ghaemiyeh.com
صوت الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة المجلد 1
تأليف العَلَّامَة الشَّهيد السّیّدحَسَن السيد علی الْقُبّانْچی الْنَّجَفيّ(ره)
موسسه اِحْياءِ التُّراثِ الشّيْعيّ
www.turathshiai.com
النجف الأشرف
فاعل خير رقمي: انجمن مددکاری امام زمان (عج)
موسسه اِحْياءِ التُّراثِ الشّيْعيّ
النجف الأشرف _ شارع الرسول صلي الله عليه وآله _ محلة الحويش
رقم الزقاق 54 - رقم الدار 2
هاتف: 332811 و 332813
ص.ب 588
http://www.turathshiai.com
http://www.turathshiai.net http://www.turathshiai.org
صوت الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة ج 1
العلامة السيد حسن القبانچي رَحمةُ اللهُ
الناشر : دليل نا
المطبعة : نقارش
الطبعة: الأولى
سنة النشر: ربيع الأول 1426 ه
عدد النسخ: 2000 نسخة
السعر: 5000 دینار
ردمك: 3_ 097 _ 397 _ 964 ISBN الدورة : x_099_397 _ 964 ISBN
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على إنعامه وإفضاله، وصلّى الله على جوهر الوجود محمّد و آله، ونخصّ بالذكر منهم أخاه وصهره وابن عمّه ووزيره وخليفته في أمّته أميرالمؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين، الذي أكرمه ربّ الخلائق بأن قرن نوره في الخلق بنور نبیّه، وجعله له أخاً بنصّ آية المباهلة وحديث المؤاخاة، وأبی أن يزوّجه إلاّ من سيّدة نساء العالمين، وأكرمه بأن جعل نسل نبيّه صلي الله عليه وآله في صُلبه، فرزقه سبطي نبيّ الرحمة وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهماالسلام شفي العرش.
لايُماري أحد أن كلام أميرالمؤمنين عليه السلام قد ارتفع _ بالمسحة الإلهيّة التي تعلوه _ عن أن يُشبه كلام المخلوقين، وبأريج العبق النبويّ الذي يفوح منه عن أن يمازج كلام أحد من أرباب الفصاحة المشهورين.
رغم أنّ أميرالمؤمنین و مولی الموحّدین عليه السلام في متانة بلاغة كلامه وقوّة حجّته وبيانه لم يتكلّف _ وهو يدير اللغة كيف يشاء _ انتقاء الألفاظ، ولا تعمّد _ وهو يسوق جحافل الفصاحة أنّي أراد – اختيار العبارات؛ فقد تحدّث هذا العقل النورانيّ الذي لم ير شيئاً إلاّ ورأي اللهَ قَبْله ومعه وبعده، تحدّث لعباد الله عَزّوَجل ليرفعهم إلى مشهد النور الأعلى، وينتشلهم من ظلمات النفس ومزالق الهوى.
ارتفع أمير المؤمنین عليه السلام بالفصاحة العربيّة عن أن تنصبّ _ كما هو حال معظمها _ في التوافه، فتكون مسوقة لبيان صفة فَرَس أو بعير أو حمار وحشيّ؛ وسما بها عن أن تتلخّص في نوازع البشر المخلوق من الطين.
لم يعهد العرب فصيحاً يسوق الكلام في توحيد الله تعالى، ولم تعرف في فصحائها من يتحدّث في صفات الملائكة وعبادتها، فحقّ لها أن تدهش وتعجب وهي تُصغي إلى رجلٍ هو أعرف بطُرق السماوات منه بطرق الأرض...
لكنّ العجب سیزول، والاستغراب سينحسر حين يعي المرء أنّ هذا المتكلّم
هو باب مدينة علم الرسول صلى الله علیه وآله وخازن علمه، وأنّه من رسول الله صلى الله علیه وآله بمنزلة هارون من موسى عليه السلام، وأنّه الأذن الواعية التي صبّ فيها رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر ربّه العِلم صبّاً، فحقّ، لها أن تعي وتحفظ.
ولقد قيّض الله تبارك وتعالى في الأعصر المختلفة مَن نظم عقوداً مختارة من كلام أميرالمؤمنین عليه السلام يبهر سنا بريقها الناظر، وهيّأ من عباده من تصدّی لاستثارة غوامض حِكمه ودقائق مواعظه المُرزئة بالدرّ والجواهر.
ومن هؤلاء الذين قيّضهم الله سبحانه في عصرنا الحاضر رجلٌ من هذه السلالة الطاهرة، وُفّق في الجمع بين منهج الحوزة العلمية ومنهج الممارسة الخطابيّة والمنبر الحسينيّ، وكانت النجف يومذاك لم تألف بعدُ ظاهرة العالم الخطيب والخطیب العالم.
بلی، شُغف العلاّمة الشهيد السيّد حسن القبانچي رَحمه اللهُ بأهل البيت عليهم السلام شغفاً ملك عليه نفسه، فنذر حياته في إحیاء آثارهم، فحاز بذلك القدح المعلّی... وهاتيك مؤلّفاته تشهد له بالسعي الدؤوب في هذا الشأن، وتلك تقریظات العلماء الأعلام لمؤلّفاته تُغني عن كلّ مقال.
وصف العلاّمة الحجّة المحقّق السيّد محمّد صادق بحر العلوم کتاب »الجواهر الروحيّة» للمؤلف قدس سرّه بأنّه غرّة في جبين الدهر، وجوهرة ثمينة لا يقدّرها إلاّ عباد الله المخلصون، والعلماء العارفون بالحقائق.(1)
1) خطيب العلماء: 30.
وكتب العلاّمة آية الله السيّد محمّد جواد الطباطبائي التبريزي في مقدّمته لكتاب »عليّ والأسس التربويّة» يقول: «ومن أبدع ما أشرقت علينا شمسه في أسفاره الجليلة النافعة کتاب «علي والأسس التربويّة في شرح الوصيّة»، فإنّك بالنظر في صفحات هذا السفر الجليل تعرف قيمة ما يُسديه إلى أمّته من وقتٍ لآخر بتلك المؤلّفات القيّمة والصحف الخلقيّة العظيمة التي تهديها سواء السبيل، وتسمو بها إلى الحياة الطيّبة، حياة الحكمة والرشد والفضيلة والمروءة وغيرها من الخلال التي تكفل للأمّة السعادة والهناء».(1)
أمّا كتابه «مسند الإمام علي عليه السلام» الذي أنفق على تأليفه أكثر من عشرين عاماً من عمره الشريف، فقد وصفه المفكّر الإسلامي آية الله العظمی السيّد الشهيد محمد باقر الصدر بأنّه من أهم مصادر المعرفة الإسلاميّة.(2)
وكتب عنه آية الله العظمى الشيخ مرتضی آل یاسین:
«... شاء التوفيق الإلهيّ أن يدفع بمؤلّف هذا السفر القيّم فضيلة السيّد الجليل والخطيب الفاضل النبيل الألمعي الزكي السيّد حسن القبانچي أيّده الله إلى الإلمام بما يسع الإلمام به من تلك الأحاديث ليجمعها في إطار واحد، فنهض _ حفظه الله _ بهمّة لا تعرف الكلل، ورغبة عارمة لا يعتريها الملل، فسجّل كلّ ما ظفر به من الأحاديث العلوية على صفحات هذا الكتاب... فجاء الكتاب _ ولله الحمد _ كتاباً فائقاً في ترتيبه وتبويبه، ورائقاً في تأليفه وتصنيفه، كلّ ذلك بفضل الجهد العظيم الذي عاناه في سبيل جمعه ووضعه».(3)
وقد مُنح الكتاب المذكور جائزة أفضل مؤلَّف لسنة 1380 ه ش (1422ه) التي دُعيت في الجمهورية الإسلامية في إيران بسنة الإمام عليّ عليه السلام.
يقول خطیب العلماء رَحمه الله في رسالة بعثها إلى نجله سماحة العلاّمة الحجّة السيّد صدر الدين القبانچي:
«وبعد، إنّ كتابنا «الصوت الإمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة»هو مختارات من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كنّا نحاضر بها في بعض المناسبات مع شرحٍ واف أخلاقيّ وأدبي وتاريخي، وردّ ونقد، وأمام الكتاب أقوال و آراء لجمهرة من عباقرة العلم والأدب حول نهج البلاغة».(1)
جمع المؤلّف رَحمه الله في كتابه هذا فأوعي، فقد ضمّنه كلمات أقطاب العلم وعباقرة الأدب في نهج البلاغة تكشف عن شغفهم به وإذعانهم بعظمته، ونِعم ما قيل في حقّه.
كلامُ عليٍّ كلامٌ عليّ *** وما قاله المرتضی مُرتضی
ثمّ أفرد رَحمه الله باباً أسماه «نهج البلاغة في الشعر العربي»، وعقّب عليه بایراد مختارات من خطب الإمام عليّ عليه السلام وشرحها، في انتقاء بديع لتلك الشروح للعبارة الأجزل والأجمل، لا يشغله ذلك عن التوسّع _ حيثما أحسّ بذلك ضرورة _ في البحث، فقد رأيناه يورد أبحاثاً موسّعة قرآنيّة وعلميّة وتاريخية وأدبية وأخلاقيّة، يحدو به شعوره بمسؤوليته _ كعالمٍ عامل وخطيب واعظ _ في وضع البلسم على الجرح، امتثالاً منه لأمر مولاه مولی الموحّدین عليه السلام الذي افترض على العالِم أن يكون طبيباً دوّاراً بطبّه، متحرّياً في خُطاه وعظ الناس وهدايتهم إلى مرضاة الله تعالى، في وعيٍ کامل منه قدس سرّه بأنّ الفقيه _ كلّ الفقيه _ من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله.
وكان من دیدنه أن تزدان أبحاثه المختلفة بعدد كبير من الشواهد القرآنية والأحاديث المعتبرة عن المعصومين عليهم السلام.
1) خطيب العلماء: 37 و 38.
ولأجل أهميّة هذا الكتاب وقيمته العلميّة ارتأت مؤسسة إحياء التراث الشيعي تحقيقه ونشره ووضعه بين أيدي القرّاء الأعزاء، مساهمةً منها في نشر التراث الشيعيّ المتميّز.
تأسّست هذه المؤسسة في 15 جمادى الآخرة لسنة 1424ه في النجف الأشرف بعد زوال النظام البعثي الحاقد، وتركّزت نشاطاتها منذ ذلك الحين في عدّة محاور:
1 _ صيانة التراث الشيعي من خلال جمع واقتناء الكتب الخطيّة، واستنساخ المخطوطات في داخل العراق وخارجه.
2 _ نشر التراث الشيعي: من خلال إعداد فهارس المخطوطات وطباعتها، علاوة على إنجاز مشروع نفائس التراث الشيعي الذي تكفّل بإعداد أقراص ليزرية تخصّصيّة عن النفائس الخطيّة في أهم مكتبات النجف الأشرف وتقديمها للباحثين عبر برنامج كمبيوتري علمي وفنيّ.
3 _ قسم التحقيقات الذي يتولّى مهمة تحقيق وطباعة كتب التراث الشيعي، وإصدار مجلّة التراث الشيعي الفصليّة، وتهيئة مكتبة عامّة للباحثين، فضلاً عن حقل الدراسات الكومبيوتريّة.
4- قسم الانترنيت الذي يتضمّن إنشاء بنك للمعلومات يتكفّل بتبادل المعلومات والنسخ الخطّيّة مع المكتبات العالميّة عبر الانترنيت، إضافة إلى إنشاء صفحة خاصّة بالمؤسسة على الانترنيت.
ناهيك عن الخدمات العامّة التي تقدمها المؤسسة من خلال دعم المكتبات ومراكز التحقيق، والتعاون الثقافي مع كبار الباحثين والمحقّقين.
قامت المؤسسة بتحقيق هذا السفر النادر و تصحيحه وتخريج آياته
وأحاديثه وأشعاره وشرح بعض كلماته المبهمة، وقمنا بإضافة بعض العناوين حيثما وجدنا لذلك ضرورة، و كلّنا أمل في أن نكون قد قدّمنا الكتاب للقارئ الكريم في حلّة قشيبة تجمل بأمثاله ونظائره.
وإذ تبادر مؤسسة إحياء التراث الشيعي إلى نشر هذا السفر القيّم ووضعه بين يدي القراء الكرام، تأمل أن تواصل الخطي الحثيثة الجادّة في مجال إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام، واللهَ تعالی نسأل أن يوفّقنا لخدمة الدين وأهله، إنّه خير ناصر وخير مُعين، وآخردعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
تتقدم المؤسسة بالشكر الجزيل إلى الأخوة الافاضل في لجنة التحقيق ونخص بالذكر سماحة الشيخ رحيم مبارك لجهدهم الكبير في تحقيق الكتاب. كما نشكر الأخ الفاضل ياسر الصالحي مسؤول قسم الكمبيوتر سائلين المولى تعالى أن يوفقهم ويسدّد خطاهم.
مؤسسة إحياء التراث الشيعي
النجف الأشرف
السيّد محمد القبانچي
بسم الله الرحمن الرحيم
هل نجح الإمام علي عليه السلام في سياسته مع الأحداث التي عاصرت حکومته أم أخفق؟
رغم وجود وجهتي نظر مختلفة لدى الباحثين والمحللين إلا أن هناك إجماعاً لدى كل الدارسين لشخصية الإمام علي عليه السلام وسيرته قديماً وحديثاً وسواء من الخصوم أو الأصدقاء، مسلمين وغير مسلمين على أن الإمام علي عليه السلام استطاع أن يجسد النموذج المثالي للحكم الدستوري والمبدئي العادل.
لقد استطاع الإمام علي عليه السلام _ ليس على مستوى النظرية فحسب وإنما على مستوى الممارسة والتطبيق _ أن يضع أصولاً ثانية لحكم دستوري حرّ بما لم تستطع التجربة البشرية المعاصرة أن تصل إلى مثله.
ويستطيع الباحث في سياسة الإمام علي عليه السلام ومواقفه، والقارئ لخطبه ورسائله في نهج البلاغة خاصة أن يلتمس ثلاثة أصول اعتمدها الإمام في سیاسته هي العدالة، والمبدئية، والحرية.
إن موقفه من أخيه عقيل حين طلب منه أكثر من استحقاقه من بیت
المال يمثل صورة رائعة لالتزام العدالة في التوزيع، والتعالي على جميع المحسوبيات والمنسوبيات في إدارة البلاد، حيث رفض الإمام أن يعطيه أكثر مما يعطي سائر المسلمين واستعد أن يتحمل خسارة سياسية بانسحاب عقيل من صفوفه دون أن يتراجع عن مقتضيات العدالة المرّة.
كما أن موقفه من معاوية حين عزله عن ولاية الشام يمثل صورة بطولية رائعة لالتزام المبدئية في التحرك السياسي بعيداً عن الخضوع للمصالح المؤقتة والمكاسب السياسيّة.
كما أن موقفه من طلحة والزبير حينما أجازهما بالذهاب إلى المدينة المنورّة وهو يعلم أنهما لا يريدان العمرة بل يريدان الغدرة _ كما قال عليه السلام _ يدلل بشكل واضح مدى التزام الإمام علي عليه السلام الشديد بالحرية السياسية في التحرك.
إن كتاب (صوت الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة) لمؤلفه العلامة الكبير والباحث المحقق السيد حسن القبانچي قدس سرّه هو محاولة لالتقاط صور جميلة لمواقف الإمام علي عليه السلام التي يجسّد فيها قيم العدالة، والحرية والمبدئية.
ومن الحق أن نشيد هنا بالجهود العلمية الكبيرة لمؤلف هذا الكتاب وخاصة ما يتعلق منها بالإمام علي عليه السلام وقد لاحظنا لدى ترجمتنا لحياة المؤلف في كتابنا (خطیب العلماء) مدى العلاقة الوثيقة والانشداد الروحي المستحكم للمؤلف مع جدّه الإمام علي عليه السلام والتي برزت بشكل واضح في مجمل خطاباته ومؤلفاته.
لقد كتب عن الإمام علي عليه السلام ثلاثة مؤلفات:
وهو أول كتاب صدر للمؤلف ويتضمَّن شرحاً وافياً لوصية الإمام علي عليه السلام لولده الحسن عليه السلام.
ويبدو أن المؤلف قد انفرد بهذا الكتاب، وسجّل السبق في مجال شرح وصية الإمام علي عليه السلام.
وهو موسوعة ضخمة جمع فيها المؤلف أكثر من أحد عشر ألف نصّاً للإمام علي عليه السلام.
ويرى المؤلف أن هذه الموسوعة هي حصيلة عمره والتي أفتي في إنجازها أكثر من عشرين عاماً في ظروف معقّدة وصعبة عاشتها العراق وعاشتها الحوزة العلمية في النجف الأشرف في ظل عهد البعث الأسود البائد.
حيث آثر المؤلف أن يعكف في منزله لإنجاز هذه الموسوعة بعيداً عن ملاحقات السلطة الغاشمة التي كانت تقطع الطريق على حركة علماء الدين و تحدّد أدنى مستوى من فعالياتهم.
فمنذ عام 1974 میلادياً حيث ارتكبت سلطة البعث جريمة إعدام الشهيدين العلامة السيد عز الدين القبانچي رَحمه الله (ابن المؤلف) والعلامة السيد عماد الدين الطباطبائي رَحمه الله (ابن أخت المؤلف) في أول ظاهرة إعدام العلماء الدين.
منذ ذاك التاريخ عاش المؤلف حصاراً وملاحقةً وتهديداً متواصلاً من قبل أزلام السلطة اضطره أن يكون حبيس داره عاكفاً على إنجاز هذه الموسوعة المباركة (مسند الإمام علي عليه السلام).
وهوهذا الكتاب الذي بين يديك.
وقد كان والدي الشهيد مؤلف هذا الكتاب قد طلب مني وأنا في بلاد الهجرة (إيران) عبر رسالة خطيّة رفعها إلي أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب.
وشاءت الأقدار أن لا نلتقي، ولا يطبع هذا الكتاب إلا بعد شهادة مؤلفه عام 1991 میلادياً إبان الهجوم الإجرامي لسلطات البعث على مدينة النجف الأشرف واقتحامها بالدبابات وقصفها بصواريخ أرض أرض واعتقال أكثر من مائة من علمائها وفضلائها ثم قتلهم جماعياً حيث لم تزل أجسامهم مفقودة تحت الثرى ضمن عشرات المقابر الجماعية التي لم يعثر عليها بعد.
والآن حيث تصدي أخي العزيز سماحة السيد محمد القبانچي لتحقيق ونشر هذا الكتاب من خلال مؤسسته الموقرة «مؤسسة إحياء التراث الشيعي» ورغب إليّ أن أقدّم له مقدمة استجبت له في ذلك شاكراً جهده وعمله في إخراج هذا الكتاب إلى النور سائلاً الله تعالى أن يجعله في الباقيات الصالحات من أعماله، وأن يتقبل هذا الكتاب من مؤلفه، ويزيد في درجاته، ويحشره مع أجداده الطيبين محمد و آله الطاهرين.
النجف الأشرف
ليلة 5 شوال / 1425ه
صدر الدين القبانچي
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد حسن السيد علي الحسيني القبانچي النجفي... أحد أعلام النجف البارزين علماً وعملاً وأدباً ومعرفة. وهو أستاذ جليل، وخطيب كبير، ومبلّغ يقظ، يتمتع بحسن السيرة ونقاء السريرة، ذو خلق رفيع، وتواضع جمّ، وسمتٍ روحي، مبتسم الثغر، صبيح الوجه، عفيف اليد، رقيق اللسان، ظاهر الأناقة، يخضب کریمته بالسواد، حتى إذا أمتحن باستشهاد أولاده ترك الخضاب.
ولد كما أعرفه في النجف الأشرف عام 1328ه = 1907م ونشأ بين أحضان العلماء وأكناف الخطباء، وأندية الأدباء.
فقرأ مبادئ العلوم العربية والشرعية لدى أساتذة متخصصين، من أبرزهم: الشيخ علي ثامر، والسيد حسن الحكيم، والشيخ زین العابدين العاملي وتخرج في الخطابة بعنايةالشيخ محمد حسين الفخراني أشهر خطباء عصره، وأفاد من صلته بآية الله العظمى السيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي قدس سره الشريف، فهو صهره على إبنته العلوية الصابرة المحتسبة.
درس على يديه الفسلفة والحكمة وحضر بحثه الخارج فقهاً وأصولاً، واقتبس من صفاته الكريمة العليا الشيء الكثير، فهو بحق خريج مدرسته، وساعده الأيمن في إدارة شؤونه الحوزوية.
إمتدت صلتي بالسيد القبانچي رَحمه الله طيلة أربعين عاماً، فما رأيته إلا باسماً متفائلاً،
وعاملاً صامتاً، ورائداً متحفزاً. امتهن الخطابة فأبدع فيها بعرض جديد، وأسلوب جديد، وبصيرة نافذة، فأطلّ بها على المستمعين في العالم الإسلامي _ العراق _ إيران _ الخليج، بمعلومات قيمة، وبيان رصين، ومنهج هادف.
وكان لمسيرته العلمية الهادئة أثرها الكبير في معارفه المتحضرة، و كان الانفتاحه الذهني دوره في آرائه الأنسانية، وذلك بتأثير بيئة النجف الأشرف المتنورة التي خلقت منه داعية إصلاحياً، وخطيباً مجدداً في ميدان المنبر الحسيني الشريف.
كان السيد القبانچي نور الله مرقده، يجمع بين نشاط الشباب الثائر، ووقار الشيوخ المهيب، يجتمع بعلية القوم فيأخذ عنهم تجاربه في الحياة والعلم والإجتماع والسلوك، ويعنى بالشبيبة الصاعدة فيمنحهم الحبّ والودّ الخالص في قابلية تجذب إليه القلوب وتستهوي الأفئدة، فيقبلون عليه إفادة وإستزادة وتوجيهاً نادراً، وكان هدفه من هذا وذاك إعداد كلمة الله في الأرض، والأنخراط في تأييد الخط المرجعي المستقيم، لأنه يمثل أطروحة أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وهكذا نجد السيد القبانچي مناضلاً في ميادين الجهاد، ومحاضراً على أعواد المنبر، ومتفتحاً يحتضن الجيل الجديد، وإنسانياً يلقاك بالأبسامة الصادقة، ويحدثك بسكينة ووقار، وأنت تجد في ذلك متاعاً أيّ متاع، وتنعم بلذة ماوراءها لذة.
يسعى إلى الخير بأمكاناته المتيسرة، ويعمل جاهداً للحق بطاقاته كلها، وهو بطبيعته قوي العزيمة، طيب الضمير، صادق اللهجة، يفيض لطفاً وحناناً، ويصدر عنك وفي نفسك شوق لحديثه، وتعلقٌ بشخصيته، يعظم إخوانه في الدين، دون تكلف في السيرة، أو أنانية في المسيرة.
كان كما وصفه الحكيم المتأله آية الله السيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي (عالم الخطباء وخطيب العلماء) وهو تقییم موضوعي، فالعلم سبيل المتألهين، والخطاب طريق العاملين.
كافح ظلم الطغاة وعسف السلطان، فبعّد وشرّد، وسجن وأعتقل، وحوصر وروقب، وهو ثابت الجنان، قوي الأعصاب، إعتبرته في مبحث سابق أحد سبعة من النجف الأشرف ممن جاهدوا جور الحاکمین، ورؤوس الطائفية، وإرادة الشر لم يرد في ذلك إلاّ خير البلاد ووحدة المسلمين، وتلاحم الصف العراقي.
وكان رائده أن ينعم المجتمع بثقافة الإسلام وتعاليمه بما فجّره القرآن العظيم من ثروة فكرية تمثل تعاليم السماء وتنشر رسالة الإسلام الخالدة في ظل ذلك البحر المتلاطم من معارف الأئمة المعصومين عليهم السلام.
وقد ظفر في هذا التوجه الفريد بأستقطاب عنصر الشباب والطبقة الواعية المثقفة، فلهم عليه إقبال شديد، وله معهم مطارحات رائعة، أكسبته ذلك الشيء الثمين الذي يحدب عليه الأخلاقيون، وهو الحب الخالص في ذات الله تعالی.
وليس حديثي عن السيد القبانچي بدافع من الصداقة العريقة، فالصداقة شيء والبحث الموضوعي شيء آخر، وإنما ينطلق الحديث عنه للتعبير عن حقائق الأشياء الكامنة في تلك الضمائر العامرة بالإيمان والمثل العليا، وهي تسعى بأزاء ذيوعها بين الناس.
لقد أدرك السيد القبانچي أن الزمن يسرع بالتطور والتجديد، ويحث الخطي إلى التكامل المعرفي بما أتاحت له التقنيات الصناعية من وسائل النقل الثقافي المرئي والمسموع والمستخرج، فبادر إلى إستثمار ذلك عملياً، فأكب
على البحث العلمي والتأليف، فحقق بذلك هدفاً مزدوجاً في توعية الجيل المعاصر من جهة، وأداء الرسالة من جهة أخرى.
ولقد إستعان في مخزونه الثقافي من خلال مكتبته الحافلة بأمهات المصادر والمراجع ونفائس الآثار، وأنا سعيد جداً لإحتفاظ هذه المكتبة وحتى اليوم بكيانها رغم الظروف المأساوية التي عانى منها السيد القبانچي في أيامه الأخيرة.
لقد عكف هذا العلم الشامخ على البحث الجدي المثمر، فأتحف المكتبة العربية بمؤلفات تعتبر في الطليعة من تراث النجف الأشرف.
وكان أبرز هذا المؤلفات:
1 _ الجواهر الروحية في ثلاثة مجلدات.
2 _ شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدین عليه السلام في مجلدين.
3 _ علي والأسس التربوية.
4 _ مسند الإمام علي عليه السلام في عشرة مجلدات.
عدا مؤلفاته الخطية التي أرجو أن تأخذ طريقها للنشر.
وبين يديك اليوم هذا الكتاب القيم:
(صوت الإمام علي في نهج البلاغة).
وهو عبارة عن إختيار دقيق لخطب الإمام أمير المؤمنين من نهج البلاغة، ألقاها محاضراً في المحافل العامة والمآتم الحسينية، شرحها ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً، وفصل القول فيها بالأدب والسياسة والتأريخ والدين والإجتماع.
وقد اشتمل هذا السفر على عدة أراء قيّمة لأساطين العالم في نهج البلاغة وصاحب نهج البلاغة، والكتاب لا يحتاج إلى إطراء:
(سبوح لها منها عليها شواهد)
وأناخ الدهر بكلكله أوائل السبعينات، فأعدم أعز أبنائه، وتبعه بعد ذلك ثلاثة آخرون من ولده، وعدد من أرحامه فكانت المأساة في ذروتها، وقد جاوز آنذاك السبعين عاماً، فهدت هذه المصائب کاهله، وأودت بصحته، فبدأ عليه الانهيار والانكماش، لا يشكو إلا إلى الله مانزل به، ولا يستعين بسواه، فكان بذلك رمز الصابر الصامت.
وللتأريخ، فأن الغريب في الأمر أن الناس تحاشت لقاءه والسلام عليه، لأنه في رصد ورقابة من أجهزة الأمن، وكنت لا أعبأ بذلك، وأستقبله استقبال الأحباء، وأجلس إليه فيبث إليّ لواعجه وأشجانه، ويدعو لي بالحفظ والسلامة، ويشكرني على ما يجد عندي من مواساة ومشاطرة الأسي.
وبعد حرب الكويت بقليل هجمت جلاوزة الطاغية عليه داره، وإستلته من سرير المرض، وهو طريح الفراش من عملية جراحية كبرى، وأخذ مخفوراً لا يدري إلى أين، والى يومك هذا.
والذي أعتقده جازماً أنه دفن حياً، شأنه بذلك شأن مائة وثمانين مظلوماً من أساتذة الحوزة العلمية في النجف الاشرف.
فوا أسفاه على ذلك المحيا الطلق، ووالهفاه على تلك النفس الزكية.
محمد حسين علي الصغير
النجف الأشرف
جاء في كتاب شرح نهج البلاغة للسيّد كاظم القزويني: «قرأت في بعض الكتب الحديثة أنّه قد كُتب حتى اليوم مائة ألف كتاب في ترجمة حياة نابليون الفرنسي بشتّى اللغات الدارجة، فإن صحّ هذا القول فقد ظلم المسلمون علي صلوات الله عليه بتقاعدهم وتكاسلهم وعدم القيام بما يلزم تجاه هذا الإمام صلوات الله عليه، فإنّ ما كتب عن نابليون أكثر عدداً ممّا كُتب عن الإمام علي بن أبي طالب، مع العلم أنّ نابليون لم تكن فيه فضيلة إلاّ الثورة ضدّ حكومة الوقت، ولم ينقل إلينا عن نابليون شيء من العلوم والاكتشافات والروحانيّات والزهد والعدالة والمساواة والتواضع وغير ذلك من مكارم الأخلاق.
أفلا تستحقّ عظمة الإمام علي صلوات الله عليه أن يُكتب عنه مقدار ما کُتب عمّن هو دونه في الفضل والدرجة، مع الالتفات أنّ الفضيلة التي اشتهر بها نابليون وطار صيته بها إنما هي فضيلة واحدة من آلاف الفضائل التي اجتمعت في الإمام علي.
أو ما كان علي جندياً ثائراً على الكفر والشرك من عنفوان شبابه بین يدي رسول الله صلي الله عليه وآله ؟
أوَ ما كان علي قائداً مجاهداً طيلة أيام حياته وخاصّة في عهد النبي؟
وعلى الأخصّ بعد مقتل عثمان حينما أفضت الخلافة إليه، فيوماً قاتل المتمرّدين _ أصحاب الجمل _ ويوماً جاهد الدكتاتوريّين _ أهل صفّين _ ويوماً كافح الفوضويّين _ الخوارج _ وهل حياة الإمام إلاّ ثورة و جهاد وانقلاب و كفاح؟
أضف إلى ذلك بقيّة مناقبه و مواهبه التي ،كلّ واحدة منها فضيلة تُذكر و تشكر وتليق بكلّ مدح وإطراء وإعجاب وثناء.
ولا أريد أن أقيس نابليون بالإمام علي صلوات الله عليه، فإنّ علياً لا يُقاس به أحد، بل المقصود أنّ هواة نابليون وأتباعه كتبوا عنه هذا العدد الهائل من المؤلّفات، والمسلمون لم يراعوا حقّ علي، بل قصّروا بما يجب عليهم حول علي، إلاّ القليل ممّن وفي لرعاية الحق، ولعلّ الله تعالى يبعث في علماء المسلمين وكتّابهم وحملة الأقلام ومفكّريهم روح النشاط في العمل وإدامة الجهاد المتواصل في سبيل الله وسبيل المبدأ والعقيدة والحق، إنّ الله على كلّ شيء قدير».
قال الشيخ الحجّة آغا بزرك قدّس الله روحه في المجلّد الرابع من «الذريعة» تحت عنوان (ترجمة نهج البلاغة): لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإلهيّ كتاب أمسّ به ممّا دُوّن في نهج البلاغة، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإلهيّ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ، وهو صدف الئالي الحكم وسفط يواقيت الكلم!
المواعظ البالغة في طيّ خطبه و کتبه تأخذ بمجامع القلوب، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة، ترشد طلاّب الحقائق بمشاهدة ضالّتهم، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم، وما هذا شأنه حقيق أن
يعتكف بفنائه العارفون، وينقّبه الباحثون، وحريّ أن تُكتب حوله کتب ورسائل كثيرة حتّى يُشرح فيها مطالبه کلاً أو بعضاً، ويترجم إلى لغات أخر ليغترف أهل كلّ لسان من بحاره غرفة.
وقال في المجلد الرابع عشر منه أيضاً تحت عنوان «نهج البلاغة»: هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار، في الظهور وعلوّ الشأن والقدر وارتفاع المحلّ، قد جُعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحداً لا تخفى على أحد، فيقبح من العاقل البصیر سؤال ما هي الشمس الطالعة؟ وهي ممّا يقتبس من إشراق نورها كافّة الكائنات في البرّ والبحر، كذلك النهج قد طبّقت معروفيّته الشرق والغرب، ونشر خبره في أسماع الخافقين، ويتنوّر من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر لصدوره عن معدن الوحي الإلهيّ، فهو أخ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم، وفيه دواء كلّ عليل وسقيم، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم، غير أنّ القرآن أنزله حامل الوحي الإلهيّ على قلب النبي الأمين صلي الله عليه وآله، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبي وحامل وحيه، سيّد الموحّدين وإمام المتّقين علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه من رب العالمين، وقد قيل فيه:
نهج البلاغة نهج العلم والعملِ *** فاسلُکه یا صاح تبلغ غاية الأملِ
وقد لمحّنا في ج 4، ص 144 إلى سيادته على سائر الكتب و كونه دون کلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ونعم ما قيل فيه:
کلامُ علىٍّ كلامٌ عليٌّ *** وما قاله المرتضی مرتضی
لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبه، أو يُمليها إلى كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه، علی موجب السيرة العربيّة، ثم قيّد ما في تلك الصدور إلى الكتابة في الأصول الأوّليّة، ومنها ما ألفّ في عصر الأمير عليه السلام، مثل (کتاب الخطب) تأليف أبي سليمان
زید الجهني الذي شهد حروب الأمير عليه السلام، ثمّ نقل منها إلى سائر الكتب التي ألّفت في جمع خطبه عليه السلام إلى عصر الشريف الرضي رَحمه الله ممّا لا يُستهان به، وكانت تلك الأصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظرالشريف الرضي رَحمه الله يستفيد منها في كلّ حين، حتّى أخرج منها ما اختاره من منشئآت أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها بين الدفّتین مرتباً على ثلاثة أقطاب (1) الخطب (2) الكتب (3) الحكم، وبعد ذلك سمّى ما دوّنه من المنشئات ب (نهج البلاغة)، وبيّن وجه التسمية في مقدّمة الكتاب بقوله: لأنه يفتح للناظر في تلك المنشآت أبواب من البلاغة، فكلّ واحد من الخطب والكتب والحكم مصداق نهج البلاغة، أي طريقها الواضح، يفتح للناظر فيه أبواب من البلاغة، وبما أنّ ما اختاره و دوّنه في الأقطاب قد رقى في الجزالة والبلاغة أعلى الدرجات، وعجزت عن إدراك مزاياه أفهام كثير من الطبقات، كان محتاجاً إلى التعليق والتحشية والشرح والبيان والترجمة إلى سائر اللغات نظماً ونثراً، لتعميم نفعه لجميع أفراد نوع الإنسان، فقيّض الله جل جلاله جمعاً من أعلام المسلمين من العرب والعجم والسّنة والشيعة وغيرهم، فقاموا بتلك الوظائف کلّ على مبلغ وُسعه وجدّه ومقدرته، وتوفيقه وسعادته، وهم بین مَن شرح جميعه، أو علّق عليه كذلك، أو شرح مشکلاته فقط، أو شرح خطبه، أو شرح كتبه أوجمعها، أو شرح كلماته القصار أو بعض أجزائه، أو ترجمه کلاً أو بعضاً إلى لغة أخرى، أو نظمه كلاً أو بعضاً بالفارسية أو غيرها، أو ألّف في بعض ما يتعلّق به من تعداد خطبه وكتبه أو فهرس ألفاظه، أو التعريف له أو غير ذلك ممّا ألّفوه من هذا القبيل حسب ما اطّلعت عليه طيلة السنين، نسأل الله لهم جزيل الأجر والثواب ونشكر جميل مساعيهم، انتهى.
وقال العلاّمة الحبر (رئيس محكمة التمييز الجعفريّة في العراق) السيّد هبة الدين الشهرستانيّ رَحمه الله في كتابه (ما هو نهج البلاغة): نهج البلاغة كتاب عربي اشتهر في مملكة الأدب الأمميّ اشتهار الشمس في الظهيرة، وهو صدف لئالٍ من الحِكَم النفيسة، ضمَّ بين دفّتيه 242خطبة و كلاماً، و 78 کتاباً ورسالة، و 498 كلمة من يواقيت الحكمة وجوامع الكلم لإمام الكلّ في الكلّ أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وذلك المختار من لفظه الحرّ و كلماته الغرّ وما جادت به يراعته الدفّاقة من لؤلؤٍ رطب ودرٍّ نضيد، وإنّ لسامعي هذه الخطب والكلم اهتزاز وَجدٍ و تمایل طربٍ محسوسین، وذانك برهانان لتفوّق الغناء الروحي على نغمات قيثارة ماديّة، بل إنّ النغمات الموسيقيّة وأغانيها تتلاشی وتبيد بمرور الزمن، ورنّة النغم من كلم الإمام خالدة الأثر عميقة التأثير، ومن شاء أن يعرف أنّ الحروف كيف تُطرب، وأنّ الكلمة كيف تجذب، وأنّ الكلام كيف يُكهرب، فليقرأ نهج البلاغة، وهذه الجمل أمثولة منه، إذ يقول في وصف الجنّة بعد وصف الطاووس و عجیب خلقته:
«فَلَوْ رَمَیْتَ بِبَصَرِ قَلْبِکَ نَحْوَ مَا یُوصَفُ لَکَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُکَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْیَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِکْرِ فِی اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُیِّبَتْ عُرُوقُهَا فِی کُثْبَانِ الْمِسْکِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَ فِی تَعْلِیقِ کَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِی عَسَالِیجِهَا وَ أَفْنَانِهَا وَ طُلُوعِ تِلْکَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِی غُلُفِ أَکْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَیْرِ تَکَلُّفٍ فَتَأْتِی عَلَى مُنْیَةِ مُجْتَنِیهَا وَ یُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِی أَفْنِیَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ» الخ.
ولحجّة الاسلام الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء رضوان الله عليه
كلمة حول نهج البلاغة في كتابه ( جنّة المأوى)
ص: 136 جاء فيها:
«ما جادت العصور، ولا انجلت الدهور عن كتاب _ بعد كتاب الله العظيم _ أنفع ولا أجمع ولا ألمع وأنصع من نهج البلاغة في إقامة براهین التوحيد ودلائل الصنعة وأسرار الخليقة وأنوار الحقيقة وتذهيب النفس، وسياسة المدن، وحكمة التشريع والعظات البليغة، والحجج الدامغة، وإنارة العقول، وطهارة النفوس، بینا تراه يفيض بينابيع الحكمة النظريّة والعمليّة ويرهق على توحيد الصانع، ويغرق في وصف الملائكة والمجرّدات بیاناً، ويمثّل لك الجنة والنار عياناً كفيلسوف إلهي، وملاك روحيّ، وإذا به يعطيك قوانين الحرب وسوق الجيوش و تعبئة العساکر، كقائد حربي ومغامر عسكريّ، لا تلبث أن تجد فيه ما يبهرك من عجيب وصف الطاووس والخفّاش والذرة والنملة، فيصفها دقيقاً، ويستوعب فيها من عجائب التكوين و بدائع القدرة، حتى يُخيّل لك من دقّة الوصف أنّه هو الذي أبدع تصویرها، وقدّر مقاديرها، وركّب أعضاءها، وربط مفاصلها، هو صانعها ومبدعها، وصوّرها وقدّرها وشقّ سمعها وبصرها».
قال في المجلد الثاني من شرحه ص 167: «لو سمع هذا الكلام _ يعني كلام علي عليه السلام _ النظر بن کنانة لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جریح الإسماعيل بن بلبل:
قالوا أبو الصقر من شیبان قلت لهم *** كلاّ ولكن لعمري منه شيبانُ
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرا شرفٍ *** كما علا برسول الله عدنان
إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان، بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خلیل الرحمن، ويقول له: إنه لم يُعفَ ما شيّدتُ من معالم التوحيد، بل أخرج الله تعالى من ظهري ولداً ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم
تبتدعه أنت في جاهليّة النبط، بل لو سمع هذا الكلام أرسطوطاليس القائل بأنّ الله تعالى لا يعلم الجزئيّات لخشع قلبه ووقف شعره واضطرب فكره، ألا ترى ما عليه من الرواء والمهابة والعظمة والفخامة والمتانة والجزالة، مع ماقد أشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة، لا أری کلاماً يشبه هذا إلاّ أن يكون كلام الخالق سبحانه، فإنّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة، وجدول من ذلك البحر، وجذوة من تلك النار، و كأنّه شرح قوله تعالى: « وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ »(1)
ويعود ثانياً فيقول ص 150 منه:
هذا موضع المثل «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل»(2)يعني إذا جاء هذا الكلام الربّاني واللفظ القدسي بطلت فصاحة العرب، وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص، ولو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة والمقاربة لهذه الألفاظ، من أين لهم المادة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها، ومن أين تعرف الجاهليّة _ بل الصحابة المعاصرون لرسول الله صلي الله عليه وآله _ هذه المعاني الغامضة السمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها.
أمّا الجاهلية فإنّهم إنّما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أوفرس أوحمار وحشي أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك.
وأمّا الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنّما كان منتهی فصاحة أحدهم كلمات لاتتجاوز السطرين أو الثلاثة، إمّا في موعظة تتضمّن ذکر الموت أو ذمّ الدنيا، أو ما يتعلّق بحرب وقتال من ترغيب وترهيب أو نسب.
فأمّا الكلام في الملائكة وصفاتها وصورها وعباداتها وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وجماله وولهها إليه وما جرى مجرى ذلك، فإنّه لم يكن معروفاً عندهم على هذا التفصيل، نعم ربّما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم ولا مرتّبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، وأمّا من عنده علم من هذه المادة كعبد الله بن سلام، وأمية بن أبي الصلت، وغيرهم، فلم تكن لهم هذه العبارة، ولا قدروا على هذه الفصاحة ، فثبت أنّ هذه الأمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلاّ لعلي وحده، وأقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللبيب اقشعرّ جلده ورجف قلبه واستشعر عظمة الله العظيم في روعه وجلده، وهام نحوه، وغلب الوجد عليه، وكاد أن يخرج من مسكه شوقاً، وأن يفارق هيكله صبابة ووجداً.
ولاستجلاء هذه الحقائق بأرقامها لا بدّ من ذكر نكتة تؤيّدها وتضمن وجودها: من العلم بالنسب وأنّ معرفة الصحابة محدودة.
حدّث المعتزلي في المجلّد الأول من (شرح النهج) ص 378 ط الاولى، ونقل القصة أيضاً المحبّ الطبري في المجلد الأول من كتابه (الرياض النظرة) ص 102 في أحوال أبي بكر، ونحن ننقلها عن المعتزلي:
روى المعتزلي عن المدائني في كتاب الأمثال عن المفضّل الضبي: أن رسول الله صلي الله عليه وآله لمّا خرج عن مكّة يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى ربيعة ومعه علي عليه السلام وأبوبكر، فدُفعوا إلى مجلس ربيعة، فتقدّم أبوبكر _ وكان نسّابة _ فسلّم فردّوا عليه السلام فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أمن هامّتها أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، فقال: من أيّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يُقال له لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطام ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم جسّاس حامي الذمار و مانع الجار؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف
صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فلستم إذاً ذهلاً الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام قد بقل وجهه اسمه دغفل فقال:
إنّ على سائلنا أن نسألهْ *** والعِبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا إنّك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟
قال: من قريش. قال: بخٍ بخٍ أهل الشرف والرياسة، فمن أيّ قریش أنت؟ قال: من تیم بن مرة، قال: أمكنت _ والله _ الرامي من الثغرة، أمنكم قصيّ بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان مجمّعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم لقومه الثريد؟ قال:لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مُطعم طير السماء؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الوفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية؟ قال: لا. قال: فاجتذب أبوبكر زمام ناقته ورجع إلى رسول الله صلى الله علیه وآله هارباً من الغلام، فقال دغفل: صادف درء السيل دراً يصدعه،(1)أما والله لو ثبت لأخبرتُه أنّك من زمعات قريش _ أي من أرذالها _ فتبسّم رسول الله صلى الله علیه وآله، وقال علي عليه السلام لأبي بكر: لقد وقعت یا أبا بكر من الأعرابي على باقعة، أي داهية، قال: أجل «إنّ لكل طامة طامة، والبلاء موكل بالمنطق» فذهبت مثلاً.(2)
قال ابن أبي الحديد «فهذا الذي تعلمه الصحابة لايتجاوز السطرين أو الثلاثة، أما في موعظة أو نسب أو غير ذلك ممّا ذكرنا من صفات الإبل والخيل أو حمار وحشي».
ويعود ابن أبي الحديد ثالثة فيقول في المجلّد الثاني من شرحه ص 546، في دعم من زعم أنّ خطب نهج البلاغة للشريف الرضي رَحمه الله. تحدّث، بعد ذكر خطبة ابن أبي الشحماء العسقلاني الكاتب فقال:
هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب، وهي _ كما تراها_ ظاهرة التكلّف، بيّنة التوليد، تخطب على نفسها، وإنّما ذكرت هذا لأنّ كثيراً من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من نهج البلاغة كلام مُحَدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم فضلّوا عن النهج الواضح، وركبوا بنيات (1)الطريق ضلالاً وقلّة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط، فأقول: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً أو بعضه، والأوّل باطل بالضرورة، لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نقل المحدّثون _ كلّهم أو جلّهم _ والمؤرّخون كثيراً منه وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك، والثاني يدلّ على ما قلناه، لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لا بدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف علی کرّاس واحد يتضمّن کلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط فلا بدّ أن يفرّق بين الكلامین ویمیّز بين الطريقتين، ألا ترى أنّا _ مع معرفتنا بالشعر ونقده _ لو تصفّحنا ديوان أبي تمّام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباینتها لشعر أبي تمام ونَفَسِهِ وطريقته ومذهبه في القريض؟ ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئاً كثيراً لما ظهر لهم أنّه ليس
1) بنيات الطريق: الطرق الصغار تشغب من الجادّة.
من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلاّ على الذوق خاصّة، وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماءاً واحداً أو أسلوباً واحداً كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة، و كالقرآن العزيز أوّله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً وبعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام. واعلم أنّ قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به، لأنّا متی فتحنا هذا الباب وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو لم نثق بصحّة كلام منقول عن رسول الله صلي الله عليه وآله أبداً، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول «هذا الخبر منحول وهذا الكلام مصنوع» وكذلك ما نُقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والأدب وغير ذلك، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له فيما يرويه عن النبي عليه السلام والأئمّة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء المترسّلين والخطباء، فلناصر أمير المؤمنين عليه السلام أن يستعدّ إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره، وهذا واضح.
«مفتي الديار المصرية في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة»:
«فقد أوفي لي حكم القدر بالاطّلاع على كتاب نهج البلاغة مصادفة بلا تعمّل، أصبته على تغيّر حال و تبلبل بال و تزاحم أشغال و عطلة من أعمال، فحسبته تسلية وحيلة للتخلية، فتصفّحتُ بعض صفحاته و تأمّلت جُملاً من عباراته من مواضع مختلفات ومواضيع متفرّقات، فكان يخيّل لي في كلّ مقام أنّ حروباً شبّت وغارات شُنّت، وأنّ للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وأنّ
للأوهام عرامة وللريب دعارة، وأنّ محافل الخطابة و كتائب الذرابة (أي الفصاحة)(1)في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج (أي السيف)(2)والقويم الأملج (الرمح الاسمر)(3)وتمتلج المهج (أي تمض)(4)برواضع الحجج، فتفلّ من دعارة الوساوس، وتصيب مقاتل الخوانس، فما أنا إلاّ والحقّ منتصر والباطل منكسر، ومرج الشكّ في خمود، وهرج الريب في رکود، وإنّ مدبّر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد وتحوّل المعاهد، فتارة كنتُ أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية، توحي إليها رشادها، وتقوّم منها مرادها، وتنفر بها عن مداحض المزال إلى جواد الفضل والكمال، وطوراً كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسرة وأنياب کاشرة وأرواح في أشباح النمور ومخالب النسور، قد تحفّزت للثواب ثمّ انقضّت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها، واغتالت فاسد الأهواء و باطل الآراء.
وأحياناً كنت أشهد أنّ عقلاً نورانيّاً لا يشبه خلقاً جسدانياً فصل عن
1) ذرب الرجل إذا فصح لسانه بعد حصره. لسان العرب / ابن منظور: 1/ 385. وله معاني كثيرة منها ما ذُكر.
2) الصفيحة: السيف العريض... قال ابن الأعرابي: المصفحات: السيوف، لانهاصفحت حين طبعت.. القاموس المحيط/ الفيروز آبادي: 3 /393.
3) الملج: السمر من الناس، وفي نوادر الأعراب: أسود أملج.. والأملج الأصفر ليس بأسود ولا أبيض وهو بينهما. لسان العرب: 2/ 369.
4) ملج: ملج الصبي أمه.. وملجها إذا رضعها.. وفي الصحاح: تناول الثدي بأدنى الفم... والإملاج: الإرضاع. لسان العرب: 2/ 369.
الموكب الإلهي واتّصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلي، وسكن به إلى عمّار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس.
وآنات كأنّي أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمّة، يعرّفهم مواقع الصواب، ويبصّرهم مواضع الارتياب، ويحذّرهم مزالق الاضطراب، ويُرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة، ويصعدهم شُرَفَ التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير...» إلى آخر كلماته الظاهرة عليها إمارات الدهشة والحيرة.
أجل ولئن اندهش هذا الفيلسوف من كلام أمير المؤمنين عليه السلام واضطرب فكره، فقد اضطربت قبله آراء فلاسفة وحكماء، ووقفت أفكارهم عند حدّه.
«وبعد فهذا الكتاب (نهج البلاغة)، وهو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسن الموسويّ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رَضی الله عنهُ، وهو الكتاب الذي جمع بين دفّتيه عيون البلاغة وفنونها، وتهيّأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة، ودنا منه قطافها، إذ كان من كلام أفصح الخلق _ بعد الرسول صلی الله علیه وآله _ منطقاً وأشدّهم اقتداراً وأبرعهم حجّة، وأملكهم للّغة، يُديرها كيف شاء، الحكيم الذي تصدر الحكمة عن بيانه، والخطيب الذي يملأ القلب سحر لسانه، العالم الذي تهيّأ له من خلاط الرسول وكتابة الوحي، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ما لم يتهيّأ لأحد سواه...»
قال الرضي رَحمه اللهُ: فإنّي كنت في عنفوان السنّ وغضاضة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة علیه السلام يشتمل على محاسن أخبارهم
و جواهر كلامهم، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام، وفرغت من الخصائص التي تخصّ أمير المؤمنين علياً علیه السلام، وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الأيام ومماطلات الزمان، وكنت قد بوّبت ما خرج من ذلك أبواباً، وفصّلته فصولاً، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نُقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذِكره، معجبين ببدائعه ومتعجّبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على المختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب، علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربيّة و ثواقب الكلم الدينيّة والدنياويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب، إذ كان أمير المؤمنين علیه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه علیه السلام ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا، وقد تقدّم و تأخّروا،لأنّ كلامه علیه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهيّ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ.
«مؤلّف منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة»:
«... ثم إنّ أحسن الروايات المنشورة، وأبهى الكلمات المنثورة، هو ما دوّنه السيد السند والركن المعتمد الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين الموسوي قدّس الله سره ونوّر ضريحه في نهج البلاغة من شرائف الكلام والخطب، ولطائف الوصايا والكتب والأدب، المأثورة من
باب مدينة العلم والحكمة، والمتلقّاة من قطب دائرة الطهارة والعصمة، حجّة لله في عباده، و خليفة لله في بلاده.
ولعمري إنّه کتاب شرع المناسك للناسك، وشرح المسالك للسالك، وهو خلاص المتورّطين في الهلكات، ومناص المتحيّرين في الفلوات، ملاذ کلّ بائس فقير، ومعاذ كلّ خائف مستجير، مدينة المآرب وغنية للطالب، لأنّ ما أودع فيه كلام عليه مسحة من الكلام الإلهيّ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ، ظاهره أنيق وباطنه عمیق، مشتمل على أمر ونهي ووعد ووعيد، و ترغیب وترهيب وجدل ومثل وقصص، لا تفنی عجائبه ولاتنقضي غرائبه، يدلّ على الجنة طالبها، وينجي من النار هاربها، شفاء من الداء العُضال، ونجاة من ظلمة الضلال، دواء لكلّ عليل ورواء لكلّ غليل، وأمل لكلّ آمل، وبحر ليس له ساحل، وكنز مشحون بأنواع الجواهر والدرر، يفوح من نفحاته المسك الأذفر والعنبر.
ومع ذلك قد احتوى من حقائق البلاغة، ودقائق الفصاحة ما لا يبلغ قعره الفكر، وجمع من فنون المعان وشؤون البيان ما لا ينال غوره النظر، وتضمّن من أسرار العربية والنكات الأدبية والمحاسن البديعية ما يعجز عن تقديره لسان البشر...».
تحدّث أستاذ الفن (حسن نائل المرصفي) مدرس البيان بكليّة العزيز الكبرى بمصر في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة، فجمع بايجاز أطراف البيان حول عبقريّة الإمام وذكر مزاياه العالية وشرح ماهيّة كلامه في نهج البلاغة ملخّصاً فيما يأتي، قال:
«بهذه الخصال الثلاث _ يعني جمال الحضارة الجديدة، وجلال
البداوة القديمة، وبشاشة القرآن الحکیم _ امتاز الخلفاء الراشدون، ولقد كان المجلي في هذه الحلبة علي صلوات الله عليه، وما أحسبني أحتاج في إثبات هذا إلى دليل أكثر من نهج البلاغة، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجّة واضحة على أنّ عليّاً رَضی الله عنهُ قد كانأحسن مثال حيّ لنور القرآن و حکمته، وعلمه وهدايته، وإعجازه وفصاحته.
اجتمع لعليّ عليه السلام في هذا الكتاب مالم يجتمع لكبار الحكماء وأفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربّانيّين من آيات الحكمة السامية وقواعد السياسة المستقيمة، و من كلّ موعظة باهرة، وحجّة بالغة، تشهد له بالعقل وحسن الأثر.
خاض علي في هذا الكتاب لجّة العلم والسياسة والدين، فكان في كلّ هذه المسائل نابغة مبرّزاً، ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم، فليس في وسع الكاتب المسترسل، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق أن يبلغ الغاية في وصفه والنهاية من تقریظه، وحسبنا أن نقول: إنّه الملتقى الفذّ الذي التقى فيه جمال الحضارة وجزالة البداوة والمنزل الفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلاً تطمئنّ فيه وتأوي إليه بعد أن زلّت بها المنازل في كلّ لغة».
وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة من حكموا بتفوّقه علی کتب الإنشاء ومنشآت البلغاء، واعترفوا ببلوغه حدّ الاعجاز، وأنّه فوق کلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال، وأعجبوا به أقصى الإعجاب، وشهدت ألسنتهم بدهشة عقولهم من عظمةٍ أضاء سنا برقها من ثنايا الخطب و مزایا الجمل، وليس إعجاب الأدباء بانسجام لفظه وحده، ولا دهشة العلماء من تفوّق معانيه البليغة حدّ الاعجاز فقط، وإنّما الإعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخطب والكلم، واختلاف المرامي والأغراض فيها،
فمن وعظ ونصح وزهد وزجر، إلى تنبيه حربيّ واستنهاض للجهاد، إلى تعليم فنّي ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم، وأسرار من طبائع كائنات الأرض و کامنات السماء، إلى فلسفة الكون وخالقه، وتفنّن في المعارف الإلهيّة وترسّل في التوحيد، وصفة المبدء والمعاد، إلى توسّع في أصول الإدارة وسياسة المدن والأمم، إلى تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع و آداب المعاشرة ومكارم الأخلاق، إلى وصف شعري لظواهر الحياة، وغير ذلك من شتّى المناحي المتجلّية في نهج البلاغة بأرقي المظاهر.
ولا تغيب عنك كلمة الصحافي الشهير (أمين نخلة) من أفاضل المسيحيين مخاطباً من رجاه انتخاب (المئة) من كلمات الإمام عليه السلام، إذ قال:
«سألتني أن أنتقي مئة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن تُخرجها في كتاب، وليس بين يديّ الآن من كتب الأدب التي يُرجع إليها في مثل هذا الغرض إلاّ طائفة قليلة منها إنجيل البلاغة (النهج)، فرحت أسرّح اصبعي فيه، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المئة من مئات، بل الكلمة من الكلمات، إلاّ إذا سلخت الياقوتة عن أختها الياقوتة، ولقد فعلت ويدي تتقلّب على اليواقيت، وعيني تغوص في اللمعان، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة لفرط ما تحيّرت في التخيير، فخذ هذه (المئة) وتذكّر أنّها لمحات من نور وزهرات من نَور، ففي نهج البلاغة من نِعم الله على العربية وأهلها أكثر بكثير من مئة كلمة».
يصف هذا الكاتب وغيره كلم الإمام عليه السلام بالدرّ والياقوت والجوهر، وأنّي لهذه الأحجار الغالية مزايا الحكمة العالية، ومن أين لها أن تهدي الحيارى في سُبل الحياة ومسالكها الشائكة، ومن أين لها الوساطة بين الجهل والعلم، وربط الانسان بعالم اللاهوت، أو أن تكشف للبصائر أسرار الملكوت.
«رئيس كتّاب القنصلية البريطانية ببغداد سنة 1328ه»
وكان من فضلاء الأرمن زاعماً تفوّق نهج البلاغة على كلّ كلام عربي لكثرة ما فيه من السهل الممتنع الذي لا يوجد في سواه، وانقياد الأسجاع الصعاب فيه بلا تكلّف، واستشهد بقوله علیه السلام:
«أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَشُغُفِ الْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَعَلَقَةً مِحَاقاً وَجَنِيناً وَرَاضِعاً وَوَلِيداً وَيَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَلِسَاناً لَافِظاً وَبَصَراً لَاحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَاسْتَوَى»
معجباً بحسن التسجيع و كيف يجري الروي كالماء السلسال على لسان الإمام علیه السلام .
ثم قال: ولو كان يرقي هذا الخطيب العظيم منبر الكوفة في عصرنا هذا، لرأيتم مسجدها على سعته يتموّج بقبّعات الافرنج للاستقاء من بحر علمه الزاخر.
في كلية (عليكده) الهندية عندما اجتمع الأساتذة والأدباء حوله في حفلة وسألوه عن إعجاز القرآن أجابهم:
«إنّ للقرآن أخاً صغيراً يُسمّى (نهج البلاغة)، فهل في إمكان أحد أن يأتي بمثل هذا الصغير حتّى يسوغ لنا البحث عن الأخ الكبير».
تحدث الأستاذ (جورج جرداق) _وهو من أفاضل الكتّاب والمؤلّفين المسيحيين _ في مؤلّفه «الإمام علي صوت العدالة الانسانية»، و تحت عنوان «الأسلوب والعبقريّة الخطابيّة» عندما يتحدّث عن (نهج البلاغة) قائلاً:
«نهج البلاغة آخذ من الفكر والخيال والعاطفة آیات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان وما بقي له خيال وعاطفة وفکر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب والإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع وجمال الاخراج، حتّى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنی، اندماج الحرارة بالنار، والضوء بالشمس، والهواء بالهواء، فما أنت أزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر، والبحر إذ يتموّج، والريح إذ تطوف، أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة، لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها وتجعلها إلى غیر کون.
بيانٌ لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضاً، ولو هدّد الفساد والمفسدين لتفجّر براكين لها أضواء وأصوات، ولو انبسط في منطقٍ لخاطب العقول والمشاعر، فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه، ولو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحس وأصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقاً، ووصلك بالكون وصلاً، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً، وهو لو راعاك لأدركت حنان الأب ومنطق الأبوّة وصدق الوفاء الانساني وحرارة المحبة التي تبدأ ولا تنتهي، أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود و کمالات الخلق وجمالات الكون فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء.
بيانٌ هو بلاغة من البلاغة و تنزيل من التنزيل.
بیانٌ اتّصل بأسباب البيان العربي، ما كان منه وما یکون، حتّى قال أحدهم في صاحبه: إنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.
وخطب الإمام جميعاً تنضح بدلائل الشخصيّة، حتّى لكأنّ معانيها وتعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، وأحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما
تشتعل النار في موقدها تحت نفح الشمال، فإذا هو يرتجل الخطبة حسّاً دافقاً وشعوراً زاخراً وإخراجاً بالغاً غاية الجمال، وكذلك كانت كلمات علي بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق وعمق الفكرة وفنّية التعبير، حتّى أنّها ما نطقت بها شفتاه إلاّ ذهبت مثلاً سائراً.
والخلاصة أنّ علي بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة، وعلى المرانة بأساليب البلاغة، فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، ومن ثقافة تنمو بها الشخصيّة وتتركّز الأصالة.
أمّا اللغة لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها (مرشلوس) في المجلّد الأول من كتابه (رحلة إلى الشرق) هذا القول الذكي: «اللغة العربية هي الأغنى والأفصح والأكثر والألطف وقعاً بين سائر لغات الأرض بتراكيب أفعالها، تتبع طيران الفكر وتصوّره بدقّة، وبأنغام مقاطعها الصوتية تقلبد صراخ الحيوانات، ورقرقة المياه الهاربة، وعجيج الرياح وقصف الرعد». أمّا هذه اللغة بما ذكر (مرشلوس) من صفاتها وبما لم يذكر، فإنّك واجدٌ أصولها وفروعها وجمال ألوانها وسحر بیانها في أدب الإمام علي، وكان أدباً في خدمة الانسان والحضارة».
ولمّا كان في نفسه أن يُشبع الموضوع ويستعرضه عرضاً دقيقاً، استرسل في حديثه ثانية بقوله:
وإنّ قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفنّي، أوالذوق الجمالي لممّا يندر وجوده لدى الكثيرين، وذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده، أمّا طبعه في ذلك فهو طبع ذوي الأصالة والموهبة الذين يرون فيشعرون، ویدر کون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم وتنكشف عنه مداركهم انطلاقاً عفويّاً، لذلك تميّز عليٌّ بالصدق كما تميّزت به حياته، وما الصدق إلاّ ميزة الفنّ الأولى ومقياس الأسلوب الذي لا يُخادع.
وإنّ شروط البلاغة _ التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال _ لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعلي بن أبي طالب، فإنشاؤه أعلى مَثَل لهذه البلاغة بعد القرآن، فهو موجز على وضوح قويّ جيّاش تامّ الانسجام لما بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن، موسيقيّ الوقع، وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدّة، ويشتدّ ويعنف في غيرها من المواقف، لاسيّما ساعة يكون القول في المنافقين المراوغين وطلاّب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة، فأسلوب علي صریح كقلبه وذهنه، صادق كطويّته، فلا عجب أن يكون نهجاً للبلاغة، وقد بلغ أسلوب علي من الصدق حدّاً ترفّع به حتّی السجع عن الصنعة والتكلّف، فإذا هو _ على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجعة _ أبعد ما يكون عن الصنعة وروحها، وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر.
فانظر إلى هذا الكلام المسجّع وإلى مقدار ما فيه من سلامة الطبع «يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ» أو إلى هذا القول في إحدى خطبه: «وكَذَلِكَ السَّمَاءُ والْهَوَاءُ والرِّيَاحُ والْمَاءُ - فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ والْقَمَرِ والنَّبَاتِ والشَّجَرِ والْمَاءِ والْحَجَرِ واخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ والنَّهَارِ وتَفَجُّرِ هَذِه الْبِحَارِ وكَثْرَةِ هَذِه الْجِبَالِ وطُولِ هَذِه الْقِلَالِ وتَفَرُّقِ هَذِه اللُّغَاتِ والأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَا... الخ».
و أوصيك خيراً بهذا السجع الجاري من الطبع «ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَقَمَراً مُنِيراً فِي فَلَك دَائِر، وَسَقْفٍ سَائِرٍ... الخ».
فإنّك لو حاولتَ إبدال لفظٍ مسجوع في هذه البدائع جميعاً بآخر غير مسجوع لعرفت كيف يخبو إشراقها ويبهت جمالها، ويفقد الذوق فيها أصالته ودقّته، فالسجع في هذه الأقوال العلويّة ضرورة فنّية يقتضيها الطبع الذي
يمتزج بالصنعة امتزاجاً، حتّى لكأنّهما من معدن واحد، يبعث النثر شعراً له أوزان وأنغام ترفق المعني بصورٍ لفظيّة لا أبهى منها ولا أشهی.
وإذا قلنا إنّ أسلوب علي تتوفّر فيه صراحة المعنی وبلاغة الأداء وسلامة الذوق الفنّي، فإنّما نشير على القارئ بالرجوع إلى نهج البلاغة ليرى كيف تتفجّر كلمات عليٍ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، وبأي حُلّة فنية رائعة الجمال تمور وتجري.
وإليك هذه التعابير الحسان في قوله: «اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ» وفي قوله: «الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ» أو في قوله: «مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ» أو في قوله: «كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إلا وِعَاءَ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ» أو في قوله أيضاً: «لَو أحَبَّني جَبَلٌ لتهَافَتَ» أوفي هذه الأقوال الرائعة: «الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ» «رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ» «إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ» «لْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً» «افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ» «هَلَکَ خُزّانُ الاَمْوالِ وَهُمْ اَحْیاءٌ» «مَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ».
فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير والتعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة، إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.
ويبلغ أسلوب علي قمّة الجبال في المواقف الخطابية، هذه الأصالة التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، ويتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها، فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه، وتتدفّق على لسانه تدفّق البحار، ويتميّز أسلوبه في مثل هذه المواقف بالتكرار بغية التقرير والتأثير، وباستعمال المترادفات، وباختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين.
والخطباء في العرب كثيرون، والخطابة من فنونهم الأدبية التي عرفوها في الجاهلية والإسلام، ولاسيّما في عصر النبي والخلفاء والراشدين، لما كان
لهم بها من حاجة، أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبي لا خلاف في ذلك، أمّا في العهد الراشدي وفيما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحداً لم يبلغ ما بلغ إليه علي بن أبي طالب في هذا النحو، فإنّ الله يسّر له العدّة الكاملة بالفطرة السليمة والذوق الرفيع والبلاغة الآسرة، ثمّ بذخيرة من العلم انفرد بها عن أقرانه، وبحجّة قائمة وقوّة إقناع دامغة وعبقريّة في الإرتجال نادرة.
وابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه وبعدل القول، ثمّ إنّه قوي الفراسة، سريع الإدراك، يقف على دخائل الناس وأهواء النفوس وأعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة والانسانية والفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة والعواطف الخاصّة.
أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنّه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو هلال العسكري (في الصناعتين): «ليس الشأن في إيراد المعاني _ وحدها _ وإنّما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه، مع صحّة السبك والتركيب، والخلوّ من أود النظم والتأليف، من الألفاظ ماهو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفة وتيهاً، ومنها ماهو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح، ومنها ما هو كالسيف ذي الحدّين، ومنها ما هو كالنقاب الصفيق يلقي على بعض العواطف ليستر من حدّتها ويخفّف من شدّتها، ومنها ماله وميض البرق، ومنها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، من الكلام ما يفعل كالمقرعة وهو كلام الانتقاد والتنديد، ومنه ما يجري کالنبع الصافي وهو المعدّ للرضى والغفران، ومنه ما يضيء كالشهاب وهو كلام التعظيم، كذلك من الكلام ما ليس له طابع خاصّ فيؤتى به لتقوية الجملة ودعم المعنى، فهو يلائم كلّ حال».
كلّ ذلك ينطبق على خطب الإمام علي في مفرداتها وتعابيرها، هذا
بالاضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت كخطب ابن أبي طالب تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى وقوّته وجلاله، انتهی.
لم يسمع الناس بكلام قطّ بعد كلام الله تعالى ورسوله أعمّ نفعاً، وأصدق لفظاً، وأعدل وزناً، وأجمل مذهباً، وأكرم مطلباً، ولا أحسن موضعاً ولا أسهل مزجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه، من كلام علي أمير المؤمنين عليه السلام، فقد شاهدنا روّاد العبقريّة الانشائيّة مسترشدین بکلمه علیه السلام وخطبه و کتبه.
حكي عبد المسيح في شرح قصيدته أنّ شيخه ناصيف اليازجي قال له: «ما أتقنت الكتابة إلاّ بدرس القرآن العظيم ونهج البلاغة القويم، فهما کنز العربيّة الذي لا ينفد وذخيرتها للمتأدّب، وهيهات أن يظفر أديب بحاجته من هذه اللغة الشريفة إن لم یُحيي لياليه سهراً في مطالعتهما والتبحّر في عالي أساليبهما».
وقال عبد الحميد بن يحيى _ الذي يُضرب ببلاغته المثل _: «حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثمّ فاضت» _ يعني بالأصلع سیّدنا علیاً علیه السلام.
وقال ابن نباتة: «حفظت من الخطب كنزاً لا يزيده الانفاق إلاّ سعة،حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب».
وقد زيّن الجاحظ كتبه مثل «البيان والتبيين» بفصول من خطب أمير المؤمنين عليه السلام إعجاباً بها، وإعداداً للنفوس لبلوغ أقصى البلاغة، وشاهدنا جماهير العرب والعجم والشرقيّين والمستشرقين ممّن يتطلّبون بلاغة اللسان وبراعة القلم يستظهرون نهج البلاغة لما فيه من فصاحة بانسجام، وبلاغة خالية من كلّ تعقيد أو تكلّف، وعروبة صحيحة تعالی عهدها عن تصنّعات عهد المولدین، هذه غاية الأدباء في حفظ كلامه علیه السلام.
وكم يعود الأسف بليغاً إذا نبذنا مثل هذا الكتاب وراءنا ظِهريّاً، وحرمنا النشء من فنون بيانه، وتركناه صفر الكفّ من شذور عقيانه، عکس ما لو يثقّف بدراسته دراسة تفقّهٍ واستحضار وتدبير واستظهار، فندّخر بهذا ومثله لأفلاذ أكبادنا كنزاً من الحكمة أو جَنّة باقية وجُنّة واقية تقيهم في مزالق الانشاء، وتملّكهم مقاليد البلاغة في البيان، والبيان من أهم عوامل الرقيّ في الحياة. لم لا نُصغي لنداء مرشدنا الروحي الذي يخاطبنا من صميم ضميره الحرّ بداعية الهداية، وما هو _ لو أنصفناه _ إلاّ أستاذ الكلّ في الكلّ، يلقّن العالم نتائج المعارف العالية، ويلقي دروسه على صفوف من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بلهجة من لغة الضاد رقّت وراقت فلا يوجد أجمل منها حسناً وبهاءاً.
قال الشيخ محمد مهدي في كتابه (دراسات في نهج البلاغة): «سواء نظرت إليه من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون وجدته من الآثار التي تقلّ نظائرها في التراث الانساني على ضخامة هذا التراث، فقد قيل في بيان صاحبه إنّه دون الخالق وفوق كلام المخلوق، بیان معجز البلاغة، تتحوّل الأفكار فيه إلى أنغام، وتتحوّل الأنغام فيه إلى أفكار، ويلتقي عليه العقل والقلب، والعاطفة والفكرة، فإذا أنت من الفكرة أمام كائن حيّ متحرّك ينبض بالحياة ويمور بالحركة. وتلك هي آية الاعجاز في كلّ بيان. ولم يكرّس هذا البيان المعجز المديح سلطان، أو لاستجلاب نفع، أو للتعبير عن عاطفة تافهة ممّا اعتاده التافهون من الناس أن يكرّسوا له البيان.
فلم يمجّد الإمام الأعظم في نهج البلاغة قوّة الأقوياء وإنّما مجّد نضال الضعفاء، ولم يمجّد غني الأغنياء وإنّما أعلن حقوق الفقراء، ولم يمجّد الظالمين العتاة وإنّما مجّد الأنبياء والصُلحاء.
إنّ الحرية والعبودية، والغني والفقر، والعدل والظلم، والحرب والسلم، والنضال
الأزليّ في سبيل عالم أفضل الإنسان أفضل، هو مدار الحديث في نهج البلاغة.
فنهج البلاغة كتاب إنسانيّ بكلّ ما لهذه الكلمة من مدلول، إنسانيّ باحترامه للانسان وللحياة الإنسانية، وإنسانيّ بما فيه من الاعتراف للانسان بحقوقه في عصر كان الفرد الإنساني فيه عند الحاکمین هباءة حقيرة لا قيمة لها ولا قدر، إنسانيّ بما يثيره في الانسان من حبّ الحياة والعمل لها في حدود تضمن لها سموّها ونقاءها، لهذا ولغيره کان نهج البلاغة _ وسیبقی _ علی الدهر أثراً من جملة ما يحويه التراث الإنساني من الآثار القليلة التي تعشو إليها البصائر حين تكتنفها الظلمات.
وحقّ له أن يكون كذلك وهو عطاء إنسان كان كوناً من البطولات، ودنياً من الفضائل، ومثلاً أعلى في كل ما يشرف الانسان».
«أمّا بلاغة الإمام علي فإنّها النور ذو المناهج والطرق التي تاه عنها العرب فلم يفهموها، ومنهم من آثروا عليها ظلمات أيّامهم يتيهون في شعابها رجوعاً إلى الجاهليّة واتّصالاً بمن تتمثّل بهم الجاهلية من سماسرة المنافع و تجّار الأعناق، في عقيدتي أنّ ابن ابي طالب كان أوّل عربي لازم الروح الكلّيّة وجاورها وسامرها، وهو أوّل عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها على مسمع قوم لم يسمعوا بها من ذي قبل، فتاهوا بین مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم، فمن أعجب بها كان إعجابه موثوقاً بالفطرة، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية». نقلاً عن كتاب «الإمام علي صوت العدالة الانسانية» ص363.
في كتابه «نظرة في شرح نهج البلاغة»:
«لقد احتوى نهج البلاغة من حقائق البلاغة ودقائق الفصاحة ما لا يبلغ
قعره الفكر، وجمع من فنون المعاني وشؤون البيان ما لا ينال غوره النظر، وتضمّن من أسرار العربية والنكات الأدبية والمحاسن البديعيّة ما يعجز عن تقديره لسان البشر».
تحدث الأستاذ روکس عن نهج البلاغة في كتابه (الإمام علي أسد الاسلام وقدّيسه) ص 225 تحت عنوان (أثر الإمام في مثقّفي العرب) قائلاً:
«يقيناً أنّ كلّ مثقّف عربي، كلّ كاتب عربي، كلّ خطیب عربي مدين للإمام علي، فإذا كان كلّ مسلم في الدنيا مدين للقرآن الكريم في تكوّن عقليّته وتفكيره، فإنّ كلّ مثقّف عربي مدين لنهج البلاغة في تقويم قلمه، وما أعدت قول اليازجي العظيم إلاّ ازددت اقتناعاً بما أقول، قال إبراهيم اليازجي: «ما أتقنت الكتابة إلاّ بدرس القرآن ونهج البلاغة» وإبراهيم اليازجي إذا أردنا أن نحكم على رجل من رجال القلم بالنسبة إلى كلّ علوم اللغة العربية مجتمعة، لا نجد في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من يتفوّق عليه، وإن كان في كلّ علم من علومها على انفراد يوجد من ينافسه ويتفوّق عليه.
إذا كان اليازجي يقول هذا، فإنّ كلّ مثقّفٍ عربي مدين لنهج البلاغة وللإمام علي في استقامة نهجه الكتابي، وانطلاقاً من هذه النقطة فنحن لا نعدّ كاتباً أو أديباً عربياً مثقّاًة ثقافة عربية أصيلة إن لم يقرأ القرآن ونهج البلاغة قراءات عميقة متواصلة.
فالذي يريد أن يفهم المجتمع العربي والعقليّة العربية لا بدّ له من قراءة نهج البلاغة، والذي يريد أن يفهم أسلوب الحكم في البلاد العربية يحتاج إلى نهج البلاغة.
الفقيه الذي يرغب في أن يكون نافذ الفكر، مستنير البصيرة هوفي أقصى الحاجة إلى نهج البلاغة.
رجل الوعظ المسلم الذي يريد أن يكون واسع الآفاق محتاج إلى نهج البلاغة، وإن لم يفعل فإنّه ظلاّم لنفسه، قليل الاحترام لعقله. قرأت شيئاً اسمه (تشریح شرح نهج البلاغة)، فشعرت بإشفاق على عقلية الرجل، وذكرت حالاً قول ابن العميد على كتب الجاحظ: «كتب الجاحظ: تعلّم العقل أوّلاً والأدب ثانياً».
ونهج البلاغة في اعتقادي يعلّم العقل أوّلاً، والأدب ثانياً، وأساليب كلّ فنّ من الكتابة والخطابة ثالثاً، ويطّلع منه الانسان على أمور لا أعتقد أنّها توجد في كتاب واحد كلّها مجتمعة.
وبعد فأنا أنظر إلى الكتاب على اعتبار أنّه كنز ثمين لا غنى لمتأدّب عنه، وأنظر إلى صاحب هذا الكتاب فأرى أنّه طّوق جيد اللغة العربية بمنّةٍ لا تزول حتّى تزول الأرض ومن عليها.
وعندي أنّه إذا ثبت كلّ ما في نهج البلاغة للإمام علي، فهو معجزة أدبية، وإذا أراد النافون أن ينفوه عنه وينسبوه إلى جامع الكتاب، فتكون معجزة الإمام أعظم، إذ يستطيع حبّه أن يُملي على محبّيه أن يأتوا بمثل هذه الدرر الغوالي!
فإثبات نهج البلاغة للإمام ونفيه عنه يثبت عظمة الإمام الخالدة، ولا ينفي الدَين الذي للإمام على مثقّفي العرب كافّة».
جاء في كتابه (عبقريّة الإمام)، في فصل ثقافته علىه السلام ما نصّه:
«ففي كتاب نهج البلاغة فيض من آيات التوحيد والحكمة الإلهية، تتّسع به دراسة كلّ مشتغل لعقائد وأصول التأليه وحكمة التوحيده».
ويقول فيه: «فكلّ نمط من أنماط كلامه شاهد له بالملكة الموهوبة في قدرة الوعي وقدرة التعبير، فهو ولا شكّ من أبناء آدم الذين علموا الأسماء وأوتوا الحكمة وفصل الخطاب».
جاء في كتابه (تذکرة الخواص) ما نصّه: «كان علي ينطق بكلام قد حُفَّ بالعصمة، ويتكلّم بميزان الحكمة، كلام ألقى الله تعالى عليه المهابة، فكلّ من طرق سمعه راعه فهابه، وقد جمع الله له بين الحلاوة والملاحة، والطلاوة والفصاحة، لم يسقط منه كلمة، ولا بارت له حجّة، أعجز الناطقين، وحاز قصب السبق في السابقين، ألفاظ يشرق عليها نور النبوّة و تحيّر الأفهام والألباب».
جاء في كتابه (مستدرك نهج البلاغة) ما نصّه: «أمّا بعد فإنّ كتاب (نهج البلاغة) من أعظم الكتب الإسلاميّة شأناً، وأرفعها قدراً، وأجمعها محاسن، وأعلاها منازل، نور لمن استضاء به، ونجاة لمن تمسّك بعُراه، وبرهان لمن اعتمده، ولبّ لمن تدبّره، أقواله فصل، وأحكامه عدل، حاجة العالم والمتعلّم، وبُغية الراغب والزاهد، وبُلغة السائس والمسوس، ومُنية المحارب والمسالم، والجنديّ والقائد، وفيه من الكلام في التوحيد والعدل، ومكارم الشیم، ومحاسن الأخلاق، والترغيب والترهيب، والوعظ والتحذير، وحقوق الراعي والرعيّة، وأصول المدنيّة الحقّة، ما ينقع الغلّة ويزيل العلّة، لم تعرف المباحث الكلاميّة إلاّ منه، ولم تكن إلاّ عيالاً عليه، فهو قدوة فطاحلها، وإمام أفاضلها».
تحدّث الكاتب (الزكي) عن نهج البلاغة وأطال، ونقتطف من حديثه هذه الباقة: «لنقف وقفة عند الإمام علي رَضی الله عنهُ لننظر کم اجتمع في هذا الرجل من أدب وحكمة وفروسيّة وسياسة.. عرفت نهج البلاغة في صدر الصبا.. وبقيت منه نغمات في أذني.. وها أنا ذا أعيد القراءة هذه الأيام، فإذا النغمات تزداد في الأذنين حلاوة، وإذا العبارات كأنّها طلاوة إلى طلاوة.. ولست أعني
زُخرف الكلام، بل أعني طريقته في اختيار اللفظ الصلب العنيد الذي لا يقوى على تشكيله إلاّ إزميل تحرّكه يد المثّال الذي يتخيّر لتماثيله صُمّ الجلاميد، ليبقى عملاً أقوى من الدهر دواماً وخلوداً.. إنّ اللفظ قد نُحت من حجر صوان، وصفّ بعضها إلى بعض صفّاً عجيباً».
وقال: «قلّب معي صفحاته الرائعة الأدبيّة التي تُسمّى بنهج البلاغة، وقل لي: أنّی ينتهي الأديب ليبدأ الفيلسوف؟ وأنّی ينتهي الفيلسوف الأديب ليبدأ الفارس. ثمّ أين ينتهي هذا ليبدأ السياسي؟ إنّه لا فواصل ولا فوارق، ففي هذه المختارات خطب وأحكام وحجاج وشواهد امتزج فيها الأدب بالحكمة، والحكمة بالأريحيّة، وهاتان بالسياسة». إلى أن يقول: «والنصوص يطول بنا نقلها إلى القارئ ما طال نهج البلاغة، فخير للقارئ أن يرجع إليه ليطالع نفساً قد اجتمع فيها ما يصوّر عصرها، من حيث الركون في إدراك حقائق الأمور إلى سلامة السليقة وحضور البديهة وصدق البصيرة، بغير حاجة إلى تحليلات العقل وتعليلاته، وإلى طريق المناطقة في جمع الشواهد و ترتيب النتائج على المقدّمات». نقلاً عن كتاب (الحسين والقر آن) للشيخ محمد جواد مغنية.
تحدّث في المجلّد الرابع من كتابه (التكامل في الاسلام) تحت عنوان (ليلة الميلاد) فقال الله رَحمه اللهُ:
«فنهج البلاغة كتاب حوى أصول الفلسفة الحقّة عن الكون والحياة ومصير الإنسان وواقعه، وأصول الاقتصاد حيث لا يضحّي بالفرد على حساب المجتمع، ولا بالمجتمع على حساب الفرد، حوى أسس إدارة شؤون البلاد، وما يربط الشعب بالهيئة الحاكمة من حقوق، فهو كتاب فلسفي اجتماعي، عرفاني، اقتصادي، أدبي، وفيه فصل الخطاب في كلّ حقل يحتاجه الانسان في سيره التكاملي».
تحدّث الدكتور صبحي الصالح في كتابه (ضبط نصّ نهج البلاغة) ص 12 ط بیروت 1967 م فقال: «وإنّ نهج البلاغة ليضمّ _ إلى جانب الموضوعات السابقة _ طائفة من خطب الوصف تُبوّئ علياً ذروة لا تُسامی بين عباقرة الوصّافين في القديم والحديث، ذلك أنّ علياً _ كما تنطق نصوص النهج _ قد استخدم الوصف في مواطن كثيرة، ولم تكد خطبة من خطبه تخلو من وصف دقيق و تحلیل نفّاذ إلى بواطن الامور، صوّر الحياة فأبدع، وشخّص الموت فأجزع، ورسم المشاهد الآخرة لوحات کاملات فأراع وأرهب، ووازن بين طباع الرجال وأخلاق النساء، وقدّم للمنافقين نماذج شاخصة، وللأبرار أنماطاً حيّة، ولم يفلت من ريشته المصوّرة شيطان رجیم يوسوس في صدور الناس، ولا مَلَك رحيم يوحي الخير ويُلهم الرشاد».
وتحدّث في ص 15 بقوله: «وأغراض علي في كتبه ورسائله وعهوده ووصاياه تشبه أغراضه في خطبه شبهاً شديداً، كثرت فيها رسائل التعليم والارشاد، وكتب النقد والتعريض، والعتاب والتقريع، وانضمّت إليها بعض الوثائق السياسيّة والإداريّة والقضائيّة والحربيّة، ورسائله جمیعاً مطبوعة بالطابع الخطابي، حتّى ليكاد الباحث يعدّها خطباً تُلقي لا كتباً تدبج، إذ تؤلّف فيها الألفاظ المنتقاة، وتنسّق فيهاالجمل المحكمات، فينبعث من أجزائها كلّها نغم حلو الإيقاع يسمو بنثرها الرشيق فوق مجالات الشعر الرفيع.
وإذا تجاوزنا خطب علي ورسائله إلى المختار من حِکَمه، ألفيناه يرسل من المعاني المعجزة والأجوبة المسكتة ما ينبئ عن غزارة علمه، وصحّة تجربته، وعمق إدراكه لحقائق الأشياء، وحكم علي هذه منها ما جمعه الشريف الرضي تحت عنوان مستقل، نجد فيه مثل قوله: «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُواء» «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ» «احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ».
ووصايا علي الاجتماعيّة تتجسّد هاهنا بوضوح من خلال كلماته النوابغ وحِکَمهِ الحسان، فهو يجلو أبصار صحبه و بصائرهم، ويودّ لو يتبعهم كأس الحكمة بعد الصبوح، يحذّرهم من العلم الذي لا ينفع «رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لَا يَنْفَعُهُ» و «الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ».
والفكرة في خطب علي ورسائله وحكمه عميقة من غير تعقيد، بسيطة من غير إسفاف، مستوفاة من غير إطناب، يلوّنها ترادف الجمل، ويزيّنها تقابل الألفاظ، وينسّقها ضرب من التقسيم المنطقي يجعلها أنفذ في الحسن وألصق بالنفس.
وكان ينبغي لعلي أن تقذف بدیهته بتلكم الحكم الخالدة والآراء الثاقبة، بعد أن نهل المعرفة من بيت النبوّة، وتوافرت له ثقافة واسعة وتجربة كاملة وعبقريّة نفّاذة إلى بواطن الأمور.
وتتّسم أفكار علي غالباً بالواقعیّة، إذ كان يستمدّ عناصرها من بيئته الاجتماعية والجغرافية، فأدبه _ من هذه الناحية _ مرآة للعصر الذي عاش فيه، صوّر منه ما قد كان أو ما هو كائن، ولقد يطيب له أحياناً أن يصوّر ما ينبغي أن يكون، فتغدو أفكاره مثاليّة عصيّة على التحقيق.
وما من ريب في أنّ الكتاب والسنّة قد رفداه بينبوع ثرّ لا يفيض، فتأثّر بأسلوب القرآن التصويريّ لدى صياغة خطبه ورسائله، واقتطف من القرآن والحديث كثيراً من الألفاظ والتراكيب و المعاني.
وأمّا عاطفة علي فثائرة جيّاشة تستمدّ دوافعها من نفسه الغنيّة بالانفعالات، وعقيدته الثابتة على الحقّ، فما تكلّم إلاّ وبه حاجة إلى الكلام، وما خطب إلاّ ولديه باعث على الخطابة، وإنّما تتجلّی رهافة حسّه في استعماله الألفاظ الحادّة، وإكثاره من العبارات الإنشائيّة كالقسم والتمنّي والترجّي والأمر والنهي والعجب والاستفهام والإنكار والتوبيخ والتقريع، مصحوبة كلّها بترادف بين الفقرات، وتجانس بین الأسجاع، وحرص واضح على النغم والإيقاع.
وخيال علي _ فيما يخلعه علی موصوفاته من صور زاهيات _ ينتزع أكثر ما ينتزع من صميم البيئة العربية إقليميّة وفكريّة واجتماعيّة، وتمتاز صور علي بالتشخيص والحركة، ولا سيّما حين يتّسع خياله ويمتدّ مجسّماً الأفكار، ملوّناً التعابير، باثّاً الحياة في المفردات والتراكيب».
نقلا عن كتاب (ماذا في التاريخ) ج 7 ص 149:
«هل عرفت عقلاً كهذا العقل، وعلماً كهذا العلم، وبلاغة كهذه البلاغة، وشجاعة كهذه الشجاعة، تكتمل من الحنان بما لا يعرف حدوداً، حتّى ليبهرك هذا القدر من الحنان، كما يبهرك ذلك القدر من المزايا، تلتقي جميعاً وتتّحد في رجل من أبناء آدم وحوّاء، فإذا هو العالم المفكّر، الأديب الإداري، الحاكم القائد الذي يترك الناس والحكّام وذوي المطامع والجيوش يتآمرون به، ليقبل عليك فيهزّ فيك مشاعر الانسان الذي له عواطف وأفكار، فيهمس في قلبك هذه النجوى الرائعة بما فيها من حرارة العاطفة الكريمة، قائلاً: «فَقْدُ الْأَحبَّة غُرْبَةٌ» أو «لاَ تَشْمَتْ بِالْمَصَائِبِ» أو «ليكن دنوُّك من الناسِ ليناً ورحمة» أو «اعفُ عمّن ظلمَكَ ، وأعطِ مَن حرمك، وصِلْ مَن قطعك، ولا تُبغض مَن أبغضك»!
هل عرفت من الخلق عظيماً يلتقي مع المفکّرین بسموّ فکرهم، ومع الخيّرين بحبّهم العميق للخير، ومع العلماء بعِلمهم، ومع الباحثين بتنقيبهم، ومع ذوي المودّة بمودّاتهم، ومع الزهاد بزهدهم، ومع المصلحين بإصلاحهم، ومع المتألّمين بآلامهم، ومع المظلومين بمشاعرهم وتمرّدهم، ومع الأدباء بأدبهم، ومع الأبطال ببطولاتهم، ومع الشهداء بشهادتهم، ومع كلّ إنسانيّة بما يشرّفها ويرفع من شأنها، ثم إنّ له في كلّ ذلك فضل القول الناتج عن العمل، والتضحية المتّصلة بالتضحية، والسابقة في الزمان!».
وتحدّث سلیمان کتّاني في كتابه «الإمام علي نبراس ومتراس» ص 199 ط 1386 ه مطبعة النعمان في النجف عن نهج البلاغة «...وماذا جاء في (نهج البلاغة) فقال: يدغدغ الشكّ في ما جاء في نهج البلاغة؟ وهل الكتاب كان غير تقويم للرجل الكبير في نهجه الطويل، الذي زرع عليه الانسان قيمة تتبلور بالعقل الصحيح وتسمو بالفضيلة، وجعل الفضائل تنمو وتدور على محور واحد، هو محور التقوى والإيمان بالله؟
ومتی، وفي أيّة لحظة من لحظات عمره، لم يعبّر عن هذا النهج الصريح؟
أفي إعلانه الرسالة وإيمانه بها، ولقد نذر نفسه للدعوة لها والجهاد في سبيلها، أم في تطبيقها دستوراً کاملاً لكلّ مجاري أفكاره وأقواله وأعماله من حيث كان زهده وتقواه وشجاعته وبطولته؟
فإذا كان الاقحام في (نهج البلاغة) تكويماً لتعابير تحمل مثل هذه المعاني لم يسكبها جَنان المنسوبة إليه ضمن حروف نبتت من شقّ قلمه، فإنّ ذلك لن يغيّر نهج البلاغة بشيء،... لأنّ الكلام المقحم جاء صادقاً في نحت نفسه قالباً لائقاً بالفكر الأصيل، ولأنّ البلاغة في مفهومها الحقيقي ليست مطلقاً في قوّة اللفظ والنحت بقدر ما هي تنزيل لسموّ المعاني في قوالب متينة السبك والحبك، وإنّ هذه الأخيرة تبقى أبداً قوالب جوفاء مالم تستتمّ فيها تلك المفاتن.
و(نهج البلاغة)، سواء كان صقل حروفه على يد ابن أبي طالب أم كان على يدي مقحم فنّان، فإنّه يبقى دائماً تعبيراً عميق البلاغة عن نفسيّة رجل واحد سُمّي ب «علي بن أبي طالب».
قيل فيه شعراً:
نهج البلاغة نهج العلم والعمل *** فاسلکه یا صاح تبلغ غاية الأملِ
كم فيه من حِکَمٍ بالحقّ مُحكمة *** تُحيي القلوب ومن حُكمٍ ومن مَثَلِ
ألفاظه دررٌ أغنت بحليتها *** أهل الفضائل عن حلي وعن حُلل
ومن معانيه أنوار الهدی سطعت *** فانجاب عنها ظلام الزيغ والزلل
وكيف لا وهو نهج طاب منهجه *** أهدى إليه أمير المؤمنين علي
وكتب أبو يوسف يعقوب بن أحمد(1)في آخر نسخة من كتاب (نهج البلاغة):
نهج البلاغة نهج مهيع جددُ *** لمن يريد علوّاً ما له أمدُ
یا عادلاً عنه تبغي بالهدی بدلاً *** اعدل إليه فقيه الخير والرشد
والله والله إنّ التار کیه عموا *** عن شافياتِ عظاتٍ كلّها سدد
كأنّها العقد منظوماً جواهرها *** صلّى على ناظميها ربُّنا الصمد
ما حالهم دونها إن كنتَ تنصفني *** إلاّ العناد وإلاّ البغي والحسد(2)
واقتدى بذلك الأديب عبد الرحمن بن الحسين حين وقع له الفراغ، فقال:
نهج البلاغة نهج الذخر والسندُ *** وفيه للمؤمنين الخير والرشدُ
عين الحياة لمن أضحي يؤمّلها *** يا حبّذا معشر في مائها وردوا
ما إن رأت مثلها عينٌ ولا سمعت *** أذنٌ ولا كتبت في العالمين يد
شرّبت روحي حياةً عند كتبتها *** وكان للروح من آثارها مدد
صلّی الإله على مَن كان منطقه *** روحاً تزايد منه الروح والجسد(1)
وقال آخر:
نهج البلاغة هذا سيّد الكتب *** نهج الرسائل والأحكام والخطبِ
كم فيه من حكمة غرّاء بالغة *** ومن علوم(2)إلهي ومن أدبِ
ومن دواء الذي داءٍ وعافية *** لذي بلاء ومن روح الذي تعب
فيه كلام وليِّ الله حیدر من *** يمينه في عطاء المال كالسُّحب
وصيّ خير عباد الله كلّهمُ *** مختار ربّ البرايا سيّد العرب
عليٌ مرتضي مَن في مودّته *** يُرجى النجاة ليوم الحشر والرعبِ
فمن يعاديه في نار الجحيم هوى *** وعاش ما عاش في ويلٍ وفي حرب
ومن يواليه من صدق الجَنان ففي *** الجِنان له طنب يفوق السبع والشهبِ
قد امتزجت(3)بقلبي حبّه فجری *** في النفس مجرى دمي في اللحم والعصب
صلّى عليه إلهُ الخلق خالقنا *** ربّ الوری وعلى أبنائه النُّجب
وزاده في جنان الخلد منزلة *** ورتبةً وعلاً يعلو على الرتب(4)
وقال علي بن أبي أسعد الطبيب:(5)
نهج البلاغة مشرع الفصحاءِ *** ومعشعش البلغاءِ والعلماءِ
درج عقود عقولِ أرباب التقى *** في درجه من غير إستثناء
في طيّه كلّ العلوم كأنّه *** الجفر المشار إليه في الأنباء
من كان يسلك نهجه متشمّراً *** أمن العثار وفاز بالعلياء
غررٌ من العلم الإلهيّ انجلت *** منظومة فيها ضياء ذكاء
ويفوح منها عبقةٌ نبويّة *** لا غرو قُدّا من أديم سناء
روض من الحِكَم الأنيقة جاده *** جود من الأنوار لا الأنواء
أنوار علمِ خليفَةِ اللهِ الذي *** هو عصمة الأموات والأحياءِ
مشكاةُ نورِ الله خازنُ علمه *** مختارهُ من سرّة البطحاءِ(1)
وفي كتاب (مصادر نهج البلاغة) تأليف الخطيب السيد عبد الزهراء الحسيني:
قال أبو الحسن علي بن أحمد الفنجكردي:(2)
نهج البلاغة من كلام المرتضی *** جمع الرضي الموسوي السيدِ
بهرَ العقولَ بحسنه وبهائه *** كالدرِّ فصّل نظمه بزبرجدِ
ألفاظه علويّة لكنّها *** علويّة حلّت محلّ الفرقد
فيه لأرباب البلاغة مقنع *** من يعن باستظهاره یستسعد
وترى العيون إليه صوراً إن تلا *** منه كتاباً رائعاً في مشهد
أعجِبْ به كلماته قد ناسبت *** کلمات خير الناس طُرّاً أحمدِ
نِعم المعين على الخطابة للفتي *** و به إلى طُرق الكتابة يهتدي(3)
وفي المجلّد الثاني من كتابنا (نزهة الخاطر):
وللسيد الإمام عزّ الدين سيد الأئمة المرتضی بن الإمام العلاّمة ضياء الدین علم الهدی قدّس الله روحيهما:
نهج البلاغة نهجه لذوي البلاغة واضحُ
وكلامه لكلام أرباب الفصاحة فاضح
العلم فيه زاخر والفضل فيه راجح
وغوامض التوحيد فيه جميعها لك لائح
ووعيده مع وعده للناس طرّاً ناصح
تحظى به هذي البريّة صالح أو طالح
لا كالعريب ومالها فالمال غادٍ رائح
هیهات لا يعلو على مرقی ذراه مادح
إن الرضي الموسوي لمائه هو مائح
لاقت به وبجمعه عدد القطار مدائحُ(1)
وقال آخر:
نهج البلاغة يهدي السالكين إلى *** مواطن الحق من قول ومن عملِ
فاسلکه تُهدى إلى دار السلام غداً *** وتحضَ فيها بما ترجوه من أمل(2)
وجاء في شرح القصيدة العينيّة لعبد الباقي العمري، قال بعضهم:
ألا إنّ هذا النهج نهج بلاغة *** لمنتهج العرفان مسلکه جلي
على قممٍ من آل صخر ترفّعت *** كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من عَلِ(3)
وقال آخر:
كتاب كأنّ الله رصّع لفظه *** بجوهر آيات الكتاب المنزل
حوى حِكماً كالدّرٍ تنطق صادقاً *** فلا فرق إلاّ أنّه غير مُنزَلِ(1)
وقال عبد الباقي العمري في عينيته:
نهج البلاغة نهج عنك بلّغنا *** رشداً به اجتثّ عِرق الغيّ فانقمعا
به دفعت لأهل البغي أدمغة *** النخوة الجهل قد كانت أشَرّ وعا
کم مصقع من خطاب قد صقعت به *** فوق المنابر صقع الغدر فانصقعا
ما فرّق اللهُ شيئاً في خليقته *** من الفضائل إلاّ عندك اجتمعا
وقال آخر:
انظر إلى نهج البلاغة هل تری *** الأولي الفصاحة منه أبلغ منطقا
وقال آخر:
هذا الكتاب كتاب الله أنزله *** على لسان عليٍّ أفصح العربِ
أخو الكتاب الذي جاء النبيّ به *** كلاهما من نبيٍّ أو وصيِّ نبي
وقال آخر:
نهج البلاغة منهج البُلغاء *** وملاذ ذي حصر وذي إعياءِ
فيه معانٍ في قوالبَ أحكمت *** لهدايةٍ كالنجم في الظلماء
وتضمّن الكلمات في إيجازها *** بذواتها بجوامع العلياء
صلّی الإله على النبيّ محمّد *** وعلى عليٍّ ذي علاً وإخاء(2)
وقال قطب الدین تاج الاسلام محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري:
نهج البلاغة نهج كلّ مسدّد *** نهج المرام لكلّ قوم أمجدِ
يا من يبيت وهمّه درك العُلى *** فاسلكه تحظَ بما تروم وتقصدِ
ينبوع مجموع العلوم رمی به *** نحو الأنام ليقتفيه المهتدي
فيه الطلاّب النهاية مقنع *** فليلزمنه الناظر المسترشدِ
صلّى الإله على منظّمه الذي *** فاق الوری بكماله والمحتدِ(1)
وقال الحسن بن يعقوب بن أحمد:
نهج البلاغة درجٌ ضمنه دررُ *** نهج البلاغة روض جاده دررُ
نهج البلاغة وشيٌ حاکه صبغ *** من دون موشية الديباج والحبر
أو جونة مُلئت عطراً إذا فتحت *** خیشومنا فغمت ريح لها ذفر
صدّقتكم سادتي والصدق من خُلقي *** وإنّه خصلة ما عابها بشر
صلّی الإله على بحر غواربه *** رمت به نحونا ما لألأ القمر(2)
والحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد النيشابوري هو من أعلام الأدب في القرن السادس.
