ghaemiyeh.com
سرشناسه:شوشتری، محمدتقی، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲
عنوان و نام پديدآور:بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه [علیبن ابیطالب(ع)]/ المصنف محمدتقی التستری
مشخصات نشر:دار امیرکبیر للنشر- بیروت - لبنان- 1376.
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
عنوان دیگر:نهج البلاغه
موضوع:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه -- نقد و تفسیر
شناسه افزوده:علیبن ابیطالب(ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. نهج البلاغه. شرح
رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲/ش۹
رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵
شماره کتابشناسی ملی:م۷۲-۸۰۹
من الخطبة(136)
كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ؟بِالشَّامِ؟- وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي؟كُوفَانَ؟- فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ- وَ فَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ- قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ الْجَوْلَةِ عَظِيمَ الصَّوْلَةِ- وَ اللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ- حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ- فَلاَ تَزَالُونَ كَذَلِكَ- حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلاَمِهَا- فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ وَ الْآثَارَ الْبَيِّنَةَ- وَ الْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ- إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ أقول:قوله :كأنّي به قد نعق بالشام،و فحص براياته في ضواحي كوفان» كقوله عليه السلام في سابقه:«لكأنّي أنظر إلى ضلّيل قد نقع بالشام،و فحص براياته في ضواحي كوفان»في إرادة عبد الملك به كما عرفت بل الأصل فيهما واحد .
«فعطف عليها عطف الضروس» أي:ناقة سيّئة الخلق تعضّ حالبها.قال الجوهري:و منه قولهم هي بجنّ ضراسها أي:بحدثان نتاجها،و إذا كانت
كذلك حامت عن ولدها.قال بشر:
عطفنا لهم عطف الضروس من الملا بشهباء لا يمشي الضراء رقيبها (1)
صحاح اللغة 2:939، [1]مادة(ضرس).
«و فرش الأرض بالرءوس» في حربه مع مصعب،و في حروب عامله الحجّاج مع ابن الأشعث و غيره،و في من قتله الحجّاج صبرا.فقالوا:قتل في مجلسه مئة ألف غير من قتله في الحروب،و فعله فعل عبد الملك،و لمّا انهزم ابن الأشعث بمسكن جعل الحجّاج يقتل من وجد من جنده حتّى قتل أربعة آلاف.فيقال انّ في من قتل عبد اللّه بن شداد،و بسطام بن مصقلة،و عمرو بن ضبيعة،و بشر بن المنذر بن الجارود،و الحكم بن مخزمة،و بكير بن ربيعة.
فاتي الحجّاج،برءوسهم على ترس فأمر أن يوضع الترس بين يدي مسمع بن مالك.فبكى فقال:أحزنت عليهم؟قال:بل جزعت عليهم من النار.
و لمّا كتب مالك بن أسماء بن خارجة-و كان الحجّاج حبسه و أمر بسقيه الماء المخلوط بالرماد و الملح-إلى أبيه يستشفع فيه إلى الحجّاج قال أبوه:
أ بني فزارة لا تعنّوا شيخكم ما لي و لزيارة الحجّاج
شبّهته شبلا غداة لقيته يلقى الرءوس شواخب الأوداج
تجري الدماء على النطاع كأنّها راح شمول غير ذات مزاج
و قتل الحجّاج يوم الزاوية من أيامه مع ابن الأشعث أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان أمر مناديا فنادى عند الهزيمة ألا لا أمان لفلان و لا فلان -فسمّى رجالا من اولئك الأشراف،و لم يقل الناس آمنون-فقالت العامة:
قد آمن الناس كلّهم إلاّ هؤلاء النفر،فأقبلوا إلى حجرته.فلمّا اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ثمّ أمر بقتلهم و قالوا:بلغ ما قتل الحجّاج صبرا
1) 1)
مئة و عشرين-أو ثلاثين-ألفا .
«و قد فغرت فاغرته،و ثقلت في الأرض و طأته،بعيد الجولة عظيم الصولة» هو كقوله عليه السلام في سابقه:«فإذا فغرت فاغرته،و اشتدت شكيمته،و ثقلت في الأرض وطأته»بل الأصل فيهما واحد كما عرفت،و ان لم ينبّه عليه الرضي -رضوان اللّه عليه-كما هو دأبه .
«و اللّه ليشرّدنكم» أي:يفرّقنّكم.
«في أطراف الأرض حتّى لا يبقى منكم إلاّ قليل كالكحل في العين» في(تاريخ الطبري):قدم عثمان بن حيان المرّي في سنة(94)المدينة فأخذ رياح بن عبيد اللّه و منقذ العراقي و فلانا.فبعث بهم في جوامع إلى الحجّاج،و لم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا،و لا غير تاجر و أمر بهم أن يخرجوا من كلّ بلد،و قال على المنبر:وجدناكم أهل غش و قد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا.أهل العراق أهل الشقاق و النفاق،و اللّه لا اوتى بأحد منكم آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا إلاّ هدمت منزله،و أنزلت به ما هو أهله (1)
تاريخ الطبري 5:258،سنة 94،و [1]النقل بتلخيص.
.«حتّى تؤوب» أي:ترجع.
«إلى العرب عوازب أحلامها» من إضافة الصفة أي:ما غاب من عقولها.
فيتفكرون أنّ بني اميّة الّذين اولو الجور،و الفجور لا يرضى بسلطنتهم ذو شعور فيجتهدون في اضمحلالهم،و كان بدء ذلك في سنة(101)أوّل خلافة يزيد بن عبد الملك.
و في(أخبار الدينوري):أوّل من قدم سنة(101)على محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس بالحميمة من أرض الشام،ميسرد العبدي،و أبو عكرمة السرّاج،و محمّد بن خنيس،و حيان العطار.فقالوا له:ابسط يدك نبايعك،على
1) 1)
طلب هذا السلطان لعل اللّه أن يحيي بك العدل،و يميت بك الجور.فإنّ هذا وقت ذلك،و أو انه الّذي وجدناه مأثورا.فقال لهم محمّد:هذا أوّل ما نؤمّل و نرجو من ذلك لانقضاء مئة سنة من التاريخ.فانه لم تنقض مئة سنة على امّة قط إلاّ أظهر اللّه حقّ المحقين،و أبطل باطل المبطلين لقوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» (1)
البقرة:259. [1]
فانطلقوا و ادعوا الناس في رفق و ستر.ثمّ وجّه ميسرة و ابن خنيس إلى العراق،و وجّه أبا عكرمة و حيّانا إلى خراسان.فجعلا يسيران من كورة إلى اخرى يدعوان إلى بيعة محمّد بن عليّ،و يزهّدانهم في سلطان بني اميّة بخبث سيرتهم،و عظيم جورهم.ثم قدما عليه و أخبراه أنّهما غرسا بخراسان غرسا يرجوان أن يثمر في أوانه-إلى أن قال-.و في خلافة هشام بعث محمّد بن عليّ سليمان بن كثير،و مالك بن الهيثم و موسى بن كعب،و خالد بن هيثم،و طلحة بن زريق.فكانوا يأتون كورة بعد كورة فيدعون الناس إلى أهل بيت نبيّهم،و يبغّضون إليهم بني اميّة لما يظهر من جورهم و اعتدائهم حتّى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان... (2).
هذا و قال ابن أبي الحديد:المراد بالعرب هاهنا بنو العباس،و من اتّبعهم من العرب أيام ظهور الدولة كقحطبة الطائي،و ابنيه،و بني زريق و عدادهم في خزاعة،و غيرهم من العرب من شيعة بني العباس،و قيل:إنّ أبا مسلم أيضا عربي (3).
قلت:بل المراد بالعرب في كلامه عليه السلام عرب اليمن و ربيعة فإنّهم كانوا على بني اميّة،و إنّما كانت مضر مع بني اميّة.
و في(العقد):قال أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية لمحمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس لمّا حضره الموت:انظر هذا الحي من ربيعة.فألحقهم بهم (يعني اليمانية)فإنّهم معهم في كلّ أمر،و انظر هذا الحيّ من قيس،و تميم (و هما من مضر)فأقصهم إلاّ من عصم اللّه منهم و ذلك قليل... (1)
العقد الفريد 5:205. [1]
.هذا و عكس نصر بن سيار لكونه من عمّال بني اميّة كلامه عليه السلام فجعل قيام العرب على خلاف بني اميّة ذهاب العقل.فقال مخاطبا لهم:
أبلغ ربيعة في مرو و إخوتهم فليغضبوا قبل ألاّ ينفع الغضب
و لينصبوا الحرب إنّ القوم قد نصبوا حربا يحرّق في حافاتها الحطب
ما بالكم تلقحون الحرب بينكم كأنّ أهل الحجا عن رأيكم غرب
هذا،و في(الأغاني):اعترض الرشيد قينة فغنّت في قول الشاعر:
ما نقموا من بني اميّة إلاّ أنّهم يحملون إن غضبوا
و إنّهم سادة الملوك فما تصلح إلاّ عليهم العرب
فلمّا ابتدأت به تغيّر وجه الرشيد،و علمت أنّها قد غلطت،و أنّها إن مرّت فيه قتلت فغنّت.
ما نقموا من بني اميّة إلاّ أنّهم يجهلون ان غضبوا
و أنّهم معدن النفاق فما تفسد إلاّ عليهم العرب
1) 1)
فقال الرشيد ليحيى بن خالد:أ سمعت؟قال:تبتاع و تثنى لها الجائزة و تعجل لها الإذن ليسكن قلبها قال:ذلك جزاؤها.فقال لها:قومي فأنت منّي بحيث تحبّين فاغمي على الجارية-هذا.و قال البحتري:
فهل لا بني عدي من رشيد يردّ شريد حلمهما الغريب
و معنى اعترض الرشيد جارية،في الأوّل جعلها في معرض الابتياع.
من الخطبة(142)
آثَرُوا عَاجِلاً وَ أَخَّرُوا آجِلاً- وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ- وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ- وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلاَئِقُهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ- أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لاَ يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ- أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى- وَ الْأَبْصَارُ اللاَّمِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى- أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ- وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ- فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ- وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ- وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا- وَ دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا أقول : «آثروا عاجلا،و أخرّوا آجلا» قال تعالى: «كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ» (1)
القيامة:20-21. [1]
.و مراده عليه السلام بيان سبب اتباع الناس للمتقدمين عليه.و في(تاريخ الطبري)-في عنوان بيعة عثمان-:قال عليّ عليه السلام:
«إنّ الناس ينظرون إلى قريش،و قريش تنظر إلى بيتها.فتقول:
إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا،و ما كانت في غيرهم
1) 1)
من قريش تداولتموها بينكم» (1)
تاريخ الطبري 3:298،سنة 23. [1]
.و قال عليه السلام لابن عوف لمّا بايع عثمان:«حبوته حبو دهر.ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا.فصبر جميل،و اللّه المستعان على ما تصفون،و اللّه ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك و اللّه كلّ يوم هو في شأن » (2).
«و تركوا صافيا،و شربوا آجنا» أي:غير الصافي،و في(تاريخ الطبري):
لمّا بايع ابن عوف عثمان قال له المقداد:يا عبد الرحمن!أما و اللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق و به يعدلون-إلى أن قال-.
ما رأيت مثل ما اتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم.إنّي لأعجب من قريش.
إنّهم تركوا رجلا ما أقول أنّ أحدا أعلم،و لا أقضى منه بالعدل أما و اللّه لو أجد عليه أعوانا (3).
و في(مقاتل أبي الفرج):إنّ معاوية أمر الحسن عليه السلام لمّا سلّم الأمر إليه أن يخطب،و ظنّ أنه سيحصر.فقال الحسن عليه السلام في خطبته:«إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه تعالى و سنة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ليس الخليفة من سار بالجور.ذلك ملك ملك ملكا يتمتّع فيه قليلا ثم تنقطع لذته،و تبقى تبعته، «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ » (4).
«كأنّي أنظر إلى فاسقهم» لا يبعد أن يكون إشارة إلى عبد الملك كقوله في سابقيه:«لكأنّي أنظر إلى ضلّيل قد نقع بالشام»و«كأنّي به قد نعق بالشام» و تأخّره عن قريش كانوا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عادوه عليه السلام لا ينافيه.فالكلّ واحد، و بواسطتهم وصل كباقي بني اميّة إلى ما وصل.
و قال النظام عند قول عبد الملك«ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان و لا فلا و لا فلان»:«لو لا هم لما وصلت إلى ما وصلت» (1)
رواه الجاحظ في البيان و التبيين 2:273،و [1]النقل بالمعنى.
.«و قد صحب المنكر فألفه» في(تاريخ اليعقوبي):منع عبد الملك أهل الشام من الحج،و ذلك أنّ ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجّوا بالبيعة فمنعهم عبد الملك من الخروج.فضجّ الناس،و قالوا:منعنا من حجّ بيت اللّه،و هو فرض من اللّه علينا.فقال لهم:هذا ابن شهاب الزهري يحدّثكم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام،و مسجدي،و مسجد بيت المقدس،و هو يقوم لكم مقام المسجد الحرام،و هذه الصخرة الّتي يروي أنّ النبيّ وضع قدمه عليها لما اصعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة.فبنى على الصخرة قبة،و علّق عليها ستور الديباج،و أقام لها سدنة،و أخذ الناس بأن يطوفوا حولها كالكعبة (2).
«و بسئ به» في(الصحاح):بسأت به بالفتح و الكسر إذا استأنست به (3).
«و وافقه حتّى شابت عليه مفارقه» في(الصحاح):«المفرق وسط الرأس كأنّهم جعلوا كلّ موضع منه مفرقا،و هو الّذي يفرق فيه الشعر (4).فقالوا مفارق و شيب المفارق على المنكر كناية عن طول صحابته عليه كقولهم:من دبّ الى شبّ ».
«و صبغت به خلائقه» أي:طبائعه و هو أيضا كناية عن صيرورته كالطبيعة الثانية له كالثوب الّذي يصبغ.فيصير صبغه كلون طبيعي له،و في (نسب قريش مصعب الزبيري)غضب عبد الملك غضبة.فكتب إلى هشام بن
إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة-عامله على المدينة-أن أقم آل عليّ يشتمون عليا فقيل له:إنّه أمر غير ممكن (1)
نسب قريش:47. [1]
.«ثمّ اقبل مزبدا» أي:كبحر يقذف بالزبد.
«كالتيّار» أي:الموج.
«لا يبالي ما غرّق أو كوقع النار في الهشيم» أي:النبات اليابس المتكسّر، و الشجرة اليابسة يأخذها الحاطب كيف يشاء .
«لا يحفل» أي:لا يبالي:
«ما حرّق» في(العقد):أنّ عبد الملك لمّا قتل الأشدق غدرا به و أراد أن يخرج إلى الكوفة لقتال مصعب جعل يستفزّ أهل الشام.فيبطئون عليه.فقال له الحجّاج:سلّطني عليهم.ففعل،فكان لا يمرّ على بيت تخلّف إلاّ حرّقه.فلمّا رأى ذلك أهل الشام أسرعوا إليه فخرج إلى مصعب فقتله (2).
«أين العقول المستصبحة بمصابيح» أي:سرج.
«الهدى» حتّى تتبع أهل بيت نبيّه الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس،و طهّرهم تطهيرا،و تمتنع من اولئك الأجلاف الفجرة.
هذا و في(بيان الجاحظ):قام أعرابي ليسأل فقال:«أين الوجوه الصباح، و العقول الصحاح و الألسن الفصاح،و الأنساب الصراح،و المكارم الرباح، و الصدور الفساح تعيذني من مقامي هذا » (3).
«و الأبصار اللامحة الى منار التقوى» في(الصحاح):لأرينك لمحا باصرا، أي:أمرا واضحا (4).
«أين القلوب الّتي وهبت للّه،و عوقدت على طاعته» و في(صفّين نصر):أنّ عمّار بن ياسر نادى يوم صفّين:«أين من يبغي رضوان ربّه،و لا يئوب إلى مال و لا ولد»فأتته عصابة من الناس فقال:«أيّها الناس!اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الّذين يبغون دم عثمان،و يزعمون أنه قتل مظلوما،و اللّه إن كان إلاّ ظالما لنفسه،الحاكم بغير ما أنزل اللّه،و قال:أللّهم إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثمّ أنحني عليها حتّى يخرج من ظهري لفعلت.اللّهم إنك تعلم أنّي لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت.اللّهم و إنّي أعلم ممّا أعلمتني أنّي لا أعمل اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين » (1)
وقعة صفين:320 و 326، [1]النقل بتقديم و تأخير.
.«ازدحموا على الحطام» اليابس المتكسّر .
«و تشاحّوا» ألشّحّ:البخل مع حرص.
«على الحرام» في(صفين نصر):قام عمّار بصفّين.فقال:امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه،الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه،إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان،الآمرون بالاحسان.
فقال:هؤلاء الّذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين:لم قتلتموه؟فقلنا:لإحداثه.فقالوا:إنّه ما أحدث شيئا،و ذلك لأنّه مكنّهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها،و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال،و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه،إنّهم ليعلمون أنّه لظالم،و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها و استمرءوها و علموا لو أنّ الحق لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة و الولاية.فخدعوا أتباعهم بأن قالوا:قتل إمامنا مظلوما،ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا،و تلك
1) 1)
مكيدة قد بلغوا بها ما ترون-إلى أن قال-.
و قال لعمرو بن العاص بعت دينك بمصر!تبّا لك و طالما بغيت الإسلام عوجا-إلى أن قال-.
و قال لعبيد اللّه بن عمر«صرعك اللّه!بعت دينك بالدنيا من عدوّ اللّه و عدوّ الإسلام؟!قال:كلاّ.و لكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم،قال:كلاّ أشهد على علمي فيك أنّك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه اللّه،و أنك إن لم تقتل اليوم فستموت غدا.فانظر إذا أعطى اللّه على نياتهم ما نيتك (1)
وقعة صفين:319. [1]
؟ «و رفع لهم علم الجنّة و النار فصرفوا عن الجنّة وجوههم،و أقبلوا إلى النار بأعمالهم» لكون النار محفوفة بالشهوات كالجنّة بالمكاره.و في(كامل الجزري):قال ابن سيرين:قال عليّ عليه السلام لعمر بن سعد:كيف أنت إذا قمت مقاما تخيّر فيه بين الجنّة و النار فتختار النار؟ (2)فخيّره عبيد اللّه بين ردّه عهد الري أو خروجه لقتال الحسين عليه السلام و قتله فاختار الثاني و قال:أ أترك ملك الريّ و الريّ رغبتي أم أرجع مذموما بقتل حسين
و في قتله النار الّتي ليس دونها حجاب و ملك الري قرّة عيني
«دعاهم ربّهم فنفروا و ولّوا» «وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» (3)«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » (4).
«و دعاهم الشيطان فاستجابوا و أقبلوا» «وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما»
من الخطبة(114)
أَمَا وَ اللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ- غُلاَمُ؟ثَقِيفٍ؟ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ- يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ- وَ يُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ- إِيهٍ؟أَبَا وَذَحَةَ؟ أقول- الوذحة الخنفساء- و هذا القول يومئ به إلى؟الحجاج؟- و له مع الوذحة حديث- ليس هذا موضع ذكره أقول:الوذحة:الخنفساء.و هذا القول يومئ به إلى الحجّاج،و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره.
أقول:روى(المسعودي في مروجه):عن المنقري عن عبد العزيز بن الخطاب عن فضيل بن مرزوق قال:لمّا غلب بسر بن أرطاة على اليمن،و كان من قتله لابني عبيد اللّه بن العباس و لأهل مكّة و المدينة و اليمن ما كان،قام عليّ عليه السلام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على نبيه محمّد صلّى اللّه عليه و آله ثم قال:إنّ بسرا قد غلب على اليمن،و اللّه ما أرى هؤلاء القوم إلاّ سيغلبون على ما في أيديكم و ما ذلك بحق في أيديهم،و لكن بطاعتهم،و استقامتهم لصاحبهم، و معصيتكم لي،تناصرهم و تخاذلكم،و إصلاح بلادهم و إفساد بلادكم-إلى أن قال-.
اللّهمّ عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيّال الميّال يأكل خضرتها،و يلبس فروتها،و يحكم فيها بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنها،و لا يتجاوز عن مسيئها-و ما كان ولد الحجّاج يومئذ- (2).
و روى(ابو الفرج في مقاتله)،عن إسماعيل بن موسى من بيت السدي، عن عليّ بن مسهر،عن الأحلج،عن موسى بن أبي النعمان قال:جاء الأشعث
إلى أمير المؤمنين عليه السلام يستأذن عليه فردّه قنبر.فأدمى الأشعث أنفه،فخرج عليّ عليه السلام و هو يقول:مالي و لك يا أشعث!أما و اللّه لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرّت شعيراتك.قيل يا أمير المؤمنين و من غلام ثقيف؟قال:غلام يليهم لا يبقي أهل بيت من العرب إلاّ أدخلهم ذلاّ.قيل:يا أمير المؤمنين كم يلي،و كم يمكث؟قال عشرين إن بلغها (1)
مقاتل الطالبيين:20. [1]
.و روى عثمان بن سعيد-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-عن يحيى التيمي عن الأعمش،عن إسماعيل بن رجاء قال:قام أعشى باهلة-و هو يومئذ غلام حدث-إلى عليّ عليه السلام و هو يخطب و يذكر الملاحم.فقال:يا أمير المؤمنين!ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة.فقال عليّ عليه السلام:إن كنت آثما في ما قلت يا غلام فرماك اللّه بغلام ثقيف-ثم سكت-فقام رجال فقالوا:و من غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟قال:غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك للّه حرمة إلاّ انتهكها يضرب عنق هذا الغلام بسيفه.فقالوا:كم يملك يا أمير المؤمنين؟قال:
عشرين إن بلغها.قالوا:فيقتل قتلا ام يموت موتا؟قال عليه السلام:«بل يموت حتف أنفه بداء البطن يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه».
قال إسماعيل بن رجاء:فو اللّه لقد رأيت بعيني أعشى باهلة،و قد أحضر في جملة الأسرى الذين اسروا من جيش ابن الأشعث بين يدي الحجّاج فقرعه و وبّخه،و استنشده شعره الّذي يحرّض فيه ابن الأشعث على الحرب،ثمّ ضرب عنقه في ذاك المجلس (2).
و روى(الاحتجاج):أنّ عباد بن قيس-من بكر بن وائل-قام إلى عليّ عليه السلام بعد فتح البصرة،و قال له:جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات.فقال
له أمير المؤمنين عليه السلام:إن كنت كاذبا فلا اماتك اللّه حتّى يدركك غلام ثقيف.
قالوا:و من غلام ثقيف؟قال:رجل لا يدع للّه حرمة إلاّ انتهكها:قالوا:أ فيموت أو يقتل؟فقال عليه السلام:يقتله قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه (1)
الاحتجاج 1:168. [1]
.و نقل(المختلف)في أحكام البغاة عن العماني قال:إنّ رجلا من عبد القيس قام يوم الجمل.فقال:يا أمير المؤمنين ما عدلت حين تقسم بيننا أموالهم،و لا تقسم بيننا نساءهم،و لا أبناءهم.فقال له:إن كنت كاذبا فلا أماتك اللّه حتى تدرك غلام ثقيف،و ذلك أنّ دار الهجرة حرّمت ما فيها،و دار الشرك أحلّت ما فيها.فأيّكم يأخذ امّه من سهمه.فقام رجل فقال:و ما غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟قال:عبد لا يدع للّه،حرمة إلاّ هتكها.قال:يقتل أو يموت؟قال:
بل يقصمه اللّه قاصم الجبارين (2).
و في(كامل الجزري):قال الحسن البصري:سمعت عليّا عليه السلام على المنبر يقول:اللّهمّ ائتمنتهم فخانوني،و نصحتهم فغشّوني.اللّهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم و أموالهم بحكم الجاهلية.فوصفه و هو يقول:الزيال مفجّر الأنهار.يأكل خضرتها،و يلبس فروتها.قال الحسن:هذه و اللّه صفة الحجّاج.قال حبيب بن أبي ثابت قال عليّ عليه السلام لرجل:لا تموت حتّى تدرك فتى ثقيف.قيل له:يا أمير المؤمنين ما فتى ثقيف؟قال:ليقالنّ له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنّم.رجل يملك عشرين أو بعضا و عشرين سنة لا يدع للّه معصية إلاّ ارتكبها حتّى لو لم تبق إلاّ معصية واحدة بينه و بينه باب مغلق لكسره حتّى يرتكبها (3).
«أما و اللّه ليسلّطن عليكم غلام ثقيف» مراده عليه السلام بغلام ثقيف الحجّاج، و أخبر عليه السلام في موضع آخر بغلام ثقيف آخر ابن عم الحجّاج باسمه و نسبه يوسف بن عمر.
ففي(إرشاد المفيد):قال عليه السلام أيّها الناس إنّي دعوتكم إلى الحقّ فتوليتم عني،و ضربتكم بالدرّة فأعييتموني.أما إنّه سيليكم من بعدي ولاة لا يرضون منكم بهذا حتّى يعذّبوكم بالسياط و الحديد إنّه من عذّب الناس في الدنيا عذّبه اللّه في الآخرة،و آية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتّى يحلّ بين أظهركم.فيأخذ العمال و عمّال العمال.رجل يقال له يوسف بن عمر (1)
الارشاد:169. [1]
.قلت:و صار الأمر كما ذكر عليه السلام فغضب هشام على خالد القسري عمله على العراق.
فكتب إلى يوسف باليمن بعهده على العراق فقدم و أخذ خالدا و عمّاله.فعذّبهم و صادرهم و مات خالد و عامله بلال بن أبي بردة في عذابه.
و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر بلفظ آخر.أخبر عليه السلام بالحجاج و يوسف معا بوصفهما فقال:قال عليه السلام:«لقد دعوتكم إلى الحق فتولّيتم، و ضربتكم بالدرّة.فما استقمتم و ستليكم ولاة يعذّبونكم بالسياط و الحديد، و سيأتيكم غلاما ثقيف أخفش و حصوب يقتلان و يظلمان،و قليل ما يمكّنان»- و قال:الأخفش ضعيف البصر خلقة.و كان الحجّاج كذلك،و الحصوب القصير الدميم،و كان يوسف كذلك.
ثمّ كما أنّه عليه السلام أخبر بتسلّط غلام ثقيف-و هو الحجّاج-في مواضع كثيرة عموما و خصوصا خبرا و دعاء،و بتسلّطه مع ابن عمّه كما عرفت في موضع كذلك دعا الحسين عليه السلام على قتلته من أهل الكوفه بتسلّط غلام ثقيف -أي المختار-عليهم لينتقم منهم.فروى(المناقب)مسندا عن عبد اللّه بن
1) 1)
الحسن أنّه عليه السلام قال لهم في جملة ما قال لهم:«ألا ثمّ لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس حتّى تدرو بكم الرحى،عهد عهده إليّ أبي عن جدّي «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ» «ثُمَّ كِيدُونِ» جميعا، «وَ لا تُنْظِرُونِ» . «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء،و ابعث عليهم سنين كسني يوسف و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبّرة،و لا يدع فيهم أحدا إلاّ قتلة بقتلة و ضربة بضربة ينتقم لي و لأوليائي،و أهل بيتي و أشياعي منهم.فإنّهم غرّونا و كذبونا و خذلونا...و رواه(التحف)و(الاحتجاج)و(اللهوف) (1)
رواه عن كتاب المناقب و هو غير مناقب السروي و أيضا عن التحف و الاحتجاج و اللهوف المجلسي في بحار الأنوار 45:9، [1]لكن روى ابن شعبة في تحف العقول:242،و ابن طاوس في اللهوف:43،بعضه و روى الطبرسي في الاحتجاج 2:300،صدره فقط.
.هذا،و في(الأغاني):قال عبد الملك لا بن الزبير الشاعر الأسدي:انشدني أبياتك فيّ و في الحجّاج و ابن الزبير-بعد قتل الحجّاج لابن الزبير و بعثه برأسه إليه-فانشده.
كأنّي بعبد اللّه يركب ردعه و فيه سنان زاعبيّ محرّب
و قد فرّ عنه الملحدون و حلّقت به و بمن آساه عنقاء مغرب
تولّوا فخلّوه فشال بشلوه طويل من الاجذاع عار مشذّب
بكفّي غلام من ثقيف نمت به قريش و ذو المجد التليد معتب
فقال له عبد الملك:لا تقل غلام،و لكن قل:همام.
و في السير:قدمت لبلى الأخيلية على الحجّاج فأنشدته:
إذا ورد الحجّاج أرضا مريضة تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي فيها غلام إذا هزّ القناة ثناها
1) 1)
فقال لها:لا تقولي غلام،و لكن قولي همام.
و أما ثقيف فاختلف فيها هل هي من بقايا ثمود أو أياد أو هوازن.و في (كامل المبرد):قال الحجّاج على المنبر:تزعمون أنّا من بقايا ثمود.و اللّه تعالى يقول:«و ثمود فما أبقى» (1)
النجم:51. [1]
.و قال الحجّاج لأبي العسوس الطائي:أيّ أقدم أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيئ الجبلين؟فقال له:إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن فنزول طيئ قبلها،و إن كانت ثقيف من ثمود فهي أقدم.فقال له الحجّاج:إتّقني فإنّي سريع الخطفة (2).
و قال الشاعر:
فلو لا بنو مروان كان ابن يوسف كما كان عبدا من عبيد أياد
ثمّ تسلط الحجّاج على أهل العراق كما أخبر عليه السلام كان في سنة(75) و سبب توليته أنّ المهلب بن أبي صفرة لمّا كان يقاتل الخوارج بالعراق.و كان الناس بطاء عنه،كتب إلى عبد الملك-كما في(المروج)-إمّا بعثت إليّ بالرجال و إمّا خلّيت بينهم و بين البصرة.فخرج إلى أصحابه.فقال:ويلكم من للعراق؟ فصمتوا و قام الحجّاج فقال:أنا،و قال الثانية و الثالثة و يقول الحجّاج:أنا.فقال له في الثالثة:أنت زنبورها.فكتب له عهده فشخص.فلمّا بلغ القادسيّة أمر الجيش أن يقيلوا،و يروّحوا،و دعا بجمل عليه قتب.فجلس عليه بغير حشية و لا وطاء و أخذ الكتاب بيده،و لبس ثياب السفر،و تعمم بعمامة حتّى دخل الكوفة وحده.فجعل ينادي:الصلاة جامعة،و ما منهم رجل جلس في مجلسه إلاّ و معه العشرون و الثلاثون و أكثر من أهله و مواليه.فصعد المنبر متلثما
متنكّبا قوسه.فجلس واضعا إبهامه على فيه.فقال بعضهم لبعض:قوموا حتّى نحصبه.فقال بعض:حتّى نسمع ما يقول.فمن قائل يقول:حصر الرجل، و من قائل يقول:أعرابي ما أبصر حجّته.فلمّا غصّ المجلس بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام و نحىّ العمامة عن رأسه.فو اللّه ما حمد اللّه و لا أثنى عليه،و لا صلّى على نبيّه،و كان أوّل ما بدأهم به أن قال:
أنا ابن جلا و طلاّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
-إلى أن قال-و اعلموا أنّه ليس منّي الإكثار و الإهذار،و لا منكم الفرار و النفار.إنّما هو انتضاء السيف ثم لا اغمده في شتاء و لا صيف حتّى يقيم اللّه للخليفة أودكم-إلى أن قال-.
يا غلام!اقرأ عليهم كتاب الخليفة.فقرأ القاري«أما بعد.سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه»فقال له:اقطع.يا عبيد العصا!يسلم عليكم الخليفة فلا يردّ رادّ منكم السلام!هذا أدب ابن نهية-و هو صاحب شرطة كان بالعراق-أما و اللّه لأؤدّبنّكم غير هذا الأدب.يا غلام ابدأ بالكتاب.فلمّا بلغ إلى قوله«سلام عليكم»لم يبق منهم أحد إلاّ قال:و على الخليفة السلام (1)
مروج الذهب 3:126-129،و [1]النقل بتلخيص.
.و في(تاريخ الطبري):ولاّه عبد الملك على العراق بعد أخيه بشر.فدخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة.فصعد المنبر و قال:أما و اللّه إنّي لأحمل الشرّ محمله و أخذوه بنعله،و أجزيه بمثله،و إنّي لأرى رءوسا قد أينعت،و حان قطافها و إنّي لأري الدماء بين العمائم و اللحى قد شمّرت عن ساقها تشميرا.
هذا أو ان الشدّ فاشتدّي زيم قد لفّها الليل بسوّاق حطم
ليس براعي إبل و لا غنم و لا بجزّار على ظهر و ضم
قد لفّها الليل بعصلبيّ اورع خراج من الدّويّ
1) 1)
مهاجر ليس بأعرابي
ليس أو ان يكره الخلاط جاءت به و القلّص الأعلاط
ههوي هوى سابق الغطاط
و إنّي و اللّه يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين،و لا يقعقع لي بالشنآن، و لقد فررت عن ذكاء و جرّبت إلى الغابة القصوى.إنّ الخليفة عبد الملك نثر كنانته ثمّ عجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا،و أصلبها مكسرا فوجّهني إليكم أنّكم طالما أوضعتم في الفتن،و سننتم سنن البغي.أما و اللّه لألحونّكم لحو العود،و لأعصبنّكم عصب السلمة،و لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل.إنّي و اللّه لا أعد إلاّ و فيت،و لا أخلق إلاّ فريت،و إيّاي و هذه الجماعات و قيلا و قالا، و اللّه لتستقيمنّ على سبل الحقّ أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده، و من وجدته بعد ثالثه من بعث المهلّب سفكت دمه و أنهبت ماله-إلى أن قال- اقسم باللّه لتقلبنّ على الانصاف و لتدعنّ الإرجاف،و كان و كان،و أخبرني فلان عن فلان أو لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى و الولدن يتامى، و حتّى تمشوا السّمهي،و تقلعوا عن ها و ها.إيّاي،و هذه الزرافات لا يركبنّ الرجل منكم إلاّ وحده ألا إنّه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فيء،و لا قوتل عدوّ،و لعطّلت الثغور،و لو لا أنّهم يغزّون كرها ما غزوا طوعا،و قد بلغني رفضكم المهلّب،و إنّي اقسم باللّه لا أجد أحدا بعد ثالثه إلاّ ضربت عنقه -إلى أن قال-.
