رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)فقال:

»أيّها الناس قد فرض عليكم الحجّ فحجّوا« فقال رجل: أ كلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »لو قلت نعم لوجب و لما استطعتم« ثمّ قال: »ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شيء فدعوه«. (1)

و الرواية غير صالحة سنداً و متناً.

أمّا الأوّل: فيكفي في ضعفه كون الناقل ممّن لا يصحّ الاحتجاج برواياته.

و أمّا الثاني: فإنّ الرواية ناظرة إلى واجب ذي افراد لا ذي أجزاء بقرينة موردها، و هو الحج، و بقرينة قول الرجل: أ كلّ عام يا رسول اللّه؟ و لكنّ الكلام في المقام انّما هو في واجب ذي أَجزاء لا في واجب ذي افراد.

2. ما رواه صاحب »غوالي اللآلي« قال الإمام عليّ(عليه السلام):»لا يُترك الميسور بالمعسور«. (2)و قال(عليه السلام):»ما لا يُدْرَك كُلُّه لا يُترَكُ كُلّه«. (3)

1) . التاج الجامع للأُصول:2/100، كتاب الحج.

2) . غوالي اللآلي:4/58 برقم 205و207.

3) . غوالي اللآلي:4/58 برقم 205و207.

يلاحظ عليهما: عدم ثبوت سند الحديثين.

و أمّا الدلالة، فالظاهر أنّه لا غبار في دلالتهما شريطة أن يكون الباقي ميسوراً للمعسور، كالثمانية بالنسبة إلى العشرة، لا الخمسة بالنسبة إليها.

و مثله قوله:»ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه« المنصرف إلى ما إذا كان المُدرَك مرتبة ناقصة ممّا لا يُدرك.

التنبيه الثالث: حكم الزيادة السهوية

انّ لزيادة الجزء صوراً ثلاثاً:

أ. إذا أُخذ شيء جزء للمركب و أُخذَ عدم زيادته قيداً للمركب لا لجزئيّة الجزء، بأن يقول: يجب عليك الصلاة بشرط عدم زيادة جزء من أجزائها.

ب. إذا أخذ شيء جزء للمركّب لكن أُخذ عدم زيادته قيداً لجزئيّة الجزء فصار الجزء بقيد الوحدة جزء، كأن يقول: اركع بشرط عدم الزيادة.

ج. إذا أخذ شيء جزءاً و كان بالنسبة إلى الزيادة لا بشرط، بأن تكون الزيادة و عدمها غير مؤثرين في صحّة الواجب و لا في بطلانه.

فلا شكّ انّ الصلاة في الصورتين الأُوليين باطلة لعدم كون المأتي به موافقاً للمأمور به كما لا شكّ في صحّة الصلاة في الصورة الثالثة.

إنّما الكلام فيما إذا لم تحرز كيفية اعتبار الجزء و دار الأمر بين كونه من ذينك القسمين أو القسم الثالث. فيقع الكلام في مقتضى القاعدة الأوّلية، و المرجع هو البراءة، لأنّ مرجع الشك إلى أخذ العدم قيداً للمركب أو لجزئية الجزء أو أخذ الزائد مانعاً، و قاطعاً و الأصل في الجميع هو العدم. هذا حكم الزيادة حسب القواعد الأوّلية، و أمّا حكمها حسب القواعد الثانوية فهو موكول إلى الفقه.و لكن نقول على وجه الإجمال انّ مقتضى القاعدة الثانوية هو البطلان في موارد خمسة

اعتماداً على قاعدة »لا تعاد«.

روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: »لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود« ثمّ قال: »القراءة سنّة، و التشهد سنّة فلا تنقض السنة الفريضة« (1)، هذا بناء على أنّ شمول الحديث النقيصة و الزيادة.

التنبيه الرابع: دوران الأمر بين شرطية شيء و مانعيته أو قاطعيته

التنبيه الرابع: دوران الأمر بين شرطية شيء و مانعيته أو قاطعيته (2)

إذا علمنا اعتبار شيء في المأمور به و لكن دار الأمر بين كون وجوده مؤثراً في الصحّة أو وجوده مانعاً عنها. (3)و هذا كالجهر بالقراءة في ظهر يوم الجمعة حيث قيل بوجوبه، و قيل بوجوب الإخفات، و كتدارك الحمد بعد الدخول في السورة و غيرهما من الشبهات الحكمية.

الظاهر وجوب الاحتياط إذا أمكن، كما إذا كان للواجب أفراد طولية، كصلاة الظهر في يوم الجمعة فدار الأمر بين كون الجهر شرطاً أو مانعاً فيجب التكرار، و نظير ذلك دوران الأمر بين التمام و القصر للشك في كون الركعتين الأخيرتين جزءاً أو مانعاً.

نعم إذا لم يتمكّن إلاّ من فرد واحد كصلاة الجمعة في الشبهة الحكمية، فالمرجع هو التخيير.

خاتمة: في شرائط العمل بالاحتياط و البراءة

اشارة

و المراد من الشرائط ما هو شرط لجريانهما دون جواز العمل بهما، و الفرق


1) . الوسائل:3، الباب 1 من أبواب القبلة، الحديث1.

2) . و مثله ما إذا دار الأمر بين جزئية شيء و مانعيته أو قاطعيته و الحكم في الجميع واحد.

3) . قد تقدّم انّ معنى المانعية هو وجود الشيء مزاحماً للصحّة لا اعتبار عدمه في المأمور به إذ العدم ليس شيئاً قابلاً للاعتبار.

بينهما واضح، لأنّ الشرائط على قسمين:

الأوّل: ما يكون وجوده محقِّقاً لموضوع الأصل بحيث لولاه لما كان هناك محلّ للأصل.

الثاني: ما يكون وجوده شرطاً للعمل بالأصل على وجه يكون الأصل جارياً، و لكن لا يعمل به إلاّ مع هذا الشرط، و إليك الكلام في كلا الشرطين على وجه الإيجاز.

أصل الاحتياط و شروط جريانه

لا شكّ في حسن الاحتياط لكونه طريقاً لتحصيل الحقّ و العمل به و العقل حاكم بحسنه، و لا يشترط فيه سوى أمرين:

1.

عدم استلزامه لاختلال النظام.

2.

عدم مخالفته لاحتياط آخر.

و أمّا موارده فتنحصر في المواضع التالية:

1.

الاحتياط المطلق فيما إذا لم يكن هنا علم إجمالي و لا حجّة شرعية، كالشبهة البدويّة.

2.

الاحتياط فيما إذا كان هناك علم وجداني إجمالي.

3.

الاحتياط إذا كانت هناك حجّة شرعية لها إطلاق بالنسبة إلى المعلوم بالتفصيل و المعلوم بالإجمال.

أصل البراءة و شرط جريانه

اشارة

لا يشترط في جريان البراءة في الشبهات الحكمية إلاّ الفحص عن الدليل الاجتهادي، لأنّ البيان الرافع لقبح العقاب هو البيان الواصل هذا من جانب.

و من جانب آخر ليس المراد من الواصل هو إيصاله إلى كلّ واحد بدقّ باب بيته و إعطائه البيان، بل المراد وجود البيان في مظانّه على وجه لو أراد لوقف عليه، و على هذا فوجود البيان عند الرواة أو حملة العلم أو في الجوامع الحديثية كاف في رفع القبح و مع احتماله فيها لا يستقل العقل بالقبح ما لم يتفحّص.

و أمّا الشبهات الموضوعية، فالظاهر تسالم الأُصوليين على عدم وجوب الفحص، و لكنّه على إطلاقه غير صحيح، و إنّما لا يحتاج إلى الفحص إذا كان تحصيل العلم منوطاً بمقدّمات بعيدة.

و أمّا إذا كان العلم بالواقع ممكناً بأدنى نظر، كالنظر إلى الأُفق فيمن شكّ في دخول الفجر فيجب عليه الفحص، و مثله إذا شكّ في بلوغ الأموال الزكوية حدّ النصاب، أو الشكّ في زيادة الربح على المئونة، أو الشكّ في حصول الاستطاعة المالية للحج، أو الشكّ في مقدار الدين مع العلم بضبطه في السجلاّت، إلى غير ذلك من الشبهات الموضوعية التي يحصل العلم بها بأدنى تأمل.

و أمّا شرائط العمل بالبراءة فيمكن أن يعدّ منها، عدم معارضته مع أصل آخر، كما في موارد العلم الإجمالي، أو أن لا يكون على خلاف المنّة.و لا يختص هذا الشرط بالبراءة، بل يعم الاضطرار الوارد في حديث الرفع أيضاً، كعدم الضمان في عام المجاعة إذا توقفت حياة المضطر على أكل طعام الغير، فالمرفوع هو حرمة التصرف لأجل الاضطرار لا الضمان، فالتصرف جائز لكن مع ضمان قيمته، لأنّ عدمه على خلاف المنَّة.

صحّة عمل تارك الفحص و عدمها

إذا ترك المجتهد الفحص عن الدليل الاجتهادي، أو ترك العامي طريقي

الاجتهاد و التقليد، فهل يحكم بصحّة العمل أو لا؟ لا شكّ في عدم الصحّة إذا خالف الواقع توصليّاً كان أو تعبديّاً ، و كما لا شكّ في الصحة إذا صادف الواقع في التوصليات كالمعاملات، لأنّ الصحّة ليست رهن قصد القربة، و أمّا العبادات إذا صادفت الواقع، فإن تمكن من الإتيان بها بقصد القربة كما إذا كان غافلاً حين العمل صحّت عبادته ظاهراً لحصول شرطها و هي القربة و مطابقتها للواقع، و إلاّ فهي باطلة لخلوّها من التقرّب.

نعم اتّفق الأصحاب على بطلان عمل الجاهل المقصّر في التعبديات إذا خالف الواقع إلاّ في موضعين، فأفتوا بالصحّة و عدم لزوم الإعادة و القضاء، و ذلك:

أ. إذا أتمّ في موضع القصر(دون العكس).

ب. إذا جهر في موضع الإخفات أو بالعكس، لتضافر الروايات على ذلك. (1)

تمّ الكلام في الاحتياط، و يليه البحث في الأصل الرابع، و هو الاستصحاب.

و الحمد للّه ربّ العالمين1.


1) . الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3و4و8و11.

الأصل الرابع: الاستصحاب

اشارة

الاستصحاب أحد الأُصول الأربعة العامة الذي له دور كبير في استنباط الوظيفة العملية، و لم يزل يُتمسك به بين الفقهاء من عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)إلى يومنا هذا، و يتميز عن سائر الأُصول الثلاثة بوجود الحالة السابقة و ملاحظتها.

أمّا وجود الحالة السابقة فهو أساس الاستصحاب، و أمّا اشتراط كونها ملحوظة، فلأجل انّه ربّما لا تكون الحالة السابقة معتبرة عند الشارع بأن تكون حجة في استنباط الوظيفة العملية كما سيوافيك موارده. (1)

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الاستصحاب في اللغة

أخذ الشيء مصاحَباً أو طلب صحبته، و في الاصطلاح»إبقاء ما كان على ما كان « و المعروف بين المتأخرين أنّ الاستصحاب أصل كسائر الأُصول و إن كانت مرتبته متقدّمة على سائر الأُصول العملية لكن الظاهر من قدماء الأُصوليين أنّه أمارة ظنية، فكأنّ اليقين السابق بالحدوث أمارة ظنية لبقاء الشيء في ظرف


1) . كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ الأنصاري، أو في الشبهات الحكمية التي أنكر المحقّق النراقي و تبعه المحقق الخوئي، حجّية الاستصحاب فيها و خصّا الحجّية بالشك في الشبهات الموضوعية.

الشك، إذ ليس المراد من الشك هو الشكّ المنطقي أعني به تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن بالبقاء.

و أمّا المتأخرون فلم يعتبروه أمارة ظنية بل تلقّوه أصلاً عملياً و حجّة في ظرف الشك، و استدلّوا عليه بروايات ستوافيك.

الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية،

و ذلك لأنّ المعيار في تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو محمولاتها.

توضيحه: انّ المحمول في القواعد الفقهية لا يخلو إمّا أن يكون حكماً فرعيّاً تكليفيّاً كالوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة. أو حكماً فرعيّاً وضعيّاً كالضمان و الصحّة و البطلان. مثلاً قوله:»كل شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام« قاعدة فقهية بحكم أنّ المحمول هو الحليّة، التي هي من الأحكام الفرعية التكليفية، كما أنّ قوله: »ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده« قاعدة فقهية، لأنّ المحمول فيها هو الضمان و هو حكم وضعي، و مثله قوله:»لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود« (1)فانّ المحمول هو البطلان في الخمسة و الصحّة في غيرها. هذا هو ميزان القاعدة الفقهية.

و أمّا القاعدة الأُصولية فتختلف محمولاً عن القاعدة الفقهية، فالمحمول فيها ليس حكماً شرعياً تكليفياً أو وضعياً، بل يدور حول الحجّية و عدمها، فنقول: الظواهر حجّة، الشهرة العملية حجّة، خبر الواحد حجّة، أصل البراءة و الاحتياط و الاستصحاب، كلٌّ حجّة في ظرف الشك.

و ربما يخطر بالبال بأنّ المحمول في المسائل الأُصولية ربما يكون غير الحجّة، كقولك: الأمر ظاهر في الوجوب و النهي ظاهر في الحرمة، و لكنّه عند التدقيق يرجع إلى البحث عن الحجّة على الوجوب و الحرمة، فالغاية من إثبات ظهورهما هي إقامة الحجّة على الوجوب و التحريم.

و إن شئت قلت: الغاية من إثبات الصغرى(كونه ظاهراً في الوجوب) هي


1) . الوسائل:4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث4.

احتجاج المولى به على العبد. و روح المسألة عبارة عن كون الأمر حجّة في الوجوب أو لا، و هكذا كلّ ما مرّ في باب الأوامر و النواهي.

الثالث: قد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فى...

الثالث: قد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فى مضمون »أنّ اليقين لا يُنقض بالشك«،

و ظاهره اجتماعهما في زمان واحد و عدم نقض أحدهما الآخر، و هو في بادئ النظر أمر غريب، لأنّهما لا يجتمعان حتى لا ينقض أحدُهما الآخر، لأنّ اليقين هو الجزم بشيء، و الشكّ هو التردّد و انفصام الجزم، فكيف يجتمعان؟! و الجواب أنّ اليقين و الشكّ لا يجتمعان إذا كان المتعلّق واحداً ذاتاً و زماناً، كما إذا فرضنا انّه تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في نفس ذلك اليوم في عدالته، ففي مثله لا يمكن اجتماع اليقين و الشكّ، فعند ما يكون متيقناً لا يمكن أن يكون شاكاً و بالعكس.

و أمّا إذا كان متعلقاهما متحدين جوهراً، و متغايرين زماناً، فاليقين و الشكّ يجتمعان قطعاً، مثلاً لو تيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لكن صدر منه يوم السبت فعلٌ شكَ معه في بقاء عدالته في ذلك اليوم، ففي هذا الظرف يجتمع اليقين و الشكّ فهو في آن واحد متيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لا يشك فيه أبداً، و هو في الوقت نفسه شاك في عدالته يوم السبت، و بذلك صحّ اجتماع اليقين و الشكّ في زمان واحد لتغاير المتعلّقين زماناً، و إلى ذلك يؤول قولهم في باب الاستصحاب »اليقين يتعلّق بالحدوث و الشكّ بالبقاء« فمقتضى الاستصحاب إبقاء عدالة زيد يوم الجمعة إلى يوم السبت و ترتيب أثر العدالة في زمان الشك.

و بذلك علم أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أ. فعليّة اليقين في ظرف الشكّ، و وجودهما في آن واحد في وجدان المستصحِب.

ب. وحدة متعلّقهما جوهراً و ذاتاً، و تعدده زماناً بسبق زمان المتيقن على المشكوك.

الرابع:الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين

إنّ في مصطلح الأُصوليين قاعدة موسومة بقاعدة اليقين و الشك الساري لسريان الشكّ إلى نفس اليقين كما إذا تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم طرأ عليه الشكّ يوم السبت في عدالة زيد في نفس يوم الجمعة(لا السبت) و قد تبين بذلك أركان قاعدة اليقين:

أ. عدم فعلية اليقين في ظرف الشك.

ب. وحدة متعلقهما جوهراً و زماناً، حيث تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين و هو عدالة يوم الجمعة.

و المعروف بين الأصحاب انّ الاستصحاب حجّة دون قاعدة اليقين. و انّ روايات الباب منطبقة على الأوّل دون الثانية كما سيوافيك.


الخامس: انّ هنا قاعدة ثالثة

و هي قاعدة المقتضي و المانع التي تغاير القاعدتين الماضيتين و تختلف عنهما باختلاف متعلّق اليقين و الشك جوهراً و ذاتاً فضلاً عن الاختلاف في الزمان.

مثلاً إذا تيقن بصبِّ الماء على اليد للوضوء، و شك في تحقّق الغَسْل للشك في المانع. أو تيقن برمي السهم و شكّ في القتل للشك في وجود المانع، فمتعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ بالذات، حيث تعلّق اليقين بصبّ الماء و الرمي، و تعلّق الشكّ بوجود الحاجب و المانع.

نعم يتولد من هذا اليقين و الشكّ، شك آخر، و هو الشكّ في حصول

المقتضى أعني: الغَسْل و القَتل، و القائل بحجّية تلك القاعدة يتمسك بأصالة عدم المانع و الحاجب و يثبت بذلك الغَسل أو القتل. بحجّة انّ المقتضي موجود، و المانع مرفوع بالأصل فيكون »المقتضى« محقّقاً.و ربما حاول تطبيق روايات الباب على تلك القاعدة. (1)

و المشهور أعرضوا عن تلك القاعدة بحجّة عدم الدليل عليها.

السادس:تقسيمات الاستصحاب

اشارة

إنّ للاستصحاب تقسيمات، تارة باعتبار المستصحَب، و أُخرى باعتبار الشكّ المأخوذ فيه، و إليك البيان:

1. تقسيمه باعتبار المستصحَب

ينقسم الاستصحاب باعتبار المستصحَب إلى الأقسام التالية:

ألف. أن يكون المستصحَب أمراً وجوديّاً أو عدميّاً، كاستصحاب الكرّية إذا كان الماء مسبوقاً بها، أو عدم الكرّية إذا كان مسبوقاً به.

ب. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً تكليفيّاً سواء أ كان كليّاً كاستصحاب حليّة المتعة، أم جزئياً كاستصحاب وجوب الإنفاق على الزوجة المعيّنة إذا شكّ في كونها ناشزة.

ج. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً وضعياً لا تكليفياً كاستصحاب الزوجية، و الجزئية، و المانعية و الشرطية، و السببية عند طروء الشك في بقائها.

د. أن يكون المستصحب موضوعاً لحكم


1) . لاحظ تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد،ص195 عند البحث عن مفاد »لا تنقض« فقد ردّ على القائل بالقاعدة ردّاً عنيفاً.

شرعي سواء كان موضوعاً لحكم شرعي تكليفي، أو موضوعاً لحكم وضعي، و هذا كاستصحاب حياة زيد، فتترتب عليه حرمة قسمة أمواله، و بقاء علقة الزوجية بينه و بين زوجته.

2. تقسيمه باعتبار الشك

ينقسم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه إلى الأقسام التالية:

أ. أن يتعلّق الشكّ باستعداد المستصحَب للبقاء في الحالة الثانية، كالشكّ في بقاء نجاسة الماء، المتغيّرِ أحدُ أوصافه الثلاثة، بالنجس، إذا زال تغيره بنفسه، حيث إنّه يتعلّق الشكّ بمقدار استعداد النجاسة للبقاء، بعد زوال تغيّره بنفسه، و مثله الشكّ في بقاء الليل أو النهار، حيث إنّه يتعلّق بمقدار استعدادهما للبقاء من حيث الطول و القِصَر، و هذا ما يسمّى بالشكّ في المقتضي.

ب. و أُخرى يتعلّق بطروء الرافع مع إحراز قابلية بقاء المستصحب و دوامه لولاه، و هو على أقسام:

1.

أن يتعلّق الشكّ بوجود الرافع، مع إحراز قابلية بقائه و دوامه لو لا الرافع، كما إذا شكّ في وجود الحدث بعد الوضوء.

2.

أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه، كالمذي الخارج من الإنسان، فيشك في أنّه رافع للطهارة مثل البول أو لا؟ فيرجع الشكّ إلى رافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه.

3.

أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بوصفه و حاله، كالبلل المردّد بين البول و الوذي مع العلم بحكمهما.

هذه هي التقسيمات الرئيسيّة، و هناك تقسيمات أُخرى تركنا ذكرها للاختصار.

إذا عرفت ذلك، فاعلم انّه استدلّ على حجّية الاستصحاب بوجوه

اشارة

مختلفة أصحها هو الأخبار المتضافرة في المقام و قد أوردنا في الموجز ثلاث روايات، فلنذكر سائرها.