وقال العلاّمة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي:
وبنور نهجك وهو منبع حكمةٍ *** متدفّق أوضحت أيّ مشاكلِ
أوردتنا فيه نميراً صافياً *** ينمي لخير موارد ومناهل
أحكمته بقواعد حكميّة *** كفلت بيان أصول كلّ مسائل
تقف العقول أمامه مسحورةً *** ببيانه وبنسقه المتواصل
أنت المحيط معارفاً لكنّما *** لم تحوِ غيرَ جواهر وفضائل
وللشيخ محمد علي صنعان النجفي:
فاح النسيم فباح بالأسرار *** سَحَراً فأيقظ راقد الأزهار
وأتى يخبّر عن كتاب ناظم *** سلكاً فيعقد للنثار دراري
نهج البلاغة روضة ممطورة *** بالنور من سُبحات وجه الباري
أو حكمة قدسيّة جليت بها *** مرآة ذات الله للنظّار
خطب روت ألفاظها عن لؤلؤ *** عن مائه بحر المعارف جاري
وتنسّمت كلماتها عن جنّة *** حُفّت من التوحيد بالنوّار
فكأنّما عين اليقين تفجّرت *** من فوق عرش الله بالأنهار
حِكم كأمثال النجوم تلألأت *** من ضوء ما ضمنت من الأسرار
کشف الغطاء بيانها فكأنها *** للسامعين بصائر الأبصار
وترى من الكلم القصار جوامعاً *** تُغنيك عن سفرٍ من الأسفار(1)
1) نشرت مجلّة «تراثناء»، العدد 34، ط الأولی، سنة 1414ه مقالةً مفصّلة للسيّد المحقّق عبد العزيز الطباطبائي قدس سرّه تحت عنوان «ما قيل في نهج البلاغة من نظم ونثره»، استوعبت كثيراً من الأشعار الموجودة في المخطوطات والمدوّنة على ظهور المخطوطات المختلفة لنهج البلاغة، فراجع.
لم يكن من القصد عرض هذا الموضوع، حيث أنّ العلماء وعباقرة الأدب أسهبوا فيه وأحاطوا به من جميع نوافذه، لولا إشارة ولدي الفاضل السيد صدر الدين حفظه الله، فقد أشار عليَّ أن أخوض فيه _ ولو في سطور قصيرة لأنّ المجال يستدعيه، فاستصوبت رأيه، واكتفيت بكلمة الدكتور مهدي محبوبة، فإنّه أعطاه ما يستحقّه، وألمّ به من جميع أطرافه.
قال (سلّمه الله) في كتابه (ملامح من عبقرية الإمام) تحت عنوان (علي ونهج البلاغة فيما ذهب إليه بعض المرجفين):
«التراث الفكري زاخر بالمواهب، عبق بالانتاج، واسع بالمدركات، متمثّل بالعبقريات،ماثل بالنقل والرواية، لكلّ تراث منتج يتميّز ذلك الانتاج به، والأخصّ في مجال الأدب والسياسة، فلا يصحّ السند إذا لم يستوفِ الأثر دلائله وبراهينه الكامنة فيه والمنطلقة منه.
وإنّ لكلّ أديب نفحته الأدبية التي تعبق بمعتقداته وآرائه ومُثله وسياسته ووجهة تفكيره.
ثمّ إنّ للزمن أثره وللمحيط فعله في كلّ نتاج أدبي، فالأدب آخذ من بيئته لا محالة.
ولو أردنا استقصاء نهج البلاغة وإطالة النظر فيه لرأيناه قد استوفی حُججه واستكمل براهينه الكائنة فيه، لأنّه يحمل الروح العلوية في كلّ سطر
منه وبكلّ تعبير فيه، ويعطي الدلالة السياسية والاقتصادية والعقائدية والأدبية للإمام، ويمثّل روح عصره بما تمخّض عن أحداث جسام.
ولم يكن الشريف الرضي ممّن عركتهم الظروف غير المواتية، وادلهمّت بهم الأوضاع،لأنّه كان والحكم في وئام، ومع الأحداث في سلامة. ولم يكن الشريف قد ارتفعت به الأمّة الإسلامية حتّى كان قطب رحاها، ومنطلق وجودها وعُلاها، ومَعين إسلامها ومعتقدها، وإن كان على جانب كبير من المعرفة والمنزلة الاجتماعية.
لم تُلجئه الظروف للمقارعة باللسان والقلم، ولم يوليه وقته الخلافة أو القيادة، وإنّ نفحة نهج البلاغة على غير ما هو فيه، فهي نفحة الثائر في أشدّ ظروف الثورة.
ومَن دَرَس سيرة الرضي وأدرك حقيقته عرف أنّه على جانب كبير من الصلاح والتقوى ممّا هو بعيد عن الكذب والانتحال والتقوّل.
ذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ قسماً من النهج قد سطره يراع الرضيّ، وذهب بعض إلى أنّه من وضع الرضي، وكانت لهم حُججهم سأوردها جميعاً وسأذهب إلى تفنيدها.
ومن أهمّ الحُجج التي تذرّع بها هؤلاء ما ورد في النهج من تقريعٍ وتأنيب لبعض من واكب الإسلام في إبّان ظهوره، كمعاوية وطلحة والزبير وأضرابهم، وورد فيه بعض العتاب لبعض كبار الصحابة، مع علم هؤلاء المؤرّخين بأنّ ما يورده الإمام فهو حجّة قاطعة وإدانة واردة، وإلاّ فلا مبرّر لحديثهم.
ولست أطيل الردّ على هذه الفقرة، فإنّ ما ورد لهو صدى لتلك الحروب الطاحنة للجمل وصفّين والنهروان، وهذا لا غبار عليه، وإنّ ما أورده الإمام القليل إذا قيس بالدماء التي أريقت والنفوس التي انتُهكت، والثائر على خليفة زمانه کافر، فإذا أردنا أن نُبعد قول الإمام فيهم فليس باستطاعة أحد أن یُبعد التاريخ الحافل بتلك الأحداث.
ولم يتعرّض للخلفاء الراشدين إلاّ تلمیحاً وعتاباً، وهو الصدى القائم ليوم السقيفة، وكان ذلك في خطبته الشقشقيّة.
ولو أردنا الاسترسال فيما يحمله الإمام من اعتقاد جازم في حقّه بالخلافة وسبقه إليها، لأدركنا أنّه لم يرد في النهج ما يُسيء، ولم يقل الإمام مقول عثمان في عمر كما أورده الدكتور طه حسين في كتابه عثمان «لقد وطنكم ابنُ الخطّاب برجله، وضربكم بيده، وقبعكم بلسانه، فخفتموه ورضيتم منه بما لا ترضوه مني، لأنّي كففت عنكم يدي ولساني». ولم يرد في الخطبة الشقشقيّة إلاّ ما أثبته التاريخ.
وأمّا تعرّضه بعثمان فهو تعرّض الناصح المؤمن بأداء رسالته على أكمل وجه، وقد وافانا التاريخ بما وصل إليه الحال في عهده، وللإمام کامل الحقّ أن يدافع عن حظيرة الإسلام ومبادئه.
«كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيتّه».(1)
ونحن لانعدم الخلاف ولا نذكره إلاّ لنبسط التاريخ واضحاً صحيحاً ليكون لنا عبرة لجمع الشمل وإبعاد الخلاف، وعلينا أن نعتزّ بمن هو أفضل، وكلّهم عرب إسلام منّا وإلينا، فعلينا أن لا نعدم الحقّ والوجدان.
وإنّ كلّ ما أورده النهج الدليل على النفحة العلويّة وعلى ملامسته للأحداث.
وقد ذكر بعض الناقدين في النهج من التنميق الأدبي في السجع وتزويق اللفظ ممّا لم يعهده العصر الإسلامي الأول. وفيه من دقّة الوصف والاحاطة بالقصد، کوصفه للطاووس والنملة والجرادة ممّا يخرج عن دائرة ذلك العهد وأدب ذلك الزمن، وفيه من الحكمة والمنطق وبأساليب بيانية لم تُعرف قبل عهد الترجمة، وقبل تعریب مآثر اليونان والرومان والفرس والهنود.
1) عوالي الثالي 1: 29 / ح 3؛ بحار الأنوار 72: 38.
أمّا موضع التنمية الأدبي والسجع فلم یکن وارداً في نهج البلاغة إلاّ عرضاً وحسبما تقتضيه الأصول البلاغيّة، وأقلّ ممّا ورد في القرآن، كما ورد في سورة الرحمن وسور أخرى كثيرة.
وأمّا ما فيه من دقّة في الوصف والإحاطة في القصد، فإنّي أذكر قول معاوية لمجفن عندما قال له: أتيتُك من أعيا الناس.
أجابه معاوية: ويلك فإنّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.(1)
وبالطبع إنّ لربّ الفصاحة والبلاغة أسلوبه الخاص وسحره الممتنع، وإعجازه الفريد، واستقلاله بوضع أسس بلاغيّة أدبيّة لم يعهدها عصره، وهذه من أوّليّات ما يلزم أن يؤمن بها الباحث، وإلاّ فعلام أجمع المؤرخون قاطبة على سموّه الأدبي البلاغي الفريد ممّا لم يُعهد لسواه. وقد ذهب كثير من المؤرّخين و كتّاب السير إلى ذكر كلام الإمام، فوضعوه كأرفع کلام عربي بعد القرآن والحديث، وقد ورد ذلك قبل أن يُخلق الشريف الرضي.
وإنّي أقول: فكما أنّ للقرآن مميّزاته وحدوده التي لا يمكن أن يصل إليها كلام، فللنهج كذلك مميّزاته وحدوده التي اختصّ بها، فلا يمكن أن يصل إلى شأوها كلام.
ولم يكن للإمام إلاّ ما أورده الشريف الرضي في النهج فحسب، وإنّما ورد كثير مما لم يرد في النهج ولا يقلّ روعة وأسلوباً عنه. وإنّ معظم ما ورد في النهج لهو معروف قبل الشريف الرضي حسبما وصل إليه المحقّقون. وقد ذكر المسعودي في مروج الذهب، وهو قبل الشريف الرضيّ: «أنّ الناس حفظوا عن الإمام علي أربعماءة ونيّف وثمانين خطبة، يوردها على البديهة».
ولم يتناقلها الناس ویولوها حفظهم إلاّ لسموّها ورفيع أدبها، وليس
1) بحار الأنوار 41: 146؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 25.
للمؤرّخ أن يسجّل إلاّ ما وصل إليه وقد يتعدّاه الكثير، وإنّ زمن المسعودي ليس ببعيد عن زمن الإمام، وذلك ممّا يجعل الثقة واردة في روايته.
وإنّ أبرز ما في النهج ممّا سوّلت نفوس بعض الحاقدين عدم نسبته إليه هو عهده المشهور لمالك الأشتر عندما ولاّه مصر، والذي تسيخ العقول أن تأتي بمثله، حيث وضع به معالم الحكم على ممرّ العهود ممّا لا ترتضيه الحكومات المتعاقبة ذات النزعة الفرديّة، وبالأخصّ من بني أميّة وبني العبّاس، وهذا العهد قد رواه بعض الثقاة قبل الشريف الرضي، ومنهم صاحب کتاب (تحف العقول) المتوفّى في سنة 332.(1)
ولو فرضنا أنّنا لم نصل لهذا العهد إلاّ عن رواية الشريف الرضي، فهل يصحّ لنا نسبته إليه، وهو الذي لم تتجسّم أمامه تلك الأحداث والانقلابات الرائعة في صدر الإسلام، ولم يهضم الحكم ويمسّه، ويندفع إلى قراره، ویدر که کإدراك الامام؟
وهل أوثر عن الشريف ما یُماشي ذلك أو يقاربه؟
وهل يصحّ نسبة الخبر الناقله مع إقراره على نقله وإفصاحه على جمعه، مع العلم أنّه لم تكن تلك النزعة الشعبيّة والنظرة إلى الحريّة في الحكم بباقية الى عهد الشريف الرضي، والتي طمستها عهود أميّة وبني العباس، حتّی أصبحت الخلافة ملكاً مطلقاً استبداديّاً فرديّاً، وأنّ تلك النفحة التحررية العلوية قد رسمتها طبيعة الصحراء وحياة العرب، وقوّمتها ووضعت لها السنن والقوانين الثورية الإسلامية، وتبنّاها الإمام علي لما له من العروبة والإسلام، ولكنّها تلاشت علي ممرّ عصور الحكم الفرديّ وممارسة الضغط والإرهاب
1) وهو الشيخ الثقة الجليل أبو محمد الحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحرّاني، من أعلام القرن الرابع، كان معاصراً للشيخ الصدوق، ويروي عن أبي علي محمّد بن همام المتوفّى سنة 336ه
وأخذ الناس بالبطش، حتّى أصبح الفرد العربي والفرد المسلم دُمية لاحول له ولا قوة إلاّ ما يفرضه الخليفة وعائلته وبِطانته.
ولا يخلو عن البال أنّ ما يمكن الرضي من الحفاظ عليه من تراث الإمام لا يتأتّى لسواه، لأنّه سليل العترة العلوية، وأبرز وارث لها ولمأثورها، وبالأخصّ بما برزت به العهود السابقة له من طمس لمعالم الإمام والأخذ بأقصى العقوبة على من يذكر فضائله أو يروي خبره أو يُعرف بولائه له، وهذا ممّا يدع ما يصل إليه لا يصل إلى غيره، بل قد يمتنع وصوله إلى غيره.
وأمّا ما أوثر عن انطباع بعض حكم الإمام وآرائه بما أوثر عن الإغريق والفرس فقد لا يتعدّى التوارد في الآراء، وليست الآراء بوقف على أمّة.
وممّا لا شكّ فيه أنّ عهد الترجمة الفكرية وصل العرب منذ العهد الإسلامي بالفتح والاختلاط، وقد تكون له جذوره من العهد الجاهلي لاتّصال العرب بفارس والشام، وأمّا الترجمة المنسّقة المسجّلة المبنيّة على تحديد النقل فقد وصلت متأخّرة عن العهد الإسلاميّ الأوّل، حيث ابتدأت بصورة مبسّطة في العصر الأموي والعصر العبّاسي الأوّل، ونشطت على عهد المأمون.
وبما يمتاز الإمام به من حدّة في الذكاء، ومن نظر ثاقب بعيد المدى، ومن قوّة في الإدراك والتعبير، فقد استوعب من مخالطته الفرس والروم وسواهم لتواردهم على دار الخلافة والإسلام، وهذا وارد فلا ردَّ عليه.
ثمّ إنّ الإمام عاصر فتح الشام وفارس وبقي بعد ذلك بزمن طويل، ممّا تصحّ الترجمة الفكرية الشفهيّة بإسلام كثير من الأجانب ممّن أدرك الثقافة الإغريقية الرومانية والفارسية والهندية، وكثير منهم طبعها بلغته الجديدة، لغة القرآن والسنّة وهي العربية.
ولنضرب على ذلك مثلاً واحداً: ذكر ابن شهر آشوب أنّ أوّل من صنّف في الإسلام علي بن أبي طالب، ثمّ سلمان الفارسي الذي أشار بحفر
الخندق، فيستدل أنّ سلمانَ كان على مستوى كبير من العقل والإدراك، وكان من حواريّي الإمام ممّا تصحّ ترجمته الفكرية، ودليل على ذلك إشارته بحفر الخندق وهي خطّة عسكرية فارسيّة لم يعهدها العرب، فهو وأضرابه قد حمل للأمّة العربية كثيراً من معالم بلده وأوطانه ومجتمعه الأوّل.
ثم إنّ حكميّات الإمام وآراءه لم تكن منوطة بالنهج ومائلة بين دفتيه فحسب، بل إنّ ما جمعه الأوائل والأواخر لكثير، وأكثره ممّا لم يذكره الشريف الرضي.
فقد جمع الشيخ عبد الواحد التميمي كتاباً من حكم الإمام القصيرة يقارب نهج البلاغة، سمّاه (غُرر الحکم و دُرر الكلم).
وقد افتخر الجاحظ _ وهو من أكبر العلماء العرب ومن العهد الاسلامي الأوّل بأنّه جمع مائة كلمة لأمير المؤمنين.
وقد جمع القاضي القضاعي من كلام الإمام سمّاه (دستور معالم الحكم).
وجمع الطبرسي صاحب تفسیر مجمع البيان کتاباً من حكم الإمام سمّاه (نثر اللآلي).
وقد ذكر المفيد _ وهو أستاذ الشريف الرضي _ في كتابه (الإرشاد) كثيراً من كلام وخطب الإمام.
وجمع نصر بن مزاحم خطب الإمام في صفّين و كُتبه إلى معاوية في کتاب (صفّين).
وجمع إسحاق الأنصاري كتاباً من كلام الإمام سمّاه (مطلوب كلّ طالب).
وجمع القاضي الإمام أبو يوسف كتاباً من كلام الإمام سمّاه (قلائد الحكم وفرائد الكلم).
وألحق ابن أبي الحديد في تفسيره للنهج ألف كلمة على مستوى النهج بلاغة وفصاحة وحكمة ممّا لم تكن فيه.
وهكذا لو أردنا الاسترسال لطال بنا البحث ممّا نحن لسنا بصدده، وإنّما هي عجالة نريد بها إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ولست ممّن يؤمن بتحريف التاريخ تبع الهوي، ولست ممّن يؤمن بالاسترسال بزيفه، فإنّ الواقع لا بدّ أن يظهر من خلال البحث والتدقيق.
وإنّ أوّل واضع للشك هو قاضي القضاة شمس الدين الإربلي صاحب (وفيات الأعيان) المولود في إربل سنة 608 والمتوفّى بدمشق سنة 681 من الهجرة، وإنّ من تبعه لفّ لفّه وأخذ منه، وهم عدد يسير.
وكلّ ما أورده المرجفون لا يتعدّى الحجج الواردة الذكر، والتي لم تثبت أمام الإجماع والتواتر وسند النقل، والبراهين الماديّة الثابتة.
ولا أخالني بعيداً عن الصواب إذا قلت: إنّ الذي حدا بذلك القاضي على الشكّ هو أنّ كلام الإمام يتناقله الناس متفرّقاً ومجزءاً ممّا لم يستوعب أثره، ولما جمع الرضي كثيراً منه ضمن سفر جلیل عظيم الأثر التمسه الناس وشاع فأصبح النقد وارداً.
ولربّما يكون وضع الشكّ وارداً لإقرار الشكّ في نسبة النهج للإمام، إذ ما يرد عن الإمام يلتزم به الإسلام، وإنّ النهج يحدّد مفهوم السلطة تحديداً دقيق، ويشيع الحقوق العامة، ويبعث الحرية والعدالة الاجتماعية ممّا لا يرتضيه الخلفاء والولاة، ولا يستسيغه قضاتهم، فإذا بطلت النسبة للإمام أو بعض منه ممّا رآه ذلك القاضي فقد ابتعدت مفاهيمه عن الجماهير.
«وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اَلْقُرْآنِ وَ اِنْتَصِحْهُ اِسْتَنْصِحْهُ وَ أَحِلَّ حَلاَلَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ اِعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ اَلدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً وَ آخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا وَ كُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ وَ عَظِّمِ اِسْمَ اَللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقٍّ وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ اَلْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ وَ لاَ تَتَمَنَّ اَلْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْطٍ وَثِيقٍ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ وَ يَكْرَهُهُ يُكْرَهُ لِعَامَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي اَلسِّرِّ وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَ اِعْتَذَرَ مِنْهُ وَ لاَ تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ اَلْقَوْمِ اَلْقَوْلِ وَ لاَ تُحَدِّثِ اَلنَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً وَ لاَ تَرُدَّ عَلَى اَلنَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلاً وَ اِكْظِمِ اَلْغَيْظَ وَ اُحْلُمْ عِنْدَ اَلْغَضَبِ وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ اَلْمَقْدِرَةِ تَجَاوَزْ عِنْدَ اَلْمَقْدِرَةِ وَ اُحْلُمْ عِنْدَ اَلْغَضَبِ وَ اِصْفَحْ مَعَ اَلدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ اَلْعَاقِبَةُ وَ اِسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اَللَّهُ عَلَيْكَ وَ لاَ تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اَللَّهِ عِنْدَكَ وَ لْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ إِنَّكَ فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ وَ مَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ وَ اِحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ(1)رَأْيُهُ وَ يُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ اَلصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ ».(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 4، ص 226، ط 1).
1) يفيل: يضعف. وفي لفظ بحار الأنوار (71: 199) يقبل رأيه.
الحارث بن عبد الله الهمداني رضوان الله عليه صاحب أمير المؤمنین صلوات الله عليه، كان أحد الفقهاء، له قول في الفتيا، وإليه يُنسب الخطاب الذي خاطبه به أمير المؤمنین صلوات الله عليه في قوله:
يا حار همدان من یَمُت يرني *** من مؤمنٍ أو منافق قبلا
وهي أبيات مشهورة.
حدّث الأصبغ بن نباتة، قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه، وكان مريضاً، فأقبل عليه أمير المؤمنین صلوات الله عليه وكانت له منه منزلة، فقال: كيف تجدك يا حارث؟ فقال: نال الدهر يا أمير المؤمنین منّي، وزادني أواراً وغليلاً اختصامُ أصحابك ببابك، قال: وفيمَ خصومتهم؟ قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مُفرط منهم غالٍ، ومقتصد قالٍ، ومن متردّد مرتاب لا يدري أیُقدم أم يحجم، فقال:حسبك يا أخا همدان، ألا إنّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي.
إلى أن قال: وأبشّرك يا حارث، لتعرفنّي عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة، قال الحارث: وما المقاسمة؟ قال: مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحيحة، أقول: هذا وليّي فاتركيه، وهذا عدوّي فخذيه، ثمّ أخذ صلوات الله عليه بيد الحارث فقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلی الله علیه وآله بيدي فقال لي: _ وقد شكوت إليه حسد قریش والمنافقين لي _ إنّه إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحبل الله وبحُجزته _ يعني التمسّك بعصمته تعالی _ وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذت ذريّتك بحجزتك، وأخذت شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيّه، وما بصنع نبيّه بوصیه؟ خُذها إليك با
حارث قصيرةً من طويلة:(1)أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت _ يقولها ثلاثاً _ فقام الحارث يجرّ رداءه ويقول: ما أبالي بعدها متى لقيتُ الموت أو القيني».
وأنشد الحميري ما تضمّنه هذا الخبر:
قولُ عليٍّ الحارثٍ عجب *** کم ثمّ أعجوبة له حملا
یا حار همدان من يَمُت یرني *** من مؤمنٍ أو منافق قبلا
يعرفني طرفُه وأعرفه *** بنعته واسمه وما عملا
وأنت عند الصراط تعرفني *** فلا تَخَف عثرةً ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأٍ *** تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين تُوقف للعرض *** دعيه لا تقربي الرَّجُلا
دعيه لا تقربيه إنّ له *** حبلاً بحبل الوصيّ متّصلا(2)
نعود إلى أصل الكتاب فنقول:
ظاهر حال المكتوب والكتاب أن يكون من غائب إلى غائب لبيان المآرب، وقد يصدر الكتاب من الأعاظم والأنبياء والأولياء إلى أخصّائهم ليكون مثالاً للارشاد، ومنشوراً للتعليم، واستفادة للعموم وهدايتهم إلى طريق الرشاد، فالمخاطب به خاصّ، والمقصود منه عام.
ومن هذا القبيل رسائل أصحاب عیسی إلی خواصّهم وحواريهم، المعدودة من المآخذ والمصادر الدينيّة عند المسيحيين، والمضمونة في العهد الجديد من الكتاب المقدّس عند أتباع الأناجيل.
وهذا الكتاب الذي صدر منه صلوات الله عليه إلى الحارث الهمداني
من هذا القبيل، فإنّه مثال للهداية والإرشاد لكافّة العباد، وفيه دلالة على علوّ مقام الحارث وحظوته بموقف عالٍ عند أمير المؤمنین صلوات الله عليه، حيث خصّه بهذا المنشور الإرشادي الغزير المادّة والعميق المغزى بالنظر إلى التعاليم العالية الأخلاقية، كمثل أعلى في طريق التزكية النفسانية، وافٍ في المرام الجميع الأنام.
وقد انتخب السيد الرضي منه قطعة صالحة لما يرمي إليه في نهجه من المقاصد الأدبية.
قال ابن میثم: هذا الفصل من كتاب طويل إليه، وقد أمره فيه بأوامره،وزجره بزواجره، مدارها على تعليم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب.
وقد جمع صلوات الله عليه في هذا الكتاب كلّ ما يلزم للمسلم الإلهي في الرابطة بينه وبين الله تعالى من التمسّك بالقرآن وملازمة أحكامه من الحلال والحرام، وفي المواجهة مع الدنيا والاعتبار عن فنائها، وعدم الركون إليها، والاتّعاظ بما سلف منها، وفي التوجّه إلى الموت والتهيّؤ لما بعده، بادّخار الأعمال الصالحة، والاجتناب عن الأعمال المهلكة.
ثمّ نظم صلوات الله عليه وصايا اجتماعيّة في الروابط بين المسلم وسائر إخوانه وأبناء نوعه، وحذّر عن الاستئثار بما یکره سائر الناس ويضرّهم، وعن النفاق، وأمر بصيانة العرض وحفظ اللسان عن الكذب بأعّم معانيه، إلى أن بلغ في الوصاية بالتضحية في سبيل الله، والاجتناب عن معاشرة الفسّاق وضعفاء الرأي، إلى آخر ما أفاده صلوات الله عليه في هذا الكتاب.
ولعمري فقد كان الإمام علي صلوات الله عليه دائب النصح والارشاد والدعوة إلى الخير، ليكون أصحابه وأتباعه على مستوى رفيع في الأخلاق الانسانية والآداب العالية، وما يتحلّى به المرء من النبل والمكارم.
فمن ذلك قوله صلوات الله عليه لنوف البكالي:
قال نوف: أتيت أمير المؤمنین صلوات الله عليه وهو في رحبة مسجد الكوفة، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام یا نوف ورحمة الله وبركاته، فقلت له: يا أمير المؤمنين عِظني.
فقال: يا نوف أحسِنْ يُحسَن إليك.
فقلت: زِدني يا أمير المؤمنین.
فقال: يا نوف ارْحَم تُرحَم.
فقلت: زدني يا أمير المؤمنين.
قال: يا نوف قُل خيراً تُذکر بخیر.
فقلت: زدني يا أمير المؤمنین.
قال: اجتنب الغيبة فإنّها أدام کلاب النار.
ثمّ قال: يانوف كذب مَن زعم أنّه وُلد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغية، و كذب من زعم أنّه وُلد من حلال وهو يُبغضني ويبغض الأئمّة من ولدي، وكذب من زعم أنّه وُلد من حلال وهو يحبّ الزنا، و کذب مَن زعم أنّه يعرف الله وهو مُجترء على معاصي الله كلّ يوم وليلة.
بانوف إقبل وصيتي، لا تكوننّ نقیباً ولا عريفاً ولا عشّاراً ولا بریداً. یا نوف، صِل رحمك يزيد الله في عمرك، وحسّن خلقك يُخفّف الله حسابك، یا نوف إن سرّك أن تكون معي يوم القيامة فلا تكن للظالمين معيناً. يانوف من أحبّنا كان معنا يوم القيامة، ولو أنّ رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله معه. يانوف إيّاك أن تتزيّن للناس وتبارز الله بالمعاصي فيفضحك الله يوم تلقاه. يانوف احفظ عني ما أقول لك تنل به خير الدنيا والآخرة».(1)
1) أمالي الصدوق 277 - 287/ ج308؛ بحار الانوار 74: 382 - 383، ج 9.
وجاء عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الرضا علیهما السلام: یابن رسول الله حدّثني بحديث عن أبائك علیهم السلام، فقال حدّثني أبي عن جدّي، عن أبائه، قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا استووا هلكوا، قال: قلت: زدني بابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدي عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «لو تكاشفتم ما تدافنتم». قال: قلت: زدني يا ابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء، فإنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم. فسعوهم بأخلاقكم». قال: قلت له: زدني يا بن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «من عتب على الزمان طالت معتبته». قال: فقلت له: زدني يابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «مجالسة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخیار». قال: فقلت له: زدني يابن رسول الله، قال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أميرالمؤمنین صلوات الله عليه: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد». قال: فقلت له: زدني ياابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «قيمة كلّ امرئٍ ما يُحسنه». قال: فقلت له: زدني يا ابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «المرء مخبوء تحت لسانه». قال: فقلت له: زدني يا ابن رسول الله، قال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير
المؤمنین صلوات الله عليه: «ما هلك امرؤٌ عرف قدره». قال: فقلت له: زدني با ابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم». قال: فقلت له: زدني یابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «من وثق بالزمان صرع». قال: فقلت له: زدني یابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «خاطر بنفسه مَن استغنی برأيه». قال: فقلت له: زدني يابن رسول الله، قال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «قلّة العيال أحد اليسارَین». قال: فقلت له: زدني يا ابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «من دخله العجب هلك». قال: فقلت له: زدني يا ابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة». قال: فقلت له: زدني یابن رسول الله، فقال: حدّثني أبي عن جدّي، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «من رضي بالعافية ممّن دونه رُزق السلامة ممن فوقه». قال: فقلت له: «حسبي».(1)
وفي أمالي الشيخ المفيد: عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: لمّا قدم علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه البصرة مرّ بي وأنا أتوضّأ، فقال: «يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك، ثمّ جازني، فأقبلت
1) أمالي الصدوق 531 - 532/ ج 718.
أقفو أثره، فحانت منه التفاتة فنظر إليّ فقال: يا غلام ألك حاجة؟ قلت: نعم، علّمني كلاماً ينفعني الله به، فقال صلوات الله عليه: «یا غلام من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردي، ومن زهد في الدنيا قرّت عينه بما یری من ثواب الله عزّوَجل، ألا أزيدك يا غلام؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، قال: من كنّ فيه ثلاث خصال سلمت له الدنيا والآخرة: من أمر بالمعروف وائتمر به، و نهی عن المنكر وانتهى عنه، وحافظ على حدود الله، يا غلام أيسرّك أن تلقی الله يوم القيامة وهو عنك راضٍ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: كن في الدنيا زاهداً، وفي الآخرة راغباً، وعليك بالصدق في جميع أمورك، فإنّ الله يعبّدك وجميع خلقه بالصدق». ثمّ مشى حتى دخل سوق البصرة فنظر إلى الناس يبيعون ويشترون، فبکی صلوات الله عليه بكاءً شديداً ثم قال: يا عبید الدنيا وعمّال أهلها، إذا كنتم بالنهار تحلفون، وبالليل في فرشكم تنامون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتی تحرزون الزاد، وتفكّرون في المعاد؟ فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنّه لا بدّ لنا من المعاش فكيف نصنع؟ فقال أمير المؤمنين: إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة، فإن قلت لابدّ لنا من الاحتكار لم تكن معذوراً، فولّی الرجل باكياً. فقال له أمير المؤمنين: أقبِل عليّ أزيدك بياناً، فعاد الرجل إليه، فقال له: إعلم يا عبد الله أنّ كلّ عامل في الدنيا للآخرة لا بدّ أن يُوفّی أجر عمله في الآخرة، وكلّ عامل دنيا للدنيا عمالته في الآخرة نار جهنم، ثمّ تلا صلوات الله عليه قوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ طَغَی * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى».(1)(2)
وقال صلوات الله عليه: «ثلاث بهنّ يكمل المسلم: التفقّه في الدين، والتقدير في المعيشة، والصبر على النوائب»(1)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا علي ثلاث من لقي الله بهنّ فهو من أفضل الناس: من أتى الله بما افترض عليه فهو من أعبد الناس، ومن ورع عن محارم الله فهو من أورع الناس، ومن قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس».(2)
وقال صلوات الله عليه: «ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ أبداً حتی بری وبالهنّ: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وإنّ أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، وإنّ القوم ليكونوا فجّاراً فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون، ويبرّون فتزداد أعمارهم، وإنّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليدران الديار بلاقع من أهلها».(3)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ثلاث لا تُطيقها هذه الأمّة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذِكر الله على كلّ حال، وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرم عليه خاف الله لك عنده و ترکه».(4)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ثلاثة يتخوّف منهنّ الجنون: التغوّط بين القبور، والمشي في خُفّ واحد، والرجل ينام وحده».(5)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه آله: ثلاثة مجالستهم تُميت القلب: مجالسة الأنذال، ومجالسة الأغنياء، والحديث مع النساء».(1)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ياعلي ثلاثة من الوسواس: أكل الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية».(2)
وقال صلوات الله عليه: «الرجال ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر؛ فالعاقل الدین شریعته، والحلم طبيعته، والرأي سجيّته، إن سُئل أجاب، وإن تكلّم أصاب، وإن سمع وعي، وإن حدّث صدق، وإن اطمأنّ إليه أحد وفی؛ والأحمق إن استنبه بجميل غفل، وإن استُنزل عن حسن نزل، وإن حُمل على جهل جهل، وإن حدّث كذب، وإن فُقّه لا يفقه؛ والفاجر إن ائتمنته خانك، وإن صاحبته شانك، وإن وثقتَ به لم ينصحك».(3)
وقال صلوات الله عليه: «إنّ للمرء المسلم ثلاثة أخلاّء: فخليل يقول له (أنا معك حياً وميتاً) وهو عمله، وخليل يقول له (أنا معك إلى باب قبرك ثمّ أخلّيك) وهو ولده، وخليل يقول له (أنا معك إلى أن تموت) وهو ماله، فإذا مات صار للوارث».(4)
وقال صلوات الله عليه: «الفتن ثلاث: حبّ النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فخّ الشيطان، وحبّ الدنيا والدرهم وهما سهم الشيطان، فمن أحبّ النساء لم ينتفع بعيشه، ومن أحب الأشربة حرمت عليه الجنة، ومن أحب الدنيا والدرهم فهو عبد الدينار».(5)
وقال صلوات الله عليه: «جُمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر، والسكون، والكلام، فكلّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكلّ سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، و كلّ كلام ليس فيه ذِكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبراً، وسكوته فكراً، و كلامه ذِكراً، وبكى على خطيئته وأمن الناس من شرّه».(1)
وقال صلوات الله عليه: «قال لي رسول الله صلی الله علیه وآله «يا علي ثلاث درجات، وثلاث كفّارات، وثلاث مهلكات، وثلاث مُنجيات: فأمّا الدرجات فإسباغ الوضوء في السبرات،(2)وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات؛ وأمّا الكفّارات: فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والتهجّد بالليل والناس نيام؛ وأما المهلكات: فشُحّ مطاع، وهوى متبّع، وإعجاب المرء بنفسه؛ وأمّا المنجيات: فخوف الله في السرّ والعلانية، والقصد في الغني والفقر، و كلمة العدل في الرضا والسخط».(3)
وقال صلوات الله عليه لولده محمد بن الحنفية: «إيّاك والعُجب وسوء الخلق وقلّة الصبر، فإنّه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مجانب، ألزم نفسك التودّد، واصبر على مؤذيات الناس نفسك، وابذل لصديقك نفسك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك ومحبتك، ولعدوّك عدلك وإنصافك، واضنُن بدينك وعرضك عن كلّ أحد، فإنّه أسلم لدينك ودنياك».(4)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي
ولا من الله عزّوجَل، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: حلم يردّ به جهل الجاهل، وحسن خُلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله عزّوجَل».(1)
وقال صلوات الله عليه: «الذنوب ثلاثة، ثمّ أمسك، فقال له حبّة العرني: يا أمير المؤمنين قلت «الذنوب ثلاثة» ثمّ أمسكتَ؟ فقال صلوات الله عليه: ما ذكرتُها إلاّ وأنا أريد أن أفسّرها، ولكن عرض بهرٌ حال بيني وبين الكلام، نعم الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه، قال: يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا، قال: نعم، أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا، فالله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرّتين؛ وأمّا الذنب الذي لا يُغفر فمظالم العباد بعضهم من بعض، إنّ الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّ بكفّ، ولو مسحة بكفّ، ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء، فيقتصّ للعباد بعضهم من بعض، حتّى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة، ثمّ يبعثهم للحساب؛ وأمّا الذنب الثالث: فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة منه، فأصبح خائفاً من ذنبه راجياً لربّه، فنحن له كما هو لنفسه، نرجوله الرحمة ونخاف عليه العذاب».(2)
خطب علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه _ وقد سأله ابن الكوّاء (لعنه الله) عن صفة الإسلام والايمان والكفر والنفاق _ فقال صلوات الله عليه:
«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى شَرَعَ الْإِسْلَامَ وَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ لِمَنْ حَارَبَهُ وَجَعَلَهُ عِزّاً لِمَنْ تَوَلاَّهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَزِينَةً لِمَنْ تَجَلَّلَهُ وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَعُرْوَةً لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَحَبْلاً لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَعَوْناً لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفُلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَعِلْماً لِمَنْ وَعَاهُ وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوى وَحُكْماً لِمَنْ قَضى وَحِلْماً لِمَنْ جَرَّبَ وَلِبَاساً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَفَهْماً لِمَنْ تَفَطَّنَ وَيَقِيناً لِمَنْ عَقَلَ وَبَصِيرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَتُؤَدَةً لِمَنْ أَصْلَحَ وَزُلْفى لِمَنِ اقْتَرَبَ وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَرَخَاءً لِمَنْ فَوَّضَ وَسُبْقَةً لِمَنْ أَحْسَنَ وَخَيْراً لِمَنْ سَارَعَ وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ وَلِبَاساً لِمَنِ اتَّقى وَظَهِيراً لِمَنْ رَشَدَ وَكَهْفاً لِمَنْ آمَنَ وَأَمَنَةً لِمَنْ أَسْلَمَ وَرَجَاءً لِمَنْ صَدَقَ وَغِنًى لِمَنْ قَنِعَ».
ثم إنّه علیه السلام غيّر أسلوب البيان خشية الملل وكراهية الإطالة في السير على منهج واحد، إيقاظاً لمن أخذته الغفلة في ساحة الفكر، أو تجاذبته الأنظار إلى غير المقصود، فقال معظّماً أمر الإسلام، مشيراً إلى مقامه الأسمى ومكانه الأعلى:
«فَذَلِكَ الْحَقُّ سَبِيلُهُ الْهُدَى وَ مَأْثُرَتُهُ الْمَجْدُ وَ صِفَتُهُ الْحُسْنَى فَهُوَ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ مُشْرِقُ الْمَنَارِ ذَاكِي الْمِصْبَاحِ رَفِيعُ الْغَايَةِ يَسِيرُ الْمِضْمَارِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ سَرِيعُ السَّبْقَةِ أَلِيمُ النَّقِمَةِ كَامِلُ الْعُدَّةِ كَرِيمُ الْفُرْسَانِ ».
ثمّ أخذ علیه السلام يفسّر ما ربّما يكون مُبهماً من كلامه أو مستعجماً من ألفاظه، وليس من كلامه بمبهم، ولا لفظ منها بمستعجم، ولكنّه عليّ وحرصه على تفهیم خلق الله و تعلیم عباده، لذلك تسمعه يقوله: «الْإِيمَانُ مِنْهَاجُهُ وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ الْفِقْهُ مَصَابِيحُهُ وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ الْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ الْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ الْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ وَ النَّارُ نَقِمَتُهُ وَ التَّقْوَى عُدَّتُهُ وَ الْمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ».
ثمّ كأنّه يريد أن يأخذ بيدك يرشدك إلى الطريق ويدلّك على المحجّة، حتّى لا تلتوي بك السبل ولا تأخذك الملاوي والتعاريج، حيث يقول: «فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ وَ بِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تَجُوزُ الْقِيَامَةَ وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وَ الْجَنَّةُ حَسْرَةُ أَهْلِ النَّارِ وَ النَّارُ مَوْعِظَةُ الْمُتَّقِينَ وَ التَّقْوَى سِنْخُ الْإِيمَانِ». أصول الكافي مج2، ص49، الطبعة الحديثة؛ وفي مج2 من شرح ابن أبي الحديد ص219.
قوله: «فبالايمان يستدلّ على الصالحات» وذلك أنّ الإيمان هو المنهاج والطريق، وكلّما كان الطريق مستقيماً عدلاً كان دليلاً موصلاً، وأيضاً الإيمان له شبه العلّة بالنسبة إلى الصالحات، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى:
«إِنَّمَا یَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ»(1)
ويشير إلى ذلك الشاعر بقوله:
وإذا حلّت الهداية قلباً نشطت للعبادة الأعضاءُ.(2)
اِلف النُسك والعبادة وال *** صلاة طفلاً وهكذا النُجباءُ
ودلالة العلّة على معلولها قويّة، والاستدلال بها شایع، وهي من البراهين القطعيّة، وسمّاه الحكماء بالبرهان اللمّي، والإستدلال بالمعلول على العلّة بالبرهان الإنّي، واللمّي أقوى عندهم من الإنّي، وليس هنا موضع تفصيله، فلنكتفِ بهذا ولنعد إلى ما كنّا بصدده.
قال صلوات الله عليه: «بالصالحات يعمر الفقه».
وذلك أنّ الفقه إنّما يُطلب للعمل الصالح، فإذا طُلب لغير ذلك كان صنعة ولم يكن علماً، فلا جرم كان العمل الصالح باعثاً على الفقه، فحيث يُطلب العمل يُطلب العلم، وحيث يعمر العمل، يعمر العلم، وحيث يترك العمل يترك العلم. زهّد الناس في العلم قلّة العاملين به، أو أنّ المقصود الاشارة إلى أنّ بالعمل على موجب العلم ينمو العلم «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم»(1)وقيل: إنّ المراد بالصالحات ولاية أهل البيت علیهم السلام، وعمران الفقه بها واضح، وذلك أنّ المقصود بولايتهم اتّخاذهم أولياء لهم الأمر والنهي والطاعة المفترضة، وإلى هذا المعنى يشير الإمام الصادق علیه السلام بقوله: «ولايتي لعليّ خير من ولادتي منه»(2)وهم علیهم السلام أبواب الفقه و خزّانه، وأنصار الحقّ وأعوانه، وهم تراجمة القرآن وسفرة الرحمن، استودعهم علمه، وائتمنهم على مكنون سرّه، فمن أخذ شيئاً من هذا فعنهم أخذو منهم اقتبس، وإلى ذلك يشير ابن أبي الحديد المعتزلي في علي علیه السلام:
ألا إنّما التوحيد لولا علومه لعرضة ضلّيل ونهبة كافرِ.
وله _ ابن أبي الحديد _ في أوائل شرح النهج كلام في هذا المقام طویل ملخّصه: أنّ فقهاء المذاهب وغيرهم من أئمّة العلم وأعلامه أخذوا عنه علومهم، وحسبنا في ذلك قول الرسول صلی الله علیه وآله المتّفق على روايته عند الشيعة والسنّة «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً، ألا وإنّ اللطيف الخبير قد أنبأني أنّهما لن یفترقا حتّی یردا عليّ الحوض كإصبعيّ هاتين _ وجمع بين سبّابتيه _ ولا أقول هاتين _ وجمع بين سبّابته والوسطى _ فتفضل هذه على هذه، فلا تتقدّموهم فتمرقوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».(1)
وإلى هذا المعنى يُشير بعض الشعراء بقوله:
إليكم وإلاّ لا تُشدّ الركائبُ *** ومنكم وإلاّ لا تُنال المواهبُ
وفيكم وإلاّ فالحديث زخارف *** وعنكم وإلاّ فالمحدّث کاذب
ولله درّ من قال:
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً *** ينجّيك يوم البعث من لهب النار
فدع عنك قول الشافعي ومالك *** وأحمد والمروي عن كعب أحبار
ووالِ أناساً قولهم وحديثهم *** روی جدُّنا عن جبرئیل عن الباري(2)
وقال الآخر:
مُطهرونَ نقيّاتٌ ثيابهمُ *** تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا
الله لمّا برى خلقاً وأتقنه *** صفاکُمُ واصطفاكمْ أيّها البشرُ
فأنتم الملأ الأعلى وعندكمُ *** عِلمُ الكتاب وما جاءت به السور(3)
وليس غرضنا من هذا الدعوةَ أو الدعايةَ على ما يقولون، ولكنّه الحقّ نقوله خدمة للحقّ ولطلاّب الحقّ _ وما بعد الحقّ إلاّ الضلال المبين _ ولنعد إلى تمام کلامه صلوات الله عليه في هذا الموضوع.
قوله علیه السلام: «وبالفقه يرهب الموت».
الموت قنطرة أو سفينة يعبر بها أهل النعيم إلى نعيمهم، وأهل الجحيم إلى جحيمهم، فهو لأولئك راحة لاتزول، ولهؤلاء حسرة لا تنقضي، وباب العلم به على عباده مسدود، لا يعلم المرء متى يأتيه الموت ويدنو منه، ولا يعلم ما يلاقيه وينتهي إليه، وكم اطّردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلاّ إخفاءه، فكيف لا نرهبه، نعم إنّما يغفل عنه ولا يرهب منه الجاهلون، وإنّما يخشاه ويخافه العالمون «إِنَّمَا یَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ».(1)أجل في الموت راحة المؤمن وهناؤه حيث يُخلّصه منکدورات الدنيا و آلامها.
قال الشاعر:
جزى الله عنّا الموت خيراً فإنّه *** أبرّ بنا من كل برّ وأرأفُ
يعجّل تخليص النفوس من الأذى *** ویُدني من الدار التي هي أشرف(2)
وقال آخر:
من كان يرجو أن يعيش فإنّني *** أصبحت أرجو أن أموت لأعتقا
في الموت ألف فضيلة لو أنها *** عُرفت لكان سبيله أن يُعشقا(3)
وقال الشيخ البهائي:
إنّ هذا الموت يكرهه *** كلُّ من يمشي على الغبرا
وبعين العقل لو نظروا *** الرأوه الراحة الكبرى
وقال أبو العتاهية:
المرء يأمل أن يعيش *** و طولُ عمرٍ قد يضرّه
تفنی بشاشتُه ويبقى *** بعد حُلو العيش مُرّه
وتخونه الأيّام حتّى *** لا يرى شيئاً يسّره
کم شامتٍ بي إن هلكتُ *** وقائلٍ لله درّه(1)
وقال ابن المعتز:
ألست تری یا صاح ما أعجب الدهرا *** فذمّاً له لكنّ للخالق الشكرا
لقد حبب الموت البقاء الذي أری *** فیا حسداً مني لمن يسكن القبرا(2)
وقال آخر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا *** في الموت ألف فضيلة لا تُعرفُ
منها أمان لقائه بلقائه *** وفراق كلّ معاشر لا يُنصف(3)
وقال ابراهيم بن المهدي:
وإنّي وإن قدّمت قبلي لَعالِمٌ *** بأنّي وإن أبطأتُ عنك قريبُ
وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه *** صباح إلى قلبي الغداة حبيب(4)
وهناك ناحية أخرى تدعو إلى رهبة الموت والخوف منه، نبّه إليها صلوات الله عليه بقوله: «وبالموت تُختم الدنيا».
وذلك أنّ الدنيا مضمار العمل ومیدانه، ومزرعة الآخرة ومغرسها، وإنّما يحصد المرء بآخرته ما زرعه بها، ويجني من ثمر ما غرسه فيها، والموت يقطعه عن ذلك، ويحول بين المرء وقلبه، وبين المذنب وتوبته، والمجرم وأوبته، ومن هنا يقول صلوات الله عليه بعده:
«وبالدنيا تجوز القيامة».
أي ثواب يوم القيامة، ويتلخّص من كلامه علیه السلام أنّ بالفقه يرهب الموت، و كيف لا يرهب الموت وبه تختم الدنيا، وبالدنيا تحاز الجنّة، فالموت إذن قد يحول بين المرء وبين أن يحوز الجنّة، ولا سيّما إذا جاء بغتة وعلى غير استعداد، نعوذ بالله من سوء الخاتمة ونستغفره ونتوب إليه من كلّ ما لا يرضيه، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلّي العظيم.
قوله صلوات الله عليه:
«وبالقيامة تُزلف الجنة».
أي تقرب، قال الله تعالى: «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ».(1)
قوله علیه السلام: «والجنّة حسرة أهل النار»روي أنّه يُكشف لهم عن مقاعدهم فيها لو كانوا مؤمنين في الدنيا فيتحسّرون ويزدادون ألماً فوق آلامهم، نادمین على ما قدّموا من قبيح أعمالهم، «أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ»(2)وذلك أنه «وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ».(3)
قوله علیه السلام: «والنار موعظة المتّقين» أي يذكرونها فيّتعظون بها، «فهم
والنار كمن قد رآها» لشدّة يقينهم بها «فهم فيها مُعذَّبون».
قوله علیه السلام: «والتقوى سنخ الإيمان» أي أصله و أساسه.
ولنعد إلى كلامه الأوّل عليه السلام في وصف الإسلام ونعته.
قال كميل بن زیاد رضوان الله عليه: سألت مولاي أمير المؤمنين علیه السلام عن قواعد الإسلام ما هي؟ فقال: «قواعد الإسلام سبعة: فأوّلها العقل وعليه بُني الصبر، والثانية صون العرض وصدق اللهجة، والثالثة: تلاوة القرآن على جهته، والرابعة الحبّ في الله والبُغض في الله، والخامسة حقّ آل محمد صلی الله علیه وآله ومعرفة ولايتهم، والسادسة حقّ الاخوان والمحاماة عنهم، والسابعة مجاورة الناس بالحُسنی.
قلت: يا أمير المؤمنين، العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه، فما حدّ الاستغفار؟ قال: یابن زیاد التوبة، قلت: بس، قال: لا. قلت: فكيف؟ قال: إنّ العبد إذا أصاب ذنباً يقول «أستغفر الله» بالتحريك، قلت: وما التحريك؟
قال: الشفتان واللسان، يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة، قلت: وما الحقيقة؟ قال: تصديق في القلب، وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه، قال کمیل: فإذا فعلتُ ذلك فأنا من المستغفرين؟ قال: لا. قال كميل: فكيف ذاك؟ قال: لأنّك لم تبلغ إلى الأصل بعد، قال كميل: فأصل الاستغفار ماهو؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفر منه، وهو أوّل درجة العابدین. وترك الذنب والاستغفار اسمٌ واقع لمعانٍ: أوّلها: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود أبداً، والثالث: أن تؤدّي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم، الرابع: أن تؤدّي حقّ الله في كلّ فرض، والخامس: أن تُذيب اللحم الذي نبت على السُّحت والحرام، حتّى يرجع الجلد إلى عظمه وتنشيء بینهما لحماً جديداً، والسادس: أن تُذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذّات المعاصي».(1)
1) تحف العقول 196 - 197؛ بحار الأنوار 65: 381.
وقال صلوات الله عليه: «الأنسبنّ الإسلام نسبة لا ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلاّ بمثل ذلك: إنّ الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو العمل، والعمل هو الأداء، إنّ المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه من ربّه فأخذه، إنّ المؤمن يرى يقينه في عمله، والكافر يرى إنكاره في عمله.
فو الذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم، فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة».(1)
وقال صلوات الله عليه: «أثافيّ الإسلام ثلاث لا تنفع واحدة منهنّ دون صاحبتها: الصلاة، والزكاة، والولاية».(2)
وقال صلوات الله عليه: «وأمّا ما فرضه الله عزّوجَل من الفرائض في كتابه، فدعائم الإسلام، وهي خمس دعائم، وعلى هذه الفرائض بُني الإسلام، فجعل سبحانه لكلّ فريضة من هذه الفرائض أربعة حدود لا يسع أحدٌ جهلها: أوّلها الصلاة، ثمّ الزكاة، ثمّ الصيام، ثمّ الحجّ، ثمّ الولاية وهي خاتمتها والحافظة الجميع الفرائض والسنن».(3)
وقال صلوات الله عليه: «قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إنّ الله خلق الاسلام فجعل له عرصة، وجعل له نوراً، وجعل له حصناً، وجعل له ناصراً، فأمّا عرصته فالقرآن، وأمّا نوره فالحكمة، وأمّا حصنه فالمعروف، وأمّا أنصاره فأنا وأهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم، فإنّه لمّا أسري بي إلى سماء الدنيا فنسبني جبرئيل علیه السلام لأهل السماء استودع الله حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة، ثمّ هبط بي إلى الأرض فنسبني
إلى أهل الأرض، فاستودع الله عزّوجَل حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب مؤمني أمّتي، فمؤمنو أمّتي يحفظون ودیعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة، ألا فلو أنّ الرجل من أمّتي عبد الله عزّوجَل عمره أيّام الدنيا ثمّ لقي الله عزّوجَل مُبغضاً لأهل بيتي وشيعتي ما فرّج الله صدره إلاّ عن النفاق».(1)
وقال صلی الله علیه وآله: «يا علي طوبی لمن أحبّك وصدّق بك، وويل لمن أبغضك وكذّب بك، محبّوك معروفون في السماء السابعة العليا والأرض السابعة السفلى وما بين ذلك، هم أهل الدين والورع والسمت الحسن والتواضع لله عزّوجَل، خاشعة أبصارهم، وجلت قلوبهم لذكر الله عزّوجَل، وقد عرفوا حقّ ولايتك، وألسنتهم ناطقة بفضلك، وأعينهم ساكبة تحنّناً عليك وعلى الأئمة من ولدك، يدينون لله بما أمرهم به في كتابه وجاءهم به البرهان من سنّة نبيّه، عالمون بما يأمرهم به أولو الأمر منهم، متواصلون غير متقاطعين، متحابّون غير متباغضين، إنّ الملائكة لتصلّي عليهم وتؤمّن على دعائهم وتستغفر للمذنب منهم وتشهد لحضرته و تستوحش لفقده إلى يوم القيامة».(2)
بعد حمد الله تعالى والثناء عليه
«إنّ قريشاً طلبت السعادة فشقیت، وطلبت النجاة فهلكت، وطلبت الهدی فضلّت، ألم يسمعوا _ ويحهم _ قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»؟ فأين المعدل والمفرّ عن ذريّة الرسول الذين شيّد الله بنيانهم فوق بنيانهم، وأعلى رؤسهم فوق رؤسهم، واختارهم عليهم، ألا إنّ الذرّیة أفنان أنا شجرتها ، ودوحة أنا ساقها ، وإنّي من أحمد صلی الله علیه وآله بمنزلة الضوء من الضوء، والذراع من العضد، كنّا ظلالاً تحت العرش قبل خلق البشر وقبل خلق الطينة التي خُلق منها البشر أشباحاً عاليةَ لا أجسام نامية، إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كُنهه إلاّ ثلاثة: مَلَك مقرّب أو نبیّ مُرسَل أو عبد امتحن الله قلبه للایمان، فإذا انكشف لكم سرّ أو وضح لكم أمر فاقبلوه، والاّ فاسكتوا تسلموا، وردّوا علمنا إلى الله تعالى».
قوله صلوات الله عليه: «و إنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء».
قال ابن أبي الحديد المعتزلي (مج 4 ص 107 من الطبعة الأولى بمصر) عند شرحهذه الكلمة: «ذلك لأنّ الضوء الأوّل يكون علّة في الضوء الثاني، ألا ترى أنّ الهواء المقابل للشمس يصير مضيئاً من الشمس، فهذا الضوء هو الضوء الأوّل، ثمّ إنّه يقابل وجه الأرض فيضيء وجه الأرض منه، فالضوء الذي على وجه الارض هو الضوء الثاني، وما دام الضوء الأوّل ضعيفاً فالضوء الثاني ضعيف، فإذا ازداد الجوّ إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة، لأنّ المعلول يتبع
العلّة، فشبّه علیه السلام نفسه بالضوء الثاني، وشبّه رسول الله صلی الله علیه وآله بالضوء الأوّل، وشبّه منبع الأضواء والأنوار سبحانه وجلّت أسماؤه بالشمس التي توجب الضوء الأول، ثمّ الضوء الأوّل يوجب الضوء الثاني، وههنا نكتة وهي أنّ الضوء الثاني يكون أيضاً علّة لضوء ثالث، وذلك أنّ الضوء الحاصل على وجه الأرض _ وهو الضوء الثاني _ إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قریباً منه مكان مظلم، فإنّ ذلك المكان يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً، وإن كان لذلك المكان المظلم باب و كان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار، كان ذلك الجدار أشدّ إضاءة من باقي البيت، ثمّ ذلك الجدار، إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشدّ إضاءة ممّا حواليه، وهكذا لا يزال الضوء يوجب بعضه بعضاً على وجه الإنعكاس بطريق العلّيّة وبشرط المقابلة، ولا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحلّ ويعود الأمر الى الظلمة، وهكذا عالم العلوم والحكم المأخوذة من أمير المؤمنين علیه السلام لا تزال تضعف كلّما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الاسلام غريباً كما بدا بموجب الخبر النبوي الوارد في الصحاح «بدء الإسلام غريباً وسيعود غريباً».(1)
وأمّا قوله: و كالذراع من العضد، فلأنّ الذراع فرع على العضد، والعضد أصل، ألا ترى أنّه لا يمكن أن يكون ذراع إلاّ إذا كان عضد، ويمكن أن يكون عضد لا ذراع له، ولهذا قال الراجز لولده:
یا بکر بکرین و یا خلب الكبد *** أصبحت مني كذراع من عضد
فشبّه عليه السلام نفسه بالنسبة إلى رسول الله صلی الله علیه وآله بعد بالذراع الذي العضد أصله وأسّه، والمراد من هذا التشبيه الإبانة عن شدّة الامتزاج والاتّحاد والقرب بينهما، فإنّ الضوء الثاني شبيه بالضوء الأول، والذراع متّصل بالعضد اتّصالاً بيّناً، وهذه المنزلة فقد أعطاه إياها رسول الله صلی الله علیه وآله في مقامات كثيرة، نحو قوله في قصّة
1) عوالي اللتالي 1: 33/ ح 12؛ مسند أحمد 4: 73.
براءة «قد أمرت أن لا يؤدّي عني إلاّ أنا أو رجل مني»، وقوله: «لتنتهنّ يابني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلاً مني، أو قال عدیل نفسي»، وقد سمّاه الكتاب العزيز نفسه فقال: «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ»(1)وقد قال له الحمك مختلط بلحمي، ودمك منوط بدمي، وشبرك وشبري واحده».(2)
قوله علیه السلام: «كنّا ظِلالاً تحت العرش قبل خلق البشر وقبل خلق الطينة التي خلق منها البشره».
جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي من علماء القرن الثالث الهجري (مج 1 ص 18 ط النجف) عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن علي علیه السلام أنه قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ما خلق الله خلقاً أفضل منّي ولا أكرم عليه مني. فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أو جبرئيل؟ فقال صلی الله علیه وآله: يا علي إنّ الله فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلین، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمّة من بعدك، وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا، ياعلي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذین آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم و حوّاء ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا و تسبيحه وتقديسه، لأنّ أوّل ما خلق الله خلق أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده و بتمجيده، ثمّ خلق الملائكة، فلمّا شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا، فسبّحنا لتعلم الملائكة، فسبّحت الملائكة بتسبيحنا».(3)
وفي كتاب الاختصاص تأليف الشيخ المفيد رضوان الله عليه عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «والله مابرء الله من بريّة أفضل من محمد ومنّي ومن أهل بيتي، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطلبة العلم من شيعتنا».(1)
وفي كتاب (بصائر الدرجات) في باب (أمير المؤمنين و أولو العزم أيّهم أفضل). وكذا جاء في بحار الأنوار، عن عبد الله بن الوليد قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: أيّ شيء يقول الشيعة في عیسی و موسي وأمير المؤمنين عليهم السلام؟ قلت: يقولون إنّ عیسی و موسی أفضل من أمير المؤمنين، قال: فقال: أيزعمون أمير المؤمنين عليه السلام قد علم ما علم رسول الله صلی الله علیه وآله؟ قلت: نعم، ولكن لا يقدّمون على أولي العزم من الرسل أحداً، قال أبو عبد الله علیه السلام: فخاصِمهم بكتاب الله. قال: قلت: وفي أيّ موضع منه أخاصمهم؟ قال: قال الله تعالی لموسى: «وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»(2)علمنا أنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء، وقال الله تبارك وتعالى لعيسى: «وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ»،(3)وقال الله تعالی لمحمد صلی الله علیه وآله: «وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»(4)
وعن الحسین بن علوان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ الله خلق أولي العزم من الرسل وفضّلهم بالعلم وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضّلنا عليهم في علمهم، و علّم رسول الله صلی الله علیه وآله ما لم يعلموا، وعَلِمنا علمَ الرسول وعلمَهم».(5)
وعن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو جعفر علیه السلام: يا عبد الله ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسی عليه السلام؟ قال: قلت: جُعلت فداك، ومن أيّ
حالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم، فأمّا الفضل فهم سواء. قال: قلت: جُعلت فداك فما عسى أقول فيهم؟ فقال: هو والله أعلم منهما، ثم قال: يا عبد الله أليس يقولون إنّ لعلي علیه السلام ما للرسول من العلم؟ قال: قلت بلى، قال: فخاصمهم فيه، قال إنّ الله تبارك وتعالى قال لموسى: «وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»(1)فأعلمنا أنّه لم يبيّن له الأمر كلّه، وقال الله تبارك وتعالى لمحمد: «وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ».(2)
وعن علي بن إسماعيل عن بعض رجاله قال: قال أبو عبد الله علیه السلام لرجل: «تمصّون الثماد وتدعون النهر الأعظم؟ فقال له الرجل: ما تعني بهذا یا بن رسول الله ؟ فقال: عِلم الأنبياء بأسره أوحاه الله إلى محمد صلی الله علیه وآله ، فجعله محمّد عند علي علیه السلام، فقال له الرجل: فعلي أعلم أو بعض الأنبياء، فنظر أبو عبد الله علیه السلام إلى بعض أصحابه، فقال: «إنّ الله يفتح مسامع من يشاء، أقول له إنّ رسول الله صلی الله علیه وآله جعل ذلك كلّه عند علي فيقول علي أعلم أو بعض الأنبياء».(3)
وفي المجلّد الاول من أصول الكافي تأليف محمد بن يعقوب الكليني ص 222 _ في باب (أنّ الأئمة ورثة العلم) عن علي بن النعمان، رفعه عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال أبو جعفر يمصّون الثماد القليل من الماء ويدعون النهر العظيم ! قيل له: وما النهر العظيم؟ قال: رسول الله والعلم الذي أعطاه الله، إنّ الله عزّوجَل جمع لمحمد صلی الله علیه وآله سنن النبيّين من آدم وهلمّ جرّاً إلى محمد صلی الله علیه وآله، قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيّين بأسره، وإنّ رسول الله صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له رجل: یابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيّين ؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : اسمعوا ما يقول، إنّ الله يفتح مسامع من يشآء، إنّي
حدّثته أنّ الله جمع لمحمّد صلی الله علیه وآله علم النبيّين، وأنّه جمع ذلك كلّه عند أمير المؤمنين علیه السلام، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيّين».(1)
وفيه أيضاً ص 263 عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ جبرئیل أتی رسول الله صلی الله علیه وآله برمّانتین، فأكل رسول الله إحداهما وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفاً وأطعم علياً نصفاً، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا أخي هل تدري ما هاتان الرمّانتان؟ قال: لا. قال: أمّا الأولى فالنبوّة ليس لك فيها نصيب، وأمّا الأخرى فالعلم أنت شریکي فيه، فقلت: أصلحك الله، كيف كان يكون شريكه فيه؟ قال: «لم يعلّم الله محمداً صلی الله علیه وآله عِلماً إلاّ وأمره أن يعلّمه علياً علیه السلام».(2)
وفي المجلّد الحادي عشر من البحار ص 114 ط الحديثة، بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطّار، عن الفزاري، عن محمد بن عمران، عن اللؤلئي، عن ابن بزیع،عن ابن ظبيان، قال: «قال أبو عبد الله علیه السلام: اجتمع ولد آدم في بيت فتشاجروا، فقال بعضهم: خير خلق الله أبونا آدم، وقال بعضهم: الملائكة المقرّبون، وقال بعضهم: حملة العرش، إذ دخل عليهم هبة الله، فقال بعضهم: لقد جاءكم من يفرّج عنكم. فسلّم ثم جلس فقال: في أيّ شيء كنتم؟ فقالوا: كنّا نفكّر في خير خلق الله فأخبروه، فقال: اصبروا لي قليلاً حتّى أرجع إليكم، فأتى أباه فقال: يا أبت إنّي دخلت على أخوتي وهم يتشاجرون في خير خلق الله فسألوني، فلم يكن عندي ما أخبرهم، فقلت: اصبروا حتّى أرجع اليكم فقال آدم علیه السلام: يا بُنيّ وقفت بين يدي الله علیه السلام فنظرت إلى سطر على وجه العرش مکتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، محمّد و آل محمّد خير من برأ الله».
وفي تفسير النيسابوري المطبوع على هامش تفسير الطبري في سورة الزخرف
آية 45، في تفسير قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ». عن ابن عباس وابن مسعود أنّ النبي علیه السلام قال: «أتاني ملك فقال: يا محمّد سَل من أرسلنا من قبلك من رُسلنا علام بُعثوا؟ قال: قلت: علام بُعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب رَضی الله عنهُ».رواه الثعلبي.(1)
في تفسير البرهان في سورة الزخرف آية 45، في تفسير في قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» عن جابر بن عبد الله،قال: قال لي رسول الله صلی الله علیه وآله: يا جابر أيّ الأخوة أفضل؟ قال: قلت: البنون من الأب والأم، فقال: إنّا معاشر الأنبياء أخوة وأنا أفضلهم، ولأحب الأخوة إليّ علي بن أبي طالب، فهو عندي أفضل من الأنبياء، فمن زعم أنّ الأنبياء أفضل منه فقد جعلني أقلّهم، ومن جعلني أقلّهم فقد کفر، لأنّي لم أتّخذ علياً أخاً إلاّ لما علمتُ من فضله.(2)
وفي المجلد الحادي عشر من البحار ص 39، والمجلد 46 ص 134 منه أيضاً ط الحديثة، وفي الأنوار النعمانية ص 8 ط الأولی، وفي اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء ص 98:
أنه لمّا وردت حرّة بنت حليمة السعدية على الحجّاج بن يوسف الثقفي، قال لها: أنت حرّة بنت حليمة السعدية؟ قالت: نعم، قال لها: لقد نُقل عنك أنك تفضّلين علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان؟ قالت: لقد كذب الذين قالوا لك أنّي أفضّله على هؤلاء خاصّة، بلى أفضّله على آدم ونوح ولوط وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى. قال لها: يا ويلك إنّي أقول لك أنّك تفضّلينه على الأصحاب فتبتدرينهم بسبعة
من الأنبياء من أولي العزم، فإن لم تأتِني ببيان ما قلت وإلاّ ضربت عنقك، قالت: ما أنا فضّلته على هؤلاء الأنبياء، بل الله فضّله في القرآن العظيم عليهم، في قوله في حقّ آدم: «وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى»(1)وقال في حقّ علي: «وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا»(2)فقال: أحسنت یا حرّة، فبِم تفضّيله على نوح و لوط؟ قالت: ما أنا فضّلته، بل الله تعالی فضّله عليهما بقوله: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا»(3)وعلي بن أبي طالب علیه السلام كان ملكه تحت سدرة المنتهى وزوجته فاطمة الزهراء بنت محمد التي يرضي الله لرضاها ويغضب لغضبها، فقال: أحسنت يا حرّة، فبم تفضّليه على أبي الأنبياء ابراهیم خلیل الله؟ قال: ما أنا فضّلته، بل الله فضّله بقوله تعالى: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ»(4)وعلي بن أبي طالب يقول: لو کُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً، وهذه كلمة لم يقلها أحد قبله ولا بعده، قال: أحسنت يا حرّة، وبم تفضّليه على موسی؟ قالت: ما أنا فضّلته، بل الله تعالی فضّله عليه، بقوله: «فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(5)وعلي بن أبي طالب علیه السلام بات على فراش رسول الله صلی الله علیه وآله يفديه بنفسه ولم يخف حتّى أنزل الله تعالى فيه «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»(6)قال: أحسنت يا حرّة، وبم تفضّليه على داود علیه السلام؟ قالت: ما أنا فضّلته بل الله فضّله بقوله: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ»(7)قال: بأيّ شيء كانت حكومته؟ قالت: في رجلين كان أحدهما له کرم والآخر له غنم فرعته، فاحتكما إلى داود فقال داود: تباع الغنم و يُنفق ثمنها في الكرم حتّى يعود. فقال
ابنه سليمان: لا يا أبة، بل يؤخذ من صوفها ولبنها ويُنفق في الكرم حتّى يعود، فأنزل الله تعالى «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ»(1)وعلي بن أبي طالب قال: سَلوني عمّا فوق السماء، سلوني قبل أن تفقدوني، فهذا سفط العلم وهذا العاب رسول الله، قال: أحسنت يا حرة، وبم تفضّليه على سليمان؟ قالت: ما أنا فضّلته بل الله تعالی فضّله بقوله تعالى: «وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي»(2)وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقول: يا دنيا لقد طلّقتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، حتّى أنزل الله تعالى في حقّه «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(3)قال: أحسنت يا حرّة، وبم تفضّليه على عيسی روح الله؟ قالت: ما أنا فضّلته، بل الله تعالی فضّله عليه بقوله: «يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ»(4)وعليّ لما ادّعت فيه الغلاة أنّه الله لم يُعاتبه الله تعالی. قال: أحسنت يا حرّة، ثمّ أكرمها وأحسن إليها وسرّحها سراحاً جميلاً».
جاء في مشارق أنوار اليقين، للشيخ البرسي الحلي:
إنّ الله سبحانه وصف أنبياءه بأوصاف، ووصف وليّ نبيه بأعلى منها، فقال: في نوح «إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا»(5)وقال في علي «وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا»(6)وأين الشاكر من مشكور السعي؟ ووصف إبراهيم بالوفاء فقال «وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ»،(7)وقال في علي «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ»،(8)ووصف سليمان
بالملك فقال: «وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا»(1)وقال في علي: «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا»،(2)ووصف أيوب بالصبر فقال: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا»،(3)وقال في علي: «وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا»،(4)ووصف عيسى بالصلاة والزكاة فقال: «وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ»،(5)وقال في علي: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا»،(6)ووصف محمداً له بالعزّة فقال: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»،(7)وقال في علي: «وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ».(8)
وقال «إِنَّمَا وَلِیُّکُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِینَ آمَنُوا»(9)، ووصف الملائكة بالخوف فقال: «یَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَیَفْعَلُونَ مَا یُؤْمَرُونَ»(10)، وقال في علي: «إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا»(11)ووصف ذاته المقدّسة بصفات الألوهيّة فقال: «وَهُوَ یُطْعِمُ وَلَا یُطْعَمُ»(12)وقال في علي: «وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَی حُبِّهِ»(13)».(14)
وصفوة القول أنّ لمحمد صلی الله علیه وآله ولأهل بيته علیهم السلام مكانة عند الله تعالی لم يتوصّل إليها أحد، ولم يعرف قدرها إلاّ الرسل والأنبياء المعصومون عليهم السلام.
فقد دلّت الأخبار الواردة عن أهل البيت علیهم السلام بأنّ الانبياء توسّلوا إلى الله تعالى بالخمسة أصحاب الكساء في ساعات المحن التي تعرّضوا لها، فلقد توسّل بهم آدم علیه السلام بعد خروجه من الجنة، ونوح عند الطوفان، وإبراهيم عندما ألقاه النمرود في النار، وهكذا بقية الأنبياء عليهم السلام وقد أنجاهم الله تعالى من المحن التي تعرّضوا لها بواسطة هؤلاء الخمسة المعصومين عليهم السلام.
وأخيراً ظهرت هذه الحقيقة نتيجة للبحث والتنقيب، حيث نشرت (البذرة) النجفية التي تُصدرها ثانوية منتدى النشر الأهلية في عددیها الثاني والثالث بتاریخ شوال _ ذي القعدة سنة 1385 هج بحثاً مترجماً عن كتاب إليا والذي نشرته دار المعارف الإسلامية بلاهور (باکستان).
تحت عنوان:
ما هذا نصّه مترجماً عن الأوردية:
«في تموز عام 1951 م حينما كان جماعة من العلماء السوفيت المختصّين بالآثار القديمة ينقّبون في منطقةٍ بوادي قاف عثروا على قطع متناثرة من أخشاب قديمة متسوّسة وبالية، ممّا دعاهم إلى التنقيب والحفر أكثر وأعمق، فوقفوا على أخشاب أخرى متحجّرة وكثيرة كانت بعيدة في أعماق الأرض!!
ومن بين تلك الأخشاب التي توصّلوا إليها نتيجة التنقيب خشبة على شكل مستطيل طولها 14 عقداً وعرضها 10 عقود سبّبت دهشتهم واستغرابهم، حيث لم تتغيّر فلم تتسوّس ولم تتناثر كغيرها من الأخشاب الأخرى.
وفي أواخر سنة 1952 أكمل التحقيق حول هذه الآثار، فظهر أنّ اللوحة المشار إليها كانت ضمن سفينة النبي نوح علیه السلام، وأنّ الأخشاب الأخرى هي أخشاب هيكل سفينة نوح.
وممّا يذكره المؤرّخون أنّ سفينة نوح استوت على قمّة جبل قاف، وشوهد أنّ هذه اللوحة قد نُقشت عليها بعض الحروف التي تعود إلى أقدم لغة.
وهنا ألّفت الحكومة السوفيتية لجنة بعد الانتهاء من الحفر عام 1953 قوامها سبعة من علماء اللغات القديمة، ومن أهم علماء الآثار وهم:
1 _ سوله نوف، أستاذ الألسن في جامعة موسكو.
2 _ إيفاهان فينو، عالم الألسن القديمة في كلية لو لوهان بالصين.
3 _ میشانن لو، مدير الآثار القديمة.
4 _ تانمول كورف، أستاذ اللغات في كلية كيفزو.
5 _ دي راكن، أستاذ الآثار القديمة في معهد لینین.
6 _ ایم اهمد کولاه، مدير التنقيب والاكتشافات العام.
7 _ هیجر کولتوف، رئيس جامعة ستالین.
وبعد مرور ثمانية أشهر من دراسة تلك اللوحة والحروف المنقوشة عليها اتّفقوا على أنّ هذه اللوحة كانت مصنوعة من نفس الخشب الذي صُنعت منه سفينة نوح عليه السلام، وأنّ النبي نوح كان قد وضع هذه اللوحة في سفينته للتبرّك والحفظ.
وكانت حروف هذه اللوحة باللغة السامانية، وقد ترجمها إلى الانكليزية العالم البريطاني (ایف ماکس) أستاذ الألسن القديمة في جامعة مانجستر، وهذا نصّ تعريبها:
«يا إلهي ويا مُعيني برحمتك و كرمك ساعدني، ولأجل هذه النفوس المقدسة: محمّد، إيليا، شبر، شبير، فاطمة، الذين هم جميعهم عظماء ومُكرمون، العالم قائم لأجلهم، ساعدني لأجل أسمائهم، أنت فقط تستطيع أن توجّهني نحو الطريق المستقيم».
وأخيراً بقي هؤلاء العلماء في دهشة كبرى أمام عظمة هذه الأسماء الخمسة ومنزلة أصحابها عند الله تعالى حيث توسّل بها نوح عليه السلام اليه تعالی.
واللغز الأهم الذي لم يستطع تفسيره أيّ واحد منهم هو عدم تفسّخ هذه اللوحة رغم مرور آلاف السنين عليها، وهذه اللوحة موجودة الآن في متحف الآثار القديمة في موسكو».
يقول الله تعالى: «سَنُرِیهِمْ آیَاتِنَا فِی الْآفَاقِ وَفِی أَنفُسِهِمْ حَتَّی یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ».(1)
وبهذه المناسبة أنقل هنا بعض الأحاديث التي تناسب المقام بشأن أهل البيت الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام.
جاء في كتاب (ینابیع المودّة) تأليف العلاّمة الشيخ سليمان القندوزي الحنفي ص 10 من الطبعة الأولى قال: أخرج أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي الشافعي في كتاب المناقب بسنده عن سلمان الفارسي رَضی الله عنهُ قال: سمعت حبيبي محمد صلی الله علیه وآله يقول: «كنت أنا وعلي نوراً بين يدَي الله عزّوجَل، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق آدم أودع الله ذلك النور في صُلبه، فلم نزل أنا وعلي شيئاً واحداً حتّى افترقنا في صُلب عبد المطلب، ففيَّ النبوّة وفي علي الامامة».(2)
وفي المناقب، عن إسحاق بن إسماعيل النيشابوري، عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين قال: حدّثنا عمّي الحسن عليه السلام قال: سمعت جدّي صلی الله علیه وآله يقول: «خُلقت من نور الله عزّوجَل، وخُلق أهل بيتي من نوري، وخُلق محبّوهم من نورهم، وسائر الناس في النار».(3)
وفي المجلد الأوّل من كتاب حلية الأولياء ص 86 قال رسول الله صلی الله علیه وآله : «من سرّه أن يحيا حياتي ويموت ميتي ويدخل الجنة التي وعدني ربّي _ وهي جنّة الخُلد_فليوالِ علياً من بعدي وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنّهم عِترتي خُلقوا من طينتي، رُزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي».
وقال صلی الله علیه وآله: «اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين».
وقال صلی الله علیه وآله: «الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه من لقي الله وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا».
وقال صلی الله علیه وآله: «معرفة آل محمد براءة من النار، وحبّ آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب».
وقال صلی الله علیه وآله: «فلو أن رجلاً صفّ قدميه بين الركن والمقام فصلّى وصام وهو مُبغض لآل محمد دخل النار».
وجاء في تفسير الفخر الرازي في سورة الشورى، و تفسير الكشّاف في قوله تعالى: «قُل لَّا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِی الْقُرْبَی»(1)قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمد بشّره مَلَك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمد فُتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حبّ آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بُغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من
1) الشوری: 32.
رحمة الله، ألا ومن مات على بُغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشمّ رائحة الجنّة».(1)
قال الفخر الرازي: آل محمد صلی الله علیه وآله هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أنّ فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل، فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أمّته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فيه.(2)
وروی صاحب الكشّاف أنّه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتُهم؟ فقال صلی الله علیه وآله : علي وفاطمة وابناهما، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلی الله علیه وآله، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم.
ويدلّ عليه وجوه:(3)
الأول: قوله تعالى: «إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»
والثاني: لا شكّ أنّ النبي صلی الله علیه وآله كان يحبّ فاطمة عليها السلام ، قال صلی الله علیه وآله : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، وثبت بالنقل المتواتر من محمد صلی الله علیه وآله أنّه كان يحبّ علياً علیه السلام والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمة مثله، لقوله تعالی: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ»(4)
ولقوله: «فَلْیَحْذَرِ الَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»(1)ولقوله تعالى: «قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ»(2)ولقوله سبحانه: «لَّقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(3)
الثالث: أنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهو قوله: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً و آل محمد» وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدّل على أنّ حبّ آل محمد واجب.
وقال الشافعي:
یا راكباً قِف بالمحصّب من مِنی *** واهتف بساكن خيفها والناهضِ
سَحراً إذا فاض الحجيجُ إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي(4)
«ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ _ أي علي النبي _ الْكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَسِرَاجاً لاَ يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْراً لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَمِنْهَاجاً لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ وَشُعَاعاً لاَ يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ وَفُرْقَاناً لاَ يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَتِبْيَاناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَشِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَعِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَحَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ فَهُوَ مَعْدِنُ الاْيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ وَأَثَافِيُّ الاْسْلاَمِ وَبُنْيَانُهُ وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ».
في هذا الكلام نبذ من فضائل القرآن ومناقبه وخصائصه وفوائده:
أولها: كونه نوراً لا تُطفأ مصابيحه: أمّا أنّه نور، فلاهتداء الناس به من ظلمات الجهل کما یُهتدي بالنور المحسوس في ظلمة الليل، وأمّا مصابيحه: فاستعارة لطريق الاهتداء وفنون العلوم التي تضمّنها القرآن.
ثانيا: كونه سراجاً لا يخبو توقّده _ أمّا أنّه سراج لا يخبو توقّده، فالمراد به عدم انقطاع اهتداء الناس به واستضاء تهم بنوره.
والثالثة: أنّه بحر لايُدرك قعره _ وذلك أنّ استعارة البحر له باعتبار اشتماله على النكات البديعة والأسرار الخفيّة ودقائق العلوم التي لا يدركها بُعد الهمم ولا ينالها غَوص الفطن، كما لا يدرك الغائص قعر البحر العميق.
الرابعة: كونه منهاجاً لا يضلّ نهجه _ أي طريقاً واضحاً مستقيماً إلى الحق لا يضلّ سالکه.
والخامسة: كونه شعاعاً لا يظلم ضوؤه _ أي حقّاً لا يدانيه شكّ وريب، ولا تشوبه ظلمة الباطل فتغطّيه وتستره، كما قال تعالى: «ذَلِکَ الْکِتَابُ لَا رَیْبَ ۛ فِیهِ»(1)وقال: «لَّا یَأْتِیهِ الْبَاطِلُ مِن بَیْنِ یَدَیْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِیلٌ مِّنْ حَکِیمٍ حَمِیدٍ»(2)
والسادسة: كونه فرقاناً لا يخمد برهانه _ أي فارقاً بين الحقّ والباطل وفاصلاً بينهما، لا تنتفي براهينه الجليلة و بیّناته التي يفرق بينهما، كما قال تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ».(3)
وقال: «هُدًی لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَی وَالْفُرْقَانِ».(4)
والسابعة: كونه بنياناً لا تهدم أركانه _ شبّهه علیه السلام ببنیانٍ مرصوص وثيق الأركان، فاستعار له لفظه، و الجامع انتظام الأجزاء واتّصال بعضها ببعض وقوله «لا تهدم أركانه» ترشيح للاستعارة، وفيه إشارة إلى أن البنيان الوثيق كما أنّه مأمون من التهافت والهدم والانفراج، فكذلك الكتاب العزيز محفوظ من طرق النقص والخلل والإندراس.
والثامنة: كونه شفاء لا تُخشى أسقامه _ يعني أنّه شفاء للأبدان والأرواح، أمّا الأبدان فبالتجربة والعيان، مضافاً إلى الأحاديث الواردة في خواصّ أكثر الآيات المفيدة للاستشفاء والتعویذ بها، مثل ما جاء في كتاب أصول الكافي باسناده عن السكوني عن الإمام الصادق عليه السلام، عن آبائه قال: شکی رجل وجعاً
في صدره الى النبي صلی الله علیه وآله، فقال له صلی الله علیه وآله: استشفِ بالقرآن، فإنّ الله تعالى يقول: «وَشِفَاءٌ لِّمَا فِی الصُّدُورِ».(1)(2)
وعن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: من لم تُبرءه الحمد لم يبرءه شيء.(3)
وقال الإمام موسى الكاظم علیه السلام: من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج إن شاء الله، ومن قرأها في دبر كلّ فريضة لم يضرّه ذو حمّة.(4)
وفي تفسير مجمع البيان أنّ النبي صلی الله علیه وآله قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: ألا أعلّمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه ؟ فقال له جابر: بلي بأبي أنت وأمّي يا رسول الله علّمنيها، قال: فعلّمه الحمد أم الكتاب، ثمّ قال: يا جابر ألا أخبرك عنها؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي فأخبرني، فقال: هي شفاء من كلّ داء إلاّ السّام، والسام الموت.(5)
وفي المجلّد الأول من كتاب مسند الإمام علي نقلاً عن أصول الكافي مج 2 ص 624 عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنین علیه السلام أنّه قال: والذي بعث محمّداً صلی الله علیه وآله بالحقّ وأكرم أهل بيته، ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلاّ وهو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه.
قال: فقام اليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عمّا يؤمن من الحرق والغرق، فقال علیه السلام: اقرأ هذه الآيات «الَّذِی نَزَّلَ الْکِتَابَ وَهُوَ یَتَوَلَّی الصَّالِحِینَ»،(6)
«وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» إلى قوله سبحانه وتعالى «عَمَّا یُشْرِکُونَ»،(1)فمن قرأها فقد أمن من الحرق والغرق، قال: فقرأها الرجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه _ وبيته وسطها _ فلم يصبه شيء.
ثمّ قام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ دابّتي استصعبت علي وأنا منها على وجل، فقال علیه السلام: اقرأ في أذنها اليمنى «وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِی السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَکَرْهًا وَإِلَیْهِ یُرْجَعُونَ»(2)فقرأها فذلّت دابته.
وقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أرضي مسبعة، وإنّ السباع تغشی منزلي ولا تجوز حتّى تأخذ فريستها، فقال علیه السلام: اقرأ «لَقَدْ جَاءَکُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِیصٌ عَلَیْکُم بِالْمُؤْمِنِینَ رَءُوفٌ رَّحِیمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِیَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِیمِ»(3)فقرأها الرجل فاجتنبته السباع.
ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ في بطني ماءاً أصفر فهل من شفاء؟ فقال له علیه السلام: نعم بلا درهم ولا دينار، ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي و تغسلها وتشربها و تجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ باذن الله عزّوجَل ففعل الرجل فبرأ بإذن الله.
ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضالّة؟ فقال عليه السلام: اقرأ (یاسین) في ركعتين، وقل: يا هادي الضالّة رُدّ عليّ ضالّتي، ففعل فردّ الله عزّوجَل عليه ضالّته.
ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الآبق؟ فقال علیه السلام: اقرأ «أَوْ کَظُلُمَاتٍ فِی بَحْرٍ لُّجِّیٍّ یَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ» _ إلى قوله _ «وَمَن لَّمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ»(4)فقالها الرجل، فرجع إليه الآبق.
ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن السرق، فإنّه لا يزال يُسرق لي الشيء بعد الشيء ليلاً؟ فقال له علیه السلام : اقرأ إذا أويتَ إلى فراشك «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَیًّا مَّا تَدْعُوا» _إلى قوله _ «وَکَبِّرْهُ تَکْبِیرًا».(1)
ثمَّ قال : من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية «إِنَّ رَبَّکُمُ اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَی عَلَی الْعَرْشِ» _ إلى قوله _ «تَبَارَکَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ».(2)حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين. قال: فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية، فتغشّاه الشيطان وإذا هو آخذ بخطمه، فقال له صاحبه: أنظره، واستيقظ الرجل فقرأ الآية، فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك، احرسه الآن حتّى يُصبح، فلمّا أصبح رجع إلى أمير المؤمنين علیه السلام فأخبره وقال له: رأيت في كلامك الشفاء والصدق.
وفي كتاب (وسائل الشيعة) مج 2 ص 641 من الطبعة الجديدة في ایران، عن الإمام الباقر علیه السلام قال: شکا رجل إلى علي علیه السلام وجع الظهر وأنّه يسهر الليل، فقال علیه السلام : ضع يدك على الموضع الذي تشتكي منه واقرأ ثلاثاً «وَمَا کَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ کِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن یُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْیَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن یُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِی الشَّاکِرِینَ»(3)واقرأ سبع مرآت «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ»(4)إلى آخرها، فإنّك تُعافي من العلل إن شاء الله.
في تفسير مجمع البيان عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي صلی الله علیه وآله فشكا إليه الفقر وضيق المعاش فقال له رسول الله صلی الله علیه وآله: إذا دخلت
بيتك فسلّم إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلّم واقرأ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» مرّة واحدة، ففعل الرجل فأفاض الله عليه رزقاً حتّى أفاض على جيرانه.(1)
وفي كتاب (طبّ الأئمة) عن أبي الحسن العسكري علیه السلام قال له رجل: يا ابن رسول الله إنّ أهلي يصيبهم كثيراً هذا الوجع الملعون، قال: وما هو قال: وجع الرأس، قال علیه السلام خذ قدحاً من ماء واقرأ عليه «أَوَلَمْ یَرَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ کَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ کُلَّ شَیْءٍ حَیٍّ ۖ أَفَلَا یُؤْمِنُونَ»(2)ثم اشربه فإنّه لا يضرّه إن شاء الله تعالى.(3)
وعن الإمام الباقر علیه السلام أنّ رجلاً شكا إليه صمماً، فقال: امسح يدك عليه واقرأ عليه «لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَی جَبَلٍ لَّرَأَیْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْیَةِ اللَّهِ وَتِلْکَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَی یُسَبِّحُ لَهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ ».(4)(5)
وعن أبي بصير قال: شكوت إلى أبي جعفر الباقر علیه السلام رجعاً في أضراسي وأنّه يسهرني الليل. قال: فقال: يا أبا بصير إذا أحسستَ بذلك فضع يدك عليه واقرأ سورة الحمد وقل هو الله أحد، ثمّ اقرأ «تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِیَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِی أَتْقَنَ کُلَّ شَیْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِیرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ»(6)فإنه يسكن ثمّ لا يعود.(7)
عبد الله بن سنان عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه علیه السلام قال: شکی رجل إلى النبي صلی الله علیه وآله فقال: يا رسول الله إنّ لي أخاً يشتكي بطنه، فقال: مُر أخاك أن يشرب شربة عسل بماء حار، فانصرف إليه من الغد وقال: يا رسول الله قد سقيته وما انتفع بها، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسْقِ أخاك شربة عسل وعوِّذه بفاتحة الكتاب سبع مرآت، فلمّا أدبر الرجل قال النبي صلی الله علیه وآله: يا علي إنّ أخا هذا الرجل منافق، فمن هاهنا لا تنفعه الشربة.(1)
وعن أبي بصير قال: شکی رجل إلى أبي عبد الله الصادق علیه السلام وجع السرّة، فقال له: اذهب فضع يدك على الموضع الذي تشتكي وقل «وَإِنَّهُ لَکِتَابٌ عَزِیزٌ * لَّا یَأْتِیهِ الْبَاطِلُ مِن بَیْنِ یَدَیْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِیلٌ مِّنْ حَکِیمٍ حَمِیدٍ»(2)ثلاثاً فإنّك تُعافي بإذن الله.(3)
قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام: ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاة قطّ فقال بإخلاص نيّة ومسح موضع العلّة «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِینَ وَلَا یَزِیدُ الظَّالِمِینَ إِلَّا خَسَارًا»(4)إلاّ عُوفي من تلك العلّة أيّة علّةٍ كانت، ومصداق ذلك في الآية حيث يقول: «شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِینَ»(5)
عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال: جاء رجل من خراسان إلى علي بن الحسين علیه السلام فقال: يا ابن رسول الله حججتُ ونويت عند خروجي أن أقصدك فإنّ بي وجع الطحال وأن تدعو لي بالفرج، فقال له علي بن الحسين: قد كفاك الله ذلك وله الحمد، فإذا أحسست به فاكتب هذه الآية بزعفران بماء زمزم واشربه، فإنّ الله تعالى يدفع عنك
ذلك الوجع «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ۖ أَیًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَی وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِکَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَیْنَ ذَلِکَ سَبِیلًا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَمْ یَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ یَکُن لَّهُ شَرِیکٌ فِی الْمُلْکِ وَلَمْ یَکُن لَّهُ وَلِیٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَکَبِّرْهُ تَکْبِیرًا»(1)تکتب على رقّ ظبي وعلّقها على العضد الأيسر سبعة أيام فإنّه يسكن.(2)
وعن المفضّل بن عمر عن محمد بن إسماعيل، عن أبي زينب قال: شکا رجل من إخواننا إلى أبي عبد الله الصادق علیه السلام وجع المثانة، قال: فقال له علیه السلام عوّذه بهذه الآيات إذا نمتَ ثلاثاً واذا انتبهت مرِّة واحدة فإنّه لا تحسس به بعد ذلك «مَا نَنسَخْ مِنْ آیَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَکُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِیٍّ وَلَا نَصِیرٍ»(3)
قال الرجل: ففعلت ذلك فما أحسست بعد ذلك بوجع.(4)
عن حمّاد بن عیسی رفعه إلى أمير المؤمنین علیه السلام قال: إذا اشتکی أحدكم وجع الفخذين فليجلس في تورٍ کبير أو طشت في الماء المسخن وليضع يده عليه وليقرأ «أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ کَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ کُلَّ شَیْءٍ حَیٍّ أَفَلَا یُؤْمِنُونَ»(5)(6)
وعن سالم بن محمد قال: شكوت إلى الصادق علیه السلام وجع الساقين وأنّه قد أقعدني عن أموري وأسبابي. فقال: عوِّذهما، قلت: بماذا يا ابن رسول الله؟ قال: بهذه الآية سبع مرآت فإنّك تُعافي بإذن الله تعالى «مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ
رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا»(1)قال: فعوّذتهما سبعاً كما أمرني، فرفع الوجع عنّي رفعاً حتّى لم أحس بعد ذلك بشيء منه.(2)
علي بن عروة الأهوازي قال: حدّثنا الديلمي عن داود الرقّي، عن موسی بن جعفر عليه السلام قال: من كان في سفر فخاف اللصوص والسبع فليكتب على عرف دابته «لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ»(3)فإنّه يأمن بإذن الله عزّوجَل.
قال داود الرقي: فحججتُ فلمّا كنّا بالبادية جاء قوم من الأعراب فقطعوا على القافلة وأنا فيهم، فكتبت علی عرف جملي «لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ» فو الذي بعث محمّداً بالنبوّة وخصّه بالرسالة وشرّف أمير المؤمنين بالامامة ما نازعني أحد منهم، أعماهم الله عني.(4)
عن أبي عمر بن یزید الصيقل، عن الصادق علیه السلام قال: شكى إليه رجل من أوليائه القولنج، فقال له علیه السلام : اكتب له أمّ القرآن وسورة الاخلاص والمعوّذتين، ثمّ تكتب أسفل ذلك «أعوذ بوجه الله العظيم وبعزّته التي لا تُرام، وبقدرته التي لا يمتنع منها شيء من شرّ هذا الوجع ومن شرّ ما فيه» ثم تشربه على الريق بماء المطر تبرأ بإذن الله تعالی.(5)
إسماعيل بن زياد، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه وآله و إذا كسل أو أصابته عين أو صداع بسط يديه فقرأ فاتحة الكتاب والمعوّذتين ثمّ يمسح بها وجهه فيذهب عنه ما كان يجد.(6)
إلى كثير وكثير من هذه النظائر ممّا هو نور من أنوار النبوّة ولمعة من لمعان الإمامة، ولم يكن مُكتسباً من أساتذة ومعلمين كما زعم الجاهلون، ولو كان ذلك لظهر وبان.