و لا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا و لا نهارا حتّى تنقضي هذه المدّة-إلى أن قال-.
فلمّا كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق.فخرج حتّى جلس على المنبر.فقال:يا أهل العراق،و أهل الشقاق و النفاق،و مساوى الأخلاق إنّي سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الّذي يراد اللّه به في الترغيب،و لكنّه التكبير الّذي
يراد به الترهيب،و قد عرفت أنّها عجاجة تحتها قصف.يا بني اللكيعة،و عبيد العصا،و أبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلعه،و يحسن حقن دمه و يبصر موضع قدمه.فاقسم باللّه لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها و أدبا لما بعدها-إلى أن قال-.
فازدحموا على الجسر حتّى سقط بعض الناس في الفرات.فأتاه صاحب الجسر.فقال له:اعقد لهم جسرين.و خرج الناس هربا إلى السواد و أرسلوا إلى أهاليهم أن زوّدونا و نحن بمكاننا (1)
تاريخ الطبري 5:40-44،سنة 75،و النقل بتلخيص.
.«الذيّال» من«ذالت المرأة»أي:جرّت ذيلها على الأرض،و تبخترت،و منه قوله طرفة:
فذالت كما ذالت وليدة مجلس تري ربّها أذيال سحل ممدد (2)
«الميّال» من«تميّلت المرأة في مشيتها»أي:تدللّت.في(بيان الجاحظ):
قال الحجّاج لعبد الملك يوما:لو كان رجل من ذهب لكنته.قال:و كيف ذلك؟ قال:لم تلدني أمة بيني و بين آدم ما خلا هاجر.فقال:لو لا هاجر لكنت كلبا من الكلاب (3).
و في(كامل المبرد):قال عليّ بن عبد اللّه بن عباس:سايرت يوما عبد الملك فما جاوزنا إلاّ يسيرا حتّى لقيه الحجّاج قادما عليه.فلمّا رآه ترجّل و مشى بين يديه فخبّ عبد الملك.فأسرع الحجّاج فزاد عبد الملك.فهرول الحجّاج.فقلت لعبد الملك:إبك موجدة على هذا.فقال:لا و لكنّه رفع من نفسه فأحببت أن أغضّ منه (4).
و في(عقد ابن عبد ربه):قال عبد الملك للحجاج:ليس من أحد إلاّ و هو يعرف عيب نفسه.فصف لي عيوبك.قال:اعفني،قال:لا بدّ أن تقول.قال:أنا لجوج حسود حقود.قال:ما في إبليس شرّ من هذا (1)
العقد الفريد 5:283. [1]
.و قال العتبي قال أبي:ما رأيت مثل الحجّاج،كان زيّه زي شاطر،و كلامه كلام خارجي،و صولته صولة جبار.فسألته عن زيّه فقال:كان يرجّل شعره، و يخضب أطرافه (2).
و في(معارف ابن قتيبة):أوّل ولاية وليها الحجّاج تبالة:فلما رآها احتقرها و انصرف.فقيل في المثل«أهون من تبالة على الحجّاج» (3).
و في(بيان الجاحظ):قال سليمان بن عبد الملك:كتب إليّ الحجّاج:إن رأيت فيّ ما رأى أبوك و أخوك كنت لك كما كنت لهما،و إلاّ فأنا الحجّاج و أنت نقطة من مداد.فإن شئت محوتك،و إن شئت أثبتّك.فقام ابن أبي بردة فقال:
كان عدوّ اللّه يتزيّن تزيّن المومسة،و يصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار.فإذا نزل عمل الفراعنة،و كان أكذب في حديثه من الدجّال (4).
و في(ذيل الطبري):قال الحسن البصري لمّا خرج من عند الحجّاج:
خرجت من عند احيول قصير يطبطب شعيرات له.أخرج إليّ بنانا له قصيرة قلّما عرفت فيها الأعنّة في سبيل اللّه.أما و اللّه إنّهم و إن ركبوا البراذين،و صعدوا المنابر.إنّ المعاصي لفي أعناقهم.أبى اللّه إلاّ أن يذل من عصاه.ما زال اللّه يريهم في أنفسهم العبر،و يري المؤمنين فيهم
المعتبر.اللّهم أمته كما أمات سنّتك (1)
منتخب ذيل المذيل:126.
.و في(تاريخ الطبري):خطب الحجّاج.فقال:لا يصبحنّ من جند المهلّب بعد ثالثة أحد.فلمّا كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمي.فقال:من فعل بك قال:
عمير بن ضابي البرجمي أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني و كذب عليه.
فأرسل الحجّاج إلى عمير فأتى به شيخا كبيرا.فقال له:ما خلّفك عن معسكرك.قال:أنا شيخ كبير لا حراك بي.فأرسلت ابني بديلا فهو أجلد منّي.
فقال عنبسة بن سعيد للحجاج:هذا الّذي أتى عثمان قتيلا.فلطم وجهه و وثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه.فأمر به الحجّاج فضربت عنقه.
قال عمرو بن سعيد:فو اللّه إنّي لأسير بين الكوفة و الحيرة إذ سمعت رجزا مضريا فعدلت إليهم فقلت:ما الخبر؟قالوا:قدم علينا رجل من شرّ أحياء العرب من هذا الحي من ثمود أسقف الساقين ممسوح الجاعرتين أخفش العينين فقدم سيد الحي عمير بن ضابي فضرب عنقه.فقال في ذلك ابن الزبير الأسدي:
تخيّر فإمّا أن تزرو ابن ضابئ عميرا و إمّا أن تزور المهلّبا
و خرج من الكوفة بعد قتل ابن ضابئ من فوره حتّى قدم البصرة، و توعّدهم مثل أهل الكوفة فأتى برجل من بني يشكر.فقيل:هذا عاص.فقال:
إنّ بي فتقا و قد رآه بشر.فعذرني،و هذا عطائي مردود في بيت المال.فلم يقبل منه و قتله ففزع لذلك أهل البصرة.فخرجوا حتّى تداكّوا على العارض بقنطرة رامهرمز فقال المهلّب:جاء الناس رجل ذكر (2).
قوله عليه السلام في رواية(المروج):«ويحكم فيها بحكم الجاهلية لا يقبل من
محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها»فيه:لمّا خرج ابن الأشعث على الحجّاج، و دخل الكوفة كتب الحجّاج إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث، و يسأله الإمداد،و قال في كتابه:و اغوثاه يا اللّه،وا غوثاه يا اللّه،و اغوثاه يا اللّه» فأمدّه بالجيوش،و كتب إليه«يا لبيك يا لبيك يا لبيك»فالتقى الحجّاج مع ابن الأشعث بدير الجماجم،و كانت بينهم نيّف و ثمانون وقعة تفانى فيها خلق، و كانت على ابن الأشعث فمضى حتّى انتهى إلى ملوك الهند،و لم يزل الحجّاج يحتال في قتله حتّى قتل،و اتي برأسه (1)
مروج الذهب 3:132،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:أهل الجاهلية كانوا يجعلون مع اللّه إلها آخر،و لا يجعلون اللّه آخر كالحجاج-.و قال الحجّاج قال اللّه «فَاتَّقُوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (2)فهذه للّه و فيها مثواه و قال اللّه «وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا» (3)و هذه لعبد اللّه و خليفته،و نجيبه عبد الملك.
أما و اللّه لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي حلالا عذيري من أهل هذه الحميراء يلقي أحدهم الحجر إلى الأرض و يقول:إلى أن يبلغها فرّج اللّه لأجعلنهم كالرمس الداثر،و الأمس الغابر.عذيري من عبد هذيل-يعني ابن مسعود-يقرأ القرآن كأنّه رجز الأعراب أما و اللّه لو أدركته لضربت عنقه،عذيري من سليمان بن داود يقول لربه «وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» (4)كان و اللّه في ما علمته عبدا حسودا بخيلا.
و قال الربيع بن خالد:سمعت الحجّاج يقول في خطبته:«أ خليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله في حاجته»فقلت:للّه عليّ ألاّ اصلّي خلفك أبدا،
و لئن رأيت قوما يجاهدونك لاقاتلنّك معهم.فقاتله في دير الجماجم حتّى قتل (1)
مروج الذهب 3:143 و 147،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و قال أبو جعفر الإسكافي:أخذ الحجّاج الناس بقراءة عثمان،و ترك قراءة ابن مسعود،و أبيّ بن كعب،فما مات حتّى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان و نشأ أبناؤهم،و لا يعرفون غيرها لإمساك الآباء عنها،و كفّ المعلمين عن تعليمها،حتّى لو قرئت عليهم قراءة عبد اللّه و أبيّ ما عرفوها،و لظنّوا بتأليفها الاستكراه و الاستهجان لإلف العادة (2).
و قال الجزري:قال الحجّاج:لا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أمّ عبد -يعني ابن مسعود-إلاّ ضربت عنقه،و لأحكّنّها من المصحف،و لو بضلع خنزير.قد ذكر ذلك عند الأعمش فقال«و أنا سمعته يقول،فقلت في نفسي لأقرأنّها على رغم أنفك» (3).
و في(العقد):قال العتبي:قال أبي:أراد الحجّاج الحج فخطب و قال:«يا أهل العراق!إنّي قد استعملت عليكم محمّدا،و به الرغبة عنكم.أما إنّكم لا تستأهلونه و قد أوصيته فيكم خلاف وصية النبيّ بالأنصار.فأوصى أن يقبل من محسنهم،و يتجاوز عن مسيئهم،و قد أوصيته ألاّ يقبل من محسنكم و لا يتجاوز عن مسيئكم.أما إنّي إذا ولّيت عنكم علمت أنكم تقولون:لا أحسن اللّه له الصحابة-و ما منعكم من تعجيله إلاّ الفراق-و أنا اعجّل لكم الجواب لا أحسن اللّه عليكم الخلافة»ثمّ نزل فلمّا كان غداة الجمعة مات محمّد بن الحجّاج.فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمّد أخيه ففرح أهل
العراق،و قالوا:انقطع ظهر الحجّاج و هيض جناحه-إلى أن قال-.
فدخل الناس يعزّونه،و فيهم الفرزدق.فقال له:أما رثيت محمّدا و محمّدا.قال:نعم و أنشده خمسة أبيات ثمّ خرج و هو يقول:لو كلّفني الحجّاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به-و ذلك أنّه دخل و لم يهيّئ شيئا (1)
رواه ابن عبد ربه في العقد 5:280-281،لكن خلط الشارح صدر الحديث برواية المسعودي في مروج الذهب 3:146. [1]
.و في(المروج):لمّا هلك بشر بن مروان،و ولّي الحجّاج العراق بلغهم ذلك فقام الغضبان القبعثري الشيباني في الجامع خطيبا.فقال:يا أهل الكوفة إنّ عبد الملك قد ولّى عليكم من لا يقبل من محسنكم،و لا يتجاوز عن مسيئكم الظلوم الغشوم الحجّاج.ألا و إنّ لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مصعب و قتله،فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق.فاقتلوه،فإنّ ذلك لا يعدّ منكم خلعا،فإنّه متى يعلو على متن منبركم و صدر سريركم و قاعة قصركم ثمّ قتلتموه عدّ خلعا،فأطيعوني و تغدّوا به قبل أن يتعشّى بكم.فقالوا له:جننت يا غضبان!هل ننتظر الا سيرته فإن رأينا منكرا غيّرناه.قال:
ستعلمون.
فلمّا قدم بلغه مقالته و أمر بحبسه.فأقام في حبسه ثلاث سنين فاحضر فقال له أنت القائل لأهل الكوفة:يتغدون بي قبل أن أتعشّى بهم؟قال:ما نفعت من قيلت له و لا ضرّت من قيلت فيه (2).
و في(العقد):كتب عبد الملك إلى الحجّاج في اسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف.فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله،و من زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه.فأتي الحجّاج برجل.فقال:على دين من أنت؟
قال:على دين إبراهيم حنيفا،و ما كان من المشركين.فقال:اضربوا عنقه ثمّ قدّم آخر.فقال له:على دين من أنت؟قال:على دين أبيك الشيخ يوسف.فقال:
أما و اللّه لقد كان صوّاما قوّاما خلّ عنه يا غلام.فلمّا خلّى عنه انصرف إليه.
فقال له:سألت صاحبي على دين من أنت؟فقال:على دين إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين فأمرت به فقتل،و سألتني على دين من أنت.فقلت:على دين أبيك الشيخ يوسف.فقلت:أما و اللّه لقد كان صوّاما قوّاما.فأمرت بتخلية سبيلي،و اللّه لو لم يكن لابيك من السيئات إلاّ أنّه ولد مثلك لكفاه.فأمر به فقتل (1)
العقد الفريد 55:286،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(العقد):عن عمر بن عبد العزيز:لو جاءت كلّ امّة بمنافقيها و جئنا بالحجّاج لفضلناهم،و حلف رجل بطلاق امرأته انّ الحجّاج في النار فأتى امرأته فمنعته نفسها.فسأل الرجل الحسن البصري.فقال:لا عليك فإن لم يكن الحجّاج في النار فما يضرّك أن تكون مع امرأتك على زنا.
و مما كفّرت به العلماء الحجّاج قوله-و رأى الناس يطوفون بقبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و منبره-إنّما يطوفون بأعواد و رمّة.
و عن ابن عياش قال:كنّا عند عبد الملك إذ أتاه كتاب الحجّاج،يعظّم فيه أمر الخلافة،و يزعم أن ما قامت السموات و الأرض إلاّ بها،و أنّ الخليفة عند اللّه أفضل من الملائكة المقرّبين،و الأنبياء،و المرسلين،و ذلك أنّ اللّه خلق آدم بيده،و أسجد له الملائكة و أسكنه جنّته ثمّ أهبطه إلى الأرض و جعله خليفته، و جعل الملائكة رسلا إليه،فأعجب عبد الملك بذلك و قال:لوددت أن عندي بعض الخوارج فاخاصمه بهذا الكتاب-إلى أن قال-.
فجاءه حوار بن زيد الضبي.فقال له:اقرأ الكتاب.فقرأه حتّى أتى على
1) 1)
آخره.فقال حوار.أراه قد جعلك في موضع ملكا،و في موضع.نبيّا،و في موضع خليفة.فإن كنت ملكا فمن أنزلك؟و إن كنت نبيّا فمن أرسلك؟و إن كنت خليفة فمن استخلفك؟أعن مشورة من المسلمين أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟ فقال له عبد الملك:قد آمنّاك،و لا سبيل عليك.لا تجاوزني في بلد (1)
العقد الفريد 5:284،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:إنّ الحجّاج سمع ما كتب من قيام السموات و الأرض بالخليفة و كونه أفضل من الملائكة و الانبياء ممّا ورد في الأئمة المعصومين-صلوات اللّه عليهم أجمعين-فأراد تطبيقه على عبد الملك.
و يقال لحوار في ردّه على عبد الملك في قوله:«إن كنت خليفة فعن مشورة من المسلمين أم ابتززت امور الناس بالسيف»بأن صدّيقك، و فاروقك أيضا ابتزّا امور الناس بإحراق اهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بالسيف و العصا .
«يأكل خضرتكم» و كلامه عليه السلام و إن كان استعارة،و كناية عن كونه كسقر لا تبقي و لا تذر للناس شيئا كما ستعرف من تشديده في الخراج حتّى خرب أكثر القرى إلاّ أنّ الرجل أيضا كان من الأكولين كمعاوية يأكل ما يجد، و يطلب ما لا يجد.
قال سلم بن قتيبة:عددت للحجّاج أربعا و ثمانين لقمة في كلّ لقمة رغيف من خبز فيه ملء كفّه سمك طري.
و يشهد لقوله عليه السلام من أكله خضرة أهل العراق قول الفرزدق لسليمان بعد الحجّاج.
ما قلت إلاّ الحق تعرفه في القول مرتجلا و في الشعر
1) 1)
ما أصبحت أرض العراق بها ورق لمختبط و لا قشر
«و يذيب شحمتكم» في(كامل المبرد):يروي عن ابن ميرة أنّه قال:إنّا لنتغدّى مع الحجّاج يوما إذ جاء رجل من سليم برجل يقوده.فقال:أصلح اللّه الامير!إنّ هذا الرجل عاص.فقال الرجل:انشدك اللّه أيّها الأمير في دمي فو اللّه ما قبضت ديوانا قط،و لا شهدت عسكرا،و إنّي لحائك اخذت من تحت الجف.
فقال:اضربوا عنقه.فلمّا أحسّ بالسيف سجد فلحقه السيف و هو ساجد.
فأمسكنا عن الطعام.فأقبل علينا الحجّاج فقال:ما لي أراكم صفرت أيديكم و أصفرّت وجوهكم و حدّ نظركم من قتل رجل واحد.
و فيه:أتى الحجّاج البصرة.فكان عليهم أشدّ إلحاحا و قد كان أتاهم خبره لما كان بالكوفة.فتحمّل الناس قبل قدومه.فأتاه رجل من بني يشكر و كان شيخا كبيرا أعور و كان يجعل على عينه العوراء صوفة فكان يلقّب ذا الكرسفة.فقال:أصلح اللّه الأمير،إنّ بي فتقا،و قد عذرني بشر،و قد رددت العطاء.فقال:إنّك عندي لصادق،ثمّ أمر به فضربت عنقه.ففي ذلك يقول كعب الأشقري أو الفرزدق:
لقد ضرب الحجّاج بالمصر ضربة تقرقر منها بطن كلّ عريف (1)
كامل المبرد 8:73. [1]
و في(المروج):حبس الحجّاج إبراهيم التيمي و مات في الحبس،و إنّما كان الحجّاج طلب إبراهيم النخعي فنجا و وقع إبراهيم التيمي.فقال الأعمش لابراهيم النخعي:أين كنت حيث طلبك الحجّاج؟فقال:بحيث يقول الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى و صوّت إنسان فكدت أطير
و مات الحجّاج بواسط سنة(95)و هو ابن(54)سنة و كان تأمّره على
1) 1)
الناس عشرين سنة،و احصي من قتله صبرا سوى من قتل في عساكره و حروبه فوجد مئة و عشرين ألفا و مات،و في حبسه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة منهنّ ستّة عشر ألفا مجردة،و كان يحبس النساء و الرجال في موضع واحد،و لم يكن للمحبس ستر يستر الناس من الشمس في صيف،و من المطر و البرد في الشتاء،و ركب يوما يريد الجمعة فسمع ضجّة.فقال:ما هذا؟فقيل له:المحبوسون يضجّون و يشكون ما هم فيه من البلاء.فالتفت إلى ناحيتهم و قال:اخسئوا فيها و لا تكلمون،و وجد بعده في سجونه ثلاثة و ثلاثون ألفا لم يجب على واحد منهم قتل و لا صلب (1)
مروج الذهب 3:171 و 166. [1]
،و فيهم أعرابي اخذ ببول في أصل مدينة واسط.فكان في من اطلق فأنشأ يقول:إذا ما خرجنا من مدينة واسط خرينا و بلنا لا نخاف عقابا
و في(تنبيه الاشراف):كان محبوسوه يسقون الماء مشوبا بالرماد، و فيه:مات الحجّاج قبل الوليد بتسعة أشهر و كانت ولايته على العراق عشرين سنة،و ترك في بيت المال مئة ألف الف دينار و بضعة عشر ألف ألف درهم، و تولّى العراق و خراجها مئة ألف ألف درهم.فلم يزل بعنته و سوء سياسته حتّى صار خراجها خمسة و عشرين ألف ألف درهم (2).
و في(عيون القتيبي):إنّ رجلا كان يطلبه الحجّاج فمر بساباط فيه كلب بين جبّين يقطر عليه ماؤهما.فقال:يا ليتني مثل هذا الكلب فما لبث ساعة إن مرّ بالكلب في عنقه حبل فسأل عنه.فقالوا:جاء كتاب الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب (3).
و في(الأغاني):منع الحجّاج من لحوم البقر خوفا من قلّة العمارة في السواد فقيل فيه:
شكونا إليه خراب السواد فحرّم فينا لحوم البقر
فكنّا كمن قال من قبلنا اريها السها و تريني القمر
و فيه-في أخبار أعشى همدان و مدحه سليم بن صالح العنبري و كان منزله بساباط المدائن بعد ذكر قصة عن هشام في قرية سليم-و ذكر غير هشام أنّ الحجّاج طالب سليما العنبري بمال فلم يخرج منه حتّى باع كلّ ما يملكه و خربت قريته،و تفرّق أهلها ثمّ باعه الحجّاج عبدا.فاشتراه بعض أشراف الكوفة أسماء بن خارجة أو بعض نظرائه فاعتقه.
و في(عيون القتيبي):قال الحجّاج:سوطي سيفي فنجاده في عنقي، و قائمه في يدي و ذبابه قلادة لمن اغترّبي.فقال الحسن البصري:بؤساله ما أغرّه باللّه (1)
عيون الأخبار 2:245. [1]
.قلت:و قالوا:سوط عمر كان أهيب من سيف الحجّاج.
و في(أنساب السمعاني):مات إبراهيم بن يزيد التيمي،و كان عابدا صابرا على الجوع في حبس الحجّاج أرسلت عليه الكلاب في السجن تنهشه حتّى مات (2).
قلت:و الظاهر أنّه الّذي مرّ أخذه بدلا عن إبراهيم النخعي.
و في(العقد):كان الحجّاج إذا صعد المنبر تلفّع بمطرفه ثمّ تكلّم رويدا فلا يكاد يسمع حتّى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه ثمّ يزجر الزجرة، فيفزع أقصى من في المسجد.
و عن أبي وائل:بعث الحجّاج إليه يستدعيه لعمله فاعتذر و قال في ما قال:«و اخرى أنّي ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك،و اللّه إنّي لأتعارّ من الليل فأذكرك،فما يأتيني النوم حتّى أصبح،هذا و لست لك على عمل» فأعجبه ذلك و قال:هيه كيف قلت.فأعدت عليه الحديث.فقال«إنّي و اللّه ما أعلم اليوم رجلا على وجه الأرض هو أجرأ على ربّه منّي»فقمت فعدلت عن الطريق كأنّي لا أبصر.فقال:اهدوا الشيخ.أرشدوا الشيخ.
و قال المدائني:أخبرني من دخل المسجد و الحجّاج على المنبر،و قد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:
ربّ من انضجت غيظا صدره قد تمنّى لي موتا لم يطع
ساء ما ظنّوا و قد أبليتهم عند غايات المدى كيف أقع
كيف يرجون سقوطي بعد ما شمل الرأس مشيب و صلع (1)
العقد الفريد 5:267-268،و [1]النقل بتصرف يسير.
و في(كامل الجزري):قال الحجّاج:و اللّه لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلّت لي دماؤكم (2).
و في(المروج):لمّا انهزم ابن الأشعث بدير الجماجم حلف الحجّاج ألاّ يؤتى بأسير إلاّ ضرب عنقه.فأتي باسرى كثيرة،و كان أوّل من أتي به أعشى همدان،و هو،أوّل من خلع عبد الملك و الحجّاج بين يدي ابن الأشعث بسجستان.فقال له الحجّاج:إيه!أنت القائل:
من مبلغ الحجّاج أنّي قد جنيت عليه حربا
-إلى أن قال-قال له:أخبرني عن قولك في ابن الأشعث:
بين الأشج و بين قيس باذخ بخ بخ الوالد و المولود
فأنشده فقال:و اللّه لا تبخبخ لأحد بعدها و أمر به فضربت عنقه (1)
مروج الذهب 3:154،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الأخبار الطوال):بعث الحجّاج أيوب بن القرية إلى ابن الأشعث -إلى أن قال-.
و اسر في من اسر فلمّا ادخل عليه قال:بعثتك رسولا فصرت وزيرا و مشيرا تصدر له الكتب،و تسجّع له الكلام.فقال:كان شيطانا في مسك إنسان،استمالني بسحره،و خلبني بلفظه.فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب.فقال له الحجّاج:كذبت يا ابن اللخناء،بل كان قلبك منافقا،و لسانك مدامجا،فكتمت أمرا أظهره اللّه،و أطعت فاسقا خذله اللّه-إلى أن قال-.
فقال الحجّاج:يا غلام!ناولني الحربة.فتناولها و قد أمسك ابن القريّة أربعة رجال.فلا يستطيع تحرّكا و هزّ الحجّاج الحربة ثلاثا:فقال ابن القريّة:
اسمع منّي ثلاث كلمات تكون بعدي مثلا.قال:هات.قال:«لكلّ جواد كبوة و لكلّ حليم هفوة و لكلّ شجاع نبوة»فوضع الحجّاج الحربة في ثندوة ابن القريّة و دفعها حتّى خالطت جوفه ثمّ خضخضها و أخرجها فاتبعها دم اسود.فقال الحجّاج هكذا تشخب أوداج الإبل،و فحص ابن القريّة برجليه و شخص بصره،و جعل الحجّاج ينظر إليه حتّى قبض فحمل في النطع.فقال الحجّاج:للّه درّك يا ابن القرّية أيّ أدب فقدنا منك.و أيّ كلام رصين سمعنا منك (2).
و في(كامل المبرد):كان العديل بن فرخ العجلي هاربا من الحجّاج فجعل لا يحلّ ببلدة إلاّ ريع لأثر يراه من آثار الحجّاج،فيهرب حتّى أبعد ففي ذلك يقول العديل:
يخشّونني الحجّاج حتّى كأنّما يحرّك عظم في الفؤاد ميهض
فلم ينشب أن اتي به فقال:
فلو كنت في سلمى أجا و شعابها لكان لحجّاج عليّ دليل (1)
كامل المبرد 5:14. [1]
في(الأغاني):بعث الحجّاج مولى له في جيش إلى بني العجل يطلب منهم العديل الشاعر،فهرب فلم يقدر عليه فاستاق إبله،و أحرق بيته،و سلب امرأته و بناته و أخذ حليّهن فهرب العديل إلى قيصر و قال:
و دون يد الحجّاج من أن تنالني بساط لأيدي الناعجات عريض
مهامه أشباه كأنّ سرابها ملأ بأيدي الراحضات رحيض
فبلغ شعره الحجّاج فكتب إلى قيصر:لتبعثنّ به أو لأغزينّك جيشا يكون أوّله عندك و آخره عندي.فبعث به قيصر إلى الحجّاج.فلمّا ادخل عليه قال:
أ أنت القائل«و دون يد الحجّاج من أن تنالني»فكيف؟فقال بل أنا القائل:
فلو كنت في سلمى أجا و شعابها لكان لحجّاج عليّ سبيل
و قلت:
إذا ذكر الحجّاج أضمرت خيفة لها بين أحناء الضلوع نفيض (2)
و في(العيون):قال الحسن البصري:وا عجبا من اخيفش اعيمش جاءنا ففتلنا عن ديننا،و صعد على منبرنا يخطب و الناس يلتفتون إلى الشمس فيقول ما بالكم؟إنّا لا نصلّي للشمس بل لربّها،أفلا يقولون له:يا عدوّ اللّه إنّ للّه حقا بالليل لا يقبله بالنهار،و حقّا بالنهار لا يقبله بالليل،و كيف يقولون ذلك و على رأس كلّ واحد منهم علج قائم بالسيف (3).
و في(العقد):كان الوليد بن عبد الملك-و كان جبارا كأبيه،و كان الحجّاج واليا من قبلهما-يقول:كان أبي يقول الحجّاج جلدة ما بين عيني و أنفي و أنا أقول:إنه جلدة وجهي كله.
و كان عمر بن عبد العزيز-و لم يكن جبّارا-يدعو اللّه أن يكون موت الحجّاج على فراشه ليكون أشدّ لعذابه في الآخرة،و سمع صياحه في قبره فأخبر كاتبه فركب في أهل الشام فسمع.
و قيل للحسن البصري:ما تقول في قتال الحجّاج؟قال:إنّ الحجّاج عقوبة من اللّه تعالى فلا تستقبلوا عقوبة اللّه بالسيف (1)
العقد الفريد 5:283 و 288،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:و صدق الحسن كان هو و أمثاله عقوبة للناس لتركهم أهل بيت نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.و قد صرّح أمير المؤمنين عليه السلام بذلك في خطبه مرارا،و كان يذكر الحجّاج لمّا آذوه كرارا كما عرفت.
و في(ديوان الفرزدق)في شكايته إلى سليمان ما فعل بهم الحجّاج من حبس الجيوش في المغازي بغير عطاء،و أخذه صدقات إبلهم على الحول الماضي مع موتها في السنة بحيث تمنى الناس الموت:
و يجمّرون بغير أعطية في البرّ من بعثوا و في البحر
و يكلّفون أبا عرا ذهبت جيفا بلين تقادم العصر
حتّى غبطنا كلّ محتمل يمشي بأعظمه إلى القبر
و تمّنت الأحياء أنّهم تحت التراب وجيء بالحشر (2)
«ايه» في(الصحاح):«أيه:اسم سمّي به الفعل لأنّ معناه الأمر.تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل (3)(إيه)بكسر الهاء.قال ابن السكّيت:
فإن وصلت نوّنت قلت:إيه حدّثنا،و قال ابن سيدة إذا قلت إيه يا رجل.فإنّما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما،و إن قلت إيه بالتنوين قلت:إيتنا حديثا ما لأنّ التنوين تنكير.قال:فإذا سكّته و كففته قلت ايها عنّا و إذا أردت التبعيد قلت ايها عنا بفتح الهمزة بمعنى هيهات (1)
روى هذه المعاني لسان العرب 13:474، [1]مادة(أيه)،و قد حصل في النقل خلط.
.و في(الأساس):ايه حديثا استزادة و أيها لا تحدّث كفّ.قال ذو الرّمة:
وقفنا فقلنا إيه عن ام سالم و كيف بتكليم الديار البلاقع (2)
و في(النهاية):في الحديث أنه أنشد شعر اميّة بن أبي الصلت.فقال عند كلّ بيت إيه هذه الكلمة يراد بها الاستزادة،و إذا قلت أيها بالنصب فإنّما تأمره بالسكوت،و منه حديث أصيل الخزاعي حين قدم عليه المدينة قال له«كيف تركت مكّة»قال«تركتها و قد أحجن ثمامها،و أعذق إذخرها و أمشر سلمها» فقال«إيها،أصيل.دع القلوب تقرّ»و قد ترد المنصوبة بمعنى التصديق و الرضا بالشيء،و منه حديث ابن الزبير لمّا قيل له:«يا ابن ذات النطاقين»فقال أيها... (3).
قلت:و قد تقدّم أنّ الحجّاج قال لأعشى همدان لمّا أراد قتله:إيه أنت القائل:
من مبلغ الحجّاج أني قد جنيت عليه حربا
«أبا و ذحة» في(اللسان):قال ثعلب:الوذح ما يتعلّق من القذر بإلية الكبش.قال جرير:
و التغلبية في أفواه عورتها و ذح كثير و في أكتافها الوضر
و قال أبو عبيدة:الوذح ما يتعلّق بالأصواف من أبعار الغنم فيجفّ عليه.
قال الاعشى:
فترى الأعداء حولي شزّرا خاضع الأعناق أمثال الوذح (1)
لسان العرب 2:632، [1]مادة(وذح).
قول المصنّف :«قال الشريف:أقول»هكذا في(المصرية)و ليس كلّه من النهج.
«الوذحة:الخنفساء»قال ابن أبي الحديد:ما قاله من أنّ الوذحة الخنفساء لم أسمعه من شيخ من أهل الأدب،و لا وجدته في كتاب لغة.
ثمّ قال:إنّ المفسّرين بعد الرضي قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوها.
منها:أنّ الحجّاج رأى خنفساء تدبّ الى مصلاّه فطردها فعادت ثمّ طردها فعادت،فأخذها بيده فقرصته قرصا،و ورمت يده منه ورما كان فيه حتفه.قالوا:و ذلك أنّ اللّه تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرودا بالبقّة الّتي دخلت في أنفه.
و منها:أنّ الحجّاج كان إذا رأى خنفساء تدبّ قريبة منه يأمر غلمانه و يقول:هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها له بالبعرة-و كان مغرى بهذا القول-و الوذح:ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف.
و منها:أنّ الحجّاج رأى خنفساوات مجتمعات.فقال:وا عجبا لمن يقول إنّ اللّه خلق هذه.قيل:فمن خلقها؟قال:«الشيطان.إنّ ربكم لأعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح»فنقل قوله إلى الفقهاء فاكفروه.
و منها:أنّ الحجّاج كان مثفارا،و كان يمسك الخنفساء حيّة ليشفي بحركتها في موضع حكاكه.قالوا:و لا يكون صاحب هذا الداء إلاّ شانيا مبغضا لأهل البيت عليه السلام.قالوا:و لسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الداء،و إنّما قلنا
1) 1)
كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض.قالوا:و قد روى أبو عمرو الزاهد-و لم يكن من رجال الشيعة-في(أماليه):في أحاديثه عن السياري عن أبي خزيمة الكاتب قال:ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلاّ وجدناه ناصبيا.