1. صحيحة زرارة الثالثة

روى الكليني ، عن زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام)قال:» إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، و قد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى و لا شيء عليه، و لا ينقض اليقين بالشك«. (1)

وجه الاستدلال: الظاهر انّ قوله:»و لا ينقض اليقين بالشك« علّة للأمر بإضافة ركعة أُخرى، فكأنّه يقول: يأتي بركعة أُخرى و لا شيء عليه، لأنّه كان على يقين بعدم الإتيان بها فليمض على يقينه.

نعم ظاهر قوله:»فأضاف« انّه يأتي بالركعة الاحتياطيّة متصلة، مع أنّ الفتوى على الانفصال، فتُرفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة إجماع الطائفة على الانفصال.

2. موثقة إسحاق بن عمّار

روى الصدوق باسناده، عن إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو الحسن الأوّل: »إذا شككت فابن على اليقين«، قال: قلت: هذا أصل؟ قال: »نعم«. (2)

وجه الاستدلال: أنّ ظاهر الكلام فعليّة اليقين و الشكّ، فهو في آن واحد ذو


1) . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3، رواه عن علي بن إبراهيم الثقة عن أبيه، الذي هو فوق الثقة، عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة و كلّهم ثقات.

2) . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2 و سند الصدوق إلى إسحاق بن عمار صحيح في المشيخة.

يقين و شك، فينطبق على الاستصحاب.

و أمّا قاعدة اليقين، فالشكّ فيها فعلي دون اليقين بل هو زائل كما مرّ في توضيح القاعدة.

أضف إلى ذلك انّ الرواية ظاهرة في الاستصحاب بقرينة وحدة لسانها مع سائر الروايات.

3. مكاتبة القاساني

كتب علي بن محمد القاساني إلى أبي محمد(عليه السلام)، قال: كتبت إليه و أنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب:» اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية و أفطر للرؤية«. (1)

وجه الاستدلال: أنّ المراد من اليقين، إمّا هو اليقين بأنّ الزمان الماضي كان من شعبان فشكّ في خروجه بحلول اليوم التالي، أو اليقين بعدم دخول رمضان و قد شكّ في دخوله.و على كلا التقديرين لا يكون اليقين السابق منقوضاً بالشك. و هذا هو المراد من قوله: »اليقين لا يدخل فيه الشك«.

4. صحيحة عبد اللّه بن سنان

روى الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله(عليه السلام)و أنا حاضر: إنّي أُعير الذمِّي ثوبي و أنا أعلم أنّه يشرب الخمرَ، و يأكل لحم الخنزير، فيردّها عليّ أ فأغسِلُه قبل أن أُصلّي فيه؟فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »صلّ فيه و لا تَغْسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر، و لم تستيقن أنّه نجّسه،


1) . الوسائل: الجزء7، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.

فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه«. (1)

وجه الاستدلال: انّ الإمام لم يعلِّل طهارة الثوب بعدم العلم بالنجاسة حتى ينطبق على قاعدة الطهارة، بل علّله بأنّك كنتَ على يقين من طهارة ثوبك و شككتَ في تنجيسه فما لم تستيقن انّه نجّسه فلا يصحّ لك الحكم على خلاف اليقين السابق، و المورد و إن كان خاصّاً بطهارة الثوب لكنه غير مخصِّص و ذلك لوجهين:

الأوّل: ظهور الرواية في صدد إعطاء الضابطة الكلّية.

و الثاني: التعليل بأمر ارتكازيّ يورث إسراء الحكم إلى غير مورد السؤال.

5. خبر بكير بن أعين

روى بكير بن أعين قال: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا استيقنت أنّك توضّأت، فإيّاك أن تحدث وضوءاً حتى تستيقن أنّك أحدثت«. (2)

هذه هي المهمّات من روايات الباب، و فيما ذكرنا غنىً و كفاية.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الروايات، و كون التعليل(لا تنقض اليقين بالشك) أمراً ارتكازياً، حجّية الاستصحاب في جميع الأبواب و الموارد، سواء أ كان المستصحب أمراً وجودياً أم عدميّاً، و على فرض كونه وجوديّاً لا فرق بين كونه حكماً شرعيّاً تكليفياً أو وضعياً أو موضوعاً خارجياً له آثاره الشرعيّة كالكرّية، و حياة زيد، و غير ذلك.


1) . الوسائل: 2، الباب 74 من أبواب النجاسات ، الحديث 1. رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد اللّه القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى المتوفّى نحو 280ه، عن الحسن بن محبوب المتوفّى عام 224ه، عن عبد اللّه بن سنان، و سند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في التهذيبين، لاحظ آخر الكتاب الذي ذكر فيه أسانيده إلى أصحاب الكتب التي أخذ الأحاديث منها.

2) . الوسائل1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7. و السند صحيح إلى »بكير« غير أنّ بكيراً لم يوثّق لكن القرائن تشهد على وثاقته.

حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي

ذهب بعضهم إلى عدم حجّيته في خصوص الشكّ في المقتضي دون الرافع، و لإيضاح الفرق بين الشكّين نقول:

كلُّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي على حاله إلى أن يرفعه الرافع فالشكّ فيه شكّ في الرافع، و أمّا كلّ حكم أو موضوع لو ترك لزال بنفسه و إن لم يرفعه الرافع فالشك فيه من قبيل الشكّ في المقتضي، فمثلاً وجوب الصلاة و الصوم و الحجّ من التكاليف التي لا ترفع إلاّ برافع، و ذلك لأنّ الوجوب الجزئي منه لا يُرفع إلاّ بالامتثال، و أمّا الوجوب الكلي فبالنسخ، فالشكّ في الامتثال في مورد الحكم الجزئي، أو الشكّ في النسخ في مورد الحكم الكلي، شك في الرافع، لإحراز المقتضي لبقائه.

و هذا بخلاف ما لو شكّ في بقاء الخيار في الآونة المتأخرة، كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن و تمكّنه من إعمال الخيار، إذا لم يفسخ، فيشكّ في بقاء الخيار، لأجل الشكّ في اقتضائه للبقاء بعد العلم و المساهلة في إعماله، و مثله الشكّ في بقاء النهار إذا كانت في السماء غيوم، فالشكّ في تحقّق الغروب يرجع إلى طول النهار و قصره، فالشكّ فيه شكّ في المقتضي.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه استدل القائل بعدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي بدليل مبني على أمرين:

الأوّل: أنّ حقيقة النقض هي رفع الهيئة الاتصالية، كما في قوله نقضت الحبل، قال سبحانه:( وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (1)) (2).

الثاني: أنّ إرادة المعنى الحقيقي ممتنعة في المقام لعدم اشتمال اليقين على


1) سوره 16 - آیه 92

2) . النحل:92.

الهيئة الاتصالية، فلا بدّ من حمله على المعنى المجازي، و أقرب المجازات هو ما إذا تعلّق اليقين بما أحرز فيه المقتضي للبقاء و شك في رافعه، لا ما شكّ في أصل اقتضائه للبقاء مع صرف النظر عن الرافع، و قد قُرر في محلّه أنّه إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت في اللغة كون النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية حتى لا تصح نسبته إلى نفس»اليقين« لعدم اشتماله عليها، بل هو عبارة عن نقض الأمر المبرم و المستحكم سواء أ كان أمراً حسيّاً أم قلبيّاً و الشاهد على ذلك صحّة نسبة النقض إلى اليمين و الميثاق و العهد في الذكر الحكيم، قال سبحانه:

( وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها (1)) (2)و قال سبحانه:( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ (3)) (4)و قال سبحانه:( وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (5)) (6)و اليقين كالميثاق و اليمين و العهد من الأُمور النفسانية المبرمة المستحكمة فتصح نسبة النقض إليه، سواء تعلق بما أحرز فيه المقتضي للبقاء أو لا، و المصحح للنسبة هو كون نفس اليقين أمراً مبرماً مستحكماً، سواء أ كان المتعلّق كذلك، كما في الشكّ في الرافع، أم لم يكن كذلك كما في الشكّ في المقتضي.

هذا تمام الكلام في أدلّة الاستصحاب.5.


1) سوره 16 - آیه 91

2) . النحل:91.

3) سوره 4 - آیه 155

4) . النساء:155.

5) سوره 13 - آیه 25

6) . الرعد:25.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: كفاية إحراز المتيقّن بالأمارة

تنبيهات (1): التنبيه الأوّل: كفاية إحراز المتيقّن بالأمارة

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث من أركان الاستصحاب فلا كلام فيما إذا كان حدوث المتيقّن محرزاً باليقين، إنّما الكلام فيما إذا كان محرزاً بالأمارة و شكّ في بقائه، كما إذا دلّ قول الثقة على وجود الخيار للمغبون في الآن الأوّل و شُكَّ في بقائه في الآن الثاني، أو دلّت البيّنة على حياة زيد أو كونه مالكاً فشُك في بقاء حياته أو مالكيته فهل يحكم بالبقاء أو لا؟ وجه الإشكال أنّه لا يقين بالحدوث لعدم إفادة قول الثقة أو البيّنة ، اليقينَ فكيف يحكم بالبقاء؟ و الجواب أنّ المراد من اليقين في أحاديث الاستصحاب هو الحجّة على وجه الإطلاق، لا خصوص اليقين بمعنى الاعتقاد الجازم، كما هو المصطلح في علم المنطق، و الشاهد على ذلك أمران:

1.

انّ العلم و اليقين يستعملان في الحجّة الشرعية، كما في قولهم: يحرم الإفتاء بغير علم، فيُراد به الحجّة الشرعية لا العلم الجازم القاطع. لكفاية الحجّة غير القطعية في جواز الافتاء.

2.

ملاحظة روايات الباب مثلاً ففي الصحيحة الأُولى (2)لزرارة لم يكن له علم وجداني بالطهارة النفسانية، بل كان علمه مبنياً على طهارة مائه و بدنه و لباسه، بالأُصول و الأمارات، و هكذا سائر الروايات، فإنّ حصول اليقين فيها هناك كان رهنَ قواعد فقهية و أُصولية، و في الصحيحة الثانية كان اليقين بطهارة ثوبه


1) . قد تركنا بعض التنبيهات اقتناعاً بما حرّرناه في الموجز.

2) . لاحظ صحيحة زرارة الأُولى و الثانية في الموجز220.

و الشكّ في طروء النجاسة مستنداً إلى جريان أصالة الطهارة في الإناء و الماء الذي غسل به ثوبه إلى غير ذلك.

كلّ ذلك دليل على أنّ المراد من اليقين في الروايات هو الحجّة، عقلية كانت كالقطع، أو شرعية كالبيّنة و الأمارة، و يكون المراد من »الشك« بقرينة المقابلة هو اللاحجّة من غير فرق بين الظن و الشكّ والوهم. فكأنّ الشارع يقول: »لا تنقض الحجّة باللاحجّة « لأنّ اليقين فيه صلابة، و الشكّ فيه رخاوة فلا يُنقض الأوّل بالثاني كما لا يُنقض الحجر بالقطن.

التنبيه الثاني: في استصحاب الزمان و الزمانيات

المستصحب تارة يكون نفس الزمان، و أُخرى الشيء الواقع فيه.

أمّا الأوّل: فكما إذا كان الزمان موصوفاً بوصف ككونه ليلاً أو نهاراً، فشككنا في بقاء ذلك الوصف، فيستصحب بقاء الليل أو النهار.

و ربّما يقال: إنّ الزمان غير قارّ الذات و لا يتصوّر فيه البقاء بل سنخ تحقّقه هو الوجود شيئاً فشيئاً، و ما هذا حاله، لا يتصور فيه الحدوث و البقاء، حتى يتحقّق فيه أركان الاستصحاب.

و الجواب: إنّ بقاء كلّ شيء بحسبه، فللأُمور القارّة بقاء و انقضاء، و للأُمور المتصرّمة كالليل و النهار أيضاً بقاء و زوال مثلاً، يطلق على الطليعة، أوّل النهار، و على الظهيرة، وسط النهار، و على الغروب، آخره، و هذا يعرب عن أنّ للنهار بقاءً حسب العرف، و إن لم يكن كذلك بالدقة العقلية.

و أمّا الثاني: أعني الشيء الواقع في الزمان و هو المسمّى بالزماني كالتكلم و الكتابة و المشي و جريان الماء، فلكل منها حدوث و بقاء في نظر العرف، فلو شرع الإنسان بالتكلّم أو أخذ بالمشي ، فشككنا في بقائهما أو انقطاعهما، يصح استصحابهما كاستصحاب الزمان، و الإشكال فيه كالإشكال في الزمان، و الجواب

نفس الجواب.

و مثاله الشرعي إذا كانت العين نابعة، جارية و وقعت فيها نجاسة، و شككنا عند الوقوع في بقاء النبع و الجريان ، فيستصحب، و يترتب عليه الأثر الشرعي و هو عدم انفعال ماء العين بالنجاسة.

التنبيه الثالث: في شرطية فعلية الشك

يشترط في الاستصحاب، فعلية الشكّ فلا يفيد الشكّ التقديريّ، فلو تيقن الحدث من دون أن يشكّ ثمّ غفل و صلّى ثمّ التفت بعدها فشكّ في طهارته من حدثه السابق فلا يجري الاستصحاب، لأنّ اليقين بالحدث و إن كان موجوداً قبل الصلاة لكنّه لم يشك لغفلته فلا يتحقّق أركان الاستصحاب، و لأجل عدم جريانه يحكم عليه بصحّة الصلاة أخذاً بقاعدة الفراغ، لاحتمال أنّه توضّأ قبل الصلاة، و هذا المقدار من الاحتمال كاف لجريان قاعدة الفراغ، و لكن يجب عليه التوضّؤ بالنسبة إلى سائر الصلوات، لأنّ قاعدة الفراغ لا تثبت إلاّ صحّة الصلاة السابقة، و أمّا الصلوات الآتية فهي رهن إحراز الطهارة.

و هذا بخلاف ما إذا كان على يقين من الحدث ثمّ شكّ في وضوئه و مع ذلك غفل و صلّى و التفت بعدها فالصلاة محكومة بالبطلان لتماميّة أركان الاستصحاب و إن احتمل انّه توضأ بعد الغفلة.

التنبيه الرابع: المراد من الشك مطلق الاحتمال

يطلق الظن على الاحتمال الراجح، والوهم على الاحتمال المرجوح، فيكون الشكّ هو الاحتمال المساوي و هذا هو المسمّى بالشكّ المنطقي.

و أمّا الشكّ الأُصولي المطروح في باب الاستصحاب فهو عبارة عن خلاف

اليقين، سواء كان البقاء مظنوناً أو موهوماً أو مشكوكاً متساوي الطرفين، و هذا هو المراد من الشكّ في لسان الروايات، و قد ورد الشك بالمعنى الأُصولي في الذكر الحكيم، قال سبحانه:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ (1)) (2)، و قال سبحانه:( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (3)) (4)، و الشكّ في الآيتين يعمّ الحالات الثلاث.

و نظير الآيتين: الشكّ في صحيحة زرارة قال: فإنْ حُرّك على جنبه شيء و لم يعلم به؟ قال(عليه السلام): »لا، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، و إلاّ فانّه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ « و ذلك لأنّ التحريك على جنب الإنسان يفيد الظن بأنّه قد نام، و مع ذلك أطلق عليه الإمام الشك و لم يستفصل بين إفادته الظن بالنوم و عدمه، و هذا يدل على أنّ المراد من الشكّ هو مطلق الاحتمال المخالف لليقين، من غير فرق بين كون البقاء مظنوناً أو مرجوحاً أو مساوياً.

أضف إلى ذلك ما مرّ من أنّ المراد من اليقين هو الحجّة الشرعية، و يكون ذلك قرينة على أنّ المراد من الشكّ هو اللاّحجة ، و يكون معنى الحديث لا تنقض الحجّة باللاّحجّة ، فالملاك في الجميع عدم وجود الحجّة، من دون نظر إلى كون البقاء راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.

التنبيه الخامس: التمسّك بعموم العام أو استصحاب حكم المخصص

إذا كان هناك عموم يدل على استمرار الحكم في جميع الأزمنة، كقوله سبحانه:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5)) حيث يدلّ على وجوب الوفاء على وجه الإطلاق من غير فرق بين زمان دون زمان.


1) سوره 10 - آیه 94

2) . يونس:94.

3) سوره 14 - آیه 10

4) . إبراهيم:10.

5) سوره 5 - آیه 1

ثمّ إذا فرضنا أنّه خرج منه عقد في وقت خاص، كالعقد الغبني، فانّ المغبون يملك الخيار و له أن يفسخ العقد بظهوره، و لكنّه تساهل و لم يفسخ، فيقع الشكّ في بقاء الخيار في الآن الثاني فهل المرجع هو:

أ. عموم العام، فيكون العقد واجب الوفاء في الآن الثاني و الخيار فوريّاً؟ ب. أو استصحاب حكم المخصِّص (1)و يكون الخيار غير فوري؟ و مثله خيار العيب إذا تساهل المشتري و لم يفسخ، فهل المرجع عموم وجوب الوفاء بالعقد أو استصحاب حكم المخصص الذي دلّ على جواز الفسخ إذا ظهر العيب؟ (2)فالتحقيق أن يقال: إنّه إن لزم من العمل بحكم المخصِّص عن طريق الاستصحاب، تخصيص زائد وراء التخصيص الأوّل فالمرجع هو عموم العام، و أمّا إذا لم يلزم إلاّ نفس التخصيص الأوّل فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص.

توضيح ذلك: أنّ الزمان تارة يكون قيداً للموضوع في ناحية العام، بحيث يكون العقد في الزمان الأوّل موضوعاً و في الزمان الثاني موضوعاً آخر و هكذا، و هذا ما يطلق عليه بكون الزمان مفرِّداً للموضوع.

و أُخرى يكون الزمان ظرفاً للحكم و مبيّناً لاستمراره، بمعنى أنّ العقد في جميع الآونة موضوع واحد، فلو خرج في الآن الأوّل أو خرج في جميع الآونة لم يلزم إلاّ تخصيص واحد.ر.


1) . المخصص قوله(عليه السلام): »غبن المسترسل سحت« و قوله:»غبن المؤمن حرام« و قوله(صلى الله عليه و آله و سلم): »لا ضرر و لا ضرار « لاحظ الوسائل:12، الباب 17 من أبواب الخيار، الحديث 1و2و3.

2) . مثل قوله(عليه السلام): إن شاء رد البيع و أخذ ماله كله... لاحظ الوسائل:12، الباب 14 من أبواب الخيار.

ففي الصورة الأُولى يكون المرجع هو عموم العام، لافتراض أنّ الأخذ بحكم المخصص يستلزم تخصيصاً زائداً ، و من المعلوم أنّ المرجع عند الشكّ في التخصيص هو عموم الدليل الاجتهادي، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العلماء، و علمنا بخروج زيد ثمّ شككنا في خروج عمرو، فكما أنّ المرجع عندئذ هو عموم قوله : أكرم العلماء، لأنّ خروج عمرو تخصيص زائد، فهكذا المقام، فالعقد الغبني في الآن الأوّل موضوع كما انّه في الآن الثاني موضوع ثان، و قد دلّ الدليل على التخصيص الأوّل، و بقي العقد في الآن الثاني تحت العام، فيتمسك به لتقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي و هو استصحاب حكم المخصص.

و هذا بخلاف ما إذا كان للفرد في جميع الأزمنة مصداق واحد بحيث لا يلزم من خروجه في الآن الأوّل و الثاني إلاّ تخصيص واحد، ففي مثله يؤخذ باستصحاب حكم المخصص، لأنّه كان متيقناً و شكّ في بقائه، و لا ينقض اليقين بالشك و لا يؤخذ بالعام لخروجه عنه حسب الفرض، فرجوعه تحت العام ثانياً يتوقف على دليل خاصّ.

و زبدة القول: هي أنّه لو كان الزمان في ناحية العام قيداً للموضوع العقد و مفرِّداً له بحيث يلزم من خروجه بعد الآن الأوّل تخصيص ثان و ثالث فالمرجع هو عموم العام.

و أمّا إذا كان الزمان في ناحية العام ظرفاً لبيان استمرار الحكم بحيث يكون له في جميع الأزمنة فرد واحد و لا يلزم من خروجه في الآونة المتأخرة تخصيص زائد، فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص.

و هذه هي النظرية المعروفة من الشيخ الأعظم قدَّس سرّه ، و هناك نظريات أُخرى تطلب من محالها.

التنبيه السادس: كفاية وجود الأثر بقاءً

يكفي في جريان الاستصحاب ترتّب الأثر بقاءً و لا يشترط ترتّب الأثر عليه حدوثاً، و بعبارة أُخرى:

يشترط ترتّب الأثر في زمان الشكّ و ظرف التعبّد بالبقاء، دون زمان اليقين، إذ يكفي في صحّة التعبّد بالبقاء، وجود أصل الأثر حتى لا يكون التعبّد ببقاء المستصحب أمراً لغواً، و لذلك يصحّ الاستصحاب في المثال التالي:

إذا كان الوالد و الولد حيّين فمات الوالد و شككنا في حياة الولد، فتُستصحب حياتُه، و يترتب عليها الأثر الشرعي من إرثه، و بالتالي: تُعزل حصته من التركة، فحياة الولد ذاتُ أثر الوراثة القطعيّة بقاءً و إن لم يكن كذلك حدوثاً، أي في زمان حياة الوالد إلاّ على وجه التعليق.