وجرت مناظرة طبّية بين الإمام الصادق علیه السلام وطبيب هندي في مجلس المنصور الدوانیقي، ذكرها العلاّمة المجلسي في المجلّد الرابع عشر من البحار ص 478 من الطبعة الحديثة. وفي كتاب طبّ الأئمة أيضاً ص 24 ط النجف قال: روی محمد بن إبراهيم الطالقاني عن الحسن بن علي العدوي، عن عباد بن مهيب، عن أبيه، عن جدّه، عن الربيع صاحب المنصور قال: حضر أبو عبد الله علیه السلام مجلس المنصور يوماً وعنده رجل من الهند يقرأ عليه كتب الطبّ، فجعل أبو عبد الله علیه السلام ينصت لقرائته، فلمّا فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد الله أتريد ممّا معي شيئاً؟ قال: لا. فإنّ معي ما هو خير ممّا معك، قال: وما هو؟ قال علیه السلام: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأردّ الأمر كلّه إلى الله علیه السلام، واستعمل ما قاله رسول الله صلی الله علیه وآله، وأعلم أنّ المعدة بيت الداء، وأنّ الحمية رأس كلّ دواء، وأعوّد البدن ما اعتاده.
فقال الهندي: وهل الطبّ إلا هذا، فقال الصادق علیه السلام: أتراني من كتب الطبّ أخذت؟ قال:نعم، قال علیه السلام: لا، والله ما أخذتُ إلاّ عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطبّ أم أنت؟ قال الهندي: بل أنا. قال الصادق: فأسألك شيئاً؟ قال: سَل.
قال الصادق عليه السلام: أخبرني با هندي، لم كان في الرأس شؤون؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جُعل الشعر عليه من فوق؟ قال: لا أعلم. قال: فلم خلت الجبهة من الشعر؟ قال: لا أعلم. قال علیه السلام: فلم كان لها تخطيط وأسارير؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان الحاجبان فوق العينين؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جُعلت العينان
كاللوزتين؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جُعل الأنف فيما بينهما؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جُعل ثقب الأنف في أسفله؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جُعلت الشفة والشارب فوق الفم؟ قال: لا أعلم. قال: فلم حدّ السّن وعرض الضرس وطال الناب؟ قال: لا أعلم. قال: فلم جُعلت اللحية للرجال؟ قال: لا أعلم. قال: فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان القلب كحب الصنوبر؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كانت الرئة قطعتين، وجعلت حركتهما في موضعهما؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كان الكبد حدباء؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كانت الكلية كحب اللوبية؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جُعل طيّ الركبة إلى خلف؟ قال: لا أعلم، قال: فلم انخصرت القدم؟ قال: لا أعلم.
قال الإمام الصادق عليه السلام: لكنّي أعلم، قال الهندي: فأجِب، قال الصادق علیه السلام : إنّما كان في الرأس شؤون لأن ّالمجوّف إذا كان بلافصل أسرع إليه الصداع، فإذا جُعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد، وجُعل الشعر من فوقه، ليوصل بوصوله الأدهان إلى الدماغ. ويخرج بأطرافه البخار منه، ويردّ الحرارة والبرد عنه، وخلت الجبهة من الشعر، لأنها مصبّ النور إلى العينين، وجُعل فيها التخطيط والأسارير ليحتبس العرق الوارد من الرأس إلى العين قدر ما يُميطه الإنسان عن نفسه، كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه، وجعل الحاجبان من فوق العينين ليردّا عليهما من النور قدر الكفاية، ألا ترى أنّ من غلبه النور جعل يده على عينيه ليردّ عليهما قدر كفايتهما منه؟ وجُعل الأنف بينهما ليقسم النور قسمين إلى كلّ عين سواء، و كانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربّعة أو مدوّرة ما جرى فيها الميل ولا وصل إليها دواء ولا خرج منها داء، وجُعل ثقب الأنف في أسفله لتنزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ، وتصعد فيه الروائح إلى المشام، ولو كان في أعلاه لما نزل منه ماء ولا وجد رائحة، وجُعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل
من الدماغ عن الفم، لئلاً يتعفّن فينغّص على الانسان طعامه وشرابه فيُميطه عن نفسه، وجعلت اللحية للرجال ليُستغنى بها عن الكشف في المنظر، ويُعلم بها الذكر من الأنثی، وجُعل السن حادّاً لأنّ به يقع العضّ، وجُعل الضرس عريضاً لأنّ به يقع الطحن والمضغ، و كان الناب طويلاً ليسند الأضراس والأسنان کالاسطوانة في البناء، وخلا الكفّان من الشعر لأنّ بهما يقع اللمس، فلو كان فيهما شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه، وخلا الشعر والظفر من الحياة لأنّ طولهما سمج يقبح وقصّهما حسن، فلو كان فيهما حياة لآلم الانسان قصّهما، وكان القلب كحبّ الصنوبر لأنّه منکّس، فجُعل رأسه دقیقاً ليدخل في الرئة فيتروّح عنه ببردها، ولئلاً يشيط الدماغ بحرّه، وجعلت الرئة قطعتين ليدخل القلب بين مضاغطها فيتروّح بحركتها، وكانت الكبد حدباء التنقل المعدة وتقع جميعها عليها فتعصرها ليخرج ما فيها من البخار، وجعلت الكلية كحب اللوبيا، لأنّ عليها مصبّ المني نقطة بعد نقطة، فلو كانت مربّعة أو مدوّرة لاحتبست النقطة الأولى إلى الثانية فلا يلتذّ بخروجها، إذ المني ينزل من فقار الظهر إلى الكلية، وهي تنقبض وتنبسط وترميه أوّلاً فأولا إلى المثانة كالبندقة من القوس.
وجُعل طيّ الركبة إلى خلف لأنّ الإنسان يمشي إلى ما بين يديه فتعتدل الحركات، ولولا ذلك لسقط في المشي، وجُعلت القدم منخصرة لأنّ المشي إذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل حجر الرحی.
فقال الهندي: من أين لك هذا العلم؟ فقال علیه السلام: أخذتُه عن آبائي علیهم السلام عن رسول الله صلی الله علیه وآله عن جبرائيل عن ربّ العالمين جَل جَلاله الذي خلق الأجساد والأرواح، فقال الهندي: صدقت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وعبده، وأنّك أعلم أهل زمانك.
«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ كَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ...».(1)
قوله علیه السلام: «أوّل الدين معرفته» لأن أوّل الواجبات الدينية معرفة الله سبحانه وإطاعته وعبادته، والطاعة والعبادة فرع معرفة المطاع والمعبود، فما لم يُعرف لا يمكن طاعته، ولذلك أنّ أمير المؤمنين علیه السلام بعد ما سأله حبرٌ بقوله: هل رأيتَ ربّك حين عبدته؟ أجاب بقوله: ويلك ما أعبد ربّاً لم أره. قال: كيف رأيته؟ قال : ويلك لا تدرکه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوبُ بحقائق الايمان.(2)
ثمّ إنّ معرفة الله قد تكون ناقصة وقد تكون تامّة، أمّا الناقصة فهي: إدراك أنّ للعالم صانعاً مدبراً، وأمّا التامّة فقد أشار إليها علیه السلام بقوله: «و کمال معرفته التصديق به» أي الاذعان بوجوده ووجوبه، وأنّه واحد لا شريك له ولا شِبه له، فإنّ من عرف الله بهذه الكيفيّة وهذا اللون حرّم الله جسده على النار وأوجب له دخول الجنّة.
روى الصدوق قدس سرّه في كتاب «التوحيد» بإسناده عن زيد بن وهب، عن أبي ذر
رَضی الله عنهُ قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلی الله علیه وآله يمشي وحده ليس معه إنسان، فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد، فجعلت أمشي في ظلّ القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ فقلت: أبوذر، جعلني الله فداك، فقال: يا أباذر تعال، فمشيت معه ساعة فقال: إنّ المكثرين هم الأقلّون يوم القيامة إلاّ من أعطاه الله خيراً، فنفخ منه بیمینه وشماله ومن بين يديه وورائه وعمل فيه خيراً، قال: فمشيت ساعة، فقال: اجلس ههنا، وأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي: اجلس حتّى أرجع إليك، قال: وانطلق في الحرّة حتى لم أره، وتوارى عني وأطال اللبث، ثمّ إنّي سمعته وهو مقبل يقول: وإن زنى وإن سرق؟ قال: فلمّا جاء لم أصبر حتّى قلت له: يا نبيّ الله جعلني الله فداك من تكلّمه في جانب الحرّة فإنّي سمعت أحداً يردّ عليك شيئاً؟ فقال صلی الله علیه وآله: ذاك جبرئیل عرض لي في جانب الحرّة، فقال: بشّر أمتك أنّه من مات لا يشرك بالله عزّوجَل شيئاً دخل الجنة، قال: قلت: يا جبرئيل وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر.
قال الصدوق بعد ذكر الحديث: يعني بذلك أنه يوفّق للتوبة حتى يدخل الجنة.(1)
وفيه أيضاً عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل قال: كنت رفقت النبي صلی الله علیه وآله فقال: يا معاذ هل تدري ما حقّ الله على العباد؟ يقولها ثلاثاً، قلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله: حقّ الله عزّوجَل على العباد أن لا يُشركوا به شيئاً، ثم قال: هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذّبهم، أو قال: أن لا يُدخلهم النار.(2)
وفيه أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: والذي بعثني بالحقّ نبياً لا يعذّب الله بالنار موحّداً أبداً، وإنّ أهل التوحيد ليَشفعون فيُشفّعون، ثم قال صلی الله علیه وآله: إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقومٍ ساءت أعمالهم في دار
الدنيا إلى النار، فيقولون: يا ربّنا كيف تُدخلنا النار وقد كانّا نوحّدك في دار الدنيا؟ و كيف تحرق بالنار ألسنتنا وقد نطقت بتوحيدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على أن لا إله إلا الله؟ أم كيف تحرق وُجوهنا وقد عفّرناها لك في التراب؟ أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء اليك؟ فيقول الله عزّوجَل: عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنّم. فيقولون: یا ربّنا عفوك أعظم أم خطيئتنا؟ فيقول الله عزّوجَل: بل عفوي، فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا؟ فيقول الله عزّوجَل: بل رحمتي، فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟ فيقول الله عزّوجَل: بل إقرار کم بتوحيدي أعظم، فيقولون: ياربّنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كلّ شيء، فيقول الله جل جلاله: ملائکتي، وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إلي من المقرّين بتوحيدي وأن لا إله غيري، وحقّ عليّ أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي، أدخِلوا عبادي الجنة.(1)
غير أنّ مجرد الاعتقاد بالتوحيد لا يكفي في ترتيب الثواب ودفع العقاب، بل لا بدّ مع ذلك من الاعتقاد بالولاية، ولاية علي وأولاده الطاهرين عليهم السلام أجمعين.
والأخبار الواردة في أبواب التوحيد والمعرفة وإن كانت مطلقة إلاّ أنها يقيدها _ مضافة إلى إجماع أصحابنا _ أخبارٌ أخر مقيّدة لكون الولاية شرطاً في التوحيد وبدونها لا ينتفع بشيء منها.
وهذه الأخبار كثيرة بالغة حدّ الاستفاضة بل التواتر.
منها ما جاء في كتاب جامع الأخبار بالإسناد عن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن آبائه الصادقين علیهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إنّ الله تبارك وتعالى جعل لأخي علي علیه السلام فضائل لا يُحصي عددها
1) التوحيد: 29/ ح 31.
غيره، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّاً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ولو أتی القيامة بذنوب الثقلين، ومن كتب فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع فضيلة غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، و من نظر إلى كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه وآله: النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبرائة من أعدائه.(1)
وفي الكافي باسناده عن أبي حمزة، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: إنّما يعبد الله من يعرف الله، فأمّا من لا يعرف الله فإنّما يعبده هكذا ضلالاً، قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عزّوجَل وتصديق رسول الله صلی الله علیه وآله وموالاة علي علیه السلام والائتمام به وبالأئمة عليهم السلام والبرائة إلى الله عزّوجَل من عدوّهم، هكذا يعرف الله.(2)
وفي الوسائل ومجمع البيان عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لنا علي بن الحسین علیهما السلام: أيّ البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: أفضل البقاء لنا ما بين الركن والمقام، ولو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثمّ لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً.(3)
وفي الوسائل أيضاً بإسناده عن المعلّی بن خنیس قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: یا معلّی لو أنّ عبداً عبد الله مائة عام ما بين الركن والمقام، يصوم النهار ويقوم الليل حتّى يسقط حاجباه على عينيه، ويلتقي تراقيه هرماً جاهلاً بحقّنا لم يكن له ثواب.(4)
وفيه أيضاً عن جعفر بن محمد عن أبيه علیهما السلام قال: نزل جبرئيل على النبيّ
صلی الله علیه وآله فقال: يا محمّد، السلام يقرؤك السلام ويقول: خلقت السماوات السبع وما فيهنّ وخلقت الأرضين السبع ومن عليهنّ، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام، ولو أنّ عبداً دعاني منذ خلقت السماوات والأرض ثمّ لقيني جاحداً لولاية علي لأكبتُه في سقر.(1)
وروي علي بن إبراهيم القمّي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام (في حديث) قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، أما لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته، ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان.(2)
وبالتالي: فقد تحصّل من هذه الأخبار وغيرها من الأخبار الكثيرة أنّ معرفة الإمام والطاعة له شرط في صحّة الفروع والأصول، كما ظهر أنّ اللازم أخذ الاحكام الشرعيّة والمسائل الدينيّة عنهم، لأنّهم الباب الذي أمر الله أن يؤتی منه حيث قال: «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا».(3)
روي في الصافي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: نحن البيوت التي أمر الله أن تُؤتي أبوابها، نحن باب الله وبيوته التي يُؤتي منه، فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتي البيوت من أبوابها، ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها، إنّ الله لو شاء عرّف نفسه حتّى يعرفونه ويأتونه من بابه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يُؤتي منه، قال: فمن عدل عن ولايتنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتي البيوت من ظهورها، وإنّهم عن الصراط لناكبون.(4)
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: كلّ من دان الله عزّوجَل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضالّ متحيّر والله شانئ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها فهجمت ذاهبة أو جائية يومها، فلمّا جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع غير راعيها فحنّت إليها واغترّت بها فباتت معها في مربضها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها واغترّت بها فصاح بها الراعي: إلحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك _ والله يا محمد _ من أصبح من هذه الأمة ولا إمام له من الله عزّوجَل ظاهر عادل أصبح ضالاً تائهاً، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة کفر و نفاق، واعلم يا محمد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله عزّوجَل، قد ضلّوا، وأضلّوا فأعمالهم التي يعملونها «كرماد اشتدت به الي في يوم عاصف لا يقدرون ما كتبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد».(1)(2)
«وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ فِيَما أَتى إِلاَّ مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ وَثَنَاءُ الأَشْرَارِ وَمَقَالَةُ الْجُهَّالِ مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللهِ بَخِيلٌ فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ وَلْيَفُكَّ بِهِ الأَسِيرَ وَالْعَانِيَ، وَلْيُعْطِ مَنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ فَإِنَّ فَوْزاً بِهذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَدَرْكُ فَضَائِلِ الاْخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ».(1)
لمّا كان لواضع المعروف _ سواءً كان في أهله أو غير أهله _ ثناء من الناس ومدح له بالكرم والبذل، كان ممّا يتميز به وضعه في غير أهله عن وضعه في أهله: أنّ الأوّل إنّما يحصل به لواضعه الحمد من لئام الناس من السفهاء والأشرار والجهال، لعدم معرفتهم بوضع الأشياء في مواضعها التي هي مقتضی العقل الذي به نظام أمور الدنيا و قوام نوع الانسان في الوجود، مع أنّه في الحقيقة وعند أولي الألباب العارفين بمواقع المعروف بخيل في جنب الله تعالى، وأمّا الثاني _ أي واضع المعروف في أهله _ فتحصل له المحمدة من الكلّ في الدنيا، محمدة مطابقة للحّق مع الثواب الجزيل في الأخرى.
ثم نبّه علیه السلام على مواضع المعروف وأمر بوضعه فيها، وذكر منها خمسة:
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 74، ط مكتبة المرعشي النجفي. قم.
الأوّل صلة الرحم، الثاني حسن الضيافة، الثالث فكّ الأسير والعاني، الرابع إعطاء الفقير والغارم _ وهو من علیه دین _ الخامس الحقوق الواجبة على أهلها کالزكاة، والمستحبّة كالصدقات، وأشار بالنوائب إلى ما يلحق الانسان من المصادرات والقرارات التي يفكّ بها الانسان من أيدي الظالمين وألسنتهم، والإنفاق في ذلك من الحقوق الواجبة على الانسان.
ونبّه علیه السلام على أنّ الانفاق في هذه الوجوه إنّما يكون وضعاً للمعروف في موضعه إذا قصد به وجه الله تعالى، فأمّا إذا قصد به الرياء والسمعة فهو وإن عُدّ في ظاهر الشريعة مُجزيً إلاّ أنّه غير مُجزٍ ولا مقبول في باطنها.
وقوله علیه السلام: «فإنّ فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة» إشارة إلى ما يتميّز به وضع المعروف في أهله: وهو شرف مكارم الدنيا من الذكر الجميل بين الناس والجاه العريض، ودرك فضائل الآخرة: وهي درجات الثواب الجزيل الموعود لأولي الفضائل النفسانيّة.
قال رسول الله صلی الله علیه وآله : «أوّل من يدخل الجنّة المعروف وأهله، وأوّل من يرد عليَّ الحوض».(1)
وقال صلی الله علیه وآله: «إنّ البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار منه المعروف من الشفرة في سنام الجزور أو من السيل إلى منتهاه».(2)
المعروف: اسم جامع لكل فعل يعرف حُسنه بالعقل والشرع.
المعروف: اسم جامع لماعرف من طاعة الله سبحانه، والإحسان إلى الناس في الواجب والمندوب.
المعروف ضدّ المنكرفي معناه ومصداقه، والتباين بين المنکر والمعروف بنحو السلب الكلّي من الطرفين، فلا شيء من المنكر بمعروف، ولا شيء من المعروف بمنکر.
المعروف صفة شريفة معروفة، والمنكر صفة رديئة منكرة.
يختصّ المعروف بالأفعال الواجبة والمندوبة شرعاً وعقلاً، ولا يدخل فعل المباحات شرعاً وعقلاً في فعل المعروف، لأنّه خلو من الرجحان، ومن لا رجحان فيه لا خيرفيه، والمعروف كلّه خير، ويختصّ المنكر بالمحرّمات شرعاً وعقلاً، فكلّ ما منع الشرع والعقل من فعله منکر.
وأمّا ما منع عنه الشرع والعقل على نحو التنزيه عن فعله بدون إلزام بالمنع وهو المكروه فلاريب في خروجه عن دائرة المعروف، وهو أشدّ خروجاً من المباح، والمباح لا يدخل في المنكر، وأمّا المكروه فربّما كان بعض المكروهات من المنكرات إذا تكرّر فعله، و تفصيل ذلك في المباحث الفقهية.
يمتاز أهل المعروف بمعروفهم ولهم مكانة معروفة، وفي الحديث الشريف «من بذل معروفه آتاه الله جزاء معروفه» وفيه «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة»(1)يعني كما أنّهم يصنعون المعروف في الدنيا كذلك يصنعونه في الآخرة، يهبون حسناتهم لمن شاؤا كما قال الإمام الصادق علیه السلام: «يُقال لهم في الآخرة: إنّ ذنوبكم قد غُفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم وادخلوا الجنّة».(2)
وفي حديث ابن عباس قال: «يأتي أهلُ المعروف يوم القيامة فيُغفر لهم المعروفهم وتبقى حسناتهم تامّة، فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناتهم فيُغفر له فيدخلون الجنّة، فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والآخرة».(3)
وفي الحديث ليس «شيء أفضل من المعروف إلاّ ثوابه»، وفيه «ليس كلّ من يحبّ أن يصنع المعروف إلى الناس يصنعه، وليس كلّ من يرغب فيه يقدر عليه، ولا كلّ من يقدر عليه يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن تمّت السعادة للطالب والمطلوب إليه».(1)
وفي الحديث دلالة على أنّ الأعمال الخيريّة تحتاج إلى التوفيق من الله سبحانه بعد الرغبة والقدرة.
جاء عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: «إنّ بقاء المسلمين ويقاء الإسلام أن تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق ويصنع المعروف، وإنّ من فناء الإسلام وفناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحقّ ولا يصنع فيها المعروف».(2)
وقال علیه السلام مخاطباً لزرارة: «ثلاثة إن تعلّمهنّ المؤمن كانت زيادة في عمره وبقاء لنعمته عليه، فقلت: وما هنّ؟ فقال: تطويله في ركوعه وسجوده في صلاته، وتطويله الجلوسه على طعامه إذا أطعم على مائدته، واصطناعه المعروف إلى أهله».(3)
وقوله علیه السلام: «صنائع المعروف تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان».(4)
وهذا يدلّ على أنّ فعل الاحسان إلى الناس و الرفق بهم سببٌ للوقاية من موارد الذل والهوان.
وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله : فداك آباءنا وأمّهاتنا، إنّ أصحاب المعروف في الدنيا عُرفوا بمعروفهم، فبم يعرفون في الآخرة؟ فقال صلی الله علیه وآله: إنّ الله إذا أدخل أهل الجنّة الجنّة أمر ريحاً
عبقة طيّبة فلصقت بأهل المعروف، فلا يمرّ أحد منهم بملأ من أهل الجنّة إلاّ وجدوا ريحه فقالوا: هذا من أهل المعروف».(1)
وذو المعروف الذي يشير إليه الإمام عليه السلام هو كلّ من يُسدي خيراً ومعروفاً إلى أحد، ومن أجلّ أفراده هو الله سبحانه، فهو أوّل المحسنين، وهو أوّل ذوي الخير، فيجب شكره عن طريق العبادة والاخلاص له، وعن طريق ترك ماسواه والتوجّه التامّ إليه، فإذا كان ذلك فقد حصل الشكر، وإلاّ فالمعروف الذي ليس يُقابَل بشكر يُخاف عليه الزوال، والإمام أمير المؤمنین علیه السلام يقول: «إذا رأيتم أوائل النعم فلا تُنفروا أقصاها بقلّة الشكر»(2)فقلّة الشكر يبعد النعم، وإنّ الشكر عليها مجلبة لها ومدعاة.
والمعروف ضربان: ضرب عام يقتضي الجهر به والاعلان له، وضرب خاص لا ينبغي له غير الأخفاء والكتمان.
فمن الضرب الأول ما يكون المجد في إعلانه والشرف، مثل صدقات الفرائض وغنائم الجيوش ومكافأة الملوك على الأعمال الصالحة بعلامات الشرف وما شابهها، ممّا يزيد الجهر بها والإعلان لها قيمتها، قال الله تعالى: «إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِیَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَیْرٌ لَّکُمْ ۚ وَیُکَفِّرُ عَنکُم مِّن سَیِّئَاتِکُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرٌ»(3)قال ابن عباس: صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها بسبعين ضعفاً.
والضرب الآخر هو الذي لا تكون العطايا فيه من شأنها ارتفاع القدر وازدياد
الشرف، بل من شأنها سدّ الحاجة ودفع العوز ومداركة الافتضاح، وهذا يجب فيهالكتمان وجوباً محتوماً، وألاّ يعلم بالصنيع أحد سوى المقصود وحده بها.
ويتفرّع من المعروف أمور: منها الأمر بالمعروف، ومنها العفو عن المسيء، و منها الاحسان.
لانرتاب بأنّ الأمر بالمعروف من أهله في محلّه ربّما كان أعظم من فعل المعروف، لأنّ فيه حفظ النظام بين أفراد النوع الانسانيّ، وبه اكتساب الفضائل الدينيّة والعقليّة، وإزالة الأخلاق الفاسدة والعمل بما فيه الحياة في الدارين.
ولا أراك تشكّ بأنّ التهذيب والتعليم والالزام لشخص بما فيه ظهور كماله وجميل صنعه وحسن سيرته خير له من إعطائه ألف درهم يتنعّم بها في معاشه مع تلوّثه بأقذار المفاسد وتهورّه في هوّة الجهالة.
الأمر بالمعروف وفعل المعروف واجبان بحكم العقل والشرع وجوباً كفائياً على كافة العقلاء، ولا شرط لوجود فعل المعروف سوى القدرة عليه.
إنّ تأثير الأمر بالمعروف له شروط يتوقّف تحريك خطابه للمكلّفين عليها
الأول: القدرة على الأمر بالمعروف، وغير القادر لا يجب عليه.
الثاني: العلم أو الظنّ أو احتمال التأثير فيمن يأمره بالمعروف.
الثالث: أن يكون الأمر بالمعروف عاملاً به، وإلاّ لم يكن أهلاً لأن يأمر به، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، نعم فاقد الشيء لا يعطيه، إذ كلّ شيء تتصوّره و ترى أنّك تفقده يستحيل أن تعطيه لمن يطلبه منك، فالمرتکب للمنکر نجد من المنكر نهيه عنه فضلاً عن كونه لا يؤثّر نهيه بأحد، والتارك للفعل الحسن مع قدرته عليه لا يحسن منه أن يأمر به ولا يؤثّر أمره بأحد، كلّ ذلك لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه.
جاء النص في القانون الاسلامي على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».(1)
دلّت هذه الآية الشريفة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصرّحت بانحصار الفلاح فيمن قام بهما، والعقل يحكم بلزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظاً للنظام وسدّاً الأبواب الفساد.
ومن ظاهر الآية عرفنا أنّ الوجوب كفائي حيث قال سبحانه: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ» ولو كان الوجوب عينيّاً لكان الخطاب بغير هذا البيان.
وقال سبحانه في صفة من آمن بالله حقيقة الايمان: «يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ».(2)
فانظر كيف قرن إيمانهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنکر تنبيهاً على أهميّة وجوبهما وأثرهما.
قال صاحب الدعوة الإسلاميّة الرسول الأعظم محمد صلی الله علیه وآله: «من أمر بالمعروف ونهی عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة کتابه»،(3)وقال صلی الله علیه وآله حين سُئل عن خير الناس: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم الله وأرضاهم»(4)وقال صلی الله علیه وآله: «لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر أو ليسلطنّ علیکم سلطاناً ظالماً لايُجلّ كبيرَكم ولا يرحم صغيرَكم، وتدعو خيارُكم فلا يُستجاب لهم، وتستنصرون فلا تُنصرون، وتستغيثون فلا
تُغاثون»(1)وقال صلی الله علیه وآله: «يأتي على الناس زمان لئن يكون فيهم جيفة حمار أحبّ إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر».(2)
ومن ضروب المعروف العفو عن المسيء، العفو عن أرباب الهفوات، والتجاوز بإقالة العثرات، والحلم عن مقترفي الزلاّت، والصفح عن ذوي الهيئآت، وإسداء الاحسان وفعل الخيرات، كلّ ذلك معدود من محاسن الحسنات ومكارم الأخلاق، وقد نطق بذلك القرآن الكريم في كثير من الآيات وصرّحت به السنّة النبوية على ألسنة الرواة الثقات، قال الله تعالى: «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ»(3)وقال تعالى: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»(4)وقال تعالى: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».(5)
وقال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»(6)وقال تقدّس اسمه يخاطب نبيّه: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(7)وقال تعالى: «وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ»(8)
وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «رأيت قصوراً مشرفة على الجنّة، قلت: يا جبرئیل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس».(9)
وحَسبُك في هذا الباب ما فعله النبي صلی الله علیه وآله مع مشركي قريش الذين آذوه واستهزأوا به وأخرجوه من دیاره، ثمّ قاتلوه وحرّضوا عليه غيرهم من مُشركي العرب حتّی تمالأ عليه جمعُهم، ثمّ لمّا فتح الله عليه مکّة ما زاد أن عفا وصفح وقال: ما ترون أنّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخٌ کریم وابنُ أخٍ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطُلقاء.(1)
وظفر أمير المؤمنین علیه السلام بأهل البصرة، فلمّا دخلها واجتمع عليه أهلها خطبهم، وقال: يا أهل البصرة يا جند المرأة وأتباع البهيمة، رغی فرجفتم، وعُقر فانهزمتم، أحلامكم رقاق، وعبيد كم شقاق، وأنتم فسقة مرّاق، يا أهل البصرة نكثتم بيعتي وتظاهرتم على عداوتي، فما تروني صانعاً بكم وما تظنّون بي؟ قالوا: نظنّ خيراً، ونعلم أنّك ظفرتَ وقدرت، فإن عاقبتَ فقد استحققنا عقوبة المجرمين، وإن عفوتَ فالعفو أحبّ إلى ربّ العالمين. فأطرق علیه السلام برأسه إلى الارض ثم رفع رأسه وقال: اذهبوا وإيّاكم والفتنة، فإنّكم أوّل من شقّ عصا الأمّة ونكث البيعة، فأخلِصوا إلى الله التوبة.(2)
خرج الإمام زین العابدين علي بن الحسين عليه السلام إلى المسجد فسبّه رجل، فقصده غلمانُه ليضربوه ويؤذوه، فنهاهم عليه السلام وقال لهم: كفّوا أيديكم عنه، ثمّ التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا أنا أكثر ممّا تقول، وما لا تعرفه منّي أكثر ممّا عرفته، فإن كان لك حاجة في ذِكره ذكرتُه لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع عليه زین العابدین قميصه وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أنّ هذا الشاب ولد رسول الله صلی الله علیه وآله.(3)
وذكر المؤرّخ ابن خلكان في ترجمة مجد الملك ابن شمس الخلافة
أحد وزراء الخلفاء في مصر المتوفّى في حدود الستمائة، أنّ هذا الوزير ذكر في کتاب له ألّفه في محاسن المحاضرة و آداب المسامرة، فقال: إنّ عصام بن المصطلق _ وكان شاميّاً أموياً_ قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي علیه السلام ومعه غلمانه وحاشيته فأعجبني سمته ورواؤه وحسنه وبهاؤه، وأثار الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فجئت إليه وقلت: أنت ابن أبي تراب؟ فقال: نعم، فبالغتُ في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظر عاطف رؤوف برقّة ورحمة ثمّ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ»(1)ثم قال: خفّض عليك، أستغفرُالله لي ولك، إنّك لو استعنتنا لأعنّاك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لأرشدناك. قال عصام: فندمت على ما قلت، و توسّم مني الندم على ما فرط مني، فقال: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»(2)ثمّ قال: أمن أهل شام أنت؟ قلت نعم، فقال: «شنشنةٌ أعرفها من أخزم» حيّانا الله وإياك، انبسِط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجدنا عند أفضل ظنّك إن شاءالله.
قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رَحُبت ووددت لو أنّها ساخت بي، ثمّ انسللت من بين يديه وما على وجه الأرض أحب إليّ منه ومن أبيه.(3)
وفي كتاب (إعلام الوری) للطبرسي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي،
في أحوال الإمام موسی بن جعفر علیه السلام: أنّ رجلاً من ولد آل الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى الكاظم علیه السلام إذا رآه ویشتم عليّاً، فأراد بعض موالي الإمام الوقيعة فيه، فنهاه الإمام أبو الحسن أشدّ النهي، ثم سأل علیه السلام عن العمري فقيل له: «إنّ له زرعاً بناحية من نواحي المدينة، فركب علیه السلام إليه فوجده في زرعه، فدخل المزرعة وهو راكب على حماره، فصاح به الخطّابيّ: لا تطأ زرعنا، فوطئه أبو الحسن بالحمار ولم يلتفت إذ لم يجد طريقاً يسلكه غير ذلك، حتّى إذا وصل إليه نزل وباسطه في القول وسأله عمّا غرمه في زرعه؟ فقال: غرمتُ مائة دينار، ثمّ سأله عمّا يرجو أن يصيب منه؟ قال: مأتي دينار، فدفع إليه أبو الحسن عليه السلام ثلثماءة دينار لما غرمه ولما يرجوه، وبشّره بسلامة زرعه وإنتاجه، ففرح العمريّ بهذا الخلق الكريم الممتزج بالحلموالسخاء والبشارة بتنتاج عمله، فصاح: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقبّل رأسه ویده وسأله الصفح عمّا فرط من القول فيه، فتبسّم أبو الحسن عليه السلام وانصرف إلى أصحابه يقول: أيّما أحسن: ما أردتم أو ما صنعته، إنّني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم، وهدى اللهُ الرجلَ وصار من مواليه».(1)
ومن رائع ما أثر في العفو عند القدرة ما رُوي عن المأمون أنّه لمّا خرج عليه عمّه إبراهيم بن المهدي وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد و خلعوا المأمون وكان إذ ذاك بخراسان، فلمّا بلغه الخبر قصد العراق، فلمّا دخل بغداد اختفى إبراهيم بن المهدي وعاد العبّاسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون، ولم يزل المأمون متطلّباً إبراهيم حتّى أخذه مستنقباً مع نسوة، فحُبس ثم أحضر حتّی وقف بين يدي المأمون فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له
1) إعلام الوری 2: 26.
المأمون: لا سلّم الله عليك ولا قرّب دارك، استغواك الشيطان حتى حدّثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام، فقال إبراهيم: مهلاً يا أمير المؤمنين فإنّ ولّي الأمر يحكم في القصاص والعفو، والعفو أقرب للتقوى، ولك من رسول الله صلی الله علیه وآله و شرف القرابة وعدل السياسة، ومن تناول الاغترار بما مدّله من أسباب الرجاء أمن عادية الدهر على نفسه، وهجمت به الأيام على التلف، وقد جعلك الله فوق كلّ ذي ذَنْب كما جعل كلّ ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك، والفضل أولی بك يا أمير المؤمنين، ثم قال :
ذنبي إليك عظيمٌ *** وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك أو لا *** فاصفح بعفوك عنه
إن لم أكن في فِعالي *** من الكرام فکُنه
فلمّا سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال: يا إبراهيم القدرة تذهب بالحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله وهو أعظم ممّا يحاول وأكثر ممّا يؤمّل، ولقد حبّب إليّ العفو حتّى خفت ألاّ أوجر عليه، لا تثريب عليك، وردّ أمواله جميعها إليه، فقال فيه مخاطباً:
رددتَ مالي ولم تمنن عليّ به *** وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
فإن جحدتُكَ ما أوليت من كرم *** إنّي لباللؤم أولي منك بالكرم(1)
وحُكي أنّه أشرف يوماً على قصره فرأى رجلاً يكتب بفحمة على حائط قصره فقال لبعض خدمه: إذهب إلى ذلك الرجل فانظر ما کتب وائتني به، فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه وقال: ما كتبت؟ فإذا هو قد كتب بيتين أوّلهما:
یا قصر جمّع فيك الشؤم واللؤمُ *** متي يعشعش في أركان البومُ
1) الفرج بعد الشدّة للقاضي التنوخي 2: 252 - 253.
فقال له الخادم: أجِب أمير المؤمنين، فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه، فقال الخادم: لا بدّ من ذلك، ثمّ ذهب به، فلمّا مثل بين يدي المأمون وأعلم بما كتب، قال له المأمون: ويلك ما حملك على هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين إنّه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك ممّا يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي، وإنّي قد مررت عليه الآن وأنا في غاية الجوع والفاقة، فوقفت مفكّراً في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال وأنا جائع ولا فائدة لي فيه، فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسماراً أبيعه وأتقوّت بثمنه، أو ما علم أمير المؤمنین رعاه الله قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرءٍ *** نصيبٌ ولا حظّ تمنّى زوالها
وما ذاك من بُغضٍ لها غير أنّه *** يُرجّي سواها فهو يهوي انتقالها
فقال المأمون: يا غلام أعطه ألف درهم، ثم قال: هي لك في كلّ سنة ما دام قصرنا عامراً بأهله مسروراً بدولته.(1)
ومن ذلك ما رُوي من أنّ الرشيد بن المهدي خرج عليه خارجيّ رام زوال ملکه وإفساد دولته، فجهّز له جيشاً وأنهض الناس والجند للخروج لقتاله، فلمّا توجه الجيش إليه و ظفروا به أحضروه إلى دار الخلافة، فلما دخل على الرشيد قال له: ما تريد أن أصنع بك؟ قال: اصنع بي ما تريد أن يصنع الله بك إذا وقفت بين يديه، وهو أقدر عليك منك عليَّ، فأطرق الرشيد مليّاً ثم رفع رأسه وأمر باطلاقه، فلمّا خرج قال بعض الحاضرين: يا أمير المؤمنين تقتل رجالك
1) بحار الأنوار 91: 332 - 333.
وتفني أموالك و تظفر بهذا الذي خرج عليك وأفسد في بلادك و تُطلقه بكلمة واحدة، تأمّل يا أمير المؤمنين هذا الأمر فإنّه يُجرّئ عليك أهل الفساد، فأمر الرشید بردّه فلمّا عاد ومثل بين يديه علم أنّه قد سُعي به وأشير على الخليفة بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين لا تُطع فيّ مشيراً يمنعك عفواً تدّخر به عند الله يداً، ويبعثك على الانتقام الذي ليس من مكارم الأخلاق، واقتدِ بالله تعالى فإنّه لو أطاع فيك مُشيراً ما استُخلِفتَ طرفة عين، وأحسِن كما أحسن الله اليك، فأمر باطلاقه وقال: لا تعاودوني فيه.
وحكي عن معن بن زائدة أنّه أتي بجملة من الأسرى فعرضهم على السيف، فقال له بعضهم: أصلح الله الأمير نحن أسراك وبنا جوع وعطش فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل، فأمر لهم بطعام وشراب، فأكلوا وشربوا ومعن ينظر إليهم، فلمّا فرغوا قال الرجل: أصلح الله الأمير كنَا أسراك ونحن الآن أضيافك، فانظر ما تصنع بأضيافك، قال:قد عفوت عنكم، فقال الرجل: أيّها الأمير ما ندري أيّ يوم أشرف، يوم ظفرك بنا أو يوم عفوك عنّا، فأمر لهم بمال و كسوة.(1)
لمّا أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفت رجال من بني أمية منهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، و كان رجلاً عالماً أديباً كاملاً وهو في سنّ الشبيبة، فأخذوا له أماناً من السفاح، فقال له يوماً: حدّثني عمّا مرّبك في اختفائك، قال: كنت مختفياً بالحيرة في منزل شارع على الصحراء، فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت أعلاماً سوداً قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة،
1) الفرج بعد الشدّة 2: 284.
فتخيّلت أنها تريدني، فخرجت من الدار متنكّراً حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحداً أختفي عنده، فبقيت في حيرة فإذا أنا بباب كبير رَحْبته واسعة، فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه، فقال: من أنت وما حاجتك؟ فقلت: رجل خائف على نفسه وقد استجار بمنزلك، فأدخلني منزله ثم صيّرني في حجرة تلي حرمه، وكنت عنده في ذلك على ما أحبّه من مطعم ومشرب وملبس، لا يسألني عن شيء من حالي، إلا أنّه يركب في كلّ يوم ركبة، فقلت له يوماً: أراك تُدمن الركوب ففيم ذلك؟ قال: إبراهيم بن سلیمان قتل أبي صبراً وقد بلغني أنّه مُختفٍ أطلبه لأدرك منه ثاري، فكثر والله تعجّبي، وقلت: القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي و كرهت الحياة، فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه، فأخبرني فعلمت أنّ الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه، فقلت له: يا هذا قد وجب علي حقّك، ومن حقّك أن أدلّك على خصمك وأقرّب إليك الخطوة، قال: وما ذاك؟ قلت: أنا إبراهيم بن سلیمان قاتل أبيك فخذ بثارك، فقال: إنّي أحسبك رجلاً قد مضّه الاختفاء فأحببت الموت، فقلت: لا والله ولكن أقول لك الحقّ يوم كذا وكذا، فلمّا علم صدقي تغيّر لونه واحمرّت عيناه وأطرق ملياً، ثمّ قال: أما أنت فستلقي أبي عند حکمٍ عدل فيأخذ بثاره، وأمّا أنا فغير مُخفر ذمّتي، فاخرج عني فلست آمن عليك من نفسي، وأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه وانصرفت عنه، فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين.(1)
1) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 6: 416 - 417، ترجمة إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان.
واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِه خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَه لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَه لِيَرْحَمَكَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَه مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْه ولَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْه ولَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ ولَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ ولَمْ يُعَيِّرْكَ بِالإِنَابَةِ ولَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى ولَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الإِنَابَةِ ولَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ ولَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً وحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً وفَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وبَابَ الِاسْتِعْتَابِ فَإِذَا نَادَيْتَه سَمِعَ نِدَاكَ وإِذَا نَاجَيْتَه عَلِمَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْه بِحَاجَتِكَ وأَبْثَثْتَه ذَاتَ نَفْسِكَ وشَكَوْتَ إِلَيْه هُمُومَكَ واسْتَكْشَفْتَه كُرُوبَكَ واسْتَعَنْتَه عَلَى أُمُورِكَ وسَأَلْتَه مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِه مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِه غَيْرُه مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ وصِحَّةِ الأَبْدَانِ وسَعَةِ الأَرْزَاقِ ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِه بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيه مِنْ مَسْأَلَتِه فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِه واسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِه - فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِه فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ورُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِلِ وأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ ورُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاه وأُوتِيتَ خَيْراً مِنْه عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَه فِيه هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَه».(1)
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 87 - 88، طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم.
إنّ الإمام علي علیه السلام ينحو مع ولده المحبوب نحواً خاصّاً يريده على أن يسأل الله سبحانه و یُلحف في السؤال، پريده أن يستعين الله على كلّ شيء مهما كان أمره.
وإنّه ليوحي علیه السلام بكلماته هذه النيّرة إلى ولده البارّ بأنّ خالقه وبارئه والذي بيده مقادير الأمور قد أفاض عليه نِعماً جساماً لا يستطيع لها عدّاً ولا حساباً . ولا يستطيع هو ومن في سواه أن يؤدّوا حقّها من الشكر.
فالله سبحانه قد سهّل على الانسان فأذن له في الدعاء بعد أن وعده الاجابة إلى كلّ ما تصبو إليه نفسه ما لم يخالف ذلك ما ترتئيه الإرادة الإلهيّة.
وقد أمر العبد أن يسأله ليعطيه، فهو سبحانه يقول: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(1)
بَيد أنّ الدعاء مشروط بأن يكون على وجه الاستكانة والخضوع مع الاعتراف بالذلّة والنقص والاضطرار والعجز قلباً ولساناً وهيئة، وأنّه لا فرج له إلاّ من لدن سيده،ولا خير له إلاّ من عنده قولاً وضميراً، وهل إخلاص العبادة إلاّ هذه الأحوال، فكان الدعاء بهذه الكيفيّة من أشرف العبادة، وبحسب العبادة يتمّ الشرف الانسانيّ ويخلص الغرض الإلهيّ.
الدعاء من مستلزمات العبادة، إذ هو الصلة التي تربط بين الانسان وخالقه، والدعاء فطري في الإنسان، فهو يشعر بحنين إلى الله، يفزع إليه عند الشدائد ويتضرّع إليه في كشف السوء عنه، فهو ضعيف أمام أحداث الحياة لا يجد سنداً لضعفه غير الدعاء، ولذلك اعتني القرآن الكريم بالدعاء وحثّ عليه، فقد جاء فيه «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2)وقال: « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»(1)ففي هذه الآية وصف الله الدعاء بأنّه من العبادة التي يستحقّ من يستكبر عنها غضب الله.
والدعاء علاج نفسيّ لكثير من أمراض النفس، فالانسان بطبعه محتاج في مشكلاته لأن يُفضي بدخيلة نفسه إلى صديق حميم يخفّف عنه بعض ما يشعر به من الهمّ والحزن، وقد أجمع الأطباء النفسيّون على أنّ علاج التوتّر العصبي والآلام النفسيّة إنّما يتوقّف إلى حدّ كبير على الافضاء بسبب التوتّر ومنشأ القلق إلى صديق مخلص، فإنّ كتمانه ممّا يزيد المرض، فإذا أفضى الانسان المحزون إلى ربّه ما يعانيه وطلب منه ما يبتغيه فإنّه يشعر بطمأنينة ونفحة روحيّة تنتشله ممّا هو فيه من الهم والضيق، وذلك مع الايمان والاعتقاد التام بأنّ الله قريب منه مُجيب دعوته، كما أخبر بذلك القرآن بقوله: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ»(2)الآية.
قيل في سبب نزول هذه الآية أنّ أعرابياً جاء الى الرسول صلی الله علیه وآله فقال: أقريب ربُّنا فنُناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه الرسول، فأنزل الله هذه الآية.(3)
وقد شرع الإسلام الدعاء أيضاً للسموّ الروحيّ والترفّع عن شهوات الجسد الضارّة والعروج به إلى معارج الكمالات بجانب ما يطلبه الداعي من فضل الله وتسيير أموره و کشف الضرّ عنه، ولهذا يعلّم الله عباده المؤمنين كيف يدعونه بما ذكره على ألسنة أنبيائه وعباده الصالحين ممّا سنذكر بعضاً منه:
«رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ».(4)
«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي».(1)
«رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».(2)
«رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(3)
«رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ».(4)
«رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(5)
«رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(6)
«رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا».(7)
«رب اشرح لي صدري * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي».(8)
«رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً».(9)
كلمة للعلاّمة السيّد هبة الدين الشهرستانيّ حول الدعاء تحت عنوان:
«إنّ الله عزّوجَل أمر عباده بالدعاء ووعدهم الاستجابة، قال سبحانه وتعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(1)وإنّ الله لا يُخلف الميعاد.
وقد كانت الأدعية المزبورة في القرآن العظيم أعلى أدعية العالمين شأناً، وأجمعها معنيً، وأوجزها لفظاً، وأسهلها حفظاً، وأفصحها عبارة، وأبلغها دلالة، وأثوبها تلاوة، هي الكلمات الإلهيّة التامّة، فالأحرى أن نكلّم الله بها، هي أسماؤه الحسني و آياته العليا فادعوه بها، هي الكلم الطيّب الذي يصعد إليه، هي الدعوات الحسني التي تقبل لديه، فرأيت من اللازم المستحسن جمعها وتفريقها على أرباب الحوائج والمهمّات خدمة للمنيبين إليه، وذخيرة ليوم وُفودي عليه، إنّه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً.
1) غافر: 60.
إنّ الدعاء في العرف العام طلب توجّه المدعوّ نحو الذي يدعوه. يقال: دعا زید عمرواً أي استلفت فكره ونظره إلى نفسه بالنداء أو الإشارة أو التسمية أو غيرها، ومنه الآية «ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا»،(1)ويقال أيضاً: دعاه إلى بيته أو إلى طعامه، ومنه الآيتان «إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا»(2)«إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ».(3)
ومعنى الدعاء في عرف الشريعة الإسلامية هو أيضاً طلب توجّه الله سبحانه نحو الداعي لكي يجيبه، إلاّ أنّ المراد من توجّه الباري عزّ اسمه هو توجّه فیضه وفضله، إذ يستحيل عليه تعالى أن يتوجّه بفكره أو بجسمه إلى أحد، كما إنّ المراد من إجابته أيضاً قضاؤه لحاجة عبده وإعطاؤه لسؤاله دون أن تكون إجابته بإشارة أو تلبية أو غيرها.
قد عرفت أنّ حقيقة الدعاء طلب توجّه الله سبحانه نحو عبده بفيضه وفضله، فاعرف أيضاً أنّه بهذا المعنى سُنّة مؤكّدة بنصّ الكتاب العزيز وبالسنّة المتواترة، وعلى استحبابه إجماع طوائف المسلمين أجمع، ولا مفسدة فيه لدى العقول السليمة، بل العقول قاضية بحسنه، ناطقة بمصالحه وحكمه.
وفي خلال هذه الأعوام أخذ نزر من كبار المتفلسفة وأركان الضلالة وبغاة المتفرنجة «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»،(4)
يُكثرون التساؤل عن فائدة الدعاء وحكمة تشريعه ومصالح التمسّك به، و كان جوابي المقنع لهم أوجه من القول، والجواب تختلف وجوهه بحسب اختلاف نزعات السائلين.
فمن تلك الوجوه أنّ أفكار الانسان مقدّمات أعماله، وسلسلة أفكاره معلّقة بحبال آماله، والأمل أقوى عامل في خياله، هذه قضايا مثبّتة في ألواح الأذهان كما هي ثابتة في صحائف الحقيقة والوجود، فما لم يشغل المرء دولاب خياله لم تنعقد فيه فرائد آماله، وما لم يكن للإنسان أمل لا يصدر منه عمل، كما أنّ ظهور آمالك من صدور أعمالك، هذه حلقات في سلسلة الكون بعضها متّصل ببعض لا مناص لأحدها من الأخرى، فكلّما قوي خيالك قویت آمالك واشتدّ استحضارك لغايتك المطلوبة، ومهما اشتدّ استحضارك للغاية في نظرك ازداد توجّهك إليها وإلی مقدّماتها ومبادئها، ومتى ازداد توجّهك نحو أملك واستوثقت قوى عملك قوي عزمك ونشطت جوارحك وكنت إلى نيل المرام أقرب بحكم العقل والحسّ مع التجربة من دون ريبة أو خلاف، ولا شكّ في أنّ إلحاح الداعين ودعوات السائلين وضراعة الراغبين من أكبر العوامل في تقوية الفكر والخيال وتربية العزائم والآمال، وأنّها من أقوى المؤثّرات في استحضار المبادئ والغايات، وفي جمع الأفكار وتوجيهها نحو المقاصد والمقدمات. فلو لم يكن للدعاء أثر نافع في المجمع البشريّ غير هذا لكفى أيّما كفاية، وهل ينتفع المرء من شيء كانتفاعه من أمر يُقرّبه من آماله، ويشجّعه في مشاقّ أعماله، ويؤمّله نيل المهمّة، ويؤمنه صدق العزيمة والغنائم بالعزائم).
سألني البعض: إنّنا ندعو الله كثيراً ولا يستجيب دعاءنا كما وعدنا في قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»(1)فأجبتهم: إن الله سبحانه
1) البقرة: 186.
وتعالى يقول: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»(1)فما رعيتم عهده وعبدتم عدوّكم وعدوّه، إذن فلا يجب على الله أن يفي بوعده وعهده معكم، لأنّه القائل وقوله الحقّ: «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ»،(2)و«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ»(3)فمن لم يذكر الإله ولم يشكر آلاءه ورغب عِداه ورهب من عداه وعبد الشيطان واتّبع هواه ولم يفِ بعهده مع الله فما له استحقاق أن يستجيب الله دُعاه.
إنّ كثيراً من قليلي العلم من ذوي العقول القاصرة من الذين حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياء، تراهم إذا أقبلوا على الدعاء أدبروا عن العمل والاهتمام، وتركوا تدبیر الأسباب الميسورة لهم، وزعموا أنّ الإقبال على الدعاء والتوكّل على الله ينافيان السعي وراء تدبير الأسباب المقرّبة نحو المطلوب، لكنّ ذلك وهمٌ ومضلّة وبدعة في الدين ومخالفة لسنّة سيّد المرسلین، فإنّه كان _ بلا ريب _ أعظم المتوكّلين على ربّ العالمين، وكان له الدعوة مستجابة، وكان صلی الله علیه وآله مع ذلك كلّه أكثر الناس تدبيراً للأسباب الممكنة، وأشدّهم توجّهاً نحو القوى الظاهرة، فكان صلی الله علیه وآله يحشد الجيوش المستعدّة ويستعمل القوى المعدّة، ويهتمّ بكلّ عِدّة وعُدّة، ويستعين بالقبائل وبالوسائل، وبالمال والرجال، يتّجر ويزرع، ويحفر الخندق، ويسترشد السالك، ويعرض بنفوس أعزّته وأحبّته المهالك، إلى غير ذلك.
فلماذا _ یا تری _ پرتکب هذه المشاقّ ولم يقنع بالدعاء وحده، مع أنّ دعاءه أقرب إلى الاستجابة من كلّ إنسان، وكان في اكتفائه بالدعاء حفظ
النفوس من التلف وصيانة الأموال من الضياع، أليس أصحابه الكرام وأولياؤه والتابعين لسيرته علیهم السلام أدري وأعرف بحقائق الإسلام، وكانوا يتهالكون في سبيل الاستعانة بالوسائل والقوى، ويجتهدون سعياً وراء تدبير الأسباب الممكنة، كي تقرّبهم من إنجاح مقاصدهم وأمانيهم، ولم يكونوا قانعین مكتفين بالدعاء وحده وهم في دعائهم و تو کّلهم أفضل من كثير بكثير.
أليس القرآن العظيم يأمر الناس بتدبير الأسباب المقرّبة من النجاح واجتناب مناهج الخيبة، كما يأمرهم بدعاء الله سبحانه والتوجّه إليه والتوكّل عليه، فيقول عزّ اسمه في كتابه العزيز: «خُذُوا حِذْرَكُمْ»(1)«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ»(2)«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ»(3)فاذن یا صاح «خُذَ التوسطً واجتنب التفريط والتورط».
تمسّك بالدعاء لمهمّاتك ولا تضجر من الالحاح في المسألة، ثمّ اجتهد أيضاً في تدبير الأسباب الموصلة، حتّى لا تكون في ترك الدعاء الذين «نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ»(4)ولا تكوننّ في تقاعدك وتقاعسك كالذين قالوا لنبيّهم: «اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ»(5)لأنّ الله قد فضّل المجاهدين على القاعدين وخصّهم بأجر عظيم.
إنّ الدعاء _ كما عرفتَ _ سنّة مؤكدة، والأمر به ثابت بنصّ القرآن والأحاديث المتواترة، و حُسنه أو استحبابه قضيّة ضروريّة من الدين بين المسلمين، والاستكبار عنه يجرّ إلى النار وبئس القرار، واليأس منه قنوط من رحمة الله أو إسائة ظنٍّ به، وفي
المواظبة عليه ظفر و توفيق، وعمله قربة إلى الله وزُلفی وحسن مآب.
ولا يستلزم الدعاء من الآداب والشرائط والسنن غير ما سنّه الله لعباده في كتابه العزيز، كالخشوع لله والضراعة لديه، واستكانة القلب والوقار واستحضار المشاعر، كما في الآية «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ»،(1)ومثل الاخلاص للحقّ والتوجّه إليه وحده بكلّ الحواس الظاهرة والباطنة كما في القرآن.
«وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ»(2)«فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا»(3)
ومثل الالحاح في مسألة الله وكثرة دعائه، كما في القرآن «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا»(4)«وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا»(5)
ومثل الدعاء بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وبالكلمات الطيّبة، وبأحسن البيان والذكر الجميل، كما في القرآن الكريم «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»(6)«وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا».(7)
ولا تنسى أنّ الركن الأساسي في إصلاح شأن الدعاء تزكية النفس و تقديس النيّة من كلّ فساد وباطل، والتوجّه الكامل والله وليّ الاجابة و إليه الانابة.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ».(1)
2 _ «وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ».(2)
3 _ «وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ».(3)
1 _ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ».(4)
2 _ «رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ».(5)
3 _ «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ».(6)
4 _ «رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(7)
5 _ «رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ».(8)
6 _ «وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(1)
7 _ «رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(2)
8_ «رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(3)
9_ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(4)
10 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».(5)
11 _ «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ».(6)
1_ «رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ».(7)
2 _ «رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا».(8)
3 _ «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ».(9)
4 _ «وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ».(10)
5 _ «رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ».(1)
6 _ «رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».(2)
7 _ «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».(3)
8 _ «رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ».(4)
9 _ «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».(5)
1 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا».(6)
2 _ «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ».(7)
3 _ «رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا».(8)
4 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ».(9)
5 _ «رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».(10)
1 _ «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ».(1)
2 _ «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ».(2)
3 _ «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي».(3)
4 _ «رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ».(4)
5 _ «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».(5)
6 _ «عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ».(6)
1 _ «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ».(7)
2 _ «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ».(8)
3 _ «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».(9)
4 _ «عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ».(1)
5 _ «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».(2)
6 _ «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».(3)
7 _ «رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».(4)
8 _ «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».(5)
1 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».(6)
2 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ».(7)
1 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ».(1)
2 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ».(2)
3 _ «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ».(3)
4 _ «رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».(4)
1 _ «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي».(5)
2 _ «رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا».(6)
3 _ «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ».(7)
4 _ «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».(1)
5 _ «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ».(2)
6 _ «رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».(3)
7 _ «فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ».(4)
8 _ «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».(5)
9 _ «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ».(6)
10 _ «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ».(7)
11 _ «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا».(8)
12 _ «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».(9)
13 _ «رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ».(10)
14 _ «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».(1)
1 _ «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».(2)
2 _ «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».(3)
3 _ «وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ».(4)
4 _ «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».(5)
5 _ «رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ».(6)
6 _ «وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ»(7)
1 _ «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي».(8)
2 _ «رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا».(1)
3 _ «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ».(2)
4 _ «رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا».(3)
5 _ «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا».(4)
6 _ «وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».(5)
7 _ «رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».(6)
8 _ «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».(7)
1 _ «رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ».(8)
2 _ «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِ».(9)
3 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ».(10)
4 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».(1)
5 _ «أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ».(2)
6 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ».(3)
7 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(4)
8 _ «رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ».(5)
9 _ «رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ».(6)
10_ «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(7)
11 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».(8)
12 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ».(9)
13 _ «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».(1)
14 _ «رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».(2)
15 _ «رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ».(3)
16 _ «رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».(4)
17_ «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ».(5)
18 _ «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا».(6)
1_ «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».(7)
2 _ «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ».(8)
3 _ «سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ».(9)
4 _ «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».(1)
5 _ «وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ».(2)
6 _ «قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ».(3)
7 _ «رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ».(4)
8 _ «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».(5)
1 _ «رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(6)
2 _ «وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ».(7)
3 _ «رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ».(8)
4 _ «رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا».(9)
1 _ «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».(1)
2 _ «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».(2)
3 _ «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي».(3)
4 _ «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ».(4)
5 _ «اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».(5)
6 _ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».(6)
7 _ «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».(7)
1 _ «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ».(8)
2 _ « رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ».(1)
3 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(2)
4 _ «رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا».(3)
1 _ «رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ».(4)
2 _ «رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ».(5)
3 _ «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ».(6)
4 _ «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ».(7)
5 _ «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي».(8)
6 _ «وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا».(9)
7 _ «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(10)
8 _ «رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا».(1)
9 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(2)
10 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».(3)
11 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»،(4)«أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»،(5)«وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»(6)«رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ».(7)
12 _ «رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(8)
13 _ «رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا».(9)
14 _ «قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».(10)
15 _ «وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا».(11)
16 _ «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ».(1)
1 _ «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ».(2)
2 _ « رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(3)
3 _ «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».(4)
1 _ «رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ».(5)
2 _ «وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(6)
3 _ «رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ».(7)
4 _ «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(8)
5 _ «رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».(9)
6 _ «فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».(1)
1 _ «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ».(2)
2 _ «وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ».(3)
3 _ «سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ».(4)
4 _ «فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ».(5)
5 _ «رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ».(6)
6 _ «رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ».(7)
7 _ «رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ».(8)
8 _ « رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ».(9)
9 _ «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».(1)
10 _ «نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ».(2)
من هذه الأدعية يتبيّن لك مصدرها السماويّ، قصّها الله علينا لندعو بها في فترات الزمن القاسية وللترقّي الروحيّ.
ولنذكر هنا جملة قصيرة من الأدعية المأثورة عن أهل البيت طلباً البركتها والنفع بها:
كان من دعاء رسول الله صلی الله علیه وآله إذا أصبح أن يقول: «أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والجلال، والخلق والأمر والليل والنهار وما يسكن فيهما لله عزّوجَل وحده لا شريك له، اللهمّ اجعل أوّل يومي هذا صلاحاً وأوسطه فلاحاً وآخره نجاحاً، اللهم إنّي أسألك خير الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين، اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلّغنا به رحمتك، ومن اليقين ما تُهوّن به علينا مصیبات الدنيا، اللهمّ متّعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعله الوارث منّا، وانصرنا على مَن ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ عِلمنا، ولا تُسلّط علينا من لا يرحمناه».(3)
وكان من دعاء أمير المؤمنين علیه السلام، و كان يدعو به عليّ بن الحسین زین العابدین علیه السلام وهو من أدعية الصحيفة:
«يا من يرحم من لا يرحمه العباد، يا من يقبل من لا تقبله البلاد، ويا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه، يا من لا يَجْبّه بالرّد أهل الإلحاح عليه، يا من لا يخفى عليه صغير ما يتحف به، يا من لا يضيع يسير ما يُعمل له، يا من يشكر على القليل ويجازي بالجليل، يا من يدنو إلى من دنا منه، يا من يدعو إلى نفسه من أدبر عنه، يا من لا يغيّر النعمة ولا يبادر بالنقمة، يا من يثمر الحسنة حتّى ينميها، ويتجاوز عن السيئة حتّى يعفيها، انصرفَتْ دون مدی کرمك الحاجاتُ وامتلأتْ بفیض جودك أوعية الطلبات...» الى آخر الدعاء.(1)
ومن دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة: «إلهي علمتُ باختلاف الآثار و تنقّلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتّى لا أجهلك في شيء».(2)
ومنه: «إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مُفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُظهِر لك، ومتى غبتَ حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتی بعدتَ حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عَمِيَت عينٌ لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقةُ عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيباً».(3)
ومنه وقد التزم الركن الاسود: «إلهي نعّمتي فلم تجدني شاكراً، وابتليتَني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلبتَ النعمة بترك الشكر، ولا أدمت الشدّة بترك الصبر، إلهي لا يكون من الكريم إلاّ الكرم».(4)
وقيل: إنّ أمير المؤمنین علیه السلام اعتمر فرأى رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: «یا من لا يشغله سمع عن سمعٌ، يا من لا تغلّطه المسائل، ولا يُبرمه إلحاح
الملحّين، أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك وعذوبة عافيتك والفوز بالجنّة والنجاة من النار» فقال علي علیه السلام : «والذي نفسي بيده إن قالها وعليه مثل السماوات والأرض من الذنوب قولاً مخلصاً ليغفرنّ له».(1)
وقال علیه السلام: «للدعاء شروط أربعة: الأوّل إحضار النيّة، الثاني إخلاص
السريرة، الثالث معرفة المسؤل، الرابع الانصاف في المسألة».(2)
حُكي أنّ أحد الملوك كان عقيماً لا يولد له، فكان إذا انتصف الليل وهدأ الناس يخرج إلى الصحراء ويتضرّع إلى الله ويتوسّل إليه بأن يرزقه ولداً يقوم مقامه، حتّی مضى عليه زمن غير قصير، فضجر ذات ليلة وقال: إلهي لا أدري أقريب أنت تسمع ثمّ لا تجيب أم بعيد لا تسمع؟ ولمّا رجع هتف به هاتف يقول: يا فلان أنا قريب منك أقرب إليك من حبل الوريد، أسمع نداءك وأری مقامك، ولكن أريد أن تدعوني بقلب خالص وسريرة طاهرة ونفس نقيّة.
فالله جلّ شأنه يريد من العبد أن يدعوه بقلب طاهر خاشع، وضمير نقيّ، وجوارح متذلّلة، ويقين واثق بالاجابة، وأن لا يكون قلبه متشاغلاً بغيره، فقد روي أنّ موسی بن عمران مرّ عند مناجاته برجل ساجد يبكي ويدعو ويتضرّع، فقال موسی علیه السلام : ياربّ لو كانت حاجة هذا العبد بيدي لقضيتها، فأوحى الله إليه: يا موسى إنّه يدعوني وقلبه مشغول بغنم له، فلو سجد حتّى ينقطع صلبه وتتفقّأ عيناه لا أستجيب له حتى يتحوّل عما أبغض إلى ما أحبّ.(3)
مرّ ابراهيم بن أدهم بسوق البصرة فاجتمع إليه الناس وقالوا: يا أبا إسحاق
ما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ قال: لأنّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء، الأوّل: أنّكم عرفتم الله فلم تؤدّوا حقّه، الثاني: زعمتم أنّكم تحبّون رسول الله وقد تركتم سُنّه، الثالث: قرأتم القرآن ولم تعملوا به، الرابع: أكلتم نعمة الله ولم تؤدّوا شکرها، الخامس: قلتم إنّ الشيطان عدوّكم ووافقتموه، السادس: قلتم إنّ الجنة حقّ فلم تعملوا لها، السابع: قلتم إنّ النار حقّ ولم تهربوا منها، الثامن: قلتم إنّ
الموت حقّ فلم تستعدّوا له، التاسع: انتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، العاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، فكيف يُستجاب لكم وأنتم على مثل هذه الأحوال؟ إنّما يستجاب لمن كان ذا نيّة صادقة وضمير طاهر وقلب نقيّ، وما كان الله ليفتح باب التوبة ويغلق باب المغفرة لأنّه تعالی يقول: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ»(1)وما كان الله ليفتح باب الشكر ويغلق باب الزيادة لأنّه يقول: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(2)وما كان الله ليفتح باب التوكّل ولم يجعل للمتوكّل مخرجاً، فإنه سبحانه يقول: « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ».(3)(4)
قوله علیه السلام: «فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِه - فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ورُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِلِ وأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ ورُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاه - وأُوتِيتَ خَيْراً مِنْه عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ».
إنّ الإمام عليه السلام يعلّم ولده بأنّه قد يسأل الله سبحانه فلا يجيبه إلى سؤله، أو قد يبطي عليه في الاجابة لا لأنّه عاجز قاصر عن أن يجيب، كلاّ وإنّما ذلك لأمر ما، فإنّ الله في شؤنه مصالح وحِكماً، وإنّ لها لسرّاً غامضاً وخبراً مكتوماً لا يطمع في ذلك بفهم أو
تأويل، لأنّ الله في شؤونه وإرادته لا يصلح لشيء من الفهم والتأويل.
وإنّه علیه السلام ليعلّمه بأنّ من الذنوب ما تكون حاجباً يحجب الدعاء عن القبول، أو يبطئ عليه في الإجابة، فلعلّ بين أعماله عملاً نابياً.
وهكذا جاء في دعائه علیه السلام المعروف بدعاء كميل «اللهمّ اغفرلي الذنوب التي تحبس الدعاء»(1)وهكذا كان النبي صلی الله علیه وآله يستعيذ بالله ويقول: وأعوذ بك من الذنوب التي تردّ الدعاء».(2)
روي أنّ عیسی بن مریم علیه السلام خرج يستسقي، فلمّا ضجروا قال لهم عیسی: من أصاب منكم ذنباً فليرجع، فرجعوا كلّهم ولم يبق معه في المفازة إلاّ واحد، فقال له عیسی: أمالك من ذنب؟ فقال: والله ما علمتُ من شيء غير أنّي کنت ذات يوم أصلّي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه، فلما جاوزتني أدخلت أصبعي في عيني فانتزعتها وأتبعتُ المرأة بها، فقال له عیسی: فادع الله حتّى أؤمّن على دعائك، فدعا فتجلّلت السماء سحاباً ثمّ صبّت فُسقواه».(3)
وخرج سليمان بن دواد علیه السلام يستقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك ولا غِنی بنا عن رزقك، فلا تُهلكنا بذنوب غيرنا. فقال سليمان: سُقيتم بدعوة غير كم.(4)
وأصاب بني إسرائيل قحط فاستسقى موسى مراراً فما أجيب، فأوحى الله تعالى إليه: إنّي لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمّام قد أصرّ على النميمة،
فقال موسی: یارب من هو حتّى نُخرجه من بيننا؟ فقال: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمّاماً، فتابوا بأجمعهم فسُقوا.(1)
ولا ريب فإنّ من عرف حقيقة النميمة يعلم أنّ النمّام شر الناس وأخبثهم، كيف وهو لا ينفكّ عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغلّ والحسد والنفاق والافساد بين الناس والخديعة، وقد قال الله سبحانه: «وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ»(2)والنمّام يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسد في الأرض، وقال الله تعالى: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»(3)والنمّام منهم، وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: لا يدخل الجنة قاطع(4)_ أي قاطع بين الناس _ والنمّام قاطع بينهم، وقال صلی الله علیه وآله: شرّ الناس من اتّقاه الناس لشّره،(5)والنمّام منهم.
نصّ القانون الإسلاميّ على حرمة النميمة وذمّ أهلها.
النميمة هي السعاية، ونمّ الحديث ينمّه سعی به ليوقع فتنة أو وحشة.
النميمة صفة خبيثة ومزّية رديئة، تجارة اللئام لقدح نار الخصام، وبضاعة الأوغاد لإيقاد نار الفساد، وهي سعاية كاسدة لغاية فاسدة.
النميمة مسبّبة عن اللؤم والحسد والخساسة، وربّما يعسر تحقّقها على النمّام بدون زيادة أو نقصان، وبهذا تلازم الكذب والبغي والعدوان.
النميمة خيانة الأمانة ونبذ للأمان ومخالفة للايمان، فالنمّام خبیث خائن وفاجر غادر و شیطان بصورة إنسان.
النميمة إفشاء السر وهتك الستر عمّا يكره كشفه ویراد ستره، فإن كان ما ينمّ به عیباً ونقصاً في المحكيّ عنه كان النمّام جامعاً بين الغيبة والنميمة، و كما تكون النميمة بصريح الكلام تكون بالاشارة والكتابة وأنواع الكناية.
تتولّد من النميمة مفاسد كثيرة أقلّها إيجاد التباعد غالباً بين المنقول عنه والمنقول إليه، وترتّب عليها تحقّق العداوة، وربما أدّت إلى حرب شعواء وفتنة عمياء، ومن سبر السير والتاريخ ونظر إلى أعمال ذوي النميمة في كلّ زمان عرف آثارها.
باع رجل عبداً له فقال لمن اشتراه منه: مافيه عيب إلاّ النميمة، قال المشتري: رضيت به، فمكث العبد عنده أياماً، ثمّ قال يوماً لزوجة مولاه: إنّ سيّدي لا يحبّك وهو يريد أن يتزوّج عليك، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند منامه شعرات حتّى أسحره عليها فيحبّك، ثمّ قال لمولاه: إنّ إمرأتك اتّخذت خليلاً وتريد أن تذبحك وأنت نائم فتناوم لها حتى تعرف الحقيقة، فتناوم لها الزوج فجائت المرأة بالموسی ودنت منه فجزم بصدق مقالة العبد، فقام إليها فقتلها، وجاء أهل المرأة فقتلوه، ثمّ وقع القتال بين عشيرة المرأة وعشيرة الرجل ودخل في تلك الحرب أحلافهما حتّى أشرفوا على الفناء،(1)وليس في البين سبب إلاّ النميمة والتصوّرات الكاذبة التي اخترعها ذلك العبد الذي كان من آثارنميمته ما كان.
1) بحار الأنوار 72: 270.
«فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ وَلَا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ وَمَهَانَةٍ وَلَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ».(1)
(الرخصة) التسهيل في الامر، والجمع رُخَص كغُرفة وغُرَف، و(الادهان) والمداهنة: إظهار خلاف ما تُضمر والغش، و (المنساة) و (المحضرة) محل النسيان والحضور، و(الشَّفا) طرف كل شيء، (والشرف) محرّكة: المكان العالي، و(المهواة) محل السقوط، و(المهانة) الذلّة والحقارة.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 353 - 354، ج 2/ 123 من الطبعة الأولى.
قوله علیه السلام: «فاستدركوا بقيّة أيامكم واصبروا لها أنفسكم» أي تدارکوا ما أسلفتم من الذنوب والخطيئات فيما بقي لكم من الأوقات، واحبسوا أنفسكم عليها بتحمل مشاقّ الطاعات.
وفي الحديث: الصبر صبران: صبر على ما تكره وصبر عمّا تحب،(1)فالصبر الأوّل مقاومة النفس للمكاره الواردة عليها وثباتها وعدم انفعالها، وقد يسمّى سعة الصدر، وهو داخل تحت الشجاعة. والصبر الثاني مقاومة النفس القوتها الشهويّة، وهو فضيلة داخلة تحت العفّة.
قوله علیه السلام: «فإنّها قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة والتشاغل عن الموعظة» يعني أنّ الأيام الباقية التي يمكن فيها الاستدراك والتدارك قليلة في جنب الأيام التي تكون فيها الغفلة والتشاغل التي هي كثيرة بالنسبة إليها.
ولعلّ الإتيان بلفظة «تكون» دون «كانت» للإشعار بأنّ غفلتهم ليست مختصّة بما مضى، بل ربّما تكون فيما يأتي أيضاً، وذلك لما علم من حالهم أنّهم لا يستغرقون أوقاتهم الآتية بالتدارك والطاعة، فأمر علیه السلام بالتدارك فيما هو آت إذ ما مضى قد فات، فافهم.
قوله علیه السلام: «ولا تُرخّصوا لأنفسكم فتذهب بکم الرّخص فيها مذاهب الظلمة»، أي مسالكها، والظاهر أنّ المراد بالترخيص للنفوس المسامحة والمساهلة لها، فيكون المقصود بالنهي المواظبة عليها و مجاهدتها.
روى الكليني بإسناده عن السكوني، عن أبي عبد الله علیه السلام، أنّ النبي
1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 422؛ وسائل الشيعة 15: 228/ ح 20376، وفيهما: «الصبر على ما تحبّ، وصبر على ما تكره».
صلی الله علیه وآله بعث سرّية، فلمّا رجعوا قال صلی الله علیه وآله: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس».(1)
وفي الوسائل عن الصدوق بإسناده عن شعيب العقرقوفي، عن الصادق علیه السلام،قال: «من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهي وإذا غضب وإذا رضي حرّم الله جسده على النار».(2)
وعن الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن محمد بن محمد بن خالد رفعه، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: «أقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك، واسْعَ في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك».(3)
هذا، ويحتمل أن يكون المراد به الترخيص في الشبهات المؤدي إلى الاقتحام في الهلكات، فيكون مساقه مساق ما رواه الصدوق عنه علیه السلام قال: «إنّ أمير المؤمنین خطب الناس فقال في كلام ذكره: «حلال بيّن وحرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».(4)
ونظيره ما رواه في الوسائل عن الكراجكي في کتاب کنز الفوائد مسنداً عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «قال جدّي رسول الله صلی الله علیه واله: أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بينهما الله لا في الكتاب وبنتهما لكم في سنتي وسيرتي، وبيّنهما شبهات الشيطان وبِدع بعدي، من تركها صلح له أمر دينه وصلحت له مروِّته و عرضه، ومن تلبّس بها ووقع فيها واتّبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في
الحمى، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله عزّوجَل محارمه، فتوقّوا حمى الله ومحارمه»، الحديث.(1)
قوله علیه السلام : «ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدمان على المعصية» والمراد بالمداهنة أمّا المساهلة للنفس، فتكون هذه الجملة تأكيداً للجملة السابقة، وأمّا ترك المناصحة والصدق وإظهار خلاف ما تضمر _ أعني النفاق _ وهو الأظهر.
ومنه الحديث القدسيّ لعیسی علیه السلام «قل لمن تمرّد عليّ بالعصيان وعمل بالادهان؛ ليتوقّع عقوبتي».(2)ومثله في حديث الباقر عليه السلام قال: «أوحى الله عزّوجَل إلى شُعيب النبي عليه السلام: إنّي معذّب من قومك مأة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً من خيارهم، فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي»(3).
قوله علیه السلام: «عباد الله إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه» وذلك لأنه لمّا كان مقصود الناصح بنصحه إيصال المنفعة إلى المنتصح، و كان أعظم المنافع وأجلّها هو السعادة الأبديّة والعناية السرمديّة المستفادة من طاعة الله، لاجرم كان أنصح الناس لنفسه أكثرهم طاعة لربّه.
قوله علیه السلام: «و إنّ أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربّه» والغشّ خلاف النصح، وهو عبارة عن عدم الخلوص وعن إظهار خلاف ما يضمر، ولما كان غرض الغاشّ من غشّه إيصال الضرر إلى المستغشّ، وكان أعظم المضار هو
الشقاوة الأبديّة والعقوبة الدائمة الناشئة من عصيان الله، لا جرم کان أغشّ الناس لنفسه أكثرهم معصية لربّه.
وفي هاتين الجملتين من الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية مالا يخفى، إذ أحبّ المخلوقات إلى الانسان نفسه، فهو دائماً طالب لمحابّها ومنافعها، هارب عن مضارّها و مکارهها، فيلزم له الاتيان بالطاعة والحذر عن المعصية، لكون الأولي جالبة للمحبوب والأخرى كاسبة للمكروه.
قوله علیه السلام: «والمغبون من غبن نفسه». أصل الغبن هو الخداع، فالغابن خادع والمغبون مخدوع، والغبن في البيع هو بيع الكثير بالقليل، ولمّا كانت الشهوات الدنيويّة واللذائذ العاجلة زهيدة قليلة في جنب الثمرات الأخرويّة والمنافع الآجلة، وكان المشتغل باللذّات الدنيّة والصارف عمره في الشهوات الخسيسة قد فوّت على نفسه المنافع الكثيرة والنعم الخطيرة، فكأنّه قد باع الكثير بالقليل، وفوّت على نفسه الخطير بالحقير، لاجرم كان هو غابناً لنفسه وخادعاً لها حيث بخسها ما تستحقّه من ثواب الله ورضوانه، ومنه قوله تعالى:
«يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ».(1)
قال الطبرسي في تفسيره: هو تفاعل من الغبن، وهو أخذ شرٍّ وترك خيرٍ، أو أخذ خير وترك شرٍّ، فالمؤمن ترك حظّه من الدنيا وأخذ حظّه من الآخرة، فترك ما هو شرّ له وأخذ ما هو خير له فكان غابناً، والكافر ترك حظّه من الآخرة وأخذ حظّه من الدنيا، فترك الخير وأخذ الشرّ فيكون مغبوناً، فيظهر في ذلك اليوم الغابن والمغبون.(2)
ولمّا كانت السعادات الأخرويّة أنفس متاع لا متاع فوقه، والغبن فيها أعظم غين لا غبن مثله، لذلك حصر علیه السلام المغبون فيمن غبن في ذلك، وقال: «المغبون من غبن نفسه» على طريق المبالغة، ومثله قوله علیه السلام: «والمغبوط من سلم له دینه» فإنّ سلامة الدين لمّا كانت أعظم نعمة لا نعمة فوقها، كان المنعم بذلك أحقّ بأن يغبط ويتمنّى مثل ما له من غير أن يريد زواله، وبهذا القيد تفترق الغبطة من الحسد.
قوله عليه السلام: «والسعيد من وُعظ بغيره» أي السعيد في الآخرة من لاحظ حال الغير فاتّعظ به، بأن ينظر إلى حال الصالحين ومالهم وما أعدّ الله لهم وبشّرهم به في كتابه الكريم، من الجنان والغلمان والحور العين والشراب من الكوثر والتسنیم، يحذو حذوهم ويسلك مسالكهم، ويلاحظ مصير المجرمين ومقرّهم وما هيّأ الله لهم وأنذرهم به من الجحيم وظلٍّ من يحموم وشراب من الزقوم والحميم، فيعدل عن جادّتهم ويتنحّى عن قدّتهم.
قوله عليه السلام: «و الشقّي من انخدع لهواه وغروره» كما قال سبحانه: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»(1)وقال أيضاً: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ»(2)أي الخداع الذي لا حقيقة له، وهو المتاع الرديّ الذي يدلّس به على طالبه حتّى يشتريه ثم يتبيّن له رداءته، والشيطان هو المدلّس.
قوله علیه السلام: «واعلموا أنّ يسير الرياء شرك، فكيف بكثيره، ومجالسة أهل الهوى منساة للايمان ومحضرة للشيطان» أراد بمجالسة أهل الهوى مجالسة أهل المعاصي إنّ کون مجالسة أهل المعصية ومخالطتهم موجبة لنسيان الايمان ولحضور الشيطان واضح،
لأنّ الفسّاق بإقبالهم إلى اللعب واللهو والفسق والفجور والسّيئآت بما فيهم من دواعي الهوى والشهوات يسوّد ألواح خاطرهم ويرين وجه قلوبهم فيغفلون بذلك عن ذكر الحقّ وتذكّر الآخرة، ويزيد الغفلة شيئاً فشيئاً ويشتدّ، فيخرج نور الايمان من قلوبهم ويضمحلّ ويمحو، ويحضر الشيطان في مجالسهم لإغوائهم وإضلالهم، فمن جلس معهم وخالطهم تكون المجالسة والمخالطة _ لا محالة _ مؤثّرة فيه، إذ المرء على دين خليله وقرينه، فيقتدي بهم ويحذو حذوهم ويعمل عملهم، فيكون ناسي الايمان وقرين الشيطان.
ويدلّ على ذلك الأخبار المستفيضة بل المتواترة، ففي الوسائل عن الكليني مسنداً عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام _ في حديث _ قال: ما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلاّ حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين، فإن تكلّموا تكلمت الشياطين بنحو کلامهم، وإذا ضحكوا ضحكوا معهم، فإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم، فمن ابتُلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه، فإنّ غضب الله لا يقوم له شيء، ولعنته لا يردّها شيء، ثمّ قال: فإن لم يستطع فليُنكر بقلبه وليقم ولو حلب شاة أو فواق ناقة».(1)
وعن عمرو بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس کواحد منهم، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: المرء على دين خليله و قرینه».(2)
وعن أبي حمزة عن علي بن الحسين علیه السلام في حديث طويل: «إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقین، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم».(3)
ومن كتاب صفات الشيعة معنعناً عن محمد بن قيس عن أبي جعفر، عن آبائه، عن علي علیه السلام قال: «مجالسة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخیار، ومجالسة الأخیار تُلحق الأشرار بالأخیار، ومجالسة الفجّار للأبرار تُلحق الفجّار بالأبرار، فمن اشتبه عليكم أمره ولم تعرفوا دينه فانظروا إلى خُلطائه، فإن كانوا أهل دین الله فهو على دين الله، وإن لم يكونوا على دين الله فلا حظّ لهم في دين الله، إنّ رسول الله صلی الله علیه وآله كان يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلايُواخينب كافراً ولا يخالطنّ فاجراً، ومن آخی کافراً وخالط فاجراً كان فاجراً كافراً».(1)
ولنعم ما قيل في هذا المعنى:
عن المرء لا تسل وسَل عن قرينه *** فكلّ قرين بالمقارن يقتدي(2)
ومن مجالس الشيخ حسن ابن شيخنا الطوسي قدس سرّهما مسنداً عن أبي الخير قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «أربعة مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء والاستمتاع منهنّ، والأخذ برأيهنّ، ومجالسة الموتى، فقيل: يا رسول الله وما مجالسة الموتی؟ قال: كلّ ضالّ عن الإيمان وجائر عن الأحكام»(3)والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الزيادة.
قوله علیه السلام: «جانبوا الكذب فإنّه مُجانب للإيمان».
أراد بذلك أنّ كلاً من الكذب والإيمان مجانب من الآخر، وأنّ بينهما تباعداً وتجانباً، وذلك على القول بكون الإيمان عبارة عن مجموع المعرفة وما يتبعها من الأعمال الصالحة واضح، لأنّ الصدق على ذلك جزء للإيمان والكذب مضادّ له فیکون مضادّاً للإيمان، وأمّا على كونه عبارة عن نفس
المعرفة، فلأنّ الإيمان من أعظم الفضائل المنجية، والكذب من أخسّ الرذائل المهلكة، والتباعد بين الفضيلة والرذيلة والإنجاء والإهلاك أيضاً ظاهر.
كما أشار علیه السلام إلى ذلك وأوضحه بقوله: «الصادق علی شفا منجاة وكرامة» أي على طرف من النجاة والكرامة ومشارف عليهما، أو على طرف من محلّ النجاة وقريب منها يكاد أن يقع فيها وفي الكرامة الدنيويّة والأخرويّة، «والكاذب على شرف مهواة ومهانة» أي على مكان عال من الهوى والهوان، أومشارف لمحلّ السقوط والذلّة يكاد أن يسقط منها إلى الجحيم ويقع في العذاب الأليم، قال الشاعر:
لا يكذب المرء إلاّ من مهانته *** أوعادة السوء أو من قلّة الأدب
لعفن جيفة كلب خير رائحة *** من كذبة المرء في جدٍّ وفي لعب(1)
ثمّ نهى علیه السلام عن الحسد بقوله: «ولا تحاسدوا» وهو من أعظم الموبقات، وعلّله بقوله: «فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النارُ الحطب» وهو أيضاً مضرّ بالنفس والجسد.
أمّا بالنفس فقد قال الصادق عليه السلام: «الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن يضرّ بالمحسود، كإبليس لعنه الله أورث بحسده له اللعنة، ولآدم علیه السلام الاجتباء والهدى والرفع إلى محلّ حقائق العهد والأصطفاء، فكن محسوداً ولا تكن حاسداً، فإنّ میزان الحاسد أبداً خفيف بثقل میزان المحسود، والرزق مقسوم، فماذا ينفع الحسد الحاسد؟ وماذا يضرّ المحسود الحسد؟».(2)
إنّ الحسد يُذهل نفس الحاسد ويغرق فكره بالاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يبقى له فراغ بتحصيل المنافع العائدة إليها، بل ويمحو ما حصلت لها من الملكات الخيرية والحسنات المنقوشة في جوهرها بطول تعوّد الحسد وتمادي اشتغال الفكر فيه وكثرة الحزن والهمّ، لأنّ نعم الله سبحانه على عباده غیر معدودة، و فيوضاته غير متناهية، فإذا كان حسد الحاسد على الخلق بتلك الآلاء والنعم دام عليه الهمّ والغمّ، فيضيق وقته بل ينقطع عن إتيان الحسنات ويُلقي نفسه في المهلكات، وهو معنى قوله عليه السلام: «إنّه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» أي يستأصله ويفنيه ويبطله مثل استیصال النار للحطب وإفنائها له.
وأمّا بالجسد فقد قال أمير المؤمنين علیه السلام: «صحّة الجسد في قلّة الحسد».(1)وسرّه أنّ الحسود إذا دام عليه الحزن والغمّ بتواتر الآلام والنعم على المنعم أورث ذلك له طول السهر وتمادي الفكر وضيق العيش وضنك المعيشة وقلّة الراحة ومضيق الباحة، فينقطع عنه الابتهاج، ويؤدّي ذلك إلى فساد المزاج.
وجاء في المجلّد التاسع من حلية الأولياء ص 147: قال الشافعي محمد بن إدريس: الحسد إنّما يكون من لؤم العنصر، وتعادي الطبائع، واختلاف التركيب، وفساد مزاج البنية، وضعف عقد العقل، الحاسد طویل الحسرات عادم الدرجات.
إنّ المداخل التي يأتي الشيطان من قِبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة، والغضب والهوى؛ فالشهوة بهيميّة، والغضب سَبعيّة، والهوى شيطانيّة، فالشهوة آفة لكنّ الغضب أعظم منه، الغضب آفة لكنّ الهوى أعظم منه، فقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ» المراد آثار الشهوة، وقوله «وَالمُنْكَرِ» المراد منه
1) بحار الأنوار 70: 256/ ح 28.
آثار الغضب، وقوله «وَالْبَغْيِ»(1)المراد منه آثار الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب يصير الإنسان ظالماً لغيره، وبالهوى يتعدّى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى، ولهذا قال صلی الله علیه وآله: الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يُغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يُترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتر که هو ظلم الإنسان نفسه.(2)فمنشأ الظلم الذي لا يُغفر هو الهوى، ومنشأ الظلم الذي لا يُترك هو الغضب، ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة، ثمّ لها نتائج: فالحرص والبخل نتيجة الشهوة، والعجب والكبر نتيجة الغضب، والكفر والبدعة نتيجة الهوى، فإذا اجتمعت هذه الستّة في بني آدم تولّد منها سابع وهو الحسد، وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أنّ الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانيّة بالحسد، وهو قوله: «وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ»(3)كما ختم مجامع الخبائث الشيطانيّة بالوسوسة، وهو قوله «يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ»(4)فليس في بني آدم أشرّ من الحسد، كما أنّه ليس في الشياطين أشرّ من الوسواس، بل قيل: الحاسد أشرّ من إبليس، لأنّ إبليس رُوي أنّه أتی باب فرعون وقرع الباب، فقال فرعون: من هذا؟ فقال إبليس: لو كنتَ إلهاً لما جهلتني، فلمّا دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شرّاً منّي ومنك؟ قال:نعم الحاسد، وبالحسد وقعت في هذه المحنة. تفسير الرازي ج 1، ص 266، ط مطبعة البهيّة، مصر.
أعظم الرذائل في المجموعة الإنسانية الحسد المتولّد من اقتران الطمع والبغض، فهذه الصفة متّصفة بالدناءة والتسفّل والخبث والحرص والنذالة والقحّة والاعوجاج والتحيّل كالطمع، وبالكبرياء والرياء والظلم والعتوّ کالبغض، ولا يكتفي الحسود بأن يشتهي كرامة غيره و اقتداره وماله، بل يشتهيها لزعمه أنّها ينبوع السعادة واللذّات، وكما يتمتّع بها لو حصلت له بدون نظر إلى القوانين الأدبيّة، هكذا يتمنّى الحصول عليها فيطلب الغني من البطالة، والاعتبار من السخافة، و يحتقر المراتب الطبيعيّة المتعلّقة بعلوّ مقام الإنسان في الهيئة الاجتماعيّة، فيحسد على منصب أو علم أو اعتبار أو حذق أو براعة أو مال أو جمال، وهذا الهمّ الشديد شغل شاغل له ليلاً ونهاراً يحمله على ترك فروضه اليوميّة التي لو اشتغل بها لألهاه ذلك عن هذه الوساوس الواخزة، ولا يرتضي بما قُسم له، ولا يرجو تغيّر ما هو عليه، يخجل من المخالطة، يضطرب بأمر المستقبل، يتيه في ظلام الفناء، ويرود كالثعلب الرواغ حول أموال الناس ومراتبهم التي يراها ويشتهيها ويرى أنها لزيادة شقائه تنمو وينمو فيه معها الطمع، وحينئذ ينفتح للبغض في قلبه باب، فيري من الناس من يقاسون الشقاء والذلّ، ومن يتمتع بالمال والاعتبار سليماً آمناً، ويتبيّن له من البعض أنّهم يحولون بينه وبين مرامه ويضادّون میله ويتجاوزون مقاصده ويجذبون إليهم نظر الجمهور.
الذي لا يبالي بذاك الحسود فينقلب الحال معه ويمسخ مسخاً ثانياً، وذلك أنّ المال أو الاعتبار الذي يطمع فيه ولم يقدر على إيجاده وتحصيله بالشغل، له صاحب يحقّ له التمتّع به، فيصير عدوّاً له، وبالحريّ هو يصير لصاحب المال والاعتبار عدوّاً أزرق ألدّ أحمق، فينصبّ في تجاويف قلبه سمّ البغضاء على سمّ الطمع، فلا يزال شاغلاً خاطره بالغني والجاه، فيمقت كلّ غني ووجيه، ويقابل بين نفسه وهؤلاء المتموّلين وأهل الاعتبار، فيتوهّم أنّه فوقهم فضلاً، فيحاول تبلیغ ذلك إلى الناس، ويجتهد في إقناعهم أنّه أولى بالغنى والاعتبار.
وبعض الناس _ كما هو معلوم _ يخبط في ظلام العسف خبطاً، فيخدع بظواهر الأمور ويجهل حقيقة التعقّل والحشمة والفضائل الحقيقية في إجمالها، وهذا الحسود يستعمل كلّ فنٍ وحيلة لسدل برقع الانخداع على عيون معارفه، ويعطيه الحسد عقلاً ونشاطاً فيخطو في سبيل ضرر القريب أكثر ممّا خطا في سبيل تحصيل المال والاعتبار، فيذهب من مكان إلى مكان معذّباً بالأمر نفسه، يضرب أخماساً لأسداس، يتطلّب الحصول على ثروة الناس أو مراكزهم بطرق المكر والاحتيال، وقد استولى على تصوّره أنّه إذا أتلف عدوّه يحصل على الغِني، وإذا خفض من شأنه ارتفعت منزلته، فيكون أوّل الاغراض التي يوجّه إليها سهام خبثه إهلاك عدوه قبل الحصول على ثروته، ناسياً قول القائل:
أيا حاسداً لي على نعمتي *** أتدري على من أسأت الأدبْ
أسأتَ على الله في حكمه *** لأنّك لم ترضَ لي ما وهب
فأخزاك ربّي بأن زادني *** وسدّ عليك وجوه الطلب
وصاحب هذه الرذيلة قلّما ينتهي إلى الغاية التي يقصدها، فيخدعه بغضه وطمعه، ولا يزال قلبه معذّباً بناره، قال الشاعر:
خِلّص فؤادك من غلٍّ ومن حسدٍ *** والغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق(1)
وقالت العرب: داء الأسد أسلم من داء الحسد، وقالوا: الحسود غضبان على القدر، وقالوا: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش: الحقد والحسد وسوء الخلق، وقالوا: بئس الشقاء الحسد. وقال علي عليه السلام: «الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له».(2)وقال بعضهم: الحسد داءٌ منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود. وفي الحديث النبويّ: «قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه
فقتله».(1)وقالوا: يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: أوّلها غمّ لا ينقطع، ثانيها مصيبة لا يُؤجر عليها، ثالثها مذمّة لا يُحمد عليها، رابعها سخط الربّ، خامسها يغلق عنه باب التوفيق.
وإذا قابلنا الحسد مع سائر الرذائل وجدناه أقبحها، فإنّ البخيل يتمتّع بماله، والنهم يشبع من طعامه، وسائر الرذائل تجد ما يخمد قوّتها، وأمّا الحسد فلا يزال يشبّ ضرامه في فؤاد صاحبه ما دامت دواعي الحسد موجودة، كالنار لا تزال تلتهب ما دام الوقود يُطرح فيها، ومع ذلك لا يزال الحسود يرى أنّه تنقصه أمور كثيرة و تؤلمه أخرى، فينقصه الشبع والريّ، وتؤلمه جراح الوساوس وقهر فؤاده، فيكون ميّتاً في صورة حيّ، وتنغّص معيشته فيأكل بعضه بعضاً كالذئب يعيش من شحمه، و كالهرّ الذي يلحس المبرد وهو يلحس من دمه، قال الشاعر:
اصبر على كيد الحسود *** فإنّ صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها *** إن لم تجد ما تأكله(2)
فالحسد إذاً أخبث الأخلاق الرديئة، وبه كانت أول سقطة العالم العظمی في الخطيئة،وأوّل قتيل قُتل على الأرض، الشيطان حسد آدم فأهبطه، وقابيل حسد هابیل فقتله.
وما جاء في بعض الأحاديث من أنّ قابيل قتل أخاه هابيل بسبب التزاوج لا صحّة له، وهو شبهة مغلوطة بعيدة عن الواقع ولا يتقبّلها الذوق، وإنّما التقاتل كان من أجل الوصيّة ومواريث النبوّة.
زعم بعض المؤرّخين على أنّ سبب التقاتل بين الأخوين _ قابيل وهابيل _ أنّ كل واحد منهما تزوّج أخت الآخر، وأنّ شقيقة قابيل كانت أجمل من شقيقة هابيل، فأخذ قابيل من أجل ذلك الحسد على هابيل فحقد عليه فقتله، ثمّ قالوا: وهذا أصل سلسلة البشر وينبوع الإنسانيّة، وهذا مُنافٍ لناموس الاجتماع وشرف الإنسانيّة، وإن صحّ هذا يكون وجود الخليقة من الزنا، يقول أبو العلاء المعري رداً على هذا الزعم المغلوط.
إذا ما رأينا آدماً وفعاله *** وتزويجه بنتيه لابنَيه بالخنا
علمنا بأنّ الناس من أصل فاجر *** وأنّ جميع الخلق من عنصر الزنا
والقول السديد ما ورد عن أئمّة الهدى علیهم السلام، فقد روى الصدوق في علل الشرائع عن الصادق علیه السلام أنّه سُئل عن بدء النسل من ذرّية آدم عليه السلام وقيل له: إنّ عندنا أناساً يقولون: إن الله تعالى أوصى إلى آدم أن يزوّج بناته من بنيه، وأنّ هذا الخلق أصله كلّه من الأخوة والأخوات. فقال علیه السلام: سبحان الله وتعالى عن ذاك علوّاً كبيراً، يقول من يقول هذا أنّ الله جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورُسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نُبّئت أنّ بعض البهائم تنکّرت له أخته فلمّا نزي عليها ونزل کُشف له عنها وعلم أنّها أخته أخرج غرموله ثمّ قبض عليه بأسنانه و قلعه ثمّ خرّميتاً».(1)
وفي رواية أخرى مايقرب من ذلك، مع أشدّ التأكيد في تحريم الأخوات على الأخوة، وأنّه لم يزل كذلك في الكتب الأربعة المشهورة، وإنّ جيلاً من هذا الخلق رغبوا عن علم أهل بيوتات الأنبياء وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه، فصاروا إلى ما قد ترون من الضلال والجهل. إلى أن قال: ما أراد
1) علل الشرایع 1: 17/ ح 1، باب 17.