و عن القطامي عن رجاله قالوا:سئل جعفر بن محمّد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس.فقال:رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي،و ما كانت هذا الخصلة في وليّ للّه قط،و لا تكون أبدا،و إنّما تكون في الكفّار و الفسّاق و الناصب للطاهرين و كان أبو جهل عمرو بن هشام من القوم،و كان أشدّ الناس عداوة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر:يا مصفّر استه! قال:فهذا مجموع ما ذكره المفسّرون،و ما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع،و يغلب على ظنّي أنّه أراد معنى آخر،و ذلك أنّ عادة العرب أن تكنّي الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم كقولهم،أبو الهول، و أبو المقدام،و أبو المغوار،فإذا أرادت تحقيره و الغضّ منه كنّته بما يستحقر، و يستهان به كقولهم في كنية يزيد:أبو زنّة-يعنون القرد-و في سعيد بن حفص البخاري المحدّث:أبو الفار،و في الطفيلي:أبو لقمة،و في عبد الملك أبو الذبان لبخره،و كقول ابن بسام لبعض الرؤساء:
فأنت لعمري أبو جعفر و لكن بحذف الفاء منه
و قال أيضا:
لئيم درن الثوب نظيف القعب و القدر
أبو النتن أبو الدقر أبو البعر أبو الجعر
فلمّا كانّ عليه السلام يعلم من حال الحجّاج نجاسته بالمعاصي و الذنوب الّتي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاة كنّاه أبا وذحة.
قال:و يمكن أيضا أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه،و حقارة منظره.
و تشويه خلقته.فإنّه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين
قصير الساعدين مجدور الوجه.أصلع الرأس.فكنّاه بأحقر الأشياء و هو البعرة.
قال:و قد روى قوم هذه اللفظة بصيغة اخرى فقالوا«إيه أبا و دجة» واحدة الأوداج كنّاه بذلك لأنه كان قتّالا يقطع الأوداج بالسيف.و رواه قوم«أبا و حرة»و هي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبّهه بها (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:257،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:أمّا اعتراضه على المصنّف بأنّه لم يذكر أحد أنّ الوذحة الخنفساء فساقط فلم يقل الرضي إنّ الخنفساء مفهوم الوذحة اللغوي بل أراد أنّها المراد،و التفسير بالمراد شائع.(فالصحاح)قال يقال للجلدة الّتي بين العين و الأنف سالم.قال ابن عمر في ابنه سالم:
يديرونني عن سالم و أريغه و جلدة بين العين و الأنف سالم
و هذا المعنى أراد عبد الملك في جوابه عن كتاب الحجّاج أنت عندي كسالم (2).و قول(القاموس):إنّه غلط غلط (3).فتوهّم أنّ(الصحاح)أراد المفهوم،و لم يتفطّن أنّ مراده المراد،و الحجّاج لم يفهم مراد عبد الملك حتّى فسّره بعض الادباء له،و هذا كأن يقال:فلان كثير الرماد،أي:جواد،مع أنه قال في النهاية بعد نقل كلامه عليه السلام:الوذحة بالتحريك الخنفساء من الوذح،و هو ما يتعلّق بإلية الشاة من البعر فيجفّ،و بعضهم يقول:بالخاء و في حديث الحجّاج أنّه رأى خنفساة فقال:قاتل اللّه أقواما يزعمون أنّ هذه من خلق اللّه.
فقيل مم هي؟قال:من وذح ابليس (4).
و حينئذ نقول:إن صحّ الأوّل و الأخير من الوجوه الأربعة الّتي نقلها،في
قصته مع الخنفساء فلا يصحّ أن يخاطب عليه السلام الحجّاج بأبي وذحة إلاّ بأن نقول أنّه شبّه الخنفساء بالوذحة بكونه أمرا عرفيا.فلمّا كان الحجّاج مات من ورم يده بقرص خنفساء او كان يمسك الخنفساء في موضع حكاكه كان أبا وذحة أي أبا خنفساء.و إن صحّ الأوسطان منها فخاطبه بأبي وذحة لأنّه كان يسمّي الخنفساء وذحة الشيطان.ثمّ كأنّ الأصل فيهما واحد بكون الثالث تفصيل الثاني،و كيف كان فلا تنافي بين الوجوه بأن يصحّ الجميع إن ثبت النقل سوى الأخير منها.فإنّه بظاهره ينافي الاولى لا سيّما الوسطين أو الوسط.
و أما قوله:فيغلب على ظنّي أنّه أراد معنى آخر...،فبلا معنى فإنّ عبد الملك كان يقال له أبو الذبّان لأنّ الذبّان كانت تجتنبه لبخره،و أبو زنّة كنية القرد و كان-كما في(المروج)-ليزيد قرد خبيث مكّنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته،و يطرح له متّكأ و كان يحمله على أتان وحشية قد ريضت و ذلّلت لذلك بسرج و لجام،و يسابق بها الخيل يوم الحلبة فجاء في بعض الأيّام -و عليه قباء من الحرير الأحمر و الأصفر مشهر،و على رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان-سابقا فتناول القصبة،و دخل الحجرة قبل الخيل (1)
مروج الذهب 3:67. [1]
، و حينئذ فلا يصحّ أن يقال للحجاج أبا وذحة إلاّ بواحدة من تلك الوجوه على ما عرفت حتّى تحصل مناسبة،و حينئذ فليس هو معنى آخر.كما أنّ قوله:و يمكن أيضا أن يكنّيه بذلك لدمامته...،أيضا بلا معنى فإنّه لو كان عليه السلام خاطبه لدمامته و عيوب خلقته لقال له يا وذحة لا أبا وذحة كما قال بعض الأعراب في عدوّ له شديد السواد:
عاديتنا يا خنفسا أم الجعل عداوة الأوعال حيات الجبل
و لو كانت تكنيته بأبي وذحة بدمامته صحيحة لكانت للجاجته أنسب.
1) 1)
فقد عرفت أنّ عبد الملك لما سأله عن عيوبه عدّ منها لجاجه،و يشهد له سيره، و منها عدم اكتراثه بنصح المهلّب له حتّى انهزم يوم تستر ثمّ ندم،و الخنفساء يضرب المثل بها في اللجاجة،و منهم من كنّاها امّ اللجاج كما قال الدميري (1)
حياة الحيوان 1:307. [1]
، و قال الجاحظ:و في لجاج الخنفساء يقول خلف الأحمر:لنا صاحب مولع بالخلاف كثير الخطاء قليل الصواب
ألجّ لجاجا من الخنفساء و أزهى إذا ما مشي من غراب (2)
هذا،و في(تاريخ بغداد):كان أبو علقمة الثقفي عند جعفر البرمكي في بعض لياليه الّتي يسمر فيها.فأقبلت خنفساء إلى أبي علقمة.فقال:أليس يقال إنّ الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؟قالوا:بلى.قال جعفر:يا غلام اعطه ألف دينار.فنحّوها عنه.فعادت إليه.فقال:يا غلام أعطه ألفا آخر فأعطاه ألفي دينار (3).
و في(بلدان الحموي)-في عنوان دير الخنافس-:هو في غربي دجلة على قلّة جبل شامخ،و هو دير صغير لا يسكنه أكثر من راهبين،و هو نزه لعلّوه على ضياع و إشرافه على أنهار نينوى،و المرج،و له عيد يقصده أهل الضياع في كلّ عام مرّة،و فيه طلسم ظريف،و هو أنّ في كلّ سنة ثلاثة أيام تسوّد حيطانه،و سقوفه من الخنافس الصغار اللواتي كالنمل.فإذا انقضت تلك الأيّام لا يوجد في تلك الأرض من تلك الخنافس واحدة ألبتّة فاذا علم الرهبان بمجيء تلك الأيام الثلاثة أخرجوا جميع ما لهم فيه من فرش و طعام، و اثاث و غير ذلك هربا من الخنافس،فإذا انقضت الأيام عادوا (4).
و في(نجوم ابن طاوس):قال أبو حيان التوحيدي في(بصائره):قال أبو معشر في(كتاب أسراره)-بعد ذكر منجم ادّعى النبوة في زمان المأمون-و كان له خاتم من لبسه لا يتمالك من الضحك،و قلم لا ينطلق اصبع غيره على الكتابة به،و هو الّذي عمل طلاسم الخنافس في ديور كثيرة (1)
خرج المهموم:164،و النقل بتلخيص.
.و في(معارف ابن قتيبة):كانت امّ أبان بن عثمان حمقاء تجعل الخنفساء في فمها و تقول:«حاجيتك ما في فمي» (2).
و في(حياة الحيوان للدميري):رأى رجل خنفساء.فقال:ما ذا يريد اللّه من خلق هذه؟الحسن شكلها أو لطيب ريحها؟فابتلاه اللّه بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك العلاج،فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال:هاتوه حتّى ينظر في أمري.فقالوا:و ما تصنع بطرقي و قد عجز عنك حذّاق الأطباء،فقال:لا بدّ لي منه.فأحضروه،فلمّا رأى القرحة استدعى بخنفساء.فضحك الحاضرون منه.فقال الرجل:أحضروا له ما طلب.فإنّ الرجل على بصيرة من أمره،فاحضروها له فأحرقها و ذرّ رمادها على قرحته.فبرئ بإذن اللّه.فقال:ان اللّه تعالى أراد أن يعرّفني أنّ أخسّ المخلوقات أعزّ الأدوية.
و قال الدميري:كنية الخنفساء ام الفسو،و ام الأسود،و ام مخرج و ام اللجاج و ام الفتن،و بينها و بين العقرب صداقة،و هي أنواع:منها الجعل، و حمار قبان،و بنات وردان،و الحنطب،و هو ذكر الخنافس (3).
و في(حيوان الجاحظ):زعم الأعراب أنّ بين ذكورة الخنافس،و ذكورة
الجعلان تسافد،و أنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا.و قال لي الفضل العنبري:يقولون:الضب أطول شيء ذماء،و الخنافس أطول منه ذماء،و ذلك أنّه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة،و فيها ذبالة تستوقد،و تصبح لأهل الدار و هي تدبّ بها و تجول.قال:و ربما كانت الخنفساء في تضاعيف حبل قت أو في بعض الحشيش،و العشب،و الحلأ.فتصير في فم الجمل.فيتبلعها من غير أن يضغم الخنفساء.فإذا وصلت إلى جوفه و هي حيّة حالت فيه فلا تموت حتّى تقتله.فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الإداري و العلوفات خوفا من الخنافس (1)
الحيوان 4:496 و 508،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(فهرست ابن النديم):خدم يوحنّا بن ماسويه المأمون إلى المتوكّل،و عبث به ابن حمدون النديم بحضرة المتوكّل.فقال له يوحنا:لو أنّ مكان ما فعلت من الجهل عقل ثمّ قسّم على مئة خنفساء لكانت كلّ واحدة منها أعقل من أرسطا طاليس (2).
قول المصنّف :«و هذا القول يومئ به إلى الحجّاج»و كما أخبر عليه السلام أهل العراق بتسلّط الحجّاج عليهم لمّا رأى تخاذلهم له عموما،و تراذل بعضهم و سوء أدبه معه خصوصا كما عرفت،أخبر أهل الشام بغلبة أبي سلّم عليهم لما رأى جدّهم في حربه.
ففي(المناقب):عن الأعمش عن رجل من همدان قال:كنا مع عليّ عليه السلام بصفين.فهزم أهل الشام ميمنة العراق.فهتف بهم الأشتر ليتراجعوا.فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يقول لأهل الشام:«يا أبا مسلم خذهم»ثلاث مرات.فقال الأشتر:أو ليس أبو مسلم معهم؟قال:لست اريد الخولاني،و إنّما اريد رجلا
يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك اللّه به أهل الشام،و يسلب عن بني اميّة ملكهم (1)
مناقب السروي 2:262.
.هذا،و في(الخرائج):روي أنّ حجّاجا كتب إلى عبد الملك إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل عليّ بن الحسين.فكتب عبد الملك إلى الحجّاج أما بعد.
فجنّبني دماء بني هاشم و احقنها فإنّي رأيت آل أبي سفيان لما أولغوا فيها لم يلبثوا ان أزال اللّه الملك عنهم-و بعث بالكتاب سرّا-فكتب عليّ بن الحسين عليه السلام سرّا إلى عبد الملك في الساعة الّتي أنفذ فيها الكتاب إلى الحجّاج:
«علمت ما كتبت في حقن دماء بني هاشم،و قد شكر اللّه لك ذلك،و ثبّت ملكك، و زاد في عمرك»و بعث به مع غلام له فنظر عبد الملك فوجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه.ففرح بذلك،و في كتابه عليه السلام إليه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أتاني في النوم.
فعرّفني ما كتبت به الى الحجّاج (2).
هذا،و في(المروج):ولد الحجّاج مشوّها لا دبر له.فثقب عن دبره،و أبى أن يقبل ثدي امّه و غيرها.فأعياهم أمره.فيقال:إنّ الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة.فقال:ما خبركم؟قالوا:ولد ليوسف ابن من الفارعة و قد أبى أن يقبل ثدي أمّه.فقال:اذبحوا جديا أسود،و أو لغوه دمه فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك.فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا أسود، و أولغوه دمه.ثمّ اذبحوا له أسود سالخا-أي الأسود من الحيات-فأولغوه دمه،و اطلوا به وجهه،فإنّه يقبل الثدي في اليوم الرابع،ففعلوا به ذلك.فكان بعد لا يصبر عن سفك الدماء،و كان يخبر عن نفسه أن أكثر لذّاته سفك الدماء و ارتكاب امور لا يقدم عليها غيره (3).
و في(تفسير العياشي):عن زرارة:كان يوسف أبو الحجّاج صديقا لعليّ بن الحسين عليه السلام،و أنّه دخل على امرأته،فأراد أن يضمها.فقالت له:أ ليس إنّما عهدك بذاك الساعة؟فأتى عليّ بن الحسين عليه السلام فأخبره فأمره أن يمسك عنها فأمسك عنها فولدت بالحجّاج و هو ابن شيطان ذي الردهة.
و عنه عن الباقر عليه السلام:كان الحجّاج ابن شيطان،إنّ يوسف دخل على أمّ الحجّاج فأراد أن يصيبها.فقالت:أليس إنّما عهدك بذلك الساعة؟فأمسك عنها فولدت الحجّاج (1)
تفسير العياشي 2:299 و 301 ح 103 و 110. [1]
.و في السير:أن عروة بن الزبير كان يكنّي الحجّاج بابن المتمنية.لان امّه الفريعة هي الّتي قالت:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟
و في(العقد):شتم الحجّاج أنس بن مالك.فكتب إلى عبد الملك يشكوه فكتب عبد الملك إلى الحجّاج إنّك عبد طمّت بك الامور.فطغيت و علوت فيها حتّى جزت قدرك،و عدوت طورك،و أيم اللّه يا ابن المستفرمة بعجم زبيب الطائف لأغمزنّك كبعض غمزة الليوث للثعالب،و لاركضنك ركضة تدخل منها في و جارك.اذكر مكاسب آبائك إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، و يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم.فقد نسيت ما كنت عليه أنت و آباؤك من الدناءة و اللوم و الضراعة،فعليك لعنة اللّه من عبد أخفش العينين،أصل الرجلين،ممسوح الجاعرتين-إلى أن قال-.
فقال الحجّاج لأنس:عجّلت باللائمة،و أغضبت علينا الخليفة ثمّ أخذ بيده فأجسله معه على السرير فقال أنس:إنّك كنت تزعم أنّا الأشرار،و اللّه سمّانا الأنصار و قلت:إنّا من أبخل الناس و اللّه يقول فينا: «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى»
1) 1)
«أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» (1)
الحشر:9. [1]
و زعمت أنّا أهل نفاق،و اللّه تعالى يقول فينا: «وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا» (2).قلت:و معنى اصل الرجلين كون رجليه دقيقتين و أصل بالتحريك جمع أصلة حيّة خبيثة.
و في(الأغاني):استعمل الحجّاج خالد بن عتاب الرياحي على الريّ-و قد كان حلف ألاّ يسبّ أحد امّه إلاّ أجابه كائنا من كان-فكتب إليه الحجّاج يا ابن اللخناء!أنت الّذي هربت عن أبيك حتّى قتل،فكتب خالد إلى الحجّاج:«كتبت إلىّ تلخّنني و تزعم أنّي فررت عن أبي حتّى قتل،و لعمري لقد فررت عنه،و لكن بعد أن قتل،و حين لم أجد لي مقاتلا،و لكن أخبرني عنك يا ابن اللخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائف حين فررت أنت و أبوك يوم الحرّة على جمل ثفال»ثمّ هرب إلى الشام و استجار بزفر بن الحرث الكلابي.
و في(معارف ابن قتيبة):كان اسمه كليب،و كان معلم الصبيان بالطائف و فيه قال الشاعر:
أ ينسى كليب زمان الهزال و تعليمه سورة الكوثر
رغيف له فلكة ما ترى و آخر كالقمر الأزهر
قال ذلك لأنّ خبز المعلّمين من بيوت مختلفة.و نقل مثله(العقد):و زاد ثمّ لحق بروح بن زنباع وزير عبد الملك،فكان في عديد شرطه إلى أن شكا عبد الملك ما رأى من انحلال العسكر،و أنّ الناس لا يرحلون برحيله،و لا ينزلون بنزوله.فقال له روح:إنّ في شرطتي رجلا لو قلّدته أمر عسكرك
لأرحلهم برحيله و انزلهم بنزوله يقال له الحجّاج بن يوسف.قال:فانا قلّدناه ذلك.فكان لا يقدر أحد أن يتخلّف عن الرحيل و النزول الاّ أعوان روح.فوقف عليهم يوما،و قد رحل الناس و هم على طعام يأكلون.فقال لهم:ما منعكم أن ترحلوا برحيل الخليفة:فقالوا له:انزل يا ابن اللخناء فكل معنا.فقال لهم:
هيهات ذهب ما هنا لك ثمّ أمر بهم.فجلّدوا بالسياط،و طوّفهم في العسكر، و أمر بفساطيط روح فاحرقت،فدخل روح على عبد الملك باكيا.فقال له:ما لك؟ فقال له:الحجّاج الّذي كان في عديد شرطتي ضرب عبيدي،و أحرق فساطيطي.قال:عليّ به.فلمّا دخل عليه قال له:ما حملك على ما فعلت؟قال:ما أنا فعلته.قال:و من فعله؟قال:أنت و اللّه فعلت إنّما يدي يدك و سوطي سوطك، و ما على الخليفة أن يخلف على روح لفسطاط فسطاطين،و لغلام غلامين،و لا يكسرني في ما قدّمني له،فأخلف لروح ما ذهب منه،و تقدّم الحجّاج في منزلته،و كان ذلك أوّل ما عرف من كفايته (1)
العقد الفريد 5:255،و [1]المعارف:548،و [2]النقل بتصرف يسير.
.و في(المعارف):هلك الحجّاج بواسط فدفن بها،و عفّي قبره،و أجري عليه الماء (2).
«و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره»لا بد أنّ المصنّف أراد بحديثه أحد الوجوه المتقدّمة المنقولة في كلام ابن أبي الحديد.
الخطبة(96)
و من كلام له عليه السلام:
وَ اللَّهِ لاَ يَزَالُونَ- حَتَّى لاَ يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلاَّ اسْتَحَلُّوهُ- وَ لاَ عَقْداً إِلاَّ
حَلُّوهُ- وَ حَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لاَ وَبَرٍ- إِلاَّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ- وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ- بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ- وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ- وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ- كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ- إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ- وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ- وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً- فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا- وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا- فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ أقول:رواه إبراهيم الثقفي في( غاراته إبراهيم الثقفي-الغارات-ج 2 ص 487 ) (1)
الغارات 2:487. [1]
،و قد وقع الأمر كما أخبر عليه السلام .«و اللّه لا يزالون حتّى لا يدعوا للّه محرّما إلاّ استحلّوه» في(الأغاني):قتل خداش الكندي-و كان عاملا لخالد القسري-غلاما فطولب خالد بالقود منه.
فقال:لئن أقدت من عاملي لأقيدنّ من نفسي،و لئن أقدت من نفسي ليقيدنّ الخليفة من نفسه،و لئن أقاد الخليفة من نفسه ليقيدنّ النبيّ من نفسه،و لئن قاد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من نفسه هاه هاه-يعرّض باللّه تعالى.
فيه:و كان خالد القسري يقول:لو أمرني الخليفة لنقضت الكعبة حجرا حجرا و نقلتها إلى الشام-و كانت أمّه نصرانية-فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة الجامع بالكوفة فكان إذا أراد المؤذّن أن يؤذّن ضرب لها بالناقوس،و إذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم،و كان يولّي النصارى، و المجوس على المسلمين،و يأمرهم بامتهانهم و ضربهم،و كان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات و يطئوهن،فيطلق لهم ذلك،و لا يغيّر عليهم و صعد المنبر فقال:إلى كم يغلب باطلنا حقكم؟!أما آن لربّكم أن يغضب لكم؟! و كان يسمّي زمزم:أم الجعلان (2).
و في كتاب(عبّاسية الجاحظ):«تفخر هاشم عليهم(أى على بني امية) بأنّهم لم يهدموا الكعبة فلم يحوّلوا القبلة و لم يجعلوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون الخليفة،و لم يختموا في أعناق الصحابة،و لم يغيّروا أوقات الصلاة و لم ينقشوا أكفّ المسلمين،و لم يأكلوا الطعام،و لم يشربوا على منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لم ينهبوا الحرم،و لم يطئوا المسلمات في دار الاسلام بالسباء» (1)
رواه الجاحظ في مفاخرة هاشم و امية،عنه شرح ابن أبي الحديد 3:477، [1]شرح الكتاب 28،لا العباسية.
.و في كتاب(افتراق هاشم،و عبد شمس)للجاحظ:«قال ابن أبي رؤبة الدباس:كان بنو اميّة في ملكهم يؤذّنون،و يقيمون في العيد،و يخطبون قبل الصلاة،و كانوا في ساير صلواتهم لا يجهرون بالتكبير في الركوع و السجود، و كان لهشام خصيّ إذا سجد،و هو يصلّي في المقصورة،قال:لا إله إلاّ اللّه ليسمع الناس فيسجدون،و كانوا يقعدون في إحدى خطبتي العيد،و الجمعة، و رأى كعب مروان يخطب و هو قاعد.فقال:انظروا إلى هذا و اللّه يقول:
«وَ تَرَكُوكَ قائِماً» (2)و أوّل من قعد في الخطب معاوية،و أوّل من أذّن و أقام في العيد بشر بن مروان،و كان عمّال بني اميّة يأخذون الصدقة من الخليل، و ربما دخلوا دارا الرجل قد نفق فرسه أو باعه فإذا أبصروا الأخبية قالوا:قد كان هاهنا فرس فهات صدقتها،و كانوا يؤخّرون صلاة الجمعة تشاغلا عنا بالخطبة،و يطيلون فيها إلى أن يتجاوز وقت العصر،و تكاد الشمس تصفرّ.
فعل ذلك الوليد بن عبد الملك،و يزيد بن عبد الملك و الحجّاج،و وكّل بهم الحجّاج و السيوف على رؤوسهم فلا يستطيعون،أن يصلّوا.
و فيه:خطب الحجّاج فذكر الّذين يزورون قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:تبّا لهم إنّما يطوفون بأعواد و رمّة بالية هلاّ طافوا بقصر الخليفة عبد الملك؟ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟و كان الوليد بن يزيد يصلّى إذا صلّى أوقات إفاقته إلى غير القبلة فقيل له فقرأ: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» (1)
البقرة:115. [1]
.و فيه:و كانت بنو اميّة تبيع الرجل في الدين يلزمه،و ترى أنّه بذلك يصير رقيقا.كان معن-أبو عمير بن معن الكاتب-حرّا مولى لبني العنبر.
فبيع في دين عليه فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العتكي.و باع الحجّاج عليّ بن بشير بن الماخور-لكونه قتل رسول المهلب-على رجل من الأزد، و كانوا يسبّون ذراري الخوارج من العرب و غيرهم.فلمّا قتل قريب و زحاف الخارجيان سبى زياد ذراريهما.فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما و أعطى عباد ابن حصين الاخرى،و سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري،و بنت لقطري بن الفجاءة المازني.فصارت إلى العبّاس بن الوليد.
فوطأها بملك اليمين.فولدت له المؤمل،و محمّدا و إبراهيم و أحمد و حصينا.
و أيضا سبي و اصل بن عمرو القنا و استرقّ،و كذلك سبي سعيد الصغير الحروري و استرقّ،و كانت امّ يزيد بن عمر بن هبيرة من سبي عمّان الّذين سباهم مجاعة.و بايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة،و فيها بقايا الصحابة و صلحاء التابعين على أنّ كلاّ منهم عبد قنّ ليزيد إلاّ عليّ بن الحسين عليه السلام فإنّه بايعه على أنّه أخوه و ابن عمّه (2).
و في(المروج):كان ليزيد قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس
المنادمة،و يطرح له متكأ و كان يحمله على أتان وحشية قد ريضت،و ذلّلت لذلك بسرج و لجام،و يسابق بها الخيل يوم الحلبة.فجاء في بعض الأيام سابقا فتناول القصبة و دخل الحجرة قبل الخيل،و عليه قباء من الحرير الأحمر،و على رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان،و على الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمّع (1)
مروج الذهب 3:67،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و فيه:قرأ الوليد بن يزيد ذات يوم: «وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ» (2)فدعا بالمصحف فنصبه غرضا للنشاب،و أقبل يرميه و هو يقول:
أ توعد كلّ جبّار عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ خرّقني الوليد
فيه:ذكر المبرّد أنّ الوليد ألحد في شعر له:
تلعّب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه و لا كتاب
فقل للّه يمنعني طعامي و قل للّه يمنعني شرابي
فلم يمهل بعد قوله إلاّ أيّاما حتّى قتل (3).
فيه:و غنّاه ابن عائشة بقول الشاعر:
إنّي رأيت صبيحة النحر حورا نفين عزيمة الصبر
و طلب منه اعادته بحقّ آبائه من عبد شمس إليه.فأعاد في كلّ،فقام إليه و أكبّ عليه،و لم يبق عضوا من أعضائه إلاّ قبّله و أهوى إلى أيره فجعل ابن عايشة يضمّ نفسه.فقال الوليد:لا زلت فقبّل رأسه،و قال:و اطرباه و نزع ثيابه.
فألقاها على ابن عايشة،و بقي مجرّدا إلى أن أتوه بثياب،و حمله على بغلة، و قال:اركبها على بساطي.فقد تركتني على أحرّ من جمر الغضى.
قال:و قد كان ابن عائشة غنّى بهذا الشعر أباه يزيد بن عبد الملك، فأطربه و قيل:إنه ألحد،و كان في ما قال لساقيه:اسقنا بالسماء الرابعة (1)
مروج الذهب 3:215. [1]
.و عن(تاريخ الخميس)،و في(الأغاني):وجد الوليد بن يزيد ابنته خالية فبرك عليها و أزال بكارتها.فقيل له:هذا دين المجوس.فأنشد:
من راقب الناس مات غما و فاز باللّذة الجسور (2)
و نكح امّهات أولاد أبيه.و في(رسالة ابن القارح):أنفذ الوليد إلى مكّة بنّاء مجوسيّا ليبني له على الكعبة مشربة.فمات قبل تمام ذلك فكان الحجاج يقولون:لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك يا قاتل الوليد بن يزيد لبّيك.
(أيضا)و كان يشرب على سطح و بين يديه باطية كبيرة بلور فيها أقداح،فقال لندمائه:أين القمر الليلة؟فقال بعضهم في الباطية:فقال:صدقت أتيت على ما في نفسي،و اللّه لأشربن الهفتجة-يعني شرب سبعة أسابيع متتابعة-.فقتل بها قال:و رأيت رأسه في الباطية الّتي أراد أن يهفتج بها (3).
و في(حياة الحيوان للدميري):أذّن للصبح،و كان الوليد يشرب مع جارية له،فوطأها ثمّ ألبسها لباسه،فأخرجها سكرانة جنبة،فصلّت بالناس- و رواه(الأغاني) (4).
و في(تاريخ الطبري):أراد هشام قطع ندماء الوليد عنه فولاّه الحج سنة (119).فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منه صندوق عن البعير،و فيه كلب
فأجالوا على الكريّ السياط.فأوجعوه ضربا،و حمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة،و حمل معه خمرا،و أراد أن ينصب القبة على الكعبة،و يجلس فيها فخوّفه أصحابه،و قالوا:لا نأمن الناس عليك و علينا، و تمادى في الشراب،و طلب اللذّات فأفرط.فقال له هشام:فو اللّه ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا.ما تدع شيئا من المنكر إلاّ أتيته غير متحاش و لا مستتر به -و كان مسلمة بن هشام يكنّى أبا شاكر،و كان يشرب-فكتب إليه الوليد:
يا أيّها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا و ممزوجة بالسخن أحيانا و بالفاتر (1)
تاريخ الطبري 5:520،سنة 125،و [1]النقل بتصرف يسير.
و في(الأغاني):في خروج يزيد على الوليد و إحاطة جنده بقصره قال لهم الوليد،و من راء الباب:أما فيكم رجل شريف اكلّمه.فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي:كلّمني.فقال له الوليد:ما تنقمون منّي؟ألم أزد في أعطياتكم و أعطية فقرائكم،و اخدمت زمناكم،و دفعت عنكم المؤن؟فقال:ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا،و لكن ننقم عليك انتهاك ما حرّم اللّه،و شرب الخمور، و استخفافك بأمر اللّه-إلى أن قال-قال عمر الوادي:كنت اغنّي الوليد:
كذبتك نفسك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
فما أتممت الصوت حتّى رأيت رأسه فارق بدنه،و يتشحط في دمه (2).
و في(كشف المحدّث النوري)في كتاب القاضي ابن أبي يعلى،قال ابن حنظلة غسيل الملائكه:و اللّه ما خرجنا على يزيد بن معاوية حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء أنّ رجلا ينكح الامّهات و البنات و الأخوات-ثمّ ذكر قذفه الكعبة بالمجانيق في محاصرة ابن الزبير،و احراقه البيت و احراق
قرني الكبش الّذي فدى اللّه به إسماعيل و كانا في السقف.
و عن المدائني في(كتاب الحرّة)عن أبي هريرة قال هشام بن حسان:
ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج.قال:و رأيت في تاريخ عبد الملك العصامي أنّ رجلا من أهل الشام وقع على امرأة في المسجد النبوي و لم يجد خرقة ينظف بها،و وجد ورقة من القرآن فنظّف نفسه بها (1)
كشف الاستار:88-89. [1]
.و في(معارف القتيبي):لمّا قال المسوّر بن مخرمة:إنّ يزيد يشرب الخمر،و بلغه ذلك كتب إلى أمير المدينة أن يجلده الحدّ.فجلده.فقال المسور:
أ يشربها صرفا يفكّ ختامها أبو خالد أو يجلد الحدّ مسور (2)
و قال ابن عرادة في يزيد وقت موته:
طرقت منيته و عند وساده كوب و زقّ راعف مرثوم
و مرّتة تبكي على نشوانة بالصنج تقعد تارة و تقوم
و في(تاريخ الطبري)قال من كان مع قحطبة:ما رأيت عسكرا قط جمع ما جمع أهل الشام باصبهان من الخيل و السلاح و الرقيق.كنّا افتتحنا مدينة و أصبنا معهم ما لا يحصي من البرابط و الطنابير و المزامير،و لقلّ بيت أو خباء ندخله إلاّ أصبنا فيه زكرة أو زقا من الخمر.فقال بعض الشعراء:
قرضبهم قحطبة القرضب يدعون مروان كدعوى الرب (3)
و فيه:جاء رجل إلى سمرة-و كان على البصرة من قبل معاوية-فأدّى زكاة ماله ثمّ دخل فجعل يصلّي في المسجد.فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد و بدنه ناحية.فمرّ أبو بكرة فقال:يقول اللّه سبحانه
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى» (1)
الاعلى:14-15. [1]
فما مات سمرة حتّى أخذه زمهريرة فمات شرّ ميتة.و أتي(سمرة)بناس كثير و اناس بين يديه.فيقول للرجل ما دينك؟فيقول«أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أني بريء من الحرورية»فيقدّم فيضرب عنقه حتّى مرّ بضعة و عشرون (2).فيه:استخلف زياد سمرة على البصرة،و أتى الكوفة فجاء زياد و قد قتل ثمانية آلاف من الناس.فقال له:هل تخاف أن تكون قتلت بريئا؟قال:لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت،و قال أبو سوار العدوي:قتل سمرة من قومي في غداة سبعة و أربعين رجلا قد جمع القرآن (3).
في(الأغاني):لمّا ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء و الشراب،و حمل المغنّين اليه و ارسل إلى اشعب فجاءوا به فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب فلما رآه الوليد كشف عن أيره،و كان كأنّه مزمار مدهون.فقال:أرأيت مثله قال:لا قال:فاسجد له.فسجد ثلاثا.فقال:ما هذا؟فقال واحدة له و ثنتين لخصييك،فضحك و أمر له بجائزة،و لمّا ولي بعث إلى جماعة من أهله.فقال:
أ تدرون لم دعوتكم؟قالوا:لا قال:
أشهد اللّه و الملائكة الأبرار و العابدين الصلاح
أنّني اشتهي السماع و شرب الكأس و العض للخدود الملاح
و النديم الكريم و الخادم الفاره يسعى عليّ بالاقداح
قوموا إذا شئتم.
و فيه لمّا أقبل الوليد على القصف و العسف مع المغنّين مثل مالك و معبد و ابن عائشة كان نديمه القاسم بن الطويل العبادي-و كان أديبا شاعرا.فكان لا يصبر عنه-فغنّاه معبد ذات يوم شعر عدي فطرب،و جعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر.فنام في موضعه فانصرف ابن الطويل.فلمّا أفاق الوليد سأل عنه.فلمّا عرف انصرافه غضب و قال-و هو سكران-لغلام كان واقفا على رأسه:إيتني برأسه.فمضى،و أتاه به فجعله في طست بين يديه.فلمّا رآه، أنكره،و سأل عن الخبر.فعرّف،فندم على ما فرط منه،و لم يعش بعده إلاّ مديدة حتّى قتل.
و في(تاريخ الطبري)-في خروج بهلول الملقب كثارة في زمن هشام- خرج،بهلول يريد الحج.فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم فجاءه بخمر فأمر الغلام بردها،و أخذ الدرهم فلم يجب.فجاء إلى عامل القرية فقال له العامل «الخمر خير منك و من قومك»فعزم على الخروج.فلقي بمكّة من كان على مثل رأيه فاجتمعوا في قرية من الموصل،و هم أربعون و أمّروه فانتهوا إلى القرية الّتي ابتاع غلامه الخل فأعطوه الخمر.فقال:نبدأ بهذا العامل الّذي قال ما قال.