التنبيه السابع: قياس الحادث إلى أجزاء الزمان

إذا علم بحادث في زمان معيّن و لم يُعلم وقته فيمكن استصحاب عدم حدوثه إلى زمان العلم به، مثلاً إذا علمنا بحدوث الكرّية و شككنا في حدوثها يوم الخميس أو الجمعة، فتجري أصالة عدم حدوثها إلى نهاية يوم الخميس، فيترتب عليه أثر عدم الكرّية في ذلك اليوم، فلو غسل ثوب بهذا الماء في يوم الخميس يحكم ببقاء النجاسة فيه.

نعم لا يثبت باستصحاب عدم حدوث الكرية إلى يوم الخميس عنوان تأخرها عنه، لأنّه لازم عقلي لا شرعي، و لو كان للتأخر أثر شرعي فلا يثبت بهذا الاستصحاب.

التنبيه الثامن: قياس الحادث بحادث آخر

الكلام هنا حول قياس حادث بحادث آخر، كما إذا علم بحدوث حادثين، و لم يعلم المتقدّم و المتأخر منهما، فهل يجري الأصل أو لا؟ مثلاً لو علم موت الوالد المسلم و علم أيضاً إسلام وارثه، و لكن شكّ في تقدّم موت المورِّث على إسلام الوارث حتى لا يرثه لأنّ الكافر لا يرث المسلم حتى و إن أسلم بعد موت المورِّث أو تأخر موته عن إسلامه حتى يرثه، فهل يجري الأصل أو لا؟ فنقول: للمسألة صورتان:

الأُولى: أن يكون أحد الحادثين(موت الوالد) معلوم التاريخ و الآخر(إسلام الوارث) مجهوله، فيجري الأصل في المجهول دون المعلوم.

امّا أنّه لا يجري الأصل في معلوم التاريخ كموت الوالد المسلم في غرّة رجب فلأجل أنّ حقيقة الاستصحاب هو استمرار حكم المستصحَب عدم الموت إلى الزمان الذي يشكّ في بقائه، و هذا إنّما يتصور فيما إذا جهل تاريخ حدوثه، و أمّا لو فرض العلم بزمان الحدوث و أنّه مات في غرّة رجب فلا معنى لاستصحاب عدمه لعدم الشكّ في زمان الموت.

و بعبارة أُخرى: لا بدّ في الاستصحاب من وجود زمان يشكّ في بقاء المستصحَب فيه، و هذا غير متصوّر في معلوم التاريخ، لأنّا نعلم عدم موت الوالد قبل غرّة رجب و موته فيها، فليس هنا زمان خال يُشك في بقاء المستصحب عدم موت الوالد فيه.

و أمّا جريانه في مجهول التاريخ، و هو إسلام الولد، حيث كان كافراً في شهر جمادى الآخرة و مسلماً في غرّة شعبان و مشكوك الإسلام بين الشهرين

فيُستصحب بقاؤه أي عدم الإسلام في الظرف المشكوك، و يترتب عليه أثره و هو حرمانه من الإرث لثبوت موضوعه و هو موت الوالد حين كفر الولد.

الثاني: إذا كان كلّ من الحادثين مجهول التاريخ و شكّ في التقدّم و التأخر، فيجري الاستصحاب في كلّ منهما و يسقطان بالتعارض و يرجع إلى دليل اجتهاديّ كعامّ أو اطلاق أو أصل آخر، و إليك بعض الأمثلة:

1. إذا علم موت المورث و في الوقت نفسه علم إسلام الوارث و لكن شكّ في تقدّم أحدهما على الآخر، فلو كان موت المورث متقدّماً على إسلام الوارث فلا يرث الوارثُ الكافر، بخلاف ما انعكس فيرى الوارث كسائر الورثة، فيقال الأصل عدم إسلام الوارث إلى زمان موت المورث، كما انّ الأصل عدم موت المورث إلى زمان إسلام الوارث، فيجريان و يتساقطان، و لأجل التساقط لا يثبت تقارن الإسلام و الموت.

مضافاً إلى انّ التقارن لازم الأصلين فيكون الأصلان بالنسبة إليه مثبتين، فإذا سقط الأصلان يرجع إلى دليل أو أصل آخر.

2. إذا وجد كرّ فيه نجاسة يعلم بعدم حصول الكرية للماء في زمان و عدم وجود النجاسة فيه أيضاً و لكن لا يعلم زمان حدوثهما فيحتمل تقدّم كلّ منها على الآخر و تقارنهما، فيستصحب حينئذ عدم تقدّم كلّ منهما على الآخر فيتعارضان و يتساقطان و لا يثبت بهما التقارن لما عرفت انّ الأصلين بالنسبة إليه مثبتان.

و أمّا ما هو حكم الماء أو الثوب النجس الوارد عليه فيرجع فيهما إلى دليل أو أصل آخر.

و بما انّه ليس هنا ضابطة خاصة لتعيين ذلك الدليل أو الأصل بل لكلّ مورد، حكمه الخاص أعرضا عن التفصيل فيهما.

التنبيه التاسع: تقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول

الاستصحاب متقدّم على سائر الأُصول، لأنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق و جعله حجّة في الآن اللاحق يوجب ارتفاع موضوعات الأُصول(عدم البيان)، أو حصول غاياتها(العلم بالحرمة)، و إليك البيان:

أ. أنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، فإذا كان الشيء مستصحَب الحرمة أو الوجوب، فالأمر بالتعبّد بإبقاء اليقين السابق بيان من الشارع، فلا يبقى موضوع للبراءة العقلية.

ب.كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو »ما لا يعلمون« و المراد من العلم هو الحجّة الشرعيّة، و الاستصحاب كما قرّرناه حجّة شرعيّة على بقاء الوجوب و الحرمة في الأزمنة اللاحقة، فيرتفع موضوع البراءة الشرعية.

ج. أنّ موضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال، و الاستصحاب بحكم الشرع هادم لذلك التساوي.

د. أنّ موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب في الفعل أو الترك، و الاستصحاب بما أنّه حجّة مؤمِّن، فالاستصحاب بالنسبة إلى هذه الأُصول رافع لموضوعها.و إن شئت فسمِّه وارداً عليها.

و ربّما يكون الاستصحاب موجباً لحصول غاية الأصل كما هو الحال في أصالتي الطهارة و الحليّة، فإنّ الغاية في قوله(عليه السلام):»كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر«، و في قوله(عليه السلام): »كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام« و إن كان هو العلم، لكن المراد منه هو الحجّة، و الاستصحاب حجّة، و مع جريانه تحصل الغاية، فلا يبقى للقاعدة مجال.

و لمّا انجرّ الكلام إلى تقدّم الاستصحاب على عامّة الأُصول اقتضى المقام بيان نسبة بعض القواعد إلى الاستصحاب.

خاتمة المطاف : الاستصحاب و القواعد الأربع

اشارة

ثمّة قواعد فقهية أربع لها دور عظيم في تنقيح الفروع الفقهية و تعدُّ من أهمّ القواعد، و قد تناولها مؤلّفو القواعد الفقهيّة في كتبهم على وجه التفصيل، و نحن نشير إلى بعض ما له صلة بالاستصحاب:

1.

قاعدة اليد 2. قاعدة أصالة الصحّة في فعل الغير.

2.

قاعدة التجاوز و الفراغ.

3.

قاعدة القرعة.

1. قاعدة اليد

إنّ اليد و الاستيلاء على الشيء عند العقلاء أمارة الملكية و دليلها، إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافها، كيد الغاصب و السارق و السمسار، و على ذلك استقرّت السيرة في الأعصار و أمضاها الشارع.

إنّ اعتبار اليد من دعائم الحياة الاجتماعية و قوام نظام المعاملات و المبادلات فلو رُفِضَت اليد لاختلّ النظام التجاري، إذ من المحال أن يُقيم كلُّ إنسان شاهداً على ما تحت يده، أو أن يُسجّل كلّ شيء مما يملكه في دائرة خاصّة، و قد صار هذا سبباً لإمضاء تلك السيرة العقلائية، قولاً و تقريراً، و أمّا سيرة المتشرّعة أو إجماع الفقهاء و أصحاب الفتوى على حجّية اليد، فالكل يستند إلى السيرة العقلائية، و يشهد بذلك قول الإمام أبي عبد اللّه(عليه السلام)لحفص بن غياث: »لو لم يجز هذا دلالة اليد على الملكية لم يقم للمسلمين سوق«. (1)

و يستفاد من غير و احد من الأخبار أنّ اليد أمارة الملكية و ليست أصلاً من الأُصول، روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق ؟ فقال: »إن كانت معمورة، فيها أهلها فهي لهم، و إن كانت خربة قد جلا عنها أهلها، فالذي وجد المال أحقّ به«. (2)

روى يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في امرأة تموت قبل الرجل، أو


1) . الوسائل:18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

2) . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1، و لاحظ الحديث 2 من هذا الباب.

رجل قبل المرأة، قال: »ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما، و من استولى على شيء منه فهو له«. (1)

و كفى في دلالة اليد على الملكية قوله:»و من استولى على شيء منه فهو له«، و الرواية و إن وردت في متاع البيت لكن المورد لا يخصصها، فالعرف يتلقاها قاعدة كلّية في جميع الموارد، و اللام في قوله(له) للملكية، أي الاستيلاء دليل الملكية سواء كان من خصائص الزوج أو من خصائص الزوجة، و إنّما يستدل بمتاع الرجل على أنّه له، و متاع المرأة على أنّه لها، إذا لم يكن لأحدهما استيلاء تام، و أمّا معه فهو مقدّم على الاستدلال بكون المتاع من الخصائص فيدفع إلى من يختصّ به.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ قاعدة اليد مقدّمة على الاستصحاب تقدّمَ الأمارة على الأصل، و لذلك نشتري من السوق كلَّ الأمتعة مع العلم بأنّها كانت ملكاً للغير، و ما هذا إلاّ لتقدّم اليد على استصحاب بقاء الملكية للغير.3.


1) . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

2. أصالة الصحّة في فعل الغير

أصالة الصحّة في فعل الغير من الأُصول المجمع عليها و لها معنيان:

1. حسن الظن بالمؤمن و الاعتقاد الجميل في حقّه حتّى لا ينسبه إلى اعتقاد فاسد أو صدور عمل محرّم منه أو فاسد، و هذه من الوظائف الإسلامية التي يدعو إليها القرآن و السنّة قال سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (1)) (2).

و أمّا السنّة فروى إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: »إذا اتّهم المؤمن أخاه، إنماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء«. (3)

و أصالة الصحّة بهذا المعنى أصل أخلاقي لا كلام فيه و لا يترتّب عليه أثر فقهيّ.

2. فرض الفعل الصادر من الغير صحيحاً مطابقاً للواقع، مثلاً إذا قام المسلم بغَسْل الميت و تكفينه و الصلاة عليه، و دفنه، أو قام بغسل الأواني و اللحوم المتنجّسة، يحمل فعله على الصحّة بهذا المعنى، و بالتالي يسقط التكليف عن الغير و لا يحتاج إلى إحراز الصحّة بالعلم و البيّنة.

و مثله إذا أذّن أحد المؤمنين أو أقام و شُكّ في صحّة عمله، يحمل على الصحّة، و يسقط التكليف عن الغير، أو ناب المسلم عن رجل في الحجّ أو العمرة أو في جزء من أعمالهما، و شُكّ في صحّة العمل المأتي به، يحمل على الصحّة، إلى غير ذلك من أعمال الوكلاء في الزواج و الطلاق و البيع و الشراء و الإجارة، أو فعل الأولياء كالأب و الجدّ في تزويج من يتوليانه أو الاتّجار بماله.


1) سوره 49 - آیه 12

2) . الحجرات:12.

3) . الوسائل: 8، الباب 161 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1.

و الدليل على أصالة الصحّة بهذا المعنى هو وجود الإجماع العملي بين الفقهاء و سيرة المسلمين النابعين من سيرة العقلاء على حمل فعل الغير على الصحّة، و هذا ممّا لا شكّ فيه.

و الذي دعا إلى اتخاذهم هذا الأصل سنداً في الحياة هو ملاحظة طبع العمل الصادر عن إنسان عاقل، و هو يعمل لغاية الانتفاع بعمله آجلاً أو عاجلاً، و مقتضى ذلك هو إيجاد العمل صحيحاً لا فاسداً، كاملاً لا ناقصاً، و إلاّ يلزم نقض الغرض و فعل العبث.

ثمّ إنّ أصالة الصحّة متقدّمة على الاستصحاب لأحد وجهين:

الأوّل: انّها أمارة على الصحّة، لأنّ الغالب على فعل الإنسان العاقل المريد هو الصحّة لا الفساد، و انّ الفاسد أقلّ بكثير من الصحيح، فتكون أمارة ظنّية أمضاها الشارع.

الثاني: أنّها أصل لكنّها متقدّمة على الاستصحاب للزوم اللغوية إذا قُدِّم الاستصحاب عليها، إذ ما من مورد من مواردها إلاّ و فيه أصل يدل على الفساد في المعاملات، و على الاشتغال في العبادات، لأنّ الشكّ في الصحّة ناشئ غالباً من احتمال تخلّف شرط أو جزء، و الأصل عدم اقتران العمل بهما.

نعم تُقدَّم أصالة الصحّة على استصحاب الفساد إلاّ في موارد كان الفساد فيها هو الطبع الأوّلي للعمل مثلاً:

إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد، بحيث تكون الصحّة من عوارضه الشاذة و أطواره النادرة، كبيع الوقف مع احتمال المسوّغ له، و مال اليتيم إذا لم يكن البائع وليّاً و بيع العين المرهونة مدّعياً إذن المرتهن.

هذا في المعاملات و نظيره في العبادات، كإقامة الصلاة في المكان المغصوب، و في الثوب النجس، مع احتمال المسوّغ لها فلا تجري أصالة الصحة فيهما.

3. قاعدة التجاوز و الفراغ

إذا شكّ في وجود الشيء، كالشكّ في الركوع بعد السجود، أو الشكّ في صحّة الشيء الموجود، كالشكّ في الصلاة المأتي بها، بعد الفراغ، فالأصل هو عدم الاعتداد بالشك، سواء أتعلّق بوجوده أم بصحته، و قد تضافرت الروايات في هذا المضمار، و في الحقيقة يرجع هذا الأصل إلى حمل فعل النفس على الصحّة كما أنّ القاعدة السابقة ترجع إلى حمل فعل الغير على الصحّة، فكأنّهما قاعدة واحدة لها وجهان.

و تدلّ عليها من الروايات، صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل شكّ في الأذان و الإقامة و قد كبّر؟ قال: »يمضي«، قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ؟ قال: »يمضي«، قلت: شكّ في القراءة و قد ركع؟ قال: »يمضي«، قلت: شك في الركوع و قد سجد؟ قال: »يمضي على صلاته«، ثمّ قال: »يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء«. (1)

و الرواية و إن وردت في مورد الصلاة لكن المستفاد من الذيل انّها بصدد إعطاء ضابطة كلّية في جميع المجالات، و انّ المكلّف إذا قام بعمل سواء أ كان مركّباً أم بسيطاً، عبادياً كان أم معاملياً، و خرج منه ثمّ شكّ فيه، لا يلتفت إليه، و يؤيده سائر الروايات الواردة في هذا المضمار.

روى بكير بن أعين عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما


1) . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 1.

يتوضأ؟ قال: »هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك«. (1)

و التعليل بأمر ارتكازي يدل على أنّها قاعدة عامّة في جميع أبواب الفقه من غير فرق بين العبادات و المعاملات.

ثمّ إنّ القاعدة متقدّمة على الاستصحاب بوجهين:

1.

إنّ الإمام قدّمها على الاستصحاب في صحيحة زرارة حيث إنّ الأصل كان يقتضي عدم تحقّق الركوع و السجود، مع أنّه(عليه السلام)حكم بالصحة و عدم الاعتداد.

2.

إنّ تقديم الاستصحاب على القاعدة يستلزم لغوية تشريعها كما مرّ في البحث السابق، فإنّ كلّ مشكوك مسبوق بالعدم فلا يبقى مجال لقاعدة التجاوز و الفراغ.7.


1) . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

4. قاعدة القرعة

اشارة

القرعة في اللغة: بمعنى الدّق و الضرب، يقال قرع الباب: دقّه، و قال ابن فارس: و الإقراع و المقارعة بمعنى المساهمة، و سمّيت بذلك لأنّها شيء كأنّه يضرب. (1)

و يظهر من الآيات و الروايات أنّ القرعة كانت رائجة في الأعصار السابقة عند تزاحم الحقوق و المصالح دفعاً للترجيح بلا ملاك و التفريق بلا وجه، و لا يتمسك بها إلاّ إذا انغلقت أبواب الحلول كلّها و انحصر وجه الحل بها.

أ. قال سبحانه:( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (2)) (3)لمّا حملت امرأة عمران أُمّ مريم العذراء بنتها إلى الكنيسة حتى يكفل حضانتها العُبّاد بعد وفاة والدها، و هي في بطن أُمّها، فعند ما رأوها تشاحّوا و طلب كلٌّ أن يتكفّل حضانتها، لأنّها بنت عمران، و من البيوت الرفيعة في بني إسرائيل، فاتّفقوا على المساهمة فخرج السهم باسم خير الكفلاء لها أعني:زكريا و المقام من قبيل تزاحم الحقوق، لأنّ الحضانة كانت حقّاً لها ابتداءً و بالذات و لما دفعتها إلى العبّاد و الزهاد، دون أن تعيّن واحداً منهم، صار الجميع بالنسبة إلى هذه المفخرة على حد سواء، فاتّفقوا على المقارعة لأجل حسم النزاع.

ب. و قال سبحانه:( وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ (4)


1) . مقاييس اللغة، مادة قرع.

2) سوره 3 - آیه 44

3) . آل عمران:44.

4) سوره 37 - آیه 139

اَلْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (1)) (2)روى المفسرون أنّه سبحانه: أوعد قوم يونس بالعذاب و أخبرهم يونس به، فلمّا كُشف عنهم العذاب و قُبلت توبتهم، ترك يونس قومه مغاضباً، و مضى إلى ساحل البحر، و ركب السفينة، و أحسّ الربّان أنّ السفينة مشرفة على الغرق، و لو خُفِّفت بإلقاء واحد من الركّاب في البحر لنجا الكلّ، فساهموا فأصاب السهم اسم يونس.

هذا ما في الذكر الحكيم، و قد وردت في السنّة روايات كثيرة حول القرعة تناهز 62 حديثاً، و من جوامع الكلم قول النبي(صلى الله عليه و آله و سلم):»ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحقّ«.

(3)و في حديث آخر: أيّ قضية أعدل من القرعة إذا فوِّض الأمر إلى اللّه، أ ليس اللّه يقول:( فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (4)). (5) إنّ حجّية القرعة لا تتجاوز عن مورد التنازع أو التزاحم لوجهين:

الأوّل: بناء العقلاء على العمل بها في خصوص مورد التنازع و التزاحم لا في كلّ مجهول، أو كلّ مشتبه أو كلّ مشكل و إن لم يكن مثاراً للتنازع.

الثاني: انّ استقصاء روايات القرعة يرشدنا إلى أنّها وردت في خصوص المنازعات تعارضاً أو تزاحماً. (6)نعم، وردت رواية بالقرعة في مورد تمييز الموطوءة من الشاة عن غيرها، و لكنّها رواية شاذة.و أمّا غيرها فيدلّ على اختصاصها بتزاحم الحقوق و تعارضها.م.


1) سوره 37 - آیه 140

2) . الصافات:139 141.

3) . الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث5و 13.

4) سوره 37 - آیه 141

5) . الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث5و 13.

6) . التعارض: فيما إذا كان الحق لواحد معين في الواقع غير معلوم لنا، و التزاحم: إذا كان الجميع بالنسبة إلى الحق على حدّ سواء نظير حضانة مريم.

أضف إلى ذلك: أنّ الأصحاب عملوا بالقرعة في الموارد التالية و جميعها إلاّ مورد الشاة من هذا الباب:

1.

باب قسمة الأعيان المشتركة.

2.

باب تزاحم المدعيين عند القاضي.

3.

باب قسمة الليالي بين الزوجات.

4.

باب تداعي الرجلين أو أكثر ولداً.

5.

باب تعارض البيّنتين.

6.

توريث الخنثى المشكل.

7.

توريث المشتبهين في تقدّم موت أحدهما على الآخر.

8.

باب الوصايا المتعددة إذا لم يف الثلث بها.

9.

باب إذا أوصى بعتق عبيده و لم يف الثلث بها.

10.

باب اشتباه الشاة الموطوءة بغيرها.

تنبيه: أدلّة القرعة غير مخصصة

قد اشتهر بين الأصحاب أنّ عمومات القرعة لا يعمل بها إلاّ أن يُجبر عمومها بعمل الأصحاب، و ذلك لأجل كثرة ورود التخصيص عليها.

