صوت الإمام علی علیه السلام فی نهج البلاغة جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

الجزء الثاني

صوت الإمام علي علیه السلام في نهج البلاغة ج 2

تأليف :العلامة الشهيد السید حسن السید علی القبانچی النجفی

موسسه احیاء التراث الشیعی

النجف الأشرف

فاعل خير رقمي: انجمن مددکاری امام زمان (عج)

اشارة

موسسه احیاء التراث الشیعی

النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله- محلة الحويش

رقم الزقاق: 54 - رقم الدار 2

هاتف: 332811 و 332813

ص.ب 588

http://www.turathshiai.com

http://www.turathshiai.net

http://www.turathshiai.org

صوت الإمام علي علیه السلام في نهج البلاغة ج 2

العلامة السيد حسن القبانچي رحمة الله

المطبعة : تقارش

الطبعة: الأولى

سنة النشر : ربيع الأول 1426 ه-

عدد النسخ : 2000 نسخة

السعر: 5000 دینار

ردمك: 1-098-397-964 ISBN

الدورة :ISIBN 964-397-099 -x

جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة

من كلام له علیه السلام:في تهامية الرسالة والتحذير من النار

اشارة

«تَالله لَقَد عُلّمتُ تَبليغَ الرِّسالات وَإتمَامَ العِداتِ وَتَمامَ الكَلماتِ وَعِندَنا أهلَ البَيتَ أبوابُ الحُكمَ وَضياءُ الأمرِ أَلا وَ انَّ شَرائِعَ الدَينِ واحِدةُ وَسُبُلَهُ قاصِدَةٌ مَن أخَذ بِها لَحَقَ وَغَنِمَ وَمَن وَقَفَ عَنها ضَلَّ وَ نَدمِ َاعمَلوا لِيَومٍ تُذخَرُ لَهُ الذِخائرُ و تُبلي فيه السَّرائِرُ ومَن لا یَنفُعُهُ حاضِرُ لُبّه فعازُبُهُ عَنهُ أعجَزُ وغائُبهُ أعوَر وَاتَّقُوا ناراً حَرُّها شَديدِ وَقعُرُهَا بَعيدٌ وَحلیَتُها حَديدٌ، وشَرابُهَا صَديدٌ. الا و أنَّ الّلِسَانَ الصَّالِحَ یَجعَلُهُ الله تَعالى للَمَرءِ فِي النَّاسِ لَهُ مِنَ المالِ يُورِثهُ مَن لا یَحمَدُهُ.»

(شرح ابن أبي الحديد مج 2، ص 26، ط 1).

ضبط الألفاظ الغريبة :

(علّمت) في أكثر النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل، وفي بعضها بالتخفيف على المعلوم، قال الشارح المعتزلي: والرواية الأولى أحسن، و(الحكم) في أكثرالنسخ بالضم وسكون الكاف، وفي بعضها بالكسر وفتح الكاف جمع الحكمة، و(عزب) التي من باب قعد: بعد عني وغاب، و(عوز) الشيء - کفرح إذا لم يوجد، والرجل افتقر، وأعوزه الدهر أفقره.

الشرح:

جاء في منهاج البراعة (مج 8،ص 110 من الطبعة الحديثة): إن المقصود بهذا الكلام - كما يفهم من سياقه _ الإشارة إلى وجوب اتباعه

وملازمته والتمسك بذيل ولايته واتباع الطيبين من عترته وذريته، ووجوب أخذ معالم الدين وأحكام الشرع المبين عنهم صلوات الله عليهم.

وعقبه بذكر جملة من فضائله المخصوصة به المفيدة لتقدمه على غيره، والدالة على وجوب تقديمه، نظراً إلى قبح ترجيح المرجوح على الراجح.

وغير خفي على الذكي البصير أن كلاً من هذه الخصائص برهان واضح وشاهد صدق على اختصاص الخلافة والولاية بهم علیهم السلام، وعلى أنها حق لهم دون غيرهم.

وافتتح كلامه علیه السلام بالقسم البار تحقيقاً للمقصد، فقال: (تالله لقد علمت تبلیغ الرسالات) أي علمنيه رسول الله صلی الله علیه وآله بتعليم من الله سبحانه، وأعلمنيه بأمر منه تعالى، لا أنه علمه بوحي كما توهمه بعض الغلاة، لأن الأئمة علیهم السلام محدثون. .

والرسالة هو الإخبار عن مراد الله تعالی بکلامه بدون واسطة بشر، والمراد أنه علیه السلام علمه رسول الله صلی الله علیه وآله إبلاغ ما جاء به إلى الخلق على اختلاف ألسنتهم وتعدد لغاتهم، سواء كان ذلك في حال حياة الرسول، كبعثه صلی الله علیه وآله له علیه السلام بسورة براءة إلى أهل مكة وعزله لأبي بكر، معللاً بقوله له صلی الله علیه وآله: أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني،(1)أو بعد وفاته صلی الله علیه وآله، فقد كان هو عليه السلام وأولاده الطاهرون علیه السلام أوعية علم النبي صلی الله علیه وآله وحملة سره و حفظة شرعه، مؤدین له إلى أمته. وكانوا عمدة نشر الأحكام وانتشار مسائل الحلال والحرام وانفتاح باب العلم في زمنهم علیه السلام، وكانوا مأمورين بالتبليغ والانذار کما کان رسول الله صلی الله علیه وآله مأموراً بذلك، ويشهد بذلك ما رواه الكليني والطبرسي والعياشي عن الصادق عليه السلام، في قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إليَّ هذَا القُرانُ لأُنذِرَكُم بِه وَمَن بَلَغَ) الآية، قال: ومن بلغ أن يكون إماماً من آل محمد صلی الله علیه وآله، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله صلی الله علیه وآله (2)


1) مسند أحمد 1: ح 21؛ تفسیر مجمع البيان 4:22؛ تفسير العياشي 1:356

2) الكافي 1: 416 ح 21؛ تفسیر مجمع البيان 4: 22؛ تفسير العياشي 1: 356.

وفی غایة المرام عن الصدوق بإسناده عن یزید بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: قوله تعالى: (إنَّما أنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِ قَومٍ هادٍ) (1)فقال: المنذر رسول الله صلی الله علیه وآله ، وعلي الهادي، وفي كل وقت وزمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله صلی الله علیه وآله (2)

وفيه أيضاً عن الصدوق مسنداً عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه وآله وقد نزلت هذه الآية: (إنَّما أنتَ مُنذِرٌ ولِكُلِ قَومٍ هادٍ) فقرأها علينا رسول الله صلی الله علیه وآله، قال: أنا المنذر، أتعرفون الهادي؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: هو خاصف التعل. فطولت الأعناق، إذ خرج علينا علي علیه السلام من بعض الحجر وبيده نعل رسول الله صلی الله علیه وآله، ثم التفت إلينا وقال: ألا إنه المبلغ عني، والإمام بعدي، وزوج ابنتي، وأبو سبطي، فنحن أهل بيتٍ أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً من الدنس . (3)

وفي البحار عن بصائر الدرجات باسناده عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلی الله علیه وآله، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا علي أنت تعلم الناس تأويل القرآن بما لا يعلمون. فقال علي علیه السلام : ما أبلغ رسالتك بعدك يا رسول الله؟ قال: تخبر الناس بما أشكل عليهم من تأويل القرآن .(4)

وفيه أيضاً من کشف الغمة، من كتاب محمد بن عبد الله بن سليمان،مسنداً عن أنس، قال: كنت أخدم النبي صلی الله علیه وآله فقال لي: يا أنس بن مالك يدخل علي رجل إمام المؤمنين، وسيد المسلمين، وخير الوصيين. فضرب الباب، فإذا علي بن أبي طالب علیه السلام، فدخل بعرق، فجعل النبي صلی الله علیه وآله لا يمسح العرق عن


1) الرعد: 7.

2) رواه الصدوق في إكمال الدين: 667/ ح 10

3) بحار الأنوار 36: 316، ح 162

4) بحار الأنوار 23: 195/ ح 23؛ بصائر الدرجات: 215/ ح 3

وجهه ويقول: أنت تؤدي عني - أو تبلغ عني - فقال: يا رسول الله أو لم تبلغ رسالات ربك؟ فقال صلی الله علیه وآله: بلی، ولكن أنت تعلم الناس. (1)

قوله علیه السلام: و إتمام العدات أي إنجازها، يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده الله سبحانه في حقه، فقد علمه رسول الله صلی الله علیه وآله بأن الله سيفي له بما أنزل عليه في القرآن حيث قال: (أفَمَن وَعَدناهُ وَعداً حُسناً فهُوَ لاقيه ) (2)جاء عن الإمام الصادق علیه السلام في هذه الآية، قال: الموعود علي بن أبي طالب عليه السلام، وعده الله أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا، ووعده الجنةله و لأوليائه في الآخرة.(3)

ولكن الأظهر أن يراد بها العدات والعهود التي عاهد عليها الله سبحانه ويشهد به قوله تعالى: (مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَليهِ فَمنهُم مَن قَضى نَحبَه وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلاً) (4)جاء عن أبي عبد الله علیه السلام عن محمد بن الحنفية رضی الله عنه قال: قال علي علیه السلام: كنت عاهدت الله و رسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة بن الحارث على أمر وفينا به لله ورسوله، فتقدمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد الله عزوجل، فأنزل الله سبحانه:( مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوُا الآية.) (5)

أو يراد بها مواعيد رسول الله صلی الله علیه وآله التي وعدها للناس، فقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله : أنت وصيي ووارثي وقاضي ديني ومنجز عدتي، (6)وعلمه صلی الله علیه وآله و كيفية أدائها ومن أين يؤديها.


1) کشف الغمة، وعنه بحار الأنوار 38: 17/ ح29

2) القصص: 61

3) بحار الأنوار 36:150-151/ح129

4) الأحزاب:23

5) بحار الأنوار 35: 410/ ح 5

6) انظر: مدينة المعاجز 1: 347/ ح 224؛ بحار الأنوار 38: 111/ ح46

فقد حدث صاحب کتاب غایة المرام عن محمد بن علي الحكيم الترمذي -من أعيان علماء العامة- في كتابه المسمی ب افتح المبين من كتاب الأوصال قال: وروي أن أمير المؤمنین (کرم الله وجهه) قد أدى سبعين ألفاً من دينه صلی الله علیه وآله، و كان أكثره من الموعود. (1)

قصة أبي صمصام العبسي مع رسول الله صلی الله علیه وآله :

وفيه أيضاً من کتاب ثاقب المناقب، قال: حدثني شيخي أبو جعفر محمد بن حسين الشهرابي في داره بمشهد الرضا علیه السلام بإسناده إلى عطا، عن ابن عباس رضی الله عنه، قال:

قدم أبو الصمصام العبسي إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فأناخ ناقته على باب المسجد ودخل وسلم وأحسن التسليم، ثم قال: أيكم الفتى الغوي الذي يزعم أنه نبي؟

فوثب إليه سلمان الفارسي رضی الله عنه فقال: يا أخا العرب أما ترى صاحب الوجه الأقمر والجبين الأزهر، والحوض والشفاعة والتواضع والسكينة، والمسألة والإجابة، والسيف والقضيب، والتكبير والتهليل، والنور والشرف، والعلو والرفعة، والسخاء والشجاعة والنجدة، وذلك مولانا رسول الله صلی الله علیه وآله.

فقال الأعرابي: إن کنت نبياً فقل متى تقوم الساعة؟ ومتى يجيء المطر؟ وأي شيء في بطن ناقتي؟ وأيء شيء أكتسب غدا؟ ومتى أموت؟

فبقي رسول الله صلی الله علیه وآله ساكتاً لا ينطق بشيء، فهبط الأمين جبرئيل فقال: يا محمد اقرأ (إنَّ اللهَ عندَهُ علمُ السّاعَة ويُنَزِّلُ الغَيثَ ويَعلَمُ ما فِي الأُرحامِ وَما تَدرِي نَفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً وَما تَدري نَفسٌ بِأيِ أرضٍ تَموُتُ إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ) (2)قال الأعرابي: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأقر أنك رسول الله، فأي شيء لي عندك إن أتيتك بأهلي وبني عمي


1) غاية المرام 6: 331

2) لقمان: 34

مسلمين؟ فقال له النبي صلی اله علیه وآله: لك عندي ثمانون ناقة ځمر الظهور بيض البطون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز.

ثم التفت النبي صلی الله علیه وآله إلى علي بن أبي طالب علیه السلام وقال: اكتب يا أبا الحسن بسم الله الرحمن الرحيم أقر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأشهد على نفسه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره أن لأبي الصمصام عليه وعنده في ذمته ثمانين ناقة ځمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط -ثوب من صوف ملون _ الحجاز، وأشهد عليه جمعاً من أصحابه.

وخرج أبو الصمصام إلى أهله، فقبض النبي صلی الله علیه وآله ، فقدم أبو الصمصام وقد أسلمت بنو عبس كلها، فقال: ما فعل رسول الله؟ قالوا: قبض. قال: فمن الوصي بعده؟ قالوا: ما خلف فينا أحداً. قال: فمن الخليفة بعده؟ قالوا: أبوبكر. فدخل أبو الصمصام المسجد فقال: يا خليفة رسول الله إن لي على رسول الله صلی الله علیه وآله ديناً ثمانين ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز. فقال أبو بكر: يا أخا العرب سألت ما فوق العقل، والله ما خلف فينا رسول الله صلی الله علیه وآله لا صفراء ولا بيضاء، خلف فينا بغلته الذلول ودرعة الفاضلة فأخذها علي بن أبي طالب، وخلف فينا فدكاً فأخذناها بحق، ونبينا صلی الله علیه وآله لا يورث.

فقام سلمان الفارسي رضی الله عنه و ومد يده إلى أبي الصمصام فأقامه وجاء به إلى منزل علي بن أبي طالب علیه السلام وهو يتوضأ وضوء الصلاة، فقرع سلمان الباب، فنادى علي علیه السلام : ادخل أنت وأبو الصمصام العبسي. فقال أبو الصمصام: أعجوبة ورب الكعبة، من هذا الذي سماني ولم يعرفني؟ فقال سلمان: هذا وصي رسول الله صلی الله علیه وآله، هذا الذي قال له رسول الله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب، هذا الذي قال له رسول الله صلی الله علیه وآله : علي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر.

وهذا الذي قال الله تعالى فيه (وجَعَلنا لَهُم لِسانَ صِدقٍ عَلياً.) (1)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: (أفَمَن كانَ مُؤمِنا كَمن كانَ فاسقاً لا يَستُوونَ.) (2)

وهو الذي قال الله تعالى فيه:(أجعَلتُم سَقايَة الحاجِ عَمارَةَ المَسجِدِ الحَرامِ کَمَن آمَن بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وجاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ لا يَستَوُونَ) (3)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: (يا أيُّها الرَّسولُ بَلِغ ما أنزِلَ إليكَ مِن ربّكَ.) (4)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: (فَمَن حاجَّكَ فيه مِن بَعد ما جاءَکَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعالَوا نَدعُ أبناءَنا وأبناءكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأنفُسَنا وأنفُسَکُم ) (5)الآية.

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: (إنَّما يريدُ الله ليُذهِبَ عَنكُمُ الرِجسَ أهلَ الَبيتِ ويُطَهِرَكُم تَطهيراً.) (6)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: (إنَّما وَلِيُكُمُ اللهُ ورَسولُهُ والّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصّلاةَ ويُؤتونَ الزَّكاةَ وهُم راكِعُونَ.) (7)

أدخل يا أبا الصمصام وسلم عليه، فدخل أبو الصمصام وسلم عليه ثم قال: إن لي على رسول الله صلی الله علیه وآله ثمانين ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز. فقال علي علیه السلام: أمعك حجة؟ قال: نعم، وأخرج الوثيقة، فقال علیه السلام: يا سلمان ناد في الناس: ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دین رسول الله صلی الله علیه وآله فليخرج إلى خارج المدينة.


1) مریم:50

2) السجدة: 18

3) التوبة: 19

4) المائدة: 67

5) آل عمران: 61

6) الأحزاب: 33

7) المائدة: 55

فلما كان من الغد خرج الناس، وقال المنافقون: كيف يقضي الدين وليس معه شيء؟ غداً يفتضح، من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز؟ فلما كان الغد اجتمع الناس وخرج علي علیه السلام في أهل بيته ومحبيه وجماعة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله ، وأسر إلى الحسن علیه السلام سراً لم يدر أحد ما هو. ثم قال: يا أبا الصمصام امض مع ابني الحسن إلى كثيب الرمل، فمضى الحسن عليه السلام ومعه أبو الصمصام، وصلى الحسن ركعتين عند الكثيب و كلم الأرض بكلمات لا يدري ما هي، وضرب على الكثيب بقضيب رسول الله صلی الله علیه وآله، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة مكتوب عليها سطران على الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى الآخر لا إله إلا الله علي ولي الله.وضرب الحسن علیه السلام تلك الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقال: قد یا أبا الصمصام، فقاد فخرج منها ثمانون ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز، ورجع إلى علي عليه السلام فقال عليه السلام : استوفيت حقك يا أبا الصمصام؟ فقال علیه السلام: نعم، فقال عليه السلام: سلم الوثيقة، فسلمها إليه فخرقها علیه السلام ثم قال: هكذا أخبرني ابن عمي رسول الله صلی الله علیه وآله أن الله عزوجل خلق هذه النوق في هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفي عام (1)وتروى هذه القصة أيضاً بوجه آخر.

قال صاحب ثاقب المناقب: ويروى هذا الخبر على وجه آخر، وهو ما روى أبو محمد الادريسي عن حمزة بن داود الديلمي، عن يعقوب بن یزید الأنباري، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حبيب الأحول، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال:

لما قبض النبي صلی الله علیه وآله وجلس أبو بكر نادي في الناس: ألا من كان له على رسول


1) الثاقب في المناقب: 127 - 132/ ح127؛ غاية المرام 6: 335 - 337

الله صلی الله علیه وآله عدة أو دين فليأت أبا بكر وليأت معه بشاهدين، ونادى علي علیه السلام بذلك على الاطلاق من غير طلب شاهدين، فجاء أعرابي متلثم متقلداً سيفه، متنکياً كنانته، وفرسه لا پری منه إلا حافره. وساق الحديث ولم يذكر الاسم والقبيلة، و كان ما وعده مائة ناقة حمراء بأزمتها وأثقالها موقرة ذهباً وفضة بعبيدها.

فلما ذهب سلمان بالأعرابي إلى أمير المؤمنین علیه السلام قال له حين بصر به مرحباً بطالب عدة والده من رسول الله صلی الله علیه وآله، فقال: ما وعد أبي يا أبا الحسن؟

قال: إن أباك قدم على رسول الله صلی الله علیه وآله قال: أنا رجل مطاع في قومي إن دعوتهم أجابوك، وإني ضعيف الحال، فما تجعل لي إن دعوتهم إلى الاسلام فأسلموا؟ فقال صلی الله علیه وآله : من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: وما عليك أن تجمعهما لي يا رسول الله وقد جمعهما الله لأناس كثيرة. فتبسم النبي صلی الله علیه وآله وقال: أجمع لك خير الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فأنت رفيقي في الجنة، وأما في الدنيا فما تريد؟ قال: مائة ناقة حمر بأزمتها وعبيدها موقرة ذهباً وفضة، ثم قال: وإن دعوتهم فأجابوني وقضي علي الموت ولم ألقك فتدفع ذلك إلى ولدي؟ قال: نعم، على أني لا أراك ولا تراني في دار الدنيا بعد يومي هذا، وسيجيبك قومك، فإذا حضرتك الوفاة فليصر ولدك إلى وليي من بعدي ووصيي، وقد مضى أبوك ودعا قومه فأجابوه، وأمرك بالمصير إلى رسول الله صلی الله علیه وآله، أو إلى وصيه، وها أنا وصيه ومنجز وعده.

فقال الأعرابی: صدقت يا أبا الحسن، ثم كتب علیه السلام له على خرقة بيضاء وناول الحسن عليه السلام وقال: يا أبا محمد سر بهذا الرجل إلى وادي العقيق وسلم على أهله واقذف الخرقة وانتظر ساعة حتى ترى ما يفعل، فإن دفع إليك شيء فادفعه إلى الرجل. ومضيا بالكتاب.

قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد. فلما أشرف الحسن عليه السلام على الوادي نادى بأعلى صوته: السلام عليكم أيها السكان البررة الأتقياء، أنا

ابن وصي رسول الله صلی الله علیه وآله، أنا الحسن بن علي سبط رسول الله صلی الله علیه وآله وابن رسول الله صلی الله علیه وآله ورسوله إليكم. وقد قذف الخرقة في الوادي، فسمعت من الوادي صوت: لبيك لبيك يا سبط رسول الله وابن البتول وابن سيد الأوصياء سمعنا وأطعنا، انتظر ليدفع إليك. فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام لم أدر من أين ظهر وبیده زمام ناقة حمراء تتبعها ستة، فلم يزل يخرج غلام بعد غلام، في يد كل غلام قطار حتی عددت مأة ناقة حمراء بأزمتها وأحمالها، فقال الحسن عليه السلام: ځذ بزمام نوقك وعبيدك ومالك وامض يرحمك الله. (1)

الكلمات التامات :

قوله سلام الله عليك: «و تمام الكلمات ».

فسّرها الشارح المعتزلي بتأويل القرآن وبيانه الذي يتم به، قال: لأن في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغنى عن متمم ومبين يوضحه.

ويجوز أن يراد بالكلمات الكلمات القرآنية خصوصاً، أعني الآيات وما تضمنته من التأويل والتنزيل، والمفهوم والمنطوق، والظهر والبطن، والنكات والأسرار، وما فيها من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والجدل والمثل والقصص، والترغيب والترهيب، إلى غير ذلك، فإن تمام ذلك و كله عند أمير المؤمنين عليه السلام، والعلم بجميع ذلك مخصوص به وبالطاهرين من أولاده سلام الله عليهم أجمعين.

أو يراد بها مطلق كلمات الله النازلة على الأنبياء والرسل في الكتب السماوية والصحف الإلهية.


1) الثاقب في المناقب: 133 - 134/ ح 128؛ غاية المرام 6: 338 – 339

أو أن يراد بها الأعم من هذه أيضاً، وهو الأنسب باقتضاء عموم وظيفتهم علیه السلام، فيكون المراد بها ما ورد في الأخبار من أن رسول الله صلی الله علیه وآله علم علياً علیه السلام كلمة تفتح له ألف كلمة، وألف كلمة تفتح كل كلمة ألف كلمة، وعبر عنها في أخبار أخر بلفظ الباب، ومن هنا كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن في صدري هذا لعلماً جماً علمنيه رسول الله صلی الله علیه وآله، لو أجد له حفظة يرعونه حق رعايته ویروونه عتي كما يسمعونه مني، إذاً لأودعتهم بعضه، يعلم به كثيراً من العلم، إن العلم مفتاح كل باب، و كل باب يفتح ألف باب. (1)

سؤال اليهود لعمر بن الخطاب:

جاء في كتاب غایة المرام عن محمد بن علي الحكيم الترمذي، عن صاحب الينابيع قال: سأل قوم من اليهود عمر في زمن خلافته عن مسائل بشرط إن أجابهم أو غيره من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله آمنوا به.

قالوا: ما قفل السماء؟ وما مفتاح ذلك القفل؟ وما القبر الجاري؟ ومن الرسول الذي وعظ قومه ولم يكن من الجن ولا من الإنس؟ وما الخمسة الذين يسيرون في الأرض ولم يخلقوافي أرحام الأمهات؟ وما يقول الديك في صوته والدراج في صديده والقمري في هديله والفرس في صهيله و الحمار في نهيقه والضفدع في نقيقه؟ فأطرق عمر زمانأ ثم رفع رأسه وقال: لا أدري. فغدى سلمان وأخبر علياً بالقصة، فأتی فلما رآه عمر استقبله وعانقه وأخبره بالقصة فقال (كرم الله وجهه): لا تبال فإن رسول الله صلی الله علیه وآله علمني ألف باب من العلم، يتشعب منه ألف باب آخر. قال عمر: فاسألوه عنها. فقال عليه السلام في جوابهم:

أما قفل السماء فهو الشرك، وأما مفتاح ذلك القفل فقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. قالوا: صدق الفتى. ثم قال: وأما القبر الجاري فهو الحوت


1) الفصول المهمة 1: 564/ ح 846؛ ينابيع المعاجز 141

الذي كان يونس في بطنه حيث دار به في سبعة أبحر، وأما الرسول الذي لم يكن من الجن والانس فنملة سليمان كما قال الله تعالى:( قالَت نَملَةٌ يا أيُّها النَملُ ادخُلُوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنكَّم سُليمانُ وَجُنُودُهُ وهُم لا يَشعُرُونَ) (1)قال: وأما الخمسة الذين لم يخلقوا في أرحام الأمهات: فآدم و حوا وناقة صالح و کیش إبراهيم وثعبان موسى، وأما الديك فيقول: اذكروا الله أيها الغافلون، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، وأما القمري فيقول: اللهم العن مبغضي محمد و آل محمد، وأما الفرس فيقول عند الغزو: اللهم انصر عبادك المؤمنین علی عبادك الكافرين، وأما الحمار فيلعن العشارين ولا ينهق إلا في وجه الشيطان، وأما الضفدع فيقول: سبحان ربي المعبود في لجج البحار. فآمنوا لما سمعوا ذلك من أمير المؤمنین علیه السلام. (2)

أهل البيت علیهم السلام باب الحكمة:

قوله علیه السلام : وعندنا أهل البيت أبواب الحكم، يجوز أن يراد بالحكم القضاء والفصل بين الناس في الخصومات والدعاوي، وأن يراد به الحكم الشرعي الفرعي، أعني خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.

فعلى الأول فالظاهر أن المراد بأبوابه هو طرقه ووجوهه، فإنهم علیهم السلام كانوا عالمين بهاعارفين بتمامها، يحكمون في القضايا الشخصية على ما تقتضيه المصلحة الكامنة الظاهرية أو الواقعية.

ففي بعضها كانوا يحكمون بظاهر الشريعة على ما يقتضيه اليمين والبينة.


1) سورة النمل (27): الآية 18

2) غایة المرام5 : 216 - 217، عن الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة ب الفتح المبين في كشف حق اليقين؛ ورواه أيضاً في التحصين لابن طاووس: 642 - 644؛ بحار الأنوار 61: 35 - 36

وفي بعضها يمر الحق على وجه التدبير واستخراج وجه الحيلة والإحتيال في إعمال الحق واستخراج الأفراد بالحقوق الباطنة بلطائف الفكر، كما كان يفعله أمير المؤمنين عليه السلام في أيام خلافة عمر وغيرها كثيراً، مثل قضائه في المرأة التي استودعها رجلان ودیعة (1)، وفي المرأة التي توفي عنها زوجها وادعی بنوها أنها فجرت (2)، وفي الجارية التي افتضتها سيدتها اتهاماً ورميأَ لها بالفاحشة (3)، ومثل أنه توفي رجل وخلف إبناً وعبداً، فادعى كل واحد منهما أنه الابن وأن الآخر عبدله، فأتيا أمير المؤمنين علیه السلام فتحاكما إليه، فأمر عليه السلام أن یثقب في حائط المسجد ثقبان، ثم أمر كل واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب، ففعلا،ثم قال: يا قنبر جرد السيف - وأشار إليه: لا تفعل ما آمرك به - ثم قال: اضرب عنق العبد، قال: فنحى العبد رأسه، فأخذه أمير المؤمنين علیه السلام وقال للآخر: أنت الابن وقد أعتقته وجعلته مولى لك. (4)

وفي بعضها بالحكم الواقعي المحض، وبه يحكم القائم من آل محمد علیه السلام وعليهم بعد ظهوره، وهو المعبر عنه بحكم داود في الأخبار، فإن داود علیه السلام كان يعمل زماناً على مقتضی علمه بالوحي من دون أن يسأل عن البيئة، ثم إن بني اسرائيل اتهموه لبعده عن طور العقل، فرجع إلى العمل بالبینات.

قضاء علي علیه السلام بين النبي صلی الله علیه وآله وأعرابي:

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحكم بهذا الحكم أحياناً، مثل ما روي عنه في محاكمة رسول الله صلی الله علیه وآله مع الأعرابي .


1) انظر: مناقب آل أبي طالب 2: 191؛ بحار الأنوار 40: 317

2) بحار الأنوار40: 307 ح/81

3) بحار الأنوار 40: 296 ح 70

4) من لا يحضره الفقيه 3: 105 - 106/ ح 3425؛ بحار الأنوار 40: 308 - 309

قال في الفقيه: جاء أعرابي إلى النبي صلی الله علیه وآله فادعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منها، فقال صلی الله علیه وآله: قد أوفيتك. فقال اجعل بيننا وبينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجل من قريش، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : احكم بيننا. فقال للأعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منها. فقال ما تقول يا رسول الله؟ قال صلی الله علیه و آله : قد أوفيته. فقال للأعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني. فقال لرسول الله صلی الله علیه وآله : ألك بينة على أنك قد أوفيته؟ قال: لا، قال للأعرابي: أتحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال نعم. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: لأتحاكمن مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم الله عزوجل فأتی رسول الله صلی الله علیه وآله علي بن أبي طالب علیه السلام ومعه الأعرابي، فقال علي علیه السلام: ما لك يا رسول الله؟ فقال: يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي، فقال علي علیه السلام : يا أعرابي ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيه ثمنها. فقال: يا أعرابي أصدق رسول الله فيما قال؟ قال لا ما أوفاني شيئاً. فأخرج علي عليه السلام سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول الله نحن نصدقك على أمر الله ونهيه وعلى أمر الجنة والنار والثواب والعقاب ووحي الله عزوجل، ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي، إني قتلته لأنه كذبك لما قلت له «أصدق رسول الله فيما قال؟» فقال «لا ما أوفاني شيئاً».فقال رسول الله : صلی الله علیه وآله أصبت یا علي، فلا تعد إلى مثلها. ثم التفت صلی الله علیه وآله إلى القرشي - وكان قد تبعه -فقال: هذا حكم الله لا ما حکمت به. (1)

وعلى الثاني - أي على كون المراد بالحكم الأحكام الشرعية -فالمراد بأبوابه هو طرق الإفتاء ووجوه بیان المسائل على ما تقتضيه المصلحة، فيفتون بعض الناس بالحكم الواقعي، وبعضهم بالتقية حقناً لدمائهم أو لدماء السائلين.

وكيف كان، فقد وضح وظهر مما قررنا أن الأئمة علیهم السلام ولا عندهم أبواب


1) من لا يحضره الفقیه 3: 105 - 106/ ح 3425؛ عوالي الثالي 3: 518 - 519

الحكم بأي معنى أخذ الحكم، وأنهم عارفون بها محیطون بأقطارها، وهذا الوصف مخصوص بهم لا يوجد في غيرهم، لأن معرفة المصالح الكامنة لا تحصل إلا بتأييد إلهي وقوة ربانية مخصوصة بأهل العصمة والطهارة.

ولذلك _ أي لقصد الاختصاص والتخصيص- قدم علیه السلام عقله المسند وقال: «وعندنا أبواب الحكم».

(وضياء الأمر) والمراد بالأمر إما الولاية كما کتي به عنها كثيراً في أخبار أهل البيت علیهم السلام، وفي قوله تعالى: (وأُولِي الأُمرِ مِنكُم)، والضياء حينئذ بمعناه الحقيقي، أي عندنا نور الإمامة والولاية، وأما الأوامر الشرعية فالضياء استعارة للحق، لأن الحق يشبه بالنور كما أن الباطل يشبه بالظلمة، قال سبحانه:

(اللهُ وَلِيُّ الّذينَ امَنوا یُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النّورِ والّذينَ كَفَروا أولياؤهُمُ الطاغُوتُ یُخرجُونَهُم منَ النُور إلى الظُلماتِ) (1)فالمقصود أن الأئمة عليهم السلام عندهم حق الأوامر الشرعية والتكاليف الإلهية، وإليه أشير في قوله سبحانه:

(أَطيعُوا اللهَ وَأطيعُوا الرَسُولَ وأوُلِي الأُمرِ مِنكُم). (2)

وأما مطلق الأمور المقدرة في الكون كما قال تعالى:

(تَنزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فيها بِإذنِ ربّهم مِن كُل أمرٍ). (3)

أي تنزل إلى ولي الأمر بتفسير الأمور.

ثم إنه علیه السلام بعد ما ذكر جملة من فضائله وفضائل آله الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين أردف ذلك بالإشارة إلى وجوب اتباعهم وأخذ معالم الدين عنهم عليهم السلام فقال:

«ألا وإن شرایع الدین»و هي طرقه، أي قواعده و قوانینه «واحدة وبله قاصدة»أي معتدلة مستقيمة، وهي ما دل عليها أهل بيت العصمة والطهارة،


1) البقرة: 257

2) النساء:59

3) القدر: 4

لأنهم أولياء الدين وأبواب الايمان وأمناء الرحمن والأدلاء على الشريعة والهداة إلى السنة. من أخذ بها، واتبع أئمة الهدی سلك الجادة الوسطى والحق بالحق «وغنم» النعمة العظمی، «ومن وقف عنها»وانحرف عن الصراط الأعظم والسبيل الأقوم وأخذ في أمر الدين بطرق الأقيسة ووجوه الاستحسانات العقلية، أو رجع فيه إلى الهمج الرعاع وأئمة الضلال العاملين فيه لعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة «ضل وندم».

ثم أمر بتحصيل الزاد ليوم المعاد فقال علیه السلام: «اعملوا ليوم تذخر له الذخائر» وهي الأعمال الصالحة «وتبلى فيه السرائر، الغرض بالوصف إما تخصيص الموصوف أو التهويل حتا على العمل، كما في قوله سبحانه:

(في يَومٍ كانَ مِقدارُهُ خَمسيِنَ ألفَ سَنَةٍ). (1)

والجملة الثانية مأخوذة من الكتاب العزيز، قال تعالى: (يومَ تُبلَى الَّسرِائرُ) (2)أي تختبر، والسرائر: ما أسر القلوب من العقائد والنيات وغيرها وما خفي من الأعمال.

قال الطبرسي: والسرائر أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليه،وهي سرائر في العبد تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها وشرها.

عن معاذ بن جبل قال: سألت النبي صلی الله علیه وآله و ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد يوم القيامة؟ قال صلی الله علیه وآله : سرائر كم هي أعمالكم من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء والغسل من الجنابة و كل مفروض، لأن الأعمال كلها سرائر خفية، فإن شاء قال صليت ولم يصل وإن شاء قال توضأت ولم يتوض، فذلك قوله: (یَومَ تُبلى السَّرائرُ) (3)هذا ولما كان كمال القوة العملية لا يحصل إلا بكمال القوة النظرية أردفه بقوله علیه السلام:

«ومن لا ينفعه حاضر به فعازبه»أي بعيده «أعجز وغايبه أعوز» أي أعدم


1) السجدة: 5

2) الطارق: 9

3) تفسير مجمع البيان 10: 323

للمنفعة، يعني أن من لا ينفعه به الحاضر وعقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غیر حاضر ولا موجود عنده من العقل أولى وأحرى.

وقيل في تفسيره بوجوه أخر: الأول من لا يعتبر بلبه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت. الثاني أن من لم يعمل بما فهم وحکم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلا ندامة وحسرة. الثالث أن من لم يكن له من نفسه رادع وزاجر فمن البعيد أن ينزجر ويرتدع بعقل غيره وموعظة غيره، كما قيل: (وزاجر من النفس خير من عتاب العواذل).(1)

ولما حث على العمل أكده بالتحذير من النار، فقال علیه السلام: «واتقوا ناراً حرها شدید، وقعرها بعيد، وحليتها حديد، وشرابها صديد» لا يخفى ما في هذه الفقرات من حسن الخطابة، حيث ناط بكل لفظة ما يناسبها ويلايمها، لو نيطت بغيرها لم تلائم، والاضافة في القرينة الأولى على أصلها، وفي الأخيرة لأدنى المناسبة، وفي الوسطين تحتمل الأول والثاني، واستعارة الحلية للقيود والأغلال من باب التحكم، والقرينة الأخرى مأخوذة عن قوله سبحانه:( یُسقی مِن ماءٍ صَديدٍ)، (2)وهو القيح والدم، وقيل: هو القيح كأنه الماء في رقته والدم في شكله، وقيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار. و كيف كان فتوصف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير والترهيب منها، كما أن في ذكر حلية أهل الجنة وشرابهم في قوله تعالى:

(وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهُم ربُّهُم شَراباً طَهُوراً .) (3)

ترغیباً و تشويقاً إليها.


1) وتمام البيت: وأقصرت عما تعهدین و زاجرٌ*** من النفس خیرٌ من عتاب العواذل انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 397

2) ابراهيم:16

3) الإنسان: 21

ثم قال علیه السلام: «ألا وإن اللسان الصالح، أي الذكر الجميل، تسمية للشيء باسم مسببه ايجعله الله للمرء في الناس خير له من مال يورثه من لا يحمده» والمراد أن تحصیل مکارم الأخلاق ومحاسن الأفعال من البذل والانفاق ونحوهما مما يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبی خیر من تحصيل المال و جمعه و توريثه من لا يشكره عليه، أي وارثه الذي لا يعد ذلك الأيراث فضلاً ونعمة الإيجابه العذاب الأليم والندم الطويل، وهو شاهد بالعيان معلوم بالوجدان.

من خطبة له علیه السلام: في بيان فضله علیه السلام ووفاة النبي صلی الله علیه وآله:

اشارة

وَلَقد عَلِمَ المُستَحفَظُونَ مَن أصحَابِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله أنّي لَم أرُدَ عَلَى اللهِ ولا عَلى رَسُولِه سَاعةً قَطُّ وَلَقَد وَاسَیتُهُ بِنَفسِي فِي المَواطِنِ التِي تَنکُصُ فيهَا الاَبطالُ وتَتاَخَرُ فيها الأقدَامُ نَجدَةً أكرَمَني اللهُ بِها وَلَقَد قُبضَ رسول الله صلی اللهعلیه وآله وانَّ رَأسَهُ لَعَلى صَدري وَلَقَد سَالِت نَفسُهُ في كَفي فَاَمرَرتُها عَلى وَجهِي وَلَقد وُليتُ غُسلَهُ صلی الله علیه وآله والملائکَةُ أعوانِي فَضَجَّت الدَّارُ والافنيَةُ مَلا یَهبِطُ و ملا یَعرُجُ وما فارَقَت سَمعي هَینَمَةُ مِنهُم يَصَلونَ عَليه حَتَّى واریناهُ فِي ضَريحَه فمَن ذَا أحَقُّ به مِني حَیاً و ميتاً فَانفَذُوا عَلى بَصَائِرِكُم وَلتَصدُقَ نیَّاتُكُم فِي جِهَادِ عَدُوَكُم فَوَ الذِي لا إله إلّا هُو إنّي لعَلى جادَّةِ الحَقِّ وانَّهُم لَعَلی مَزلَةِ البَاطَلِ أَقُولُ ما تَسمَعُونَ وَأستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.

(شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد مج 2، ص 591، ط الأولى).

ضبط الألفاظ الغريبة:

(المستحفظون) بصيغة المفعول من استحفظه الشيء، أي أودعه عنده وطلب منه أن يحفظه، فهو مستحفظ وذاك مستحفظ، و(واسیته) من المواساة، يقال: واسیته وآسیته، وبالهمزة أفصح، و(نكص) عن الشيء نکوصاً من باب قعد: أحجم عنه، ونكص على عقبيه: رجع، قال تعالى: (فَلَمّا تَراءَتِ الفِئتانِ نَكَصَ عَلى عَقَبَيهِ) (1)و(النجدة) البأس والشدة والشجاعة، و (النفس) بسکون الفاء: الدم، وبالتحریک واحد الانفاس، و(فناء)


1) الأنفال: 48

الدار وزان کساء: ما اتسع أمامها أو ما امتد من جوانبها، والجمع أفنية وفنی، و (الضجيج) الصياح عند المكروه والجزع، و(الهينمة) بفتح الهاء: الصوت الخفي، وقيل الكلام الخفي لا يفهم، و(الضريح) القبر أو الشقة وسطه، والأول هو المراد هنا، و(المزلة) الموضع الذي تزل فيه قدم الإنسان كالمزلقة.

الشرح:

إن هذه الخطبة الشريفة مسوقة لبيان جملة من مناقبه الجليلة وخصائصه المختصة به علیه السلام، المفيدة لمزيد اختصاصه برسول الله صلی الله علیه وآله و وقربه منه، استدلالأً بذلك على أنه أحق وأولي بالخلافة والقيام مقامه صلی الله علیه وآله، وأنه على الحق وغيره على الباطل، وغرضه علیه السلام تنبيه المخاطبين على وجوب إطاعته فيما يأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلين.

خمس فضائل لعلي عليه السلام:

وذكر علیه السلام خمساً من فضائله، وصدر كلام بالقسم البار تأكيداً للغرض المسوق له الكلام، و تنبيهاً على أن اتصافه بها جميعاً حق لا يعتريه ريب ولا يدانيه شك.

أولها: عدم الرد على النبي صلی الله علیه وآله هود والتسليم له

ما أشار إليه بقوله: «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله و أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعةً قط» المراد بالمستحفظين خيار الصحابة المطلعون على أسرار رسول الله صلی الله علیه وآله ومعجزاته و کراماته وعهوده ومواثيقه والملاحم الواقعة في زمانه صلی الله علیه وآله و ونحو ذلك مما يتعلق به صلی الله علیه وآله في نفسه وفي أوصيائه وأتباعه من الأمور المعظمة التي يهتم بها في الشرعية ولها مدخل في قوام أركان الدين وإعلاء لواء الشرع المبين، الذين كلفوا بحفظ ذلك كله، وأمروا بأن يبلغوها ويؤذوها في مقام الضرورة والحاجة .

وإنما خص علم ماذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأن هؤلاء بمقتضی تصلبهم في الدين لا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها ولا يبدلونها في

مقام الحاجة للأغراض الدنيوية الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زید بن أرقم، وأنس بن مالك ونظرائهم .

حدث العلامة المجلسي في البحار عن الخصال والأمالي عن جابر الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

خطبنا علي بن أبي طالب علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إن قدام منبر كم هذا أربعة رهط من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله، منهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب الأنصاري، والأشعث بن قيس الكندي، وخالد بن یزید البجلي، ثم أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال: يا أنس، إن كنت سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول «من کنتُ مولاه فهذا علي مولاه»ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يبتليك ببر ص لا تغطيه العمامة.

وأما أنت يا أشعث، فإن كنت سمعت من رسول الله وهو يقول «من کنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك .

وأما أنت يا خالد بن يزيد، إن كنت سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول من کنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلا ميتة جاهلية.

وأما أنت یا براء بن عازب، إن كنت سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول «من کنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي بالولاية فلا أماتك الله إلا حيث هاجرت منه.

قال جابر بن عبد الله الانصاري: والله لقد رأيت أنس بن مالك قد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما يستره.

ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت کریمتاه وهو يقول: الحمد لله

الذي جعل دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بالعمى في الدنيا، ولم يدع علي بالعذاب في الآخرة فأعذب.

وأما خالد بن يزيد فإنه مات، فأراد أهله أن يدفنوه وفر له في منزله فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منزله، فمات ميتة جاهلية.

وأما البراء بن عازب فإنه ولاه معاوية اليمن فمات بها ومنها كان هاجر(1)

فقد ظهر بذلك أن المستحفظين هم المكلفون بحفظ الأمور المهمة المعتد بها في أمر الدين، وأن تخصيصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون إليهم.

وأما أنه علیه السلام ما رد على الله ورسوله أبدأ فهو معلوم محقق لا خفاء فيه، بل من ضروریات المذهب، لملكة العصمة المانعة من مخالفته لله ولرسوله صلی الله علیه وآله.

رد عمر على رسول الله صلی الله علیه وآله :

وهذا القول إيماء إلى ما كان يفعله بعض الصحابة من التسرع بالقول والاعتراض على الرسول صلی الله علیه وآله، كما نقل عن عمر يوم الحديبية عندما سطر کتاب الصلح أنه أنكر ذلك وقال لرسول الله صلی الله علیه وآله: ألسنا على الحق؟ قال: بلی، قال: أو ليسوا الكافرين؟ قال: بلى. قال: فكيف نعطي الدنية في ديننا؟ والله لو وجدت أعوانا لم أعط الدنية أبداً، فقال له أبو بكر: ويخك الزم غرزه، فوالله إنه الرسول الله وإن الله لا يضيعه، ثم قال له: أقال لك أنه سيدخل مكة هذا العام؟ فقال لا. قال: فسيدخلها، فلما فتح النبي صلی الله علیه وآله مکة وأخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال: هذا الذي وعدتم به. (2)

قال ابن أبي الحديد بعد نقل هذا الخبر: واعلم أن هذا الخبر صحيح لاريب فيه،


1) الخصال للصدوق: 219 - 220/ ح 44؛ أمالي الصدوق: 184 - 185/ ح 190؛ بحارالأنوار 31: 446 - 447/ ح3 و 4

2) شرح نهج البلاغة 10: 180؛ بحار الأنوار 20: 333

والناس كلهم رووه، وليس عندي بقبيح ولا مستهجن أن يكون هذا الشخص سأل رسول الله صلی الله علیه وآله عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد والتماساً لطمأنينة النفس، فقد قال الله تعالی لخليله إبراهيم: (أوَ لَم تُؤمِن قالَ بَلى وَلكِن لِيَطمَئنَّ قَلبي) (1)وقد كانت الصحابة تراجع رسول الله صلی الله علیه وآله في الأمور وتقول له: أهذا منك أم من الله؟ كقول السعدان يوم الخندق، وقول الأنصار يوم بدر، وقد كانت من عمر أمور دون هذه القصة، كقوله: دعني أضرب عنق أبي سفيان، وقوله: دعني أضرب عنق عبد الله بن أبي، وقوله: دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة، ونهى النبي صلی الله علیه وآله ورد عن التسرع إلى ذلك، وجذبه ثوب رسول الله صلی الله علیه وآله حين قام على جنازة ابن أبي سلول يصلي، وقوله: وكيف تستغفر لرئيس المنافقين ؟ وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه، وإنما الرجل كان مطبوعاً على الشدة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها، وعلى أي حال كان لقد نال الإسلام بولايته وخلافته خيراً كثيراً. (2)

أقول: والعجب من الرجل كيف أعمى الله بصيرته كلما ذكر شيئاً من رذائله وقبائحه يجيب مرة بأن هذه وإن كانت رذيلة إلا أن له فضائل جمة تنغمر هذه الرذيلة تحتها، وأخرى ينفي القبيح عما فعله، وليس هذا إلا شدة العصبية بحيث صار قلبه مسوداً، نعوذ بالله من الختم والطبع، كما قال سبحانه: (ختَم اللهُ عَلى قُلُوبِهم وعَلى سَمعِهِم وعَلى أبصَارِهِم غِشاوَةٌ ) (3)وقول: (وَمَن لَم يَجعَل اللهُ لهُ نُوراً فَما لَه مِن نورٍ) .(4)

الثانية: المواساة النبي صلی الله علیه وآله

ما أشار إليه بقوله علیه السلام: «ولقد واسيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر فيها الأقدام نجدةً وشجاعة أكرمني الله بها وجعلها مخصوصة بي وآثرني بها على غيري.


1) البقرة: 260

2) شرح نهج البلاغة 10: 180

3) البقرة: 7

4) النور: 40

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: وهذا يعني المواساة _ مما اختص علیه السلام بفضيلته غير مدافع، ثبت معه يوم أحد وفر الناس، وثبت معه يوم حنين وفر الناس، وثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها وفر من كان بعث بها من قبله. وروى المحدثون أن رسول الله صلی الله علیه وآله لما ارتث - أي حمل من المعركة جريحاً يوم أحد قال الناس: قتل محمد، رأته كتيبة من المشركين وهو صريع بین القتلى إلا أنه حي فصمدت له، فقال لعلي علیه السلام : اكفني هذه، فحمل عليها وقتل رئيسها، ثم صمدت له كتيبة أخرى فقال: يا علي اكفني هذه، فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها،ثم صمدت له كتيبة ثالثة فكذلك، فكان رسول الله صلی الله علیه وآله بعد ذلك يقول: قال لي جبرئیل: يا محمد إن هذه المواساة. فقلت: وما يمنعه وهو مني وأنا منه. فقال جبرئیل: وأنا منكما.

وروى المحدثون أيضا أن المسلمين سمعوا ذلك اليوم صائحاً من جهة السماء ينادي «لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي».فقال رسول الله صلی الله علیه وآله و لمن حضره: ألا تسمعون؟ هذا صوت جبرئیل .

وأمایوم ځنين فثبت معه في نفر يسير من بني هاشم بعد أن ولی المسلمون الأدبار، وحامی عنه وقتل قوماً من هوازن بين يديه حتی ثابت إليه الأنصار وانهزمت هوازن وغنمت أموالها. وأما يوم خيبر فقصته مشهورة انتهی كلام ابن أبي الحديد المعتزلي. (1)

قال الميرزا الخوئي: أقول: أول مواساته علیه السلام مبيته على فراش خاتم الأنبياء حتی باهي الله به ملائكة السماء، فوهب نفسه لله تعالى وبذلها لنبيه المصطفى وبات على فراشه لينجو به من كيد الأعداء وتتم له بذلك السلامة والبقاء، وينتظم له به الغرض في الدعوة إلى الحنيفية البيضاء، فكان ذلك سبب نجاة النبي صلی الله علیه وآله وبقائه وحقن دمه حتى صدع بأمر ربه.


1) شرح نهج البلاغة 10: 182

ولولاه عليه السلام لما تم لرسول الله صلی الله علیه وآله و التبليغ والأداء، ولا استدام له العمر والبقاء، ولظفر به الحسدة والأعداء، فلما أصبحوا وعرفوا تفرقوا عنه وانصرفوا، وقد ضلت لهمالحيل وانقطع بهم الأمل، وانتفض ما بنوه من التدبير، وخابت لهم الظنون .

وكان بذلك انتظام الإيمان، وإرغام الشيطان، وخذلان أهل الكفر والعدوان، وهذه منقبة لم يشرکه علیه السلام فيها أحد من أهل الإسلام، وقد أنزل فيه محكم التبيان، وهو قول الله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالعِبادِ )(1)

وأما مواساته له صلی الله علیه وآله في مواطن جهاده ومواطن جده واجتهاده، و مقامات جداله بالسنة الأستة وجلاده فهو فوق حد الاحصاء، متجاوز عن حد العدة والاستقصاء:

منها غزوة بدر:

التي هدت قوى الشرك وقذفت طواغیته في قليب الهلك، ودوخت مردة الكفار وسقتهم كاسات الدمار والبوار، ونقلتهم من القليب إلى النار.

فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله، وأفاض الله فيه من أحسن فضله، أنزل فيه الملائكة لتأييد رسوله تفضيلاً له على جميع سله، وحباه من علو القدر ما لم ينله أحد من قبله، وأشرب صناديد قريش كأس أسره وقتله، وجبرئيل ينادي: إقدم حیزوم، الإظهار دينه على الدين كله، وأمير المؤمنين علیه السلام كان فارس تلك الملحمة، فما تعد الأسد الغضاب بشسع نعله، ومسعر تلك الحرب العوان، ينصب على الأعداء انصباب السحاب ووبله، ونار سطوته ونجدته تتسعر تسر النار في دقيق الغضا وجزله. فكان نصف القتلى يومئذ على يده من دون شركة غيره له.

منها غزوة أحد:

قال في كشف الغمة في حديث عمران بن حصين، قال: لما تفرق الناس عن


1) البقرة: 207

رسول الله صلی الله علیه وآله جاء علي عليه السلام متقلداً بسيفه حتى قام بين يديه، فرفع رأسه إليه وقال له: مالك لم تفر مع الناس؟ فقال: يا رسول الله أرجع کافراً بعد إسلامي؟! فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئیل وقال: يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : ما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه. فقال جبرئیل: وأنا منكما.(1)

قال في كشف الغمة: وروي عن عكرمة قال: سمعت علياً علیه السلام يقول: لما انهزم الناس عن رسول الله صلی الله علیه وآله يوم أحد لحقني من الجزع عليه مالم أملك نفسي، وكنت أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول الله صلی الله علیه وآله ليفر، وما رأيته في القتلى، وإنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سیفي وقلت: لأقاتلن به حتى أقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله صلی الله علیه وآله وقد وقع مغشياً عليه، فنظر إلي وقال: ما فعل الناس با علي؟ قلت: كفروا یا رسول الله وولوا الدبر وأسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردهم عني. فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالاً حتى فروا، فقال صلی الله علیه آله : أما تسمع مديحك في السماء؟ إن ملكاً اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى الا علي، فبكيت سروراً وحمدت الله على نعمته. (2)

وقد ذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين، وكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين علیه السلام، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف النبي صلی الله علیه وآله و إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة ومعها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين علیه السلام وقد خضب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة وقال: خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وقال:


1) کشف الغمة 1: 193

2) کشف الغمة1: 194

أفاطم هاك السيف غير ذميم ***فلست بر عديد ولا بمليم

أميطي دماء الكفر عنه فإنه***سقى آل عبد الدار كأس حمیم

العمري لقد أعذرت في نصر أحمد ***وطاعة رب العباد عليم

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: خُذیه یا فاطمة، فقد أدى بعلك ما عليه وقد قتل

الله صناديد قریش بیده. (1)

منها: وقعة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق:

قال الشيخ المفيد في الإرشاد: وقد روى قيس بن الربيع قال: حدثنا أبو هارون العبدي، عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي علیه السلام ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم لتفرطون في علي علیه السلام، فهل أنت تحدثني بحديث فيه. قال حذيفة: یا ربيعة وما تسألني عن علي، فوالذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد صلی الله علیه وآله في كفة الميزان منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي علیه السلام في الكفة الأخرى لرجح عمل علي علیه السلام على جميع أعمالهم. فقال ربيعة:هذا الذي لا يقام ولا يقعد. فقال حذيفة: بالكع وكيف لا يحمل؟ وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلی الله علیه وآله يوم عمرو بن عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا علياَ علیه السلام فإنه برز إليه وقتله الله على يده، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرأً من عمل أصحاب محمد صلی الله علیه وآله به إلى يوم القيامة. (2)

قال في كشف الغمة: رأيت في بعض الكتب أن النبي صلی الله علیه وآله قال حين بارز علي عمرو بن عبدود: خرج الإسلام كله إلى الشرك كله.


1) الإرشاد للمفيد 1: 90؛ بحار الأنوار 20: 88

2) الإرشاد 1: 103

وقال الدميري في كتابه (حياة الحيوان في مادة (حيدرة): جاء في بعض الروايات أن علياً رضی الله عنه الي لما بارز عمراً قال رسول الله صلی الله علیه وآله : «اليوم برز الإيمان كله للشرك كله».(1)

منها غزوة وادي الرمل :

وتسمى غزوة ذات السلاسل - وإنما سميت بذلك لأنه علیه السلام شد أسراهم في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل وقد كان الفتح فيها الأمير المؤمنين علیه السلام خاصة بعد أن كان فيها من غيره من الإفساد ما كان، وفيها نزلت على النبي صلی الله علیه وآله سورة العاديات فتضمنت ذكر ما فعله أمير المؤمنین علیه السلام فيها.

قال الشيخ المفيد: روي عن أم سلمة قالت: كان نبي الله صلی الله علیه وآله قائلاً في بيتي إذ انتبه فزعاً من منامه، فقلت له: الله جارك. قال: صدقت والله جاري، لكن هذا جبرئيل يخبرني أن علياً قادم، ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا علياً عليه السلام، فقام المسلمون له صفين مع رسول الله صلی الله علیه وآله ، فلما بصر بالنبي صلی الله علیه وآله ترجل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبلهما، فقال له صلی الله علیه وآله: اركب فإن الله تعالی ورسوله عنك راضيان. فيكي أمير المؤمنین علیه السلام فرحاً وانصرف إلى منزله، وتسلم المسلمون الغنائم.. إلى أن قال: ثم قال له رسول الله صلی الله علیه وآله : يا علي لولا أنني أشفق أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عیسی ابن مریم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بملامنهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك. (2)

منها غزوة الحديبية:

وفيها أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي صلی الله علیه وآله، فقال له: يا محمد إن أرقاءنا لحقوا بك، فارددهم علينا، فغضب رسول الله صلی الله علیه وآله ، حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال: لتنتهين يا


1) کشف الغمة 1: 205

2) الإرشاد 1: 116

معاشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين، فقال بعض من حضر: یا رسول الله أبوبكر ذلك الرجل؟ فقال: لا. قال: فعمر؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة. فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل، فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام. رواه المفيد في الإرشاد، (1)ورواه في كشف الغمة،(2)وفي صحيح الترمذي (3)نحوه.

منها غزوة خيبر:

قال المفيد: ثم تلت الحديبية خيبر، وكان الفتح فيها الأمير المؤمنين علیه السلام بلا ارتياب، فظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرواة. (4)

جاء في كتاب (کشف الغمة): قال ابن طلحة: و تلخيص المقصد فيها على ماذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب السيرة النبوية، يرفعه بسنده عن ابن الأكوع، قال:

بعث النبي صلی الله علیه وآله أبا بكر برايته _ وكانت بيضاء - إلى بعض حصون خیبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله على يديه، ليس بفرار، قال سلمة: فدعا علياً عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك، فخرج يهرول وإنا خلفه نتبع أمره، حتی رکّز رايته في رخم من حجارة تحت الحصن، فاطلع عليه يهودي من الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن


1) الإرشاد 1: 122

2) کشف الغمة 1: 210

3) سنن الترمذي :5: 298 ح 3799

4) الإرشاد 1: 124

أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم حصنتا وما أنزل على موسی، قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه. (1)

منها فتح مكة:

قال المفيد رضی الله عنه: وفيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين علیه السلام في قتل من قتل من أعداءه بمكة وإخافة من أخاف، ومعونة رسول الله على تطهیر المسجد من الأصنام، وشدة بأسه في الله، وقطع الأرحام في طاعة الله عزوجل أول دليل على تخصيصه من الفضل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه. (2)

منها غزوة حنين:

فاستظهر فيها رسول الله صلی الله علیه وآله و بكثرة الجمع، فخرج رسول الله صلی الله علیه وآله ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فظن أكثرهم أنهم لن يغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم وعددهم وعدتهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن تغلب اليوم من قلة، فكان الأمر بخلاف ما ظنوه.

فلما التقوا لم يلبثوا وانهزموا بأجمعهم، فلم يبق مع النبي صلی الله علیه وآله إلا تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن بن أم أيمن، وقتل الله رحمة الله، وثبت التسعة الهاشميون رئيسهم أمير المؤمنين علیه السلام، ورجعوا بعد ذلك وتلاحقوا، و كانت الكثرة لهم على المشركين، فأنزل الله في إعجاب أبي بكر بالكثرة (وَيَومِ حُنَينٍ إذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَیناً وَضاقَت عَليكُمُ الأُرضُ بِما رَحُبَت ثُمَ وَليتُم مُد بِرينَ ثُم أنزَل اللهُ سَكينتُهُ عَلى رسُولِهِ وعَلى المُؤمِنينَ ) (3)يريد علياً ومن ثبت معه من بني هاشم. (4)


1) کشف الغمة 1: 211

2) الإرشاد 1:138

3) التوبة: 25 و 26

4) الإرشاد 1: 140 - 141

هذا قليل من كثير، ويسير من جم غفير من مناقبه ومفاخره ومجاهداته ومواساته لرسول الله صلی الله علیه وآله.

وهذا معنى قوله علیه السلام: «ولقد واسيه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر فيها الأقدام»

الثالثة: النبي صلی الله علیه وآله في مرض الموت

ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «ولقد قبض رسول الله صلی الله علیه وآله وإن رأسه لعلى صدري»

قيل: لعله علیه السلام أسنده صلی الله علیه وآله إلى صدره عند اشتداد مرضه، وقيل: إنه كان رأسه على ركبته، فيكون رأسه صلی الله علیه وآله في صدره عند إكبابه عليه، والأول أظهر.

ويؤيده ما في البحار عن أمالي الشيخ، عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: كنت عند رسول الله صلی الله علیه وآله في مرضه الذي قبض فيه، و كان رأسه في حجري، والعباس يذب عن وجه رسول الله صلی الله علیه وآله، فأغمي عليه إغماء ثم فتح عينيه فقال: يا عباس يا عم رسول الله اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي. فقال العباس: یا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة، وليس في مالي وفاء لدينك وعداتك. فقال النبي صلی الله علیه وآله ذلك ثلاثأ يعيده عليه و العباس في كل ذلك يجيبه بما قال أول مرة.

قال: فقال النبي صلی الله علیه وآله : لأقولها لمن يقبلها ولا يقول یا عباس مثل مقالتك. فقال: يا علي اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي.

قال: فخنقتني العبرة وارتج جسدي ونظرت إلى رأس رسول الله صلی الله علیه وآله يذهب ويجيء في حجري، فقطرت دموعي على وجهه ولم أقدر أن أجيبه، ثم ثنی فقال: اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي. قال، قلت: نعم بأبي وأمي. قال: أجلسني. فأجلسته، فكان ظهره في صدري فقال: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة ووصيي وخليفتي في أهلي. ثم قال: يا بلال هلم سيفي ودرعي وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقتي التي أشد بها على درعي. فجاء بلال بهذه الأشياء فوقف بالبغلة بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله فقال: ياعلي قم فاقبض. فقال: قمت

وقام العباس فجلس مكاني، فقمت فقبضت ذلك، فقال: انطلق به إلى منزلك، فانطلقت ثم جئت فقمت بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله بعد قائماً، فنظر إلي ثم عهد إلى خاتمه فنزعه ثم دفعه الي فقال: هاك يا علي، هذا لك في الدنيا والآخرة. والبيت غاص من بني هاشم والمسلمين.

فقال: يا بني هاشم، يا معشر المسلمين، لا تخالفوا علياً فتضلوا، ولا تحسدوه فتكفروا، يا عباس قم من مكان علي عليه السلام فقال: قيم الشيخ وتجلس الغلام ؟ فأعادها ثلاث مرات. فقام العباس فنهض مغضباً وجلست مكاني.

فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا عباس ياعم رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأناساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع وجلس . (1)

ومن الأمالي أيضاً عنه علیه السلام في حديث، قال: فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا علي أجلسني، فأجلسته وأسنده إلى صدري، قال علي علیه السلام: فلقد رأيت رسول الله صلی الله علیه وآله ليثقل ضعفاً وهو يقول يسمع أهل البيت أعلاهم وأدناهم: إن أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب علیه السلام ، يقضي ديني وينجز وعدي. يا بني هاشم یا بني عبد المطلب لا تبغضوا علياً ولا تخالفوا عن أمره فتضلوا، ولا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا، أضجعني يا علي، فأضجعته، الحديث.(2)

وفي البحار من الأمالي أيضاً بإسناده عن ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب علیه السلام قال: دخلت على نبي الله وهو مريض، فإذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق، والنبي نائم، فلما دخلت عليه صلی الله علیه وآله قال الرجل: أدن إلى ابن عمك فأنت أحق به مني، فدنوت منهما، فقام الرجل وجلست مكانه ووضعت رأس النبي صلی الله علیه وآله ولد في حجري كما كان في حجر الرجل، فمکث ساعة، ثم إن النبي صلی الله علیه وآله استيقظ فقال: أين الرجل الذي كان رأسي في حجره؟


1) أمالي الطوسی: 572 - 573/ ح 1185؛ بحار الأنوار 22: 499 – 500/ ح46

2) أمالي الطوسي: 600- 602ح 1244؛ بحار الأنوار 22: 500 - 501/ ح 47

فقلت: لما دخلت عليك دعاني إليك ثم قال: ادن إلى ابن عمك فأنت أحق به متي، ثم قام فجلست مكانه. فقال النبي صلی الله علیه وآله : فهل تدري من الرجل؟ قلت: لا بأبي وأمي، فقال النبي صلی الله علیه وآله: ذاك جبرئيل كان يحدثني حتى خف عني وجعي، ونمت ورأسي في حجره. (1)

وفاة النبي صلی علیه وآله :

وأما كيفية وفاته صلی الله علیه وآله ففي البحار عن أمالي الصدوق بإسناده عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله صلی الله علیه وآله وعنده أصحابه، قام إليه عمار بن ياسر فقال له: فداك أبي وأمي يا رسول الله فمن يغسلك ما إذا كان ذلك منك؟ قال: ذلك علي بن أبي طالب، لأنه لا يهم بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك.

فقال له: فداك أبي وأمي يارسول الله، فمن يصلي عليك ما إذا كان ذلك منك. قال: مه رحمك الله.

ثم قال صلی الله علیه وآله لعلي علیه السلام: يا ابن أبي طالب إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وأنت غسلي، و كفني في طمري هذین أو في بياض مصر وبرد يمان، ولا تغال في كفني، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري، فأول من يصلي علي الجبار جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله جل وعز، ثم الحاقون بالعرش، ثم سكان أهل سماء فسماء، ثم جل أهل بيتي ونسائي الأقربون فالأقربون، ومون إيماءوتسلمون تسليماً، لا تؤذوني بصوت نادبة ولا مرنة.

ثم قال: يا بلال هلم علي بالناس، فاجتمع الناس، فخرج رسول الله صلی الله علیه وآله متعصباً بعمامته متوكئأ على قوسه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر أصحابي أي نبي كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر


1) أمالي الطوسي: 385 ح 836؛ بحار الأنوار 22: 506 -507/ ح 8

رباعبتي؟ ألم يعقر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حر وجهي حتى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدة والجهد مع جهال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟!

قالوا: بلی یا رسول الله، ولقد کنت له صابراً وعن منكربلاء الله ناهياً، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء.

قال: وأنتم فجزاكم الله، ثم قال: إن ربي عزوجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه، فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء.

فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له: فداك أبي وأمي يا رسول الله إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطنی، فلا أدري عمداً أو خطأ. فقال صلی الله علیه وآله : معاذ الله أن أكون تعمدت ثم قال: يا بلال قم إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق.

فخرج بلال وهو ينادي في سلك المدينة: معاشر الناس من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة، فهذا محمد صلی الله علیه وآله يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة.

وطرق بلال الباب على فاطمة علیهاالسلام وهو يقول: يا فاطمة قومی فوالدك يريد القضيب الممشوق. فأقبلت فاطمة وهي تقول: يا بلال وما يصنع والدي بالقضيب وليس هذا يومالقضيب؟ فقال بلال: يا فاطمة أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودع أهل الدين والدنيا. فصاحت فاطمة عليها السلام وقالت: واغماه الغمك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب، ثم ناولت بلالاً القضيب، فخرج حتى ناوله رسول الله صلی الله علیه وآله.

فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : أين الشيخ؟ فقال الشيخ: ها أناذا یا رسول الله بأبي أنت

وأمي، فقال: فاقتص مني حتى ترضى، فقال الشيخ: فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف عن بطنه، فقال الشيخ: بأبي أنت وأمي أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله صلی الله علیه وآله من النار.

فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: با سوادة بن قيس، أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو یا رسول الله، فقال صلی الله علیه وآله: اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفی عن محمد نبيك.

ثم قام رسول الله صلی الله علیه وآله فدخل بيت أم سلمة وهو يقول: رب سلم أمة محمد من النار، ويستر عليهم الحساب، فقالت أم سلمة: یا رسول الله مالي أراك مغمومأً متغير اللون؟ فقال صلی الله علیه وآله : نعيت إلي نفسي هذه الساعة، فسلام لك في الدنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمد أبداً، فقالت أم سلمة: واحزناه حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمد. ثم قال صلی الله علیه وآله : ادع لي حبيبة قلبي وقرة عيني فاطمة، فجائت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه، ألا تكلمني كلمة فإني أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا، وأری عساكر الموت تغشاك شديداً.

فقال لها: يابنية إني مفارقك فسلام عليك مني. قالت: يا أبتاه فأين الملتقى يوم القيامة؟ قال صلی الله علیه وآله: عند الحساب. قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟ قال: عند الشفاعة لأمتي. قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لأمتك؟ قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني و ميكائيل عن يساري، والملائكة خلفي وقدامي ينادون «رب سلم أمة محمد من النار ويستر عليهم الحساب».قالت فاطمة: فأين والدتي خديجة؟ قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة.

ثم أغمي على رسول الله صلی الله علیه وآله، فدخل بلال وهو يقول: الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله صلی الله علیه وآله وصلى بالناس وخفف الصلاة.

ثم قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فجاءا، فوضع صلی الله علیه وآله یده على عاتق علي والأخرى على أسامة، ثم قال: انطلقابي إلى فاطمة، فجاءا به

حتی وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء.

فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: من هذان ياعلي؟ فقال علیه السلام : ابناك الحسن والحسين، فعانقهما وقبلهما، وكان الحسن علیه السلام علي أشد بكاء، فقال علیه السلام کف با حسن فقد شققت علی رسول الله صلی الله علیه وآله.

فنزل ملك الموت فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام یا ملك الموت، لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك يانبي الله؟ قال: حاجتي أن لا تقبض روحي حتى يجيئني جبرئيل فيسلم علي وأسلم عليه.

فخرج ملك الموت وهو يقول: يا محمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال: يا ملك الموت قبضت روح محمد؟ قال: لا یا جبرئیل، سألني أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه ويسلم عليك، فقال جبرئیل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتحة لروح محمد صلی الله علیه وآله؟ أما ترى الحور العين قد تزينت لروح محمد صلی الله علیه وآله؟

ثم نزل جبرئیل فقال: السلام عليك يا أبا القاسم، فقال: وعليك السلام يا جبرئیل، ادن مني حبيبي جبرئیل، فدنا منه، فنزل ملك الموت فقال له جبرئیل: يا ملك الموت احفظ وصية الله في روح محمد، وكان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت أخذ بروحه، فلما كشف الثوب عن وجه رسول الله صلی الله علیه وآله به نظر إلى جبرئيل فقال اله: عند الشدائد لا تخذلني، فقال: يا محمد إنك ميت وإنهم میتون، كل نفس ذائقة الموت. فروي عن ابن عباس أن رسول الله صلی الله علیه وآله في ذلك المرض كان يقول: ادعوالي حبيبي، فجعل يدعى له رجل بعد رجل فيعرض عنه، فقيل لفاطمة عليها السلام: إمضي إلى علي، فما نرى رسول الله يريد غير علي، فبعثت فاطمة إلى علي علیه السلام ، فلما دخل فتح رسول الله صلی الله علیه وآله عينيه وتهلل وجهه ثم قال: إلي يا علي، إلي يا علي، فما زال صلی الله علیه وآله من يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه.

ثم أغمي عليه، فجاء الحسن والحسين علیهما السلام يصيحان ويبكيان حتى وقعا

على رسول الله صلی الله علیه وآله فأراد على أن ينحيهما عنه صلی الله علیه وآله ، فأفاق رسول الله صلی الله علیه وآله ثم قال: يا علي دعني أشمهما ويشماني، وأتزود منهما ويتزودان مني، أما إنهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلماً، فلعنة الله على من يظلمهما، يقول ذلك ثلاثاً.

ثم مديده إلى علي فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة صلی الله علیه وآله، فانسل علي من تحت ثيابه وقال: أعظم الله أجوركم في نبيكم فقد قبضه الله إليه، فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء، فقيل لأمير المؤمنين علیه السلام: ما الذي ناجاك به رسول الله صلی الله علیه وآله و حين أدخلك تحت ثيابه؟ فقال: علمني ألف باب، كل باب يفتح ألف باب.

وقد كان جبرئيل ينزل على النبي صلی الله علیه وآله في مرضه الذي قبض فيه في كل یوم وليلة فيقول: السلام عليك، إن ربك يقرؤك السلام فيقول: كيف تجدك وهو أعلم بك، ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً إلى ما أعطاك على الخلق، وأراد أن تكون عيادة المريض شنة في أمتك.

فيقول النبي صلی الله علیه وآله إن كان وجعاً: يا جبرئيل أجدني وجعاً، فقال له جبرئیل: اعلم يا محمد أن الله لم يشدد عليك، وما من أحد من خلقه أكرم عليه منك، ولكنه أحب أن يسمع صوتك ودعاءك حتي تلقاه مستوجباً للدرجة والثواب الذي أعد لك والكرامة والفضيلة على الخلق.

وإن قال له النبي صلی الله علیه وآله: أجدني مريحاً في عافية، قال له: فاحمد الله على ذلك، فإنه يحب أن تحمده و نشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيراً، فإنه يحب أن یحمد ويزيد من شكر.(1)

وفي البحار من المناقب عن سهل بن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه


1) بحار الأنوار 22: 507 - 511/ح9؛ أمالي الصدوق: 732 - 737ح 1004

أغمي على النبي صلی الله علیه وآله في مرضه فدق بابه، فقالت فاطمة: من ذا؟ قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول الله، أتأذنون لي في الدخول عليه؟ فأجابت: امض - رحمك الله _ لحاجتك، فرسول الله عنك مشغول.

فمضى ثم رجع فدق الباب وقال: غريب يستأذن على رسول الله صلی الله علیه وآله أتأذنون للغرباء؟ فأفاق رسول الله صلی الله علیه وآله من غشيته وقال: يا فاطمة أتدرين من هذا؟ قالت: لا يا رسول الله، قال: هذا مفرق الجماعات ومنغص اللذات، هذا ملك الموت، ما استأذن - والله - على أحد قبلي ولا يستأذن على أحد بعدي، استأذن علي لكرامتي على الله، ائذني له، فقالت: ادخل رحمك الله، فدخل کریح هفافة وقال: السلام على أهل بیت رسول الله.

ثم قال: يانبي الله إني رسول الله إليك، قال: وأي رسل الله أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني إليك خيرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا، فقال له النبي صلی الله علیه وآله: فأمهلني حتى ينزل جبرئيل فأستشيره.

ونزل جبرئيل فقال: يا رسول الله الآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضی، لقاء الله خير لك، فقال صلی الله علیه وآله: لقاء ربي خير لي، فامض لما أمرت به، فقال جبرئیل لملك الموت: لا تعجل حتى أعرج إلى السماء وأهبط، قال ملك الموت: لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئیل: يا محمد هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي فيها.(1)

وصاحت فاطمة وصاح المسلمون وصاروا يضعون التراب على رؤوسهم. ومات صلی الله علیه وآله لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة صلی الله علیه وآله وسلم تسليماً كثيراً.

الرابعة: قبض روح صلی الله علیه وآله

ما أشارعلیه السلام بقوله: ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي.


1) بحار الأنوار 22: 533 - 534؛ مناقب آل أبي طالب 3: 116

المراد بالنفس هنا نفسه الناطقة القدسية التي هي مبدء الفكر والذكر والعلم والحلم والنباهة، ولها خاصية الحكمة والنزاهة، فيكون محصل المراد بالكلام أن روحه الطيبة الكاملة التي هي المصداق الحقيقي لقوله: (قُلِ الرُّوحُ مِن أمرِ ربّي) ،والمقصود الأصلي بقوله: (ونفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي) لما فارقت جسده الطاهر فاضت بيدي فمسحت بها على وجهي.

وإنما مسح بها على وجهه إما تیمنأً أو لحكمة عظيمة لا نعرفها.

لما كانت هذه الخطبة الشريفة التي نحن في شرحها مسوقة لذكر مناقبه وخصائصه الجميلة المخصوصة به، المفيدة لكونه أحق وأولى بالخلافة والإمامة من غيره، أحببت أن أورد رواية متضمنة لجملة من كراماته وبناته التي لم يشر که فيها أحد، تأكيداً للغرض المسوق له الخطبة الشريفة وتكميلاً له، وهي :

سبعون منقبة لعلي علیه السلام:

ما رواه في البحار من الخصال عن القطان والسنان والدقاق والمكتب والوراق جميعاً عن ابن زکریا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن سليمان بن حکیم، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا وقد شركته فيها وفضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم. قلت: يا أمير المؤمنين فأخبرني بهن، فقال علیه السلام:

إن أول منقبة لي أني لم أشرك بالله طرفة عين ولم أعبد اللات والعزى.

والثانية: أني لم أشرب الخمر قط.

والثالثة: أن رسول الله صلی الله علیه وآله استوهبني من أبي في صباي، فكنت أكيلهوشريبه ومؤنسه و محدثه.

والرابعة: أني أول الناس إيماناً وإسلاماً.

والخامسة: أن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

والسادسة: أني كنت آخر الناس عهداً برسول الله صلی الله علیه وآله ووليته في حفرته .

والسابعة: أن رسول الله صلی الله علیه وآله أنا مني على فراشه حيث ذهب إلى الغار، وسجاني ببرده، فلما جاء المشركون ظنوني محمدأً، فأيقظوني وقالوا: مافعل صاحبك؟ فقلت: ذهب في حاجته، فقالوا: لو كان هرب لهرب هذا معه.

وأما الثامنة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله علمني ألف باب من العلم، يفتح كل باب ألف باب، ولم يعلم ذلك أحدا غيري.

وأما التاسعة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال لي: يا علي إذا حشر الله عزوجل الأولين والآخرین نصب لي منبراً فوق منابر النبيين، ونصب لك منبراً فوق منابر الوصيين فترتقي عليه.

وأما العاشرة: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: لا أعطى في القيامة شيئاً إلا سألت لك مثله.

وأما الحادية عشرة: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: أنت أخي وأنا أخوك، يدك في يدي حتى ندخل الجنة.

وأما الثانية عشرة: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: يا علي مثلك في أمتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجی، و من تخلف عنها غرق.

وأما الثالثة عشرة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله عممني بعمامة نفسه بيده، ودعی لي بدعوات النصر على أعداء الله، فهزمتهم بإذن الله عزوجل .

وأما الرابعة عشرة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أمرني أن أمسح يدي على ضرع شاة قد يبس ضرغها، فقلت: يا رسول الله بل امسح أنت، فقال: يا علي فعلك فعلي، فمسحت

عليها يدي فدتر علي من لبنها، فسقيت رسول الله صلی الله علیه وآله شربة، ثم أتت عجوز فشكت الظماء فسقيتها، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: إني سألت الله عزوجل أن يبارك في يدك ففعل.

وأما الخامسة عشرة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أوصى إلي وقال: يا علي لا يلي غسلي غيرك، ولا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى عورتي غيرك تفقأت عيناه، فقلت له: كيف لي بتقليبك يا رسول الله؟ فقال: إنك ستعان، والله ما أردت أن أقلب عضواً من أعضائه إلا قلب لي.

وأما السادسة عشرة: فإني أردت أن أجرده علیه السلام فنوديت: يا أخ محمد لا تجرده، فغسلته والقميص عليه، فلا والله الذي أكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة ما رأيت له عورة، خصني الله بذلك من بين أصحابه.

وأما السابعة عشرة: فإن الله عزوجل زوجني فاطمة وقد كان خطبها أبو بكر وعمر، فزوجني الله من فوق سبع سماواته، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: هنيئاً لك با علي، فإن الله عزوجل قد زوجك فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وهي بضعة مني، فقلت: يا رسول الله أو لست منك؟ قال: بلى يا علي، أنت مني وأنا منك كيميني من شمالي، لا أستغني عنك في الدنيا والآخرة.

وأما الثامنة عشرة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: يا علي أنت صاحب لواء الحمد في الآخرة، وأنت يوم القيامة أقرب الخلائق مني مجلساً، يبسط لي ويبسط لك، فأكون في زمرة النبيين، وتكون في زمرة الوصيين، ويوضع على رأسك تاج النور وإكليل الكرامة، يحف بك سبعون ألف ملك حتى يفرغ الله عزوجل من حساب الخلائق.

وأما التاسعة عشرة: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال لي: ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فمن قاتلك منهم فإن لك بكل رجل منهم شفاعة في مائة ألف من شيعتك، فقلت: يا رسول الله فمن الناكثون؟ قال: طلحة والزبير، سیبا یعانك بالحجاز وینکتان بالعراق، فإذا فعلا ذلك فحاربهما، فإن في قتالهما

طهارة لأهل الأرض، قلت: فمن القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه، قلت: فمن المارقون؟ قال: أصحاب ذي الثدية، وهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فاقتلهم فإن في قتلهم فرجاً لأهل الأرض وعذاباً مؤجلاً عليهم، وذخراً لك عند الله عزوجل يوم القيامة.

وأما العشرون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: «مثلك في أمتي مثل باب حطة في بني إسرائيل، فمن دخل في ولايتك فقد دخل الباب كما أمره الله عزوجل.

وأما الحادية والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولن يدخل المدينة إلا من بابها، ثم قال: يا علي إنك سترعی ذمتي، وتقاتل على نتي، و تخالفك أمتي».

وأما الثانية والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: «إن الله تبارك وتعالى خلق ابني الحسن والحسين من نور ألقاه إليك وإلى فاطمة، وهما يهتزان كما يهتز القرطان إذا كانا في الأذنين، ونورهما متضاعف على نور الشهداء سبعين ألف ضعف، يا علي إن الله عزوجل قد وعدني أن يكرمهما كرامة لا يكرم بها أحداً ما خلا النبيين والمرسلين ».

وأما الثالثة والعشرون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أعطاني خاتمه في حياته ودرعه ومنطقته، وقلدني سيفه وأصحابه كلهم حضور وعمي العباس حاضر، فخضني الله عزوجل بذلك دونهم.

وأما الرابعة والعشرون: (فإن الله عزوجل أنزل على رسوله (يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا ناجَیتُمُ الرسولَ فَقَدمُوا بَينَ يَدَي نَجواكُم صَدَقَةً) (1)فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله صلی الله علیه وآله أصدق قبل ذلك بدرهم، ووالله ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي ولا بعدي، فأنزل الله عزوجل (أاَشفَقتُم أَن تُقَدَمُوا بَينَ


1) المجادلة: 12

یَدَي نَجواكُم صَدَقاتٍ فَإذلَم تَفعَلوا وَتَابَ اللهُ عَلَيكُم) (1)الآية، فهل تكون التوبة إلا من ذنب كان؟

وأما الخامسة والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و.آله يقول: «الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وهي محرمة على الأوصياء حتى تدخلها أنت، يا علي إن الله تبارك و تعالی بشرني فيك بشرى لم يبشر بها نبياً قبلي، بشرني بأنك سيد الأوصياء، وأن ابنيك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة يوم القيامة.

وأما السادسة والعشرون: فإن جعفراً أخي الطيار في الجنة مع الملائكة، المزين بالجناحين من در و یاقوت و زبرجد .

وأما السابعة والعشرون: فعمي حمزة سيد الشهداء.

وأما الثامنة والعشرون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: «إن الله تعالی وعدني فيك وعداً لن يخلفه، وجعلني نبياً وجعلك وصياً، وستلقى من أمتي من بعدي ما لقي موسى من فرعون، فاصبر واحتسب حتى تلقاني، فأوالي من والاك وأعادي من عاداك»

وأما التاسعة والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: «يا علي أنت صاحب الحوض لا يملكه غيرك، وسيأتيك قوم فيستسقونك فتقول: لا ولا مثل ذرة، فينصرفون مسودة وجوههم، وسترد عليك شيعتي وشيعتك فتقول: رووا رواء مرويين، فيردون مبيضة وجوههم »

وأما الثلاثون: فإني سمعته صلی الله علیه وآله يقول: تحشر أمتي يوم القيامة على خمس رایات: فأول راية ترد علي راية فرعون هذه الأمة وهو معاوية، والثانية مع سامري هذه الأمة عمرو بن العاص، والثالثة مع جاثلیق هذه الأمة وهو أبو موسى الأشعري، والرابعة مع أبي الأعور السلمي، وأما الخامسة فمعك يا علي، تحتها المؤمنون وأنت إمامهم، ثم يقول الله تبارك وتعالى للأربعة (ارجِعُوا


1) المجادلة: 13.

وَراءَكُم فَالتَمَسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَینَهُم بِسورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرَّحمَةُ ) (1)وهم شيعتي ومن والاني وقاتل معي الفئة الباغية والناكثة عن الصراط، وباب الرحمة هم شيعتي، فينادي هؤلاء: (ألَم نكُن مَعَكُم قالُوا بَلى وَلِكنَّكُم فَتنسِتُم أنفُسَکُم وتَرَّبَصتُم وَارتَبتُم وغَرَّتكُمُ الأُمانِيُ حَتي جاءَ أمرُ اللهِ وغَرَّکُم بالله الغَرورُ فَاليَومَ لا یؤخَذ منكم فِدَيه وَلا مِنَ الَّذينَ كَفَروا مَأواكُمُ النّار هي مؤلاكُم و بئس َ المَصیرُ)، (2)ثم ترد أمتي وشيعتي فيروون من حوض محمد صلی الله علیه وآله و بيدي عصا عوسج أطرد بها أعدائي طرد غريبة الإبل.

وأما الحادية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: لولا أن يقول فيك الغالون من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم، لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون.

وأما الثانية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: إن الله تبارك وتعالی نصرني بالرعب، فسألته أن ينصرك بمثله، فجعل لك من ذلك مثل الذي جعله لي.

وأما الثالثة والثلاثون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله التقم أذني وعلمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فساق الله لك ذلك إلى لسان نبيه.

وأما الرابعة والثلاثون: فإن النصارى ادعوا أمراً، فأنزل الله عزوجل (فَمَن حاجَّكَ فِيهِ من بَعدِ ما جاءَكُ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعالَوا نَدعُ أَبناءَنا وَأبناءكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأنفُسَنا وأنفُسَكُم) (3)فكانت نفسي نفس رسول الله ، صلی الله علیه وآله والنساء فاطمة، والأبناء الحسن والحسين، ثم ندم القوم فسألوا الإعفاء فأعفاهم، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير.


1) الحديد:13

2) الحديد: 14 و 15.

3) آل عمران: 61

وأما الخامسة والثلاثون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وجهني يوم بدر فقال: ائتني بكف حصيات مجموعة في مكان واحد، فأخذتها ثم شممتها فإذا هي طيبة تفوح منها رائحة المسك، فأتيته بها فرمی بها وجوه المشركين، وتلك الحصيات أربع منها كن من الفردوس وحصاة من المشرق وحصاة من المغرب وحصاة من تحت العرش، مع كل حصاة مأة ألف ملك مددأً لنا، لم يكرم الله عزوجل بهذه الفضيلة أحداً قبل ولا بعد.

وأما السادسة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: ويل القاتلك! إنه أشقى من ثمود ومن عاقر الناقة، وإن عرش الرحمن يهتز لقتلك، فأبشر يا علي فإنك في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين.

وأما السابعة والثلاثون: فإن الله تبارك وتعالى قد خصني من بين أصحاب محمد صلی الله علیه وآله بعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام، وذلك مما من الله به علي وعلى رسوله صلی الله علیه وآله، وقال لي الرسول : يا علي إن الله عزوجل أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأعلمك ولا أجفوك، وحق علي أن أطيع ربي، وحق عليك أن تعي.

وأما الثامنة والثلاثون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله بعثني بعثاً ودعا لي بدعوات وأطلعني على ما يجري بعده، فحزن لذلك بعض أصحابه صلی الله علیه وآله وقال: لو قدر محمد أن يجعل ابن عمه نبياً لجعله، فشرفني الله بالاطلاع على ذلك على لسان نبيه.

وأما التاسعة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: كذب من زعم أنه يحبني ويبغض علياً، لا يجتمع حبي وحبه إلا في قلب مؤمن، إن الله عزوجل جعل أهل حبي وحبك يا علي في أول زمرة السابقين إلى الجنة، وجعل أهل بغضي وبغضك في أول الضالين من أمتي إلى النار.

وأما الأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وجهني في بعض الغزوات إلى رکي فإذا ليس فيه ماء، فرجعت إليه فأخبرته، فقال: أفيه طين؟ فقلت: نعم، فقال:

إيتني منه، فأتيت منه بطين فتكلم فيه ثم قال: ألقه في الركي، بألقيته فإذا الماء قد نبع حتى امتلأ جوانب الركي، فجئت إليه فأخبرته، فقال لي: وفقت با علي، وبیر كتك نبع الماء، فهذه المنقبة خاصة لي من دون أصحاب النبي صلی الله علیه وآله.

وأما الحادية والأربعون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: أبشر یا علي! فإن جبرئیل عزوجل أتاني فقال لي: يا محمد إن الله تبارك وتعالی نظر إلى أصحابك فوجد ابن عمك وختنك على ابنتك فاطمة خير أصحابك، فاجعله وصيك والمؤدي عنك.

وأما الثانية والأربعون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: أبشر يا علي! فإن منزلك في الجنة مواجه منزلي، وأنت معي في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، قلت: يا رسول الله وما أعلى علون؟ فقال: قبة من درة بيضاء لها سبعون ألف مصراع، مسكن لي ولك يا علي.

وأما الثالثة والأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: إن الله عزوجل رسخ حبي في قلوب المؤمنين، وكذلك رسخ حبك يا علي في قلوب المؤمنين، ورسخ بغضي وبغضك في قلوب المنافقين، فلا يحبك إلا مؤمن تقي، ولا يبغضك إلا منافق کافر.

وأما الرابعة والأربعون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: لن يبغضك من العرب إلا دعي، ولا من العجم إلا شقي، ولا من النساء إلا سلقلقية.

وأما الخامسة والأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله دعاني وأنا أرمد العين، فتفل في عيني وقال: اللهم اجعل حرها في بردها، وبردها في حرها، فوالله ما اشتكت عيني إلى هذه الساعة.

وأما السادسة والأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أمر أصحابه و عمومته بسد الأبواب وفتح بابي بأمر الله عزوجل، فليس لأحد منقبة مثل منقبتي.

وأما السابعة والأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أمرني في وصيته بقضاء ديونه وعداته، فقلت: يا رسول الله قد علمت أنه ليس عندي مال، فقال: سيعينك الله، فما أردت

أمراً من قضاء دیونه وعداته إلا يستره الله لي، حتى قضیت دیونه وعداته، وأحصيت ذلك فبلغ ثمانين ألفاً، وبقي بقية فأوصيت الحسن أن يقضيها.

وأما الثامنة والأربعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أتاني في منزلي ولم یکن طعمنا منذ ثلاثة أيام، فقال: يا علي هل عندك من شيء؟ فقلت: والذي أكرمك بالكرامة واصطفاك بالرسالة ماطعمت وزوجتي وابناي منذ ثلاثة أيام، فقال النبي صلی الله علیه وآله: يا فاطمة ادخلي البيت وانظري هل تجدین شیئاً؟ فقالت: خرجت الساعة، فقلت: يا رسول الله أدخله أنا؟ فقال: ادخل باسم الله ، فدخلت فإذا بطبق موضوع عليه رطب وجفنة من ثرید، فحملتها إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فقال: يا علي رأيت الرسول الذي حمل هذا الطعام؟ فقلت نعم، فقال: صفه لي، فقلت: من بين أحمر وأخضر وأصفر، فقال صلی الله علیه وآله: تلك خطط جناح جبرئیل علیه السلام مكللة بالدر والياقوت، فأكلنا من الثريد حتى شبعنا فما رأي الأخدش أيدينا وأصابعنا، فخصني الله عزوجل بذلك من بين أصحابه (الصحابة).

وأما التاسعة والأربعون: فإن الله تبارك و تعالی خص نبيه بالنبوة، وخصني النبي صلی الله علیه وآله بالوصية، فمن أحبني فهو سعيد يحشر في زمرة الأنبياء عليهم السلام.

وأما الخمسون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما مضى أتى جبرئيل فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فوجهني على ناقته العضباء، فلحقته بذي الحليفة فأخذتها منه، فخصني الله عزوجل بذلك منه.

وأما الحادية والخمسون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أقامني للناس كافة يوم غدیر خم فقال: من کنت مولاه فعلي مولاه، فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين.

وأما الثانية والخمسون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: يا علي ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبرئیل؟ فقلت: بلى، قال: يا رازق المقلين ويا راحم المساكين ويا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أرحم الراحمين، ارحمني وارزقني.

وأما الثالثة والخمسون: فإن الله تبارك وتعالى لن يذهب بالدنيا حتی يقوم منا القائم يقتل ولا يقبل الجزية، ويكسر الصليب والأصنام و تضع الحرب أوزارها، ويدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسوية ويعدل في الرعية.

وأما الرابعة والخمسون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: يا علي سيلعنك بنو

أمنية، ويرد عليهم ملك بكل لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم علیه السلام لعنهم أربعين سنة.

وأما الخامسة والخمسون: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله قال: سيفتتن فيك طوائف من أمتي فتقول: إن رسول الله صلی الله علیه وآله لم يخلق شيئا فيما إذا أوصى علياً، أو ليس كتاب الله ربي أفضل الأشياء بعد الله عزوجل؟ والذي بعثني بالحق لأن لم تجمعه بإتقان لم يجمع أبدا، فخني الله لا بذلك من دون الصحابة.

وأما السادسة والخمسون: فإن الله تبارك و تعالی خصني بما خص به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمد صلی الله علیه وآله ، فمن ساءه ساءه، ومن سره سره، وأومی بیده نحو المدينة.

وأما السابعة والخمسون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله كان في بعض الغزوات ففقد الماء، فقال لي: يا علي قم إلى هذه الصخرة وقل: أنا رسول رسول الله صلی الله علیه وآله تفجري إلي ماء، فوالله الذي أكرمه بالنبوة لقد أبلغتها الرسالة فطلع منها مثل ثدي البقر، فسال من كل ثدي منهاماء، فلما رأيت ذلك أسرعت إلى النبي د فأخبرته فقال: انطلق يا علي فخذ من الماء، فجاء القوم حتى ملأوا قربهم وأدواتهم وسقوا دوابهم وشربوا وتوضوا، فخصني الله ولا بذلك من دون الصحابة.

وأما الثامنة والخمسون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أمرني في بعض غزواته وقد نفد الماء وقال: يا علي انت بتور،(1)فأتيته به، فوضع يده اليمنى ويدي معها في التور فقال: انبع، فنبع الماء من بين أصابعنا.


1) التور: من الأواني. (لسان العرب4 : 96، مادة «تور»

وأما التاسعة والخمسون: فإن رسول الله -صلی الله علیه وآله وجهني إلى خيبر، فلما أتيته وجدت الباب مغلقا فزعزعته شديدة فقلعته ورميت به أربعين خطوة فدخلت، فبرز إلي مرحب فحمل علي وحملت عليه وسقيت الأرض دمه، وقد كان صلی الله علیه وآله وجه رجلين من أصحابه فرجعا منکسفین .

وأما الستون: فإني قتلت عمرو بن عبدود، وكان يعد بألف رجل.

وأما الحادية والستون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: يا علي مثلك في أمتي مثل (قُل هُو اللهُ أحَدٌ) فمن أحبك بقلبه وأعانك بلسانه فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن أحبك بقلبه ولسانه ونصرك بيده فكأنما قرأ القرآن كله.

وأما الثانية والستون: فإني كنت مع رسول الله صلی الله علیه وآله في جميع المواطن والحروب، و كانت رايته معي.

وأما الثالثة والستون: فإني لم أفر من الزحف قط، ولم يبارزني أحد إلا سقيت الأرض من دمه.

وأما الرابعة والستون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أتي بطير مشوي من الجنة فدعي الله عزوجل أن يدخل عليه أحب الخلق إليه، فوفقني الله تعالى للدخول عليه حتى أكلت معه من ذلك الطير.

وأما الخامسة والستون: فإني كنت أصلي في المسجد فجاء سائل فسأل وأنا راكع، فناولته خاتمي من اصبعي، فأنزل الله تبارك وتعالى (انَّما ولّیُکُم اللهُ وَرسُولُهُ والَّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتُونَ الزَّكاةَ وهُم راكِعُونَ). (1)

وأما السادسة والستون: فإن الله تبارك وتعالى رد علي الشمس مرتين،ولم يردها على أحد من أمة محمد غيري.

وأما السابعة والستون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله أمر أن أدعي بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يطلق ذلك لأحد غيري.


1) المائدة: 55

وما الثامنة والستون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: يا علي إذا كان يوم القيامة نادىمناد من بطنان العرش: أين سيد الأنبياء؟ فأقوم، ثم ينادي: أين سيد الأوصياء؟ فتقوم، ويأتيني رضوان بمفاتیح الجنة، ويأتيني مالك بمقاليد النار، فيقولان: إن الله جل جلاله أمرنا أن ندفعها إليك، ويأمرك أن تدفعها إلى علي بن أبي طالب، فتكون يا علي قسيم الجنة والنار.

وأما التاسعة والستون: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: لولاك ما غرف المنافقون من المؤمنين .

وأما السبعون: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله نام ونومني وزوجتي فاطمة وابني الحسن والحسين وألقى علينا عباءة قطوانية،(فأنزل الله تبارك وتعالى إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البَيتِ ویُطَهِرَكُم تَطهِيراً)(1)وقال جبرئیل علیه السلام: أنا منكم يا محمد،فكان سادسنا جبرئیل. (2)


1) الأحزاب: 33

2) بحار الأنوار: 31/ 432 - 446/ ح 2؛ الخصال للصدوق 2: 572 - 580/ ح 1؛ أبواب السبعين وما فوقه

من كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً:

يذكر فيه مثالب معاوية ومناقب أهل البيت عليه السلام

أمَّا بَعدُ فَقَد أتَانِي كِتابُكَ تَذكُرَ فيه اصطفَاءَ الله محَمَّداًصلی الله علیه وآله لدينه وَتأیيِدَهُ إيّاهُ لمَن أيدَهُ مَن أصحَابِه فَلقَد خبَّاَ لنَا الدَّهرُ مِنکَ عَجَبا إذ طَفقتَ تُخبَرُنَا بِبَلاء اللهِ تَعالىَ عِندَنا و نعمتِهِ عَلَينا في نَبينا فَکنتَ في ذلكَ كَناقِل التَّمرِ إلى هَجَرَ أو دَاعِي مُسَدّده إلى النّضالَ وَزَعمتَ أن أفضَلُ الناس فِي الاسلامِ فُلانٌ وفُلان فَذكَرتَ أمراً إن تمَّ اعتَزلکَ كُلُهُ وإن نَقَصَ لَم یَلحَقکَ ثَلمُهُ وما أنتَ والفاضِلَ والمَفضُولَ والسَّائسَ والمَسُوسَ وما لِلطُلُقاء والتَمييزَ بَينَ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ ترتيبَ دَرَجاتِهم وتَعريفَ طبَقاتَهم هیهاتَ لَقَد حَنَّ قدحٌ لَيسَ مِنهَا وطَفقَ يَحكُمُ فيهَا مَن عَليهِ الحُكمُ لَها ألاتربَعُ أيُّها الإنسانُ عَلَى ظلعکَ وتعرِفُ قُصُورَ ذرعِكَ ویتاخَّرُ حَيثُ أځَّرَكَ القدرُ فما عليكَ غَلبةُ المَغلوب ولا ظَفَرُ الظافِرِ وانكَ لَذهَّابٌ في التبه ورواغٌ عَنِ القَصدِ ألا تَرَى غَيرَ مُخبِرٍ لَكَ وَلَكن بنعمة الله اُحَدَثُّ أن قَوماً استَشهدُوا فِي سَبيلِ الله تَعالى مِنَ المُهاجِرينَ والانصارِ ولَکُل فَضلٌ حتَّی إذا استشهد شَهيدا قيل سَيّدُ الشُهدَاء وخصَّه رسُولُ اللهِ صلی الله علیه وآله سَبعينَ تَكبيرةً عِندَ صَلاتِه عليه أوَ لَاَرىَ أنَّ قَوماً قُطِعَت أيَدیهِم في سَبيلِ الله وَلَكل فضلٌ حَتّى إذا فُعِل بِوأحدِنا ما فُعل بِواحدهم قیل الطيارُ في الجَّتةَ و ذو الجناحَینِ ولولا ما نَهي اللهُ عَنهُ مَن َتزكیة المَرء نفسَهُ لَذكَرَ ذاكرٌ فَضائِلَ جَمَّه تَعرفُهَا قَلوبُ المُؤمِنينَ ولا تَمُجُّها آذانُ السّامِعينَ). (1)إلى آخر الكتاب.


1) شرح نهج البلاغة 15: 181. ومن الطبعة الأولى ج3/ 445

الشرح:

قال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (علي والقرآن):

لا يستطيع الإنسان _ أي إنسان أن يتجرد عن ذاته وانطباعته، وأن پسند معلوماته وتصوراته إلى الواقع بعيدة عن شخصه ومعطياته مهما حاول واجتهد، إلا إذا استطاع أن يوجد علمأ بدون عالم، ورسمأ بدون رسام، وهو مستحيل كاستحالة وجود القيام بلا قائم، والكتابة بلا کاتب».

وعلى هذا فإذا حصلت لنا المعرفة بشيء وتحدثنا عنه فإنما نتحدث عن وعينا وعن الصورة التي تمثلناها لذلك الشيء، وقد تأتي مطابقة وقد تكون مخالفة، حيث لا تلازم بين الواقع والشعور الذي يعكسه، فالواقع مستقل عن الفكر لا يستدعي معرفة الواقع.

وهذا المبدأ يطرد في الجميع إلا في الأنبياء الذين تلقوا الوحي من الله، وإلا في الأولياء الذين أحاطوا علما بكتاب الله وأخذوا عن الأنبياء بلا واسطة، كالإمام علي علیه السلام، فإن علمه عين الواقع لا ينفك عنه بحال، ومن هنا قال: «لو کشف لي الغطاء ما ازددت يقيناه حيث لا جدید یوجب الزيادة.

فالذي يحج إلى مكة المكرمة لا يزداد معرفة بأصل وجودها بعد أن يصل إليها، وهكذا علوم الإمام تمثل الحقيقة تمثيلا صحيحة بعيدة كل البعد عن الخطأ والإلتباس.

والانسان الذي يعتمد کتاب الله وماتواتر عن النبي صلی الله علیه وآله فعلمه عن الحق واليقين، وعلى هذا الأساس نتكلم في هذا البحث عن صفات الإمام وخصائصه وفضائله، فما دل عليه الكتاب والحديث المروي بطريق الشيعة والسنة أثبتناه، ولا شأن لنا بغيره.

علي أخوالرسول:

قال ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة (ص 122 طبعة سنة 1375) قال النبي صلی الله علیه وآله: «خير أخوتي علي، وخير أعمامي حمزة».وفي ص 120 منه أنه قال لعلي: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

قال الثعلبي في العرائس (ص 149): قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار: إن الله أهبط تابوتة على آدم علیه السلام من الجنة حين أهبط إلى الأرض فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرسل منهم، وآخر البيوت بيت محمد صلی الله علیه وآله من یاقوتة حمراء (إلى أن قال): وبين يديه علي بن أبي طالب (کرم الله وجهه) شاهر سيفه على عاتقه، ومكتوب على جبهته «هذا أخوه وابن عمه المؤيد بالنصر من عند الله ».

وقال محب الدین الطبري في ذخائر العقبی (ص 92)، عن أنس بن مالك قال: صعد رسول الله صلی الله علیه وآله و المنبر فذكر قولا كثيرة ثم قال: أين علي بن أبي طالب؟ فوثب إليه فقال: ها أنا ذا یا رسول الله، فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه وقال بأعلى صوته: معاشر المسلمين هذا أخي وابن عمي وختني، هذا لحمي ودمي وشعري، هذا أبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، هذا مفرج الكروب عتي، هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه، على مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين، والله بريء منه وأنا منه بريء ».

وذكر البيهقي في كتابه «المحاسن والمساوى»(جزء أول ص 35) عن الزهري في حديث حول حرب الجمل: فقالت عائشة لرجل من ضبة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين تري علي بن أبي طالب رضی الله عنه قال ؟ قال: ها هو ذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه، قال الضبي: ومن أخوه ؟ قالت: رسول الله صلی الله علیه وآله، قال: فلا أراني أقاتل رجلا هو أخو رسول الله صلی الله علیه وآله، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه».

آيات في حق علي علیه السلام:

وفي مسند أحمد بن حنبل، والریاض النضرة لمحب الدين الطبري (ج 2 ص 209)، وتاريخ بن عساكر (مج 6 ص 201)، و تذکرة الخواص لسبط بن

الجوزي ص 14، وفي کنز العمال (مج 6 ص 390)، وفي كفاية الشنقيطي (ص 35)، هؤلاء كلهم رووا عن زيد بن أبي أوفى قال: لما آخى النبي صلی الله علیه وآله بین أصحابه، وآخي بين عمر وأبي بكر (إلى أن قال): فقال علي علیه السلام: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك مافعلت غيري، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسی غير أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله صلی الله علیه وآله إخواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ. (1)

إلى كثير وكثير من هذه الأحاديث، ولو ذهبنا إلى جمع شوارد هذا الباب لجاء منه کتاب ضخم.

هذه الأخوة بالمعنى الخاص الثابتة لأمير المؤمنین علیه السلام ولا يدعيها غيره إلا كذاب كما ورد في الحديث الذي جاء في مناقب أحمد، وتاريخ ابن عساکر، و كفاية الكنجي، وتذكرة سبط ابن الجوزي وصححه ورد على جده في تضعیفه سنده، وفي المرقاة في شرح المشكاة (ص 569) هؤلاء كلهم رووا عن جابر بن عبد الله وسعد بن المسيب، قالا: إن رسول الله صلی الله علیه وآله آخی بین أصحابه، فبقي رسول الله صلی الله علیه وآله مد وأبو بكر وعمر وعلي، فآخی بین أبي بكر وعمر، وقال لعلي: أنت أخي وأنا أخوك، فإن ناكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لايدعيها بعدك إلاكذاب ».


1) الحجر: 47

علي عليه السلام هو الشاهد:

علي هو الشاهد في الآية 17 من سورة هود أفَمَن كانَ عَلى بَيِنَةٍ مِن رَبّه ویَتلُوُه شاهِدٌ مِنهُ.(1)

قال الرازي: في تفسير الشاهد وجوه: ثالثها أنه علي، والمراد تشریفه بأنه بعض من محمد. وقال السيوطي في الدر المنثور،(2)والطبري في تفسيره:(3)رسول الله صلی الله علیه وآله على بينة من ربه وعلي شاهد منه ».

علي صاحب النجوى في قوله تعالى: يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إذا ناجَیتُمُ الرَّسولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَي نَجواكُم صَدَقةً ذلِكَ خَيرٌ لَكُم وَأَطهَرُ (4)

أجمع المفسرون الشيعة والسنة على أن هذه الآية لم يعمل بها أحد إلا الإمام علي، وذلك أن المسلمين أكثروا السؤال على الرسول حتى شقوا عليه، فأمرهم الله بهذه الآية أن يتصدقوا قبل أن يسألوا، فأحجموا إلا الإمام تصدق وسأل، ثم سخت الآية، وقال الإمام علیه السلام: كنت إذا سألت النبي صلی الله علیه وآله أجابني، وإذا سكت ابتدأنی. (5)

على هو سابق الأمة في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابقُونَ أولئِكَ المُقَربونَ. (6)

قال الفضل بن روزبهان - وهو من كبار العلماء عند السنة في كتاب إبطال الباطل جاء في رواية أهل السنة: سباق الأمم ثلاثة: مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار، وعلي بن أبي طالب علیه السلام، ولا شك أن علياً علیه السلام سابق في الإسلام وصاحب السابقة والفضائل التي لا تخفة.


1) هود: 17

2) تفسير الدر المنشور 3: 324

3) تفسير الطبري 12: 22.

4) المجادلة: 13

5) 5) السنن الكبرى للنسائي 5: 142/ ح 8504؛ سنن الترمذي 2:300 - 301، ح 3805؛ المصنف لابن أبي شيبة 7: 495 ح 6؛ المعجم الكبير للطبراني 6: 213

6) الواقعة: 10

وجاء في الجمع بين الصحاح الستة أن طلحة بن شيبة قال مفتخرة: أنا أولى بالبيت لأن المفتاح بيدي، وقال العباس: أنا أولی أنا صاحب السقاية، فقال علي: أنا أول الناس إسلاماً وأكثرهم جهاداً، فنزلت هذه الآية لبيان أفضلية الإمام على الجميع: أجَعَلتُم سِقايَة الحاجِّ وعِمارَةَ المَسجدِ الحرامِ كَمَن آمَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وجاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ لایَستُووُنَ عندَ اللهِ واللهُ لا يَهدِي القَومَ الظالَمِينَ . (1)

علي علیه السلام والوليد:

علي هو المؤمن في قول الله عزوجل : اَفَمَن كَانَ مُؤمناً کَمن كان فاسِقاً لایَستَووُنَ . (2)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 21 ص 22) بإسناده عن عطاء بن يسار، قال: كان بين الوليد وعلي علیه السلام كلام، فقال الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحد منك سنان وارد منك للكتيبة، فقال علي: اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: َفَمَن كَانَ مُؤمناً کَمن كان فاسِقاً لایَستَووُنَ .

وفي الأغاني (ج 4 ص 185) و تفسير الخازن (مج3 ص 470): كان بين علي والوليد تنازع و كلام في شيء، فقال الوليد لعلي: اسكت فإنك صبي وأنا شیخ، والله إني أبسط منك لسان وأحد منك سنانا وأجمع منك جنانأ وأملأ منك حشوة في الكتيبة، فقال له علي: أسكت فإنك فاسق، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرجه محب الدين الطبري في الرياض النضرة (ج 3 ص 206) عن ابن عباس وقتادة من طريق الحافظين السلفي والواحدي، وفي ذخائر العقبی (ص 88) والخوارزمي في المناقب (ص 188) والكنجي في الكفاية (ص 55) و النيشابوري في تفسيره، وابن كثير في تفسيره (مج 3 ص 462) قال: ذکر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنها نزلت في علي ابن أبي طالب وعقبة، وذكرها غير هؤلاء من الأساطين.