فقالوا:ننشدك اللّه أن لا تقتل هذا فيفلت منا خالد القسري الّذي يهدم المساجد، و يبنى البيع و الكنائس،و يولّي المجوس على المسلمين،و ينكح أهل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح اللّه منه (1)
تاريخ الطبري 5:457،سنة 119،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و فيه:ذكر الوليد عند المنصور فقال له،ابو بكر الهذلي عن ابن عم الفرزدق عنه قال:حضرت الوليد و عنده ندماؤه،و قد اصطبح،فقال لابن عائشة:تغنّ بشعر ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
1) 1)
و قتلنا الضعف من ساداتهم و عدلنا ميل بدر فاعتدل
فقال ابن عائشة:لا اغنّي هذا.فقال:غنّه و إلاّ جدعت لهواتك.فغنّاه.فقال:
«أحسنت و اللّه إنّي لعلى دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر»فلعنه المنصور و جلساؤه (1)
تاريخ الطبري 6:337،سنة 158. [1]
.و في(رسالة ابن القارح):الوليد هو القائل:
إذا مت يا امّ الحنيكل فانكحى و لا تأملي بعد الفراق تلاقيا
فإنّ الّذي حدثته من لقائنا أحاديث طسم تترك العقل واهيا (2)
و في(الأغاني):غنّى أبو كامل الوليد بن يزيد له:
أدر الكأس يمينا لا تدرها ليسار فلقد أيقنت أنّي غير مبعوث لنار
سأروض الناس حتّى يركبوا أير الحمار و ذروا من يطلب الجنة يسعى لتبار
و فيه:تكلّم بعض جلساء الوليد و المغنيّة تغنّيه.فكره ذلك،و أضجره فقال لبعض جلسائه:قم فنكه.فقام فناكه و الناس حضور و هو يضحك.
و فيه:عن الوليد البندار قال:حججت مع الوليد بن يزيد.فلمّا أراد أن يخطب الناس قلت:إنّ اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق،و اريد أن تشرفني بشيء.قال:و ما هو؟قلت:إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك و بأنّك أسررت إليّ شيئا.فقال:أفعل.فلمّا جلس على المنبر قال:يا بندار.
فقمت إليه فأخذ باذني ثمّ قال:البندار ولد زنا،و الوليد ولد زنا،و كلّ من ترى حولنا ولد زنا أفهمت؟انزل الآن.
«و لا عقدا الاّ حلّوه» في(خلفاء القتيبي):بعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير.فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكّة،و هم كارهون للخروج.فقال لهم:إما أن تأتوا ببدل،و إما أن تخرجوا.فجاءه رجل ببدل،و قال لبدله:هل لك أن أزيدك خمسمائة اخرى،و تنكح امّك؟فقال له:أما تستحي.فقال:إنّما حرّمت عليك امك في مكان واحد من القرآن،و حرّمت عليك الكعبة في كذا و كذا مكان من القرآن،و قال لعمرو:قد جئتك برجل لو أمرته.أن ينكح امّه لنكحها (1)
الامامة و السياسة 2:3،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و حتّى لا يبقى بيت مدر» أي:بلد.
«و لا وبر» أي:أهل الخيام .
«إلاّ دخله ظلمهم،و نبا به» في(الصحاح):«نبا بفلان منزله:إذا لم يوافقه» (2).
«سوء رعيهم» في(أنساب البلاذري):كان يقال:لاياد الطبق لإطباقهم بالشر و العرام على الناس... (3)قال الفرزدق مخاطبا للوليد بن عبد الملك كما في ديوانه:
فكيف بعامل يسعى علينا يكلّفنا الدراهم في البدور
و أنّي بالدراهم و هي منّا كرافع راحتيه إلى العبور
إذا سقنا الفرائض لم يردها و صدّ عن الشويهة و البعير (4)
«و حتّى يقوم الباكيان يبكيان» هكذا في(المصرية)،و(يبكيان)زائدة
لعدم وجوده في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 2:186،و شرح ابن ميثم 2:409. [1]
،و للغويته .«باك يبكي لدينه» في(تاريخ الطبري):ذكر ضمرة بن ربيعة عن أبي شوذب أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه أنّ الخراج قد انكسر،و أنّ أهل الذمة قد أسلموا و لحقوا بالأمصار.فكتب إلى البصرة و غيرها،أنّ من كان له أصل في قرية فليخرج إليها فخرج الناس فعسكروا.فجعلوا يبكون و ينادون يا محمّداه يا محمّداه،و جعلوا لا يدرون أين يذهبون.فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين فيبكون لما يسمعون منهم و يرون (2).
«و باك يبكي لدنياه» في(تاريخ الطبري)-في هزيمة ابن الأشعث بمسكن-و جعل الحجّاج يقتل من وجد منهم حتّى قتل أربعة آلاف،فيقال:إنّ في من قتل عبد اللّه بن شداد بن الهاد،و بسطام بن مصقلة بن هبيرة،و عمرو بن ضبيعة الرقاشي،و بشر بن المنذر بن الجارود العبدي،و الحكم بن مخرمة العبدي و بكير بن ربيعة الضبي.فاتي الحجّاج برءوسهم على ترس-إلى أن قال-.
قال الحجّاج:يا غلام ضع هذا الترس بين يدي مسمع بن مالك.فوضع بين يديه.فبكى.فقال له الحجّاج:ما أبكاك؟أحزنا عليهم؟قال:بل جزعا عليهم من النار (3).
و في(خلفاء القتيبي):مكث النوح على أهل الحرّة سنة لا يهدءون و أمسكوا عن لبس المصوغ (4)،و في ديوان الفرزدق مخاطبا للوليد:
فلو سمع الخليفة صوت داع ينادي اللّه هل لي من مجير
و أصوات النساء مقرنات و صبيان لهن على الحجور (1)
ديوان الفرزدق 1:285.
«و حتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده إذا شهد أطاعه، و إذا غاب اغتابه» في(العقد):أراد الحجّاج الحجّ.فقال:يا أهل العراق!استعملت عليكم ابني،و قد أوصيته خلاف وصية النبيّ بالأنصار ألاّ يقبل من محسنكم، و لا يتجاوز عن مسيئكم،و قد علمت أنّي إذا ولّيت عنكم تقولون:لا أحسن اللّه له الصحابة،و أنا أعجّل لكم الجواب لا أحسن اللّه عليكم الخلافة (2).
و في(تاريخ الطبري):اتي مسلم بن عقبة بيزيد بن وهب بن زمعة.فقال:
بايع قال:على سنّة عمر.قال:اقتلوه.قال:أنا ابايع.قال:لا و اللّه لا اقيلك عثرتك:
فكلّمه مروان لصهر كان بينهما.فأمر بمروان فوجئت عنقه ثمّ قال:بايعوا على أنّكم خول ليزيد ثم أمر به فقتل (3).
«و حتى يكون أعظمكم فيها عناء» أي:تعبا.
«أحسنكم باللّه ظنّا» الظاهر أنّ المراد بهم شيعته عليه السلام،و روى المدائني:
أنّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته (4).
«فإن أتاكم اللّه بعافية فاقبلوه» في(تاريخ الطبري):أنّ أهل العراق لمّا بايعوا ابن الأشعث،و خلعوا عبد الملك لاستعمال الحجّاج عليهم بعث إليهم عبد الملك أن ينزع عليهم الحجّاج،و أن يجري عليهم اعطياتهم كأهل الشام، فاجتمع الرؤساء عند ابن الأشعث فقال لهم:اعطيتم اليوم أمرا انتهازكم له فرصة،و لا آمن أن يكون غدا عليكم حسرة،إنّكم اليوم على النصف.فإن
كانوا اعتدّوا بيوم الزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر،فاقبلوا ما عرضوا عليكم و أنتم أعزّاء أقوياء،و القوم لكم هائبون و أنتم لهم منتقصون.فلا و اللّه لا زلتم عليهم جرّاء،و لا زلتم عندهم أعزاء ما بقيتم إن كنتم قبلتم ما عرضوا عليكم.فوثبوا من كلّ جانب،و قالوا:لا و اللّه لا نقبل،و أعادوا خلعه ثانية (1)
تاريخ الطبري 5:157،سنة 82،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و إن ابتليتم فاصبروا.فإنّ العاقبة للمتقين» «قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (2)«فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» (3)«تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (4).
من الخطبة(121)
منه:
وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ- تَكِشُّونَ كَشِيشَ الضِّبَابِ- لاَ تَأْخُذُونَ حَقّاً وَ لاَ تَمْنَعُونَ ضَيْماً- قَدْ خُلِّيتُمْ وَ الطَّرِيقَ- فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ وَ الْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ أقول:رواه المفيد في( إرشاده الشيخ المفيد-الارشاد-ص 146 )و ابن قتيبة في( خلفائه ابن قتيبة-الامامة و السياسة-ج 1 ص 152 )جزء خطبة طويلة ففي الأوّل-من كلامه عليه السلام في استبطاء من قعد عن نصرته:«ما اظن هؤلاء القوم-يعني أهل الشام-إلاّ ظاهرين عليكم».فقالوا له عليه السلام:بماذا يا أمير المؤمنين؟فقال«أرى امورهم قد علت،و نيرانكم قد خبت،و أراهم جادّين، و أراكم وانين،و أراهم مجتمعين،و أراكم متفرّقين،و أراهم لصاحبهم مطيعين،و أراكم لي عاصين.
أم و اللّه لئن ظهروا عليكم لتجدنّهم أرباب سوء من بعدي لكم.كأنّي أنظر إليهم،و قد شاركوكم في بلادكم،و حملوا إلى بلادهم فيأكم،و كأنّي أنظر إليكم تكشّون كشيش الضباب،لا تأخذون حقّا و لا تمنعون للّه حرمة،و كأنّي أنظر إليهم يقتلون صالحيكم،و يخيفون قرّاءكم،و يحرمونكم و يحجبونكم، و يدنون الناس دونكم فلو قد رأيتم الحرمان و الأثرة،و وقع السيوف و نزول الخوف لقد ندمتم و حسرتم على تفريطكم في جهادكم،و تذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الخفض و العافية حين لا ينفعكم التذكار».
و مثله في الثاني-و زاد-فقال الناس:قد علمنا يا أمير المؤمنين إنّ قولك كلّه و جميع لفظك يكون حقّا أ ترى معاوية يكون علينا أميرا؟فقال:«لا تكرهوا إمرة معاوية فإنّ إمرته سلم و عافيه.فلو مات رأيتم الرءوس تندر عن كهولها كأنّها الحنظل و عدا كان مفعولا» (1)
الارشاد:146،و [1]الامامة و السياسة 1:152. [2]
.قول المصنّف:«منها»هكذا في(المصرية)بمعنى أنّه جزء عنوان قبله «و من كلام له عليه السلام قاله لأصحابه في ساعة الحرب»و هو غلط،فقد عرفت أنّ هذا جزء خطبة خطبهم عليه السلام في تقريعهم من وهيهم في امورهم مع أنّه لو كان أراد جعله جزء قبله لقال «منه» لأنه قال قبله«و من كلام»لا«و من خطبة» و الصواب:كونه عنوانا مستقلا،و أنّ الأصل«و من كلام له عليه السلام»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2).
قوله عليه السلام : «و كأنّي أنظر إليكم تكشّون كشيش الضباب» في ( النهاية -النهاية-ج 4 ص 176،مادة(كشش) ):كشيش الأفعى:صوت جلدها إذا تحركت،و ليس صوت فمها فإنّ ذلك فحيحها،و منه حديث عليّ عليه السلام «كأنّي أنظر إليكم
تكشّون كشيش الضباب» (1)
النهاية 4:176، [1]مادة(كشش).
.و في(الجمهرة):كشّ البكر يكشّ كشّا و كشيشا و هو دون الهدر، و الكشّ لاقبال الإبل.قال الراجز رؤبة«هدرت هدرا ليس بالكشيش»،و كشّت الأفعى كشّا و كشيشا إذا حكّت بعض جلدها ببعض قال الراجز:
كأنّ بين خلفها و الخلف كشّة أفعى في يبيس قفّ
أي:يابس،و من زعم أنّ الكشيش صوتها من فيها.فهو خطأ:فإنّ ذلك الفحيح من كلّ حيّة،و الكشيش للأفعى خاصة-إلخ- (2)و قوله«و الكشيش للأفعى خاصة»أي:ليس لكلّ حيّة،لا أنّه ليس لغير الأفعى كشيش مع أنّ الضباب شبيهة به.
و الضباب:جمع الضب،و هو معروف،و عن بعضهم الضب على حدّ فرخ التمساح الصغير،و ذنبه كذنبه،و هو يتلوّن ألوانا بحرّ الشمس كالحرباء.
قيل لذكر الضب ذكران،و لانثاه فرجان،و إنّه لا يخرج من جحره في الشتاء.
قال اميّة بن أبي الصلت«إذا ما الضب أجحره الشتاء»و يوصف بالعقوق قال الشاعر:
أكلت بنيك أكل الضب حتّى تركت بنيك ليس لهم عديد
و أنّه يرجع في قيئه كالكلب،و يأكل رجيعه،و هو طويل الدم بعد الذبح و يقال:إنّه يمكث بعد الذبح ليلة،و يلقى في النار،فيتحرك و يخرج من جحره كليل البصر.فيجلو بالتحدق للشمس،و يغتذي بالنسيم،و برد الهواء عند الهرم و يؤوي العقرب في جحره لتلسع المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه قال:
و أخدع من ضبّ إذا جاء حارش أعدّ له عند الذبابة عقربا
و عن(كتاب ليس)لابن خالويه:الضب لا يشرب الماء و يعيش سبعمائة سنة فصاعدا و يقال إنّه يبول في كلّ أربعين يوما قطرة،و لا تسقط له سنّ، و يقال إنّ أسنانه قطعة واحدة و لا يتخذ جحره إلاّ في كدية حجر،و لذا تكون براثنه كليلة من حفره في الصلبة (1)
هذا سياق الدميري في حياة الحيوان 2:77 و 78،و [1]صدر هذا الكلام فقط رواه عن كتاب ليس لابن خالويه.
.و في الحديث أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لامّته:و الّذي نفسي بيده لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه (2).
و المراد من قوله عليه السلام: «تكشّون كشيش الضباب» أنّكم لا تقدرون على التكلّم بما يفهم في قبال بني اميّة بل يكون تكلّمكم في شفاهكم بما لا يفهم ككشيش الضباب.و لمّا خطب زياد بالبصرة خطبته البتراء،و قال فيها:«و إنّي اقسم باللّه لآخذن الولي بالولي،و المقيم بالظاعن،و المقبل بالمدبر،و الصحيح منكم بالسقيم حتّى يلقى الرجل منكم الرجل فيقول:انج سعد فقد هلك سعيد» قام أبو بلال يهمس و هو يقول:أنبأ اللّه بغير ما قلت قال تعالى: «وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى» (3)فأوعدنا اللّه يا زياد خيرا ممّا أو عدت .
«لا تأخذون حقّا،و لا تمنعون ضيما» أي:ذلّة،و لقد خرجوا مع ابن الاشعث على الحجّاج لأخذ حقّهم و المنع عن ظلمه.فعجزوا،و لمّا ادخل الشعبي عليه -و كان في من خرج و أسر-قال للحجّاج:إنّ الناس قد أمروني أن اعتذر إليك بغير ما يعلم اللّه أنّه الحقّ،و أيم اللّه لا أقول في هذا المقام إلاّ حقّا.قد و اللّه جهدنا عليك كلّ الجهد.فما ألونا فما كنّا بالأقوياء الفجرة،و لا الأتقياء البررة.
«قد خلّيتم و الطريق» الأصل فيه قوله تعالى: «إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً » (1)
الانسان:3. [1]
.«فالنجاة للمقتحم» يقال:«اقحم أهل البادية»إذا أجدبوا.فدخلوا بلاد الريف .
«و الهلكة للمتلوّم» قال الجوهري:«التلوّم الانتظار و التمكّث» (2)قال تعالى: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (3).قوله عليه السلام في رواية(الإرشاد)و(الخلفاء):«كأنّي أنظر اليهم و قد شاركوكم في بلادكم و حملوا إلى بلادهم فيأكم».
في(تاريخ الطبري):لمّا همّ أهل العراق بالغدر بمصعب قال لهم قيس ابن الهيثم:و يحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم،فو اللّه لئن تطعموا بعيشكم ليصفين عليكم منازلكم.و اللّه لقد رأيت سيّد أهل الشام على باب الخليفة يفرح ان أرسله في حاجة،و لقد رأيتنا في الصوائف واحدنا على ألف بعير،و أنّ الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه و زاده خلفه (4).
و في(الكامل):أنزل الحجّاج بعد هزيمة أهل العراق بدير الجماجم أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها،و هو أوّل من أنزل الجند في بيوت غيرهم (5).
قوله عليه السلام أيضا:«و كأنّي أنظر إليهم يقتلون صالحيكم»فقتل معاوية من صالحيهم حجر بن عدي،و قتل الحجّاج منهم سعيد بن جبير.
ففي(تاريخ الطبري):قالت عائشة لمعاوية:أما خشيت اللّه في قتل حجر
و أصحابه؟قال:لست أنا قتلتهم.إنّما قتلهم من شهد عليهم.قالت عائشة:أما و اللّه أن كان ما علمت مسلما حجاجا معتمرا.
و فيه:لمّا كتب زياد شهادة شريح بن هاني بإباحة دم حجر كتب شريح إلى معاوية أنّ زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي،و أنّ شهادتي على حجر أنه ممّن يقيم الصلاة،و يؤتي الزكاة،و يديم الحج و العمرة،و يأمر بالمعروف،و ينهى عن المنكر،حرام الدم و المال.فإن شئت فاقتله،و إن شئت فدعه.
و فيه:قال الحسن البصري:أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة-و عدّ منها قتله حجرا-و قال:ويلا له من حجر و أصحاب حجر مرّتين.
و فيه:قال حجر لمن حضره من أهله لمّا قتله معاوية بمرج عذراء:لا تطلقوا عنّي حديدا و لا تغسلوا عنّي دما فإنّي الاقي معاوية غدا على الجادة، و كان ابن سيرين إذا سئل عن الشهيد يغسّل؟حدّثهم حديث حجر،و يقول بلغنا أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت و يقول:يومي منك يا حجر طويل (1)
تاريخ الطبري 4:190 و 203 و 208،سنة 51. [1]
.و فيه:لمّا اتي الحجّاج بسعيد بن جبير و هو يريد الركوب،و قد وضع إحدى رجليه في الغرز أو الركاب.فقال:و اللّه لا أركب حتّى تبوّأ مقعدك من النار اضربوا عنقه.فالتبس الحجّاج عقله مكانه فجعل يقول«قيودنا قيودنا» فظنوا أنّه قال القيود الّتي على سعيد بن جبير.فقطعوا رجليه من انصاف ساقيه،و أخذوا القيود،و قالوا لم يلبث الحجّاج بعد سعيد إلاّ نحوا من أربعين.
فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه.فيقول يا عدوّ اللّه فيم قتلتني؟
1) 1)
فيقول الحجّاج:«ما لي و لسعيد»،و قالوا:لمّا قتل سعيدا فندر رأسه هلّل ثلاثا (1)
تاريخ الطبري 5:262،سنة 94،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قوله عليه السلام أيضا«و يخيفون قرّاءكم»لمّا قتل جبلة بن زجر من رؤساء القرّاء في جيش ابن الأشعث نادى أهل الشام:يا أعداء اللّه!قد هلكتم و قتل طاغوتكم و لمّا جيء برأسه إلى الحجّاج حمله على رمحين،و قال:يا أهل الشام!أبشروا فهذا أوّل الفتح.
و فيه:عن كثير بن عبد اللّه الشعبي قال:لمّا زحفنا قبل الحسين عليه السلام خرج الينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح.فقال:يا أهل الكوفة!نذار لكم من عذاب اللّه نذار،انّ حقّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم،و نحن حتّى الآن إخوة و على دين واحد، و ملّة واحدة ما لم يقع بيننا و بينكم السيف،و أنتم للنصيحة منّا أهل.
فإذا وقع السيف انقطعت العصمة،و كنّا امّة و أنتم امّة.إنّ اللّه قد ابتلانا و إيّاكم بذريّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لينظر ما نحن و أنتم عاملون.
إنّا ندعوكم إلى نصرهم،و خذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد.فإنكم لا تدركون منهما عمر سلطانهما إلاّ سوء،ليسملان أعينكم، و يقطعان أيديكم و أرجلكم،و يمثّلان بكم،و يرفعانكم على جذوع النخل،و يقتلان أماثلكم،و قرّاءكم أمثال حجر بن عدي و أصحابه، و هانئ بن عروة و أشباهه»قال:فسبوه،و أثنوا على عبيد اللّه و دعوا له و قالوا:و اللّه لا نبرح حتّى نقتل صاحبك و من معه،أو نبعث به و بأصحابه إلى عبيد اللّه سلما... (2).
من الخطبة(156)
منها:
فَعِنْدَ ذَلِكَ لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لاَ وَبَرٍ- إِلاَّ وَ أَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً وَ أَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً- فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَبْقَى لَكُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ- وَ لاَ فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ- أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ- وَ سَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ- مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ- مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ وَ مَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ- وَ لِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَ دِثَارِ السَّيْفِ- وَ إِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَ زَوَامِلُ الْآثَامِ- فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ- لَتَنْخَمَنَّهَا؟أُمَيَّةُ؟ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ- ثُمَّ لاَ تَذُوقُهَا وَ لاَ تَتَطَعَّمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً- مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ «فعند ذلك لا يبقى بيت مدر و لا وبر إلاّ و أدخله الظلمة ترحة» أي:حزنا .
«و أولجوا» أي:ادخلوا.
«فيه نقمة» أي:مكروها،و الكلام نظير ما مر في العنوان(21)«و حتّى لا يبقى بيت مدر،و لا وبر إلاّ دخله ظلمهم و نبا به سوء رعيهم» (1)
مرّ في العنوان(21)من هذا الفصل و الحديث في نهج البلاغة 1:190،الخطبة 96.
و بيت مدر و وبر كناية عن الجميع لأنّ الناس رجلان ذو بيت مدر،و ذو بيت وبر،بل لم يبقوا بيتا شريفا،و لا مكانا منيفا إلاّ و أدخلوا بسببه على الناس ترحة و نقمة.فهدموا الكعبة مرّتين و استخفّوا بمسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجعلوه مربط خيولهم .
«فيومئذ لا يبقى لكم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لهم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)و لأنّ الخطاب للناس لا لبني اميّة.
«في السماء عاذر» لتجاوزهم في العتوّ و الطغيان .
«و لا في الأرض ناصر» لوصول أذاهم إلى البرّ و الفاجر.
و ورد مثله في معاوية خاصة كما ورد في بني اميّة عامة.ففي(مقاتل أبي الفرج)بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قلت للحسن عليه السلام:أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة،و سلّمت الأمر إلى اللعين ابن اللعين ابن آكلة الاكباد و معك مئة ألف كلّهم يموت دونك،و قد جمع اللّه لك أمر الناس.فقال:يا سفيان!إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به،و إنّي سمعت عليّا عليه السلام يقول:
سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:لا تذهب الليالي و الأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السرم،ضخم البلعوم،يأكل و لا يشبع،لا ينظر اللّه إليه،و لا يموت حتّى لا يكون له في السماء عاذر،و لا في الأرض ناصر،و انّه لمعاوية -إلى أن قال-.
قال عليه السلام:أبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليه السلام يقول سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:يرد عليّ الحوض أهل بيتي،و من أحبّهم من امّتي كهاتين -يعني السبابتين-أو كهاتين-يعني السبابة و الوسطى-احدهما تفضل على الاخرى،أبشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البر و الفاجر حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله (1)
مقاتل الطالبيين:44. [1]
.«أصفيتم بالأمر غير أهله،و أوردتموه غير مورده» هكذا في(المصرية) و الصواب:(غير ورده)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)، و إصفاؤهم بالأمر غير أهله لأنّ أهل الأمر إنّما كانوا أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،و إيرادهم الأمر غير ورده
لكونه عليه السلام مع المعصومين من عترته أهل الذكر الّذين قال تعالى: «نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1)
الانبياء:7. [1]
و اولى الأمر الّذين قال تعالى: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (2)و المراد أنّ اللّه تعالى سلّط عليهم بني اميّة بفعلهم يوم السقيفة حيث تركوه عليه السلام، و اعترف بذلك ابن عمر لمّا رأى مروان على منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع إنكاره على سلمان يوم السقيفة إنكاره عليهم (3).و روى محمّد بن يعقوب في(روضته):أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب بالمدينة فقال:أيها الامّة الّتي خدعت فانخدعت،و عرفت خديعة من خدعها.
فأصرّت على ما عرفت،و اتّبعت أهواءها،و ضربت في عشواء غوايتها،و قد استبان لها الحق فصدّت عنه،و الطريق الواضح فتنكّبته.
أما و الّذي فلق الحبة،و برأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه،و شربتم الماء بعذوبته،و ادّخرتم الخير من موضعه،و أخذتم الطريق من واضحه، و سلكتم من الحقّ نهجه.لتنهّجت بكم السبل،و بدت لكم الأعلام،و أضاء لكم الإسلام.فأكلتم رغدا،و ما عال فيكم عائل،و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد، و لكن سلكتم سبيل الظلام.فأظلمت عليكم دنياكم برحبها،و سدّت عليكم أبواب العلم.فقلتم بأهوائكم و اختلفتم في دينكم.فأفتيتم في دين اللّه بغير علم، و اتبعتم الغواة فأغوتكم،و تركتم الأئمة فتركوكم-إلى أن قال-.
رويدا.عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم،و تجدون وخيم ما اجترمتم و ما اجتلبتم،و الّذي فلق الحبة،و برأ النسمة لقد علمتم أنّي صاحبكم
و الّذي به امرتم.و أنّي عالمكم و الّذي بعلمه نجاتكم،و وصيّ نبيّكم،و خيرة ربكم،و لسان نوركم،و العالم بما يصلحكم.فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم و ما نزل بالامم قبلكم ... (1)
رواه الكليني في الكافي 8:32، [1]ضمن الخطبة الطالوتية.
.«و سينتقم اللّه ممّن ظلم مأكلا بمأكل،و مشربا بمشرب من مطاعم» متعلق بقوله«مأكلا».
«العلقم» يقال للحنظل،و كلّ شيء مرّ علقم .
«و مشارب» متعلق بقوله«و مشربا».
«الصبر» بالفتح فالكسر:دواء مرّ،و لا يسكن إلاّ في ضرورة الشعر.قال الراجز:أمرّ من صبر و مقر و حضض (2).
«و المقر» هو أيضا بالفتح فالكسر و بمعناه.و قال المنصور لأبي مسلم لمّا قتله:
إشرب بكأس كنت تسقي بها أمرّ في الحلق من العلقم
«و لباس» عطف على مأكلا.
«شعار الخوف» و الشعار ما ولى الجسد من اللباس.
«و دثار السيف» و الدثار كلّ ما كان من الثياب فوق الشعار.
و في(المروج):لمّا اتي السفاح برأس مروان بن محمّد-آخر الاموية-قال:الحمد للّه الّذي لم يبق ثاري قبلك و قبل رهطك.ثمّ قال:ما ابالي متى طرقني الموت.قد قتلت بالحسين عليه السلام و بني أبيه من بني اميّة مئتين، و أحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي،و قتلت مروان بأخي ثم تمثل:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم و لا دماؤهم للغيظ ترويني (3)
«و إنّما هم مطايا» جمع المطية،و في(الصحاح):قال الأصمعي:المطية:
الّتي تمطّ في سيرها و هو مأخوذ من المطو:أي:المدّ... (1)
صحاح اللغة 6:2494، [1]مادة(مطا).
قلت:الصواب:أنّ المطية مأخوذ من المطا بمعنى الظهر،أي:ماله ظهر يركب أو يحمل عليه.قال ابن دريد:«المطا الظهر و أصله الواو و يثنى مطوين،و منه اشتقاق المطية» (2)و المد معنى المطط لا المطا.قال ابن دريد:«مطّ الشيء يمطه مطّا إذا مدّه،و منه قولهم مط الرجل حاجبيه،و خده إذا تكبر.و كذلك مطّ أصابعه إذا مدّها،و خاطب بها.و أحسب أنّ التمطي من هذا،و كأنّ أصله التمطط.فقالوا:التمطي كما قالوا تقضي البازي و ما أشبهه... (3)و بالجملة التمطي بمعنى المدّ كما في قوله تعالى: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى» (4)و كما في قول الشاعر في وصف ليل استطالة:
كلّما قلت قد تقضّى تمطّى حالك اللون دامسا يحموما (5)
لا المطية و التمطي قد عرفت كون الأصل فيه التمطط ظاهرا.
«الخطيئات» هكذا في النسخ (6)،و لعل الأصل فيه«الخطايا»فإنه الأنسب بالمطايا.
«و زوامل» جمع الزاملة:بعير يستظهر به الرجل يحمل متاعه،و طعامه عليه تقول:ركب الراحلة و حمل على الزاملة.
«الآثام» بالمدّ جمع الإثم أي:الذنب،و أمّا الاثام بدون المدّ فجزاء الاثم
و كون بني اميّة مطايا الخطايا،و زوامل الآثام أمر معلوم.
و في(المروج):بعث المنصور إلى عبد اللّه بن مروان بن محمّد-و كان في من هرب إلى أرض النوبة فأخذ و حبس-فأحضر من الحبس،و قال له:
قصّ عليّ قصّتك و قصّة ملك النوبة.قال:قدمت إلى النوبة فأقمت بها ثلاثا.
فأتاني ملكها.فقعد على الارض-و قد أعددت له فراشا-فقلت له:ما منعك من القعود على فراشنا؟فقال:لأنّي ملك و حقّ لكلّ ملك أن يتواضع لعظمة اللّه-عزّ و جلّ-إذ رفعه اللّه.ثمّ قال:لم تشربون الخمر،و هي محرّمة عليكم في كتابكم؟ فقلت:اجترأ على ذلك عبيدنا،و أتباعنا.قال:فلم تطئون الزرع بدوابكم و الفساد محرّم عليكم في كتابكم؟فقلت:فعل ذلك عبيدنا،و أتباعنا لجهلهم.
قال:فلم تلبسون الديباج و الحرير و الذهب و هو محرّم عليكم في كتابكم، و دينكم؟فقلت:ذهب منّا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا.
فلبسوا ذلك على الكره منّا.فأطرق إلى الأرض يقلب يده مرة و ينكت في الارض اخرى و يقول:عبيدنا و اتباعنا و اعاجم دخلوا علينا في ديننا ثم رفع راسه.فقال:ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم اللّه،و ركبتم ما عنه نهيتم،و ظلمتم في ما ملكتم.فسلبكم اللّه العزّ و ألبسكم الذلّ بذنوبكم،و للّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم،و أنا خائف أن يحلّ بكم العذاب،و أنتم ببلدي فينالني معكم فتزوّد ما احتجت إليه،و ارحل عن أرضي... (1)
مروج الذهب 3:284،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(عيون القتيبي):قال زيد بن أسلم:رأيت طارقا و هو وال لبعض الخلفاء من بني اميّة على المدينة يدعو بالغداء.فيتغدى على منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يكون فيه العظم الممخّ فينكته على رمانة المنبر فيأكله (2).
«فاقسم ثمّ اقسم لتنخمنّها اميّة من بعدي كما تلفظ النخامة» في(الجمهرة):
«النخاعة،و النخامة واحد و هو ما يطرح الانسان من فيه،و لفظه:أي:رماه من فيه (1)
جمهرة اللغة 2:235. [1]
.في(عيون ابن قتيبة):قال سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي:كنت مع مروان بن محمّد بالزاب.فقال:من هذا الّذي يقاتلني؟قلت:عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس-إلى أن قال-.
فقال:يا ليت عليّ بن أبي طالب في الخيل تقاتلني.إنّ عليّا و أولاده لا حظّ لهم في هذا الأمر،و هذا رجل من بني العباس و معه ريح خراسان و نصر الشام (2).
«ثمّ لا تذوقها ،و لا تطعم»هكذا في(المصرية)،و الصواب: (و لا تتطعّم) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3).
«بطعمها أبدا ما كرّ الجديدان» أي:ما اختلف الليل و النهار يقال:لا أفعله ما اختلف الجديدان،و ما اختلف الاجدّان.
و في السير:بعث صالح بن علي العباسي عامر بن إسماعيل لطلب مروان بن محمّد إلى بوصير مصر.فهرب بين يديه في نفر يسير.فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق ليس للخيل عبور إلاّ على القنطرة،و عامر من ورائهم.فصادف مروان على القنطرة بغالا عليها زقاق عسل فحبسته عن العبور حتّى أدركه عامر فقتله.فقال صالح بن عليّ«إنّ للّه جنودا من عسل».و قالوا أيضا:وقف مروان يوم الزاب و أمر بالأموال
فاخرجت،و قال للناس:اصبروا و قاتلوا،و هذه الأموال لكم.فجعل ناس يصيبون من ذاك المال،و يشتغلون به عن الحرب.فقال مروان لابنه:سر في أصحابك،و امنع من يتعرّض لأخذه هذا المال.فتنادى الناس:الهزيمة الهزيمة.
فانهزموا،و ركب أصحاب عبد اللّه بن عليّ أكتافهم.