و لكن الصواب غير ذلك، فإنّ من وصف أدلّة القرعة بكثرة التخصيص تصوّر أنّ موضوعها هو مطلق المجهول أو مطلق المشكل و إن لم يكن مورداً للتشاجر. و لما رأى أنّه لا يُعْمل بالقرعة في كلّ مجهول أو مشكل زعم ورود كثرة التخصيص عليها و صيرورة عمومها موهوناً لا يتمسك بها إلاّ عند عمل

الأصحاب بها.

و أمّا على ما اخترناه من أنّ موضوعها هو خصوص التنازع أو التزاحم في الحقوق، مع انغلاق الأبواب لسائر الحلول، فأدلّة القرعة غير مخصصة، و العمل بها ليس رهن عمل الأصحاب.

تمّ الكلام في الأُصول العملية، و يليه البحث في تعارض الأدلّة الشرعية إن شاء اللّه و الحمد للّه ربّ العالمين

المقصد الثامن: في تعارض الأدلّة الشرعية في تعارض الأدلّة الشرعية

اشارة

المقصد الثامن: في تعارض الأدلّة الشرعية في تعارض الأدلّة الشرعية (1)

و فيه أُمور و فصلان:

الأمر الأوّل: تعريف التعارض.

الأمر الثاني: في الفرق بين التعارض و التزاحم.

الأمر الثالث: أسباب التزاحم.

الأمر الرابع: مرجحات باب التزاحم.

الفصل الأوّل: في التعارض غير المستقر.

الفصل الثاني: في التعارض المستقر.

خاتمة المطاف: في التعارض على نحو العموم و الخصوص من وجه.


1) . انّ طبيعة البحث تقتضي أن يبحث عن تعارض الأدلّة قبل الأُصول العملية، لانّ موضوعها عدم الحجّة و المفروض في هذا المقصد وجودها و عدم تعينها، لكن اقتفينا أثر القوم، لئلاّ يحصل تشويش في النظام الدراسي.

في تعارض الأدلّة الشرعية

قبل الخوض في الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: البحث عن تعارض الأدلّة الشرعيّة و كيفية علاجها من أهمّ المسائل الأُصولية.

إذ قلّ باب في الفقه لا توجد فيه حجّتان متعارضتان و مختلفتان، فلا مناص للمستنبط من علاجهما. و لأجل تلك الأهميّة الملموسة جعله المحقق الخراساني أحد المقاصد الثمانية في مقابل عمل الشيخ حيث جعله خاتمة لكتابه.

و الخاتمة و المقدّمة خارجتان عن مقاصد الكتاب مع أنّه من صميم مقاصد العلم و مسائله. و قد عرفت في صدر الكتاب أنّ روح المسائل الأُصولية هو البحث عن تعيين ما هو الحجّة في الفقه، و الهدف في هذا المقصد هو تعيين ما هو الحجّة من المتعارضين من الترجيح و التخيير عند عدم المرجّح أو سقوطهما و الرجوع إلى دليل آخر، فإذا كان هذا مكانة هذا المقصد، فلا وجه لجعله خاتمة للكتاب.

الثاني: المقصود تعارض الأخبار دون سائر الأدلّة

إنّ قولنا: »في تعارض الأدلّة الشرعيّة« و إن كان يعمّ تعارض الخبرين أو الأخبار و تعارض سائر الأدلّة الشرعيّة كتعارض قول اللغويين، أو المدّعيين للإجماع و غيرهما، لكن القوم لم يطرحوا في المقام إلاّ تعارض الأخبار دون سائر الأدلّة، و اقتصروا فيما يرجع إلى تعارض قول اللغويين أو المدّعيين للإجماع، بما ذكروه في بابيهما.

الثالث: في تعريف التعارض

عرّف الشيخ التعارض بأنّه: »تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد«. (1)

و عرّفه المحقّق الخراساني بأنّه:تنافي الدليلين أو الأدلّة حسب الدلالة و مقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد. (2)

و إنّما عدل عن التعريف الأوّل، لأجل إخراج ما يمكن فيه الجمع بين الروايتين عرفاً، من التعريف ، كموارد »الورود و الحكومة و التخصيص« فانّ التنافي بين المدلولين و إن كان موجوداً في مواردها، لكنّه ليس موجوداً حسب الدلالة مع وجود الجمع العرفي.

و الحاصل: أنّ المحقّق الخراساني يفرّق بين التنافي في المدلول و التنافي في الدلالة، لاختصاص الثاني بغير موارد وجود الجمع العرفي، دون الأوّل فانّه يعمّ جميع الموارد سواء كان هناك جمع عرفي أو لا.

الرابع:إنّ الظاهر من التعريفين أنّ التنافي على نحو التضاد، غير التنافي على نحو التناقض.

و لكن الحقّ رجوع التنافي على وجه التضاد إلى التنافي على وجه التناقض، فإذا ورد دليلان على الوجوب، و الحرمة فما يدلّ بالدلالة المطابقية على الوجوب فهو بمدلوله الالتزامي يدلّ على عدم الحرمة، فينافي ما يدلّ على الحرمة، و على ضوء ذلك، التنافي بالمدلول المطابقي و إن كان بصورة التضاد، لكنّه بالمدلول الالتزامي، بنحو التناقض على ما عرفت.

و مع ذلك كلّه، الإرجاع المذكور أمر دقيق لا يلتفت إليه الإنسان إلاّ بعد التأمّل حتى يستغني بقيد»على وجه التناقض« عن القيد الآخر، و مقام التعريف


1) . الشيخ الأنصاري: فرائد الأصول:431.

2) . المحقّق الخراساني: كفاية الأصول: 2/376.

يطالب لنفسه مقاماً واضحاً فلا إشكال في الإتيان بكلا القيدين حتّى يشمل التعريف لكلتا الصورتين بوضوح.

الخامس: في الفرق بين التعارض و التزاحم

إنّ اختلاف الدليلين تارة يكون على وجه التعارض، و أُخرى على نحو التزاحم، فلو رجع التنافي إلى مقام الجعل و المدلول، و أصل الإنشاء على وجه لا يصحّ للمشرِّع أن يحكم على شيء واحد بحكمين متناقضين، أو متضادين، مع قطع النظر عن قدرة المكلَّف على امتثالهما، فالتنافي من قبيل التعارض كالحكم بوجوب شيء و حرمته أو عدم وجوبه.

و أمّا إذا رجع التنافي إلى مقام الامتثال، بأن لا يكون هناك تناف في مقام الملاك و المناط، و لا في مقام الجعل و الإنشاء، بل رجع التنافي إلى مرتبة متأخرة أعني مرتبة الامتثال، فالتنافي من قبيل التزاحم.

مثلاً إنّ تشريع وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، لا ينافي تشريع وجوب الصلاة في المسجد، و ليس بينهما أيُّ تزاحم في مقام الملاك و لا الإنشاء و لا الفعلية، و انّما التنافي بينهما في مقام الامتثال، حيث إنّه يرجع إلى عجز المكلَّف عن امتثالهما إذا ابتلى بهما في وقت واحد، و هذا نظير قولك:»انقذ هذا الغريق« و قولك:

»انقذ ذاك الغريق« إذ ليس بينهما أيّ منافرة، و انّما حصلت المنافرة في ظرف الامتثال، حيث إنّه ليس بمقدوره أن ينقذ كلا الغريقين في زمان واحد، و هذا ما يسمّى بالتزاحم.

و إن شئت قلت: إنّ المتعارضين متكاذبان في مقام التشريع و الجعل، و المتزاحمين متنافران في مقام الامتثال، دون أن يكون بينهما أيُّ تكاذب و تعاند في مقام الجعل و الإنشاء.

السادس: أسباب التزاحم و أقسامه

إذا وقفت على الفرق بين التعارض و التزاحم، و أنّ مرجع التعارض إلى تكذيب كلّ من الدليلين الدليلَ الآخر في مقام الجعل و التشريع، و أنّ مرجع التزاحم إلى تنافي كلّ منهما مع الآخر في مقام الامتثال بلا تكاذب و تدافع في مقام التشريع.

فاعلم أنّ التزاحم ينقسم إلى الأقسام التالية:

1.

ما يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر، كما إذا توقف إنقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.

2.

ما يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين متعلّقين من باب التصادف لا دائماً، كما إذا زاحمت إزالة النجاسة عن المسجد، إقامةَ الصلاة فيه.

3.

ما يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجوب على الآخر، كالقيام في الركعة الأُولى و الثانية مع عدم قدرته عليه إلاّ في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين: الظهر و العصر، مع عدم استطاعته إلاّ على القيام في واحدة منهما.

و مثله إذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع و سجود، أو الصلاةَ معهما من دون قيام في مخبأ آخر.

السابع: مرجّحات باب التزاحم

اشارة

إذا كان التزاحم راجعاً إلى مقام الامتثال مع كمال الملاءمة في مقام التشريع فيتمسك بالمرجحات التي هي عبارة عن الأُمور التالية:

1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل

إذا كان هناك واجبان لأحدهما بدل شرعاً، دون الآخر، فالعقل يحكم بتقديم

الثاني على الأوّل، جمعاً بين الامتثالين، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت و تحصيل الطهارة الحدثية بالماء، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل، بخلاف الطهارة الحدثية، فتُقدّم مصلحة الوقت على مصلحة الطهارة الحدثية بالماء، فيتيمم بدلاً عن الطهارة المائية و يصلّي في الوقت.

2. تقديم المضيّق على الموسّع

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره، و الموسّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالواجب المضيّق، إلاّ فضيلة الوقت، فالعقل يحكم بتقديم الأوّل على الثاني، و لذلك يجب امتثال إزالة النجاسة أوّلاً ثمّ القيام بالصلاة.

3. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته

إذا دار الأمر بين ترك الأهم و المهم، كإنقاذ الغريق و التصرّف في مال الغير، فالعقل يحكم بتقديم الأهم على المهم، و هذه من القضايا التي قياساتها معها.

4. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً

إذا كان أحد الواجبين متقدّماً في مقام الامتثال على الآخر زماناً، كما إذا وجب صوم يوم الخميس و الجمعة، و لا يقدر إلاّ على صيام يوم واحد، أو إذا وجبت عليه صلاتان و لا يتمكن إلاّ من الإتيان بواحدة منهما قائماً، أو وجبت صلاة واحدة و لا يتمكن إلاّ من القيام بركعة واحدة، ففي جميع هذه الصور يستقلُّ العقل بتقديم ما يجب امتثاله متقدّماًً على الآخر، حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذوراً، إلاّ إذا كان الواجب المتأخر أهمّ في نظر المولى فيجب صرف القدرة

في الثاني، و هو خارج عن الفرض.

و بعبارة أُخرى: لو صام يوم الخميس، أو صلّى الظهر قائماً، فقد ترك صوم يوم الجمعة و القيام في صلاة العصر عن عذر و حجّة بخلاف ما لو أفطر يوم الخميس و صلّى الظهر جالساً فقد ترك الواجب بلا عذر.

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور مرقد الإمام الحسين(عليه السلام)في كلّ عرفة، ثمّ حصلت له الاستطاعة فيقدّم الحج على زيارة الحسين(عليه السلام)، لأنّه إذا قال القائل: للّه عليَّ أن أزور الإمام الحسين (عليه السلام)في كلّ عرفة، إمّا أن لا يكون له إطلاق بالنسبة إلى عام حصول الاستطاعة للحج، أو يكون.

فعلى الأوّل عدم الإطلاق لدليل النذر يكون الحجّ مقدّماً، إذ لا يكون عندئذ إلاّ واجب واحد.

و على الثاني، بما أنّ الإطلاق مستلزم لترك الواجب أعني الحجّ يكون إطلاق النذر لا نفسه باطلاً، نظير ما إذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فانّه في حدّ نفسه راجح، لكنّه بما أنّه مستلزم لتفويت الواجب و هي صلاة الصبح فلا ينعقد، و هذا هو المراد من قولنا تقديم الواجب المطلق(الحج) على الواجب المشروط(زيارة الحسين) المشروطة بعدم كونها مفوّتة للواجب.

الثامن: أنّ الخبرين المتعارضين على قسمين:

أ: ما يكون التنافي بينهما تنافياً غير مستقر على نحو يزول بالتأمّل و الإمعان، و يعلم من خلاله أنّ المتكلم لم يخبر بأمرين متنافيين في الظرف الذي ألقى فيه الكلام.

ب: ما يكون التنافي بينهما تنافياً مستقراً لا يزول بالتأمّل و الإمعان و يُعدّ الخبران أمرين متنافيين حتى في نفس الظرف الذي أُلقي فيه الكلام. و لأجل ذلك لا يمكن التصديق بهما، بل لا بدّ من ردّهما أو الأخذ بأحدهما دون الآخر.

أمّا القسم الأوّل فقد بذل الأُصوليون جهودهم في إعطاء ضوابط لتشخيص التعارض غير المستقر عن المستقر، أو لتشخيص الجمع المقبول عن غيره و حصروها في العنوانات التالية:

1.

أن يكون أحد الدليلين وارداً على الدليل الآخر.

2.

أن يكون أحد الدليلين حاكماً على الدليل الآخر.

3.

أن يكون أحد الدليلين مخصصاً للدليل الآخر.

4.

أن يكون أحد الدليلين ، أظهر من الدليل الآخر.

و للأظهرية ملاكات خاصة مبينة في محلها.

و بما انّا استوفينا الكلام في القسم الأوّل بعنواناتها الأربعة من الموجز، نركز في القسم الثاني أي التعارض المستقر الذي يُعالج التعارض بغير هذا النحو.

في التعارض المستقر

اشارة

قد عرفت أنّ التعارض على قسمين: بدويّ غير مستقر ، و تعارض مستقر، و يقع الكلام في القسم الثاني، في ضمن مباحث:

المبحث الأوّل: ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية؟

إذا قلنا بأنّ الخبر حجّة لكونه طريقاً إلى كشف الواقع من دون أن يكون في العمل بالخبر هناك أيُّ مصلحة سوى مصلحة درك الواقع (1)، فما هو مقتضى حكم العقل؟ أقول: إنّ هنا صورتين:

الأُولى: فيما إذا لم يكن لدليل حجّية خبر الواحد إطلاق شامل لصورة التعارض، كما إذا كان دليل الحجّية أمراً لبيّاً كالسيرة العقلائية أو الإجماع، فعندئذ يكون دليل الحجية قاصراً عن الشمول للمتعارضين، لأنّ الدليل اللبيّ لا يتصوّر فيه الإطلاق، فيؤخذ بالقدر المتيقن و هو اختصاص الحجّية بما إذا كان الخبر غير معارض، فتكون النتيجة عدم الدليل على حجّية الخبرين المتعارضين و هو مساو لسقوطهما.

الثانية: إذا كان هناك إطلاق شامل لصورة التعارض، كما إذا كان دليل الحجّية أمراً لفظياً كآية النبأ و النفر، و قلنا بوجود الإطلاق فيهما الشامل لصورة


1) . في مقابل احتمال حجّية الخبر الواحد من باب السببية، و بما انّ الاحتمال باطل عند أصحابنا تركنا البحث فيها و بيان أحكامها. و من أراد التفصيل فلنرجع إلى المحصول:ج3/110 126.

المتعارضين، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة الأوّلية.

إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية هو التساقط، و إلاّ فالأمر دائر بين الأُمور الثلاثة:

1.

الأخذ بكليهما، و هو يستلزم الجمع بين المتناقضين.

2.

الأخذ بأحدهما المعين، و هو ترجيح بلا مرجح.

3.

الأخذ بأحدهما المخير، و هو لا دليل عليه.

لأنّ الأدلة دلت على حجّية كلّ واحد معيّناً لا مخيّراً، فإذا بطلت الاحتمالات الثلاثة تعين التساقط.

المبحث الثاني: في حجّية المتعارضين في نفي الثالث

قد عرفت أنّ الأصل في المتعارضين على القول بحجّيتهما من باب الطريقية هو التساقط، لكن يقع الكلام في اختصاص التساقط بالمدلول المطابقي أو يعمّ المدلول الالتزامي أيضاً.

فعلى الوجه الأوّل يُحتج بهما في نفي الثالث دون الوجه الثاني، فلو كان هناك خبران متعارضين أحدهما يدل على أنّ نصاب الغوص دينار، و الآخر على أنّ نصابه عشرون ديناراً، فعلى الاختصاص يحتج بهما في نفي الثالث، أي نفي عدم اعتبار النصاب في الغوص أو كون نصابه عشرة دنانير دون القول الآخر.

فيه وجهان:

و الظاهر عدم صحة الاحتجاج، لأنّ الأخذ بالمدلول الالتزامي فرع الأخذ بالمدلول المطابقي، فإذا امتنع الأخذ بالمدلول المطابقي فكيف يمكن الأخذ بمدلوله الالتزامي؟! و بعبارة أُخرى: الأخذ بالمدلول الالتزامي لأجل كونه من لوازم المعنى

المطابقي، فإذا لم يثبت الملزوم تعبّداً فكيف يثبت اللازم؟! إلاّ أن يدل دليل على التحفظ باللازم تعبداً.

المبحث الثالث: مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين

اشارة

قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين هو التساقط، إنّما الكلام في ورود دليل خارجي على خلاف القاعدة و عدمه، فعلى الثاني(عدم ورود الدليل) يؤخذ بمفاد القاعدة الأُولى ويحكم بتساقط الخبرين في جميع الحالات، و على الأوّل يجب أن يؤخذ بمدلول القاعدة الثانوية.

ثمّ إنّ الروايات الواردة في الخبرين المتعارضين تشعّبت إلى طوائف ثلاث:

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على التخيير.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على التوقّف.

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على الأخذ بذي الترجيح.

و نذكر من القسم الأوّل ما رواه الحسن بن جهم عن الرضا(عليه السلام)في حديث:

قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيّهما الحق؟ قال: »فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت«. (1)

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ادّعى تواتر الأخبار الدالّة على التخيير في المتعارضين، و كان سيدنا الأُستاذ قدَّس سرّه ينكر التواتر، و لكن يعترف بالتضافر، و قد عثرنا على ما يدل على التخيير بما يناهز ثماني روايات. (2)


1) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث40.

2) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث6،21، 39، 40، 41، 44; المستدرك:17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 12.

لكنّ المشكلة تكمن في إعراض الأصحاب عن روايات التخيير، فانّه لا يوجد مورد أفتى المشهور في الكتب الفقهية بالتخيير بين الخبرين.

و أمّا الطائفة الثانية، أعني: ما يدلّ على التوقف، فيناهز عدد رواياتها ما يناهز الخمس، نذكر منها ما يلي:

1.

روى سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، و الآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: »يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه«. (1)

2.

روى سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، و الآخر ينهانا عنه؟ قال: »لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله«، قلت: لا بدّ أن نعمل بواحد منهما.

قال:»خذ بما فيه خلاف العامة«. (2)

و يحتمل وحدة الحديثين لوحدة الراوي عن الإمام و إن اشتمل الحديث الثاني على زيادة، و لاحظ ما يدل على التوقف أيضاً. (3)

و على فرض حجّية أخبار التخيير فقد قام غير واحد من المحقّقين بالجمع بين الطائفتين(التخيير و التوقف) بوجوه، أوضحها ما أفاده الشيخ الأعظم من حمل روايات التوقف على صورة التمكّن من لقاء الإمام، و يشهد على ذلك ما في حديث سماعة: »يرجئه حتى يلقى من يخبره«.

و في حديث آخر عنه:»لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله«.2.


1) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث5و 42.

2) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث5و 42.

3) . الوسائل:18 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 36; المستدرك:17، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث10، 2.

إذا كانت الطائفة الأُولى دالة على التخيير و الثانية على التوقف(و قد عرفت الجمع بينهما) فهناك طائفة ثالثة تدل على الأخذ بذي الترجيح، و يقع الكلام في هذه الطائفة في جهات:

1.

التعرف على أقسام المرجحات.

2.

كون الأخذ بذات المزية لازم أو لا.

3.

لزوم الاقتصار على المنصوص منها أو جواز التعدّي عنه إلى غيره؟ و إليك دراسة هذه الجهات واحدة تلو الأُخرى.

الجهة الأُولى: في أقسام المرجحات
اشارة

إنّ المرجحات الواردة في الروايات على أقسام، و بما انّ مقبولة عمر بن حنظلة هي بيت القصيد في هذا الباب نذكر المرجحات وفق الترتيب الوارد في الرواية المذكورة و المرجحات الواردة فيها خمسة (1):

1.

الترجيح بصفات الراوي.

2.

الترجيح بالشهرة العملية.

3.

الترجيح بالكتاب و السنّة.

4.

الترجيح بمخالفة العامة.

5.

الترجيح بالأحدثية.

هذه هي المرجحات الواردة في المقام، و إليك البحث فيها على وجه التفصيل:

1. الترجيح بصفات الراوي

قد ورد الترجيح بصفات الراوي في روايات ثلاث:

أ. رواية عمر بن حنظلة.

ب. رواية داود بن الحصين.

ج. رواية موسى بن أكيل.