1) التوبة: 20

2) السجدة: 18

قال حسان بن ثابت في ذلك على ما ذكر أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته (ص 115) والكنجي الشافعي في الكفاية (ص 50) وابن طلحة الشافعي فيمطالب السؤل (ص 20) - وقال: فشت هذه الأبيات من قول حسان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان:

أنزل الله والكتاب عزیز*** في علي وفي الوليد قرانا

فتبوا الوليد من ذاك فسقاً *** وعلي مبؤاً إيمانا

ليس من كان مؤمناً عرف الله *** كمن كان فاسقاً خوانا

فعلي يلقي لدى الله عزاً*** ووليد يلقى هناك هوانا

سوف يجزى الوليد بيزياً وناراً *** وعلي لا شك يجزي جنانا

رواها ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج (مج 2 ص 103 ط الاولی).

على هو الأذن الواعية في قوله عزوجل: (وتَعِيَها أذُنُ واعيةٌ) (الحاقة: آية 12).

قال الفضل بن روزبهان في كتاب إبطال الباطل: روى المفسرون _ السنة _ أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلی الله علیه وآله لعلي علیه السلام: سألت الله أن يجعلها أذنك. قال علي: فما نسيت بعد هذا شيئاً، وهذا يدل على علمه وحفظه وفضيلته».

وفي كتاب ذخائر العقبى للمحب الطبري (ص 61 طبعة سنة 1356 ه) قال الرسول صلی الله علیه وآله للإمام علي: يا علي ما سألت الله عزوجل شيئاً من الخير إلا سألت لك مثله، ولا استعذت الله من الشر إلا استعذت لك مثله.

على وقول الله عزوجل: (هُوَ الَّذي أیَّدَكَ بِنَصرِهِ وبِالمؤمنينَ) _ (الأنفال: آية 63).

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن مسلم الشافعي، أخبرنا أبو القاسم بن العلاوأبو بكر محمد بن عمر بن سليمان العريني النصيبي، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهدي، حدثنا عباس بن بکار، حدثنا خالد بن أبي عمر الأسدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: مكتوب على العرش «لا إله إلا الله وحدي لا شريك

لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلي»وذلك قوله عزوجل في كتابه الكريم: (هُو الّذِي أیَدَكَ بِنَصرِهِ وبالمُؤمنينَ) (1)علي وحده. (2)

ورواه بإسناده الكنجي الشافعي في كفايته (ص 110) ثم قال: قلت: ذكره ابن جرير في تفسيره، وابن عساكر في تاريخه في ترجمة على علیه السلام، ورواه الحافظ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور (مج 3 ص 199) نقلاً عن ابن عساکر، والقندوزي في ينابيعه (ص 94) نقلاً عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن أبي هريرة.

وصدر الحديث أخرجه جمع من الحفاظ، منهم الخطيب البغدادي في تاريخه (مج 11 ص 173) بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلی الله علیه وآله : لما عرج بي رأيت على ساق العرش مکتوباً «لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي نصرته بعلي».

اقتران اسم علي عليه السلام باسم رسول الله صلی الله علیه وآله:

وروى السيد الهمداني في مودة القربى، في المودة الثامنة عن علي علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إني رأيت اسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن: لما بلغت بیت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرة بها «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي وزيره، ولما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت عليها «إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي، أيدته بعلي وزیره ونصرته به»، ولما انتهيت إلى عرش رب العالمين فوجدت مكتوباً على قائمه «إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد حبيبي من خلقي، أيدته بعلي وزيره ونصرته به، فلما وصلت الجنة وجدت مكتوباً على باب الجنة «لا إله إلا أنا ومحمد حبيبي من خلقي أيدته بعلي وزيره ونصرته به».

علي في قوله تعالى: (يا أيُّها النَّبيُّ حَسبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمنينَ) (الأنفال: آية 64).


1) الأنفال: 62

2) تاریخ ابن عساکر 2: 353/ ح 864 و 865 ط الثانية

أخرج الحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة بإستاده أنها نزلت في علي وهو المعني بقوله: (المُؤمِنينَ).

علي في قوله تعالى: (مِنَ المُؤمِنينَ رجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَليهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ ومِنهُم مَن يَنتَظِرُ وما بَدَّلوُاتَبديلاً ) (الأحزاب آية 23).

أخرج الخطيب الخوارزمي في المناقب (ص 188)، وصدر الكنجي في الكفاية ص 122 نقلاً عن ابن جرير وغيره من المفسرين، أنه نزل قوله: (فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ) في حمزة وأصحابه كانوا عاهدوا الله تعالى لا يولون الأدبار، فجاهدوا مقبلين حتی قتلوا، (وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ) علي بن أبي طالب مضى على الجهاد ولم يبدل ولم يغير الآثار.

وفي الصواعق لابن حجر (ص 80)، سئل علي علیه السلام وهو على المنبر بالكوفة عن قوله تعالى: (مِنَ المُؤمنينَ رِجالٌ صَدقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عليهِ) الآية فقال: اللهم غفراً، هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي ابن عمي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فأما عبيدة فقضى نحبه شهيداً يوم بدر، وحمزة قضی نحبه شهيداً يوم أحد، وأما أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه من هذه _ وأشار إلى الحيته ورأسه _ عهد عهده إلي حبيبي أبو القاسم محمد صلی الله علیه وآله.

تصدق علي علیه السلام بالخاتم:

علي في قوله تعالى:( إنّما وَليُكُمُ اللهُ ورَسُولُه والَّذينَ آمنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتُونَ الزّكاةَ وهُم راكِعُونَ) (المائدة: 55).

أخرج أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي ذر الغفاري رضی الله عنه قال: أما إني صليت مع رسول الله صلی الله علیه وآله يوماً من الأيام الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد نبيك محمد صلی الله علیه وآله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي رضی الله عنه في

الصلاة راكعاً، فأومأ إليه بنصره اليمني وفيه خاتم، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بمرأى من النبي صلی الله علیه وآله، وهو في المسجد، فرفع رسول الله صلی الله علیه وآله طرفه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسی سألك فقال: (ربّ اشرَح لي صَدري وَیَسِرلي أمري وَاحلُل عُقدَةً مِن لِسانِي يَفقَهُوا قَولِي وَاجعَل لي وَزيراً مِن أَهلي هارُونَ أخِي اشدُد بِه أزرِي وَأَشرِكةُ فِي أَمرِي) فأنزلت عليه قرآناً (سَنَشُدُ عَضُدَك بِأخِيكَ ونَجعَل لَكُما سُلطاناً فَلا يَصلُون إليكُما) اللهم وإني محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري، قال أبوذر رضی الله عنه : فما استم دعاؤه حتى نزل جبرئیل علیه السلام من عند الله عزوجل و قال: يا محمد اقرأ (إنّما وَليُكُمُ اللهُ ورسُولُهُ والَّذينَ آمَنوُا ) الآية. (1)

وفي تصدق علي علیه السلام بخاتمه وهو راكع يقول حسان بن ثابت:

من ذا بخاتمه تصدق راكعاً *** وأسرها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمدٍ *** ومحمد أسرى يؤم الغارا

من كان في القرآن مي مؤمناً *** في تسع آياتٍ لين غزارا

ذكرها أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته (ص 10)والكنجي في الكفاية (ص 123).

أخرج هذه الآثار ونزول الآية فيها جمع كثير من أئمة التفسير والحديث، منهم: الطبري في تفسيره (ج 6 ص 165) من طريق ابن عباس وعتبة بن أبي حكيم ومجاهد، والرازي في تفسيره (ج3 ص 431)، والخازن في تفسيره (مج 1 ص 496)، وأبو البركات في تفسيره، والنيشابوري في تفسيره (3 ص 461) و كثير من الحفاظ ورجال الحديث.


1) تفسير الثعلبي فصول المهمة لابن الصباغ 123، ف 1

مفاخرة علي علیه السلام والعباس وشيبة:

علي في قوله تعالى: (أجَعَلتُم سقايَةَ الحاجِ وَعَمارَةَ المَسجِدِ الحَرامِ کَمَن آمَنَ باللهِ واليَومَ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبيلِ اللهِ لايستوُونَ عندَ اللهِ). (1)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 10 ص 59) بإسناده عن أنس أنه قال: قعد العباس وشيبة (ابن عثمان) صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس: أنا أشرف منك، أنا عمرسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج، فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه؟ أفلا ائتمنك كما ائتمني؟ فهما على ذلك يتشاجران، حتي أشرف عليهما علي، فقال له العباس: إن شيبة فاخرني فزعم أنه أشرف مني، فقال: فما قلت له يا عماه؟ قال: قلت أنا عم رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج، أنا أشرف منك، فقال لشيبة: ماذا قلت أنت يا شيبة؟ قال: قلت: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ قال: فقال لهما: اجعلاني معكما فخراً، قالا: نعم، قال: فأنا أشرف منكما، أنا أول من آمن بالوعيد من ذكور هذه الأمة، وهاجر وجاهد، وانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلی الله علیه وآله فأخبر كل واحد منهم بمفخره، فما أجابهم النبي بشيء، فانصرفوا عنه، فنزل جبرئیل علیه السلام بالوحي بعد أيام فيهم، فأرسل النبي صلی الله علیه وآله إليهم ثلاثتهم حتى أتوه، فقرأ عليهم( أجَعَلتُم سقايَةَ الحاجِ وَعَمارَةَ المَسجِدِ الحَرامِ کَمَن آمَنَ باللهِ واليَومَ الآخِرِ) الایة.

وحديث هذه المفاخرة ونزول الآية فيها أخرجه كثير من الحفاظ والعلماء مجملاً ومفصلاً، منهم: القرطبي في تفسيره والرازي في تفسيره والخازن في تفسيره و غير هؤلاء .

علي في قوله تعالى: (إنَّ الّذينَ آمَنوُا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدّا).(2)

أخرج أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده عن البراء بن عازب قال:


1) التوبة: 19.

2) مریم: 96

قال رسول الله صلی الله علیه وآله لعلي علیه السلام: قل اللهم اجعل لي عنك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة، فأنزل الله هذه الآية.(1)

ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته (ص 10) وقال: وروي عن ابن عباس أن هذا الود جعله الله العلي في قلوب المؤمنين. وأخرج الخطيب الخوارزمي في مناقبه (ص 188) حديث ابن عباس وبعده بالإسناد عن علي علیه السلام أنه قال: لقيني رجل فقال: يا أبا الحسن والله إني أحبك في الله، فرجعت إلى رسول الله صلی الله علیه وآله، فأخبرته بقول الرجل، فقال: لعلك يا علي اصطنعت إليه معروفاً، قال: فقلت: والله ما اصطنعت إليه معروفاً، فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودة، فنزل قوله: (إنَّ الَّذين آمَنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ سَيجعَل لَهُم الرَّحمنُ ودّاً). وأخرجه صدر الحفاظ الكنجي في الكفاية (ص 121)، وأخرجه محب الدين الطبري في رياضه (ج 2 ص 207) أنه لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود العلي وأهل بيته.

علي عليه السلام وشيعته خير البرية :

علي في قوله تعالى: (إنَّ الَّذين آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحاتِ أولئكَ هُم خَيرُ البَريَّة).(2)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 3 ص 146) باسناده عن أبي الجارود، عن محمد بن علي في قوله عزوجل (أولِئكَ هُم خَيرُ البَرِيَة) فقال: قال النبي صلی الله علیه وآله: أنت يا علي وشيعتك.

وروى الخوارزمي في مناقبه (ص 66) عن جابر قال: كنا عند النبي صلی الله علیه وآله فأقبل علي بن أبي طالب علیه السلام فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: قد أتاكم أخي، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا و شیعته هم الفائزون يوم القيامة، إنه أولكم إيماناً معي،وأوفاکم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله،


1) تفسير الثعلبي؛ وعنه: مناقب آل أبي طالب 2: 289؛ العمدة لابن البطريق: 289/ ح 471

2) البينة: 7

وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه (إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحاتِ أولئِكَ هُم خَيرُ البَريَّةِ)، وكان أصحاب النبي صلی الله علیه وآله: إذا أقبل علي قالوا: قد جاء خير البرية.

سأل سائل بعذاب واقع:

علي في قوله تعالى: (سَألَ ساِئلٌ بعَذابٍ واقِعٍ لِلكافِرينَ لَيسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللهِ ذِيِ المَعارِجِ) ، - سورة المعارج - أذعنت به الشيعة، وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لا يستهان بهم من علماء أهل السنة، ودونك منصوصها: كما جاء في المجلد الأول من الغدير:

الحافظ أبو عبيد الهراتي المتوفي بمكة سنة 223، روي في تفسيره غريب القرآن قال: لما بلغ رسول الله صلی الله علیه وآله بغدیر خم مابلغ وشاع ذلك في البلاد، أتی جابر بن النضر بن حارث بن كلدة العبدي، وفي رواية الثعلبي التي أصفق العلماء على نقلها سماه الحارث بن النعماء الفهري، ولا يبعد صحة ما في هذه الرواية من (جابر بن النضر) حيث أن جابراً قتل أمير المؤمنين علیه السلام والده النضر صبراً بأمر من رسول الله صلی الله علیه وآله و لماأسر يوم بدر الكبرى.

الغرض، جاء فقال: يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من کنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله ؟ فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله. فولی جابر یرید راحلته وهو: يقول اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: (سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) الآية.

وروى هذه القصة أيضاً أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي المتوفى

351 في تفسيره شفاء الصدور، وأبو إسحاق الثعلبي النيشابوري المتوفی 427 في تفسيره الكشف والبيان، والحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب دعاة الهداة إلى أداء حق الموالاة، وأبو بكر يحيى القطربي المتوفی 567 في تفسيره في سورة المعارج، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفی 654 في تذكرته (ص 19)، والشيخ إبراهيم اليمني الوصابي الشافعي في كتابه الإكتفاء في فضل الأربعةالخلفاء. وشيخ الإسلام الحمويني المتوفي 722 في كتابه فرائد السمطين في الباب الثالث عشر، والشيخ محمد الزرندي الحنفي في كتابيه معارج الوصول ودرر السمطين، إلى كثير وكثير من فطاحل علماء السنة. انتهى نقلا عن كتاب الغدير.

وهذه الآيات جزو من كل، وقليل من كثير، فقد جاء في كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر نقلاً عن ابن عباس (ص 125 طبعة 1375)«أن ما من آية في القرآن إلا وعلي أميرها وشريفها، وكذا ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر علياً إلا بخير، وإن ابن عساكر قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالی ما نزل في علي، ولقد بلغت الآيات فيه ثلاثمائة آية»

ولو فرضنا أنه لم تنزل آية واحدة بالخصوص في علي، فإن كل ما في القرآن من ثناء على عامل بخير من أي نوع كان فإنه يشمل علياً ويدل عليه صراحة، لأنه السباق في جميع المكرمات.

ولقد أثار دهشتي ظاهرة فريدة في بابها، فاجأتني وأنا أبحث وأنقب في مصادر هذه الصفات، وهي أن ابن حجر صاحب الصواعق وكثير غيره من شيوخ السنة مع اعترافهم بفضائل علي وإعلانها فضيلة فضيلة ومنقبة منقبة يتحاملون على شيعة الإمام بما فيهم الإمامية ويعدونهم من أهل البدع والزيغ، ونقدم مثالاً واحداً من هذا التحامل، لأن المقام لا يتسع للمزيد.

قال الفضل بن روزبهان في (كتاب إبطال الباطل): كل ما ذكره الشيعة من الفضائل والمناقب لمولانا علي بن أبي طالب فنحن لا ننكره، لأن فضائل أهل البيت لا تحصى ولا ينكرها إلا منکر نور الشمس والقمر. ولكنه في نفس الكتاب المذكور قال: إن كتب الشيعة من موضوعات يهودي كان يريد تخریب بناء الإسلام، فعملها وجعلها وديعة عند الإمام جعفر الصادق، فلما توقي حسب الناس أنها كلامه...

كنا نظن أن مبدأ (إكذب، واكذب، ثم اكذب فلا بد أن تجد من يصدقك) مبدأ حديث من مخترعات الغرب والاستعمار، وإذا به قدیم، وربما نقله الغربيون من الشرق عن ابن روزبهان وأمثاله فيما نقلوا من فلسفات وحضارات..

إن الشيعة اتصلوا بالإمام جعفر الصادق عليه السلام مباشرة، ونقلوا عنه مشافهة، وكل راو من رواتهم يقول: سألت الإمام وحدثني الإمام، ولم يدع واحد من الشيعة أنه وجد عند الصادق بعد وفاته کتاباً وأوراقاً له ولا لغيره، وهذه كتب الشيعة في الحديث والفقه والتفسير بمنظر لكل بصير.

قال مرترزقة هذا القول منذ مئات السنين لغاية الكبد والدس، ونقله أحمد أمين وأضرابه جهلاً أو تحاملاً وهم يعيشون في عصر الفضاء والسماء.

وغريبة الغرائب أن كل شيء في الدنيا تغير إلا الكذب على الشيعة والافتراء على مذهب التشيع، منذ زمن مضى وانقضی کتب شیخ سوء أو فقیه شر أن الشيعة بما فيهم الإمامية - يغالون، وأنهم أخذوا دينهم عن ابن سبأ اليهودي، رمي هذا المفتري رميته ولكن بعد أن شق طريق الضلال والتضليل.

لقد اشترى السفاكون من أرباب الأقلام دينهم وضمائرهم ليتقولوا على الأبرياء الأقاويل، وجاء المتأخر فرأى الكلمة المطبوعة ل(السلف الصالح) فقدسها وركع لها وسجد دون تمحيص وتحقيق، وأخذ يرددها فكرة وأسلوباً، بل نقلها بالحرف الواحد كأنها وحي منزل.

إن العالم المنصف إذا تكلم عماتدین به طائفة من الطوائف اعتمد على الكتب المعتبرة عنها وماثبت من مذهبها، أما النقل عن خصومها وبخاصة خصوم العقيدة والمذهب، فهو تماماً كالحكم على المدعى عليه بمجرد إقامة الدعوى وقبل الاستماع إلى الشهود والبينات.

ومن الصدف أتي كلما قرأت افتراء على الشيعة تذكرت كلمة لسيبويه: اجتمع هذا النحوي الشهير بنفر من نحاة الكوفة فناظروه في مسائل نحوية وطال بينه وبينهم الجدال والنقاش ولكن على غير طائل، فسأله سائل عن سبب عجزه عن إقناعهم فقال: أخطئهم على مذهب العرب، ويخطئوني على مذهبهم، أي أنه تكلم هو على مقاییس منطقية و تكلموا على غير أساس.

خطبته عليه السلام المعروفة بخطبة اللؤلؤة :

فيها يتعرض لحوادث المستقبل ويذكر فيها الإمام المهدي

علي بن الحسين بن محمد بن مندة، قال: حدثنا محمد بن الحسين المعروف بأبي الحكم، قال: حدثنا إسماعيل بن موسی بن إبراهيم، قال: حدثني سليمان بن حبيب، قال: شريك عن حکیم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: خطبنا أمير المؤمنین علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة، فقال فيما قال في آخرها:

(ألا وإني ظاعن عن قريب ومنطلق إلى المغيب، فارتقبوا الفتنة الأموية والمملكة الكسروية، وإماتة ما أحياه الله، وإحياء ما أماته الله، واتخذوا صوامعكم بيوتكم، وعضوا على مثل حجر الغضا، واذكروا الله كثيراً ، فذكره أكبر لوكنتم تعلمون.

ثم قال: تبني مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة ودجيل والفرات، فلو رأيتموها مشيدة بالجص والآجر، مزخرفة بالذهب والفضة واللازورد المستسقى والمرمر والرخام وأبواب العاج والأبنوس والخيم والقباب والستارات، وقد علیت السلاح والعرعر والصنوبر والشب، وشيدت بالقصور، وتوالت عليها ملوك بني الشيصبان أربعة وعشرون ملكاً على عدد سني الملك، فيهم السفاح والمقلاص، والجموح والجذوع، والمظفر والمؤنث والمزار والكبش والمهور، والعيار والمصطلم والمستصعب والعلام والرهباني والخليع والسيار والمترف والحديد والأكتب والمسرف والأكلب والوسيم والصيلام والعينوق، وتعمل القبة الغبراء ذات القلاة الحمراء، وفي عقبها قائم الحق يسفر عن وجهه بين أجنحة الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب الدرية.

ألا وإن لخروجه علامات عشرة: أولها طلوع الكوكب ذي الذنب ويقارب منالحادي، وقع فيه هرج و مرج وشغب، وتلك علامات الحصب، ومن العلامة إلى العلامة

عجب، فإذا انقضت العلامات العشرة إذ ذاك يظهر منا القمر الأزهر وتمت كلمة الاخلاص لله على التوحيد...) إلى آخر الخطبة.

عن كفاية الأثر (ص 316) والبحار (مج9 ص 157) وفي الثالث منه أيضاً (ص 171).

ضبط الألفاظ الغريبة:

جاء في تاج العروس أن (الشيصبان) اسم للشيطان،(1)والمشهور أن عدد خلفاء بني العباس كان سبعة وثلاثين، ولعله علیه السلام إنما عد منهم من استقر ملکه وامتد، لا من تزلزل سلطانه وذهب ملکه سریعاً: کالأمين، والمنتصر، والمستعين، والمعتز وأمثالهم.

( والكديد) أما كناية عن المعتر فالمراد نسبة أعوام عمره، فإن عمره حين مات كان أربعاً وعشرين سنة، فيكون ما ذكره علیه السلام عند العد على خلاف الترتيب، أو كناية عن المقتدر، ويكون بنسبة مدة خلافته و كانت أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، وكان ثامن عشرهم، وفي العد أيضاً العديد هو الثامن عشر.

الشرح:

من الجلي البين الذي هو بمطلع الأكمة عند الناس أن العباسيين كانت سیر تهم معاكسة للدين الإسلامي، وأفعالهم مخالفة لما جاء به محمد صلی الله علیه وآله، من تغيير الأحكام الإسلامية ورفض السنن وقتل النفوس الزكية من أولاد محمد وعترته الأطهار وغيرهم من أبرار الناس وأخیارهم.

فكم من عجنت طينته بماء الوحي وغرس بماء الرسالة حتى فاح منهما مسك الهدي وعنبر التقى، جعلوا جسمه دريئة للسيوف، وحشاه طعمة للسم والحتوف.


1) تاج العروس 1: 316

جرائم بني العباس:

إليك نموذجاً مصغراً لما فعلته هذه الدولة وما ارتكبته من الجرائم الفظيعة منذ بدء حکومتها إلى انتهائها، فهذا أبو العباس السفاح (لقب بهذا اللقب لكثرة سفكه الدماء) لما تربع على دست الخلافة وجلس على منصة الحكم وانقادت إليه أزمة الأمور، قال المقريزي في النزاع والتخاصم: فكان أول ما فعله أن ولی ابن أخيه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله سنة ثلاث وثلاثين ومائة الموصل، فدخلها في اثني عشر ألفاً، فأول ما بدأ به أن دعا أهل الموصل فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فنادى: من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام الرجال على أبواب الجامع وقتل الناس فيه قتلاً ذريعاً تجاوز فيه الحد وأسرف في المقدار، فيقال أنه قتل أحد عشر ألف إنسان من له خاتم، سوی من ليس في يده خاتموهم عدد كثير، بحيث لم ينج من رجال الموصل - مع كثرتهم - إلآ نحو أربعماءة رجل صدموا الجند فأفرجوا لهم، فلما كان الليل سمع صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فأمر من الغد بقتلهن، فأقام رجاله ثلاثة أيام يقتلون النساء والصبيان، و كان في عسكره قائد معه أربعة آلاف عبد زنجي فأخذوا النساء قهراً، فلما فرغ إبراهيم من قتل الناس في اليوم الثالث ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة فأخذت إمرأة بزمام دابته فأراد أصحابه قتلها فكفهم عنها، فقالت له: ألست من بني هاشم؟ ألست ابن رسول الله صلی الله علیه وآله؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنوج؟ فلم يجبها وبعث معها من بلغها مأمنها، ثم جمع من الغد الزنوج للعطاء وقتلهم عن آخرهم، فكانت هذه فعلة لم نسمع بأقبح منها إلا ما كان من السفاح.(1)ولعمري لقد فاق فرعون في فساده وأربى عليه في عتوه وعناده، وإن السفاح بما فعله ابن أخيه قد صار يسوم أمة محمد صلی الله علیه وآله من سوء العذاب أشد وأقبح ما كان فرعون يسوم بني إسرائيل منه، فكيف بها إذا ضمت مع ما


1) النزاع والتخاصم للمقريزي: 139 - 140

حكاه البلاذري قال: كان أبو العباس - يعني السفاح - يسمع الغناء، فإذا قال للمغني: أحسنت! لم ينصرف من عنده إلا بجائزة وكسوة، فقيل له: إن الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ، فاحتجب عنهم و كانت صلاته قائمة لهم، فأين هذا من هدى النبوة وسيرة أئمة الهدى فما أبعده عن هداهم، ولله در القائل:

نزلوا بمكة في قبائل نوفل *** ونزلت بالبيداء أبعد منزل

لا يفترق العباسيون عن بني أمية في شيء، لا في الظلم والقسوة، ولا في الفسوق والفجور، ولا في الاستهتار والزندقة، فالغاية واحدة عند الجميع، وهي الانتفاع والاستقلال، والمبدأ واحد وهو اللامبالاة بالدين والقيم، فالكل ركب متون الأهواء وسلك طريق الضلال، من قطع الرؤوس، ونصب المشانق، وهدم الدور على الأحياء، وما إبراهيم وأخوه السفاح إلا كمعاوية، وما المنصور والرشيد إلا كهشام، وما المتوكل إلا کیزید بن معاوية، فلقد عرفنا حاكمين يتخذون من القتل وسيلة لتوطيد سلطانهم، أو لحفظ الأمن بزعمهم،أما من ذكرناه من الأمويين وسنذكره من العباسيين فقد كان يقتل لا لسبب إلا بدافع من الغدر والاسراف في القتل.

حين ضاق الناس ذرعاً بالأمويين، وبلغ الاستياء ذروته من سياستهم، أرسل إبراهيم الإمام _ أخو السفاح _ أبا مسلم الخراساني إلى خراسان وقال له فيما قال: احفظ وصيتي: انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله!... (1)

وبعد أن نقل المقريزي هذا الكلام من كتاب (النزاع والتخاصم) قال معقباً: (فأين أعزك الله _ هذه الوصية من وصايا الخلفاء الراشدين العمالهم، وتالله لو توجه أبر مسلم


1) تاريخ الطبري 6: 14 - 15

إلى أرض الحرب ليغزو أهل الشرك بالله لما جاز أن يوصي بهذا، فكيف وإنما توجه إلى دار الإسلام وقتال أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب، لينتزع من أيديهم ما فتحه آباؤهم من أرض الشرك، ليتخذوا مال الله دولاً، وعبیده خولاً؟! وقد عمل أبو مسلم بوصية إبراهيم.(1)

وأي فرق بين قول إبراهيم العباسي:واقتل من شككت فيه وقول معاوية الأموي حين كتب إلى عماله: (انظروا من اتهمتموه بموالاة أهل البيت فنکلوا به واهدموا داره).

المنصور والعلويون:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

كان البيت العباسي بيت جهل وخمول بعد عبد الله بن عباس، ولولا انتسابهم إلى عم الرسول لم يرد لأحد منهم ذكر في التاريخ، أما البيت العلوي فكان في جميع الأدوار بيت العلم والدين، ومهوى أفئدة المسلمين،فمن علي أمير المؤمنين إلى ولديه الحسين، ومنهما إلى الإمام زین العابدين، ومنه إلى الصادقين: محمد الباقر وجعفر الصادق الخ.

وكان العباسيون يعتزون بقرابتهم من علي بن أبي طالب وأبنائه سلام الله عليهم کاعتزازهم بالنبي الكريم صلی الله علیه وآله، وكانوا يحضرون مجالس أبناء علي متأدبين متعلمين، وكان محمد بن عبد الله بن الحسن يأخذ المنصور بركابه ويسوي ثيابه على السرج.

وحين اضطربت أمور بني أمية اجتمع بنو العباس وعقدوا البيعة لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وكان فيمن بایعه إبراهيم والسفاح والمنصور، وكان المنصور أشدهم حماساً لهذه البيعة، وأرسل المجتمعون إلى الإمام جعفر


1) النزاع والتخاصم: 135

الصادق عليه السلام، فلما حضر رغبوا إليه في أن يبايع محمدأ، فقال: إن هذا الأمر لا يتم إلا لهذا وضرب على ظهر السفاح - ثم لهذا-وأشار إلى المنصور - وقال لعبد الله بن الحسن: إن ولديك إبراهيم ومحمد سيقتلهما المنصور، ثم نهض وخرج من المجلس.(1)(مقاتل الطالبيين).

ولما دارت الدوائر على الأمويين واستخلف المنصور اختفى محمد بن عبد الله بن الحسن خوفاً على نفسه، فطلبه المنصور من أبيه وحاول قتله بكل وسيلة ليتخلص من البيعة التي في عنقه، واجتهد في البحث عنه وعن أخيه إبراهيم، ونصب العيون وبذل الأموال، فعرف مكانهما، ولم يعد أمامهما إلا الاستسلام أو الخروج، فخرج محمد في المدينة وإبراهيم في البصرة وحاربا حتى قتلا، وكان محمد عرف بصاحب النفس الزكية، وقتل معه خلق كثير من أبناء الأنصار والمهاجرين وأبناء جعفر بن أبي طالب ومن أبناء الحسين، وقتل معه الحسين وعلي ابنا زید بن علي بن الحسين.

قال المسعودي: إن المنصور أكل عجة من مخ وسکر فاستطابها وقال: أراد إبراهيم أن يمنعني من هذا وأشباهه.

من أجل هذه العجة قتل المنصور أبناء الرسول الألوف من الأبرياء...

قال المسعودي، والمقريزي(في النزاع والتخاصم): جمع المنصور أبناء الحسن وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم وحملهم في محامل مکشوفة وبغيروطاء، تماماً كما فعل یزید بن معاوية بعيال الحسين، ثم أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار، وأشكلت أوقات الصلاة عليهم، فجزأوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلون على فراغ كل واحد من حزبه، و كانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم، فاشتدت عليهم الرائحة وتورمت أجسادهم، ولا يزال الورم من القدم حتى يبلغ الفؤاد، فيموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعاً.


1) مقاتل الطالبين: 172

وقال ابن الأثير ج 4: دعا المنصور محمد بن عبد الله العثماني و كان أخاً لأبناء الحسن من أمهم، فأمر بشق ثيابه حتى بانت عورته، ثم ضرب مئة وخمسون سوطاً، وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت على وجهه، ثم قتله، كذا في (النزاع والتخاصم).(1)

وقال ابن الأثير في الصفحة نفسها، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً، ثم أمر به فقتني عليه أسطوانة وهو حي فمات فيها!..

كان معاوية بن أبي سفيان يدفن الأحياء خنقاً تحت الأرض، وكان المنصور يقيم عليهم البناء فوق الأرض، وهذا هو الفارق الوحيد بين خليفة الشام وخليفة العراق، بينالأموي والعباسي، على أننا لا نعرف أموياً واحداً سجن جماعة تحت الأرض وتركهم يموت الواحد منهم بعد الآخر بین الفضلات والقذارات، ولهذا قال الشاعر:

والله ما فعلت أمنية فيهم *** معشار ما فعلت بنو العباس

وفي كتاب ( النزاع والتخاصم) أنه كان للقاسم بن إبراهيم طباطبا ضيعة بالمدينة يقال لها الرس، فلم يسمح له المنصور بالمقام بها حتى طلبه فقفز إلى السند وقال:

لم يروه ما أراق البغي من دمنا *** في كل أرض فلم يقصر من الطلب

ولم يطف غليلاً في حشاه سوی *** أن لا يرى فوقها ابناً لبنت نبي

وكان يفر من بلد إلى بلد، يسير حافياً والدم يسيل من قدميه، ومن قوله وهو مشرد:

عسی جابر العظم الكسير بلطفه*** سیرتاح للعظم الكسير فيجير

عسى الله لا تيأس من الله إنه *** يیسر منه ما يعز ويعسر (2)


1) الكامل في التاريخ 3: 579، حوادث سنة 145ه، النزاع والتخاصم: 142 و 143

2) النزاع والتخاصم: 144

وفي كتاب (النزاع والتخاصم): أن المنصور دل امرأة ابنه المهدي وولي عهده علی بیت واستحلفها أن لا تفتحه إلا بعد وفاته بحضور زوجها، وبعد هلاکه فتحه المهدي وإذا فيه رؤوس من قتل من الطالبين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وفيهم أطفال».

قال المقريزي: أنی هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمدية وسيرة أئمة الهدى ؟! أين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة من رحمة النبوة، وتالله ما هذا من الدين في شيء. بل هو من باب قول الله سبحانه: (فَهَل عَسَيتُم إن تَوَلَيتُم أن تُفسِدوُا فِي الأرضِ وتَقُطِعوا أرحامَكُم أولئِكَ الَّذينَ لَعَنهُمُ اللهُ فَأَصمَهُم وأعمى أبصارَهُم). (1)

هذا عمل من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر والكتاب المنير، وأنه أمير المؤمنین خلیفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين ؟! وهكذا يفعل مالا تفعله الوحوش والذئاب ويتوكأ على الأنساب.

الإمام جعفر الصادق علیه السلام والمنصور:

أول من أطلق لقب الصادق على الإمام جعفر بن محمد هو المنصور بعد أن تحقق قوله بأن المنصور سيملك بقتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن كما قدمنا، وكان الإمام الصادق علیه السلام في عهد المنصور يوصي شيعته ويقول لهم: عليكم بالطاعة والصمت فإنكم في سلطان من مكرهم لتزول منه الجبال. (2)

ولكن المنصور لا يرضيه الصمت من الإمام والطاعة من الشيعة مادام الناس يعتقدون بإمامته وتفضيله على المنصور والناس أجمعين.

قال محمد الاسقنطوري: دخلت يوماً على الدوانیقي - أي المنصور - فوجدته في فكر عميق، فقلت له: ما هذا الفكر؟


1) محمد: 22 و 23 / النزاع والتخاصم: 144

2) أمالي الطوسي: 667/ ح1398

قال: قتلت من ذرية فاطمة بنت محمد ألفاً أو يزيدون، وتركت سيدهم ومولاهم، فقلت: ومن ذلك؟ قال:قد عرفت أنك تقول بإمامته وأنه إمامي وإمامك وإمام جميع هذا الخلق، ولكن الآن أفرغ منه. (1)

وتدلنا هذه الرواية على انتشار التشيع لعلي وأولاده حتی بین حجاب المنصور وحواشيه، بل إن الربيع وزير المنصور كان شيعياً.

كلمات تكفي الإمام الصادق علیه السلام شرً المنصور:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

لماحج المنصور مر بالمدينة، فقال للربيع: علي بجعفر بن محمد! قتلني الله إن لم أقتله، فمطل به، ثم ألح فيه فحضر، فلما دخل همس الإمام بشفتيه ثم تقرب وسلم، فقال المنصور: لا سلم الله عليك يا عدو الله! تعمل علي الغوائل في ملكي! قتلني الله إن لم أقتلك، فقال الإمام: إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت على ارث منهم وأحق بالتأسي بهم. فنکس المنصور رأسه ثم رفعه وقال: يا أبا عبد الله أنت القريب القرابة، وذو الرحم الواشجة، ثم عانقه وأجلسه معه على فراشه وأقبل عليه سائله ويحادثه، ثم قال: عجلوا لأبي عبد الله اذنه و كسوته وجائزته.

ولما خرج الإمام تبعه الربيع وقال: إني منذ ثلاثة أيام أدافع عنك وأداري عليك، ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، وقد انجلى الأمر، وأنا خادم سلطان ولا غنى عنه، فأحب أن تعلمنيه.. قال الإمام: قل: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكفني بكنفك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها على قل عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قل عندها صبري فلم تخذلني، اللهم بك أدرأ في نحره، وأعوذ بخيرك من شره. (2)


1) الثاقب في المناقب: 208/ ح 184، عيون المعجزات: 80

2) تاریخ دمشق لابن عساکر 18: 86 – 87

وكان المعلی بن خنيس من الشيعة المقربين لدى الصادق، وكان مولاه وو کیله، فكتب المنصور إلى عامله على المدينة _ وهو داود بن عروة _ بقتله، فاستدعاه داود وقال له: اكتب أسماء الشيعة وإلا ضربت عنقك، فقال: أبالقتل تهددني؟! والله لو كان اسم أحدهم تحت قدمي ما رفعتها،فضرب عنقه وصلبه، فعز ذلك على الإمام الصادق ودعي على داود، وما انتهى من دعائه حتى ارتفع الصياح وجاء الخبر بهلاكه. (1)

وأيضاً كتب المنصور إلى عامله أن يحرق على الإمام الصادق داره، ثم دس إليه السم فمات مسموماً.

قتل المنصور من أبناء علي وفاطمة ألفاً أو يزيدون باعترافه، وقتل من شیعتهم ما لا يعد ولا يحصى، وتفتن في ظلمهم، واخترع أنواعاً من القتل وألواناً من التنكيل، تماماً كما يتفتن علماء القرن العشرين باختراع الوسائل التي تخفف آلام البشرية وتيسر العسير من شؤونهم، فمن الضرب بالسياط على الأعين حتی تسيل، إلى هدم البيوت على الأحياء، إلى رصفهم مع الأعجاز في الجدران، إلى تسميمهم بالفضلات والقذارات، إلى ما لا نهاية.

ومهما يكن فيجب أن لا ننسى أن المنصور كان يؤمن بالله،وأنه قرابة نبي الرحمة... والحق أن المنصور أدی رسالته كحاقد على الفضيلة وأهلها!...

وبالتالي، فإن استقرائي لسيرة الخلفاء المسلمين قد بعث في شعوراً بأن الإسلام لولا المنصور وأمثاله من الحاكمين لعم الناس أجمعين واعتنقوه تلقائياً بدون دعوة ودعاية، ولما وجد على هذه الكرة إنسان غیر مسلم.

جرائم المهدي بن المنصور:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

مات المنصور وقام ولده محمد الملقب بالمهدي، وبقي في الحكم من


1) الإرشاد للمفيد 2: 185

سنة ثمان وخمسين ومئة إلى سنة تسع وستين ومئة، وكان أبوه قد أتم المهمة وانتهى من تنفيذ ما أعده من خطط الاغتيال والفتك بقرى الخير والصلاح، ولم ينج منه إلا إثنان: علي بن العباس بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأخذه المهدي وسجنه، ثم دس إليه السم فتفسخ لحمه وتباينت أعضاؤه.

قصة عيسى بن زید:

و عیسی بن زید بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، توانی من المهدي خوفاً على نفسه، قال أبو الفرج في (مقاتل الطالبيين): كان عیسی أفضل من بقي من أهله دیناً، وعلماً، وورعاً، وزهداً، و تقشفاً، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير ورواية للحديث وطلب له، صغيره وكبيره. (1)

هرب عیسی من المهدي واختبأ في دار بعض الشيعة - وهو علي بن صالح - ثم رأى أن يتخذ عملاً يعتاش منه ولا يكون كلاً على أحد، وكان أهل الكوفة ينقلون الماء من الفرات إلى بيوتهم على الجمال وسائر الحيوانات، فاتفق عیسی مع صاحب الجمل على أن يستقي على الجمل ويدفع له يوم أجراً معيناً ويتقوت هو بما يبقى، وهكذا بقي أمد طويلاً وهو متنكر، وتزوج امرأة من فقراء الكوفة لا تعرفه هي ولا أهلها.

وكان لعيسى أخ اسمه الحسين بن زید، وله ولد يدعی یحیی، فقال يحيي يوماً لأبيه: يا أبه إني أشتهي أن أرى عمي عیسی فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه. فقال له: إن هذا الأمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل من منزله كراهية لقائك إياه فتزعجه، فما زال يحيى يلح على أبيه حتى طابت نفسه وقال له: اذهب إلى الكوفة فإذا بلغتها فسل عن دور بني حي،وهناك سكة تسمى كذا، وستری داراً لها باب صفته كذا، فاجلس بالقرب منها، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طویل مسنون الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه


1) مقاتل الطالبيين: 269

جبة صوف، يسقي الماء على جمل، لا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ذكر الله ودموعه تنحدر، فقم وسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر من وحش، فعرفه نفسك وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً ويسألك عنا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه ولا تطل عليه، ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنك إن عدت إليه تواری عنك واستوحش منك وانتقل من موضعه وفيه من ذلك مشقة.

قال يحيي: ذهبت إلى الكوفة وفعلت ما أمرني به أبي، وحين عانقت عمي عیسی ذعر مني كمايذعر الوحش من الإنس، فقلت: ياعم يحیی بن الحسين بن زيد أنا ابن أخيك، فضمني إليه وبكي، ثم أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً وامرأة امرأة وصبياً صبياً، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب من أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوت باقیه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته.

وقد تزوجت إلى رجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتاً فنشأت وبلغت وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء وهو رجل من جيراننا فإنه أيسر منا وقد خطبها، وألحت علي فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت البنت بعد أيام، فلم أجدني آسي على شيء من الدنياأساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلی الله علیه وآله. قال یحیی: ثم أقسم علي عمي أن انصرف ولا أعود إليه وودعني. (1)

هذه أمثولة تعبر عن منهج حكومات الجور والظلم: يعاني فيها الطيبون الأخيار ضروب الفواجع والشقاء، ويعيش فيها الخونة والجهلاء آمنين مترفين يجدون كل عون وحماية!.. إن البلد الطيب الأمين يحمل القريب والغريب، وتفيض خيراته على


1) مقاتل الطالبيين: 270 - 271

المواطنين والمهاجرين على السواء، أما البلد الخبيث بحكامه وقادته فهو شر وبلاء على العلماء والأبرياء، ونعمة ورخاء على أهل الجهل والأدعياء.

لم يستطع عیسی بن زید بن علي بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله، لم يستطع هذا العالم المخلص المحدث الورع الزاهد أن يظهر نفسه في بلد الإسلام، وحاكمه خليفة المسلمين، وعاش خائفاً مستتراً يخدم الناس وينقل الماء إلى البيوت بأجر زهيد، عاش ابن رسول الله في خلافة المهدي يلتقط ما يرمي به الناس من قشور الخضار والفاكهة يتقوته هو وزوجته وابنته التي كبرت ثم ماتت ولم تعرف مكانها من رسول الله، عاش مشرداً متنكراً ينفر من الإنس كما ينفر من الوحش، لا لشيء إلا أنه عالم زاهد يعرف الحق ويعمل به. وعاش المختتون والعاثرات وأهل الفسق والفجور في دعة وأمان، تسهل لهم الأمور، وتغدق عليهم الأموال.

قال المسعودي: بسط المهدي يده في العطاء فأذهب جميع ما خلفهالمنصور، و كان 16 مليون درهم و 14 مليون دينار.

و قال لي بعض أساتذة الفلسفة في القاهرة: إن الشيعة يقولون بالتقية. قلت: لعن الله من أحوجهم إليها، لقد خرج موسى الكليم من مصر خائفاً يترقب وقال: (ربِّ نَجِّني مِنَ القَّومِ الظَّالمينَ) (1)وقال النبي صلی الله علیه وآله : «بئس القوم قوم يعيش المؤمن من بينهم بالتقية»(2)إنكم تنادون بحرية الرأي والعقيدة، ثم إذا رأيتم مظلوماً سکت عن رأيه خوفاً من حكام الجور نعيتم على المظلوم وسكتم عن الظالم، وصدق من قال: ما اختلف الناس ولكن اطرد القياس».

المهدي ويعقوب بن داود بن طهمان:

استعمل المهدي يعقوب بن داود بن طهمان حتی استوزره وفوض إليه أمر الخلافة، وكان يعقوب ممن له الميل في محبة علي وذريته.


1) القصص:21

2) الجامع الصغير للسيوطي 1: 491ح 3186

قال الطبري محمد بن جرير في (تاريخ الأمم والملوك): كان المهدي يجلس عنده مواليه وأصحابه فيشربون النبيذ، و كان يعقوب يعظه في سقیهم النبيذ وفي السماع، قال يعقوب: كنت أعظه وأقول له:إنه ليس على هذا استوزرتني ولا على هذاصحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد يشرب عندك النبيذ وتسمع السماع،وليتني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضاً من آخرتي، قال فكان يقول لي:اللهم غفراً، اللهم أصلح قليه، فقال له شاعره:

فدع عنك يعقوب بن داود جانباً ***وأقبل على صهباء طيبة النشر(1)

وكان يعقوب سمحاً جواداً كثير البر واصطناع المعروف، جاءته امرأة من اليمامة جعدية مملوكة لبني جعدة يقال لها وحشية، قد كاتبت على ولدها وأخيها وأهل بيتها بألف دينار، فوقفت بين يديه فقالت:

أما ومعلم التوراة موسی *** ومرسي البيت في حرم الإلال

و باعث أحمد فينا رسولاً *** فعلمنا الحرام من الحلال

لشهراً نحو يعقوب سرینا *** فأذاني له وقت الهلال

أغثني با فداك أبي وأمي *** وعمي لا أحاشیه وخالي

يبشرني بنجحي كل طير *** جرت لي عن يميني أو شمالي

فقال لها: صدقت طيرك، فأعطاها ألف دينار وقال: ارحلي فاشتري أهلك وولدك وأقدميهم، ففعلت، فما زالت في عيال يعقوب هي وأهلها أجمعون حتى ماتت.(2)

روى الطبري عن إبراهيم المسعودي: قال المهدي: وصف لي يعقوب بن داود في منامي فقيل لي أن اتخذه وزیراً، فلما رآه قال: هذه والله الخلقة التي رأيتها في منامي، فاتخذه وزیراً وما زال يقربه ودنيه حتى غلب على أمره، فقال بشار يهجي المهدي:


1) تاريخ الطبري 6: 386

2) تاریخ بغداد 14: 264

بني أمية هبوا طال نومكم *** إن الخليفة يعقوب بن داود

ضاعت خلافتکم یا قوم فالتمسوا *** خليفة الله بين الدف والعود (1)

فجعلت السعاة تسعى إلى المهدي ويحسنون له عزله وقتله، وكانوا يخلون بالمهدي ليلاً فيقولون له بعد أن يشددوا على يعقوب وينصرفوا عنه على أن يصبح فيثور بیعقوب، فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه المهدي تبسم، فجاء رجل إلى السعاة وقال لهم: أنا أعرف الطريق الذي أقتله به، ثم جاء المهدي وقال: إن هذا يقتلك، قال: يقتلني؟ قال نعم: لأنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن على أبيك المنصور وقد حبسه أبوك، وإنه علوي الرأي وسيقتلك ويعطي الخلافة العلويين، فإن كنت تكذبني فادفع إليه أحد العلويين ليقتله، فإن قتله فهو منك وإلا فصدقني فيما قلت. قال: نعم ما جئت به من الرأي

قال يعقوب: بعث إلي المهدي يوماً فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد متناه في السرور، على بستان فيه شجر، ورؤس الشجر على صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفاح، فكل ذلك مورد يشبه المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئا أحسن منه، وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أشط قواماً ولا أحسن اعتدالاً، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك، فقال لي: يعقوب، قلت: بلى. قال: كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: يا أمير ما هذا إلا من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط الأمير، قال: لا، ولكن أحب أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة وأن تقضيها لي، فقلت: الأمر للأمير وعلى السمع والطاعة، قال: والله ؟ قلت: والله ثلاثاً، قال: وحياة رأسي؟ قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه وحلفت له به لأعملن بما قال ولأقضين حاجته، قال: فلما استوثق مني في نفسه قال: هذا فلان بن فلان من ولد علي، أحب أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجل ذلك، قال: قلت أفعل، قال: فخذه إليك، فحولته إلي وحولت الجارية وجميع ما


1) تاريخ الطبري 6: 382 - 383

كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم، قال: فحملت جله ومضيت به، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلوي فأدخلته على نفسي وسألته عن حاله فأخبرني بها وبمجمل منها، وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إباءة، قال: وقال لي في بعض ما يقول: ويحك يا يعقوب، تلقى الله تعالی بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد؟ قال: قلت: لا والله، فهل فيك خير؟ قال: نعم إن فعلت خيراً شكرتك ولك عندي دعاء واستغفار، قال: فقلت له: أي الطرق أحب إليك؟ قال: طريق كذا و كذا الذي اتفقوا عليه في وقت كذا وكذا من الليل، فقلت له: إذاً احمل معك هذا المال واسلك الطريق، وإذا بالجارية قد حفظت علي قولي فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي وقالت: هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك وفعل كذا وكذا حتى ساقت الحديث كله، قال: وبعث المهدي من وقته ذلك فشحن ذلك الطريق الذي وصفة العلوي برجاله، فلم يلبث أن جاؤه بالعلوي والمال على السجية التي حكتها الجارية، قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم فإذا برسول المهدي يستحضرني، وكنت خالي الذرع غير ملقي إلى أمر العلوي، فدخلت على المهدي فوجدته على كرسي بيده مخصرة، فقال: يعقوب، قلت: نعم، قال: ما حال الرجل العلوي؟ قلت: يا أمير قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله ؟ قلت: والله، قال: قم فضع يدك على رأسي، قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به، فقال: يا غلام أخرج إلينا ما في هذا البيت، ففتح بابه عن العلوي، قال: فبقيت متحيراً وسقط في يدي وامتنع مني الكلام فما أدري ما أقول، فقال لي المهدي: لقد حل لي دمك لو آثرت إراقته، ولكن احبسوه في المطبق ولا أذكر به، فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئراً فديت فيها، فكنت كذلك أطول مدة لا أعرف عدد الأيام، حتى طالت شعري واسترسل كهيئة شعور البهائم، فمكثت خمسة عشر سنة و كان يدلي إلي في كل يوم رغيف و کوز من ماء وأؤذن بأوقات الصلاة، فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال:

حنا على يوسف رب فأخرجه *** من قصر جب وبيت حوله غمم

فحمدت الله لما سمعته وقلت: أتي الفرج، ثم مكثت حولاً لا أرى شيئاً،فلما كان رأس الحول أتاني ذلك الآتي فقال لي:

عسی فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر

ثم أقمت حولاً لا أرى شيئاً، فلما كان آخر الحول أتاني أيضأ ذلك الآتي فقال:

عسى الأمر الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرجٌ قريبٌ

فيأمن خائف ويفك عانٍ*** ويأتي أهله النائي الغريب

قال: فلما أصبحت نودیت، فظننت أني أوذن بالصلاة، فدلي لي حبل أسود وقيل لي: أشدد به وسطك، ففعلت فأخرجوني، فلما قابلت الضوء غشي بصري، فانطلقوا بي فأدخلت على الرشيد فقيل لي: سلم على أمير المؤمنین، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته المهدي، قال: لست به، قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الهادي، قال: لست به، قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الرشيد، فقال الرشيد: وعليك السلام فأنا الرشید، یا يعقوب بن داود، إنه والله ماشفع فيك إلي أحد، غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك من المحل الذي كنت به، فأخرجتك، فسل حاجتك، قال: قلت: المقام بمكة، ففعل الرشيد ذلك، ثم قال: فهل غير هذا؟ فقلت: ما بقي مستمع لشيء ولا بلاغ، قال: فراشداً، فخرجت فكان وجهي إلى مكة، ثم لم يزل بمكة ولم تطل أيامه بها حتى مات رحمه الله. (1)

الهادي العباسي

جاء في كتاب (الشيعة والحاکمون): توفي المهدي وبويع موسی


1) تاريخ الطبري6 : 384 - 386

الملقب بالهادي، قال المسعودي: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان قسي القلب شرس الأخلاق. وفي عهده كان على المدينة رجل من ولد عمر بن الخطاب اسمه عبد العزيز، فتحامل على الطالبيين وأساء إليهم وسامهم صنوف العذاب، فحجر عليهم أن يخرجوا من المدينة، وطالبهم أن يثبتوا وجودهم ويعرضوا عليه أنفسهم كل يوم، وكان يلصق بهم تهمة معاقرة الخمرة زوراً وبهتاناً، ويقيم عليهم الحد ويشهر بهم، وأرسل يوماً في طلب الحسين بن علي بن الحسن وأسمعه كلاماً قاسياً وتهدده وتوعده مما أدى إلى خروجه، فقل هو وأكثر من كان معه بمكان يسمى فخ على بعد ستة أميال من مكة المكرمة، وأقام القتلى ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير، ومن أسر منهم قتل صبراً، عن مروج الذهب للمسعودي.

وبالرغم من قصر أيامه فقد استطاع أن يقوم بعمل تاريخي ويسجل اسمه مع جلادي الشعوب وقتلة أولاد الأنبياء.

قال الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: إن أم الحسین صاحب فخ هي زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتل المنصور أباها وأخوتها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن، ثم قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين، و كانت تلبس المسوح على جسدها، لا تجعل بينها وبينه شيئا حتى لحقت بالله عزوجل. (1)

هارون الرشيد

جاء في كتاب (الشيعة والحاكمون): تولي الرشيد الحكم بعد أخيه الهادي سنة سبعين ومئة، ومات سنة ثلاث وتسعين ومئة، ولم يشتهر أحد من العباسيين شهرة الرشيدو ابنه المأمون، فلقد كانا من أعظم ملوك العالم شأناً وأسماهم مكانة، ولم يبرهما عباسي ولا أموي في تشجيع العلوم والآداب،


1) مقاتل الطالبين: 285

ولعبت قصص ألف ليلة وليلة دوراً كبيراً في شهرة هارون الرشيد، وألبسته أساطيرها ثوبا مضافاً من العظمة والجلال، أما شهرته في إدارة الملك وما إليها من بناء المساجد والكليات والمستشفيات والمنازل والقناطر والطرق المعبدة وشبكة الجداول، أما هذه الادارة والأعمال فتعزى إلى مهارة البرامكة الذين وكل إليهم مهام الدولة خلال السبع عشرة سنة. وكانت مقدرة هذه الأسرة ونزاهتها وإخلاصها السبب الوحيد لهلاكها وإنزال النكبة بها على يد الرشید المعروفة بنكبة البرامكة، أما قصة العباسة وجعفر البرمكي وحملها منه سراً فإنها من نسج الخيال للتغطية وتبرير الظلم والتنكيل.

قال صاحب شافية أبي فراس نقلاً عن كتاب ( ثمرات الأوراق): إن الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان و الشطرنج والنرد، أما سياسته مع العلويين وشيعتهم فتدل الأرقام أنه كان مصمماً على أن لا يبقي منهم على الأرض دیاراً، ونذكر فيما يلي طرفاً منها:

ستون شهيداً:

جاء في كتاب (عيون أخبار الرضا): إن حميد بن قحطبة الطائي الطوسي قال:

طلبني الرشيد في بعض الليل وقال لي فيما قال: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم، فجاء بي الخادم إلى دار مغلقة ففتحها وإذا فيها ثلاثة بيوت وبئر، ففتح البيت الأول وأخرج منه عشرین نفساً عليهم الشعور والذوائب، وفيهم الشيوخ والكهول والشبان، وهم مقيدون بالسلاسل والأغلال، وقال لي: يقول لك أمير المؤمنين: اقتل هؤلاء، وكانوا كلهم من ولد علي وفاطمة، فقتلتهم الواحد بعد الواحد والخادم يرمي بأجسادهم ورؤوسهم في البئر، ثمّ فتح البيت الثاني وإذا فيه أيضأ عشرون من نسل علي وفاطمة، وكان مصيرهم كمصير الذين كانوا في البيت الأول، ثم فتح البيت الثالث وإذا فيه عشرون،فألحقهم بمن مضى، وبقي منهم شيخ وهو الأخير فقال: تباً لك يا میشوم أي

عذر لك يوم القيامة عند جدنا رسول الله !.. فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي، فنظر إلى الخادم مغضباً وهددني، فقتلت الشيخ ورمی به في البئر! .. (1)

الأسطوانات:

نقل صاحب (مقاتل الطالبيين) عن إبراهيم بن ریاح أن الرشید حین ظفر بیحیی بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بنى عليه أسطوانة وهو حي، وقدورث الرشيد طريقة البناء على الأحياء من جده المنصور. (2)

قال صاحب عيون (أخبار الرضا): لما بنى المنصور الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً ويضع من ظفر به منهم في الأسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه وله شعر أسود وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، فسلمه إلى الباني الذي كان يبني له وأمره أن يجعله جوف أسطوانة ويبني عليه، ووکل عليه من يراعي ذلك، وحين أراد الباني أن يدخله حياً في الاسطوانة أخذته الرقة والرحمة، فترك في الأسطوانة فرجة يدخل منها الريح، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاصبر فإني سأخرجك في جوف الليل إذا جن.

ولما دخل الليل أتاه وأخرجه من الاسطوانة وقال له: اتق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيب شخصك فإني أخرجتك خوفاً أن يكون جدك خصمي يوم القيامة، قال له الغلام: سأفعل ولكن لي أم، وهي في مكان كذا فاذهب إليها وعرفها أني قد نجوت وأن عودي إليها غير ممكن، قال الباني: ذهبت إلى الموضع الذي دلني عليه فسمعت دویاً کدوي النحل من البكاء فعلمت أنها أمه، فدنوت منها وعفتها الخبر وأعطيتها شيئاً من شعره وانصرفت. (3)


1) عيون أخبار الرضا 1: 108؛ بحار الأنوار 48: 176- 178

2) انظر مقاتل الطالبين: 319 - 320

3) عيون أخبار الرضا 2: 102

يحيى والرشيد:

ولما اشتد الرشيد على العلويين خرج عليه يحيى بن عبد الله بن الحسن بالديلم. قال ابن الأثير في الجزء الخامس من الكامل، والاصفهاني في مقاتل الطالبيين ما ملخصه، أن يحيی استتر مدة يجول في البلدان ويطلب موضعاً يلجأ إليه حتى بلغ الديلم، وقد ظهر هناك واشتدت شوكته وأتاه الناس من الأمصار، فانتدب إليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألف مقاتل، فراسل الفضل يحبي في الصلح فأجابه إليه لما رأى من تفرق أصحابه وخلافهم عليه، واشترط يحيي أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم، فكتب الرشيد الأمان على مارسم یحیی، و أشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين: إحداهما مع يحيى والأخرى مع الرشيد.

وحين قدم يحيى على الرشيد أكرمه وأجازه بمئتي ألف دينار وخلع وغيرها، ولكن الرشيد لم يذهب ما في نفسه وقال له يوماً: أينا أقرب إلى رسول الله أنا أو أنت؟ قال: أعفني، قال: لابد من الجواب، فقال له يحيي: لوعاش رسول الله وخطب ابنتك أكنت تزوجه؟ قال: أي والله، قال يحيى: لو عاش رسول الله فخطب إلي أكان يحل لي أن أزوجه؟ قال الرشيد: لا، فقال يحيي: هذا جواب ما سألت، فغضب الرشيد وقام من مجلسه.

شيوخ السوء :

أراد الرشيد أن يغدر بیحیی وينقض العهد الذي خطه بيمينه وأشهد فيه على نفسه فلم يجد مبرراً ولا عذراً يعتذر به، فأمسك وسكت على مضض، وأخيراً فقد الصبر فالتجأ إلى شيخ من شيوخ السوء الذين يبيعون العلل والحيل ويتسابقون إلى عرضها على من يدفع الثمن، تماماً كما يفعل البزاز والبقال والفحام، فأتاه الشيخ أبو البختري وهب بن

وهب بأن هذا العهد باطل منتقض، وأن يحيي يحل قتله ودمه، وأخذ العهد ومزقه، فأعطاه مليون و ستمئة ألف، وولاه القضاء.

وإستناداً إلى هذه الفتوى أخذ الرشيد يحيي وضربه مئة عصا، ويحیی يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله، ثم زجه في سجن مظلم، وفي اليوم الثاني أحضره وضربه مئة عصا، ثم رده إلى السجن وضيق عليه من الطعام والشراب، و أخيراً بني عليه أسطوانة وهو حي حتى مات. (1)

والشيخ أبو البختري موجود في كل عصر، في عصر الرشيد وقبله وبعده، جاء في حاشية الكامل لابن الأثير (ج 4 ص 191 طبعة 1357 ه): إن يزيد صاحب حبابة وسلامة القس شهد له أربعون شيخاً أنه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب، وإني لأعرف اليوم شيوخاً بأسمائهم وسيماهم ناصروا أمثال الرشيد ويزيد في الفسق والفجور ضد من أوقف نفسه لله وسهر الليل لتأييد دين الله والذب عن أولياء الله.

الإمام الكاظم علیه السلام والرشيد :

جاء في القران الكريم أن الأئمة على نوعين: أئمة حق وهداية، وأئمة باطل و غواية، قال الله تعالى: (وَجَعَلناهُم أئمَةً یَهدُونَ ِأَمرِنا وأَوحَينَا إِليهِم فِعلَ الخَيراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدينَ). (2)

وهذه هي صفات علي والأئمة من ولده.

وقال سبحانه (وجَعَلناهُم أئمةَ يَدعُونَ إلى النّارِ ويَومَ القيامَةِ لایُنصَرُونَ) . (3)

وهذه صفات الرشيد وأسلافه الأمويين والعباسيين، ومن هنا كان الصراع بين الكاظم والرشید حقيقي وواقعي. إمام يدعو إلى الله وجنته، وإمام يدعو إلى


1) انظر مقاتل الطالبيين: 318 - 320

2) الأنبياء: 73

3) القصص: 41

الشيطان وغوايته، فكيف يجتمعان؟! أما المجاملة والابتسام فرماد وتحته نار مادام القلب يرتعد من الكراهية والبغضاء. وإليك هذه القصة:

جاء في عيون أخبار الرضا: أن المأمون قال: ما زلت أحب أهل البيت وأظهر للرشید بغضهم تقرباً إليه، فلما حج الرشید كنت معه، ولما كان بالمدينة دخل عليه الإمام موسی بن جعفر فأكرمه وجثى على ركبته، وعانقه يسأله عن حاله وعياله، ولما قام الإمام نهض الرشيد وودعه بإجلال واحترام، فلما خرج سألت أبي وقلت له: من هذا الذي فعلت معه شيئاً لم تفعله بأحد سواه؟ فقال لي هذا وارث علم النبيين، هذا موسی بن جعفر، فإن أردت العلم الصحيح فعند هذا . (1)

عانق الإمام وأكرمه وجلس متأدباً بين يديه وشهد له بأنه وارث علم النبيين، ولكن أي جدوى بهذه الشهادة وذلك الإكرام مادام يدعو إلى الجنة، والرشيد يدعو إلى النار؟! إن علم النبيين لم يشفع للإمام عند الرشید حين رأى من حب الناس له وتعلقهم به ما رأي، فاستعرت في قلبه نيران الحقد وسيطرة عليه الأنانية، فقتل من أبناء النبيين ما لا يبلغه الاحصاء...

وما ذنب الإمام الكاظم إذا أحب الناس العلم وأهله، والحق ومن انتصر له ؟!.. وهل يجب عليه أن يكون جاهلاً مخنثاً مستهتراً حتى يرضي الرشید عنه كما رضي عن مخارق وأمثاله؟! وإذا كان لك عدو لا يرضيه إلا موتك، فهل تقتل نفسك وتنتحر حتىلا يغضب عليك؟!.. إن الإمام الكاظم لم يخرج علی حاكم ولا دعا أحداً إلى مبايعته، ولم يحرك ساكناً ضد الرشيد ولا غيره، وكل ذنبه أنه وارث علم النبيين، وأنه إمام حق وهدى، والرشيد إمام باطل وضلال.

أرسل الرشيد جلاوزته إلى الإمام موسی بن جعفر، وكان يتعبد عند قبر جده، فأخرجوه منه وقيدوه، وأرسله الرشيد إلى البصرة، و كان عليها عیسی بن


1) عیون أخبار الرضا 1: 87/ ح 12

جعفر بن المنصور، فحبسه عنده سنة، ثم كتب عيسي إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك، فحبسه ببغداد عند الفضل بن الربيع، ثم عند الفضل بن یحیی، ثم عند السندي بن شاهك وأخيراً تخلص منه بالسم، وقيل أن السندي لفه في بساط وقعد الفراشون على وجهه فانتقل إلى ربه خنقاً.

الإمام الرضا عليه السلام والرشيد؛

قال السيد الأمين في كتاب أعيان الشيعة (مج 1 ص60 الطبعة الأولى): بعد حياة الإمام الكاظم أرسل الرشيد أحد قواده إلى المدينة - وهو الجلودي - وأمره أن يهجم على دور آل أبي طالب ويسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلآ ثوباً واحداً فامتثل الجلودي حتى وصل إلى دار الإمام الرضا، فجعل الإمام النساء كلهن في بيت واحد ووقف على باب البيت، فقال الجلودي: لا بد من دخول البيت وسلب النساء، فتوسل إليه وحلف له أنه ياتيه بكل ما عليهن من حلي وحلل على أن يبقى الجلودي مكانه، ولم يزل يلاطفه حتى أقنعه، ودخل الإمام وأخذ جميع ما على النساء من ثياب ومصاغ وجميع ما في الدار من أثاث وسلمه إلى الجلودي فحمله إلى الرشيد، وحين ملك المأمون غضب على هذا الجلودي وأراد قتله، وكان الإمام الرضا حاضراً، فطلب من المأمون أن يعفو عنه ويهبه له، فظن الجلودي أن الإمام يحرض المأمون على قتله لما سبق من إساءته، فقال الجلودي للمأمون: أسالك بالله أن لا تقبل قوله في، فقال المأمون والله لا أقبل قوله فيك، اضربوا عنقه، فضربت. وهناك مظالم أخرى للرشيد مع العلويين وشيعتهم نتركها خوف الاطالة، ولأن الشاهد يدل على الغائب، وهو كاف واف للتعبير عن حقيقة الرشيد وسياسته.

الأمين:

جاء في كتاب (الشيعة والحاكمون): مات هارون الرشید بطوس سنة ثلاث

وتسعين ومئةه وفيها بويع لابنه الأمين، ودامت خلافة الرشيد ثلاثاً وعشرين سنةو شهراً،و كانت خلافة الأمين أربع سنين وأشهر. وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم، لتشاغله بما كان فيه من اللهو والادمان له، ثم الحرب بينه وبين المأمون حتى قتل، فلم يحدث على أحد منهم - أي من آل أبي طالب في أيامه حدث بوجه ولا سبب. (1)

المأمون :

قتل المأمون أخاه الأمين واستقام الأمر وانبسط التشيع في عهده وعهد أبيه، وانتشر في كل بقعة من بقع الإسلام، حتي امتدت جذوره إلى البلاط الملكي، فكان الفضل بن سهل ذو الرياستين وزير المأمون شيعياً، وطاهر بن الحسين الخزاعي قائد المأمون الذي فتح له بغداد وقتل أخاه الأمين شيعياً، وكثير سواهما، حتى أن المأمون خشي عاقبة هذين فقتل الفضل وولی طاهراً إمارة هرات، أي عزله من قيادة الجيش إلى وظيفة أدنى، و كانت الطاهرية كلها تتشیع، كما قال ابن الأثير في حوادث عام 350.

وقد ساعد إمعان السلطة في الفساد والمظالم على هذا الانتشار، فكلما أمعن الحاكمون في الجور كلما تحرك ساكن الأمة وازداد تمسكها بأهل البيت الطاهر، ونتج عن قتل كل واحد منهم اعتناق الألوف لمذهب التشيع، وحسبك دليلاً على ذلك أن السندي بن شاهك خادم الرشيد حين سقى الإمام الكاظم السم دعا ثمانين رجلاً من الفقهاء والوجهاء وأدخلهم على الإمام وقال لهم: انظروا هل حدث به حدث، فإن الناس يزعمون أنه فعل به مكروه، لقد خاف الرشيد من الرأي العام والناس، لا من الله، فدعاهم إلى النظر ليشهدوا على أنه لا جرح ولا ضرب ولا أي أثر للقتل، ثم وضعت جنازة الإمام على الجسر ببغداد حيث يقيم أكثر الشيعة ونودي عليه: هذا موسی بن جعفر قد مات


1) مقاتل الطالبيين: 338

فانظروا إليه، فهاج الشيعة وكادت الفتنة تقع، فتداركها سليمان بن جعفر عم الرشید، فأخذ الجنازة من الشرطة وشيعها بموكب حافل، ومشي حافياً حاسراً، لا حباً للإمام ولا صلة للرحم كما زعم، بل خوفاً من الثورة على ابن أخيه هارون وسلطان العباسيين.

ولما جاء المأمون إلى الحكم ورأى ما رأى من كثرة الشيعة وإقبال الناس على الإمام الرضا ونقمتهم على أبيه والحاكمين من أسلافه، حاول أن یداهن ويستميل الرأي العام، فأظهر التشيع كذباً ونفاقاً، وأخذ يدافع ويناظر عن إمامة علي أمير المؤمنين وأنه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر، وهو لا يؤمن بشيء إلا بتثبيت ملكه وتوطيد سلطانه، والغريب أن حيل المأمون قد انطلت على كثير من الشيعة، فظنوا به خيراً، والحقيقة أن الرشيد والمأمون بنیا علی أساس واحد وهو الاحتفاظ بالسلطة وإن اختلف شكل البناء، فلقد دس الرشید السم إلى الإمام الكاظم، ودس المأمون السم للإمام الرضا، ولكن المأمون كان قد استفاد من أخطاء أبيه الرشيد الذي جاهر بالعداء لأهل البيت وسجن الإمام علناً ثم اغتاله بأسلوب يدينه وثبت عليه التبعات، ويثير السخط والاستياء، استفاد المأمون من أخطاء أبيه فأحكم الخطط لإخفاء جرائمه ومآثمة، وقصّته مع الإمام الرضا علیه السلام تدل على ذلك بوضوح، وهذه خلاصتها:

الإمام الرضا علیه السلام والمأمون :

كان الإمام علي بن موسی بن جعفر علیه السلام خيربني آدم في عصره على الاطلاق، وأعظم منزلة عند الله والناس، نقل المؤرخون وأهل السيرأن الإمام الرضا كان إذا مر ببلد ازدحم خاصة الناس وعامتهم في الطرقات، وأخذ الفقهاء والعلماء بركابه ولجام دابته، يسألونه أن يفيض عليهم من علمه ويحدثهم عن آبائه كما حصل لهحين مر بنیشابور. وخرج في أحد الأعياد للصلاة فامتلأت الطرقات والسطوح بالرجال والنساءوالصبيان، ولما بلغ الجادة رفع رأسه إلى

السماء وكبر فخيل إلى الناس أن الهواء والحيطان والأرض والسماء تجاوبه، وضجوا بالبكاء والصياح، وبلغ المأمون ذلك، فقال الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله الرجوع، فبعث إليه المأمون يسأله أن يرجع، فرجع.

وقد حاول المأمون أن يحط من قدر الرضا عند الناس ويظهر لهم أنه ما زهد في الدنيا إلا بعد أن زهدت فيه وامتنعت عنه، ولو وجد السبيل إليها لتقبلها بغبطة وسرور.

في المجلد 12 من الوسائل ص 147 أن المأمون اجتمع مع الرضا فقال له: يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني، فقال الرضا علیه السلام : بالعبودية لله عزوجل أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنياء وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، و بالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزوجل فقال له المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا عليه السلام: إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله لا بد لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال: إن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا علیه السلام: والله لقد حدثني أبي عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلی الله علیه و آله أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً،تبكي علي ملائكة السماءوالأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال: يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإسائة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا عليه السلام: أما أني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت، فقال المأمون: يا ابن رسول الله إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس أنك زاهد في الدنيا، فقال له الرضا علیه السلام: والله ما

كذبت منذ خلقني الله عزوجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق، قال: لك الأمان، قال: تريد أن يقول الناس أن علي بن موسی الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، أما ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟ قال: فغضب المأمون ثم قال: إنك تتلقاني أبدأ بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن لم تقبل ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك، فإن لم تفعل وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا علیه السلام: قد نهاني الله أن ألقي بيدي التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فأفعل ما بدا لك، وإنما أقبل ذلك على أن لا أولي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً. فرضي بذلك منه وجعله ولي عهده على كراهية منه علیه السلام لذلك».

وبالتالي فإن موقف المأمون من الإمام الرضا كموقف أبيه الرشيد من الإمام الكاظم وموقف جده المنصور من الإمام الصادق وموقف معاوية بن أبي سفيان من الإمام الحسن، لقد هانت دماء الأبرياء والأولياء على حكام الجور من أجل الملك، وهانت على المصلحين نفوسهم في سبيل الحق، ولذا نوالي هؤلاء، ونبرأ من أولئك.

المتوكل وعداؤه لأهل البيت علیه السلام:

في كتاب (الشيعة والحاکمون): «أن المتوکل كان معروفاً في اللهو والمجونو معاقرة الخمر، قال المسعودي: هو أول خليفة من بني عباس ظهر في مجلس اللعب و المضاحك والهزل».وقال السيد أمير علي في كتاب (مختصر تاريخ العرب): وفي عهده بدأ انحلال الامبراطورية العربية، وتسرب الفساد في جسم الدولة، وأمر الناس بالتمسك بالتقليد، وأقصى أحرار الفكر عن الوظائف، وتغلب عليه الأتراك، وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي .

وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبين: كان المتوکل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غلیظاً على جماعتهم، شديد الغلظة والحقد عليهم، وسوء الظن

والتهمة لهم... واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرض للناس، ومنع الناس من البربهم، وكان لا يبلغه أن أحداً وصل منهم بشيء وإن قل إلا أنهکه عقوبة، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعته ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات».(1)

هكذا شاء أمير المؤمنين المتوكل على الله أن تقبع العلويات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع عند الصلاة، وأن تختال الفاجرات العاهرات بالحلي وحلل الديباج بين الإماء والعبيد.

لقد أرسل الرشيد إلى بنات الرسول من يسلب الثياب عن أبدانهن، أما المتوكل فقد شدد وضيق عليهن حتى ألجأهن إلى العري، وهكذا تتطور الفلسفات والمناهج مع الزمن على أيدي القرشيين العرب أبناء الأمجاد والأشراف!

لقد تفرق العلويون أيام المتوكل (نيرون العرب) كما سماه بعض المؤرخين، فمنهم من تواري حتى مات في حال تواريه، كأحمد بن عیسی بن الحسين، وعبد الله بن موسی الحسيني، ومنهم من ثار من الضغط والجور محمد بن صالح، ومحمد بن جعفر.

ولم يكتف المتوكل بتنكيل الأحياء حتى اعتدى على قبور الأموات، فهدم قبر الحسين علیه السلام وما حوله من المنازل والدور ومنع الناس من زيارته، ونادى منادیه: من وجدناه عند قبر الحسين حبسناه في المطبق - سجن تحت الأرض - فقال الشاعر:

تالله إن كانت أمية قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها *** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا*** في قتله فتتبعوه رميما (2)


1) مقاتل الطالبيين: 396

2) البداية والنهاية لابن كثير 11: 143

وكان المتوكل يقرب علي بن جهم لأنه كان يبغض علية أمير المؤمنين، وكان ابن الجهم هذا مأبوناً، سمعه يوماً أبو العيناء يطعن على الإمام فقال له: إنك تطعن عليه لأنه قتل الفاعل والمفعول من قوم لوط، وأنت أسفلهما (ابن أبي الحديد ج 1 ص

363).

وكان ابن السكيت من كبار العلماء والأدباء في زمانه، وقد ألزمه المتوكل تعلیم ولده المعتز، فقال له يوماً: أيهما أحب إليك:ابنای هذان المعتزوالمؤيدأو الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت: والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك! فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات.

وكان عند المتوكل مخنث يدعى عبادة، فيشد على بطنه مخدة ويرقص بين يدي المتوكل والمغتون يغنون «أقبل البطين خليفة المسلمين» وهم يعنون علياً أمير المؤمنين، والمتوکل يشرب ويضحك. وفعل ذلك يوماً وابنه المنتصر حاضر، فقال لأبيه: إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله! فقال المتوكل للمغنين: غنوا۔

غار الفتى لابن عمه *** رأس الفتى في حر أمه

وسمعه يوماً يشتم فاطمة بنت الرسول، فسأل أحد الفقهاء فقال له: قد وجب عليه القتل، إلا أن من قتل أباه لم يطل عمره، فقال المنتصر: لا أبالي إذا أطعت الله بقتله ألا يطول عمري، فقتله فعاش بعده سبعة أشهر.

لقد أمر القرآن بمودة أهل البيت، وجعلها أجرأً وشكراً لمحمد على ما أسداه الأمته من الخير، فكانت النتيجة أن أقرب الناس إليه الذين حكموا وتحكموا برقاب الناس باسمه هم الذين استباحوا من دماء أبنائه والتنكيل بهم ما لا يقبل المزيد. إن الذين أنكروا محمداً ورسالته أهون على الإسلام بكثير من المتوكل وأمثاله الذين أظهروا الإسلام ثم كادوا له وخالفوه مخالفة المضاد المعاند و العدو الحاقد.

ونكتفي بما ذكرناه عن العباسيين، فإن فيه الدلالة الكافية الوافية على قبح سيرتهم وسوء سياستهم التي تتلخص بكلمتين: اجتراء على الشر والحرام، وشغف بالظلم والفساد، واحتقار للدين والإنسانية، والمصدر الوحيد لهذه السيئات والمنكرات هو حكم الفرد واستقلاله في شؤون الدولة، واستهتاره بحقوق الجماعة.

ومن كلام له علیه السلام :

في النهي عن غيبة الناس

(انَما یَنبَغِي لاَهلِ العصمَةِ وَالمَصنُوعِ إلَيهِم فِي السَّلامَة أَن یَرحَمُوا أهلَ الذُنُوبِ وَالمَعصِيَةِ وَيكُونَ الشُکرُ هُوَ الغالِبُ عَلَيهِم والحَاجِزَ لَهُم عَنهُم فَكَيفَ بِالعائِبَ الَّذي عَابَ أَخَاهُ وَعَيَّرَهُ بِبَلوَاهُ أَمَا ذَکَرَ مَوضِعَ سَترٍ الله عَلَيه مِن ذُنوبِه مِمَّا هُوَ أعظَمُ مِنَ الذَّنبِ الَّذَي عَابَه بِه وَكيفَ يَذَمُّهُ بّذَنبٍ قَد رَكِبَ مِثلَهُ فَإن لَم يَكُن رَكِبَ ذلكَ الذَّنبَ بِعَينِهِ فَقَد عَصِىَ اللهَ فِيمَا سَواهُ مِمَّا هُوَ أعظَمُ مِنهُ وَايمُ الله لَئِن لَم يَكُن عَصاهُ فِي الكَبيرِ وَعَصاهُ فِي الصَّغيرِ لَجَرَاءَتُةُ عَلَى عَيبِ النَّاسِ أَكبَرُ یا عَبدَ الله لا تَعجَل في عَيبِ أحَدٍ بذَنبِهِ فَلَعَلَهُ مَغفوُرٌ لَهُ وَلا تَأمَن عَلَى نَفسِكَ صَغيرَ مَعصِيَةٍ فَلَعَلک مُعَذَّبٌ عَلَيهِ فَليَكُفُف مَن عَلَمَ مِنكُم عَيبَ غَيرِهِ لمَا يَعلمُ مِن عَيبِ نَفسِهِ وَلیَكُن الشُكرُ شاغِلاً لَهُ عَلَى مُعافَاتِهِ ممَّا ابتُلِيَ بِهِ غَيرُهُ). (1)

الشرح:

من المألوف في الأوساط العادية أن يتفشى النقد للأشخاص، وليس ذلك النقد يستند إلى ناحية تبرره، وإنما هو التحدث عن معائب الناس، والافاضة في ذكر النقائص وشرح المعائب، ولن تجد في الحياة الانسانية من استوفى الكمال في جسمه، وفي خلقه، وفي أعماله، فكل إنسان إذا فتش نفسه يجد مساغاً للقول ونافذة يلج منها الناقدون من دون مشقة أو عناء.


1) شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 412، ط 1. ومن الطبعة الأولى ج 413/2

الغيبة وأثرها النفسي والاجتماعي:

ليس في هذه الأندية سوى الغيبة، وهي أن تذكر إنساناً بما يخدش شعوره ويجرح عاطفته إذا سمعه أو نقله ناقل .

إن هؤلاء الذين يألفون الغيبة لا يحسبون أنهم يعيشون في مجتمع، فالغيبة لابد أن تصل إلى صاحبها، فيتغير لك قلبه، وتمقتك طبائعه، ويجتنب صحبتك، ويغض طرفه عمن يعيبك، ولا تحسب أنك بمنجاة أن لا يعيبك مغتاب ولا يهاجمك مهاجم، وقد يتفنن الناس في الغيبة، فقد يعيبونه في تشويه في جسده أو بمحاكاة في عرج أو انتفاخ بطن، أو تقليده فيما نقص بأعين الناس من خشونة صوت وإمالة عنق، وقد يرمزون بألقاب و کنی يتعارفونها فيما بينهم. هذه نماذج تراها وتسمعها، وهناك في واقع الحياة العامة أشكال وصور أخرى تستطيع أن تعرفها بنظرة سطحية.

العاقل الفطن يتصون عن الغيبة، حيث إن الغيبة تباعد بين القلوب، وتقطع الروابط بين الناس من حب ومودة وصداقة. وقد تكون صدرت عن دواع غير أصيلة في النفس، وأما إذا صدرت من دواع أصيلة فهناك یكون فاعلها بؤرة شر، حيث إن بواعثها الأصيلة أصول الشرور كالحسد والكبر والحرص والحقد، ومن توجد في نفسه هذه العناصر اللئيمة والمبادئ الأثيمة فهو يعيش وحده تكفيه أدواؤه، ويقضي عليه بلاؤه.

وبالتالي، إن هذا الكلام له علیه السلام كما نبه عليه السيد الرضي رضی الله عنه وارد في مقام النهي عن غيبة الناس، وهي من أعظم الموبقات الموقعة في الهلكات، والموجبة الانحطاط الدرجات، لأن المفاسد التي تترتب على ارتكابها أكثر منالمفاسد التي تترتب على سائر المنهيات، وضررها ضرر نوعي، وضرر سائر المعاصي شخصي غالباً.

بيان ذلك كما قاله الشارح البحراني: أنه لما كان من المقاصد المهمة اجتماع النفوس على هم واحد وطريقة واحد، وهي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي، ولن يتم ذلك إلا بتعاون هممهم وتصافي بواطنهم

واجتماعهم على الألفة والمحبة، حتى يكونوا بمنزلة عبدٍ واحد في طاعة مولاه، ولن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن والأحقاد والحسد ونحوه، و كانت الغيبة من كل منهم لأخيه مثيرةً لضغنه، ومستدعيةً منه مثلها في حقه، لاجرم كانت ضد المقصود الكلي للشارع، فكانت مفسدة كلية».

قال الخوئي ميرزا حبیب الله: هذا هو محصل قوله سبحانه (وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِ وَالتَّقوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثمِ وَالعُدوانِ). (1)

وسنذكر لك معنى الغيبة والأدلة الواردة في ذمها ومفاسدها بعد الفراغ من شرح ما رواه السيد رضی الله عنه. قول علیه السلام : وإنما ينبغي لأهل العصمة وهم الذين عصمهم الله من المعاصي ووقاهم من الجرائر بجعل نفوسهم الأمارة مقهورة لقوتهم العقلانية بما عرفهم من معائب المعاصي ومنافع الطاعات، فحصل لهم بذلك ملكة الارتداع عن الذنوب والامتناع عن اقتحام المحارم، وهم.

المصنوع إليهم في السلامة :

أي الذين اصطنع الله سبحانه إليهم وأنعم عليهم بالسلامة من الانحراف عن صراطه المستقيم والاعتساف عن نهجه القويم، ومن الخروج من النور إلى الظلمات والوقوع في مهاوي الهلكات.

أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية.

لما رأوا منهم الخطيئة والعصيان والغرق في بحر الذل والهوان، والتيه في وادي الضلال والخذلان، والرحمة منهم إنما تحصل بانقاذهم الغريق من البحر العميق، وإرشاد التائه إلى الرشاد بالتنبه على السداد في العمل والاعتقاد.

ويكون الشكر منهم على ما اصطنع الله إليهم هو الغالب عليهم يعني أن اللازم على أهل العصمة أن يكون شكرهم على نعم الله سبحانه - ومن


1) المائدة: 2

أعظمها عصمته لهم من الاقتحام في المعاصي - هو الغالب عليهم دون غيرهم، والشاغل لهم عن حصائد الألسنة وعن التعريض بعيوب الناس، والحاجز لهم عنهم، وعن کشف سوآتهم وعوراتهم.

وإذا كان اللازم على أهل العصمة مع ما هم عليه من العصمة وترك المعاصي ذلك (فكيف) بمن هو دونهم من اسراء عالم الحواس والآخذين بهوى الأنفس والمتورطين في الجرائم وموبقات العظائم، أعني (الغائب الذي عاب) واغتاب (أخاه) بما يكرهه (وعيره) و قرعه (بیلواه) يعني أن اللائق بحال أهل العصمة إذا كان ترك التعرض بعيوب الناس، فغيرهم مع ما عليهم من العيب أولى بترك التعرض وأحرى.

وقوله علیه السلام: أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه.

توبيخ ولوم لهم على ترك الذكر، وتحضیض علی تداركه في المستقبل، يعني أنه ينبغي له أن يذكر مكان ستر الله عليه ذنوبه مع علمه وإحاطته سبحانه بها صغائرها و کبائرها وبواطنها وظواهرها وسوالفها و حوادثها، وقد ستر عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذي عابه به، فإذا ذكر معاملة الله سبحانه مع عبده هذه المعاملة وستره عليه جرائمه وجرائره له مع علمه بجميع ما صدر عنه من الخطايا والذنوب، فكيف به وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله، ولا يذم نفسه فإن لم يكن ركب مثل ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله سبحانه فيما سواه مما هو أعظم منه وأيم الله قسماً حقاً لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجرأته، على عيب الناس وغيبتهم أكبر.

ومحصل المراد أنه لا يجوز لأحد أن يعيب أخاه، لأنه إما أن يكون بذنب وقد ارتكب الغائب مثله أو أكبر منه أو أصغر، فإن كان بذنب قد ارتكب مثله أو أكبر كان له في عيب نفسه شغل عن عيب غيره.

وفيه قال الشاعر:

إذا جريت مع السفيه كما جرى *** فكلاكما في جريه مذموم

وإذا عتبت على السفيه ولمته *** في مثل ما تأتي فأنت ظلوم

لا تنه عن خُلُق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

وإن كان بذنب ارتكب أصغر منه فهو ممنوع أيضاً، لأن جرأته على الغيبة وإقدامه عليها أكبر المعاصي باعتبار ما يترتب عليها من المفاسد والمضار الدنيوية والأخروية.

ثم نادى علیه السلام نداء استعطاف فقال: «يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه، فلعله مغفور له، ولعله تائب عنه ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه و معاتب به.

ثم أكد لهم الوصية بقوله: فليكفف من علم منكم عيب غيره عن غيبته و توبیخه وتفضيحه لمكان ما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له علی ما أنعم الله سبحانه به عليه من معافاته و عصمته له مما ابتلي به غيره.

تنبيه: في تحقيق معنى الغيبة والأدلة الواردة في حرمتها

وما يترتب عليها من العقوبات ودواعيها ومستثنياتها وعلاجها و كفارتها.

وقد حقق الكلام فيها علماؤنا البارعون (قدس الله أرواحهم) في كتب الأخلاق والفقه في مقدمات أبواب المعايش بما لا مزيد عليه، بل أفرد بعضهم لتحقيقها رسالة مستقلة، فأحببنا أن نورد بعض ما فيها حسب ما اقتضته الحال، لكونها من أعظم عثرات الإنسان وأوبق آفات اللسان، فأقول وبالله التوفيق: الكلام في المقام في أمور:

الأمر الأول: في تحقيق معناها

فأقول: قال الفيومي: اغتابه اغتياباً: إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حق والاسم الغيبة، فإن كان باطلاً فهو الغيبة في بهت، وفي القاموس: غابه عابه وذكره بما فيه

من السوء، کاغتيابه، والغيبة _ بالكسر - فعلة منه. وعن الصحاح: الغيبة أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقاً سمي غيبة، وإن كان كذباً مي بهتاناً.

وعن النبي صلی الله علیه وآله _ وقد سأله أبو ذر عن الغيبة -: إنها ذكرك أخاك بما يكرهه. (1)

وفي رواية أخرى عنه صلی الله علیه وآله: أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلی الله علیه وآله: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. (2)

والظاهر أن يكون المراد بالذكر في كلامه وكلام غيره - كما فهمه الأصحاب الأعم من الذكر القولي، وإن كان عبارة الصحاح تفيد الاختصاص، فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول والفعل والاشارة وغيرها فهو ذكر له، وممن صرح بالعموم ثاني الشهيدين وصاحب الجواهر وشيخنا العلامة الأنصاري في المكاسب.

قال الغزالي: إن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والاشارة والايماء والغمز والهمزوالكتابة والحركة و كل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، فمن ذلك قول عائشة: دخلت علينا امرأة، فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال صلی الله علیه وآله: اغتبتها. ومن ذلك المحاكاة، كأن يمشي متعارجاً أو كما يمشي، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم، ولما رأى صلی الله علیه وآله عائشة حاكت امرأة قال صلی الله علیه وآله: ما يسرني أني حاكيت إنساناً ولي كذا و كذا و كذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسائين.

قال شيخنا العلامة الأنصاري: ومن ذلك تبین المطلب الذي ذكره بعض المصنفين بحيث يفهم منه الأزراء بحال ذلك المصنف، فإن قولك إن هذا المطلب بديهي البطلان تعريض لصاحبه بأنه لا يعرف البديهيات، بخلاف ما


1) أمالي الطوسي: 537؛ مکارم الأخلاق للطبرسي: 470

2) عوالي الليالي 1: 275؛ بحار الأنوار 72: 222

إذا قيل إنه مستلزم لما هو بديهي البطلان، لأن فيه تعريضأ بأن صاحبه لم ينتقل إلى الملازمة بين المطلب وبين ما هو بديهي البطلان، ولعل الملازمة نظرية.(1)

هذا والمرادمن الأخ في النبويين كما صرح به غير واحد من الأعلام _ هو المسلم، فإن غيبة الكافر وإن تسمى غيبة في اللغة إلا أنها لا يترتب عليها حكم الحرمة، إذ لا أخوة بينه وبين المسلم، بل لا خلاف في جواز غيبتهم وهجوهم وسبهم ولعنهم وشتمهم مالم یکن قذفاً، وقد أمر رسول الله صلی الله علیه وآله حساناً بهجوهم، وقال: إنه أشد عليهم من رشق النبال. وبذلك يظهر اشتراك المخالفين للمشركين في جواز غيبتهم، كما يجوز لعنهم لانتفاء الأخوة بينهم وبين المؤمنين، ولذلك قال ثاني الشهيدين في حدها: هو القول وما في حكمه في المؤمن بما يسوءه لو سمعه مع اتصافه به.

اختصاص حرمة الغيبة بين المؤمنين:

وفي جامع المقاصد: وحدها على ما في الأخبار أن يقول المرء في أخيه ما يكرهه لو سمعه مما فيه، ومن المعلوم أن الله تعالى عقد الأخوة بين المؤمنين بقوله (إنَمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ) (2)دون غيرهم، و كيف تتصور الأخوة بين المؤمن والمخالف بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات في وجوب معاداتهم والبرائة منهم. فانقدح بذلك فساد ما عن الأردبيلي والخراساني رحمهما الله من المنع عن غيبة المخالف نظراً إلى عموم أدلة تحريمها من الكتاب والسنة، لأن قوله تعالى (ولا يغتب) خطاب للمكلفين أو خصوص المسلمين، وعلى التقديرين فيعم المخالف، والسنة أكثرها بلفظ الناس والمسلم، وهما معاً شاملان للجميع، ولا استبعاد في ذلك، إذ كما لا يجوز أخ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عرضه.


1) المكاسب 1: 331

2) الحجرات: 10

ووجه ظهور الفساد أن ذيل الآية مفيد لاختصاص الخطاب بالمؤمنين، الأن تعليل النهي عنها بأنها بمنزلة أكل لحم الأخ يدل على اختصاص الحرمة بمن كان بينه وبين المغتاب أخوة كما أشرنا.

قال شيخنا العلامة: وتوقم عموم الآية كبعض الروايات المطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلا قليلاً مما يتوقف استقامة نظام معاش المؤمنين عليه، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحل ذبائحهم ومناكحهم، وحرمة دمائهم، لحكمة دفع الفتنة وفسادهم لأن لكل قوم نکاحاً أو نحو ذلك.

وقال صاحب الجواهر بعد نقل کلام الأردبيلي: ولعل صدور ذلك منه الشدة تقاته وورعه، لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص -بل تواترت -من لعنهم وسبهم وشتمهم وكفرهم وأنهم مجوس هذه الأمة وأشرمن النصارى و أنجس من الكلاب، أن مقتضى التقدس والورع خلاف ذلك، وصدر الآية (الَّذينَ آمَنُوا) وآخرها بأكل لحم الأخ (إلى أن قال): وعلى كل حال فقد ظهراختصاص الحرمة بالمؤمنين القائلين بإمامة الأئمة الإثني عشر دون غيرهم من الكافرين و المخالفين ولو بإنكار واحد منهم.

ثم الظاهر من المؤمن المغتاب - بالفتح - أهم من أن يكون حياً أو ميتاً، ذكراً أو أنثی، بالغاً أو غير بالغاً، مميزاً أو غير مميز، وقد صرح بالعموم شیخنا السيد العلامة طاب رمسه في مجلس الدرس، ومثله کشف الريبة، حيث صرح بعدم الفرق بين الصغير والكبير، وظاهره الشمول لغير المميز أيضاً.

وقال شيخنا العلامة الأنصاري: الظاهر دخول الصبي المميز المتأثر بالغيبة لو سمعها لعموم بعض الروايات المتقدمة وغيرها، الدالة على حرمة اغتياب الناس وأكل لحومهم مع صدق الأخ عليه، كما يشهد به قوله تعالى:

(وان تُخالِطُوهُم فَإخوانُكُم )(1)ومضافاً إلى إمكان الاستدلال بالآية وإن كان الخطاب للمكلفين بناء على عدة أطفالهم منهم تغليبأً، وإمكان دعوی صدق المؤمن عليه مطلقاً أو في الجملة. (2)

وعلى ما ذكرناه من التعميم فلابد أن يراد من السماع في تعريفهم لها بأنها ذكر المؤمن بما يسوءه لو سمعه الأعم من السماع الفعلي، والمراد بالموصول فيما يسوءه ما يكره ظهوره، سواء کره وجوده کالجذام والبرص ونحوهما أم لا کالميل إلى القبائح.

والمستفاد من بعض الروايات كغير واحد من الأصحاب عدم الفرق في مایکره بین أن یکون نقصاً في الدين أو الدنيا أو البدن أو النسب أو الخلق أو الفعل أو القول أو ما يتعلق به من ثوبه أو داره أو دابته أو غير ذلك.

أما في الدين فكقولك: هو سارق، أو كذاب، أو شارب الخمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة أو الزكاة،أو لا يحسن الركوع أو السجود،أو لا يحترزمن النجاسات، أو ليس باراً بوالديه.

وأما في الدنيا فكقوله: إنه قليل الأدب متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقاً، أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام، أو كثير الأكل، أو كثير النوم ينام في غير وقته.

وأما البدن فكما تقول: إنه طويل أو قصير أو أعمش أو أحول أو أقرع أو لونه أصفر أو أسود ونحن ذلك مما يسوئه.

وأما النسب فكقولك: أبوه فاسق أو خسيس أو حجام أو زبال أو ليس بنجيب.

وأما الخلق فبأن تقول: إنه سيء الخلق بخيل متکبر مختال مراء شديد الغضب جبان عاجز ضعیف القلب متهور وما يجري مجرى ذلك.


1) البقرة: 220

2) المكاسب 1: 319 - 320

وأما الفعل فإما أن يكون متعلقاً بالدين أو الدنيا، وقد مر مثالهما.

وأما القول: فكقولك: إنه كذاب أو سباب أو أنه نمام أو أعجم أو ألكن أو ألثغ أو أليغ ونحو ذلك.

وأما في ثوبه: فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب ونحوها.

وأما في داره فكما تقول: إنه مفحص قطاة، أي في الصغر، أو كدير النصارى أو نحوهما.

وأما في دابته فكقولك لحصانه: إنه برذون، أو لبغلته إنها بغلة أبی دلامة أي كثيرة العيوب.

الثاني: في الأدلة الدالة على حرمة الغيبة

وما ترتب عليها من الذم والعقوبة فأقول: إنها محرمة بالأدلة الأربعة - أعني الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فأما الإجماع فواضح، وأما العقل فلأنها موجبة لفساد النظام وانفصام عروة الانتظام، وعليها بنى القبائح، ومنها يظهر العدو المكاشح، على ما مر توضيحه في شرح کلام الإمام عليه السلام.

الدليل القرآني:

وأما الكتاب فمنه قوله تعالى: (وَلا یَغتَب بَعضُكُم بَعضاً أَيحِبُ أَحَدَكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخيهِ مَيتاً فَكَرَهتُمُوهُ واتَّقوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوابٌ رَحِيمٌ) (1)فجعل سبحانه المؤمن أخاً، وعرضه كلحمه، والتفكه به أكلاً، وعدم شعوره بذلك بمنزلة حالة موته.

قال الفخر الرازي: الحكمة في هذا التشبيه الاشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهذا من باب القياس الظاهر، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولی، لأن


1) الحجرات: 12

ذلك آلم، وقوله لحم أخيه آكد في المنع، لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو، فقال تعالى أصدق الأصدقاء من ولدته أمك، فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالی میتاً إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال: القول في الوجه يؤلم فيحرم، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال: أكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم، كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لألمه ذلك..

ومن الكتاب أيضا قوله سبحانه: (وَيلٌ لِكُلِ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (1)قال الليث: الهمزة هو الذي يعيبك بوجهك، واللمزة الذي يعيبك بالغيب، وقيل: الهمز ما يكون باللسان والعين والاشارة، واللمز لا يكون إلا باللسان، وقيل: هما بمعنى واحد.

ومنه أيضاً قوله: (لا یُحِبُ اللهُ الجَهرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلَّا مَن ظُلمَ) (2)وقوله:(إنَّ الَّذينَ يُحبُونَ أَن تَشيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذيِنَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَليمٌ )(3)روى في الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عزوجل:(إنَّ الَّذينَ يُحِبُونَ أَن تَشيعَ الفاحِشَةُ). (4)

الدليل الروائي:

وأما السنة فيدل عليها منها أخبار لا تحصى:

مثل ما رواه في الكافي عن ابن إبراهيم عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه . (5)


1) الهمزة: 1

2) النساء: 148

3) النور: 19

4) الكافي 2: 357/ ح 2

5) الكافي 2: 357 ح 1

قال: وقال رسول الله صلی الله علیه وآله : الجلوس في المجلس انتظار (1)الصلاة عبادة ما لم يحدث، قیل: یا رسول الله وما يحدث ؟ قال: الاغتياب.(2)

وفيه مسنداً عن مفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: من روی على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبلهالشيطان. (3)

وفي الوسائل من المجالس بإسناده عن أبي بصير، عن النبي صلی الله علیه وآله في وصية له قال: يا أبا ذر إياك والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، قلت: ولم ذاك یا رسول الله؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها، يا أبا ذر سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، قلت: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكرهه، قلت: يا رسول الله فإن كان فيه الذي يذكر به؟ قال: اعلم أنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. (4)

وفي الوسائل أيضاً عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد مسنداً عن زید بن علي، عن آبائه علیهم السلام، عن النبي صلی الله علیه وآله قال: تحرم الجنة على ثلاثة: على المنان، و على المغتاب، وعلى مدمن الخمر.(5)

وفيه أيضاً عن أبي عبد الله الشامي، عن نوف البكالي أنه قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام وهو في رحبة مسجد الكوفة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقلت: يا


1) في بعض المصادر: الانتظاره، وفي بعضها انتظاراً للصلاة.

2) الكافي 2: 357/ ح 1

3) الكافي 2: 358/ ح 1

4) وسائل الشيعة 12: 281 ح 16308

5) وسائل الشيعة 12: 281 ح 16209

أمير المؤمنین عظني، فقال: يانوف أحسن حسن إليك.. إلى أن قال: قلت: زدني قال: اجتنب الغيبة فإنها أدام كلاب النار، ثم قال: يانوف كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة. (1)

وفي المكاسب لشيخنا العلامة الأنصاري (طاب رمسه) عن النبي صلی الله علیه وآله أنه خطب يوماً فذكر الربا و عظم شأنه فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل أعظم من ستة وثلاثين زنية، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم.

وعنه صلی الله علیه وآله: من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين صباحاً، إلا أن يغفر له صاحبه.

وعنه صلی الله علیه وآله: من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب خالدأ في النار وبئس المصير.

وعنه صلی الله علیه وآله: كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، فاجتنب الغيبة فإنها أدام کلاب النار.

وعنه صلی الله علیه وآله: من مشى في غيبة أخيه و کشف عورته كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم.

وروي أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار.

وعنه صلی الله علیه وآله : إن الغيبة حرام على كل مسلم، وإن الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.(2)

قال شيخنا قدس سرُّه: وأكل الحسنات إما أن يكون على وجه الاحباط لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه، أو لأنها تنقل الحسنات إلى المغتاب كما في غير واحد من الأخبار، ومن جملتها النبوي: يؤتى بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الرب عزوجل يدفع


1) وسائل الشيعة 12: 283 ح 16315

2) وردت هذه الأحاديث في المكاسب 1: 316- 317

إليه كتابه، فلا يرى حسناته فيه، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي لا أرى فيه حسناتي، فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسی، ذهب عملك باغتياب الناس، ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملت هذه الطاعات، فيقال له: إن فلاناً اغتابك، فدفعت حسناته إليك. (1)

وفي عقاب الأعمال بإسناده عن أبي بردة قال: صلى بنا رسول الله صلی الله علیه وآله ثم انصرف مسرعاً حتى وضع يده على باب المسجد، ثم نادى بأعلى صوته: يا معشر الناس لا يدخل الجنة من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المؤمنين، فإنه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته. (2)

وفيه أيضاً بإسناده عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد علیهما السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: أربعة يؤذون أهل النار من الأذى، يسقون من الحميم والجحيم، ينادون بالويل والثبور، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: مالهؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى: فرجل معلق عليه تابوت من جمر، ورجل تجري أمعاؤه صديداً ودماً أسود نتناً، ورجل يسيل فوه فيحاً ودماً، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا علی ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس لا يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء ثم يقال للذي تجري أمعاؤه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده، ثم يقال للذي يسيل فوه قيحاً ودماً: ما بال الأبعد قد آذانا على مابنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان يحاكي فينظر إلى كل كلمة خبيثة ويحاكي بها ثم يغتاب الناس، ثم يقال للذي


1) المكاسب 1: 317 - 318

2) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: 241، عقاب من تتبع عورة المؤمن.

يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة.(1)

وفي الأنوار النعمانية للمحدث الجزائري عن النبي صلی الله علیه وآله أنه قال: مررت ليلة أسري بي إلى السماء على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرائیل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم.(2)

وفيه أيضاً: وروي أنه أمر بصوم يوم وقال: لا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس حتى أمسوا، جعل الرجل يجيء فيقول: يا رسول الله ظللت صائماً فأذن لي لأفطر فيأذن له، والرجل والرجل حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله فتاتان من أهلي ظلتا صائمتين فإنهما تستحيان أن يأتيانك فأذن لهما أن تفطرا، فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فقال صلی الله علیه وآله : إنهما لم تصوما، و کیف صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس؟ اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا، فرجع إليهما فأخبرهما فاستقائنا فقائت كل واحدة منهما علقة من دم، فرجع إلى النبي صلی الله علیه وآله: فأخبره، فقال صلی الله علیه وآله: والذي نفس محمد بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار. (3)

وفي رواية أنه لما أعرض عنه جائه بعد ذلك وقال: يا رسول الله إنهما والله لقد قائتا و كادتا أن تموتا، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : ائتوني بهما، فجاء تا، فدعى بقدح فقال لإحداهما: قيئي! فقاءت من قيح ودم صديد حتى ملأت القدح؛ وقال للأخرى: قيئي، فقاءت كذلك، فقال صلی الله علیه وآله : إن هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرنا على ما حرم الله عليهما: جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلنا تأكلان لحوم الناس. (4)

وروى الغزالي في إحياء علوم الدين عن أنس مثلها.


1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 246 - 247

2) رواه المجلسی في بحار الأنوار 72: 222

3) انظر تفسير ابن كثير4 :230؛ الدر المنثور للسيوطي 6: 96

4) انظر أيضأ تفسير ابن كثير4 : 230؛ تفسير الدر المنثور6 : 95

قال شيخنا العلامة (طاب رمسه): ثم إنه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممن يمدح المغتاب في حضوره، وهذا وإن كان في نفسه مباحاً، إلا أنه إذا انضم مع ذمه في غيبته مي صاحبه «ذا اللسانين»يوم القيامة وتأكد حرمته، ولذا ورد في المستفيضة أنه يجيء ذو اللسانين يوم القيامة وله لسانان من نار؛ فإن لسان المدح في الحضور وإن لم يكن لساناً من نار، إلا أنه إذا انضم إلى لسان الذم في الغياب صار كذلك.

وفي المجالس بسنده عن حفص بن غياث، عن الصادق علیه السلام، عن أبيه، عن آبائه علیهم السلام، عن علي علیه السلام قال: قال رسول الله : من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من ورائه فقد انقطعت العصمة بينهما.

وعن الباقر علیه السلام : بئس العبد عبد یکون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أعطي حسده، وإن ابتلي خذله. (1)

الثالث: في دواعي الغيبة

وهي كثيرة، وقد أشار إليها الصادق عليه السلام إجمالاً بقوله: الغيبة تتنوع عشرة أنواع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتصديق خبر بلا کشف، وتهمة، وسوء ظن، وحسد، وسخرية، و تعجب، وتبرم، و تزین. رواه في المكاسب (2)والأنوار النعمانية.

وأما تفصيلها فقد نبه عليها أبو حامد الغزالي في إحیاء العلوم فقال: فالأول: تشفي الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنه إذا هاج غضبه يشتفي بذلك بذكر مساويه فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن دین رادع، وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب، بالباطن فيصير حقداً ثابتاً، فيكون سبباً دائماً لذكر المساوي، فالحقد والحسد من البواعث العظيمة على الغيبة.

الثاني: موافقة الأقران و مجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنهم


1) المكاسب للأنصاري 1: 363 - 364

2) المكاسب 1: 331

إذا كانوا يتفکهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب بغضبهم إظهاراً للمساهمة في السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوئ.

الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل أن يقبح هو حاله، ويطعن فيه ليسقط أثرشهادته، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد به ويقول: ما من عادتي الكذب، فإني أخبرتكم بكذا وكذا عن أحواله فكان كما قلت.

الرابع: أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه، فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل، فلا ينسب غيره إليه، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.

الخامس: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان جاهل وفهمه ركيك، وغرضه في ضمن ذلك فضل نفسه ويوهم أنه أفضل منه، أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك.

السادس: الحسد وهو أنه ربما يحسد من یثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إليه إلا بالقدح فيه، فیرید أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن الكرامة والثناء عليه.

السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتوجيه الوقت بالذكر وتزيين الوقت بالذكر، فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤه التعجب والتعجيب.

الثامن: السخرية والاستهزاء استحقارأً له، فإن ذلك قد يجري في الحضور ويجري أيضاً في الغيبة، ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزء به.

التاسع: الرحمة وهو مأخذ دقيق ربما يقع فيه الخواص، وهو أن يغتم بسبب ما

يبتلى به فيقول: مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به، فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر عن ذكر اسمه، فيصير بذكره مغتاباً، فيكون غمه ورحمته خيراً، لكنه ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري، والترحم والاغتمام ممكن من دون ذكر اسمه، فهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه و ترحّمه.

العاشر: الغضب لله تعالى، وهو كسابقه في غموض إدراكه وخفائه على الخواص فضلاً عن العوام، فإنه قد يغضب على منکر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه، فيظهر غضبه ويذكر اسمه، و كان الواجب أن يذكر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهر على غيره أو يستره ولا يذكر اسمه بالسوء.

الرابع: في عدم جواز استماع الغيبة

قال شيخنا في المكاسب: يحرم استماع الغيبة بلا خلاف، فقد ورد أن السامع للغيبة أحد المغتابين، والأخبار في حرمته كثيرة، إلا أن ما يدل على كونه من الكبائر کالرواية المذكورة ونحوها ضعيفة السند. (1)

أقول: ومن جملة الأخبار الدالة على حرمته ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بإسناده عن أبي الورد، عن أبي جعفر علیه السلام قال: من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته حقره الله عزوجل في الدنيا والآخرة. (2)

وفيه أيضاً في حديث طويل عن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: ومن رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عزوجل الله عنه ألف باب من الشرفي الدنيا والآخرة، وإن لم يرد عنه كان عليه كوزر من اغتاب. (3)


1) المكاسب 1: 359

2) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 250، عقاب من اغتيب عنده المؤمن.

3) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 280 - 285، عقاب مجمع عقوبات الأعمال. فلم ينصره

وفي الوسائل عن الصدوق بإسناده عن شعیب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه علیه السلام في حديث المناهي، أن رسول الله صلی الله علیه وآله نهی عن الغيبة والاستماع إليها، ونهی عن النميمة والاستماع إليها، وقال: لا يدخل الجنة قتات _ یعنی نماماً _ ونهی عن المحادثة التي تدعو إلى غير الله عزوجل ونهي عن الغيبة وقال: من اغتاب امرءاً مسلماً بطل صومه، ونقض وضوءه، يوم القيامة تفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى بها أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلاً لما حرم الله عزوجل ألا ومن تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه، رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة، فإن لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه کوزر من اغتابه سبعين مرة. (1)

قال شيخنا: ولعل وجه زيادة عقابه أنه إذا لم يرده تجرأ المغتاب على الغيبة، فيصر على هذه الغيبة وغيرها، ثم قال: والظاهر أن الرد غير النهي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة، فإن كان عيباً دنيوياً انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبه الله به، وإن كان عيباً دينياً وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية، فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلى بالمعصية، فينبغي أن يستغفر له ويهتم له لا أن يعير عليه، لأن تعبيرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته ونحوه.(2)

ثم اعلم أن المحرم إنما هو سماع الغيبة المحرمة دون ماعلم حليتها ولو كان متجاهراً عند المغتاب مستوراً عند المستمع، وقلنا بجواز الغيبة حينئذ للمتكلم،فالأقوى جواز الاستماع لأنه قول غير منکر، فلا يحرم الإصغاء إليه للأصل، والرواية الدالة على


1) وسائل الشيعة 12: 282ح/16312

2) المكاسب للأنصاري 1:362 - 363

كون السامع أحد المغتابين تدل على أن السامع للغية كقائل تلك الغيبة، فإن كان القائل عاصيا كان المستمع كذلك، فيكون دليلاً على الجواز فيما نحن فيه.

الخامس: في مستثنيات الغيبة

إن الموارد التي يجوز فيها الغيبة جوازاً بالمعنى الأعم، فإن المستفاد من الأخبار أن حرمتها إنما هو لأجل ما فيها من هتك عرض المؤمن وانتقاصه و تأدیه، فلو لم توجب هتكاً لكونه مهتوکاً بدونها، ككونه متجاهراً بالفسق أولم يقصد بها الانتقاص بالذات فلا.

قال في جامع المقاصد: وضابط الغيبة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن والتفکّه به أو إضحاك الناس منه، وأما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم، كنصيحة المستشير والتظلم... الخ. (1)

قال الشيخ العلامة: حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤمن و تأذيه منه، فإذا فرض هناك مصلحة راجعة إلى المغتاب بالكسر أو الفتح أو ثالث، دل العقل أو الشرع على كونها أعظم من مصلحة احترام المؤمن بترك ذلك القول فيه، وجب كون الحكم على طبق أقوى المصلحتين كما هو الحال في كل معصية من حقوق الله و حقوق الناس. (2)

إذا عرفت ذلك فنقول: إن مسوغاتها أمور:

الأول: التظلم، أي تظلم المظلوم بذكر ظلم الظالم عند من يرجو رفع الظلم منه، قال سبحانه:(لا يُحِبُ اللهُ الجَهرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إِلا مَن ظُلِمَ)(3)فعن تفسير القمي: أي لا يحب أن يجهر الرجل بالظلم والسوئة ويظلم إلا من ظلم، فأطلق أن يعارض بالظلم. (4)


1) جامع المقاصد 4: 27

2) المكاسب للشيخ الأنصاري 1: 342

3) النساء: 148

4) تفسير القمي 1: 157

قال شيخنا العلامة: ويؤيد الحكم فيه أن في منع المظلوم من هذا الذي هو نوع من التشقي حرجاً عظيماً، ولأن في تشريع الجواز مظنة ردع للظالم، وهي مصلحة خالية عن مفسدة، فيثبت الجواز لأن الأحكام تابعة للمصالح، ويدل عليه ما روي عن النبي صلی الله علیه وآله : مطل الواجد يحل عقوبته وعرضه. (1)

الثاني: نصح المستشير، فإن النصيحة واجبة للمستشير، فإن خيانته قد تكون أقوى مفسدة من مفسدة الغيبة، فقد قال النبي صلی الله علیه وآله لفاطمة بنت قيس المشاورة في خطابها: معاوية صعلوك لا مال له، و أبو الجهم لا يضع العصا على عاتقه. (2)

قال شيخنا: و كذلك النصح من غير استشارة، فإن من أراد تزويج إمرأة وأنت تعلم بقبائحها التي توجب وقوع الرجل في الغيبة والفساد لأجلها، فلا ريب أن التنبيه على بعضها - وإن أوجب الوقيعة فيها - أولی من ترك نصح المؤمن، مع ظهور عدة من الأخبار في وجوبه. (3)

الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان حقي فكيف طريقي في الخلاص؟ قال أبو حامد: أو أخوه أو زوجته، ولكن التعيين مباح بهذا القدر، وقيده شيخنا العلامة بما إذا كان الاستفتاء موقوفاً على ذكر الظالم بالخصوص، وإلا فلا يجوز، وظاهر الأخبار كظاهر كثير الأصحاب هو الاطلاق.

واستدلوا عليه بما روي عن هند زوجة أبي سفيان أنها قالت للنبي صلی الله علیه وآله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، أفأخذ من غير علمه؟ فقال صلی الله علیه وآله: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فذكرت الظلم والشح لها لولدها، ولم يزجرها إذ كان قصدها الاستفتاء.

وبصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله علیه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلی الله علیه وآله


1) بحار الأنوار 72 :231

2) جواهرالكلام 66:22 ؛ بحار الأنوار 72: 232

3) المكاسب 1: 352

فقال: إن أمي لا تدفع ید لامس، فقال صلی الله علیه وآله : احبسها، قال: قد فعلت، فقال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: فقيدها فإنك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله عزوجل واحتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل. (1)

الرابع: تحذير المسلم من الشر وعن الوقوع في الضرر لدنيا أودين، لأن مصلحة دفع فتنة الشر والضرر أولی من هتك شر المغتاب، مثل من يريد أن يشتري مملوكاً وأنت تعلم بكونه موصوفاً بالسرقة أو بعيب آخر، فسكوتك عن ذكر عيبه إضرار بالمشتري، وكذلك المبتدع الذي يخاف من إضلاله الناس، فإذا رأيت من يتردد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدى إليه بدعته أو فسقه فلك أن تكشف مساويه.

ويدل عليه ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم کیلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، وتحذرهم الناس ولا يتعلموا من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة. (2)

هذا وربما يجعل هذا المورد من باب نصح المستشير بعد تعميمه بالنسبة إلى النصح المسبوق بالاستشارة وغيره.

الخامس: قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله إذا لم يمكن الردع إلا به، فإنه أولى من ستر المنكر عليه، فهو في الحقيقة إحسان في حقه، مضافاً إلى عموم أدلة النهي عن المنكر.

السادس: باب الترجيح والتعديل في الرواية لأجل معرفة قبول الخبر وعدمه ومعرفة صلاحيته للمعارضة وعدمها، وإلا لأنسد باب التعادل والترجيح الذي هو أعظم


1) المكاسب 1: 352 - 353

2) الكافي 2: 375 ح 4

أبواب الاجتهاد وجرت السيرة عليه من قديم الزمان کجریانها على الجرح في باب الشهادة و علی ترجيح ما دل على وجوب إقامتها على ما دل على حرمة الغيبة على وجه الإشكال فيه، وإلا لضاعت الحقوق في الدماء والأموال وغيرها، ولغلب الباطل، ويلحق بذلك الشهادة بالزنا وغيره لإقامة الحدود.

السابع: دفع الضرر عن المغتاب في دم أو عرض أو مال، وعليه يحمل ما ورد في ذم زرارة من عدة أحاديث،وقد ورد التعليل بذلك في بعض الأحاديث، ويلحق بذلك الغيبة للتقية على نفس المتكلم أو ماله أو عرضه، فإن الضرورات تبيح المحظورات.

الثامن: ذكر الشخص بعينه الذي صار بمنزلة الصفة المميزة التي لا يعرف إلا بها، كالأعمش والأعرج والأشتر والأحول ونحوها، فلا بأس بها إذا صارت الصفة في اشتهار يوصف بها الشخص إلى حيث لا يكره ذلك صاحبها، وعليه يحمل ما صدر عن العلماء الأعلام.

التاسع: إظهار العيوب الخفية للمريض عند الطبيب للمعالجة.

العاشر: رد من ادعى نسباً ليس له، فإن مصلحة حفظ الأنساب أولى من مراعاة حرمة المغتاب.

الحادي عشر: إذا علم إثنان عن رجل معصية وشاهداها، فأجرى أحدهما ذكره في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا، وإن كان الأولى تنزيه اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض الصحيحة،خصوصاً مع احتمال نسيان المخاطب لذلك أو خوف اشتهاره.

الثاني عشر: غيبة المتجاهر بالفسق في ما تجاهر به، فإن من لا يبالي بظهور فسقه بين الناس لا يكره ذكره بالفسق، وقد قال الإمام عليه السلام : إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة، (1)وفي رواية أخرى: من ألقى جلباب


1) أمالي الصدوق: 93/ ح 68؛ وسائل الشيعة 12: 289/ ح 16327

الحياء فلا غيبة له. (1)وأما جواز غيبته في غير ما تجاهر به فقد منع منه الشهيد الثاني، وحكي عن الشهيد الأول أيضاً، واستظهر الفاضل النراقي الجواز.

قال شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره: ظاهر الروايات النافية لاحترام المتجاهر وغير الساتر هو الجواز.

واستظهره في الحدائق من كلام جملة من الأعلام، وصرح به بعض الأساطين. قال شيخنا العلامة: وينبغي إلحاق ما يتستر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح، فمن تجاهر والعياذ بالله باللواط جاز اغتيابه بالتعريض للنساء الأجانب، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بشرب الخمر، ومن تجاهر بالقبائح المعروفة جاز اغتيابه بكل قبيح، ولعل هذا هو المراد بمن ألقى جلباب الحياء، لا من تجاهر بمعصيةخاصة وغدا مستوراً بالنسبة إلى غيرها كبعض عمال الظلمة. (2)

هذا،وهذه الموارد المذكورة هو المعروف استثناؤها بين جمع من الأصحاب،وبعضهم قد زادوا عليها، وبعضهم قد نقصوا، ولا حاجة إلى الأطناب بعد ما عرفت أن مدار الحرمة على قصد الانتقاص والأذى بالذات، والله أعلم.

السادس: في معالجة الغيبة

وعلاجها إنما هو بالعلم بما يترتب عليها من المفاسد الدنيوية والأخروية، وبالتدبيرفي المضار المترتبة عليها عاجلاً و آجلاً.

أما المضار الدنيوية: فهو أنها تورث العداوة والشحناء، وتوجب غضب المغتاب، فيكون في مقام المكافاة والمجازاة لشنيع قولك، فيغضبك ويؤذيك ويهينك، ومن ذلك ينبعث الفساد، وربما يؤول الأمر إلى ما لا يمكن علاجه، بل قد يؤول إلى القتل والجرح والاستيصال وإتلاف الأموال وغيرها.

وأما المضار الأخروية: فيحصل التنبه عليها بالتفكر والتدبر في الآيات


1) تحف العقول: 45، الاختصاص للمفيد: 242

2) المكاسب 1: 345 - 346

والأخبار الواردة في ذمها وعقوبتها، وبالعلم بأنها توجب دخول النار وغضب الجبار ومقته، وتحبط الحسنات و تنقلها إلى ميزان حسنات المغتاب، فإن لم تكن له حسنةنقل الله من سيئات خصمه بقدر ما استباحه من عرضه، قال صلی الله علیه وآله : ما النار في اليبس أسرع من الغيبة في حسنات العبد. (1)

وإن كانت الغيبة في العيب بالخلق فليعلم أنه عيب على الخالق، فإن من ذم الصنعة فقد ذم الصانع. قيل لحكيم: يا قبيح الوجه، قال: ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه، وروي أن نوحا علیه السلام مر علی کلب أجرب فقال: ما هذا الكلب؟ فنطق وقال: يا نبي الله هكذا خلقني ربي، فإن قدرت أن تغير صورتي بأحسن من هذه الصورة فافعل، فندم نوح على ما قال وبكى أربعين سنة، فسماه الله نوحاً، وكان اسمه عبد الملك أو عبد الجبار.

وروي أيضاً أنه مر عيسی عليه السلام ومعه الحواریون بجيفة كلب فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال علیه السلام ما أشد بياض أسنانه، كأنه نهاهم عن غيبة الكلب وتعيبه، (2)فانظر إلى عظم الخطر في تعيب الناس، فإذا لم يرض أولياء الدين بعيب ميتة حيوان، فكيف بعيب النفوس المحترمة. قال رسول الله صلی الله علیه وآله: طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس. (3)فإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك، قال الشاعر:

وأجرء من رأيت بظهر غيب *** على عيب الرجال وذو العيوب

فلربما تبصر في عين أخيك القذى ولا تبصر الجذع في عينيك.

ومصروفة عيناه عن عيب نفسه *** فإن لاح عيب من أخيه تبصرا

وقد قيل للربيع بن خیثم: ما نراك تعيب أحدأً: قال: لست راضياً عن نفسی فأتفرغ لذكر عيوب الناس، ثم قال:


1) بحار الأنوار 72: 229

2) مستدرك الوسائل 9: 121ح10417

3) بحار الأنوار 72: 229

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها *** لنفسي في نفسي عن الناس شاغل

نعوذ بالله من زلات البيان وهفوات اللسان وسقطات الألفاظ ورمزات الألحاظ..

السابع: في كفارة الغيبة

قال المحدث الجزائري قدس سره: اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويأسف على مافعل ليخرج من حق الله تعالى، ثم يستحل المغتاب فيحله ليخرج عن مظلمته، وينبغي أن يستحله وهو نادم حزين، وإلا فالمرائي قد يطلب المحالة فيكون عليه ذنب آخر، وقد ورد في كفارته حديثان :

أحدهما: قوله علیه السلام: كفارة من اغتبته أن تستغفر له.(1)وفي حديث آخر: كما ذكرته.(2)ومعنى قوله كلما ذكرته على طريقة الغيبة أو كلماعن في خاطرك أو جرى ذكره على لسانك بعد المحالة الأولي .

الثاني: قوله صلی الله علیه وآله: من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فيتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دینار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته.(3)

وجمع بين الحديثين شيخنا الشهيد الثاني قدس الله روحه بحمل الاستغفار له على من يبلغ غيبة المغتاب، فينبغي الاقتصار على الدعاء له والاستغفار، لأن في محالته إثارة للفتنة وجلباً للضغائن، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه لموت أو غيبة، وحمل المحالة على من يمكن الوصول إليه مع بلوغه.

قال الجزائري: ويمكن الجمع بينهما بوجهين:

أحدهما: أن الاستغفار له كفارة معجلة تكون مقارنة للغيبة، والمحالة متأخرة عنه


1) بحار الأنوار 72: 313، ح 27

2) بحار الأنوار 72: 341/ ح 4

3) بحار الأنوار 72: 343

غالباً، فيجب عليه المبادرة بذلك لعدم توقفه على التمكن وعدمه، والمحالة إذا تمكن بعد هذا، فيكون الواجب اثنين لا واحد كما هو مذكور في القول الأول.

الثاني: حمل الاستغفار له على الاستحباب، والواجب إنما هو المحالة لا غير، وإذا جاء إلى المغتاب فينبغي أن لا يظهر له الكلام الذي اغتاب خوفاً من إثارة الشحناء و تجديد العداوة، بل يقول له: يا أخي لك حقوق عرضية وأريد أن تحالني منها، ونحو ذلك من العبارات المجملة، ويستحب للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحباباً مؤكداً، انتهى.

أقول: والأظهر في وجه الجمع ما حكاه عن الشهيد، بل وهو الأقرب.

والتحقيق ما حققه شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره في المكاسب، حيث قال: مقتضی كون الغيبة من حقوق الناس توقف رفعها على إسقاط صاحبها، أما كونها من حقوق الناس فلأنه ظلم على المغتاب، وللأخبار في أن من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه، وأن حرمة عرض المسلم كحرمة دمه وماله، وأما توقف رفعها على إبراء ذي الحق فللمستفيضة المعتضدة بالأصل، ثم ذكر جملة من المستفيضة.

ثم قال: ولا فرق في مقتضى الأصل والأخبار بین التمكن من الوصول إلى صاحبه وتعذره، لأن تعذر البراءة لا يوجب سقوط الحق كما في غير هذا المقام، لكن روی السكوني عن أبي عبد الله، عن النبي صلی الله علیه وآله: إن كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كلما ذكرته،(1)ولو صح سنده أمكن تخصيص الاطلاقات المتقدمة به، فيكون الاستغفار طريقاً إلى البراءة مع احتمال العدم أيضاً، لأن كون الاستغفار كفارة لا يدل على البراءة، فلعله كفارة الذنب من حيث كونه حقاً لله، نظير كفارة قتل الخطأ التي لا توجب براءة القاتل إلا أن يدعي ظهور السياق في البراءة.

ثم ذكر كلام الشهيد الثاني قدس سره وجمعه بین الخبرين المتقدمين المتعارضين على ما تقدم ذكره في كلام المحدث الجزائري قدس سره، ثم أورد عليه بأنه إن صح النبوي - أي مارواه السكوئي عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلی الله علیه وآله


1) بحار الأنوار 72: 341/ ح 4

مسنداً فلا مانع عن العمل به بجعله طريقاً إلى البراءة مطلقاً في مقابل الاستبراء، وإلا تعين طرحه والرجوع إلى الأصل وإطلاق الأخبار المتقدمة، وتعذر الاستبراء أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرء آخر.

نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الصادق علیه السلام: إنك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه، وإن لم يبلغه فاستغفر الله له. (1)

وفي رواية السكوني المروية في الكافي في باب الظلم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله : ومن ظلم أحداً ففاته فليستغفرالله له فإنه كفارة له. (2)

والانصاف أن الأخبار في هذا الباب كلها غير نقية السند، و أصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال ولا الاستغفار، وأصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح - على المغتاب بالكسر ۔ تقتضي عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة، لكن المثبت لكون الغيبة حقاً بمعنى وجوب البراءة منه ليس إلا الأخبار الغير النقية السند، مع أن السند لو كان نقياً كانت الدلالة ضعيفة الذكر حقوق أخر في الروايات لا قائل بوجوب البراءة منها، فالقول بعدم كونه حقاً للناس بمعنى وجوب البرائة نظير الحقوق المالية لا تخلو من قوة، وإمكان الاحتياط في خلافه، بل لا يخلو عن قرب من جهة كثرة الأخبار الدالة على وجوب الاستبراء منها، بل اعتبار سند بعضها، والأحوط الاستحلال إن تيسر، وإلا فالاستغفار غفر الله لنا ولمن اغتبنا بحق محمد و آله الطاهرین (صلوات الله عليهم أجمعين).(3)

انتهی مانقلناه حرفياً عن كتاب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة) للسيد العلامة میرزا حبیب الله الخوئي تغمده الله برحمته.


1) بحار الأنوار 72: 342/ ح 4

2) بحار الأنوار 72: 313، ح 27

3) المكاسب 1: 336 - 341

ومن كلام له علیه السلام :

في العرفان والسلوك إلى الله

قَد أحيَا عَقلَهُ وَأمَاتَ نَفسَهُ حَتَّی دَقَّ جَليلُهُ و لَطُفِ غَليظُهُ وَبَرَقَ لَهُ لامِعٌ كَثيرُ البَرقِ فاَبانَ لَهُ الطَّريقَ وَسَلَكَ بِه السَّبيلِ وتَدافَعَتهُ الأبوابُ إلى بَابِ السَّلامَةِ ودارِ الِإقامَةِ وَثَبَّت رِجلَاهُ بِطُمانينةِ بَدَنِهِ فِي قَرارِالأَمنِ و الرَّاحَةِ بِمَا استَعمَل قَلبَهُ وَأَرضَىَ ربَّهُ. (ابن أبي الحديد مج 3 ص 42، ط الأولی).

ضبط الألفاظ اللغوية:

دقّ، الشيء يدق دقّة - من باب ضرّ- خلاف غلظ فهو دقيق، وغلظ الشيء بالضم غلظاً وزان عنب والاسم الغلظة وهو غليظ، و(أبان) وبين وتبين واستبان كلها بمعنى الوضوح والانكشاف، وجميعها تستعمل لازماً معتدياً، إلا بأن الثلاثي فلا يستعمل إلا لازماً، قاله الفيومي.

الشرح

جاء في منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (مج 14 ص 192):

إن هذا الكلام على غاية وجازته جامع لجميع صفات العارف الكامل، لكيفية سلوكه و كمال أمره، ولعمري إنه لا يوجد كلام أوجز من هذا الكلام في أداء هذا المعنى، وهو في الحقيقة قطب دائرة العرفان و علیه مدارها، وفي الإيجاز الذي هو فن نفيس من علم البلاغة تالي كلام الملك الرحمن، مثل

قوله:(لِكَيلا تَأسَوا عَلى ما فاتَكُم وَلا تَفرَحُوا بِما آتاكُم) (1)الجامع للزهد كله، وقوله:(خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ و أَعرِض عَنِ الجَاهِلينَ) (2)الجامع لمكارم الأخلاق جميعاً، وشرحه يحتاج إلى بسط في المقال، فأقول مستعيناً بالله ووليه علیه السلام:

قوله علیه السلام: قد أحيا عقله وأمات نفسه، المراد بعقله العقل النظري والعملي، وبنفسه النفس الأمارة بالسوء، والمراد بحياة الأول كونه منشئاً للآثار المترتبة عليه، مقتدراً على تحصيل الكمالات والمعارف الحقة ومكارم الأخلاق المحصلة للقرب والزلفي لديه تعالى، وبموت الثاني بطلان تصرفاته وآثاره المبعدة عنه عزوجل بحذا فيرها، فإن الحياة والموت عبارة أخرى عن الوجود والعدم لا أثر له أصلاً.

وأراد بإحيائه الأول وإماتته الثاني تقويته وتغليبه له عليه، بحيث يكون الأول بمنزلة سلطان قادر قاهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والثاني بمنزلة عبد ذليل مقهور لا يرد ولا يصدر إلا بإذن مولاه.

ولا يحصل تقوية الأول وتذليل الثاني إلا بملازمة الكمالات العقلانية والمجاهدة والرياضة النفسانية، والمجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسيوف المخالفة، كما قال تعالى:(وأمَّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى فَإنَّ الجَنَّة هِي المَأوَى)، (3)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله لما بعث سرية ورجعوا: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. (4)

وقال بعض أهل العرفان: جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن


1) الحديد: 23

2) الأعراف: 199

3) النازعات: 40 و41

4) الكافي 5: 12/ ح3

قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات، وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء، والصبر على الأذى، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام، وهاجت منها حلاوة فضول الكلام، جردت عليها سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام، وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام، حتى تنقطع عن الظلم والانتقام، فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها، فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية، فتجول في ميدان الخير، وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفاره في الميدان، و کالملك المتنزه في البستان.

وقال أيضاً: أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه، وشيطانه، ونفسه، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، و من النفس بترك الشهوات.

شروط السالك :

وتفصيل ذلك على ما قرر في علم السلوك أن للسالك الطريق الحق المريد للوصول إلى حظيرة القدس شروطأ و وظائف لابد من ملازمتها.

أما الشروط التي لابد من تقديمها في الارادة: فهي رفع الموانع والحجب التي بينه وبين الحق، فإن حرمان الخلق من الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على الطريق، قال الله تعالى:(وَجَعلنا مِن بَينِ أيدِيِهم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأغشَيناهُم فَهُم لا يُبصِروُنَ). (1)

والسد بين المريد وبين الحق ثلاثة: المال، والجاه، والمعصية، ورفع حجاب المال إنما يحصل بالخروج منه إلا قدر الضرورة، فما دام يبقى له درهم ملتفت إليه فهو مقید به محجوب عن الله عزوجل، ورفع حجاب الجاه إنما يحصل بالبعد من موضع الجاه والهرب منه وإيثار خمول الذكر، ورفع حجاب المعصية إنما يحصل بالتوبة والندم على ما مضى من المعاصي وتدارك ما فات من العبادات ورد المظالم وإرضاء الخصوم.


1) یس :9

وظائف السالك:

وإذا قدم هذه الشروط فلابد له من المواظبة على وظائف السلوك، وهي خمس: الجوع، والصمت، والسهر، والعزلة، والذكر.

الجوع:

أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه ويلطفه، وفي بياضه وتلطيفه نوره، ويذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبانه رقته، ورقته مفتاح انکشاف الحجب، كما أن قساوته سبب الحجاب، ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو الشيطان، فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات، ولذلك قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجری الدم في العروق، فضيقوا مجاريه بالجوع. (1)

ففائدة الجوع في كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء أمر ظاهر، لأن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى، ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة،فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة،و یکسر سورة النفس الأمارة، كالدابة الجموح إذا شبعت شردت وجمحت لا يمكن ضبطها باللجام، وإذا جاعت ذللت وانقادت، وكان يقال: ينابيع الحكمة من الجوع وکسر عادية النفس بالمجاهدة، وقال يحيى بن معاذ: لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره.

وقال سهل بن عبد الله: لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية والجهل، وجعل في الجوع الطاعة والحكمة. وقال يحيى بن معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين تكرمة.

قال ابن أبي الحديد:واعلم أن السبب الطبيعي في كون الجوع مؤثراً في صفاء النفس، أن البلغم الغالب على مزاج البدن يوجب بطبعه البلادة وإبطاء الفهم لكثرة


1) عوالي اللثالي 1: 273/ ح 97؛ بحار الأنوار 60: 332

الأرضية فيه وثقل جوهره وكثرة ما يتولد عنه من البخارات التي تسد المجاري وتمنع نفوذ الأرواح، ولا ريب أن الجوع يقتضي تقليل البلغم، لأن القوة الهاضمة إذا لم تجد غذاء تهضمه عملت في الرطوبة الغريبة الكائنة في الجسد، فكلما انقطع الغذاء استمر عملها في البلغم الموجود في البدن، فلا تزال تعمل فيه و تذيبه الحرارة الكائنة في البدن حتى يفنى كل ما في البدن من الرطوبات الغريبة، ولا يبقى إلا الرطوبات الأصلية، فإن استمر انقطاع الغذاء أخذت الحرارة والقوة الهاضمة في تنقيص الرطوبات الأصلية من جوهر البدن، فإن كان ذلك يسيراً وإلى حد ليس بمفرط لم يضر ذلك بالبدن كل الاضرار، وكان ذلك هو غاية الرياضة التي أشار إليها أمير المؤمنين علیه السلام بقوله: حتى دق جليله ولطف غليظه، وإن أفرط وقع الحيف والاجحاف على الرطوبة الأصلية وعطب البدن ووقع صاحبه في الدق والذبول، وذلك منهي عنه لأنه قتل النفس، فهو كمن يقتل نفسه بالسيف أو بالسكين. (1)

وبالتالي فالشبع يورث القسوة والشهوة والسبعية، والجوع يوجب الرقة وانكسار الشهوة والصولة، وهو مشاهد بالتجربة، ومن هنا قيل: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وقال النبي صلی الله علیه وآله: من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه، (2)وقال أيضاً: أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع، وطهروها بالجوع تصفو و ترق. (3)

الصمت :

وأما الصمت فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة، لأن الكلام يشغل القلب، وميل القلوب إلى الكلام عظيم، فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر، وفي الحديث: طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل


1) شرح نهج البلاغة 11: 137

2) وجاء في بحار الأنوار 74: 29: يا أحمد، إن العبد إذا أجاع بطنه وحفظ لسانه علمته الحكمة، وإن كان كافراً تكون حكمته حجةعليه ووبالاً

3) تذكرة الموضوعات للفتني: 151

من كلامه. (1)هذا في الكلام المباح وأما الكلام الغير المباح من الكذب والنميمة والبهت وغيرها فبينه وبين السلوك إلى الحق بون بعيد بعد المشرقين.

والسهر:

وأما السهرفإنه يجلو القلب ويصفيه وينوره، ولذلك مدح الله سبحانه المستغفرين بالأسحار، لأنها أوقات صفاء الذهن ونزول الرحمة والألطاف الإلهية، فيضاف صفاء السهر إلى الصفاء الحاصل من الجوع، فيصير القلب کالكوكب الدري والمرآة المجلوة مستعداً لإفاضة الأنوار الإلهية، فيلوح فيه سبحات جمال الحق، ويشاهد رفعة الدرجات الأخروية وعظم خطرها وخسة الزخارف الدنيوية وحقارتها، فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وشوقه إلى الآخرة، والسهر أيضاً من خواص الجوع، وبالشبع غير ممكن.

(العزلة والخلوة):

وأما العزلة والخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، والقلب بمنزلة حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة من مجاري الحواس، والمقصود بالرياضة تفريغ مياه الحوض من الطين الحاصل منها، فينفجر أصل الحوض فينبع منه ماء نظيف سائغ صاف، ولا يمكن نزح ماء الحوض والأنهار إليه مفتوحة، فيتجدد في كل حال أكثر مما ينتقص.

قال الرضا (عليه التحية والثناء): إن أمير المؤمنین علیه السلام كان يقول: طوبى لمن أخلص لله العبادة ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسع أذناه الحديث.(2)

فلا بد من ضبط الحواس إلآ عن قدر الضرورة، ولا يتم ذلك إلا بالعزلة والخلوة.


1) مستدرك الوسائل 9: 27؛ بحار الأنوار 68: 283/ ح 34

2) بحار الأنوار 67: 229

قال بعض السياحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى الحق؟ قال: أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق. وقلت له مرة: دلني على عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام، فقال لي: لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي من ذلك، قال: فلا تسمع كلامهم، فإن في سماع كلامهم قسوة، قلت: لا بدلي من ذلك، قال: فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لابد لي من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قال: قلت: لعله يكون، قال: يا هذا أتنظر إلى الغافلين و تسمع كلام الجاهلين و تعامل البطالين و تريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام ؟! ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة.

وقد عرفت أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات ومخالفة هوى النفس، فإذا حصل للسالك هذه المقدمات اشتغل بذكر الله تعالى بالأذكار الشرعية، من الصلاة وتلاوة القرآن والأدعية المأثورة والتسبيح والتهليل وغير ذلك بلسانه وقلبه، فلا يزال يواظب عليها حتى لا يبقى على قلبه ولسانه غير ذكره تعالى، ولا يكون له منظور غيره أصلاً، فعند ذلك يتجلى له من أنوار جماله وسبحات عظمته وجلاله ما لا يحيط به لسان الواصفين، ويقصر عنه نعت الناعتين.

شعر عرفاني:

ومما ينسب للإمام زين العابدین وسید الساجدين في هذا المقام:

نسمات هواك لها أرج *** تحيي وتعيش بها المهج

وينشر حديثك يطوي الغم *** عن الأرواح ويندرج

وببهجة وجه جمال جلال *** کمال صفاتك أبتهج

لا كان فؤاد ليس یهيم *** على ذكراك وينزعج

لا أعتب قلب الغافل عنك *** فليس على الأعمى حرج

ما الناس سوى قوم عرفوك *** وغيرهم همج همج

قوم فعلوا خيراً فعلوا *** وعلى درج العليا درجوا

فهموا المعنى فهم المعنى ***فبذكر الله لهم لهجوا

دخل الفقراء إلى الدنيا***وكما دخلوا منها خرجوا

شربوا بكؤوس تفكرهم ***من صرف هواه وما مزجوا

یا مدعياً لطريقهم*** قوم فطريقك منعوج

تهوی لیلی وتنام الليل *** وحقك ذا طلب سمج

سيماء الشيعة:

جاء في كتابنا مسند الإمام علي عليه السلام:

روی صاحب الوسائل من أمالي ابن الشيخ قال: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة قمراء، فأم الجبانة ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليهم ثم قال: من أنتم؟ قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرس في وجوههم قال: فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ قال علیه السلام: صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاء من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين. (1)

وقال علیه السلام:(فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله تَقيَّة ذِي لُب شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلبَهُ وأنصَبَ الخَوفُ بَدنَهُ وَأَسهَرَ التَّهجُّدُ غِرارَ نُومه وأَظمَاَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ یَومِهِ وظَلَفَ الزُهدُ شَهَواتِه وَأَوجَفَ الذِكرُ بِلسانِه وقَدَّمَ الخَوفَ لَامانِه وتَنكَبَ المَخالَجَ عَن وَضَحِ السَّبيلِ وَسَلَکَ أقصَدَ المَسَالِكَ إِلَى النَهجِ المَطلوبِ). (2)


1) وسائل الشيعة للحر العاملي 1: 92 ح 218، نقلاً عن أمالي الشيخ الطوسي ص: 219

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 263

ثم لا يخفى أن مطلوبية الاعتزال والخلوة إنما هي للفراغ للذكر والخلوة والعبادة وكون المعاشرة مانعة منه، وأما إذا تكن لم المعاشرة مانعة منه بل تبعثه على سلوك الصراط المستقيم، کالجمعة والجماعة وزيارة الاخوان المؤمنين والاجتماع في مجالس الذكر ونحوها فهي من أعظم العبادات، وسلوك نهج الحق.

وأما غيرها مما ذكره الصوقية من الآداب والوظائف في المجاهدة والرياضة و كيفية السلوك،مثل قولهم بالجلوس في بيت مظلم والخلوة أربعين يوماً واشتراطهم الاعتصام بالشيخ و کون السلوك بإرشاده، وقولهم بالمداومة على ذكر مخصوص ألقاه الشيخ إلى المريد من الأذكار الفتحية أو غيرها من الأذكار المبتدعة أو من الأذكار الشرعية لكن على هيئة مخصوصة وعدد مخصوص لم يرد به نص، وقولهم بأن المريد إذا أتم مجاهدته ولم يبق في قلبه علاقة تشغله يلزم قلبه على الدوام ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة، بل يقتصر على الفرائض والرواتب ویکون ورده ورداً واحداً وهو ملازمة القلب لذكر الله بعد الخلو عن ذكر غيره، فعند ذلك يلزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ويلقنه ذكراً من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه، فيجلس ويقول مثلاً: الله الله، أو سبحان الله، أو ما يراه الشيخ من الكلمات، فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذلك حتى تمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلبحاضرة معه غالبة عليه قد فرغ من كل ما سواه ونحو ذلك مما قالوه فشيء لم يرد به إذن من الشارع، بل هو من مبتدعاتهم التي أبدعوها، اللهم إلا أن يستدل على الأخير - أعني المواظبة على الذكر باللسان والقلب _ على ما وصل بعمومات أدلة الإكثار من ذكر الله والتفكر في الله.

ومن خطبة له علیه السلام :

في التحذير من الدنيا والاعتبار بالأمم السالفة ووحشة القبر

(دارٌبِالبَلاء مَحفُوفَةٌ وبَالغَدر مَعرُوفَةٌ لا تَدوُمُ أحوالُهَا وَلَا یَسلَمُ نُزَّالُهُا أحوَالٌ مُختلَفَةٌ وتاراتٌ مُتصَرِفَةٌ العَيشُ فِيهَا مَذمُومٌ والأمَانُ مِنهَا مَعدومٌ وإنَّمَا أهلُهَا فيهَا أغرَاضٌ مُستَهدَفَةٌ تَرميهِم بِسهَامِهَا وتُفنيهِم بِحمامِها وَاعلمُوا عِبادَ الله أنَّكُم ومَا أنتُم فيه مِن هَذِه الدُنيا عَلى سَبيلِ مَن قَد مَضَى قَبلكُم مِمَّن كانَ أطوَلَ مِنكُم أعمَاراً وَأعمَرَ دياراً وَ آثاراً أَصبَحَت أَصوَاتَهُم هَامِدَةً وَ رَیَاحُهُم رَاكَدَةً وَأَجسَادُهُم بَالَيَةً ودیَارُهُم خَاليَةً وَآثَارُهُم عَافيَةً فَاستَبدَلوُا بالقُصُورِ المَشيَّدَةِ وَالنَّمارِقِ المُمَهَّدَة الصُخُورَ وَالأحجَارَ المُسَنَّدَةَ والقُبُورَ اللاطئةَ المُلَحَدَةَ الَّتي قَد بُنِيَ عَلَى الخَرَابَ فَنَاؤُهَا وَشُيِدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا فَمَحَلُهَا مُقتَربٌ وَساکِنُهَا مُغتَربٌ بَينَ أهلِ مَحَلَة مُوحِشينَ وأهلِ فَراغَ مُتشَاغِلينَ لا یستَانِسُونَ بِالأَوطانِ وَلا یَتواصَلوُنَ تَواصُلَ الجِيرَان عَلَى ما بَينهُم مِن قُربَ الجَوارِ وَدُّنُوً الدَّارِ وَكَيفَ يَكُونُ بَينَهُم تَزاوُرٌ وقد طَحَنَهُم بِكَلكَلِه البَلى وَأَكَلَّتُهُم الجَنادِلُ وَالثَّرَي وَكَاَن قَد صَرتُم إلى مَا صَارُوا إليه وَارتَهَنَكُم ذلكَ المَضجَعُ وَضَمَّکُم ذَلكَ المُستَودَعُ فَكَيفَ بِكُم لَو تَناهَت بِكُمُ الأمُورُ وبُعثِرَتِ القُبُورُ، وَرُدُّوا إلىَ اللهِ مَولاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنهُم مَا كانُوا يَفتَرُونَ).(1)(شرح ابن أبي الحديد مج 3، ص 8 ط الأولى).

ضبط الألفاظ الغريبة:

(بالبلی محفوفة) أي قد أحاط بها من كل جانب. وسلم المسافر يسلم: نجا وخلص من الآفات. و(تارات) جمع تارة وهي المرة الواحدة، و (الأغراض)


1) يونس: 30

جمع الغرض وهو الهدف ترمي إليه السهام. و ( المستهدفة) أي منتصبة للرمي إليها. و(المشيدة) بضم الميم وتشديد الياء وفتحها كما في قوله تعالى(ولَؤكُنتُم في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةَ) (1)أي قصور مصونة وقیل محصنة، و (النمرق) والنمرقة بتثليث النون وضم الراًء: الوسادة وهي المتكأ، والجمع نمارق، قال تعالى:(وَنَمارِقُ مَصفُوفَةٌ). (2)والقبور الملحدة ذوات اللحود.

الشرح:

إن الغرض من هذه الخطبة الشريفة التنفير عن الدنيا والتحذير منها والتنبيه على مساويها ومخازيها الموجبة للنفرة والحذر.

خداع الدنيا:

قال علیه السلام : «دار بالبلاء محفوفة» أي حُفت بالمكاره والبليات، وأحاطت بها من كل جانب الآلام والآفات، وفي نسبة محفوفة، إلى الدار توسع، والمراد كون أهلها محفوفة بها.

وبالغدر معروفة، قال الشارح البحراني: استعار لفظ الغدر عما يتوهم الإنسان دوامها عليه من أحوالها المعجبة له،كالمال والصحة والشباب، فكأنه في مدة بقاءتلك الأحوال قد أخذ منها عهداً، فكأن التغير العارض لها المستلزم الزوال تلك الأحوال أشبه شيء بالغدر.

قال الميرزا الخوئي صاحب منهاج البراعة: مراده علیه السلام أنها مشهورة بالغدر والخداع، معروفة بالمكر والغرور، غير مختفية حيلتها ومكيدتها على أهل البصيرة، لأنها بكونها حلوة خضرة محفوفة بالشهوات و مهيأة للآمال والأمنيات، أعجبت الناس بشهوتها العاجلة، وتحبيت اليهم بلذاتها الحاضرة،


1) النساء: 78

2) الغاشية: 15

و تزينت بالغرور، فاغتر بها كل من كان غافلاً عن مكيدتها، وافتتن بحبها كل من كان جاهلاً بحقيقتها، حتى إذا أوقعتهم في حبائل محبتها أبدت كل ما كان مضمراً في باطنها من مكرها وحيلتها، فلم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهرأً، ولم ينل أحد من غضارتها رغباً إلا أرهقته من نوائبها تعبأً، فكم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة قد صرعته، وذي أبهة قد جعلته حقيراً، وذي نخوة قد ردته ذليلاً.

وكفى في إيضاح غدرها ما قاله بعض قدماء أهل الحقيقة والبصيرة: من أنها الآخذة ما تعطي والمورثة بعد ذلك التبعة، السلابة لمن تكسو والمورثة بعد ذلك العري، الواضعة لمن ترفع والمورثة بعد ذلك الجزع، التاركة لمن يعشقها والمورثة بعد ذلك الشقوة، المغوية لمن أطاعها، الغدارة بمن ائتمنها، هي المحبوبة التي لا تحب أحداً الملزومة التي لا تلزم أحداً،يوف إليها وتغدر، ويصدق لها وتكذب، وينجزلها فتختلف، هي المعوجة لمن استقام بها، والمتلاعبة بمن استمکنت منه.

بینا هي تطعمه إذ حولته مأكولاً، وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادماً، وبينا هي تضحكه إذ ضحكت منه، وبينا هي تشمه إذ شمت منه، وبينا هي تبكيه إذ بكت عليه، وبينا هي قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته، وبينا هو فيها مكرم إذ أهانته، وبينا هو فيها معظم إذ حقرته، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته، وبینا هو فيها حي إذ أمانته.

فأفٍ لها من دار هذه صفتها، تضع التاج على رأسه غدوة و تعفرخده بالتراب عشية، وتحلي الأيدي بالأسورة عشية، وتجعلها في الأغلال غدوة، تعقد الرجل على السرير غدوة، وترمي به في السجن عشية، تفرش له الديباج عشية، وتفرش له التراب غدوة، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية، تحبب إلى أهله قربه عشية، وتحبب إليهم بعده غدوة، تطيب ريحه غدوة، وتنتن ريحه عشية.

فهو في كل ساعة متوقع لسطوتها، غير آمن غدرها وخديعتها، غير ناج من بلائها وفتنتها، تمتع نفسه من أحاديثها وعينه من أعاجيبها ويده مملوءة من جمعها، ثم تصبح الكف صفراً و العين هامدة ذهب ما ذهب، وهو ما هوی...(1)

ومن ذلك كله علم آنها (لا تدوم أحوالها) بل تصير حياتها موتاً، وغناؤها فقراً، وفرحها ترحاً، وصحتها سقماً، وقوتها ضعفاً، وعزهاذلاً، إلى غير هذه من حالاتها المتبدلة المتغيرة.

قوله علیه السلام: ولا تسلم نزالها، أي لا يسلم النازل في تلك الدار من آلامها و آفاتهاوصدماتها، بل هو في كل آن مترقب لاصابة مكروه، وجل من كل بلاء .

فإن كل ذي جسد فيها لا ينفك جسده من أن الحر يذيبه، والبرد يجمده، والسموم يتخلله، والماء يغرقه، والشمس تحرقه، والهواء يسقمه، والسباع تفترسه، والطير تنقره، والحديد يقطعه، والصدم يحطمه.

ثم هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض، فهو مرتهن بها مترصد لها دائماً، لكونه مخلوقاً من الأخلاط الأربعة التي لو غلب أحدها على الآخر أحدث أنواعاًمن المرض، ألا ترى أن أصح الأخلاط وأقربها إلى الحياة هو الدم، فإذا خرج عن حد الاعتدال يموت صاحبه بموت الفجأة والطاعون والأكلة والسرسام.

هذه كله مع ماله من مقارنة الآفات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد وهي الجوع، والظمأ، والحر، والبرد، والخوف، والجوع، والمرض، والموت.

أحوالها (أحوال مختلفة) إن اعذوذب منها جانب واحاولي أمر منها جانب فأوبي، لم تطل على أحد فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء، ولم یمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف.

(وتارات متصرفة) يعني أن حالاتها تتغير بأهلها تارة بعد أخرى، ومرة


1) كمال الدين للصدوق: 577، من كلام للناسك مع أحد ملوك الهند

بعد مرة، فإنها تنقل أقواماً من الجدب إلى الخصب، ومن الرجلة إلى الركب، ومن البؤس إلى النعمة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الشقاء إلى الراحة، ثم تنقلب بهم فتسلبهم الخصب، وتنزع منهم النعمة والراحة.

و محصله آنها دار تصرف و انتقال و تقلب من حال إلى حال، صختها تتبدل بالسقم، وشبابهابالهرم، وغناها بالفقر، وفرحها بالترح، و سرورها بالحزن، وعزها بالذل، وأمنها بالخوف.

بینایرى المرء فيها مغتبطأً محبوراً وملكاً مسروراً في خفض ودعة ونعمة ولذة وأمن وسعة، في بهجة من شبابه و حداثة من سته، وبهاء من سلطانه، وصحة من بدنه، إذ انقلبت به الدنيا أشر ما كان فيها قلباً، وأطيب ما كان فيها نفساً، وأقر ما كان فيها عيناً، وألذ ما كان فيها عيشاً، فأخرجتهمن ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها، فأبدلته بالعز ذلاً، وبالسرور حزناً، وبالنعمة نقمة، وبالغنى فقراً، وبالسعة ضيقاً، وبالشباب هرمة، وبالشرف ضعة، وبالحياة موتاً.

ففارق الأحبة وفارقوه، وخذله إخوانه وتركوه، وصار ما جمع فيها مفرقاً، وما عمل فيها متبرءاً، وما شيد فيها خراباً، وصار اسمه مجهولاً، وذكره منسياً، وحسبه خاملاً، وجسده بالياً، وشرفه وضيعاً، ونعمته وبالاً، و کسبه خساراً، وورث أعداؤه سلطانه، واستذلوا عقبه، واستباحوا حريمه، وتملكوا أمواله،و نقضوا عهده، وملكوا جنوده، فأفٍ الدار حالها هذا وشأن ساكنها ذلك، وفقنا الله تعالى للزهد فيها والاعراض عنها. وبما ذكرنا ظهر أن (العيش فيها مذموم) وأراد بالعيش الترفه فيها والتنعم بلذاتها والالتذاذ بشهواتها، وإنما كان هذا مذموماً لكونه شاغلاً عن التوجه إلى الحق وعن الالتفات إلى الآخرة، ومعقباً للندم والحسرة الطويلة والعذاب الشديد يوم القيامة.

وقد وقع ذم هذا في كتاب الله تعالى وعلى ألسنة الأنبياء والرسل متجاوزاً عن حد الاحصاء، قال تعالى:(واعلَموُا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهوٌ وزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَینَكُم وتَكاثُرٌ فِي الأُموالِ والأُولادِ كَمَثِل غَيثٍ أَعجَبَ الكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَ یَهیجُ فَتَراهُ مُصفَراً

ثُمَّ يَكُونُ حَطاماً وفِي الآخِرَة عَذابٌ شَديدٌ).(1)وقال أيضاً:(مَن كانَ یُريدُ الحَياةَ الدُّنيَا وَزینَتَها نُوَف إلَيهِم أَعمَالَهُم فيها وهُم فيها لا یُبخَسونَ أولئكَ الَّذينَ ليسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبَطِ مَا صَنَعوُا فِيها وباطلٌ ما كانوا يَعملونَ). (2)

مثال الدنيا:

وقد وقع تشبيه المتنعم باللذات الدنيوية والمتلذذ بشهوتها، الملهية له عن التوجه إلى عاقبة أمره والالتفات إلى مآل حاله في كلام الحكماء، برجل حمل عليه فيل مغتلم، فانطلق مولياً هارباً، فاتبعه الفيل فغشيه حتى اضطره إلى بئر، فتدلی فيها وتعلق بغصين نابتين على شفير البئر، فإذا في أصلها جرذان يقرضان الغصنين، أحدهما أبيض والآخر أسود، فلما نظر إلى تحت قدميه فإذا رؤوس أربع أفاع قد طلعن من حجرهن، فلما نظر إلى قعر البئر إذا تنین فاغر فاه نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى الغصنين إذا عليهما شيء من عسل النحل، فألهاه ما طعم منه وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر في أمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه، وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته.

أما الفيل فهو الأجل، وأما البئر فالدنيا المملوءة من الآفات والبلايا والشرور، وأما الغصنان فالعمر، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في قطع العمر، وأما الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به،وأما التنين الفاغرفاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب، وأما العسل الذي اغتر بأكله فما ينال الناس من عيش الدنيا ولذتها وشهواتها ونعيمها ودعتها،من لذة الطعام والشراب واللباس والشم واللمس والبصر، هذا هوالعيش المذموم.


1) الحديد: 20

2) هود: 16

العيش الممدوح:

ويقابله العيش الممدوح: وهو العيش الهنيء الذي أشير إليه في الحديث القدسي المروي في البحار من إرشاد القلوب للديلمي، عن أمير المؤمنین علیه السلام : إن الله تعالى شأنه قال للنبي صلی الله علیه وآله ليلة المعراج في جملة مخاطباته: یا أحمد هل تدري أي عيش أهني وأي حياة أبقي؟ قال: اللهم لا، قال: أما العيش الهنيء فهو الذي لايفتر صاحبه عن ذكري، ولا ينسی نعمتي،ولا يجهل حقي، يطلب رضائي في ليله ونهاره، وأما الحياة الباقية فهي التي تعمل لنفسه حتی تهون عليه الدنيا و تصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه، ويبتغي مرضاتي، ويعظم حق عظمتي، ويذكر عملي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية، وينقي قلبه عن كل ما أكره، ويبغض الشيطان و وسواسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً ولا سبيلاً، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حباً، حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه، حتی يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، وأضيق عليه الدنيا و أبغض إليه ما فيها من اللّذات، وأحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي على غنمه مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفر من الناس فراراً، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن. يا أحمد لأزينته بالهيبة والعظمة، فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين... الحديث. (1)

عدم الأمان في الدنيا:

والأمان فيها معدوم) لأنها إذا كانت بالبلاء محفوفة وبالخديعة موصوفة، مختلفة الحالات _ متصرفة التارات _ حسبما عرفت تفصيلاً


1) البحار للمجلسي 74: 21 - 28/ح6، نقلاً عن إرشاد القلوب للديلمي

وتوضيحاً _ فكيف يؤمن من بوائقها ويطمئن من طوارقها؟ وكيف يسلم من فجعتها ويستراح من خدعتها، ويتخلص من غيلتها؟!

فهي غارة ضرارة حائلة زائلة نافذة بائدة أكالة غوالة، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ملكها مسلوب، ومالها منهوب، وعزيزها مغلوب، وموقورها منكوب، كيف لا وقد رأينا تنکّرها لمن أمن بها ودان لها واطمئن إليها حتي ظعنوا عنها فراق الأبد، هل زودتهم إلا السغب، أو أحلتهم إلا الضنك، أو تورث لهم الظلمة، أو أعقبتهم إلا الحسرة والندامة، فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل.

قوله علیه السلام وإنماأهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها، واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا من متاعها وحطامها وزبرجها وزخارفها (على سبيل من قد مضى قبلكم) من أهل الديار الخالية والربوع الخاوية.

التاريخ وطول العمر:

ممن كان أطول منكم أعماراً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية.

منهم عوج بن عناق كان جباراً عدواً لله، له بسطة في الجسم والخلق.(1)

ومنهم عاد قوم هود، فقد كانت بلادهم في البادية و كان لهم زرع ونخل كثير، ولهم أعمار طويلة، فعبدوا الأصنام وبعث الله إليهم هوداً يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد، فأبوا فأهلكهم الله.(2)

ومنهم شداد بن عاد الذي بني إرم ذات العماد في مدة ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، قال في إكمال الدين: وجدت في كتب معمر


1) راجع قصته في البحار للمجلسي 11: 243 ح 36، باب 5

2) مجمع البيان للطبرسي 4: 287

أنه ذكر عن هشام بن سعيد الرحال، قال: إنا وجدنا حجراً بالاسكندرية مكتوباً فيه: أناشداد بن عاد،أناشيدت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وجدت الأجناد، وشددت بساعدي الواد. (1)

ومنهم لقمان بن عاد وكان من بقية عاد الأولى، فقد روي أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. (2)

ومنهم فرعون ذو الأوتاد، قال في مجمع البيان: قال الضحاك: إنه عاش أربعمائة سنة، و كان قصيراً ذميماً، وهو أول من خضب السواد. (3)

ومنهم عمروبن عامرالملقب بمزيقنا وماء السماء، ملك أرض سبأ، فقد عاش ثمانمائة سنة، أربعمائة سنة سوقة في حياة أبيه، وأربعمائة سنة ملكاً، وكان يلبس كل يوم حليتين في سني ملكه، فإذا كان بالعشي مزق الحليتين حتى لا يلبسها أحد غيره، سُمي مزيقيا وسمي بماء السماء أيضاً لأنه كان حياة أينما نزل کمثل ماء السماء . (4)

ومنهم هبل بن عبد الله بن كنانة، عاش ستمائة سنة. (5)

ومنهم جلهمة بن أدد، ويقال له طيء وإليه تنسب قبيلة طيء كلها، وكان له ابن أخ يقال له: يحابر بن ملك بن أود، وقد عاش كل منهما خمسمائة سنة. (6)

ومنهم عبيد بن الأبرص، عاش ثلاثمائة سنة حتى قال:

فنيت وأفناني الزمان وأصبحت *** لدي بنو نعش وزهر الفراقد (7)


1) كمال الدين للصدوق: 555

2) کتاب الغيبة للطوسي: 114/ ح 87

3) مجمع البيان للطبرسي 7: 414

4) كمال الدين للصدوق: 560

5) البحار للمجلسي 51: 240

6) کتاب الغيبة للطوسي: 124

7) کمال الدين للصدوق: 558

ومنهم عزیز مصر الذي كان في زمن يوسف و أبوه وجده، وهو الوليد بن الريان بن دومغ، و كان عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان ألف وسبعمائة سنة، وعمر دو مع ثلاثة آلاف سنة. (1)

ومنهم الضحاك صاحب الحيتين عاش ألف ومأتي سنة. (2)

ومنهم أفريدون العادل عاش فوق ألف سنة. (3)

ومنهم الملك الذي أحدث المهرجان، فقد زعمت الفرس أنه عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة. (4)

ذوالقرنین:

ومنهم الاسكندر عاش خمسمائة عام، وقد ملك الدنيا بأسرها وأخذ بقرني الشمس شرقها ومغربها، وقد ذكر الله تعالی قصته في القرآن في سورة الكهف بقوله:

(ویَسئلُونَكَ عَن ذِي القَرنَينِ قُل سَاتلُوا عَليكُم مِنهُ ذِكراً إنا مَكَّنَّا لهُ فِي الأرضِ وأتيناهُ مِن كُلِ شَيءٍ سَبَباً فأتَبعَ سَبَباً حَتى إذا بَلغَ مَغربَ الشمسَ وجَدَهَا تَغرُبُ فِي عَينٍ حَمئَةَ ووَجَد عندَها قَوماً قُلنا يَا ذَا القَرنَينِ إمَّا أَن تَعَذبَ وامَّا أَن تَتَخد فيهِم حُسناً قالَ أما مَن ظَلَمَ فَسَوفَ نعَذبُهُ ثُّمَ یُرَّدُ إلى ربِّه فَيُعَذِبُهُ عَذاباً نُكراً وأمَّا مَن آمَنَ وَعَمَلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الحُسنىَ وسَنَقوُلُ لهُ مِن أمرِنا یُسراً ثُمَّ أتبعَ سَبباً حَتى إذا بَلغَ مَطلعَ الشَمسٍ وَجَدها تَطلُعُ عَلى قَومٍ لَم نَجعَل لَهُم مِن دُونها سّراً كذلك وقَد أحَطنا بما لَديهِ خُبراً ثُمَّ أتَبعَ سَبباً حَتى إذا بَلغَ بَينَ السَّدينِ وَجَدَ مِن دونهِما قَوماً لا يَكادُونَ يَفقهُون قَولاً قالُوا يا ذَا القَرنَينِ الله يَأجُوجَ ومَأجُوجَ مُفسِدونَ في الأرضَ فَهَل نَجعَل لَكَ خَرجاً عَلى أن تَجعَل بينَنا وَبينَهم سَدّاً قالَ ما مَکَنی فیه ربِّی خَيرٌ فأَعِينُوني بقُوَّةِ أَجعَل بَينَكُم


1) المصدر السابق: 563

2) الغيبة للطوسی: 123

3) المصدر السابق

4) المصدر السابق

وبَينَهُم رَدماً آتُوني زُبَرَ الحَديدِ حَتَّى إذا ساوى بَينَ الَّصدَفَينِ قالَ انفُخُوا حَتَّى إذا جَعَلَهُ ناراً قالَ أتُونِي أُفرِغ عَليهِ قَطراً فَمَا اسطاعُوا أَنَ يَظهَرُوُه وما استطاعُوا لهُ نَقبًا قال هذا رحمَةٌ مِن ربّي فإذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَکَاءَ وكَانَ وَعدُ رَبّي حَقّاً). (1)

تفسير: قال الطبرسي رحمة الله في قوله تعالى:(إنّا مَكَّنَّا لَه فِي الأُرضِ)، أي بسطنا يده في الأرض وملكناه حتى استولى عليها. وروي عن علي علیه السلام أنه قال: سخر الله له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنی تمكينه في الأرض،(واتَیناهُ مِن كُلّ شَيء سَبَباً) أي وأعطيناه من كل شيء علماً وقدرة وآلة يتسبب بها إلى إرادته (فَأتبَعَ سَبَباً) أي فأتبع طريقاًوأخذ في سلوکه، أو فأتبع سبباً من الأسباب التي أوتيها في المسير إلى المغرب حَتّى إذا بَلَغَ مَغربَ الشَمسِ أي آخر العمارة من جانب المغرب، وبلغ قوماً لم يكن وراءهم أحد إلى موضع غرب الشمس (وجَدَهَا تَغرُبُ) أي كأنها تغرب (فِي عَينٍ حَمئةٍ) وإن كانت تغرب وراءها، لأن الشمس لا تزال الفلك ولا تدخل عين الماء، ولكن لما بلغ ذلك الموضع تراءى له كأن الشمس تغرب في عين، كما أن من كان في البحر يراها كأنها تغرب في الماء، ومن كان في البر يراها كأنها تغرب في الأرض الملساء، والعين الحمئة: هي ذات الحمأ، وهي الطين الأسود المنتن، والحامية الحارة (إمَّا أَن تُعَذِبَ) أي بالقتل من أقام منهم على الشرك (وإمَّا أن تتَّخِذَ فيِهم حُسناً) أي تأسرهم وتمسكهم بعد الأسر لتعلمهم الهدى (أمَّا مَن ظَلَمَ) أي أشرك(فَسَوفَ نُعَذبُهُ )أي نقتله إذا لم يسلم (ثُّمَ یُرَدُّ إلى رَبِّه فَيُعذُبُه عَذاباً نُكراً)أي منكراً غير معهود في النار (وأمَّا مَن آمَنَ وعَمَل صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الحُسنَی)أي المثوبة الحسنی، جزاءاً(وسَنَقولُ لَه مِن أمرِنا یُسرا) أي قولاً جميلاً، وسنأمره بما يتيستر عليه،(ثُمَّ أَتبَعَ سَببَاً) أي طريقاً آخر من الأرض يوصله إلى مطلع الشمس (حَتَّى إذا بَلِغَ مَطلَعَ الشَّمسِ )أي إبتداء العمارة من جانب المشرق. (2)


1) الكهف: 83 - 98

2) مجمع البيان للطبرسي 6: 382

وكذلك قال البيضاوي: أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وېسطة الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار(وقَد أحَطنا بِما لَديهِ) من الجنود والآلات والعدد والأسباب(خُبراً) أي علماً تعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغاً لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير(ثُمَّ أتَبعَ سَبَبا)ً يعني طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال(حَتَّى إذا بَلَغَ بينَ السَّدَينِ) بين الجبلين المبني عليهما سده، وهما جبلا أرمينية وأذربایجان، وقيل: جبلان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك، من ورائهما يأجوج ومأجوج (لا يَكادُونَ يَفقَهُونَ قَولاً) لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم (قالوُا يا ذَا القَرنَتَينِ) أي قال مترجمهم (فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجاً) أي جعلاً نخرجه من أموالنا؟(قالَ ما مَكَّني فِيِه ربِّي خَيرٌ) أي ما جعلني فيه مكيناً من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه (فأَعينُوني بِقُوَةٍ) و أي بفعلة، أو بما أتقوى به من الآلات (رَدماً) أي حاجزاً حصيناً وهو أكبر من السد(زُبَرَ الحَديدِ) أي قطعه(بَينَ الصَّدَفَينِ) أي بين جانبي الجبلين بتنضيدها (قالَ انفُخُوا) أي قال للعملة: انفخوا في الأكوار والحديد(حَتّى إذا جَعَلَهُ) أي جعل المنفوخ فيه(ناراً) أي كالنار بالاحماء (قالَ آتُونِي أُفرِغ عَليهِ قطراً) أي آتوني قطراً، أي نحاساً مذاباً أفرغ عليه قطراً، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه(فَمَا استَطاعُوا أَن يَظهَرُوهُ) أي أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه (وَمَا استَطاعُوا لَهُ نَقباً) لثخنه وصلابته، قيل حفر للأساس حتى بلغ الماء، وجعله من الصخرة والنحاس المذاب عليها فاختلط والتصق بعضها ببعض وصار جبلاً صلداً، وقيل بناه من الصخور مرتبطاً بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها (قال هذا) السد أو الإقدار على تسوينه (رَحمَةٌ مِن ربِّي) على عباده (فَإِذا جَاءَ وَعدُ رَبِّي) وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة (جَعَلَهُ دَكّا) مدکوکاً مسوياً بالأرض. (1)


1) أنوار التنزيل البيضاوي 2: 11 - 12، كما في البحار 12: 172 - 173

قال الطبرسي رحمة الله: قيل: إن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط، وقيل إنه وراء دربند وخزران من ناحية أرمينية و آذربيجان، وقيل: إن مقدار ارتفاع السد مائتا ذراع، وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعاً... وجاء في الحديث أنهم يدأبون في حفره نهارهم، حتی إذا أمسوا و كادوا يبصرون شعاع الشمس قالوا: نرجع غداً ونفتحه ولا يستثنون، فيعودون من الغد وقد استوى كما كان، حتى إذا جاء وعد الله قالوا: غداً نفتح ونخرج إن شاء الله، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه بالأمس فيخرقونه فيخرجون على الناس فينشفون المياه، و تتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع وفيها كهيئة الدماء فيقولون: قد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً (أي دود يدخل في أنوف الإبل والغنم) في أقفائهم فتدخل في آذانهم فيهلكون بها، فقال النبي صلی الله علیه وآله: والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتسكر من لحومهم سكراً. (1)

محمد بن هارون الزنجاني، عن معاذ بن المثنى العنبري، عن عبد الله بن أسماء، عن جويرية، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن وهب قال: وجدت في بعض كتب الله عزوجل أن ذا القرنين لما فرغ من عمل السد انطلق على وجهه، فبينا هو يسير وجنوده إذ مر على شيخ يصلي، فوقف عليه بجنوده حتى انصرف من صلاته، فقال له ذو القرنين: كيف لم يردعك ما حضرك من جنودي؟ قال: كنت أناجي من هو أكبر جنود منك وأعز سلطاناً و أشد قوة، ولو صرفت وجهي إليك لم أدرك حاجتي قبله، فقال له ذو القرنين: هل لك في أن تنطلق معي فأواسيك بنفسي، وأستعين بك على بعض أمري؟ قال: نعم إن ضمنت لي أربع خصال: نعيماً لا يزول، وصحة لاسقم فيها، وشباباً لا هرم فيه،


1) مجمع البيان للطبرسي 6: 389

وحياة لاموت فيها، فقال ذو القرنین: وأي مخلوق يقدر على هذه الخصال؟ فقال الشيخ: فإني مع من يقدر عليها ويملكها وإياك.

ثم مر برجل عالم فقال لذي القرنين: أخبرني عن شيئين منذ خلقهما الله عزوجل قائمين، وعن شيئين جاريين، وشيئين مختلفين، وشيئين متباغضين. فقال له ذو القرنين: أما الشيئان القائمان فالسماوات والأرض، وأما الشيئان الجاریان فالشمس والقمر،وأماالشيئان المختلفان فالليل والنهار،وأما الشيئان المتباغضان فالموت والحياة. فقال: انطلق فإنك عالم، فانطلق ذو القرنين يسير في البلاد حتی مر بشيخ يقلب جماجم الموتى، فوقف عليه بجنوده فقال له: أخبرني أيها الشيخ لأي شيء تقلب هذه الجماجم؟

قال: لأعرف الشريف من الوضيع، والغني من الفقير فما عرفت، وإني لأقلبها منذ عشرين سنة. فانطلق ذو القرنین وتر که فقال: ما عنيت بهذا أحداً غيري.

فبينا هو يسير إذ وقع على الأمة العالمة من قوم موسى الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، فلما رآهم قال لهم: أيها القوم أخبروني بخبركم فإني قد درت الأرض شرقها وغربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها ونورها وظلمتها فلم ألق مثلكم، فأخبروني ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا، قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟

قالوا: ليس فينا لص ولا ظنين، وليس فينا إلا أمين. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نتظالم. قال: فما بالكم ليس بينكم حكام؟ قالو: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم لا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: من قبل أنا متواسون متراحمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم لا تسبون ولا تقتتلون؟ قالوا: من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم وسسنا أنفسنا بالحلم. قال: فما بالكم كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعضا. قال: فأخبروني لم ليس

فيكم مسكين ولا فقیر؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع. قال: فلم جعلكم الله عزوجل أطول الناس أعماراً؟ قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل. قال: ما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: من قبل أنا لا تغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحزنون؟ قالوا: من قبل أنا وطنا أنفسنا على البلاء فقوينا أنفسنا. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات؟ قالوا: من قبل أنا لا نتوكل على غير الله عزوجل ولا نستمطر بالأنواء والنجوم. قال: فحدثوني أيها القوم هكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالو: وجدنا آباءنا يرحمون مسكينهم، ويواسون فقيرهم، ويعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويستغفرون لمسيئهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويصدقون ولا يكذبون، فأصلح الله لهم بذلك أمرهم. فأقام عندهم ذو القرنين حتی قبض، وكان له خمسمائة عام. (1)

روى الصدوق عن أبي جعفر علیه السلام قال: حج ذو القرنين في ستمائة ألف فارس، فلما دخل الحرم سبقه بعض أصحابه إلى البيت، فلما انصرف قال: رأيت رجلاً ما رأيت رجلاً أكثر نوراً ووجهاً منه، قالوا: ذلك إبراهیم خلیل الرحمن علیه السلام قال: أسرجوا فأسرجوا ستمائة ألف دابة في مقدار ما يسرج دابة واحدة، ثم قال ذو القرنین: نمشي إلى خلیل الرحمن، فمشى ومشى معه أصحابه حتى التقيا، قال إبراهيم علیه السلام : بم قطعت الدهر؟ قال: بإحدى عشرة كلمة: سبحان من هو باق لا يفنی، سبحان من هو عالم لا ينسی، سبحان من هو حافظ لا يسقط، سبحان من هو بصير لا يرتاب، سبحان من هو قيوم لا ينام، سبحان من هو ملك لا يرام، سبحان من هو عزيز لا يضام، سبحان من هو محتجب لا يرى، سبحان من هو واسع لا يتكلف، سبحان من هو قائم لا يلهو، سبحان من هو دائم لا يسهو. (2)


1) الأمالي للصدوق: 235/ ح 7/251

2) رواه أيضاً الراوندي في قصص الأنبياء: 125/ ح 124

وجاء عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان، و کافران، فأما المؤمنان فسلیمان بن داود وذو القرنين، والكافران: نمرود وبخت نصر. (1)

الاسكندر والملكة الذكية :

فالاسكندر ملك الأرض شرقها وغربها ولم يبق قطر إلا وقد استولى عليه، فذكروا له يوماً بأن مملكة في الاقليم الفلاني لم تملکه ولم تستولي عليه، فقال: نسير إليه، وكان الذي يملك ذلك الاقليم امرأة بصيرة حاذقة من الفهم والذكاء فوق ما يوصف، فعرفت أن الاسكندر لا يتركها وشأنها، فقالت يوماً للمصورين: من رأى منكم الاسكندر فليصور لي صورته، فخطوا لها صورته، فجعلتها أمامها في المقصورة المطلة على مدخل البلد، فكانت تنظر مرة إلى الصورة ومرة إلى الشارع الرئيسي حذراً من أن يدخل الاسكندر البلد من غير أن تظفر به، فسار الاسكندر بجيشه الجرار الذي لا يقابله شيء حتى حاذى المملكة، فأقام الجيش على بعد مسافة وغير لباس الملك ولبس ملبوس الناس المتعارف کي لا يعرف، وكانت هذه عادته ليختبر القطر الذي يقصده فيعلم معداته واستعداده وقواه الحربية،فدخل بهذه الهيئة البلد، ولما نظرت إليه عرفته، فقالت للشرطة: انزلوا إلى ذلك الرجل بسرعة واقبضوا عليه قبل أن يدخل البلد، فزجوه في السجن وامنعوا عنه الطعام والشراب ليله ونهاره، وما أسرع ما ألقي القبض عليه وزج في السجن من دون معرفة سابقة، ولا يعلم السبب لذلك، فكان يطلب منهم الطعام والشراب فلا يعيروه سمعاً، حتی ضعف وأخذ بالارتعاش، فأخبروها بذلك، وكان في قصرها غرف واسعة فأمرت بأن توضع في إحداهن مائدة ويملؤوها بنفائس المجوهرات من الیواقیت والفلزات، ووضعت في آخرها قرص شعير يابس وإناء فيه قليل من الماء، وأمرت بأن توضع في إحدى الغرف مائدة تملي بأنواع الطعام وما خلق الله من أنواع الفواكه، ولما كمل ذلك أخبروها بأن في جميع ما أمرت به، فقالت: علي به، فلما مثل


1) الخصال للصدوق: 255 ح 130

بين يديها قالت له: من أنت؟ قال: رجل سائح، فقالت: أفهم ما تقول رجل سائح فمن أنت ؟ فقال أيضاً: رجل سائح في البلدان، فقالت: سبحان الله أقول له من أنت فيجيب رجل سائح في البلدان، فقالت: أنت رجل سائح؟ قال: بلى، قالت: فهل رأيت أثناء سیاحتك صاحب هذه الصورة وهل تعرفه؟ قال: لا - أي لا أخبرك _ فقالت: علي بمرآة،ثم قالت:ضعوهاإلى جنب الصورة،فقالت له: قف أمام المرآة وانظر الصورتين هل تحس بفارق بينهما، فقال: دعينا من هذا القول وعجلي لنا بالطعام والشراب فقد ضعفت، فقالت: ولم لم تقل من أول الأمر إني الاسكندر لتدفع عنك هذه المشقة، ثم جائت به إلى المائدة التي فيها المجوهرات فقالت له: کل، فقال: إن هذه لا تؤكل، ولما وقع بصره على قرص الشعير في آخر المائدة أسرع إليه فأكله وشرب عليه الماء، فانتظرته إلى أن فرغ، فأسرعت إليه وقالت: ما صنعت؟ هذا ليس بطعام لك ولا مأكولك، فذهبت به إلى مائدة الطعام وقالت: له کل، فقال: إني شبعت، فقالت له: كيف وقد أعطاك الله الدنيا بأسرها فلم تشبع حتى جئت تزاحمني على ما أملك؟! فقال: والله لقد جبت الدنيا بأسرها فما رأيت أذكى منك ولا أبصر بالأمور، فالقطر وما فيه لك وها أنا منصرف عنك، فقالت: احملوا معه هذه المجوهرات لعله يشبع.

ذو القرنين وبلقيس:

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن مجاهد قال: إن ذا القرنين ملك الأرض كلها إلا بلقيس صاحبة مأرب، فإن ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقتل أهلها، فأخبرت بذلك بلقيس، فبعثت رسولاً ينظر إليه فيصور لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين، ثم جعلت كل يوم طعم المساكين وتجمعهم، فجاءها رسولها في صورته، فجعلت إحدی صورتيه تليها والأخرى على باب الأسطوانة، فكانت تطعم المساكين كل يوم فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً فيخرجون، حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين فدخل

مدينتها ثم جلس مع المساكين إلى طعامها، فقربت إليهم الطعام فلما فرغوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنین فنظرت إلى صورته فقالت: أجلسوا هذا وأخرجوا من بقي من المساكين، فقال لها: لم أجلستيني وإنما أنا مسكين؟قالت:لا أنت ذو القرنين، هذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني حتى تكتب لي أمانة بملكي أو أضرب عنقك، فلما رأى ذلك كتب لها أماناً، فلم ينج أحد منه غيرها ( تفسير السيوطي مج 4 ص 247 ط 1).

الاسكندر وفيلسوف الهند:

وذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب (مج 1 ص 182 ط سنة 1346 ه مطبعة البهية بمصر): ولماقتل الاسكندر فور صاحب مدينة المانكير من ملوك الهند، وانقاد إليه جميع ملوك الهند حسب ما ذكرنا من حمل الأموال والخراج إليه، بلغه أن في أقاصي أرض الهند ملكاً من ملوكهم ذا حكمة وسياسة وديانة وإنصاف للرعية، وأنه قد أتى عليه من عمره مثون من السنين، وأنه ليس بأرض الهند من فلاسفتهم وحکمائهم مثله، يقال له کند، وكان قاهراً لنفسه، مميتاً لصفاته من الشهوة الغضبية وغيرها، حاملاً لها على خلق کریم وأدب زائن، فكتب إليه كتاباً يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا، فإن كنت قائمأ فلا تقعد، وإن كنت ماشيأ فلا تلتفت، وإلا مزقت ملكك وألحقتك بمن مضى من ملوك الهند.

فلما ورد عليه الكتاب أجاب الاسكندر بأحسن جواب وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع له قبله أشياء لا يجتمع عند غيره مثلها إلا من صارت إليه عنده، فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن صورة منها، وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله، لحدة مزاجه وحسن قريحته واعتدال بنيته واتساعه في علمه،وطبيب لا تخشی معه داء ولا شيئا من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية وحل

العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحي، وإن كانت بنية الإنسان وهيكله قد تصبت في هذا العالم عرضاً للآفات والحتوف والبلايا، وقدح عندي إذا أنا ملأته شرب منه عسكرك بجميعه ولا ينقص شيء، ولا يزيده الوارد عليه إلا دهاقاً، وأنا منفذ جميع ذلك إلى الملك وصائر إليه.

فلما قرأ الاسكندر الكتاب ووقف على ما فيه، قال: تكون هذه الأشياء الأربعةعندي ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب إلي من أن لا تكون عندي ويهلك.

فأنفذ إليه الاسكندر جماعة من حكماء اليونانيين في عدة من الرجال، وتقدم إليهم: إن كان صادقاً فيما كتب به فاحملوا ذلك إلي ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبينتم أن الأمر بخلاف من ذلك وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ماهو به فقد خرج عن حد الحكمة، فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى الملك، فتلقاهم بأحسن لقاء وأنزلهم أحسن منزل، فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلساً خاصاً للحكماء منهم دون من كان معهم من المقاتلة، فقال بعض الحكماء لبعض: إن صدقنا في الأولى صدقنا فيما بعدها مما ذكر.

فلما أخذت الحكماء مراتبها واستقرت بها مجالسها، أقبل عليهم مباحثاً لهم في أصول الفلسفة والكلام في الطبيعيات وما فوقها من الإلهيات، وعلى شماله جماعة من حکمائه وفلاسفته،فطال الخطب في المبادي الأول وتشاح القوم ونظروا في موضوعات العلماء وترتيبات الحكماء على غير مراء، وتناهی بهم الحكماء إلى غاية كان إليها صدورهم من العلويات، ثم أخرج الجارية فلما ظهرت لأبصارهم رمقوها بأعينهم، فلم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها مما ظهر فأمكنه أن يتعدی ببصره إلى غيره، وشغله تأمل ذلك وحسنه عن تأمل حسن شكلها وإتقان صورتها، فخاف القوم على عقولهم لما ورد عليهم عند النظر إليها، ثم إن كل واحد منهم رجع إلى نفسه وفهمه وقهر سلطان هواه ودواعي طبعه، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به، وسير هم وسیر الفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم وشيعهم مسافة من أرضه.

فلما وردوا على الاسكندر وأمر بإنزال الطبيب والفيلسوف، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها وبهرت عقله، وأمر قيمة جواريه بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف وإلى علم ما عنده وإلى علم الطبيب ومحله من صنعة الطب و حفظ الصحة،وقص الحكماء عليه ماجرى لهم من المباحثة مع الملك الهندي ومن أحضره من فلاسفته وحکمائه، فأعجبه ذلك وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم والغاية التي إليها كان أصدرهم،وأقبل ينظر إلى مطاردة الهند في عللها ومعلولاتها ومايصفه اليونانيون من عللها وصحة قياسها على ما قدمنا من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما أخبر عنه، فخلا بنفسه وأجال فكره، فسنح له سائح من الفكر بإيقاع معنى يختبره به فدعا بقدح فملأه سمناً وأدهقه ولم يجعل للزيادة عليه سبيلاً ودفعه إلى رسولٍ له وقال اله: امض به إلى الفيلسوف ولا تخبره بشيء، فلما ورد الرسول بالقدح ودفعه إلى الفيلسوف قال بصحة فهمه وتبينه للأمور المتقنة المحكمة في نفسه: لأمر ما بعث هذا الملك الحكيم بهذا السمن إلي، وأجال فكره وسبر المراد به، ثم دعا بنحو ألف ابرة فغرز أطرافها في السمن وأنفذها إلى الاسكندر، فأمر الاسكندر بسبكها كرة مدورة ململمة متساوية الأجزاء وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الاسكندر فيها، أمر ببسطها وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته وصقلها، فصارت جسماً صقيلاً ترد صورة من قابلها من الأشخاص لشدة صفائها وزوال الدون عنها وأمر بردها إلى الاسكندر، فلما نظر إليهاوتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف.

فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطر جهارة وجعلها في الطست فوق الماء فطفت فوقه وأمر بردها إلى الاسكندر، فلما نظر الاسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغير لونه وحاله وجزع وتغيرت صفاته وأسبل دموعه على خده و كثر شهیقه وطال أنينه وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غیر منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال وزجر نفسه وأقبل عليها

کالمعاتب لها وقال: ويحك يا نفسي ما الذي قذف بك في هذه السلافة؟ وأصار بك إلى هذه الغمة؟ووصلك بهذه الظلمة؟أنسيت وأنت في النورتسرحين وفي العلوم تمرحين، و تنظرين في الضياء الصادق وتتفسحين في العالم المشرق، أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة والغشم والمفاسدة، تخطفك الخواطف وتنتهرك العواصف، قد حرمت علم الغيوب والكون في العالم المحبوب، ورمیت بشدائد الخطوب ورفضت كل مطلوب، أين مصادر الطبية وراحتك القوية، حللت في الأجساد فقوى عليك الكون والفساد. حللت یا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة والنيران المحرقة والريح العاصفة، وصرتك الأعمار علي قرارات الأجسام، لا تشاهدين إلا غافلاً، ولا ترین إلا جاهلاً قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات.

ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر، فقال بأعلى صوته: يا لك من نجوم سائرة وأجسام زاهرة، من عالم شريف طلعت، ولشيء ما وضعت، إنك من عالم نفیس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة وفي أكنافه قاطنة، فقد أصبحت عنه ظاعنة.

ثم أقبل على الرسول وقال: څذه ورده إلى الملك - يعني التراب - ولم يحدث فيه حادثة، فلما ورد الرسول على الاسكندر وأخبره بجميع ما شاهد فتعجب الاسكندر من ذلك وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم، ولما كان في صبيحة تلك الليلة، جلس له الاسكندر جلوساً خاصأً ودعابه ولم یکن رآه قبل ذلك، فلما أقبل ونظر إلى صورته و تأمل قامته وخلقته، نظر إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية، فقال في نفسه: هذه بنية تضاة الحكمة، فإذا اجتمع لحسن الصورة وحسن الفهم كان أوحد زمانه، ولست أشك أن هذا الشخص قد علم كل ما راسلته به وأجابني عليه من غير مخاطبة ولا موافقة ولا مباحثة، فليس في وقته أحد يدانيه في حكمته، ولا يلحقه في علمه.

وتأمل الفيلسوف الاسكندر فأدار اصبعه السبابة على وجهه ووضعها

على أرنبة أنفه وأسرع نحو الاسكندر وهو جالس على غير سرير ملكه، فحياه بتحية الملوك، فأشار إليه الاسكندر بالجلوس، فجلس حيث أمره، فقال له الاسكندر: ما بالك حين نظرت إلي ورميت بطرفك نحوي أدرت اصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبةأنفك؟ قال: تأملتك أيها الملك بنورية عقلي وصفاء مزاجي فتبينت فكرتك وتأملك لصورتي وأنها قلما تجتمع مع الحكمة، فإذا كان ذلك كان صاحبها أوحد زمانه، فأدرت أصبعي مصداقاً لما سنح لك، وأريتك مثالاً شاهداً، كما أنه ليس في الوجه إلآ أنف واحد، فكذلك ليس في دار مملكة الهند غيري، ولا يلحق أحد من الناس بي في حکمتي.

فقال له الاسكندر: ما أحسن مانأتي لك ما ذكرت وانتظم لك بحسن الخاطر ما صنعت، فدع عنك هذا. ما بالك حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غرزت فيه إبراً ورددته إلي؟ قال الفيلسوف: علمت أيها الملك أنك تقول: إن قلبي امتلا، وعلمي قد انتهی کامتلاء هذا الإناء من السمن، فليس لأحد من الحكماء فيه مستزاداً، فأخبرت الملك أن علمي يستزيد في علمه ويدخل فيه دخول هذه الابر في هذا الإناء، قال: فأخبرني ما بالك حین عمل من الابر کرة وأقدمتها إليك صيرتها مرآة ورددتها إلى صقيلة؟ قال: علمت أيها الملك أنك تريد أن قلبك قد قسا من سفك الدماء والشغل بسياسة هذا العالم كقسوة هذه الكرة، فلا يقبل العلم ولا يرغب في فهم الغابات والعلوم والحكمة، فأخبرتك مجيباً ممثلاً بسبك الكرة والحيلة في أمرها بجعلي منها مرآة صقيلة مؤدية إلى الاجسام عند المقابلة لحسن الصفاء، قال له الاسكندر: صدقت، قد أجبتني عن مرادي، فأخبرني أيها الفيلسوف حين جعلت المرآة في الطست ورسبت في الماء جعلتها قدحاً فوق الماء طافية ثم رددتها إلي؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تريد بذلك أن الأيام قد انقضت وقصرت، وأن الأجل قد قرب، ولا يدرك العلم الكثير في المهل القليل إلى قلبه وتقريبه من فهمه کاحتيالي للمرآة من بعد

كونها راسبة في الماء حتى جعلتها طافية عليه، قال له الاسكندر: وصدقت، فأخبرني ما بالك حين ملأت الاناء تراباً رددته إلي ولم تحدث فيه حادثة کفعلتك فيما سلف؟ قال: علمت أنك تقول: ثم الموت وإنه لا بد منه، ثم لحوق هذه البنية بهذا العنصر البارد اليابس المعتل الذي هو الأرض ودثورها وتفرق أجزائها، ومفارقة النفس الناطقة الصافية الشريفة اللطيفة لهذا الجسد المرئي.

قال الاسکندر: صدقت، ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة، وأقطعه قطائع واسعة، فقال له الفيلسوف: لو أحببت المال لما أردت العلم، ولست أدخل على علمي ما يضاده وينافيه، واعلم أيها الملك أن الغنية توجب الخدمة، ولسنا نجد عاقلاً من خدم غير ذاته واستعمل غير ما يصلح نفسه، والذي يصلح النفس الفلسفة، وهي صقالها وغذاؤها، وتناول الحيوانية وغيرها من الموجودات ضد لها، والحكمة سبيل إلى العلو وسلم إليه، ومن عدم ذلك عدم القربة من بارئه.

واعلم أيها الملك أن بالعدل رکب جميع العالم بجزئياته ولا يقوم بالجور، والعدل ميزان الباری جل وعز، فكذلك حكمته مبرأة عن كل ميل وزلل، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الإحسان إلى الناس، وقد ملكت أيها الملك بسيفك وصولة ملكك وتأنيك في أمورك وانتظام سیاستك أجسام رعيتك، فتحر أن تملك قلوبهم بإحسان إليهم وإنصافك لهم وعدلك فيهم، فهي خزانة سلطانك، فإنك إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاحترز من أن تقول تأمن من أن تفعل.

فالملك السعيد من تمت له رياسة أيامه، والملك الشقي من انقطعت عنه، فمن تحرى في سيرته العدل استنار قلبه بعذوبة الطهارة. وأما القدح فامتحنه حين أدهقه بالماء وأورد عليه الناس فلم ينقص شربهم منه شيئاً و كان معمولاً بضرب من خواص الهند والروحانية والطبايع التامة والتوهم وغير ذلك من العلم مما يدعيه الهند، وقد قيل أنهكان لآدم أبي البشر علیه السلام بأرض سرنديب من بلاد الهند مبارك له فيها، فورث عنه وتداولته الملوك إلى أن انتهى إلى کند هذا الملك العظيم سلطانه وما كان عليه من الحكمة، وقيل غير ذلك من الوجوه.

(في المجلد الثاني من كتاب الشاهنامه للفردوسي ص 16 ط مصر وقد ترجمها إلى اللغة العربية نثراً الفتح بن علي البنداري).

ذكر طواف الاسكندر في أقطار العالم وما رآی فيها من العجائب :

قال صاحب الكتاب: ثم أن الاسكندر سار في عساکره إلى أن وصل إلى مدينة البراهمة، فلما علموا بوصوله خلصوا نجياً، واجتمع رأيهم على أن كتبوا إليه كتاباً يقولون فيه: أيها الملك ماذا تريد من مدينة سكانها عباد الله؟

فإن كنت تريد منهم المال فما أنقص عقلك، وهم قوم ليس عندهم سوى الصبر والعلم، وذلك مما لا يسلبونه.

ولو أقمت ها هنا لاحتجت أن تأكل الحشيش كما يأكلون.

وكان الواصل بهذا الكتاب إلى الاسكندر رجلاً حافياً حاسراً ملتحفاً بازار منسوج من الحشيش، فلما قرأ الكتاب ترك العسكر في مكانه، وركب في جماعة من فلاسفته، وصار إليهم إلى مدينتهم، فاستقبلوه وأحضروه من قوتهم الذي كانو يزجون به وقتهم،ودعوا له وأثنوا عليه، فرآهم قوماً حفاة عراة قد ستروا عوراتهم بازر من الحشيش، ورأى فيهم عابداً قد اتزر بجلد غزال، فخاطبهم الاسكندر في أمر ملبوسهم، فقال: من ولد عرياناً فلا ينبغي له أن يكون حريصاً على الملبوس، على أنه إذا واراه التراب فهو على خوف من العذاب والبؤس، فسأله الاسكندر عن أعظم الذنوب فقال: الحرص على الدنيا، وإن أردت أن تقف على حقيقة ذلك فاعتبر بنفسك، فإنك مع احتوائك على جميع ممالك الأرض طالب إليها الزيادة، غیر قانع بعظيم ما أوتيت من الملك والسيادة، ثم قال لهم: ارفعوا إلي حوائجكم فلن ادخر عنكم شيئاً، وأسعفكم بمطالبكم عفواً، فقال له أحدهم: أيها الملك! أغلق دونا باب الشيب والموت، فقال له: كيف تسلم من الموت وهو لا محالة يهدم بناء عمرك وإن كان من

حديد؟ وكيف تنعم بالشباب ومشرعه لا بد أن يكدر برنق المشيب؟ فقال له البرهمي: إذا كنت تعلم أنه لا مفر من الموت ولا سلامة من غصة الشيب، فما بالك قد صرت تطلب الاحتواء على العالم بجهدك، وتعرض للسم القاتل نفسك، وتتعب لغيرك، و تجمع لمن يفرقه من بعدك؟ والشيب بين يدي الموت نذیر، وإذا طمعت في الحياة بعده فليس لك عذیر، ثم أن الأسكندر وهب لهم هبات كثيرة فما قبلوها، واستعرضهم

حوائجهم فما عرضوها. فانصرف عنهم.

وسار حتى وصل إلى بحر عظيم فرأى عنده رجالاً متنقبين كالنساء لا يعرف لسانهم عربي ولا فهلوي. ليس لسانهم العربي ولا الفارسية القديمة ولا الفهلوية ولاالتركية ولا الصينية، وكان قوتهم من السمك وحيوان البحر، ثم أنه لمح وسط البحر جبلا أصفر كالشمس، فأمر بإلقاء سفينة في الماء ليركبها ويشاهد عجائب ذلك الجبل. فمنعه من ذلك بعض الفلاسفة وقال: لا تخاطر بنفسك، وليركبها غيرك ممن يأتي بخبره.

فأركب تلك السفينة ثلاثين شخصاً من الروم وغيرهم، فلما قربت السفينة الجبل تحرك، وإذا به حوت، فالتقم السفينة بمن فيها وانساب في البحر، فتعجب وقال: العلماء حفظة أرواح الملوك، فطوبى لمن عرف قدرهم واتبع أمرهم.

فسار الاسكندر إلى أرض قصباء عظيمة القصب كأنها أشجار الدلب عظماً وفيها غدير عظيم ماؤه زعاق كأنه سم ذعاف، فعبر منه وانتهى إلى ساحل بحر آخر عظيم، فصادف أرضاً طيبة العرف كأنها تتأرج بأريج المسك، وماء عذب المذاق في حلاوة الشهد، فنزلوا واستراحوا وأراحوا، فبينما هم من منزلهم إذ خرجت من الماء أفاع كثيرة، وطلعت من الأجمة عقارب كالفأر ملتهبة، فأتتهم من جميع جوانبهم فحول من الخنازير ذوو أنياب كالحراب، وضواري سباع ما لأحد بها طاقة، فهلك من الأكابر والامراء خلق كثير، فارتحلوا وانحازوا عن ذلك المكان، وطرحوا فيما كان هناك من القصب حتى احترق، وقتلوا كثيراًمن تلك السباع .

فسار من ذلك المكان إلى أرض الحبشة، فاجتمعت منهم آلاف مؤلفة من كل

غرابي ترتج الأرض بنعيبه، ويمتلئ الجو بتعيقه، فقاتلوه برماح أستتها من العظام فقتلوا كثيراً من أصحابه، فأمر عند ذلك رجاله بالجد في قتالهم، فتدبجوا وصافوهم فكانت الدبرة على الحبشة وأفناهم القتل، ولما جن الليل سمعوا صوت الكركدن فتصدى لهم وهو حيوان أعظم من الفيل له قرن في أم رأسه في لون النيل، فأهلك خلقاً من أصحابه،ثم رشقوه بالسهام فانه كأنه جبل من حديد.

ثم لما أصبح رحل وسار حتى وصل إلى أرض فيها خلق عراة كأنهم أشجار باسقة، فلما رأوا الاسکندر صاحوا واجتمعوا وقاتلوهم بالحجارة وأمطروها عليهم، فواقعهم أصحاب الاسکندر وقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا قليل.

وسار حتى وصل إلى مدينة كبيرة بين يديها جبل عظيم يكاد يمس السماء فاستقبله أهلها بالتحف والمبار والخدم، فأحسن إليهم، ثم سائلهم عن الطريق فقالوا: أيها الملك كان الطريق على هذا الجبل، وقد قطعه الآن ثعبان عظيم لا يتجاسر معه أحد على العبور فيه، وله علينا كل يوم وظيفة خمسة ثيران تلقيها إليه فيبتلعها وينكف بذلك عن أن يتقدم إلى هذا الجانب، فأمر الاسكندر بخمسة ثيران فذبحت وسلخت جلودها و حشیت سماً ونفطاً، فأمر بإصعادها إلى الجبل وإلقائها إلى الثعبان، فابتلعها فلم يلبث أن تقطعت أمعاؤه من السم، وصعد بخار السم والنفط إلى دماغه فأخذ يضرب رأسه على الجبل حتى انفلق وتشقق، فقطعوه بالسيوف.

وعبر الاسكندر بعساکره وسار حتى وصل إلى جبل آخر عال في السماء،فأصعدوا فيه فرأوا على رأس الجبل تختاً من الذهب منصوباً وعليه شيخ ميت مسجی بديباج، على رأسه تاج مرصع بجواهر تزهر العيون، فلم يتجاسر أحد على القرب منه، وكان كل من يقدم إليه تأخذه الرعدة في مكانه ويموت في وقته، فلما صعد الاسكندر ذلك الجبل ورأى التخت سمع هاتفاً يقول: أيها الملك قد جهدت زماناً طويلاً وأفنيت من الملوك كثيراً، وقد دنا وقتك وحان حينك، فعظم عليه ذلك واصفر لونه.

وسار قاصداً قصد مدينة هروم، وهي مدينة سكانها بنات أبكار لا يمكن

أحداً من القرب من المدينة، لم يخلق للواحدة منهن إلآ ثدي واحد وهو الأيمن فحسب، وهن في الأيسر كالرجال. قال: فكتب الاسكندر إليهن كتاباً يدعوهن إلى الطاعة ويذكر أنه ما جاء لقصد قتالهن ولا لنهب بلادهن، وأنه لم يرد سوی رؤية المدينة والاعتبار بأحوالها، ونفذ الكتاب فيلسوفاً وأمره أن يلاطفهن في الخطاب ويرجع إليه بالجواب، فصادف الرسول أهل المدينة نساء كلهن ليس فيها رجل، فاستقبلته على الخيول في آلات الحرب، فقرأن الكتاب وقلن في جوابه: إنك رجل كبير وصيتك عال رفيع فلا تفسدته بأن يقال أنك قاتلت النساء وانهزمت منهن، فإن ذلك يجر عليك عاراً لا يزول أبداً، ولكن إن جئت للتطواف في مدينتنا والنظر إليها والوقوف على أحوالها، أكرمنا مقدمك وتلقينا بالجميل موردك، وختمن الكتاب وأنفذنه على يدي امرأة عاقلة في ملابس الملوك ومعها عشر فوارس منهن، فلما أتت الاسكندر ووقف على ما صحبها من الجواب أكرمها وقال: مالي حاجة في مدينتكن سوى النظر إليها، إذا حصل ذلك عبرت و تجاوزت إلى طرف آخر. فعادت وأعلمت صواحبها بما جرى، فاجتمعن واتفقن على إعداد تحف برسم الملك، من التيجان المرصعة والجواهر النفيسة وغير ذلك مما يصلح أن يخدم الملوك.

ثم رحل الاسكندر من منزله وسار، فهاج عليهم بعد مرحلتين هواء شدید و تغیمت السماء وسقط عليهم ثلج أهلك خلقاً من أصحاب الاسكندر، فسار في ذلك الزمهرير منزلين، ثم شاهدوا دخاناً مرتفعاً في السماء وسحاباً أسود كأنه يمطر النار، فحمي الهواء وعظم الحر حتی حميت الدروع على أكتاف الرجال فأحرقتها، فسار على ذلك فوصل إلى مدينة فيها ناس سود الوجوه کالسبج، هدل الشفاه، تتوقد النار من أحداقهم وتخرج من أفواههم، فاستقبلوا الاسكندر وخدموه بفيلة عظيمة وتحف كثرة وقالوا: إنا لم نر أحداً وصل إلى هذه المدينة، ولم نر راكب فرس قط، فأقام الملك فيها شهراً.

ثم سار قاصداً قصد مدينة النساء، فعبر إليه البحر جلائل أهلها في ألفين من فوارسهن مستقبلات له، فقدمن إليه برسم الهدية تيجاناً مرصعة وجواهر نفيسة وثياب وشي، ثم ركب الاسكندر ووصل إلى المدينة فأكرمن مقدمه ونشرن عليه نثارات، وخدمنه بتحف ومبرات، ولما رأى المدينة وأهلها، ووقف على أحوالها، خلع عليهن وأحسن إليهن وار تحل.

وصول الاسكندر مغرب الشمس:

وسار قاصدأ قصد مغرب الشمس، فوصل إلى مدينة فيها ناس حمر الوجوه صفر الشعور، فسايلهم الاسکندر عمن يعرف عجائبها؟ فقال له من أهل تلك المدينة شيخ طاعن في السن: إن وراء مدينتنا عيناً كبيرة فيها تغرب الشمس وتغيب، ووراء هذه العين ظلمات، وفيها من العجائب مالا يحيط به الوصف، وقد قال بعض عبادنا: إن فيها عيناً يقال لها عين الحياة، من شرب منها يخلد ولا يموت، لأن مدد مائها من أنهار الفردوس، ومن اغتسل فيها تساقطت عنه ذنوبه، فقال له الاسكندر: كيف تسلك الدواب طريق هذه الظلمة؟ فقال: من أراد أن يسلك طريقها لا ينبغي أن يركب إلا مهراً.

فأمر الاسکندر بجمع الخيل فاختار منها عشرة آلاف مهر رباع قوي، وسار في عساکره حتى وصل إلى مدينة كبيرة فيها نعم كثيرة وبساتين وسيعة وقصور رفيعة فنزل فيها، وصار وحده إلى مغرب الشمس، فبقي ينتظر غروبها، فلما كان عند الغروب شاهد قرص الشمس وهو يغيب في تلك العين، فجعل يسبح الله تعالى ويقدسه، ثم انصرف إلى معسكره فانتخب من أصحابه من عرفه بالعقل والصبر، وتزود لأربعين يوماً، واختار من يصلح أن يتقدم أمامهم ويسير بين أيديهم، فوقع الاختيار على الخضرصلوات الله وسلامه عليه فإنه كان سيد الجماعة وصاحب الرأي فيماهم بصدده، ففوض الاسكندر إليه أمره، وقال:

أيها الرجل المتيقظ ! نبه قلبك لهذا الأمر، فإنا إن عثرنا على ماء الحياة بقينا نعبد الله تعالى إلى آخر الأبد.

وإن معي خرزتين تتقدان كالشمس في جنح الليل، فخذ إحداهما وسر قدام القوم، وتكون الأخرى معي، وأنا والعسكر نقتفي أثرك، ونبصر ماذا قسم الله تبارك وتعالى لنا.

الخضر وعين الحياة :

فتقدم الخضر وسار الاسكندر في أثره حتی سار في الظلمات مرحلتين، ولما كان المنزل الثالث عرض لهم في الظلمات طريقان فسار الخضر في احدى الطريقين ووصل إلى عين الحياة فشرب منه واغتسل وفاز بالمطلوب، وضل الاسكندر عنه فسلكالطريق الآخر فأفضى به إلى الضوء، وخرج من الظلمة فرأى جبلاً شاهقاً في السماء على رأسه أشجار من العود، وعلی کل شجرة طائر أخضر، فلما رأته الطيور نطقن بإذن الله باللسان الروحي، فدنا من طائر وأصغى يسمع كلامه فقال له: ماذا تريد أيها الثعبان (أو التعبان) من الدنيا الفانية، وأنت لو بلغت السماء لم يكن لك بد من الموت، ثم قال للاسکندر: هل حدث الزنا؟ وهل استعمل الآجر في البناء؟ فقال: نعم، فقال: وهل قرع سمعك صوت المزهر وصياح السكران ونغم الغناء؟ فقال: نعم، فنزل إليه الطائر عند ذلك وقال: أما أكثر العلم مع السداد أم الجهل مع الفساد؟ فقال: العالم بين الناس عزیز، فرجع الطائر إلى مكانه وقال له: هل يسكن العباد في بلادكم الجبال؟ فقال: وهل لهم سكن إلا في الجبال. ثم قال له: اصعد إلى رأس هذا الجبل وحدك راجلا ليس معك أحد فأبصر ما هنالك.

فصعد الاسكندر وحده فرأى إسرافيل علیه السلام على رأس ذلك الجبل وبيده الصور، وقد نفخ شدقيه وملأمن الدموع عينيه ينتظر حتى يأتيه الأمر

فينفخ، قال فلما نظر إلى وجه الاسکندر صاح عليه وقال: يا عبد الحرص لا تجهدن هذا الجهد فسوف يأتيك الأمر بالمسير، ويقرع سمعك النداء بالرحيل، فقال الاسکندر: لم يقسم لي غير الحركة والطواف في أقطار الأرض، ثم نزل من الجبل حليف كآبة ورنين وعاد القهقرى إلى الظلمات، فلما توغلها هتف هاتف من الجبل الأسود الذي كان هنالك وقال: من يحمل من حجارة هذا المكان يندم، ومن لا يحمل منها فهو أيضاً يندم، فحمل منها بعضهم وأعرض عنها بعضهم، فلما خرجوا من تلك من الظلمات رأوا تلك الحجارة جواهر ويواقيت، فندم من حمل حيث لم يستكثر، وندم من لم يحمل حيث لم يحمل.

وصول الاسكندر إلى مشرق الشمس وقصة يأجوج ومأجوج :

قال: ثم إن الاسكندر أقام بعد خروجه من الظلمات مقدار أسبوعين، ثم ارتحل متوجاً نحو المشرق، فسار حتى انتهى إلى مدينة كبيرة، فاستقبله أكابر أهلها فأكرمهم الاسکندر وأحسن إليهم، ثم سايلهم عن عجائب ما هنالك، فأجهشوا إليه بالبكاء وقالوا: أيها الملك: إن أمامنا أمراً عظيماً لا بد لنا عن عرضه على رأيك، ونحن منه في عناء وتعب شديد، وذلك أن وراء هذا الجبل يأجوج ومأجوج وهم يفسدون في أرضنا ويعيشون في بلادنا، وهم في خلقهم بحيث لا تتجاوز قامة أحدهم شبراً، ومع ذلك فقد ملأوا الأرض فساداً وشراً، ولهم وجوه کوجوه الإبل وأنياب كأنياب الخنازير، ألسنتهم سود وأعينهم حمر، وعلى أبدانهم شعور في لون النيل، ولهم آذان كآذان الفيلة، إذا نام أحدهم افترش إحدى أذنيه والتحف بالأخرى، لا تموت الأنثى منهم حتى تلد ألف مولود، وهم فی الکثرة بحیث لایعرف عددهم الا اللّه عزوجل واذا کان فصل الربیع وجاش البحر وأرعد الجواحتمل السحاب التنين من البحر فألقاه إليهم، فيجتمعون إليه ويأكلون منه حتى تعبل أجسامهم وتسمن أبدانهم، ويكون ذلك

من السنة إلى السنة، وفي سائر السنة يجترئون بنبات الأرض وبما يختطفونه من كل جانب، وإذا كانت أيام الشتاء اعتراهم الضعف حتى يصير صوت أحدهم في رز صوت الحمام، وإذا أقبلت أيام الربيع عادوا كالذئاب الضارية.

فإن أنعم الملك بالتدبير في كفاية شرهم وكف معرتهم شکر سعيه بكل السان، ودام ذكره إلى آخر الزمان.

فتعجب الاسكندر مما أوردوا واهتم لذلك، ثم غاص في بحر الفكر فقال لهم: إني أعاونكم مني بالأموال والكنوز، فعاونوني بنفوسكم حتى أعمل دونهم سداً بقدرة الله الذي لا إله إلا هو سبحانه وتعالى، فدعوا له وقالوا: إنا كلنا عبيدك فيما تأمر به، فجاء الاسكندر في علماء فلاسفته وأصحاب رأيه،فنظر إلى الجبل فأمر باستدعاء الحدادين والفعلة، وأمر باحضار النحاس والرصاص والجص والحجارة والحطب، فجمعوا في كل واحد مالا يحيط به الحصر، وحشر صناع الأقاليم فسد ما بين الجبلين بسدين من قرار الأرض إلى رأس الجبل، وجعلوا الأساس في عرض مائة ذراع، فكانوا يصفون من زبر الحديد صفا في مقدار ذراع، ويضعون عليه الفحم والنحاس، ويجعلون الكبريت فوقه، ثم صفا آخر فوقه كذلك، ثم آخر وآخر حتى انتهى إلى رأس الجبل وساوی ما بين الصدفين، ثم خلطوا النفط والدهن وأفرغوه على رأس الجميع، ثم صبوا عليه الفحم، ثم ألقوا فيه النار.

واجتمع عليه مائة ألف حداد ينفخون فيه، فارتفع الدخان في السماء وتمكنت النار فية وبقيت كذلك تتقد زمانأً حتی تراصت الأجزاء وتهدم البناء، فتخلص العالم بالسد الاسكندري من شريأجوج ومأجوج وعادتهم ولله الحمد، قال: وطول هذا السد خمسمائة ذراع في عرض خمسمائة ذراع.

ولما أحكم الاسكندر ذاك ارتحل من تلك المدينة وسار مسيرة شهر فوصل إلىجبل من اللازورد على رأسه بيت من الياقوت الأصفر، فيه قناديل معلقة من البلور، وفي

وسطه عين ماء مالح فيه جوهر أحمر، له أشعة تنبث أنوارها على الماء فيمتلى البيت منه بالأضواء، وعند العین تخت من الذهب منصوب، عليه شخص مسجی مضطجع، رأسه کراس خنزير، وبدنه کبدن إنسان، قد فرش تحته الكافور، و كان من أخذ شيء من ذلك البيت تأخذه الرعدة ويموت في مكانه.

فسمع الاسكندر هاتفاً من تلك العين يقول: أيها الرجل الحريص، لا تحرصن هذا الحرص كله فقد رأيت مالم يره أحد، فالواجب أن تصرف الآن عنانك فقد دنت أيامك، وشارف الانقضاء ملكك.

ففزع الاسكندر وأسرع الانصراف إلى معسكره.

ثم ارتحل وسار حتى خرج من البرية وانتهى إلى مدينة آهلة ففرح حين سمع صوت الإنس واستأنس، فتلقاه أهل المدينة وأظهروا السرور بمقدمه ونثروا عليه النار الكثير، وقالو: نحمد الله حين جعل عبورك علينا، فإنه لم يأت هذه المدينة عسکر قط، ولا سمع فيها اسم ولا ذكر لملك، فسايلهم عن عجائب مدينتهم؟ فقال بعضهم: أيها الملك! إن هاهنا عجباً لا يوجد في العالم مثله، وذلك أن هاهنا شجرتين ذكر وأنثی، ينطق الذكر بالنهار والأنثى بالليل، فركب الاسكندر واستصحب ترجماناً منهم في جماعة من أصحابه، فسأل الترجمان وقال: متى تتكلم الشجرة؟ فقال: إذا عبر تسع ساعات من النهار تكلم الذكر، وإذا جن الليل تكلمت الأنثى، فقال له: وإذا تجاوزنا ما بين الشجرتين فما الذي نراه بعدهما؟ قال: إن الدنيا تنتهي عند ذلك، وما بعدها يسمى طرف العالم.

ولما قرب من الشجر تین رأی الأرض ملأى من جلود السباع، فسأله عن ذلك فقال: إن لهاتين الشجر تین عباداً يعبدونهما، وإذا جاؤها للعبادة فلا يأكلون إلا لحوم السباع، قال: فلما انتصف النهار سمع الاسكندر من إحدى الشجر تین صوتاً أزعجه فسأل الترجمان عما قالت؟ فقال: إنها تقول: ما بال الاسكندر يجول في أقطار الأرض وقد استوفي نصيبه من العيش، وعند استكمال أربع عشرة سنة من سلطانه يحين حين

ارتحاله، فبکی الاسکندر وامتلا هماً وحزناً وبقي واجماً لا يتكلم إلى نصف الليل. فتكلمت الشجرة الأنثى، فسأله عما قالت، فقال: إنها تقول: إنك تجول حول الأرض من حرصك، ولم يبق إلا قليل من عمرك، فلا تتعب نفسك ولا تضيق عليها أمرك، فقال له الاسكندر: سلها هل تكون أمي حاضرة عند رأسي إذا أتاني أمر ربي؟ فسألها عن ذلك فقالت: شد رحالك وأقصر عن ظنك فإنه لا تحضرك أمك ولا قرابتك ولا نساءبلدك، ولا تموت إلا غريباً في بلاد غيرك.

فانصرف الاسكندر وقيد القلب منخزل النفس نحو معسكره.

فقدم إليه أهل تلك المدينة جواشن و دروعاً وتحفاً كثيرة فيها مائة بيضة من الذهب، وزن کل بیضة ستون مناً، وصورة كركدن من الذهب مرصعة بالجوهر، فقبل هداياهم.

الاسكندر وملك الصين:

وارتحل نحو العين فلما قرب منها نزل في عسكره واستحضر الكاتب فأمره أن يكتب إلى بغبور كتاباً مملوءاً بالوعد والوعيد، وختمه، واستصحب بعض ثقاته وأصحاب رأيه، وركب منهم في خمسة فرسان حتى أتي ملك الصين في زي رسول، فلما وصل إليه أكرمه وأنزله في موضع يليق به، ثم لما كان من غده أنفذ إليه مركوباً خاصاً بالات الذهب واستحضره، فحضر وأدنى إليه الرسالة، ودعاه أن يبادر إلى خدمة الاسكندر ويسارع إلى حضرته، وإن لم يفعل ذلك فلينفذ إليه طوائف الصين من فيل وأسلحة وثياب وذهب وفضة ليصرفه بذلك عن أذاه، فضحك بغبور وسأله أن يصف له الاسكندر وينعت له صورته وشكله، ويصف مکارمه وسيرته.

فاندفع الرسول يورد ذلك ويسرده، ثم أنه استحضر الطعام والشراب، ولما ثملوا صرف الرسول وقال: سنجيب غداً عن رسالة صاحبك، فانصرف إلى منزله وهو بين الصاحي والسكران و بيده أترجة، ولما طلعت الشمس من غده ركب إلى حضرة بغبور فسايله ولاطفه، ثم استحضر الكاتب وأجاب في كتب الاسكندر، وفتح أبواب خزائنه

وأخرج خمسين تاجأً مرصعاً بالجواهر وعشرة تخوت من العاج، وأوقر ألف جمل من الديباج والخز والحرير والكافور والمسك والعنبر إلى غير ذلك من الذهبيات والفضيات وجلود السنجاب والقاقم والسمور.