من يقول هذا وشبهه إلاّ تقوية حُجج المجوس، فمالهم قاتلهم الله. وساق الحديث إلى أن قال: إن الله أنزل لشيت بن آدم حوراء من الجنّة اسمها نزلة، وليافث بن آدم حوراء أخرى اسمها منزلة، وأمر آدم أن يزوّج ولديه منهما، وولد الصفوة من النبيّين والمرسلين من نسليهما، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من الأمر للأخوة والأخوات.(1)
وروى العيّاشي في تفسيره عن الباقر عليه السلام أنّه قيل له: إنّ الناس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه، فقال عليه السلام: قد قال الناس ذلك، ولكن أما علمت أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله قال: لو علمت أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه لزوّجت زینب من القاسم، وما كنت لأرغب عن دین آدم».(2)
وبالتالي إنّ سبب التقاتل هو أنّ الله تعالى أوحي إلى آدم عليه السلام أن يدفع مواريث النبوّة ومنصب الخلافة بعده إلى هابيل لاستعداده الفطريّ وعارضته القويّة، فحسده قابيل على هذه الموهبة، وقال له: أنا أكبر منك سنّاً، فأنا أولى بالكرامة والوصيّة، فنازعه في ذلك، فأمرهما آدم عليه السلام بأمر من الله تعالى أن یُقرّبا قرباناً، فمن تُقبّل قربانه كان أولى بالموهبة، فرضيا بهذا الفرض، و كان هابیل صاحب ماشية وقابیل صاحب زرع، فقرّب هابیل کبشاً من أفضل غنمه، وقرّب قابيل من شرّ زرعه ما لم يكن ينقي، ثمّ صعدا فوضعا القربان على الجبل، فأتت النار من السماء فاستولت على قربان هابیل وتجنّبت قربان قابيل، فدخل قابيل الحسد والحقد لهابيل وبغى عليه، وقد أشار الجليل جلّ وعلا إلى هذه الفذلكة بقوله «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ»(3)الآية، فسوّل له إبليس قتله فقال له: والله لأَقتلنّك. فقال هابيل:
«إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ»(1)فلم يدر كيف يقتله، فتراءاله إبليس فقال له: ضع رأسه بين حجرين ثمّ اشدخه، فلمّا أجرى هذه العملية ورآه قتيلاً وقف متحيّراً لم يدرِ ما يصنع به بعد القتل، فبعث الله غرابين فأقبلا يقتتلان أمامه حتّى قتل أحدهما صاحبه، فعمد الحيّ إلى القتيل فحفر له بمخالبه في الأرض حفرة ثمّ طرحه فيها و واراه في التراب حتّى أخفى أثره، فقال قابيل عند منظره ومشاهدته هذا الصنع من الغراب «يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ»(2)ندم الحيرة ورقّة الطبع، فحفر له عند ذلك حفرة كما شاهد الغراب وقبره.
وبالتالي لم يكن شيء أمحق للإيمان من الحسد ولا أهتك للستر منه، وذلك أنّ الحاسد معاند لحكم الله، باغ على عباده، عاتٍ على ربّه، يعدّ نعم الله نقماً، وعدل قضائه حيفاً، للناس حال وله حال، لا يهدأ ليله، ولا ينام جشعه، ولا ينفعه عيشه.
قال بعض الحكماء عن الحاسد: واعجباه لرجل أسلكه الشيطان مهاوي الضلالة وأورده قحم الهلكة، فصار لنعم الله تعالى بالمرصاد، إن أنالها من أحبّ من عباده أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له، وأغار الكلف بما لم يكن يناله.
وفي الحديث النبويّ: «إنّ لنعم الله أعداءٍ، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله».(3)
وقال صلی الله علیه وآله: «إنّ الله تعالى أوحي إلى موسى علیه السلام : يابن عمران لا تحسد الناس على ما آتيتُهم من فضلي، ولا تمدّنَّ عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك،
فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمي الذي قسمتُ بين عبادي، ومن كان كذلك فلستُ منه وليس منّي».(1)
وعن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: « آفة الدين الحسد
والعجب والفخر».(2)
وعن فضیل بن عیاض عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط».(3)
وعن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر علیه السلام: «إنّ الرجل ليأتي بأدنی
بادرة فيكفر، وإنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب».(4)
وفي الوسائل من المجالس مسنداً عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام: «أصول الكفر ثلاثة: الحرص، والاستكبار، والحسد».(5)
وفي الأنوار النعمانيّة للسيّد المحدّث الجزائري قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:
«ستّة يدخلون النار قبل الحساب بستّة: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقین بالكبر، والتجّار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد».(6)
ومع ذلك فإنّ الحسد من دواعي نشر الفضائل المطوية وزيادة في فضل صاحبها، إذ تتّجه إليه الأعين و تعرف حقيقة استحقاقه، قال الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طُويت أتاح لها لسانَ حسودِ(7)
إنّ أعداء علي عليه السلام أخفوا فضائله حسداً و کتموا مناقبه حقداً، ومع ذلك فقد كانت تنطق بها ألسنتهم، وتنقل من أفواههم، وتدوّن بأقلامهم وتنشر بإرادتهم، لما جعل الله لعلي علیه السلام من الكرامة العالية والفضائل التي لم تكن لغيره من مخلوق الله عدا النبي صلی الله علیه وآله.
يقول السيّد الرضي:
علامة العزّ أن حُسدت به *** إنّ المعالي قرائن الحسد
ويقول الشيخ محمّد علي الحلي الشفهيني:
يا من إذا عُدّت مناقب غيره *** رجحت مناقبُه وكان الأفضلا
إنّي لأعذر حاسديك على الذي *** أولاك ربُّك ذو الجلال وفضّلا
إن يحسدوك على عُلاك فإنّما *** متسافل الدرجات يحسد مَن علا(1)
وقال الشيخ هاشم الكعبي:
إنّي لأعذر حاسديك على العُلا *** وعلاك عذري لو عذرت حسودا
فليحسد الحسّاد مثلك إنّه *** شرف يزيد على المدى تجديدا
ما أنصفتك عصابةٌ جهلتك إذ *** جعلت لذاتك في الوجود نديدا
وقال مهيار الديلمي:
1) انظر الغدير 6: 388.
ألا سَل قريشاً ولُم منهمُ *** من استوجب اللوم أو فَنّدِ
وقل: ما لكم بعد طول الضلال *** لم تشكروا نعمة المرشد
أتاكم على فترة فاستقام *** بكم جائرين عن المقصد
وولّي حميداً إلى ربّه *** ومن سنّ ما سنّه يحمد
ومن جعل الأمر من بعده *** لحيدر بالخبر المسند
وسمّاه مولىً بإقرار مَن *** لو اتّبع الحقّ لم يَجحَدِ
فمِلتم بها حسد الفضل عنه *** ومن يكُ خيرَ الورى يُحسَدِ(1)
وسُئل محمد بن إدريس الشافعي عن علي عليه السلام قال: ما أقول في شخص أخفي أعداؤه فضائله حسداً له، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب»(2)فأخذ الشاعر هذا المعنى ونظمه وسبکه سبكاً لطيفاً فقال:
لقد كتمت آثار آل محمّد *** محبّوهمُ خوفاً وأعداؤهم بُغضا
وقد شاع من بين الفريقين نبذة *** بها ملأ الله السموات والأرضا(3)
أجل لقد كانت مزایا علي علیه السلام تظهر على ألسنة أعدائه وشانئيه، فمن ذلك ما كان معاوية يتفوّه وينطق به، وهو أعدى عدوٍّ لعلي علیه السلام والمؤسّس للسبّ عليه على المنابر وفي الصلوات الخمس.
ذكر المؤرّخ ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة) أنّ محجن إبن أبي محجن
الثقفي قدم على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أتيتك من عند العيّي الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال له معاوية: لله أنت أتدري ما قلت ؟! أما قولك «العيّي» فو الله لو أنّ ألسن الناس جُمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان علي، وأمّا قولك إنّه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيتَ أحداً قطّ بارزه إلاّ قتله؟ وأمّا قولك «البخيل»، لو كان له بيتان أحدها من تِبر والآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه. فقال له: فعلام تقاتله إذاً؟ قال: على دم عثمان وعلى هذا الخاتم الذي من جعله في يده جازت طينته وأطعم عياله وادّخر لأهله. فضحك الثقفي ثمّ لحق بأمير المؤمنين علیه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين هَب لي يدي بجرمي، لا دنيا أصبتُ ولا آخرة. فضحك على وقال له: أنت منها على رأس أمرك، وإنّما يأخذ الله العباد بأحد الأمرين.(1)
جاء في المجلّد التاسع من حلية الأولياء ص 145، ط مطبعة السعادة بمصر:
عن محمد بن إدريس الشافعي: قال: دخل رجل من بني كنانة على معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: هل شهدت بدراً؟ قال: نعم. قال: مثل من کنت؟ قال: غلام قمدود مثل عطباء الجلمود، قال: فحدّثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهوداً كأغياب، وما رأينا ظفراً كان أوشك منه، قال: فصِف لي ما رأيت. قال: رأيت في سرعان الناس علي بن أبي طالب غلاماً شاباً ليثاً عبقريّاً يفري الفري، لا يثبت له أحد إلاّ قتله، ولا يضرب شيئاً إلاّ هتكه، لم أر من الناس أحداً قطّ أنفق منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنّه ثعلب روّاغ، و كأنّ له عينين في قفاه، و كأنّ وثوبه وثوب وحش يتبعه رجل، مُعلم بريش نعامة، كأنّه جمل يحطم يبساً، ولا يستقبل شيئاً إلا هدَّه، ولا يثبت له شيء إلاّ ثكلته أمه، شجاع أبله يحمل بين يديه ولا يلتفت وراءه. قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت
1) الإمامة والسياسة 1: 134.
ما وصفتُ لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حين قُتلا، ورأيت ما وصفت لمن حضر من أهلك لم يعف عنه، قال: فكنت في المنهزمين؟ قال: نعم قال: لمّا انهزمت عشيرتُك فأين كنت منهم، قال: لمّا انهزمت کنت في سرعانهم، قال: فأين رحت؟ قال: ما رحت حتّى نظرت إلى الهضاب، قال: لقد أحسنت الهرب، قال: فعلی ما احتسبه أبوك، وبعده ما اتّعظت بمصرع کمصرع جدك و خالك وأخيك، قال: إنّك لغليظ الكلام، قال: إني ممّن يضر. قال: إنّكم تبغضون قریشاً، قال: أمّا من كان منهم أهله فنبغضه، قال: ومن الذين هم أهله؟ قال: من قطع القراية واستأثر بالفيء وطلب الحق فلمّا أعطيه منعه، قال: مافيكم خير من أن يسكت عنكم، قال: ذاك إليك، قال: قد فعلت. قال: قد سكتّ.
ونظير هذه القصة أنّه أهديت لمعاوية هدية مثمنة و كان عنده عمرو بن العاص وولده يزيد لعنه الله، فتطاولت أعناقهما إليها ورامها كلّ منهما لنفسه، فأدرك معاوية ما بأنفسهما، فقال: ليقل كلّ منّا بيتاً من الشعر، فمن كان شعره أجود فهي له، ولنجعل موضع النظم علي بن أبي طالب، ثمّ ابتدأهم معاوية فقال:
خير البرية بعد أحمد حیدرٌ *** فالناس أرضٌ والوصيُّ سماءُ
فقال يزيد:
كمليحةٍ شهدت لها ضرّاتُها *** والحسن ما شهدت به الضرّاءُ
فقال ابن العاص:
ومناقب شَهِد العدوُّ بفضلها *** والفضل ما شهدت به الأعداءُ
فاستحقّها عمرو، فأخذ وانصرف.
واستمرّ الحسد لعلي عليه السلام في سلسلة الأمويين وأتباعهم، إلاّ أنّ بني أميّة أشدّ وأحرّ حسداً.
ذكر العلاّمة المجلسي قدس سرّه في مجلّد 11في البحار ص 63 من الطبعة الأولى في أحوال الإمام الباقر علیه السلام أنّ الخليل بن أحمد العريضي قال: حضرت مجلس الوليد بن یزید بن عبد الملك بن مروان وقد اسحنفر _ أي تحامل _ في سب عليّ واثعنجر _ امتلأ غيظاً _ في ثلبه، إذ خرج عليه أعرابي على ناقة له وذفراها(1)یسيلان لإغذاذ السیر دماً،(2)فلمّا رآه الوليد لعنه الله في منظرته قال: ائذنوا لهذا الإعرابي فإنّي أراه قد قصدنا، وجاء الأعرابي فعقل ناقته بطرف زمامها ثمّ أذن له بالدخول فدخل فأورده قصيدة لم يسمع السامعون مثلها جودة قطّ، إلى أن انتهى إلى قوله:
ولمّا أن رأيت الدهر آلی *** عليَّ ولحّ في إضعاف حالي
وفدتُ إليك أبغي حسن عُقبی *** أسد بها خصاصات العيال
وقائلة إلى من قد رآه *** يؤمّ ومن يُرجّي للمعالي
فقلت إلى الوليد أؤمّ قصداً *** وقاه الله من غِير الليالي
هو الليث الهصور شديد بأسٍ *** هو السيف المجرّد للقتال
خليفة ربّنا الراعي علينا *** وذو المجدِ التليد أخو الكمال
قال: فقبل الوليد مدحته وأجزل عطيّته وقال له: يا أخا العرب قد قبلنا مدحتك وأجزلنا صلتك، فاهجِ لنا علياً أبا تراب. فوثب الأعرابي لمّا سمع يتهافت قطعاً ویزئر حنقاً ويَشمَذِرُ شفقاً وقال: والله إنّ الذي عنيته بالهجاء لهو أحقّ منك بالمديح، وأنت أولی منه بالهجاء، فقال له جلساؤه: اسكت نزحك الله (أي أبعدك) قال: علام ترجوني وبم تبشّروني ولمّا أبدیت سقطاً ولا قلت شططاً ولا ذهبت غلطاً، على أنّني فضّلت عليه من
هو أولی منه بالفضل علي بن أبي طالب الذي تَجَلْبَبَ بالوقار ونبذ الشنار،(1)وعاف(أي کره) العار، وعهد الانصاف وأبدى الأوصاف وحصن الأطرف وتَألَّفَ الأشراف، وأزال الشكوك في الله بشرح ما استودعه الرسول من مكنون العلم الذي نزل به الناموس (أي الملك) وحياً من ربّه، ولم يَفتَر طرفاً ولم يصمت اَلِفاً ولم ينطق خُلفاً، الذي شرفه فوق شرفه وسَلَفُهُ في الجاهلية أكرم من سلفه، لاتُعرف المأدُبات في الجاهلية إلاّ بهم، ولا الفضل إلاّ فيهم، صفة من اصطفاها الله واختارها، فلا يغترّ الجاهل بأنّه قصد عن الخلافة بمثايرة من ثابر عليها و جالد بها والسّلالِ المارقة والأعوان الظالمة.
ولئن قلتم ذلك كذلك، إنّما استحقها بالسبق تالله ما لكم الحجّة في ذلك، هلاّ سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة والمنازل الشعبة والمعارك المرّة كما سبق إليها علي بن أبي طالب الذي لم يكن بالقبعة ولا الهبعة ولا مضطغناً إلى الله ولا منافقاً رسول الله، كان يدرء عن الإسلام كلّ أصبوحة، ويذبّ عنه كلّ أمسية، ويلج بنفسه في الليل الديجور والمظلم الحلكوك مرصداً للعدوّ، هوذل(2)تارةً وتضكضك(3)أخرى، وياربّ لزَبَةٍ (أي شدة) آتية قِسَيّة و أوانٍ آن أرونان(4)قذف بنفسه في لهواتٍ وشيجة وعليه زغفَةُ(5)ابن عمه الفضفاضة، وبيده خِطّيَةٌ عليها سنانُ لَهذَمٍ(6)فبرز عمرو بن عبدود القَرِم الأوِد والخصم الألد والفارس الأشدّ على فرسٍ عنجوج(7)كأنما نجر نجرةً باليلنجوج،(8)فضرب
قونسه(1)ضربة قنع منها عنقه، أو نسيتم عمرو بن معدي كرب الزبيدي إذ أقبل يسحب ذلاذل درعه مدلاّ بنفسه، قد زحزح الناس عن أماكنهم ونهضهم عن مواضعهم ينادي: أين المبارزون يميناً وشمالاً؟ فانقضّ عليه كسودنيق أو کصیخورة منجنیق فوقصه وقص القطام بحجر الحمام وأتي به إلى رسول الله کالبعير الشارد يُقاد كرهاً وعينه تدمع وأنفه ترمع وقلبه يجزع.
هذا و كم له من يوم عصيب برز فيه إلى المشرکین بنيّة صادقة وبرز غيره وهو أكشف أميل _ أي جبان _ أجمّ أعزل، ألا وإنّي مخبرکم بخبر علي، إنه مُني بأوباش کالمراطة بين الغموط(2)وحجابة وفقامة، ومغذمرٌ(3)حملت به شَوهاً شهواء في أقصى مهيلها، فأتت به محضاً محياً و كلهم أهون على علي من سعدانة بقل، أفمثل هذا يستحقّ الهجاء وعزمه الحاذق وقوله الصادق وسيفه الفالق، وإنّما يستحق الهجاء من سامه إليه وأخذ الخلافة وأزالها عن الوارثة، وصاحبها ينظر إلى فيئه و كأن الشبادع(4)تلسبه، حتّى إذا لعب بها فريق بعد فریق وخريق بعد خریق، اقتصروا على ضراعة الرهز(5)وكثرة الأبز(6)ولو ردّوه إلى سَمت(7)الطريق والمِرت(8)البسيط والتامور(9)العزيز ألفوه قائماً واضع الأشياء في مواضعها، لكنّهم انتهزوا الفرصة واقتحموا الغصّة وباؤوا بالحسرة.
قال: فاربدّ وجه الوليد وتغيّر لونه وغصّ بريقه وشرق بعبرته كأنما فُقئ في عينه حبّ المض الحاذق، فأشار عليه بعض جلسائه بالإنصراف وهو لا يشكّ أنّه مقتول به، فخرج فوجد بعض الأعراب الداخلين فقال له: هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء وآخذ خلعتك السوداء و أجعل لك بعض الجائزة حظّاً؟ ففعل الرجل وخرج الأعرابي فاستوى على راحلته وغاص في صحرائه وتوغّل في بیدائه واعتُقل الرجل الآخر فضُرب عنقه وجيء به إلى الوليد، فقال: ليس هو، هذا صاحبنا، وأنفذ الخيل السراع في طلبه فلحقوه بعد لأي، فلمّا أحسّ بهم أدخل يده إلى كنانته يُخرج سهماً سهماً يقتل به فارساً بعد فارس، إلى أن قتل من القوم أربعين وانهزم الباقون فجاؤوا إلى الوليد فأخبروه بذلك، فأغمي عليه يوماً وليلة أجمع، فلما أفاق قيل له: ما تجد؟ قال: أجد على قلبي غمّة كالجبل من فوت هذا الإعرابي».
وروى العلاّمة المجلسي قدس سرّه أيضاً في المجلّد 8 من البحار ص 585، ط الأولى أنّه دخل أعرابي على معاوية وعنده أهل الشام ليس فيهم غيرهم، ومعاوية يكلّمهم ويقول لهم: يا أهل الشام قد عرفتم حبّي لكم وسيرتي فيكم، وقد بلغكم صنیع علي بالعراق وتسويته بين الشريف وبين من لا يُعرف قدره. فقال رجل منهم: لا يهد الله رکنك، ولا يعدمك ولدك، ولا يرينا فقدك.
قال: فما تقولون في أبي تراب؟ فقال رجل منهم ما أراد، ومعاوية ساكت وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم، فتذاكرا علياً بغير الحقّ، فوثب الأعرابي من آخر المجلس فقال: يا معاوية تسأل أقواماً في طغيانهم يعمهون، اختاروا الدنيا على الآخرة، والله لو سألتهم عن السنّة ما أقاموها، فكيف يعرفون علياً وفضله، أقبل عليَّ أخبرك ثمّ لا تقدر أن تُنكر أنت ولا من عن يمينك، يعني عمرو بن العاص.
هو والله الرفيع جاره، الطويل عماده، دمّر الله به الفساد، وأباد به الشرك، ووضع به الشيطان وأولياءه، وضعضع به الجور، وأظهر به العدل، ونطق زعيم الدين. وأطاب المورد، وأضحى الداجي، وانتصر به المظلوم، وهدم به بنیان النفاق، وانتقم به من الظالمين، وأعزّ به المسلمین، کریح رحمةٍ أثارت سحاباً متفرّقاً بعضه إلى بعض حتّى التحم واستحكم فاستغلظ فاستوى، ثمّ تجاوبت نواتقه، وتلألأت بوارقه واسترعد خرير مائه، فأسقي وأروى عطشانه، وتداعت جنانه، واستقلّت به أركانه، واستكثر وابله، ودام رزانه، وتتابع مهطوله، فرویت البلاد واخضرّت وأزهرت، ذاك علي بن أبي طالب سیّد العرب وإمام الأمّة وأفضلها وأعلمها وأجملها وأحكمها، أوضح للناس سيرة الهدى بعد السعي في الردي، وهو والله إذا اشتبهت الأمور وهاب الجسور واحمرّت الحدق وانبعث الفلق وأبرقت البواتر، استربط عند ذلك جاشه وعُرف بأسه، ولاذ به الجبان الهلوع فنفّس كربته وحمی حمایته، مستغنٍ برأيه عن مشورة ذوي الألباب، برأي صليب وحلمٍ أريب مجيب للصواب مصيب. فأمسك القوم جميعاً، وغضب معاوية لعنه الله وقال: أخرجوه، فأخرجوه من المجلس سحباً.
«يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيما بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَ لاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَ لاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ وَ إِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ»(1)
في رسائل الإمام علي عليه السلام وفي عهوده ووصاياه، وفي خطبه وسائر أقواله روائع خالدة تناولها من الإنسان جواهر وغاية، ومن الكون معنی وشكلاً، ومن أحوال زمانه وأحداث عصره، ودفعها عقله الحكيم إلى خياله وقلبه حقائق علميّة خالصة، فإذا بها لا تمرّ على خياله الخصب وعاطفته الحارّة إلاّ لتتحرّك وتنحو وتنبعث وفيها امتدادات ونبض و خفوق، فما هي إلاّ حياة من الحياة. وإنّها لتراث عظيم للإنسانيّة، بوصفها دستوراً جليلاً في الأخلاق الخاصّة والعامّة لا تسمو عليه دساتير الأنبياء والمفكّرين والحكماء في مختلف العصور والأمكنة.
ونلفت النظر هنا بصورة خاصّة إلى فقرات هذه الوصيّة النيّرة، إلى ما
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 84 ط مكتبة المرعشي النجفي - قم
يبدو فيها من الآثار العلويّة من دعوة إلى السلم والمؤاخاة، والتصافي في سبيل الإنطلاق إلى الميادين الإنسانيّة الرحبة، وفي سبيل إكرام الحياة واحترام الأحياء، وإنّه ليجدر بمثيري الحروب اليوم ومسبّبي ويلات الشعوب والأفراد أن يسمعوا كلمات جبّار الفكر العربي علي بن أبي طالب علیه السلام ويعوها ويُطأطئوا رؤوسهم لصاحبها العظيم، وإليكم بعض روائعه في هذا الفصل.
قوله علیه السلام: «يا بُنيّ اجعل نفسك میزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبِب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها».
یرید علیه السلام أن يكون ولده المحبوب على أقسط حال مع من يألف معه ويكتنف به، فإنّ أوسط ما يلمّ به الإنسان في حلّه ومرتحله هو نفسه، فإذا جعل نفسه میزاناً بينه وبين غيره، فبطبع الحال أنّه لا يروقه إلا الخير والصلاح العام لمن أشير إليهم.
وهنالك مغازٍ شريفة أخلاقيّة ألمح إليها علیه السلام من انتهاء ذلك إلى الغاية القصوى من مكارم الأخلاق؛ لأنّ الإنسان إذا علم منه أن يحبّ لأمته ما يحبّه لنفسه، فإنّ هناك مجلبة الحبّ الصميم ومدعاة الإخاء المتواصل.
هل يستطيع إنسان أن يعمل بهذا الحديث الشريف «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه»(1)ومن الذي ينظر إلى نفسه بالعين التي ينظر بها إلى غيره ويساوي بين أعزّ الناس عليه وبين من لا يمتّ إليه بصلة؟ إن الحبّ لا يُصنع باليد، ولا يهبط على القلب من السماء، بل له بواعث وأسباب خاصّة لا تّتصل بالإرادة والاختيار، إنّ كثيراً من الأغنياء ينفقون من أموالهم على الخير ولا يحبّون أن يموت أحد من الجوع، ولكن لم تبلغ بهم الرحمة والانسانيّة أن يحبّوا لغيرهم ما يحبّونه لأنفسهم، إذ مهما كان قصد الغنيّ شريفاً، ومهما رغب
1) سنن ابن ماجة 1: 26/ ح 66؛ منية المريد للشهيد الثاني: 190.
في الخير، فإنّه لا يحبّ لأحد ما يحبّه لنفسه، والذي يعمل بهذه النصيحة _ من
حيث يشعر أو لا يشعر _ هو الفقير الذي لا تصلح حاله إلاّ بصلاح المجتمع،
ولا يستطيع أن يتعلّم أو يتطبّب ويعمل إلاّ إذا كان كلّ من العلم والطبّ والعمل مضموناً لكلّ فرد على السواء ودون استثناء، وعلى هذا فمعنى الحديث هو النهي عن الاستغلال والطمع، والأمر بالتعاون والتعاضد على تحقيق العدالة الإجتماعيّة، وإنّ الله لا يأمر بالحبّ ولا ينهى عن البغض، وإنّما يأمر الإنسان أن يكون في عون أخيه الإنسان وبرّه ومناصرته التي تبعث على الحبّ، وينهى عن خذلانه واستعباده والاعتداء على حريّته التي توجب البغض.
قوله علیه السلام: «ولا تَظلِم كما لا تحبّ أن تُظلَم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وأرضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك».
هذه جمل شريفة لذات ما تقدّم به علیه السلام من مكارم الأخلاق و موجبات الفضائل ومقوّمات عالم الاجتماع، فهي _ كما أسلفناه _ ممّا تقمع جذور والظلم وتكسح جذومه، وتقيم قوائم الاحسان وترسّخ قواعده وتسدّد الأمت والأود ممّا يستقبحه الإنسان من نفسه ومن كلّ أحد. وأمر عليه السلام أن يتّخذ ولده البارّ نفسه مقياساً لما يرتضيه لأيّ إنسان من المحتّم أن يعاشره ويرعى الصلة بين نفسه وبينه.
وقوله عليه السلام: «ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم».
هذا أيضاً تعليم راقيٍ للإنسان الكامل، فإنّه علیه السلام كان يربأ بمن سمع قیله ووعي عظته أن يكون مهذاراً يلهج بما لا يعنيه، فتفضحه فيما يقول أكذوبته، ويقعد به عن مرتقى الكمال مینه، وقد أدمج في هذا النصح الأبويّ نصيحة أخرى، فأشار إليه بما هو مزيج نفسيّته الكريمة من التنازل عن الخيلاء ومساقط الكبر بالاعتراف بقلّة ما عنده من العلم، لا سيّما إذا اتّخذ من العلم الربوبيّ مقياساً لما عنده من المعارف، وتتمّة هذه النصيحة هو قوله: «ولا تقل ما لا تحبّ
أن يُقال لك» التي هي لدة صويحباتها في نوامیس عالم الاجتماع ومن متمّمات الإلفة و موجبات الإخاء، لاسيّما إذا عرف المجتمع أنّه غير خادش للعواطف الانسانيّة ولا مضيّع للحقوق البشريّة. فهم يصافونه في السرور والعلانية، ويُلقون إليه من أفلاذ أكبادهم ومايغالون به ولا يرخصون، فهو حبيب كلّ من يعرفه بهذه الصفة، وكذلك في كلّ من يتحلّى بما هنالك من ضرائب حميدة وطقوس تروق المجتمع في الحلّ والمرتحل.
قوله علیه السلام: «إنّ الإعجاب ضد الصواب و آفة الألباب».
أشار علیه السلام إلى وخامة العُجب المضادة لكمال النفس، وأنّه ضدّ الصواب، ولمّا كان الصواب هو سلوك طريق الله باستجماع مكارم الأخلاق، وكان الإعجاب من رذائل الأخلاق، كان مضادّاً للصواب مضادّة الرذيلة للفضيلة، وبأنّه آفة للعقول، إذ هو من أكبر أمراض العقل و آفاته المهلكة، كما أشار إليه الرسول صلی الله علیه وآله : بقوله: «ثلاث مهلکات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».(1)
فإنّ المعجب بمالديه يجعجع به الحال عن تحرّي مراقي السعادة والتقدّم، بحسبان أنّ ما عنده وافٍ لما ينبغي أن يتحرّاه من مناهج الأمور، فيبقى عاطلاً لا يجد وسيلة إلى التقدّم، ويكون منتهى أمره الخسران، ومقتبل مصيره الفشل، وهنا يستيقن أنّ الإعجاب ضدّ الصواب و آفة الألباب، لملازمته الخمود في العقل والخمول للنظر في صالح النفس، وأيّ سقوط أحطّ من هذا، وأيّ تدهور أوضع منه؟
نظر المهلّب بن أبي صفرة _ أيّام إمرته في البصرة _ إلى شاب معجب
1) الخصال للصدوق: 84/ ح 11؛ وسائل الشيعة 1: 102/ ح 245.
بنفسه يمشي الخيلاء، فقال له: يا بني أعدل عن سيرك هذا، فانزعج الشاب وقال اله:أتعرفني من أنا؟ قال: نعم أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت ما بينهما تحمل العذرة.(1)
يقول إيليا أبو ماضي من شعرياته:
نسي الطينُ ساعةً أنّه طينٌ *** حقيرٌ فصال تيهاً وعربدْ
وكسا الخزُّ جسمه فتباهی *** وحوى المالَ كيسُه فتمرّد
يا أخي لا تَمِل بوجهك عني *** ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت لم تصنع الحرير الذي تلبس *** ولا اللؤلؤ الذي تتقلّد
أنت لا تأكل النضار إذا جعتَ *** ولا تشرب الجمان المنضّد
أنت في البردة الموشّاة مثلي *** في كسائي الرديم تشقى وتسعد
لك في عالم النهار أمانٍ *** ورؤى والظلام فوقك محتد
ولقلبي كما لقلبك أحلام *** حسانٌ فإنّه غير جلمد
أأمانيّ كلّها للتلاشي *** وأمانيك للخلود المؤكّد
أأماني كلّها من ترابٍ *** وأمانيك كلّها من عسجد
لا فهذي وتلك تأتي وتمضي *** كذویها وأيّ شيء يؤبّد
أيّها المزدهي إذا مسّك السقم *** ألا تشتكي ألا تتنهّد؟
وإذا راعك الحبيب بهجرٍ *** ودعتك الشكوى ألا تتوجّد؟
أنت مثلي يهشّ وجهُك للنُّعمی *** وفي حالة المصيبة يكمد
قمرٌ واحد يطلّ علينا *** وعلى الكوخ والبناء الموطّد
1) تفسير القرطبي 18: 294 - 295.
إن يكن مشرقاً لعينيك إنّي *** لا أراه من کُوة الكوخ أسود
النجوم التي تراها أراها *** حين تخفي وعندما تتوقّد
أنت مثلي من الثرى وإليه *** فلماذا يا صاحبي اِلتيه والصد؟
قال أمير المؤمنين علیه السلام: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(1)
وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «لولا أنّ الذنب خير للمؤمن من العُجب ما خلّی الله عزّوجَل بين عبده المؤمن وبين ذنب أبداً».(2)
وقال أمير المؤمنين علیه السلام: «من دخله العُجب هلك».(3)
وقال علیه السلام: «سيّئة تسؤك خير عند الله من حسنة تعجبك».(4)
وقال علیه السلام: «الإعجاب يمنع الازدياد».(5)
وقال علیه السلام: «عُجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله».(6)
وقال ابن مسعود: «الهلاك في اثنين: القنوط والعُجب».
وعن علي بن سوید، عن أبي الحسن علیه السلام قال: سألته عن العُجب الذي يفسد العمل؟ فقال: «العُجب درجات: منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنّه يُحسن صنعاً، ومنها أن يؤمن العبد بربّه فيمن على الله علیه السلام ولله عليه فيه المنّ».(7)
وقال أبو عبد الله الصادق علیه السلام: قال الله عزّوجَل الداود علیه السلام: «یا داود بشّر المذنبين وأنذر الصدّيقين، قال: كيف أبشّر المذنبين وأنذر الصدّيقين؟ قال: يا داود بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصدّيقين ألاّ یُعجبوا بأعمالهم، فإنّه ليس من عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك».(1)
وقال علیه السلام: أتی عالمٌ عابداً فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا؟! قال: كيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتّى تجري دموعي، فقال له العالم: إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مُدلّ، إنّ المدلّ لا يصعد من عمله شيء.(2)
قال عبد الرحمن بن الحجّاج: قلت لأبي عبد الله الصادق علیه السلام: الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق، ثمّ يعمل شيئاً من البرّ فيدخله شبه العُجب به، فقال: هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه.(3)
قال أبو عبد الله علیه السلام: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «بينما موسی علیه السلام جالس إذا أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلمّا دنی موسی خلع البرنس وقام إلى موسی فسلّم عليه، فقال له موسى: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال: لا قرّب الله دارك، قال: إنّي إنّما جئت الأسلّم عليك لمكانك من الله، فقال له موسی: فما هذا البرنس؟ قال: به اختطف قلوب بني آدم، فقال موسی: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذتَ عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبُه».(4)
عن أحدهما _ يعني أحد الإمامين علیهما السلام قال: دخل رجلان المسجد أحدهما
عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صدّيق والعابد فاسق، وذلك أنّه يدخل العابد مدلاّ بعبادته، والفاسق يدخل وهو نادم على فسقه مستغفراً لذنبه.(1)
وفي كتاب (أصول الكافي) عن داوود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «اتّقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضاً، إنّ عیسی ابن مریم کان من شرایعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير كان كثير اللزوم لعيسی عليه السلام، فانتهى عيسى إلى البحر قال: «بسم الله» بصحّة ويقين منه فمشي على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حین نظر إلى عيسی جازه «بسم الله» بصحّة ويقين منه فمشي على الماء ولحق بعیسی، فدخله العُجب بنفسه، فقال: هذا عیسی روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء، فما فضله عليّ؟ فرمس في الماء فاستغاث بعيسى، فتناوله من الماء فأخرجه، فقال له: ما قلتَ یا قصير؟ قال: قلت «هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء» فدخلني من ذلك عجب، فقال له عیسی: لقد وضعتَ نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلتَ، فتُب إلى الله عزّوجَل ممّا قلت، فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته.(2)
قال أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمّد بن الحنفيّة: «إيّاك والعُجب وسوء الخلق وقلّة الصبر، فإنّه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مُجانب».(3)
«هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَلَجَأُ أَمْرِهِ وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَ مَوئِلُ حِكَمِهِ وَكُهُوفُ كُتُبِهِ وَ جِبالُ دِينهِ بِهِمْ أَقامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ وَأَذْهَبَ ارْتِعادَ فَرائِضِهِ»(1)
(اللجاء) محرّكة كالملجأ الملاذ من لجأ إليه كمنع وفرح: لاذ. و(العيبة) ما يُجعل فيه الثياب، وفي الرجل موضع سرّه، و (الموئل) المنجا، من وئل إليه یئل، و(الكهف) غار واسع في الجبل، وفلان کهف لأنّه يلجأ إليه کالبيت على الاستعارة، و (الانحناء) الاعوجاج، و(الارتعاد) الاضطراب، و(الفرائص) جمع الفريصة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترتعد.
أشار عليه السلام في هذه الفقرات النيّرة إلى آل محمد عليهم السلام، ووصفهم بثمانية أوصاف إشارة إلى علوّ مقامهم وسموّ مكانهم ورفعة درجاتهم وعظمة شأنهم، والمراد بآله و هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 138، ط مكتبة المرعشي - قم. نهج البلاغة لمحمّد عبده 1: 29 - 30؛ بحار الأنوار 23: 117/ ح 32.
ومن العجب أنّ الشارح البحراني العلاّمة ابن میثم قدس سرّه جعل الأمور المذكورة أوصافاً لأهل النبي صلی الله علیه وآله: الأدنين من بني هاشم، کالعبّاس وحمزة وجعفر وعلي بن أبي طالب علیه السلام.
أمّا علي فمُسلَّم، وأمّا العباس وحمزة وجعفر ونظراؤهم من سائر بني هاشم فأين لهم قابليّة لحفظ سرّ الله، أم أنّى لهم استعداد لأن يكونوا لجاء أمر الله؟ أم كيف لهم الاحاطة بكتب الله ؟ بل القابل لها ولسائر الأوصاف المذكورة إنّما هم آل الله وآل رسوله الذين هم العروة الوثقى ومنار الهدی وأعلام التقى و كهف الورى وهم الملجأ والمنجی.
جاء في كتاب (مشارق الأنوار) تأليف الشيخ رجب البرسي الحلي عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوة الله، ونحن خيرة الله، ونحن مستودع مواریث الأنبياء، ونحن أمناء الله، ونحن وجه الله، ونحن أئمّة الهدى، ونحن العروة الوثقى، وبنا فتح الله، و بنا ختم الله، ونحن الأوّلون، ونحن الآخرون، ونحن أخبار الدهر ونواميس العصر، ونحن سادة العباد وساسة البلاد، ونحن النهج القويم والصراط المستقيم، ونحن عين الوجود وحجّة المعبود، ولا يقبل الله عمل عاملٍ جهل حقّنا، ونحن قناديل النبوّة مصابيح الرسالة، ونحن نور الأنوار و كلمة الجبّار، ونحن راية الحقّ التي من تبعها نجا ومن تأخّر عنها هوى، ونحن أئمّة الدين وقادة الغرّ المحجّلين، ونحن معدن النبوّة وموضع الرسالة، وإلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء، والسبيل لمن اهتدى، ونحن القادة إلى الجنّة، ونحن الجسور والقناطر، ونحن السنام الأعظم، وبنا ينزل الغيث، وبنا تنزل الرحمة، وبنا يُدفع العذاب والنقمة.
فمن سمع هذا الهدى فليتفقّد قلبه في حبّنا، فإن وجد فيه البغض لنا والانكار لفضلنا فقد ضلّ عن سواء السبيل؛ لأنّا نحن عين الوجود وحجّة المعبود و ترجمان وحیه وعيبة علمه و میزان قسطه، ونحن فروع الزيتونة وربائب
الكرام البررة، ونحن مصباح المشكاة التي فيها نور النور، ونحن صفوة الكلمة الباقية إلى يوم الحشر، المأخوذ لها الميثاق والولاية من الذرّ».(1)
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خطب أمير المؤمنين علیه السلام فقال: «أيها الناس نحن أبواب الحكمة ومفاتیح الرحمة وسادة الأمة، وأمناء الكتاب وفصل الخطاب، وبنا يُثيب الله ربنا يعاقب، ومن أحبّنا أهل البيت عظم أحسائه ورجح إيمانه وقبل عمله وغفر زلل-ه، ومن أبغضنا لا ينفع إسلامه، وإنّا أهل بيت خصّنا الله بالرحمة والحكمة والنبوّة والعصمة، ومنا خاتم الأنبياء.
ألا وأنا راية الحقّ التي مَن تلاها سبق، ومن تأخّر عنها مرق، ألا وإنّنا خيرة الله اصطفانا على خلقه وائتمتنا على وحيه، فنحن الهداة المهديّون، ولقد علمت الكتاب، ولقد عهد إليّ رسول الله صلی الله علیه وآله ما كان وما يكون، وأنا أخو رسول الله وخازن علمه، أنا الصدّيق الأكبر ولا يقولها غيري إلاّ مُفترٍ كذّاب، وأنا الفاروق الأعظم».(2)
وفيه: عنهم علیهم السلام أنهم قالوا: «کونوا لنا زَيناً ولا تكونوا علينا شَيناً، فإنّه ليس بين الله وبين أحد في خلقه قرابة، ألا من ائتّم بإمام فليعمل عمله، فما معنا براءة من النار، وليس لنا على الله من حجّة، فاحذروا المعصية لنا والمغالاة فينا، فإنّ الغُلاة شر خلق الله، يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبيّة لعباد الله، والله إنّ الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، وإلينا يرجع الغالي فلا نقبله، لأنّ الغالي اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصوم فلا يقدر على ترك عادته، وبنا يلحق المقصّر فنقبله، لأنّ المقصّر إذا عرف عمل».(3)
وفيه: عنهم علیهم السلام أنهم قالوا: «نزّهونا عن الربوبيّة وارفعوا منّا حظوظ البشريّة _
يعني الحظوظ التي تجوز عليكم _ فلا يُقاس بنا أحد من الناس، فإنّا نحن الأسرار الإلهيّة المودعة في الهياكل البشريّة، والكلمة الربانيّة الناطقة في الأجساد الترابيّة، وقولوا بعد ذلك ما استطعتم، فإنّ البحر لا ينزف، وعظمة الله لا توصف».(1)
جنّبوهم قول الغلاة وقولوا *** ما استطعتم في فضلهم أن تقولوا
فإذا عدت السماء مع الأرض *** إلى فضلهم فذاك قليل(2)
فهم في الأجساد أشباح، وفي الأشباح أرواح، وفي الأرواح أنوار، وفي الأنوار أسرار، فهم الصفوة والصفات والأصفياء، وإليه الإشارة بقول أمير المؤمنين علیه السلام: «لولانا ما عُرف الله، ولولا الله ما عُرفناه».(3)
وفيه أيضاً ص 126 فهؤلاء سادة الأنام، ومصابيح الظلام، و کسبة الاعتصام، وذروة الاحتشام، وأمناء الملك العلاّم، الذين اصطفاهم للخطاب، وارتضاهم بميراث الحكمة والكتاب، وإليهم الإشارة بقوله: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا»(4)فهم السادة الأبرار المصطفون الأخيار الذين وصفهم بالطهارة والعصمة في الكتاب فقال: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»(5)فهم الذرية الفاخرة وسادة الدنيا والآخرة، الذي دلَّ الكتاب على أنّهم الهُداة المهديّون، فقال في وصفهم ربُّ العالمين: «أونك الذين هدى الله فهداهم اقتده»(6)ثمّ شهد الرسول بأنّهم سفينة النجاة، فقال وقوله
الحقّ: «أهلُ بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تأخّر عنها ضلّ وغوى»(1)ثمّ أبان لنا ربّ الأرباب أنّهم ورثة الحكمة والكتاب، فقال: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ»(2)
فهم الذريّة الطاهرون والعترة المعصومون، ثم صرّح الذكر المبين أنّهم ولاة الدين، فقال: «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ مَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ»(3)فإليهم الإياب وعليهم الحساب يوم الحساب.
ثمّ اعلم أنّ حكم يوم المعاد إليهم وحساب العباد عليهم، فقال: «وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ»(4)فالشهيد محمّد النبي، والسائق علي الولي، ثمّ أبان للخلق عددهم ونبأهم فقال: « وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا»(5)فهم السادة النقباء والأسباط الأوصياء، ثم خصّهم بالشرف والفخار وحصر فيهم العلم والافتخار فقال: «وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ»(6)فآباؤهم محمد وعلي وفاطمة وإخوانهم الحسن والحسين وذرّياتهم الخلفاء من عترة الحسين إلى آخر الدهر، ثمّ قال: «وَاجْتَبَيْنَاهُمْ» فتعيّن شرفهم وفضلهم، ووجب اتّباعهم وانقطاع الكلّ عن مرتبتهم، ونزول الخلائق عن رفعتهم.
ثمّ أكّد ذلك وعينّه وأشاع فضلهم وبينّه، وإنّ الإمامة لا تكون إلاّ في
1) يُعرف بحديث السفينة، وهو من الأحاديث المشهورة المتواترة. انظر على سبيل المثال: ذخائر العقبي لمحبّ الدين الطبري: 20؛ المعجم الكبير للطبراني 3: 46/ ح 2637؛ شرح نهج البلاغة الابن أبي الحديد 1: 218، ط قم؛ الجامع الصغير للسيوطي 1: 373 الرقم 2442.
2) الغاشية: 25.
3) ق: 21.
4) المائدة: 21.
5) المائدة: 12.
6) الأنعام: 87.
المعصوم البريء من السيّئات المطهر من الخطيئات، وأخرج من سواهم من دائرة الشرف والحكم، وأشار إلى ذلك رمزاً فقال لنوح: «فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي»(1)فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ»(2)ثمّ بيّن لعباده أنّهم أئمة الحقّ، وأوضح لهم أنّهم الداعون إلى الصدق، وأنّ من اتّبع غيرهم ضلّ وزلّ، فقال: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(3)ثمّ توعّد عباده وخوّفهم أن يتّبعوا غيرهم فقال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»(4)والصدق فيهم ومنهم، ثمّ أمر عباده أن يدينون بطاعتهم قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً»(5)فجعل ولايتهم السلم والسلام، ثمّ بيّن في الآيات أنّه اصطفاهم على الخلائق وارتضاهم للغيب والحقائق فقال: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»(6)ثمّ بيّن أنّهم بنعم الله محشورون، وعلى فضل الله محسودون فقال: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا»(7)والملك العظيم هو وجوب الطاعة على سائر العباد.
ثمّ أوجب على العباد طاعتهم بالتصريح فقال: «أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(8)يعني الذين قرنهم بالكتاب والرسول، ثمّ نهى عباده أن يتفرّقوا عنهم فقال:
«وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ»(1)يعني علياً وعترته، ثمّ قال: «وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» يعني غيرهم «فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» فتضلّ بكم عن سبيله، فجعلهم سبيله الهادي إليه وطريقه الدالٌ عليه، ثمّ جعل من مال عنهم تابعاً للشيطان ومخالفاً للقرآن وعاصياً للرحمن، فقال: «وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ»(2)وهي طريق أعدائهم، ثمّ بيّن أنّ مَن اتّبعهم نال الرضوان وفاز بالغفران ونجا من النيران، فقال «وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ»(3)ومعناه قفوا عند علي وعترته فهم الباب، وتمسّكوا بحبّهم تأمنوا العذاب، واتّبعوا سبيله فهو أمّ الكتاب، واعلموا أنّ علياً مولاكم يُغفر لكم خطايا كم، ثمّ عدّد مقاماتهم في الكتاب وعيّنهم بالخصّ والنصّ فقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(4)يعني رهطك المصطفين، ثمّ خصّهم بجوامع الشرف والتفضيل، وهذا هو الفضل الذي لا يُجحد والشرف الذي لا يُحدّ، ثمّ باهل بهم الأعداء فجعلهم على إثبات دینه شهداء، وعلى نبوّة نبيّه أدلاّء فقال: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ»(5)ثمّ خصّهمِ بالمقام الخاصّ وجعلهم قنطرة الإخلاص ونهج النجاة والخلاص، فقال: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ»(6)وهي خصوصيّة خص بها الربّ الكريم فاطمة الزهراء بضعة الرؤف الرحيم، ثمّ أوجب محبّتهم على العباد وجعلهم الذُخر يوم المعاد، فقال: «لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ»(7)ثمّ ذكر قصّة نوح فقال: «يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالً»(8)، وقال عن هود «يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا»(9)وقال لمحمد
صلی الله علیه وآله «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ»(1)فلم يفرض لهم المودّة إلاّ لأنّهم نجوم الولاية وشموس الهداية لم يرتدّوا عن الملّة، ولم يفارقوا الكتاب والسنّة، لا بل هم الكتاب والسنّة. ففرض مودّتهم وطاعتهم، فمن أخذ بها وجب على رسول الله صلی الله علیه وآله أن يحبّه لأنّه على منهاجه، ومن لم يأخذ بها وجب على رسول الله صلی الله علیه وآله أن يُبغضه لأنه ضيّع فريضة أمره الله والرسول بها، لا بل هي رأس الفرض و تمام كلّ سنّة وفرض، فأيّ شرف أعلى على هذا المقام؟
ثمّ إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ وأمره أن لا يسأل أمّته أجراً على نبوّته، بل الله يوفّيه أجره، وفرض لمحمد صلی الله علیه وآله مودّة أهل بيته وأمره أن يبيّن فضلهم، فمن أخذ بعده المودّة فهو مؤمن مخلص قد وجبت له الجنّة، ثمّ قرن ذکر محمّد بذِكره في الصلاة، وقرن ذكرهم بذکر نبيه، فدلّ بذاك على رفيع شرفهم، وبيّن ذلك الصادق الأمين من قوله: «اللهمّ صلّ على محمد و آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجید»،(2)ثمّ أعطاهم من الفضل ما لم يبلغ أحد وصفه، فسلّم على الأكبر من رسله ولم يسلّم على آلهم، فقال: «سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»،(3)ثمّ قال: «سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ»،(4)ثم قال: «سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ»(5)ثمّ قال: سلام على آل محمد صلی الله علیه وآله فقال: «سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ»(6)وياسين اسم محمد بلغة طي.
ثمّ أنزل في كتابه ما فرّق به من الآل والأمّة فقال: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَ»(1)فرضي لهم مارضي لنفسه، فبدأ لنفسه ثمّ بدأ برسوله ثم بآل رسوله، فجعل لنفسه نصيباً ثمّ للنبي ثمّ لآله، ثمّ قربّهم إليه بالطاعة فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2)فبدأ بنفسه ثمّ برسوله المخبر عنه ثمّ بالهداة المهديّين من عترته، ثمّ أكّد لهم الولاية فقال: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»(3)فجعل ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بولايته، كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقروناً بسهمه في القسمة والغنيمة فسبحان من فضّلهم ورفعهم واختارهم على العالمين.
ثمّ أنّه لما أنزلت آية الصدقة، نزّه نفسه ورسوله ونزّه أهل بيته، فقال: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ»(4)إلى آخر الآية، فلم يجعل له سهماً ولا لرسوله ولا الآل رسوله في الصدقات؛ لأنّها من أوساخ الناس، وهم مطهّرون من الأدناس، فهم الآل الذين أمر الله بطاعتهم، وذوو القربي الذين أمر الله بمودّتهم وصلتهم، والموالي الذين أمر الله بطاعتهم ومعرفتهم، وأهل الذكر الذين أمر الله بمسألتهم، ورضي لهم ما رضي لنفسه، ونزّههم ممّا نزّه من نفسه، وجعلهم آل الرسول خاصّة، فقال: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولً»(5)فهم آل الرسول وعترته وأهل الله وخاصّته، ومعدن التنزيل ونهايته، وسدنة الوحي وخزنته، كما قال أبو الحسن الرضا علیه السلام للمأمون في مشاجرته: أيحلّ لرسول الله صلی الله علیه وآله لو كان حيّاً أن يتزوّج إليك؟ فقال المأمون: نعم، فقال الرضا علیه السلام: لكنّه لا يحلّ له
أن يتزوّج إليّ، فقال المأمون: نعم لأنّك ابنه،(1)وهذا هو الفرق ما بين الآل والأصحاب؛ لأنّ المأمون كان يزعم أنّ آل رسول الله أصحابه وأمّته، فأبان لهم الإمام من آله وأصحابه، ثمّ أنّه قال له سبحانه في لفظ التخصيص: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ»(2)فلفظ الأمر هنا خاصّ ومعناه عامّ، لأنّه أدخله مع الأمّة لعموم الأمر، وميّزهم عنهم بتخصيص لفظ الأهل، فكان رسول الله صلی الله علیه وآله بعد نزول هذه الآية يأتي إلى باب الزهراء عليها السلام فيقف هناك ويقل: الصلاة یا آل محمد الصلاة».(3)
وبالتالي فأوّل الأوصاف المذكورة ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «هم موضع سرّه».
والمراد بالسرّ علم لا يجوز إظهاره للعموم، والأئمّة علیهم السلام موضعه ومأواه، ومستقرهّ ومقامه، و خُزّانه وحفّاظه، لا يظهرونه أو لا يظهرون منه إلاّ ما يحتمل على من يتحمّل، إذ العموم لا يقدر على تحمّل أسرار الله سبحانه، ولذلك قال علي بن الحسين عليهما السلام: لو عَلِم أبو ذر بما في قلب سلمان لقتله.(4)
وفي البحار من كتاب السيد حسن بن کبش بإسناده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: «يا أبا محمد إنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعِلماً من علم الله لا يحتمله مَلَك مقرّب ولا نبيّ مُرسَل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلّف الله أحداً ذلك الحمل غيرنا، ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا، وإنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعِلماً من علم الله أمرنا الله بتبليغه، فبلّغنا عن الله عزّوجَل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحملونه، حتّی خلق الله لذلك أقواماً
خُلقوا من طينة خلق منها محمّد وذرّيته، ومن نور خلق الله منه محمّداً وذريته، وصنعهم بفضل صنع رحمته التي منها محمّداً وذرّيته، فبلّغناهم عن الله عزّوجَل ما أمرنا بتبليغه، فقبلوه واحتملوا ذلك عنا فقبلوه واحتملوه، وبلغهم ذِكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنّهم خُلقوا من هذا لما كانوا كذلك، ولا والله ما احتملوه.
ثمّ قال عليه السلام: إنّ الله خلق قوماً لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلّغهم كما بلّغناهم، فاشمأزّوا في ذلك ونفرت قلوبهم وردّوه علينا ولم يحتملوه وكذّبوا به وقالوا: ساحر کذّاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثمّ أطلق الله لسانهم ببعض الحقّ، فهم ينطقون به وقلوبهم مُنكِرة، ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عُبد الله في أرضه، فأمرنا الله بالكفّ عنهم والكتمان منهم، فاکتموا ممّن أمر الله بالكفّ عنهم، واستروا عمّن أمر الله بالستر والكتمان منهم.
قال: ثمّ رفع علیه السلام يده وبکی، وقال: «اللهمّ إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، فاجعل محياهم محيانا ومماتهم مماتنا، ولا تسلّط عليهم عدوّاً لك فتفجعنا بهم، فإنّك إن فجعتنا بهم لم تُعبد أبداً في أرضك».(1)
قال میرزا حبیب الله الخوئي رَحمه الله: وبهذه الرواية يحصل الجمع بين قولهم علیهم السلام «إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا مَلَك مقرب أو نبيّ مرسل أومؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» وبين الخبر الخالي من الاستثناء، فإنّ الثاني محمول على السرّ المختص بهم علیهم السلام الذي لا يحتمله أحد غيرهم، والأوّل محمول على السرّ الذي هو أدنى من ذلك، وهو السرّ الذي تقدّم إليهم النصّ من الله سبحانه لإظهاره لبعض خواصّهم على مراتب استعدادهم، وهو الذي أشار إليه الصادق علیه السلام بقوله: «لو علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله» فإنّ أباذر لا
1) الكافي 1: 402/ ح 5.
استعداد له على احتمال السرّ الذي احتمله سلمان، وكذلك كميل بن زیاد مع كونه من خواصّ أصحاب أمير المؤمنین علیه السلام لا يحتمل ما احتمله أبو ذر رَضی الله عَنهُ ، فهو وإن كان صاحب سرّه علیه السلام لكن بالنسبة إلى غيره من سائر الناس، ولذلك أنّه بعدما سأل منه علیه السلام عن الحقيقة وأجاب بقوله عليه السلام: ما لك والحقيقة؟ قال: أو لست صاحب سرّك؟ فلم يقرّه علیه السلام على عموم ما ادعاه، بل أجاب بقوله: بلی ولكن يترشّح عليك ما يطفح مني. فإنّ استدراکه علیه السلام بقوله: ولكن...، إشارة إلى أنّ ما يظهر من السرّ عليه من قبيل نداوة الطفحان ورشحته الفائضة من جوانبه، وأنّه ليس صاحب السرّ على نحو العموم.
وبالتالي: فقد وضح وظهر ممّا ذكرنا أنّ أسرار الله سبحانه هي علوم لايجوز إظهار ما جاز إظهارها منها إلا للكمّل على اقتضاء مراتب الاستعداد.
وقد روي في الخرائج بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: أتى الحسين عليه السلام ناس فقالوا له: يا أبا عبد الله حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم، فقال: إنّكم لا تحتملونه ولا تطيقونه، قالوا: بلی نحتمل، قال: إن كنتم صادقين فليتنحّ اثنان وأحدّث واحداً، فإن احتمله حدثتكم، فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طائر العقل ومرّ على وجهه وذهب، و کلّمه صاحباه فلم يردّ عليهما شيئاً وانصرفوا.(1)
وفيه بالاسناد المذكور قال: أتى رجل الحسين بن علي علیهما السلام فقال: حدّثني بفضلكم الذي جعل الله لكم، فقال: إنّك لن تطيق حمله، قال: بل حدّثني یابن رسول الله، إنّي أحتمله، فحدّثه بحديث، فما فرغ الحسين علیه السلام من حديثه حتّی ابیضّ رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث، فقال الحسين عليه السلام، أدركته رحمةُ الله حيث أنسي الحديث.(2)
وفي البحار من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من كتاب ابن شريفة الواسطي يرفعه إلى ميثم التمار، قال: بينما أنا في السوق إذ أتی أصبغ بن نباتة فقال: ويحك یا میثم، لقد سمعت من أمير المؤمنين عليه السلام حديثاً صعباً شديداً، قلت: وما هو؟ قال: سمعته يقول: إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلا مَلَك مقرب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. فقمت من فورتي فأتيت علياً علیه السلام فقلت: يا أمير المؤمنین حديث أخبرني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً، فقال علیه السلام: ما هو؟ فأخبرته به، فتبسّم ثم قال: اجلس یا میثم، أو كلّ علم يحتمله عالم؟ إنّ الله تعالى قال للملائكة: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(1)فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟ قال: قلت: إنّ هذا أعظم من ذلك، قال: والأخرى، إنّ موسی بن عمران أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه، فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه، وذلك إذ خاف على نبيه العُجب، قال: فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم، فجمع الله بينه وبين الخضر علیه السلام، فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسی، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمله.
وأمّا النبيّون فإنّ نبیّنا صلی الله علیه وآله أخذ يوم غدیر خُمّ بيدي فقال: اللهمّ من کنت مولاه فعليٌّ مولاه، فهل رأيت أحداً احتمل ذلك إلاّ من عصم الله منهم، فأبشروا ثمّ أبشروا، قد خصّكم بمالم يخصّ به الملائكة والنبيين والمرسلين فيما احتملتم ذلك في أمر رسول الله وعلمه، فحدّثوا عن فضلنا ولا حرج، وعن عظيم أمرنا ولا أثم، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نُخاطب الناس على قدر عقولهم».(2)
ما نبّه عليه علیه السلام بقوله: «ولجاء أمره» قال ابن میثم البحراني: أشاد بكونهم علیهم السلام ملجأ أمره إلى أنّهم الناصرون له والقائمون بأوامر الله والذابّون عن الدين،فإليهم يلتجئ، وبهم يقوم سلطانه.
قال الخوئي رَحمه الله: المستفاد من ظاهر كلامه علیه السلام أن المراد بالأمر هو الأمور الدينيّة وأنّهم ملجأ لنفس الأوامر، والأظهر الأقوى عندي أنّ المراد أنّهم لجاء للعباد في الأوامر الدينية، بمعنى أنّ الخلق إذا تنازعوا في شيء منها وعجزوا فيها عن النيل إلى الواقع فهم الملجأ والملاذ؛ لأنّهم أولو الأمر، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»(1)
قال علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره: حدّثني أبي عن حماد، عن حریز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: نزل فإن تنازعتم في شيء فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منکم.(2)
وهو يدلّ على أنّ المنزل «فأرجعوه، مکان «فردّوه»، ويحتمل أن يكون تفسيراً له، ويدلّ أيضاً على أنّ الموجود في مصحفهم قول «وإلى أولي الأمر منكم»، وعلى ذلك فالآية صريحة في الدلالة على المطلوب من ردّ الأمور الدينية التي اختلف فيها إلى كتاب الله وإلى رسوله والأئمة علیهم السلام.
وأمّا على ما هو الموجود في هذه المصاحف التي بأيدينا فالدلالة أيضاً غير خفيّة على مذهبنا؛ لأنّ الردّ إلى الأئمة القائمين مقام رسول الله صلی الله علیه وآله بعد وفاته هو مثل الردّ إلى الرسول في حياته، لأنّهم الحافظون لشريعته والخلفاء في أمته، فجروا مجراه فيه، ومثلها قوله تعالى:
«وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»(1)
روي في البحار في تفسير العياشي عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر علیه السلام في هذه الآية، قال: هم الأئمة عليهم السلام.(2)
وعن عبد الله بن جندب قال كتب إلي أبو الحسن الرضا علیه السلام: «ذكرت _ رحمك الله _ هؤلاء القوم الذين وصفت أنّهم كانوا بالأمس لكم إخواناً، والذين صاروا إليه من الخلاف لكم والعداوة لكم والبراءة منكم، والذي تأفّكوا _أي تكلّفوا _به من حياة أبي صلوات الله عليه ورحمته، وذكر في آخر الكتاب: إنّ هؤلاء القوم سنح لهم شیطان اغترّهم بالشبهة ولبس عليهم أمر دينهم، وذلك لما ظهرت فريتهم واتّفقت كلمتهم ونقموا على عالمهم وأرادوا الهدی من تلقاء أنفسهم فقالوا: لم، ومن، وكيف، فأتاهم الهلاك من مأمن احتياطهم، وذلك بما كسبت أيديهم «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ»،(3)ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر ورد ما جهلوا من ذلك إلى عالمه ومستنبطه، لأنّ الله يقول في محكم كتابه:
«وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ».(4)
يعني آل محمد عليهم السلام، وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون
الحلال والحرام، وهم الحجّة على خلقه.(5)
هذا وقد ظهر مما ذكر أنّ الأئمة عليهم السلام هم ولاة الأمر، وأنّهم المقصودون بأولي الأمر في الآيتين، أمّا الآية الثانية فلما ذكرنا، وأمّا الآية الأولى فللأخبار المستفيضة.
أمّا الأخبار فمنها ما رواه في البحار عن تفسیر فرات بن إبراهيم، عن عبيد بن كثير معنعناً، أنّه سُئل جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».(1)
قال: أولي الفقه والعلم، قلنا: أخاصّ أم عامّ؟ قال علیه السلام: بل خاصّ لنا.(2)
وفي الكافي عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الآية، قال: الأوصياء.(3)
وفيه أيضاّ عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن قول الله عزّوجَل: « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ».(4)
فقال عليه السلام: إيّانا عني، أن يؤدّي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثمّ قال للناس: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(5)إيّانا عنی خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خضتم تنازعاً في أمر فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، كذا نزلت، و كيف يأمرهم عزّوجَل لا بطاعة ولاة الأمر ويرخّص في منازعتهم، إنّما قیل ذلك للمأمورين الذين قبل لهم: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(6)والأخبار في هذا الباب كثيرة لا تحصى.
وأمّا دليل العقل فلأنّه سبحانه أمر بوجوب طاعة أولي الأمر على نحو العموم، فلابدّ من كونه معصوماً، وإلاّ لزم أن يكون تعالى قد أمر بالقبيح، لأنّ من ليس بمعصوم لا يُؤمَن صدور القبيح عنه، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحاً، والمعصوم بعد الرسول صلی الله علیه وآله منحصر بإجماع الأمة في الأئمّة.
ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله علیه السلام: (ولجاء أمره) الأعمّ من الأمور الدينيّة، وربّما فسّر به في الآيتين أيضاً، فالمراد به على ذلك جميع الأمور المقدّرة المشار إليها في قوله سبحانه: «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ»(1)وفي قوله: «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»(2)
وقد جاء في رواية الكافي عن الباقر علیه السلام أنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا.(3)وهذا الاحتمال أقرب بالنظر إلى عموم وظيفتهم علیهم السلام.
ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «و عيبة علمها» يعني أنّ علمه مودع عندهم كالثياب النفسيّة المودعة في العيبة، وتشبيههم بالعيبة من حيث إنّهم كانوا حافظين وصائنین له عن الضياع والاندراس حسن الاستعارة بالعية الحافظة للباس عن الأدناس.
قال البحراني: و كونهم عيبة علمه مرادف لكونه موضع سرّه، إذ يقال في العرف: فلان عيبة العلم إذا كان موضع أسراره.
قال الخوئي: أمّا ترادفها في اللغة والعرف فقد صرّح به بعض اللغويّين
أيضاً، ولكن الظاهر أنّ السرّ أخصّ من العلم، لما قد عرفت سابقاً من أنّ السرّ هو العلم الذي يُكتم، وقد صرّح به غير واحد من اللغويين، وهو المتبادر منه أيضاً، فيكون حقيقة فيه. وعلى هذا فيكون العلم أعمّ منه، وهو الأنسب بالمقام أيضاً من حيث إنّ التأسيس أولى من التأكيد.
وكيف كان، فلا غبار على أنّ علم الله و علم رسوله المتلقّي منه سبحانه مودع عندهم وهم الحافظون له.
ويدلّ عليه الأخبار المتواترة القطعية.
منها ما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن يونس بن رباط قال: دخلت أنا و کامل التمّار على أبي عبد الله علیه السلام فقال له کامل: جُعلت فداك حديث رواه فلان. فقال: أذكره، فقال: حدّثني أنّ النبي صلی الله علیه وآله حدّث علياً علیه السلام بألف باب يوم توفّي رسول الله، كلّ باب يفتح له ألف باب، فذلك ألف ألف باب، فقال: لقد كان ذلك، قلت: جُعلت فداك فظهر ذلك لشيعتكم ومواليكم؟ فقال علیه السلام: یا کامل، باب أو بابان، فقلت له: جُعلت فداك فما بروي من فضلكم من ألف ألف باب إلاّ باب أو بابان؟ قال: فقال: وما عسيتم أن ترووا من فضلنا؟ ما تروون من فضلنا إلاّ ألفاً غير معطوفة.(1)
وفي البحار من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من نوادر الحكمة يرفعه إلى أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله علیه السلام فدخل عليه المفضّل بن عمر فقال: مسألة يابن رسول الله، فقال علیه السلام: سَل یا مفضّل، قال: ما منتهی علم العالم؟ قال علیه السلام: قد سألت جسيماً، لقد سألت عظيماً، ما السماء الدنيا في السماء الثانية إلاّ كحلقة درع ملقاة في أرض فلاة، وكذلك كلّ سماء عند سماء
1) الكافي 1: 297 ح 9.
أخرى، وكذلك السماء السابعة عند الظلمة، ولا الظلمة عند النور، ولا ذلك كلّه في الهواء، ولا الأرضين بعضها في بعض، ولا مثل ذلك كلّه في علم العالم _ يعني الإمام _ إلا مثل مدٍ من خردل دققَته دقّاً ثمّ ضربته بالماء، حتّى إذا اختلط ورغا أخذتَ منه لعقة بأصبعك، ولا علم العالم في علم الله إلاّ مثل حبّة من خردل دقته دقاً ثم ضربته بالماء حتّى إذا اختلط ورغا انتهزت منه برأس ابرة نهزة، ثمّ قال عليه السلام: يكفيك من هذا البيان بأقلّه، وأنت بأخبار الموت تصيب».(1)
وفي كتاب المحتضر أيضاً نقلاً من كتاب الأربعين رواية سعد الأربلي عن عمّار بن خالد، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان قال: وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح رقّ مكتوب بالقلم السرياني منقولاً من التوراة، وذلك لمّا تشاجر موسی والخضر عليهما السلام في قضية السفينة والغلام والجدار ورجع موسى إلى قومه، سأله أخوه هارون عمّا استعمله مع الخضر وشاهد من عجائب البحر.
قال: بينما أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة من ماء البحر ورمی بها نحو المشرق، ثم أخذ ثانية ورمی بها نحو المغرب، ثمّ أخذ ثالثة ورمی بها نحو السماء، ثمّ أخذ رابعة ورمی بها نحو الأرض، ثمّ أخذ خامسة وألقاها في البحر، فبهت الخضر وأنا، قال موسی:فسألت الخضر عن ذلك، فلم يجب، وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا وقال: مالي أراكما في فکر و تعجّب؟ فقلنا: في أمر الطائر، فقال: أنا رجل صيّاد وقد علمتُ إشارته وأنتما نبيّان لا تعلمان، قلنا: ما نعلم إلاّ ما علّمنا الله عزّوجَل، قال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلم، لأنّه إذا صاح يقول في صياحه مسلم، وأشار بذلك إلى أنّه يأتي في آخر الزمان نبي يكون عِلم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض عند عِلمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر ويرث علمه ابنُ عمّه ووصيّه، فسكن ما كنّا فيه من المشاجرة واستقلّ كلّ واحد منا علمه بعد أن
1) بحار الأنوار 25: 385/ ح43.
كنّا به معجبين، ومشينا ثمّ غاب الصياد فعلمنا أنّه مَلَك بعثه الله إلينا يعرّفنا بنقصنا حيث ادّعينا الكمال.(1)وبهذه الأخبار يعرف المعيار إجمالاً لعلومهم علیهم السلام، وفيها كافية لن ألقى السمع وهو شهيد.
ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «و موئل حكمه» والمراد بالحكم أمّا الأحكام الشرعية _ أي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء أو التخير _ وإما القضاء الرافع للخصومات، وعلى أيّ تقدير فهم موئله و منجاه، إليهم يلتجئ فيه، وبهم يحصل الخلاص والنجاة، لأنّ ما عندهم هو الحكم المتلقّی من الوحي الإلهيّ الذي هو مطابق للمواقع والواقع مطابق له، وهو كلّه صواب لا ريب فيه، وهم المرشدون إليه والأدلاّء عليه.
ويشهد به ما في البحار من مجالس المفيد بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال: «أما أنّه ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب إلاّ شيء أخذوه منّا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحقّ ولا عدل إلاّ ومفتاح ذلك القضاء وبابه وأوّله وسنّته أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، فإذا اشتبهت عليهم الأمور كان الخطأ من قِبلهم إذا أخطأوا، والصواب من قِبل علي بن أبي طالب علیه السلام إذا أصابوا.(2)
وفي البحار عن بصائر الدرجات عن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول: «أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد: علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب».(3)
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «يا أبا بصير إنّا أهل بيت أوتينا علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب، وعرفنا شيعتنا كعرفان الرجل أهل بيته».(1)
والمراد بفصل الخطاب الحكم الفاصل بين الحقّ والباطل، أو المفصول الواضح الدلالة على المقصود، أو ما كان من خصائصهم من الحُكم المخصوص في كلّ واقعة والجوابات المسكتة للخصوم في كلّ مسألة.
إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: إنّ اللازم حينئذ أخذ الأحكام منهم والرجوع إليهم، ولا يجوز الاستبداد بالعقول الناقصة والآراء الفاسدة في الأحكام الشرعية والاعتماد فيها على الأقيسة والاستحسانات، وقد قال أبو الحسن عليه السلام فيما رواه في بصائر الدرجات عن محمد بن حکیم، عنه علیه السلام؛ إنّما هلك مَن كان قبلكم بالقياس، وإنّ الله تبارك و تعالی لم يقبض نبيّه صلی الله علیه وآله حتّى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه، فجاء کم بما تحتاجون إليه في حياته و تستغنون به وبأهل بيته بعد موته، و إنّها مخبية عند أهل بيته، حتّى أنّ فيه لأرش الخدش، ثم قال علیه السلام: «إنّ أبا حنيفة لعنه الله ممّن يقول: قال عليّ وقلت أنا».(2)
وكذلك لا يجوز الرجوع في المرافعات إلى قضاة السوء، فمن رجع إليهم كان بمنزلة الذين قال عنهم الله عزّوجَل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(3)الآية.
ما أشار إليه عليه السلام بقوله: «و كهف كتبه» تشبيههم بالكهف باعتبار أنّهم يُلتجأ إليهم فيها، أو أنّهم المأوى لها والحاوون لما فيها، كالكهف الذي يحوي من يأوي إليه.
قال العلاّمة الشيخ عبد الصمد التبريزيّ في الدّرة النجفية:
«وإنّهم أهلُ حفظها وعندهم عِلم ظاهرها وباطنها، وهذا الحكم ظاهر الصدق للرواية والدراية، أمّا الرواية فلقوله علیه السلام: لو كُسرت لي الوسادة ثمّ جلست عليها لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، واللهِ ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلاّ أنا أعلم فيمن نزلت، وفي أيّ وقت نزلت،(1)ولقول الصادق عليه السلام: إنّ الله عزّوجَل لم يُعطِ الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطى محمداً صلی الله علیه وآله جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله عزّوجَل «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ»(2)قيل: هي الألواح؟ قال: نعم».(3)
وأمّا الدراية فإنّ الرجوع بكتب الأخبار والتتبّع بطريقتهم لأرباب الملل في احتجاجاتهم شاهد على المدّعي.
وقد روى المجلسیّ قدس سرّه في البحار عن محمّد بن فضل الهاشمي في رواية طويلة نكتفي بذكر موضع الحاجة منها، قال: لمّا توفّي موسی بن جعفر علیه السلام أتيتُ المدينة فدخلت على الرضا علیه السلام قلت: إنّي سائر إلى البصرة وقد عرفت كثرة خلاف الناس، وقد نُعي إليهم موسی وما أشكّ أنّهم سيسألون عن براهين الإمام عليه السلام،ولو أريتني شيئاً من ذلك، فقال الرضا عليه السلام: لم يَخْفَ عليَّ هذا، فأبلغ أولياءنا بالبصرة أنّي قادم عليهم، ولا قوّة إلاّ بالله، ثمّ أخرج إليّ جميع ما كان للنبي صلی الله علیه وآله عند الأئمّة من بُردته وقضيبه وسلاحه وغير ذلك، فقلت: متی تقدم عليهم؟ قال: بعد ثلاثة أيام من وصولك ودخولك البصرة... إلى أن قال:
فلمّا كان اليوم الثالث من دخولي البصرة فإذا الرضا علیه السلام قد وافی، فقصد منزل الحسن بن محمد وأخلى له داره وقام بين يديه يتصرّف بين أمره ونهيه، فقال: يا محمد أحضر جميع القوم الذين حضروا عند محمد بن الفضل وغيرهم من شيعتنا، وأحضر جائليق النصارى ورأس الجالوت، ومُر القوم يسألوا عمّا بدا لهم. فجمعهم كلّهم والزيديّة والمعتزلة... إلى أن قال: فقال لهم الرضا علیه السلام: لا تتفرّقوا فإني إنّما جمعتكم لتسألوا عمّا شئتم من آثار النبوّة وعلامات الإمامة التي لا تجدونها إلا عندنا أهل البيت: فهلمّوا مسائلكم، فسُئل علیه السلام عن كلّ مسألة، فأجابهم عمّا سألوا، حتّى انتهى الأمر إلى الجاثليق، فالتفت إليه الرضا علیه السلام فقال: هل دلّ الإنجيل على نبوّة محمد صلی الله علیه وآله، قال: لو دلّ الإنجيل على ذلك ما جحدنا، فقال علیه السلام: أخبرني عن السكتة التي لكم في السفر الثالث، فقال الجاثليق: إسم من أسماء الله تعالى ولا يجوز لنا أن نظهره، قال الرضا علیه السلام: فإن قررتك أنّه إسم محمد صلی الله علیه وآله وذكره، وأقرّ عيسى به، وأنّه بشّر بني إسرائيل بمحمّد صلی الله علیه وآله لتقرّبه ولا تُنكره، قال الجاثليق: إن فعلتَ أقررتُ، فإنّي لا أردّ الإنجيل ولا أجحده، قال الرضا علیه السلام: فخُذ على السفر الثالث الذي فيه ذِكر محمّد صلی الله علیه وآله وبشارة عيسى بمحمّد صلی الله علیه وآله ، قال الجائليق: هاتِ، فأقبل الرضا علیه السلام يتلو ذلك السِفر من الأنجيل حتّى بلغ ذکر محمد صلی الله علیه وآله فقال: یا جاثليق من هذا الموصوف؟ قال الجاثلیق: صِفه، قال عليه السلام: لا أصفه إلاّ بما وصفه الله، هو صاحب الناقة والعصا والكساء، النبيّ الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلّ لهم الطيّبات ويُحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، يهدي إلى الطريق الأقصد والمنهاج الأعدل والصراط الأقوم، سألتُك يا جاثليق بحقّ عیسی روح الله وكلمته، هل تجدون هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبي صلی الله علیه وآله؟
فأطرق الجاثلیق مليّاً وعلم أنّه إن جحد الأنجيل كفر، فقال: نعم هذه الصفة من الإنجيل، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي ولم يصحّ عند النصارى أنّه صاحبكم، فقال الرضا علیه السلام: أمّا إذا لم تكفر بجحود الانجيل وأقررت بما فيه من صفة محمد صلی الله علیه وآله، فخُذ علي في السفر الثاني فإنّي أوجدك ذِكره وذِكر وصيّه وذِكر ابنته فاطمة وذِكر الحسن والحسين، فلمّا سمع الجاثلیق ورأس الجالوت علما أنّ الرضا علیه السلام عالم بالتوراة والإنجيل، فقالا: واللهِ قد أتى بما لا يمكننا ردّه ودفعه إلاّ بجحود التوراة والانجيل والزبور، ولقد بشّر به موسی وعيسى ولكن لم يتقرّر عندنا بالصحّة أنّه محمد هذا، فأمّا اسمه فمحمد فلا يجوز لنا أن نقرّلكم بنبوّته، ونحن شاکُون أنه محمّد كم أو غيره، فقال الرضا علیه السلام: احتججتم بالشكّ، فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيّاً اسمه محمد أو تجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء غیر محمد؟ فأحجموا عن جوابه، قالوا: لا يجوز لنا أن نقرّلك بأنّ محمداً هو محمّد كم؛ لأنّا إن أقررنا لك بمحمّد ووصيّه وابنته وابنيهما على ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام کرهاً، فقال: الرضا علیه السلام : أنت یا جاثلیق آمن في ذمّة الله وذمّة رسوله لا يبدرك منّا شيء تكره ممّا تخافه وتحذره، قال: أمّا إذ قد أمنتني فإنّ هذا النبي الذي اسمه محمّد وهذا الوصيّ الذي اسمه عليّ، وهذه البنت التي اسمها فاطمة، وهذان السبطان اللذان اسمهما الحسن والحسين في التوراة والأنجيل والزبور، قال الرضا علیه السلام : فهذا الذي ذكرته في التوراة والإنجيل والزبور من اسم هذا النبيّ وهذا الوصيّ وهذه البنت وهذين السبطين صدق وعدل أم كذب وزور؟ قال: بل صدق وعدل ما قال إلاّ الحقّ، فلمّا أخذ الرضا علیه السلام إقرار الجاثليق بذلك، قال لرأس الجالوت: فاسمع الآن يا رأس الجالوت السفر الفلاني من زبور داود، قال: هاتِ بارك الله عليك وعلى ولدك، فتلا الرضا
عليه السلام السفر الأول من الزبور حتّى انتهى إلى ذِکر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: سألتُك يا رأس الجالوت بحقّ الله هذا في زبور داود ولك من الأمان والذمة والعهد ماقد أعطيته الجاثليق؟ فقال رأس الجالوت: نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم، قال الرضا عليه السلام: بحقّ العشرة الآيات التي أنزلها الله على موسی بن عمران في التوراة، هل تجد صفة محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلى العدل والفضل؟ قال: نعم، ومن جحدها کافر بربّه و أنبيائه، قال له الرضا عليه السلام: فخُذ الآن في سفر كذا من التوراة، فأقبل علیه السلام يتلو التوراة ورأس الجالوت يتعجّب من تلاوته وبيانه وفصاحته، حتّی بلغ ذکر محمد، قال رأس الجالوت: نعم هذا أحماد وإليا وبنت أحماد وشبر وشبير، تفسيره بالعربية محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتلا الرضا عليه السلام إلى تمامه، فقال رأس الجالوت لمّا فرغ من تلاوته: والله يابن محمّد لولا الرئاسة التي حصلت لي على جميع اليهود لآمنتُ بأحمد واتّبعتُ أمرك، فوالله الذي أنزل التوراة علی موسی والزبور علی داود ما رأيتُ أقرء للتوراة والإنجيل والزبور منك، ولا رأيت أحسن تفسيراً وفصاحة لهذه الكتب منك.
إلى أن قال محمد بن فضيل: كان فيما أوصاني به الرضا عليه السلام في وقت منصرفه من البصرة أن قال لي: صِر إلى الكوفة فاجمع الشيعة وأعلِمْهم أنّي قادم عليهم إلى أن قال: انظر يا محمّد مَن بالكوفة من المتكلّمين والعلماء فأحضِرهم، فأحضرناهم، فقال لهم الرضا علیه السلام: إنّي أريد أن أجعل لكم حظّاً من نفسي كما جعلتُ لأهل البصرة، وإنّ الله قد علّمني كلّ كتاب أنزله، ثمّ أقبل على جاثليق _ وكان معروفاً بالجدل والعلم والانجيل _ فقال: يا جاثليق هل تعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلّقها في عنقه، إذا كان بالمغرب فأراد المشرق فتحها فأقسم على الله باسمٍ واحد من خمسة الأسماء أن تنطوي له الأرض، فيصير من المغرب إلى المشرق ومن المشرق إلى المغرب فيلحظة؟
فقال الجاثليق: لا عِلم لي بها، وأمّا الأسماء الخمسة فقد كانت معه يسأل الله بها أو بواحد منها يُعطيه الله جميع ما يسأله.
قال: الله أكبر، إذاً ما تنكر الأسماء. فأمّا الصحيفة فلا يضرّ أقررتَ بها أم أنكرتها، اشهدوا على قوله.
ثمّ قال: يا معاشر الناس أليس أنصف الناس من حاجّ خصمه بملّته وكتابه ونبيّه وشريعته؟ قالوا: نعم، قال الرضا علیه السلام: فاعلموا أنّه ليس بإمام بعد محمّد إلا من قام بما قام به محمّد حين يُفضي الأمر إليه، ولا يصلح للإمامة إلاّ من حاجّ الأمم بالبراهين للإمامة. فقال رأس الجالوت: وما هذا الدليل على الإمام؟
قال: أن يكون عالماً بالتوراة والانجيل والزبور والقرآن الحكيم، فيحاجّ أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل القرآن بقر آنهم، وأن يكون عالماً بجميع اللغات حتّى لا يخفى عليه لسان واحد، فيحاجّ كلَّ قوم بلُغتهم، ثمّ يكون مع هذه الخصال تقيّاً نقيّاً من كلّ دنس، طاهراً من كلّ عيب، عادلاً منصفاً حكيماً رؤوفاً رحيماً مغفوراً عطوفاً صادقاً مشفقاً بارّاً أميناً مأموناً واثقاً قائماً، فقام إليه رجل فقال: یابن رسول الله ماتقول في جعفر بن محمد؟ قال: ما أقول في إمام شهدت أمّة محمّد قاطبة بأنّه كان أعلم أهل زمانه، قال: فما تقول في موسی بن جعفر؟ قال: كان مثله، قال: فإنّ الناس قد تحيّروا في أمره، قال: إنّ موسی بن جعفر عمّر برهة من الزمان فكان يكلّم الأنباط بلسانهم، ويكلّم أهل خراسان بالدريّة، وأهل روم بالروميّة، ويكلّم العجم بألسنتهم، وكان يرد عليه من الآفاق علماء اليهود والنصارى فيحاجّهم بكتبهم وألسنتهم، فلمّا نفذت مدّته وكان وقت وفاته أتاني مولی برسالته يقول: يا بُنّي إنّ الأجل قد نفد، والمدة قد انقضت، وأنت وصيّ أبيك، فإنّ رسول الله صلی الله علیه وآله لمّا كان وقت وفاته دعا عليّاً وأوصاه ودفع إليه الصحيفة التي كان فيها الأسماء التي خصّ الله بها الأنبياء والأوصياء، ثمّ قال: يا علي ادن منّي، فغطّى رسول الله صلی الله علیه وآله رأس علي علیه السلام
بملاءة، ثمّ قال له: أخرج لسانك، فأخرجه فختمه بخاتمه، ثمّ قال: يا علي اجعل لساني في فيك فمصّه وأبلغ عني كلّ ما تجد في فيك: ففعل على ذلك، فقال له: إنّ الله فهّمك ما فهّمني، وبصّرك ما بصّرني، وأعطاك من العلم ما قد أعطاني إلاّ النبوّة فإنّه لا نبّي بعدي، ثمّ كذلك إمام بعد إمام، فلمّا مضی موسی علمت كلّ السان و کلّ کتاب، انتهى.(1)
والمراد بالكتب إمّا كتب الله وهو على تقدير رجوع الضمير فيه إليه سبحانه، فالمراد بها القرآن وما أنزل قبله من الصحف والكتب السماويّة.
أمّا كونهم کهف القرآن والحافظين له والعاملين به: تأويله وتنزيله ظهره وبطنه وبطن بطنه وهكذا إلى سبعة أبطن، وكذلك سائر أوصافه من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والأحكام والتشابه إلى غير ذلك.
وأمّا سائر الكتب السماويّة وهي مائة كتاب وأربعة كتب على ما تضمّنته رواية أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب ؟ قال صلی الله علیه وآله: مائة کتاب وأربعة كتب، أنزل منها على آدم عشر صحف، وعلی شیث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ _ وهو إدريس _ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل علی موسی قبل التوراة عشرة صحائف، وأنزلت التوراة والأنجيل والزبور والفرقان، وكانت صحف إبراهيم كلّها أمثالاً.(2)
وروى في البحار من إرشاد القلوب بالإسناد إلى المفيد، يرفعه إلى سلمان
الفارسي رَضی الله عَنهُ قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: «یا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرف لنا حقّ معرفتنا و أنكر فضلنا، یا سلمان أيّما أفضل محمّد و أم سلیمان بن داود علیه السلام؟
قال سلمان: قلت: بلی محمّد أفضل، فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخیا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده عِلمٌ من الكتاب، ولا أفعل أنا ذلك وعندي مائة كتاب وأربعة وعشرون كتاباً؟ أنزل الله على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم الخليل عشرين صحيفة والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فقلت: صدقت يا سيدي، قال الإمام علیه السلام: إنّ الشاكّ في أمورنا و علومنا كالمستهزئ في معرفتنا أو حقوقنا، وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع، وبيّن ما أوجب العمل به وهو مكشوف».(1)
ومن كتاب التوحيد عن هشام بن الحكم من خبر طویل قال: جاء بريهة جاثليق النصارى فقال لأبي الحسن علیه السلام: جُعلت فداك أنّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟
قال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها؛ إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يُسئل عن شيء فيقول: لا أدري، الخبر.(2)
ومن بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: يا أبا محمّد عندنا الصحف التي قال الله «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ»، قلت: الصحف هي الألواح؟ قال: نعم.(3)
هذا كلّه على احتمال أن يكون المراد بالكتب الكتب المنزلة من الله سبحانه، وأمّا على تقدير رجوع الضمير في كتبه إلى النبيّ صلی الله علیه وآله، فالمراد بالكتب القرآن وغيره ممّا أشير إليه في الأخبار. مثل مارواه في البحار من البصائر
بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حدّثني أبي عمّن ذکره، قال: خرج علينا رسول الله صلی الله علیه وآله وفي يده اليمنی کتاب، وفي يده اليسرى کتاب، فنشر الكتاب الذي في يده اليمنى فقرأ: بسم الله الرحمن الرحیم کتاب لأهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يُزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد، قال: ثمّ نشر الذي بيده اليسرى فقرأ: كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم لا يُزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد».(1)
ومن البصائر أيضاً بإسناده عن الأعمش قال: قال الكلبي: يا أعمش أيّ شيء أشدّ ما سمعت من مناقب علي عليه السلام؟ قال: فقال: حدّثني موسی بن طريف عن عباية، قال: سمعت علياً علیه السلام وهو يقول: «أنا قسيم النار، فمن تبعني فهو منّي، ومن عصاني فهو من أهل النار» فقال الكلبي: عندي أعظم ممّا عندك، أعطى رسول الله صلی الله علیه وآله علياً علیه السلام كتاباً فيه أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار، فوضعه عند أم سلمة، فلمّا ولي أبو بكر طلبه فقالت: ليس لك، فلمّا ولي عمر طلبه فقالت: ليس لك، فلمّا ولي علي عليه السلام دفعته إليه.(2)
ومنه أيضاً بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: يا أبا محمد إنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة! قال: قلت: جُعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه وآله أملاه من فلق _ أي من شفته _ فيه، وخطّه علي عليه السلام بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يَحتاج إليه الناس حتّى الأرش في الخدش».(3)
وفي الاحتجاج في حديث طويل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وكان علیه السلام يقول: علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، وإنّ عندنا الجفر
الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة علیها السلام، وعندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه، فسُئل عن تفسير هذا الكلام، فقال عليه السلام: أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأمّا الجفر الأحمر فوعاءٌ فيه سلاح رسول الله صلی الله علیه وآله ولن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت، وأمّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجیل عیسی وزبور داود وكتب الله الأولى، وأمّا مصحف فاطمة علیها السلام ففيه ما يكون من حادث وأسماء من يملك ومن لا يملك إلى أن تقوم الساعة، وليس فيه قرآن، وأمّا الجامعة فهو کتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول الله صلی الله علیه وآله من فلق فيه وخطّ علي بن أبي طالب علیه السلام بيده، فيه _ والله _ جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتّی أنّ فيه أرش الخدش والجلدة والنصف الجلدة» الحديث.(1)
ما أشار إليه عليه السلام بقوله: «وجبال دینه» قال الشارح المعتزلي: لا يتحلحلون عن الدين أو أنّ الدین ثابت بوجودهم كما أنّ الأرض ثابتة بالجبال، لولا الجبال لمادت بأهلها.(2)
وقال البحراني: وأشار بكونهم جبال دينه إلى أنّ دين الله سبحانه بهم يعتصم عن وصمات الشياطين وتبديلهم وتحريفهم كما يعتصم الخائف بالجبل ممّن يؤذيه.
قال میرزا حبیب الله الخوئي: والمعيار متقاربان والمقصود واحد، وهو أنّ وجودهم سبب لبقاء الدين و انتظام أمر المسلمين، وبهم ينفي عنه تحریف الغالين وانتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.
كما روي في البحار من کتاب قرب الاسناد عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن آبائه علیهم السلام أنّ النبي صلی الله علیه وآله قال: «في كلّ خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين و تأويل الجهّال، وإنّ أئمتكم وفد كم إلى الله، فانظروا من توفدون في دينكم وصلواتكم».(1)
ومن علل الشرائع بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ الله لم يدع الأرض إلاّ وفيها عالم یعلم الزيادة والنقصان من دين الله عزّوجَل، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وإذا نقصوا أكمل لهم، ولولا ذلك لالتبس على المسلمين أمرهم»(2).
وعن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «لن تبقى الأرض إلاّ وفيها من يعرف الحقّ، فإذا زاد الناس فيه قال: قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال: قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدقهم، ولو لم يكن كذلك لم يُعرف الحقّ من الباطل»(3)والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
ما أشار إليه علیه السلام بقوله: «بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه» والمراد بذلك _ على تقدير رجوع الضمير في ظهره و فرائصه إلى الدين _ واضح، وهو أنّهم أسباب لقوام الدين ورافعون لإضطرابه حسبما عرفتَ آنفاً. وأمّا على تقدير رجوعها إلى النبي صلی الله علیه وآله فهو إشارة إلى أنّ الله سبحانه جعلهم أعضاداً يشدّون أزره ويقومون ظهره، وانحناء ظهره كناية عن ضعفه في بدء الإسلام، وارتعاد الفرائص كناية عن الشيء ببعض لوازمه، إذ كان ارتعاد الفرائص من لوازم شدّة الخوف، يعني أنّ الله أزال عنه صلی الله علیه وآله بمعونتهم خوفه
الذي كان يتوقّعه من المشركين على حوزة الدين، واتّصافهم علیهم السلام بهذين الوصفين ظاهر لا ريب فيه، لأنّهم لم يألوا جهدهم في نصرة النبي صلی الله علیه وآله وتقوية دینه قولاً أو فعلاً، وقد قال الله تعالى:
«وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ». (1)
وقد روى العامّة والخاصّة عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش «لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي، ومحمّد عبدي ورسولي أيّدتُه بعلي علیه السلام، فأنزل الله عزّوجَل:
«هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ».(2)
فكان النصر عليّاً علیه السلام، ودخل مع المؤمنين فدخل في الوجهَين جميعاً، وبمضمونه أخبار أخر من الطريقَين، وقال سبحانه أيضاً:
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».(3)
قال أبو هريرة: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام وهو المعنيّ بقوله: «المؤمنین».(4)
وبالجملة فانتصار النبي صلی الله علیه وآله بأمير المؤمنين عليه السلام وحمايته له باليد واللسان وجدّه في إعلاء كلمة الإسلام ممّا هو غني عن البيان.
بدر له شاهد والشعب من أحد *** والخندقان ويوم الفتح إن علموا(5)
وكفى بذلك شاهداً مبيته على فراش رسول الله صلی الله علیه وآله حتّی باهي الله سبحانه بذلك على ملائكته وأنزل:
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ».(1)(2)
وبرازه يوم الخندق لعمرو بن عبدودّ، حتّى أنزل فيه: «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ»(3)بعليّ بن أبي طالب، وقتله عمراً على ما ورد في الروايات الكثيرة،(4)وفي ذلك اليوم قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ضربة عليّ أفضل من عبادة الثقلين.(5)
وأمّا سائر الأئمة علیهم السلام فقد كانت هممهم مقصورة على حماية حمى الدين وإحياء أحكام سيّد المرسلین، بعضهم بالقتال والجدال كالحسین علیه السلام، وبعضهم باللسان والبيان كسائر المعصومين عليهم السلام، وذلك مع ما هم عليه من التقيّة والخوف، ولذلك أنّ الصادقين لها لما تمكّنا من إظهار الأحكام ونشر الشرایع، وزالت عنهما التقيّة التي كانت على غيرهما، قصرا أوقاتهما في إحياء الشريعة وإقامة السنّة على ما هو معروف، وقد كان أربعة آلاف نفر من أهل العلم خرّيجي مدرسة الإمام الصادق علیه السلام حتّى صنّفوا من أجوبته في المسائل أربعمائة كتاب وهي معروفة بكتب الأصول، فبوجودهم استقام أمر الدين واستحكمت شريعة خاتم النبيّين، وبقائمهم يملا الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً و جوراً.
«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عليه السلام) الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَ الْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَ عَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ «وَ مِنْهَا» قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ».(شرح ابن أبي الحديد مج 2 ص 534 ط الأولى).
(الرياش) والریش ما ظهر من اللباس، وقيل الرياش جمع الريش وهو اللباس الفاخر. و(المعاش) والمعيشة مكتسبة الإنسان الذي يعيش به، و (السلّم) کسکّر ما يُرتفی عليه، و(القسيّ) جمع القوس، و(النبل) السهام العربية، و(العمالقة) والعماليق أولاد عمليق من ولد نوح، و(الفراعنة) جمع فرعون، و(الرسّ) بتشديد السين نهر عظیم بین آذربيجان وإرمينيّة، وهو المعروف بالآن بالأرس، مبدؤه من مدينة طراز وينتهي إلى شهر الكر فيختلطان ويصبّان في البحر.
وقال في القاموس: بئر كانت لبقيّة من ثمود كذّبوا نبيّهم ورسّوه في بئر، و (مدّن المدائن) مصّرها، و (الجُنّة) بالضم نوع من السلاح يُتّقی به. (عسیب ذنبه) العسيب عظيم الذنب أو منبت الشعر منه، و (جران) البعير صدره أو مقدّم عنقه.
قوله علیه السلام: «أوصيكم عباد الله بتقوى الله» التي هي الزاد وبها المعاد، زاد مبلغ ومعاد منجح، وهي أن لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
وإنّما عقّب بالموصول، أعني قوله «الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش» تأكيداً للغرض المسوق له الكلام، وتنبيهاً على أنّه سبحانه مع عظیم إحسانه ومزید فضله وإنعامه حيث أنعم عليكم باللباس والرياش، وأكمل عليكم المعاش، اللذين هما سببا حياتكم وبهما بقاء نوعكم، كيف يسوغ کفران نعمته بالعصيان، ومقابلة عطوفته بالخطيئة، بل اللازم مكافاة نعمائه بالتقوی و عطاياه بالحسنی.
ثمّ لمّا كان رأس كلّ خطيئة هو حبّ الدنيا، وكان عمدة أسباب الغفلة والضلالة الركون إليها وطول الأمل فيها، نبّه على فنائها وزوالها بقوله: (ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلمّاً) ووسيلة (أو لدفع الموت سبيلاً)، أو سبباً (لكان ذلك سلیمان بن داود علیه السلام) لأنّه (الذي) اختصّ من سائر الخلق لكمال السلطنة والملك العظيم حيث (سخّر له ملك الجنّ والانس والوحش والطير فهم يوزعون (مع النبوّة وعظيم الزلفة) والقربي إلى الحقّ سبحانه. ومعلوم أنّ النبوّة والتقرّب والمنزلة من الوسائل إلى البقاء لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنّتان للتوصّل إليه في الباطن كما أنّ الملك والسلطنة مظنّة لأن تكون وسيلة إليه في الظاهر، لكنّه مع نبوّته وعظم سلطانه وقدرته على ما لم يقدر عليه غيره لم يجد وسيلة إلى البقاء، فليس لأحد بعده أن يطمع في وجدانه. أمّا أنّه علیه السلام لم يجد
وسيلة إلى ذلك، فلأنّه (لما استوفی طُعمته) أي رزقه المقدّر (واستكمل مدّته) المقرّرة (رمته قسيُّ الفناء بنبال الموت) إسناد الرمي إلى القسيّ من المجاز العقليّ والنسبة إلى الآلة.
