دروس تمهیدیة فی الفقه الاستدلالی علی مذهب اهل البیت علیهم السلام جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ایروانی، باقر، 1328 -

عنوان و نام پديدآور:دروس تمهیدیة فی‌الفقه‌الاستدلالی علی مذهب أهل‌البیت علیهم‌السلام/ باقر الایروانی.

وضعيت ويراست:[ویراست ؟].

مشخصات نشر:قم : مرکزالمصطفی(ص) العالمی للترجمه والنشر، 1434 ق.= 1392.

مشخصات ظاهری:3 ج.

فروست:مرکزالمصطفی صلی‌الله علیه و آله‌العالمی للدراسات والتحقیق؛ 16.

شابک:دوره‌978-964-195-706-5 : ؛ 100000 ریال: ج.1‌978-964-195-707-2 : ؛ ج.2‌978-964-195-708-9 : ؛ 55000 ریال (ج. 2، چاپ هشتم) ؛ ج.3‌978-964-195-709-6 : ؛ 700000 ریال (ج. 3، چاپ هشتم) ؛ ج.4‌978-964-195-710-2 : ؛ 85000 ریال (ج. 4، چاپ هشتم)

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه.

موضوع:فقه جعفری -- قرن 14

رده بندی کنگره:BP183/5/الف86د4 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3202203

اشارة

الجزء الثاني

مقدمة المؤلف

بِسْمِ‌ اللّهِ‌ الرَّحْمنِ‌ الرَّحِيمِ‌

الحمد للّه ربّ‌ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و أكرمهم محمّد و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

و بعد هذا هو الجزء الثاني من كتابنا دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري، أسأله تعالى ان ينفع به اخواننا الاعزاء طلاب الحوزات العلمية و ان يجعله بذرة لبرمجة كتبنا الدراسية تنضح بجهود بقية اخواني الافاضل الاعزاء.

فشكرا لك اللهم على نعمك و آلائك و حمدا لك على توفيقك و عنايتك فكم يا ربّ‌ من صعب ذل بلطفك، و كم من عسير تيسر بجودك، انك جواد كريم رءوف رحيم، و ما توفيقي الا بك عليك توكلت و إليك انيب.

باقر الايرواني

18 /ربيع الاول/ 1419 ه‍‌

قم المشرّفة

العقود

اشارة

1 - البيع

2 - الاجارة

3 - المزارعة

4 - المساقاة

5 - الشركة

6 - الضمان

7 - الحوالة و الكفالة

8 - الصلح

9 - الوكالة

10 - المضاربة

11 - القرض

12 - الرهن

13 - الهبة

14 - الوديعة

15 - العارية

16 - السبق و الرماية

17 - النكاح

كتاب البيع

اشارة

1 - شروط‍‌ عقد البيع

2 - شروط‍‌ المتعاقدين

3 - شروط‍‌ العوضين

4 - الخيارات

5 - الربا

6 - بيع الصرف

7 - بيع السلف

8 - محرمات في الشريعة

1 - شروط‍‌ عقد البيع

اشارة

يعتبر في البيع الإيجاب و القبول بكلّ‌ ما يدلّ‌ عليهما و لو لم يكن صريحا أو كان ملحونا أو ليس بعربي و لا بماض.

و يعتبر التطابق بين الايجاب و القبول دون الموالاة بينهما أو تأخّر القبول.

و ذهب المشهور إلى اعتبار التنجيز.

و لا يعتبر اللفظ‍‌ في تحقّق البيع و تكفي المعاطاة. و الملك الحاصل بها لازم.

و يعتبر فيها ما يعتبر في العقد اللفظي من شروط‍‌ العقد و العوضين و المتعاقدين.

و تثبت فيها الخيارات كما تثبت فيه.

و هي تجري في جميع المعاملات إلاّ ما خرج بالدليل كالنكاح و الطلاق و النذر و اليمين.

و المستند في ذلك:

1 - امّا البيع

ففي تحديد حقيقته خلاف بالرغم من بداهتها إجمالا

و عدم ثبوت حقيقة شرعية أو متشرعية له.

و قد نقل الشيخ الأعظم عدّة آراء في ذلك لعلّ‌ أجودها ما اختاره هو قدّس سرّه من انّه تمليك عين بعوض(1).

و الإشكال عليه بشموله للشراء و الاستيجار - حيث ان المشتري بقبوله يملّك ماله بعوض و مستأجر العين يملّك الاجرة بعوض - مدفوع بما ذكره الشيخ نفسه من ان ذلك مدلول تضمني و إلاّ فالشراء و الاستيجار يدلان مباشرة على التملّك بعوض.

و بعد هذا التحديد لا تبقى حاجة لما ذكره غير واحد من المتأخّرين من ان البيع «نقل المال بعوض بما ان العوض مال لا لخصوصية فيه، و الاشتراء هو إعطاء الثمن بإزاء ما للمشتري غرض فيه بخصوصه في شخص المعاملة»(2).

ان إضافة التقييد المذكور وجيهة لو لم نتمكّن من دفع الإشكال السابق بما تقدّم و إلاّ فلا حاجة إليها.

على ان ذكر المال يستلزم اعتبار مالية المبيع في صدق البيع لغة و هو بلا ملزم. إضافة إلى شمول التعريف للإجارة و عدم اختصاصه بالبيع.

2 - و اما اعتبار الايجاب و القبول في البيع

فلأنّه عقد و ليس إيقاعا، و هو متقوّم بهما.

3 - و امّا الاكتفاء بكل ما يدلّ‌ عليهما و لو لم يكن صريحا

فلأنّه بعد ظهور اللفظ‍‌ في البيع و صدق عنوانه - و لو كان الاستعمال بنحو


1) كتاب المكاسب 239:1، انتشارات اسماعيليان.

2) منهاج الصالحين للسيّد الخوئي 13:2 الطبعة 28 و تعليقة الشهيد الصدر على منهاج الصالحين 20:2.

المجاز أو الكناية - يشمله إطلاق أدلّة الامضاء كقوله تعالى: أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (1).

و مع الأصل اللفظي المذكور لا تصل النوبة إلى الأصل العملي المقتضي للاقتصار على القدر المتيقّن لاستصحاب عدم ترتّب الأثر عند الانشاء بغيره.

لا يقال: ان الأصل العملي يقتضي - كالأصل اللفظي - نفي شرطية ما يشك في شرطيّته، فإنّ‌ حديث البراءة يعمّ‌ الأحكام الوضعية أيضا حيث طبّقه الامام عليه السّلام لنفي الصحّة عن الحلف المكره عليه، كما في صحيحة صفوان و البزنطي جميعا عن أبي الحسن عليه السّلام(2). و بارتفاع الشرطية المشكوكة بالبراءة لا يبقى مجال للتمسّك بأصالة عدم ترتّب الأثر لأنّ‌ الشك فيه مسبب عن الشك في الشرطية.

فإنّه يقال: إنّ‌ الشك في الشرطية يرجع في روحه إلى الشكّ‌ في ترتّب الأثر على الفاقد للقيد المحتمل اعتباره، و الأصل في مثله لا يقتضي البراءة بل عدم ترتّب الأثر.

و بكلمة اخرى: ان مرجع الشك في الشرطية إلى علم و شك، أي إلى علم بأن الواجد للقيد يترتّب عليه الأثر جزما، و شك في ترتّبه على الفاقد، و عند الشك في ترتّب الأثر لا معنى للبراءة.

و بهذا يتّضح الفارق بين المقام و مسألة الشك بين الأقل و الأكثر الارتباطيين حيث يتمسّك فيها بالبراءة.

و الفارق: انّه في تلك المسألة يرجع الشك إلى العلم بتعلّق التكليف2.


1) البقرة: 275.

2) وسائل الشيعة 164:16 الباب 12 من كتاب الإيمان الحديث 12.

بتسعة أجزاء مثلا و الشك في تعلّقه بما زاد، و البراءة تقتضي نفي ذلك لأنّ‌ لازمه ثبوت الكلفة الزائدة، و حيث إنّها مشكوكة فيمكن نفيها بالبراءة. و هذا بخلافه في المقام فإنّ‌ مرجع الشك إلى العلم بترتّب الأثر و الامضاء على الواجد للقيد و الشك في ترتّب ذلك على الفاقد، و الأصل عدمه.

4 - و امّا الجواز بالملحون و غير الماضي أو العربي

فلإطلاق أدلّة الامضاء المتقدّمة.

و دعوى اعتبار العربية من باب وجوب التأسي بالنبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله حيث كان يعقد بها، مدفوعة بأنّ‌ التأسي يراد به الإتيان بالفعل على النحو الذي كان يأتي به صلّى اللّه عليه و آله، و حيث نحتمل ان اجراءه صلّى اللّه عليه و آله العقد بالعربية كان من باب اجراء العقد بأحد أساليبه و طرقه فلا يمكن إثبات اللزوم من خلال ذلك و يبقى إطلاق أدلّة الامضاء بلا مقيّد.

و دعوى اعتبار الماضوية من جهة صراحة الماضي في الانشاء بخلاف المضارع و الأمر فانّهما أشبه بالوعد و الاستدعاء مدفوعة بأنّ‌ الدلالة العرفية على البيع إذا كانت متحقّقة فلا محذور في التمسّك بإطلاق أدلّة الامضاء.

5 - و اما اعتبار المطابقة

فلتوقّف صدق عنوان العقد و البيع و التجارة عن تراض على ذلك.

6 - و امّا الموالاة

فقد قال جماعة - منهم الشهيد الأوّل في قواعده(1)- باعتبارها.


1) القواعد و الفوائد 234:1.

و وجّه الشيخ الأعظم ذلك بأن الايجاب و القبول بمنزلة كلام واحد مرتبط‍‌ بعضه ببعض، و مع الفاصل الطويل لا يصدق عنوان العقد(1).

و استدلّ‌ الشيخ النائيني بأنّ‌ حقيقة العقد خلع و لبس، فالموجب يخلع ثوب سلطانه على المال و يلبسه القابل، و مع تحقّق الفصل يتحقّق الخلع بلا لبس، و من ثمّ‌ لا يتحقّق العقد لأنّه عبارة عن مجموع الخلع و اللبس دون الخلع وحده(2).

و كلا الوجهين كما ترى.

امّا الأوّل فلصدق عنوان المعاقدة ما دام الموجب لم يعرض عن إيجابه حتّى مع تخلّل الفصل الطويل.

و امّا الثاني فلأنّ‌ اللبس إذا تحقّق و لو بعد فاصل طويل يصدق آنذاك تحقّق اللبس و الخلع و من ثمّ‌ يصدق في ذلك الوقت تحقّق العقد.

على ان اللبس و الخلع في اعتبار الموجب متحقّقان بمجرّد قوله بعت و لو لم ينضم القبول، و في اعتبار الشرع و العقلاء لم يتحقّق خلع قبل القبول بل يتحقّق هو و اللبس بعد القبول، فالانفكاك غير متصوّر في كلا الاعتبارين.

و عليه فالمناسب صحّة القبول حتّى مع الفصل الطويل ما دام الموجب لم يتراجع عن إيجابه.

7 - و امّا جواز تأخّر الايجاب

فلأنّ‌ عنوان البيع و العقد صادقان مع التأخّر أيضا، و معه يتمسّك بإطلاق دليل إمضائهما.

هذا و لكن الشيخ الأعظم فصّل بين ما إذا كان القبول المتقدّم بمثل


1) كتاب المكاسب 292:1، انتشارات إسماعيليان.

2) منية الطالب 111:1.

لفظ‍‌ قبلت فلا يجوز و بين ما إذا كان بمثل لفظ‍‌ اشتريت فيجوز بتقريب انّه يعتبر في القبول دلالته على أمرين: الرضا بالايجاب و إنشاء القابل نقل ماله في الحال إلى الموجب على وجه العوضية، و مع تقدّم لفظ‍‌ قبلت لا تكون الدلالة على الأمر الثاني ثابتة، و هذا بخلاف ما إذا كان القبول المتقدّم بمثل لفظ‍‌ اشتريت فإنّ‌ دلالته على كلا الأمرين ثابتة بالرغم من تقدّمه(1).

و فيه: ان المهم صدق عنوان العقد و البيع، و هو متحقّق حالة تقدّم القبول مطلقا، و مع تحقّقه يتمسّك بإطلاق دليل الامضاء.

8 - و امّا اعتبار التنجيز و عدم صحّة العقد مع التعليق
اشارة

فهو المشهور بل ادعي عليه الاجماع، و استدلّ‌ عليه بعدّة وجوه ضعيفة نذكر منها:

أ - ما افيد في الجواهر

من ان ظاهر دليل وجوب الوفاء بالعقد هو ترتّب وجوب الوفاء من حين تحقّقه، فإذا لم يشمله من حين تحقّقه و لم يجب الوفاء به من حين حدوثه - لفرض التعليق - فلا دليل على ترتّب الأثر و وجوب الوفاء بعد ذلك(2).

و فيه: انّنا نلتزم بترتّب وجوب الوفاء من حين تحقّق العقد، بيد ان وجوب الوفاء يعني الالتزام بمدلول العقد، و مدلوله قد يكون هو النقل من حين تحقّق العقد فيلزم الحكم بتحقّق النقل من ذلك الحين، و قد يكون هو النقل بعد حصول المعلّق عليه فيلزم الحكم بتحقّق النقل عند تحقّق المعلّق عليه.


1) كتاب المكاسب 286:1، انتشارات إسماعيليان.

2) جواهر الكلام 198:23.

ب - ما أشار إليه السيّد العاملي

من ان الأسباب الشرعية لمّا كانت توقيفية فيلزم الاقتصار فيها على القدر المتيقّن و هو العقد العاري من التعليق(1).

و فيه: ان العمل بإطلاق أدلّة الامضاء كاف في تحقّق التوقيف.

ج‍‌ - ما أفاده الشيخ النائيني

من ان العقود المتعارفة هي المنجزة، و المعلّقة ليست متداولة إلاّ لدى الملوك و الدول أحيانا، و أدلّة الامضاء منصرفة إلى العقود المتعارفة(2).

و فيه: ان صغرى الدعوى المذكورة لم تثبت تماميتها.

د - التمسّك بالإجماع المدّعى في المسألة.

و فيه: ان الاتفاق لو تمّ‌ واقعا فهو ليس حجّة لعدم كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام بعد كونه محتمل الاستناد إلى المدارك السابقة.

و عليه فالحكم باعتبار التنجيز غير ممكن إلاّ على سبيل الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور و الإجماع المدعى.

9 - و امّا المعاطاة فقد وقعت موردا للاختلاف.
اشارة

و قد نقل الشيخ الأعظم قدّس سرّه ستّة أقوال فيها، أهمّها: إفادتها الملك اللاّزم، و إفادتها الملك الجائز، و إفادتها لإباحة التصرّف لا غير(3).

و المختار لدى المتأخّرين إفادتها الملك كالعقد اللفظي لوجوه:
أ - التمسّك بإطلاق قوله تعالى: أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌

(4)بتقريب ان


1) مفتاح الكرامة 166:4.

2) منية الطالب 113:1.

3) كتاب المكاسب 247:1، انتشارات إسماعيليان.

4) البقرة: 275.

المراد من حليّة البيع امّا الحليّة الوضعيّة - كما تقتضيها نسبة الحل إلى الأمر الاعتباري دون الفعل الخارجي - و بذلك يثبت المطلوب، لأنّها عبارة عن النفوذ و الامضاء، أو الحلية التكليفية - التي تقتضيها وحدة السياق حيث يراد من تحريم الربا تحريمه تكليفا بل و يقتضيها ظهور الحلّ‌ نفسه في ذلك - و بذلك يثبت المطلوب أيضا، لأنّ‌ الحل التكليفي ليس منسوبا إلى البيع نفسه لعدم احتمال حرمته تكليفا ليدفع بإثبات جوازه بل هو منسوب إلى التصرّفات المترتّبة عليه، و لازم إباحة جميع التصرّفات المترتّبة عليه صحّته و إفادته للملك.

و قد اختار الشيخ الأعظم قدّس سرّه الثاني - إرادة الحل التكليفي - و قرّب الدلالة بما ذكرناه(1).

ب - التمسّك بإطلاق المستثنى في قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ مِنْكُمْ‌

(2)بتقريب ان الأكل كناية عن التملّك و الاستيلاء، فكل تملّك بالأسباب الباطلة منهيّ‌ عنه إلاّ ان تكون تجارة عن تراض، و حيث ان المعاطاة مصداق للتجارة عن تراض فتثبت صحّتها بالبيانين السابقين.

ج‍‌ - التمسّك بإطلاق قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

(3)، فإنّ‌ المعاطاة عقد، غايته عقد فعلي لا قولي، و الوفاء بالعقد عبارة اخرى عن إتمامه و عدم نقضه فيثبت وجوب الوفاء بالمعاطاة و عدم جواز نقضها و من ثمّ‌ تثبت إفادة المعاطاة للملك بل اللزوم بخلاف الآيتين السابقتين


1) كتاب المكاسب 248:1، انتشارات إسماعيليان.

2) النساء: 29.

3) المائدة: 1.

فإنّه قد يشكك في دلالتهما على اللزوم.

د - التمسّك بسيرة العقلاء على ترتيب آثار الملك اللازم على

المعاطاة

، فإنّ‌ سيرة المتشرّعة و ان أمكن التشكيك في اتصالها بزمن المعصوم عليه السّلام باعتبار ان الفقهاء قبل زمن المحقّق الثاني كانوا يفتون بعدم إفادتها الملك، و معه لا يمكن الجزم بانعقادها بوصف انّهم متشرّعة على إفادتها الملك إلاّ ان سيرة العقلاء لا مجال للتشكيك في انعقادها، و بعدم ثبوت الردع عنها يثبت الامضاء.

لا يقال: الردع ثابت برواية خالد بن الحجاج: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

رجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب و اربحك كذا و كذا، قال: أ ليس ان شاء ترك و ان شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس، انّما يحلّ‌ الكلام و يحرم الكلام»(1)، فإنّ‌ لازم حصر المحلّل بالكلام عدم انعقاد البيع بالمعاطاة.

فإنّه يقال: هذا مبنيّ‌ على ان المراد: لا يكون الشيء حلالا أو حراما بمجرّد القصد أو الفعل، و هذا باطل جزما، فإنّ‌ إباحة التصرّف في المعاطاة ثابتة جزما و لا تحتمل حرمة التصرّف عند افتراض رضا المالك بالتصرّف.

اضافة الى ان هذا المعنى لا يتناسب و مورد الرواية.

و المناسب تفسيرها بأن من طلب من غيره اشتراء شيء له من غيره فمتى ما كان الكلام الدائر بينهما على مستوى المقاولة و المواعدة فهو كلام محلّل، و متى ما كان على مستوى إيجاب البيع و إيقاعه قبل الشراء من الغير فهو كلام محرّم. و بناء عليه تكون الرواية أجنبية عن


1) وسائل الشيعة 376:12 الباب 8 من أبواب أحكام العقود الحديث 4.

المقام و مرتبطة بمسألة من باع ثم ملك.

على ان مثل السيرة المذكورة لاستحكامها القوي لا تكفي في تحقّق الردع عنها رواية واحدة ذات لسان غير صريح.

هكذا ينبغي الجواب.

و لا يمكن ان يضاف إلى ذلك ضعف سند الرواية بخالد بن الحجاج حيث لم تثبت وثاقته.

و الوجه في ذلك: ان ضعف سند الرواية لا ينفي احتمال صدورها و من ثمّ‌ احتمال الردع بها عن السيرة المسقط‍‌ لها عن الاعتبار.

10 - و امّا ان الملك الحاصل بها لازم فللسيرة
• اذ كما هي منعقدة على حصول الملك بها كذلك هي منعقدة على كونه لازما - و آية الأمر بالوفاء بالعقود بالبيان المتقدّم.

و مع التنزّل و فرض الشك في كون الملك الحاصل بها لازما أو جائزا فلا بدّ من الحكم باللزوم لأصالة اللزوم التي يمكن الاستدلال لها بعدّة وجوه منها:

أ - التمسّك باستصحاب بقاء الملك و عدم زواله بفسخ أحد الطرفين بدون رضا صاحبه.

لا يقال: لا يجري الاستصحاب لأنّ‌ الملك الجائز يجزم بعدم بقائه، و اللاّزم يشك في أصل حدوثه.

فإنّه يقال: نحن نستصحب بقاء ذلك الملك الواحد الذي حدث بالمعاطاة حيث نشك في ارتفاعه و بقائه و يكون من قبيل استصحاب الكلي من القسم الثاني.

و الإشكال المذكور سيّال في جميع موارد الاستصحاب المذكور،

و جوابه ما ذكرناه.

أجل جريان الاستصحاب المذكور مبني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و عدم معارضة اصالة بقاء المجعول بأصالة عدم الجعل الزائد.

ب - التمسك بعموم الحديث النبوي: «الناس مسلطون على أموالهم»(1)بتقريب ان مقتضى السلطنة عدم زوال الملكية عن المالك بغير اختياره، و من المعلوم ان جواز الفسخ و التملّك بدون رضا المالك مناف لسلطنته فلا يكون جائزا.

و الوجه المذكور وجيه بناء على تمامية سند الحديث و لكنّه ضعيف لأنّه لم يرو إلاّ في عوالي اللآلي بشكل مرسل.

ج‍‌ - التمسّك بحديث النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه»(2)، فانّ‌ الفسخ و أخذ المال من مالكه السابق بدون رضاه ليس بحلال بمقتضى الحديث.

د - التمسّك بقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ (3)، فإنّ‌ الفسخ و أخذ المال من مالكه السابق بدون رضاه ليس تجارة عن تراض فيدخل تحت أكل المال بالباطل المنهي عنه.

ه‍‌ - التمسّك بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4)بالبيان1.


1) عوالي اللآلي 222:1، 457، و 138:2، و 208:3.

2) وسائل الشيعة 3:19 الباب 1 من أبواب القصاص في النفس الحديث 3.

3) النساء: 29.

4) المائدة: 1.

المتقدّم.

11 - و امّا انّه يعتبر في المعاطاة كلّ‌ ما يعتبر في العقد اللفظي من

شروط‍‌

فلأنّه بعد ما كانت مصداقا عرفا للعقد و البيع فيثبت لها كلّ‌ ما يثبت لهما تمسّكا بالإطلاق.

و منه يتّضح الوجه في ثبوت الخيارات فيها.

12 - و امّا جريانها في جميع المعاملات

فلأنّه بعد ما كانت مصداقا حقيقيّا لكلّ‌ فرد من أفراد المعاملات فيشملها إطلاق دليل إمضاء تلك المعاملة و أحكامها.

13 - و امّا وجه استثناء ما ذكر

فللدليل الخاصّ‌ الدال على اعتبار اللفظ‍‌ في كل واحد منها حسبما يأتي في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

2 - شروط‍‌ المتعاقدين

اشارة

يلزم في المتعاقدين: البلوغ إذا لم يكن دورهما دور الآلة، و القصد، و العقل و الاختيار، و مالكية التصرّف - بأن يكون العاقد مالكا أو وكيلا عنه أو وليّا عليه و ليس بممنوع التصرّف لسفه أو فلس - و إلاّ كان العقد فضوليّا تتوقّف صحّته على الاجازة.

و القول ببطلانه ضعيف حتى مع فرض منع المالك مسبقا أو فرض بيع الفضولي لنفسه.

و في كون الاجازة كاشفة أو ناقلة خلاف.

و تظهر الثمرة في موارد.

و المستند في ذلك:

1 - امّا اعتبار البلوغ
اشارة

فهو المشهور بل ادعي عليه الاجماع، و قد يستدلّ‌ له بما يلي:

أ - التمسّك بقوله تعالى: وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‌ حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ‌ فَإِنْ‌ آنَسْتُمْ‌ مِنْهُمْ‌ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ‌ أَمْوالَهُمْ‌

(1)، فإنّ‌ ظاهره إناطة جواز تصرّف الصبي ببلوغ النكاح الذي هو كناية عن تجاوز فترة الصبا. و هو و ان كان خاصّا باليتيم و بالتصرّف في أموال نفسه دون التصرّف في أموال غيره إلاّ أنّه يمكن التعميم بضم عدم القول بالفصل بل و الأولويّة بلحاظ‍‌ التصرّف في أموال الغير.

و فيه: ان الآية الكريمة ناظرة إلى دفع الأموال إلى الصبي و انّه لا يجوز قبل البلوغ و لا تدلّ‌ على بطلان معاملاته فيما إذا كان الدافع بعد تمامية المعاملة هو الولي.

ب - التمسّك برواية حمران

عن أبي جعفر عليه السّلام: «... ان الجارية إذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين... جاز أمرها في الشراء و البيع...

و الغلام لا يجوز أمره في الشراء و البيع و لا يخرج من اليتم حتّى يبلغ خمس عشرة سنة...»(2).

و فيه: ان دلالتها و ان كانت واضحة إلاّ انّها ضعيفة السند على ما تقدّم في البحث عن شرائط‍‌ التكليف.

ج‍‌ - التمسّك بحديث رفع القلم

الذي رواه ابن ظبيان: «... أما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى


1) النساء: 6.

2) وسائل الشيعة 30:1 الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 2.

يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ‍‌»(1)بدعوى ان المرفوع ليس خصوص المؤاخذة بل مطلق القلم بما في ذلك قلم الاحكام الوضعية.

و فيه: انّه ضعيف سندا - لاشتماله على عدّة مجاهيل - و دلالة باعتبار ان وروده مورد الامتنان قرينة على اختصاصه بما يكون في رفعه منة و لا يشمل مثل المقام الذي لا يكون في الرفع منة.

د - التمسّك بصحيحة محمّد بن مسلم

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عمد الصبي و خطؤه واحد»(2)، فإنّ‌ مقتضاه عدم ترتّب الأثر على العقد الصادر من الصبي لأنّه كالصادر منه خطأ.

و فيه: ان الحديث ناظر إلى خصوص باب الجناية و لا يمكن تعميمه لغيره لأنّه لمّا نزّل العمد منزلة الخطأ يلزم ان نفترض وجود أثرين: أثر موضوعه العمد و أثر موضوعه الخطأ كي يكون مقتضى التنزيل ترتيب أثر الخطأ حالة العمد، و من المعلوم ان وجود أثرين من هذا القبيل يختص بباب الجناية، فالجناية العمدية لها أثر خاص و الجناية الخطئية لها أثر خاص، و لا يتصوّر ذلك في غير باب الجناية، فمثلا لو أكل الصبي متعمّدا في صومه فلا يمكن تنزيل ذلك منه منزلة الأكل خطأ فإن الأكل خطأ ليس له أثر خاص إذ الكفّارة و ان كانت منتفية في الأكل الخطئي و لكن ليس ذلك لكون الخطأ بعنوانه موضوعا لذلك بل لأنّ‌ موضوع وجوب الكفارة هو العمد فعند انتفائه تنتفي الكفارة لانتفاء موضوعها.

أجل لو كان الحديث يقول: عمد الصبي كعدمه أمكن تعميمه لغير


1) وسائل الشيعة 32:1 الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 10.

2) وسائل الشيعة 307:19 الباب 11 من أبواب العاقلة الحديث 2.

باب الجناية و لكن المفروض تنزيله العمد منزلة الخطأ.

ه‍‌ - التمسّك بالإجماع المدعى في المسألة

. قال الشيخ الأعظم:

«... فالعمدة في سلب عبارة الصبي هو الاجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة و إلاّ فالمسألة محل إشكال»(1).

و فيه: ان الاتفاق لو تمّ‌ يحتمل استناده إلى المدارك السابقة فلا يجزم بكاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام.

و - و أحسن ما يمكن التمسّك به صحيحة أبي الحسين الخادم

بيّاع اللؤلؤ

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله أبي - و أنا حاضر - عن اليتيم متى يجوز أمره‌؟... قال: إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره إلاّ ان يكون سفيها أو ضعيفا»(2).

و السند صحيح فإنّ‌ أبا الحسين الخادم هو آدم بن المتوكّل الذي وثّقه النجاشي(3).

2 - و امّا استثناء حالة الآلية

فلأنّ‌ البالغين إذا تمّ‌ الاتفاق بينهما و كان الصبي مجرّد وكيل في اجراء العقد لم يصدق ان الأمر أمره ليحكم عليه بعدم النفوذ بل أمر البالغين، و لا أقل هو منصرف عن ذلك.

و معه يبقى إطلاق أدلّة الامضاء بلا مانع من شموله.

3 - و امّا اعتبار القصد

فلتقوّم عنوان العقد و البيع و التجارة عن تراض بذلك.

4 - و امّا اعتبار العقل

فواضح إذا فرض فقدان القصد، و امّا على


1) كتاب المكاسب 338:1، انتشارات إسماعيليان.

2) وسائل الشيعة 143:13 الباب 2 من كتاب الحجر الحديث 5.

3) رجال النجاشي: 76، منشورات مكتبة الداوري.

تقدير وجوده فالحكم ببطلان عقده مشكل.

و دعوى صاحب الجواهر: «عدم اعتبار قصده و كون لفظه كلفظ‍‌ النائم بل أصوات البهائم»(1)مدفوعة بأن القياس على النائم و البهائم في غير محلّه بعد فقدان القصد فيهما.

و التمسّك بحديث رفع القلم قد تقدّم ما فيه.

و لا يبقى إلاّ الاجماع، و هو لاحتمال مدركيته لا يصلح مستندا إلاّ للحكم على مستوى الاحتياط‍‌.

5 - و امّا اعتبار الاختيار و عدم صحّة بيع المكره فلوجوه:
أ - ان المكره فاقد لطيب النفس

، و قد قال النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله في صحيحة زيد الشحّام: «... لا يحلّ‌ دم امرئ مسلم و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه»(2).

ب - ان التجارة مع فقدان الاختيار ليست عن تراض

، و لا يجوز الأكل إلاّ مع التجارة عن تراض كما قال تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ (3).

ج‍‌ - التمسّك بحديث رفع التسعة

الذي رواه حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: وضع عن أمّتي تسعة أشياء: السهو و النسيان و ما اكرهوا عليه...»(4)، فإنّ‌ مقتضى اطلاق الحديث الشمول لمثل المقام و عدم اختصاصه برفع المؤاخذة أو الاحكام التكليفية.

و يكفي لإثبات التعميم استشهاد الإمام عليه السّلام به لرفع الحكم


1) جواهر الكلام 265:22.

2) وسائل الشيعة 3:19 الباب 1 من أبواب القصاص في النفس الحديث 3.

3) النساء: 29.

4) وسائل الشيعة 345:5 الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

الوضعي، كما في صحيحة صفوان و البزنطي جميعا عن أبي الحسن عليه السّلام(1).

6 - و امّا عقد الفضولي

فالمشهور صحّته بالاجازة، و ذهب جمع منهم صاحب الحدائق إلى بطلانه مع الاجازة أيضا(2).

و استدل المشهور بعدّة وجوه نذكر منها:

أ - ان الصحّة يمكن تخريجها على طبق القاعدة بلا حاجة إلى دليل خاص، فان العقد بعد اجازته ينتسب إلى المالك و يصدق انّه عقده فيشمله آنذاك اطلاق خطاب أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (3)و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4)و تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ (5)بعد فرض عدم تقيده بما إذا كان الاستناد إلى المالك ثابتا حدوثا و بعد وضوح قابلية الأمر الاعتباري - كالعقد - على خلاف الأمر التكويني للاستناد إلى غير موجده بالاذن أو بالاجازة.

و هذا الوجه هو ما أشار إليه الشيخ الأعظم بقوله: «لعموم أدلّة البيع و العقود»(6).

ب - التمسّك برواية عروة البارقي قال: «قدم جلب فأعطاني النبي صلّى اللّه عليه و آله دينارا فقال: اشتر بها شاة، فاشتريت شاتين بدينار، فلحقني رجل فبعت احداهما منه بدينار، ثم أتيت النبي صلّى اللّه عليه و آله بشاة و دينار فردّه عليّ‌، و قال: بارك اللّه لك في صفقة يمينك. و لقد كنت أقوم بالكناسة أو


1) وسائل الشيعة 164:16 الباب 12 من كتاب الايمان الحديث 12.

2) الحدائق الناضرة 378:18.

3) البقرة: 275.

4) المائدة: 1.

5) النساء: 29.

6) كتاب المكاسب 367:1، انتشارات إسماعيليان.

قال بالكوفة فأربح في اليوم أربعين ألفا»(1)، بتقريب ان شراءه الشاتين بدينار و إن أمكن توجيهه بما يخرج به عن الفضولية إلاّ ان بيعه لإحدى الشاتين فضولي جزما، و النبي صلّى اللّه عليه و آله قد أمضى بيعه المذكور بقوله:

«بارك...».

و السند و ان كان ضعيفا، إلاّ انّه قد يقال - كما في الجواهر -:

«أغنت شهرته عند الفريقين عن النظر في سنده»(2).

و ناقش الشيخ الأعظم الدلالة باحتمال ان بيع عروة و قبضه و اقباضه كان مقرونا بعلمه برضا النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك، و المعاملة تخرج عن الفضولية باقترانها بذلك و ان كان ظاهر المشهور يدل على العدم و اعتبار الاذن أو الاجازة في تحقّق الانتساب و انتفاء الفضولية(3).

ج‍‌ - التمسّك بصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاما، ثم قدم سيّدها الأوّل فخاصم سيّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير اذني، فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه - يعني الذي باعه الوليدة - حتى ينفذ لك ما باعك فلما أخذ البيّع(4)الابن قال أبوه: ارسل ابني، فقال:

لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجازي.


1) مستدرك الوسائل 245:13، و مسند أحمد بن حنبل 376:4.

2) جواهر الكلام 277:22.

3) كتاب المكاسب 366:1-368، انتشارات إسماعيليان.

4) اي المشتري، فان لفظ‍‌ البيّع يطلق على البائع و المشتري.

بيع ابنه»(1).

و نوقشت دلالتها بعدم عمل الأصحاب بها في موردها - و هو الاجازة بعد الردّ التي هي غير مجدية اجماعا - فكيف يمكن العمل بها في غيره.

و الوجه في تحقّق الردّ قبل الاجازة امور ثلاثة: أخذ الوليدة و ابنها، و رفع الخصومة إلى الإمام عليه السّلام الذي لا معنى له لو لا الرد، و مناشدة المشتري الامام عليه السّلام علاج المشكلة، و لو لا الردّ لما كان لها وجه.

د - التمسّك بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن مملوك تزوّج بغير اذن سيّده، فقال: ذاك إلى سيّده، ان شاء أجازه و ان شاء فرّق بينهما، قلت: أصلحك اللّه، ان الحكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: ان أصل النكاح فاسد، و لا تحلّ‌ اجازة السيّد له، فقال أبو جعفر عليه السّلام: انّه لم يعص اللّه و انّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز»(2)، بتقريب ان التعليل يدلّ‌ على ان اجازة من بيده الأمر كافية في تصحيح عقد الفضولي.

و الاشكال على ذلك واضح، إذ المفروض في مورد الرواية صدور العقد ممّن ينبغي صدوره منه - و هو العبد الزوج - غايته هو فاقد لرضا من يعتبر رضاه - و هو المولى - فإذا رضي ينبغي وقوع العقد صحيحا، و هذا بخلافه في سائر الموارد فإنّ‌ العقد لا يفرض فيها صدوره ممّن ينبغي صدوره منه.1.


1) وسائل الشيعة 591:14 الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الاماء الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 523:14 الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 1.

و هناك روايات اخرى استدلّ‌ بها على المطلوب، إلاّ ان الكلّ‌ أو الأغلب قابل للمناقشة، و يكفينا اقتضاء القاعدة لإثبات المطلوب.

7 - و امّا القول بالبطلان

فاستدلّ‌ له بعدّة وجوه، نذكر منها:

أ - التمسّك بقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ مِنْكُمْ‌ (1)، فإنّه يدلّ‌ بمقتضى مفهوم الحصر أو مفهوم الوصف على ان غير التجارة عن تراض أو التجارة لا عن تراض ليس بسبب مبيح لأكل مال الغير، و معلوم ان التجارة في الفضولي ليست تجارة عن تراض.

و فيه: ان التجارة انّما تنتسب إلى المالك متى ما أجاز، و آنذاك يصدق انها تجارة عن تراض.

ب - التمسّك بما ورد في صحيحة سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من ان النبي صلّى اللّه عليه و آله: «... نهى عن بيع ما ليس عندك»(2).

و نظيره ما ورد في روايات العامّة من نهيه صلّى اللّه عليه و آله حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده(3)، فإنّ‌ المقصود من ذلك الكناية و انه لا تبع ما لا تملكه أو لا تبع ما لا تقدر على تسليمه لعدم كونك مالكا له، و حيث ان النهي في أمثال المقام ظاهر في الارشاد فيكون دالاّ على فساد بيع الفضولي.

و فيه: ان البيع انّما ينتسب إلى المالك حينما يجيزه، و آنذاك يصدق ان بيعه بيع لما عنده و ليس لما ليس عنده.


1) النساء: 29.

2) وسائل الشيعة 374:12 الباب 7 من أبواب أحكام العقود الحديث 2.

3) سنن الترمذي 534:3.

8 - و اما تعميم الحكم بالصحة لحالة منع المالك مسبقا

فلأنّ‌ ما يتصوّر كونه مانعا هو ان العقد إذا وقع منهيّا عنه فذلك النهي حيث انه مستمر إلى ما بعد العقد آنا ما فيلزم على تقدير اجازة المالك سبقها بالرد، و الاجازة المسبوقة بالرد لا تنفع في تصحيح العقد على ما هو المعروف بين الأصحاب.

و فيه: ان كبرى عدم اجداء الاجازة المسبوقة بالردّ لو كانت مسلّمة و تمّ‌ الاجماع المدعى عليها فصغراها غير محقّقة في المقام لأن الثابت بعد العقد مع النهي المسبق هو الكراهة الباطنية من قبل المالك، و المانع من اجداء الاجازة هو إنشاء الرد قبلا دون مجرّد الكراهة الباطنية.

9 - و اما التعميم لحالة بيع الفضولي لنفسه
• كما هو الحال في الغاصب عادة - فلاقتضاء القاعدة لذلك بالبيان المتقدّم، و القصد المذكور لا يصلح مانعا إلاّ على بيانات ضعيفة نذكر منها:

أ - عدم تحقّق قصد البيع و المعاوضة الحقيقية، فانه ليس منها - المعاوضة الحقيقية - قصد دخول الثمن في كيس من لم يخرج منه المثمن، كما هو الحال في الفضولي الذي يقصد البيع لنفسه، و معه فلا تنفع الاجازة.

و اجيب بانّ‌ الفضولي يقصد ادخال الثمن في كيس مالك المثمن، غايته يعتبر نفسه هو الملك للمثمن و ينزّل نفسه منزلته، و معه فقصد المعاوضة الحقيقية متحقّق بعد تنزيل الفضولي نفسه منزلة المالك و قصده ادخال الثمن في كيس مالك المثمن بعد التنزيل المذكور.

ب - ان الفضولي إذا قصد البيع لنفسه فالاجازة ان تعلّقت بذلك

فيلزم وقوع المعاملة للفضولي و دخول الثمن في ملكه، و ان تعلّقت بالبيع للمالك فهو لم ينشأ.

و ان شئت قلت: يلزم ان ما انشأ لم يجز، و ما اجيز لم ينشأ.

و اجيب بانّ‌ جملة «بعت» الصادرة من الفضولي تدلّ‌ على تمليك المبيع للمشتري بازاء الثمن، و امّا ان الثمن يدخل في كيس من فهو مسكوت عنه، غايته مقتضى المعاوضة الحقيقية دخوله في كيس مالك المثمن، و حيث ان الفضولي ينزّل نفسه منزلة المالك للمثمن فيكون قاصدا ادخال الثمن في ملكه بعد التنزيل المذكور.

و باتضاح هذا يقال: ان الاجازة الصادرة من المالك تتعلّق بما تدلّ‌ عليه كلمة «بعت» و ما تقتضيه المعاوضة الحقيقية و لا تتعلّق بما قصده الفضولي بعد تنزيل نفسه منزلة المالك للمثمن.

10 - و امّا ان الاجازة كاشفة أو ناقلة

فمحل خلاف.

و وجه النقل واضح، فانّ‌ السبب الناقل ليس مجرّد العقد بل العقد عن رضا، و حيث ان الرضا يتحقّق بالاجازة فيلزم تحقّق النقل عند تحقّقها.

و وجه الكشف امور متعدّدة، نذكر منها:

أ - ما ذكره الشهيد و المحقّق الثانيان: «من ان العقد سبب تام في حصول الملك لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، و تمامه في الفضولي انّما يعلم بالاجازة، فإذا أجاز تبيّن كونه تامّا فوجب ترتّب الملك عليه و إلاّ لزم ان لا يكون الوفاء بالعقد خاصة بل به مع شيء آخر، و لا دليل

يدل عليه»(1).

و فيه: كيف يكون العقد تمام السبب‌؟! و على تقديره لا تبقى حاجة إلى الاجازة.

اللهم إلاّ ان يكون المقصود ان السبب هو العقد المتعقّب بالاجازة، فمع حصولها يعلم بتحقّق العقد المتعقّب من حين صدوره.

و هو جيّد ثبوتا إلاّ انّه لا دليل اثباتا على مدخلية وصف التعقّب، بل ظاهر قوله تعالى: إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ مِنْكُمْ‌ مدخلية وصف التراضي نفسه لا التعقّب به.

ب - ما جاء عن فخر الدين من انها «لو لم تكن كاشفة لزم تأثير المعدوم في الموجود لأن العقد حالها عدم»(2).

و فيه: ان قياس الامور الاعتبارية على الامور التكوينية قياس مع الفارق، فمن الوجيه اعتبار العقد مؤثّرا من حين تحقّق الاجازة و ان كان معدوما آنذاك.

و المناسب ان يقال: ان المالك حيث يجيز العقد من حين صدوره و ليس من حين الاجازة فيلزم ان تثبت الملكية بعد الاجازة من حين العقد، فاعتبارها من حين الاجازة إلاّ ان المعتبر - الملكية - سابق و من حين العقد.

و هذا نحو من الكشف قد يصطلح عليه بالكشف الانقلابي، بمعنى انه قبل الاجازة لا ملكية من حين صدور العقد غير انه بالاجازة ينقلب الواقع إلى حدوث الملكية من حين صدور العقد.ن.


1) جامع المقاصد 74:4، و قريب من ذلك عبارة الروضة البهية 314:1.

2) كتاب المكاسب 388:1، انتشارات إسماعيليان.

و لا يصل الامر بعد امكان الكشف بالنحو المذكور إلى ما تبناه الشيخ الأعظم من الكشف الحكمي، و هو انه بالاجازة لا تحدث الملكية من حين العقد بل تترتب جميع أحكامها من حين العقد(1).

ان ما ذكره لا وجه له بعد ان كان المجيز يجيز العقد من حين صدوره، إذ لازم الاجازة بالشكل المذكور تحقّق الملكية بعد الاجازة من حين صدور العقد.

على ان اعتبار ترتّب جميع آثار الملكية من حين العقد دون الملكية نفسها لعلّه لا يخلو من تهافت.

و بهذا يتّضح ان المحتملات في الكشف ثلاثة: الكشف الحقيقي، و الكشف الانقلابي، و الكشف الحكمي.

و المقصود من الأوّل: ان اعتبار الملكية من حين العقد ثابت قبل تحقّق الاجازة ما دامت الاجازة تحصل بعد ذلك في علم اللّه سبحانه.

و المقصود من الثاني: ان اعتبار الملكية من حين العقد يثبت بعد تحقّق الاجازة لا قبلها.

و المقصود من الثالث: انه بالاجازة تترتّب آثار الملكية من حين العقد دون نفسها.

و بضم هذه المحتملات إلى النقل يصير المجموع أربعة(2)

أ - الكشف الحقيقي الذي تفرض فيه كاشفية الاجازة عن تحقّق الملكية من حين العقد من دون افتراض انها لم تكن قبل الاجازة.

ب - و في مقابل الكشف الحكمي الذي يفترض فيه اعتبار المالك من حين الاجازة الملكية من حين العقد بعد ما لم تكن من دون فرض كاشفية الاجازة.

. -

1) كتاب المكاسب 391:1، انتشارات إسماعيليان.

2) و لربما يصطلح على الكشف الانقلابي بالمعنى الذي ذكرناه بالكشف الحكمي، و يفسّر الكشف الانقلابي بكاشفية الاجازة عن تحقّق الملكية من حين العقد بعد ما لم تكن، فهي لم تكن قبل الاجازة و يتبدّل الواقع إلى الملكية بسبب الاجازة في مقابل:

11 - و اما الثمرة

فتظهر في موارد متعدّدة.

و على سبيل المثال تظهر الثمرة بين الكشف و النقل في النماء المتخلّل بين العقد و الاجازة، فنماء المبيع للبائع و نماء الثمن للمشتري على النقل، في حين ان الأمر بالعكس على الكشف.

و تظهر بين أفراد الكشف في من اشترى جارية بالفضولية و أولدها و أجاز المالك بعد ذلك، فانّه على الكشف الحقيقي يكون الوط‍‌ء حلالا و تصير بذلك أم ولد، بينما على الكشف الانقلابي و الحكمي يكون الوط‍‌ء زنا و لا تصير أم ولد، لأنّ‌ الوط‍‌ء ليس وطأ في الملك حدوثا بل هو كذلك - على الكشف الانقلابي - بقاء، فإذا استظهر من أدلّة أمّ‌ الولد اعتبار كون الوط‍‌ء في الملك حدوثا لم تصر بذلك أم ولد.

و تظهر الثمرة بين الكشف الانقلابي و الحكمي فيما إذا بنينا في المثال السابق على كفاية تحقّق الوط‍‌ء في الملك بقاء، فانّه على الكشف الانقلابي تصير الأمة أم ولد بخلافه على الكشف الحكمي، فانّ‌ الوط‍‌ء في الملك غير متحقّق حتى بقاء.

3 - شرائط‍‌ العوضين

اشارة

يلزم في العوضين ملكيتهما، و القدرة على تسليمهما إلاّ مع الضم لما يمكن تسليمه، و ضبطهما بالكيل أو الوزن أو العدّ أو المساحة - و تكفي

المشاهدة فيما ينضبط‍‌ بها -، و معرفة جنسهما و صفاتهما التي تختلف باختلافها القيمة.

و يلزم في المبيع ان يكون عينا.

و قيل باشتراط‍‌ مالية العوضين.

و مع تخلّف الشروط‍‌ المذكورة يقع البيع باطلا، بيد انه لا يحرم التصرّف مع رضا الطرفين به حتى على تقدير البطلان، كما هو المتداول بين عوام الناس.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الملكية و عدم جواز بيع مثل السمك و الطير قبل

أخذهما من الماء و الهواء

فقد استدل له ببعض الروايات من قبيل ما كتبه الامام العسكري عليه السّلام إلى الصفار: «لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك»(1).

و المناسب ان يستدل على ذلك بانّ‌ البيع تمليك بعوض فإذا لم يكن الشخص مالكا فكيف يملّك غيره. و هذا من دون فرق بين البائع و المشتري.

و امّا الرواية المذكورة و ما شاكلها فهي ضعيفة الدلالة لأنّها ناظرة في جملة «لا يجوز بيع ما ليس يملك» إلى ان من باع ما هو مملوك لغيره فلا يمضي بيعه، و هذا من الواضح أجنبي عن المطلوب اثباته، و قد تقدم الحديث عنه في شرائط‍‌ المتعاقدين.

2 - و اما القدرة على التسليم

فلم يعرف خلاف في اعتبارها.


1) وسائل الشيعة 252:12 الباب 2 من أبواب عقد البيع الحديث 1.

و استدلّ‌ على ذلك بعدّة وجوه نذكر منها:

أ - التمسّك بالنبوي المعروف: «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر»(1)بعد تفسير الغرر بالمخاطرة المتحقّقة بشراء ما لا يقدر على تسليمه.

و فيه: انّه ضعيف سندا - للإرسال - و دلالة لإمكان اندفاع الغرر باشتراط‍‌ الخيار على تقدير عدم تحقّق التسليم خلال مدّة مضبوطة.

و أيضا يمكن تصوّر اندفاع الغرر فيما إذا أمكنت الاستفادة من المبيع بالرغم من عدم القدرة على تسلمه، كما في العبد الآبق حيث يمكن عتقه في كفارة و الدار المغصوبة حيث يمكن وقفها على من هي بيدهم و ذريتهم ما تناسلوا.

ب - ما تمسّك به الشيخ النائيني من زوال المالية عمّا لا يقدر على تسليمه(2).

و فيه: انه لو سلم باعتبار شرطية المالية في العوضين - و سيأتي التأمّل في ذلك - لا نسلم بزوال المالية بعدم القدرة فانّه مخالف للوجدان.

ج‍‌ - ان الاقدام على المعاملة التي لا قدرة فيها على التسليم سفهي.

و فيه: ان السفاهة منتفية في حالة امكان الانتفاع كما في المثالين السابقين.

و مع غضّ‌ النظر عن ذلك يمكن أن يقال: لا دليل على بطلان المعاملة السفهية بل مقتضى اطلاق مثل «أحل اللّه البيع» امضاؤها و عدم اشتراط‍‌ ان لا تكون كذلك. أجل تصرّف السفيه في أمواله باطل لا1.


1) وسائل الشيعة 330:12 الباب 40 من أبواب آداب التجارة الحديث 3.

2) منية الطالب 378:1.

ان المعاملة السفهية باطلة.

د - ان أكل المال بازاء ما لا يقدر على تسليمه أكل له بالباطل، و هو منهي عنه بمقتضى قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ (1).

و فيه: ان من المحتمل أن يكون المقصود: لا تأكلوا أموالكم بالأسباب الباطلة و ليس لا تأكلوها بلا مقابل. و يكفي الاحتمال في المقام حيث تعود المطلقات بلا مانع يمنع من التمسّك باطلاقها.

ه‍‌ - التمسّك بالنبوي المتقدّم في الفضولي: «لا تبع ما ليس عندك».

و فيه: انه لو تمّ‌ سنده فمن المحتمل ان يكون المقصود الكناية عن عدم الملكية و ليس عن عدم القدرة على التسليم، و يكفي الاحتمال لما تقدّم.

و - و أحسن ما يمكن التمسّك به الروايات الناهية عن بيع الآبق بلا ضميمة، كما في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يشتري العبد و هو آبق عن أهله، قال: لا يصلح إلاّ ان يشتري معه شيئا آخر و يقول: اشتري منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقّده فيما اشتري منه»(2).

و إذا لم يحتمل اختصاص مثل الرواية المذكورة بموردها أمكنت الفتوى باعتبار الشرط‍‌ المذكور و إلاّ فلا بدّ من التنزل إلى الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور و الاجماع المدعى على الشرطية.

3 - و اما وجه الاستثناء

فواضح من خلال الموثقة المتقدّمة بعد فهم العرف عدم الخصوصية لموردها.


1) النساء: 29.

2) وسائل الشيعة 263:12 الباب 11 من أبواب عقد البيع و شروط‍‌ الحديث 2.

4 - و اما اعتبار ضبط‍‌ العوضين

فلا خلاف فيه بين الأصحاب، و تدلّ‌ عليه روايات كثيرة من قبيل:

أ - صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الجوز لا نستطيع ان نعدّه فيكال بمكيال ثمّ‌ يعدّ ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، قال: لا بأس به»(1)، فانّها تدلّ‌ على ارتكاز عدم جواز بيع المعدود بلا عدّ، و الامام عليه السّلام قد أمضى الارتكاز المذكور. و موردها و ان كان هو المعدود إلاّ ان الخصوصية له غير محتملة فيتعدّى إلى غيره.

ب - صحيحة محمد بن حمران: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اشترينا طعاما فزعم صاحبه انّه كاله فصدّقناه و أخذناه بكيله، فقال: لا بأس، فقلت: أ يجوز ان أبيعه كما اشتريته بغير كيل‌؟ قال: لا، اما انت فلا تبعه حتى تكيله»(2).

و اما حديث نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر(3)فهو ضعيف سندا - للإرسال - و دلالة باعتبار ان الجهل بالمقدار لا يلازم الغرر بمعنى الخطر، فمن باع شيئا مردّدا بين كونه مثقال ذهب أو نصف مثقال بدرهم صدق عليه الجهل بمقدار المبيع من دون صدق الغرر بمعنى المخاطرة.

هذا كلّه بالنسبة إلى المبيع.

و اما اعتبار ضبط‍‌ الثمن فيمكن ان يستفاد من الروايات السابقة


1) وسائل الشيعة 259:12 الباب 7 من أبواب عقد البيع و شروطه الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 256:12 الباب 5 من أبواب عقد البيع و شروطه الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 330:12 الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.

بعد تنقيح المناط‍‌ و الغاء العرف خصوصية المورد حيث يفهم ان المعلومية معتبرة في العوضين بلا خصوصية للمبيع.

5 - و اما كفاية المشاهدة فيما ينضبط‍‌ بها

فلأنّ‌ المستفاد من النصوص السابقة اعتبار معلومية العوضين فإذا تحقّقت بالمشاهدة كفت، و لا دليل على اعتبار ما هو أكثر منها.

6 - و اما اعتبار ضبط‍‌ الجنس و الصفات

فلأنّ‌ مورد النصوص السابقة و ان كان هو المقدار إلاّ ان المفهوم منها اعتبار المعلومية الرافعة للجهالة، و ذلك لا يتحقّق بضبط‍‌ المقدار دون الجنس و الصفات.

7 - و اما اعتبار ان يكون المبيع عينا و عدم صحّة كونه منفعة أو

عملا

فلأنّ‌ ذلك ان لم يكن هو المتبادر من لفظ‍‌ البيع على خلاف الاجارة - التي يتبادر منها التعلّق بالمنفعة أو العمل - فلا أقلّ‌ من الشك في اعتبار ذلك، و معه لا يصحّ‌ التمسّك بالعمومات لأنّه تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، و هو لا يجوز لأنّ‌ الحكم لا يتكفّل باثبات موضوعه.

أجل يصح أن لا يكون الثمن عينا لعدم احتمال اعتبار ذلك في المفهوم العرفي للبيع.

8 - و اما القول باشتراط‍‌ المالية

فقد يستدلّ‌ له بما في المصباح من كون البيع مبادلة مال بمال(1).

و فيه: ان الاطلاقات العرفية أعم من ذلك، فالورقة الصغيرة ليست مالا و لكن باعتبار اشتمالها على دعاء خاص لي كامل الاعتقاد به أقدم على شرائها و يصدق البيع و الشراء على ذلك من دون تشكيك.


1) المصباح المنير 77:1.

و مع تحقّق الصدق في زماننا فباستصحاب القهقرى - أو اصالة عدم النقل - يثبت الوضع للمعنى الوسيع عصر صدور النصوص.

و إذا قيل: مع عدم المالية تقع المعاملة باطلة لكونها سفهية.

قلنا: سفهية المعاملة أوّل الكلام لفرض وجود غرض عقلائي خاص بالمشتري.

و لو تنزّلنا فبالامكان أن نقول: لم يقم دليل على اشتراط‍‌ صحّة المعاملة بعدم كونها سفهية بالبيان المتقدّم.

و من خلال هذا يتّضح امكان تصحيح بيع الدم و العذرة و الحشرات و ما شاكل ذلك على تقدير التسليم بعدم ماليّتها.

9 - و اما وجه ما ذكر أخيرا

فباعتبار ان جواز التصرّف منوط‍‌ بالرضا و طيب النفس كما دلّ‌ عليه حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحلّ‌ دم امرئ مسلم و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه»(1).

4 - الخيارات

اشارة

الخيار الثابت في المعاملات على أقسام:

1 - خيار المجلس
اشارة

1 - و هو ثابت لخصوص المتبايعين في مجلس البيع و يستمر ما دام لم يتم التفرّق بينهما.


1) وسائل الشيعة 3:19 الباب 1 من أبواب القصاص في النفس الحديث 3.

و لا يثبت للوكيل في مجرّد اجراء الصيغة.

و المستند في ذلك:

1 - اما اصل ثبوت خيار المجلس في الجملة

فممّا لا إشكال فيه، و قد دلّت عليه الروايات المستفيضة، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: البيّعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام»(1).

و في مقابل ذلك موثق غياث بن ابراهيم: «قال علي عليه السّلام: إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا»(2).

و هو ان أمكن توجيهه بحمل التصفيق المذكور فيه على ما قصد به اسقاط‍‌ الخيار فلا اشكال و إلاّ يلزم طرحه لمخالفته لإجماع الأصحاب و الضرورة الثابتة بينهم، بل ان كثرة الروايات الدالة على ثبوته يمكن ان تشكّل عنوان السنّة القطعية، و المخالف لها يلزم طرحه، لأن المخالف للكتاب انّما لزم طرحه لا لمخالفة الكتاب بعنوانها بل لأن الكتاب الكريم يمثّل دليلا قطعيّا فيلزم طرح كل ما يخالف الدليل القطعي.

2 - و اما اختصاصه بالمتبايعين و عدم شموله لمطلق المتعاقدين

فللقصور في المقتضي.

3 - و اما التعبير ب‍‌ «مجلس البيع»

فهو من باب ذكر الفرد الغالب و إلاّ فلو جرى العقد حالة المشي ثبت الخيار أيضا لعدم تعبير النص بالمجلس.


1) وسائل الشيعة 345:12 الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 347:12 الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 7.

4 - و اما ان الغاية افتراقهما دون الافتراق عن المجلس

فلتعبير الصحيحة ب‍‌ «حتى يفترقا» الظاهر في الافتراق بينهما دون افتراقهما عن المجلس.

5 - و اما عدم ثبوته للوكيل في اجراء الصيغة فقط‍‌

فلانصراف عنوان «البيّع» عنه، بل لا يحتمل ثبوته له بعد ما كان الغرض من الخيار هو التروي و الارفاق اللذين لا معنى لهما في حقّه.

و قد يضاف إلى ذلك: ان الوكيل المذكور وكيل في اجراء الصيغة فقط‍‌ و ليس في الفسخ عن المالك، لكنّه قابل للتأمّل، فان عدم ثبوت حق الفسخ له من المالك لا ينافي ثبوته له بما هو عاقد من قبل الشرع تعبّدا.

و من خلال ما ذكرناه يتّضح الحال في الوكيل في تمام شئون المعاملة و ان المناسب ثبوت الخيار له لعدم انصراف عنوان «البيّع» عنه.

2 - خيار الحيوان
اشارة

2 - و هو ثابت لمشتري الحيوان ثلاثة أيّام، و قيل: بثبوته لبايعه أيضا.

و إذا كان الثمن حيوانا ثبت لبايعه أيضا.

و مبدأ الثلاثة من حين العقد دون التفرّق.

و يكفي التلفيق لو كان العقد أثناء النهار.

و تدخل الليلتان المتوسّطتان في مدّة الخيار، و هكذا الليلة الثالثة عند التلفيق.

و المستند في ذلك:

1 - امّا ان خيار الحيوان ثلاثة أيّام

فلا خلاف فيه في الجملة،

و الروايات به مستفيضة، ففي صحيحة ابن مسلم المتقدّمة: «و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام».

2 - و اما ان الخيار للمشتري بالرغم من عدم دلالة الصحيحة

السابقة عليه

فللتصريح بذلك في جملة من الروايات الاخرى، كصحيحة علي بن رئاب: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى جارية لمن الخيار، للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما(1)؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة»(2).

و في موثقة ابن فضال: «سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام يقول: صاحب الحيوان المشترى بالخيار بثلاثة أيّام»(3).

3 - و اما القول بثبوته للبائع أيضا

فيمكن الاستدلال له بصحيحة اخرى لمحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا»(4).

و فيه: ان بالإمكان الجمع بحمل الصحيحة المذكورة على حالة كون كلا العوضين حيوانا لصراحة صحيحة ابن رئاب في اختصاص الخيار بالمشتري.

و مع التنزّل يستقرّ التعارض بين الصحيحتين و يتعيّن الحكم بالاختصاص بالمشتري أيضا، امّا لترجيح صحيحة ابن رئاب باعتبار موافقتها للكتاب الكريم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الدال على لزوم كل عقد من


1) المناسب: كليهما.

2) وسائل الشيعة 350:12 الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 9.

3) وسائل الشيعة 349:12 الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 349:12 الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 3.

طرف البائع ما عدا فترة خيار المجلس الخارجة بالتخصيص، أو لأنه بعد استقرار التعارض يتساقطان و يلزم الرجوع للقاعدة، و هي تقتضي اللزوم من طرف البائع، فإن قوله عليه السّلام في روايات خيار المجلس:

«البيّعان بالخيار حتى يفترقا»(1)يدل بإطلاقه على اللزوم بعد الافتراق في الحيوان و غيره و من طرف البائع و المشتري، و يقتصر في الخروج عنه على القدر المتيقّن، و هو ثبوت خيار الحيوان لمشتري الحيوان.

4 - و امّا ثبوته للبائع إذا كان الثمن حيوانا

فللتمسّك بإطلاق عنوان «صاحب الحيوان» الوارد في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة، فإنه كما يشمل المشتري حالة كون المثمن حيوانا كذلك يشمل البائع حالة كون الثمن حيوانا.

و لا موجب لرفع اليد عن الاطلاق المذكور سوى أحد امور ثلاثة:

اما انصراف عنوان «صاحب الحيوان» لخصوص المشتري لكون ذلك الحالة الغالبة، أو التصريح في صحيحة ابن رئاب بثبوت الخيار للمشتري فقط‍‌، أو تقييد صاحب الحيوان في موثقة ابن فضال بالمشتري.

و الكل كما ترى.

اما الأوّل فلعدم كون الغلبة الوجودية موجبة لتقييد اطلاق المطلق.

و اما الثاني فلأنّ‌ الصحيحة صرّحت بثبوته للمشتري فقط‍‌ من جهة فرض كون المبيع حيوانا فقط‍‌.


1) وسائل الشيعة 345:12 الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

و اما الثالث فلأنّ‌ تقييد صاحب الحيوان بالمشتري يمكن أن يكون:

اما لدفع احتمال كون المقصود منه الصاحب الأوّل للحيوان، و هو البائع.

أو لوروده مورد الغالب من كون صاحب الحيوان مشتريا، فان الغلبة قد يصحّ‌ تنزيل التقييد عليها دون اطلاق المطلق.

أو لوصف الحيوان - دون صاحبه - بانه مشترى، بان تكون كلمة «المشترى» بصيغة المبني للمفعول دون الفاعل.

5 - و اما ان مبدأ الثلاثة هو العقد دون التفرّق - خلافا لجماعة -

فلظاهر صحيحة ابن مسلم المتقدّمة، فإنها دالّة على ان الخيار الذي ينتهي بالتفرّق يستمر في الحيوان إلى ثلاثة أيّام، و من الواضح ان خيار المجلس الذي ينتهي بالتفرّق يبتدئ من حين العقد فيلزم أن يكون الأمر كذلك في خيار الحيوان.

و بهذا يتّضح التأمّل فيما استدل به على كون البداية هي التفرّق من استصحاب عدم حدوث الخيار قبل انقضاء المجلس، أو استصحاب عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة من حين العقد، أو بانّه يلزم اجتماع سببين على مسبب واحد.

و وجه التأمّل:

اما بالنسبة إلى الاستصحابين فلأن النوبة لا تصل إلى الدليل الفقاهتي مع وجود الدليل الاجتهادي.

على ان الاستصحاب الأوّل مثبت لأنّ‌ المطلوب اثبات عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة من حين العقد، و هو لازم غير شرعي لعدم حدوثه قبل

انقضاء المجلس.

و اما بالنسبة إلى الأخير فلأن قياس الامور الاعتبارية على الامور التكوينية قياس مع الفارق.

6 - و اما دخول الليلتين

فلأن اليوم و ان كان ظاهرا في خصوص بياض النهار إلاّ ان المستفاد من الروايات استمرار الخيار الواحد، و لازمه دخول الليلتين.

7 - و اما كفاية التلفيق

فلأن ذلك هو المفهوم عرفا من التحديد بثلاثة أيّام و نحوه، فهو يفهم ان العقد لو وقع بداية بياض النهار استمر ثلاثة من دون تكسير، و لو وقع أثناء بياض النهار استمر إلى أثناء بياض اليوم الرابع.

و هذا البيان نفسه يأتي في عشرة الاقامة و ثلاثة الحيض و عشرته.

8 - و اما دخول الليلة الثالثة حالة التلفيق

فلما تقدّم في دخول الليلتين.

3 - خيار الشرط‍‌
اشارة

3 - و هو الثابت بسبب اشتراطه في العقد للمتعاقدين أو لأحدهما أو لأجنبي.

و يلزم لدى المشهور ضبط‍‌ المدّة المجعول فيها الخيار و عدم تردّدها بين الزيادة و النقصان.

و من أفراد الخيار المذكور بيع العين على أن يكون للبائع الخيار في استرجاعها عند ردّ الثمن نفسه - على تقدير وجوده - أو مثله - على تقدير

عدمه - خلال فترة معيّنة. و يصطلح عليه ببيع الخيار.

كما يجوز للمشتري أيضا اشتراط‍‌ الخيار عند ردّ العين خلال فترة معينة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الخيار يثبت باشتراطه

فلعدّة وجوه نذكر منها:

أ - التمسّك بقاعدة «المسلمون عند شروطهم» المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم الا كل شرط‍‌ خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ‌ فلا يجوز»(1).

و نوقش ذلك بأن شرط‍‌ الخيار مخالف للكتاب الكريم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الدال على لزوم كل عقد، و للسنّة الشريفة - فإذا افترقا فلا خيار - الدالّة على لزوم البيع بعد الافتراق.

و يمكن الجواب بانّ‌ اللزوم و وجوب الوفاء ليسا بمعنى وجوب ابقاء العقد بعد الافتراق تعبّدا بل هما بمعنى حرمة التخلّف عمّا تمّت عليه المعاقدة، و هو لا يتنافى مع اشتراط‍‌ الخيار في بداية المعاقدة.

ب - التمسّك بإطلاق قوله تعالى: أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (2)الشامل للبيع المشتمل على الخيار.

ج‍‌ - التمسّك بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الحيوان كله شرط‍‌ ثلاثة أيّام للمشتري. و هو بالخيار فيها ان شرط‍‌ أو لم يشترط‍‌»(3)، فانّها تدلّ‌ على ان ثبوت الخيار في غير الحيوان يمكن أن يتمّ‌ من خلال الشرط‍‌.


1) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

2) البقرة: 275.

3) وسائل الشيعة 349:12 الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 1.

2 - و اما جواز اشتراطه للأجنبي

فلإطلاق الوجوه المتقدّمة كلا أو جلا.

3 - و اما اعتبار ضبط‍‌ المدّة

فلا وجه له سوى صيرورة البيع نفسه غرريا لدى جهالة الشرط‍‌، و قد نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر(1).

بيد انه قد تقدّم ضعف سند الحديث، و يبقى الحكم مبنيا على الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة الاجماع المدعى في المسألة.

4 - و اما بيع الخيار فالوجه في صحّته:

أ - التمسّك بالبيان المتقدّم في خيار الشرط‍‌ حيث انه من مصاديقه.

ب - التمسّك بالروايات الخاصّة من قبيل موثقة إسحاق بن عمّار:

«حدّثني من سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام و سأله رجل و أنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: ابيعك داري هذه و تكون لك أحبّ‌ إليّ‌ من ان تكون لغيرك على ان تشترط‍‌ لي ان انا جئتك بثمنها إلى سنة ان تردّ عليّ‌، فقال: لا بأس بهذا...»(2).

و دلالة الموثقة و ان كانت واضحة إلاّ ان سندها قابل للتأمّل، فإن الشيخ الطوسي نقلها كما ذكر(3)، في حين ان الشيخ الصدوق نقلها عن إسحاق هكذا: «سأله رجل و أنا عنده فقال:...»(4)، و الشيخ الكليني نقلها عن إسحاق هكذا: «أخبرني من سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام قال: سأله رجل و أنا


1) وسائل الشيعة 330:12 الباب 40 من أبواب آداب التجارة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 355:12 الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 1.

3) التهذيب 23:7.

4) الفقيه 128:3.

عنده فقال له...»(1).

و هي بالنقلين الأوّلين لا إشكال فيها إلاّ انها بالنقل الثالث محل اشكال لأن السامع من الامام عليه السّلام الذي ينقل إسحاق الرواية عنه مجهول، و لعلّه غير ثقة، و معه يحصل التعارض في النقل، إذ من البعيد تعدّد النقل الحاصل من إسحاق بل هو اما قال: سمعت ممّن سمع الامام عليه السّلام أو قال: سمعت الامام عليه السّلام و قد سأله رجل و أنا عنده، و حيث لا مرجّح للثاني فتسقط‍‌ الرواية عن الاعتبار.

و لكن لئن لم يمكنّا تصحيح سند الموثقة المذكورة فبالامكان التعويض عنها بروايات اخرى، كموثقة معاوية بن ميسرة(2).

5 - و اما انه يلزم ردّ الثمن نفسه على تقدير وجوده و بدله على

تقدير عدمه

فلأن ذلك من لوازم الفسخ المقتضي لرجوع كل واحد من العوضين إلى صاحبه عند وجوده و بدله على تقدير عدمه.

6 - و اما جواز اشتراط‍‌ الخيار المذكور للمشتري أيضا

فلأن الروايات الخاصّة و ان لم تشمل ذلك الا انه يكفي اقتضاء القاعدة بالبيان المتقدّم.

4 - خيار تخلّف الشرط‍‌
اشارة

4 - كل من اشترط‍‌ شرطا في العقد صريحا أو ضمنا و كان غير مخالف للشرع و لا لمقتضى العقد يلزم الوفاء به. و عند تخلّف المشروط‍‌ عليه عن القيام به يثبت للشارط‍‌ الخيار.


1) الكافي 171:5.

2) وسائل الشيعة 355:12 الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 3.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الشرط‍‌ الذي يجب الوفاء به هو ما كان مذكورا في

العقد بأحد النحوين

فباعتبار انه عبارة عن الالتزام ضمن الالتزام، فإذا لم يكن ضمن العقد يكون التزاما ابتدائيّا و ليس شرطا ليشمله عموم «المسلمون عند شروطهم».

2 - و اما اعتبار ان لا يكون مخالفا للشرع فلوجهين:

أ - عدم احتمال الزام الشارع بالوفاء لما كان مخالفا له.

ب - تقييد وجوب الوفاء في صحيحة ابن سنان السابقة بذلك.

3 - و اما اعتبار ان لا يكون مخالفا

لمقتضى العقد - كالبيع بلا ثمن - فلوجهين:

أ - ان الوفاء بالعقد حيث يتنافى مع مضمون الشرط‍‌ فيلزم أحد أمرين: اما عدم وجوب الوفاء بالعقد و من ثمّ‌ بطلانه، أو عدم وجوب الوفاء بالشرط‍‌ و من ثمّ‌ بطلانه، و على كلا التقديرين يلزم بطلان الشرط‍‌ و عدم وجوب الوفاء به.

ب - ان الشرط‍‌ إذا كان مخالفا لمقتضى العقد فهو مخالف للكتاب الكريم الدال على ترتّب مقتضى العقد عليه.

4 - و اما وجوب الوفاء بالشرط‍‌ تكليفا فلوجوه:

أ - التمسّك بقوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(1)، فانه يدل على ان الوفاء بالشرط‍‌ لا ينفك عن الإسلام، و عدمه لا ينفك عن عدمه، و لازم ذلك وجوب الوفاء بالشرط‍‌.


1) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

ب - التمسّك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، اما بتقريب ان المقصود من العقود هو العهود - كما روى ذلك عبد اللّه بن سنان عن الامام الصادق عليه السّلام(2)، و العهد صادق على الشرط‍‌ - أو بتقريب ان العقد إذا وجب الوفاء به فيلزم الوفاء بالشرط‍‌ أيضا لأنه جزء ممّا تمّ‌ التعاقد عليه.

ج‍‌ - التمسّك بالروايات الخاصّة، من قبيل موثقة إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليه السّلام ان علي بن أبي طالب عليه السّلام كان يقول: «من شرط‍‌ لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرّم حلالا أو أحل حراما»(3)، فانها واضحة في وجوب الوفاء.

و موردها و ان كان عقد النكاح الا انه يتعدّى إلى غيره اما لعدم القول بالفصل أو لأن التعليل ينفي احتمال الخصوصية.

و بهذا يتّضح ان ما أفاده الشهيد في اللمعة - من عدم وجوب الوفاء بالشرط‍‌ و ان فائدته تنحصر في جواز الفسخ عند تخلّفه(4)- قابل للتأمّل.

5 - و اما ثبوت الخيار عند تخلّف الشرط‍‌

فلأن مرجع الاشتراط‍‌ عرفا إلى تعليق الالتزام بالعقد على تحقّق الشرط‍‌ خارجا، فعند عدم تحقّقه لا التزام بالعقد الذي هو عبارة اخرى عن جعل الشارط‍‌ الخيار لنفسه عند تخلّف الشرط‍‌.


1) المائدة: 1.

2) وسائل الشيعة 248:16 الباب 25 من كتاب النذر و العهد الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 354:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 5.

4) اللمعة الدمشقية كتاب التجارة الفصل 9 الخيار 10.

و وجّه الشيخ الأعظم ثبوت الخيار بقوله: «إذا امتنع المشروط‍‌ عليه عنه فقد نقض العقد فيجوز للمشروط‍‌ له أيضا نقضه»(1).

5 - خيار الغبن
اشارة

5 - و هو ثابت من حين العقد للمغبون - بايعا كان أو مشتريا - مع جهله بالحال لا على الفورية بل يجوز التأخير لغرض عقلائي.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت الخيار عند الغبن

فلا إشكال فيه و انما الاشكال في تخريجه الفني.

و قد ذكرت عدّة تقريبات، أوجهها التمسّك بفكرة الشرط‍‌ الضمني بتقريب ان كل عاقد عاقل يشترط‍‌ ضمن العقد لنفسه الخيار - اشتراطا ضمنيّا - على تقدير كونه مغبونا و كون التفاوت فاحشا.

2 - و اما انه من حين العقد
• خلافا للقول بكونه عند ظهور الغبن - فلأن المشترط‍‌ ضمنا ثبوت الخيار عند ثبوت الغبن واقعا و ان لم يظهر، و عليه إذا فسخ المغبون قبل ظهور غبنه وقع صحيحا.
3 - و اما التعميم للبائع و المشتري

فلاشتراك النكتة.

4 - و اما اعتبار الجهل

فلاختصاص نكتة الخيار المتقدّمة بحالة الجهل.

5 - و اما فورية خيار الغبن

فمحل خلاف.

و استدل لها بان الخيار على خلاف الأصل فيقتصر فيه على


1) كتاب المكاسب 33:3، انتشارات إسماعيليان.

المتيقن. و أوضح المحقّق الثاني الأصل بان «العموم في أفراد العقود يستتبع عموم الأزمنة و الا لم ينتفع به»(1).

و استدل للتراخي بالاستصحاب، و هو يتم بناء على تمامية أمرين:

أ - جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي و عدم اختصاصه بموارد الشك في الرافع خلافا للشيخ الأعظم و النائيني.

ب - جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و عدم معارضة أصالة بقاء المجعول بأصالة عدم الجعل الزائد.

و المناسب ان يقال: ان التأخير إذا كان لغرض عقلائي - كانتظار حضور الغابن - فلا يسقط‍‌ به الخيار و انما يسقط‍‌ إذا كان في التأخير دلالة على الاغماض عن الخيار، فان النكتة المتقدّمة لثبوت الخيار تقتضي ما ذكرناه.

6 - خيار العيب
اشارة

6 - كل من انتقل إليه بالبيع أو الشراء ما فيه عيب كان له ردّه. و المشهور جواز المطالبة بالارش أيضا الا مع احداث حدث فيه فيتعيّن الارش.

و يسقطان مع العلم بالعيب او البراءة من العيوب.

و لا فورية في اعمال الخيار المذكور.

و الخيار في الردّ يعمّ‌ جميع المعاملات و ان كان الارش خاصا بالبيع.

و المستند في ذلك:


1) كتاب المكاسب 292:2، انتشارات إسماعيليان.

1 - اما جواز ردّ المعيب

فقد دلّت عليه عدّة روايات، و لكنّها خاصّة بموردها من قبيل صحيحة ميسر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل اشترى زق زيت فوجد فيه درديا(1)قال: فقال: ان كان يعلم ان ذلك يكون في الزيت لم يردّه، و ان لم يكن يعلم ان ذلك يكون في الزيت ردّه على صاحبه»(2).

الا ان الحكم يمكن اثباته على طبق القاعدة بلا حاجة إلى رواية، و ذلك بالتمسّك بفكرة الشرط‍‌ الضمني، فان كل من يقدم على معاملة يشترط‍‌ ضمنا السلامة و الخيار لنفسه على تقدير عدمها.

2 - و اما التعميم للبائع و المشتري

فلعدم اختصاص فكرة الشرط‍‌ الضمني بالمشتري.

3 - و اما التخيير بين الردّ و الارش الذي صار له المشهور

فلا رواية تدلّ‌ عليه و انما الوارد ثبوت الارش عند حصول بعض التصرّفات المانعة من الرد. و يجوز ان يكون ذلك من باب تعيّن الرد حالة عدم التصرف، و الارش حالة التصرّف و ليس من باب تعين أحد طرفي التخيير بتعذّر الآخر.

أجل ورد في الفقه الرضوي: «فان خرج في السلعة عيب و علم المشتري فالخيار إليه ان شاء ردّه و ان شاء أخذه أو ردّ عليه بالقيمة ارش العيب»(3)

و الظاهر زيادة الالف في (أو).

.

1) الدردي في الزيت و نحوه: ما يبقى في اسفله.

2) وسائل الشيعة 419:12 الباب 7 من أبواب أحكام العيوب الحديث 1.

3) مستدرك الوسائل الباب 12 من أبواب الخيار الحديث 3.

بيد ان الكتاب المذكور ساقط‍‌ عن الاعتبار لعدم ثبوت نسبته إلى الامام الرضا عليه السّلام و ان أصرّ على ذلك بعض الأصحاب كصاحب الحدائق(1)

و للشيخ النوري في مستدركه 230:19-322 بحث مفصّل عن الكتاب المذكور.

.

نعم من يرى حجية الشهرة الفتوائية و الاجماعات المنقولة فبامكانه الاستناد إليها، و الا فالمناسب اختصاص الارش بحالة عدم امكان الردّ بسبب التصرّف لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «أيما رجل اشترى شيئا و به عيب و عوار لم يتبرأ إليه و لم يبيّن له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار و بذلك الداء انه يمضي عليه البيع و يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(2).

و السند يشتمل على موسى بن بكر الواسطي، و هو لم يوثق في كتب الرجال الابناء على كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد تفسير القمي.

أجل ورد في الحديث ان أبا الحسن عليه السّلام أرسل خلفه و قال له:

«مالي أراك مصفرّا أ لم آمرك بأكل اللحم‌؟ فأجاب ما أكلت غيره منذ أمرتني، فقال عليه السّلام: كيف تأكله‌؟ فقال: طبيخا، قال: كله كبابا. و بعد جمعة أرسل خلفه الامام عليه السّلام فإذا الدم قد عاد في وجهه و أرسله إلى الشام في بعض حوائجه»(3).6.


1) الحدائق الناضرة 25:1.

2) وسائل الشيعة 362:12 الباب 16 من أبواب الخيار الحديث 2.

3) الكافي 319:6.

و لكن الحديث ضعيف سندا لان الراوي له الواسطي نفسه، و دلالة لان اعتناء الامام عليه السّلام بصحّته و ارساله في بعض حوائجه لا يلازم الوثاقة.

و الاولى الاستدلال على قبول رواياته بما رواه الشيخ الكليني بطريق معتبر عن الحسن بن محمد بن سماعة: «دفع إليّ‌ صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال لي: هذا سماعي من موسى بن بكر و قرأته عليه فإذا فيه: موسى بن بكر عن علي بن سعيد عن زرارة. قال صفوان: هذا ممّا ليس فيه اختلاف عند أصحابنا»(1).

4 - و اما سقوط‍‌ الرد و الارش حالة العلم أو البراءة

فلقصور فكرة الشرط‍‌ الضمني و النصوص المتقدّمة عن الشمول لمثل ذلك.

5 - و اما انه لا فورية في الخيار المذكور

فذلك واضح بالنسبة إلى الرد لان الاشتراط‍‌ الضمني لم تؤخذ فيه الفورية في اعمال الخيار.

و اما بالنسبة الى الارش فعدم فوريته مقتضى اطلاق صحيحة زرارة، و مع التنزّل و التسليم بدعوى انها في مقام بيان أصل الخيار دون خصوصياته فلا أقلّ‌ من اطلاقها المقامي.

6 - و اما ان الرد بالعيب يعمّ‌ جميع المعاملات

فلعدم اختصاص فكرة الشرط‍‌ الضمني بالبيع بل تعم غيره.

اجل يختص الارش بالبيع لاختصاص صحيحة زرارة - التي هي مدركه - به.


1) الكافي 97:7.

7 - خيار التأخير
اشارة

7 - من باع من دون قبض العوضين و لا أحدهما فالبيع عليه لازم ثلاثة ايام و له الفسخ بعدها ما دام لم يشترط‍‌ تأخير قبضهما أو أحدهما. و يصطلح عليه بخيار التأخير.

و متى ما تمّت المعاملة يلزم تسليم العوضين بعدها فاذا امتنع احدهما كان للآخر الفسخ، و لا يختص هذا بالبيع بخلاف ما سبق.

و من باع ما يسرع إليه الفساد - كبعض الفواكه - فالامهال ليس إلى ثلاثة، بل الى ما قبل طروه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت الخيار بالتأخير

فلا إشكال فيه في الجملة. و تدلّ‌ عليه عدّة روايات، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول حتى آتيك بثمنه. قال: ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيّام و الا فلا بيع له»(1).

و لا يضر ضعفها بعلي بن حديد في أحد طريقي الكليني بعد سلامة بقيّة طرقها من ذلك.

و قد يستفاد من نفي الإمام عليه السّلام البيع بقوله: «و الا فلا بيع له» بطلان البيع اما من الأساس أو بعد الثلاثة دون ثبوت الخيار للبائع، و بذلك لا تكون دالّة على ما ذهب إليه المشهور.

الا ان ذلك ضعيف باعتبار ان المقصود تسهيل الأمر على البائع


1) وسائل الشيعة 356:12 الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 1.

و هو يتحقّق بنفي اللزوم من ناحيته، كيف و هل يحتمل ان البائع لا يحق له الانتظار أكثر من ثلاثة متبرّعا.

و بعد هذا لا تبقى حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأعظم بقوله: «و كيف كان فلا أقل من الشك فيرجع إلى استصحاب الآثار المترتبة على البيع.

و توهم كون الصحّة سابقا في ضمن اللزوم فترتفع بارتفاعه، مندفع بان اللزوم ليس من قبيل الفصل للصحّة و انما هو حكم مقارن له في خصوص البيع الخالي من الخيار»(1).

2 - و اما اشتراط‍‌ عدم قبض العوضين و لا أحدهما

فللتصريح بذلك في الصحيحة المتقدّمة.

و اما اعتبار عدم اشتراط‍‌ التأخير فلأن ذلك هو المنصرف من الصحيحة.

3 - و اما انه يلزم تسليم العوضين بعد تمامية المعاملة

فلأن كل طرف يملك بالمعاملة ما انتقل إليه فالتأخير من دون رضاه غير جائز الا مع الانصراف اليه، و هو غير ثابت بل الثابت عكسه.

4 - و اما انه يحق للآخر الفسخ على تقدير امتناع أحدهما

فذلك للاشتراط‍‌ الضمني على احتفاظ‍‌ كل منهما بالخيار لنفسه على تقدير امتناع الآخر من التسليم.

5 - و اما اختصاص خيار التأخير بالبيع

فلاختصاص صحيحة زرارة السابقة و غيرها به، و هذا بخلاف جواز الفسخ على تقدير امتناع أحدهما من التسليم فان نكتته عامة لغير البيع أيضا.


1) كتاب المكاسب 299:2، انتشارات إسماعيليان.

6 - و اما بيع ما يسرع إليه الفساد

فقد دلّت بعض الروايات على ثبوت الخيار فيه بعد دخول الليل إذا كان يفسده المبيت كما في رواية محمد بن أبي حمزة أو غيره عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه و يتركه حتى يأتيه بالثمن، قال: ان جاء فيما بينه و بين الليل بالثمن و الا فلا بيع له»(1).

و لكنها ضعيفة السند بالارسال. و لا بدّ من حملها على حالة تحقّق الفساد بالمبيت، اما إذا كان يتحقّق في وسط‍‌ النهار مثلا فالخيار لا بدّ و ان يكون ثابتا قبيل ذلك بنحو يمكن بيعه لو فسخ.

و الوجه في ذلك هو الاشتراط‍‌ الضمني الارتكازي إذ العاقل لا يقدم على اتلاف ماله بلا مقابل.

8 - خيار الرؤية
اشارة

8 - من اشترى اعتمادا على رؤية سابقة أو على وصف بدون رؤية ثم وجده على خلاف ذلك كان بالخيار بين الردّ و الامساك.

و لا يحق له المطالبة بالارش كما لا يسقط‍‌ خياره ببذل البائع الارش أو ابدال العين باخرى.

و الخيار يثبت للبائع أيضا إذا كان قد رأى المبيع أو اعتمد على وصف ثم انكشف الخلاف.

بل يثبت الخيار للبائع أو المشتري إذا اتّضح الخلاف في الثمن.

و ليس الخيار المذكور ثابتا بنحو الفورية.


1) وسائل الشيعة 359:12 الباب 11 من أبواب الخيار الحديث 1.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت الخيار عند تخلّف الرؤية أو الوصف

فهو المعروف بين الأصحاب، و استدل له بصحيح جميل بن دراج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى ضيعة و قد كان يدخلها و يخرج منها، فلما ان نقذ المال صار الى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: انه لو قلب منها و نظر إلى تسعة و تسعين قطعة ثم بقي منها قطعة و لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية»(1).

و هو ان تمت دلالته على المطلوب فلا إشكال و الا أمكن التمسّك بفكرة الاشتراط‍‌ الضمني، فان من يشتري اعتمادا على الرؤية أو الوصف يشترط‍‌ لنفسه الخيار ضمنا و ارتكازا على تقدير التخلّف.

و السيرة العقلائية المنعقدة على استحقاق المشتري للفسخ عند التخلّف واضحة في ذلك.

2 - و اما انه لا تجوز المطالبة بالارش و لا يسقط‍‌ الخيار ببذله و لا

بالابدال بعين اخرى

فلأن ثبوت الارش يحتاج إلى دليل، و هو خاص بالعيب، و مقتضى الاشتراط‍‌ الضمني ثبوت الحق في الفسخ دون الارش أو الابدال.

3 - و اما التعميم للبائع و لانكشاف الخلاف في الثمن

فلعموم نكتة الاشتراط‍‌ الضمني.

4 - و اما عدم اعتبار الفورية في اعمال الخيار

فلعدم اقتضاء فكرة الاشتراط‍‌ الضمني لذلك.


1) وسائل الشيعة 361:12 الباب 15 من أبواب الخيار الحديث 1.

5 - الربا

في حرمة الربا و موارد تحققه و شروطه
اشارة

الربا حرام بالضرورة، و يتحقّق في موردين:

أ - القرض. و يأتي البحث عنه في كتاب القرض إن شاء اللّه تعالى.

ب - و البيع. و ذلك فيما إذا بيع أحد المتّحدين جنسا بالآخر مع زيادة أحدهما زيادة عينية أو حكمية و افتراض كونهما من المكيل أو الموزون، فشروط‍‌ تحقّقه في البيع - على هذا - ثلاثة.

و في عموم التحريم لغير البيع - كالصلح - خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الربا

فهي من الضروريات. و قد دلّ‌ عليها الكتاب الكريم في أكثر من موضع، كقوله تعالى: اَلَّذِينَ‌ يَأْكُلُونَ‌ الرِّبا لا يَقُومُونَ‌ إِلاّ كَما يَقُومُ‌ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ‌ الشَّيْطانُ‌ مِنَ‌ الْمَسِّ‌ ... وَ أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ وَ حَرَّمَ‌ الرِّبا (1)، يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ‌ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ‌ مِنَ‌ الرِّبا إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ مُؤْمِنِينَ‌ * فَإِنْ‌ لَمْ‌ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ‌ مِنَ‌ اللّهِ‌ وَ رَسُولِهِ‌ (2).

و ما ورد في السنّة الشريفة كثير، ففي موثق عبد اللّه بن بكير: «بلغ أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل انه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبأ(3)، فقال: لئن


1) البقرة: 275.

2) البقرة: 278-279.

3) اللبأ بكسر اللام و فتح الباء و الهمزة بعدها: أوّل لبن الام. و المقصود المبالغة في حليّته بالتشبيه بأوّل لبن الام.

أمكنني اللّه منه لأضربن عنقه»(1).

و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم»(2).

2 - و اما شموله لكلا الموردين المذكورين دون احدهما و دون ما

زاد عليهما

فلدلالة الدليل على ثبوته فيهما دون ما زاد فتجري البراءة عنه.

3 - و اما اعتبار الشروط‍‌ الثلاثة في تحقّق الربا في البيع

فذلك واضح بالنسبة إلى اشتراط‍‌ الزيادة في أحد الطرفين لتقوّم مفهوم الربا بذلك لغة إذ هو عبارة عن الزيادة.

و اما الشرطان الآخران فقد دلّت عليهما روايات كثيرة. و قد جمعت الشروط‍‌ الثلاثة موثقة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس به، و الثوب بالثوبين، قال: لا بأس به، و الفرس بالفرسين، فقال: لا بأس به. ثم قال: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال و لا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد»(3).

4 - و اما ان الزيادة تعمّ‌ الحكمية
اشارة
• كبيع أحد المتماثلين مع اشتراط‍‌ كنس المسجد أو اداء صلاة الليل مثلا في جانب احدهما، أو كون احدهما نقدا و الآخر نسيئة - و لا تختص بالعينية فلا وضوح للروايات فيه.

1) وسائل الشيعة 429:12 الباب 2 من أبواب الربا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 423:12 الباب 1 من أبواب الربا الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 448:12 الباب 16 من أبواب الربا الحديث 3.

و قد يستدل على ذلك بالوجوه التالية:

أ - التمسك بما دلّ‌ على اعتبار المماثلة و عدم الزيادة، كصحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، و السويق بالسويق مثلا بمثل، و الشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به»(1).

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الفضة بالفضة مثلا بمثل، و الذهب بالذهب مثلا بمثل ليس فيه زيادة و لا نقصان الزائد و المستزيد في النار»(2).

و صحيحة الوليد بن صبيح: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام: الذهب بالذهب، و الفضة بالفضة الفضل بينهما هو الربا المنكر هو الربا المنكر»(3).

و تقريب الدلالة: انه مع الزيادة و لو حكمية يصدق الفضل بينهما و لا يصدق البيع مثلا بمثل.

ب - التمسك برواية خالد بن الحجاج: «سألته عن الرجل كان لي عليه مائة درهم عددا قضانيها مائة وزنا، قال: لا بأس ما لم تشترط‍‌، قال: و قال: جاء الربا من قبل الشروط‍‌ انما يفسده الشروط‍‌»(4)، فانها تدل بالاطلاق على ان الشرط‍‌ و لو كان بنحو الزيادة الحكمية موجب لها.

ج‍‌ - التمسك بالإجماع المدعى في المسألة.


1) وسائل الشيعة 440:12 الباب 9 من أبواب الربا الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 456:12 الباب 1 من أبواب الصرف الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 457:12 الباب 1 من أبواب الصرف الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 476:12 الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 1.

و الكل كما ترى.

اما الاول فلان ظاهر المثلية هو المماثلة في القدر لا من جميع الجهات. و هكذا ظاهر الفضل هو الفضل من حيث القدر.

و اما الثاني فلان رواية خالد ضعيفة سندا به - لعدم توثيقه و ان كان اخوه يحيى الراوي عنه قد وثّقه النجاشي - و دلالة لاختصاص موردها بالقرض.

هذا كله مضافا إلى كون الرواية مضمرة، و على المسلك القائل بعدم حجية المضمرات الا إذا كان المضمر من اجلاء الاصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير المعصوم عليه السّلام يشكل العمل بها لان خالدا ليس كذلك.

و اما الثالث فلان الاجماع لو ثبت و غض النظر عن نسبة الخلاف إلى الأردبيلي و ابن ادريس فهو محتمل المدرك، و معه لا يمكن الجزم بكاشفيته عن رأي الامام عليه السّلام يدا بيد. و من هنا رفض بعض كالسيد اليزدي التعميم(1)، و لكن الحكم بذلك بنحو الاحتياط‍‌ امر لازم لا ينبغي الحياد عنه.

5 - و اما الخلاف في التعميم لغير البيع بالرغم من اطلاق الاخبار

المتقدمة الدالة على اعتبار المماثلة

فلاحتمال انصرافها إلى خصوص البيع، و معه يتمسك بالبراءة عن التحريم في غير البيع.

و المناسب التعميم لوهن دعوى الانصراف.

اجل لا يبعد التخصيص بما إذا كان الصلح بين العينين - كما لو


1) ملحقات العروة الوثقى 5:2.

قيل: صالحتك على هذا المثقال من الذهب بهذين المثقالين - دون ما إذا كان بين غيرهما - كما لو قيل: صالحتك على ان اهب لك هذا المثقال من الذهب مقابل ان تهب لي مثقالين من الذهب - لصدق عنوان الفضة بالفضة مثلا في الاول دونه في الثاني.

احكام خاصة بالربا
اشارة

يتخلص من الربا - لدى المشهور - بضم غير الجنس إلى الطرف الناقص - كبيع كيلوين من الارز بكيلو من الارز و كيلو من العدس - او بضم غير الجنس إلى كل من الطرفين و لو مع التفاضل فيهما، كبيع كيلوين من الارز مع كيلوين من العدس بكيلو من الارز و كيلو من العدس، لوقوع الزيادة مقابل الضميمة في الصورة الاولى، و وقوع كل جنس في مقابل مخالفه تعبدا و ان لم يقصد المتعاقدان ذلك في الصورة الثانية.

كل ذلك مع افتراض العوضين حالّين.

و يلزم عند بيع الذهب المصوغ بغيره و الفضة المصوغة بغيرها تساويهما، و معه لا يجوز بيع مثقال من الذهب المصوغ بمثقال من الذهب غير المصوغ منضما إلى اجرة الصياغة.

و لا يجوز ان يقول شخص لآخر: ابيعك هذا المثقال من الفضة الجيدة بمثقال من الفضة الرديئة بشرط‍‌ ان تخيط‍‌ لي ثوبا مثلا، و يجوز العكس بان يقول: خط‍‌ لي ثوبا على ان ابيعك المثقال الجيد بالمثقال الرديء.

و المشهور عدم تحقق الربا بين الوالد و ولده و المولى و مملوكه و الزوج و زوجته و المسلم و الحربي اذا اخذ المسلم الفضل.

و يجوز بيع الاوراق النقدية بعضها بالآخر مع اختلاف العملة - نقدا

و نسيئة - حتى مع فرض التفاضل في المالية، بل يجوز مع اتحادها أيضا إذا افترض كون العوضين شخصيين.

كما يجوز أيضا بيع الصكوك على ثالث بأقل إذا كانت تعبر واقعا عن دين.

و العملة النقدية إذا كانت مصنوعة من الفضة و نحوها من المعادن الموزونة لا يجوز تبديلها إلى ابعاضها مع فرض التفاضل بين الاصل و الابعاض و فرض كونها خالصة.

و الربا كما يحرم اخذه يحرم دفعه و كتابته و الشهادة عليه.

و الحنطة و الشعير في باب الربا جنس واحد و ان كانا في غيره جنسين.

و من تعامل بالربا و هو جاهل بالحكم أو بالموضوع ثم التفت و تاب فلا يلزمه ارجاعه.

و من ورث مالا فيه اموال ربوية فمع عدم تميزها فلا شيء عليه و الا لزم ردها على مالكها مع معرفته، و مع عدمها يتعامل معها معاملة مجهول المالك.

و المستند في ذلك:

1 - اما التخلص من الربا بما ذكر

فهو على طبق القاعدة لو كان ايقاع كل جنس مقابل ما يخالفه مقصودا للمتعاقدين كما هو واضح.

و اما إذا لم يكن مقصودا فالانصراف إلى المخالف يحتاج إلى دليل. و قد دلّت عدّة روايات على ذلك لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج:

«... اشتري الف درهم و دينارا بالفي درهم، فقال: لا بأس بذلك ان ابي كان اجرأ على أهل المدينة مني فكان يقول هذا، فيقولون: انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط‍‌ الف درهم و لو جاء بألف درهم لم يعط‍‌ ألف دينار، و كان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام

إلى الحلال»(1).

و اضمارها لا يضر بعد كون ابن الحجاج من اجلاء الاصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام أو للبيان العام المتقدم أكثر من مرة.

و صحيحته الاخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كان محمد بن المكندر يقول لأبي عليه السّلام: يا ابا جعفر رحمك اللّه و اللّه انا لنعلم انك لو اخذت دينارا و الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، و ما هذا الا فرار، فكان ابي يقول: صدقت و اللّه و لكنه فرار من باطل إلى حق»(2).

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بألف درهم و درهم بألف درهم و دينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به»(3).

و هناك رأي لبعض المتأخرين يخصّص جواز التخلص بالضميمة بما إذا كان الارز الزائد مثلا في هذا الجانب مع الارز الناقص في الجانب الآخر متساويين من حيث المالية تقريبا و اريد بالضميمة التخلص من محذور تفاوت المقدار اللازم منه الربا.

و هو غير بعيد لقرب انصراف نصوص الضميمة إلى خصوص الحالة المذكورة.

2 - و اما اعتبار كون العوضين حالين

فلاختصاص مورد


1) وسائل الشيعة 466:12 الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 467:12 الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 468:12 الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 4.

النصوص المجوّزة بذلك.

3 - و اما لزوم التساوي بين المصوغ و غيره

، و من ثمّ‌ عدم جواز اشتراط‍‌ اجرة الصياغة فلان المصوغ و غيره جنس واحد و يشملهما النص المتقدم: «الذهب بالذهب، و الفضة بالفضة، الفضل بينهما هو الربا المنكر»، و معه يكون اشتراط‍‌ الاجرة فضلا موجبا للربا.

و بكلمة اخرى: المصوغ و غيره هما كالجيد و الرديء و الوسخ و النظيف، و المكسور و غيره، فكما ان كل واحد من هذه يعد مع مقابله واحدا و يلزم تساويهما فكذلك في المصوغ و غيره.

و قد ادعى صاحب الجواهر عدم الخلاف و الاشكال في المسألة(1).

4 - و اما عدم جواز بيع احد المثقالين بالآخر بشرط‍‌ خياطة ثوب

مثلا

فواضح للزوم محذور الربا - بناء على تعميم الزيادة اللازم منها الربا للزيادة الحكمية - فان الجيد و الرديء جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه.

و اما جواز العكس - الذي هو من الوسائل التي يتخلص بها من الربا - فلصحيح ابي الصباح الكناني: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم و ابدل لك درهما طازجا بدرهم غلة(2)، قال: لا بأس»(3).

بل قد يقال باقتضاء القاعدة لذلك لان ابدال الجيد بالرديء وقع


1) جواهر الكلام 13:24.

2) الطازج هو الخالص. و الغلة - بكسر الغين - المغشوش.

3) وسائل الشيعة 480:12 الباب 13 من أبواب الصرف الحديث 1.

اجرا للخياطة من دون وقوع الخياطة شرطا في البيع لتلزم الزيادة فيه.

5 - و اما عدم تحقق الربا بين من ذكر

فقد دلت عليه بعض الروايات الضعيفة، كرواية زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «ليس بين الرجل و ولده و بينه و بين عبده و لا بين أهله ربا...»(1)، و هي ضعيفة بياسين الضرير. و رواية عمر بن جميع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ليس بيننا و بين اهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف ألف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لا نعطيهم»(2)، و هي ضعيفة بمعاذ بن ثابت و غيره.

و لا يمكن الركون إلى الروايتين المذكورتين بعد ضعفهما السندي الا بناء على كبرى الانجبار بعمل المشهور و الا فالاحتياط‍‌ يبقى أمرا مناسبا.

6 - و اما جواز بيع العملة مع اختلافها

فلعدم تحقق محذور الربا بعد اختلاف جنس العوضين و عدم كونهما من المكيل و الموزون.

و إذا قلت: ان الرصيد الذي تعبر عنه الأوراق النقدية قد يكون واحدا كالذهب الذي هو من الموزون.

قلنا: ان المعاوضة لم تجر على الرصيد بل على الاوراق ذات الاعتبار بسبب الرصيد.

7 - و اما انه مع اتحاد العملة تجوز المعاملة حتى مع التفاضل في

فرض كون العوضين شخصيين

فلما تقدم من ان الاوراق النقدية ليست من قبيل المكيل و الموزون.

و اما عدم جوازها مع التفاضل في فرض كون العوض نسيئة في


1) وسائل الشيعة 436:12 الباب 7 من أبواب الربا الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 436:12 الباب 7 من أبواب الربا الحديث 2.