ثم اختار رجلاً من أكابر الصين موصوفاً بالعقل والرأي، ونفذه بكل ذلك في صحبة الرسول. فلما انتهى إلى ساحل البحر بادر الملاح فحمله في مركب وعبر به إلى المعسكر، فلما أحس أصحابه بوصوله استقبلوه، ولما رأوه ترجلوا وسجدوا بين يديه، فعلم رسول بغبور أنه هو الاسكندر نفسه، فنزل وسجد له. ثم لما أصبح جلس مجلسه من تخت السلطنة، فخلع على رسول بغبور وأعطاه عطايا كثيرة وصرفه إلى صاحبه، ثم أقام الاسكندر في ذلك الموضع شهراً من الزمان.

فلما برد الهواء ارتحل وسار حتى وصل إلى مدينة جغوان ورحل منها قاصداً قصد السند. فرکب ملكهم - وكان يسمى بنداه _ في رجاله السود برزوا إلى قتاله في أمثال الأسود، فجرت ملحمة أفنت السودان عن آخرهم وأتى الأسر والنهب على نسائهم وذراريهم. ثم سار الاسكندر إلى نیمروز، وصار منها إلى اليمن، فاستقبله صاحب اليمن بالهدايا الجليلة والتحف الكثيرة، فأكرمه الاسكندر وأحسن إليه.

ثم ارتحل من اليمن قاصدأً قصد بابل، فوصلً في طريقه إلى جبل عظيم فأتعبهم العبور فيه، فلما قطعوه وأسهلوا أفضوا إلى بحر عظيم، فعثر بعض أصحابه في ساحله على رجل متسربل البدن بالشعر، له أذنان كآذان الفيلة، فاجترؤه إلى خدمة الاسكندر، فقال له الاسكندر: ما اسمك ومن أنت؟ فقال: أيها الملك إن أبي وأمي سمياني بستر کوش يعني لحافي الأذن، فقال له: ما هذا الذي نرى في وسط البحر؟ فقال: مدينة طيبة، وفيها خلق طعامهم من السمك وأبنيتهم من عظام السمك، فإن أمر الملك عبرت إليهموأخبرتهم بمقدمه وحملت منهم جماعة إلى خدمته.

فأذن له الملك في ذلك، فعبر إليهم في ساعة وانصرف ومعه ثمانون شخصاً من عقلاء تلك المدينة في ملابس الخز والحرير، بعضهم شبان وبعضهم شيوخ، مع كل شیخ

منهم جام مملوء من الدر، ومع كل شاب تاج من الذهب، فحضروا بين يدي الملك فخدموه وسايلهم عن أمور أجابوه عنها، وأقاموا في منزله على البحر إلى طلوع الفجر من الغد، فارتحل متوجاً نحو بابل وقد علم أن أجله قد قرب.

وكان يخاف من الكيانيين على بلاد الروم بعد موته، فعزم ألا يبقي منهم أحداً، فكتب كتاباً إلى الحكيم أرسطاطالیس وذكر فيه حاله وماهم به، ثم استقدم جميع أكابر الكيانة من أوطانهم وأمرهم بالمبادرة إلى حضرته، فوصل كتاب أرطاطاليس وهو يقول فيه: قد آن لك أن ترتدع عن الشر، فاستسلم لأمر الله ، وفوض إليه أمورك، ولا تزرع في ملكك غير الحسن، وما أشرت إليه فلا تجزع منه ولا تهتم له، فإنالم نولد إلا للموت، وما استصحب أحد فارق الدنيا مالاً ولا ملكاً، وإياك أن تمس أحداً من الكيانية فإنه لا يحسن غرس العداوة في القلوب، فاتق الله ولا تسفك دماء الأكابر فإنه يثمر اللعن إلى يوم القيامة، ولا يورث غير الحسرة والندامة، والرأي أن تستحضر أكابر بيت الملك، وتملك كل واحد منهم بلداً أو إقليماً، ولا تجعل لبعضهم على بعض حکماً ولا یداً، ولا تسمين منهم للسلطنة أحداً حتى تشغلهم بحربهم عن بلاد الروم.

فلما قرأ الاسكندر کتاب الحكيم استحضر الأكابر الكيانية وأجلسهم في مراتبهم في خدمته، ثم فرق عليهم الممالك، وأمرهم أن يكتب كل واحد منهم کتاب عهد یعاهد فيه على ألا يطلب الزيادة على ما في يده، ولا يتعرض لمملكة غيره، ويجتزي بما في حكمه وتحت يده، فاستتب منهم ذلك فسموا ملوك الطوائف.

ذكر وفاة الاسكندر:قال في الشاهنامة:

ثم إنه وصل إلى بابل فاتفق أنه ولد في تلك الليلة مولود له رأس كرأس الأسد، وحافر کحافر الدواب، وذنب كذنب الثور، لا يشبه الإنس إلآ في صدره وكتفه، فلما وضعته أمه مات في الحال، فحملوه إلى حضرة الملك فتطير منه واستحضر المنجمين

وسألهم عن طالع ذلك المولود وما تدل عليه أحكام النجوم في ولادته، فاظلمت الدنيا في عيونهم لما فهموه، وكتموا الاسكندر ما علموه، فأوعدهم وهددهم، فقال له بعض المنجمين: أيها الملك! إنك ولدت على طالع الأسد، فإذ قد رأيت رأس المولود الميت مثل رأس الأسد فقد دل على زوال ملكك وانتهاء عمرك،واتفقت كلمة سائرالمنجمين على ذلك.

فاغتم الاسكندر ثم قال: إنه لا بد من الموت، ولست أهتم لذلك، ثم مرض في يومه ذلك وهو ببابل، فاستحضر كاتبه وكتب إلى أمه كتاباً يعزيها فيه عن نفسه ويوصي إليها ويأمرها بالصبر والرضاء بما قدر له من قصر العمر، والتسليم لقضاء الله النافذ في الخلق، وقال: إني قد أمرت أكابر الروم إذا انصرفوا من هذه البلاد بالتمسك بطاعتك والانقياد لأمرك.

وأما أكابر إيران الذين كان يخاف على بلاد الروم من معرتهم، فقد ملكت كل واحد منهم إقليماً من الأقاليم حتى يمنعه الشغل بما في يده عن بلاد الروم. وإذا مت فادفتوني في تراب مصر وفرقوا من خزائني مائة ألف دينار في هذه السنة على المشتغلين بأنفسهم من عباد الله، وروشنك - يعني زوجته _ إن ولدت ابناً فهو ملك الروم لا غير، وإن ولدت بنتاً فلتزوج من ابن فیلقوس، واتخذيه ولداً، وجددي به ذکر الاسكندر أبداً، وأما إبنة كيد ملك الهند فردوها إن أرادت إلى أبيها مع خزائنها التي جائت معها، في عمارتيها ومع تاجها و تختها، وأنا قد استسلمت للموت عن رأس العجز بعد أن فرغت من أشغالي كلها.

وقد أمرت أن يعمل لي تابوت من الذهب، ويملأ من العسل، ثم أضجع فيه مكفناً في الديباج والحرير، وعند الانتهاء إلى ذلك ينتهي الكلام، ثم احفظي وصيتي ولا تخالفي موعظتي، ولا تمسكي من الأموال التي جمعتها من الهند والصين وسائر الأقاليم أكثر من القوت، وفرقي الباقي على المحتاجين.

ثم حاجتي إليك ألا تجزعي علي ولا تؤذي نفسك، واشفعي إلى الله

عزوجل و أغيثيني بدعائك فإنه لا يأخذ بيدي غير ذلك ثم ختم الكتاب ونفذه إلى الروم على يدي بعض المسرعين.

قال: ولما علم العسكر بمرض الاسكندر تسارعوا إلى خدمة تخته واجتمعوا على بابه وضجوا من وراء حجابه، فأمر الاسكندر بإخراج تخته من أيوانه إلى الفضاء، فلما رأوه على ما به من الضعف أجهشوا إليه بالنحيب والبكاء، فقال لهم الاسکندر: استشعروا الخوف وتسربلوا لباس الحياء، ولا تعدلوا عن المحجة البيضاء، واحفظوا وصيتي، ولا تخلعوا ربقة طاعتي. فلما فرغ من كلامه خرجت روحه، فوقع العويل والنحيب في العسكر، وقام الصراخ عليه، فأحرقوا داره التي كانت مستقره، وحذفوا من دوابه ألف فرس، ثم جاؤا بتابوت من الذهب مملوء من العسل وغسله سکوباً بالماورد، وغمره بالكافور، وكفنه في ثوب دیباج مذهب، ووضعه في وسط العسل من الرأس إلى القدم، وأطبقوا عليه التابوت.

فلما رفعوه من ذلك المكان اختلفت الفرس والروم، فقالت الفرس: لا دفن الاسكندر إلا حيث مات، وقالت الروم: لايدفن الأحيث ولد، فقال شيخ من فارس: إن هاهنا موضعاً يقال له جرم (أو خرم) وهناك جبل من سأله عن شيء أجابه عنه بإذن الله عزوجل، فاسألوا الجبل حتى يحكم بينكم، فتوجهوا نحو الجبل فسألوا فأجاب وقال: ما لكم تحبسون تابوت الملك؟ إن تراب الاسکندر فی الارض الاسکندریة التی بناها فی حیاتة، فبادروا عند ذلک الی حمله وحملوه إلى الإسكندرية، فلما وصلوا إليها خرج الخلائق واجتمعوا على تابوته، حتى لو حسبهم المهندس لوجدهم يزيدون على مائة ألف.

فجاء الحكيم الأوسط (أرسطاطالیس) ووضع يده على تابوته وقال: أين رأيك وعقلك أيها الملك حتى صار مسكنك هذا المكان الضيق؟ وكيف أفضيت بنضارة الشباب إلى مضاجعة التراب؟

وقال آخر: أيها الملك! مازلت تدفن الذهب حتى دفنت فيه، ووقعت في خطب لا سبيل إلى تلافيه.

واجتمعت علماء الروم فخاطبه كل واحد منهم بحكمة، و أبنه بموعظة.

ثم جاءت أمه ووضعت وجهها على تابوته وهي تبكي وتنتحب وتقول: ما أبعدك مني مع قربك! وما أعظم خطبك على صحبك!.

ثم جاءت زوجته روشنك بنت دارا وطفقت تبكي وتندبه وتنتحب وتنوح عليه، ثم دفنوه ولم تكن أيامه إلا كبرق ومض، وطرف غمض.

وهذا آخر الخبر عن قصة الاسكندر، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد و آله أجمعين.

يقول مؤلف الكتاب الفقير إلى عفو ربه وغفرانه حسن السيد علي القبانجي النجفي: هذا آخر ما نقلناه عن الشاهنامه وذلك في سنة 1410 ه في النجف الأشرف على ساكنها أفضل التحيات

ثلاثون قولاً قيل عند موت الاسكندر:

ذكر المسعودي في المجلد الأول من كتابه «مروج الذهب»:

إنه لما مات الاسكندر، طافت به الحكماء ممن كان معه من حكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم من علماء الأمم، وكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، ولا يصدر الأمور إلا عن رأيهم، وجعل بعد أن مات في تابوت من الذهب ووضع بالجوهر بعد أن طلي جسمه بالأطلية الماسكة لأجزائه.

فقال عظيم الحكماء والمتقدم فيهم: ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة معزياً وللعامة واعظاً، وقام فوضع يده على تابوت فقال: أصبح آسر الأسراء أسيراً، ثم قام حكيم ثان فقال: هذا الاسكندر الذي كان يخبئ الذهب فصار الذهب يخبؤه. وقال الحكيم الثالث: ما أزهد الناس في هذا

الجسد وأرغبهم في هذا التابوت. وقال الحكيم الرابع: من أعجب العجب أن القوي قد غلب والضعفاء لاهون مغترون. وقال الخامس: يا ذا الذي جعل أجله ضماناً وجعل أمله عياناً، هلا باعدت من أجلك لتبلغ بعض أملك، هلا حققت من أملك الامتناع عن فوت أجلك. وقال السادس: أيها الساعي المنتصب جمعت ماخذلك عن الاحتياج فغودرت عليك أوزاره وفارقت أيامه، فمغناه لغيرك ووباله عليك. وقال السابع: قد كنت لنا واعظأً فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك، فمن كان له عقل فليعقل، ومن كان مغتراً فليغتر. وقال الثامن: رب هائب لك كان يغتابك من ورائك وهو اليوم بحضرتك لا يخافك. وقال التاسع: رب حریص علی سکوتك إذ لا تسكت وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم. وقال العاشر: أماتت هذه النفس لئلا تموت وقد ماتت.

وقال الحادي عشر وكان صاحب خزانة كتب الحكمة: قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك، فاليوم لا أقدر على الدنو منك. وقال الثاني عشر: هذا اليوم عظيم العبر أقبل من شره ما كان مدبراً، وأدبر من خیره ما كان مقبلاً فمن كان باكياً على من زال ملكه فليبك. وقال الثالث عشر: يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب. وقال الرابع عشر: یا من ضاقت عليه الأرض طولاً وعرضاً، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها. وقال الخامس عشر: عجب لمن

السادس عشر: أيها الجمع الحافل والملتقي الفاضل لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره و تنقطع لذته، فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغي والفساد. وقال السابع عشر: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وظل الغمام کیف انجلی وقال الثامن عشر: قد رأيتم أيها الجمع هذا الملك الماضي فليتعظ به الآن هذا الباقي. وقال العشرون: هذا الذي دار كثيراً والآن يقر طويلاً.

وقال الحادي والعشرون: إن الذي كانت الآذان تنصت له قد سكت، فليتكلم الآن كل ساكت. وقال الثاني والعشرون: سيلحق بك من سره موتك كما لحقت من سرك موته. وقال الثالث والعشرون: ما لك لا تقل عضواً من أعضائك وقد كنت تستقل ملك الأرض! بل ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان الذي أنت به وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد؟ وقال الرابع والعشرون - وكان من ساك الهند وحکمائها : إن دنياً يكون هكذا آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها. وقال الخامس والعشرون - وكان صاحب مائدته : قد فرشت النمارق وتضدت الوسائد وهیئت الموائد، ولا أرى عميد المجلس. وقال السادس والعشرون - وكان صاحب بیت ماله : قد كنت تأمرني بالجمع والادخار، فإلى من أدفع ذخائرك؟ وقال السابع والعشرون - وكان خازناً من خزانه : هذه مفاتيح خزائنك فمن يقبضها قبل أن أؤخذ بما لم آخذ منها. وقال الثامن والعشرون: هذه الدنيا الطويلة العريضة طويت منها في سبعة أشبار التاسع والعشرون: قول زوجته روشنك بنت دارا ملك فارس: ما كنت أحب أن غالب دارا الملك يغلب، وإن كان هذا الكلام الذي سمعت منكم معاشر الحكماء فيه شرابه فقد خلف الكأس الذي تشرب به الجماعة. القول الثلاثون ما يحكي عن أمه أنها قالت حين جاءها نعيه: لئن فقدت من ابني أمره، فما فقدت من قلبي ذكره.

وقبض الأسكندر وهو ابن ست وثلاثون سنة، وكان ملکه تسع سنین.

قصة أخرى في وفاة الاسكندر:

ولما تم للاسکندر ملك الدنيا، وقبض على جميع ما في الأرض، وعاد متوجهاً إلى الاسكندرية إلى أمه فلما وصل إلى شهر زورا أحس بالموت - أي اعتل علة الموت ،فقال للحكماء الذي كانوا معه - وهم أربعمائة حكيم - إني لمائت، فإذا مت فاطلوا جسدي بالصبر، واجعلوني في تابوت من ذهب، وأخرجوا يدي من التابوت وهي مبسوطة - يشير بذلك إلى أني خرجت من الدنيا بلا شيء، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام مشيراً إلى ذلك:

وفي قبض كف الطفل عند ولادة *** دليل على الحرص المؤبد في الحي

وفي بسطها عند الممات دلالة ***ألا فانظروني قد خرجت بلا شي

قال الاسکندر: فإذا تم ذلك فابعثوا رسولاً إلى أمي يخبرها أن تولم وليمة وتدعو لها كل من لم يصب بمصيبة _ أراد أن يعلم أمه بموته قبل أن يعلمها أحد . فلما جاء الرسول إليها، قالت له: أين ولدي؟ قال: هو خلفي، ولكن أوصى أن تصنعي وليمة وتدعين إليها كل من لم يصب بمصيبة، فصنعت ذلك وأمرت المنادي ينادي في الناس أن يحضر الوليمة كل من لم صب بمصيبة، فلم يأتها أحد من الناس. قالت: ما لي لا أرى أحد من الناس؟ قالوا: من يأتي وليس أحد من الناس إلا وأصيب بمصائب، فلا يأتي أحد، فقالت: إن ولدي قد مات، ثم حمل إلى أمه بالاسكندرية فطاف به من معه من الحكماء الذي كان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، فتقدم كبير الحكماء وقال: ليتكلم كلواحد منكم بكلام يكون موعظة للعامة وتعزية للخاصة، ووضع يده على التابوت وقال: أصبح أسر الأسراء أسيراً. وقال آخر: هذا الذي كان يخبئ الذهب فصار الذهب يخبؤه، وقال آخر: قد كنت لنا واعظاً فما وعظتنا بموعظة أبلغ من الموت. وقال آخر: رب هائب لك من وراء الغيب وهو اليوم بحضرتك فلا يهابك. وقال صاحب دار حکمته: قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك، واليوم لا أقدر على الدئو منك. وقال آخر: يا عظيم السلطان قد اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الذئاب. وقال آخر: مالك لا تقل عضواً من أعضائك وكنت تستقل بملك الأرض، وقال صاحب مائدته: قد فرشت النمارق ونضدت النضائد ولا أرى عميد القوم، وقال صاحب بیت المال: قد كنت تأمرني بالادخار، فإلى من أدفع ذخائرك؟ وقالت زوجته روشنك: ما كنت أحسب أن غالب دارا

يغلب، وإن الكلام الذي سمعته من الجماعة لا يخلو من شماتة، وإن الكأس الذي شربت به _ أي كأس الموت لابد وأن تشرب به الجماعة، وقالت أمه: إن فقد من عيالي شخصه لم يفقد من قلبي ذكره.

ذكر ابن أبي الحديد في المجلد الثاني من شرح النهج ص 434: من كلام الحكماء الذين تكلموا عند تابوت الأسكندر فقال أحدهم: حركنا بسكونه. وقال الآخر: قد كان سيفك لا يجف، و كانت مراقبك لا ترام، وكانت نقماتك لا تؤمن، وكانت عطاياك يفرح بها، وكان ضياؤك لا ينكسف، فأصبح ضوؤك قد خمد، وأصبحت نقماتك لا تخشی، وعطاياكلا ترجي، ومراقبك لا تمنع، وسيفك لا يقطع. وقال الآخر: انظرا إلى حلم المنام كيف انجلي، وإلى ظل الغمام كيف انسری، وقال آخر: ما كان أحوجه إلى هذا الحلم وإلى هذا الصبر والسكون أيام حياته. وقال آخر: القدرة العظيمة التي ملأت الدنيا العريضة الطويلة طويت في ذراعين. وقال الآخر: أصبح آسر الاسراء أسيراً، وقاهر الملوك مقهوراً، كان بالأمس مالكاً فصار اليوم هالكاً.

ومن خطبة له علیه السلام :

في التحذير من الغفلة عما بعد الموت

فًإنَّكُم لَو قَد عَایَنتُم مَا قَد عَايَنَ مَن مَاتَ مِنكُم لَجَزِعتُم وَوَهلُتُم و سَمِعتُم وأطَعمتُ وَلَكِن مًحجُوبٌ عَنكُم مَا قَد عَاينَوا وقَریبٌ مَا يُطرحُ الحجَابُ ولَقَد بُصِرتُم اِن أَبصَرتُم وأسمِعتُم إِن سَمِعتُم وَ هُديتُم اِن اهتَدیتُم وبِحَق أقُولُ لَكُم لَقَد جَاهَرَتکُم العِبَرُ وَ زُجَرتُم بِما فِيهِ مُزدَجَرٌ مَا یُبَلَغُ عَنِ اللهِ بَعدَ رُسُلِ السَّمَاء الا البَشَرُ. (شرح النهج مج 1 ص 99)

الشرح:

من جملة حكم الله تعالی أن أخفي على خلقه ما يجري عليهم حين الموت وبعده، وفي عالم البرزخ، لمصالح لا يعلمها إلا هو، ولا يعلم الإنسان ما يجري عليه غداً في حياته، فكيف يعلم ما يجري عليه بعد موته، والموت انتقال من هذا العالم إلى عالم آخر، وشتان بين العالمين.

والأخبار والأحاديث الواردة عن أهل البيت علیهم السلام تبين وتشير إشارة إجمالية إلى ما يشاهده الإنسان حين الاحتضار وبعد الموت من التجهيز والتغسيل والتكفين والدفن وسؤال منكر ونكير، وأين تذهب الأرواح وتنعم وتعذب، وأين تجتمع الأرواح، وهل تشعر الروح وتعقل وتسمع وتبصر، وهل لها علاقة بالبدن بعد أن صار تراباً واستحال إلى مادة أخرى. (1)


1) راجع الكافي للكليني 3: 231، باب (أن الميت يمثل له ماله وولده وعمله قبل موته)، ح 41، و 235، باب (المسألة في القبر...) / ح 1 - 18

حقيقة الموت:

ولنا مجال في المستقبل لبيان هذا السر وشرحه على ضوء الأخبار والأحاديث. والآن نقول: إن الموت هو انتقال إلى عالم غير مرئي، وهذا الانتقال مخوف مرعب، وهو مفارقة الروح للبدن بصورة مؤقتة، ومفارقة الإنسان عن كل ما يحب من الأهل والاولاد والمال، فإذا انتقل إلى ذلك العالم ورأى أرواح ملايين الملايين من البشر كيف تعذب وكيف تنعم، ورأى أرواح الأنبياء والأولياء وأرواح الفراعنة والكفار والمشركين، وما هناك من صياح وصراخ وعجيج وضجيج وبكاء وعويل و غير ذلك غلب عليه الخوف والفزع، ولهذا يقول علیه السلام: فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم كما هو شأن الأنبياء والأولياء، فإنهم بسبب علمهم واطلاعهم على ذلك العالم كانوا يبكون البكاء الشديد ويبيتون الليالي خائفين وجلين، والناس لو كانوا يعلمون ذلك لما وجد إنسان عاصي، ولكان الناس كلهم مؤمنين متقين، ولهذا قال عليه السلام: وسمعتم وأطعتم. ولو كان الناس كلهم يعلمون ويطلعون على ذلك العالم الاخت النظام الاجتماعي، ولما زرع الزارع، وما اتجر التاجر، وصارت الأشغال معطلة والحالة مضطربة، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يطرح الحجاب فإن الروح إذا خرجت من البدن وطارت من قفص الجسد ظهر لها كل ما كان محجوباً مخفياً، ثم قال علیه السلام: ولقد صرتم إن أبصرتم أي صرتم مبصرین، أي لكم عيون إن نظر تم بها، وأسمعتم إن سمعتم أي جعل لكم السمع إن کنتم تسمعون كلام الله ومواعظه البالغة و نصائح الأنبياء والأوصياء المنجية وهديتم إن اهتديتم أي علمتم الطريق إن وصلتم إلى المطلوب والمقصود، ومشيتم في الطريق المؤدي إلى رضوان الله «بحق أقول: لقد جاهرتكم العبر» أي العبر - وهي ما يعتبر به الإنسان _ قد أعلنت لكم بشأن الدنيا بما جرى على الأمم السالفة والفراعنة والقياصرة والعمالقة وسائرالملوك والسلاطين، وأجهرت العبر بما حل بآبائكم وبسائر الناس من المصائب

والنوائب والشدائد. (وزجرتم بما فيه مزدجر) كل ما كان فيه زجر، كالنهي الأكيد عن المعاصي، والأمر الشديد بالواجبات قد زجركم الله به، وما يبلغ عن الله بعد الملائكة ملائكة الوحي ورسل السماء إلا الأنبياء والأوصياء ومن سلك طريقتهم وبلغ عنهم.

قال العلامة ابن میثم رضی الله عنه في شرح هذه الفقرات: واعلم أن الإنسان ما دام ملتحفاً بجلباب البدن فإنه محجوب بظلمة الهيئات البدنية والمعارضات الوهمية والخيالية عن مشاهدة أنوار عالم الغيب والملكوت، وذلك الحجاب أمر قابل للزيادة والنقصان والقوة والضعف، والناس فيها على مراتب، فأعظمهم حجباً وأكثفهم حجاباً الكفار كما أشارإليه القرآن الكريم مثلا في حجبهم (أَو كَظُلُماتٍ فِي بَحرٍ لُجِي يَغشَاهُ مَوجٌ مِن فَوقِهِ مَوجٌ مِن فَوقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ) الآية،(1)فمثل الكافر كرجل وقع في بحر لجي صفته كذلك، فأشار بالبحر اللجي إلى الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة، فالموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية، وبالحري أن يكون هذا الموج مظلماً، إذ بك الشيء عمي ويصم، والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهاة، فبالحرية أن يكون مظلماً، لأن الغضب غول العقل، وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى، لأن الغضب في الأكثر مستولي على الشهوات، حتى إذا هاج أذهل عنها، والسحاب هو الاعتقادات الباطلة والخيالات الفاسدة التي صارت حجباً لبصيرة الكافر عن إدراك نور الحق، إذ خاصية الحجاب أن يحجب نور الشمس عن الأبصار الظاهرة، وإذا كانت هذه كلها مظلمة، فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض.

وأما أخقهم حجباً وأرقهم حجاباً فهم الذين بذلوا جهدهم في لزوم أوامر الله ونواهيه، وبالغوا في تصفية بواطنهم وصقال ألواح نفوسهم وإلقاء


1) النور: 40

حجب الغفلة وأستار الهيئات البدنية، فأشرقت عليهم شموس المعارف الإلهية، وسالت إلى أودية قلوبهم مياه الجود الرباني المعطي لكل قابل ما يقبله، فهؤلاء وإن كانوا قد بلغوا الغاية من الجهد في رفع الحجب و غسل درن الباطل عن نفوسهم، إلا أنهم ما دامت الأبدان فهم في أغطية من هيئاتها وحجب من أستارها، وإن ضعفت تلك الحجب ورقت تلك الأغشية، وما بين هاتين المرتبتین درجات من الحجب متفاوتة ومراتب متصاعدة ومتنازلة، وبحسب تفاوتها يكون تفاوت النفوس في الاستضاءة بأنوار العلوم وقبول الانتقاش بالمعارف الإلهية والوقوف على أسرار الدین، وبحسب تفاوت هذه الحجب يكون تفاوت ورود النار، كما قال تعالى:(وَإِن مِنكُم إِلَّا وارِدُهَا)(1)ولن يخلص الإنسان من شوائب هذه الحجب وظلمتها إلا بالخلاص عن هذا البدن وطرحه، وحينئذٍ (تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ مَا عَمَلَت مِن خَيرٍ مُحضَراً ومَا عَمَلَت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَينَهَا وبَينَهُ أَمَداً بَعيداً)، (2)فتكون مشاهدة بعين اليقين ما أعدلها من خير وما هيء لها من شر بحسب استعدادها بما كسبت من قبل، فأما قبل المفارقة فإن حجاب البدن مانع لها عن مشاهدة تلك الأمور كما هي، وإن حصلت على اعتقاد جازم برهاني أو نوع من المكاشفة الممكنة كما في حق كثير من أولياء الله، إلا أن ذلك الوقوف والاطلاع یكون كالمشاهدة، لا أنها مشاهدة حقيقية خالصة، إذ لا تنفك عن شائبة الوهم والخيال، ولذلك قال صلی الله علیه وآله حاكياً عن ربه: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم عليه)(3)أي وراء ما أطلعتهم عليه، وهو إشارة إلى طور المشاهدة الخالصة عن الشوائب التي هي عين


1) مریم: 71

2) آل عمران: 30

3) بحار الأنوار8: 92. وبله، من أسماء الأفعال بمعنی دع واترك

اليقين بعد الموت، وقد يسمى ما أدركه أهل المكاشفات بمکاشفاتهم في حياتهم الدنيا عين اليقين، فأما إدراك من دون هؤلاء لتلك الأمور فما كان منها مؤكدأً بالعقوبة بالشعور بعدم إمكان النقيض فهو علم اليقين، وقد يختص علم اليقين في عرف الصوفية بما تميل النفس إلى التصديق به ويغلب عليها ويستولي حتى يصير هو المتحكم المتصرف فيها بالتحريض والمنع، فيقال: فلان ضعیف اليقين بالموت، إذا لم يهتم بالاستعداد له، فكأنه غير موقن به مع أنه لا يتطرق إليه فيه شك.

قال أمير المؤمنين علیه السلام: (ما رأيت إيماناً مع يقين أشبه منه بشك إلا هذا الإنسان، إنه كل يوم يودع، والى القبور يشيع، وإلى غرور الدنيا يرجع، وعن الشهوات واللذات لا يقلع، فلو لم يكن لابن آدم ذنب يتوقعه ولا حساب يوقف عليه إلآ موت يبدد شمله ويفرق جمعه ويؤتم ولده لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه بأشد التعب، ولقد غفلنا عن الموت غفلة أقوام غير نازل بهم، وركنا إلى الدنيا وشهواتها رکون أقوام لا يرجون حساباً ولا يخافون عقاباً). (1)

وقيل له علیه السلام : صف لنا الموت، فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه: أما بشارة بنعيم الأبد، وأما بشارة بعذاب الأبد، وأما تحزین وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أي الفرق هو، فأما ولينا المطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد، وأما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول إليه حاله، يأتيه الخبر مبهمة مخوفاً، ثم لن يسويه الله عزوجل بأعدائنا، لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا ولا تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عزوجل، فإن المسرف من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة. (2)


1) فلاح السائل لابن طاووس: 214

2) معاني الأخبار للصدوق: 287، باب (معنى الموت)، ح /2

وكتب علیه السلام لمحمد بن أبي بكر: (عباد الله إن الموت ليس منه فوت، فاحذروا قبل وقوعه وأعدوا له عدته، فإنكم طرد الموت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظاً وكان رسول الله صلی الله علیه وآله كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت فإنه هادم اللذات، حائلبينكم وبين الشهوات).(1)

حالات ذكر الموت:

نقلاً من كتابنا «علي والأسس التربوية»:

للإنسان في ذكر الموت حالان: حال قبله، وأخرى عنده:

الحالة الأولى: قبل الموت

ينبغي للانسان قبل الموت أن يكون دائم الذكر له، ولذلك كان من أول هداية الأنبياء للناس تذكيرهم الموت وحثهم على دوام تذکره، ومن أكبر هم الفلاسفة تفكيرهم به، وبسط القول في أن الحياة باطلة والموت حق قال رسول الله صلی الله علیه وآله : أكثروا من ذكر هادم اللذات فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليها (2)وقد أخذ أهل الصين عن فلاسفتهم ستة أجروها بینهم مجرى العادة في وجوب تذكر الموت كل حين، فإذا ولد الطفل عندهم صنعوا له نعشاً بقدره، ووضعوه بجانب المهد يجددونه علی مقدار النمو في الطفل، ولا يزالون يفعلون ذلك حتى إذا بلغ أشده وضعوا النعش بجانب السرير إلى أن يحل يوم أجله، فيحملونه عليه،


1) الأمالي للطوسي: 24:31/31

2) کنز العمال للمتقي الهندي 15: 700 ح 42798

يشيرون بذلك إلى أن يوم الولادة ويوم الوفاة أمران متلاصقان وحبلان متصلان، وأن الإنسان يمشي في هذه الدنيا و كأنه عابر جسر: عن يمينه الموت، وعن شماله الحياة، وأنه كما يدب بنموه في الحياة يدب بأنفاسه نحو الممات، وأنه يجب على العاقل أن يحضره على الدوام ذكر الموت كما يحضره ذکر الحياة، وأن اليقين كل اليقين في أعواد النعش، والشك كل الشك في أساطين القصر، وهم يلبسون السواد حداداً في يوم الولادة، والبياض فرحاً عند حلول الأجل، ولم يعتبروه شراً بل هو الخير كله عندهم، فمن منتهی غباوة الانسان وجهله ان یتّخذ فی کل منبت شعرة من جسمه حبلاً من الأمل يعلقه بالبقاء في الحياة الدنيا ويمحو عن ذاكرته كل سبب يربطه بصفائح القبر، فما الدنيا في الآخرة - كما روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله : «إلآ مثل ما يجعل الواحد إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع. (1)

ما عليه الناس في هذه الحالة:

الناس في الحالة السابقة ينقسمون ثلاثة أقسام: قسم لا يذكره البتة، وقسم يذكره رعباً وخشية، وآخر يذكره عقلاً وحكمة.

القسم الأول: هو ذلك الأحمق الذي لا يتذكر الموت ولا يجري له على خاطر، كأنه قد رسخ في ذهنه أن لا فناء، فلا يحس هذه الحقيقة إلا عند المشاهدة، ولا يذكر الموت إلا ريثما تنقضي تلك المشاهدة، كأن يشتد به المرض أو يختطف الموت أحد أهله أو جيرانه.

فهو لا يفكر في الموت وما بعده إلا نظراً في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ويتدبر في أحوال نفسه وعندما يرى جنازة إلا بقوله بلسانه (إنا لله وإنا إليهراجعون) ولا يرجع إلى الله بأفعاله، بل بأقواله فقط، فيكون كاذباً فيها تحقيقاً.


1) البحار للمجلسی، 70: 119 ح 110

القسم الثاني: وهو ذلك الذي يذكر الموت دائماً لخشيته من وقوعه وخوفه من نزوله، فيتولا الرعب ويستولي عليهم الفزع، وأكثر ما يذكرونه إذا خلوا من أشغالهم وانتقلوا إلى أوقات فراغهم، فيكدرون صفاء هنائهم، ويسودون بياض معيشتهم، وأشد ما يكون عذابهم من ذكرى الموت إذا أردف الله عليهم النعمة إثر النعمة، وزادهم من متاع الدنيا وزينة الحياة، فتراهم في هم دائم وعناء مقيم للتوقي من الأخطار والتحرز من أسباب الهلاك، ويتغالون في ذلك التوقي إلى حال الجنون، فيحاذرون هبوب النسيم وحرارة الضياء، ويتوهمون في كل لقمة تخمة، وفي كل جرعة غة، حتى تمرض الأجسام من تلك الوساوس والأوهام التي قد تؤدي إلى الموت الزؤام.

القسم الثالث: وهو العاقل الكيس الذي لا يفارقه ذكر الموت، كالمسافر إلى مقصد الحج مثلاً، فإنه لا يفارق ذكر المقصد، وأشغال المنازل في الحل والترحال لا تنسية مقصوده، وذلك لأنه يعلم أن ذكر الموت يطرد فضول الأمل، ويكف غرب المنى، ويهون المصائب، ويحول بين الإنسان والطغيان.

ومن ذكر الموت تتولد القناعة بما رزق، والمبادرة إلى التوبة وترك المحاسدة والحرص على الدنيا، والنشاط في العبادة، ولا ينبغي أن يهمل الإنسان نفسه من تذكرالموت كل يوم، فيصبح في كل يوم على تقدير الاستعداد للرحلة. فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة ينبغي أن يكون مستعداً للاجابة، فإن لم یکن فربما يأتيه الرسول وهو غافل فيحرم السعادة، فما من وقت إلا والموت فيه ممكن.

الحالة الثانية: عند الموت

هي حال الإنسان عند الموت، والناس عنده ثلاثة أقسام أيضاً:

الاول: ذو بصیرة و علم ان الموت یعتقه والحیاة تسترقّه، وان الانسان وان طالفي الدنيا مكثه فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم عادت للاختفاء، فلا يثقل

عليه الخروج من الدنيا إلا بقدر ما يفوت من خدمة ربه عزوجل والازدياد من تقربه والاشفاق مما يقول أو يقال له، كما قال بعضهم لما قيل له: لم تجزع؟ قال: لأني أسلك طريقاً لم أعهده، وأقدم على رب لم أره، ولا أدري ما أقول وما يقال لي. ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت، بل إذا عجز عن زيادة العبادة ربما اشتاق إليه. وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك وزهدت في القرب منك، فقد قال نبيك وصفيك صلی الله علیه وآله: من أحب لقاء الله أحب الله القاءه، ومن كره لقاء الله فقد كره الله لقاءه۔(1)

والثاني: رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة، منهمك في الدنيا منغمس في علائقها، رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفار من أصحابالقبور، فإذا خرج إلى دار الخلود أضر ذلك له كما تضر ومصباح الملأ الأعلى، فكان كما قال الله تعالى:(وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أعمِي فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعمي وأَضَلُ سَبيلاً) (2)فالدنيا سجن الأول وجة الثاني، والأول كعبد دعاه مولاه فأجابه طوعاً وقدم عليه مسروراً يتوافر على خدمته. والثاني كعبد آبق رد إلى مولاه مأسوراً، وقيد إلى حضرته مقهوراً، فبقي ناكس الرأس بین یدي مولاه، مختزياً من جنايته، وشتان بين الحالين.

والثالث: رتبة بين الرتبتين: رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ولكن أنس به وألفه، فإذا خرج ورأى ما اتخذ الله الصالحين لم يتأسف علی ما کره فواته، بل قال:(الحَمدُ للهِ الَّذِي أذهَبَ عَنَّا الحَزَن إِنَّ ربَّنا لَغَفُورٌ شَكورٌ الَّذيِ أَحَلنا دارَ المٌقامَةِ مِن فَضلِهِ لا یَسمَّنا فيهَا نَصَبٌ ولَا یَمسَنا فيِها لُغُوبٌ). (3)


1) الكافي 3: 134، ح 12

2) الإسراء: 72

3) فاطر: 34 و 35

ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه، فالصبي وقت الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال، ثم إذا عقل لا يتمنی العود إليه، والموت ولادة ثانية يستفاد بها كمالاً لم يكن له قبل، بشرط ألا يكون تقدم قبل ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحل للكمال، كما أن الولادة سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان، بشرط ألا يصيبه وقتئذ من الأسباب والعلل ما يمنع قبول الكمال.

والموت من العقائد الراسخة والاعتقادية يكاد يكون عاماً بين الأمم والأجيال، فلا تكاد تخلو كل أمة أياً كانت من اعتقاد بموت، ولكن هذه الفكرة وأوصاف الموت تختلف بين هذه الأمم اختلافاً كبيراً. والقرآن يصف الموت بأوصاف نلخصها مما ورد فيه، فهو ليس موتاً لا حياة بعده، ولا هو من البساطة بصفة يشبه النوم، وإنما هو انتقال من دار إلى أخرى، فهو موت بعده حياة أخرى وراء هذه الحياة، ويومها يوم القيامة يوم الدين (ثٌمَّ إنَّكُم بَعدَ ذَلكَ لَمَيتُّون) (1)(ثُمَّ انَكُم يَومَ القِيامَةِ تُبعَثُونَ) (2)(كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ ثُمَّ إِلينَا تُرجَعُونَ).(3)

وليس من الموت من مهرب أو ملجأً مهما عظم شأنه (أينَمَا تَكُونُوا یُدرِكُكُم ُالمَوتُ ولَو كُنتُم فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدةٍ). (4)

وليس الموت ينظر إلى الناس بعين التمييز بين الأفراد الواطئة والطبقات الراقية، بل هو ينظر إليهم کموجودات طبيعية تعرض عليها عوارض الطبيعة (إنَّكَ مَيِتٌ وإِنَّهُم مَيِّتونَ). (5)


1) المؤمنون: 15

2) المؤمنون: 16

3) العنكبوت: 57

4) النساء: 78

5) الزمر:

ومن كلام له علیه السلام قبل موته:

في المحافظة على الشهادتين والاعتبار بموته

(أيُها النَّاسُ كُلُّ امرِئ لَاقٍ ما يَفرُّ مِنهُ فِي فَراره الأجلُ مَساقُ النَّفسِ والهَربَ مِنه مُوافاتُه كَم أَطرَدتُ الأيَّامَ أبَحَتها عَن مَكنُون هَذا الأَمرَ فَأبى اللهُ إلا إِخفَاءَهُ هَیهاتَ عَلمٌ مَخزونٌ امَّا وَصِيَّتی فللّه لا تُشرِكُوا بِه شَيئاً ومحَمَداً صلی الله علیه وآله فلا تُضَیعوا سُنَه أقیمُوا هَذینِ العَمُودين وأَوقدوُا هَذین المِصباحَين وخَلاكُم ذمٌ ما لم تَشرُدوا حُمل كُلُّ امري منكم مَجهُودةُ وخُففَ عن الجَهَلة ربٌ رحيمٌ ودينٌ قويمٌ وامامٌ عليمٌ أنا بالأمسِ صاحبُكُم وأنا اليَوم عبرةٌ لكُم وغداً مُفارقکُم غَفَر اللهُ لي وَلكُم ان تثبت أوطاة في هَذه المزلة فذاك إن تدحَض القَدَم فإنّا کُنا في أفياء أغصَان ومَهاب ريَاحٍ وتَحتَ ظَلِ غمَام ٍاضمَحَل في الجَو متَلَفقَها وما في الأرضِ مَخطَها وأنَّما کنتُ جاراً جاوَرَكُم بدني أياماً و بين مني جثَّةً خلاءً ساكنَة بَعد حراك وصامَتة بعد نُطقٍ ليعظكُم هُدُوي و خفوتُ إطراقي و سکونُ أطرافي فإنَّه أًوعَظِ للمُعتبرينَ منَ الَمنطقِ البَليغِ والقَولِ المسموعَ وداعي لَكُم وداعُ امری مُرصِدٍ للتلاقي غداً تَرونَ ایامي ويكشَفَ لَكم عن سراثِري وتَعرفونني بعدَ خُلو مكانيً وقِيام غَيرِي مَقامي). (1)

الشرح:

إن هذا الكلام قاله علیه السلام لما ضربه ابن ملجم المرادي عليه لعائن الله، وهو مسوق في معرض الوعظ والاعتبار والتوصية والتذكير، فحذر الناس


1) نهج البلاغة، ج 2: 34 -خ149

ونبههم على لحوق ضرورة الموت المنفور منه طبعاً: أيها الناس كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره، فإنه لما كان الإنسان دائماً فاراً من الموت و متوقيأً له، وكان لا بد منه، لا جرم كان ضروري اللقاء له في فراره، والأجل قد يراد به غاية الحياة الدنيا كما قال تعالى:(فَإذا جاءَ أجَلَهُم لا يَستَأخِرونَ ساعةً ولا يستقدمونَ)(1)وقد يراد به المدة المضروبة للقاء الإنسان وهي مدة عمره، وإياه عنی علیه السلام بقوله: الهرب منه - أي من الأجل - موافاته وذلك أن الفار من الموت مثلا بالحركات والعلاجات ونحوها تستلزم حرکاته في ذلك فناء الأوقات و تصرمها، وقطع تلك الأوقات مستلزم لملاقاته وموافاته.

وقوله صلوات الله عليه: كم اطردت الأيام أي صيرتها طريدة إلى أن أتبع بعضها بعضاً بالبحث وتعرف مكنون هذا الأمر - أي الذي وقع له من القتل - وذلك المكنون هو وقته المعين بالتفصيل ومكانه، فإن ذلك مما استأثر الله تعالی بعلمه كقوله تعالى:(إنَّ اللهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَة) (2)وقوله:(وَما تَدرِي نَفسَ بأيِ أرضَ تَمُوتُ) (3)وإن كان قد أخبره الرسول صلی الله علیه وآله بكيفية قتله مجملاَ كما روي عنه صلی الله علیه وآله أنه قال له: ستضرب على هذه _وأشار إلى هامته - فتخضب منها هذه _ وأشار إلى لحيته.(4)وعنه صلی الله علیه وآله أنه قال له: أتعلم من أشقى الأولين؟ قال: نعم، عاقر الناقة، فقال له: أتعلم من أشقى الآخرين؟ قال: لا، قال: من يضربك ها هنا فيخضب هذه.(5)

وأما بحثه هو صلوات الله عليه عن تفصيل الوقت الذي يقتل فيه والمكان الذي


1) الأعراف: 34

2) لقمان: 34

3) لقمان: 34

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 117

5) بحار الأنوار 11: 393 نقلا عن تفسير الثعلبي.

یقتل فيه ونحوهما من القرائن المشخصة، وذلك البحث أما بالسؤال من الرسول صلی الله علیه وآله مدة حياته وكتمانه إياه، أو بالفحص والتفرس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس، فأبى الله تعالى إلا أن تخفي عنه تلك الحال.

هذا ما ذهب إليه الشارح المعتزلي والبحراني، ويظهر من قول المعتزلي أنه زعم أن مراده علیه السلام بمكنون هذا الأمر وقت قتله ومكانه المعينان بالتفصيل.

وحذا حذوه الشارح البحراني حيث قال: وذلك المكنون هو وقت قتله المعين بالتفصيل ومكانه، فإن ذلك مما استأثر الله به.

علم علي علیه السلام بزمان ومكان قتله:

لا يكاد ينقضي العجب من هذين الفاضلین کیف توهما أن أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن عالماً بزمان موته ولا بمكانه إلا إجمالاً، وأنه لم يكن يعرفهما تفصيلاً، إن هذا إلا وهم فاسد.

أما الشارح المعتزلي فمع روايته الأخبار الغيبية له علیه السلام وإذعانه على صحتها كبف خفي عليه وجه الحق، وكيف يتصور في حق من هو عالم بما كان وما يكون، ومن يقول: فاسألوني قبل أن تفقدوني فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة أو تضل مائة إلا أنبئتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلاً ويموت منهم موتاً أنه لم يكن يعرف زمان موته ومكانه!!۔

وأما الشارح البحراني: فمع كونه من فضلاء علماء الإمامية - قدس الله ضرائحهم - کيف قصرت معرفته عن علم الأئمة علیهم السلام بما كان وما يكون وما هو كائن، ولمعرفتهم علیهم السلام بوقت موتهم وموت شيعتهم، وأنهم يعلمون علم المنايا والبلايا والأنساب، وهذه الأخبار قريبة من التواتر بل متواترة، وقد روی المخالف والمؤالف قول أمير المؤمنين علیه السلام للحارث الأعور الهمداني

يا حار همدان من تمت يرني ***من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرقه وأعرفه *** بنعته واسمه وما فعلا (1)

فإن من كان حاضراً عند كل ميت، عارفاً بوقت موته كيف لا يعرف وقت موت نفسه ؟! وقد عقد الكليني محمد بن يعقوب رضی الله عنه في كتابه - أصول الكافي - باباً خاصاً في ذلك وقال: باب أن الأئمة علیهم السلام يعلمون متى يموتون.(2)وروى في ذلك الباب عن علي بن محمد، عن سهل بن زیاد، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه، وقوله لما سمع صباح الأوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس، فأبى عليها، وكثردخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف أن ابن ملجم قاتله بالسيف؟ فقال الرضا عليه السلام : ذلك كان، ولكنه خير في تلك الليلة لتمضي مقادیرالله عزوجل. (3)

قال المجلسي: الظاهر من سائر الأخبار أنه علیه السلام كان عالماً بشهادته ووقتها، وكان ينتظرها ويخبر بوقوعها ويستبطئها في الليلة التي وعدها، ويقول: ما منع قاتلي من قتلي؟ انتهى .

فقد ظهر واضح بذلك كله أنه كان يعرف تفضیلاً زمان قتله ومكانه.

فإن قلت: سلمنا هذا كله وذلك، ما تصنع بقوله علیه السلام: کم اطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلا إخفاءه؟

قلت: يمكن توجيهه بأن يكون المراد بهذا الأمر خفاء الحق ومظلومية أهله وظهور الباطل وغلبة أصحابه وكثرة أعوانه، لأنه علیه السلام سعى في أول الأمر في أخذ


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 299

2) الكافي للكليني 1: 258، باب (أن الأئمة يعلمون متى يموتون...)

3) المصدر السابق: ح4

حقه غاية السعي فلم يتيسر، وجرت أمور لم تكن تخطر ببال أحد وقوع مثلها، وفي آخر الأمر لما انتهى إليه وحصل له الأنصار والأعوان وجاهد في الله حق الجهاد وغلب على المنافقين سنحت فتنة التحكيم التي كانت من غرائب الأمور، ثم بعد ذلك لما جمع العساكر وأراد الخروج إليهم وقعت الطامة الكبرى، فالمراد بالمكنون سپر ذلك وسببه، فظهر لي وأبى الله إلا إخفاءه عنكم لضعف عقولكم عن فهمه، إذ هي من غومض مسائل القضاء والقدر.

وهذا التوجيه أورده المجلسي في مرآة العقول نقلا عن بعضهم واستحسنه.

وبالتالي فإن المراد بالأمر المكنون في كلامه علیه السلام سر غلبة الباطل على الحق وعلة مظلومية أهل الحق .

والمراد بإخفاء الله إياه إخفاؤه منهم لا منه علیه السلام، فيكون هذا الكلام منه نظير قوله:

بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة. (1)

وقوله علیه السلام: هیهات علم مخزون أي بعد الاطلاع على ذلك السر فإنه علم مخزون، ومن شأن المخزون أن يستر ويخفی.

وصايا أمير المؤمنين علیه السلام:

ثم شرع علیه السلام بالوصية فقال: أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئاً، ومحمد صلی الله علیه وآله فلا تضيعوا سنته فبدأ بالأهم فالأهم، فالأول هو الإخلاص لله بالإعراض عن كل ما سواه، وفي ذلك لزوم أوامره ونواهيه وسائر ما نطق به كتابه العزيز، والثاني: لزوم سنةمحمد صلی الله علیه وآله وعدم إهمالها، وهو لزوم شرائع الدين وسلوك نهج الشرع المبين. ثم أكد الأمر باتباع التوحيد المطلق والسنة


1) نهج البلاغة 1: 39 الخطبة الخامسة

النبوية بقوله: «أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين واستعار لهما لفظ العمودين لأن مدار الإسلام ونظام أمور المسلمين في المعاش والمعاد على توحيد الله سبحانه ولزوم ما جاء له رسوله، كما أن مدار الخيمة وقيامها بالعمد، والمراد بإقامتهما الاعتقاد بهما والعمل بمقتضيات الإيمان بهما، ووجه الثانية: أن توحيد الله والاقتداء بما جاء به رسوله مستلزمان للهداية في طريقه من ظلمات الجهل، قائدان إلى جواره في جنات النعيم، وهو المطلوب الحقيقي، كما يهدي المصباح في الظلام على الطريق المطلوب.

وقوله علیه السلام: وخلاكم ذم مالم تشردوا أي سقط عنكم ذم وتجاوز كم فلا ذم يلحقكم ما لم تتفرقوا.

قال المجلسي - في مرآة العقول : والغرض النهي عن التفرق واختلاف الكلمة، أي لا ذم يلحقكم ما دمتم متفقين في أمر الدين، متمسكين بحبل الأئمة الطاهرين، أو المراد النهي عن الرجوع عن الدين وإقامة سننه.

ثم لما كان قد أمرهم عليه السلام بلزوم هذين الأمرين اللذين يدور عليهما التكليف، بين لهم بقوله: حمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الجهلة، رب رحيم ودین قویم وإمام عليم.

هذا الكلام بظاهره يعطي أن الله سبحانه كلف كل أحد بما هو مبلغ طاقته ونهاية وسعه، فبين علیه السلام أن التكليف على حسب العلم يتفاوت، فكل امر من العلماء وأهل النباهة ومن هو بصدد العلم مجهوده وطاقته منه على الأدلة و تعليماً، وأما الجهال كالنساء وأهل البادية والزنج ونحوهم من أهل الغباوة فتكليفهم دون ذلك، وهو بالمحسوس من العبادات دون الأمر في التفكير في مقاصدها.

وعقب علیه السلام وصيته بالتنبيه على مجاري حالاته لاعتبار الحاضرين واتعاظ المشاهدين، فقال: «أنا بالأمس صاحبكم» في الحرب ومنازعة الأقران

وصاحب الأمر والنهي فيهم، واليوم عبرة لهم بحال مصرعه وضعفه عن الحراك، وغداً مفارقهم بالموت.

دخول حبيب على علي عليه السلام في مرضه:

روى الصدوق في أماليه: عن حبيب بن عمرو قال: دخلت على أمير المؤمنین على بن أبي طالب علیه السلام في مرضه الذي قبض فيه، فحل عن جراحته، فقلت: يا أمير المؤمنين ما جرحك هذا بشيء وما بك من بأس، فقال لي: يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة، فبكيتعند ذلك وبكت أم كلثوم وكانت قاعدة عنده، فقال لها: ما يبكيك يا بنية؟ فقالت: ذكرت يا أبه أنك تفارقنا الساُعة فبكيت، فقال لها: يا بنية لا تبكين، فوالله لو ترین ما يرى أبوك ما بكيت، قال حبيب: فقلت له: وما الذي ترى يا أمير المؤمنین؟ فقال: يا حبيب أرى ملائكة السماوات والنبيين بعضهم في أثر بعض وقوفاً إلى أن يتلقوني، وهذا أخي محمد رسول الله صلی الله علیه وآله جالس عندي يقول: أقدم فإن ما أمامك خير لك مما أنت فيه. قال حبيب: فما خرجت من عنده حتى توفي من الغد. (1)

دخول عمرو بن الحمق على علي علیه السلام في مرضه:

وفي كتابنا ۔ مسند الإمام علي عليه السلام نقلاً عن الخرائج والجرائح - عن عمرو بن الحمق الخزاعي قال: دخلت على علي علیه السلام حين ضرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس، إنما هو خدش. قال: لعمري إني مفارقكم، ثم قال: إلى السبعين بلاء، قالها ثلاثاً، قلت: فهل بعد البلاء رخاء؟

فلم يجبني وأغمي عليه، فبكت أم كلثوم فلما أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فإنك إن تري ما أرى لم تبك، إن الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيون يقولون: انطلق فما أمامك خير لك مما أنت فيه،


1) الأمالي للصدوق: 396، ح 4/510

فقلت: يا أمير المؤمنين إنك قلت إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم، وإن بعد البلاء رخاء، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. (1)

دخول الأصبغ على علي علیه السلام:

وفي كتاب «الروضة» بالإسناد يرفعه إلى الأصبغ قال: لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام الضربة التي كانت وفاته فيها اجتمع إليه الناس بباب القصر، وكان يراد قتل ابن ملجم - لعنه الله _ فخرج الحسن عليه السلام فقال: معاشر الناس إن أبي أوصاني أن أترك أمره إلى وفاته، فإن كان له الوفاة وإلا نظر هو في حقه، فانصرفوا رحمكم الله، قال: فانصرف الناس ولم أنصرف، فخرج ثانية وقال لي: يا أصبغ أما سمعت قولي عن أمير المؤمنين؟ قلت: بلى ولكني رأيت حاله فأحببت أن أنظر إليه فأستمع منه حديثاً، فاستأذن لي رحمك الله، فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا أمير المؤمنین معصب بعصابة صفراء وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة، وإذا هو يرفع فخذاً ويضع أخرى من شدة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا أصبغ، أما سمعت قول الحسن عن قولي؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، ولكني رأيتك في حالة فأحببت النظر إليك وأن أسمع منك حديثاً. فقال لي: أقعد فما أراك تسمع مني حديثاً بعد يومك هذا:

اعلم يا أصبغ أني أتيت رسول الله صلی الله علیه وآله عائداً كما جئت الساعة، فقال لي: يا أبا الحسن أخرج فنادي في الناس الصلاة جامعة واصعد المنبر وقم دون مقامي بمرقاة، وقل للناس: ألا من عق والديه فلعنة الله عليه، ألا من أبق من مواليه فلعنة الله عليه، ألا من ظلم أجيراً أجرته فلعنة الله عليه، يا أصبغ ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول الله صلی الله علیه وآله، فقام من أقصى المسجد رجل


1) الخرائج والجرائح للراوندي 1: 178، باب 2/ ح 11

فقال: يا أبا الحسن تكلمت بثلاث كلمات وأوجزتهن فاشرحهن لنا، فلم أرد جواباً حتى أتيت رسول الله صلی الله علیه وآله فقلت ما كان من الرجل.

قال الأصبغ: ثم أخذ بيدي وقال: يا أصبغ أبسط يدك، فبسطت يدي، فتناول أصبعاً من أصابع يدي وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله صلی الله علیه وآله أصبعاً من أصابع يدي كما تناولت أصبعاً من أصابع يدك، ثم قال: يا أبا الحسن، ألا وإني وأنت أبوا هذه الأمة، فمن عقنا فلعنة الله عليه، ألا وإني وأنت موليا هذه الأمة، فعلى من أبق عنا فلعنة الله عليه، ألا وإني وأنت أجيرا هذه الأمة فمن ظلمنا أجرتنا فلعنة الله عليه، ثم قال: قل آمین فقلت: آمين. قال الأصبغ: ثم أغمي عليه فلما أفاق فقال لي: أقاعد أنت یا أصبغ؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: أزيدك حديثاً آخر؟ قلت: نعم زادك الله من مزيدات الخير، قال: يا أصبغ، لقيني رسول الله صلی الله علیه وآله في بعض طرقات المدينة وأنا مغموم قد تبين الغم في وجهي، فقال لي: يا أبا الحسن أراك مغموماً، ألا أحدثك بحديث لا تغتم بعده أبدأ؟ قلت: نعم. قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبرأ يعلو منابر سائر النبيين والشهداء ثم يأمرني الله أصعد فوقه، ثم يأمرك الله أن تصعد دوني بمرقاة، ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة، فإذا استقللنا على المنبر لا يبقى أحد من الأولين والآخرين إلا حضر، فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر الناس ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا رضوان خازن الجنان، ألا إن الله بمنه و کرمه وفضله وجلاله أمرني أن أدفع مفاتیح الجنة إلى محمد، وإن محمداً أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فاشهدوا لي عليه.

ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة منادياً يسمع أهل الموقف: معاشرالناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا مالك خازن النيران، ألا إن الله بمنه وفضله وكرمه وجلاله أمرني أن أدفع مفاتيح النار إلى محمد، وإن محمداً أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فاشهدوا لي عليه، فأخذ مفاتیح الجنان والنيران، ثم قال: يا علي فتأخذ

بحجزتي، وأهل بيتك يأخذون بحجزتك، وشيعتك يأخذون بجزة أهل بينك، قال: فصفقت بكلتا يدي: وإلى الجنة يا رسول الله؟ قال: أي ورب الكعبة. قال الأصبغ: فلم أسمع من مولاي غير هذين الحديثين ثم توفي صلوات الله عليه.(1)

وعن أبي جعفر علیه السلام قال: لما احتضر أمير المؤمنین علیه السلام جمع بنيه فأوصاهم، ثم قال: (يا بني إن القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودة وتتناجی بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه).(2)

وعن الحسن بن علي عليه السلام قال: دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك، فقال لي: أتجزع؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه، فقال: ألا أعلمك خصالاً أربع إن أنت حفظتهن فلك النجاة، وإنأنت ضيعتهن فاتك الداران؟ یا بني لا غنى أكبر من العقل، ولا فقر مثل الجهل، ولا وحشة أشد من العجب، ولا عيش ألذ من حسن الخلق.(3)

دخول صعصعة على علي علیه السلام:

وفي كتابنا ۔ مسند الإمام علي- نقلاً عن المناقب عن صعصعة بن صوحان أنه دخل على أمير المؤمنین علیه السلام لما ضرب فقال: يا أمير المؤمنين أنت أفضل أم آدم أبو البشر؟ قال علي علیه السلام: تزكية المرء نفسه قبيح، لكن قال الله تعالى لآدم:(یا آدَمُ اسكُن أنتَ وزَوجُكَ الجَنَّة وکُلا مِنها رَغَداً حَيثُ شِئتُما ولَا تَقرَبا هذِهِ الشَجَرةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمينَ) وأنا أكثر الأشياء أبا حنيها الله لي


1) بحار الأنوار 42 :44 - 46

2) أمالي الطوسي: 595/ ح 1232

3) بحار الأنوار 75: 111

وتركتها وما قاربتها. ثم قال: أنت أفضل يا أمير المؤمنين أم نوح؟ قال علي علیه السلام: إن نوحاً دعا على قومه، وأنا ما دعوت على ظالمي حقي، وابن نوح كان كافراً وابناي سيدا شباب أهل الجنة، قال: أنت أفضل أم موسى؟ قال علیه السلام: إن الله تعالی أرسل موسى إلى فرعون فقال:(إنّيِ أَخافُ أَن يُكَذِبُونِ) (1)حتى قال الله تعالى:(لا تَخَف إنّي لاتَخَف لَدَىَّ المُرسَلونَ) (2)وقال (ربِّ إنّي قَتَلتُ مِنهُم نَفساً فَأَخافُ أَن یَقتُلونِ) (3)وأنا ما خفت حين أرسلني رسول الله صلی الله علیه وآله بتبليغ سورة براءة أن أقرأها على قريش في الموسم مع أني كنت قتلت كثيراً من صناديدهم، فذهبت إليهم وقرأتها عليهم وما خفتهم، ثم قال: أنت أفضل أم عیسی ابن مریم؟ قال علیه السلام: عيسي كانت أمه في بيت المقدس فلما جاء وقت ولادتها سمعت قائلاً يقول: اخرجي، هذا بیت العبادة لا بيت الولادة، وأما أمي فاطمة بنت أسد لما قرب وضع حملها كانت في الحرم، فانشق حائط الكعبة وسمعت قائلاً يقول: ادخلي، فدخلت في وسط البيت وأنا ولدت به، وليس لأحد هذه الفضيلة لا قبلي ولا بعدي. (4)

وفي كتاب - معاني الأخبار - عن أنس بن مالك قال: كنت عند علي بن أبي طالب علیه السلام في الشهر الذي أصيب فيه _ وهو شهر رمضان _ فدعا ابنه الحسن علیه السلام ثم قال له: «یا أبا محمد أعلى المنبر فاحمد الله كثيراً وأثن عليه، واذكر جدك رسول الله صلی الله علیه وآله بأحسن الذكر وقل: لعن الله ولداً عق أبويه، لعن الله ولداً عق أبويه، لعن الله ولداً عق أبويه، لعن الله عبدا أبق من مواليه، لعن الله غنياً ضلت عن الراعي، وانزل، فلما فرغ من خطبته ونزل


1) الشعراء: 12

2) النمل: 10

3) القصص: 33

4) اللمعة البيضاء: 99

اجتمع الناس إليه فقالوا: يا بن أمير المؤمنين وابن بنت رسول الله نبئنا الجواب فقال: الجواب على أمير المؤمنين علیه السلام، فقال أمير المؤمنين: إني كنت مع النبي صلی الله علیه وآله في صلاة صلاها، فضرب بيده اليمنى إلى يدي اليمنى فاجتذبها فضمها إلى صدره ضماً شديداً، ثم قال لي: يا علي، قلت: لبيك يا رسول الله قال: أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فلعن الله من عقنا، قل آمين، قلت: آمين، ثم قال: أنا وأنت موليا هذه الأمة، فلعن الله من أبق عنا، قل آمين، قلت: آمين، ثم قال: أنا وأنت راعيا هذه الأمة، فلعن الله من ضل عنا، قل آمين، قلت: آمين. قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: وسمعت قائلين يقولان معي آمين فقلت: يا رسول الله ومن القائلان معي آمين؟ قال: جبرئیل و میکائیل علیهم السلام. (1)

وفي كتاب _ الخرائج والجرائح - عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع أميرالمؤمنین علیه السلام بنيه - وهم اثنا عشر ذکراً- فقال لهم: إن النبي يعقوب علیه السلام كان له من البنين اثنا عشر ذکراً فلما حضره الموت جمعهم وقال لهم: إنّي أوصي إلى يوسف فاسمعوا له وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال له عبد الله ابنه: أدون محمد بن علي؟ - يعني محمد بن الحنيفة _ فقال عليه السلام: أجرأةً علي في حياتي، كأني بك وقد وجدت مذبوحاً في فسطاطك لا يدري من قتلك.

وقد صدقت الحوادث هذه النبوءة فإنه لما كان في زمان المختار أتاه عبد الله فقال له: أعطني قيادة الجيش، قال له المختار: لست هناك، فغضب ولحق بمصعب بن الزبير وهو بالبصرة _ فقال له: ولني قتال أهل الكوفة، فكان في مقدمة مصعب بن الزبير، فالتقوا بحوراء فلما حجز الليل بينهم أصبحوا فوجدوه مذبوحاً في فسطاطه لا يدري من قتله.(2)


1) معاني الأخبار: 118/ح1

2) الخرائج والجرائح 1: 183 - 184/ ح 17

وفي أصول الكافي عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين صلوات الله عليه حين أوصى إلى ابنه الحسن علیه السلام وأشهد علی وصيته الحسين عليه السلام ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: یا بني أمرني رسول الله صلی الله علیه وآله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسین علیه السلام ، ثم أقبل على ابنه الحسين فقال: وأمرك رسول الله صلی الله علیه وآله أن تدفعها إلى ابنك هذا - وأخذ بيد علي بن الحسين - ثم قال لعلي بن الحسين، وأمرك رسول الله صلی الله علیه وآله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، وأقرأه من رسول الله ومني السلام.(1)

وفي كتاب (مسند الإمام علي صلوات الله علیه): عن علي بن الحسين ومحمد بن علي علیه السلام أنهما ذكرا وصية علي صلوات الله عليه - وساقا الحديث إلى أن قالا: قال صلوات الله عليه: «أيها الناس هل فيكم أحد يدعي قبلي جوراً في حكم أو ظلماً في نفس أو مال، فليقم أنصفه من ذلك؟ فقام رجل من القوم فأثنى عليه ثناءً حسناً وأطراه وذكر مناقبه في كلام طويل، فقال علي صلوات الله عليه: أيها العبد المتكلم، ليس هذا حين إطراء وما أحب أن يحضرني أحد في هذا المحضر بغير النصيحة، والله الشاهد على من رأى شيئاً يكرهه فلم يعلمنيه، فإني أحب أن استعتب من نفسي قبل أن تموت، إلى أن قال: أيها الناس أنا أحب أن أشهد عليكم ألا يقوم أحد فيقول أردت أن أقول فخفت فقد أعذرت بيني وبينكم، اللهم إلا أن يكون أحد يريد ظلمي والدعوي قبلي بما لم أجر، أما أني لم أستحل من أحد مالأً ولم أستحل دماً بغير حق، إلى أن قالا: ثم لم يزل يقول: اللهم اكفنا عدوك الرجيم، اللهم إني أشهدك أنك لا إله


1) الكافي 1: 297 - 298/ ح 1

إلا أنت، وأنت الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فلك الحمد عدد نعمائك لدي وإحسانك عندي، فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين، ثم لم يزل يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله عدة لهذا الموقف ولما بعده من المواقف، اللهم أجز محمد عنا أفضل الجزاء، وبلغه منا أفضل السلام، اللهم وألحقني به ولا تكل بيني وبينه إنك سميع الدعاء غفور رحيم، ثم نظر إلى أهل بيته فقال: حفظكم الله وحفظ فيكم نبيكم واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، ثم لميزل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى قبض صلوات الله عليه.(1)

روى المجلس في البحار: قال صلوات الله عليه في وصيته: ثم تقدم با أبا محمد صل علي بابني، وكبر علي سبعاً، واعلم أنه لا يحل ذلك لأحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق.(2)

وروى الشيخ المفيد: لما حضرت امیر المؤمنين صلوات الله عليه الوفاة قال الحسن والحسن علیهم السلام: إذا أنا مت فاحملاني على سريري، ثم أخرجاني واحملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه، ثم ائتيابي الغريين فإنكما ستریان صخرة بيضاء تلمع نوراً، فاحتفرا فيها فإنکما تجدان فيها ساجة، فادفناني فيها.

قال: فلما مات صلوات الله عليه أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير وتکفی مقدمه، وجعلنا نسمع دوياً وحفيفاً حتى أتينا الغريين، فإذا صخرة بيضاء يلمع نورها، فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها هذه مما ادخرها نوح لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فدفناه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون باکرام الله عزوجل لأمير المؤمنين عليه السلام.(3)


1) دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي 2: 349 - 356

2) بحار الأنوار 42: 215

3) الإرشاد 1: 23 _ 24

من كلام له علیه السلام كان يوصي به أصحابه:في بيان أهمية الصلاة

اشارة

(تَعاهَدوا أمرَ الصَّلاةِ وحَافَظُوا عَليَها وَاستَكثُرُوا مِنهَا وَتَقرَّبوا بِهَا فَإَّنّهَا كانَت عَلىَ المؤمنينَ كِتاباً مَوقُوتاً أَلا تَسمَعوُنَ إلىَ جَوابِ أهلِ النّارَ حينَ سُئلوا ما سَلَككُم في سَقَرَ قالُوا لَم نَكُ مِنَ المُصَلينَ وإنَّها لتَحُتُ الذُّنوب حتَّ الوَرقِ وَتَطُلقَها إطلاقَ الربَّق وشَبَهَها رسول الله صلی الله علیه وآله بالحَمَّة تَكونُ عَلى باب الرَّجُل فَهو منهَا فِي اليَوم والليلَة خَمسَ مَرَّاَت فمَا عَسى أَن تَبقَى عليه مِنَّ الدَّرَن وقَد عرفَ حَقَها رِجالَ منَ المؤمنَين الذينَ لا تَشغَلُهُم عنها زینَة مَتاعٍ ولاقُرَّة عَینٍ مِن وَلد ولا مالٍ یَقولُ الله سُبحَانهُ: رِجَالٌ لا تُلهِيهِم تِجارةٌ وَلا بَيعٌ عَن ذِكرِ الله وَإِقامِ الصَّلاة وإيتاءِ الزَّكاةِ ) ...

(شرح النهج لابن أبي الحديد مج2 ص 569).

الشرح:

قوله علیه السلام: تعاهدوا أمر الصلاة أي جددوا العهد بها وراقبوا عليها في أوقاتها المخصوصة ولا تضيعوها ولا تغفلوا عنها، لأنها عماد الدين ومعراج المؤمنين، و قربان کل تقي ومؤمن نقي، وأول ما يحاسب به العبد، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها.

وقد ذم الله أقواماً توانوا عنها واستهانوا بأوقاتها فقال:(ويلٌ لِلمُصلينَ الَّذينَ هُم عَن صَلاتِهِم سَاهُونَ قال أمير المؤمنین علیه السلام : يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها). (1)


1) الخصال للصدوق: 621

وحافظوا عليها، أي على أوقاتها ورعاية آدابها وستنها وحدودها و مراسمها وشروطها وأركانها، فلقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله: من ترك صلاته متعمداً فقد هدم دينه(1)وقال: لا تضيعوا صلاتكم فإن من ضيع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان لعنهم الله وأخزاهم، و كان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته.(2)

وقال أبو جعفر علیه السلام: إن الصلاة إذا ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعتني ضيعك الله.(3)

وقد أمر الله عزوجل بمحافظتها في الكتاب العزيز بقوله:(حافِظُوا عَلَى الَّصلواتِ والصَّلاةِ الوُسطى وقُومُوا لله قانِتينَ).(4)قال أمين الإسلام الطبرسي: أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها.

وزبدة القول: إن الصلاة جوهر الدين، والدين أمر فطري كما صرح به الكتاب والسنة.

إن الصلاة شكر لإحسان المنعم، وشعور الإنسان بالشكر للمحسن شعور قدیم. ومن الأمثال العربية المعروفة فيه قولهم: (الإنسان عبد الاحسان).

إن الصلاة خضوع لمكون عظمة السماء والأرض، والخضوع للعظماء أمر ارتکازي في جبلة كل فرد من الناس.

والصلاة هي من أهم مزايا الأنبياء و صفات رسل الله التي جاءت في القرآن الكريم، والتي مدحهم بها الله تعالی..، وفي هذا إشارة إلى وحدة الأديان السماوية في


1) جامع الأخبار: 86، وعنه في البحار، ج 82 202، ح1

2) جامع الأخبار: 87، وعنه البحار، ج 79: 203، ح 2

3) الكافي للكليني 3: 268، ح 4

4) البقرة: 238

الأثر والغاية، وإن أكثر الأحكام التي جاء بها القرآن كانت متبعة لدى الأنبياء المتقدمين، ومن جهة أخرى فيه إشارة بالحث على السير بطريقتهم والتمسك بصفاتهم وأفعالهم التي منها الصلاة، كما تجد ذلك في الآيات التالية:

قال الله تعالى، يمدح إسماعيل علیه السلام: (وَاذكُر فِي الكِتابِ إسماعيلَ إنَّه كانَ صادِقَ الوَعدِ وَكانَ رسولاً نَبَّياً وَكانَ يأمُرُ أَهلَهُ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ وَكانَ عِندَ ربَّه مَرضّیاً). (1)

وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام حين دعى ربه:(ربِّ اجعَلنِي مُقيَم الصَّلاةٍ وَمَن ذُریَّتي ربَّنا وتَقَبل دُعاء). (2)وقال تعالى حكاية عن عيسى:(وَجَعلَني مبارَكاً أًينَ مَاكنتُ وَأوصانِيبالصَّلاة والزَّكاةِ ما دُمتُ حَيَّاً) (3)وقال تعالى على لسان لقمان يوصي ولده: (يابُنَیَّ أقِمِ الصَّلاةَ وَأمُر بِالمَعروفِ). (4)

ففي هذه الآيات الكريمة تجد أثر الصلاة عند قدماء الأنبياء وأهميتها الكبيرة في نفوسهم، حيث كان إسماعيل علیه السلام أول ما يأمر أهله بالصلاة، وإبراهيم عليه السلام يدعو ربه لأن يكون في المقيمين للصلاة، وعیسی علیه السلام يفتخر حيث أوصاه تعالى بالصلاة، ولقمان علیه السلام يؤكد في وصيته لولده بالمحافظة على الصلاة.

وكانت الصلاة هواية نبينا محمد صلی الله علیه وآله ومعشوقته الكبرى، حتى قال لأصحابه:حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعل قرة عيني الصلاة (5)فترى قد جعلها قرةعينه ونور بصره لمنزلتها عنده وكبرها في نفسه وأهميتها لديه.

الصلاة هي سفينة شاطئ الأمان وسبيل مجتمع السلام وباب جنة الخلد. هذه الصلاة جعلها الله تعالى في القرآن الكريم سبب من أسباب الفلاح، قال


1) مریم: 54 و 55

2) إبراهيم: 40

3) مریم: 31

4) لقمان: 17

5) الخصال للصدوق: 165، ح 218

تعالى في سورة المؤمنون: (قَد أفلَحَ المُؤمنوُنَ الَّذين هُم فِي صَلاتِهِم خاشِعونَ) (1)وقال تعالى في سورة الأعلى: (قَد أَفلَحَ مَن تَزَکَّی وذَكَرَ اسمَ ربِّه فَصَلی). (2)

والصلاة هي أهم مظهر من مظاهر الإسلام، وأعظم رکن منه، وهي لباسه التي يعرف إسلامه بها وإيمانه منها، وهي جنسيته التي بها يعلم انتماؤه إلى دولة الإسلام، وأنه من أتباع محمدصلی الله علیه وآله ، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: لكل شيء وجه، ووجه دینکم الصلاة (3)فترى قد جعل الصلاة وجه الدين ولباس الشريعة. وفي حديث آخر جعلها الحد الفاصل بين الكفر والإيمان فقال: مَا بيَن الكفر والإيمان إلا ترك الصلاة.(4)

والإمام الخامس محمد الباقر علیه السلام شبه الصلاة في الدين بالعمود للخيمة، فقال علیه السلام :الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب».(5)

وأبعد رسول الله صلی الله علیه وآله تارك الصلاة منه، ونفى أن يكون من المسلمين، وإن ادعي ذلك، وحرمه من شفاعته يوم الحساب الأكبر، فقال وهو على فراش الموت: ليس مني من استخف بصلاته، لا يرد علي الحوض لا والله.(6)وأكد هذا المعنى الإمام الصادق عليه السلام فقال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة.(7)

وشرعت الصلاة لأجل تأييد قوة الخير ودعم الفضيلة وطرد الرذيلة وإزالة الشر في قلب الإنسان، لأنه عندما وجد، وجد معه قوتان: قوة الخير وقوة الشر، كما قال


1) المؤمنون: 1 و 2

2) الأعلى: 14 و15

3) الكافي للكليني 3: 270، ح16

4) ثواب الأعمال للصدوق: 231

5) المحاسن للبرقي 1: 44/ ح 60

6) الكافي للكليني 3: 268/ ح7

7) الأمالي للصدوق: 572/ ح 779

تعالى:(نَفسٍ وَما سَوَّاها فَألهَمَها فُجُورَها وتَقواها) (1)وجعل الله بين القوتين صراعاً ونزاعاً، كما جعل بيد المرء زمامهما، لأجل امتحان البشر وأن يدخلوا الجنة أو النارأزاء عمل يعملونه في دار الحياة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

وشرعت الصلاة لتحذير الإنسان من هوى النفس ومغرياتها وشياطينها، وشرعت التقف إلى جنب العقل ناصراً ومرشداً ومعيناً، ولدعم الفضيلة وقوتها المستودعة في الإنسان، ولا شك أن الصلاة هي أقوى أفعال الدين لمكافحة إرادة النفس وشیوع الرذيلة وانتشار الشر، ولهذا السر شرع تكرار الصلاة مرات مختلفة في اليوم، لتضعف بذلك هوة الشر وتنكسر شوكتها، ولعل من هذا المعنى أخذ اسم – المحراب - المكان المصلي، حيث فيه يحارب المصلي الهوى والنفس والشيطان.

والصلاة هي روح الدين الإسلامي، والدين الذي بابه الصلاة مدرسة تعليمية كبرى تتلقى برنامجها من الله تعالى وينزل منهاجها من السماء، فيوقف البشر في الأرض على خفايالم تدركها عقولهم، ويوصلهم إلى نقاط في الإرشاد العالي لا يمكن أن تتوصل إليها أفكارهم مهما بلغوا من التقدم والرقي، والجدير بالذكر أن التقدم المادي الذي يعرفه أهل الأرض لا يزيدهم إلا تأخراً عن روحية السماء وحقيقة الحياة.

وتمتاز الصلاة بإطلاقها سراح الفكر بالتجوال الفكري الصحيح، وبحتها على العمل الناتج والتمرين على حركة الفكر والجسد معاً، والإسلام طالما حث على ذلك، ومن حثه على الأول قوله صلی الله علیه وآله: (تفكير ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة) (2)ومن الثاني قوله تعالى: (وقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلكُم ورسُولُه والمُؤمنُونَ). (3)والصلاة حوت کلا العملین و جمعت بین الجنسین، و اشارات الی کلٌ


1) الشمس: 7 و8

2) مشكاة الأنوار للطبرسي: 544

3) التوبة: 105

من الجهدين بصورة عملية كاملة لا نظرية فحسب، ومن هنا جاء النقص إلى أكثر المسلمين اليوم، حيث اعتبروا الصلاة كعمل خارجي خال من التفكير بالغرض الذي شرعت لأجله الصلاة، وقد ورد في الحديث عن آل البيت علیهم السلام إنَّ الله لا يقبل من العبد صلاته إلا ما أقبل عليه فيها. (1)

وقد أشار الإمام الرضا علیه السلام إلى تلك الفوائد، كما بين بعض أسرار مشتملات الصلاة في حديث نذكره بطوله، قال علیه السلام: إنما أمر الله بالوضوء ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار وعند مناجاته إياه مطيعاً له فيما أمره، نقياً من الأدناس والنجاسة؛ مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد التعاس، وإنما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين، لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوجوه، وذلك بوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويبتهل، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعده.(2)

والصلاة هي وديعة السماء في الأرض وأمانة الله عند خلقه، وقد أمرهم بالاهتمام بها والمحافظة عليها، فقال تعالى:(حافِظُوا عَلَى الصَّلوَاتِ والصَّلاةِ الوُسطى وقُومُوا للهِ قانِتيِنَ) .(3)

وهذه الأمانة هي التي تعرفنا بالدين الحنيف، وتعلمنا المحافظة على أموال الناس وعلى حقوقهم الفردية والاجتماعية؛ لأن الإسلام أعطى المرء حقوقه من نتاج الحياة، وجعل سیاجاً قوياً يفصل بين تلك الحقوق، وحرم التعدي والنهب والكذب، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : (لا يحلّ مال امرئ إلاّ من طيب نفس). (4)

والإمام زین العابدین علیه السلام ضرب للمسلمين مثلاً علياً في المحافظة


1) المحتضر لابن سليمان الحلى: 37

2) عیون أخبار الرضا للصدوق 1: 111، باب 34 ح 1

3) البقرة: 238

4) البحار للمجلسي 73: 348

على الأمانات، حيث يقول: والله لو أن قاتل أبي الحسین ائتمني على السيف الذي قتل به لأذيته إليه».(1)

فالصلاة والدين يعلمان المرء كيف يعيش في الحياة عيشة فيها السعادة للفرد والجماعة، وكيف يحافظ على الحقوق والأموال، وكيف يؤدي الودايع والأمانات، لأن المحافظة على الأمانة الكبرى - وهي الصلاة - تستلزم المحافظة على الأمانة الصغرى وتدرب على تأديتها. ولعل أول من أطلق الأمانة على الصلاة من الناس هو أمير المؤمنین صلوات الله عليه بعد إشارة القرآن الكريم إلى ذلك، حيث كان صلوات الله عليه إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنین؟ فيقول: جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها (2)وهو بهذا يشير إلى قوله تعالى:(إنّا عَرَضنَا الأمَانَة عَلى السَّماواتِ والأرضِ والجِبالِ فأبَينَ أَن يَحمِلنَها و الآية). (3)

وقد بين الإسلام ما للصلاة من أثر كبير في إدراك النجاح وتحصيل الفلاح، قال الله تعالى: (قَد أفلَحَ المُؤمنُونَ الَّذينَ هُم في صَلاتِهِم خاشِعُونَ)(4)وفي الحديث الشريف عن أعرابي جاء إلى رسول الله صلی الله علیه وآله قال له صلی الله علیه وآله : أسلم تسلم، قال: وما الإسلام؟ قال صلی الله علیه وآله : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، إلا أن تتطوع، قال: ثم ماذا؟ قال: صوم رمضان إلا أن تتطوع.... الخ، فوتي الأعرابي وهو يقول: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، فلما بلغ قوله النبي صلی الله علیه وآله قال: أفلح الأعرابي إن صدق. (5)


1) أمالي الصدوق: 319 ح 374

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 1: 389

3) الأحزاب: 72

4) المؤمنون: 1 و 2

5) صحيح البخاري 20: 225

وبحسب البعض أن الصلاة صخرة عثرة في طريق الحياة، وأن الدين عدو الدنيا، وهذا وهم فاسد وافتراء وكذب علي الدين والإسلام؛ لأن القرآن يقرر عکس هذا حيث يقول تعالى:(قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ الله الَّتي أخرَجَ لِعبادِه والطَيِّبات مِنَ الرِزقِ قُل هِيَ للَّذين آمنوا فِي الحَياةِ الُّدنيا خالصَةً یَوم َالقيامَةِ) (1)وقوله تعالى: (وَلا تَنسَ نَصيَبَك مِنَ الدُنيا) (2)، ولم يكتف بآية أو آيتين بل أورد سلسلة من الآيات الكريمة في الموضوع نفسه قائلاً:(يا أيُهَا الرُّسُل كُلُوا مِن الطَيبَّات).(3)(لا تُحَرِمُوا طَيبَّات ما أَحَل الله لَكُم ).(4)(وكُلوُا مِمَّا رَزَقَكُم اللهُ حَلالاً طيبًا).(5)(كُلُوا مِن طَيِباتِ مَا رَزَقناکُم) (6)(أُحِلَ لَكُمُ الطَّيباتُ).(7)(كُلُوا مِمَّا في الأرضِ حلالاً طَّيباً.) (8)

وفي الحديث الشريف: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدأً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً (9)وقال صلی الله علیه وآله من لا دنيا له لا دين له. وفي الكافي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال يكف به وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه.(10)وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إني لأبغض الرجل أن يكون كسلاناً في أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل.(11)والأخبار في الحث على تحصيل الدنيا وإصلاح أمر العيشة بحد التواتر.


1) الأعراف: 32

2) القصص: 77

3) المؤمنون: 51

4) المائدة: 78

5) المائدة: 88

6) البقرة: 57

7) المائدة: 4

8) البقرة: 168

9) كفاية الأثر للخزاز القمي: 228

10) الكافي للكليني 5: 72، ح:5

11) الكافي للكليني 5: 85 ح 4

وبالتالي قصدنا بهذا البحث التقريب لأفكار شبابنا المسلمين وجيلنا الناشئ الجديد الذي جعل الصلاة وراء ظهره. هذا الجيل الذي عليه كل آمالنا في الدعوة الاستمرار رسالة الإسلام وتبليغها للعالم البعيد، ونشر دعوة السماء الحقة في الأرض، وبث فكرة نبي الإسلام في العالم، وتطبيق نظام القرآن بين الناس، والقيام بالعبادات الإلهية فرادى وجماعات. نسأل الله تعال أن يوفق الجميع لمراضيه.

الصلاة تحت الذنوب:

قوله صلوات الله عليه: إنها لتحت الذنوب حت الورق. إلى قوله: فما عسى أن يبقى عليه من الدرن۔

يدل هذا الكلام بظاهره على أن الصلاة حسنة لا تضر معها سيئة، وأن الله يغفر سينات المصتي مهما تضاعفت و تنوعت.. وليس من شك أن هذا الظاهر يصطدم مع حكم العقل والبديهة، ومع قوله تعالى:(فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرةًا خَيراً يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَةً شَراً يَرَهُ.)(1)

فما هو وجه الجمع؟

الجواب: لا أحد يجرأ على الزعم والادعاء أنه منزه عن التقصير والخطأ إلا جاهل مغرور حاشا الأنبياء.. والخطيئة أنواع، ولكل نوع درجات، فهناك حق الله وحق الناس، وهناك الكبيرة والصغيرة، وبعض الخطايا تقبل المغفرة والتسامح ويختصر فيها على اللوم والعتاب أو التوبيخ.

وبعضها يوجب العقاب الخفيف، وثالثة العقاب الوسط، ورابعة العذاب الأكبر، وأفحش الخطايا على الإطلاق الشرك بالله، والاعتداء على حريات الناس بكم الأفواه و تعذيب الأرواح والأجسام ونهب الثروات وما إلى ذلك من الجرائم التي يرتكبها


1) الزلزلة: 7 و8

الأقوياء ضد الضعفاء الذين لا قدرة لهم ولا حيلة ولا وسيلة. وهذا النوع من الذنوب لا يغفر إطلاقاً، وإن صلی المذنب الظالم وصام وحج إلى بيت الله الحرام.

وما عدا هذا النوع من الذنوب يقبل الغفران، شريطة أن لا يكون فيه شائبة اعتداء على الآخرين، وإن كانت مثقال ذرة. ومن الأمثلة التي تقبل التسامح والمغفرة سقطات اللسان مع عدم الإضرار بالآخرين، وأكل الخبائث أو شربها بلا ضرورة، وصناعة التماثيل، والنظرة الآثمة، والعصبية إذا لم يترتب عليها فساد؛ بل وحلق اللحية، والإسراف في الأموال على القول بالتحريم .

وغير بعيد أن يكون المراد بالذنوب التي تحتها الصلاة و تطهر المصلي منها هذا النوع بالخصوص، ومن الجائز أيضاً أن يكون القصد من حت الذنوب أن الصلاة من طبيعتها تحث المصلي على التوبة التي تطهره من الذنوب. ويومي إلى ذلك ويؤيده قوله تعالى:(إنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاء والمُنكَر) (1)أي تنهى المصلي عنهما بمجرد الدعوة والإرشاد، ولا تدفعه عنهما قسراً، أو تخلق في نفسه النفور منهما قهراً. لأن هذا لم يحدث بشهادة العيان، وليس من شك أن إهمال التوبة من المنكرات، فيشمله نهي الصلاة عن المنكر.

قوله صلوات الله عليه: وقد عرف حقها رجال من المؤمنين، الذين وجدوا حلاوة الإيمان بالله، وبرد اليقين، وجلال القرب منه، وعقلوا أسرار الصلاة وأهدافها، وأن الله سبحانه يكتب لهم من ثوابها على قدر محافظتهم عليها واهتمامهم بها، وإذن فلا عجب إذا أعطوها عن طيب نفس كل همهم واهتمامهم، وجعلوها شغلهم الشاغل حتى عن الولد والمال.

ونحن نعرف الكثير من عظمة الصلاة عند الله، وأنها عمود الدين و قربان كل تقي.. وأيضاً نتحدث عن فضلها ونكتبه ونذيعه، ولكن صلاتنا -


1) العنكبوت: 45

وبالسوء العمل - أشبه بحركة آلية أو تلقائية.. أبدأً لا شيء فيها من الخضوع والخشوع، نحن نصلي - والله _ بقصد القربة لله، ولكن بماذا نفكر أثناء الصلاة؟.. بالتافهات وزينة الحياة. قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إن خير أعمالكم الصلاة (1)وتقول أنفسنا الأمارة: لا، إن خير أعمالكم الشهرة والسمعة، والجمع للوارث التارك للصلاة، اللهم هدايتك وغفرانك.


1) کنز العمال للمتقي الهندي 3: 44/ ح 5399

فصل ووصل

الصلاة وطرق التقدم الثلاثة

بسم الله الرحمن الرحيم

(أنَّا أَعطَيناكَ الكَوثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحَر انَّ شانِئَكَ هُوَ الأبتَر).

إن سورة الكوثر أقصر سورة في القرآن الكريم لعرض خیر الفضائل والتبشير بها بغاية الايجاز، وذلك بعض ما امتاز به الكتاب المجيد.

تتألف هذه السورة من ثلاثة آيات: تحتوي الأولى والثالثة على جملة واحدة، أما الثانية فعلى جملتين! وتعني الآية الأولى (إنَّا أَعطَيناكَ الكَوثَر) یا رسول الله لقد منحناك الخير، وتعني الآية الثالثة (إنَّ شَانِئكَ هُوَ الأبتَر): إن عدوك الذي يروم محوك سوف يحرم من كل خير. والباقي (فَصَلِّ لرَّبكَ وانحَر) تعني أقم الصلاة وقدم الضحية.

وهذه هي الطرق الوحيدة للوصول إلى الخير. وقد بين الله سبحانه غاية الدين الجوهرية والسبيل إلى نيلها بصورة واضحة مجملة.

إن غاية الدين أو الإيمان لا تتعدى جلب السعادة والخير للعالم، وقد فسر ابن عباس وابن جبير الكوثر بالخير.(1)وفي الواقع أن المقصود بهذه الكلمة خير المادة وخير الروح.

ولا ريب في أن هذا الوحي الإلهي وإن كان قد خوطب به النبي الكريم محمد صلی الله علیه وآله ولكنه في الحقيقة موجه إلى كل مؤمن؛ بل إن كل وحي مذكور في القرآن موجه في الواقع إلى كافة المؤمنين. فمعنى السورة إذن: أيها الإنسان لقد منحناك كل خیر بوحينا، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالصلاة والتضحية، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لإيصال البشر إلى الرفعة والسمو المادي والمعنوي.


1) الدر المنثور للسيوطي 2: 133

لقد تحقق لدى العالم بعد طول الاختبار أنه ما من أمة تستطيع التقدم إلا بالتضحية، فكلما زادت من هذه زيد لها من ذلك، ولكن الظاهر أن الله تعالى قد قدم الصلاة عليها.

إن التضحية عمل، وفي الحق أن التقدم والرفعة يتوقفان على أعمال الإنسان، بمعنى أن الإنسان ينال الشيء بعد أن يسعى إليه(وَأنَّ لَيسَ لِلإِنسَانِ إلَّا ما سَعىَ) (1)كما أن أعمال الإنسان نتيجة لاحساسه وعواطفه و آماله، وبدونها لا يقدم على أي عمل.

إن العواطف تؤدي إلى أعمال مثلها إن رديئة فرديئة، أو حسنة فحسنة، فالقتل بسبب الطمع ومعاونة ذوي الحاجة سلوكان يؤدي إليهما نوعان من الأفكار رديء وحسن.

وإن القرآن الكريم والنبي محمدصلی الله علیه وآله هما اللذان نبها إلى ذلك، قال الله تعالی في كتابه المجيد:(أقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تنَهى عَنِ الفَحشاء والمُنكرِ ولَذَكَر اللهِ أكبَرُ).(2)

إن غاية المجد والرفعة لتكمن في نبل وسمو أفكارنا وعواطفنا وشعورنا، وهذا هو السبب في أن الصلاة تعتبر علاجاً شاملاً لكل شرور البشر(قَد أفلَحَ المُؤمنوُنَ الذيَّنَ هُم فِي صَلاتهِم خاشِعُونَ )(3)ويصف الحديث الصلاة بأنها نهر جار يطهر ما أرجاسنا، وقد وصفت بحق بأنها معراج المؤمنين، وهي في الواقع أيسر سبيل لبلوغ هذه الرفعة؛ بل إن الأمر بالصلاة قد عاصر المعراج - أي صعود النبي محمد صلی الله علیه وآله إلى السماء، حيث فيه تلقى الأمر من الله تعالى بالصلاة.

إن الكلمات المقدسة التي نكررها عادة في صلاتنا هي «الله أكبر»، وبذلك تفتح الصلاة بهذا التكبير لله، كما أن الإنسان يقر عند وقوفه أمام الله بأن لا قيمة لأية عظمة في الدنيا أزاء عظمة الله، وهذا الشعور بالله يستتبع تحولاً وانقلاباً لا نظير لهما في


1) النجم: 39

2) العنكبوت: 45

3) المؤمنون: 1 و 2

الصلاة التي نقيمها، وإن الإنسان إذ يشعر شعوراً دافقاً بضعته أمام الخالق؛ إذ يسجد أمامه ويعقر جبهته بالتراب، وفي كل لحظة يكرر من أعماق قلبه «الله أكبر»ليقوي في نفسه الشعور بقوة الله وتتمكن جذوره في قلبه.

إن أول خطو الإنسان نحو التقدم الروحي بعد مدح الله تعالى والاقرار بعظمته يكمن في الابتداء بالصلاة حيث يعترف الإنسان بضعفه، ويتوق أن ينطلق ليسمو.

وما الصلاة إلا دعاء، وليس الدعاء إلآ تلاوة بعض الكلمات المرسومة ولكن الدعاء ما أريد به أن يخلق حركة في صميم عقل الإنسان. إنه رغبة حافز ونشاط، بل دافع يعبر عنه بكلمات، و یکمن خلف هذا النشاط ووراء هذه العواطف قوة عظيمة تعبر عن طبيعتها أمام الله، فيشع من حنايا ضمائرنا نور، وتجيش نفوسنا بثورة، وفي خلال هذه الثورة نتضرع بطلب الرحمة من الله القدير، وإن هذه القوة الإلهية تعين الضعيف فترتوي بها روحه وتقوی.

وفي الصلاة اعتراف بسيطرة الإله الجبار على خلقه، وأنه لا يسيطر على أجسامنا فحسب، ولكنه يحكم عقولنا وضمائرنا أيضاً.

وفي الصلاة رابطة بين الله والإنسان، وفي الصلاة اعتراف الإنسان بالعبودية لله تعالى، فيقوم بطبيعة الحال بواجبات هذه العبودية للإله.

إن الصلاة هي التي تبين بواعث الإنسان الحقيقية واعترافه بذنبه وخطاياه وضعفه، وإنه ليبدي رغبته في أن يرتفع من هذه الوهدة، ويطلب المعونة من الله تعالى للخلاص منها ومن انحطاطه وطاعته الأفكار السوء.

هكذا تخلق الصلاة في الإنسان نشاطاً وقوة بحيث يمتنع عن ركوب الخطايا والمآثم، وربما أبعدت عنه المعاصي بعد ما بين المشرق والمغرب، وجعلت روحه نقية نقاء القماش الأبيض من الأوضار والأقذار، وقد يغفر الله للانسان ما ارتكب من ذنب ويمحوه كما يغسل الماء أي شيء.

وعندما يصلي الإنسان لربه الصلاة الحقيقية تشع من داخل نفسه رغبة

بأن يتنزه عن الظلم والقسوة والكذب والدعاوى الخادعة، و من كل الظنون السيئة والأعمال الرديئة، وبذلك يقف سداً منيعاً ضد نزعات الشيطان.

وقد أضفى الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله أهمية خاصة على الصلوات، وقد وصفت في الوحي بأنها طعام الروح،(وَرِزقُ ربِّكَ خَيرٌ وأبقَى) (1)و وسيلة لاستمداد المعونة من عند الله،(استَعينُوا بِالصَّبرِ والصَّلاةِ)، (2)وإنها أسلوب لكبح جماح النفس واجتثات الرذائل والنوازع المنحطة من جذورها، (إنَّ الصَّلاةَ تنَهِى عَنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ)، كما أنها واسطة للنجاح في الدنيا والآخرة، (قَد أفلَحَ المُؤِمنوُنَ الَّذينَ هُم فِي صَلاتِهِم خاشِعونَ).

كان الفساد والانحطاط فاشيين في العرب قبل الإسلام، وقد استقامت أخلاقهم في ضمن مدة قصيرة وهي ثلاثة وعشرون عاماً في الإسلام، وانتشروا في الأرض متقمصين أثواباً من القداسة، يبشرون بالأخلاق السامية والشهامة، ومرد ذلك كله إلى الصلاة؛ إذ لم تكن هناك مدارس و جامعات ولا أية واسطة لترقية الزراعة والتجارة، وإنما هي سبحان ربي العظيم وبحمده وسبحان ربي الأعلى وبحمده غذت أرواحهم وأوصلت كل واحد منهم إلى ذروة المجد الذي لا يمكن نيله بواسطة أخرى.

إن نیل الفضائل عمل جبار، وما أندر أن تتصاحب العظمتان الدنيوية والأخلاقية.

وما ينال الفضائل إلا الذين ينحنون أمام الله، ويصغون باهتمام إلى أقوال رسله، بينما. تنحني أمامهم الأمم متطلعة إلى أمجادهم الدنيوية والخلقية والروحية التي لم يسبق لها مثيل، ذلكم هو تأثير سبحان ربي العظيم وبحمده وسبحان ربي الأعلى وبحمده عندما تتلى من أعماق القلوب.


1) طه: 131

2) البقرة: 153

هذه ناحية من نواحي الصلاة نحو التقدم المادي والروحي، وهناك شکل ثان للتقدم الذي تعبد الصلاة إليه الطريق: فهو التقدم الجمعي أو الاجتماعي، وحجر الزاوية فيه سورة الفاتحة.

إن الانحناء أمام الله يرفع من شأن الأفراد؛ ولكن الانتظام بصفوف مرتبة أمامه يدفع للنجاح الجمعي.

إن الصلابة والجمود يقللان من أثر الصلاة في تقدم الفرد، إذ يجب الإفصاح عن كل ما يطرأ على ذهن الإنسان عند الصلاة؛ لأن فيها يتلائم العمل والتعبير.

ويشتد تأثير الصلاة إذا اقترنت بحركات جسمية تنبئ عن تواضع عظيم أمام الله، وقد قال الرسول الكريم محمد صلی الله علیه وآله : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.(1)

إن آية (الحَمدُ للهِ ربِّ العَالَمينَ) حجر الزاوية في التقدم الجمعية، وتتحد عند تلاوتها أفكار الإنسانية جمعاء في الخضوع لله، ويشعر الإنسان باتصاله التام بالجنس البشري، على الرغم من انتسابه إلى عائلته وعنصره وأمته وبلاده، فهو يشعر بشعورهم ويتمنى خلودهم جميعاً، وإذا حل الهدم والتخريب والموت بأفراد جنسه في أية بقعة من بقاع الأرض يغشى قلبه أسي، ويردد في غمرة هذا الألم (الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ) ويدعو الله ضارعاً طالباً خير كل ذي حياة في هذا الوجود، وتلك نفس الصرخة التي تخرج من قلوب القديسين والحكماء والأنبياء، فتغدو بلسماً شافياً لأدواء الأمم.

إن رفع السلاح ضد العدو ضرورة ماسة، ولكن هناك سلاحاً آخر هو سلاح الصلاة الجبار الذي فرضه الله تعالى على المسلمين، إن أي انتصار ناله المسلمون في بدر لم يكن بسبب تفوق قوتهم أو عددهم، ولكن بسبب الصلاة التي صلوها، ودعاء المضطر الذي دعوه طيلة تلك الليلة.

ويشبه حالة المسلمين اليوم ونقصهم في القوة والنفوذ، ولو أفادوا من


1) مسند أحمد 2: 421

سلاح الدعاء الذي لا يخيب وخشعوا أمام الله تعالی طالبين منه النصر لفتح سبحانه لهم أبواباً من حيث لا يحتسبون النصر.

إن في القنبلة الذرية . والحقيقة أولی أن تقال _ لباساً شديداً، وفي مقدورها أن تدمر مدناً وأقطاراً، ولكن الدموع المسفوحة أمام الله القوي الجبار أكثر بأساً ويمكن أنتغير مجرى الحوادث بصورة مدهشة تبلغ حد الإعجاب.

وتمهد الصلاة السبيل - فضلاً عن التقدم الفردي والجمعي - إلى تقدم ثالث: هو نشر الإسلام والأخذ بنصرة الحق، ولا خير في التقدم الفردي أو الجمعي ما لم يكن في نفوسنا ميل لهذا التقدم الثالث.

الصلاة لغة واصطلاحاً:

إن لفظ الصلاة من الأسماء الشرعية، ولا شبهة في أنها عربية، فلا يجوز أن يكون الشرع ارتجلها ابتداء من غير نقل، وإلا لم يصح قوله تعالى: (إنَّا أنزَلنَاهُ قُرآناً عَرَبياً)(1)فلا بد أن يكون له في اللغة معنى آخر.

فاختلفوا في أصله، فقيل: الدعاء، وقيل أصلها من الصلا. وهي عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود. (2)

وعلى القول الأول أكثر العلماء، إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه. وقال بعض الصوفية: اشتقاق الصلاة قيل من الصلى النار، والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقویمها تعرض على النار ثم تقوم، وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمارة بالسوء، وسبحات وجه الله الكريم - أي أنواره _ التي لو کشف حجابها لأحرقت من أدركته، يصيب بها المصلي من رهج السطوة الإلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه؛ بل يتحقق به معراجه، فالمصلي کالمصطلي بالنار، ومن اصطلی بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يعرض على نار جهنم إلا تحلة القسم.


1) يوسف: 2

2) مجمع البيان للطبرسي، ج 1: 189

روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، أنه قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادي ملك بين يدي الناس: أيها الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهور كم فأطفؤها بصلاتكم. (1)

وقد ورد أن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خضع له،(2)ومن تحقق الصلة في الصلاة تلمع له طوابع التجلي فيخشع، والفلاح للذين هم في صلاتهم خاشعون، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، وشهد القرآن بالفلاح للمصلين.

قال رسول الله صلی الله علیه وآله: الصلاة مرضاة الرب، وحب الملائكة، وسنة الأنبياء، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وكراهة الشيطان، وشفيع بين صاحبها وملك الموت، وسراج في القبر، وفراش تحت جنبه، وجواب منكر ونكير، ومؤنس في السراء والضراء، وصائرة معه في قبره إلى يوم القيامة. (3)

وأقبل أمير المؤمنین صلوات الله عليه ذات يوم على الناس فقال: أية آية في كتاب الله أرجی عندكم؟ فقال بعضهم:(إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرِكَ بِه ويَغفِرُ مَا دُونَ ذلكَ لِمَن یَشاءُ) (4)قال: حسنة وليست إياها. فقال بعضهم:(وَمَن يَعمَل سُوءاً أَو يَظلِم نَفسَه ثُمَّ يَستَغِفِر اللهَ يَجِد اللهَ غَفُوراً رحيماً) (5)فقال: حسنة وليست إياها، فقال بعضهم:(يا عِباديَ الَّذينَ أسرَفُوا عَلى أنفُسِهِم لا تَقنَطوُا مِن رَحمَة اللهِ إنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ جَميعاً إنَّه هُو الغَفُورُ الرَّحيمُ) (6)قال: حسنة وليست إياها، وقال بعضهم:(والَّذين إذا فَعَلوا فاحِشَة أو ظلَمَوا أنفُسَهُم ذكَروُا اللهَ فاستَغفِرُوا لِذنُوبهِم)،(7)قال: حسنة وليست إياها، ثم أحجم الناس، فقال: ما لكم يا


1) من لا يحضره الفقیه، ج 1: 208، ح624

2) الإصابة لابن حجر، ج5: 313

3) الخصال للصدوق: 522/ ح 11، رواه بلفظ آخر...

4) النساء: 48

5) النساء: 110

6) الزمر: 53

7) آل عمران: 135

معشر المسلمين؟ قالوا: لا والله ما عندنا شيء، قال صلوات الله عليه: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله و يقول:(أرجی آية في كتاب الله وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي الّنهارِ وَزلفاً مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَناتِ یُذهِبنَ السَّيناتِ) (1)وقال: يا علي والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيرً، إن أحدكم ليقوم إلى الوضوء فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمه، فإن أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عند الصلوات الخمس. ثم قال: يا علي إنما منزلة الصلوات الخمس لأمتي کنهر جار على باب أحدكم، فما يظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لأمتي.(2)

وقال الإمام الباقر علیه السلام: يا باغي العلم صل قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلفيه، إنما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته، وكذلك المرء المسلم بإذن الله عزوجل، ما دام في الصلاة لم يزل الله عزوجل ينظر إليه حتى يفرغ من صلاته. (3)

وكان سلمان الفارسي رضی الله عنه مع جماعة من أصحابه تحت شجرة، فأخذ غصناً منها فنفضه فتساقط ورقه، فقال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: خبرنا، قال: كنا مع رسول الله صلی الله علیه وآله في ظل شجرة فأخذ غصناً منها فنفضه فتساقط ورقه، فقال: ألا تسألوني عما صنعت؟ قلنا: خبرنا یا رسول الله، قال: إن العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاتت عنه خطاياه كما تحاتت ورق هذه الشجرة. (4)


1) هود: 114

2) مجمع البيان للطبرسي 5: 345

3) دعائم الإسلام للقاضي المغربي 1: 134

4) البحار للمجلسي 79: 208، ح 16

جاء في خطبته علىه السلام المعروفة بالقاصعة:

وفيها يذكر موضعه وقربه من رسول الله صلی الله علیه وآله

(وَقَد عَلِمتُم مَوضِعِي مِن رَسُولِ الله صلی الله علیه وآله بِالقَرَابَة القَربيَةِ وَالمَنزِلَة الخَصِيصَةِ وَضَعَني فِي حِجرِه وأنَا وَلَدٌ يَضمُنُي إلَى صَدرِهِ ویَكنُفني فِي فَراشِه ویُمسُّني جَسَدهُ و یُشِمُني عَرفَهُ وكانَ يَمضَعُالشَّيء ،ثُمَّ یُلقمُنیه ومَا وَجَد لي كَذَبة في قَولٍ ولا خَطلَةً في فِعلٍ و قَرَنَ اللهُ بِهِ صلی الله علیه وآله مِن لَدُن أَن كانَ فَطيماً أعظَمَ مَلَكٍ مِن ملائكتِه يَسلُکُ بِه طَريقَ المَكارِمِ ومَحاسنَ أخلاقَ العَالِمٍ لیلهُ ونَهارَه ولَقَد کُنتُ أتبَعُهُ اتَباعَ الفَصيل أثَرَ أُمَهَ یَرفَعُ لِي في كُلِ يَومٍ مِن أخلاقِهِ عَلَماً ویَأمُرُني بِالاِقتداَء بِه وَلَقد كانَ یُجاوِرُ فِي كُلِ سَنَة بِحِراءَ فَاراهُ ولا يَرَاهُ غَيري وَلَم يَجمَع بَيتٌ واحِدٌ یَومَئِذٍ فِي الإسلامٍ رسول الله صلی الله علیه وآله وخَدیجَةَ وانَّا ثالثُها اَریَ نُورَ الوَحیِ والرِّسالةَ وَ اَشُّمُ ریحَ النُّبُوَّةِ ولَقد سَمِعتُ رَنَّةَ الشَيطانُ حِينَ نَزَلَ الوَحيُ عَلَيه صلی الله علیه وآله فَقُلتُ یا رَسولَ اللهِ مَا هَذه الرَّنَّه فَقالَ هَذا الشَيطانُ قَد أَيِسَ مِن عِباَدِته اِنَّكَ تَسمَعُ مَا أَسمَعُ و تَرىَ مَا أرَى إلَّا أنكَ لَستَ بِنبيٍ وَلَكنَّکَ لوَزيرٌ وإنكَ لَعَلى خَيرٍ) .

(شرح النهج لأبن أبي الحديد مج 3 ص 250 ط الأولى بمصر).

ضبط الألفاظ اللغوية:

هذه الخطبة خطب بها صلوات الله عليه بعد انقضاء أمر النهروان، والعرف بالفتح الريح الطيبة. ومضغ الشيء يمضغه بفتح الضاد، والخطلة في الفعل الخطأ فيه وإيقاعه على غير وجهه، وحراء اسم جبل بمكة معروف، والرئة الصوت.

والقرابة القريبة بينه وبين رسول الله صلی الله علیه وآله دون غيره من الأعمام کونه رباه في حجره، ثم حامی عنه ونصره عند إظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم، ثم ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار.