قال الشارح البحراني: ولفظ القسيّ والنبال استعارة لمرامي الأمراض وأسبابها التي هي نبال الموت. (وأصبحت الديار منه خالية والمساكن معطّلة ورثها قوم آخرون).
جاء في البحار من (العلل) و(العيون) عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسی الرضا علیه السلام، عن أبيه موسی بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد قال: «إنّ سليمان بن داود علیه السلام، قال ذات يوم لأصحابه: إنّ الله تبارك وتعالى قد وهب لي مُلكاً لا ينبغي الأحد من بعدي، سخّر لي الريح والإنس والجنّ والطير والوحوش، وعلّمني منطق الطير، و آتاني كلّ شيء، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببتُ أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحدٍ عليَّ لئلاّ يرد علىَّ ما ينغّص عليَّ يومي، قالوا: نعم.
فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، وقف متّكئاً على عصاه ينظر إلى ممالكه مسروراً بما أوتي، فرحاً بما أعطي، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره، فلمّا بصر به سليمان عليه السلام قال:من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردتُ أن أخلو فيه اليوم، فيإذن من دخلت؟
فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربُّه، وبإذنه دخلت، فقال علیه السلام: ربّه أحقّ به مني، فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت. قال: وفيما جئت؟
قال: جئت لأقبض روحك، قال: إمضِ لما أمرت به فهذا يوم سروري، وأبي الله عزّوجَل أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متّكئ على عصاه.
فبقي سليمان متّكئاً على عصاه وهو ميّت ما شاء الله والناس ينظرون إليه، وهم يقدّرون أنّه حي، فافتتنوا فيه واختلفوا، فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقي متّكئاً على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب، إنّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده، وقال قوم: إنّ سليمان ساحر، إنّه يرينا أنّه واقف ومتّكئ على عصاه بسحر أعيننا وليس كذلك. فقال المؤمنون: إنّ سليمان هو عبد الله ونبيّه يدبّر الله بما شاء.
فلمّا اختلفوا بعث الله عزّوجَل الأرضة فدبّت في عصاه، فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان من قصره على وجهه، فشكر الجنّ للأرضة صنيعها، فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلاّ وعندها ماء وطين، وذلك قول الله عزّوجَل: «فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» .(1)(2)
كان سليمان علیه السلام أنبه الملوك شأناً، وأعجبهم نبأ، وأمدًهم شوكة، وأبسطهم ولاية، ناهيك بما فيه من النبوّة والحكمة، فإنّه خُصّ بأمور ليس من سعة العقل أن يتصوّرها في مخلوق سواه، فذكروا أنّ أوّل ما ظهر من نجابته و تبریزه في القضاء مسألة راعي الغنم مع صاحب الزرع، قالوا: أتی یوماً صاحب الزرع إلى داود علیه السلام وقال له: إنّ هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في زرعي فلم تُبقِ منه شيئاً، قال له داود: اذهب فإنّ الغنم لك، فأعطاه رقاب الغنم بالحرث، فمرّا علی سلیمان وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال لهما: كيف قضي بينكما؟
فأخبراه، فقال: لو وليتُ أمر كما لقضيت بغير هذا، فأخبرا بذلك داود النبي علیه السلام، فاستقدمه وقال له: كيف كنت تصنع في القضاء بينهما؟ قال: كنت أدفع الغنم إلى صاحب الحرث سنة فيكون له نسلها وصوفها ومنافعها، وينذر صاحب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا كان العام المقبل وصار الحرث کھیئته يوم أكل فيدفع إلى أهله ويأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيتَ،(1)وعلى ذلك الآية: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا»(2)والآية المشيرة إلى هذه القصة في قوله تعالى: «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ».(3)
وأنزل الله علی داود کتاباً من السماء مختوماً بخاتم من ذهب فيه ثلاث عشرة مسألة، فأوحى إليه أن: سَل عنها ابنك سليمان، فإن هو أخرجها فهو الخليفة من بعدك، فدعا داود سبعين قسّاً وسبعين حبراً وأجلس سليمان بین أيديهم وقال: يابُنيّ إنّ الله تعالى أنزل علىَّ كتاباً من السماء فيه مسائل أمرني أن أسألك عنها، فإن أخرجتها فأنت الخليفة من بعدي؟
فقال سليمان: ليسأل نبي الله عمّا بدا له وما توفيقي إلاّ بالله.
قال داود: یابُنيّ ما أقرب الأشياء وما أبعدها؟ وما أنس الأشياء وما أو حشها؟ وما أحسن الأشياء وما أقبحها؟ وما أقلّ الأشياء وما أكثرها؟ وما القائمان؟ وما الساعيان؟ وما المشتركان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذمّ آخره؟
فقال سليمان: أمّا أقرب الأشياء فالآخرة، وأمّا أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا، وأمّا آنس الأشياء فجسدٌ فيه روح، وأمّا أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأمّا أحسن الأشياء فالايمان بعد الكفر، وأمّا أقبح الأشياء فالكفر بعد الايمان، وأمّا أقلّ الأشياء فاليقين، وأمّا أكثر الأشياء فالشكّ، وأمّا القائمان فالسماء والأرض، وأمّا الساعيان فالشمس والقمر، وأمّا المشتركان فالليل والنهار، وأمّا المتباغضان فالموت والحياة، وأمّا الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم عند الغضب، وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذمّ آخره فالحدّة عند الغضب، ففکّوا خاتم الكتاب فإذا جواب السؤال سواء على ما نزل من السماء. فقال القسّيسون والرهبان: لا نرضی حتّی نسأله عن مسألة، فإن أخرجها فهو الخليفة من بعدك.
فقال سليمان: سلوني وما توفيقي إلاّ بالله.
قالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح كلّ شيء من الإنسان، وإذا فسد فسد كلّ شيء منه ؟ فقال: هو القلب.
فقام داود وصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله تعالى يأمرني أن استخلف عليكم سلیمان، فضجّوا وقالوا: غلام حدث یُستخلف علينا وفينا من هو أفضل منه وأعلم منه، فبلغ ذلك داود فدعا رؤساء أسباط بني اسرائيل وقال لهم: أروني عصيكم فأيّ عصاة أثمرت فإنّ صاحبها وليّ هذا الأمر بعدي، قالوا: رضينا، فجاؤا بعصيّهم، فقال لهم داود: ليكتب كلّ رجل منكم اسمه على عصاه، فكتبوا، ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب اسمه عليها، ثمّ أدخلت العصيّ بيتاً وأغلق عليها الباب وسُدّ بالأقفال، ومرّت رؤساء أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح فتح الباب فأخرج عصيّهم كما هي، و أمّا عصا سليمان فقد أورقت وأثمرت، فسلّموا إليه الأمر.(1)
1) بحار الأنوار 14: 5.
وفي المجلّد الأول من السيرة الحلبية ص 27 ط _ 2 مطبعة الأزهرية بمصر.
«إنّ داود علیه السلام لمّا استخلف ولده سليمان أوصاه فقال: يا بُنيّ إيّاك والهزل فإنّ نفعه قليل ويهيّج العداوة بين الاخوان، ومن ثمّ قيل لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، ولا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيّ فیجترء عليك، ولكلّ شيء بذور وبذر العداوة المزاح. وقد قيل: المزاح يذهب بالمهابة ويورث الضغينة، وقيل: آكد أسباب القطيعة المزاح، وقد قيل: من كثر مزاحه لم يخلُ من استخفاف به أو حقد عليه، واقطع طمعك من الناس فإنّ ذلك هو الغِني، وإيّاك وما تعتذر فيه من القول أو الفعل، وعوّد لسان الصدق، والزم الإحسان، ولا تُجالس السفهاء، وإذا غضبت فألصق نفسك بالأرض _ وقد جاء في الحديث (إذا جهل على أحدكم جاهل فإن كان قائماً جلس، وان كان جالساً فليضطجع). (1)
و قال تعالى في سورة النمل: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ»(2)
وفي سورة سبأ: «وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ
السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ».(1)
وقوله سبحانه: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ».(2)
قال الإمام الصادق علیه السلام في رواية إكمال الدين: «إنّ داود علیه السلام أراد أن يستخلف سليمان لأنّ الله عزّوجَل أوحي إليه بأمره بذلك، فلمّا أخبر بني اسرائيل ضجّوا من ذلك وقالوا: يستخلف علينا حدثاً وفينا من هو أكبر منه، فدعی أسباط بني اسرائيل فقال لهم: قد بلغني مقالتكم، فأروني عصّيكم فأيّ عصا أثمرت فصاحبها وليّ الأمر»(3)الحديث المتقدّم الذكر.
وفي البحار من محاسن البرقي عن أبي الحسن موسی بن جعفر عليه السلام قال: استخلف داود سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة، ومكث في ملكه أربعين سنة.(4)
قوله : «عُلّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ» قيل: إنّ النطق عبارة عن الكلام وهو مختصّ بالانسان، إلاّ أنّ سليمان لمّا فهم معنى صوت الطير سمّاه منطقاً مجازاً، وقال علي بن عيسى: إنّ الطير كانت تكلّم سلیمان علیه السلام معجزة له كما أخبر عن الهدهد، و منطق الطير صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الناس الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم تفهم هي عنّا، لأنّ إفصاحها مقصور على تلك الأمور المخصوصة، ولمّا جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها.
قوله: «وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» أي من كلّ شيء تؤتي الأنبياء والملوك، وقيل: من كلّ شيء يطلبه طالب لحاجته إليه وانتفاعه به.
وقوله: «وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ»(1)قال الطبرسي: أي وسخّرنا لسليمان الريح مسیر غدوّ تلك الريح المسخّرة مسير شهر، و مسیر رواحها مسیر شهر، والمعنى أنّها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب. قال قتادة: كانت تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار. وقال الحسن: كانت تغدو من دمشق فتقيل باصطخر من أرض اصفهان وبينهما مسيرة شهر للمستريح، وتروح من اصطخر فتبيت بكابل وبينها مسيرة شهر، تحمله الريح مع جنوده، أعطاه الله الريح بدلاً من الصافنات الجياد.
قوله: «وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ» أي أذبنا له عين النحاس وأظهرناها له.
قوله: «وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ» المعنى وسخّرنا له من الجنّ من بحضرته وأمام عينه ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الآدميّ بين يدي الآدميّ بأمر ربّه تعالى، وكان يكلّفهم الأعمال الشاقة، وفيه دلالة على أنّه قد كان من الجنّ من هو غير مسخّر له.
قوله: «وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ» أي من يعدل من هؤلاء الجنّ الذين سخّرناهم لسليمان عمّا أمرناهم به من طاعة سليمان نُذقه من عذاب النار في الآخرة عن أكثر المفسّرين. وقيل: نذقه العذاب في الدنيا، وأنّ الله سبحانه و کّل بهم ملکاً بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم من طاعة سلیمان ضربه ضربة أحرقته.
قوله: «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ» وهي بيوت الشريعة، قيل: وهي القصور والمساجد یتعبّد فيها، عن قتادة والجبائي، قال: وكان ممّا عملوا بيت المقدس، وقد كان الله عزّوجَل سلّط على بني إسرائيل الطاعون فهلك خلق كثير في يوم واحد، فأمرهم داود أن يغتسلوا ويبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين
1) سبأ: 12.
ويتضرّعوا إلى الله تعالى لعلّه يرحمهم، وذلك صعد بیت المقدس قبل بناء المسجد، وارتفع داود علیه السلام فوق الصخرة فخرّ ساجداً يبتهل إلى الله سبحانه وسجدوا معه، فلم يرفعوا رؤوسهم حتّى كشف الله عنهم الطاعون.
فلمّا أن شفّع الله داود في بني اسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث وقال لهم: إنّ الله تعالى قد منّ عليكم ورحمكم، فجدّدوا شكراً بأن تتّخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجداً، ففعلوا، وأخذوا في بناء بيت المقدس، فكان داود عليه السلام ينقل الحجارة لهم على عاتقه، كذلك خيار بني اسرائيل حتّى رفعوه قامة، ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة، فأوحى الله إليه أنّ تمام بنائه يكون على يد ابنه سليمان.
فلمّا صار داود عليه السلام ابن أربعين ومائة سنة توفّاه الله تعالى واستخلف سليمان، فأحبّ إتمام بیت المقدس، فجمع الجنّ والشياطين فقسّم عليهم الأعمال، يخصّ كلّ طائفة منهم بعمل، فأرسل الجنّ والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه،وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفاح وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل كلّ ربض منها سبطاً من الأسباط.
فلمّا فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجّه الشياطين فرقاً، فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها، وفرقة يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب، وفرقة يأتونه بالدرّ من البحار، فأوتي من ذلك بشيء لا يُحصيه إلاّ الله تعالى، ثمّ أحضر الصنّاع وأمرهم بنحت تلك الأشجار حتّى يصيّروها ألواحاً، ومعالجة تلك الجواهر واللآلي.
وبني سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمّده بأساطين المها الصافي، وسقّفه بألواح الجواهر، وفضّض سقوفه وحيطانه باللآلي والیواقیت والجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بیت أبهى منه ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.
وجعل فيه أشياء عجيبة: منها القبّة التي فيها السلسلة المعلقة ينالها صاحب الحقّ ولا ينالها المبطل، حتّى اضمحلت بحيلة غير معروفة، وكان من عجائب بنائه أنّه بنى بيتاً وأحكمه وَصَقَله، فإذا دخله الفاجر والورع تبيّن الفاجر من الورع، لأنّ الورع كان يظهر خياله في الحائط أبيض، والفاجر يظهر خياله أسود، وكان أيضاً ممّا اتّخذ من الأعاجيب أن نصب في زاوية من زواياه عصا آبنوس، فكان من مسّها من أولادالأنبياء لم تضرّه، ومن مسّها من غيرهم أحرقت يده.
فلمّا فرغ من ذلك جمع إليه خيار بني اسرائيل فأعلمهم أنّه بناه لله تعالى، واتّخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً.
فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سلیمان حتّى غزا بخت نصّر بني إسرائيل فخرّب المدينة وهدمها، ونقض المسجد وأخذ ما في سقوفه و حيطانه من الذهب والدرّ والیواقیت والجواهر، فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق.
قال سعيد بن المسيّب: لمّا فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلّقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود عليه السلام إلاّ فتحت الأبواب، ففرغ له عشرة آلاف من قرّاء بني اسرائيل: خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار، ولا تأتي ساعة من ليل ونهار إلاّ ويعبد الله فيها.
قوله: «وَتَمَاثِيلَ» يعني صوراً من نحاس وشبه زجاج كانت الجنّ تعملها، ثمّ اختلفوا فقال بعضهم: كانت صوراً للحيوانات، وقال آخرون: كانوا يعملون صور السّباع والبهائم على كرسيّه ليكون أهيب له.
فذكروا أنّهم صوّروا أسدين أسفل كرسيّه، ونسرين فوق عمودي كرسيّه، فكان إذا أراد أن يصعد الكرسيّ بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسيّ نشر النسران أجنحتهما فظّللاه من الشمس، ويقال: إنّ ذلك كان ممّا لا يعرفه أحد من الناس.
فلمّا حاول بخت نصّر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني
إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعيه فضرب ساقه فقدّها فوقع مغشيّاً عليه، فما جسر أحد بعده أن يصعد ذلك الكرسي.
قال الحسن: ولم تكن يومئذ التصاویر محرّمة وهي محظورة في شريعة نبيّنا صلی الله علیه وآله فإنّه قال: «لعن الله المصوّرين»(1)ويجوز أن يكره ذلك في زمن دون زمن، وقد بيّن الله سبحانه أنّ المسيح عليه السلام كان يصوّر بأمر الله من الطين كهيئة الطير، وقال ابن عباس: كانوا يعملون صور الأنبياء والعبّاد في المساجد ليقتدي بهم.
وروي عن الصادق علیه السلام أنّه قال: والله ماهي تماثيل النساء والرجال، ولكنّها الشجر وما أشبهه.(2)
قوله : «وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ» أي صحاف کالحياض التي يُجبی فيها الماء أي يجمع، و كان سلیمان عليه السلام يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان، فإنّه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع الناس لكثرتهم، ويقال إنّه كان يجمع على كلّ جفنة ألف رجل يأكلون من بين يديه.
«وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ» أي ثابتات لا يزلن عن أمكنتهنّ لعظمهنّ، وقيل: كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع أنفسهم، و كان سليمان علیه السلام يُطعم جنده.
وفي البحار عن صاحب الكامل قال: لمّا توفّي داود ملك بعده ابنه سليمان عليه السلام على بني اسرائيل، و كان عمره ثلاث عشر سنة، وآتاه مع الملك النبوّة وسخّر له الجنّ والإنس والشياطين والطير والريح، فكان إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام الإنس والجن متى يجلس فيه.
وكان سليمان أبيض جسيماً كثير الشعر يلبس البياض، وكان يأكل من
کسبه، و كان كثير الغزو، و كان إذا أراد الغزو أمر فعُمل بساط من خشب يسع عسكره فيركبون عليه هم ودوابّهم وما يحتاجون إليه، ثمّ أمر الريح فسارت في غدونه مسيرة شهر وفي روحته كذلك، وكان له ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سريّة، وأعطاه الله أخيراً أنّه لا يتكلّم أحد بشيء إلاّ حملته الريح فيعلم ما يقول.(1)
وفيه من كتاب قصص الأنبياء بالإسناد عن أبي حمزة، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرج سليمان بن داود من بيت المقدس مع ثلاثمائة ألف كرسي عن يمينه عليها الإنس وثلاثمائة ألف كرسي عن يساره عليها الجنّ، وأمر الطير فأظلّتهم، وأمر الريح فحملتهم حتّى وردت بهم المدائن، ثمّ رجع وبات في اصطخر، ثمّ غدا فانتهى إلى جزيرة بركاوان، ثمّ أمر الريح فخفضتهم حتّی كادت أقدامهم يصيبها الماء، فقال بعضهم لبعض: هل رأيتم ملكاً أعظم من هذا؟ فنادى ملك: لثواب تسبيحة واحدة أعظم ممّا رأيتم.(2)
وفيه منه عن الثمالي، عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان ملك سليمان مابین الشامات إلى بلاد اصطخر.(3)
وفيه عن الطبرسي قال: قال محمد بن كعب: بلغنا أنّ سليمان بن داود علیه السلام كان عسکره مائة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون اللوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من القوارير على الخشب فيها ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية، فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرّخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إنّي قد زدتُ في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلاّ جاءت الريح فأخبرتك.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطاً فرسخ في فرسخ ذهباً في
ابریسم، و كان يوضع فيه منبر من ذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسيّ من ذهب وفضّة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضّة وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّها الطير بأجنحتها حتّى لا تقع عليهم الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح.(1)
وفيه من تفسير الثعلبي قال: وروي أنّ سليمان علیه السلام لمّا ملك بعد أبيه أمر باتّخاذ كرسيّ ليجلس عليه للقضاء، وأمر بأن يعمل بديعاً مهولاً، بحيث أن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع و تهيّب.
قال: فعُمل له كرسي من أنياب الفيلة، وفصّصوه بالیواقیت واللؤلؤ والزبرجد وأنواع الجواهر، وحفّوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منها طاووسان من ذهب، وعلى رأس الآخرين نسران من ذهب بعضها مقابلاً لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من الذهب، على رأس كلّ واحد منهما عمود من الزمرّد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتّخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث يظلّ عريش الكروم النخل والكرسي.
قال: وكان سليمان علیه السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسيّ كلّه بما فيه دوران الرحي المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، وتبسط الأسدان أيديهما فتضربان الأرض بأذنابهما، فكذلك كلّ درجة يصعدها سليمان علیه السلام.
فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه
1) بحار الأنوار 14: 80 - 81، تفسير مجمع البيان 7: 370.
على رأس سلیمان، ثمّ يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مایلات برؤسهما إلى سليمان ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر. ثمَّ تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة فيفتحها سليمان يقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي من الذهب المفصّص بالجوهر وهي ألف كرسي عن يمينه، وتجيء عظماء وتجلس على كراسي الفضّة على يساره وهي ألف كرسي حافّين جميعاً به، ثمَّ تحفّ بهم الطير فتظلّهم، وتتقدّم إليه الناس للقضاء.
فإذا دعى البيّنات والشهود لإقامة الشهادات دار الكرسي بما فيه مع جميع ما حوله دوران الرحي المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما، فتفزع منه الشهود ويدخلهم من ذلك رعب ولا يشهدون إلاّ بالحق.(1)
في تفسير مجمع البيان، أنّ بلقيس لمّا وقفت على كتاب سليمان وفيه «أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»(2)قالت لأشراف قومها «إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ» أي إلى سليمان وقومه «بِهَدِيَّةٍ» أصانعه بذلك عن ملكي «فَنَاظِرَةٌ» أي منتظرة «بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ»(3)بقبول أم ردّ، وإنّما فعلت ذلك لأنّها عرفت عادة الملوك في حسن موقع الهدايا عندهم، و كان غرضها أن يتبيّن لها بذلك أنّه ملك أو نبيّ، فإن قبل الهدية تبيّن أنّه ملك وعندها ما يرضيه، وإن ردّها تبيّن أنّه نبيّ.
واختُلف في الهدية، فقيل: أهدت إليه وصفاء ووصائف، ألبستهم لباساً واحداً حتّى لا يُعرف ذکر من أنثى، وقيل: أهدت مائتي غلام ومائتي جارية، ألبست الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري ألبسة الغلمان، وقيل: أهدت له صفائح الذهب في أوعية من الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجر بالذهب، ثمّ أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاؤوا رأوه ملقى في الطريق في كلّ مكان، فلمّا رأوا ذلك صغر في أعينهم ما جاؤوا به، وقيل أنّها عمدت إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فأليست الجواري الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان في سواعدهم أساور من ذهب وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب وفي آذانهم أقراطاً وشنوفاً مرصّعات بأنواع الجواهر، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، و تاجاً مكلّلاً بالدرّ والياقوت المرتفع، وعمدت إلى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعیّة مثقوبة معوجّة الثقب، ودعت رجلاً من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأيٍ وعقل، وكتبت إليه كتاباً بنسخة الهدية، قالت فيها: إن كنتَ نبياً فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها، واثقب الدرّة ثقباً مستوياً، وأدخل الخرزة خيطاً من غير علاج إنس ولاجنّ، وقالت للرسول: أنظر إليه إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرة غضب فاعلم أنّه مَلِك، فلا يهولنّك أمره، فأنا أعزّ منه، وإن نظر إليك نظر لطف فاعلم أنّه نبيّ مرسل.
فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجنّ أن يضربوا البنات الذهب والبنات الفضّة ففعلوا، ثمّ أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى بضع فراسخ میداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميدان حائطاً شُرَفه من الذهب والفضّة ففعلوا، ثم قال للجّن: علي بأولادكم، فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثمّ قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسيّ عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وأمر
الانس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره، فلمّا دنا القوم من الميدان ونظروا إلى مُلك سليمان تقاصرت إليهم أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا.
فلمّا وقفوا بين يدي سليمان نظر إليهم نظراً حسناً بوجهٍ طلق، وقال: ما وراء كم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه کتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقّة؟ فأتي بها وحرّكها وجاءه جبرئیل علیه السلام فأخبره بما في الحقّة، فقال: إنّ فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقتَ، فاثقُب الدرّة وأدخِل الخيط في الخرزة، فأرسل سليمان إلى الأرضة فجاءت فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتّى خرجت من الجانب الآخر، ثمّ قال: مَن لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها یا رسول الله ، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتّى خرجت من الجانب الآخر، ثم بيّن بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثمّ تجعله على اليد الأخرى ثمّ تضرب به الوجه، والغلام كان يأخذ من الآنية يضرب به وجهه، وكان الجارية تصبّ على باطن ساعدها والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصبّ الماء صباً والغلام يحدر الماء على يده حدراً، فميّز بينهما بذلك.
وقيل: أنّها أنفذت مع هداياها عصاً كان يتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أن تعرّفني رأسها من أسفلها، وبقدح ماء وقالت: تملؤها ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء، فأرسل سليمان العصا إلى الهواء وقال: أيّ الرأسين سبق إلى الأرض فهو أسفلها، وأمر الخيل فأجريت حتّی عرقت وملأ القدح من عرقها وقال: ليس هذا من ماء الأرض ولا من ماء السماء.
ثمّ قال سليمان: «أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ» أي مما أعطاني الله من الملك والحكمة والنبوّة خير مما أعطاكم من الدنيا و أموالها، «بَلْ
أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ»(1)إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأمّا أنا فلا أفرح بها، أشار إلى قلّة اكتراثه بأموال الدنيا.
ثمّ قال للرسول: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ» بما جئت من الهدايا «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا» أي لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعها «وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً» أي من تلك القرية ومن تلك المملكة «وَهُمْ صَاغِرُونَ» فلمّا ردّ سلیمان الهدية و ميّز بين الغلمان والجواري إلى غير ذلك علموا أنّه نبيّ مرسل وأنّه ليس كالملوك الذين يغترّون بالمال.(2)
وفي البحار من کتاب تنبيه الخاطر: روي أنّ سليمان بن داود علیه السلام مرّ في موكبه والطير والجنّ والإنس عن يمينه وعن شماله بعابد بني إسرائيل فقال: واللهِ يا ابن داود لقد آتاك الله مُلكاً عظيماً، فسمعه سليمان فقال: لَتسبيحة في صحيفة مؤمن خير ممّا أعطي ابن داود، وإنّ ما أعطي ابن داود يذهب وإنّ التسبيحة تبقى.(3)
وكان سليمان إذا أصبح تصفّح وجوه الأغنياء والأشراف حتّى يجيء إلى المساكين ويقعد معهم ويقول: مسكين مع المساكين.(4)
ومن إرشاد القلوب: كان سليمان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر، وإذا جنّه الليل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائماً حتّى يُصبح باكياً، وكان قُوته من سفائف الخوص يعملها بيده، وإنّما سأل المُلك ليقهر ملوك الكفر.(5)انتهى.
وجاء في المجلّد الأول من كتاب (ماذا في التاريخ) ص 169 تحت عنوان :
«وهو الذي أفاء الله عليه بنِعم الدنيا والآخرة معاً، وجعل له مُلكاً لا ينبغي الأحد من بعده،فقد أكرمه الله تعالى بالنبوّة، وجمع له معها الملك، وزاده عليها بالحكمة حتّى لُقّب بالحكيم، ثمّ جعل مُلکه شاملاً للبشر والجنّ والشياطين والحيوانات والطيور والحشرات».
فكان يفهم لغتها جميعاً، وكانت كلّها تأتمر بأمره، وزاده سلطة علی الرياح والسحاب، ومع هذا كلّه فإنّه لم يخرج عن تواضعه، ولم يغادر خوف الله قلبه، ولم يتعالَ على المساکین، و كان يعمل بيده لقوت نفسه.
وممّا يذكر من كرامات سليمان عليه السلام أنّ الله تعالى لمّا أمر داود علیه السلام أن يجعل الخلافة لولده سليمان من بعده وكان لا يزال حدثاً ابن ثلاث عشرة سنة فقط، أنكر ذلك بنو إسرائيل وضجّوا قائلين:
إنّ داود يستخلف فينا حدثاً لأنّه ابنه، وفينا من هو أولی منه وأقدر على إدارة الحكم، فدعا داود عليه السلام أكابرهم وأسباطهم وقال لهم: قد بلغني ماقلتم من أنّ سلیمان صبيّ لا يليق للخلافة، ولكنّ هذا أمر الله، وإن شئتم أن تختبروا مقدرة سليمان وجدارته فوجّهوا إليه ما يقضي به الإمتحان من الأسئلة، ثمّ دعاه داود علیه السلام وأراد امتحانه بحضرتهم ليبين لهم فضله وحكمته.
فوجّه إليه إسئلة كثيرة، وقد أجاب عليها بأجمعها ممّا أخضع شوكة المعارضين لاستخلافه، فمن جملة تلك الأسئلة أنّه قال له: يا بُنيّ أيّ شيء أبرد؟ فقال سليمان علیه السلام: عفو الله على عبده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، فقال داود: أيّ شيء أحلى؟ فأجاب سلیمان علیه السلام: المحبّة من الله في عباده، فقال بعض كبار بني اسرائيل له: ما الشيء إذا صلح صلح معه كلّ شيء في الانسان، وإذا فسد فسد كلّ شيء فيه؟ فقال سليمان عليه السلام: ذاك هو القلب.
وممّا نُقل عن الثعلبي أنّ كتاباً نزل من السماء على نبيّ الله داود وفيه ثلاث عشرة مسألة، أمر الله أن يسأل عنها ابنه سليمان علیه السلام، فتكون برهاناً له على تعيينه خليفة من الله تعالی.
فدعا داود عليه السلام سبعين قسّاً وسبعين حبراً، وأجلس سليمان بينهم فقال: يا بُنيّ أخبِرني ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد الأشياء؟ وما آنس الاشياء وما أوحشها؟ وما أحسن الاشياء وما أقبحها؟ وما أقل الأشياء وما أكثرها؟ وما القائمان وما المختلفان وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي إذا ركبه ذمّ آخره؟
فقال سليمان علیه السلام: أمّا أقرب الأشياء فالآخرة، وأبعد الأشياء ما فاتك من الدنيا، وأمّا آنس الأشياء فجسد فيه روح ناطق، وأوحشها جسد بلا روح، وأمّا أحسن الأشياء فالايمان بعد الكفر، وأقبحها الكفر بعد الإيمان، وأمّا أقل الأشياء فاليقين، وأكثرها الشكّ.
وأمّا القائمان فالسماء والأرض، والمختلفان فالليل والنهار، وأمّا المتباغضان فالموت والحياة، وأمّا الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم عند الغضب، وأمّا الذي إذا ركبه ذمّ آخره فالحدّة عند الغضب.
ولمّا أتّم سليمان عليه السلام الجواب عن جميع تلك الأسئلة، فكّ داود خاتم الكتاب بحضرة القوم فإذا المسائل مكتوبة فيه مع أجوبتها كما ذكرها سليمان علیه السلام، فعندئذ سلّم بنو إسرائيل لسليمان بالحكمة والخلافة، وظهر لهم أهليّته وجدارته لما خصّه الله تعالی به.
ومن جملة دلائل حكمة سليمان واستحقاقه للخلافة بعد أبيه، حكمة مسألة الغنم التي أكلت الكرم، فحكم بنتاجها لصاحب الكرم تلك السنة مقابل تلف ثمره، بعد أن كان الحكم تمليك الغنم لصاحب الكرم، وقد أشار الله تعالی لذلك في كتابه المجيد فقال تعالى:
«وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا...»(1)
روي أنّ سليمان عليه السلام كان على ساحل البحر ينتظر بعض جنوده، فأبصر نملة تحمل حبّة حنطة وهي تسعى إلى الماء، فتعجّب من قصدها الماء مع أنّها تهرب منه لو وقعت فيه قهراً، فما أن وصلت إلى شاطئ البحر حتّى خرجت ضفدع فدنت من النملة ثمّ فتحت فاها فدخلت النملة في فيها باختيارها، فأطبقت الضفدع فمها عليها وغاصت في البحر، فما لبثت إلاّ بُرهة يسيرة حتّى رجعت الضفدع فقفزت إلى البرّ ثمّ فتحت فاها فخرجت النملة من فيها وليس معها حبّة الحنطة، فلمّا نظر سليمان النملة تقدّم إليها وسألها عن شأنها مع الضفدع، وأين ذهبت معها، وكيف أرجعتها، وأين وضعت حبّة الحنطة؟
فقالت له النملة: اعلم يا نبّي الله أنّه يوجد في قعر هذا البحر صخرة مجوّفة، في وسطها دودة عمياء ولا تستطيع الخروج منها لطلب معاشها، وقد وكّلني الله تعالی برزقها وسخّرني مع هذا الضفدع لتأمين معاشها، فأنا أحمل طعامها من البرّ، وهذا الحيوان يقلّني في فمه إليها، فإذا وصل بي إلى الصخرة وضع فمه على ثقبها ثمّ قذف بي إلى داخلها، فأوصل الحبّة إلى الدودة فأضعها في فمها ثمّ أعود إلى هذا الحيوان فيحملني إلى البرّ ثانية، وهذه قصّتي يا نبي الله.
فدهش نبي الله سليمان من تلك القصة فزاد في تمجید الله سبحانه، ثمّ سألها: هل سمعت لها تسبیحاً؟ فقالت: نعم سمعتها تردّد دائماً هذا الدعاء:
«یا من لا ينساني في جوف هذه الصخرة تحت هذه اللجّة من رزقه، لا تنسَ عبادك المؤمنين من رحمتك الواسعة».(2)
روي أنّ نبي الله سليمان عليه السلام سافر إلى بلاد اليمن في بعض رحلاته، وكانت الطير تضلّله من حرارة الشمس، فلمّا حان وقت الصلاة نزل عن بساطه وانصرفت الطيور لسبيلها في تلك البرهة، وكان من جملتها الهدهد، فتوغّل في طيرانه، فصادف هدهداً مثله فتعارفا وجعل كلّ منهما يسأل رفيقه عن حاله وحال بلاده، فأخبره هدهد سليمان عن عظمة سليمان وكثرة جنوده وبطشه وما آتاه الله من المال والنبوّة وتسخير الإنس والجن والوحوش والطير له في كلّ ما أراد.
وجعل هدهد بلاد سبأ يشرح لرفيقه عظمة ملكة سبأ وكثرة جنودها وسعة بلادها، ودعاه للذهاب معه ليشاهد ذلك بعينه، فرغب هدهد سليمان بذلك وأحبّ أن ينقل أخبار ذلك لنبيّ الله سليمان، خصوصاً حينما سمع من رفيقه أنّ ملكة سبأ وقومها يعبدون الشمس دون الخالق القهّار، وطالت غيبة الهدهد، وانتهى سليمان من صلاته و جلس على بساطه فظلّلته الطير وبقي مكان الهدهد فارغاً، فسأل سليمان عنه وتهدّده إن لم يأت بسبب صحیح يدلّ على مضيّه، ثمّ أرسل العقاب وراءه، فصادفه راجعاً فأتی به إلى سليمان عليه السلام.
فسأله عن غيابه بدون إذنه، فشرح له قصّه ملكة سبأ وعظمة ملكها، وأنّها وقومها يعبدون الشمس ويسجدون لها دون الخالق القهّار، فأراد سليمان عليه السلام أن يتحقّق صحّة كلام الهدهد، فكتب كتاباً أرسله معه إلى ملكة سبأ، وأمره أن يعرّفه بحالها بعد قراءتها الكتاب، فأخذ الهدهد الكتاب ودخل على بلقيس وهي في قصرها من كوة كانت في أعلى القصر، فما شعرت إلاّ والكتاب قد سقط على صدرها وهي مستلقاة، فدهشت من ذلك وقد شاهدت الهدهد حينما دخل من الكوة و كيف ألقاه وخرج من حيث أتی.
فأخذت بلقيس الكتاب وإذا فيه: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَّا
تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ».(1)وكانت عاقلة فلم تتسرّع بالغضب والاستنكار أو الردّ، بل أرسلت إلى أشراف قومها ووجوه أجناده، فلمّا حضروا قالت:
«ييَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ».
وقرأت لهم الكتاب، و كانوا قد سمعوا عن سليمان وعظمة ملكه، فقالوا لها:
«نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ».
فجعلت تفكّر وتدبّر، ثمّ انتهى بها التفكّر إلى أن تداري سليمان وتغريه بالأموال والهدايا، وتمتحن صحّة نبوّته، فإن كان مَلِكاً دنيويّاً قبل الهدايا ومغريات الملك، وحينئذ يمكنها الانتصار عليه مهما بلغت عظمته، وإن كان نبيّاً فلا يرضى بديلاً عن التوحيد وعبادة الله تعالى، ولن تغريه الهدايا مهما عظمت وغلت، وفي هذه الحالة لن تستطيع الانتصار عليه ولو كان لها أضعاف قوّتها.
ثمّ جمعت الهدايا المتنوّعة، فجهّزت خمسمائة غلام ألبستهم لباس الجواري، وخمسمائة جارية ألبستهنّ لباس الرجال. وجهّزت له خمسمائة لبنة من ذهب ومثلها من فضة، وعصا نفيسة كانت تتوارثها الملوك السابقة، لا يُعرف رأسها من أسفلها، وأضافت إلى كلّ هذه الهدايا درّة يتيمة غير مثقوبة، ودرّة مثقوبة معوجّة الثقب أرسلتها مع العصا لاجراء امتحان آخر.
ثمّ دعت رجلاً من الأشراف فراسته على الوفد الناقل للهدايا، فبعثت معه قدحاً، وضمّت إليه رجالاً من قومها من أصحاب الرأي والعقل، وأمرتهم بحمل الهدايا إلى سليمان عليه السلام، وأرسلت معهم رسالة إلى سليمان، وأوصتهم بطلب الجواب على أسئلتها هذه: منها أن يعرّفها رأس العصا، وأن يثقب الدرة ثقباً مستقيماً، وأن يُدخل في المثقوبة خيطاً دون أن يعالجه إنس ولاجان، ثمّ يملأ القدح بماء لا من السماء نزل ولا من الأرض نبع ولا من البحار أخذ.
1) النمل: 30 و 31.
ثمّ أوصت القيم على الوفد أن تأمّل أحوال سليمان حين تدخل عليه، فإن هو نظر إليك نظر غضب وإرهاب فاعلم أنه مَلِكَ عادي، فلا يهولنّك أمره، فأنا أعزّ منه، وإن نظر إليك نظرة حلم و عطف فاعلم أنّه نبي مرسل، فاحذر من مخالفته.
فلمّا تحرّكت قافلة الهدايا في المسير، صادف مجيء الهدهد فنظر إلى جميع ما أعدّته بلقيس من الهدايا والتحف لسليمان فسارع ليخبره الخبر، فبادر سلیمان بعد إخباره إلى إعداد ما يلزم فعله في مقابلة ذلك الوفد المرسل من عند ملكة سبأ.
فأمر جنوده من الإنس والجنّ والطير والوحش أن يصطّفوا على جانبي طريق الوفد إلى بُعد أميال. فلمّا دنا سُل بلقيس من الميدان ونظروا إلى عظمة سليمان عليه السلام وكثرة جيوشه وعظمة ملكه وشدّة سطوته ووفرة غِناه، تصاغرت عندهم نفوسهم واستحقروا هداياهم واستضعفوا شأنهم وشأن ما حملوه معهم، فعدلوا عن تقديم هداياهم خجلاً بها.
ثمّ أقبلوا خاشعين حتّی وقفوا بين يدي سليمان علیه السلام بخشية وخوف وتهيّب. ولكنّ نبيّ الله استقبلهم بوجه باشّ، ورحّب بهم ترحيباً صادقاً، وشجّعهم على الحديث عن مهمّتهم وعن ملكتهم وديارهم.
فتقدّم إليه رئيسهم وناوله رسالة بلقيس وفيها أسئلتها وطلباتها، ولمّا قرأ سليمان أسئلة بلقيس طلب الدرة، ثمّ أمر (الأرضة) أن تثقبها ثقباً مستقيماً، ثمّ طلب الخرزة المثقوبة فتقدّمت إليه دودة بيضاء وقالت: أنا لها یا رسول الله، فأخذت خيطاً بفمها ودخلت في ثقب الخرزة حتّى خرجت من الطرف الآخر. وطلب العصا و أمر برميها في الهواء قائلاً: أيّ الطرفين كان أقرب إلى الأرض فهو رأسها، وأخيراً استحضر الكأس وأمر بفرسان تُجري الخيل حتّى عرقت عرقاً كثيراً فملأ القدح منه وقال: هذا ماء ليس من ماء السماء ولا من ماء الأرض ولا من البحار.
وبعد أن أرى الوفد مقدرته وحسن تدبيره، طلب استعراض الهدايا، فلمّا عُرضت عليه غضب وقال: ليس من أجل هذا طلبنا طاعتكم، بل نحن طلبنا الإسلام وعبادة الواحد
الديّان، فأرجِعوا هداياكم إلى ملكتكم وأنذروها وقومها بالمجيء إلىَّ مسلمين ولله خاضعين، فإن لم يفعلوا فلنأتينّهم بجنود لا يستطيعون مقاومتها.
فلمّا رجع رسول بلقيس إليها بهداياها وبتهدید سلیمان علیه السلام لها ولقومها علمت أنِه نبيِّ لا طاقة لها بمقاومته، فتجهّزت للخروج إليه مع وجوه قومها...
ونزل جبرئیل علیه السلام علی سلمان عليه السلام بنبأ خروجها إليه في حاشيتها، ففکّر سليمان في أمر يُدهشها فيه ويريها مقدرته التي خصّه الله تعالى بها، فالتفت إلى أشراف عسكره قائلاً:
«أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»؟
وكانت بلقيس قد خلّفت عرشها في قصرها بمدينة سبأ بعد أن أوثقته في الأرض وو کّلت به ثقات قومها، لأنّه رائع الصنعة من حيث النقش أو الترصيع بالمجوهرات، فلمّا سأل سليمان عليه السلام عمّن يأتيه به.
«قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ».
ولكنّ سليمان كأنّه أراد أعجل من ذلك.
«قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ».
و كان القائل آصف بن برخیا وزیر سلیمان ووصيّه من بعده، وابن أخته، وكان عنده جزء من ثلاثة وسبعين جزءاً من أجزاء اسم الله الأعظم، وفعلاً سأل آصف ربّه تعالی فقام العرش من مكانه بقدرة الله تعالى وطويت له الأرض حتّى كان بطرفة عين أمام كرسي سليمان، وقد كان عند نبي الله سليمان عليه السلام مثل ما عند وزیره آصف من العلم باسم الله الأعظم، ولكنّه تعمّد أن يترك وزيره وابن أخته به ليرُي أمّته طاقة آصف على الإيمان بالمعجزة بقدرة الله تعالى وأنّه خليفته فيهم من بعده.
فلمّا رآه سلیمان علیه السلام: «مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي».
فلمّا جائت بلقیس استقبلها سليمان استقبالاً حسناً، فلمّا صارت أمامه «قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُ»؟
فبهتت وحارت في أمرها وجعلت تنظر إليه وهي تراه شبيهاً بعرشها، وكانت حليمة لا تتسرّع في أحكامها قبل أن تتثبّت، لذا قالت «كَأَنَّهُ هُوَ»وبذلك لم تنفِ ولم تُثبت، فلمّا رأى نبي الله سليمان دهشتها وعجبها حمد الله تعالی علی ما آتاه من العلم ونعمة الإسلام.
ثمّ إنّ بلقيس أسلمت و تابت إلى الله تعالى من عبادة الأوثان توبة نصوحاً، وتزوّجها سليمان وردّها إلى أرضها وممالكها بعد أن أقرّها على ملكها.
وكان نبي الله سليمان علیه السلام يعتكف غالباً في مسجد بیت المقدس، فلمّا بالغ من العمر ثلاثاً وخمسين سنة أي بعد أربعين سنة من توليه الملك _ إذ أنّه تولّى الملك وهو ابن ثلاثة عشر سنة _ أحبّ يوماً أن يعمد إلى أعلى قصره ويتأمّل وحده بناء مسجده من عَلٍ، فأمر أن يمنع دخول أي شخص حتّى لو كان من خواصّه وجنوده، ثمّ صعد وحده حتّی بلغ أعلى مطلّ تحت القبّة المصنوعة من قوارير، وأطلّ على العمال وهم يشهدون المسجد، وكان قد بقي من مدة كمال بنائه ما يقرب من سنة.
وفجأة نظر فلمح شجرة خرنوب من ناحية من نواحي البلدة، وكان متّكئاً على عصاه فاضطربت جوارحه، لأنّ الله تعالى كان قد عرّفه أنّ آية موته خروج شجرة خرنوب من بيت المقدس، وبعد هذا الاضطراب الذي أصابه التفت فرأى شاباً جميل الوجه في زيّ حسن يخرج إليه، فغضب وقال: من أدخلك هذا القصر، ومن الذي سمح لك في دخوله، ومن أنت؟
فقال: أمّا الذي أمرني بالدخول فهو صاحب القصر، وأمّا الاستئذان عليك فلم يكن لي عادة أن أستأذن في الدخول على الملوك والسلاطين.
فعلم عندئذٍ أنّ هذا ملك الموت، فسأله علیه السلام: فيم جئت؟ قال: جئت لأقبض روحك.
عندئذٍ سأل ربّه أن يخفى عن الجنّ موته لجهتين: الأولى ليداوموا على
أعمالهم في عمارة بيت المقدس، الثانية يعلمهم هم والإنس أنّهم لا يعلمون الغيب وأنّ عِلمه عند الله.
فأجابه الله تعالى، وقبض عزرائیل علیه السلام روحه، وقومه ينظرون إليه وهو متّكي على عصاه، وهم يحسبونه حيّاً مدّة سنة كاملة.
وكان وزيره آصف خلال تلك المدة يُدير أمر المملكة وينظّم أعمال الجنّ والإنس، فلمّا كمل بناء المسجد بعد سنة ولم يعد موجب لبقاء جثمانه قائماً، أرسل الله تعالی دودة الأرض فأكلت العصا فقط.
«فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ»(1)
وتبيّنت الجن أنّهم لو كانوا علموا بموته يوم وفاته كانوا يخلّصون أنفسهم من عذاب العمل طيلة هذه المدة، فظهر لهم ولغيرهم أنّهم عاجزون عن معرفة الأشياء إلاّ ما عرفهم الله تعالی».
ثم نبّه عليه السلام على الاعتبار بأحوال القرون الخالية والأمم الماضية فقال: «وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة» وأشار إلى وجه العبرة على سبيل الاستفهام التقريري قصداً للتذكير والتذكر بقوله: «أين العمالقة وأبناء العمالقة».
قوله علیه السلام: «أين العمالقة وأبناء العمالقة» قال الشارح المعتزلي: العمالقة أولاد لاوز بن ارم بن سالم بن نوح علیه السلام، كان الملك باليمن والحجاز وما تاخم ذلك من الأقاليم، فمنهم عملاق بن لاوز، ومنهم طسم بن لاوز أخوه، ومنهم جديس بن لاوز أخوهما، وكان العزّ والملك بعد عملاق بن لاوز في طسم، فلمّا ملكهم عملاق بن طسم
1) سبأ: 14.
بغي وأكثر الفساد في الأرض، حتّى كان يطأ العروس ليلة إهدائها إلى بعلها، وإن كانت بكراً افتضّها قبل وصولها إلى البعل، ففعل ذلك بإمرأة من جديس يقال لها غفيرة بنت غفار، فخرجت إلى قومها وهي تقول:
لا أحدٌ أذل من جديس *** أهكذا یُفعل بالعروس
فغضب لها أخوها الأسود بن غفار و تابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم وأهل بيته، فصنع الأسود طعاماً ودعي العملاق إليه، ثمّ وثب به وبطسم فأتي على رؤسائهم، ونجا منهم رباح بن مز فصار إلى ذي جیشان بن تبّع الحميري ملك اليمن فاستغاث به على جديس، فسار ذوجيشان في حمير فأتي بلاد جوّ وهي قصبة اليمامة واستأصل جديساً كلها وأخرب اليمامة، فلم يبق لجديس باقية ولا لطسم إلاّ اليسير منهم، ثمّ ملك بعد طسم وجديس وباز بن ایم بن لاوز بن ارم فسار بولده وأهله ونزل برمل عالج، فبغوا في الأرض حيناً حتّى أفناهم الله، ثمّ ملك الأرض بعد وباز عبد طعحم بن أثیف بن لاوز فنزلوا بالطايف حيناً ثمّ بادوا.
قال الشارح: وممن يعدّ من العمالقة عاد و ثمود.
فأمّا عاد فهو ابن عويص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام كان يعبد القمر، يقال إنّه كان رأي من صلبه أولاداً وأولاد أولاد أربعة آلاف، وأنّه نكح ألف جارية، وكانت بلاده الأحقاف المذكورة في القرآن، وهي من شجر عمان إلى حضرموت، ومن أولاده شدّاد بن عاد صاحب المدينة المذكورة في سورة الفجر.
وأمّا ثمود فهو ابن عامر بن ارم بن سام بن نوح علیه السلام، وکانت دیاره بین الشام والحجاز إلى ساحل بحر الحبشة.(1)
«أين الفراعنة وأبناء الفراعنة» وهم ملوك مصر، فمنهم الوليد بن الريّان فرعون يوسف علیه السلام، ومنهم الوليد بن مصعب فرعون موسى، ومنهم فرعون بن الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وأخرب بیت المقدس.(2)
«أين أصحاب مدائن الرسّ» وهم (الذين) جحدوا ربّ العالمين و(اقتلوا النبييّن) مظلومین (وأطفئوا سنن المرسلين) وشرایع الدین (وأحيوا سُنن الجبّارین) وبدع الشياطين (وأين) الملوك (الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف) وفتحوا الأمصار (وعسكروا العساکر) وجمعوهم (ومدّنوا المدائن) وبنوها.
قال تعالى في سورة الفرقان: «وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ»(1)وفي سورة ق: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ».(2)
قال الطبرسي: أي وأهلكنا عاداً و ثمود وأصحاب الرسّ _ وهو بئر رسّوا فيها نبيّهم _ أي ألقوه فيها، عن عكرمة.
وقيل: إنّهم كانوا أصحاب مواشٍ ولهم بئر يقعدون عليها، وكانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيباً علیه السلام فكذّبوه فانهار البئر وانخسفت بهم الأرض فهلكوا.
وقيل: الرسّ قرية باليمامة يقال لها فلج قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله، عن قتادة.
وقيل: كان لهم نبيّ يسمّى حنظلة فقتلوه فُأهلكوا، عن سعيد بن جبير والكلبي.
وقيل: هم أصحاب رسّ، والرسّ بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيباً النجّار فنُسبوا إليها، عن كعب ومقاتل.(3)
وفي البحار من تفسير علي بن إبراهيم: أصحاب الرسّ هم الذين هلكوا لأنّهم استغنوا الرجال بالرجال والنساء بالنساء.(4)
ومن معاني الأخبار: معنى أصحاب الرسّ أنّهم نُسبوا إلى نهر يقال له: الرسّ من بلاد المشرق.(5)
وقد ذكروا في الرسّ أقوالاً كثيرة أعرضنا عنها وذكرنا موضع الحاجة.
قوله علیه السلام: «قد لبس للحكمة جُنّتها الخ».
قال العلاّمة المجلسي قدس سرّه: إنّه اشارة إلى القائم عليه السلام ونقله الشارح المعتزلي عن الشيعة الإماميّة.
وقالت الصوفيّة: إنّه علیه السلام يعني به وليّ الله في الأرض، وعندهم لا تخلو الدنيا من الأبدال والأولياء.
وقالت الفلاسفة: إنّ مراده علیه السلام به العارف.
وقالت المعتزلة: إنّه يريد به العالم بالعدل والتوحيد، وزعموا أنّ الله لا يُخلي الأمّة من جماعة من المؤمنين العلماء بالتوحيد والعدل، وإنّ الإجماع إنما يكون حجّة باعتبار قول أولئك، لكنّه لمّا تعذّرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع الجميع، وإنّما الأصل قول أولئك.
قال الشارح المعتزلي بعد نقل هذه الأقوال: وليس يبعد أن يريد علیه السلام به القائم من آل محمد صلی الله علیه وآله في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجوداً، فليس في الكلام ما يدلّ على وجوده الآن، وقد وقع اتّفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلاّ عليه،(1)انتهی.
قال الخوئي في شرح النهج: أمّا ما ذكره من كون المراد به القائم علیه السلام فهو كما ذكره غير بعيد، لظهور اتّصافه علیه السلام بهذه الأوصاف و كونه مظهراً لها، وأمّا ما زعمه _ كسائر المعتزلة _ من أنّه علیه السلام غير موجود الآن وإنّما يخلقه الله في آخر الزمان فهو زعمٌ فاسد ووهم باطل، لقيام البراهين العقلية والنقلية على
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 96.
أنّ الأرض لو تبقى بغير حجّة لانخسفت و ساخت، وعلى أنّه لابدّ من وجوده في كلّ عصر وزمان، وأنّه إمّا ظاهر مشهود أو غائب مستور، وأنّ القائم من آل محمد صلی الله علیه وآله مخلوق من غابر الزمان و موجود الآن، وهو غائب مستور لمصالح مقتضية لغيبته، والانتفاع بوجوده الشريف حال الغيبة كالانتفاع بالشمس المجلّلة للعالم المحجوبة بالسحاب.
وبعد قيام الأدلة المحكمة على ذلك كلّه فلا يُعبأ بالاستبعادات الوهميّة للمنکرین، والاستدلالات السخيفة الهيّنة للمبطلين على ما أشير إليها في كتب أصحابنا الإماميّة المؤلّفة في الغيبة مع أجوبتها المتقنة.
هذا والحكمة اسم لمجامع الخير كلّه، قال أبو البقاء: هي في عُرف العلماء استعمال النفس الإنسانيّة باقتباس العلوم النظريّة، واكتساب الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها.
وقال بعضهم: هي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبّر عنها بمعرفة ما لها ومعرفة ما عليها.
وقال ابن دريد: كلّ ما يؤدّي إلى ما يلزمه أو يمنع من قبيح، وقيل: ما يتضمّن صلاح النشأتَين.
وقال في البحار: العلوم الحقّة النافعة مع العمل بمقتضاها، قال: وقد تُطلق على العلوم الفائضة من جنابه تعالى على العبد بعد العمل بما علم.(1)
وقد تفسّر بأنها معرفة الله وطاعته، وقد تفسّر بأنها العلم الذي يرفع الانسان عن فعل القبيح، وفسّرت في قوله تعالى: «بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»(2)
بالنبوّة، وفي قوله: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»(1)بالفقه والمعرفة وفي قوله: «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»(2)بالقرآن والشريعة وفي قوله: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا»(3)بتحقيق العلم وإتقان العمل.
وفي الصافي من الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية قال: طاعة الله ومعرفة الإمام.(4)
وعنه علیه السلام: معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار.(5)
وعن العياشي عنه علیه السلام: إنّ الحكمة المعرفة والثفقّه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم.(6)
وعن مصباح الشريعة عنه علیه السلام : الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق، ولو قلت: ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهي من الحكمة، لقلت: قال الله «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ»(7)أي لا يعلم ما أودعتُ وهيّاتُ في الحكمة إلاّ من استخلصتُه لنفسي وخصصته بها، والحكمة هي الكتاب، وصفة الحكيم الثبات عند أوائل الأمور والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله إلى الله.(8)
وعن الخصال عن النبي صلی الله علیه وآله: رأس الحكمة مخافة الله.(9)
1) آل عمران: 48.
2) البقرة: 129؛ آل عمران: 164؛ الجمعة: 2.
3) البقرة: 269.
4) تفسير الصافي 1: 298.
5) تفسير الصافي 1: 298؛ تفسير العيّاشي 1: 151 /ح496.
6) تفسير الصافي 1: 98، تفسير العيّاشي 1: 151/ ح498.
7) البقرة: 269.
8) تفسير الصافي 1: 299؛ مصباح الشريعة: 198.
9) تفسير الصافي 1: 299؛ الخصال: 111 / ح83.
وعنه وعن الكافي عنه صلی الله علیه وآله: أنّه كان ذات يوم في بعض أسفاره إذ لقاه ركب فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فالتفت إليهم وقال: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون، قال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلى الله، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: علماء حکماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن کنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتّقوا الله الذي إليه ترجعون.(1)
وقد جاء معنى الحكمة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: مواعظ القرآن وهو قوله تعالى: «وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ»(2)يعني مواعظ القرآن.
ثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم ومنه قوله تعالى: «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»(3)وقوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ»،(4)يعني الفهم والعلم.
ثالثها: الحكمة بمعنى النبوّة، ومنه قوله تعالى: «فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»(5)_ يعني النبوّة _ وقوله تعالى:«وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ»(6)وقوله تعالى: «وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ».(7)
رابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، ومنه قوله تعالی: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ»(1)وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.
وبالتالي فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحقّ يؤيّد الله به عقل من يشاء من عباده، فهي ليست ممّا تُدرك بالعقول وبالبراهين العقلية والنقليّة.
وذلك أنّ المعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، فالمعقول ما يحكم العقل عليه ببرهان عقليّ، وهذا ميسّر لكلّ عاقل بالدراية وعالم بالقراءة، فمن صفّى عقله عن شرب الوهم والخيال فيدرك عقله المعقولات بالبرهان درايةً عقليّة، ومن لم يُصفِّ العقل عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءةً بتفهيم أستاذ مرشد.
أمّا الحكمة فليست من هذا القبيل، وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب، وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانيّة، بل سعوا في طلب لبّها بمتابعة الأنبياء عليهم السلام، فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الانسانيّة إلى نور لبّ المواهب الربّانيّة، فتحقّق لهم أنّ «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ»، وقد استوعبنا ذلك في كتابنا (الحكمة والحكماء).(2)
عن معاوية بن وهب عن أبي عبدالله علیه السلام قال: تبع حكيم حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات، فلمّا لحق به قال له: يا هذا ما أرفع من السماء، وأوسع من الأرض، وأغنى من البحر، وأقسى من الحجر، وأشدّ حرارة من النار، وأشدّ برداً من الزمهریر، وأثقل من الجبال الراسيات؟ فقال له: يا هذا الحقّ أرفع من السماء، والعدل أوسع من
الأرض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشدّ حرارة من النار، واليأس من روح الله أشدّ برداً من الزمهریر، والبُهتان على البريء أثقل من الجبال الراسيات.(1)
كتب إفلاطون إلى سقراط: إنّي أسألك عن ثلاثة أشياء فإن أجبتَ عنها تلمّذت لك. فكتب إليه سقراط: سَل وبالله التوفيق. فكتب إفلاطون إليه: أيّ الناس أولى بالرحمة، ومتی تضيّع أمور الناس، وبماذا تتلّقى الرحمة والنعمة من الله تعالی؟ فأجابه: أولى الناس بالرحمة ثلاثة: الحكيم الذي في مملكة السلطان الفاجر، فهو في الدهر حزين لما يسمع ویری، والعاقل في تدبير الجاهل، فهو في الدهر متعب مغموم، والكريم المحتاج إلى اللئيم، فهو في الدهر له خاضع ذلیل؛ وتُضيّع أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يعقل، والسلاح لمن لا يستعمله، والمال عند من لا يُنفقه؛ وتتلّقى نعمة الله بكثرة الشكر له ولزوم طاعته واجتناب معصيته، فأقبل إفلاطون إليه وتتلمذ له حتى مات.
غضب أنوشروان علی وزیره بزرجمهر فسجنه في بيت كالقبر وصفّده بالحديد وألبسه الخشن من الصوف وأمر أن لا يزاد في كلّ يوم على قرصين من الخبز و کفّ ملح جريش ودورق ماء، وأن تُنقل ألفاظه إليه، فأقام شهوراً لا تُسمع له لفظة، فقال أنوشروان: أدخِلوا عليه أصحابه ومروهم أن يسألوه ويفتحوه الكلام وعرّفونيه، فدخل إليه جماعة من المختصّين به فقالوا له: أيّها الحكيم نراك في هذا الضيق والحديد والشدّة التي دفعت إليها، ومع هذا فإنّ
1) الخصال: 348/ ح 21؛ بحار الأنوار 75: 31، ح 99.
سحنة وجهك وصحّة جسمك على حالها لم تتغيّر، فما السبب في ذلك؟ فقال: إنّي عملت جوارش من ستّة أخلاط، فآخذ منه كلّ يوم شيئاً، فهو الذي أبقاني على ماترون. فقالوا: فصفه لنا فعسى أن نُبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنستعمله أو نصفه له. فقال: الخليط الأول الثقة بالله، والثاني أنّ كلّ مقدّر کائن، والثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن، والرابع إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل؟ ولِمَ أعن على نفسي بالجزع؟ والخامس قد یمکن أن أكون في شرٍّ أصعب مما أنا فيه، والسادس من ساعة إلى ساعة فرج.(1)
كان فيثاغورس الحكيم اليوناني إذا جلس على كرسيّه أوصى بهذه الوصايا السبع: قوّموا موازینکم واعرفوا أوزانها، عدّلوا الخط تصحبكم السلامة، لا تشعلوا النار حيث ترون السكّين يقطع، عدّلوا شهواتكم تستديموا الصحّة، استعملوا العدل تحظ بكم المودّة، عاملوا الزمان كالولاة الذين يُستعملون عليكم و يُعزلون عنكم، لا ترفّهوا أبدانكم وأنفسكم فتفقدوا في أوقات الشدائد إذا وردت عليكم.
أمر أرسطاطالیس عند موته أن يُدفن ويُبني عليه بيت مثمّن يُكتب على كلّ ثُمن منه كلمة من هذه الكلمات الجامعات لجميع الأمور التي بها يصلح الناس: «العالم بُستان ساقيته الدولة، الدولة سلطان محجّته الشريعة، الشريعة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضده الجيش، الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعيّة، الرعيّة عبید يستملكهم العدل، العدل ألفة بها صلاح العالم».
1) الفرج بعد الشدّة للقاضي التنوخي 1: 38.
كان ملك من الملوك من ذوي البصيرة والرأي والتقى والصلاح قد اتّخذ له جملة من الحكماء الروحانيّين يستروح بهم ويسكن إلى حكمتهم، وكان أربعة من عظمائهم أقربهم منزلة منه وأخصّهم عنده: فارسيّ ویسمی المنُجِّح، وهندي ويسمّى المُصحّح، ورومي ويسمّى المُفصح، وعربي ويسمى الموضّح، فجمعهم يوماً عنده وقال: أيّها الحكماء أريد أن أسألكم عن أشياء تختلج في ذهني فأجيبوني. قالوا: نعم أيّها الملك سَل. قال: أيهّا الحكماء بما السعادة في الدنيا والآخرة ونجاة النفوس الفاخرة؟ قال الحكيم الفارسي: بالتسليم لأمر الله. قال الحكيم الهندي: بالرضا بقضاء الله. قال الحكيم الرومي: بالتوكّل على الله. قال الحكيم العربي: بالخشية من أمر الله والطاعة لله.
فقال: أيّها الحكماء بم تزکو الأعمال ويفوز المرء بعد الانتقال؟ قال الحكيم الفارسي: بطاعة الربّ وعصيان الهوى. قال الحكيم الهندي: بكثرة الصيام وبرّ الأيتام. قال الحكيم الرومي: بأداء الشكر والانعطاف على من شمله الفقر. قال الحكيم العربي: بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
فقال: أيّها الحكماء فبما الخلاص والكون مع الخواصّ؟ قال الحكيم الفارسي: بالاجتهاد في العبادة والاعتماد على الزهادة والاغتنام للافادة. قال الحكيم الهندي: بتصحيح اليقين وإيثار الدين وتحقيق النبييّن. قال الحكيم الرومي: بطول الرحمة واتّباع الحكمة والشكر على النعمة، قال الحكيم العربي: بحسن الصمت وإزالة المقت والقيام بواجب الوقت.
فقال الملك: أيّها الحكماء فيم السموّ والافتخار؟ فقال الحكيم الفارسي: بحكمةٍ زاهرة ونفس طاهرة ودولة قاهرة وعشرة فاخرة. قال الحكيم الهندي: بعلومٍ مضيئة ونفس رضيّة ومملكة هنيّة وعطيّة زكيّة. قال الحكيم الرومي:
بهداية شاملة ونفس فاضلة ونعمة متوالية ومواهب متواصلة. قال الحكيم العربي: بصيرة رشيدة، ونفس سعيدة، وولاية حميدة، وسماحة مفيدة.
فقال: أيّها الحكماء فبم دوام الملك و حراسته من الهلك؟ قال الحكيم الفارسي: ببسط العدل، وكثرة الفضل، واستشارة أهل العدل. قال الحكيم الهندي: بالقيام بالقسطاس، والاقناط من الناس، وقهر العدوّ بشدّة البأس، قال الحكيم الرومي: بحسن السيرة في الرعيّة، والعدل في البريّة، والحكم بينهم بالسويّة، وكثرة البذل والعطيّة، قال الحكيم العربي: بجمع الأموال، وحسن الأعمال، وكثرة الإفضال، والرأفة والإجمال.
فقال: أيّها الحكماء فيم زوال النعم والتعرّض لحلول النقم؟ قال الحكيم الفارسي: بالجرأة على المحارم، والهجوم على المآثم، وارتكاب العظائم، واستنقال المكارم. قال الحكيم الهندي: بإهانة السادات، وترك الواجبات، واتّباع الشهوات. قال الحكيم الرومي: بالكسل الفاضح، واستعمال القبائح، وترك القبول من الناصح، والميل من الصالح إلى الطالح. قال الحكيم العربي: باتّباع الفضول، و مشاورة الجهول، وشرب الخمور، والعزف بالطنبور.
قال الملك: أيّها الحكماء فبم بقاء الملك ودوامه وعلوّه وتمامه؟ قال الحكيم الفارسي: بإغاثة اللهيف وإعانة الضعيف وأمن المخيف، وإنصاف الدنيّ من الشريف. قال الحكيم الهندي: بتدبير الحكم وإدرار النعم وإمداد الكرم وإنفاذ الهمم. قال الحكيم الرومي: ينفع الأولياء وقمع الأعداء ومؤانسة العقلاء وإبعاد الجهلاء. قال الحكيم العربي: بكثرة البرّ وترك الكبر والصدقة في السرّ.
فقال الملك: أيّها الحكماء بم تكمل السعادة وتستوجب الافادة؟ قال الحكيم الفارسي: بلين الجانب وإرفاد الطالب والصبر على المصائب والقيام بحقّ الصاحب. قال الحكيم الهندي: ببذل العطايا والعدل في القضايا والصبر على الرزایا والاحسان في البرايا. قال الحكيم الرومي: بطلب المعالي والنجاح
واصطفاء الثقاة من أهل الصلاح وترك رقدات الصباح. قال الحكيم العربي: بلين الكلام وإطعام الطعام و اجتناب الآثام وإفشاء السلام.
وفي كتب الفرس أنّ أنوشروان جمع عمّال السواد و بیده درّة يقلّبها،
فقال: أيّ شيء أضرّ بارتفاع السواد و أدنى إلى محقه؟ أيّكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرّة في فيه؟ فقال بعضهم: انقطاع الشرب، وقال بعضهم: احتباس المطر، وقال بعضهم: استيلاء الجنوب وعدم الشمال، فقال لوزيره: قُل أنت فإنّي أظنّ عقلك يعادل عقول الرعيّة كلّها أو يزيد عليها، فقال: تغيّر رأي السلطان في رعيّته وإضمار الحيف لهم، والجور عليهم، فقال: لله أبوك، بهذا العقل أهّلك آبائي وأجدادي لما أهّلوك له، ودفع إليه الدرّة فجعلها في فيه.
رُأيَ صورة حكيمين من الحكماء في بعض المساجد وفي يد أحدهما رقعة فيها: إن أحسنت كلّ شيء فلا تظننّ أنّك أحسنتَ شيئاً حتّى تعرف الله وتعلم أنّه سبب الأسباب وموجد الأشياء.
وفي يد الآخر: كنت قبل أن عرفت الله أشرب وأظمأ، حتّى إذا عرفته رویتُ بلا شرب.
تكلّم أمير المؤمنين علي عليه السلام بتسع كلمات ارتجلهنّ ارتجالاً، فقأن عيون الحكمة والبلاغة، وأيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ: ثلاث منها في المناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب.
فأمّا اللاتي في المناجات: فقال: «إلهي کفی بي عِزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، أنت كما أحبّ، فاجعلني كما تحبّ».
وأمّا اللاتي في الحكمة: فقال: «قيمةُ كلّ امريءٍ ما يُحسنه، وما هلك امرؤٌ عرف قدره، والمرء مخبوء تحت لسانه».
واللاتي في الأدب: فقال: «أمنُن على مَن شئت تكن أميره، واحْتَج إلى
من شئت تكن أسيره، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره».
قال رجل من الصالحين: مررت بجماعة من الناس مجتمعين، بينهم حكيم يصف لكلّ داءٍ دواء ولكلّ علّة شفاء، دنوتُ منه فسلّمت عليه فقلت: أيّها الحکیم هل عندك لدائي دواء ولعلّتي شفاء؟ قال: نعم عندي دواؤك إن عملت به شُفيت، وإن تركته بقيت. قال: فقلت: إن كان موافقاً صرت مرافقاً، فما هو؟ قال لي: خُذ عروق الفقر وورق الصبر، وهليلج الخضوع و تریاق الخشوع، واجعله في هاون التوبة، واسحنه بمسحن التقوى، وانخله بمنخل العقل، وأفرغه في قدح المناجاة وأوقد عليه نار المحبّة، وروّحه بمروحة الزهد، واشربه بمعاليق الاستغفار، وتمضمض بماء الورع، فالنفس بیت کلّ دواء، والحميا بيت كلّ شفاء، ودع نفسك وما عودّتها فإنّك تبرأ بإذن الله تعالی.
قال: فقلت: أيّها الحكيم ليس عندي ثمن الدواء. قال: اقصد باب الرضا وادع صاحبه بالضيق والفضا، وقال بالتذلّل والخضوع والاستكانة والخشوع: یا معدن الجود والاحسان لك الحمد يا منّان.
فقلت: أيّها الحكيم إنّ بيني وبينه قطعة ووحشة من سوء معاملة عاملته بها قبيحة غير صحيحة، فهربت منه خائفاً متوجّلاً.
فقال لي: یا ضعیف اليقين أما علمتَ بأنّ الله تعالى يغفر ذنوب المذنبين؟ ثم أنشأ يقول:
حاسبونا فدقّقوا *** ثم منّوا فأعتقوا
هكذا عادة الملوك *** بالمماليك ترفقُ
إنّ قلبي يقول لي *** ولساني يُصدّق
إنّ من مات عاشقاً *** ليس بالنار يحرقُ
قال: ثم قام و مضی عنّي فتفرّق الناس، فقلت لبعضهم: بالله عليك من هذا الحكيم؟ قال لي: أولم تعرفه؟ قلت: أجل والله، قال: هذا علي بن الحسین زین العابدین علیه السلام.
ومن رام الزيادة في معرفة الحكمة ومعرفة حال الحكماء أكثر مما ذكرنا هنا، فليرجع إلى كتابنا (الحكمة والحكماء).(1)
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الأصل من شرح الكلمات في خطبته علیه السلام فأقول:
قوله علیه السلام: «قد لبس للحكمة جُنّتها» الظاهر أنّه أراد بجُنّة الحكمة مخافة الله، كما أنّ النبي صلی الله علیه وآله جعلها رأسها في قوله: «رأس الحكمة مخافة الله»(2)فاستعار لفظ الجُنّة لها باعتبار أنّ مخافته سبحانه و وجود وصف التقوي الموجب لقمع النفس عن الشهوات وقلعها عن العلائق والأمنيات مائع عن كون الحكمة غرضاً عن إلهام الهوي، وعن وقوع الحكيم في الهلاك والردي، كما أنّ الجُنّة _ وهو ما يُستتر به من السلاح كالدرع ونحوه _ مانعة للابسها عن إصابة سهام الأعداء.
فيكون محصّل المعنى أنّ ذلك الحكيم قد اتّصف بمخافة الله سبحانه وخشيته التي هي بمنزلة الجُنّة للحكمة لأجل حفظ حكمته وكونها وقاية لها عمّا يصادمها، كما أنّ الجُنّة تحفظ الانسان عن صدمات الأعداء.
قوله علیه السلام: «وأخذها بجميع أدبها» أي أخذ الحكمة على وجه الكمال وقام بآدابها (من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها) يعني أنّه لما علم أنّه لاخصلة أعظم وأشرف وأرفع وأبهي من الحكمة، وعرف أنّه من يُؤتها فقد أوتي خيراً كثيراً، أقبل بالكليّة عليها وقصرت همّته ونهمته فيها، وعرف شرفها وقدرها ونفاستها، وتفرّغ لها وتخلّى عن جميع العلائق الدنيويّة التي تضادّها، وتنحّى عن كلّ ما سواها.
«فهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها» ذلك مثل قوله علیه السلام: «الحكمة ضالّة المؤمن».(1)
«فهو مغترب» يعني هذا الشخص يخفي نفسه ويختار العزلة، وهو إشارة إلى غيبة القائم علیه السلام «إذا اغترب الاسلام» أي إذا ظهر الجور والفساد وصار الإسلام غريباً ضعيفاً بسبب اغتراب الصلاح والسداد، كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله: بدء الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدء.(2)ثمّ شبّه الإسلام بالبعير البارك في قلّة النفع والضعف على سبيل الاستعارة بالكناية، فأثبت له لوازم المشبّه به وقال: «وضرب بعسيب ذنبه» لأنّ البعير إذا أعيى و تأذّي ضرب بذنبه، «وألصق الأرض بجرانه» أي مقدّم عنقه فلا يكون له تصرّف ولا نهوض، وقلّ أن يكون له نفع حال بُرو که.
ولمّا وصفه علیه السلام بلبسه لجُنّة الحكمة وإيثاره العزلة والغيبة عرّفه بأنّه «بقيّة من بقايا حجتّه» على عباده «وخليفة من خلائف أنبيائه» في بلاده، وهذان الوصفان يقويّان الظنّ بكون نظره علیه السلام بما أورده في هذا الفصل إلى القائم المنتظر علیه السلام و آبائه الطاهرين علیهم السلام.
قال الشارح المعتزلي: فإن قلت: أليس لفظ الحجّة والخليفة مُشعراً بما يقوله الإماميّة _ أي كون المراد بها الإمام القائم عليه السلام.
قلت: لا، لأنّ أهل التصوّف يسمّون صاحبهم حجّة وخليفة، و كذلك الفلاسفة وأصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كلّ عصر لأنّهم حُجج الله _ أي إجماعهم حجّة _ وقد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه.(1)
قال الشارح الخوئي: أقول: فيه أوّلاً: منع صحّة إطلاق حجّة الله وخليفته على غير الأنبياء والأوصياء، إذ العصمة منحصرة فيهم، فتختصّ الحُجّيّة والخلافة بهم لمكان العصمة التي فيهم، وأمّا غيرهم فليس بمعصوم بالاتّفاق، فلا يكون قوله وفِعله حجّة، وحجّیّة إجماع العلماء أيضاً باعتبار دخول قول المعصوم في جملة أقوالهم لا من حيث أنّ كلاً من العلماء من حيث إنّه عالم قوله حجّة.
وثانياً: على فرض التنزِّل والتسليم لصحّة إطلاقه على غيرهم، إنّ أمير المؤمنين عليه السلام ليس بمعتزليّ المذهب ولا صوفيّ المذاق ولا فلسفيّ المسلك، فلا يُحمل لفظ الحجّة والخليفة في كلامه علیه السلام علی اصطلاحاتهم، وإنّما يُحمل على المعنى الغالب إرادته منهذه اللفظة في كلماتهم عليهم السلام، وغير خفيّ على المتتبّع لأحاديثهم و كثير الأنس بأخبارهم أنّهم كثيراً ما يُطلقون لفظ الحُجج ویریدون به الأئمّة الاثني عشر، وقد يطلقونه ویریدون به سائر المعصومين من الأنبياء والأوصياء، ويطلقون لفظ الحجّة أيضاً أحياناً بالقرائن على العقل والقرآن، ولم نر إلى الآن أن يُطلق هذا اللفظ في كلامهم على العارف أو العالم غير المعصوم أو أحد الأبدال المصطلح في لسان الفلاسفة والمعتزلة والمتصوّفة.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 98 - 99.
وعلى ذلك فحيثما أطلق لفظ حجّة الله في كلامهم خالياً عن القرائن فلا بدّ من حمله على المعنى الكثير الدوران في ألسنتهم وهو الإمام، لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب.
ومن هذا كلّه ظهر ما في كلام الشارح البحراني أيضاً، فإنّه بعد ما جعل قوله علیه السلام: «قد لبس للحكمة جنّتها» إشارة إلى العارف مطلقاً ونفى ظهور كونه إشارة إلى الامام المنتظر علیه السلام، قال في شرح هذا المقام: قوله علیه السلام : «بقيّة من بقايا حُججه» أي على خلقه إذ العلماء والعارفون حُجج الله في الأرض على عباده، وظاهر كونه خليفة من خلفاء أنبيائه لقوله صلی الله علیه وآله: «العلماء ورثة الأنبياء».(1)انتهى.
ويرد عليه _ مضافاً إلى ما مرّ _ أنّ استدلاله على خلافة العلماء والعرفاء بقوله «ورثة الأنبياء» واستظهاره من ذلك كون المراد بالخليفة في كلام أمير المؤمنين عليه السلام هؤلاء لا وجه له.
أمّا أولاً: فلأنّ الدليل أخصّ من الدعوى، لإفادته وراثة العلماء فقط دون
العرفاء مع أنّ المدّعى أعمّ.
وثانياً: أنّ قوله صلی الله علیه وآله: «العلماء ورثة الأنبياء» لم يُرد به الوراثة الحقيقيّة قطعاً، وإنّما هو من باب التشبيه والمجاز، یعني أنّ علومهم انتقلت إليهم كما أنّ أموال المورث تنتقل إلى الوارث، فكانوا بمنزلة الورثة.
قال الشارح الخوئي: وعلى ذلك فأقول: إنّ وراثة العلماء للأنبياء و خلافتهم عنهم على سبيل المجاز والاستعارة، ووراثة الإمام المنتظر علیه السلام وخلافته على سبيل الحقيقة، فلا بدّ من حمل لفظ الخليفة في كلامه علیه السلام عليه
1) الدعوات للراوندي: 63؛ الكافي 1: 32 /ح 2.
لا على العالم، لأنّ اللفظ إذا دار بين أن يُراد منه معناه الحقيقي ومعناه المجازي، فالأصل الحقيقة كما بُرهن في علم الأصول.
قضيّة الإمام الثاني عشر في الحقيقة كثيراً ما تعلو عليها نبرات الاستهتار والاستنكار من سائر فرق المسلمين، بل ومن غيرهم على الإماميّة في الاعتقاد بوجود إمام غائب عن الأبصار وليس له أثر من الآثار، زاعمين أنّه رأي فائل وعقيدة سخيفة، والمعقول من إنكارهم يرجع إلى أمرين:
استبعاد بقائه طول هذه المدّة التي تتجاوز الألف سنة، وهذا الاستغراب والاستبعاد لا يتأتّى من أرباب الأديان، لأنّهم جميعاً يقولون بأكثر من هذه المدّة في أعمار البشر، فالبراهمة والبوذائيّون يعتقدون في براهما و کرشنا ومهاديو وبوذا أنّهم أحياء مضت على حياتهم ألوف ألوف من السنين، والمجوس يعتقدون أنّ الطبقة الأولى للبشر _ وهم طبقة مهاباد _ كانوا يعيشون ألوف الملايين من السنين، والطبقة الثانية _ وهم طبقة جي إفرامیان _ كانوا يعيشون ملايين السنين، وهكذا سائر طبقات البشر منهم مثل «کلشاه» و «جمشید» و «افراسیاد» وهوشنك» و«مَنُوجَهَر» وأمثالهم يعيشون ألوفاً من السنين، وذلك مذكور في كتبهم الدينية مثل كتاب «الدساتير» و کتاب «زند» و کتاب «بازند» و كتاب «أوستا» وغيرها.
واليهود والنصارى يعتقدون بالتوراة، وقد جاء في الأبواب الأولى من سفرها الأول _ وهو سفر التكوين (براشيت) _ أنّ آدم وأخنوخ ومهلائيل و نوحاً وغيرهم عاشوا بين ستمائة سنة وألف سنة وأكثر، ويضيف النصارى إلى ذلك أنّ المسيح علیه السلام حيّ وقد مضت على ولادته ما يقرب من ألفي سنة واليهود يعتقدون أنّ (الياهو) _ وهو من أنبياء بني إسرائيل _ دعا الناس إلى
التوراة ثمّ غاب خمسمائة سنة، ثمّ ظهر ودعا إليها، ثمّ غاب ولا يزال حيّاً، وقد مضى على عمره ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.
وجميع أهل الأديان القديمة والحديثة معتقدون بأنّه سيظهر في آخر الزمان عند فساد العالم وانتشار الظلم والجور مَن يصلحه ويبدّل الظلم بالعدل والفساد بالصلاح، وإن اختلفوا في ذلك المصلح، فالبراهمة يسمّونه بهرام _ وترجمة بهرام في العربية (محمد) _ واليهود يسمّونه الياهو، والنصارى يقولون هو المسيح، وأنّه هو الذي يقتل الدجّال كما جاء في أواخر مکاشفات يوحنّا من كتب الإنجيل (العهد الجديد).
وأمّا المسلمون فلا مجال لهم إلى استبعاد هذا العمر الطويل بعد أن يقرأوا في سورة الصافّات قوله تعالى: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(1)فجوّز إمكان البقاء واللبث إلى يوم البعث، وقوله تعالى في سورة الكهف:«وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا»(2)فأخبر أنّ أصحاب الكهف عاشوا أكثر من ثلاثمائة سنة، وقوله تعالى في سورة العنكبوت: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ»(3)فأخبر أن نوحاً علیه السلام دعا قومه ما يقرب من ألف سنة إلى زمن الطوفان، ولا بدّ أنّه عاش بعد الطوفان طويلاً، و كان قبل الدعوة كثيراً، والأخبار وردت أنّ عمره كان يزيد على ألفي سنة، فإمكان هذا العمر الطويل ووقوعه ثابت في القرآن، وتحتّمه لصاحب الزمان ثابت بقوله تعالى في سورة الصفّ، وفي سورة الفتح، وفي سورة التوبة: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ»(4)فلا بدّ من يوم يُظهر الله فيه دين الإسلام على جميع الأديان حتّى بدین به أهل العالم، وليس هو إلاّ اليوم الموعود الذي يظهر فيه الإمام الثاني عشر، وبقوله تعالى في أخريات سورة النساء
عن المسيح علیه السلام: «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ»(1)فأخبر أنّ جميع أهل الكتاب مؤمنون بالمسيح ولم يقع ذلك، وهو ما جاءت به الأحاديث الشريفة من أنّ المسيح يكون مع المهدي، وأنّ الأمم كلّهم يؤمنون بهما، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلی الله علیه وآله أنّ المهدي سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وقد رواها جميع فرق المسلمين من الخاصّة والعامّة، وذكر ابن حجر وحده منها خمسين حديثاً، فكيف ينكر مسلم قرأ القرآن وتصفّح الأحاديث بقاءه وظهوره وأنّه هو الذي سيحكم الأرض كلها وبه یدین أهل العالم جميعهم بدين الإسلام، وهو الذي يملا الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلما وجورة، حتّى ترعى الشاة إلى جنب الذئب فلا يصيبها منه أذى كما ورد في الأحاديث،(2)والعدل إذا بسط في العالم استراح الانسان والحيوان معاً ورغد عيشهما.
فهذه الأديان كلها تصرّح بإمكان العمر الطويل للبشر ووقوعه، وأهل الأديان جميعاً مُذعنون به ولا يتأتّى لهم أن يستبعدوه، ولم يبقَ إلاّ الطبيعيّون والماديّون الملحدون الذين ينكرون وجود الله وقدرته ولا يدينون بدين وإن استبعدوه فليس لنا هنا معهم كلام، لأنّا إنّما نتكلّم في هذا المقام بعد إثبات التوحيد وقدرة الله، وأنّه هو القاهر فوق عباده، القدير على كلّ شيء، الذي يفعل ما يشآء ويحكم ما يريد، ونحن إذا أثبتنا قدرة الله تعالى على كلّ شيء وأنّه إذا قضی أمراً فإنّما يقول له كن فيكون، لم نُبق مجالاً للاستبعاد المادي والطبيعي لهذا العمر الطويل بعد أن أثبتنا له قدرة الله وأنّه الفاعل لما يشآء كيف يشاآء.
وقد اعترف أهل العلم في هذا العصر الذي حدث فيه التطوّر العلمي والصناعي بإمكان بقاء الانسان طويلاً، وتصدّى كثير من الأطباء والعلماء إلى ایجاد وسائل تُعيد الشيخ شاباً أو تمنع شيخوخة الشاب حتّى يعيش ألوفاً من
السنين، وقد أعدّت الدول جوائز كبيرة لمن يتوصّل إلى هذا الاختراع، فاعترف كلّهم علماً وعملاً بإمكان هذا الأمر بنفسه لطبيب مخترع، فكيف باللطيف الخبير الذي هو على كلّ شيء قدير.
السؤال عن الحكمة والمصلحة في بقائه مع غيبته، وهل وجوده مع عدم الانتفاع به إلاّ كعدمه؟ ولكن ليت شعري هل يريد أولئك القوم أن يصلوا إلى جميع الحكم الربّانيّة والمصالح الإلهيّة وأسرار التكوين والتشريع، ولا تزال جملة أحكام إلى اليوم مجهولة الحكمة: كتقبيل الحجر الأسود مع أنّه [في الظاهر] حجر لا يضرّ ولا ينفع، وفرض صلاة المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والصبح اثنين، وهكذا إلى كثير من أمثالها.
حدّثني العلاّمة المرحوم الشيخ جعفر نقدي عن حجّة الإسلام الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس سرّه قال: كان رجل من أهل العلم والفضيلة اسمه الشيخ حسن، وكان أكثر اختصاصه بعلم الحساب والاصطرلاب، فخطر يوماً في ذهنه أن يجتمع مع الإمام المنتظر حجّة آل محمد علیه السلام ويسأله عن يوم خروجه، فأوّل ما وضع دائرة الحساب حسب فنّه علی مکّة وحصر شوارعها وطرقها وأسواقها وبيوتها في الخانات الحسابيّة ورقّمها، ثمّ أخذ يتتبّع خانة خانة ودائرة دائرة حسب تخطيطه حتّی استقصى جميع مكّة فلم يجده في مکّة، فانتقل إلى المدينة فحصرها كما حصر مکّة في الدوائر الحسابيّة فلم يجده في المدينة، ثم انتقل إلى النجف وهكذا كربلاء والكاظميّة، فوجده في الكاظميّة، فحصرها ثمّ ضيّق الدوائر حتّی حصره في الجلوخانة ما بین بابي الصحن الشريف، وكان هذا المكان سابقاً تُباع فيه الخرّازيّة، فذهب يفتّش وينظر وجوه
الناس ليصل إلى الإمام، فوقف على حانوت خرّاز وعلى باب الحانوت رجل جالس وامرأة واقفة تعامل صاحب الحانوت علی قفل فيسومه صاحب الحانوت مثلاً بخمسة وثلاثين فلساً وهي تقول له: لا أملك إلاّ أربعة وثلاثين فلساً، فقال لها صاحب الحانوت: يا أمة الله هو عليّ أربع وثلاثين وأنا أربح منه فلساً واحدً، حتّى طال الالحاح من المرأة، فالتفت الشيخ إلى صاحب الحانوت قائلاً: ما يضرّك لو دفعت لها القفل بما عندها وهي صادقة في قولها، فقال له صاحب الحانوت: ما أنت وذاك؟ أوما بلغك أنّه من حُسن إسلام المرء تَرْکُه ما لا يعنيه؟ فقال الرجل الجالس: صحيح إنّ هناك أناساً يريدون أن يتوصّلوا إلى سرٍّ ليس من شأنهم، فانتزعج الشيخ ولم يلتفت إلى قول الرجل وأنّه هو مطلوبه والذي هو في صدره، فانصرف يفتّش عن غرضه إلى أن وصل إلى باب الصحن الثانية فذكر قول الرجل وأنّه هو مطلوبه والذي يسعى في أثره، وأنّ الرجل وقف على سرّه، فرجع مسرعاً فلم ير الرجل، فسأل عنه صاحب الحانوت فقال له: قام ومضى في سوق الاستربادي، فأسرع يفتّش عليه فلم يجده، فرجع إلى صاحب الحانوت مستفسراً عنه فقال: لا أعرفه، إلاّ أنّه أكثر من عشرين سنة يتردّد علىّ ولا أحبّ أن أسأله من هو خوفاً ألاّ يرضي، إلاّ أنّ هذا الرجل من نوادر الزمن، فقال: كيف ذاك؟ فقال: يظهر أنّه من الأثرياء، لأنّه يذكر لي أنّ له قصراً في مكّة وفي المدينة والنجف وكربلاء وسامرّاء وأعتقد أنّه صادق. ثمّ إنّه عالم لأنّه لم تعترض لي مسألة فقهيّة فأسأل عنها الحجّة الشيخ محمّد حسن آل ياسين فيُجيبني، فإذا جاءني هذا الرجل فيسألني: هل عرضت لك مسألة فقهيّة؟ فأقول: بلی فسألت عنها الشيخ محمد حسن آل ياسين فأجابني بكذا، فيقول: صحیح، دليلُها من القرآن فلان آیة وآية كذا، فيذكر جملة من الآيات القرآنيّة، ومن السنّة كذا وكذا، فيذكر جملة من الأحاديث النبوية،ثم إنّه
طبیب حاذق، ما وَصف لي دواء إلاّ وعوفي مرضي من وقته وساعته بذلك الدواء. فقال الشيخ: أما تعرفه؟ قال: لا والله ولا أحبّ أن أسأله، فقال الشيخ: هذا صاحب الأمر المنتظر، فقال صاحب الحانوت: من الأسف أنّه لا يعود إليّ بعد هذا، وهكذا كان؛ انتهى ما علق بخاطري.
وبالتالي فقد استأثر الله سبحانه بعلم جملة أشياء لم يُطلع عليها ملكاً مقرباً ولا نبيّاً مُرسَلاً: کولم الساعة وأخواتها «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ».(1)
وأخفی جملة أمور لم يعلم على التحقيق وجه الحكمة في إخفائها: کالاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الاستجابة. والغاية أنّه لا غرابة في أن يفعل سبحانه فعلاً أو يحكم حكماً مجهول الحكمة لنا، إنّما الكلام في وقوع ذلك و تحقّقه،فإذا صحّ إخبار النبيّ صلی الله علیه وآله وأوصيائه المعصومين علیهم السلام لم یکن بدّ من التسليم والاذعان ولا يلزمنا البحث عن حكمته وسببه.
والقول الفصل أنّه إذا قامت البراهين في مباحث الإمامة على وجوب وجود الإمام في كلّ عصر، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وأنّ وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر فالسؤال عن الحكمة ساقط.
والأدلّة والأحاديث عن النبي صلی الله علیه وآله مستفيضة متواترة لا يسعها المقام. ونكتفي هنا بعبارة الشيخ محي الدين العربي، فقد ذكر في الباب السادس والستين والثلاثمائة من كتابه _ الفتوحات المكّتّبة _ وهو من كبار علماء السنّة وأحد أقطابها قال ما نصّه في وصف الإمام:
«واعلم أنّه لابدّ من خروج المهدي علیه السلام، لكن لا يخرج حتّى تمتلأ
1) لقمان: 34.
الأرض جوراً و ظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد الطوّل الله ذلك اليوم حتّى یلي هذا الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلی الله علیه وآله من ولد فاطمة علیها السلام، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده الحسن العسكري ابن الإمام علي النقي _ بالنون _ ابن الإمام محمد التقي _ بالتاء _ ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زین العابدين علي ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي ابن أبي
طالب عليهم السلام ، يواطئ اسمه اسم رسول الله، يُبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في الخَلق وينزل عنه في الخُلق، إذ لا يكون أحد مثل رسول الله في أخلاقه والله تعالى يقول: «إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ».(1)
هو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسويّة، ويعدل في الرعيّة، يأتيه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني _ وبين يديه المال _ فيحثي له ما استطاع أن يحمله، يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يُمسي الرجل [من أتباعه] جاهلاً وبخيلاً، فيصبح عالماً شجاعاً کریماً، يمشي النصر بين يديه، يعيش خمسة أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله ولا يُخطئ، له مَلَك يُسدّده من حيث لا يراه، يحمل الكَلّ ويُعين الضعيف ويساعد على نوائب الحقّ، يفعل ما يقول ويقول ما يفعل ويعلم ما يشهد، ويُصلحه الله في ليلة(2)يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألف من المسلمين من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمی مأدبة الله بمرج عكاء، يُبيد
1) القلم:4.
2) وفي رواية أخرى: یُصلح الله له أمره في ليلة. «قد روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: کن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسی بن عمران علیه السلام خرج ليقتبس لأهله ناراً، فرجع إليهم وهو رسول نبيّ، فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيّه موسی علیه السلام في ليلة، وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم.
الظلم وأهله ويقيم الدين وينفخ الروح في الإسلام، يُعزّ الله به الإسلام بعد ذّله، ويُحييه بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبی قتل، ومن نازعه خذل، يُظهر الدين على ما هو عليه في نفسه حتّى لو كان رسول الله صلی الله علیه وآله حيّاً لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلاّ الدين الخالص عن الرأي، يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه لذلك لظنّهم أنّ الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهداً.
وأطال في ذلك وفي ذكر وقایعه معهم، ثمّ قال: واعلم أنّ المهدي إذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصّتهم وعامّتهم، وله رجال إلهيّون يُقيمون دعوته وينصرونه وهم الوزراء له يتحمّلون أثقال المملكة ويُعينونه على ما قلُده الله له، ينزل عليه عيسى ابن مریم علیه السلام بالمنارة البيضاء شرقيّ دمشق متّكئاً على مَلَكين ملك عن يمينه وملك عن شماله، وفي زمانه يُقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يُحشر على نيّته، وقد جاء کم زمانه وأظلكم أو أنه، وقد ظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله صلی الله علیه وآله وهو قرن الصحابة ثمّ الذي يليه ثمّ الذي يلي الثاني، ثمّ جاء بینها فترات وحدثت أمور وانتشرت أهواء وسُفكت دماء فاختفى إلى أن يجيء الوقت المعلوم، فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه خير الأمناء، وقد استوزر الله له طائفة خبأهم الحقّ له في مكنون غيبه أطلعهم کشفاً وشهوداً على الحقائق وماهو أمر الله عليه في عباده، وهم على إقدام رجال من الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الأعاجم ليس فيهم عربي لكن لا يتكلّمون إلاّ بالعربية، لهم حافظ من غير جنسهم ما عصى الله قطّ هو أخصّ الوزراء به.
وبعد فصل صحيفة يقول: فإن قلت: فما صورة ما يحكم به المهدي إذا
خرج، هل يحكم بالنصوص أو الاجتهاد أو بهما؟ فالجواب أنّه يحكم بما ألقي
إليه ملك الإلهام من الشريعة، وذلك أن يُلهمه الله الشرع المحمّدّي فيحكم به، كما أشار إليه حديث النبي صلی الله علیه وآله أنّه يقفو أثري،(1)فعرّفنا أنّه متّبع لا مُبتدع، وأنّه معصوم في حكمه، إذ لا معنى للمعصوم في الحكم إلاّ أنّه لا يُخطئ، وحكم رسول الله لا يخطئ، فإنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ یوُحي، وقد أخبر عن المهدي أنّه لا يخطئ، وجعله ملحقاً بالأنبياء في ذلك الحكم، قال الشيخ: فعلم أنّه يحرم على المهدي القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها على لسان ملك الالهام، بل حرّم بعض المحقّقين على جميع أهل القِبلة القياس لكون رسول الله صلی الله علیه وآله مشهوداً لهم، فإذا شکّوا في صحّة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم بالأمر الحقّ يقظة ومشافهة، وصاحب هذا المشهد لا يحتاج إلى تقليد أحد من الأئمّة غير رسول الله صلی الله علیه وآله... إلى آخر مقالته «قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي»(2)وأطال في ذلك.(3)انتهى.
وجاء هذا المقال أيضاً في كتاب (مشارق الأنوار) تأليف الشيخ حسن العدوي الحمزاوي ص 112 طبقة 1307 سنة هجرية بالمطبعة العثمانيّة بمصر، وذكر أيضاً في كتاب (الیواقیت والجواهر) لعبد الوهاب الشعراني في الجزء الثانی ص 143 طبعة سنة 1321 هجرية بالمطبعة الأزهرية بمصر.
إنّ مدار هذه الخطبة الشريفة على فصلين:
في إيقاظ الغافلين و تنبيه الجاهلين من رقدة الغفلة والجهالة، وهو قوله علیه السلام : (أيّها الغافلون غير المغفول عنهم) الظاهر أنّ الخطاب لكلّ من اتّصف بالغفلة من المكلّفين، أي الذين غفلوا عمّا أريد منهم من المعارف الحقّة والتكاليف الشرعيّة، ولم يُغفل عنهم وعمّا فعلوا، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللوح المحفوظ وصحائف الأعمال، و كلّ ما فعلوه في الزُّبر وكلّ صغير وكبير مُستطَر.
(والتاركون) لما أمروا به من الفرائض والواجبات، (المأخوذ منهم) ما اغترّوا به من الأهل والمال والزخارف والقينات، (مالي أراكم عن الله ذاهبين) كناية عن إعراضهم عن الله سبحانه والتفاتهم إلى غيره تعالى، (وإلى غيره راغبين) إشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدنيا وإعجابهم بها.
(كأنّكم نَعَم أراح بها سائم إلى مرعى وبيّ ومشرب دويّ) شبّههم بأنعامٍ ذهب بها سائم إلى مرعی ومشرب وَصْفُهما ما ذكر، والمراد بالسائم حیوان يسوم ویرعي، وهو المستفاد من الشارح المعتزليّ حيث قال: شبّههم بالنعم التي تتبع نعماً أخری سائمة أي راعية، وإنّما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها.