من الخطبة(164)
مِنْهَا افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ- فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ- عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ؟لِبَنِي أُمَيَّةَ؟- كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ- يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ- ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً- يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ- حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ- وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ- وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَ لاَ حِدَابُ أَرْضٍ- يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ- ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ- يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ- وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ- كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ أقول:رواه( روضة الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 64 الكليني،و إرشاد الشيخ المفيد-الارشاد-ص 155 المفيد)جزء خطبة«إنّ اللّه تعالى لم يقصم جبّاري دهر»و في الأوّل:«و وا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذلّ بعدي بعضها بعضا،و كيف يقتل بعضها بعضا، المتشتتة غدا عن الأصل،النازلة بالفرع،المؤمّلة الفتح من غير جهته.كلّ حزب منهم آخذ بغصن أينما مال الغصن مال معه،مع أنّ اللّه-و له الحمد-سيجمع هؤلاء لشرّ يوم لبني اميّة كما يجمع قزع الخريف.يؤلف اللّه بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب.ثمّ يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل
الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة،و لم يردّ سننه رضّ طود،يذعذعهم اللّه في بطون أودية،ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض،يأخذ بهم من قوم حقوق قوم،و يمكّن بهم قوما في ديار قوم،تشريدا لبني اميّة، و لكيلا يغتصبوا ما غصبوا.يضعضع اللّه بهم ركنا،و ينقض بهم طيّ الجنادل من إرم،و يملأ منهم بطنان الزيتون.فو الّذي فلق الحبة و برأ النسمة ليكوننّ ذلك،و كأنّي أسمع صهيل خيلهم و طمطمة رجالهم،و أيم اللّه ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد،كما تذوب الألية على النار.من مات منهم مات ضالاّ،و إلى اللّه عزّ و جلّ يقضي منهم من درج،و يتوب اللّه عزّ و جلّ على من تاب،و لعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد التشتت لشرّ يوم لهؤلاء،و ليس لأحد على اللّه عزّ و جلّ الخيرة،بل للّه الخيرة و الأمر جميعا» (1)
الكافي 8:64. [1]
.و في الثاني:«و يا أسفا!أسفا يكلم القلب،و يدمن الكرب من فعلات شيعتنا بعد مهلكي،على قرب مودّتها و تأشب الفتها كيف يقتل بعضها بعضا، و تحور الفتها بغضا.فللّه الاسرة المتزحزحة غدا عن الأصل،المخيّمة بالفرع، المؤمّلة الفتح من غير جهته،المتوكّفة الروح من غير مطلعه،كلّ حزب منهم معتصم بغصن،آخذ به،أينما مال الغصن مال معه،مع أنّ اللّه-و له الحمد- سيجمعهم كقزع الخريف،و يؤلّف بينهم،و يجعلهم ركاما كركام السحاب.
يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم إليها كسيل العرم،حيث لم تسلم عليه قارة،و لم تمنع منه أكمة،و لم يردّ ركن طود سننه،يغرسهم اللّه في بطون أودية،و يسلكهم ينابيع في الأرض،ينفى بهم عن حرمات قوم،و يمكّن لهم في ديار قوم،لكي يغتصبوا ما غصبوا،يضعضع اللّه بهم ركنا،و ينقض بهم طي الجندل من إرم،و يملأ منهم بطنان الزيتون،و الّذي فلق الحبة،و برأ النسمة،
1) 1)
ليذوبنّ ما في أيديهم من بعد التمكّن في البلاد،و العلوّ على العباد،كما يذوب القار و الآنك في النار،و لعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد الشتيت،لشرّ يوم لهؤلاء، و ليس لأحد على اللّه الخيرة،بل للّه الخيرة و الأمر جميعا » (1)
الارشاد:155. [1]
.«افترقوا بعد الفتهم،و تشتّتوا عن أصلهم» قد ظهر ممّا نقلنا من(الإرشاد و الروض):أنّ مراده عليه السلام افتراق شيعته بعده،و أنّ الثابتين منهم على الحق من التمسك بعترته المعصومين الّذين هم بمنزلته في الاتّصال بالمبدأ، و كونه حبل اللّه بينه و بين الخلق،قليلون.فمنهم فرقة صارت غلاة،و فرقة صارت كيسانية،و فرقة صارت زيدية،و فرقة ناووسية،و فرقة فطحية، و فرقة واقفية،و من الكيسانية العباسية الراوندية.
ففي(المروج):«الّذي ذهب إليه من تأخّر من الراوندية عن جملة الكيسانية القائلة بإمامة محمّد بن الحنفية-و هم الحريانية أصحاب أبي مسلم صاحب الدولة العباسية،و كان يلقّب بحريان-أنّ ابن الحنفية هو الإمام بعد علي عليه السلام و أنّ ابن الحنفية أوصى إلى ابنه أبي هاشم،و أبو هاشم أوصى إلى عليّ بن عبد اللّه بن العباس.فأوصى عليّ بن عبد اللّه إلى ابنه محمّد بن علي، و أوصى ابنه محمّد إلى ابنه إبراهيم المقتول بحرّان،و أوصى إبراهيم إلى أخيه السفاح.
و قالت الراوندية:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبض و أحق الناس بالإمامة بعده العباس لأنّه عمّه،و أنّ الناس اغتصبوه إلى أنّ ردّه اللّه إليهم و تبرءوا من أبي بكر و عمر،و أجازوا بيعة عليّ عليه السلام بإجازة العباس لها لقوله له:«هلم يا ابن أخي إلى أن ابايعك فلا يختلف عليك اثنان» (2).
«فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه» قال ابن أبي الحديد:أي:يكون منهم من يتمسّك بمن أخلفه بعدي من ذريّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أينما سلكوا سلكوا معهم (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:649. [1]
.قلت:قد عرفت من رواية(الروضة و الإرشاد)أنّ المراد به فرق الشيعة غير المحقّة من الكيسانية و الزيدية،و غيرهما،لقوله عليه السلام قبل الكلام:
«المتشتتة غدا عن الأصل،النازلة بالفرع،المؤملة الفتح من غير جهته»ثمّ قال:
«كلّ حزب منهم آخذ بغصن،أينما مال الغصن مال معه ».
«على أنّ اللّه تعالى سيجمعهم لشرّ يوم لبني اميّة» أي:أنّ شيعتي،و إن يصيروا فرقا متشتتة،و يحصل بينهم البغضاء،و العداوة بحيث يقتل بعضهم بعضا إلاّ أنّ اللّه تعالى يجعلهم امّة واحدة فيجمعهم على إزالة الملك عن بني اميّة،و إن كانوا أخطئوا في عدم التمسك بإمام الحق.
و في(المروج)لمّا قتل إبراهيم الإمام خاف أبو سلمة الوزير انتقاض الأمر،و فساده عليه-أي في الدعوة العباسية-فبعث بمحمّد بن عبد الرحمن بن أسلم و كتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى عبد اللّه بن الحسن المثنى،يدعو كل واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه.و يجتهد في بيعة أهل خراسان له،و قال للرسول:العجل العجل،فلا تكونن كوافد عاد.فقدم المدينة على أبي عبد اللّه عليه السلام:فلقيه ليلا،و أعلمه أنّه رسول أبي سلمة،و دفع إليه كتابه.فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام:و ما أنا و أبو سلمة،و أبو سلمة شيعة لغيري؟قال له:إنّي رسول تقرأ كتابه،و تجيبه بما رأيت.فدعا أبو عبد اللّه عليه السلام بسراج ثمّ أخذ كتاب أبي سلمة:فوضعه على السراج حتّى احترق،و قال للرسول:عرّف صاحبك
1) 1)
بما رأيت ثمّ أنشأ يقول متمثلا بقول الكميت:
أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها و يا حاطبا في غير حبلك تحطب
فخرج الرسول من عنده،و أتى عبد اللّه بن الحسن.فدفع إليه الكتاب فقبّله،و قرأه و ابتهج.فلمّا كان غد ذلك اليوم الّذي وصل إليه الكتاب،ركب حمارا حتّى أتى منزل أبي عبد اللّه عليه السلام فقال عليه السلام:أمر ما أتى بك؟قال:نعم هو أجلّ من أن يوصف.هذا كتاب أبي سلمة يدعوني،و قد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان.فقال عليه السلام له:و متى كان أهل خراسان شيعة لك؟أ أنت بعثت أبا مسلم إلى أهل خراسان و أنت أمرته بلبس السواد؟و هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم؟و هل تعرف منهم أحدا؟ فنازعه عبد اللّه بن الحسن الكلام،و قال:إنّما يريد القوم ابني محمّدا لأنه مهديّ هذه الامّة.فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:و اللّه ما هذا إلاّ نصح منّي لك،و لقد كتب إليّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك.فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك،و لقد أحرقت كتابه من قبل أن أقرأه.فانصرف عبد اللّه من عنده عليه السلام مغضبا،و لم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح... (1)
مروج الذهب 3:253-255،و [1]النقل بتلخيص.
.و كان محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس عيّن من شيعتهم اثني عشر نقيبا للدعوة إليهم (2).
هذا،و في(العقد):كان أبو مسلم يقول لقوّاده إذا أخرجهم:«لا تكلّموا الناس إلاّ رمزا،و لا تلحظوهم إلاّ شزرا لتمتلئ صدورهم من هيبتكم (3).
«كما تجتمع قزع الخريف» أي:كما تجتمع قطع السحاب المتفرّق في
الخريف و لمّا كان الخريف.أوّل الشتاء يكون السحاب فيه متفرّقا غير متراكم و لا مطبق،ثمّ يجتمع بعد بعضه إلى بعض .
«يؤلّف اللّه بينهم ثمّ يجعلهم ركاما كركام السحاب» السحاب المتراكم سحاب بعضه فوق بعض.
«ثمّ يفتح لهم أبوابا» إلى نيل مقصدهم .
«يسيلون» استعارة من سيل الماء.
«من مستثارهم» أي:موضع ثورانهم و هو خراسان فإنّ مبدأ دعوة دعاة العباسية كان بها.
«كسيل الجنّتين» إشارة إلى قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ » (1)
سبأ:15-16. [1]
.«حيث لم تسلم عليه» أي:على ذاك السيل.
«قارة» بالتخفيف.الأكمة الصلبة ذات حجارة كما في(الجمهرة) (2)، و جمعها قارات و القور.قال:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور قد درست غير رماد مكفور (3)
«و لم تثبت عليه أكمة» أي:تلّ.و قالوا:لا تبل على أكمة،و لا تفش سرّك إلى أمة .
«و لم يردّ سننه» بالفتح،أي:وجهه،و طريقته.
«رصّ» :أي:تلاصق.
«طود» أي:جبل عطيم.
«و لا حداب أرض» أي:مرتفعاتها.قال تعالى: «وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ » (1)
الانبياء الزمر:96. [1]
.«يذعذعهم اللّه» أي:يفرّقهم اللّه.
«في بطون أوديته» جمع الوادي.
«ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض» الأصل فيه قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ» (2)إلاّ أنّ ينابيع في كلامه عليه السلام استعارة.
ثمّ كلامه عليه السلام من قوله«على أنّ اللّه تعالى سيجمعهم لشرّ يوم لبني اميّة»إلى قوله هنا «ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض» من غريب التعبير عن بدء دعوة العباسية بعد سنة المئة إلى تشكيل سلطنتهم في سنة(132)و لا يكاد تعجّبي ينقضي منه من حسن تعبيره،و كمال انطباق إخباره عليه السلام على ما وقع.
ففي(كامل الجزري):وجّه محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس في سنه المئة الدعاة في الآفاق،و سببه أنّه كان ينزل الحميمة-أرض الشراة-من أعمال بلقاء الشام.فسار أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية إلى سليمان بن عبد الملك.فرأى من علمه و فصاحته ما حسده،و خافه.فوضع عليه في طريقه من سمّه في لبن.فلمّا أحسّ بالشرّ قصد الحميمة،و نزل على محمّد و أعلمه أنّ الأمر صائر إلى ولده،و عرّفه ما يعمل به،و كان أمر شيعته بقصده بعده.فلمّا مات قصدوه و بايعوه،و دعوا الناس إليه فوجّه ميسرة إلى العراق،و محمّد بن
خنيس،و أبا عكرمة السراج-و هو أبو محمّد الصادق-و حيان العطار-خال إبراهيم بن سلمة-إلى خراسان فانصرفوا بكتب من استجاب لهم،و اختار أبو محمّد الصادق لمحمّد بن علي اثنى عشر نقيبا:سليمان بن كثير الخزاعي، و لاهز بن قريظ التميمي و قحطبة بن شبيب الطائي،و موسى بن كعب التميمي،و خالد بن إبراهيم أبو داود من شيبان بن ذهل،و القاسم بن مجاشع التميمي،و عمران بن إسماعيل أبو النجم مولى آل أبي معيط،و مالك بن الهيثم الخزاعي،و طلحة بن زريق الخزاعي و عمرو بن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، و شبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى بني حنيفة و عيسى بن أعين مولى خزاعة.و اختار سبعين رجلا و كتب لهم محمّد بن علي كتابا يكون لهم مثالا و سيرة يسيرون بها.
و فيه:و في سنة(102)وجّه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان.
فظهر أمر الدعاة بها.فقيل لسعيد خديّة:إنّ هاهنا قوما ظهر منهم كلام قبيح.
فبعث فاتي بهم.فقالوا:نحن تجّار.قال:فما هذا الّذي يحكى عنكم؟قالوا:لا ندري.إنّ لنا في تجارتنا شغلا عن هذا.فقال:من يعرف هؤلاء؟فجاء ناس أكثرهم من ربيعة و اليمن.فقالوا:نحن نعرفهم.فخلّى سبيلهم.
و فيه:و في سنة(105)قيل:قدم بكير بن ماهان الكوفة من السند،و معه أربع لبنات من فضة،و لبنة من ذهب.فلقي أبا عكرمة،و جمعا آخر من الدعاة.
فذكروا له أمر الدعوة.فقبلها و أنفق ما معه عليهم،و مات ميسرة.فأقامه محمّد بن عليّ مقامه.
و فيه:و في سنة(107)قيل:وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة،و عدّة من شيعتهم دعاة إلى خراسان.فوشي بهم إلى أسد بن عبد اللّه.فاتي بأبي عكرمة و محمّد بن خنيس،و عامة أصحابه.فقطع أيدي من ظفر به منهم و صلبهم، و نجا عمّار العبادي.فأقبل إلى بكير.فأخبره فكتب بكير إلى محمّد بن علي،
فأجابه:«الحمد للّه الّذي صدّق دعوتكم،و بقيت منكم قتلى ستقتل».
و فيه:و في سنة(118)وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس.فنزل مرو،و غيّر اسمه و تسمّى بخداش.
و فيه:و في سنة(126)وجّه إبراهيم بن محمّد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان،و بعث معه بالسيرة،و الوصية.فقدم مرو،و جمع النقباء و الدعاة فنعي إليهم محمّد بن علي،و دعاهم إلى ابنه إبراهيم،و دفع إليه كتابه فقبلوه،و دفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة،فقدم بها بكير على إبراهيم الإمام.
و فيه:و في سنة(127)توجّه سليمان بن كثير،و لاهز بن قرمط، و قحطبة إلى مكّة،فلقوا إبراهيم الإمام،و أوصلوا إلى مولى له عشرين الف دينار،و مئتي ألف درهم،و مسكا،و متاعا كثيرا،و كان معهم أبو مسلم،و قال له:هذا مولاك.
و فيه أيضا:كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنّه في الموت،و أنّه استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان.فكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام،و كتب إلى أهل خراسان أنّه قد أسند أمرهم إليه،و مضى أبو سلمة إلى خراسان.فدفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة،و خمس أموالهم.
و فيه:و في سنة(128)وجّه إبراهيم الإمام أبا مسلم-و عمره تسع عشرة سنة-إلى خراسان و كتب إليهم:«إنّي قد أمّرته على خراسان و ما غلب عليه بعد ذلك»و قال لأبي مسلم،و إنّك رجل منّا أهل البيت احفظ وصيتي.انظر هذا الحيّ من يمن.فالزمهم،و اسكن بين أظهرهم.فإنّ اللّه لا يتمّ هذا الأمر إلاّ بهم،و اتّهم ربيعة في أمرهم،و أما مضر فإنّهم العدو القريب الدار،و اقتل من شككت فيه،و ان استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل،و أيّما غلام بلغ خمسة اشبار تتهمه فاقتله،و لا تخالف هذا الشيخ-يعني سليمان بن
كثير-و إذا أشكل عليك أمر فاكتف به منّي (1)
روى هذه الحكايات ابن الأثير في الكامل 5:53 و 100 و 125 و [1] 136 و 196 و 308 و 339 و 347،و النقل بتلخيص.
.و فيه:كان أبو مسلم يختلف إلى إبراهيم الإمام،و كتب في سنة(129) إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس.فسار مع سبعين من النقباء.
فلمّا صاروا بالدانقان من خراسان عرض له كامل.فسأله عن مقصده.فقال:
الحجّ ثمّ خلا به أبو مسلم.فدعاه فأجابه ثمّ سار إلى نسا فدخل قرية منها فقيل له إنّه سعي هنا إلى العامل برجلين.قيل:إنّهما داعيان،فأخذا و أخذ الأحجم و غيلان،و غالب،و مهاجر.فتنكب الطريق،و أتاه أسيد الخزاعي.فسأله عن الاخبار.فقال:قدم الأزهر،و عبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك فخلّفا الكتب عندي،و اخذا.فأتاه بالكتب ثمّ سار حتّى أتى قومس،و عليها بيهس العجلي فقال لهم:أين تريدون.قالوا:الحج و أتاه ثمة كتاب إبراهيم إليه،و إلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه:إنّي قد بعثت إليك براية النصر.فارجع من حيث لقيك كتابي،و وجّه قحطبة بما معه من الأموال و العروض.فلمّا كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة.فسألهم عن حالهم.فقالوا:أردنا الحج.فبلغنا عن الطريق شيء خفناه،فأمر المفضل السلمي بإزعاجهم.
فخلابه أبو مسلم،و عرض عليه أمرهم فأجابه،و أقام عندهم حتّى ارتحلوا على مهل.فقدم أبو مسلم مرو.فدفع كتاب إبراهيم إلى سليمان بن كثير يأمره فيه باظهار الدعوة.فنصبوا أبا مسلم،و قالوا رجل من أهل البيت،و دعوا إلى طاعة بني العباس،و أرسلوا إلى من قرب منهم و من بعد.ممّن أجابهم.فأمروه بإظهار أمرهم.فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو،يقال لها«فنين»على أبي الحكم النقيب،و وجّه منها أبا داود النقيب و عمرو بن أعين إلى طخارستان فما
1) 1)
دون بلخ.فأمرهما باظهار الدعوة في شهر رمضان و وجّه نصر بن صبيح التميمي،و شريك بن غضبي التميمي إلى مرو الروذ باظهار الدعوة في شهر رمضان،و وجّه أبا عاصم بن سليم إلى الطالقان،و وجّه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان لخمس بقين منه فان أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى.فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم،و من شغله منهم عدوّهم.فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت ثمّ تحوّل أبو مسلم من عند أبي الحكم.فنزل قرية سفيدنج.فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان،و الكرماني،و شيبان يقاتلان نصر بن سيار،فبثّ أبو مسلم دعاته في الناس و أظهر أمره.فأتاه في ليلة واحدة أهل ستّين قرية، فلمّا كان خمس بقين من رمضان عقد اللواء الّذي بعث به إبراهيم الإمام،الّذي يدعى الظل،على رمح طوله أربعة عشر ذراعا،و عقد الراية الّتي بعث بها إليه، الّتي تدعى السحاب،على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا و هو يتلو: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (1)
الحج:39. [1]
.و لبس السواد هو و سليمان بن كثير،و إخوة سليمان،و مواليه،و من كان أجاب الدعوة من أهل سفيدنج،و أوقدوا النيران لليلتهم لشيعتهم من سكان ربع خرقان،و كانت علامتهم فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدّين،و تأوّل السحاب أنّ السحاب يطبق الأرض،و الظل أنّ الأرض كما لا تخلو من ظل كذلك من خليفة عباسي إلى آخر الدهر،و قدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة فكان أوّل من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضّاح في تسعمائة راجل و أربعة فرسان،و من أهل هرمزفرة جماعة،و قدم أهل التقادم مع محرز الجوباني في ألف و ثلاثمئة راجل،و ستّة عشر فارسا فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي.فجعل أهل1) 1)
التقادم يكبّرون من ناحيتهم و يجيبهم أهل التقادم بالتكبير.فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيدنج بعد يومين،و حصّن أبو مسلم حصن سفيدنج،و رمّه، و سدّ دروبها.
فلمّا حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلّي به و بالشيعة،و نصب له منبرا بالعسكر،و أمره أن يبدأ بالصلاة و يصلّون بالأذان و الإقامة و أمر أيضا أبو مسلم سليمان بن كثير بستّ تكبيرات تباعا ثم يقرأ،و يركع بالسابعة،و يكبّر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا.ثمّ يقرأ و يركع بالسادسة،و يفتح الخطبة بالتكبير،و يختمها بالقرآن-و كان بنو اميّة يكبّرون في الاولى أربع تكبيرات،و في الثانية ثلاث تكبيرات.
فلمّا قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم و الشيعة إلى الطعام قد أعدّه لهم.فأكلوا مستبشرين،و كان أبو مسلم،و هو في الخندق،إذا كتب إلى نصر بن سيّار يكتب:«للأمير نصر».
فلمّا قوي بدأ بنفسه،و كتب«أمّا بعد فإنّ اللّه تعالى عيّر أقواما في القرآن فقال «وَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً» (1)
فاطر:42-43. [1]
فتعاظم نصر الكتاب و كسر له إحدى عينيه،و قال:هذا كتاب ماله جواب (2).و فيه:وجّه نصر بعد ثمانية عشر شهرا من ظهور أبي مسلم-و هو بسفيدنج-مولى له يقال له يزيد لمحاربته.فوجّه أبو مسلم إليه مالك بن الهيثم
الخزاعي.فالتقوا بقرية الين.فدعاهم مالك إلى الرضا من آل الرسول.
فاستكبروا عن ذلك فقاتلهم مالك،و هو في نحو مئتين من أوّل النهار إلى العصر،و قدم على أبي مسلم صالح الضبي،و إبراهيم بن زيد،و زياد بن عيسى.فسيّرهم إلى مالك.فقوي بهم،و كان قدومهم مع العصر.فقال مولى نصر:إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم إمدادهم.فاحملوا على القوم.فحملوا.فحمل عبد اللّه الطائي على مولى نصر.فأسره،و انهزم أصحابه.فأرسل به إلى أبي مسلم،و معه رءوس القتلى فنصب الرءوس،و أحسن إلى مولى نصر، و عالجه حتّى اندمل جراحه،و قال له:إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك اللّه، تحاربنا و إن كرهت فارجع إلى مولاك سالما،و أعطنا عهد اللّه أنك لا و أن لا تكذب علينا،و أن تقول فينا ما رأيت فرجع إلى مولاه.فقال أبو مسلم لأصحابه:
إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع و الصلاح.فما نحن عندهم على الإسلام-و كذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان و استحلال الأموال و الدماء و الفروج.
فلمّا قدم مولى نصر على نصر قال له نصر:لا مرحبا بك فو اللّه ما استبقاك القوم إلاّ ليتخذوك حجّة علينا.فقال له مولاه:هو و اللّه ما ظننت،و قد استحلفوني أن لا اكذب عليهم،و أنا أقول:إنّهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان و إقامة،و يتلون القرآن،و يذكرون اللّه كثيرا،و يدعون إلى ولاية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و ما أحسب أمرهم إلاّ سيعلو،و لو لا أنك مولاي لما رجعت إليك، و لأقمت معهم،فهذا أوّل قتال كان بينهم (1)
الكامل 5:360،سنة 129،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه-بعد ذكر قتال نصر بن سيار عامل مروان على خراسان و الكرماني-:و لمّا استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه،و أنه
1) 1)
لا مدد لهم.جعل يكتب إلى شيبان و يقول للرسول:اجعل طريقك على مضر.
فإنّهم سيأخذون كتبك.فكانوا يأخذونها فيقرءون ما فيها:«إنّي رأيت اليمن لا وفاء لهم،و لا خير فيهم فلا تثقن بهم و لا تظهر إليهم.فإنّي أرجو أن يريك اللّه في اليمانية ما تحبّ،و لئن بقيت لا ادع لهم شعرا و لا ظفرا»و يرسل رسولا آخر بكتاب آخر فيه ذكر مضر بمثل ذلك،و يأمر الرسول أن يجعل طريقه على اليمانية حتّى صار هوى الفريقين معه.
ثمّ جعل يكتب إلى نصر،و إلى الكرماني«إنّ الإمام أوصاني بكم، و لست أعدو رأيه فيكم»و كتب إلى الكور باظهار الأمر.فكان أوّل من سوّد أسد الخزاعي بنسا،و مقاتل و ابن غزوان،و سوّد أهل ابيورد،و أهل مرو الروذ،و قرى مرو،و أقبل أبو مسلم حتّى نزل بين خندق الكرماني،و خندق نصر،وهابه الفريقان،و بعث إلى الكرماني أنّي معك.فقبل فانضمّ إليه.فاشتدّ ذلك على نصر،فأرسل إلى الكرماني:و يحك لا تغترّ،فو اللّه إنّي لخائف منه عليك،و على أصحابك.فادخل مرو.نكتب بيننا كتابا بالصلح-و هو يريد أن يفرّق بينه و بين أبي مسلم-فدخل الكرماني منزله،و أقام أبو مسلم في العسكر،و خرج الكرماني حتّى وقف في الرحبة في مئة فارس،و أرسل إلى نصر:اخرج لنكتب الصلح،فرأى نصر من الكرماني غرّة.فوجّه إليه ابن الحرث في نحو من ثلاثمائة فطعن الكرماني في خاصرته فخرّ عن دابته، فقتله نصر و صلبه،و صلب معه سمكه.و أقبل ابنه علي،و قد جمع جمعا كثيرا، فصار إلى أبي مسلم فقاتلوا نصرا حتّى أخرجوه من دار الإمارة.فمال إلى بعض دور مرو.
و أقبل أبو مسلم حتّى دخل مرو،و سلّم عليه ابن الكرماني بالإمرة و قال:مرني بأمرك.فقال:أقم حتّى آمرك،و لمّا كان أبو مسلم نزل بين الخندقين كتب نصر إلى مروان يعلمه حال أبي مسلم و كتب:
أرى بين الرماد و ميض نار و أخشى أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى و أنّ الحرب مبدؤها كلام
فقلت من التعجّب ليت شعري أ أيقاظ اميّة أم نيام؟!
فكتب إليه مروان«إنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.فاحسم الثلول قبلك»فقال نصر:أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده (1)
الكامل 5:364،سنة 129،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه:في سنة(130)انتقض صلح عرب خراسان على حرب أبي مسلم بمكائد أبي مسلم.فبعث نصر إليه يلتمس منه أن يدخل مع مضر،و بعث أصحاب ابن الكرماني-و هم ربيعة و اليمن-إلى أبي مسلم بمثل ذلك.
فراسلوه بذلك أيّاما فامرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتّى يختار أحدهما.ففعلوا و أمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة و اليمن.فإنّ الشيطان في مضر و هم أصحاب مروان و عمّاله،و قتلة يحيى.فقدم الوفدان فجلس أبو مسلم و أجلسهم و جمع عنده من الشيعة سبعين رجلا.فقال لهم:لتختاروا أحد الفريقين.فقام سليمان بن كثير فتكلم-و كان خطيبا مفوّها-فاختار ابن الكرماني و أصحابه.ثمّ قام أبو منصور النقيب فاختارهم.ثمّ قام مرثد السلمي فقال:«إنّ مضر قتلة آل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعوان بني اميّة و شيعة مروان الجعدي،و دماؤنا في أعناقهم و أموالنا في أيديهم،و نصر عامل مروان يدعو له على منبره،و يسمّيه أمير المؤمنين،و نحن نبرأ إلى اللّه من أن يكون نصر على هدى،و قد اخترنا ابن الكرماني»فقال:السبعون:القول ما قال مرثد، فنهض وفد نصر عليهم الكآبة،و رجع وفد ابن الكرماني منصورين،و رجع أبو مسلم من ألين إلى الماخوان،و أمر الشيعة أن يبنوا المساكن.
ثمّ أرسل ابن الكرماني إليه ليدخل مدينة مرو من ناحيته،و ليدخل هو
1) 1)
و عشيرته من الناحية الاخرى.فبعث إليه أبو مسلم:إنّي لست آمن أن تجتمع يدك و يد نصر على محاربتي،و لكن ادخل أنت فأنشب الحرب مع أصحاب نصر.ففعل و بعث أبو مسلم شبل النقيب في خيل.فدخلوها و نزلوا بقصر بخارا خداه،و بعث إلى أبي مسلم ليدخل إليهم.فسار من الماخوان،و على مقدّمته أسيد الخزاعي،و على ميمنته مالك الخزاعي،و على ميسرته القاسم التميمي فدخل و الفريقان يقتتلان.فأمرهما بالكفّ و هو يتلو: «وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ» (1)
القصص:15. [1]
و مضى،إلى قصر الأمارة،و أرسل إلى الفريقين أن كفّوا.ففعلوا، و صفت له مرو.فأمر بأخذ البيعة من الجند-و كانت البيعة:ابايعكم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه و الطاعة للرضا من أهل بيته،و عليكم بذلك عهد اللّه،و ميثاقه و الطلاق و العتاق و المشي إلى بيت اللّه،و على ألاّ تسالوا رزقا و لا طعما حتّى يبتدئكم به ولاتكم».ثمّ أرسل أبو مسلم إلى نصر لاهزا في جماعة يدعوه إلى البيعة.فقرأ لاهز «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ» (2)-الآية-فخرج نصر من خلف حجرته مع ابنه تميم و امرأته هرابا.فسار أبو مسلم إلى معسكره و أخذ ثقات أصحابه، و صناديدهم فكتّفهم،و كان فيهم سالم بن أحور صاحب شرطته،و البختري كاتبه،و ابنان له،و يونس بن عبدويه،و محمّد بن قطن،و مجاهد بن يحيى.
فاستوثق منهم بالحديد،و سار أبو مسلم و ابن الكرماني في طلب نصر ليلتهما.فادركا امرأته قد خلّفها و سار.فرجع أبو مسلم،و سأل:ما الّذي ارتاب به نصر حتّى هرب؟قالوا:لا ندري.قال:فهل تكلم أحد؟قالوا:تلا لاهز:
«إِنَّ الْمَلَأَ» فقال له أبو مسلم:تدغل في الدين!فقتله،و استشار أبا طلحة في أصحاب نصر.فقال:اجعل سوطك السيف،و سجنك القبر فقتلهم،و كانوا أربعة و عشرين (1)
الكامل 5:378-382،سنة 130،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه-بعد ذكر فتح أبي مسلم لأبيورد،و بلخ،و قتله شيبان الخارجي مع عدّة من بكر بن وائل الّذين كانوا يقاتلونه،و على الكرماني الّذي كان أيضا يقاتله-و قد كان أمره أن يسمّي خواصّه ليولّيهم.فسمّاهم فقتلهم جميعا، و بعد ذلك بعث العمال على البلاد.فاستعمل سباع الأزدي على سمرقند،و أبا داود على طخارستان،و محمّد بن الأشعث على الطبسين،و جعل مالك بن الهيثم على شرطته،و وجّه قحطبة مع عدّة من القواد إلى طوس.فهزمهم، و كان من مات في الزحام أكثر ممّن قتل.فبلغ عدّة القتلى بضعة عشر ألفا، و وجّه علي بن معقل في عشرة آلاف مع قحطبة ليسير إلى تميم بن نصر.
فسار قحطبة إلى السودقان،و هو معسكر تميم.فقتل تميم،و استبيح عسكره، و كان عدّة من معه ثلاثين ألفا (2).
و فيه:بعث ابن هبيرة عامل مروان على العراق نباتة بن حنظلة إلى نصر لنصره فسار نصر-و كان هرب إلى قومس-معه إلى جرجان،و خندقوا عليهم.فأقبل قحطبة إليهم،و قال لجنده أهل خراسان:أ تدرون إلى من تسيرون،و من تقاتلون؟إنّما تقاتلون بقية قوم أحرقوا بيت اللّه.فنزل قحطبة بأزاء نباتة في أهل الشام في عدّة لم ير الناس مثلها.فلمّا رأوهم أهل خراسان هابوهم حتّى تكلّموا بذلك.فقام فيهم قحطبة،و قال:هذه البلاد كانت لآبائكم، و كانوا ينصرون على عدوّهم لعدلهم حتّى بدّلوا.فسلّط اللّه عليهم أذل امّة
كانت في الأرض عندهم.فغلبوهم على بلادهم،و كانوا بذلك يحكمون بالعدل.
ثمّ بدّلوا و أخافوا عترة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فسلّطكم عليهم و قد عهد إليّ الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم اللّه عليهم،و أخبرنا انكم تنصرون هذا اليوم من هذا الشهر.فاقتتلوا فقتل نباتة،و قتل من أهل الشام عشرة آلاف، و بعث برأس نباتة إلى أبي مسلم،و بلغ قحطبة بعد قتل نباتة أنّ أهل جرجان يريدون الخروج عليه،فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين ألفا.
و لمّا بلغ حبيب النهشلي،و من معه بالري من أهل الشام،توجّه قحطبة إليه هربوا.فدخلها،و كتب إلى أبي مسلم بذلك.فأمره بأخذ أملاكهم (1)
الكامل 5:387 و 396،سنة 130 و [1] 131،و النقل بتلخيص.