الشرح:

علي وليد الكعبة :

قال العلامة الحلي رضی الله عنه في كشف الحق: ولد علي صلوات الله عليه يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يولد فيها أحد سواه لا قبله ولا بعده، وكان عمر النبي صلی الله علیه وآله و يوم ذلك ثلاثين سنة، وكان صلی الله علیه وآله يو جره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ويقول: هذا أخي ووليي وناصري وصفي وذخري و كهفي وصهري ووصي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان يحمله دائماً ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها.(1)

يحدثنا الكليني أعلا الله مقامه في كتابه (أصول الكافي) في باب مولد علي صلوات الله عليه عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: لما ولد رسول الله صلی الله علیه وآله فتح لأمته بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى أبي طالب علیه السلام ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالت آمنة، فقال أبو طالب: و تتعجبين من هذا، إنك لتحبلين وتلدين وصيه ووزيره، ثم قال لها: اصبري سبتاً أبشرك بمثله إلآ النبوة، قال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين مولد رسول الله صلی الله علیه وآله و مولد أمير المؤمنين ثلاثون سنة.(2)


1) کشف الحق للعلامة الحلي: 109 (ط: بغداد).

2) الكافي للكليني 1: 452، باب (مولد أمير المؤمنين علیه السلام ح 3)

وفي كتاب (روضة الواعظين) قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سألت رسول الله صلی الله علیه وآله عن ميلاد أمير المؤمنین صلوات الله عليه فقال صلی الله علیه وآله : آه آه لقد سألتني عن خیر مولود ولد بعدي على سنة المسيح علیه السلام ، إن الله خلقني وعلياً من نور واحد قبل أن خلق الخلق بخمسمائة ألف عام، فكنا نسيح الله تعالی و نقدسه، فلما خلق الله آدم علیه السلام قذفنا في صلبه، فاستقررت أنا في جنبه الأيمن وعلي في الأيسر، ثم نقلنا من صلبه في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطيبة، فلم نزل كذلك حتى أطلعني الله تعالى من طهر طاهر - وهو عبد الله بن عبد المطلب - فاستودعني خير رحم وهي آمنة، ثم أطلع الله تعالى علياً من طهر طاهر - وهو أبو طالب علیه السلام - واستودعه خیر رحم وهي فاطمة بنت أسد، ثم قال صلی الله علیه وآله: يا جابر ومن قبل أن يقع علي في بطن أمه كان في زمانه رجل عابد راهب يقال له المثرم بن دعيب، وكان مذكوراً في العبادة، وقد عبد الله تعالی مائة وتسعين سنة ولم يسأله حاجة، فسأل ربه يوماً أن يريه وليا له، فبعث الله تعالى بأبي طالب إليه، فلما أن بصر به المثرم قام إليه وقبل رأسه وجلس بين يديه فقال له: من أنت يرحمك الله؟ قال: رجل من تهامة، فقال: من أي تهامة؟ قال: من مكة. قال: ممن؟قال: من عبد مناف، قال: من أي عبد مناف؟ قال: من بني هاشم، فوثب إليه الراهب فقبل رأسه ثانياً وقال: الحمد الله الذي أعطاني مسألتي ولم يمتني حتى أراني وليه، ثم قال: أبشر يا هذا فإن العلي الأعلى قد ألهمني إلهاماً فيه بشارتك، قال أبو طالب علیه السلام: وما هو؟ قال: ولد يخرج من صلبك هو ولي الله تعالى، وهو إمام المتقين ووصي رسول رب العالمين، فإن أدركت ذلك الولد فاقرأه مني السلام وقل له: إن المثرم يقرأ عليك السلام وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأنك وصيه حقاً، بمحمد صلی الله علیه وآله يتم النبوة وبك يتم الوصية، فبكى أبو طالب وقال: ما اسم هذا المولود؟ قال: اسمه علي، فقال أبو طالب: إني لا أعلم حقيقة ما تقول إلا ببرهان بين ودلالة واضحة، قال المثرم: فما تريد أن أسأل الله تعالى لك أن يعطيك في مكانك هذا ما يكون دلالة لك؟ قال أبو طالب: أريد طعاماً من الجنة في وقتي هذا

فدعا المثرم ربه بذلك فما استتم دعاؤه حتى أتي بطبق عليه من فاكهة الجنة رطب وعنب ورمان، فتناول أبو طالب رمانة ونهض فرحاً مسروراً ورجع من ساعته إلى منزله فأكلها، فتحولت ماءاً في صلبه، فجامع فاطمة بنت أسد فحملت بعلي صلوات الله عليه.

وارتجت الأرض وزلزلت بهم أياماً حتى لقيت قريش شدة وفزعوا وقالوا: قوموابآلهتكم إلى ذروة جبل أبي قبيس، فأقبلوا بآلهتهم إلى أبي قبيس، فجعل يرتج ارتجاجأً حتى تدكدت بهم صم الصخور وتناثرت و تساقطت الآلهة على وجهها، فلما بصروا ذلك قالوا: لا طاقة لنا بما حل بنا، فصعد أبو طالب إليهم وهو غير مكترث بما هم فيه، فقال: أيها الناس إن الله تعالى قد أحدث في هذه الليلة حدثاً وخلق فيها خلقاً إن لم تطيعوه وتقروا بولايته وتشهدوا بإمامته لم يسكن ما بكم ولا يكون لكم بتهامة مسکن، فقالوا: يا أبا طالب إنا نقول بمقالتك، فبكى أبو طالب ورفع الله تعالى يديه وقال: إلهي وسيدي أسألك بالمحمدية المحمودة والعلوية العالية وبالفاطمية البيضاء إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة، قالوا: فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة لقد كانت العرب تكتب هذه الكلمات فتدعو بها عند شدائدها في الجاهلية وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها، فلما كانت الليلة التي ولد بها أمير المؤمنین صلوات الله عليه أشرقت السماء بضيائها وتضاعف نور نجومها، وأبصرت من ذلك قريش عجباً، فهاج بعضهم في بعض قالوا: في السماء حادثة، وخرج أبو طالب يتخلل سكك مكة وأسواقها ويقول: أيها الناس تمت حجة الله، وأقبل الناس يسألونه عن علة ما يرونه من إشراق السماء وتضاعف نور النجوم، فقال: أبشروا فقد ظهر في هذه الليلة ولي من أولياء الله تعالى يكمل الله فيه خصال الخير ويختم به الوصيين وهو إمام المتقين، وناصر الدين، وقامع المشركين، وغيظ المنافقين، وزين العابدين، ووصي رسول رب العالمين، ولم يزل يكرر هذه الكلمات والألفاظ إلى أن أصبح (1)


1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 77

وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن فاطمة بنت أسد ضربها الطلق وهي تطوف بالبيت فدخلت الكعبة فولدت علياً صلوات الله عليه. (1)

وذكر شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رضی الله عنه في أماليه: إن العباس بن عبد المطلب و یزید بن قعنب كانا جالسين مابین فریق بني هاشم إلى فريق عبد العزى بأزاء بيت الله الحرام، إذ أتت فاطمة بنت أسد بن هاشم - أم أمير المؤمنین صلوات الله عليه وكانت حاملة بأمير المؤمنين لتسعة أشهر، وكان تمام اليوم، فوقفت بأزاء البيت الحرام وقد أخذها الطلق فرمت بطرفها نحو السماء وقالت: أي رب إني مؤمنة بك وبما جاء به من عندك الرسول وبكل نبي من أنبيائك وبكل كتاب أنزلت، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل وأنه بني البيت العتيق، فأسألك بحق هذا البيت ومن بناه، وبهذا المولود الذي في أحشائي الذي يكلمني ويؤنسني بحديثه، وأنا مؤمنة أنه إحدى آیاتك ودلائلك لما يترت علي ولادتي.

قال العباس بن عبد المطلب ویزید بن قعنب: لما تكلمت فاطمة بنت أسد ودعت بهذا الدعاء رأينا البيت قد انفتح من ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت من أبصارنا، ثم عادت الفتحة والتزقت بإذن الله تعالى، فرمنا أن نفتح الباب لتصل إليها بعض نسائنا فلم ينفتح الباب، فعلمنا أن ذلك أمر من الله تعالى، وبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام وأهل مكة يتحدثون بذلك في أفواه السكك وتتحدث المخدرات في خدورهن. قال: فلما كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيت من الموضع الذي كانت دخلت فيه، فخرجت فاطمة وعلي صلوات الله عليه على يديها، وهي تقول: معاشر الناس إن الله عزوجل اختارني من خلقه وفضلني على المختارات ممن مضى منكن قبلي.


1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 100

وقد اختار الله آسية بنت مزاحم فإنها عبدت الله سراً في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً، ومریم بنت عمران حيث هانت ويسرت عليها ولادة عيسى فهزت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتى تساقط عليها رطبا جنياً، وإن الله اختارني وفضلني عليها وعلى كل من مضی قبلي من نساء العالمين، لأني ولدت في بيته العتيق وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج وولدي على يدي هتف بي هاتف وقال: يا فاطمة سميه علياً، فأنا العلي الأعلى، وإني خلقته من قدرتي وعزتي وجلالي، واشتققت اسمه من اسمي وأدبه بأدبي، وفوضت إليه أمري، وأوقفته على غامض علمي، وولد في بيتي، وهو أول من يؤذن فوق بيتي، ويكسر الأصنام ويرميها على وجهها، ويعظمني ويهلني، وهو الإمام بعد حبيبي ونبيي وخيرتي من خلقي محمد رسولي، ووصيه، فطوبى لمن أحبه ونصره، والويل لمن عصاه وخذله وجحد حقه.

فلما رآه أبو طالب سره: قال علي صلوات الله عليه: السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته، قال: ثم دخل رسول الله صلی الله علیه وآله اهتز له أمير المؤمنين وضحك في وجهه وقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (قَد افلَحَ المُؤمنونَ الَّذينَ هُم فِي صَلاتِهِم خاشِعونَ) إلى آخر الآيات، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : قد أفلحوا بك، وقرأ تمام الآيات إلى قوله:(أولئِكَ هُم الوارِثونَ الَّذينَ يَرَثونَ الفِردَوسَ هُم فِيها خالِدونَ) فقال رسول الله: أنت - والله _ أميرهم، تميرهم من علومك فيمتارون، وأنت - والله - دليلهم وبك يهتدون، ثم قال صلی الله علیه وآله لفاطمة: إذهبي إلى عمه حمزة فبشریه به، قالت: فإذا خرجت أنا فمن يرويه؟ قال صلی الله علیه وآله: أنا أرويه، قالت فاطمة: أنت ترويه؟ قال: نعم، فوضع رسول الله لسانه في فيه فانفجرت منه اثنتا عشر عيناً. (1)


1) أمالي الطوسي: 707/ ح 1511

قصيدة العمري في مدح علي علیه السلام :

يقول عبد الباقي العمري في مدح أمير المؤمنین صلوات الله عليه:

أنت العلي الذي فوق العلا رفعا*** ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

وأنت ذاك البطين الممتلي حكماً*** معشارها فلك الأفلاك ما وسعا

وأنت يعسوب نحل المؤمنين إلى*** أي الجهات انتحى يلقاهم تبعا

وأنت نقطة باءٍ مع توحدها*** بها جميع الذي في الذكر قد جمعا

وأنت عين يقين لم يزده به*** کشف الغطاء يقيناً أنه انقشعا

لله در فتى الفتيان منك فتيً*** ضرع الفواطم في مهد الهدی رضعا

لقد ترعرعت في حجر عليه لذي***حجر براهين تعظيم بها قطعا

ربیب طاها حبيب الله أنت ومن ***كان المربي له طاها فقد برعا

رعاه مولاه من راع لأمته*** بهذه وأبيك الحق فيك رعی

قال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي المفر في شرح قول العمري:

أنت العلي الذي فوق العلا رفعا *** ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

ما لفظه: وفي كون الأمير کرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا، وذكر في كتب الفريقين السنة والشيعة... إلى قوله: ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه كما اشتهر وضعه، بل لم تتفق الكلمة عليه، وأحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، سبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاکمین. (1)

وأيد قوله العلامة الشريف السيد حيدر الحسيني العبدلي الآملي أنه قال:ولد صلوات الله عليه في الكعبة بالحرم الشريف، فكان شرف مكة وأصل بكة، لامتيازه


1) راجع الغدير للأميني، ج 6، 22

بولادته في ذلك المقام المنيف، فلم يسبقه أحد ولا يلحقه أحد بهذه الكرامة، ولا بلغ أحد ما بلغ من السيادة والنباهة عامة، وهو بالأصالة صاحب الإمامة الإبراهيمية.(1)

وبمقربة من هذا القول ما قاله العلامة البارع السيد محمد الهادي الموسوي في كتاب أصول العقائد: كان مولده صلوات الله عليه في جوف الكعبة، ولم يشرف المولىسبحانه أحدا من الأنبياء والأوصياء بهذا الشرف، فهو مخصوص به صلوات الله عليه.

وقول الوزير الإربلي في (کشف الغمة): ولم يولد في البيت أحد سواه لا قبله ولا بعده، وهي فضيلة خصه الله بها إجلالاً له، وإعلاء لرتبته، وإظهاراً لتكرمته.(2)

وقول الحافظ الثقة رشید الدین محمد بن علي السروي قال: فالولد الطاهر من الطاهر ولد في الموضع الطاهر، فأنی توجد هذه الكرامة لغيره، فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد، وأشرف بقاع المسجد الكعبة، ولو يولد فيها مولود سواه، فالمولود فيها يكون غاية الشرف.(3)

كلمة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:

وهناك محاضرة لسماحة الحجة المرحوم الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء (تغمده الله برحمته) ألقاها ببغداد عاصمة العراق في مسجد براثا بمناسبة میلاد أمير المؤمنین صلوات الله عليه قال (قدس الله روحه):

إنما المناسب في هذا المقام هو التعرض لولادته صلوات الله عليه في هذه الليلة المباركة، وإنما نتعرض لشأن واحد من شؤون ولادته صلوات الله عليه وهو ولادته في الكعبة على أشهر الروايات، ولعل غيرها من مدسوسات


1) الكشكول في ما جرى على آل الرسول: 189

2) کشف الغمة للأربلي، ج 8:1

3) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج 2: 23

النواصب الذين يريدون أن يستروا ضوء الشمس بأكفهم، وولادته صلوات الله عليه في الكعبة طفحت بها الكتب ونظمها الشعراء حديثاً وقديماً، وآخرهم عبد الباقي الشهير في مستهل قصيدة له:

أنت العلي الذي فوق العلا رفعا*** ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

وهي منقبة لم يشاركه فيها أحد في الإسلام. وقد ذكروا أن مريم لما جاءها المخاض بعيسی علیه السلام أوت إلى بيت المقدس لتضعه فيه، فنودیت: اخرجي يا مريم فهذا بیت العبادة لا بيت الولادة، وفاطمة بنت أسد لما أحست بالطلق - وهي في الكعبة _ انسدت أبوابها ولم تقدر على الخروج حتى وضعت علياً صلوات الله عليه.

ولعل في هذه الحادثة الظريفة أسراراً ورموزاً أجلها وأجلاها:

إن الله سبحانه كأنه يقول: أيتها الكعبة إني سأطهرك من رجس الأوثان وعبادة الأصنام والأنصاب والأزلام بهذا المولود فيك، وهكذا فإن النبي صلی الله علیه وآله دخلها عالم الفتح والأصنام منضودة ومعلقة على جدرانها، ولكل قبيلة من قبائل العرب صنم، فأصعد علياً صلوات الله عليه على منكبيه وصار يحطمها ويرمي بها إلى الأرض، والنبي صلی الله علیه وآله يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، وقد نظم الشافعي هذه الفضيلة بأبيات مشهورة تنسب له يقول في آخرها:

وعلي واضع أقدامه ***في محل وضع الله یده (1)

فإن النبي صلی الله علیه وآله كان يحدث عن المعراج قائلاً: إن الله عز شأنه وضع يده على كتفي حتى وجدت بردها بین ثديي. (2)


1) شرح إحقاق الحق للمرعشي النجفي 8: 681 ( الهامش).

2) فتح القدير للشوكاني 4: 444، المعجم الكبير للطبراني، 20: 109، ولا يخفى أن وضع الله سبحانه و تعالی بده على كتف النبي صلی الله علیه وآله من باب التجليات الأسمائية لله عزوجل بطريق اللمس، لأن الله سبحانه ليس جسمة وليس كمثله شيء. انظر للتفصيل: شرح الأسماء الحسنى للمولي هادي السبزواري 2: 53

وفي ولادته صلوات الله عليه رمز آخر لعله أدق وأعمق: وهو أن حقيقة التوجه إلى الكعبة التوجه إلى ذلك النور المتولد فيها، ولو أن القصد مقصور على محض التوجه إلى البنية وتلك الأحجار لكان أيضاً نوع من عبادة الأصنام (معاذ الله)، ولكن التناسب يقضي بأن البدن - وهو تراب - يتوجه إلى الكعبة التي هي تراب، والروح التي هي جوهر مجرد - تتوجه إلى النور المجرد، و کل جنس لاحق بجنسه، النور للنور، والتراب للتراب، وإلى بعض هذا أشار بعض شعراء الفاطميين إذ يقول:

بشر في العين إلا أنه ***من طريق العقل نور وهدی

جل أن تدر که أبصارنا ***وتعالى أن تراه جسدا

فهو في التسبيح زلفی راكع*** سمع الله به من حمدا

تدرك الأفكار منه جوهراً*** كاد من إجلاله أن يعبدا

فهو الكعبة والوجه الذي ***وحد الله به من وحدا(1)

وهذا الطراز من الشعر وإن كان فيه شيء من الغلو ففيه كثير من الحقيقة، وفيه لمعات من التوحيد.

نعم نتوجه بأبداننا في صلاتنا إلى الكعبة وبأرواحنا إلى النور، إلى النور الذي أشرق وأضاء فيها، نتوجه إليه فنجعله الوسيلة إلى الله تعالى كما قال عز شأنه: (اَتَّقُوا اللهَ وَابتَغُوا إلَيهِ الوَسيلَةَ)،(2)نتوجه إليه کي يوجهنا إلى الخير والسداد، فالتوجه مناإليه والتوجيه منه لناه.

ولادة علي علیه السلام في الكعبة في الشعر الإسلامي:

يقول العلامة الورع الشيخ حسین نجف المتوفى سنة 1252 من قصيدة علوية:


1) هذه الأبيات من شعر الأخفش في مدح الخليفة الفاطمي

2) المائدة: 35

جعل الله بيته لعلي***مولداً يا له على لا يضاهي

لم يشاركه في الولادة فيه***سید الرسل لا ولا أنبياها

علم الله شوقها لعلي***علمه بالذي به من هواها

إذ تمنت لقاءه وتمنی ***فأراها حبيبه وأراها

ما ادعي مدع لذلك كلا***من ترى في الورى يروم ادعاها

فاکتست مكة بذاك افتخاراً***وكذا المشعران بعد مناها

بل به الأرض قد علت إذ حوته*** فغدت أرضها مطاف سماها

أو ما تنظر الكواكب ليلاً***ونهاراً تطوف حول حماها

وإلى الحشر في الطواف عليه *** وبذاك الطواف دام بقاها (1)

للمولی محمد مسیح المعروف (بمسيحا الشيرازي) المتوفى سنة 1127 في قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين.

ما كان رباً ولكن ليس من بشر*** وليس يشغله شأن عن الشأن

هو الذي كان بيت الله مولده ***فطهر البيت من أرجاس أوثان

هو الذي من رسول الله كان له*** مقام هارون من موسی بن عمران

هو الذي صار عرش الرب ذا شنف*** إذ صار قرطيه إيناه الكريمان(2)

وقال صاحب الفضيلة والأدب میرزا محمد تقي التبريزي الشهير بحجة الإسلام، المتوفى في سنة 312 من لامية علوية:

سیر حنانيك في البلاد وباحث ***عن بطون الكرام جيلاً فجيلا

فانظرن هل ترى لتيم بن مر*** أو عدي يا سعد فيها محلاً


1) الغدير للأمینی 6: 29

2) الغدير للأميني 11: 368

لا ومن شق جانب البيت حتى***دخلت فيه أمه وهي حبلی

فتخلت عن أسجح هاشمي ***بورکت حاملاً وبوركت حملا

وسما غارب النبي فنځی *** عنه أصنامهم وحسبك نبلا

يتحدث إلينا المجلسي - أعلا الله مقامه في البحار عن محمد بن العباس مرفوعاً إلى محمد بن زیاد، قال: سأل ابن مهران عبد الله بن العباس عن تفسير قوله تعالى:(وإنَّا لنَحنُ الصَّافُونَّ وإنَّا لَنَحنُ المُسَبحُونَ) (1)فقال ابن عباس: إنا كنا عند رسول الله صلی الله علیه وآله فأقبل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فلما رآه النبي تبسم في وجهه وقال: مرحباً بمن خلقه الله تعالى قبل آدم علیه السلام بأربعين ألف عام. فقلت: يا رسول الله أكان الابن قبل الأب؟ قال صلی الله علیه وآله : نعم، إن الله تعالى خلقني وخلق علیاً قبل أن يخلق آدم بهذه المدة، خلق نوراً فقسمه نصفين، فخلقني من نصفه و خلق علياً من النصف الآخر قبل الأشياء كلها، ثم خلق الأشياء فكانت مظلمة، فنورها من نوري ونور علي، ثم جعلنا عن يمين العرش، ثم خلق الملائكة، فسبحنا وسبحت الملائكة، وهلنا فهالت الملائكة، و كبرنا فكبرت الملائكة، فكان ذلك من تعلیمی و تعليم علي، وكان ذلك في علم الله السابق أن لا يدخل النار محب لي ولعلي، ولا يدخل الجنة مبغض لي ولعلي، ألا وإن الله تعالى خلق الملائكة بأيديهم أباريق اللجين مملؤة من ماء الحياة من الفردوس، فما أحد من شيعة علي إلاوهو طاهر الوالدين تقي نقي مؤمن بالله تعالى، فإذا أراد أبو أحدهم أن يوافع أهله جاء ملك من الملائكة الذين بأيديهم أباريق ماء الجنة فيطرح من ذلك الماء في آنیته التي يشرب منها، فيشرب من ذلك الماء فينبت الماء في قلبه كما ينبت


1) الصافات: 166 و 167

الزرع، فهم على بينة من ربهم ومن نبيهم ومن وصيه علي ومن ابنتي الزهراء ثم الحسن ثم الحسين عليه السلام ثم الأثمة من ولد الحسين. فقلت: يا رسول الله من الأئمة؟ قال صلی الله علیه وآله : أحد عشر مني، وأبوهم علي بن أبي طالب ثم قال صلی الله علیه وآله : الحمد لله الذي جعل محبة علي والإيمان به سببين. (1)

يقول العمري في مدح أمير المؤمنین صلوات الله عليه مخمساً لهمزية التميمي:

كنت في جيب الغيب معنى يصان*** حين لا أعصر ولا أحيان

أيقل الأسرار منك مكان*** ولقد کنت والسماء دخان

و ما بها فرقد ولاجوزاء

بك ليل العماء ضاء بلائی ***فاستضاء الوجود من ظلمة الغي

درة کنت والجواهر لا شي ***في دجی بحر قدرة بين بردي

صدف فيه الوجود الضياء

نقطة أفرغت وليس وعاء*** ملئت حكمة ولا إجلاء

تحت باء لها العباء غطاء*** لا الخلا يوم ذاك فيها خلاء

فيسمى ولا الملاء ملاء

طالما للأملاك كنت دليلا*** ولناموسهم هديت سبيلا

يوم نادى رب السما جبرئيلا*** قائلاً: من أنا فروي قليلا

وهو لولاك فاته الاهتداء (2)

علي علیه السلام معلم جبرئيل:

وذكر المجلسي أيضاً في (البحار) أن النبي صلی الله علیه وآله كان جالساً ذات يوم


1) البحار 24: 89/ ح 4

2) الغدير للأميني 7: 252.

و جبرئيل بين يديه إذ دخل أمير المؤمنین صلوات الله عليه فلما نظر اليه جبرئیل علیه السلام تصاغر بين يديه، فقال له النبي صلی الله علیه وآله: ما سبب ذلك؟ قال: لأن العلي على حق التعليم، قال: كيف هو؟ قال: اعلم يا رسول الله لما خلقني الله تعالی سألني: من أنا ومن أنت؟ تحيرت في الجواب، قلت: أنا أنا وأنت أنت، فأعاد القول علي الجليل جل وعلا، أيضاً لم أعلم ما أقول، فلاح شخص هذا - یعني أمير المؤمنين - فقال: قل الجواب أنت ربي الجليل وأنا عبدك الذليل جبرئيل، فلما أجبت ربي بهذا قربني، وذلك من تعليم علي صلوات الله عليه وأنا من ذلك أعظمه، قال له النبي صلی الله علیه وآله: كم مضى من عمرك؟ قال: لا أعلم، سوى أني أعلم في السماء السابعة تخرج نجمة في كل ثلاثين ألف سنة مرة واحدة وأنا رأيتها ثلاثين ألف مرة، قال: فقال النبي صلی الله علیه وآله : يا علي أدن مني، فدنی منه فرفع عمامة أمير المؤمنين وحك جبهته بجبهته فلاحت نجمة منيرة بجبين أمير المؤمنین صلوات الله عليه فخر جبرئیل ساجداً وهو يقول: سبوح قدوس هي هي والله تلك النجمة.

وهذه النجمة المنيرة خمد ضوءها وأظلم سناؤها عندما ضرب علي على أم رأسه بالسيف حتى وصل السيف إلى موضع سجوده، فسالت دماؤه علی کریمته المباركة، فسقط في محرابه وهو يقول: فزت ورب الكعبة.

من كتاب له علیه السلام إلى معاوية ابن أبي سفيان:

ايحذره فيه من سيئات عمله

(وَكَيفَ أنتَ صَانعٌ إذاَ تَكَشَّفَت عَنكَ جَلاَبِيبُ مَا أنتَ فيه مِن دُنيَا قَد تَبَهَجَت بِزینَتَها وخَدَعَت بِلِذَتِهَا دَعَتكَ فَأجَتَهَا وَقَادَتكَ فَاتَّبَعتَها و امرَتكَ فَأَطَعتَهَا وإنَّه يُوشِكُ أَن يَقفِكَ وَاقفٌ عَلى مَا لاَ يُنجِيكَ مِنهُ مجَنٌّ فاقعَس عَن هَذا الأمرِ وخُذ اُهبَةَ الحِسابی وشَمَر لَمَا قَد نَزَلَ بِكَ وَلاَ تُمَكِنِ الغُوَاةَ مِن سَمعِكَ وَالا تَفعَل أُعلِمكَ مَا أغفَلتَ مِن نَفسِكَ فَانَّكَ مُترَفٌ قَد أَخَذَ الشَّيطانُ مِنكَ مَأخَذَهُ وبَلَغِ فيکَ اَمَلهُ وَجَري مِنكَ مَجرَى الرُّوحِ والدَّمِ ومَتَی كُنتُم یا مُعاوَيةُ سَاسَةَ الرَّعيَّةِ وَوُلاةَ أَمرِ الامَّةِ بِغَيرِ قَدَمٍ سَابِقٍ ولاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ ونَعُوذُ بِاللهِ مِن لزُومِ سَوابِقِ الشَّقَاء وَأُحَذِرُكَ أَن تَكونَ مُتَمادِياً فِي غَرَةِ الأمنِيةِ مُختَلِفَ العَلانِيَةِ وَالَّسرِيرَةِ ).

(شرح ابن ابي الحديد مج 3 ص 409).

ضبط الألفاظ اللغوية:

الجلابيب) جمع جلباب وهي الملحفة في الأصل، واستعير لغيرها من الثياب. قوله: وتبهجت بزينتها: صارت ذات بهجة أي زينة وحسن. ويقفك واقف يعني الموت. قوله: (فاقعس) عن هذا الأمر أي تأخر. وأهبة الحساب عدته، (وتأهب) استعد وشمر لما قد نزل بك، أي جد واجتهد وخف. (والغواة جمع غوي وهو الضال. قوله: وإلا تفعله يقول: وإن كنت لا تفعل ماقد أمرتك ووعظتك به فإني أعرفك من نفسك ما أغفلت معرفته: إنك مترف - والمترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته. قد أخذ الشيطان منك

مأخذه أي تناول الشيطان منك لبك وعقلك. قوله: وجرى منك مجرى الروح والدم، هذه كلمة رسول الله صلی الله علیه وآله إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجری الدم. (1)

الشرح: علي ومعاوية

لم تنفع عظات علي صلوات الله عليه في معاوية ولم تؤثر فيه ولم تأخذ مفعولها من نفسه، وكيف يتعظ من اتخذ إلهه هواه (أَفَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَههُ هَواهُ) (2)كيف يرعوي من طبع الشيطان على قلبه فأنساه ذكر الله(وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَنِ نُقَيِض لَهُ شَيطاناً فَهُوَ لَه قَرِينٌ) (3)فهو مختلف السريرة والعلانية، يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي عن عمرو بن هند، عن أبيه، أن علياً صلوات الله عليه لما نظر إلى أصحاب معاوية وأهل الشام قال: والذي فلق الحبة وبرء النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا عليه أعواناً رجعوا إلى عداوتهم لنا، إلا أنهم لم يتركوا الصلاة. (4)

وعن حبيب بن ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله صلی الله علیه وآله: قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا عصموا دماءهم وأموالهم؟ قال: بلى ولكن - والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعواناً.(5)


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 15: 81

2) الفرقان: 43

3) الزخرف: 36

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد4 : 31

5) المصدر السابق.

قال ابن أبي الحديد في ج 2، 97 من شرح النهج عن الحكم بن عمير الثمالي - كانت أمه بنت أبي سفيان _ قال رسول الله صلی الله علیه وآله لمعاوية: كيف بك إذا وليت؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال رسول الله: أنت الحطم ومفتاح الظلم حصباً وحقباً، تتخذ الحسن قبيحاً، والسيئة حسنة، يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير وأمرك عظيم. فكان كما قال صلی الله علیه وآله فهو مفتاح الظلم ورأس الجور.

ولما رجع أمير المؤمنين صلوات الله عليه من حرب البصرة ودخل الكوفة وكان معه أشراف الناس وذلك لاثنتي عشر ليلة خلت من رجب، فاستقبله أهل الكوفة وفيهم قرآنهم وأشرافهم، فدعوا له بالبركة وقالوا: يا أمير المؤمنين أتنزل القصر؟ قال: لا ولكني أنزل الرحبة، فنزلها حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلی علی رسوله، ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة، فإن لكم في الإسلام فضلاً مالم تبدلوا وتغيروا، ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب، ولا عمل، الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل، فقام جماعة ممن تخلف عن وقعة الجمل منهم سليمان بن صرد الخزاعي واعتذروا عند أمير المؤمنین صلوات الله عليه فقبل عذرهم، ونزل بالكوفة على جعدة بن هبيرة المخزومي - وجعدة ابن أخت أم هاني بنت أبي طالب كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي فأولدها جعدة وكان شريفاً - وبعد أن نزل صلوات الله عليه على باب المسجد فدخل وصلی و تحول فجلس إليه الناس، ولما لحقه ثقله قالوا له: انزل القصر، قال: قصر الخبال لا تنزلوا فيه، واتخذ الكوفة دار خلافته.

قال الشني في ذلك:

@

قل لهذا الإمام: قد خبت الحرب***وتمت بذلك النعماء

وفرغنا من حرب من نقض العهد ***وبالشام حية رقطاء

تنفث السم ما لمن نهشته*** فارمها قبل أن تعض شفاء

إنه والذي يحج له الناس***ومن دون بيته البيداء

الضعيف النخاع إن رمي اليوم***بخیل كأنها أشلاء

إن تذره فما معاوية الدهر ***بعطيك ما أراك تشاء

ولنيل السماء أقرب من ذاك***ونجم العيون والعواء

فاغه بالجد والحديد إليهم *** ليس والله غير ذاك دواء(1)

الوفود على معاوية:

ووفد على معاوية ممن خالف أمير المؤمنين صلوات الله عليه جماعة کمروان بن الحكم والوليد بن عقبة وعبيد الله بن عمر، أما الوليد فلحق بالمدينة وجعل يكاتب معاوية يستبطئه في الطلب بدم عثمان ويحرضه وينهاه عن قطع الوقت بالمكاتبة، ويرسل إليه بقوله:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*** فإنك من أخي ثقة مليم

قطعت الدهر كالدم المعتى*** تهدر في دمشق ولا تریم

فإنك والكتاب إلى علي***کدابغة وقد حلم الأديم

لك الويلات أقحمها عليهم*** فخير الطالب الترة الغشوم

فكتب معاوية إليه الجواب بيتاً من شعر أوس بن حجر:

ومستعجب مما يرى من أناتنا*** ولو زينته الحرب لم يترمرم (2)

وقدم بعد ذلك على معاوية وشهد معه صفين.


1) شرح نهج البلاغة 3: 108، ط مكتبة المرعشي النجفي - قم

2) شرح نهج البلاغة 3: 95

عبيد الله بن عمر:

وأما عبيد الله عمر لما ألزمه أمير المؤمنین صلوات الله عليه قتل الهرمزان وعرف أنه یقيده به توجه إلى معاوية، فقال معاوية لعمرو بن العاص إن الناس قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر، فقد رأيت أن أقيمه خطيباً يشهد على علي بقتل عثمان وينال منه.

فقال: الرأي ما رأيت، فبعث إليه فأتاه، فقال له: يا بن أخي إن لك اسم أبيك، فانظربملء عينيك وانطق بملء فيك فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنه قتل عثمان. فقال: أيها الأمير أما شتمه فإن أباه أبو طالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، وأما بأسه فهو الشجاع المطرق وقد عرفت أيامه، ولكتي ملزمه دم عثمان، فقال عمر بن العاص: قد وأبيك - إذن نکات القرحة، فلما خرج عبيد الله قال معاوية: أما والله لولا قتله الهرمزان ومخافته علياً على نفسه ما أتانا أبدا، ألا ترى تقريظه علية، فقال عمرو: يا معاوية لم تغلب فاخلب، قال: فخرج حديثهما إلى عبيد الله فقام خطيبة وتكلم بحاجته فلما انتهى إلى علي صلوات الله عليه أمسك ولم يقل شيئا، فلما نزل بعث إليه معاوية يقول: يا بن أخي إنك بين عي وخيانة، فبعث إليه: إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفت أن الناس محتملوها عني فتركتها، فهجره معاوية واستخف به وفسقه، فقال عبيد الله:

معاوي لم أحرص بخطبة خاطب*** ولم أك عياً في لؤي بن غالب

ولكنني زاولت نفساً أبية*** على قذف شيخ بالعراقين غائب

وقذفي علياً بابن عفان جهرة *** كذاب وما طبعي سجايا المكاذب

ولكنه قد حزب القوم جهله ***ودبوا حواليه دبيب العقارب

فما قال أحسنتم ولا قد أسأتم ***وأطرق إطراق الشجاع المواثب

فأما ابن عفان فأشهد أنه*** أصيب بريئاً لابساً ثوب تائب

وقد كان فيها للزبير عجاجة*** وطلحة فيها جاهد غير لاعب

وقد أظهرا من بعد ذلك توبة*** فيا ليت شعري ما هما في العواقب

فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه . (1)

وأرسل أمير المؤمنین صلوات الله عليه جریر بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى البيعة وإلا ينازله الحرب، فأبي معاوية أن يبايع وعزم على الحرب.

ولما عزم أمير المؤمنین صلوات الله عليه على المسير إلى الشام دعا رجلاً فأمره أن يتجهز ويسير إلى دمشق، فإذا دخلها أناخ راحلته بباب المسجد وأن لا يلقي من ثياب سفره شيئاً، فإن الناس إذا رأوه وعليه آثار الغبرة يسألونه، فإذا سألوه فليقل لهم: تركت علياً قد نهد إليكم بأهل العراق، فانظر ما يكون من أمرهم، ففعل الرجل ذلك فاجتمع الناس عليه وسألوه فقال لهم ذلك، فكثروا عليه يسألونه، فأرسل إليه معاوية أبا الأعور السلمي يسأله عن ذلك، فأخبره بأن علياً قد نهد إليهم بأهل العراق، فأتى معاوية فأخبره بمقالته، وأن علياً قد نهد إليهم بأهل العراق، فنادى معاوية الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس وقال لهم: إنت علياً قد نهد إليكم في أهل العراق فماذا ترون؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلمون، فقام ذو الكلاع الحميري فقال: عليك أم رأي وعلينا أم فعال - وهي لغة حمير - فنزل ونادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم. وعاد الرجل إلى علي صلوات الله عليه فأخبره بما رآه فنادی صلوات الله عليه الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس فأخبرهم أنه قدم عليه رسول كان قد بعثه إلى الشام وأخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام فما الرأي؟ فاضطرب أهل المسجد، هذا يقول: الرأي كذا وهذا يقول الرأي كذا وكثر اللغط واللجب، فلم يفهم أمير المؤمنين من كلامهم شيئاً ولم يدر المصيب من المخطئ، فنزل عن المنبر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب بها ابن آكلة الأكباد يعني معاوية. (2)


1) شرح نهج البلاغة 3: 102

2) شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد 3: 95

في إرسال صعصة بن صوحان إلى معاوية:

قال المسعودي في تاريخه (مروج الذهب): ذهب إلى داره وقال لآذنه: من في الباب من وجوه العرب؟ فذكر له جماعة منهم صعصعة بن صوحان العبدي رضی الله عنه فقال صلوات الله عليه: فأذن لهم، فدخلوا وسلموا عليه بالخلافة، فقال لهم: أنتم وجوه أصحابي عندي ورؤساء القبائل، فأشيروا علي في أمر هذا الغلام المترف يعني معاوية _ فافتت بهم المشورة، فقال صعصعة: إن معاوية أترفه الهوى وحبيت إليه الدنيا فهانت عليه مصارع الرجال وابتاع آخرتهم بدنياه، فإن تعمل فيه برأي ترشد و تصب وبالله التوفيق ورسوله وبك يا أمير المؤمنين، الرأي أن ترسل إليه عيناً من عيونك وثقة من ثقاتك بكتاب تدعوه إلى بيعتك، فإن أجاب وأناب کان له مالك وعليه ما عليك، وإلا جاهدته وصبرت لقضاء الله تعالى حتى يأتيك اليقين.

قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: عزمت عليك يا صعصعة إلا كتبت الكتاب بيدك ورحلت إليه بنفسك، واجعل صدر الكتاب تخويفاً وتحذيراً وعجزه استتابة، وليكن فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبديه أمير المؤمنين علي إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك أما بعد واكتب ما أشرت به علي، واجعلعنوان الكتاب ألا إلى الله تصير الأموره.

قال: فخرج بالكتاب و تجهز وسار حتی ورد دمشق الشام فأتی باب معاوية، فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين علي، وبالباب أردفة (أي جماعة من بني أمية، فأخذته الأيدي من كل جانب ومكان وهو يقول: سبحان الله أتقتلون رجلاً يقول ربي الله، وكثرت الجلبة واللغط، فاصل ذلك بمعاوية، فوجه بمن يكشف الناس عنه فكشفوا عنه، فأذن لهم بالدخول فدخلوا عليه، فقال: من هذا الرجل؟ قالوا: رجل من العرب يقال له صعصعة بن صوحان معه كتاب من علي بن أبي طالب، فقال: والله لقد بلغني أمره، هذا

أحد سهام علي و خطباء العرب، ولقد كنت إلى لقائه شيقاً، باغلام ائذن له بالدخول، فأذن له بالدخول فدخل عليه وقال: السلام عليك يا بن أبي سفيان، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

فقال معاوية: أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو في إسلام لقتلتك، ثم اعترضه معاوية بالكلام وأراد أن يستخرجه لينظر قريحته أطبعاً أم تكلفاً، قال: من الرجل؟ قال: من نزار. قال: وما كان نزار؟ قال: كان إذا غزی نکس، وإذا ألقى افترس، وإذا انصرف احترس، قال: فمن أي أولاده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما كان جديلة؟ قال: كان في الحرب سيفاً قاطعاً، وفي المكرمات غيثأً نافعاً وفي اللقاء لباً ساطعاً، قال: فمن أي أولاده أنت؟ قال: من عبد القيس. قال: وما كان عبد القيس؟ قال: كان أبيضاً حسيباً وهاباً لضيفه ما يجد، ولا يسائل عما فقد، كثير الموق طيب العرق، يقوم لضيفه مقام الغيث من السماء.

قال: ويحك يابن صوحان فما تركت لهذا الحي من قریش مجداً ولا مكرمة. قال: بلى والله يابن أبي سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلا لهم، تركت لهم الأبيض والأحمر والأصفر والأشقر والسرير والمنبر والملك إلى المحشر، وأني لا يكون كذلك وهم منار الله تعالى في الأرض ونجومه في السماء، ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها، فقال: صدقت يابن صوحان، إن ذلك لكذلك. فعرف صعصعة رضی الله عنه ما أراد، فقال: ليس لك ولا لقومك فيه إصدار ولا إيراد، بعدتم عن أنفس المرعي، وعلوتم عن عذب الماء. قال: فلمن ذلك ويلك يا بن صوحان؟ قال: الويل لأهل النار، ذلك لبني هاشم دونك. فالتفت معاوية إلى أصحابه وقال: أخرجوه، فقال صعصعة: الصدق ينبيء عنك لا الوعيد، من أراد المشاجرة قبل المحاورة. فقال معاوية: وددت أني من صلبه، ثم التفت إلى بني أمية وقال: هكذا فلتكن الرجال، ثم قال: یابن صوحان إنك ذو معرفة بالعرب وبحالها، أخبرني عن أهل البصرة

وإياك والتحامل على قوم لقوم. قال صعصعة: البصرة واسطة العرب، ومنتهی الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات العرب دوران الرحي على القطب. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. قال: الكوفة قبة الإسلام وذروةالكلام ومصان ذوي الأعلام، إلا أن بها أجلافاً تمنع ذوي الأمر بالطاعة وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة. قال معاوية: فأخبرني عن أهل الحجاز. قال: أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها وأقلهم عناءً فيها، غير أن لهم ثباتاً في الدين وتمسکاً بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار.

فقال معاوية: من البررة ومن الفجرة؟ فقال صعصعة: ترك الخداع من كشف القناع: علي وأصحابه من البررة، وأنت وأصحابك من الفجرة. فبان الغضب في وجه معاوية، إلا أنه أحب أن يمضي صعصعة بكلامه، قال: أخبرني عن القبة الحمراء في دیار مضر، قال: أسد مضر بسلاء بني غيلين، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست. فقال معاوية: هنالك يا بن صوحان العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا؟ فقال صعصعة رضی الله عنه: إن هذا لأهله دونك، ومن أحب عمل قوم محشر معهم. قال: فأخبرني عن ديار ربيعة، ولا يستخفنك الجهل وسابقة الحمية بالتعصب لقومك. فقال: والله ما أنا منهم براض ولكني أقول فيهم وعليهم، هم والله أعلام الليل وأذناب في الدين، والميل لمن تغلب، رأيتها إذا رشحت خوارج الدين برازخ اليقين، من نصروه فلج، ومن خذلوه زلج. ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سل وإلا أخبرتك بما عنه تحيد، قال: وما ذاك؟ قال: أهل الشام، قال: أخبرني عنهم، قال: هم أعصي الناس للخالق، وأطوعهم للمخلوق، عصاة الجبار وخلفة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار .(1)


1) مروج الذهب للمسعودي 3: 51

أجل كانوا مصداقاً لقول صعصعة يوم دخول سبايا آل رسول الله إلى الشام، فإنهم عصوا الخالق وأطاعوا المخلوق، فخرجوا وبأيديهم الطبول والدفوف فرحين مستبشرين بقتل الحسین علیه السلام.

يقول سهل الساعدي: خرجت من شهر زورا أرید بیت المقدس فصادف خروجي أيام قتل الحسين علیه السلام، فدخلت الشام فرأيت الدكاكين مغلقة والأعلام منشورة والرايات مشهورة والناس أفواج قد امتلأت بهم السكك والأسواق، وهم في أحسن زينة فرحين مستبشرين، فقلت لبعضهم: الأهل الشام عيد لا نعرفه؟ (1)


1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 2: 60

وفي كتاب له علیه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري:

وفيه يعنفه على قبوله دعوة وليمة ويذكر فيه زهده علیه السلام:

وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضي إليها: أمَّا بَعدُ يَا ابنَ حُنَيفٍ فَقَد بَلَغَني أَنَّ رَجُلاً مِن فیَة أهلِ البَصرَةِ دَعَاکَ إلى مَأُدُبَة فَأَسرَعتَ إليهَا تُستَطابُ لكَ الأَلوانُ وَنتَقُل إليکَ الجَفَانُ وَمَا ظَنَنتُ أنِكَ تُجيبُ إلى طَعامِ قَومٍ عائلُهُم مجفُوٌ وغَنیُّهُم مَدعُوٌ فَانظُر إلى مَا تَقضَمُهُ مِن هَذا المَقضَمِ فَمَا اشَتَبَه عَليكَ عَلمُهُ فَلفَظَةُ وَما أَیقَنتَ بطَيِبِ وُجوهِه فَنَل مَنه.

الّا وَانَّ لکُلِ مامومٍ یَقتَدی بِه ویَستَضَیءُ بِنُورِ عِلمِهِ الَّا و اِنَّ امَامَکُم قَد اکتَفَی مِن دُنیاهُ بِطَمریه ومَن طُعمه بقُرصَیه الا و انَّکُم لا تَقدَروُنَ علیَ ذلکَ ولکِن اعیُونی بِوَرَعٍ واجتَهادٍ وعَفةٍ .سَدادٍ فَوَالله مَا کَنَزتُ مِن دُنیاکُم تبراً ولا ادَّخَرتُ مِن غَناثِمِها و فَراً ولا اعددَت لِبالی ثَوبی طَمراً ولا حُزتُ مِن اَرضِها شِبراً ولا اَخَذتُ مِنهُ الا کَقُوت اتَان دَبِرةٍ و لَهی فی عینی اَوهی و اوهَنُ مِن عَفصَةٍ مَقَرَةٍ.

(شرح ابن أبي الحديد مج 4 ط 1 ص 76)

ضبط الألفاظ الغريبة:

المأدبة) بضم الدال: الطعام يدعى إليه القوم. وفتية أهل البصرة، جمع فتى أي من شبابها أومن أسخيائها. (والعائل) الفقير. (والجفان) قصاع كبار.والقضم) الأكل بأدنى الفم. (والطمر) الثوب البالي الحلق. الطعم - بالضم - الطعام، والوفر المال الكثير، والتبر الذهب.

الشرح:

عثمان بن حنيف بضم الحاء - ابن واهب بن الحكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري الأوسي أحد الأمجاد من الأنصار، أخذ من النبي صلی الله علیه وآله العلم والتربية وبلغ الدرجة العالية فنال مناصب کبری.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: عمل لعمر ثم لعلي صلوات الله عليه وولاه عمر مساحة الأرض وجبايتها بالعراق، وضرب الخراج والجزية على أهلها، وولاه علي صلوات الله عليه على البصرة، فأخرجه طلحة والزبير منها حين قدماها . (1)

ويظهر من ذلك أنه كان رجلاً بارعاً في علم الاقتصاد والسياسة معاً فاستفاد منه عمر من الناحية الاقتصادية، وفوض إليه أمر الخراج والجزية، وهو من أهم الأمور في هذا العصر، وخصوصا في أرض العراق العامرة.

وكان من خواص علي صلوات الله عليه ومن السابقين الذين رجعوا إليه وأخلصوا له، قال في الرجال الكبير بعد ترجمته: هو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنین صلوات الله عليه و كلمة السابقين في وصفه مأخوذ من قوله تعالى في سورةالبرائة آية 100 - (والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ والَّذينَ اتبَعوُهُم بِإحسانِ رَضيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنه وأَعَد لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَها الأنهارُ خالدينَ فيِها أبَداً ذلكَ الفَوزُ العَظيم) و کفی له بذلك مدحاً وإخلاصاً له صلوات الله عليه فإن الآية تخصص السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين بهذه الفضيلة التي لا فضيلة فوقها، والسبق والتقدم إنما هو بقبول ولاية أمير المؤمنين، فإنها میزان الإيمان والاخلاص لله ورسوله، ودليل البرائة من النفاق والمطامع الدنيوية.

ومؤاخذته صلوات الله عليه بمجرد إجابة دعوة من بعض فتيان البصرة، وتشديده في توبیخه بهذه الجمل البالغة في الطعن والمذمة دليل آخر على علو رتبته وسمو درجة إيمانه، وأنه لا ينبغي من مثله إجابة مثل تلك الدعوة والاشتراك في حفلة


1) شرح نهج البلاغة، ج 206:16

ضیافة تقعد لکسب الشهرة او جلب المنفعة او الانهماک فی اللذة والغفلة او الاستمتاع بلأغذية اللذيذة، فظاهر الكتاب الموجه إلى عثمان بن حنيف بالعتاب توبیخ عنيف على ارتكابه خلافاً عظيماً يستحق به هذا التوبيخ الشديد الذي هو آلم من الضرب بالسوط أو الحبس إلى حين الموت، فلا بد من التدبر في أمور:

محطات للتأمل :

الأول: ماهو جوهر هذا الخلاف الذي ارتكبه هذا الوالي الذي فوض إليه إدارة أمور ثغر هام من الثغور الإسلامية في هذا الزمان، فالبصرة أحد الثغور الهامة الإسلامية في تينك العصور تضاهي مرکزية الكوفة ومصر والشام، وقد انتخبه صلوات الله عليه واليأً له، وفوض إليه إدارة شؤونه وسياسة نظامه في هذا الموقف الرهيب، فكيف يوبخه ويؤتبه بهذه الجمل القاسية التي ملؤها الوهن والاستضعاف، فهذا الخلاف يحتمل وجوهاً :

1_ أنه مجرد إجابة دعوة الاشتراك في وليمة لذيذة هيئت للتفريج والأنس مع الأحباب والأقران.

2_ أعدت هذه الوليمة على حسب استمالة الوالي والنفوذ فيه للاستفادة منه في شتى المقاصد المرجوعة إليه، وللاعتماد عليه في تنفيذ الحوائج، كما هو عادة ذوي النفوذ والجاه في كل بلد، فإن شأنهم تسخیر عمال الدولة بالتطميع والاحسان للاستمداد منهم في مقاصدهم.

3- أن هذه الوليمة أعدت من عصابة مخالفة لعلي صلوات الله عليه وموالية المعاوية وأعوانه، فهي حفلة مؤامرة ضد علي صلوات الله عليه والهدف منها جلب الوالي إلى الموافقة مع مقاصد سیاسية هامة، وصرف عثمان بن حنیف عن موالاته صلوات الله عليه إلى معاوية، كما فعل معاوية مع زياد بن أبيه بعد ذلك، فإنه أحد أعوان علي وأحدولاته المسيسين وله يد في تقوية حكومته، فاستجلبه معاوية

بالمكايد والمواعيد، وأثبته أخاً له لجلبه من موالاة علي صلوات الله عليه إلى معاوية واستفاد منه أكثر استفادة في حكومته.

وما ذكره صلوات الله عليه في كتابه هذا يناسب الوجه الثالث، فإنه موقف خطريحتاج إلى الحذر منه أشد الحذر، فشرع صلوات الله عليه يوبخ عثمان في قبول هذه الدعوة والإسراع إليها وتقبل ما أعدوه له من البذل من إعداد الأطعمة الطبية المختلفة الألوان و تقديم الأقداح الكبيرة في الخوآن.

وأشار صلوات الله عليه إلى أن هذه الوليمة مما لم يقصد بها رضا الله وإكرام والي ولي الله، وإلا فيشترك فيها ذوو الحاجة والفقراء من الجيران وسائر المسلمين، ولم يخصصوا الدعوة بالأغنياء وذوي النفوذ والثروة.

ثم أشار صلوات الله عليه إلى أن الحاضرين حول هذا الخوان من الغافلين المنهمكين في اللذات المادية، فعبر عن الخوان بالمقضم، وهو ما يعد فيه على الدابة من التبن والشعير، وتعبيره يعم كل خوان ومطعم مهيأ لأمثال هؤلاء المفتونين بأمر الدنيا.

وقوله صلوات الله عليه: فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه يستفاد منه أنه قرر على عماله احتياطاً في الدين فوق حد العدالة التي كانت شرطاً في التصدي لهذه المناصب الجليلة.

ثم أنه صلوات الله عليه توجه إلى بيان أمر لعماله أو مطلق شیعته، ولخصه في كلمتين:

1_ الاقتداء بالأمام في العمل والسيرة.

2_ الاستضاءة من نور علمه والأخذ بدستوره في كل الأمور، والاقتداء بالإمام عملاً وأخذ دستور العمل منه كلاهما سلوك طريق النجاة، ولكن الثاني أعم، فإنه يشمل الغائب عن محضر الإمام، ويشمل التكاليف الخاصة بالمأموم دون الإمام وهي كثيرة جداً.

ثم لخص صلوات الله عليه سيرته في كلمتين لتكون مدار العمل لعماله وللاقتداء به صلوات الله عليه.

1_ الاكتفاء من رياش الدنيا ولباسها وزينتها بطمرين أي ثوبين باليين: أزار ورداء من غير صوف يلبسه أحوج الناس.

2_ الاكتفاء من طعامها وغذائها ولذائذها بقرصين من خبز الشعير اليابس الفارغ عن الأدام.

وقد مثل صلوات الله عليه في هذه الكلمتين الزهد بأدق مما فيه وأشق ما فيه، بحيث جعله من كراماته وأنه مما لا يقدر على العمل به غيره، فقال: ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك.

البرنامج التربوي:

ثم نظم برنامجاً تربوياً لعماله ومن يتصدى لإدارة أمور حکومته في أربع مواد

1_الورع: وهو تحصين النفس عن الرذائل والاجتناب عن المحارم والمحرمات، لأن الورع عن المحارم أعظم المنجيات وعمدة ما ينال به إلى السعادات ورفع الدرجات، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: خَیرَ دینکم الورع، (1)وقال صلی الله علیه وآله: من لقي الله سبحانه ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله، وفي بعض الكتب السماوية: وأما الورعون فإني أستحي أن أحاسبهم، وقال الإمام الباقر عليه السلام: إن أشد العبادة الورع،(2)وقال الإمام الصادق علیه السلام: أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه. (3)وقال: اتقوا الله


1) مستدرك الوسائل 11: 270/ ح 12973

2) الكافي 2: 77/ ح5

3) الكافي 2: 76/ ح 1

أصحابي من اشتد ورعه وعمل لخالقه ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي.(1)وقال: ألا وإن من اتباع أمرنا وإرادته الورع، فتزينوا بنه يرحمكم الله، وكيدوا أعداءنا به ينعشكم الله.(2)

وقال الإمام الباقر علیه السلام: أعينونا بالورع، فإن من لقي الله تعالى منكم بالورع كان له عند الله فرجاً، إن الله عزوجل يقول: (ومَن يُطِعَ اللهَ والرَّسولَ فأَوُلئك مَعَ الَّذينَ أنعَمَ اللهُ عَليَهم مِن الَّنبيَينَ والصِّديقينَ والشُّهداء والصالِحينَ وحَسَنُ أولئكَ رَفيقاً فمنّا النبي ومنا الصديق والشهداء والصالحين).(3)

وقال علیه السلام: قال الله عزوجل: يا ابن آدم اجتنب ما حرم عليك تكن من أورع الناس.(4)

وسئل الإمام الصادق عليه السلام عن الورع من الناس فقال: الذي يتورع عن محارم الله عزوجل (5)

2_ الاجتهاد في تحري الحقيقة، والعمل على مقتضى الوظيفة وتحمل الكد والأذى في سبيل الحق.

3_العفة: وهي ضبط النفس عما لا يحل ولا ينبغي من المشتهيات وما فيه الرغبات.

والأخبار في مدح العفة وفضيلتها كثيرة، قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: أفضل العبادة العفاف.(6)وقال الإمام الباقر علیه السلام: ما من عبادة أفضل من


1) بحار الأنوار 67: 298/ ح6

2) الكافي 2: 78/ ح13

3) الكافي 2: 78/ ح 12

4) الكافی 2: 77/ ح 12

5) الكافي 2: 77/ ح 8

6) الكافي 2: 79/ ح3

عفة بطن وفرج.(1)وقال: ما عبد الله بشئ أفضل من عفة بطن وفرج.(2)وقال: أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج؟(3)

4- السداد: وهو تحكيم المعرفة بالأمور، والأخذ باليقين، وتحكيم العمل والدقة في تقرير شرائطه و كيفياته وعدم التسامح فيه.

وقد بقي في المقام نكتة، وهي أنه ربما يزهد بعض الناس في معاشهم حباً لجمع المال وادخاره، فيعيشون عيش الفقراء ويكنزون الذهب والفضة ويقتنون العقار والدار، فقال صلوات الله عليه:

زهد علي والأنبياء عليه السلام:

فوالله ما كنزت من دنياكم تبرأً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، وهذا أقصى حد في الزهد وغاية ما يتصور من الأعراض عن الدنيا.

وكفى للزهد فضيلة ومدحاً أنه أعرف صفات الأنبياء والأولياء، ولم يبعث نبي إلا به، ولو لم يتوقف التقرب إلى الله والنجاة في دار الآخرة عليه لما ضيق عظماء نوع الإنسان وأعرف الناس بحقيقة الحال على أنفسهم في فطامها عن شهوات الدنيا ولذاتها.

فانظر إلى كليم الله موسی علیه السلام كيف كان غالب قوته نبت الأرض وأوراق الأشجار، وكان ضعف بدنه من كثرة رياضته، بحيث ترى الخضرة من صفاق بطنه كما أخبر به أمير المؤمنین صلوات الله عليه في نهج البلاغة.(4)


1) الكافي 2: 80/ ح 7

2) الكافي 2: 79) ح 1

3) الكافي 2: 79 ح4

4) نهج البلاغة 2: 55/خ 160

ثم انظر إلى روح الله عیسی علیه السلام كيف يلبس الشعر ويأكل الشجر، ولم يكن لهولد يموت ولا بيت يخرب، ولا يدخر لغد، أينما یدرکه المساء نام.(1)وقال له الحواریون یومة: يا نبي الله لو أمرتنا أن نبني بيتاً تعبد الله فيه، قال: اذهبوا فابنوا بيتاً على الماء، فقالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء؟ قال: كيف تستقيم عبادة على حب الدنيا؟(2)

وروي أنه اشتد به یوماً المطر والرعد والبرق فجعل يطلب بيتاً يلجأً إليه، فرفعت إليه خيمة من بعيد، فأتاها فإذا فيها إمرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال: إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى، فأوحى الله إليه: مأواك في مستقر من رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة ألف حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمك في عرسك أربعة آلاف عام، يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرة مناديا ينادي: أين الزهاد في الدنيا؟ زوروا عرس الزاهد عیسی ابن مریم.(3)

ثم انظر إلى يحیی بن زکریا حيث يلبس المسوح حتی ثقب جلده تركاً للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس، فسألته أمه أن يلبس مكانها جبة من صوف ففعل، فأوحى الله إليه: يا يحيى آثرت على الدنيا، فبکی ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه. (4)

ثم افتح بصيرتك و تأمل في سيرة رسول الله صلی الله علیه وآله وزهده في الدنيا، فإنه لبث في النبوة ما لبث ولم يشبع هو وأهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، ولم يشبعوا عشية إلا جاعوا غدوة، ولم يشبع من التمر هو وأهل بيته حتى فتح الله


1) راجع ما روي في الأخبار للصدوق: 252 باب (معنى الزهد) ح5

2) البحار 14: 327 ح 53

3) مصدر السابق

4) فيض القدير للمناوي 2: 368

عليهم خیبر، وقرب إليه يوماً طعاماً على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه، فأمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على الأرض، وكان ينام على عباءة مثنية فتنوهاله ليلة بأربع طاقات فنام عليها فلما استيقظ قال: منعتموني قيام الليلة هذه بهذه العباءة، اثنوها بائنتين كما كنتم تثنونها، وكان يضع ثيابه الغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوباً يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة. وروي أن امرأة من بني ظفر صنعت له صلی الله علیه وآله کساءين أزاراً ورداءً وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره، قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلی كذلك.

وشدة زهد علي صلوات الله عليه و ترکه الدنيا أشهر من أن يحتاج إلى بیان، وكذا من بعده من الأئمة الراشدين والأصحاب والتابعين وغيرهم من أكابر الدين والسلف الصالح، فليعتبر الإنسان وليقتد بهداهم)أولَئِكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ فَبِهداهُمُ اقتَدهِ) (1)ولا تغتر بالدنيا فإنهاغزارة مكارة سكارة، تضحك الإنسان قليلاً وتبكيه طويلاً، كما وصفها أمير المؤمنين علیه السلام. (2)

قصة عيسى عليه السلام وصاحب الرغيف الثالث:

ومن النكت والأمثلة الظريفة ما ذكره صاحب المستظرف في باب الزهد:

روي أن عيسی علیه السلام كان معه صاحب في بعض سیاحاته فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية، فقال عيسی عليه السلام لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً من هذه القرية، وأعطاه ما يشتري به، فذهب الرجل وقام عيسى يصلي، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة، فقعد ينتظر انصراف عیسی من الصلاة، فأبطأ عليه فأكل رغيفاً و كان عيسی علیه السلام رآه حين جاء ورأى الأرغفة ثلاثة، فلما انصرف من صلاته لم يجد إلا رغيفين فقال له:


1) الأنعام: 90

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4: 139

أين الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كانا إلا رغيفين فأكلاهما، ثم مرا على وجوههما حتى أتيا على ضباء ترعى فدعا عیسی واحداً منهما فجاءه فذكاه وأكلا منه، فقال له عیسی علیه السلام: بالذي أراك هذه الآية، من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا اثنين، ثم مرا على وجوههما حتى جاءا قرية، فدعا عیسی ربه أن ينطق له من يخبره عن حال هذه القرية، فأنطق الله له لبنة، فسألها عيسى فأخبرته بكل ما أراد وصاحبه يتعجب مما رأي، فقال له عیسی علیه السلام: بحق من أراك هذه الآية، من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال: ماكانا إلا اثنين، فمرا على وجوههما حتى انتهيا إلى نهر عجاج، فأخذ عيسى علیه السلام بيد الرجل ومشی به على الماء حتى جاوز النهر، فقال الرجل: سبحان الله، فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية، من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كانا إلا اثنين، فمرا على وجوههما حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات عظام - وقيل: ثلاثة أكوام من الرمل - فقال لها: كوني ذهباً بإذن الله، فكانت، فلما رآها الرجل قال: هذا مال، فقال عيسی علیه السلام: نعم واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث، فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف الثالث: فقال عيسی علیه السلام هي لك كلها، ثم فارقه عيسى، وأقام الرجل ليس معه ما يحملها عليه، فمر به ثلاثة نفر فقتلوه، فقال إثنان منهما للثالث: انطلق إلى القرية فأتنا بطعام، فانطلق فلما غاب قال أحدهما للآخر: إذا جاء قتلناه واقتسمنا المال بيننا، فقال الآخر: نعم، وأما الذي ذهب ليشتري الطعام فإنه أضمر لصاحبيه السوء وقال: أجعل لهما في الطعام سماً، فإذا أكلاه ماتا و آخذ المال النفسي، فوضع السم في الطعام وجاء، فقاما إليه فقتلاه وأكلا الطعام فماتا، فمر بهم عیسی عليه السلام وهم مصروعون حولها فقال: هكذا الدنيا تفعل بأهلها. (1)


1) الدر المنثور للسيوطي، ج 2: 34، رواه بلفظ آخر

ومن كلام له علیه السلام :

يتعرض فيه لأرض فدك ويذكر فيه مجاهدة نفسه عله السلام

(بَلَى كَاَنَت فِي أَيدِينَا فَدَكَ مِن كُلِّ مَا أظَلَّهُ السَّماءُ فَشَحَّت عَلَيهَا نُفُوسُ قَومٍ وَسَخَت عَنهَا نُفُوسُ قَوم آخَرينَ ونَعمَ الحَكَمُ اللُه وَمَا أصنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيرِ فَدَك والنَفسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنقَطعُ فِي ظُلمَته آثارُهَا وَتَغِيبُ أخبَارُها وتَغیبُ اَخبَارُها و حُفرَةٌ لَو زِيدَ فِي فَسحَتهَا وَأوسَعَت یَداَ حَافِرهَا لَأضغَطَهَا الحَجَرُ وَالمَدَرُ وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرابُ المُتَراكِمُ وَإنَّما هِيَ نَفسِي أَرُوضُهَا بِالتَقوَى لَتأتِي آمَنَةً يَومَ الخَوفِ الاكبَرِ وَتَثبُتَ عَلى جَوانِبِ المَزلَقِ) .(1)

الشرح:

قوله صلوات الله عليه: بلي كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء

فدك تاريخياً :

فدك قرية في الحجاز، وبينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وهي أرض يهودية في مطلع تاريخها الإسلامي، وكان يسكنها طائفة من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة، حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها، فصالحوا رسول الله صلی الله علیه وآله على النصف من فدك، وروي أنه صالحهم عليها كلها.

وابتدأ بذلك تاريخها الإسلامي، فكانت ملكاً لرسول الله صلی الله علیه وآله لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما ملك صلی الله علیه وآله فدك أنزل الله تعالى عليه (وَآتِ ذاَ


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 208

القٌربي حَقَّهُ)،(1)فقال صلی الله علیه وآله : ادعوا لي فاطمة، فدعيت له، فقال: يا فاطمة هذه فدك وهي مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، فخذيها لك ولذريتك، فملكتها فاطمة، فكانت في يدها مدة حياة رسول الله صلی الله علیه وآله تتصرف فيها، إلى أن توفي أبوها رسول الله صلی الله علیه وآله، فانتزعها الخليفة الأول منها على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة وغيره من المؤرخين،(2)وأصبحت من مصادر المالية العامة وموارد ثروة الدولة يوم ذاك، إلى أن تولى الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن الحكم، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشيء، ولكن الشيء الثابت هو أن أمير المؤمنين علياً صلوات الله عليه انتزعها من مروان _ على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان بن عفان - کسائر ما نهبه بنو أمية في أيام خليفتهم.

ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر الاستخفاف بالحق المهضوم، فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، و یزید ابنه ثلثها الآخر، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها المروان بن الحكم أيام ملكه، ثم صفت لعمر بن عبد العزيز بن مروان، فلما تولى هذا الأمر رد فدكأً على ولد فاطمة عليه السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم بأمره بذلك، فكتب إليه: إن فاطمة سلام الله عليها قد ولدت في آل عثمان و آل فلان وفلان، فعلى من أرد منهم؟ فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة علیه السلام من علي صلوات الله عليه.(3)

فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: هجنت فعل الشيخين، وقيل أنه خرج إليه عمرو بن قيس في جماعة من أهل


1) الإسراء: 26

2) الصواعق المحرقة: 38

3) بحار الأنوار 29: 212؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 278

الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال لهم: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت إن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: فاطمة بضعة مني، يسخطها ما يسخطني، ويرضيني ما يرضاها، وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا وأخوتي عنه، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، فمن بائع وواهب حتی اجتمعت لي، فرأيت أن أردها على ولد فاطمة. فقالوا له: فإن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل واقسم الغلة، ففعل .(1)

ثم انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة، فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم.

فلما قام أبو العباس السفاح بالأمر وتقلد الخلافة ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن، وردها المهدي بن المنصور على الفاطميين، ثم قبضها موسی بن المهدي من أيديهم.

ولم تزل في أيدي العباسيين حتی تولى المأمون الخلافة، فردها على الفاطميين سنة (210)، ولما بويع المتوكل على الله انتزعها من الفاطميين وأقطعها عبد الله بن عمر البازیار، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلی الله علیه وآله بيده الكريمة، فوجه عبد الله بن عمر البازیار رجلاً يقال له بشران بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرم تلك النخيل، ثم عاد ففلج.

وينتهي آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافة المتوکل ومنحه إياها عبد الله بن عمر البازیار. هذه إلمامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم على خط ولا يجمع على قاعدة، وإنما حاكت أكثره الأهواء وصاغته


1) نفس المصدر

الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتية، وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة وظروف متباعدة، بحيث تؤول فدك إلى أهلها وأصحابها الأولين.

ويلاحظ أن مشكلة فدك كانت قد حازت أهمية كبرى بنظر المجتمع الإسلامي وأسياده، ولذا ترى حلها يختلف باختلاف سياسة الدولة، ويرتبط باتجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة، فهو إذا استقام اتجاهه واعتدل رأيه رد فدكأً على الفاطميين، وإذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك في أول القائمة من أعمال ذلك الخليفة. ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنوية في النظر الإسلامي قصيدة دعبل الخزاعي التي أنشأها حينما رد المأمون فدكاً:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا *** برد مأمون هاشما فدکا (1)

القيمة الاقتصادية لفدك:

ويظهر من هذا الاهتمام بأمر فدك أنها لم تكن أرضاً صغيرة أو مزرعة متواضعة كما يظن البعض؛ بل الأمر الذي يطمئن إليه أنها كانت تدر على صاحبها أموالاً طائلة تشكل ثروة مهمة، وليس على بعد هذا أن أحدد الحاصل السندي منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جداً.

ويدل على مقدار القيمة المادية لفدك أمور:

الأول: أن عمر منع أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة وثورات العصاة.

ومن الجلي أن أرضاً يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة وتقوية مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لابد أنها ذات نتاج عظيم.


1) السقيفة وفدك للجوهري: 107؛ شرح نهج البلاغة 16: 217

الثاني: قول الخليفة لفاطمة سلام الله عليها في محاورة له معها حول فدك: إن هذا المال لم يكن للنبي صلی الله علیه وآله ، وإنما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فإن تحميل الرجال لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش.

الثالث: ما سبق من تقسيم معاوية فدكاً أثلاثاً، وإعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثاً، فإن هذا يدل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنها بلا شك ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على أمراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال الطائلة.

الرابع: التعبير عنها بقرية - كما في معجم البلدان (1)- وتقدير بعض نخيلها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري - كما في شرح النهج لابن أبي الحديد.(2)

هذه ناحية موجزة من نواحي فدك تعطيك صورة مصغرة عنها وعن ضخامة ثرائها.

ومن ناحية أخرى ما كان من أمر فاطمة سلام الله عليها لما انتزع أبو بكر منها فدكاً وبلغها ذلك لاثت خمارها وتجلببت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ في ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلی الله علیه و آله حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار، فضرب بينها وبينهم ربطة بيضاء، فجلست ئم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، فأمهلتهم طويلاً حتى سكنت فورتهم.

خطبة فاطمة علیها السلام :

لما منعت فاطمة الزهراء على أبيها وعليها أفضل الصلاة والسلام فدكاً بعد وفاة


1) معجم البلدان للحموي 4: 238

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 236

النبي صلی الله علیه وآله خطبت خطبة طويلة عظيمة جليلة غاية في الفصاحة والبلاغة والمتانة بمحضر من المهاجرين والأنصار تتضمن أبلغ الحجج على القوم وأقواها وأمتنها.

وقد رواها الفريقان بأسانيدهم ورواياتهم ببعض التفاوت. وفي کتاب کشف الغمة أنها من محاسن الخطب وبدائعها، عليها مسحة من نور النبوة، وفيها عبقة من أرج الرسالة وقد أوردها المؤالف والمخالف.

قال: ونقلها من كتاب السقيفة _ لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها، روی عن رجاله من عدة طرق، قرئت عليه في ربيع الآخر سنة 322 هجرية. (1)

وذكرها عمر رضا کحاله فی کتابه أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام في المجلد الثالث المطبوع بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة 1359 هجرية. وقد تكفل بسرد أحوالها سلام الله عليها على أحسن ما يكون، وذكر خطبها الثلاثة على أتم ما یرام، واحتجاجها على أبي بكر وعمر وغضبها عليهما.

وذكرها الخوارزمي في كتابه بلاغات النساء المطبوع بالمطبعة الحيدرية في النجف الأشرف. وذكر فصلاً منها الشيخ أحمد مفتاح في كتابه «مفتاح الأفكار في النثر المختار»المطبوع في مصر بمطبعة جريدة الإسلام سنة 1314 هجرية ص147، وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي فصلاً طويلاً منها في كتابه «شرح نهج البلاغه المطبوع بمصر في الجلد الرابع ط الأولی، بسند متسلسل.

ونحن ننقلها عن كتاب «الاحتجاج»للطبرسي

قال: روى عبد الله بن الحسن باسناده عن آبائه علیه السلام، أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدكاً وبلغها ذلك لاتت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها


1) کشف الغمة 2: 108

مشية رسول الله صلی الله علیه وآله، فدخلت عليه وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، فارج المجلس، ثم أمهلتهم هنيهة، حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتھم افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله أبيها صلی الله علیه وآله فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت:

نص الخطبة المتضمنة الاحتجاج على القوم والتظلم منهم بمحضر من المهاجرين والأنصار:

الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، و تمام نعم والاها، جم عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد الخلائق بإجزالها، وثی بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمةً جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلآ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبداً البريته، وإعزازاً لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذیادة (1)لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته.

وأشهد أن أبي محمدأ صلی الله علیه وآله عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مکنونة، وبسر الأهاويل مصونة، وبغاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالی بمآل


1) الذيادة: الطرد والمنع

الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور، ابتعثه الله تعالی إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكفاً على نيرانها، عابداً لأوثانها، منكرة له مع عرفانها، فأنار الله تعالى بأبي محمد صلی الله علیه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، و جلی عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم، ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، محمد صلی الله علیه وآله عن تعب هذا الدار في راحة، قد ف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار صلی الله علیه وآله ، على أبي نبيه وأمينه على وحيه وصفيه وخيرته من الخلق ورضيه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه وحمله دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأمم، وزعيم حق له فيكم، وعهد قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، کتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع والضياء اللامع، بينة بصائره، منکشفة سرائره، متجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤد إلى النجاة استماعه، به نال حجج الله المنورة وعزائمة المفسرة ومحارمة المحذرة وبيناته الجالية وبراهينه الكافية وفضائله المندوبة ورخصة الموهوبة وشرائعه المكتوبة.

فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للاخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزاً للإسلام وذلاً لأهل الكفر والنفاق، والصبر معونة علی استیجاب الأجر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر مصلحة للعامة، و بر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر، والقصاص

حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضأً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازین تغییراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجابياً للعقة، وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، ألا فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنما يخشى الله من عباده العلماء.

ثم قالت سلام الله عليها: أيها الناس، اعلموا أني فاطمة وأبي محمد، أقول عوداً وبدءاً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً،( لَقَد جَاءَكُم رَسوُلٌ من أنفُسَكُم عَزيزٌ عَليهِ مَا عَنتم حَريصٌ عَليكُم بالمُؤمِنينَ رَؤفٌ رَحيمً )(1)فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارياً ثبجهم، آخذاً بكظمهم، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجد الأصنام وینکث الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشیظ النفاق، وانحلت عقدة الكفر والشقاق، وفهتهم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطى الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القت، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمد صلی الله علیه وآله بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذوبان العرب ومردة أهل الكتاب (كُلَّمَا أوقَدوُا ناراً لِلحَزبِ أطفَأَهَا اللهُ)،(2)أو نجم قرن للشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لبها بسيفه، محدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله، مشمراً ناصحاً مجد کادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش


1) التوبة: 128

2) المائدة: 64

وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال، فلما اختار الله لنبيه صلی الله علیه وآله دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسیكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين يخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجد كم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قریب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، بداراً زعمتم خوف الفتنة (اَلا فِي الفِتنَةَ سَقَطُوا و جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ) ،(1)فهيهات منكم وكيف بكم وأنى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة،وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تدبر ون؟أم بغيره تحكمون؟(بِئسً لِلظَّالِمينَ بَدلاً) (2)(وَمَن یَبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَن يُقبَل مِنهُ وهُو فِي الآخِرَة ِمِن الخاسِرينَ) (3)ثم لم تلبثوا إلا ريثما تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي وإطفاء نور الدين الجلي وإهماد شنن النبي الصفي، تشربون حسوأً في ارتغاء، وتمشون الأهله وولده في الخمرة والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشا، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي، (أَفَحُكمَ الجَاهِليَةِ يَبغُونَ وَمَن أحسَنَ مِنَ اللهِ حُكماً لِقَومٍ یوقنُونَ).(4)

إيهاً معاشر المسلمة أأبتر إرث أبي؟! الله يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فرياً، أفعلی عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه


1) التوبة: 49

2) الكهف: 50

3) آل عمران: 85

4) المائدة: 50

وراء ظهور کم إذ يقول جل وعلا:(وَوَرَثَ سُلیمانُ داؤدَ) (1)وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا (فَهَب لِي مِن لَدُنكَ وَلیاً ويَرِثُ مِن آل يَعقُوبَ) (2)وقال تعالى: (یُوَصيكُم ُاللهُ فِي أَولادِكُم لِلذَّكرِ مِثلُ حَظِ الأنثيَينِ)(3)وزعمتم أن لا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون أهل مكتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون (لِكُلِ نَباٍ مُستَقَرَةٌ) (4)(و سَوفَ تَعلَمُونَ مَن يَأتِيَه عَذابٌ يُخزِيهِ ويَحُّل عَليهِ عَذابٌ مُقيمٌ) .(5)

ثم رنت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معشر البقية وأعضاد الملة وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله صلی الله علیه وآله أبي يقول: المرء يحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمد فخطب جليل استوسع وهنه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض الغيبته، واکتابت خيرة الله لمصيبته، و كسفت الشمس والقمر وانتشرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك - والله - النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً وتلاوة وإلحاناً، ولقبله ما حلت بأنبياء الله ورسله، حکم فصل وقضاء حتم، (وَما مُحمَّدٌ إلَّا رسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِه الرُّسُلُ أَفَإنَ مَاتَ


1) النمل: 16

2) مريم: 5 و6

3) النساء: 11

4) الأنعام: 67

5) الزمر: 39 و 40

أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلى أعقابِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرُّ اللهَ شيئاً وسَيَجزِيَ اللهُ الشَّاكرينَ)(1)إيهاً بني قيلة، اأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوةو تشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة والأداة والقوة، و عندكم السلاح والجئة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، و تأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي اختيرت، والخيرة التي اختبرت لنا أهل البيت، ناوأتم العرب، وبادهتم الأمور، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، و كافحتم البهم، فلا نبرح و تبرحون، نأمر كم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودر حلب الأيام، وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت عدوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأتی حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان، بؤساً لقوم (نَكَثُوا أَيمَانَهُم وهَمُّوا بِإخراجِ الرَّسولِ وهُم بَدَؤُکُم أَوَّلَ مَرَّةٍ اَتَخشَونَهُم فَاللهُ أحَقُّ أَن تَخشَوهُ إِن كُنتُم مُؤمنينَ). (2)

ألا قد أری أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، ور کنتمإلى الدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ولفظتم الذي سوغتم، (إِن تَكفُرُوا أنتُم وَمَن فِي الأرضِ جَميعاً فَإنَّ اللهَ لَغَنيٌ حَميدةٌ). (3)

ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامر تكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس وبئة الصدر ونفثة الغيظ وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون (وَسَيَعلَمُ


1) آل عمران: 144

2) التوبة: 13

3) إبراهيم: 8

الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَ مُنقَلَبٍ ينَقَلبُونَ) (1)وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شدید (اعمَلُوا عَلى مَكانَتِكُم اِنَّا عامِلُونَ) (انتَظَرُوا انَّا مُنتَظِرونَ).

ثم انكفأت وأمير المؤمنین صلوات الله عليه يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمنين: يا ابن أبي طالب اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي محافة يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني، لقد أجهد في خصامي، وألفيته الألد في کلامي، حتى حبستني قبلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولامانع، ولا ناصر ولا شافع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت جدك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً، ليتني مت قبل منيتي ودون ذلتي، عذیري الله منك عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد قوة وحولاً وأشد بأساً وتنكيلاً.

فقال لها أمير المؤمنین صلوات الله عليه: لا ويل لك بل الويل لشانئك، فنهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون و كفيلك مأمون، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله. فقالت: حسبي الله و أمسكت.(2)

ولم تزل سلام الله عليها عليلة مريضة صاحبة فراش منهدة الركن يغشي عليها ساعة بعد ساعة، حتى إذا دنت منها الوفاة وجهت خلف أمير المؤمنین صلوات الله عليه من يحضره، فجاء أمير المؤمنين فأخذ رأس الزهراء ووضعه في حجره، وألقى الرداء من على عاتقه وحل أزراره، ثم ناداها: يا فاطمة كلميني، فلم تكلمه فناداها: یا ابنة خير من وطئ الحصى كلميني، فلم تكلمه فقال: فاطمة كلميني أنا ابن عمك علي،


1) الشعراء: 227

2) الاحتجاج للطبرسی 1: 131 - 146؛ بحار الأنوار 29: 220 - 230

عند ذلك أفاقت وقالت: يا ابن العم قرب الأجل، فقال: يا فاطمة تجديه؟ قالت: أجد الموت الذي لابد منه، وفي قلبي وصایا، قال: أوصي بها تجديني وفياً إن شاء الله، فقالت: يا ابن العم أولا سألتك بالله هل رأيتني خائنة أم خالفتك منذ عاشرتك؟ قال:

حاشا لله يا بنت رسول الله، أنت أبر وأتقى، فقالت له: يا ابن العم الأولى من وصاياي أني رأيت الملائكة صوت لي نعشاً، قال: صفيه، فوصفته له. قال: أصنعه إن شاء الله، فقالت: والثانية يا ابن العم إن الرجل لا يستقيم بلا زوجة، فإذا أردت الترويج فعليك ببنت أختي أمامة، فإنها تكون لولدي الحسنين مثلي، واجعل لها يوماً وليلة ولولدي يوماً وليلة، ولا تصح في وجهيهما فإنهما يصبحان يتيمين، بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقداني. والثالثة يا ابن العم إذا أنا قضيت نحبي غسلني وكفني ولا تدع أحدأً من هؤلاء الذين ظلموني يشهد جنازتي، وادفني ليلاً إذا هدأت الأصوات ونامت العيون. ثم قضت نحبها صابرة مظلومة، فألقى أمير المؤمنين الرداء على وجهها ودموعه تجري، عند ذلك صرخ الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة وصار کيوم مات فيه رسول الله صلی الله علیه وآله: فأقبل الناس يهرعون أفواجاً أفواجاً، واجتمعوا على باب أمير المؤمنين حتى صاروا كعرف الفرس، فخرج إليهم أبو ذر وقال: أيها الناس انصرفوا إن الزهراء قد أخر إخراجها، ولما تناصف الليل قام أمير المؤمنين وأخذ في تجهيزها، فكان هو يغسلها، والحسن يصب الماء، والحسين يناوله الماء، وأسماء بيدها الضياء.

قالت أسماء: بينما أمير المؤمنين يغسل فاطمة إذ صاح بي: أسماء علي بالضياء، فأتيته به، فأخذ الضياء من يدي وجعل يتأمل وينظر في أضلاع الزهراء، ثم رمي الضياء من يده وجلس على الأرض يبكي، فأقبلت عليه، قلت له: سيدي فيم بكاؤك الآن حزناً على فاطمة؟ قال: لا يا أسماء وإن عز علي فراقها، لكن لما وضعتها على المغتسل رأيت ضلعها مكسوراً ومتنها قد اسود من ألم السياط، وكانت تخفي على ذلك مخافة أن يشتد بي وجدي. (1)


1) انظر خبر وفاتها علیها السلام في البحار 43: 174

في وصيته الكبرى لولده الحسن علیه السلام :

في نفي الشريك وافتقار العبد إلى الله

(اعلَم يَا بُنَيَ أَنَّه لَو كَانَ لِرَبّكَ شَريكٌ لَاَتَتكَ رُسلُهُ ولَرَأيتَ آثارَ مُلكه وسُلطَانِهِ ولَعَرَفتَ أَفعَالَهُ وَصفَاتِه ولَکَنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ کَمَا وَصَف نَفسَهُ لا يُضادُّهُ فِي مُلكِه أَحَدٌ ولا یَزُولُ أَبداً وَلَم يَزَل أوَلٌ قَبلَ الأشيَاءَ بِلاً اَوَّلیة وَآخرٌ بَعدَ الأشيَاءِ بِلا نَهَايَةٍ عَظُمَ عَن أَن تَثبَتَ رُبويتَّهُ بإحَاطَة قَلبٍ أو بَصَرٍ فَإذا عَرَفتَ ذَلكَ فَافَعل كَما يَنبغَي لِمثلَكَ أَن یَفعَلَهُ فِي صغَرِ خَطرِه وَقِلَّة مَقدِرَتَه وَكَثرَةِ عَجزِهِ وَعَظيمِ حاجَتِه إلى رَبِّه فِي طَلَب طاعَتِه والخَشيَة مِن عُقوبَته والشَّفَقةَ مِن سُخطَه فإنَه لَم يأمُركَ الا بِحَسنٍ وَلَم يَنهَكَ إلا عَن قَبيحٍ ).(1)

الشرح: التوحيد ونفي الشريك

لأهل العلم في التدليل على توحيد الله تعالى شأنه مسالك وطرق، بعضها واضح وبعضها خفي، وما خفي منها فإنما هو لابتنائه على أمور ومسائل قد تكون دقيقة في نفسها، وقد تكون دقيقة باعتبارأن الأفهام لم تمارسها ولم تألف الدنو إليها والاقتراب منها ولا الحوم حولها.

نرى الله تعالى في كتابه يقيم الدليل على توحيده بأنه لو كان غيره الفسدت السماوات والأرض. ونرى أمير المؤمنين علي صلوات الله علياً يستدل على توحيد الله بأنه لو كان غيره لأتتنا رسله، و لرأينا آثار ملکه وسلطانه.


1) نهج البلاغة 3: 37، رقم 31

و نجد أرسطاطالیس (من فلاسفة اليونان) يستدل على توحيد الله ووحدته بوحدة العالم الموجود منه.

ونجد صاحب الأسفار (من فلاسفة المسلمين) يستدل على وحدته تعالی بوجوب وجوده و امکان وجود غيره.

وآخر يقول بأن واجب الوجود واحد، ويجب في الإله أن يكون واحداً، لاستحالة أن يكون الإله غير واجب الوجود.

والشاعر يقول:

وفي كل شيء له آية*** تدل على أنه واحد

إلى غير ذلك من المسالك والمناهج التي ترى أن بعضها أضوء وأنور من بعض، والله تعالى لا يريد أن يفرض القول بوحدانيته فرضاً بلا دلیل وبلا برهان، بل يريد أن يكون الإيمان بوحدانيته والتصديق بألوهيته دون غيره بالدليل الواضح والبرهان الجلي بصورة لا تزعزعها الشبه ولا تزلزلها التشكيكات.

وإن مسألة التوحيد مسألة شغلت بال العالم قديماً وحديثاً، ولا تزال محل النقض والابرام بين الموحدين من المسلمين وبين غيرهم؛ بل بین المسلمين أنفسهم، فإن كثيراً من الفرق الإسلامية كالمجسمة والمشبهة والغالية نبوا وابتعدوا عن القول بالتوحيد؛ بل ربما انغمس في دنس الشرك من يرى نفسه موحدة من حيث لا يعلم.

ففي الحديث ولو أن أحدا قال لشيء فعله الله أو فعله رسوله صلی الله علیه وآله ألا فعل خلاف ذلك؟ أو وجد ذلك في نفسه غد مشركاً، ثم تلى قوله: (فَلاَ وَرَبِّك لا يُؤمِنونَ حَتىَ يُحكمُوكَ فِيمَا شَجَر بَيَنهُم ثُمَّ لا يَجَدوا فِي أنفُسَهم حَرَجاً مِما قَضَيتَ ویُسَلَموا تَسليماً )(1)

ولعل إلى هؤلاء يشير الله سبحانه بقوله: (ویَومَ نَحشُرُهم جَميعاً ثُمَّ نَقُولُ


1) النساء: 65

الَّذينَ أشرَكُوا أينَ شُرَكاؤُکُمُ الَّذينَ کُنتُم تَزعُمُونَ ثُمَّ لم تَكُن فتنَتُهُم إلَّا أَن قالُوا واللهِ ربّنا ما کُنَّا مُشرِكينَ انظُر كَيفَ كَذبُوا عَلى أنفُسِهم وَضلَّ عَنهُم ما كانُوا يَفترُونَ). (1)

فهؤلاء لا يجوز أن يكونوا ممن دخل في الشرك صريحاً، بل من دخل فيه من حيث لا يعلم، وانغمس في حماته من حيث لا يشعر، أتي من قبل إهماله و تفريطه في أمر دينه، ولذلك لم يكن معذوراً.

ومن هنا يتبين لك أن الشرك ذو شعب متعددة وأطراف مترامية، وأن غير المتحفظ لا يأمن من الولوج فيه والدخول في بعض شعبه وأطرافه.

ونحن إذ نتقدم للتكلم فيه إنما نتقدم لنبري النفوس منه ونطهرها من رجسه، ونحيد بها عن الانغماس في حماته، وعن الدنو والاقتراب من مدارجه وموالجه، والله هو المسئول للإعانة على توضيح ذلك وإفهامه.

قد تفتن المفسرون في التعبير عن المشار إليه بقوله تعالى: (لَو كانَ فِيهِما الهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسدَتا) . (2)

قال البيضاوي في معنى (الفسدتا): أي السماوات والأرض لبطلتا، لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع. (3)

وقال الزمخشري في كشافه عند ذكر الآية: لو كان يتولاهما (أي السماوات والأرض، ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطر هما لفسدتا. وفيه دلالة على أمرين: أحدهما وجوب أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده لقوله: (إلا الله).

فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أن الرغبة تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف، وقد جاء عن عبد


1) الأنعام: 22 و 23

2) الأنبياء: 22

3) تفسير البيضاوي 4: 88

الملك بن مروان حین قتل عمر بن سعيد الأشدق، قال: کان - والله - أعز علي من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول.

وقال صاحب مجمع البيان عند ذكر الآية: (لَوكانَ فِيهِما الهَةٌ إلَّا اللهُ لَفَسَدتَا): معناه لو كان في السماء والأرض آلهة سوى الله لفسدتا وما استقامتا، وفسد من فيهما ولم ينتظم أمرهم، وهذا هو دليل التمانع الذي بني عليه المتكلمون مسألة التوحيد. قال: وتقرير ذلك أنه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخص الصفات، والاشتراك فيه يوجب التمائل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيين، ومن حق كل قادرين أن يصح کون أحدهما مريداً لضد ما يريده الآخر من إماتة وإحياء أو تحريك و تسکين أو إفقار وإغناء ونحو ذلك، فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو أما أن يحصل مرادهما وذلك محال، وأما أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين، وأما أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر، فينتقض کون من لم يقع مراده قادراً، فإذاً لا يجوز أن يكون الإله إلا واحداً.(1)

تنبه إلى أن المفسرين لا يريدون الاستدلال على التوحيد بالآية، إنما يريدون الاستدلال بالبرهان العقلي الذي أشارت إليه الآية، وإن كثيراً من الآيات تنبه إلى البراهين العقلية و تشير إليها ليؤخذ بها و يعتمد عليها.

وكان الله سبحانه يريد أن يدعم الحق ويثبته ويجعله محکماً قاراً باقامة الأدلة والبراهين عليه من ناحيتي العقل والنقل، يريد أن يستعمل الإنسان عقله ویستر شده - و هو رسوله الباطني - كما يسترشد الأنبياء والرسل، ويجتمع به كما يجتمع بهم في مهمات مسائله ومعاضل أحكامه. لا يريد الله أن يفرض على الإنسان فيما يرجع إلى أصول دينه وحقائق عقيدته الأمر فرضاً، ويجبره على العلم والاعتقاد إجباراً، علماً منه


1) مجمع البيان للطبرسي 7: 80

سبحانه أن الاعتقاد من الأفعال القلبية، والقلب لا تجبر على شيء من فعله. يريد الله بالإنسان أن يمشي على بينة ويسير على ضوء، ولا يحكم إلا بدليل وبرهان، وذلك شأن الدين الحق وهو الهادي إليه.

إن محل الشاهد وموضع القصد من هذا الكلام الجملة الأولى من كلام أمير المؤمنین صلوات الله عليه وإنما أتينا بهذه الفقرة لما فيها من الارتباط بهذا القصد من توجيه القلب وأخذه بالموعظة ليحرص على الاستفادة منه، وهو كلام واضح في الدلالة على توحيد الله تعالى. أجل لو كان الله سبحانه شريك لوجب في ذلك الشريك أن يكون عالماً حكيماً، إذ لا يجوز في الإله المستحق للعبودية أن يكون جاهلاً سفيهاً، فإن الجاهل السفيه يستحق الطرد والأبعاد والاهانة والتحقير، إذاً لا بد أن يكون عالماً حكيماً، والعلم والحكمة تقتضي أن يبعث للناس رسولاً يدعوهم إليه ويدلهم عليه، وإلا لانتفى عنه العلم وبطلت الحكمة، ولو بعث رسلاً لأتتنا ودلتنا وأرشدتنا.

وحيث أنه لم يأتنا عن غير الله رسول فلا رسول، وإذ لا رسول لغير الله فلا مرسيل غير الله، ولا إله سوى الله.

وهذا معنى قوله صلوات الله عليه: لو كان لربك شريك لأتتنا سلهه فإن إتيان الرسل لازم، وانتفاء اللازم يستدعي انتفاء الملزوم. ومثله قوله صلوات الله عليه: ولرأيت آثار ملکه وسلطانه ، فإنه لو كان الله شريك لكان عالماً حكيماً قادراً، ولو كان كذلك لكان له ملك وسلطان، ولو كان له ملك وسلطان لرأينا آثار ملکه وسلطانه، ولما انتفت هذه اللوازم كلها انتفی ملزومها، وإلا لوجب الملزوم بلا لازمه، وهو محال.

وكذلك قوله صلوات الله عليه: ولعرفت أفعاله وصفاته، فإنه لو كان لله شريك لكان له أفعال وصفات، قضاء لحق العلم والحكمة والقدرة، ولو كانت

لعرفناها لوجوب ظهورها، ولكن لا نعرف خالقاً غير الله ولا مدبراً لهذا الكون سوى الله، وانتفاء المعرفة عن غير أفعال الله يدل على انتفاء غير الله.

قوله صلوات الله عليه: ولكنه إله واحد كما وصف نفسه .

لقد استفاضت الآيات القرآنية بالنص على التوحيد، ويكاد أن يكون القسم الأوفر من بين الآيات، ويكفيك منها أمره تعالى نبيه نبي الرحمة أن يقول:(قُل هُو اللهُ أحَدٌ) و (هُوَ اللهُ الواحِدُ القَهَارُ).

قوله صلوات الله عليه: لا يضاده في ملكه أحد.

إمكان المضادة في الملك فرع الكفاءة والمقدرة بين الإلهين المتصور تقارنهما، وإذ قامت عندنا البراهين القاطعة على نفي الشريك، فليس هناك من يضاده أو ينازعه في الملك.

حقوق الله وأداء الواجب:

قوله صلوات الله عليه: اعظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصره لأن المثبت بالقلب يستدعي أن يكون محاطاً به، والإدراك بالبصر يستلزم كون المرئي جسماً، ومقام الرب سبحانه فوق كلهذه التصورات.

قوله صلوات الله عليه: فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظیم حاجته إلى ربه، في طلب طاعته، والخشية من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنه لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح.

أخذ صلوات الله عليه يعدد وجوه حاجة ولده المحبوب إلى المولى سبحانه، وما يجب أن يكون مثله من الحال من الطاعة والتحلي بالصفات الفاضلة، ومكارم الأخلاق، ومن أهمها معرفة أداء الواجب نحو خالقه ونحو المخلوق.

فإن أداء الواجب بالغ الخطورة عظيم الشأن، يتطلب من العزيمة أن تكون على

أتمها، إذ في أداء الواجب مجاهدة للنفس الأمارة بالسوء أي مجاهدة، ومغالبة لها أي مغالبة، فمن لم يرزق جلد العزيمة ومضاءها فلن يستطيع مع أداء الواجب صبراً.

وأداء الواجب على وجه الدقة كلمة تحمل بين جنبيها جمعأً من الفضائل، فهي في الحقيقة أم الفضيلة الولود. أليس من الواجب أن تعرف حقوقك فتطلبها من مظانها، وتعرف حقوق غيرك عليك فتؤديها على وجهها، وماذا بعد ذلك من الفضائل لا يتصل بنسب إلى حق لك أو حق عليك.

إن الأمم لتترقى شؤونها الاجتماعية ومدنيتها الخلقية بمقدار رقي هذه الفضيلة: فضيلة أداء الواجب في نفوس أناسها، فإنه إن طويت الضلوع على هذه الفضيلة فقد ضعف الخلاف بين الفرد والفرد، و متی تم ذلك فقد قویت الأواصر بين الطبقة وأختها، ومتى التقت طبقات الأمة فلا عادي ولا معدو عليه، فهي واصلة إلى غايتها التي لا غاية وراءها في مدنية الخلق والاجتماع، وما حاجة الأمة حينئذ إلى التقاضي والتشاكي؟ وذلك هو المثل الأعلى الذي يتوخاه الإمام علي صلوات الله عليه لحياة الأمم .

ما هي الواجبات

من أجل ذلك وجب أن نبين للناس ما هو واجب لهم وما هو واجب عليهم، رضوا أم غضبوا، کرهوا أم أحبوا (لِيَهلكَ مَن هَلَكَ عَن بَينَةٍ ویَحیی مَن حَيَّ عَن بَينَةِ). (1)

1- معرفة الله تعالى

معرفة يصح بها الاعتقاد، فيكون على بصيرة من ربه، ويعرف معنى كلمة التوحيد التي جاء بها الأنبياء من لدن آدم إلى خاتمهم محمد صلی الله علیه وآله، بالتبشير بها وإيقاظ العقل البشري للايمان بقوتها و آثارها في الكون، وأن كل ما عداها زيغ وبهتان مبين.


1) الأنفال: 42

2_ أوامر الدين ونواهيه:

إن لكل دين من الأديان تكاليف وواجبات تكفل حفظ مظهره وتبسط سلطانه في الناس، وإن أوامر الدين الإسلامي من صلاة وصيام وحج وزکاة وما إلى ذلك ما هي إلا أعلام خفاقة تهوي إليها النفوس، وتنتظم القلوب فتلبسها ثوب الدين، وتعصمها من الشرور، فتكون جنود الله في الأرض تعبده وتأخذ نفسها بمرضاته.

وإذا كان كل من ينتسب إلى عظيم أو زعيم يحمل شارته ويفاخر الناس بنبالته، فما أجدر المسلم أن يكون سمات الإسلام أظهر شيء لديه، ثم هي طهارة للنفوس وتهيئة لها للكمال.

فالصلاة تغسل أدران الشيطان من نفس الإنسان، وتعوده الخير والتواضع، وتحول بينه وبين المحظورات، وكذلك بقية التكاليف تذكر الإنسان بعظمة ربه،وترسم أمام ناظريه الحلال والحرام، فيعرف ما يأخذ وما يدع. وليس هناك دين من غیر عمل، فالمسلمون القائمون باسم الإسلام دون العمل بأوامره منعوا أنفسهم موارد السعادة، ومكتوالغريزة النفس الجامحة أن تتغلب على عقولهم، إذ لا تجد من جنود الدين الروحية حاجزاً، وحرمت قائداً حكيماً يهديها سواء السبيل.

3- مجاهدة النفس،

ويا لله من مجاهدة النفوس، ولن يقدر على ذلك إلا أولو العزم وذوو النفوس المسلمة حقاً، من أجل ذلك عدها النبي صلی الله علیه وآله أكبر عند الله من خدمة الإسلام بحد السيف، فقال بعد أن عاد من إحدى غزواته: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر(1)، ومغالبة النفس إنما تصدر عن قوة الإرادة والإخلاص لله.

4- العناية الدينية:

من الحتم على المسلم أن يحوط دینه بعنايته، ويرد هجمات العدو عنه، وهذه جيوش المبشرين من أوربيين وأمريكان تغزو


1) البحار للمجلسي 67: 71 ح 21، نقلاً عن جامع الأخبار: 118

دين الإسلام باسم الانسانية والعلم ومعالجة المرضى، فيتخذون سذاجة الطفل سبيلاً إلى محو دينه وإدخال العقائد المسيحية عليه بصنوف الحيل وألوان الإغراء، ويستضعفون المرضى المساكين الذين استسلموا بسبب قسوة المرض، فلا يعالجونهم إلا أن يسقوهم مع الدواء التثليث.

5- الأخوة الإسلامية

وحمية الدين لمناصرة المسلمين وإن بعدت دیارهم وتباينت أوطانهم، (إنَّمَاالمُؤمنُونَ إِخوةٌ) (1)والرسول الكريم كأنه كان ينظر بنور الله إلى تاريخ المسلمين في مستقبلهم إلى أن تقوم الساعة، فخاف عليهم أن يكون بأسهم بينهم شديداً، وأن تكون قلوبهم شتى، وكان يوجس خيفة كلما ج الحديث مع أصحابه إلى الرابطة الإسلامية، فيوصيهم بالأخوة من حين لآخر فيقول: المسلم أخو المسلم،(2)ويقول: المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.(3)


1) الحجرات: 10

2) سنن الترمذي 3: 218ح 1992، سنن ابن ماجة 1: 685 ح 22119

3) الكافي للكليني 1: 402/ح 1 و 2

ومن وصيته علیه السلام للحسن والحسين عليهاالسلام : لما ضربه ابن ملجم لعنه الله

وفيها يوصي بالتقوى ونظم الأمر والاهتمام بفروع الدين

(أُوصيكُما بتَقوَى اللَّه والّا تَبغیَا الدُّنیا وان بَغَتكمَا ولا تأسَفا عَلى شَيء مِنها زُويَ عَنكُما وقُولا بالحَقِ وأعمَلَا للاَجرِ وکونا للظّالِمَ خَصماً ولِلمظلُومِ أُوصِيكُمَا وجَمیِعَ وَلَدی وأهلي وَمَن بَلَغِهُ كِتابِي بِتَقوَى الله وَنَظمِ أَمرِكُم وَصَلاحِ ذاتِ بَينَكُم فَإنِّي سَمِعتُ جَدَّكُمَا صلی الله علیه وآله یَقُولُ صَلاحُ ذاتِ البَينِ أفضَلُ مِن عامَةِإلصَّلاة والصِّيامِ الله الله فِي الأيتَامَ فلَا تُغُّبوا أفوَاهَهُم ولا یَضیعُوا بحَضرَتَکم والله الله فِي جَيرانَكُم فإنهُم وَصَّيةُ نَبيّكُم مَا زالَ يُوصِيَ بِهم حَتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَیُورِثُهُم والله الله فی القُرانِ لإسَبقُكُم بالعَمَل به غَيرُكُم والله الله في الصَّلاةِ فإنَّها عَمُودُ دينكُم واللَه اللهَ في بَيت ربّكُم لا تُخَلُّو مَا بَقيتُم فإنَّه إَن تُرِكَ لم تَناظَرُوا والله الله في الجِهادِ بِأموَالَكُم وأنفُسَكُم وألسنَتكُم في َسَبيلِ اللهِ وعَليكُم بالتَّواصُل والتبَاذُل وإيَّاكُم والتَّدابرَ والتَقاطُعَ لا تَترُكُوا المرَ بالمَعرُف وانَّهی عَنِ المُنكَر فَيُولى عَليكُم شَرارَكُم ُثُمَّ تَدعُونَ فلا ُيستَجابُ لَكُم.

ثُمَّ قالَ یا بَنی عَبد المُطَلِب لا الفیَنَّکُم تخوُضونَ دماءَ المسلِمینَ خَوضاً تَقولونَ قُتِلَ امیرُ المومنینَ الا لا تقتُلُنَّ بی الا قاتِلی انظُرُوا اذا انَّا متُ من ضَرَبتَه هذه فاضرُبوهُ ضَربَةٍ بضَربَةٍ تُمثَلوا بالرَّجُل فَإني سَمِعتُ رَسول الله صلی الله علیه وآله یَقولُ إيَّاكُم والمُثلة ولَو بالكَلَب العَقُورَ).

(شرح ابن أبي الحديد مج 4، ص 111، ط 1)

الشرح:

هذه وصية عامة لأهل بيته وغيرهم من المسلمين، نظمها في اثنتي عشرة مادة وقدم عليها وصية خاصة لولديه الحسن والحسين عليهماالسلام في ست مواد تالية:

1- ملازمة التقوى 2- ترك طلب الدنيا وإن أقبلت 3- ترك التأسف على فوت أمور الدنيا مهما كانت 4- ملازمة القول بالحق 5- العمل للثواب وإدراك أجر الآخرة 6 - الخصومة مع الظالم وعون المظلوم للدفاع عنه.

وأما وصاياه العامة:

التقوی:

1- ملازمة التقوى: وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه، ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر آيات القرآن الأخلاقية والاجتماعية، والمراد بها أن يتقي الإنسان ما يغضب ربه وما فيه ضرر لنفسه أو ضرار لغيره. فالتقوى في أصل معناها جعل النفس في وقاية، ولا تجعل النفس في وقاية إلا بالنسبة لما يخاف، فخوف الله أصلها، والخوف يستدعي العلم بالمخوف، ومن هنا كان الذي يعلم بالله هو الذي يخشاه، و كان الذي يخشاه هو الذي يتقيه.

فالمتقون هم الذي يقون أنفسهم عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهو لا يأمر إلا بما فيه خير للإنسانية، ولا ينهى إلا عما يضرها.

عني القرآن بالتقوى عناية كبرى، وأكثر من الأمر وتوجيه النفوس إليها، وكانت له في ذلك أساليب مختلفة.

أمربتقوى الله: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إلا وانتُم مُسلمونَ).(1)وذلك يكون بالتوجيه إلى الله وحده في العبادة، واجتناب ما يأباه من الشرك ودعوى النبوة له والخروج عن شرائعه وأحكامه العادلة.

ووصف القرآن التقوى بأنها صيانة النفس عن كل ما يضر ويؤذي،


1) آل عمران: 102

سواء كان متصلاً بها أم بجميع الخلق، والابتعاد عن كل ما يحول بين الإنسان والغابات النبيلة التي بها كماله في جسمه وروحه، ولهذا وصف الله المتقین بأنهم من تحلوا بالفضائل الانسانية الحقة، قال الله تعالى: (لَيسَ البِرَّ أَن تُولوا وُجُوهَكُم قَبل المَشرق والمَغرب وَلكنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بالله واليَومِ الآخِر والملائكة والكتابِ والنَبيّینَ واتي المالَ عَلى حُبَّه ذَوِي القُربي واليَتامى والمَساكينَ وأبنَ السَبيلَ والسَّائلينَ وفِي الرقاب وأقام الصَّلاة وآتَى الزَّكاة والمُوفونَ بعَهدهم إذا عاهَدوا والصَّابرينَ في البأَساءَ والضَّراء وحينَ البَأسِ أولئكَ الَّذين صَدقُوا وأولئكَ هُمُ المُتَّقون). (1)فالمتصفون بهذه الصفات السامية هم الذين وصفهم الله بصفة التقوى. ولا تقتصر التقوى في القرآن على هذه الصفات، بل يضاف إليها الصفات التالية:

فالعدل من التقوى، قال الله تعالى:( اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ للِتَقوىِ).(2)

والعفو من التقوى أيضاً، قال الله تعلی: (وَأن تَعفوُا أَقرَبُ للتَقوَی) .(3)

والاستقامة مع الأعداء هي من التقوى (فَمَا استَقامُوا لَكم فاستَقيمُوا لَهُم إنَّ اللهَ یُحِبُّ المُتَّقینَ).(4)

ثمرات التقوی:

ذكر القرآن أن التقوى تجعل الإنسان في أمن من الخوف والحزن يوم القيامة،والنصر والتوفيق في هذه الحياة (اَلا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خَوفٌ عَليهِم وَلا هُم يَحزَنونَ الَّذينَ آمَنوا وكانُوا یَتَقونَ لهُمُ البُشري فِي الحيَاة الدُّنيا وفِي الآخرةِ).(5)


1) البقرة: 177

2) المائدة:8

3) البقرة: 237

4) التوبة: 7

5) يونس: 62 - 64

ومن ثمراتها الشواب العظيم والتعليم في الآخرة (للَّذينَ أتَقُوا عِندَ رَبهم جَناتٌ تَجري مِن تَحتَها الأنهارُ) .(1)

ومن ثمراتها أيضاً نیل رحمة الله، قال الله تعالى: (ورَحمَتي وسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسأكتُبُها للَّذين يَتقونَ ویُؤتونَ الزَّكاةَ وَالَّذينَ هُم بِایاتنا یؤمنونَ ).(2)

ويذكرها القرآن في معرض تفريج الأزمات وحل المشكلات (ومَن یَتَق الله يَجعَل لَه مَخرجاً ويَرزُقُهُ مِن حَيثُ لا يَحتسبُ).(3)ويقول سبحانه: (وَ مَن یَتَّقِ اللهَ يَجعَل لَه مِن امرهِ یُسراً).(4)

وفي معرض النصر والتأييد (انَّ الأُرضَ للهُ يُورثُها مَن يَشاء من عبادِه والعاقَبة للمُتقينَ). (5)

وفي معرض تنوير البصيرة (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إن تَتَّقوا الله يَجعَل لَكُم فُرقاناً).(6)فالفرقان مايفرق به بين شيئين ملتبسين أو أشياء مشتبهة، فثمرة التقوى هي نور البصيرة الذي يفرق بين الحق والباطل، واختيار طريقة النجاة.