الذمة فلان المعاملة ترجع في روحها إلى القرض و ان ابرزت مبرز البيع لان شرط‍‌ البيع تحقق المغايرة بين الثمن و المثمن، و في المورد لا مغايرة، فان الثمن ينطبق على المثمن مع زيادة.

و إذا نوقش ما ذكر بان المغايرة المعتبرة في البيع يكفي في تحققها كون المثمن عينا خارجية و الثمن أمرا كليا في الذمة أمكن ذكر تقريب آخر، و هو ان المعاملة المذكورة بحسب الارتكاز العرفي قرض لأنه عبارة عن تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة، و هو صادق في المقام.

8 - و اما جواز بيع الصك بالاقل إذا كان يعبّر عن دين واقعا

فلانه بيع حقيقة في غير المكيل و الموزون.

و اما عدم جوازه مع عدم وجود دين واقعا فلان شرط‍‌ صدق البيع وجود عوضين، و هو مفقود في الفرض إذ لا يوجد حق في الذمة ليقع عوضا، فالمعاملة المذكورة في حقيقتها اقراض بفائدة يبرز مبرز البيع.

9 - و اما عدم جواز تبديل العملة المعدنية مع التفاضل

فلأنها من الموزونات فيلزم مع التفاضل محذور الربا.

اجل مع خروجها عن كونها من الموزونات و صيرورتها من المعدودات - كما في المصنوعة من النحاس عادة - يزول المانع من التفاضل.

و اما الجواز مع فرض كونها مخلوطة بمعدن آخر - كما هو الغالب - فلحصول الضميمة المانعة من تحقق محذور الربا حسبما تقدم. بيد انه يلزم في الضميمة ان لا تكون مستهلكة و فاقدة للمالية.

10 - و اما تعميم حرمة الربا للدفع و الشهادة عليه و كتابته

فلصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام:

آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهداه فيه سواء»(1)و غيرها.

11 - و اما ان الحنطة و الشعير في باب الربا واحد

فلصحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يصلح الشعير بالحنطة الا واحد بواحد»(2)و غيره.

و اما قصر الحكم بالوحدة على باب الربا فلانه مخالف للقاعدة المقتضية لدوران الاحكام مدار الاسماء فيقتصر في المخالفة على مورد النص.

12 - و اما عدم لزوم ردّ الربا على الآخذ مع الجهل و التوبة بعد

الالتفات

فهو ما عليه جماعة من الفقهاء. و يدل عليه قوله تعالى: ذلِكَ‌ بِأَنَّهُمْ‌ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ‌ مِثْلُ‌ الرِّبا وَ أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ وَ حَرَّمَ‌ الرِّبا فَمَنْ‌ جاءَهُ‌ مَوْعِظَةٌ‌ مِنْ‌ رَبِّهِ‌ فَانْتَهى‌ فَلَهُ‌ ما سَلَفَ‌ (3)، فان تخصيصه بنفي العقوبة أو بما وقع من ربا زمن الجاهلية لا وجه له.

و مع التنزل تكفينا الروايات الكثيرة، كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يأكل الربا و هو يرى انه له حلال، قال: لا يضره حتى يصيبه متعمدا، فاذا اصابه فهو بالمنزل الذي قال اللّه عز و جل»(4).

و صحيحة ابي المعزا: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: كلّ‌ ربا اكله الناس


1) وسائل الشيعة 430:12 الباب 4 من أبواب الربا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 439:12 الباب 8 من أبواب الربا الحديث 5.

3) البقرة: 275.

4) وسائل الشيعة 430:12 الباب 5 من أبواب الربا الحديث 1.

بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم اذا عرف منهم التوبة...»(1)و غيرهما.

و اذا قيل: ان قوله تعالى: وَ إِنْ‌ تُبْتُمْ‌ فَلَكُمْ‌ رُؤُسُ‌ أَمْوالِكُمْ‌ لا تَظْلِمُونَ‌ وَ لا تُظْلَمُونَ‌ (2)يدل على لزوم ردّ الزيادة، و بذلك يعارض ما تقدم.

قلنا: ما سبق ناظر إلى حالة الجهل و الالتفات و التوبة بعد ذلك في حين ان هذه ظاهرة في حالة التعمد، و لا أقل من امكان حملها على ذلك.

13 - و اما التعميم للجاهل بالحكم و الموضوع

فلإطلاق ما تقدم.

14 - و اما ارث ما فيه الربا

فيدل على حكمه صحيحة ابي المعزا المتقدمة حيث ورد فيها: «... لو ان رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف ان في ذلك المال ربا و لكن قد اختلط‍‌ في التجارة بغير حلال كان حلالا طيبا فليأكله. و ان عرف منه شيئا انه ربا فليأخذ رأس ماله و ليرد الربا...»(3)و غيرها.

و ابو المعزا هو حميد بن المثنى الكوفي الصيرفي ثقة ثقة على ما ذكر النجاشي(4)

و توجد نسخة ثانية في ابي المعزا و هي: ابو المغراء.

.

1) وسائل الشيعة 431:12 الباب 5 من أبواب الربا الحديث 2.

2) البقرة: 279.

3) وسائل الشيعة 431:12 الباب 5 من أبواب الربا الحديث 2.

4) رجال النجاشي 96 منشورات مكتبة الداوري.

6 - بيع الصرف

اشارة

و هو بيع الذهب أو الفضة باحدهما مسكوكين كانا أو لا.

و يشترط‍‌ - لدى المشهور - في صحة البيع المذكور التقابض قبل تحقق الافتراق بينهما حتى مع وحدة الجنس.

و إذا كان العوضان متحدي الجنس يلزم تساويهما أيضا، بخلاف ما إذا كانا مختلفي الجنس فانه لا يلزم تساويهما و ان لزم التقابض.

و يختص لزوم التقابض بالبيع دون الصلح.

و لا يجري حكم الصرف على الأوراق النقدية لو بيع بعضها ببعض.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان بيع الصرف ما ذكر

فهو من واضحات الفقه و لم ينقل فيه خلاف. بيد ان تحديد المقصود منه غير مهم لعدم ترتب حكم على العنوان المذكور شرعا، و انما المهم ملاحظة حكم بيع الصرف، و هو لزوم التقابض قبل الافتراق، و انه لأي بيع ثبت.

و الحكم المذكور لم يثبت في الروايات الا لبيع الذهب بالفضة أو بالعكس و لم يثبت لبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة فلاحظ‍‌ صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام:

لا يبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد، و لا يبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد»(1)، و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا اشتريت ذهبا


1) وسائل الشيعة 458:12 الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 3.

بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه و ان نزا حائطا فانز معه»(1)و غيرهما تجد ذلك واضحا فيها.

و عليه لا بدّ في تعميم الحكم بلزوم التقابض في حالة وحدة الجنس من التمسك بالتسالم و عدم القول بالفصل. فان تمّ‌ ذلك و الا فالمناسب عدم لزوم ذلك فيها.

اجل يلزم عدم كون احدهما مؤجلا و الا لزمت الزيادة الحكمية - التي تقدم في البحث عن الربا - منع المشهور من جوازها.

2 - و اما التعميم لغير المسكوك

فلإطلاق النصوص.

3 - و اما ان التقابض شرط‍‌ في الصحة

فلما تقدم من النصوص، فان الامر في باب المعاملات ظاهر في الارشاد الى الشرطية دون الحكم التكليفي.

و عليه فاحتمال وجوب التقابض في باب الصرف وجوبا تكليفيا بحيث يؤثم على عدمه ضعيف.

ثم ان المنسوب للمحقق الأردبيلي عدم لزوم التقابض وضعا، بدعوى عدم صراحة الاخبار في ذلك، فان تعبير «يدا بيد» كناية عن كون العوضين نقدا لا مؤجلين و ليس كناية عن التقابض(2).

و فيه: ان التعبير المذكور ان لم يكن ظاهرا في اعتبار التقابض فلا أقل من اجماله، و يكفينا آنذاك دليلا على لزوم التقابض صحيحة منصور لصراحتها في ذلك.

اجل يمكن ان يناقش بان الروايات السابقة و ان كانت دالة على


1) وسائل الشيعة 459:12 الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 8.

2) الحدائق الناضرة 279:19.

شرطية التقابض الا انه ورد في روايات ثلاث ما ظاهره عدم اعتبار التقابض. ففي موثقة عمار الساباطي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة، قال: لا بأس»(1).

و هي ان ثبت هجران الاصحاب لمضمونها - و غض النظر عن نسبة الخلاف إلى الشيخ الصدوق في عدم اعتبار التقابض - سقطت عن الحجية و الا فالمناسب الجمع بحمل الاولى على رجحان التقابض دون لزومه، بناء على قبول الاوامر الارشادية للحمل على مثل ذلك و عدم اختصاصه بالاوامر التكليفية، و الا فالمناسب تحقق التعارض و التساقط‍‌ و الرجوع إلى دليل اطلاق حلية البيع و التجارة عن تراض القاضي بعدم اعتبار الشرطية، و معه تكون النتيجة متحدة مع ما سبق تقريبا.

و بالجملة فكرة الهجران ان تمت صغرى و كبرى حكم بالاشتراط‍‌ و الا فالمناسب عدم الاشتراط‍‌ أو التنزل إلى الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة المشهور.

4 - و اما ان المدار ليس على الافتراق عن المجلس بل على

افتراقهما

فذلك واضح من خلال صحيحة منصور المتقدمة.

5 - و اما انه مع الاتحاد يلزم التساوي في الكم

فللتحفظ‍‌ من محذور الربا.

6 - و اما اختصاص اعتبار التقابض بالبيع

فلاختصاص الروايات بذلك.


1) وسائل الشيعة 460:12 الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 11.

هذا و بالامكان ان يقال بالتعميم للصلح بناء على انه ليس معاملة مستقلة في مورد افادته فائدة البيع بل هو هو مع اختلاف الالفاظ‍‌.

7 - و اما عدم جريان حكم الصرف على الاوراق النقدية

فلأنها ليست ذهبا أو فضة، و التعامل ليس عليهما بل عليها و انما هما سبب لاعتبارها.

7 - بيع السلف

اشارة

لا يجوز السلف أو السلم - و هو شراء كلي إلى أجل بثمن حال عكس النسيئة - إذا كان كلا العوضين من الذهب أو الفضة سواء اختلفا في الجنس أم اتحدا، و يجوز في غير ذلك - بشرط‍‌ عدم اتحاد جنسهما فيما إذا كانا من المكيل أو الموزون - سواء كانا معا من العروض أم كان أحدهما من ذلك و الآخر ذهبا أو فضة.

و يلزم فيه - مضافا إلى الشرط‍‌ المتقدم - ما يلي:

أ - ذكر الاوصاف الرافعة للجهالة، فما لا يمكن ضبطه بها لا يصح السلف فيه.

ب - قبض الثمن قبل التفرق على المشهور.

ج‍‌ - تقدير المبيع بالكيل أو الوزن أو العدد إذا كان المبيع من المكيل و نحوه.

د - ضبط‍‌ أجل المبيع.

ه‍‌ - تمكن البائع من دفع المبيع في الوقت الذي تعهد بالدفع فيه أو في المكان الخاص لو شرط‍‌.

و لو طرأ العجز بعد ذلك أو اتضح تخير المشتري بين الصبر و اخذ الثمن بلا زيادة أو الاتفاق على دفع شيء آخر بدله.

و لا يلزم تعيين مكان التسليم.

و من اشترى شيئا سلفا يجوز له بيعه على بائعه بشرط‍‌ عدم زيادة الثمن على الثمن السابق لو كان من جنسه.

و اما بيعه على غير بائعه فالمشهور عدم جوازه قبل حلول الاجل.

هذا في غير المكيل و الموزون.

و اما فيهما فلا يجوز البيع قبل القبض مرابحة حتى بعد حلول الاجل على المشهور.

و كما ينعقد بيع السلف بالايجاب من البائع بلفظ‍‌ بعت و نحوه و القبول من المشتري بلفظ‍‌ قبلت و نحوه ينعقد أيضا بالايجاب من المشتري بلفظ‍‌ اسلفتك أو اسلمتك الثمن في المبيع الموصوف بكذا إلى اجل كذا و قبول البائع بلفظ‍‌ قبلت و نحوه.

و المستند في ذلك:

1 - اما صحة بيع السلم في الجملة

فمما لا خلاف فيها. و تدل على ذلك الروايات الخاصة الدالة على شرطية بعض الشروط‍‌ فيه، كصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بالسلم في الحيوان و المتاع إذا وصفت الطول و العرض. و في الحيوان إذا وصفت اسنانها»(1)، و موثقة غياث بن ابراهيم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: لا بأس بالسلم كيلا معلوما إلى أجل معلوم و لا تسلمه إلى


1) وسائل الشيعة 56:13 الباب 1 من أبواب السلف الحديث 10.

دياس و لا إلى حصاد»(1)و غيرهما.

بل يمكن اثبات ذلك بالادلة العامة من قبيل قوله تعالى: أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (2)و نحوه.

2 - و اما عدم الصحة إذا كان العوضان من الذهب و الفضة مع

اتحاد الجنس

فلمحذور الربا اللازم حتى مع التساوي في المقدار بناء على تعميم المنع للزيادة الحكمية أيضا، مضافا إلى كون ذلك من الصرف - لدى المشهور - الذي يلزم فيه التقابض.

و اما عدم الصحة إذا كانا من الذهب و الفضة مع اختلاف الجنس فلكون ذلك من الصرف المعتبر فيه التقابض.

و اما اعتبار ان لا يكونا من المكيل أو الموزون عند اتحاد الجنس فلكي لا يلزم محذور الربا.

و اما الصحة سواء كانا معا من العروض أم كان احدهما كذلك فللمطلقات الخاصة و العامة المتقدمة.

و بذلك يتضح التأمل فيما ينسب إلى ابن الجنيد من «منع اسلاف عرض في عرض إذا كانا مكيلين أو موزونين أو معدودين كالسمن و الزيت»(3).

3 - و اما اعتبار ضبط‍‌ الاوصاف الرافعة للجهالة

فلصحيحة زرارة السابقة و غيرها، فان اعتبار ذكر الطول و العرض و الاسنان يدل عرفا على ذلك و الا فلا خصوصية للأوصاف المذكورة.


1) وسائل الشيعة 58:13 الباب 3 من أبواب السلف الحديث 5.

2) البقرة: 275.

3) الحدائق الناضرة 10:20.

هذا مضافا إلى اعتبار معلومية العوضين في مطلق البيع كما تقدم.

4 - و اما اعتبار قبض الثمن قبل التفرق

فهو مشهور بين الاصحاب بل ادعي عليه الاجماع.

و قد اعترف في الجواهر و الحدائق بعدم وجود مستند لذلك سوى الاجماع المدعى(1).

فان تمّ‌ الاجماع و ثبتت كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام بنحو الجزم كان هو الحجة و الا فالمناسب التنزل عن الفتوى إلى الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة المشهور.

5 - و اما اعتبار الضبط‍‌ بالكيل و نحوه

فلاعتبار ذلك في مطلق البيع لدى الاصحاب.

6 - و اما اعتبار ضبط‍‌ الاجل

فلموثقة غياث السابقة و غيرها.

مضافا إلى انه لو لا ذلك يلزم الغرر المنهي عنه في مطلق البيع لدى المشهور.

7 - و اما اعتبار امكان الدفع في الوقت أو المكان المقررين

فلانه بدون ذلك لا يتحقق القصد إلى العقد.

و مع التنزل تكفينا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يجيئني يطلب المتاع فاقاوله على الربح ثم اشتريه فابيعه منه، فقال: أ ليس ان شاء أخذ و ان شاء ترك‌؟ قلت: بلى، قال:

فلا بأس به. قلت: فان من عندنا يفسده، قال: و لم‌؟ قلت: قد باع ما ليس


1) جواهر الكلام 289:24، و الحدائق الناضرة 15:20.

عنده‌؟ قال: فما يقول في السلم قد باع صاحبه ما ليس عنده، قلت: بلى، قال: فانما صلح من اجل انهم يسمونه سلما، ان ابي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه»(1).

8 - و اما تخير المشتري بين الصبر و اخذ رأس ماله لو تعذر

تسليم المبيع

فيمكن اثباته من خلال الاشتراط‍‌ الضمني، فان للمتعاقدين في باب السلم اشتراطا ضمنيا عادة على ثبوت حق الفسخ للمشتري ان تعذر على البائع تسليم المبيع.

و مع التنزل تكفينا موثقة عبد اللّه بن بكير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها و لم يستوف سلفه، قال: فليأخذ رأس ماله أو لينظره»(2)و غيرها.

9 - و اما عدم جواز الفسخ بزيادة على الثمن أو نقصان

فلان ذلك مقتضى الفسخ الموجب لرجوع العوضين إلى حالتهما الاولى.

على ان موثقة ابن بكير السابقة دالة على ذلك أيضا.

و مع التنزل و التسليم بعدم ظهورها في ذلك يمكن التمسك بصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل أعطى رجلا ورقا في وصيف إلى أجل مسمّى فقال له صاحبه:

لا نجد لك وصيفا، خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقا، قال: فقال: لا يأخذ الا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه اول مرة لا يزداد عليه شيئا»(3).

10 - و اما جواز التراضي على شيء آخر

فهو مقتضى القاعدة


1) وسائل الشيعة 374:12 الباب 7 من أبواب احكام العقود الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 72:13 الباب 11 من أبواب السلف الحديث 14.

3) وسائل الشيعة 70:13 الباب 11 من أبواب السلف الحديث 9.

لرجوع ذلك إلى معاملة جديدة اتفقا عليها.

على ان موثقة يعقوب بن شعيب: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل باع طعاما بدراهم فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذ مني طعاما، قال: لا بأس انما له دراهمه يأخذ بها ما شاء»(1)و غيرها قد دلت على ذلك أيضا.

11 - و اما انه لا يلزم تعيين مكان الدفع

فلاقتضاء الاطلاق الانصراف إلى البلد الذي تمّ‌ العقد فيه.

12 - و اما جواز بيع المبيع على بايعه بالشرطين

فلانه مقتضى التمسك بالمطلقات العامة من قبيل أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (2)و نحوه.

و هذا من دون فرق بين كون البيع بعد حلول الاجل أو قبله، و بغير جنس الثمن أو به إذا لم تكن زيادة.

و اما عدم جوازه إذا كان بجنس الثمن مع الزيادة فلصحيحة محمد بن قيس المتقدمة و غيرها.

و هي لا تختص بصورة حلول الاجل بل مطلقة من الناحية المذكورة. و على تقدير نظرها إلى خصوص ذلك فيمكن الحكم بالتعميم من باب عدم احتمال الخصوصية.

13 - و اما عدم جواز بيعه على غير بائعه قبل حلول الاجل

فهو مشهور بدون ان يدل عليه نص خاص. و مقتضى القاعدة جوازه.

و قد صرح في الجواهر و الحدائق(3)بانحصار المستند في


1) وسائل الشيعة 71:13 الباب 11 من أبواب السلف الحديث 10.

2) البقرة: 275.

3) جواهر الكلام 320:24، و الحدائق الناضرة 46:20.

الاجماع المدعى.

و قد يقال: ان عدم جواز البيع قبل حلول الاجل هو على مقتضى القاعدة لعدم استحقاق المشتري المبيع آنذاك ليمكنه بيعه.

و الجواب: ان اشتغال ذمة البائع للمشتري يحصل بتمامية العقد و لو لم يحل الاجل و انما الاجل شرط‍‌ في استحقاق المطالبة بالفعل.

اجل لربما يحكم بعدم الجواز لو فرض كون الثمن مؤجلا لصدق عنوان بيع الدين بالدين، و قد روى طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يباع الدين بالدين»(1).

و طلحة و ان لم يوثق الا ان تعبير الشيخ عن كتابه بانه معتمد(2)يكفي في قبول رواياته.

الا انه تمكن المناقشة أيضا بان ظاهر النهي عن بيع الدين بالدين بيع ما كان دينا قبل العقد بما كان دينا قبله أيضا و لا يشمل بيع ما كان دينا قبله بما صار دينا بسببه، كما هو المفروض في المقام.

و الملخص: ان جواز البيع هو مقتضى القاعدة ما دام قد فرض ارادة البيع بأجل أيضا يزيد على السابق أو يساويه.

و عليه فالفتوى بعدم الجواز في الفرض المذكور يبتني على حصول الاطمئنان للفقيه بمثل الاجماعات المذكورة و الا فالمناسب التنزل إلى الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة شبهة الاجماع.

14 - و اما عدم جواز بيع المكيل و الموزون قبل قبضه مرابحة

فهو على خلاف القاعدة و من صغريات مسألة بيع المبيع قبل قبضه.


1) وسائل الشيعة 64:13 الباب 8 من أبواب السلف الحديث 2.

2) الفهرست للشيخ الطوسي: 86 الرقم 362.

و المنسوب إلى الشيخ المفيد الكراهة في خصوص المكيل و الموزون، و إلى الشيخ عدم الجواز في خصوص الطعام(1)، و الى الأردبيلي الجواز مطلقا(2).

و المشهور عدم الجواز في خصوص المكيل و الموزون لصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا ان توليه فإذا لم يكن فيه كيل و لا وزن فبعه»(3)و غيرها.

هذا و لكن ورد في صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل ان يقبضه، قال: لا بأس. و يوكل الرجل المشتري منه بقبضه وكيله‌؟ قال: لا بأس»(4).

و مقتضى الجمع حمل الروايات الاولى على الكراهة إذا لم يحتمل للطعام خصوصية و الا يكون المناسب التفصيل بين الطعام فيجوز بيعه قبل قبضه و بين غيره من المكيل و الموزون فلا يجوز.

لا يقال: ان صحيحة ابن دراج لا يمكن الاخذ بها لكونها معارضة بصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل ان يكال، قال: لا يصلح له ذلك»(5).

فانه يقال: ان جملة «لا يصلح» قابلة للحمل على الكراهة فلا5.


1) الحدائق الناضرة 168:19.

2) الحدائق الناضرة 172:19.

3) وسائل الشيعة 390:12 الباب 16 من أبواب احكام العقود الحديث 12.

4) وسائل الشيعة 388:12 الباب 16 من أبواب احكام العقود الحديث 6.

5) وسائل الشيعة 388:12 الباب 16 من أبواب احكام العقود الحديث 5.

تتحقق المعارضة.

15 - و اما انعقاد بيع السلف بما تقدم من الصيغ

فللمطلقات العامة من قبيل قوله تعالى: أَحَلَّ‌ اللّهُ‌ الْبَيْعَ‌ (1)و نحوه.

8 - محرّمات في الشريعة

اشارة

في الشريعة الاسلامية محرّمات كثيرة يحرم التكسب بها - ان كانت قابلة لذلك - لحرمتها في نفسها، نذكر من بينها:

الغناء
اشارة

يحرم الغناء و لو في الرثاء و الدعاء و قراءة القرآن و نحو ذلك و حتى من دون انضمام محرم آخر إليه. و كذا يحرم استماعه.

و يستثنى منه الحداء و ما كان في الاعراس للنساء إذا لم يقترن به محرم.

و الميزان في صدقه كون الكيفية مناسبة لمجالس اللهو و أهل الفسوق.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الغناء في الجملة

فمتفق عليها من غير الكاشاني و السبزواري. و يدل عليها الكتاب الكريم: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ‌ الزُّورِ (2)، وَ مِنَ‌ النّاسِ‌ مَنْ‌ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‌ لِيُضِلَّ‌ عَنْ‌ سَبِيلِ‌ اللّهِ‌ (3)لتفسير الزور بالغناء في صحيحة زيد الشحام: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله


1) البقرة: 275.

2) الحج: 30.

3) لقمان: 6.

تعالى: و اجتنبوا قول الزور، قال: قول الزور الغناء»(1)و تفسير لهو الحديث بذلك أيضا في عدة روايات(2).

و إذا اشكل بان ما يراد اثبات تحريمه هو الغناء بمعنى الكيفية اللهوية الخاصة القائمة بالكلام الباطل أو الاعم دون الكلام نفسه، و ما ذكر لا يدل على تحريم الكيفية بل على تحريم الكلام الباطل، أمكن التمسك بالروايات:

كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «الغناء مما وعد اللّه عليه النار، و تلا هذه الآية: وَ مِنَ‌ النّاسِ‌ مَنْ‌ يَشْتَرِي... (3).

و صحيحة الريان بن الصلت: «سألت الرضا عليه السّلام يوما بخراسان عن الغناء و قلت: ان العباس ذكر عنك انك ترخص في الغناء، فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء فقلت: ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السّلام فسأله عن الغناء فقال: يا فلان إذا ميّز اللّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل، فقال: قد حكمت»(4)، فان انكاره عليه السّلام للترخيص يدل على المطلوب.

و صحيحة مسعدة بن زياد: «كنت عند ابي عبد اللّه عليه السّلام فقال له رجل: بأبي انت و أمي اني ادخل كنيفا ولي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود فربما اطلت الجلوس استماعا مني لهنّ‌، فقال عليه السّلام:

لا تفعل. فقال الرجل: و اللّه ما اتيتهن انما هو سماع اسمعه باذاني3.


1) وسائل الشيعة 225:12 الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 226:12 الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7، 11.

3) وسائل الشيعة 226:12 الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

4) وسائل الشيعة 227:12 الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 13.

فقال عليه السّلام: باللّه انت، اما سمعت اللّه يقول: إِنَّ‌ السَّمْعَ‌ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ‌ أُولئِكَ‌ كانَ‌ عَنْهُ‌ مَسْؤُلاً... (1).

و صحيحة عبد الاعلى: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء فقلت: انهم يزعمون ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رخّص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيكم فقال: كذبوا ان اللّه عز و جل يقول: وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ‌ وَ الْأَرْضَ‌ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ‌... (2).

و صحيحة ابراهيم بن ابي البلاد: «قلت لأبي الحسن الاول عليه السّلام:

جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن اربعة عشر الف دينار و قد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لي فيها، ان ثمن الكلب و المغنية سحت»(3)، فان سحتية الثمن تدل على حرمة الغناء و الا فلا وجه لكونه سحتا.

2 - و اما تعميمه لغير الكلام الباطل كالدعاء و نحوه

فلان المفهوم عرفا من الغناء الكيفية الخاصة بقطع النظر عن المادة، و لذا من سمع من بعيد صوتا بالكيفية الخاصة المناسبة لمجالس اهل الفسوق حكم بكونه غناء و لو لم يميز مادته.

و يؤكد ما ذكرناه صحيحة عبد الاعلى المتقدمة فان الجمل المذكورة فيها ليست باطلة المضمون و مع ذلك كذّب عليه السّلام ترخيصها.

و قد يقال باختصاص التحريم بما إذا كانت المادة باطلة، اما لأخذ ذلك في مفهوم الغناء، كما يستفاد من صحيحة زيد الشحام


1) وسائل الشيعة 957:2 الباب 18 من أبواب الاغسال المسنونة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 228:12 الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 15.

3) وسائل الشيعة 87:12 الباب 16 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

المتقدمة(1)، او لما ذكره المحقق الأردبيلي من انعقاد سيرة المتشرعة على حضور مآتم أهل البيت عليهم السّلام و استماعهم إلى ألحان قراءة الخطيب بدون انكار منهم(2)، او لما ذكره المحقق النراقي من التمسك باطلاق أدلة قراءة القرآن الكريم و الدعاء و الرثاء(3).

و الكل كما ترى.

اما الاول فلان صحيحة الشحام لم تحكم بان الكلام الباطل هو الغناء لينحصر الغناء بالكلام الباطل و انما حكمت بان الغناء هو فرد من الكلام الباطل، و واضح ان الغناء لو تحقق بقراءة الدعاء امكن ان يصدق عليه عنوان الكلام الباطل و لو باعتبار كيفيته.

و اما الثاني فلعدم احراز اتصال السيرة بزمن المعصوم عليه السّلام ليثبت تلقيها منه لو لم يحرز عدم ذلك.

و اما الثالث فلان ادلة الحث على قراءة القرآن مثلا ناظرة إلى قراءة القرآن بما هي و بقطع النظر عما يصاحبها و الا فهل يحتمل كونها حاثّة عليها حتى لو استلزمت ايذاء نائم مثلا؟

و مما يؤكد عدم مدخلية المادة - مضافا إلى ما تقدم - ان لازم مدخليتها ندرة تحقق الغناء المحرّم لعدم كون المادة في الغالب كذبا و باطلا بل و يلزم عدم حرمة عنوان الغناء و الغاء خصوصيته كما هو واضح.

3 - و اما تعميم التحريم لحالة عدم انضمام محرّم إليه
• من

1) محاضرات في الفقه الجعفري 352:1.

2) مجمع الفائدة و البرهان 61:8.

3) مستند الشيعة 644:2.

دخول الرجال على النساء و استعمال الآلات الموسيقية و التكلم بالباطل - فلان ظاهر مثل قوله عليه السّلام في صحيحة ابن مسلم المتقدمة:

«الغناء مما وعد اللّه عليه النار» حرمة الغناء نفسه لا انه مباح و الحرمة ثابتة لما يقارنه.

هذا و لكن المختار لدى المحققين الكاشاني و السبزواري عدم حرمة الغناء في نفسه بل هي ثابتة لما يقارنه(1).

و قد يستدل لذلك ببعض الروايات، من قبيل:

صحيحة ابي بصير: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، و ليست بالتي يدخل عليها الرجال»(2).

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الاضحى و الفرح‌؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به»(3).

بيد ان بالامكان مناقشتهما.

اما الاولى فلأنها ناظرة إلى الغناء في الاعراس و انه جائز فيما إذا لم يدخل الرجال، و الالتزام باستثنائه ممكن كما سيأتي و لا تدل على نفي البأس عن اجر مطلق المغنية.

و اما الثانية فلا اشكال في سندها لأنها بطريق قرب الاسناد و ان كانت ضعيفة بعبد اللّه بن الحسن لكونه مجهول الحال الا ان الحر رواها من كتاب علي بن جعفر، و طريقه إليه صحيح - حيث ان له طرقا5.


1) الوافي 218:17 و كفاية الاحكام: 86.

2) وسائل الشيعة 85:12 الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 85:12 الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

صحيحة إلى جميع الكتب التي روى عنها الشيخ الطوسي(1)و التي منها كتاب علي بن جعفر(2)، و طريق الشيخ بدوره إلى الكتاب المذكور صحيح في الفهرست(3)- غير انها لا تفي بتمام مطلوب الكاشاني لأنها تدل على جواز الغناء في نفسه في الموارد الثلاثة المذكورة فيها لا أكثر، و بذلك تكون مخصصة لما سبق.

و مع التنزل تتحقق المعارضة بين هذه و ما دلّ‌ على حرمة الغناء نفسه، و الترجيح لما دلّ‌ على حرمة الغناء في نفسه لمخالفته للعامة.

4 - و اما ان الاستماع حرام

فلصحيحة مسعدة المتقدمة. مضافا إلى امكان استفادة ذلك من الحكم بكون ثمن المغنية سحتا، إذ لا وجه لذلك ما دامت المنفعة محللة.

و يؤيد ذلك ما ورد من ان الاستماع إلى المغنيات نفاق(4).

5 - و اما الحداء فالمشهور استثناؤه.

و الوارد من غير طرقنا ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لعبد اللّه بن رواحة: «حرّك بالنوق فاندفع يرتجز و كان عبد اللّه جيد الحداء، و كان مع الرجال، و كان انجشة مع النساء فلما سمعه تبعه فقال صلّى اللّه عليه و آله لا نجشة: رويدك، رفقا بالقوارير»(5)و استفيد من ذلك التقرير، و لكنها غير تامة سندا، كما هو واضح، و لا دلالة، حيث لم يأمر صلّى اللّه عليه و آله ابن رواحة بالحداء و لم تتضح كيفية ارتجازه ليثبت التقرير.


1) راجع الفائدة الخامسة من الفوائد المذكورة في وسائل الشيعة 50:20.

2) راجع الفائدة الرابعة من الفوائد المذكورة في وسائل الشيعة 39:20.

3) فهرست الشيخ الطوسي: 87 الرقم 367.

4) وسائل الشيعة 88:12 الباب 16 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7.

5) سنن البيهقي 227:10.

و اما من طرقنا فالوارد عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: زاد المسافر الحداء و الشعر ما كان منه ليس فيه خنا(1)»(2).

و هو جيد لو تمّ‌ سندا و لم يناقش من ناحية النوفلي.

الا ان بالامكان ان يقال بخروج الحداء عن الغناء تخصصا لا تخصيصا، كما احتمل ذلك في الجواهر(3)، و معه لا حاجة إلى البحث عن دليل الاستثناء.

6 - و اما استثناء الاعراس

فلصحيحة ابي بصير المتقدمة و غيرها.

و اما اعتبار عدم انضمام المحرّم فلان المستثنى عنوان الغناء دون ما زاد. مضافا إلى امكان فهم ذلك من صحيحة ابي بصير، بل يفهم منها أيضا تخصيص الجواز بالنساء.

7 - و اما ان الميزان في صدق الغناء مناسبة الكيفية لمجالس أهل

الفسوق

فلم يذكر في كلمات المشهور بل المذكور فيها ان الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع او المشتمل على الترجيع مع الطرب، و ما شاكل ذلك.

و المناسب الرجوع إلى العرف - لأنه المرجع في تحديد مفاهيم الالفاظ‍‌ - و هو يحدده بما ذكرناه. و عادة يتحقق ذلك فيما إذا كان الصوت من شأنه الاطراب.


1) الخنا: الفحش في الكلام.

2) وسائل الشيعة 306:8 الباب 37 من أبواب آداب السفر الحديث 1.

3) جواهر الكلام 51:22.

و عند الشك بنحو الشبهة الموضوعية يكون المرجع هو البراءة كما هو واضح.

ثم ان المفهوم من الغناء عرفا ما ذكرناه، و لكن لو فرض الشك فيه بنحو الشبهة المفهومية و تردده بين السعة و الضيق فالمناسب الاقتصار على القدر المتيقن و اجراء البراءة عن حرمة الزائد.

الغيبة
اشارة

تحرم الغيبة، و هي «أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه». و لا تتحقق الا بذكر المؤمن في غيبته بعيبه المستور امام سامع و لو من دون كراهته و لا قصد الانتقاص.

و تستثنى من حرمة الغيبة موارد منها: المتجاهر بالفسق، و الاحتياط‍‌ يقتضي الاقتصار على ذكره بما تجاهر به، و الظالم فانه تجوز للمظلوم غيبته، و الاحتياط‍‌ يقتضي أيضا الاقتصار على بيان ما تحقق به الظلم و عند من يتوقع منه ازالته.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الغيبة في الجملة

فمن ضروريات الدين. و يدل عليها الكتاب الكريم: وَ لا يَغْتَبْ‌ بَعْضُكُمْ‌ بَعْضاً أَ يُحِبُّ‌ أَحَدُكُمْ‌ أَنْ‌ يَأْكُلَ‌ لَحْمَ‌ أَخِيهِ‌ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‌ (1)، و الاخبار المتواترة، كموثقة ابي بصير عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه معصية للّه و حرمة ماله كحرمة دمه»(2)و غيرها.


1) الحجرات: 12.

2) وسائل الشيعة 599:12 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة الحديث 12.

و التدقيق في سندها غير مهم بعد تواترها.

و اما الاجماع فلا يمكن التمسك به بعد كونه مدركيا.

2 - و اما تحديد الغيبة

فلا يمكن الاعتماد فيه على كلمات اللغويين لاختلافها و عدم دقتها في ذكر القيود، بل لا مجال للرجوع إليها بعد تحديد الروايات لها، ففي صحيحة عبد الرحمن بن سيابة: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الغيبة ان تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه. و اما الامر الظاهر مثل الحدة و العجلة فلا»(1). و قريب من ذلك صحيحة داود بن سرحان(2).

و ابن سيابة و ان لم يوثق بالخصوص الا انه قد يتساهل من ناحيته، اما لوروده في كامل الزيارات، أو لرواية ابن ابي عمير عنه، او لاشتمال السند على يونس الذي هو من اصحاب الاجماع، او لكونه وكيل الامام الصادق عليه السّلام في تقسيم الاموال على عوائل من قتل مع عمه زيد.

و مع التنزل تكفينا صحيحة ابن سرحان حيث لا مشكلة في سندها الا من ناحية المعلى بن محمد، فانه و ان لم يوثق بل قيل في حقه:

انه مضطرب الحديث و المذهب(1)، الا انه يمكن التساهل من ناحيته بعد اكثار الحسين بن محمد الاشعري شيخ الشيخ الكليني الرواية عنه.

3 - و اما اعتبار ان يكون ذكره بالعيب في غيبته

فلتقوم مفهوم الغيبة به. و لربما تلمح الآية الكريمة إلى اعتباره حيث وصفت الاخ بكونه ميتا، و ما ذاك الا لتشبيه غيابه المعتبر في الغيبة بموته.


1) رجال النجاشي: 296 منشورات مكتبة الداوري.

و ينبغي ان يكون واضحا ان نفي صدق عنوان الغيبة عند افتراض الحضور لا يعني نفي الحرمة بل قد تكون ثابتة بشكل اقوى لثبوت ملاك تحريم الغيبة و زيادة.

4 - و اما اعتبار ان يكون المذكور عيبا

فيمكن استفادته من التعبير ب‍‌ «تقول فيه»، «ستره اللّه عليه»، بل و من الآية الكريمة أيضا، فان أكل لحم الاخ ميتا لا يتحقق الا بذكر عيوبه.

و بهذا يتضح ان الذكر بما ليس عيبا فضلا بما هو كمال ليس من الغيبة في شيء و ان كان صاحبه كارها لذلك.

و اما ما ورد في وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي ذر: «... قلت يا رسول اللّه:

و ما الغيبة‌؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره»(1)فهو على تقدير صحة سنده منصرف إلى ما يكره ذكره من العيوب فلاحظ‍‌ ذيل الحديث: «اعلم انك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، و إذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته»(2).

اجل قد يحرم ذلك من جهة عنوان آخر غير الغيبة كإيذاء المؤمن مثلا بناء على حرمته بعرضه العريض الشامل لمثل المقام.

5 - و اما اعتبار كون العيب مستورا

فهو صريح الروايتين السابقتين.

و اما اعتبار وجود السامع فلأن كشف العيب المستور لا يتحقق الا بذلك.

و صحيحة ابن سيابة و ان لم تذكر لفظ‍‌ الكشف الا ان ارادته واضحة و الا فلا معنى لأخذ قيد الستر.


1) وسائل الشيعة 598:12 الباب 152 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

2) المصدر نفسه.

6 - و اما عدم اعتبار الكراهة

فلإطلاق الصحيحتين السابقتين.

و لا يمكن تقييد الاطلاق المذكور بالنبوي المتقدم بعد ضعف سنده و احتمال ان تكون كلمة «يكره» مبنية للمجهول.

و احتمال ان حرمة الغيبة هي من باب ان من حق المؤمن ان لا يذكر بعيوبه فإذا اسقط‍‌ الحق المذكور - فيما إذا فرض رضاه بذكر عيوبه - فلا موجب لبقاء الحرمة ضعيف لعدم الدليل على كون حرمة الغيبة هو من باب الحق بل بالامكان دعوى كونها من باب الحكم الشرعي بقرينة اطلاق الصحيحتين.

7 - و اما عدم اعتبار قصد الانتقاص

فلإطلاق الصحيحتين، بل مع فرض قصد الانتقاص تثبت الحرمة حتى في بيان العيب الظاهر، و الحال ان ظاهر صحيحة ابن سيابة نفي الحرمة عن بيان العيوب الظاهرة لا نفي موضوع الغيبة فقط‍‌.

8 - و اما استثناء المتجاهر بالفسق

فلرواية هارون بن الجهم عن الصادق عليه السّلام: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة» الا انها ضعيفة بأحمد بن هارون شيخ الشيخ الصدوق - و مجرّد ترضيه عنه(1)لا يدل على توثيقه له - بل تمكن الخدشة السندية في باقي روايات الاستثناء المذكور.

الا انه يمكن ان يقال ان تعددها و مفروغية الحكم لدى الاصحاب يصحح للفقيه التساهل من الناحية المذكورة.

هذا كله إذا لم يخصص الحكم بالجواز بخصوص ما تحقق


1) كما في الخصال: 33 باب الاثنين الحديث 1.

التجاهر به و الا فلا يحتاج الاستثناء إلى دليل لعدم صدق عنوان الغيبة بلحاظه.

9 - و اما ان الحكم بالجواز يختص بالفسق المتجاهر به او الاعم

فمحل خلاف، فقد استظهر صاحب الحدائق عدم الاختصاص(1).

و اختار الشهيد الثاني الاختصاص(2).

و فصّل الشيخ الأعظم بين ما كان دون المتجاهر به في القبح فيلحق بالمتجاهر به في جواز الغيبة به و بين غيره فلا يلحق به. قال قدّس سرّه:

«و ينبغي الحاق ما يتستر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح، فمن تجاهر باللواط‍‌ - العياذ باللّه - جاز اغتيابه بالتعرض للنساء الاجنبيات...»(3).

و المناسب التعميم تمسكا باطلاق الروايات خصوصا ان ظاهرها كون الحكم من باب التخصيص دون التخصص.

و اما ما ذكره الشيخ الاعظم فقابل للتأمل، فان الدليل القائل مثلا:

من تجاهر بالزنا جازت غيبته بذلك يدل بالملازمة على ان من تجاهر بالنظر الى الاجنبية جازت غيبته بذلك أيضا، و لا يدل بالملازمة على ان النظر الى الاجنبية لو لم يكن متجاهرا به تجوز غيبته به أيضا.

هذا كله بمقتضى الصناعة العلمية. و لكن يبقى الاحتياط‍‌ بالاقتصار على غيبته في خصوص ما تجاهر به امرا لا ينبغي الحياد عنه.


1) الحدائق الناضرة 166:18.

2) كشف الريبة: 80.

3) كتاب المكاسب 298:1، منشورات دار الحكمة.

10 - و اما استثناء الظالم

فمتفق عليه لقوله تعالى: لا يُحِبُّ‌ اللّهُ‌ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ‌ الْقَوْلِ‌ إِلاّ مَنْ‌ ظُلِمَ‌ (1).

و مقتضى اطلاقه جواز الجهر بالسوء حتى في غير ما تحقق الظلم به و عند من لا يتوقع منه ازالة الظلم خصوصا لو لوحظ‍‌ التعبير ب‍‌ «الجهر» الظاهر في الاشاعة و عدم الاقتصار في البيان عند شخص دون آخر.

و يبقى الاحتياط‍‌ بالاقتصار على القدر المتيقن امرا لا ينبغي الحياد عنه بل قد يشكّك في انعقاد الاطلاق من الناحية الاولى.

القمار
اشارة

القمار حرام إذا كان مع الرهن و بآلاته الخاصة بل يكفي توفر احدهما في ثبوت التحريم لدى المشهور.

و اما إذا فرض فقدان كلا الامرين - كالمصارعة و المسابقة بأشكالها المختلفة إذا لم تكن مع الرهن - فالمناسب الحكم بالجواز.

و المراد من آلات القمار ما تداول التقامر بها و لو في عصرنا المتأخّر.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة إلى معنى القمار

فقد اختلف اللغويون بل الفقهاء أيضا في تحديده من حيث اخذ العوض و كون اللعب بخصوص آلاته الخاصة في مفهومه(2).


1) النساء: 148.

2) ففي الصحاح، مادة «قمر»: قمرت الرجل إذا لا عبته فيه فغلبته. -

قال الشيخ الأعظم: «القمار... و هو - بكسر القاف - كما عن بعض اهل اللغة: الرهن على اللعب بشيء من الآلات المعروفة، و حكي عن جماعة انه قد يطلق على اللعب بهذه الاشياء مطلقا و لو من دون رهن.

و به صرح في جامع المقاصد(1)

و ربما أطلق على اللعب بها مطلقا. و لا ريب في تحريم اللعب بذلك و ان لم يكن رهن». جامع المقاصد 24:4.

. و عن بعض ان اصل المقامرة المغالبة»(2)

و في لسان العرب: قامر الرجل مقامرة و قمارا: راهنه، و هو التقامر.

و في المصباح المنير: قامرته عليه: غلبته في القمار.

و في القاموس: قامره مقامرة... راهنه فغلبه.

و في مجمع البحرين: تقامروا: لعبوا بالقمار و اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف انواعها نحو الشطرنج و النرد و غير ذلك. و أصل القمار: الرهن على اللعب بالشيء من هذه الأشياء.

و في اساس البلاغة: القمار خداع. و قامرته: غلبته.

و في لسان العرب: قامر الرجل مقامرة و قمارا: راهنه، و هو التقامر.

و في المصباح المنير: قامرته عليه: غلبته في القمار.

و في القاموس: قامره مقامرة... راهنه فغلبه.

و في مجمع البحرين: تقامروا: لعبوا بالقمار و اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف انواعها نحو الشطرنج و النرد و غير ذلك. و أصل القمار: الرهن على اللعب بالشيء من هذه الأشياء.

.

و عليه فالشبهة بلحاظ‍‌ مفهوم القمار مفهومية لتردده بين السعة و الضيق. و حكمها - كما هو واضح - الاقتصار في الحكم بالتحريم مثلا على القدر المتيقن، و هو المفهوم الضيق و اجراء البراءة بلحاظ‍‌ ما زاد.

2 - و اما حرمته

فلا اشكال فيها، و هي مورد اتفاق المسلمين.

و يدل عليها من الكتاب الكريم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ‌ وَ الْأَزْلامُ‌ رِجْسٌ‌ مِنْ‌ عَمَلِ‌ الشَّيْطانِ‌ فَاجْتَنِبُوهُ‌ (3)، فان الميسر


1) و نص عبارة المحقق الكركي: «و اصل القمار: الرهن على اللعب بشيء من هذه الأشياء.

2) - و في اساس البلاغة: القمار خداع. و قامرته: غلبته.

3) المائدة: 90.

هو القمار كما دلت عليه الروايات(1)و كلمات اهل اللغة(2)

و في مجمع البحرين: الميسر: القمار... و يقال سمّي ميسرا لتيسر اخذ مال الغير فيه من غير تعب و مشقة.

.

و من السنة الشريفة روايات كثيرة كادت تبلغ حدّ التواتر، كصحيحة زيد الشحام: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل:

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ‌ مِنَ‌ الْأَوْثانِ‌ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ‌ الزُّورِ (3)قال: الرجس من الاوثان: الشطرنج، و قول الزور: الغناء»(4).

و موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن اللعب بالشطرنج و النرد»(5).

و صحيحة معمر بن خلاد عن ابي الحسن عليه السّلام: «النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، و كل ما قومر عليه فهو ميسر»(6).

3 - و اما تحريم ما كان اللعب فيه مع الرهن و بالآلات الخاصة

فلانه القدر المتيقن من ادلة التحريم السابقة.

4 - و اما ما كان بآلات القمار المتداولة بدون رهن

فقد يستدل على حرمته بوجوه نذكر منها:

أ - التمسك باطلاق الآية الكريمة حيث لم يؤخذ في وجوب


1) روى الوشاء عن ابي الحسن عليه السّلام: «الميسر هو القمار» وسائل الشيعة 119:12 الباب 35 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

2) ففي لسان العرب، مادة «يسر»: الياسر من الميسر و هو القمار.

3) الحج: 30.

4) وسائل الشيعة 237:12 الباب 102 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 238:12 الباب 102 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

6) وسائل الشيعة 242:12 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

الاجتناب عن الميسر فيها وجود الرهن.

و فيه: ان المفروض الشك في صدق عنوان «القمار» بدون الرهن، و التمسك بالاطلاق فرع احراز صدق عنوان المطلق على المشكوك.

ب - التمسك بما دلّ‌ على ان المؤمن مشغول عن اللعب، كما في رواية عبد الواحد بن المختار: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام... عن اللعب بالشطرنج فقال: ان المؤمن لمشغول عن اللعب»(1).

و قد تمسك الشيخ الأعظم بهذا الوجه في جملة ما تمسك به لإثبات التحريم في محل الكلام(2).

و فيه: ان ما ذكر لو تمّ‌ سندا لا دلالة له على التحريم كما هو واضح.

ج‍‌ - التمسك بما دلّ‌ على حرمة اللعب بالنرد و الشطرنج - كموثقة السكوني المتقدمة - بتقريب ان اللعب بما ذكر يصدق و لو بلا مراهنة.

و فرق بين ذلك و بين القمار، فان صدق الثاني و ان كان من المحتمل توقفه على المراهنة الا ان الاول لا يتوقف على ذلك جزما.

و دعوى الشيخ الاعظم: انصراف اطلاق النهي عن اللعب بما ذكر إلى الحالة المتعارفة و هي حالة ثبوت الرهن(3)، قابلة للتأمل، فان غلبة الوجود لا توجب الانصراف، و على تقدير التنزل يمكن التأمل في دعوى الغلبة المذكورة.

و المناسب في مناقشة الوجه المذكور ان يقال: ان النهي المذكور1.


1) وسائل الشيعة 239:12 الباب 102 من أبواب ما يكتسب به الحديث 11.

2) كتاب المكاسب 322:1، منشورات دار الحكمة.

3) كتاب المكاسب 320:1.

خاص بالنرد و الشطرنج و لا يعم اللعب بغيرهما من آلات القمار.

و دعوى عدم الفصل او الحمل على المثالية غير واضحة.

د - التمسك بصحيحة معمر بن خلاد المتقدمة حيث ورد فيها:

«و كل ما قومر عليه فهو ميسر».

و فيه: ما تقدم من الشك في صدق عنوان «ما قومر عليه» عند عدم وجود الرهن.

و عليه فالمناسب في هذه الصورة الحكم بالتحريم إذا كان اللعب بآلات النرد و الشطرنج و يكون الحكم بالحرمة في غير ذلك مبنيا على الاحتياط‍‌.

5 - و اما إذا كان اللعب بغير آلات القمار مع افتراض وجود الرهن
• كالمراهنة في باب المصارعة او حمل الاثقال او سائر المسابقات - فقد استدل على تحريمه بعدة وجوه نذكر منها:

أ - التمسك برواية العلاء بن سيابة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش. و ما سوى ذلك فهو قمار حرام»(1).

و فيه: ان السند ضعيف بالعلاء نفسه حيث لم يوثق الا بناء على كفاية رواية ابن ابي عمير - الذي هو احد الثلاثة - عنه.

ب - التمسك بمرسلة الصدوق: «قال الصادق عليه السّلام: ان الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل. و قد سابق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اسامة بن زيد و اجرى الخيل»(2).


1) وسائل الشيعة 349:13 الباب 3 من السبق و الرماية الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 347:13 الباب 1 من السبق و الرماية الحديث 6.

و الجواب عنها واضح لضعف سندها بالارسال.

الا انه قد يحكم بحجية مراسيل الشيخ الصدوق لأحد البيانات الثلاثة التالية:

الاول: انه قدّس سرّه ذكر في مقدمة كتابه: «و لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما افتي به و احكم بصحته و اعتقد فيه انه حجة فيما بيني و بين ربي تقدّس ذكره»(1)، و ذلك يدل على انه لا يذكر في كتابه الا الاخبار الصحيحة.

و فيه: ان الصحيح في مصطلح المتقدمين عبارة عن كل خبر يجب العمل به و لو لاحتفافه ببعض القرائن الموجبة للاطمئنان بصدوره - دون ما كان رواته عدولا امامية، فانه مصطلح متأخر - و لعل بعض تلك القرائن لو اطلعنا عليها لم توجب لنا الاطمئنان.

الثاني: انه ذكر في مقدمة كتابه أيضا ان «جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعول و اليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد اللّه السجستاني و كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي و كتب علي بن مهزيار الاهوازي...»(2)، و مع استخراج الأحاديث من كتب مشهورة عليها اعتماد الاصحاب لا تبقى حاجة إلى وجود طريق صحيح.

و فيه: ان شهرة الكتاب و التعويل عليه لا يعني صحة جميع احاديثه و انما يعني ان التعويل عليه هو طابعه العام، فكتاب الكافي مثلا يصدق عليه انه كتاب مشهور و عليه معول الشيعة مع عدم الحكم بصحة جميع احاديثه.ه.


1) الفقيه 3:1.

2) المصدر نفسه.

الثالث: التمسك بالرأي المفصّل في مراسيل الصدوق بين ما إذا عبّر ب‍‌ «روي عن الصادق عليه السّلام» فلا تكون حجة، و بين ما إذا عبّر ب‍‌ «قال الصادق عليه السّلام» فتكون حجة لان ذلك يدل على جزمه بصدور الحديث و الا لما جازت له النسبة بنحو الجزم، و كيف ينسب الامامي إلى امامه قولا لا يجزم بصدوره عنه.

و فيه: ان تعبيره ب‍‌ «قال» و ان دلّ‌ على جزمه بصدور الرواية الا ان ذلك لا يعني شهادته بوثاقة جميع رجال سندها، بل قد يكون ذلك لاحتفافها بنظره بقرائن أوجبت اطمئنانه بصدورها، و لعل تلك القرائن لو اطلعنا عليها لم توجب لنا الاطمئنان.

ج‍‌ - التمسك برواية العياشي في تفسيره عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن الميسر، قال: الثقل من كل شيء. قال: و الثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم»(1).

و فيه: ان على تقدير تمامية سندها - و عدم المناقشة من ناحية ياسر الخادم لجهالته بل و جهالة طريق العياشي إليه - قد تناقش دلالتها بان مفادها حرمة العوض لا حرمة اللعب نفسه.

د - التمسك بصحيحة معمر بن خلاد المتقدمة، حيث ورد فيها:

«و كل ما تقومر عليه فهو ميسر».

و فيه: ان المفروض الشك في صدق عنوان «تقومر عليه» على اللعب بغير الآلات المتداولة. مضافا إلى انها ناظرة إلى تحريم العوض دون اللعب نفسه.

ه‍‌ - دعوى الجزم بعدم مدخلية اللعب بالآلات المتداولة في صدق9.


1) وسائل الشيعة 243:12 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

عنوان القمار - و لذا لو فرض انعدام الآلات القديمة و تبدلها إلى آلات جديدة فهل يحتمل انتفاء الحرمة‌؟! - بل المناط‍‌ صدق اللعب مع الرهان و لو لم يكن اللعب بالآلات المتعارفة.

و لا يشكل على ذلك بلزوم صدق القمار إذا فرض التسابق مع الرهان في حفظ‍‌ سورة او بناء عمارة او كتابة كتاب و ما شاكل ذلك، و الحال ان الالتزام بذلك بعيد جدا.

إذ يجاب بان عنوان اللعب في مثل ذلك غير صادق.

6 - و اما عدم التحريم في الصورة الاخيرة

فلأصل البراءة بعد عدم الدليل على التحريم، إذ الموجب له اما التمسك بما دلّ‌ على حرمة القمار، أو التمسك بما تقدم من «ان المؤمن لمشغول عن اللعب»، أو التمسك بمثل صحيحة حفص عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا سبق الا في خف أو حافر أو نصل»(1).

و الكل كما ترى.

اما الاول فللشك في صدق القمار.

و اما الثاني فلانه لا يدل على الحرمة، بل لا يمكن الالتزام بها، كيف و هل يحتمل ان اللهو و اللعب باللحية أو بالمشي في الازقة و الاسواق عبثا أو بنقض الغزل من بعد قوة انكاثا و ما شاكل ذلك محرم‌؟

و اما الثالث فلاحتمال كون السبق بفتح السين و الباء معا - بمعنى المال المجعول رهنا - و ليس بفتح السين و سكون الباء.

7 - و اما تعميم آلات القمار

لما تداول في عصرنا الحاضر فلعدم احتمال الخصوصية لتلك.


1) وسائل الشيعة 348:13 الباب 3 من السبق و الرماية الحديث 1.

كتاب الاجارة

اشارة

1 - حقيقة الاجارة

2 - من خصوصيات عقد الاجارة

3 - شرائط‍‌ العوضين

4 - الضمان في باب الاجارة

5 - احكام عامة للإجارة

1 - حقيقة الاجارة

اشارة

الاجارة عقد يتضمن تمليك المنفعة - التي هي عمل أو غيره - بعوض.

و هي مشروعة بالضرورة.

و لها شرائط‍‌ يرتبط‍‌ بعضها بالمتعاقدين - هي شرائط‍‌ المتعاقدين نفسها في باب البيع - و بعضها بالعوضين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حقيقة الاجارة ما ذكر

فهو ما جاء في كلمات غير واحد من الأصحاب. و هو مبني على كون الاجارة فعل المؤجر، كتعريف البيع بانه تمليك عين بعوض. و اما بناء على كونها فعل الطرفين - كما في النكاح - فالمناسب تعريفها بانها عقد يتضمن المعاوضة على المنفعة.

2 - و اما ان المنفعة قد تكون عملا او غيره

فواضح. و قد تكون الاجارة على العمل - كإيجار الشخص للبناء او الخياطة و نحوهما - و قد تكون للعين، كإيجار الدار للسكن.

و يطلق على مستحق المنفعة بالاجارة عنوان المستأجر، و على

مستحق الاجرة في اجارة الاعيان عنوان المؤجر و في الاجارة على العمل عنوان الاجير.

3 - و اما شرعية الاجارة

فثابتة بقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، إِلاّ أَنْ‌ تَكُونَ‌ تِجارَةً‌ عَنْ‌ تَراضٍ‌ (2)، و بالروايات الواردة لبيان احكامها التي تأتي الاشارة إلى بعضها، بل بالضرورة التي لا يحتاج معها إلى دليل.

4 - و اما شرائط‍‌ المتعاقدين فبما انها لا تختلف عن شرائط‍‌

المتعاقدين في باب البيع عددا و مدركا

فلا حاجة إلى التكرار.

2 - من خصوصيات عقد الاجارة

اشارة

يعتبر في الاجارة الايجاب و القبول، ففي اجارة الدار مثلا يصح الايجاب من صاحب الدار بلفظ‍‌ آجرتك الدار و القبول من الآخر بلفظ‍‌ قبلت و نحوه، كما يصح العكس فيقول الآخر: استأجرت دارك و يقول صاحب الدار:

قبلت.

و تتحقق الاجارة بالمعاطاة.

و هي من العقود اللازمة التي لا تنفسخ الا بالتقايل أو بالفسخ عند اشتراط‍‌ الخيار أو تخلف الشرط‍‌.

و المشهور جواز الاجارة المعاطاتية الا اذا تصرف احدهما فيما انتقل إليه.

و المستند في ذلك:


1) المائدة: 1.

2) النساء: 29.

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في الاجارة

فلأنها من العقود.

و اما صحة الايجاب و القبول بكلا الشكلين فلإطلاق الامر بالوفاء بالعقد الصادق فيهما.

2 - و اما صحة الاجارة بالمعاطاة

فلان ذلك هو مقتضى القاعدة، فانه بعد صدق العقد بالمعاطاة و عدم انحصار تحققه باللفظ‍‌ يشمله اطلاق قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و يكون الخروج عن ذلك و الحكم باعتبار اللفظ‍‌ فقط‍‌ هو المحتاج إلى الدليل. و قد قام الدليل في بعض الموارد - كالنكاح و الطلاق و النذر و اليمين - و يبقى غيرها مشمولا لمقتضى القاعدة.

هذا و قد فصّل الشيخ النائيني بين الاجارة في الاعيان فتصح فيها المعاطاة و الاجارة في الاعمال فلا تصح فيها، بتقريب ان التعاطي يمكن تحققه خارجا في اجارة الاعيان و لا يمكن تحققه في اجارة الاعمال، فان أحد الطرفين إذا دفع اجرة الخياطة فلا يتحقق من الآخر تسليم العمل حين دفع الاجرة بل يتحقق بعد ذلك من باب كونه وفاء بالعقد و ليس من باب كونه محققا و إنشاء له(2).

و فيه: انه بدفع الاجرة يمكن تحقق الايجاب و القبول الفعليين، فبالدفع من احد الطرفين يتحقق الايجاب و بأخذ الطرف الثاني يتحقق القبول و لا يتوقف تحقق العقد الفعلي على صدور دفع من الثاني عند دفع الاول.

بل يمكن تحقق العقد الفعلي بلا دفع الاجرة أيضا، كما إذا دفع


1) المائدة: 1.

2) التعليقة الشريفة للشيخ النائيني على العروة الوثقى، الفصل 1 من كتاب الاجارة.

المستأجر قطعة القماش إلى الخياط‍‌ و تسلمها الخياط‍‌ منه بقصد تحقق العقد بذلك.

3 - و اما ان الاجارة من العقود اللازمة

فلان ذلك مقتضى الاصل في كل عقد على ما هو المستفاد من قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)- فان مقتضى وجوب الوفاء بالعقد عدم جواز نقضه من دون رضا الطرف الآخر - و من استصحاب بقاء الملك الثابت قبل فسخ احدهما، و من الوجوه الاخرى لإثبات اللزوم التي تقدمت الاشارة إليها في كتاب البيع.

و يمكن ان تضاف هنا الروايات الواردة في خصوص المقام، كصحيحة علي بن يقطين: «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن الرجل يتكارى من الرجل البيت او السفينة سنة او اكثر من ذلك او أقلّ‌، قال: الكراء لازم له إلى الوقت الذي تكارى إليه. و الخيار في أخذ الكراء إلى ربها ان شاء أخذ و ان شاء ترك»(2)و غيرها.

4 - و اما تحقق الانفساخ بالتقايل

فلان الحق لا يعدو المتعاقدين بعد وضوح ان اللزوم حقي لا حكمي.

و اما جواز الفسخ بالخيار الثابت لأحدهما او كليهما فواضح لأنه مقتضى اشتراط‍‌ الخيار النافذ بقوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(3).

و اما جوازه عند تخلف الشرط‍‌ فلان مرجع الاشتراط‍‌ عرفا الى تعليق الالتزام بالعقد على تحقق الشرط‍‌ خارجا، فعند عدم تحققه لا


1) المائدة: 1.

2) وسائل الشيعة 249:13 الباب 7 من احكام الاجارة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

التزام بالعقد الذي هو عبارة اخرى عن جعل الشارط‍‌ لنفسه الخيار عند تخلف الشرط‍‌.

5 - و اما ان الاجارة المعاطاتية جائزة لدى المشهور الا عند

التصرف

فذلك للإجماع المدعى على عدم لزوم المعاطاة بشكل عام الا عند التصرف.

و المناسب هو الحكم باللزوم تمسكا باطلاق قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و غيره من الوجوه المذكورة لإثبات لزوم المعاطاة في باب البيع فراجع.

و اما الاجماع المدعى فغير ثابت خصوصا مع مدركيته المحتملة.

3 - شرائط‍‌ العوضين

اشارة

يلزم في العوضين: المعلومية، و القدرة على التسليم، و الملكية، و امكان الانتفاع بالعين مع بقائها فلا تصح اجارة الخبز للأكل مثلا، و ان تكون المنفعة مباحة فلا تصح الاجارة لفعل المحرم، و ان تكون العين صالحة لاستيفاء المنفعة منها فلا تصح اجارة الارض للزراعة إذا لم تمكن زراعتها، و تمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة فلا تصح اجارة الحائض لكنس المسجد.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار معلومية العوضين

فقد يستدل له:


1) المائدة: 1.

تارة بلزوم الغرر على تقدير عدم المعلومية، و قد نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر(1).

و اخرى بالنبوي: «من استأجر أجيرا فليعلمه اجره»(2).

و ثالثة بما دل على لزوم اعتبار ضبط‍‌ الكيل و الوزن و العدد في باب البيع(3)، بعد وضوح عدم الخصوصية له.

و رابعة بما أفاده بعض الاعلام من ان المعاملات لدى العقلاء مبنية على حفظ‍‌ التساوي في مقدار مالية العوضين. و لعلهم يستغنون عن التصريح بذلك لوضوحه. و من هنا يثبت الخيار عندهم في حالات الغبن. و عليه فالمعاملة على المجهول المتضمنة للغرر خارجة عن المعاملات العقلائية و ينصرف عنها دليل الامضاء لاختصاص نظره بالمعاملات العقلائية(4).

و خامسة بتسالم الاصحاب على ذلك.

و الكل كما ترى.

اما الاول فلان الثابت في كتب الحديث: «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر»(5)، و ليس: نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر.

هذا بقطع النظر عن السند و الا فالاشكال أوضح.

و إذا قيل: ان ذلك يستفاد من رواية الشيخ الصدوق في معاني3.


1) تذكرة الفقهاء، كتاب الاجارة، المسألة 2 من الركن 3 في الفصل 2.

2) مستدرك الوسائل الباب 3 من أبواب الاجارة الحديث 1.

3) راجع الرقم 4 من بحث شرائط‍‌ العوضين في كتاب البيع.

4) مستند العروة الوثقى، كتاب الاجارة: 33.

5) وسائل الشيعة 330:12 الباب 40 من أبواب آداب التجارة الحديث 3.

الاخبار، حيث ورد فيها: انه صلّى اللّه عليه و آله: «نهى عن المنابذة و الملامسة و بيع الحصاة... و هذه بيوع كان اهل الجاهلية يتبايعونها فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنها لأنها غرر كلها»(1)، فان التعليل يدل على المنع من الغرر بدون اختصاص بالبيع.

قلنا: ان التعليل المذكور هو من الشيخ الصدوق قدّس سرّه دون النبي صلّى اللّه عليه و آله فراجع. على ان السند ضعيف بعدة مجاهيل.

و اما الثاني فلضعف الحديث سندا. و مع التنزل يمكن فرض العلم بالمشاهدة فيما إذا كانت الاجرة من المكيل او الموزون.

و اما الثالث فباعتبار ان الغاء الخصوصية للبيع لا يمكن الجزم به، و لذا يقال في ردّ الاستدلال بحديث النهي عن الغرر: ان الثابت هو النهي عن بيع الغرر، فلو فرض عدم الخصوصية للبيع كفى ورود النهي عن بيع الغرر.

و اما الرابع فباعتبار ان التساوي في المالية و ان كان معتبرا لدى العقلاء الا ان الطريق إليه لا ينحصر لديهم بالكيل و الوزن و العد بل يكتفون بالتخمين الحاصل من المشاهدة أيضا.

و اما الخامس فالتسالم مع احتمال المدرك لا حجية له كما هو واضح.

و عليه فالحكم باعتبار معلومية العوضين ينبغي ابتناؤه على الاحتياط‍‌.

2 - و اما اعتبار القدرة على التسليم

فقد تقدمت الاشارة في باب


1) وسائل الشيعة 266:12 الباب 12 من أبواب عقد البيع و شروطه الحديث 13.

البيع إلى مستندات ذلك و كانت كلها ضعيفة ما عدا الاخير، و هو روايات جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة، و التعدي منه إلى الاجارة مبني على الغاء خصوصية البيع.

و يمكن الاستدلال في خصوص الاجارة بان مثل منفعة الدار مع عدم القدرة على التسليم تتصرم شيئا فشيئا، و من ثمّ‌ لا تكون مملوكة في اعتبار العقلاء لصاحب الدار ليمكنه نقلها.

و هذا الوجه - كما نرى - يختص بحالة تعذر التسليم واقعا، اما مع الشك و فرض عدم التعذر واقعا فلا مانع من الحكم بالصحة.

3 - و اما اعتبار الملكية

فواضح، إذ غير المالك لا يمكنه تمليك الغير، فان فاقد الشيء لا يعطيه. بل تحقق النقل من دون رضا المالك خلاف قاعدة السلطنة الثابتة له و قاعدة لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفس منه.

هذا كله مضافا إلى ان الخطاب بالوفاء بالعقود منصرف الى الملاّك الذين هم أصحاب العقد حقيقة دون غيرهم.

اجل لا يقع النقل من غير المالك باطلا رأسا بل موقوفا على الاجازة، كما هو شأن كل عقد فضولي.

4 - و اما اعتبار امكان الانتفاع بالعين مع بقائها

فلتقوّم حقيقة الاجارة بذلك، فان تمليك منفعة العين دونها يستبطن ذلك.

5 - و اما اعتبار اباحة المنفعة

فاستدل له بما يلي:

أ - ما أفاده الشيخ النائيني من ان المنفعة المحرمة ليست مملوكة ليمكن تمليكها. قال قدّس سرّه: «ان اشتراط‍‌ مملوكية المنفعة يغني عن هذا

الشرط‍‌، فان المنفعة المحرمة غير مملوكة»(1).

ب - ان المنفعة إذا كانت محرمة فلا يمكن تسليمها شرعا، و الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، و قد تقدم ان القدرة على التسليم شرط‍‌ في صحة الاجارة.

ج‍‌ - التمسك برواية جابر أو صابر: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام اجره»(2)، بتقريب ان حرمة الاجر يكشف عن بطلان المعاملة.

الا ان الرواية المذكورة لو تمت سندا و لم تحتمل لموردها - و هو الخمر - خصوصية معارضة بصحيحة عمر بن اذينة: «كتبت إلى ابي عبد اللّه عليه السّلام اسأله عن الرجل يؤاجر سفينته و دابته ممن يحمل فيها او عليها الخمر و الخنازير، قال: لا بأس»(3).

د - ان المنفعة ما دامت محرمة فتسليمها و الوفاء بالعقد يكون محرما، و إذا لم يجب الوفاء بالعقد لم يمكن اثبات صحته، فان صحة العقد تستكشف من وجوب الوفاء، فاذا فرض عدمه فلا يمكن استكشافها.

6 - و اما اعتبار قابلية العين لاستيفاء المنفعة منها

فباعتبار ان المنفعة إذا لم تكن قابلة للاستيفاء فهي ليست ملكا لصاحب العين ليمكنه تمليكها.


1) راجع التعليقة الشريفة للشيخ النائيني على العروة الوثقى، كتاب الاجارة، الشرط‍‌ 5 من شرائط‍‌ العوضين.

2) وسائل الشيعة 125:12 الباب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 126:12 الباب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

7 - و اما اعتبار تمكن المستأجر من الانتفاع بالعين

فقد يوجّه بما ذكره الشيخ النائيني من «ان هذا المثال(1)قد خرج باشتراط‍‌ مملوكية المنفعة و اباحتها»(2).

و فيه: ان المنفعة - كنس المسجد - مباحة لعدم حرمة كنس الحائض للمسجد بما هو كنس للمسجد، و انما المحرم هو مكث الحائض في المسجد الموقوف عليه الكنس، و حرمة هذا لا تستلزم حرمة مقارناته و الا فهل يحتمل استلزام حرمة المكث لحرمة تحريك اليد؟

و الانسب ان يعلل اعتبار الشرط‍‌ المذكور بان استيفاء المنفعة ما دام مستلزما لارتكاب محرم شرعي فلا يجب الوفاء بالاجارة، و من ثمّ‌ لا يمكن استكشاف الصحة لأنها لازم لوجوب الوفاء فاذا لم يثبت لم يمكن استكشاف لازمه.

4 - الضمان في باب الاجارة

اشارة

مستأجر العين امين عليها لا يضمن تلفها او تعيبها الا إذا تعدّى أو فرّط‍‌.

و هكذا الحال في الاجير إذا دفع له المستأجر العين ليعمل فيها.

و اذا باشر الطبيب من خلال عملية جراحية علاج المريض و تضرر بذلك كان ضامنا الا اذا اخذ البراءة مسبقا و لم يكن مقصرا في اعمال اجتهاده.


1) أي مثال اجارة الحائض لكنس المسجد الذي ذكره السيد الطباطبائي.

2) راجع التعليقة الشريفة للشيخ النائيني على العروة الوثقى، كتاب الاجارة، الشرط‍‌ 7 من شرائط‍‌ العوضين.

و إذا وصف الدواء من دون ان يباشر العلاج و تضرر المريض بذلك فقد قيل: بعدم الضمان أيضا.

و إذا أفسد الخيّاط‍‌ أو البنّاء أو النّجار أو الختّان أو أي عامل آخر كان ضامنا كالطبيب المباشر ما دام قد تجاوز الحدّ المأذون فيه.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم ضمان المستأجر للعين

فللقصور في المقتضي، فان الضمان لو كان ثابتا فليس له مدرك سوى قاعدة على اليد، و هي لا تشمل مثل يد المستأجر، لان مستند القاعدة المذكورة ليس الا السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع، و هي لا تشمل مثل يد المستأجر، و لا أقلّ‌ من الشك فيقتصر على القدر المتيقن.

و مع التنزل و فرض تمامية المقتضي يكفينا للحكم بعدم الضمان وجود المانع، و هو الروايات الواردة في عدم ضمان الامين، كصحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته و لا تأتمن الخائن و قد جرّبته»(1).

بل و الروايات الواردة في خصوص باب الاجارة، كصحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم فنفقت الدابة، فقال: ان كان جاز الشرط‍‌ فهو ضامن. و ان كان دخل واديا لم يوثقها فهو ضامن. و ان وقعت في بئر فهو ضامن لأنه لم يستوثق منها»(2).

2 - و اما الضمان مع التعدي أو التفريط‍‌

فلقاعدة على اليد


1) وسائل الشيعة 229:13 الباب 4 من أحكام الوديعة الحديث 10.

2) وسائل الشيعة 281:13 الباب 32 من الاجارة الحديث 2.

و الصحيحتين المتقدمتين.

3 - و اما عدم ضمان الاجير للعين التي يعمل فيها

فلما تقدم نفسه في عدم ضمان المستأجر.

4 - و اما ضمان الطبيب عند مباشرته للعلاج و تضرر المريض

فلقاعدة من اتلف، و موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه و الا فهو له ضامن»(1).

بل يمكن التمسك أيضا بصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«الرجل يعطي الثوب ليصبغه فيفسده، فقال: كل عامل أعطيته أجرا على ان يصلح فأفسد فهو ضامن»(2).

و إذا قيل: مع اذن المريض للطبيب في مباشرة علاجه لا يبقى موجب للضمان.

قلنا: ان الاذن كان في العلاج دون الافساد.

5 - و اما استثناء حالة أخذ البراءة

فلموثقة السكوني المتقدمة.

و إذا قيل: لا تصح البراءة لأنها من قبيل اسقاط‍‌ ما لم يجب.

قلنا: هذا يتم لو اريد تخريج الحكم على طبق القاعدة، اما بعد وجود النص فلا مجال لمثل الاشكال المذكور.

6 - و اما القول بعدم الضمان عند وصف الدواء من دون مباشرة

العلاج

فلان المستند للضمان اما موثقة السكوني المتقدمة أو قاعدة الاتلاف أو قاعدة الغرور.


1) وسائل الشيعة 195:19 الباب 24 من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 275:13 الباب 29 من أحكام الاجارة الحديث 19.

و الكل لا يمكن التمسك به.

اما الاول فلان ظاهر كلمة «تطبب» مباشرة الطبابة و العلاج خارجا.

و اما الثاني فلان الاتلاف لا ينتسب إلى شخص الا اذا كان مباشرا له او كان سببا أقوى من المباشر بحيث يسند الفعل إليه عرفا، كما لو كان المريض فاقدا للإرادة لصغر و نحوه، اما مع فرض الاختيار التام للمريض فلا ينسب الاتلاف الى الطبيب.

و اما الثالث فلعدم صدق الغرور مع جهل الغار، و لا أقلّ‌ من الشك.

7 - و اما ضمان الخيّاط‍‌ و غيره لما يفسده

فلقاعدة من اتلف و صحيحة الحلبي المتقدمة.

هذا إذا تجاوز الحدّ المأذون فيه.

و اما مع عدم تجاوزه - كما لو قال صاحب القماش للخياط‍‌: فصّله بهذا الشكل فامتثل ثم اتضح الخلل و سقوط‍‌ القماش بذلك عن صلاحية الانتفاع أو فرض أمر الختّان بالختن ثم اتضح ان اصل الختان مضر و مات المختون بذلك - فينبغي التفصيل بين ما شاكل مثال القماش فلا ضمان - للإذن الرافعة للضمان، و الاتلاف ان صدق فهو ما دام باذن المالك فلا يوجب الضمان - و بين مثال الختن فيحكم بثبوت الضمان لان الختّان بالتالي هو القاتل، غايته هو معذور في ذلك، و حيث ان دم المسلم لا يبطل(1)

وسائل الشيعة 109:19 الباب 6 من أبواب دعوى القتل الحديث 1.

فيلزم الحكم بضمان الدية لأنه من قبيل القتل الخطئي.

1) لصحيحة عبد اللّه بن سنان و عبد اللّه بن بكير جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله، قال: ان كان عرف له اولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين و لا يبطل دم امرئ مسلم...».

اجل مع اخذ الختّان البراءة مسبقا فلا يبعد عدم الضمان لموثقة السكوني المتقدمة بناء على عدم فهم الخصوصية للتطبّب.

5 - أحكام عامة في باب الاجارة

اشارة

لا يثبت في الاجارة خيار المجلس و لا خيار الحيوان و لا خيار التأخير ثلاثة أيام و تجري فيها بقية الخيارات، كخيار العيب و الغبن و تخلف الشرط‍‌ و نحوها.

و اذا تحقق عقد الاجارة ملك كل طرف بالعقد نفسه ما استحقه على الآخر، فالاجير يملك الاجرة و لو لم يقم بالعمل و المستأجر يملك العمل و لو لم يدفع الاجرة. و يجب على كل واحد منهما تسليم ما عليه الا اذا كان الآخر ممتنعا.

و يحق لمستأجر العين ايجارها على آخر ما دام لم يشترط‍‌ عليه - و لو ضمنا - استيفاءه المنفعة مباشرة. و استشكل بعض في تسليم العين إلى المستأجر الثاني بدون اذن المؤجر.

و لا يجوز لمستأجر الدار ايجارها على آخر بأكثر من الاجرة السابقة الا ان يحدث فيها حدثا او تكون الاجرة الثانية مغايرة للأولى جنسا.

و من استؤجر لأداء عمل بدون اشتراط‍‌ المباشرة عليه و لو ضمنا يجوز له استيجار غيره للقيام بذلك العمل فيما إذا كانت الاجرة مساوية أو أكثر، اما إذا كانت أقل فلا الا إذا أتى ببعض العمل.

و في جواز الاجارة على اداء الواجبات خلاف مشهور.

و من استأجر محلاّ تجاريا أو غيره إلى فترة محددة فعليه بعد انتهائها تخليته إذا طالب بذلك المالك و لا يحق له ايجاره على شخص آخر من دون اذن الا إذا تمّ‌ الاتفاق - لبناء عرفي خاص أو عام - على ذلك مسبقا و لو مقابل مبلغ معين قد يعبر عنه في بعض الاعراف بحق السرقفلية، فيجوز آنذاك للمستأجر عدم التخلية و تجديد عقد الايجار بل يجوز له أيضا رفع اليد عن حقه في البقاء و التنازل بالمحل لثالث ازاء مبلغ معين من النقود قد يعبّر عنه بحق السرقفلية أيضا.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم ثبوت الخيارات الثلاثة في الاجارة

فلاختصاص مدرك ثبوتها بالبيع، كصحيحة محمد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا»(1)، و صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول حتى آتيك بثمنه، قال: ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له»(2).

2 - و اما ثبوت بقية الخيارات

فلان مدرك ثبوتها يعم غير البيع أيضا، فخيار العيب و الغبن ثابتان من خلال فكرة الاشتراط‍‌ الضمني، و هي لا تختص بالبيع. و هكذا الخيار الثابت باشتراطه أو بتخلف الشرط‍‌، فانه لا يختص بالبيع.

و بالجملة: مدرك الخيارات الثلاثة السابقة حيث انه التعبد


1) وسائل الشيعة 349:12 الباب 3 من أبواب الخيار الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 356:12 الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 1.

فيقتصر على مورده، بخلاف بقية الخيارات فان مدركها ليس هو التعبد بل مقتضى القاعدة الذي لا اختصاص له بالبيع.

3 - و اما ان كان واحد مالك ما له على الآخر بمجرد العقد

فباعتبار كونه سببا تاما للملكية بمقتضى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

4 - و اما وجوب التسليم على كل واحد منهما

فلان ذلك لازم ملكية الآخر لما في يده.

و اما عدم لزوم التسليم عند امتناع الآخر فلان ذلك مقتضى الشرط‍‌ الضمني الارتكازي على ثبوت الحق لكل منهما في الامتناع عند امتناع الآخر.

5 - و اما جواز ايجار العين من قبل المستأجر الاول

فلانه مالك للمنفعة و ليس من شروط‍‌ صحة الاجارة ملكية العين.

اجل مع اشتراط‍‌ استيفائه المنفعة مباشرة فلا يجوز له ذلك لقاعدة المسلمون عند شروطهم التي دلت عليها صحيحة عبد اللّه بن سنان(2).

6 - و اما الاشكال في جواز تسليم العين

فقد صار إليه جمع من الاعلام(3)باعتبار ان العين ملك لصاحبها، و التصرف فيها بالتسليم إلى ثالث تصرف في ملك الغير من دون اذنه فلا يجوز.

و فيه: ان الاذن ثابتة لان اذن المالك للمستأجر الاول في الاستيلاء على العين كانت باعتبار انه مالك للمنفعة و ليس بما هو فلان، و حيث ان


1) المائدة: 1.

2) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

3) و ممن استشكل السيد الطباطبائي في العروة الوثقى، كتاب الاجارة، الفصل 5.

الوصف العنواني المذكور منطبق على المستأجر الثاني فيجوز تسليمه اليها و استيلاؤه عليها.

اجل لا يجوز تعريض العين للخطر بايجارها من شخص لا يتحفظ‍‌ عليها بشكل كامل.

و مما يؤكد ذلك ان المستأجر الاول يجوز له استضافة بعض الضيوف لأيام من دون حاجة الى استئذان المالك، فإذا جاز ذلك جاز ايجار العين للضيف و تصرفه فيها بلا حاجة إلى استئذان.

هذا كله بقطع النظر عن الروايات و الا فالأمر أوضح. و قد روى علي بن جعفر - بطريق صحيح - عن أخيه ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت ما عليه‌؟ قال: ان كان شرط‍‌ ان لا يركبها غيره فهو ضامن لها و ان لم يسم فليس عليه شيء»(1)، فانها تدل على جواز اركاب الغير، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون ذلك باجرة أو بدونها.

و في صحيحة ابي المعزا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يؤاجر الارض ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها، قال: لا بأس...»(2).

7 - و اما عدم جواز ايجار الدار من قبل المستأجر الاول بأكثر من

الاجرة الاولى الا مع احداث حدث

فلصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به، قال:

لا يصلح ذلك الا ان يحدث فيها شيئا»(3)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 255:13 الباب 16 من أحكام الاجارة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 260:13 الباب 20 من أحكام الاجارة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 263:13 الباب 22 من الاجارة الحديث 4.

8 - و اما اعتبار اتحاد جنس الاجرة في عدم جواز الزيادة

فلان عنوان «الاكثر» لا يصدق الا مع اتحاد جنس الاجرتين، فاذا كانت احداهما دينارا و الاخرى كتابا فلا يصدق ان هذا أكثر من ذاك إذا تفاوتا في القيمة الا مع العناية.

اجل إذا كانت كلتا الاجرتين من النقود و اختلفتا في نوعية النقد فلا يبعد صدق عنوان الاكثر عرفا إذا تفاوتا في المالية.

9 - و اما ان المستأجر لعمل يجوز له استيجار غيره إذا كانت

الاجرة مساوية أو أكثر

فلكونه مقتضى القاعدة ما دام لم تشترط‍‌ عليه المباشرة.

و اما عدم جواز ذلك إذا كانت أقل الا مع اداء بعض العمل فلصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام: «سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه و يدفعه إلى آخر فيربح فيه، قال: لا، الا ان يكون قد عمل فيه شيئا»(1)و غيرها.

10 - و اما الخلاف في جواز الاجارة على الواجبات

فينبغي ان تستثنى منه الحالات التالية:

أ - ما إذا لم تعد للباذل فائدة من وراء الاجارة، كالاستيجار لأداء الصلاة الواجبة اليومية عن العامل نفسه. و لا اشكال في بطلان الاجارة في مثل ذلك.

و تتصور الفائدة فيما إذا كان الواجب كفائيا و أراد الباذل اسقاطه عن نفسه فاستأجر غيره.


1) وسائل الشيعة 265:13 الباب 23 من الاجارة الحديث 1.

ب - ما إذا فهم من الادلة مطلوبية تحقيق الفعل مجانا، كما في تعليم الاحكام و الافتاء و تجهيز الميت و الاذان و نحو ذلك. و في مثله لا اشكال في بطلان الاجارة كما هو واضح.

ج‍‌ - ما إذا علم بمطلوبية ايقاع الفعل في الخارج و لو مع الاجرة، كما هو الحال في المهن التي يتوقف عليها النظام كالطبابة و الخبازة و البقالة و ما شاكل ذلك. و في مثله لا اشكال في جواز الاجارة كما هو واضح.

و بعد هذا يقع الكلام تارة في البحث عن مانعية حيثية الوجوب من جواز الاجارة و اخرى عن مانعية حيثية قصد التقرب المعتبر في العبادات من صحة الاجارة.

اما المانعية من الحيثية الاولى فذكر لها عدة تقريبات نشير من بينها إلى:

الاول: ما نقله الشيخ الأعظم من ان الشيء إذا كان واجبا فهو مملوك للّه سبحانه، و مع كون الشيء مملوكا للغير فلا يمكن تمليكه لان الشخص إذا لم يملك فعله فكيف يملّكه لغيره(1).

و فيه: ان وجوب الفعل يستدعي الزام ايجاده دون الملكية اعتبارا ليلزم ما ذكر.

الثاني: ما أفاده الشيخ النائيني من ان شرط‍‌ صحة الاجارة بل كل معاملة كون الفعل و الترك معا تحت سلطان الاجير، و مع فرض ايجاب الفعل لا يكون الترك تحت سلطانه بل يكون ممتنعا عليه شرعا،ة.


1) كتاب المكاسب 432:1، منشورات دار الحكمة.

و الممتنع شرعا كالممتنع عقلا(1).

و فيه: ان القدرة بمعنى تساوي الطرفين لا دليل على اعتبارها و انما الثابت اعتباره هو القدرة على تسليم متعلق الاجارة بمعنى الامكان التكويني، و هو متحقق في محل الكلام.

الثالث: ما استند إليه الشيخ الأعظم، و هو ان العمل إذا كان واجبا على الاجير بقطع النظر عن الاجارة فيجوز اجباره على ايقاعه و لو لم يستأجر عليه، و معه فلا تعود فائدة من وراء الاجارة.

قال قدّس سرّه: «... لان أخذ الاجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله اكل للمال بالباطل لان عمله هذا لا يكون محترما لان استيفاءه منه لا يتوقف على طيب نفسه لأنه يقهر عليها مع عدم طيب النفس و الامتناع»(2).

و فيه: ان الثابت قبل الاجارة حق عام لجميع المكلفين في المطالبة بايقاع الفعل من باب الامر بالمعروف، و هذا بخلافه بعد الاجارة، فانه يثبت حق شخصي خاص لخصوص المستأجر في المطالبة بالفعل من باب المطالبة بملكه.

و عليه فلا منع من حيثية الوجوب.

و اما المانعية من الحيثية الثانية فتقريبها ان الباعث على الاتيان بالعمل إذا كان هو استحقاق الاجرة فكيف يتأتى قصد القربة من الاجير؟!

و فيه: ان الاجرة لم تجعل على ذات الفعل بل على الفعل بقصدة.


1) منية الطالب للخوانساري 15:1.

2) كتاب المكاسب 437:1، منشورات دار الحكمة.

العبادية و التقرب، فما لم يؤت به كذلك لا يكون الاجير مستحقا لها، و هذا معناه ان الاجارة تكون مؤكدة لطلب قصد التقرب و ليست منافية له، إذ ما لم يقصد الاجير التقرب لا يكون مستحقا للأجرة.

و هذا ما أطلق عليه الآخوند الخراساني بفكرة الداعي إلى الداعي(1)، فان ذات الفعل يؤتى بها بقصد القربة، و الداعي لقصد القربة هو تحصيل الاجرة.

و إذا قلت: كيف نتصور قصد التقرب لأجل تحصيل الاجرة‌؟! ما هذا الا مجرد ألفاظ‍‌.

قلنا: لا يلزم في الداعي لقصد القربة ان يكون هو اللّه سبحانه بشكل محض، ان هذا لا يتصور الا من امير المؤمنين عليه السّلام و بقية المعصومين صلوات اللّه عليهم بل اللازم صدور قصد التقرب و لو لدواع اخرى، كالإتيان بصلاة الرزق أو نزول المطر بقصد التقرب طلبا للرزق أو نزول المطر، و كالإتيان بالصلاة بقصد التقرب طلبا للتخلص من النار أو حبّا لدخول الجنّة.

و ما دام هذا ممكنا فبالامكان في مقامنا أيضا اتيان الاجير بالصلاة بقصد التقرب طلبا لتحصيل الاجرة.

و في الحقيقة يمكن ان نفهم من خلال هذا ان المطلوب في باب العبادات هو قصد القربة على هذا المستوى و بالمقدار المذكور.

و عليه فلا مانع من الاجارة على الواجبات لا من حيثية الوجوب و لا من حيثية العبادية.م.


1) كفاية الاصول 124:1، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

11 - و اما وجوب التخلية بعد انتهاء عقد الاجارة

فلانه هو المسوغ للتصرف فاذا انتهى يعود المالك مسلطا على ملكه و لا يجوز التصرف فيه من دون طيب نفسه.

12 - و اما انه يجوز للمالك اخذ السرقفلية

فلان لكل ذي حق التنازل عن حقه مقابل ما يشاء.

و اما ان للمستأجر ذلك أيضا فلانه مقابل تنازله عن حقه في البقاء و عدم التخلية المتولد له بسبب الاتفاق مع المالك.

13 - و اما كفاية التباني العام

فلانه محقق للاشتراط‍‌ الضمني.

كتاب المزارعة

اشارة

1 - حقيقة المزارعة

2 - شرائط‍‌ المزارعة

3 - أحكام عامة في باب المزارعة

1 - حقيقة المزارعة

اشارة

المزارعة عقد يتضمن الاتفاق على زرع شخص أرض غيره بحصة من حاصلها. و هي مشروعة بلا كلام.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحديد المزارعة

بما ذكر فمضافا إلى كونه من واضحات الفقه يمكن استفادته من روايات باب المزارعة، كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «الرجل يزارع فيزرع أرض غيره فيقول: ثلث للبقر و ثلث للبذر و ثلث للأرض، قال: لا يسمي شيئا من الحب و البقر و لكن يقول: ازرع فيها كذا و كذا ان شئت نصفا و ان شئت ثلثا»(1)و غيرها.

و عدم اسناد الحديث الى الامام عليه السّلام غير مهم بعد كون الناقل عنه ابن سنان الذي لا تحتمل في حقه الرواية عن غيره عليه السّلام.

على ان عدم اسنادها كذلك انما هو في رواية الكليني و الا ففي


1) وسائل الشيعة 200:13 الباب 8 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 5.

رواية الشيخ اسندت إلى ابي عبد اللّه عليه السّلام(1).

2 - و اما شرعيتها

فليست محلا للخلاف عندنا بل عند أكثر علماء الإسلام على ما في الجواهر(2).

و تدل عليها الضرورة الفقهية و الروايات الخاصة كالصحيحة المتقدمة و غيرها.

و هناك بحث عن امكان اثبات شرعيتها بمقتضى القاعدة و قطع النظر عن الروايات الخاصة و عدمه.

فقيل بعدم الامكان، بتقريب ان المزارعة تتضمن تمليك العامل حصته من الناتج، و حيث انه لا وجود لها حين العقد فلا يمكن تمليكها عقلائيا لان غير الموجود ليس بمملوك كي يقبل التمليك. و هل ترى امكان ان يبيع الشخص السمكة التي سيصطادها بعد ساعة أو يهب الشيء الذي يشتريه بعد ذلك‌؟ كلا، انه ليس عقلائيا، و عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)و نحوه منصرف عنه.

و عليه فيحتاج اثبات الصحة إلى دليل خاص غير مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .

و هذا الكلام لا يختص بالمزارعة بل يعم ما كان على شاكلتها، كالمضاربة و المساقاة.

و لربما يشير الى اختيار هذا الاحتمال صاحب الجواهر قدّس سرّه حيث تمسك - في تعليل عدم جواز اجارة الارض للزراعة بما يخرج منها -


1) حسب بعض نسخ التهذيب على ما اشير اليه في هامش الطبعة القديمة من وسائل الشيعة.

2) جواهر الكلام 2:27.

3) المائدة: 1.

ب‍‌ «ضرورة اعتبار ملكية الاجرة التي هي عوض المنفعة المملوكة خارجا أو ذمة، و لا شيء منهما في الفرض»(1). و صرّح باختياره و الدفاع عنه بعض الاعلام من المتأخرين(2).

و في مقابل هذا ما بنى عليه المشهور من امكان التمسك بمثل عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).

و علّل ذلك السيد الطباطبائي بان ما يحصل في المستقبل هو في نظر العرف بمنزلة الموجود كمنافع العين(4).

و تترتب على هذا الخلاف آثار متعددة، فلو شك في جواز تقدم القبول في المزارعة او انعقادها بغير العربية و ما شاكل ذلك صح التمسك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لإثبات الجواز على الاحتمال الثاني، في حين لا يصح ذلك على الاحتمال الاول، و يتعين عليه التمسك باطلاق دليل صحة المزارعة ان كان ثابتا و الا لم يمكن الحكم بالجواز.

2 - شرائط‍‌ المزارعة

اشارة

يلزم في المزارعة:

1 - الايجاب و القبول. و يكفي فيهما كل لفظ‍‌ دال عليهما - مثل زارعتك أو سلّمت إليك الارض لتزرعها على كذا - و لو بغير العربية و الماضوية.


1) جواهر الكلام 11:27.

2) مستند العروة الوثقى، كتاب الاجارة: 335.

3) المائدة: 1.

4) العروة الوثقى، كتاب الاجارة، الفصل 6.

و لا يلزم ان يكون الايجاب من المالك و لا تقدمه و لا كونه لفظا بل يجوز ان يكون الايجاب باللفظ‍‌ و القبول بالفعل او يكونا معا بالفعل.

2 - ان يكون كل من المالك و الزارع بالغا عاقلا مختارا و ليس بمحجور عليه لسفه أو فلس.

اجل إذا لم يشارك الزارع بمال فلا يلزم اشتراط‍‌ عدم المحجورية في حقه.

3 - ان يكون الناتج مشتركا بين المالك و الزارع و ليس خاصا بأحدهما و الا لم تصح المعاملة مزارعة.

4 - ان يكون الاشتراك في جميع الناتج بنحو الاشاعة، فلو شرط‍‌ لأحدهما الاختصاص بما يحصل اولا أو من هذه القطعة من الارض و للآخر ما يحصل ثانيا أو من تلك القطعة لم تصح.

5 - تعيين الحصة بالكسر المشاع، فلو قال: ازرع و اعطني مقدارا ما مشاعا لم تصح.

6 - تعيين المدة بداية و نهاية إذا لم يكن هناك انصراف يقتضي التعيين.

7 - ان تكون المدة بمقدار صالح لإدراك الناتج فيها.

8 - قابلية الارض للزراعة و لو بالعلاج، فلو كانت سبخة أو لا يمكن وصول الماء إليها أو ما شاكل ذلك فلا تصح.

9 - تعيين نوع المزروع إذا لم يقصدا التعميم لأي نوع كان و لم يكن هناك انصراف إلى نوع معين.

10 - تعيين الارض مع ترددها بين قطعتين أو أكثر إذا لم يكن هناك انصراف و لم يقصد التعميم لأي أرض وقع الاختيار عليها.

11 - تعيين المصارف من البذر و نحوه و كونها على أي واحد منهما إذا لم يكن هناك انصراف.

12 - ان تكون الارض و نحوها مملوكة و لو منفعة او يكون التصرف فيها نافذا بوكالة او ولاية.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في المزارعة

فلأنها عقد لا ايقاع كما هو واضح.

و اما التعميم من الجهات الاخرى فلصدق العقد في جميعها، و مقتضى اطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)ثبوت الصحة و اللزوم في جميعها.

هذا بناء على رأي المشهور.

و اما بناء على الرأي الآخر فالأمر مشكل لعدم وجود اطلاق في ادلة مشروعية المزارعة يدل على امضائها في جميع الحالات المتقدمة، فلاحظ‍‌ صحيحة ابن سنان المتقدمة. و على منوالها غيرها.

و دعوى وجود مثل هذا الاطلاق في ادلة مشروعية المزارعة عهدتها على مدعيها.

2 - و اما اعتبار البلوغ و ما تلاه

فقد تقدم وجهه في مبحث شروط‍‌ المتعاقدين من كتاب البيع، فان ما ذكر هناك عام لمطلق العقود فلاحظ‍‌.

3 - و اما ان الزارع لا يشترط‍‌ فيه عدم المحجورية إذا لم يشارك

بمال

فلان السفيه و المفلس ممنوعان من التصرف المالي فاذا فرض عدم المشاركة بمال فلا يعود وجه للاشتراط‍‌ المذكور.

هذا بناء على الرأي المشهور من عدم منع السفيه من التصرفات


1) المائدة: 1.

غير المالية(1).

و اما بناء على منعه حتى من مثل جعل نفسه عاملا في المزارعة و المساقاة و نحوهما فيلزم في الزارع عدم السفه حتى اذا لم يشارك بمال.

4 - و اما اعتبار الاشتراك في الناتج

فلاعتباره في المزارعة حسبما يفهم من بعض النصوص، فقد ورد في صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تقبل الارض بحنطة مسماة(2)

و قيّد الشيخ في الاستبصار 128:3 النهي في الرواية بما اذا كانت الحنطة المسماة من نفس حاصل الارض، اما اذا كانت من حاصل موجود بالفعل من غيرها فلا بأس بذلك.

و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به»(3). و الحكم متسالم عليه.

هذا بناء على الرأي المشهور الذي يرى امكان التمسك بالعمومات.

و اما بناء على الرأي الآخر فيكفي لاعتبار الشرط‍‌ المذكور عدم الدليل على صحة المزارعة في عدم حالة عدم الاشتراك في النماء.

5 - و اما اعتبار الاشتراك في جميع الناتج بنحو الاشاعة و تعيين

الحصة بالكسر المشاع

فلما سبق في اعتبار اصل الاشتراك.

6 - و اما اعتبار تعيين البداية و النهاية للمدة

فقد يستدل له بحديث نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر(4)او بالإجماع.


1) قال صاحب الجواهر في جواهره 58:26 «لان السفه لم يسلبه... اهلية مطلق التصرف بل في ماله خاصه... كما هو واضح خلافا لبعض العامة».

2) اي بحنطة مقدّرة بغير الكسر المشاع، بان يقول مثلا: بعشرين كيلوغراما.

3) وسائل الشيعة 199:13 الباب 8 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 3.

4) تذكرة الفقهاء، كتاب الاجارة، المسألة 2 من الركن 3 في الفصل 2.

و كلاهما كما ترى.

اما الاول فلما تقدم في مبحث الاجارة عند البحث عن شرائط‍‌ العوضين.

و اما الثاني فلاحتمال مدركيته.

و الاولى الاستدلال لذلك بان المدة إذا لم تكن متعينة بداية و نهاية فلا يمكن تعلق الامر بوجوب الوفاء بالعقد لان ما لا تعين له حتى في علم اللّه سبحانه كيف يتعلق به وجوب الوفاء؟

اجل إذا حددت البداية و جعلت النهاية أدراك الحاصل كفى ذلك لأنه نحو من التعيين.

7 - و اما اعتبار ان تكون المدة بمقدار يمكن ادراك الناتج فيها

فلانه بدون ذلك لا يمكن تحقق المقصود من المزارعة و يكون الاقدام عليها لغوا و لا يشملها دليل الامضاء.

8 - و اما اعتبار القابلية للزراعة

فلانه بدون ذلك لا يمكن تحقق المزارعة، و من ثمّ‌ لا يمكن ان يشملها دليل الامضاء.

9 - و اما اعتبار تعيين نوع المزروع فيما إذا لم يقصد التعميم

و لم يفرض الانصراف

فقد جاءت الإشارة إليه في كلمات غير واحد من الفقهاء.

و هو وجيه مع اختلاف نوع الزرع المقصود لكل واحد منهما، لان وجوب الوفاء بالعقد على طبق مقصود احدهما بلا مرجح، و على طبق مقصودهما معا غير ممكن لفرض التنافي. و اما مع عدم الاختلاف في المقصود واقعا فلا مستند للبطلان سوى التمسك بحديث: نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر، و قد تقدم في مبحث الاجارة عدم

ثبوت كونه رواية.

10 - و اما اعتبار تعيين الارض

فلما تقدم نفسه في اعتبار تعيين نوع المزروع.

11 - و اما لزوم تعيين من عليه المصارف إذا لم يكن هناك

انصراف

فلان العقد بدون ذلك لا يمكن تعلق وجوب الوفاء به، إذ وجوب الوفاء ببذل المصارف من خصوص احدهما بلا مرجح، و وجوبه بالبذل من كليهما امر على خلاف مقصودهما.

12 - و اما اعتبار ملكية الارض و نحوها او نفوذ التصرف فيها

فلأنه لو لا ذلك يكون العقد فضوليا.

3 - أحكام عامة في باب المزارعة

اشارة

المزارعة عقد لازم لا تنفسخ الا بالتقايل أو الفسخ عند اشتراط‍‌ الخيار أو تخلف الشرط‍‌.

و لا يلزم في البذر ان يكون من العامل بل يجوز ان يكون من المزارع أيضا أو منهما.