.و فيه:كتب أبو مسلم إلى اصبهبد طبرستان يدعوه إلى الطاعة و أداء الخراج فأجابه،و كتب إلى المصمغان صاحب دنباوند كذلك.فأجابه إنّما أنت خارجي أمرك سينقضي،ثمّ بعث قحطبة بعد تمكنه ابنه الحسن من الرى إلى همدان فهرب منها مالك بن أدهم،و من بها من أهل الشام،و خراسان إلى نهاوند،و لمّا بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان بعث ابنه داود،و عامر بن ضبارة-و كان يقال لعسكره عسكر العساكر-فالتقوا هم و قحطبة بنواحي اصبهان-و كان عسكر قحطبة عشرين ألفا،و عسكر ابن ضبارة مئة ألف، و قيل:خمسين و مئة ألف.فقتل داود،و انهزم ابن ضبارة،و أصابوا عسكره، و أخذوا منه مالا يعلم قدره من السلاح و المتاع و الرقيق و الخيل،و ما رؤي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر كأنّه مدينة-و كان فيه من البرابط،و الطنابير،و المزامير،و الخمر ما لا يحصى-ثمّ توجّه قحطبة إلى نهاوند-و قد كان قد بعث ابنه قبل إليها فحاصرها،و دعا من بنهاوند من أهل خراسان إلى الأمان فأبوا و أهل الشام فأجابوا.ففتحوا الباب.فسألوهم
1) 1)
أهل خراسان.فقالوا:أخذنا الأمان لنا و لكم،فخرج رؤساء أهل خراسان فأمر قحطبة بضرب أعناقهم،و خلّى سبيل أهل الشام،و بعث قحطبة إلى حلوان.
فهرب عامله،و وجّه أربعة آلاف مع قائدين إلى شهرزور و بها عثمان بن سفيان.فقتل أو هرب و غنم عسكره (1)
الكامل 5:397-401،سنة 131،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه و لمّا سمع ابن هبيرة بهزيمة ابنه في حلوان من قحطبة خرج من الكوفة في عدد لا يحصى يريده.فأقبل قحطبة نحو الكوفة ليأخذها.فرجع ابن هبيرة لئلاّ يسبقه قحطبة إلى الكوفة،و الفريقان يسيران على جانبي الفرات، و نزل قحطبة الجبارية،و قاتل عسكر ابن هبيرة.فانهزموا،و فقد قحطبة و بحثوا عنه.فقيل:إنه لمّا كان عبر الفرات ضربه معن بن زائدة على حبل عاتقه.فسقط في الماء فأخرجوه فقال:إذا أنا متّ فشدّوا يدي،و ألقوني في الماء لئلاّ يعلم الناس بقتلي.و قال:إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمّد أبو سلمة.
فسلّموا إليه الأمر.فلحق ابن هبيرة بواسط،و ترك عسكره و ما فيه من الأموال و السلاح،و قام مقام قحطبة ابنه الحسن،و خرج إلى الكوفة،و قد كان محمّد بن خالد القسري خرج قبل على عامل ابن هبيرة مسوّدا.فدخلها الحسن بن قحطبة.فاستخرجوا أبا سلمة الوزير.فبعث أبو سلمة الحسن إلى واسط لقتال ابن هبيرة،و استعمل القسري على الكوفة،و وجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن،و بعث المسيّب بن زهير،و خالد بن برمك إلى دير قنّى،و بعث المهلّبي،و شراحيل إلى عين التمر،و بسّاما إلى الأهواز-و عليها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة-فقاتله و هزمه بسام فخرج عبد الواحد،و بعث إلى البصرة سفيان المهلّبي-و كان عليها سلم بن قتيبة-و لحق به عبد الواحد.فانهزم
1) 1)
سفيان،و لم يزل سلم بالبصرة حتّى قتل ابن هبيرة (1)
الكامل 5:403-407،سنة 132،و [1]النقل بتلخيص.
.و فيه:لمّا أخذ رسول مروان إبراهيم الإمام من الحميمة نعى نفسه إلى أهل بيته،و أمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد اللّه بن محمّد السفاح و بالطاعة له،و أوصى إليه،و جعله الخليفة بعده.فسار السفاح و أهل بيته منهم المنصور،و ابنا إبراهيم أخيه عبد الوهاب و محمّد،و أعمامه داود، و عيسى،و صالح،و إسماعيل،و عبد اللّه،و عبد الصمد بنو علي بن عبد اللّه بن العباس و ابن عمّه داود،و ابن أخي عيسى بن موسى،و يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس حتّى قدموا الكوفة،و شيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد،و كتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد و الشيعة و أراد أن يحوّل الأمر إلى آل أبي طالب -لمّا بلغه موت إبراهيم-و كان إذا سئل عن الإمام يقول:لا تعجلوا حتّى دخل أبو حميد الحميري من حمام أعين يريد الكناسة،فلقي خادما لإبراهيم.فقال له:ما فعل إبراهيم؟قال:قتله مروان و أوصى إلى أخيه أبي العباس،و قدم الكوفة مع عامة أهل بيته.فانطلق به إليهم فقال:من الخليفة؟فقال:داود بن علي هذا-و أشار إلى أبي العباس-فسلّم عليه بالخلافة ثمّ رجع فاتفق رأي جماعة من القوّاد على أن يلقوه.فمضى موسى بن كعب و أبو الجهم، و عبد الحميد بن ربعي،و سلمة بن محمّد،و إبراهيم بن سلمة،و عبد اللّه الطائي، و إسحق بن إبراهيم،و شراحيل،و عبد اللّه بن بسام،و أبو حميد،و سليمان بن الأسود،و محمّد بن الحصين إليه،و سلّموا عليه بالخلافة.فركب أبو سلمة إليه.
فسلّم بالخلافة.فقال له أبو حميد:على رغم أنفك يا ماص بظر امّه.فقال له السفاح:مه،و أمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره،و أصبح الناس يوم الجمعة
1) 1)
لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل من سنة(132)فلبسوا السلاح، و اصطفّوا لخروج السفّاح.فركب مع أهل بيته إلى دار الإمارة ثمّ خرج إلى المسجد.فخطب و صلّى الجمعة ثمّ صعد المنبر حين بويع له بالخلافة.فقام في أعلاه،و صعد عمّه داود.فقام دونه.فخطبهم السفاح-إلى أن قال-:
و خصّنا برحم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قرابته.-إلى أن قال-.
و قال تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
و قال تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (2)و قال: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (3)،و قال: «ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (4)و قال: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى» (5)فأعلمهم اللّه تعالى فضلنا و أوجب عليهم حقّنا و مودّتنا،و أجزل من الفيء و الغنيمة نصيبنا تكرمة لنا -إلى أن قال-:ثمّ وثب بنو حرب و بنو مروان فأنبذوها،و تداولوها.فجاروا فيها و استأثروا بها،و ظلموا أهلها بما أملى اللّه لهم حينا.فلمّا آسفوه انتقم منهم بأيدينا،و ردّ علينا حقّنا و تدارك بنا امّتنا-إلى أن قال-.و ختم بنا كما افتتح بنا-إلى أن قال-.
فاستعدوا فأنا السفّاح المبيح و الثائر المنيح-و كان موعوكا-فجلس على المنبر،و قام عمّه داود على مراقي المنبر.فقال:الحمد للّه الّذي أهلك عدوّنا،و أصار إلينا ميراثنا من نبيّنا.الآن اقشعت حنادس الدنيا،و انكشف
عطاؤها و أشرقت أرضها و سماؤها،و طلعت الشمس من مطلعها،و بزغ القمر من مبزغه،و أخذ القوس باريها،و عاد السهم إلى منزعه،و رجع الحق إلى نصابه إلى أهل بيت نبيّكم.إنّا و اللّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا و لا عقيانا،و لا نحفر نهرا،و لا نبني قصرا،و إنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا،و الغضب لبني عمّنا،و ما كرهنا من اموركم ترمضنا و نحن على فرشنا، و يشتدّ علينا سوء سيرة بني اميّة فيكم و استنزالهم لكم،و استئثارهم بفيئكم و صدقاتكم.مغانمكم عليكم،لكم ذمة اللّه،و ذمة نبيّه،و ذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل اللّه،و نعمل فيكم بكتاب اللّه،و نسير في العامة و الخاصة بسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تبّا تبّا لبني حرب و بني مروان،آثروا في مدّتهم العاجلة على الآجلة،و الدار الفانية على الدار الباقية.فركبوا الآثام و ظلموا الأنام،و انتهكوا المحارم،و غشّوا بالجرائم،و جاروا في سيرتهم في العباد،و سنّتهم في البلاد،و خوجوا في أعنّة المعاصي،و ركضوا في ميدان الغي،جهلا لاستدراج اللّه،و أمنا لمكره،فأتاهم بأس اللّه بياتا و هم نائمون،فأصبحوا أحاديث و مزّقوا كلّ ممزّق فبعدا للقوم الظالمين،و أزالنا اللّه من مروان،و قد غرّه باللّه الغرور،أرسل لعدوّ اللّه في عنانه حتّى عثر.ظن عدوّ اللّه أن لن نقدر عليه، فنادى حزبه،و جمع مكائده،و رمى بكتائبه فوجد أمامه و وراءه و عن يمينه و عن شماله من مكر اللّه و بأسه و نقمته ما أمات باطله،و محاضلاله-إلى أن قال-.
إنّ الخليفة إنّما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لأنّه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره،و إنّما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك-إلى أن قال-.
ألا و إنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلاّ أمير المؤمنين
عليّ بن أبي طالب،و عبد اللّه بن محمّد-و أشار بيده إلى السفاح (1)
الكامل 5:409-415،سنة 132،و [1]النقل بتلخيص.
.«يأخذ بهم من قوم حقوق قوم» في(المروج):قال ابن دأب:دعاني الهادي العباسي في وقت من اللّيل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله.فدخلت إليه فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي،و قدّامه جزء صغير ينظر فيه.فقال:يا عيسى!إنّي ارقت في هذه اللّيلة،و تداعت إليّ الخواطر،و اشتملت عليّ الهموم، و هاج لي ما جرت إليه بنو اميّة من بني حرب،و بني مروان في سفك دمائنا.
فقلت:هذا عبد اللّه بن عليّ قد قتل منهم على نهر أبي فطرس فلانا و فلانا،حتّى أتيت على تسمية من قتل منهم،و هذا عبد الصمد بن عليّ قد قتل منهم بالحجاز في وقت واحد نحو ما قتل عبد اللّه بن عليّ،و هو القائل لسفك دمائهم:
و لقد شفى نفسي و أبرأ سقمها أخذي بثاري من بني مروان
من آل حرب ليت شيخي شاهد سفكي دماء بني أبي سفيان
فسرّ و اللّه الهادي و ظهرت،منه اريحيّة (2).
و في(عيون القتيبي):لمّا افتتح عبد اللّه بن علي الشام،و قتل مروان بن محمّد قال لأبي عون،و من معه من أهل خراسان:إنّ لي في بقية آل مروان تدبيرا.فتأهبّوا يوم كذا و كذا في أكمل عدّه.ثمّ بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا،و أعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء.فحضر منهم ثمانون رجلا.
فصاروا إلى بابه،و معهم رجل من كلب قد ولدهم.ثمّ أذن لهم فدخلوا.فقال الآذن للكلبي:ممّن أنت.قال:من كلب،و قد ولدتهم.قال له:انصرف و دع القوم.
فأبى أن يفعل و قال:إنّي خالهم و منهم.فلمّا استقر بهم المجلس خرج رسول، و قال بأعلى صوته:أين حمزة بن عبد المطلب؟ليدخل.فأيقن القوم بالهلكة.ثمّ
خرج الثانية.فقال:أين الحسين بن علي؟ليدخل.ثمّ خرج الثالثة.فقال.أين زيد بن علي؟ثمّ خرج الرابعة.فقال:أين يحيى بن زيد؟ثمّ قال:ايذنوا لهم.فدخلوا و فيهم الغمر بن يزيد-و كان له صديقا-فأومأ إليه أن ارتفع فأجلسه معه على طنفسته و قال للباقين:اجلسوا،و أهل خراسان قيام بأيديهم العمد-إلى أن قال-.
ثمّ قال لأهل خراسان:«دهيد»فشدخوهم بالعمد حتّى سألت أدمغتهم و قام الكلبي.فقال:أيّها الناس أنا رجل من كلب لست منهم.فقال:
و يدخل رأسه لم يدنه أحد بين القرينين حتّى لزّه القرن
ثمّ قال:«دهيد»فشدخ الكلبي معهم.ثمّ التفت إلى الغمر.فقال له:لا خير لك في الحياة بعدهم.قال:أجل.فقتل.ثمّ دعا ببراذع فالقاها عليهم و بسط عليها الانطاع،و دعا بغدائه.فأكل فوقهم و إنّ أنين بعضهم لم يهدأ حتّى فرغ ثمّ قال:
ما تهنأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين عليه السلام إلاّ يومي هذا،و قام فأمر بهم فجرّوا بأرجلهم،و أغنم أهل خراسان أموالهم.ثمّ صلبوا في بستانه،و كان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرواق إلى البستان.فإذا رائحة الجيف تملأ الأنوف.فقيل له:لو أمرت بردّ هذا الباب.فقال:و اللّه لرائحتها أحبّ إليّ،و أطيب من رائحة المسك.ثمّ قال:
حسبت اميّة أن سترضى هاشم عنها و يذهب زيدها و حسينها
كلاّ و رب محمّد و إلهه حتّى تباح سهولها و حزونها
و تذلّ ذلّ حليلة لحليلها بالمشرفي و تسترد ديونها (1)
عيون الأخبار 1:206-208،و [1]النقل بتلخيص.
و في(تاريخ الطبري):جلس المنصور للمدنيّين ببغداد مجلسا عاما -و كان وفد إليه منهم جماعة-فقال:لينتسب كلّ من دخل.فدخل عليه شاب
1) 1)
من ولد عمرو بن حزم.فانتسب ثمّ قال:قال الأحوص فينا شعرا منعنا أموالنا من أجله منذ ستّين سنة.قال له المنصور:انشدنيه فأنشده:
لا تأوين لحزمي رأيت به فقرا و إن القي الحزمى في النار
الناخسين بمروان بذي خشب و الداخلين على عثمان في الدار
و قال له:مدح بقصيدته الّتي فيها الشعر الوليد بن عبد الملك.فلمّا أنشده و بلغ البيت قال له الوليد:أذكرتني ذنب آل حزم.فأمر باستصفاء أموالهم، فقال له المنصور:لا جرم تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به.ثمّ قال لأبي أيوب:هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لعنائه إلينا.ثمّ أمر أن يكتب إلى عمّاله أن يردّ ضياع آل حزم عليهم،و يعطوا غلاّتها في كلّ سنة من ضياع بني اميّة،و تقسم أموالهم بينهم على كتاب اللّه على التناسخ،و من مات منهم،وفّر على ورثته،فانصرف بما لم ينصرف به أحد (1)
تاريخ الطبري 6:327،سنة 158،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و يمكّن لقوم في ديار قوم» في(الكامل):قال ابن عياش للسفّاح:الحمد للّه الّذي أبدلنا بحمار الجزيرة،و ابن أمة النخع ابن عم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ابن عبد المطلب.قال ذلك لأنّ امّ مروان بن محمّد كانت أمة كردية لإبراهيم بن الأشتر أخذها محمّد بن مروان يوم قتل إبراهيم بن الأشتر.فولدت مروان -و كان مروان أيضا يلقّب بالجعدي لأنّه تعلّم مذهبه في القول بخلق القرآن و القدر من الجعد بن درهم،و قيل:إنّ الجعد كان زنديقا قال لميمون بن مهران لشاة قباد أحبّ إليّ ممّا تدين به-فكانوا يذمّون مروان بنسبته إليه (2).
و في(تاريخ الطبري):دخل المهدي مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرفع رأسه.
فنظر في الكتاب الّذي في المسجد بالفسافسا.فاذا فيه«ممّا أمر به الوليد بن
عبد الملك»فقال:و إنّي لأرى اسم الوليد في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى اليوم.
فدعا بكرسي فالقي له في صحن المسجد،و قال:ما أنا ببارح حتّى يمحى اسم الوليد و يكتب اسمي مكانه،و أمر أن يحضر العمّال و السلاليم،و ما يحتاج إليه.
فلم يبرح حتّى غيّر و كتب اسمه (1)
تاريخ الطبري 6:399،سنة 169،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و أيم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم بعد العلوّ و التمكين،كما تذوب الألية» بفتح الهمزة و الياء،و المراد ألية الشاة.
«على النار» في(المروج):اجتمع عند المنصور عيسى بن علي،و عيسى بن موسى و محمّد بن عليّ،و صالح بن علي،و قثم بن العبّاس،و محمّد بن جعفر،و محمّد بن إبراهيم.فذكروا خلفاء بني اميّة و السبب الّذي به سلبوا عزّهم.فقال له صالح بن علي:إنّ عبد اللّه بن مروان لمّا دخل أرض النوبة هاربا في من اتّبعه سأله ملك النوبة عن السبب الّذي به زالت نعمتهم-و كان في حبس المنصور.فان رأيت أن تدعو به من الحبس و تسأله.فاحضره.فقال له:
قصّ عليّ قصّتك مع ملك النوبة-إلى أن قال-.
فقال لي ملك النوبة لم تشربون الخمر و هي محرّمة عليكم في كتابكم؟ فقلت:اجترأ على ذلك عبيدنا و أتباعنا.قال:فلم تطئون الزرع بدوابكم، و الفساد محرّم عليكم في كتابكم؟فقلت:فعل ذلك عبيدنا و أتباعنا.قال:فلم تلبسون الديباج و الحرير و الذهب،و هو محرّم عليكم في دينكم؟فقلت:ذهب منّا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا.فلبسوا ذلك على الكره منّا،فأطرق إلى الأرض يقلّب يده مرّة،و ينكث في الأرض اخرى،و يقول «عبيدنا و أتباعنا و أعاجم دخلوا في ديننا»ثمّ رفع رأسه و قال:ليس كما ذكرت،بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم اللّه،و ركبتم ما عنه نهيتم،و ظلمتم في
1) 1)
ما ملكتم.فسلبكم اللّه العزّ،و ألبسكم الذلّ بذنوبكم،و للّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم،و أنا خائف أن يحلّ بكم العذاب و أنتم ببلدي فينالني معكم.فتزوّد و ارحل عن أرضي،ففعلت.فتعجب المنصور،ورقّ له و همّ بإطلاقه.فأعلمه عيسى بن علي أنّ في عنقه بيعة له فأعاده إلى الحبس (1)
مروج الذهب 3:284،و [1]النقل بتصرف يسير.
.الخطبة(85)
منها:
حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى؟بَنِي أُمَيَّةَ؟- تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا- وَ لاَ يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لاَ سَيْفُهَا وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ- بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً- ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً أقول:قال ابن أبي الحديد:و هذه الخطبة طويلة قد حذف الرضي رضى اللّه عنه منها كثيرا،و من جملتها:«أما و الّذي فلق الحبة،و برأ النسمة لا يرون الّذي ينتظرون حتّى يهلك المتمنّون،و يضمحل المحلّون،و يتثبّت المؤمنون،و قليل ما يكون،و اللّه و اللّه لا ترون الّذي تنتظرون حتّى لا تدعون اللّه إلاّ إشارة بأيديكم،و إيماضا بحواجبكم،و حتّى لا تملكون من الأرض إلاّ مواضع أقدامكم،و حتّى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم.فيومئذ ينصرني اللّه بملائكته،و من كتب على قلبه الإيمان،و الّذي نفس عليّ بيده لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقا أو تدفع عنّا ضيما إلاّ صرعتهم البليّة حتّى تقوم عصابة شهدت مع محمد بدرا،لا يؤدى قتيلهم،و لا يداوي جريحهم و لا ينعش
1) 1)
صريعهم».قال المفسرون هم الملائكة (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:132-133. [1]
.«حتّى يظن الظانّ أنّ الدنيا معقولة» أي:مشدودة.
«على بني امّية» قال ابن همام السلولي في معاوية بن يزيد:
تلقّفها يزيد عن أبيه فخذها يا معاوي عن يزيدا
فإن دنياكم بكم أطمأنّت فأولوا أهلها خلقا شديدا
«تمنحهم» أي:تعطيهم الدنيا،و في(الصحاح)المنيحة:منحة اللبن كالناقة أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها.ثمّ يردّها عليك (2).
«درها» أي:لبنها .
«و توردهم» من ايراد الماء.و في(الصحاح):الورد خلاف الصدر،و الورد أيضا،و الورّاد و هم الّذين يردون الماء (3).
«صفوها» من صفا الماء .
«و لا يرفع عن هذه الامّة سوطها و لا سيفها» :الكلام إلى هنا جزء ظنّ الظانّ .
«و كذب الظانّ لذلك» فإنّ اللّه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممّن يشاء.
و في(الكشّي)و غيره:كان سالم بن أبي حفصة مختفيا بالكوفة من بني اميّة.فلمّا بويع السفّاح خرج من الكوفة محرما.فلم يزل يلبي قائلا:«لبيك قاصم بني اميّة لبيك»حتّى أناخ بالبيت (4)،و قال الكميت:
رمى المقدار نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهن السود بيضا و ردّ خدودهنّ البيض سودا
«بل هي مجّة» في(الصحاح):مجاجة الشيء أيضا عصارته،و المجاج و المجاجة الريق الّذي تمجّه من فيك (1)
صحاح اللغة 1:340، [1]مادة(مجج).
.«من لذيذ العيش» في(خلفاء ابن قتيبة):عمل عبد الملك بن مروان ثوبا لابنته فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز منسوجا بالذهب،منظوما بالدر و الياقوت،أنفق عليه مئة ألف دينار (2).
«يتطعّمونها» أي:يذوقونها.يقال:تطعّم تطعّم أي:ذق حتّى تشتهي و تأكل.
«برهة» بالضم و الفتح أي:مدّة .
«ثمّ يلفظونها» من قولهم لفظ الشيء من فمه أي:رماه.
«جملة» أي:كلاّ.في(تاريخ الطبري):كان سليمان بن هشام بن عبد الملك يشرب حذاء رصافة أبيه في آخر أيام الناقص،و يغنّيه حكم الوادي بشعر العرجي،فتوسّد يده فانبته فزعا و نبّه نديمه،و قال له:رأيت كأنّي في مسجد دمشق،و كأنّ رجلا في يده خنجر،و عليه تاج أرى بصيص ما فيه من جوهر و هو رافع صوته بهذه الأبيات:
أ بني اميّة قد دنا تشتيتكم و ذهاب ملككم و أن لا يرجع (3)
و في(المروج):كان جميع ملك بني اميّة ألف شهر كاملة لا يزيد و لا ينقص ملك معاوية عشرين سنه.و يزيد ثلاث سنين و ثمانية أشهر و يومين، و معاوية بن يزيد شهرا واحد و عشر يوما،و عمر سنتين و خمسة أشهر و خمسة أيام،و يزيد أربع سنين و ثلاثة أيّام،و هشام تسع عشرة سنة،
و تسعة أشهر،و تسعة أيّام،و الوليد بن يزيد سنة و ثلاثة أشهر،و يزيد بن الوليد شهرين و عشرة أيّام،و مروان بن محمّد خمس سنين،و شهرين، و عشرة أيّام إلى البيعة مع السفاح،و الجملة تسعون سنة و أحد عشر شهرا و ثلاثة عشر يوما يوضع من ذلك أيّام الحسن عليه السلام خمسة أشهر و عشرة أيّام،و توضع أيّام ابن الزبير إلى قتله سبع سنين و عشرة أشهر و ثلاثة أيّام، و أسقطنا أيّام إبراهيم بن الوليد فيهم كإسقاط إبراهيم بن المهدي في العباسية فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثة و ثمانون سنة و أربعة أشهر.يكون ذلك ألف شهر سواء،و قد ذكر قوم أنّ تأويل قوله-عزّ و جلّ- «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (1)
القدر:3. [1]
ما ذكرناه من أيّامهم (2).هذا،و في(عيون القتيبي):أخذ عبد اللّه بن علي أسيرا من أصحاب مروان فأمر بضرب عنقه.فلمّا رفع السيف ليضرب به ضرط الشامي.
فضحك عبد اللّه،و قال له:اذهب فأنت عتيق استك.فالتفت إليه و قال له:أصلح اللّه الأمير رأيت ضرطة قط أنجت من الموت غير هذه؟قال:لا،قال:هذا و اللّه الإدبار،قال:و كيف ذاك؟قال:ما ظنك بنا و كنّا ندفع الموت بأسنّتنا.فصرنا ندفعه اليوم بأستاهنا (3).
من الخطبة(91)
أَلاَ وَ إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ؟بَنِي أُمَيَّةَ؟- فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا- وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا- وَ أَصَابَ الْبَلاَءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا-
وَ أَخْطَأَ الْبَلاَءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ؟بَنِي أُمَيَّةَ؟ لَكُمْ- أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ- تَعْذِمُ بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا- وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا- لاَ يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لاَ يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاَّ نَافِعاً لَهُمْ- أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ- وَ لاَ يَزَالُ بَلاَؤُهُمْ حَتَّى لاَ يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ- إِلاَّ كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ- وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ- تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً- وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً- لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَ لاَ عَلَمٌ يُرَى- نَحْنُ؟أَهْلَ الْبَيْتِ؟ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ- ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ- بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً- وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لاَ يُعْطِيهِمْ إِلاَّ السَّيْفَ- وَ لاَ يُحْلِسُهُمْ إِلاَّ الْخَوْفَ- فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ؟قُرَيْشٌ؟ بِالدُّنْيَا- وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً- وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ- لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلاَ يُعْطُونَنِى أقول:قال ابن أبي الحديد:ذكر هذه الخطبة جماعة من أهل السيرة،و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان،و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمة اللّه-إلى أن قال-،و منها في ذكر بني اميّة:«يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتّى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا،إلى أن يضع اللّه -عزّ و جلّ-جبروتها،و يكسر عمدها،و ينزع أوتادها.ألا و إنّكم مدركوها.
فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر و حنين تؤجروا،و لا تمالئوا عليهم عدوّهم فتصرعكم البلية و تحلّ بكم النقمة » (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:178-179. [1]
.«ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني اميّة» ففتنوا الناس حتّى أن أمير المؤمنين عليه السلام الّذي ولايته جزء الدين كولاية اللّه تعالى و ولاية رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ»
1) 1)
«وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (1)
المائدة:55. [1]
و تكون التصلية عليه السلام في الصلاة شرط قبولها،تقول أهل حران-كما في(المروج)-لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب، و أقاموا بعد إزالة سبّه عن المنابر يوم الجمعة على سبّه حتّى ظهر أمر بني العباس (2).و يقول جدّ الأصمعي للحجّاج:إنّ أبي عقّني.فسمّاني عليّا (3).و قال هشام الكلبي:قال أبي:أدركت بني أود و هم يعلّمون أبناءهم و خدمهم سبّ عليّ عليه السلام.و عن الكلبي:دخل رجل من بني أود على الحجّاج.فأغلظ له.فقال له:لا تقل هكذا،فلا لقريش و لا لثقيف منقبة يعتدّون بها إلاّ و نحن نعتدّ بمثلها.قال:
و ما مناقبكم؟قال:ما شهد منّا مع أبي تراب مشاهده إلاّ رجل واحد فأسقطه ذلك عندنا و أخمله،فما له عندنا قدر،و ما أراد منّا رجل قطّ أن يتزوّج امرأة إلاّ سأل عنها هل تحبّ أبا تراب أو تذكره بخير؟فإن قيل:إنّها تفعل ذلك لم يتزوّجها،و ما ولد فينا ذكر.فسمّي عليّا و لا حسنا و لا حسينا،و لا ولدت فينا جارية فسمّيت فاطمة،و نذرت منّا امرأة حين أقبل الحسين إلى العراق إن قتل أن تنحر عشر جزر.فلمّا قتل وفت بنذرها،و دعي رجل منّا إلى البراءة من عليّ و لعنه.فقال:نعم و أزيدكم حسنا و حسينا (4)(5).
«عمّت خطّتها» البر و الفاجر.و في(الصحاح):الخطّة بالكسر:
الأرض يختطّها الرجل لنفسه و هو أن يعلّم عليها علامة بالخط ليعلم أنّه قد اختارها ليبنيها دارا،و منه خطط الكوفة و البصرة،و الخطة بالضم:
الأمر و القصّة.قال تأبط شرّا:
هما خطّتا إمّا اسار و منة و إمّا دم و القتل بالحرّ أجدر
و في حديث قيله«أن يفصل الخطّة،و ينتصر من وراء الحجزة»و قولهم «قبّح اللّه معزى خيرها خطّة»قال الأصمعي:خطّة اسم عنز و كانت عنز سوء، و الخطّة أيضا اسم من الخط كالنقطة من النقط (1)
صحاح اللغة 3:1123، [1]مادة(خطط).
.«و خصّت بليّتها» :روى المدائني في(كتاب احداثه):أنّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن:برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته،و انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه،و أهل ولايته،و الّذين يروون فضائله و مناقبه فأدنوا مجالسهم (2).
«و أصاب البلاء من أبصر فيها،و أخطأ البلاء من عمي عنها» هكذا في (النسخ) (3)،و الصواب:(أصاب البلاء...)لأنّ الكلام كالبيان لقوله عليه السلام:
«و خصّت بليّتها» فلا وجه للعطف .
«و أيم اللّه» بفتح الهمزة و كسرها،و الأصل أيمن اللّه من اليمين بمعنى القسم.
«لتجدنّ بني اميّة لكم أرباب سوء بعدي» فكانوا يأخذون الجزية ممّن أسلم من أهل الذمة و يقولون فرّوا من الجزية،و يأخذون الصدقة من الخيل، و كانوا إذا أبصروا آخيّة في دار يطالبون صاحبها بصدقة حيوانه،و لو كان بيع أو هلك و كانوا يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل،و ينقشون في أكفّهم علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم و الحبشة.
و في(كامل الجزري):كان أهل إفريقية أطوع أهل البلدان إلى زمن هشام،و كانوا يقولون:لا تخالف الأئمة بما تجنى العمّال.فقال لهم أهل العراق الّذين دبّوا فيهم:إنّما يعمل هؤلاء بأمر اولئك.فقالوا:نختبرهم.فخرج منهم ميسرة في بضعة و عشرين رجلا.فقدموا على هشام.فلم يؤذن لهم.فدخلوا على الأبرش فقالوا له:«أبلغ الخليفة أنّ أميرنا يغزو بنا و بجنده.فإذا غنمنا نفلهم و حرمنا،و يقول:هذا أخلص لجهادكم،و إذا حاصرنا مدينة قدّمنا، و أخّرهم و يقول:هذا ازدياد في الأجر.ثمّ إنّهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء الأبيض للخليفة.فيقتلون ألف شاة في جلد فاحتملنا ذلك.ثمّ إنّهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا.فقلنا:لم نجد هذا في كتاب و لا سنّة و نحن مسلمون.فأحببنا أن نعلم أعن رأي الخليفة هذا؟»فطال عليهم المقام،و نفدت نفقاتهم فرجعوا ... (1)
الكامل 3:92،سنة 27،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«كالناب» في(الصحاح):الناب:ألمسنّة من النوق يقال:سمّيت لطول نابها،و الجمع النيب،و في المثل:«لا أفعل ذلك ما حنّت النيب» (2).
«الضروس» في(الصحاح):الضرس العضّ الشديد بالأضراس، و الأسنان كلّها اناث إلاّ الأضراس و الأنياب،و ناقة ضروس تعضّ حالبها، و منه قولهم:هي بجنّ ضراسها،أي:بحدثان نتاجها.و إذا كانت كذلك حامت عن ولدها.قال بشر:
عطفنا لهم عطف الضروس من الملا بشهباء لا يمشي الضراء رقيبها (3)
«تعذم» أي:تعضّ.
«بفيها» أي:فمها .
«و تخبط بيدها» يقال:خبط البعير الأرض بيده.أي:ضربها .
«و تزبن برجلها» في(الصحاح):زبنت الناقة:إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب،و ناقة زبون تضرب حالبها و تدفعه (1)
صحاح اللغة 5:2130، [1]مادة(زبن).
.«و تمنع درّها» أي:جريان لبنها،و كذلك كان بني اميّة،و في(كامل المبرد):قالوا:ضحّى بنو حرب بالدين يوم كربلاء،و ضحّى بنو مروان بالمروّة يوم العقر.يعني يوم قتل بني المهلب (2).
«لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم أو غير ضائر بهم» في(تاريخ الطبري):كان خالد القسري لمّا كان واليا على مكّة من قبل الوليد بن عبد الملك يقول،و كان الحجّاج كتب إلى الوليد أنّ من قبلي من مرّاق أهل العراق،لجئوا إلى المدينة و مكّة،و ذلك وهن.فكتب الوليد إليه أشر عليّ برجلين لهما.فكتب يشير إليه بعثمان بن حيان للمدينة،و خالد القسري لمكّة.فعزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة و استعمل عثمان عليها،و استعمل خالدا على مكّة-:أيّها الناس!إنّكم بأعظم بلاد اللّه حرمة.ثمّ كتب على عباده حجّة،فعليكم بالطاعة و لزوم الجماعة،و إيّاكم و الشبهات.فإنّي و اللّه ما اوتى بأحد يطعن على امامه إلاّ صلبته في الحرم.إنّ اللّه جعل الخلافة منه بالموضع الّذي جعلها فسلّموا و أطيعوا،و لا تقولوا كيت و كيت.إنّه لا أرى في ما كتب به الخليفة أو رآه إلاّ إمضاءه و اعلموا أنّه بلغني أنّ قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم،و يقيمون في بلادكم،فإيّاكم أن تنزلوا أحدا ممّن تعلمون أنّه زائغ عن الجماعة.فإنّي لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلاّ هدمت منزله،و اللّه لو أعلم أنّ هذه
الوحش الّتي تأمن في الحرم،لو نطقت لم تقرّ بالطاعة لأخرجتها من الحرم.فلا يسكن الحرم مخالف للجماعة (1)
تاريخ الطبري 5:256 و 243، [1]لسنة 93 و 91،و النقل بتصرف يسير.
.«و لا يزال بلاؤهم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار» هكذا في (المصرية)و الصواب:(إلاّ مثل انتصار)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية) (2).