هذه هي التقوى وصفات المتقين وثمرتها في الأفراد والجماعات، لهذا ليس بمستغرب أن يوليها القرآن عناية فائقة ويدعو إليها كما جاء في هذه الآية البليغة والتي تدل على عمق الروحية الإسلامية، (وَتَزَوَدُوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى ).(7)

ولو أن العالم عرف التقوى وقام بواجبها لا نطفأت ثورة الشر، وساد السلام في ربوعه.


1) آل عمران: 15

2) الأعراف: 156

3) الطلاق: 2 و3

4) الطلاق:4

5) الأعراف: 128

6) الأنفال: 29

7) البقرة: 197

2- من وصاياه العامة صلوات الله عليه:

التزام النظم في كل الأمور، فإن عدم رعاية النظم يوجب عدم الوصول إلى المآرب والحوائج.

إصلاح ذات البين:

3- إصلاح ذات البين، وترك الخصومة والنزاع والنفاق.

فالاصلاح بين الناس صفة من أرفع الخصال في النفس الإنسانية التي لا تصدر إلا من قلوب نبيلة أحبت الغير وسعت إلى الدفاع عنه. وهل مثل الإصلاح بين الناس يؤتي من خير ونفع للمجتمع، والذي يجعل الناس وحدة تسعى لبعضها البعض، لهذا أمر الله به بعد أن وصف الرباط بين المؤمنين وهو الأخوة الدينية بقوله:(إنَّما المُؤمنونَ إخوَةٌ فَأصلَحُوا بَينَ أخَويكُم).(1)

ودعا إلى الإصلاح بين طوائف المؤمنين (وإنَّ طائفتانِ مِن المُؤمنينَ اقتَتَلوا فَأصلَحُوا بَينها).(2)ودعا إلى الإصلاح بين الزوجين (وَإن خَفتُم شِقاقَ بَينِهِما فَابعثُوا حَكَماً مِن أهلهِ وَ حَكماً مِن أهلِها إن یُريدا إصلاحاً یُوفَقِ الله بَينَهُما).(3)

وبين الله ثواب الاصلاح بين الناس بهذه الآية البليغة(لا خَيرَ في كثيرٍ مِن نَجوهُم إلا مَن أمَرَ بِصَدقَة أَو مَعروفٍ أو إِصلاحٍ بَينَ النَّاسِ ومَن يَفعَلِ ذلكَ ابتغاءَ مَرضاتِ الله فَسَوفَ نُؤتيه أَجراً عَظيماً) (4)

والمعنى: أن كثيراً من التناجي بين الناس لا خير فيه لما يحصل به كثير من الاثم، مما يغتاب به الغير والطعن فيه، أو مما يحاك به من المؤامرات ضد أفراد معينين


1) الحجرات: 10

2) الحجرات: 9

3) النساء: 35

4) النساء: 114

يسبقونهم في السلطة والنفوذ بقصد الاستعلاء عليهم، ثم حدد القرآن السبيل الذي يجب أن يسلكه الناس في تناجيهم، وهو تأمين حاجات الطبقة الفقيرة والأمر بالخير والاحسان والاصلاح بين الناس، ومن يفعل هذه الأعمال لوجه الله وطلب مرضاته فإن الله سيؤتيه الثواب العظيم والأجر الجزيل.

هذا النص القرآني يحمل أروع معاني السمو الخلقي الذي تفتقر إليه الجماعة للحصول على الاستقرار الذي تنشده.

وإن الإنسانية اليوم لم تكثر فيها البلبلة والتنازع إلا بإغفالها العمل بهذه التعاليم السامية.

وبالتالي قال رسول الله صلی الله علیه وآله: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، (1)ووجه الأفضلية هنا واضح، فإن أهم المطالب للشارع صلی الله علیه وآله جمع الخلق على سلوك سبيل الله وانتظامهم في سلك دينه، ولن يتم ذلك مع تنازعهم وتنافر طباعهم وثوران الفتنة بينهم، فكان صلاح ذات البين مما لا يتم أهم مطالب الشارع إلا به، وهذا المعنی غیر موجود في الصلاة والصيام الإمكان المطلوب المذكور بدونهما، فتحققت أفضليته من هذه الجهة.

رعاية الأيتام :

4- في حفظ مالهم وتربيتهم في قوله صلوات الله عليه: الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم.

قال ابن أبي الحديد: والظاهر أنه لا يعني بالأيتام الذين لهم مال تحت أيدي أوصيائهم، لأن الأوصياء أولئك محرم عليهم أن يصيبوا من أموال اليتامى إلا القدر النزر جدا عند الضرورة، ثم يقضونه مع التمكن، ومن هذه حاله لا يحسن أن يقال له لا تغبوا أفواه أيتامكم، وإنما الأظهر أنه يعني الذين مات آباؤهم وهم فقراء، يتعين


1) نهج البلاغة 2: 76، الرقم 47، أمالي الطوسي: 522/ ح1153

مواساتهم ويقبح القعود عنهم كما قال تعالى:(ویُطعِمونَ الطَعامَ عَلى حُبه مِسكيناً ویَتيماً وأسيراً)(1)واليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم؛ لأن الآباء من البهائم لا عناية لهم بالأولاد بل العناية للأم لأنها الرحيمة المشفقة، وأما الناس فإن الأب هو الكافل القيم بنفقة الولد، فإذا مات وصل الضرر إليه لفقد كافله، والأم بمعزل عن ذلك، (2)وما ينسب لأمير المؤمنین صلوات الله عليه:

ما إن تأوهت من شيء رزئت به*** كما تأوهت للأيتام في الصغر

قد مات والدهم من كان يكفلهم*** في النائبات وفي الأسفار والحضر(3)

ولا يسمى الصبي يتيماً إلا إذا كان دون البلوغ، فإذا بلغ زال اسم اليتيم عنه، واليتامى أحد الأصناف الذين عينوا في الخمس بنص الكتاب العزيز.

لرعاية الجيران:

5- رعاية الجيران في قوله صلوات الله عليه: والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهما.

فإن الجار بمنزلة الملتجأ المأمون بالنسبة إلى جاره، ومن حقه كف السوء عنه والاحسان إليه والاعانة بالنسبة إليه.

وحق الجوار قريب من حق الرحم، إذ الجوار يقتضي حقاً وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزیادة، فمن قصر في حقه عداوة أو بخلا فهو آثم، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ومنهم من له حقان: حق الإسلام وحق الجوار، ومنهم من له حق واحد: الكافر


1) الإنسان: 8

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 7

3) مناقب ابن شهر آشوب 2: 159

له حق الجوار(1)فانظر كيف أثبت للكافر حق الجوار. وقال صلی الله علیه وآله: لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه (2)وقيل له: فلانة تصوم الناهر وتقوم الليل و تتصدق وتؤذي جارها بلسانها، فقال صلی الله علیه وآله : لا خير فيها، هي من أهل النار.(3)

وعن علي صلوات الله عليه أن رسول الله صلی الله علیه وآله كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم(4)وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه، وقال الإمام الصادق علیه السلام: حسن الجوار زيادة في الأعمار وعمارة في الديار،(5)وقال: ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره(6)وقال علیه السلام : على قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع(7)وقال: إن يعقوب عليه السلام لما ذهب عنه بنیامین نادی: یا رب أما ترحمني، أذهبت عيني وأذهبت ابني؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: لو أمتهما لأحيتهما لك حتي أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها وشويتها وأكلت، وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئاً.(8)وفي رواية أخرى: فكان بعد ذلك يعقوب ينادي مناديه كل غداة ومساء من منزله على فرسخ: ألا من أراد الغداء أو العشاء فليأت إلى يعقوب (9)وفي بعض الأخبار: أن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة ويقول: سل یا رب هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني؟ (10)


1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 389

2) الكافي للكليني 2: 668/ ح 1

3) مشكاة الأنوار للطبرسي: 375

4) الكافي للكليني 2: 666/ ح 2

5) المصدر السابق: ح7

6) المصدر السابق: ح 11

7) المصدر السابق: ح 14

8) المصدر السابق: ح 4

9) المصدر السابق: ح 5

10) کنز العمال 9: 57/ ح 24930، الدر المنثور للسيوطي 5: 248

وقال صلی الله علیه وآله: جار السوء في دار المقامة قاصمة الظهر، وعنه صلی الله علیه وآله: من جهد البلاء جار سوء معك في دار مقامة، إن رأي حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها، (1)ومن أدعيتهم: اللهم إني أعوذ بك من مال يكون علي فتنة، ومن ولد يكون علي کلاً، ومن حليلة تقرب الشيب، ومن جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيراً دفنه، وإن سمع شراً طار به.(2)

حدود الجوار وحقه:

معرفة الجوار موكولة إلى العرف، فأي دار يطلق عليها الجار عرفاً يلزم مراعاة حقوق أهلها، والمستفاد من بعض الأخبار أن كل أربعين داراً من كل واحد من الجوانب الأربعة جيران، ثم لا ينحصر حق الجار في مجرد كف الأذى، إذ ذلك يستحقه كل أحد، بل لا بد من الرفق وإهداء الخير والمعروف و تشریکه فيما يملکه ويحتاج له من المطاعم، وينبغي أن يبدأه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهتته في الفرح، ويصفح عن زلاته، ويستر ما اطلع عليه من عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ويغض بصره عن حرمه ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، إلى غير ذلك مما نديت إليه الشريعة الغراء .

الاهتمام بالقرآن:

6- وصيته بملازمة القرآن تعلیماً وتعلماً، وملازمة العمل به وبأحكامه، كما في قوله صلوات الله عليه:

والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، وقد حذر من المسامحة في ذلك إلى حيث يسبق غير المسلمين بأحكام العامة من الصدق والتعاون والجد في العمل، حتى تقدموا على المسلمين في كثير من الأمور.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8:17

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8:17

الاهتمام بالصلاة :

7_ الوصية بملازمة الصلاة في قوله صلوات الله عليه: والله الله في الصلاة فإنها عمود دینکم.

ذلك أن الصلاة عمود الدين وملاك تربية المسلمين وجمعهم و تألیف قلوبهم ووحدتهم، وأنها بتمام شروطها سبب لحصول أنوار في القلب، تكون الأنوار مفاتيح للعلوم الباطنة، وإنما يفيض منها على كل مصل على قدر صفائه من کدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقلة والكثرة والقوة والضعف والجلاء والخفاء، ويختلف أيضاً بما ينكشف من العلوم، فينكشف لبعضهم من صفات الله وجلاله، ولبعضهم من عجائب أفعاله، ولبعضهم دقائق علوم المعاملة، ولبعضهم غير ذلك، وأولى بالظهور والأفاضة لكل شخص ما يهمه ويكون في طلبه، وإلى ما ذكرنا من ترتب الافاضات العلوية على الصلاة الخالصة لوجه الله المؤداة بالشروط المذكورة أشار النبي صلی الله علیه وآله بقوله: «إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبين عبده، وواجهه بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء، يصلون بصلاته، ويؤمنون على دعائه، وإن المصلي لينشر عليه البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، وينادیه منادٍ: لو علم المصلي من يناجي ما التفت، وإن أبواب السماء تفتح للمصلين، وإن الله يباهي ملائكته بصدق المصلي .(1)

فإن رفع الحجاب وفتح أبواب السماء كناية عن إفاضة العلوم الباطنة عليه.

وورد في التوراة:

يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصلياً باكياً، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك، وبالغيب رأيت نوري. (2)


1) جامع السعادات للنراقي 3: 287

2) المصدر السابق

وورد أن العبد إذا صلى ركعتين عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة، كل صف منهم عشرة آلاف، وباهي الله به مائة ألف.(1)

وذلك لأن العبد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود والذكر باللسان وغير ذلك، وليس لملك من الملائكة هذا النوع من العبادة الجامعة بين الكل، بل هذهالأفعال موزعة عليهم، فبعضهم قائمون لا يركعون إلى يوم القيامة، وبعضهم ساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون، فإن ما أعطي الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم، مستمر على حالة واحدة لا تزيد ولا تنقص، وليس لهم مرتبة الترقي من درجة إلى أخرى،وباب المزيد مسدود عليهم، ولذلك قالوا:(وَمَا مِنَّا إلَّا لَه مَقامٌ مَعلومٌ) (2)بخلاف الإنسان فإن له الترقي في الدرجات والتقلب في أطوار الكمالات، ومفتاح مزید الدرجات هي الصلاة، قال الله سبحانه: (قَد أفلَحَ المُؤمنونَ الَّذين هُم في صَلاتِهِم خاشِعونَ) (3)فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع،ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضاً فقال في آخرها: (والَّذينَ هُم عَلىَ صَلاتِهِم یحافِظونَ) (4)ثم قال في ثمرة تلك الصفات: (أولئكَ هُمُ الوَارِثونَ الَّذينَ يَرثُونَ الِفردُوسَ هُم فيِها خالِدونَ )(5)فوصفهم بالفلاح أولاً، وبوراثة الفردوس آخراً، فالمصلون هم ورثة الفردوس، وورثة الفردوس هم المشاهدون لنور الله بقربه ودنوه بالقلب، و كل عاقل يعلم أن مجرد حركة اللسان والجوارح مع غفلة القلب لا تنتهي درجته إلى هذا الحد.


1) المصدر السابق.

2) الصافات: 164

3) المؤمنون: 1 و 2

4) المؤمنون: 9-11

5) المؤمنون: 9-11

شعيرة الحج:

8_ الوصية بملازمة إقامة شعائر الحج في قوله صلوات الله عليه: والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظرواه .

ذلك ليجتمع جميع المسلمين في هذا المعبد الإسلامي العام، فيتعارفون ويتعاونون ويشد بعضهم أزر بعض، فإن الحج عمود الاجتماع الإسلامي، فلو ترك تنثلم الوحدة الإسلامية ولا يناظر المسلمون.

الحج في الشرع الإسلامي قصد البيت الحرام بمكة للعبادة، والحج من الشئون الدينية التي كانت تعرف من لدن أقدم العصور عند جميع الأمم.

وكان العرب قبل الإسلام - كسائر الأمم - يحجون إلى البيت الحرام الذي بناه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل علیهما السلام في مكة.

فلما جاء الإسلام أقر الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة الأجساد مشبكين بين أصابعهم يصفرون ويصفقون، وقد سجل الله عليهم هذه الحالة، فقال مستهزئاً بهم:(وَما كَانَ صَلاتُهُم عِندَ البَيتِ إلا مُكاءً وتَصدِيَةً) (1)كما أنه لما قوى الإسلام أمر الرسول صلی الله علیه وآله أن لا يدخل البيت الحرام عريان.

قصة بناء الكعبة:

الكعبة هي الموطن الأساسي لأداء فريضة الحج، لذا يجدر بنا أن نلم بقصة بنائها:

إن بناء الكعبة يرجع إلى عصر إبراهيم الخليل علیه السلام، فقد فشت عبادة الأصنام في ذلك الزمن وهجر الناس عبادة الله، فهاجر إبراهيم من بلاد الشام موطن آبائه وأجداده ومعه زوجه هاجر وولده إسماعيل، واتجه جنوباً حتی حط رحله في بادية الحجاز بعيداً عن الناس، ليكون أسرة تعبد الله وحده.


1) الأنفال: 35

وعندما شب إسماعيل وبلغ أشده أمر الله تعالی إبراهيم أن يقيم مصلی لتجتمع حوله الناس لعبادة الله ولذكره وشكره على ما أنعم عليهم، وقد ذكر الله ذلك الحادث بقوله:(وَ إذ يَرفَعُ إبراهِيمَ القَواعِد مِن الَبيتُ وإسماعِيلُ ربَّنا تَقَبَّل منَّا إنَّك أنتَ السَّميعُ العَليمُ). (1)

فلما أتم إبراهيم البناء مع ابنه إسماعيل أمرهما الله أن يحافظا عليه وبعدا عنه كل رجس، سواء كان مادياً - کالأقذار - أم معنوياً كالاشراك بالله، قال الله تعالى:(وَعَهِدنا إلى إبراهِيمَ وإسماعِيلَ أَن طَهِرا بَيتیَلِلطائفيينَ والعاكِفينَ والرَّكعَ السُّجودِ) (2)فالكعبة هي أول بيت وضع للناس لعبادة الله وحده، كما يقول الله تعالى:(إنَّ أَوَّل بَيتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذي ببَكَة مباركاً وهُدىً لِلعالَمينَ فِيه آياتٌ بَیناتٌ مَقام إبراهيمَ وَمَن دَخَله كانَ آمِنا) .(3)

مات إبراهيم وتبعه إسماعيل عليها السلام، وطال الزمن فأدخل الناس في أمور الحج أشياء منكرة من الشرك وعبادة الأصنام، لهذا بعث الله محمداً صلی الله علیه السلام للقضاء على الشرك، وللرجوع إلى توحيد الله كما دعا إليه إبراهيم عليه السلام، قال الله تعالى مخاطباً أمة محمداً صلی الله علیه وآله:(هُوَ اجتَباكُم ومَا جَعَل عَليكُم في الدّينِ مِن حَرجٍ مِلَةَ أبيكُم إبراهيمَ هوسَماکُم المُسلمينَ مِن قَبلُ) (4)فالإسلام يعتبر الحج وسيلة لا غاية لتحقيق الفوائد الروحية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية، وتنطق بذلك هذه الآية (وَأذِن فِي الَّناسِ بالحَجِ يَأتوكَ رجالاً وَعَلى كُل ضامِرٍ يَأتينَ مِن كُل فَجٍ عَميقٍ ليشهَدوا مَنافعَ لَهم وذیَكُروا اسمَ الله في أيَّامٍ مَعلوماتٍ عَلى ما رَزقَهُم مِن بهيمَةِ الأنعامِ فَكلوا مِنها وأطعِموا البائِسَ الفَقيرَ).(5)


1) البقرة: 127

2) البقرة: 127

3) آل عمران: 96 و 97

4) الحج: 78

5) الحج: 27 و 28

تأمل قوله تعالى:(لِيشهَدوا مَنافِعَ لَهُم)وقد فسر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، والدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد، فإذا كان الدين يمه الروح بالإيمان الصحيح والآداب، فإن أمور الدنيا تمده بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء. فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق بنا المجال، فإن لم يكن فيه إلا تعارف الشعوب الإسلامية وإلمام بعضها بحاجات بعض لكفاها ذلك للوصول إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم، ولكن ويا للأسف لا تزال الأمم الإسلامية تجهل أو تهمل هذه النواحي العظيمة الجديرة بالالتفات والاهتمام.

فالحج مؤتمر عام لتوحيد غابات المسلمين وتوجيههم إلى مصادر الحياة الصحيحة، بما يقتبسه بعض شعوبهم من ثقافات البعض الآخر، مما يكونون قد هدوا إليه دون غيرهم، سواء كان ذلك في عالم العلم أو العمل.

شهادة الدكتور فيليب حتى في الحج في كتابه تاريخ العرب عند كلامه عن الحج عند المسلمين:

ولا يزال الحج على مر العصور نظاماً لا يباري في تشديد غری التفاهم الإسلامي، والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، وبفضله يتستی لكل مسلم أن يكون رحالة مرة في حياته على الأقل، وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعاً أخوياً، ويوحد شعوره مع شعور سواه من القادمين من أطراف الأرض، وبفضل هذا النظام يتيسر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب وغيرهم، أغنياء كانوا أو فقراء، عظماء أو صعاليك،أن يتآلفوا لغة وإيماناً وعقيدة، وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية خاصة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلا الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنین، ولا شك أن الاجتماع في مراسم الحج أدى خدمة كبرى في هذا السبيل.

أسرار الحج:

ولنختم الكلام بما ورد عن مولانا الصادق علیه السلام في أسرار الحج ودقائقه تبركاً بكلامه وتشريفاً للختام :

روي في مصباح الشريعة(1)عنه علیه السلام وعلى آبائه وأولاده الطاهرين أنه قال: إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من شغل كل شاغل وحجاب كل حاجب، و فوض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما تظهر من حركاتك وسکناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، ودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإن من ادعى رضا الله واعتمد على من سواه صيره عليه وبالاً وعدواً ليعلم أنه ليس له قوة وحيلة ولا حد إلا بعصمة الله وتوفيقه، فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحية، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيه ، صلی الله علیه وآله وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات، ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع، وأحرم من كل شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولبة بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهرول هرولة من هواك، وتبر من حولك وقوتك، واخرج من غفلتك وزلاتك بخروجك إلى منى، ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه، واعترف بالخطايا بعرفات، وجدد عهدك عند الله تعالی بوحدانيته، وتقرب إليه واتقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمی


1) مصباح الشريعة: 142، باب 21

الجمرات، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلائته من متابعة مرادك بدخولك الحرم، ودر حول البيت متحققأ لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه، واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزته، وودع ما سواه بطواف الوداع، وصفة روحك وسرك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا والمروة، وكن بمرأى من الله، نقياً أوصافك عند المروة، واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبته له إلى يوم القيامة، واعلم بأن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالاضافة إلى نفسه بقوله تعالى: (وَلله عَلىَ النَّاسِ حجُ البَيتِ مَنِ استطَاعَ إليهِ سَبيلاً) ولا شرع نبيه ستته في خلال المناسك علی ترتیب ما شرعه إلا للاستعداد والاشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة وفضل بیان السبق من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النهى «انتهى كلامه علیه السلام. (1)

9- الوصية بالجهاد بالمال والنفس واللسان بقوله صلوات الله عليه:

والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله.

الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض، وهذا التكليف يقتضي من المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان ويزيلوا أسبابه، لا ليملكوا الأرض ويستولوا على المرافق ويستذلوا الأنفس؛ بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض، وهذا ما يطلق عليه في الإسلام (الجهاد في سبيل الله) و(القتال في سبيل الله).

وسبيل الله هو سبيل الحق، فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه فهو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق فهو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه فهو من بل الله سبحانه و تعالی.


1) مصباح الشريعة: 47 - 50؛ بحار الأنوار 96: 124 و 125

والقرآن يدعو في كثير من الآيات للقتال في سبيل الله خالصاً من أي غرض دنيوي. أنظر إلى هذه الآيات التي نزلت على الرسول وهو في المدينة المنورة والتي تبين أهداف القتال:

(فَليُقاتِل فِي سبَيل الله الَّذين َيَشرونَ الحياةَ الدُّنيا بالأخرةِ وَمَن يُقاتل في سَبيلِ الله فِیُقتَل أو یَغلِب فَسَوفَ نؤتيهِ أَجراً عَظيماً ومَا لَكم لا تُقاتِلون في سبيل الله والضعفين منَ الرِّجال والنساءَ وَالولدانِ الَّذين یَقولونَ ربنَّا أخرجنا مِن هَذه القَريةِ الظالِمِ أهلُها وَاجعَل لَنا من لَدُنك ولياً واجعَل لَنا مِن لَدنكَ نَصيراً).(1)

ففي هاتين الآيتين لفت لطيف إلى أن الحرب في الإسلام ليست للتحكم في الرقاب ولإذلال العباد، بل هي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين من المؤمنين الساكنين في مكة الذين استذلهم أهل مكة الكفار، و آذوهم أشد الإيذاء ليمنعوهم من الهجرة، وليفتنوهم عن دينهم، هؤلاء المستضعفون الذين فقدوا النصير واستغاثوا بالله، فعليكم أيها المؤمنون أن تنصروهم وترفعوا عنهم الظلم.

ثم قال تعالى بعد ذلك عقب الآيتين اللتين ذكرناهما:(الَّذينَ آمَنوا يُقاتلونَ فِي سَبيل الله والَّذين كفَروا یُقاتلون في سَبيل الطَّاغوتِ فقاتِلوا أولياءَ الشَّيطانِ إنَّ كيَد الشَّيطانِ كان ضَعيفاً)(2)والطغيان حسب ما نصت عليه معاجم اللغة هو مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغ، يقال: طغى السيل: ارتفع حتى جاوز الحد في الكثرة، وكذلك إذا تجاوز الإنسان الحد وعلا في الأرض يفسد فيها ويستعبد الناس ويسلبهم حقوقهم ويحرمهم ثمرات الأرض وخيراتها، فذلك هو القتال في سبيل الطاغوت الذي ندد به الله وجعله شعار الكفار.

أما القتال في سبيل الله فهو الذي غايته أن يرفرف القانون الإلهي العادل على


1) النساء: 74 و 75

2) النساء: 76

العالمين، دون أن يكون هناك غاية شخصية أو علو في الأرض كما أمر به تعالی (تلكَ الدَّارُ الآخِرةٌ نَجعَلها اللَّذين لا يُريدُونَ عُلواً في الأرض وَلا فَساداً والعاقِبةُ للمتقينِ) .(1)

وقد ورد في الحديث أنه قال أعرابي للنبي صلی الله علیه وآله : الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال صلی الله علیه وآله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.(2)

فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبداً لتحقيق كلمة الله في الأرض، أي التحقيق النظام الصالح الذي يسعد البشرية، والأمة الإسلامية منتدبة لرفع الظلم عن الأفراد والجماعات في أقطار الأرض كافة، بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم وأديانهم، قال الله تعالى مخاطباً أمة محمد صلی الله علیه وآله :(وَكَذلكَ جَعلناكُم اُمةً وَسطاً لِتكُونوا شُهداءَ عَلى النَّاسِ ویَكونَ الرَّسولُ عَليكُم شَهيداً) .(3)

أي لتكونوا شهداء على الناس في تقصيرهم وغلوهم، فتقوموا بإصلاح عوجهم.

وليس في هذا الأمر إظهار فضل أمة على أمة أخرى أو جرح كبرياء أمة من الأمم،لأن الله الذي وضع هذا الانتداب لم يجعله ميزة لشعب من الشعوب ولا وقفاً على جنس من الأجناس، ولكنه جعله للجماعة التي ندین بأصوله مهما كان لون هذه الجماعة أو جنسيتها، ولهذا كانت دعوة الإسلام في سبيل الاصلاح عامة لكافة الجنس البشري لا تختص بأمة دون أمة، ولا بطائفة دون طائفة، ونصوص القرآن واضحة في أن الإسلام دين عام للناس كافة، قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمداً:(قُل يا أيُّها النَّاسُ إنّي رسولُ الله إليكم جَميعاً الَّذي لَه مُلك السَّماواتِ والأرضِ لا إله إلا هویُحيي ويُميتُ فامنوا بالله ورسوله


1) القصص: 83

2) الجامع الصغير للسيوطي 2: 627/ الرقم 8891

3) البقرة: 143

الَّنبي الأُمي الَّذي يؤمِن باللهِ وكَلماته واتَّبعُوهُ لَعلَكُم تَهتدونَ .(1)وقال سبحانه: وما أرسَلناكَ إلا كَافةً للنَّاسَ بشیراً ونَذيراً وَلَكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلمونَ).(2)

الاستعداد للحرب:

ومن مزايا الشريعة الإسلامية أنها شريعة عملية تواجه الحقائق البشرية بالحل العملي، فما دامت الموعظة الحسنة لا ترد الظلم والاعتداء، وما دام أعداء الإسلام لا يرضون حسن الجوار والعهد القائم على الانصاف وحرية العقيدة، فإن الحرب واقعة بين الناس؛ ولهذا أمر الإسلام بالاستعداد لها، وأخذ الأهبة للحرب، قال الله تعالى:(وَأعِدوا لهم مَا استَطَعتُم مِن قُوَةِ وَمِن رباطِ الخَيلِ تُرهبونَ به عَدّو الله وعَدوُكم وآخرينَ مِن دونَهم لا تَعلمُونَهم الله یَعلَمُهُم ومَا تنفقوا مِن شَيء فِي سَبيل الله يُوَفَّ إليكُم وأنتم لا تُظلمونَ ). (3)

أمر الله المسلمين في هذه الآية بأن يستعدوا لأعدائهم بكل ما يستطيعون من قوة، وهو أمر لا يختص بزمان ولا بفريق من الناس، ولفظ القوة عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للحرب من الحصون وأسلحة البر والبحر والهواء على اختلاف أنواعها وأشكالها بحسب الأزمنة والأمكنة المختلفة، ومصانع الذخيرة وكل ما يفيد في صلاحية الأمة للحرب، كإنشاء معاهد لتعليم فنون الحرب، وغير ذلك مما يجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب.

ومعنى قوله تعالى: (وَمِن رباطِ الخَيلِ ) يعني حبسها واقتناءها، وقد أمر الله بإعداد رباط الخيل لأن الخيل كانت مركب الحرب في زمن الرسول، فإذا تغير الزمان وصار مركب الحرب سفناً حربية وطائرات وسيارات مصفحة، وجب على المسلمين أن


1) الأعراف: 158

2) سبأ: 28

3) الأنفال: 60

يعدوا ذلك، لأن الأمر بإعداد رباط الخيل ليس لذات الخيل، بل لأنها مركب الحرب، فإذا صار مرکب الحرب شيئاً غيرها أقوى منها انتقل الأمر إليه.

والقصد من إعداد هذه القوى إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على بلاد الأمة الإسلامية ومصالحها، ولأجل أن تكون آمنة في عقر دارها، وهذا ما يسمى في غرف هذا العصر بالسلم المسلح، وقد أوجبه الإسلام قبل أن يعرفه أهل أوروبا بزمن طويل، وهذا معنى قوله تعالى: (تُرهِبونَ بِه عَدوَّ الله و عَدُوُّكُم).

وصايا عامة أثناء الحرب:

وعند اندلاع الحرب تتجلى لنا ناحية رائعة في تعاليم الإسلام التي يفرضها على أتباعه، والتي هي عماد النصر للشعوب الآخذة به، قال الله تعالى:(یا أيها الَّذينَ آمَنوا إِذا لَقيتُم فَاثبتَوا وَاذكُروا الله كَثيراً لَعَلكم تُفلحونَّ وأطيعُوا الله ورسُوله ولا تنَازَعوا فَتَفشَلوا وتَذهَبَ ريحُكُم واصبِروا إن الله مَع الصَّابرينَ). (1)

اشتملت هاتان الآيتان على خمس وصايا، وهي:

أولاً: الثبات عند لقاء العدو وعدم الفرار من المعركة؛

والنظام الحربي المعاصر يقضي بقتل الجندي الفار من القتال حال فراره، وذلك خشية أن تنتقل عدوی فراره إلى غيره، فتحدث البلبلة والجزع في صفوف المقاتلين، فيكون داعياً لهم على الهزيمة.

ثانياً: ذكر الله في حالة الحرب؛

فذكر الله في حالة الحرب له تأثير فعال في النصر، لأن الإيمان يمد المحارب بقوة معنوية هائلة تسند القوة المادية فتدعمها ويكون لها الحكم الفصل في المعركة

ثالثاً: الطاعة؛

طاعة الله أولا، وذلك ما أمرهم به من الوصايا التي تنهض


1) الأنفال: 45 و46

بحالهم، وعدم معصيته. وإطاعة الرسول فيما يأمر به من شؤون القتال، فقد كان الرسول هو قائدهم في أغلب المعارك التي خاضوها ضد الكفار.

رابعاً: عدم التنازع،

فالنزاع في حال القتال مدعاة للفشل وتغلب الأعداء عليهم.

خامساً: الصبر على ما يكرهون من شدة،

وما يلاقون من بأس العدو وكثرة عدده،فإن الله مع الصابرين بالمعرفة والتأييد، والصبر في الحرب من أعظم الوسائل لنيل النصر.

10 _ التواصل وحفظ الرابطة مع الإخوان المسلمين في شتى البلاد الإسلامية، وبذل العون بالمال والحال بعضهم مع بعض في قوله صلوات الله عليه: وعليكم بالتواصل والتباذل.

التواصل والتزاور من ثمرات النصيحة والمحبة، وثوابه أكثر من أن يحصى، فعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «حدثني جبرئيل علیه السلام أن الله عزوجل أهبط إلى الأرض ملكاً، فأقبل ذلك الملك يمشي حتى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار، فقال له الملك: ما حاجتك إلى ربة هذه الدار؟ قال: أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى، فقال له الملك: ما جاء بك إلا ذاك؟ فقال: ما جاء بي إلا ذاك، قال: فإني رسول الله إليك، وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنة. وقال الملك: إن الله عزوجل يقول: يقول: أيما مسلماً زار مسلمة فليس إياه زار؛ بل إياي زار، و ثوابه علي الجنة.(1)

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: القاء الاخوان مغنم جسيم وإن قلوا.(2)

وقال أبو جعفر الباقر علیه السلام: إن الله لك جنة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق، ورجل زار أخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أخاه المؤمن في الله.(3)


1) الكافي 2: 176/ ح3

2) الكافي 2: 179/ ح16

3) الكافي 2: 178/ ح 11

وقال علیه السلام: أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقه كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة؛ (1)والأخبار الواردة بهذا المضامين كثيرة.

11 - ترك التدابر والهجر والقطيعة، فإنه يوجب المقت والعداوة وسوء الظن والتخاذل، في قوله صلوات الله عليه: وإياكم والتدابر والتقاطع.

ذلك أن التدابر والتقاطع من رذائل الأعمال وذمائم الأفعال، ومن نتائجهما العداوة والحقد، أو الحسد أو البخل.

قال رسول الله صلی الله علیه وآله: أيما مسلمين تهاجرا، فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيهما سبق الكلام لأخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب.(2)

وقال صلی الله علیه وآله : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.(3)

وقال الصادق علیه السلام: لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استحق ذلك كلاهما، فقال له معتب: جعلني الله فداك هذا للظالم، فما بال المظلوم؟ قال: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتعامس(4)له عن كلامه، سمعت أبي علیه السلام يقول: إذا تنازع اثنان فعاد أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه، حتى يقول لصاحبه أي أخي أنا الظالم حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله تبارك وتعالی حکم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم. (5)


1) الكافي 2: 184/ ح 184

2) الكافي 2: 345/ ح5

3) من لا يحضره الفقيه 4: 380 ح5809

4) تعامس: تغافل

5) الكافي 2: 344 ح 1

وقال علیه السلام: لا يزال إبليس فرحاً ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه و تخلعت أوصاله ونادي: يا ويله ما لقي من الثبور.(1)

وقال الإمام الباقر علیه السلام: إن الشيطان يغري بين المؤمنين مالم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقي على قفاه وتمدد ثم قال: فزت، فرحم الله امرءاً ألف بين وليين لنا، يا معشر المؤمنین تآلفواو تعاطفوا.(2)والأخبار الواردة في ذم الهجران والتباعد كثيرة.

12 _ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في قوله صلوات الله عليه: لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولی عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله التعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد.

والأدلة على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة في الشريعة الإسلامية، حتى لقد عدت بحق شريعة الأمر بالتواصي بالحق والتناهي عن المنكر، فقد قال الله تعالى:

(والعَصراِنَّ الإنسان لَفي خُسرٍ إلَّا الَّذينَ آمنوا وعَملوا الصَّالحاتِ وتَواصَوا بالحَقِ وتَواصَوابالصَّبر). (3)

وقال تعالى في سورة آل عمران: (وَلتَّكُن مِنكُم أُمَّةُ يَدعُونَ إلىَ الخَيرِ


1) الكافي 2: 346/ ح 7

2) الكافي 2: 345/ ح6

3) العصر: 1 - 3

ويَأمُرُونَ بِالمَعروفِ ويَنهَونَ عَنِ المُنكَر وأُولئكَ هُمُ المُفلحونَ (1)وقال تعالى: کُنتُم خيرَ أُمَةٍ أخرِجَت لِلنَّاس تأمُرونَ بالمعروفِ وتَنهَونَ عَن المُنكَر وتؤمنونَ بالله). (2)

وقد روي أن النبي صلی الله علیه السلام قال: ما أعمال البرّ عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي .(3)

وقال صلی الله علیه وآله : إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.(4)

والأخبار متضافرة بما كان عليه سلف هذه الأمة من القيام بذلك الحق، لا يهابون في ذلك سلطان ذي سلطان، ولا تأخذهم رأفة في دين الله ولا هوادة في إقامة حقه والأخذ بناصر دينه. وكل شيء هن في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وكل عذاب سهل مقبول إذا كان من كلمة حق قالوها، لا يمنعهم من أن يصدموا بها أقوى الحكام عتواً وأشدهم قسوة، وأبعدهم في الأذي منالاً.

وما أخبار وعاظ التابعين مع الحجاج وأشباهه من حكام بين أمية ببعيدة عن الأذهان: كانوا لا يتخذون فيما يفعلون تقية، ولا يرضون في دينهم بالدنية:

الحسن البصري يمدح علياً علیه السلام:

يروى أن الحجاج جمع بعض علماء العراق وفيهم الحسن البصري والشعبي، وأخذ يحادثهم، فذكر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فنال منه وجاراه من معه تقريباً له، وأمناً من شره، إلا الحسن البصري فصمت على مضض وعض على إبهامه إذ على مرجل غضبه، فالتفت إليه الحجاج وقال: يا


1) آل عمران: 104

2) آل عمران: 110

3) وردت الفقرة الثانية من الحديث في بحار الأنوار 97: 89 منسوبة إلى أمير المؤمنين علیه السلام

4) الخصال للصدوق: 6/ ح16

أبا سعيد مالي أراك ساكتاً؟ قال: ما عسيت أن أقول؟ قال: أخبرني عن رأيك في أبې تراب، قال: سمعت الله جل ذكره يقول: (مَا جَعلنا الَقبلَة التَّي كُنتَ عَليها الإلنَعلَم مَن یَتَبَع الرسُول ممَّن يَنقلبُ عَلى عَقَبيه وَإن كَانت لَكبَيرةً إلَّا عَلىَ الَّذين هَدى الله ومَا كَانَ الله ليُضيعَ إيمانَكُم إن الله بالنَّاس لرؤفٌ رحيمٌ)(1)فعلي ممن هدى الله من أهل الإيمان،فأقول: ابن عم النبي صلی الله علیه وآله وختنه على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها، وأقول: إن كانت لعلي هنات فالله حسبه، والله ما أجد فيه قولا أعدل من هذا.

فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضباً فدخل بيتاً خلفه وخرج الجمع، فقال عامر الشعبي: أغضبت الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عتي ياعامر، يقول الناس: عامر الشعبي عالم أهل الكوفة أتی شیطاناً من شياطين الإنس فکلمه بهواه وقاربه في رأيه، ويحك يا عامر! هل اتقيت إن سئلت فصدقت أو سكت فسلمت!! قال الشعبي: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، قال الحسن: فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة.

وبعث الحجاج إلى الحسن، فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول: قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم. قال: نعم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: ما أخذه الله على العلماء من المواثيق البينه للناس ولا يكتمونه. قال: يا حسن أمسك عليك لسانك، وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك. (2)هكذا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلك الفريضة التي لو أخذنا بها كما أخذ ذلك السلف الصالح لارتبط حاضر الأمة بماضيها، ولاتصلت نفوس الحاضرين بنفوس السابقين بتلك الأمراس النورانية.


1) البقرة: 143

2) إحياء علوم الدين 2: 346؛ نقلاً عن نفحات الأزهار 14: 276

ومن خطبة له علیه السلام :

يوصي فيها بتقوى الله والتذكير بالموت

(فانَّ تَقوَى الله مِفتَاحُ سَدادٍ وذَخيرَةٌ مَعاد وَعِتقٌ مِن كُل مَلكَة ونَجاةٌ مِن كُل هَلكَة بِها یَنجَح الطَّالب وَینجُو الهَاربُ وتنُالَّ الرَّغائبُ فاعمَلوا وَالعَمل یُرفَع والتُوبَة یَنفَعُ والدُّعاءُ یُسمَعُ والحالُ هَادئةٌ وأقلام جاريةٌ وبادِروا بالأعمَال عُمُرا ناكساً أَو مَرَضاً حابساً أو مَؤتاً خالساً فإنَّ المَوتَ هادَمٌ لذاتَکُم زائرٌغیرُ محبوبٍ و قَرنٌ غیرُ مغلوبٍ و واترٌغیرُ مطلوبٍ قد اعلَقَتکُم حبائلُهُ و تکَنَّفتَکُم غوائلَهُ و اقصَدَتکُم مَعابِلُهُ وعَظَمَت فیکُم سَطوَتُهُ و تتابَعَت علَیکم عَدوَتُهُ قَلَّت عنکُم نبوَتُهُ فيُوشَكُ أَن تَغشَاكُم دَواجِي ظلَلِه واحتِدامُ عِلله وحَنَادِسُ غَمَراتَه وَغَواشِي سَكَرَاتِه وَأَليمُ إِرهَاقِه ودُجُوُّ أطبَاقِهِ وجُشُوبَةُ مَذاقِهِ).

(شرح ابن أبي الحديد مج 3، ص 181، ط الأولى).

الشرح:

هذه الخطبة الشريفة من محاسن خطبه صلوات الله عليه وفيها من نکات البلاغة وفنون البديع ما لا يخفى على المصقع البارع.

حث فيها على التقوى، ومن البديهي أن المثل الأعلى للحياة الانسانية في الإسلام وعند الإمام هو التقوى، فقل أن ترد سورة في القرآن لم يرد فيها الأمر بالتقوى - تقوى الله – وقل أن ترد خطبة أو كلمة في نهج البلاغة لم يرد فيها الأمر بالتقوى، تقوى الله. فالقرآن أمرنا بالتقوى وفضلها، ومدح المتقين، والإمام أمر بالتقوى ووصفها ومدح المتقين :

ولم يهتم علیه السلام بشيء من الفضائل کاهتمامه بالتقوى، لأن تقوى الله تعالی أصل الانسانية الكاملة والسعادة الأبدية، وبها يتم نظام الدنيا والآخرة.

في أصل الأصول ومحور الأخلاق الفاضلة.

التقوى أصل جميع الفضائل:

وتعتبر التقوى هي الوسط في جميع الفضائل، وهي المدينة الفاضلة التي وعد بهما الأنبياء والمرسلون.

ولها درجات لا تتناهی، وفي بعض الدرجات يصل العبد إلى مرتبة تجلي الحق تعالى في مشاعر العبد وقواه، وذلك التجلي يبقى ويدوم ولا يفنی وإن تبدلت العوالم وتغيرت.

وقال صلوات الله عليه :

(عِبادَ الله أُوصيكُم بتَقوىَ الَلهِ فإَّنها حقُ الله عَليَكُم والمُوجبَةُ عَلى الله حَقَّكُم وأن تَستَعینُوا عليها بالله وتَستَعينوا بها على الله فَإنَّ التَّقوى فِي اليَوم الحِرز والجُنَّةُ وفي غَدٍ الطَریقُ الی الجَنَّة مسلَکها واضِحٌ وسَالِکُها رابِحٌ و مُستَودَعُها حافِظٌ لَم تَبرَحَ عَارضَةً نَفسَها عَلى الُأمَم المَاضينَ مِنكُم والغَابِرينَ لِحَاجَتهم إلَيها غداً إذا أَعادَ اللهُ ما اَبَدی و اخَذَ ما اعطی وَ سَاَلَ عمَّا اَسَدی فما اقَلَ مَن قَبلَها وحَمَلَها حَقَّ حَملَها اولئکَ الاقَلون عدداً وهُم أهلُ صفَة الله سُبحَانَه إذ یَقولُ وقَليلٌ مِن عِباديَ الشَّكورُ فَاَهطَعُوا بأسمَاعَكُم إليها وأَلِظوا بِجِدِّكم عَليهَا وَاعتاضُوها مِن كُل سَلفٍ خَلَفاً ).(1)

وقال صلوات الله عليه:

(أمَّا بَعد فَإني أُوصيكُم یتَقوَی الله الَّذي ابتَداَ خَلقَكُم وإلَيه يَكُونُ مَعَاكُم و به نَجاحُ طَلَبتكُم وإليه مُنتَهى رَغَبتَكُم ونحوَه قَصد سَبيلكُم وإليه مَرامي مَفزَعکُم فإنَّ تَقوَى الله دَواءُ داء قُلوبِكُم وبَصَرُ عَمَى أفئِدتِكم وشِفاءُ مَرَض أجسادِكُم وصلاحُ فَسادِ


1) شرح نهج البلاغة 13: 115

صُدورِكُم وَطُهورُ دَنَس أنفُسِكُم وَجَلاءُ عَشَا أبصارِكُم وأمنُ فَزَعِ جَأشِكُم وَضياءُ سَوادِ ظُلمَتكُم فَاجعَلُوا طَاعَةَ الله شعَارٍ دُونَ دِثَارِکُم ودَخيلاً دُونَ شَعارِكُم ولَطيفاً بَينَ أضلاَعِكُم وأميراَ فوقَ أمُورِكُم ومَنهلاً لِحينَوُودِكُم وَشَفيعاً لَدَركَ طَلبكُم وجُنَّة لِيومٍ فَزَعكُم ومصابيحَ لُبطونَ قُبُوركُم وَ سَکَناً لَطولِ وَحشَتِكُم و نَفساً لَكَربِ مَواطِنِكُم فَإنَّ طاعَة اللهِ حَرز مَن مَتالِفَ مُكتَنفَة ومَخَاوفَ مُتوَقَعة وأُوارِ نيَرانٍ مُوقَدَةٍ فَمَن أَخَذ بالتَّقوی عزَبَت عنهُ الشَّدائد بَعدَ دُنُوهاً واحلوُلَت لَهُ الأمُورُ بَعدَ مَرارتَها وانفَرَجَت عَنهُ الأمواجُ بَعد تَراكُمهَا وأسهَلَت لَه الصَّعابُ بَعد إنصابِهَا وَهَطَلت عليه الكَرامَة بَعد قُحُوطِها. وَتَحَدَبَّت عَليه الرَّحمَة بَعدَ نُفُورِها وتَفَجَرَت عَليه النِّعمُ بَعدَ نُضُوبِهَا وَوبَلَت عليه البَرَكَةُ بَعد إرذاذِهَا). (1)

ولكن ما هي التقوى :

إن الإمام صلوات الله عليه لم يتعرض لوصف التقوی من داخل إذا صح التعبير، بل اكتفى - على كثرة ما قاله فيها - بوصفها من خارج: ميزاتها وفضلها وثمرتها، وأصحابها، أما هي بذاتها: مقوماتها، طبيعتها، فأمر لم يتعرض له الإمام صلوات الله عليه، وإنما تعرض له القرآن. ولعل الإمام ترك الكلام في هذه الجهة اعتماداً على ما جاء في القرآن، واعتمادا على أن المسلمين إذ ذاك كانوا - ولا شك _ يعون ما هي التقوى، فاكتفى بتشويقهم إلى الأخذ بها والاعتصام بحبلها، أو أن الإمام قد تكلم في هذا الموضوع وأعطاه حقه من البيان، ولكن الشريف الرضي رحمه الله لم يقع على شيء منه، أو وقع عليه ولم يكن بين ما اختاره. وعلى أي حال ففيما قدمه لنا القرآن غنی وكفاية.

آيات في التقوی:

قال الله تعالى: (ذلكَ الكِتابُ لا ريبَ فِيه هُدىً اللمُتَقینَ الَّذين يؤمنونَ بالغَيبِ


1) شرح نهج البلاغة 10: 188 و 189

و یُقیمُونَ الصَّلاةَ وممَّا رَزَقناهُم و الَّذين يؤمنونَ بِما أُنزلَ إليكَ وَما أنزلَ مِن قَبلِكَ وبالآخرَةِ هُم يُوقِنونَ أولئك علَى هُدىً مِن رَبِّهم وأولئك هُمُ المُفلحونَ).(1)

وقال تعالی: (لَیسَ البرَّ أَن تُولَوا وُجوهَكُم قبَل المَشرق والمَغرب وَلكَّن البرَّ مَن آمَن بالله وَاليَومِ الآخرِ والمَلائكةِ والكتابَ والنَبيَنَ وأتى المال عَلى حُبَّه ذَوي القُربى واليَتامَى والَمساكينَ وابن السَّبيلَ والسَّائلينَ وفِي الرَّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وأتي الزَّكاةَ والمُوقونَ بِعَهدهم إذا عاهَدوا والصَّابرينَ فِي البَأسَاء والضَرَّاء وحينَ البأسِ أولئك الَّذينَ صَدقُوا وأولئكَ هُمُ المُتَقُون).(2)

وقال تعالى: (وَسارَعوا إلى مَغفرةَ مِن ربّكُم وجَنَّة عَرضِها السَّماوات والأرضُ أُعدَّت للمتَقينَ الَّذينَ یُنفَقونَ في السَّراء والضَرَّاء والكاظِمينَ الغَيظَ والعَافِينَ عَن النَّاس والله يُحبُّ المُحسنينَ).(3)

وقال تعالى: (وَلا يَجرمَنكُم شَنآنُ قَومٍ عَلى ألا تعَدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أقرَبُ للتَّقوي).(4)

وروي عن النبي صلی الله علیه وآله أنه قال: جِماع التقوى في قوله تعالى:(إنَّ الله يَأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القربى ویَنهى عَن الفَحشاء وَالمُنكَر والبَغي يَعظُكُم لَعلَكُم تَذكَرونَ).(5)

وقال صلی الله علیه وآله : من اتقى الله عاش قوياً، وصار في بلاد عدوه آمناً. (6)

وقال صلی الله علیه وآله: خصلة من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة، وربح الفوز بالجنة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التقوى، من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله عزوجل، ثم تلا(وَمَن يَتَقِ اللهَ يَجعَل لَه مَخَرجاً) (7)الآية. (8)


1) البقرة: 2 - 5

2) البقرة: 177

3) آل عمران: 133 و 134

4) المائدة: 8

5) النحل: 90/ روضة الواعظين: 437

6) بحار الأنوار 67: 283

7) الطلاق: 2

8) بحار الأنوار 67: 283

من هذه النصوص الإلهية، وغيرها أكثر منها، تعرف طبيعة التقوى أنها الفضيلة في أرفع معانيها وأجل صورها، أنها الايمان بالله في أظهر حالاته وأسمى معانيه، وبذل المال لمن أعوزه المال، ولكن كيف؟ بذل المال على حبه... حب الله تعالى، فلا امتنان على المعطي ولا إفضال. ومتى؟ إنها بذله في السراء والضراء، وهي الصبر في جميع المواطن وفي جميع الأحوال، وهي كظم الغيظ، وهي العفو عن الناس، وهي العدل فيهم والاحسان إليهم، وهي وهي...

هذه هي التقوى، فإذا حققت التقوى في نفسك وعيت وجود الله وأمره ونهيه في كل ما تلم به من فعل أو قول، وتحريت الفضيلة أنی کانت، فأخذت بها وأخضعت نفسك لها، وجعلت من نفسك وجميع إمكاناتك خلية إنسانية حية تعمل بحرارة وإخلاص على رفع مستوى الكيان الإجتماعي الذي تضطرب فيه، وصدرت في ذلك كله عن إرادة الله المتجلية فيما شرع من أحكام، وتكون قد حققت في نفسك المثل الأعلى الذي نصبه الإسلام.

التفاضل بالتقوى لا بكثرة المال:

فالمال لا يكسب قيمة إلا إذا بذل حيث أجاز الله أن يبذل، وإلا إذا اخذ وسيلةً إلى رضوان الله.

أما أولئك الذين لا يبذلون أموالهم فلا جدوى منهم للجماعة، ولذلك فلا مزية لهم على غيرهم من الناس الذين لا مال لهم، والسلامة لا قيمة لها حين لا يكون صاحبها متقيأً لله. والقوة لا قيمة لها حين لا يستخدمها صاحبها في مرضاة الله، والسلطان لا يكسب صاحبه قيمة إلا إذا كان ذا تقوی.

هناك أغنياء وفقراء، وحاكمون و محکومون، وأقوياء وضعفاء، وأناس تحدروا من سلالات لها ماض عريق، وآخرون ليس لهم ماض مذکور، ولكن كل هذا لا يرفع من صاحبه ولا يضع إلا إذا اقترن بالتقوى أو عري

عنها. وتعاليم الإسلام صريحة في ذلك لا لبس فيها ولا غموض، فهي تنص على أن القطب الذي يدور عليه التفاضل ليس شيئاً غير التقوى.

قال الله تعالى: (إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم).(1)

وقال النبي صلی الله علیه وآله :لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.(2)

وقال الإمام علي صلوات الله عليه: لا تضعوا من رفعته التقوى، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا.(3)

وإذن فالقيم الاجتماعية تتفرع عن هذا الأصل، وتنبثق من هذا الينبوع.

وهكذا تكون الرغبة في الخير ورضوان الله، ومساعدة الضعفاء وتكريس المواهب في سبيل الجماعة تقرباً إلى الله هي رائد كل إنسان وعى مبادئ الإسلام.

وهكذا تكون الطبقات مظهر حبٍ ورحمة وتآزر وإيثار وتعاون على البر والتقوى، بدل أن تعبر عن تفسخ و انحلال.

هذا هو المثل الأعلى للحياة في الإسلام وعند الإمام.

مراتب التقوى ثلاث:

الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبرئ عن الشرك، وعليه قوله تعالى: (وَألزَمَهُم كَلمَة التَّقوی). (4)

الثانية: التجنب عن المآثم كلها كبيرها وصغيرها، وهو المتعارف في الشرع، وعليه قوله تعالى: (وَلَو أنَّ اَهلَ القُرى امنَوا واتَّقوا) . (5)


1) الحجرات: 13

2) مسند أحمد 411:5 ؛ تفسير القرطبي 16: 342

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 116

4) الفتح: 26

5) الأعراف: 96

الثالثة: هي التنزه عما يشغل عن الحق تعالى بالكلية، وهي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى: (اتَّقوا اللَه حَقَّ تُقاتِهِ ).(1)

وكانت الدعوة إلى التقوى من أهم ما دعا إليه الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله بعد الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وقضى كل أيامه وهو ينصح المؤمنين بالتزامها والتزود منها؛ لأنها أساس التعبد وأصل الطاعة، وبها تؤتى الأعمال على أتم الوجوه، حيث يقول الله تعالى: (وَتَزَوَّدوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى وَاتَّقونِ يا أوليِ الألبابِ.) (2)

وأخبر جل وعلا بأن جميع الأعمال التعبدية لم تشرع إلا لتكون وسائل إلى التقوى بما تطبعه في النفس من ملكة مراقبة الله، فتكون تقية نقية راضية مرضية.

ولقد حسبها بعض الناس درجة من الصلاح لا تنال إلا بالتفرغ للصلوات وملازمة المساجد والانقطاع عن الدنيا والزهد في كل ما فيها من الملذات، مما يكون دليله في الظاهر الفقر والمسكنة وليس مرفوع الثياب. وهذا خطأ لا يقره الإسلام، فالتقوى في اللغة مشتقة من اتقی فلاناً أي حذره وخافه؛ فتقوى الله مخافته وتجنب كل ما يغضبه.

وهي أثر الايمان الكامل بالله، وهي النتيجة الطبيعية التي يصل إليها كل من يؤمن بأن الله الذي خلقه وأبدع كل دقيق في جسمه قادر على تعذيبه عاجلاً و آجلاً إذا هو أقدم على معصيته واستهان بأوامره، كما يوقن بعلمه تعالى بكل شيء يصدر منه، بحيث يتصوره مشرفاً عليه حتى في خلواته، ورقيباً على جميع حركاته وسكناته، فيحمله هذا على محاسبة نفسه عن كل فعل، فلا يقدم على أي أمر فيه معصية خالقه أو الاضرار بمصالح عباده، وفي هذا يقول تعالى: (إنَّ الَّذينَ اتَّقوا إذا مَسَهُم طائفٌ مِنَ الشَّيطانِ تَذَكَّروا فَإذا هُم


1) آل عمران: 102

2) البقرة: 197

مُبصِرونَ) (1)وذكر العصاة بعلمه بكل ما يصدر منهم، وتوعدهم بعذابه، حيث قال: (أًرًأيتً إن كَذَبَ وتَوَلى ألَم يَعلَم بأنَّ الله يَرى كلاَ لئِن لَم یَنتَه لَنسفَعاً بالنَّاصیَةِ). (2)

وأمرنا أن نتخير في أعمالنا ما ينفعنا في الحياة الأخرى، حيث قال:(يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا الله ولتَنظُر نَفسٌ ما قَدَمَت لِغَد واتَّقوا الله إنَّ الله خَبيرٌ بِما تَعمَلون).(3)

وأخبرنا بأنه قد أعد الجنة في الآخرة للمتقين، ووصفهم لنا بأعمالهم المنبعثة عن قوة إيمانهم بقلوبهم، إشارة إلى أن التقوى هي في الأمور التي يشعر بها الإنسان في نفسه، فيدرك مبلغ قربه من ربه ورضائه عنه، ولو لم تدل على ذلك مظاهره، حيث يقول تعالى: (وَسَارعوا إلى مَغفرةٍ مِن ربكم وجَنَّة عَرضُها السَّماواتُ والأرضُ أعدَّت للمُتقين الَّذين يُنفقونَ في السَّراء والضَرَّاء والكاظمين الغيظً والعافينَ عَن النَّاس والله يُحبُ المُحسنينَ والذين إذا فَعَلوا فاحشَةً أو ظَلَموا أنفُسَهُم ذَکروا الله فَاستغَفروا لذُنوبِهِم ومَن يَغفرُ الذُنوبَ إلا الله ولَم یُصِروا عَلى ما فَعَلوا وهُم يعلمون أولئك جَزاؤُهُم مغفرةٌ مِن رَبِّهِم وجَنَّاتٌ تَجري مِن تَحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها ونَعمَ أجرُ العامِلينَ) .(4)

كيف تحقق التقوى :

وهذا صريح في أن التقوى ليست بكثرة الصلاة والصوم وأمثالهما من العبادات الظاهرة، وليست هي بالتقشف والدروشة، وإنما تتحقق بخمس خصال هي:

1 - حب البذل والاتفاق في سبيل الله في حالتي الشدة والرخاء .

2- ضبط النفس ومقاومة هواها فيما يغضب موالاها.

3 _ الأخذ بمبدأ التسامح والعفو عند المقدرة.


1) الأعراف: 201

2) العلق: 13 - 15

3) الحشر: 18

4) آل عمران: 133 - 136

4_ الإحسان إلى المسيء

5- مراقبة الله ودوام الخوف منه، والرجوع إليه من أثر المعاصي بالندم والإستغفار، وعدم الإصرار على فعل السيئات.

فالتقوى - بهذا الاعتبار - من الأمور التي لا تمنع المسلم في هذه الحياة من العمل للدنيا، ولا تحرمه من التمتع بملذاتها المشروعة، بل إنما تدعوه فقط إلى مراقبة الله والخوف منه والثقة به والرجوع إليه بطلب الرحمة والغفران في كل وقت، لا سيما عند كل زلة ومعصية، ومن أجل هذا حرص الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله على أن يمکن في قلوب أتباعه خوف الله واليقين بقدرته على كل شيء إلى حد ينتفي معه الخوف من غيره، وحصر الأمل فيه جل وعلا دون سواه، باعتباره هو وحده صاحب السلطان المطلق القادر على وقاية كل من يريد وقايته في كل مكروه، ونصرة من يريد نصرته بما يملك من قوى خفية وظاهرة، حيث يقول تعالى:

(يا أيُها الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنتُم مُسلِمونَ).(1)وحق التقوى هو خوف الله أكثر من كل ما سواه، وإلى هذا أشار تعالى بقوله: (أتَخشَوهُم فَالله أَحَقُّ أن تَخشَوهُ إن كنتُم مُؤمنينَ).(2)وحق التقوى هو أن يؤثر الإنسان عفو الله وغفرانه وثوابه في الآخرة عن كل شيء في الدنيا؛ بل يتحمل في سبيل ذلك مر العذاب، ولذلك امتدح الله في كتابه أولئك السحرة الذين آمنوا بالله إيماناً لم يبالوا معه بالجهر بعقيدتهم برغم ما توعدهم به فرعون من ألوان العذاب، حيث قالوا: (امَنَّا برَبِّ هارُونَ وَمُوسى قال آمنتُم لَه قَبلَ أَن آذَن لَكُم إنه لَكبَيرکُم الذي عَلَمكم السحرَ فلاقَطعنَّ أيديَكُم وأَرجُلَكُم مِن خَلاف ولأصلَبنَكم في جُذوعِ النَّخل ولتعلَمَنَّ أينا أَشَد عذاباً وأبقي قالوا لن نؤثرَکَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الَبيِّناتِ.


1) آل عمران: 102

2) التوبة: 13

والَّذي فَطَرنا فَاقضِ ما أنتَ قاضٍ إنَّما تَقضي هذه الحَياةَ الدُّنيا أنا آمَّنا برَّينا ليَغفِرلَنا خَطايانا ومَا أكرَهنا عَليه مِنَ السِّحرِ والله خَيرٌ وأبقی).(1)

ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما يترتب على التقوى وخوف الله من مجانبة النفس للشهوات الممقوتة، وما يكون جزاؤها على ذلك في الآخرة بقوله:(وامَّا مَن خافَ مَقام َرَبه ونَهى النَفسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّة هِيَ المأوى).(2)

(وأُزلِفتِ الجنَّة للمتَقينَ غَير بَعيدٍ هذا ما تُوعَدونَ لكُل أوَابٍ حَفيظٍ مَن خَشِي الرَّحمن بالغیب وجاءَ بِقلبٍ مُنیبٍ).(3)

ولم يَكتفِ الله بهذا في حض الناس على التقوى، بل إنه تعالى أكد لهم تخليص المتقين في الدنيا من كل ما يعترضهم من مشاكل الحياة، وتيسير سبيل الرزق لهم من حيث لا يأملون، حيث يقول:(وَمَن يتَق الله يَجعَل لَه مَخرَجاً ويَرُزقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ ومَن یَتوكَل عَلى الله فَهو حَسبُه إن الله بالغُ أَمرِه قَد جَعَل الله لِكُل شَيءٍ قَدراً) .(4)

ذلك لأن التقوى معناه دوام ذكر الله تعالی و مراقبته في جميع الأحوال وحصر الأمل فيه، وهذا من شأنه أن يمنع الإنسان عن الإقدام على كل أمر يعصي الله به ويضر أحدا من خلقه، ويجعله کریم الخلق والعادات، وكل هذا مما يسبب عون الله للانسان وتأييده في كل موقف، وشموله برحمته وحسن رعايته، وخوف الله يقتضي تجريد قلب الإنسان منخوف غيره، ويعود هذا عليه بأعظم الفوائد في هذه الحياة.


1) طه: 70- 73

2) النازعات: 40 و41

3) ق: 31 - 33

4) الطلاق: 2 و 3

قرأت في كتاب الرعاية لحقوق الله:

قد روي في الحديث: إن المنادي ينادي يوم القيامة: (يا عباد لاخؤفٌ عَليكُم اليَومَ ولا أنتُم تَحزَنونَ)(1)فترفع الخلائق رؤوسهم يقولون: نحن عباد الله عزوجل ثم ينادي الثانية:(الَّذين آمَنوا بِآياتنِا وكَانوا مُسلمينَ)(2)فينکس الكفار رؤوسهم ويبقي الموحدون رافعي رؤوسهم، ثم بنادي الثالثة:(الَّذينَ آمَنوا وكانُوا يتقونَ)(3)فينکس أهل الكبائر رؤوسهم ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسهم، قد أزال الكريم عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، لأنه أكرم الأكرمين لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة. (4)


1) الزخرف: 68

2) الزخرف: 69

3) يونس: 63

4) تفسير القرطبي 16: 110

ومن خطبة له علیه السلام :

وفيها يسبح الله ويذكر نعيم الجنة

(سُبحانَکَ خالقاً ومَعبوداً بحُسن بَلائِكَ عِندَ خَلقكَ خَلَقتَ دَاراً وجَعَلَت فيهَا مَأدُّبَّةً مَشرباً وَمَطعَماً وأزواجاً و خَدَماً وقُصوراً وأَنهاراً، وَزُوعاً وثَمارأً ثُمَّ اَرسَلتَ دَاعياً يَدعُو إليهَا فَلا الدَّاعيَ أَجَابُوا وَلا فِيمَا رَغَبتَ رَغبُوا ولا إلىَ مَا شَوَّقَتَ إليَه اشتاقوا أقبَلوا عَلى جِيفةٍ قَدِ افتَضَحوا بِأكلَها واصطَلَحُوا عَلى حُبَها و مَن عَشَق شَيئاً أعشَى بَصَرهُ وأمرَضَ قَلبَه فَهُو يَنظَرُ بَعينٍ غَيرِ صَحيحَة ویَسمَع بأذن غيرِ سميعَةٍ قَد خَرَقَت الشَّهَواتُ عَقلهُ وَاماتَت الدُّنيا قلبَه وولهَت علیها نفسُهُ فهُو عَبدٌ لَها و لَمَن فِی یَدیه شَيٌ مِنهَا حیثُمَا زالَت زالَ إليها وحيثُما أقبَلت أقبلَ عَليها لا یَنزَجر من الله بَزاجر ولا یَتعظُ مِنهُ بِواعِظ وهُو یَرى المأخوذينَ عَلى الغرَّة حيثُ لا إقالَةَ رجعةِ كَيف نزَلِ بِهم مَا كانوا یَجهَلونَ وجاءَهُم مِن فَراقِ الدُّنيا مَا كانوا یَامَنونَ قَدمُوا مِن الاخرةِ عَلى ما كانوا یُوعدونَ فَغيرُ مَوصُوف ما نزل بِهِم اجتَمَعَت عَلَيهِم سَكَرَةٌ المَوت وحَسرَةٌ الفَوتَ فَفتَرَت لَها أطرافُهُم وتَغَیَّرَت لها ألوَانَهم ثُمَّ ازدادَ المَوتُ فيهِم وُلوُجا فحِيل بَينَ أَحَدهم وبَينَ منطَقةَ وانَّه لبینَ اهله یَنظُرُ ببصَرهِ ویَسمَعُ بأذُنه عَلى صِحَّة مِن عقلِه وبَقاءَ مَن لُبه يُفكِرُ فَيمَ أَفنَى عُمُرُه وفیمَ اذهَبَ دَهرَةٌ ویتَذکَراموالاً جَمَعَها أغمَض في مَطالبَهَا وأَخَذَهَا مِن مُصَرَّحاتَها و مُشتَبَهاتَها قَد لِزمتُه تَبَعاتُ جَمعِها و أشرَفَ عَلى فَراقَها تَبقَى لِمَن وَراَءهُ یَنعَمونَ فيهَا و یَتَمَتعُونَ بها فیَكون المَهنَاُ لغَيرِه والعبءُ عَلى ظَهرِهِ والمَرءِ قَد غَلَقَت رُهونهُ بها فَهُوَ یَعَضُ یَدَهُ نَدَامَةً عَلى مَا أصحَرَلَه عِندَ المَوتِ مِن أَمرِهِ ویَزهَدُ فِيمَا كانَ يَرغَبُ فيهِ أيامَ عُمُره ویَتَمَنَّي أنَّ الَّذي كانَ یَغبطُهُ بِهَا وَیَحسُدُهُ عَليهَا قَد حَازَهَا دونَه فَلَم يَزَلِ المَوتُ یُبالِغُ فِي جَسَدِه حَتى خاَلط لسَانُه سَمعَهُ فَصَارَ بَينَ أهلِهِ لا يَنطِقُ بِلِسانِهِ ولا یَسمَعُ بِسَمعِهِ یُرَدِّدُ طَرفَهُ بِالنَّظَر فِي وُجُوهِهِم یَرَي حَركات

ألسنَتهِم ولا يَسمَعُ رِجعَ كَلَامِهِم ثُمَّ ازدادَ المَوتُ التياطاً به فَقُبضَ بَصرَهُ كَما قُبضَ سَمعُةُ وَخَرَجَتٍ الرُّوحُ مِن جَسَده فَصَارَ جيَفةً بَينَ أهلِه قَد أوحَشُوا مِن جانِبه وتَباعَدُوا مِن قُربِه لا يُسعِدُ باكياً وَلا یُجيبُ داعِياً ثُمَّ حَملوهُ إلى مَخَطٍ فِي الأرضِ فَأسلَموهُ فِيه إلى عَمَله وانقَطَعُوا عَن زَورَتِه).(1)

أخبر صلوات الله عليه عن الجنة وثمارها وأشجارها وأنهارها وقصورها وتنعم الإنسان فيها.

ضبط الألفاظ اللغوية:

جاء في منهاج البراعة: المأدبة بفتح الدال وضمها طعام صنع لدعوة أو عرس، ووله الرجل إذا تحير من شدة الوجد، (والغرة) بكسر الغين المعجمة الاغترار والغفلة، يقال اغتره فلان أي أتاه على غرة منه و(أطراف البدن) الرأس واليدان والرجلان، و(ولج) يلج ولوجاً أي دخل، و(المصرح) خلاف المشتبه وهو الظاهر البين، و(التبعات) جمع التبعة وهو الاثم، و(المهنأ) المصدر من هنأ الطعام يهنأ إذا صار هنيئا، والعبء الثقل، و(أصحر) أي ظهر وانكشف، و(رجع) الكلام ما يتراجع منه، والالتياط الالتصاق، و(الاسعاد) الاعانة، و(المخط من الأرض) كناية عن القبر يخط أولاً ثم يحفر.

الشرح:

إن هذا الفصل من كلامه تحذير للمتمردين من العصاة والمذنبين الغواة، وتنفير لهم عن الركون إلى الدنيا وإلى زخارفها وما فيها، وتذكير لهم بما يحل بساحتهم من سكرات الموت وينزل بفنائهم من حسرات الفناء والفوت.

وافتتح صلوات الله عليه بتسبيح الله تعالى وتقديسه فقال: سبحانك خالقاً ومعبوداً أي أنزهك تنزيها عن الشركاء والأمثال في حالة خلقك ومعبوديتك، لا موجد غيرك ولا معبود سواك.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 20، ط مكتبة المرعشي النجفي

بحسن بلائك عند خلقك خلقت داراً أي خلقت داراً بسبب ابتلاء عبادك وامتحانأً لهم وتمييزاً بينهم، وتفرقة بين السعداء، أعني الطالبين المشتاقين إلى ملك الدار، وبينالأشقياء وهم الراغبون المعرضون عنها، والمراد بالدار دار الآخرة.

والمراد بالمأدبة الجنة التي هيأت للمتقين ودعي إليها عباد الله الصالحون، وأعد الله سبحانه لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما تشتهيه أنفسهم.

مشرباً ومطعماً أي شراباً وطعاماً، وأزواجاً من الحور العين، وخدماً من الولدان المخلدين، وقصوراً عالية وأنهاراً جارية «وزروعاً زاكية «و ثماراً، طيبة.

ثم أرسلت داعياً يدعوه الناس إليها، أي إلى هذه الدار أو المأدبة، وأراد بالداعي محمداً صلی الله علیه وآله فلا الداعي أجابوا ولا فيما رتبت إليه من الدار الآخرة الباقية ونعيمها ورغبوا ولا إلى ما شوقت إليها من حور الجنة وقصورها وأنهارها وثمارها وسائر ما أعد فيها، اشتاقوا.

عالم الآخرة:

لطالما شغلت المفكرين والمتأملين مسألة الآخرة...

ولطالما احتار فيها العلماء والمتعلمون...

حتی طل علينا العصر الحديث، فإذا النداء يأتينا من الغرب بضرورة مراجعة الفكر الإنساني للالتفات إلى مسألة الحياة الأخرى.

فأقرها فطاحلة العلماء ممن لا ينتمي إلى دين، أو يتحيز إلى فكر... أمثال كيركجارد، وبرجسون، ودو کاس.

وكل قضية عادلة تعرض على مسرح العقل البشري يؤيدها العقلاء ويتنكر لها الجهال والمتطفلون على العلم، وكانت الآخرة من إحدى الفكر التي هزأ بها المتغافلون عن البراهين الساطعة، ولم نسمع من هؤلاء دليلاً مقنعاً لإنكار الآخرة، فاستنتجنا سبباً لهذا الاصرار، هو التمادي في تحذير الضمير للتخلص من و خزه وتأنيبه،

ومحاولة الهرب من رقابة الخالق، والتخلص من الالتزام بالمباديء والقيم السامية، وإطلاق العنان للأهواء والرغائب الشيطانية الطائشة.

وأزاء كل هذا الطمس لهذه الحقيقة الملحة.. فقد دلت الأبحاث على ضرورة الآخرة.

فمن الجانب النفسي شوهدت النفس الإنسانية وهي تشتاق إلى عالم آخر طالما انتظرته بفارغ الصبر.

ومن الجانب الأخلاقي فقد أكدت الأدلة العقلية بأن كل شيء في الكون يدل على العدل، و كيف يموت الظالم وهو ظالم، والمظلوم وهو مظلوم بدون حساب؟ إذاً لا بد أن هناك عالماً آخراً يثاب فيه المحسن ويعاقب فيه المسيء، وإلا فإن التاريخ البشري يفقد كل معنی.

أما الضرورة الكونية فقد تحققت بالأدلة القطعية لدى علماء الطبيعة بنفي الأزلية عن المادة، ولا بد لهذا العالم من نهاية حتمية وقيامة كبرى تكون خاتمة للقيامات الصغرى التي تمر بها عوالم الإنسان والحيوان، والنجوم والحضارات المتلاشية، والحقب الزمنية الفانية.

العلم التجريبي وإثبات الأخرة:

وأخيراً تحققت علمية إثبات الآخرة عن طريق الشهادة التجريبية، فإن الحياة التي ظهرت مرة واحدة يمكن أن تعيد نفسها، وإن الخالق - بالتأكيد - يستطيع من جديد خلق الحياة التي أنشأها للمرة الأولى، وهذا الدليل قد صرح به القرآن الكريم في قوله تعالی:

(أَوَلَم يَروا أنَّ الله الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ وَلَم يَعيَ بِخَلقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أن يُحيِيَ المَوتى بَلى إِنه عَلىَ كلُ ِشَيءٍ قَديرهٌ).(1)


1) الأحقاف: 33

ولذلك قال البروفسور دوكاس: إن بقاء الحياة بعد الموت لعلها الوحيدة من عقائد الدين الكثيرة التي يمكن إثباتها بالدليل التجريبي.

وتظل مشكلة الضبط الاجتماعي محيرة لعقليات الفلاسفة ورجال السياسة وعلماء النفس والاجتماع.. وعلى امتداد التاريخ تبقى معضلة السلوك الاجتماعي مادة تفكير المفكرين، لا سيما وإن جميع وسائل الإرهاب والتحذير والإغراء قد فشلت في تحقيق المهمة.

حتى انتبهت الأبحاث الاجتماعية إلى سلوكيات صريحة اجتماعية واعية عرفت بالالتزام الديني والتفكير الأخروي، وافتراض الرقابة الدائمة على الذات ومحاسبة النفس بوازع الضمير المتيقظ. وهذا هو الحل الوحيد الذي يستطيع معالجة التدهور الحضاري بصورة صحيحة، محافظاً على إنسانية الإنسان، ودافعاً إياه نحو الخيروالإخاء... وإلا أصبحت الحياة مسرحاً مأساوياً بشعاً.

وهذا ما اعترف به أحد مفكري الغرب وهو (برتراند رسل) حيث يقول: إن حیوانات عالمنا يغمرها السرور، على حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة، ولكنهم محرومون من نعمتها في عالمنا الحديث.

ولأجل تحقيق السعادة الدنيوية أسدل الباري عزوجل عناية واهتماماً بعرض الآخرة وتبيانها للناس كي يفيقوا من غفلاتهم ويتبعوا الحكمة في أمورهم، ولتكون الدنيا دار أمل كبير في نيل رضوانه وثوابه عزوجل و كما قال الإمام علي عليه السلام.

إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومسجد أحباب الله ومتجر أوليائه، اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا منها الجنة. (1)

والآخرة أصل من أصول ديننا، وقد حذر الله سبحانه وتعالى منها من


1) الإرشاد للمفيد : 296؛ بحار الأنوار 70/ 129

ألقى السمع وهو شهيد، فقال عز من قائل: (يا أیُّها النَّاس اتَّقوا رَبَّكُم انَّ زِلزَلةَ السَّاعَة شَيءٌ عَظيمٌ ).(1)

وقال عزوجل أيضاً: (واتَّقُوا يَوماً تُرجَعونَ فِيه إلَى الله).(2)

وأمرنا بالاستعداد لها ( وَلیَنظُر نَفسٌ مَا قَدَمَت لَغَدٍ)، (3)وقال أيضاً:

(تَزوَدُّوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوی).(4)

ولذلك أجاب الإمام علي علیه السلام رجلاً يهوديا كان يسأله: ما الصعب وما الأصعب؟

قائلا له: الصعب القبر، والأصعب: الذهاب بلا زاد.(5)

فلكي نستمتع برضا الله جل وعلا، ونال ثوابه.... تعالوا نتذكر الآخرة.

الجنة:

الجنة لغة: البستان المتكاثفة الأشجار.

وقد ورد للجنة في القرآن الكريم - أسماء عدة، منها:

دار السلام، الفردوس، دار الخلود، دار المقامة، جنات عدن.

يخلد أهل الجنة فيها فلا موت، ولا منغصات، ولا بؤس، ولا مرض، ولا هرم:

(لا يَذوقَونَ فيهَا المَوتَ إلَّا المَؤتَة الأولى وَوَقاهُم عَذابَ الجَحيمِ).(6)


1) الحج: 1

2) البقرة: 281

3) الحشر: 18

4) البقرة: 197

5) بحار الأنوار 75: 31 ح 98، وفيه: الصعب المعصية، والأصعب فوات ثوابها، والقريب كل ما هو آت، والأقرب هو الموت

6) الدخان: 56

(وقالُوا الحَمدُ لله الَّذي أَذهَبَ عنَّا احَزَنَ انَّ ربَّنا لَغَفورٌ شَکورٌ الَّذي أحلَّنا دارَ المُقامَة مِن فَضله لا یَمَسَنا فيها نَصَبٌ ولا یَمَسُّنا فِيها لُغوبٌ). (1)

لا يسمع منهم إلا الكلام الطيب، إخوان متحابون، فلا لغو ولا فحش ولا كذب، ولا بغضاء ولا شحناء ولا حسد، ولا كل ما يعتري أهل الدنيا من السوء.

(وهُدُوا إلىَ الطَّيِبِ مِنَ القَولِ وهُدوا إلى صِراطِ الحَميدِ).(2)

(لا يَسمَعونَ فِيها لَغواً ولا كَذاباً). (3)

(ونَزَعنا ما في صُدورهُم مِن غِلٍ إخواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلينَ لا يَمَسُّهُم فيها نَصَبٌ وما هُم مِنها بمُخرَجينَ). (4)

وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل ما نسمع ويقال عن نعيم الجنة وما فيها من لذة ومتعة، فهي فوق كل ذلك وأجل مما نتصوره، وأعظم مما نتخيله.

والبشر في دار الدنيا لا قدرة لهم على الاستمتاع بذلك النعيم وتلك اللذة ولا طاقة لهم عليه.

فأشجارها غير هذه الأشجار، وأنهارها غير هذه الأنهار، نساؤها الحور العين وشرابها العسل المصفى، وخمرة لذة للشاربين، دائم نعيمها، أبدي بقاؤها.

(هَذا ذِكرٌ وإنَّ للمُتقينَ لحُسنَ مَآبٍ جَناتِ عَدن مُفتَحَة لَهُم الأبوابُ مُتَكئينَ فيها یَدعون فيها بِفاكَهة كَثيرةَ وشَرابٍ وَعندَهُم قاصِراتُ الطَّرفِ أترابٌ هَذا ما تُوعَدونَ ليومِ الحِسابِ انَّ هَذا لَرِزقُنا ما لَه مِن نَفادً). (5)


1) فاطر: 34

2) الحج: 24

3) النبأ: 35

4) الحجر: 47 و48

5) ص: 49 -54

وفي كتاب ربنا الكريم مزید تفصيل.

وما ورد عن نبينا صلی الله علیه وآله لنا على ذلك خير دليل:

فعنه صلی الله علیه وآله يذكر بعض متع الجنة ونعيمها قال صلی الله علیه وآله:

ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن، وليس بمزمار الشيطان، ولكن بتمجيد الله و تقدیسه.(1)

وعنه صلی الله علیه وآله كان يذكر الناس فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي القوم أعرابي، فجثا لركبته وقال: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: نعم يا أعرابي، في الجنة نهر حافتاه الأبكار من كل بيضاء يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم الجنة.(2)

وورد: إن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس، لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً .(3)

ومن نعيم الجنة الرفقة الحسنة، رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

(وَمَن يُطعِ الله والرَّسولَ فَأولئكَ مَعَ الَّذينَ أنعَمَ الله عَليهُم مِن النبَييّن والصِّديقينَ والشُّهداء والصَّالحينَ وحَسُنَ أولئكَ رَفيقاً ).(4)

ومن متع الجنة التنازع، يتنازعون بينهم، ولكن لا کتنازع أهل الدنيا، إنه نزاع مزاح ومتعة، نزاع تلذذ و تفکه :


1) بحار الأنوار8: 196/ ح 181

2) بحار الأنوار8: 196ح 182؛ تفسير مجمع البيان 50:8

3) بحارالأنوار8: 196/ ح183، تفسير مجمع البيان 50:8

4) النساء: 69

(یَتنَازَعونَ فِيها كَأساً لا لَغوٌ فِيها ولا تَأثيمٌ).(1)

والاجتماعات واللقاءات بينهم مستمرة دائمة - إذ لا عمل ولا عبادة - وهم يتسامرون ويتحادثون، وقد يذكرون معارفهم في الدنيا، فيقول قائلهم محدثاً أصحابه عن جليس له في الدنيا، ولطالما نصحه فلم ينفع فيه ذلك النصح.

(قالَ قائِلٌ منهُم إنّي كانَ لي قَرينٌ قول ااَنَّكَ لَمِن المُصَدِّقين اَإذا مِنتّا وكُنّاتُراباً وعِظاماً أِنَّا لَمَدينونَ قالَ هَل أنتُم مُطَّلقونَ فَاطَّلَعَ فَرَآةُ فِي سَواءَ الجَحيمِ قالَ تَللَّه اِن كِدتَ لَتُردينِ ولَو لا نِعمَةُ ربِّي لَكُنتُ مِنَ المُحضَرينَ).(2)

ويتساءلون بينهم عن المجرمين فإذا هم في النار يصطلون.

(إلّا أصحابَ اليَمينِ فِي جَنَّات یَتساءُلونَ عَنِ المُجرمينَ ما سَلَكَكُم فِي سَقَرَ قالُوا لَم نَكُ مِن المُصَلينَ وَلَم نَكُ نُطعِمُ المِسكينَ وکُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضینَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بيَومِ الدّينِ).(3)

الذات الخلد:

وفي الجنة من الرزق الكريم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين:

(الَّذين آمَنوا بآياتنا وكانُوا مُسلمينَ ادخُلوا الجَنَّةَ أنتُم وأَزواجَكُم تُحبَرونَ يُطافُ عَليهم بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وَأكوابٍ وفِيها ما تَشَتَهيه الأنفُسُ وتَلَذُّ الأُعيُنُ وأنتُم فِيها خالِدُونَ) .(4)

ولهم فيها ما يشاؤون وما يدعون :

(لَهُم ما يَشاؤونَ فِيها ولَدينا مَزیدٌ ).(5)

(وَالَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي روضاتِ الجَنَّاتِ لَهُم مَا یَشاؤنَ عِندَ رَبِهِم ذلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ).(6)


1) الطور: 22

2) الصافات: 51 - 57

3) المدثر: 39 - 46

4) الزخرف: 59 - 71

5) ق: 35

6) الشوری: 22

(لَهُم فيها فاكِهةٌ وَلهُم مَا يَدَّعونَ). (1)

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تعدد أنواعاً من الطعام والشراب، وتصف النساء في الجنة، واللباس الذي يلبسونه، والحلي التي يحلون بها، نذكر بعضها عسى أن ينتفع بها من شاء، ويرغب إليها من أراد، فيعملوا جهدهم للوصول إليها والحصول عليها، والله عنده حسن الثواب.

(ولأُدخِلَنَّهم جَنَّاتٍ تَجري من تَحتها الأنهارُ ثَواباً مِن عِند اللهِ واللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوابِ).(2)

(كانَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرجانُ).(3)

(إنَّ الأُبرارَ یَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَیناً یَشرَبُ بِها عِبادُ اللّه يُفَجِّرونَها تَفجيراً).(4)

(وَجَزاهُم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحريراً مُتَكئینَ فيها على الُأرائك لایَرونَ فيها شَمساً ولا زَمهريراً ودانيَة علَیهِم ظلالُها وذُلَلت قُطُوفَها تَذليلاً ویُطافُ عَليهم بانيَة مِن فِضةَ وأكوابٍ كانَت قَواريرَا قواريرَا مِن فِضَّة قَدَّوها تَقديراً ویُسقَونَ فيها كَأساً كانَ مِزاجُهاً زَنجَبيلاً عَيناً فِيها تُسمَّیٍ سلسَبیلاً و یَطوفُ عَلیهم وِلدانٌ مُخلَّدونَ إذا رَأیتَهُم حَسبِتهُم لُؤلُؤاً مَنثوراً وَإذا رَأيتَ ثُمَّ رَأَيتَ نَعيماً ومُلكاً كَبيراً عَاليَهُم ثِيابُ سُندُسٍ خُضرٌ وَ إستَبرَقٌ وحُلّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَةٍ وَسَقاهُم رَبُّهُم شراباً طَهوراً إنَّ هذا كانَ لَكُم جَزاءً وَكانَ سَعيُكُم مَشكوراً) .(5)

(انَّ اللّه, یُدخِل الَّذينَ آمَنوا وعَمَلوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجري مِن تَحتِها الأنهارُ یُحَلَّونَ فيها مِن أسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلواً ولِباسُهُم فِيها حَریرٌ).(6)


1) یس: 57

2) آل عمران: 195

3) الرحمن: 58

4) الإنسان: 5 و6

5) الإنسان: 12 - 22

6) الحج: 23

ومن نعيم الجنة هدوء النفس وراحة البال، وعدم القيل والقال، فلا تعب ولا نصب، ولا فحش في القول ولا ابتذال، وإنما سكينة واطمئنان ومحبة ووئام، وتحية وسلام، ولا سأم من الخلود، وهذا ما لم يتوفر لأحد في الدنيا.

(جَنَّاتُ عَدنَ يَدخُلونَها یُحَلَّونَ فِيها مِن أَساورَ مِن ذَهَب ولُؤلؤاً وَلِباسُهُم فيها حَریرٌ وقالوا الحَمدُ لله الَّذي أَذهَبَ عنَّا الحَزَنَ انَّ ربَّنا لَغَفُورٌ شَكورٌ الَّذي أَحَلنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضلِهِ لا یَمَسُّنا فيها نَصبٌ وَلا یَمسَّنا فيهَا لُغُوبٌ).(1)

(جَنَّات عَدن الَّتي وَعَدَ الرَّحمنُ عِبادَهُ بالغَیبِ أنَّه كانَ وَعدُهُ مَاتیاً لَا يَسمَعُونَ فيهَا لَغواً الأ سَلاماً وَلَهُم رِزقُهُم فِيها بُكرَةً وَعَشيّاً).(2)

(وُجُوهٌ یَومَئِذٍ نَأعَمَةٌ لَسَعيِها راضِيةٌ فِي جَنَّة عَاليَةٍ لا تَسمَعُ فِيها لاغِيَةً فِيها عَينٌ جاريَةٌ فِيها سُرُرٌ مَرفُوعَةٌ وَأَكوابٌ مَوضُوعَةٌ وَنَمارِقٌ مَصفُوفَةٌ و زَرابيُ مَبثُوثَةٌ).(3)

(جَنَّاتُ عَدنٍ يَدخُلوها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِم وَأَزواجِهم وَذُريَّاتِهِم والمَلائِكةٌ يَدخُلونَ عَليهِم مِن كُلِ بابٍ سَلامٌ عَليكُم بِما صَبَرتُم فَنَعمَ عُقبَى الدَّارِ).(4)

(انَّ المُتَقینَ في مَقامٍ أَمينٍ فِي جَنَّاتٍ وعُیُونٍ يَلبَسونَ مِن سُندُسٍ وَإِستَبرَقٍ مُتقابِلينَ كَذلِكَ وَزَوَجناهُم بحُورٍ عَينٍ يَدعُونَ فيها بكُل فَاكِهةٍ آمنینَ لایَذوقونَ فِيهَا المَوتَ إِلَّا المَؤتَةَ الأُولَى وَوَقاهُم عَذابَ الجَحيمِ).(5)

(دَعواهُم فِيها سُبحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحیَّتُهُم فِيها سلامٌ وأخِرُ دَعواهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ).(6)


1) فاطر: 34 و 35

2) مریم: 61 و 62

3) الغاشية: 8-16

4) الرعد: 23 و 24

5) الدخان: 52 - 56

6) يونس: 10

من خطبة لأمير المؤمنین علیه السلام :

دار بالبلاء محفوفة وبالغدر موصوفة إلى قوله علیه السلام: و تفنيهم بحمامها. (1)

وقال علیه السلام في خطبة أخرى:

فاحذروا الدنيا فإنها غدارة غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، لا يدوم رخاؤها، ولا ينقضي محناؤها، ولا يركد بلاؤها.(2)

الدنيا خير دار لمن لم يتخذها داراً، أو كما قال أمير المؤمنین عله السلام يصف الزهاد: کانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها، فكانوا فيها كمن ليس منها،(3)لأنها دار عمل، دار امتحان واختبار، وهي الطريق إلى الآخرة، إلى دار الخلود حيث النار أبدأً أو الجنة أبداً، فالعمل فيها بالصالحات يوصل إلى مرضاة الرب، فيؤتيهم ثواب الدنيا والآخرة:

(فَأتَاهُم اللهُ ثَوابَ الدُّنيا وحُسنُ ثوابِ الآخرةِ واللهُ يُحبُّ المُحسِنينَ).(4)

وفي الدنيا الظفر والنصر على الأعداء:

(انَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنا والَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيومَ يَقُومُ الأُشهادُ).(5)

والرضا بما قسم، والقناعة ذلك الكنز الذي لا يفنى، والملك الذي لا يبلی، وراحة البال:

(وَقيلَ لِلَّذينَ اتَّقَوا مَا ذا أنزَلَ ريُّكُم قالُوا خَيراً).(6)

ويشرح صدورهم ولا يجعلها ضيقة، وليس کالكافر الضال الذي وصف - سبحانه - حاله في الدنيا، فقال عنه:


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 258

2) بحار الأنوار 70: 83/ ح 46

3) بحار الأنوار 67: 320/ ح 36

4) آل عمران: 148

5) غافر: 51

6) النحل: 31

(وَمَن يُرِد أَن يُضلَّهُ يَجعَل صَدرَه ضَيقاً حَرجاً كأنَّما يَصعَّدُ فِي السَّماء). (1)

ويدفع عنهم بلاء النار فيها وينجيهم منه، كما أنجي أمماً آمنت بربها وصدقت بأنبيائها، فقد أنجي نوحاً والذين آمنوا معه:

(فَکذَّبوهُ فَأنجَينَاهُ والَّذينَ مَعَه فِي الفُلكِ وأَغرَقنَا الَّذينَ كَذَبوا بِآياتِنا انَّهُم كانوا قَوماً عَمينَ).(2)

وكما أنجی هوداً ومن آمن من قومه:

(فَأنجَيناهُ والَّذينَ مَعَه بِرحمَة منَّا وَقَطَعنا دابِرَ الَّذينَ كَذَبوُا بِآياتِنا ومَا كانُوا مُؤمِنينَ).(3)

وكذلك ينجي الله المؤمنين، هذا في الدنيا، وفي الآخرة الفوز والخلود في الجنة، والنعيم الدائم، ولولا هذه الدنيا لما استحق الإنسان كل هذا الجزاء العظيم، فطوبى للعاملين فيها بأوامره، المنتهين عن نواهيه، وحسن مآب.

أما غير المؤمن، أما الذين غرتهم الدنيا فركنوا إليها وأصبحت كل همهم، أما الذين يحرصون كل الحرص فيتمنون لو يعمرون فيها:

(ولَتَجِدنَهُم أحرَصَ النَّاس علَى حَياةِ ومَنَ الَّذينَ أشرَكَوا ویَوَّدُّ أَحَدُهُم لَویُعَمَّرُ ألفَ سَنَةٍ ومَا هُو بِمُزَحزحِه مِنَ العَذابِ أَن یُعَمَّرَ اللهُ بَصيرٌ بِما يَعمَلونَ). (4)

ومهما أوتوا فيها من المال والجاه والسطوة والسلطان فهم في ضنك من العيش:

(وَمَن أعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَه مَعِيشَةً ضَنكاً).(5)

رضوا بالأرذل الأدنى، وفتنوا أنفسهم بالشهوات والملذات الزائلة، وبالذهب والفضة :


1) الأنعام: 125

2) الأعراف: 64

3) الأعراف: 72

4) البقرة: 96

5) طه: 125

(زُيّن للنَّاس حُبُّ الشَّهواتِ مِن الِنساءِ والبَنينَ والقَناطِير المُقَنطَرَة مِن الذَّهَبِ وَالفِضَّة وَالخَيلِ المُسَوَّمَة والأنعامِ وَالحَرثِ ذَلكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا واللهُ عِندَه حُسنُ المَآبِ).(1)

وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، ومتاع الدنيا قليل:

(قُل مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ وَالأخرةٌ خَيرٌ لمَنِ اثَّقی).(2)

(نُمَتَعُهُم قَليلاً ثُمَّ نَضطَرُّهُم إِلى عَذابٍ غَليظٍ).(3)

(لا يَغُرَّنَكَ تَقلُبَ الَّذينَ كَفرَوا فِي البِلادِ مَتاعٌ قَليلٌ ثُمَّ مَأواهُم جَهَنَّمُ وَ بِئسَ المِهادُ ).(4)

فالمغرور من غرته هذه النعم الزائلة الفانية و شغل بها وجعلها الغاية، ولم يجعلها الوسيلة إلى بلوغ رضوان الله ونعيمه الدائم الذي لا انقضاء له ولا زوال.

وغير المؤمن إذا ملك المال طغی، وإذا ملك السلطان سعي في الأرض الفساد:

(إنَّ الإنسانَ لَيَطغى أَن رَآهُ استَغنی).(5)

(وإذا تَوَلَّی سَعی فِي الأرضِ لِيُفسدَ فيها وَیُهلِكَ الحَرثَ والنَسلَ واللهُ لايُحِبُ الفَسادَ).(6)

المال والسلطان نعمة ينعمهاالله سبحانه على الإنسان، تستوجب الشكر، فيبدلها الكافر كفراً وطغياناً عن سبيل الله :

(ألَم تَر إلَى الَّذينَ بَدَّلوا نِعمَتَ اللهِ کُفرأً وَأحَلُوا قَومَهُم دارَ البَوارِ جَهَنَّمَ يَصلَونَها و بئسَ القَرارُ).(7)


1) آل عمران: 14

2) النساء: 77

3) لقمان: 24

4) آل عمران: 196 و 197

5) العلق: 6 و 7

6) البقرة: 205

7) إبراهيم: 28 و 29

(انَّ الَّذينَ کَفَروا يُنفِقُونَ أَموالَهُم لِيَصُدُّوا عَن سَبيلِ اللهِ فَسَیُنفِقُونَها ثُمَّ تَکونُ عَلَيهِم حَسرةً ثُمَّ يُغَلبُونَ والَّذينَ كَفروا إلَى جَهَنَّمُ یُحشَرونَ).(1)

لا تنفعهم نصيحة ولا يفيدهم إنذار:

(إنَّ الَّذينَ كَفَروا سَواءٌ عَليهِم أأنذَرتَهُم أَم لَم تُنذِرهُم لا يُؤمنونَ) .(2)

واذا ما أملي لهم - سبحانه في هذه الدنيا فليس حباً بهم ولا كرامة الهم ولكن!؟

(ولا يَحسَبَنَّ الَّذينَ كَفروا أنَّما نُملِي لَهُم خَيرٌ لِأنفُسِهِم إنَّما نُملِي لَهُم لِيَزدادُوا إثماً وَلَهُم عَذابٌ مُهينٌ).(3)

ولأن الدنيا وما فيها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فما قيمة ما يعطي فيها الكافر مهما كثر، ولولا أن يساق الناس سوقاً إلى الكفر لجعل الله سبحانه لمن يكفر به:

(لِبُیُوتِهم سُقُفاً مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عليها يَظهَرونَ * ولِبُيُوتِهِم أبواباً و سُرراً عَليها یَتَکونَ* وزُخرُفاً). (4)ربّ سائل يسأل: وهل يترك هؤلاء بدون عقاب في هذه الدنيا ؟! أم أنهم يعاقبون ليكونوا عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ؟

کلا، فلقد انتقم - سبحانه - من الكافرين والظالمين على مر العصور والأعوام وكر الدهور والأيام، فلم ينصرهم من الله ناصر، ولم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ولا سلطانهم، وإليك نبؤهم، ولا ينبؤك مثل خبير، قال تعالى:

(فَأمَّا الَّذينَ كَفروا فَأُعَذُبُهم عَذاباً شَديداً فِي الُّدنيا والآخرةِ ومَا لَهُم مِن ناصِرينَ) .(5)


1) الأنفال: 36

2) البقرة: 6

3) آل عمران: 179

4) الزخرف: 33 - 35

5) آل عمران: 56

وقال تعالى يصف حالهم في الدنيا بأنهم خائفون مرعوبون، وإن ملکوا كل شيء!

(سَنُلقِي في قُلُوب الَّذينَ كَفَروا الرُّعبَ بما أشرَكُوا بِاللهِ ما لَم یُنَزل بِه سُلطاناً وَمأواهُمُ النَّارُ و بِئسَ مَثوىَ الظَّالمينَ).(1)

وكم نص علينا القرآن الكريم من قصصهم، وكيف أخذهم الله نكال الدنيا والآخرة، فاعتبروا يا أولي الألباب:

(ولَقَد عَلمتُم الَّذينَ اعتَدُوا مِنكُم فِي السَّبتِ فَقُلنا لَهم كُونُوا قِردَةً خاسِئينَ * فَجعلناها نَکالاً لِما بَين یَدیها ومَا خَلفَها وَموعظةً لِلمُتقينَ).(2)

(وعَاداً وثَمودَ وقَد تَبينَ لَكُم من مَسَاكَنِهم و زَینَ لَهُم الشَّيطانُ أعمالَهُم فَصَدَّهُم عَن السَّبيلِ وكانُوا مُستَبصِرينَ * وقارُونَ وفرعونَ وهاماَن ولَقد جاءَهُم موسى بالبَيناتِ فَاستَکبَروا فِي الأُرضِ ومَاكانُوا سابقینَ *فكلاً أَخَذنا بِذنبِه فَمِنهُم مَن أرسَلنا عَلیة حاصِباً ومِنهُم مَن أخَذته الصَّيحَة ومنهُم مَن خَسَفنا به الأرضَ ومنهُم مَن أغرَقنا ومَا كانَ اللهُ لِيَظلمَهُم وَلكِن كانُوا أنفُسَهُم یَظلِمُون)(.(3)

ولنا بما فعل الله بالذين كذبوا الرسل - من قبلنا - عبرة وعظة:

(لَقد كانَ فِي قَصَصِهِم عِبرةٌ لأُولِي الألبابِ).(4)

فهؤلاء قوم صالح وقوم شعيب علیه السلام:

(فَأَخَذهُم الرَّجفَةُ فَأصبَحوا فِي دارِهم جاثِمينَ).(5)

وهؤلاء قوم لوط علیه السلام:


1) آل عمران: 151

2) البقرة: 65 و66

3) العنكبوت: 38 - 40

4) يوسف: 111

5) الأعراف: 78

(فَأنجَیناهُ، وَأهلَهُ إلا امرَأتَهُ كانَت مِن ألغابِرينَ * و اَمطَرنا عَلَيهِم مَطَراً فَانظُر كَيفَ كانَ عَاقبةُ المُجرمينَ).(1)

وأما الذين كتبوا موسی علیه السلام:

(فأرسَلنَا عَليهم الطُّوفانَ وألجوادَ والقُمُّل والضَّفادِعَ والدَّمَ آیاتٌ مُفَصَّلاتٍ فَاستَكبَروا وكانُوا قَوماً مُجرمينَ).(2)

(فانتَقَمنا منهُم فَأغرَقناُهم في اليَّمِ بأنَهُم كَذَّبوا بآياتِنا وكانوا عَنها غَافلينَ).(3)

وإكراما لنبينا نبي الرحمة، ولبيان فضله على سائر الأنبياء والمرسلين، رفع سبحانه وتعالى عن أمته العذاب في الدنيا لسببين:

الأول: لوجوده - عليه وعلى آله الصلاة والسلام - بينهم.

الثاني: الاستغفارهم من الذنوب التي يقترفونها، قال عز اسمه:

(وما كان اللهُ لِيُعَذِبَهُم وأنتَ فيهِم ومَا كانَ الله مُعَذَبَهُم وهُم يَستَغفِرونَ).(4)

من عشق شيئاً أعشى بصره:

قال الأستاذ محمد علي الحوماني في كتابه (دین و تمدین) ج 2 ص 264، عند قوله علیه السلام:

من عشق شيئاً أعشی بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه .

هذه كلمات واضحة صريحة لاتحتاج إلى بيان في عرضها بين يدي قراء هذا السفر، إلا كلمة وأعشی بصره، فقد كان إمام البلغاء حرية بأن يقول:


1) الأعراف: 83 و 84

2) الأعراف: 133

3) الأعراف: 136

4) الأنفال: 33

أعمي بصره قياساً على المثل القائل: الحب يعمي ويصم، والمثل الآخر صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاها فلماذا عدل الإمام عن كلمة أعمى، إلى كلمة أعشی یا ترى؟ إنه أراد العمى القريب لا البعيد، والعمی الجزئي لا الكلي، فإن الأعشى والعشواء من لا يبصر أمامه، وهو الذي لا يبصر ليلا، من العشرة التي هي ظلمة الليل، فلم يرد الإمام بالعشوة الحقيقية وإنما أراد مجازیها، بأن شاء أن ينسب للعاشق العمى الجزئي، وهو عدم الرؤية في الليل، أو العمى القريب الذي هو عدم رؤيته ما بين يديه، وترك العمى الكلي الذي هو عمي الليل والنهار، كما ترك العمى البعيد وهو فقد البصر رؤية ما يكشفه النور من جميع الآفاق التي تحدق به.

أقول: لقد ترك الإمام هذا النوع من العمى للحقيقة واكتفى بالمجاز منها.

ففي الحقيقة أن العاشق لا يعمي بصره عن كل شيء قريبه وبعیده، جزئیه و کلیه، لأنه يرى مناط عشقه وهو حبيبه الذي أعماه عن أن يرى غيره، إذن فهو أعشی لا أعمى، فكأن هذا العاشق لا يرى في الحياة شيئاً غير ما يعشق، فعينه –وهي تبصر الأشياء دونه _ تصور له كل شيء في شكل حبيبه، وأذنه - وهي تسمع كل صوت حوله _ لا توقع غير صوت حبيبه على سمعه، إذن فالعاشق يرى بعينه العاشقة شخصاً واحداً هو عنده كل شخص، ويسمع بأذنه العاشقة صوتا واحداً هو عنده كل صوت، ذلك الشخص هو شخص حبيبه، وذلك الصوت هو صوته.

من أجل هذا عبر عن عينه التي تعشو عن رؤية كل شخص غير ما يعشق، عبر عنها بأنها غير صحيحة، وعبر عن أذنه التي تهم عن سماع كل صوت إلا صوت عشيقه، عبر عنها بأنها غير سميعة، ذلك ليدلنا على أن الاسترسال في رؤية غير الحق عمي، وأن الاسترسال في استماع غير الحق صمم، فالرائي - وإن كان جد بصیر - هو أعمى، إلا إذا أمعن في النظر إلى ما يفيض بنور الحق في الحياة، والواعي - وإن كان جد سميع - فهو أصم إلا إذا أصغى بسمعه إلى ما يفصح عن صوت الحق في الحياة.

هذا هو علي تلميذ محمد في بلاغته وحكمته وتقواه، ثم في إخلاصه بكل ما يقول ويعمل.

أقول: هذا علي عدنا إليه بما يلقي علينا من تعاليم أخيه ومعلمه محمد صاحب المعجزات، ومنقذ العالم من هوة الانحدار إلى ظلام الوحشية، هذا علي يقول في مضمون هذه الجمل الصغيرة: إن الشهوات قد تخرق العقل مهما كان هذا العقل جباراً، وإن الدنيا قد تميت القلب مهما كان هذا القلب كبيراً، إنه علیه السلام يحذر كثيراً من استرسال النفس مع الشهوات، ويؤمن كثيراًبأن الشهوة قد تميت القلب وهو يزخر بالحياة، وإن صاحب الشهوة عبد قن لنفسه حيث يقول: عبد الشهوة أذل من عبد الرق. (1)

هذا العقل الكبير الجبار المنزل من السماء على الأرض رحمة بالإنسان الضعيف بين يدي شهواته، أقول: إن هذا العقل يضعف ويتضاءل بين يدي النفس الأمارة بالسوء، فما هي إذن هذه النفس العاصفة بجبابرة العقول؟؟ وما هو هذا العقل الجبار الذي يخسأ وينكص ويستكين بين يدي طغيان هذه النفس العاتية؟؟ إنا لنشعر جميعاً بضعف العقل أمام شهوة الإنسان الدنيا، ونحن على إيمان قوي بأن العقل أشرف ما يحمله الإنسان من صفات الخير والنبل والكمال، إنا لنشعر بذلك، ثم نؤمن بأن العقل مرشدها، وأن الشرائع السماوية إنما نزلت لتعزيزه، ثم نرى عقولنا أحياناً كثيرة تخضع لشهوات أنفسنا بمحض اختيارنا وإرادتنا، فما هو السر في ذلك كله يا ترى؟؟

هل لأن الإنسان منطلق بنفسه في متع الحياة الدنيا ومقيد بعقله فيها؟؟ ولأن النفس تبعث على تغذية الجسم في حياته القصيرة، والعقل يبعث على.


1) عوالي الثالي 1: 273/ ح 95

تغذية الروح في حياتها الطويلة؟! أم لأن الإنسان مفطور على شهواته بطبعه، ومفطور على عقله بتطبعه، من أجل ذلك تراه يتهافت على الشهوات منذ طفولته وقبل تعقله، بينما نراه يتزن بعقله من وراء تدينه و تعلمه وتثقفه، فلا يخضع للعقل إلا بمعلم يرشده أو سلطان يقومه أو مجتمع يثقفه، وأما النفس الشريرة فلها سلطانها الطبيعي الذي يخضع له ويأتمر به دونما قاسر أو آسر من خارج كيانه الذاتي؟؟

المرء بعقله كبير إذا ملك إرادته وسيطر على شهواته، وهو كذلك بهذه الشهوات كبير إذا عهد بتوجيهها إلى عقله، فإن الإنسان إذا سيطر عليه عقله بما لا يخمد عاطفته كان مصدراً للعلوم، وإذا سيطرت عليه عواطفه بما لا يكبت عقله كان مصدراً للفنون، فإذا ملك هاتين السيطرتين كان الرجل الكامل، وإذا فقد إحداهما نقصت رجولته، وأماإذا فقد كليهما فقد هلك.

كل ذلك يعنيه الإمام إذ يدعو إلى تفادي الشهوات وتحامي سلطانها على العقل، وتهافت الإنسان بين يدي شهواته إذا لم يستعن بعقله على توجيهها والتحرر من سلطانها الجائر.

كان الإمام أديباً وعالماً و حكيماً، كان أدیباً إذ تثور عاطفته فيعصمها بنضج عقله من التهافت، فتنفجر فتطلع بأسمى أنواع الأدب الحزين علينا، كخطبته المسماة (بالشقشقية)، و كخطبه التي كان يقرع بها جنده وهم يستعصون عليه، فيما يأمرهم به وينهاهم عنه.

وكان الإمام عالماً إذ يعالج بعقله الكبير قضايا السياسة أو الفلسفة أو الثقافة، كعهده لعامله مالك الأشتر إذ ولاه مصر، و کوصيته لولديه عند احتضاره.

وكان الإمام حكيماً في كثير من أقواله التي يراها القاريء مدار البحث في هذا الكتاب.

الشهوة الجامحة:

الشهوة التي يعنيها الإمام بقوله، هذه هي الشهوة الجامحة التي تنزو على العقل فلايكبتها ضمير ولا يكبحها وازع، هذه الشهوة هي التي تطمح بالإنسان الضعيف العقل فتجرده من شرفه وإنسانيته ودينه وأدبه في سبيل حطام الدنيا، هذا الحطام الذي يتكالب عليه الناس بين يدي منصب زائل أو لذة من متع الحياة عمرها قصير، أو ملك يتهالك في سبيله من وراء حياة قصيرة الأجل؟

هذه الشهوة التي تدفع بالإنسان الكبير بكل ما فيه من جوهر تخيره الله له وجعله خليفته في أرضه، تدفع هذه الشهوة به إلى هوة ينحدر فيها عن الحيوان المسخر له.

أقول: هذه الشهوة الجامحة المتحللة الطاغية هي التي يعنيها الإمام بقوله: قد خرقت الشهوات عقله وأماتت قلبه.

وهي التي عناها بقوله: عبد الشهوة أذل من عبد الرق،(1)هذه الشهوة هي المعبر عنها في القرآن بقوله عز من قائل: (إنَّ النَّفسَ لَأَمَارَةٌ بِالسُوءِ)، (2)وأما الشهوة التي يطمح بها الإنسان إلى معالي الأمور من متع الجسد والروح ثم يعمل بعقله ودينه وما أوتيه من قوة عادلة في تفكيره و تدبيره.

هذه الشهوة التي هي مثار العاطفة في الإنسان الذي لا يعيش بلا عاطفة.