كما لا يلزم في الارض ان تكون من المزارع و يجوز كونها من العامل.

بل قد يقال: ان المزارعة تحتاج إلى امور أربعة: الارض و البذر و العمل و العوامل.

و يصح ان يكون من احدهما احد هذه و من الآخر البقية، او من كل منهما اثنان منها، او من احدهما بعض احدها و من الآخر البقية، او الاشتراك في الكل.

و يجوز لكل من المالك و العامل بعد ظهور الناتج تقبل حصة الآخر بمقدار

معين من الناتج نفسه بعد التخمين، و لا يضر لو اتضحت بعد ذلك الزيادة أو النقيصة.

و يجوز للعامل ما دام لم تشترط‍‌ عليه مباشرة الزرع بنفسه ان يؤجر الغير او يزارعه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان المزارعة عقد لازم لا ينفسخ الا بما ذكر

فلما تقدم في مبحث الاجارة تحت عنوان «من أحكام عقد الاجارة».

2 - و اما البذر

فقد يقال بلزوم كونه على العامل تمسكا بصحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... و سألته عن المزارعة فقال:

النفقة منك و الارض لصاحبها، فما اخرج اللّه من شيء قسّم على الشطر و كذلك اعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيبر حين أتوه فأعطاهم إيّاها على ان يعمروها و لهم النصف مما اخرجت»(1).

الا انه يلزم حملها على المتعارف في تلك الفترة - خصوصا بعد ملاحظة الاستشهاد بسيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله - لصراحة بقية الروايات في جواز عدم كونه على العامل، كما في موثقة سماعة: «سألته عن مزارعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر و البقر و تكون الارض و الماء و الخراج و العمل على العلج، قال: لا بأس به»(2)

و العلج هو الرجل الضخم من الكفار او مطلق الكافر.

و غيرها.

على ان الحكم متسالم عليه بين الاصحاب. بل قد يدعى ان سيرة المزارعين المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام هي على ذلك.


1) وسائل الشيعة 203:13 الباب 10 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 204:13 الباب 12 من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 1.

3 - و اما جواز كون الارض من العامل

فلموثقة سماعة المتقدمة.

4 - و اما وجه القول بجواز الاشتراك في الامور الاربعة بأي شكل

فقد علّله الشيخ البحراني بقوله: «لإطلاق الاذن في المزارعة من غير تقييد بكون بعض بخصوصه من احدهما»(1).

و هذا الاطلاق ان كان ثابتا فيه و الا فبالامكان التعويض عنه بمثل عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)بناء على رأي المشهور.

5 - و اما جواز تقبل حصة الآخر بمقدار من الناتج نفسه بعد التخمين

فوجهه:

أ - التمسك بمقتضى القاعدة، فان الناتج بعد اشتراكه بين الطرفين فمن حقهما تقسيمه بالشكل الذي يتفقان عليه، فان الحق لا يعدوهما. و هو واضح. و يأتي إن شاء اللّه تعالى توضيح أكثر للوجه في مشروعية القسمة في مبحث القسمة من كتاب القضاء.

ب - ما أفاده السيد الطباطبائي من امكان ارجاع ذلك إلى الصلح غير المعاوض، فكأنهما يتسالمان على ان تكون حصة احدهما من المال المشترك كذا مقدار و البقية للآخر. و على ذلك يصح ايقاع عملية التقبيل هذه بلفظ‍‌ الصلح(3).

ج‍‌ - التمسك بالروايات الخاصة، كصحيحة يعقوب بن شعيب:

«سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول احدهما لصاحبه: اختر اما ان تأخذ هذا النخل بكذا و كذا كيلا مسمى و تعطيني


1) الحدائق الناضرة 323:21.

2) المائدة: 1.

3) العروة الوثقى، كتاب المزارعة، المسألة 20.

نصف هذا الكيل اما زاد أو نقص، و اما ان آخذه انا بذلك، قال: نعم لا بأس به»(1)و غيرها.

6 - و اما تقييد ذلك بما بعد ظهور الناتج

فلانه قبل ذلك لا حنطة و شعير مثلا ليمكن تقسيمه، و هل يمكن تقسيم المعدوم.

7 - و اما انه لا يضر اتضاح الزيادة او النقيصة بعد ذلك

فلإقدام كل منهما على اجراء عقد القسمة او الصلح بالشكل المذكور فيلزم بمقتضى لزوم كل عقد.

هذا بناء على كون المدرك الوجهين الاولين.

و اما بناء على الوجه الثالث فلظهور الصحيحة في ذلك.

8 - و اما جواز ايجار العامل شخصا لمباشرة الزرع

فواضح بعد عدم اشتراط‍‌ المباشرة بنفسه و اشتغال ذمته بذلك.

و اما جواز مزارعته للغير فلعدم اشتراط‍‌ صحة المزارعة بملك المزارع للأرض بل يكفي كونه مالكا للتصرف فيها فتشمله ادلة صحة المزارعة بل مثل عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)أيضا، بناء على رأي المشهور.


1) وسائل الشيعة 18:13 الباب 10 من أبواب بيع الثمار الحديث 1.

2) المائدة: 1.

كتاب المساقاة

اشارة

1 - حقيقة المساقاة

2 - شرائط‍‌ المساقاة

3 - أحكام عامة في باب المساقاة

1 - حقيقة المساقاة

اشارة

المساقاة عقد يتضمن الاتفاق على سقي شخص اشجار شخص ثان أو غيرها و اصلاح شئونها إلى مدة معينة بحصة من حاصلها. و هي مشروعة جزما.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحديد المساقاة بما ذكر

فهو من واضحات الفقه. و يمكن استفادته من صحيحة يعقوب الآتية.

و فرقها عن المزارعة ان العامل في الثانية يقوم بزرع الارض بحصة من الناتج بعد فرض انها غير مزروعة، بخلافه في المساقاة، فان المفروض ثبوت الاشجار و غرسها في الارض قبل العقد، و دور العامل السقي و اصلاح شئون ما هو مغروس بحصة من الناتج.

2 - و اما شرعيتها

فقد قال في الجواهر: «هي جائزة بالإجماع من علمائنا و أكثر العامة خلافا لأبي حنيفة و زفر فانكراها

للجهالة و الغرر»(1).

و تدل على ذلك صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«... سألته عن رجل يعطي الرجل ارضه و فيها ماء او نخل او فاكهة و يقول: اسق هذا من الماء و اعمره و لك نصف ما اخرج اللّه عز و جل منه، قال: لا بأس»(2)و غيرها.

و الخلاف السابق بين المشهور و غيره في امكان تصحيح المزارعة على طبق القاعدة و بقطع النظر عن الروايات الخاصة و عدمه آت هنا أيضا لوحدة النكتة.

2 - شرائط‍‌ المساقاة

اشارة

يلزم في المساقاة توفر:

1 - الايجاب و القبول بالشكل المتقدم في المزارعة.

2 - البلوغ و العقل في المالك و العامل و عدم الحجر بالنحو المتقدّم في المزارعة.

3 - ان يكون المغروس مملوكا و لو منفعة فقط‍‌ أو يكون التصرف فيه نافذا بوكالة أو ولاية.

4 - معلومية الاشجار في مقابل التردّد.

5 - ان تكون الاصول ذات جذور ثابتة في الارض، كما في النخل و أشجار الفواكه، فلا تصح على ما لا ثبوت لعروقه في الارض، كالبطّيخ و الباذنجان


1) جواهر الكلام 50:27.

2) وسائل الشيعة 202:13 الباب 9 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 2.

و غيرهما من الخضر.

6 - تحديد المدة بداية و نهاية، و ان تكون بمقدار تصلح لبلوغ الثمرة.

و يكفي بلوغ الثمرة تحديدا للنهاية.

7 - ان يكون العقد قبل بلوغ الثمرة أو بعدها مع افتراض الحاجة إلى السقي أو غيره. اما مع فرض الحاجة إلى مجرد الحفظ‍‌ و القطف فالصحة محل خلاف.

8 - تعيين حصة كل من المالك و العامل بنحو الكسر المشاع.

9 - تعيين ما على كل واحد منهما من اعمال إذا لم يكن هناك انصراف.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة إلى الشرطين الاولين

فلما تقدم في المزارعة.

2 - و اما اعتبار ملك المنفعة او التصرف

فلانه لو لا ذلك يكون العقد فضوليا.

3 - و اما اعتبار معلومية الاشجار - بمعنى عدم ترددها -

فلان تعلق وجوب الوفاء بهذا المعين او بذاك المعين ترجيح بلا مرجح، و تعلقه بكليهما امر على خلاف مقصودهما. و المردد لا تحقق له ليمكن تعلق ذلك به.

و اما المعلومية في مقابل الجهل فقد يقال باعتبارها لا لحديث نفي الغرر - لعدم ثبوت كونه رواية على ما تقدم في مبحث الاجارة. اضافة إلى امكان القول بان مثل المساقاة مبنية على الغرر و الجهل من الاساس فلا معنى للتمسك بلحاظها بالحديث المذكور - و لا للإجماع لاحتمال مدركيته بل لان مورد صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة قد فرضت فيه المعلومية لدى الطرفين فلا يبقى ما يدل على صحتها مع

عدم المعلومية بناء على عدم امكان تصحيح المساقاة بمثل عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1). و اما بناء على امكان ذلك - كما عليه المشهور - فاعتبار ذلك قابل للتأمل، و لا بدّ من التنزل الى الاحتياط‍‌ في الفتوى تحفظا من مخالفة المشهور.

4 - و اما اعتبار كون الاصول ثابتة

فلا يتم الا بناء على عدم امكان تصحيح مثل المساقاة بمثل عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ - حيث يقال: ان مورد صحيحة يعقوب خاص بما كان له اصل ثابت، و تصحيح المساقاة في غير ذلك لا دليل عليه - و اما بناء على الرأي الآخر فلا وجه للاشتراط‍‌ المذكور.

بل قد يقال: لا وجه له حتى على الرأي الاول، لان مورد الصحيحة و ان كان مختصا بما له اصل ثابت الا ان تخصيص ذلك بالذكر لم يجئ في كلام الامام عليه السّلام بل في كلام السائل، و حيث لا يحتمل ثبوت خصوصية لذلك عرفا فيمكن تعميم الحكم إلى غيره.

5 - و اما اعتبار تحديد المدة

فلانه بدون ذلك لا تعيّن للعقد في الواقع ليمكن تعلق وجوب الوفاء به.

و اما اعتبار ان تكون المدة بمقدار تبلغ فيه الثمرة فلانه بدون ذلك لا يمكن ثبوت حصة العامل، و من ثمّ‌ يكون العقد لغوا و لا معنى لتعلق وجوب الوفاء به.

و اما كفاية بلوغ الثمرة حدا للنهاية فلأن ذلك نحو من التحديد.

و لعله هو المتعارف الذي يبعد عدم شمول دليل الامضاء له.


1) المائدة: 1.

6 - و اما عدم تقييد صحة المساقاة بما قبل بلوغ الثمرة

فلإطلاق صحيحة يعقوب المتقدمة.

و اما عدم اعتبار الحاجة إلى خصوص السقي فلان عطف الاعمار على السقي في الصحيحة: «اسق هذا من الماء و اعمره» هو من عطف العام على الخاص، و هو يدل على كفاية الاعمار بأي شكل كان و لو لم يكن بالسقي. و التعبير بالمساقاة تعبير فقهي لوحظ‍‌ فيه أهم افراد الاعمار و هو السقي و الا فالرواية لم تعبّر بذلك لتفهم الخصوصية للسقي.

و لو قيل باعتبار الخصوصية للسقي باعتبار انه منصوص عليه في الصحيحة يلزم ان يقال باعتبار الخصوصية أيضا للأعمار غير السقي لأنه مذكور في الصحيحة أيضا، و هو غير محتمل.

و اما الخلاف في الاكتفاء بالحاجة إلى الحفظ‍‌ و القطف فلأنهما ليسا نحوا من الاعمار ليكونا مشمولين للصحيحة.

اجل بناء على صحة التمسك بالعمومات يتوجه الحكم بالصحة و لو لم يكن ذلك بعنوان المساقاة.

7 - و اما اعتبار تعيين الحصة و كون ذلك بالكسر المشاع

فواضح بناء على عدم جواز التمسك بالعمومات و الا فالتعيين يكون معتبرا دون كونه بالكسر المشاع، إذ مع تردد الحصة لا يمكن ثبوت وجوب الوفاء لان تعلقه بلحاظ‍‌ أحد الاحتمالين دون الآخر بلا مرجح، و المردد بما هو مردد لا وجود له ليمكن تعلق وجوب الوفاء به.

ثم انه بناء على جواز التمسك بالعمومات لا يعتبر تعيين الحصة بالكسر المشاع في باب المساقاة و لكن يلزم ذلك في باب المزارعة.

و وجه الفرق: انه في المزارعة فهم من مثل صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تقبل الارض بحنطة مسماة و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به»(1)اعتبار تعيين الحصة بالكسر المشاع و يكون ذلك بمنزلة المقيّد للعمومات، و هذا بخلافه في المساقاة، فان صحيحة يعقوب لا يفهم منها عدم الصحة عند عدم تعيين الحصة بنحو الكسر المشاع و انما ذلك موردها لا أكثر.

8 - و اما اعتبار تعيين الاعمال

فلما تقدم في المزارعة.

3 - احكام عامة في باب المساقاة

اشارة

المساقاة عقد لازم لا ينفسخ الا بالتقايل أو بالفسخ بالخيار إذا فرض اشتراطه او تخلف بعض الشروط‍‌.

و في جواز المساقاة على الاشجار التي لا ثمر لها و انما ينتفع بورقها - كالحناء - خلاف.

و يجوز اجراء عقد المساقاة على الاشجار التي لا تحتاج إلى السقي لاستغنائها بماء المطر و نحو ذلك ما دامت بحاجة إلى الاعمار من جهات اخرى.

و لا يلزم على العامل مباشرة العمل بنفسه بل يجوز له استيجار غيره لذلك ما دام لم تشترط‍‌ عليه المباشرة.

و إذا كان البستان يشتمل على أنواع مختلفة من الاشجار فتجوز المساقاة


1) وسائل الشيعة 199:13 الباب 8 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 3.

على النصف مثلا في النخيل و الربع في شجر التفاح، و هكذا.

و يجوز ان يشترط‍‌ احدهما على الآخر مضافا إلى حصته شيئا آخر، كبناء بيت له أو دفع مبلغ من النقود و ما شاكل ذلك.

و لو قال المالك للعامل: ساقيتك بالنصف ان سقي بالناضح و بالثلث ان سقي بالسيح لم تقع المساقاة صحيحة.

و المغارسة - و هي ان يدفع شخص أرضه لغيره للغرس فيها مع الاشتراك في المغروس - باطلة على المشهور. اجل مع فرض الاشتراك في الشجر من حين العقد و قبل الغرس صحيحة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان المساقاة لازمة لا تنفسخ الا بما ذكر

فقد تقدم ذلك في مبحث الاجارة فلاحظ‍‌.

2 - و اما الخلاف في جواز المساقاة على الاشجار التي لا ثمر لها

فباعتبار ان مورد صحيحة يعقوب هو الشجر المثمر.

الا ان المناسب هو الحكم بالتعميم لان مورد الصحيحة و ان كان ما ذكر لكنه قد وقع في سؤال السائل و لا يفهم العرف له خصوصية فبتنقيح المناط‍‌ ينبغي التعدي.

هذا لو لم نقل بجواز التمسك بالعمومات و الا فالأمر أوضح.

3 - و اما عدم توقف صحة عقد المساقاة على الحاجة إلى السقي

فلما تقدم من ان عطف الاعمار على السقي في صحيحة يعقوب هو من عطف العام على الخاص، و ذلك يدل على ان المدار في صحة المساقاة على الحاجة إلى الاعمار بأي شكل كان من دون خصوصية للسقي.

هذا بناء على عدم امكان التمسك بالعمومات و الا فالحكم

بالصحة أوضح.

4 - و اما ان العامل يجوز له استيجار غيره إذا لم تشترط‍‌ عليه

المباشرة بنفسه

فواضح لان الذمة تكون مشغولة بالاعمار الكلي، و هو مما يمكن تحققه باستيجار الغير له.

5 - و اما جواز المساقاة بحصص مختلفة باختلاف الاشجار

فلانحلال العقد إلى عقود متعددة بعدد أنواع الاشجار.

6 - و اما جواز اشتراط‍‌ شيء آخر اضافة إلى الحصة

فلانه بعد عدم مخالفته لمقتضى العقد و لا للكتاب و السنة الشريفين يكون اشتراطه صحيحا و واجب الوفاء بمقتضى قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(1).

7 - و اما عدم وقوع المساقاة صحيحة في فرض كون الحصة هي

النصف ان سقي بالناضح و الثلث ان سقي سيحا

فلما تقدم من ان التردد مانع من الصحة، إذ تعلق وجوب الوفاء بأحدهما بخصوصه ترجيح بلا مرجح، و تعلقه بكليهما أمر على خلاف مقصودهما، و المردد بما هو مردد لا وجود له ليمكن تعلق وجوب الوفاء به.

8 - و اما بطلان المغارسة

فقد علل:

تارة باقتضاء الاصل لذلك بعد عدم الدليل على صحتها، فان عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)ناظر إلى اثبات اللزوم للعقد الصحيح و ليس لإثبات صحة مشكوك الصحة كما هو رأي صاحب الجواهر(3).


1) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

2) المائدة: 1.

3) جواهر الكلام 59:27.

و اخرى بان الاثر للإنشاء لا بدّ و ان يكون مقارنا له - كما هو المستفاد من قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ حيث يجب الوفاء بالعقد بمجرّد تحققه - و لذا لا يمكن الانشاء من الآن للبيع او الطلاق بعد يوم.

و حيث انه في باب المغارسة يصير صاحب الارض مالكا للأشجار بعد الغرس لا من حين العقد فيلزم ما ذكر من الانفكاك الذي لا دليل على صحة العقد معه.

كتاب الشّركة

اشارة

1 - حقيقة الشركة

2 - من أحكام الشركة بالمعنى الأوّل

3 - من أحكام الشركة بالمعنى الثاني

1 - حقيقة الشركة

اشارة

تطلق الشركة على معنيين:

أ - كون شيء واحد لاثنين أو أزيد بنحو الاشاعة.

ب - الاتفاق بين طرفين أو أزيد على الاتجار بمالهم مع الاشتراك في الربح و الخسارة.

و هي بالمعنى الثاني عقد، و لأجله صحّ‌ ادراجها في العقود بخلافه بالمعنى الاول فانها ليست عقدا.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحقق الشركة بالمعنى الاول

فهو من الامور الواضحة.

فالاخوة مثلا إذا ورثوا مالا او حقا كانت الشركة فيه فيما بينهم بالمعنى المذكور.

و هكذا تتحقق بالمعنى المذكور إذا افترض اشتراك شخصين في حيازة المباحات، كاصطياد مجموعة من الاسماك بواسطة شبكة.

او افترض امتزاج مالين لشخصين باختيار او بغيره من دون

تميز لأحدهما من الآخر بنحو عدّا عرفا موجودا واحدا، كامتزاج حنطة بحنطة او دقيق حنطة بدقيق حنطة او شعير. و اما إذا كان المزج بنحو لا يعدّان موجودا واحدا فلا تتحقق الشركة و ان لم يمكن التمييز، كما إذا اختلطت دنانير شخص بدنانير غيره، أو عباءة شخص بعباءة غيره، أو حنطة شخص بشعير غيره، فانه حيث لا يعدّ الخليط‍‌ موجودا واحدا فلا تتحقق الشركة بل يلزم الفرز ان امكن، و ان لم يمكن الا بكلفة بالغة فمع اتفاقهما على الصلح فلا مشكلة و الا اجبرهما الحاكم عليه.

و قيل بالمصير إلى القرعة مع عدم اتفاقهما على الصلح. و هو جيد في مثال العباءة و الدنانير حيث لا يعرف المالك فيشخص بالقرعة لان «كل مجهول ففيه القرعة»(1)، بخلافه في مثال اختلاط‍‌ الحنطة بالشعير، فانه لا معنى للمصير إلى القرعة بعد تشخص مالك الحنطة عن مالك الشعير بل يتعيّن المصير إلى الصلح ان اتفقا عليه و الا اجبرهما الحاكم عليه.

و قد يفترض تحقق الشركة بالمعنى الاول أيضا فيما إذا امتلك شخصان أو أزيد شيئا واحدا بشراء أو صلح أو هبة و نحوها.

كما تتحقق أيضا بعملية التشريك المنصوص عليها في الاخبار، كمن كان عنده شيء و طلب منه غيره تشريكه فيه، بان قال له: شرّكني في نصفه بكذا مقدار، فانه إذا قبل تحققت فيه الشركة بالمعنى المذكور، فاذا حصل ربح أو نقصان اشتركا في ذلك.

و الوجه فيه - مضافا إلى امكان دعوى انعقاد السيرة العقلائية1.


1) وسائل الشيعة 189:18 الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث 11.

عليه الممضاة بعدم ردع الشارع عنها - التمسك بصحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يشارك في السلعة، قال: ان ربح فله و ان وضع فعليه»(1)و غيرها.

و الشركة في كل الأمثلة التي أشرنا إليها تتحقق بنحو الاشاعة.

و قيل بامكان تحققها أيضا في موارد اخرى بنحو الكلي في المعين أو بنحو استقلال الشركاء في التصرف، كما في شركة الفقراء في الزكاة، و بني هاشم في الخمس، و الموقوف عليهم في الاوقاف العامة.

2 - و اما الشركة بالمعنى الثاني

فهي مما انعقدت عليها السيرة العقلائية المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام الممضاة بعدم الردع عنها، و مشمولة للعمومات، كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

بل يمكن التمسك لإثبات صحتها بموثقة النوفلي عن السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان أمير المؤمنين عليه السّلام كره مشاركة اليهودي و النصراني و المجوسي الا ان تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم»(3)و غيرها.

و قد تقدم ان السكوني و ان لم يرد في حقه توثيق خاص الا ان دعوى الشيخ في عدته عمل الطائفة برواياته(4)كاف في التساهل من ناحيته.

و اما النوفلي فيمكن اثبات وثاقته اما من خلال و روده في اسناد


1) وسائل الشيعة 174:13 الباب 1 من أبواب أحكام الشركة الحديث 1.

2) المائدة: 1.

3) وسائل الشيعة 176:13 الباب 2 من أحكام الشركة الحديث 2.

4) العدة في الاصول 149:1.

تفسير القمي أو كامل الزيارات - بناء على تمامية كبرى وثاقة كل من ورد في أحد الكتابين المذكورين - أو من خلال عمل الطائفة بروايات السكوني، فانه يدل بالالتزام على عملهم بروايات النوفلي بعد ان كان اكثر روايات السكوني واصلا بطريق النوفلي.

2 - من أحكام الشركة بالمعنى الاول

اشارة

لا يجوز لبعض الشركاء التصرف في العين المشتركة بالمعنى الاول الا باذن البقية.

و إذا طالب بعض الشركاء بالقسمة لزمت اجابته ان لم يلزم منها تضرر البعض أو الكل. و في حالة عدم لزومه تلزم الاجابة سواء كانت قسمة افراز - بمعنى عدم احتياج المال المشترك في تقسيمه إلى تعديل سهامه لتساوي أجزائه في القيمة - أم قسمة تعديل.

و القسمة عقد لازم لا يجوز فسخها من دون تراض. و لو ادعي وقوع الغلط‍‌ فيها لم يقبل ذلك الا بالبينة.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز التصرف في العين المشتركة الا بموافقة بقية

الشركاء

فلعدم جواز التصرف في مال الغير الا بطيب نفسه.

2 - و اما لزوم الاجابة إلى القسمة مع عدم التضرر

فللسيرة العقلائية المنعقدة على ان لكل مالك الحق في المطالبة بفرز ماله عن مال شريكه، و حيث لا يحتمل حدوث السيرة المذكورة في الازمنة المتأخرة بل يجزم باتصالها بزمن المعصوم عليه السّلام فتكون كاشفة عن

رضاه عليه السّلام بمضمونها بعد عدم ردعه عنها.

و اما استثناء حالة لزوم الضرر فلقاعدة نفي الضرر بناء على كون المراد منها نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر.

3 - و اما ان لزوم الاجابة إلى القسمة لا يفرّق فيه بين شكلي

القسمة

فلعموم السيرة المتقدمة.

4 - و اما ان القسمة عقد لازم لا يجوز فسخه بدون تراض من

الاطراف

فلأصالة اللزوم في كل عقد - و قد تقدمت الاشارة إلى مستندها في باب البيع - التي يلزم التمسك بها ما دام لم يثبت بالدليل الجواز.

5 - و اما عدم قبول دعوى الغلط‍‌ فيها

فلأصالة الصحة - في كل عقد لم يثبت فساده - الثابتة بالسيرة العقلائية غير المردوع عنها.

6 - و اما استثناء حالة اقامة البينة

فلان كل من ادعى شيئا على خلاف الاصل فيمكنه اثبات دعواه باقامة البينة عليها لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(1).

و يأتي التعرض من جديد إن شاء اللّه تعالى في كتاب القضاء الى مبحث القسمة تحت عنوان «قسمة المال المشترك».

3 - من أحكام الشركة بالمعنى الثاني

اشارة

لا تصح الشركة العقدية لدى المشهور الا بمزج مالي الشريكين اما قبل


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

العقد أو بعده بنحو لا يتميزان.

و هي ذات اشكال متعددة لا تصح الا في واحد منها، و هو ما تقدم من التعاقد على الاشتراك في ربح و خسارة المالين بعد الاتجار بهما.

و يصطلح عليها بشركة العنان.

و اما بقية أشكالها فباطلة(1)

هذا ما عليه اصحابنا.

و اما العامة فقد ذهب بعضهم الى جواز بعض الاشكال المذكورة فلاحظ‍‌ المغني لابن قدامى 111:5.

، و هي:

أ - شركة الابدان. و هي التعاقد على عمل كل واحد من الطرفين بصورة مستقلة و في مجاله الخاص مع اقتسام الربح الحاصل لكل واحد، كما لو قرّر حلاّقان اقتسام اجرة الحلاقة التي يحصلان عليها في كل يوم.

ب - شركة الوجوه. و هي التعاقد بين شخصين لا يملكان مالا بل وجاهة بين الناس فقط‍‌ على شراء كل واحد منهما بثمن ثابت في ذمته فقط‍‌ شيئا لكلا الطرفين ثم بيعه بعد ذلك و اداء الثمن بعده و اقتسام الربح الحاصل.

ج‍‌ - شركة المفاوضة. و هي التعاقد على اقتسام كل ما يستفيده أحد الطرفين من ارث أو وصية أو ربح تجارة و نحو ذلك، و هكذا تحمل الطرفين كل ما يرد على احدهما من خسارة.

و يلزم في الشركة العقدية الصحيحة الايجاب و القبول و البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لسفه أو فلس.

و يتساوى الشريكان في الربح و الخسارة مع تساوي المالين، و مع الزيادة5.


1) و قد اتفقت كلمة اصحابنا على ذلك على ما في جامع المقاصد 13:8 و لم ينسب الخلاف الا الى الاسكافي فان العلامة في المختلف: 479 قد نقل عنه جواز شركة الوجوه و الاعمال.

فبالنسبة ربحا و خسارة. و لو شرطت زيادة لأحدهما فمع كونها في مقابل العمل أو زيادته فلا اشكال و الا لم يجز ذلك على قول.

و التصدي للعمل في عقد الشركة يتبع ما تمّ‌ الاتفاق عليه بين الطرفين، فاذا اتفقا على تصدي احدهما فقط‍‌ أو كليهما بنحو الاستقلال أو الانضمام كان السير على طبق ذلك لازما.

و هكذا الحال بالنسبة إلى تعيين الكيفية الخاصة للعمل فانها تتبع ما تمّ‌ الاتفاق عليه.

و عقد الشركة جائز، بمعنى ثبوت الحق لكل من الشريكين في التراجع عن اذنه في التصرف.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار المزج لدى المشهور

فلا مستند له سوى الاجماع المدعى في المسألة، فان تمّ‌ كان هو المدرك و الا فمقتضى العمومات - كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)- عدم الاعتبار، كما أكد ذلك السيّد اليزدي في العروة الوثقى(2).

و إذا قلت: مع افتراض تحقق المزج تكون الشركة متحققة به فما الفائدة بعد ذلك من اجراء عقد و أي شيء يترتب عليه‌؟

قلت: مع افتراض تحقق المزج الموجب للإشاعة تنحصر فائدة العقد في الاذن في التصرف في المال المشترك و يكون في روحه راجعا إلى الاذن في التصرف و توكيل احدهما الآخر فيه.

و اما مع عدم تحقق المزج أو افتراض تحققه بنحو غير موجب


1) المائدة: 1.

2) العروة الوثقى، كتاب الشركة، المسألة 4.

للإشاعة - بناء على انكار الاجماع رأسا أو دعوى قيامه على اعتبار اصل المزج و لو لم يوجب الاشاعة - فمرجع العقد إلى تمليك كل واحد من الطرفين حصة من ماله للآخر.

و عليه تكون حقيقة عقد الشركة راجعة اما إلى الاذن في التصرف أو الى تمليك حصة من المال للآخر.

و على الاول يكون معنى اشتركنا: اشتركنا في الاذن في التصرف.

و على الثاني يكون المعنى: اشتركنا في الملك.

2 - و اما الوجه في صحة شركة العنان

فقد تقدم عند البحث عن حقيقة الشركة.

و اما الوجه في عدم صحة شركة الابدان فواضح على رأي المشهور المعتبر للامتزاج الذي هو مفقود فيها. و اما بناء على عدم اعتباره فقد قيل في وجه عدم الصحة: ان ربح العمل المستقبلي معدوم حين العقد، و تمليك المعدوم أمر غير عقلائي و تحتاج صحته إلى قيام دليل خاص عليه، و هو مفقود.

و بهذا نفسه يمكن توجيه بطلان شركة الوجوه و المفاوضة، فان المزج - بناء على اعتباره - مفقود، و بناء على عدمه يكون المورد من موارد تمليك المعدوم، فان ربح ما يشترى في الذمة أو الفوائد المستقبلية التي تحصل من خلال الارث أو الوصية و نحوهما مفقود حين اجراء عقد الشركة، و تمليك ذلك تمليك للمعدوم.

3 - و اما اعتبار الايجاب و القبول في الشركة العقدية الصحيحة

فلان ذلك لازم افتراض كونها عقدا.

و يكفي كل ما يدل عليهما، كقول احدهما: تشاركنا مع قبول الآخر، بل لا يبعد الاكتفاء بالمعاطاة، كما لو مزج المالان بقصد الاشتراك في التجارة و ما يترتب عليها من ربح أو خسارة، فانه بعد صدق العقد بذلك يشمله عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

و اما اعتبار البلوغ و بقية الشروط‍‌ فلان ذلك من الشرائط‍‌ العامة في كل عقد.

4 - و اما التساوي في الربح و الخسارة مع تساوي المالين و الا

فبالنسبة

فذلك لقاعدة تبعية الربح و النماء للمال.

5 - و اما جواز اشتراط‍‌ الزيادة في مقابل العمل أو زيادته

فلانه شرط‍‌ سائغ و مشمول لعموم قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(2).

6 - و اما القول بعدم جواز اشتراط‍‌ الزيادة مع تساوي المالين

و العمل

فقد علل بكونه اكلا للمال بالباطل، و قد نهي عنه في قوله تعالى:

لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌ (3).

و اما وجه القول بجواز ذلك فهو التمسك بعموم «المسلمون عند شروطهم».

و دعوى انه مخالف لمقتضى العقد مدفوعة بانه مخالف لمقتضى اطلاقه لا لأصله.

7 - و اما تبعية التصدي للعمل و كيفيته لما تمّ‌ الاتفاق عليه

فلأن عقد الشركة على ما تقدم يرجع اما إلى الاذن في التصرف أو إلى تمليك


1) المائدة: 1.

2) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

3) النساء: 29.

الحصة، و على كلا التقديرين يكون تحديد الاذن و التمليك أمرا راجعا إلى الآذن و المملك.

8 - و اما ان عقد الشركة جائز

فلان مرجعه - كما قلنا - اما الى الاذن في التصرف او التمليك.

اما على التقدير الاول فالامر واضح لان من حق كل آذن التراجع عن اذنه.

و اما على التقدير الثاني فلان كل واحد من الطرفين و ان ملك حصة من مال الآخر بسبب العقد الا ان من حقه عدم الاذن في التصرف فيها و التراجع عنها.

كتاب الضمان

اشارة

1 - حقيقة الضمان

2 - شرائط‍‌ الضمان

3 - من أحكام الضمان

1 - حقيقة الضمان

اشارة

الضمان - بمعناه المصطلح عليه لدى فقهائنا - هو التعهد بالدين للغير بنحو ينتقل من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن.

و اما عند غيرنا فهو ضم ذمة إلى ذمة بحيث تعود ذمة الضامن و المضمون عنه مشغولتين للمضمون له و يحق له الرجوع على ايهما شاء.

و له اطلاق بمعنى ثان، و هو التعهد بالمال للغير و تحمل مسئوليته من دون اشتغال ذمة الضامن بالفعل و براءة ذمة المضمون عنه، كما هو على المعنى الاصطلاحي.

و هو مشروع بكلا معنييه.

و المستند في ذلك:

1 - اما الضمان بالمعنى الاصطلاحي الذي تترتب عليه براءة ذمة

المضمون عنه بمجرد الضمان و اشتغال ذمة الضامن

فمشروعيته من بديهيات الفقه.

و يمكن التمسك لذلك بصحيحة عبد اللّه بن سنان - التي رواها

المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة - عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت»(1).

هذا في الضمان بمعناه المصطلح عندنا.

و اما بمعناه المصطلح عليه عند غيرنا فالمعروف بين الاصحاب عدم صحته حتى مع التصريح بارادته الا انه ذكر البعض امكان تصحيحه من خلال التمسك بالعمومات(2).

2 - و اما الضمان بمعناه الثاني

فهو متداول لدى العقلاء، كضمان شخص الدين للدائن ان لم يؤده المديون أو ضمان الدار لمشتريها إذا ظهرت مستحقة للغير أو ضمان الثمن للبائع ان ظهر كذلك.

3 - و اما شرعية الضمان بمعناه الاصطلاحي

فقد اتضح وجهها.

و اما شرعيته بالمعنى الثاني فللسيرة العقلائية المنعقدة عليه المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام و الممضاة بعدم الردع. مضافا إلى امكان التمسك بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)بناء على افادته اللزوم و الصحة لا خصوص اللزوم.


1) وسائل الشيعة 150:13 الباب 2 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1.

2) العروة الوثقى، كتاب الضمان، المسألة 2.

3) المائدة: 1.

2 - شرائط‍‌ الضمان

اشارة

يلزم لتحقق الضمان توفر:

1 - الايجاب من الضامن و القبول من المضمون له بكل ما يدل عليهما.

و لا يلزم رضا المضمون عنه.

2 - كون الضامن و المضمون له بالغين عاقلين مختارين و ليسا محجرا عليهما لسفه، بخلاف المضمون عنه، فانه لا يلزم فيه ذلك.

و يلزم أيضا عدم فلس المضمون له دون الضامن.

3 - التنجيز على المشهور، فلا يصح لو قال انا ضامن ان اذن لي فلان أو ان لم يف المديون دينه. اجل لا يعتبر ذلك في الضمان بالمعنى الثاني.

4 - ثبوت الدين في ذمة المضمون عنه فلا يصح اقرض فلانا و انا ضامن.

نعم يصح ذلك في الضمان بمعناه الثاني.

5 - تعيّن الدين و المضمون له و المضمون عنه، بمعنى عدم تردده، فلا يصح ضمان أحد الدينين و لو لشخص معين على شخص معين، و لا ضمان دين أحد الشخصين و لو لواحد معين، و لا ضمان دين أحد الشخصين و لو على واحد معين.

و اما ما نسب إلى بعض من لزوم العلم بالمضمون عنه و المضمون له بالوصف و النسب فغريب.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في تحقق الضمان

فلانه نحو من المعاقدة التي لا تتم الا بذلك.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما فلانه بذلك يتحقق العقد فيشمله عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، كما يتحقق بذلك عنوان الضمان فتشمله صحيحة ابن سنان المتقدمة.

2 - و اما عدم اعتبار رضا المضمون عنه

فلصحة الضمان التبرعي، الذي هو بمنزلة وفاء دين الغير تبرعا بدون ضمان حيث لا يعتبر فيه رضاه.

اجل إذا استلزم الضمان التبرعي اهانة المضمون عنه - كتبرع وضيع بضمان دين انسان شريف - حرم تكليفا و لكنه لا يلزم عدم الصحة وضعا.

3 - و اما اعتبار البلوغ و ما بعده في الضامن و المضمون له

فلأنهما طرفا العقد، و ذلك معتبر في مطلق طرفي العقد.

و اما عدم اعتبار ما ذكر في المضمون عنه فلانه اجنبي عن العقد.

على انه إذا جاز كونه ميتا - كما هو مورد صحيحة ابن سنان المتقدمة - جاز كونه صبيا أو مجنونا أو مكرها أو سفيها لعدم الفرق، بل لعل ذلك أولى.

و اما اشتراط‍‌ عدم فلس المضمون له فلان المفلس ممنوع من التصرف في أمواله و لو بنقلها، و واضح ان لازم قبوله الضمان نقل دينه من ذمة إلى ذمة.

و اما عدم اشتراط‍‌ فلس الضامن فلان المفلّس ممنوع من التصرف في أعيان أمواله دون ذمته. و هل يحتمل عدم جواز اقتراضه‌؟


1) المائدة: 1.

4 - و اما اعتبار التنجيز في نظر المشهور

فقد علّله السيد اليزدي بقوله: «لا دليل عليه بعد صدق الضمان و شمول العمومات العامة الا دعوى الاجماع في كل العقود»(1).

و اما عدم اعتباره في الضمان بالمعنى الثاني فلكون القدر المتيقن من معقد الاجماع هو الضمان بالمعنى الاول، و معه لا يعود مانع من التمسك بالسيرة العقلائية و العموم.

5 - و اما اعتبار ثبوت الدين في ذمة المضمون عنه

فلانه بدونه لا يمكن نقل ما في ذمته إلى ذمة اخرى.

و اما عدم اشتراطه في الضمان بالمعنى الثاني فلانه تعهد و تحمل للمسئولية من دون اشتماله على نقل ما في ذمة إلى ذمة اخرى ليعتبر فيه ذلك.

6 - و اما اعتبار التعيّن و عدم التردد في الدين و المضمون له

و المضمون عنه

فلانه بدونه لا يمكن تحقق القصد إلى الضمان، فان تحقق الضمان بلحاظ‍‌ هذا الدين دون ذاك بلا مرجح، و بلحاظهما خلاف المقصود، و المردد بما هو مردد لا خارجية له ليمكن تحقق الضمان بلحاظه.

و هذا نفسه يجري في فرض تردد المضمون له أو المضمون عنه.

7 - و اما غرابة اعتبار العلم بوصف و نسب المضمون عنه

و المضمون له

فلان ذلك لا دليل عليه، كيف و هو غير معتبر في البيع الذي هو اكثر قيودا من سائر العقود.


1) العروة الوثقى، كتاب الضمان، الشرط‍‌ 7 من شروط‍‌ الضمان.

3 - من أحكام الضمان

اشارة

إذا ضمن الضامن باذن المضمون عنه و تحقق الاداء منه جاز له الرجوع عليه.

و إذا لم يكن باذنه أو لم يؤد لإبراء لم يجز له الرجوع عليه. بل لو تمّ‌ التصالح على نصف المبلغ مثلا و الابراء عن الباقي لم يجز الرجوع بالجميع بل بما أدّى.

و إذا ابرأ المضمون له ذمة الضامن برئت ذمة المضمون عنه أيضا.

و إذا ابرأ ذمة المضمون عنه كان ذلك لغوا.

و الضمان لازم من طرف الضامن و المضمون له.

و إذا أدى الضامن الدين من غير جنسه لم يجز له اجبار المضمون عنه بالدفع من خصوص جنس ما أدى.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز رجوع الضامن على المضمون عنه مع عدم

تحقق الاداء

فمما لا اشكال فيه. و يمكن استفادته من موثق عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح عليه، قال: ليس له الا الذي صالح عليه»(1)، فانه يدل على ان السبب في اشتغال ذمة المضمون عنه هو الاداء و قبله لا اشتغال.

هذا و قد قيل ان الحكم المذكور هو على خلاف القاعدة فانها


1) وسائل الشيعة 153:13 الباب 6 من أحكام الضمان الحديث 1.

تقتضي جواز الرجوع بمجرد تحقق الضمان، إذ كما اشتغلت ذمة الضامن بمجرد الضمان كذلك يلزم بالمقابل اشتغال ذمة المضمون عنه للضامن بمجرد الضمان ادّى الضامن أو لم يؤد(1).

2 - و اما عدم جواز الرجوع مع عدم الاذن في الضمان

فلانه تبرع من الضامن لا يسوّغ رجوعه، و هو اشبه باداء دين الغير تبرعا و من دون ضمان.

3 - و اما انه لا يرجع مع الابراء أو يرجع بما ادّى في فرض الابراء من

الباقي

فلاستفادة ذلك من الموثق المتقدم.

4 - و اما براءة ذمة المضمون عنه لو ابرأ المضمون له الضامن

فواضحة، إذ البراءة للمضمون له قد تحققت بمجرد الضمان، و اما البراءة للضامن فلما تقدم من تفرع جواز الرجوع على المضمون عنه على الاداء.

5 - و اما ان ابراء المضمون عنه لغو فلان ذمته برئت بمجرد

الضمان

فلا معنى لإبرائها.

اجل إذا فهم ان المقصود اسقاط‍‌ الدين رأسا برئت بذلك ذمة الضامن.

6 - و اما ان عقد الضمان لازم

فلان رجوع الدين إلى ذمة المضمون عنه و اشتغالها به ثانيا بعد براءتها منه و انتقاله إلى ذمة الضامن يحتاج إلى دليل، و هو مفقود، و الاصل في كل عقد هو اللزوم كما تقدم في مبحث البيع.


1) العروة الوثقى، كتاب الضمان، المسألة 13.

7 - و اما ان الضامن لو ادّى الدين من غير جنسه فلا يجوز له

اجبار المضمون عنه بالدفع من جنس ما ادّاه

فباعتبار عدم امر المضمون عنه الضامن بذلك و انما هو تصرف تبرعي منه.

نعم مع امر المضمون عنه بذلك فللضامن الحق في ذلك لاقتضاء الامر نفسه لذلك بالسيرة العقلائية.

كتاب الحوالة و الكفالة

اشارة

1 - حقيقة الحوالة

2 - شرائط‍‌ الحوالة

3 - من أحكام الحوالة

4 - الكفالة و بعض أحكامها

1 - حقيقة الحوالة

اشارة

الحوالة معاملة تتضمن نقل المدين ما في ذمته من دين إلى ذمة غيره باحالة الدائن عليه.

و هي مشروعة جزما.

و المعروف كونها عقدا خلافا لبعض المتأخرين حيث اختار كونها ايقاعا.

و هي متقومة بطرفين: المحيل و المحال دون المحال عليه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان معنى الحوالة ما ذكر

فهو من بديهيات الفقه.

و الفرق بينها و بين الضمان - المتضمن أيضا لنقل ما في ذمة إلى ذمة اخرى - ان الحوالة معاملة بين المدين و الدائن، حيث ينقل الاول ما في ذمته إلى ذمة غيره بخلاف الضمان، فانه معاملة بين الدائن و الاجنبي، حيث ينقل الثاني ما في ذمة المدين إلى ذمته.

2 - و اما انها مشروعة

فأمر متسالم عليه.

و يمكن الاستدلال لذلك بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع،

و بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و بالروايات الخاصة، كصحيحة ابي أيوب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يحيل الرجل بالمال أ يرجع عليه‌؟ قال: لا يرجع عليه أبدا الا ان يكون قد أفلس قبل ذلك»(2)

و المراد: أ يرجع المحال على المحيل‌؟ قال: لا، الا اذا اتضح ان المحال عليه كان قد حصل له الفلس قبل الحوالة. هذا هو المقصود و ان كان تعبير الصحيحة قد يوهم كون المقصود: الا ان يكون المحيل قد افلس قبل ذلك، و لكنه غير مقصود جزما لعدم مدخلية افلاس المحيل في جواز الرجوع عليه. هذا مضافا الى ان الاصحاب لم يفهموا الا ما اشرنا اليه.

و غيرها.
3 - و اما انها عقد

فلتضمنها تصرفا في مال المحتال الذي هو تحت سلطانه و في ذمة المحال عليه التي هي تحت سلطانه فيلزم قبولهما، و لا يكفي إنشاء المحيل فقط‍‌ لتكون ايقاعا.

و اما كونها ايقاعا فقد اختاره السيد اليزدي قدّس سرّه، حيث قال: «الذي يقوى عندي كونها من الايقاع غاية الامر اعتبار الرضا من المحتال أو منه و من المحال عليه، و مجرد هذا لا يصيّره عقدا، و ذلك لأنها نوع من وفاء الدين و ان كانت توجب انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه، فهذا النقل و الانتقال نوع من الوفاء و هو لا يكون عقدا و ان احتاج إلى الرضا من الآخر، كما في الوفاء بغير الجنس، فانه يعتبر فيه رضا الدائن و مع ذلك ايقاع»(3).

و ما أفاده يمكن التأمل فيه باعتبار ان الحوالة تتضمن نقلا للدين من ذمة إلى اخرى فكيف تكون وفاء.


1) المائدة: 1.

2) وسائل الشيعة 158:13 الباب 11 من أبواب أحكام الضمان الحديث 1.

3) العروة الوثقى، كتاب الحوالة، الشرط‍‌ 1 من شروط‍‌ الحوالة.

و مع التنزل و التسليم بكونها كالوفاء بغير الجنس فذلك لا يوجب كونها ايقاعا لان كون المقيس عليه من قبيل الايقاع اول الكلام بل هو عقد لكونه معاوضة بين الدين و الجنس الآخر.

4 - و اما تقوّمها بالمحيل و المحتال فقط‍‌

فلان المحال عليه و ان اعتبر رضاه اما مطلقا أو فيما إذا كان بريئا أو كانت الحوالة بغير الجنس الا ان ذلك لا يصيّره من أركان العقد، فان مجرد اشتراط‍‌ رضاه لا يدل على كونه طرفا و ركنا، كما هو الحال في رضا المالك في عقد الفضولي.

و قيل باحتمال اعتبار قبوله على حدّ اعتبار قبول المحال فيكون العقد مركبا من ايجاب و قبولين. و لكنه بعيد.

و الثمرة بين اعتبار قبوله بنحو الركنية و بين اعتباره لا بنحوها انه على الاول يعتبر في قبوله ما يعتبر في الايجاب و القبول من الموالاة و نحوها بخلافه على الثاني.

2 - شرائط‍‌ الحوالة

اشارة

يلزم في صحة الحوالة توفر:

1 - الايجاب من المحيل و القبول من المحتال بكل ما يدل عليهما.

2 - البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لفلس أو سفه في المحيل و المحتال الا في الحوالة على البريء فلا يعتبر عدم الحجر في المحيل.

و اما المحال عليه فلا يعتبر فيه شيء من ذلك الا إذا كانت الحوالة على البريء أو بغير الجنس.

3 - التنجيز على المشهور.

4 - ثبوت الدين في ذمة المحيل فلا يصح في غير الثابت و لو مع تحقق سببه، كمال الجعالة قبل العمل فضلا عما إذا لم يتحقق سببه، كالحوالة بما سيقترضه.

5 - عدم تردد المال المحال فلا تصح الحوالة بأحد الدينين من دون تعيين.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في الحوالة

فلأنها عقد. و احتمال كونها ايقاعا ضعيف على ما تقدم.

كما تقدم ان رضا المحال عليه لو اعتبرناه فهو ليس على حدّ القبول الركني بل على حدّ رضا المالك في عقد الفضولي.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل على الايجاب و القبول فقد تقدم وجهه عند البحث عن الضمان و غيره.

2 - و اما اعتبار البلوغ و ما بعده في المحيل و المحال

فلان نقل الدين و التصرف فيه قائم بهما فيلزم فيهما ما ذكر.

3 - و اما انه في الحوالة على البريء لا يلزم عدم الحجر في المحيل

فلانه لا يملك شيئا في ذمة المحال عليه ليمنع من التصرف فيه بل ما يصدر منه هو اشغال لذمة الغير بما ثبت في ذمته هو.

اجل يعتبر فيه البلوغ و العقل و الاختيار لعدم الاثر لعقد الصغير و المجنون و المكره.

4 - و اما ان المحال عليه لا يعتبر فيه شيء من ذلك

فلوضوح ان لمن يملك المال في ذمة الصغير و المجنون و من لم يرض بالحوالة، الحقّ‌ في تمليكه لغيره و نقله إليه. بالرغم من فرض الصغر و الجنون

و عدم الرضا. و سيأتي - ان شاء اللّه تعالى - توضيح ذلك ثانية تحت عنوان «من احكام الحوالة».

و اما اعتبار ذلك فيه إذا كان بريء الذمة أو كانت الحوالة بغير الجنس فلانه بالحوالة يحصل تصرف في ذمته فلا بدّ من بلوغه و عقله و اختياره و عدم سفهه.

اجل لا يعتبر عدم فلسه إذا كان بريء الذمة لجواز اشغال المفلس ذمته بخلاف السفيه فانه ليس له اشغال ذمته بدون اذن وليه.

5 - و أما التنجيز

فلا مستند لاعتباره سوى الاجماع فان تمّ‌ و كان كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام أخذنا به و الا فلا وجه لاعتباره الا على مستوى الاحتياط‍‌.

6 - و اما اعتبار ثبوت الدين في ذمة المحيل

فلان الحوالة نقل من المحيل الدين الثابت في ذمته الى ذمة اخرى، و المعدوم لا يقبل النقل.

7 - و اما اعتبار تعيّن المحال

فلان المردد لا تحقق له ليمكن نقله من ذمة الى اخرى.

3 - من أحكام الحوالة

اشارة

يعتبر في صحة الحوالة موافقة المحيل و المحال دون المحال عليه الا إذا كانت على البريء أو بغير الجنس. و قيل باعتبار رضاه مطلقا.

و هي لازمة لا يجوز فسخها بدون التراضي الا إذا اتضح كونها على مفلس.

و يجوز اشتراط‍‌ الفسخ لكل واحد من الثلاثة.

و بتحققها تبرأ ذمة المحيل و ان لم يبرئه المحال و تشتغل ذمة المحال عليه

للمحال و تبرأ من اشتغالها للمحيل ان كانت الحوالة من الجنس نفسه و بمقدار مساو.

و إذا قضى المحيل الدين بعد تمامية الحوالة تبرأ بذلك ذمة المحال عليه و جاز للمحيل الرجوع عليه ان كان ذلك بطلب منه.

و يجوز الترامي في الحوالة بل و الدور فيها.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار موافقة المحيل و المحال في صحة الحوالة

فلأنها تتضمن نقل المحيل الدين الثابت في ذمته للمحال فيتوقف على رضاهما.

و اما عدم اعتبار رضا المحال عليه فلان المال ملك للمحيل فله نقله إلى أي ذمة شاء.

و دعوى اعتبار رضاه لاختلاف الناس في كيفية الاقتضاء سهولة و صعوبة مدفوعة بعدم الدليل على اعتبار تساوي الطرفين في كيفية الاقتضاء في صحة النقل، و لذا يصح بيع الدين و ان لم يرض المدين بالرغم من اختلاف المشتري في الاقتضاء سهولة و صعوبة.

2 - و اما استثناء حالة الحوالة على البريء أو بغير الجنس

فلعدم ثبوت السلطنة للمحيل على اشغال الذمة البريئة رأسا أو من الجنس الخاص.

3 - و اما وجه القول باعتبار رضا المحال عليه مطلقا

فقد اتضح مع جوابه.

4 - و اما ان الحوالة لازمة

فلأصالة اللزوم في كل عقد. مضافا إلى دلالة صحيحة ابي ايوب المتقدمة عليه فراجع.

و اما استثناء الحوالة على المفلس فللصحيحة نفسها.

5 - و اما جواز اشتراط‍‌ خيار الفسخ للثلاثة

فلان الحوالة و ان كانت لازمة الا ان لزومها ليس حكميا بل حقي، و معه فيمكن التمسك بعموم قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(1).

6 - و اما براءة ذمة المحيل بمجرد تحقق الحوالة و لو مع عدم

ابراء المحال

فللصحيحة المتقدمة.

و قد يقال بالتوقف على ابراء المحال لصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال: برئت مما لي عليك، فقال: إذا ابرأه فليس له ان يرجع عليه، و ان لم يبرئه فله ان يرجع على الذي احاله»(2).

و الجواب: ان الصحيحة المذكورة معارضة بالصحيحة السابقة الدالة على تحقق البراءة بالحوالة الا مع اتضاح كونها حوالة على مفلس، و لصراحة الثانية فيما تدل عليه يلزم حمل الاولى على بعض المحامل - تطبيقا لقاعدة متى ما اجتمع النص و الظاهر تصرف في الثاني بقرينة الاول - من قبيل ان يقال: ان المقصود من الابراء هو قبول الحوالة دون الابراء نفسه، فيراد بقوله عليه السّلام: «إذا ابرأه فليس...»: إذا قبل المحال الحوالة فليس له الرجوع على المحيل.

7 - و اما انه بعد تحقق الحوالة تشتغل ذمة المحال عليه للمحال

و تبرأ من اشتغالها للمحيل

فلانه بعد اشتغالها للمحال - الذي هو لازم براءة ذمة المحيل من دين المحال - يلزم براءتها من الاشتغال للمحيل


1) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 158:13 الباب 11 من أحكام الضمان الحديث 2.

لعدم احتمال اشتغالها لاثنين.

8 - و اما براءة ذمة المحال عليه بقضاء المحيل للدين مع جواز

رجوعه إليه ان لم يكن تبرعا

فلانه كقضاء شخص اجنبي آخر الدين الذي حكمه براءة ذمة المدين و جواز رجوع الاجنبي عليه ان لم يكن ذلك تبرعا، و واضح ان المحيل بعد تحقق الحوالة يصبح أجنبيا لبراءة ذمته.

9 - و اما جواز الترامي و الدور في الحوالة

فلإطلاق أدلة مشروعيتها.

4 - الكفالة و بعض أحكامها

اشارة

الكفالة - و هي التعهد باحضار المدين و تسليمه إلى الدائن عند طلبه ذلك - مشروعة، و لكنها مكروهة.

و يعتبر فيها الايجاب من الكفيل بكل ما يدل على تعهده و التزامه و القبول من المكفول له بكل ما يدل عليه. و في اعتبار رضا المكفول خلاف.

و متى لم يحضر الكفيل المكفول في الموعد المقرر حبس حتى يحضره أو يؤدي ما عليه.

و من حق الكفيل - إذا ادى ما على المكفول - الرجوع عليه ان كان الاداء بطلب منه.

و يلزم الكفيل التشبث بكل وسيلة مشروعة لإحضار المكفول.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان معنى الكفالة ما ذكر

فمن الواضحات، فاذا اراد شخص الاقتراض فمن حق المقرض طلب الكفيل من المقترض ليقوم باحضاره

في الموعد المقرر. و هكذا من باع شيئا و خاف من المشتري عدم احضاره الثمن فان من حقه طلب الكفيل منه. و غير ذلك من الأمثلة.

و تفترق الكفالة عن الحوالة و الضمان في ان الاولى تعهد بالنفس بخلاف الاخيرتين فانهما تعهد بالمال.

2 - و اما انها مشروعة

فمن بديهيات الفقه.

و يمكن التمسك لإثبات ذلك بالسيرة العقلائية المنعقدة على ذلك و الممضاة بعدم الردع، و بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، و بالروايات الخاصة، كصحيحة داود بن سرحان حيث: «سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الكفيل و الرهن في بيع النسيئة، قال: لا بأس»(1).

3 - و اما كراهتها

فلحديث الامام الصادق عليه السّلام: «الكفالة خسارة غرامة ندامة»(2)و غيرها.

4 - و اما اعتبار الايجاب من الكفيل و القبول من المكفول له

فلأن ذلك مقتضى كون الكفالة عقدا قائما بالكفيل و المكفول له.

و اما رضا المكفول له فقيل بعدم اعتباره تمسكا بعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)لصدق عقد الكفالة باتفاق الكفيل و المكفول له و لو بدون رضا المكفول.

و قيل باعتباره للشك في صدقه بدون ذلك فيلزم الرجوع إلى استصحاب عدم ترتب الاثر دون عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لكون المورد من الشبهة المصداقية.


1) وسائل الشيعة 155:13 الباب 8 من أحكام الضمان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 154:13 الباب 7 من أحكام الضمان 2.

3) المائدة: 1.

فالخلاف على هذا ينشأ من كون رضا المكفول على تقدير اعتباره هل هو شرط‍‌ في الصحة لينفى بالاطلاق مع الشك في اعتباره أو ركن لكي لا تتحقق الكفالة بدونه.

و مال صاحب الجواهر قدّس سرّه إلى اعتبار رضا المكفول باعتبار ان الركنية محتملة، و ذلك يكفي لعدم صحة التمسك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).

5 - و اما جواز حبس الكفيل مع عدم احضاره المكفول في الموعد

المقرر

فلموثقة عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «أتي أمير المؤمنين برجل قد تكفّل بنفس رجل فحبسه و قال: اطلب صاحبك»(2)و غيرها.

و اما الاكتفاء باداء الكفيل الدين في تخلية سبيله فلانه معه تفرغ ذمة المدين و لا يعود موجب لبقاء الكفالة.

6 - و اما جواز رجوع الكفيل على المكفول لو كان اداؤه الدين

بطلب منه

فلدلالة الطلب نفسه على ذلك بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.

و اما عدم جواز الرجوع مع عدم الطلب فلعدم الموجب.

7 - و اما لزوم التشبث بكل وسيلة مشروعة لإحضار المكفول

فلانه مقتضى وجوب مقدمة الواجب و لو عقلا.


1) جواهر الكلام 188:26.

2) وسائل الشيعة 156:13 الباب 9 من أحكام الضمان الحديث 1.

كتاب الصّلح

اشارة

1 - حقيقة الصلح

2 - شرائط‍‌ الصلح

3 - من أحكام الصلح

1 - حقيقة الصلح

اشارة

الصلح معاملة مضمونها التسالم بين شخصين على تمليك مال أو اسقاط‍‌ دين أو حق بعوض أو مجانا.

و لا اشكال في مشروعيته.

و هو عقد مستقل بنفسه و لا يرجع إلى سائر العقود و ان افاد فائدتها.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حقيقة الصلح

هي التسالم المذكور فلفهم ذلك منه عرفا.

2 - و اما انه عقد مشروع

فهو من بديهيات الفقه.

و قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: وَ إِنِ‌ امْرَأَةٌ‌ خافَتْ‌ مِنْ‌ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِما أَنْ‌ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ‌ خَيْرٌ (1)، و عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

و يدل على ذلك بوضوح قول الامام الصادق عليه السّلام في صحيح


1) النساء: 128.

2) المائدة: 1.

حفص بن البختري: «الصلح جائز بين الناس»(1)، و صحيح الحلبي:

«الرجل يكون عليه الشيء فيصالح فقال: إذا كان بطيب نفس من صاحبه فلا بأس»(2)و غيرهما.

هذا كله مضافا إلى انعقاد السيرة العقلائية الممضاة عليه.

3 - و اما انه عقد مستقل و لا يرجع إلى غيره و ان افاد فائدته

فلأن ما يفهم من عنوانه عرفا شيء مغاير للمفهوم من سائر المعاملات.

بل ان نفس اثبات احكام خاصة لعنوانه الخاص في النصوص يدل على كونه شيئا مغايرا لغيره.

و في تسالم الاصحاب على عدم اشتراط‍‌ معلومية المصالح عليه و اشتراطهم لها في عوضي البيع دلالة واضحة على ارتكاز المغايرة عندهم.

و عليه فهو و ان افاد فائدة البيع إذا كان على عين بعوض و فائدة الهبة إذا كان على عين بلا عوض و فائدة الاجارة إذا كان على منفعة بعوض و فائدة الابراء إذا كان على اسقاط‍‌ حق أو دين الا ان ذلك لا يستلزم كونه نفسها، فان الاشتراك في النتيجة بين شيئين لا يدل على كونهما واحدا.

و عليه فاحكام بقية العقود و شرائطها لا يمكن تسريتها إليه، فما أفاد فائدة البيع لا تلحقه أحكامه من الخيارات الخاصة و اعتبار قبض العوضين في المجلس إذا تعلق بمعاوضة النقدين، و ما افاد فائدة الهبة لا يعتبر فيه قبض العين كما هو معتبر فيها.


1) وسائل الشيعة 164:13 الباب 3 من أحكام الصلح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 166:13 الباب 5 من أحكام الصلح الحديث 3.

و منه يتضح ان ما هو المنسوب إلى شيخ الطائفة من كون الصلح بيعا تارة و هبة اخرى و...(1)قابل للتأمل.

2 - شرائط‍‌ الصلح

اشارة

يلزم في تحقق الصلح توفر:

1 - الايجاب و القبول مطلقا حتى إذا كان مفيدا للإبراء. و يكفي فيهما كل ما يدل عليهما.

2 - ان لا يكون مستلزما لتحليل محرم أو بالعكس.

3 - البلوغ و العقل و القصد و الاختيار في المتصالحين. و هكذا عدم الحجر لفلس أو سفه في من تقتضي المصالحة التصرف في ماله.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في الصلح

فلكونه عقدا.

و اما ان ذلك معتبر فيه حتى إذا أفاد فائدة الابراء فلان ذلك مقتضى كونه عقدا مستقلا.

و اما انه يكفي كل ما يدل على الايجاب و القبول فلأنه بذلك يصدق عنوان الصلح فتشمله الاطلاقات العامة و الخاصة.

2 - و اما اعتبار عدم استلزامه لتحليل الحرام و بالعكس

فلعدم احتمال امضاء الشارع للمعاملة المتضمنة لذلك.

و في موثقة اسحاق بن عمار عن الامام الصادق عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام


1) المبسوط‍‌ 288:2.

ان علي بن ابي طالب عليه السّلام كان يقول: «من شرط‍‌ لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ‌ حراما»(1)، فانه ان لم يفهم من الشرط‍‌ ما يشمل مطلق المعاملة فبالامكان التعدي من باب تنقيح المناط‍‌ و الغاء الخصوصية.

و في مرسلة الشيخ الصدوق قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه. و الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحلّ‌ حراما أو حرّم حلالا»(2).

و هي حجة بناء على تمامية التفصيل في مراسيل الصدوق بين ما إذا كانت بلسان روي فلا تكون حجة و بين ما إذا كانت بلسان قال فتكون حجة، فانه بناء على هذا تكون حجة - لأنها بلسان قال - فضلا عمّا إذا بني على الكبرى القائلة بحجية جميع روايات الشيخ الصدوق في كتابه كتاب من لا يحضره الفقيه لوجوه تقدمت في كتاب البيع عند البحث عن حرمة القمار.

3 - و اما اعتبار البلوغ و ما بعده

فلكون ذلك من الشرائط‍‌ العامة.

3 - من أحكام الصلح

اشارة

لا يلزم في جواز الصلح وجود نزاع مسبق.

و تجوز الاستعانة به في كل مورد الا إذا استلزم تحريم الحلال أو بالعكس.


1) وسائل الشيعة 354:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 164:13 الباب 3 من أحكام الصلح الحديث 2.

و هو عقد لازم لا ينفسخ الا بالاقالة أو بفسخ من جعل له حق الفسخ منهما اثناءه.

و تغتفر الجهالة في الصلح حتى مع امكان معرفة المصالح عليه بشكل تام و من دون مشقة.

و في جواز التصالح على الجنس الربوي بمماثله مع التفاضل خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم اعتبار النزاع المسبق في صحة الصلح

فلان ذلك من قبيل حكمة التشريع التي لا تمنع من التمسك باطلاق الدليل. و لفظ‍‌ الصلح و ان كان مشعرا باعتبار سبق ذلك الا انه ليس بشكل يمنع من التمسك بالاطلاق.

2 - و اما جواز الاستعانة بالصلح في كل مورد

فلإطلاق دليل مشروعيته.

و اما اعتبار ان لا يكون مستلزما لتحريم حلال و بالعكس فلما تقدم.

3 - و اما انه عقد لازم

فلأصالة اللزوم في كل عقد التي تقدم مدركها في مبحث البيع.

و اما جواز الفسخ بالاقالة و الخيار فلان لزوم الصلح حقي لا حكمي.

4 - و اما اغتفار الجهالة - خلافا للمنسوب إلى الشافعي من اعتبار

العلم في المصالح عليه و المصالح به

(1)- فلإطلاق صحيح حفص


1) جواهر الكلام 218:26.

و صحيح الحلبي السابقين.

و مع التنزل و افتراض نظرهما إلى أصل التشريع دون الخصوصيات يمكن التمسك بصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما»(1).

و احتمال ان المنظور للحديث الابراء دون الصلح مدفوع بان ظاهره المعاوضة التي لا مجال لها الا في الصلح.

5 - و اما ان الجهالة مغتفرة حتى مع امكان تحصيل العلم

فللإطلاق أيضا.

6 - و اما الخلاف في جواز التصالح على الجنس الربوي بمماثله

مع التفاضل

فيستند إلى الاخبار الدالة على اعتبار المماثلة، فانه قد يدعى انصرافها إلى خصوص البيع فيلزم اختصاص التحريم به و قد ينكر ذلك و يتمسك باطلاقها فيلزم تعميم التحريم للصلح أيضا.

و من تلك الاخبار صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، و السويق بالسويق مثلا بمثل، و الشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به»(2).

و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الفضة بالفضة مثلا بمثل،


1) وسائل الشيعة 166:13 الباب 5 من أحكام الصلح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 440:12 الباب 9 من أبواب الربا الحديث 2.

و الذهب بالذهب مثلا بمثل ليس فيه زيادة و لا نقصان»(1).

و صحيحة الوليد بن صبيح: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام: الذهب بالذهب، و الفضة بالفضة الفضل بينهما هو الربا المنكر هو الربا المنكر»(2).2.


1) وسائل الشيعة 456:12 الباب 1 من أبواب الصرف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 457:12 الباب 1 من أبواب الصرف الحديث 2.

كتاب الوكالة

اشارة

1 - حقيقة الوكالة

2 - من أحكام الوكالة

1 - حقيقة الوكالة

اشارة

الوكالة عقد يتضمن تسليط‍‌ الغير على معاملة أو ما هو من شئونها كالقبض و الاقباض.

و هي أمر يغاير الاذن و النيابة.

و لا شك في مشروعيتها.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوكالة عقد

فهو المشهور. و خالف في ذلك السيد اليزدي فاختار عدم توقف تحققها على القبول، بدليل انه لو قال الموكل للوكيل: وكلتك في بيع داري فباعها صحّ‌ البيع حتى مع الغفلة عن قصد النيابة و إنشاء القبول بالبيع. و أيضا لو كانت عقدا لزم مقارنة القبول لإيجابها، و الحال ان من الجائز توكيل الغائب الذي يصله خبر الوكالة بعد فترة.

ثم ذكر قدّس سرّه: ان هذا لا يعني ان القبول لو تحقق بعد الايجاب فلا تكون عقدا، بل المقصود ان بالامكان وقوعها بنحو الايقاع تارة

و بنحو العقد اخرى(1).

هذا و المناسب كونها عقدا لقضاء الارتكاز العقلائي بتوقف تحققها على القبول، و الذي لا يحتاج إلى ذلك هو الاذن، و هما شيئان متغايران و ليسا شيئا واحدا.

و صحة البيع التي أشار إليها في القرينة الاولى تحتمل ان تكون من جهة الاذن دون الوكالة.

و الموالاة بين الايجاب و القبول التي اشار إليها في القرينة الثانية لم يثبت اعتبارها في العقد بشكل مطلق لو سلم بثبوت اعتبارها في الجملة.

و ما ذكره من تحققها احيانا بالايجاب و القبول معا غير واضح، إذ لو كان الايجاب كافيا في تحققها فلا دور لضم القبول، و من ثمّ‌ يلزم ان تكون ايقاعا دائما.

2 - و اما انها تسليط‍‌ يتضمن ما ذكر

فلان ذلك هو المفهوم منها عرفا.

و اما تخصيصها بالتسليط‍‌ على المعاملة و ما هو من شئونها دون جميع الاشياء فلما يأتي من اختصاص الوكالة بالاشياء التي لم يعتبر الشارع فيها الصدور بالمباشرة، و ليست تلك الا المعاملة و القبض و الاقباض.

3 - و اما ان الوكالة امر يغاير الاذن

فواضح، فان الاذن لا يتوقف تحققه على القبول بخلاف الوكالة.


1) ملحقات العروة الوثقى 119:2.

و الوكالة تنفسخ بفسخ الوكيل، بخلاف الاذن، فانه لا يرتفع برفض الماذون.

و تصرف الوكيل يقع صحيحا و ان عزله الموكل ما دام لم يبلغه خبر العزل، بخلافه في الاذن، فان التصرف يقع باطلا مع التراجع و ان لم يبلغ الماذون ذلك.

4 - و اما مغايرة الوكالة للنيابة

فواضحة أيضا، إذ في الوكالة ينتسب الفعل الى الموكل، بخلافه في النيابة، فالحج الآتي به النائب لا ينتسب إلى المنوب عنه، بخلافه في مثل البيع الذي يأتي به الوكيل، فانه ينتسب إلى الموكل.

و النيابة قد تقع تبرعية، بخلاف الوكالة، فانه لا يتصور فيها ذلك.

5 - و اما مشروعية الوكالة

فهي من البديهيات لاستقرار سيرة العقلاء و نظامهم عليها.

و في صحيح معاوية بن وهب و جابر بن يزيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«من وكّل رجلا على امضاء امر من الامور فالوكالة ثابتة ابدا حتى يعلمه بالخروج منها كما اعلمه بالدخول فيها»(1).

و قد يستدل على ذلك بقوله تعالى: فَلْيَأْتِكُمْ‌ بِرِزْقٍ‌ مِنْهُ‌ (2)، اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا (3). و لكنه كما ترى.

و اما عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4)فلا يمكن التمسك به في المقام


1) وسائل الشيعة 285:13 الباب 1 من أحكام الوكالة الحديث 1.

2) الكهف: 19.

3) يوسف: 93.

4) المائدة: 1.

للتسالم على جواز الوكالة و عدم لزومها.

2 - من أحكام الوكالة

اشارة

يعتبر في الوكالة الايجاب و القبول بكل ما يدل عليهما.

و تتحقق بكتابة الموكل إلى الوكيل - و لو كان في بلد آخر - متى ما قبل و لو بعد فترة.

و المشهور عدم جواز التعليق فيها و ان جاز في متعلقها.

و هي من العقود الجائزة و لكن الوكيل لو تصرف قبل بلوغه عزل الموكل وقع تصرفه صحيحا.

و تلزم متى ما تحقق اشتراطها ضمن عقد لازم بنحو شرط‍‌ النتيجة.

و إذا اشترط‍‌ عدم العزل ضمن عقد الوكالة فقد قيل بلزومها أيضا.

و تبطل بموت الموكل و جنونه و اغمائه.

و تصح في كل ما لا يتعلق غرض الشارع بايقاعه مباشرة. و يعرف ذلك من بناء العرف و ارتكاز المتشرعة.

و لا يحق للوكيل التعدي عما حدّد له الا إذا كان المفهوم عرفا ان المذكور هو من باب احد الافراد و ليس من باب التحديد.

و لا يضمن الوكيل ما يتلف الا إذا تعدّى أو فرّط‍‌. و لا تبطل بذلك وكالته.

و عند الاختلاف في تحقق التعدي و التفريط‍‌ يؤخذ بقول الوكيل مع يمينه و عدم البينة للموكل.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في تحقق الوكالة

فلأنها عقد.

2 - و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما

فلإطلاق دليل شرعيتها بعد فرض تحققها.

و منه يتضح الوجه في تحققها بالكتابة.

و التسالم على اعتبار الموالاة في العقود ان فرض تحققه فلا يجزم بشموله للوكالة ان لم يدع الجزم بعدم شموله لها.

3 - و اما عدم جواز التعليق في الوكالة نفسها

فقد علّله صاحب الجواهر بالإجماع القائم بكلا قسميه على عدم جواز التعليق في مطلق العقود(1).

و يمكن ان يقال: انه لا يمكن الجزم بشمول الاجماع المذكور لمثل الوكالة، و القدر المتيقن منه هو البيع و الاجارة و ما شاكلهما من المعاوضات، كما نبه عليه السيد اليزدي(2)، و معه يعود اطلاق دليل شرعية الوكالة بلا مانع يمنع من التمسك به.

4 - و اما جواز التعليق في متعلق الوكالة دونها
• كما إذا قال الموكّل: انت وكيلي من الآن في بيع داري متى ما ارتفع سعرها - فواضح لان الاجماع على عدم جواز التعليق في الوكالة ان ثبت فهو ناظر الى تعليق الوكالة نفسها دون حالة التعليق في متعلقها مع فرض اطلاقها، و لا أقلّ‌ من كون ذلك هو القدر المتيقن منه فيعود دليل شرعية الوكالة بلا مانع يمنع من التمسك باطلاقه.
5 - و اما ان الوكالة من العقود الجائزة

فقد ادعي عدم الخلاف فيه.

و صحيح معاوية و جابر المتقدم واضح الدلالة على ذلك، الا انه خاص


1) جواهر الكلام 352:27.

2) ملحقات العروة الوثقى 121:2.

بتراجع الموكل فلا بدّ من ضم عدم القول بالفصل أو دعوى تنقيح المناط‍‌ و الغاء الخصوصية.

6 - و اما صحة تصرف الوكيل مع عزل الموكل له ما دام لم يبلغه

خبر العزل

فقد دل عليه الصحيح المتقدم و غيره.

و يظهر من خلال بعض النصوص ان المسألة كانت محل خلاف بيننا و بين غيرنا، فغيرنا كان يفصّل بين النكاح فيبطل بالعزل و لو لم يصل خبره إلى الوكيل و بين غيره فلا يبطل، ففي الحديث ان العلاء بن سيابة سأل الامام الصادق عليه السّلام عن حكم المسألة فأجابه بصحة فعل الوكيل ما دام لم يصله خبر العزل. ثم سأل الامام عليه السّلام العلاء قائلا: «ما يقول من قبلكم في ذلك‌؟... قلت: نعم يزعمون انها لو وكّلت رجلا و اشهدت في الملأ و قالت في الخلاء(1): اشهدوا اني قد عزلته أبطلت(2)وكالته بلا ان تعلم في العزل، و ينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة، و في غيره لا يبطلون الوكالة الا ان يعلم الوكيل بالعزل، و يقولون: المال منه عوض لصاحبه و الفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد فقال عليه السّلام: سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسده، ان النكاح احرى و احرى ان يحتاط‍‌ فيه و هو فرج و منه يكون الولد...»(3).

7 - و اما لزوم الوكالة متى ما تحقق اشتراطها ضمن عقد لازم

بنحو شرط‍‌ النتيجة

• كما لو اشترطت الزوجة في عقد نكاحها ان تكون وكيلة عن زوجها في طلاق نفسها متى ما سجن أو ساء خلقه أو غير

1) في تهذيب الاحكام 215:6 و الفقيه 48:3: و قالت في الملأ.

2) في تهذيب الاحكام 215:6: بطلت وكالته و ان لم يعلم العزل.

3) وسائل الشيعة 286:13 الباب 2 من أحكام الوكالة الحديث 2.

ذلك - فهو المشهور لأنها و ان كانت جائزة في حدّ نفسها الا ان ذلك لا ينافي لزومها بسبب الاشتراط‍‌.

اجل تردد المحقق في كتاب الرهن من شرائعه فيما لو اشترطت في عقد الرهن وكالة المرتهن في بيع العين المرهونة متى لم يتم تسديد القرض في الموعد المقرر(1)، الا انه كما ترى.

هذا و قد زاد بعض الاعلام قائلا: لو اشترطت الوكالة ضمن العقد الجائز لزم العمل بالشرط‍‌ ما دام العقد باقيا و ان جاز فسخ العقد فيزول لزوم الشرط‍‌ بالتبع(2).

ثم انه إذا افترض اشتراط‍‌ الوكالة ضمن عقد لازم بنحو شرط‍‌ الفعل كان العمل بالشرط‍‌ واجبا تكليفا الا انه لو عصى المشترط‍‌ عليه فلا يلزم سوى الاثم و لا تتحقق الوكالة.

8 - و اما القول بلزومها لو اشترط‍‌ عدم العزل ضمن عقد الوكالة

فهو من جهة لزوم العمل بالشرط‍‌

بمقتضى قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(3).

و توهم لزوم الدور مندفع بان لزوم الشرط‍‌ ليس موقوفا على بقاء الوكالة بل على ايقاع عقدها و قد حصل.

9 - و اما انها تبطل بموت الموكل و جنونه و اغمائه

فقد قيل: انه لا مستند له سوى الاجماع(4).

الا انه يمكن ان يقال: ان الوكالة هي في روحها اذن خاص تترتب


1) شرائع الإسلام 334:2 انتشارات استقلال.

2) ملحقات العروة الوثقى 122:2.

3) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

4) جواهر الكلام 362:27.

عليه بعض الخصوصيات، و معه فمن المناسب بطلانها بما ذكر لزوال الاذن بذلك.

لا يقال: على هذا يلزم الحكم ببطلان الوكالة في حالة نوم الموكل.

فانه يقال: الوجدان قاض بالفرق، و لذا لو كان الاذن لا بنحو الوكالة يحكم بزوالها و عدم جواز التصرف بالموت و نحوه دون طرو النوم.

10 - و اما صحة الوكالة في خصوص ما لا يتعلق غرض الشارع

بايقاعه بالمباشرة - كالوضوء و الغسل مثلا

• فواضح و الا يلزم خلف الفرض.

و اما وجه الاستناد إلى ارتكاز المتشرعة في تحديد مطلوبية المباشرة فلان الارتكاز المذكور يكشف عن وصول مضمونه يدا بيد من الامام عليه السّلام بعد افتراض عدم احتمال وجود منشأ آخر له غير ذلك.

و اما الاستناد الى العرف في ذلك أيضا فلحجية ما يفهمه من النص من خلال تحكيم مناسبات الحكم و الموضوع و غيرها من القرائن.

11 - و اما انه لا يحق للوكيل التعدي عما حدد له

فلان الوكالة ترجع في روحها إلى الاذن فلا بد من الاقتصار على حدودها.

12 - و اما عدم ضمان الوكيل إذا لم يتعد و لم يفرّط‍‌

فلانه امين، و هو لا يضمن الا بذلك.

و اما انه لا تبطل الوكالة بالتعدي و التفريط‍‌ فلان جعلها من الموكل لم يكن محدّدا بما إذا لم يحصل ذلك.

13 - و اما تقديم قول الوكيل عند الاختلاف في تحقق التعدي أو

التفريط‍‌

فلموافقة قوله الاصل فيحتاج المدعي لخلاف ذلك في اثبات دعواه إلى البينة فإذا لم تكن قدّم قول من وافق قوله الاصل مع اليمين.

كتاب المضاربة

اشارة

1 - حقيقة المضاربة

2 - شرائط‍‌ المضاربة

3 - من أحكام المضاربة

1 - حقيقة المضاربة

اشارة

المضاربة معاملة بين طرفين تتضمن دفع المال من أحدهما و العمل من الآخر مع اقتسام الربح.

و هي مشروعة جزما.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان معنى المضاربة ما ذكر

فهو من المسلمات التي لا خلاف فيها.

اجل عرّفها جمع - كصاحب الجواهر و العروة الوثقى - بدفع الانسان مالا إلى غيره ليتجر به على ان يكون الربح بينهما(1).

و الاولى ما ذكرناه لأنها معاملة و تعاقد بين طرفين يتضمن دفع المال من احدهما و ليست دفع المال نفسه الذي هو فعل خارجي.

و فرقها عن القرض ان المال على فرض القرض ينتقل جميعه


1) جواهر الكلام 338:26، و العروة الوثقى: بداية كتاب المضاربة.

إلى الطرف الثاني مقابل ضمانه لما يساويه، بخلافه على فرض المضاربة، فان المال يبقى على ملك مالكه و يعمل العامل فيه مقابل قسم من الربح.

و فرقها عن الاجارة ان الارباح على فرض الاجارة تكون بأجمعها للمالك، و للعامل الاجرة، بخلافه في المضاربة، فان الارباح من البداية تكون بين الطرفين حسب الاتفاق.

2 - و اما مشروعيتها فمما لا كلام فيها.

و تدل على ذلك نصوص كثيرة، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة و ينهى ان يخرج به فخرج، قال: يضمن المال، و الربح بينهما»(1)و غيرها.

و هي صحيحة بكلا طريقيها فراجع.

و يظهر منها ان صحة المضاربة في الجملة امر مفروغ منه و ان السؤال وقع عن بعض خصوصياتها.

و هل يمكن التمسك لإثبات صحتها بالعمومات من قبيل قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)و نحوه‌؟

ان هذا سؤال تقدم الجواب عنه في مبحث المزارعة و ذكرنا ان المشهور قال بجواز ذلك خلافا لبعض حيث اختار عدم جواز ذلك.

و قد تقدم ان النزاع المذكور تترتب عليه جملة من الثمرات.


1) وسائل الشيعة 281:13 الباب 1 من أبواب أحكام المضاربة الحديث 1.

2) المائدة: 1.

2 - شرائط‍‌ المضاربة

اشارة

يلزم في تحقق المضاربة توفر:

1 - الايجاب من المالك و القبول من العامل بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

2 - البلوغ و العقل و الاختيار في المالك و العامل. و يلزم في المالك أن لا يكون محجورا عليه لسفه أو فلس.

3 - تعيين الحصة و عدم ترددها، و ان يكون تعيينها بنحو الكسر المشاع الا اذا افترض وجود تعارف خارجي يوجب انصراف الاطلاق إليه.

4 - كون الربح بينهما، فلا يصح جعل مقدار منه لأجنبي الا مع افتراض قيامه بعمل.

5 - ان يكون الاسترباح بالتجارة، فلو دفع إلى شخص مال ليشتري به سيارة لحمل المسافرين مع اقتسام الاجرة او دفع إلى خباز أو بقال و نحوهما مال ليصرف في حرفتهم مع اقتسام الارباح لم يكن ذلك مضاربة.

6 - قدرة العامل على مباشرة التجارة بنفسه إذا اشترط‍‌ عليه ذلك.

7 - ان يكون رأس المال عينا و ليس دينا، فلو كان لشخص على آخر دين لم يجز جعله مضاربة الا بعد قبضه.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في المضاربة

فواضح بعد كونها عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما فللتمسك باطلاق ادلة مشروعيتها بعد فرض تحقق الدلالة عليها.

و من ذلك يتضح الوجه في تحققها بالمعاطاة.

2 - و اما اعتبار البلوغ و العقل و الاختيار في المالك و العامل

فلأنها من الشرائط‍‌ العامة المعتبرة في كل عقد.

و اما اعتبار عدم الحجر على المالك فلانه من خلال المضاربة يتحقق منه التصرف في أمواله، و شرط‍‌ جواز ذلك عدم الحجر.

و اما عدم اعتبار ذلك في العامل فباعتبار انه لا يتحقق منه تصرف في ماله و انما يحاول تحصيل مال و ذلك ليس ممنوعا منه.

هذا و قد تقدم في كتاب المزارعة وجود رأي يعتبر ذلك في العامل أيضا.

3 - و اما اعتبار تعيين الحصة و عدم ترددها

فلان الحصة المرددة لا وجود لها ليمكن تمليكها للعامل.

و هل يلزم تعيين الحصة بمعنى معلوميتها و عدم كونها مجهولة، كما لو قال المالك: ضاربتك بحصة تساوي الحصة المجعولة في مضاربة فلان مع افتراض انهما يجهلان ذلك‌؟

المشهور ذلك لحديث: نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر(1).

و المناسب عدم اعتبار ذلك لما تقدم في مبحث الاجارة من ضعف الحديث سندا بل لم يثبت كونه رواية.

4 - و اما اعتبار كون تعيين الحصة بالكسر المشاع

فلان ذلك


1) تذكرة الفقهاء، كتاب الاجارة، المسألة 2 من الركن 3 في الفصل 2.

مقوّم لمفهوم المضاربة، إذ لو عينت لا بذلك - كما لو قال المالك:

ضاربتك على ان يكون لك مائة دينار - كان المورد مصداقا للإجارة أو الجعالة.

و اما كفاية الانصراف فلأن به يتحقق التعيين.

5 - و اما اعتبار كون الربح بينهما و عدم صحة جعل قسم منه

لأجنبي

فلأن ظاهر روايات المضاربة كون الربح بينهما لا غير.

على انه يكفي الشك في جواز الجعل للأجنبي في الحكم بعدم الجواز بناء على رأي المشهور القائل بعدم امكان التمسك بالعمومات لإثبات صحة المضاربة.

و اما استثناء حالة قيام الاجنبي بعمل فلأنه بفرض قيامه بعمل يكون عاملا آخر في المضاربة، و من ثمّ‌ سوف تكون المضاربة بين المالك و عاملين، و ذلك مما لا محذور فيه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

6 - و اما اعتبار كون الاسترباح بالتجارة

فلان ذلك دخيل في مفهوم المضاربة.

و لا أقل من احتمال ذلك، و يكفي ذلك، حيث يلزم الرجوع إلى اصالة عدم ترتب الاثر.

و هل يمكن تصحيح المعاملة - التي لا يكون الاسترباح فيها بالتجارة - بواسطة العمومات‌؟

نعم يمكن ذلك بناء على رأي المشهور القائل بامكان تصحيح المضاربة و ما شاكلها من خلال العمومات.

7 - و اما اعتبار قدرة العامل على المباشرة إذا كانت مقصودة

فلأنه بدون ذلك لا يمكن تحقق القصد إلى المعاملة و لا يمكن تعلق

وجوب الوفاء بها.

و هذا مطلب سار في كل معاملة و لا يختص بالمضاربة.

8 - و اما اعتبار كون رأس المال عينا و ليس بدين

فللقصور في المقتضي و وجود المانع.

اما القصور في المقتضي فلان عنوان اعطاء المال المذكور في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و غيرها ظاهر في دفع العين و لا يشمل الدين. و لا أقلّ‌ من الشك فلا يمكن التمسك بها لإثبات مشروعيتها.

و اما المانع فهو موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل له على رجل مال فيتقاضاه و لا يكون عنده فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصلح حتى تقبضه منه»(1).

و هي معتبرة السند بطرقها الاربع فراجع.

و السكوني و النوفلي و ان لم يوثقا بشكل خاص الا ان بالامكان التساهل في امرهما لبيان مرّ في بعض الأبحاث.

هذا و قد نسب إلى المشهور اعتبار ان يكون رأس المال من الذهب و الفضة المسكوكين و ادعي الاجماع على ذلك.

الا ان المناسب التعميم للأوراق النقدية لصدق عنوان المال - المذكور في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و غيرها - عليها.

و الاجماع المدعى - بمعنى الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام - لم يثبت تحققه.


1) وسائل الشيعة 187:13 الباب 5 من أبواب أحكام المضاربة الحديث 1.

3 - من أحكام المضاربة

اشارة

عقد المضاربة جائز و يحق للطرفين التراجع عنه متى شاءا الا إذا اشترط‍‌ عدم الفسخ الى فترة محددة.

و مع تحقق الخسارة في التجارة لا يضمن العامل منها شيئا الا إذا تجاوز الحدّ المقرر له.

و إذا اشترط‍‌ المالك تقسيم الخسارة كان الشرط‍‌ صحيحا على قول.

و لا يحق للعامل خلط‍‌ رأس المال بمال آخر لنفسه أو غيره الا مع كسب الاذن من المالك.

و إذا حدّد المالك كيفية التصرف بالمال لزم السير على طبقها و الا لزم السير على طبق ما هو المتعارف.

و يجوز تعدد العامل في باب المضاربة مع اتحاد المالك سواء اتحد المال أم تميز.

و تبطل المضاربة بموت كل من العامل أو المالك.

و الربح وقاية لرأس المال، فلو ربح العامل في تجارة و خسر في اخرى بعدها او حصل تلف جبر ذلك بالربح.

و العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره من غير توقف على الانضاض - بمعنى تحويل الاجناس إلى نقود - أو القسمة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان عقد المضاربة جائز بالرغم من ان المناسب

لأصالة اللزوم في مطلق العقود لزومه فعلل تارة بالإجماع و انه الحجة في

الخروج عن قاعدة اللزوم، و اخرى بان عقد المضاربة يرجع في روحه إلى الاذن في التصرف من احدهما و القبول من الآخر كالعارية، و للآذن التراجع عن اذنه متى شاء.

2 - و اما ان المضاربة تلزم باشتراط‍‌ عدم الفسخ

فلوجوب الوفاء بالشرط‍‌ المستفاد من قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(1).

و دعوى ان الشرط‍‌ باطل لمنافاته لمقتضى العقد مدفوعة بانه مناف لإطلاقه لا لأصله.

و دعوى ان الشرط‍‌ في العقود الجائزة لا يلزم الوفاء به مدفوعة بان عموم قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم» يعم كل شرط‍‌ بما في ذلك الواقع ضمن العقد الجائز.

اجل إذا كان مفاد الشرط‍‌ شيئا آخر غير عدم الفسخ فيجوز فسخ العقد فيسقط‍‌ الشرط‍‌ و الا فما دام العقد باقيا فالوفاء بالشرط‍‌ واجب.

و اما إذا كان مفاد الشرط‍‌ عدم الفسخ كما في المقام فيترتب عليه عدم جواز الفسخ. و لكن لو فرض ان المشروط‍‌ عليه خالف و فسخ فهل يقع الفسخ أو لا؟

قيل: لا. و اختاره السيد اليزدي(2).

و المناسب وقوعه لان مفاد قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم» الوجوب التكليفي من دون ترتب اثر وضعي عليه. اجل يكون الفاسخ آثما و عاصيا.

3 - و اما عدم تحمل العامل للخسارة الا مع التجاوز عن الحد المقرر له


1) وسائل الشيعة 353:12 باب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

2) العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 2 من فصل شرائط‍‌ عقد المضاربة.

فلصحيحة ابي الصباح الكناني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال: له الربح و ليس عليه من الوضيعة شيء الا ان يخالف عن شيء مما امر صاحب المال»(1)و غيره.

4 - و اما القول بصحة اشتراط‍‌ تحمل الطرفين للخسارة

فوجهه ان ذلك ليس شرطا مخالفا لمقتضى العقد بل لإطلاقه.

و المناسب التفصيل بين اشتراط‍‌ تحمل الطرفين للخسارة فيبطل و بين افتراض كون الخسارة على المالك فقط‍‌ الا ان العامل يلزمه تقديم مال و لو بعنوان الهدية إلى المالك يعادل مقدار الخسارة فيصح.

اما البطلان في الاول فلان ظاهر صحيحة الكناني المتقدمة و غيرها كون الخسارة على المالك لا غير، و مقتضى اطلاقها كونها عليه حتى مع اشتراط‍‌ تقسيطها.

و اما الصحة في الثاني فلان مفاد الشرط‍‌ ليس تحمل العامل شيئا من الخسارة بل هو اشتراط‍‌ لأمر آخر غير الخسارة، فكما انه يصح اشتراط‍‌ المالك على العامل خياطة ثوب له كذلك يصح اشتراط‍‌ اهداء مال له بمقدار نصف الخسارة على فرض تحققها.

5 - و اما عدم جواز خلط‍‌ رأس المال بغيره

فلان ظاهر كلام المالك التجارة برأس المال بشخصه من دون خلط‍‌ بغيره، و لا يجوز التصرف في مال الغير الا بالنحو الماذون من قبله.

6 - و اما انه مع تحديد المالك لكيفية التصرف يلزم السير على

طبقها

فلعدم جواز التصرف في ملك الغير الا باذنه.


1) وسائل الشيعة 181:13 الباب 1 من أبواب أحكام المضاربة الحديث 3.

و اما انه مع عدم التحديد الخاص يلزم السير على طبق المتعارف فباعتبار ان الاطلاق ينصرف الى ما هو المتعارف.

7 - و اما جواز تعدد عامل المضاربة

فلكونها في الواقع منحلة الى مضاربتين و بمنزلة مضاربة المالك من البداية كل واحد منهما على نصف المال. و الاتحاد في مقام الانشاء لا ينافي التعدد في مقام الواقع.

هذا مع اتحاد المال. و اما مع تميّزه فالامر أوضح.

8 - و اما بطلان المضاربة بموت العامل

فلاختصاص الاذن به.

و اما بطلانها بموت المالك فلانتقال المال بموته إلى وارثه، و ابقاؤها يحتاج إلى عقد جديد.

9 - و اما ان الربح وقاية لرأس المال و يجبر التلف و الخسارة به

فلاقتضاء عقد المضاربة نفسه لذلك، فان المجعول للعامل ليس هو الحصة من الربح في كل معاملة بعينها بل في مجموع المعاملات بما هو مجموع، و مع افتراض الربح في تجارة سابقة و الخسارة في تجارة لاحقة لا يصدق تحقق الربح بلحاظ‍‌ مجموع المعاملات.

10 - و اما ان العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره

فلوجهين:

أ - ان ذلك مقتضى اشتراط‍‌ كون الربح بينهما.

و دعوى ان الربح لا يصدق تحققه قبل الانضاض مدفوعة بان ذلك مخالف للوجدان، فان العقلاء يرون تحقق الربح بمجرد ارتفاع القيمة السوقية للشيء و لو قبل تحويله إلى نقد. كيف و لو كان الربح غير صادق فيلزم عدم استحقاق العامل لشيء لو فسخ المالك قبل الانضاض.

ب - التمسك بصحيح محمد بن ميسر: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

رجل دفع إلى رجل الف درهم مضاربة فاشترى اباه و هو لا يعلم، فقال:

يقوّم فإذا زاد درهما واحدا اعتق و استسعى في مال الرجل»(1)، بتقريب ان العامل لو لم يملك حصته بمجرد ظهور الربح لما انعتق ابوه عليه.1.


1) وسائل الشيعة 188:13 الباب 8 من أبواب أحكام المضاربة الحديث 1.

كتاب القرض

اشارة

1 - حقيقة القرض

2 - شرائط‍‌ القرض

3 - ربا القرض

4 - من أحكام القرض

1 - حقيقة القرض

اشارة

القرض عقد يتضمن تمليك شخص ماله لآخر مع ضمانة في ذمته بمثله ان كان مثليا و بقيمته ان كان قيميا.

و هو أخصّ‌ من الدين.

و الاقراض مشروع بنحو السنة المؤكدة.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه عقد

فقد ادّعي عليه في الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه(1).

و اما انه يتضمن التمليك مع الضمان فلا خلاف فيه أيضا.

و يؤكده فهم العرف منه ذلك.

ان قلت: ان كلاّ من البيع و القرض يشتمل على التمليك بعوض فما الفارق بينهما؟


1) جواهر الكلام 1:25.

قلت: أجاب الشيخ الاعظم عن ذلك بان البيع يشتمل على معاوضة، فالبائع يملّك المبيع بعوض بخلاف القرض فانه لا يشتمل على المعاوضة بل هو تمليك للعين مع ضمانها، و لذا يصح للبائع عرفا ان يقول: انشأت معاوضة على مالي بخلافه في القرض(1).

2 - و اما انه اخص من الدين

فلان الدين كل مال كلي ثابت في ذمّة شخص لآخر بسبب من الاسباب، كالضمان و بيع السلم و النسيئة و الاجارة مع كون الاجر كليا في الذمة و النكاح مع كون المهر كليا و الجناية بالنسبة إلى ارشها و الزوجية بالنسبة إلى النفقة، إلى غير ذلك من الأسباب التي احدها القرض.

و على هذا الأساس فكل قرض دين بخلاف العكس.

و يطلق على من اشتغلت ذمته بالمدين أو المديون، و على الآخر بالدائن، و عليهما بالغريم.

و بهذا يتضح ان المقصود من كلمة «الدين» في قول الفقهاء:

«لا يجوز بيع الدين بالدين» هذا المعنى دون خصوص القرض.

3 - و اما ان الاقراض مسنون بنحو السنّة المؤكدة

فللأحاديث الكثيرة، كقوله صلّى اللّه عليه و آله: «من اقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى و طور سيناء حسنات، و ان رفق به في طلبه جاز به على الصراط‍‌ كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب و لا عذاب. و من شكا إليه اخوه المسلم فلم يقرضه حرّم اللّه عز و جل عليه الجنة يوم يجزي المحسنين»(2).


1) كتاب المكاسب 17:2، منشورات دار الحكمة.

2) وسائل الشيعة 88:13 الباب 6 من أبواب الدين الحديث 5.

و المسنون بنحو مؤكد - كما هو واضح - الاقراض الذي هو فعل المقرض دون الاقتراض الذي هو فعل المقترض فانه ليس بمستحب بل قد تستفاد مبغوضيته من النصوص، ففي الحديث: «إيّاكم و الدين فانه شين الدين»(1)، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «من اراد البقاء و لا بقاء فليباكر الغداء، و ليجوّد الحذاء، و ليخفف الرداء، و ليقل مجامعة النساء. قيل: و ما خفّة الرداء؟ قال: قلّة الدين»(2).

2 - شرائط‍‌ صحة القرض

اشارة

يلزم لصحة القرض توفر:

1 - قبض المقترض المال المقترض و الا فلا يملكه.

2 - البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و عدم السفه في المتعاقدين، و عدم الفلس في خصوص المقرض.

3 - كون المال عينا فلا يصح لو كان دينا أو منفعة. و كذا لا يصح لو كان مرددا بين فردين من العين.

4 - كون المال مما يصح تملكه شرعا فلا يصح اقراض مثل الخمر و الخنزير.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان القبض شرط‍‌ في صحة القرض

بحيث لا يحصل الملك قبله فلا وجه له سوى الاجماع و الا فالقاعدة تقتضي تحقق الملك بمجرد


1) وسائل الشيعة 77:13 الباب 1 من أبواب الدين الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 77:13 الباب 1 من أبواب الدين الحديث 5.

تمام العقد و ان لم يتحقق القبض.

قال في الجواهر: «لو لا الاجماع لاتجه القول بحصوله بتمامه من دون قبض على حسب غيره من العقود التي لا ريب في ظهور الادلة في اقتضائها التمليك ضرورة صدق مسماها بها»(1).

و دعوى ان اسم القرض لا يصدق الا بالقبض لا نعرف لها وجها.

ثم ان هناك قولا باشتراط‍‌ التصرف أيضا بعد القبض في تحقق الملك. و لكنه كما ترى، اذ اطلاق الأدلة ينفيه و ان كان مقتضى استصحاب عدم ترتب الاثر - لو لا ذلك - اعتباره لو فرض الشك في ذلك.

2 - و اما اعتبار البلوغ و العقل و القصد و الاختيار في المقرض

و المقترض

فلأنها من الشرائط‍‌ العامة في كل عقد.

و اما اعتبار عدم السفه فلان السفيه ممنوع من كل تصرف مالي.

و اما اعتبار عدم الفلس في المقرض فلان المفلس ممنوع من التصرف في أمواله.

و اما عدم اعتبار ذلك في المقترض فلان السفيه ممنوع من التصرف في امواله دون التصرف في ذمته باشغالها.

3 - و اما اعتبار كون المال المقترض عينا و عدم صحة القرض لو

كان دينا أو منفعة

فلما تقدم من اشتراط‍‌ القبض في صحة القرض، و امكان ذلك مختص بالاعيان.

و اما عدم صحة القرض مع تردد المال بين فردين فلان تحقق


1) جواهر الكلام 23:25.

التمليك بلحاظ‍‌ هذا الفرد دون ذاك بلا مرجح، و المردد لا تحقق له.

4 - و اما اعتبار كون المال مما يصح تملكه

فواضح لان القرض تمليك للمال فلا بدّ من كون متعلقه قابلا لذلك.

3 - ربا القرض

اشارة

يحرم الربا في القرض، و ذلك باشتراط‍‌ المقرض دفع زيادة في القدر أو الصفة على المقدار المقترض.

و يجوز للمقترض اشتراط‍‌ التسديد بالاقل.

و لا فرق في حرمة اشتراط‍‌ الزيادة بين كونها راجعة إلى المقرض أو غيره.

و إذا تبرع المقترض بدفع الزيادة بدون اشتراط‍‌ جاز قبولها، بل ذلك مستحب.

و لا يجوز - على قول - اقراض مقدار من المال مع اشتراط‍‌ ايجاد دار مثلا أو بيعها بأقل من اجرة او ثمن المثل، و يجوز العكس.

و يصح بيع الدين بمال موجود و ان كان أقل منه ما لم يستلزم الربا و لا يصح بيعه بدين مثله، كما اذا كان شخص يستحق على ثان مائة كيلو من الحنطة و للثاني على الاول مائة كيلو من الشعير و اريد بيع احدهما بالآخر.

و لا يجوز تأجيل الدين عند حلوله بزيادة. أجل يجوز تعجيل المؤجل و لو باسقاط‍‌ بعضه.

و الربا كما يحرم اخذه يحرم دفعه و كتابته و الشهادة عليه.