«العبد من ربه» و مرّ في(21)عنه عليه السلام«و حتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده إذا شهد أطاعه،و إذا غاب اغتابه» (3)أخذ مسلم بن عقبة بعد غلبته على المدينة و نهبها،و قتله من قتل ممّن حاربه من البقية البيعة على انّهم عبد قنّ ليزيد .
«و الصاحب من مستصحبه» لا بد له أن يطيعه لأنّه تابع له،و هو رئيس عليه.فلمّا أمر معاوية خطباءه أن يخطبوا لاستخلاف يزيد قام رجل من الأزد، و قال:أنت أمير المؤمنين-و أشار إلى معاوية-فإذا متّ فهذا-و أشار إلى يزيد-فمن أبى فهذا-و أشار إلى سيفه-فقال له معاوية:اقعد فأنت من أخطب الناس.فقال ابن همام السلولي:
فإن تأتوا برملة أو بهند نبايعها أميرة مؤمنينا
فيا لهفا لو أنّ لنا الوفا و لكن لا نعود كما عنينا
إذن لضربتم حتّى تعودوا بمكّة تلعقون بها السخينا
«ترد عليكم فتنتهم شوهاء» أي:قبيحة.
«مخشيّة» أي:مخوفة.
«و قطعا جاهلية ليس فيها منار هدى» سمّي ملك من ملوك اليمن ذا المنار لأنه ضرب المنار على طريقه ليهتدي بها إذا رجع .
«و لا علم يرى» في(الصحاح):العلم العلامة،و الجبل قال جرير«إذا قطعن علما بدا علم» (1)
صحاح اللغة 5:1990، [1]مادة(علم).
.في(البيان)قام الوليد بن عتبة بعد معاوية يدعو الناس إلى بيعة يزيد:
فرأى روح بن زنباع إبطاءهم.فقال:أيّها الناس!إنّا لا ندعوكم إلى لخم و جذام و كلب،و لكن إلى قريش،و نحن أبناء الطعن و الطاعون،و فضلات الموت (2).
و في(تاريخ الطبري):خطب الوليد بن عبد الملك لمّا ولّي(و كان جبّارا عنيدا)فقال:من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الّذي فيه عيناه،و من سكت مات بدائه ... (3).
«نحن أهل البيت منها بمنجاة» المنجاة:كالنجوة المكان المرتفع الّذي تظن أنّه نجاؤك لا يعلوه السيل،و جمعها المناجي.قال أبو بثينة الباهلي:
فهل تأوي الى المنجاة إنّي أخاف عليك معتلج السيول
و قال الراعي:
بأسحم من نوء الذراعين أتأقت مسايله حتّى بلغن المناجيا
و قال آخر:
أ لم تريا النعمان كان بنجوة من الشرّ لو أنّ امرا كان ناجيا (4)
«و لسنا فيها بدعاة» روى(الخرائج):عن الباقر عليه السلام أنّ عبد الملك كان يطوف بالبيت،و عليّ بن الحسين عليه السلام يطوف بين يديه فلا يلتفت إليه،و لم يكن
عبد الملك يعرفه بوجهه.فقال:من هذا الّذي يطوف بين أيدينا،و لا يلتفت إلينا؟ فقيل له:هذا عليّ بن الحسين عليه السلام.فجلس مكانه،و قال:ردّوه إليّ فردّوه.فقال له:يا علي بن الحسين إنّي لست قاتل أبيك.فما يمنعك من المصير إليّ.
فقال عليه السلام:إنّ قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه عليه و أفسد أبي عليه آخرته.فإن أحببت أن تكون كهو فكن.فقال:كلاّ،و لكن صر إلينا لتنال من دنيانا.فجلس زين العابدين عليه السلام و بسط رداءه و قال:«اللّهم اره حرمة أوليائك عندك»فإذا رداؤه دررا يكاد شعاعها يخطف الأبصار،ثمّ قال له:«من تكون هذه حرمته عند ربه يحتاج إلى دنياك؟ثمّ قال:اللّهم خذها فما لي فيها حاجة» (1)
الخرائج و الجرائح 1:232.
.و في(حلية أبي نعيم):قال الزهري:شهدت عليّ بن الحسين عليه السلام يوم حمله عبد الملك إلى الشام.فأثقله حديدا.فما لبثنا إلاّ أربع ليال حتّى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة.فما وجدوه.فقالوا:انّا نراه متبوعا-إلى أن قال-:
فقال لي عبد الملك:قد جاءني عليّ بن الحسين يوم فقده الأعوان.فقال:
ما أنا و أنت؟فقلت له:أقم عندي.فقال:لا أحب ثم خرج فو اللّه لقد امتلأ ثوبي منه خيفة.قال الزهري فقلت له:ليس عليّ بن الحسين حيث تظنّ أنّه مشغول بنفسه.فقال:حبذا شغل شغله،فنعم ما شغله (2).
«ثمّ يفرّجها» أي:فتنة بني اميّة.
«اللّه عنكم كتفريج الأديم» أي:ككشف الجلد يعني عن اللحم حتّى ينتفع به .
«بمن يسومهم خسفا» أي:يعطيهم ذلاّ و هوانا.قال الشاعر:
إذا سمته وصل القرابة سامني قطيعتها تلك السفاهة و الظلم
و قال آخر:
و طعنهم الأعداء شزرا و إنّما يسام و يقنى الخسف من لم يطاعن (1)
أوردهما اساس البلاغة:225، [1]مادة(سوم).
«و يسوقهم عنفا» أي:سوقا شديدا .
«و يسقيهم بكأس مصبّرة» أي:فيها الصبر،و هو دواء مرّ.و في (الصحاح):أدهقت الكأس إلى أصبارها و أصمارها أي:إلى رأسها.قال الأصمعي:إذا لقي الرجل الشدّة بكمالها،قيل:لقيها بأصبارها (2).
«لا يعطيهم إلاّ السيف،و لا يحلسهم» أي:لا يلبسهم من«أحلست البعير» أي:ألبسته الحلس،و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة.
«إلاّ الخوف فعند ذلك» أي:في ذاك الزمان.
«تودّ قريش» بنو اميّة و غيرهم.
«بالدنيا و ما فيها» أي:باعطاء الدنيا و ما فيها.
«لو يرونني» و في(ابن ميثم) (3)لو رأوني «مقاما واحدا» أي:مرّة واحدة .
«و لو قدر جزر» أي:نحر.
«جزور» أي:إبل .
«لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني» هكذا في(المصرية) و الصواب:(فلا يعطوننيه)كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4).
و عن المازني لم يصح عندنا أنّ عليّا عليه السلام تكلّم بشيء من الشعر
غير هذين البيتين:
تلكم قريش تمنّاني لتقتلني و لا وجدّك ما برّوا و لا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم بذات روقين لا يعفو لها أثر
قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السلام«ثمّ يفرّجها اللّه عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا...»إخبار عن ظهور المسوّدة و انقراض ملك بني اميّة،و وقع الأمر بموجب إخباره عليه السلام حتّى لقد صدقه قوله عليه السلام «فعند ذلك تود قريش لو يرونني...» فإنّ أرباب السيرة كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد قال يوم الزاب لمّا شاهد عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس بإزائه في صف خراسان:
لوددت أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:178. [1]
.قلت:بل قوله عليه السلام: «ثمّ يفرّجها اللّه...» إخبار بالقائم عليه السلام من عترته عليه السلام فبظهوره يفرّج اللّه عن الناس،و أما بظهور المسودة فأيّ فرج كان للناس،و لم تكن شدّة ملك بني العباس أقلّ من شدّة ملك بني اميّة.
كما أنّ ما ذكره في تفسير قوله عليه السلام: «فعند ذلك تودّ قريش» من كلام مروان بن محمّد (2)خبط أيضا لأنّ مروان تمنّى أن يكون في قباله أمير المؤمنين عليه السلام لأنّه أخبر في الملاحم أنّه عليه السلام كولده لم يكن له حظ في ملك مستقر.فلا يسلبه ملكه بخلاف بني العباس.فأخبر فيها أنّهم يأخذون الملك منهم،و يملكون أكثر منهم.
و ممّا يوضح أنّ المراد بمن يفرّج اللّه به،القائم،و أنّ قريشا يتمنون أمير المؤمنين عليه السلام لو يرونه حتّى يملّكوه الأمر لا كيوم السقيفة و يوم الشورى -و قد كانوا أجمعوا فيهما على الحيلولة بينه عليه السلام و بين الأمر-و يكفّ القائم عليه السلام عن قتلهم،ما رواه النعماني في غيبته مسندا عن الحارث الأعور
قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام بأبي ابن خيرة الإماء-يعني القائم من ولده عليه السلام- يسومهم خسفا و يسقيهم بكأس مصبّرة،و لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا.فعند ذلك تتمنّى فجرة قريش لو أنّ لها مقاما منّي بالدنيا و ما فيها لا غفر لها لا نكف عنهم حتى يرضى اللّه (1)
غيبة النعماني:151. [1]
.و ما رواه ابن أبي الحديد نفسه-فقال ذكر الخطبة أصحاب السير، و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي،و منها-«فانظروا أهل بيت نبيّكم فإن لبدوا فالبدوا،و إن استنصروكم فانصروهم،فليفرجنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت.بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر حتّى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا،يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما و رفاتا «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً» (2).
و أما قول ابن أبي الحديد بعد هذه الزيادة:«و المراد بابن خيرة الإماء المهدي من ولده عليه السلام و ببني اميّة الّذين يقتلهم السفياني من ولد أبي سفيان الموعود به في الخبر،و ليس ما قلت هنا مخالفا لما قلت قبل من أنّ الوعد إنّما هو بالسفاح،و عمّه عبد اللّه بن علي،و المسودة.فإنّ ما مرّ قبل تفسير ما نقله الرضي من كلامه عليه السلام و ما قلته هنا تفسير الزيادة من كلامه عليه السلام (3)فخطأ.فإنّ الأصل في ما نقله الرضي،و ما نقله هو،و سمّاه زيادة،واحد،و إنّما اختلفت ألفاظ الرواية باختلاف الرواة،و بالجملة لم يكن ببني العباس فرج للناس بل حرج،و إن كانوا انتقموا من بني اميّة.
و لو كان ابن أبي الحديد قال في ما نقله من الزيادة أيضا من قوله عليه السلام في ذكر بني اميّة:«يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما،و بدعا إلى أن يضع اللّه-عزّ و جلّ-جبروتها،و يكسر عمدها،و ينزع أوتادها» (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:179. [1]
:أنّ اللّه تعالى وضع جبروتها،و كسر عمدها،و نزع أوتادها ببني العباس لكان أصاب.و في(كامل المبرد):دخل شبل مولى بني هاشم على عبد اللّه بن علي، و قد أجلس ثمانين رجلا من بني اميّة على سمط الطعام فمثل بين يديه فقال:
أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميل من الزمان و ياس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا و اقطعن كلّ رقلة و أواسي
ذلّها أظهر التودد منها و بها منكم كحزّ المواسي
فأمر بهم عبد اللّه فشدخوا بالعمد،و بسطت عليهم البسط،و جلس عليها و دعا بالطعام،و إنّه ليسمع أنينهم حتّى ماتوا جميعا (2).
و في(المروج):حكى الهيثم بن عدي عن عمرو بن هاني قال:خرجت مع عبد اللّه بن علي لنبش قبور بني اميّة في أيّام السفاح.فانتهينا إلى قبر هشام.
فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلاّ خثمة أنفه.فضربه عبد اللّه بن علي ثمانين سوطا ثمّ أحرقه،و استخرجنا سليمان من أرض دابق.فلم نجد منه شيئا إلاّ صلبه و أضلاعه و رأسه فأحرقناه،و فعلنا ذلك بغيرهما من بني اميّة و كانت قبورهم بقنّسرين ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك.فما وجدنا في قبره قليلا و لا كثيرا،و احتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا
إلاّ شئون رأسه.ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية.فما وجدنا فيه إلاّ عظما واحدا أو وجدنا مع لحده خطّا أسود كأنّما خطّ بالرماد في طول لحده.ثمّ اتّبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا منهم (1)
مروج الذهب 3:207،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الكامل):و نبش قبر معاوية فلم يجدوا فيه إلاّ خيطا مثل الهباء.قيل ضرب عبد اللّه بن علي جسد هشام ثمانين سوطا لقذفه زيد بن علي.
و في(كامل الجزري)أيضا قتل سليمان بن علي بالبصرة أيضا جماعة من بني اميّة عليهم الثياب الموشية المرتفعة،و أمر بهم فجرّوا بأرجلهم.
فالقوا على الطريق فأكلهم الكلاب.فلمّا رأى بنو اميّة ذلك اشتدّ خوفهم، و تشتت شملهم،و اختفى من قدر على الاختفاء (2).
و في(بلاغات البغدادي):قال أبو الخطاب الأزدي:لمّا قتل مروان بن محمّد هجم عامر بن إسماعيل على الكنيسة الّتي فيها بنات مروان و نساؤه،و قد أغلقن الأبواب دونهنّ فصحن و ولولن.فأخذ الخصي الموكّل بهنّ فسئل عن أمره فقال:أمرني مروان أن أضرب رقاب بناته و جواريه إذا قتل.فجيء بابنتي مروان إلى عامر.فأمر بوضع رأس مروان في حجر ابنته الكبرى،و قال لها عامر:معذرة إنّما فعلت هذا بك بما فعلتم برأس يحيى بن زيد إذ وضع في حجر امّه، و البادئ أظلم.ثمّ وجّه عامر بهما،و بجواري مروان إلى صالح بن علي.
فقالت له الكبرى:نحن بنات أخيك فليسعنا عدلك.قال:إذن لا نستبقي منكم أحدا رجلا و لا امرأة.ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم في محبس حرّان؟أ لم يقتل هشام زيدا و صلبه،و أمر بقتل امرأته.فقتلها
يوسف بن عمر صبرا؟ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بخراسان،و أحرق جثته و خشبته؟ (1)
بلاغات النساء:200،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(المعجم)قال ابن فرّوخ المكّي:
أمست نساء بني اميّة أيّما و بناتهم بمضيعة أيتام (2)
هذا،و أمّا قوله عليه السلام في الزيادة التي نقلها ابن أبي الحديد:
«ألا و إنّكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر و حنين تؤجروا،و لا تمالئوا عليهم عدوّهم فتصرعكم البلية،و تحل بكم النقمة» (3).
و الظاهر أنّ المراد:انصروا أهل بيتي الّذين هم أصحاب رايات بدر و حنين لأنّهم منّي،و أنا كنت صاحب رايات بدر و حنين،و إن مالأتم عليهم عدوّهم يبتلون هم بالقتل و تحل بكم نقمة اللّه لعملكم.
و أشار عليه السلام في ذلك إلى عملهم مع ابنه الحسين عليه السلام-يوضح ذلك ما رواه نصر بن مزاحم في(صفينه)عن سعيد بن وهب قال:
بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليه السلام فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده و يقول:«هاهنا هاهنا»فقال له رجل:و ما ذلك يا أمير المؤمنين قال عليه السلام:«ثقل لآل محمّد عليه السلام ينزل ها هنا فويل لهم منكم،و ويل لكم منهم»فقال له الرجل:ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام:«ويل لهم منكم تقتلونهم،و ويل لكم منهم يدخلكم اللّه بقتلهم الى النار» (4)-.
الحكمة(464)
و قال عليه السلام:
إِنَّ؟لِبَنِي أُمَيَّةَ؟ مُرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ- وَ لَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ- ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ و المرود هنا مفعل من الإرواد و هو الإمهال و الإنظار و هذا من أفصح الكلام و أغربه- فكأنه ع شبه المهلة التي هم فيها بالمضمار- الذي يجرون فيه إلى الغاية- فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم بعدها أقول:و في غريب حديثه عليه السلام كما رواه ابن قتيبة ابن قتيبة-غريب الحديث-ج 2 ص 137 -و قد نقله ابن أبي الحديد في فصل غريب الكتاب-«إنّ بني اميّة لا يزالون يطعنون في مسجل ضلالة،و لهم في الأرض أجل حتّى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام،و اللّه لكأنّي إلى غرنوق من قريش يتشحّط في دمه.فإذا فعلوا ذلك لم يبق لهم في الأرض عاذر و لم يبق لهم ملك على وجه الأرض».
قال ابن قتيبة:قوله عليه السلام«في مسجل ضلالة»من قولك«ركب فلان مسجله»إذا جدّ في أمر هو فيه،و الغرنوق القرشى الّذي قتلوه فانقضى أمرهم -و الغرنوق الشاب-هو إبراهيم الإمام،قيل:قتل بالسيف،و قيل:خنق في جراب فيه نورة و قوله عليه السلام:«يتشحّط في دمه»يشيّد الأوّل (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:363، [1]شرح الغريب 9،و غريب الحديث لابن قتيبة 2:137،و النقل بتصرف يسير.
.«إنّ لبني اميّة مرودا يجرون فيه» في(تاريخ الطبري):لمّا دخل عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث كرمان بعد انهزامه في وقعة الزاوية بالبصرة تلقّاه عمرو بن لقيط العبدي-و كان عامله عليها-فهيّأ له نزلا.فنزل.فقال له
1) 1)
شيخ من عبد القيس:و اللّه لقد بلغنا عنك يا ابن الأشعث أن قد كنت جبانا.فقال:
و اللّه ما جبنت،و اللّه لقد دلفت الرجال بالرجال،و لففت الخيل بالخيل،و لقد قاتلت فارسا.و قاتلت راجلا،و ما انهزمت،و لا تركت العرصة للقوم في موطن حتّى لا أجد مقاتلا،و لا أرى معي مقاتلا،و لكنّي زاولت ملكا مؤجّلا (1)
تاريخ الطبري 5:172،سنة 83. [1]
.و روى في أوّل الصحيفة مسندا عن متوكّل بن هارون الثقفي البلخي قال:لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه و هو متوجّه إلى خراسان.فقلت له:إنّي رأيت الناس إلى ابن عمّك جعفر بن محمّد عليه السلام أميل منهم إليك و إلى أبيك.فقال:
إنّ عمّي محمّد بن علي،و ابنه جعفرا دعوا الناس إلى الحياة،و نحن دعوناهم إلى الموت.قال:فلمّا قتل يحيى صرت إلى المدينة.فلقيت أبا عبد اللّه عليه السلام.فقال لي:كيف قال لك يحيى؟إنّ أبي حدّثني عن أبيه،عن جدّه عن عليّ عليه السلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذته نعسة،و هو على منبره.فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة،و يردّون الناس على أعقابهم القهقرى.فاستوى جالسا و الحزن يعرف في وجهه.فأتاه جبرئيل عليه السلام بهذه الآية: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً» (2)-يعني بني اميّة-فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا جبرئيل، أعلى عهدي يكونون؟قال:لا و لكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك.فتلبث بذلك عشرا ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا ثمّ لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها،ثمّ ملك الفراعنة،و أنزل تعالى في ذلك «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (3)يملكها بنو اميّة ليس فيها ليلة القدر.
فأطلع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ بني اميّة تملك سلطان هذه الامّة،و ملكها طول هذه المدّة.فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتّى يأذن اللّه تعالى بزوال ملكهم، و هم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت و بغضنا،و أخبر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما يلقى أهل بيته،و أهل مودّتهم و شيعتهم في أيّامهم و ملكهم،و أنزل تعالى فيهم: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ» (1)
ابراهيم:28-29. [1]
نعمة اللّه محمّد و أهل بيته،حبّهم إيمان يدخل الجنّة،و بغضهم كفر و نفاق يدخل النار.فأسرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك إلى عليّ عليه السلام و أهل بيته.ثمّ قال الصادق عليه السلام ما خرج و لا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقّا إلاّ اصطلمته البليّة،و كان قيامه زيادة في مكروهنا و شعثنا (2).«و لو قد اختلفوا في ما بينهم» و اختلافهم الشديد كان زمن خلافة الوليد بن يزيد.
و في(تاريخ الطبري):ضرب ابن عمّه سليمان بن هشام مئة سوط و حلق رأسه و لحيته و غرّبه إلى عمان.فحبسه بها،و حبس يزيد بن هشام لمّا أراد البيعة لابنيه،و أخذ جارية لآل الوليد عمه.فكلّمه عمر بن الوليد فيها.فقال:
لا أردّها.فقال:إذن تكثر الصواهل حول عسكرك.فرماه بنو الوليد و بنو هشام عميه بالكفر،و غشيان امهات أولاد أبيه،و قالوا:اتّخذ مئة جامعة،و كتب على كلّ جامعة اسم رجل من بني اميّة ليقتله بها و رموه بالزندقة،و كان أشدّهم فيه قولا يزيد بن الوليد-و كان يظهر النسك-فحمل الناس على الفتك به (3).
فقتل في سنة(126)ثمّ بويع يزيد و اضطرب حبل بني مروان.فوثب أهل حمص على العباس بن الوليد فهدموا داره و انتهبوها و سلبوا حرمه،و حبسوا بنيه.
و وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية و النزارية،و أظهر الكرماني فيها الخلاف لنصر بن سيّار.و اجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة،و أظهر مروان بن محمّد الخلاف على يزيد طالبا بدم الوليد.فمات يزيد في آخر يوم من السنة ثمّ قام مقامه أخوه إبراهيم بن الوليد لكنّه لم يتمّ أمره،و كان يسلّم عليه جمعة بالخلافة و جمعة بالإمرة،و جمعة لا بالخلافة و لا بالإمرة حتّى قدم مروان بن محمّد.فخلعه،و قتل عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك.فبايع الناس مروان بن محمّد.ثمّ خالف سليمان بن هشام مروان و نصب الحرب فحاربه مروان و هزمه،و قتل ابنه إبراهيم بن سليمان و هرب سليمان إلى الضحّاك الخارجي.
و أمّا أصل اختلافهم فمن زمان عمر بن عبد العزيز.فلما قيل لسليمان اجعله ولي عهدك فإنّه رجل صالح قال:إن ولّيته و لم أول أحدا سواه لتكوننّ فتنة و لا يتركه بنو عبد الملك يلي عليهم إلاّ أن يجعل أحدهم بعده.فجعل يزيد بعده،و مع ذلك لم يجترئ أن يسمّيه.فأخذ بيعتهم على طاعة من ولاّه في كتاب عهده،و لمّا سمع هشام بعد سليمان بكونه عمر،نادى:لا نبايعه أبدا.
فحمله الموكّل بأخذ البيعة على البيعة كرها.ولي عمر سنة(99)و قام الدعاة سنة مئة فبعث محمّد بن علي العباسي رجلا إلى العراق و ثلاثة رجال إلى خراسان للدعوة تلك السنة.
«ثمّ كادتهم» من الكيد.أي:مكرتهم.
«الضباع» جمع الضبع،و خصّها عليه السلام بالذكر لأنّها ممّا يضرب المثل
بحمقها فقالوا«أحمق من الضبع» (1)
أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:225،و [1]الزمخشري في المستقصى 1:75. [2]
و قالوا«ما يخفى هذا على الضبع» (2)و المراد دعاة بني العباس،و في رأسهم أبو مسلم.و في(تاريخ الطبري):أنّ المنصور لمّا عاتب أبا مسلم لمّا أراد قتله، و قال له:فعلت و فعلت،قال أبو مسلم:ليس يقال هذا لي بعد بلائي.قال له المنصور:لو كانت أمة مكانك لأجزت ناحيتها إنّما عملت ما عملت في دولتنا (3).
و فيه أيضا:قال المنصور للسفاح:أطعني و اقتل أبا مسلم.فو اللّه إنّ في رأسه لغدرة.فقال:يا أخي قد عرفت بلاءه،و ما كان منه.فقال المنصور:إنّما كان بدولتنا،و اللّه لو بعث سنورا لقام مقامه،و بلغ ما بلغ في هذه الدولة (4).
«لغلبتهم» و قال العباس بن الوليد لمّا وقع الاختلاف بينهم و خرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد:«إنّي لأظنّ أنّ اللّه قد أذن في هلاككم يا بني مروان»ثمّ تمثّل:
إنّي أعيذكم باللّه من فتن مثل الجبال تسامى ثمّ تندفع
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم إنّ الذئاب إذا ما الحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم فثمّ لا حسرة تغني و لا جزع
و في(العقد):لمّا نزل الموت بأبي هاشم ابن محمّد بن الحنفية لمّا سمّه سليمان قال لمحمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس:إنّي ميّت،و أنت صاحب هذا الأمر،و ولدك القائم به ثمّ أخوه من بعده،و اللّه ليتمّنّ اللّه هذا الأمر حتّى تخرج الرايات السود من خراسان ثمّ ليغلبنّ ما بين حضرموت،و أقصى إفريقيّة،
و ما بين عانة،و أقصى فرغانة.فعليك بهؤلاء الشيعة،و استوص بهم الخير.
فهم دعاتك،و أنصارك،و لتكن دعوتك خراسان لا تعدوها لا سيما مرو، و استبطن هذا الحي من اليمن.فإنّ كلّ ملك لا يقوم به فمصيره إلى انتقاض.
و انظر هذا الحي من ربيعة فإنّهم معهم في كلّ أمر.و انظر هذا الحي من قيس و تميم فأقصهم إلاّ من عصم اللّه منهم،و ذلك قليل،ثم مرهم أن يرجعوا.
فليجعلوا اثني عشر نقيبا و بعدهم سبعين نقيبا.فإنّ اللّه لم يصلح أمر بني إسرائيل إلاّ بهم،و قد فعل ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.فإذا مضت سنة الحمار فوجّه رسلك في خراسان منهم من يقتل،و منهم من ينجو حتّى يظهر اللّه دعوتكم.
فقال محمّد لأبي هاشم:و ما سنة الحمار؟قال:إنّ اللّه لم يمض مئة سنة من نبوّة قط إلاّ انتقض أمرها لقوله عزّ و جلّ: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ» -إلى قوله- «وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ» (1)
البقرة:259. [1]
.ثم قدم الشيعة على محمّد بن علي فأخبروه أنّهم حبسوا بخراسان في السجن،و كان يخدمهم فيه غلام من السرّاجين ما رأوا قط مثل عقله و ظرفه، و محبّته في أهل بيت النبيّ يقال له أبو مسلم.فقال:أحرّ أم عبد.قالوا:أمّا عيسى فيزعم أنّه عبد،و أمّا هو فيزعم أنّه حرّ.قال:فاشتروه و اعتقوه، و اجعلوه بينكم إذ رضيتموه.فلمّا انقضت المئة سنة بعث محمّد رسله إلى خراسان.فغرسوا بها غرسا،و أبو مسلم المقدّم عليهم،و ثارت الفتنة في خراسان بين المضرية و اليمنية فتمكن أبو مسلم،و فرّق رسله في كور خراسان يدعو الناس إلى آل الرسول فأجابوه (2).
قول المصنّف :«و المرود هنا مفعل من الإرواد»بمعنى أنّه اسم مكان.
فإنّ غير الثلاثي المجرد اسم مكانه بلفظ اسم مفعوله.فيكون بضم الميم، و أما المرود بكسرها فهي حديدة مشدودة بالرسن إذا دار المهر دار معه يقال «دار المهر في المرود»قال عباس بن مرداس:
على شخص الأبصار تسمع بينها إذا هي جالت في مراودها عزفا (1)
أورده أساس البلاغة:184، [1]مادة(رود).
أي:صهيلا.
من الخطبة(104)
مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ:
وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لَكُمْ- مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ- وَ تُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ- وَ يُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ- وَ لاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ- وَ يَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً- وَ لاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ- وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلاَ تَغْضَبُونَ- وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ- وَ كَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ- وَ عَنْكُمْ تَصْدُرُ وَ إِلَيْكُمْ تَرْجِعُ- فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ- وَ أَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ- وَ أَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ- يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ- وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ- لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ من الخطبة(103) فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا؟بَنِي أُمَيَّةَ؟ عَمَّا قَلِيلٍ- لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ- وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ قول المصنّف : «و منها في خطاب أصحابه» هكذا في(المصرية)،و في
1) 1)
(ابن أبي الحديد و الخطية)«منها في خطاب أصحابه»و من الغريب أنّ في نسختي،من(ابن ميثم)بدله«و من خطبة له عليه السلام» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:221، [1]لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:35 [2] مثل المصرية.
.قوله عليه السلام «و قد بلغتم من كرامة اللّه لكم منزلة-إلى قوله-و قد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تغضبون،و أنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون» أي:تستنكفون.قال ابن أبي الحديد:الكلام خطاب لأصحابه الّذين أسلموا نواحيهم إلى جيوش معاوية يقول عليه السلام لهم:إنّ اللّه أكرمكم بالإسلام،و بلغتم بذلك منزلة أكرم بها اماءكم و من كان مظنّة المهانة،و وصل بها جيرانكم أي:من التجأ إليكم من معاهد و ذمّي حتّى عصم دماءهم و أموالهم،و يعظّمكم من لا فضل لكم عليه كالروم و الحبشة،و يهابكم من لا يخاف لكم سطوة كالملوك الّذين في أقاصي البلاد كالهند و الصين بأنّكم تقهرون الامم بالنصر السماوي.
قيل:إنّ العرب لمّا عبرت دجلة إلى القصر الأبيض بالمدائن عبرتها في أيّام مدّها-و هي كالبحر الزاخر-على خيولها،و بأيديها رماحها.فهربت الفرس بعد رمي شديد منهم للعرب،و العرب يقدمون.فقال فلاّح نبطي بيده مسحاته يفتح الماء إلى زرعه لأسوار معروف بالبأس:أمثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء الخاسرين؟فقال له:أقم مسحاتك فأقامها فرماها فخرق الحديد ثمّ قال:انظر الآن.ثمّ رمى بعض العرب المارّين عليه عشرين سهما لم يصبه بسهم.فقال له:أعلمت أنّ القوم مصنوع لهم.ثم قال عليه السلام مالكم لا تغضبون و أنتم ترون عهود اللّه منقوضة-... (2).
قلت:على ما ذكره يكون الكلام منقطعا غير مجتمع،و الصواب أن يقال:
إنّه عليه السلام قال لهم إذ بلغتم من كرامة اللّه تعالى لكم بدين الاسلام تلك المنزلة
الّتي وصفها عليه السلام بتلك الأوصاف الأربعة فلم ترون عهود اللّه منقوضة و لا تغضبون مع أنّكم عن نقض ذمم آبائكم تأنفون؟!هل يكون اللّه تعالى عندكم أقلّ من آبائكم؟!و هل آباؤكم في أنفسكم أجلّ من اللّه عزّ و جلّ و هو الّذي منّ عليكم بما منّ؟!.
و صدق-صلوات اللّه عليه-يقتل الحسين ابن بنت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من أنزل تعالى فيه «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
و أنزل فيه و «أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (2)و يقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه«إنّه سيّد شباب أهل الجنّة و ريحانتي من الدنيا» (3)و تسبى أخواته و بناته بمرأى منهم و مسمع.فيصمتون كأن لم يقع شيء،و يستجير عبيد اللّه ذاك الرجس النجس الخبيث المخبث بعد قتل يزيد بهم فيمنعون منه لئلاّ تخفر ذمّتهم.هذا،و ممّن أنف من نقض عهد أبيه-و إن كان ذا حميّة في الدين أيضا في حياته عليه السلام و بعده كأبيه-قيس بن سعد بن عبادة.فكان أبوه قسّم أمواله بين ولده قبل خروجه إلى الشام.ثمّ ولد بعده له ولد.فأراد أبو بكر و عمر أن ينقضا ما فعله سعد لأنّه لم يبايعهما،و إلاّ فلم يكن للولد سهم بعد التقسيم.
فخلّى قيس نصيبه لذاك الولد لئلاّ ينقض عمل أبيه.
و في(كامل المبرد):و كان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه-و كان أبوه جوادا شريفا-فاستجارت امرأة من بني جعفر بن كلاب بقبره لئلاّ يسمّيها الفرزدق و يسبّها لمّا هجا بني جعفر بن كلاب فلم يذكر لها اسما و لا نسبا،و قال:
عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب فلا و الّذي عاذت به لا أضيرها
و لمّا ولّى الحجّاج تميم بن زيد القيني السند دخل البصرة.فجعل يخرج من أهلها من شاء،جاءت عجوز الى الفرزدق،فقالت:إنّي استجرت بقبر أبيك و أتت منه بحصيات.فقال لها:و ما شأنك؟فقالت:إنّ تميم بن زيد خرج بابن لي معه و لا قرّة لعيني،و لا كاسب لي غيره.فقال لها:و ما اسم ابنك.فقالت:
خنيس.فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص:
تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يخفى عليّ جوابها
وهب لي خنيسا و احتسب فيه منّة لعبرة امّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب و بالحفرة السافي عليها ترابها
و قد علم الأقوام أنك ماجد و ليث إذا ما الحرب شبّ شبابها
فلمّا ورد الكتاب على تميم تشكك في الاسم.فقال:أحبيش أم خنيس؟ ثمّ قال:انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا.فاصيب ستّة ما بين حبيش و خنيس فوجّه بهم إليه.
و ظلع مكاتب لبني منقر بمكاتبته.فأتى قبر غالب أيضا فاستجار به و أخذ منه حصيات.فشدّهن في عمامته.ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره و قال:
إنّي قد قلت شعرا.فقال:هاته.فقال:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما خشيت الردى أو أن أردّ على قسر
بقبر امرئ تقرى المئين عظامه و لم يك إلاّ غالبا ميّت يقري
فقال لي استقدم امامك إنّما فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فقال له الفرزدق:ما اسمك؟قال:لهذم.فقال:يا لهذم!حكمك مسمّطا.
قال:ناقة كوماء سوداء الحدقة.قال:يا جارية اطرحي إلينا حبلا.ثمّ قال:يا لهذم اخرج بنا إلى المربد.فألقه في عنق ما شئت.فتخيّر العبد على عينه.ثمّ رمى بالحبل في عنق ناقة،و جاء صاحبها.فقال له الفرزدق:اغد عليّ في ثمنها.
فجعل لهذم يقودها و الفرزدق يسوقها حتّى إذا نفذ بها من البيوت إلى الصحراء صاح به الفرزدق:يا لهذم!قبّح اللّه أخسرنا صفقة (1)
كامل المبرد 4:240-243،و [1]النقل بتلخيص.