أقول: إن هذه الشهوة هي التي يخاطب الله من ورائها عباده بقوله تعالى: (قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِه وَالطَّيباتِ مِنَ الرزقِ)(3)وقوله: (كُلُوا مِن طَّيِباتِ مَا رَزقناكُم)(4)وهذه الشهوة هي التي غضب لها الامام عندما بلغه أن بعض الموسرين من أصحابه يكبحون من شهواتهم زهدأً في الحياة الدنيا


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 342/ الرقم 928

2) يوسف: 53

3) الأعراف: 32

4) البقرة: 57

وتشبهاً به، فانهال عليهم بالتأنيب والتقريع إذ يقول:لم تحرمون ما أحل الله؟؟ ولمن يقول الله تعالى: (كُلُوا مِن طَّيباتِ مَا رَزقناكُم).(1)

ثم يلتفت علیه السلام ويقول: من مضمون قوله لا من نصه _ أما أنا الذي تتشبهون بي في هذا الحرمان، فأنا أمير المؤمنين، وقدوتهم، ومكان المواساة منهم، لو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا البر ونسائج هذا القز، ولكن رب جائع في هؤلاء الذين أعول يقول: إن ابن أبي طالب ملأ جوفه من أطائب الحياة وأنا جائع.(2)

هكذا كان الإمام ينظر إلى الدنيا نظرة خبير بها، ثم ينظر إلى الناس نظرة خبير بهم، فليس للمأموم أن يتشبه بإمامه في دقائق الحياة وجلائلها، فقد يسوغ للإمام ما ليس في حساب المأموم، وقد يسوغ لهذا ما هو حجر على ذاك، ولهذا كان الإمام إماماً والمأموم مأموماً.

بهذا يمتاز الرفيع عن الوضيع، والشريف عن الخامل، والعالم عن الجاهل، فقد يكون المباح لي - وأنا العبد المملوك _ حراماً عليك وأنت السيد المالك، وقد يكون المحرم علي - وأنا الجهول - مباحألك وأنت العالم، فليس كل ما يصلح للرفيع يصلح للوضيع، ولا كل ما يليق بالجاهل يليق بالعالم، من أجل ذلك قيل: ذنب العالم على قدره، وذنب الجاهل على قدره، تلك سنة الله في خلقه (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّة الله تَبديلاً).(3)

لقد تقدم ذكر الجنة ووصفها، ولما كان قوله علیه السلام في المقام من


1) البقرة: 57 و 172؛ الأعراف: 160

2) قال علیه السلام: ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل وكبابهذاالقمح ونسائج هذا القر، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع. أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثي وأكباد حريه انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 286

3) الأحزاب: 12؛ الفتح: 23

وصف الجنة مشرباً ومطعماً الخ ناسب أن تعود إلى ذكر الجنة آخر مما يتشوق إليه القارئ فنقول:

الجنة (لغة) هي الحديقة ذات الشجر، وفي الاصطلاح الديني تطلق الجنة على ما أعده الله للصالحين من عباده في الحياة الآخرة، مكافأة لهم على صالح أعمالهم وجميل آثارهم في العالم الأرضي.

وصف الجنة في القرآن:

وقد جاء وصفها في القرآن الكريم بأنها ذات أنهار وأشجار وفواكه ولحوم وأزواج، على مثال ما هو موجود في العالم الأرضي، وإن كان أرقى منه في النوع والشكل والطعم، وقد تكرر ذكرها في الكتاب الشريف على صور شتى، فقال تعالى:

(وَجزاهُم بما صَبَروا جَنَّةً وحَريراً * مُتَكئينَ فيها عَلى الأرائكِ لا يَرونَ فيها شَمساً وَلا زَمهَریراً * ودانِيَةً عَليهِم ظِلالُها وذَلَلت قَطوفُها تَذليلاً * ویُطافُ عَليهم بِانيَّةٍ مِن فِضَّة وأَكوابٍ كانَت قَواريراً * قَواريراَ مِن فِضَّةٍ قَدَّروها تَقديراً * و یُسقون

فيها كَأساً كانَ مِزاجُهاً زَنجبيلاً * عَيناً فيها تُسَمَّي سَلسَبيلاً * وَیَطوفُ عَليهم ولدانٌ مُخلَّدونَ إذا رَأيتَهُم حَسبَهم لُؤلُؤاً مَنثوراً * وإذا رَأيتَ ثَمَّ رأيتَ نَعيماً ومُلكاً كَبيراً * عالِیَهُم ثِیابُ سُندُس خُضرٌ واستَبرقٌ وحُلواَ أَسَاوِرَ مِن فِضةٍ سَقاهُم رَبُّهم شَراباً طَهوراً * إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وَكانَ سَعيُكُم مَشكُوراً).(1)

وقوله تعالی :

(مَثَلُ الجَنَّة الَّتي وُعدَ المُتَقونَ فِيها أنهارٌ مِن مَاء غَيرِ اسِنٍ وَأنهارٌ مِن لَبَنٍ لَم یَتَغير طَعمُهُ وأنهارٌ مِن خَمرٍ لَذَّة للشَّاربينَ وأنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفىِ ولَهُم فيها مِن كُل الثَمراتِ وَمَغفرةٌ مِن رَبِّهِم كَمَن هُو خالِدٌ فِي النَّار وَسُقوا مَاءً حَميماً فَقَطعَ أَمعاءَهُم).(2)


1) لإنسان: 12 - 22

2) محمد: 15

وقال تعالى:

(ولَهُم فيها أَزواجٌ مُطَهرةٌ وهُم فِيها خَالِدوُن) .(1)

هذا بعض ما ورد من صفات الجنة في القرآن العظيم.

وصف الجنة في أحاديث السنة:

قال الطريحي في مجمع البحرین:

عن علي بن إبراهيم قال: حدثني أبي، عن حماد، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال:

قال رسول الله صلی الله علیه وآله: لما أسري بي إلى السماء، دخلت الجنة فرأيت قصراً من یاقوت أحمر يرى داخله من خارجه، وخارجه من داخله، وفيه بيتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر؟ فقال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام، فقال أمير المؤمنین علیه السلام: یا رسول الله وفي أمتك من يطيق هذا؟ فقال: أدن مني يا علي، فدنا، فقال: أتدري ما إطابة الكلام؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال: من قال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر). فقال: أتدري ما إدامة الصيام؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: من صام شهر رمضان ولم يفطر منه شيئاً. قال: أتدري ما إطعام الطعام؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس. وتدري ما التهجد بالليل والناس نيام؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: من لم ينم حتى يصلي عشاء الآخرة، ويعني ب (الناس نيام) اليهود والنصارى، فإنهم ينامون فيما بينهما.(2)

وفي سفينة البحار مسنداً عن أبي أمامة الباهلي، إن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من


1) البقرة: 25

2) مجمع البحرين 1: 414

الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن، وليس بمزمار الشيطان، ولكن بتمجيد الله وتقديسه. (1)

وعن أبي الدرداء: قال كان رسول الله صلی الله علیه وآله يذكر الناس، فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي القوم أعرابي، فجثا لركبتيه وقال: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: نعم يا أعرابي، إن في الجنة لنهراً حافتاه أبكار من كل بيضاء، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم الجنة.(2)

وقال أمير المؤمنين علیه السلام في وصف الجنة: واعلموا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شيء، لا يعجز عن العباد جنة عرضها السماوات والأرض، خير لا يكون بعده شر أبداً، وشهوة لا تنفذ أبداً، ولذة لا تفني أبدأً، ومجمع لا يتفرق أبداً، وقوم قد جاوروا الرحمن وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان.(3)

وفي السفينة أيضاً، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال قال رسول الله صلی الله علیه وآله : أخبرني جبرئيل أن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، وما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شیخ زانٍ، ولا جار أزاره خيلاء، ولا فتان ولا منان ولا جعظري، قال: قلت: فماالجعظري؟ قال الذي لا يشبع من الدنيا.(4)

وفي المجلد الأول من كتاب (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل) تأليف قاضي القضاة مجير الدين الحنبلي:

ثم خلق الله الجنة وهي ثمان جنات: أولها دار الجلال من اللؤلؤ الأبيض، ثم دار السلام وهي من الياقوت الأحمر، ثم جنة المأوى وهي من


1) بحار الأنوار 8 196ح 181

2) بحار الأنوار8: 196ح 182

3) أمالي الشيخ المفيد: 266

4) بحار الأنوار8: 193/ ح 174

الزبرجد الأخضر، ثم جنة الخلد وهي من المرجان الأصفر، ثم جنة النعيم وهي من الفضة البيضاء، ثم الفردوس وهي من الذهب الأحمر، ثم جنة دار القرار وهي من المسك، ثم جنة عدن وهي من الدر، وهي مشرفة على الجنان، لها بابان من ذهب، بين كل مصراع كما بين السماء والأرض، وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، بلاطها المسك، وترابها العنبر، وحشیشها الزعفران، وقصورها اللؤلؤ، وغرفها الياقوت،وأبوابها الجوهر، وفيها أنهار: منها نهر الرحمة، ونهر الكوثر، وهو لنبينا صلی الله علیه وآله، ونهر الكافور، ثم التسنیم، ثم السلسبيل، ثم الرصيف، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى. وللجنان ثمانية أبواب، وفيها من الحور العين ما لا يقدر على وصفهن إلآ الذي خلقهن.

وفي تفسير (نفحات الرحمن) 48/1 : روي عن النبي صلی الله علیه وآله في فضيلة «بسم الله الرحمن الرحیم أنه قال: ليلة أسري بي إلى السماء عرض علي جميع الجنان، فرأيت فيها أربعة أنهار: نهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل. فقلت: يا جبرائیل من أين تجيء هذه الأنهار وإلى أين تذهب؟ قال: تذهب إلى حوض الكوثر، ولا أدري من أين تجيء، فادعو الله تعالی ليعلمك أو بريك، فدعي ربه فجاء ملك فسلم على النبي صلی الله علیه وآله ثم قال: يا محمد غمض عينك، قال: فغمضت عيني، ثم قال: افتح عينك، ففتحت فإذا أنا عند شجرة، ورأيت قبة من درة بيضاء ولها باب من ذهب أحمر وقفل، لو أن جميع ما في الدنيا من الجن والإنس وضعوا على تلك القبة لكانوا مثل طائر جالس على جبل.

فرأيت هذه الأنهار الأربعة تخرج من تحت القبة، فلما دنوت من القفل وقلت: «بسم الله الرحمن الرحیم انفتح القفل، ورأيت مكتوباً على أربعة أركان القبة «بسم الله الرحمن الرحیم»ورأيت نهر الماء يخرج من میم (بسم الله)، ورأيت نهر اللبن يخرج من هاء «الله»، ونهر الخمر يخرج من میم الرحمن»، ونهر العسل يخرج من میم الرحیم»فعلمت أن أصل هذه الأنهار

الأربعة من البسملة، فقال الله عزوجل: يا محمد من ذكر هذه الأسماء من أمتك بقلب خالص من رياء وقال: بسم الله الرحمن الرحیم سقيته من هذه الأنهار.

وفي ربيع الأبرار للزمخشري :

عن أسامة بن زيد: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول في ذكر الجنة: ألا مشتر لها، هي ورب الكعبة - ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر يطرد، وزوجة لا تموت، مع بور ونعيم، ومقام الأبد.(1)

الخدري يرفعه: إن الله جل ذكره لما حوط حائط الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس غرسها، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال تعالى: طوبى لك منزل الملوك.(2)

جابر بن عبد الله الأنصاري، عنه صلی الله علیه وآله: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تعالى: أتشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا وما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر.(3)

زيد بن أرقم، قال رجل لرسول الله صلی الله علیه وآله : يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في الأكل والشرب، قال: فإن الذي يأكل تكون له الحاجة، والجنة طيب لا خبث فيها، قال: عرق يفيض من أحدهم کرشح المسك فيضمر بطنه. (4)

عتبة بن غزوان: لقد بلغني أن المصراعين من مصاريع الجنة، بعدما بينهما مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ بالزحام.


1) رواه أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج 9: 280

2) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 9: 280

3) شرح النهج لابن أبي الحديد 9: 280

4) بحار الأنوار8: 149ح 82

دخل داود علیه السلام غاراً من غیران بیت المقدس فوجد حزقيل يعبد ربه، وقد يبس جلده على عظمه، فسلم عليه، فقال: أسمع صوت شبعان ناعم، فمن أنت؟ قال: داود! قال: الذي له كذا و كذا امرأة، و كذا وكذا أمة؟ قال: نعم، وأنت في هذه الشدة؟ قال: ما أنا في شدة، ولا أنت في نعمة، حتى ندخل الجنة. (1)

قوله علیه السلام: أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها" استعار صلوات الله عليه لفظ الجيفة للدنيا باعتبار نفرة طباع أهل البصيرة والمعرفة عنها، وكونها مستقذرة في نظر أرباب اليقين وأولياء الدين، كالجيفة المنتنة التي ينفر عنها الناس ويفرون منها، أوباعتبار اجتماع أهلها عليها و فرط رغبتهم إليها، و کون هم كل واحد جذبها إلى نفسه بمنزلة جيفة منبوذة تجتمع عليها الكلاب ويجذبها كل إليه، قال الشاعر:

وما هي إلا جيفة مستحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها

قوله علیه السلام: واصطلحوا علی حبها، أي اتفقوا على محبتها و توافقوا عليها، فإن أصل الصلح هو التراضي بين المتنازعين، وتجوز به عن التوافق والاتفاق للملازمة بينهما.

قوله: ومن عشق شيئاً، أي كان مولعاً به شديد المحبة له، فإن العشق هو الافراط في الحب والتجاوز عن حد الاعتدال.

قال جالینوس الحكيم اليوناني العشق من فعل النفس، وهو كامن في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاث مساكن: التخيل في مقدمه، والفكر في وسطه، والذكر في آخره. فلا يكون أحد عاشقاً حتى إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيله وفكره وذكره، فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال قلبه،


1) بحار الأنوار 14: 26/ ح 4

وكبده من النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والذكر والفكر للمعشوق، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقاً.

وكيف كان فالمراد أن من أفرط في محبة شيء أعشى ذلك الشيء «بصره وأمرض قلبه» أي يكون فرط حبه لذلك الشيء مانعاً عن توجهه إلى ما يلزمه التوجه إليه، وحاجباً عن النظر إلى مصالحه وما يلزمه الاشتغال به، فيكون غافلاً عما عداه صارفأً أوقاته بكليته إلى هواه، ويكون عشقه مانعاً عن إدراكه العقول، ويكون عشقه أيضاً مانعاً عن إدراكه لعيوب المعشوق وعن التفاته إلى مساويه، ومن هنا قيل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ***كما أن عين السخط تبدى المساويا

وغرضه صلوات الله عليه أن أهل الدنيا لكثرة حبهم لها وفرط رغبتهم إليها قصرت أبصارهم عن النظر إلى أخراهم، ومرضت قلوبهم عن التوجه إلى عقباهم، وصرفوا أوقاتهم بكليتها إليها وإلى زخارفها ومقتنياتها، غافلين عن إدراك عيوبها ومساويها، ولم يعرفوا أنها غدارة غرارة يونق منظرها ويوبق مخبرها، وأنها لم تف الأحد من عشاقها، ولم تصدق ظن أحد من طالبيها وراغبيها.

قوله صلوات الله عليه: فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة لغفلته عما سوى المحبوب، وعدم تنبهه بما فيه من العيوب، فلا ينظر إليه بنظر البصيرة والاعتبار حتى يبصر ما فيه من المفاسد والمضار، ولا يستمع إلى المواعظ والزواجر والنواهي والأوامر حتى يأخذ عدته ليوم تبلى السرائر.

قد خرقت الشهوات عقله شبه العقل بالثوب، إذ كما أن الثوب زينة الانسان ووقاية للبدن من الحر والبرد فكذلك العقل زينة للمرء ووقاية له من حر نار الجحيم، يعبد به الرحمن و یکتسب به الجنان، وجعل عقل الرجل الموصوف بمنزلة ثوب خلق، إذ الثوب إذا كان خرقاً خلقاً ممزقاً لا ينتفع به صاحبه، فكذلك العقل إذا كان مفرقاً بالشهوات الباطلة مصروفاً في اللذات العاجلة لا ينتفع به فيما خلق لأجله البتة.

قوله صلوات الله عليه: وأما تت الدنيا قلبه، فلا انتفاع له به کمیت لا

نفع له، «وولهت عليها نفسه، أي صار في فرط محبته للدنيا بمنزلة الواله عليها والمفتون بها فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها»، لأنه إذا كانت همته مصروفة اليها وأوقاته مستغرقة في جمعها و جبايتها صار زمام أمره بيدها «حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها، کبد دائر في حركاته وسكناته مدار مولاه، وانقياده لسيده ربما يكون قسرياً، وخدمة ذلك لدنياه عن وجه الشوق والرغبة والرضا والمحبة، وفي هذا المعنى قال الشاعر:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها *** فكيف ما انقلبت يوماً به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت *** يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا

قوله صلوات الله عليه: «لا ينزجر من الله بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ» وهو يرى الكتب الآلهية والصحف السماوية والأخبار المشحونة بذم الدنيا، الناهية عن الركون إليها والإعتماد عليها، مضافاً إلى رؤيته المخرجين عن الدنيا بجبر و قهر، والمقلعين عنها بكره وقسر،«المأخوذين على الغرة» وحالة الاغترار والغفلة، المشغولين بالدنيا وشهواتها، الغافلين عن هادم اللذات وسكراته «حيث لا إقالة، لهم عن ذنوبهم ولا رجعة لهم إلى الدنيا ليتداركوا سيئات أعمالهم.

كيف نزل بهم من شدائد الأهوال «ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من»عقبات والآخرة ما كانوا يوعدونه فإنه لو تفكر في ذلك وتذكر ذلك يوشك أن يؤثر فيه ويقل فرحه بالدنيا وشغفه بها.

لأنه بعدما لاحظ أحوال هؤلاء الماضين وتصور تبدد أجزائهم في قبورهم ومحو التراب حسن صورهم، وأنهم كيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم، وخلت عنهم مجالسهم ومدارسهم، وانقطعت عنهم آثارهم ومعالمهم، وعرف أنه عن قريب كائن مثلهم، انقلع - لا محالة - عن هؤلاء، وارتدع عن حب دنياه:

تفانوا جميعاً فما مخبر*** وماتوا جميعاً ومات الخبر

تروح وتغدو بنات الثرى*** فتمحو محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا ***أما لك فيما ترى معتبر

لا سيما لو عمق نظره في ما حل بالأموات بعد موتهم، ومانزل بساحتهم حين موتهم، لكان ندمه أشدة وحسرته آكد.

سكرات الموت:

فغير موصوف مانزل بهم، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم، وذلك لأن ألم النزع يسري في جميع أعضاء البدن ويستوعب الأطراف ويوجب ضعفها وفتورها.

قال الغزالي: واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها.

بيان ذلك القياس: أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو جرح أو حریق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، والمؤلم يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء فلا يصيب الروح إلا بعض الألم، فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره، فما أعظم ذلك الألم وما أشده!، والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجد إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة.

وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن،فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهراً وباطناً إلأ وتصيبه النار، فتحس الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم، وأما الجراحة فإنما تصيب

الموضع الذي مسه الحديد فقط، فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار، فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه، فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء و مفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم، حتی قالوا: إن الموت لأشد من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض، لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلمه لتعلقه بالروح، فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح؟ وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه وفي لسانه، وإنما انقطع صوت الميت وصياحه مع شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ کل موضع منه، فهد كل قوة وضعف کل جارحة، فلم يترك له قوة الاستغاثة.

وإلى ذلك أشار صلوات الله عليه بقوله: «ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين منطقه، واستعار لفظ الولوج لما يتصور من فراق الحياة بعضو عضو، فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر، والمقصود بذلك شدة تأثير الموت فيأبدانهم وإيجابه لضعف اللسان عن قوة النطق والتكلم.

نعم في رواية الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الحياة والموت خلقان من خلق الله، فإذا جاء الموت فدخل في الانسان لم يدخل في شيء إلا وخرجت منه الحياة.(1)

فإن ظاهر هذه الرواية مفيدة لكون الولوج في كلامه مستعملاً في معناه الحقيقي، اللهم إلا أن يرتكب المجاز في ظاهر هذه أيضاً، فافهم .

وإنه لبين أهله ينظر إليهم ببصره ويسمع كلامهم «يأذنه، ولا يتمكن من إظهار ما فيه من الشدة والحسرة عليهم لمكان ضعفه وعجزه مع أنه «على


1) الكافي 3: 259ح 34؛ بحار الأنوار 6: 117/ ح 2

صحة من عقله وبقاء من لبه فهو راغب عن الدنيا مقبل إلى الآخرة، مشغول بحاله محاسب على نفسه، متحسر على ما قدمت يداه، نادم على ما فرط في جنب مولاه. «يفكر فيم أفنى عمره، وفيم أذهب دهره، ويتأثر على غفلته في أيام مهلته «ويتذكر أموالاً جمعها، واستغرق أوقاته فيها «أغمض في مطالبهاء و تساهل في اكتسابها أيامه، ولذلك لعدم مبالاته بأنها من حلال أو حرام وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتهاء أي من وجوه مباحة وذوات شبهة.

كما أشير إليه في الحديث النبوي المعروف، قال صلی الله علیه وآله: إنما الأمور ثلاثة: أمر بین شده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجی من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. (1)

قد لزمته تبعات جمعها و آثام جبايتها وأشرف على فراقها، تبقى لمن ورائه ينعمون فيها ويتمتعون بها، وهم إما أهل طاعة الله فسعدوا بما شقي، وإما أهل معصيته فكان عوناً لهم على معصيتهم فيكون المهنأ لغيره والعبء على ظهره أي يكون هنائة تلك الأموال أي كونها هنيئة لغيره، ووزرها وثقلها على ظهره.

وفي الحديث النبوي المروي عن إرشاد القلوب، قال صلی الله علیه وآله : «إذا ځمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي وولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعته من حل وغير حل وخلفته لكم، فالمهنأ لكم والتعب علي، فاحذروا مثل ما قد نزل بي،(2)ونعم ما قيل:

يمر أقاربي جنبات قبري *** كأن أقاربي لم يعرفوني

وذو الميراث يقتسمون مالي*** وما يألون أن جحدوا ديوني

وقد أخذوا سهامهم وعاشوا ***فيالله أسرع ما نسوني


1) الاحتجاج 2: 107

2) بحار الانوار 6: 161/ح 28

قوله صلوات الله عليه: و المرء قد غلقت رهونه بها.

قال الشارح المعتزلي: معناه أنه لما كان قد شارف الرحيل وأشفي على الفراق صارت تلك الأموال التي جمعها مستحقة لغيره ولم يبق له فيها تصرف، وأشبهت الرهن الذي غلق على صاحبه، فخرج عن كونه مستحقاً له، وصار مستحقا لغيره وهو المرتهن.(1)

وقال الشارح البحراني: ضربه صلوات الله عليه مثلاً لحصول المرء في تبعات ما جمع وارتباطه بها عن الوصول إلى كماله وانبعاثه إلى سعادته بعد الموت، وقد كان يمكنه فكاكها بالتوبة والأعمال الصالحة، فأشبه ما جمع من الهيئات الردية في نفسه عن اكتساب الأموال، فارتهنت بها بما على الراهن من المال.

قوله صلوات الله عليه: فهو يعض بده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره وانكشف له حينئذ من تفريطه، كما يعض يوم القيامة إذا عاين العقاب وشاهد طول العذاب.

قال سبحانه:(وَيَومَ يَعضُّ الظَّالمُ عَلى يَديِه یَقُولُ يا لَيتَني اتَّخَذت مَع الرَّسولُ سَبيلاً * يا ویلَتى لَيتَني لَم أتَّخَذ فُلاناً خَليلاً * لَقَد أضَلَّني عَن الَّذكر بَعدَ إذ جاءَني) . (2)

جاء في التفسير: أي يعض على يديه ندماً وأسفاً، قال عطاء: يأكل يديه حتی تذهب إلى المرفقين ثم تنبتان، لا يزال هكذا كلما نبتت يداه أكلهما ندامة على ما فعل.(3)وهو كناية عن الندم والتحسر على ما فرط في جنب الله، وقصر في امتثال أمر مولاه.

قوله صلوات الله عليه: «ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره من


1) شرح نهج البلاغة 209:7

2) الفرقان: 27 - 29

3) تفسير مجمع البيان 7: 292

الأموال التي جمعها وخلفها لغيره، «ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه»لما ظهر له من تبعاتها وسوء عاقبتها.

فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه فصار بين أهله لا يقدر أن «ينطق بلسانه ولا» أن «يسمع بسمعه» لانقطاع مادة الحياة عن السمع واللسان ويردد طرفه بالنظر في وجوههم، أي مخاطباتهم ويري حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم، أي ما يتراجعونه من الكلام لبطلان قوته السامعة وبقاء قوته الباصرة بعد.

قوله صلوات الله عليه: «ثم ازداد الموت التياطأً به، أي التصاقاً «فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده»ظاهر هذا الكلام بملاحظة ما سبق من قوله:اثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين منطقه الخ... وما سبق أيضأً من قوله: «فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتی خالط لسانه سمعه» يفيد بطلان آلة النطق في الانسان قبل آلتي السمع والبصر، ثم بطلان آلة البصر، وإنما تبطل مع خروج الروح ومفارقتها عن البدن.

قال الشارح البحراني: وليس ذلك مطلقاً بل في بعض الناس، وأغلب ما يكون ذلك فيمن تعرض الموت الطبيعي لآلاته، وإلا فقد تعرض الآفة لقوة البصر وآلته قبل آلة السمع وآلة النطق، والذي يلوح من أسباب ذلك أنه لما كان السبب العام القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصلية التي منها خلقنا، و كان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل، وقد تعينها على ذلك الأسباب الخارجية من الأهوية واستعمال الأدوية المجقفة وسائر المجففات، كان كل عضو أيبس من طبيعته وأبرد أسرع إلى البطلان وأسبق إلى الفساد.

وقال الشارح الخوئي: أما أن آلة النطق أسرع من الأعصاب المفيدة للحس واتفق الأطباء على أن الأعصاب المحكة أيبس و أبرد، لكونها منبعثة من مؤخر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحس، فإن جلها منبعث من مقدم الدماغ، فكان لذلك أقرب

إلى البطلان، ولأن النطق أكثر شروطأً من السماع، لتوقفه مع الآلة وسلامتها على الصوت وسلامة مخارجه و مجاري النفس، والأكثر شرطاً أسرع إلى الفساد.

وأما بطلان آلة السمع قبل البصر فلأن منبت الأعصاب التي هي محل القوة السامعة أقرب إلى مؤخر الدماغ من منابت محل القوة الباصرة، فكانت أيبس وأبرد وأقبل لانطفاء الحرارة الغريزية، ولأن العصب المفروش على الصماخ الذي رتبت فيه قوة السمع أحتاج أن يكون مكشوفاً غير مسدود عنه سبيل الهواء، بخلاف العصب الذي هو آلة البصر، فكانت لذلك أصلب، والأصلب أيبس وأسرع فسادا، هذا مع أنه قد يكون ذلك لتحتل الروح الحامل للسمع قبل الروح الحامل للبصر أو لغير ذلك، والله أعلم.

الجسد بعد الموت:

وقوله صلوات الله عليه: فصار جيفة بين أهله.

لا يخفى ما في هذا التعبير من النكتة اللطيفة، وهو التنفير عن التعلق بهذا البدن العنصري، والنهي عن التعزز بهذا الهيكل الجسماني، فإن من كان أوله جيفة وآخره جيفة وهو في الدنيا حامل الجيف كيف يجوز له الاغترار بوجوده والتعزز والتكبر بذاته، لا سيما بعد ملاحظة كون آخره جيفة أقذر من سائر الجيف حتى جيفة الكلب والخنزير، حيث إن سائر الجيف لا توجب على من لامسها الغسل بخلاف ميتة الانسان، فإن ملامستها توجب غسل المس، خصوصاً لو لاحظ أن أقرب الناس إليه و آنسهم به من الآباء والاخوان والبنات والولدان:

قد أو حشوا من جانبه وتباعدوا من قربه مع كمال أنسهم به ومحبتهم له، وجهة استيحاشهم منه حكم أوهامهم السخيفة على قواهم المتخيلة بمحاكاة حاله في نفس المتوهم، وعزل العقل في ذلك الموضوع، ولذلك أن المجاور لميت في موضع ظلماتي منفرد يتخيل أن الميت يجذبه إليه ويصيره بحاله المنفورة عنها طبعاً.

وبالتالي فالمرء إذا خرجت روحه من جسده تنافر الناس عنه ويبقى فريداً وحيداً «لا يسعد باكية، على بكائه «ولا يجيب داعياً، على دعائه، «ثم حملوه، أي حفدة الولدان وحشدة الإخوان إلى مخط من الأرض، أي قبره الذي يخط وينزل فيه فأسلموهفيه إلى عمله وانقطعوا عن زور ته ووجد ما عمله محضراً، فإن كان العمل صالحاً فنعم المؤنس والمعين، وإن كان شيئاً فبئس المصاحب والقرين والعدو المبين.

موارد الركون إلى الدنيا:

والحق لو كان كلام يأخذ بالأعناق في التزهيد عن الدنيا والترغيب إلى الآخرة لكان هذا الكلام الذي ما أبعد غوره وأجزل قدره، فإن عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدنيا والراكنين اليها والمغترین بها إنما هو أمور ثلاثة:

أحدها: حب المال، والثاني: حب الوجود، والثالث: حبة الأولاد والبنين والأزواج والأقربين، فز قد صلوات الله عليه عن كل ذلك بأحكم بيان وأوضح برهان.

أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه وينتقل عنه، وتكون لذته ومهنأه الغيره ويبقى وزره وتبعته عليه. وأما عن وجوده ونفسه فبأنه ستنمحي أعضاؤه وجوارحه ويبطل قواه و آلاته وتكون بالآخرة منبوذة بين أهله.

وأما عن الأولاد والأبناء والإخوان والأقرباء فبأنهم سيفارقونه ويتنفرون عنه ويستوحشون منه، فمن كان مال ما أحبه ذلك، فكيف يغتر بذلك مع علمه بأن كل ذلك واقع لا محالة، واعتقاده بأن الموت لا يمكن الفرار منه البتة.

قال علي بن الحسین علیه السلام: العجب كل العجب لمن أنکر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى! (1)وقال الله سبحانه:

(أَينَما تَكُونُوا يُدرِككُم المَوتُ و لَو کُنتُم فِي بُروجٍ مُشَيَّدَةٍ). (2)


1) أمالي الطوسي: 663/ ح 1387؛ بحار الانوار 7 42/ ح 15

2) النساء: 78

روى الأعمش عن خيثمة قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبينا وآله وعليهما السلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر إلى كأنه يريدني، قال علیه السلام : فماذا تريد؟ قال: أريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتى تحملني إلى أقصى الهند، ففعلت الريح ذلك، ثم قال سليمان علیه السلام: لملك الموت بعد أن أتاه ثانياً: رأيتك تدیم النظر الى واحد من جلسائي، قال: نعم كنت أتعجب منه لأني كنت أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة قريبة، وكان عندك فتعجبت من ذلك.(1)

إدريس النبي وملك الموت:

وفي الكافي عن علي بن إبراهيم، عن عمرو بن عثمان، عن مفضل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: أخبرني جبرئيل أنت ملكاً من ملائكة الله كانت له عند الله منزلة عظيمة فتعتب عليه فأهبطه من السماء إلى الأرض، فأتي إدريس علیه السلام فقال: إن لك من الله منزلة فاشفع لي عند ربك، فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر، ثم طلب إلى الله في السحر في الملك، فقال الملك: إنك قد أعطيت سؤلك وقد أطلق لي جناحي، وأنا أحب أن أكافيك فاطلب إلى حاجة. قال: تريني ملك الموت لعلي آنس به، فإنه ليس يهنؤني مع ذكره شيء، فبسط جناحه ثم قال: اركب، فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدنيا، فقيل له: اصعد، فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة، فقال الملك: يا ملك الموت ما لي أراك قاطباً؟ قال: العجب أني تحت ظل العرش حيث أمرت أن أقبض روح آدمي بين السماء الرابعة والخامسة، فسمع إدريس علیه السلام بها فامتعض فخر من جناح الملك فقبض روحه مكانه، وقال الله عزوجل : (وَرَفَعنَاهُ مَكاناً عَلياً). (2)


1) المصنف لابن أبي شيبة 1188/ح3

2) مریم: 57 /التفسير الصافي 3: 286؛ تفسير نور الثقلين 3: 249

أبيات في الموت:

ونعم ما قيل في المقام:

إن الحبيب من الأحباب مختلس ***لا يمنع الموت بواب ولا حرس

فكيف تفرح بالدنيا ولذتها ***یا من یُعَّد عليه اللفظ والنفس

أصبحت با غافلاً في النقص منغمسا *** وأنت دهرك في اللذات منغمس

لا يرحم الموت ذا جهل لغرته ***ولا الذي كان منه العلم يقتبس

كم أخرس الموت في قبر وقفت به ***عن الجواب لساناً ما به خرس

قد كان قصرك معموراً به شرف *** فقبرك اليوم في الأحداث مندرس

ومن خطبة له علیه السلام :

في إرساله الرسل وحالة العرب قبل الإسلام

وَلَم يُخلِ الله سُبحَانَه خَلقَهُ مِن نَبي مُرسِلَ أو كِتابٍ مُنزَلٍ أو حُجَةٍ لازِمَةٍ أَو مَحَجَةٍ قَائمَة رُسلٌ لا تُقَصّرُ بِهم قلَّةُ عَدَدهِم وَلا كَثرِهُ الُمكَذبينَ لَهم مِن سَابِقٍ سُمي لَه مِن بَعدَهُ أَو غَابرٍ عَرَفَهَ مِن قَبلَه عَلىَ ذَلكَ نَسَلَت القَرونُ وَمَضَتِ الدُّهورُ وَسَلَفَت الآباءُ وَخَلَفَت الأَبناءُ، إلَى أَن بَعَثَ اللهُ سُبحَانه مَحمداً رسول الله صلی الله علیه وآله لإنِجازَ عدتَه وإتمَامِ نُبُوَتِه مَأخُوذاً عَلى النَبي مِيثاقُةُ مَشهورةً سَماتُه كَريماً ميلادُهُ وأهلَ الأرضِ یَومئِذٍ ملَلٌ مُتفَرَقَةٌ وَأهواءٌ مُنتَشِرةٌ وطَرائقٌ مستشَتتَةٌ بَینَ مُشَتبه لله بخَلقِه أو مُلحَد في اسمه أو مُشیرٍ إلَى غَيرَه فَهَداهُم بِه مِنَ الضَّلالَة وَأنقَذَهُم بِمكانِه مِنَ الجَهَالَةً ثُمَّ اختَارَ سُبحَانَه لمُحمدٍ صلی الله علیه وآله لَقاءهُ و رَضیَ لَه مَا عِندَهُ واکرَمَه عَن دَارِ الدُّنيا وَرَغَبَ بِه عَن مَقَامِ البَلوى فَقَبَضَهُإلَيه كَریماً).

(شرح ابن ابي الحديد مج1، ص37، ط الاولی).

الشرح:

قال الشارح المعتزلي في قوله صلوات الله عليه: «مأخوذاً على النبيين میثاقه، قیل: لم يكن نبي قط إلا وبشر بمبعث محمد صلی الله علیه وآله وأخذ عليه تعظيمه وإن كان بعد لم يوجد.

الأديان في عصر الجاهلية:

وأما قوله صلوات الله عليه: وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة. فإن العلماء يذكرون أن النبي صلی الله علیه وآله، بعث والناس أصناف شيء في أديانهم، يهود

ونصاری ومجوس وصابئون وعبدة أصنام وفلاسفة وزنادقة، فأما الأمة التي بعث محمد صلی الله علیه وآله فيها فهم العرب، وكانوا أصنافاً شتی: فمنهم معطلة ومنهم غير معطلة، فأما المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق والبعث والاعادة وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم:(مَا هِيَ إلّا حَياتُنا الدُّنيا نَمُوتُ ونَحيَا ومَا یُهلِكُنا إلَّا الدَّهرُ)(1)فجعلوا الجامع لهم الطبع والمهلك الدهر. ومنهم من اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله:(قالَ مَن یُحيِ العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ ).(2)ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الاعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة، وحجوا لها، ونحروا لها الهدي، وقربوا لها القرابين، وحللوا وحرموا، وهم جمهور العرب، وهم الذين قال الله تعالی عنهم: (مَا لِهَذا الرَّسولِ يَأكُلُ الطَّعامَ وَيمشِي فِي الأُسواقِ).(3)

وممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثي قتلى بدر:

فماذا بالقليب قليب بدر*** من الفتيان والقوم الكرام

وماذا بالقليب قليب بدر*** من الشيری تكتل بالسهام

أيخبرنا ابن كبشة أن سنحيا ***وكيف حياة أصداء وهام

إذا ما الرأس زال بمنكبيه *** فقد شبع الأنيس من الطعام

أيقتلني إذا ما كنت حياً*** ويحييني إذا مت عظامي (4)


1) الجاثية: 24

2) یس: 78

3) الفرقان: 7

4) نسبها الخصيبي في الهداية الكبرى: 107 الی أبي بكر، ونسبها السيد شرف الدين الى الأسود بن يعفر وقال بأن عمر شرب الخمر ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الاسود النص والاجتهاد: 311)، وانظر ايضا: الغدير 6: 251؛ افحام الأعداء والخصوم للسيد ناصر حسین الموسوي الهندي: 118

وممن أنكر المعاد یزید بن معاوية، فقد ذكر السبط ابن الجوزي في كتابه تذکرة الخواص نقلاً عن دیوان يزيد:

علية هاتي واعلني وترتمي*** بذلك إني لا أحب التناجيا

حديث أبي سفيان قدماً سما بها*** إلى أحد حتى أقام البواكيا

ألا هات سقيني على ذاك قهوةً*** تخيرها العنسي کرماً شاميا

إذا ما نظرنا في أمور قديمة ***وجدنا حلالاً شربها متواليا

وإن مت يا أم الأحيمر فانکحي*** ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا

فإن الذي حدثت عن يوم بعثنا ***أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا(1)

قال ابن أبي الحديد: وكان من العرب من يعتقد التناسخ و تنقل الأرواح في الأجساد ومن هؤلاء أرباب الهامة الذين قال النبي صلی الله علیه وآله عنهم: لا عدوى ولا هامة ولا صفر...(2)

وكانوا في عبادة الأصنام مختلفين: فمنهم من يجعلها مشاركة للباري تعالى، ويطلق عليها لفظ الشريك، ومن ذلك قولهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكة هو لك تملكه وما ملك.

ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ويجعلها وسائل وذرائع إلىالخالق سبحانه، وهم الذين قالوا (مَا نَعبُدُهُم إلَّا لِيُقَرِبُونا إلَى الله زُلفى). (3)

وكان في العرب مشبهة ومجسمة، منهم أمية بن أبي الصلت، وهو القائل :

من فوق عرش جالس قد ***حط رجليه إلى كرسيه المنصوب

أصنام العرب:

وكان جمهورهم عبدة الأصنام: فكان ود لكلب بدومة الجندل، وسواع


1) تذکرة الخواص: 164

2) الأمالي للمرتضی 3: 110؛ بحار الأنوار 61: 179

3) الزمر: 3

لهذيل، ونسر لجمير، ويغوث لهمدان، واللات لثقيف بالطائف، والعزى لكنانة وقريش وبعض بني سليم، ومناة لغان والأوس والخزرج، وكان قبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة، وكان في العرب من يميل الى اليهودية، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن، ومنهم نصاری کبني تغلب والعبادیین رهط عدي بن زید، و نصاری نجران، ومنهم من كان يميل الى الصابئة ويقول بالنجوم والأنوار.

فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم، وهم المتألهون وأصحاب الورع والتحرج عن القبائح، كعبد الله وعبد المطلب وابنه أبي طالب وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الأيادي وعامر بن الظرب العدواني وجماعة غير هؤلاء .

وغرضنا من هذا التفصیل بیان قوله صلوات الله عليه: بين مشتبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه إلى غير ذلك، انتهى.(1)

ساق صلوات الله عليه هذه الخطبة بما اقتضاه الترتيب الطبيعي، أي من الدن آدم علیه السلام إلى بعث محمد صلی الله علیه وآله وهداية الخلق به واقتباسهم من أنوار وجوده الذي هو المقصود والعمدة في باب البعثة، فقال صلوات الله عليه:«علی ذلك» يعني على هذا الأسلوب الذي ذكرناه من عدم إخلاء الأرض والخلق من الأنبياء والحجج النسلت القرون وولدت أو أسرعت، وهو كناية عن انقضائها ومضت الدهور وسلفت الآباء أي تقدموا وانقضوا وخلفت الأبناءأي جاؤوا بعد آبائهم وصاروا خليفة لهم، إلى أن بعث الله النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي الأبطحي التهامي المصطفى من دوحة الرسالة، والمرتضی من شجرة الولاية محمداً صلی الله علیه وآله لإنجاز عدته،التي وعدها الخلقه على ألسنة ترسله السابقين بوجوده صلی الله علیه وآله ولإتمام نبوته»ليهتدي الناس


1) شرح نهج البلاغة 1: 119 و 120

به إلى سبيل الحق، ويفيئوا من ضلالهم القديم إلى سلوك الصراط المستقيم، ولينقذهم ببركة نوره من ظلمات الجهل إلى أنوار اليقين، فقام بالدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فجلا الله بنوره صداء قلوب الخلق، وأزهق باطل الشيطان بما جاء به من الحق والصدق، وانطلقت الألسن بذكر الله، واستنارت البصائر بمعرفة الله، و كمل به دينه في أقصى بلاد العالم، وأتم به نعمته على كافة عباده، كما قال تعالى: (اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم ديِنَكُم وأتمَمتُ عَليُكم نِعمَتي ورَضِيتُ لَكُم الإسلامَ ديناً).(1)

كيف يحتار الله أنبياءه:

جاء في كتاب (التكامل في الإسلام) لمؤلفه أحمد أمين الكاظمي العراقي رحمة الله تحت عنوان «كيف يختار الله أنبياءه علیهم السلام:

النبوة ليست إلا سفارة ربانية يودعها الله أكمل عباده خَلقاً وخُلقاً، أي أكملهم في البدن والروح، أو في الحسب والنسب وطهارة النسل والمولد والأخلاق المثالية الكاملة، وخلاصة ذلك أن الله يودع النبوة شخصأً مستجمعاً لصفات العصمة والكمال.

إن الله وهو الكامل على الإطلاق لا يرجح أحداً على أحد دونما سبب وحكمة وهو معطي الحكمة، وحاشا أن يلهو، وهو القائل: (لَو أَرَدنا أَن نَتَّخِذَ لَهواً لاتَّخَذناهُ مِن لَدُنَّا إن كُنا فَاعِلينَ) (الأنبياء: 17) فلا يسند أمر السفارة بينه وبين خلقه إلا إلى أكمل عباده.

والله تعالی عادل، إذ العدل صفة ملازمة للكمال، وإن الكامل غير محتاج، ولا يحيد عن العدل إلا من كان محتاجاً إلى الجور والظلم، والكامل غني عن ذلك كله، لعدم وجود حاجة لديه إلى شيء. إذن وجب أن نبحث عن الصفات التي توفرت في ثلة من الناس حتى أسند إليهم منصب السفارة الإلهية كي يقوموا بتكميل البشر وإيصاله إلى الكمال المنشود.


1) المائدة: 3

صفات الأنبياء:

الصفة الأولى: هي طهارة المولد، ذلك لأن لهذا النوع من الطهارة أثراً فعالاً في الاتجاهات النفسية كما تؤيده التجارب، فالأنبياء كلهم وأكملهم نبينا محمد صلی الله علیه وآله كانوا يتقلبون في أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة طابت وطهرت بعضها من بعض، فأسرة محمد صلی الله علیه وآله خير أسرة، وشجرته خیر شجرة، أغصانها معتدلة، وثمارها متهدلة، كلما قسم الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر.

وفي إثبات الوصية» للمسعودي شرح واف في كيفية انتقال النبوة والسفارة الإلهية والوصية من لدن آدم من بطن إلى بطن حتى انتهت إلى محمد صلی الله علیه وآله ، فنور محمد توارثه الأنبياء حتى انتهى إلى عبد الله بن عبد المطلب.

ثم إن الله تعالى لا يجتبي أحداً ولا يرجح بين عباده الا بالتقوى (إنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقاكُم )(1)فالأنبياء علیهم السلام هم أتقي الناس وأورعهم وأزهدهم، وإن محمداً صلی الله علیه وآله و كان منذ صغره وطفولته مثالاً رفيعاً للتقوى والكمال، لم يتأثر ببيئة كانت تعبد الأصنام وتأتي بأنواع الفجور والفسوق والبغي والظلم، خلافاً لما يقرره علماء التربية وعلم النفس في عصرنا: أن الطفل يتأثر بيئته إلى حد كبير.فلم يسجد لصنم، ولم يحضر مع قومه في أي عيد من أعياد الأصنام، ولم يأكل قط مما كان يذبح قرباناً للأصنام، فكان منذ صغره حسن الخلق، طاهر العقيدة، لم يتلوث تفكيره بعقائد الجاهلية، ولم يحاك أترابه في الهوهم وسحرهم، ولما صار زوجأً لخديجة كان على درجة من رغد تمكنه من أن يعيش عيشة هنيئة كما يعيش عظماء مكة وأغنياؤها، لكنه مع ذلك - كان زاهداً في الحياة الدنيا ولذاتها، متقشفاً مؤثراً بساطة العيش، فحببت اليه


1) الحجرات: 13

العزلة، لقد اختار غار (حراء) في جبل يبعد عن مکّة ثلاثة أميال، كان يخلو فيه بنفسه أياماً وليالي متتابعة، فيفكر فيه في عظمة الخالق جل جلاله وما أودع في هذا الكون من خواص وأنظمة ما يحير الألباب، ويتعبد فيه لربة.

وكان صلی الله علیه وآله متحلياً بمكارم الأخلاق من صدق وأمانة وعقة ووقار إلى حد بعيد.

إن عزلة محمد صلی الله علیه وآله كانت للتفكير والتأمل، وذلك بإلهام منه تعالی کي يزداد صفاءً و تقرباً إلى الله جلت عظمته، حتى تصبح نفسه الزكية على أتم استعداد لتلقي أعباء الرسالة العظيمة التي اختاره الله لها.

كل ما ذكرنا مؤهلات لأن تجعل محمداً صلی الله علیه وآله فوق من على البسيطة في ذلك الوقت، بل وفي كل وقت وزمان، فتنحصر فيه الرسالة بجدارة لا يضاهيه فيها أحد أبد الآبدين.

الشكر عصارة التقوی:

إن عصارة التقوى تتجلى في الشكر، ولا صفة تقرب العبد إلى الله تعالی کالشکر،يأتي النبي صلی الله علیه وآله إلى بيت إحدى زوجاته، ينهض من فراشه ولا ينام، يتوضأ بماء قليل، يستقبل القبلة ويصلي، و کلما تستيقظ زوجته تراه مصلياً شاكراً ربه، فتقول: ألا تنام وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول صلی الله علیه وآله: أفلا أكون عبداً شكوراً.(1)

إن الشكر على ضربين: شكر لساني وقلبي، وشکر عملي، فأما اللساني: أن يذكر العبد مولاه في كل لحظة، ويحمده على عظيم نعمائه و سن بلائه، وأن لا يفتر عن ذلك، وأما الشكر العملي: فيتجلى في الأعمال الصالحة والقيام بمبرات وأعمال خيرية، والايثار والجهاد في سبيل الله، والقيام بأداء الحقوق


1) أمالي الطوسي: 637؛ الاحتجاج للطبرسي 1: 326

من مادية ومعنوية وأمثال ذلك، وإن رسالة الحقوق لمولانا الإمام زين العابدین علیه السلام توضح ذلك، فهنيئاً للعاملين (وَقَليلٌ مَا هُم).(1)

نفس النبي صلی الله علیه وآله فوق النفوس المتعارفة، وما تجمعت فيه من الأخلاق المثالية فوق الأخلاق العادية، ولا تودع السفارة الإلهية نفوساً لها من الثراء والمال والجاه والمكانة شيء مرموق؛ لأن هذه الأمور لا تمت بالنفس بصلة.

وإنما النبوة قضية نفسية بحتة، كما أن الإيمان لا يلج نفوساً لها من المكانةوالاعتبارات الدنيوية فحسب، بل تدخل نفوساً شاكرة لله، نفوساً لها من الصفاء والجلاء ما يجعلها لائقة لقبول الحق، فلا تتكبر عن الاذعان بما هو حق، ولا تحسد ولا تبخل، فإن أصول الكفر ثلاثة: البخل، والحسد، والكبر،(2)كما جاء في الحديث.

صفات رسول الله صلی الله علیه وآله:

كان محمد صلی الله علیه وآله مشهوراً بين قومه بأمانته وطهارة نفسه وعفته، وكان متحلياً بمكارم الأخلاق على عكس غيره من شبان زمانه، والمعروف أن فترة الشباب من عمر الانسان هي الفترة التي يندفع فيها الشبان إلى الشهوات، ولكن حياة محمد صلی الله علیه وآله في هذه الفترة كانت حياة مثالية نموذجية، حتى لقبه قومه «بالأمين»، ولذلك لم يجد قومه عندما اشتد الخصام بينهم وبينه شيئاً يمس شرفه أو يطعن في عفته، مع أنهم كانوا حريصين على النيل منه في هذه الناحية، فقد كانت دعوته قائمة على إشاعة طهارة النفس والمحافظة على العقة، ومقاومة التيارات النفسية الخبيثة، فإذا نفذوا إلى شيء مما يريدون استطاعوا أن يشككوا العرب في دعوته حتى ينفضوا عنه، وكان من المألوف آنذاك الانحراف الخلقي، ومع ذلك فلم يقف أعداؤه على حادثة واحدة


1) ص: 24

2) بحار الأنوار 69:10/ ح 1

يجرحونه بها، وإذا أضفنا إلى ذلك ما يقوله علماء النفس من أن فترة الشباب فترة خطيرة تثور فيها الغرائز الجنسية، استطعنا أن نفهم قوة إرادة محمد صلی الله علیه وآله في ضبط نفسه في شبابه وتحكمه في ميوله الجنسية تحكماً جعله مثالاً للطهارة والعفة، وطهارة النفس وخلوها من الشهوات المحرمة والنزوات لمن أهم العوامل التي تجعل الفرد قميناً بلطف الله وعنايته، وجديراً بأن يكون هادياً للناس أجمعين.

يقول (السیر ولیم موبر): إن محمداً في شبابه طبع بالهدوء والدعة والطهر والابتعاد عن المعاصي التي كانت قريش تعرف بها.

فمن كان في شبابه مثالاً لطهارة التنفس والعفة إلى حد بعيد، يستحيل أن يجري وراء الشهوات واللذة بعد بلوغه سن الاكتمال والرزانة، وهو يخوض معارك طاحنة مستعرة، فقد اكتفي بخديجة علیها السلام وهي أكبر منه 15 سنة، إلى أن بلغ 54 من عمره، ثم تزوج بسودة، ثم بعائشة تلبية لرجاء أبي بكر حيث شاهد الرسول صلی الله علیه وآله و مغمومأً على فراق خديجة عليها السلام، ثم تزوج بالعجائز والأرامل اللاتي فاتهن سن الشباب، وقد أصبحن بلا عائل لأنه قد استشهد أزواجهن في الغزوات، ولقد تنبه بعض كتاب المسيحية المنصفين فقالوا: «إنه لا يمكن أن يكون الدافع لمحمد على الاكثار من زوجاته في هذا الوقت إلا الرحمة والشفقة، ومن البعيد جداً أن يكون قد قصد من هذا اللذة والمتعة؛ لأن من تزوج منهن كن متقدمات في السن وأرامل فقيرات».

لاسيما وإن الرسول قد أمر بالتهجد وإحياء بعض الليل بصلاة وتلاوة القرآن ومناجاة ربه، وما أعظمها: وذلك لقوله تعالى:(يا أيُّها المُزَّمِل *قُمِ اللَيلِ إلّا قَليلاً * نِصفَهُ أَو انقُص مِنهٌ قَليلاً * أَو زِد عَليهِ وَرَتِلِ القُرانَ تَرتيلا (1)ثم يقول: انَّ رَبَّکَ یَعلَمُ أنَّك تَقومُ أَدنَي مِن ثُلثيِ الَّليلِ ونِصفَةٌ وطائفَةٌ مِنَ الَّذينَ مَعَكَ وَاللهُ


1) المزمل: 1- 4

یُقَدّرُ الَّليلَ والنَّهارَ)،(1)وقد ثبت من حياته صلی الله علیه وآله أنه كان يقرأ القرآن وهو قائم في صلاته حتى تتورم قدماه، فأني الوقت الذي يبقى بعد ذلك حتى يبلغ فيه مراده من اللذائذ مع ما هنالك من غزوات وحروب؟

وكان في استطاعة الرسول صلی الله علیه وآله أن يمتلك الجواري والعبيد، ويعيش في قصور، وتكون له أبهة كسرى وعظمة هرقل، لكن رضي ببساطة المسكن والملبس، وكان يشد على بطنه حجر المجاعة، ولما رأت زوجاته أن نساء المسلمين قد تغيرت أحوالهن وأصبحن يتقلبن في النعيم شكون إليه، و کن يعتقدن أنهن صاحبات حق في التمتع بما يتمتع به غيرهن بسبب الرخاء الذي أصاب الدولة الإسلامية، فنزل قوله تعالى:(يا أيُّها النَّبيُّ قُل لأَزواجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَياةَ الدُّنيا وَزینَتَها فَتَعالَينَ أُمَتعكُنَوُأسَرّحکُنَّ سَراحاً جَميلاً * وَان کُنتُنَّ تُرِدنَ الله ورَسُوله والدَّار الآخِرةَ فإنَّ الله أعَدَ لِلمُحسِناتِ مِنکُنَّ أَجراً عَظيماً).(2)

وقد قلنا إن من أهم الصفات التي تجعل الفرد قريباً إلى الله تعالى وموضع لطفه ورفده إنما هو (الشکر)، ذلك لأن الكمال الإنساني إنما يتجلی بأدائه واجب الشكر تجاه المنعم، لذلك يقول الله تعالى وهو الحق.(وَكَذلكَ فَتَّنَا بَعضَهم بَعضٍ لِيَقولُوا أَ هَؤُلاءِ مَنَّ الله عَليهم مِن بَينِنا أَ لَيسَ الله بأَعلَمَ بالشَّاكرينَ).

إن المشركين أخذوا يزدرون الذين آمنوا ويعترضون على إيمانهم، لأن هؤلاء المؤمنين ما كانوا يملكون من المال والجاه شيئاً، وذلك بقولهم إزدراء:(أَهؤلاءَ مَنَّ الله عَليهم مِن بَينَنا) (3)وقد فاتهم أن الإيمان أمرروحي يتوجه إلى النفس الإنسانية مباشرة، ولا علاقة له بالمال والجاه .

الإيمان يحل في النفوس الشاكرة، فكلما كانت النفس شاكرة أكثر كان إيمانها


1) المزمل: 20

2) الأحزاب: 28 و 29

3) لأنعام: 53

أقوى وأمتن، حتى ينتهي إلى الوصاية والنبوة، والنفس الشاكرة ليس لها إمارات خارجية وعلامات فارقة مادية، كالثياب الفاخرة وأعوان وأنصار ومنصب وجاه، وقد تجد هذه النفس الشاكرة في رقاع ولا تجدها في قارون.

نعم؛ إن هؤلاء المتكبرين كانوا يقولون: (لَو كانَ خَيراً مَا سَبَقونَا إلَيهِ) (1)أي لو كان ما أتی به محمد خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء المهينون ونحن أرفع منهم، كأن الخير يتبع المال والمنال والجاه والمنصب، حتى أن هذه الأمور عوائق تعوق النفس الانسانية عن أن تتوجه نحو الحق والواقع لو لم تستعمل في ما أمرالله به، ولم تؤد حقوقها وواجباتها، وقل من يقوى عليها إلا من رحم الله.

روي أن أبا جهل قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتی إذا صرنا کفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت هذه الآية: (وَإذَا جاءَتهُم آيَةٌ قالُوا لَن نُؤمِن حَتَّی نُوتی مِثلَ ما أوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعلَمُ حَيثُ یَجعَل رِسالَتُه سَيُصيبُ الَّذين أَجرَمُوا صَغارٌ عِندَ الله وَعَذابٌ شَديدٌ بِما كانُوا يَمكَرونَ)، (2)فإن هؤلاء المعترضين كانوا مع إجرامهم وآثامهم وفسوقهم - بريدون أن يكونوا أنبياء، حين أنهم يستحقون الصغار والهوان والعذاب والخزي بما كسبت أيديهم،(وَأنَّ اللهَ لَيسَ بِظلَامٍ لِلعَبيدِ )،(3)فالبشر كلهم في نظر الله على حد سواء، من أطاع منهم بلغ مراتب عالية حتى تنتهي إلى النبوة أو ما يقارب النبوة، وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: عبدي أطعني أجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون، (4)


1) الأحقاف: 11

2) الأنعام: 124/ مناقب آل ابي طالب 1: 47 بحار الانوار 18: 235

3) آل عمران: 182؛ الانفال: 51؛ الحج 10

4) مشارق انوار اليقين للحافظ البرسي: 100، باختلاف التعبير

أرأفة أعظم من هذه؟ يعطي الله عبده إذا أطاعه صفة الخالقية والإيجاد بإذنه تعالى يقول للشيء كن فيكون، وهذه هي المعاجز التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام والأوصياء بإذن الله تعالى وقدرته جل وعلا.

ثم يجب أن تكون نفس النبي نفساً متعلقة بالحق لا تفتر عن التوجه إلى الله ومناجاته وذكره _ جل وعلا طرفة عين أبدأً، لا ترى شيئاً إلا وترى الله معه وقبله وبعده.

إن النبي صلی الله علیه وآله كان لا يقوم بعمل إلا ويذكر الله تعالى، يراقب الله في جميع الأمور ويخشاه، فإذا جاء أمر يحبه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال، وإن قصد فعل شيء قال: اللهم خرلي واختر لي، وإن أراد سفراً قال: اللهم بك أصول وبك أجول، وإذا أراد نوماً قال: اللهم باسمك وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور، وإن لبس ثوباً جديداً قال: الحمد لله الذي رزقني ما أتجمل به في حياتي، وإن أكل قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين، وإن شرب قال: الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت، وإذا رفع بصره إلى السماء قال: يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك، وإذا أصابه هم قال: حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرازق من المرزوقين، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل. فهذه الصفات هي بعض ما يجب أن تتوفر في من يناط به تحميل الناس أجمعين.

ثم إن قدسية النفوس لتؤثر في سماء الأبدان فضفي عليها نوراً وبهاءاً من شاهدها ابتهج وسكن إليها و آمن بها، يعلم ذلك من خالط الأتقياء والصالحين من عباد الله، فكان وجه رسول الله يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر، ولذلك كان يأتيه بعض الأعراب فيقولون حین وقوع أبصارهم على محياه: والله ما هذا الوجه بوجه كذاب.

ولا مراء أن الصدق يصاحب الخير والبر، والكذب يساير الفجور والشر، وعلى ذلك كانت خديجة سلام الله عليها تعلم من النبي صلی الله علیه وآله أنه الصادق البار؛ تقول للنبي صلی الله علیه وآله حين جاءه الوحي: والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسي المعدم، وتعين على نوائب الحق. (1)

أخلاق النبي محمد صلی الله علیه وآله:

قال ابن سعد في الطبقات: كان محمد صلی الله علیه وآله قبل النبوة أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم عن الفحش والأذى، وما رؤي ملاحياً ولا ماريا أحداً، حتى سماه قومه الأمين.(2)

وكان رسول الله - وهو الذي بعث رحمة للعالمين - يجلس على الأرض تواضعاً وينام عليها، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويفتح الباب، ويحلب الشاة، ويعقل البعير، ويطحن مع الخادم إذا أعيا، ويضع طهوره بالليل بيده، ولا يجلس متكئاً، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم، ولا يثبت بصره في وجه أحد، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ويلبس الغليظ من القطن والكتان، ويشيع الجنائز، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشر بالبر إليهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم إلا بما أمر الله، يقبل معذرة المعتذر إليه، وكان أكثر الناس تبسماً ما لم ينزل عليه قرآن، لا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا في ملبس، يأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق، لا يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يغفر


1) مناقب آل أبي طالب 1: 42؛ بحار الأنوار 18: 195

2) الطبقات الکبری 1: 121

ويصفح، ويبدأ من لقيه بالسلام، وإذا لقي مسلماً بدأه بالمصافحة، وكان لا يجلس إليه أحد إلا خفف صلاته وأقبل عليه وقال: ألك حاجة؟، وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة، وكان يكرم من يدخل عليه، حتى ربما بسط له ثوبه، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته، وكان في الرضا والغضب لا يقول إلا حقاً، وإذا لقيه الرجل فصافحه لم ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها، وإذا لقيه أحد فقام معه أو جالسه أحد لم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف. (1)

وكان صلی الله علیه وآله أشجع الناس قلباً، وأشدهم بأساً، وأكثرهم حياءاً.

لا أعلم أن رجلاً يقوى على أن يثابر على صفة واحدة من هذه الصفات السامية طيلة حياته مهما عظمت نفسه وتكاملت روحه، إلا إذا كان نبياً أو وصي نبي، أو بالأحرى من كان جزاؤه النبوة أو الوصاية. نعم إن صفات الكمال لا تصدر إلا عن نفس قدسية وروح ملكوتية قد تخلصت من قيود الأهواء، وتحررت من عبودية الشهرة وحب الصيت، واستمدت من النور الإلهي والهداية الصمدانية.

يجب أن تكون نفس النبي بالغة من القدسية درجة يتحمل معها الوحي، ويقوى على الاتصال بالمبدأ الأعلى، و كان نبينا صلی الله علیه وآله - مع تلك القدسية البالغة - يرجف ويعرق حين نزول الوحي عليه ويقول: زملوني، فكان يغطي إلى أن يذهب عنه الروع، لذلك خاطبه الله تبارك وتعالى بقوله: (يَا أيُّها المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيلَ إلا قَليلاً ).(2)

ولما قدم جارود على النبي صلی الله علیه وآله قال: إن کنت نبیأً فأخبرني عما أضمرت. فخفق النبي خفقة كأنها سنة ثم رفع رأسه والعرق يتحدر عنه، فقال: إنك أضمرت أن تسألني عن دماء الجاهلية وعن حلف الإسلام وعن المنيحة،


1) انظر الطبقات الكبرى 1: 387

2) المزمل: 1- 2

ألا وإن دم الجاهلية موضوع، وحلفها مردود، ولا حلف في الاسلام. ألا وإن أفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر الدابة ولبن الشاة.(1)

قصور البعض عن إدراك عظمة النبي صلی الله علیه وآله :

وقد تأثر بعض علماء المسلمين بروح الغرب المادية، قفسروا القرآن متأثرین بالمادية العصرية، وأنكروا نزول الوحي بواسطة جبرائیل علیه السلام، وأنكروا وجود الجن، وقالوا: إن روح محمد قد بلغت مرتبة من السمو حتى صارت تتجلى لها الحقائق، وخالفوا صریح القرآن والسنة المتواترة والعقل، وقاسوا الأمور الروحية وما هو وراء الطبيعة بمقاييس مادة طبيعية، ولم يحتملوا أنه سيأتي يوم يعترف فيه فلاسفة عظام بما وراء المادة، ذلك لأن الروح الإنسانية مهما تعرفت على حقائق المادة، ليس لها _ إذا أرادت التكامل في عوامل النفس - إلا أن تستفيض من ما وراء الطبيعة، ولا بد لها أن تستقي من المبدأ الأعلى الفياض بواسطة سفراء بين الله وعباده، وهم الأنبياء علیهم السلام:

(وَما كانَ لبَشرَ أَن يُكَلمَهُ الله إلَّا وَحياً أَو مِن وَراءِ حِجابٍ أَو یُرسِلَ رَسُولاً فَيُوحيَ بإِذنه مَا يَشاءُ إنَّه عَلىٌ حَكيمٌ ).(2)إن النفس القدسية التي لا تجاريها النفوس المتعارفة أو ما هي فوق المتعارفة لا تميل إلى الدنيا وزخارفها، وتتوجه إلى الله تعالى بكلها، فنبينا محمد صلی الله علیه وآله أعرض عن زخرف الدنيا وغضارتها ولم يستمتع بحلاوتها، وقد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار الفرات، ومن أقصى اليمن إلى شجر عمان وهو أزهد الناس في ما يقتني ويدخر، وأعرضهم عما يستفاد ويحتكر. أتی یوماً إلى داره فرأى ستاراً قد علق على الباب فقال: ارفعوه، إنه ليذكرني الدنيا. (3)

ويقول فيه السير (ولیم مویر): امتاز محمد صلی الله علیه وآله بوضوح كلامه ويسر دينه،


1) مناقب آل أبي طالب 1: 99؛ بحار الأنوار 18: 137

2) الشوری: 51

3) شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني 8: 365

وإنه أتم من الأعمال ما يدهش الألباب، فلم يشهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الانسانية في زمن قصير كما فعل محمد صلی الله علیه وآله .

نعم يجب أن يكون النبي محقراً للدنيا، متوجهاً إلى العالم الأعلى، نفسه في اللاهوت وبدنه في الناسوت، فالدنيا كما يقول علي صلوات الله عليه : دار مجاز والآخرة دار قرار، فطوبى لمن أخذ من ممره لمقره.(1)

انظر كيف يصف صلوات الله عليه نبينا محمداً صلی الله علیه وآله، إنه يقول:(قَد حَقَّرَ الدُّنيا وَصَغرَها وَأَهوَنَ بهَا وَهَوَّنَها وَعَلمَ أن الله زِوَاهَا عَنهُ الختيَاراً و بَسَطَها لِغَيرِهِ احتَقاراً فَأعرِضَ عَن الدُّنيا بِقَلبِه وأمَاتَ ذَكرها مِن نَفسه وأَحَبَّ أَن تَغيبَ زینَتُها عَن عَينِه لِكَيلا یَتَخِذ مِنهَا ریاشاً أو يَرجُوَ فِيهَا مَقاماً بَلَغ عَن ربَّه مُعذِراً ونَصَحَ لاُمَّته مُنذِراً ودَعَا إلَى الجَنَّة مُبشَرا نَحنُ شَجَرةُ النُبّوةَ وَمَحَط الرّسالَة ومُختَلَف المَلائكة ومعَادِنُ العِلمِ يَنَابيعُ الحُكمِ نَاصَرُنا ومُحبُّنا يَنتَظِرُ الرَّحمةَ وَعَدُوُّنا و مُبغِضنَا يَنتَظر السَّطوَةَ). (2)

لقد دخل على رسول الله صلی الله علیه وآله بعض الأعراب فارتاع من هيبته فقال: خفض عليكم، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة،(3)وكان صلی الله علیه وآله يمتزج بأصحابه وجلسائه، فلا يتميز عنهم إلا بإطراقه وحيائه و جلیل سمته وروائه.

وكان صلی الله علیه وآله جالساً ذات يوم في بعض أسفاره تحت شجرة، فاخترط أعرابي سيفه عليه، فأرعدت يده وسقط منها السيف، ومع ذلك عفا عنه، فرجع الأعرابي إلى قومه إلى قومه قائلاً: جئتكم من عند خير الناس. (4)

ومن صفاته صلی الله علیه وآله الخارقة أنه صلی الله علیه وآله كلما رجع الى بيته ألقى يهودي


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 3؛ بحار الأنوار 70: 134؛ وفيها: ..فخذوا من ممركم لمقر كم

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 218؛ بحار الانوار 26: 265 و 266

3) تفسير الدر المنثور للسيوطي6 : 111، ذیل قوله تعالى ومَا أنتَ عَلَيهِم بِجَبارٍ

4) تفسير الدر المنثور 2: 265، ذيل قوله تعالى يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَليكُم

من أعلى بيته على رأسه الشریف طبقأً من رماد، فافتقده رسول الله صلی الله علیه وآله بعد أيام إذ رأى أنه لا يقوم بعادته! فقيل: إنه مريض، فعاده في مرضه، فذاب هو وزوجته حياءً وخجلاً وأسلما

فمن أراد الكمال وأراد أن يتخلص من براثن المادة وظلماتها التي تجعل الانسان كالبهيمة أو أحط منها، فليتمسك ببعض هذه الصفات الجليلة ليرى كيف يتسامی عن حضيض المادة و كيف يزداد معرفة بالله تعالی.

لا بد لهذا الانسان أن يسير سيره التكاملي، ولا تكامل إلا بجعل سيرة النبي محمد صلی الله علیه وآله مثالاً رفيعاً يقتدى به، فالإنسان إن لم يكن محمدياً في صفاته وأعماله فهو غير متكامل نفسياً لا محالة، ولا مراء أن الإنسان إنسان بنفسه لا بماله وبدنه وما حوله من أجهزة وآلات وما يسكنه من بيوت وقصور، إذ التكامل أمر نفسي، فطوبى لمن لم تغره المادة وتشويهات الماديين الذين إذا استعمروا (النفس) فقد استعبدوا الانسان استعباداً ما بعده استعباد.

ومن خطبة له علیه السلام :

يذكر فيها أصناف الناس

(أيُها النّاسُ إنَّا قَد أصبَحنا في دَهرٍ عَنُودٍ وَزَمَن کَنُودٍ یُعَدٌّ فيِه المُحسِنُ مُسيئاً ويَزدادُ الظَّالِمُ فِيه عُتُّواً لا تَنتَفِعُ بما عَلَمنَا ولَا نَسأَلُ عَمَّا جَهلَنا ولا نَتَخُوفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا والنَّاسُ عَلى أَربَعَة أصنَافٍ مِنهُم مَن لا یَمنَعُة الفَسادَ في الأَرضِ إلا مَهانَةُ نَفسَه وَكَلالَةُ حَدَه ونَضَيضُ وَفِرِه وَمِنهُم المُصلِتُ لِسَيفه وَالمُعلِنُ بشَره وَالمُجلِبُ بخیلَه ورَجِله قَد أَشرَطَ نَفسَه و أَوبَقَ دينَه لِحُطامٍ یَنتَهِزُهُ أَو مِقنَبٍ یَقُودَه أَو مِنبَر يَفرَعُهُ وَلَبئَسَ المَتجَرُ آن تَرَى الدُّنيَا لِنَفسِكَ ثَمَناً ومِمَّا لكَ عِندَ الله عَوضاً ومِنهُم مَن يَطلُبُ الدُّنيَا بِعَمَل الاخِرَة ولا یَطلُبُ الآخِرَةَ بعَمَل الدُّنيا قَد طَامَنَ مِن شَخصِهِ وَقَارَبَ مِن خَطوِهِ وَشَمَّرَ مِن ثوبِه وَ زَخرَفَ مِن نَفسَه للامانَةَ وَأتَّخَذ سَّر الله ذَريعَةً إلَى المَعصِيَة ومِنهُم مَن أَبعَدَه عَن طَلَب المُلكَ ضُئُولَة نَفسِه وانقِطاعُ سَببَه فَقَصَرتَه الحَالُ عَلى حَالِه فَتَحلّى بِاسمِ القَنَاعَة وَتَزَّيَنَ بِلباسِ أَهلِ الزَّهادَة وَلَيسَ مِن ذَلك فِي مَراحَ ولا مَغديً وَبقَي رِجالٌ غَضَّ أبصَارَهُم ذكرُ المَرجِعِ وأَراقَ دُمُوعَهُم خَوفُ المَحشَرفَهُم بَينَ شَريدِ نادٍ وخَائِفٍ مَقموعٍ و ساكتٍ مَكعُومٍ وَداعٍ مُخلصٍ وَثكلانَ مُوجَعٍ قَد أخمَلتُهُم التَّقیَةُ وشَملَتُهُم الذَلَّةُ فَهم فِي بَحرٍ أُجاجٍ أفوَاهُهُم

ضَامِزَةٌ وقُلُوبُهُم قَرِحَةٌ قَد وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا وقَهِروا حَتَّى ذَلوا وقُتِلوا حَتَّى قَلوا فَلتَكُن الدُّنيَا في أَعيُنكُم أصغَرَ مِن حُثالَة القَرَظِ قُراضِة الجَلَم واتَّعظُوا بِمَن كانَ قَبلَكُم قَبلَ أَن يَتَّعِظَ بِكُم مَن بَعدَکُم وَارفُضُوهَا ذَميمَةً فَإنَّها قَد رَفَضَت مَن كَانَ أَشغَفَ بِهَا مِنكُم).

(شرح ابن أبي الحديد مج 1 ص 172 ط 1).

ضبط الألفاظ اللغوية:

عنود: أي جائر، اکنود: شديد، العتو: التكبر والتجاوز عن الحد القارعة: الداهية، مهانة النفس: ذلها، وكل السيف: إذا لم يقطع، ونضيض وفره أي قلة ماله، والمصلت من أصلت سيفه: إذا جرده من غمده، «والمجلب من أجلب عليهم أي أعال عليهم، «والرجل»جمع رجال. وأشرط نفسه، أعدها للفساد في الأرض واحطام الدنيا متاعها. و«الانتهازه الاغتنام. و«المقنب» ما بين الثلاثين والأربعين من الخيل.وايفرعه، يعلوه. والطامن ظهرها حناه و خفضه. واشمره ثوبه قصره ورفعه. وازخرف» نفسه زينها. واضئولة»النفس حقارتها. و«المراح»مأوى الماشية بالليل. والشريده النافر. والناد»المنفرد. والمقموعه المغلوب. والمكتوم»من شد فاه. و «الضامرة»الساكنة. والقرظه ورق السلم يدبغ به، والجلم المقص يجز به أو بار الابل، وقراضته ما يقع من قرضه وقطعه.

الشرح:

اعلم أن الزمان لما كان من الأسباب المعدة لحصول ما يحصل في عالم الكون والفساد من الشرور والخيرات، صح بذلك توصيف بعض الأزمنة بالخير، فيقال: زمان خیر وزمان عدل، لكثرة ما يكون فيه بشهادة الاستقرار من الخير وانتظام حال الخلق و مواظبتهم على القوانين الشرعية والسنن النبوية، وتوصیف بعضها بالشر، فيقال: زمان جائر وزمان صعب شديد، لكثرة ما يقع فيه من الشرور والمفاسد، وعدم انتظام أمر الخلق فيه من حيث المعاش أو المعاد.

عصر علي علیه السلام :

إذا عرفت ذلك، فاعلم أن قوله صلوات الله عليه: «أيها الناس إنا قد أصبحنا في

دهر عنود وزمن كنوده ذم لزمانه صلوات الله عليه بالجور والعدوان والشدة والكفران من حيث غلبة الضلال ودولة الجهال، واضمحلال الحق واستيلاء الباطل، ورجوع أغلب الناس بعد رسول الله صلی الله علیه وآله على أعقابهم القهقري، وارتدادهم عن الإمام الحق، واقتدائهم بالإمام الباطل، وعدم تمكنه صلوات الله عليه من إقامة المعروف وإزاحة المنكر، ومن ذلك نشأت الشرور والمفاسد التي عددها، وهي أمور:

الأول: انقلاب الموازين الخلقية

أنه يعد فيه المحسن مسيئاً، وذلك لغلبة الإساءة من حيث كثرة المسيئين وقلة الاحسان لقلة المحسنين، فيعد المسيء إحسان المحسن إساءة، كما أنه يعد إساءة نفسه إحساناً، لكون السنة في نظره بدعة والبدعة سنة، أو أنه يحمل إحسان المحسن على الإساءة كحمله عبادته على الرياء والسمعة، وإنفاقه على الخوف أو الرغبة في المجازاة، ونحو ذلك من الأمور الناشئة من سوء الظن من أجل تنزيله حال الغير منزلة نفسه.

والثاني: ازدياد الظلم

أنه «یزداد الظالم فيه عتوه لقيام المقتضي لظلمه وعدم رادع له عن ذلك، فيزداد فيه شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً.

بيان ذلك: أن المقتضي لظلم الظالم هو نفسه الأمارة بالسوء، فلو كانت في زمان العدل تكون مقهورة تحت حكم الحاكم العادل، غير متمكنة من القيام والاقدام على الظلم والجور، ولما لم يتمكن صلوات الله عليه في زمانه من قمع الباطل حق التمکن، لاجرم ازداد الظالم فيه على ظلمه وبلغ الغاية في استکباره وعتوه باقتضاء دواعي نفسه.

والثالث: عدم الانتفاع بالعلم

أنه «لا ننتفع بما علمناه والاتيان بصيغة المتكلم من قبيل «إياك أعني واسمعي يا جارة» والمقصود به توبيخ العالمين لتقصيرهم عن القيام بوظائف العلم، إذ الانتفاع العلم إنما يكون إذا وافقه العمل، لأن بالعلم والعمل کالروح والجسد يتصاحبان ويتكاملان معاً، وكل مرتبة من العلم تقتضي عملاً معيناً بحسبه، وكل عمل يتهيأ به لضرب من العلم.

وإلى ذلك أشار في رواية الكافي عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه. (1)

فإن المراد بهتفه للعمل هو اقتضاء العمل واستدعاؤه له، ومن ارتحاله عدم الانتفاع به أو زواله بالمرة.

وفيه عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي بن الحسین علیه السلام فسأله عن مسائل فأجاب، ثم عاد ليسأل عن مثلها، فقال علي بن الحسین علیه السلام مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفراً، ولم يزدد من الله إلا بعداً.(2)

والرابع: عدم التعلم

أنه «لا نسأل عما جهلنا وهو توبيخ للجاهلين المقصرين في طلب العلم وسؤال العلماء لعدم معرفتهم فضل العلم وعدم رغبتهم في العمل، ولذلك قال الإمام الصادق علیه السلام لحمران بن أعين في شيء سأله: إنما هلك الناس لأنهم لا يسألون. (3)

وفي الكافي أيضاً عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله : أف الرجل لا يفرغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه.(4)

وعن الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد، رفعه عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين علیهما السلام قال: لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إن الله تعالى أوحي إلى دانیال: إن أمقت عبيدي إلي الجاهل


1) الكافي 1: 44/ ح 2

2) الكافي 1: 45/ ح4

3) الكافي 1: 40/ ح 2

4) الكافي 1: 40 ح 5

المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وإن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء.(1)

والخامس: الأمن من مكر الله

أنه «لا نتخوف قارعة»، وداهية «حتی تحل بنا» وهو توبيخ للغافلين والمشغولين بلذائذ الدنيا الحاضرة، الغير الملتفتين إلى البليات والدواهي النازلة .

أصناف الناس:

ثم إنه صلوات الله عليه بعد شکايته من زمانه قسم أهل الزمان إلى أقسام خمسة ووجه القسمة أن الناس إما مریدون للآخرة، وهم الذين أفردهم بالذكر في مقابل الأقسام الأربعة، وأشار إليهم بقوله: «وبقي رجال غض أبصارهم»(الخ). وإما مریدون للدنيا، وهؤلاء إما قادرون عليها بالسلطنة والاستيلاء، وإما عاجزون عنها، وهؤلاء إما غیرمحتالين للدنيا أو محتالون لها، والمحتالون إما مقصودهم من الاحتيال هو خصوص ملك الدنيا ومالها، أو الأعم من ذلك، فهذه أقسام خمسة، أربعة منهم أهل الدنيا وواحد أهل الآخرة.

وأشار إلى الأولين بقوله: «فالناس على أربعة أصناف الأول منهم»العاجز عن الدنيا غير المحتال لها، وهم من لا يمنعه من العلو والفساد في الأرض إلا مهانة نفسه»وحقارتها وكلالة حده»أي حد سيفه ووقوعه عن القطع وعدم الحقيقة للمنظور اليه ونضيض وفره»أي قلة ماله. وهذه كلها إشارة الى عدم تمكن هذا الرجل من الوصول إلى مطلوبه، وعدم قدرته على تحصیل مقصوده لانقطاع الأسباب دونه مضافة إلى ضعف نفسه.

والثاني «منهم»القادر على الدنيا بالسلطنة والاستيلاء وهو المصلت بسيفه»


1) الكافي 1: 35/ ح5

الشاهر له «والمعلن بشره، والمجلب بخيله ورجله، وهو كناية عن جمعه أسباب الظلم والغلبة والاستعلاء قد أشرط نفسه وأهلها للفساد في الأرض، و«أوبن دينه لحطامٍ ينتهزه ويغتنمه، وتشبيه مال الدنيا بالحطام لكونه قليل النفع بالنسبة إلى الأعمال الصالحة الباقي نقعها في الآخرة، كما أن اليبس من النبات قليل المنفعة بالقياس إلى ما تبقى خضرته، «أو مقنب»أي خيل «يقوده أو منبر يفرعه»ويعلوه.

وهذه الأوصاف المذكورة لهذا القسم مطابق المصداق مع خلفاء بني أمية وبني العباس، وأشار إلى خسران هؤلاء في أفعالهم بقوله: «ولبئس المتجر أن ترى الدنيا النفسك ثمناً، ومما لك عند الله عوضأً كما قال تعالى:(مَن كانَ يُريدُ العَاجِلَةَ عَجَّلَنا لَه فيها مَا نَشاءُ لِمَن نُريدُ ثُمَّ جَعلنَا لَه جَهَنَّمَ يَصلاهَا مَذمُوماً مَد حُوراً * وَمَن أَرادَ الأخرَةَ وَسَعى لَها سَعیَها و هُو مُؤمِنٌ فَأولئكَ كانَ سَعيُهُم مَشكوراً) .(1)

والثالث منهما: العاجز عن الوصول إلى الدنيا المحتال لها بالسمعة والرياء، ويرائي بالزي والهيئة، وهو امن يطلب الدنيا بعمل الآخرة»لكون همه فيها ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا»لعدم رغبته إليها أصلاً، والمراد بعمل الدنيا ما يفعله المكلف فيها، أو ما يصير بانضمام القرية والتوصل إلى الطاعة طاعة قد طامن من شخصه»إظهاراً للتواضع، «وقارب من خطوه»إظهاراً للوقار، «وشمر من ثوبه، إظهاراً للطهارة والتنزه من النجاسة وزخرف من نفسه، أي زينها للناس بزينة الصلحاء والأتقياء.

ومقصوده من ذلك كله أن يفتتن به الناس ويرغب إليه قلوبهم، ويعظم قدره عندهم، ويروه أهلاً للأمانة»، ويسكنوا إليه في أماناتهم، ويثقوا إليه في أمورهم، فویل لهذا الرجل تحبب إلى العباد بالتبغض إلى الله، وتزين لهم بالشين عند الله، وتحمد إليهم بالتذمم عند الله.


1) الاسراء: 18 و 19

الرياء:

ندد الإسلام بالرياء؛ لأن الرياء نقيصة في الدين، وعورة في الخلق، ووصمة للرجولة، وهو إذا تفشي بين الجماعة كان هزيمة للفضيلة، وسبة للقومية، ومحنة للإنسانية.

ولا أحسبك إذ تعرض للحديث عن هذه الخصلة واجداً من الناس إلا نکیراً لها واشمئزازاً من التخلق بها، حتى ممن غلبت على نفوسهم، والتاثت بها أخلاقهم، يتنصلون منها سراعاً، ويفرون منها خفافاً، ممايدلك على مباينتها للفطرة، ونبوها عن الشعور بالكرامة، والاحساس بالغيرة.

والرياء لا يكون في القول وحده، ولا في العبادة فحسب، وإنما يكون في القول والفعل، وفي العبادة وغيرها مما يجري بين الناس في شؤونهم.

وهو على تنوعه غش يطلی بلون الاخلاص، ونقص في النزاهة يسمى كذباً باسم الكمال، ويساق باطلاً في لفائف الحب والمروءة، وليس ذلك كله إلا النفاق وإن تعددت الأشكال واختلفت المناحي، أو هو الكذب والخداع، وربك لا يحب الكذب من عباده، ولا يرضى لهم الخداع في قول ولا عمل، وإنما يدعوهم إلى النصح، والنصح هو الإخلاص في أجلى صوره، وينهاهم عن الرياء، والرياء هو الغش في أبشع أشكاله.

وقد تنوعت أساليب القرآن في التشنيع على المرائي والحط من قيمته، ليربأ الناس بأنفسهم عن هذه المخزاة الشائنة، وتكون لهم العظة الزاجرة فيما يقضه علينا.

أرأيت إلى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مِن يَعبُدُ الله عَلى حَرفٍ فَإن أصابَهُ خَیرٌ اطمَأنَ به وَإِن أَصابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلى وَجهِه خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةَ ذَلك هُو الخُسرانُ المُبينُ).(1)فهذا أصدق تصوير للمرائي يتذبذب في عمله ويتابع


1) الحج: 11

أغراضه، لا يصدر عن عقيدة، ولا يورد عن يقين، فإن ظن مبتغاه في الطاعة فهو مطيع، وإن خاله في الغواية فهو غوي.

وانظر إلى قوله تعالى يعيب على المنافقين تهاونهم في الصلاة، ثم يجمع أوصافهم الذميمة في وصف واحد هو الرياء،: (فَوَيلٌ لِلمُصَلينَ * الذَّينَ هُم عَن صَلاتِهِم سَاهُونَ * الذَّينَ هُم یُراؤنَ * وَ يَمنَعونَ المَاعونَ). (1)

وإليك تمثيل القرآن للمرائي بحجر صلب عليه شيء من التراب قليل، فإذا أصابه المطر زال عنه التراب وبقي الحجر علی جموده، لا ينبت فيه زرع، ولا ينبع منه ماء، وهيهات أن يكون فيه نفع بعد ذلك إلا أن يتخذ موطئاً للأقدام أو دريئة من القذر. يقول سبحانه وتعالى في ذلك: (يَا أيُّها الذَّينَ آمَنوا لا تُبطُلوا صَدَقاتُكُم بالمَنِ وَالأُذى كَالَّذي یُنفِقُ مَالَهُ رئاءَ النَّاسٍ وَلا يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الأخِرِ فَمَثَلُه كَمَثَلِ صَنوانٍ عَلیه تُرابٌ فَأَصَاَبهُ وابِلٌ فَتَركَهُ صَلداً لا يَقدَرونَ عَلىَ شَيء مِمَّا كَتبُوا والله لا يَهدِي القَومَ الكافِرينَ(2)أي لا ينتفع المراؤن بعملهم وإن جاز صنيعهم على الناس وراجت فيهم المدائح. على أن القرآن في عشرات من مواضعه يندد بالنفاق وأهله، والنفاق والرياء من قبيل واحد، ويؤكد لك هذا قول النبي صلی الله علیه وآله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، واذا أومن خان.(3)

فالكذب نفاق، والرياء كذب وتمويه وتضليل مفضوح، وليس من المبالغة قوله علیه السلام في النهي عن الغش في القول أو العمل: «من غشنا فليس منا (4)فهذه براءة من الغاش، وإخراج له من عداد المسلمين.


1) الماعون: 4 -7

2) البقرة: 264

3) مکارم الاخلاق للطبرسی: 46

4) بحار الانوار 71: 244؛ کنز العمال 3: 545 ح 7824

وليس كذلك من المبالغة قوله:«الدين النصيحة (1)وما النصيحة التي عناها الرسول الأعظم إلا الإخلاص في العمل والرأي.

وما كان الرياء أو النفاق إن شئت بغيضاً إلى النفوس الكريمة إلى هذا الحد، إلا لأنه يبرز الناس في غير صورهم الحقيقية، ويشكك بعضهم في بعض، فتضيع الثقة التي هي رباط اجتماعي تتوفر به القوى على إنهاض الشؤون، والحصول على السعادة في الحياة، وإذا عصف الرياء بالثقة وذهب بالتضامن فتلك الفتنة في الدين، والمذلة في الحياة، والانحدار عن الرقي الذي ينشده الإسلام في تعاليمه إلى مساقط الفوضى التي أنقذنا الله منها بشرائعه ورسله.

والناقصون في الكرامة يتنافسون في هذا كله حين يبتغون الكمال من غير طريقه ويرغبون في العة اغتصاباً، فهم يصطنعون الرياء ويتشحون بالملق في أقوالهم، ليستدرجواالناس إلى مدحهم، ويبتزوا منهم الثناء عليهم، أو يحصلوا على الثناء بسبب مشكور، وذلك شهوة النفوس الوضيعة، ومدی الهمة الفاترة، وظاهرة الخلق الهزيل، وبعض هذا ينأى بصاحبه عن جلال الإنسانية وشرف المروءة، وأولئك هم القذي في العين والشجي في الحلق، وهم المرض الفتاك بجسم الأمة، يقعدونها عن الرقي، ويصدونها عن السير.

وليت لنا من يقضي على هذه النزعة بين الآخذين بها، ويكشف عن قبحها لمن يفرحون بها ويشجعون عليها، فتهدأ نفوس آلمها ما ترى من وهن الأخلاق، وتستريح قلوب يخزها نشوء الرياء واصطناع المتملقين وامتهان الأعزاء الكرام النفوس.

وقد ورد في ذم أهل الرياء والنفاق ولبس الصوف والثياب المرفوعة لغير وجه الله أخبار كثيرة نستعرضها في هذا الفصل، ونذكر بعض ما ورد في الرياء من الآيات والروايات، ونشير إلى أقسامه، وإلى الدواء النافع له، فالكلام في مقامات أربعة.


1) السنن الكبرى للنسائي 4: 433/ ح 7823

المقام الأول: في تحقيق معنى الرياء والسمعة

فنقول: إن الرياء هو ترك الاخلاص بملاحظة غير الله فيه، وأصله من الرؤية، كأنه لا يعمل إلا إذا رأى الناس ورأوه، والشمعة - بالضم - کالریاء، إلا أنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر.

وعن الفارابي في ديوان الأدب: يقال «فعل ذلك رياء وسمعة»إذا فعل ذلك ليراه الناس ويسمعوا به، وقال الغزالي في إحیاء العلوم الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس باراء تهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى الله، واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها، فحد الرياء هو إرادة العباد بطاعة الله، فالمرائي هو العابد، والمرائی هو الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم، والمرائی په هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء قصد إظهار ذلك.(1)

أقول: والأولى ما ذكرناه، لكونه شاملاً للعبادات وغيرها فعلاً وتركاً حسبما تعرفه في الأقسام الآتية، وما ذكره مختص بفعل العبادات فقط، فلا يعم.

الثاني: في ذكر بعض ما ورد فيه من الآيات والأخبار

قال الله سبحانه: (فَوَيلٌ لِلمُصلينَ * الَّذينَ هُم عَن صَلاتِهِم سَاهُونَ * الَّذينَ هُم یُراؤنَ * ویَمنَعونَ المَاعونَ). (2)

وقوله سبحانه: (یُراؤنَ النَّاس ولا يَذكَرونَ اللهَ إلّا قَليلاً)(3)ومنه قوله تعالى:


1) إحياء العلوم للغزالي، نقلاً عن تحفة الأحوذي للمباركفوري 45:7

2) الماعون: 4-7

3) النساء: 142

(فَمَن كان یَرجُوا لِقاءَ رَبَّه فَلیَعمَل عَملاً صالحاً ولا يُشرك بِعبَادَةِ ربّه أَحَداً) (1)ومنها قوله تعالى: (إنَّما نُطعِمَکُم لِوَجهِ الله لا نُريدُ مِنكُم جَزاءً وَلا شَكورا)ً. (2)

ومن الأخبار النبوية قوله صلی الله علیه وآله، وقد سأله رجل: يا رسول الله فيم النجاة؟ فقال: أن لا تعمل بطاعة الله وتريد بها الناس. (3)

وفي الحديث: إن الله تعالى يقول للملائكة: إن هذا العمل لم يرد صاحبه به وجهي، فاجعلوه في سجين. (4)

وقال صلی الله علیه وآله: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر یا رسول الله؟ قال: الرياء؛ يقول الله تعالى إذا جازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤنهم في الدنيا فاطلبوا جزاءکم منهم.(5)

وفي حديث شداد بن أوس: رأيت النبي صلی الله علیه وآله يبكي، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال:إني تخوفت على أمتي الشرك، أما إنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً، ولكنهم يراون بأعمالهم. (6)

وقال صلی الله علیه وآله: إن النار وأهلها بعجون من أهل الرياء، فقيل: يا رسول الله كيف تعج النار؟ قال: من حر النار التي يعذبون بها. (7)

وقال أيضاً: نادى المرائي يوم القيامة بأربعة أسماء: یا کافر، یا فاجر، یا غادر، یا خاسر، ظل سعيك، وبطل عمتك، ولا خلاق لك، التمس الأجر ممن كنت تعمل له يا مخادع. (8)


1) الكهف: 110

2) الأنسان: 9

3) شرح نهج البلاغة لابن ابی الحدید 2: 179

4) شرح نهج البلاغة 2: 179

5) شرح نهج البلاغة 2: 179

6) نفس المصدر

7) بحار الانوار 69: 305

8) تفسير الدر المنشور 1: 30

وقال أيضاً: إن أول ما يدعى يوم القيامة رجل جمع القرآن، ورجل قاتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله عزوجل للقاري: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ما عملت فيما به علمت؟ فيقول: يا رب قمت به في آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: إنما أردت أن يقال فلان قاري» فقد قيل ذلك.

ویؤتی بصاحب المال فيقول الله تعالى: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال «فلان جواد، وقد قيل ذلك.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله تعالى: ما فعلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيل الله فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال «فلان جريء شجاع، فقد قيل ذلك، ثم قال رسول الله صلی الله علیه وآله: أولئك الثلاثة شر خلق الله يستر بهم نار جهنم.(1)

وقال أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه: للمرائي أربع علامات: یکسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص منه إذا لم يثن عليه.(2)

وقال صلوات الله عليه لكميل بن زیاد: تبذل لا تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر بعلم، واسکت واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار.(3)

وفي الوسائل عن الكليني بإسناده عن فضل أبي العباس، عن أبي عبد


1) تفسير الدر المنشور 3: 323

2) شرح نهج البلاعة لابن أبي الحديد 2: 180

3) شرح نهج البلاغة 2: 181

الله علیه السلام قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسر سيئاً؟ أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك، والله عزوجل يقول:(بَلِ الإنسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَةٌ(1)إن السريرة إذا صلحت قویت العلانية.(2)

وعن السكوني، عنه علیه السلام أيضاً قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا بریدون به ما عند ربهم، یکون دینهم ریاء لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم.(3)

وعن البرقي في كتاب المحاسن، عن يحيى بن بشير البال عمن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: من أراد عزوجل بالقليل من عمله أظهره الله أكثر مما أراده به، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله، أبى الله إلا يقلله في عين من سمعه .(4)

وروى الصدوق في كتاب عقاب الأعمال بإسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسی بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله : يؤمر برجال إلى النار، فيقول الله عزوجل لمالك: قل للنار لا تحرق لهم أقداماً فقد كانوا يمشون بها إلى المساجد، ولا تحرق لهم وجوهاً فقد كانوا يسبغون الوضوء، ولا تحرق لهم أيدٍ فقد كانوا يرفعونها بالدعاء، ولا تحرق لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن، قال: فيقول لهم خازن النار: یا أشقياء ما كان حالكم؟ قالوا: كنا نعمل لغيرالله عزوجل ، فقيل لنا: خذوا ثوابكم من عملتم.(5)


1) القيامة): 14

2) وسائل الشيعة 1: 64) ح138؛ بحار الانوار 69: 289

3) وسائل الشيعة 1: 65/ ح141

4) وسائل الشيعة 1: 66 ح 164

5) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: 224

وفي الوسائل عن الكليني باسناده عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزوجل:(فَمَن كَانَ يَرجُوا لِقاءَ رَبِّه فليَعمَل عَمَلاً صَالحاً ولَا یُشرك بِعِبادَةِ رَبِّه أَحَداً) (1)قال: الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب تزكية النفس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد أسر خیراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسر شراً فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شراً.(2)

وعن السكوني، عنه علیه السلام أيضاً قال: قال النبي صلی الله علیه وآله: إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فاذا صعد بحسناته يقول الله عزوجل : اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد به.(3)

وعن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: اجعلوا أمركم هذا لله، ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان الله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله. (4)

حديث معاذ عن النبي صلی الله علیه وآله:

وفي عدة الداعي لأحمد بن فهد الحلي عن الشيخ أبي جعفر محمد بن أحمد بن علي القمي نزيل الري في كتابه (المنبي عن زهد النبي)، عن عبد الواحد، عمن حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قلت: حدثني بحديث سمعته من رسول الله وحفظته من دقایق ماحدثك به، قال: نعم، وبکی معاذ.

ثم قال: بأبي وأمي حدثني وأنا ردیفه فقال: بينا نحن نسير إذ رفع بصره


1) الكهف: 110

2) وسائل الشيعة 1: 71/ ح 159

3) وسائل الشيعة 1: 71/ ح156

4) الكافي 1: 166/ ح 3، وسائل الشيعة 1: 71/ ح 158

إلى السماء فقال صلی الله علیه وآله: الحمد لله الذي يقضي في خلقه ما أحب، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك يا رسول الله وسيد المؤمنين، قال: يا معاذ! قلت: لبيك يا رسول الله إمام الخير ونبي الرحمة، قال صلی الله علیه وآله أحدثك شيئاً ما حدث نبي أمته، إن حفظته نفعك عيشك، وإن سمعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله.

ثم قال صلی الله علیه وآله : إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات، فجعل في كل سماء ملكاً قد جلها بعظمته، وجعل على كل باب من أبواب السماء بواباً، فيكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح الى حين يمسي، ثم ترفع الحفظة بعمله وله نور کنور الشمس، حتى إذا بلغ سماء الدنيا فتزکیه و تكثره، فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الغيبة، فمن اغتاب لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري، أمرني بذلك ربي.

قال صلی الله علیه وآله: ثم يجيء الحفظة من الغد ومعهم عمل صالح فتم به وتزكيه وتكثره حتى تبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذي في السماء الثانية: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، إنما أراد بهذا العمل عرض الدنيا، أنا صاحب الدنيا لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري وهو يحب الدنيا.

قال: ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجأً بصدقة وصلة، فتعجب به الحفظة وتجاوز به الى السماء الثالثة، فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره، أنا ملك صاحب الكبر، فيقول: انه عمل وتكبر على الناس، أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.

قال: وتصعد المحفظة بعمل العبد يزهو كالكوكب الدري في السماء، له دوي بالتسبيح والصوم والحج، فتمر به الى السماء الرابعة، فيقول لهم الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، أنا ملك العجب؛ إنه كان يعجب بنفسه، وإنه عمل وأدخل نفسه العجب، أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.

قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها، فتمر به

إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصدقة ما بين الصلاتین، و كذلك العمل له رنين كرنين الإبل، عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قفوا أنا ملك الحسد، اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، إنه كان يحسد من يتعلم أو يعمل لله بطاعته، وإذا رأي لأحد فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع فيه، فيحملوهعلى عاتقه ويلعنه عمله.

قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة فيتجاوز به إلى السماء السادسة، فيقول الملك: قفوا، أنا صاحب الرحمة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واطمسوا عينيه، لأن صاحبه لم يرحم شيئاً، إذا أصاب عبداً من عباد الله ذنباً للآخرة أو ضراء في الدنيا شمت به، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري.

قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يفقه واجتهاد وورع وله صوت كالرعد وضوء کضوء البرق ومعه ثلاثة آلاف ملك فتمر بهم إلى ملك السماء السابعة، فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الحجاب، أحجب كل عمل ليس لله، إنه أراد رفعة عند القواد وذكراً في المجالس، وصيتاً في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري ما لم يكن الله خالصاً.

قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذکر کثیر تشیعه ملائكة السماوات والملائكة السبعة بجماعتهم، فيطئون الحجب كلها حتى يقوموا بين يديه سبحانه فيشهدوا له بعمل ودعاء، فيقول سبحانه: أنتم حفظة عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إنه لم پردني بهذا العمل، عليه لعنتي، فتقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا.

قال: ثم بکی معاذ، قال: قلت: يا رسول الله ما أعمل وأخلص؟ قال: اقتد نبيك يا معاذ في اليقين، قال: قلت: أنت رسول الله وأنا معاذ، قال: فإن كان في عملك تقصیر یا معاذ، فاقطع لسانك عن إخوانك وعن حملة القرآن، ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على إخوانك، ولا ترك نفسك بتذميم إخوانك، ولا

ترفع نفسك بوضع إخوانك، ولا تراء بعملك، ولا تداخل من الدنيا في الآخرة، ولا تفحش في مجلسك لكي يحذروك لسوء خلقك، ولا تناج مع رجل وأنت مع آخر، ولا تعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب أهل النار، قال الله تعالى:(وَالنَّاشِطاتِ نَشطاً) (1)أفتدري ما الناشطات؟ إنه كلاب أهل النار تنشط اللحم والعظم. قلت: ومن يطيق هذه الخصال؟ قال: يا معاذ أما إنه يسير على من يسر الله تعالى عليه، قال: وما رأيت معاذاً يكثر تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث. (2)

الثالث: في أقسام الرياء والوجوه المتصورة فيه

وهي كثيرة إلا أنها منشعبة عن قسمين: أحدهما الرياء المحض، والثاني الرياء المشوب.

أما الرياء المحض: فهو أن لا يكون مراده بالعبادة إلا الدنيا ورؤية الناس، كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو كان منفرداً لكان لا يصلي، بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس، فهذا يجب أن يترك، لأنه معصية لا طاعة فيه أصلاً.

وأما الرياء المشوب فهو يتصور على وجوه:

أحدها: أن يعقد على الاخلاص قلبه ثم يطرء الرياء ودواعيه، مثل أن يفتتح الصلاة بالاقبال، فيدخل عليه داخل أو ينظر إليه ناظر، فيقول الشيطان: رد صلاتك حسناً حتى ينظر إليك هذا الناظر بعين الوقار، فتخشع جوارحه ويحسن صلاته.

وذلك مثل ما روي أن رجلاً لا يقدر على الإخلاص في العمل، فاحتال وقال: إن في ناحية البلد مسجداً مهجوراً لا يدخله أحد فأمضي إليه ليلاً وأعبد الله فيه،


1) النازعات: 2

2) عدة الداعی: 227 - 230

فمضى إليه في ليلة ظلماء وكانت ذات رعد و برق ومطر فشرع في العبادة، فبينما هو في الصلاة إذ دخل عليه داخل فأحس به فدخله السرور برؤية ذلك الداخل له وهو مشتغل بالعبادة في الليلة المظلمة، فأخذ في الجد والاجتهاد في عبادته إلى أن جاء النهار، فنظر إلى ذلك الداخل فإذا هو كلب أسود قد دخل المسجد مما أصابه من المطر، فندم الرجل على ما فعل وقال: يا نفس إني فررت من أن أشرك بعبادة ربي أحداً فوقعت أن أشرك في عبادته كلياً و أسفاً وأويلاً على هذا.

الثاني: أن يأتيه الشيطان من معرض الخير ويقول له: اعمل هذا العمل ليقتدي بك الناس، فيحصل لك أجر من عمل به، وهذه المكيدة أعظم من الأولى، وينخدع بها من لاينخدع بتلك، وهو عين الرياء، لأنه إذا رأى هذه الحالة خيراً لا يرتضي غيره ترکها، فلم يتركها وهو في الخلوة، وليس أحد أعز على الإنسان من نفسه.

الثالث: أن يتنبه العاقل لهاتين ويستحي من المخالفة بين صلاته في الخلاء والملاء، فيحسن صلاته في الخلوة ليطابق الجلوة، وهذا أيضاً من الرياء، لأنه حسن صلاته في الخلوة ليحسن في الملاء، فكان نظره في عمله إلى الناس.

الرابع: أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز الشيطان عن إيقاعه في الرياء بأن يقول له: اخشع لأجلهم، ولكن يقول له: تفكر في عظمة الله وجبروته ومن أنت واقف بين يديه، واستح أن ينظر الله إلى قلبك وأنت غافل عنه، فيحضر بذلك وتجتمع جوارحه ويظن أن ذلك عين الاخلاص وهو عين الرياء، فإن خشوعه لو كان لنظره إلى عظمة الله لم لم تكن حالته في الخلوة هكذا.

الخامس: أن يكمل العبادة على الإخلاص، لكن عرض له بعد الفراغ حب إظهارها لتحصيل بعض الأغراض، وذلك بأن يخدعه الشيطان ويقول له: إنك قد أكملت العبادةالخالصة وقد كنت في ديوان المخلصين، ولا يقدح فيها ما يتجدد، وإنما ينضم إلى ما حصله بها من الخير الآجل خير عاجل فيحدث به ويظهره، وهو أيضاً مبطل للعمل ومفسد له وإن سبق.

قال الصادق علیه السلام: من عمل حسنة سراً كتبت له سراً، فإذا أقر بها محبت و كتبت جهراً، فإذا أقر بها ثانياً محبت و كتبت رياء، وفضل عمل السر على عمل الجهر سبعون ضعفاً، نعم لو تعلق بإذاعته غرض صحيح - كمالو أراد ترغيب الغير فيه إذا لم يمكن الترغيب بدونه لم يكن به بأس.

السادس: أن يترك العمل خوفاً من الرياء، وهذا أيضاً من خدایع إبليس العين، لأن غرضه الأقصى ترك العمل، فإذا لم تجب إليه واشتغلت به فيدعوك إلى الرياء وغيره، فإذا تركته فقد حصلت غرضه.

قال ابن فهد في عدة الداعي: ومثال ذلك من سلم إليه مولاه حنطة فيها قليل من المباین إما شعير أو مدر، وقال: خلصها من التراب مثلاً ونقها منه تنقية جيدة بالغة، فيترك أصل العمل ويقول: أخاف إن اشتغلت به ألا يخلص خلاصاً صافياً، ويترك العمل من أصله.

السابع: أن يترك العمل لا لذلك بل خوفاً على الناس أن يقولوا إنه مرائي فيعصون الله تعالى به، وهذا أيضاً كسابقه رياء خفي؛ لأن ترك العمل خوفاً من أن يقال له إنه مرائي عين الرياء، ولولا حبه لمحمدتهم وخوفه من مذمتهم فما له ولقولهم إنهمراء أو قولهم: إنه مخلص؟ وأي فرق بين ترك العمل خوفاً من قولهم: إنه مراء وبين أن يحسن العمل خوفاً من قولهم: إنه مقصر غافل؟ مع ما في ذلك من سوء الظن بالمسلمين، ومن إطاعة الشيطان في ترك العمل.

الثامن: أن يكون ترك العمل إشفاقأً على المسلمين، بأن يقول له إبليس اللعين اترك العمل إشفاقاً على المؤمنين من وقوعهم في الاثم بظن السوء، وتركك العمل إشفاقاً عليهم يقوم مقام العمل ويحصل لك بذلك الثواب؛ لأن نظر المصلحة للمسلمين حسنة، فيعادل الثواب الحاصل من العمل، بل هو أفضل لأنه متعة إلى الغير، وهذا الخيال من غوائل النفس الأمارة المايلة إلى الكسالة والبطالة، ومكيدة عظيمة من الشيطان لما لم يجد إليك مسلكاً قصدك من هذا الطريق وزين لك هذا التنميق.

قال ابن فهد: ووجه فساده يظهر من وجوه:

أولاً: أنه عجل لك الوقوع في الأثم المتيقن، فإنك ظننت أن يظنوا بك أنك مراء، وهذا ظن سوء، وعلى تقدير وقوعه منهم يلحقهم به إثم، وظنك هذا بهم أيضاً ظن سوء يلحقك به الاثم إذا لم يكن مطابقاً لما ظننت بهم وتركت العمل من أجله، فعدلت من ظن موهوم إلى إثم معلوم، وحذراً من لزوم إثم لغيرك فأوقيت فيه نفسك.

ثانياً: أنك إذن وافقت إرادة إبليس بترك العمل الذي هو مراده، و ترك العمل والبطالة موجب لاجتراء الشيطان عليك وتمكنه منك، لأن ذکره تعالى والتولي(1)في خدمته يقربك منه، وبقدر ما تقرب منه تبعد من الشيطان، وإن فيه موافقة للنفس الأمارة بميلها إلى الكسالة والبطالة، وهما ينبوع آفات كثيرة إن كان لك بصيرة.

ثالثاً: مما يدلك أن هذا من غوائل النفس وميلها إلى البطالة، أنك لما نظرت إلى فوات الثواب الحاصل لك من البطالة وإلى فوات وقوعهم في الاثم، آثرتهم على نفسك بتخفيف ما يلزمهم من الاثم بسوء الظن وحرمت نفسك الثواب، وتفكر في نفسك وتمثل في قلبك بعين الانصاف لو حصل بينك وبينهم في شيء من حظوظ العاجلة منازعة، إما في دار أو مال، أو ظهر لك نوع معيشة تظن فيها فايدة وحصول، أكنت تؤثرهم على نفسك وتتر که لهم؟ كلا والله، بل كنت تناقشهم مناقشة المشاقق، وتستأثر عليهم فيما يظهر لك من أنواع المعيشة إن أمكنتك فرصة الاستيثار، وتقلي الحبيب وتقصي القريب.(2)

التاسع: أن يقول لك الشيطان: إذا كنت لا تترك العمل لذلك فأخف العمل فإن الله سيظهره عليك، فإما إذا أظهرته فيمكن أن تقع في الرياء، وهذا التلبس عين الرياء لأن إخفاءك له کي يظهر بين الناس هو بعينه العمل لأجل الناس، وما عليك إذا كان مرضياً عند الله تعالى أن يظهر للناس أو يخفی.


1) أي المثول

2) عدة الداعی: 205 - 208

الرابع: في علاج الرياء

وهو على ما ذكره الغزالي في إحیاء العلوم: أن الإنسان يقصد الشيء ويرغب فيه لظنه أنه خير له ونافع ولذيذ أما في الحال وأما في المال، فإن علم أنه لذيذ في الحال ولكنه ضار في المال سهل عليه قمع الرغبة عنه، كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه، فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من المضرة.