و من تعامل بالربا و هو جاهل بالحكم أو بالموضوع ثم التفت و تاب فلا يلزمه ارجاعه.

و من ورث مالا فيه اموال ربوية فمع عدم تمييزها فلا شيء عليه و الا لزمه ردّها على مالكها مع معرفته، و مع عدمها يتعامل معها معاملة مجهول المالك.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الربا في الجملة فهي من ضروريات الإسلام

لدلالة صريح الكتاب العزيز عليها كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في البيع عند البحث عن ربا المعاوضة.

و اما تحقق الربا المحرم في القرض و عدم اختصاصه بالمعاوضة فهو من المسلّمات التي لم يقع فيها شك.

و قد دلت على ذلك صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا، قال: لا يصلح إذا كان قرضا يجرّ شيئا فلا يصلح...»(1).

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام:

«و سألته عن رجل أعطى رجلا مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر، قال: هذا الربا المحض»(2)و غيرهما.

و الصحيحة الثانية و ان كانت ضعيفة السند بطريق قرب الاسناد بعبد اللّه بن الحسن الا انها صحيحة في طريقها الثاني لوجودها في كتاب علي بن جعفر الذي يرويه صاحب الوسائل عن الشيخ، و هو عن علي بن جعفر بطريق صحيح. و قد تقدم توضيح ذلك اكثر


1) وسائل الشيعة 105:13 الباب 19 من أبواب الدين الحديث 9.

2) وسائل الشيعة 108:13 الباب 19 من أبواب الدين الحديث 18.

من مرة في ابحاث سابقة(1).

ثم انه توجد بعض الروايات التي قد يستشف منها جواز الربا في القرض، ففي أكثر من رواية ورد: «خير القرض ما جرّ منفعة»(2).

الا انه لا بدّ من حملها على صورة عدم الاشتراط‍‌ لما دلّ‌ على التفصيل بين ما إذا كان جرّ المنفعة في القرض بسبب الاشتراط‍‌ فلا يجوز و بين ما إذا لم يكن بسببه فيجوز، كما في موثقة إسحاق بن عمار عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه الشيء من ربحه مخافة ان يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير ان يكون شرط‍‌ عليه، قال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا»(3).

و يظهر من خلال بعض النصوص ان تلك الروايات جاءت ردّا على غيرنا القائل بعدم جواز جرّ القرض للمنفعة و لو بدون اشتراط‍‌، ففي صحيحة محمد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا و يعطيه الرهن إما خادما و إما آنية و إما ثيابا فيحتاج إلى شيء من منفعته فيستأذن فيه فيأذن له قال: إذا طابت نفسه فلا بأس. قلت: ان من عندنا يروون ان كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، فقال: أو ليس خير القرض ما جرّ منفعة»(4).

2 - و اما عدم الفرق بين كون الزيادة في الصفة أو القدر

فلإطلاق قوله عليه السّلام في صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة: «لا يصلح إذا كان


1) راجع كتاب البيع تحت عنوان «محرمات في الشريعة».

2) وسائل الشيعة 104:13 الباب 19 من أبواب الدين الحديث 5، 6، 8، 16.

3) وسائل الشيعة 103:13 الباب 19 من أبواب الدين الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 104:13 الباب 19 من أبواب الدين الحديث 4.

قرضا يجر شيئا فلا يصلح».

3 - و اما جواز اشتراط‍‌ المقترض دفع الاقل

فلعدم ما يدل على المنع من ذلك فيتمسك بأصل البراءة.

4 - و اما عدم الفرق بين رجوع الزيادة إلى المقرض أو غيره

فلإطلاق صحيحة يعقوب المتقدمة.

5 - و اما جواز قبول الزيادة من دون اشتراط‍‌

فلموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة و غيرها.

6 - و اما استحباب دفع الزيادة إذا لم يكن مع الاشتراط‍‌

فلأنها نوع من مقابلة الاحسان بالاحسان، بل ذلك هو الفضل المندوب إليه، ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... ان أبي عليه السّلام كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليها الدراهم الجياد الجلال فيقول: يا بني ردها على الذي استقرضتها منه فأقول: يا أبه ان دراهمه كانت فسولة و هذه أجود منها فيقول: يا بني ان هذا هو الفضل فاعطه إيّاها»(1)

و الفسولة من الفسل و هو الرديء من كل شيء.

و قوله عليه السّلام: «ان هذا هو الفضل» يحتمل كونه اشارة الى قوله تعالى: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ‌ بَيْنَكُمْ‌ البقرة 237.

.
7 - و اما القول بعدم جواز الاقراض بشرط‍‌ ايجار الدار أو بيعها

بالأقل

فلانه مصداق لقوله عليه السّلام في صحيحة يعقوب المتقدّمة: «لا يصلح إذا كان قرضا يجر شيئا فلا يصلح».

و اما جواز الايجار أو البيع بالأقل بشرط‍‌ القرض فلانه ليس


1) وسائل الشيعة 478:12 الباب 12 من أبواب الصرف الحديث 7.

مصداقا للقرض الذي جرّ شيئا و انما هما مصداق للبيع أو الاجارة التي جرت نفعا، و ذلك لم يرد النهي عنه، بل هما قد شرّعا لذلك. هكذا يمكن توجيه القول المذكور، الا انه قد يقال في المقابل: ان المستفاد من صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة عدم الجواز في كلتا الحالتين فراجع.

8 - و اما ان الدين يجوز بيعه بمال موجود و ان كان أقل منه

ما دام لا يلزم منه الربا

فلإطلاق ادلة صحة البيع و مشروعيته.

و اما عدم صحة بيعه بدين مثله حتى مع التساوي فلموثقة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يباع الدين بالدين»(1).

و لا مشكلة في سندها الا من جهة طلحة حيث لم يوثق في كتب الرجال، الا ان الامر فيه سهل بعد قول الشيخ في الفهرست: «طلحة بن زيد له كتاب و هو عامي المذهب الا ان كتابه معتمد»(2).

ثم انه ورد النهي عن بيع الدين بالدين بلسان آخر، ففي دعائم الإسلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «انه نهى عن الكالئ بالكالئ(3)»(4).

9 - و اما عدم جواز تأجيل الدين الحال بزيادة

فمما لا خلاف فيه لكونه ربا و جعل زيادة عن المقدار المستحق لأجل الاجل.

و اما جواز تعجيل المؤجل باسقاط‍‌ بعض الدين فلانه ليس فيه جعل للزيادة ليلزم محذور الربا.


1) وسائل الشيعة 99:13 الباب 15 من أبواب الدين الحديث 15.

2) الفهرست: 86.

3) الكالئ بالكالئ: بيع الدين بالدين، كما في لسان العرب 147:1.

4) مستدرك الوسائل 405:13.

على ان كلا الحكمين يمكن استفادته من صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا و كذا واضع لك بقيته، أو يقول:

انقدني بعضا و امدّ لك في الاجل فيما بقي فقال: لا أرى به بأسا ما لم يزد على رأس ماله شيئا يقول اللّه عز و جل: فَلَكُمْ‌ رُؤُسُ‌ أَمْوالِكُمْ‌ لا تَظْلِمُونَ‌ وَ لا تُظْلَمُونَ‌ (1).

10 - و اما حرمة دفع الربا أيضا و كتابته و الشهادة عليه و ما تلا

ذلك من الحكمين

فقد تقدم وجهه في ربا المعاوضة من البيع.

4 - من أحكام القرض

اشارة

يعتبر في القرض الايجاب و القبول بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

و لا يلزم في المال المقترض أن يكون من النقود، كما لا يعتبر تعيين مقداره و اوصافه. نعم على المقترض تحصيل العلم بذلك مقدمة لأدائه.

و هو عقد لازم، بمعنى عدم جواز فسخه لإرجاع العين لو كانت موجودة.

نعم مع فرض عدم تحديده بأجل تجوز المطالبة بالوفاء بدفع المثل إذا كان مثليا و القيمة إذا كان قيميا في أي وقت.

و مع عدم تحديد القرض بأجل فليس للدائن الامتناع عن قبض الدين إذا دفعه المدين، و هكذا إذا كان مؤجلا و فرض حلول الاجل. و اما قبل حلوله فيمكن الحكم بجواز ذلك إذا كان التأجيل حقا له.


1) وسائل الشيعة 120:13 الباب 32 من ابواب الدين الحديث 1، و الباب 7 من أبواب الصلح الحديث 1، و الآية 279 من سورة البقرة.

و لا يلزم تحديد القرض بأجل معيّن بل لو حدّد بأجل فالمشهور عدم لزومه الا إذا اشترط‍‌ ضمن عقد لازم غير القرض.

و المال المقترض إذا كان مثليا يثبت في ذمّة المقترض مثله، و إذا كان قيميا تثبت قيمته.

و إذا كان مثليا فلا محذور في دفع القيمة مع التراضي.

و لا يلزم مع وجود العين المقترضة تسديد القرض بها و ان جاز ذلك مع موافقة الطرفين.

و يجب على المدين عند مطالبة الدائن الاداء فورا ان قدر على ذلك و لو ببيع بعض أملاكه الا الاملاك التي هو بحاجة ماسة إليها بحسب حاله و شرفه و يقع في ضيق شديد لو بيعت و قضي منها الدين، كدار سكناه و ما شاكلها، و يعبر عنها بالمستثنيات في قضاء الدين.

و إذا لم يكن لدى المدين شيء يقضي به دينه غير المستثنيات حرمت مطالبته و يلزم انظاره إلى ميسرة.

و إذا كان الدين مؤجلا و مات المدين حلّ‌ الاجل. و إذا مات الدائن بقي الاجل على حاله و ليس لورثته المطالبة به قبل حلوله.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في تحقّق القرض

فلأن ذلك مقتضى افتراض كونه عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما فلإطلاق دليل مشروعية القرض بعد افتراض صدقه.

و من ذلك يتّضح وجه الاكتفاء بالمعاطاة.

2 - و اما انه لا يلزم في المال المقترض كونه من النقود

فمتسالم

عليه. و يقتضيه اطلاق أدلة مشروعيته.

و تؤيد ذلك رواية الصباح بن سيابة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ان عبد اللّه بن أبي يعفور أمرني أن أسألك قال: انا نستقرض الخبز من الجيران فنرد أصغر منه أو أكبر، فقال عليه السّلام: نحن نستقرض الجوز الستين و السبعين عددا فتكون فيه الكبيرة و الصغيرة فلا بأس»(1)و غيرها.

3 - و اما عدم اعتبار تعيين مقدار المال المقترض و أوصافه

فلإطلاق دليل شرعيته.

و اما لزوم تحصيل العلم بمقداره من باب المقدمة للأداء فلوجوب مقدمة الواجب.

4 - و اما ان عقد القرض لازم، بمعنى عدم جواز الفسخ و الالزام

بارجاع العين المقترضة

فمحل خلاف. و المنسوب إلى شيخ الطائفة عدم اللزوم.

و المناسب هو اللزوم تمسكا باصالة اللزوم في كل عقد.

نعم إذا فرض عدم تحديد الوفاء بأجل معيّن فتجوز للمقترض المطالبة ببدل العين، لان مقتضى عقد القرض ضمان المقترض للبدل دون العين نفسها، و حيث فرض عدم التحديد بأجل فيلزم جواز المطالبة به في أي وقت.

5 - و اما عدم جواز امتناع الدائن من قبض الدين مع عدم التأجيل

أو فرض حلول الأجل

فلان من حق كل شخص مشغول الذمة تفريغ


1) وسائل الشيعة 109:13 الباب 21 من أبواب الدين الحديث 1.

ذمته من الاشتغال ما دام لم يجعل حق الامتناع للطرف الاخر ضمن العقد.

و اما جواز امتناع الدائن من قبض الدين قبل حلول الاجل فقد وقع محلا للخلاف.

و المناسب التفصيل بين ما إذا كان اشتراط‍‌ الاجل حقا للمدين فقط‍‌ و ما إذا كان حقا للدائن فقط‍‌.

فعلى الاول لا يحق له الامتناع لأنه لا يصدق الاشتراط‍‌ من ناحيته ليشمله عموم قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(1).

و على الثاني يحق له ذلك حيث يصدق في حقه ذلك فيشمله العموم.

6 - و اما عدم لزوم تحديد القرض بأجل معين

فلإطلاق دليل شرعيته.

و اما عدم لزوم الاجل المذكور في عقد القرض فباعتبار ان الشرط‍‌ يتبع في لزومه و جوازه لزوم العقد و جوازه، و حيث ان المشهور يرى القرض من العقود الجائزة فيلزم كون الشرط‍‌ المذكور فيه جائزا أيضا.

هذا و المناسب الحكم بلزوم الاجل لأنه لو سلّم بجواز عقد القرض فذلك لا يمنع من لزوم الشرط‍‌ المذكور فيه بعد ما كان مقتضى اطلاق قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم» شاملا للشرط‍‌ المذكور ضمن العقد الجائز أيضا.


1) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

هذا مضافا إلى إمكان استفادة لزوم الاجل من قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ‌ بِدَيْنٍ‌ إِلى‌ أَجَلٍ‌ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ‌ وَ لْيَكْتُبْ‌ بَيْنَكُمْ‌ كاتِبٌ‌ بِالْعَدْلِ‌ (1).

بل يمكن استفادته من الروايات الآتية الدالة على حلول أجل الدين بموت المدين، فانها تدل على لزوم الاجل بدون فرض الموت.

7 - و اما ان المال المقترض يثبت مثله في ذمة المقترض إذا كان

مثليا و قيمته إذا كان قيميا

فلان المقرض بعد جعله المقترض ضامنا لا للعين نفسها بل لبدلها يلزم ما ذكر إذ البدل الأقرب مع فرض كون الشيء مثليا هو المثل و مع كونه قيميا هو القيمة و يلزم من ثمّ‌ ان يكون ذلك هو الملحوظ‍‌ للمقرض عند تضمينه للمقترض بالبدل.

8 - و اما جواز دفع القيمة عن المثلي في فرض تراضي الطرفين

فلان الحق لا يعدوهما فيجوز لهما الاتفاق كيفما أحبا.

9 - و اما عدم لزوم التسديد بالعين المقترضة نفسها لو كانت

موجودة

فلان المفروض صيرورتها ملكا للمقترض بالقرض، و الضمان تعلّق ببدلها.

و اما جواز ذلك مع توافق الطرفين فلان الحق لا يعدوهما.

و اما انه مع عدم موافقة المقرض بقبول العين فلا يجوز اجباره على ذلك فمن جهة انه اشترط‍‌ الضمان بالبدل و اشتغال الذمة به.

10 - و اما لزوم تسديد الدين فورا مع المطالبة عند فرض كونه

حالا أو قد حلّ‌ أجله

فلعدم جواز الامتناع أو التواني عن اداء


1) البقرة: 282.

الحقوق لأصحابها.

و اما استثناء دار السكن و نحوها فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تباع الدار و لا الجارية في الدين، ذلك انه لا بدّ للرجل من ظل يسكنه و خادم يخدمه»(1)و غيرها، فان موردها و ان كان خاصا بالدار و الجارية الا ان مقتضى التعليل التعدي إلى غيرهما من الاشياء التي لا بدّ منها في حياة الإنسان.

11 - و اما عدم جواز المطالبة مع الاعسار

فلقوله تعالى: وَ إِنْ‌ كانَ‌ ذُو عُسْرَةٍ‌ فَنَظِرَةٌ‌ إِلى‌ مَيْسَرَةٍ‌ (2).

12 - و اما حلول الاجل بموت المدين

فلموثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام: «إذا كان على الرجل دين إلى أجل و مات الرجل حلّ‌ الدين»(3)و غيرها.

و اما عدم حلولها بموت الدائن فلان الحلول بالموت حكم على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على مورد النص.

هذا مضافا إلى انه قد يفهم ذلك من الموثقة، باعتبار تخصيصها حلول الاجل بموت المدين.


1) وسائل الشيعة 95:13 الباب 11 من أبواب الدين الحديث 1.

2) البقرة: 280.

3) وسائل الشيعة 97:13 الباب 12 من أبواب الدين الحديث 3.

كتاب الرّهن

اشارة

1 - حقيقة الرهن

2 - شرائط‍‌ صحة الرهن

3 - من أحكام الرهن

1 - حقيقة الرهن

اشارة

الرهن عقد يتضمن جعل مال وثيقة للتأمين على دين أو عين مضمونة.

و هو مشروع بلا اشكال.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الرهن عقد و يتضمن ما ذكر

فهو من الواضحات.

و الفهم العرفي خير شاهد عليه.

2 - و اما صحة جعل الرهن وثيقة على العين المضمونة أيضا -

كالعين المغصوبة إذا طالب صاحبها الغاصب أو غيره ضمن عقد لازم

بالرهن عليها

• فلإطلاق ما يأتي من دليل مشروعية الرهن.
3 - و اما ان الرهن مشروع

فهو من ضروريات الإسلام. و يدل على ذلك الكتاب الكريم: وَ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ عَلى‌ سَفَرٍ وَ لَمْ‌ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ‌ مَقْبُوضَةٌ‌ (1)، و الروايات الكثيرة، كصحيحة محمد بن مسلم عن


1) البقرة: 283.

احدهما عليهما السّلام: «سألته عن السلم في الحيوان و في الطعام و يؤخذ الرهن، فقال: نعم استوثق من مالك ما استطعت. قال: و سألته عن الرهن و الكفيل في بيع النسية، فقال: لا بأس»(1)و غيرها.

و القول باختصاص مشروعية الرهن بحالة السفر تمسكا بالآية الكريمة ضعيف، فان ذكر السفر مبني على الغالب من عدم تواجد الكاتب فيه، و هو كذكره في قوله تعالى: وَ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ مَرْضى‌ أَوْ عَلى‌ سَفَرٍ ... فَلَمْ‌ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا (2). على انه يكفينا اطلاق السنة الشريفة.

و عليه فما ينسب إلى بعض العامة من عدم جواز الارتهان في الحضر(3)لا وجه له خصوصا و ان لازم التمسك بالآية الكريمة لاعتبار السفر اشتراط‍‌ فقدان الكاتب للدين في مشروعية الرهن عليه، و هو غير محتمل و لم يقل به القائل المذكور.

2 - شرائط‍‌ صحّة الرهن

اشارة

يشترط‍‌ لصحّة الرهن توفر:

1 - الايجاب من الراهن و القبول من المرتهن بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

2 - البلوغ و العقل و القصد و الاختيار في الراهن و المرتهن. و عدم الحجر


1) وسائل الشيعة 121:13 الباب 1 من أبواب أحكام الرهن الحديث 5.

2) النساء: 43.

3) جواهر الكلام 98:25.

على الراهن لسفه أو فلس.

3 - كون المرهون عينا مملوكة يجوز بيعها و شراؤها، فلا يصح رهن الدين و لا المنفعة و لا مثل الخمر و لا مثل الطير في الهواء و الوقف و لو كان خاصا.

4 - كون ما يرهن عليه دينا ثابتا في الذمة لفعلية سببه من اقتراض أو اسلاف مال أو شراء نسية فلا يصح الرهن على ما سيقترض أو على ثمن ما سيشترى و نحو ذلك.

5 - قبض المرتهن للعين المرهونة حدوثا و لا تلزم استدامة ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في تحقّق الرهن

فهو مقتضى كونه عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة فلانه بعد صدق عنوان الرهن يصح التمسك باطلاق دليل مشروعيته.

2 - و اما اعتبار البلوغ و ما بعده

فلان ذلك من الشرائط‍‌ العامة في كل عقد.

و اما اعتبار عدم الحجر على الراهن فلان السفيه و المفلس لا يصح منهما التصرّف في أموالهما.

و اما عدم اعتبار ذلك في المرتهن فلانه بالرهن لا يتصرف في ماله.

3 - و اما اعتبار كون المرهون عينا

فلان الدين لا يمكن تحقق القبض فيه، و هو شرط‍‌ في صحة الرهن كما سيأتي.

بل لا يصح تعلق الرهن بالدين حتى بناء على انكار شرطية القبض باعتبار ان الغرض من الرهن - و هو الاستيثاق -

لا يتحقق بالدين.

و اما عدم صحة تعلقه بالمنفعة فلانه لو تصورنا فيها تحقق القبض فيمكن ان يقال: هي من الموجودات المتصرمة تدريجا و ليست موجودا قارّا ليمكن ان تكون وثيقة على الدين.

و اما اعتبار كون المرهون أمرا مملوكا فلان غير القابل للملك في نفسه - كالخمر - أو غير المتصف به بالفعل لا يحصل به الاستيثاق.

و منه يتضح الوجه في اعتبار كون العين المرهونة أمرا صالحا للبيع و الشراء و لا يكفي أن تكون مثل الطير في الهواء أو الوقف.

4 - و اما اعتبار ثبوت الدين في الذمة حالة العقد

فلان الرهن وثيقة على مال المرتهن الذي هو ثابت في ذمة الغير، فقبل ثبوت الدين في الذمة لا يصدق الرهن و الاستيثاق. و لا أقلّ‌ من الشك في اعتبار ذلك، و هو كاف لجريان استصحاب عدم ترتب الاثر بعد عدم جواز التمسك باطلاق دليل المشروعية لكون المورد شبهة مصداقية.

5 - و اما اعتبار القبض في صحة الرهن

فمحل خلاف. و مقتضى القاعدة عدم اعتباره تمسكا باطلاق دليل شرعيته.

و دعوى ان عنوانه لا يصدق الا بالقبض غير مقبولة.

و المناسب اعتباره لا لأجل التقييد به في الآية الكريمة - فان ذكره فيها هو من جهة انها بصدد بيان طريقة للاستيثاق على الدين، و ذلك لا يتحقق بمجرد الارتهان من دون قبض و ليست بصدد بيان شرطية ذلك لتحقّق الارتهان شرعا، على ان السياق يلوح عليه بوضوح كونه في صدد الارشاد إلى جملة من الآداب و السنن - بل لقوله عليه السّلام في

صحيحة محمد بن قيس: «لا رهن الا مقبوضا»(1).

و ما أفاده صاحب الجواهر قدّس سرّه من احتمال ان يكون ذكر القبض لا من باب الشرطية بل لأنه بدونه لا يحصل الاطمئنان و الاستيثاق خصوصا و ان المنفي هو العين المرهونة لا العقد الذي هو القابل للاتصاف بالصحة و الفساد(2)كما ترى.

6 - و اما عدم لزوم استدامة القبض

فلانه لا يظهر من صحيحة محمد بن قيس اعتبار ذلك، و هي مجملة من الجهة المذكورة فيرجع لنفي احتمال اعتبار الاستدامة إلى اطلاق ادلة شرعية الرهن لقاعدة ان العام إذا خصص بمجمل مفهوما فيقتصر في تخصيصه على القدر المتيقن لبقاء الظهور في العموم على الحجية فيما زاد عليه بلا معارض.

3 - من احكام الرهن

اشارة

لا يلزم في العين المرهونة أن تكون ملكا لمن عليه الدين بل يصح رهن ملك الغير إذا استعير لذلك.

و الرهن لازم من جهة الراهن فلا يصح له التراجع عنه الا برضا المرتهن أو ايفائه الدين.

و يجوز لمالك العين المرهونة التصرّف فيها بما لا يتنافى و الاستيثاق - كركوب الحيوان إذا كان رهنا - و اما ما يتنافى - مثل بيع الحيوان أو ذبحه - فلا يجوز الا اذا اذن المرتهن به. و اما المرتهن فلا يجوز له التصرف


1) وسائل الشيعة 123:13 الباب 3 من أحكام الرهن الحديث 1.

2) جواهر الكلام 104:25.

مطلقا الا باذن المالك.

و إذا حلّ‌ موعد الدين و طالب به المرتهن و لم يؤد فلا يجوز له بيع العين المرهونة و استيفاء دينه منها الا إذا كان وكيلا في ذلك من البداية أو اذن له مالكها فيما بعد. و اذا لم يكن وكيلا عنه و لم يأذن له في ذلك بعد طلبه منه جاز له البيع. و يبقى الفاضل على مقدار الدين - ان كان - أمانة بيده.

و لا يضمن المرتهن العين المرهونة إذا تلفت أو تعيبت ما دام لم يتحقق منه التعدي او التفريط‍‌، و من ثمّ‌ يرجع بتمام ماله الذي يستحقه على الراهن و لا ينقص منه شيء.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم لزوم كون العين المرهونة ملكا للراهن و كفاية اذن

مالكها في رهنها

فلإطلاق دليل شرعية الرهن.

2 - و اما لزوم الرهن من طرف الراهن

فلأصالة اللزوم في مطلق العقود التي تقدم مستندها في مبحث البيع.

على ان الغرض من الرهن و هو الاستيثاق لا يتأتى مع الجواز من طرف الراهن.

3 - و اما جواز تصرف مالك العين المرهونة فيها بما لا يتنافى

و الاستيثاق

فلانه مالك، و لا موجب لمنعه بعد عدم كون تصرفه منافيا للاستيثاق.

و يؤكد ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام:

«رجل رهن جاريته قوما أ يحل له أن يطأها؟ فقال: ان الذين ارتهنوها يحولون بينه و بينها، قلت: أ رأيت ان قدر عليها خاليا؟ قال:

نعم لا أرى به بأسا»(1).

و اما ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من ان «الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن»(2)فضعيف السند، فان ابن أبي جمهور قد رواه في درر اللآلي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله مرسلا.

و بهذا يتضح ان تأكيد صاحب الجواهر على عدم جواز تصرّف الراهن بشتى أشكاله استنادا إلى الحديث المتقدم و الى التنافي بين الاستيثاق المأخوذ في مفهوم الرهن و بين جواز التصرّف(3)قابل للتأمّل.

4 - و اما عدم جواز تصرف المرتهن في العين المرهونة بشكل

مطلق

فلان ذلك مقتضى عدم جواز التصرف في مال الغير بدون اذنه.

5 - و اما عدم جواز بيع المرتهن العين المرهونة إذا حلّ‌ وقت

المطالبة و لم يسدد الدين

فلأنها ملك للغير، و لا يجوز التصرف فيه من دون اذنه.

و جعلها وثيقة على الدين لا يلازم تجويز بيعها لاستيفاء الدين لعدم انحصار الاستيفاء بذلك بل يمكن ذلك بتصدي الراهن نفسه للبيع.

نعم مع افتراض كسب الوكالة في البيع مسبقا لا يعود اشكال في البيع و لو من دون استئذان.

6 - و اما انه يجوز للمرتهن البيع عند افتراض عدم الوكالة و الاذن

فمن جهة ان التعاقد على الرهن يستبطن التعاقد على ان يكون للمرتهن


1) وسائل الشيعة 133:13 الباب 11 من أحكام الرهن الحديث 1.

2) مستدرك الوسائل 426:13.

3) جواهر الكلام 195:25.

الحق في البيع لاستيفاء حقه مع عدم تصدي الراهن نفسه للبيع و لا اذنه فيه.

و قيل بان النوبة لا تصل الى المرتهن ما دام يمكن للحاكم الشرعي التصدي لذلك فانه صاحب الولاية على الممتنع، و اذا لم يمكن للحاكم التصدي لسبب و آخر فآنذاك تصل النوبة إلى المرتهن.

و هو جيد ان لم نفترض تمامية ما أشرنا إليه من التعاقد المستبطن.

7 - و اما عدم ضمان المرتهن تلف العين المرهونة و تعيبها من

دون تعدّ و تفريط‍‌

فلان ذلك مقتضى كون يده يد امانة.

و تؤكد ذلك الروايات الكثيرة، كصحيحة جميل بن دراج: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن: هو من مال الراهن و يرجع المرتهن عليه بماله»(1)و غيرها.

هذا و يوجد في مقابل الروايات المذكورة روايات اخرى تدل على ضمان المرتهن و انه ينقص مما له على الراهن بمقداره، كموثقة ابن بكير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام في الرهن فقال: ان كان أكثر من مال المرتهن فهلك ان يؤدي الفضل إلى صاحب الرهن، و ان كان أقل من ماله فهلك الرهن أدّى إليه صاحبه فضل ماله، و ان كان الرهن سواء فليس عليه شيء»(2)و غيرها.

و يمكن الجمع بحمل الأولى على صورة عدم التفريط‍‌ و الثانية على صورة التفريط‍‌.


1) وسائل الشيعة 125:13 الباب 5 من أبواب أحكام الرهن الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 129:13 الباب 7 من أبواب أحكام الرهن الحديث 3.

و مما يؤيّد ذلك موثقة إسحاق بن عمار: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم و هو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلك، أعلى الرجل ان يرد على صاحبه مائتي درهم‌؟ قال: نعم لأنه اخذ رهنا فيه فضل و ضيّعه. قلت: فهلك نصف الرهن قال: على حساب ذلك. قلت:

فيترادّان الفضل‌؟ قال: نعم»(1).2.


1) وسائل الشيعة 129:13 الباب 7 من أبواب أحكام الرهن الحديث 2.

كتاب الهبة

اشارة

1 - حقيقة الهبة

2 - من أحكام الهبة

1 - حقيقة الهبة

اشارة

الهبة عقد يتضمّن تمليك عين بلا عوض.

و شرعيتها واضحة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الهبة عقد

فأمر متسالم عليه. و تدل عليه قاعدة سلطنة الانسان على نفسه و أمواله، فان خروج المال من الواهب بدون رضاه أمر على خلاف سلطنته على أمواله، و دخوله في ملك الموهوب له بدون موافقته أمر على خلاف سلطنته على نفسه.

و أيضا انعقاد سيرة العقلاء على احتياجها إلى الايجاب و القبول شاهد يصلح التمسك به في المقام بعد فرض امضائها المستكشف بسبب عدم الردع.

2 - و اما تضمن عقدها التمليك بلا عوض

فهو من الواضحات.

و فهم العرف خير دليل عليه.

و لا يشكل عليه بخروج الهبة المعوضة بالرغم من كونها أحد

فردي الهبة، فان العوض فيها ليس في مقابل العين الموهوبة و عوضا عنها بل التمليك فيها مجاني لكنه مشروط‍‌ بتمليك مجاني آخر.

و الفرق بينها و بين الهدية و الصدقة مع ان الاخيرتين هما تمليك مجاني أيضا هو ان الهدية تمليك مجاني بقصد التكريم و التعظيم، و الصدقة تمليك مجاني بقصد القربة، بخلاف الهبة فانها تمليك مجاني ملحوظ‍‌ لا بشرط‍‌ من ناحية القصدين المذكورين فتكون أعمّ‌ منهما أو بشرط‍‌ لا فتكون مباينة لهما.

3 - و اما شرعيتها

فأمر بديهي، كيف و قد جرت عليها سيرة العقلاء الممضاة بعدم الردع، و سيرة المتشرّعة، بل و سيرة أهل بيت العصمة بما في ذلك جدّهم صلوات اللّه عليهم أجمعين.

و ما انحال الرسول الاعظم صلّى اللّه عليه و آله فدكا لبضعته الطاهرة عليها السّلام الا عبارة اخرى عن الهبة، فانهما واحد، غايته لوحظ‍‌ في الإنحال تعلقه بالارحام.

و الروايات الدالة على شرعيتها كثيرة. و سيأتي بعضها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: فَإِنْ‌ طِبْنَ‌ لَكُمْ‌ عَنْ‌ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ‌ نَفْساً فَكُلُوهُ‌ هَنِيئاً مَرِيئاً (1)، و قوله: وَ لا يَحِلُّ‌ لَكُمْ‌ أَنْ‌ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ‌ شَيْئاً (2)بعد عدم اختصاص الايتاء بالمهر.


1) النساء: 4.

2) البقرة: 229.

2 - من أحكام الهبة

اشارة

لا تتحقّق الهبة الا بايجاب من الواهب و قبول من الموهوب له بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

و يلزم ان يتوفر في الواهب البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و عدم الحجر لسفه أو فلس.

و يعتبر القبض في صحّة الهبة و ان يكون عن اذن الواهب الا في هبة ما في يد الغير له.

و لا تلزم فيه الفورية و لا كونه في مجلس العقد.

و يلزم في الموهوب ان يكون عينا فلا تصح هبة المنافع. و اما الدين فتصح هبته على غير من هو عليه دون من هو عليه.

و الهبة عقد جائز يصح فيها الرجوع الا إذا كانت معوضة، أو لذي رحم، أو قصد بها القربة، أو فرض تحقق التلف أو التصرف الذي لا يصدق معه قيام العين بعينها.

و لا يلزم في صحّة الرجوع عن الهبة ان يكون امام الموهوب له.

و المستند في ذلك:

1 - اما توقف تحقق الهبة على الايجاب و القبول

فلأن ذلك مقتضى كونها عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة فلإطلاق أدلة مشروعيتها.

2 - و اما انه يعتبر في الواهب البلوغ و ما بعده

فلان الهبة عقد

و تصرف في المال، و كلاهما مشروط‍‌ بما ذكر.

و اما انه لا يعتبر ذلك في الموهوب له فلصحة الهبة إلى الصبي و المجنون و المحجور عليه بالضرورة، غايته يلزم في الاولين نيابة الولي عنهما في القبول.

3 - و اما توقف صحة الهبة على القبض

فهو المشهور. و تدل عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها»(1)و غيرها.

و قد يقال: توجد في المقابل صحيحة أبي المعزا أو أبي بصير:

«قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسّمت أو لم تقسّم. و النحل لا تجوز حتى تقبض»(2)، فانها تدل على صحة الهبة قبل تحقق القبض سواء فسر الجواز باللزوم - كما هو الظاهر - أم بالصحة.

و الجواب: ان النتيجة لا تتغيّر، فان الطائفتين حيث يتعذر الجمع العرفي بينهما تتساقطان و يلزم الرجوع إلى الاصل، و هو يقتضي عدم ترتب الأثر قبل القبض.

و إذا قيل: لا تصل النوبة إلى الأصل لوجود المرجح للطائفة الثانية، و هو موافقتها للكتاب العزيز أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)الدال على ترتب الأثر بمجرّد العقد.

قلنا: ان الكتاب العزيز يدل على لزوم الهبة قبل القبض و هو مخالف لكلتا الطائفتين، و معه كيف يمكن الترجيح به، فان ما هو مفاده


1) وسائل الشيعة 336:13 الباب 4 من أحكام الهبات الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 335:13 الباب 4 من أحكام الهبات الحديث 4.

3) المائدة: 1.

لا يمكن الترجيح به و ما يمكن الترجيح به ليس مفادا له.

4 - و اما اعتبار كون القبض باذن الواهب

فهو المشهور. و هو جيد لانصراف ما دل على اعتبار القبض في صحة الهبة إلى ذلك. بل ان من المحتمل ان تكون كلمة «يقبضها» من باب الافعال.

و منه يتضح النظر فيما اختاره السيّد اليزدي قدّس سرّه من عدم اعتبار الاذن تمسكا بالاطلاق و ان الأصل عدم شرطية ذلك و ان القدر المتيقن اعتبار وصول المال إلى يد المتهب، و لذا لو كان بيده كفى(1).

5 - و اما عدم اعتبار القبض في هبة ما في يد الغير

فلتحققه من دون حاجة إلى تجديده.

6 - و اما عدم لزوم الفورية في القبض و لا كونه في مجلس العقد

فلإطلاق الصحيحة الدالة على اعتبار القبض.

7 - و اما عدم صحة هبة المنافع

فلأنها موجود تدريجي متصرم لا يمكن تحقق القبض فيه.

و اما صحة هبة الدين على غير من هو عليه فلانه بعد امكان قبضه بقبض فرد منه لا يعود مانع من التمسك باطلاق دليل شرعيتها.

و دعوى ان ما في الذمة - الذي تعلقت به الهبة - لا يمكن قبضه، و ما يمكن قبضه و هو الفرد الخارجي ليس الكلي نفسه، مدفوعة بان الكلي الطبيعي موجود بوجود افراده في نظر العرف أيضا و يمكن قبضه و اقباضه من خلال الفرد.

و اما عدم صحة هبة الدين على من هو عليه فلان ذلك ابراء لا هبة


1) ملحقات العروة الوثقى 165:2.

و يترتب عليه احكامه دون احكامها فلا يجوز الرجوع في الموهوب، كما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له، أله ان يرجع فيها؟ قال: لا»(1).

8 - و اما جواز الرجوع في الهبة و كونها عقدا جائزا بالرغم من

اقتضاء اصالة اللزوم لعكس ذلك

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«اذا كانت الهبة قائمة بعينها فله ان يرجع و إلاّ فليس له»(2)و غيرها.

9 - و اما استثناء الهبة المعوضة

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا عوّض صاحب الهبة فليس له ان يرجع»(3)و غيرها.

و اما استثناء الهبة لذي الرحم فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «الهبة و النحلة يرجع فيها صاحبها ان شاء، حيزت أو لم تحز الا لذي رحم فانه لا يرجع فيها»(4)و غيرها.

و اما استثناء الهبة التي قصد بها القربة فلصحيحة محمد بن مسلم الاخرى عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا يرجع في الصدقة اذا أبتغي وجه اللّه»(5)و غيرها.

و اما استثناء حالة التلف أو التصرف الذي لا يصدق معه قيام العين فلصحيحة الحلبي المتقدمة.


1) وسائل الشيعة 332:13 الباب 1 من أحكام الهبات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 341:13 الباب 8 من أحكام الهبات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 341:13 الباب 9 من أحكام الهبات الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 338:13 الباب 6 من أحكام الهبات الحديث 2.

5) وسائل الشيعة 334:13 الباب 3 من أحكام الهبات الحديث 2.

ثم انه يوجد في المقابل روايات اخرى معارضة، كموثقة داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و اما الهبة و النحلة فانه يرجع فيها حازها او لم يحزها و ان كانت لذي قرابة»(1)و غيرها.

و يمكن ان يقال: ما دام لا يمكن الجمع فتتحقق المعارضة و يلزم ترجيح الطائفة الاولى لموافقتها لإطلاق الكتاب الدال على وجوب الوفاء بالعقود أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

10 - و اما عدم لزوم ان يكون الرجوع امام الموهوب له

فلإطلاق ما دلّ‌ على جواز الرجوع و عدم تقييده بما إذا كان امامه.


1) وسائل الشيعة 339:13 الباب 6 من أحكام الهبة الحديث 3.

2) المائدة: 1.

كتاب الوديعة

اشارة

1 - حقيقة الوديعة

2 - من أحكام الوديعة

1 - حقيقة الوديعة

اشارة

الوديعة عقد يتضمن استئمان الغير في حفظ‍‌ المال. و يصطلح على الغير بالودعي و المستودع، و على الآخر بالمودع.

و هي مشروعة بلا اشكال.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوديعة عقد

فواضح، إذ لا يكفي مجرد إيجاب المودع في تحققها بل لا بدّ من قبول الودعي و الا لم يكن له السلطنة على نفسه، و هو خلف قانون السلطنة.

2 - و اما انها عقد يتضمن ما ذكر

فهو من واضحات الفقه، و يقتضيه الفهم العرفي.

3 - و اما مشروعية عقد الوديعة

فمن البديهيات لانعقاد سيرة العقلاء و المتشرعة عليه، و للكتاب العزيز الصريح في ذلك في موارد

متعددة، كقوله تعالى: إِنَّ‌ اللّهَ‌ يَأْمُرُكُمْ‌ أَنْ‌ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ‌ إِلى‌ أَهْلِها (1)، فَإِنْ‌ أَمِنَ‌ بَعْضُكُمْ‌ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ‌ أَمانَتَهُ‌ (2).

و الروايات في ذلك كثيرة، كرواية أبي كهمس: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: عبد اللّه بن أبي يعفور يقرئك السلام قال: و عليك و عليه السلام، إذا أتيت عبد اللّه فاقرئه السلام و قل له: ان جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به علي عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فالزمه، فان عليّا عليه السّلام انما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بصدق الحديث و اداء الأمانة»(3)و غيره.

2 - من أحكام الوديعة

اشارة

يعتبر في تحقق الوديعة الايجاب من المودع و القبول من الودعي بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

و يجب ردّ الوديعة إلى صاحبها عند المطالبة بها و لو لم يكن مؤمنا ما دام ليس غاصبا.

و من طلب من الغير ان يكون ماله وديعة لديه و لم يقبل الغير ذلك و لم يتسلمه و مع ذلك تركه المالك عنده فلا يضمنه لو تلف أو تعيّب.

و عقد الوديعة جائز من الطرفين و ان كان مؤجلا بأجل محدّد الا مع اشتراط‍‌ عدم فسخه إلى ذلك الأجل و لو ضمن عقد الوديعة نفسه، فانه يلزم الوفاء آنذاك، و لكن مع الفسخ ينفسخ و يكون الفاسخ بذلك آثما.


1) النساء: 58.

2) البقرة: 283.

3) وسائل الشيعة 218:13 الباب 1 من أحكام الوديعة الحديث 1.

و لو فسخ الودعي لزمه ايصال المال إلى صاحبه فورا، و إذا لم يفعل ذلك من دون عذر شرعي و تلف يكون ضامنا.

و يجب على الودعي الحفاظ‍‌ على الوديعة بما هو المتعارف في الحفظ‍‌ لأمثالها، و إذا لم يفعل ذلك يكون مفرّطا.

و الودعي لا يضمن تلف الوديعة و تعيّبها الا مع التعدي أو التفريط‍‌.

و لا يحق للودعي التصرف في الوديعة.

و من أحسّ‌ بامارات الموت يلزمه ايصال الوديعة إلى صاحبها أو وكيله، و إذا لم يمكنه ذلك يلزمه الايصاء بها و العمل بما يضمن به وصولها إلى صاحبها بعده.

و الامانة على قسمين: مالكية و شرعية، و الحكم في كليهما واحد.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوديعة لا تتحقق الا بالايجاب و القبول

فهو مقتضى كونها عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة فلإطلاق دليل شرعيتها بعد صدق عنوانها.

2 - و اما وجوب ردّ الوديعة الى صاحبها عند مطالبته بها و لو لم

يكن مؤمنا

فلإطلاق قوله تعالى: إِنَّ‌ اللّهَ‌ يَأْمُرُكُمْ‌ أَنْ‌ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ‌ إِلى‌ أَهْلِها (1).

و في الحديث عن الامام الصادق عليه السّلام: «ادّوا الامانة و لو إلى قاتل الحسين بن علي عليهما السّلام»(2).


1) النساء: 58.

2) وسائل الشيعة 224:13 الباب 2 من أحكام الوديعة الحديث 12.

3 - و اما التقييد بعدم كون صاحب الوديعة غاصبا

فلان الواجب هو ردّ الامانة إلى أهلها، و ذلك لا يتحقق بالدفع إلى الغاصب بل فعل ذلك موجب للضمان لأنه تعدّ على الامانة.

و اما عدم ضمان من ترك عنده شيء و قد تلف أو تعيب من دون قبوله لذلك و لا تسلمه إيّاه فلعدم صدق عنوان الوديعة - الموقوف على تحقق القبول - كي يجب التحفّظ‍‌ عليه بعد وضوح ان أموال الغير لا يجب التحفظ‍‌ عليها ابتداء.

4 - و اما ان عقد الوديعة جائز

فذلك واضح بلحاظ‍‌ المودع لأنه من ناحيته لا يعدو الاذن في حفظ‍‌ ماله، و للآذن حق التراجع عن اذنه متى شاء.

و اما بلحاظ‍‌ الودعي فلا وجه لجواز تراجعه قبل انتهاء الاجل - ما دام العقد قد حدّد به - سوى التسالم على ذلك.

قال صاحب الجواهر: «و هو - التسالم - الحجّة في تخصيص الآية و غيرها من أدلّة اللزوم»(1).

5 - و اما عدم جواز الفسخ ما دام قد اشترط‍‌ عدم الفسخ

فلعموم قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم»(2).

و دعوى ان الوديعة عقد جائز فيكون الشرط‍‌ المذكور فيها جائزا أيضا مدفوعة بان عموم وجوب الوفاء بالشروط‍‌ لا يختص بالشرط‍‌ المذكور في العقد اللازم.

و اما تحقق الفسخ مع مخالفة الشرط‍‌ فلان العموم السابق ليس


1) جواهر الكلام 106:27.

2) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

بناظر الى الأثر الوضعي بل التكليفي فقط‍‌.

6 - و اما ان الودعي يلزمه ايصال الوديعة إلى صاحبها لو فسخ

فلوجوب ردّ الامانات إلى أهلها كما دلّ‌ عليه قوله تعالى: إِنَّ‌ اللّهَ‌ يَأْمُرُكُمْ‌ أَنْ‌ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ‌ إِلى‌ أَهْلِها (1).

و اما الضمان لو فسخ الودعي و لم يوصل الوديعة إلى صاحبها و تلفت أو تعيبت فلان ذلك من التفريط‍‌ في أمر الوديعة.

7 - و اما وجوب التحفظ‍‌ على الوديعة بما هو المتعارف في أمثالها

فلاستبطان قبول الودعي الوديعة تعهّده بذلك.

على ان ردّ الامانة إلى أهلها واجب، و التحفظ‍‌ المذكور مقدّمة له فيكون واجبا.

8 - و اما عدم ضمان الودعي التلف و التعيب لو حصل من دون

تعدّ أو تفريط‍‌

فللحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته و لا تأتمن الخائن و قد جربته»(2).

على ان بالامكان ان يقال: ان التعاقد على الاستيداع يستبطن عرفا التعاقد على ذلك أيضا.

9 - و اما عدم جواز التصرف في الوديعة

فلان ذلك مقتضى عدم جواز التصرف في مال الغير بدون إذنه، بل لا معنى للأذن في التصرّف و الا كان المورد عارية لا وديعة.

10 - و اما ان من أحسّ‌ بامارات الموت يلزمه ما ذكر

فلان ذلك مقتضى التحفظ‍‌ الواجب في أمر الامانة، و من دونه يصدق التفريط‍‌.


1) النساء: 58.

2) وسائل الشيعة 229:13 الباب 4 من أحكام الوديعة الحديث 10.

11 - و اما انقسام الامانة إلى مالكية و شرعية

فواضح إذ المودع تارة هو المالك فتكون الامانة مالكية، و اخرى هو الشارع فتكون شرعية، كما في باب اللقطة، حيث اذن الشارع بالالتقاط‍‌ و التحفظ‍‌ على المال كأمانة.

و اما وحدة حكم القسمين فلانه بعد صدق عنوان الامانة في كليهما ينبغي تطبيق جميع أحكامه عليهما.

كتاب العارية

اشارة

1 - حقيقة العارية

2 - من أحكام العارية

1 - حقيقة العارية

اشارة

العارية عقد يتضمن تسليط‍‌ شخص غيره على عين للانتفاع بها مجانا.

و هي مشروعة بلا اشكال.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان العارية عقد

فينبغي عدّه من الواضحات، فان جواز الانتفاع بملك الغير يتحقق تارة من خلال اذن الشخص بالتصرف في ملكه، و هو بهذا اللحاظ‍‌ ايقاع لا يتوقف على قبول الطرف الثاني، و اخرى من خلال العارية، و هو بهذا اللحاظ‍‌ عقد يتوقف على القبول.

2 - و اما ان عقد العارية يتضمن التسليط‍‌ المجاني على الانتفاع

فمما لا كلام فيه. و يقتضيه فهم العرف منها ذلك.

و فرق العارية عن الاجارة ان الثانية تمليك للمنفعة بعوض و الاولى تمليك للانتفاع مجانا.

3 - و اما شرعية العارية

فمن واضحات الفقه، و تدل على ذلك سيرة العقلاء و المتشرعة و الروايات الكثيرة، كصحيح أبي بصير عن

أبي عبد اللّه عليه السّلام: «بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى صفوان بن امية فاستعار منه سبعين درعا باطراقها (باطرافها) فقال: أ غصبا يا محمّد؟ فقال النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله: بل عارية مضمونة»(1)و غيره.

2 - من أحكام العارية

اشارة

لا تتحقق الاعارة الا بايجاب من المعير و قبول من المستعير بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة.

و لا يلزم في المعير ان يكون مالكا للعين بل تكفي ملكيته للمنفعة باجارة و نحوها فيما إذا لم يشترط‍‌ عليه استيفاء المنفعة بنفسه.

و يعتبر في العين المعارة امكان الانتفاع بها مع بقاء عينها، اما إذا لم يمكن ذلك فلا تصح الاعارة، كما هو الحال في مثل الخبز و الدهن.

و يلزم المستعير ان لا يستفيد من العين المعارة الا في حدود ما جرت عليه العادة، فان تجاوز ضمن. و إذا نقصت بسبب الاستعمال المأذون فيه فلا ضمان.

و العين المعارة لا يضمنها المستعير ما دام لم يتحقق منه التعدي أو التفريط‍‌ الا اذا اشترط‍‌ عليه الضمان أو فرضت العين من الذهب أو الفضة.

و العارية جائزة من الطرفين و ان كانت مؤجلة الا مع اشتراط‍‌ عدم فسخها إلى أجل معين فيجب الوفاء الا انه لو خولف الشرط‍‌ تحقق الفسخ و ان كان الفاسخ آثما بذلك.


1) وسائل الشيعة 236:13 الباب 1 من أحكام العارية الحديث 1.

و المستند في ذلك:

1 - اما توقف تحقق العارية على الايجاب و القبول

فهو مقتضى كونها عقدا.

و اما انها تتحقق بكل ما يدل عليهما و لو بالمعاطاة فللتمسك باطلاق دليل شرعيتها بعد فرض صدق عنوانها.

2 - و اما انه لا يلزم في المعير ان يكون مالكا للعين بل يكفي كونه

مالكا للمنفعة

فباعتبار ان التسليط‍‌ على الانتفاع لا يتوقف على ملكية العين بل تكفي فيه ملكية المنفعة ما دام لم يشترط‍‌ استيفاؤها بالمباشرة.

3 - و اما اعتبار بقاء العين المعارة عند الانتفاع بها

فلانه بدون ذلك لا يمكن تمليك الانتفاع.

4 - و اما عدم جواز الاستفادة من العين المعارة الا في حدود ما

جرت عليه العادة

فلانصراف الاذن في الانتفاع بالعين - الذي تتضمنه الاعارة - إلى الانتفاعات المتعارفة فيها.

5 - و اما عدم ضمان النقصان الطارئ على العين بسبب

استعمالها

فلان ذلك من لوازم الاذن في الانتفاع بها مجانا.

6 - و اما عدم ضمان المستعير للعين المعارة ما دام لم يحصل

منه تعدّ أو تفريط‍‌ الا مع اشتراط‍‌ الضمان

فهو مقتضى قاعدة عدم ضمان الامين. مضافا إلى الروايات الخاصة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه الا ان يكون

اشترط‍‌ عليه»(1).

7 - و اما ضمان عارية الذهب و الفضة

فلموثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه أو أبي إبراهيم عليهما السّلام: «العارية ليس على مستعيرها ضمان الا ما كان من ذهب أو فضة فانهما مضمونان اشترطا أو لم يشترطا»(2).

ان قلت: لا بدّ من تقييد الذهب و الفضة بخصوص الدنانير و الدراهم لصحيحة عبد اللّه بن سنان: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا تضمن العارية الا ان يكون قد اشترط‍‌ فيها ضمان الا الدنانير فانها مضمونة و ان لم يشترط‍‌ فيها ضمانا(3)»(4)، و صحيحة عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«ليس على صاحب العارية ضمان الا ان يشترط‍‌ صاحبها الا الدراهم فانها مضمونة اشترط‍‌ صاحبها أو لم يشترط‍‌»(5).

قلت: ان التقييد المذكور ليس عرفيا لان لازمه الحمل على الفرد النادر، إذ شرط‍‌ صحة العارية على ما تقدم امكان الانتفاع بالعين مع بقائها، و هذا لا يتحقق عادة في الدنانير و الدراهم و ان كان يتحقق نادرا كما في اعارتها للتزيّن بها او لرهنها كما ذكر صاحب الجواهر.

و عليه فتكون النتيجة ان العارية ليس فيها ضمان الا مع الاشتراط‍‌ أو كونها من قبيل الذهب و الفضة.


1) وسائل الشيعة 236:13 الباب 1 من أحكام العارية الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 240:13 الباب 3 من أحكام العارية الحديث 4.

3) المناسب: ضمان بالرفع كما في تهذيب الاحكام 183:7 و الاستبصار 126:3.

4) وسائل الشيعة 239:13 الباب 3 من أحكام العارية الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 240:13 الباب 3 من أحكام العارية الحديث 3.

8 - و اما ان العارية جائزة من الطرفين بالرغم من كون المناسب

لزومها - طبقا لأصالة اللزوم

• فللتسالم على ذلك. و هو جيد، فان العارية في روحها ترجع إلى الاذن في التصرف، و للآذن التراجع عن اذنه متى أحب.

و اما انه مع اشتراط‍‌ عدم الفسخ لا يجوز فسخها تكليفا و ان ترتّب الاثر وضعا فلما تقدم عند البحث عن الوديعة.

كتاب السّبق و الرّماية

اشارة

1 - حقيقة السبق و الرماية

2 - من أحكام السبق و الرماية.

1 - حقيقة السبق و الرماية

اشارة

السبق - بسكون الباء - معاملة تتضمن اجراء الخيل و ما شابهها في حلبة السباق لمعرفة الاجود منها.

و الرماية معاملة تتضمن رمي السهام نحو الهدف للتعرف على الحاذق من المترامين.

و هما مشروعان دون خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان السبق و الرماية عقدان

فباعتبار انهما لا يتحققان إلاّ بعد اتفاق شخصين أو أكثر عليهما، و لا يكفي الايجاب من طرف واحد لتحققهما.

أجل بناء على كونهما جعالة - كما هو المنسوب للشيخ و العلاّمة(1)- فهما ايقاع و لا حاجة في تحققهما إلى القبول بل يكفي


1) جواهر الكلام 223:28.

البذل، كما يكفي في مثل: من ردّ عليّ‌ سيارتي المسروقة فله كذا.

الا ان ذلك جيد لو كان البذل من شخص ثالث أجنبي، و اما إذا كان منهما باتفاق بينهما فكونهما جعالة بعيد.

2 - و اما ان العقدين المذكورين يتضمنان ما ذكر

فأمر متسالم عليه.

3 - و اما شرعية المعاملتين المذكورتين

فيمكن استفادتها من عموم قوله تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ‌ مَا اسْتَطَعْتُمْ‌ مِنْ‌ قُوَّةٍ‌ (1)، فان الغرض من السبق و الرماية تدريب المسلمين على الفنون العسكرية و تهيئتهم لمواجهة الكفار في ساحة القتال، و ذلك مصداق واضح لإعداد القوة المأمور بها في الآية الكريمة.

و قد يقال بامكان استفادة ذلك من قوله تعالى: إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ‌ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ‌ عِنْدَ مَتاعِنا (2)و لكنّه قابل للتأمّل كما هو واضح.

و اما الروايات في هذا المجال فكثيرة، كموثقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي بن الحسين عليهم السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أجرى الخيل و جعل سبقها(3)أواقي من فضة»(4)، و صحيحة حفص بن البحتري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انه كان يحضر الرمي و الرهان(5).


1) الأنفال: 60.

2) يوسف: 17.

3) السبق بفتح السين و الباء: العوض المجعول للسابق. و يقال له: الخطر - بفتح الحاء و الطاء - أيضا. و السبق بفتح السين و سكون الباء: مصدر بمعنى المعاملة المتقدمة. و الأواقي: جمع أوقية.

4) وسائل الشيعة 345:13 الباب 1 من أحكام السبق و الرماية الحديث 10.

5) وسائل الشيعة 348:13 الباب 2 من أحكام السبق و الرماية الحديث 4.

2 - من أحكام السبق و الرماية

اشارة

يعتبر في تحقق السبق و الرماية الايجاب و القبول بكل ما يدل عليهما.

و يصح اجراء هاتين المعاملتين على وسائل القتال الحديثة و لا يختص بما إذا كان على السيف و السهام و الخيل و الابل و ما شاكل ذلك.

و لا يلزم في صحة المسابقة وجود المحلّل، و هو شخص يدخل في المسابقة من دون ان يبذل عوضا و انما يجري فرسه مع المتراهنين على انه ان سبق كان له العوض و ان لم يسبق لم يخسر شيئا(1).

و يجوز في العوض المقرر للسابق - السبق - ان يكون من أحد الطرفين أو من شخص ثالث أجنبي أو من بيت المال.

و العبرة في تحقق السبق على الصدق العرفي الا اذا تمّ‌ الاتفاق على غيره.

و العقد في السبق و الرماية لازم لا يجوز فسخه الا مع اشتراط‍‌ الخيار.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الايجاب و القبول في تحقق السبق و الرماية

فلان ذلك مقتضى كونهما عقدا.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليهما فلإطلاق دليل المشروعية.

2 - و اما ان صحة هاتين المعاملتين لا تنحصر بالوسائل القديمة

فباعتبار ان النصوص و ان اقتصرت عليها، كما في صحيحة حفص عن


1) و انما سمي بالمحلل لان القائل باشتراط‍‌ وجوده في صحة المسابقة يرى ان وجوده محلل لها و عدمه محرّم لها.

أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا سبق الا في خف أو حافر أو نصل»(1)

قيل: بان الخف إشارة إلى الابل و الفيلة، و النصل إشارة إلى السهم و السيف و الحربة، و الحافر إشارة إلى الفرس و البغل و الحمار.

الا ان تخصيصها بالذكر هو من جهة كونها الوسائل الحربية المتداولة تلك الفترة و لا ينبغي فهم الخصوصية لها. كيف و هل يحتمل انتهاء فترة تشريع المسابقة و الرماية و عدم امتداده لمثل زماننا أو هل يحتمل ان التشريع ممتدّ مع لزوم الاقتصار على الوسائل القديمة‌؟! كلا، لا يحتمل هذا و لا ذاك. و بطلان الاحتمالين يساوق الحكم بعموم النتيجة(2).
3 - و اما المحلّل فقد قيل باشتراط‍‌ وجوده في حلية العقد.

و نسب ذلك إلى ابن الجنيد استنادا منه الى خبر لا يوجد في كتبنا(3).

و المناسب عدم اعتبار وجوده في صحّة العقد تمسّكا باطلاق دليل المشروعية.

4 - و اما جواز ان يكون السبق من أجنبي أو بيت المال أو

المتراهنين

فلإطلاق دليل المشروعية.

5 - و اما ان العبرة في تحقق السبق على الصدق العرفي

فلكونه


1) وسائل الشيعة 348:13 الباب 3 من أحكام السبق و الرماية الحديث 1.

2) و لعل المورد المذكور يمكن عدّه مصداقا من مصاديق تأثير عنصر الزمان في عملية الاجتهاد الذي قد يفهم من بعض كلمات المحقق الأردبيلي في مبحث الصلاة من كتابه مجمع الفائدة و البرهان 436:3 - حيث قال: «و لا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الاحكام باعتبار الخصوصيات و الاحوال و الازمان و الامكنة و الاشخاص، و هو ظاهر. و باستخراج هذه الاختلافات و الانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف امتياز اهل العلم و الفقهاء شكر اللّه سعيهم و رفع درجاتهم» - و اكّده بعض الاعلام من المتأخرين في صحيفة النور 98:21.

3) جواهر الكلام 226:28.

المقصود للمتعاقدين حينما تعاقدا على ثبوت العوض للسابق.

6 - و اما ان السبق و الرماية عقدان لازمان

فلكون ذلك مقتضى اصالة اللزوم في مطلق العقود.

أجل بناء على كونهما من مصاديق الجعالة دون العقد ينبغي الحكم بجوازهما لكون الجعالة من المعاملات الجائزة كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

كتاب النّكاح

اشارة

1 - النكاح و بعض أحكامه

2 - ولاية الأبوين

3 - أحكام النظر

4 - من يحرم العقد عليها

5 - الزواج المؤقت

6 - أحكام النفقة

7 - أحكام القسمة

1 - النكاح و بعض أحكامه

اشارة

النكاح عقد يتضمن إنشاء علقة الزوجية الخاصة. و هو دائم و منقطع و ملك يمين.

و يتحقق الدائم بقول الزوجة للزوج: زوجتك نفسي على كذا و قول الزوج بعد ذلك: قبلت الزواج على كذا.

و المنقطع بقولها: متعتك نفسي على كذا و لمدة كذا و قول الزوج بعد ذلك:

قبلت التمتع على كذا و لمدّة كذا.

و يلزم في الايجاب و القبول ان يكونا لفظيين.

كما يلزم في الايجاب ان يكون بلفظ‍‌ الزواج أو النكاح.

و في تحقق الزواج الدائم بلفظ‍‌ التمتع اشكال.

و المشهور اعتبار العربية و الماضوية في اجراء العقد.

و لا يلزم في الايجاب تقدمه على القبول بل يجوز ان يكون الايجاب من الزوج و القبول من الزوجة و ان كان الاحتياط‍‌ أمرا لا ينبغي الحياد عنه.

و ليس من اللازم على الزوجين مباشرة العقد بأنفسهما بل يجوز لهما

التوكيل في ذلك.

و لا مانع من كون الوكيل واحدا عن الطرفين، بل يجوز ان يكون الزوج وكيلا عن الزوجة فيجري الايجاب بالوكالة و القبول بالاصالة، كما يجوز ان تكون هي وكيلة عنه فتوجب بالاصالة و تقبل بالوكالة.

و إذا لم يباشر الزوجان العقد و أوكلاه إلى الغير فلا يجوز لهما الاستمتاع الجنسي بما في ذلك النظر الا بعد الاطمئنان باجراء الوكيل للعقد.

و لا يعتبر في صحة النكاح عندنا الاشهاد.

و يلزم في صحة نكاح البكر مضافا إلى موافقتها موافقة وليها، و هو أبوها أو جدها لأبيها. و اما الثيب فتكفي موافقتها.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان النكاح هو العقد المذكور و ليس الوط‍‌ء

فهو المشهور.

و يشهد له الكتاب العزيز، فانه لم يعهد فيه استعمال لفظ‍‌ النكاح في الوط‍‌ء.

و اما انقسامه الى الاقسام الثلاثة فهو من ضروريات المذهب بل الدين. و يأتي بيان الدليل على شرعية النكاح المنقطع فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

2 - و اما تحقق العقد الدائم و المنقطع بالصيغة المتقدمة

فهو محل وفاق بل هو القدر المتيقن من الصيغة الصحيحة التي يقع بها العقد.

3 - و اما اعتبار الايجاب و القبول اللفظيين و عدم الاكتفاء

بالتراضي

فقد ادعي في الحدائق اجماع العامة و الخاصة عليه(1).


1) الحدائق الناضرة 18:23.

و قد يستدل على ذلك بانه:

أ - لو لا ذلك لم يبق فارق بين النكاح و السفاح.

و التأمل فيه واضح، فان الفارق ثابت بقطع النظر عن ذلك، و هو انه في النكاح يوجد اعتبار للزوجية بخلافه في السفاح.

ب - و بما ورد في تعليم صيغة النكاح المنقطع، فقد روى ابان بن تغلب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول:

أتزوجك متعة على كتاب اللّه و سنة نبيه لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما و ان شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما، و تسمي من الاجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فاذا قالت: نعم فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها»(1)و غيرها.

و هي و ان كانت واردة في النكاح المنقطع الا انه لا يحتمل ثبوت الخصوصية له.

و دلالتها واضحة، فانها ظاهرة في ارتكاز المفروغية من اعتبار الصيغة في ذهن ابان و السؤال وقع بلحاظ‍‌ بعض الخصوصيات.

على ان قوله عليه السّلام في الذيل: «فاذا قالت: نعم فقد رضيت و هي امرأتك» يدل بالمفهوم على عدم تحقق الزوجية من دون قول الزوجة نعم بعد قول الزوج لها أتزوجك متعة...

هذان وجهان لاعتبار الصيغة.

و لعل الأجدر الاستدلال على ذلك بارتكاز اعتبار الصيغة في تحقق النكاح في اذهان جميع المتشرعة الصغير منهم و الكبير و الرجل1.


1) وسائل الشيعة 466:18 الباب 14 من أبواب المتعة الحديث 1.

و المرأة و العالم و الجاهل، و لا منشأ لذلك سوى الوصول من المعصوم عليه السّلام يدا بيد.

4 - و اما تحقق عقد النكاح بلفظ‍‌ الزواج و النكاح

فمما لا إشكال فيه.

و يدل على انعقاده بلفظ‍‌ الزواج قوله تعالى: فَلَمّا قَضى‌ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها (1)و حديث ابان المتقدم و غيره.

و على انعقاده بلفظ‍‌ النكاح قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ‌ آباؤُكُمْ‌ مِنَ‌ النِّساءِ (2)و غيره من الاستعمالات القرآنية المعبرة بلفظ‍‌ النكاح.

5 - و اما الاشكال في تحقق الزواج الدائم بلفظ‍‌ التمتع

فباعتبار انه لم يرد في شيء من النصوص الشرعية التعبير عن الدائم بلفظ‍‌ التمتع ليحكم بصحة الانشاء به، و من الواضح انه لا تصح الاستعانة بكل لفظ‍‌ بل لا بدّ من الاقتصار على ما تداول التعبير به شرعا أو عرفا.

و اذا قيل: يمكن التمسك بالنصوص الدالة على انقلاب العقد المنقطع دائما اذا لم يذكر الاجل نسيانا.

قلنا: لو كان لدينا نص بالمضمون المذكور بحيث يكون ناظرا إلى حالة النسيان لأمكن التمسك به و يثبت المطلوب و لكن ليس لدينا نص كذلك بل الوارد في مثل موثقة عبد اللّه بن بكير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان سمى الاجل فهو متعة و ان لم يسم الاجل فهو نكاح بات»(3)، و القدر المتيقن من ذلك هو ان الصيغة اذا كان يمكن ان يقع بها العقد دائما


1) الاحزاب: 37.

2) النساء: 22.

3) وسائل الشيعة 469:14 الباب 20 من ابواب المتعة الحديث 1.

و منقطعا - كصيغة زوجت و انكحت - فبذكر الاجل يقع العقد مؤقتا و بعدمه يقع دائما و لا يمكن ان يستفاد منه ان العقد ينقلب دائما مهما كانت الصيغة و لو مثل متعت، فانه ليس في مقام البيان من هذه الناحية و الا يلزم صحة التمسك به لإثبات تحقق عقد النكاح بأي صيغة كانت حتى مثل صيغة اتخذتك بعلا او فراشا او لباسا.

6 - و اما اعتبار العربية في صيغة العقد

فقد يستدل له:

تارة بعدم صدق العقد إذا لم يكن بالعربية.

و اخرى بان القدر المتيقن من العقد الصحيح هو العقد بالعربية، و تحققه بغيرها يحتاج إلى دليل، و هو مفقود، و الاصل يقتضي عدم ترتب الأثر.

و كلاهما كما ترى.

اما الاول فواضح.

و اما الثاني فلعدم احتمال منع الشارع من الزواج إذا لم يتمكن الزوجان من النطق بالعربية.

هذا مضافا إلى ان المستفاد من قوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‌ مِنْكُمْ‌... (1)مطلوبية عنوان النكاح من دون قيد زائد، و حيث ان العقد بغير العربية يصدق عليه عنوان النكاح فيكون مشروعا و ممضيا.

ثم ان التفصيل بين امكان توكيلهما شخصا يعقد بالعربية فلا يجوز لهما العقد بغير العربية و بين عدم الامكان فيجوز لهما ذلك، بعيد لعدم امكان تتميمه بالدليل.


1) النور: 32.

أجل الاحتياط‍‌ بالاقتصار على حالة عدم امكان التوكيل أمر مناسب بل لازم.

7 - و اما اعتبار الماضوية

فقد يستدل له:

تارة بكون العقد بالماضي هو القدر المتيقن من العقد الصحيح، و غيره مشكوك فتجري بلحاظه اصالة عدم ترتب الاثر.

و اخرى بأن الماضي صريح في الانشاء بخلاف غيره.

و ثالثة بان تجويز غير الماضي يؤدي إلى انتشار الصيغة و عدم وقوفها عند حدّ معين.

و الجواب:

امّا عن الاخير فبان انتشار الصيغة و عدم وقوفها عند حدّ لا يشكّل محذورا.

و اما عن الاولين فبما تقدم من ان المستفاد من الكتاب العزيز مطلوبية كل ما يصدق عليه عنوان النكاح من دون قيد زائد، و حيث ان الانشاء بغير الماضي يصدق عليه عنوان النكاح فيكون مشروعا.

هذا مضافا إلى ما تقدم في روايات النكاح المنقطع من انه يقول:

أتزوجك...

8 - و اما عدم اعتبار تقدم الايجاب

فلصدق عنوان النكاح بدون ذلك، و المستفاد من الكتاب العزيز مطلوبية عنوان النكاح لا أكثر.

بل جواز ذلك يستفاد بوضوح من روايات المتعة التي تقدمت الاشارة إلى بعضها.

و من خلال هذا يتضح الوجه في جواز كون الايجاب من الزوج و القبول من الزوجة.

9 - و اما الاكتفاء بالتوكيل

فلإطلاق دليل مشروعية الوكالة - الذي تقدمت الاشارة إليه عند البحث عن الوكالة - و الروايات الخاصة، كصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«رجل يريد ان يزوّج اخته... فان قالت: زوّجني فلانا زوّجها ممن ترضى»(1)و غيرها.

و على هذا يكفي ان يقول وكيل الزوجة لوكيل الزوج: زوجت موكلتي فلانة موكلك فلانا على مهر كذا، ثم يقول وكيل الزوج: قبلت الزواج عن موكلي على المهر المذكور.

و إذا كانت الزوجة قد وكلت فقط‍‌ كفى ان يقول وكيلها للزوج:

زوجتك موكلتي على مهر كذا ثم يقول الزوج: قبلت الزواج على المهر المذكور.

و إذا كان الزوج قد وكّل فقط‍‌ كفى ان تقول الزوجة لوكيل الزوج:

زوجت نفسي موكلك على مهر كذا، ثم يقول وكيل الزوج: قبلت الزواج عن موكلي على المهر المذكور.

10 - و اما جواز تولي شخص واحد طرفي العقد

فلعدم المانع منه بعد شمول اطلاق ادلة مشروعية الوكالة له.

و اتحاد الموجب و القابل لا محذور فيه بعد كفاية المغايرة الاعتبارية.

و منه يتضح الوجه في جواز تولي الزوج أو الزوجة كلا طرفي العقد.


1) وسائل الشيعة 211:14 الباب 7 من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

ان قلت: ان موثقة عمار الساباطي عن أبي الحسن عليه السّلام: «امرأة تكون في أهل بيت فتكره ان يعلم بها اهل بيتها أ يحل لها ان توكّل رجلا يريد ان يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي‌؟ قال: لا. قلت له: جعلت فداك و ان كانت ايّما قال: و ان كانت ايّما. قلت: فان وكّلت غيره بتزويجها منه، قال: نعم»(1)تدل على عدم جواز تولي الزوج كلا طرفي العقد.

قلت: هي أجنبية عن ذلك، فانها ناظرة إلى ان الزوج إذا كان وكيلا فلا يصلح ان يكون شاهدا بل الشاهد لا بدّ من كونه مغايرا للوكيل في التزويج.

11 - و اما عدم جواز الاستمتاع للزوجين إلاّ بعد التأكّد من اجراء

الوكيل للعقد

فلاستصحاب عدم تحققه.

12 - و اما عدم اعتبار الاشهاد في النكاح

فيكفي لإثباته عدم الدليل على اعتباره فيتمسك آنذاك باطلاق ادلة صحة النكاح. على انه قد قام الدليل على عدم اعتبار ذلك حتى اصبح ذلك من معالم مذهبنا.

و في الحديث ان الامام الكاظم عليه السّلام قال لأبي يوسف القاضي: «ان اللّه امر في كتابه بالطلاق و أكّد فيه بشاهدين و لم يرض بهما الا عدلين و أمر في كتابه بالتزويج فاهمله بلا شهود فاثبتم شاهدين فيما اهمل و أبطلتم الشاهدين فيما اكّد»(2).

13 - و اما توقف صحة نكاح البكر على موافقتها و موافقة وليّها

بخلاف الثيب

فيأتي بيان الوجه فيه إن شاء اللّه تعالى في البحث التالي.


1) وسائل الشيعة 217:14 الباب 10 من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 68:14 الباب 43 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5.

2 - ولاية الابوين

اشارة

للأب و الجد للأب الولاية على الصغيرين في تزويجهما، و على المجنون البالغ المتصل جنونه ببلوغه. بل قيل بثبوتها عليه في حالة الانفصال أيضا.

و في ثبوت الولاية لهما على البكر البالغة خلاف، بخلاف الثيب فانه لا خلاف في استقلالها في أمرها.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت الولاية للأب و الجد

فلم ينسب فيه خلاف لأحد - سوى ابن أبي عقيل حيث نسب له انكار الولاية للجد(1)- للروايات الكثيرة، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «الصبي يتزوج الصبية يتوارثان‌؟ فقال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم. قلت:

فهل يجوز طلاق الاب‌؟ قال: لا»(2)و غيرها.

و لعل انكار ابن ابي عقيل ولاية الجد ناشئ من اقتصار الرواية المذكورة و غيرها على خصوص الاب.

و لكنه يندفع بكون الجد مصداقا للأب، و بالروايات الاخرى الدالة على ان الجد و الاب لو تزاحما في اعمال الولاية قدّم الجد، كصحيحة محمد بن مسلم الاخرى عن أحدهما عليهما السّلام: «اذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضا ان يزوجها. فقلت: فان هوى ابوها رجلا


1) جواهر الكلام 171:29.

2) وسائل الشيعة 220:14 الباب 12 من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

وجدها رجلا فقال: الجد أولى بنكاحها»(1)و غيرها.

2 - و اما اختصاص الولاية بالجد للأب دون ما لو كان للأمّ‌

فتدل عليه - مضافا إلى كفاية القصور في المقتضي - صحيحة ابن مسلم المتقدمة، فانها ظاهرة في اختصاص الولاية بالجد للأب.

3 - و اما ولاية الاب و الجد على المجنون

فلصحيحة أبي خالد القماط‍‌: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل الاحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه‌؟ قال: و لم لا يطلق هو؟ قلت: لا يؤمن إن طلّق هو ان يقول غدا:

لم أطلق أو لا يحسن ان يطلّق قال: ما أرى وليّه الا بمنزلة السلطان»(2)و غيرها، فان القدر المتيقن في المراد من الولي هو الاب و الجد. و إذا ثبت كونه بمنزلة السلطان في الطلاق ثبت كونه كذلك في النكاح بالاولوية.

و بقطع النظر عن الصحيحة المذكورة يمكن التمسك باستصحاب الولاية الثابتة قبل البلوغ بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و عدم معارضة استصحاب بقاء المجعول باستصحاب عدم الجعل الزائد.

4 - و اما القول بعموم الولاية لحالة الجنون الطارئ بعد البلوغ

الذي ذهب إليه بعض الفقهاء

فيمكن الاستدلال له باطلاق الصحيحة السابقة و ما هو بمضمونها.

5 - و اما ولاية الابوين في زواج البكر
اشارة

فقد وقعت محلا للاختلاف، فقيل باستقلالهما في ذلك، و قيل باستقلالها، و قيل بالتشريك.

و منشأ ذلك اختلاف الروايات، فانها على طوائف نذكر من بينها:
اشارة


1) وسائل الشيعة 217:14 الباب 11 من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 329:15 الباب 35 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

1 - ما دلّ‌ على استقلال الاب.

و هو روايات متعددة تبلغ ستا أو اكثر و فيها الصحاح، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء أ لها مع أبيها أمر؟ فقال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيّب»(1)و غيرها.

2 - ما دلّ‌ على اعتبار اذن الاب من دون دلالة على الاستقلالية،

و هو روايات متعددة تبلغ ستا أو أكثر و فيها الصحاح أيضا، كصحيحة ابن ابي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تنكح ذوات الآباء من الابكار الا باذن آبائهن»(2)و غيرها.

3 - ما دلّ‌ على اعتبار اذن البكر و عدم استقلال الاب

، و هو روايتان:

احداهما: صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «تستأمر البكر و غيرها و لا تنكح الا بامرها»(3).

ثانيتهما: صحيحة صفوان: «استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر عليه السّلام في تزويج ابنته لابن أخيه فقال: افعل و يكون ذلك برضاها، فان لها في نفسها نصيبا. قال: و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر عليه السّلام في تزويج ابنته علي بن جعفر فقال: افعل و يكون ذلك برضاها فان لها في نفسها حظّا»(4).

4 - ما دلّ‌ على استقلال البكر في امرها.

و لا توجد رواية صريحة


1) وسائل الشيعة 203:14 الباب 3 من أبواب عقد النكاح الحديث 11.

2) وسائل الشيعة 208:14 الباب 6 من أبواب عقد النكاح الحديث 5.

3) وسائل الشيعة 214:14 الباب 9 من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 214:14 الباب 9 من أبواب عقد النكاح الحديث 2.

تدل على ذلك سوى رواية سعدان بن مسلم: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير اذن أبيها»(1).

و لا بدّ من اسقاط‍‌ هذه الرواية من الحساب لان الروايات الدالة على اعتبار اذن الاب استقلالا أو في الجملة هي الجملة هي اثنتا عشرة رواية بل أكثر، و لكثرتها تشكّل عنوان السنة القطعية، و يلزم طرح المخالف للسنة القطعية لان المخالف للكتاب العزيز انما وجب طرحه من جهة انه - الكتاب العزيز - يمثّل حكما قطعيا و ليس لخصوصية فيه، و المخالف للسنة القطعية حيث انه مخالف للحكم القطعي فيلزم طرحه أيضا.

هذا مضافا إلى ان الرواية ضعيفة السند في نفسها لا فقط‍‌ لان سعدان لم تثبت وثاقته الا بناء على تمامية كبرى وثاقة كل من ورد في كامل الزيارات أو تفسير القمي بل اضافة إلى ذلك هي مبتلاة بالاشكال من ناحية اخرى، فان الشيخ رواها مرّة بسنده إلى محمد بن علي بن محبوب عن العباس عن سعدان قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام... و اخرى رواها عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العباس عن سعدان عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام...(2)، و بما ان من البعيد سماع سعدان الرواية من الامام عليه السّلام مرتين فلا يمكن الجزم بعدم وجود واسطة مجهولة بين سعدان و الامام عليه السّلام فتسقط‍‌ من الاعتبار.

و عليه فالأمر يبقى دائرا بين الطوائف الثلاث الأول.

و الجميع يشترك في الدلالة على اعتبار اذن الاب في الجملة، و لا معارضة فيما بينها من هذه الناحية، و انما المعارضة بلحاظ‍‌ الزائد،8.


1) وسائل الشيعة 214:14 الباب 9 من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 459:14 الباب 11 من أبواب المتعة الحديث 8.

و هو اعتبار موافقتها أيضا، و تتساقط‍‌ بلحاظ‍‌ هذا الزائد و يلزم الرجوع إلى الأصل. و النتيجة على ذلك اعتبار موافقة الطرفين: الأب، و البنت.

اما الأب فلفرض دلالة الروايات على اعتبار اذنه بلا معارضة.

و اما البنت فباعتبار اننا نشك في ترتب الاثر على العقد من دون موافقتها، و الاصل يقتضي عدم ترتبه.

5 - و اما ان المعتبر اذن ابيها أو جدّها

فباعتبار ان الجد للأب أب حقيقة فيشمله ما دلّ‌ على اعتبار اذن الأب.

6 - و اما ان الثيب تستقل في امرها

فالنصوص و الفتاوى متفقة عليه. و قد تقدمت الاشارة إلى بعض تلك النصوص ضمن الحديث عن البكر.

3 - أحكام النظر

اشارة

لا يجوز للرجل النظر إلى بدن الاجنبية و لو من دون تلذذ. و استثنى جمع من الفقهاء من ذلك الوجه و الكفين.

و في جواز نظر المرأة إلى الرجل خلاف.

و يجوز لكل من الرجل و المرأة النظر إلى بدن مماثله ما عدا العورة.

و يستثنى من حرمة النظر إلى الاجنبية مقام المعالجة و حالة الضرورة كالإنقاذ من الغرق أو الحرق و نحوهما فانه يجوز النظر بل اللمس أيضا.

كما يستثنى النظر إلى القواعد من النساء و الصبية غير البالغة.

و لا يلزم المرأة التحجب من الصبي غير البالغ و ان كان ذلك أفضل.

و يجوز لمن أراد التزوّج بامرأة النظر إلى وجهها و كفيها و شعرها

و محاسنها.

و في نظر المرأة إلى من تريد الزواج به قول بالجواز.

و يجوز النظر إلى غير المسلمة و كل امرأة لا تنتهي إذا نهيت بشرط‍‌ عدم التلذذ.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة النظر إلى بدن الاجنبية في الجملة و لو لم يكن بتلذذ

فهو من واضحات الفقه. و يمكن استفادته من قوله تعالى: وَ لْيَضْرِبْنَ‌ بِخُمُرِهِنَّ‌ عَلى‌ جُيُوبِهِنَّ‌ (1) ، و الروايات الآتية التي تستثني الوجه و الكفين من حرمة الابداء، و غير ذلك من الروايات الواردة في الموارد المتفرقة.

بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: وَ لا يُبْدِينَ‌ زِينَتَهُنَّ‌ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ‌ أَوْ... (2)، فان حرمة الابداء امام الغير تستلزم حرمة نظره عرفا. و المراد بالزينة ان كان مواضعها فالأمر واضح، و ان كان نفسها فحرمة ابدائها تستلزم حرمة ابداء موضعها بالاولوية العرفية.

و اما الاستدلال بقوله تعالى: قُلْ‌ لِلْمُؤْمِنِينَ‌ يَغُضُّوا مِنْ‌ أَبْصارِهِمْ‌... (1)فقابل للتأمّل لان غض البصر ليس بمعنى تركه رأسا بل بمعنى عدم الطمع في الشيء و جعله مغفولا عنه.

على انه قد يقال: بان المراد غضّ‌ البصر عن خصوص الفروج بقرينة السياق.

2 - و اما استثناء الوجه و الكفين لدى جمع من الفقهاء

فلعدّة وجوه


1) النور: 30.

نذكر منها:

أ - التمسك بصحيحة الفضيل: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه: وَ لا يُبْدِينَ‌ زِينَتَهُنَّ‌ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ‌ ؟ قال: نعم، و ما دون الخمار من الزينة و ما دون السوارين»(1)، فان الوجه لا يستره الخمار، و الكف فوق السوار لا دونه فتكون الصحيحة دالة على جواز ابدائهما.

الا ان الاستدلال بها يحتاج إلى ضم مقدمة اخرى، و هي ان جواز الابداء يستلزم جواز نظر الغير، و قد ترفض الملازمة المذكورة، و لذا يجوز للرجل عدم ستر بدنه من دون استلزام ذلك لجواز نظر المرأة اليه.

ب - التمسك برواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل: إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال: الزينة الظاهرة: الكحل و الخاتم(2).

و دلالتها على جواز ابداء الوجه و الكفين في الجملة واضحة.

الا انه يرد عليها ما يرد على الصحيحة السابقة. مضافا الى اشتمال سندها على القاسم بن عروة الذي لم تثبت وثاقته.

ج - التمسك بقوله تعالى: وَ لْيَضْرِبْنَ‌ بِخُمُرِهِنَّ‌ عَلى‌ جُيُوبِهِنَّ‌ ، فان تخصيص الجيوب بوجوب الستر يدل على عدم وجوب ستر الوجه و الا كان اولى بالذكر من الجيب لان الخمار لا يستر الوجه عادة بل الجيب.

و دلالتها لا تتم الا بضم الملازمة السابقة.3.


1) وسائل الشيعة 145:14 الباب 109 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 146:14 الباب 109 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

د - التمسك بصحيحة ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر عليه السّلام:

«سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها اما كسر و اما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه يكون الرجل ارفق بعلاجه من النساء أ يصلح له النظر إليها؟ قال: إذا اضطرت إليه فليعالجها ان شاءت»(1)، فانها تدل بوضوح على ان بعض جسد المرأة يصلح النظر إليه، و حيث لا يحتمل انحصاره بغير الوجه و الكفين فيكونان القدر المتيقن للموضع الذي يجوز النظر إليه.

هذه وجوه أربعة لاستثناء الوجه و الكفين من حرمة النظر.

و قد اتضح ان الملازمة المتقدمة ان لم تتم فلا بدّ من التفصيل بين الابداء من قبل المرأة فيجوز و بين نظر الأجنبي فلا يجوز. أجل إذا تمت دلالة صحيحة الثمالي فيمكن ان يستفاد منها جواز النظر أيضا.

هذا و يمكن ان يقال: ان غاية ما يقتضيه انكار الملازمة فقدان الدليل على جواز نظر الرجل الا ان هذا وحده لا يكفي للحكم بحرمته إذا لم يكن لدليل حرمة النظر إلى بدن الاجنبية اطلاق يشمل الوجه و الكفين لإمكان التمسك آنذاك بأصل البراءة.

و قد يتمسك لإثبات حرمة النظر بما يأتي من الروايات الدالة على جواز النظر لمريد التزوج إلى وجه و كفي المرأة، فانه يدل على عدم جواز النظر في غير حالة ارادة التزوج.

أو بصحيحة محمد بن الحسن الصفار: «كتبت إلى الفقيه عليه السّلام في1.


1) وسائل الشيعة 172:14 الباب 130 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

رجل أراد ان يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له ان يشهد عليها و هي من وراء الستر و يسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان انها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها أو لا يجوز له الشهادة عليها حتى تبرز و يثبتها بعينها؟ فوقع عليه السّلام: تتنقب و تظهر للشهود ان شاء اللّه»(1)، فانها تدل على عدم جواز النظر إلى وجه المرأة لو لا الحاجة إلى ذلك للشهادة و الا لم يكن حاجة للأمر بالتنقب.

و اما ما دل على ان النظر سهم من سهام ابليس و انه زنا العين(2)فلا دلالة له على التحريم كما هو واضح.

و من خلال هذا يتضح ان القائل بجواز النظر لا بدّ له اما من دعوى القصور في المقتضي لحرمة النظر أو دعوى الملازمة العرفية بين جواز الابداء و جواز النظر.

3 - و اما نظر المرأة إلى الرجل

فقد ادعي الاجماع على مساواته لنظر الرجل في محل المنع و الجواز.

و فيه: ان الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام لم يتضح ثبوته، بل السيرة القطعية للمتشرعة المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام على خلاف ذلك، فالرجال يخرجون و رءوسهم و أعناقهم مكشوفة، و النساء يختلطن معهم في الازقة و الأسواق فلو كان نظر المرأة إلى ما تعارف للرجل كشفه حين خروجه من بيته محرّما لزم القول اما بوجوب تستر الرجال أو عدم جواز الاختلاط‍‌ أو جواز الاختلاط‍‌ و التحدث مع حرمة النظر. و الكل غير محتمل.


1) تهذيب الاحكام 255:6.

2) وسائل الشيعة 138:14 الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح.

و بهذا يثبت جواز نظر النساء إلى ما تعارف للرجال ابرازه.

و قد يستدل على الجواز - مضافا إلى ما تقدم - بعدم وجود روايات يسأل فيها الاصحاب عن حكم نظر النساء إلى الرجال.

و السبب في ذلك يعود اما إلى وضوح الحرمة لديهم أو الشك في ذلك أو وضوح الجواز. و المتعين هو الاخير، لبطلان الاول لعدم احتمال أوضحية حرمة نظر النساء إلى الرجال من حرمة نظر الرجال إلى النساء، و الثاني لان المناسب له صدور السؤال من الأصحاب.

و في مقابل هذا قد يستدل على الحرمة:

اما بقوله تعالى: وَ قُلْ‌ لِلْمُؤْمِناتِ‌ يَغْضُضْنَ‌ مِنْ‌ أَبْصارِهِنَّ‌... (1).

أو بما رواه أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي: «استأذن ابن أم مكتوم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و عنده عائشة و حفصة فقال لهما: قوما فادخلا البيت فقالتا: انه أعمى فقال: ان لم يركما فانكما تريانه»(2).

أو بما رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «ان فاطمة قالت له في حديث: خير للنساء ان لا يرين الرجال و لا يراهن الرجال فقال صلّى اللّه عليه و آله: فاطمة مني»(3).

أو بما رواه الطبرسي أيضا عن أم سلمة قالت: «كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم و ذلك بعد ان أمر بالحجاب فقال: احتجبا فقلنا يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أ ليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال:3.


1) النور: 31.

2) وسائل الشيعة 171:14 الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 172:14 الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

أ فعمياوان انتما أ لستما تبصرانه»(1).

و الكل كما ترى.

اما الاول فلما تقدم من عدم مساوقة غضّ‌ البصر لترك النظر رأسا.

و اما الثاني فلأنه على تقدير تمامية دلالته على التحريم هو ضعيف السند بالارسال لبعد عصر البرقي عن عصر النبي صلّى اللّه عليه و آله.

و اما الاخيران فلضعفهما بالارسال على تقدير تمامية دلالتهما.

4 - و اما جواز النظر إلى بدن المماثل ما عدا العورة

فهو من الضروريات، و تقتضيه سيرة المسلمين، و روايات باب الحمام الناهية عن دخول الحمام الا بمئزر(2).

بل لا حاجة إلى دليل على الجواز بعد كونه مقتضى الاصل الذي خرج منه خصوص النظر الى العورة بالدليل الشرعي، كصحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه»(3)و غيرها.

5 - و اما استثناء مقام المعالجة

فلصحيحة الثمالي المتقدمة.

و اما قاعدة نفي الضرر و قوله عليه السّلام: «و ليس شيء مما حرّم اللّه الا و قد أحلّه لمن اضطر إليه»(4)فيدلان على جواز تكشف المرأة لدى الاجنبي و لا يدلان على جواز نظر الطبيب، فانه ليس مضطرا و لا متضررا.


1) وسائل الشيعة 172:14 الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 367:1 الباب 9 من أبواب آداب الحمام.

3) وسائل الشيعة 363:1 الباب 3 من أبواب آداب الحمام الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 690:4 الباب 1 من أبواب القيام الحديث 7.

ان قلت: ان اثبات الجواز في حق المرأة دون الطبيب المعالج تلزم منه اللغوية.

قلت: انها تلزم لو كان الدليل على جواز تكشف المرأة دليلا خاصا دون ما لو كان اطلاقا، كما هو المفروض في المقام، إذ لا يلزم الغاء الدليل رأسا بل الغاء اطلاقه، و هو لا محذور فيه.

6 - و اما استثناء حالة الضرورة

فلدخول المورد تحت باب التزاحم المقتضي لتقديم الأهم.

و منه يتضح ان الحكم بالجواز يعمّ‌ كل حالة مزاحمة تكون مراعاتها أهم في نظر الشارع من مراعاة حرمة النظر أو اللمس.

7 - و اما استثناء النظر إلى القواعد من النساء

فلقوله تعالى:

وَ الْقَواعِدُ مِنَ‌ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ‌ نِكاحاً فَلَيْسَ‌ عَلَيْهِنَّ‌ جُناحٌ‌ أَنْ‌ يَضَعْنَ‌ ثِيابَهُنَّ‌ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ‌ بِزِينَةٍ‌ وَ أَنْ‌ يَسْتَعْفِفْنَ‌ خَيْرٌ لَهُنَّ‌ (1).

8 - و اما جواز النظر إلى الصبية غير البالغة

فللقصور في المقتضي، فان حرمة النظر ان كانت مستفادة من الضرورة الفقهية فالقدر المتيقن منها النظر إلى البالغة. و ان كانت مستفادة من آية حرمة ابداء الزينة فهي خاصة بالبالغة أيضا. و ان كانت مستفادة مما دلّ‌ على استثناء الوجه و الكفين من حرمة الابداء فهو خاص بالبالغة أيضا.

و اما ما دلّ‌ على ان النظر سهم من سهام ابليس فقد تقدم قصور دلالته عن افادة حرمة النظر.

9 - و اما تكشف المرأة لدى غير البالغ

فمقتضى المفهوم في قوله


1) النور: 60.

تعالى: وَ لا يُبْدِينَ‌ زِينَتَهُنَّ‌ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ‌ ... أَوِ الطِّفْلِ‌ الَّذِينَ‌ لَمْ‌ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ‌ النِّساءِ (1)عدم جوازه الا ان مقتضى صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السّلام: «يؤخذ الغلام بالصلاة و هو ابن سبع سنين. و لا تغطّي المرأة شعرها منه حتى يحتلم(2)الجواز. و لا بدّ من تقييد اطلاق مفهوم الآية الكريمة بها.

10 - و اما جواز النظر إلى المرأة التي يراد التزوج بها

فهو محل وفاق في الجملة لجملة من النصوص، كصحيح هشام بن سالم و حماد بن عثمان و حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بان ينظر الى وجهها و معاصمها إذا أراد ان يتزوجها»(3)

و المعاصم: جمع معصم، و هو موضع السوار من الساعد.

، و موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السّلام: «رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد ان يتزوجها قال: لا بأس انما هو مستام فان يقض أمر يكون»(4).

و ذهب بعض الفقهاء إلى جواز النظر إلى جميع بدنها ما عدا العورة تمسكا باطلاق بعض الروايات، كصحيحة محمد بن مسلم:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل يريد ان يتزوج المرأة أ ينظر إليها؟ قال:

نعم، انما يشتريها بأغلى الثمن»(5).

و انما استثنيت العورة للتسالم على عدم جواز النظر إليها.

و دعوى الشيخ الاعظم ان تخصيص جواز النظر في صحيحة


1) النور: 31.

2) وسائل الشيعة 169:14 الباب 126 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 59:14 الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 60:14 الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8.

5) وسائل الشيعة 59:14 الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

الفضلاء بالوجه و المعاصم لا يظهر له وجه الا اختصاصهما بجواز النظر فيكون ذلك مقيدا لإطلاق صحيحة ابن مسلم(1)، مدفوعة بان تخصيص ذلك بالذكر لا يوجب صلاحيته لتقييد غيره الا بناء على ثبوت المفهوم للقلب، و هو محل رفض.

11 - و اما نظر المرأة إلى من تريد الزواج به

فقد اختار الشيخ الأعظم جوازه لأنه إذا جاز نظر الرجل إلى من يريد الزواج بها لأنه يبذل أغلى الثمن فيجوز نظر المرأة إليه بالاولى لأنها تبذل أغلى المثمن خصوصا و ان بامكان الرجل التخلص بالطلاق بخلاف المرأة فانها لا تتمكن من ذلك(2).

و فيه: ان بذلها لأغلى المثمن يقتضي جواز معرفتها بالثمن، و هو المهر لا بالزوج، فانه ليس هو الثمن للبضع المبذول.

12 - و اما جواز النظر إلى غير المسلمة

فلموثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا حرمة لنساء أهل الذمة ان ينظر إلى شعورهن و أيديهن»(3).

و التقييد بنساء أهل الذمة لا خصوصية له بل يجوز النظر إلى مطلق غير المسلمة، فان تخصيص نساء أهل الذمة بالذكر هو من باب دفع توهم ان عقد الذمام يمنحهن نحوا من الاحترام.

على انه بقطع النظر عن ذلك يمكن التمسك باطلاق صحيحة عباد بن صهيب: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا بأس بالنظر إلى رءوس أهل


1) كتاب النكاح للشيخ الأعظم: 39.

2) كتاب النكاح: 43.

3) وسائل الشيعة 149:14 الباب 112 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

تهامة و الاعراب و أهل السواد و العلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون»(1)

و المراد من العلوج: الكفار.

.

و منه يتضح جواز النظر إلى كل من لا تنتهي إذا نهيت.

و اما اعتبار عدم التلذذ بالنظر فللتسالم الفقهي عليه، و لولاه كان مقتضى الاطلاق الجواز مطلقا.

4 - من يحرم العقد عليها

اشارة

يحرم على الرجل العقد على مجموعة من النساء.

و منشأ التحريم اما النسب أو السبب.
اشارة

و الحرمة الثابتة بسبب ما ذكر على نحوين: دائمة و مؤقتة.

و المستند في ذلك:

1 - اما النسب

فانه تحرم به سبعة أصناف: الام و ان علت، و البنت و ان سفلت، و الاخت لأب أو لأم أو لهما، و العمة و ان علت، و الخالة و ان علت، و بنت الاخ و ان نزلت، و بنت الاخت و ان نزلت.

قال تعالى: حُرِّمَتْ‌ عَلَيْكُمْ‌ أُمَّهاتُكُمْ‌ وَ بَناتُكُمْ‌ وَ أَخَواتُكُمْ‌ وَ عَمّاتُكُمْ‌ وَ خالاتُكُمْ‌ وَ بَناتُ‌ الْأَخِ‌ وَ بَناتُ‌ الْأُخْتِ‌ (2).

و تعميم التحريم للبنت النازلة ليس الا لصدق عنوان البنت عليها فيشملها اطلاق الآية الكريمة، و هكذا الحال بالنسبة إلى بقية التعميمات المذكورة في بقية الاصناف فانها ليست الا لأجل التمسك بالاطلاق.


1) وسائل الشيعة 149:14 الباب 113 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

2) النساء: 23.

و الحرمة كما لا يخفى ثابتة من الطرفين، فمثل الاصناف السبعة من الرجال يحرم على النساء أيضا، فيحرم الاب و ان علا على البنت، و الولد و ان سفل على الام، و هكذا.

و حرمة الاصناف السبعة بالنسب لا تختص بالنسب الشرعي بل تعم ما يحصل بالزنا أيضا، فيحرم الولد من الزنا على الزانية و امها و اختها و على أم الزاني و اخته و هكذا، فان المراد من الاصناف السبعة المشار إليها في الآية الكريمة هو عناوينها اللغوية و الا فالشريعة لم تأت بمصطلح جديد في هذا المجال، فبنت الرجل مثلا هي من تولدت من مائه سواء كان ذلك بنكاح شرعي أم لا، و أم الابن هي من ولدته سواء كان ذلك بنكاح شرعي أم لا. و الشريعة لا تدخّل لها في هذا المجال سوى انها نفت التوارث في فرض الزنا و الا فبقية الاحكام تترتب تمسكا بالاطلاق بعد عدم تقييد الاصناف السبعة بما إذا كان صدقها من طريق النكاح الشرعي.

و أيضا لا فرق في النسب المتولد من النكاح الشرعي بين ان يكون بسبب العقد أو وط‍‌ء الشبهة، تمسكا بالاطلاق.

2 - و اما السبب

فالمراد به غير النسب من مناشئ التحريم، و هي:

المصاهرة و ما يلحق بها من الرضاع، و الاعتداد، و استيفاء العدد، و الكفر، و الاحرام، و اللعان.

و يأتي الحديث عن المناشئ المذكورة إن شاء اللّه تعالى.

3 - و اما انقسام الحرمة إلى دائمة و مؤقتة

فواضح، فالدائمة كحرمة الاصناف السبعة النسبية مثلا، و المؤقتة كحرمة اخت الزوجة، و بنت الزوجة غير المدخول بها، و المطلقة ثلاثا، و بنت اخ او اخت

الزوجة و غير ذلك.

مناشئ التحريم بالسبب
أ - المصاهرة و ما يلحق بها
اشارة

للمصاهرة و ما بحكمها عدة احكام:

1 - تحرم زوجة كل من الاب و ان علا و الابن و ان نزل على الاخر بمجرد العقد و لو منقطعا، و من دون فرق بين كون الابوة و البنوة بالنسب أو بالرضاع.

2 - تحرم على الزوج أم زوجته و ان علت بمجرد العقد و ابنتها و ان نزلت بشرط‍‌ الدخول بالام سواء كانت في حجره أم لا. اما مع عدم الدخول فتحرم ما دامت الام في عقده.

3 - تحرم على الزوج اخت زوجته جمعا لا عينا.

4 - يحرم على الزوج العقد على بنت اخ او اخت زوجته الا باذنها. و اما العكس فجائز بلا حاجة إلى اذن.

5 - من زنى بخالته حرم عليه العقد على بنتها. و قيل بالحاق العمة بذلك، بل قيل بتعميم الحكم لمطلق المزني بها.

6 - إذا لاط‍‌ البالغ بغلام و تحقق منه الدخول حرمت عليه مؤبدا بنت الملوط‍‌ به و اخته و امه فيما إذا كان اللواط‍‌ سابقا على العقد دون ما لو كان لاحقا.

7 - من تزوّج بذات البعل عالما بذلك حرمت عليه مؤبدا، و مع الجهل تحرم مؤبدا أيضا بشرط‍‌ الدخول بها.

8 - من زنى بذات البعل حرمت عليه مؤبدا لدى المشهور.

9 - إذا زنت المرأة ففي جواز الزواج بها قبل توبتها خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة زوجة كل من الابن و الاب على الآخر

فمما لا خلاف فيها، و هي من ضروريات الفقه بل الدين. و قد دلّ‌ عليها قوله تعالى:

وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ‌ آباؤُكُمْ‌ مِنَ‌ النِّساءِ (1)، وَ حَلائِلُ‌ أَبْنائِكُمُ‌ الَّذِينَ‌ مِنْ‌ أَصْلابِكُمْ‌ (2).

و قد ورد في صحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام: «لو لم تحرم على الناس أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله لقول اللّه عز و جل: وَ ما كانَ‌ لَكُمْ‌ أَنْ‌ تُؤْذُوا رَسُولَ‌ اللّهِ‌ وَ لا أَنْ‌ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ‌ مِنْ‌ بَعْدِهِ‌ أَبَداً... حرمن على الحسن و الحسين بقول اللّه عز و جل: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ‌ آباؤُكُمْ‌ مِنَ‌ النِّساءِ... و لا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جده»(3).