و لكن الجميع يرجع إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على الآخر بهذه


1) . و لم نأخذ بمرفوعة العلاّمة عن زرارة، لارسالها، لاحظ المستدرك:17، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، نقلاً عن عوالي اللآلي، عن العلاّمة مرفوعاً عن زرارة.

الصفات و لا تمت بترجيح أحد الخبرين على الآخر بصفات الرواة.

أمّا رواية عمر بن حنظلة، فحاصل الرواية انّه فرض حكمين من أصحابنا حكما في موضوع بحكمين و كلاهما صدرا عن الحديث المروي عن الأئمّة(عليهم السلام)، فقال الإمام(عليه السلام): »الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر«. (1)

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ مورد الرواية هو ترجيح حكم أحد القاضيين بصفاتهما، و أين هو من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى بصفات الراوي؟ أمّا رواية داود بن الحصين، فهي ما رواه الصدوق بسند كالصحيح عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: »ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر«. (2)

و هذه الرواية كسابقتها ناظرة إلى ترجيح أحد الحكمين على الآخر.

و أمّا رواية موسى بن أكيل، ما رواه الشيخ الطوسي بسند صحيح، عن ذُبيان بن حُكيم، عن موسى بن أكيل،عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ، فيتفقان على رجلين، يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا فيما حكما، قال: »و كيف يختلفان«؟ قال: حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: »ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه، فيمضي حكمه«. (3)5.


1) . الكافي:1/67، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث10. و سيوافيك بقية الحديث ضمن المرجحات.

2) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20و 45.

3) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20و 45.

و هذا الحديث أيضاً أجنبي عن المقام، لأنّ الضمائر ترجع إلى الحكمين اللّذين اختارهما كلّ واحد من المتحاكمين، و بما انّ القضاء أمر لا يخلو تأخيره من مضارّ ناسب أن تكون صفات القاضي من المزايا، بخلاف الإفتاء.

نعم اختلاف الحكمين في القضاء ، و إن نشأ عن الاختلاف في الحديث المروي عنهما(عليهما السلام)لكنّ الاختلاف الحديث سبب الاختلاف في القضاء و ليس الإمام بصدد ترجيح رواية على رواية أُخرى، بل بترجيح قضاء، على قضاء آخر.

إلى هنا تمّ الكلام في المرجح الأوّل، و ثبت انّه لا يمتُّ إلى ترجيح الرواية بصلة.

2. الترجيح بالشهرة العملية

قد ورد الترجيح بالشهرة العملية في رواية واحدة و هي مقبولة عمر بن حنظلة، فقد فرض عمر بن حنظلة مساواة الحكمين في الصفات، قائلاً:

قلت: فانّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضّل واحد منهما على الآخر.

قال: فقال: »ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمعَ عليه من أصحابنا فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و إلى رسوله، قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم):حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم«. (1)

فإن قلت: إنّ صدر الحديث راجع إلى ترجيح أحد الحكمين على الآخر، فليكن الترجيح بالشهرة العملية راجعاً إليهما لا إلى الخبرين.

قلت: إنّ صدر الحديث و إن كان راجعاً إلى ترجيح حكم أحد القاضيين


1) . الكافي:1، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10.

على حكم الآخر، لكن بعد ما فرض الراوي مساواة القاضيين من حيث الصفات أرجع الإمام السائل إلى ملاحظة مصدر فتاواهما، و انّه يقدم قضاء من حكم بخبر مجمع عليه بين الأصحاب، على من قضى بمصدر شاذ.

و من هنا توجه كلام الإمام إلى بيان مرجحات الرواية في مقام الإفتاء ليكون حلاً في مقام القضاء أيضاً، فكلامه في المجمع عليه و ما بعده كموافقة الكتاب و مخالفته راجع إلى ترجيح أحد الخبرين على الآخر في مقام الإفتاء.

هذا كلّه لا غبار عليه لكن هنا إشكالاً آخر، و هو انّ المراد من المرجّح، هو تقديم إحدى الحجتين على الأُخرى، لا تقديم الحجّة على اللاحجّة، و التقديم بالشهرة العملية من قبيل القسم الثاني، و يعلم ذلك من تحليل مقاطع الرواية في ضمن أُمور:

1.

المراد من »المجمع عليه« ليس ما اتّفق الكل على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور، و الدليل على ذلك قول الإمام(عليه السلام): »و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك«.

2.

المراد من اشتهار الرواية بين الأصحاب هو اشتهارها مع الإفتاء بمضمونها، إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقاً لما لا ريب فيه، و إلاّ فلو نقلوا الرواية بلا إفتاء وفق مضمونها ففيه كلّ الريب و الشكّ.

3.

المراد من قوله: »لا ريب فيه« هو نفي الريب على وجه الإطلاق، لأنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالرواية المشهورة نقلاً و عملاً ليس فيها أي ريب و شك.

و أمّا ما يقابلها، أعني :الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، و ذلك لأنّه إذا كانت النسبة في إحدى القضيتين صحيحة قطعاً تكون النسبة في القضية المناقضة لها باطلة قطعاً، و هذا هو المهم فيما نرتئيه.

4. انّ هذا البيان يثبت انّ الخبر المشهور المفتى به داخل في »بيّن الرشد« في تثليث الإمام(عليه السلام)و الخبر الشاذ داخل في »البيّن الغي« من تثليثه، و ذلك لما تبيّن انّ المشهور لا ريب في صحته و المخالف لا ريب في بطلانه.

و يظهر من ذلك ما ذكرنا من الإشكال، و هو انّ الشهرة العملية إذا كانت سبباً لطرد الريب عن نفسها و إلصاقه بمخالفها تكون أمارة على تمييز الحجّة عن اللاحجة ، و بيّن الرشد عن بيّن الغي، و مثل ذلك لا يعدّ مرجحاً أصلاً.

إلى هنا تبيّن انّ ذينك الأمرين، الترجيح بصفات الراوي، و الترجيح بالشهرة العملية لا يمتّ إلى ترجيح أحد الخبرين على الآخر بصلة، امّا لكونه راجعاً إلى ترجيح أحد الحكمين، أو إلى تمييز الحجّة عن غيرها، لا تقديم إحداهما على الأُخرى كما هو المقصود، و إليك دراسة الباقي:

3. الترجيح بالكتاب و السنّة
اشارة

قد ورد الترجيح بالكتاب و السنّة في غير واحد من الروايات، و نحن نذكر في هذا المقام بعضاً منها:

1. مقبولة عمر بن حنظلة

فقد جاء في المقطع الثالث منها:

قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم.

قال:» ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة(و خالف العامة) فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة«. (1)

2. ما رواه الميثمي عن الرضا(عليه السلام)

أنّه قال: »فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالاً أو حراماً،


1) . الكافي:1/68، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث 10.

فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنّة رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)فما كان في السنّة موجوداً منهيّاً عنه نهي حرام، و مأموراً به عن رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)و أمره«. (1)

3. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن الصادق(عليه السلام)

أنّه قال: »إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه«. (2)

4. ما رواه الحسن بن الجهم، عن الرضا(عليه السلام)

قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: »ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبهها فليس منّا«. (3)

5. ما رواه الحسن بن الجهم، عن العبد الصالح(عليه السلام)

أنّه قال: »إذا جاءك الحديثان المختلفان، فقسهما على كتاب اللّه و أحاديثنا، فإن أشبههما فهو حقّ، و إن لم يشبههما فهو باطل«. (4)

و الظاهر انّ موافقة الكتاب ليست من وجوه الترجيح، بل المخالف ليس بحجّة، و ذلك لأجل أمرين:

إنّ الأخبار الواردة حول الخبر المخالف للكتاب على صنفين:

أ. ما يصف الخبر المخالف و إن لم يكن له معارض بكونه زخرفاً. (5)و انّه ممّا لم »أقله« (6)أو »لا يصدق علينا إلاّ ما وافق كتاب اللّه«. (7)

ب. ما يصف الخبر المخالف للكتاب مع كونه معارضاً لما هو موافق له


1) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

2) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

3) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

4) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

5) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

6) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

7) . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 29، 40، 48، 12، 15، 47.

فيصف المخالف بقوله »فردّوه« (1)، أو »فليس منّا« (2)، أو »فهو باطل« (3)، فانّ هذه التعابير تناسب كون الخبر المخالف ممّا لم يصدر عن الأئمّة بتاتاً فيكون من قبيل تقديم الحجّة على اللاحجّة فيخرج عن محط البحث.

4. الترجيح بمخالفة العامة

تضافرت الروايات على أنّه إذا اختلفت الأخبار، يُقدّم ما خالف العامة، و ما ذلك إلاّ لأنّ الظروف القاسية دفعت بالأئمة إلى الإفتاء وفق مذاهبهم صيانة لدمائهم و صيانة نفوس شيعتهم، و لذلك جعل ما يشبه قولهم ممّا فيه التقية. (4)

و إليك نقل ما ورد في هذا المجال:

1. ما رواه عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مقبولته:جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة و الآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: »ما خالف العامة ففيه الرَّشاد«.

فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال:» ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم و قضاتهم، فيترك و يؤخذ بالآخر«. (5)

و قد مرّ آنفاً انّ صدر الحديث و إن كان راجعاً إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على حكم الآخر، لكن بعد ما فرض الراوي مساواة القاضيين من حيث الصفات ارجع الإمام السائل إلى ملاحظة مصدر فتواهما، و انّه يقدم قضاء من حكم بخبر مجمع عليه بين الأصحاب على من قضى بمصدر شاذ...

و من هنا انحدر كلام الإمام من بيان مرجّحات الحكمين إلى مرجّحات


1) . قد مضت هذه العنوانات في الأحاديث الآنفة الذكر.

2) . قد مضت هذه العنوانات في الأحاديث الآنفة الذكر.

3) . قد مضت هذه العنوانات في الأحاديث الآنفة الذكر.

4) . قد مضت هذه العنوانات في الأحاديث الآنفة الذكر.

5) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 46.

الرواية في مقام الإفتاء ليكون حلاً في مقام القضاء أيضاً، و كلّ ما جاء بعد الكلام في المجمع عليه يرجع إلى مرجحات الرواية.

و قد ورد الترجيح بمخالفة العامة في غير واحد من الروايات. (1)و ظهر انحصار المرجّح فيها.

5. الترجيح بالأحدثية

هناك روايات عديدة دلّت على لزوم الأخذ بالأحدث من الحكمين، و إليك بعض ما يدلّ عليه.

1. روى المعلّى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: »خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله«. (2)

و لكن هذا القسم لا صلة له بباب المرجحات، لأنّ الأخذ بالأحدث ليس لأجل كونه بياناً للحكم الواقعي و الآخر على خلافه بل يمكن أن يكون على العكس، و إنّما وجب الأخذ بالأحدث، لأجل انّ إمام كلّ عصر أعرف بمصالح شيعته، مع أنّ كلاً من الخبرين بالنسبة إلى بيان الحكم الواقعي و عدمه سواء، و على هذا يختص الترجيح بهذه المزيّة لعصرهم دون عصر الغيبة، لأنّه بالنسبة إلى الخبرين متساو.

نعم الأخذ بالأحدث إذا كان في كلام النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)ربما يكون لأجل كونه ناسخاً للأوّل، و أمّا في كلام الإمامين أو الإمام الواحد فلا يتصور فيه ذلك.

تمّ الكلام في الجهة الأُولى، و إليك الكلام في الجهة الثانية.


1) . لاحظ الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، 30، 31، 34.

2) . الوسائل: 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 8; و انظر أيضاً الحديث 9و17 من نفس الباب.

الجهة الثانية: لزوم الأخذ بالمرجِّح

المشهور هو لزوم الأخذ بذات المزية من الخبرين، و قد استدلّ على القول المشهور بوجوه نشير إلى بعضها بوجه موجز:

أ. دعوى الإجماع على الأخذ بأقوى الدليلين.

ب. لو لم يجب ترجيح ذي المزية لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو قبيح عقلاً بل ممتنع قطعاً.

إلى غيرها من الوجوه التي ربما ترتقي إلى خمسة، و الأولى أن يستدلّ على وجوب الأخذ بالوجه التالي:

إنّ لسان الروايات هو لزوم الأخذ لا استحبابه، أمّا على القول بأنّ الجميع يرجع إلى تميز الحجة عن اللاحجة فواضح، و أمّا على القول بأنّها من مقولة المرجحات بعد وصف الخبرين بالحجّية، فلأنّ المتبادر من الجمل التالية هو اللزوم لا الفضل و الاستحباب.

أ: انّ المجمع عليه لا ريب فيه.

ب: ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة فيؤخذ به و يترك ما خالف.

ج: ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

د: ما وافق القوم فاجتنبه.

إلى غير ذلك من العنوانات الصريحة في لزوم الأخذ بالمرجح و ترك الآخر.

الجهة الثالثة: التعدّي من المنصوص إلى غيره

لو افترضنا انّ ما ذكر من المزايا مرجّحات للرواية، فهل يقتصر عليها في مقام الترجيح أو يتعدّى عنه إلى غيره كموافقة الإجماع المنقول أو موافقة الأصل و غيرهما؟ إنّ التعدّي يحتاج إلى حجة قطعية يقيد بها إطلاقات التخيير، و قد عرفت تضافر الروايات على التخيير. (1)فالترجيح بغير المنصوص نوع تقييد لها و لم يدلّ دليل على لزوم التعدي، و يؤيد المختار أمران:

الأوّل: لو كان الملاك هو العمل بكلّ مزية في أحد الطرفين، لكان الأنسب في الروايات الإشارة إلى الضابطة الكلية من دون حاجة إلى تفصيل المرجحات.

و لو قيل: إنّ الغاية من التفصيل هو إرشاد المخاطب إلى تلك المرجّحات، و لو لا بيان الإمام لما كان المخاطب على علم بها.

قلت: نعم و لكن لا منافاة بين تفصيل المرجّحات و إعطاء الضابطة ليقف المخاطب على وظيفته العملية في باب التعارض.

الثاني: انّ الإمام في مقبولة عمر بن حنظلة بعد فرض تساوي الخبرين أمر بالتوقف و إرجاء حكم الواقعة حتى يلقى الإمام، و لو كان العمل بكلّ ذي مزية واجباً لما وصلت النوبة إلى التوقّف إلاّ نادراً.


1) . على القول بعدم اعراض الأصحاب عن روايات التخيير كما عليه الشيخ الأعظم قدَّس سرّه.

الجهة الرابعة: في التعارض على نحو العموم و الخصوص من وجه

قد عرفت أنّ الجمع المقبول بين الروايتين مقدّم على الأخبار العلاجية من التخيير و الترجيح.

كما عرفت أنّه إذا كانت النسبة بين الخبرين هو التباين، يجب العمل بالرواية ذات المزية و إلاّ فالتخيير.

بقي الكلام فيما إذا كان التعارض بين الخبرين على نحو العموم من وجه، كما إذا دلّ الدليل على نجاسة عذرة ما لا يؤكل لحمه، و دلّ دليل آخر على طهارة عذرة كلّ طائر، فيفترق الدليلان في موردين:

أحدهما: عذرة الوحوش، فانّها داخلة تحت إطلاق الدليل الأوّل; و ثانيهما:عذرة الطائر الذي يؤكل لحمه، فانّها داخلة تحت إطلاق الدليل الثاني; و إنّما يتعارضان في الطائر غير المأكول لحمه كما فيما إذا كانت له مخالب، فهل المرجع هو التساقط و الرجوع إلى دليل آخر من اجتهادي كالعموم و الإطلاق، و أصل عملي إذا لم يكن دليل اجتهادي، أو المرجع هو الأخبار العلاجية من الترجيح أوّلاً و التخيير ثانياً؟ و الظاهر هو القول الأوّل، لأنّ المتبادر من الأخبار العلاجية هو دوران الأمر بين الأخذ بالشيء بتمامه و ترك الآخر كذلك، أو بالعكس كما هو الظاهر من قوله:

»أحدهما يأمر و الآخر ينهى« و الأمر في العامين من وجه ليس كذلك، إذ لا يدور الأمر بين الأخذ بواحد منهما و ترك الآخر أو بالعكس، بل يؤخذ بكلّ في

موردي الافتراق، و إنّما الاختلاف في مورد الاجتماع، فالعُقاب بما انّه حيوان غير مأكول يحكم على فضلته بالنجاسة، و بما انّه طائر يحكم عليها بالطهارة.

و منه يعلم حكم أخبار العرض على الكتاب و السنّة و فتاوى العامة، فإنّ الظاهر هو الأخذ بتمام ما وافق كتاب اللّه و ترك تمام ما خالفه، و مثله ما وافق العامة أو خالفها، فإنّ المتبادر هو أخذ تمام ما خالف العامة و ترك كلّ ما وافقهم، و الأمر في العموم من وجه ليس كذلك، لأنّه يؤخذ بكلا الدليلين و لا يترك الآخر بتاتاً.

سؤال و إجابة ما الفرق بين »صل« و »لا تغصب«، و قولنا:»أكرم العلماء« و »لا تكرم الفساق«؟ حيث يعد الأوّل من باب التزاحم بخلاف الآخر حيث يعد من باب التعارض، و لم نجد أحداً يعالج المثال الأوّل من باب التعارض، كما لم نجد من يعالج المثال الثاني من باب التزاحم مع أنّ المثالين من باب واحد.

و الجواب: انّه إذا أحرز الملاك و المناط في متعلّق كلّ واحد من الإيجاب و التحريم مطلقاً حتى في مورد التصادق و الاجتماع، فهو من باب التزاحم; و أمّا إذا لم يحرز مناط كلّ من الحكمين في مورد التصادق، سواء أحرز مناط أحد الحكمين بلا تعيين، كما إذا كان أحد الدليلين قطعياً أو لم يحرز المناط في كلّ من المتعلّقين كالخبرين الواحدين فهما من باب التعارض. و قد مرّ الايعاز إليه في الجز الأوّل عند البحث في اجتماع الأمر و النهي.

تمّ الكلام في المقصد الثامن و يليه البحث في الاجتهاد و التقليد

خاتمة: في الاجتهاد و التقليد

اشارة

و فيها فصلان:

الفصل الأوّل: في الاجتهاد و أحكامه، و فيه مسائل:

الأُولى: الاجتهاد لغة و اصطلاحاً.

الثانية: جواز عمل المجتهد برأيه.

الثالثة:حرمة رجوع المجتهد إلى غيره.

الرابعة: جواز رجوع العامي إلى المجتهد.

الخامسة: نفوذ حكم المجتهد و قضائه.

السادسة: في الاجتهاد التجزئي.

السابعة: مقدمات الاجتهاد.

الثامنة: في التخطئة و التصويب.

التاسعة: في تأثير الزمان و المكان في الاجتهاد.

الفصل الثاني: في التقليد و أحكامه، و فيه مسائل:

الأُولى: التقليد لغة و اصطلاحاً.

الثانية: في جواز التقليد.

الثالثة: في وجوب تقليد الأعلم.

الرابعة: في تقليد الميت ابتداء.

الخامسة: في البناء على تقليد الميت.

السادسة: في العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر.

ملاحظة مهمّة

إنّ البحث في الاجتهاد و التقليد و إن لم يكن من المسائل الأُصولية، و لكنّه مشحون بمسائل هامة لا غنى للفقيه عنها، فلأجل ذلك ذيّلنا المقصد الثامن بمباحث الاجتهاد و التقليد هذا من جانب.

و من جانب آخر يمكن أن ينتهي العام الدراسي دون أن تسنح الفرصة للأُستاذ للتطرق إلى هذا المبحث . فعند ذاك فبإمكان الأُستاذ حثّ التلاميذ على مطالعته استيفاءً للغاية المتوخاة من وراء هذا البحث.

الفصل الأوّل: في الاجتهاد و أحكامه

اشارة

و يقع الكلام في هذا الفصل في عدّة مسائل:

المسألة الأُولى: الاجتهاد لغة و اصطلاحاً

الاجتهاد لغة مأخوذ من الجهد بضم الجيم بمعنى الطاقة و الوسع، و بفتحها بمعنى المشقة; فهو إمّا بمعنى بذل الطاقة و الوسع، أو تحمّل الجهد و المشقّة. يقال: اجتهد في حمل الرحى و لا يقال: اجتهد في حمل الخردلة، لوجود الملاك في الأوّل دون الثاني.

و أمّا اصطلاحاً، فقد عرّفه بهاء الدين العاملي بأنّه عبارة عن ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من أدلّته فعلاً أو قوّة قريبة منه. (1)

قوله: »فعلاً أو قوة« قيدان للاستنباط لا للملكة للزوم فعليّتها، و أمّا الاستنباط فينقسم إلى ما »بالفعل« كمن تهيّأت له أسبابه و لم يبق إلاّ المراجعة; و إلى ما »بالقوة« كمن لم تتهيّأ له أسبابه كفقد الكتب.

و كان عليه إضافة قيد آخر و هو استنباط الوظيفة الفعلية، كأن يقول: ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي أو الوظيفة الفعلية، و ذلك كما في مجاري الأُصول، فإنّ المستنبَط فيها هو الوظيفة في حال الشكّ لا الحكم الواقعي.