ومهما عرف العبد مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه، وما يحرم عنه في الحال من التوفيق، وفي الآخرة من المنزلة عند الله، وما يتعرض له من العقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر، حيث ينادي على رؤوس الخلائق: يا فاجر یا غادر یا مرائي، أما استحييت إذ اشتريت بطاعة الله عرض الدنيا، وراقبت قلوب العباد، واستهزأت بطاعة الله، وتحت إلى العباد بالتبغض إلى الله، وتزينت لهم بالشين عند الله، وتقربت لهم بالبعد من الله، وتحمدت اليهم بالتذمم عند الله، وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله، أما كان أحد أهون عليك من الله؟

فمهما تفكر العبد في هذا الخزي، وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة، وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال، مع أن العمل الواحد به ربما كان يترجح ميزان حسناته لو خلص، فإذا فسد بالرياء محول إلى كفة السيئات فترجح به ويهوى إلى النار، فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافياً في معرفة ضرره، وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة، فقد كان ينال بهذه الحسنة على الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين، وقد ځط عنهم بسبب الرياء ورد إلى صف النعال من مراتب الأولياء، هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإنه رضا الناس غاية لا تدرك، فكل ما يرضي به

فريق يسخط به فريق، ورضا بعضهم في سخط بعضهم، ومن طلب رضاهم في سخط الله، سخط الله عليه وأسخطهم أيضاً عليه.

ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم، ولا يزيده حمدهم رزقاً ولا أجلاً، ولا ينفعه يوم فقره و فاقته وهو يوم القيامة.

وأما الطمع فيما في أيديهم، فبأن يعلم أن الله هو المسخر للقلوب بالمنع والاعطاء، ولا رزاق إلا الله، ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهمٍ فاسد قد يصيب وقد يخطي، وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم متته ومذلته.

وأما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمهم شيئاً، فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه، فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه، ويكفيه أن الناس لو علموا ما في بطنه من قصد الرياء وإظهار الاخلاص لمقتوه، وسيكشف الله عن سره حتی يبغضه إلى الناس ويعرفهم أنه ممراء وممقوت عند الله، ولو أخلص لله لكشف الله لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه.

كما روي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: لأعبده الله تعالى عبادة أذكر بها، فمكث مدة مبالغاً في الطاعات، وجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قالوا: منصنع مراء، فأقبل على نفسه وقال: أتعبت نفسك وضيعت عمرك في لا شيء، فينبغي أن تعمل لله سبحانه، فغير نيته وأخلص عمله الله تعالى، فجعل لا يمر بملا من الناس إلا قالوا: ورع تقي.

مع أن مدح الناس لا ينفعه وهو عند الله مذموم ومن أهل النار، وذم الناس لا يضره وهو عند الله محمود و من أهل الجنة، فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيها من الكدورات والمنغصات، وكيف يرضى العاقل أن يجعل

ثمن عمله مدح الناس له وما في أيديهم من حطام الدنيا وزخارفها، مع أنها على تقدير النيل لها ثمن بخس ورضا الله سبحانه هو الجزاء الأوفي؟ فلو قيل لك: إن ههنا رجلاً معه جوهر نفيس يساوي مائة ألف دينار وهو محتاج إلى ثمنه، بل إلى بيعه عاجلاً وإلى أضعافه ثمناً، فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه مع حاجته إلى الأضعاف، فأبی بیعه بذلك وباعه بفلس واحد، ألست تحكم بسفاهة ذلك البايع و نقصان عقله؟

فحال المرائي بعينه مثل حال هذا البائع، فإن ما يناله العبد بعمله من حطام الدنيا ومدح الناس له بالاضافة إلى ثواب الآخرة ومرضاة الله سبحانه أقل من فلس في جنب ألف ألف دينار، بل أقل من نسبته إلى الدنيا وما فيها؛ هذا كله هو الدواء العلمي .

الدواء العملي للرياء:

وتما الدواء العملي: فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كمايغلق الأبواب دون الفواحش، حتى يقنع قلبه بعلم الله واطلاعه على عبادته، ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غيره سبحانه.

ولذلك كان عيسي يقول للحواريين: إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه بالزيت لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطی بیمینه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق.(1)

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: إن في ظل العرش ثلاثة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله:رجلان تحابا في الله وافترقا عليه، ورجل تصدق بیمینه صدقة فأخفاها عن شماله، ورجل دعته امرأة ذات جمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين.(2)


1) عدة الداعي: 220

2) نفس المصدر

فلا دواء للرزياء مثل الاخفاء، وذلك يشق في بداية المجاهدة، وإذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله وما يمة به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد، ولكن الله (لَا يُغَيِّرَ مَا بِقَومِ حَتَّی يُغَيِّروا مَا بِأَنفُسِهِم (1)فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية، ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب، والله لا يضيع أجر المحسنين، وَإِن تَكُ حَسَنَةً یُضَاعِفُها ويُؤتِ مِن لَدُنهُ أَجراً عَظيماً) .


1) الرعد: 11

ومن خطبة له علیه السلام :

یرغب فيها بالجهاد ويذم أصحابه على تخاذلهم عنه ويذكر فيها أفعال جيش معاوية

(أمَا بَعدَ فَإنَّ الجَهادَ بَابَ مِن أَبوابِ الجَنَّةَ فَتَحَه الله لِخَاصَّة أوليَائَه وهُو لِباسُ التَّقوي وَدَرعُ الله الحَصينَه وَجُنَتَه الوَثيقَةُ فَمَن تَرَكَه رَغبَةً عَنهُ أَلبَسَهُ الله ثَوبَ الذُّلَ وَشَملَهُ البَلاءُ وَديثَ بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ وَضُربَ عَلى قَلبِه بِالإِسهَابِ وَأُديلَ الحَقُّ مِنهُ بِتَضييعَ الجَهادِ وَسيمَ الخَسفَ وَمُنعَ النَّصَفَ ألّا وَإنّي قَد دَعَوتُكُم إلَى قِتالٍ هؤلاء القَومِ لَیلاً وَنَهاراً وَسِراً وَإعلاَناً وقُلتُ لَكُم اغزُوهُم قَبلَ أَن يَغزُوكُم فَوَاللهِ مَا غُریَ قَومَ قَطُّ في عُقرِ دارَهِم إلا ذُّلوا فَتوَاكَلتُم وَتَخَاذَلتُم حَتيَّ شُنَّت عَليكُم الغَارَاتُ و مُلِكَت عَليكُم الأَوطَانُ وَهذا أَخُو غَامِدٍ وَقَد وَرَدَت خَیلُه الاَنبَارَوَ قَد قَتَل حَسَّانَ بنِ البَكريَّ وأزَالَ خَیلَكُم عَن مَسالَحهَا وَ لَقَد بَلَغَني أَنَّ الرَّجُل ِمنهُم كَانَ يَدخُلُ عَلى المَرأَة المُسلَمَة والأخرَى المُعَاهِدةِ فَيَنتَّزَعٌ حِجلَهَا وَقلبَهَا وَقلائِدَها ورُعُثَها مَا تَمتَنِعُ مِنهُ إلَّا بِالاَستِرجَاعٍ وَالاستِرحامِ ثُمَّ النصَرَفُوا وافَرینَ مَا نَالَ رَجلاً مِنهُم کَلمٌ ولاَ اُریقَ لَهُم دَمٌ فَلَو آَنَّ اَمراً مُسلِماً مَاتَ مِن بَعدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ به مَلوماً بَل كَانَ بِه عِندي جَديرَاً فَيَا عَجَباً عَجَباً واللهِ یُميتُ القَلبَ وَیَجلِبُ الهَمَّ مِنَ اجتَمَاعِ هَؤلاء القَومٍ عَلى بَاطِلِهِم وَتَفَرُّقُكُم عَن حَقِكُم فَقُبحاً لَکُم وتَرحاً حينَ صِرتُم غَرَضاً یُرمَي يُغارُ عَليكُم وَلا تُغَيَرُونَ ولاتُغزَونَ ولا تَغزونَ و یُعصَى الله و تَرضَونَ فإذَا أَمَرتُكُم بالسَّيرِ إِلَيهِم فِي ايامِ الحَرّ قُلتُم هَذه حَمارَةٌ القَيظِ أَمهِلنا یُسَبَّخ عَنَّا الحَرَّ واذَا أَمَرتُكُم بِالسَّيرِ إِلَيهِم فِي الشَّتاء قُلتُم هَذه صَبَارَةٌ القُرَ اَمهِلنَا یَنسَلِخ عَنَّا البَردُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِ فَإذا كُنتُم مِنَ الحَرِّ وَالقَرِّ تَفِرُّونَ فَأنتُم وَاللهِ

مِنَ السَّيفِ أَفَرُ یا أَشبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجالَ حُلُومُ الأَطفَالِ وعُقُولُ رَبَّات الحِجالِ لَوَدَدتُ أَني لَم أَرَكُم وَلَم أَعرَفَكُم مَعرَفَةً و الله جَرَّت نَدمَا وَأَعقَبَت سَدَماً قَاتَلَكُم اللهُ لَقَد مَلَاتُم قَلبي قَیحاً وَشَحَنتُم صَدرِي غَيظاً و جَرَّعتُموني نُغَبَ التَّهمَامِ أنفَاساً وأَفسَدتُم عَليَ رَأيِي بِالعِصيَانِ وَالخِذلَانِ حَتَّى لَقَد قَالَت قُرَیشٌ انَّ ابنَ أَبِي طَالبَ رَجلٌ شجُاعٌ وَلكِن لا عَلمَ له بِالحَربِ لله أَبوهُم وهَل أَحَدٌ مِنهُم أَشَدٌّ لَهَا مَراساً وَأَقدَمُ فِيهَا مَقاماً مِني لَقَد نَهَضَت فِيهَا وَمَا بَلَغتُ العِشرِينَ وَهَا أَنا ذَا قَد ذَرَّفتُ عَلى السَّتيِنَ وَلكِن لَا رَأيَ لِمَن لا يُطاعُ).

اشرح ابن أبي الحديد مج1، ص140، ط الأولى بمصر.

ضبط الألفاظ اللغوية:

الجنة ما استتر به من سلاح أو غيره، اودیثه أي ذلل، ومنه الديوث الذي لا غيرة له، والصغار: الذل والضیم. «القماءة، الحقارة والذل، و«الإسهاب» ذهاب العقل، أي ذهب عقله من أذى يلحقه. «و أديل الحق منه أي غلبه عليه عدوه. وسيم الخسف، أولاه ذلاً و كلفه المشقة. «والنصف» الإنصاف. «والعقر» في الشيء أصله ووسطه. «والتواكل»أن یكل كل واحد منهم الأموال إلى صاحبه ويعتمد عليه. وشن الغارة وأشنها فرقها عليهم من كل وجه. «وأخو غامده هو سفيان بن عوف، وغامد قبيلة من اليمن وهي من الأزد. والأنبار بلد قدیم من بلاد العراق على الفرات من الجانب الشرقي والمسالح، الحدود التي ترتب فيها ذوو الأسلحة مخافة عادية العدو. والمعاهدة»ذات العهد وهي الذمية. وه الحجل»_بفتح الحاء و کسرها - الخلخال. «والقلب» - بالضم - سوار المرأة. «والرعاث»القرط، والرعاث أيضاً ضرب من الحلي. «والاسترجاع» قول «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وقيل تردید الصوت بالبكاء. «والاسترحام، مناشدة الرحم، أي قول «أنشدك الله والرحم»، والوافر» التام، أي تامين. «والكلم، الجرح. و«الترح» ضد الفرح. «والغرض»

الهدف. او حمارة القيظ»شدة حره. «ويسبخ الحر» يسكن ويفتر. «والقر- بالضم البرد. و«ربات الحجال والنساء، والسدمه الحزن. والقيح»الصديد بلا دم. «والنغب، الجرعة. «والتهمام»الهم. «وأنفاساً أي جرعة بعد جرعة. والله أبوهم» كلمة مدح، ولعلها استعملت هنا للتعجب. والمراس»مصدر مارسه أي زاوله وعالجه. واذرفت على الستين، بتشديد الراء أي زدت.

الشرح:

هذه الخطبة النيرة خطب بها صلوات الله عليه في أواخر عمره الشريف، وذلك بعد ما انقضت وقعة صفين واستولی معاوية على البلاد وأكثر القتل والغارة في الأطراف، وأمر سفيان بن عوف بالمسير إلى الأنبار وقتل أهلها.

وصية معاوية الارهابية:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في المجلد الأول من كتابه شرح النهج ص 144 ط 1 بمصر، نقلاً عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، عن ابن الكنود قال:

حدثني سفيان بن عوف الغامدي قال: دعاني معاوية فقال: إني باعثك في جيش كثيفٍ ذي أداة وجلادة، فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليهم، وإلا فامض حتى تغير على الأنبار، فإن لم تجد بها جنداً فامض حتى توغل في المدائن، ثم أقبل إلي، واتق أن تقرب الكوفة، واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكانك أغرت على الكوفة، إن هذه الغارات - یاسفیان - على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كل من له فينا هوى منهم، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر، فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى، واحرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب.

قال: فخرجت من عنده فعسکرت، وقام معاوية في الناس فخطبهم فقال: أيها الناس انتدبوا مع سفيان بن عوف فإنه وجه عظيم فيه أجر، سريعة فيه أوبتكم إن شاء الله، ثم نزل، قال: فوالذي لا إله غيره ما مرت ثلاثة حتى خرجت في ستة آلاف، ثم لزمت شاطئ الفرات فأغذذت السير حتی أمر بهیت، فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات، فمررت بها وما بها عريب كأنها لم تحلل قط، فوطئتها حتى أم بصدوداء ففروا فلم ألق بها أحداً، فأمضي حتى أفتتح الأنبار وقد نذروا بي، فخرج صاحب المسلحة إلي فوقف لي، فلم أقدم عليه حتى أخذت غلماناً من أهل القرية فقلت لهم: أخبروني كم بالأنبار من أصحاب علي صلوات الله عليه؟ قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة، ولكنهم قد تبددواورجعوا إلى الكوفة، ولا ندري الذي يكون فيها قد يكون مائتي رجل، فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليهم كتيبة بعد کتیبة، فيقاتلهم والله ويصبر لهم ويطاردهم ويطاردونه في الأزقة، فلما رأيت ذلك أنزلت اليهم نحواً من مائتين وأتبعتهم الخيل، فلما حملت عليهم الخيل وأمامهم الرجال تمشي لم يكن شيء حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في نحو من ثلاثين رجلاً، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال، ثم انصرفت، فوالله ماغزوت غزاة كانت أسلم ولا أقر للعيون ولا أسر للنفوس منها، وبلغني أنها أرعبت الناس، فلما عدت إلى معاوية حدثته الحديث على وجهه، فقال: كنت عند ظني بك، لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره، وإن أحببت توليته وليتك، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني، قال: فوالله ما لبثا إلا يسيراً حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هرابة من عسكر علي صلوات الله عليه.

و قال إبراهيم: كان اسم عامل علي صلوات الله عليه على مسلحة الأنبار أشرس بن حسان البكري.

معركة الأنبار:

وروى إبراهيم عن عبد الله بن قيس، عن حبيب بن عفيف قال: كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مسلحتها إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها، فهالونا والله وعلمنا _ إذ رأيناهم - أنه ليس لنا طاقة بهم ولا بد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا، فلم يلقهم نصفنا، وأيم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم حتى کرهونا، ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى:(فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوُا تَبديلاً) ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله ولا يطيب نفساً بالموت، فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم، فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار، ثم نزل في ثلاثين رجلاً، فهممت بالنزول معه ثم أبت تفسي، واستقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله، وانصرفنا نحن منهزمين.

قال إبراهيم: وقدم علج من أهل الأنبار على علي صلوات الله عليه فأخبره الخبر، فصعد المنبر فخطب الناس وقال: إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتزلا يخاف ما كان، واختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم، فإن أصبتم منهم طرفاً أنكلتموهم عن العراق أبداً ما بقوا، ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم متكلم، فلم ينبس أحد منهم بكلمة، فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلاً حتى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه، حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا:ارجع يا أمير المؤمنین ونحن نكفيك، فقال: ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم، فلم يزالوا به حتی صرفوه إلى منزله، فرجع وهو واجم كئيب، ودعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف، وذلك أنه أخبر أن القوم جاؤا في جمع كثيف، فخرج سعيد بن قيس على شاطئ الفرات في طلب سفیان بن عوف، حتى إذا بلغ اعانات سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني، فاتبع آثارهم حتى دخل أداني أرض قنسرين وقد فاتوهم، فانصرف.

قال: ولبث علي صلوات الله علیه ترى فيه الكآبة والحزن حتی قدم عليه سعيد بن قيس، وكان تلك الأيام علياً، فلم يقو على القيام في الناس بما بریده من القول،فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه ابناه حسن وحسين علیهما السلام وعبد الله بن جعفر، ودعا سعداً مولاه فدفع إليه الكتاب وأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعدبحيث يستمع علي صوته ويسمع ما یرد الناس عليه، ثم قرأ الخطبة هذه،(1)انتهى قول ابن أبي الحديد.

افضل الجهاد:

قوله صلوات الله عليه:

أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه .

بين صلوات الله عليه في هذه الفقرات النيرة عظمة الجهاد في الإسلام ومنافعه الخاصة والعامة للمسلمين، فقد قال رسول الله صلی الله علیه وآله- كما في رواية الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله-: للجنة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع والملائكة ترحب بهم . (2)

والمراد بخواص الأولياء المخلصون له في المحبة والعبادة، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله لوجه الله لا لغرض آخر من خواص الكاملين في العبادة والخالصين في المحبة.

وذلك لأن المرء المسلم إذا فارق أهله وأولاده وسلك إلى الجهاد مع علمه بأن العدو لو قهره يقتله ويتملك أمواله ويستبيح ذريته، ومع هذه كلها يوطن نفسه على الصبر والثبات امتثالاً لأمر الله وطلبة لمرضاته سبحانه، فذلك الولي الكامل والمؤمن


1) شرح نهج البلاغة 2: 85 - 88

2) الكافي 5: 2ح 2

الخالص في مقام الإيمان والعبودية، وحقیق بأن يدخل في زمرة: (أَلا إِنَّ أَولياءَ الله لا خَوفٌ عَليهِم وَلَا هُم يَحزَنونَ)(1)(وأن يستبشر بیشارة: إِنَّ الله اشتَريٍ مِنَ المؤمنينَ أنفُسَهُم وَأموَالَهُم بِأَنَ لَهُم الجَنَّةَ يُقاتِلونَ فِي سَبيلِ الله فَيَقتُلونَ و یُقتَلونَ وَعداً عَليه حَقاً فِي التَّوراةِ وَالإنجيلِ وَالقُرآنِ ومَن أوفىِ بِعَهدِه مِنَ الله فَاستَبشِروُا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِه وَذلكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ). (2)

اثواب وأجر الشهيد:

والبشرى التي بشر بها رسول الله صلی الله علیه وآله سید الشهداء منهم بقوله: «للشهيد سبع خصال من الله: أول قطرة منه مغفور له كل ذنب، والثانية: يقع رأسه في حجر زوجته من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان: مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك لهما، والثالثة: يکسي من كسوة الجنة، والرابعة: تبتدره خزنة الجنة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه، والخامسة: أن يرى منزله، والسادسة: يقال لروحه: إسرح في الجنة حیث شئت، والسابعة: أن ينظر في وجه الله (أي رحمته) وإنها لراحة لكل نبي و شهيده.(3)

وقال صلی الله علیه وآله : إن جبرئيل أخبرني بأمر قرت به عيني وفرح له قلبي، قال: يا محمد، من غزا غزوة في سبيل الله من أمتك وما أصابته قطرة من الدماء أو صداع إلا كانت له شاهدة يوم القيامة، وللجنة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه وإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم، والجمع في الموقف والملائكة ترحب بهم، ومن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً في نفسه وفقرأً في معيشته و محقاً في دينه، إن الله تعالى أعز أمتي بسنابك خیلها و مراکز رماحها. (4)وقال: من بلغ رسالة غاز كمن أعتق رقبة وهو شریکه في


1) يونس: 62

2) التوبة: 111

3) عوالي اللئالي 3: 182 و 183/ ح 4

4) الكافي 5: 2/ ح 2

ثواب غزوته، (1)وقال: خيول الغزاة خبولهم في الجنة. (2)وقال: الخير كله في السيف، وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار.(3)

وقال صلی الله علیه وآله: تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله أو تصديق كلمته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة. (4)

وقال صلی الله علیه وآله : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها.(5)

وقال يوم بدر: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض _ الحديث.(6)

وفي حديث آخر، قال: إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف.(7)

وقال: ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم.(8)

وروى الصدوق عن الصادق علیه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلی الله علیه وآله فقال: إني راغب في الجهاد. قال صلی الله علیه وآله: جاهد في سبيل الله تعالى: فإنك إن تقتل كنت حياً عند الله ترزق، وإن مت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت خرجت من الذنوب كما ولدت _ الحديث.(9)


1) عوالي اللئالي 3: 183/ح5

2) الكافي 5: 3/ ح3

3) الكافي 5: 2/ ح 1

4) الجهاد لعبد الله بن المبارك: 81

5) الجامع الصغير للسيوطي 2: 410/ ح 7287

6) مسند احمد 3: 136؛ تفسير الدر المنثور 2: 72

7) تفسير الدر المنثور 1: 248

8) صحیح مسلم 6: 47

9) أمالي الشيخ الصدوق: 547 ح 729

وقال علي صلوات الله عليه: الجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهی عن المنكر أرغم أنف الكافرين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شني الفاسقين غضب الله، ومن غضب الله تعالی فهو مؤمن حقاً. (1)

وقال صلوات الله عليه: جهاد الهوى ثمن الجنة، وجهاد النفس مهر الجنة وأفضل الجهاد، فمن جاهدها ملكها، وهي أكرم ثواب الله لمن عرفها، وجهاد النفس بالعلم عنوان العقل، وجهاد الغضب بالحلم برهان النبل.(2)

وقال صلوات الله عليه: «إن رسول الله صلی الله علیه وآله بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قیل: یا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. (3)

وهو قهرها وبعثها على ملازمة الطاعات ومجانية المنهيات، ومراقبتها على مرور الأوقات، ومحاسبتهاعلى ما ربحته وخسرته في دار المعاملة من السعادات، و کسر قوتها البهيمية والسبعية بالرياضات وغير ذلك، ثم قال صلی الله علیه وآله: أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه.(4)

وبالتالي قد تحصل مما ذكره صلوات الله عليه منافع الجهاد و مصالحه و مفاسد ترکه و معايبه، وفيه تحريض على القيام، وترهيب عن القعود عنه، فإنه وإن كان شاقاً على النفس في بادئ الأمر، من حيث كون أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، وكون بقاء النفس للنفس مطلوباً إلا أنه بعد ملاحظة ما يترتب


1) الكافي 2: 50 و 51/ ح 1

2) مستدرك الوسائل 11: 139؛ نمرر غرر الحكم، الحكمة 4773

3) الاختصاص للمفيد: 240؛ مشكاة الأنوار: 431

4) أمالي الصدوق:553/ ح 470

على القيام به من المنافع والثمرات، وعلى القعود عنه من المضار والعيوب، يسهل عليه القيام به، ويشري نفسه ابتغاء مرضات الله، كما قال تعالى:

(كُتِبَ عَليكُمُ القِتالُ وَهُوَکُرهٌ لَكُم وعَسى أَن تَكرَهُوا شَياً وهُو خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحبُوا شَیئاً و هُوَشَرٌ لَكُم وَالله يَعلَمُ وأنتُم لَا تَعلَمُونَ).(1)

يعني أن الشيء ربما كان شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل، وبالعكس، ولأجله كن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار بتوقع حصول الربح.

والجهاد كذلك، لأن تر که وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الأنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار الدنيوية والأخروية، كالذل والفقر والحرمان من الغنيمة ومحى الدين وطمع الأعداء، حيث إن العدو إذا علم میل نظرائه إلى الدعة والسكون قصد بلادهم وحاول قتلهم، فإما أن يأخذهم ويستبيح دماءهم وأموالهم ويسبي ذراريهم، وإما إن يحتاجوا إلى قتاله من غير إعداد آلة وسلاح .

وهذا يكون كترك مداواة المريض مرضه في أول ظهوره بسبب مرارة الدواء ثم يصير في آخر الأمر مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، مضافاً إلى ما يفوته من الثمرات الجليلة في الدنيا والآخرة من الأمن وسلامة الوقت والفوز بالغنيمة وحلاوة الاستيلاء على الأعداء، والدرجات التي وعدها الله تعالى بقوله:

(فَضلَ اللهُ المُجاهِدينَ بِأَموالَهِم وأنفُسِهم علَى القاعِدينَ دَرَجَةً وَکُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسنى وفَضَّلَ الله المُجاهِدينَ عَلى القَاعدينَ أجرأً عَظيماً * دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغفِرةً وَرحمةً وَكانَ الله غَفوراً رَحيماً).

على أساس هذا النداء وهذه الدعوة إلى الجهاد، كان المسلمون في


1) البقرة: 216

تشوق عارم إلى الشهادة، وحنين دائم إلى الجنة، واستهانة عجيبة بالحياة الدنيا. ولقد كان الرسول الأعظم محمد صلی الله علیه وآله متمنياً للشهادة ويقول:

والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل .(1)

جهاد عمیربن الحمام:

وفي معركة بدر قال النبي صلی الله علیه وآله : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير بن الحمام: جنة عرضها السماوات والأض!! بخ، بخ، فقال له النبي: ما حملك على قول بخ، بخ؟ فقال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فألقي عمير ما كان معه من زاد، وتقدم من المعركة وهو يقول:

ركضاً إلى الله بغير زاد*** إلا القى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد*** وكل زاد غرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد(2)

وقاتل عمیر حتى قتل .

جهاد أنس بن النضر:

ولما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، مر أنس بن النضر بنفر قعود، فقال لهم : ما يقعد كم؟ قالوا: قتل رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنعه المسلمون، وأبرأ اليك مما صنع


1) صحيح البخاري 3: 203؛ سنن ابن ماجة 2: 620) ح2753

2) مسند احمد 3: 136 و 137؛ البداية والنهاية لابن كثير 3: 338

المشركون، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال له: يا سعد، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد. قال أنس بن مالك ابن أخيه: فوجدناه في نهاية المعركة قد قتل ومثل به المشركون، ووجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.(1)

جهاد عمرو بن الجموح :

وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، فلما أراد الخروج مع النبي إلى معركة أحد منعه بنوه وقالوا له: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فجاء إلى النبي صلی الله علیه وآله وقال له: يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة، فقال النبي صلی الله علیه وآله لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عزوجل أن يرزقه الشهادة.

فخرج عمرو في الجيش ودعا ربه قائلاً: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خزیان، فقتل شهيداً في أحد.(2)

وقبيل القتال في أحد جاء عبد الله بن جحش إلى النبي صلی الله علیه واله فقال: يا رسول الله إن هؤلاء القوم - یرید المشركين قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله الشهادة، وأنا أسألك أخرى یا رسول الله: أن تلي تركتي من بعدي، فقال له: نعم. فقاتل عبد الله حتى قتل، ودفن مع حمزة في قبر واحد. وجاءت أخته حمنة بنت جحش، و كانت في الجيش تحمل الماء وتضمد الجراح، فقال لها رسول الله صلی الله علیه وآله : یا حمن احتسبي، قالت: من یا رسول الله؟ قال: خالك حمزة، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه، هنيئاً له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي. قالت: من یا رسول الله؟ قال: أخوك عبد الله.


1) صحيح البخاري 3: 205؛ اسد الغابة 1: 131 و 132

2) السنن الكبرى للبيهقي 9: 24

قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه، هنيئاً له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي. قالت: من یا رسول الله؟ قال: مصعب بن عمير. قالت: واحزناه. فقال: إن للزوج من المرأة مكاناً ما هو لأحد، ثم قال لها: لم قلت هذا؟ فقالت: يا رسول الله ذكرت يتم بنیه فراعني. (1)

ولما فاء المسلمون إلى النبي صلی الله علیه وآله يوم أحد كان أولهم عودةً ثلاثة: عباس بن عبادة، وخارجة بن زید، وأوس بن أرقم، فنادى عباس: يا معشر المسلمين الله ونبيكم، هذا الذي أصابكم بمعصية نبيكم، وعدكم النصر فما صبرتم، ماعذرنا عند ربنا إن أصيب رسول الله وماعين تطرف؟ ثم نزع مغفره وخلع درعه ليقاتل حاسراً، وقال لخارجة:هل لك فيهما؟ قال: لا، أنا أريد الذي تريد، فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً.(2)

جهاد حارثة:

وكان حارثة من شباب الأنصار، عاده رسول الله صلی الله علیه وآله في مرضه فطلب منه أن يدعو الله له أن يرزقه الشهادة، فدعا له. فلما قتل في بدر وعلمت أمه بمقتله قالت: والله لا أبكيه حتى أسأل رسول الله، فلما قدم المدينة قالت له: يا رسول الله قد عرفت موقع حارثة من قلبي، فإن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال: يا أم حارثة إنها ليست جنة واحدة ولكنها جنان، وحارثة في الفردوس الأعلى. فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ، بخ یا حارثة، هنيئاً لك الجنة. (3)

عن شداد بن الهادي: أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي صلی الله علیه وآله ثم قال:


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 18

2) شرح نهج البلاغة 14: 257

3) فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل 1: 38؛ مسند احمد 3: 124

أهاجر معك، فأوصى به النبي بعض أصحابه، فكانت غزاة غنم فيها النبي شيئاً فقسم، وقسم له، فقال: ما هذا؟ فقال: قسمته لك. فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ههنا - وأشار بيده إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي محمولاً قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلی الله علیه وآله: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، ثم كفن في جبة النبي، ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، وأنا شهيد على ذلك.(1)

لم يلجأ الرسول محمد صلی الله علیه وآله إلى القتال إلا مضطراً، وفي حدود الدفاع عن حرية دعوته وعن كيان المسلمين، ويبين ذلك بوضوح من استعراض أشهر معار که مع المشركين وأهل الكتاب، فقد كانت كلها دفاعية أو مبادرة لا تقاء هجوم مؤ کد.

أما مشر کو قریش فقد كانت عداوتهم واضحة طول العهد المتي ولم ينته هذا العهد حتى كانوا قد بدأوا يحكمون السيف، فتآمروا على رسول الله صلی الله علیه وآله وأجمعوا على قتله حتى لا يتم انتقال الدعوة إلى المدينة.

(وَإذ يَمكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَروا لِيَثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو یُخرِجُوكَ و یَمكَرونَ وَيَمكُرُ اللهُ واللهُ خَيرُ المَاكِرينَ)(2)وبعد أن تمت الهجرة كانت قريش تعد العدة وتتحين الفرص للقضاء على الإسلام والمسلمين، ومن ثم كانت ظالمة معتدية منذ البداية، ويشير القرآن إلى ذلك تذكرة للمسلمين.

(ألا تُقاتِلوُنَ قَوماً نَكَثوا أَيمَانَهُم وَهَمُّوا بِإخراجِ الرَّسولِ وَهُم بَدؤُکُم أَوَلَ مَرَةٍ أَتَخشَونَهُم فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخشَوهُ إِن كُنتُم مُؤمنينَ). (3)


1) المعجم الكبير للطبراني 7: 271؛ البداية والنهاية 4: 218

2) الأنفال: 30

3) التوبة: 13

معركة بدر:

ومعركة بدر أولى معاركهم مع المسلمين، كان عدوانهم فيها واضحاً العدة أسباب:

أولاً: أن النبي صلی الله علیه وآله لم يخرج بمن معه من أصحابه لقتال، ولما علم أن قريشأً أقبلت في جيش كبير لقتاله شاور المسلمين، ولو كان خروجه من المدينة للقتال ما شاورهم.

ثانياً: أن قريشاً خرجت من مكة بحجة إنقاذ قافلة لها يقودها أبو سفيان من عدوان المسلمين، ولكن القافلة وصلت سالمة إلى مكة، وبعث أبو سفيان إليهم يخبرهم بنجاة القافلة ويطلب منهم الرجوع، ولكن أبا جهل أصر على مواصلة السير قائلاً: لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً فتقيم ثلاثاً، ننحر الجزر ونطعم الطعام ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، فلا تزال العرب تهابنا أبدأً. فلما علم أبو سفيان بقوله قال: واقوماه!! تراس أبو جهل فبغي، والبغي منقصة شؤم.(1)

ثالثاً: أن عدداً من زعماء قريش كانوا يرون عدم القتال لعدم وجود ما يبرره، وقد عاد من الطريق الأخنس بن شريق في مائة من بني زهرة.

رابعاً: أن النبي صلی الله علیه وآله بعث إليهم عمر بن الخطاب بعد وصولهم إلى بدر يقول لهم: ارجعوا فإنه إن يلي هذا الأمر مني غيركم أحب إلي من أن أليه منكم.

فقال حكيم بن حزام أحد زعمائهم: قد عرض نصفاً فاقبلوه، والله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف. فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن أمكننا الله منهم. ومن ثم لم يكن للمسلمين بد من القتال رغم أنهم كانوا في قلة من العدد والعدة.(2)

وأما معركة أحد فكانت هجوماً من قريش على المدينة للأخذ بثأر معركة بدر،


1) شرح نهج البلاغة 14: 107 و108 باختلاف بسیر

2) شرح نهج البلاغة 14: 122

ذو كان من رأي النبي عدم الخروج والدفاع عنها من داخلها، ولكن الأغلبية رأت الخروج للقاء العدو قبل مداهمتها، فخرجوا والتقوا بهم في أحد بالقرب من المدينة.

وأما معركة بني المصطلق فسببها أن النبي صلی الله علیه وآله علم أن الحارث بن أبي صرار جمع لحربه جمعاً كبيراً من قومه ومن قبائل العرب، وأنهم قد تهيئوا للمسير إلى المدينة، فبادرهم النبي صلی الله علیه وآله قبل الخروج، فلما وصل إليهم بعث إليهم يعرض عليهم الإسلام فأبوا وقاتلوا.

وغزوة الأحزاب كانت حصاراً للمدينة، حاصرها المشركون في عشرة آلاف مقاتل، وانضم إليهم يهود بني قريظة من داخلها.

ويتضح بغي المشركين وعدوانهم من النشيد الذي كان ينشده النبي مع المسلمين وهو يعمل معهم في حفر الخندق، وهو نشيد يفيض ثقة بالله وتوكلا عليه وتنرهاً عن البغي والعدوان:

الاهم(1)لولا أنت ما اهتدينا*** ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ***وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألي لقد بغوا علينا*** وإن أرادوا فتنةً أبينا(2)

كما يبين إصرار المشركين على القضاء على الإسلام والمسلمين من الرسالة التي بعث بها أبو سفيان النبي صلی الله علیه وآله أثناء الحصار: باسمك اللهم فإني أحلف باللات والعزى،لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألآ تعود أبدأً حتى نستأصلكم، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟! فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد.(3)


1) أي: اللهم

2) بحار الأنوار 20: 199

3) النزاع والتخاصم للمقريزي: 57

صلح الحديبية:

وفي الحديبية تجلی حبة النبي صلی الله علیه وآله للسلم ورغبته عن القتال، وذلك أنه في السنة السادسة من الهجرة خرج من المدينة ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه برید مكة لزيارة المسجد الحرام ومعهم الهدي لهذا الغرض، وخاف المسلمون من عدوان قريش فقالوا للنبي: لو حملنا یا رسول الله السلاح معنا، فإن رأينا من القوم ریباً کنا معدين لهم، فقال: لست أحمل السلاح، إنما خرجت معتمراً.

ونزل المسلمون بالحديبية على بعد تسعة أميال من مكة، وجاء بديل بن ورقاء سفيراً من قريش، فبلغ النبي أنها أجمعت على قتاله ومنعه من زيارة المسجد الحرام، فقال له النبي: إنا لم نأت لقتال أحد، إنا جئنا لنطوف بالبيت، فمن صدنا عنه قاتلناه.

وبعث النبي صلی الله علیه وآله إلى قريش يقول لها: إنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا زواراً للبيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحر وننصرف، فقالوا للرسول: لا يدخل محمد علينا أبداً.

ثم جاء سهيل بن عمرو إلى النبي صلی الله علیه وآله يعرض عليه شروطأً للصلح بعثته بها قریش، وقد قبلها النبي صلی الله علیه وآله، ورأى المسلمون فيها إجحافاً بهم، وقال عمر بن الخطاب راداً على رسول الله: يا رسول الله ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، فقال: علام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني، وجعل عمر پردد ذلك حتى قال له أبو عبيدة ابن الجراح: ألا تسمع - يا ابن الخطاب - رسول الله يقول ما يقول! تعوذ بالله من الشيطان واتهم رأيك.

ودعا النبي صلی الله علیه وآله علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لكتابة المعاهدة و كره المسلمون ذلك وداخلهم أمر عظيم، ولكن النبي صلی الله علیه وآله أمر علياً بالكتابة، وبدأ يملي عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: مانعرف الرحمن، اكتب ما نكتب «باسمك اللهم»، فضاق المسلمون وصاحوا: والله ما نكتب إلا الرحمن، فقال النبي صلی الله علیه وآله لعلي: اكتب «باسمك اللهم، هذا ماصالح عليه

محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فضج المسلمون وارتفعت الأصوات وقالوا: لا نكتب إلا محمد رسول الله، وإلا فالسيف بيننا، علام نعطي الدنية في ديننا؟ فأمرهم النبي بالسكوت، واستمر في إملاء المعاهدة كما طلب سهيل، ثم عاد المسلمون إلى المدينة دون زيارة المسجد الحرام في ذلك العام.

ولما نقضت قریش عهد الحديبية، سار إليهم النبي صلی الله علیه وآله في عشرة آلاف وعسكر بجيشه قرب مكة، وجاءه العباس بن عبد المطلب وقد أردف خلفه أبا سفيان بن حرب وغيرهما فأسلموا وعادوا إلى مكة بأمان رسول الله صلی الله علیه وآله إلى أهلها، ودخل رسول الله صلی الله علیه وآله مکة، وأعطى أهلها الأمان وصفح وعفى عنهم.

وكذلك معركة حنين، فسببها أن مشركي هوازن وثقيف ومعهم بعض القبائل قد تجهزوا لحرب المسلمين، فخرج النبي صلی الله علیه وآله بجيشه للقائهم قبل هجومهم علی مکة، وفي وادي حنين باغتوا المسلمين بالهجوم وكادوا يظهرون عليهم لولا ثبات النبي صلی الله علیه وآله في جماعة من أصحابه.

إلى هنا ننهي الموضوع ومن أراد الوقوف على التفصيل أكثر من هذا، فليرجع إلى الجزء الثالث من كتابنا الجواهر الروحية.

ومن وصية له لولده الحسن علیه السلام :

يذكر فيها حقوق الإخوان

(لا خَيرَ فِي مُعینٍ مَهينٍ وَلا فِي صَدیقٍ ظَنينٍ سَاهلٍ الدَّهرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ وَلا تُخاطِر بِشَيءٍ رَجَاءَ أَكثَر مِنهُ وَإيَّاكَ أَن تَجمَحَ بِكَ مَطيَّةُ اللَّجاجِ احمَل نَفسَكَ مِن أَخيكَ عِندَ صَرمِه عَلى الصَّلَة وَعِندَ صُدُودهِ عَلى اللُّطفِ وَالمُقارَبَة وَعِندَ جُمُودَه عَلى البَذلِ وَعِندَ تَباعُده عَلى الدُّنُو وعِندَ شِدَّتِه عَلى اللينِ وَعِندَ جُرمِه عَلَى العُذرِ كَأَنَّكَ لَه عَبدٌ وکاَّنه ذُو نِعمَةٍ عَليكَ إيَّاكَ أَن تَضَعَ ذَلكَ في غَير مَوضِعِه أَو أَن تَفعَلهُ بغَير أَهلِه لا تَتَّخذَنَّ عَدُّوَ صَديقِكَ صَديقاً فَتُعاديَ صَديَقكَ وَامحَض أَخَاكَ النَّصيحَة حَسَنَةً كَانَت أَو قَبيحَةً).(1)

الشرح: حكم ومواعظ:

اشتملت هذه الفقرات النيرة على جمل من الأمثال والحكم والنصائح:

أولها: (العلاقة مع الآخر) قوله صلوات الله عليه:هلا خير في معین مهين، ولا في صديق ضنين أخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه وسبکه سیكاً لطيفاً فقال:

فإن من الاخوان من شحط النوى ***به وهو راع للوصال أمين

ومنهم صديق العين أما لقاؤه *** فحلو وأما غيبه فظنين (2)


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 104

2) شرح نهج البلاغة 16: 105

ويقول سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف:

ألا رب من تدعو صديقاً ولو ترى*** مقالته بالغيب ساءك ما يغري

مقالته كالشهد ما كان شاهداً*** وبالغيب مأثور على ثغرة النحر

يسرك باديه وتحت أديمه ***نميمة غش يفتري عقب الظهر

تبين لك العينان ما هو كاتم *** من الغل والبغضاء بالنظر الشزر

فرشني بخير طالما قد بريتني ***وخير الموالي من يريش ولا يبري(1)

ثانيها: قوله صلوات الله عليه: «ساهل الدهر ماڈل لك قعوده»ومثل هذا قولهم في المثل: من ناطح الدهر أصبح أجم، وقولهم: در مع الدهر كيفما دار، ومثله قول الشاعر:

من قامر الأيام عن ثمراتها ***فأحر بها أن تنجلي ولها القمر(2)

وقول الآخر:

إذا الدهر أعطاك العنان فسر به *** رويداً ولا تصنف فيصبح شامسا(3)

ثالثها: قوله صلوات الله عليه: «إحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة»أمره أن يلزم نفسه ويحملها في حق صديقه على أن يقابله ويجازيه عن رذائله بالفضائل؛ كما إذا قطعه أن يصله، وإن جفاه أن يبره، وإذا بخل عليه أن يجود عليه، ليعود إلى العقبى الحسنة وتدوم المودة، وحذره أن يضع ذلك في غير موضعه، أو يفعله بغير أهله من اللئام؛ لأن ذلك وضع الشيء في غير موضعه، وهو خروج عن دائرة العقل، قال الشاعر:


1) البداية والنهاية 3 180؛ أسد الغابة 2: 377

2) أي الغلبة.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 106

وإن الذي بيني وبين بني أبي ***وبين بني أمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

وإن زجروا طيراً بنحس تمر بي***زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم *** وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا (1)

رابعها: نهاه صلوات الله عليه أن يتخذ عدو صديقه صديقاً ونبه على قبح ذلك بقوله: «فإنك إن فعلت ذلك عاديت صديقك»ومعاداة الصديق قبيحة مذمومة، فاتخاذ عدوه صديقاً كذلك، وذلك أن مصادقة عدو الصدیق تستلزم نفرة الصديق عمن يصادق عدوه، لنفرته من عدوه؛ لأن مصادقة عدوه وهمه مشاركة العدو وموافقته في جميع أحواله، ومن جملة أحواله عداوته، فهي إذن توهمه الموافقة على عداوته، فتوجب له النفرة والمجانية، ويشير الشاعر إلى هذا المعنى بقوله:

تود عدوي ثم تزعم أنني ***صديقك إن الرأي عنك لعازب(2)

وقال الآخر:

إذا صافي صديقك من تعادي ***فقد عاداك وانقطع الكلام(3)

وقال الآخر:

صديق صديقي داخل في صداقتي ***وخصم صديقي ليس لي بصديق

خامسها: أمره صلوات الله عليه أن يخلص نصيحته لأخيه في جميع أحواله، سواء كانت النصيحة حسنة أو قبيحة _ أي مستقبحة في نظر المنصوح ضارة له في العاجل،باعتبار استحيائه وانفعاله من المواجهة بها، وهو قوله صلوات الله عليه: «وامحض أخاك النصيحة حسنةً كانت أو قبيحة».


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 107

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 107

3) نفس المصدر

إذ يجب على الإنسان أن يبذل النصح لأخيه وصديقه ما وسعه، فإن النصح من أعظم لوازم المحبة وأهم مقومات المودة، ولا تتم صداقة ولا تنعقد أخوة ما لم تكن النصيحة رائدها وباعثها، ومن لم يكن ناصحاً لأخيه فليس بأخ، قال رسول الله صلی الله علیه وآله :المؤمن أخو المؤمن لا يدع نصيحته على كل حال. (1)وقال الإمام الباقر علیه السلام: يحق على المؤمن للمؤمن النصيحة. (2)وقال الإمام الصادق عليه السلام: من مشى في حاجة أخيه المؤمن فلم یناصحه فقد خان الله ورسوله. (3)

وهي أفضل صفة في النوع الانساني، كما أن نقيضها - وهو الغش - أقبح خصلة في الإنسان، وهي تجب لعامة المسلمين إعانة وإرشاداً بحق وإلى حق، كما يحرم نقيضها وهو الغش، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: من غشنا فليس منا.(4)

النصيحة في الوعي الديني:

نحن الآن في جولة واسعة في ساحة النصح وينبوعه، جولة مباشرة اللوجدان الانساني، لعل ينتفض ضميره ويرتعش وجدانه فيتأثر بهذه اللمسة التي فيها معنى الانسانية والتكريم العلوي لهذا المخلوق.

ومن الخير أن تفسح للتحدث عن الموضوع بفقرة تمهيدية، فتقول:

من الصعب جداً على معظم الناس أن تكلفهم مزاولة الفضائل والتحلي بها والسير تحت إشرافها ورعايتها. إن فهم الفضيلة حق الفهم ومعرفة حدودها حق المعرفة، والانقيادلها في المواقف الزلقة حيث تتوقر المغريات وتتعارض


1) الجامع الصغير للسيوطي 2: 662ح 9156؛ كنز العمال 1: 142/ ح 687

2) مشكاة الأنوار: 184؛ وفي الكافي 2: 208/ ح 3: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة

3) فقه الرضا: 369؛ الكافي 2: 362، ح 2 باختلاف يسير

4) دعائم الاسلام للقاضي النعمان 2: 28، مستدرك الوسائل 13: 201؛ وفي لفظ الكافي5: 160/ ح ا عن الصادق علیه السلام ليس منا من غشنا

المنافع و تنشط دواعي الجريمة والسوء شيء صعب وتكليف للناس بما لا يطيقون، وإنما غاية ما تؤثر الفضيلة في فئة قليلة من الناس تمارس الفضائل وتتلقى المبادئ و تأخذ أنفسها برياضة شاقة حقبةً من الزمن لتكون لها ممارسة الفضيلة عادة مألوفة، ولا بد أن تكون تلك النفوس كما قال (ارسطو): «قلوبها شريفة بالفطرة، أصدقاء للفضيلة، أوفياء بعهدها».هؤلاء الناس قليلون جدأً في خضم الحياة الزاخر بالشهوات والاندفاعات والمنافع والأغراض.

إذن نستطيع أن نوفر على الناس الجهود ونقدم لهم من كتاب الله وسنة رسوله وأحاديث أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين ما يكون زاداً لكل راغب، وعدة لكل خائض معترك الحياة، عدة واقية تقيه الغرق في تياراتها العنيفة، وتقيه الزلق إذا مشى على مزالقها التي تزل فيها الأقدام، وتتهاوى الرجال صرعى أو غرقی أو ملوثة.

والانسان بما أنه اجتماعي لا بد له من تعاون قهري ليس له فيه اختيار، وهذه هي الفضيلة التي لها أثرها الحميد وعطرها الذائع وشرفها المرموق بين الناس.

قال الله تعالى:(وَتَعاوَنُوا عَلى البِّرِ وَالتَّقوى). (1)وقال رسول الله صلی الله علیه واله: الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الناس وأدخل على أهل بيت سروراً،(2)وقال صلی الله علیه وآله: خصلتان من الخير ليس فوقهما شيء من البر: الايمان بالله، والنفع لعباد الله.(3)

و سئل صلی الله علیه وآله من أحب الناس إلى الله؟ قال: أنفع الناس للناس. (4)

وقال الإمام الصادق علیه السلام: من كان وصولاً لإخوانه بشفاعة في دفع مغرم أوجر مغنم، ثبت الله قدميه يوم تزل فيه الأقدام. (5)

وقال الإمام زین العابدين علي بن الحسین علیه السلام: من قضى لأخيه


1) المائدة: 2

2) الكافي 2: 164/ ح6

3) تحف العقول: 35؛ بحار الانوار 74: 137/ ح 2

4) الكافي 2: 164/ ح 7

5) وسائل الشيعة 16: 342/ ح21715

حاجة فبحاجة الله بدأ، وقضى الله له بها ألف حاجة إحداهن الجنة، ومن نفس عن أخيه کربة نفس الله عنه كرب الدنيا و کرب القيامة بالغاً ما بلغت، ومن سعی له في حاجته حتى قضاها فيسر بقضائها، كان إدخال السرور على رسول الله صلی الله علیه وآله إلى أن يقول علیه السلام في آخر الحديث : والله لقضاء حاجته أحب إلى الله من صيام شهرين متتابعين واعتکافهما في المسجد الحرام. (1)

هذه الأحاديث تعطينا درساً أن الأديان غرضها سعادة المجتمع والتعاون على متاعب الحياة، وهي أرفع قدراً من الأمور العبادية، حيث إن العبادة نفعها شخصي وهذه الأعمال تعم المجتمع، وتدلنا أيضاً على التعاون الاختياري سواء كان الباعث قويا على التعاون أم كان ضعيفاً، فالمعين على قضاء حوائج الناس له عند الله منزلة رفيعة ودرجة سامية، وإن لم تكن الحاجة شديدة إلى المعاونة، فإذا كان الإنسان في ضيق من الأمر قد أحاطت به مفاجئة الحوادث بما يكربه ويضيق الخناق عليه، عند ذاك تكون المعاونة ألزم.

ولو فرضنا أن رجلاً استعان بآخر على دفع مظلمة أو قضاء حاجة أو کشف غمة أو إزاحة مصيبة، وهو قادر على أن يقوم بحقه ولم ينقذه مما هو فيه فقد تعرض لمقت الله، روی علي بن جعفر عن أبي الحسن علیه السلام قال: سمعته يقول: من قصد إليه رجل من اخوانه مستجيرأً به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله.(2)

وإذا كان من حق المسلم أن تعينه لأنه أخوك في المعتقد والفكرة والخلق والمثل العليا، فمن حقه أيضاً أن تبذل له نصحك وتمنحه إخلاصك، وتفكر في انقاذه من ورطته، و تفكر أن لا تزل به القدم ولا يؤخذ على غرة، فتذكره بما يصلح شأنه


1) وسائل الشيعة 16: 342 و 343/ ح21716؛ عوالي الكثالي 1: 355 و 356/ ح 24

2) الكافي 2: 366 و 367/ ح 4

وينفي المخاوف التي تعلمها أنت ويجهلها هو، وتدله على الطريق الذي يأمن به العثار ويبتعد عن مسببات الكدر، فأنت مسؤل عن الشركة تدميه والعقرب تلسعه والضرر يحيق به، وإذا كنت على سابق علم أو عندك في حوادث الأمور المباغتة اختبار ودراية، فمن الواجبات الاجتماعية أن تنصحه وتوضح له ما خفي عنه ليتقي المتاعب ويتجنب المخاوف ويبتعد عن الخطر.

جاء عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه.(1)وقال علیه السلام: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب. (2)

وقد مضت سنة الله تعالی بما عرف بالتجارب: أن نفع النصح له شرطان أو طرفان: هما الفاعل للنصح، والقابل له، وإنما يقبله المستعد للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد بمفارقة أسبابه من الغرور بالغني والجاه والكبر.

قال رسول الله صلی الله علیه وآله :الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامته ».(3)

فالنصيحة الله الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، ونصرة الحق فيه، ووصفه بأوصاف الكمال، وتنزيهه عن النقائص، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وغير ذلك مما يجب له، و جميع هذه الأشياء في الحقيقة ترجع مصلحتها إلى العبد، فهي نصيحة لنفسه و کسب خير لها.

والنصيحة للرسول صلی الله علیه وآله تصدیقه فيما جاء به، واتباعه فيما أمر به ونهی عنه، وتعظيم حقه، وتوقيره حياً وميتاً، ومعرفة ستته والعمل بها، وإحياء طريقته


1) الكافي 2: 208/ ح5

2) الكافي 2: 208/ ح 2

3) روضة الواعظين: 424؛ بحار الانوار88: 199

في بث الدعوة و تأليف الكلمة والتخلق بالأخلاق الطاهرة.

والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتذكيرهم بحوائج العباد، ونصحهم في رفق وعدل، وتنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم ما جهلوا، وتحذيرهم ممن يريد بهم السوء، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة، ورة القلوب النافرة إليهم.

والمراد بأئمة المسلمين قادتهم في تنظيم شؤن الدنيا وفي إقامة معالم الدين ونشره بين الناس، فيشمل الملوك والأمراء والرؤساء والعلماء.

والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم، و كف الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوا، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقیر کبیرهم، والرحمة لصغيرهم، وتفريج كربهم، وتوقي ما يشغل خواطرهم ويفتح باب الوسواس عليهم.

وليكن أداء النصيحة بعبارة لينة رقيقة، بالحكمة والموعظة الحسنة، وأسلوب يغري بالامتثال، وبطريقة تبعد عن ذهن المستنصح أن الناصح له هو أعلى منه، فذلك يكون أعمق أثراً وأقوى تركيزاً.

ويشترط في الناصح العفة، والحياء، والصدق، وسلامة الذات، وفوق ذلك كله الدين، لأنه إن كان عفيفاً يأنف من الغش حتى لعدوه، وإن كان من أهل الحياء يمنعه حياؤه من نسبة الغش إليه، وإن كان صدوقاً لا يكذب، العلمه أن الكذوب ممقوت لا يوصف بالخير، وإن كان سليم الذات لا يرى النصح إلا لازما له لنقاوة نفسه وفطرته، والمتدين يرى الواجب الديني المبالغة في النصح لكل فرد في أي عمل أو قول يقوم به، ومرآته (الدين النصيحة).

فمن كان موصوفاً بهذه الصفات ينبغي توجه القلب والسمع والبصر نحوه ليستفاد من نصحه ورشده، قال أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه: «إن

معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة.(1)

يقول الشاعر:

خصائص من تشاوره ثلاثة *** فخذ منها جميعاً بالوثيقة

وداد خالص ووفور عقل ***ومعرفة بحالك في الحقيقة

أما كونه ناصحاً: فلأن الناصح يصدق الفكر ويمحض الرأي، وغير الناصح ربما يشير بالرأي الفطير فيوقع بالمضرة.

وأما كونه شفيقاً: فلأن الشفقة تحمل على النصح، فتحمل على حسن التروي في الأمر وإيقاع الرأي عن ثبت واجتهاد، وفي أمثال العرب اسمع ممن لا يجد منك بداً يعني اقبل نصيحة من يطلب تفعك كالأبوين، ومن لا يستجلب بنصحك نفعاً إلى نفسه بل إلى نفسك، يقول الشاعر:

إذا ما عرى خطب ورمت وروده*** فشاورز فكم تجح هدته المشاورة

وأنفع من شاورت من كان ناصحاً*** شفيقاً فأبصر بعده من تشاورة

وأما كونه عالماً: ففائدته إصابته، لعلمه وجه المصلحة في الأمر، فإن الجاهل في الأمر أعمى لا يبصر وجه المصلحة فيه. قال رسول الله صلی الله علیه وآله : استرشدوا العاقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندمواه.(2)

وأما كونه مجرباً: فلأنه لا يتم رأي العالم مالم تنضم إليه التجربة؛ وذلك أن العالم وإن علم وجه المصلحة في الأمر، إلا أن ذلك الأمر قد يشتمل على بعض وجوه المفاسد، ولا يطلع عليها إلا بالتجربة مرة ومرة، فالنصيحة من دون تجربة مظلة الخطأ، وقد قيل في منشور الحكم: «كل شئ محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجارب»، أو كما يقال: «إياك


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 204

2) الجامع الصغير للسيوطي 1: 149 ح 975

ومناصحة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غيره، وكبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه»وكان لقمان الحكيم يقول لابنه: «یا بني استنصح من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وتأخذه أنت بالمجان.(1)

وبالتالي يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب.

نصيحة الصحابي سعد بن الربيع لرسول الله صلی الله علیه وآله:

ويحدثنا التاريخ عن رجال في الصدر الأول من الإسلام أنهم نصحوا الله ولرسوله وآله أحياءً وأمواتاً.

منهم سعد بن الربيع رضی الله عنه، قتل يوم أحد شهيداً بعد مافر المسلمون عن رسول الله صلی الله علیه واله ونادي إبليس في المعركة: قتل محمد، فقال سعد: لا خير في الحياة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله، ثم حمل على المشركين وجعل يضرب بسيفه في وجوههم قدماً حتی سقط إلى الأرض، ولما تراجع المسلمون قال النبي صلی الله علیه وآله: من له علم بسعد بن الربيع، فإني رأيته وقد أشرعت إليه اثنا عشر رمح، فقال أبي بن كعب: أنا یا رسول الله، فأقبل أبي بن كعب وجعل يطوف بین القتلى فوجده وبه رمق، فناداه: يا سعد، فما أجابه فقال: يا سعد إن رسول الله صلی الله علیه وآله بعثني اليك لآتيه بخبرك فإنه يقول: رأيته وقد أشرعت إليه اثنا عشر رمح، قال: فانتعش سعد كما بنتعش الفرخ وقال: أهو حي؟ قلت: إي والله . قال: الحمد لله، إني طعنت اثنتي عشرة طعنة أنفذت مقاتلي، اقرأ رسول الله عني السلام وقل لقومي عتي: يقول سعد الله الله على ما عاهدتم عليه رسول الله، فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيكم شيء وفيكم عين تطرف،


1) شرح نهج البلاغة 41:20

ثم مات رحمة الله، فجاء أبي إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فأخبره، فقال صلی الله علیه وآله: رحم الله سعداً لقد نصح لنا حیاً و میتاً. (1)

نصيحة عبد الله بن کعب لعلي علیه السلام :

ومنهم عبد الله بن کعب قتل يوم صفين، قال نصر بن مزاحم: جالت خيل لأهل الشام وأهل العراق بصفين فصرع عبد الله بن كعب، فمشى لمصرعه الأسود بن قيس، فرآه بآخر رمق فقال: عز علي - والله - مصرعك، أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك، ولو أعرف الذي قتلك لأحببت أن لا يزائلني حتى يلحقني بك أو أقضي عليه، ثم جلس عنده وقال: والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيراً، أوصني رحمك الله، فقال: يا أخي أوصيك بتقوى الله وأن تناصح الأمير المؤمنين وتقاتل معه المشركين حتى يظهر الحق أو تلحق بالله، واقرأ أمير المؤمنين علي السلام وقل له: يقول عبد الله فليقاتل على المعركة حتى يجعلها خلف ظهره، فمن أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب، ثم مات رحمة الله عليه، فجاء الأسود بن قيس إلى أمير المؤمنین صلوات الله عليه فأخبره فقال صلوات الله عليه: رحم الله عبد الله، لقد جاهد معنا عدونا في الحياة، ونصح لنا عند الممات.(2)

نصيحة ابن عوسجة للحسين علیه السلام :

ومنهم مسلم بن عوسجة رضی الله عنه صرع بين يدي الحسین علیه السلام بطف کربلاء. فمشى لمصرعه حبیب بن مظاهر، فوجده بآخر رمق من الحياة، فجلس عند رأسه وقال: عز علي - والله _ مصرعك، ولو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك، ولولم أعلم أني بالأثر لأحببت أن توصي إلي بجميع ما


1) الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 524

2) بحار الانوار 32: 519

أهمك، فقال مسلم: يا أخي أوصيك بهذا الغريب - وأشار بيده إلى الحسين عليه السلام _ قاتل دونه حتى تقتل، فقال حبيب: والله لأنعمنك عيناً، ثم مات رحمة الله. (1)

نصيحة العباس عليه السلام لأخيه الحسين عليه السلام :

ومنهم العباس بن علي علیه السلام، صرع بطف كربلاء بين يدي أخيه الحسين علیه السلام فقد كان مناصحاً لأخيه الحسين عليه السلام قولاً وفعلاً، أما قولاً: فمن ذلك قوله لأخوته: حاموا عن سید کم وإمامكم الحسين، وقوله لهم: تقدموا یا بني أمي حتى أعلم أنكم قد نصحتم لله ولرسوله.(2)

وأما مناصحته الفعلية فأثرها ظاهر: قطعت يمينه وشماله وهو واقف في خطة الحرب، ثابت في ساحة القتال، لم يطلب لنفسه ملجأً ولا مأمناً، وقف من غير يذین یذب عن أخيه كأنه قطعة جبل صلد لا يتزعزع، حتي اغتاله بعضهم مستتراً من وراء نخلة ففضخ هامته بعمود من حديد، فخر صريعاً على وجه الثرى، فهذه من أعظم المناصحة وأجلها.

وقد مدح بهذه المناصحة وأثنى عليه الأئمة المعصومون علیه السلام: قال الإمام الصادق علیه السلام في زيارته التي رواها ابن قولويه في كامل الزيارات: وأشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والوصي المبلغ والمظلوم المهتضم ...(3)وقال علیه السلام في مقام آخر:

أشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود.(4)وفي محل آخر منها:أشهد أنك قد نصحت الله ولرسوله ولأخيك (5)وفي محل آخر: «أشهد أنك قد


1) اللهوف لابن طاووس: 64

2) الإرشاد للمفيد 2: 109

3) کامل الزيارات: 440/ ح 671

4) کامل الزيارات: 441/ ح 671

5) المزار للشيخ المفيد: 124

بالغت في النصيحة وأديت الأمانة وجاهدت عدوك وعدو أخيك، فصلوات الله على روحك الطيبة، وجزاك الله من أخ خيرأً ورحمة الله وبرکاته.(1)

ولعل المراد بالأمانة من قوله: «وأديت الأمانة»أن الحسين علیه السلام من العترة التي هي أحد الثقلين اللذين أوصی رسول الله صلی الله علیه وآله أمته بالتمسك بهما وبحفظهما ورعاية حقهما وجعلهما أمانة عند الخيار من أمته، وأبو الفضل العباس علیه السلام في طليعة الأوفياء بتأدية هذه الأمانة وإيصالها لرسول الله صلی الله علیه وآله محترمة معظمة، بذل دون حفظها نفسه النفيسة، وجعل يتلقى السيوف بوجهه وصدره ونحره لئلا يصل إلى وديعة رسول الله شيء منها، أو لعل المراد بالأمانة البيعة للحسين علیه السلام، ولا شك أن البيعة أمانة عند المبایع، وأن التزامه بشرائطها تأدية لها، والقتل من أظهر مصاديق الوفاء وأجلى مظاهر التأدية للأمانة، ولهذا كان كل من أراد الشهادة من أصحاب الحسينعلیه السلام يقف أمامه ويستأذنه للبراز ويقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، أوفيت يا ابن رسول الله؟ فيقول علیه السلام: نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرأ جدي وأبي وأمي عني السلام وقل لهم: ترکت حسيناً وحيداً فريدً لا ناصر له ولا معين.

ويحتمل أيضاً أن يراد بالأمانة ما رواه بعض أرباب المقاتل من أن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه عند موته أوصى ولده العباس بنصرة أخيه الحسين علیه السلام فكانت هذه الوصية أمانة من أبيه في عنقه، فقام بتأديتها وأسقط عنه فرض التكليف بها، فقد ذكر الحكة الشيخ عبد الحسين الحلي رضی الله عنه في كتابه النقد النزيه: «أن علياً صلوات الله عليه أوضني عند موته ولده العباس أنه إذا ملك الماء يوم عاشوراء لا يشرب منه وأخوه الحسین علیه السلام عطشان.


1) بحار الأنوار68 : 330

من كلام له علیه السلام لكميل بن زياد النخعي رضی الله عنه:

اشارة

*من كلام له علیه السلام لكميل بن زياد النخعي رضی الله عنه:(1)

في أصناف الناس وفضل العلماء وفيه يتعرض لذكر المهدي عليهالسلام

قال كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال:

(یا کُمیلَ بن زیَاد انَّ هَذه القُلوبَ أَوعِيةٌ فَخَيرُهَا أَوعَاهَا فَاحفَظ عَنَّي مَا أقُولُ لَكَ النَّاسُ ثَلاثَهٌ فَعَالَمٌ رَبَّانيٌ وَ مَتعَلمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعاعٌ أتبَاعٌ كُلِ نَاعِقٍ يَميلُونَ مَعَ كُل ريحٍ لَم یَستَضیئوا بِنورِ العِلمِ وَلَم يَلجَئوا إلَى رُكنٍ وَثيقٍ یَا کُمَيلِ العِلمُ خَيرٌ مِنَ المَالِ العِلمُ يَحرُسُكَ وأنتَ تَحرُسُ المَالَ وَالمَالَ تَنقُصُه النَّفَقَةً وَالعِلمُ یَزكُوا عَلى الإِنفاقِ وَصَنيعُ المَال یَزُولَ بِزَوَالِه).

(یا کُمَيلِ بن زِیَادٍ مَعرفَةُ العَلمِ دینٌ یَدانُ بِه بِه يَكسَبُ الإنسَانُ الطَاعَةَ فِي حَيَاتَه وَجَميلَ الأُحدوثَة بَعدَ وَفَاتَه وَالعِلمُ حَاكِمٌ وَالمَالٌ مَحكُومٌ عَليه یاکُمیلُ هَلَکَ خُزَّانُ الأَموَالِ وَهُم أَحيَاءٌ وَالعُلماءُ بَاقُونَ مَا بَقَى الدَّهرُ أعيَانَهُم مَفقوُدةٌ وأمثَالُهُم فِي القُلوبُ مَوجودةٌ هَا انَّ ها هُنا لَعِلماً جَمّاً وَأَشَارَ بِيَده إلى صَدرِهِ لَو أَصبَت لَه حَمَلَةً بَلى أَصبَتُ لَقِناً غَيرَ مَأمونٍ عَليه مُستعمِلاً اله الِّدينَ لِلدُّنيَا وَمُستظهَراً بِنِعمَ اللهِ علَى عِبادَه وَبِحُجَجِهِ


1) کان کمیل بن زیاد من خاصة الإمام والصفوة من شیعته، ولما ولي الحجاج طلبه للقتل فهرب منه واختفي، فما كان من الحجاج إلا أن منع العطاء عن قومه. ولما علم کمیل بذلك قال: أنا شيخ كبير، وقد نفد عمري، ولا ينبغي أن أكون سبباً لحرمان قومي من أقواتهم، وسلم نفسه للحجاج، فلما رآه قال له: كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً، فقال کمیل: لا تصرف علي أنيابك كالبعير، فاقض ما أنت قاض، فالموعد الله، وبعد القتل حساب و جزاء، فقال الحجاج لجلاوزته: اضربوا عنقه، فضربت...

عَلَى أوليَائَه أَو مُنقَادَاً لِحَملَة الحَقَ لا بَصيَرةَ لَه فِي أَحنائَه یَنقَدحُ الشَّکُّ فِي قَلبه لأوَّلِ عَارضٍ مِن شُبهَة ألا لا ذا وَلا ذَاكَ أَو مَنهوُماً بِاللَّذَّة سَلَسَ القَيادَ للشَّهوَةِ أَو مُغرماً بالجَمعِ وَالادَّخَار لَیسَا مِن رُعاةِ الّدينِ فِي شَيء أَقرَبُ شَي، شَبَها بِهِمَا الانعَامُ السَّائمةُ كَذلكَ یَموتُ العِلمُ بِمَوتِ حَامليه اللهم بَلى لَا تَخلُو الأرضُ مِن قائِمٍ لله بِحُجَة امَّا ظَاهِراً مَشهوراً وَامَّا خَائفاً مَغمُوراً لئلَا تَبطُل حُجَجُ الله وَبَینَاتُهُ وَكَم ذَا وَأینَ اولئکَ أولنك وَالله الأَقَلونَ عَدداً والأعظَمُون عِندَ الله قَدراً یَحفَظُ اللهُ بِهِم حُجَجَه وَبَیِناتِه حتَّى یُودعوهَا نَظَرَاءهُم وَیَزرَعُوهَا فِي قُلوبَ أَشبَاهِهِم هَجَم بِهِمُ العِلمُ عَلَى حَقيقَةَ البَصيرَةِ وبَاشَرُوا رُوحَ اليَقينَ وَاستَلَانُوا مَا استَوعَرَهُ المُتَرَفونَ وَأنسُوا بِما استَوحَشَ مِنهُ الجَاهَلوُنَ وَصَحِبُوا الدُّنيَا بِأَبدَانٍ أَروَاحُهَا مُعَلَقَةٌ بِالمَحَلِ الَأعلى أولئكَ خُلَفَاءُ الله فِي أَرضِه وَالدُّعَاةُ إلى دِيِنهِ آهِ آهِ شَوقاً إلى رُؤيَتِهِم انصَرِف یا کُمَيلُ إذا شِئتَ).

ابن ابي الحديد مج 4 من شرح النهج، ص 310، ط الأولى بمصر.

الشرح: أصناف الناس

قال ابن أبي الحديد: الجبان والجبانة: الصحراء، وتنفس الصعداء أي تنفس تنفساً ممدوداً طويلاً. قوله علیه السلام: «ثلاثة»قسمة صحيحة، وذلك لأن البشر باعتبار الأمور الإلهية إما عالم على الحقيقة يعرف الله تعالى، وإما شارع في ذلك، فهو بعد في السفر إلى الله يطلبه بالتعلم والاستفادة من العالم، وأما لأذا ولا ذاك، وهو العامي الساقط الذي لا يعبأ الله به. وصدق علیه السلام في أنهم همج رعاع أتباع كل ناعق. ألا تراهم ينتقلون من تقلید شخص إلي تقليد الآخر لأدنی خیال وأضعف وهم.

المقارنة بين العلم والمال:

ثم شرع عليه السلام في ذكر العلم وتفضيله على المال، فقال: «العلم يحرسك وأنت تحرس المال، وهذا أحد وجوه التفضيل، ثم ابتدأ فذكر وجهاً ثانية، فقال: المال ينقص

بالانفاق منه، والعلم لا ينقص بالانفاق بل يزكو، وذلك لأن إفاضة العلم على التلامذة تفيد المعلم زيادة استعداد، وتقرر في نفسه تلك العلوم التي أفاضها على تلامذته وتثبتها وتزيدها رسوخاً. فأما قوله «وصنيع المال يزول بزواله»فتحته سر دقیق حكمي، وذلك لأن المال إنما يظهر أثره ونفعه في الأمور الجسمانية والملاذ الشهوانية، كالنساء والخيل والأبنية والمأكل والمشرب والملابس ونحو ذلك، وهذه الآثار كلها تزول بزوال المال أو بزوال رب المال، ألا ترى أنه إذا زال المال اضطر صاحبه إلى بيع الأبنية والخيل والإماء ورفض تلك العادة من المأكل الشهية والملابس البهية، وكذلك إذا زال رب المال بالموت فإنه يزول آثار المال عنده، فإنه لا يبقى بعد الموت آكلاً شارباً لابساً، وأما آثار العلم فلا يمكن أن تزول أبداً والانسان في الدنيا، ولا تزول بعد خروجه عن الدنيا.

أما في الدنيا فلأن العالم بالله تعالى لا يعود جاهلاً به، لأن انتفاء العلوم البديهية عن الذهن وما يلزمها من اللوازم بعد حصولها محال، فإذاً قد صدق قوله علیه السلام في الفرق بين المال والعلم أن صنيع المال يزول بزواله، أي وصنيع العلم لا يزول، ولا يحتاج إلى أن يقول بزواله، لأن تقدير الكلام: وصنيع المال يزول لأن المال يزول. وأما بعد خروج الإنسان من الدنيا فإن صنيع العلم لا يزول، وذلك أن صنيع العلم في النفس الناطقة اللذة العقلية الدائمة الدوام سببها، وهو حصول العلم في جوهر النفس الذي هو معشوق النفس، مع انتفاء ما يشغلها عن التمتع به والتلذذ بمصاحبته، والذي كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن وما تورده عليها الحواسمن الأمور الخارجية.

ولا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه وانتفت عنه أسباب الكدر کان في لذة عظيمة، فهذا هو سر قوله «وصنيع المال يزول بزواله»، فإن قلت: ما معنى قوله علیه السلام: «معرفة العلم دین دان به، وهل هذا إلا بمنزلة قولك «معرفة العلم المعرفة»أو «العلم العلم»وهذا كلام مضطرب، قلت: تقديره: معرفة

فضل العلم أو شرف العلم أو وجوب العلم دین دان به، أي المعرفة بذلك من أمر الدين، أي ركن من أركان الدين واجب مفروض.

ثم شرح علیه السلام حال العلم الذي ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دین دان به، فقال: «العلم يكسب الإنسان الطاعة في حياته، أي من كان عالماً كان الله تعالی مطيعاً، كما قال سبحانه:

(إنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَماءُ) (1)ثم قال علیه السلام: «وجميل الأحدوثة بعد وفاته»أي الذكر الجميل بعد موته، ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر فقال:العلم حاكم والمال محكوم عليه، وذلك أنك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه، ولعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسکه، فالعلم بالمصلحة داع وبالمضرة صارف، وهما الأمران الحاكمان بالحركات والتصرفات إقداماً وإحجاماً، ولا يكون القادر قادراً مختاراً إلا باعتبارهما، وليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجري مجرى العلم من الاعتقاد والظن، فإذن قد بان وظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم وأن المال ليس بحاكم بل محكوم عليه.

ثم قال علیه السلام: «هلك خزان المال وهم أحياء»وذلك لأن المال المخزون لا فرق بينه وبين الصخرة المدفونة تحت الأرض، فخازنه هالك لا محالة، لأنه لم يلتذ بإنفاقه، ولم يصرفه في الوجوه التي ندب الله تعالى إليها، وهذا هو الهلاك المعنوي، وهو أعظم من الهلاك الحسي، ثم قال:

والعلماء باقون ما بقي الدهر هذا الكلام له ظاهر و باطن، فظاهره قوله: أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة»حقيقة لا مجازاً على قول من قال بقاء الأنفس، و أمثالهم في القلوب كناية ولغز، ومعناه ذراتهم في حظيرة القدس، والمشاركة بينها وبين القلوب ظاهرة؛ لأن الأمر العام الذي يشملها هو الشرف، فكما أن تلك أشرف عالمها كذا القلب أشرف عالمه، فاستعير لفظ أحدهما وعبر به عن الآخر.


1) فاطر: 28

قوله علیه السلام: ها إن ههنا لعلماً جماً، وأشار بيده إلى صدره هذا عندي إشارة إلى العرفان والوصول إلى المقام الأشرف الذي لا يصل إليه إلا الواحد الفد من العالم، من الله تعالى فيه سر وله به اتصال، ثم قال: «لو أصبت له حملة»ومن الذي يطيق حمله؟ بل من الذي يطيق فهمه فضلاً عن حمله؟ ثم قال: بلى أصيب ثم قم الذي يصيبهم خمسة أقسام: أحدهم: أهل الرياء والسمعة الذين يظهرون الدين والعلم ومقصودهم الدنيا، فيجعلون الناموس الديني شبكة لاقتناص الدنيا. وثانيها: قوم من أهل الخير والصلاح ليسوا بذوي بصيرة في الأمور الإلهية الغامضة، فيخاف من إفشاء السر إليهم أن تتقدح في قلوبهم شبهة بأدنی خاطر، فإن مقام المعرفة مقام خطر صعب لا يثبت تحته إلا الأفراد من الرجال الذين أیدوا بالتوفيق والعصمة، وثالثها رجل صاحب لذات و طرف، مشتهر بقضاء الشهوة، فليس من رجال هذا الباب، ورابعها رجل مغرم بجميع المال وادخاره، لا ينفقه في شهواته ولا في غير شهواته، فحكمه حكم القسم الثالث. ثم قال علیه السلام: «كذلك يموت العلم بموت حامليه»أي إذا مت مات العلم الذي في صدري لأني لم أجد أحدا أدفعه إليه وأورثه إياه.

إشارة إلى الإمام المهدي :

ثم استدرك فقال: «اللهم بلي لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، كيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن الله تعالى على عباده ومسيطر عليهم .

وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية، إلا أن أصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض سائحون. فمنهم من يعرف ومنهم من لا يعرف، وأنهم لا يموتون حتى يودعوا السر - وهو العرفان - عند قوم آخرين يقومون مقامهم، ثم استنزر عددهم فقال: «وكم ذاه أي كم ذا القبيل وكم ذا الفريق، ثم قال: وأين اولئك؟ استبهم مكانهم ومحلهم، ثم قال: «هم الأقلون عدداً، الأعظمون قدراً، ثم ذكر أن العلم هجم بهم على حقيقة الأمر، وانكشف لهم المستور المغطى، وباشروا راحة اليقين وبرد القلب وثلج العلم، واستلانوا ماشق على

المترفين من الناس ووعر عليهم نحو التوحد ورفض الشهوات وخشونة المعيشة، قال: وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون.

يعني العزلة ومجانبة الناس وطول الصمت وملازمة الخلوة ونحو ذلك مما هو شعار القوم.

قال: «وصحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الأعلى، هذا ما يقوله أصحاب الحكمة من تعلق النفوس المجردة بمبادئها من العقول المفارقة، فمن كان أز کی کان تعلقه بها أتم. ثم قال: «أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه»لا شبهة أن بالوصول يستحق الإنسان أن يسمى خليفة الله في أرضه، وهو المعني بقوله سبحانه للملائكة:(إِنَّي جَاعِل فِي الأُرضِ خَليِفَةً )(1)وبقوله:(هُوَ الَّذي جَعَلَكُم خَلائِفَ الأُرضِ)(2)ثم قال علیه السلام: آه آه شوقا إلى رؤيتهم. وهو علیه السلام أحق الناس أن يشتاق إلى رؤيتهم؛ لأن الجنسية علة الضم، والشيء يشتاق إلى ما هو من سنخه وسوسته وطبيعته، ولما كان هو علیه السلام شيخ العارفين وسيدهم، لا جرم اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه، وان كان كل واحد من الناس دون طبقته. ثم قال لكميل: «انصرف إذا شئت»، وهذه الكلمة من محاسن الآداب ومن لطائف الكلم؛ لأنه لم يقتصر على أن قال: انصرف، کیلا يكون أمراً وحكماً بالانصراف لا محالة، فيكون فيه نوع علو عليه، فأتبع ذلك بقوله: إذا شئته ليخرجه من الحكم وقهر الأمر إلى عزة المشيئة والاختيار.(3)

انتهى الكتاب والحمد لله والشكر له في اليوم الحادي عشر من شهر صفر سنة 1410 ه

(لو كان الابتداء به سنة 1396 ه)

بقلم مؤلفه حسن علي القبانجي النجفي في النجف الأشرف


1) لبقرة: 30

2) الأنعام: 165.

3) شرح نهج البلأغة 18: 347 - 352

مصادر التأليف والتحقيق

القرآن الكريم

نهج البلاغة: السيد الشريف الرضي

الف)

الأمالي: الشيخ الصدوق / مؤسسة البعثة / قم / الأولى 1417ه

الأمالي: الشيخ المفيد/ جماعة المدرسين / قم.

الأمالي: الشيخ الطوسي / دار الثقافة / قم / الأولى 1414ه

الأمالي: السيد المرتضی / مكتبة آية الله المرعشي النجفي / قم / 1403ه

إسعاف الراغبين: محمد بن الصبان المصري

إقبال الأعمال: السيد ابن طاووس / مكتب الإعلام الإسلامي / قم / الأولى 1414ه

الإرشاد: الشيخ المفيد / مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث / دار المفيد.

الإحتجاج: الشيخ الطبرسي /ط: النعمان / النجف الأشرف/1386ه

إرشاد القلوب: الحسن بن أبي الحسن الديلمي.

إحياء علوم الدين: الشيخ الغزالي .

الإختصاص: الشيخ المفيد /جماعة المدرسين /قم.

أسد الغابة: ابن الأثير.

إعلام الوری: الطبرسي / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم / الأولى 1417ه

الأنوار النعمانية: المحدث الجزائري.

الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري / الأولى / ایران / 1413ه

إثبات الوصية: علي بن الحسين المسعودي / المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف.

الأنساب: أبو سعد عبد الكريم السمعاني.

أعلام النساء: رضا کحالة.

الإصابة في معرفة الصحابة: ابن حجر العسقلاني / دار الكتب العلمية بيروت /الأولى 1415ه

أنوار التنزيل: البيضاوي.

إفحام الأعداء والخصوم: السيد ناصر حسین الموسوي الهندي.

إبطال الباطل: الفضل ابن روزبهان.

الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء: إبراهيم اليمني الوصابي.

أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي / ط 1.

الإستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر / دار إحياء التراث العربي.

الإمام علي عليیه السلام صوت العدالة الإنسانية: جورج جرداق.

الإمام علي عليه السلام أسد الإسلام وقديسه: رو کس بن زائدة العزيزي.

الإمام علي علیه السلام نبراس ومتراس: سلیمان کتاني.

(ب)

بصائر الدرجات: محمد بن الحسن الصفار / الأعلمي / طهران / 1404ه

بحار الأنوار: المجلسي / مؤسسة الوفاء / لبنان/ الطبعة الثانية / 1403ه

بلاغات النساء: أبو الفضل بن أبي طاهر ابن طيوفور.

البداية والنهاية: ابن کثیر الدمشقي / دار إحياء التراث العربي / الأولى / 1408ه

(ت)

تذكرة الموضوعات: محمد طاهر بن علي الهندي الفتني.

تفسير القرطبي: محمد بن أحمد القرطبي / دار إحياء التراث العربي / بيروت / 1405ه

تفسير البيضاوي: عبد الله بن عمر الفارسي الشافعي البيضاوي.

التحصين: السيد ابن طاووس / مؤسسة الثقلين لإحياء التراث / قم /1413ه

تفسير الدر المنثور: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي.

تاج العروس من جواهر القاموس: محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي

تاریخ الخلفاء: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي.

تفسير شفاء الصدور: ابو بكر النقاش الموصلي

تفسير ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي / دار المعرفة / بيروت/1412ه

تفسير الصافي: المولی محسن (الفيض الكاشاني) الصافي / مكتبة الصدر / طهران / الثانية / 1416ه

تاریخ بغداد: أحمد بن علي الخطيب البغدادي / دار الكتب العلمية / بيروت / 1417ه

تفسير الطبري: محمد بن جرير الطبري / دار الفكر / بیروت / 1415ه

تنبيه الخواطر: ابن ورام.

تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي / ط نجف.

تفسير الكشاف: محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري.

تفسير التبيان: الشيخ الطوسي / داء إحياء التراث العربي.

التفسير الكبير: الفخر الرازي.

تفسير البرهان: السيد هاشم البحراني.

تاریخ دمشق: علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي ابن عساكر / دار الفكر بیروت 1415ه

التوحيد: الشيخ الصدوق / جماعة المدرسين / قم / 1398ه

تفسیر نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي / مؤسسة إسماعيليان / قم 1412ه

تفسير العياشي: محمد بن مسعود العياشي / المكتبة العلمية / طهران.

تحف العقول: الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني / مؤسسة النشر الإسلامي / قم / 1404ه

تفسير النيسابوري: مطبوع على هامش تفسير الطبري.

تفسير مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي / مؤسسة الأعلمي / بيروت 1415ه

تفسير فرات: فرات الكوفي / الطبعة الأولى / طهران / 1410ه

تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبي / دار صدار / بيروت.

تذكرة الخواص: السبط ابن الجوزي.

التكامل في الإسلام: أحمد أمين الكاظمي.

تفسير الثعالبي: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي المالكي / دار إحياء التراث العربي / بيروت الطبعة الأولى / 1418ه

الترغيب والترهيب: عبد العظيم المنذري الشافعي.

(ث)

الثاقب في المناقب: محمد بن علي (ابن حمزة) الطوسي / مؤسسة انصاریان / قم الأولى 1411ه

ثواب الأعمال: الشيخ الصدوق.

(ج)

جامع السعادات: محمد مهدي النراقي.

الجمع بين الصحاح الستة: رزین بن معاوية بن عمار العبدري.

الجامع الصغير: عبد الرحمن أبي بكر جلال الدين السيوطي / دار الفكر / بيروت.

الجمل: الشيخ المفيد / مكتبة الداوري / قم

الجواهر السنية: محمد بن الحسن بن علي بن الحسين الحر العاملي / مكتبة المفيد/قم.

جامع المقاصد: علي بن الحسين المحقق الكركي / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم / الأولى / 1408ه

جواهر الكلام: محمد حسن النجفي / دار الكتب الإسلامية / طهران.

جنة المأوي: محمد حسین کاشف الغطاء

(ح)

الحكمة والحكماء: المؤلف رحمه الله / مخطوط.

حياة الحيوان: الدميري الشافعي.

حلية الأولياء: أبو نعيم الأصفهاني.

(خ)

خطیب العلماء: السيد صدر الدين القبانجي.

الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي / مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام / قم

الخصال: الشيخ الصدوق / جماعة المدرسين / قم / 1403ه

(د)

دائرة المعارف البستانية.

الدرة النجفية: عبد الصمد التبريزي.

الدعوات: قطب الدين الراوندي / مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام / قم

درر السمطين: محمد بن يوسف الزرندي الحنفي.

دعائم الإسلام: القاضي النعمان المغربي / دار المعارف / مصر / 1383ه

دین و تمدن: محمد علي الحوماني.

دراسات في نهج البلاغة: محمد مهدي شمس الدين / دار الزهراء - بيروت / 1392ه

(ذ)

ذخائر العقبی: محب الدین عبدالله الطبری/ مکتبة المقدسی/ القاهره/ 1356 ه

الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آغا بزرك الطهراني / دار الأضواء / بيروت / 1403ه

(ر)

روضة الواعظين: محمد بن الفتال النيسابوري / منشورات الرضي اقم.

الرياض النظرة: محب الدین الطبري.

(س)

سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني / دار الفكر / بيروت.

سنن الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي / دار الفكر / بيروت.

السقيفة وفدك: أحمد بن عبد العزيز الجوهري / شركة الكتبي للطباعة والنشر /بیروت/ 1413ه

سنن الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي / دار الفكر / بيروت.

السنن الكبرى: أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي / دار الفكر / بيروت.

(ش)

شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي / ط: مكتبة المرعشي النجفي / قم

شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي / ط الأولی / مصر.

شجرة الطوبی: محمد مهدي الحائري / المكتبة الحيدرية / النجف / 1385ه

شرح أصول الكافي: محمد صالح المازندراني.

شرح نهج البلاغة: السيد كاظم القزويني

شرح إحقاق الحق: المرعشي النجفي | مكتبة المرعشي النجفي / قم.

الشاهنامة: الحسن بن محمد الطوسي الفردوسي / ط: مصر.

الشيعة والحاكمون: محمد جواد مغنية .

شرح مائة كلمة: ابن میثم البحراني / جماعة المدرسين / قم.

شرح الأخبار: القاضي النعماني المغربي / مؤسسة النشر الإسلامي / قم.

الشجرة المباركة: الشيخ علي اليزدي.

(ص)

صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري / دار الفکر بیروت/ 1401ه

صحیح مسلم: مسلم بن الحجاج النيسابوري / دار الفكر / بيروت.

صفات الشيعة: الشيخ الصدوق.

الصناعتين: أبو هلال العسكري.

الصراط المستقیم: علي بن يونس العاملي البياضي / المكتبة المرتضوية / الأولى / 1384ه

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: ابن حجر العسقلاني.

الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري / دار العلم للملايين / بيروت / 1407ه

(ض)

ضبط نص نهج البلاغة: صبحي الصالح.

(ط)

طب الأئمة: عبد الله بن سابور الزيات المكتبة الحيدرية / النجف / 1385ه

(ع)

عوالي اللتالي: ابن أبي جمهور الاحسائي / الطبعة الأولى / 1403ه/ قم.

علل الشرائع: الشيخ الصدوق / المكتبة الحيدرية النجف / 1385ه

العدد القوية: علي بن يوسف الحلي / مكتبة المرعشي النجفي / قم / الأولى / 1408ه

عدة الداعي ونجاح الساعي: أحمد بن فهد الحلي / مكتبة الوجداني / قم.

عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق / مؤسسة الأعلمي / بيروت / 1404ه

عبقرية الإمام علي عليه السلام: عباس محمود العقاد.

عيون المعجزات: حسين بن عبد الوهاب / المطبعة الحيدرية / النجف / 1369ه

علي والقرآن: محمد جواد مغنية

العمدة: يحیی بن الحسن الأسدي الحلي ابن البطريق / مؤسسة النشر الإسلامي / قم / 1407ه

علي والأسس التربوية: المؤلف رحمه الله

عقد الدرر: يوسف ابن يحيي المقدسي الشافعي | مكتبة عالم الفكر/ القاهرة الأولى 1399ه

العهود المحمدية: عبد الوهاب الشعراني / شركة المصطفى البابي / مصر/1393ه

العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي.

(غ)

غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام: السيد هاشم البحراني / تحقيق السيد علي عاشور.

غريب القرآن: الحافظ أبو عبيد الهراتي

الغيبة: الشيخ الطوسي / مؤسسة المعارف الإسلامية / قم / الأولى / 1411ه

الغدير: الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني / دار الكتاب العربي / بيروت الرابعة 1397ه

(ف)

فضل الكوفة: الشريف العلوي.

الفصول المختارة: الشيخ المفيد / دار المفيد/ بيروت / 1414ه

الفتوحات المكية: ابن عربي.

فقه الرضا: المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم/ الأولى / 1406ه

فرائد السمطين: شيخ الإسلام الحمويني.

فتح القدير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني / عالم الكتب.

فلاح السائل: السيد ابن طاووس.

فیض القدیر: محمد عبد الرؤوف المناوي / دار الكتب العلمية / بيروت الأولى 1415 ه

الفصول المهمة: محمد بن الحسن الحر العاملي / مؤسسة المعارف الإسلامية / قم / 1418ه

الفرج بعد الشدة: الحسن بن أبي القاسم القاضي التنوخي / منشورات الشريف الرضي / قم / 1364ه

(ق)

قصص الأنبياء: قطب الدين الراوندي / الهادي / قم / 1418ه

قضاء الحوائج: ابن أبي الدنيا.

القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروز آبادي.

(ک)

کمال الدین وتمام النعمة: الشيخ الصدوق / مؤسسة النشر الإسلامي / قم / 1405ه

کشف الخفاء: إسماعيل بن محمد العجلوني / دار الكتب العلمية بيروت الثالثة/1408ه

کتاب سليم بن قيس الهلالي / تحقیق: محمد باقر الأنصاري.

کنز العمال: المتقي الهندي / مؤسسة الرسالة / بيروت/ 1409ه

الكامل: عبد الله بن عدي / دار الفکر بیروت / الثالثة / 1409 ه

کشف اليقين في فضائل أمير المؤمنین علیه السلام: العلامة الحلي / الطبعة الأولى/ طهران/ 1411 ه

کشف الغمة: علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي / دار الأضواء / بيروت.

كفاية الطالب: الكنجي الشافعي

كفاية الأثر: علي بن محمد الخزاز القمي/ انتشارات بیدار / قم / 1401ه

الكامل في التاريخ: ابن الأثير.

الكشف والبيان: أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري.

کشف الحق: العلامة الحلي /ط بغداد.

الكشكول في ما جرى لآل الرسول: ابن المطهر الحلي.

الكافي: محمد بن يعقوب الكليني / دار الكتب الإسلامية / طهران/ الطبعة الثالثة / 1388ه

کامل الزيارات: جعفر بن محمد بن قولویه / مؤسسة النشر الإسلامي / 1417ه

الكنة والألقاب: المحدث الشيخ عباس القمي.

(ل)

اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء علیها السلام : محمد علي بن أحمد القراچه داغي التبريزي / دار فاطمة علیها السلام للتحقيق / 1408ه

اللهوف في قتلي الطفوف: السيد ابن طاووس / أنوار الهدی / قم

لسان العرب: جمال الدین محمد بن مكرم ابن منظور / نشر أدب الحوزة / قم / 1405 ه

(م)

المحتضر: حسن بن سليمان الحلي / المطبعة الحيدرية / النجف / 1370ه

مسند أحمد: أحمد بن حنبل / دار صادر / بيروت.

المستدرك على الصحيحين: أبي عبد الله الحاكم النيسابوري / دار المعرفة / بيروت.

معجم البلدان: یاقوت بن عبد الله الحموي / دار إحياء التراث العربي / بيروت/ 1399ه

المنتظم: عبد الرحمن بن علي الجوزي.

مستدرك الوسائل: الشيخ الميرزا حسين النوري الطبرسي / مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث / قم 1408ه

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي / دار الكتب العلمية بیروت/1408ه

مطابقات الإختراعات العصرية لما أخبر به سید البرية: أحمد الصديق الغماري.

المغازي: محمد بن إسحاق الواقدي.

المحير: محمد بن حبيب البغدادي.

المصنف: محمد ابن أبي شيبة الكوفي / دار الفکر بیروت / 1409 ه

معاني الأخبار: الشيخ الصدوق / مؤسسة النشر الإسلامي / جماعة المدرسين قم/1361ه. ش.

مصباح الشريعة: الإمام جعفر الصادق عليه السلام/ مؤسسة الأعلمي / بيروت/ 1400 ه

من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق / جماعة المدرسين / قم / الطبعة الثانية.

المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني / الطبعة الثانية / تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.

المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني / دار الحرمين / 1415ه

مشارق الأنوار: الشيخ حسن العدوي الحمزاوي.

مدينة المعاجز: السيد هاشم البحراني / مؤسسة المعارف الإسلامية / قم / الأولى / 1413ه

المكاسب: الشيخ الأنصاري / مجمع الفكر الإسلامي / قم / 1420ه

مجمع البحرين: الشيخ فخر الدين الطريحي.

مودة القربی: السيد أحمد الهمداني.

المناقب: الخطيب الخوارزمي

المحاسن والمساوي: أحمد بن الحسين البيهقي.

مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني / مؤسسة دار الكتاب / قم / منشورات المكتبة الحيدرية / النجف 1385ه

معارج الأصول: جعفر بن الحسن الهذلي (المحقق الحلي) / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم /1403ه

مسند الإمام علي علیه السلام: المؤلف رحمه الله.

مروج الذهب: علي بن الحسين المسعودي.

مقتل الحسين عليه السلام: الخوارزمين

ملامح من عبقرية الإمام: د. مهدي محبوبة.

مصادر نهج البلاغة: السيد ابن زهرة الحسيني.

مشارق أنوار اليقين: الشيخ البرسي الحلي.

المزار: الشيخ المفيد / تحقيق: السيد الأبطحي.

منهاج البراعة: الميرزا حبیب الله الخوئي.

مستدرك نهج البلاغة: الشيخ هادي کاشف الغطاء.

ما هو نهج البلاغة: هبة الدين الشهرستاني .

مکارم الأخلاق: الشيخ الحسن بن الفضل الطبرسي / الطبعة السادسة / 1392ه

المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام : محمد بن جریر الطبري (الشيعي) / مؤسسة الثقافة الإسلامية / قم / الطبعة الأولى المحققة.

منهاج الكرامة: العلامة الحلي.

مناقب آل أبي طالب: محمد بن علي بن شهر آشوب / المطبعة الحيدرية النجف / 1376ه

المحاسن: أحمد بن محمد البرقي / دار الكتب الإسلامية.

مشكاة الأنوار: أبو الفضل علي الطبرسي / دار الحديث / قم / الأولى.

مجلة تراثنا: العدد 34 مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم.

المصنف: عبد الرزاق الصنعاني.

مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي / مؤسسة فقه الشيعة / بيروت / 1411ه

الموطأ :مالك بن أنس / دار إحياء التراث العربي / بيروت / 1406ه

منية المريد: الشيخ زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني) / تحقيق: رضا المختاري.

(ن)

نزهة المجالس: الصفوري.

النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي / تحقيق السيد علي عاشور.

النص والاجتهاد: السيد عبد الحسین شرف الدين الموسوي.

نظرة في شرح نهج البلاغة: محمد حسن القبيسي العاملي.

نظم درر السمطين: محمد بن يوسف الزرندي الحنفي / مكتبة أمير المؤمنین علیه السلام العامة / ط: الأولى / 1377 ه

النهاية في غريب الحديث والأثر: إبن الأثير الجزري / دار الكتب العلمية بيروت الأولى / 1418ه

(و)

وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحر العاملي / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث / قم / 1414ه

وفيات الأعيان: إبن خلکان.

(ه)

الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي / مؤسسة البلاغة بیروت/ الرابعة / 1411ه

(ی)

ينابيع المودة لذوي القربی: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي / ط الأولى المحققة / قم / 1416ه

فهرست الموضوعات

من كلام له علي: في تمامية الرسالة والتحذير من النار...3

ضبط الالفاظ الغريبة ...3

الشرح...3

قصة أبي صمصام العبسي مع رسول الله صلی الله علیه وآله...7

الكلمات التامات...12

سؤال اليهود لعمر بن الخطاب ...13

أهل البيت عليهم السلام باب الحكمة...14

قضاء علي عليه السلام، بين النبي صلی اتلله علیه وآله وأعرابي ... 15

من خطبة له علیه السلام: في بيان فضله علیه السلام ووفاة النبي صلی الله علیه وآله...21

ضبط الألفاظ الغريبة...21

الشرح ...22

خمس فضائل لعلي علیه السلام ...22

أولها: عدم الرد على النبي صلی الله علیه وآله والتسليم له ...22

رد عمر على رسول الله صلی الله علیه وآله ...24

الثانية: المواساة النبي صلی الله علیه وآله...25

منها غزوة بدر...27

منها غزوة أحد ...27

منها: وقعة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق ...27

منها: غزوة وادي الرمل ...30

منها غزوة الحديبية...30

منها غزوة الخيير...31

منها فتح مكة ...32

منها غزوة حنين ...32

الثالثة: النبي صلی الله علیه وآله في مرض الموت ...33

وفاة النبي صلی الله علیه وآله ...35

الرابعة:قبض روح صلی الله علیه وآله...40

سبعون منقبة لعلی علیه السلام...41

من كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً:

يذكر فيه مثالب معاوية ومناقب أهل البيت علهم السلام ...53

الشرح...54

علي أخو الرسول ...54

آيات في حق علي عليه السلام...55

علي علیه السلام هو الشاهد...57

علي علیه السلام والولید...58

اقتران اسم علي عليه السلام باسم رسول الله صلی الله علیه وآله...60

تصدق علي علیه السلام بالخاتم ...61

مفاخرة علي علیه السلام و العباس وثيبة...63

علي عليه السلام وشیعته خير البرية ...64

سأل سائل بعذاب واقع ...65

خطبته عليه السلام المعروفة بخطبة اللؤلؤة:

فيها يتعرض لحوادث المستقبل ويذكر فيها الإمام المهدي علیه السلام ...69

ضبط الالفاظ الغريبة ...70

الشرح...70

جرائم بني العباس...71

المنصور والعلويون...73

الإمام جعفر الصادق علیه السلام والمنصور ...76

کلمات تكفي الإمام الصادق علیه السلام شر المنصور ...77

جرائم المهدي بن المنصور...78

قصة عيسى بن زید...79

المهدي ويعقوب بن داود بن طهمان...81

الهادي العباسي ...85

هارون الرشید...86

ستون شهیداً...87

الأسطوانات ...88

يحيى والرشید....89

شيوخ السوء ...89

الإمام الكاظم عليه السلام والرشید...90

الإمام الرضا عليه السلام والرشید...92

الأمين ...92

المأمون ...93

الإمام الرضا علیه السلام والمأمون...94

المتوكل وعداؤه لأهل البيت علیهم السلام ...96

من كلام له علیه السلام: في النهي عن غيبة الناس...101

الشرح...101

الغيبة وأثرها النفسي والإجتماعي ...102

تنبيه: في تحقيق معنى الغيبة والأدلة الواردة في حرمتها...105

الأمرالأول: في تحقيق معناها ...105

اختصاص حرمة الغيبة بين المؤمنين ...107

الثاني: في الأدلة الدالة على حرمة الغيبة...110

الدليل القرآني ...110

الدليل الروائي...111

الثالث: في دواعي الغيبة...116

الرابع: في عدم جواز استماع الغيبة ...118

الخامس: في مستثنيات الغيبة...120

السادس: في معالجة الغيبة...124

السابع: في كفارة الغيبة ...126

من كلام له علیه السلام: في العرفان والسلوك إلى الله ...129

ضبط الألفاظ اللغوية ...129

الشرح...129

شروط السالك131

وظائف السالك ...132

الجوع ...132

الصمت ...133

السهر ...134

العزلة والخلوة ... 134

شعر عرفانی...135

سیماء الشیعه...136

من خطبة له علیه السلام :

في التحذير من الدنيا والاعتبار بالأمم السالفة ووحشة القبر...139

ضبط الألفاظ الغريبة ...139

الشرح...140

خداع الدنيا ...140

مثال الدنيا ...144

العيش الممدوح...145

عدم الأمان في الدنيا...145

التاريخ و طول العمر ...146

ذو القرنين...148

الاسكندر والملكة الذكية...154

ذو القرنین وبلقيس ...155

الاسكندر وفيلسوف الهند...156

ذکر طواف الاسكندر في أقطار العالم وما رآی فيها من العجائب ...162

وصول الاسكندر مغرب الشمس ...166

الخضر وعين الحياة...167

وصول الاسكندر إلى مشرق الشمس وقصة يأجوج ومأجوج...168

الاسكندر وملك الصين ...171

ذکر وفاة الاسكندر: قال في (الشاهنامة) ...173

ثلاثون قولاً قيل عند موت الاسكندر...176

قصة أخرى في وفاة الاسكندر...178

من خطبه له علیه السلام :

في التحذير وعدم الغفلة عما بعد الموت...181

الشرح...181

حقيقة الموت...182

حالات ذكر الموت...186

الحالة الأولى: قبل الموت...186

ما عليه الناس في هذه الحالة ...187

الحالة الثانية: عند الموت ...188

من كلام لهعلیه السلام:

في المحافظة على الشهادتين والاعتبار بموته ...191

الشرح...191

علم علي عليه السلام بزمان ومكان قتله ...193

وصايا أمير المؤمنين علي علیه السلام...195

دخول حبيلب على علي علیه السلام في مرضه ...197

دخول عمرو بن الحمق على علي علیه السلام في مرضه ... 197

دخول الأصبغ على علي علیه السلام...198

دخول صعصة على علي عليه السلام...200

من كلام له علیه السلام كان يوصي به أصحابه: في بيان أهمية الصلاة ...205

الشرح...205

الصلاة تحت الذنوب...213

فصل ووصل: الصلاة وطرق التقدم الثلاثة ...216

الصلاة لغة واصطلاحاً...221

جاء في خطبته علیه السلام المعروفة بالقاصعة:

وفيها يذكر موضعه وقربه من رسول الله صلی الله علیه وآله ...225

ضبط الألفاظ اللغوية...225

الشرح: علي وليد الكعبة ...226

قصيدة العمري في مدح علي علیه السلام...231

كلمة الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء...232

ولادة علي علیه السلام في الكعبة في الشعر الإسلامي ...234

علي علیه السلام معلم جبرئیل...237

من كتاب له علیه السلام إلى معاوية ابن أبي سفيان:

يحذره فيه من سيئات عمله...239

ضبط الألفاظ اللغوية ...239

الشرح: علي ومعاوية ...240

الوفود على معاوية ...242

عبيد الله بن عمر ...243

في إرسال صعصة بن صوحان إلىمعاوية...245

في كتاب له علیه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري:

وفيه يعنفه على قبوله دعوة وليمة ويذكر فيه زهده علیه السلام ...249

ضبط الألفاظ الغريبة ...249

الشرح...250

محطات للتأمل...251

البرنامج التربوي ...253

زهد علي والأنبياء علیهم السلام...255

قصة عيسی علیه السلام وصاحب الرغيف الثالث ...257

من كلام له علیه السلام:

يتعرض فيه لأرض فدك ويذكر فيه مجاهدة نفسه علیه السلام...259

الشرح...259

فدك تاريخياً...259

القيمة الاقتصادية لفدك...262

خطبة فاطمة عليها السلام...263

نص الخطبة المتضمنة الاحتجاج على القوم والتظلم منهم بمحضر من المهاجرين والأنصار...265

في وصيته الكبرى لولده الحسن علیه السلام:

في نفي الشريك والفتقاد العبد إلى الله ...273

الشرح: التوحيد ونفي الشريك...273

حقوق الله وأداءالواجب...277

ما هي الواجبات ...279

1-معرفة الله تعالى...279

2-أوامر الدين ونواهيه...280

3- مجاهدة النفس...280

4-العناية الدينية ...280

5- الأخوة الإسلامية ...281

من وصيته علیه السلام للحسن والحسين عليها السلام لما ضربه ابن ملجم:

وفيها يوصي بالتقوى ونظم الأمر والإهتمام بفروع الدين ...283

الشرح...283

وأما وصاياه العامة ...284

التقوى...284

ثمرات التقوی...285

إصلاح ذات البين ...287

رعاية الأيتام...288

رعاية الجيران289

حدود الجوار وحقه...291

الاهتمام بالقرآن...291

الاهتمام بالصلاة ...292

وورد في التوراة ...292

شعيرة الحج ...294

قصة بناء الكعبة ...294

أسرار الحج...297

الاستعداد للحرب...301

وصايا عامة أثناء الحرب ...302

أولاً: الثبات عند لقاء العدو وعدم الفرار من المعركة ...302

ثانياً: ذكر الله في حالة الحرب...302

ثالثا: الطاعة...302

رابعاً: عدم التنازع ...303

خامسا: الصبر على ما يكرهون من شدة ...303

الحسن البصري يمدح علياً علیه السلام...306

من خطبة له علیه السلام:

يوصي فيها بتقوى الله والتذكير بالموت...309

الشرح...309

التقوى أصل جميع الفضائل ...310

ولكن ما هي التقوی ...311

آيات في التقوى...311

التفاضل بالتقوى لا بكثرة المال...313

مراتب التقوى ثلاث...314

كيف تحقق التقوى...316

من خطبة له علیه السلام:

وفيها يسبح الله ويذكر نعيم الجنة ...321

ضبط الألفاظ اللغوية ...322

الشرح...322

عالم الآخرة ...323

العلم التجريبي وإثبات الآخرة...324

الجنة ...326

الذات الخلد ...329

من عشق شيئا أعشی بصره...337

الشهوة الجامحة...341

وصف الجنة في القرآن...343

وصف الجنة في الأحاديث السنة ...344

سكرات الموت...351

الجسد بعد الموت...356

موارد الركون إلى الدنيا...357

إدريس النبي وملك الموت...358

أبيات في الموت ...359

من خطبة له علیه السلام:

في إرساله الرسل وحالة العرب قبل الإسلام ...361

الشرح...361

الأديان في عصر الجاهلية ...361

أصنام العرب...363

كيف يختار الله أنبياءه ...365

صفات الأنبياء ...366

الشكر عصارة التقوى...367

صفات رسول الله صلی الله علیه وآله...368

أخلاق النبي محمدصلی الله علیه وآله...373

قصور البعض عن إدراك عظمة النبي صلی الله علیه وآله...375

من خطبه له علیه السلام: يذكر فيها أصناف الناس...379

ضبط الألفاظ اللغوية ...380

الشرح...380

عصر علي علیه السلام ...380

الأول: انقلاب الموازين الخلقية ...381

الثاني: ازدياد الظلم...381

الثالث: عدم الانتفاع بالعلم..381

الرابع: عدم التعلم ....382

الخامس:الأمن من مكر الله ...383

أصناف الناس ...383

الرياء ...385

المقام الأول: في تحقيق معني الرياء والسمعة...388

الثاني: في ذكر بعض ما ورد فيه من الآيات والأخبار...388

حدیث معاذ عن النبي صلی الله علیه وآله ...392

الثالث: في أقسام الرياء والوجوه المتصورة فيه ...395

علاج الرياء...399

الدواء العملي للرياء...401

من خطبة له علیه السلام: يرغب فيها

بالجهاد ويذم أصحابه على تخاذلهم عنه ويذكر فيها أفعال جیش معاوية ...403

ضبط الألفاظ اللغوية ...404

الشرح...405

وصیة معاویة الارهابیة...405

معركة الأنبار ...407

فضل الجهاد ...408

ثواب وأجر الشهيد 409

جهاد عمیر بن الحمام...413

جهاد أنس بن النضر ...413

جهاد عمرو بن الجموح...414

جهاد حارثة ...415

معركة بدر...417صلح الحديبية...419

من وصية له لولده الحسن علیهما السلام:

يذكر فيها حقوق الاخوان ...421

الشرح: حكم ومواعظ ...421

النصيحة في الوعي الديني ...424

نصيحة الصحابي سعد بن الربيع لرسول الله صلی الله علیه وآله ...430

نصيحة عبد الله بن كعب لعلي علیه السلام...431

نصيحة ابن عوسجة للحسين عليه السلام...431

نصيحة العباس لأخيه الحسين علیهما السلام...432

من كلام له علیه السلام لكميل بن زياد رضی الله عنه:

في أصناف الناس وفضل العلماء وفيه يتعرض لذكر المهدي علیه السلام...435

الشرح: أصناف الناس...436

المقارنة بين العلم والمال ...436

إشارة إلى الإمام المهدي علیه السلام ...439

مصادر التأليف التحقيق ...441

فهرست الموضوعات ...455