و اما كفاية مجرد العقد و لو من دون دخول أو مع افتراض كونه منقطعا فلإطلاق ما تقدم.

و اما تعميم الحكم للأب و ان علا و الابن و ان نزل فللإطلاق المتقدم، مضافا إلى خصوص صحيحة ابن مسلم المتقدمة الواردة في الجد.

و اما التعميم للرضاع فلقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(4).


1) النساء: 22.

2) النساء: 22.

3) وسائل الشيعة 313:14 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 280:14 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

2 - و اما حرمة أمّ‌ الزوجة مطلقا و بنتها بشرط‍‌ الدخول

فمما لا اشكال فيه لقوله تعالى: حُرِّمَتْ‌ عَلَيْكُمْ‌ ... وَ أُمَّهاتُ‌ نِسائِكُمْ‌ وَ رَبائِبُكُمُ‌ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ‌ مِنْ‌ نِسائِكُمُ‌ اللاّتِي دَخَلْتُمْ‌ بِهِنَّ‌ فَإِنْ‌ لَمْ‌ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ‌ بِهِنَّ‌ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْكُمْ‌ (1).

و مقتضى اطلاق فقرة «و امهات نسائكم» ثبوت حرمة أمّ‌ الزوجة و لو من دون دخول بها بخلاف الربيبة حيث قيدت حرمتها بالدخول بامها.

و احتمال رجوع قيد مِنْ‌ نِسائِكُمُ‌ اللاّتِي... إلى قوله: وَ أُمَّهاتُ‌ نِسائِكُمْ‌ أيضا بعيد جدا لطول الفصل، و لزوم التكرار في كلمة النساء، و لزوم استعمال كلمة «من» في معنيين - إذ على تقدير تعلقها بالربائب تكون نشوية و على تقدير تعلقها بالنساء تكون بيانية - و هو مخالف للظاهر حتى على تقدير فرض امكانه.

3 - و اما التعميم لام الزوجة و ان علت

فللتمسك بالاطلاق.

و اما التعميم لبنت الزوجة و ان نزلت فقد يستشكل استفادته من الآية الكريمة الا ان في اطلاق الروايات كفاية حيث استعانت بكلمة «البنت» مطلقة، كما في موثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه ان عليا عليه السّلام قال: «إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالام فإذا لم يدخل بالام فلا بأس ان يتزوج بالابنة. و إذا تزوج بالابنة فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الام. و قال: الربائب عليكم حرام كنّ‌ في الحجر أو لم يكنّ‌»(2)و غيرها.


1) النساء: 23.

2) وسائل الشيعة 352:14 الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

على ان المسألة متسالم عليها.

و اما التعميم لكون الربيبة في الحجر و عدمه فلان التقييد به في الآية الكريمة لا موضوعية له بل اشارة إلى الحالة الغالبة تنبيها على انها كبنت الزوج حيث تربت في حجره فكيف يتزوج بها.

على ان الموثقة المتقدمة و غيرها قد صرحت بالتعميم، و المسألة متسالم عليها.

4 - و اما عدم جواز العقد على بنت الزوجة ما دام قد فرض العقد

على امها مسبقا و لو من دون دخول بها

فلانه مع العقد عليها - البنت - يصدق على الام عنوان «امهات نسائكم»، و هو يوجب التحريم متى ما صدق بمقتضى اطلاق الآية الكريمة، فالجمع بينهما بنحو يكون عقدهما صحيحا معا غير ممكن فيتعين بطلان احدهما، و حيث ان العقد على الام قد فرض وقوعه صحيحا و انقلابه الى البطلان يحتاج إلى دليل فيتعين بطلان العقد على البنت.

هذا ما تقتضيه القاعدة و ان كان الاحتياط‍‌ يقتضي الحكم ببطلان كلا العقدين و تجديد العقد على الام من جديد. و لو أراد العقد على البنت فعليه بطلاق الام اولا ثم العقد عليها بعد ذلك.

5 - و اما حرمة اخت الزوجة جمعا لا عينا

فلا خلاف فيه بين المسلمين لدلالة صريح الكتاب العزيز: وَ أَنْ‌ تَجْمَعُوا بَيْنَ‌ الْأُخْتَيْنِ‌ (1)على ذلك. و الروايات في المسألة كثيرة(2).


1) النساء: 23.

2) وسائل الشيعة الباب 24 و ما بعده من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

6 - و اما حرمة العقد على بنت اخ او اخت الزوجة الا باذنها و جواز

العكس مطلقا

فلموثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا تزوّج ابنة الاخ و لا ابنة الاخت على العمة و لا على الخالة الا باذنهما، و تزوّج العمة و الخالة على ابنة الاخ و ابنة الاخت بغير اذنهما»(1)و غيرها.

و إذا قيل: قد روى علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام: «سألته عن امرأة تزوج على عمتها و خالتها قال: لا بأس»(2)

و في تهذيب الاحكام 333:7: تزوجت على....

، و هي باطلاقها تدل على الجواز بلا حاجة إلى اذن.

و في مقابلها صحيحة ابي عبيدة: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على اختها من الرضاعة»(3)، و هي تدل على عدم الجواز مطلقا فكيف التوفيق بينهما؟

قلنا: انه بقرينة موثقة محمد بن مسلم المتقدمة يمكن الجمع العرفي بحمل الاولى على فرض الاذن و الثانية على فرض عدمه و ينحل بذلك التعارض.

7 - و اما ان الزنا بالخالة يوجب تحريم بنتها

فهو المشهور لصحيحة محمد بن مسلم: «سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام و انا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع يتزوج ابنتها؟ قال: لا. قلت:

انه لم يكن افضى إليها انما كان شيء دون شيء فقال: لا يصدق


1) وسائل الشيعة 375:14 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 375:14 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 376:14 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 8.

و لا كرامة»(1).

و قد يتوقف في الحكم تارة من جهة متن الرواية و اخرى من جهة سندها.

اما من جهة المتن فلان تكذيب الامام عليه السّلام الفاعل في اخباره مناقشة صغروية لا تتناسب و مقام الامامة و غير لائق به.

و اما من جهة السند فباعتبار ان الشيخ الكليني روى بسنده إلى ابي ايوب عن محمد بن مسلم انه: «سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام و انا جالس عن رجل...(2)في حين ان الشيخ الطوسي روى الرواية نفسها بسنده إلى ابي ايوب ان محمد بن مسلم هو الذي سأل الامام عليه السّلام عن رجل نال...(3).

و كلتا المناقشتين لا وجه لها.

اما الاولى فلاحتمال وجود مصلحة في المناقشة الصغروية قد اطلع عليها الامام عليه السّلام.

و اما الثانية فلان مثل الاختلاف المذكور لا يضر بصحة الرواية.

8 - و اما العمة

فلا نص يدل على الحاقها بالخالة، و الحاقها مبني على عدم القول بالفصل أو الاولوية القطعية. و كلاهما محل تأمّل.

و على هذا فلا تمكن الفتوى بالالحاق و لا بدّ من التنزل الى الاحتياط‍‌ لاحتمال عدم الفصل.

9 - و اما تعميم الحكم بحرمة الزواج ببنت مطلق المزني بها

فتدل


1) وسائل الشيعة 329:14 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

2) المصدر نفسه.

3) وسائل الشيعة 329:14 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

عليه مجموعة من الروايات، كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام:

«سئل عن الرجل يفجر بالمرأة أ يتزوج بابنتها؟ قال: لا»(1)و غيرها.

و في مقابل ذلك مجموعة اخرى تدل على العكس، كصحيحة سعيد بن يسار: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل فجر بامرأة يتزوج ابنتها؟ قال: نعم يا سعيد، ان الحرام لا يفسد الحلال»(2)و غيرها.

و قد يجمع بينهما بحمل الاولى على الكراهة لصراحة الثانية في الجواز.

و هو جيد بناء على قبول الاحكام الوضعية للحمل على الكراهة.

و اما إذا بني على عدم قبولها لذلك تتحقق المعارضة المستقرة و يلزم ترجيح الطائفة المجوّزة لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (3).

و مع التنزل يتساقطان و يتمسك بالاطلاق المذكور كمرجع لا كمرجح. و النتيجة واحدة على جميع التقادير.

10 - و اما ان اللواط‍‌ يوجب تحريم زواج اللائط‍‌ باخت و بنت و ام

الملوط‍‌ به

فلم ينقل في ذلك خلاف بين الاصحاب. و قد دلت على ذلك مرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل يعبث بالغلام قال: إذا أوقب حرمت عليه ابنته و اخته»(4)

ثم ان ضمير الغائب يرجع الى الغلام دون الرجل و لو بقرينة عدم حكم الاصحاب بحرمة شيء على المفعول. نعم نقل في الجواهر 448:29 ان الشيخ حكى عن بعض الاصحاب التحريم عليه أيضا، ثم قال: و لعله لاحتمال عود الضمير في الاخبار الى كل من الفاعل و المفعول، و لكنه استبعد ذلك باعتبار ان المحدث عنه هو الرجل.

.

1) وسائل الشيعة 322:14 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 324:14 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

3) النساء: 24.

4) وسائل الشيعة 339:14 الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

و قد يحاول التغلب على مشكلة ارسالها من خلال الاستعانة بكبرى وثاقة كل من يروي عنه أحد الثلاثة بناء على تماميتها.

الا انه يمكن ان يقال في المقابل بان الكبرى المذكورة على تقدير تماميتها لا تنفع في المقام لان خمسة من مشايخ ابن أبي عمير تقريبا قد ثبت ضعفهم، و من المحتمل كون المرسل عنه في الرواية المذكورة هو من أحد الخمسة المذكورة، و معه يكون التمسك بالكبرى المذكورة تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، و ينحصر مورد التمسك بها بما إذا صرح باسم المروي عنه حتى ينتفي معه احتمال كونه من أحد الخمسة.

و عليه فمشكلة الارسال باقية على حالها الا انه يمكن التعويض بموثقة ابراهيم بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل لعب بغلام هل تحل له امه‌؟ قال: ان كان ثقب فلا»(1)و غيرها.

و هي و ان كانت خاصة بالام الا انه لعدم التفصيل بينها و بين الاخت و البنت يمكن التعدي إليهما.

و تؤيد ذلك الروايات الاخرى المشتمل بعضها على ذكر الاخت و بعضها الآخر على البنت(2)، فان ضعف اسنادها لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.

11 - و اما التقييد بما إذا كان الفاعل بالغا و المفعول به صبيا

فلان


1) وسائل الشيعة 341:14 الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7.

2) راجع وسائل الشيعة 339:14 الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

ذلك هو المستفاد من الموثقة لتقييدها الفاعل بالرجل و المفعول به بالغلام.

و دعوى صدق عنوان الرجل على الفاعل و لو بعد بلوغه فيقال انه «رجل لعب و ثقب» و ان كان ذلك قد تحقق منه مسبقا، و أيضا التحريم خارج مخرج الغالب، مدفوعة بان الاول مخالف للظاهر، فان ظاهر قول القائل «رجل ثقب» كونه فعل ذلك حال كونه رجلا، كقولنا: «مسافر صلّى قصرا» و الثاني مجرد احتمال لا يمنع من الرجوع إلى البراءة في غير مورد النص.

12 - و اما التقييد بما إذا كان اللواط‍‌ سابقا على العقد

فلان الموثقة و ان كانت مطلقة من هذه الناحية الا انه يستفاد من جملة النصوص الاخرى ان ما يطرأ بعد العقد لا يرتفع به الحل الثابت سابقا، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «سئل عن الرجل يفجر بامرأة أ يتزوج ابنتها؟ قال: لا، و لكن ان كانت عنده امرأة ثم فجر بامها أو اختها لم تحرم عليه امرأته، ان الحرام لا يفسد الحلال»(1)و غيرها.

و موردها و ان كان هو الزنا الا انه بعموم التعليل يمكن تسرية الحكم الى اللواط‍‌ أيضا.

13 - و اما ان من تزوج بذات البعل تحرم عليه مؤبدا

فلعدة روايات كموثقة اديم بن الحر: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «التي تتزوج و لها زوج يفرّق بينهما ثم لا يتعاودان ابدا»(2)و غيرها.

و مقتضى اطلاقها ثبوت الحرمة المؤبدة حتى مع الجهل و عدم الدخول.


1) وسائل الشيعة 326:14 الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 341:14 الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

الا ان في مقابلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل تزوج امرأة و لها زوج و هو لا يعلم فطلقها الاول أو مات عنها ثم علم الاخير أ يراجعها؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها»(1).

و هي واردة في صورة الجهل، و مقتضاها عدم تحقق الحرمة المؤبدة مع فرض الجهل سواء تحقق الدخول أم لا.

و اللازم على هذا تخصيص الاولى بالثانية و تكون النتيجة هي تحقق الحرمة المؤبدة في صورة العلم و عدمها في صورة الجهل من دون فرق في كلتا الحالتين بين فرض تحقق الدخول و عدمه.

هذا و يوجد في مقابل الصحيحة الثانية صحيحة ثالثة رواها زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «إذا نعي الرجل إلى أهله أو أخبروها انه قد طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الاول فان الاول احق بها من هذا الاخير دخل بها الاول أو لم يدخل بها و ليس للاخر ان يتزوجها ابدا و لها المهر بما استحلّ‌ من فرجها»(2)، و هي تدل على تحقق الحرمة المؤبدة مع فرض الدخول.

و هذه ان كانت ناظرة إلى خصوص حالة الجهل كالصحيحة الثانية كانت - الثالثة - أخص مطلقا منها - الثانية - فتخصصها بفرض عدم الدخول، و تكون النتيجة انتفاء الحرمة المؤبدة مع الجهل و عدم الدخول و ثبوتها مع فرض الجهل و الدخول، و اما حالة العلم فالحرمة المؤبدة ثابتة فيها للموثقة. و بذلك نصل إلى النتيجة التي أشرنا إليها في المتن.6.


1) وسائل الشيعة 341:14 الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 342:14 الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

هذا لو فرض ان الصحيحة الثالثة ناظرة إلى خصوص حالة الجهل.

و اما إذا كانت مطلقة من هذه الناحية فتكون النسبة بينهما - الثانية و الثالثة - هي العموم من وجه. و يتعارضان في فرض الجهل و الدخول و يتساقطان فيه و يلزم الرجوع بعد التساقط‍‌ إلى اطلاق موثقة اديم لان المقيد له - و هو الصحيحة الثانية - مبتلى بالمعارض. و بذلك نصل إلى النتيجة نفسها أيضا.

14 - و اما ان من زنى بذات البعل حرمت عليه مؤبدا

فهو المشهور بل ادعي عليه الاجماع.

و استند في ذلك إلى:

أ - التمسك بدعوى الاولوية القطعية و ان الزواج بذات البعل إذا أوجب الحرمة الابدية فالزنا بها اولى بايجابه لذلك.

و فيه: ان الاولوية ممنوعة، فان الاحكام الشرعية تعبدية و لا طريق لنا إلى معرفة ملاكاتها.

ب - التمسك بما في الفقه الرضوي: «و من زنى بذات بعل محصنا كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها و أراد الذي زنى بها أن يتزوج بها لم تحل له أبدا»(1).

و فيه: ان الكتاب المذكور لم تثبت نسبته إلى إمامنا الرضا عليه السّلام ليمكن الاعتماد عليه.

ج‍‌ - التمسك بدعوى الاجماع التي نقلها بعض الفقهاء.

و فيه: ان تحقق الاجماع غير ثابت. و على تقدير ثبوته لا يمكن


1) مستدرك الوسائل 387:14 الرقم 17048.

الحكم بحجيته لكونه محتمل المدرك.

و مع عدم ثبوت الدليل على الحرمة المؤبدة يمكن التمسك لإثبات الحلية و ترتب الاثر بعموم قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (1).

هذا كله في الزواج أو الزنا بذات البعل. و اما الزواج و الزنا بالمعتدة فيأتي حكمه إن شاء اللّه تعالى عند البحث عن الاعتداد.

15 - و اما الزواج بالزانية

فلا اشكال في جوازه على فرض توبتها حتى على تقدير كونها مشهورة بالزنا لأنها مع التوبة تعود كغيرها لقوله تعالى: إِلاّ مَنْ‌ تابَ‌ وَ آمَنَ‌ وَ عَمِلَ‌ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ‌ يُبَدِّلُ‌ اللّهُ‌ سَيِّئاتِهِمْ‌ حَسَناتٍ‌ (2)، و انما الاشكال في فرض عدم التوبة.

و قد يقال بعدم الجواز لقوله تعالى: اَلزّانِي لا يَنْكِحُ‌ إِلاّ زانِيَةً‌ أَوْ مُشْرِكَةً‌ وَ الزّانِيَةُ‌ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ‌ أَوْ مُشْرِكٌ‌ (3).

و لكنه ضعيف، فان من المحتمل كون الآية الكريمة بصدد الاخبار عن الواقع الخارجي - و ان الزاني لا يتحقق منه الوط‍‌ء و الزنا الا بزانية أو مشركة و الزانية لا يزني بها الا زان أو مشرك - دون إنشاء التحريم و التحليل و الا يلزم الحكم بجواز نكاح المسلم الزاني المشركة و جواز نكاح المشرك الزانية المسلمة، و لم يقل به أحد.

و عليه لا بدّ من ملاحظة الروايات. و هي على طائفتين:

أ - فبعضها دلّ‌ على عدم جواز الزواج بالزانية الا على فرض توبتها، كصحيحة أبي بصير: «سألته عن رجل فجر بامرأة ثم أراد بعد


1) النساء: 24.

2) الفرقان: 70.

3) النور: 3.

ان يتزوجها فقال: إذا تابت حلّ‌ له نكاحها...»(1)و غيرها.

ب - و بعضها دلّ‌ على الجواز مطلقا، كصحيحة علي بن رئاب:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة الفاجرة يتزوجها الرجل المسلم قال:

نعم و ما يمنعه و لكن إذا فعل فليحصّن بابه مخافة الولد»(2)و غيرها.

و حيث ان حمل الثانية على فرض التوبة بعيد يتحقق التعارض بين الطائفتين. و إذا لم ترجّح الثانية لموافقتها لإطلاق قوله تعالى:

وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (3)فلا أقلّ‌ من التساقط‍‌ و الحكم بالجواز للإطلاق المتقدم.

هذا لو خلينا نحن و الطائفتين المذكورتين.

الا انه قد يقال بوجود طائفة ثالثة تدل على التفصيل بين المعلنة بالزنا فلا يجوز نكاحها و بين غيرها فيجوز، كما ورد ذلك في صحيحة الحلبي: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنا و لا يتزوج الرجل المعلن بالزنا الا بعد أن تعرف منهما التوبة»(4).

و المناسب تقييد الطائفة الثانية الدالة على الجواز مطلقا بهذه و تكون النتيجة هي الجواز في غير المعلنة. و بعد هذا التقييد تصبح الطائفة الثانية أخص مطلقا من الطائفة الاولى فتخصصها و تصبح النتيجة هي اختصاص الحرمة بالمعلنة و الجواز في التائبة و غير المعلنة.1.


1) وسائل الشيعة 332:14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 334:14 الباب 12 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

3) النساء: 24.

4) وسائل الشيعة 335:14 الباب 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

هكذا قد يقال.

الا ان بالامكان مناقشته باعتبار ان صحيحة الحلبي يلزم حملها على التنزيه دون التحريم بقرينة السياق لأنه ورد في فقرتها الثانية «و لا يتزوج الرجل...»، و مضمون الفقرة المذكورة لا يمكن الالتزام به للجزم بعدم الحرمة في جانب الرجل.

و اذا أراد الزاني التزوج بمن زنى بها فهل يلزمه استبراؤها؟ قد يقال: نعم لموثقة اسحاق بن حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك‌؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله ان يتزوجها...»(1).

و هي و ان كانت ضعيفة بطريق الكليني بالارسال الا انها صحيحة بطريق الشيخ.

و من هنا يكون العمل بها وجيها الا انه لاعراض المشهور عن العمل بمضمونها يكون المناسب هو التنزل إلى الاحتياط‍‌ دون الفتوى.

ب - الرضاع
إذا ارضعت امرأة ولد غيرها - ضمن الشروط‍‌ الآتية - ترتبت على ذلك
اشارة

حرمة النكاح في الجملة و بالشكل التالي:

1 - صيرورة المرضعة اما للرضيع، و صاحب اللبن ابا له، و اخوتهما اخوالا و اعماما له، و اخواتهما عمات و خالات له، و اولادهما اخوة له. و هكذا تصير المرضعة جدة لأبناء الرضيع و صاحب اللبن جدا لأبناء الرضيع.


1) وسائل الشيعة 331:14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

و الضابط‍‌ الكلي: ان كل عنوان نسبي من العناوين السبعة المتقدمة إذا حصل مثله في الرضاع يكون موجبا للتحريم كالحاصل بالولادة، و اما إذا لم يحصل بسببه أحد تلك العناوين فلا يكون موجبا لانتشار التحريم - الا في الاستثناء الآتي - و ان حصل بسببه عنوان خاص لو كان حاصلا بالولادة لكان ملازما مع أحد تلك العناوين، كما لو ارضعت امرأة أحد اخوين فانها تحرم عليه لصيرورتها اما له و لا تحرم على الاخ الآخر لأنها تصير بالرضاع أم اخيه، و هي ليست من المحرمات بعنوانها في باب النسب و انما تحرم فيه لكونها إما امّا نسبية أو زوجة الأب.

2 - تحرم على ابي الرضيع بنات المرضعة النسبيات دون الرضاعيات.

و تحرم أيضا بنات صاحب اللبن النسبيات و الرضاعيات. و هذان هما الاستثناءان من الضابط‍‌ الكلي المتقدم.

3 - يحرم الرضيع على أولاد صاحب اللبن ولادة و رضاعا و على أولاد المرضعة ولادة لا رضاعا.

4 - في جواز زواج اولاد ابي المرتضع الذين لم يرتضعوا من اللبن بأولاد المرضعة نسبا و اولاد الفحل مطلقا خلاف.

5 - لا فرق في انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقا على العقد أو لاحقا له، فمن كانت له زوجة صغيرة و أرضعتها زوجته الكبيرة او بنته حرمت عليه لصيرورتها بنتا له، و هكذا في بقية الأمثلة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الرضاع سبب لتحقق حرمة النكاح في الجملة

فهو من ضروريات الدين. و يدل عليه قوله تعالى: حُرِّمَتْ‌ عَلَيْكُمْ‌ ... أُمَّهاتُكُمْ‌

اَللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ‌ وَ أَخَواتُكُمْ‌ مِنَ‌ الرَّضاعَةِ‌ (1)، و قول الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(2)، و قول صادق أهل البيت عليهم السّلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة»(3).

هذا ما ورد بنحو الضابط‍‌ الكلي و الا فالوارد في الموارد المتفرقة فوق حدّ الاحصاء.

2 - و اما صيرورة المرضعة امّا للرضيع و صاحب اللبن ابا له

و...

فباعتبار ان الآية الكريمة و ان كانت خاصة بالامهات و الاخوات الا ان ذلك لا يقتضي قصر الحرمة عليهما - و ان نسب اختيار ذلك إلى بعض العامة(4)- بعد استفادة عموم التنزيل من الروايات.

3 - و اما قصر الحرمة على ما إذا حصل بالرضاع احد العناوين

السبعة دون ما يلازمها

فلأن ذلك هو المستفاد من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فان ظاهره النظر إلى العناوين الثابت تحريمها في الشريعة، و ليست هي الا السبعة دون ما يلازمها.

ثم انه مع التنزل و فرض اجمال دليل التنزيل من هذه الناحية و احتمال ارادة عموم المنزلة منه يلزم الرجوع إلى الأصل المستفاد من قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (5)، كما تقتضيه القاعدة في مورد تردد المخصص المنفصل بين الاقل و الاكثر، و النتيجة واحدة


1) النساء: 23.

2) وسائل الشيعة 280:14 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1، 3، 4.

3) وسائل الشيعة 281:14 الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2.

4) جواهر الكلام 309:29.

5) النساء: 24.

على كلا التقديرين.

و بهذا يتضح النظر فيما صار إليه المحقق المير محمد باقر الداماد من استفادة عموم المنزلة من دليل التنزيل و الّف رسالة في ذلك و نسب ما صار إليه إلى المشهور مستندا في ذلك تارة إلى ظهور الأحاديث في افادة عموم المنزلة، و اخرى إلى ان حرمة زواج ابي المرتضع بأولاد المرضعة بنكتة «ان ولدها صارت بمنزلة ولدك»، كما دلت عليه صحيحة أيوب بن نوح الآتية لا تتم الا بناء على عموم المنزلة(1).

و كلا الوجهين المذكورين قابلان للتأمل.

اما الاول فلما تقدم.

و اما الثاني فلان ثبوت حرمة الزواج في المورد المذكور و تنزيل اولاد المرضعة منزلة اولاد ابي المرتضع لا يدل على ارادة عموم المنزلة من مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، بل لعله الحاق حكمي - لا اكثر - دلّ‌ الدليل الخاص عليه.

ثم ان الثمرة في هذا الخلاف كبيرة، فعلى رأي المشهور تنحصر دائرة انتشار الحرمة بالمرتضع و فروعه من جهة و المرضعة و صاحب اللبن و اصولهما و فروعهما و من كان في طبقتهما من جهة اخرى، و لا يتعدى ما سوى ذلك لان العناوين السبعة لا تتحقق الا فيما ذكر، بخلافه بناء على عموم المنزلة، فان الحرمة تتعدى إلى اصول المرتضع و من كان في طبقته من جهة و المرضعة و صاحب اللبن7.


1) الحدائق الناضرة 386:23-387.

و اصولهما و فروعهما و من كان في طبقتهما من جهة اخرى.

اجل هناك استثناء - على رأي المشهور - تأتي الاشارة إليه إن شاء اللّه تعالى في الرقم 4، 5.

4 - و اما انه تحرم على ابي المرتضع بنات المرضعة

بالرغم من عدم اقتضاء القاعدة لذلك - حيث لا يصرن بالاضافة إليه الا اخوات لولده، و اخت الولد ليست من المحرمات بعنوانها في باب النسب و انما تحرم اما لكونها بنتا أو ربيبة - فلصحيحة ايوب بن نوح: «كتب علي بن شعيب إلى ابي الحسن عليه السّلام: امرأة ارضعت بعض ولدي هل يجوز لي ان اتزوج بعض ولدها؟ فكتب عليه السّلام: لا يجوز ذلك لك لان ولدها صارت بمنزلة ولدك»(1)و غيرها.

و اما قصر الحكم على بنات المرضعة من النسب دون الرضاع فلظهور كلمة «الولد» في الصحيحة في ذلك، و في غيره يتمسك باصالة الحل المستفادة من قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (2).

ان قلت: لم لا نتمسك باطلاق دليل تنزيل الرضاع منزلة النسب لإثبات تنزيل بنات المرضعة رضاعا منزلة بناتها نسبا فيحرم الجميع على ابي المرتضع.

قلت: المفروض في المقام كون بنات المرضعة بنات رضاعية لها من لبن فحل آخر غير الذي ارتضع الرضيع من لبنه - و إلاّ حرمن أيضا كما تأتي الاشارة إليه في الرقم 5 - و شرط‍‌ التنزيل و تحقق الاخوة الرضاعية بين المرتضعين و من ثمّ‌ الحرمة وحدة الفحل كما يأتي إن


1) وسائل الشيعة 306:14 الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

2) النساء: 24.

شاء اللّه تعالى. و اذا لم تكن حرمة بينهما فلا تسري الحرمة الى ابي المرتضع، فان الرواية سؤالا و جوابا ناظرة الى اولاد المرضعة الذين يحرمون على المرتضع و ان مثل هؤلاء الاولاد هل يحرمون على ابي المرتضع بعد ما حرموا على ابنه‌؟ و اما اولادها الذين لا يحرمون على المرتضع فعدم حرمتهم على ابي المرتضع مما لا تأمل فيه و لا يخطر ببال السائل السؤال عن حكمهم بالاضافة اليه و هم خارجون عن مفروض الرواية و داخلون في عمومات الحل.

5 - و اما انه يحرم على ابي المرتضع بنات صاحب اللبن
• و هو ما يعبر عنه في لسان الفقهاء بجملة: لا ينكح ابو المرتضع في أولاد صاحب اللبن نسبا و رضاعا - بالرغم من عدم اقتضاء القاعدة لذلك - بالبيان المتقدم - فلصحيحة علي بن مهزيار: «سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني عليه السّلام: ان امرأة ارضعت لي صبيا فهل يحل لي ان اتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما اجود ما سألت، من هاهنا يؤتى ان يقول الناس: حرمت عليه امرأته، من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره»(1)فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي ارضعت لي هي ابنة غيرها فقال: «لو كنّ‌ عشرا متفرقات ما حلّ‌ لك شيء منهن و كنّ‌ في

1) اي من هاهنا يأتي الجهل على الناس حيث يقولون: ان لبن الفحل يحرّم زوجة الفحل عليه، و لكنه اشتباه، فان لبن الفحل لا يوجب ذلك بل يوجب ما ذكرت و هو حرمة بنت صاحب اللبن على ابي المرتضع.

هكذا فسّر في الوافي 247:21 العبارة المذكورة. و فسّرها الحرّ في هامش وسائله بشكل آخر فراجع. و الأمر سهل بعد عدم توقف الاستدلال بالصحيحة على فهم المراد من الجملة المذكورة.

موضع بناتك»(1).

و اما التعميم لبنات صاحب اللبن من الرضاع أيضا فلفرض وحدة الفحل هنا فيقوم الرضاع مقام النسب.

6 - و اما حرمة الرضيع على بنات صاحب اللبن ولادة أو رضاعا

فلأنهن اخوات من الاب و الام او من الاب فقط‍‌، و الاخوات هن من العناوين المحرّمة بالنسب فتحرم في الرضاع أيضا.

و اما حرمة من ينتسب إلى المرضعة بالبنوة ولادة فلكونهم اخوة من الام فيحرمون.

و اما عدم حرمة من ينتسب إلى المرضعة بالبنوة رضاعا فلعدم اتحاد الفحل الذي هو شرط‍‌ في انتشار الحرمة.

7 - و اما زواج اولاد ابي المرتضع ببنات المرضعة ولادة و بنات

صاحب اللبن ولادة أو رضاعا

فقد اختار الشيخ في الخلاف و النهاية عدم جوازه، بتقريب ان التعليل في صحيحة ابن مهزيار المتقدمة يدل على تنزيل بنات صاحب اللبن منزلة بنات ابي المرتضع، و هكذا التعليل في صحيحة ايوب بن نوح يدل على تنزيل بنات المرضعة منزلة بنات ابي المرتضع، و لازم ذلك صيرورة اولاد ابي المرتضع اخوة لبنات صاحب اللبن و لبنات المرضعة، و معه لا يجوز لهم الزواج بهنّ‌(2).

و فيه: ان التنزيل في الصحيحتين قد ثبت بلحاظ‍‌ ابي المرتضع فقط‍‌، و ذلك لا يستلزم اخوة بنات صاحب اللبن و بنات المرضعة لأولاد ابي المرتضع، إذ التعبد يتحدّد بدائرته و لا يسري إلى غيرها بعد ما لم


1) وسائل الشيعة 296:14 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10.

2) الحدائق الناضرة 399:23.

تكن الملازمة شرعية، و من هنا قيل بعدم حجية الاصل المثبت.

و عليه فالمناسب هو الحكم بالجواز تمسكا بعموم قوله تعالى:

وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (1).

8 - و اما عدم الفرق في انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقا

على العقد أو لاحقا

فلصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «لو ان رجلا تزوج جارية رضيعة فارضعتها امرأته فسد النكاح»(2)و غيرها.

بل يكفينا اطلاق ما دلّ‌ على تنزيل الرضاع منزلة النسب بلا حاجة إلى خاص.

شروط‍‌ الرضاع المحرم
اشارة

لا يوجب الرضاع انتشار الحرمة الا إذا تحققت الشروط‍‌ التالية:

1 - حصول اللبن من ولادة شرعية.

2 - الارتضاع من الثدي فلا يكفي غيره، كشرب اللبن المحلوب.

3 - عدم تجاوز الرضيع للحولين.

4 - خلوص اللبن فلا يكفي إذا كان ممزوجا بغيره مما يسلبه اسم اللبن.

5 - كون اللبن بتمامه من رجل واحد، فلو ولدت المرأة من زوجها الاول و تزوجت بآخر و حملت منه و قبل ان تلد ارضعت بلبن ولادتها الاولى صبيا عشر رضعات ثم بعد ولادتها الثانية اكملتها بخمس - اما من دون تخلل المأكول و المشروب أو مع فرض تخللهما بناء على عدم اخلال فصلهما في نشر الحرمة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى - لم يكف ذلك


1) النساء: 24.

2) وسائل الشيعة 302:14 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

لانتشار الحرمة.

6 - وحدة المرضعة، فلو كانت لرجل واحد زوجتان اشتركتا في ارضاع طفل واحد خمس عشرة رضعة لم يكف ذلك.

7 - ان يكون الارتضاع موجبا لإنبات اللحم و شد العظم. و الطريق الشرعي لإحراز ذلك ارتضاع يوم و ليلة أو تحقق عشر رضعات متوالية. و قيل خمس عشرة رضعة.

8 - عدم الفصل برضاع آخر في التحديد الكمي و الزماني بخلافه في التحديد الكيفي فانه لا يعتبر فيه ذلك.

و اما الفصل بالاكل و الشرب فلا يعتبر عدمه في التحديد الكيفي و في الخمس عشرة رضعة بخلافه في التحديد الزماني فانه يعتبر فيه عدمه.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار كون اللبن من ولادة شرعية

فلا خلاف فيه. و يمكن استفادته من صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن لبن الفحل قال: هو ما ارضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة اخرى فهو حرام»(1)، بتقريب ان اسناد اللبن إلى الفحل و الولد يدل على اعتبار الوط‍‌ء و الحمل و الولادة. و التعبير ب‍‌ «امرأتك» يدل على اعتبار العقد الشرعي و عدم كفاية الولادة عن زنا.

و يدل عليه أيضا في الجملة صحيح يونس بن يعقوب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية و غلاما من ذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع‌؟


1) وسائل الشيعة 294:14 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4.

قال: لا»(1).

2 - و اما اعتبار صدق عنوان الارتضاع من الثدي

فلأن الحكم في الادلة انيط‍‌ بعنوان الارضاع و الرضاعة و نحو ذلك، و هو لا يصدق عرفا من دون الامتصاص من الثدي، و لذا لا يقال لمن شرب الحليب المحلوب من البقرة انه ارتضع منها بخلاف ما لو امتصه من ثديها.

و مع التنزل و التسليم بصدقه بدون ذلك فيمكن ان يقال بانصرافه إلى النحو المتعارف منه، و فيما عداه يرجع إلى عموم قوله تعالى:

وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (2).

3 - و اما اعتبار ان يكون الرضاع في الحولين للمرتضع

فهو المعروف بين الاصحاب لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا رضاع بعد فطام»(3). و ظاهرها و ان كان يدل على كون المدار على الفطام الفعلي دون الوصول إلى سن الفطام، و هو الحولان الا انه لا بدّ من رفع اليد عن ذلك لرواية حماد بن عثمان: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا رضاع بعد فطام، قلت: و ما الفطام‌؟ قال: الحولين الذي قال اللّه عز و جل»(4)، حيث فسرت الفطام بالحولين دون الفطام الفعلي. و سندها و ان اشتمل على سهل الا ان الامر فيه سهل ان شاء اللّه تعالى.

ثم انه لو رفضنا الرواية المذكورة يلزم جعل المدار على الفطام الفعلي سواء كان بعد الحولين أم قبلهما.


1) وسائل الشيعة 302:14 الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

2) النساء: 24.

3) وسائل الشيعة 291:14 الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 291:14 الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 5.

و إذا قيل: ان صحيحة داود بن الحصين عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«الرضاع بعد الحولين قبل ان يفطم محرّم»(1)تدل على ان الرضاع بعد الحولين موجب لنشر الحرمة أيضا.

قلنا: انه يلزم ترجيح رواية حماد - بناء على تمامية سندها و عدم امكان الجمع بينها و بين صحيحة داود - اما لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ أو لمخالفتها للتقية على ما قيل(2).

و مع التنزل و فرض عدم المرجح لا بدّ من التساقط‍‌ في مادة المعارضة و الرجوع إلى الاطلاق المتقدم كمرجع لا كمرجح.

هذا كله في المرتضع.

و اما ولد المرضعة فهل يشترط‍‌ كونه في الحولين‌؟ ذكر في جامع المقاصد ان في المسألة قولين:

أ - الاشتراط‍‌ لقوله عليه السّلام: «لا رضاع بعد فطام»، فانه يتناول ولد المرضعة.

ب - عدم الاشتراط‍‌ لان المتبادر من الحديث المتقدم المرتضع دون ولد المرضعة.

و اختار هو قدّس سرّه القول المذكور تمسكا بأصالة عدم الاشتراط‍‌(3).

و كان من المناسب ان يتمسك لإثباته باطلاق مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة في الرقم 1، فان الخارج منه هو المرتضع،2.


1) وسائل الشيعة 292:14 الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7.

2) القائل بذلك هو الشيخ الطوسي حيث ذكر في كتابه تهذيب الاحكام 318:7 معلقا على صحيحة داود ما نصه: «و يجوز ان يكون خرج مخرج التقية لأنه مذهب لبعض العامة».

3) جامع المقاصد 221:12.

حيث دلّ‌ الدليل الخاص على اعتبار كونه في الحولين، و اما ولد المرضعة فلم يدل دليل على خروجه منه - لانصراف الحديث المتقدم الى المرتضع - فيبقى مشمولا له.

4 - و اما اعتبار الخلوص

فلان نشر الحرمة يتوقف على صدق عنوان ارتضاع اللبن، و مع المزج الموجب لسلب الاسم لا يصدق ذلك.

5 - و اما اعتبار كون اللبن لفحل واحد

فهو المشهور. و يمكن استفادته من صحيحة ابن سنان المتقدمة حيث ورد فيها: «هو ما ارضعت امرأتك من لبنك»، فان عنوان لبنك لا يصدق مع تعدد الفحل.

و منه يتضح الوجه في اعتبار وحدة المرضعة، فان ظاهر كلمة «امرأتك» هو شخص امرأتك دون جنسها.

هذا مضافا إلى تصريح موثقة زياد بن سوقة الآتية باعتبار كلا الامرين.

ثم ان وحدة الفحل كما هي معتبرة لنشر الحرمة بين المرتضع و المرضعة و الفحل و... كذلك هي معتبرة لنشر الحرمة بين المرتضعين، فلو ارتضع اثنان من مرضعة واحدة بلبن فحلين لم تنتشر الحرمة بينهما و ان انتشرت بين كل واحد منهما مع المرضعة و الفحل و...

و تدل على ذلك صحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام أ يحل له ان يتزوج اختها لأمها من الرضاعة‌؟ فقال: ان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل، فان كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن

فحلين فلا بأس بذلك»(1)و غيرها.

و خالف ذلك الشيخ الطبرسي و الفيض الكاشاني و اختارا انتشار الحرمة بين المرتضعين حتى مع عدم وحدة الفحل(2).

6 - و اما تحديد مقدار الرضاع الناشر للحرمة

فقد وقع محلا للخلاف. و منشؤه اختلاف الروايات.

و هي مع اختلافها اتفقت على التحديد الكيفي و ان الارضاع متى ما اوجب نبات اللحم و شد العظم تحقق به نشر الحرمة.

بل يظهر منها ان المدار في نشر الحرمة هو التحديد الكيفي، و جاء التحديد الزماني و الكمي كطريق لا حراز ذلك ما نجد ذلك واضحا في صحيحة علي بن رئاب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: ما يحرم من الرضاع‌؟ قال: ما انبت اللحم و شدّ العظم. قلت: فتحرّم عشر رضعات‌؟ قال: لا، لأنه لا تنبت اللحم و لا تشد العظم عشر رضعات»(3)و غيرها.

و الاختلاف في الروايات ينحصر في ضبط‍‌ التحديد الكمي، ففي بعضها اكتفي بعشر رضعات متوالية، و في بعضها الآخر اعتبر خمس عشرة رضعة.

مثال الاول: صحيحة عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين فقال: لا يحرّم، فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات فقال: إذا كانت متفرقة فلا»(4).


1) وسائل الشيعة 294:14 الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3.

2) مجمع البيان 28:2، و الوافي 248:21.

3) وسائل الشيعة 283:14 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 283:14 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 5.

و مثال الثاني: موثقة زياد بن سوقة: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: هل للرضاع حدّ يؤخذ به‌؟ فقال: لا يحرّم الرضاع أقلّ‌ من يوم و ليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو ان امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و ارضعتها امرأة اخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما»(1).

و لو كنّا نحن و صحيحة ابن رئاب مع صحيحة عمر بن يزيد لكنّا نجمع بينهما بتقييد صحيحة ابن رئاب الدالة على عدم الاكتفاء بعشر رضعات بحالة عدم التوالي بقرينة صحيحة عمر بن يزيد الا انه بعد ادخال موثقة زياد في الحساب يتحول التعارض الى التعارض المستقر، حيث تدل موثقة زياد على عدم الاكتفاء بعشر رضعات حتى مع التوالي بخلاف صحيحة عمر بن يزيد حيث تدل على الاكتفاء بها مع التوالي.

و لا يمكن الترجيح من خلال الموافقة و المخالفة للتقية لان الجمهور يكتفي اما بمسمى الرضاع أو الرضعة الواحدة أو سبع أو خمس رضعات و ليس القول بالعشر - فضلا عن الخمس عشرة رضعة - معروفا بينهم(2)

ان الرضاع لا يحرّم الا اذا كان خمس مرات، و المالكية و الحنفية يقولون: ان الرضاع يحرّم مطلقا قليلا كان او كثيرا و لو قطرة. و قد استدل الشافعية و الحنابلة بما رواه مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان فيما انزل اللّه في القرآن ان عشر رضعات معلومات يحرّمن فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هنّ‌ فيما يقرأ من القرآن».

.».

1) وسائل الشيعة 283:14 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

2) قال الجزيري في كتابه الفقه على المذاهب الاربعة 228:4: «ان الشافعية و الحنابلة يقولون:

كما لا يمكن الترجيح من خلال موافقة الكتاب العزيز لان قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُكُمُ‌ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ‌ وَ أَخَواتُكُمْ‌ مِنَ‌ الرَّضاعَةِ‌ (1)لا نظر له إلى تحديد المدة.

و هكذا قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (2)يثبت الحل لما عدا الامهات و الاخوات من الرضاعة من دون دلالة على ما يتحقق به ذلك.

و مع استقرار التعارض و عدم المرجح يتساقطان و يلزم الرجوع الى الاصل بلحاظ‍‌ كل اثر بخصوصه، فبالنسبة إلى صحة العقد على من رضعت عشرا يستصحب عدم ترتب الاثر، و بالنسبة إلى جواز النظر تجري البراءة على فرض عدم وجود عموم يصلح التمسك به.

و مراعاة الاحتياط‍‌ للفقيه و العامي قضية لا ينبغي الحياد عنها.

7 - و اما اعتبار عدم الفصل برضاع آخر في التحديد الكمي

فلدلالة موثقة زياد و صحيحة عمر بن يزيد على ذلك بوضوح.

و اما اعتبار ذلك في التحديد الزماني فلانصراف عنوان اليوم و الليلة إلى ذلك.

و اما عدم اعتبار ذلك في التحديد الكيفي فلان اللازم بناء عليه نبات اللحم و اشتداد العظم، و لا يهم بعد تحققه ثبوت الفصل بأي شيء كان لإطلاق النصوص من هذه الناحية.

8 - و اما ان الفصل بالاكل و الشرب لا يعتبر عدمه في التحديد

بخمس عشرة رضعة

فلان موثقة زياد قد قيدت الفاصل الذي يعتبر


1) النساء: 23.

2) النساء: 24.

عدمه بالرضاع من امرأة اخرى، و هذا بخلافه لو اخذنا برواية العشر فإنه يعتبر عدم الفصل بذلك لاعتبار التوالي فيها الذي لا يصدق مع الفصل بالاكل و الشرب.

و اما انه لا يعتبر عدم الفصل بذلك في التحديد الكيفي فلان المعتبر فيه اشتداد العظم و نبات اللحم كيفما اتفق لفرض اطلاق الروايات من هذه الناحية.

و اما انه يعتبر عدم الفصل بذلك في التقدير الزماني فلعدم صدق عنوان اليوم و الليلة مع الفصل المذكور.

اجل لا يضر مثل شرب الماء و الدواء بمقدار قليل لأنه امر متعارف في اليوم و الليلة و لا يضر بالصدق عرفا.

ج - الاعتداد
اشارة

لا يجوز الزواج بالمرأة في عدتها من الغير.

و تحرم مؤبدا مع علمهما أو علم احدهما بالصغرى و الكبرى و لو مع عدم الدخول. و مع الدخول تحرم كذلك و لو مع جهلهما بذلك.

و لا فرق في الدخول بين كونه في القبل أو الدبر.

و من زنى بامرأة في عدتها الرجعية حرمت عليه مؤبدا لدى المشهور.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الزواج بالمعتدة من الغير

فهو من ضروريات الدين.

و قد دلّ‌ على ذلك الكتاب الكريم في الجملة. قال تعالى: وَ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَبَلَغْنَ‌ أَجَلَهُنَّ‌ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ‌ أَنْ‌ يَنْكِحْنَ‌ أَزْواجَهُنَّ‌ إِذا تَراضَوْا

بَيْنَهُمْ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (1)، فانها بالمفهوم تدل على المطلوب.

و قال: وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ (2)، فان المقصود من وجوب التربص - و لا أقلّ‌ بقرينة الآية الاولى - هو الامتناع عن الزواج.

و قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ‌ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ‌ (3)، فانه لا معنى لإحصاء العدة الا اذا فرض حرمة الزواج فيها.

و قال: وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ أَرْبَعَةَ‌ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ‌ أَجَلَهُنَّ‌ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِيما فَعَلْنَ‌ فِي أَنْفُسِهِنَّ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (4)، فانه لا معنى لوجوب التربص - و لو بقرينة ذيلها - الا حرمة زواجها بالغير.

هذا من حيث الكتاب الكريم.

و اما الروايات فيمكن استفادة ذلك من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية و غيرها.

2 - و اما التقييد بما إذا كانت العدة من الغير

فباعتبار ان المفهوم من نصوص تشريع العدة كون المنع من الزواج هو لاحترام ذي العدة.

و اذا شكك في ذلك امكن التمسك بنصوص الزواج المؤقت الدالة على جواز تجديد الزوج العقد في العدة - بعد ضم عدم القول بالفصل -


1) البقرة: 232.

2) البقرة: 228.

3) الطلاق: 1.

4) البقرة: 234.

كما في صحيح محمد بن مسلم حيث سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المتعة فقال: «ان اراد ان يستقبل امرا جديدا فعل، و ليس عليها العدة منه، و عليها من غيره خمسة و اربعون ليلة»(1)و غيره.

3 - و اما الحرمة المؤبدة

فلا بدّ لإثباتها من الاستعانة بالروايات.

و هي على طوائف أربع:

الاولى - ما دلّ‌ على الحرمة المؤبدة مطلقا.

الثانية - ما دلّ‌ على نفيها مطلقا.

الثالثة - ما دلّ‌ على التفصيل بين حالة العلم فتحرم مؤبدا و حالة الجهل فلا تحرم.

الرابعة - ما دلّ‌ على التفصيل بين فرض الدخول فتحرم مؤبدا و بين عدمه فلا تحرم.

مثال الاولى: رواية محمد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها قال: يفرّق بينهما و لا تحل له ابدا»(2).

و سندها لا يخلو من اشكال لاشتماله على عبد اللّه بن بحر الذي لم تثبت وثاقته الابناء على تمامية كبرى وثاقة جميع رجال تفسير القمي.

و مثال الثانية: صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عليه السّلام: «سألته عن امرأة تزوجت قبل ان تنقضي عدتها قال: يفرّق بينها و بينه و يكون خاطبا من الخطاب»(3).

و سندها في رواية قرب الاسناد و ان اشتمل على عبد اللّه بن


1) وسائل الشيعة 475:14 الباب 23 من أبواب المتعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 350:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 22.

3) وسائل الشيعة 349:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 19.

الحسن الذي هو مجهول الحال الا ان صاحب الوسائل قد رواها من كتاب علي بن جعفر نفسه، و طريقه إليه صحيح كما تقدم أكثر من مرّة(1).

و مثال الثالثة: موثقة إسحاق بن عمار: «قلت لأبي ابراهيم عليه السّلام:

بلغنا عن ابيك ان الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبدا فقال:

هذا إذا كان عالما فإذا كان جاهلا فارقها و تعتد ثم يتزوجها نكاحا جديدا»(2).

و مثال الرابعة: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قبل ان تمضي لها اربعة اشهر و عشرا فقال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحل له ابدا و اعتدت ما بقي عليها من الاول و استقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء و ان لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدت بما بقي عليها من الاول و هو خاطب من الخطاب»(3).

و الطائفتان الاخيرتان متعارضتان بالعموم من وجه لدلالة احداهما على الحرمة المؤبدة مع العلم سواء تحقق الدخول أم لا، و ثانيتهما على الحرمة المؤبدة مع الدخول سواء فرض الجهل أم لا، و الجمع بينهما كما يمكن بتقييد منطوق كل واحدة بمنطوق الاخرى الذي لازمه تحقق الحرمة المؤبدة عند تحقق العلم و الدخول كذلك يمكن بتقييد مفهوم كل واحدة بمنطوق الاخرى، و لازمه كفاية العلم او6.


1) راجع كتاب البيع تحت عنوان «محرمات في الشريعة».

2) وسائل الشيعة 347:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 10.

3) وسائل الشيعة 346:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

الدخول في تحقق الحرمة المؤبدة.

و الارجح هو الجمع بالشكل الثاني لعدم المعارضة بين المنطوقين ليعمل التقييد فيهما و انما هي بين اطلاق المفهومين، و معه يكون المناسب تقييد اطلاق المفهوم في كل واحدة بمنطوق الاخرى و تكون النتيجة تحقق الحرمة المؤبدة عند افتراض احد الامرين: العلم أو الدخول.

و بعد هذا يمكن رفع التعارض بلحاظ‍‌ الطائفة الاولى و الثانية أيضا، و ذلك بحمل الاولى على فرض الدخول أو العلم و الثانية على فرض عدمهما، فان العرف يجمع بين الطائفتين المطلقتين بالشكل المذكور بقرينة الطائفة المفصلة.

ثم ان الطائفة الاولى و ان كانت ضعيفة السند بناء على انكار الكبرى المتقدمة الا ان حذفها لا يؤثر على النتيجة التي تمّ‌ التوصل إليها كما هو واضح.

هذا كله فيما تقتضيه قواعد الجمع العرفي.

و قد دلت صريحا على النتيجة المذكورة صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا تزوج الرجل المرأة في عدتها و دخل بها لم تحل له ابدا عالما كان أو جاهلا، و ان لم يدخل حلت للجاهل و لم تحل للآخر»(1).

4 - و اما ان علم احدهما يكفي في تحقق الحرمة المؤبدة

فهو واضح لو كان العالم هو الزوج لكون ذلك مورد موثقة اسحاق المتقدمة.

و اما لو كان العالم هو الزوجة فيمكن التمسك بذيل صحيحة


1) وسائل الشيعة 345:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

الحلبي المتقدمة، فانه باطلاقه يشمل الزوجة، و عدم ثبوت الحلية لها بالرجوع كاف في اثبات المطلوب.

5 - و اما ان المقصود من العلم الموجب للحرمة المؤبدة هو العلم

بالصغرى و الكبرى

فباعتبار ان ظاهر الروايات المتقدمة و ان كان هو ارادة العلم بالعدة الا ان العلم بها لما كان يلازم العلم بالحرمة عادة فيثبت ان المراد من العلم - الذي هو سبب للحرمة المؤبدة - هو العلم بالموضوع و الحكم معا و لا يكفي العلم باحدهما في تحقق الحرمة المؤبدة.

و لو قطعنا النظر عن هذا فيمكن استفادة ذلك بوضوح من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي ابراهيم عليه السّلام: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل له أبدا؟ فقال: لا، اما إذا كان بجهالة فليزوجها بعد ما تنقضي عدتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت: بأي الجهالتين يعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في عدة‌؟ فقال: احدى الجهالتين اهون من الاخرى، الجهالة بان اللّه حرّم ذلك عليه، و ذلك بانه لا يقدر على الاحتياط‍‌ معها فقلت: و هو في الاخرى معذور؟ قال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في ان يتزوجها...»(1).

6 - و اما كفاية الدخول في الدبر في تحقق الحرمة المؤبدة

فلإطلاق ما تقدم.

7 - و اما ان من زنى بالمرأة في عدتها الرجعية تحرم عليه مؤبدا


1) وسائل الشيعة 345:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

فيمكن اثباته من خلال مقدمتين:

أ - ان المعتدة الرجعية زوجة حقيقة خلافا للمشهور القائل بترتب احكام الزوجة عليها من دون ان تكون زوجة حقيقة.

ب - ان الزنا بذات البعل موجب للحرمة المؤبدة.

اما المقدمة الاولى فيمكن استفادتها من صحيحة سعد بن ابي خلف: «سألت ابا الحسن موسى عليه السّلام عن شيء من الطلاق فقال: «إذا طلّق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه»(1)و غيرها مما اشتمل على التعبير بكلمة «بانت»، فانها ظاهرة في بينونة الزوجية نفسها - لا بينونة احكامها - في الطلاق البائن، و بقاء الزوجية و عدم بينونتها في الطلاق الرجعي الا بانقضاء العدة.

و اما المقدمة الثانية فقد تقدم(2)تبني المشهور لها لوجوه ثلاثة.

و بهذا اتضح ان تخريج الحرمة المؤبدة في حق الزاني بالمعتدة الرجعية لا يتم الا على رأي المشهور القائل بتمامية المقدمة الثانية.

كما انه لا مجال للمشهور المنكر للمقدمة الاولى تخريج الحرمة المؤبدة الا بالتشبث بالإجماع المدعى في المسألة.

8 - و اما قصر الحكم على المعتدة الرجعية دون البائنة او المعتدة

بعدة الوفاة

فللتمسك بالاصل المستفاد من قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ (3)بعد قصور المانع عن الشمول لغير المعتدة الرجعية.


1) وسائل الشيعة 436:15 الباب 20 من أبواب العدد الحديث 1.

2) في الرقم 14 تحت عنوان «المصاهرة».

3) النساء: 24.

د - استيفاء العدد
اشارة

لا تجوز الزيادة في العقد الدائم على اربع زوجات.

و من كانت عنده اربع و طلّق واحدة رجعيا فلا يجوز له الزواج بالخامسة الا بعد انتهاء العدة.

و من طلّق زوجته ثلاثا و قد تخللت بينها رجعتان او ما بحكمهما و لم يتخلل بينها نكاح رجل آخر حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. و اذا تكرر الطلاق بعد ذلك حرمت في السادس كما سبق و في التاسع مؤبدا على بيان يأتي في باب الطلاق إن شاء اللّه تعالى.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز الزيادة على اربع

فمما لا خلاف فيه بين المسلمين. و يمكن استفادته من قوله تعالى: وَ إِنْ‌ خِفْتُمْ‌ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‌ فَانْكِحُوا ما طابَ‌ لَكُمْ‌ مِنَ‌ النِّساءِ مَثْنى‌ وَ ثُلاثَ‌ وَ رُباعَ‌ فَإِنْ‌ خِفْتُمْ‌ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌ (1)، فان العدد و ان لم يكن له مفهوم الا ان ذلك فيما إذا لم يسق في مقام التحديد و الا ثبت له، و ظاهر الآية الكريمة سوقها لذلك.

و الروايات الدالة على ذلك كثيرة، كصحيح زرارة و محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا جمع الرجل اربعا و طلّق احداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلّق. و قال: لا يجمع ماءه في خمس»(2)و غيره.

و احتمال كون المقصود تحريم وط‍‌ء الخامسة دون اصل الزواج


1) النساء: 3.

2) وسائل الشيعة 399:14 الباب 2 من ابواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 1.

لقوله عليه السّلام: «لا يجمع ماءه في خمس» ضعيف، لان ظاهره الكناية عن الزواج، و مع التنزل تكفينا الروايات الاخرى.

2 - و اما التخصيص بالعقد الدائم

فلا خلاف فيه. و تدل عليه الروايات الكثيرة، كصحيحة زرارة: «قلت: ما يحل من المتعة‌؟ قال: كم شئت»(1)و غيرها.

و لا يضرها الاضمار بعد ما كان المضمر مثل زرارة الذي لا تليق به الرواية عن غير الامام عليه السّلام. على ان بالامكان التعويض عنها بالروايات الاخرى.

و إذا قيل: ان موثقة عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قالت عن المتعة: «هي احد الاربعة»(2)، و هذا يدل على الخلاف.

قلنا: لا بدّ من توجيهها بشكل و آخر لعدم التزام احد بمضمونها.

و يمكن حملها على ارادة الاحتياط‍‌ تحفظا من انكار المخالفين، كما دلت عليه بوضوح صحيحة البزنطي عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام: «قال ابو جعفر عليه السّلام: اجعلوهن من الاربع فقال له صفوان بن يحيى: على الاحتياط؟ قال: نعم»(3).

3 - و اما عدم جواز الزواج بالخامسة لمن طلّق واحدة رجعيا

فلا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة و غيرها.

و اما تقييد الطلاق بما إذا كان رجعيا فهو المشهور باعتبار


1) وسائل الشيعة 446:14 الباب 4 من أبواب المتعة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 448:14 الباب 4 من أبواب المتعة الحديث 10.

3) وسائل الشيعة 448:14 الباب 4 من أبواب المتعة الحديث‌؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

انقطاع العصمة في البائن.

و المناسب التعميم لإطلاق الصحيحة المتقدمة و غيرها الا ان يثبت اجماع تعبدي على خلافه فيكون مقيدا.

ه‍‌ - الكفر
اشارة

لا يجوز للمسلم الزواج بالكافرة غير الكتابية. و في جوازه بالكتابية خلاف.

و اما المسلمة فلا يجوز لها الزواج بغير المسلم مطلقا.

و لا يجوز للمسلم الزواج بالكتابية على زوجته المسلمة بدون اذنها حتى بناء على جواز زواج المسلم بالكتابية.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز زواج المسلم بالكافرة غير الكتابية

فقد ادعي عليه الاجماع، و قد يستدل له بقوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‌ حَتّى يُؤْمِنَّ‌ وَ لَأَمَةٌ‌ مُؤْمِنَةٌ‌ خَيْرٌ مِنْ‌ مُشْرِكَةٍ‌ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ‌ أُولئِكَ‌ يَدْعُونَ‌ إِلَى النّارِ (1).

و لكنه - كما ترى - خاص بالمشركة و لا يعمّ‌ مطلق الكافرة الا ان يتمسك باحد البيانين التاليين:

أ - ان ذيل الآية الكريمة: أُولئِكَ‌ يَدْعُونَ‌ إِلَى النّارِ ينفي الخصوصية للمشركة.

ب - التمسك بالغاية - حتى يؤمنّ‌ - حيث تدل على ان المسلم


1) البقرة: 221.

لا يجوز له الزواج بغير المؤمنة.

و كلاهما كما ترى.

اما الاول فلان ذيل الآية الكريمة وارد مورد الحكمة فلا يمكن التمسك به لإثبات التعميم، بل لا ينفع التمسك به حتى على تقدير وروده مورد العلة لأنه يدل آنذاك على عدم ثبوت النهي إذا لم تتحقق الدعوة بالفعل الى النار، كما إذا كان بين الزوجين نفرة لا يمكن تحقق الدعوة إلى النار معها.

و اما الثاني فلاحتمال ان لا يكون المقصود من الايمان في الغاية الإسلام بل الايمان باللّه سبحانه بنحو التوحيد و من دون شرك.

و الاولى الاستدلال بقوله تعالى: وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ‌ الْكَوافِرِ (1)، فان العصم جمع عصمة، و هي ما يعتصم به كالعقد. و الكوافر جمع كافرة. و المراد نهي المؤمنين عن الاستمرار في نكاح الكوافر لانقطاع العصمة بالاسلام. و إذا ثبت هذا بقاء ثبت ابتداء بالاولوية.

و على هذا يتمسك باطلاق الآية الكريمة الا ان يقوم دليل على الخلاف في مورد فيقيد به في ذلك المورد.

2 - و اما الكتابية

فيمكن القول بجواز زواج المسلم بها انقطاعا بل دواما أيضا - خلافا لما قيل من عدم الجواز مطلقا أو في خصوص الدائم - لصحيحة معاوية بن وهب و غيره عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل المؤمن يتزوّج اليهودية و النصرانية فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية و النصرانية‌؟ فقلت له: يكون له فيها الهوى، قال: ان فعل


1) الممتحنة: 10.

فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير...»(1)و غيرها.

هذا و قد يستدل على عدم الجواز بما يلي:

أ - التمسك بالآية المتقدمة وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‌ حَتّى يُؤْمِنَّ‌ بعد تفسير المشرك بما يعمّ‌ الكتابي لقوله تعالى: وَ قالَتِ‌ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ‌ اللّهِ‌ وَ قالَتِ‌ النَّصارى‌ الْمَسِيحُ‌ ابْنُ‌ اللّهِ‌ ... اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ‌ وَ رُهْبانَهُمْ‌ أَرْباباً مِنْ‌ دُونِ‌ اللّهِ‌ وَ الْمَسِيحَ‌ ابْنَ‌ مَرْيَمَ‌ وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ‌ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ‌ عَمّا يُشْرِكُونَ‌ (2).

و فيه: ان كلمة «المشرك» منصرفة عن الكتابي. و التعبير في قوله تعالى: سُبْحانَهُ‌ عَمّا يُشْرِكُونَ‌ لا يتنافى مع دعوى الانصراف المذكورة، و لذا نلاحظ‍‌ عطف الكتابي على المشرك في جملة من الآيات، كقوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ‌ كَفَرُوا مِنْ‌ أَهْلِ‌ الْكِتابِ‌ وَ لاَ الْمُشْرِكِينَ‌... (3)

و غيره.

ب - التمسك بقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ‌ بِاللّهِ‌ وَ الْيَوْمِ‌ الْآخِرِ يُوادُّونَ‌ مَنْ‌ حَادَّ اللّهَ‌ وَ رَسُولَهُ‌ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ‌ أَوْ... (4)، بتقريب ان الزواج بالكتابية لما كان موجبا لموادتها المنهي عنها فيلزم ان يكون محرما.

و فيه: انه لا تلازم بين الزواج و المودة. و مع التنزل يمكن القول بان المنهي عنه هو موادة من حادّ اللّه و رسوله من حيث الوصف المذكور لا2.


1) وسائل الشيعة 412:14 الباب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

2) التوبة: 30-31.

3) البقرة: 105.

4) المجادلة: 22.

مطلقا بل يمكن القول بعدم دلالتها على التحريم رأسا.

ج‍‌ - التمسك بموثقة زرارة: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا يصلح للمسلم ان ينكح يهودية و لا نصرانية انما يحل منهنّ‌ نكاح البله»(1).

و فيه: ان التعبير بجملة «لا يصلح» لا يدل على التحريم بل هو أعم منه.

3 - و اما عدم جواز زواج المسلمة بالكافر

فلا خلاف فيه، و يمكن استفادته من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ‌ الْمُؤْمِناتُ‌ مُهاجِراتٍ‌ فَامْتَحِنُوهُنَّ‌ اللّهُ‌ أَعْلَمُ‌ بِإِيمانِهِنَّ‌ فَإِنْ‌ عَلِمْتُمُوهُنَّ‌ مُؤْمِناتٍ‌ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ‌ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ‌ حِلٌّ‌ لَهُمْ‌ وَ لا هُمْ‌ يَحِلُّونَ‌ لَهُنَّ‌ (2)، فان النهي في مرحلة البقاء يلازم النهي في مرحلة الحدوث ان لم يكن ذلك اولى.

و يمكن استفادة ذلك أيضا من روايات متعددة، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أسلمت امرأة و زوجها على غير الإسلام فرّق بينهما»(3)و غيرها.

4 - و اما عدم جواز الزواج بالكتابية على المسلمة

فلعدة روايات، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا تتزوج اليهودية و النصرانية على المسلمة»(4)و غيرها.

بل في بعضها يضرب الزوج ثمن حدّ الزاني، كما في صحيح


1) وسائل الشيعة 414:14 الباب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

2) الممتحنة: 10.

3) وسائل الشيعة 421:14 الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 418:14 الباب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر المتعة الحديث 1.

هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل تزوج ذمية على مسلمة، قال:

يفرّق بينهما و يضرب ثمن حدّ الزاني اثنا عشر سوطا و نصفا فان رضيت المسلمة ضرب ثمن الحدّ و لم يفرّق بينهما...»(1).

و دلالتها واضحة في ان عدم الجواز حق للمسلمة و ليس حكما شرعيا ليمتنع ارتفاعه باذنها أو رضاها المتاخر.

و، ز - الاحرام و اللعان
اشارة

لا يجوز للمحرم الزواج حالة احرامه سواء كانت المرأة محرمة أيضا أم لا.

و لو فعل ذلك مع علمه بالحرمة حرمت عليه مؤبدا سواء دخل بها أم لا.

و من قذف زوجته بالزنا حدّ حدّ القذف الا اذا لا عنها فانه يدرأ بذلك الحدّ عن نفسه و لكنه يحرم عليها مؤبدا.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز زواج المحرم حالة احرامه

فلا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة يونس بن يعقوب: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يتزوج‌؟ قال: لا، و لا يزوّج المحرم المحل»(2)و غيرها.

2 - و اما الحرمة المؤبدة

فالروايات فيها على ثلاث طوائف:

الاولى - ما دلّ‌ على الحرمة المؤبدة مطلقا.

الثانية - و ما دلّ‌ على عدمها مطلقا.

الثالثة - و ما دلّ‌ على التفصيل بين فرض العلم بالحرمة فتثبت الحرمة مؤبدا و بين عدمه فلا تثبت.

مثال الاولى: موثقة اديم بن الحر عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان المحرم


1) وسائل الشيعة 419:14 الباب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 378:14 الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

إذا تزوج و هو محرم فرّق بينهما و لا يتعاودان أبدا، و الذي يتزوج المرأة و لها زوج يفرّق بينهما، و لا يتعاودان ابدا»(1).

و مثال الثانية: صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل ان يحل فقضى ان يخلى سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئا حتى يحل، فاذا احلّ‌ خطبها ان شاء و ان شاء اهلها زوجوه، و ان شاءوا لم يزوجوه»(2).

و مثال الثالثة: صحيحة زرارة و داود بن سرحان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... و المحرم إذا تزوج و هو يعلم انه حرام عليه لم تحل له أبدا»(3).

و التعارض بين الاولى و الثانية - بقطع النظر عن الثالثة - و ان كان مستقرا الا انه بعد ملاحظة الثالثة يمكن الجمع عرفا بحمل الاولى على فرض العلم بالحرمة و الثانية على فرض الجهل. و بذلك نصل إلى النتيجة المذكورة في المتن.

و اما التعميم لفرض الدخول و عدمه فلإطلاق النصوص من هذه الناحية.

3 - و اما ان من قذف زوجته بالزنا حدّ حدّ القذف الا إذا لاعنها

فيأتي وجهه في باب الحدود ان شاء اللّه تعالى.

و اما ثبوت الحرمة المؤبدة باللعان فتدل عليه صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الرجل يقذف امرأته قال: يلاعنها ثم يفرّق


1) وسائل الشيعة 91:9 الباب 15 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 92:9 الباب 15 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 378:14 الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

بينهما فلا تحل له أبدا»(1)و غيرها.

5 - الزواج المؤقت

اشارة

الزواج المؤقت - و هو ما يصطلح عليه بعقد التمتع - مشروع بلا اشكال.

و يعتبر فيه الايجاب و القبول اللفظيان، و تعيين المهر و الاجل، و بدون ذلك يبطل.

كما يعتبر فيه الاعتداد بعد انتهاء الاجل او الابراء من باقيه بحيضتين كاملتين تلحظان بعد ذلك. و إذا فرض انها لا تحيض و هي في سن من تحيض لزمها الاعتداد بخمسة و اربعين يوما. هذا في غير الصغيرة و اليائس و التي لم يدخل بها، و اما هنّ‌ فلا عدة عليهنّ‌.

هذا في غير موت الزوج أثناء الاجل و الا لزمها الاعتداد بأربعة أشهر و عشرة أيام.

و الولد المتحقق به ملحق بالزوج و له جميع حقوق الولد الثابتة في العقد الدائم.

و لا تستحق الزوجة فيه النفقة و لا توارث بينها و بين الزوج لو تحقق موت احدهما في الاجل الا مع الاشتراط‍‌.

كما انه لا طلاق فيه بل تحصل البينونة بانتهاء المدة أو هبة ما تبقى منها.

و لا يجوز للمسلم التمتع بالكافرة غير الكتابية.

و لا يصح - عند المشهور - تجديد العقد دائما أو منقطعا قبل انتهاء الاجل.


1) وسائل الشيعة 379:14 الباب 32 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

و يجوز للمتمتع بها اشتراط‍‌ عدم الدخول بها و لكنها لو أذنت بعد ذلك جاز.

و المستند في ذلك:

1 - اما شرعية الزواج المؤقت

فهي من شعار الامامية و ضرورات مذهبهم، بل ذلك مورد اتفاق جميع المسلمين و ان اختلفوا في نسخه بعد ذلك.

و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما وَراءَ ذلِكُمْ‌ أَنْ‌ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ‌ مُحْصِنِينَ‌ غَيْرَ مُسافِحِينَ‌ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ‌ بِهِ‌ مِنْهُنَّ‌ فَآتُوهُنَّ‌ أُجُورَهُنَّ‌ فَرِيضَةً‌ (1).

و أحاديثنا في ذلك متواترة بل و أحاديث غيرنا كذلك.

فمن أحاديثنا صحيح زرارة: «جاء عبد اللّه بن عمير الليثي إلى ابي جعفر عليه السّلام فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: احلّها اللّه في كتابه و على سنّة نبيه، فهي حلال إلى يوم القيامة فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا و قد حرّمها عمر و نهى عنها؟ فقال: و ان كان فعل، فقال: فاني اعيذك باللّه من ذلك ان تحل شيئا حرّمه عمر فقال له: فانت على قول صاحبك و انا على قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهلمّ‌ ألاعنك ان الحق ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ان الباطل ما قال صاحبك...»(2)و غيره.

و من احاديث غيرنا ما رواه البخاري و مسلم عن جابر بن عبد اللّه و سلمة بن الاكوع قالا: «خرج علينا منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: ان


1) النساء: 24.

2) وسائل الشيعة 437:14 الباب 1 من أبواب المتعة الحديث 4.

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد اذن لكم ان تستمتعوا، يعني متعة النساء»(1).

و بعد اتفاق السنّة الشريفة من كلا الطرفين على ذلك لا معنى للإشكال في دلالة الآية الكريمة بدعوى ان الاستمتاع ليس بمعنى عقد التمتع بل بمعنى الدخول المتحقق في العقد الدائم و ان الآية بصدد بيان ان الدخول موجب لاستحقاق المهر كاملا(2)

51.

، ان هذا لا يجدي بعد دلالة السنّة الشريفة و اتفاق المسلمين على ذلك(3).

اجل قد تنفع في المقام دعوى نسخ المشروعية، الا ان صدور ذلك من النبي صلّى اللّه عليه و آله ان لم يكن مقطوع العدم فهو مشكوك فيه، و معه يجري استصحاب عدم النسخ الذي هو حجة لدى الجميع بما في ذلك المنكر لحجية الاستصحاب في باب الاحكام الكلية.

و صدور النهي من بعد زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و ان كان مسلما(4)

فعلناهما مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما».

و روى الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب 52:10 عن عمران بن الحصين: «نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى و لم تنزل بعدها آية تنسخها و امرنا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و تمتعنا بها و مات و لم ينهنا عنه، ثم قال رجل برأيه ما شاء».

و نقل في الصفحة نفسها من تفسيره عن الطبري في تفسيره عن علي بن ابي طالب رضي اللّه عنه:

«لو لا ان عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى الا شقي».

و نقل في الصفحة نفسها أيضا ان الخليفة الثاني قال في خطبته: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم انا انهى عنهما و اعاقب عليهما».

و قد روى المضمون المذكور البيهقي في سننه 206:7.

و روى أحمد في مسنده 325:3: «تمتعنا متعتين على عهد رسول اللّه: الحج و النساء فنهانا عنهما عمر فانتهينا».

و روى احمد في مسنده أيضا 95:2 عن عبد اللّه بن عمر الذي كان يفتي بجواز التمتع: «كيف تخالف أباك و قد نهى عن ذلك‌؟ فقال لهم: ويلكم ألا تتقون... أ فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أحق أن تتبعوا سنّته أم سنّة عمر».

الا انهه:

1) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة الرقم 1405، صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب نهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن نكاح المتعة آخرا الرقم 5117.

2) احكام القرآن لأبي بكر الجصاص 184:2 و تفسير القرطبي 129:5 و تفسير الرازي 10:

3) من جملة من نقل الاتفاق على اباحة المتعة في صدر الإسلام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب 51:10.

4) روى مسلم في باب نكاح المتعة في صحيحة الرقم 1409 عن ابي نضرة قال: «كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال: ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر:

لا ينفع بعد ما كان نسخ الاحكام حقا خاصا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و في عصره لوضوح ان حلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة(1).

و من الجرأة على اللّه سبحانه مقالة من اجاب: «ان مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع»(2)، ان اللّه سبحانه يقول عن نبيّه: وَ ما يَنْطِقُ‌ عَنِ‌ الْهَوى‌ * إِنْ‌ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ‌ يُوحى‌ (3)، قُلْ‌ ما يَكُونُ‌ لِي أَنْ‌ أُبَدِّلَهُ‌ مِنْ‌ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ‌ أَتَّبِعُ‌ إِلاّ ما يُوحى‌ إِلَيَّ‌ (4)

و نقل في الصفحة نفسها أيضا ان الخليفة الثاني قال في خطبته: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم انا انهى عنهما و اعاقب عليهما».

و قد روى المضمون المذكور البيهقي في سننه 206:7.

و روى أحمد في مسنده 325:3: «تمتعنا متعتين على عهد رسول اللّه: الحج و النساء فنهانا عنهما عمر فانتهينا».

و روى احمد في مسنده أيضا 95:2 عن عبد اللّه بن عمر الذي كان يفتي بجواز التمتع: «كيف تخالف أباك و قد نهى عن ذلك‌؟ فقال لهم: ويلكم ألا تتقون... أ فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أحق أن تتبعوا سنّته أم سنّة عمر».

و في مقابله يقال: ان النبي مجتهد كبقية أفراد البشر دون أي فرق، كَبُرَتْ‌ كَلِمَةً‌ تَخْرُجُ‌ مِنْ‌ أَفْواهِهِمْ‌ إِنْ‌ يَقُولُونَ‌ إِلاّ كَذِباً (5).5.

1) ورد المضمون المذكور في صحيحة زرارة التي رواها الشيخ الكليني في الكافي 58:1.

2) الجواب المذكور نقله القوشجي في شرحه على تجريد الاعتقاد: 374 في مقام الدفاع عن الخليفة الثاني - الذي صعد المنبر و قال: ايها الناس ثلاث كنّ‌ على عهد رسول اللّه انا انهى عنهن و احرّمهن و اعاقب عليهن و هي متعة النساء و متعة الحج و حيّ‌ على خير العمل - من دون تعليق عليه.

3) النجم: 3-4.

4) «لو لا ان عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى الا شقي».

5) الكهف: 5.

و إذا قيل في الرد على مشروعية المتعة: «سمي الزنا سفاحا لانتفاء احكام النكاح عنه من ثبوت النسب و وجوب العدة و بقاء الفراش، و لما كانت هذه المعاني موجودة في المتعة كانت في معنى الزنا»(1).

قلنا: هذه مناقشة للّه سبحانه و لرسوله الاكرم صلّى اللّه عليه و آله حيث ثبتت المشروعية عنهما في بداية الشريعة بالاتفاق. على انه سيأتي اعتبار الامور الثلاثة المذكورة في الزواج المؤقت كالدائم.

و إذا قيل: ان ايجار المرأة نفسها كل فترة من الزمن لرجل يتنافى و الاحصان المؤكد عليه في الشريعة و يتلاءم مع السفاح.

بل جواز المتعة يتنافى مع قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ هُمْ‌ لِفُرُوجِهِمْ‌ حافِظُونَ‌ * إِلاّ عَلى‌ أَزْواجِهِمْ‌ أَوْ ما مَلَكَتْ‌ أَيْمانُهُمْ‌ فَإِنَّهُمْ‌ غَيْرُ مَلُومِينَ‌ (2)، فان المتمتع بها ليست زوجة و لا ملك يمين فيكون الزواج بها من العدوان المحرم.

على ان التحريم الصادر من الخليفة الثاني لم يكن من قبل نفسه بل هو مبيّن و منفّذ له، و إذا كان النهي قد نسبه إلى نفسه فهو بهذا المعنى(3).

قلنا: لا تنافي بين الزواج المؤقت و الاحصان إذا ما فهمنا شروطه كما ينبغي. كيف و لو كان يلزم منه ذلك عاد الاشكال الى تشريعه الثابت في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله جزما؟!

و المنافاة مع الآية الكريمة لا نعرف لها وجها بعد ما كانت المتعة5.


1) القول المذكور هو للجصاص في احكام القرآن 186:2.

2) المعارج: 29-30.

3) القول المذكور هو لمحمد رشيد رضا في تفسير المنار 13:5.

فردا حقيقيا للزواج، غايته هي زواج مؤقت له تمام خصوصيات الزواج الدائم الا من بعض الجهات.

و الدفاع المذكور أخيرا دفاع بما لا يرضى به صاحبه و هو أوهن من بيت العنكبوت.

2 - و اما ان الزواج المؤقت لا يتحقق الا بايجاب و قبول لفظيين

فباعتبار انه فرد من الزواج فيشمله ما تقدم اعتباره في الزواج الدائم.

بل ان الزواج المؤقت اختص بروايات دلت على اعتبار ذلك فيه، و قد تقدمت الاشارة إلى بعضها سابقا.

ثم ان الصيغة التي يقع بها الزواج المذكور ان تقول المرأة: متعتك أو أنكحتك أو زوجتك نفسي بمهر كذا إلى أجل كذا ثم يقول الرجل:

قبلت.

و كل ما تقدم من ابحاث في الزواج الدائم - كاعتبار العربية أو تقدّم الايجاب أو كونه من المرأة أو... آت هنا لكونه فردا حقيقيا للزواج كالدائم.

3 - و اما اعتبار تعيين المهر و الاجل في الزواج المؤقت و بطلانه

عند عدم ذلك

فلصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تكون متعة الا بأمرين: أجل مسمى و اجر مسمى»(1)و غيرها.

4 - و اما وجوب الاعتداد بعد انتهاء الاجل او الابراء من باقيه

فلا اشكال فيه في الجملة، و انما الاشكال في مقدار العدة، حيث دلت بعض الروايات على انه حيضتان في من تحيض و خمسة و أربعون يوما في


1) وسائل الشيعة 465:14 الباب 17 من أبواب المتعة الحديث 1.

من لا تحيض و هي في سن من تحيض، في حين دلّ‌ بعضها الآخر على كونه حيضة واحدة في من تحيض و خمسة و اربعين يوما في من لا تحيض.

مثال الاول: صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المتعة فقال: الق عبد الملك ابن جريح فسله عنها فان عنده منها علما، فلقيته فأملى عليّ‌ شيئا كثيرا في استحلالها و كان فيما روى لي فيها... فاذا انقضى الاجل بانت منه بغير طلاق... و عدتها حيضتان و ان كانت لا تحيض فخمسة و أربعون يوما قال: فأتيت بالكتاب ابا عبد اللّه عليه السّلام فقال: صدق و اقرّ به...»(1).

و مثال الثاني: صحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «عدة المتعة ان كانت تحيض فحيضة، و ان كانت لا تحيض فشهر و نصف»(2).

و الجمع العرفي بينهما بحمل الاولى على الاستحباب متعذر اما لان الاوامر الارشادية لا تقبل ذلك مطلقا او لأنها و ان قبلت ذلك و لكن بشرط‍‌ ان يكون لسانها لسان الامر دون لسان الاخبار كما هو المفروض في المقام.

و مع تعذر الجمع العرفي يكون التعارض مستقرا فيلزم الرجوع إلى المرجحات - موافقة الكتاب الكريم و مخالفة التقية - و حيث انها غير متوفرة في المقام يتعين التساقط‍‌ و الرجوع إلى الاصل، و هو يقتضي اعتبار الحيضتين للشك في ترتب الاثر على العقد الثاني قبل مضي ذلك فيستصحب عدمه. و لا مجال للرجوع إلى قوله تعالى: وَ أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ ما1.


1) وسائل الشيعة 447:14 الباب 4 من أبواب المتعة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة 473:14 الباب 22 من أبواب المتعة الحديث 1.

وَراءَ ذلِكُمْ‌ (1)لكونه ناظرا الى العموم الافرادي دون الاحوالي.

5 - و اما اعتبار كمال الحيضتين بعد انتهاء الاجل او الابراء و عدم

كفاية الحيضة التي يقع انتهاء الاجل او الابراء في اثنائها

فهو واضح بناء على ترجيح صحيحة الهاشمي لان ظاهر التعبير «و عدتها حيضتان» هو ما ذكر، و اما بناء على التساقط‍‌ و الرجوع إلى الاصل فالامر كذلك أيضا كما هو واضح.

6 - و اما عدم لزوم الاعتداد على الصغيرة و اليائس و التي لم

يدخل بها

فتدل عليه رواية عبد الرحمن بن الحجاج: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:

ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض و مثلها لا تحيض قال: قلت:

و ما حدّها؟ قال: إذا اتي لها أقلّ‌ من تسع سنين، و التي لم يدخل بها و التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض...»(2)و غيرها.

و سندها و ان اشتمل على سهل بن زياد الا ان الامر فيه سهل إن شاء اللّه تعالى.

7 - و اما ان عدتها من الوفاة اربعة أشهر و عشرة ايام

فهو المشهور. و تدل عليه صحيحة زرارة: «سألت ابا جعفر عليه السّلام ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي تمتع بها؟ قال: اربعة اشهر و عشرا، ثم قال:

يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة و على أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا...»(3)و غيرها.


1) النساء: 24.

2) وسائل الشيعة 406:15 الباب 2 من أبواب العدد الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 484:15 الباب 52 من أبواب العدد الحديث 2.

بل يمكن التمسك بعموم قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ أَرْبَعَةَ‌ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً... (1).

و إذا قيل: انه ورد في رواية علي بن يقطين عن ابي الحسن عليه السّلام:

«عدة المرأة إذا تمتع بها فمات عنها خمسة و اربعون يوما»(2)، و في رواية الحلبي عن ابيه عن رجل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل تزوج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدتها؟ قال: خمسة و ستون يوما»(3)و هذا يتنافى مع ما تقدم.

قلنا: لو تمّ‌ سند الروايتين و لم يناقش في الاولى من ناحية احمد بن هلال و في الثانية من ناحية الارسال تحقق التعارض بينهما من جهة و بين صحيحة زرارة من جهة اخرى و ينبغي ترجيح الثانية لموافقتها للكتاب الكريم.

8 - و اما ان الولد ملحق بالزوج فهو من واضحات الفقه.

و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث عن المتعة قلت: «أ رأيت إن حبلت فقال: هو ولده»(4)و غيرها.

بل لا نحتاج إلى رواية خاصة بعد قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر»(5).

و اما ترتب جميع حقوق الولد - الثابتة في العقد الدائم - عليه


1) البقرة: 234.

2) وسائل الشيعة 485:15 الباب 52 من أبواب العدد الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 485:10 الباب 52 من أبواب العدد الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 488:14 الباب 33 من أبواب المتعة الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 568:14 الباب 58 من أبواب نكاح العبيد و الاماء الحديث 4.

فباعتبار ان ذلك لازم كونه ولده، إذ يشمله آنذاك اطلاق أدلة احكام الولد الثابتة لعنوانه.

9 - و اما عدم استحقاق المتمتع بها للنفقة

فقد ادعى صاحب الجواهر الاجماع على ذلك(1). و استدل له الشيخ البحراني بما دلّ‌ على انها لا تطلّق و لا تورث و انما هي مستأجرة، قال قدّس سرّه: «و من المعلوم ان الاجير لا نفقة له»(2).

و كان من المناسب له الاستدلال لذلك أيضا برواية هشام بن سالم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اتزوج المرأة متعة مرة مبهمة فقال: ذلك اشد عليك ترثها و ترثك و لا يجوز لك ان تطلقها الا على طهر و شاهدين قلت: اصلحك اللّه فكيف أ تزوجها قال: اياما معدودة بشيء مسمّى مقدار ما تراضيتم به فاذا مضت ايامها كان طلاقها في شرطها و لا نفقة و لا عدة لها عليك»(3).

و لعل دلالتها واضحة الا ان سندها يشتمل على موسى بن سعدان و عبد اللّه بن القاسم اللذين لم تثبت وثاقتهما، و لكن ذلك غير مهم على مباني الشيخ البحراني قدّس سرّه.

هذان وجهان لإثبات عدم وجوب الانفاق على المتمتع بها.

و كلاهما كما ترى.

و الأنسب ان يستدل على ذلك بان المسألة عامة البلوى، و حكمها


1) جواهر الكلام 303:31.

2) الحدائق الناضرة 98:25.

3) تهذيب الاحكام 267:7، و وسائل الشيعة 470:14 الباب 20 من ابواب المتعة الحديث 3.

لا بدّ ان يكون واضحا بين الاصحاب، و حيث لا يحتمل ان يكون هو وجوب الانفاق - و الا لانعكس ذلك على الروايات و كلمات الاصحاب، و الحال ان الامر بالعكس تماما - فيتعين ان يكون هو عدم الوجوب، و هو المطلوب.

10 - و اما انه لا توارث في الزواج المؤقت الا مع الاشتراط‍‌

فهو المشهور. و الروايات في هذا المجال على ثلاث طوائف:

الاولى - ما دلّ‌ على عدم الارث من دون تفصيل.

الثانية - ما دلّ‌ على الارث مع الشرط‍‌.

الثالثة - ما دلّ‌ على الارث الا مع اشتراط‍‌ العدم.

مثال الاولى: صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «... و لا ميراث بينهما في المتعة إذا مات واحد منهما في ذلك الاجل»(1).

و السند يشتمل على موسى بن بكر، و هو لم يوثق في كتب الرجال الا انه تقدم في ابحاث سابقة توجيه وثاقته.

و مثال الثانية: صحيحة البزنطي عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام:

«تزويج المتعة نكاح بميراث و نكاح بغير ميراث، ان اشترطت كان و ان لم تشترط‍‌ لم يكن»(2).

و مثال الثالثة: موثقة محمد بن مسلم: «سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة انهما يتوارثان إذا لم يشترطا، و انما الشرط‍‌ بعد النكاح(3)»(4)، بناء على ان المقصود: اذا لم يشترطا عدم


1) وسائل الشيعة 2487:14 الباب 32 من أبواب المتعة الحديث 10.

2) وسائل الشيعة 485:14 الباب 32 من أبواب المتعة الحديث 1.

3) لعل المقصود ان الشروط‍‌ يلزم ان تذكر ضمن عقد النكاح و بعد كلمة «أنكحت».

4) وسائل الشيعة 486:14 الباب 32 من أبواب المتعة الحديث 2.

الارث، و اما اذا كان المقصود: إذا لم يشترطا الاجل فهي أجنبية عن المقام و لا بدّ من حذف الطائفة الثالثة من الحساب.

ثم ان المعارضة تنحصر بين الطائفة الثالثة و الثانية و الا فالاولى ليست طرفا للمعارضة بعد كونها بمنزلة المطلق القابل للتقييد بأي واحدة من الطائفتين الاخيرتين.

و كلتا الطائفتين متفقتان على ثبوت الارث مع الاشتراط‍‌ و انما التعارض عند فرض عدم الاشتراط‍‌، فالثانية تدل على عدم الارث و الثالثة تدل على ثبوته.

و بعد التعارض في هذا المقدار يتساقطان و يلزم الرجوع إلى الطائفة الاولى لأنها بمنزلة العام الفوقاني، و من ثمّ‌ تكون النتيجة ثبوت الارث عند اشتراطه لكونه مورد اتفاق الطائفتين الاخيرتين و عدم ثبوته عند عدم اشتراطه تمسكا باطلاق الطائفة الاولى.

و بذلك نصل إلى النتيجة التي صار اليها المشهور.

و من هذا يتضح التأمل فيما اختاره صاحب الجواهر من الحكم بعدم الارث حتى مع اشتراطه بدعوى ان مقتضى عقد التمتع عدم الارث، فاشتراطه مخالف لمقتضى العقد بل هو على حد اشتراط‍‌ ارث غير الوارث المعلوم بطلانه بسبب مخالفته للكتاب و السنة(1).

و وجه التأمل: انه اتضح من خلال ما ذكرناه ان عقد التمتع لا يقتضي الارث في حالة عدم الاشتراط‍‌ و الا فيقتضيه لاتفاق الطائفتين الاخيرتين على ذلك.0.


1) جواهر الكلام 195:30.

11 - و اما انه لا طلاق في عقد التمتع بل تحصل البينونة بانتهاء

الاجل

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة الهاشمي المتقدمة و غيرها.

و اما انه يصح للزوج هبة ما يبقى من الاجل و تبين بذلك فهو مما لا خلاف فيه أيضا. و تدل عليه صحيحة علي بن رئاب: «كتبت إليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها ايامها قبل ان يفضي اليها او وهب لها ايامها بعد ما افضى اليها هل له ان يرجع فيما وهب لها من ذلك‌؟ فوقع عليه السّلام: لا يرجع»(1)و غيرها.

و هي تدل على المفروغية من جواز الابراء و انما السؤال عن جواز التراجع عنه.

و اضمارها لا يضر بحجيتها للبيان المتقدم في ابحاث سابقة لإثبات حجية المضمرات بشكل عام.

12 - و اما عدم جواز الزواج المؤقت بالكافرة غير الكتابية

فلما تقدم نفسه من الوجه في العقد الدائم.

13 - و اما انه لا يصح تجديد العقد عليها قبل انتهاء الاجل

فهو المشهور. و استدل لذلك صاحب الجواهر بوجوه ثلاثة:

أ - ان العقد إذا كان يؤثر من حينه يلزم محذور تحصيل الحاصل، و ان كان يؤثر بعد انتهاء الاجل يلزم تأخر الاثر عن المؤثر، و هو مستحيل.

ب - التمسك بمفهوم صحيحة ابي بصير: «لا بأس ان تزيدك


1) وسائل الشيعة 483:14 الباب 29 من أبواب المتعة الحديث 1.

و تزيدها إذا انقطع الاجل فيما بينكما تقول لها استحللتك بأجل آخر برضا منها و لا يحلّ‌ ذلك لغيرك حتى تنقضي عدتها»(1).

ج‍‌ - التمسك برواية ابان بن تغلب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيتزوجها على شهر ثم انها تقع في قلبه فيحب أن يكون شرطه أكثر من شهر فهل يجوز ان يزيدها في اجرها و يزداد في الايام قبل ان تنقضي ايامه التي شرط‍‌ عليها فقال: لا، لا يجوز شرطان في شرط‍‌. قلت: فكيف يصنع‌؟ قال: يتصدق عليها بما بقي من الايام ثم يستأنف شرطا جديدا»(2). هذا ما افيد في الجواهر(3).

و الكل كما ترى.

اما الاول فلان محذور تحصيل الحاصل يختص بالامور التكوينية دون الامور الاعتبارية، و ما المانع من تأثير العقد تأكيد الحاصل بلحاظ‍‌ الفترة الباقية و التأسيس بلحاظ‍‌ ما بعد انتهاء الاجل.

و اما الثاني فباعتبار انه لا يبعد نظر صحيحة ابي بصير في مفهومها الى انه يجوز بعد انتهاء الاجل تجديد العقد من دون توقف على انتهاء العدة و ليست ناظرة إلى ما هو المقصود في محل الكلام.

و اما الثالث فباعتبار ان رواية ابان و ان كانت تامة الدلالة الا ان الشيخ الكليني قد رواها بطرق ثلاث تشترك جميعا في ابراهيم بن الفضل الهاشمي الذي لم تثبت وثاقته.

و عليه فالحكم بعدم الجواز لا بدّ من ابتنائه على الاحتياط‍‌ - تحفظا0.


1) وسائل الشيعة 475:14 الباب 23 من أبواب المتعة الحديث 2.

2) الكافي 458:5.

3) جواهر الكلام 202:30.

من مخالفة المشهور - دون الفتوى.

14 - و اما جواز اشتراط‍‌ عدم الوط‍‌ء

فالظاهر انه لا خلاف فيه.

و تدل عليه صحيحة عمار بن مروان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: رجل جاء إلى امرأة فسألها ان تزوجه نفسها فقالت: ازوجك نفسي على ان تلتمس مني ما شئت من نظر و التماس و تنال مني ما ينال الرجل من اهله الا ان لا تدخل فرجك في فرجي و تتلذذ بما شئت فاني اخاف الفضيحة، قال: ليس له الا ما اشترط‍‌»(1).

بل بالامكان التمسك باطلاق موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه عليهما السّلام ان علي بن ابي طالب عليه السّلام كان يقول: «من شرط‍‌ لامرأته شرطا فليف لها به فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ‌ حراما»(2).

و اما انه يجوز الوط‍‌ء لو تنازلت عن شرطها فباعتبار ان ما اشترطته كان حقا لها لا عليها، و من حق كل صاحب حق التنازل عن حقه.

و من هذا يتضح التأمل فيما نسب إلى العلامة من عدم جواز الوط‍‌ء حتى مع التنازل بتقريب ان العقد لم يتشخص الا بذلك الشرط‍‌، و خلافه ليس مندرجا في العقد(3).

على ان المسألة تشتمل على نص خاص، و هو ما رواه اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل تزوج بجارية عاتق على ان لا يفتضها


1) وسائل الشيعة 491:14 الباب 36 من أبواب المتعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 487:14 الباب 32 من أبواب المتعة الحديث 9.

3) الحدائق الناضرة 198:24.

ثم اذنت له بعد ذلك قال: إذا اذنت له فلا بأس»(1)

و العاتق: الجارية اول ما تدرك او الجارية التي لم تتزوج.

.

6 - أحكام النفقة

اشارة

يجب على الزوج الانفاق على زوجته الدائمة بما هو المتعارف من حيث الطعام و السكن و الملابس و ما شاكل ذلك بشرط‍‌ ان لا تكون متمردة على القيام بحقوقه الزوجية.

و إذا خرجت من بيت زوجها معلنة للتمرد فلا نفقة لها. و اما إذا لم يكن عن تمرد فلا تستحق النفقة الا بعد عودها.

و إذا لم يقم الزوج بالنفقة الواجبة اشتغلت ذمته بها.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الانفاق على الزوجة

فهو في الجملة من ضروريات الفقه. و يدل عليه قوله تعالى: وَ الْوالِداتُ‌ يُرْضِعْنَ‌ أَوْلادَهُنَّ‌ حَوْلَيْنِ‌ كامِلَيْنِ‌ لِمَنْ‌ أَرادَ أَنْ‌ يُتِمَّ‌ الرَّضاعَةَ‌ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‌ رِزْقُهُنَّ‌ وَ كِسْوَتُهُنَّ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (2)، يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا لا يَحِلُّ‌ لَكُمْ‌ أَنْ‌ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ...

وَ عاشِرُوهُنَّ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (3)، فان مقتضى المعاشرة بالمعروف هو الانفاق بالشكل المتعارف من حيث المسكن و الطعام و ما شاكل ذلك.

و اختصاص الآية الاولى بالزوجة المولود لها ليس مضرا بعد


1) وسائل الشيعة 45:15 الباب 36 من أبواب المهور الحديث 2.

2) البقرة: 233.

3) النساء: 19.

عدم احتمال اختصاص الحكم بها.

هذا من حيث الكتاب الكريم.

و اما الروايات فهي كثيرة، كصحيحة ابي بصير: «سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام ان يفرّق بينهما»(1)و غيرها.

2 - و اما التقييد بالزوجة الدائمة
• بالرغم من شمول اطلاق ما تقدم للمنقطعة - فقد تقدم وجهه عند البحث عن الزواج المؤقت.
3 - و اما ان المدار على المتعارف

فيمكن ان يقرب ببيانين:

أ - التمسك بفكرة الاطلاق المقامي، بان يقال: ان اثبات وجوب الانفاق من دون تحديده كما و كيفا يدل على احالة الامر في المسألة الى العرف و ما هو المتعارف عنده.

ب - ان التقييد بكلمة «بالمعروف» في الآيتين الكريمتين يدل بوضوح على المطلوب.

4 - و اما تعميم الانفاق الواجب لغير الطعام و الملابس

فللتمسك باطلاق الامر بالمعاشرة بالمعروف.

و لا يمكن تقييده بمدلول الآية الكريمة الاولى أو بالصحيحة لعدم ثبوت المفهوم لهما، بل الرزق في الآية يحتمل ان يراد به العموم دون خصوص الرزق للطعام، و الا فالسكن ليس مذكورا فيهما، و هل يحتمل عدم وجوب النفقة من ناحيته‌؟


1) وسائل الشيعة 223:15 الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 2.

و هل المدار في النفقة الواجبة على ملاحظة شأن الزوجة أو شأن الزوج أو شأن كليهما؟ لا يبعد أرجحية الأخير، فان المعاشرة بالمعروف تصدق مع ملاحظة شأن الاثنين دون احدهما.

5 - و اما اعتبار ان لا تكون الزوجة متمردة على القيام بالحقوق

الزوجية

فباعتبار ان المعاشرة بالمعروف المأمور بها في الآية الكريمة لا تقتضي الا لزوم انفاق الزوج على زوجته في حالة قيامها بحقوقه و الا فتركه للإنفاق لا يعدّ امرا مخالفا للمعاشرة بالمعروف.

و إذا قيل: ان الآية الكريمة المذكورة و ان كانت ضيقة المدلول الا ان هذا لا ينافي التمسك باطلاق الآية الاخرى و الصحيحة المقتضي لوجوب الانفاق حتى مع النشوز.

قلنا: بما ان الآية الكريمة واردة مورد التحديد فتدل على المفهوم الصالح لتقييد الاطلاق في غيرها.

6 - و اما عدم استحقاق النفقة مع الخروج عن تمرد

فلما تقدم من اشتراط‍‌ وجوب النفقة بعدم التمرد على الحقوق الزوجية.

و اما عدم استحقاقها مع الخروج بلا تمرد الا بعد العود فلموثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ايّما امرأة خرجت من بيتها بغير اذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع»(1).

و السكوني و النوفلي و ان لم يوثقا بشكل خاص الا انه تقدم في ابحاث سابقة امكان توجيه حجية رواياتهما.

7 - و اما انشغال ذمة الزوج بالنفقة اذا لم يؤدها

فيمكن استفادته


1) وسائل الشيعة 230:15 الباب 6 من أبواب النفقات الحديث 1.

من قوله تعالى: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‌ رِزْقُهُنَّ‌ وَ كِسْوَتُهُنَّ‌ (1)، فان التعبير بكلمة «على» ظاهر في إرادة الحكم الوضعي دون مجرّد الحكم التكليفي.

7 - احكام القسمة

اشارة

في وجوب القسمة بين الزوجات في مبيت الليالي ابتداء أو بعد الشروع خلاف، فقيل بعدم الوجوب الا بالشروع، و قيل بالوجوب ابتداء.

و في وجوب البقاء صبيحة ليلة المبيت وجه.

و الواجب في المبيت هو المضاجعة دون المواقعة.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب القسمة في مبيت الليالي

فلا اشكال فيه في الجملة، فان لكل انسان الحق في الزواج بأربع نساء بالعقد الدائم، و إذا بات عند واحدة ليلة لزمه المبيت عند كل واحدة من البقية ليلة الا إذا تنازلت واحدة عن حقها فله ان يضع ليلتها حيث شاء.

و إذا كانت عنده ثلاث زوجات و بات عند واحدة ليلة لزمه المبيت عند كل واحدة من الأخيرتين بالمثل - الا مع التنازل فكما تقدم - و تبقى له ليلة يضعها حيث شاء.

و إذا كانت عنده زوجتان و بات عند واحدة ليلة لزمه المبيت عند الاخرى ليلة - الا مع التنازل - و كانت له ليلتان يضعهما حيث شاء.


1) البقرة: 233.

و هذا المقدار لم يقع محلا للخلاف بين الفقهاء و انما الخلاف في لزوم الشروع و عدمه في التقسيم ابتداء، فهل يلزم من كانت عنده زوجتان مثلا الشروع في المبيت، بان يبات عند هذه ليلة ثم عند الاخرى ليلة و يضع الليلتين الاخيرتين من الاربع حيث شاء أو لا يلزمه ذلك بل له الحق في ان لا يبات عندهما رأسا؟

قيل بلزوم الشروع في التقسيم ابتداء. و قيل لا يلزم ذلك و لكنه لو شرع بالمبيت عند واحدة لزمه المبيت عند الاخرى أيضا و يعود حرا في الليلتين الاخيرتين، و إذا تمت الليالي الاربع فلا يلزمه الشروع في المبيت من جديد و لكنه لو شرع لزمه المبيت عند الاخرى بالمثل، و هكذا.