ثمّ إنّ الاجتهاد وقع موضوعاً لأحكام عديدة سنشير إلى بعضها:


1) . زبدة الأُصول:141.

المسألة الثانية: جواز عمل المجتهد برأيه

إنّ عمل المجتهد برأيه من القضايا التي قياساتها معها، لأنّه إمّا عالم بالحكم الواقعي وجداناً، كما في صورة العلم القطعي; أو عالم به تعبّداً ، كما في مورد الطرق و الأُصول الشرعية; و إمّا عالم بالوظيفة العملية، كما في موارد الأُصول العقلية، و للعالم، العمل بعلمه.

المسألة الثالثة: حرمة رجوع المجتهد إلى الغير

إذا تمكّن المجتهد من الاستنباط فقط، أو خاض فيه و استحصل الأحكام الشرعية بالطرق المألوفة، فهل يجوز له ترك الاستنباط أو ترك رأيه و الركون إلى رأي غيره أو لا؟ المشهور العدم و لم ينقل الجواز عن أحد.

و ذلك لانصراف ما دلّ على جواز التقليد عمّن له ملكة الاجتهاد، و اختصاصه بمن لا يتمكّن من تحصيل العلم بها. أضف إليه انّه ربّما يخطِّئ الغيرَ باجتهاده، إذا اجتهد فكيف يرجع إليه و يأخذ برأيه؟! خصوصاً إذا خاض و تبيّن خطأ الغير.

المسألة الرابعة: جواز رجوع العامي إلى المجتهد و تقليده

إنّ رجوع العامي إلى المجتهد أمر ثابت بالسيرة ،لأنّه من فروع رجوع الجاهل إلى العالم، و العامي إلى المتخصّص، و سيوافيك شرحه في فصل التقليد.

المسألة الخامسة: نفوذ حكم المجتهد و قضائه

لمّا كان القضاء بين الناس ملازماً للتصرّف في أموالهم و أنفسهم، احتاج التلبّس به إلى ولاية حقيقية، يمارس في ظلّها ذلك العمل، و ليست هي إلاّ للّه

سبحانه، قال سبحانه:( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (1)) (2).

و بما انّ من لوازم القضاء كون المتصدّي له، مجانساً للمتحاكمين، نصب سبحانه أنبياءه و أولياءه قضاة للناس، يحكمون فيهم بما أنزل اللّه سبحانه و لا يحيدون عنه قيدَ شعرة، قال سبحانه:( يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ (3)) (4).

و قال سبحانه في حقّ النبي(صلى الله عليه و آله و سلم):( فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (5)) (6).

و قال سبحانه في حقّ ولاة الأمر:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (7)) (8).

و قد عرّف النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)أُولي الأَمر الذين هم أوصياؤه بأسمائهم و خصوصياتهم واحداً تلو الآخر. (9)

فهؤلاء هم القضاة المنصوبون من اللّه سبحانه بأسمائهم و خصوصياتهم، و أمّا بعد ارتحال النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)و عدم التمكّن من الوصيّ المنصوب سواء أ كان في عصر الحضور أو عصر الغيبة، عيّنت الشريعة رجالاً لتصدّي القضاء عرّفتهم بصفاتهم و سماتهم لا بأسمائهم، و هم كما في مقبولة عمر بن حنظلة عند ما قال السائل: فكيف يصنعان؟ قال(عليه السلام): »ينظران إلى من كان منكم ممّن روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّه استخفَّ بحكم اللّه و علينا ردَّ، و الرادّ علينا رادّء.


1) سوره 6 - آیه 57

2) . الأنعام:57.

3) سوره 38 - آیه 26

4) . ص:26.

5) سوره 4 - آیه 65

6) . النساء:65.

7) سوره 4 - آیه 59

8) . النساء:59.

9) . البرهان في تفسير القرآن: 1/381 في تفسير الآية 59 من سورة النساء.

على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه«. (1)

و الإمعان في القيود الواردة في الرواية تُثبت بأنّ ولاية القضاء لا ينالها إلاّ الموصوف بالصفات التالية:

1.

أن يكون شيعياً إمامياً بقرينة قوله:»من كان منكم«.

2.

أن يحكم بحكمهم، فلو حكم بحكم غيرهم لا ينفذ حكمه لقوله:»فإذا حكم بحكمنا...«.

3.

أن يكون راوياً لحديثهم، لقوله:»روى حديثنا...«.

4.

أن يكون صاحب نظر في الحلال و الحرام لقوله:»و نظر في حلالنا و حرامنا...«.

5.

أن يكون خبيراً في الوقوف على أحكامهم(عليهم السلام)لقوله:»و عرف أحكامنا «.

و من الواضح انّ هذه التعابير لا تنطبق إلاّ على المجتهد في عصرنا هذا.

و هناك روايات أُخر تدعم ولاية الفقيه للقضاء تركنا ذكرها للاختصار، و أمّا تصدّي غير المجتهد سواء كان مقلّداً أو مجتهداً متجزّئاً ففيه تفصيل يطلب من كتاب القضاء. (2)

المسألة السادسة: في الاجتهاد التجزّئي

الاجتهاد التجزّئي عبارة عن تمكّن الإنسان من استنباط بعض الأحكام دون بعض، مثلاً انّ أبواب الفقه مختلفة مدركاً، و المدارك مختلفة سهولة و صعوبة، فربّ شخص ضالع في النقليات دون العقليات و كذلك العكس، و هذا يمكِّنُ له الاستنباط في بعضها دون بعض، على أنّ حصول الاجتهاد المطلق ليس أمراً دفعياً،


1) . الكافي:1/76، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.

2) . لاحظ كتابنا »القضاء في الشريعة الإسلامية الغرّاء«.

بل يتوقف على التدرّج شيئاً فشيئاً، فالمجتهد في بادئ ذي بدء لم يكن مجتهداً مطلقاً بل كان متجزئاً ثمّ صار مجتهداً مطلقاً، و أمّا أحكامه فنقول:

يجوز له العمل بما استنبط، و إلاّ فأمامه طريقان:

أ. العمل بالاحتياط.

ب. الرجوع إلى الغير.

و الأوّل غير واجب باتّفاق الكلّ، و جواز الثاني موقوف على تحقّق موضوعه، و هو كونه غير عالم أو جاهل، فلا يعم العالم، و المفروض أنّه عالم بالحكم و لو في موارد خاصّة.

و أمّا رجوع الغير إليه و تقليده له، فإن كان هناك من هو أفقه منه و قلنا بوجوب الرجوع إلى الأفقه فلا يجوز الرجوع إلى المتجزّئ في المقام، و إلاّ فلا مانع من الرجوع إليه و يكون المتجزّئ و المطلق في جواز الرجوع سيّان، غير أنّ الكلام في جواز الرجوع إلى غير الأفقه كما سيوافيك.

المسألة السابعة: مقدّمات الاجتهاد

الاجتهاد يتوقّف على مقدّمات نشير إليها بوجه موجز، فنقول:

الأوّل: الوقوف على القواعد العربية على وجه يقف على ضوئها على مراد المتكلّم، و لا يشترط أن يكون مجتهداً في العلوم العربية، بل يكفيه الرجوع إلى أهل الخبرة.

الثاني: الوقوف على معاني المفردات حتى يُميّز المعنى الحقيقي عن المجازي، و يعرف الكنايات و الاستعارات الواردة في الكتاب و السنّة، و لا يشترط أن يكون لغويّاً محقّقاً في اللغة، و يكفيه في تفسير المفردات الرجوعُ إلى أُمّهات الكتب اللغويّة و معاجم اللغة، ك»العين« للخليل بن أحمد الفراهيدي، و»لسان العرب«

لابن منظور الإفريقي، و»النهاية في غريب الحديث« للجزري، و»مجمع البحرين« للطريحي.

و لأجل الوقوف على أُصول المعاني و الفروع التي اشتق منها لا بدّ من الرجوع إلى كتاب »مقاييس اللغة« لأحمد بن فارس و»أساس البلاغة« للزمخشري.

الثالث: معرفة الكتاب و السنّة اللّذين هما مصدران أساسيان للاستنباط و يعدّان حجر الأساس له; فلا بدّ للفقيه أن يستنير بنورهما في كلّ مسألة، فيرجع إلى الكتاب العزيز أوّلاً و يدرس الآيات التي لها مساس بالموضوع، ثمّ يعرّج إلى السنّة.

و بذلك يظهر أنّ علمي التفسير و الحديث من مقدمات الاجتهاد و لا غنى لمجتهد عن معرفتهما.

و المعروف أنّ عدد الآيات التي تستنبط منها أكثر الأحكام لا تتجاوز عن ثلاثمائة آية، و لكن ثمّة آيات لا تعد من آيات الأحكام و لكن يمكن استنباط أحكام فرعية منها، و على ذلك لو ضمت تلك إلى آيات الأحكام لجاوزت العدد المذكور، و قد استنبط بعض الفقهاء من سورة »المسد« أحكاماً شرعية مختلفة، و كذلك من قوله تعالى حاكياً كلام شعيب:( قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ* قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (1)) (2)فقد استنبط بعض الفقهاء من الآيتين أحكاماً في النكاح و الإجارة.

الرابع: الوقوف على المسائل الأُصولية التي تدور عليها رحى الاستنباط، فلو7.


1) سوره 28 - آیه 27

2) . القصص:2827.

لم يثبت عنده مثلاً حجية الخبر الواحد لم يكن بإمكانه استنباط الأحكام الشرعية و تشخيص الوظائف العملية.

الخامس:علم الرجال و معرفة الثقات من الضعاف، فلو قلنا بأنّ الحجّة هي وثاقة الراوي، فيتوقف إحرازها على ذلك العلم; و لو قلنا بأنّ الحجّة هو الخبر الموثوق الصدور، فالعلم بوثاقة الراوي يحصِّل الوثوق بصدوره. و يلحق به علم الدراية حتى يقف على أقسام الرواية من الصحيح و الحسن و الموثق و الضعيف حسب صفات الراوي.

السادس: معرفة المذاهب الفقهية الرائجة في عصر الأئمّة(عليهم السلام)التي كان عمل القضاة عليها و كان الناس يرجعون إليهم، فإنّ في معرفة تلك المذاهب تمييزَ ما صدر عنهم عن تقية عمّا صدر عن غيرها.

و أمّا المذاهب الأربعة المعروفة، فإنّها صارت رائجة بعد أعصارهم(عليهم السلام); و أفضل كتاب في هذا الموضوع كتاب »الخلاف« للشيخ الطوسي.

و سبب التأكيد على معرفة المذاهب المعاصرة لأئمّة أهل البيت، هو أنّ لأخبارهم و كلماتهم أسباب صدور و ليست إلاّ فتاوى فقهاء عصرهم، فهذه الفتاوى كالقرينة المتصلة لفهم أخبارهم، فلا يمكن غضّ النظر عنها.

السابع: معرفة الشهرة الفتوائية، و قد وقفت على أهمّيتها عند البحث عن حجّية الشهرة، و قلنا إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

1. روائية. 2. عملية. 3. فتوائية. و الأخيرة كاشفة عن وجود النص، أو كون الحكم مشهوراً عند أصحاب الأئمّة، و الثانية أي عمل الأصحاب بالرواية و الإعراض عن مخالفها يوجب خروج المعارض عن الحجية.

و في الفقه الشيعي مسائل كثيرة ليس عليها دليل سوى الشهرة. حسب ما كان يراه سيّد مشايخنا العلاّمة البروجردي(قدس سره).

الثامن: ممارسة الفروع الفقهية لتنمية قدرته على الاستنباط، و قد كانت مجالس العلماء سابقاً حافلة بذكر الفروع الفقهية، و كانت عملية التدريب دائرة فيها على قدم و ساق.

التاسع: معرفة القواعد الفقهية التي هي خير وسيلة لاستخراج الأحكام الجزئية من الأحكام الكلية، فلا محيص للطالب عن الرجوع إلى: كتاب»القواعد و الفوائد« للشهيد الأوّل، ثمّ »نضد القواعد« للفاضل المقداد السيوري، و»تمهيد القواعد« للشهيد الثاني و غيرها.

العاشر: معرفة المسائل الرياضية و الهندسية و علم الهيئة التي تسهّل استنباط أحكام المواريث، و تعيين القبلة، و المقادير الواردة في الكر و الزكاة، و غيرها.

فمن توفرت فيه تلك المقدّمات، يصبح مؤهلاً لاستنباط أحكام الموضوعات بعد الدقة و الفحص و الممارسة و التمرين و الاستئناس بالمسائل و الأقوال.

المسألة الثامنة: في التخطئة و التصويب

اشارة

في التخطئة و التصويب اصطلاحان للفقهاء:

الأوّل: انّ للّه سبحانه حكماً مشتركاً للعالم و الجاهل، فالمجتهد قد يصيبه و قد لا يصيبه، فلو اختلفت آراء المجتهدين فالمصيب واحد و غيره مخطئ. و بذلك وُصفوا بالمخطِّئة، لأنّهم لا يصفون كلّ اجتهاد بالصواب و تقابلها »المصوبة« التي تنكر حكم اللّه المشترك بين العالم و الجاهل، و تخص أحكامه سبحانه بالعالمين به. و هذا هو التصويب المستلزم للدور المعروف، و التصويب بهذا المعنى خارج عن موضوع بحثنا و لعلّه صرف افتراض لا قائل به و المهم هو التصويب بالمعنى الآتي.

الثاني: تفويض التشريع إلى المجتهدين في خصوص ما لا نصّ فيه من

الشارع، فيكون كلّ رأي صواباً لعدم وجود واقع محدَّد حتى يوصف المطابق بالصواب، و غيره بالخطإ، و بذلك وُصِفُوا بالمصوّبة، لأنّهم يصفون كلّ اجتهاد بالصواب. و على هذا القول يكون الاجتهاد من منابع التشريع و مصادره، بخلافه على القول الآخر فإنّ الاجتهاد عليه لا يعدو عن بذل جهد لإصابة الواقع المحدَّد، فما ربما يُرى في بعض كلمات أهل السنّة من عدِّ الاجتهاد من منابع التشريع مبني على ذاك القول.

غير أنّ اللازم معرفة المواضع التي تضاربت فيها الآراء فصارت طائفة إلى التخطئة و أُخرى إلى التصويب (1)، و يظهر ذلك بمعرفة المواضع التي اتّفقوا فيها على التخطئة، و نذكر منها ما يلي:

1. لا تصويب في الأُصول و المعارف

اتّفق المسلمون على أنّ الحقّ في الأُصول و المعارف أمر واحد، و ما وافقه هو الحقّ و الصواب، و ما خالفه هو الخطأ، و لم يقل أحد من المسلمين إلاّ من شذّ بتصويب جميع الآراء. (2)

قال المرتضى: إنّ الأُصول المبنيّة على العلم نحو التوحيد و العدل و النبوة لا يجوز أن يكون الحقّ فيها إلاّ واحداً، لأنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يكون جسماً أو غير جسم، يُرى و لا يُرى على وجهين مختلفين. (3)

و قال الشيخ الطوسي: اعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغييره عمّا هو عليه فلا


1) . أي التصويب و التخطئة بالمعنى الثاني فلا تغفل.

2) . نقل الغزالي انّ عبد اللّه بن الحسن الغيري ذهب إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع(لاحظ المستصفى:2/359). و لعلّ مراده من التصويب في العقائد كونه مثاباً.

3) . الذريعة:2/793.

خلاف بين أهل العلم أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف، و أنّ الحقّ واحد، و أنّ من خالفه ضال فاسق و ربما كان كافراً، و ذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو حادث، و إذا كان حادثاً هل له صانع أو لا؟ (1)

2. لا تصويب في الموضوعات الخارجية

كما أنّ الحقّ في الأُصول و المعارف واحد، فكذلك في الموضوعات ; كالقبلة; فلو اختلفت الأمارة في تعيين القبلة، فإحداهما مخطئة و الأُخرى مصيبة; و هكذا الحال في أرش الجنايات.

3. لا تصويب في الأحكام العقليّة البديهية

إنّ كلّ موضوع ثبت حكمه ببداهة العقل فالحقّ فيه واحد لا غير، و هذا كالظلم و العبث و الكذب فإنّها قبيحة عند الكل، كما أنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن على كلّ حال. نعم حكي بأنّ كلّ مجتهد فيها مصيب، لكنّه قول شاذ. (2)

4. لا تصويب في المسائل المنصوصة
اشارة

إذا كان في المسألة نص قطعي السند و الدلالة، فلا موضوع للاجتهاد فيها، و بالتالي لا موضوع للتصويب و التخطئة.

قال الشافعي: أجمع الناس على أنّ من استبانت له سنّة عن رسول اللّه، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.

و تواتر عن الشافعي أنّه قال: و إن صحّ الحديث، فاضربوا بقولي الحائطَ.


1) . العدّة:2/113.

2) . العدّة: 2/113.

و قال أيضاً: إذا رَوَيتُ عن رسول اللّه حديثاً و لم آخذ به، فاعلموا أنّ عقلي قد ذهب.

و قال: لا قول لأحد مع سنّة رسول اللّه. (1)

فتعيّن من خلال ذلك انّ المواضع الأربعة السابقة لا مجال فيها للقول بالتصويب، و الرأي الصائب فيها واحد و غيره خاطئ.

إذا عرفت خروج المواضع السالفة الذكر عن محط النزاع، و انّ جمهور الفقهاء إلاّ من شذّ قائلون فيها بالتخطئة، يُعلم منه أنّ النزاع يختص بالمسائل التي لم يرد حكمها في الكتاب و السنّة، فمن قال بأنّ للّه سبحانه في نفس تلك المسائل التي لم يرد فيها نص، حكم مشترك بين الناس، فالآراء عند قياسها به يوصف الموافق منها بالصواب و المخالف بالخطإ، و من أنكر وجود ذلك الحكمَ المشترك، في نفس المورد يرى الجميع صواباً، و كانَ الحكم الشرعي مفوّضاً إلى تشخيص المجتهد و رؤيته، فيصح الجميع على حد سواء.

و ممن صرّح بتخصيص محل النزاع بما لا نص فيه هو الغزالي، قال: قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنّيات مصيب، و قال قوم: المصيب واحد، و اختلف الفريقان جميعاً في أنّه هل في الواقعة التي لا نصّ فيها، حكم معين للّه تعالى هو مطلوب المجتهد، فالذي ذهب إليه محقّقو المصوّبة انّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، و حكم اللّه تعالى على كلّ مجتهد، ما غلب على ظنّه و هو المختار، و إليه ذهب القاضي. (2)

إذا عرفت ذلك فنقول:

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت انّ للّه سبحانه حكماً مشتركاً في3.


1) . أعلام الموقعين:2/922.

2) . المستصفى:2/363.

كلّ واقعة و انّه سبحانه لم يترك الحوادث سدى، بل شرّع لها أحكاماً خاصة، و لم يُفوِّض أمر التشريع بيد أحد، و نكتفي بالقليل من تلك الروايات:

1.

قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): »إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله(صلى الله عليه و آله و سلم)، و جعل لكلّ شيء حدّاً، و جعل عليه دليلاً يدل عليه، و جعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً«. (1)

2.

روى حمّاد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول:»ما من شيء إلاّ و فيه كتاب أو سنّة«. (2)

3.

روى سماعة، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيه أو تقولون فيه؟ قال: »بل كل شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه«. (3)

4.

و قال النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)في خطبة حجّة الوداع:»يا أيّها الناس و اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنة و يبعّدكم عن النار إلاّ و قد أمرتكم به، و ما من شيء يقرّبكم من النار و يبعّدكم عن الجنّة إلاّ و قد نهيتكم عنه«.

5.

روى (4)الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم)قال: »إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، و إذا حكم فأخطأ فله أجر واحد«. (5)

6.

سئل أبو بكر عن حكم الكلالة، فقال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن اللّه وحده لا شريك له، و إن كان خطأ فمنّي و من الشيطان و اللّه منه بريء. (6)0.


1) . الكافي:1، باب الرد إلى الكتاب و السّنة و انّه ليس شيء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج إليه إلاّ و قد جاء فيه كتاب أو سنّة، الحديث 2، 4، 10.

2) . الكافي:1، باب الرد إلى الكتاب و السّنة و انّه ليس شيء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج إليه إلاّ و قد جاء فيه كتاب أو سنّة، الحديث 2، 4، 10.

3) . الكافي:1، باب الرد إلى الكتاب و السّنة و انّه ليس شيء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج إليه إلاّ و قد جاء فيه كتاب أو سنّة، الحديث 2، 4، 10.

4) . الكافي: 2/74، الحديث 2.

5) . الترمذي: السنن: 2/391برقم 1341.

6) . الدر المنثور: 2/250.

تكشف هذه الروايات و الكلم بوضوح عن وجود الحكم المشترك، و انّ للّه سبحانه حكماً للجميع من غير فرق بين ما إذا ورد فيه النص و ما لا نص فيه، غاية الأمر يكون المجتهد فيما لا نصّ فيه معذوراً إذا أخطأ.

و قد ذهب أصحابنا تبعاً للروايات انّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً يتّجه إليه المجتهد، فيصيبه تارة و يخطئه أُخرى.