وفسّره الشارح البحرانيّ بالراعي، أي الذي يراعي النعم ويحفظها ويواظب عليها، من الرعاية وهو المراعاة والملاحظة، قال: شبّههم بالنعم التي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء والداء، ووجه الشبه أنّهم _ لغفلتهم _ كالنعم، ونفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصي كالراعي القائد إلى المرعى الوبي ولذّات الدنيا ومشتهياتها، وكون تلك
اللذّات والمشتهيات محل الآثام التي هي مظّنة الهلاك الأخرويّ والداء الدويّ، يشبه المرعي الوبيّ والمشرب الدويّ.
(إنّما هي كالمعلوفة للمُدى) السكاكين (لا تعرف ماذا يُراد بها إذا أحسن إليها) أي تزعم وتظن أنّ العلف إحسان إليها على الحقيقة، ولا تعرف أنّ الغرض من ذلك هو الذبح والهلاك، (تحسب يومَها دهرَها) يعني أنّها لكثرة إعجابها لعلفها في يومها تظنّ أنّ دهرها مقصور على ذلك اليوم ليس لها وراءه يوم آخر، وقيل: معناه أنّها تظن أنّ ذلك العلف والاطعام كما هو حاصل لها ذلك اليوم يكون حاصلاً لها أبداً، (وشبعها أمرها) أي تظنّ انحصار أمرها وشأنها في الشبع، مع أنّ غرض صاحبها من إطعامها وإشباعها أمر آخر.
في الإشارة إلى بعض مناقبه الجميلة ومقاماته الجليلة، وهو قوله علیه السلام : «واللهِ لو شئتُ أن أخبر کلّ رجلٍ منکم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلتُ» أي لو أشاء لأخبر كل واحد منكم بأنّه من أين خرج، وأين دخل، وكيفية خروجه وولوجه، وأخبر بجميع شأنه وشغله من أفعاله وأقواله ومطعمه ومشربه وما أكله وما ادّخره في بيته وغير ذلك ممّا أضمروه في قلوبهم وأسرّوه في ضمائرهم، كما قال المسيح علیه السلام: «أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ».(1)
«ولكن أخاف أن تكفروا فيَّ برسول الله صلی الله علیه و آله »،(2)قال الشارع المعتزلي: أي أخاف عليكم الغلوّ في أمري وأن تفضّلوني على رسول الله صلی الله علیه وآله ، بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الألوهية كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح لمّا أخبرهم بالأمور الغايبة، ومع أنّه قد كتم ما علمه حذراً من أن يكفروا فيه برسول الله
صلی الله علیه وآله، فقد كفر كثير منهم وادّعوا فيه النبوّة، وادّعوا فيه أنّه شريك الرسول في الرسالة، وادّعوا فيه أنّه هو مكان الرسول ولكن الملك غلط فيه، وادّعوا أنّه الذي بعث محمداً إلى الناس، وادّعوا فيه الحلول، وادّعوا فيه الاتحاد، ولم يتركوا نوعاً من أنواع الضلالة فيه إلاّ وقالوه واعتقدوه. وقال شاعرهم فيه من أبيات:
ومن أهلك عاداً وثموداً بدواهيه *** و من كلّم موسی فوق طور أو يناديه
ومن قال على المنبر يوماً وهو راقيه *** سلوني أيها الناس فحاروا في معانيه
وقال بعض شعرائهم أيضاً:
إنّما خالق الخلائق مَن *** زعزع أركان حصن خيبر جَذْبا
قد رضينا به إماماً ومولی *** وسجدنا له إلهاً وربّا(1)
في ناس هذا العصر من إذا وقعت أبصارهم أو سمعت آذانهم بالإخبار عن المغيّبات طاف على ثغورهم شبح ابتسامة، ولاح في أعينهم بريق الهزء، وارتسمت معالم وجوههم بإمارات الاستنكار، ولم كل ّهذا؟! لأنّنا في هذا العصر الآليّ لا نستطيع _ إذا أردنا أن نحترم أنفسنا وعقولنا _ أن نؤمن بوجود إنسان يعلم الغيب، إنسان تنقشع من أمام عينيه حُجب القرون وتنطوي المسافات، فيقرأ المستقبل البعيد أو الخاطر المحجوب كما يقرأ في كتاب مفتوح، ويعي حوادثه كأنّها بنت الساعة التي هو فيها.
وطبيعة الثقافة المنحرفة التي يلقاها إنسان هذا العصر في كلّ مكان هي التي تدفع بهؤلاءإلى أن يقفوا هذا الموقف ويتّجهوا هذا المتّجه في إنكار كلّ دعوة تذهب إلى أنّ في الانسان شيئاً آخر وراء غدده وخلاياه. فهذه الثقافة تعتبر الانسان آلة دقيقة الصنع فقط، فلا شيء وراء الغدد والأعصاب يمكن أن يعتبر موجّهاً للنشاط الإنساني وباعثاً له.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12:10 - 13.
وليس هؤلاء سوى طائفة من الناس تنظر إلى الإنسان من أحد جوانبه، وتبني أحكامها على ما ترى، غير حاسبة أن ثمّة غير هذا الجانب، وأنّ حكمها على الانسان قبل الاحاطة به من أقطاره ضرب في الخبط العشوائيّ الذي لا يليق بمن يدّعي العلم ويستهديه فيما يفعل أو يقول، وهؤلاء أشبه بمن يحكم بأنّ لون الهرم أحمر لمجرّد أنّه رأی ضلعاً واحداً من أضلاعه بهذا اللون قبل أن يرى بقية الأضلاع .
في حين أنّ العلم التجريبي نفسه يؤمن بأنّ هناك قوّة خفيّة مودعة بالانسان تصله بالمجهول المحجوب في أحشاء الزمان أو ثنايا المكان، وتلك القوة هي المعّبر عنها بالروح، فكلّما كان الانسان على حال رفيعة من الصفاء العقليّ والطهارة الروحيّة والنقاء الوجدانيّ، كانت هذه القوى أنشط وأبلغ في النفوذ إلى المغيّب المحجوب.
وقد اكتشف الباحثون في العصور الأخيرة أنّ في الإنسان ملكات نفسيّة خارقة أهمّها ثلاث: تناقل الأفكار، رؤية الأشيآء من وراء حاجز أو عن بُعد، والتنبّؤ.
وإذا كانت هذه الظاهرة حقيقة واقعّية، و كانت القوانين العلميّة الحديثة لا تأباها، فلا حرج علينا إذن أن ندرسها عند علي أمير المؤمنين علیه السلام كما تبدو لنا في نهج البلاغة وغيره.
قد دلّت الأبحاث الحديثة على أنّ كلّ إنسان يملك مقداراً من هذه القوة الخارقة التي تكشف له عما اضطمّت عليه أحشاء المستقبل، ولكنّ الناس إذا تساووا في نوع هذه القوّة فإنّهم يختلفون في مقدارها.
فقد ثبت أنّ هذه الحاسّة توجد عند بعض الناس بقوّة تثير الدهشة، بينما توجد في بعض آخر على حال من الضعف والوهن لا تكاد تبين معه، فما السبب في هذا التفاوت؟
لقد تبيّن للباحثين أنّ قوّة هذه الحاسّة تتناسب تناسباً طرديّاً مع درجة الصفاء الروحيّ والنقاء الداخليّ اللذين يتمتّع بهما الشخص، فكلّما كان الانسان
صافي النفس نقيّ الضمير، منعتقاً من أسر التقاليد الاجتماعيّة الضارّة، منفلتاً من قيد الضرورات وما إليها، خالي النفس من العُقد والأحقاد والمطامع، كانت هذه الحاسّة فيه قويّة بالغة القوّة، وكلّما كان الانسان مشوّش النفس، موزّع الضمير، مستغرقاً في حواسّه، أسيراً لضرورات جسده وشهواته، كانت هذه الحاسّة فيه ضامرة لا تكاد تبين، فهذه الحاسّة لا تنشط إلاّ في ساعات الصفاء العقليّ والروحيّ والوجدانيّ، فعند ذلك تبلغ أقصى قوّتها.
فإذا شئنا أن نبحث عن هذه الظاهرة في حياة الإمام علي عليه السلام طالعتنا فيه على أتّم وأكمل ما تكون، فلقد بلغ من الصفاء الروحيّ حدّاً لم يُدانِه فيه إنسان على الإطلاق، ولم يزد عليه فيه إلاّ النبي صلی الله علیه وآله ، وتاريخ حياته عليه السلام سلسلة ذهبيّة من هذه الظواهر الرائعة الفاتنة.
وإذا صحّ أنّ تجرّداً وصفاء وقتّيين يقوم بهما إنسان عاديّ يتيحان له إطلاق قواه الخارقة، فما قولك فيمن كانت حياته كلها تجرّداً وصفاء لا يعدله في بني الإنسان صفاء؟
إنّ هذه الظاهرة التي تبدو لأعيننا في تاريخه علیه السلام لتدلّ أنّه علیه السلام كان يدخل في وسعه أن يُطلق قواه الخارقة متى أراد، وأن يعي ما غاب عنه في أحشاء الزمان وطوايا المكان متی شآء.
ويصدّق قولنا هذا ما أثبته المؤرّخون وتسالموا عليه من إخباراته
بالمغيّبات، وصدق ما أخبر به ووقوعه بعده بأزمان.
لقد تحدّث الأمام علیه السلام عن علمه بالمغيّبات فی مناسبات کثیرة منها قوله:«فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً ولَوْ قَد
فَقَدتُمونی ونَزَلَت بِکُم کَرائِهُ الاُمورِ وحَوازِبُ الخُطوبِ لَأَطرَقَ کَثیرٌ مِنَ السّائِلینَ ، وفَشِلَ کَثیرٌ مِنَ المَسؤولینَ».(ابن ابي الحدید مج 2ط 1 ص 174).
وقد ذكر علیه السلام أنّه استقى علمه هذا من رسول الله صلی الله علیه وآله ، فقد أتي في كلام له بعد أن هزم أصحاب الجمل في البصرة على ذكر بعض ما يلمّ بالبصرة من الخطوب، فذكر فتنة الزنج، وذكر التتر، فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك الإمام وقال للرجل: «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَ إِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ مَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»(1)فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلی الله علیه وآله فَعَلَّمَنِيهِ وَ دَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي. (ابن ابي الحديد مج 2 ط ا ص 361).
وقال علیه السلام:«أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي وَ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَ لَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلی الله علیه وآله وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَ لَا جَهِلَ السَّامِعُ». (ابن ابی الحدید مج 2 ط 1 ص 193).
قلنا: لقد أخبر علیه السلام عن البصرة وما يلمّ بها من الخطوب، وذلك بعد فراغه من أصحاب الجمل بقوله: «... وَايْمُ اللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ». وقد صدّقت الحوادث هذه النبوءة، فقد ذكر ابن أبي الحديد أنّ البصرة غرقت مرّتين مرّة في أيام القادر بالله، ومرّة في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلاّ مسجدها الجامع بارزاً کجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام، وخربت دورها وغرق كلّ ما في ضمنها وهلك كثير من أهلها، وأخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم. (الحديدي مج 1 ط1 ص 84).
1) لقمان:34.
وأخبر علیه السلام عن هلاك البصرة بالزنج، فقال مخاطباً الأحنف بن قیس بعد حرب الجمل: «يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَ لَا لَجَبٌ(أی صوت) وَ لَا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَ لَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِالْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَ خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ وَ لَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَ قَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَ نَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا»(الحدیدی مج 2 ط 1 ص 310).
هذه النبوءة صدّقتها الحوادث، ففي سنة خمسة وخمسين ومائتين ظهر المدعوّ علي بن محمد بن عبد الرحيم، وجمع الزنوج وخرج على المهتدي العبّاسي، واستشرى أمره، وكاد يبيد البصرة ویُفني أهلها، واستمرّت الحرب بينه وبين السلطة المركزيّة خمسة عشر عاماً، إلى أن قُتل في سنة سبعين ومائتين. وقد كتب ابن أبي الحديد فصلاً كبيراً عن هذه النبوءة في المجلّد الثاني من كتابه شرح النهج ص 310 و 361.
ولا يفوتنا التنبيه على تنبّؤه علیه السلام في النصّ الآنف بما ستكون عليه حال البصرة من الناحية العمرانيّة.
وأخبر علیه السلام عن هلاك البصرة بالتتر فقال:
«كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَ الدِّيبَاجَ وَ يَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ، وَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ وَ يَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ»(الحديدي مج 2 ط ا ص 361) وهذه النبوءة تحقّقت بظهور التتار واكتساحهم للممالك حتّى وصلوا إلى العراق، فلقيت البصرة منهم أعظم البلاء وأشنعه،فقد تکدّست الجثث فی الشوارع الأزقّة، وحلّ بالناس منهم خوف عظيم. وقد وقعت هذه الأحداث في زمن ابن أبي الحديد، فكتب عنها فصلاً كبيراً في المجلّد الثاني من كتابه «شرح النهج» ص 361.
وتنبّأ علیه السلام بما سيحلّ بالكوفة من الظالمين فقال:
«كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ أَوْ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ».(1)
وقد صدّقت الحوادث نبوءته، فقد تعاقب على الكوفة سلسلة من ولاة الجور وأعوان الظلمة، أذاقوها المصاب، وساموها العذاب، فزياد بن أبيه، وعبید الله بن زیاد، والحجّاج بن يوسف، ويوسف بن عمرو الثقفيّ، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن عبد الله القسري وأضرابهم، هؤلاء كلّهم أقاموا الحكم في الكوفة على ركام من الجماجم وأنهار من الدماء.
ورمی الله كلّ واحد منهم ببلاء: فمن ذلك أنّ زياد ابن أبيه جمع الناس في المسجد ليلعن علياً، فخرج الحاجب وقال: أيّها الناس انصرفوا فإنّ الأمير مشغول عنكم وقد أصابه الفالج في هذه الساعة، وابنه عبيد الله وقد أصابه الجذام، والحجّاج بن يوسف وقد تولّدت الحيّات في بطنه حتّى مات، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص، وخالد القسريّ وقد حُيس فطوّلت مدّته حتّى مات في الحبس جوعاً.
وتنبّأ علیه السلام بتغلّب معاوية على الخلافة، وسيطرته على الكوفة، وأنّه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسبّ الإمام والبراءة منه، فقال:
«أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ». (2)
هذه النبوءة تحقّقت بتمامها، فقد غلب معاوية بعد صلح الحسن علیه السلام وأمر الناس بسبّ الإمام عليه السلام والبراءة منه، وقتل طائفة من عظماء أصحابه لأنّهم ثبتوا على ولائه فلم يتبرّؤا منه، كحجر بن عديّ وأصحابه، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ ونظرائه.
وتنبّأ علیه السلام بما سيصير إليه أمر الخوارج من بعده، فقال مخاطباً الخوارج :
«...أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً».(1)
ولمّا قُتل الخوارج قيل له : هلک القوم بأجمعهم .قال:«كَلاّ و اللّه إنَّهُم نُطَفٌ في أصْلابِ الرِّجالِ و قَراراتِ النّساءِ كُلَّما نَجَمَ مِنهُم قَرْنٌ قُطِعَ حتّى يكونَ آخِرُهُم لُصوصا سَلاّبِينَ». (2)
وقد صحّت نبوءته، فلم يمض زمن طويل حتّى نجم أمرهم مرّة أخرى واستمرّت بينهم وبين السلطات المركزيّة المتعاقبة حروب طاحنة، وكانت نهايتهم أن صاروا قطّاع طرق ولصوصاً سلاّبين.
وتنبّأ بعدد من يُقتل من أصحابه، وبقدر من يبقى من الخوارج قبل أن يشتبك معهم في النهروان، فقال: «مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ _ النهر _، وَ اللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ» فلم يُقتل من أصحاب الإمام إلاّ ثمانية، ولم ينجُ من الخوارج إلاّ تسعة.(الحديدي مج ا ط ا ص 424).
وتنبّأ علیه السلام بخلافة مروان بن الحكم وبما سيحلّ بالأمّة منه ومن أولاده، فقال: « أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ وَ هُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ وَ سَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ».(3)
وقد تمّ كلّ ما قال: فقد كانت إمرة مروان قصيرة جدّاً، إذ لم تزد على تسعة أشهر، وكان له من الأبناء أربعة: عبد الملك عبد العزيز، بشر، محمد، ولي عبد الملك الخلافة، ملك عبد العزيز مصر، ولي محمد الجزيرة، ولي بشر العراق، وقد حلّ بالمسلمين منهم ظلم عظیم.
وتنبّأ علیه السلام عن ظلم بني أميّة فقال:«وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ، وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ
سُوءُ رَعْيِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ».(الحدیدی مج 2 ط 1 ص 186).
ولا يجهل أحد مبلغ ما نزل بالناس من ظلم بني أميّة وانتهاكهم للحرمات واستهتارهم بالفضيلة،حتّى صار خلفاوءهم مثلاً في الظلم والفسق والتهتّك.
وتنبّأ علیه السلام بولاية الحجّاج وبما سيحلّ بالعراق من بلوائه، فقال: «أَمَا وَاللهِ لَیُسَلَّطَنَّ عَلَیْکُمْ غُلاَمُ ثَقِیف الذَّیَّالُ الْمَیَّالُ یَأْکُلُ خَضِرتَکُمْ وَیُذِیبُ شَحْمَتَکُمْ إیِهٍ أبَا وَذَحَةَ».(1)
وقال من تتمة خطبة أخرى تنبّأ فيها بولاية الحجّاج بن يوسف الثقفي، ويوسف بن عمرو الثقفي: «وَسَتَلِيكُمْ مِنْ بَعْدِي وُلَاةٌ يُعَذِّبُونَكُمْ بِالسِّيَاطِ وِالْحَدِيدِ، وَسَيَأْتِيكُمْ غُلاَما ثَقِيفٍ أَخْفَشُ وَجعبوب، يَقْتُلانِ وَيَظْلِمَانِ، وَقَلِيلٌ مَا يَمْكُثَانِ».
قال ابن أبي الحديد (مج 2 ط 1 ص 133): «الأخفش ضعيف البصر خلقة، والجعبوب القصير الذميم، وهما الحجّاج بن يوسف، ويوسف بن عمرو الثقفي.
وفي كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: قاتلك الله أخيفش العينين، أصكّ الجاعرتین.
ومن كلام الحسن البصري يذكر فيه الحجّاج: أتانا أخفش أعَيمش يمد ّبید قصيرة البنان، ماعرق فيها عنان في سبيل الله. وكان المثل يُضرب بقصر يوسف بن عمرو، و كان يغضب إذا قيل له قصير.
ذكر ابن أبي الحديد (مج 1 ص 209) من كتابه «شرح النهج» عن الأعمش عن اسماعيل بن رجاء قال: قام أعشى باهلة _ وهو غلام يومئذ حدث _ إلى علي عليه السلام وهو يخطب ويذكر الملاحم فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة، فقال علي علیه السلام: «إنْ کنتَ آثماً فيما قلت یا غلام،
1) نفس المصدر 7: 277.»
فرماك الله بغلام ثقيف، ثمّ سكت، فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقیف یا أمیر المؤمنين؟ قال: غلام يملك بلدتكم هذه، لا يترك لله حرمة إلاّ انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام بسيفه، فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عشرين إن بلغها. قالوا: فيُقتل قتلاً أم يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه» قال إسماعيل بن رجاء: فو الله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد أحضر في جملة الأسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بين يدي الحجّاج، فقرّعه ووبخّه و استنشده شعره الذي یحرّض فيه عبد الرحمن على الحرب، ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس.
إنّ الشريف الرضي رَحمه اللهُ لم يذكر في «نهج البلاغة كلّ ما صحّ عن الإمام أمير المؤمنین علیه السلام من إخباره بالمغيّبات، ولكنّ ابن أبي الحديد قد سدّ هذا النقص حين أفاض في ذكر ما صحّ في هذا الباب. وممّا يحسن ذِكره هنا أنّ ابن أبي الحديد لم ينقل كلّما وقع إليه من إخبار الإمام عليه السلام بالمغيّبات، بل حقّق فيما وقع إليه من ذلك، فطرح المشتبه أمره وذكر ما صحّ عنه علیه السلام.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (مج 2 ط 1 ص 508) «... وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم، فوجدتُها تشتمل على ما يجوز أن يُنسب إليه وما لا يجوز أن يُنسب إليه، ووجدت في كثير منها اختلالاً ظاهراً، وهذه المواضع التي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة، بل من كلام وجدته متفرّقاً في كتب مختلفة».
و علّل ابن أبي الحديد هذه الظاهرة الفذّة في الامام بقوله:
«واعلم أنّه غير مستحيل أن تكون بعض الأنفس مختصّة بخاصيّة تدرك بها المغيّبات، ولكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كلّ المغيبات، لأنّ القوّة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية، وكلّ قوّة في نفس حادثة فهي متناهية، فوجب أن يُحمل کلام
أمير المؤمنين علیه السلام لا على أن يريد به عموم العالميّة، بل يعلم أموراً محدودة من المغيّبات ممّا اقتضت حكمة الباري سبحانه أن يؤهّله لعلمه...».
ولابن أبي الحديد هذا نصّ طويل ذكر فيه طائفة كبيرة من إخبارات الإمام بالمغيّبات، نذكره لطرافته ولما له من الصلة ببحثنا هذا على أن نتبعه بذکر ما أهمل ابن أبي الحديد ذكره في هذا النصّ، وذكره في مناسبات أخرى.
قال ابن أبي الحديد في المجلد الثاني ص 175 من كتابه شرح النهج:
«... وهذه الدعوى ليست منه علیه السلام إدّعاء الربوبيّة ولا ادّعاء النبوّة، ولكنّه كان يقول: إنّ رسول الله صلی الله علیه وآله أخبره بذلك، ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التي يُضرب في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين علیه السلام، وما قاله في کربلاء حيث مرّ بها. وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده. وإخباره عن الحجّاج وعن يوسف بن عمرو، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان. وما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يُقتل منهم وصلب من يُصلب. وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص إلى البصرة لحرب أهلها، وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه: «خبّ ضبّ يروم أمراً ولا يدرکه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بَعْدُ مصلوب قریش».
وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق، وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزیق وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده إسحاق بن ابراهيم، وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية. وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله: «و إنّ لآل
محمد بالطالقان لکنزاً سيظهره الله إذا شآء، دعاؤه حقّ حتى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله». و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله: «إنّه يقتل عند أحجار الزيت». وقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بياخمرا: «يُقتل بعد أن يظهر، ويُقهر بعد أن يَقهر» وقوله فيه أيضاً: «يأتيه سهم غرب تكون فيه منيّته، فیابؤساً للرامي شلّت يده ووهن عضده» و كإخباره عن قتلى (وَج) وقوله فيهم: «هم خير أهل الأرض» ، و كإخباره عن المملكة العلوية بالمغرب، وتصريحه بذکر کتامة وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم. وكقوله وهو يشير إلى أبي عبد الله المهدي وهو أوّلهم: «ثمّ يظهر صاحب القيروان الغضّ البَضّ.(1)ذو النسب المحض المنتخب من سلالة ذي البداء، المسجّى بالرداءه». وكان عبد الله المهدي أبيضاً مترفاً مشرباً بحمرة رخص البدن تار الأطراف، وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد عليهما السلام وهو المسجّى بالرداء، لأنّ أباه أبا عبد الله جعفر أسجاه بردائه لمّا مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته
وتزول عنهم الشبهة في أمره.
وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: «ويخرج من دیلمان بنو الصيّاد» أشار إليهم وكان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالی من ولده لصُلبه ملوكاً ثلاثة، ونشر ذرّيتهم حتّى ضُربت الأمثال بملكهم، وكقوله فيهم: «ثمّ يستشري أمرهم حتّى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء» فقال له قائل: فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: ماءة أو تزيد قليلاً، وكقوله فيهم: «و المترف بن الأجذم يقتله ابنُ عمّه على دجلة» وهو إشارة إلى عزّ الدولة بختیار بن معزّ الدولة أبي الحسن، وكان معزّ الدولة أقطع اليد قُطعت يده في الحرب، وكان ابنه عزّ الدولة بختيار مترفاً صاحب لهو وطرب، وقتله عضد الدولة فنا خسرو ابن عمه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب وسلبه ملکه.
1) وفي بعض المصادر «النضّ».
فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي ورتّب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتّب عوضه القادر، وكانت مدّة مُلكهم كما أخبر به علیه السلام.
وكإخباره علیه السلام لعبد الله بن العبّاس عن انتقال الأمر إلى أولاده، فإنّ علي بن عبد الله بن العباس لمّا ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي علیه السلام، فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: «خُذ إليك أبا الاملاك...».
وكم له علیه السلام من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصاءه لكرّسنا کراریس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة (شرح النهج مج 2، ط 1، ص 175).
ونأخذ الآن في ذكر ما أهمل بن أبي الحديد ذكره في النصّ السابق، وأتي على ذكره في مناسبات أخرى:
1_ لمّا شجرهم - أي الخوارج _ علي علیه السلام بالرماح قال: اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه طلباً شديداً حتّى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى، فأتي به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنّور، فكبّر علي وكبّر الناس معه.(1)
2_ قال علیه السلام لمن قال له: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر! بعد كلام: «و إنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله صلی الله علیه وآله . قال ابن أبي الحديد: وكان ابنه قاتل الحسين طفلاً يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي لعنه الله.(2)
3 _ وخطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفرت له. فقال
علیه السلام: «والله ما مات ولا يموت حتّی یقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمّاد» فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبیب بن حمّاد، وإنّي لك شيعة ومحبّ. فقال عليه السلام: أنت حبيب بن حماد؟ قال: نعم، فقال له ثانية: واللهِ إنّك لحبيب بن حمّاد؟ فقال: إي والله. قال: أما والله إنّك لحاملها، ولتحملنّها ولتدخلنّ بها من هذاالباب، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة. قال ثابت _ وهو راوي الحديث _: فو الله ما مات حتّى رأيت ابن زیاد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي عليه السلام وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، وحبيب بن حمّاد صاحب رایته، فدخل بها من باب الفيل. وفي المجلد 4 من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 17 اختلاف في الرواية.
4 _ كان علیه السلام جالساً في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حریث إذ أقبلت إمرأة مختمرة لا تُعرف، فوقفت فقالت لعلي علیه السلام: يا من قتل الرجال وسفك الدماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء. فقال علي عليه السلام: «وإنّها لهي هذه السلقلقة الجلعة المجعة، وإنّها لهي هذه الشبيهة بالرجال والنساء، التي ما رأت دماً قطّ» قال يزيد الأحمسي _ وهو راوية الحديث : فولّت هاربة منكّسة رأسها، فتبعها عمرو بن حریث، فلمّا صارت بالرحبة قال لها: والله لقد سررتُ بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل فادخلي منزلي حتّى أهب لك و أكسوك، فلمّا دخلت منزله أمر الجواري بتفتيشها و کشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت وسألته أن لا يكشّفها وقالت: أنا والله _ كما قال _ لي ركب النساء وأنثيان كأنثيين الرجال، وما رأيت دماً قط، فتركها وأخرجها ورجع إلى مجلسه مع الامام علیه السلام فحدّث بذلك.(1)
5_ قال عليه السلام لعمرو بن الحمق الخزاعي في حديث: «یاعمرو إنّك
1) نفس المصدر 2: 288.
لمقتول بعدي، وإنّ رأسك لمنقول، وهو أوّل رأس نُقل في الاسلام، والويل لقاتلك، أما إنّك لا تنزل بقوم إلاّ أسلموك برمّتك إلاّ هذا الحيّ من بني عمرو بن عامر من الأزد، فإنّهم لن يسلموك ولن يخذلوك» قال شمیر بن سدير الأزدي _ وهو الراوي _: فو الله ما مضت الأيام حتی تنقّل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب خائفاً مذعوراً حتّى نزل في قومه من بني خزاعة، فأسلموه فقُتل وحُمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أوّل رأس حُمل في الإسلام من بلد إلى بلد. (1)
قال الخوئي في كتابه (شرح النهج): ما رواه صاحب مدينة المعاجز عن الخصيبي مسنداً عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أرسل رسول الله صلی الله علیه وآله سريّة فقال: تصلون ساعة كذا وكذا من الليل أرضاً لا تهتدون فيها سيراً، فإذا وصلتم إليها فخُذوا ذات الشمال فإنّكم تمرّون برجل فاضل خيّر فتسترشدونه فيأبى أن يُرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه، ويذبح لكم كبشاً فيُطعمكم، ثمّ يقوم معكم فيرشدكم على الطريق، فاقرءوه مني السلام وأعلموه أنّي قد ظهرت في المدينة.
فمضوا فلمّا وصلوا إلى الموضع في الوقت ضلّوا، فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله صلی الله علیه وآله و خُذوا ذات الشمال، ففعلوا فمرّوا بالرجل الذي وصفه رسول الله صلی الله علیه وآله ، فاسترشدوه الطريق، فقال: إنّي لا أرشدكم حتّى تأكلوا من طعامي، فذبح لهم كبشاً، فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق، فقال: أظهر النبي صلوات الله عليه وآله بالمدينة؟ فقالوا: نعم، فأبلغوه سلامه، فخلّف في شأنه من خلّف ومضى إلى رسول الله
1) شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید 2: 290.
صلی الله علیه وآله وهو عمرو بن الحمق الخزاعي ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن عمرو بن سعد بن کعب، فلبث معه ما شاء الله.
ثمّ قال له رسول الله صلی الله علیه وآله : ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إليّ منه، فإذا نزل أخي أمير المؤمنين الكوفة وجعلها دار هجرته فأتِه.
فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه، حتّی إذا نزل أمير المؤمنین علیه السلام أتاه فأقام معه في الكوفة.فبينا أمير المؤمنين جالس وعمرو بين يديه فقال له: يا عمرو ألك دار؟ قال نعم، قال: بعها واجعلها في الأزد فإنّي غداً لو قد غبت عنكم الطُلبت فتبعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّهاً نحو الموصل، فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده فتستسفيه الماء فيسقيكه ويسألك عن شأنك فتخبره، وستصادفه مقعداً فادعه إلى الإسلام فإنّه يُسلم، فإذا أسلم فامرر بيدك على ركبتيه فإنّه ينهض صحيحاً سليماً ويتبعك.
وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصّتك وما الذي أخافك وممّن تتوقّع، فحدّثه بأن معاوية طلبك ليقتلك ويُمثّل بك الايمانك بالله وبرسوله صلی الله علیه وآله وطاعتك لي وإخلاصك في ولايتي ونصحك لله تعالى في دينك، فادعه إلى الإسلام فإنّه يُسلم، فامرر يدك على عينيه فإنّه يرجع بصيراً بإذن الله فيتبعانك ويكونان معك، وهما اللذان يُواریان جثّتك في الارض.
ثم ّتصير إلى الدير على نهر يدعى بالدجلة فإنّ فيه صديقاً عنده من علم المسيح علیه السلام ما تجده لك أعون الأعوان على سرّك، وما ذاك إلاّ ليهديه الله، فإذا أحسّت بك شرطة ابن أم الحكم وهو خليفة معاوية بالجزيرة ويكون مسکنه بالموصل فاقصد إلى الصدّيق الذي في الدير في أعلى الموصل فناده فإنّه يمتنع عليك، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إياه فإنّ الدير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته، فإذا رآك ذلك الراهب الصديق قال لتلميذ معه: ليس هذا أوان المسيح، هذا شخص کریم، و محمد قد توفّاه الله، ووصيّه قد استشهد بالكوفة وهذا من
حواريه، ثمّ يأتيك ذليلاً خاشعاً فيقول لك: أيّها الشخص العظيم قد أهّلتني لما لم استحقّه، فبم تأمرني! فتقول: استر تلميذيّ هذين عندك، وتشرف على ديرك هذا فانظر ماذا ترى؟ فإذا قال لك: إنّي أرى خيلاً غامرة نحونا، فخلّف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك واقصد نحو غار على شاطيء الدجلة تستتر فيه، فإنّه لا بدّ من أن يسترك، وفيه فسقة من الجنّ والانس، فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ يظهر لك بصورة تنين فينهشك نهشاً يبالغ في إضعافك، فينفر فرسك، فتبدر بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو ويقفون أثره.
فإذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين دجلة والجادّة، فقف لهم في تلك البقعة فإنّ الله جعلها حفرتك، فالقهم بسيفك فاقتُل منهم ما استطعت حتّى يأتيک أمر الله، فإذا غلبوك حزّوا رأسك وشهروه على قناة إلى معاوية، ورأسك أوّل رأس شهر في الإسلام من بلد إلى بلد.
ثم بكى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: بنفسي ريحانة رسول الله صلی الله علیه و آله وثمرة فؤاده وقرّة عينه ابني الحسين، فإنّي رأيته يسير وذراريه بعدك يا عمرو من کربلا بغربيّ الفرات إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله.
ثمّ ينزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواریان جسدك في موضع مصرعك، وهو من الدير والموصل على مأة وخمسين خطوة من الدير.(1)
6 _ قال ابن أبي الحديد: دخل جويرية بن مسهر العبدي علي علي عليه السلام يوماً وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيّها النائم استيقظ، فلتضربنّ على رأسك ضربة تُخضب بها لحيتك. قال حبّة العرني _ وهو الراوي _ فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: «وأحدّثك باجويرية بأمرك، أما والذي
1) مدینه المعاجز 179 - 182/ح 820.
نفسي بيده لتأتينّ إلى العُتلّ الزنيم، فليقطعنّ یدك ورجلك، وليصلبنّک تحت جذع کافر» قال حبّة العرني: فوالله ما مضت الايام على ذلك حتّى أخذ ابن زیاد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مکعبر، و کان جذعاً طويلاً فصلبه على جذع قصير إلى جانبه.(1)
7 _ قال الامام عليه السلام لميثم التمّار بمحضر من خلق كثير من أصحابه، وفيهم الشاكّ والمخلص: «یا میثم إنّك تؤخذ بعدي وتُصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً حتّي تخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طُعنت بحرية تقضي عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تُصلب فيه على باب دار عمرو بن حریث، إنّك عاشر عشرة أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهّرة _ يعني الأرض _ ولأرينّك النخلة التي تُصلب على جذعها، ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين. وقد تحقّقت هذه النبوءة بحذافيرها كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في حديث طويل يضيق به المقام في المجلد 1، ص 210 من شرحه.
8 _ روی إبراهيم بن العباس النهدي في سند ينتهي إلى زياد بن النضر
الحارثي أنّه قال: كنت عند زیاد وقد أتي برُشيد الهجري و كان من خواصّ أصحاب علي علیه السلام، فقال له زیاد: ما قال لك خليلك إنّا فاعلون بك؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأكذّبنّ حديثه، خلّوا سبيله، فلمّا أراد أن يخرج قال: رُدّوه، لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لناسوء إن بقيتَ، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه
1) شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید 2: 291.
وهو لا يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه، فقال رشید: قد بقي لكم عندي شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زیاد: اقطعوا لسانه، فلمّا أخرجوا لسانه ليقطع، قال: نفّسوا عني أتكلّم كلمة واحدة، فنفّسوا عنه فقال: هذا والله تصدیق خبر أمير المؤمنين علیه السلام، أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه. (ابن ابی الحدید مج 1، ط 1، ص 310).
9 _ حدّث سعد بن وهب فقال في حديث: فأتيته _ يعني علياً _ في كربلاء، فوجدته يُشير بيده ويقول: «هنا ههنا، فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ثقل لآل محمد ينزل ههنا، فويلٌ لهم منكم، وويلٌ لكم منهم. فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: ويلٌ لهم منكم تقتلونهم، وويلٌ لكم منهم يُدخلكم الله بقتلهم النار» (ابن ابي الحديد مج 1، ط 1، ص 278).
10 _ قال ابن أبي الحديد في المجلد الثاني من شرح النهج، ط 1، ص 508: ومن عجیب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم، وهو يشير إلى القرامطة: «ينتحلون لنا الحبّ والهوى، ويُضمرون لنا البُغض والقِلي، وآية ذلك قتلهم ورّاثنا وهجرهم أحداثناء وصحّ ما أخبر به لأنّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقاً كثيرة وأسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، ومرأبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغري والحائر فلم يعرج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف. وفي هذه الخطبة قال عليه السلام وهو يشير إلى السارية التي كان يستند إليها في مسجد الكوفة: «كأنّي بالحجر الاسود منصوباً ههنا، ويحهم إنّ فضيلته ليست في نفسه بل في موضعه وأسّه، يمكث ههنا برهة ثمّ هاهنا برهة _ وأشار إلى البحرين _ ثمّ يعود إلى مأواه وأمّ مثواه» ووقع الأمر في الحجر الاسود بموجب ما أخبر به علیه السلام.
11 _ ذكر ابن أبي الحديد (مج 1 من شرح النهج ص 278) عن أبي
عبيدة، عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع علي علیه السلام صفّین، فلمّا نزل کربلاء صلّی بنا، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال: «واها لك یا تربة، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب»قال فلمّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير _ وكانت من شيعة علي _ حدّثها فيما حدث، فقال لها: ألا أعجبك من صاحبك أبي حسن؟ قال: لمّا نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من تربتها فشمّها وقال: واهاً لك أيتها التربة، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب. وما علمه بالغيب؟! فقالت المرأة له: دعنا منك أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلاّ حقّاً. قال: فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين علیه السلام كنت في الخيل التي بعث إليه، فلمّا انتهيت إلى الحسين علیه السلام وأصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحسين فسلّمت عليه وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين عليه السلام: أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك، تركت ولدي وعيالي بالكوفة وأخاف عليهم من ابن زیاد. فقال الحسين علیه السلام : فولّ هرباً حتّى لا ترى مقتلنا، فوالذي نفسُ حسينٍ بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد ثمّ لا يُعيننا إلاّ دخل النار. قال: فأقبلت في الأرض اشتدّ هرباً حتّى خفي عليَّ مقتلُهم.
إلى غير ذلك ممّا لا نطيل بروايته، وقد وضح و اتّضح ممّا أوردناه من الأخبار تصديق ما ذكره علیه السلام في هذه الخطبة من علمه بالغيب وأنّه يعلم أعمال الناس وأفعالهم، ويطّلع على ما أعلنوه وما أسرّوه، ويعرف مهلك من يهلك، ومنجی من ينجو، ويخبر من ذلك ما يتحمّل على من يتحمّل من خواصه وبطانته وشیعته، ومن رام الوقوف على أكثر ممّا ذكرناه هنا فليرجع إلى كتابنا (مسند الإمام علي) في باب إخباره بالملاحم.
قال لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له: إن سرت یا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم.
فقال علیه السلام: «أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَ تُخَوّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتي مَنْ سَارَ فِيها حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَ اسْتَغْنَى عَنِ الْاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الَمحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَ تَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَن يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبّهِ؛ لِأَنَّكَ بزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتي نَالَ فِيها النَّفْعَ، وَ أَمِنَ الضُّرَّ، ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّها تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ وَ الْمُنَجّمُ كالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ كالْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ».
(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 71، ط الأولى).
قال الشارح الخوئي قدس سرّه: إن هذا الكلام قاله علیه السلام لمّا عزم على المسير إلى حرب الخوارج، فقال له بعض أصحابه _ وهو عفيف بن قيس أخو الأشعث بن قيس الكندي الملعون رأس المنافقين ومثير الفتن في أيام خلافة أمير المؤمنين، ولا سيّما في وقعة صفّين.
وكيف كان فقال له عفيف: «يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك» الذي هو الغلبة على أهل النهر (من طريق علم
النجوم) فقال له علیه السلام على سبيل الاستفهام التقريري «أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي مَن سار فيها صُرف عنه السوء» لسعود الساعة، «وتُخوِّف من الساعة التي مَن سار فيها حاق به الضرّ» وأحاط به سوء الحال بملاحظة نحوس الساعة، «فمن صدّقك بهذا فقد کذّب القرآن» أي من صدّقك بدعواك العلم بالساعتين فقد كذّب كتاب الله، لأنّ الله تعالى يقول:
«وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا»(1)«قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ»(2)«وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ».(3)
إلى غير ذلك ممّا أفاد انحصار العلوم الغيبية في الله سبحانه.
وقال العلاّمة المجلسي قدس سرّه: ويمكن حمل الكلام على وجه آخر، وهو أنّ قول المنجّم بأنّ صرف السوء ونزول الضر تابع للساعة، سواء قال إنّ الأوضاع العلوية مؤثّرة تامة في السفليّات ولا يجوز تخلّف الآثار عنها، أو قال بأنّها علامات تدل على وقوع الحوادث حتماً، فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنّه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت، وأنّه يقبض ويبسط ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولم يفرغ من الأمر، وهو تعالی كلّ يوم في شأن. والظاهر من أحوال المنجّمين السابقين و كلماتهم جلّهم _ بل كلّهم _ أنّهم لا يقولون بالتخلّف وقوعاً أو إمكاناً، فيكون تصديقهم مخالفاً لتصديق القرآن وما عُلم من الدين والايمان من هذا الوجه.
ولو كان منهم من يقول بجواز التخلّف ووقوعه بقدرة الله واختياره، وأنّه تزول نحوسة الساعة بالتوكّل و الدعاء والتوسّل والتصدّق، وينقلب السعد نحساً
والنحس سعداً، وبأنّ الحوادث لا يعلم وقوعها إلاّ إذا علم أنّ الله سبحانه لم تتعلّق حكمته بتبديل أحكامها، كان كلامه عليه السلام مخصوصاً بمن لم یکن كذلك، فالمراد بقوله «صُرف عنه السوء وحاق به الضرّ» أي حتماً هذا.(1)
ولمّا نبّه على فساد زعم المنجم بكون تصديقه موجباً لتكذیب كلام الله سبحانه، نبّه على فساده ثانیاً بقوله: (واستغنی) أي مصدّقُك و متّبعك (عن الاستعانة بالله) تعالى (في نيل المحبوب ودفع المكروه) لأنّك إذا كنت عارفاً بالساعة السعد والساعة النحس وهادياً إليهما فيهتدي بك التابعون لك والمصدّقون بك، وتراقبون سعد الساعات فينالون الخير والسعادة، ويتّقون نحسها فيسلمون من النحوسة والكراهة، فيلزم على ذلك استغناؤهم بك عن الله، وغناهم برأيك عن اللجأ إلى الله والفزع إليه سبحانه.
وأيضاً ينبغي في قولك للعامل بأمرك أن يُوليك الحمد دون ربّه، لأنّك _ بزعمك _ أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن فيها الضّر، فكنت أنت المنعم عليه بتلك النعمة، فلابدّ أن تستحقّ الحمد والثناء بذلك، ولزم أن يكون حمده على تلك النعمة راجعاً إليك.(2)
(ثم) إنّه علیه السلام بعد التنبيه على فساد زعم المنجّم بالوجوه الثلاثة (أقبل على الناس) ونهاهم عن الأخذ بالنجوم وحذّرهم عن تعلّمها، فقال: «أيّها الناس إيّاكم و تعلّم النجوم».
1) بحار الأنوار 55: 258 - 259.
2) ذكر الصفوري في نزهة المجالس ج 2 ص 207 ط مطبعة الأزهرية بمصر سنة 1345 ها 1937م: دخل علي مدينة فوجد فيها منجّماً يدّعي معرفة الغيب وعنده خلق كثير، فقال له علي رَضی الله عَنهُ: أنت في ضيافتي، فأعطاه رغيفاً وأخذ علي رغيفاً، وقال: كلّ واحد منا يثرد رغيفه في هذا الطعام، ثم قال له: میّز رغيفك من رغيفي، فقال: لا أعلم، فقال: رغيف ثردنه بيدك عجزت عن معرفته،فكيف تدّعي الغيب، فقال: يا أمير المؤمنين أأنت تعرف رغيفك؟ قال: لا، ولكنّي أسأل الله إلهي أن يميزه، فارتفع رغيفه فأكل منه نحو ثلاثة آلاف رجل من أهل تلك المدينة.
قال الشارح البحراني قدس سرّه: الذي يلوح من سرّنهي الحكمة النبويّة عن تعلّم النجوم أمران:
الأوّل: اشتغال متعلّمها بها، واعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون ويخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب والأوقات، والاشتغال بالفزع إليه وإلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى الله والغفلة عن الرجوع إليه فيما بهم من الأحوال، وقد علمت أنّ ذلك يضادّ مطلوب الشارع، إذ كان غرضه ليس إلاّ دوام التفات الخلق إلى الله وتذكّرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه.
الثاني: أنّ الأحكام النجوميّة إخبارات عن أمور ستكون، وهي تشبه الاطّلاع على الأمور الغيبيّة، وأكثر الخلق من العوامّ والنساء والصبيان لا يميّزون بينها وبين علم الغيب والإخبار به، فكان تعلّم تلك الأحكام والحكم بها سبباً الضلال كثير من الخلق و موهناً لاعتقاداتهم في المعجزات أو الإخبار عن الكائنات منها، وكذلك في عظمة بارئهم، وتشكّكهم في عموم الآيات الدالّة على اختصاص علم الغيب بالله سبحانه، وكان هذان الوجهان هما المقتضیان التحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوها.
وكيف كان، فلمّا نهى الناس عن تعلّم النجوم بالوجهين الذين عرفت استثنی عن ذلك قوله: «إلاّ ما يُهتدي به في برّ أو بحر» لعدم استلزام تلك الجهتين المذكورتين، وقد نصّت على جواز الاهتداء بها الآيات الكريمة مضافة إلى الأخبار الكثيرة، قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»(1)وقال تعالى: «وعلامات وبالجم هم بهتون».(2)
قال الطبرسي: لأنّ من النجوم مایکون بين يدي الإنسان، ومنها ما يكون
خلفه، ومنها ما يكون عن يمينه، ومنها ما يكون عن يساره، ويُهتدى بها في الأسفار وفي البلاد وفي القبلة وأوقات الليل، وإلى الطرق في مسالك البراري والبحار.(1)وقيل: أراد الاهتداء به في القبلة. قال ابن عباس: سألت رسول الله صلی الله علیه وآله عنه فقال: «الجدي علامة قِبلتكم، وبه تهتدون في برّكم وبحر كم».(2)
قال الشارح الخوئي قدس سرّه: وهذه الرواية موافقة لما رواه الصدوق مرسلاً قال: قال رجل للصادق علیه السلام: «أنا أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل. قال: أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت: نعم. قال: اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك».(3)
وروى أيضاً محمد بن سنان عن أحدهما علیهما السلام قال: سألته عن القبلة قال: ضع الجدي في قفاك وصلِّ.(4)
هذا ولا ينحصر جواز تعلّمها فيما ذُكر، بل ربّما يجوز التعلّم لما يترتّب عليها من الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بها في أبواب العبادات والمعاملات، بل قد يجب لوجوب الحكم المترتّب عليها، فيجب معرفتها من باب المقدّمة مثلاً لوجوب معرفة الأوقات الخمسة للصلاة، ومعرفة الحول المضروبة للزكاة وإتيان الحجّ والعمرة في الأشهر المعلومات، وضبط عدد الحولين لرضاع الحاملات، وتعيين أيام العدّة للمتوفّى عنها زوجها وللحامل وسائر المطلّقات، والعلم بما ضرب للدَّين المؤجّل من الأوقات، كما أشير إلى ذلك في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:
«أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ»(5)وقال: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ»(1)وقال: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ».(2)
وقوله علیه السلام: «فإنّها تدعو إلى الكهانة» تعليل للنهي عن النجوم.
والكِهانة بالكسر، قال في البحار: هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له، بحيث يأتيه بالأخبار الغايبة، وهي قريبة من السحر، قيل قد كان في العرب كهنة کشقّ وسطیح وغيرهما، فمنهم من يزعم أنّ له تابعاً من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات وأسباب يستدّل بها على مواقعها من كلام ممّن يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصّونه باسم العرّاف، كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق و مكان الضالّة ونحوهما.
ودعوة معرفة النجوم إلى الكهانة إمّا لأنّه ينجرّ أمر النجم إلى الرغبة في تعلّم الكهانة والتكسّب به، أو ادّعاء ما يدّعيه الكاهن.
ثمّ إنّه شبّه المنجّم بالكاهن وقال: المنجّم کالكاهن، ووجه الشبه إمّا الاشتراك في الإخبار عن الغائبات أو في الكذب والإخبار بالظنّ والتخمين والاستناد إلى الإمارات الضعيفة والمناسبات السخيفة، أو في العدول والانحراف عن سبيل الحقّ و التمسّك في نيل المطالب ودرك المأرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة وصدّهم عن التوسّل إلى الله بالدعاء والصدقة وسائر أصناف الطاعة، أو في البُعد عن الرحمة والمغفرة.
وتجري بعض هذه الوجوه في التشبيهين في قوله علیه السلام: «والكاهن کالساحر، والساحر کالكافر» والمشبّه في التشبيهات أقوى.
والسحر _ على ما قيل _ کلام أو كتابة أو رُقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث
بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته، وإلقاء البغضاء بين الناس، ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبسّهم ببدن صبيّ أو امرأة و كشف الغائبات على لسانه انتهى.(1)
والظاهر أنّه لا يختصّ بالضرر، بل ربّما يفعل لعباً أو لإبداء أمر غريب. وعن صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين، ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتّى تظنّ أنّ الأمر كما ترى وليس الأمر كما ترى، فالسحر عمل خفيّ الخفاء سببه يصوّر الشيء بخلاف صورته ويقلبه من جنسه في الظاهر ولا يقلبه من جنسه في الحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى:
«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ».(2)
قال الشيخ في محكيّ كلامه عن التبيان: قيل في معنى السحر أربعة أقوال:
أحدها: أنّه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة يخيّل إلى المسحور أنّها حقيقة.
والثاني: أنّه أخذ بالعين على وجه الحيلة.
والثالث: أنّه قلب الحيوان من صورة إلى صورة وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الإنسان حماراً وينشئ أجساماً.
والرابع: أنّه ضرب من خدمة الجنّ. وأقرب الأقوال الأوّل، لأنّ كلّ شيء خرج عن العادة الجارية فإنّه سحر لا يجوز أن يأتي من الساحر، ومن جوّز شيئاً من هذا فقد کفر، لأنّه لا يمكن مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوات، لأنّه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر، وفي الرياض والسحر عرّف تارة بما في الكتاب، قال تعالى:
«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ».(3)(4)
وفي الاحتجاج: من أكبر السحر النميمة يفرّق بها بين المتحابّين، وتجلب العداوة بين المتصافيين.(1)قيل: ومنه استخدام الجنّ، وعرف بأنّه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانيّة يقتدر بها على أفعال غريبة وأخرى لوجه يدخل فيه علم الطلسمات والنيرنجات وغير ذلك، وذلك أن يقال: هو استحداث الخوارق إمّا بمجرد التأثيرات النفسانيّة وهو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيّات فقط وهو دعوة الكواكب، أو على تمزيج القوى السماويّة بالقوى الأرضيّة، وهو الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة، وهو العزائم، قيل: والكلّ حرام في شريعة الإسلام.
وظاهره إجماع المسلمين عليه، وهو الحجّة مضافاً إلى النصوص المستفيضة منها، ويدخل فيه النيرنجات على ما ورد في الساحر أنّ دم الساحر حلال، وأن تعلّم السحر آخر العهد بالله تعالى، وحدّه القتل ونحو ذلك، وظاهرها التحريم مطلقاً، وقد استُثني منه السحر للترقّي ودفع المتنبّي، وربّما وجب كفايةً.
وروي في العيون في تفسير آية «هَارُوتَ وَمَارُوتَ»(2)أنّه كان بعد نوح قد كثرت السحرة والمموّهون، فبعث الله ملكين إلى نبيّ ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويردّ به کیدهم، فتلقّاه النبي من الملكين وأدّاه إلى عباد الله بأمر الله أن يقفوا به على السحر وأن يُبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس،(3)وربما خصّت روايات الحلّ بغير السحر كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها جمعاً، وهو أحوط.
ثمّ إنّه علیه السلام بعد تشبيه المنجم بالكاهن، والكاهن بالساحر، والساحر بالكافر، أشار بقوله: «والكافر في النار» إلى نتيجة الجميع وهو دخول النار، إمّا على وجه الخلود _ كما في الكافر _ أو لا كما في غيره.
استعرض العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (علي والقرآن) قول الإمام علیه السلام: «الكاهن كالساحر، والساحر کالكافر، والكافر في النار».
ثمّ قال: «وكلّنا يعرف القصّة المشهورة: حين أراد السفر إلى بعض أسفاره، وقال له بعض أصحابه: إن سرتَ في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمرادك. فأجابه الإمام: من صدّقك بهذا القول فقد كذّب القرآن».(1)
ورأى ذات يوم منجّماً فسأله مُنكراً: أتدري ما في بعض هذه الدابّة أذَکَرٌ أو أنثی؟ ! من صدّقك فقد کذّب القرآن: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ».(2)
وقال الإمام جعفر الصادق علیه السلام: «المنجّم،والکاهن ملعون،والساحر ملعون».(3)
وقال علماء الإماميّة: «من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمّد صلی الله علیه وآله».(4)
وأطالوا الكلام في هذا الباب، فشدّدوا النكير على من سلك غير طريق الحقّ والعلم، واستعمل الغشّ والكذب والرياء والتدليس في معاملاته وأقواله وأفعاله، وعلّلوا ذلك بأنّه بدعة في الدين وإخلال في النظام وإفساد للأخلاق الإنسانيّة، وأجمعوا على أنّ من عمل بالسحر يُقتل إن كان مسلماً، ويؤدّب إن كان كافراً، والآن يتّجه هذا السؤال: إذا كان السحر والكهانة والإخبار بالغيب
محرّماً عند علي وشیعته، فكيف أخبر علیه السلام بحوادث تقع بعد زمانه؟ فمن الجائز من الوجهة المنطقيّة أن يحدّد العلماء وقت الكسوف والخسوف استناداً إلى قياساتهم لدورات الأرض، أمّا أن يتنبّأ متنبّئ بحدوث حريق في مكان معيّن بعد عشرات السنين، أو بقيام ثورة في بلد من البلدان، أو بأنّه سيخلق من صُلب فلان حاكماً أو عالماً، أمّا هذا التنبؤ وما إليه ممّا لا تناله الخبرة العلمية فمستحيل.
ويمكننا أن نستخرج الجواب عن هذا السؤال من الإمام علیه السلام: «من أفتى بغير علمٍ لعنته الأرضُ والسماء».(1)«لا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم».(2)«ما من حركة إلاّ وتحتاج إلى علم».(3)وما إلى ذلك، ولو جُمعت أقواله في هذا الباب لجاءت في كتاب.
وما كان الإمام لينهي عن خُلقٍ ويأتي مثله. إذن لا بدّ أن يكون إخباره عمّا يقع في المستقبل تعلّماً من ذي علم، كما أشرنا إليه في بحث الملاحم وإخباره بالمغيبات حين أجاب من قال له: لقد أعطيت يا أمير المؤمنین علم الغيب ؟! فقال عليه السلام: «ليس هو علم غيب، وإنّما تعلّمٌ من ذي علم».(4)
وذو العلم الذي عناه الإمام وأخذ عنه هو النبيّ بالذات، فكلّ ما أخبره به ممّا لا يمكن معرفته بالنهج العلميّ فقد تعلّمه عن الرسول صلی الله علیه وآله، و تلقّاه الرسول وحياً من الله عزّوجَل «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ»(5)والرسول بدوره يُطلع من ارتضی من وليّ حسب ما تستدعيه المصلحة.
1) المحاسن للبرقي 1: 205 ح 58 و 59؛ دعائم الإسلام 1: 96.
2) وسائل الشيعة 15: 169/ ح 20224، وفيه «ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم».
3) تحف العقول: 171؛ مستدرك الوسائل 17: 268، وفيهما «ما من حركة الاّ وأنت محتاج فيها إلى المعرفة».
4) نهج البلاغة 2: 10؛ الصراط المستقيم للبياضي 1: 167.
5) الجن: 27.
وقد أخبر النبي صلی الله علیه وآله بمغيّبات كثيرة تحقّق قسم منها قبل زماننا، وقسم تحقّق في هذا الزمان، فمن القسم الأول: قوله صلی الله علیه وآله أنّ المسلمين بعده يحكمون ويفتحون كنوز کسری وقيصر،(1)وقوله لأم الفضل حين ولدت عبد الله بن العباس: «إذهبي بأبي الخلفاء»،(2)ومنها قوله لعلي علیه السلام: «ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقین»،(3)«وأنّه لا يموت حتّى تُخضب لحيته من هامته».(4)
ومنها قوله صلی الله علیه وآله لقيس بن خرشة العبيسي وقد قال له: يا رسول الله أبايعك على ما جاء من الله وعلى أن أقول الحقّ. قال: يا قيس عسى إن مرّ بك الدهر أن يليك ولاة لا تستطيع أن تقول معهم الحقّ، فقال قيس: لا والله لا أبايعك على شيء إلاّ وفيتُ به، فقال له رسول الله: إذاً لا يضرّك شيء، و كان قيس يعيب زیاداً وابنه عبيد الله بن زیاد و من بعده، فبلغ ذلك عبيد الله بن زیاد فأرسل إليه فقال له: أنت الذي تفتري على الله وعلى رسوله؟ فقال: لا والله ولكن إن شئت أخبرتُك بمن يفتري على الله وعلى رسوله، قال: ومن هو؟ قال: مَن ترك العمل بكتاب الله وسنّة رسوله صلی الله علیه وآله، قال: ومن ذلك؟ قال: أنت وأبوك ومن أمرّ كما، قال: وأنت الذي تزعم أنّك لا يضرّك بشر؟ قال: نعم. قال: لتعلمنّ اليوم أنّك كاذب، آتوني بصاحب العذاب، فمال قيس عند ذلك فمات. السيرة الحلبية مج3 ص 32 ط _ 2 مطبعة الأزهرية بمصر.
و تنبحها كلاب الحوأب جاء في السيرة الحلبية مج 3، ص 320 ط 2، مطبعة الأزهرية بمصر:
«ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزوجاته: أيتّكنّ تنبحها كلاب الحوأب؟ وأيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب؟ يُقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت، فكانت تلك عائشة، فإنّه لما قتل عثمان بن عفان كانت عائشة بمكّة لأنها خرجت إلى مكّة وهو محاصر، و كلّمها مروان بن الحكم في عدم الخروج وقال لها: لا تخرجي يا أماه، فجاء إليها طلحة والزبير بعد أن بايعا علياً علی کره، واستأذنا علياً _ كرم الله وجهه _ في العمرة، فأذن لهما فقدما مكّة، وخرجت بنو أمية من المدينة ولحقت بمكّة قبل المبايعة لعلي، فخرج مروان وغيره من أهل المدينة، وجاء إلى عائشة يعلى بن أمية و كان عاملاً لعثمان باليمن فلمّا بلغه حصار عثمان قدم لنصرته فسقط من على بعيره في أثناء الطريق فکُسر فخذه وبلغه قتل عثمان، فلا زالوا بعائشة حتى وافقت على الخروج إلى العراق في طلب دم عثمان، ودفع لها ذلك الجمل يعلى بن أمية، اشتراه بمائتي دینار، وأعان الزبير بأربعماءة ألف دينار وصار يقول: من خرج في طلب دم عثمان فعليَّ جهازه، فحمل سبعين رجلاً من قريش، وطلبت عائشة عبد الله بن عمر أن يكون معها: فقال: معاذ الله أن أدخل في الفتنة، ويقال أن طلحة والزبير دعوا عبد الله بن عمر إلى الخروج معهم فقال لهم: أما تخافون الله أيها القوم وتدعوا هذه الأباطيل عنكم، وكيف أضرب في وجه علي بن أبي طالب _ کرم الله وجهه _ بالسيف وقد عرفت فضله وسابقته ومكانته من رسول الله صلی الله علیه وآله، وإنّكما بایعتماه وسألتماه القيام بهذا الأمر ثم نکثتما بعد أن جعل الله عليكما شهیداً، وإنه ما غيرّ ولابدّل، والقاتل لعثمان أخو زعيمتكم ورئيستكم يعني عائشة وأخوها محمد بن أبي بكر، فلما كانت عائشة في أثناء الطريق سمعت
كلاب تنبح، فسألت عن ذلك المحل، فقيل لها: هذا الحوأب، فأرادت الرجوع لمّا تذكرت ما قال لها رسول الله، فصرخت وأناخت بعيرها وقالت: والله أنا صاحبة الحوأب، ردّوني ردّوني، فعند ذلك أحضر طلحة والزبير خمسين وشهدوا أن هذا ليس بماء الحوأب وأن المخبر لها كذاب. قال الشعبي وهي أوّل شهادة زور وردت في الإسلام، وبالتالي سارت معها ونشبت الحرب حتی قُتل بسببها من المسلمین عشرة آلاف، ويقال اثنا عشر ألفاً».
ومنها قوله لأبي ذر: «كيف بك إذا أخرجوك من مكانك هذا»(1)مشيراً إلى قصّته مع عثمان ونفيه إلى الربذة.
ومنها قوله يوم بدر لعمّه العبّاس: «أين المال الذي استودعته زوجتك أم الفضل؟»(2)وكان العبّاس ادّعى أنّه لا مال عنده.ومنها قوله لابنته فاطمة علیها السلام: «إنّك أوّل أهلي لحاقاً بي »(3)فكان كما قال صلی الله علیه وآله.
ومنها قوله لعمّار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية، و آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن»(4)فقتله معاوية يوم صفين بعد أن شرب اللبن.
ومنها إخباره عن قتل ذي الثديّة رئيس الخوارج،(5)فقُتل يوم النهروان. ومنها قوله للزبير: «ستقاتل علياً وأنت ظالم له»(6)فخرج عليه يوم الجمل. ومنها ما أخبر به صلی الله علیه وآله عن بني مروان إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباده خولاً، ودینه دغلاً».(7)
ومنها أن كسرى ملك الفُرس أرسل رسله ليأتوه بالنبي صلی الله علیه وآله حيّاً وميتاً، فلما وصلوا إليه أخبرهم بأن كسرى قتله ولده شیرویه(1)، فجاء الحديث موافقاً.
ومنها إخباره عن وقعة الحرّة.(2)
ومنها قوله: «إنّ زيد بن صوحان أحد الصحابة سيسبق منه عضو إلى الجنّة،(3)فقُطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله..
ومنها إشاراته وتلويحاته المتكرّرة إلى ما حدث لأهل بيته من بعده.(4)وما إلى هذه ممّا لايُحصي عددها، وهي مذكورة في أبواب شتّی من کتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة.
ومن القسم الثاني _ أي المغيّبات التي تحقّقت في هذا العصر _ ما جاء عن النبي صلی الله علیه وآله في صحيح البخاري (الجزء التاسع صفحة 73 طبعة محمد علي صبيح) قال صلی الله علیه وآله: «يوشك أن ينحسر الفرات عن كنز من الذهب». إشارة إلى البترول.
وفي الكتاب المذكور صفحة 61: «سيتقارب الزمان وينقص العمل» إشارة إلى سرعة المواصلات والاستغناء بالآلات الفنّية عن اليد العاملة.
وفي مسند أحمد (ج12 ص 173 طبعة سنة 953) قال صلی الله علیه وآله: «تتقارب الأسواق وتتقارب الأزمان» ومن أبرز المظاهر في هذا العصر تصدير الانتاج إلى جميع الاسواق بأمد قصير.
وفي كتاب (مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيّد البرية) تأليف الشيخ أحمد الصدّيق الغماري:
روى أحمد بن حنبل في مسنده عن النبي صلی الله علیه وآله: «لا تقوم الساعة حتی
تكلّم الرجل عذبة سوطه وشراك نعاله».(1)إشارة إلى الراديو الصغير وما إليه من آلات الالتقاط أو الارسال التي يحملها الانسان معه كما يحمل علبة الدخان.
وجاء في الكتاب المذكور: «يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر»(2)وفي رواية ابن أبي الحديد (مج 2، ط 1، ص 190 من شرح النهج). قال صلی الله علیه وآله: «یکون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها».
إشارة إلى أرباب الصحف المأجورة الذين يعيشون على الأكاذيب والشتائم. فالصحف اليوم عندنا _ ولعلي قويّ العزم على لا أن أستشي واحدة منها _ تتهادى في الكذب، ويزعمون أنّ ذلك يستهوي القرّاء فيزداد البيع، هذه الصحافة التي يطلقون عليها لقب صحابة الجلالة، والمأخوذ من مفهومها توجيه الشعب وإصلاحه، ورعاية حقوقه وردّ مظالمة، هذه الصحافة ترى أنّ الكذب والتهويل والجعجعة الفارغة تعود على مهنتها بالنفع والتعزيز والرواج في الشعب.
الغرض وأعجب ما جاء عنه صلی الله علیه وآله قوله: «سيرى الناس أموراً يتفاقم شأنها في نفوسهم يتسائلون بينهم هل كان النبي صلی الله علیه وآله ذكر ذلك». رواه أحمد بن حنبل في كتاب المسند،(3)وقد مضى على وفاة بن حنبل 1338 عام، ولم يكتفِ النبي صلی الله علیه وآله بالإخبار عن البترول في بلاد العرب، بل أخبر أنّ الذين يستخرجونه ويصفّونه حتّى يصبح حاضراً صالحاً للاستعمال هم المستعمرون شرار الناس وأراذلهم، فقد جاء في مسند أحمد بن حنبل: «ستكون معادن يحضرها شرار الناس»(4)وفي حديث آخر: أراذل الناس.(5)
وفي كتاب _ الشجرة المباركة _ للشيخ علي اليزدي حديث طويل نقله عن تفسير علي بن إبراهيم القمي من علماء القرن الثالث الهجري، جاء فيه عن النبي صلی الله علیه وآله: «التقارب الأسواق، ويظهر الربا، وتتعامل الناس بالغيبة والرشا، ويتفقّه أقوام لغير الله، ويكثر أولاد الزنا ويتغنّون بالقرآن».(1)
ولم يبق شيء من هذه إلاّ تحقّق في هذا العصر، ولكنّ الذي يبعث على الدهشة أكثر من أيّ شيء قوله صلی الله علیه وآله: « يتعامل الناس بالغَيبة» (بفتح الغين) وهو إخبار عمّا يجري الان بين التجّار، یُبرق تاجر في الشرق لآخر في الغرب، فتتمّ الصفقة دون أن يشاهد أحدهما الآخر، ودون أن يحصل بينهم السوء والأخذ والردّ. وفي الكتاب المذكور عن الإمام علیه السلام: «ستخرج الأرض بركاتها، وتؤكل ثمرة الصيف في الشتاء وبالعكس، وتحمل الشجرة في كلّ سنة مرّتين، ويزرع الرجل الحنطة والشعير فينتج الصاع مئة... وتكون السنة كالشهر، والشهر کالأسبوع، و الأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة».(2)
وإذا أخبر النبي صلی الله علیه وآله أصحابه بهذه المغيّبات فأولی أن يُطلع علياً على أمثالها ونظائرها، وأيّ إنسان أحقّ بعلم النبي صلی الله علیه وآله من علي علیه السلام وهو منه بمنزلة الرأس من الجسد كما جاء في الحديث.
إذن جميع إخباراته علیه السلام بالغيب تستند إلى الرسول وتنتهي إليه، وليس للإمام إلاّ الرواية، فمن أنكر عليه الإخبار بالغيب فإنّما یُنکر على الرسول من حيث يريد أو لا يريد.
ومن الطريف أنّ بعض من أنكر واستكثر أن يخبر الإمام عن الرسول يؤمن ويعتقد بأنّ شقّاً وسطيحاً كانا يخبران الناس بالغيب وبظهور النبي صلی الله علیه وآله قبل زمانه.
قال الرازي في كتابه الكبير عند تفسير آية «عَالِمُ الْغَيْبِ»(1)إنّه كان في بغداد کاهنة في عهد السلطان سنجر بن ملك شاه تُخبر بالغيب فيأتي على وفق كلامها، وأنّه رأى كباراً من المحقّقين في علم الكلام والحكمة يؤمنون بأقوالها، وإنّ (أبو البرکات) بالغ في كتاب _ المعتبر _ في شرح حالها، إنّه قد تفحّص عنها ثلاثين سنة حتى تيقن أنها كانت تخبر بالمغيبات خبراً مطابقاً. وروى هذه القصة أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج (مج 1، ط 1، ص 427).
إمرأة لا يُعرف لها أصل ولا حقيقة تقول الغيب فيصدّقها العلماء المحقّقون، بل حتّى الرازي المشكّك الكبير يقول: «ليس علم الغيب مختصّاً بالأولياء، بل قد يوجد في السحرة أيضاً». وبعد فأيّ غرابة أن يحدّث الإمام بالغيب عن النبي صلی الله علیه وآله عن الله سبحانه؟
رُبّ قائل يقول: بأنّ ما قدّمته من الأدلّة إنّما يقنع، أو يجب أن يقتنع به المسلم الذي يؤمن بالله ونزول الوحي على محمد، لأنّ كلّ ما ذكرته مبنيّ على أساس التسليم بالقرآن وأصول الاسلام، أمّا الذي لا يؤمن بالله أصلاً، أويؤمن ولا يعترف بنبوّة محمد فلا تلزمه الحجّة، وبالتالي لا يجب عليه التصديق بشيء ممّا قلت. وأجيب بأنّي لا أطلب ممّن يشكك بمغيبات الإمام أن يغيّر دينه وعقيدته كي يصدّق ما أقول، ولكنّي أخاطب عقله ووجدانه إذا كان على شيء من التمييز والانصاف، وأوجّه إليه هذا السؤال: إذا أخبرك مُخبرٌ بوقوع حادثة ما، وصَدَق قولُه مئة بالمئة، فبماذا تفسّر هذا الصدق، مع العلم بأنّ تلك الحادثة لا تمتّ إلى التبئّوات العلميّة وخبرة الانسان بسبب؟!
بماذا تفسّر المغيّبات التي نقلناها عن الرسول صلی الله عليه وآله وعن الإمام علي عليه السلام؟ وإلى أيّ شيء نسند قول الإمام علي: «إنّ في الطالقان كنوزاً ليست من
1) الجن: 27.
ذهب ولا فضّة»(1)إشارة إلى بترول ایران. نقل هذا القول عن الإمام أبو الغنائم الكوفي في كتاب (الفتن) وقد مضى على وفاته مئات السنين.
بماذا تفسّر قول الإمام جعفر الصادق علیه السلام حفيد الإمام علي علیه السلام: «إنّه يأتي على الناس زمان يرى ويسمع مَن في المشرق من في المغرب، و كلّ قوم يسمعون الصوت بلغتهم، وإنّ العرب تخرج من سلطان الأجانب وتملك نفسها بنفسها، وحينئذٍ تخلع أعنّتها، وإنّه لا يبقى صنف من الناس إلاّ ويحكم الناس». ذكر ذلك المجلسي مج 13 من البحار ص 135 و 163 و 168. والشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة)، والمفيد في الارشاد، وقد مضى على وفاتيهما ما يقرب من ألف سنة.
نطق الإمام بهذه الحقائق منذ ألف سنة ومئتي سنة. ودُوّنت في الكتب منذ ألف سنة وأكثر، وقد تحقّقت بكاملها، ونحن الآن نراها ونعيش معها، فتسمع أهل الغرب يخاطبون أهل الشرق بواسطة الراديو، ويوجّهون الإذاعات إلى كلّ قوم بلغتهم، وعمّا قريب نشاهد الأوروبيين والأمريكيين بالتلفزيون، بعد أن وضع العلماء التصميم لأن يكون البعيد فيه كالقريب تماماً كالراديو، وسادت الديمقراطيّة في أكثر الشعوب، وأجهزت على أرستقراطية الأنساب والأموال، و حکم الناس كلّ فئة من الناس من نكروما إلى كاسترو إلى كلّ جنس ولون، وما أوشك أن يسير العرب في طريق الاستقلال حتّی خلعوا اللجام وشتم بعضهم بعضاً، فكأن مصيبة الاستعمار کانست تجمع كلمتهم، فلمّا استقلّوا أو كادوا ألقى كلّ عربي بأسه على رأس أخيه.
هذه صورة طبق الأصل عبّر بها الإمام عليه السلام عمّا سيقع قبل عشرات الأجيال، ومحال أن يعلم بحدوثها قبل الأوان إلاّ علام الغيوب ومَن ارتضی من عباده الصالحين.
1) عقد الدرر: 122، ب5.
«سَلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي بطرق السماء أدرى منّي بطرق الأرض. سَلوني هذا سقط العِلم و(أشار إلى صدره) وهذا لعاب رسول الله صلی الله علیه وآله.(1)إنّي انطوت على مکنون علمٍ لو بُحتُ به لاضطرتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة».(2)
يستكثر بعض الناس على الإمام علي علیه السلام أن يقول ذلك لما فيه من الأنانيّة والدعوي، وأنّ إنساناً على هذه الأرض الجامعة بين الخير والشرّ في بنيها منذ جبلّتها لا يقدم على ما يشعر بعصمته وكماله.
ولكنّهم إذا رجعوا إلى قول محمد معلّم علي هذا حيث يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».(3)وإذا رجعوا إلى قول هذا المعلّم: «من زهد في الدنيا علّمه الله بغير تعلّم»(4)ثمّ إذا وقفوا على قول الإمام علي: «إنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور». في تفسير علي بن إبراهيم القمي من علماء القرن الثالث الهجري (مج 2، ص 219 من الطبعة النجفية)، قال أمير المؤمنين علیه السلام: «إنّ هذه النجوم التي في السماء مدائن
1) الأمالي للصدوق: 422/ ح 560؛ الاختصاص للمفيد: 235.
2) بحار الأنوار 74: 332، من خطبة له علیه السلام أوّلها «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة»؛ ولم أعثر على الخطبة التي أشار إليها المؤلّف قدس سرّه كاملة مجموعة في المصادر التي بين يديّ.
3) عیون أخبار الرضا 1: 71/ ح 298؛ أمالي الصدوق: 425؛ ذخائر العقبی لمحبّ الدین الطبري: 77.
4) انظر تحف العقول: 60: بحار الأنوار 74: 163.
مثل المدائن التي في الأرض، مربوطة كلّ مدينة بعمود من نور، طول ذلك العمود مسيرة مائتين وخمسين سنة».
أقول: لو رجع هذا المنكر إلى تلك الأقوال لأراح نفسه من عناء التفكير في إنكار هذا القول على الإمام، واستحالة صدوره من إنسان يبحث في السماء وهو على الأرض.
فهل حفظ التاريخ لنا أنّ سائلاً أفحم علياً بعد أن قال: «سلوني قبل أن تفقدوني» وعلى العكس يحفظ لنا التاريخ أنّ كثيراً من السائلين المتعنّتين كانوا يتحدّونه وهو على المنبر بأسئلة في العلوم والفنون التي لا تمتّ إلى الوعظ والارشاد وأحكام الدين بصلة، وكان علي يجمعهم بما یُذهلهم فيما وعوا، ويُخزيهم فيما أسّروا، ومن شاء الكشف عن ذلك فليرجع إلى شرح العلامة ابن أبي الحديد لنهج الإمام [الذي ألقاه] منذ ألف عام.
ولقد ترى اليوم في الصحف أبواباً خاصة في العلوم والفنون، ونرى فيها باباً للسؤال والجواب يختصّ به رجل كإحسان عبد القدّوس في (روز البوسف)، و كأمينة السعيد في مجلّة الهلال، ونرى عنوان هذا الباب _ اسألوني _، فهل كان إحسان هذا وهو _ صاحب البدائع _... وأمينة هذه وهي _ أم المؤمنين _ هل كانا أحقّ بكلمة (اسألوني) من علي بن أبي طالب علیه السلام وهو وزیر محمد وعضده ووصيّه من بعده؟
ويُمعن بعض العلماء في تأويل كلمة الإمام هذه على الشكل الذي يحفظ تواضعه كإنسان، وأنّ أيّ انسان يجرأ على الدعوى بأنّه بما في السماء أعلم منه بما في الأرض.
يقول هذا البعض: إنّ الإمام مع افتراض سموّه وعلوّ كعبه في العلوم لم يخرج عن كونه إنساناً، وإلاّ كنّا مُغالين في تقديره، والنبي صلی الله علیه وآله كان قد تنبّأ لذلك بقوله: «يا علي يهلك فيك إثنان: عدوّ قالٍ، ومحبّ غال»(1)وحمل الإمام
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديدة 5: 4.
على الحقيقة في قوله: «إنّي بطرق السماء أعلم منّی بطرق الأرض» يدعونا لأن نكون مغالين في تحديد شخصه.
أقول: يمعن هؤلاء بتأويل قول الإمام في أنّه إنّما أطلق العام وأراد به الخاص _ وهو من مجاز اللغة في علم البيان _ فقد أراد بطرق السماء الخطط التي يضعها الله في السماء لهدي عباده في الأرض. وهذه الخطط هي النواميس الدينيّة التي يتنزّل بها الروح الأمين على الأنبياء والرسل المصطفين لتبليغ الرسالة الإلهيّة في الخلق. ويريد الإمام وفقاً لذلك بقوله: «سلوني قبل أن تفقدوني» أن يكون السؤال في حدود هذه الخطط لا أنّها في شيء العلوم والفنون.
ذلك ما أراده هؤلاء المتأوّلون. وأراني جريئاً على أن لا أحسب حساباً لهذا التأويل، وإنّما يصحّ التمحّل في ذلك حرصاً على تنزيه الرجل الناقص من أمثالنا.
فأمّا الرجل الكامل من أمثال علي عليه السلام فلا يصحّ أن نتأوّل عليه ولا له، لأنّه ثبت عن طريق النقل كونه معصوماً بقول معلّمه محمد صلی الله علیه وآله: «عليّ مع الحقّ»(1)وعن طريق العقل من أنّ الرجل الكامل لا يتهافت في تفكير ولا عمل، وأنّ في وجود الإنسان حقّاً يهيمن عليه فيعصمه من هذا التهافت. فضلاً عن أنّ علياً علیه السلام كان أزهد الناس بدنياه، والرسول يقول: «من زهد في الدنيا علّمه الله بلا تعلّم».(2)
ومن هنا نسمع له إخباره بالمغيّبات كقوله لكميل بن زیاد: «لو شئتُ أن أصيّر لكم من الماء نوراً لفعلت».
يقول الإمام هذا القول في وقت لم تعرف الكهربائيّة و كيفية استخدام الشلاّلات في تحريك الدينامو وإيجاد التيّار الكهربائي.
وقوله علیه السلام: «والذي بعث محمّداً بالحقّ، لولا خوفي من أن تكفروا بي فيه لأمليت عليکم علم ما كان وما يجيء، فو الله ما فارقته حتى مرّ على سمعي بكلّ شيء».
تلك هي آثار محمد وأهل بيته مائلة أمامنا في أقوالهم وأعمالهم تبعث فينا أقوى الايمان بأنّ علمهم قائم على الحكمة الملهمة، لأنّه وحي يتنزّل به الروح الأمين على نبيّه من لدن حكيم خبير.
وللإمام علي عليه السلام شخصيّتان عبقريّتان: إحداهما إنسانيّة ترابيّة تضعف حتّى يستسلم لأوهن الأحداث، كانصياعه للتحكيم بالكره عنه يوم صفّين، وكانقياده موثوقاً يوم تهدید عمر داره بالإحراق، وثانيهما جبروتيّة سماويّة تقوي حتّى لا يصمد أمامها جبروت، كجندلته عمرو بن عبدود يوم الأحزاب، ودکّه حصن خيبر، ثمّ اقتلاع باب الحصن وهو ما لا تطيقه قوّة إنسان.
فشخصيّته الأولى هي الصلة بينه وبين البشر، وشخصيّته الثانية هي الصلة بينه وبين الملكوت الأعلى.
وللتدليل على هاتين الشخصيّتين و أنّهما رُكّبنا فيه، قوله لسائل سأله حين رآه يعجز عن كسر قرص یابس من الشعير بيديه، فاستعان علی کسره بركبته، قال له السائل: كيف تضعف عن كسر القرص وأنت داحي باب خیبر؟ فقال له الإمام علیه السلام: «ثكلتك أمّك تلك قوّة الله، وأمّا هذه فهي قوّتي. (ابن أبي الحديد مج 1، ط 1، ص 426).
وبالتالي يقول الإمام علیه السلام: «إنّ في السماء مُدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور».
يقول العلماء الفلكيّون في العصر الحاضر تأييداً لقول الإمام عليه السلام: «إنّه من الممكن أن يكون المرّيخ مسكوناً بمخلوقات وُهبت العقل والذكاء». وقد أيّدت هذه النظرية بعض الوقايع التي لوحظت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وأهم هذه الأدلّة هو بلا شكّ الانفجار الغامض الذي حدث في المريخ عام
1949م، وقد لاحظ هذه الظاهرة فلكيّ ياباني مشهور اسمه (تسوينو ساهیکي) الذي لم ينقطع عن مراقبة المريخ من 1933. ولذلك فإنّ لتقريره وزناً كبيراً، وقد أحدث الانفجار الذي حدث تحديداً في 9 ديسمبر 1949م ضوءاً ساطعاً خلال عدّة دقائق، تكوّنت على أثره سحابة مضيئة رماديّة تميل إلى الاصفرار بلغ ارتفاعها 64 کیلومتراً، وقطرها 112 کیلومتراً.
ويرى العالم المذكور أنّ هذا الانفجار قد حدث بواسطة مخلوقات على درجة هائلة من الذكاء، فأمّا أنّ سكّان المريخ هم الذين أحدثوه، وأمّا أنّ جنساً آخر جاء من كوكب آخر أمكنه أن يضع قدمه في المريخ.
وقد وردت الأنباء بأنّ الدكتور (ا. س. سليفر) العالم الفلكي الذي كان قائداً للبعثة التي أرسلتها الجمعية الجغرافيّة الأهلية بالولايات المتحدة في عام 1954م لتصوير المريخ من جنوب إفريقيا، أعلن أنّه لم يبق هناك شكّ في أنّ المناطق المعتمة فوق سطح المريخ هي نبات حيّ. ويؤخذ من بيان الجمعية الأهلية أنّ العلامة الجديدة المعتمة _ والتي تشغل مساحة قدرها 200 الف ميل مربّع _ لم تكن منتظرة وأنّها ليست ثابتة، ممّا يدلّ على أنّ الفاصل بين الصحراء والمناطق المعتمة متغيّر. كما أعلنت أنّ هذا الكشف يؤيّد الاعتقاد أنّ المريخ كوكب غير ميّت، وأنّ الظلمة المخيّمة على بعض أجزائه مرجعها نموّ حياة آتية فيه، وأنّ واقع الدراسة أثبت أنّ معالم المريخ تشهد بأنّه كوكب حيّ فيه نوع ما من الحياة.
يقول العلماء الذين تابعوا دراسة المريخ: إنّ ما به من ماء يبلغ نحواً من خمس اليابس، وإنّ قُطبيه مغطّيان بطبقة من الثلج والجليد. وقد ظهرت على وجه المريخ خطوط مستوية منتظمة، عُرف أنّها قنوات رئيسيّة لتوزيع المياه، عندما شوهد تغيّر أماكنها سنة بعد أخرى.
وقد أعلن أنّه قد أنشيء في المريخ أخيراً جسر طویل طوله مئات الكيلو مترات، كما لوحظ تغيير لون مساحات شاسعة فيه من اللون الأخضر إلى
الأبيض إلى البنّي القاتم، وفي 5 مارس 1957 أعلنت الهيئات العلمية السوفيتية أنّه قد تحقّق وجود نباتات بالمريخ. وما دام الماء والنبات وُجدا فإنّ ذلك دليل على وجود الكائن الحيّ كائناً من كان. وإذا كان المريخ به أحياء، أليس ذلك دليلاً على وجود الأحياء في الكواكب التي في محيطه، إذ تُشابهه في كافّة الظروف المكيفة للحياة؟
وممّا أذيع في 15 يناير 1957م أنّه قد تكونت جمعية في مدريد تضمّ مائة عضو، تطلق على نفسها اسم جمعية (أصدقاء الزائرين في عالم الفضاء) وذلك لدراسة الظواهر غير العاديّة التي تؤكد بأنّ الأرض يزورها رجال من الفضاء، أو على الأقل من كواكب أخرى.
ويجتمع هؤلاء الأعضاء كلّ أسبوع في مدريد، وممّا يستندون إليه من أدلّة على زيارة الأرض لرجال من العالم المجهول ما يحتفظون به من حجر يؤكّدون أنّهم أخذوه من قائد طبق طائر تحت شجرة بحديقة جامعة مدريد في الساعة الثانية من صباح أحد أيّام شهر نوفمبر 1954. وهذا الحجر كان في البداية ورديّ اللون، ثمّ تحوّل لونه إلى الأخضرار ثمّ إلى الاصفرار. وهو ملحيّ المذاق وقابل للاحتراق، وعلى سطحه رسوم کالكتابة الهيروغليفية، وقد أرسلت قطعة من هذا الحجر إلى معلّمين جيولوجيين في أسبانيا، وإلى معهد علمي في نيويورك، ولكنّهما لم تستطيعا تحليله لافتقارهما إلى الأجهزة اللازمة التي تستطيع بها أداء هذا التحليل.
وقد صرّح الأميرال (بلمر فاهرناي) المشرف على توجيه الطائرات والقذائف الموجّهة، والمرشّح للعمل بمكتب الملاحة الجوية في شؤؤن القذائف الموجّهة بامریکا، في حديث له في 17 يناير 1957 بأنّه شاهد أجساماً
طائرة مجهولة يبدو أنّها موجّهة بفعل کائنات مفکّرة تخترق طبقات الجوّ، وأنّ هذه الاجسام تطير بسرعة مذهلة لا يمكن للعقل البشريّ أن يتصوّرها.
وقد جاء في تقرير نشر في 11 مارس 1957 لأحد طيّاري شركة (بان أمريكان) أنّ جسماً غريباً اعترض طائرته وهي في منتصف الطريق بين نيويورك وسان جون، وقال الطيّار: إنّ هذا الجسم واجه الطائرة بطريقة مباشرة، وأنّه اجتاز فترة عصيبة حتّى يتعدّاه. وقد أمضى ركّاب الطائرة مدّة من الوقت في المستشفى من أثر الصدمة والانفعال اللذين تسبّبا عن مجاورة الطيّارة للجسم الغريب.
وصرّح متحدّث رسمي أنّ طائرات أخرى تعرّضت لأكثر من جسم، ولم يمكن تحديد ماهيّة هذا الجسم.
أليس كلّ هذا تلميحاً _ إن لم يكن تصريحاً _ لما يقوله الامام علي عليه السلام من أربعة عشر قرناً: بأنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بعضها ببعض أعمدة من نور.
وفي منتصف 1957 أذيع أنّ رجال البوليس الفرنسي قد وجدوا في شمال فرنسا كتلاً من مادة تشبه المادة البركانيّة السوداء، وأنّها كانت نهاية آثار واضحة في الطريق. وقال القرويّون في هذه المنطقة أنّها نتيجة مرور طبق طائر نزل إلى الأرض في الليلة السابقة وعليه أربعة أشياء متحرّكة. وأفضی (میشیل سیکیت) إلى رجال التحقيق بأنّه كان متّجهاً إلى داره بعد منتصف الليل حين بهرت عينيه قذيفة غريبة، فاختبأ وراء أحد أعمدة أسلاك البرق، فرأى طبقاً طائراً يهبط ومحرّكاته تزمجر وأضواء غريبة تشعّ، خلفها مخلوقات صغار الأجسام غير واضحي المعالم، فصاح میشیل واتّجه بكلّ سرعته صوب محطّة السكّة، وقرّر خفير المحطّة وزوجته أنّهم انتبهوا على صوت صراخ میشیل وخرجوا من المبنى ليروا الطبق الطائر والمخلوقات الصغيرة... وفي لحظة خاطفة اختفى الطبق ومن فيه.
وهناك حوادث تعدّدت وأصبحت عشرات في كافّة البلاد، كلّها تلتقي عند وجود أشياء غامضة لم يمكن تفسيرها. ويستند الفلكيّون في قرارهم بوجود حياة وأحياء في المريخ على أنّ ظروفه الجويّة تقارب ظروف الارض.
فكلّ مقوّمات الحياة التي نعرفها على الأرض ومستلزماتها متوافرة في المريخ، بل في الكواكب التي تقع على بُعد مقارب من بعد الأرض، أمّا الكواكب التي تقرب من الشمس أو تبعد عنها فقد قال الفلكيّون: إنّها کواکب میّتة لأنّ الظروف التي يمكن العيش معها لا تتوافر فيها.
واهتمام العلماء في هذه الناحية إنّما ينصب على الحياة التي نألفها على وجه الأرض، فهل يمكن أن توجد حياة في ظروف تغایر ظروف الارض؟
إنّ الانسان يعلم بتجاربه على نفسه أنّه لا بدّ للحياة من وجود الهواء، وأن تكون درجة حرارة الجو المحيط به بما يتناسب و درجة حرارته التي تبلغ 37 درجة مئويّة، فما بالنا بالسمك؟ إنّه يعيش في الماء ولو خرج إلى الهواء لمات.
وحيوانات المناطق المتجمدة لو انتقلت إلى الحرارة العالية في منطقة خطّ الاستواء لماتت. ألا يمكن أن يكون هناك _قياساً على ذلك _ حياة بلا هواء _ مثلاً _ لأحياء يسكنون في الكواكب التي ثبت أنّ جوّها خالٍ من الهواء. وإذا كانت درجة حرارة الكائن الحي مثلاً 1000 درجة مئوية، ألاّ يمكنه بذلك أن يعيش في كواكب تقرب من الشمس، ولماذا نتخيّل أنّ الكائنات الحيّة في الكواكب ستكون ذات أنف وأذن وفم وید وقدم. إنّ الكائن تتلائم أعضاؤه مع حاجاته المعيشيّة، فقد يكون العيش في الكواكب لا يحتاج إلى سمع... أوهواء... أو غذاء عن طريق الفم. فلا توجد الأعضاء الخاصة بهذه الحواس، أو لماذا لا يوجد الكائن أو ينقسم مثلاً... ويكون نموّ خلاياه وانقسامها عن عنصر معيّن يوجد في جوّ الكوكب. هذا إن كان الكائن الحيّ يتكاثر بانقسام خلاياه...
أو حتّى إن كان له خلايا... فلابدّ أن تكون الكائنات في الكواكب على شكل يتناسب وظروف المعيشة، وبأعضاء تؤهّلها أن تحيا الحياة التي كتبها الله لها.
جاء في ملحق جريدة الجريدة الجمهورية الأسبوعي العراقية العدد 84 الخميس 23 تشرين ثاني 1978م 22 ذو الحجّة 1398ه تحت عنوان (السنا وحدنا في الكون) ما نصّه:
نشرت الصحف في الأسبوع الماضي أنّ طبقاً طائراً قد هبط مرّتين بالقرب من المحطة «أمّ العيش» بالكويت، وترتّب على هبوطه توقّف محطة ضخّ النفط القريبة من مكان الهبوط عن العمل طوال فترة وجوده التي استمرّت سبع دقائق، ثمّ عادت للعمل تلقائياً بمجرّد إقلاع الطبق الطائر.
وصرّح المسؤولون أنّ الجسم الطائر الغريب ليس لطائرة عموديّة، لأنّه لم يترك أيّة آثار على الرمال ولم يصدر أيّ صوت، كما أنّ سبعة شهود عيان من المهندسين والفنيّين العاملين في شركة نفط الكويت قد شاهدوا الطبق الطائر.
وبدأت الحادثة عندما اكتشف الفنّيّون العاملون في المركز الرئيسيّ لمحطّة ضخّ النفط في شركة نفط الكويت توقّف احدى محطّات الضخّ عن العمل على الشاشة الالكترونيّة التي تتنّبأ بحدوث أيّ عطل في المحطة، وعلى أثر ذلك تمّ إرسال مجموعة مكوّنة من سبعة من المهندسين والفنيين من ضمنهم خبير أجنبي إلى موقع المحطة في _ أمّ العيش _ لمعرفة أسباب العطل الفنّيّ المفاجيء، و كانت دهشة المجموعة هناك كبيرة عندما فوجئوا بوجود جسم أسطواني الشكل يفوق في حجمه الطائرة العاديّة، تعلوه قبّة حمراء اللون
يجثم على الأرض على بعد 250 متراً من المحطة، وكانت دهشتهم أكبر عندما توجّهوا إلى محطّة الضخ حيث وجدوا بابها مفتوحاً وجميع أجهزتها متوقّفة عن العمل دون ظهور أيّ سبب فنّيّ لهذا التوقف، ممّا أدّى إلى سريان الخوف والتوتّر في نفوس المجموعة، وقد حاولوا الاقتراب من الجسم إلاّ أنّهم تردّدوا خوفاً منه خلال دهشتهم، وبعد سبع دقائق أخذ الجسم الغريب بالارتفاع نحو الأعلى في كلّ هدوء وصمت حيث اختفى عالياً في الفضاء.
هذه الحادثة ليست الوحيدة من نوعها، فقد شهدت المنطقة العربية بشكلّ عام ظهور كثير من الأجسام الطائرة المجهولة الهويّة _ الأطباق الطائرة _ في السنوات الأخيرة الماضية في عام 1975، ذكرت وكالة اليونايتد بريس أنّ أجساماً طائرة غريبة ظهرت فوق سوريا والاردن والمغرب، وفي 29 آب من عام 1977م مرّ طبق طائر بسماء الكويت، وفي 9 حزيران من عام 1978 ظهر جسم طائر غريب أيضاً في سماء الكويت وشوهد من قبل مواطن كويتيّ، وفي 1 نیسان 1978 ظهرت أطباق طائرة بشكل مثير في سماء طهران في إيران على ارتفاع 45 ألف قدم وسرعة طيرانها 5 آلاف كيلومتر في الساعة، وقد قدّر حجمها عشرين مرة بقدر حجم طائرة الجمبو الضخمة حسب تقادیر برج المراقبة في مطار طهران. ولا ننسى الجسمين الطائرين اللذين ظهرا في قُطرنا هذا العام، ففي 5 آذار ظهر جسم طائر في محافظة الديوانية، وجسم طائر آخر في سماء محافظة أربيل كما أوردت ذلك وكالة الأنباء العراقية نقلاً عن مراسليها هناك، وغيرها من الحوادث التي لا تُحصى في شتّى بقاع العالم، وخاصة في الأرجنتين وتشيلي والهند والولايات المتحدة وبيرو و بوليفيا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي.
من الحوادث الأخرى الغريبة والمشابهة لما حدث لمحطّة ضخّ النفط في الكويت تلك التي جائت في كتاب _ مشروع الكتاب الأزرق _ ومشروع كوندان _ وهو برنامج وضعته الحكومة الأمريكيّة أواخر الستّينات كان الهدف منه تشكيل فريق من العلماء والمختصّين لدراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة الهويّة (الأطباق الطائرة) يلاحظ عدّة صفات وظواهر مشتركة ومتشابهة، والعمل على كشف الخرافات والأساطير التي تدور حولها. ومن الحوادث الغريبة التي ذكرها الكتاب ما حدث في الاتحاد السوفيتي عام 1961، تلك الحادثة التي أذهلت الخبراء والعلماء الأمريكان وأثارت دهشة البنتاجون الأمريكيّ، ففي صيف عام 1961 وأثناء إقامة قاعدة صاروخيّة جديدة ضمن الشبكة الدفاعيّة لمدينة موسكو ظهرت فجأة أجسام طائرة مجهولة بقيت محلّقة فوق قاعدة الصواريخ. كانت عبارة عن جسم كبير يشبه السيجار، أسطوانيّ الشكل، محاط بهالة من الأضواء، وحوله أجسام أصغر منه تحلّق معه. أصابت الدهشة قائد المركز الدفاعيّ فأسرع وأعطى أوامره بإطلاق القذائف على الأجسام الطائرة وخاصّة الجسم الكبير منها، وعندما أطلقت الصواريخ كانت تنفجر كلّها قريباً من الجسم الكبير ولا تُصيبه، وحدث نفس الشيء عندما انطلقت الدفعة الثانية من الصواريخ، أمّا الدفعة الثالثة فلم يُكتب لها الانطلاق أصلاً، ذلك أنّ جميع الأجهزة الكهربائية التي تعمل القاعدة على أساسها قد توقّفت عن العمل فجأة وبشكل لا تفسير له، تماماً كما حدث لمحطّة ضخّ النفط في الكويت.
وقد اتّضح للسوفيت بعد فترة طويلة أنّه لا علاقة للأمريكان بهذه
الحادثة الخارقة.
إنّ أيّ باحث أو متتبع لموضوع الأطباق الطائرة يلاحظ جملة من الصفات المشتركة فيها بينها، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان الذي تقع فيه الحوادث.
1_ إنّ الأجسام الطائرة الغريبة (الأطباق الطائرة) تظهر فجأة دون أن تكشفها أجهزة الرصد الأرضيّ والجويّ المتقنة _ وخاصة الرادار _ والتي أحرز الانسان فيها تقدماً كبيراً، وهذا يدلّ على أنّ الأطباق الطائرة تسير على نظام لا يخضع إطلاقاً للقوانين الأرضيّة، ذلك أنّها تملك قوّة وقدرة ذكية ومتطوّرة _ قياساً لتقدّم الانسان في مجال الفضاء _ تستطيع بها أن تدخل أيّ مكان في العالم دون أن يكشفها الرادار، تماماً كما حدث في الكويت والاتحاد السوفيتي الذي يملك أجهزة رادار ورصد متقدّمة جداً.