و الخلاف نفسه يسري إلى من كانت عنده زوجة واحدة، فانه على القول الاول يلزمه المبيت عندها ليلة من كل اربع ليال، بخلافه على القول الثاني فانه لا يلزمه ذلك.

و ليس المنشأ لهذا الاختلاف اختلاف الروايات بل هو القصور في مدلولها عن افادة تعيين احد الاحتمالين بخصوصه، كما نلاحظ‍‌ ذلك في صحيحة محمد بن مسلم: «سألته عن الرجل تكون عنده امرأتان و احداهما أحبّ‌ إليه من الاخرى، قال: له أن يأتيها ثلاث ليال و الاخرى ليلة، فان شاء أن يتزوج اربع نسوة كان لكل امرأة ليلة فلذلك كان له ان يفضّل بعضهن على بعض ما لم يكنّ‌ أربعا»(1)و غيرها.

و لا يضر اضمارها بعد ما كان المضمر مثل محمد بن مسلم الذي لا تليق به الرواية عن غير الامام عليه السّلام.3.


1) وسائل الشيعة 81:15 الباب 1 من أبواب القسم و النشوز الحديث 3.

2 - اما القول بعدم وجوب القسمة الا بالشروع

فيمكن الاستدلال له بالبيانين التاليين:

أ - التمسك باصالة البراءة عن وجوب التقسيم ابتداء بعد قصور الصحيحة المتقدمة و ما هو بمضمونها عن افادته.

ب - التمسك بموثقة اسحاق بن عمار حيث: «سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن حق المرأة على زوجها قال: يشبع بطنها و يكسو جثتها و ان جهلت غفر لها»(1)و ما هو بمضمونها، بتقريب انها بصدد بيان حق الزوجة على زوجها و لم يذكر منه المبيت عندها فيدل ذلك على عدم وجوبه ابتداء.

و كلا الوجهين تامان لو فرض عدم تمامية ما يستدل به على الوجوب ابتداء و الا فلا معنى للتمسك بأصل البراءة و يلزم تقييد الموثقة، فان دلالتها على نفي الوجوب ابتداء بالاطلاق فيقيد.

3 - و اما القول بوجوب القسمة ابتداء

فقد يستدل له بما يلي:

أ - التمسك بموثقة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يتزوج الامة على الحرة قال: لا يتزوج الامة على الحرة و يتزوج الحرة على الامة. و للحرة ليلتان و للأمة ليلة»(2)و ما هو بمضمونها.

و فيه: ان من المحتمل ان يكون المقصود من ذلك انه لو أراد المبيت فيلزمه تخصيص الحرة بليلتين و الأمة بليلة واحدة لا ان ذلك واجب عليه ابتداء.


1) وسائل الشيعة 223:15 الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 88:15 الباب 8 من أبواب القسم و النشوز الحديث 3.

ب - التمسك بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الرقم 1، حيث ورد فيها «فان شاء ان يتزوج اربعة نسوة كان لكل امرأة ليلة»، فان مقتضى اطلاقها ان لكل امرأة من الاربع ليلة سواء شرع في القسمة أم لا.

و فيه: ان المقصود من جملة «كان لكل امرأة ليلة» عدم جواز تفضيل بعضهن على بعض لا استحقاق كل واحدة ليلة، و لا أقل من احتمال ذلك، و معه لا يصح التمسك بالاطلاق.

ج‍‌ - التمسك باطلاق قوله تعالى: وَ عاشِرُوهُنَّ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (1)، بتقريب انه يدل على وجوب فعل كل ما هو مصداق للمعاشرة بالمعروف، و من جملته المبيت عند الزوجة. و الاطلاق المذكور حجة ما لم يدل دليل على تقييده، و حيث لم يدل دليل على نفي وجوب المبيت ابتداء فيكون الاطلاق محكّما.

و الظاهر ان الوجه المذكور متين، و في ضوئه يمكن الحكم بوجوب القسمة ابتداء.

4 - و اما الوجه في وجوب البقاء صبيحة ليلة المبيت

فمستنده رواية ابراهيم الكرخي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل له اربع نسوة فهو يبيت عند ثلاث منهن في لياليهن فيمسهن، فاذا بات عند الرابعة في ليلتها لم يمسها فهل عليه في هذا اثم‌؟ قال: انما عليه ان يبيت عندها في ليلتها و يظل عندها في صبيحتها و ليس عليه ان يجامعها إذا لم يرد ذلك»(2).


1) النساء: 19.

2) وسائل الشيعة 84:15 الباب 5 من أبواب القسم و النشوز الحديث 1.

و ابراهيم و ان لم يوثق بالخصوص الا انه تكفي رواية ابن ابي عمير عنه(1)بناء على تمامية كبرى وثاقة كل من روى عنه أحد الثلاثة.

5 - و اما عدم وجوب المواقعة

فلأصل البراءة بعد عدم الدليل على وجوبها.

هذا لو قطعنا النظر عن رواية الكرخي المتقدمة و الا كانت هي الدليل.

ثم انه قد يشكك في وجوب المضاجعة - و هي النوم مع الزوجة في فراش واحد قريبا منها بحيث لا يعدّ هاجرا لها - أيضا باعتبار ان الروايات دلت على وجوب المبيت دون المضاجعة عنده، و معه يتمسك لنفي وجوبها بأصل البراءة.


1) كما ورد في الكافي 292:2 الحديث 11.

الإيقاعات

اشارة

1 - الطلاق

2 - الظهار

3 - الايلاء

4 - اللعان

5 - اليمين و النذر و العهد

6 - الوصية

7 - الوقف

8 - الجعالة

9 - الشفعة

كتاب الطّلاق

اشارة

1 - حقيقة الطلاق

2 - شرائط‍‌ صحة الطلاق

3 - أقسام الطلاق

4 - أحكام العدّة

5 - من أحكام الخلع و المباراة

6 - من أحكام الطلاق

1 - حقيقة الطلاق

اشارة

الطلاق ايقاع يتضمّن إنشاء الزوج للفرقة بعد تحقّق الزوجية الدائمة.

و هو مشروع بضرورة الدين من الزوج فقط‍‌ إلاّ في موارد خاصّة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الطلاق ايقاع متقوّم بالايجاب بلا مدخلية للقبول في

تحققه

فهو من بديهيات الفقه. و يمكن استفادته من النصوص المذكورة في ثنايا الابحاث الآتية.

و اما ان حقيقته ما ذكر فهو من بديهيات اللغة و الشرع.

و اما اختصاص مورده بفرض الزواج الدائم فلما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

2 - و اما انه مشروع

فهو من ضروريات دين الإسلام. و يدل على ذلك أيضا ترتيب الاحكام الخاصة عليه في الكتاب الكريم. قال تعالى:

وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ... (1)، اَلطَّلاقُ‌ مَرَّتانِ‌ فَإِمْساكٌ‌... (2)، وَ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَبَلَغْنَ‌ أَجَلَهُنَّ‌... (3)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

و اذا كان الزواج أحبّ‌ شيء إلى اللّه سبحانه فالطلاق أبغض شيء اليه. و قد ورد في الحديث الشريف عنه صلّى اللّه عليه و آله: «ما من شيء أحب إلى اللّه عز و جل من بيت يعمر بالنكاح. و ما من شيء أبغض إلى اللّه عز و جل من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة، يعني الطلاق»(4).

و في حديث آخر: «تزوجوا و لا تطلقوا، فان الطلاق يهتز منه العرش»(5).

أجل هذا يختص بحالة الوئام بين الزوجين أو وجود مشاكل لا ينحصر علاجها بالطلاق و الا لم يكن مبغوضا لعدم احتمال المبغوضية شرعا في مثل ذلك. مضافا الى دلالة جملة من الروايات على ذلك. و قد ورد في الحديث ان أبا جعفر عليه السّلام «كانت عنده امرأة تعجبه و كان لها محبا فأصبح يوما و قد طلّقها و اغتم لذلك فقال له بعض مواليه: لم طلقتها؟ فقال: اني ذكرت عليا عليه السّلام فتنقصته فكرهت ان الصق جمرة من جهنم بجلدي»(6). بل روي عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «خمسة لا يستجاب لهم: رجل جعل اللّه بيده طلاق امرأته فهي تؤذيه و عنده ما1.


1) البقرة: 228.

2) البقرة: 229.

3) البقرة: 231.

4) وسائل الشيعة 266:15 الباب 1 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 268:15 الباب 1 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7.

6) وسائل الشيعة 269:15 الباب 3 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

يعطيها و لم يخلّ‌ سبيلها...»(1).

يبقى كيف نثبت مشروعية الطلاق في حالة الوئام و عدم وجود الضرورة‌؟

و الجواب: انه بعد ضرورة ذلك بين جميع المسلمين لا نبقى بحاجة إلى دليل بل الضرورة نفسها دليل على ذلك.

هذا مضافا الى انه لو لم يجز عند عدم الضرورة لانعكس ذلك على الروايات لكون المسألة عامة البلوى.

بل يمكن التمسك باطلاق بعض النصوص، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «... فاذا اراد الرجل منكم ان يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين...»(2)و غيرها.

3 - و اما اختصاص مشروعية الطلاق بالزوج

فهو من الضروريات التي لا تحتاج الى دليل.

بل ان القصور في مقتضي التعميم كاف وحده لإثبات الاختصاص.

و تؤيد الاختصاص مرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «امرأة نكحها رجل فأصدقته المرأة و شرطت عليه ان بيدها الجماع و الطلاق فقال: خالف السنة و ولى الحق من ليس اهله، و قضى ان على الرجل الصداق و ان بيده الجماع و الطلاق و تلك السنة»(3)،


1) وسائل الشيعة 271:15 الباب 5 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 348:15 الباب 2 من أبواب اقسام الطلاق الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 340:15 الباب 42 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

و الحديث النبوي: «الطلاق بيد من أخذ بالساق»(1).

4 - و اما موارد الاستثناء التي يصح فيها الطلاق من غير الزوج

فيأتي التحدث عنها فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2 - شرائط‍‌ صحة الطلاق

اشارة

يلزم لوقوع الطلاق صحيحا توفر:

1 - البلوغ فلا يصح طلاق الصبي و ان بلغ عشرا بل و لا طلاق وليه عنه.

2 - العقل فلا يصح طلاق المجنون الا اذا كان بالغا فانه يجوز لوليه الطلاق مع اقتضاء المصلحة لذلك.

3 - الاختيار فلا يصح طلاق المكره.

4 - القصد فلا يصح طلاق السكران و الهازل و غيرهما ممن لا قصد له.

5 - التنجيز فلا يقع الطلاق لو قال الزوج لزوجته: انت طالق ان فعلت كذا.

6 - تعيين المطلقة فلا يصح لو قال الزوج: احدى زوجاتي طالق.

7 - ان تكون الزوجة في حالة طهر - من الحيض و النفاس - لم يواقعها فيه.

و يستثنى من ذلك:

أ - ما اذا كان المطلّق غائبا، فان الطلاق يقع صحيحا منه حتى مع اتضاح عدم طهرها حالته بشرطين: عدم امكان معرفته لحالها، و مضي فترة يعلم بحسب عادتها انتقالها من طهر الى آخر. و الاحتياط‍‌ يقتضي ان تكون شهرا و أحوط‍‌ من ذلك أن تكون ثلاثة اشهر.


1) كنز العمال 155:5 الرقم 3151.

و في حكم الغائب الحاضر الذي لا يمكنه معرفة حال زوجته كالمسجون.

ب - ما اذا كانت حاملا و قد استبان حملها فانه يصح طلاقها و ان لم تكن على طهر او كانت في طهر المواقعة.

ج - ما اذا لم تكن مدخولا بها.

د - ما اذا كانت صغيرة لم تبلغ سنّ‌ التكليف و قد دخل بها الزوج و ان كان ذلك محرما.

ه‍‌ - ما اذا كانت قد بلغت سنّ‌ اليأس.

و - المسترابة - و هي من كانت في سن من تحيض و لا تحيض لخلقة او لعارض اتفاقي من رضاع أو مرض طارئ و ما شاكل ذلك - فانه يجوز طلاقها و ان كان ذلك في طهر المجامعة بشرط‍‌ مضي ثلاثة اشهر على المواقعة الاخيرة.

8 - ان يكون الزواج دائما فلا يقع بالمتمتع بها بل تتحقق الفرقة بانتهاء المدة او هبة المقدار المتبقّى منها.

9 - اشهاد رجلين عادلين. و لا يلزم ان يعرفا المطلقة بنحو يصح منهما الشهادة عليها.

10 - الصيغة الخاصة، و هي: «انت طالق» أو «زوجتي طالق» أو «فلانة طالق» و ما أشبه ذلك من الصيغ المشتملة على كلمة «طالق». و لا يصح بصيغة «فلانة مطلقة» أو «طلقت فلانة».

و تجزئ الترجمة عند تعذر النطق بالعربية.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار البلوغ في المطلّق

فهو المشهور بين المتأخرين -

خلافا للشيخين و جماعة من القدماء(1)

و في تهذيب الاحكام لشيخ الطائفة 75:8 ما نصه: «طلاق الصبي جائز اذا عقل الطلاق.

و حدّ ذلك عشر سنين. يدل على ذلك ما رواه...».

- لعدة امور:

أ - التمسك بحديث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم(2)، فان مقتضى اطلاقه الشمول لقلم الوضع أيضا.

و ضعف سنده منجبر بعمل الاصحاب - كما تقدم غير مرة - بناء على تمامية كبرى الانجبار.

ب - اتفاق الاصحاب على اعتبار البلوغ في باب البيع و سائر المعاملات المالية. و الطلاق ان لم يكن اولى باعتبار ذلك فيه فلا أقلّ‌ من عدم الفرق بينهما.

ج - الروايات الخاصة، من قبيل موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عليهم السّلام: «لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم»(3)و غيرها.

و الحسين ثقة لان ظاهر كلام النجاشي: «الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي. و اخوه الحسن يكنى ابا محمد ثقة. رويا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام...»(4)رجوع التوثيق الى الحسين دون الحسن.

الا ان في مقابل ذلك عدة روايات تدل على العكس، من قبيل ما رواه الشيخ في تهذيبه عن الكليني بسنده الموثق عن ابن بكير عن ابيي.


1) جواهر الكلام 5:32.

2) وسائل الشيعة 30:1 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات.

3) وسائل الشيعة 325:15 باب 32 من ابواب مقدمات الطلاق حديث 8.

4) رجال النجاشي: 38 منشورات مكتبة الداوري.

عبد اللّه عليه السّلام: «يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين»(1)، و رواية ابن ابي عمير عن بعض رجاله عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين»(2).

و لا يضر الارسال في السند بعد كون المرسل ابن ابي عمير بناء على رأي المشهور من حجية مراسيله من دون تفصيل. و المناسب - بناء على تمامية سند هذه الطائفة - الجمع بينها و بين الاولى بالتقييد فتحمل الاولى على من كان عمره أقلّ‌ من عشر.

و لا يقف امام ذلك حديث رفع القلم لإمكان تخصيصه.

هذا و لكن الاحتياط‍‌ باعتبار البلوغ امر لازم تحفظا من مخالفة المشهور و لإمكان التشكيك في سند روايات الطائفة الثانية، فان الرواية الاولى و ان كانت معتبرة السند حسب نقل التهذيب الا انها في الكافي لم تذكر بالسند المذكور بل بسند آخر فراجع(3).

و صحة الرواية الثانية تبتني على مسلك المشهور في مراسيل ابن ابي عمير، بل ان النسخ قد اختلفت في كيفية نقل متن الرواية، ففي بعضها: «لا يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين» و في بعضها الآخر:

«يجوز» بدون كلمة النفي.

2 - و اما عدم ثبوت الولاية لولي الصبي في الطلاق

فأمر لا خلاف فيه. و يكفي لإثباته القصور في المقتضي. و مع التنزل يمكن التمسك بالروايات الخاصة كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام:


1) تهذيب الاحكام 77:8 الرقم 173.

2) وسائل الشيعة 324:15 الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2.

3) الكافي 124:6.

«الصبي يتزوج الصبية يتوارثان‌؟ فقال: اذا كان ابواهما اللذان(1)زوجاهما فنعم. فقلت: فهل يجوز طلاق الاب‌؟ قال: لا»(2)و غيرها.

3 - و اما عدم صحة الطلاق من المجنون

فلعدم تحقق القصد منه و للروايات الخاصة، كصحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن طلاق السكران و عتقه فقال: لا يجوز. قال: و سألته عن طلاق المعتوه قال: و ما هو؟ قال: قلت: الاحمق الذاهب العقل قال: لا يجوز»(3)و غيرها.

4 - و اما انه يجوز الطلاق لولي المجنون

فهو المشهور لصحيحة أبي خالد القماط‍‌: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل الاحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه‌؟ قال: و لم لا يطلق هو؟ قلت: لا يؤمن ان طلق هو ان يقول غدا: لم أطلق او لا يحسن ان يطلق، قال: ما ارى وليه الا بمنزلة السلطان»(4)و غيرها.

هذا و قد نسب الخلاف في المسألة إلى ابن ادريس تمسكا بان الاصل بقاء العقد و بالنبوي: «الطلاق بيد من اخذ بالساق»(5).

و فيه: ان الاصل لا مجال له مع الدليل الاجتهادي. و النبوي على تقدير تماميته سندا قابل للتقييد بصحيحة القماط‍‌ و غيرها.

ثم انه لا يبعد ان يكون قوله عليه السّلام: «و لم لا يطلق هو» ناظرا الى فرضية عدم زوال العقل بشكل كامل او الى حالة الجنون الادواري مع


1) الظاهر ان الصواب: اللذين.

2) وسائل الشيعة 220:14 الباب 12 من أبواب عقد النكاح الحديث 1، و 326:15 الباب 33 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث.

3) وسائل الشيعة 328:15 الباب 34 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.

4) وسائل الشيعة 329:15 باب 35 من ابواب مقدمات الطلاق حديث 1.

5) الحدائق الناضرة 155:25.

فرض الافاقة، كما نبّه عليه في الحدائق(1).

5 - و اما تقييد جواز طلاق ولي المجنون بما اذا كان - المجنون -

بالغا

فلانه بدون فرض ذلك يكون مشمولا لإطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على ان الاب لا يجوز له الطلاق بالولاية.

و اذا قيل: كما ان لصحيحة ابن مسلم اطلاقا كذلك لصحيحة القماط‍‌ اطلاق فلما ذا تقديم الاطلاق الاول‌؟

قلنا: انه يمكن التشكيك في ثبوت الاطلاق لصحيحة القماط‍‌ لأنها تدل على ثبوت السلطنة للولي في المورد الذي يكون للمجنون الحق في الطلاق لو لا جنونه، و ذلك لا يتم الا اذا كان المجنون بالغا بناء على عدم ثبوت الحق لغير البالغ في الطلاق.

ثم انه مع التنزل و فرض تعارض الاطلاقين و تساقطهما يلزم الرجوع إلى الاصل و هو يقتضي عدم ترتب الاثر على طلاق الولي.

و بذلك تكون النتيجة واحدة على كلا التقديرين.

6 - و اما تقييد جواز طلاق ولي المجنون بالمصلحة

بالرغم من اطلاق الروايات من هذه الناحية فباعتبار الجزم بان الولاية المجعولة للولي ليست تكريما له بل لحاجة المولى عليه الى من يتصرف عنه تحقيقا لمصالحه.

7 - و اما عدم صحة طلاق المكره

فأمر لا خلاف فيه، و يدل عليه حديث الرفع(2)و الروايات الخاصة، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام:

«سألته عن طلاق المكره و عتقه فقال: ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه


1) الحدائق الناضرة 154:25.

2) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

بعتق...»(1)و غيرها.

8 - و اما اعتبار القصد

فللتسالم على تبعية العقود و الايقاعات للقصد. هذا مضافا الى الروايات الخاصة الواردة بلسان: «لا طلاق الا لمن اراد الطلاق»(2).

9 - و اما التنجيز

فمدركه منحصر بالإجماع المدعى على اعتباره و الا فغير قابل للتأمل من قبيل:

أ - منافاة التعليق لقاعدة عدم تأخر المعلول عن علته.

ب - ان ظاهر الروايات فعلية الطلاق بمجرد تحقق الصيغة، و اشتراط‍‌ تأخره الى حصول المعلق عليه شرع جديد.

و قد تمسك بهذين الوجهين صاحب الجواهر(3).

و وجه التأمل:

اما في الاول فلان العلة ليست هي الصيغة بمجردها بل مع الشرط‍‌ فلا تأخر.

و اما في الثاني فلانه لا توجد رواية تدل بوضوح على ذلك. و مع التنزل يمكن دعوى نظرها إلى الحالة الغالبة، و هي التنجيز.

هذا و يظهر الخلاف في المسألة من الشهيد الثاني في المسالك حيث رجح جواز التعليق لعدة وجوه نذكر منها:

أ - القياس على الظهار، حيث دلت النصوص على جواز التعليق فيه.


1) وسائل الشيعة 331:15 الباب 37 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 285:15 الباب 11 من أبواب مقدمات الطلاق.

3) جواهر الكلام 78:32.

ب - ان في التعليق حكمة لا تحصل في العقد المنجز، فان الزوجة قد تخالف زوجها في بعض مقاصده فتفعل ما يكرهه، و الزوج يكره طلاقها من حيث انه ابغض الحلال فيحتاج الى التعليق على فعل ما يكرهه كي اذا امتنعت يحصل غرضه او خالفت تكون هي المختارة لطلاقها(1).

و كلاهما كما ترى.

و المناسب اعتبار التنجيز و لو على مستوى الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة الاجماع المدعى.

هذا اذا فرض وجود مطلقات تدل على مشروعية الطلاق المعلق و الا كفى القصور في المقتضي حيث يجري آنذاك استصحاب بقاء النكاح بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و عدم معارضة استصحاب بقاء المجعول بأصالة عدم الجعل الزائد.

بل يمكن تقريب جريان الاستصحاب حتى بناء على الرأي المذكور، بان يستصحب بقاء اباحة الاستمتاعات، فان القائل بالمنع من جريان الاستصحاب في الاحكام يخصّص ذلك بالاحكام الالزامية دون الترخيصية، اذ لا جعل فيها ليعارض استصحاب بقائها باستصحاب عدم الجعل الزائد.

10 - و اما اعتبار تعيين المطلقة

فهو المشهور. و يمكن الاستدلال له بانه مع عدم التعيين اما ان يقع الطلاق بالواحدة المرددة من الزوجات او بالواحدة بنحو الكلي في المعين.


1) مسالك الافهام 15:2.

و كلاهما لا يمكن المصير اليه.

اما الاول فلعدم معقولية الفرد المردد.

و اما الثاني فلان ثبوت الطلاق للواحدة الكلية و ان كان امرا ممكنا - كتعلق البيع بكيلو كلي من صبرة معينة - غايته تعيّن تلك الواحدة الكلية بواسطة القرعة الا ان ذلك يحتاج الى دليل يدل عليه، و لا دليل يدل على صحة طلاق الواحدة الكلية مع تعيينها بالقرعة.

و تؤيد اعتبار التعيين رواية محمد بن احمد بن مطهر: «كتبت إلى ابي الحسن صاحب العسكر عليه السّلام اني تزوجت اربع نسوة و لم اسأل عن اسمائهن ثم اني اردت طلاق احداهن و تزويج امرأة اخرى فكتب عليه السّلام انظر الى علامة ان كانت بواحدة منهن فتقول: اشهدوا ان فلانة التي بها علامة كذا و كذا هي طالق ثم تزوّج الاخرى اذا انقضت العدّة»(1).

و من ذلك يتضح النظر فيما نسب الى جماعة كالشيخ و ابن البراج و المحقق و العلامة و الشهيد من وقوع الطلاق صحيحا مع عدم التعيين لوجهين: اصالة عدم الاشتراط‍‌، و عموم مشروعية الطلاق(2).

و وجه النظر:

اما بالنسبة الى الاصل المذكور فلانه لا اساس له ان لم يرجع الى التمسك بالعموم الذي هو الوجه الثاني.

و اما العموم فهو غير مستفاد من النصوص.

11 - و اما اعتبار ان تكون الزوجة طاهرة بطهر لم يواقعها فيه

زوجها

فأمر متسالم عليه. و تدل عليه النصوص المستفيضة، كصيحة


1) وسائل الشيعة 400:14 الباب 3 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 3.

2) الحدائق الناضرة 181:25.

زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام في حديث قال: «اما طلاق السنة فاذا اراد الرجل ان يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر فاذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين...»(1).

و صحيحة الفضلاء عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه عليهما السّلام: «اذا طلّق الرجل في دم النفاس او طلّقها بعد ما يمسها فليس طلاقه اياها بطلاق»(2)و غيرهما.

بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ‌ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ (3)، فان المقصود اذا أردتم طلاق النساء فطلقوهنّ‌ لزمان عدتهن بحيث يأخذ زمان العدة بالشروع من حين تحقق الطلاق، و ليس ذلك الا بان يقع الطلاق في طهر لا مواقعة فيه فان العدة كما يأتي - ان شاء اللّه تعالى - هي ثلاثة قروء بمعنى ثلاثة اطهار، فلو وقع الطلاق في الحيض لم يمكن شروع العدة - بالمعنى المذكور - من حين الطلاق كما هو واضح، و لو وقع في طهر المواقعة لم يمكن ذلك أيضا لان المقصود من الاطهار الثلاثة هي الاطهار الخالية من المواقعة، و معه فيحتاج إلى مرور ثلاثة اطهار جديدة منفصلة عن الطلاق.

12 - و اما استثناء حالة غيبة المطلّق

فأمر متسالم عليه للروايات المتعددة الواردة بلسان: «خمس يطلقهن أزواجهن متى شاءوا: الحامل المستبين حملها، و الجارية التي لم تحض، و المرأة التي قعدت من


1) وسائل الشيعة 280:15 الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 279:15 الباب 9 من ابواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

3) الطلاق: 1.

المحيض، و الغائب عنها زوجها، و التي لم يدخل بها»(1).

و سند الروايات المذكورة جلا أو كلا صحيح فراجع.

13 - و اما تعميم الحكم بالصحة لما اذا اتضح عدم الطهر واقعا

حالة الطلاق

فللتمسك باطلاق الروايات المذكورة بل و للتصريح بالتعميم فيها بلفظ‍‌ «متى شاءوا»، على انه قد يقال بان الطهر واقعا لو كان معتبرا يلزم عدم ثبوت الخصوصية لعنوان غيبة المطلّق.

14 - و اما اعتبار عدم امكان معرفة حالها و مضي فترة يعلم فيها

بالانتقال

فلانه لا يحتمل اعتبار عنوان الغيبة بنحو الموضوعية و لا يحتمل ان مجرد غيبة الزوج في الساعات الاولى كاف لجواز الطلاق حتى مع امكان تحصيل العلم بسهولة او فرض العلم ببقاء طهر المواقعة او كونها في حالة حيض او نفاس.

15 - و اما الاحتياط‍‌ باعتبار مضي شهر

فلموثق ابن سماعة:

«سألت محمد بن ابي حمزة متى يطلق الغائب‌؟ فقال: حدثني اسحاق بن عمار او روى اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام او ابي الحسن عليه السّلام قال: اذا مضى له شهر»(2).

و انما كان الحكم بنحو الاحتياط‍‌ دون الفتوى باعتبار ان لسان الروايات السابقة: «خمس يطلقهن ازواجهن متى شاءوا...» يأبى التقييد، فانه لو كان مضي الشهر معتبرا لم يكن للغائب الطلاق متى شاء.

و من القريب جدا ان يكون اعتبار مضي الشهر من باب انه الفترة التي يحرز فيها عادة بالانتقال من طهر إلى آخر. و يترتب على ذلك انه


1) وسائل الشيعة 306:15 الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق.

2) وسائل الشيعة 308:15 الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.

لو تمّ‌ الاحراز قبل مضي الفترة المذكورة كان ذلك كافيا للحكم بصحة الطلاق.

و لكن مع ذلك كله يبقى الاحتياط‍‌ باعتبار مضي الشهر حتى مع تحقق الاحراز قبله امرا وجيها.

16 - و اما احوطية اعتبار مضي ثلاثة أشهر

فلموثقة اسحاق بن عمار الاخرى: «قلت لأبي ابراهيم عليه السّلام: الغائب الذي يطلّق اهله كم غيبته‌؟ قال: خمسة أشهر، ستة أشهر. قال: حدّ دون ذا قال: ثلاثة أشهر»(1)، فان ظاهرها و ان كان يقتضي الالزام بمضي ثلاثة أشهر الا انه لا بدّ من رفع اليد عن ذلك لعدم احتمال ان مضي المدة المذكورة معتبر حتى مع الجزم بالانتقال من طهر الى آخر، فان حال الغائب ليست أسوأ من حال الحاضر.

و عليه فمع الجزم بالانتقال لا يعتبر مضي ثلاثة أشهر و ان كان ذلك أحوط‍‌ حفاظا على العمل بظاهر الموثقة.

17 - و اما ان الحاضر بحكم الغائب اذا لم يمكنه معرفة حال

زوجته

فلما تقدم من عدم احتمال ان تكون لغيبة المطلّق موضوعية بل الخصوصية لعدم امكان معرفة حال الزوجة الملازم عادة للغيبة.

و عليه فيسري حكم الغيبة إلى الحضور الذي هو بمنزلتها.

و مما يدل على ذلك أيضا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج:

«سألت ابا الحسن عليه السّلام عن رجل تزوج امرأة سرا من اهلها و هي في منزل اهله و قد اراد ان يطلقها و ليس يصل اليها فيعلم طمثها اذا طمثت


1) وسائل الشيعة 308:15 الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8.

و لا يعلم بطهرها اذا طهرت فقال: هذا مثل الغائب عن اهله يطلّق بالاهلة و الشهور...»(1).

18 - و اما استثناء الحامل المستبين حملها

فهو لما تقدم من الروايات الواردة بلسان: «خمس يطلقهن ازواجهن متى شاءوا: الحامل المستبين حملها...».

و اما انه يصح طلاقها حتى اذا لم تكن على طهر أو كانت في طهر المواقعة فللتقريبات الثلاثة المتقدمة في الرقم 13.

19 - و اما استثناء غير المدخول بها و الصغيرة و اليائس

فللروايات المتقدمة نفسها.

و اذا قيل: لم نحمل فقرة «و الجارية التي لم تحض» على خصوص الصغيرة و لا نحملها على مطلق الجارية التي لا تحيض و لو كانت في سن من تحيض، كما هو المنسوب إلى شرح النافع(2)؟

قلنا: ان الوارد في الفقرة المتقدمة: «و الجارية التي لم تحض» لا «و الجارية التي لا تحيض»، و التعبير المذكور ظاهر في الجارية التي لم يحن وقت حيضها.

هذا مضافا الى ان الوارد في بعض روايات المسألة: «و التي لم تبلغ المحيض»(3)، و هو صريح في المدعى.

20 - و اما ان المسترابة يجوز طلاقها بعد مضي ثلاثة أشهر من

المواقعة الاخيرة

فلم ينسب فيه الخلاف لأحد. و يدل عليه صحيح


1) وسائل الشيعة 310:15 الباب 28 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

2) الحدائق الناضرة 179:25.

3) وسائل الشيعة 306:15 الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.

اسماعيل بن سعد الاشعري: «سألت الرضا عليه السّلام عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق‌؟ قال: تطلق بالشهور»(1).

و اذا كان في المراد من كلمة «الشهور» اجمال لعدم تشخص عدد الاشهر فيمكن من خلال مراجعة روايات عدة المرأة المسترابة(2)تحصيل الاطمئان بارادة ثلاثة أشهر.

على انه ورد في مرسلة داود بن ابي يزيد العطار عن بعض أصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن المرأة يستراب بها و مثلها تحمل و مثلها لا تحمل و لا تحيض و قد واقعها زوجها كيف يطلقها اذا اراد طلاقها؟ قال: ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها»(3)التصريح بذلك. و هي و ان كانت مرسلة الا ان ضمها الى تلك يوجب الاطمئنان بارادة ذلك.

هذا و يمكن ان يقال: ان كلمة «الشهور» جمع يصدق على الثلاثة، و ارادة الاقل غير محتملة، و ارادة ما زاد تحتاج الى دليل، و مقتضى الاطلاق الاكتفاء بالثلاثة.

21 - و اما انه لا طلاق في عقد التمتع

فامر متسالم عليه. و استدل له في الحدائق بما دلّ‌ على حصول الفرقة بانتهاء المدة بلا حاجة إلى طلاق، كصحيح محمد بن اسماعيل عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام: «قلت له الرجل يتزوج المرأة متعة سنة أو أقل أو أكثر، قال: اذا كان شيئا


1) وسائل الشيعة 414:15 الباب 4 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 17.

2) وسائل الشيعة 410:15 الباب 4 من أبواب العدد.

3) وسائل الشيعة 335:15 الباب 40 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

معلوما الى أجل معلوم قال: قلت: و تبين بغير طلاق‌؟ قال: نعم»(1).

و فيه: ان هذا المضمون تكرر في الروايات الا انه لا ينفي امكان وجود سبب ثان لتحقق الفرقة - أثناء المدة - و هو الطلاق.

و من هنا قال في الجواهر: «لم يحضرني من النصوص ما يدل على عدم وقوع الطلاق بالمتمتع بها. نعم فيها ما يدل على حصوله بانقضاء المدة و بهبتها و لكن ذلك لا يقتضي عدم صحته عليها لا مكان تعدد الاسباب»(2).

هذا و بالامكان تحصيل بعض الروايات على ذلك من قبيل رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «المتعة ليست من الاربع لأنها لا تطلق و لا ترث و انما هي مستأجرة»(3)، و رواية الحسن الصيقل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: رجل طلّق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها رجل متعة أ تحل للأول‌؟ قال: لا، لان اللّه يقول: فَإِنْ‌ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ‌ لَهُ‌ مِنْ‌ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ‌ زَوْجاً غَيْرَهُ‌ فَإِنْ‌ طَلَّقَها (4)و المتعة ليس فيها طلاق»(5).

و هاتان الروايتان ان تمّ‌ سندهما - و لم يناقش في الاولى بالقاسم بن عروة و في الثانية بالصيقل - كانتا هما المستند و الا انحصر المدرك بالتسالم.4.


1) وسائل الشيعة 478:14 الباب 25 من أبواب المتعة الحديث 1.

2) جواهر الكلام 28:32.

3) وسائل الشيعة 495:14 الباب 43 من أبواب المتعة الحديث 1.

4) البقرة: 230.

5) وسائل الشيعة 369:15 الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4.

22 - و اما تحقق الفرقة بهبة ما تبقى من المدة

فأمر متسالم عليه.

و تدل عليه صحيحة علي بن رئاب: «كتبت اليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها ايامها قبل ان يفضي اليها او وهب لها ايامها بعد ما افضى اليها هل له ان يرجع فيما وهب لها من ذلك‌؟ فوقع عليه السّلام: لا يرجع»(1)و غيرها.

23 - و اما اعتبار الاشهاد في الطلاق

فهو من شعار الامامية. و قد تقدم في بداية البحث عن النكاح حوار الامام الكاظم عليه السّلام مع ابي يوسف القاضي فراجع.

و يدل على ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ‌ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ‌ ... * فَإِذا بَلَغْنَ‌ أَجَلَهُنَّ‌ فَأَمْسِكُوهُنَّ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ أَوْ فارِقُوهُنَّ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ‌ عَدْلٍ‌ مِنْكُمْ‌ (2).

و احتمال رجوع الامر بالاشهاد الى الامساك و الرجعة بعيد لتخلل الفاصل المانع من ذلك.

و الروايات في المسألة كثيرة كادت تبلغ حدّ التواتر، كصحيحة الفضلاء عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه عليهما السّلام: «... و ان طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه اياها بطلاق»(3)و غيرها.

ثم انه ورد في بعض الروايات ما يوهم بعدم اعتبار العدالة في الشاهدين، كما في صحيحة عبد اللّه بن المغيرة: «قلت لأبي الحسن


1) وسائل الشيعة 483:14 الباب 29 من أبواب المتعة الحديث 1.

2) الطلاق: 1-2.

3) وسائل الشيعة 282:15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.

الرضا عليه السّلام: رجل طلّق امرأته و اشهد شاهدين ناصبيين، قال: كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته»(1)و على منوالها صحيحة البزنطي(2).

و هما ان أمكن توجيههما - بدلالتهما على سعة معنى العدالة لما يشمل حسن الظاهر و المعروفية بالصلاح - و الا يلزم طرحهما لمخالفتهما لصريح القرآن الكريم.

24 - و اما عدم اعتبار تشخيص المطلقة بنحو تصح الشهادة

عليها

فهو المشهور. و خالف في ذلك صاحب المدارك قائلا: «... فما اشتهر بين أهل زماننا من الاكتفاء بمجرد سماع العدلين صيغة الطلاق و ان لم يعلما المطلق و المطلقة بوجه بعيد جدا بل الظاهر انه لا أصل له في المذهب، فان النص و الفتوى متطابقان على اعتبار الاشهاد. و مجرد سماع صيغة لا يعرف قائلها لا يسمى اشهادا قطعا»(3).

و ما أفاده قابل للتأمل، فان اعتبار المعرفة التفصيلية لا دليل عليه بل الدليل على عدمه، و هو اطلاق أدلة اعتبار الشهادة.

و دعوى عدم صدق الاشهاد بدون المعرفة التفصيلية مدفوعة بان الاشهاد بمرتبته العالية و ان لم يكن صادقا و لكنه بمرتبة ما صادق، و هو كاف، لعدم الدليل على اعتبار الاكثر.

و يظهر من صاحب الجواهر عدم اعتبار المعرفة الاجمالية أيضا،


1) وسائل الشيعة 290:18 الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 282:15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.

3) الحدائق الناضرة 247:25. و لصاحب المدارك شرح على المختصر النافع من كتاب النكاح إلى آخر النذر باسم نهاية المرام في شرح مختصر شرايع الإسلام. و هو لم يطبع بعد.

فلو كان لشخص عدة زوجات و قال: زوجتي طالق قاصدا لمعينة لا يعرفها الشاهدان كفى ذلك تمسكا باطلاق الادلة(1).

هذا و يمكن أن يضاف الى التمسك بالاطلاق النصوص الخاصة، كصحيحة صفوان عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام: «سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق و قوم يسمعون كلامه و لم يقل لهم اشهدوا أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم هذه شهادة»(2)، و صحيحة ابي بصير: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن رجل تزوج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال في مجلس واحد و مهورهن مختلفة قال: جائز له و لهن. قلت:

أ رأيت ان هو خرج الى بعض البلدان فطلّق واحدة من الأربع و اشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد و هم لا يعرفون المرأة ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة المطلقة ثم مات بعد ما دخل بها كيف يقسّم ميراثه‌؟ قال: ان كان له ولد...»(3)و غيرهما.

و مما يؤكد عدم اعتبار المعرفة التفصيلية سيرة المتشرعة. قال صاحب الحدائق معلقا على مختار صاحب المدارك: «ما ذكرنا من الاكتفاء بالمعرفة الاجمالية هو الذي جرى عليه مشايخنا الذين عاصرناهم و حضرنا مجالس طلاقهم كما حكاه هو أيضا عما اشتهر في زمانه. و اما ما ادّعاه رحمه اللّه فلم أقف له على موافق»(4).

25 - و اما ان صيغة الطلاق ما تقدم

فلصحيحة محمد بن مسلم


1) جواهر الكلام 106:32.

2) وسائل الشيعة 302:15 الباب 21 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 303:15 الباب 23 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

4) الحدائق الناضرة 251:25.

حيث «سأل أبا جعفر عليه السّلام عن رجل قال لامرأته: انت عليّ‌ حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية قال: هذا كله ليس بشيء انما الطلاق ان يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضها قبل ان يجامعها: أنت طالق أو اعتدي يريد بذلك الطلاق و يشهد على ذلك رجلين عدلين»(1)و غيرها.

و المذكور فيها جملة: «انت طالق» و لكنه يتعدّى إلى غيرها مما اشتمل على كلمة «طالق» من جهة انه في الطلاق لا يلزم ان يواجه الزوج به زوجته و يخاطبها به بل يجوز ايقاعه عند غيبتها التي لا يتأتى معها الخطاب بضمير «أنت».

و هل يتحقق الطلاق بجملة «اعتدي»؟ المناسب ذلك - لو لم يثبت تسالم على الخلاف - تمسكا بالصحيحة المذكورة و غيرها. و نسب القول بذلك إلى ابن الجنيد(2).

الا انه اذا ثبت تسالم الاصحاب على عدم القول بذلك فالمتعين الاقتصار على الصيغة المتقدمة و لا أقل من كون ذلك هو مقتضى الاحتياط‍‌ اللازم.

26 - و اما إجزاء الترجمة عند تعذر النطق بالعربية

فلان الطلاق لم يشرّع لخصوص العرب.

و هل يلزم توكيل العربي ان أمكن‌؟ المناسب هو العدم لعدم الدليل على ذلك. أجل الاحتياط‍‌ بالتوكيل أمر لا ينبغي تركه.


1) وسائل الشيعة 295:15 الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.

2) الحدائق الناضرة 199:25.

3 - أقسام الطلاق

اشارة

ينقسم الطلاق إلى القسمين التاليين:

الأول: بدعي. و هو ما كان فاقدا للشرائط‍‌ المتقدمة. و حكمه البطلان.

و يلحق بالقسم المذكور الطلاق ثلاثا من دون تخلل رجعة في البين - بان يقول المطلق: انت طالق ثلاثا أو يقول: انت طالق انت طالق انت طالق قاصدا بذلك تعدد الطلاق - الا انه لا يبطل رأسا بل تقع لدى المشهور طلقة واحدة دون ما زاد.

الثاني: سني. و هو الطلاق الجامع للشرائط‍‌ المتقدمة، و هو على نحوين:

1 - بائن. و هو ما لا يحق للزوج الرجوع فيه الى المطلقة سواء كان لها عدة أم لا، و مصاديقه ستة:

أ - طلاق الصغيرة التي لم تبلغ سن المحيض حتى مع فرض الدخول بها عمدا أو اشتباها.

ب - طلاق اليائس.

ج - الطلاق قبل الدخول.

و المرأة في هذه الانحاء الثلاثة للطلاق ليست لها عدة.

د - المطلقة بالطلاق الثالث المسبوق بطلاقين قد تعقبتهما عودة برجوع أو عقد جديد فانها تحرم على زوجها حتى ينكحها رجل آخر و يفارقها بموت أو طلاق. فيجوز آنذاك للأول العقد عليها بعد انتهاء العدة.

ه‍‌ - طلاق الخلع و المباراة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت.

و - طلاق الحاكم الشرعي لزوجة الممتنع من الانفاق و الطلاق.

2 - رجعي. و هو ما يحق للزوج الرجوع فيه في العدة سواء رجع بالفعل أم لا، و مصداقه كل ما عدا الأفراد الستة المتقدمة.

ثم ان الرجعي ينقسم بدوره إلى عدي و غيره.

و يراد من العدي ان يطلّق الزوج زوجته على الشرائط‍‌ ثم يراجع قبل الخروج من العدة و يواقع ثم يطلقها في غير طهر المواقعة ثم يراجعها و يواقعها ثم يطلقها في طهر آخر. و بذلك تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، فاذا طلقها او مات جاز للأول الزواج بها بعد انتهاء العدة.

هذا هو الطلاق العدي. و اذا تكرر حرمت في السادس أيضا حتى تنكح آخر بالشكل المتقدم، و في التاسع تحرم مؤبدا.

و الطلاق العدي بالمعنى المذكور متقوم بأمرين:

أولهما: تخلل رجعتين. و لا يكفي وقوع عقدين جديدين أو عقد و رجعة.

ثانيهما: تحقق المواقعة بعد كل رجعة.

فطلاق العدة على هذا مركب من ثلاث طلقات: ثنتان منها رجعية و واحدة - و هي الثالثة - بائنة.

و لا خلاف في تحقق الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع في الطلاق العدي بالتفسير المذكور. كما لا خلاف - من غير ابن بكير - في تحقق الحرمة في كل طلاق ثالث بأي شكل اتفق. و انما الخلاف في تحقق الحرمة المؤبدة في الطلاق التاسع فيما اذا لم يكن عديا بالمعنى المتقدم و المشهور صار الى العدم.

ثم ان الطلاق السني له ثلاثة اطلاقات:

أ - سني بالمعنى الأعم. و هو كل طلاق جامع للشرائط‍‌ مقابل الطلاق البدعي الفاقد لبعضها. و هذا الاطلاق هو ما تقدمت الاشارة إليه.

ب - سني مقابل العدي. و هو ما تتحقق به الرجعة في العدة من دون مواقعة.

ج - سني بالمعنى الأخص. و هو ما لا تتحقق فيه الرجعة في العدة بل تنقضي ثم يتزوجها الزوج بعقد جديد.

و المستند في ذلك:

1 - اما التقسيم الى البدعي و السني

فهو - كما تقدم - باعتبار الواجدية للشرائط‍‌ المتقدمة و عدمها، فما كان فاقدا لها هو بدعي نسبة إلى البدعة بمعنى المحرم، أي غير المشروع، و ما كان واجدا لها هو سني نسبة الى السنة بمعنى المشروع.

و المعروف في كلمات بعض الاصحاب - كالمحقق و غيره - اصطلاح البدعي على أقسام ثلاثة من الطلاق غير المشروع - و ليس على جميع مصاديقه و ان كانت كلها باطلة - هي: طلاق الحائض و النفساء في غير موارد الاستثناء، و الطلاق في طهر المقاربة، و طلاق الثلاث من غير تخلل رجعة(1).

و الأمر سهل بعد عدم المشاحة في الاصطلاح.

2 - و اما ان البدعي باطل

فلان المشروط‍‌ عدم عند عدم شرطه.

هذا في مذهبنا. و اما الجمهور فقد اتفقت كلمتهم على الصحة مع الاثم(2).


1) شرايع الإسلام 558:3 انتشارات استقلال.

2) قال الجزيري: «اذا طلّق الزوج امرأته طلاقا بدعيا فانه تسن له رجعتها... و يحسب عليه الطلاق البدعي سواء كان واحدا أو أكثر باتفاق الائمة الاربعة. و خالفهم بعض الشواذ الذين لا يعوّل على آرائهم. راجع الفقه على المذاهب الأربعة 274:4 مبحث ما يترتب على الطلاق البدعي من الاحكام.

هذا كله في غير الطلاق ثلاثا بلا تخلل رجعة، و اما هو فيقع واحدا عندنا كما سيتضح وجهه.

3 - و اما الطلاق ثلاثا بدون تخلل رجعة

فقد اتفقت كلمة أصحابنا على بطلانه، بمعنى عدم وقوعه ثلاثا خلافا للجمهور(1)

هذا و قد جاءت روايات أهل البيت عليهم السّلام ترد بشدة على الطلاق ثلاثا و انه لا يقع الا واحدة أو ليس بشيء و انه مخالف لكتاب اللّه عزّ و جلّ‌.

نعم هو مخالف لكتاب اللّه الناطق بان اَلطَّلاقُ‌ مَرَّتانِ‌ البقرة: 229.

ان تعريف الطلاق بالألف و اللام يدل على ان الطلاق المشروع هو المرتان لا غير، و واضح ان عنوان المرتين لا يصدق الا مع التفرقة بين الطلاقين.

. و اتفقت أيضا على وقوعه واحدا في حالة الولاء، أي تكرار جملة «انت طالق» ثلاث مرات، و اختلفت في حالة الارسال و عدم التكرار، بان قيل: «انت طالق ثلاثا».

و لو لا حظنا مقتضى القاعدة فالمناسب هو التفصيل، ففي حالة الولاء يقع واحدا لان جملة «انت طالق» الاولى تقتضي تحقق الطلاق


1) قال الجزيري: «يملك الرجل الحرّ ثلاث طلقات و لو كان زوجا لأمة و يملك العبد طلقتين و لو كان زوجا لحرة، فاذا طلّق الرجل زوجته ثلاثا دفعة واحدة، بان قال لها: انت طالق ثلاثا لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الاربعة. و هو رأي الجمهور. و خالفهم في ذلك بعض المجتهدين، كطاوس و عكرمة و ابن اسحاق، و على رأسهم ابن عباس رضي اللّه عنهم، فقالوا: انه يقع به واحدة لا ثلاث، و دليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ابي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه اناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم» الفقه على المذاهب الأربعة 303:4 مبحث تعدد الطلاق.

و تشملها العمومات الدالة على تحقق الطلاق بصيغة «انت طالق»(1).

و مجرد تكرارها ثانية و ثالثة لا يمنع من صحتها و وقوع الطلاق الواحد.

و اما في حالة الارسال فمع قصد ايقاع الطلاق بجملة «انت طالق» ثم اعتبار كونه ثلاثا عند التلفظ‍‌ بلفظ‍‌ «ثلاثا» فالمناسب وقوع واحد لما تقدم، و مع قصد ايقاع الثلاث بمجموع الجملة لا بخصوص قيد «ثلاثا» فالمناسب البطلان رأسا لان ما قصد لا يمكن ان يقع و ما يمكن ان يقع لم يقصد.

هذا بمقتضى القاعدة.

و لو رجعنا الى الروايات وجدناها على طائفتين:

الاولى: ما دلت على وقوع طلاق واحد من دون تفصيل بين حالة الولاء و حالة الارسال. و هي متعددة، كصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام:

«سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثا في مجلس واحد و هي طاهر قال: هي واحدة»(2)، و صحيحة الاسدي و الحلبي و ابن حنظلة جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الطلاق ثلاثا في غير عدة(3)ان كانت على طهر فواحدة و ان لم تكن على طهر فليس بشيء»(4).

الثانية: ما دلت على البطلان رأسا، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «من طلّق ثلاثا في مجلس فليس بشيء. من خالف كتاب اللّه1.


1) كصحيحة محمد بن مسلم المشار اليها في الرقم 25 من مبحث شرائط‍‌ صحة الطلاق.

2) وسائل الشيعة 311:15 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2.

3) يراد من الطلاق في غير عدة الطلاق الذي لا يتعقبه رجوع في العدة.

4) وسائل الشيعة 311:15 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

عز و جل ردّ الى كتاب اللّه عز و جل و ذكر طلاق ابن عمر»(1)و غيرها.

و قد جمع في الحدائق بحمل الاولى على حالة الولاء و الثانية على حالة الارسال مستندا في ذلك الى ان روايات الطائفة الاولى قد اشتملت على تعبير «الطلاق ثلاثا»، و هو لا يصدق الا مع تكرار جملة «انت طالق» ثلاثا نظير ما لو قيل: سبّح اللّه عشرا فانه لا يصدق على قول: «سبحان اللّه عشرا»(2).

و فيه: ان التعبير ب‍‌ «طلّق ثلاثا في مجلس واحد» وارد في كلتا الطائفتين لا في خصوص الاولى.

و لعل الانسب حمل الطائفة الثانية على نفي وقوعه ثلاثا لان النفي في جملة «فليس بشيء» مطلق فيقيد بالثلاث بقرينة الطائفة الاولى.

هكذا يقال أو يقال بحمل الطائفة الثانية على من طلّق ثلاثا في حالة عدم الطهر بقرينة صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «من طلّق امرأته ثلاثا في مجلس و هي حائض فليس بشيء. و قد ردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طلاق ابن عمر اذ طلق امرأته ثلاثا و هي حائض فأبطل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذلك الطلاق و قال: كل شيء خالف كتاب اللّه و السنة ردّ الى كتاب اللّه»(3)، فان صحيحة ابي بصير بقرينة استشهادها بطلاق ابن عمر واضحة في النظر الى حالة الطلاق بدون طهر.

و على كلا التوجيهين تبقى الطائفة الاولى بلا معارض فيتمسك باطلاقها لإثبات تحقق طلقة واحدة عند الطلاق ثلاثا سواء كان بنحو9.


1) وسائل الشيعة 313:15 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8.

2) الحدائق الناضرة 239:25.

3) وسائل الشيعة 313:15 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 9.

الولاء أم بنحو الارسال.

اللهمّ‌ الا ان يقال بعدم صدق عنوان الطلاق ثلاثا في حالة الارسال - كما هو ليس ببعيد - فينحصر نظر الطائفة الاولى بحالة الولاء و يلزمنا في حالة الارسال الرجوع الى مقتضى القاعدة بالبيان المتقدم.

4 - و اما ان طلاق الصغيرة و اليائس و غير المدخول بها بائن

فباعتبار انه لا عدة لها، و معه فلا يتمكن المطلّق من الرجوع اليها. و يأتي ان شاء اللّه تعالى في مبحث أحكام العدة الوجه في عدم وجوب العدة على الثلاث المذكورة.

5 - و اما ان المطلقة بالطلاق الثالث تحرم على زوجها حتى

ينكحها آخر

فهو من ضرورات الفقه بل الدين. و يدل عليه قوله تعالى:

اَلطَّلاقُ‌ مَرَّتانِ‌ فَإِمْساكٌ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ أَوْ تَسْرِيحٌ‌ بِإِحْسانٍ‌ ... * فَإِنْ‌ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ‌ لَهُ‌ مِنْ‌ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ‌ زَوْجاً غَيْرَهُ‌ فَإِنْ‌ طَلَّقَها فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِما أَنْ‌ يَتَراجَعا إِنْ‌ ظَنّا أَنْ‌ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌ (1). و هي باطلاقها تشمل حالة العودة بعد كل طلقة بالرجوع أو بعقد جديد.

و الروايات في المسألة كثيرة، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره و يذوق عسيلتها»(2)

و العسيلة: الجماع أو اللذة، فان العرب تسمي كل شيء تستلذه عسلا.

و غيرها. و هي مطلقة كالآية الكريمة.
6 - و اما تعميم مفارقة المحلل لما اذا كانت بالموت
• بالرغم من

1) البقرة: 229-230.

2) وسائل الشيعة 353:15 الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 10.

التقييد في الآية الكريمة بالطلاق - باعتبار ان المفهوم من الروايات ان المهم في حصول التحليل ذوق المحلل لعسيلة المطلقة دون تطليقه لها بعنوانه. هذا مضافا الى التصريح بالتعميم في موثقة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «... فاذا طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فاذا تزوجها غيره و لم يدخل بها و طلقها او مات عنها لم تحل لزوجها الاول حتى يذوق الآخر عسيلتها»(1)و غيرها.

7 - و اما ان الطلاق في الخلع و المباراة بائن ما دام لم ترجع

الزوجة في البذل

فمما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الخلع و المباراة تطليقة بائن و هو خاطب من الخطاب»(2).

و اما التقييد بعدم رجوع الزوجة في البذل فلانه مع رجوعها يحق للزوج الرجوع أيضا، و هو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة البقباق عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المختلعة ان رجعت في شيء من الصلح يقول لا رجعن في بضعك»(3).

8 - و اما ان طلاق الممتنع من الانفاق و الطلاق بائن

فلان النصوص و ان لم تدل على ذلك بل دلت على ثبوت الولاية في الطلاق، كما في صحيحة ابي بصير: «سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعم ما يقيم صلبها كان


1) وسائل الشيعة 366:15 الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 417:15 الباب 8 من أبواب العدد الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 499:15 الباب 7 من أبواب الخلع و المباراة الحديث 3.

حقا على الامام ان يفرّق بينهما»(1)و غيرها، الا انه لا بدّ من كونه بائنا و الا يلزم نقض الغرض و عدم الفائدة في طلاق الحاكم.

9 - و اما ان الطلاق الرجعي هو ما جاز للزوج الرجوع فيه سواء

رجع بالفعل أم لا

فهو من واضحات الفقه، و يدل عليه قوله تعالى:

وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ‌ لَهُنَّ‌ أَنْ‌ يَكْتُمْنَ‌ ما خَلَقَ‌ اللّهُ‌ فِي أَرْحامِهِنَّ‌ إِنْ‌ كُنَّ‌ يُؤْمِنَّ‌ بِاللّهِ‌ وَ الْيَوْمِ‌ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ‌ أَحَقُّ‌ بِرَدِّهِنَّ‌ فِي ذلِكَ‌ (2).

10 - و اما تفسير الطلاق العدي بما ذكر

فهو متسالم عليه. و تدل عليه صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «... و اما طلاق العدة الذي قال اللّه عز و جل: فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ‌ (3)فاذا اراد الرجل منكم ان يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك ان احبّ‌ او بعد ذلك بأيام قبل ان تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها حتى تحيض، فاذا حاضت و خرجت من حيضها طلّقها تطليقة اخرى من غير جماع يشهد على ذلك ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل ان تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه الى ان تحيض الحيضة الثالثة فاذا خرجت من حيضتها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك فاذا فعل ذلك فقد


1) وسائل الشيعة 223:15 الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 2.

2) البقرة: 228.

3) الطلاق: 1.

بانت منه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره»(1)و غيرها.

و يستفاد من الصحيحة اضافة بعض القيود الاخرى للطلاق العدي أكثر مما نقلناه في تفسير الفقهاء، من قبيل ان يكون الرجوع قبل ان تحيض الحيض الاول و لا يكفي الرجوع اثناء العدة متى ما تحقق.

ثم انه ذكر الشهيد الثاني في الروضة ان اطلاق الطلاق العدي على مجموع الطلقات الثلاث المتقدمة يشتمل على المسامحة، فان الطلاق العدي هو الاول و الثاني دون الثالث، فانه ليس عديّا حيث لا يمكن الرجوع فيه(2).

و الامر سهل بعد عدم المشاحة في الاصطلاح فيمكن افتراض وضع مصطلح الطلاق العدي للطلقات الثلاث بالشكل المتقدم.

11 - و اما الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع العدي

فمتسالم عليها.

و تدل على ذلك رواية زرارة و داود بن سرحان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«... و الذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات و تزوج ثلاث مرات لا تحل له ابدا»(3)و غيرها.

و ليس في السند من يتأمل فيه سوى المثنى - فانه مشترك بين جماعة لم تثبت وثاقة بعضهم - و الامر فيه سهل بعد رواية البزنطي عنه بناء على تمامية كبرى وثاقة كل من روى عنه أحد الثلاثة.

هذا من حيث السند.

و اما الدلالة فالقدر المتيقن منها هو الطلاق العدي.


1) وسائل الشيعة 348:15 الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

2) الروضة البهية 131:2.

3) وسائل الشيعة 358:15 الباب 4 من أقسام الطلاق الحديث 4.

12 - و اما الحرمة في كل طلاق ثالث - بأي شكل اتفق - حتى تنكح

زوجا آخر

فلم ينسب الخلاف فيها الا الى عبد اللّه بن بكير الذي هو من الفطحية. و يدل على ذلك الكتاب الكريم و الروايات المتقدمة في الرقم 5.

و المنسوب الى ابن بكير(1)

و الرأي المذكور لابن بكير قد أشارت اليه الرواية الآتية و نقل في جواهر الكلام 129:32 و الروضة البهية 131:2 و غيرهما.

ان المطلقة بالطلاق الثالث لا تحرم على زوجها بل اذا انتهت عدة الطلاق الثالث جاز لزوجها العقد عليها بلا توقف على نكاح شخص آخر فيما اذا لم يكن الطلاق عديا، و اما العدي فلا خلاف فيه حتى منه.

و مستنده في ذلك غير واضح فتارة يستند الى رواية رفاعة و اخرى الى ان ذلك امر رزقه اللّه اياه.

روى الشيخ الكليني عن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن محمد بن زياد و صفوان عن رفاعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل طلّق امرأته حتى بانت منه و انقضت عدتها ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا ثم تزوجت زوجها الاول أ يهدم ذلك الطلاق الاول‌؟ قال: نعم. قال ابن سماعة: و كان ابن بكير يقول: المطلقة اذا طلقها زوجها ثم تركها حتى تبين ثم تزوجها فانما هي على طلاق مستأنف. قال: و ذكر الحسين بن هاشم انه سأل ابن بكير عنها فأجابه بهذا الجواب فقال:

سمعت في هذا شيئا؟ قال: رواية رفاعة. قال: ان رفاعة روى اذا دخل بينهما زوج فقال: زوج و غير زوج عندي سواء. فقلت: سمعت في هذا شيئا؟ قال: لا، هذا مما رزق اللّه من الرأي. قال ابن سماعة: و ليس نأخذ


1) و لربما يظهر ذلك من الشيخ الصدوق أيضا في كتاب من لا يحضره الفقيه 320:3.

بقول ابن بكير، فان الرواية اذا كان بينهما زوج»(1).

و مناقشة رأي ابن بكير واضحة، فان مقتضى اطلاق الآية الكريمة و الرواية المتقدمتين في الرقم 5 عدم الفرق بين الطلاق العدي و غيره في تحقق الحرمة بالطلاق الثالث حتى تنكح زوجا غيره. و لا مقيد للإطلاق المذكور سوى صحيحة رفاعة، و لكنها خاصة بما اذا تزوج رجل آخر بالمطلقة بعد الطلاق، و محل الكلام فيما اذا لم يتخلل الزواج بآخر بين الطلقات.

13 - و اما الحرمة المؤبدة في الطلاق التاسع اذا لم يكن عديّا

فالمشهور عدمها.

و المناسب عدم الفرق بين العدي و غيره، ففي كليهما تثبت الحرمة المؤبدة في الطلاق التاسع لإطلاق رواية زرارة و داود بن سرحان المتقدمة في الرقم 11. و لا وجه لتخصيصها بالطلاق العدي الا اذا تمّ‌ اجماع تعبدي على ذلك.

قال في الجواهر - بعد ذكر رواية زرارة و داود و غيرها من الروايات الاخرى - ما نصه: «الا ان الجميع كما ترى لا صراحة فيه في اشتراط‍‌ التحريم بالتسع في الطلاق العدي على الوجه المزبور بل ظاهره الاطلاق. فالعمدة حينئذ الاجماع»(2).

و المناسب تحفظا من مخالفة المشهور و الاجماع المدعى التنزل من الفتوى بالتعميم الى الاحتياط‍‌.

14 - و اما الاطلاقات الثلاثة للطلاق السني

فالوجه فيها:


1) وسائل الشيعة 353:15 الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11.

2) جواهر الكلام 122:32.

اما بالنسبة الى الاطلاق الاول فواضح لان كل طلاق جمع الشرائط‍‌ فهو سني، بمعنى انه مشروع.

و اما بالنسبة الى الاطلاق الثاني فلان ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة في الرقم 10 اختصاص الطلاق العدي بما تحقق فيه الرجوع بعد الطلاق و المواقعة، و معه فالطلاق الذي يتحقق الرجوع بعده بلا مواقعة هو سني بالمعنى المقابل للعدي.

و اما بالنسبة الى الاطلاق الثالث فلصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «طلاق السنة يطلقها تطليقة يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضي اقراؤها فاذا مضت اقراؤها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطّاب ان شاءت نكحته و ان شاءت فلا...»(1).

4 - أحكام العدة

اشارة

تجب العدة - بمعنى وجوب التربص على المرأة فترة معينة بترك الزواج فيها اما مع ثبوت الحق لزوجها في الرجوع اليها أو بدونه - على:

1 - المطلقة فيما اذا كانت مدخولا بها و لم تكن صغيرة و لا يائسا و الا فلا عدة عليها. و مقدارها ثلاثة قروء، أي ثلاثة اطهار.

و يكفي في الطهر الاول مسماه فاذا طلقت و قد بقيت من طهرها فترة قليلة ثم مرّ بها طهران تامان آخران فبمجرد رؤية دم الحيضة الثالثة


1) وسائل الشيعة 344:15 الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2.

تخرج من العدة.

هذا في غير المسترابة. و اما هي - بان كانت لا تحيض و هي في سن من تحيض - فعدتها ثلاثة أشهر.

كما ان هذا كله في غير الحامل. و اما الحامل فتنتهي عدتها بوضع الحمل.

2 - المتوفى عنها زوجها. و مقدارها أربعة أشهر و عشرة أيام. من دون فرق بين حالات الزوج من كونه كبيرا أو صغيرا. و من دون فرق بين حالات الزوجة من كونها صغيرة أو كبيرة، يائسا او لا، مدخولا بها او لا، دائمة أو متمتعا بها.

هذا في غير الحامل.

و اما الحامل فعدتها أبعد الأجلين من المدة المذكورة و وضع الحمل.

و يلزم على الزوجة اذا كانت كبيرة عاقلة الحداد خلال عدة الوفاة، و ذلك بترك كل ما يعدّ زينة بحسب العرف الاجتماعي الذي تعيشه، فيلزم ترك التزين بالكحل و الطيب و الخضاب و الحمرة و الملابس التي تعدّ زينة عرفا و ما شاكل ذلك.

و يجوز مثل تنظيف البدن و تمشيط‍‌ الشعر و ما شاكل ذلك مما لا يعدّ زينة.

3 - الموطوءة شبهة. و عدتها عدة المطلقة.

4 - المفسوخ عقدها بعد الدخول بفسخ لعيب و نحوه او بانفساخ لارتداد أو رضاع و نحوهما. و عدتها كعدة المطلقة.

أجل اذا ارتدّ الزوج عن فطرة فالعدة عدة الوفاة.

5 - المتمتع بها. و عدتها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الأجل أو هبة المقدار المتبقى.

هذا اذا لم تكن حاملا.

و اما الحامل فعدتها ان لم تكن من الوفاة تنتهي بوضع الحمل، و ان كانت منها فأبعد الاجلين من ذلك و من اربعة اشهر و عشرة ايام.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب العدة في الجملة

فهو من واضحات الفقه بل من ضروريات الدين. و يدل عليه الكتاب الكريم في جملة من المواضع، كقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ‌ لَهُنَّ‌ أَنْ‌ يَكْتُمْنَ‌ ما خَلَقَ‌ اللّهُ‌ فِي أَرْحامِهِنَّ‌ إِنْ‌ كُنَّ‌ يُؤْمِنَّ‌ بِاللّهِ‌ وَ الْيَوْمِ‌ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ‌ أَحَقُّ‌ بِرَدِّهِنَّ‌ فِي ذلِكَ‌ (1)، وَ اللاّئِي يَئِسْنَ‌ مِنَ‌ الْمَحِيضِ‌ مِنْ‌ نِسائِكُمْ‌ إِنِ‌ ارْتَبْتُمْ‌ فَعِدَّتُهُنَّ‌ ثَلاثَةُ‌ أَشْهُرٍ وَ اللاّئِي لَمْ‌ يَحِضْنَ‌ وَ أُولاتُ‌ الْأَحْمالِ‌ أَجَلُهُنَّ‌ أَنْ‌ يَضَعْنَ‌ حَمْلَهُنَّ‌ (2)، وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ أَرْبَعَةَ‌ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (3)،... ثُمَّ‌ طَلَّقْتُمُوهُنَّ‌ مِنْ‌ قَبْلِ‌ أَنْ‌ تَمَسُّوهُنَّ‌ فَما لَكُمْ‌ عَلَيْهِنَّ‌ مِنْ‌ عِدَّةٍ‌ تَعْتَدُّونَها (4).

و اما الروايات فهي فوق حدّ الاحصاء. و سيوافيك بعضها فيما يلي من أبحاث إن شاء اللّه تعالى.

2 - و اما تفسير العدة بما تقدم

فهو من واضحات الفقه. و تدل عليه الآيات الكريمة السابقة.

3 - و اما وجوب العدة على المطلقة

فقد اتضح مما سبق. و اما عدم


1) البقرة: 228.

2) الطلاق: 4.

3) البقرة: 234.

4) الأحزاب: 49.

وجوب العدة على غير المدخول بها فهو مما لا كلام فيه. و يدل عليه قوله تعالى:... ثُمَّ‌ طَلَّقْتُمُوهُنَّ‌ مِنْ‌ قَبْلِ‌ أَنْ‌ تَمَسُّوهُنَّ‌ فَما لَكُمْ‌ عَلَيْهِنَّ‌ مِنْ‌ عِدَّةٍ‌ تَعْتَدُّونَها ، و الروايات الشريفة، كصحيحة أبي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها تطليقة واحدة فقد بانت منه و تزوج من ساعتها ان شاءت»(1)و غيرها.

4 - و اما الصغيرة و اليائس

فالمشهور بين الاصحاب عدم ثبوت العدة عليهما. و خالف في ذلك السيد المرتضى فأثبتها عليهما(2).

و منشأ الخلاف في ذلك أمران: الآية الكريمة و الروايات.

اما الآية الكريمة: وَ اللاّئِي يَئِسْنَ‌ مِنَ‌ الْمَحِيضِ‌ مِنْ‌ نِسائِكُمْ‌ إِنِ‌ ارْتَبْتُمْ‌ فَعِدَّتُهُنَّ‌ ثَلاثَةُ‌ أَشْهُرٍ وَ اللاّئِي لَمْ‌ يَحِضْنَ‌... (3)فقد استدل بها السيد المرتضى على مدعاه بتقريب انها تدل بوضوح على ثبوت العدة ثلاثة أشهر للآيسات و اللائي لم يحضن. و لا يوجد ما يحول دون الاخذ بذلك سوى الشرط‍‌ - إِنِ‌ ارْتَبْتُمْ‌ - فانه لا يتلاءم مع افتراض عدم بلوغ سن الحيض او تجاوزه و لكنه يمكن تفسيره بالجهل، اي ان عدتهن ثلاثة أشهر ان كنتم جاهلين و غير عالمين بمقدارها.

و يؤيده ما ورد في شأن النزول من ان البعض سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله عن السبب في عدم ذكر عدد بعض النساء - كالكبار و الصغار و اولات الاحمال - في القرآن الكريم فنزلت الآية الكريمة.

هذا هو المقصود من الارتياب. و ليس المقصود الارتياب في انها


1) وسائل الشيعة 404:15 الباب 1 من أبواب العدد الحديث 3.

2) الحدائق الناضرة 431:25.

3) الطلاق: 4.

يائس أو لا، اذ فرض في الآية الكريمة اليأس من الحيض، و مع الارتياب بالمعنى المذكور لا يأس.

هذا توضيح ما أفاده قدّس سرّه(1).

و اما الروايات فهي على طائفتين، فهناك مجموعة تبلغ أربعا أو أكثر دلت على عدم ثبوت العدة لليائس و الصغيرة، كصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن التي قد يئست من المحيض و التي لا يحيض مثلها، قال: ليس عليها عدة»(2)و غيرها.

و هناك مجموعة تقرب من مقدار الطائفة الاولى دلت على ثبوت العدة عليهما و انها ثلاثة اشهر، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«عدة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر و الجارية التي قد يئست و لم تدرك الحيض ثلاثة أشهر...»(3).

و هذا الاختلاف بين الروايات هو سبب آخر لعدم وضوح حكم المسألة.

و السيد المرتضى لم يعر أهمية للأخبار المذكورة. و لعل ذلك نشأ من مبناه في مسألة حجية الخبر.

و اما رأي المشهور ففي مقام الدفاع عنه يمكن أن يقال:

اما بالنسبة إلى الآية الكريمة فالمناسب لو كان المقصود ما ذكره السيد المرتضى في تفسير معنى الارتياب التعبير بالجهل دون الارتياب. على ان جميع الاحكام واردة في حالة الجهل بها فلا وجه8.


1) الحدائق الناضرة 433:25.

2) وسائل الشيعة 404:15 الباب 1 من أبواب العدد الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 408:15 الباب 2 من أبواب العدد الحديث 8.

لتقييد خصوص الحكم المذكور بذلك.

و عليه يتعين ان يكون المقصود: ان ارتبتم في تحقق اليأس لهن واقعا و عدمه فعدتهن... و لازم ذلك انه مع عدم الارتياب - بان كان يجزم باليأس - فلا عدة عليهن لا بالاقراء و لا بالاشهر اذ لا يحتمل ثبوت العدة عليهن بشكل آخر.

و التعبير عنهن ب‍‌ اَللاّئِي يَئِسْنَ‌ مِنَ‌ الْمَحِيضِ‌ وجيه بعد افتراض انهن اشرفن على سن اليأس و احتمل ذلك في حقهن.

و اما قوله: وَ اللاّئِي لَمْ‌ يَحِضْنَ‌ فليس من البعيد أن يكون المراد منه: و اللائي لم يحضن ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر. و الارتياب لا يتصور في حق التي لم تحض الا اذا فرض انها في سن من تحيض و لم تحض.

و عليه فالآية الكريمة أجنبية عن الصغيرة التي هي ليست في سن من تحيض.

يبقى انه لو كان المقصود من الارتياب هذا المعنى فالمناسب ان يعبر: ان ارتبن لا إِنِ‌ ارْتَبْتُمْ‌ .

و الجواب: ان التعبير المذكور وجيه بعد ان كان ارتياب الرجال يؤثر على موقفهم، حيث لا يجوز لهم آنذاك الزواج بهن اثناء الاشهر الثلاثة و يجوز لأزواجهن الرجوع إليهن.

و اما بالنسبة الى الروايات فاذا أمكن الجمع بحمل الثانية على الاستحباب بقرينة الاولى فلا اشكال.

و اذا لم يمكن ذلك لعدم عرفية الجمع المذكور يلزم ترجيح الاولى

لموافقة الثانية للتقية(1).

و مع التنزل يلزم التعارض و التساقط‍‌. و من ثمّ‌ لا يبقى دليل على لزوم العدة على اليائس و الصغيرة و يكون المرجع هو اطلاقات جواز النكاح. و على جميع التقادير الثلاثة تعود النتيجة واحدة.

5 - و اما ان العدة ثلاثة قروء

فلصريح الآية الكريمة: وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ... (2).

و اما ان القرء هو بمعنى الطهر دون الحيض فالروايات فيه متعارضة، فهناك مجموعة دلت على انه بمعنى الطهر و مجموعة اخرى على انه بمعنى الحيض.

مثال الاولى: صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «الاقراء هي الاطهار»(3). و في صحيحته الاخرى: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي ان الاقراء التي سمى اللّه عز و جل في القرآن انما هو الطهر فيما بين الحيضتين فقال: كذب، لم يقل برأيه و لكنه انما بلغه عن علي عليه السّلام. فقلت: كان علي عليه السّلام يقول ذلك‌؟ فقال: نعم، انما القرء الطهر الذي يقرؤ فيه الدم فيجمعه فاذا جاء المحيض دفعه»(4)و غيرهما.

و مثال الثانية: صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «عدة التي


1) نقل الجزيري في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 482:4 ان الحنفية قالوا بثبوت العدة على الصغيرة. و هكذا المالكية و الشافعية قالت بثبوت العدة عليها لو كانت تطيق الوط‍‌ء.

2) البقرة: 228.

3) وسائل الشيعة 424:15 الباب 4 من أبواب العدد الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 224:15 الباب 14 من أبواب العدد الحديث 4.

تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء، و هي ثلاث حيض»(1).

و التعارض بين الطائفتين مستقر.

و يمكن ترجيح الاولى اما لأنها مخالفة للتقية - حسب دعوى الشيخ الطوسي(2)او لموافقتها للكتاب الكريم اما ببيان ان القرء عبارة عن الجمع، و جمع الدم و حبسه يتحقق في حالة الطهر - كما تشير إلى ذلك صحيحة زرارة المتقدمة - فيكون القرء متحققا حالة الطهر أو ببيان ان ظاهر الآية الكريمة ان مدة التربص التي هي ثلاثة قروء تبتدئ من حين الطلاق، و ذلك لا يتم الا بتفسير القرء بالطهر.

6 - و اما انه يكفي في الطهر الاول مسماه

، و من ثمّ‌ يكفي في انتهاء العدة مجرد رؤية دم الحيضة الثالثة فتدل عليه الروايات الكثيرة، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «قلت له: اصلحك اللّه رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين فقال: اذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و حلت للأزواج. قلت له: اصلحك اللّه ان اهل العراق يروون عن علي عليه السّلام انه قال: هو احق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة فقال: فقد كذبوا»(3)و غيرها، فان مقتضى اطلاق قوله عليه السّلام: «اذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها» انه برؤية الدم الثالث تنتهي العدة سواء كان الطلاق قد وقع في بداية الطهر الاول أو قبيل نهايته بلحظة.

و بناء على هذا فأقل زمان يمكن تحقق العدة فيه ستة و عشرون


1) وسائل الشيعة 425:15 الباب 14 من أبواب العدد الحديث 7.

2) نقل ذلك الحر العاملي في وسائله 225:15 من أبواب العدد الباب 14 في ذيل الحديث 7.

3) وسائل الشيعة 426:15 الباب 15 من أبواب العدد الحديث 1.

يوما و لحظتان، بان يفترض ان طهرها الاول لحظة ثم تحيض ثلاثة ايام ثم ترى أقلّ‌ الطهر عشرة ايام ثم تحيض ثلاثة ايام ثم ترى أقلّ‌ الطهر عشرة ايام ثم تحيض. و بمجرد رؤية هذا الدم الاخير لحظة من اوله تنقضي العدة. و طبيعي ان هذه اللحظة الاخيرة خارجة عن العدة و دورها دور الكاشف عن تمامية الطهر الثالث.

7 - و اما ان عدة المسترابة ثلاثة اشهر

فيدل عليه قوله تعالى:

وَ اللاّئِي يَئِسْنَ‌ مِنَ‌ الْمَحِيضِ‌ مِنْ‌ نِسائِكُمْ‌ إِنِ‌ ارْتَبْتُمْ‌ فَعِدَّتُهُنَّ‌ ثَلاثَةُ‌ أَشْهُرٍ وَ اللاّئِي لَمْ‌ يَحِضْنَ‌... (1)، فان فقرة وَ اللاّئِي لَمْ‌ يَحِضْنَ‌ تدل على المطلوب، أي و اللائي لم يحضن ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر.

و الارتياب في التي لا تحيض لا يتصور الا في المسترابة كما تقدم في الرقم 4.

و الاخبار في المسألة كثيرة، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «عدة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر ثلاثة اشهر...»(2)و غيرها.

8 - و اما ان عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل

فهو المشهور. و يدل عليه قوله تعالى: وَ أُولاتُ‌ الْأَحْمالِ‌ أَجَلُهُنَّ‌ أَنْ‌ يَضَعْنَ‌ حَمْلَهُنَّ‌ (3)، و الروايات الشريفة، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «طلاق الحامل واحدة فاذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه»(4)و غيرها.


1) الطلاق: 4.

2) وسائل الشيعة 412:15 الباب 4 من أبواب العدد الحديث 7.

3) الطلاق: 4.

4) وسائل الشيعة 418:15 الباب 9 من أبواب العدد الحديث 3.

و في مقابل ذلك قول الشيخ الصدوق و آخرين بان عدتها اقرب الاجلين من الوضع و الاقراء او ثلاثة اشهر تمسكا بصحيحة ابي الصباح عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «طلاق الحامل واحدة و عدتها اقرب الاجلين»(1)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «طلاق الحبلى واحدة و أجلها ان تضع حملها و هو أقرب الاجلين»(2)و غيرهما(3).

و لا يخفى ان الواو في فقرة: «و هو أقرب الاجلين» حالية لا استئنافية، اذ قد يكون الوضع أقرب الاجلين و قد لا يكون.

هذا قول الشيخ الصدوق.

و لا تبعد وجاهته لان الآية الكريمة و الطائفة الاولى من الروايات مطلقة من حيث كون الوضع أقرب الاجلين أو لا فتقيد بالطائفة الثانية الدالة على ان الوضع تنتهي به العدة فيما اذا كان أقرب الاجلين.

و لأجل هذا مال صاحب الجواهر الى القول المذكور(4).

9 - و اما ان عدة المتوفى زوجها اربعة اشهر و عشرة ايام

فهو من ضروريات الفقه بل الدين. و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ أَرْبَعَةَ‌ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (5).

و اما ما تضمنه قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً وَصِيَّةً‌ لِأَزْواجِهِمْ‌ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ‌ (6)فهو تشريع قبل نزول


1) وسائل الشيعة 418:15 الباب 9 من ابواب العدد الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 419:15 الباب 9 من ابواب العدد الحديث 6.

3) جواهر الكلام 252:32.

4) جواهر الكلام 253:32.

5) البقرة: 234.

6) البقرة: 240.

آية العدة و منسوخ بها.

و الروايات في المسألة كثيرة، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال للنساء: اف لكن قد كنتنّ‌ قبل ان ابعث فيكن و ان المرأة منكن اذا توفي عنها زوجها اخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها ثم قالت: لا امتشط‍‌ و لا اكتحل و لا اختضب حولا كاملا و انما امرتكن بأربعة أشهر و عشرا ثم لا تصبرن»(1)و غيرها.

10 - و اما التعميم بلحاظ‍‌ جميع الحالات المتقدمة

فلإطلاق ما تقدم من الآية الكريمة و الروايات الشريفة.

اجل دلت رواية محمد بن عمر الساباطي: «سألت الرضا عليه السّلام عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل ان يدخل بها قال: لا عدة عليها. و سألته عن المتوفى عنها زوجها من قبل ان يدخل بها قال: لا عدة عليها، هما سواء»(2)على اشتراط‍‌ الدخول في ثبوت عدة الوفاة، لكنها مضافا الى ضعف سندهما بالساباطي نفسه ساقطة عن الحجية لهجران الاصحاب لمضمونها.

11 - و اما ان عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الاجلين

فهو مما لا خلاف فيه. و قد يستدل له بانه مقتضى الجمع بين قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ‌ يُتَوَفَّوْنَ‌ مِنْكُمْ‌ وَ يَذَرُونَ‌ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ أَرْبَعَةَ‌ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (3)، و قوله تعالى: وَ أُولاتُ‌ الْأَحْمالِ‌ أَجَلُهُنَّ‌ أَنْ‌ يَضَعْنَ‌


1) وسائل الشيعة 451:15 الباب 30 من أبواب العدد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 462:15 الباب 35 من أبواب العدد الحديث 4.

3) البقرة: 234.

حَمْلَهُنَّ‌ (1)بتقريب ان الحامل مشمولة لكلتا الآيتين الكريمتين، و امتثال الامر فيهما لا يحصل الا بالاعتداد بأبعد الاجلين.

و فيه: ان آية الاحمال ناظرة إلى خصوص المطلقة فلاحظ‍‌.

و الانسب الاستدلال لذلك بالروايات الخاصة، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها آخر الاجلين»(2)و غيرها.

12 - و اما الحداد

(3)فلا خلاف بين المسلمين في وجوبه. و قد دلت عليه صحيحة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن المتوفى عنها زوجها قال: لا تكتحل للزينة و لا تطيب و لا تلبس ثوبا مصبوغا...»(4)و غيرها. و قد فهم منها الاصحاب حرمة كل ما يعدّ زينة. قال في الحدائق:

«و المفهوم من هذه الاخبار ان الحداد هو ترك كل ما يعدّ زينة في البدن أو اللباس و ان اختلف ذلك باختلاف العادات في البلدان فيحكم على كل بلد بما هو المعتاد فيها»(5).

اجل قيّد بعض الاصحاب - و منهم السيد اليزدي - التزين المنهي عنه بما يعدّ زينة للزوج(6).

و لعله استند في ذلك الى موثقة عمار الساباطي عن ابي


1) الطلاق: 4.

2) وسائل الشيعة 455:15 الباب 31 من أبواب العدد الحديث 1.

3) الحداد من الحدّ بمعنى المنع، فان الزوجة حيث تمنع نفسها من التزين فهي حادة.

4) وسائل الشيعة 450:15 الباب 29 من أبواب العدد الحديث 2.

5) الحدائق الناضرة 470:25.

6) ملحقات العروة الوثقى 63:2.

عبد اللّه عليه السّلام: «سأله عن المرأة يموت عنها زوجها هل يحل لها ان تخرج من منزلها في عدتها؟ قال: نعم و تختضب و تكتحل و تمتشط‍‌ و تصبغ و تلبس المصبغ و تصنع ما شاءت بغير زينة لزوج»(1).

الا ان الموثقة قد ترمى بهجران الاصحاب لها لاشتمالها على جواز صنع ما شاءت بشرط‍‌ ان لا يكون معدودا من مصاديق الزينة للزوج، و هو مما لا يقول به الاصحاب.

13 - و اما جواز ما لا يعدّ زينة

فلأصل البراءة بعد قصور المقتضي للتحريم. هذا لو لم يستفد من اخبار الحداد نفسها جواز ذلك و الا كانت هي الدليل، لعدم وصول النوبة الى الاصل العملي بعد فرض وجود الدليل الاجتهادي.

14 - و اما تقييد وجوب الحداد بما اذا كانت الزوجة كبيرة عاقلة

فلأن غيرها لا تكليف عليها، و وجوب الحداد تكليفي.

15 - و اما ثبوت العدة في وط‍‌ء الشبهة

فقد نفى السيد اليزدي الاشكال و الخلاف في ذلك(2). و تدل عليه صحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و الغسل»(3)و غيرها، فانها باطلاقها تشمل وط‍‌ء الشبهة. و الزنا خرج بالمخصص.

و لكن كيف نثبت ان العدة هي بمقدار عدة المطلقة‌؟ ذلك بالبيانات التالية:

أ - ان السكوت عن مقدار العدة مع كونه عليه السّلام في مقام البيان يدل


1) وسائل الشيعة 451:15 الباب 29 من أبواب العدد الحديث 7.

2) ملحقات العروة الوثقى 58:2.

3) وسائل الشيعة 65:15 الباب 54 من أبواب المهور الحديث 4.

على ان عدتها كعدة المطلقة - و هي العدة المعروفة للمرأة التي لم يمت زوجها - و لو كانت غيرها لبيّن عليه السّلام ذلك.

ب - التمسك بصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «عدة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر. و عدة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء...»(1)، فانها تدل على ان عدة المرأة بشكل عام فيما اذا كانت مستقيمة الحيض هي ثلاثة قروء فتشمل محل كلامنا، و الخروج عن ذلك هو الذي يحتاج الى دليل.

ج - التمسك بصحيحة الحلبي الاخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قبل ان تمضي لها اربعة اشهر و عشرا فقال: ان كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحل له ابدا و اعتدت ما بقي عليها من الاول و استقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء...»(2)، فان وط‍‌ء الشبهة هو القدر المتيقن منها و قد دلت على ان العدة له ثلاثة قروء.

16 - و اما وجوب العدة على المفسوخ عقدها بعد الدخول بفسخ او

انفساخ

فلا اشكال فيه. و تدل عليه صحيحة ابن البختري المتقدمة.

و اما ان مقدارها كعدة المطلقة فللصحيحة الاولى المتقدمة للحلبي و غيرها.

و اما ان عدة المرتد زوجها عن فطرة هي عدة الوفاة فلموثقة الساباطي: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام و جحد محمدا صلّى اللّه عليه و آله نبوته و كذّبه، فان دمه مباح لمن سمع


1) وسائل الشيعة 412:15 الباب 4 من أبواب العدد الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 346:14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد، و يقسّم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على الامام ان يقتله و لا يستتيبه»(1).

17 - و اما ان عدة المتمتع بها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الاجل

أو هبة المقدار المتبقى من الاجل

فقد تقدم بيانه في مبحث النكاح المؤقت من كتاب النكاح.

18 - و اما ان عدتها من الوفاة اذا كانت حاملا ابعد الاجلين

فهو مما لا خلاف فيه على ما في الجواهر(2). و تدل على ذلك الروايات الخاصة التي تقدّمت الاشارة إليها في الرقم 11، فانها باطلاقها تشمل المتمتع بها.

و اما ان عدتها في غير الوفاة اذا كانت حاملا وضع الحمل فلقوله تعالى: وَ أُولاتُ‌ الْأَحْمالِ‌ أَجَلُهُنَّ‌ أَنْ‌ يَضَعْنَ‌ حَمْلَهُنَّ‌ (3)، فانه و ان كان ناظرا الى المطلقات دون المتمتع بها التي ليس لها طلاق، الا انه حيث لا يحتمل ان يكون حال المتمتع بها اشد من حال المطلقة في العقد الدائم فيعمها ذلك.

5 - من أحكام الخلع و المباراة

اشارة

الخلع - بضم الخاء - هو طلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها. و هو مشروع جزما.


1) وسائل الشيعة 545:18 الباب 1 من أبواب حد المرتد الحديث 3.

2) جواهر الكلام 200:30.

3) الطلاق: 4.

و تشترط‍‌ فيه - مضافا الى الشروط‍‌ المتقدمة في الطلاق - كراهة الزوجة لزوجها، و عدم كراهة الزوج لزوجته، و بذل الزوجة للفدية عن طيب نفس.

و الصيغة الخاصة للخلع: «خلعتك على كذا»، او «انت او هي مختلعة على كذا»، او «انت او هي او فلانة طالق على كذا».

و الجمع باتباع الخلع بالطلاق - بأن يقول الزوج او وكيله: «خلعتك على كذا فانت طالق» - اولى.

و يعتبر - لدى المشهور - عدم الفصل بين إنشاء البذل و الطلاق بما يخل بالموالاة العرفية.

و يجوز في الفدية ان تكون بمقدار المهر او أقلّ‌ او اكثر.

و الطلاق في الخلع بائن ما دام لم ترجع الزوجة عن البذل في العدة.

و المباراة(1)تساوي الخلع في الاحكام المتقدمة و تفارقه في:

أ - اعتبار الكراهة من كلا الطرفين فيها بخلافه في الخلع فان الكراهة معتبرة من الزوجة فقط‍‌.

ب - ان لا يكون الفداء اكثر من مقدار المهر فيها.

ج - انها تقع بلفظ‍‌ الطلاق - بان يقول الزوج: انت طالق على كذا، أو يقول:

بارأتك على كذا فانت طالق - و لا يكفي الانشاء بلفظ‍‌ المباراة وحده.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الخلع يتميز عن الطلاق بأمرين - الفدية من الزوجة

و كراهتها

• فهو من واضحات الفقه. و تدل عليه مضافا الى ذلك نصوص المشروعية التالية.

1) المبارأة - بالهمز و قد تخفف الفا - هي المصالحة. يقال: بارأه بمعنى صالحه. و المرأة بارأها بمعنى صالحها على الفراق. القاموس المحيط‍‌ 8:1.

2 - و اما انه مشروع

فهو مما لا اشكال فيه. و يدل عليه قوله تعالى: وَ لا يَحِلُّ‌ لَكُمْ‌ أَنْ‌ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ‌ شَيْئاً إِلاّ أَنْ‌ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌ فَإِنْ‌ خِفْتُمْ‌ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ‌ بِهِ‌ (1)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها: و اللّه لا ابرّ لك قسما و لا اطيع لك امرا و لا اغتسل لك من جنابة و لأوطئن فراشك و لآذنن عليك بغير اذنك و قد كان الناس يرخصون فيما دون هذا فاذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ‌ له ما اخذ منها فكانت عنده على تطليقتين باقيتين و كان الخلع تطليقة...»(2)و غيرها.

و عليه فالمشروعية لا تأمل فيها بل عن جماعة منهم شيخ الطائفة اختيار وجوبه عند تمرد الزوجة على القيام بحقوق الزوجية بحجة ان النهي عن المنكر واجب و هو لا يتم الا بالخلع(3).

و التأمل في ذلك واضح باعتبار عدم تمامية المقدمة الثانية. و من هنا حمل في الحدائق الوجوب في كلام الشيخ على الثبوت(4).

3 - و اما ان الخلع طلاق و ليس فسخا

فهو المشهور خلافا لشيخ الطائفة حيث اختار كونه فسخا لأنه لا ينشأ بلفظ‍‌ الطلاق بل و لا ينوى به ذلك.

و الثمرة تظهر في عدّه من جملة الطلقات الثلاث و عدمه.


1) البقرة: 229.

2) الكافي 139:6 الباب الخلع الحديث 1.

3) جواهر الكلام 3:33.

4) الحدائق الناضرة 555:25.

و المناسب كونه طلاقا لتصريح الروايات بذلك، كصحيحة الحلبي السابقة و غيرها.

و زاد في الجواهر ما نصه: «بل لو قلنا انه فسخ امكن دعوى اجراء حكم الطلاق عليه للنصوص المزبورة»(1).

4 - و اما اعتبار اجتماع شرائط‍‌ صحة الطلاق في الخلع - من

حضور شاهدين و كون الزوجة طاهرة بطهر لم تواقع فيه و... -

فباعتبار انه لما كان فردا من الطلاق فتثبت له أحكامه.

هذا مضافا الى ان بعض الشرائط‍‌ الخاصة للطلاق قد دلت الروايات الخاصة على ثبوتها للخلع، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام هل يكون خلع او مباراة الا بطهر؟ فقال:

لا يكون الا بطهر»(2)و غيرها.

5 - و اما اعتبار كراهة الزوجة لزوجها في تحقق الخلع

فهو من المسلمات، بل يمكن اعتبار كون الكراهة قد وصلت حدا يؤدي الى ترك الحقوق الثابتة للزوج على زوجته لقوله تعالى: إِلاّ أَنْ‌ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌ فَإِنْ‌ خِفْتُمْ‌ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌... (3)و صحيحة الحلبي السابقة و غيرها.

هذا و قد وقع الكلام بين الاعلام في ان التلفظ‍‌ بالكلمات المذكورة في صحيحة الحلبي هل هو شرط‍‌ في صحة الخلع او يكفي تحقق الكراهة إلى المستوى المذكور و لو من دون تلفظ‍‌ بذلك‌؟


1) جواهر الكلام 10:33.

2) وسائل الشيعة 496:15 الباب 6 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 1.

3) البقرة: 229.

المناسب لو خلينا و ظاهر الصحيحة المتقدمة و ما شاكلها اعتبار التلفظ‍‌ بالكلمات السابقة الا ان قوله تعالى: إِلاّ أَنْ‌ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ‌ يدل على ان المدار على وصول الكراهة الى حدّ يخاف من ترك الحدود الالهية من دون مدخلية للتلفظ‍‌ بما ذكر.

و تؤكد ما ذكرناه السيرة الجارية على اجراء الخلع بدون فحص عن صدور الكلمات المذكورة.

و هل يلزم في الكراهة ان تكون ذاتية - بمعنى نشوئها عن مناشئ غير طارئة بعد الزواج كقبح منظر الزوج و فقره و سوء خلقه - أو يكفي كونها عارضة و ناشئة من اسباب طارئة بعد ذلك كالتزوج باخرى‌؟

أجاب صاحب الحدائق بما نصه: «المستفاد من كلام من عاصرناه من مشايخنا في بلاد البحرين هو الاول. و قد حضرناه في غير موضع و قد كانوا لا يوقعون الخلع الا بعد تحقيق الحال و مزيد الفحص و السؤال في ثبوت الكراهة الذاتية و عدم الكراهة العارضية...»(1).

و يرده: ان الآية الكريمة و صحيحة الحلبي مطلقتان من الناحية المذكورة. و لعله لذلك قال صاحب الجواهر: «و هو من الغرائب التي لا يساعد عليها كتاب و لا سنة»(2).

6 - و اما اعتبار عدم كراهة الزوج لزوجته

فلانه مع كراهته أيضا يكون المورد من مصاديق المباراة دون الخلع.

7 - و اما اعتبار بذل الزوجة للفداء

فلتقوم حقيقة الخلع بذلك و من


1) الحدائق الناضرة 576:25.

2) جواهر الكلام 44:33.

دونه لا يكون خلعا بل طلاقا بشكله المتعارف.

8 - و اما اعتبار ان يكون بذل الفداء عن طيب نفس الزوجة

فلقوله تعالى: وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ‌ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ‌ ما آتَيْتُمُوهُنَّ‌ (1). بل بقطع النظر عن ذلك لا مسوغ لإكراهها على بذل ذلك فانه مصداق للظلم المحرم. اضافة الى دلالة حديث: «رفع عن امتي ما استكرهوا عليه»(2)على عدم ترتب الاثر على ذلك.

9 - و اما ان الصيغة الخاصة «خلعتك او انت او هي مختلعة على

كذا»

فلانه بعد ما لم ترد صيغة خاصة في النصوص لانشاء الخلع فيلزم الحكم بالاكتفاء بكل صيغة دالة على إنشاء الخلع - و من ذلك ما تقدم - تمسكا بالاطلاق اللفظي ان امكن تحصيله و الا فبالاطلاق المقامي.

10 - و اما الاكتفاء بصيغة «هي او انت او فلانة طالق على عوض

كذا»

فباعتبار ان الخلع لما كان مصداقا من مصاديق الطلاق فيلزم الاكتفاء فيه بصيغة الطلاق، غايته يلزم اضافة العوض لان ذلك هو المائز بين الخلع و الطلاق المتعارف.

11 - و اما الجمع باتباع الخلع بالطلاق

فقد اختار اعتباره الشيخ قدّس سرّه و جماعة(3). و قد يستدل له برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح: «قال علي عليه السّلام: المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدة»(4).


1) النساء: 19.

2) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

3) جواهر الكلام 6:33.

4) وسائل الشيعة 490:15 الباب 3 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 1.

و فيه: انها لو تمت سندا و لم يناقش من ناحية موسى بن بكر هي ضعيفة دلالة لإجمال المقصود منها.

و ما ذكره الشيخ قدّس سرّه لو استفيد منها يلزم الحكم بجواز تأخير الطلاق عن الخلع حتى بفترة طويلة ما دامت العدة باقية. و هذا بعيد و ان استظهر في الحدائق من بعض كلمات القائلين بالقول المذكور الالتزام بذلك(1)، و لكنه غريب.

هذا و يظهر من بعض الروايات ان الخلاف في اعتبار تعقيب الخلع بالطلاق كان ثابتا في عصر الأئمة عليهم السّلام، و لذلك تكرر السؤال عن ذلك فلاحظ‍‌ صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: «سألت ابا الحسن الرضا عليه السّلام عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو تكون امرأته ما لم يتبعها بطلاق‌؟ فقال: تبين منه و ان شاءت ان يرد اليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت. فقلت: فانه روي لنا انه لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق قال: ليس ذلك اذا خلع. فقلت: تبين منه‌؟ قال: نعم»(2)و غيرها.

و بالجملة: لا دليل على اعتبار تعقيب الخلع بالطلاق لعدم الدليل - فيتمسك بالاطلاق اللفظي ان كان و الا فبالاطلاق المقامي - بل و للدليل على العدم، كصحيحة ابن بزيع و غيرها.

نعم لا اشكال في ان الاتباع اولى خروجا من خلاف الشيخ و غيره و امتثالا للمضمون المحتمل لرواية موسى بن بكر.

12 - و اما اعتبار عدم الفصل بين إنشاء الفدية و الطلاق

فهو


1) الحدائق الناضرة 564:25-565.

2) وسائل الشيعة 492:15 الباب 3 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 9.

المشهور. و استدل له في الجواهر:

تارة بان الخلع معاوضة بين بذل الفداء و إنشاء الطلاق فهو على هذا كسائر المعاوضات لقول امير المؤمنين عليه السّلام: «لكل مطلقة متعة الا المختلعة فانها اشترت نفسها»(1)، و موثقة البقباق عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«المختلعة ان رجعت في شيء من الصلح يقول لأرجعن في بضعك»(2).

و اخرى بان القدر المتيقن من نصوص الباب حالة التحفظ‍‌ على الموالاة، و الاصل عدم الصحة فيما سوى ذلك(3).

و يرده:

اما بالنسبة الى الاول فلان الحديثين ليسا واضحين في المعاوضة. و كيف يمكن الالتزام بذلك و الحال ان رجوع الزوجة عن البذل لا يستوجب بطلان الطلاق بل صيرورته رجعيا؟ هذا مضافا الى ان اعتبار الموالاة في باب المعاوضة اول الكلام.

و اما بالنسبة الى الثاني فباعتبار انه لا مجال للأصل بعد وجود الاطلاق و لو المقامي.

و عليه فالمناسب عدم اعتبار الموالاة و يكفي استمرار عزمها على البذل. و لكن الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة المشهور امر لازم.

13 - و اما انه يجوز في الفدية ان تكون بقدر المهر او اكثر او أقلّ‌

فلعدم الدليل على اشتراط‍‌ حدّ معين بل و للدليل على العدم، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «المباراة يؤخذ منها دون الصداق، و المختلعة


1) وسائل الشيعة 503:15 الباب 11 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 499:15 الباب 7 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 3.

3) جواهر الكلام 14:33.

يؤخذ منها ما شاء او ما تراضيا عليه من صداق او اكثر...»(1)و غيرها.

14 - و اما ان الخلع طلاق بائن

فمما لا خلاف فيه لصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الخلع و المباراة تطليقة بائن و هو خاطب من الخطاب»(2).

و اما انه يجوز للزوج الرجوع عند رجوعها عن البذل فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «و لا رجعة للزوج على المختلعة و لا على المباراة الا ان يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها»(3). و موثقة البقباق المتقدمة في الرقم 12.

15 - و اما ان المباراة كالخلع في جميع الاحكام الا في الاحكام

الثلاثة

فهو المعروف بين الاصحاب. و قد يستفاد من رواية زرارة:

«سألت ابا جعفر عليه السّلام عن عدة المختلعة كم هي‌؟ قال: عدة المطلقة.

و لتعتد في بيتها. و المبارئة بمنزلة المختلعة»(4).