قال الشيخ الطوسي: ذهب أكثر المتكلّمين و الفقهاء إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده و في الحكم.

و هو مذهب أبي علي و أبي هاشم و أبي الحسن الأشعري و أكثر المتكلّمين، و ذهب الأصم (1)و بشر المريسي (2)إلى أنّ الحقّ واحد و انّ ما عداه خطأ.

ثمّ قال: و الذي أذهب إليه و هو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين من المتقدّمين و المتأخّرين، و هو الذي اختاره سيدنا المرتضى، و إليه كان يذهب شيخنا أبو عبد اللّه(المفيد)، انّ الحقّ واحد.

تنبيه

ثمّ إنّ السبب الذي دعا أهل السنّة إلى القول بالتصويب هو قلّة الروايات النبوية في الأحكام الشرعية، فأصبح قسم هائل من الموضوعات عندهم ممّا لا نصّ فيه، فظنّوا انّ عدم ورود النص من الشرع قرينة على تفويض حكمها إلى المجتهدين، فما استخرجه المجتهد على ضوء المعايير و المقاييس يُصبح حكماً شرعياً للّه تبارك و تعالى، سواء أ وجِد المخالف أم لا، فالجميع على صواب.


1) . هو عبد الرحمن بن كيسان المعتزلي الأُصولي المتوفّى عام 225ه.

2) . هو بشر بن غياث المريسي، فقيه معتزلي، و هو رأس الطائفة المريسية، و أُوذي في دولة هارون الرشيد، توفّي عام 218ه.

المسألة التاسعة: تأثير الزمان و المكان في الاجتهاد

اشارة

قد يُطرح الزمان و المكان بما انّهما ظرفان للحوادث و الطوارئ الحادثة فيهما، و قد يطرحان و يراد منهما المظروف، أساليب الحياة و الظروف الاجتماعية حسب تقدّم الحضارة، و الثاني هو المراد من المقام.

ثمّ إنّه يجب أن يفسر تأثير الزمان و المكان بالمعنى المذكور في الاجتهاد، على وجه لا يعارض الأُصول المسلّمة في التشريع الإسلامي، و نشير إلى أصلين منها.

الأوّل: انّ من مراتب التوحيد هو التوحيد في التقنين و التشريع، فلا مشرّع و لا مقنّن سواه، قال تعالى:

( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (1)) (2)و المراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله:( أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ (3)).

و قال سبحانه:( قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (4)) (5).

الثاني: انّ الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم)خاتم الأنبياء، و كتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

روى زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحلال و الحرام، قال: »حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيرُه و لا يجيء غيرُه، و حرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره و لا يجيء غيره« و قال: قال علي(عليه السلام):»ما أحد ابتدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة«. (6)


1) سوره 12 - آیه 40

2) . يوسف:40.

3) سوره 12 - آیه 40

4) سوره 10 - آیه 15

5) . يونس:15.

6) . الكافي: 1/58، الحديث 19; و بهذا المضمون أحاديث كثيرة.

و على ضوء هذين الأصلين يجب أن يفسر تأثير الزمان و المكان في استنباط الأحكام.

و ممن أشار إلى هذه المسألة من علمائنا، المحقّق الأردبيلي، حيث قال:و لا يمكن القول بكلية شيء، بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات و الأحوال و الأزمان و الأمكنة و الأشخاص و هو ظاهر، و باستخراج هذه الاختلافات و الانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم و الفقهاء، شكر اللّه سعيهم و رفع درجاتهم. (1)

و هناك كلمة مأثورة عن الإمام السيد الخميني(قدس سره)حيث قال: إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا و بالاجتهاد على النهج الجواهري، و هذا أمر لا بدّ منه، و لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان و المكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الأُصول الحاكمة على المجتمع و سياسته و اقتصاده. (2)

إنّ القول بأنّ عنصري الزمان و المكان لا تمسّان كرامة الأحكام المنصوصة في الشريعة، مما اتّفقت عليه أيضاً كلمة أهل السنّة حيث إنّهم صرّحوا بأنّ العاملين المذكورين يؤثران في الأحكام المستنبطة عن طريق القياس و المصالح المرسلة و الاستحسان و غيرها، فتغيير المصالح ألجأهم إلى الحكم بتغيير الأحكام الاجتهادية لا المنصوصة. يقول الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء:

و قد اتّفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان و أخلاق الناس، هي الأحكام الاجتهادية من قياسية و مصلحية أي التي قررها8.


1) . مجمع الفائدة و البرهان:3/436، و قد سبقه غيره، و قد أوردنا كلماتهم في رسالة مبسطة طبعت في كتاب »رسائل و مقالات«، ج2، فلاحظ.

2) . صحيفة النور:21/98.

الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة و هي المقصودة من القاعدة المقررة »تغيير الأحكام بتغيّر الزمان«.

أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها و توطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرّمات المطلقة، و كوجوب التراضي في العقود، و التزام الإنسان بعقده، و ضمان الضرر الذي يُلحقه بغيره، و سريان إقراره على نفسه دون غيره، و وجوب منع الأذى و قمع الإجرام، وسد الذرائع إلى الفساد و حماية الحقوق المكتسبة، و مسئولية كل مكلف عن عمله و تقصيره، و عدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الأحكام و المبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها و مقاومة خلافها، فهذه لا تتبدّل بتبدل الأزمان، بل هي الأُصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان و الأجيال، و لكن وسائل تحقيقها و أساليب تطبيقها قد تتبدّل باختلاف الأزمنة المحدثة. (1)

و على هذا فيجب أن يفسر تأثير العاملين بشكل لا يمسُّ الأصلين المتقدمين.

و اعلم أنّ تأثير العنصرين على أقسام، و إليك البيان:

الأوّل: تأثير الزمان و المكان في صدق الموضوعات

إنّ تبدّل الموضوع يراد منه تارة انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلاً و النجس تراباً، و هذا غير مراد في المقام قطعاً.

و أُخرى صدق الموضوع على مورد في زمان و مكان و عدم صدقه على ذلك المورد في زمان و مكان آخر، و ما هذا إلاّ لمدخلية الظروف و الملابسات فيها.


1) . المدخل الفقهي العام:9252/924.

و يظهر ذلك بالتأمّل في الموضوعات التالية:

1. الاستطاعة. 2. الفقر. 3. الغنى. 4. بذل النفقة للزوجة. 5. و إمساكها بالمعروف حسب قوله سبحانه:( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (1)) (2).

فإن هذه العنوانات موضوعات لأحكام شرعية، واضحة و لكن محقّقاتها تختلف حسب اختلاف الزمان و المكان، فمثلاً:

1.

التمكّن من الزاد و الراحلة التي هي عبارة أُخرى عن الاستطاعة، له محقّقات مختلفة عبْر الزمان، فربما تصدق على مورد في ظرف و لا تصدق عليه في ظرف آخر، كما هو الحال في إمساك الزوجة بالمعروف فإنّها تختلف حسب الظروف الاجتماعية، و تبدّل أساليب الحياة، و لا بعد إذا قلنا انّ فقير اليوم غنيّ الأمس.

2.

في صدق المثلي و القيميّ، و قد جعل الفقهاء ضابطة للمثلي و القيمي و في ظلّها، عدّوا الحبوب من قبيل المثليات، و الأواني و الألبسة من قبيل القيميات، و ذلك لكثرة وجود المماثل في الأُولى و ندرته في الثانية، و كان ذلك الحكم سائداً حتى تطورت الصناعة تطوراً ملحوظاً فأصبحت تُنتج كميات هائلة من الأواني و المنسوجات لا تختلف واحدة عن الأُخرى قيد شعرة، فأصبحت القيميات بفضل الازدهار الصناعي، مثليات.

3.

في صدق المكيل و الموزون حيث إنّ الحكم الشرعي هو بيع المكيل بالكيل، و الموزون بالوزن، و لا يجوز بيعهما بالعدّ، و لكن هذا يختلف حسب اختلاف البيئات و المجتمعات، و يلحق لكلّ، حكمه.

و من أحكامهما انّه لا تجوز معاوضة المتجانسين متفاضلاً إلاّ مثلاً بمثل، إذا1.


1) سوره 2 - آیه 231

2) . البقرة:231.

كانا من المكيل و الموزون، دون المعدود و المزروع، و هذا يختلف حسب اختلاف الزمان و المكان فربما جنس يباع بالكيل و الوزن في بلد و بالعدّ في بلد آخر، و هكذا يلحق لكلّ، حكمه.

هذا كلّه حول تأثير عنصري الزمان و المكان في صدق الموضوع.

الثاني: تأثيرهما في ملاكات الأحكام

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات و المصالح و المفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً و مبهماً و أُخرى يكون معلوماً بتصريح من الشارع، و القسم الأوّل خارج عن محلّ البحث، و أمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه و ملاكه.

فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، و أمّا إذا تغيّر المناط حسب الظروف و الملابسات يتغير الحكم قطعاً، مثلاً:

1.

لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، و لم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، و أصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، و بذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه و شراؤه. (1)

2.

انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الإسلام، قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم):»إيّاكم و المثلة و لو بالكلب العقور« (2)و من الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الأعضاء لغاية الانتقام و التشفّي، و لم يكن يومذاك أيُّ فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت


1) . قال السيد الإمام الخميني قدَّس سرّه:لم تكن في تلك الأعصار للدم منفعة غير الأكل، فالتحريم منصرف إليه.

2) . لاحظ نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 47.

سوى تلبية للرغبة النفسية الانتقام و لكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الأعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.

3. دلّت الروايات على أنّ دية النفس تؤدّى بالأنعام الثلاثة، و الحلّة اليمانية، و الدرهم و الدينار، و مقتضى الجمود على النص عدم التجاوز عن النقدين إلى الأوراق النقدية، غير أنّ الوقوف على دور النقود في النظام الاقتصادي، و انتشار أنواع كثيرة منها في دنيا اليوم، و النظر في الظروف المحيطة بصدور تلك الروايات، يشرف الفقيه على أنّ ذكر النقدين بعنوان أنّه أحد النقود الرائجة آنذاك، و لذلك يجوز لأولياء الدم، المطالبة بالأوراق النقدية المعادلة للنقدين الرائجة في زمانهم، أو اعدالهما من الأنعام و الحُلّة ، و قد وقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم عنصر الزمان.
الثالث: تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم
1. تضافرت النصوص على حلّية الفيء و الأنفال للشيعة في عصر الغيبة، و من الأنفال المعادن و الآجام و أراضي الموات، و قد كان الانتفاع بها في الأزمنة الماضية محدوداً، ما كان يُثير مشكلة ، و أمّا اليوم و مع تطور الأساليب الصناعية و انتشارها بين الناس أصبح الانتفاع بها غير محدود، فلو لم يتخذ أُسلوباً خاصاً في تنفيذ الحكم لأدّى إلى انقراضها أوّلاً، و خلق طبقة اجتماعية مرفّهة، و أُخرى بائسة فقيرة ثانياً.

فالظروف الزمانية و المكانية تفرض قيوداً على إجراء ذلك الحكم بشكل جامع يتكفّل إجراء أصل الحكم، أي حلّية الأنفال للشيعة أوّلاً، و حفظ النظام و بسط العدل و القسط بين الناس ثانياً، بتقسيم الثروات العامة عن طريق الحاكم

الإسلامي الذي يُشرف على جميع الشئون لينتفع الجميع على حد سواء.

2.

اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسّم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لأصحابه، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور بين السيف و الرمح و السهم و الفرس و غير ذلك، و من المعلوم انّ تقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك، أمّا اليوم و في ظل التقدّم العلمي الهائل، فقد أصبحت الغنائم الحربية تدور حول الدبابات و المدرّعات و الحافلات و الطائرات المقاتلة و البوارج الحربية، و من الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسر، فعلى الفقيه أن يتّخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل و أصل الحكم و الابتعاد عن المضاعفات.

3.

انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من الطواف حول البيت و السعي بين الصفا و المروة و رمي الجمار و الذبح في منى يواجه ضغطاً شديداً في تطبيق عمل الحجّ على هذه الفتاوى، و لكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان و يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء رؤى وسيعة في تنفيذ أحكام الحجّ، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة و الحرج، بل من باب التوسع في تنفيذ الحكم و انّ المطاف عند الزحام أوسع.

الرابع: تأثيرهما في مَنْح نظرة جديدة نحو المسائل

إنّ تغيير الأوضاع و الأحوال الزمنية يؤثر في كيفية نظر المجتهد و يمنح له نظرة جديدة نحو المسائل المطروحة في الفقه قديماً و حديثاً. و لنذكر بعض الأمثلة:

1. كان القدماء ينظرون إلى البيع بمنظار ضيّق و يفسرونه بنقل الأعيان

و انتقالها، و لا يجيزون على ضوئها بيع المنافع و الحقوق، غير انّ تطور الحياة و ظهور حقوق جديدة في المجتمع الإنساني و رواج بيعها و شرائها، حدا بالفقهاء إلى إعادة النظر في حقيقة البيع، فجوّزوا بيع الامتيازات و الحقوق عامة.

2. أفتى القدماء بأنّ الإنسان يملك المعدن المركوز في أرضه تبعاً لها دون أيّ قيد أو شرط، و كان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، و لم يكن بمقدور الإنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعدّ تبعاً لأرضه، و لكن مع تقدم الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلط على أوسع مما يُعد تبعاً لأرضه، فعلى ضوئه لا مجال للإفتاء بأنّ صاحب الأرض يملك المعدن المركوز تبعاً لأرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها، و أمّا الخارج عنها فهو إمّا من الأنفال أو من المباحات العامّة التي يتوقف تملّكها على إجازة الإمام. و ليست هذه النظرة الجديدة مختصة بالفقه بل تعم أكثر العلوم.
الخامس: تأثيرهما في تعيين الأساليب

إنّ هناك أحكاماً شرعية لم يحدّد الشارع أساليبها بل تركها مطلقة كي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً و أنجع في التقويم علاجاً، و إليك بعض الأمثلة على ذلك:

1. الدفاع عن بيضة الإسلام قانون ثابت لا يتغير و لكن الأساليب المتخذة لتنفيذ هذا القانون موكولة إلى مقتضيات الزمان التي تتغيّر بتغيّره، و لكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت إلاّ أمر واحد، و هو قوله سبحانه:( وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (1)) (2).

و أمّا غيرها فكلّها أساليب لهذا القانون تتغيّر حسب تغيّر الزمان.


1) سوره 8 - آیه 60

2) . الأنفال:60.

2.

نشر العلم و الثقافة أصل ثابت في الإسلام، و أمّا تحقيق ذلك و تعيين كيفيته فهو موكول إلى الزمان، فعنصر الزمان دخيل في تطبيق الأصل الكلي حسب مقتضيات الزمان.

3.

التشبّه بالكفار أمر مرغوب عنه حتى أنّ الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم)أمر بخضب الشيب و قال: »غيِّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود«، و الأصل الثابت هو صيانة المسلمين عن التشبّه بأهل الكتاب، و لما اتسعت دائرة الإسلام و اعتنقته شعوب مختلفة و كثر فيهم الشيب تغير الأُسلوب و لما سُئل علي(عليه السلام)عن ذلك، قال: »إنّما قال(صلى الله عليه و آله و سلم)ذلك و الدين قُلّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار«. (1)

4.

انّ روح القضاء الإسلامي هو حماية الحقوق و صيانتها، و كان الأُسلوب المتبع في العصور السابقة هو أُسلوب القاضي الفرد، و قضاؤه على درجة واحدة قطعية، و كان هذا النوع من القضاء مؤمِّناً لهدف القضاء، و لكن اليوم لما دبّ الفساد إلى المحاكم و قلَّ الورع ألزم الزمان أن يتبدل أُسلوب القضاء إلى أُسلوب محكمة القضاة الجمع، و تعدّد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمنية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط، و قد ذكرنا كيفية ذلك في بحوثنا الفقهية. (2)

ثمّ إنّ ما ذكرنا يرجع إلى دور الزمان و المكان في عملية الاجتهاد و الإفتاء، و أمّا دورهما في الأحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح و المفاسد و ليست من قبيل الأحكام الواقعية و لا الظاهرية فلها باب واسع، و قد استوفينا الكلام في ذلك في رسالة مخصوصة. (3)غ.


1) . نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 16.

2) . انظر »نظام القضاء في الشريعة الإسلامية الغرّاء« للمؤلف حيث ذكرنا انّ تعدد درجات المحاكم لا ينافي كون القضاء الأوّل لازم الإجراء.

3) . رسالة تأثير الزمان و المكان في الاجتهاد المطبوعة مع رسالة البلوغ.

فقد خرجنا بالنتائج التالية:

1.

انّ عنصري الزمان و المكان لا تمسّ كرامة الكبريات و لا الأُصول الشرعية.

2.

تأثير عنصري الزمان و المكان في صدق الموضوع.

3.

تأثير عنصري الزمان و المكان في الوقوف على ملاكات الأحكام.

4.

تأثير عنصري الزمان و المكان في كيفيّة إجراء الحكم.

5.

تأثيرهما في منح النظرة الجديدة نحو الأحكام.

6.

تأثيرهما في تعيين الأساليب.

المسألة العاشرة:في التفسير الخاطئ أو تغيير الأحكام حسب المصالح

قد ظهر ممّا ذكرنا انّ القول بتأثير عنصري الزمان و المكان يجب أن يحدّد بما لا يمسُّ كرامة الأصلين السابقين: تأبيد الأحكام الشرعية، و حصر التقنين باللّه سبحانه و تعالى، غير انّه ربّما يفسر التأثير بنحو خاطئ أي بمعنى تغيير الأحكام الشرعية حسب المصالح الزمنية تبريراً لمخالفة بعض الخلفاء للكتاب و السنّة قائلاً بأنّ للحاكم الأخذ بالمصالح و تفسير الأحكام على ضوئها، و لنقدّم نموذجاً:

دلّ الكتاب و السنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، و انّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأُخرى، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً; و قد جرى عليه رسول اللّه و الخليفة الأوّل و كان(صلى الله عليه و آله و سلم)لا يمضي من الطلاق الثلاث إلاّ واحدة منها، و كان الأمر على هذا إلى سنتين من خلافة عمر، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)


1) . مسلم: الصحيح:1844/183، باب طلاق الثلاث، الحديث 1.

يلاحظ عليه بأنّ استخدام الرأي فيما فيه نص، أمر خاطئ، و لو صحّ استخدامه فإنّما هو فيما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة، و لمّا كان ذلك يمسّ كرامة الخليفة جاء الآخرون يبرّرون عمله بتغيّر الأحكام، بالمصالح و المفاسد، و من المتحمّسين لهذا الموضوع هو ابن القيم فقال: لمّا رأى عمر بن الخطاب انّ مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّ بإمضائها على الناس، و رأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع، أمضى عمل الناس و جعل الطلاق ثلاثاً ثلاثاً. (1)

يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح و الفساد، و أمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً.

و العجب انّ ابن القيم التفت إلى ذلك و قال: كان أسهل من ذلك(تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، و يحرّمه عليهم، و يعاقب بالضرب و التأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب،قال: قال عمر بن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث. (2)6.


1) . أعلام الموقعين:3/48.

2) . أعلام الموقعين:3/36، و أشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1/336.

الفصل الثاني: في التقليد و أحكامه

اشارة

و يقع الكلام في هذا الفصل في عدّة مسائل:

المسألة الأُولى: التقليد لغة و اصطلاحاً

التقليد لغة من القلادة، و معناه جعلها في عنق الغير.

و أمّا اصطلاحاً، فقد عرّف بوجوه:

أ. التقليد: هو الأخذ بفتوى الغير و تعلّمها للعمل بها.

ب. التقليد: هو الالتزام بالعمل بفتوى الغير و إن لم يتعلّم فضلاً عن أن يعمل.

ج. التقليد: هو الاستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل.

و التعريف الثالث هو المناسب للفظ التقليد، لأنّ المقلّد من يجعل القلادة في عنق الغير. (1)فالشيء الذي هو يشبه القلادة الّتي يجعلها في عنق الغير هو عمله، فكأنَّ العامي يجعله في عنق المجتهد بمعنى جعله مسئولاً عن صحّة عمله و فساده و براءة ذمّته و اشتغالها، و هذا لا يتحقّق إلاّ بنفس العمل لا بالأخذ و لا بالالتزام.

و يؤيده ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): »من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة


1) . و المتقلّد من يجعل القلادة في عنق نفسه. و ليس العامي متقلّداً بل مقلِّد.

و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه«. (1)

فإن قلت: إذا كان التقليد هو العمل استناداً إلى قول المجتهد، يلزم أن يكون التقليد متأخراً عن العمل و محقّقاً به، مع أنّه متقدم على العمل حيث لا بدّ أن يكون العمل عن تقليد; فيكون التقليد في رتبة سابقة.

قلت: هذا إنّما يتم لو دلّ دليل على لزوم كون العمل ناشئاً عن تقليد كي يكون سابقاً على العمل و ليس كذلك إذ الواجب أن يكون العامي في عمله معتمداً على الحجة. و هو متحقّق حتى و لو كان التقليد نفس العمل.