2_أشكالها وحركاتها متشابهة (أسطوانيّة، دائريّة، مضيئة، مشعّة، تدور حول نفسها...).
3 _ إن حادثة توقّف محطّة ضخّ النفط فجأة في الكويت ومحطّة إطلاق الصواريخ في الاتحاد السوفيتي بمجرد ظهور الأجسام يدلّ على أنّها تمتلك قوّة متقدّمة جداً وغير معروفة، الأمر الذي يدلّ على أنّها تعود إلى عقل ذكيّ ومتطوّر جداً.
إنّ الأمر في الواقع يحتاج إلى نظرة جديدة حول هذا الموضوع، فالأطباق الطائرة التي تظهر للإنسان تحاول أن تؤكّد له حقيقة واحدة، هي أنّنا لسنا وحدنا في الكون.
وممّا تحقّق أخيراً في النصف الأوّل من العام الحالي وهو عام 1379 هجرية: أنّ القمر _ وقد اعتبره جميع العلماء کوکباً ميّتاً _ ثبت أنّه ليس كذلك، فقد أعلن العالم السوفيتي (نيقولا كوزیریف) أنّ هناك نشاطأ بركانياً على سطح القمر، ثمّ بعد أن أطلقت روسيا صاروخها (مونيك) في يناير 1959 الذي تجاوز الجاذبية الأرضيّة ومرّ بالقمر واتّخذ مداره حول الشمس، أعلن أنّه أمكن إثبات وجود بترول وغاز طبيعي في القمر، وهذه المادّة تتكوّن نتيجة تحلّل کائنات حيّة دُفنت أجيالاً متعددة، إذاً لقد ثبت أنّ القمر على الأقلّ كان به أحياء، إن لم یکن به حتّى الآن. فهل الكواكب الأخرى التي يقول عنها العلماء أنّ ظروفها لا
تساعد على وجود الحياة، أي الحياة بمعناها ومظاهرها التي نعرفها نحن بني الانسان، يتّضح أنّها _ كالقمر _ كان بها، أو مازال بها حياة وأحياء.
هذا وقد أصدر العالمان الروسیان (أوبارني وفسنكوف) كتاباً عنوانه (الكون) بحثا فيه موضوع الكواكب الأخرى وهل فيها حياة، وذلك على أثر الأبحاث التي قام بها علماء الفلك والكيمياء والفضاء الكوني وعلى رأسهم العالم (أميار تسومیان) و (شاني)، ويقول الكتاب إنّه بعد عدد لا يُحصى من التجارب ثبت أنّ الحياة لا تنتقل من كوكب إلى آخر. وإنّما تتولّد من جديد وبشكل جديد يتّفق مع ظروف کلّ کوکب، وأنّ نشأة الحياة لم تكن مجرّد مصادفة، وأنّ هناك كثيراً من الكواكب المسكونة في هذا الكون.
ويقول الكتاب كذلك: إنّ الوقت الذي ينطلق فيه المستكشفون من الأرض إلى أعماق الفضاء بات قريباً، وإنّنا سنرى في الكواكب عوالم خفيّة فيها أشكال الحياة العجيبة تتنفّس و تتطوّر وتتّجه دائماً نحو الكمال.
إنّ الصواريخ التي ترتفع من الأرض إلى الكواكب الأخرى، والأطباق الطائرة التي تهبط من الكواكب إلينا، والنهضة الخطيرة التي نهض بها علم السفر في الفضاء، والطفرة التي استحدثها التقدّم الفكريّ في العلوم في حياة الانسان. كلّ ذلك سيجعل اليوم الذي تعرف فيه الكثير عن الحياة والأحياء في الكواكب قريباً، وأقرب ممّا كان الانسان يتصوّر. وسنعرف أن الامام علياً عليه السلام سبق العلم في تقريره:
«إنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور».
وبالتالي لمّا قال عليهالسلام «سلوني»: قام إليه رجل يقال له ذعلب، جاء في کتاب «مسند الامام علي» (تأليف مؤلف هذا الكتاب حسن السيّد علي القبانجي
النجفي، يقع هذا المسند في عشر مجلدات، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لطبعه كما وفّقنا لتأليفه)(1)جاء في المجلّد الأول في باب إبطال الرؤية:
محمد بن أبي عبد الله رفعه، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «بَيْنَا أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إذْ قَامَ إلَيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلَبٌ ذَرِبُ اللِسَانِ بَلِيغٌ فِى الْخِطَابِ شُجَاعُ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ فَقَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلَبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبًّا لَمْ أَرَهُ قَالَ: يَا أَميِرَالْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلَبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الأبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَآئِقِ الإيمَانِ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ إنَّ رَبِّى لَطِيفُ اللَطَافَةِ فَلَا يُوصَفُ بِاللُطْفِ عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لَا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ كَبِيرُ الْكِبْرِيَآءِ لَا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ جَلِيلُ الْجَلَالَةِ لَا يُوصَفُ بِالْغِلَظِ قَبْلَ كُلِّ شَىْءٍ فَلَا يُقَالُ شَىْءٌ قَبْلَهُ وَ بَعْدَ كُلِّ شَىْءٍ فَلَا يُقَالُ شَىْءٌ بَعْدَهُ شَآئِى الاشْيَآءِ لَا بِهِمَّةٍ دَرَّاكٌ لَا بِخَدِيعَةٍ هُوَ فِى الاشْيَآءِ كُلِّهَا غَيْرُ مُتَمَازِجٍ بِهَا وَ لَا بَآئِنٍ عَنْهَا ظَاهِرٌ لَا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ مُتَجَلٍّ لَا بِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ بَآئِنٌ لَا بِمَسَافَةٍ قَرِيبٌ لَا بِمُدَانَاةٍ لَطِيفٌ لَا بِتَجَسُّمٍ مَوْجُودٌ لَا بَعْدَ عَدَمٍ فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَارٍ مُقَدِّرٌ لَا بِحَرَكَةٍ مُرِيدٌ لَا بِهَمَامَةٍ سَمِيعٌ لَا بِآلَةٍ بَصِيرٌ لَا بِأَدَاةٍ لَا تَحْوِيهِ الامَاكِنُ وَ لَا تَصْحَبُهُ الاوْقَاتُ وَ لَا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ وَ لَا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ سَبَقَ الاوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الإبْتِدَآءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ وَ بِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ وَ بِمُضَآدَّتِهِ بَيْنَ الاشْيَآءِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الاشْيَآءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَآدَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْجَسْوَ بِالْبَلَلِ وَ الصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزّ وَ جَلَّ «وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(2)فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَ لَا بَعْدَ شَاهِدَةً بِغَرَآئِزِهَا عَلَى أَنْ لَا غَرِيزَةَ لِمُغَرِّزِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ
بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ غَيْرُ خَلْقِهِ كَانَ رَبًّا إذْ لَا مَرْبُوبٌ وَ إلَهًا إذْ لَا مَأْلُوهٌ وَ عَالِمًا إذْ لَا مَعْلُومٌ وَ سَمِيعًا إذْ لَا مَسْمُوعٌ.
ثمّ أنشأ علیه السلام يقول:
ولم يزل سيّدي بالحمد معروفا *** ولم يزل سيّدي بالجود موصوفا
وكنت(1)إذ ليس نور يستضاء به *** ولا ظلام على الآفاق معكوفا
وربّنا بخلاف الخلق كلّهمُ *** وكلّ ما كان في الأوهام موصوفا
ومن يُرده على التشبيه ممتثاً *** يرجع أخا حصر بالعجز مكتوفا
وفي المعارج يلقي موج قدرته *** موجاً يعارض طرف الروح مكفوفا
فاترك أخا جدلٍ في الدين منعمقاً *** قد باشر الشكّ فيه الرأي مأووفا
واصحب أخا ثقة حبّاً لسيده *** وبالكرامات من مولاه محفوفا
أمسى دليل الهدى في الأرض منتشراً *** وفي السماء جميل الحال معروفا(2)
ثمّ قال علیه السلام: سلوني! فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكّازة فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنین دُلّني على عمل إذا أنا عملتُه نجّاني الله من النار وأدخلني الجنّة. فقال له علیه السلام: «اسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالمٍ ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيٍّ لا يبخل بماله على أهل دين الله عزّوجَل، وفقير صابر، فإذا كتم العالمُ عِلمه وبخل الغنيّ ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون الله أنّ الدار قد رجعت إلى بدئها (أي إلى الكفر بعد الايمان)، أيّها السائل فلا تغترّنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى، أيّها السائل إنّما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه، فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها
نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يبالي من حِلٍّ أصابها أم من حرام. قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولاّه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه وإن كان حبيباً قريباً، قال: صدقتَ يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرجل فلم نره، وطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسّم علي عليه السلام على المنبر ثمّ قال: ما لكم، هذا أخي الخضر علیه السلام».(1)
وفي (مسند الإمام علي عليه السلام) في باب «سلوني» عن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنین علیه السلام على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيّها الناس سلوني، فإنّ بين جوانحي علماً جمّاً، فقام إليه ابن الكوّا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذرواً؟ قال: الرياح. قال: فما الحاملات وقراً؟ قال السحاب. قال: فما الجاريات يُسراً؟ قال: السفن. قال: فما المقسّمات أمراً؟ قال: الملائكة. قال: يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضاً. قال: ثكلتك أمّك يا ابن الكوّا! كتاب الله يصدّق بعضُه بعضَه ولا ينقض بعضه بعضاً، فسَلْ عمّا بدا لك».
قال: يا أمير المؤمنین سمعتُه يقول: «رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ»(2)وقال في آية أخرى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ»(3)وقال في آية أخرى: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»(4)قال: ثكلتك أمّك يا ابن الكوّا! هذا المشرق وهذا المغرب. وأمّا قوله: «ورب المشرقين ورب المغربين» فإنّ مشرق الشتاء على حِدة ومشرق الصيف على حدة، أما تعرف بذلك من قُرب الشمس وبُعدها؟ وأمّا قوله: «رَبِّ الْمَشَارِقِ
وَالْمَغَارِبِ» فإنّ لها ثلثماءة وستّين بُرجاً، تطلع كلّ يوم من برج وتغيب في آخر فلا تعود إليه إلاّ من قابل في ذلك اليوم.
قال: يا أمير المؤمنین کم بین موضع قدمك إلى عرش ربك؟ قال: ثكلتك أمُّك يا ابن الكوّا! سَل متعلّماً ولا تسأل متعنّتاً، من موضع قدمي إلى عرش ربّي أن يقول قائل مُخلصاً: «لا إله إلا الله».
قال: يا أمير المؤمنين فما ثواب من قال: «لا إله إلا الله»؟ قال: من قال: «لا إله إلا الله» مخلصاً طُمست ذنوبه كما يطمس الحرف الأسود من الرقّ الأبيض، فإن قال ثانية «لا إله إلا الله» مخلصاً خرقت أبواب السماوات وصفوف الملائكة حتّی تقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله، فإذا قال ثالثة «لا إله إلا الله» مخلصاً تنته دون العرش، فيقول الجليل: اسكني فو عزّتي وجلالي لأغفرنّ لقائلك بما كان فيه، ثمّ تلا هذه الآية: « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»(1)يعني إذا كان عمله صالحاً ارتفع قوله وكلامه.
قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوس قزح؟ قال: ثكلتك أمّك! لا تقل (قوس قزح) فإنّ قزحاً اسم شیطان، ولكن قُل: (قوس الله )، إذا بدت يبدو الخصب و الريف.
قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرّة التي تكون في السماء؟
قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه أغرق الله قوم نوح بماء منهمر. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر؟ قال علیه السلام: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً»؟ (2)قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب رسول
الله صلی الله علیه وآله. قال: عن أيّ أصحاب رسول الله تسألني؟ قال: يا أمير المؤمنين عن أبي ذر الغفاري. قال علیه السلام: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن سلمان الفارسي؟ قال: بخ بخ سلمان منّا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، عَلِم عِلم الأوّل والآخر. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن حذيفة بن اليماني. قال: ذلك امرؤٌ علم أسماءالمنافقين، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عالماً. قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن عمّار بن یاسر؟ قال: ذاك امرؤٌ حرّم الله لحمه ودمه على النار أن تمسّ شيئاً منها. قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن نفسك؟ قال كنتُ إذا سألتُ أعطيت، واذا سكتُّ ابتُدیت. قال: يا أمير المؤمنین أخبرني عن قول الله عزّوجَل: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا» الآية؟ قال: كفرت أهلُ الكتاب اليهود والنصارى وقد كانوا على الحقّ، فابتدعوا في أديانهم وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ثمّ نزل عليه السلام عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوّا، ثمّ قال: يا ابن الكوّا وما أهل النهروان منهم ببعيد. فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك ولا أسأل سواك. قال: فرأينا ابن الكوّا يوم نهروان، فقيل له: ثكلتك أمك! بالأمس تسأل أمير المؤمنين عمّا سألته وأنت اليوم تقاتله، فرأينا رجلاً حمل عليه فطعنه فقتله.(1)
قال عليه السلام: «سلوني قبل أن تفقدوني» فقام إليه صعصعة بن صوحان وميثم التمار و کمیل بن زیاد و عمر بن صالح، فقالوا: سیّدنا حدِّثنا بما يجري في آخر الزمان، فإنّ حديثك يُحيي قلوبنا ويزيد في إيماننا.
1) الاحتجاج 1: 385 - 388.
قال: نعم، سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله يقول: ستجتمع في آخر الزمان في أمّتي مائة خصلة لم تجتمع في غيرها من الأمم: يكون منهم قوم لهم وجوه جميلة وضمائر رديّة، من رآهم أعجبوه، ومن عاملهم ظلموه، الوجوه وجوه الآدميّين والقلوب قلوب الشياطين، هم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأهرش من الكلب وأروغ من الثعلب، لا يتناهون عن منكر فعلوه، إن حدّثتهم كذّبوك، وإن ائتمنتهم خانوك، وإن كان لك مال حسدوك، وإن بخلت عليهم هلبوك، سمّاعون للكذب، أكّالون للسحت، يستحلّون الزنا والخمر والمعاني والطرب، الفقير بينهم هالك، والقويّ عندهم مالك، ويطيع الرجل زوجته ويعصي والديه، ويكثر ما بينهم سفك الدماء، فتقلّ المكاسب وتختلف المذاهب، ويحكم فيهم کلّ سلطان جائر، وشُربت الخمور، ورُكبت الذكور، واكتفت الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وعلت الفروج السروج، ويتشبّهنّ بالرجال، وتحجّ الناس على ثلاثة أقسام: الأغنياء للنُزهة، والأوساط للتجارة، والفقراء للمسألة، فيختبط الإسلام وتظهر دولة الصبیان، مساجدهم معمورة بالأذان وقلوبهم خالية من الإيمان، فإذا دخلت السوق لم تسمع إلاّ ذامّاً لربّه، هذا يقول: لم أبع شيئاً، وهذا يقول: لم أربح شيئاً؛ إلى أن قال علیه السلام: فإذا اجتمعت هذه الخصال توقّعوا ظهور القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف.(1)وهذا الباب واسع من أراد الزيادة فليرجع إلى كتابنا الكبير (مسند الإمام علي) في باب «سلوني قبل أن تفقدوني».
1) قد وردت روايات كثيرة من هذا الحديث في تفسير القمّي 2: 307 في حديث رسول الله صلی الله علیه وآله لسلمان الفارسيّ رَضی الله عَنهُ.
«كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ» (ابن ابي الحديد مج 1 ط 1 ص286).
الأديم: الجلد المدبوغ الذي لم تتمّ دباغته، وعُكاظ _ بالضمّ _ موضع بناحية مكّة كانت العرب تجتمع فيه في كلّ سنة ويقيمون به سوقاً مدّة شهراً، ويتعاكظون أي يتفاخرون ويتناشدون الشعر، ويُنسب إليه الأديم لكثرة البيع فيه.والعرك: الدلك والحكّ، وعركه أي حمل عليه الشر، وعركت القوم في الحرب: إذا مارستهم حتّى أتعبتهم.
إنّ هذا الكلام من جملة ما أخبر به علیه السلام من المغيّبات، فقد بيّن فيه حال الكوفة وحال أهلها وتجاذب أيدي الظالمين وتسلّطهم عليهم بالظلم والعدوان.
وفي قوله علیه السلام: «كأنّي بك یا كوفة» إشارة إلى أن المخبَر به لا محالة واقع، ووقوعه مشاهد بعين اليقين. وقوله: «تُمدین مدّ الأديم العُكاظيّ» وجه الشبه شدّة ما يقع بأهلها من الظلم والبلاء، كما أنّ الأديم العكاظيّ مُستحكم الدباغ شديد المدّ.
وقوله: «تُعرکین بالنوازل وتركبين بالزلازل» أراد بهما الشدائد والمصائب التي نزلت بأهل الكوفة والظلم والبلايا التي حلّت بها وأوجبت اضطراب أهلها، وهي كثيرة مذكورة في كتب السير والتواریخ.
وقوله: «و إنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّارٌ سوءاً» إشارة إلى تحقيق وقوع المخبر به، يعني أنّه معلوم بعلم اليقين أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلاّ ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: فأمّا ما همّ به الملوك وأرباب السلطان فيها من السوء ودفاع الله تعالی عنها فكثير. قال المنصور لجعفر بن محمد الصادق علیه السلام: إنّي قد هممتُ أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها ويجمّر نخلها ويستصفي أموالها ويقتل أهل الريبة منها، فأشِر عليَّ. فقال عليه السلام: يا أمير المؤمنين إنّ المرء ليقتدي بسلفه، ولك أسلاف ثلاثة: سليمان أعطي فشكر، وأيوب ابتُلي فصبر، ويوسف قَدَر فغفر، فاقتدِ بأیّهم شئت.
فصمت قليلاً ثمّ قال: قد غفرت.
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتاب المنتظم: إنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهّم أن يخرّب دورهم ويجمّر نخلهم، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من علي علیه السلام، وعلم أنّهم سيمتنعون فيحتجّ بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم. قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري: فإنّي لمع نفر من قومي والناس يومئذ في أمر عظيم، إذ هوّمتُ تهويمة فرأيت شيئاً أقبل طویل العنق مثل عنق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعاً فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإنّ الأمير يقول لكم: إنّي عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنّي لأجد في النصف من جسدي حرّ النار، حتّى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب:
ما كان منتهياً عمّا أراد بنا *** حتّى تناوله النقّاد ذو الرقبهْ
فأثبت الشقّ منه ضربة عظمت *** كما تناول ظلماً صاحب الرحبه(1)
وابنه عبيد الله وقد أصابه الجذام، والحجّاج بن يوسف وقد تولّدت الحیّات في بطنه حتّى مات، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص، وخالد القسريّ وقد حُبس وضُرب فطوّلت مدّته في الحبس حتّى مات جوعاً.
وفي قوله علیه السلام: «ما أراد بك جبّار سوءاً إلاّ ابتلاه الله» إشعار بمدح الكوفة وفضلها وأنّها المدينة المقدّسة.
ولا غرو فقد كانت قاعدة للعلم، ومركزة للسياسة الإسلاميّة، وعاصمة للخلافة الكبرى، ودار هجرة المسلمين. و كفاها فخراً ما رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبي صلی الله علیه وآله «الكوفة جُمجمة العرب ورُمح الله وكنز الإيمان»(2)وقول أمير المؤمنین علیه السلام: «نعمت المدرة، إنّه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم في صورة القمر»(3)وقوله: «مدينتنا ومحلّتنا ومقرّ شیعتنا».(4)وقال الصادق علیه السلام: «اللهمّ ارمِ مَن رماها، وعادِ من عاداها»(5)وقوله: «تربة تحبنّا ونحبّها».(6)
وعن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد الله الصادق علیه السلام فسلّمنا عليه وجلسنا بين يديه، فسألنا: من أنتم؟ قلنا: من أهل الكوفة، فقال: أما إنّه ليس من بلد من
البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، ثمّ هذه العصابة خاصّ، إنّ الله هداكم لأمرٍ جهله الناس، أحببتمونا وأبغضنا الناس، وصدّقتمونا و كذّبنا الناس، واتّبعتمونا وخالفنا الناس، فجعل الله محياكم محيانا، ومماتكم مماتنا.(1)وقول سلمان الفرسي رَضی الله عَنهُ: «أهل الكوفة أهل الله، وهي قبّة الإسلام يحنّ إليها كلُّ مسلم».(2)
إذاً فلا بدع من أن تكون الكوفة مركزاً للأدب والعلم، ومدرسة للثقافة، وجامعة يأوي إليها مختلف طبقات الناس من كل فجّ عميق، ولقد ازدلفت إليها زرافات من خیار الصحابة ورجالات التابعين وروّاد العلم وحفّاظ الحديث، فكان منهم قضاة، وكان منهم نقباء، وذلك ممّا زاد في قيمتها التاريخية وأهميّتها العلميّة، كما أنّها أنجبت علماء وأدباء وشعراء هم مفاخر التاريخ الإسلامي وغرّة واضحة في جبهة الدهر.
كانت الكوفة _ ولا سيّما في العصر الأمويّ _ ملتقى العلماء والأدباء والشعراء، يزدحمون في المسجد الأعظم وغيره من الجوامع العامّة والنوادي والمحافل للمفاخرة والمناظرة، وكان أشراف الكوفة يخرجون إلى ضواحيها أيضاً لمثل هذا الغرض، لما كان في ضواحيها من جالية العرب وأهل البادية من القبائل التي نزحت إلى هناك بعد الإسلام، فكانت الكوفة وضواحيها يومئذ کسوق عُكاظ في الجاهليّة، تتألّف فيها من فحول شعرائها حلقات المناشدة والمفاخرة ومجالس العلم والأدب، وكان الشعر في الكوفة أكثر منه في البصرة، وقد وقف المختار بن أبي عبيدة في أثناء حروبه بالعراق على أشعار مدفونة في القصر الأبيض بالكوفة،وذلك ممّا يدلّ على عناية الكوفيّين بالشعر.
في الكوفة احتكّ العرب بغيرهم من الأمم المتمدّنة، وفيها اشتغل المسلمون بجمع أخبار العرب وأشعارهم وأمثالهم، وفيها وُلدت الآداب اللسانيّة، فتكاثرت فيها الأندية الأدبيّة، وذلك من أهمّ البواعث على زهو الشعر فيها، فلا غرو إذا نبغ فيها الشعراء والأدباء أمثال الكميت بن زيد الأسدي، وأبي الطيّب المتنبّي، وأبي العتاهية، ودعبل الخزاعي، وحمّاد عجرد وحمّاد الراوية وغيرهم من فطاحل الشعراء.
ومن المعتقد أنّ شعراء السياسة في الكوفة أكثر من غيرهم من سائر الطبقات، إذ قلّما نبغ شاعر لم يتعرّض لحزب من الأحزاب التي كانت مؤلّفة فيها يومئذ، لا سيّما والكوفة كانت معروفة بأنها علويّة المبدأ على الأكثر، فكان فيها من أنصار العلويّين والهاشميّين ومن أنصار الأمويّين، وفيها من أنصار الخوارج وآل المهلّب وغيرهم.
وإنّ من يلقي نظرة في التاريخ الإسلاميّ في العهد العبّاسيّ الأوّل يرى أنّ سوق المناظرة والمفاخرة كانت رائجة بين الكوفيّين والبصريّين في مسائل شتّى في الفقه والنحو والأدب واللغة وغيرها، الأمر الذي كوّن المنافرة بين الفريقين بالطبع، وانتمت إلى كلّ مذهب طائفة، حتّى قيل: (مذهب الكوفيّين ومذهب البصريّين).
وكان خلفاء الدولة العباسيّة يقدّمون الكوفيّين لأنّهم كانوا من أنصارهم لمّا قاموا لطلب الخلافة في الكوفة، فكانوا يقرّبونهم دون البصريّين، ويختارون منهم أساتذة لأولادهم: فالكسائيّ والفرّاء والمفضّل الظبّي والشرقي بن القطامي كلّهم من أهل الكوفة وقد علّموا أبناء الخلفاء.
وقد جرت مفاخرة طويلة بين أبي بكر الهذلي البصري وبين أبي العيّاش بالكوفة بمحضر أبي العباس السفاح، وكلّ يتعصّب لبلده فيصفها بكلّ ما في وُسعه من الصفات الفاضلة، فنرى أبا العباس يتعصّب لأبي عيّاش الكوفي ويقول بعد انتهاء المفاخرة: «الكوفة بلاد الأدب ووجه العراق ومبزغ أهله، وهي غاية الطالب ومنزل خيار الصحابة وأهل الشرف، وإنّ البصرة لأشيه الناس بهم».
مرّت على الكوفة أدوار متناقضة مُنيت خلالها بحروب وحوادث مدهشة،
فكانت الأفكار فيها تتضارب والنزعات تتخالف، فربّما أخذت الحقائق بأعضاد ذويها، وربّما ساعدت الحظوظ وثّابة النهمة والشره، وكلّما خبا ذِكر أحد الفريقَين تربّص الفريق الآخر به الدوائر حتّى تتضاءل مِرّةُ صاحبه وتلين قوّته، ولم يزل تباين الخطط بهذه العاصمة حتّى حكم عليها بالتدمير وألحقها بحديث أمس الدابر.
نعم انتابتها سلسلة حوادث، أشهرها حادثة مسلم بن عقیل سفير الحسين علیه السلام ورسوله إلى أهل الكوفة، فقد دخلها سنة ستّين للهجرة طالباً البيعة للإمام الحسين، فبايعه أهل الكوفة بيعة واحدة، ثمّ ما أسرع أن تفرّقوا عنه عندما دخلها ابن زیاد.
یروي ابن اعثم الكوفي عن ابن اسحاق صاحب المغازي وابن هشام وغيرهم: أنّ أهل الكوفة لما تفرّقوا عن مسلم بن عقیل علیه السلام وبقي وحيداً امتطى ظهر جواده وهمّ بالخروج من الكوفة، إلاّ أنّه بقي يتردّد في شوارعها لعدم اهتدائه الطريق المنهي إلى خارجها، وبينما هو يسير إذ عرض له سعيد بن أحنف فعرف مسلماً بشمائله، فاستوقفه وسأله عن سبب خروجه هذا وأنّه على خلاف الغرض الذي جاء له، فقال له مسلم: إنّي لما يأست من الجماعة الذين بایعوني وتفرّقوا عني صمّمت على ترك الكوفة عَلّي أرى جماعة يُبايعوني ولا ينكثون، فقال له سعيد: لا يكون ذلك أبداً لأنّ القوم أخذوا عليك الطرق، وبثّوا الأرصاد والعيون والحرس من أجلك، فإذا وقعت عليك أعينهم قبضوك قبض اليد، فقال مسلم، إذن ما الرأي؟ قال: الرأي أن نذهب سويّة إلى دارٍ آمنة ومكان حصين لا يطّلع علينا أحد من القوم. فأجابه مسلم ومضيا حتّى انتهيا إلى دار محمد بن كثير.
وما أن شعر بهما محمد حتّى انكبّ على أقدام مسلم يقبّلهما وهو يقول: ما أسعدني ومن مثلي! فقد حظوتُ بالدين والدنيا، وكانت في دار محمد مواضع خفيبة
واقية قلّما يهتدي أحد لمعرفة من بها، ولكنّ الحرس الكثير والعيون المتطايرة والإرصادات المبثوثة استطاعت أن تكشف هذا الخبر، وسرعان ما طيّر إلى ابن زیاد وما كان أشدّ فرحه بذلك، وبالفعل أمر ابنه خالد أن يصحب معه فوجاً من العسكر وأن يطوّقوا دار محمد بن كثير، وهكذا كان، ولمّا لم يكن مع محمد من الأعوان ما يكتفي بهم لصدّ هذا العمل فقد قُبض عليه وعلى ابنه بسهولة وبُعثا إلى ابن زیاد، غير أنّه خفي عليهم موضع مسلم، وكلّما فتّشوا عليه زادوا بمقامه جهلاً وضلالاً، فراجع خالد دار الأمارة بذاك وأطلعها على الحال.
ومن الجهة الثانية فإنّ سليمان بن صرد الخزاعي والمختار بن أبي عبيدة الثقفي وورقاء بن عازب وجماعة من أشراف أهل الكوفة لمّا علموا بخبر محمد وأنه أخذ هو وابنه صمّموا على أن يكوّنوا لهم أتباعاً وأعواناً ويهاجموا دار الامارة ويُنقذوا محمداً وابنه، وأن يخيّموا خارج الكوفة ويُعلنوا نصرة الحسين علیه السلام ويكوّنوا جيشاً قويّاً على أعدائه. هذا ما تآمروا عليه وصمّموا على تنفيذه صبح اليوم التالي. إلاّ أنّ من القضاء والقدر أن قدم عامر بن الطفيل مع عشرة آلاف جنديّ من عسكر أهل الشام قبل طلوع فجر تلك الليلة خاضعين لأوامر ابن زیاد، فسُرّ ابن زیاد بذلك سروراً عظيماً، وفي صبيحة تلك الليلة أحضر ابن زياد محمد بن كثير فسبّه وشتمه ما شاء، فقال له محمد: لستُ بالمكان الذي استحقّ من مثلك كلّ هذا الشتم، ولستَ بالمحلّ الذي تقتدر أن تشتم مثلي،فما أنت إلاّ لئيم حسبٍ خسیسُ نسبٍ ألصقت بأبي سفيان إلصاقاً، وشرّ ما أولد هذا الإلصاق من الفساد والشر والفتن بين المسلمين، فإنّما أنت نغل وابن زنا.
وبينما هما بالكلام إذ علت أصوات الرجال و كثر الهتاف والغوغاء، وإذا هم بأربعين ألف رجل أو أكثر يحاصرون دار الامارة على أتمّ ما یکون من الاستعداد لمواجهة الطوارئ الحادثة، فلم يُبالِ ابن زیاد ولم يُرعه ذلك، بل استمر مع محمد بن كثير واسترسل بجبروته وغطرسته، فأقسم لابن كثير برأس یزید أن لا مزيد على هذا الاعتداء، وأن يسلّم مسلم بن عقيل لا محالة وإلاّ
جعله طُعمة لحدّ السيوف. فقال له ابن کثیر: لا، لستَ بالمقام الذي تتمكّن به من مسّ شعرة من بدني فضلاً عن إراقة قطرة من دمي.
وكان ابن زیاد مغضباً في تلك الساعة، إلاّ أنّه بعید نظر بعاقبة الأمر، فخفّف من غلوائه فجأة وألان طرفاً من لسانه حالاً مع ابن کثیر، فقال له: حسناً فلتعرف هل روحك أعزّ عليك أم روح مسلم بن عقيل؟ فقال ابن كثير: أمّا روح مسلم فلها من خالقها وبارئها من يحميها وينصرها، وأمّا روحي فبينها وبين أن تُسلب ثلاثون ألفاً من السيوف المخضّبة بدماء صناديد الرجال.
وهاج بابن زیاد غضبه واتّقدت عيونه، فنظر ما حوله فلم يجد إلاّ دواة ضرب بها جبهة محمد فتكسّرت أوصالاً، وسالت دماء محمد على وجهه ولحيته فجرّد سيفه وحمل على ابن زیاد، فصرخ ابن زیاد صرخة دوی لها كلّ من في دار الامارة من الجنود والغلمان، و حالت أشراف من الكوفة بين محمد وبين ابن زیاد، إلاّ أنّ معقلاً الذي كان هاني بن عروة جرحه قبل هذا هجم على محمد، فاستقبله محمد استقبال الأسد لفريسته، فضربه ضربة واحدة شطرته شطرين، فثار ابن زیاد و ترك وسط المجلس وتجنّب ناحية منه، ثمّ صاح بغلمانه وحاشيته أن دونكم الرجل! فانثالوا على محمّد وابنه بأسيافهم من كلّ جانب، وكان محمّد يقاتلهم ويُضاربهم ذات اليمين مرّة وذات الشمال أخرى، وأماماً تارة و خلفاً أخرى، حتّى عثرت رجله بحبل الشاذروان فسقط على الأرض، فانكبّ عليه الحرس والغلمان انكبابة واحدة ما أمهلوه بها حتّى قضوا عليه.
وأمّا ابنه فاستمر على قتال القوم متّجهاً نحو باب دار الامارة، وقتل في الأثناء عشرين أو أكثر، فلمّا كان قريباً من الباب طعنه أحد الغلمان من خلفه طعنه أكبّه على وجهه، فتلاقفوه بالسيوف والرماح حتّى قُتل رَحمه اللهُ.
وكان أهل الكوفة والجند الشامي في تلك الأثناء في تضارب و تصادم وتسایف و تنابل، فضجّ الجيش الشامي من جري الكوفيين وشدّة مقاومتهم،
فشكوا ذلك إلى ابن زیاد، فقال لهم: إنّ أهل الكوفة يشدّون حرصاً على محمد وابنه فارموا برأسيهما إليهم، فإذا رأوهم تفتر حركتهم ويسكن هياجهم، فُرمي الرأسان للناس من أعلى القصر، فما اكترث الناس بقتلهما بل اشتدّوا و داموا يحاربون الجيش حتّی حجزهم الليل وعاد كلّ منهم إلى داره ولم يبق منهم بباب القصر أحد، وكان ابن زیاد غير آمن من هياج الكوفة عليه وانتصارها لمسلم، فجدّ في أثر مسلم وبثّ الأرصاد أيضاً والعيون عليه.
ولمّا انتهى خبر هذه الوقعة إلى مسلم ترك دار محمد بن كثير وخرج، إلاّ أنّه لا يدري أين يتّجه، وجيش ابن زياد أخذ الطرق عليه، وكان عدده اثني عشر ألف وُزِّعوا في طرق الكوفة وشوارعها، وكان بين كلّ الفرق والأقسام إشارات خاصّة يجتمعون بمجرد المبادرة لها. فقصد مسلم جهة من الجهات من دون أن يعلم ما هي وإلى أين تنتهي، وبينما هو سائر اذ عرض له قسم من هذه الأقسام، فصاحوا به: من أنت وإلى أين ترید؟ فقال: إنّي رجل من فزارة أريد الرواح إلى قبيلتي. فقالوا له: ارجع لا يمكن العبور من ههنا، فترك هذا الطريق وأخذ محلّة دار البيع فعارضه خالد بن عبيد الله بن زياد في ألف رجل فلم يُفسحوا له، فترك هذا الطريق أيضاً، فرجع وأخذ طريق الكناسة فعارضه الخادم الشامي في ألفي رجل، فرجع وأخذ طريق السوق، إلاّ أن رجلاً يقال له «الحراث» التفت إلى رجوع مسلم بسرعة من طريق الكناسة وأخذه طريق السوق فقطع أنّه هو مسلم بعينه، فمضی مسرعاً إلى دار الامارة _ وكان الليل قد أوشك أن يصبح _ وقال لنعمان الحاجب: إنّ مسلماً قصد السوق الفلاني راكباً فرسه متوجّهاً إلى باب البصرة، فركب نعمان من وقته ومعه خمسون فارساً وقصد السوق، فطرق سمع مسلم وقع حوافر الخيل فعرف أنّهم في طلبه، فلم يَر بُدّاً من أن يترجّل ويهمز جواده خالياً، وهكذا فعل ومرّ الجواد یسارع في الشوارع، فلحقه نعمان مع فوارسه حتّى ظفروا به في محلّة الحلاّجین خالياً فأخذوه إلى ابن زیاد وأعلموه الحال، فبعث ابن زياد برجاله وحراسه إلى رؤوس المحلات ومفارق الطرق ومعابر الناس ومداخل الأسواق فأقامهم فيها، وأمر المنادي أن
يُنادي في الناس كافّة أنّه: من دلّنا على مسلم أو عرّفنا بمكانه أو جاء به إلينا فله منّا المكافأة الجزيلة والعطايا الوفيرة والمنزلة الرفيعة والمرتبة السامية وغير ذلك، ممّا بعث بمحبّي المال والجاه وعشّاق الذهب والفضة أن يصبحوا له عيناً واحدة على مسلم، يتجسّسون عليه في الصبح المضيء والليل المظلم.
وأمّا مسلم فبعد مغالطة نعمان وفرسانه أخذ يمشي في الأزقّة والطرق جائعاً عطشاناً لا يهتدي لسبيل ولا يركن إلى دليل، وخاف أن يظفر به الناس، فرأى في أحد الشوارع مسجداً خرباً فالتجأ إليه وقضی بیاض نهاره فيه، حتّى إذا جنّ الليل قام وأخذ يجوب الطرق وكلّها مسدودة في وجهه سدّاً محکماً، وكان عبوره بمحلّة ابن جبلة من كندة فوقع نظره على دار عالية البنيان جلس أمامها يستريح بعض الشيء ممّا حلّ به، وكانت الدار لأم ولد يقال لها طوعة كانت قبلاً تحت الأشعث بن قيس، ولمّا طلّقها صارت تحت أسيد الحضرمي وأولدها غلاماً إسمه بلال.(1)
1) انظر قصّة شهادة مسلم علیه السلام في الإرشاد 2: 39 - 66؛ تاریخ الطبري 4: 263 - 284؛ بحار الأنوار 44: 343 - 354.
«إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقى مِنْهُ وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَان قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَ نَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ».(شرح النهج لابن أبي الحديد مج1، ص216، ط الأولى).
(التوأم) معروف، يقال هذا توأم هذا، وهذه توأم هذه، وهما توأمان. (والجنّة) بالضم الترس. و(الكيس) الفطنة والعقل. (والحوّل القُلّب) البصير بتقليب الأمور وتحويلها. (والانتهاز) المبادرة، يقال انتهز الفرصة: اغتنمها وبادر إليها. (والحريجة) التحرّج والتأثّم، أي التحرّز من الحرج والاثم.
إنّ الوفاء والصدق من جنود العقل، كما إنّ الغدر والكذب من جنود الجهل، وتقابل الأوليين مع الآخرين تقابل العدم والمَلَكة، لأنّ عدّ هذه الأوصاف من جنود العقل والجهل باعتبار مبادیها الراسخة ومَلَكاتها في النفس دون آثارها التي من الأعمال والأفعال.
وعلى هذا فالوفاء مَلكة نفسانيّة تنشأ من لزوم العهد كما ينبغي والبقاء عليه، والغدر ضدّ الوفاء عمّن من شأنه الوفاء، والصدق ملكة تحصل من لزوم مطابقة الأقوال للواقع، والكذب عدم الصدق لمن من شأنه الصدق.
ولمّا كان الوفاء والصدق متشاركين في كونهما من جنود العقل، متلازمين غالباً، لاجرم شبّههما بالتوأمين، قال: (إنّ الوفاء توأم الصدق) ثمّ قال علیه السلام: (ولا أعلم جُنّة أوقي منه) أي أشدّ وقاية منه من عذاب الآخرة ومن عار الدنيا المترتّبين على الغدر وخلف الوعد، مضافاً إلى ما فيه من الثمرات والمنافع الدنيويّة والأخرويّة. فمن ثمراته الدنيويّة اعتماد الناس على قول الوفيّ وثقتهم به وركونهم إليه، واستحقاق المدح الثناء عند الخالق والخلائق. ومن هنا قيل في المثل: (الوفاء مليح، والغدر قبیح).
وحتّى الآن وقد مضت قرون وقرون يُضرب المثل بوفاء السموءل فيقال: (أوفى من السموءل).
ومن وفائه أنّ امرء القيس بن الحجر لمّا أراد الخروج إلى أحد الملوك استودع السموءل دروعاً، فلمّا مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام، فتحرّز منه السموءل، فأخذ الملك إبناً له كان مع ظئرٍ خارجاً من الحصن، ثمّ صاح بالسموءل فأشرف عليه، قال له الملك: هذا ابنك في يدي، وقد علمتَ أنّ امرء القیس ابن عمّي وأنا أحقّ بميراثه،فإن دفعت إلىّ الدروع وإلاّ ذبحتُ ابنك. فقال السموءل: أجّلني، فأجّله، فجمع أهل بيته ونساءه فشاورهم فكلٌّ أشار إليه بدفع الدروع، فأبي قال: ما كنت لأحقر أمانة، فقال للملك: فاصنع ما أنت صانع، إنّ الغدر طوق لا يبلی، ولابني هذا أخوة، فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه ورجع خائباً، فلمّا دخلت أيام الموسم وافی السموءل بالدروع الموسم فدفعها
إلى ورثة امرئ القيس. وهذا أقصى ما يُتصوّر في الوفاء. لذلك ضُرب به المثل واستمرّ حتّى اليوم فيقال: (أوفي من السموءل).(1)
جاء في التاريخ: أنّ المنذر بن ماء السماء _ ملك الحيرة _ جدّ النعمان بن المنذر _ خرج يتصيّد، فأجرى فرسه خلف صید، فذهب الفرس به في الأرض ولم يقدر على كبح جماحه، فانفرد عن أتباعه، وأخذته السماء فطلب ملجأ يلجأ إليه، فدفع إلى بناء فإذا فيه رجل من طيء يدعى حنظلة ومعه امرأة له، فقال لهما: هل من مأوى؟ فقال حنظلة: نعم، فخرج إليه فأنزله ولم یکن للطائيّ غير شاة، وهو لا يعرفه، فقال لامرأته: أرى رجلاً ذا هيئة، وما أخلقه أن یکون شریفاً خطيراً، فما الحيلة؟ قالت: عندي شيءمن طحين كنت ادّخرته، فاذبح الشاة، وأخرجت الطحين وخبزت منه، وقام الطائي إلى شاته فاحتلبها ثمّ ذبحها واتّخذ من لحمها مضيرة (طعام يُطبخ باللبن) فأطعمه من لحمها، وسقاه من لبنها، واحتال له بشراب فسقاه، وقطع بقيّة ليلته يحدّثه، فلمّا أصبحا لبس المنذر ثيابه وركب فرسه ثم قال: يا أخا طيء اطلب ثوابك، أنا الملك المنذر، قال: أفعل إن شاء الله، ثمّ اتّجه نحو الحيرة.
ومكث الطائي بعدها زماناً فأصابه جهد وساءت حاله، فقالت له إمرأته: لو أتيتَ الملك لأحسن إليك، فأقبل إلى الحيرة، وكان المنذر وقد جعل له يومين: يوم بؤس مَن صادفه فيه قتله وأرداه، ويوم نعیم مَن لقيه فيه أحسن إليه وأغناه، فصادف الطائيّ مجيئه يوم بؤس المنذر، فإذا هو واقف في خيله في السلاح، فلمّا نظر إلى الطائي عرفه وساءه مكانه، و جاء الطائي حتّی وقف بين يديه فقال له المنذر: أنت حنظلة؟ قال: نعم. قال: أفلا جئت في غير هذا اليوم؟ قال: أبيتَ اللعن وما عليّ بهذا اليوم؟ قال: والله لو سنح لي في هذا اليوم ابني لم
1) المحبر لمحمّد بن حبيب البغدادي: 349.
أجد بدّاً من قتله، فاطلب حاجتك من الدنيا وسَل ما بدا لك فإنّك مقتول. قال: أبيتَ اللعن وما أصنع بالدنيا بعد نفسي؟ والله ما أتيتك إلاّ زائراً ولأهلي من خيرك مائراً، فلا تكن مبرّتهم قتلي. فقال: لا بدّ من ذلك، فاسأل حاجة أقضها لك قبل موتك. قال: تؤجّلني سنة أرجع فيها إلى أهلي وأحكم منهم ما أريد ثمّ أصير إليك فأنفِذ فيّ حكمك. فقال المنذر: ومَن يكفل بك حتّى تعود. فنظر في وجوه جلسائه فعرف منهم شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني _ أبا الحوفزان _ وكان صاحب الردافة فقال:
یا شريكٌ يا بن عمروٍ *** ما من الموت مَحالَه
یا شريكٌ يابن عمرو *** يا أخا من لا أخا لَه
يا أخا شیبان فُكَّ *** اليوم رهناً قد أنالَه
يا أخا كلّ مضافٍ *** وحيا من لا حَيا لَه
إنّ شیبان قبيلي *** أكرم الناس رجالَه
وأبو الخيرات عمرو *** وشراحيل الحِمالَه
رتّباك اليوم في المجد *** وفي حسن المقالَه
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن، يدي بيده ودمي بدمه إن لم يَعُدْ إلى أجله. فأطلقه المنذر، فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه ينتظر حنظلة فأبطأ عليه، فأمر بشريك فقُدّم ليُقتل، فلم يشعر إلاّ وراكب قد طلع، فإذا هو حنظلة وقد تحنّط وتكفّن ومعه ناديته تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلمّا رأى المنذر ذلك عجب من وفاء الطائيّ وقال له: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: أيّها الملك: الوفاء، ومَن لا وفاء له لا دين له، قال: وما دينك؟ قال: النصرانيّة، فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معاً وأبطل تلك البدعة، وكان ذلك سبب تنصّره و تنصّر أهل الحيرة فيما زعموا.(1)
1) معجم البلدان 4: 198 – 199.
وأرجح دلیل يتمسّك به الإنسان لمبتغاه، وأوضح سبيل يهدي سالكه إلى بلوغ مناه، كتاب الله الذي مَن تمسّك به هداه، ومن استدلّ به أرشده إلى هداه، وقد دلّ بمنطوقه أنّ الوفاء يجب على كلّ عاقل أن يرعاه، ويحرم عليه أن يخون عهده وينقض عراه، فقال عزّوجَل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1)وقال تقدّس اسمه: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا»(2)وقال تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا»(3)فهذه الآيات مع اختلاف محالّها وتعدّد أسبابها متّفقة على وجوب الوفاء بالعهود والتمسّك بحبالها وتجنّب نقضها، ولو لم يكن في الوفاء فضيلة إلاّ أنّ المتّصف به يعدّ في زمرة الصادقین وینزّه نفسه عن التحلّي بسمة المنافقين لكفي، فإنّ رسول الله صلی الله علیه وآله لما سُئل عن صفات المنافقين قال: «إذا عاهد غدر».(4)فالوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة والخِلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون ويحلّ بين الناس في رتب الكرامة.
ثمّ إنّه علیه السلام بعد الترغيب في الوفاء وبيان حسنه، حذّر من الغدر بقوله: «ولا يغدر من علم كيف المرجع» يعني من كان له علم بحالة الغادر في الآخرة وبما يستحّق بغدره من الجحيم والعذاب الأليم لا يصدر منه غدر ولا تكون له رغبة إليه.
قال عليه السلام على منبر الكوفة: «أيّها الناس، لولا كراهية الغدر لکنتُ من أدهى الناس، ألا إنّ لكلّ غدرة فجرة، ولكلّ فجرة كفرة، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار».(5)
وقال علیه السلام: «قد يرى الحوّلُ القُلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله، ثمّ ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».
يقول الإمام علیه السلام هذا وهو صادق في قوله، فكم أدرك مدرك متفقّه في حياته حيلة الوصول إلى مفاتن الدنيا، ثمّ حال بينه وبين تلك المفاتن وازع من دین ورادع من شرف أو كرامة أو إنسانية، فإذا بالرجل الانتهازي الذي لم يتوفّر على كرامة النفس ونُبل الضمير وشرف الدين، إذا به يتحلّل من كلّ ذلك، ويُقبل على دنياه طويل الأمل عريض الشهوات.
فمن هو ذلك المتحرّج الورع الزاهد؟ ثم من هو هذا المتحلّل المتحرّر؟ ذاك علي علیه السلام وهذا معاوية، ذاك علي وتابع علي منذ كان ويكون حتّی الحشر، وهذا معاوية وتابع معاوية منذ كان و یکون حتّى الحشر، ذاك علي والقليل النادر من الناس الذين تفهّموا حياة علي وفقهوا رسالة محمد على لسان علي، وهذا معاوية والكثير الغالب من الناس الذين آثروا الدنيا على الدين، والذين لم يفهموا من الدنيا إلاّ أنّها أداة للمتعة، ولم يفقهوا من الدين إلاّ أنّه واسطة لا غاية، وأنّ الغاية التي تبرّره إنّما هي بلغة من العيش تضخم في عين الضعيف إيمانه حتّی تراها ملء الدنيا، أطائب من طعام، ولذائذ من شراب، ثمّ طرائف من لباس وسكن ومفاتن من جمال ومتع.
تلك هي فلسفة هذه الكلمة وحكمتها التي حيّرت عقول المؤرّخين، فضلّ بها من سفه، واهتدى بها من عقل، ضلّ بها من لم يعصمه دينه ولا شرفه بين يدي هواه، فكان مثالاً لمعاوية وأخلافه فينا حتّى يومنا هذا وحتّى تقوم الساعة. واهتدى بها من عصمه عقله عن أن يتردّى في هوّة لا ينشله منها إلاّ التحسّس من دينه كيف قام رغم المحن التي تعاقبت عليه، ومن عقله كيف نضج وهو يعلّل دنياه كيف قامت فاستقامت و كلّها بهرج زائف.
تلك هي الحكمة التي فاه بها عليٌ في صدر هذا البحث ردّاً على من
يقول في عهده وبعد عهده من عبيد الشهوات، يقولون في معرض التحليل السياسي: إنّ علياً لايُحسن السياسة، وإنّ معاوية هو الجدير بها، حتّى اضطرّوه إلى القول: «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنّه يفجر ويغدر، ولولا كراهية الغدر کنتُ من أدهى الناس».(1)
ولا تليق السياسة بالغدر والفجور، فإنّ السياسة إذا لم تقم على الصدق والصراحة والعدل فإنّما هي ظلم وبُهتان وفجور، ولا تليق هذه الخلال بمن يسود أمّته و يخلف الله في خلقه.
تلك هي الحكمة في قول الإمام و تعليله، وتلك هي الغاية من إقدامه في السياسة على كلّ ما هو حق، وإحجامه فيها عن كلّ ما هو باطل.
إذا أفسد الدهرُ أخلاقَنا *** فَعِث فالسياسة أن تُفسِدا
ونافق تَسُد فبغير النفاق *** لم يكُ سيّدنا سیّدا
ألم ترَ ما حلّ بالمرتضی *** علىٍّ وما قيل في شأنه
أبى أن ينافق عصر النفاق *** ففاز ابنُ هند بسلطانه
وقالوا السياسة عند الطليق *** وليس لحيدر فيها يدُ
ولو كان خبّاً لكانت له *** يدٌ في السياسة لا تُجحدُ
إنّ سياسة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في جميع شؤونها قد عبّرت عن جميع القيم السياسيّة الخيّرة التي أعلنها الإسلام، فهي لا تقرّ الغدر ولا المكر ولا الخداع، ولا تؤمن بأيّ وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي وإن توقّف عليها النجاح السياسيّ المؤقّت، لأنّ
1) بحار الأنوار 33: 197 و 40: 193.
الخلافة الإسلاميّة من أهمّ المراكز الحسّاسة في الإسلام، فلا بدّ لها من الاعتماد على الخُلق الرصين والايمان العميق بحقّ المجتمع والأمة.
وإنّ الغدر لا ينبعث إلاّ عن نفس لا تؤمن بالمُثل الانسانيّة والقِيم الدينيّة، ينبعث ممّن لا حراجة له في الدين ولا سلامة ضمير ولاشرف نفس.
فالدين يمنع من كلّ ذلك، ولا يوصف بالغدر رجل له حريجة في الدين، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «يا علي إيّاك والغدر، فإنّ كلّ غادر يأتي يوم القيامة مائلاً شدقه وله لواء يُعرف به فيقال: هذه غدرة فلان».(1)
كما أنّه لا يأتلف الغدر مع شيء من المآثر الفاضلة، لأنّه ينمّ عن خسّة في الطبع ودناءة العنصر وعدم مبالاة بنوامیس الدين.
وكانت العرب تجتنب الغدر وتأنف منه وتعدّه وصمة في جبين الرجل مدى الدهر، وكانوا يضربون المثل بغدرة آل الأشعث، وقالوا: (أعرق العرب في الغدر آل الأشعث) فإنّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث غدر بأهل سجستان، وغدر أبوه محمد بأهل طبرستان بعد أن عقد بينهم وبينه عهداً، فغزاهم فأخذوا عليه الشعاب وقتلوا ابنه أبا بكر وفضحوه. وغدر الأشعث ببني الحارث بن کعب _ وكان بينه وبينهم عهد _ فغزاهم وأسروه، ففدى نفسه بمأتي قلوص فأدّى مأة وعجز عن البقية، ولمّا أسلم أهدره الإسلام. وغدر قیس أبو الأشعث ببني مراد، فإنّه كان بينه وبينهم عهد إلى أجل وآخره يوم الجمعة فغزاهم يوم الجمعة، فقالوا له: لم ينتهِ الأجل، فكان جوابه: إنّه لا يحلّ لي القتال يوم السبت لأنّه يهودي، فقتلوه وهزموا جيشه. وغدر معدیکرب أبو قيس ببني
1) الكافي 2: 338/ ح 5 باختصار أوّله.
مهرة، وقد كان بينهم صلح فغزاهم غادراً، فقتلوه وشقّوا بطنه وملأوه حصی وقالوا: (اشبع لا شبعتَ با ابن بغايا ضَرِيّة).(1)
فالغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النصرة، والغالب في الغدر مغلوب، ولا عُذر لغادر. يقول الشاعر العربي:
أخلق بمن رضيَ الخيانة شيمةً *** ألاّ يُرى إلاّ صريع حوادثِ
ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها *** أبداً يغادر ذمّة أو ناکث
وكانوا ينصبون الألوية في الأسواق الحافلة بالناس للتعريف بغدرة الغادر والتشهير به ليتجنّبه الناس.
وغدرة خالد بن الوليد بيني جذيمة أعقبته عاراً وخزياً طول الزمن، وقد تبرّأ النبي صلی الله علیه وآله من فعله وغدره. و كان صلی الله علیه قد أرسله داعياً لا مقاتلاً، وكانت بينه وبينهم إحنة، فإنّهم قتلوا عمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، فلمّا نزل على ماء لهم أخذوا السلاح فَرَقاً منه، فصاح بهم: ضعوا السلاح فإنّ الناس أسلموا، فلمّا وضعوا السلاح آمنين أمر جنده فكتّفوهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، فبلغ ذلك رسول الله صلی الله علیه وآله فساءه وأنكره ورفع يديه مبتهلاً إلى الله تعالى قائلاً: اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعل خالد، وأرسل أمير المؤمنين علياً علیه السلام ومعه مال ليودي بني جذيمة حتّى میلغة الكلب.
هكذا جاء في صحيح البخاري مج 3 من كتاب المغازي، والاستيعاب بترجمة خالد، وتاريخ الطبری ج 3 ص 133، و کامل ابن الأثير في حوادث سنة 8.
وكم أوقع الغدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات
1) المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي: 244 - 245.
فسيحات المصادر، و طوّقه غدره طوق خزي، وأوقعه في خطّة حتفه، يقول الله تعالى: «وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِ».(1)
ويشهد لصّحة هذه الأسباب قصّة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وذلك أنّ ثعلبة هذا كان من أنصار النبي صلی الله علیه وآله، فجاءه يوماً وقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال له رسول الله صلی الله علیه وآله: ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره خير من كثير لا تُطيقه. ثمّ أتاه بعد ذلك مرّة أخرى فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا ثعلبة أمالك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردتُ أن تسير الجبال معي ذهباً وفضّة لسارت. ثمّ أتاه بعد ذلك مرّة ثالثة فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لتن رزقني الله مالاً لأعطين كلّ ذي حقٍّ حقّه، وعاهد الله تعالى على ذلك. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: اللهمّ ارزق ثعلبة مالاً، فاتّخذ ثعلبة غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها ونزل وادياً من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلمّا كثرت الغنم وتنحّی صار يصلّي مع رسول الله صلی الله علیه وآله الظهر والعصر، ويصلّي بقيّة الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتّی بَعُد عن المدينة، فصار لا يشهد إلاّ الجمعة، ثمّ كثرت ونمت فتباعد أيضاً عن المدينة حتّى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقّى الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله صلی الله علیه وآله ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا: يا رسول الله اتّخذ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال صلی الله علیه وآله: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله صلی الله علیه وآله رجلين: رجل من بني سليم ورجل من جهينة، وكتب لهما
1) فاطر: 43.
أنصاب الصدقة وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب و برجل آخر من بني سليم فخُذا صدقاتهما، فخرجا حتّى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه کتاب رسول الله صلی الله علیه وآله فقال: ما هذه إلاّ جِزية _ أو ما هذه إلاّ أخت الجزية _ انطلقا حتّى تفرغا ثمّ عودا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار إبله فعزلها للصدقة ثمّ استقبلهما بها، فلمّا رأياه قالا: ما هذا؟ قال: خُذاه نفسی به طيّبة، فمرّا على الناس وأخذا الصدقات ثمّ رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني کتابکما، فقرأه، ثمّ قال: ما هذه الاّ جزية أو ما هذه إلاّ أخت الجزية، اذهبا حتّى أرى رأياً. قال: فذهبا من عنده وأقبلا على رسول الله صلی الله علیه وآله، فلمّا رآهما قال قبل أن يتكلّما: يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ».(1)
وكان عند رسول الله صلی الله علیه وآله رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتّى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتّى أتى النبي صلی الله علیه وآله فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إنّ الله تعالی منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: هذا عملك، قد أمرتُك فلم تُطعني، فلمّا أبی رسول الله أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، وقُبض رسول الله صلی الله علیه وآله ولم يقبل منه شيئاً، ثمّ أتى إلى أبي بكر حين استُخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلی الله علیه وآله وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلی الله علیه وآله منك فلا أقبلها أنا، فقُبض أبوبكر ولم يقبلها، فلمّا ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم
1) التوبة 75 – 78.
يقبلها منه وقال: لم يقبلها رسول الله ولا أبوبكر فأنا لا أقبلها، وقُبض عمر ولم يقبلها، ثمّ ولي عثمان بن عفّان فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر فأنا لا أقبلها، ثمّ هلك ثعلبة في خلافة عثمان.(1)
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره، ووسمه بسمة عار قضت عليه بخسران، فأيّ خزيٍ أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأيّ سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق؟
وكان يقال: لم يغدر غادر قطّ إلاّ لصغر همتّه من الوفاء، واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
ولمّا حلف محمّد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام وهما وليّا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلتُه، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله : يا أبا العبّاس أجد في نفسي أنّ أمري لا يتمّ. فقلت له: ولم ذلك أعزّ الله الأمير؟ قال: لأنّي كنت أحلف وأنا أنوي الغدر. و كان كذلك لم يتمّ أمره.
وورد في أخبار العرب: أنّ الضَيزَن بن معاوية بن قضاعة كان ملكاً بین دجلة والفرات، وكان له هناك قصر مشيد يُعرف بالجوسق، وبلغ مُلكه الشام، فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف فأخذها وقتل منهم خلقاً كثيراً، ثمّ إنّ سابور جمع جيوشاً وسار إلى الضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثمّ أنّ النضيرة بنت الضيزن عركت _ أي حاضت _فخرجت من الربض _ وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا
1) بحار الأنوار 22: 40؛ فيض القدير : 688 – 689.
حضن _ وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته، وأرسلت إليه تقول: ما تجعل لي إن دللتُك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوّقة وورقة فاكتب عليها بحيض جارية ثمّ أطلقها فإنّها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها _ وكان ذلك طلسماً لا يهدمها إلاّ هو ففعل ذلك، فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صُرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها، فلمّا دخل بها لم تزل ليلتها تتضوّر وتململ في فراشها وهو من حرير محشوّ بریش النعام _ فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آسٍ التصقت بعكنتها وأثّرت فيها، وقيل كان ينظرإلى مخّ عظمها من صفاء بشرتها، ثمّ إنّ سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها، وقيل أنّه أمر رجلاً فركب فرساً جموحاً وضفر غدائرها بذنبه ثمّ استر كضه فقطعها قطعاً.(1)
وتقول العرب في المثل: (جزاني جزاء سنّمار) وهو أنّ أزدجرد بن سابور لمّا خاف على ولده بهرام _ وكان قبله لا يعيش له ولد - سأل عن منزل صحّي مري فدُلّ على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان _ وهو عامله على أرض العرب _ وأمره أن يبني له جوسقاً، فامتثل أمره وبنى له جوسقاً كأحسن ما يكون، وكان الذي بنى الجوسق رجلاً يقال له سنّمار، فلمّا فرغ من بنائه عجبوا من حسنه، فقال: لو علمتُ أنّكم توفوني أجره لبنيته بناء بدور مع الشمس حيث دارت. فقالوا: وإنّك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطُرح من أعلى الجوسق فتقطّع. فكانت العرب بعد ذلك تقول: (جزاني جزاء سنّمار) إلى كثير و كثير من هذه النظائر.(2)
وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتّى ألجؤها إلى خباء أعرابي، فأجارها وجعل يُطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه فوجده ملقي، فتبعها حتّى قتلها وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مَعْ غير أهله *** يُلاقي كما لاقي مجيرُ أمّ عامر
أعدّ لها لمّا استجارت ببیته *** أحاليب ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتّى إذا ما تمکّنت *** فَرَتْهُ بأنياب لها وأظافر
فقُل لذوي المعروف هذا جزاء من *** يجود بمعروفٍ على غير شاكر(1)
1) قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا: 83.
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ».
(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 1 ص 218، ط الأولى).
(الحذّاء) السريعة. ومن الناس من يروي جذّاء بالجيم والذال أي انقطع خيرها و درّها. (والصبابة) بضمّ الصاد المهملة: بقية الماء في الاناء. (والاصطباب) افتعال من الصبّ وهو الإراقة.
إنّ مقصوده علیه السلام بهذه الخطبة: النهي عن اتّباع الهوى، والمنع من طول الأمل في الدنيا، فإنّهما من أعظم الموبقات وأشدّ المهلكات، كما قال سبحانه: «فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ».(1)
1) النازعات: 37 – 41.
يعني من تجاوز الحدّ الذي حدّه الله وارتكب المعاصي وفضّل الدنيا على الآخرة واختارها عليها فإنّ النار منزله ومأواه، وأمّا من خاف مقام مسألة ربّه فيما يجب عليه فعله أو تركه، ونهى نفسه عن الحرام الذي تهواه و تشتهيه فإنّ الجنّة مقرّه ومثواه، ولكونهما من أعظم المهلكات كان خوفه منهما أشد، كما أشار اليهما بقوله علیه السلام: «أيّها الناس إنّ أخوف ما أخافه عليكم اثنتان» أي خصلتان، إحداهما (اتّباع الهوى) والمراد به ميل النفس الأمّارة بالسوء إلى مقتضی طباعها من اللذات الدنيوية إلى حدّ الخروج عن قصد الشريعة.
ولا ريب أنّ حبّ الهوى يعمي البصيرة، وقد قيل: حبّك الشيء يُعمي ويُصمّ. قال بعض الصالحين: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي، وذاك لأنّ الإنسان يحبّ نفسه، ومن أحبّ شيئاً عمي عن عيوبه فلا يكاد يلمح عيب نفسه، وقد قيل في ذلك:
أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره *** ويعمي عن العيب الذي هو فيه(1)
ولهذا استعان الصالحون على معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم، علماً منهم أنّ هوى النفس لذاتها يصمّها عن أن تدرك عيبها، وما زال الهوی مردیاً قتّالاً، ولهذا قال سبحانه: «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ»(2)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: ثلاث مهلکات: شحّ مطاع، وهوىً متّبع، وإعجاب المرء بنفسه.(3)
ومجامع الهوى خمسة أمور جمعها قوله سبحانه:
«أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ».(1)
والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة جمعها قوله سبحانه:
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ».(2)
والخصلة الثانية (طول الأمل) والمراد بالأمل تعلّق النفس بحصول محبوب في المستقبل، ويرادفه الطمع والرجاء، إلاّ أنّ الأمل كثيراً ما يستعمل فيما يستبعد حصوله، والطمع فيما قرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، وطول الأمل عبارة عن توقّع أمور دنيويّة يستدعي حصولها مهلة في الأجل وفسحة من الزمان المستقبل.
ثم أنّه علیه السلام بعد تحذيره عن اتّباع الهوى وطول الأمل أشار إلى ما يتّرتب عليهما من المفاسد الدينيّة والمضار الأخرويّة فقال: «أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ» وذلك لأنّ اتّباع الهوى يوجب صرف النظر إلى الشهوات الدنيويّة وقصر الهمّة في اللذّات الفانية، وهو مستلزم للاعراض عن الحقّ، وهو واضح، لأنّ حبّك للشيء صارفك عمّا وراه، وشاغلك عمّا عداه.
«وأمّاطول الأمل فيُنسي الآخرة» وذلك لما عرفت من أنّ طول الأمل عبارة عن توقّع أمور محبوبة دنيويّة، فهو يوجب دوام ملاحظتها، ودوام ملاحظتها مستلزم لإعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة، وهو مستعقب لانمحاء تصوّرها في الذهن، وذلك معنى النسيان لها.
قال بعضهم: سبب طول الأمل هو حبّ الدنيا، فإنّ الإنسان إذا أنس بها
وبلذّاتها ثقل عليه مفارقتها وأحبّ دوامها، فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، فإنّ من أحبّ شيئاً كره الفكر فيما يُزيله ويُبطله، فلا تزال نفسه تتمنّی البقاء في الدنيا وتقدّر حصول ما تحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب، ويصير فكره مستغرقاً في ذلك، فلا يخطر الموت ولا الآخرة بباله.
وإن خطر بخاطره الموت والتوبة والاقبال على الأعمال الأخرويّة أخّر ذلك من يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، وقال: إلى أن أكتهل ويزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال: إلى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال: إلى أن أتمّ هذه الدار وأزوّج ولدي فلاناً، وإلى أن أعود من هذا السفر، وهكذا يسوّف التوبة، كلّما فرغ من شغل عرض له شغل آخر _ بل أشغال _ حتّی يختطفه الموت وهو غافل عنه غير مستعدّ له مستغرق القلب في أمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته، وتكثر ندامته، وذلك هو الخسران المبين.
وقد وردت أخبار كثيرة في ذمّ طول الأمل والتحذير منه وبيان ما يترتّب عليه من المفاسد.
ففي الحديث القدسيّ: يا موسى لا تطوّل في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك، وقاسي القلب منّي بعيد.(1)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله لأبي ذر رَحمه اللهُ: «یا أبا ذر إيّاك والتسويف بأملك، فإنّك بيومك ولست لما بعده، فإن يكن غدٌ لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غدلك لم تندم على ما فرّطت، یا أبا ذر کم مُستقبلٍ يوماً لا يستكمله، ومُنتظرٍ غداً لا يبلغه، يا أبا ذر لو نظرتَ إلى الأجل ومصيره لأبغضتَ الأمل وغروره، يا أبا ذر إذا أصبحتَ فلا تُحدثّ نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخُذ من صحّتك قبل
1) الجواهر السنيّة: 31؛ بحار الأنوار 74: 31.
سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً».(1)
وعن أنس أنّ النبي صلی الله علیه وآله خطّ خطاً وقال: هذا الانسان، و خط خطّاً إلى جنبه وقال: هذا أجله، و خطّ آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل، فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب.(2)
وفي رواية أنّه اجتمع عبدان من عباد الله، فقال أحدهما للآخر: ما بلغ من قصر أملك؟ فقال: أملي إذا أصبحتُ أن لا أمسي، وإذا أمسيتُ أن لا أصبح. فقال: إنّك لطويل الأمل، أمّا أنا فلا أؤمّل أن يدخل لي نَفَس إذا خرج، ولا يخرج لي نَفَس إذا دخل.
وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
تؤمّل في الدنيا طويلاً ولا تدري *** إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى فجر
فكم من صحيحٍ مات من غير علّة *** وكم من مریضٍ عاش دهراً إلى دهر
وكم من فتىً يُمسي ويُصبح آمناً *** وقد نُسجت أكفانُه وهو لا يدري
«أَيُّها النَّاسُ الزَّهادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ والشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ والتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ ولا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظاهِرَةٍ وكُتُبٍ بارِزَةِ الْعُذْرِ واضِحَةٍ».
(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 82، ط 1).
(الزهادة) کسعادة، والزهد بمعنی ترك الميل إلى الشيء، وفي الاصطلاح إعراض النفس عن الدنيا و طيّباتها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة. و (عزب) الشيء غاب وذهب. و(أعذر الله إليكم) أظهر عذره.
إنّ مقصوده علیه السلام بهذه الخطبة بيان معنى الزهد والتنبيه على لزومه لكونه من عظائم مکارم الصالحين، وجلائل صفات المتّقين، وعمدة مقامات السالكين إلى الله تعالی بقدمَي الطاعة واليقين، والرغبة ضدّه، والأوّل من جنود العقل، والثاني من جنود الجهل، وقد فسّره بقوله علیه السلام : «أيّها الناس الزهادة قصر الأمل، والشكر عند النعم، والورع عن المحارم» وهذه الثلاثة من لوازم الزهد.
وإنّما قلنا إنّها من لوازمه لأنّ الزهد في الحقيقة عبارة عن إعراض النفس عن الدنيا وإقبالها إلى الآخرة، ومن هنا قيل إنّه جَعْلُ القلب حيّاً بمشاهدة أحوال الآخرة وميّتاً
في طمع الدنيا، ومن المعلوم أنّ إعراض النفس عن الدنيا مستلزم لقصر الأمل فيها، والإقبال على الآخرة مستلزم للشکر، إذ الكفران موجب للعذاب باعث للسخط والعقاب، كما قال تعالى: «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ».(1)
وكذلك يلزمه الورع عن المحارم والكفّ عنها، إذ لا يُنال ما عند الله إلاّ بالورع، قال الإمام الصادق عليه السلام في رواية الوسائل: «عليكم بالورع، فإنّه الدين الذي نلازمه وندين الله تعالى به، ونريدهُ ممّن يوالينا، لا تُتعبونا بالشفاعة».(2)
وفي حديث أبي ذر رَحمه اللهُ قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «یا أبا ذر من لم يأتِ یوم القيامة بثلاث فقد خسر. قلت: وما الثلاث فداك أبي وأمّي؟ قال: وَرَعٌ يحجزه عمّا حرّم الله عزّوجَل عليه، وحلم يردّ به جهل السفيه، وخُلق يداري به الناس».(3)
ولمّا كان ملازمة هذه الأمور الثلاثة بأجمعها شاقّة صعبة في حقّ الأغلب من الناس، لاجرم رخصّ لهم في طول الأمل بقوله: «فإن عزب» بَعُد «ذلك عنكم فلا يغلب الحرامُ صبرَكم، ولا تنسوا عند النعم شُکر کم» يعني أنّكم إن لم تتمكّنوا من الإتيان بالأمور الثلاثة، فلا محالة لا تتركوا الاثنين، إذ ما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلّه.
وإنّما رخّص في ترك طول الأمل ولم يرخّص في ترك الشكر أو الورع، لأنّ طول الأمل ليس محرّماً بالذات وإن كان ينجرّ إلى المحرّم أحياناً، بخلاف الكفران والتقحّم في المحارم، فإنّهما محرّمان بالذات، والترخيص فيهما موجب للاغراء بالقبيح.
ثم أكّد ملازمة الزهادة وعلّل لزومها بقوله علیه السلام: «فقد أعذر الله إليكم بحُجج مُسفرة وكُتب بارزة العذر واضحة» يعني أظهر عذره إليكم في تعذيبكم لو خالفتم تکالیفه بإقامة الحجج الظاهرة المضيئة وإنزال الكتب الواضحة التي
أبرز فيها عذره، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»(1)و «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».(2)
أو أنّه سبحانه أزال عذره بإقامة البراهين العقلية والنقليّة والحُجج الباطنيّة والظاهريّة، فلم يبق لكم مقام للاعتذار وأن تقولوا يوم القيامة: «رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ».(3)
ومن الخير أن نشير إلى بعض ما ورد في فضيلة الزهد من الآيات والأحاديث الشريفة.
قال الله سبحانه: «فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ».(4)
فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم، وهو غاية المدح والثناء.
استعرض الله سبحانه في هذه الآية الشريفة قصّة قارون وطغيانه و تجبّره لما رآی كثرة ما عنده من خزائن المال، وأنّ هذا إنّما أوتيه باستحقاق، فخرج يوماً على قومه في زينة تبهر العقول، خرج في أربعة آلاف من أتباعه ومواليه على خيول مصفّحة بالذهب، عليها من الیواقيت والفلزّات ما يخطف الأبصار ويُدهش الأفكار، وعلى قومه من ألبسة الحرير والديباج ما لم تره عين، فأخذه الزهو والعجب وأظهر التكبّر على موسى _ وهو ابن عمّه أو ابن خالته _ فكفر وتحدّى أمر موسی و استهزأ به وأوغل في إيذائه، وصرف
وجه الناس وموّه عليهم إلى أن موسى إنّما هو ساحر وليس بنبيّ مرسل، وألجأه الحسد الموسى أنّه دعی إمرأة من بني اسرائيل بغيّاً فقال لها: إنّي أعطيك ألفين على أن تجيئي غداً إذا اجتمعت بنو اسرائيل عندي فتقولي: يا معشر بني إسرائيل ما لي ولموسى قد آذاني. قالت: نعم، فأعطاها خريطتين عليهما خاتمه، فلمّا جاءت بيتها ندمت وقالت: يا ويلتي قد عملت كلّ فاحشة، فما بقي إلاّ أن أفتري على نبيّ الله، فلمّا أصبحت أقبلت ومعها الخريطتان حتى قامت بين بني إسرائيل، فقالت: إنّ قارون قد أعطاني هاتين الخريطتين على أن آتي جماعتكم فأزعم أنّ موسی یراودني عن نفسي، ومعاذ الله أن أفتري على نبيّ الله، وهذه دراهمه عليها خاتمه. فعرف بنو اسرائيل خاتم قارون. فغضب موسی فدعا الله عليه، فأوحى الله إليه: إنّي أمرت الأرض أن تطيعك، وسلّطتها عليه فمُرها. فقال موسی: یا أرض خُذیه _ وهو على سريره وفرشه _، فأخذته حتى غيّبت سريره، فلمّا رأى قارون ذلك ناشده الرحم، فقال: خذيه، فأخذته حتى غيّبت قدميه،ثم أخذته حتى غیّبت ركبتيه، ثم أخذته حتى غيّبت حقويه، وهو يُناشده الرحم، فأخذته حتى غيّبته، فأوحى الله إليه: يا موسى ناشدك الرحم واستغاثك فأبيتَ أن تُغيثه، لو إيّاي دعا و استغاثني لأغثته.
ولمّا ابتلعته الأرض قال بنو إسرائيل: إنّما فعل ذلك موسى ليرث ماله لأنّه كان ابن عمّه، فخُسف بداره وبجميع أمواله بعده بثلاثة أيام «فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ» بنفسه لنفسه «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ» حين خرج عليهم في زينته «يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ» وهي كلمة تندّم واعتراف «لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ»(1)أي لا يفوز بثواب الله وينجو من عقابه الجاحدون لنعمه، العابدون معه سواه.(2)
وقال سبحانه: «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ».(1)
وقال سبحانه: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ».(2)
ومن الأحاديث الشريفة ما جاء في أصول الكافي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام».(3)
وقال عليه السلام: «جُعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا».(4)
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: «إنّ من أعوان الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا».(5)
وإنّ رجلاً سأل علي بن الحسين عليه السلام عن الزهد، فقال: عشرة أشياء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإنّ الزهد في آية من كتاب الله عزّوجَل «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ».(6)(7)
وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام وهو يقول: «كلّ قلب فيه شكّ أو شرك فهو ساقط، وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة».(8)
وقال أمير المؤمنين علیه السلام: «إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الحياة الدنيا، أما إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم الله عزّوجَل له فيها وإن زهد، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص، فالمغبون من حُرم حظّه من الآخرة».(1)
في كتاب (مسند الإمام علي علیه السلام) عن أمالي الشيخ المفيد، عن نوف البکّالي: قال: بتّ ليلة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فرأيته يكثر الاختلاف من منزله وينظر إلى السماء، قال: فدخل كبعض ما كان يدخل، قال: أنائم أنت أم رامق ؟ فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، ما زلت أرمقك منذ الليلة بعيني وأنظر ما تصنع، قال: یَا نَوْفُ طُوبَی لِلزَّاهِدِینَ فِی الدُّنْیَا الرَّاغِبِینَ فِی الْآخِرَةِ أُولئِکَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَتُرَابَهَا فِرَاشاً وَمَاءَهَا طِیباً وَالْقُرْآنَ شِعَاراً وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ثُمَ قَرَضُوا الدُّنْیَا قَرْضاً عَلَی مِنْهَاجِ الْمَسِیحِ علیه السلام.
یانوف إنّ الله أوحي إلى عيسی عليه السلام: قل للملأمن بني اسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأكفّ نقيّة، وقل لهم: اعلموا إنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قِبَله مظلمة، یا نوف إيّاك أن تكون عشّاراً أو شاعراً أو شرطياً أو عرّيفاً أو صاحب عرطبة _ وهي الطنبور _ أو صاحب کوبة _ وهي الطبل _ فإنّ نبيّ الله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال: إنها الساعة التي لا تُردّ فيها دعوة إلاّ دعوة عِرّيف أو دعوة شاعر أو شرطيّ أو صاحب عرطبة أو صاحب کوبة.(2)
وفي إرشاد القلوب للديلميّ عن أمير المؤمنين علیه السلام، عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنّه قال: قال الله تعالى له في ليلة الإسراء: «يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة. فقال: يا إلهي وكيف أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة؟ فقال: خُذ من الدنيا خفّاً من الطعام والشراب واللباس، ولا تدّخر شيئاً لغدٍ، ودُم على ذِكري. إلى أن قال: يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي في الآخرة؟ قال: لا يا ربّ، قال: تُبعث الخلائق ويُناقشون بالحساب وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما أعطي للزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتیح الجنان كلّها حتّى يفتحوا أي باب شاؤا، ولا أحجب عنهم وجهي، ولأمتّعنّهم بأنواع التلذّذ من كلامي، ولأجلسنّهم في مقعد صدق، فأذكّرهم ماصنعوا وتعبوا في دار الدنيا، وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا بكرة وعشيّاً من عندي، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤا بلا صعوبة، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون إلى الظالمين كيف يُعذَّبون، وباب تدخل عليهم منه الوصائف والحور العين. قال: يا ربّ فمن هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد الذي ليس له بيت يخرب فيغتمّ بخرابه، ولا ولد يموت فيحزن بموته، ولاله مال يذهب فيحزن بذهابه، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله عزّوجَل طرفة عين، ولا له فضل طعام فيُسئل عنه، ولا له ثوب لیّن.
يا أحمد، وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، وألسنتهم کلال إلاّ من ذِكر الله، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم، قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم، لامن خوف نار ولا من شوق جنّة ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرضين فيعلمون أنّ الله سبحانه و تعالی أهل للعبادة».(1)
1) إرشاد القلوب، الباب 54؛ وعنه بحار الأنوار 74: 21 – 30/ ح 6.
وبالتالي: الزهد على ثلاثة أوجه:
الأول الزهد الذي ليس فوقه زهد، أن يكون المرء لا يسرّه أنّ الدنيا كلها له يُعَمَّرُ عمرها ويحتوي ملكها ولا يصل إليه شيء من مکارهها، فلا يسأل عليها ولا يرضى بها ولا يتمنّاها لنفادها وانقراضها، فهذا هو الزهد الذي ليس فوقه زهد، وهو غير موجود إلاّ ما بقي ذِكره في الكتب ويتردّد على الألسنة منه في المحاضر.
الوجه الثاني: أن يزهد الانسان في الدنيا و قلبه معلّق بها محبّ لها مائل إليها، فهو يمنع نفسه قسراً عنها مخافة سوء عواقبها، فهو من نفسه في جهاد، ومن علاجها في اجتهاد، فهو زاهد صابر.
والوجه الثالث: أن يزهد فيما حرّم الله عليه، وهو اللازم للعباد والمفروض عليهم الذي ليس للعبد فيه عذر ولا له عليه حجّة، وهو دون الوجه الثاني، وله فيه نجاة من النار برحمة الله العزيز الغفار. قال بعض العلماء: «لن يصل الانسان إلى ما يريد من الطاعة، ولن يبلغ إلى بُغيته من العبادة إلاّ بالزهد في الدنيا والصبر على تركها».
وصفوة القول: إنّ الزهد في الدنيا ليس بإهمال النفس وحرمانها المتاع المباح وإضعاف الجسم وإدخال الضرر بتقتير العيش والتعرّض للمعاطب والتصدّي إلى المهالك، فإنّ استعمال ما تصحّ به القوى وتحيا به النفس ويُعين على العمل واجب متعیّن، وحقيقة الزهد كما قال تعالى: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ».(1)
جاء في دائرة المعارف البستانية: الزهد لغةً: الاعراض عن الشيء احتقاراً له، من قولهم: شيء زهيد _ أي قليل _ وهو عند الصوفيّة أخذ قدر الضرورة من الحلال. وقيل: بغض الدنيا والاعراض عنها. وقيل: ترك راحة الدنيا طلباً لراحة
1) الحديد: 23.
الآخرة. وقيل: هو أن يخلو قلبك ممّا خلت منه يدك. وقيل: هو أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقّن الحلّ، فهو أخصّ من الورع، إذ هو ترك المشتبه وهذا زهد العارفين؛ وأعلى منه زهد المقرّبين، وهو الزهد فيما سوى الله تعالی من دنیا وجنّة وغيرهما، إذ ليس لصاحب هذا الزهد إلاّ الوصول إليه تعالی والقرب منه، ويندرج فيه كلّ مقصود لغيرهم.
وقد اختلف العلماء في تفسير المزهود فيه، فقيل: الدنيا والدرهم، وقيل: المطعم والمشرب والملبس والمسكن، وقيل: الحياة. ويشتمل الزهد عندهم على ثلاثة أمور كلّها من القلب دون الجوارح، ومن ثم كان أبو سليمان يقول: لانشهد إلى أحد بالزهد لأنّه في القلب، فمنشأ أوّل تلك الأمور الثلاثة من صحّة اليقين وقوّته، فإنّ الله تعالى يتكفّل بأرزاق عباده. وفي حديث مرفوع: من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده.(1)ومنشأ الثاني من كمال اليقين، ومن ثم روي أنّ من دعائه صلی الله علیه وآله: اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا.(2)ولهذا قيل: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. ومنشأ الثالث من سقوط منزلة المخلوقين من القلب وامتلائه من محبّة الحقّ.
وقد عرّف بعض الصوفية الزهد بقوله: إنه إسقاط الرغبة عن الشيء بالكليّة، فلا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، وثمرته القناعة من الدنيا بقدر الضرورة من زاد الطريق: وهو مطعم یدفع الجوع، وملبس يستر العورة، ومسكن يصونه عن الحرّ والبرد، وأثاث يحتاج إليه. وأقسامه ثلاثة: وهي زهد
العوام وهو ترك الحرام، وزهد الخواص وهو ترك ما زاد عن الضرورة من الحلال، وزهد خواص الخواص وهو ترك ما سوى الله تعالی. وأنشد بعضهم:
وما الزهد إلاّ في انقطاع العلائق *** وما الحقّ إلاّ في وجود الحقائقِ
وما الحبّ إلاّ حبّ من كان قلبه *** عن الخلق مشغولاً برب الخلائقِ(1)
يصدّ عن الدنيا ولم يرضَ بالمُني *** وصار إلى المولى بأرضى الطرائق
وكان شقیق بن إبراهيم البلخي يقول: ثلاث خصال هي تاج الزاهد: الأولى أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى، والثانية ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه، والثالثة أن يذكر كلّما خلا بنفسه کیف مدخله في قبره و کیف مخرجه، ويذكر الجوع والعطش والعري، وطول القيامة والحساب والصراط وطول الحساب والفضيحة البادية، فإذا ذكر ذلك شغله عن ذکر دار الغرور، فإذا كان ذلك كان من محبّي الزهّاد، ومن أحبّهم كان معهم.
وقال إبراهيم بن أدهم: أقرب الزهّاد من الله عزّوجَل أشدّهم خوفاً، وأحبّ الزهّاد إلى الله أحسنهم له عملاً، وأفضل الزهّاد عند الله أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهّاد عليه أتقاهم له، وأتمّ الزهّاد زهداً أسخاهم نفساً وأسلمهم صدراً، وأكمل الزهّاد زهداً أكثرهم يقيناً.
وقال أيضاً: الزاهد يكتفي من الأحاديث والقال والقيل وما كان وما يكون، يقول الله تعالى: «لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(2)يوم يقال «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا».(3)
وقال شقيق البلخيّ: والزاهد والراغب کرجلين يريد أحدها المشرق والآخر
يريد المغرب، هل يتّفقان على أمر واحد وبغيتهما مخالفة هواهما؟ دعاء الراغب: الله ارزقني مالاً وولداً وخيراً، وانصرني على أعدائي، وادفع عنّي شرورهم وحسدهم وبغيهم وبلاءهم وفتنهم آمين. ودعاء الزاهد: اللهم ارزقني علم الخائفين، وخوف العاملين، ويقين المتوکّلین، وتوكّل الموقنين، وشكر الصابرين، وصبر الشاکرین، وإخبات المغليين، وإنابة المخبتين، وزهد الصادقين، وألحقني بالشهداء والأحياء المرزوقين، آمين ربّ العالمين. هذا دعاء هل من شيء من دعاء الراغب يحيط به؟ لا والله! هذا طريق وذاك طريق.
جاء في كتاب (إحياء الأحياء) روي في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله علیه السلام فرأى عليه ثياب بيض كأنها غرفئ البيض، فقال له: إنّ هذا اللباس ليس من الباسك، فقال له: اسمع منّي وعِ ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلاً و آجلاً إن أنت متّ على السنّة والحقّ ولم تمت على بدعة، أخبرك أن رسول الله صلی الله علیه وآله كان في زمان مقفر جدب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارُها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها، فما أنكرتَ ياثوريّ؟! فو الله إنّني _ لمع ما ترى _ ما أتى علي مُذ عقلت صباح و مساء ولله في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعاً إلاّ وضعته.
قال: فأتاه قوم ممّن يُظهرون الزهد ویدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشّف، فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حُججه، فقال لهم علیه السلام: فهاتوا حُججكم، فقالوا له: إنّ حُججنا من كتاب الله، فقال لهم: فأدلوا بها فإنها أحقّ مااتُّبع و عُمل به، فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مُخبراً عن قوم من أصحاب النبي صلی الله علیه وآله: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1)فمدح فعلهم، وقال في موضع آخر: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا».(2)
فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: إنّا ما رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتّعوا أنتم منها؟
فقال له أبو عبد الله علیه السلام: دعوا عنكم مالا تنتفعون به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضلّ من ضلّ وهلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: أو بعضه فأمّا كلّه فلا فقال لهم: فمن ههنا أتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله صلی الله علیه وآله، فأمّا ما ذكرتم من إخبار الله عزّوجَل إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحُسن فعالهم فقد كان مباحاً جائزاً ولم يكونوا نُهوا عنه، وثوابهم منه على الله عزّوجَل، ذلك أن الله جلّ وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخاً لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمة منه للمؤمنين ونظراً لكيلا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم، منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصيرون على الجوع، فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً، ومن ثمّة قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسّها أجراً».
وقال صلی الله علیه وآله للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار: «لو أعلمتموني أمره ما تر كتكم تدفنونه مع
المسلمين، ترك صبية صغاراً يتكفّفون الناس» ثم قال علیه السلام: حدّثني أبي أن رسول الله صلی الله علیه وآله قال: «إبدأ بمن تعول الأدنى فالأدني».
ثم هذا ما نطق به الكتاب رداً لقولكم ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم، قال: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا»(1)أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الأثرة على أنفسهم، وسمّى مَن فعل ما تدعون الناس إليه مسرفاً، وفي غير آية من كتاب الله يقول: «إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»(2)فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير ولكن أمر بين أمرين، لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلی الله علیه وآله: إن أصنافاً من أمتي لا يُستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يُشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله عزّوجَل تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني، ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول الله له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلاًّ على أهلك، فإن شئت رزقتك، وإن شئت قتّرت عليك وأنت غير معذور عندي، ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه ثم أقبل يدعو: یا ربّ ارزقني، فيقول الله عزّوجَل: ألم أرزقك رزقاً واسعاً، فهلاّ اقتصدتَ فيه كما أمرتُك ولم تسرف وقد نهیتُك عن الاسراف؟ ورجل يدعو في قطيعة رحم.
ثم علّم الله نبيّه صلی الله علیه وآله كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب، فكره أن تبيت عنده فتصدّق بها، فأصبح وليس شيء، وجاءه من يسأله فلم يكن
عنده ما يعطيه، فلامه السائل واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيماً رقيقاً، فأدّب الله عزّوجَل نبيّه صلی الله علیه وآله بأمره فقال: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا»(1)يقول: إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال.
فهذه أحاديث رسول الله صلی الله علیه وآله يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين.
وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: أوصي بالخُمس والخمس كثير فإنّ الله عزّوجَل قد رضي بالخُمس، فأوصى بالخمس، وقد جعل الله له الثُلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير له أوصى به، ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان الفارسي رَضی الله عَنهُ وأبو ذر رَحمه اللهُ، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطائه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟ فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علىّ الفناء، أما علمتم یا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت، وأما أبو ذر رَضی الله عنهُ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأي بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله صلی الله علیه وآله ما قال؟ ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعیالاتهم.
1) الاسراء: 29.
واعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله قال يوماً: «ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أنّه إن قُرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع الله به فهو خير له» فليت شعري هل يحيق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم، أما علمتم أنّ الله قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاّهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفیفاً من الله عزّوجَل للمؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة.
وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورةً حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي، فإن قلتم «جورة» ظلمتم أهل الإسلام، وإن قلتم «بل عدول» خصمتم أنفسكم، وحيث تردّون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.
أخبروني لو كان الناس كلّهم كالذين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غیرهم، فعلى من كان يُتصدّق بكفّارات الأيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلاّ قدّمه وإن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عزّوجَل وسنّة نبيّه وأحاديثه التي يصدّقها الكتاب المنزل، وردّكم إيّاها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي.
وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود حيث سأل الله مُلكاً لا ينبغي الأحد من بعده فأعطاه الله جلّ اسمه ذلك وكان يقول الحق ويعمل به، ثمّ لم
نجد الله عزّوجَل عاب عليه ذلك ولا أحداً من المسلمين، وداود النبي قبله في مُلکه وشدّة سلطانه، ثم يوسف النبي حيث قال الملك مصر «اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(1)فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن، وكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه، ثم ذوالقرنین عبد أحبّ الله فأحبّه الله وطوى له الأسباب وملّکه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه، فتأدّبوا أيها النفر بآداب الله عزّوجَل للمؤمنين، واقتصروا على أمر الله ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، ورُدّوا العلم إلى أهله تُؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحلّ الله فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من الله و أبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل، وقد قال الله عزّوجَل: «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ».(2)(3)
«مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».
(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 84، ط 1).
(العناء) بالمدّ التعب والمشقة. و(فُتن) بالبناء على المجهول من الفتنة بمعنی الضلالة. و (حزن) بالبناء على المعلوم من باب فرح. (واتته) من المواتاة، قال الطريحي: هو حسن المطاوعة والموافقة، ومنه الحديث: خير النساء المواتية لزوجها.(1)
إنّ هذا الكلام له علیه السلام مسوق للتنفير عن الدنيا والذمّ لها، وقد ذكر من أوصافها أموراً عشرة:
قوله علیه السلام: «ما أصف من دار أوّلها عناء» وهو إشارة إلى أنّ الإنسان فيها في تعب ومشقّة، كما قال تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ»$سورة البلد (90): الآية 4.$ أي في شدّة منذ حمله وولادته ورضاعه وفطامه ومعاشه وحياته وموته، ثم إنّه
1) مجمع البحرین 1: 33.
سبحانه لم يخلق خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق، ويكفي في الإشارة إلى متاعب الانسان فيها ما نقل عن الحكيم برزویه في صدر (كتاب كليلة ودمنة) في معرض تطويع نفسه بالصبر على عيش النساء:
أو ليست الدنيا كلها أذىّ وبلاء، أو ليس الانسان يتقلّب في ذلك من حين يكون جنيناً إلى أن يستوفي أيّامه، فقد حقّق في كتب الطبّ أنّ مبدء نشوء الانسان هو الماء الدافع يخرج من بين الصلب والترائب، وذلك الماء إذا ما وقع في الرحم اختلط بماء المرأة ودمها و غلظ، ثم الريح يمخض ذلك الماء والدم حتى يتر که کالرائب الغليظ، ثم يقسّمه في الأعضاء، فإن كان ذکراً فوجهه قِبل ظهر أمّه، وإن كان أنثی فوجهها قِبل بطن أمّها، وذقنه على ركبتيه ويداه على جنبيه، مُقبَض في المشيمة كأنه مصرور في صرّة، ويتنفس من متنفّس شاقٍ، وليس منه عضو إلاّ كأنّه مقموط، فوقه حزّ البطن وتحته ما تحته، وهو منوط بمعاء من سرته إلى سرّة أمّه، ومنها يمتصّ ويعيش من طعام أمّه وشرابها.
فهو بهذه الحالة في الغمّ والظلمات والضيق، حتى إذا كان وقت ولادته سلّط الله الريح على بطن أمّه وقوي عليه التحريك، فتصوّب رأسه قِبل المخرج، فيجد من ضيق المخرج وعصره ما يجده صاحب الرهق، فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسّته يد وجد من ذلك من الألم ما لا يجده من سلخ جلده.
ثم هو في ألوان من العذاب إن جاع فليس له استطعام، وإن عطش فلیس له استسقاء، أو وجع فليس له استغاثة، مع ما يلقاه من الرفع والوضع واللف والحلّ، إذا أنيم على ظهره لا يستطيع تقلّياً، أو أقعد لا يستطيع تمدّداً.
فلا يزال في أصناف هذا العذاب ما دام رضيعاً، فإذا أفلت من ذلك أخذ بعذاب الأدب فأذيق منه ألواناً، وإذا أدرك فهم المال والأولاد والشره والحرص ومخاطرة السعي والطلب.
وكلّ هذا يتقلّب معه فيها أعداؤه الأربعة: المرّة والبلغم والدم والريح، والسم المميت والحياة اللاذعة مع خوف السباع والناس وخوف البرد والحرّ، ثم ألوان عذاب الهرم إن بلغه.
أنّ (آخرها فناء): إذ كلّ نفس ذائقة الموت مشرفة على الفوت، ومفارقة للأهل والأولاد، مهاجرة عن الوطن والبلاد، وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه، وكلّ إنسان ملاقيٍ ربّه.
أنّه (في حلالها حساب) قال سبحانه: «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ»$الغاشية: 26.$ وقال أيضاً: «وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ»$الأنبياء: 47.$ وقال سبحانه: «وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ».$النور:39.$
قال الطبرسي: لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الجميع على أفعالهم في حالة واحدة. وسُئل أمير المؤمنین علیه السلام: كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في حالة واحدة.(1)
والحساب يوم القيامة ممّا يجب أن يؤمن به، وأما أنّ المحاسب عليه والمسؤول عنه ماذا؟ فقد اختلفت الأخبار فيه، فبعضها كالآيات واردة على نحو العموم أو الاطلاق، وبعضها مخصوصة أو مقيّدة.
ففي الحديث النبويّ المعروف بين الخاصّة والعامّة: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: لا يزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله عزّوجَل حتي يُسأل عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته،
1) تفسير مجمع البيان7 : 256.
وعن حبّنا أهل البيت. فقال عمر بن الخطاب: وما علامة حبّكم يا رسول الله ؟ فقال: محبّة هذا، ووضع يده على رأس أمير المؤمنین علیه السلام.(1)
وجاء في تفسير مجمع البيان أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله سُئل عن هذه الآية «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا»(2)فقال صلی الله علیه وآله: يُحشر عشرة أصناف من أمّتي أشتاتاً قد ميّزهم الله عن المسلمين وبدّل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منکوسون أرجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثمّ يُسحبون عليها، وبعضهم عمّي يتردّدون، وبعضهم صُمّ بُکم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يتقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مُصلّبون على جذوع من النار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.
فأمّا الذين على صورة القردة فالقتّاة من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكوسون على رؤوسهم فأكلة الربا، والعمي الجائرون في الحكم، والصمّ والبُكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم العلماء والقضاة الذين خالفت أعمالهم أقوالهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلّبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتمتّعون بالشهوات واللذّات ويمنعون حقّ الله في أموالهم، والذين هم يلبسون الجباب من القطران فأهل الفخر والخيلاء.(3)
ومن الأسئلة الموجّهة للعباد يوم المعاد السؤال عن النعيم في قوله تعالى: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ».(1)
اختلف العلماء في هذا النعيم ما هو، روى الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن العباس الصولي قال: كنّا بين يدي علي بن موسی الرضا عليه السلام فقال: ليس في الدنيا نعيم حقيقيّ، فقال له بعض الفقهاء ممّن بحضرته: قول الله عزّوجَل: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» أما هذا النعيم في الدنيا هو الماء البارد؟ فقال له الرضا علیه السلام _ وعلا صوته _: هكذا فسّرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب، فقالت طائفة: هو الماء البارد، وقال غيرهم: هو الطعام الطيّب، وقال آخرون: هو النوم الطيّب.