فان تمت الدلالة على العموم و لم يناقش في السند من ناحية المعلى بن محمد فلا مشكلة و الا فيمكن تصيد ذلك من مجموع النصوص، كصحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام: «لا مباراة الا على طهر من غير جماع بشهود»(5)و صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة في الرقم 14 و غيرهما، فانه بضم النصوص المذكورة


1) وسائل الشيعة 493:15 الباب 4 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 495:15 الباب 5 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 499:15 الباب 7 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 503:15 الباب 10 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 4.

5) وسائل الشيعة 498:15 الباب 6 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 7.

بعضها الى بعض قد يستفاد الحكم المذكور.

16 - و اما انه يعتبر في المباراة الكراهة من كلا الطرفين

فهو على ما في الحدائق امر مقطوع به في كلام الاصحاب(1). و يمكن استفادته من موثقة سماعة: «سألته عن المباراة كيف هي‌؟ فقال: يكون للمرأة شيء على زوجها من مهر أو من غيره و يكون قد اعطاها بعضه فيكره كل واحد منهما صاحبه فتقول المرأة لزوجها: ما اخذت منك فهو لي، و ما بقي عليك فهو لك و ابارئك فيقول الرجل لها: فان انت رجعت في شيء مما تركت فانا أحق ببضعك»(2).

و لا يضر اضمارها بطريق الكليني بعد ما كانت مسندة في طريق الشيخ.

اجل ان الشيخ رواها بسنده عن علي بن الحسن، اي ابن فضال، و طريقه اليه يشتمل على علي بن محمد بن الزبير الذي لم يذكر في حقه توثيق خاص. الا ان الامر من ناحيته سهل بناء على كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

17 - و اما انه يعتبر في المباراة ان لا تكون الفدية اكثر من المهر

فهو مما لا خلاف فيه، و انما الخلاف في اعتبار ان لا تكون مساوية له أيضا بل أقلّ‌.

و ظاهر صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المباراة تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك و اتركني او تجعل لها من قبلها شيئا فيتركها الا انه يقول: فان ارتجعت في شيء فانا املك ببضعك.


1) الحدائق الناضرة 623:25.

2) وسائل الشيعة 500:15 الباب 8 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 3.

و لا يحل لزوجها ان يأخذ منها الا المهر فما دونه»(1)بل صريحها جواز كونها مساوية.

الا انه قد يقال بكونها معارضة بصحيحة زرارة المتقدمة في الرقم 13 الدالة على اعتبار كونها أقلّ‌ من مقدار المهر.

و يمكن الجمع بينهما بحمل الوارد في صحيحة زرارة «دون الصداق» على اعتبار ان لا تكون ازيد من مقدار المهر، فان صحيحة ابي بصير صريحة في جواز كونها بمقداره بينما صحيحة زرارة ظاهرة في اعتبار كونها أقلّ‌ منه فيؤول الظاهر بقرينة الصريح طبقا للقاعدة العرفية: كلما اجتمع دليلان متنافيان احدهما صريح و الآخر ظاهر أوّل الظاهر بقرينة الصريح.

و اذا تمّ‌ هذا فلا مشكلة و الا كان التعارض مستقرا و يلزم ترجيح صحيحة ابي بصير لموافقة مضمونها لقوله تعالى: فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ‌ بِهِ‌ (2).

و عليه فالنتيجة واحدة على كلا التقديرين.

18 - و اما انه لا تصح المباراة بلفظ‍‌ «بارأتك على كذا» من دون

اتباع بالطلاق

فقد ادعى المحقق اتفاق الاصحاب عليه»(3). و لو لا ذلك كان من الوجيه الحكم بعدم الحاجة الى الاتباع بذلك لصحيحة حمران:

«سمعت ابا جعفر عليه السّلام يتحدث قال: المباراة(4)تبين من ساعتها من غير


1) وسائل الشيعة 500:15 الباب 8 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 4.

2) البقرة: 229.

3) شرايع الإسلام 623:3 انتشارات استقلال.

4) في تهذيب الاحكام 102:8: المبارئة....

طلاق و لا ميراث بينهما...»(1)و غيرها.

و المناسب تحفظا من مخالفة الاتفاق المحتمل التنزل عن الفتوى بعدم اعتبار الاتباع بالطلاق الى الاحتياط‍‌ باعتباره.

6 - من أحكام الطلاق

اشارة

اذا طلّق غير الامامي زوجته بطلاق صحيح على مذهبه فاسد على مذهبنا جاز للإمامي الزواج بها بعد انقضاء عدتها. هذا اذا كانت الزوجة غير امامية أيضا. و اذا كانت امامية جاز لها التزوج بالغير أيضا.

و يجوز للزوج في الطلاق الرجعي الرجوع على زوجته ما دامت العدة لم تنته. و يتحقق الرجوع باللفظ‍‌، كقول رجعتك و لو بغير العربية، و بالفعل كالتقبيل بشهوة و نحوه مع قصد الرجوع به. اجل خصوص الوط‍‌ء يتحقق به الرجوع و لو من دون قصده. و اما لو قبّل أو لا مس بشهوة من دون قصد الرجوع بذلك فالمشهور تحقق الرجعة به.

و المطلقة الرجعية زوجة حقيقة أو حكما ما دامت في العدة فيجب الانفاق عليها، و لا يجوز لها الخروج بغير اذنه، و يجوز الدخول عليها بغير اذن.

و هذا بخلاف المطلقة بائنا فانها بمنزلة الاجنبية و لا تترتب عليها الاحكام المذكورة.

و لا يجوز اخراج المطلقة من دار سكناها عند الطلاق الا ان تأتي بفاحشة مبينة.


1) وسائل الشيعة 501:15 الباب 9 من كتاب الخلع و المباراة الحديث 3.

و كل زوجة تستحق على زوجها النفقة اذا لم تنشز بالخروج من بيته بغير اذنه. و اذا امتنع من الانفاق عليها جاز لها رفع امرها الى الحاكم الشرعي ليلزمه بأحد امرين عليه: اما الانفاق او الطلاق. فان امتنع من كليهما جاز للحاكم ان يطلقها اذا طلبت ذلك و يقع الطلاق بائنا.

و اذا فقد الزوج و انقطع خبره عن زوجته، فان كانت تعلم ببقائه على قيد الحياة فعليها بالصبر الى ان يرجع و ليس لها المطالبة بالطلاق الا اذا ثبت للحاكم الشرعي هجرانه لها و تعمّد اخفاء موضعه لكي لا يلزمه بالطلاق او الانفاق فيجوز له في مثل ذلك الطلاق اذا طلبته.

هذا اذا كانت الزوجة تعلم بحياته.

و اما اذا لم تعلم بذلك و كان يحتمل موته فتارة يفرض وجود مال للزوج يتم من خلاله تأمين نفقة الزوجة او يفرض ان وليه يقوم بالانفاق عليها فليس لها المطالبة بالطلاق، و اخرى يفرض عدم ذلك فيجوز لها رفع امرها الى الحاكم الشرعي فيؤجلها اربع سنين و يأمر بالفحص عنه خلال المدة المذكورة فاذا انقضت و لم تتبين حاله امر الحاكم وليه بطلاقها و اجبره على ذلك، فان لم يكن له ولي او لم يمكن اجباره طلقها الحاكم بنفسه و اعتدت بمقدار عدة الوفاة، و جاز لها التزوج بعد انتهائها. و اذا عاد الزوج بعد ذلك لم يكن له حق عليها و كانت اجنبية عنه.

و اذا حصل لزوجة الغائب من خلال تراكم القرائن علم بموت زوجها جاز لها الزواج بعد العدة من دون حاجة الى مراجعة الحاكم الشرعي. نعم لا يجوز لمن يريد الزواج بها الاعتماد على علمها.

و الطلاق و ان كان بيد الزوج الا انه يجوز للزوجة ان تشترط‍‌ على زوجها اثناء عقد النكاح ان تكون وكيلة عنه في طلاق نفسها متى ما سجن لفترة

سنة مثلا أو أدمن المواد المخدرة او سافر و انقطعت اخباره لفترة محددة و ما شاكل ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان غير الامامي اذا طلّق زوجته بطلاق صحيح في مذهبه

فاسد في مذهبنا فيجوز للإمامي الزواج بها بعد انتهاء عدتها

فلقاعدة الالزام المستفادة من جملة من النصوص من قبيل:

أ - ما رواه الشيخ بسنده الى الحسن بن محمد بن سماعة عن عبد اللّه بن جبلة عن غير واحد عن علي بن ابي حمزة حيث سأل ابا الحسن عليه السّلام: «المطلقة على غير السنة أ يتزوجها الرجل‌؟ فقال: الزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوجوهن فلا بأس بذلك»(1).

و طريق الشيخ الى الحسن معتبر على ما في المشيخة(2).

و الارسال عن «غير واحد» لا مشكلة من ناحيته لان مصداق التعبير المذكور عرفا ثلاثة فما زاد، و اجتماع العدد المذكور على الكذب بعيد جدا و يحصل الاطمئنان بعدمه. و لئن كانت هناك مشكلة فهي من ناحية البطائني الذي فيه كلام طويل، و قد ورد عن الامام الرضا عليه السّلام: «انه أقعد في قبره فسئل عن الائمة عليهم السّلام فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إليّ‌ فسئل فوقف فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره نارا»(3).

هذا و لكن استناد الاصحاب الى الرواية و تعبيرهم بمضمونها يجبر ضعفها بناء على ما هو المشهور من تمامية كبرى جابرية ضعف


1) وسائل الشيعة 321:15 الباب 3 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.

2) لاحظ‍‌ المشيخة المذكورة في نهاية تهذيب الاحكام 75:10.

3) اختيار معرفة الرجال 705:2 الرقم 755 طبع مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

السند بشهرة العمل.

ب - ما رواه الكليني بسنده الى عمر بن اذينة عن عبد اللّه بن محرز: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل ترك ابنته و اخته لأبيه و امه فقال:

المال كله لابنته و ليس للأخت من الاب و الام شيء. فقلت: فانا قد احتجنا الى هذا و الميت رجل من هؤلاء الناس و اخته مؤمنة عارفة قال: فخذلها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم و قضاياهم. قال ابن اذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: ان على ما جاء به ابن محرز لنورا»(1).

و هي تدل على ثبوت حق المقاصة النوعية و انه ما داموا يأخذون منكم فانتم خذوا منهم بالمقابل أيضا.

و تبقى المشكلة من ناحية ابن محرز فانه لم يوثق الا ان تعبير زرارة بان على روايته نورا قد يسهّل الامر من هذه الناحية.

ج - صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «سألته عن الاحكام قال: تجوز على اهل كل ذوي دين ما يستحلون»(2).

ثم ان المسألة بقطع النظر عن قاعدة الالزام تشتمل على روايات خاصة بها من قبيل موثقة عبد الرحمن البصري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«قلت له امرأة طلقت على غير السنة فقال: تتزوج هذه المرأة لا تترك بغير زوج»(3)و غيرها.

2 - و اما ان الزوجة الامامية يجوز لها التزوج بالغير اذا طلقها

زوجها غير الامامي بطلاق صحيح في مذهبه فاسد في مذهبنا

فلقاعدة


1) وسائل الشيعة 484:17 الباب 4 من أبواب ميراث الاخوة و الاجداد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 484:17 الباب 4 من أبواب ميراث الاخوة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 320:15 الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

الالزام المتقدمة.

3 - و اما انه يجوز للزوج الرجوع على زوجته في العدة الرجعية

فهو من المسلمات بل من ضروريات الدين. و يدل على ذلك قوله تعالى:

وَ الْمُطَلَّقاتُ‌ يَتَرَبَّصْنَ‌ بِأَنْفُسِهِنَّ‌ ثَلاثَةَ‌ قُرُوءٍ ... وَ بُعُولَتُهُنَّ‌ أَحَقُّ‌ بِرَدِّهِنَّ‌ فِي ذلِكَ‌ ... اَلطَّلاقُ‌ مَرَّتانِ‌ فَإِمْساكٌ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ أَوْ تَسْرِيحٌ‌ بِإِحْسانٍ‌ (1)، وَ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَبَلَغْنَ‌ أَجَلَهُنَّ‌ فَأَمْسِكُوهُنَّ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ‌ بِمَعْرُوفٍ‌ (2). و الروايات في ذلك كثيرة. و قد تقدمت الاشارة اليها خلال الابحاث السابقة.

4 - و اما ان الرجوع يتحقق بالفعل أيضا و لا ينحصر بالقول

فلانه بعد تحقق إنشاء الرجوع عرفا بالفعل فلا وجه لعدم الاكتفاء به بعد وجود المطلقات.

5 - و اما تحقق الرجوع بالوط‍‌ء و ان لم يقصد به الرجوع

فلرواية محمد بن القاسم: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من غشى امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحدّ، و ان غشيها قبل انقضاء العدة كان غشيانه اياها رجعة لها»(3).

الا انه قد يشكل في سندها من ناحية محمد بن القاسم، فان الثابت وثاقته هو محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار النهدي لقول النجاشي: «ثقة هو و ابوه و عمه العلاء و جده الفضيل»(4)، الا انه يروي


1) البقرة: 228-229.

2) البقرة: 231.

3) وسائل الشيعة 400:18 الباب 29 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

4) رجال النجاشي: 256 منشورات مكتبة الداوري.

عن الامامين الكاظم و الرضا عليهما السّلام و لم تذكر روايته عن الامام الصادق عليه السّلام، و من هنا يتولد احتمال انه شخص آخر، خصوصا و ان الشيخ ذكر في رجاله اسم محمد بن القاسم البصري و قال من دون توثيق: «هو من أصحاب الصادق عليه السّلام»(1).

نعم بناء على تمامية كبرى الجابرية لا مشكلة، بل ادعى في الجواهر عدم الخلاف بيننا و انعقاد الاجماع بقسميه على ذلك(2).

6 - و اما التقبيل و اللمس بشهوة من دون قصد الرجوع بذلك

فقد ادعى في الجواهر عدم الخلاف في تحقق الرجوع به أيضا(3).

هذا و لكن لا يوجد نص يدل على ذلك، فان تمّ‌ الاجماع الكاشف فبها و الا فالأمر مشكل و ينبغي العمل على طبق الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفة المشهور.

7 - و اما ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة أو حكما

فهو من المسلمات للنصوص الدالة على وجوب الانفاق عليها و ثبوت التوارث بينهما و الحث على تزيينها لزوجها و جواز دخول زوجها عليها بلا اذن، كقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ‌ مِنْ‌ حَيْثُ‌ سَكَنْتُمْ‌ مِنْ‌ وُجْدِكُمْ‌... (4)، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ‌ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ‌ وَ اتَّقُوا اللّهَ‌ رَبَّكُمْ‌ لا تُخْرِجُوهُنَّ‌ مِنْ‌ بُيُوتِهِنَّ‌... (5)، و صحيحة ابي بصير عن ابي


1) رجال الشيخ: 300.

2) جواهر الكلام 180:32.

3) المصدر نفسه.

4) الطلاق: 6.

5) الطلاق: 1.

عبد اللّه عليه السّلام: «المطلقة تعتد في بيتها و تظهر له زينتها لعل اللّه يحدث بعد ذلك امرا»(1)، و رواية محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «المطلقة تسوق(2)لزوجها ما كان له عليها رجعة و لا يستأذن عليها»(3)، و صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «... حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض و قد بانت منه... و عليه نفقتها و السكنى ما دامت في عدتها، و هما يتوارثان حتى تنقضي عدتها»(4)و غيرها.

و الروايات المذكورة كما ترى تتلاءم مع بقاء الزوجية حقيقة أو حكما. أجل الحديث الاخير بقرينة التعبير ب‍‌ «بانت منه» ظاهر في بقائها حقيقة.

8 - و اما ان المطلقة بائنا ليست زوجة و لا تترتب عليها احكامها

فهو من المسلمات أيضا. و يمكن استفادته من النصوص السابقة و غيرها. بل لا حاجة الى البحث عن نص و يكفي القصور في المقتضي بعد فرض زوال عنوان الزوجية بالطلاق البائن.

9 - و اما انه لا يجوز اخراجها من دار سكناها عند الطلاق

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ‌ إِذا طَلَّقْتُمُ‌ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ‌ لِعِدَّتِهِنَّ‌ ... لا تُخْرِجُوهُنَّ‌ مِنْ‌ بُيُوتِهِنَّ‌ وَ لا يَخْرُجْنَ‌ إِلاّ أَنْ‌ يَأْتِينَ‌


1) وسائل الشيعة 437:15 الباب 21 من أبواب العدد الحديث 1.

2) هكذا في الطبعة القديمة للوسائل. و في الكافي 91:6 تشوفت. و الظاهر ان الصواب: تشوف، كما هو المنقول عن بعض نسخ الكافي. يقال: تشوفت المرأة: تزينت و أظهرت زينتها كما عن لسان العرب 185:9.

3) وسائل الشيعة 437:15 الباب 21 من أبواب العدد الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 344:15 الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

بِفاحِشَةٍ‌ مُبَيِّنَةٍ‌... (1). و الروايات في ذلك كثيرة(2).

10 - و اما وجوب الانفاق على الزوجة

فهو من المسلمات. و يدل عليه قوله تعالى: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‌ رِزْقُهُنَّ‌ وَ كِسْوَتُهُنَّ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (3)، أَسْكِنُوهُنَّ‌ مِنْ‌ حَيْثُ‌ سَكَنْتُمْ‌ مِنْ‌ وُجْدِكُمْ‌ ... * لِيُنْفِقْ‌ ذُو سَعَةٍ‌ مِنْ‌ سَعَتِهِ‌ وَ مَنْ‌ قُدِرَ عَلَيْهِ‌ رِزْقُهُ‌ فَلْيُنْفِقْ‌ مِمّا آتاهُ‌ اللّهُ‌ (4).

و هذه الآية الاخيرة و ان كانت واردة في المطلقة الا انه يفهم منها ثبوت ذلك لغيرها بالاولوية.

و قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: اَلرِّجالُ‌ قَوّامُونَ‌ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ‌ اللّهُ‌ بَعْضَهُمْ‌ عَلى‌ بَعْضٍ‌ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ‌ أَمْوالِهِمْ‌ (5).

و الروايات في ذلك فوق حدّ الاحصاء و سنشير الى بعضها فيما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

و اما التقييد بعدم نشوزها بالخروج من البيت بغير اذنه فلموثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ايما امرأة خرجت من بيتها بغير اذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع»(6)و غيرها.

هذا اذا كان نشوزها بخروجها من البيت بغير اذن.

و اما اذا كان بغير ذلك فالمشهور سقوط‍‌ النفقة أيضا. و لكن لا دليل على ذلك بعد اطلاق ما تقدم. و الاحتياط‍‌ لا ينبغي تركه.


1) الطلاق: 1.

2) راجع وسائل الشيعة 434:15 الباب 18 من أبواب العدد.

3) البقرة: 233.

4) الطلاق: 6-7.

5) النساء: 34.

6) وسائل الشيعة 229:15 الباب 6 من أبواب النفقات الحديث 1.

11 - و اما انه مع امتناع الزوج من الانفاق يحق للزوجة ان ترفع

امرها الى الحاكم الشرعي ليلزمه باحد الامرين

فتدل عليه صحيحة ابي بصير: «سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول: من كان عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام ان يفرّق بينهما»(1)، و صحيحة ربعي بن عبد اللّه و الفضيل بن يسار جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قوله تعالى: وَ مَنْ‌ قُدِرَ عَلَيْهِ‌ رِزْقُهُ‌ فَلْيُنْفِقْ‌ مِمّا آتاهُ‌ اللّهُ‌ (2)قال: ان انفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة و الا فرّق بينهما»(3)و غيرهما.

و التقييد بثبوت الولاية لخصوص الحاكم باعتبار ان الصحيحة الاولى دلت على ثبوت الولاية لمنصب الامامة، و القدر المتيقن في المنتقل اليه المنصب المذكور هو الحاكم الشرعي. و الصحيحة الثانية لا اطلاق لها، اذ هي ليست في صدد بيان من يقوم بالتفريق فينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و هو الامام عليه السّلام او الحاكم الشرعي.

و التقييد بامتناعه من الانفاق باعتبار انه مع انصياعه للإنفاق يصدق عليه آنذاك عنوان «انفق عليها» الوارد في الصحيحة الثانية.

و التقييد بامتناع الزوج من الطلاق باعتبار انه مع استعداده للتصدي للطلاق بنفسه لا يحتمل وصول النوبة الى الحاكم الشرعي.

هذا و قد يقيد ثبوت الولاية على الطلاق للحاكم الشرعي بما اذا لم يمكن الانفاق من مال الزوج و لو ببيع بعض أمواله و لم يمكن أيضا


1) وسائل الشيعة 223:15 الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 2.

2) الطلاق: 7.

3) وسائل الشيعة 223:15 الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 1.

اجباره على الطلاق.

و فيه: ان اطلاق الحديثين السابقين ينفي ما ذكر الا ان يستفاد ذلك من الروايات الآتية في المفقود خبره. فان تمّ‌ ذلك و الا يبقى التقييد المذكور مبنيا على الاحتياط‍‌.

12 - و اما ان طلاق الحاكم يقع بائنا في حالة امتناع الزوج من

الانفاق و الطلاق

فقد تقدم وجهه عند البحث عن اقسام الطلاق.

13 - و اما ان زوجة المفقود خبره يلزمها الصبر و ليس لها

المطالبة بالطلاق اذا علم ببقائه حيا

فيكفي لإثباته القصور في مقتضي ثبوت الولاية للحاكم. و مع التنزل فالمانع ثابت و هو صحيحة بريد بن معاوية الآتية.

14 - و اما انه يجوز للحاكم الطلاق اذا ثبت له هجران الزوج

و تعمده لإخفاء موضعه

فذلك لما تقدم في الرقم 11 من ثبوت الولاية للحاكم الشرعي عند الامتناع من الطلاق و الانفاق.

15 - و اما انه اذا لم يعلم بحياة الزوج فيجوز للحاكم اجراء الطلاق

على ضوء البيان المتقدم

فذلك لعدة روايات، كصحيحة بريد بن معاوية: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المفقود كيف تصنع امرأته‌؟ فقال: ما سكنت عنه و صبرت فخلّ‌ عنها. و ان هي رفعت أمرها الى الوالي اجّلها اربع سنين ثم يكتب الى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه فان خبّر عنه بحياة صبرت و ان لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الاربع سنين دعا ولي الزوج المفقود فقيل له: هل للمفقود مال‌؟ فان كان للمفقود مال انفق عليها حتى تعلم حياته من موته. و ان لم يكن له مال قيل للولي: انفق عليها فان فعل فلا سبيل لها الى ان تتزوج ما انفق عليها. و ان ابى ان

ينفق عليها اجبره الوالي على ان يطلق تطليقة في استقبال العدة و هي طاهر فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فان جاء زوجها قبل ان تمضي عدتها من يوم طلقها الولي فبدا له ان يراجعها فهي امرأته و هي عنده على تطليقتين. و ان انقضت العدة قبل ان يجيء و يراجع فقد حلت للأزواج و لا سبيل للأول عليها»(1)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المفقود اذا مضى له اربع سنين بعث الوالي او يكتب الى الناحية التي هو غائب فيها... قلت: فانها تقول: فاني اريد ما تريد النساء قال: ليس ذاك لها و لا كرامة فان لم ينفق عليها وليه او وكيله امره ان يطلقها»(2).

16 - و اما ان عدتها هي بمقدار عدة الوفاة و ان لم تكن هي عدة

الوفاة

فلموثقة سماعة: «... فان لم يوجد له خبر حتى تمضي الاربع سنين امرها ان تعتد اربعة أشهر و عشرا ثم تحل للأزواج فان قدم زوجها بعد ما تنقضي عدتها فليس له عليها رجعة و ان قدم و هي في عدتها اربعة أشهر و عشرا فهو أملك برجعتها»(3).

17 - و اما انه يجوز لزوجة الغائب اذا حصل لها العلم بموت

زوجها الزواج بعد العدة من دون حاجة الى مراجعة الحاكم

فذلك لحجية العلم و شمول أدلة جواز تزوج المتوفى زوجها بعد العدة لها.

و اما انه لا يجوز لمن يريد الزواج بها الاعتماد على علمها فلان علم كل شخص حجة في حق نفسه خاصة، و استصحاب بقاء الزوج


1) وسائل الشيعة 389:15 الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 390:15 الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 390:14 الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

على قيد الحياة جار في حقه.

18 - و اما جواز اشتراط‍‌ الزوجة ضمن عقد النكاح الوكالة عن

الزوج في طلاق نفسها متى ما سجن او...

فلانه شرط‍‌ مشروع فيكون صحيحا و واجب الوفاء كسائر الشروط‍‌. و انما الذي لا يجوز لها اشتراطه هو كون امر الطلاق بيدها متى ما سجن او... انه لا يجوز باعتبار ان امر الطلاق بيد الزوج لا غير كما تقدم.

كتاب الظّهار

اشارة

1 - الظهار و حكمه

2 - شرائط‍‌ الظهار

1 - الظهار و حكمه

اشارة

الظهار - و هو تنزيل الزوج زوجته بمنزلة أمّه او غيرها من محارمه في حرمة نكاحها بمثل صيغة: انت عليّ‌ كظهر أمي - حرام.

و به تحرم على الزوج زوجته حتى يكفّر.

و لا يجب التكفير بمجرد التلفّظ‍‌ من دون ارادة العود.

و اذا كفّر لإرادة العود قبل الوط‍‌ء فلا تجب عليه اخرى بعده، بخلاف ما لو وطئها بدون تكفير فانه تلزمه كفارتان احداهما للوط‍‌ء و الاخرى لإرادة العود.

و اذا صبرت الزوجة بعد الظهار فلا اعتراض و الا رفعت امرها الى الحاكم الشرعي و خيّر الزوج بين التكفير و الرجوع و بين الطلاق فان لم يختر احدهما انظره ثلاثة اشهر من حين المرافعة فان انقضت و لم يختر احد الامرين حبسه و ضيّق عليه في المطعم و المشرب حتى يختار احدهما.

و الكفارة هي عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان

لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. و ان عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الظهار ما ذكر فهو من واضحات الفقه و اللغة.

و تدل عليه الروايات الآتية ان شاء اللّه تعالى.

2 - و اما انه يقع بصيغة «انت عليّ‌ كظهر أمي»

فامر لا خلاف فيه، و هو القدر المتيقن من الصيغة التي يقع بها الظهار. و يستفاد ذلك من صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الظهار ظهاران فاحدهما ان يقول:

انت عليّ‌ كظهر أمي ثم يسكت فذلك الذي يكفّر فاذا قال: انت عليّ‌ كظهر أمي ان فعلت كذا و كذا ففعل و حنث فعليه الكفارة حين يحنث»(1)و غيرها.

هذا و قد وقع الخلاف في انعقاده فيما لو قال: انت عليّ‌ كظهر عمتي و خالتي او غيرهما من المحارم او قال: انت عليّ‌ كشعر او بطن او صدر أمي. و التعرض لذلك ليس بمهم.

3 - و اما انه حرام فهو من المسلمات

، و يدل عليه قوله تعالى:

اَلَّذِينَ‌ يُظاهِرُونَ‌ مِنْكُمْ‌ مِنْ‌ نِسائِهِمْ‌ ما هُنَّ‌ أُمَّهاتِهِمْ‌ إِنْ‌ أُمَّهاتُهُمْ‌ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ‌ وَ إِنَّهُمْ‌ لَيَقُولُونَ‌ مُنْكَراً مِنَ‌ الْقَوْلِ‌ وَ زُوراً وَ إِنَّ‌ اللّهَ‌ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)، و صحيح حمران عن ابي جعفر عليه السّلام: «ان امير المؤمنين عليه السّلام قال: ان امرأة من المسلمين اتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا رسول اللّه ان فلانا


1) وسائل الشيعة 530:15 الباب 16 من كتاب الظهار الحديث 7.

2) المجادلة: 2.

زوجي قد نثرت له بطني(1)و اعنته على دنياه و آخرته فلم ير مني مكروها و انا اشكوه الى اللّه و إليك قال: فما تشكينه‌؟ قالت: انه قال لي اليوم: انت عليّ‌ حرام كظهر أمي و قد اخرجني من منزلي فانظر في امري فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما انزل اللّه عليّ‌ كتابا اقضي به بينك و بين زوجك و انا اكره ان اكون من المتكلفين فجعلت تبكي و تشتكي ما بها الى اللّه و الى رسوله و انصرفت فسمع اللّه محاورتها لرسوله و ما شكت اليه فانزل اللّه عز و جل بذلك قرآنا: بِسْمِ‌ اللّهِ‌ الرَّحْمنِ‌ الرَّحِيمِ‌ قَدْ سَمِعَ‌ اللّهُ‌ قَوْلَ‌ الَّتِي تُجادِلُكَ‌ فِي زَوْجِها... فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى المرأة فاتته فقال لها: جئني(2)بزوجك فاتته به فقال: أقلت لامرأتك هذه انت عليّ‌ حرام كظهر أمي‌؟ فقال: قد قلت ذلك فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قد انزل اللّه فيك قرآنا فقرأ عليه ما انزل اللّه... فضم امرأتك إليك فانك قد قلت منكرا من القول و زورا قد عفا اللّه عنك و غفر لك فلا تعد...»(3)و غيره.

و بالجملة لا اشكال في حرمة الظهار لوصفه بالمنكر و الزور في الآية الكريمة و للنهي عن العود اليه في الرواية الشريفة.

هذا و قد نسب الى قائل غير معروف بانه محرم لا عقاب عليه لتعقيبه بالعفو في الآية السابقة(4).

و فيه: ان العفو ثابت للفاعل الاول باعتبار جهله بالتحريم و ليس لكل فاعل حتى مع علمه بذلك.3.


1) اي اكثرت له الولد من بطني.

2) و في المصدر اي الكافي 152:6 جيئيني.

3) وسائل الشيعة 506:15 الباب 1 من كتاب الظهار الحديث 2.

4) جواهر الكلام 129:33.

4 - و اما انه يحرم بالظهار وط‍‌ء الزوجة قبل التكفير

فيدل عليه صريح الآية الكريمة: وَ الَّذِينَ‌ يُظاهِرُونَ‌ مِنْ‌ نِسائِهِمْ‌ ثُمَّ‌ يَعُودُونَ‌ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‌ مِنْ‌ قَبْلِ‌ أَنْ‌ يَتَمَاسّا... (1)و صحيح الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد ان يتم على طلاقها قال: ليس عليه كفارة. قلت: ان اراد ان يمسها؟ قال:

لا يمسها حتى يكفّر. قلت: فان فعل فعليه شيء؟ قال: اي و اللّه انه لآثم ظالم. قلت: عليه كفارة غير الاولى‌؟ قال: نعم يعتق أيضا رقبة»(2)و غيره.

5 - و اما انه لا يجب التكفير بمجرد التلفظ‍‌ بالظهار من دون ارادة

العود

فيدل عليه ظاهر الآية الكريمة و صحيح الحلبي السابق و غيره. بل يكفي لنفي ذلك القصور في المقتضي بلا حاجة الى دليل يدل على النفي.

6 - و اما تعدد الكفارة بالوط‍‌ء قبل التكفير و عدم تعددها عند

التكفير قبل الوط‍‌ء

فيستفاد من صحيح الحلبي السابق و غيره.

7 - و اما ان الزوجة اذا صبرت فلا اعتراض

فباعتبار انها صاحبة الحق فمع تنازلها فلا موجب للاعتراض.

و اما انها اذا رفعت امرها الى الحاكم خيّره على البيان المتقدم فقد يستدل له بموثق ابي بصير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل ظاهر من امرأته قال: ان اتاها فعليه عتق رقبة او صيام شهرين متتابعين او اطعام ستين مسكينا و الا ترك ثلاثة اشهر، فان فاء و الا اوقف حتى


1) المجادلة: 3.

2) وسائل الشيعة 527:15 الباب 15 من كتاب الظهار الحديث 4.

يسأل: لك حاجة في امرأتك او تطلقها؟ فان فاء فليس عليه شيء و هي امرأته، و ان طلق واحدة فهو املك برجعتها»(1).

و لكنه - كما ترى - لا يدل على التضييق في المأكل و المشرب فلا بدّ من اتمام ذلك بالتسالم و عدم الخلاف أو ان يبنى على التعدي من روايات باب الايلاء الدالة على التضييق(2)الى باب الظهار بناء على عدم فهم الخصوصية.

هذا و قد ورد في بعض الكلمات انه اذا لم يجده كل ذلك طلقها الحاكم. و لكنه قابل للتأمل، اذ لا نص يدل على ذلك و ليس موردا للاتفاق فلاحظ‍‌.

8 - و اما ان الكفارة ما تقدم

فتدل عليه الآية الكريمة: وَ الَّذِينَ‌ يُظاهِرُونَ‌ مِنْ‌ نِسائِهِمْ‌ ثُمَّ‌ يَعُودُونَ‌ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‌ مِنْ‌ قَبْلِ‌ أَنْ‌ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ‌ تُوعَظُونَ‌ بِهِ‌ وَ اللّهُ‌ بِما تَعْمَلُونَ‌ خَبِيرٌ * فَمَنْ‌ لَمْ‌ يَجِدْ فَصِيامُ‌ شَهْرَيْنِ‌ مُتَتابِعَيْنِ‌ مِنْ‌ قَبْلِ‌ أَنْ‌ يَتَمَاسّا فَمَنْ‌ لَمْ‌ يَسْتَطِعْ‌ فَإِطْعامُ‌ سِتِّينَ‌ مِسْكِيناً (3)و موثق ابي بصير المتقدم و نحوه.

و اما انه اذا عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما فيدل عليه موثق ابي بصير الآخر: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق و لا ما يتصدق و لا يقوى على الصيام قال: يصوم ثمانية عشر يوما لكل عشرة مساكين ثلاثة ايام»(4).


1) وسائل الشيعة 533:15 الباب 18 من كتاب الظهار الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 545:15 الباب 11 من أبواب الايلاء.

3) المجادلة: 3-4.

4) وسائل الشيعة 558:15 الباب 8 من أبواب الكفارات الحديث 1.

2 - شرائط‍‌ الظهار

اشارة

يلزم لتحقق الظهار حضور شاهدين عادلين يسمعان قول المظاهر. كما يلزم بلوغه و عقله و اختياره و قصده و عدم غضبه.

و يلزم في الزوجة المظاهرة الدخول بها و كونها على طهر لم تواقع فيه.

و لا يقع الظهار اذا قصد به الاضرار بالزوجة. و هكذا لا يقع اذا قصد به الزجر، كما لو قال الزوج: فلانة كظهر أمي عليّ‌ ان تركت الصلاة.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه يلزم في تحقق الظهار حضور شاهدين عادلين

فقد ادعى في الجواهر عدم وجدانه الخلاف في ذلك(1). و يدل عليه صحيح حمران: «قال ابو جعفر عليه السّلام: لا يكون ظهار في يمين و لا في اضرار و لا في غضب، و لا يكون ظهار الا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين»(2).

اجل يظهر الخلاف من الشهيد الثاني حيث ذكر ان النص عبّر بلزوم كونهما مسلمين لا اكثر(3).

و فيه: ان الإسلام وحده لا تحتمل كفايته اذ شهادة الفاسق الذي لا رادع له عن الكذب كيف تحتمل كفايتها و ما هي فائدتها؟! فالرواية على هذا اطلقت اعتمادا على وضوح الامر. و قد ورد في صحيحة بن ابي


1) جواهر الكلام 105:33.

2) وسائل الشيعة 509:15 الباب 2 من كتاب الظهار الحديث 1.

3) مسالك الافهام 76:2.

يعفور: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم...»(1).

2 - و اما اعتبار بلوغ الزوج المظاهر و عقله

فلعدة امور:

أ - التمسك بحديث رفع القلم(2)المتقدم في ابحاث سابقة، بناء على شمول اطلاقه لقلم الوضع أيضا. و ضعف سنده منجبر بعمل المشهور بناء على تمامية كبرى الجابرية.

ب - اتفاق الاصحاب على اعتبار البلوغ و العقل في البيع و سائر التصرفات، و الظهار ان لم يكن اولى بذلك فلا أقلّ‌ من عدم الفرق بينهما.

ج - ان الادلة الدالة على حصول التحريم بالظهار ناظرة الى خصوص البالغ العاقل بقرينة اثباتها لعنوان الزور و المنكر و لوجوب الكفارة على ارادة العود، و يبقى غيره بلا دليل يدل على حصول التحريم به فيتمسك بالاستصحاب.

هذا كله لو فرض تحقق القصد الى الظهار - كما في العاقل - و الا فالامر اوضح.

3 - و اما اعتبار الاختيار

فلحديث نفي الاكراه(3).

و اما اعتبار القصد فلانه بدونه لا يصدق عنوان الظهار. على ان بعض الروايات قد دلت على ذلك، كموثقة عبيد بن زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا طلاق الا ما اريد به الطلاق و لا ظهار الا ما اريد به


1) وسائل الشيعة 288:18 الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات.

3) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

الظهار»(1)و غيرها.

و اما اعتبار عدم الغضب فلصحيح حمران المتقدم. و مقتضى اطلاقه الشمول لحالة ثبوت القصد أيضا.

4 - و اما اعتبار الدخول بالزوجة في تحقق الظهار بها

فقد وقع محلا للخلاف. و المناسب اعتباره لصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه عليهما السّلام: «المرأة التي لم يدخل بها زوجها، قال: لا يقع عليها ايلاء و لا ظهار»(2)و غيره.

هذا و لكن نسب الى الشيخ المفيد و السيد المرتضى عدم الاعتبار(3). و قد يستدل له اما باطلاق الآية الكريمة او بما رواه الشيخ الكليني بسنده الى ابن فضال عمن اخبره عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يكون الظهار الا على مثل موضع الطلاق»(4)بتقريب ان صحة الطلاق ليست مشروطة بالدخول فيلزم ان يكون الامر في الظهار كذلك.

و فيه:

اما بالنسبة الى اطلاق الآية الكريمة فهو قابل للتقييد بصحيح محمد بن مسلم المتقدم.

و اما بالنسبة الى رواية ابن فضال فهي تدل على ان الظهار لا يصح في المورد الذي لا يصح فيه الطلاق و لا تدل على انه كلما صح الطلاق صح الظهار.


1) وسائل الشيعة 510:15 الباب 3 من كتاب الظهار الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 516:15 الباب 8 من كتاب الظهار الحديث 2.

3) جواهر الكلام 124:33.

4) وسائل الشيعة 509:15 الباب 2 من كتاب الظهار الحديث 3.

هذا مضافا الى ضعف سندها بالارسال الا بناء على المسلك القائل بحجية كل رواية ورد في سندها احد بني فضال استنادا الى ما رواه الشيخ الطوسي عن عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح رضي اللّه عنه قال: «سئل الشيخ - يعني ابا القاسم - رضي اللّه عنه عن كتب ابن ابي العزاقر بعد ما ذم و خرجت فيه اللعنة فقيل له: فكيف نعمل بكتبه و بيوتنا منه ملاء؟ فقال: اقول فيها ما قاله ابو محمد الحسن بن علي صلوات اللّه عليهما و قد سئل عن كتب بني فضال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منها ملاء؟ فقال صلوات اللّه عليه: خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا»(1).

و المسلك المذكور قابل للتأمل لضعف الرواية المذكورة سندا بعبد اللّه الكوفي، فانه مجهول الحال، و دلالة حيث تدل على انه لا موجب للتوقف من ناحية بني فضال اذا وردوا في سند رواية لا ان الرواية تكون حجة حتى مع ضعفها من جهات اخرى.

5 - و اما اعتبار وقوعه في طهر لم يواقع فيه

فلصحيح حمران المتقدم.

و هل شرطية الطهر تختص بما اذا كان الزوج حاضرا كما هو الحال في الطلاق‌؟ مقتضى اطلاق الصحيح المتقدم نفي الاختصاص المذكور الا ان المشهور - بل في الجواهر نفي الخلاف في ذلك(2)- على الاختصاص. و معه يكون المناسب العمل على وفق ما يقتضيه الاحتياط‍‌.


1) الغيبة للشيخ الطوسي: 239.

2) جواهر الكلام 123:33.

6 - و اما انه لا يصح الظهار اذا قصد به الاضرار او الزجر

فلصحيح حمران المتقدم و صحيح صفوان عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن الرجل يصلي الصلوات او يتوضأ فيشك فيها بعد ذلك فيقول: ان اعدت الصلاة أو اعدت الوضوء فامرأته عليه كظهر امه و يحلف على ذلك بالطلاق فقال: هذا من خطوات الشيطان ليس عليه شيء»(1)و غيرهما.

هذا مضافا إلى ما يأتي في مبحث اليمين من عدم صحته الا باللّه سبحانه.


1) وسائل الشيعة 513:15 الباب 6 من كتاب الظهار الحديث 4.

كتاب الإيلاء

اشارة

1 - ما هو الايلاء

2 - من أحكام الايلاء

1 - ما هو الايلاء؟

اشارة

الايلاء هو الحلف على ترك مواقعة الزوجة - الدائمة المدخول بها - ابدا او مدة تزيد على أربعة أشهر بقصد ايذائها و الاضرار بها دون ما اذا لم يكن كذلك، كما اذا حلف على ذلك حفاظا على صحته أو صحتها.

و مع فقدان بعض القيود المذكورة لا ينعقد الحلف ايلاء و ان انعقد يمينا و ترتبت عليه آثاره اذا اجتمعت شروطه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الايلاء ما ذكر

فهو معناه شرعا و الا فهو لغة بمعنى مطلق الحلف. و الفعل آلى يؤلي.

و قد كان الايلاء في الجاهلية نحوا من الطلاق كالظهار، فاذا غضب الزوج على زوجته حلف على عدم مواقعتها قاصدا بذلك تضييق الخناق عليها فلا يطلق سراحها - كما في الطلاق - لتتزوج من غيره و لا يعود اليها ليعيش معها.

و قد جاء قوله تعالى: لِلَّذِينَ‌ يُؤْلُونَ‌ مِنْ‌ نِسائِهِمْ‌ تَرَبُّصُ‌ أَرْبَعَةِ‌

أَشْهُرٍ فَإِنْ‌ فاؤُ فَإِنَّ‌ اللّهَ‌ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌ * وَ إِنْ‌ عَزَمُوا الطَّلاقَ‌ فَإِنَّ‌ اللّهَ‌ سَمِيعٌ‌ عَلِيمٌ‌ (1)متعرضا الى حكم الايلاء و محددا للفترة التي يتمكن الزوج فيها من اتخاذ القرار النهائي، و هي اربعة أشهر فاما ان يعود و يعيش معها او يخلي سبيلها بالطلاق. و من الطبيعي ان يشجّع الكتاب الكريم على الاول، و لذا قال: فَإِنْ‌ فاؤُ فَإِنَّ‌ اللّهَ‌ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌ .

2 - و اما اعتبار دوام العقد

فهو المشهور. و يدل عليه:

أ - قوله تعالى: وَ إِنْ‌ عَزَمُوا الطَّلاقَ‌... فانه ظاهر في اعتبار قبول الزوجة المؤلّى منها للطلاق و هو لا يتم الا في الدائمة.

ب - ان من لوازم صحة الايلاء جواز مطالبة الزوجة بالوط‍‌ء، و هو لا يتم الا في الدائمة.

ج - التمسك بصحيحة عبد اللّه بن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا ايلاء على الرجل من المرأة التي يتمتع بها»(2).

د - اذا شك في ترتب الاثر بايلاء المتمتع بها يستصحب عدم ترتب الاثر لو فرض القصور في المقتضي.

و من ذلك يتضح التأمل فيما هو المنسوب الى السيد المرتضى من وقوعه بالمتمتع بها تمسكا بعموم الآية الكريمة الذي لا يخصصه عود الضمير الى البعض. و جواز المطالبة بالوط‍‌ء لم يثبت كونه من لوازم مطلق الايلاء بل خصوص الايلاء المتعلق بالزوجة الدائمة(3).

و وجه التأمل: ان عود الضمير الى البعض اذا لم يستلزم


1) البقرة: 226-227.

2) تهذيب الاحكام 8:8 الرقم 22.

3) جواهر الكلام 308:33.

التخصيص فلا أقلّ‌ من استلزامه الاجمال و عدم انعقاد العموم، و معه يرجع الى الاستصحاب بلا مانع. على انه بناء على المبنى المعروف من حجية الخبر يكفينا التمسك بالصحيحة.

3 - و اما اشتراط‍‌ الدخول

فلم يعرف فيه خلاف للروايات الخاصة، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه عليهما السّلام: «في المرأة التي لم يدخل بها زوجها قال: لا يقع عليها ايلاء و لا ظهار»(1)و غيرها(2).

4 - و اما اعتبار ان تكون الفترة المحلوف على ترك الوط‍‌ء فيها

تزيد على اربعه اشهر

فتدل عليه رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «قلت له: رجل آلى ان لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر فقال: لا يكون ايلاء حتى يحلف على اكثر من اربعة اشهر»(3).

لكنها قابلة للتأمل سندا من ناحية القاسم بن عروة فانه لم تثبت وثاقته.

و قد يعوض عنها بصحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين اربعة أشهر استعدت عليه فاما ان يفيء و اما ان يطلق فان تركها من غير مغاضبة او يمين فليس بمؤل»(4)، فانه يستفاد منها انه يكون مؤليا لو ترك وطأها اربعة اشهر عن يمين.

و على اي حال لم يعرف خلاف في الحكم المذكور.


1) وسائل الشيعة 516:15 الباب 8 من كتاب الظهار الحديث 2.

2) يمكن مراجعة بقية الروايات في وسائل الشيعة 538:15 الباب 6 من أبواب الايلاء.

3) وسائل الشيعة 538:15 الباب 6 من أبواب الايلاء الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 535:15 الباب 1 من أبواب الايلاء الحديث 2.

5 - و اما اعتبار ان يكون الحلف على ترك الوط‍‌ء بقصد الاضرار

فلا خلاف فيه. و تدل عليه موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اتى رجل امير المؤمنين فقال: يا امير المؤمنين ان امرأتي ارضعت غلاما و اني قلت: و اللّه لا اقربك حتى تفطميه فقال: ليس في الاصلاح ايلاء»(1).

و اذا شكك في السند من ناحية النوفلي الراوي عن السكوني فبالامكان التعويض بصحيحة حفص بن البختري المتقدمة، فانه بالامكان استفادة ذلك منها فلاحظ‍‌.

6 - و اما انه عند فقدان بعض الشرائط‍‌ المتقدمة لا ينعقد ايلاء

فواضح

، فان ذلك مقتضى الشرطية و من لوازمها.

و اما انه ينعقد يمينا فلان الايلاء يمين و لا وجه للتوقف في انعقاده يمينا بعد فرض توفر شرائط‍‌ ذلك.

2 - من احكام الايلاء

اشارة

لا ينعقد الايلاء - كمطلق اليمين - الا باسمه تعالى.

و اذا تمّ‌ بشرائطه فمع صبر الزوجة فلا اعتراض و الا رافعته الى الحاكم الشرعي فان تراجع خلال اربعة اشهر و واقعها خلال ذلك فهو و الا الزمه بأحد امرين: الرجوع او الطلاق. و اذا لم يستجب سجنه و ضيّق عليه في المأكل و المشرب حتى يختار احدهما.

و في بداية الاشهر الاربعة و انها من حين المرافعة او من حين


1) وسائل الشيعة 537:15 الباب 4 من أبواب الايلاء الحديث 1.

الايلاء خلاف.

و على الزوج اذا واقع زوجته - خلال الفترة المذكورة او قبلها او بعدها - التكفير الا اذا فرض التحديد بفترة معينة و تحققت المواقعة بعد انتهائها.

و كفارة الايلاء ككفارة حنث اليمين التي يأتي بيانها في المحل المناسب ان شاء اللّه تعالى.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه لا ينعقد الايلاء الا اذا كان الحلف باللّه سبحانه

فلانه فرد من اليمين فيعتبر فيه ما يعتبر فيه. على انه يمكن استفادة ذلك من الروايات الخاصة، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الايلاء ما هو؟ فقال: هو ان يقول الرجل لامرأته: و اللّه لا اجامعك كذا و كذا...»(1).

2 - و اما انه اذا تمّ‌ الايلاء و صبرت الزوجة فلا اعتراض

فواضح باعتبار انها صاحبة الحق و لصاحب الحق التنازل عن حقه.

و اما انها اذا لم تصبر فلها الحق في رفع امرها الى الحاكم الشرعي فلدلالة الروايات المتعددة عليه. و قد سبق بعضها و يأتي بعضها الآخر.

و اما ان للحاكم الحق في الالزام بأحد الامرين عند انتهاء المدة فذلك لازم جواز رفع القضية الى الحاكم و الا كان رفعها اليه لغوا. على ان ذلك يستفاد من بعض الروايات الآتية.

3 - و اما ان الحاكم يضيّق عليه في المأكل و المشرب اذا امتنع من الامرين في نهاية المدة


1) وسائل الشيعة 541:15 الباب 9 من أبواب الايلاء الحديث 1.

فقد دلت عليه رواية حماد بن عثمان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المؤلي اذا أبى ان يطلق قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام يجعل له حظيرة من قصب و يجعله فيها و يمنعه من الطعام و الشراب حتى يطلق»(1)و غيرها.

و لكن الجميع ضعيف السند فلاحظ‍‌. و لا بدّ من اتمام المطلب بالتسالم ان تمّ‌.

ثم انه اذا امتنع المؤلي من اختيار احد الامرين اما مع التضييق عليه في المأكل و المشرب او بدونه فهل للحاكم التصدي للطلاق‌؟ نعم له ذلك لموثق سماعة: «... و ان لم يف بعد اربعة اشهر حتى يصالح اهله او يطلّق جبر على ذلك و لا يقع طلاق فيما بينهما حتى يوقف و ان كان بعد الاربعة اشهر فان أبى فرّق بينهما الامام»(2).

4 - و اما بداية المدة

فالمشهور انها من حين المرافعة. و الروايات مختلفة:

أ - فمنها ما دلّ‌ على ان البداية هي المرافعة، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الايلاء هو ان يحلف الرجل على امرأته ان لا يجامعها فان صبرت عليه فلها ان تصبر و ان رفعته الى الامام انظره اربعة اشهر...»(3)و غيرها.

ب - و منها ما دلّ‌ على انها تحقق الايلاء، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ايما رجل آلى من امرأته... فانه يتربص به اربعة


1) وسائل الشيعة 545:15 الباب 11 من ابواب الايلاء الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 542:15 الباب 9 من أبواب الايلاء الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 541:15 الباب 8 من أبواب الايلاء الحديث 6.

اشهر ثم يؤخذ بعد الاربعة اشهر فيوقف فاذا فاء...»(1).

و المناسب على تقدير استقرار التعارض ترجيح الثانية لموافقتها لظاهر الكتاب الكريم الدال على اتحاد وقت الايلاء و التربص.

هذا و لكن الشهرة حيث انها على وفق مضمون الاولى فينبغي العمل على وفق الاحتياط‍‌.

5 - و اما لزوم الكفارة

فهو مما لا اشكال فيه من جهة تحقق حنث اليمين.

و منه يتضح الوجه في كونها ككفارة حنث اليمين.

و هل يلزم دفعها بعد الوط‍‌ء او قبله‌؟ قد يقال بلزوم كونها قبله تمسكا بظاهر رواية منصور: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل آلى من امرأته فمرت اربعة اشهر قال: يوقف فان عزم الطلاق بانت منه و عليها عدة المطلقة و الا كفر عن يمينه و امسكها»(2).

الا ان سندها قابل للتأمل، فان الشيخ الصدوق رواها بسنده عن ابان بن عثمان عن منصور. و طريقه الى ابان صحيح في المشيخة(3).

و ابان نفسه ثقة لكونه من اصحاب الاجماع الا ان المشكلة هي من ناحية منصور، فان ابان بن عثمان يروي عن منصور بن حازم الذي هو ثقة و عن منصور الصيقل الذي لم تثبت وثاقته، فالمشكلة هي من حيث منصور لتردده بين الثقة و غيره.

و عليه فالمناسب ان تكون الكفارة بعد الوط‍‌ء لأنه آنذاك يتحقق


1) وسائل الشيعة 539:15 الباب 8 من أبواب الايلاء الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 547:15 الباب 12 من أبواب الايلاء الحديث 3.

3) مشيخة كتاب من لا يحضره الفقيه 83:4.

حنث اليمين فيلزم التكفير لأجله.

6 - و اما عدم ثبوت الكفارة اذا كانت اليمين محدّدة بفترة و تحققت

المواقعة بعد انتهائها

فالامر فيه واضح لعدم تحقق الحنث آنذاك.

و ينبغي الالتفات الى ان الحنث هنا يختلف عنه في سائر الموارد فهو جائز بل واجب بعد انقضاء المدة و مطالبتها و امر الحاكم.

و يختلف الايلاء أيضا عن سائر موارد اليمين بانعقاده بالرغم من كون مخالفته راجحة على خلاف سائر الموارد فانها لا تنعقد في مثل ذلك.

كتاب اللّعان

اشارة

1 - ما هو اللعان

2 - صيغة اللعان

3 - من أحكام اللعان

1 - ما هو اللعان‌؟

اشارة

اللعان مباهلة بين الزوجين على وجه خاص يترتب عليها دفع حدّ أو نفي ولد. و يثبت في موردين:

1 - القذف بالزنا، فانه لا يجوز قذف المسلم بالزنا حتى مع تراكم القرائن على صحة النسبة الا مع الاطلاع على ذلك بنحو اليقين. و يلزم حدّ القاذف حدّ القذف حتى مع يقينه بصحة النسبة. و لكن بامكانه دفع الحدّ عن نفسه إذا فرض أحد أمرين:

أ - اقامة شهود أربعة يشهدون بذلك.

ب - ان يكون القاذف هو الزوج و المقذوف هو الزوجة، فان بامكان الزوج دفع الحد عن نفسه من خلال اللعان بالكيفية الآتية فيما اذا لم تكن له بينة.

2 - نفي الولد، فانه لا يجوز للشخص اذا ولدت زوجته طفلا نفيه عنه حتى اذا فجرت و ظن بعدم كونه منه لتراكم بعض القرائن ما دام يمكن تولده منه. اجل مع القطع بعدم كونه منه - كما اذا ولدت لأقل من ستة أشهر من

حين الزواج - يجوز له نفيه عنه بل قد يقال بوجوبه و لكن لا ينتفي شرعا في مرحلة الظاهر الا اذا لاعن او قامت البينة على عدم امكان تولده منه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان اللعان ما ذكر

فهو من واضحات الفقه. و يستفاد ذلك من قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ يَرْمُونَ‌ أَزْواجَهُمْ‌ وَ لَمْ‌ يَكُنْ‌ لَهُمْ‌ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ‌ فَشَهادَةُ‌ أَحَدِهِمْ‌ أَرْبَعُ‌ شَهاداتٍ‌ بِاللّهِ‌ إِنَّهُ‌ لَمِنَ‌ الصّادِقِينَ‌ * وَ الْخامِسَةُ‌ أَنَّ‌ لَعْنَتَ‌ اللّهِ‌ عَلَيْهِ‌ إِنْ‌ كانَ‌ مِنَ‌ الْكاذِبِينَ‌ * وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ‌ أَنْ‌ تَشْهَدَ أَرْبَعَ‌ شَهاداتٍ‌ بِاللّهِ‌ إِنَّهُ‌ لَمِنَ‌ الْكاذِبِينَ‌ * وَ الْخامِسَةَ‌ أَنَّ‌ غَضَبَ‌ اللّهِ‌ عَلَيْها إِنْ‌ كانَ‌ مِنَ‌ الصّادِقِينَ‌ (1).

و قد ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «ان عباد البصري سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام و أنا عنده حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة‌؟ فقال:

ان رجلا من المسلمين أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه أ رأيت لو ان رجلا دخل منزله فرأى مع امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع‌؟ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فانصرف الرجل و كان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك من امرأته قال: فنزل الوحي من عند اللّه عز و جل بالحكم فيها قال: فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى ذلك الرجل فدعاه فقال:

أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم فقال له: انطلق فايتني بامرأتك فان اللّه عز و جل قد انزل الحكم فيك و فيها قال: فاحضرها زوجها فوقفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال للزوج: اشهد اربع شهادات باللّه انك لمن الصادقين فيما رميتها به قال: فشهد قال: ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:


1) النور: 6-9.

امسك و وعظه. ثم قال: اتق اللّه فان لعنة اللّه شديدة ثم قال: اشهد الخامسة ان لعنة اللّه عليك ان كنت من الكاذبين قال: فشهد فأمر به فنحي. ثم قال عليه السّلام للمرأة: اشهدي اربع شهادات باللّه ان زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به قال: فشهدت ثم قال لها: امسكي فوعظها ثم قال لها: اتقي اللّه فان غضب اللّه شديد، ثم قال لها: اشهدي الخامسة ان غضب اللّه عليك ان كان زوجك من الصادقين فيما رماك به قال:

فشهدت قال: ففرّق بينهما و قال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما»(1).

2 - و اما ثبوت اللعان في مورد القذف

فهو المشهور. و تدل عليه الآية الكريمة و صحيحة ابن الحجاج المتقدمة و غيرها.

هذا و نسب الى الشيخ الصدوق عدم ثبوت اللعان في مورد القذف و انحصاره بنفي الولد و انه في القذف يتعين الجلد ثمانين مستندا في ذلك الى صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته و لا يكون اللعان الا بنفي الولد»(2)

و قد نقل رأي الشيخ الصدوق هذا في الجواهر 5:34.

.

و التأمل في ذلك واضح، فان الحديث المذكور مضافا الى معارضته بخبر محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «لا يكون اللعان الا بنفي الولد. و قال: اذا قذف الرجل امرأته لا عنها»(3)هو مخالف بنحو صريح للآية الكريمة المتقدمة فيلزم طرحه أو تأويله بما ذكره الشيخ


1) وسائل الشيعة 586:15 الباب 1 من أبواب اللعان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 604:15 الباب 9 من أبواب اللعان الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 604:15 الباب 9 من أبواب اللعان الحديث 1.

الطوسي و نحوه(1).

و اذا كان الشيخ الصدوق قد حصر سبب اللعان بنفي الولد فعلى العكس تماما ما ذهب إليه بعض الاعلام من الاشكال في ثبوت اللعان في مورد نفي الولد اذا لم يكن موجبا للقذف و ينحصر الامر لإثبات انتفاء الولد في مثل ذلك بالبينة.

و لعل منشأ الاشكال ان صحيحة ابي بصير المتقدمة الدالة على ثبوت اللعان في مورد نفي الولد تدل على حصر اللعان بالمورد المذكور و حيث ان المضمون المذكور مخالف لصريح الكتاب الكريم الدال على ثبوت اللعان في مورد القذف فيلزم طرح الصحيحة لأجل ما ذكر، و من ثمّ‌ نعود في مورد نفي الولد اذا لم يكن موجبا للقذف فاقدين للدليل على ثبوت اللعان.

الا ان هذا البيان - كما ترى - وجيه لو فرض انحصار مدرك اللعان في مورد نفي الولد بالصحيحة المتقدمة، و لكن سيأتي وجود غيرها.

3 - و اما انه لا يجوز القذف من دون يقين

فهو مما لا تأمّل فيه فانه من الرمي الموجب للّعنة في الدنيا و الآخرة، و هو من الافك الذي نهي عنه المؤمنون. قال تعالى: إِنَّ‌ الَّذِينَ‌ يَرْمُونَ‌ الْمُحْصَناتِ‌ الْغافِلاتِ‌ الْمُؤْمِناتِ‌ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ‌ وَ لَهُمْ‌ عَذابٌ‌ عَظِيمٌ‌ * يَوْمَ‌ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ‌ أَلْسِنَتُهُمْ‌ وَ أَيْدِيهِمْ‌ وَ أَرْجُلُهُمْ‌ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‌ (2). و قال تعالى في قصة الافك: لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ‌ ظَنَّ‌ الْمُؤْمِنُونَ‌ وَ الْمُؤْمِناتُ‌ بِأَنْفُسِهِمْ‌ خَيْراً


1) راجع ما نقله الحر في ذيل الحديث لمعرفة تأويل الشيخ الطوسي.

2) النور: 23-24.

وَ قالُوا هذا إِفْكٌ‌ مُبِينٌ‌ * لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ‌ بِأَرْبَعَةِ‌ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ‌ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ‌ عِنْدَ اللّهِ‌ هُمُ‌ الْكاذِبُونَ‌ * وَ لَوْ لا فَضْلُ‌ اللّهِ‌ عَلَيْكُمْ‌ وَ رَحْمَتُهُ‌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ‌ لَمَسَّكُمْ‌ فِيما أَفَضْتُمْ‌ فِيهِ‌ عَذابٌ‌ عَظِيمٌ‌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ‌ بِأَلْسِنَتِكُمْ‌ وَ تَقُولُونَ‌ بِأَفْواهِكُمْ‌ ما لَيْسَ‌ لَكُمْ‌ بِهِ‌ عِلْمٌ‌ وَ تَحْسَبُونَهُ‌ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللّهِ‌ عَظِيمٌ‌ * وَ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ‌ قُلْتُمْ‌ ما يَكُونُ‌ لَنا أَنْ‌ نَتَكَلَّمَ‌ بِهذا سُبْحانَكَ‌ هذا بُهْتانٌ‌ عَظِيمٌ‌ (1).

و في الحديث: «جاءت امرأة الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا رسول اللّه اني قلت لأمتي: يا زانية فقال: هل رأيت عليها زنا فقالت: لا فقال: اما انها ستقاد منك(2)يوم القيامة فرجعت الى أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت: اجلديني فأبت الأمة فأعتقتها ثم أتت الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته فقال: عسى أن يكون به»(3).

4 - و اما ان القاذف يحدّ حدّ القذف - ثمانين جلدة
• فلقوله تعالى:

وَ الَّذِينَ‌ يَرْمُونَ‌ الْمُحْصَناتِ‌ ثُمَّ‌ لَمْ‌ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ‌ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ‌ ثَمانِينَ‌ جَلْدَةً‌ وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ‌ شَهادَةً‌ أَبَداً وَ أُولئِكَ‌ هُمُ‌ الْفاسِقُونَ‌ (4).

و اما ان القاذف يحدّ حتى مع يقينه بصحة النسبة فلإطلاق الآية الكريمة.

5 - و اما اندفاع الحدّ عن القاذف بلعانه

فللآية الكريمة المتقدمة في الرقم 1.


1) النور: 12-16.

2) في التهذيب 80:10: سيقاد لها منك.

3) وسائل الشيعة 431:18 الباب 1 من أبواب حد القذف الحديث 4.

4) النور: 4.

و اما تقييد اللعان بعدم وجود البينة فللتقييد بذلك في الآية الكريمة نفسها.

6 - و اما ثبوت اللعان في مورد نفي الولد

فيستفاد من صحيحة الكناني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل لاعن امرأته و انتفى من ولدها ثم اكذب نفسه بعد الملاعنة و زعم ان الولد ولده هل يرد عليه ولده‌؟ قال: لا و لا كرامة لا يرد عليه و لا تحل له الى يوم القيامة»(1)و غيرها.

7 - و اما عدم جواز نفي الولد في حالة امكان الانتساب

فلقاعدة الفراش المستندة الى قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» الذي رواه الفريقان.

فمن طرقنا روى سعيد الاعرج في صحيحة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد؟ قال: للذي عنده لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الولد للفراش و للعاهر الحجر»(2).

و المقصود من قوله عليه السّلام: «للذي عنده» المولى المالك للجارية كما نبّه عليه الكاشاني(3).

و من طرق غيرنا ما رواه مسلم بسنده الى عائشة: «اختصم سعد بن ابي وقاص و عبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن ابي وقاص عهد إليّ‌ انه ابنه، انظر الى شبهه. و قال عبد بن زمعة: هذا اخي يا رسول اللّه ولد على فراش ابي من وليدته فنظر رسول


1) وسائل الشيعة 601:15 الباب 6 من أبواب اللعان الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 568:14 الباب 58 من أبواب نكاح العبيد و الاماء الحديث 4.

3) الوافي 1407:23.

اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى شبهه فرأى شبها بيّنا بعتبة فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش و للعاهر الحجر...»(1).

8 - و اما جواز نفيه عند عدم امكان الانتساب

فلان الفراش لا يتحقق بمجرد العقد خلافا لأبي حنيفة حيث نسب اليه تحققه بذلك فقد نقل العيني: «شذّ ابو حنيفة فيما اذا عقد شخص على امرأة و طلقها عقيب النكاح من غير امكان الوط‍‌ء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد حيث ألحقه بالزوج. و هذا خلاف ما جرت به عادة اللّه من ان الولد انما يكون من ماء الرجل و المرأة»(2)بل يتحقق بالعقد مع امكان الالتحاق بالزوج، فان القاعدة شرعت في حالات الشك في الانتساب اذ مع الجزم بالانتساب الى الزوج فلا معنى لان يعبدنا الشارع بالالحاق به لأنه تعبد بما هو معلوم بالوجدان، كما لا معنى للتعبد مع الجزم بعدم امكان الالتحاق اذ لا يمكن التعبد بما يجزم بعدمه.

9 - و اما وجوب نفيه في حالة الجزم بعدم الانتساب

فلأجل ان لا ترتب عليه أحكام الولد من الميراث و النكاح و النظر الى المحارم و غير ذلك مما يعلم بمبغوضية الشارع لترتيبه.

10 - و اما انه لا ينتفي الولد شرعا في مرحلة الظاهر من دون

لعان أو بينة

فلقاعدة الفراش الحاكمة بالالتحاق ظاهرا بصاحب الفراش.


1) صحيح مسلم كتاب الرضاع الباب 10 الولد للفراش و توقي الشبهات الحديث 1457.

2) عمدة القاري 110:11 و هو شرح العيني لصحيح البخاري.

2 - كيفية اللعان

اشارة

و كيفية اللعان أن يبدأ الرجل و يقول أربع مرّات - بعد قذفها أو نفي الولد -:

«اشهد باللّه اني لمن الصادقين فيما قلت من قذفها او نفي ولدها»، ثم يقول مرة واحدة: «لعنة اللّه عليّ‌ ان كنت من الكاذبين».

و اذا تمّ‌ اللعان بالنحو المذكور من الرجل حدّت المرأة حدّ الزنا ان كان قد قذفها بالزنا أو نفى ولدها بنحو يوجب قذفها بالزنا. و بامكانها بدورها ان تدفع الحد عن نفسها بلعانها هي بأن تقول اربع مرات: «اشهد باللّه انه لمن الكاذبين في مقالته»، ثم تقول مرة واحدة: «ان غضب اللّه عليّ‌ ان كان من الصادقين».

و المستند في ذلك:

1 - اما كيفية اللعان بالشكل المتقدم

فتستفاد من الآية الكريمة و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمتين سابقا في الرقم 1.

2 - و اما انه بلعان الزوج يثبت الحد على الزوجة و بامكانها دفعه

عنها بلعانها

فتمكن استفادته من الآية الكريمة نفسها حيث قالت:

وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ‌... (1)كما هو واضح.

3 - و اما تقييد نفي الولد بما اذا استلزم القذف

فلانه بدون ذلك لا يثبت في حق المرأة ما يستوجب اقامة الحدّ عليها.


1) النور: 7.

3 - من أحكام اللعان

اشارة

اذا تمّ‌ اللعان من الزوج أو الزوجة ترتبت الاحكام التالية:

1 - انفساخ عقد النكاح.

2 - الحرمة المؤبدة، فلا تحل للزوج حتى بعقد جديد.

و هذان الحكمان ثابتان في مطلق اللعان من دون فرق بين كونه للقذف أو لنفي الولد.

3 - سقوط‍‌ الحدّ عن الزوج - اذا تحقق منه القذف بالزنا او نفي الولد بنحو موجب للقذف - بلعانه و يسقط‍‌ عنها بلعانها. اما اذا لاعن هو و نكلت هي حدت هي دونه. و اذا لم يلاعن هو أيضا حدّ هو دونها.

4 - اذا كان التلاعن لنفي الولد ترتب عليه انتفاء الولد عن الرجل و بقي ملتحقا بالمرأة فقط‍‌ و من ثمّ‌ ينتفي التوارث بينهما بل بينه و بين كل من ينتسب بواسطته كالجد و الجدة و الاخ و الاخت للأب و العم و العمة، و يبقى منحصرا بينه و بين امه و من ينتسب بواسطتها.

و اذا لاعن هو دونها انتفى عن الرجل فقط‍‌ أيضا و لا يثبت في حق المرأة شيء الا اذا كان نفي الولد بنحو موجب للقذف فيثبت عليها الحد الا ان تلاعن.

و من الاحكام ان انتفاء الولد عن الزوج لا يلازم كونه ولد زنا لاحتمال كونه من وط‍‌ء شبهة. و عليه فلا يجوز له رميها بالزنا الا مع اليقين.

و لا يتمكن الزوج من لعان زوجته اذا قذفها بالزنا الا اذا ادعى المشاهدة و لم تكن له بينة و الا تعين عليه اقامتها لنفي الحدّ و لا تصل النوبة

الى اللعان.

و لا يثبت اللعان عند قذف الزوجة اذا كانت خرساء او صماء بل تحرم بمجرد القذف من دون توقف على لعان.

و لا يثبت اللعان لنفي الولد مع كون الزوجة متمتعا بها او غير مدخول بها.

و لا يقع اللعان الا عند الحاكم الشرعي و بطلب منه فلو بادرا اليه قبل طلبه لم يصح.

و يلزم ان يكونا قائمين عند التلفظ‍‌ بصيغة اللعان.

و المستند في ذلك:

1 - اما ترتب انفساخ العقد و الحرمة المؤبدة على مطلق اللعان

فهو مما لا اشكال فيه. و يستفاد ذلك في لعان القذف من صحيحة عبد الرحمن المتقدمة و غيرها، و في لعان نفي الولد من صحيحة الكناني المتقدمة و غيرها.

بل يمكن ان يقال: ان المستفاد من صحيحة عبد الرحمن ان الحرمة المؤبدة هي من شئون اللعان بلا خصوصية لكونه لأجل القذف.

2 - و اما سقوط‍‌ الحدّ عن الرجل و المرأة بلعانهما

فيستفاد من قوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ يَرْمُونَ‌ أَزْواجَهُمْ‌ وَ لَمْ‌ يَكُنْ‌ لَهُمْ‌ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ‌ فَشَهادَةُ‌ أَحَدِهِمْ‌ أَرْبَعُ‌ شَهاداتٍ‌ بِاللّهِ‌ إِنَّهُ‌ لَمِنَ‌ الصّادِقِينَ‌... (1)و من صحيحة ابن الحجاج المتقدمة فلاحظ‍‌.

و اما انه اذا لاعن هو دونها حدّت دونه فيستفاد من الآية الكريمة


1) النور: 6-9.

لأنها ظاهرة في ان لعان كل واحد من الزوجين موجب لدرء الحدّ عن نفسه، بل قد يستفاد من صحيحة ابن الحجاج أيضا.

و اما انه اذا لم يلاعن الرجل أيضا حدّ دونها فباعتبار تحقق القذف منه فيحد، و اما هي فحيث لم يثبت في حقها المقذوف به فلا موجب لحدها.

3 - و اما انه اذا تلاعنا لنفي الولد ترتب عليه انتفاؤه عنه دونها

فواضح.

اما عدم انتفائه عنها فلعدم الموجب اذ هي لم تنفه عنها.

و اما انتفاؤه عنه فلانه لو لا ذلك لم تكن للعانة فائدة.

و تدل على كلا الحكمين صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«المرأة يلاعنها زوجها و يفرّق بينهما الى من ينسب ولدها؟ قال: الى امه»(1).

4 - و اما عدم التوارث بين الولد و الرجل و من ينتسب بواسطته

فلان ذلك لازم انتفائه عنه باللعان.

5 - و اما انه اذا لاعن الرجل فقط‍‌ انتفى الولد عنه أيضا

فلانه لازم اللعان و فائدته.

و اما عدم ثبوت الحدّ على المرأة فلعدم الموجب لذلك بعد عدم قذفها بالزنا.

و اما انها تحدّ لو لم تلاعن فيما اذا كان نفي الولد بنحو موجب لقذفها بالزنا فباعتبار دخول المورد آنذاك تحت عنوان القذف بالزنا.


1) وسائل الشيعة 608:15 الباب 14 من أبواب اللعان الحديث 2.

6 - و اما ان نفي الولد لا يلازم كونه ابن زنا و من ثمّ‌ لا يجوز رمي

المرأة بالزنا الا مع اليقين

فواضح.

7 - و اما ان الزوج لا يتمكن من اللعان عند القذف الا اذا ادعى

المشاهدة

فهو مما لا اشكال فيه لصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«اذا قذف الرجل امرأته فانه لا يلاعنها حتى يقول: رأيت بين رجليها رجلا يزني بها»(1)و غيرها.

و اما اختصاص اللعان بحالة فقدان البينة فقد تقدم انه يستفاد من الآية الكريمة.

8 - و اما عدم ثبوت اللعان في مورد قذف الزوجة الخرساء أو

الصماء

فلم يظهر فيه خلاف بين الاصحاب. و يدل عليه صحيح الحلبي و محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل قذف امرأته و هي خرساء، قال: يفرّق بينهما»(2)و غيرها، فان مقتضى اطلاقها ثبوت التحريم من دون لعان.

و في موثقة اسماعيل بن ابي زياد(3)عن جعفر عن ابيه ان عليا قال: «ليس بين خمس من النساء و أزواجهن ملاعنة... و الخرساء ليس بينها و بين زوجها لعان انما اللعان باللسان»(4).

و الحديثان - كما ترى - ناظران الى الخرساء فالتعميم الى الصماء يحتاج الى التمسك بتسالم الاصحاب ان تمّ‌.


1) وسائل الشيعة 594:15 الباب 4 من أبواب اللعان الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 602:15 الباب 8 من أبواب اللعان الحديث 1.

3) و هو السكوني.

4) وسائل الشيعة 598:15 الباب 5 من أبواب اللعان الحديث 12.

9 - و اما عدم ثبوت اللعان لنفي الولد مع فرض التمتع بالزوجة أو

عدم الدخول

فلصحيحة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع منها»(1)و صحيحة ابي بصير المتقدمة: «لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته...»(2).

10 - و اما اعتبار ان يكون اللعان عند الحاكم

فقد ذكر في الجواهر: ان ذلك قد صرّح به جماعة من الاصحاب(3).

و لا يظهر بوضوح من الروايات اعتبار ما ذكر. اجل ورد في صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر: «سألت ابا الحسن الرضا عليه السّلام كيف الملاعنة‌؟ فقال: يقعد الامام و يجعل ظهره الى القبلة و يجعل الرجل عن يمينه و المرأة عن يساره»(4)و غيرها ما يدل على قعود الامام حالة الملاعنة الا ان ذلك لا يدل على شرطية الكون حالة الملاعنة عند الامام.

و لكن مع ذلك يمكن الاستدلال بما يلي:

أ - ان اللعان نحو من الشهادة او الحلف، و هما من وظائف الحاكم و لا يصحّان الا لديه.

ب - ان الدليل على شرطية اداء اللعان عند الحاكم و ان لم يكن ثابتا الا انه في نفس الوقت لا دليل على صحته و ترتب الاثر عليه لدى غير الحاكم فان النصوص لا اطلاق فيها من هذه الناحية. و معه ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و هو ما اذا كان الاداء لدى الحاكم اذ في


1) وسائل الشيعة 605:15 الباب 10 من أبواب اللعان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 604:15 الباب 9 من أبواب اللعان الحديث 2.

3) جواهر الكلام 53:34.

4) وسائل الشيعة 588:15 الباب 1 من أبواب اللعان الحديث 5.

غير ذلك يشك في ترتب الاثر فيستصحب عدمه.

و بالوجهين المذكورين يمكن التمسك أيضا لإثبات اعتبار طلب الحاكم لأداء اللعان في صحته.

11 - و اما انه يعتبر قيام المتلاعنين حالة ادائهما اللعان

فهو منقول عن جملة من الاصحاب. و يمكن استفادته من صحيح علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن الملاعنة قائما يلاعن أم قاعدا قال: الملاعنة و ما أشبهها من قيام»(1).


1) وسائل الشيعة 588:15 الباب 1 من أبواب اللعان الحديث 6.

كتاب اليمين و النّذر و العهد

اشارة

1 - اليمين المبحوث عنها

2 - من أحكام اليمين

3 - من أحكام النذر

4 - من أحكام العهد

1 - اليمين المبحوث عنها

اشارة

اليمين التي يجب الوفاء بها و تترتب على مخالفتها الكفارة هي المأتي بها لتأكيد ما التزمه المكلف على نفسه.

و اما اذا كانت لتأكيد الاخبار فهي محرمة اذا كانت على خلاف الواقع و يكون الحالف مأثوما - الا اذا كانت لدفع ظلم عن الحالف نفسه او سائر المؤمنين - و لكن لا كفارة فيها.

و اذا كانت للمناشدة فلا كفارة فيها و لا اثم في المخالفة.

و المستند في ذلك:

1 - اليمين لها أقسام ثلاثة:

أ - اليمين التي يقصد بها تأكيد الاخبار عن الماضي او المستقبل، كقول القائل: و اللّه اني جئت امس او اجيء غدا، او و اللّه اني لم اتلف ملك فلان او و اللّه سأتلفه، و ما شاكل ذلك.

و اليمين المتداولة من المدعى عليه - او المدعي احيانا - في باب الدعوى هي من هذا القبيل.

ب - اليمين التي يستعان بها في مقام الطلب و المناشدة، كقول القائل: اقسم عليك باللّه ان تفعل كذا.

ج - اليمين التي يقصد بها تأكيد ما التزمه الشخص على نفسه، كما اذا التزم بترك التدخين و اكّده بقوله: «و اللّه لا أدخّن»، فانه لا يقصد بذلك الاخبار عن عدم تدخينه في المستقبل و تأكيده من خلال القسم، كما هو الحال في القسم الاول بل هناك التزام بترك ذلك و تأكيد ذلك الالتزام بواسطة اليمين.

و اليمين التي هي محل البحث و يقال انه يجب الوفاء بها و يوجب حنثها الكفارة هي ما كان من قبيل القسم الاخير، و اما غيرها فلا يجب الوفاء به بل لا معنى لذلك لعدم وجود التزام ليجب الوفاء به او لتحرم مخالفته فالمخالفة غير متصورة ليتحقق الحنث و تجب الكفارة. اجل مخالفة اليمين للواقع المخبر عنه متصورة و لكنها شيء آخر غير مخالفة الحالف نفسه لليمين.

2 - و اما انه يجب الوفاء باليمين التي يقصد بها تأكيد ما التزمه

المكلف على نفسه

فهو من واضحات الفقه. قال تعالى: وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ‌ بَعْدَ تَوْكِيدِها (1)، لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ وَ لكِنْ‌ يُؤاخِذُكُمْ‌ بِما كَسَبَتْ‌ قُلُوبُكُمْ‌ (2)، لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ وَ لكِنْ‌ يُؤاخِذُكُمْ‌ بِما عَقَّدْتُمُ‌ الْأَيْمانَ‌ ... وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ‌ (3).

3 - و اما وجوب الكفارة في مخالفة اليمين من القسم الاول

فهو


1) النحل: 91.

2) البقرة: 225.

3) المائدة: 89.

من المسلمات. و يدل عليه قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ وَ لكِنْ‌ يُؤاخِذُكُمْ‌ بِما عَقَّدْتُمُ‌ الْأَيْمانَ‌ فَكَفّارَتُهُ‌ إِطْعامُ‌ عَشَرَةِ‌ مَساكِينَ‌ مِنْ‌ أَوْسَطِ‍‌ ما تُطْعِمُونَ‌ أَهْلِيكُمْ‌ أَوْ كِسْوَتُهُمْ‌ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‌ فَمَنْ‌ لَمْ‌ يَجِدْ فَصِيامُ‌ ثَلاثَةِ‌ أَيّامٍ‌ ذلِكَ‌ كَفّارَةُ‌ أَيْمانِكُمْ‌ إِذا حَلَفْتُمْ‌ (1)، اي اذا حلفتم و نكثتم كما هو واضح.

4 - و اما ان اليمين لتأكيد الاخبار لا كفارة فيها

فهو متسالم عليه و لم ينسب الخلاف في ذلك الا الى الشافعي(2). و قد تقدم الوجه في ذلك.

و اما انها تحرم اذا كانت كاذبة فهو باعتبار حرمة الكذب بل تتضاعف الحرمة لانطباق عنوان آخر و هو الحلف باللّه كاذبا. و اذا كان ذلك في باب الدعوى و فصل الخصومة تضاعف الاثم و الحرمة اكثر.

و قد يعبر عنها باليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الاثم.

و في الحديث عن ابي جعفر عليه السّلام: «ان في كتاب علي عليه السّلام ان اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم تذران الديار بلاقع من اهلها(3)و تثقل الرحم(4)، يعني انقطاع النسل»(5).

و في حديث آخر: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: من حلف على يمين و هو يعلم انه كاذب فقد بارز اللّه»(6).


1) المائدة: 89.

2) جواهر الكلام 265:35.

3) أي: خالية من أهلها.

4) و في بعض النسخ: تنغل. يقال نغل الجرح، أي فسد. و المراد في الحديث: تفسد الرحم بالعقم.

5) وسائل الشيعة 144:16 الباب 4 من أبواب الايمان الحديث 1.

6) وسائل الشيعة 144:16 الباب 4 من أبواب الايمان الحديث 4.

5 - و اما استثناء حالة دفع الظلم

فلعدة روايات كصحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام: «سألته... عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه قال: لا جناح عليه. و سألته هل يحلف الرجل على مال اخيه كما يحلف على ماله‌؟ قال: نعم»(1)و غيرها.

هذا اذا لم يصل الامر الى درجة الاضطرار او الاكراه و الا فالامر اوضح لحديث: «رفع عن امتي ما اضطروا اليه و ما استكرهوا عليه»(2).

و هل يلزم لجواز الحلف كذبا عدم امكان التخلص بالتورية‌؟ مقتضى اطلاق الصحيحة السابقة عدم اعتبار ذلك.

6 - و اما عدم ترتب اثر - من الكفارة و الاثم - على يمين المناشدة

فلقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ (3)و لموثق حفص و غير واحد من اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الرجل يقسم على اخيه قال: ليس عليه شيء انما اراد اكرامه»(4)و غيره.

و في صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قول اللّه عز و جل:

لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ قال: هو لا و اللّه و بلى و اللّه»(5).

بل لا نحتاج الى نص خاص و يكفينا مقتضى القاعدة اذ المحلوف عليه لم يحلف ليلزم به و الحالف نفسه لم يتحقق منه التزام بفعله


1) وسائل الشيعة 162:16 الباب 12 من أبواب الايمان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

3) البقرة: 225.

4) وسائل الشيعة 209:16 الباب 42 من ابواب الايمان الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 174:16 الباب 17 من ابواب الايمان الحديث 3.

لتحرم عليه مخالفته.

اجل يكره هذا النحو من اليمين بل تكره اليمين الصادقة الاخبارية أيضا لقوله تعالى: وَ لا تَجْعَلُوا اللّهَ‌ عُرْضَةً‌ لِأَيْمانِكُمْ‌ (1). و لو بقينا نحن و النهي المذكور فالمناسب هو الحرمة الا ان قوله تعالى بعد ذلك: لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ وَ لكِنْ‌ يُؤاخِذُكُمْ‌ بِما كَسَبَتْ‌ قُلُوبُكُمْ‌ (2)يدل على ان اليمين التي يجب الالتزام بها و يحرم حنثها هي اليمين التي معها قصد و التزام قلبيان.

و في حديث الامام الصادق عليه السّلام: «اجتمع الحواريون الى عيسى عليه السّلام فقالوا: يا معلم الخير ارشدنا فقال: ان موسى نبي اللّه أمركم أن لا تحلفوا باللّه كاذبين و انا آمركم ان لا تحلفوا باللّه كاذبين و لا صادقين»(3). و في حديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله: «من اجلّ‌ اللّه ان يحلف به اعطاه اللّه خيرا مما ذهب منه»(4).

2 - من أحكام اليمين

اشارة

لا تنعقد اليمين الا اذا كانت باللّه سبحانه من دون فرق بين ان يكون بلفظ‍‌ الجلالة أو بسائر اسمائه بل و بترجمة ذلك أيضا.

و لا تحرم اذا كانت بغيره سبحانه و لكنها لا تنعقد.


1) البقرة: 224.

2) البقرة: 225.

3) وسائل الشيعة 140:16 الباب 1 من ابواب الايمان الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 140:16 الباب 1 من ابواب الايمان الحديث 3.

و صيغتها: و اللّه او باللّه او تاللّه ان افعل كذا اما مع التعليق على حصول شيء او بدونه. و مع التعليق لا يجب الوفاء بها الا مع حصول المعلق عليه.

و لا تنعقد بالنية من دون تلفظ‍‌ بذلك.

و يلزم في متعلق اليمين ان يكون راجحا و لو بحسب المصلحة الشخصية للحالف، فلو كان مرجوحا من البداية لم تنعقد، و لو صار كذلك بعد ذلك انحلت.

و لا تنعقد يمين الولد مع نهي والده و تنحل مع نهيه عنها بعد ذلك. و هكذا الحال بالنسبة الى يمين الزوجة مع نهي الزوج.

و اذا حلف المكلف على صوم شهر ففي جواز الفصل و لزوم الوصل يتبع قصده.

و الحنث الموجب للكفارة هو ما صدر عن عمد دون ما لو صدر عن نسيان او اكراه او اضطرار او جهل.

و من خالف عمدا يحنث و تجب عليه الكفارة و لا يلزمه الوفاء بعد ذلك.

و كفارة حنث اليمين: عتق رقبة او اطعام عشرة مساكين او كسوتهم فان عجز صام ثلاثة ايام متوالية.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان اليمين لا تنعقد اذا كانت متعلقة بغير اللّه سبحانه

فقد يستدل له بصحيحة محمد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: قول اللّه عز و جل: وَ اللَّيْلِ‌ إِذا يَغْشى‌ (1)وَ النَّجْمِ‌ إِذا هَوى‌ (2)و ما اشبه ذلك فقال: ان للّه عز و جل ان يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه ان يقسموا


1) الليل: 1.

2) النجم: 1.

الا به»(1)و ما كان بمضمونها حيث تدل على حرمة القسم بغير اللّه سبحانه و من ثمّ‌ على عدم صحته.

الا ان الاستدلال المذكور تام لو لم يكن هناك معارض يدل على جواز الحلف بغيره سبحانه من قبيل صحيحة علي بن مهزيار: «قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السّلام الى داود بن القاسم: اني قد جئت و حياتك»(2)، فانه عليه السّلام حلف بحياة داود انه قد جاء فيلزم حمل الاولى على الكراهة.

و الانسب الاستدلال على ذلك بالوجهين التاليين:

أ - التمسك بصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «في كتاب علي عليه السّلام ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه فقال: يا رب كيف اقضي فيما لم أر و لم اشهد؟ قال: فأوحى اللّه اليه احكم بينهم بكتابي و اضفهم الى اسمي فحلفهم به. و قال: هذا لمن لم تقم له بينة»(3)، فانه بقرينة ورودها في مقام البيان يمكن ان يستفاد منها اختصاص الحلف الذي يترتب عليه اثر بما اذا كان به سبحانه دون ما اذا كان بغيره. و مورده و ان كان باب القضاء الا انه لا يحتمل ثبوت الخصوصية له.

ب - التمسك بالاصل، فانه اذا شككنا في ترتب الاثر على اليمين المتعلقة بغير اللّه سبحانه نستصحب عدم وجوب الوفاء و الكفارة.

2 - و اما انه لا فرق في الحلف باللّه سبحانه بين لفظ‍‌ الجلالة

و سائر اسمائه

فلإطلاق لفظ‍‌ «اسمه» في صحيحة سليمان «و اضفهم الى اسمي». بل يمكن التمسك باطلاق قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن


1) وسائل الشيعة 191:16 الباب 30 من ابواب الايمان الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 195:16 الباب 30 من ابواب الايمان الحديث 14.

3) وسائل الشيعة 167:18 الباب 1 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

مسلم: «و ليس لخلقه ان يقسموا الا به».

لا يقال: ان موثقة السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السّلام: «اذا قال الرجل: اقسمت او حلفت فليس بشيء حتى يقول: اقسمت باللّه او حلفت باللّه»(1)دلت على عدم انعقاد اليمين الا اذا كانت متعلقة بلفظ‍‌ الجلالة.

فانه يقال: ان الموثقة في صدد بيان ان كلمة «اقسمت» او «حلفت» لا تجدي وحدها ما لم تنضم اليها ضميمة، اما ان تلك الضميمة هل هي خصوص لفظ‍‌ الجلالة او الاعم فليست في مقام البيان من ناحيته.

3 - و اما اجزاء الترجمة

فوجهه واضح و هو التمسك بالاطلاق أيضا.

4 - و اما انه لا تحرم اليمين المتعلقة بغيره سبحانه - كالأنبياء

و الاولياء و غير ذلك

• فلصحيحة ابن مهزيار المتقدمة. و بقطع النظر عن ذلك تكفينا البراءة بعد قصور مقتضي التحريم.

و اما انها لا تنعقد فللأصل بعد القصور في المقتضي.

5 - و اما ان صيغة اليمين ما تقدم

فلان الحلف باللّه سبحانه صادق في كل ذلك.

و اما صحتها مع التعليق و بدونه فلإطلاق ادلة وجوب الوفاء باليمين لكلتا الحالتين.

و اما ان اليمين المعلقة لا يجب الوفاء بها قبل حصول المعلق عليه فباعتبار ان الالتزام من الحالف يختص بذلك، و لا التزام قبل حصول


1) وسائل الشيعة 171:16 الباب 15 من ابواب الايمان الحديث 3.

المعلق عليه ليجب الوفاء به.

6 - و اما عدم انعقاد اليمين بمجرد النية من دون تلفظ‍‌ بالصيغة

فلانه بدون ذلك لا يصدق عنوان اليمين ليجب الوفاء بها.

7 - و اما انه يعتبر الرجحان في متعلق اليمين و لو بلحاظ‍‌

المصلحة الشخصية

فلصحيحة سعيد الاعرج: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يحلف على اليمين فيرى ان تركها افضل و ان لم يتركها خشي ان يأثم أ يتركها؟ قال: اما سمعت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اذا رأيت خيرا من يمينك فدعها»(1)، فانها تدل على اعتبار ملاحظة الخير في المتعلق. و مقتضى اطلاقه كفاية كون المتعلق خيرا و لو بلحاظ‍‌ المصالح الشخصية.

و اذا فرض التساوي من جميع الجهات فهل يجب العمل بمقتضى اليمين‌؟ نعم لان الصحيحة قالت: «اذا رأيت خيرا من يمينك فدعها»، و مفهوم ذلك انه اذا لم تر خيرا من يمينك - و ذلك صادق عند التساوي - فلا تدعها.

هذا و لكن رواية حمران: «قلت لأبي جعفر و ابي عبد اللّه عليهما السّلام:

اليمين التي تلزمني فيها الكفارة‌؟ فقالا: ما حلفت عليه مما للّه فيه طاعة ان تفعله فلم تفعله فعليه الكفارة، و ما حلفت عليه مما للّه فيه المعصية فكفارته تركه، و ما لم يكن فيه طاعة و لا معصية فليس هو بشيء»(2)دلت على انه عند التساوي لا تلزم مراعاة اليمين، بل و دلت على ان المدار هو على ملاحظة المرجحات الدينية دون الدنيوية الا انه مما


1) وسائل الشيعة 175:16 الباب 18 من ابواب الايمان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 183:16 الباب 24 من ابواب الايمان الحديث 2.

يهوّن الخطب ضعف سندها بحمزة بن حمران فلاحظ‍‌.

8 - و اما انه اذا صار متعلق اليمين مرجوحا بعد اليمين انحلت

فلأن ذلك مورد صحيحة الاعرج و قد دلت على الانحلال.

9 - و اما عدم انعقاد يمين الولد و الزوجة مع نهي الوالد او الزوج

فلصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

لا يمين للولد مع والده، و لا للمملوك مع مولاه، و لا للمرأة مع زوجها...»(1)و غيرها.

و هل تنعقد اليمين مع عدم صدور الاذن من الوالد أو الزوج لأجل عدم اطلاعه على اليمين‌؟ لا يبعد الانعقاد لان التعبير المذكور في الصحيحة مجمل فيحتمل ان يكون المقصود منه: لا يمين مع الردع و يحتمل أن يكون: لا يمين مع عدم الاذن و لو من دون ردع، و مع اجمال المخصص ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و فيما زاد يرجع إلى عمومات وجوب الوفاء باليمين.

10 - و اما التعميم لحالة الردع في مرحلة البقاء

فلإطلاق الصحيحة المتقدمة.

11 - و اما ان من حلف على صوم شهر يتبع في لزوم الوصل

و جواز الفصل قصده

فباعتبار ان الحنث يتحقق بمخالفة الالتزام التابع لكيفية القصد.

و قد يستفاد ذلك أيضا من صحيحة سعد بن اسماعيل الاشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام: «سألته عن رجل حلف و ضميره على غير


1) وسائل الشيعة 155:16 الباب 10 من ابواب الايمان الحديث 2.

ما حلف، قال: اليمين على الضمير»(1)و غيرها.

12 - و اما ان الحنث الموجب للكفارة هو المخالفة عن عمد

فباعتبار ان متعلق اليمين للحالف عادة هو التزام الفعل و عدم المخالفة عن عمد و اختيار فاذا تحققت المخالفة لا عن عمد فلا يتحقق الحنث لتجب الكفارة.

على ان بالامكان التمسك بحديث رفع النسيان و الاكراه و الاضطرار(2)و بصحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة في الجاهل:

«أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه»(3).

هذا و المنسوب الى جماعة من العامة تحقق الحنث و ثبوت الكفارة في الجميع(4)و لكنه مردود بما سبق.

13 - و اما ان من خالف عن عمد لا يجب عليه الوفاء بعد ذلك

فلأن متعلق اليمين التزام واحد بترك جميع الحصص فاذا تحققت المخالفة مرة انخرم ذلك الالتزام الواحد و لا يمكن الوفاء بعد ذلك ليجب. اجل اذا كان الالتزام متعددا - كمن حلف على ترك التدخين فترة شهر بنحو كان يقصد تعدد الالتزام بالترك بعدد الايام - تعدد الوفاء و الحنث أيضا.

14 - و اما ان كفارة حنث اليمين ما تقدم

فلقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ‌ اللّهُ‌ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‌ وَ لكِنْ‌ يُؤاخِذُكُمْ‌ بِما عَقَّدْتُمُ‌ الْأَيْمانَ‌ فَكَفّارَتُهُ‌ إِطْعامُ‌ عَشَرَةِ‌ مَساكِينَ‌ مِنْ‌ أَوْسَطِ‍‌ ما تُطْعِمُونَ‌ أَهْلِيكُمْ‌ أَوْ


1) وسائل الشيعة 179:16 الباب 21 من ابواب الايمان الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من ابواب جهاد النفس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 125:9 الباب 45 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

4) جواهر الكلام 339:35.

كِسْوَتُهُمْ‌ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‌ فَمَنْ‌ لَمْ‌ يَجِدْ فَصِيامُ‌ ثَلاثَةِ‌ أَيّامٍ‌ ذلِكَ‌ كَفّارَةُ‌ أَيْمانِكُمْ‌ إِذا حَلَفْتُمْ‌ (1).

و اما اعتبار التوالي في الايام الثلاثة بالرغم من اقتضاء الاطلاق جواز التفريق فلصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «صيام ثلاثة ايام في كفارة اليمين متتابعات»(2)و غيرها.

3 - من أحكام النذر

اشارة

النذر هو التزام الشخص في ذمته بفعل شيء او تركه للّه سبحانه. و الوفاء به واجب، و تترتب على مخالفته الكفارة.

و صيغته: للّه عليّ‌ كذا ان حصل كذا.

و لا ينعقد بمجرد النية من دون تلفظ‍‌ بذلك.

و في انعقاده من دون تعليقه على شرط‍‌ كلام.

و في إجزاء الترجمة خلاف.

و يشترط‍‌ في انعقاده رجحان متعلقه بنحو يعدّ طاعة للّه سبحانه فلا ينعقد لو تعلق بالمباح الذي لا يعدّ فعله طاعة له سبحانه. و إذا زال الرجحان بعد الانعقاد انحل.

و لا يشترط‍‌ في صحة نذر الولد اذن الوالد مسبقا. اجل مع نهيه المسبق لا ينعقد. و اذا نهي عنه بعد ذلك انحل.

و يشترط‍‌ في صحة نذر الزوجة اذن الزوج اذا كان متعلقه منافيا لحقه في


1) المائدة: 89.

2) وسائل الشيعة 280:7 الباب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 4.

الاستمتاع، بل ذهب المشهور الى اعتبار اذن الزوج حتى اذا لم يكن منافيا لحقه ما دام يستلزم التصرف في مالها.

و اذا نذر المكلف صوم يوم معين و اراد السفر جاز له ذلك و لو من دون ضرورة و يفطر ثم يقضيه بدون كفارة. و هكذا لو طرأ مرض او غيره من الموانع.

و من نذر صوم شهر ففي جواز الفصل او لزوم الوصل يتبع قصده. و مع الشك في كيفية قصده يلزم اتباع ظاهر اللفظ‍‌.

و من نذر مالا للنبي صلّى اللّه عليه و آله او أحد الائمة عليهم السّلام او الاولياء ففي كيفية صرفه يتبع قصده. و مع الشك في كيفية القصد يلاحظ‍‌ ظاهر لفظ‍‌ الناذر و هو يقتضي الصرف فيما يرجع الى شئون المنذور له.

و في تحديد كفارة حنث النذر خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان النذر هو الالتزام المتقدم

فهو من واضحات الفقه التي يعرفها كل متشرع.

و اما ان الوفاء به واجب فهو من واضحات الفقه أيضا. و يدل عليه قوله تعالى: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‌ (1)، وَ ما أَنْفَقْتُمْ‌ مِنْ‌ نَفَقَةٍ‌ أَوْ نَذَرْتُمْ‌ مِنْ‌ نَذْرٍ فَإِنَّ‌ اللّهَ‌ يَعْلَمُهُ‌ وَ ما لِلظّالِمِينَ‌ مِنْ‌ أَنْصارٍ (2)، يُوفُونَ‌ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ‌ يَوْماً كانَ‌ شَرُّهُ‌ مُسْتَطِيراً (3).

و يستفاد ذلك أيضا من روايات ثبوت الكفارة بالحنث و غيرها.


1) الحج: 29.

2) البقرة: 270.

3) الإنسان: 7.

و اما انه تترتب على مخالفته الكفارة فهو مما لا اشكال فيه. و يدل عليه صحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا و لا يسميه قال: ان سميته فهو ما سميت، و ان لم تسم شيئا فليس بشيء. فان قلت: للّه عليّ‌ فكفارة يمين»(1)و غيره.

2 - و اما ان صيغته ما تقدم

فهو مما لا اشكال فيه. و يدل عليه صحيح منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا قال الرجل: عليّ‌ المشي الى بيت اللّه و هو محرم بحجة او عليّ‌ هدي كذا و كذا فليس بشيء حتى يقول: للّه عليّ‌ المشي الى بيته او يقول: للّه عليّ‌ ان احرم بحجة او يقول: للّه عليّ‌ هدي كذا و كذا ان لم افعل كذا و كذا»(2)و غيره.

3 - و اما عدم انعقاده بمجرد النية

فلانه بدون التلفظ‍‌ بالصيغة لا يصدق عنوان النذر. و مع التنزل و فرض الشك في صدق عنوان النذر يكفينا استصحاب عدم ترتب الاثر. مضافا الى امكان استفادة اعتبار التلفظ‍‌ من صحيح منصور المتقدم فلاحظ‍‌.

4 - و اما انعقاد النذر اذا لم يكن معلقا على شرط‍‌ - المعبر عنه

بنذر التبرع

• فهو بالمشهور. و قيل بعدم ذلك.

و المنشأ المهم للخلاف دعوى عدم صدق عنوان النذر مع التبرع و انه لغة الوعد بشرط‍‌، و الاصل عدم النقل، و معه فلا يمكن التمسك بعمومات وجوب الوفاء بالنذر. بل ان لم يجزم بالدعوى المذكورة فلا أقلّ‌ من احتمالها، و معه لا يمكن التمسك بالعمومات أيضا لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.


1) وسائل الشيعة 222:16 الباب 2 من أبواب النذر و العهد الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 219:16 الباب 1 من أبواب النذر و العهد الحديث 1.

و قد يؤيد اعتبار التعليق على الشرط‍‌ - كما صنع في الجواهر(1)- بصحيح منصور بن حازم المتقدم فانه ورد في ذيله: «... او يقول: للّه عليّ‌ هدي كذا و كذا ان لم افعل كذا و كذا»، و هو بالمفهوم يدل على انه اذا لم تذكر الصيغة مع التعليق فلا ينعقد النذر.

5 - و اما الخلاف في اجزاء الترجمة

فوجهه ان مقتضى صحيح منصور اعتبار التلفظ‍‌ بالشكل المذكور فيه، و لازمه عدم اجزاء غير العربية. و لا أقلّ‌ من الشك في اعتبار ذلك و هو كاف لجريان استصحاب عدم ترتب الاثر.

و في المقابل يمكن ان يقال: ان تشريع النذر كسائر التشريعات الاسلامية لم يرد خاصا بالعرب، و هل يحتمل ان غير العربي ليس من حقه النذر؟!