لكن لا فائدة مهمة في تحقيق مفهوم التقليد، لأنّه لم يقع موضوعاً لحكم شرعيّ في دليل صالح للاستناد، فصحّة عمل العامي تابع لدلالة الدليل الشرعي، لا لصدق التقليد و عدمه، و تصوّر انّه وقع موضوعاً في المسألتين التاليتين:

1.

البقاء على تقليد الميت.

2.

العدول من تقليد حي إلى حيّ.

مدفوع بأنّ الحكم بالجواز أو المنع ليس دائراً مدار صدق التقليد و عدمه، بل دائر مدار وجود الدليل على البقاء أو العدول و عدمه، و لعلّ كلمة »التقليد« عنوان مشير إلى واقع المسألة لا انّه دخيل في الموضوع.

المسألة الثانية: في جواز التقليد

البحث في جواز التقليد يتصوّر على وجهين:

الأوّل: فيما يصحّ للعاميّ أن يعتمد عليه في أمر التقليد و جواز الرجوع إلى الغير.

الثاني: ما يمكن أن يعتمد عليه المجتهد في الإفتاء بجواز التقليد.

أمّا الأوّل، فللعامّي أن يستند في جواز الرجوع إلى العلماء إلى السيرة


1) . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

العقلائية في جميع الأمصار، و هي لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، و هذا أصل قام عليه صَرْح الحياة، إذ من المستحيل أن يستقل كل فرد متحضّر بإنجاز جميع حاجاته من جميع النواحي، فلا محيص من تقسيم الحاجات الأوّلية و الثانوية كي يتحمّل كلّ شخص أو طائفة، ناحية من نواحيها، و لأجل ذلك نرى أنّ أصحاب التخصّصات في العلوم و الفنون، يرجعون في غير اختصاصاتهم إلى أهل الخبرة.

و الرجوع إلى علماء الدين الذين حازوا على مكانة خاصة في قلوب الناس ممّا أطبق عليه كافة العقلاء.

و أمّا الثاني، فيكفي في الإفتاء على جواز التقليد أمران:

1.

آية النفر، فانّ التفقّه آية أنّ المنذر، فقيه فهم الدين عن نظر و بصيرة، و عاد ينذر قومه ببيان أحكامه سبحانه و غيرها.

2.

الروايات الإرجاعية، فإنّ أئمّة أهل البيت أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أصحابهم، كأبان بن تغلب، و محمد بن مسلم الثقفي، و زرارة، و يونس بن عبد الرحمن، و زكريا بن آدم القمي، و معاذ بن مسلم النحوي، و أضرابهم ممّن كانوا على درجة كبيرة من العلم و فهم الحكم من الكتاب و السنّة، و نشير إلى بعض هذه الروايات:

3.

سأل عبد العزيز المهتدي، الرضا(عليه السلام)فقال له: إنّي لا ألقاك في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ فقال(عليه السلام): »خذ عن يونس بن عبد الرحمن«. (1)

4.

قال علي بن المسيّب الهمداني للرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة و لست أصِلُ إليك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال(عليه السلام):»من زكريا بن آدم القمي، المأمون على الدين و الدنيا«. (2)ك.


1) . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 34و27.و لاحظ الأحاديث 36و23 إلى غير ذلك.

2) . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 34و27.و لاحظ الأحاديث 36و23 إلى غير ذلك.

و هؤلاء الذين أرجع إليهم الإمام(عليه السلام)كانوا في الطبقة الأُولى من الفقهاء، و لم يكونوا من الرواة الّذين لا شغل لهم إلاّ نقل النصوص، غاية الأمر كانوا يفتون بلفظ النص بعد الإحاطة بجميع النصوص، و تطبيق الأُصول على الفروع.

و أمّا الآيات الذامّة للتقليد (1)فهي بصدد ذم رجوع الجاهل إلى الجاهل بداعي العصبية لا بما أنّه من أصحاب البصيرة و التدبّر، فأين هذا من رجوع العاميّ إلى العالم بداعي أنّه من أهل الخبرة في مجال الدين؟!

المسألة الثالثة: في وجوب تقليد الأعلم

اشارة

إذا اختلف الأحياء في العلم و الفضيلة، فمع علم المقلّد باختلافهم على وجه التفصيل أو الإجمال أو شكّه، فهل يجب الأخذ بفتوى الفاضل، أو يجوز العمل بفتوى المفضول أيضاً؟ قولان، و لنذكر صور المسألة:

الصورة الأُولى: إذا علم العامّي موافقة الأعلم لغيره في الفتوى بتفاصيلها.

الصورة الثانية: إذا علم مخالفتهما في الفتوى تفصيلاً.

الصورة الثالثة: إذا علم مخالفتهما إجمالاً.

الصورة الرابعة: إذا شكّ في مخالفتهما فيها.

أمّا الصورة الأُولى، فهي خارجة عن محل النزاع.

و أمّا الصورة الثانية: فحكمها تعيّن الرجوع إلى الأعلم لسيرة العقلاء، و من البعيد شمول كلمات القائلين بالجواز لهذه الصورة.

و أمّا الصورة الثالثة: فهي محل الكلام، فذهب القاضي و الحاجبي و العضدي إلى جواز تقليد المفضول، مستدلّين بأنّ المفضولين باتفاق في زمان الصحابة


1) . كقوله سبحانه:(بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّة وَ إنّا على آثارِهِمْ مُهْتَدُون)(الزخرف22/).

و غيرهم كانوا يفتون و يستفتون و لم ينكره أحد و دلّ على جوازه. (1)

و اختار الغزالي تعيّن تقليد الفاضل، و قال: الأولى عندي أنّه يلزم اتّباع الأفضل، فمن اعتقد أنّ الشافعي أعلم، و الصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمثل مخالفه بالتشهّي. (2)

و أمّا أصحابنا فقد استقصى الشيخ الأنصاري أقوالهم في رسالة خاصّة له في تقليد الأعلم، و قال: إنّ تقديم الفاضل هو خِيَرة أكابر العلماء، كالسيد المرتضى، و المحقّق، و العلاّمة، و عميد الدين، و الشهيد، و المحقّق الثاني، و الشهيد الثاني، و صاحب المعالم، و بهاء الدين العاملي، و الشيخ صالح المازندراني، و السيد علي صاحب الرياض. (3)

و لنذكر بعض كلمات الأصحاب:

1.

قال السيد المرتضى: و إن كان بعضهم عنده أعلم من بعض، أو أورع، أو أدين، فقد اختلفوا فمنهم من جعله مخيّراً، و منهم من أوجب أن يستفتي المقدَّم في العلم و الدين، و هو أولى، لأنّ الثقة هاهنا أقرب و أوكد، و الأُصول كلّها بذلك شاهدة. (4)

2.

و قال المحقّق الحلي: و يجب عليه الاجتهاد في معرفة الأعلم و الأورع، فإن تساويا تخيّر في استفتاء أيّهما شاء، و إن ترجّح أحدهما من كلِّ وجه، تعيّن العمل بالراجح، و إن ترجّح كلُّ واحد منهما على صاحبه بصفة فالأقوى الأخذ بقول الأعلم.1.


1) . منتهى الوصول و الأمل في علمي الأُصول و الجدل:221.

2) . المستصفى:2/391.

3) . رسالة تقليد الأعلم المطبوعة في ذيل مطارح الأنظار:276.

4) . الذريعة:2/801.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: ما هي وظيفة العامي في تلك المسألة، و هل يستقل عقله بالرجوع إلى الفاضل، أو بالتخيير بينه و بين المفضول؟ المقام الثاني: ما هو مقتضى الأدلّة عند المجتهد، فهل يستفاد منها لزوم الرجوع إلى الفاضل، أو يستفاد التخيير؟ أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه لو تدبّر، يستقل عقله بعدم جواز تقليد المفضول، لأنّ قول الفاضل متيقن الحجّية دون المفضول، فهو مشكوك الحجّية، و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و لا يحصل إلاّ بالعمل على رأي الفاضل.

نعم لو قلّد في تلك المسألة المجتهد الفاضل و أجاز تقليد المفضول، جاز له تقليدُه، لكنّه ليس تقليداً له ابتداء، بل هو في الحقيقة تقليد للفاضل، و بتقليده تُصْبِحُ فتاوى المفضول حجّة.

أمّا المقام الثاني: أعني ما هو مقتضى الأدلّة عند المجتهد، فقد ذهب المشهور إلى أنّ مقتضى الأدلّة هو لزوم تقديم الفاضل، و إليك أدلّتهم.

أدلّة القائلين بلزوم تقديم الفاضل

استدلّ القائلون بوجوه:

1. إنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو عدم حجّية رأي أحد على آخر، خرج منه متابعة الفاضل بالاتفاق، و بقيت متابعة المفضول تحت عموم حرمة العمل بلا علم، فالعمل بغيره يتوقف على دليل خاص.

فإن قلت: مقتضى الأصل الأوّلي هو التخيير لأنّ الأمر في المقام دائر بين التعيين و التخيير، و بما أنّ في الأوّل مئونة زائدة، تجري البراءة في تعيّن الفاضل.

قلت: إنّ دوران الأمر بين التعيين و التخيير على قسمين:

أ. قسم يدور الأمر بين التعيين و التخيير الشرعيين، كما في خصال الكفارة المردّدة بين تعيّن صوم ستين يوماً، أو التخيير بينه و بين الإطعام و العتق، فمقتضى الأصل الأوّلي فيه هو الاشتغال و الأخذ بمحتمل التعيّن، لعدم العلم بالبراءة إذا امتثل بمحتمل التخيير، بلا فرق بين التكاليف و الحجج كما في المقام ، بل الأمر في الحُجج أوضح، لما عرفت من أنّ الشك في الحجّة مساوق للقطع بعدمها.

ب. لو دار الأمر بين التعيّن الشرعي لفرد و التخيير العقلي بين الأفراد فالمرجع هو البراءة، كما إذا دار الأمر بين عتق خصوص الرقبة المؤمنة، أو مطلق الرقبة الملازم لتخيير المكلف عقلاً بين أفرادها، لأنّ الالتزام بعتق مطلق الرقبة معلوم تفصيلاً، و الشكّ في وجوب خصوص قيدها(الإيمان) فتجري فيه البراءة.

2. جرت سيرة العقلاء على الرجوع إلى الفاضل عند العلم بالخلاف، فلو اختلف الحاذق و غير الحاذق من الأطبّاء في تعيين نوع المرض فيقدّم قول الحاذق على غير الحاذق من دون فرق بين كون الخلاف بينهما معلوماً بالتفصيل أو بالإجمال.

و أمّا رجوعهم إلى المفضول في بعض الموارد فيرجع إلى عدم العلم بالخلاف في مورد المراجعة(الصورة الرابعة)، و إن علم إجمالاً بوجود الخلاف بين أصحاب الفن، أو إلى تسامحهم في الرجوع إلى المفضول في أغراضهم المادية دون مهام الأُمور و معاليها.

3. إنّ تجويز الرجوع إلى المفضول رهن وجود إطلاق في أدلّة جواز التقليد، يكون مقتضاه جواز الرجوع إليه، و لكن ليس بأيدينا من الأدلّة شيء وراء آية النفر، و السؤال، و الروايات الإرجاعية، و كلّها منصرفة عن مورد اختلاف الفتويين.

و قد جاءت الإشارة إلى تلك السيرة في بعض الروايات كتلميح على لزوم

الأخذ بقول الأعلم نأتي ببعضها:

أ. روى عيسى بن قاسم قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: »عليكم بتقوى اللّه وحده لا شريك له، و انظروا لأنفسكم، فو اللّه إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها، يخرجه و يجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها«. (1)

ب. روى عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في اختلاف الحكمين، أنّه(عليه السلام)قال:

»الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر«. (2)

ج. روى داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مسألة اختلاف الحكمين: »انّه ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما، فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر«. (3)

د. روى موسى بن أكيل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)عند اختلاف الحكمين أنّه قال: »ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضى حكمه«. (4)

نعم مورد الأحاديث الثلاثة الأخيرة هو الحكم و القضاء و لا يصحّ التعدّي عنه إلى مورد الإفتاء، لأنّ أمر القضاء لا يقبل التخيير و لا التفويض و لا الإهمال، بخلاف الفتوى إذ لا مانع من التخيير بين الرأيين. و مع ذلك لا يخلو من تلميح إلى الترجيح به في الإفتاء، لأنّ اختلاف الحكمين قد ينشأ من الاختلاف في الأُمور الخارجية، و أُخرى من الاختلاف في الفتوى، و مورد بعض الروايات هو اختلاف الحكمين لأجل الاختلاف في الفتوى كما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث كان5.


1) . الوسائل: 11، الباب 13 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

2) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20، 45.

3) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20، 45.

4) . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20، 45.

اختلاف الحكمين في الحبوة.

هذا كلّه إذا لم تكن فتوى المفضول مطابقة للاحتياط، و فتوى الفاضل مخالفة له، كما إذا أفتى الأوّل بنجاسة الغسالة و الآخر بطهارتها، أو أفتى الأوّل بوجوب التسبيحات الأربع ثلاثاً و أفتى الفاضل بوجوبها مرّة، إذ يجوز حينئذ ترك قول الفاضل و الأخذ برأي المفضول، إلاّ أنّ هذا في الحقيقة عمل بالاحتياط الوارد في فتوى المفضول دون الفاضل.

ما هو المراد من الأعلم؟

ليس اختلاف الفاضل و المفضول في زيادة العلم و قلّته و شدّته و ضعفه، بل المراد الأقوى ملكة، أو الأكثر خبرة من غيره و الأعرف بدقائق الفقه و مباني الاستنباط، و تتركّز قوة الملكة و شدّتها على أمرين:

1.

الذكاء المتوقّد و الفهم القويم.

2.

كثرة الممارسة و التمرين بحيث يصير الفقه مخالطاً لفكره و ذهنه و روحه، فيكون أقوى استنباطاً، و أدق نظراً في استنباط الأحكام من مبادئها، و أعرف بالكبريات و كيفية تطبيقها على الصغريات بحدّة ذهنه و حسن سليقته.

لا يقال: إنّ تشخيص الأدق نظراً و الأقوى استنباطاً من الأُمور الصعبة و العسيرة.

فانّه يقال ليس تشخيص الفاضل عن المفضول بأعسر من تشخيص أصل الاجتهاد، و بما انّ لكل علم و فن رجالاً حاذقين يعرفون مراتب الرجال و مواهبهم و صلاحياتهم، فيميزون المجتهد عن غيره و الفاضل عن المفضول، و قد قيل: من دق باباً و لجَّ ولج.

و أمّا الصورة الرابعة، أعني: إذا شكّ في مخالفتهما في الفتوى، فهل يجوز

الرجوع إلى المفضول أو لا؟و يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: مقتضى الأصل الأوّلي.

الثاني: مقتضى الأدلّة الاجتهادية.

أمّا الأوّل: فهو نفس الأصل في الصورة المتقدّمة(أي العلم بالمخالفة) لأصالة عدم حجّية رأي أحد على أحد إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته و هو رأي الفاضل، و أمّا غيره فهو مشكوك الحجية و الشك فيها مساوق للقطع بعدمها، و بعبارة أُخرى: الشكّ في حجّية فتوى المفضول يلازم القطع بعدم حجّيتها ما لم يدل دليل قاطع عليها.

و أمّا الثاني: أي مقتضى الدليل الاجتهادي، فالرجوع إلى المفضول مع وجود الفاضل يتوقّف على وجود الإطلاق في الآيات و الروايات الإرجاعية و شمولها لصورة الشك في المخالفة، و هو موضع تأمّل.

بل الدليل الوحيد لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الفاضل هو السيرة العقلائية في أمثال المقام حيث إنّهم يرجعون إلى أهل الحرف و أصحاب التخصصات مع اختلاف مراتبهم مع عدم العلم بوحدة نظرهم في عامة المسائل.

المسألة الرابعة: في تقليد الميت ابتداءً

المشهور بين الأصحاب من عصر العلاّمة الحلي(726648ه) على منع تقليد الميت ابتداءً و لم نجد المسألة معنونة قبل العلاّمة الحلّي، و لكن كلماتهم تعرب عن استمرار السيرة على المنع.

نعم شذّ الأخباريون حيث لم يشترطوا الحياة في المفتي و وافقهم المحقّق القمي(12311150ه) من المجتهدين.

و دراسة المسألة تتم من خلال بيان أمرين:

الأوّل: أنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو عدم حجية قول الميت، لما عرفت من أنّ الأصل عدم الحجية إلاّ ما قام الدليل على حجيته و ليس هو إلاّ تقليد الحي.

الثاني: أنّ مقتضى الأدلّة الاجتهادية هو المنع، للإجماعات المنقولة المتضافرة من عصر العلاّمة إلى يومنا هذا، فإنّه و إن لم يكشف عن دليل شرعي وصل إليهم و لم يصل إلينا، لكنه يكشف عن قيام السيرة على المنع، و هو عدم جواز تقليد الميت. قال الشيخ الأنصاري: إنّ هذا الاتفاق بدرجة من القبول حتى شاع عند العوام انّ قول الميت كالميّت.

و ربّما يستدل على جواز الرجوع بإطلاقات الآيات و الروايات، كآية النفر و السؤال و الروايات الإرجاعية إلى رواة الأحاديث أو إلى أشخاص معيّنين، و لكن الاستدلال غير تام، فإنّ الأدلّة ناظرة إلى عنوان المنذر و المحذر(في آية النفر) و المفتي(في حديث أبان) و ظهورها في الحي ممّا لا ينكر.

المسألة الخامسة: في البقاء على تقليد الميت

اشارة

البقاء على تقليد الميت التي يعبّر عنها بالتقليد الاستمراري من المسائل المستحدثة في القرن الثالث عشر، عصر صاحب الجواهر(12661200ه) فقد اختلفت كلمتهم إلى ثلاثة أقوال:

أ. جواز البقاء مطلقاً.

ب. عدم جوازه كذلك.

ج. جوازه فيما عمل بفتواه، و عدمه إذا لم يعمل به، أو ما أشبهه.

و التحقيق يتوقّف على بيان الحكم في مرحلتين:
اشارة

الأُولى: ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية؟

الثانية: ما هو مقتضى القاعدة الثانوية؟

أمّا الأُولى، أي مقتضى القاعدة الأوّلية

فقد مرّ بيانها في المسائل السابقة، و قلنا: إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في الظنون عدم الحجية إلاّ أن يقام دليل عليها.

و أمّا الثانية، أي مقتضى القاعدة الثانوية

فالظاهر انّ مقتضاها هو جواز البقاء على تقليد الميت لوجهين:

الأوّل: وجود السيرة بين العقلاء حيث إنّهم لا يفرّقون في رجوع الجاهل إلى العالم فيما جهله بين كون العالم حيّاً عند العمل بقوله أو عدمه، و ما ذكرناه سابقاً من تضافر الإجماعات المنقولة على منع تقليد الميت، فالقدر المتيقن منها هو تقليد الميت ابتداءً لا استمراراً.

الثاني: انّ الروايات الإرجاعية تعم المقام، فإنّ من أرجعه الإمام إلى أشخاص معيّنين، كالأسدي أو يونس بن عبد الرحمن، أو زكريا بن آدم، ما كان يشك في حجية قولهم بعد وفاتهم. و لا يخطر ببال العامي ترك ما أخذه و تعلمه بمجرد موت من أخذ عنه.

المسألة السادسة: العدول من تقليد مجتهد إلى آخر

هل يجوز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً، أو لا يجوز كذلك، أو فيه التفصيل بين كون الثاني أعلم أو عدمه؟ و محل الكلام فيما إذا كان بين المجتهدين اختلاف في الفتوى و صور المسألة ثلاث:

أ. أن يكون الأوّل أعلم من الثاني، فلا يجوز العدول، لما تقدّم من عدم جواز تقديم المفضول مع وجود الفاضل.

ب. أن يكون الأمر على العكس، فيجب العدول إلى الثاني، للسيرة السائدة بين العقلاء من الرجوع إلى الفاضل في مهام الأُمور.

ج. أن يكونا متساويين مع العلم بالخلاف، فمقتضى القاعدة الأوّلية هو سقوط الفتويين عن الحجية للتعارض و الرجوع إلى الاحتياط، و لكن لمّا كان الاحتياط أمراً متعسّراً يستقل العقل بعد بطلانه أو عدم جوازه بالأخذ بأحدهما مطلقاً ابتداءً و استمراراً، فيجوز العدول من المساوي إلى المساوي الآخر بشرط أن لا ينتهي إلى اللعب بالتقليد.

و الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على سيّد المرسلين و آله الطيّبين الطاهرين وقع الفراغ من تحرير هذا الكتاب، و لاح بدر تمامه بيد مؤلفه جعفر السبحاني ابن الفقيه الشيخ محمد حسين الخياباني التبريزي قدّس اللّه سرّه يوم الأحد الثامن من شهر رجب المرجب من شهور عام 1418 من الهجرة النبوية على هاجرها و آله ألف صلاة و تحية.