ولقد حدّثني أبي عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّ أقوالكم هذه ذُكرت عنده في قوله تعالى: «لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» فغضب وقال: إنّ الله تعالى لا يسأل عباده عمّا تفضّل علیهم به ولا يمنّ بذلك عليهم، والامتنان مُستقبح من المخلوقين، فكيف يُضاف إلى الخالق عزّوجَل ما لا يرضى به للمخلوقين، ولكنّ النعيم حبنّا أهل البيت وموالاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبّوّة، لأنّ العبد إذا وافي بذلك أدّاه إلى نعيم الجنّة الذي لا يزول.
ولقد حدّثني بذلك أبي محمد بن علي عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه علیهم السلام أنّه قال له: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: يا علي أوّل ما يسئل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وأنك وليّ المؤمنين بما جعله الله لك، فمن أقرّ بذلك وكان معتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له.(2)
وروى العيّاشي بإسناده في حديث طويل، قال: سأل أبو حنيفة أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية، فقال له عليه السلام: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام والماء البارد. فقال: لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتّى يسألك عن
كلّ أكلة أكلتَها وشربة شربَتها ليطولنّ وقوفك بين يديه. قال: فما النعيم جُعلت فداك؟قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام، وهي النعمة التي لا تنقطع.
والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله به عليهم، وهو النبي صلی الله علیه وآله وعترته عليهالسلام.(1)
وفي كتاب أصول الكافي عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: ثلاثة أشياء لا يُحاسَب عليهنّ المؤمن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويُحصن بها فرجه.(2)
الرابع: قوله علیه السلام: «في حلالها حساب» وهو إشارة إلى ما يظهر في صحيفة الانسان يوم القيامة من الآثار المكتوبة عليه، ممّا خاض فيه من مباحات الدنيا، وتوسّع فيه من المأكل والمشارب والمناكح والمراكب، وما يظهر في لوح نفسه من محبّة ذلك فيعوقه عن اللحوق بالمجرّدین عنها الذين لم يتصرّفوا فيها تصرّف الملاّك، فلم يكتب عليه في شيء منها ما يحاسبون عليه، وإليه إشارة سيّد المرسلین صلی الله علیه وآله «إنّ الفقراء ليدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، وإنّ فقراء أمتي ليدخلون الجنة سعياً»(3)وما ذاك إلاّ لكثرة حساب الأغنياء بتعويقهم بثقل ما حملوا من محبّة الدنيا وقنياتها عن اللحوق بدرجة المخقين منها.
الخامس: قوله عليه السلام: «في حرامها عقاب» وهو واضح لا غبار عليه، وإلى هذا الوصف و سابقه نظر الشاعر في قوله:
الدهر يومان فيومٌ مضى *** عنك بما فيه ويوم جديد
حلال يومَيك حساب وفي *** حرام يوميك عقاب شديد
تجمع ما يأكله وارث *** وأنت في القبر وحید فرید
إنّي لغيري واعظ تارك *** نفسي وقولي من فعالي بعيد
حلاوة الدنيا ولذّاتها *** تكلّف العاقل ما لا يريد(1)
السادس: قوله علیه السلام: «من استغنى فيها فُتن» لأنّ الاستغناء شاغل عن ذكر الله، مضلّ عن سبيل الله، فهو بلاء ابتلاه الله به کما نطق به القرآن الكريم: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ».(2)
أنّ «من افتقر فيها حزن» لظهور أنّ الافتقار فيها لطالبها موجب لشدّة المحنة ومنتهى الحزن والكآبة، قال النبيّ صلی الله علیه وآله: الفقر أشدّ من القتل.$بحار الأنوار 69: 47.$ وقال: أوحى الله إلى إبراهيم فقال: يا إبراهيم خلقتك وابتليتك بنار نمرود، فلو ابتليتك بالفقر ورفعت عنك الصبر فما تصنع؟ قال ابراهیم عليه السلام : یارب الفقر إليّ أشدّ من نار نمرود. قال الله تعالى: فبعزّتي وجلالي ما خلقت في السماء والأرض أشدّ من الفقر.$بحار الأنوار 69: 47.$
وقال عليه السلام: الفقر الموت الأكبر.(3)وقال: لولا رحمة ربي على فقراء أمتي كاد الفقر أن يكون كفراً.(4)
وقال أمير المؤمنین صلوات الله عليه: «من ابُتلي بالفقر فقد ابتلي بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقّة في دينه، وقلّة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر».(1)
هذا ولشدّته دعا سیّد العابدین وزین الساجدين عليه السلام أن يصرفه الله عنه ولا يبتليه به، حيث قال:
«اللهم لا طاقة لي بالجهد، ولا صبر لي على البلاء، ولا قوّة لي على الفقر، فلا تحظر عليّ رزقي، ولا تكلني إلى خلقك، بل تفرّد بحاجتي، وتولَّ كفايتي، وانظر إليّ في جميع أموري، فإنّك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهّموني، وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني، وإن أعطوني أعطوني قليلاً نكداً، ومنّوا علي طويلاً، وذمّوا كثيراً، فبفضلك اللهمّ فأغنني، وبعظمتك فأنعشني، وبسعتك فابسُط يدي، وبما عندك فاكفني».(2)
لذلك جعل الله تعالى للفقراء الصابرين عنده منزلة ودرجة سامية رفيعة، حتّی ورد في الحديث المتقدّم الذكر: يدخل الفقراء إلى الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، ومقداره خمسماءة عام.
وفي جامع الأخبار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالی منادياً فينادي: أين الفقراء؟ فيقوم عُنق من الناس فيؤمر بهم إلى الجنّة، فيقول خزنة الجنّة: قبل الحساب؟ فيقولون: ما أعطونا شيئاً فيحاسبون عليه، فيقول الله تعالی: صدقوا، عبادي ما أفقرتُكم هواناً بکم، ولكن ادّخرت هذا لكم لهذا اليوم، انظروا وتصفّحوا وجوه الناس فمن أتى إليكم معروفاً
فخذوا بيده وأدخلوه الجنة».(1)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «خير هذه الأمة فقراؤها، وأسرعها تصعّداً في الجنة ضعفاؤها»(2)وقال صلی الله عليه وآله: «اللهمّ أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين»(3)وقال : إنّ لي حرفتين اثنتين فمن أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد.(4)وقال صلی الله علیه وآله: «الفقر أزين للمؤمنين من العذار الحسن على خدّ الفرس».(5)
وسئل عن الفقر فقال: «خزانة من خزائن الله، وسئل عنه ثانياً فقال: كرامة من الله، وسُئل عنه ثالثاً فقال: شيء لا يُعطيه الله إلاّ نبياً مرسلاً أو مؤمناً كريماً على الله».(6)
وقال : «إنّ في الجنّة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخل فيها إلاّ نبيّ فقير أو مؤمن فقیر»،(7)وقال صلی الله علیه وآله: يقوم فقراء أمتي يوم القيامة وثيابهم خضر وشعورهم منسوجة بالدرّ والياقوت، وبأيديهم قضبان من نور يخطبون على المنابر، فيمرّ عليهم الأنبياء فيقولون: هؤلاء من الملائكة، وتقول الملائكة: هؤلاء من الأنبياء، فيقولون: نحن لا ملائكة ولا أنبياء، بل من فقراء أمّة محمد صلی الله علیه وآله، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟ فيقولون: لم تكن أعمالنا شديدة، ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا على الصلوات الخمس، وإذا سمعنا ذکر محمد فاضت دموعنا على خدودنا.(8)
1) رواه الصدوق في ثواب الأعمال: 166؛ والمجلسي في بحار الأنوار 69: 42.
2) جامع السعادات 2: 63.
3) سنن الترمذي 4: 577/ ح 2352؛ تذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي 5: 237.
4) مستدرك الوسائل للنوري 11: 14/ ح 12295؛ ذیل تاریخ بغداد لابن النجّار 2: 143.
5) عوالي اللئالي 1: 40.
6) بحار الأنوار 69: 47
7) بحار الأنوار 69: 47.
8) مستدرك الوسائل 10: 318/ ح 12083.
وقال صلی الله علیه وآله: كلّمني ربّي فقال: يا محمّد، إذا أحببتُ عبداً أجعل له ثلاثة أشياء: قلبه حزيناً، وبدنه سقيماً، ويده خالية من حطام الدنيا، وإذا أبغضتُ عبداً أجعل له ثلاثة أشياء: قلبه مسروراً، وبدنه صحيحاً، ويده مملوّة من حطام الدنيا (1)، وقال صلی الله علیه وآله: «الناس كلّهم مشتاقون إلى الجنّة، والجنّة مشتاقة إلى الفقراء».(2)وقال صلی الله علیه وآله: «الفقر فخري»(3)، وقال صلی الله علیه وآله: «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر»(4)، وقال صلی الله علیه وآله: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله تعالى إليه كما يعتذر الأخ إلى أخيه في الدنيا، فيقول: وعزّتي وجلالي ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي، ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة، أخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك فيّ أوكساك فيّ يرید بذلك وجهي فخُذ بيده فهو لك _ والناس يومئذ قد ألجمهم العرق _ فيتخلّل الصفوف وينظر من فعل ذلك به ويُدخله الجنة،(5)وقال صلی الله علیه وآله: أكثروا معرفة الفقراء واتّخذوا عندهم الأيادي، فإنّ لهم دولة، قالوا: یا رسول الله وما دولتهم؟ قال: إذا كان يوم القيامة قيل لهم: انظروا إلى من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوباً فخُذوا بيده ثم امضوا به إلى الجنّة.(6)
وقال صلی الله علیه وآله: ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كلّ ضعیف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يؤبه به، لو أقسم على الله لأبرّه.(7)
ودخل صلی الله علیه وآله على رجل فقير ولم ير له شيئاً فقال: «لو قُسّم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم».(1)
وقال صلی الله علیه وآله: «إذا أبغض الناس فقراءهم، وأظهروا عمارة الدنيا، وتكالبوا على جمع الدراهم والدنانير، رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والجناية من ولاة الحكام، والشركة من الأعداء».(2)
وروى الصدوق في الأمالي بسند معتبر عن الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنّة، فقير في الدنيا وغنّي في الدنيا، فيقول الفقير: یا ربّ على مَ أوقف؟ فو عزّتك إنّك لتعلم أنّك لم تولني ولاية فأعدل فيها أو أجور، ولم ترزقني مالاً فأؤدّي منه حقاً أو أمنع، ولا كان رزقي يأتيني منها إلاّ كفافاً على ما علمتَ وقدّرت لي. فيقول الله جل جلاله صدق عبدي، خلّوا عنه يدخل الجنّة. ويبقى الآخر حتّى يسيل منه من العرق ما لو شربه أربعون بعيراً لكفاها، ثم يدخل الجنّة، فيقول له الفقير: ما حبسك؟ فيقول: طول الحساب، مازال الشيء يجيئني بعد الشيء يُغفر لي ثم أسأل عن شيء آخر، حتى تغمّدني الله عزّوجَل برحمته وألحقني بالتائبين، فمن أنت؟ فيقول: أنا الفقير الذي كنت معك آنفاً، فيقول: لقد غيّرك النعيم بعدي.(3)
«إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى الْإِيمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ وَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ وَ حَجُّ الْبَيْتِ وَ اعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَ يَرْحَضَانِ الذَّنْبَ وَ صِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، وَ صَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ وَ صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».
(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 236، ط الأولى).
(ذروة الشيء): أعلاه، و(الملّة): الدين، و(الجُنّة): الوقاية، و(يرحضان):يغسلان،و(المثراة): المكثرة وهي محلّ للكثرة والثروة، و(المنسأة) محلّ النسأ وهو التأخير.
إنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للارشاد إلى بعض أسباب القرب والوسائل التي يتوسّل بها إلى الله سبحانه، وللأمر بالافاضة إلى ذكر الله، وببعض ما يدرك به رضوان الله. ولمّا كانت أسباب الزُلفي والتقرّب كثيرة خصّ عليه السلام أفضلها بالبيان، وهي _ على ما ذكره _عشرة أمور:
وإليه أشار بقوله: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى الايمان به وبرسوله». قدّم الإيمان على غيره لكونه أصلاً بالنسبة إليه، والمراد به هنا التصديق المجرّد عن الإقرار والعمل، بقرينة ذكر كلمة الاخلاص التي هي الاقرار، وسائر العبادات التي هي من باب الأعمال بعده.
والفرق بين الإسلام والإيمان: الإيمان هو التصديق القلبيّ، والإسلام هو التسليم والانقياد الظاهريّ.
والايمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، وهو أعلى درجة من الاسلام وأرفع.
وفي رواية أبي الصباح الكنانيّ قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيّهما أفضل الايمان أو الإسلام؟ فإنّ من قبلنا يقولون: إنّ الإسلام أفضل من الإيمان. فقال عليه السلام: الإيمان أرفع من الإسلام، قلت: فأوجدني ذلك. قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمّداً؟ قال: قلت: يُضرب ضرباً شديداً. قال: أصبت، فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمّداً؟ قلت يُقتل، قال: أصبت، ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد، وأنّ الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا يشرك الكعبة، و كذلك الإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان؟(1)
فإنّ المستفاد من هذه الرواية أنّه كلّ ما وُجد الإيمان وُجد الإسلام ولا عکس.
أمّا من جهة أن الإسلام عبارة عن التصديق بالظاهر _ أعني الاعتراف باللسان _ والايمان عبارة عن التصديق بالباطن، والأول غیر مستلزم للثاني، ولذلك كذبّ الله الأعراب بقوله: «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا» في دعواهم وصف الإيمان لأنفسهم حيث قالوا: «آمَنَّا»،
1) الكافي 2: 26 ح 4.
وذلك لأجل أنّهم لم يكونوا مصدّقين بالباطن ولم يكونوا على ثقة وطمأنينة فيما أقرّوا به ظاهراً، وأثبت لهم وصف الإسلام بقوله: «وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا»(1)باعتبار شهادتهم بالتوحيد و الرسالة واعترافهم ظاهراً.
ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه في الكافي بإسناده عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال عليه السلام: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان.
فقلت: فصفهما لي. فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله صلی الله علیه وآله، وبه حُقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهُدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام، وما ظهر من العمل به، والايمان أرفع من الإسلام بدرجة. إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر، والإسلام لا يشارك الايمان في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة.(2)
وعن عجلان بن أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أوقفني على حدود الايمان. فقال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، والاقرار بجميع ما جاء من عند الله، والصلوات الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، وولاية وليّنا، وعداوة عدوّنا، والدخول مع الصادقین.(3)
فإنّ المراد بالدخول مع الصادقين: الدخول في زمرة آل محمّد علیم السلام والكون معهم، كما قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».(4)
جاء في أصول الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن
القاسم بن برید، قال: حدّثنا أبو عمر الزبيري عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت له: أيّها العالِم أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما لا يقبل الله شيئاً إلا به. قلت: وما هو؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظّاً . قال: قلت: ألا تخبرني عن الإيمان، أقولٌ هو وعمل، أم قولٌ بلا عمل؟ فقال علیه السلام: الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بيّن في كتابه واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه. قال: قلت له: صفه لي جُعلت فداك حتّى أفهمه. قال: الايمان حالات و درجات وطبقات ومنازل: فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزايد رجحانه. قلت: إنّ الايمان ليتمّ وينقص ويزيد؟ قال: نعم. قلت: كيف ذاك؟ قال: لأنّ الله تبارك و تعالی فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه إلاّ وقد وکّلت من الايمان بغير ما و کّلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلاّ عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يُبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قِبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلاّ وقد وکّلت من الإيمان بغير ما وکّلت به أختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه، وينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأمّا ما فرض على القلب من الايمان: فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً، وأنّ محمداً عبده ورسوله، والاقرار بما جاء من عند الله من نبيّ أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة، وهو قول عزّوجَل: «إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا»(1)وقال: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»(2)وقال: «الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ»(3)وقال: «وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ».(4)
فذلك ما فرض الله عزّوجَل على القلب من الاقرار والمعرفة، وهو عمله وهو رأس الايمان.
وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقرّ به، قال الله تبارك وتعالى اسمه: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»(5)وقال: «قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»(6)فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله.
وفرض على السمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُعرض عمّا لا يحلّ له مما نهى الله عزّوجَل عنه، والاصغاء إلى ما أسخط الله عزّوجَل، فقال في ذلك:
«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»(7)ثم استثني الله عزّوجَل موضع النسيان فقال: «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(8)وقال: «فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ»(9)وقال عزّوجَل: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان أن لا يُصغي إلى ما لا يحلّ له، وهو عمله وهو من الإيمان.
وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه، وأن يُعرض عما نهی الله عنه ممّا لا يحلّ له، وهو عمله وهو من الإيمان، فقال تبارك وتعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»(4)فنهاهم عن أن ينظروا إلى عورات غيرهم، وأن يحفظوا عوراتهم أن يُنظر إليها، وقال تعالى: «وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ»(5)من أن تنظر إحداهن إلى عورة غيرها من النساء، وتحفظ عورتها من أن يُنظر إليها، ثم نظم تعالی ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى، فقال: «وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ»(6)يعني بالجلود الفروج والأفخاد، وقال: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».(7)
فهذا ما فرض الله على العينين من غضّ البصر عمّا حرّم الله، وهو عملهما وهو من الإيمان.
وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم الله، وأن يبطش بهما إلى ما أمر
الله عزّوجَل، وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»(1)وقال: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا»(2)فهذا ما فرض الله على اليدين، لأنّ الضرب من علاجهما.
وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يُرضي الله عزّوجَل، فقال: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا»(3)وقال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ».(4)
وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل في أنفسهما وعلی أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عزّوجَل به وفرضه عليهما: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»(5)فهذ أيضاً ممّا فرض الله عزّوجَل على اليدين وعلى الرجلين، وهو عملهما، وهو من الإيمان.
وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(6)وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا».(7)
وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها، وذلك أنّ الله عزّوجَل لمّا صرف نبيّه صلی الله علیه وآله إلى الكعبة عن بيت المقدس أنزل الله عزّوجَل عليه: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»(1)فسمّى الصلاة إيماناً، فمن لقي الله عزّوجَل حافظاً لجوارحه، موفّياً كلّ جارحة من جوارحه ما فرض الله عزّوجَل عليها، لقي الله عزّوجَل مستكملاً لايمانه وهو من أهل الجنّة، ومن خان في شيء منها أو تعدّی ما أمر الله عزّوجَل فيها، لقي الله عزّوجَل ناقص الإيمان.
قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟ فقال عليه السلام: قول الله عزّوجَل: «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ»(2)وقال: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى».(3)
ولو كان كلّه واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرّطون النار.(4)
(الجهاد) في سبيله فإنه ذروة الإسلام، ولمّا كان ذروة كلّ شيء عبارة عن أعلاه، جعل الجهاد ذروة الإسلام باعتبار رفعته وعلوّ رتبته فيه وتقدّمه على سائر العبادات البدنيّة، باعتبار اقتضائه قوّة التصديق واليقين بما جاء به خاتم
النبيّين ما لا تقتضيه سائر الطاعات والقربات، وإلاّ لما ألقى المجاهد نفسه إلى المهالك مع غلبة ظنّه بأنه عاطب هالك، ولولا سیف المجاهدين لما اخضرّ للإسلام عود ولما قام له عمود، وهو باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة.
أي الكلمة المتضمّنة لاخلاص الله تعالى وتنزيهه عن الشركاء والأنداد، وهي كلمة التوحيد _ أعني لا إله إلا الله _ تلك الكلمة الطيّبة المباركة. وعلّل عليه السلام كونها أفضل القرب بقوله: (فإنّها الفطرة) أي الفطرة المعهودة الواردة في الكتاب العزيز، المأمور باتّباعها بقوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا».(1)قال في مجمع البيان: أي اتّبع فطرة الله وهي التوحيد التي فطر الناس _ أي خلق الناس _ عليها ولها وبها، أي لأجلها والتمسّك بها، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «كلّ مولود يُولد على الفطرة بأنّ الله عزّوجَل خالقه».(2)ولمّا كانت كلمة الإخلاص متضمّنة للفطرة التي هي التوحيد والمعرفة جعلها نفس الفطرة، تسميةً للدالّ على مدلوله.
(إقام الصلاة فإنها الملّة) قال الطريحي: الملّة في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصّلوا به إلى جوار الله. وتُستعمل في جملة الشرائع دون آحادها، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمّة محمّد صلی الله علیه وآله، بل يقال ملّة محمّد، قال تعالى: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»(3)أي دينه.(4)
والصلاة هي الركن الأعظم من الدين، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: الصلاة عماد الدين(1)، فإنّه لمّا كان قوام الدین و ثباته بها جعلها عماداً له، كما صرّح بذلك في قوله صلی الله علیه وآله: «مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء».(2)وقال صلی الله علیه وآله: «الصلاة عماد الدين، فمن ترك صلاته متعمّداً فقد هدم دینه».(3)
وكيف كان فالآيات والروايات في فضلها وعقوبة تاركها كثيرة فوق حدّ الاحصاء، ونحن نشير إلى بعضها تنبيهاً للغافل.
قال الله تعالى: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا».(4)
وفي سورة النساء: «فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا».(5)
وفي سورة مريم: «أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا».(6)
وفي سورة العنكبوت: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَ».(7)
وفي سورة أرأيت: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ».(8)
أي غافلون غير مبالين بها.
قال علي بن ابراهيم القمي:عنی به التارکین، لأنّ كلّ إنسان يسهو في الصلاة.(1)وفي المجمع عن الصادق علیه السلام: هو الترك لها والتواني عنها.(2)
جاء في الخصال للشيخ الصدوق قدس سرّه عن أمير المؤمنین علیه السلام: ليس عمل أحبّ إلى الله عزّوجَل من الصلاة، فلا يشغلكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإنّ الله عزّوجَل ذمّ أقواماً فقال: «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ»،(3)يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها.(4)
وفي الكافي بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل ما يتقربّ به العباد إلى ربّهم وأحبّ ذلك إلى الله عزّوجَل ما هو؟ فقال عليه السلام: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح عیسی بن مریم علیه السلام قال: «وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا».(5)(6)
وقال عليه السلام: «أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجَل الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء عليهم السلام، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ فيُسبغ الوضوء ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس، فيُشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادي إبليس: يا ويلاه أطاعوا وعصيتُ، وسجدوا وأبيتُ».(7)
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «إذا قام العبد المؤمن في صلاة نظر الله إليه _ أو قال: أقبل الله عليه _ حتّى ينصرف، وأقلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء، والملائكة تحفّه من حوله إلى أفق السماء، وو کّل
الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول: أيّها المصلّي لو تعلم مَن ينظر إليك ومن تناجي ما التفتَّ ولا زلت من موضعك أبداً».(1)
وقال الإمام الرضا عليه السلام: الصلاة قربان كلّ تقيّ.(2)
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: مَن قبل الله منه صلاة واحدة لم يُعذّبه، و من قبل منه حسنة لم يعذّبه.(3)
وقال عليه السلام: من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب.(4)
وقال النبي صلی الله علیه وآله: ما من صلاة يحضر وقتها إلاّ نادي مَلَك بين يدي الناس: أيّها الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفؤها بصلاتكم.(5)
وقال صلی الله علیه وآله: لا تضيّعوا صلاتكم، فإنّ من ضيّع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان، وكان حقّاً على الله أن يُدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته.(6)
وقال صلی الله علیه وآله: من ترك الصلاة حتّى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله. ثم قال صلی الله علیه وآله: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة.(7)
وقال صلی الله علیه وآله: من ترك الصلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا أبالي يموت يهوديّاً أو نصرانياً أو مجوسياً.(8)
والأخبار في موضوع الصلاة كثيرة وكثيرة جداً، وفيما أوردناه هنا كفاية للمهتدي المترشد، وإنّما المهم الإشارة إلى علّة وجوب الصلوات الخمس في الأوقات المعيّنة و أسرارها.
فقد ورد في الفقيه عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: «جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أنّه قال: أخبرني عن الله عزّوجَل لأيّ شيء فرض هذه الخمس الصلوات في خمسة مواقيت على أمّتك في ساعات الليل والنهار؟».
فقال النبي صلی الله علیه وآله: «إنّ الشمس عند الزوال لها حلقة _ أي دائرة نصف النهار _ تدخل فيها، فإذا دخلت فيها زالت الشمس، فیسبّح كلّ شيء دون العرش بحمد ربّي جل جلاله، وهي الساعة التي يصلّي فيها عليَّ ربّي، ففرض الله عليّ وعلى أمتي فيها الصلاة وقال: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ»(1)وهي الساعة التي يُؤتي فيها بجهنّم يوم القيامة، فما من مؤمن يوافق تلك الساعة أن يكون ساجداً أو راكعاً أو قائمة إلا حرّم الله جسده على النار».
وأمّا صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة فأخرجه الله من الجنّة، فأمر الله ذريّته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة واختارها لأمّتي، فهي من أحبّ الصلوات إلى الله عزّوجَل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات، وأمّا صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله على آدم عليه السلام وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدنيا، وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، فصلّی آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حوّا، وركعة التوبته، فافترض الله هذه الثلاث ركعات على أمّتي، وهي الساعة التي يُستجاب فيها الدعاء، فوعدني الله
1) الإسراء: 78.
أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهي الصلاة التي أمرني ربي بها في قوله: «فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ».(1)
وأمّا صلاة العشاء الآخرة: فإنّ للقبر ظلمة وليوم القيامة ظلمة، أمرني الله بهذه الصلاة وأمتي لتنوّر وليُعطيني وأمتّي النور على الصراط، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلاّ حرّم الله جسدها على النار، وهي الصلاة التي اختارها الله للمرسلین قبلي.
وأمّا صلاة الفجر: فإنّ الشمس إذا طلعت تطلع على قرن شیطان، فأمرني الله أن أصلّي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة وقبل أن يسجد لها الكافر، لتسجد أمّتي لله عزّوجَل، وسرعتها أحبّ إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.(2)
وعلّة فرض الصلوات الخمس ما رواه الفقيه أيضاً عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «لمّا هبط آدم عليه السلام من الجنة ظهرت به شامة سوداء في وجهه [فطالت] من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل فقال: له ما يُبكيك يا آدم؟ فقال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قُم يا آدم فصلّ، فهذا وقت الصلاة الأولى، فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى عنقه، فجاءه في الصلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصلّ، فهذا وقت الصلاة الثانية، فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى سرّته، فجاءه في الصلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصلاة الثالثة. فقام فصلّی فانحطت الشامة إلى رُكبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة، فقام فصلّی فانحطّت الشامة إلى قدميه، فجاءه في الصلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصلاة الخامسة. فقام فصلّى فخرج منها، فحمد الله وأثنى عليه، فقال جبرئیل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة، من صلّى من ولدك في كلّ يوم وليلة خمس صلوات، خرج من ذنوبه كما خرجتَ من هذه الشامة».(3)
هذا وقد استوفينا موضوع الصلاة في المجلّد الثاني من كتابنا «الجواهر الروحية» تحت عنوان (الصلاة وطرق التقدّم الثلاث)، وفي المجلّد الأول من کتابنا «شرح رسالة الحقوق، وفي كتابنا «علي والأسس التربويّة» فلتُراجع.
(إيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة) والاتيان بالوجوب بعد الفرض لمحض التأكيد، والاشارة إلى تأكّد وجوبها، نظير قوله سبحانه:
« إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».(1)
فإنّه سبحانه بعد الأمر بها بالجملة الخبريّة التي هي في معنى الآنشاء،عقّبه بقوله «فريضة» تأكيدة للوجوب.
قال الزجّاج: فريضة منصوب على التوكيد، لأنّ قوله: إنّما الصدقات لهؤلاء جارٍ مجري قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر.
قال رفاعة بن موسی: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: مافرض الله علی هذه الأمة أشدّ من الزكاة، وفيها تهلك عامّتهم.(2)
أو الفريضة من الفرض بمعنى القطع والتقدير، ومنه قوله سبحانه: «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا»(3)أي منقطعاً محدوداً، ويُطلق الفقهاء في باب المواريث على ذوي السهام المقدّرة ذوي الفرائض باعتبار أنّ سهامهم مقدّرة معيّنة في كتاب الله سبحانه، وعلى هذا فيكون معنى قوله عليه السلام: «إنّها فريضة واجبة» أنّها شيء مقدّرمنقطع متّصف بالوجوب.
وقد شرّعت الزكاة لحكم كثيرة: منها ما هو نفسي، ومنها ما هو خلقي،ومنها ما هو اجتماعي مثل الصلاة.
إنّ الزكاة عطاء وبذل، ومواساة ومعاونة، والنفس بطبيعتها تهتزّ للكرم، وتفرح بالجود، و تجد الراحة والاطمئنان في مواساة الغير وإدخال السرور عليه، وهذا هو السبب في أنّ بعض الناس يقومون بمساعدة المحتاجين ومعاونة المعوزين دون رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب.
وكما أنّ المعطي يهتزّ للجود والندي، فإنّ الآخذ لا يقلّ عنه فرحاً واغتباطاً. سُئل رسول الله صلی الله علیه وآله عن أفضل الأعمال فقال: «إدخال السرور على المؤمن؟ قيل: وما إدخال السرور على المؤمن؟ قال: سدّ جوعته، وفكّ كربته، وقضاء دَينه».(1)
والانسان يحبّ المال بطبعه، وهذا الحبّ يدعو صاحبه إلى البُخل والحرص والجشع والأنانية والأثرة وسائر الرذائل الخلقيّة. وهذه الصفات تنزل بالانسان إلى مستوى الحيوان، وإلى هذا المعنى يشير الرسول صلی الله علیه وآله فيقول: «أدوأ الداء البخل»(2)ويقول: «شرّ ما في المرء شحّ هالع، وجُبن خالع»(3)ولا يتخلّص المرء من هذه الرذائل إلاّ بالتمرين على البذل والدربة على العطاء، ومن ثمّ كانت الزكاة ضريبة إجباريّة لا يمكن المرء أن يتخلّص منها. وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا».(4)
على أنّ في مغالبة النفس والانتصار عليها بإخراج المال المحبوب لها دليل على قوّة الايمان و كمال اليقين، وفي الحديث عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنه قال: «الصدقة برهان»(1)أي دليل على قوّة الايمان والارادة... وإذا انتصرت النفس على هواها ومحبوبها مرّة بعد مرّة أصبحت مذلّلة لحكم العقل، وخاضعة لأوامر الله، وبعيدة عن الاندفاع العاطفيّ.
والفقراء يمثّلون الأكثريّة من أفراد المجتمع، ولا بدّ من رعاية هؤلاء المساكين والعجزة والضعفاء والمحافظة على إنسانيّتهم وكرامتهم، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإخراج جزء معلوم من أموال الأغنياء حتّى يكفي هؤلاء ليصبحوا أعضاء نافعين ومواطنين صالحين، وقد يكون فيهم من هو أوفر ذكاء وأقدر على النهوض بالأعمال الجسام إذا وجد ما يقوم بحاجته الضرورية من الطعام والملبس والمأوى. وفي الحديث أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله قال: «إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإنّ الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذّبهم عذاباً أليماً».(2)
وإذا لم يجد الفقراء والضعفاء الكفاية ممّا هو ضروريّ و تعرّضوا للجوع، حملهم ذلك على الاتيان بكلّ ضرب من ضروب الشرّ للحصول على الضروري من القوت، فإنّ البطون إذا جاعت دفعت أصحابها إلى الجرائم وارتكاب كلّ موبقة، واعتبرت ذلك عملاً مشروعاً.
وبالاضافة إلى ذلك فإنّ الجماعة التي ينتشر فيها الفقر وينشب أنيابه فيها تشتعل فيها العداوة والبغضاء، فيهتزّ كيان الأمة بما يشيع فيها من تقاطع، وتتعرّض لرواج المذاهب المتطرّفة، ولا سبيل للقضاء على شرور الفقر إلاّ
بإخراج حقّ الفقراء ونصيبهم الذي فرضه الله وجعله أمانة في يد الأغنياء. يقول الله سبحانه: «وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ».(1)
ثم إنّ الزكاة تقوّي الصلات بين الأغنياء والفقراء، وتجعل منهم أسرة واحدة متعاونة على الخير وتنمية المال وتقوية الأواصر.
وهي الضمان الاجتماعي الذي يكفل التوازن بين الطبقات، ويضمن اشتراكيّة سليمة، وهي أفضل وسيلة لتوزيع المال، فهي في الوقت الذي لا يضيق بها الغني ترفع مستوى الفقير إلى حدّ الكفاية و تجنّبه شظف العيش وألم الحرمان.
وبالتالي هي من أعظم دعائم الدين، وأقوى أركان الإسلام، والكلام فيها أيضاً يقع في مقامين:
أمّا وجوبها فكفى بذلك أنّ اكثر الآيات المتضمّنة للأمر باقامة الصلاة متضمّنة للأمر بإيتاء الزكاة، فجعل الزكاة تالي الصلاة، والأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء.
عن مبارك العقرقوفي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إنّ الله عزّوجَل وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيرا لأموالکم.(2)
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام لعمّار الساباطيّ: أنت ربّ مال كثير؟ قال: نعم جُعلت فداك. قال: فتؤدّي ما افترض الله عليك من الزكاة؟ قال: نعم. قال: فتخرج الحقّ المعلوم من مالك؟ قال: نعم. قال: فتصل قرابتك؟ قال: نعم. قال: فتصل إخوانك؟ قال: نعم. فقال عليه السلام: يا عمّار إنّ المال يفني، والبدن يبلی، والعمل يبقى، والديّان حيّ لا يموت، یا عمار إنّه ما قدّمت فلن يسبقك، وما أخّرت فلن يلحقك.(3)
وقال علیه السلام: إنّما وُضعت الزكاة اختباراً للأغنياء ومعونة للفقراء، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولاستغنی بما فرض الله له، إنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلاّ بذنوب الأغنياء، وحقیق على الله أن يمنع رحمته ممّن منع حقّ الله في ماله، وأقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق أنّه ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلاّ بترك الزكاة، وما صيد في برٍّ ولا بحر إلاّ بتركه التسبيح في ذلك اليوم، وإنّ أحبّ الناس إلى الله أسخاهم كفّاً، وأسخي الناس من أدّى زكاة ماله ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله.(1)
وكتب الإمام الرضا عليه السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب إليه من جواب مسائله: إنّ علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء، وتحصين أموال الأغنياء، لأنّ الله كلّف أهل الصحّة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ».(2)(3)
في أموالكم: إخراج الزكاة، وفي أنفسكم: توطين النفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله والطمع في الزيادة مع ما فيه من الرفادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف، والعطف على أهل المسكنة والحثّ لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، وموعظة لأهل الغنی و عبرة لهم ليستدلّوا على فقراء الآخرة بهم ومالهم عن الحثّ في ذلك على الشكر لله لما خوّلهم وأعطاهم، والدعاءوالتضرّع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف.
قال الإمام موسی بن جعفر علیه السلام: من أخرج زكاة ماله تامّة فوضعها في موضعها لم يُسأل من أين اكتسب ماله.(4)
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّما جعل الله الزكاة في كلّ ألف خمسة وعشرين درهماً، لأنّ الله تعالى خلق الخلق فعلم غنيّهم وفقيرهم وقويّهم وضعيفهم، فجعل من كلّ ألف خمسة وعشرين مسكيناً [و] لولا ذلك لزادهم الله لأنّه خالقهم وهو أعلم بهم».(1)
أمّا عقوبة تارك الزكاة ومانعها فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(2)وفي سورة براءة «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ».(3)
ولا يخفى ما في الآيتين من وجوه الحثّ على الانفاق والوعيد على الإمساك.
أمّا الآية الأولى فجهات الانذار فيها غير خفيّة: الأولى: أنّه سبحانه نهی عن حسبان الممسكين إمساكهم خيراً لهم ونفعاً في حقّهم، وأكّد ذلك بالنون المفيدة للتأكيد. الثانية: أنّه وصف الممسكين بصفة البخل وهو صفة ذمّ، الثالثة: أنّ ما بخلوا به هو ممّا آتاهم الله، فاللازم عليهم أن يتصرّفوا فيه بما أمر الله ويصرفوه إلى ما أراده الله. الرابعة: أنّ ذلك شرّ لهم وضرّ في حقّهم. الخامسة: أنّهم يُطَّوقون ما بخلوا به يوم القيامة.
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: ما من ذي ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلاّ حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، وسلّط عليه شجاعاً أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنّه لا يتخلّص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقاً في عنقه،
وذلك قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1)وما من ذي إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلاّ حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه كلّ ذات ظلف بظلفها، وينهشه كلّ ذات ناب بنابها، وما من ذي نخل أو كرم أوزرع يمنع زکاته إلاّ طوّقه الله ربعة أرضه على سبع أرضين إلى يوم القيامة.(2)
وفي الكافي باسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّوجَل «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فقال: يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئاً إلاّ جعل الله ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوّقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، ثم قال: هو قول الله عزّوجَل: «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يعني ما بخلوا به من الزكاة.(3)
السادسة: أنّ ميراث السماوات والأرض كلّه لله سبحانه، بمعنى أنّه وحده يبقي وغيره يفنى، ويبطل مُلك كلّ مالك إلاّ ملكه، فإذا كان المال في معرض الفناء والزوال فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بالانفاق، ولا يحرص على الامساك، فيكون وزره عليه ونفعه لغيره.
السابعة: أنّه سبحانه خبير بما يعمله المكلّفون، بصير بمخالفتهم لأمره، لا يعزب عن علمه بخلهم بالانفاق ومنعهم عن أهل الاستحقاق، فيُذيقهم وَبال أمرهم عند المساق إذا التّفت الساق بالساق.
وأما الآية الثانية: فقد روى الطبرسيّ عن النبيّ صلی الله علیه وآله أنه لمّا نزلت هذه الآية قال صلی الله علیه وآله: تبّاً للذهب والفضة _ يكرّرها ثلاثاً _ فشقّ ذلك على أصحابه، فسأله عمر: أيّ المال نتّخذ؟
فقال: «لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة مؤمنة تُعين أحدكم على دينه».(1)
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، أدّى زكاته أو لم يؤدّ.(2)
وعن الصادق عليه السلام: ما أعطى الله عبداً ثلاثين ألفاً وهو يريد به خيراً. وقال: ما جمع رجل قط عشرة ألف درهم من حلّ، وقد جمعهما الله لأقوام، إذا أعطوا القوت ورزقوا العمل الصلاح، فقد جُمعت لهم الدنيا والآخرة.(3)
ومحصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال ولا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، وللتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهكّم، لأنّ من يكنز الذهب والفضّة فإنّما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة والتوصّل إلى الفرج يوم الشدّة، فقيل له: هذا هو الوجاهة والفرج، كما يقال: تحيّتهم ليس إلاّ الضرب، وإكرامهم ليس إلاّ الشتم.
«يوم يُحمي عليها» أي يوقد على الكنوز «فِي نَارِ جَهَنَّمَ» حتى تصير ناراً «فتکوی بها» أي بتلك الأموال والكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة.
«جباههم وجنوبهم وظهورهم» وتخصيص هذه الأعضاء بالكيّ بوجوه: أحدها: أنّ منظورهم بكسب الأموال وترك الانفاق ليس إلاّ الأغراض الدنيويّة، وهو حصول الوجاهة لهم عند الناس، و حصول الشبع لهم بأكل الطيّبات فينفتح منه الجنبان، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فوقع الكيّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.
الثاني: أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن، والجنوب عن طرفيه، والظهور عن المأخير، والمراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن.
الثالث: أنّ الجبهة محلّ السجود فلم يقم فيه بحقّه، والجنب مقابل القلب الذي لم يُخلص في معتقده، والظهر محلّ الأوزار، قال: «يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ».(1)
الرابع: أنّ هذه الأعضاء مجوّفة وليست بمُصمتة، وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم التألّم بسبب وصول أدنى أثر إليها، بخلاف سائر الأعضاء.
الخامس: وهو أحسن الوجوه وألطفها: أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أولاً قبض جبهته وعبس وجهه، وإذا دار الفقير يوليه وجهه، وإذا دار يوليه ظهره.
وتأتي هنا قصّة قصيرة يصوّرها سيّد قطب في كتابه (مشاهد القيامة) بین موقف الغني يوم القيامة الذي لم يشر من نفسه بماله ابتغاء مرضاة الله، ولم يتخلّص من شوائب الدنيا، وبين الفقير الذي أنس بما قسم الله له وارتضاه.
والقصة هكذا نصّها:
«تطلّع (ساتني) ذات يوم من أعلى داره فرأى جنازة رجل غنيّ تسير من ممفيس إلى الجبل في موكب حافل بالناديات والمشيّعين ومظاهر التكريم، ثم رأي في الوقت نفسه جنازة رجل فقير مُدرَج في حصير، ولا موكب معه ولا مشيّعين، فالتفت إلى ولده وقال إنّه يرجو أن يكون له في الدار الآخرة مصير كمصير ذلك الغني لا كمصير هذا الفقير، فقال (سینوزیریس): إنّه _ بالعكس _ يرجو له مثل مصير الفقير لا مثل مصير الغني.
فامتعض الوالد ولحظ الولد ذلك، فأخذ بيد أبيه بريه مصير الاثنين،... وذهب بأبيه إلى مكان في جبل ممفیس، فنزل به إلى الدار التي يُحاسب فيها
1) الأنعام: 31.
الأموات (تسمّى هذه الدار الجحيم)، فإذا هما في سبع قاعات واسعة مملوءة بناس من جميع الطبقات، فاجتازا ثلاثاً من هذه الدور، ثم دخلا الرابعة، فإذا ناس يذهبون ويجيئون، بينما حمير تأكل من خلفهم، ثم ناس يثبون على طعام معلّق فوق رؤوسهم فلا يُدركونه، فيثبون ويثبون، بينما حفّارون يحفرون تحت أقدامهم ليزيدوا مسافة ما بينهم وبينه.
ثم دخلا القاعة السادسة فوجدا أرواحاً من الأبرار لكلّ منها مكان تقيم فيه، بينما في الباب أرواح متّهمة، فهي واقفة تتضرّع، ثم رأى رجلاً منطرحاً تحت الباب على ظهره، و محور هذا الباب مرکّز في عينه اليمني يدور عليها كلّما فُتح أو أقفل، وهو لا ينفكّ يُفتح ويقفل، والرجل لا ينفكّ يصيح من الألم.
ثم دخلا القاعة فوجدا آلهة الحساب جالسين والمنادين ينادون قضایا الأموات واحدة بعد أخرى، والإله الكبير (أوزریس) جالس على عرش من الذهب متوّج بالتاج ذي الريشتين، بينما الإله (أنوبيس) واقف إلى يساره، والإله (توت) إلى يمينه، والآلهة الآخرون الذين يتألّف منهم مجلس دار الحساب واقفون يميناً ويساراً، والميزان منصوب يزن السيّئات والحسنات، فمن رجحت سيّئاتُه حسناته ألقي إلى الوحش (إمایيت) يفترسه، ومن رجحت حسناتُه سيّئاته قيد إلى حيث الآلهة، وصعدت روحه إلى السماء، أما من تعادلت حسناته وسيّئاته، فلا يفترسه الوحش ولا ينضمّ إلى الآلهة، بل يُعيّن للخدمة.
ونظر الفتى فرأى على مقربة من (أوزریس) رجلاً حسن البزّة مرفوع المنزلة، فالتفت إلى أبيه وقال: أترى هذا الجالس بجانب (أوزریس)؟ إنه الفقير الذي شاهدته مدرجاً في حصير وليس في جنازته أحد من المشيّعين، لقد جيء به إلى هنا، ثم وُزنت سيئاته وحسناته فرجحت الثانية الأولى، وكان الإله (توت) قد سجّل له في سجلّه أنه لم يتمتّع على الأرض بسعادة كافية، فأمر (أوزریس) أن يُعطي كلّ ما كان مجهّزاً به ذلك الغني الذي رأيت جنازته مشيّعة بمظاهر التكريم، وأن تُرفع منزلته بين الآلهة.
أما الغني فقد وُزنت سيئاته وحسناته فوجد الأولى ترجع الثانية، فقيد إلى الجزاء، وهو الذي رأيت محور الباب يدور على عينه اليمني، وسمعته يصيح من الألم...
ولهذه القصّة قيمتها العظمى في الكشف عن تصوّرات عالم الآخرة، والدقّة في الجزاء الذي يناله الأفراد دون النظر إلى مظاهرهم في الدنيا من مال أو جاه.
وقوله: «هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» أي يقال لهم في حالة الكيّ: هذا هو الذي ادّخرتموه لأنفسكم، وهو تبكيتٌ لهم بأنّ المال الذي بخلتم بإنفاقه وادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به، فكأنّكم اكتنزتموه ليُجعل عقاباً لكم «فذوقوا» عقاب «ما کنتم تكنزون» به لا بغيره.
قال الطبرسيّ صاحب التفسير: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ما من عبد له مال لا يؤدّي زكاته إلاّ جُمع يوم القيامة صفائح يُحمي عليها في نار جهنم، فتُكوى بها جبهته و جنباه وظهره حتّى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثم يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار.(1)
وروی ثوبان عن النبيّ صلی الله علیه وآله: «من ترك كنزاً مثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان(2)يتبعه، فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركتَ بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يُلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده».(3)
الأوّل: أنّ المؤمن الموحّد إذا أقر بالتوحيد باللسان لزم إذعانه به بالجنان، ومعنی التوحيد إفراد المعبود بالمحبوبية، وإخلاص القلب عمّا سواه والفراغ عن كلّ ما عداه،
فإنّ المحبّة أمر لا يتقبّل الشركة، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنّها آلة تمتّعهم بالدنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب، فجعل الله بذل المال امتحاناً لهم وتصديقاً لدعوتهم المحبّة لله سبحانه.
والناس في ذلك ثلاثة أصناف: [الأول] صنف صدّقوا التوحيد وحذفوا عن ساحة قلوبهم ما سوى المعبود، وبذلوا أموالهم من غير تعرّض بوجوب الزكاة، ولم يدّخروا لأنفسهم ديناراً ولا درهماً، ولم يتركوا بعدهم صفراء ولا بيضاء، وهم الذين قال الله سبحانه في حقّهم:
«وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»،(1)«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا».(2)
جاء في الكافي بإسناده عن محمد بن سنان، عن المفضّل قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل: في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال عليه السلام له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ فقال: أريدهما جميعاً. فقال عليه السلام: أمّا الظاهرة ففي كلّ ألف خمسة وعشرون، وأمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك.(3)
وصنف درجتهم دون درجة الصف السابق، وهم الممسكون أموالهم، المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادّخار والانفاق على نفسه وعياله الواجب النفقة بقدر الحاجة، وصرف الفاضل إلى وجوه البرّ مهما ظهر، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة، وهم الذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم.
جاء في أصول الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام ومعنا بعض أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنّ الزكاة ليس يُحمَد بها صاحبها وإنّما هو شيء ظاهر، إنما حقن بها دمه وسُمّي بها مسلماً، ولو لم يؤدّها لم تقبل له صلاة، وإنّّ عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت: أصلحك الله وما لنا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال عليه السلام: سبحان الله! أما تسمع الله عزّوجَل يقول في كتابه: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ».(1)قال: ماذا الحقّ المعلوم الذي علينا؟ قال عليه السلام: هو الشيء يعمله الرجل في ماله، يُعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر غير أنه يدوم عليه.(2)
وعن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّوجَل: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» أهو سوى الزكاة؟ فقال علیه السلام: هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الألف والألفين والثلاثة آلاف والأقل والأكثر فيصل به رحمه ويحمل به الکَلّ عن قومه.(3)
وعن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إنّ رجلاً جاء إلى أبي علي بن الحسين عليه السلام فقال له: أخبرني عن قول الله عزّوجَل: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(4)ما هذا الحقّ المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين: الحقّ المعلوم الشيء يُخرجه الرجل من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضين. قال: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة، فما هو؟ فقال عليه السلام: هو الشيء يُخرجه الرجل من ماله إن
شآء أكثر وإن شاء أقلّ على قدر ما يملك. فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال: يصل به رحماً، ويقويّ به ضعيفاً، ويحمل به کلاًّ، أو يصل به أخاً له في الله أو لنائبة تنوبه، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته.(1)
هذا والمحروم: الرجل الذي ليس بعقله بأس ولم يُبسط له في الرزق.
والصنف الثالث: الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه، وهي أدون الرتب، وقد اقتصر جميع العوام علیه لبخلهم بالمال وفرط میلهم إليه وضعف حبّهم للآخرة.
السرّ الثاني: من أسرار الزكاة أنّها مطهرة من صفة البخل، وهي صفة مذمومة من جنود النفس، قال سبحانه: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا»(2)وقال: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».(3)
الثالث: أنّ شكر النعمة واجب عقلاً و شرعاً، وهو _ على ما قاله العلماء _ عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم. فالعبادات البدنيّة شكر النعمة البدن، والعبادات الماليّة شكر لنعمة المال، فيحكم العقل بوجوبها لكونها شكراً للمنعم، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير وقد ضيّق عليه الرزق وامتقع لونه من مسّ الجوع ثمّ لا تسمح نفسه أن يؤدّي شكر الله تعالی علی إغنائه عن السؤال وإحواج غیره إليه بربع العشر أو العُشر من ماله.
قال الإمام الصادق عليه السلام: ومن أدّی ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه، وأدّى شکر ما أنعم الله عليه في ماله، إذا هو حمده على ما أنعم الله عليه فيه بما فضّله به من السعة على غيره، ولما وفّقه لأداء ما فرض الله عزّوجَل عليه وأعانه عليه.(4)
الرابع: أنّ النفس الناطقة لها قوّتان: نظريّة وعمليّة، فالقوّة النظريّة كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوّة العمليّة كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتّصافه بكونه محسناً إلى الخلق، ساعياً في إيصال الخيرات إليهم، دافعاً للآفات عنهم.
الخامس: أنّ المال سُمّي مالاً لميل كلّ أحد إليه، وهو في معرض التلف والزوال، فهو غاد ورائح، وإذا أنفق في مصارف الخير ووجوه الله بقي بقاء لا يزول، لأنّه يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وإنّ لسان الصدق في الناس خير له من المال يورثه غيره، فإنّ المراد بلسان الصدق هو الذكر الجميل، قال حاتم الطائي لامرأته ماويّة:
أماويَ إن المال غادٍ ورائح *** ويبقى من المال الأحاديثُ والذِّكرُ
لقد علم الأقوام لو أنّ حاتماً *** أراد ثراء المال كان له وفر(1)
السادس: أنّ كثرة المال موجبة لحصول الطغيان والانحراف عن سبيل الرحمن كما قال عزّ من قائل: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ»(2)فأوجب الله الزكاة لتقليل سبب الطغيان وجبراً لمفسدته، إلى كثير وكثير من الأسرار التي يستنبطها العقل بأدنی توجّه، والله الهادي إلى الخيرات.
«صوم شهر رمضان فإنّه جُنّة من العقاب» ووقاية من النار يوم الحساب، وإنّما خصّه عليه السلام، بهذه العلّة _ مع كون سائر العبادات كذلك _ لكونه أشدّ وقاية من غيره.
بيان ذلك: أنّ استحقاق الانسان للعقوبة إنّما هو بقربه من الشيطان وإطاعته له
وللنفس الأمّارة، وبشدّة القرب وضعفه يتفاوت العقاب شدّة وضعفاً، وبكثرة الطاعة وقلّتها يختلف العذاب زيادة ونقصاناً، وسبيل الشيطان على الانسان ووسيلته إليه إنّما هي الشهوات، وقوّة الشهوة بالأكل والشرب، فبالجوع والصوم تضعف الشهوة وتنكسر صولة النفس وينسدّ سبيل الشيطان وينجي من العقوبة والخذلان، كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيّقوا مجاريه بالجوع.(1)
قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» في تعداد فوائد الجوع: ومن أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمّارة بالسوء، فقلّة الأكل يضعف كلّ شهوة وقوّة، وإنّما السعادة كلّها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه، و كما أنّك لا تملك الدابّة الجموح إلاّ بضعف الجوع، فإذا شبعت قویت وشردت وجمحت، فكذلك النفس، وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد، ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله. وبذلك يظهر كون الصوم جنّة من النار ووقاية من غضب الجبّار، وأنّ فيه من إذلال النفس وقهر إبليس وكسر الشهوات ما ليس في سائر العبادات. هو واجب بالضرورة من الدين وإجماع المسلمين ونصّ الكتاب المبين، قال سبحانه:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».(2)
قال الإمام الصادق عليه السلام في هذه الآية: «لذّة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء»(1)وفي قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» إشارة إلى ما ذكرنا سابقاً من أنّ الصوم جنّة ووقاية، به یُتّقی من العذاب ويُنجي من العقاب.
والمستفاد من الآية الشريفة أنّ الصوم كان مكتوباً مفروضاً على الأمم السابقة، كما أنّه مكتوب على الأمّة المرحومة.
ولا خلاف في ذلك، وإنّما الخلاف في أنّ الصوم المفروض علينا بهذه الكيفيّة المخصوصة في وقته وعدده هل كان في سائر الأمم كذلك؟
ذهب بعض العامّة إلى ذلك على ما حكاه في مجمع البيان، حيث روی فيه عن الشعبي والحسن أنهما قالا: إنّه فُرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النصارى، وكان يتّفق ذلك في الحرّ الشديد والبرد الشديد، فحوّلوه إلى الربيع وزادوا في عدده.(2)
وذهب آخرون إلى أنّ التشبيه في الآية بين فرض صومنا وفرض صوم من تقدّمنا من الأمم، أي كُتب عليكم صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيّام، وليس في ذلك تشبیه عدد الصوم المفروض علينا ولا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم ولا وقته.
هذا هو الأقوى، ويدلّ عليه صريحاً ما رواه الصدوق عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث النخعي قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا، فقلت له: يقول الله عزّوجَل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»(3)قال علیه السلام: إنّما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم، ففضّل الله به هذه الأمّة وجعل صيامه فرضاً على رسول الله صلی الله علیه وآله وعلى أمّته.(4)
والكلام بعدُ في علّة وجوب الصوم وفضله وفضل صوم شهر رمضان خصوصاً والآداب التي يكون عليها الصائم
فقد جاء في الفقيه: سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله عليه السلام عن علّة الصيام، فقال عليه السلام: «إنّما فرض الله الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير، وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغني كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله أن يسوّي بين خلقه وأن يُذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع».(1)
وكتب أبو الحسن علي بن موسی الرضا عليه السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: «علّة الصوم عرفان مسّ الجوع والعطش ليكون ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً، ويكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة، مع ما فيه من الإنكسار له عن الشهوات، واعظاً له في العاجل، دليلاً على الآجل، ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة».(2)
وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أنه قال: لأيّ شيء فرض الله الصوم على أمّتك بالنهار ثلاثين يوماً، وفرض على الأمم أكثر من ذلك؟ فقال النبي صلی الله علیه وآله: «إنّ آدم عليه السلام لمّا أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوماً، ففرض الله على ذرّيته ثلاثين يوماً الجوع والعطش، والذي يأكلونه بالليل تفضّل من الله عليهم، وكذلك كان على آدم، ففرض الله عزّوجَل ذلك على أمّتي، ثم تلى هذه الآية: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ».(3)
قال اليهودي: صدقت يا محمد، فما جزاء من صامها؟ فقال النبي صلی الله علیه وآله: ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً إلاّ أوجب الله له سبع خصال: أوّلها: يذوب الحرام من جسده، والثانية: يقرب من رحمة الله، والثالثة: يكون قد كفّر خطيئة أبيه آدم، والرابعة: يهوّن الله عليه سكرات الموت، والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة، والسادسة: يعطيه الله براءة من النار، والسابعة:
يُطعمه الله من طيّبات الجنّة. قال: صدقت يا محمد.(1)
ففي الكافي والفقيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: بُني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية.(2)
وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «الصوم جُنّة من النار».(3)
وعنه صلی الله علیه وآله أنه قال لأصحابه: «ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكلّ شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصوم».(4)
وعن أبي عبد الله الصادق عليهالسلام قال: «أوحى الله إلى موسى: ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال: يارب أجلّك عن المناجاة لخلوف فم الصائم، فأوحى الله إليه: يا موسى لخلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك».(5)
وعنه عليهالسلام قال: اللصائم فرحتان: فرحة حين إفطاره، وفرحة حين لقاء ربّه».(1)
وقال علیه السلام: «من صام الله يوماً في شدّة الحرّ فأصابه ظمأ و کّل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشّرونه، حتّی إذا أفطر قال الله عزّوجَل: ما أطيب ريحك وروحك، يا ملائكتي اشهدوا أنّي قد غفرت له».(2)
وقال عليه السلام: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: «الصوم لي وأنا أجزي عليه».(3)
وتخصيصه من بين سائر العبادات مع كون جميعها لله سبحانه من جهة مزيد اختصاصه به تعالى، أمّا لأجل أنّ الصوم عبادة لم يُعبد بها غير الحقّ سبحانه، بخلاف سائر العبادات والركوع والقيام والقربان ونحوها، فإنّها ربّما يُؤتى بها للمعبودات الباطلة كما يتعبّد بها للمعبود بالحقّ، وأمّا الصوم فلم يُتعبّد به إلاّ لله سبحانه وتعالى، أو لأنّ الصوم عبادة نقيّة بعيدة عن الرياء وليست مثل سائر العبادات التي تعلّقها بالجوارح والأعضاء الظاهرة غالباً، ولذلك لم تسلم من الشرك الخفي والرياء كثيراً.
ففي الوسائل عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «أعطيت أمّتي في شهر رمضان خمسأ لم يعطها الله أمة نبي قبلي: إذا كان أول يوم منه نظر الله لهم، فإذا نظر الله عزّوجَل إلى شيء لم يعذّبه بعدها، و خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة كلّ يوم وليلة منه، ويأمر الله عزّوجَل جنّته فيقول: تزيّني لعبادي المؤمنين يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى جنّتي و كرامتي، فإذا
كان آخر ليلة منه غفر الله عزّوجَل لهم جميعاً».(4)
وعن علي بن موسی الرضا علیه السلام عن آبائه قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: رجب شهر الله الأصبّ، و شهر شعبان تتشعّب فيه الخيرات، وفي أول يوم من شهر رمضان تُقَلّ المردة من الشياطين ويُغفر في كلّ ليلة لسبعين ألفاً، فإذا كان ليلة القدر غفر الله لمثل ما غفر في رجب وشعبان وشهر رمضان إلى ذلك اليوم، إلاّ رجل بينه وبين أخيه شحناء فيقول الله عزّوجَل: أنظِروا هؤلاء حتّى يصطلحوا.(1)
وعن علي بن الحسين عليه السلام كان يقول: «إنّ لله عزّوجَل في كلّ ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلٌّ قد استوجب النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق مثل ما أعتق في جميعه».(2)
وعن الصادق عليه السلام قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن جدّه عن رسول الله صلی الله علیه وآله في حديث قال: «من صام رمضان، وحفظ فرجه ولسانه، و كفّ أذاه عن الناس غفر الله له ذنوبه ما تقدّم منها وما تأخّر، وأعتقه من النار دار القرار، وقبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التوحيد».(3)
وفي العيون باسناده عن حسن بن فضّال، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه، عن علي علیه السلام: أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله خطب ذات يوم فقال: «أيّها الناس إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربکم بنیّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفّقكم الصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقيّ من حُرم غُفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساکینکم،
ووقّروا كبارکم، وارحموا صغاركم، وصِلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغُضّوا عمّا لا يحلّ النظر إليه أبصاركم، وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلوتكم، فإنّها أفضل الساعات ينظر الله عزّوجَل فيها إلى عباده، يُجيبهم إذا ناجوه، ويُلبّيهم إذا نادوه، ويُعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفار کم، وظهور كم ثقيلة من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ الله تعالى أقسم بعزّته أن لا يعذّب المصلّين والساجدين، وأن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
أيّها الناس من فطّر منکم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عِتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه، فقيل: يا رسول الله فليس كلّنا نقدر على ذلك، فقال صلی الله علیه وآله: اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة، اتّقوا النار ولو بشربة من ماء.
أيّها الناس من حسّن في هذا الشهر منكم خُلقه کان له جواز علی الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام، ومن خفّف في هذا الشهر عمّا ملكت يمينه خفّف الله عليه حسابه، ومن كفّ فيه شرّه كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن تطوّع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلوات عليّ ثقّل الله له میزانه يوم تخفّ فيه الموازين، ومن تلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.
أيّها الناس إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة، فاسألوا ربّكم أن لا يُغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلّقة، فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة، فاسألوا ربكم أن لا يسلّطها عليكم.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «فقمت وقلت: يا رسول الله ما أفضل الأعمال
في هذا الشهر؟ فقال صلی الله علیه وآله: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّوجَل. ثمّ بکی صلی الله علیه وآله فقلت: ما يُبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي لما يُستحلّ منك في هذا الشهر، كأنّي بك وأنت تصلّي لربّك وقد انبعث أشقی الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك. فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ فقال صلی الله علیه وآله: في سلامة من دينك. ثم قال: يا علي من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، لأنّك منّي کنفسي، وطينتك من طينتي، وأنت وصيّي وخليفتي على أمّتي».(1)
وأمّا آداب الصوم والحالات التي يجب أن يكون الصائم عليها فنقول:
إنّ الصوم على ثلاث مراتب ودرجات بعضها فوق بعض: الأولى صوم العموم، الثانية صوم الخصوص، الثالثة صوم الأخصّ.
أمّا صوم العموم فهو المفروض على عامّة المكلّفين، وهو الكفّ عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب الشرعيّ مع النيّة.
والمشهور في المفطرات أنّها عشرة: الأكل والشرب، والجماع، والبقاء على الجنابة عمداً، وفي حكمه النوم بعد انتباهتين، والغبار الغليظ، وفي حكمه الدخان كذلك، والكذب على الله سبحانه ورسوله والأئمّة عليهم السلام، والارتماس، والاستمناء مع خروج المني، والحقنة، والقيء، والتفصيل مذكور في الكتب الفقهيّة.
أمّا صوم الخصوص فهو أن يكون جامعاً لشرائط الكمال مضافة إلى شرائط الصحّة، كما أشار إليه الإمام سیّد الساجدین وزین العابدین عليه السلام في دعائه عند دخول شهر رمضان حيث قال:
1) رواه الصدوق في الأمالي: 153 – 155/ ح 149؛ وفي عيون أخبار الرضا 2: 266/ ح 53؛ وفي فضائل الأشهر الثلاثة: 77/ ح 61.
«اللهم صلّ علی محمد و آل محمد وألهمنا معرفة فضله، وإجلال حرمته، والتحفّظ ممّا حظرت فيه، وأعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك، واستعمالها
بما يُرضيك، حتّى لا نُصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتّى لا نبسط أيدينا إلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلاّ ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلاّ بما مثّلت، ولا نتكلّف إلاّ ما يُدني من ثوابك ولا نتعاطى إلاّ ما يقي من عقابك، ثم خلّص ذلك كلّه من رياء المرائين وسمعة المسمعين،(1)لانشرك فيه أحداً دونكَ ولا نبغي به معبوداً سواك».(2)
ومحصّل شروط الكمال أن لا يكون يوم صومه کیوم فطره، ومداره على أمور:
منها غضّ السمع والبصر عن محارم الله وعن كلّ ما يلهي النفس عن ذِكر الله، و كذلك حفظ سائر الأعضاء عن المعاصي والآثار.
قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: إذا صُمت فليَصُم سمعُك وبصرُك وشعرك وجلدك، وعدّد أشياء غير هذا. وقال عليه السلام: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك.(3)
ومنها: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والخصومة، بل عن مطلق التكلّم إلاّ بذكر الله.
روى الكافي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، ثمّ قال: قالت مريم: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا»(4)_ أي صمتاً _ فاحفظوا ألسنتكم، وغضّوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا».(5)
قال: وسمع رسول الله صلی الله علیه وآله امرأة تسبّ جارية لها وهي صائمة، فدعی رسول الله بطعام فقال لها: کُلي. فقالت إنّي صائمة. فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببتِ جاريتك؟ إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب.(1)
قال: وقال أبو عبد الله علیه السلام: «إذا صُمت فليصم سمعُك وبصرُك من الحرام والقبيح، ودع المِراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك».(2)
قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «ما من عبد صالح يُشتَم فيقول: إنّي صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني، إلاّ قال الربّ تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من شر ّعبدي، وقد أجرتُه من النار».(3)
وبالجملة فاللازم على الصائم التحفّظ من سقطات اللسان وفضول البيان،والمواظبة على الاستغفار والدعاء وتلاوة القرآن و سائر الأذكار.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء، فأمّا الدعاء فيُدفع به عنكم البلاء، وأمّا الاستغفار فتُمحی به ذنوبكم».(4)
وقال أبو عبد الله عليه السلام: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا كان شهر رمضان لم يتكلّم إلاّ بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير، فإذا أفطر قال: اللهمّ إن شئتَ أن تفعل فعلتَ.(5)
ومنها ترك شمّ الرياحين ولا سيّما النرجس.
ومنها الكفّ عن الافطار على الشبهات: روی في الوسائل عن أبي عبد الله عليه السلام
عن أبيه قال: جاء قنبر مولی علی علیه السلام بفطره إليه، فجاء بجراب فيه سویق و عليه خاتم، قال: فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لهو البخل تختم على طعامك. قال: فضحك عليه السلام ثم قال: أو غير ذلك، لا أحبّ أن يدخل بطني شيء لا أعرف سبيله.(1)
ومنها: أن لا يُكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلئ ويئفل، فما من وعاء أبغض إلى الله من بطن مملوّ.
وفي البحار عن مجالس ابن الشيخ قدس سرّه بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليه السلام _ في حديث طويل لإبليس مع يحيى عليه السلام _ قال: قال يحيی: فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة تعجبني، قال يحيی: فما هي قال: أنت رجل أكول، فإذا أفطرت أكلت وبشمت، فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل. قال يحيی: فإنّي أعطي الله عهداً أنّي لا أشبع من الطعام حتى ألقاه. قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهداً أنّي لا أنصح مسلماً حتّى ألقاه، ثم خرج فما عاد إليه.(2)
ومنها: أن یکون قلبه بعد الافطار مضطرباً بين الخوف والرجاء، إذ لا يدري أنّ صومه مقبول فهو من المقرّبين، أو مردود فهو من المحرومين.
مرّ بعض أصحاب العقول بقومٍ يوم عيدهم وهم ضاحكون مستبشرون، فقال: إنّ الله سبحانه جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، و تخلّف أقوام فخابوا، فالعجب كلّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون.(3)
وأمّا صوم أخصّ الخواص: فصوم القلوب عن الهمم الدنيويّة والأغراض الدنية، و كفّه عن التوجّه إلى ما سوى الله بالكلّية، لدوام استغراقه بالحقّ عن الالتفات بغيره، فالفطر في هذا الصوم الذي هو فيه هو الفكر فيما
سوى الله واليوم الآخر وصرف الهمّة في غير طاعة الله وطاعة رسوله صلی الله علیه وآله من أغراض النفس ومقاصد الطمع، وقد استوفينا الموضوع في المجلد الثاني من کتابنا (الجواهر الروحيّة) تحت عنوان (مدرسة الصوم).
«حجّ البيت واعتماره فإنّهما يَنفيان الفقر ويُرحضان الذنب» أي يغسلانه و يطهّرانه.
قد يبدو أنّ الحجّ عبادة رمزيّة غير معقولة المعنى، ولا ظاهرة الحكمة، وأنّ ما يأتيه الانسان من أعمال إنّما هو امتثال للأمر، وإظهار للعبوديّة، وقيام بحقّ الله، ولكنّه عند التأمّل تتجلّى أسراره و تظهر آثاره النفسيّة والخُلقيّة والاجتماعية.
إنّ شعائر الحجّ تُثير في النفس ذکریات عِذاباً، إذ أنّها ترتبط بالواقع التاريخي لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه.
والحجّ يُلقي على هذه الذكريات من الظلال والألوان ما يجعلها شاخصة للعيون وماثلة في الأذهان.
إنّ إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع قواعد البيت وإسماعيل.
وهو أوّل بيت وضع لعبادة الله في الأرض. ومن ثمّ أمر الحنفاء أن يتوجّهوا إليه كلّما توجّهوا إلى الله في صلاتهم، وأن يتلاقوا عنده كلّ عام، يحدوهم الحبّ في الله والاجتماع عليه، ليُعلنوا تضامنهم واتّفاقهم على إقامة شريعة الله الواحد.
ولا تزال النفس الإنسانية تهفو إلى مصدر إشعاعها الأوّل وتحنّ إليه، وتقيم لذلك المعالم الهادية، وتتّخذ منها حافزاً یرقی بحاضرها وينهض بها إلى حياة أهدى وأزکی.
ولقد جاشت نفس رسول الله صلی الله علیه وآله وانفعلت بهذه الذكريات، فبکی وهو عند الكعبة وقال: «هنا تُسكب العبرات».(1)
1) رواه ابن ماجة في سننه 2: 982/ ح 2945 والحاكم في المستدرك 1: 454.
والحجّ نوع من السلوك ولون من ألوان التدريب العمليّ على مجاهدة النفس من أجل الوصول إلى المثل والاندماج في حياة روحيّة خالصة تمتلئ فيها القلوب بحبّ الله، وتنطلق الحناجر هاتفة بذكره مثنية بينما يرتدي المرء ملابس الاحرام، وهي ملابس خالية من الزينة و من كلّ ما يثير في النفس دواعي العجب والخيلاء.
يقول الله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ».(1)
تشير هذه الآية إلى أنّ المرء حينما يدخل في أعمال الحجّ يجب عليه أن يعيش في جوّ من العفاف والأدب العالي، فلا يتدلّى إلى رفثٍ ولا يميل إلى فسوق ولا ينطق بكلمة طائشة، أو ينظر نظرة فاحشة. كما تشير أيضاً إلى فعل الخير، وهو عمل إيجابيّ يجمل بكلّ مؤمن أن يهتمّ به ويحرص عليه.
يمكن تلخيص الحكم الاجتماعيّة للحجّ فيما يلي:
1_ إنّ الحجّ رحلة سياسيّة لتجميع أكبر عدد ممكن من أفراد الأمّة الاسلامية ليشهدوا المنافع التي تعود عليهم بالخير والبركات، سواء كانت منافع روحيّة أم منافع اقتصاديّة، أم منافع سیاسيّة.
2_ أنّ فيه تعارف الشعوب الإسلاميّة وتوحيد غاياتهم التي توجّههم الوجهة التي تأخذ بأيديهم إلى حياة القوّة والعزّة والعلم والعمل بما يفيده بعضهم من بعض، و من تبادل الآراء المختلفة والثقافات المتنوعة.
3- يمكن عقد معاهدات و اتفاقات في موسم الحجّ ودراسة الوسائل لتيسير التبادل الاقتصاديّ والثقافيّ ممّا تحتاج إليه هذه البلاد.
1) البقرة: 197.
هذه هي بعض حِكم الحجّ وأسراره، فلننظر إلى أرض الله الواسعة ولنستحضر كلّ المؤتمرات والتجمّعات، فهل نجد مجتمعاً أطهر وأبرّ من هذا المجتمع مع هذا العدد الوفير والكثرة الكاثرة؟ وصدق الله إذ يقول: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ».(1)
قال ابن عباس: يعني بالمنافع التجارات. وقال سعيد بن المسيّب وعطيّة: هي منافع الآخرة وهي العفو والغفران. وقال مجاهد: هي التجارة في الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة.
ويُشعر به المرويّ عن الصادق عليه السلام حيث قال في رواية: إنّي سمعت الله عزّوجَل يقول: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ»(2)فقيل: منافع الدنيا و منافع الآخرة؟ فقال عليه السلام: الكلّ.(3)
وفي الفقيه قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «ما من حاجّ يُضحي ملبّياً حتى تزول الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها، والحجّ والعمرة ينفيان الفقر كما ينفي الكيرُ الحديدَ».(4)
وقال علي بن الحسین علیه السلام: «حجّوا واعتمروا تصحّ أبدانكم وتتّسع أرزاقكم وتُكفون مونات عيالاتكم».(5)
وقال عليه السلام : «الحاجّ مغفور له، وموجوب له الجنة، ومُستأنَف له العمل، ومحفوظ في أهله وماله».(6)
وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «الحجّة [المتقبّلة] ثوابها الجنّة، والعُمرة كفّارة لكلّ ذنب».(7)
وعن اسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي قد وطّنت نفسي على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسي أو برجلٍ من أهل بيتي بمالي. فقال عليه السلام: وقد عزمتَ على لزوم ذلك؟ قال: قلت نعم. قال : إن فعلتَ فأيقِن بكثرة المال.(1)
وعن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر يقول: قال رسول الله صلی الله علیه وآله:لا يحالف الفقر والحمّى مُدمن الحجّ والعمرة.(2)
وعن ابن الطيار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «حِججٌ تترى وعُمَر تسعی يدفعن عيلة الفقر وميتة السوء».(3)
والمستفاد من هذه الروايات أنّ للحجّ والعمرة بذاتها مدخليّة في زيادة المال ونفي الفقر، لا من حيث التجارة والحاصلة في موضع الحجّ وقيام الأسواق حينئذ.
«صلة الرحم فإنّها مثراة في المال ومنسأة في الأجل» يعني أنّها موجبة للزيادة في المال، والتأخير في الأجل ومحلّ لهما.
قال الشارح البحراني: كونها مثراة في المال من وجهين:
أحدهما: أنّ العناية الإلهيّة قسمت لكل حيّ قسطاً من الرزق يناله مدّة الحياة الدنيا و تقوم به صورة بدنه، فإذا أعدّت شخصاً من الناس للقيام بأمر جماعة وكفلت بإمدادهم ومعونتهم وجب في العناية إفاضة أرزاقهم على يده وما يقوم بإمدادهم بحسب استعداده لذلك، سواء كانوا ذوي أرحام أو مرحومين في نظره، حتّى لو نوی قطع أحدهم فربّما نقص ماله بحسب رزق ذلك المقطوع، وذلك معنی کونه مثراةً للمال.
الثاني: أنّ صلة الرحم من الأخلاق الحميدة التي يُستمال بها طباع الخلق،فواصلُ رَحِمِه مرحوم في نظر الكلّ، فيكون ذاك سبباً لإمداده ومعونته من ذوي الإمداد والمعانات كالملوك ونحوهم، فكان صلة الرحم مظنّة لزيادة المال.
وكونها منسأة في الأجل من وجهين:
أحدهما: أنّ صلة الرحم توجب تعاطف ذوي الأرحام وتوازرهم ومعاضدتهم الواصلهم، فيكون عن أذى الأعداء أبعد، وفي ذلك مظنّة تأخيره و طول عمره.
الثاني: أنّ مواصلة ذوي الأرحام توجب تعلّق هممهم ببقاء واصلهم وإمداده بالدعاء، ويكون دعاؤهم و تعلّق هممهم بقائه من شرائط بقائه ونسأ أجله، فكانت مواصلتهم منسأة في أجله.
الصدقة وهي على قسمين:
أحدهما: صدقة السرّ فإنها تكفّر الخطيئة وتُطفيء غضب الربّ سبحانه، وإنّما خصّها عليه السلام بذلك _مع کون سائر العبادات كذلك _ لكونها أبعد من الرياء، وتضمّنها من الخلوص والتقرّب ما ليس في غيرها.
روي في الكافي عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیهما السلام قالا: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «صدقة السرّ تطفيء غضب الرب تبارك وتعالی».(1)
وعن عمّار الساباطي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «یا عمّار الصدقة والله في السرّ أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك _ والله _ العبادة في السرّ أفضل منها في العلانية».(2)
وعن معلّی بن خنیس قال: خرج أبو عبد الله عليه السلام في ليلة قد رشّت وهو
يريد ظلّة بني ساعدة، فاتبعته فإذا قد سقط منه شيء، فقال: بسم الله اللهمّ رُدّ علينا. قال: فأتيته فسلمت عليه، فقال عليه السلام: معلّی؟ قلت: نعم جُعلت فداك. فقال لي: التمس بيدك فما وجدتَ من شيء فادفعه إلي، فإذا أنا بخبز منتثّ كثير، فجعلت أدفع عليه ما وجدت فإذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمل على رأسي؟ فقال: لا، أنا أولى به منك، ولكن امض معي. قال: فأتينا ظلّة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نیام، فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين حتّى أتی علی آخرهم ثم انصرفنا، فقلت: جُعلت فداك يعرف هؤلاء الحقّ؟ فقال: لو عرفوه لواسیناهم بالدُقّة _ والدُقّة هي الملح _ إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق شيئاً إلاّ وله خازن يخزنه إلاّ الصدقة، فإنّ الربّ يليها بنفسه، وكان أبي عليه السلام إذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتدّه منه فقبّله وشمّه ثم ردّه في يد السائل، إنّ صدقة الليل تُطفيء غضب الرب وتمحو الذنب العظيم و تهوّن الحساب، وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر، إنّ عیسی بن مریم علیه السلام لمّا مرّ على شاطيء البحر رمی بقرص من قوته في الماء، فقال له بعض الحواريّين: يا روح الله وكلمته لم فعلت هذا وإنّما هو من قُوتك؟ قال علیه السلام: فعلت هذا لدابّة تأكله من دواب الماء، و ثوابه عند الله عظيم.(1)
والثاني: «صدقة العَلانية فإنّها تدفع ميتة السوء». كالغرق والحرق والهدم ونحوها.
ويدلّ عليه روايات أخر، مثل ما رواه الكليني باسناده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إنّ الصدقة باليد تقي ميتة السوء، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء، و تفكّ عن لحی سبعین شیطاناً، كلّهم يأمره أن لا يفعل».(2)
وعن أبي ولاد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «بکّروا بالصدقة وارغبوا فيها،
فما من مؤمن يتصدّق بصدقة يُريد بها ما عند الله ليدفع الله بها عنه شرّ ما ينزل من السماء إلى الأرض في ذلك اليوم إلاّ وقاه الله شرّ ما ينزل في ذلك اليوم».(1)
وعن السكوني عن جعفر، عن آبائه علیهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إنّ الله لا إله إلاّ هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة _ أي الطاعون _ والحرق والغرق والهدم والجنون، وعدّ صلی الله علیه وآله سبعين باباً من السوء.(2)
وعن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «مرّ يهودي بالنبي صلی الله علیه وآله فقال: السّام عليك، فقال صلی الله علیه وآله: عليك. فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت. فقال صلی الله علیه وآله: وكذلك رددت. ثم قال النبي: إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله صلی الله علیه وآله: يا يهودي أيّ شيء عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا احتملته وجئت به، فكان معي كعکتان، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: بها دفع الله عنك، وقال صلی الله علیه وآله: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».(3)
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ الصدقة لتدفع سبعين بليّة من بلايا الدنيا مع ميتة السوء، إنّ صاحبها لا يموت ميتة السوء أبداً، مع ما يُدَّخر لصاحبها من الأجر في الآخرة».(4)
«صنائع المعروف فإنّها تقي مصارع الهوان» المعروف اسم لكلّ فعل
يُعرف حُسنه بالعقل والشرع: كالاحسان والبرّ والصلة والصدقة على الناس والرفق معهم وسائر أعمال الخير، واصطناع المعروف لمّا كان مستلزماً لتأليف قلوب الخلق وجامعاً لهم على محبة المصطنع، لاجرم کان وقاية له، والناس يتّقون قتله ويجتنبون عن فعل ما يوجب الهوان به وذلّته، وهو ظاهر.
ونظير هذا الكلام ما رواه عبد الله بن میمون القدّاح عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء».(1)
وهذا من جملة خواصّه في الدنيا، ومنها أيضاً زيادة البركة.
قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «إنّ البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار منه المعروف من الشفرة إلى سنام البعير، أو من السيل إلى منتهاه».(2)
وأمّا ثمراته الأخرويّة فكثيرة أشرت إليها في باب المعروف: ففي الفقيه قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «أوّل من يدخل الجنة المعروف وأهله، وأوّل من يرد عليَّ الحوض».(3)
وقال صلی الله علیه وآله: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة».(4)
وتفسيره أنّه إذا كان يوم القيامة قيل لهم: هَبوا حسناتكم لمن شئتم وادخلوا الجنّة.
وقال الصادق عليه السلام: «أيّما مؤمن أوصل إلى أخيه المؤمن معروفاً فقد أوصل ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه وآله».(5)
وقال عليه السلام: «المعروف شيء سوى الزكاة، فتقربوا إلى الله عزّوجَل بالبرّ وصلة الرحم».(6)
وقال أيضاً: «رأیت المعروف لا يصلح إلاّ بثلاث خصال: تصغيره، وستره، و تعجيله، فإذا صغّرته عظّمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تمّمته، وإذا عجّلته هنّأته، وإن كان غير ذلك سخّفته و نکّدته».(1)
وفي رواية مفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: «یا مفضّل إذا أردت أن تعلم إلى خير يصير الرجل أم إلى شرّ، أنظر إلى أين يضع معروفه، فان كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنّه يصير إلى خير، وإن كان يضع معروفه عند غير أهله فاعلم أنّه ليس له في الآخرة من خَلاق».(2)
وقد استوفينا موضوع المعروف ونكته وما ورد فيه من المزايا في فصل والمعروف» من هذا الكتاب، فراجعه.
المقدمة ...3
کتاب صوت الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة...6
نشاطات مؤسسة إحياء التراث الشيعي...7
عملنا في الكتاب ...8
شكر وتقدير ...8
تقدیم بقلم نجل المؤلف السيد صدر الدين القبانچي ...9
سياسة الإمام علي عليه السلام...9
الأصول الثلاثة ...9
هذا الكتاب ...10
كتابات المؤلف في الإمام علي علیه السلام ...10
الأول: علي والأسس التربوية...11
الثاني: مسند الإمام علي علیه السلام...11
الثالث: صوت الإمام علي علیه السلام في نهج البلاغة ...11
كلمة الشكر ...12
مقدمة وذكريات بقلم الدكتور الشيخ محمد حسين الصغير ...13
كلمات أقطاب العلم وعباقرة الأدب حول نهج البلاغة ...19
كلمة السيد كاظم القزويني ...19
كلمة الحجّة آغا بزرك الطهراني ...19
كلمة العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني ...23
كلمة الحجّة العلاّمة الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء ...23
كلمة ابن أبي الحديد المعتزلي ...24
کلمة الفیلسوف الشیخ محمّد عبدة...29
كلمة محمد محي الدين مصدّر شرح النهج لابن عبدة ...31
كلمة السيد شريف الرضي ...31
كلمة ميرزا حبیب الله الخوئي ...32
كلمة الأستاذ حسن نائل المرصفي المصري ...33
كلمة الصحافي الشهيد أمين نخلة ...35
كلمة نرسیسیان...36
كلمة مستر کرینو الانكليزي أستاذ الآداب العربية ...36
كلمة الأستاذ جورج جرداق...36
كلمة الشيخ محمد مهدي شمس الدين ...43
كلمة الأديب جبران خلیل جبران...44
كلمة الشيخ محمد حسن القبيسي العاملي...44
كلمة روکس بن زائدة العزيزي الكاثوليكي...45
العقاد و نهج البلاغة ...46
كلمة سبط ابن الجوزي...47
كلمة الحجّة الشيخ هادي کاشف الغطاء ...47
كلمة الدكتور زكي نجيب محمود ...47
كلمة الأستاذ العلاّمة أحمد أمين الكاظمي ...48
كلمة الدكتور صبحي الصالح ...49
كلمة شبلي شميل حول نهج البلاغة...51
كلمة سلیمان کتّاني ...52
نهج البلاغة في الشعر العربي...53
قيل فيه شعراً...53
علي ونهج البلاغة فيما ذهب إليه بعض المرجفين ...61
مختارات من خطب وكتب الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام وشرحها
من كتاب له علیه السلام إلى الحارث الهمداني:
يوصيه بالتمسك بالقرآن وذكر الموت ونصائح أخرى عظيمة ...69
دخول الحارث الهمداني على أمير المؤمنین علیه السلام...70
حدیث علی علیه السلام مع نوف البكالي...73
موعظة الإمام الجواد علیه السلام لعبد العظيم الحسني ...74
موعظة الإمام علي عليه السلام للحسن البصري ...75
مواعظ وحكم لعلي علیه السلام...77
الذنوب ثلاثة...80
من خطبة له علیه السلام: في صفة الإسلام والإيمان ...81
الإيمان يدل على الصالحات...82
إعمار الفقه بالإصلاح ...83
بالفقه يرهب الموت...85
أشعار في الموت ...85
من خطبة له علیه السلام: في ذم قریش وبیان عظمة أهل البيت عليهم السلام...91
أهل البيت علیهم السلام أظلة العرش ...93
حرّة بنت حليمة السعدية والحجّاج الثقفي ...97
علي علیه السلام والأنبياء ...99
أسماء مباركة توسّل بها نوح عليه السلام...101
مقتطفات في فضل أهل البيت عليهم السلام...103
أوجه عظمة أهل البيت علیهم السلام...105
من خطبة له علیه السلام: في وصف القرآن والاستفتاء بآياته...107
خصائص القرآن ...107
آیات مفيدة لدفع الأذى والأوجاع والفقر و كلّ ضرر ...109
مناظرة طبيّة بين الصادق عليه السلام وطبيب هندي ...116
من خطبة له علیه السلام: في معرفة الخالق وتوحيده...119
ولاية أهل البيت علیه السلام شرط في التوحيد ...121
من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام: في المعروف والانفاق ...125
مواضع المعروف ...126
تعاريف للمعروف...126
أنواع المعروف ...129
شروط تأثير الأمر بالمعروف ...130
الإمام الكاظم عليه السلام والعمري...134
المأمون وعفوه عن عمّه إبراهيم ...135
الرشيد وعفوه عن الخارجي ...137
معن بن زائدة وعفوه عن الأسرى...138
المروءة النادرة ...138
من وصية له إلى ولده الحسن علیهما السلام:
في الدعاء والتوبة إلى الله وعفوه تعالی ...141
الدعاء وشرائط القبول...142
فوائد الدعاء ...143
أدعية القرآن ...145
فصول أربعة ...146
الأول: في حقيقة الدعاء ...146
الفصل الثاني: في استحباب الدعاء وفوائده ...146
سؤال وجواب ...147
الفصل الثالث: في اقتران الدعاء بالاهتمام والعمل ...148
الفصل الرابع: في آداب الدعاء والمسألة...149
عشرون باباً...151
الباب الأول: في الاستعاذة بالله سبحانه من الشياطين...151
الباب الثاني: في الاستعاذة بالله من الشرور والأشرار ومن سيّئات الأعمال...151
الباب الثالث: في الاستعاذة من النار ومن عذاب الملك القهار...152
الباب الرابع: في الدعاء للأبوين...153
الباب الخامس: في الدعاء لطلب الذريّة والأولاد والأزواج...154
الباب السادس: في الدعاء للذرية والأولاد...154
الباب السابع: في الدعاء للاخوان...155
الباب الثامن: في الدعاء لعموم المؤمنين والمؤمنات ...156
الباب التاسع: في الدعاء لطلب الهداية والاستقامة في الدين ...156
الباب العاشر: في الدعاء لطلب الخيرات والحسنات ...158
الباب الحادي عشر: في الدعاء لطلب العلم والحكمة...158
الباب الثاني عشر: لطلب الرحمة والغفران وتكفيرالسيئآت ...159
الباب الثالث عشر: لطلب التوبة وقبول الأعمال...161
الباب الرابع عشر: في الدعاء لتطلب حسن المثوى...162
الباب الخامس عشر: لطلب الرزق واليُسر في الأمور وحسن العيش...163
الباب السادس عشر: في الدعاء السلامة والأمان ...163
الباب السابع عشر: لطلب النصر والظفر ومزيد القوّة والأنصار ...164
الباب الثامن عشر: لطلب الصبر و توفيق الثبات...166
الباب التاسع عشر: في الدعاء لطلب النجاة من الظالمين ...166
الباب العشرون: لطلب الدخول في صفّ الأخيار ...167
أدعية أهل البيت علیهم السلام...168
موت القلوب بعشرة أشياء...170
الذنوب تمنع الغيث ...172
النميمة وخطرها في المجتمع...173
قصة العبد النمام ...174
قال عليهالسلام في خطبة له:
يوصي فيها بعدم الغفلة ويحذر من الكذب والرياء والحسد ...175
ضبط الألفاظ اللغوية ...175
المعنی ...176
جهاد النفس...176
مجالسة أهل المعاصي تسلب الإيمان ...180
أحاديث في النهي عن مجالسة أهل المعاصي ...181
الحسد وأثره النفسي ...183
الحسد ومنشؤه ...184
الحسد وعلله.. وآثاره ...186
علة قتل قابيل لأخيه هارون...188
علي والحاسدون ...193
معاوية ينطق بالحق ...194
أعرابي يمدح علياً علیه السلام في مجلس الوليد ...197
أعرابي يمدح علياً علیه السلام في مجلس معاوية ...200
و من وصية له إلى ولده الحسن علیهما السلام:
في محبة الآخرين والنهي عن الظلم والعجب...203الشرح...203
نفسك ميزانك ...204
العجب آفة نفسية ...206
قصيدة إيليا أبي ماضي ...207
أحاديث في ذم العجب ...208
من خطبة له علیه السلام: في وصف آل محمد علیهم السلام...211
ضبط الالفاظ اللغوية...211
الأمر الأول: أهل البيت عليهم موضع سرّ الله ...220
حديثنا صعب مستصعب...223
الثاني: أهل البيت علیهم السلام ملتجأ أمر الله ...224
أهل البيت علیهم السلام هم ولاة الأمر ...225
الدليل النقلي ...226
الدليل العقلي ...227
الثالث: أهل البيت علیهم السلام عيبة علم الله ...227
الدليل النقلي ...228
الرابع: أهل البيت علیهم السلام موئل حكم الله ...230
الخامس: أهل البيت عليهم السلام كهف الكتب السماوية...231
مناظرة الإمام رضا علیه السلام مع الجاثلیق ورأس الجالوت وبقية المذاهب ...232
عدد الكتب السماوية ...237
السادس: أهل البيت علیهم السلام جبال الدين ...240
السابع والثامن: أهل البيت عليهم السلام سبب قوام الدين ...241
من خطبة له عليه السلام:
يوصي بالتوقي والاعتبار بالقرون السالفة ويشير إلى المهدي ...245
ضبط الالفاظ اللغوية...245
الشرح...246
سلیمان علیه السلام وملك الموت ...247
قصة راعي الغنم مع صاحب الزرع ...248
إجابة سلیمان علیه السلام على أسئلة السماء...249
من وصايا داود لسليمان عليهما السلام...251
نوادر أخبار ملك سليمان ...251
بناء بيت المقدس...252
صفة سليمان في ملكه وفي بدنه ...256
عرش سلیمان ...258
هدایا بلقيس ...259
سيرة نبي الله سليمان و تاریخه علیه السلام...263
حكاية سليمان مع النملة ...265
قصّة بلقيس ملكة سبأ مع سليمان ...266
ضرورة الاعتبار من التاريخ...271
تاريخ العمالقة ...271
في بيان مدائن الرسّ وقصّة أصحابها ...273
الإمام المهدي علیه السلام على لسان على الكلام علیه السلام...274
معرفة الحكمة وتفسيرها ...275
معاني الحكمة في القرآن ...277
تبع حكيم حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات...278
بین إفلاطون وسقراط ...279
بزرجمهر في السجن...279
حکمة فیثاغورس...280
حکمة أرسطاطالیس...280
حكاية الملك ووزراءه الأربعة ...281
وصفة الحكيم لكل داء...284
دلالة قوله علیه السلام «فهو مغترب» على الإمام المهدي عليه السلام...286
الرد على المعتزلي ...287
الرد على ابن میثم ...288
موضوع الإمام المنتظر علیه السلام ...289
الأول: استبعاد طول العمر ...289
الثاني: عدم الحكمة في الوجود مع الغيبة...292
حكاية الشيخ محمد حسين الاصفهاني عن الإمام المهدي عليه السلام...292
کلام محي الدين العربي في حق الإمام المهدي عليه السلام...294
من خطبة له علیه السلام:
يحذر فيها من الغفلة ويبين علمه وفضله على الآخرين...299
ضبط الالفاظ اللغوية...299
الشرح...300
الفصل الأول: إيقاط الغافلين...300
الفصل الثاني: إشارة إلى مناقب علي علیه السلام...301
إخبار علي عليه السلام بالمغیبات...311
مجموعة أخرى من المغیبات...312
قصة عمرو بن حمق الخزاعي...315
دخول جويرية على علي عليه السلام...317
إخباره علیه السلام بصلب ميثم التمار...318
قصة رشيد الهجري...318
إخباره علیه السلام بمقتل الحسين علیه السلام بكربلاء...319
من كلام له علیه السلام: ينهى عن التنجيم ويدعو إلى الاستعانة بالله...321
النهي عن تعلم النجوم ...324
حقيقة السحر...326
فصل ووصل...329
إخبار النبي صلی الله علیه وآله بالمغيبات...331
إخباره صلی الله علیه وآله لقیس بعدم مسّه بضرر...331
إشارته إلى عائشة بأنّها صاحبة الجمل ...332
من كلام له علیه السلام على منبر الكوفة:
يدعو الناس للإستفادة من علمه...339
الحياة في كوكب المريخ...342
اصدقاء عالم الفضاء...344
لسنا وحدنا في الكون...347
طبق طائر في الكويت ...347
المنطقة العربية والأطباق الطائرة...349
طبق طائر فوق الأراضي السوفيتية...349
صفات مشتركة للأطباق الطائرة...349
حديث علي علیه السلام مع ذعلب...351
کلام الإمام علي علیه السلام مع ابن الكوا...354
علي علیه السلام وآخر الزمان...356
من كلام له علیه السلام: في مدح الكوفة...359
ضبط الألفاظ اللغوية...359
الشرح...359
الكوفة وفضلها...361
الكوفة رائدة الأدب العربي...362
مسلم بن عقيل وأهل الكوفة...364
من خطبة له علیه السلام:
يوصي بالوفاء وعدم الغدر ویذکر سوء عصره ...369
ضبط الالفاظ اللغوية...369
المعني لهذه الفقرات النيّرة ...369
وفاء السمؤل...370
قصة المنذر بن ماء السماء ويوماه البؤس والسعد...371
آل الأشعث والغدر...376
غدرة خالد بن الوليد...377
قصة ثعلبة بن حاطب...378
قصة سابور وبنت الملك الغادرة...380
جزاني جزاء سنمار...371
من خطبة له علیه السلام: التحذير من اتباع الهوى وطول الأمل...383
ضبط الالفاظ اللغوية...383
المعنی...383
إتباع الهوى...384
مجامع الهوى خمسة...384
طول الأمل...385
النهي والتحذير من طول الأمل...386
من خطبة له علیه السلام:
يدعو فيها للزهد والشكر عند النعم...389
ضبط الألفاظ الغريبة...389
المعنى: الحث على الزهد...389
موکب قارون...391
موعظة علي علیه السلام لنوف صاحبه...394
رسول الله صلی الله علیه وآله وليلة الإسراء...395
أوجه الزهد...396
کلام الإمام الصادق علیه السلام في الزهد ...399
من كلام له علیه السلام: يصف الدنيا...405
ضبط الالفاظ اللغوية...405
المعنی: عشرة أوصاف للدنيا...405
الأول: عشرة أوصاف للدنيا...405
الثاني: فناء في آخر الطريق...407
الثالث: الحساب في الحلال...407
العقوبة على المحرمات...410
السابع: الفقر يجلب الحزن...411
مقام الفقراء في الجنة...413
أحاديث في فضل الفقر والفقراء...414
من خطبة له علیه السلام:
في الإهتمام بفروع الدين وصلة الرحم والانفاق...417
ضبط الالفاظ اللغوية...417
الشرح: أسباب القرب إلى الله...417
أولها: الإيمان بالله...418
الفرق بين الإسلام والإيمان...418
مراتب الإيمان...419
الثاني: الجهاد من الوسائل إلى الله سبحانه...424
والثالث: كلمة الإخلاص...425
والرابع: الصلاة ركن الدين وعموده...425
أمّا علّة وجوبها في الأوقات المعيّنة...429
الخامس: الزكاة فريضة واجبة...431
الحكم النفسية للزكاة...432
أثرها في الأخلاق...432
أسرارها الاجتماعية...433
المقام الأول: في محلّ وجوبها وعقوبة مانعها...434
کوي الجباه والجنوب والظهور...438
قصة تحكي عن بعض مشاهد القيامة...439
المقام الثاني: في أسرار الزكاة ودقائق بذل المال...441
أصناف الناس...442
السادس: الصيام والنجاة من النار...445
أمّا علّة وجوب الصوم...448
وأمّا فضل الصوم مطلقاً...449
وأمّا فضل شهر رمضان وفضل صومه...450
آداب الصوم...453
شروط كمال الصوم...454
السابع: أثر الحج في الدنيا والآخرة...457
أسراره النفسية...457
آثاره الخلقية...458
آثاره الاجتماعية...458
الثامن: آثار صلة الرحم الوضعية...460
التاسع: الصدقة وأنواعها...461
العاشر: صنع المعروف...463
فهرست الموضوعات...467