6 - و اما اعتبار رجحان متعلق النذر بنحو يعدّ فعله طاعة للّه

سبحانه

فباعتبار ان المكلف من خلال النذر يجعل الفعل للّه سبحانه و يقول للّه عليّ‌ كذا، و لا معنى لأن يلتزم بفعل للّه سبحانه الا اذا كان مطلوبا و طاعة له، و حيث ان المباح المتساوي طرفاه ليس مطلوبا و طاعة له سبحانه فلا معنى لجعله للّه بمثل صيغة: للّه عليّ‌ حتى اذا فرض وجود رجحان دنيوي فيه من بعض الجهات.

7 - و اما انه ينحل اذا زال الرجحان

فباعتبار انه معه لا يصدق بقاء كون الفعل للّه سبحانه فيزول عنوان النذر بقاء و ينحل بهذا المعنى.

8 - و اما عدم اعتبار اذن الوالد مسبقا في صحة نذر الولد

فلعدم


1) جواهر الكلام 368:35.

وجود نص يدل على اعتبار ذلك فيتمسك بعمومات النذر لنفي ذلك. اجل مع النهي يزول الرجحان فلا ينعقد حدوثا و ينحل بقاء.

9 - و اما عدم انعقاد نذر الزوجة اذا كان منافيا لحق الزوج في

الاستمتاع

فواضح لكون المتعلق مرجوحا آنذاك.

و اما اذا لم يكن منافيا لحقه فالمشهور اختار عدم انعقاده أيضا لصحيح عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس للمرأة مع زوجها امر في عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا هبة و لا نذر في مالها الا باذن زوجها الا في حج او زكاة او بر والديها او صلة رحمها»(1). نعم مع عدم كون نذرها مستلزما للتصرف في مالها و لا منافيا لحقه ينعقد و يجب الوفاء به تمسكا بالعمومات.

هذا و يمكن ان يقال: ان صحيح ابن سنان ناظر الى بيان حكم اخلاقي بقرينة اشتماله على ما لا يمكن الالتزام به، كعدم جواز صدقة الزوجة و هبتها لشيء من مالها من دون اذن الزوج، و عليه فالمناسب العمل على وفق الاحتياط‍‌.

10 - و اما ان من نذر صوم يوم معين و اراد السفر جاز له ذلك

و لو من دون ضرورة

و يقضي يوما بدله فهو حكم مخالف للقاعدة، فان المناسب عدم جواز السفر مقدمة لامتثال النذر الذي هو واجب الا ان صحيحة علي بن مهزيار: «كتبت اليه - يعني الى ابي الحسن عليه السّلام - يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر او اضحى او ايام التشريق او سفر او مرض هل


1) وسائل الشيعة 237:16 الباب 15 من أبواب النذر و العهد الحديث 1.

عليه صوم ذلك اليوم او قضاؤه و كيف يصنع يا سيدي‌؟ فكتب اليه: قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الايام كلها و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه...»(1)دلت على جواز السفر مع القضاء. كما دلت على عموم الحكم لسائر الاعذار غير السفر.

11 - و اما ان من نذر صوم شهر فجواز الفصل او لزوم الوصل

يتبع قصده

فقد تقدم وجهه في اليمين فلاحظ‍‌.

و اما انه مع الشك في القصد يلزم متابعة ظاهر اللفظ‍‌ فباعتبار ان الناذر التزم بما يدل عليه ظاهر اللفظ‍‌.

12 - و اما ان من نذر مالا للنبي صلّى اللّه عليه و آله او غيره يتبع في كيفية

صرفه قصده

فقد اتضح وجهه مما تقدم.

13 - و اما كفارة حنث النذر فقيل: انها ككفارة مخالفة اليمين.

و قيل ككفارة من افطر يوما من شهر رمضان.

و منشأ الخلاف اختلاف الروايات، فبعضها دلّ‌ على الاول، كما في صحيح الحلبي المتقدم في الرقم 1، و بعضها دلّ‌ على الثاني، كما في رواية عبد الملك بن عمرو عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عمن جعل للّه عليه ان لا يركب محرما سمّاه فركبه، قال: لا. و لا اعلمه الا قال: فليعتق رقبة او ليصم شهرين متتابعين او ليطعم ستين مسكينا»(2).

و التعارض بينهما مستقر. و قد ترجح الثانية لموافقة الاولى لروايات العامة الدالة على ان كفارة حنث النذر كفارة يمين(3). الا ان


1) وسائل الشيعة 233:16 الباب 10 من أبواب النذر و العهد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 575:15 الباب 23 من ابواب الكفارات الحديث 7.

3) الفقه على المذاهب الأربعة 129:2، و سنن البيهقي 69:10-72.

المناسب ترجيح الاولى لضعف سند الثانية بعبد الملك اذ لم يرد في حقه توثيق سوى ان الكشي نقل رواية ينتهي سندها الى عبد الملك نفسه و ان الامام الصادق عليه السّلام قال له: «اني لأدعو اللّه لك حتى اسمي دابتك او قال: ادعو لدابتك»(1)، و هي لو تمت دلالة على التوثيق فليست تامة سندا من جهة ان الراوي عبد الملك نفسه.

4 - من أحكام العهد

اشارة

العهد التزام مع اللّه سبحانه بفعل شيء او تركه بصيغة عاهدت اللّه او عليّ‌ عهد اللّه ان افعل كذا، مع التعليق على شرط‍‌ او بدونه. و الوفاء به واجب.

و تترتب على مخالفته الكفارة.

و المشهور عدم انعقاده بمجرد النية و القصد القلبي من دون تلفظ‍‌ بالصيغة.

و لا يعتبر في متعلقه الرجحان الشرعي بنحو يعدّ طاعة له سبحانه.

و كفارة مخالفة العهد: عتق رقبة او صيام شهرين متتابعين او اطعام ستين مسكينا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان العهد ما ذكر

فينبغي ان يكون من واضحات الفقه.

و اما ان صيغته «عاهدت اللّه او عليّ‌ عهد اللّه ان افعل كذا» فلتحقق العهد بذلك عرفا فتشمله عمومات وجوب الوفاء بالعهد.


1) رجال الكشي الرقم 246.

و اما صحته مع التعليق على شرط‍‌ و بدونه فلإطلاق الادلة الآتية الدالة على مشروعية العهد و وجوب الوفاء به.

و اما ان الوفاء به واجب فمما لا اشكال فيه لقوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ‌ الْعَهْدَ كانَ‌ مَسْؤُلاً (1)، وَ بِعَهْدِ اللّهِ‌ أَوْفُوا ذلِكُمْ‌ وَصّاكُمْ‌ بِهِ‌ لَعَلَّكُمْ‌ تَذَكَّرُونَ‌ (2)، وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ‌ إِذا عاهَدْتُمْ‌ (3)، فان المراد بالعهد في الآيات الكريمة المذكورة اما خصوص العهد الاصطلاحي او ما يعمّ‌ النذر و اليمين، و على التقديرين يثبت المطلوب.

و في حديث عبد اللّه بن سنان: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4)قال: العهود»(5).

2 - و اما ترتب الكفارة على مخالفة العهد

فهو من الامور المسلمة بين الاصحاب و تأتي دلالة بعض الروايات عليه.

3 - و اما عدم انعقاده بمجرد القصد القلبي

فهو المعروف بين الاصحاب. الا انه قد يقال بعدم تقوّم عنوان العهد عرفا بالابراز بالصيغة اللفظية فبقصد العهد قلبا يتحقق و تشمله عمومات وجوب الوفاء بالعهد. و هذا بخلاف النذر فان عنوانه لا يصدق عرفا من دون ابراز لفظي له. مضافا الى دلالة بعض الروايات على اعتبار الابراز اللفظي فيه فراجع.


1) الاسراء: 34.

2) الانعام: 152.

3) النحل: 91.

4) المائدة: 1.

5) وسائل الشيعة 25:16 الباب 25 من أبواب النذر و العهد الحديث 3.

و بالجملة: مع الجزم بصدق عنوان العهد على مجرد القصد القلبي فيلزم وجوب الوفاء به تمسكا بالعمومات. و اما اذا لم يجزم بذلك فلا يمكن التمسك بها - لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية - و يتعين الرجوع الى الاصل لنفي ترتب الاثر.

4 - و اما عدم اعتبار كون متعلق العهد طاعة كما هو معتبر في

النذر

فلعدم جريان التقريب السابق هناك فيه. و مقتضى اطلاق دليل وجوب الوفاء به الشمول لما يكون متساوي الطرفين شرعا.

5 - و اما ان كفارة مخالفة العهد ما تقدم

فهو المشهور بين الاصحاب. و يدل عليه ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن ابي جعفر الثاني عليه السّلام: «رجل عاهد اللّه عند الحجر ان لا يقرب محرما ابدا فلما رجع عاد الى المحرم فقال ابو جعفر عليه السّلام: يعتق او يصوم او يتصدق على ستين مسكينا. و ما ترك من الامر اعظم و يستغفر اللّه و يتوب اليه»(1)و غيره.


1) وسائل الشيعة 248:16 الباب 25 من أبواب النذر و العهد الحديث 4.

كتاب الوصيّة

اشارة

1 - الوصية بقسميها

2 - الوصية ايقاع

3 - من أحكام الوصي

4 - من أحكام الوصية

1 - الوصية بقسميها

اشارة

الوصية إنشاء يتضمن تمليكا او عهدا بتصرف معين بعد الوفاة.

و هي على قسمين: تمليكية و عهدية.

و الاولى هي ما تضمنت إنشاء ملكية عين او اختصاص حق بعد الوفاة - كالوصية بكون قسم من المال لشخص معين او لجهة معينة كالفقراء - و اركانها ثلاثة: الموصي، و الموصى به، و الموصى له.

و الثانية هي ما تضمنت العهد بتولي تصرف معين بعد الوفاة، كالوصية بتمليك شخص او جهة مقدارا من المال او الوصية بالدفن في مكان معين او بولاية شخص على الاطفال القاصرين او بالتصرف في المال ببناء مسجد به او حسينية و ما شاكل ذلك. و اركانها ثلاثة أيضا: الموصي، و الوصي، و الموصى به. و مع تعلق الموصى به بالغير - كالوصية بتمليك الوصي مقدارا من المال لشخص - تكون اطرافها اربعة باضافة الموصى له.

و هي مشروعة بنحو الاستحباب بل بنحو الوجوب احيانا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوصية ما تقدم

فهو من واضحات الفقه.

و اما انقسامها الى ما ذكر فكذلك حيث ان متعلق الوصية تارة يكون هو الملكية او الاختصاص بنحو شرط‍‌ النتيجة، و اخرى هو التمليك او الاختصاص بنحو شرط‍‌ الفعل او تصرفا آخر غير التمليك.

و الوصية في الاول تمليكية و في الثاني عهدية.

2 - و اما انها مشروعة

فهو من ضروريات الدين. و يدل على ذلك قوله تعالى: كُتِبَ‌ عَلَيْكُمْ‌ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ‌ الْمَوْتُ‌ إِنْ‌ تَرَكَ‌ خَيْراً الْوَصِيَّةُ‌ لِلْوالِدَيْنِ‌ وَ الْأَقْرَبِينَ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‌ * فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ إِنَّ‌ اللّهَ‌ سَمِيعٌ‌ عَلِيمٌ‌ (1).

و موردها و ان كان خاصا بالوصية للوالدين و الاقربين الا ان فقرة:

فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ تدل على امضاء مطلق الوصية للاستشهاد بها في بعض الروايات على نفوذ مطلق الوصية، ففي صحيحة محمد بن مسلم: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن الرجل اوصى بماله في سبيل اللّه قال: اعطه لمن اوصى له به و ان كان يهوديا او نصرانيا ان اللّه عز و جل يقول: فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ »(2).

و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا شَهادَةُ‌ بَيْنِكُمْ‌ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ‌ الْمَوْتُ‌ حِينَ‌ الْوَصِيَّةِ‌ اثْنانِ‌ ذَوا عَدْلٍ‌ مِنْكُمْ‌ أَوْ آخَرانِ‌ مِنْ‌ غَيْرِكُمْ‌ إِنْ‌ أَنْتُمْ‌ ضَرَبْتُمْ‌ فِي الْأَرْضِ‌ فَأَصابَتْكُمْ‌ مُصِيبَةُ‌ الْمَوْتِ‌... (3)، مِنْ‌ بَعْدِ وَصِيَّةٍ‌


1) البقرة: 180-181.

2) وسائل الشيعة 411:13 الباب 32 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 1.

3) المائدة: 106.

يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌ ... مِنْ‌ بَعْدِ وَصِيَّةٍ‌ يُوصِينَ‌ بِها أَوْ دَيْنٍ‌ ... مِنْ‌ بَعْدِ وَصِيَّةٍ‌ تُوصُونَ‌ بِها أَوْ دَيْنٍ‌ ... مِنْ‌ بَعْدِ وَصِيَّةٍ‌ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌ (1).

و تدل على المشروعية أيضا السيرة القطعية بين المتشرعة المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام.

3 - و اما انها مشروعة بكلا قسميها

فامر متسالم عليه و يقتضيه اطلاق الآية الكريمة الاولى و السيرة القطعية.

4 - و اما انها مشروعة بنحو الاستحباب

فهو من واضحات الفقه.

و يدل على ذلك قوله عليه السّلام: «ما ينبغي لامرئ مسلم ان يبيت ليلة الا و وصيته تحت رأسه»(2)، «من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية»(3).

و في وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام: «يا علي أوصيك بوصية فاحفظها فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي... يا علي من لم يحسن وصيته عند موته كان نقصا في مروته و لم يملك الشفاعة»(4).

5 - و اما انها قد تجب

فيأتي بيانه عند التعرض لأحكام الوصية ان شاء اللّه تعالى.

2 - الوصية ايقاع

اشارة

صحة الوصية العهدية لا تتوقف على القبول. نعم للوصي الرد - و لكن لا


1) النساء: 11-12.

2) وسائل الشيعة 352:13 الباب 1 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 7.

3) وسائل الشيعة 352:13 الباب 1 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 8.

4) وسائل الشيعة 357:13 الباب 6 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 2.

يلزم من ذلك بطلان الوصية رأسا بل بطلان وصياته - بشرطين: كون ذلك في حياة الموصي، و بلوغه الرد. بل قد يضاف الى ذلك امكان الايصاء الى شخص آخر. هذا اذا لم يكن العمل بها حرجيا و الا جاز ردها حتى مع اختلال ما تقدم.

اجل في خصوص الولد قد يقال بوجوب قبوله الوصية اذا دعاه والده الى ذلك.

و اما الوصية التمليكية فالمشهور ذهب الى اعتبار قبول الموصى له في صحتها فتكون على رأيهم عقدا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان صحة الوصية العهدية لا تتوقف على القبول

فهو رأي غير واحد من الفقهاء. و تدل عليها الروايات الدالة على وجوب العمل بالوصية على الوصي اذا لم يرد او ردّ و لم يبلغ الموصي ذلك، كصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا اوصى الرجل الى اخيه و هو غائب فليس له ان يرد عليه وصيته لأنه لو كان شاهدا فأبى ان يقبلها طلب غيره»(1)و غيرها، فان القبول لو كان معتبرا جاز الرد مطلقا بل لم يتوقف بطلانها على الرد و يكفي عدم القبول.

هذا و يمكن التمسك أيضا باطلاق قوله تعالى: فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ (2)بعد تفسيره بمطلق الايصاء على ما تقدم.

2 - و اما جواز الرد بالشروط‍‌ الثلاثة المتقدمة

فيمكن استفادته من


1) وسائل الشيعة 398:13 الباب 23 من أحكام الوصايا الحديث 3.

2) البقرة: 181.

صحيح منصور المتقدم و غيره.

و اما جواز الرد مع الحرج فلقاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى: ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ (1).

3 - و اما انه مع ردّ الوصي في مورد جوازه لا يلزم بطلان الوصية

رأسا

فلان اقصى ما يستلزمه الرد خلو الوصية من الوصي و هو لا يقتضي بطلانها.

4 - و اما وجوب قبول الولد للوصية اذا دعاه والده الى ذلك

فلرواية علي بن الريان: «كتبت الى ابي الحسن عليه السّلام: رجل دعاه والده الى قبول وصيته هل له ان يمتنع من قبول وصيته‌؟ فوقع عليه السّلام: ليس له ان يمتنع»(2)بناء على التسامح في امر سهل الوارد في سندها.

5 - و اما اعتبار المشهور للقبول في الوصية التمليكية

فقد يستدل له بالوجهين التاليين:

أ - ان تحقق الملك بدون قبول الموصى له مخالف لقاعدة سلطنة الانسان على نفسه الثابتة بالسيرة العقلائية، فان دخول شيء في ملك الغير قهرا مناف لذلك. و ثبوت مثله في الارث هو لدليل خاص فلا مجال معه للتعدي عنه.

ب - التمسك باستصحاب عدم الانتقال الى الموصى له بدون قبوله.

و كلا الوجهين قابلان للتأمل بعد اطلاق الآية الكريمة فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ (3).


1) الحج: 78.

2) وسائل الشيعة 400:13 الباب 24 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 1.

3) البقرة: 181.

اجل ادعي الاجماع في المسألة على اعتبار القبول. و هو ان تمّ‌ كان هو المدرك الا انه غير تام لكونه محتمل المدرك.

و مما يدعم عدم اعتبار القبول صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في رجل اوصى لآخر و الموصى له غائب فتوفي الموصى له الذي اوصي له قبل الموصي قال: الوصية لوارث الذي اوصي له. قال: و من اوصى لأحد شاهدا كان او غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي اوصي له الا ان يرجع في وصيته قبل موته»(1)و ما كان بمضمونها، فان مقتضى اطلاقها لزوم الدفع الى الوارث حتى مع عدم قبول الموصى له و لا وجه للدفع اليه الا تحقق ملك مورثه و الانتقال منه اليه.

نعم قد يلتزم بمانعية الرد عن تحقق الملك بالرغم من اقتضاء اطلاق الآية الكريمة نفيه أيضا و لا وجه له سوى الاجماع المدعى في المسألة.

قال السيد اليزدي: «و يحتمل قويا عدم اعتبار القبول فيها بل يكون الرد مانعا.

و دعوى انه يستلزم الملك القهري و هو باطل في غير مثل الارث مدفوعة بانه لا مانع منه عقلا. و مقتضى عمومات الوصية ذلك. مع ان الملك القهري موجود في مثل الوقف»(2).1.


1) وسائل الشيعة 409:13 الباب 30 من أحكام الوصايا الحديث 1.

2) العروة الوثقى كتاب الوصية مسألة 1 من مسائل الفصل 1.

3 - من احكام الوصي

اشارة

اذا عيّن الموصي شخصا للقيام بتنفيذ وصيته تعيّن و الا فالنوبة تصل الى الحاكم الشرعي فيتولى تنفيذ الوصية بنفسه او يعيّن شخصا لذلك.

و دور الوصي في الوصية التمليكية بذل المال للموصى له لا اكثر بخلافه في الوصية العهدية فانه يتولى التصرف الموصى به.

و اذا ظهرت من الوصي خيانة ضم الحاكم الشرعي اليه من يمنعه منها، فان لم يمكن عزله و نصب غيره.

و اذا مات الوصي قبل تنفيذ الوصية كلا او بعضا نصب الحاكم الشرعي وصيا لتنفيذها.

و يجوز لكل من الاب و الجد للأب الوصية بالولاية - القيمومة - على الطفل بعد موته مع فقد الآخر. و لا تصح من غيرهما و لا مع وجود الآخر.

و وظيفة القيّم مع عدم تحديد جهة معينة له التصدي للشئون المرتبطة بالطفل من تربيته و حفظ‍‌ امواله و الانفاق عليه و استيفاء دينه و وفاء ما عليه من دين و ما شاكل ذلك.

و يجوز للموصي نصب ناظر على الوصي وظيفته: اما ابداء النظر بنحو لا يكون تصرف الوصي نافذا الا اذا وافق نظره، او الاشراف على عمل الوصي بحيث يكون تحت نظره ليعترض عليه و يردعه اذا رأى منه مخالفة لمقررات الوصية من دون ان يلزم الوصي بمتابعة رأيه بل يكفي اطلاعه على عمله الموافق بنظره - الوصي - لمقررات الوصية. و لعل الغالب تداوله في جعل الناظر هو هذا المعنى.

و اذا حدّد الموصي ولاية الوصي بجهة معينة لزم الاقتصار على محل الاذن و كان المرجع بلحاظ‍‌ الجهات الاخرى هو الحاكم الشرعي.

و يجوز للقيّم على اليتيم اخذ اجرة مثل عمله. و الاحتياط‍‌ يقتضي الاقتصار على ما اذا كان فقيرا و لم يكن مال اليتيم قليلا.

و يجوز ذلك للوصي أيضا - غير القيّم على اليتيم - فيما اذا كان لعمله اجرة و لم تقم القرينة على ارادة المجانبة.

و المستند في ذلك:

1 - اما تعيّن من عيّنه الموصي لتنفيذ الوصية

فهو مما لا اشكال فيه. و تقتضيه الادلة الدالة على امضاء الوصية من الآيات الكريمة و غيرها. بل صحيح منصور المتقدم صريح في ذلك.

2 - و اما ان النوبة تصل الى الحاكم الشرعي مع عدم تعيين احد

لذلك

فلأنه بعد الحكم شرعا بصحة الوصية - تمسكا باطلاقات صحة الوصية - يلزم تصدي بعض لتنفيذها، و اذا دار امر ذلك البعض بين كونه مطلق عدول المؤمنين او خصوص الحاكم الشرعي فينبغي الاقتصار على من يتيقن باذن الشارع له في التصدي و هو الحاكم الشرعي و يكون تصدي غيره موردا لاستصحاب عدم ترتب الاثر.

بل قد يتمسك لذلك أيضا بمكاتبة اسحاق بن يعقوب: «سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت عليّ‌ فورد التوقيع بخط‍‌ مولانا صاحب الزمان عليه السّلام: اما ما سألت عنه ارشدك اللّه و ثبتك... و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة

حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه...»(1).

3 - و اما ان الحاكم الشرعي بالخيار بين تصديه بنفسه او تعيين

شخص آخر

فلعدم اقتضاء ما تقدم للزوم تصدي الحاكم بنفسه بل هو اعم من ذلك.

4 - و اما ان دور الوصي في الوصية العهدية هو البذل لا اكثر

فباعتبار ان تملك الموصى له او اختصاصه بالحق يتحقق بمجرد موت الموصي بلا حاجة الى تمليك من الوصي فدوره لا يعدو بذل ما تحقق ملكه او اختصاصه بمجرد الموت، و هذا بخلافه في الوصية العهدية فان التمليك او التصرف الآخر لا بدّ من قيام الوصي به لان الوصية تعلقت به بنحو شرط‍‌ الفعل.

5 - و اما ان الوصي اذا ظهرت منه خيانة ضم الحاكم اليه من يمنعه

منها

فهو مقتضى وجوب تنفيذ الوصية بعد الالتفات الى عدم لياقة الخائن لذلك.

هذا اذا لم يستظهر من الوصية كون الايصاء مقيدا بعدم الخيانة و الا يخرج عن كونه وصيا بمجرد الخيانة.

و من هذا يتضح الوجه في ثبوت الحق للحاكم في عزل الخائن و نصب غيره اذا لم يمكن منعه من الخيانة المجددة بضم آخر اليه.

6 - و اما انه اذا مات الوصي قبل تنفيذ الوصية نصب الحاكم غيره

فقد اتضح وجهه من خلال ما اشير اليه في الرقم 2.

7 - و اما انه يجوز لكل من الاب و الجد نصب القيم على اطفالهما بعد الوفاة


1) وسائل الشيعة 101:18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 9.

فهو مما لا خلاف فيه. و يمكن استفادة ذلك من موثقة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده و بمال لهم و اذن له عند الوصية ان يعمل بالمال و ان يكون الربح بينه و بينهم فقال: لا بأس به من أجل ان أباه(1)قد اذن له في ذلك و هو حي»(2)

و قد اشتمل سندها على الحسن بن علي بن يوسف - و هو ابن البقاح الراوي لكتاب المثنى بن الوليد على ما ذكر النجاشي في ترجمة المثنى - الذي وثّقه النجاشي في رجاله: 29 منشورات مكتبة الداوري.

.

و هي تشمل الجد أيضا لكونه أبا.

و موردها و ان كان خاصا بالمضاربة الا انه يمكن التعدي الى غيره اما تمسكا بعموم التعليل الوارد في ذيلها او بعدم القول بالفصل.

و يمكن التمسك أيضا بالروايات الدالة على جواز جعل قيم على الاطفال في الجملة، فانها و ان لم تحدد من له حق الجعل الا ان القدر المتيقن من ذلك هو الاب و الجد خصوصا اذا لا حظنا الروايات الدالة على ان الاب و الجد لهما الولاية على تزويج الصغيرين(3)فانها اذا لم تدل باستقلالها على جواز جعل القيم عليهما من باب الاولوية فلا أقلّ‌ هي تدل على المطلوب بعد ضمّها الى الروايات المتقدمة.

8 - و اما ان ولايتهما تختص بحالة فقد الآخر

فللأصل بعد عدم الاطلاق في دليل ولاية كل منهما.

و اما عدم ثبوت الولاية لغيرهما فللأصل بعد عدم الدليل خلافا لابن


1) المناسب: اباهم، كما في طبعة مؤسسة آل البيت عليه السّلام لوسائل الشيعة.

2) وسائل الشيعة 478:13 الباب 92 من أبواب أحكام الوصايا الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 207:14 الباب 6 من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد.

الجنيد حيث جعل للأم الولاية بعد الاب اذا كانت رشيدة(1). و لم يتضح مستنده في ذلك.

9 - و اما ان وظيفة القيم ما تقدم

فلانصراف جعل الولاية له الى جعلها بلحاظ‍‌ ذلك.

10 - و اما نصب الناظر بأحد المعنيين المتقدمين

فلا اشارة اليه في الروايات بل و لا في كلمات المتقدمين من فقهائنا الا انه مع ذلك يمكن تصحيحه من خلال اطلاقات صحة الوصية و امضائها على ما هي عليه كقوله تعالى: فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ (2).

11 - و اما لزوم الاقتصار على محل الاذن مع تحديد الولاية بجهة

معينة

فلأن ذلك مقتضى وجوب العمل بالوصية و عدم تجاوزها.

و اما ان المرجع في الجهات الاخرى هو الحاكم الشرعي فلانه بلحاظ‍‌ تلك تعود الوصية بلا نصب وصي، و قد تقدم ان المرجع في مثل ذلك هو الحاكم الشرعي.

12 - و اما انه يجوز للقيم على اليتيم اخذ اجرة مثل عمله ان كانت له

اجرة

فلقوله تعالى: وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‌ حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ‌ فَإِنْ‌ آنَسْتُمْ‌ مِنْهُمْ‌ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ‌ أَمْوالَهُمْ‌ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ‌ يَكْبَرُوا وَ مَنْ‌ كانَ‌ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ‌ وَ مَنْ‌ كانَ‌ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ (3).

و قد تسالم الاصحاب على جواز اخذ الاجرة في الجملة و اختلفوا في


1) جواهر الكلام 277:28.

2) البقرة: 181.

3) النساء: 6.

مقدارها و انه اجرة المثل او مقدار الكفاية او أقلّ‌ الامرين. و المستفاد من الآية الكريمة استحقاق اجرة المثل فانها المصداق لعنوان المعروف.

و تؤكد ذلك صحيحة هشام بن الحكم: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عمن تولى مال اليتيم ما له ان يأكل‌؟ فقال: ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الاجر لهم فليأكل بقدر ذلك»(1)و غيرها.

و اما الفقر فيمكن رفع اليد عن اعتباره لان الآية و ان اشتملت على الامر الظاهر في الوجوب الا ان المادة تتناسب مع الندب. و يبقى الاحتياط‍‌ باعتبار ذلك امرا في محله.

13 - و اما الاحتياط‍‌ باعتبار ان لا يكون مال اليتيم قليلا

فلرواية ابي الصباح الكناني: «عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عز و جل: وَ مَنْ‌ كانَ‌ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ فقال: ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس ان يأكل بالمعروف اذا كان يصلح لهم اموالهم، فان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا»(2)، فان ضعف سندها بمحمد بن الفضيل - حيث لم يحرز كونه النهدي الثقة - و اعراض المشهور عن الفتوى بمضمونها يقتضيان التنزل عن الفتوى باعتبار ذلك الى الاحتياط‍‌.

14 - و اما انه يجوز للوصي غير القيم على اليتيم اخذ اجرة المثل

فلان ذلك مقتضى الامر بالعمل لا على نحو المجانية المقتضي لضمان اجرة المثل للسيرة العقلائية.


1) وسائل الشيعة 186:12 الباب 72 من ابواب ما يكتسب به الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 185:12 الباب 72 من ابواب ما يكتسب به الحديث 3.

4 - من أحكام الوصية

اشارة

ينعقد الايجاب في الوصية بكل ما يدل عليه و لو كتابة.

و الواجبات الموسعة - كقضاء الصلاة و الصوم و اداء الكفارات و النذور و... - تتضيق لدى المشهور و تجب المبادرة الى ادائها مع الامكان عند ظهور امارات الموت. و اذا لم يمكن اداؤها يجب الايصاء بها الا مع العلم بقيام الوارث او غيره بها.

و هكذا اموال الناس - من الوديعة و نحوها - اذا كانت عند شخص فانه يجب عليه ردها مع الامكان عند ظهور امارات الموت، و مع عدم الامكان يجب الايصاء بها.

هذا في غير الديون. و اما هي فيجب اداؤها أيضا عند ظهور امارات الموت، و مع عدم الامكان او كونها مؤجلة يجب الايصاء بها اذا خيف ضياعها بدون ذلك.

و لا تصح الوصية الا بمقدار الثلث دون ما زاد عليه الا باجازة الورثة بعد الوفاة.

و في الاجتزاء بها حال الحياة خلاف. و الاجازة لازمة لا يمكن التراجع بعدها. و اذا اجاز بعض الورثة دون بعض نفذت الوصية في حصة المجيز دون غيره.

و الميزان في تحديد مقدار الثلث ملاحظة حال الموت دون الوصية، فلو اوصى شخص بعين و كانت بمقدار نصف امواله حين الوصية و صارت بمقدار الثلث حين الموت صحت الوصية في تمامها. و اذا انعكس الامر

فكانت بمقدار الثلث حين الوصية و ازيد منه حين الوفاة نفذت بمقدار الثلث و توقفت فيما زاد على اجازة الورثة.

و الواجبات المالية - و هي الاموال المشتغلة بها الذمة، كالمال المقترض و ثمن المبيع و الخمس و الزكاة و... - تخرج من الاصل و ان لم يوص بها بلا خلاف.

و اما الواجبات غير المالية فقد وقعت محلاّ للخلاف.

و اذا تعددت الوصايا و كان بعضها يخرج من الاصل - كالزكاة - و بعضها لا يخرج منه - كالصلاة - يبدأ باخراج الاول من الاصل، و مع بقاء شيء منه يصرف ثلثه في الثاني و يتمم من الباقي ان لم يف مع فرض اجازة الورثة.

هذا اذا لم يعيّن الموصي اخراج الوصايا من الثلث و الا اخرج الجميع من الثلث ان وسعها و يتمم من الباقي ان لم يسع مع فرض اجازة الورثة.

و اذا فرض عدم الامرين بدأ بما يخرج من الاصل فيخرج من الثلث اولا، فان بقي منه شيء صرف فيما لا يخرج من الاصل، و ان لم يبق منه شيء بطلت الوصية بلحاظه.

و المستند في ذلك:

1 - اما انعقاد ايجاب الوصية بكل ما يدل عليه

فلإطلاق الآية الكريمة: كُتِبَ‌ عَلَيْكُمْ‌ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ‌ الْمَوْتُ‌ إِنْ‌ تَرَكَ‌ خَيْراً الْوَصِيَّةُ‌ لِلْوالِدَيْنِ‌ ... فَمَنْ‌ بَدَّلَهُ‌ بَعْدَ ما سَمِعَهُ‌ فَإِنَّما إِثْمُهُ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ يُبَدِّلُونَهُ‌ (1)الدال على امضاء عنوان الوصية متى ما صدق.

2 - و اما تضيق الواجبات الموسعة عند ظهور امارات الموت


1) البقرة: 180-181.

فباعتبار ان جواز تأخير الامتثال منوط‍‌ بسعة الوقت، اما مع الظن بعدمها - بسبب ظهور امارات الموت - فلا معنى له.

هذا ما عليه المشهور. و هو وجيه مع فرض قيام اجماع قولي او عملي على اناطة جواز التأخير بعدم ظن الضيق كما ادعاه بعض الاعلام(1)و الا فالمناسب جعل المدار في التضيق و عدمه على العلم او الاطمئنان بالتمكن من الامتثال و عدمه - و ليس على الظن بالتمكن و عدمه - فمن لم يطمئن بتمكنه من الامتثال لو اخّر تلزمه المبادرة اليه و لو لم تظهر امارات الموت عليه.

و الوجه في ذلك: ان كل تكليف لا بدّ عقلا من المبادرة الى امتثاله الا مع العلم او الاطمئنان بالتمكن لو لم يبادر. و جعل المدار على ظهور امارات الموت و عدمه بلا وجه.

3 - و اما وجوب الايصاء بها عند عدم التمكن من مباشرة الامتثال

فواضح بعد عدم سقوطها عن الذمة بالموت. و لا محذور في اعتبار اشتغال الذمة بشيء بعد الموت. و ثمرته لزوم تفريغها تسبيبا قبل الموت من خلال الوصية بها.

4 - و اما وجوب ردّ أموال الناس من الوديعة و غيرها عند ظهور

امارات الموت

فباعتبار ان ردّ الامانة الى اهلها واجب. هذا ما عليه المشهور.

و المناسب ان يقال: ان ردّها واجب اذا لم يطمئن باداء الوارث لها و الا فلا موجب لذلك، فان اللازم في باب الامانة حفظها، و هو متحقق مع


1) مستمسك العروة الوثقى 541:14.

الاطمئنان باداء الوارث لها، اما ردّها مع فرض عدم مطالبة صاحبها بها فليس واجبا.

و ينبغي الالتفات الى ان اداء الوارث لها اذا كان موقوفا على الايصاء بها و الاشهاد عليها وجب ذلك من باب وجوب مقدمة الواجب و لو عقلا.

5 - و اما ان الديون يجب اداؤها عند ظهور امارات الموت اذا كانت

حالّة

فهو مذكور في كلمات غير واحد من الاعلام.

و المناسب ان يقال: انه مع مطالبة المالك بها يجب اداؤها اذا كانت حالة سواء ظهرت امارات الموت أم لا، و مع عدم مطالبته بها فلا موجب للإلزام بادائها، فجعل الامر دائرا مدار ظهور امارات الموت و عدمه بلا وجه.

6 - و اما انه لا تصح الوصية الا بمقدار الثلث

فهو المعروف بين الاصحاب. و قد دلت عليه روايات متعددة، كموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الميت احق بماله ما دام فيه الروح يبين فيه(1)فان قال:

بعدي فليس له الا الثلث»(2)و غيرها.

و نسب الخلاف في ذلك الى الشيخ علي بن بابويه و انه اجازها في جميع التركة(3).

و قد يستدل له بثلاث روايات:


1) قال في الوافي 67:24 «ابان فيه: اي عزله عن ماله و سلّمه الى المعطى له في مرضه و لم يعلّق اعطاءه على الموت».

2) وسائل الشيعة 367:13 الباب 11 من أحكام الوصايا الحديث 12.

3) جواهر الكلام 281:28.

أ - رواية محمد بن عبدوس: «اوصى رجل بتركته متاع و غير ذلك لأبي عبد اللّه عليه السّلام فكتب اليه: رجل اوصى إليّ‌ بجميع ما خلّف لك و خلّف ابنتي اخت له فرأيك في ذلك فكتب إليّ‌: بع ما خلّف و ابعث به إليّ‌ فبعت و بعثت به اليه فكتب إليّ‌: قد وصل»(1).

ب - رواية عمار بن موسى الساباطي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح اذا اوصى به كله فهو جائز»(2).

ج - موثقة علي بن الحسن بن فضال: «مات محمد بن عبد اللّه بن زرارة و أوصى الى اخي احمد بن الحسن و خلّف دارا و كان اوصى في جميع تركته ان تباع و يحمل ثمنها الى ابي الحسن عليه السّلام فباعها فاعترض فيها ابن اخت له و ابن عم له فاصلحنا امره(3)بثلاثة دنانير. و كتب اليه احمد بن الحسن و دفع الشيء بحضرتي الى ايوب بن نوح فاخبره انه جميع ما خلف و ابن عم له و ابن اخته عرض و اصلحنا امره بثلاثة دنانير فكتب: قد وصل ذلك و ترحّم على الميت و قرأت الجواب»(4).

و يمكن التأمل في ذلك:

اما الاوليتان فهما ضعيفتا السند - الاولى بمحمد بن عبدوس فانه مجهول و الثانية بعمر بن شداد و السري فانهما مجهولان أيضا - و قد تحملان على صورة اجازة الورثة.

و اما الاخيرة فلا يبعد نظرها الى صورة اجازة الورثة و جلب7.


1) وسائل الشيعة 369:13 الباب 11 من أحكام الوصايا الحديث 16.

2) وسائل الشيعة 370:13 الباب 11 من أحكام الوصايا الحديث 19.

3) المناسب هنا و فيما يأتي: أمرهما.

4) وسائل الشيعة 369:13 الباب 11 من أحكام الوصايا الحديث 17.

رضاهم بثلاثة دنانير.

7 - و اما نفوذها مع اجازة الورثة بعد الوفاة

فباعتبار ان الحق لا يعدوهم.

8 - و اما الاجتزاء باجازة الورثة حال حياة مورثهم

فالقاعدة و ان اقتضت عدمه لكونهم آنذاك ليسوا اصحاب حق ليتمكنوا من اسقاطه الا ان الروايات قد دلت على النفوذ، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أوصي بوصية و ورثته شهود فأجازوا ذلك فلما مات الرجل نقضوا الوصية هل لهم ان يردّوا ما اقروا به‌؟ فقال: ليس لهم ذلك، و الوصية جائزة عليهم اذا اقرّوا بها في حياته»(1)و غيرها.

و بعد الروايات لا يبقى مجال للقول بعدم النفوذ كما هو المنسوب الى الشيخ المفيد و غيره(2).

9 - و اما عدم امكان التراجع عن الاجازة

فواضح اذا كانت الاجازة بعد الوفاة لأنها انعقدت صحيحة و انتقل المال الى الموصى له، و انقلابها الى البطلان بالتراجع يحتاج الى دليل.

10 - و اما انه اذا اجاز بعض الورثة دون بعض نفذت في حق

المجيز فقط‍‌

فامر واضح بعد انحلال الحق و بعد كونه واحدا ارتباطيا.

11 - و اما ان المدار في الثلث على ملاحظته حين الوفاة

فلأنه المنصرف عرفا من فقرة: «فان قال بعدي فليس له الا الثلث» الواردة في موثقة الساباطي المتقدمة، اي فليس له الا الثلث بعد وفاته.

هذا مضافا الى امكان استفادة ذلك من صحيحة محمد بن قيس:


1) وسائل الشيعة 371:13 الباب 13 من أحكام الوصايا الحديث 1.

2) جواهر الكلام 286:28.

«قلت له: رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ يعني الموصي فقال: يجاز لهذا الوصية من ماله و من ديته»(1)و غيرها.

الا ان هذا كله لو لم يتضح من خلال القرائن ارادة ما هو ثلث حين الوصية كما هو واضح.

12 - و اما ان الواجبات المالية تخرج من الاصل و ان لم يوص بها

فلا خلاف فيه، و يدل عليه قوله تعالى: مِنْ‌ بَعْدِ وَصِيَّةٍ‌ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌ (2)، فان عطف الدين على الوصية يدل على لزوم اخراجه من التركة و ان لم يوص به.

هذا مضافا الى دلالة الروايات الكثيرة، كصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: ان الدين قبل الوصية ثم الوصية على اثر الدين ثم الميراث بعد الوصية فان اول القضاء كتاب اللّه»(3)و غيرها.

13 - و اما الواجبات غير المالية - كالصلاة و غيرها
• فقد وقعت محلا للخلاف فقيل بلزوم اخراجها من الاصل قبل الارث أيضا كالديون المالية. و قيل باخراجها من الثلث.

و استدل على الاول بانها دين، و كل دين لا بدّ من اخراجه من الاصل.

اما الصغرى فلما رواه الشيخ الصدوق باسناده عن سليمان بن


1) وسائل الشيعة 372:13 الباب 14 من أحكام الوصايا الحديث 1.

2) النساء: 11.

3) وسائل الشيعة 406:13 الباب 28 من أحكام الوصايا الحديث 2.

داود المنقري عن حماد بن عيسى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال لقمان لابنه:

... يا بني اذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها و استرح منها فانها دين...»(1).

و اما الكبرى فللآية الكريمة المتقدمة الدالة على لزوم اخراج الدين من التركة قبل الارث و لقصة الخثعمية التي: «أتت الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا رسول اللّه ان فرض الحج قد ادرك ابي و هو شيخ لا يقدر على ركوب الراحلة أ يجوز ان احج عنه‌؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: يجوز. قالت: يا رسول اللّه ينفعه ذلك‌؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: أ رأيت لو كان على ابيك دين فقضيته أما كان يجزئ‌؟ قالت: نعم. قال: فدين اللّه أحق»(2).

هكذا استدل جماعة منهم السيد اليزدي قدّس سرّه(3).

و يمكن التأمل في كلتا المقدمتين.

اما الصغرى فلان استعمال لفظ‍‌ «الدين» في وصية لقمان في الصلاة مسامحي اريد به بيان اهمية الصلاة و انها كالدين في لزوم المبادرة الى تفريغ الذمة منه. على انه لو تم فهو خاص بالصلاة و لا يعم مطلق الواجبات.

هذا بقطع النظر عن سند الشيخ الصدوق الى المنقري - الذي ورد فيه القاسم بن محمد الاصفهاني الذي لم يوثق - و الا فالامر اوضح.

و اما الكبرى فباعتبار ان لفظ‍‌ «الدين» في الآية الكريمة منصرفر.


1) وسائل الشيعة 323:8 الباب 52 من أبواب آداب السفر الى الحج الحديث 1.

2) مستدرك الوسائل 26:8 الباب 18 من ابواب وجوب الحج و شرائطه الحديث 3.

3) العروة الوثقى المسألة 3 من فصل صلاة الاستيجار.

الاخراج من الاصل(1)

نعم، و ذلك في حجة الوداع». و راجع صحيح البخاري 572:2 الباب 24 حج المرأة عن الرجل من كتاب جزاء الصيد.

.

و النتيجة ان الواجبات المالية تخرج من الاصل اوصي بها او لا، و غير المالية لا تخرج من الاصل اوصي بها او لا.

14 - و اما انه اذا تعددت الوصايا و يبدأ باخراج ما يخرج من الاصل

منه

فواضح، اذ الواجبات المالية تخرج من الاصل اوصي بها او لا.

15 - و اما انه يخرج الجميع من الثلث مع طلبه لذلك

فواضح أيضا لأنه مقتضى وجوب العمل بالوصية فيخرج الجميع منه اذا وسع ذلك.

و اما انه اذا لم يسع ذلك فيبدأ باخراج ما يخرج من الاصل فباعتبار ان اخراجه من التركة لازم، و حيث لم يرد اخراجه من الاصل فيخرج من الثلث.

و اما انه اذا لم يبق شيء من الثلث - بعد اخراج ما يخرج من الاصل - تبطل الوصية بلحاظ‍‌ ما لا يخرج من الاصل فباعتبار ان ذلك لازم تعين الاخراج من الثلث و فرض تقديم الاول.


1) على ان القصة المذكورة وردت في صحيحي البخاري و مسلم من دون فقرة الاستشهاد، فقد روى مسلم في صحيحه الباب 71 باب الحج عن العاجز لزمانة و هرم و نحوهما او للموت من كتاب الحج 973:2 عن عبد اللّه بن عباس: «كان الفضل بن عباس رديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر اليها و تنظر اليه فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصرف وجه الفضل الى الشق الآخر، قالت: يا رسول اللّه ان فريضة اللّه على عباده في الحج ادركت ابي شيخا كبيرا لا يستطيع ان يثبت على الراحلة أ فأحج عنه‌؟ قال:

كتاب الوقف

اشارة

1 - حقيقة الوقف

2 - من شرائط‍‌ الوقف

3 - من أحكام الوقف

4 - من أحكام الحبس

5 - من أحكام الصدقة بالمعنى الأخص

1 - حقيقة الوقف

اشارة

الوقف إنشاء يتضمن تحبيس العين و تسبيل الثمرة. و قد يعبر عنه بالصدقة.

و هو مشروع بلا اشكال.

و في كونه عقدا يعتبر فيه القبول خلاف.

و هو يشتمل تارة على موقوف عليه فيكون متقوما بثلاثة اطراف: الواقف و العين الموقوفة و الموقوف عليه و اخرى لا يشتمل على ذلك فيكون متقوما بطرفين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوقف ما تقدم

فهو من واضحات الفقه. و يقتضيه ارتكاز المتشرعة الذي لا تأمل فيه. و في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «حبّس الاصل و سبّل الثمرة»(1).


1) مستدرك الوسائل 47:14.

2 - و اما انه قد يعبر عنه بالصدقة

فهو واضح لمن راجع النصوص، فلاحظ‍‌ صحيحة ربعي بن عبد اللّه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «تصدّق امير المؤمنين عليه السّلام بدار له في المدينة في بني زريق فكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدّق به علي بن ابي طالب و هو حي سوي تصدّق بداره التي في بني زريق صدقة لا تباع و لا توهب حتى يرثها اللّه الذي يرث السماوات و الارض و اسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن و عاش عقبهن، فاذا انقرضوا فهي لذي الحاجة من المسلمين»(1)و غيرها.

قال في الحدائق: «لا يخفى على من له انس بالاخبار و من جاس خلال تلك الديار ان الوقف في الصدر الاول اعني زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و زمن الأئمة عليهم السّلام انما يعبر عنه بالصدقة»(2).

و يمكن ان يقال: ان لفظ‍‌ الصدقة مصطلح مشترك بين الوقف و الحبس و الصدقة بمعناها الاخص، الا ان الاول تخرج فيه العين عن ملك الواقف مع حبسها عن التصرف فيها بالنقل بالبيع و نحوه، و الثاني تبقى فيه العين على ملك الحابس و يكون التمليك للمنفعة، و في الثالث تنتقل العين الى المتصدق عليه مع جواز تصرفه فيها بأي نحو أحب.

هذه ثلاثة معاني للصدقة. و تطلق على معنى رابع، و هو فريضة الزكاة، كما قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ‌ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‌ وَ الْعامِلِينَ‌ عَلَيْها... (3).

3 - و اما ان الوقف مشروع

فهو من المسلّمات بين جميع المسلمين


1) وسائل الشيعة 304:13 الباب 6 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 4.

2) الحدائق الناضرة 128:22.

3) التوبة: 60.

بل يستفاد من النصوص رجحانه فلاحظ‍‌ صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال:

صدقة اجراها في حياته فهي تجري بعد موته، و سنة هدى سنّها فهي يعمل بها بعد موته، او ولد صالح يدعو له»(1)و غيرها.

4 - و اما ان الوقف يعتبر فيه القبول

فهو ظاهر كل من عبّر عنه بالعقد كالمحقق الحلي، حيث قال: «الوقف عقد ثمرته تحبيس الاصل و اطلاق المنفعة»(2).

و قد يستدل على ذلك:

تارة باستصحاب عدم ترتب الاثر بدونه.

و اخرى بان ادخال الشيء في ملك الغير بدون رضاه خلاف قاعدة سلطنة الانسان على نفسه.

و المناسب عدم الاعتبار لوجوه:

أ - التمسك باطلاق قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن الحسن الصفار:

«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها اهلها ان شاء اللّه»(3)، حيث يدل على ان الوقف كلما صدق كان ممضى بالكيفية المرسومة فيه، و واضح ان صدق عنوان الوقف عرفا لا يتوقف على القبول بل يتحقق بمجرد الايجاب فيلزم كونه ممضيا حتى مع عدم القبول.

ب - التمسك بصحيحة ربعي السابقة الحاكية لوقف امير المؤمنين عليه السّلام حيث لم يشر فيها الى القبول.


1) وسائل الشيعة 292:13 الباب 1 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 1.

2) شرائع الإسلام 442:2 انتشارات استقلال.

3) وسائل الشيعة 295:13 الباب 2 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 1.

ج - التمسك بسيرة المتشرعة الجارية على عدم مراعاة القبول حين الوقف. و لو كان ذلك معتبرا لانعكس على النصوص و السيرة بعد شدة الابتلاء بالوقف.

و بهذا يتضح بطلان الوجهين السابقين لإثبات الاعتبار.

و وجه ذلك: ان النوبة تصل اليهما اذا لم يفترض وجود ما يمكن التمسك به لإثبات عدم الاعتبار، و قد تقدم وجوده.

كما اتضح من خلال هذا ضعف التفصيل باعتبار القبول اذا كان الوقف على جماعة معينين و عدم اعتباره اذا كان على جهة عامة كالفقراء.

و وجه الضعف: ان مقتضى ما تقدم عدم اعتبار القبول في الوقف بشكل مطلق كلما صدق عنوانه.

5 - و اما ان الوقف يشتمل تارة على موقوف عليه و اخرى لا يشتمل

عليه

فذلك باعتبار ان الواقف تارة يخرج العين الموقوفة من ملكه من دون ادخالها في ملك الغير، كما في وقف المساجد، فان مرجعه الى اخراج المسجد من الملك و تحريره و فكه من دون ادخاله في ملك احد، و في مثله لا موقوف عليه، و اخرى يدخلها في ملك الغير، كما في الوقف على الاولاد او الفقراء او العلماء، و في مثله يكون الموقوف عليه ثابتا، و هو الاولاد و نحوهم.

ثم ان في خروج العين الموقوفة بالوقف من ملك الواقف خلافا بين الاصحاب. و المشهور خروجها. و المنسوب الى ابي الصلاح بقاؤها على

ملك الواقف(1). هذا في غير المساجد، و اما هي فلا اشكال في خروجها بالوقف من ملك الواقف لان مرجعه الى التحرير و فك الملك كما تقدم.

2 - من شرائط‍‌ الوقف

اشارة

يعتبر في تحقق الوقف ابرازه بكل ما يدل عليه - و لا تكفي النية - مثل وقفت و نحوه بما في ذلك المعاطاة، كما لو سلّم الواقف الفرش الى متولي شئون المشاهد المشرفة بقصد الوقف. بل ربما يتحقق بغير ذلك أيضا، كما لو بنى شخص حسينية بقصد كونها وقفا.

و في اعتبار قصد القربة فيه خلاف.

و يعتبر في لزومه اذا كان خاصا قبض الموقوف عليه بل قيل باعتباره في صحته أيضا. اجل لا يلزم ان يكون ذلك بنحو الفورية. و يكفي في الوقف الذري قبض الطبقة الاولى.

و يعتبر في الوقف أيضا التأبيد، فلو انشأ الوقف لفترة عشرين سنة مثلا لم يقع وقفا. و في وقوعه حبسا خلاف. و في صحة الوقف على من ينقرض عادة - كالوقف على ثلاثة بطون من الاولاد - خلاف أيضا.

و يعتبر في العين الموقوفة ان تكون قابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها فلا يصح وقف الأطعمة و الفاكهة و ما شاكلها.

و يعتبر في الموقوف عليه وجوده فلا يصح الوقف على المعدوم، كالوقف على من يوجد بعد ذلك.


1) الحدائق الناضرة 223:22.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه يعتبر في صحة الوقف ابرازه بما يدل عليه و لا تكفي

النية وحدها

فباعتبار عدم صدق عنوانه بدون ذلك.

و اما الاكتفاء بكل ما يدل عليه فهو مقتضى اطلاق دليل الامضاء، كقوله عليه السّلام في صحيحة الصفار السابقة: «الوقوف تكون على حسب ما يوقفها اهلها» الدال على امضاء الوقف كلما صدق و بكيفيته الخاصة، فاذا انشأ شخص الوقف بالفارسية او بالجملة الاسمية و صدق انه وقف على هذه الكيفية شمله قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...» و ثبت امضاء اصل الوقف و كيفيته الخاصة.

و منه يتضح النظر فيما يظهر من صاحب الحدائق من الميل الى لزوم الاقتصار على لفظ‍‌ «وقفت، و تصدقت» باعتبار ورودهما في الاخبار حيث قال قدّس سرّه: «لا يبعد الانحصار في هذين اللفظين وقوفا على ما خالف الاصل على مورد النص، بمعنى ان الاصل بقاء الملك لمالكه، و الذي ورد من الصيغة المخرجة منحصر في هذين اللفظين»(1).

2 - و اما تحقق الوقف بالمعاطاة و غيرها

فلانه بعد صدق عنوان الوقف عرفا يكون مشمولا لإطلاق دليل الامضاء، كقوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

و تؤكد ذلك سيرة المتشرعة الجارية على عدم التقيد بالصيغة.

3 - و اما اعتبار قصد القربة في صحة الوقف

فهو ظاهر كلام بعض الاصحاب. و قد يستدل على ذلك بمقدمتين:


1) الحدائق الناضرة 129:22.

أ - ان الوقف صدقة، كما يستفاد ذلك من صحيحة ربعي المتقدمة و غيرها.

ب - ان كل صدقة يشترط‍‌ فيها قصد القربة، كما دلت عليه صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا صدقة و لا عتق الا ما اريد به وجه اللّه عز و جل»(1)و غيرها.

و فيه: ان المقدمة الاولى لا تدل على ان كل وقف صدقة و يحتمل ان الصدقة حصة خاصة منه و هو ما قصد به التقرب.

و المناسب عدم اعتبار ذلك لإطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...» الدال على امضاء كل ما يصدق عليه مفهوم الوقف عرفا، و من الواضح ان مفهوم الوقف لا يستبطن عرفا قصد التقرب.

و من هذا يتضح بطلان التمسك باستصحاب عدم ترتب الاثر من دون قصد التقرب.

و وجه البطلان: ان الاصل لا تصل النوبة اليه مع وجود الدليل الاجتهادي.

و مما يؤكد عدم اعتبار قصد التقرب انعقاد سيرة المتشرعة على الوقف من دون خطور ذلك في اذهانهم بل يوقفون لنفع اولادهم لا غير و لا يحتمل ان مثل الوقوف المذكورة باطلة.

4 - و اما القبض

فلا اشكال في اعتباره في الجملة - و ان كانت القاعدة تقتضي عدم ذلك - فلو تحقق الوقف من دون قبض جاز للواقف التراجع و لو مات رجع ميراثا، ان هذا المقدار لا اشكال فيه و انما


1) وسائل الشيعة 319:13 الباب 13 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

الاشكال في ان ذلك شرط‍‌ للصحة و الانتقال او شرط‍‌ للّزوم.

و الثمرة تظهر في النماء في الفترة المتخللة بين الوقف و القبض.

و المشهور كونه شرطا للصحة بينما الروايات لا يظهر منها اكثر من كونه شرطا في اللزوم فلاحظ‍‌ صحيحة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن الرجل يقف الضيعة ثم يبدو له ان يحدث في ذلك شيئا فقال: ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثم جعل لها قيّما لم يكن له ان يرجع فيها. و ان كانوا صغارا و قد شرط‍‌ ولايتها لهم حتى بلغوا فيحوزها لهم لم يكن له ان يرجع فيها. و ان كانوا كبارا و لم يسلّمها اليهم و لم يخاصموا(1)حتى يحوزوها عنه(2)فله ان يرجع فيها لأنهم لا يحوزونها(3)عنه و قد بلغوا»(4)، فانها دلت على جواز الرجوع قبل التسليم، و ذلك لا يقتضي اكثر من عدم اللزوم.

و ورد في مكاتبة محمد بن جعفر الاسدي لمولانا الحجة ارواحنا له الفداء: «و اما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا و ما يجعل لنا ثم يحتاج اليه صاحبه فكل ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، و كل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج او لم يحتج...»(5). و هي صريحة في نفي اللزوم فقط‍‌.

و نقل محمد بن مسلم في صحيحه عن ابي جعفر عليه السّلام انه قال في8.


1) قيل بان المقصود لم تقع خصومة بينه و بينهم ليجبروه من خلالها على القبض و التسليم.

2) المناسب: منه. و هكذا في كلمة «عنه» الثانية.

3) و في الوافي 550:10 نقل عن نسخة: «لم يحوزوها».

4) وسائل الشيعة 298:13 الباب 4 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 4.

5) وسائل الشيعة 300:13 الباب 4 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 8.

الرجل يتصدق على ولده و قد ادركوا: «اذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث فان تصدّق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لان والده هو الذي يلي امره»(1). و هي لو كانت ناظرة الى الوقف دون الصدقة بمعناها الخاص لا تدل على كون القبض شرطا للصحة، اذ لعل الوقف يقع صحيحا بنحو الجواز و ينفسخ بالموت.

و بالجملة مقتضى اطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون على...» صحة الوقف و لزومه بدون اشتراط‍‌ القبض. و النصوص المذكورة لا تدل على اكثر من كونه شرطا في اللزوم فيلزم الحكم بالصحة من دون لزوم جمعا بين الاطلاق المتقدم و النصوص المذكورة.

5 - و اما تقييد اعتبار القبض بما اذا كان الوقف خاصا

فلأن النصوص المتقدمة لا يظهر منها اكثر من ذلك و تبقى الاوقاف العامة مشمولة لمقتضى القاعدة بلا حاجة الى قبض الحاكم الشرعي نيابة عن الجهة العامة.

6 - و اما انه لا تلزم الفورية في القبض

فهو لإطلاق النصوص المتقدمة. بل حتى لو فرض انها مجملة و لم يكن لها اطلاق كفى اطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

7 - و اما كفاية قبض الطبقة الاولى في الوقف الذري

فلان قبض جميع الطبقات امر غير ممكن ليحتمل اعتباره. على انه مع فرض عدم الدليل على اعتبار قبض جميع الطبقات فبالامكان نفي احتمال ذلك باطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف...».


1) وسائل الشيعة 297:13 الباب 4 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 1.

8 - و اما اعتبار التأبيد في تحقق الوقف

فقد يستدل عليه:

تارة بتقوّم مفهومه بذلك.

و اخرى بان وقوف الائمة عليهم السّلام التي حكتها الروايات - كصحيحة ربعي المتقدمة في بداية الحديث عن الوقف - كانت مؤيدة.

و ثالثة بالتمسك باستصحاب عدم ترتب الاثر بعد كون القدر المتيقنة صحته هو المؤبد.

و الجميع كما ترى.

اذ الاول غير ثابت.

و الثاني لا دلالة له على الانحصار.

و الثالث لا مجال له بعد اطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون..».

و من هنا قال السيد اليزدي: «فالعمدة: الاجماع ان تمّ‌»(1).

9 - و اما وجه القول ببطلان الوقف المقيد بمدة و عدم وقوعه حبسا

فواضح، فان الحبس لم يقصد فكيف يقع‌؟

و اما وجه وقوعه حبسا فباعتبار ان قصد الوقف المؤقت قصد لحقيقة الحبس. و لا يضر اعتقاد كونه وقفا بعد إنشاء ما هو حبس حقيقة.

و اذا قيل: ان الوقف و الحبس متباينان لاقتضاء الاول خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف و دخولها في ملك الموقوف عليه بخلافه في الحبس فان العين باقية على ملك المحبّس.

قلنا: ان خروج العين عن ملك الواقف ليس هو مقتضى الوقف بما


1) ملحقات العروة الوثقى 192:2.

هو وقف بل هو ناشئ من التأبيد، و المفروض عدم قصده.

10 - و اما الوقف على من ينقرض فقيل بصحته وقفا. و قيل بصحته

حبسا. و قيل ببطلانه.

و لعل الاوجه هو الاول، اذ الاجماع و ان انعقد على اعتبار التأبيد و لكنه في مقابل التوقيت بمدة و لا يعلم بشموله لمثل المقام فيقتصر على القدر المتيقن بعد كون الدليل لبيا لا اطلاق فيه، و يعود التمسك باطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...» بلا مانع.

11 - و اما اعتبار ان تكون العين الموقوفة قابلة للانتفاع بها مع

بقائها

فباعتبار تقوّم الوقف عرفا بحبس العين فاذا لم يمكن حبسها عند الانتفاع بها فلا يمكن تحققه.

12 - و اما اعتبار وجود الموقوف عليه

فقد يستدل له:

أ - تارة بان الوقف تمليك و لا يعقل تمليك المعدوم لان الملكية صفة وجودية تستدعي محلا موجودا.

ب - و اخرى بان القبض شرط‍‌ في صحة الوقف، و هو متعذر مع انعدام الموقوف عليه.

و كلاهما كما ترى.

اما الاول فلان الملكية وصف اعتباري، و الاعتبار سهل المؤونة فيمكن اعتبار المعدوم مالكا.

و اما الثاني فلان الفورية في القبض ليست لازمة. و على فرض التسليم بها يكفي قبض المتولي او الحاكم الشرعي.

و لضعف المستندين المذكورين قال السيد اليزدي: «الانصاف انه ان تمّ‌ الاجماع على عدم صحة الوقف على المعدوم الذي سيوجد و الا

فالاقوى صحته. و تحقق الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام دونه خرط‍‌ القتاد»(1).

3 - من احكام الوقف

اشارة

اذا تمّ‌ الوقف فلا يجوز للواقف تغيير كيفيته التي انشأ عليها و يكون اجنبيا عنه كسائر الافراد. اجل يجوز له حين إنشائه جعل التولية لنفسه او لغيره او لهما. بل يجوز جعلها بنحو يحق للمتولي تفويض الامر بنصب متول آخر في حياته او بعدها حسب نظره. و مع عدم جعلها لأحد تنتهي النوبة الى الحاكم الشرعي فيما اذا لم يكن الوقف بنحو التمليك.

و المتولي المنصوب يستحق اجرة مثل عمله ان لم تجعل له بنحو المجانية.

و الموقوف على مشهد من المشاهد المقدسة يصرف في مصالحه.

و الموقوف على المعصومين عليهم السّلام يصرف في كل ما يوجب احياء ذكرهم.

و اذا وقف شيء على مسجد مثلا فخرب او لم يحتج الى الصرف فيه لانقطاع المارة عنه او لغير ذلك يصرف في مسجد آخر ان امكن و الا ففي وجوه البر الاقرب فالاقرب.

و لا يجوز بيع العين الموقوفة الا في موارد:

الاول - اذا طرأ الخراب عليها بنحو يحذر من عدم امكان الانتفاع بها رأسا او الا بنحو يسير يكاد يلحق بالعدم.

الثاني - اذا اشترط‍‌ الواقف بيعها عند كون البيع اعود او الاحتياج الى ثمنها


1) ملحقات العروة الوثقى 110:2.

او ما شاكل ذلك.

الثالث - اذا وقع الاختلاف الشديد بين الموقوف عليهم الى حدّ لا يؤمن التلف على النفوس و الاموال.

الرابع - اذا احرز ان الواقف لاحظ‍‌ حين الوقف عنوانا خاصا في العين، كعنوان المدرسة او البستان مثلا و فرض زوال ذلك العنوان.

الخامس - اذا طرأت على العين طوارئ كان بقاؤها مؤديا الى خرابها المسقط‍‌ لها عن الانتفاع المعتد به و امكان البيع بعد ذلك.

هذا كله في غير المساجد. و اما هي فلا يجوز بيعها مطلقا.

و المتصدي للبيع هو المتولي المنصوب من قبل الواقف لإدارة شئون الوقف ان فرض انه قد نصب شخصا لذلك و الا فالحاكم الشرعي.

و اذا جاز بيع العين الموقوفة و بيعت بالفعل صرف الثمن في شراء عين اخرى اقرب الى الأولى و توقف على نهج وقف الأولى.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه لا يجوز للواقف تغيير كيفية الوقف بعد تماميته

فباعتبار خروج العين عن ملكه فكيف يريد التصرف‌؟

هذا مضافا الى امكان استفادة ذلك من قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون..» حيث يدل على ان الوقف بعد تماميته يبقى على ما هو عليه من دون امكان التصرف فيه.

و اما جواز جعل الواقف التولية حين إنشاء الوقف باحد الاشكال المتقدمة فلدلالة قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...» على ذلك.

2 - و اما ثبوت التولية للحاكم الشرعي اذا لم تجعل لغيره

فباعتبار ان تولي شخص خاص لإدارة شئون الوقف قضية ضرورية، و اذا دار

الامر بين كون ذلك الشخص هو خصوص الحاكم الشرعي او مطلق عدول المؤمنين تعيّن كونه الحاكم الشرعي لكونه القدر المتيقن.

و اما استثناء حالة الوقف بنحو التمليك - كالوقف على الاولاد - فباعتبار ان الوقف اذا كان له مالك تعيّن تصديه لأنه الاولى بادارة شئون ملكه و لا معنى لتصدي الغير له.

3 - و اما استحقاق المتولي للأجرة

فلانعقاد سيرة العقلاء على كون طلب العمل سببا من اسباب الضمان.

و اما التقييد بحالة عدم جعلها بنحو المجانية فلاختصاص السيرة بذلك.

4 - و اما ان الموقوف على المشهد او احد المعصومين عليهم السّلام يصرف

فيما ذكر

فباعتبار ان الوقف على شيء ينصرف عرفا الى الصرف في مصالحه و شئونه.

5 - و اما ان الموقوف على المسجد يصرف في مسجد آخر ان امكن

و الا ففي وجوه البر متى ما خرب او لم يحتج الى الصرف فلأن ذلك هو المقصود للواقف عند إنشاء الوقف.

6 - و اما عدم جواز بيع العين الموقوفة في غير موارد الاستثناء

فهو مما لا خلاف فيه. و يمكن استفادته من عدة روايات كصحيحة ابي علي بن راشد: «سألت ابا الحسن عليه السّلام قلت: جعلت فداك اشتريت ارضا الى جنب ضيعتي بألفي درهم فلما وفرت المال خبّرت ان الارض وقف فقال: لا يجوز شراء الوقوف...»(1)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 303:13 الباب 6 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 1.

بل قد يقال: ان عدم البيع مستبطن في مفهوم الوقف، و لا حاجة معه الى دليل خاص، حيث تكون ادلة امضاء الوقف دالة بالتضمن على عدم جواز البيع.

7 - و اما جواز بيع العين الموقوفة في المورد الاول

فقد علّله الشيخ الاعظم قدّس سرّه بالقصور في المقتضي لان الدليل على عدم جواز البيع اما الاجماع او صحيحة ابي علي المتقدمة او قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

و الكل كما ترى.

اما الاول فلان القدر المتيقن منه غير المقام.

و اما الثاني فلانصرافه عن مثل الفرض.

و اما الثالث فلانه ناظر الى امضاء الكيفية المرسومة في الوقف لا اكثر(1).

و مع قصور مقتضي المنع لا يعود مانع يمنع من التمسك باطلاق ادلة مشروعية البيع.

هذا و يمكن ان يقال: ان الواقف قد اراد البيع في مثل هذه الحالة، و ذلك نافذ منه لإطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

8 - و اما جواز البيع في المورد الثاني

فلإطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...» بل تمسك الشيخ الاعظم(2)لذلك أيضا باطلاق قوله عليه السّلام:

«المسلمون عند شروطهم»(3).

9 - و اما الجواز في المورد الثالث

فلصحيحة علي بن مهزيار:


1) المكاسب للشيخ الاعظم 76:2 انتشارات اسماعيليان.

2) المكاسب 87:2.

3) وسائل الشيعة 353:12 الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 2.

«و كتبت اليه: ان الرجل ذكر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا و انه ليس يأمن ان يتفاقم ذلك بينهم بعده(1)... فكتب اليه بخطه و اعلمه ان رأيي له ان كان قد علم الاختلاف ما بين اصحاب الوقف ان يبيع الوقف امثل(2)فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال و النفوس»(3). بل بقطع النظر عن ذلك يمكن ان يقال: ان الواقف يجوّز البيع في مثل هذه الحالة و يريده فيشمله اطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

10 - و اما الجواز في المورد الرابع

فباعتبار ضيق الجعل من البداية، فانه قد جعل الوقف ابتداء مقيدا بالعنوان الخاص فاذا فرض ارتفاعه يلزم ارتفاعه أيضا.

11 - و اما الجواز في المورد الخامس

فلترخيص الواقف ارتكازا في البيع في مثل ذلك فيشمله اطلاق قوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

12 - و اما ان المساجد لا يجوز بيعها مطلقا

فباعتبار انها ليست ملكا ليمكن بيعها بل الوقف فيها بنحو فك الملك و تحريره كما تقدم.

13 - و اما لزوم كون المتصدي للبيع في الموارد المتقدمة

هو المتولي المنصوب ان كان و الا فالحاكم الشرعي فباعتبار ان البيع لا يصح الا من المالك او ممن له الولاية و الا كان فضوليا.

14 - و اما لزوم صرف الثمن عند بيع العين في شراء عين اخرى بالنحو المتقدم


1) كلمة «بعده» لا توجد في الفقيه 178:4.

2) في الفقيه 179:4 «ان كان قد علم اختلاف ما بين أصحاب الوقف و ان بيع الوقف أمثل فليبع فانه ربما...».

3) وسائل الشيعة 305:13 الباب 6 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 6.

فلانه هو المطلوب للواقف ارتكازا فتلزم مراعاته لقوله عليه السّلام: «الوقوف تكون...».

4 - من أحكام الحبس

اشارة

الحبس إنشاء يتضمن تسليط‍‌ الغير على شيء لاستيفاء منفعته - اما مع الاطلاق او خلال فترة محدودة - مع بقائه على ملك مالكه من دون ان يحقّ‌ للمحبّس عليه التصرف فيه بالنقل بالبيع و نحوه.

و هو مشروع بلا اشكال.

و يتحقق بلفظ‍‌ التحبيس، كقول الحابس: حبّست - لفترة سنة مثلا او مع اطلاق المدة - مكتبتي على اهل العلم او سيارتي على المحتاج اليها.

و اذا كانت العين المحبّسة ارضا قابلة للسكن اصطلح على الحبس بالسكنى، فالسكنى - التي هي مصداق للحبس - إنشاء يتضمن جعل حق السكن للغير مع بقاء العين على ملك مالكها.

و الحبس - سواء كان في العين القابلة للسكن أم لا - متى ما قيّد بفترة محددة كسنة مثلا اصطلح عليه بالرقبى. و متى ما قيّد بعمر الحابس او المحبّس عليه اصطلح عليه بالعمرى.

و السكنى و العمرى و الرقبى هي من العقود التي تحتاج الى القبول بل الحبس كذلك اذا كان على الشخص دون الجهة.

و يشترط‍‌ في تحقق اللزوم القبض، و من دونه يجوز التراجع.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الحبس ما ذكر

فهو من واضحات الفقه. و فرقه عن الوقف

ان العين في الوقف تخرج عن ملك مالكها - مع دخولها في ملك الموقوف عليه او بدونه - بخلافه في الحبس فانها باقية على ملك مالكها و ترجع بعد موته الى ورثته. و في الوقف يعتبر التأبيد بخلافه في الحبس فانه لا يلزم فيه ذلك.

2 - و اما انه مشروع

فمن المسلمات. و قد دلت عليه روايات كثيرة الا انه لم يرد فيها لفظ‍‌ الحبس بل لفظ‍‌ الصدقة الا في الرواية الحاكية لقصة ابن ابي ليلى التي رواها المحمدون الثلاثة بسند صحيح عن عمر بن اذينة: «كنت شاهدا عند ابن ابي ليلى و قضى في رجل جعل لبعض قرابته غلّة داره و لم يوقّت وقتا فمات الرجل فحضر ورثته ابن ابي ليلى و حضر قرابته الذي جعل له غلّة الدار فقال ابن ابي ليلى: ارى ان ادعها على ما تركها صاحبها فقال محمد بن مسلم الثقفي: اما ان علي بن ابي طالب عليه السّلام قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت فقال: و ما علمك‌؟ قال: سمعت ابا جعفر محمد بن علي عليه السّلام يقول: قضى علي عليه السّلام بردّ الحبيس و انفاذ المواريث فقال له ابن ابي ليلى: هذا عندك في كتابك‌؟ فقال: نعم قال: فارسل و ائتني به فقال له محمد بن مسلم: على ان لا تنظر من الكتاب الا في ذلك الحديث قال: لك ذلك قال: فأحضر الكتاب واراه الحديث عن ابي جعفر عليه السّلام في الكتاب فردّ قضيته»(1). فانها دلت على ان من حبس شيئا من دون تحديد المدة فبموته يرجع الى ورثته و يردّ الحبس، و هذا يكشف عن صحة الحبس في الجملة.

3 - و اما تحقق الحبس بلفظ‍‌ حبست

فمما لا خلاف فيه. و هو القدر


1) وسائل الشيعة 328:13 الباب 5 من أحكام السكنى و الحبس الحديث 1.

المتيقن من الانشاء الذي يتحقق به. بل حكم الاصحاب بتحققه بكل ما يدل عليه و لو فعلا.

4 - و اما التفرقة بين الحبس و اخواته بما تقدم

فهو مورد تسالم الفقهاء. و قد دلت على مشروعية تلك روايات متعددة، كصحيحة حمران: «سألته عن السكنى و العمرى فقال: الناس فيه عند شروطهم ان كان قد شرط‍‌ حياته فهي حياته و ان كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط‍‌ حتى يفنوا ثم يردّ الى صاحب الدار»(1)، و صحيحة الحسين بن نعيم عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن رجل جعل سكنى داره لرجل ايام حياته او له و لعقبه من بعده قال: هي له و لعقبه كما شرط‍‌»(2).

5 - و اما ان السكنى و اخواتها عقود تحتاج الى قبول

فقد ادعي عليه الاجماع. و لولاه امكن التمسك باطلاق مثل الصحيحتين المتقدمتين لنفي اعتبار ذلك.

و اما التفرقة في الحبس بين كونه على الشخص فيعتبر فيه القبول و بين كونه على غيره فلا يعتبر فيه ذلك فلا مدرك له سوى الاجماع أيضا.

6 - و اما اشتراط‍‌ القبض في تحقق اللزوم

فلا وجه له سوى الاجماع المدعى و الا فمقتضى اطلاق الروايات نفي اعتبار ذلك. اجل مع عدم تعيين وقت في السكنى فيجوز التراجع حتى مع تحقق القبض للروايات الخاصة، كموثقة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «و سألته عن الرجل يسكن


1) وسائل الشيعة 325:13 الباب 2 من أحكام السكنى و الحبس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 325:13 الباب 2 من أحكام السكنى و الحبس الحديث 2.

رجلا و لم يوقّت شيئا قال: يخرجه صاحب الدار اذا شاء»(1).

و هكذا الحال في الحبس غير المؤقت اذا مات الحابس فان العين ترجع الى ورثته لصحيح ابن اذينة المتقدم.

5 - من احكام الصدقة بالمعنى الاخص

اشارة

تستحب الصدقة بمعناها الاخص، و هي الاحسان للغير بقصد القربة.

و المعروف انها عقد تحتاج الى ايجاب و قبول. و يعتبر فيها قصد القربة.

و تجوز من غير الهاشمي على الهاشمي. و تجوز على الغني أيضا.

و المستند في ذلك:

1 - اما استحباب الصدقة بمعناها الاخص

فهو من المسلمات. و قد ورد الحث عليها في روايات كثيرة، من قبيل: «ان الصدقة تقضي الدين و تخلف بالبركة»(2)، «الصدقة تدفع ميتة السوء»(3)، «تصدقوا فان الصدقة تزيد في المال كثرة فتصدقوا رحمكم اللّه»(4)، «داووا مرضاكم بالصدقة»(5)، «يستحب للمريض ان يعطي السائل بيده و يأمر السائل ان يدعو له»(6)، «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الايدي ثلاثة فيد اللّه العليا، و يد المعطي التي تليها، و يد السائل السفلى فاعط‍‌ الفضل و لا تعجز


1) وسائل الشيعة 327:13 الباب 4 من أحكام السكنى و الحبس الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 255:6 الباب 1 من أبواب الصدقة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 225:6 الباب 1 من أبواب الصدقة الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 257:6 الباب 1 من أبواب الصدقة الحديث 8.

5) وسائل الشيعة 258:6 الباب 1 من أبواب الصدقة الحديث 18.

6) وسائل الشيعة 262:6 الباب 5 من أبواب الصدقة الحديث 2.

نفسك»(1)، و من الالفاظ‍‌ الموجزة للرسول صلّى اللّه عليه و آله التي لم يسبق اليها: «اليد العليا خير من اليد السفلى»(2)، «بكّروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها»(3)، «من تصدق بصدقة حين يصبح اذهب اللّه عنه نحس ذلك اليوم»(4).

بل قد يستدل على ذلك بقوله تعالى: أَ لَمْ‌ يَعْلَمُوا أَنَّ‌ اللّهَ‌ هُوَ يَقْبَلُ‌ التَّوْبَةَ‌ عَنْ‌ عِبادِهِ‌ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ‌ (5).

و يلحق بالصدقة كل احسان و ان لم يكن بالمال ففي الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة»(6).

2 - و اما ان الصدقة عقد تحتاج الى ايجاب و قبول

فهو المشهور، و لا دليل عليه سوى الشهرة و الاجماع المدعى. و من هنا قال السيد اليزدي:

«لا اشارة في شيء من الاخبار على اعتبار اللفظ‍‌ فيها على كثرتها فما ادري من اين اشترطوا فيها الايجاب و القبول و جعلوها من العقود؟»(7).

و المناسب التفصيل بين مواردها فان كانت بنحو التمليك احتاجت الى ايجاب و قبول و ان كانت بنحو البذل و الاحسان المجردين كفى الاذن في الصرف.

و يمكن ان نعدّ من جملة مصاديق الصدقة التبرع بمقدار من المال


1) وسائل الشيعة 263:6 الباب 5 من أبواب الصدقة الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 263:6 الباب 5 من أبواب الصدقة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 266:6 الباب 8 من أبواب الصدقة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 266:6 الباب 8 من أبواب الصدقة الحديث 2.

5) التوبة: 104.

6) وسائل الشيعة 321:6 الباب 41 من أبواب الصدقة الحديث 2.

7) ملحقات العروة الوثقى 274:2.

للمناسبات الحسينية و نحوها من المناسبات الدينية او جمع مقدار من المال لبناء حسينية او تزويج مؤمن او علاج مريض و ما شاكل ذلك فان الكل يشترك في كونه احسانا بالمال بقصد القربة.

بل قد يعدّ من الصدقة التبرع للصناديق الخيرية المتعارف احداثها في زماننا و التي يقطع فيها المتبرع علاقته بالمال الذي يتبرع به، اما اذا بذل المال للصندوق لغرض الاقراض به من دون قطع العلاقة به فلا يبعد كون مرجعه الى التوكيل في التصرف دون الصدقة لأنه يعتبر فيها قطع العلاقة بالمتبرع به.

3 - و اما اعتبار قصد القربة فيها

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه صحيح حماد بن عثمان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا صدقة و لا عتق الا ما اريد به وجه اللّه عز و جل»(1)و غيره.

4 - و اما جواز صدقة غير الهاشمي للهاشمي

فلإطلاق نصوص الصدقة بعد اختصاص دليل المنع بالصدقة الواجبة التي هي زكاة المال و زكاة الفطرة. و مع التنزل عن ذلك يكفينا الاصل.

5 - و اما جواز الصدقة على الغني

فهو مقتضى اطلاق اخبار الصدقة، بل في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «كل معروف صدقة الى غني او فقير فتصدقوا و لو بشقّ‌ التمرة...»(2). و بقطع النظر عن ذلك يكفينا الاصل.


1) وسائل الشيعة 320:13 الباب 13 من أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 265:6 الباب 7 من أبواب الصدقة الحديث 5.

كتاب الجعالة

اشارة

1 - حقيقة الجعالة

2 - من أحكام الجعالة

1 - حقيقة الجعالة

اشارة

الجعالة - بكسر الجيم و قد تضم - إنشاء يتضمن الالتزام بعوض على عمل.

و ترجع في حقيقتها الى كونها ايقاعا عاما يتحقق بمجرد الايجاب، كقول من يريد بيع داره: من باع داري فله كذا، او خاصا كقول الشخص السابق موجها الخطاب لشخص آخر معين: ان بعت داري فلك كذا.

و هي مشروعة.

و تفترق عن الاجارة بعدّة فوارق.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الجعالة ما تقدم

فهو من واضحات الفقه.

و اما انها ايقاع لا تحتاج الى قبول فهو المعروف. و يدل عليه:

أ - ان الجاعل بايجابه للجعالة لا يتصرف في سلطان الغير ليحتاج الى قبوله.

ب - السيرة العقلائية التي يأتي التمسك بها، فانها قاضية بعدم الحاجة الى القبول.

و قد يقال بالحاجة الى القبول و لكن يكفي في تحققه شروع العامل في العمل، فان سيرة العقلاء لا تأبى الحاجة الى القبول بالمقدار المذكور.

2 - و اما شرعية الجعالة

فأمر متسالم عليه في الجملة. و يدل على ذلك:

أ - قوله تعالى: وَ لِمَنْ‌ جاءَ بِهِ‌ حِمْلُ‌ بَعِيرٍ (1)، بعد ضم استصحاب حكم الشريعة السابقة عند الشك في نسخه.

ب - الروايات الخاصة، كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابي يسأل ابا عبد اللّه عليه السّلام و أنا اسمع فقال: ربما امرنا الرجل فيشتري لنا الارض و الدار و الغلام و الجارية و نجعل له جعلا، قال: لا بأس»(2)، فانه ليس المقصود ندفع له بعد ذلك لا بعنوان الجعالة و الا لقيل: نعطيه، بل المقصود نقرر له ذلك من البداية بعنوان الجعالة.

و كصحيحة علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن جعل الآبق و الضالة، قال: لا بأس به»(3)، فان المقصود السؤال عن الجعالة على ردّ الآبق و الضالة.

ج - السيرة العقلائية، فانها انعقدت على كون طلب العمل سببا من اسباب الضمان، فمن طلب من غيره تعمير داره او حمل متاعه في سيارته كان ذلك سببا للضمان اما باجرة المثل ان لم تقرر اجرة معينة او بما قرر ان فرض ذلك، و حيث ان السيرة المذكورة لا يحتمل حدوثها


1) يوسف: 72.

2) وسائل الشيعة 138:16 الباب 4 من أبواب الجعالة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 136:16 الباب 1 من أبواب الجعالة الحديث 1.

بعد عصر المعصومين عليهم السّلام و لم يصدر ردع عنها فيستكشف امضاؤها.

3 - و اما ان الايجاب يجوز ان يكون عاما تارة و خاصا اخرى

فيدل عليه اطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة و السيرة العقلائية.

4 - و اما الفوارق بين الاجارة و الجعالة

فهي متعددة من قبيل:

أ - ان الاجارة عقد تتوقف على الايجاب و القبول في حين ان الجعالة ايقاع يكفي في تحققها الايجاب.

ب - في الاجارة يستحق الاجير الاجرة بمجرد العقد و تنشغل ذمته بالعمل للمستأجر بمجرد ذلك أيضا بخلافه في الجعالة فانه لا تنشغل ذمة الجاعل بالجعل بمجرد الايجاب بل بعد العمل، كما لا تنشغل ذمة العامل بالعمل للجاعل بمجرد ذلك.

ج - لا بدّ من تعيين العوضين في الاجارة بخلافه في الجعالة.

2 - من أحكام الجعالة

اشارة

يجوز الجهل بعوضي الجعالة، كأن يقول شخص: من اصلح سيارتي فله كذا مقدار مع فرض عدم العلم بما يتطلبه الاصلاح من عمل و اجهزة، او يقول: من باع داري بكذا فله الزائد. اجل يلزم ان لا يكون مجهولا بشكل كامل، كما لو قال: من باع داري بكذا فله شيء و الا بطلت الجعالة و استحق العامل اجرة المثل.

و يجوز للجاعل التراجع عن الجعالة قبل شروع العامل و لا يجوز ذلك بعد الشروع الا مع التوافق مع العامل.

و اذا شرع العامل في العمل فلا يجب عليه اتمامه الا اذا فرض طرو عنوان ثانوي، كما لو قال الجاعل للطبيب: ان اجريت عملية لعيني فلك كذا فانه لا يحق له التوقف عن اتمام العملية بعد الشروع فيها فيما اذا كان ذلك موجبا للضرر.

و لا يستحق العامل للجعل الا باتمامه للعمل. و اذا اتى ببعضه و اراد التوقف فلا يستحق بالنسبة الا اذا كان طلب العمل لم يلحظ‍‌ بنحو الترابط‍‌. و قد يكون من هذا القبيل طلب بعض الوزارات في الدولة تعبيد عدّة شوارع او بناء عدّة عمارات و ما شاكل ذلك و اراد العامل التوقف عن تعبيد او بناء بعضها.

و لا يستحق العامل الجعل الا اذا قصد اداء العمل بقصد تحصيل الجعل، اما اذا قام به متبرعا او كان جاهلا بالجعالة او غافلا عنها فلا يستحق شيئا.

و المستند في ذلك:

1 - اما جواز الجهل بعوضي الجعالة

فهو رأي لبعض الاصحاب.

و يدل عليه عموم السيرة المتقدمة و اطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، فان ما يتطلبه ردّ الآبق و الضالة غير محدد، و مقدار الجعل لم تفترض معلوميته و مع ذلك نفى عليه السّلام البأس من دون تفصيل.

و اما حديث نفي الغرر فهو على تقدير تمامية سنده خاص بالبيع، كما تقدمت الاشارة اليه عند البحث عن الاجارة.

2 - و اما اعتبار ان لا يكون الجهل بالعوضين بشكل كامل

فيمكن توجيهه بان التعامل مع الجهل بالعوض بشكل كامل ليس عقلائيا، و ادلة امضاء المعاملات منصرفة عن التعامل غير العقلائي.

و مع التنزل يمكن ان نقول: ان مدرك مشروعية الجعالة منحصر

بالوجوه الثلاثة المتقدمة و هي لم يحرز شمولها لحالة الجهل الكامل، و معه يلزم التمسك باستصحاب عدم ترتب الاثر عند الشك في ثبوت الامضاء.

3 - و اما انه مع بطلان الجعالة يستحق العامل اجرة المثل

فباعتبار ان استحقاقه للأجرة المسماة لمّا لم يثبت لفرض بطلان الجعالة فلا بدّ من ضمان اجرة المثل لان الجاعل قد طلب العمل، و هو سبب للضمان.

4 - و اما جواز التراجع عن الجعالة قبل شروع العامل

فلم يعرف فيه خلاف بين الاصحاب. و يكفي لإثباته عدم الدليل على اللزوم.

و اما عدم جوازه بعد شروع العامل فتقتضيه السيرة العقلائية المتقدمة.

5 - و اما عدم لزوم اتمام العامل للعمل بعد شروعه فيه

فلعدم الدليل على ذلك.

و اما لزوم الاستمرار مع العنوان الثانوي فتقتضيه السيرة المتقدمة.

6 - و اما عدم استحقاق العامل للجعل الا بعد اتمام العمل

فيكفي لإثباته عدم الدليل على الاستحقاق قبل ذلك.

و اما انه اذا اتى ببعضه و اراد التوقف فلا يستحق شيئا فلان الجعل قد جعل على اتمام العمل حسب الفرض.

و اما ثبوت الاستحقاق بالنسبة اذا فرض عدم ملاحظة الترابط‍‌ فلأن ذلك يعني انحلال الجعالة الى جعالات متعددة بعدد الابعاض المتصورة.

7 - و اما عدم استحقاق العامل للجعل اذا اتى بالعمل متبرعا او

غافلا او جاهلا

فيكفي لإثباته عدم الدليل على الاستحقاق، فان السيرة دليل لبي يلزم الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و النصوص منصرفة عن مثل ذلك.

كتاب الشّفعة

اشارة

1 - حقيقة الشفعة

2 - من أحكام الشفعة

1 - حقيقة الشفعة

اشارة

الشفعة حق ثابت للشريك في اخذ حصة شريكه - اذا باعها لثالث - بالثمن المقرر في البيع. و يصطلح على صاحب الحق المذكور بالشفيع.

و هي ايقاع يتوقف تحققه على إنشاء الشريك له بلا حاجة الى القبول.

و شرعيتها امر مسلّم به.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الشفعة هي ما تقدم

فمما لا كلام فيه.

و اما انها ايقاع يتوقف على إنشاء الايجاب من دون حاجة الى القبول فامر واضح لأنها شرّعت لأخذ الحصة من المشتري حفظا لأولوية الشفيع فلا يحتمل اعتبار قبوله.

2 - و اما انها مشروعة

فقد دلت عليه جملة من الروايات، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تكون الشفعة الا لشريكين ما لم يقاسما، فاذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»(1)، و موثقة ابي


1) وسائل الشيعة 320:17 الباب 7 من أبواب الشفعة الحديث 1.

العباس البقباق: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الشفعة لا تكون الا لشريك»(1)، و رواية عقبة بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن و قال: لا ضرر و لا ضرار. و قال: اذا ارّفت الأرف(2)و حدّت الحدود فلا شفعة»(3)الى غير ذلك من الروايات.

و ينبغي الالتفات الى ان ثبوت حق الشفعة جاء تخصيصا لقاعدة عدم حلية التصرف في مال الغير من دون طيب نفسه كما هو واضح، و لا محذور في ذلك، فان القاعدة المذكورة ليست حكما عقليا كي لا تقبل التخصيص.

2 - من أحكام الشفعة

اشارة

يتحقق اعمال حق الشفعة بكل ما يدل على ذلك من قول - كقول الشفيع اخذت الحصة المبيعة بثمنها - او فعل، كما اذا دفع الشفيع الثمن و اخذ الحصة.

و يشترط‍‌ في ثبوتها:

أ - عدم تقسيم العين المشتركة بفرز الحصص.

ب - ان تكون العين مشتركة بين اثنين لا اكثر.


1) وسائل الشيعة 315:17 الباب 1 من أبواب الشفعة الحديث 1.

2) اي اذا رسمت الحدود. و العطف تفسيري. و المقصود الردّ على من يقول بأن الشفعة ثابتة بعد تقسيم الارض و تعيين حصة كل شريك.

3) وسائل الشيعة 319:17 الباب 5 من أبواب الشفعة الحديث 1.

ج - تسديد الثمن و لا يكفي اعمال حق الشفعة من دون ذلك.

د - ان يكون المدفوع بمقدار الثمن بدون زيادة او نقيصة سواء كان مساويا للقيمة السوقية أم لا.

ه‍‌ - ان تكون العين المشتركة من الاشياء غير المنقولة و قابلة للقسمة كالدور و البساتين و الاراضي. و في ثبوتها في غير القابل للقسمة و في المنقول خلاف.

و في اعتبار الفورية في اعمال حق الشفعة خلاف.

و لا تثبت الشفعة بالجوار، فلو اراد شخص بيع داره فلا تحق لجاره المطالبة بها بالشفعة.

و حق الشفعة قابل للإسقاط‍‌ بدون عوض او معه، و لكنه لا يقبل الانتقال الى الغير بالنقل اليه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان اعمال حق الشفعة يتحقق بكل ما يدل على ذلك من قول

او فعل

فيمكن استفادته من الروايات السابقة، فانها اذا كانت مشتملة على اطلاق لفظي فهو المطلوب و الا امكن التمسك بالاطلاق المقامي، بتقريب ان اثبات حق الشفعة للشريك من دون بيان ما به يتحقق اعماله يدل على ايكال الامر الى العرف و ان الشارع ليس له تحديد خاص في هذا المجال بل كل ما يدل على اعمال الحق المذكور في نظر العرف فهو كاف.

2 - و اما انه يشترط‍‌ في ثبوت حق الشفعة عدم فرز الحصص

فهو من المسلمات عندنا. و قد دلت عليه روايات كثيرة كصحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة و غيرها.

و يظهر من رواية عقبة بن خالد المتقدمة وجود رأي مقابل لمدرسة اهل البيت عليهم السّلام يرى ثبوت حق الشفعة حتى مع فرز الحصص فلاحظ‍‌.

3 - و اما اعتبار ان تكون العين مشتركة بين اثنين لا اكثر

فهو المشهور. و قد دلت عليه عدة روايات كصحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة و غيرها.

الا ان في مقابل ذلك روايتين احداهما للسكوني و الاخرى لطلحة بن زيد عن الامام الصادق عليه السّلام و كلتاهما بلسان: «الشفعة على عدد الرجال»(1).

و قد حملها الشيخ على التقية(2)، فان تمّ‌ ذلك و الا تساقط‍‌ المتعارضان و لزم الرجوع الى الاصل المقتضي لعدم حلّ‌ التصرف من دون طيب نفس المالك فان القدر المتيقن في الخارج عن الاصل المذكور ما اذا كانت الشركة بين اثنين، و اما اذا كانت بين اكثر فيشك في الخروج عن الاصل فيتمسك به ان فرض عدم وجود اطلاق في الروايات يدل على ثبوت حق الشفعة في حالة اشتراك العين بين اكثر من اثنين.

هذا كله اذا لم نناقش في سند الاولى بالنوفلي الراوي عن السكوني و في الثانية بطلحة بن زيد و الا فلا مشكلة من الاساس.

4 - و اما اعتبار تسديد مقدار الثمن عقيب اعمال الحق

فينبغي ان يكون من الواضحات، اذ لا يحتمل ثبوت حق الشفعة و انتقال العين الى الشفيع باعماله الشفعة مع عدم ادائه الثمن، و هل ذلك الا الضرر المنفي بقاعدة لا ضرر؟


1) وسائل الشيعة 322:17 الباب 7 من أبواب الشفعة الحديث 5.

2) تهذيب الاحكام 166:7.

هذا مضافا الى ان روايات الشفعة لا اطلاق لها من هذه الناحية فينبغي الاقتصار على مورد اليقين، و هو ما اذا تمّ‌ اداء الثمن.

اجل قد يقال: انه مع طلب الشفيع انظاره لتهيئة الثمن فلا بد من امهاله ثلاثة ايام على ما دلت عليه رواية علي بن مهزيار: «سألت ابا جعفر الثاني عليه السّلام عن رجل طلب شفعة ارض فذهب على ان يحضر المال فلم ينض(1)فكيف يصنع صاحب الارض ان اراد بيعها أ يبيعها او ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة‌؟ قال: ان كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة ايام فان اتاه بالمال و الا فليبع و بطلت شفعته في الارض. و ان طلب الاجل الى ان يحمل المال من بلد الى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الى تلك البلدة و ينصرف و زيادة ثلاثة ايام اذا قدم، فان وافاه و الا فلا شفعة له»(2). و لكنها ضعيفة بالهيثم بن ابي مسروق النهدي فانه لم يوثق، و لا يمكن العمل بها الا بناء على كبرى الجابرية بعمل المشهور.

5 - و اما ان الشفيع لا يمكنه تملك الحصة الا بدفع مقدار الثمن

بدون زيادة و لا نقيصة

فتدل عليه رواية هارون بن حمزة الغنوي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الشفعة في الدور أ شيء واجب للشريك‌؟ و يعرض على الجار فهو احق بها من غيره‌؟(3)فقال: الشفعة في البيوع


1) نض المال ينض اذا تحول الى نقد بعد ان كان متاعا.

2) وسائل الشيعة 324:17 الباب 10 من أبواب الشفعة الحديث 1.

3) لعل المقصود: هل يلزم عرض الدور - التي يراد بيعها - على الجار و يكون أحق بها من غيره‌؟ و أجاب عليه السّلام عن هذه الفقرة من السؤال بالنفي و ان الشفعة تختص بالشركاء.

اذا كان شريكا فهو احق بها بالثمن»(1)، الا ان سندها يشتمل على يزيد بن اسحاق شعر، و هو لم يوثق. اجل بناء على تمامية كبرى الجابرية بموافقة فتوى المشهور لا اشكال خصوصا اذا لاحظنا كلام صاحب الجواهر الذي يقول فيه: «لا خلاف بين الخاصة و العامة نصا و فتوى في ان الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي وقع عليه العقد»(2).

ثم انه يمكن ان نسلك طريقا آخر لإثبات فتوى المشهور بان يقال:

ان الروايات حيث لا اطلاق فيها من هذه الناحية فينبغي الاقتصار على القدر المتيقن، و هو ما اذا كان البذل لما يساوي مقدار الثمن.

6 - و اما انه لا يفرّق بين ان يكون مقدار الثمن مساويا للقيمة

السوقية او لا

فلإطلاق البيانين المتقدمين من هذه الناحية.

7 - و اما ثبوت الشفعة في الاعيان غير المنقولة القابلة للقسمة

فهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب و هو القدر المتيقن من مورد حق الشفعة.

و اذا رجعنا الى الروايات وجدنا ان بعضها يدل على ثبوت حق الشفعة في جميع الاشياء كصحيحة يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الشفعة جائزة في كل شيء من حيوان او ارض او متاع»(3)لكنها ضعيفة بالارسال.

و اذا لاحظنا رواية عقبة بن خالد المتقدمة وجدناها تدل على ثبوت الشفعة في الدور و الاراضي. و هي ضعيفة السند بعقبة نفسه


1) وسائل الشيعة 316:17 الباب 2 من أبواب الشفعة الحديث 1.

2) جواهر الكلام 326:37.

3) وسائل الشيعة 319:17 الباب 5 من أبواب الشفعة الحديث 1.

و بمحمد بن عبد اللّه بن هلال الراوي عنه حيث لم يوثقا.

و اما بقية الروايات فهي لا اطلاق فيها من هذه الناحية، كصحيحة عبد اللّه بن سنان و موثقة البقباق المتقدمتين.

و المناسب بعد هذا ان يقال: ان الروايات المتقدمة و غيرها يستفاد منها ثبوت حق الشفعة في الجملة، و يدور الامر في مورده بين كونه جميع الاشياء او خصوص بعضها فيلزم الاقتصار على القدر المتيقن، و هو الامور غير المنقولة من دون تفصيل بينها لعدم احتمال ذلك.

اجل قد يقال باعتبار كونها قابلة للقسمة - فلا تثبت في مثل الآبار - لان التعبير في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «ما لم يقاسما» قد يفهم منه اعتبار قابلية الشيء للقسمة.

و اما الاشياء المنقولة فقد دلت صحيحة عبد اللّه بن سنان: «مملوك بين شركاء اراد احدهم بيع نصيبه قال: يبيعه. قلت: فانهما كانا اثنين فاراد احدهما بيع نصيبه فلما اقدم على البيع قال له شريكه: اعطني قال: هو احق به ثم قال عليه السّلام: لا شفعة في الحيوان الا ان يكون الشريك فيه واحدا»(1)على ثبوته في الحيوان. و التعدي منه الى مطلق الاشياء غير المنقولة يتوقف على فهم عدم الخصوصية للحيوان.

ان قلت: ان صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس في الحيوان شفعة»(2)دلت على عدم ثبوت الشفعة في الحيوان فتعارض صحيحة ابن سنان.

قلت: يمكن تقييد نفي الشفعة فيها بما اذا كان الشركاء اكثر6.


1) وسائل الشيعة 322:17 الباب 7 من أبواب الشفعة الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 322:17 الباب 7 من أبواب الشفعة الحديث 6.

من اثنين.

8 - و اما اعتبار الفورية في اعمال حق الشفعة

فيمكن ان يوجّه بان ثبوت الحق المذكور حكم على خلاف الاصل فيلزم الاقتصار على القدر المتيقن، و هو ثبوته في اول زمان امكان اعماله.

و تؤيد ذلك رواية السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام التي ورد فيها:

«للغائب شفعة»(1)، فان الحق اذا كان متراخيا فلا وجه لتخصيص الغائب بالذكر و ان له شفعة.

و اما ما ورد من ان «الشفعة لمن واثبها»(2)، «و الشفعة كحلّ‌ العقال»(3)فلم يرد من طرقنا.

و قد يقال بكونه متراخيا الى الحد الذي يلزم فيه الضرر تمسكا بالاستصحاب، فانه جار الا بناء على المبنى القائل بعدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية او في موارد الشك في المقتضي.

الا ان المناسب ان يقال باعتبار الفورية العرفية لان ثبوتها بمقدار ازيد من ذلك امر غير محتمل لاستلزامه ايقاع المشتري في الضرر، و حق الشفعة شرّع لدفع الضرر و لا يحتمل تشريعه بنحو يستوجب توجيه الضرر على الغير. و بعد هذا لا يبقى مجال لاحتمال جريان الاستصحاب.

9 - و اما عدم ثبوت الشفعة بالجوار

فيكفي لإثباته القصور في المقتضي. و تؤيد ذلك رواية الغنوي المتقدمة.


1) وسائل الشيعة 320:17 الباب 6 من أبواب الشفعة الحديث 2.

2) نيل الاوطار للشوكاني 87:6.

3) سنن البيهقي 108:6.

10 - و اما قبول حق الشفعة للإسقاط‍‌ بدون عوض او معه

فلانه حق و لا يحتمل كونه حكما شرعيا لكي لا يقبل الاسقاط‍‌.

و اما عدم قابليته للنقل فيكفي لإثباته عدم الدليل على قبوله لذلك.