.و روى أنّ رجلا من السواقط-من بني أبي بكر بن كلاب-قدم اليمامة، و معه أخ له.فكتب له عمير بن سلمى أنّه له جار-و كان أخو هذا الكلابي جميلا -فقال له قرين أخو عمير:لا تردّنّ أبياتنا بأخيك هذا.فرآه بعد بين أبياتهم فقتله-و كان عمير غائبا-فأتى الكلابي قبر سلمى أبي عمير و قرين،فاستجار به،و قال أبياتا.فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلم-من بني حنيفة-فحمل قتادة إلى الكلابي ديات متضاعفة،و فعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك.فأبى الكلابي أن يقبل.فلجأ قرين إلى خاله السمين بن عبد اللّه.فلم يمنع منه عميرا.فأخذه عمير فمضى به حتّى قطع الوادي.فربطه إلى نخلة،و قال للكلابي:أمّا إذ أبيت إلاّ قتله،فأمهل حتّى أقطع الوادي،و ارتحل عن جواري.فلا خير لك فيه فقتله الكلابي.ففي ذلك يقول عمير:
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا و كان أبونا قد تجير مقابره
«و كانت امور اللّه عليكم ترد،و عنكم تصدر،و اليكم ترجع.فمكّنتم الظلمة من منزلتكم،و ألقيتم إليهم أزمّتكم،و أسلمتم امور اللّه في أيديهم يعملون في الشبهات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«بالشبهات»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطبة ) (2).
«و يسيرون في الشهوات» قال ابن أبي الحديد:معنى كلامه عليه السلام أنّ الأحكام الشرعية كانت إليكم ترد منّي،و من تعليمي إيّاكم،و من تثقيفي لكم.
ثمّ تصدر عنكم إلى من تعلّمونه إيّاها من أتباعكم و تلامذتكم ثمّ يرجع إليكم
بأن يتعلّمها بنوكم و إخوتكم من هؤلاء الاتباع... (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:221. [1]
.قلت:هو أيضا بلا ربط،و إنّما المراد إنّكم كنتم موارد امور اللّه، و مصادرها،و مراجعها،حيث إنّكم أنتم المعتقدون بالإسلام.فمكّنتم الظلمة -أعداء الإسلام و من دخل في الإسلام كرها-فصاروا بذلكم مراجع و مصادر.و العجب من الناس رأوا أيّام عثمان بني اميّة يصلّون بالناس سكارى و يتّخذون عباد اللّه خولا،و دين اللّه دغلا و دخلا لم يساعدوا أمير المؤمنين عليه السلام في أيّامه مع كونه عليه السلام يحملهم على المحجّة البيضاء، و الصراط المستقيم،و الدين القيّم-و كان فاروقهم بذلك عارفا و معترفا-بل خذلوه عليه السلام و عملوا أعمالا صارت سببا لتقوية معاوية عدوّ الدين و لعين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و أغرب من هذا أنّهم رأوا معاوية و يزيد،و ما عليه بنو اميّة من الكفر و العتوّ،و مع ذلك ألقوا امورهم إلى عبد الملك.
و أعجب من ذلك أنّهم غدروا بمصعب في حياته-و إن لم يكن هو خيرا من عبد الملك حتّى أنّه قتل آلافا من الناس صبرا لم يكن جرمهم إلاّ انّهم انتصروا لابن بنت نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قتلوا قاتليه حتّى قال له ابن عمر:لو كانوا من أغنام أبيك ما حلّ لك قتلهم-و عيّنوا بعده يوما لإقامة مراسم العزاء له، و سنّوا زيارة قبره.فعلوا ذلك لمّا أمر معزّ الدولة الديلمي في بغداد بإقامة مراسم العزاء للحسين عليه السلام في يوم قتله عاشوراء،أداء لبعض حقّه،حيث إنّه أحيى الإسلام بجهاده،و إنّما اختاروه عنادا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث إنّه هو الّذي قتل أنصار أهل بيته.افّ لهم.فكلّهم قتلة آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكن لا غرو فلازم صحّة خلافة صدّيقهم ذلك.
1) 1)
«و أيم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب» في(كامل المبرد):نظر الحجّاج.فإذا جلّ من خرج عليه مع ابن الأشعث من الفقهاء و غيرهم من الموالي.فأحبّ أن يزيلهم عن موضع الفصاحة و الآداب،و يخلّطهم بأهل القرى و الأنباط.فقال:
إنّما الموالي علوج،و إنّما أتى بهم من القرى.فقراهم أولى بهم.فأمر بتسييرهم من الأمصار،و إقرار العرب بها،و أمر بأن ينقش على يد كلّ إنسان منهم اسم قريته،و طالت ولايته.فتوالد القوم هناك فخبثت لغات أولادهم،و فسدت طبائعهم-إلى أن قال-:
و ردّ(سليمان بن عبد الملك بعد الحجّاج)المنقوشين.فرجعوا في صورة الأنباط.ففي ذلك يقول الراجز:
جارية لم تدر ما سوق الإبل أخرجها الحجّاج من كنّ و ظل
لو كان بدر حاضرا و ابن حمل ما نقشت كفاك في جلد جلل (1)
كامل المبرد 5:9-10. [1]
«لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم» بقيام دعاة بني العباس من سنة المئة عليهم، و لمّا قاتل عبد اللّه بن علي،مروان بن محمّد بالزاب،نادى عبد اللّه:يا أهل خراسان!يا لثارات إبراهيم!و أمر الناس بالنزول.فنزلوا،و أشرعوا الرماح.
فجعل أهل الشام يتأخّرون كأنّهم يدفعون،و قال مروان لقضاعة:انزلوا.
فقالوا:قل لبني سليم فلينزلوا.فأرسل إلى السكاسك أن احملوا.فقالوا:قل لبني عامر فليحملوا.فأرسل إلى السكون أن احملوا.فقالوا:قل لغطفان فليحملوا.فقال لصاحب شرطته:انزل.قال:لا و اللّه ما كنت لأجعل نفسي غرضا.قال:أما و اللّه لأسوءنّك.قال:وددت و اللّه أنك قدرت على ذلك،ثمّ انهزم أهل الشام و انهزم مروان،و قطع الجسر.فكان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل.
فكان في من غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك،و أمر عبد اللّه بن علي،
1) 1)
فعقد الجسر على الزاب و استخرجوا الغرقى.فكان في من أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك.فقال عبد اللّه بن علي «وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» (1)
البقرة:50. [1]
و حوى عبد اللّه عسكر مروان بما فيه فوجد فيه سلاحا كثيرا و أموالا،و لمّا بلغ السفّاح أمر عبد اللّه و مروان قال:«فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ» (2).
و في(تاريخ الطبري):كان مروان لمّا لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئا إلاّ كان فيه الخلل و الفساد.فأمر بأموال فاخرجت.فقال للناس:اصبروا و قاتلوا فهذه الأموال لكم.فجعل ناس منهم يصيبون من ذلك المال.فأرسلوا إليه أنّ الناس قد مالوا على هذا المال،و لا نأمنهم أن يذهبوا به.فأرسل إلى ابنه عبد اللّه:سر في أصحابك إلى مؤخّر عسكرك.فاقتل من أخذ من ذلك المال و امنعهم.فمال عبد اللّه برايته و أصحابه.فقال الناس:الهزيمة،فانهزموا، و مضى مروان منهزما من بلد إلى بلد حتّى انتهى إلى بوصير فبيّته عامر بن إسماعيل و شعبة،و معهما خيل الموصل.فقتلوه بها،و هرب ابناه عبد اللّه ليلة بيّت إلى أرض الحبشة فلقوا من الحبشة بلاء،قاتلتهم الحبشة فقتلوا عبد اللّه، و أفلت عبيد اللّه في عدّة،و قتل عبد اللّه بن علي بنهر أبي فطرس اثنين و سبعين رجلا من بني اميّة في سنة(132)و قتل داود بن علي من كان اخذ من بني اميّة بمكّة و المدينة في سنة(133) (3).
هذا،و أغرب ابن ميثم في شرح قوله عليه السلام: «و أيم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم» فقال:الكلام تحذير لهم،و إنذار ربما سيكون
من بني اميّة من جمع الناس في بلائهم و شرورهم و عموم فتنتهم،و كنّى باليوم عن مدّة خلافتهم الّتي كانت شرّ الأوقات على الإسلام و أهله،و إنّما نسب التفريق إليهم و الجمع إلى اللّه تقريرا لما سينزل به قدره من ابتلاء الخلق بهم فإنّهم لو فرّقوهم في أطراف البلاد لم يغنهم ذلك التفرّق عن لحوق قدر اللّه لهم،و لم يمنعهم من نزوله بجميعهم بما يراد لهم من الإبتلاء بدولة بني اميّة، و شرورها... (1)
شرح ابن ميثم 3:36. [1]
و هو كما ترى خبط عجيب.قوله عليه السلام في الثاني «فاقسم باللّه يا بني اميّة عمّا قليل» بانقضاء ثمانين سنة مدّة ملكهم.
«لتعرفنّها» أي:الخلافة و السلطنة الّتي تقتلون الناس عليها.
«في أيدي غيركم،و في دار عدوّكم» بني العباس.
من الخطبة(149)
ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلاَيَا قَدِ اقْتَرَبَتْ- فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ- وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ- عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا- وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا- تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ- شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلاَمِ وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السِّلاَمِ- يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ- وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ- وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ- وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ- وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ- وَ يَتَلاَعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ- ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ- وَ الْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ-
1) 1)
وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلاَمَةٍ- وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا- وَ تَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا- مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ- يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ- قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ- تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ- وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا- وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ- وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ- وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ- وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ- يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ- مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ- وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلاَمُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ منها:
بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ- يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ وَ بِغُرُورِ الْإِيمَانِ- فَلاَ تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلاَمَ الْبِدَعِ- وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ- وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ- وَ اقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ وَ لاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ- وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ- وَ لاَ تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ- فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ- وَ سَهَّلَ لَكُمْ سَبِيْلَ الطَّاعَةِ أقول:أشار عليه السلام إلى فتن بعده عليه السلام متّصلة من بني اميّة السفيانية، و المروانية،و من بني العباس،و من بعدهم .
«ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض» أي:أهداف.
«بلايا قد اقتربت» هو شاهد ما قلنا،و يبطل قول ابن أبي الحديد أنّ الكلام إشارة إلى ملحمة في آخر الزمان (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:421. [1]
.1) 1)
«فاتقوا سكرات النعمة» «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» (1)
العلق:6-7. [1]
«وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ» (2).و بنو اسرائيل سكروا بالنعمة بعد نجاتهم من فرعون.فكانوا يقتلون أنبياء اللّه،و عبدوا العجل كما قال لهم موسى لما قالوا له «أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» (3)«عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (4)و كذلك هذه الامّة سلكوا مسلكهم حذو النعل بالنعل بعد بسط النعمة عليهم.فكانوا يقتلون أهل بيت نبيّهم،و يتّخذون العجل إماما دون حجّة اللّه .
«و احذروا بوائق» جمع البائقة:الداهية.
«النقمة» أي:نقمة اللّه «فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ» (5)«فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (6).
«و تثبّتوا» أي:تأنّوا.
«في قتام» أي:غبار.
«العشوة» أي:الالتباس و الحيرة،و في(الصحاح):أو طأتني عشوة و عشوة،أي:أمرا ملتبسا،و ذلك إذا أخبرته بما أوقعته به في حيرة أو بلية، و مضى من الليل عشوة بالفتح،هو ما بين أوّله إلى ربعه يقال:أخذت عليهم
بالعشوة أي:بالسواد من الليل (1)
صحاح اللغة 6:2437، [1]مادة(عشا).
.«اعوجاج الفتنة» أي:اعوجاج الامور يحصل من الفتنة.فيجب التثبت حتّى ترجع إلى الاستقامة.
«عند طلوع جنينها» أي:مستورها .
«و ظهور كمينها» أي:خفيها.
«و انتصاب قطبها» في(الصحاح):يجوز في قطب الرحى الفتح و الضم و الكسر (2).
«و مدار» أي:دوران.
«رحاها تبدو» أي:تظهر تلك الفتنة.
«في مدارج خفيّة» جمع المدرجة أي:المذهب و المسلك.قال الشاعر في سيف:
ترى أثره في صفحتيه كأنّه مدارج شبثان لهنّ هميم (3).
«و تؤول» أي:ترجع.
«إلى فظاعة» أي:شناعة.
«جليّة» أي:واضحة.يمكن أن يكون إشارة إلى جعلهم سبّه عليه السلام سنّة، و سبّه عليه السلام كسبّ اللّه تعالى .
«شبابها» من شبّ الفرس يشبّ و يشبّ شبابا و شبيبا إذا قمص و لعب، و أما الشباب بالفتح:فجمع شاب و الحداثة أيضا.
«كشباب الغلام» تقول«المرء في شبابه كالمهر في شبابه».
«و آثارها كآثار السّلام» جمع السلمة أي:الحجارة،و في المثل:«أكتم للسرّ من السّلام » (1)
أورده الزمخشري في أساس البلاغة:218،مادة(سلم).
.«تتوارثها الظلمة بالعهود» بعهد الأوّل إلى الآخر أو بالمعاهدة بينهم بتفويضها إلى صاحبه في حياته حتّى يردّها إليه بعد وفاته.
و يمكن أن يكون الكلام إشارة إلى استخلاف معاوية ليزيد،و هو أوّل من عهد إلى ابنه من المتقدّمين عليه،و أخذ عهود الناس بذلك.و كان فظاعته جليّة لكون ابنه سكّيرا خمّيرا حتّى أنكر ذلك عليه بنو اميّة أنفسهم.
ففي(خلفاء بني قتيبة):أنّ معاوية لمّا كتب إلى مروان-و كان عامله على المدينة-أن يبايع ليزيد فأجابه مروان أنّ قريشا قومك يأبون ذلك.
فعزله،جاء اليه في أخواله من بني كنانة،و قال له:يا ابن أبي سفيان اهدأ من تأمير الصبيان (2).
و فيه-بعد ذكر قدوم معاوية المدينة بنفسه لأخذ البيعة لابنه،و دخوله على عائشة-فقال لها:إنّ أمر يزيد قضاء من اللّه،و ليس للعباد الخيرة من أمرهم،و قد أكّد الناس بيعته في أعناقهم،و أعطوا عهودهم على ذلك و مواثيقهم.فعلمت عايشة أنّه سيمضي على أمره-إلى أن قال بعد ذكر حضور الحسين عليه السلام مع ابن عباس مجلسه،و وصف معاوية له عليه السلام يزيد- فقال عليه السلام لمعاوية:«و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله و سياسته لامّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوبا،أو تنعت غائبا،أو تخبر عمّا مما كان احتويته بعلم خاص،و قد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه،فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند
التهارش،و الحمام السبّق لأترابهن،و القيان ذوات المعازف،و ضرب الملاهي (1)
الإمامة و السياسة 1:183 و 186. [1]
.و فيه:إنّ عثمان بن محمّد الثقفي أقبل من قبل يزيد واليا على المدينة، و مكّة،و الموسم.فلمّا استوى على المنبر بمكّة رعف.فقال رجل مستقبله:
جئت و اللّه بالدم فتلقّاه رجل آخر بعمامته.فقال:مه و اللّه عمّ الناس.ثمّ قام يخطب.فتناول عصالها شعبتان.فقال:مه شعب و اللّه أمر الناس (2).
و فيه-بعد ذكر غلبة مسلم بن عقبة من قبل يزيد على المدينة-دعا بني أسد-و كان عليهم حنقا.فقال:أ تبايعون ليزيد و لم استخلف عليكم بعده على أنّ أموالكم و دماءكم و أنفسكم خول له يقضي فيها ما شاء؟ (3).
و فيه:دخل شامي في الحرّة على امرأة،و معها صبي لها.فقال لها:هل من مال؟قال:لا و اللّه ما تركوا لي شيئا.فقال:و اللّه لتخرجنّ إليّ شيئا أو لأقتلنّك و صبيّك هذا.فقالت له:ويحك!إنّه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لقد بايعت الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معه يوم بيعة الشجرة.قال:فأخذ برجل الصبي و الثدي في فمه فجذبه من حجرها.فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض (4).
«أوّلهم قائد لآخرهم،و آخرهم مقتد بأوّلهم» و لمّا كتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية:«قد رأيتك تسامي عليّا عليه السلام و أنت أنت و هو هو المبرز السابق في كلّ خير،و أنت أنت اللعين ابن اللعين»كتب إليه«كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا،و فضله مبرّزا علينا،فكان أبوك و فاروقه أوّل
من ابتزّه و خالفه،على ذلك اتّفقا و اتّسقا.ثمّ دعواه إلى أنفسهم.فأبطأ عنهما، و تلكّأ عليهما.فهمّا به الهموم،و أرادا به العظيم،فبايع و سلّم لهما لا يشركانه في أمرهما،و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضا.فخذ حذرك يا ابن أبي بكر تقصر عن أن تساوي من أبوك مهّد مهاده،و بنى ملكه و شاده.فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله،و إن يك جورا.فأبوك أسسّه،و نحن شركاؤه، و بهديه أخذنا،و بفعله اقتدينا،و لو لا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب،و أسلمنا له،و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك.فاحتذينا بمثاله،و اقتدينا بفعاله.
فعب أباك ما بدا لك أودع » (1)
رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:118-121،و [1]المسعودي في مروج الذهب 3:11،و [2]البلاذري في أنساب الأشراف 2:393،و [3]النقل بتقطيع.
.«يتنافسون» أي:يرغبون.
«في دنيا دنيّة،و يتكالبون» أي:يتنازعون كالكلاب.
«على جيفة مريحة» من أراح الشيء أي:وجد ريحه،و فى الخبر الدنيا جيفة،و طالبها كالكلاب (2).
«عن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع،و القائد من المقود.فيتزايلون» أي:
يتباينون.
«بالبغضاء و يتلاعنون عند اللقاء» إشارة إلى قوله تعالى «وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ» (3)و إلى قوله تعالى: «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ»
«أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ » (1)
الاعراف:38-39. [1]
.ذكر عليه السلام قوله: «عن قليل يتبرّأ التابع» -إلخ-استطرادا لئلاّ يبجحوا بأعمالهم،و لا يحسبوا كون ذلك كمالا لهم،لا أنّه عليه السلام انتقل من ذكر الملاحم .
«ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف» أي:الجائية بالاضطراب، و التزلزل،و من أسماء البحر الرجّاف لاضطراب أمواجه،و المراد بالفتنة الرجوف فتنة بني العباس و راياتهم السود الطالعة من خراسان.
«و القاصمة» أي:الكاسرة.
«الزحوف» و الزحوف تعبير عجيب عن رفع أمر بني العباس قليلا قليلا حتى وصل إلى نيلهم الخلافة،فيقال:زحف الدباء إذا مضى قدما.و الزحف سهم يقع دون الغرض ثمّ يصل إليه.و زحف الصبي إذا مشى على الأرض على يديه و رجليه،و الزحوف من النوق الّتي تجرّ رجليها إذا مشت .
«فتزيغ قلوب» عن عترته المعصومين عليهم السلام.
«بعد استقامة،و تضلّ رجال» من شيعته.
«بعد سلامة» أي:بعد سلامتها قبل تلك الفتنة من الضلال .
«و تختلف الأهواء عند هجومها» زيدية و عباسية،و في(المروج):و الزيدية في عصرهم كانوا ثماني فرق:أوّلها المعروفة بالجارودية أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي.قالوا:الإمامة مقصورة في ولد الحسن و الحسين،و الثانية معروفة بالمرثية،و الثالثة بالابرقية،و الرابعة باليعقوبية:
1) 1)
أصحاب يعقوب بن عليّ الكوفي،و الخامسة بالعقبية،و السادسة بالأبترية أصحاب كثير الأبتر،و الحسن بن صالح،و السابعة بالجريرية أصحاب سليمان بن جرير،و الثامنة باليمانية أصحاب محمّد بن اليمان الكوفي،و كان فرق أهل الإمامة على ذكر من سلف من أصحاب الكتب ثلاثا و ثلاثين فرقة، و قد ذكرنا تنازع القطيعية بعد مضي الحسن العسكري عليه السلام،و ما قالت الكيسانية،و ما تباينت فيه،و غيرها من سائر طوائف الشيعة،و هم ثلاث و سبعون فرقة،و الغلاة أيضا ثماني فرق المحمدية أربع،و العلوية أربع (1)
مروج الذهب 3:208،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و فيه:الراوندية شيعة العباسيّين القائلة بأنّ أحق الناس بالإمامة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّه العبّاس،و أجازوا بيعة عليّ عليه السلام بإجازة العباس لها، و صنّفوا في ذلك كتبا،و منها كتاب(إمامة ولد العباس)الّذي صنّفه الجاحظ، لهم يذكر فيه فعل أبي بكر في فدك،و الّذي ذهب إليه من تأخّر منهم،و هم أصحاب أبي مسلم أنّ الإمام بعد عليّ عليه السلام و هو محمّد بن الحنفية،و بعده ابنه أبو هاشم،و بعده علي بن عبد اللّه بن العباس لكونه وصيّه،و بعده ابنه إبراهيم، و بعده أخوه السفاح،و هكذا (2).
«و تلتبس» أي:تشتبه و تختلط.
«الآراء عند نجومها» أي:ظهورها و طلوعها يقال:نجم السنّ،نجم القرن، نجم النبت .
«من أشرف لها» أي:نصب لها.
«قصمته» أي:كسرته.الظاهر إشارة إلى من بيّض،و خرج على العباسييّن المسودة.
«و من سعى فيها» كأبي سلمة،و أبي مسلم.
«حطمته» أي:دقّته.و الحطمة اسم من أسماء جهنّم لأنّها تحطم ما تلقى، و يقال رجل حطم و حطمة إذا كان قليل الرحمة للماشية،و في المثل«شرّ الرعاء الحطمة» (1)
أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:363،و [1]الزمخشري في المستقصى 2:129. [2]
و قال الراجز: «قد لفّها الليل بسوّاق حطم»(2)و الحطام ما تكسر من اليبيس . «يتكادمون» أي:يتعاضّون.فالكدم العضّ بأدنى الفم كما يكدم الحمار.
«تكادم الحمر» جمع الحمار.
«في العانة» في(الجمهرة):العانة:القطعة من حمير الوحش خاصة و سمّيت عانة الإنسان تشبيها بذلك... (3)و لعلّه إشارة إلى قتل أبي مسلم لأبي سلمة .
«قد اضطرب معقود الحبل» أي:حبل الإمامة بكونهم اثني عشر عيّنهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم .
«و عمي وجه الأمر» بأنّ الإمام من كان معصوما كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكونه خليفة .
«تغيض» من غاض الماء قلّ و نضب.يقال غاض الكرام،و فاض اللئام.
«فيها الحكمة» الظاهر كونه بالتحريك كونه جمع الحاكم بقرينة بعده «الظلمة» .
«و تنطق فيها الظلمة» فسكت أبو عبد اللّه الصادق أحد الحكمة من العترة الطاهرة،و زعيم الإمامة ذاك اليوم،و نطق الظلمة ولد محمّد بن علي بن عبد اللّه
بن عباس،فقال السفّاح في خطبته لمّا بويع«وضعنا اللّه من الإسلام و أهله بالموضع الرفيع.فقال تعالى في ما أنزل من محكم القرآن «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)
الاحزاب:33. [1]
و بنا هدى اللّه الناس بعد ضلالتهم (2).و قال داود بن علي في خطبة ذاك اليوم:الآن طلعت الشمس من مطلعها و بزغ القمر من مبزغه،و أخذ القوس باريها،و عاد السهم إلى منزعه،و رجع الحقّ في نصابه في أهل بيت نبيّكم (3).
«و تدقّ أهل البدو» أي:البادية.
«بمسحلها» أي:مبردها.يقال سحلت الشيء أي:سحقته،و سحلت الرياح الأرض:كشطت ادمتها .
«و ترضّهم» أي:تدقّهم.
«بكلكلها» في(الصحاح):الكلكل و الكلكال الصدر (4).
«يضيع في غبارها الوحدان» جمع الواحد .
«و يهلك في طريقها الركبان» في(الصحاح):الركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب،و هم العشرة فما فوقها،و الجمع أركب«و الركبة بالتحريك أقل من الركب»و الأركوب بالضم أكثر من الركب و الركبان الجماعة منهم (5).
و في(تاريخ الطبري):في سنة(220)خرج المعتصم إلى القاطول،و كان
سبب خروجه أن غلمانه الاتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في أرباضها،و ذلك أنّهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب.
فيتراكضون في طرق بغداد و شوارعها.فيصدمون الرجل و المرأة و يطئون الصبي.فيأخذهم الأبناء فينكسونهم عن دوابهم و يجرحون بعضهم.فربما هلك من الجراح بعضهم.فشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم،و تأذّت بهم العامة.
فذكر أنّه رئي المعتصم راكبا منصرفا من المصلّى في يوم عيد أضحى أو فطر فلمّا صار في مربعة الحرشي نظر الى شيخ قد قام إليه.فقال له:يا أبا اسحق فابتدره الجند ليضربوه.فأشار إليهم المعتصم.فكفّهم عنه.فقال للشيخ:ما لك؟قال:لا جزاك اللّه عن الجوار خيرا،جاورتنا و جئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا،و أرملت بهم نسواننا، و قتلت بهم رجالنا-و المعتصم يسمع ذلك كلّه-ثمّ دخل داره.فلم ير راكبا إلى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم خرج فصلّى بالناس العيد ثمّ لم يرجع إلى منزله ببغداد،و صرف وجه دابّته إلى ناحية القاطول ... (1)
تاريخ الطبري 7:232،سنة 220،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«ترد بمرّ القضاء» أي:الحكم.
في(تاريخ الطبري):أخذ المنصور في سنة(153)الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول،و كانوا في ما ذكر يحتالون لها بالقصب من داخل.
فقال أبو دلامة:
و كنّا نرجّي من إمام زيادة فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنّها دنان يهود جللت بالبرانس (2)
و فيه:لمّا أراد المنصور الأمر ببناء سور الكوفة،و بحفر خندق لها أمر
بقسمة خمسة دراهم خمسة دراهم على أهل الكوفة و أراد بذلك علم عددهم.
فلمّا عرف عددهم أمر بجبايتهم من كلّ انسان أربعين درهما أربعين درهما فجبوا.فأمر بإنفاق ما جبى على السور،و حفر الخنادق.فقال شاعرهم:
يا لقومي ما لقينا من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا و جبانا الأربعينا (1)
تاريخ الطبري 6:298،سنة 155،و [1]النقل بتصرف يسير.
و في(المقاتل):عن عليّ بن الجعد قال:رأيت أهل الكوفة أيّام أخذوا بلبس السواد حتّى أنّ البقالين إن كان أحدهم ليضع الثوب بالانقاس(أي:
المداد الّذي يكتب به)ثمّ يلبسه (2).
«و تحلب عبيط الدماء» أي:خالصها،و طريّها.فقتل أبو مسلم في سبيل الدولة العباسية ستّمئة ألف صبرا غير من قتله في حروبه.
و قتل عبد اللّه بن علي لمّا خرج على المنصور نحوا من سبعة عشر ألفا من أصحابه من أهل خراسان خشي ألاّ يناصحوه أمر صاحب شرطة،فقتلهم و قتل في حروب المنصور ما لا يحصى.
و في(المقاتل):كان المنصور إذا اتّهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن أمر سالما بطلبه.فكان يمهل حتّى إذا غسق الليل، و هدأ الناس،نصب سلّما على منزل الرجل فطرقه في بيته فيقتله.و يأخذ خاتمه.فقيل لابنه العباس بن سالم:لو لم يورثك أبوك إلاّ خواتيم من قتل من أهل الكوفة لكنت أيسر الأبناء (3).
«و تثلم» أي:توجد تلك الفتنة الخلل.
«منار الدين» و في(الصحاح):المنار:علم الطريق (1)
صحاح اللغة 2:839، [1]مادة(نور).
.«و تنقض عقد اليقين تهرب منها الأكياس» و في(رجال الكشّي)عن صفوان الجمّال قال لي الكاظم عليه السلام:كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا إكراؤك جمالك من هذا الرجل-يعني هارون-.قلت:و اللّه ما كريته أشرا و لا بطرا،و لا لصيد،و لا للهو،و لكن أكريته لهذا الطريق-يعني طريق مكّة-و لا أتولاّه بنفسي،و لكن أبعث معه غلماني.فقال:أيقع كراؤك عليهم؟قلت:نعم.
قال:أ تحب بقاءهم حتّى يخرج كراؤك؟قلت:نعم.قال:فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم،و من كان منهم كان و قود النار،قال:فذهبت و بعت جمالي عن آخرها (2).
«و تدبّرها الارجاس» في(المروج):قال المنصور يوما بعد قتل محمّد و إبراهيم،لجلسائه:تا للّه ما رأيت رجلا أنصح من الحجّاج لبني مروان.فقام المسيب بن زهير الضبي.فقال:ما سبقنا الحجّاج بأمر تخلفنا عنه،و اللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقا أعزّ علينا من نبيّنا،و قود أمرتنا بقتل أولاده، فأطعناك و فعلنا ذلك.فهل نصحناك أم لا؟قال له:اجلس لا جلست (3).
«مرعاد مبراق» كناية عن التهديد و الوعيد .
«كاشفة عن ساق» كناية عن الشدّة.قال الشاعر:
في سنة قد كشفت عن ساقها (4)
و قال تعالى في وصف يوم القيامة: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ » (5)«تقطّع فيها الأرحام،و يفارق عليها الإسلام» كان المنصور مرعادا مبراقا.فتهدّد أهل
الكوفة لكونهم شيعة باخراب ديارهم و محو آثارهم،و تقطّع فيه الأرحام.
فكان أوّل من ناصب من العباسيّة للطالبيّة،و كانوا قبل تابعين لهم يجمع بينهما الهاشميّة،و فارق الإسلام حيث إنّه سبّ الأئمة عليهم السلام و قتل من أولادهم ما لا يحصى.
ففي(المروج):لمّا أخذ المنصور عبد اللّه بن الحسن،و أهل بيته صعد المنبر بالهاشميّة،و قال:يا أهل خراسان أنتم شيعتنا،و لو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منّا.إنّ ولد أبي طالب تركناهم و الخلافة فلم نعرض لهم بقليل و لا كثير.فقام فيها علي.فما أفلح و حكّم الحكمين.فاختلفت عليه الامّة،و افترقت الكلمة ثمّ وثب عليه شيعته و أنصاره و ثقاته فقتلوه.ثمّ قام بعده الحسن فما كان برجل عرضت عليه الأموال.فقبلها،و دسّ إليه معاوية أنّي أجعلك ولي عهدي.فخلعه و انسلخ له ممّا كان فيه،و سلّمه إليه،و أقبل على النساء يتزوّج اليوم واحدة،و يطلّق غدا اخرى،فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.ثمّ قام من بعده الحسين فخدعه أهل العراق... (1)
مروج الذهب 3:300،و [1]النقل بتصرف يسير.
و يقال له في الحسن عليه السلام:من كان له أمير جند مثل عمّك عبيد اللّه بن العباس لا بد أن يترك الأمر.و في(تاريخ الطبري):أن المنصور لمّا عزم على الحجّ دعا ريطة بنت السفاح امرأة ابنه المهدي-و كان المهدي بالري-فأوصاها بما أراد،و عهد إليها،و دفع إليها مفاتيح الخزائن،و وكّد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، و لا تطلع عليها أحدا إلاّ المهدي إذا صح عندها موته.فإذا صحّ اجتمعت هي و المهدي-و ليس معهما ثالث-حتّى يفتحا الخزانة.فلمّا قدم المهدي من الري دفعت إليه المفاتيح،و أخبرته أنّ أباه تقدّم إليها ألاّ يفتحه حتّى يصحّ عنده موته.
1) 1)
فلمّا انتهى إلى المهدي موته،و ولي الخلافة فتح الباب،و معه ريطة.فإذا أزج-أي سرداب-كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين،و في آذانهم رقاع فيها أنسابهم،و إذا فيهم أطفال و رجال شباب،و مشايخ عدّة كثيرة فارتاع المهدي و أمر فحفرت لهم حفيرة،فدفنوا فيها و عمل عليهم دكان (1)
تاريخ الطبري 6:343،سنة 159،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«بريّها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(بريئها)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2).
«سقيم و ظاعنها» أي:مرتحلها.
«مقيم» و إنّما حكم عليه السلام بكون بريئها سقيما،و ظاعنها مقيما بمعنى عموم الفتنة،و عدم نجاة أحد منها أو لأنّ الظلمة كزياد،و الحجّاج،و غيرهما كانوا يأخذون البريء من الجناية بالسقيم بها،و المقيم بالمرتحل .
«بين قتيل مطلول» أي:مهدور دمه.قال الشاعر:
دماؤهم ليس لها طالب مطلولة مثل دم العذرة
أيضا:
تلكم هريرة ما تجف دموعها أهرير ليس أبوك بالمطلول (3)
«و خائف مستجير» و كأنّ الفصل إشارة إلى حرب الأمين و المأمون و ما نزل ببغداد.
ففي(المروج)لمّا نزل طاهر بن الحسين بباب الأنبار،حاصر بغداد، و غادى القتال و راوحه حتّى خربت الديار،و عفت الآثار،و غلت الأسعار، و قاتل الأخ أخاه،و الابن أباه هؤلاء أمينيّة،و هؤلاء مأمونيّة،و هدمت المنازل،
و أحرقت الديار،و انتهبت الأموال،و ذلك في سنة(196)فقيل في ذلك:
تقطّعت الأرحام بين العشائر و أسلمهم أهل التقى و البصائر
فذاك انتقام اللّه من خلقه بهم لما ارتكبوه من ركوب الكبائر
فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة و لا نحن أصلحنا فساد السرائر
و لم نستمع من واعظ و مذكر فينجع فيا وعظ ناه و آمر
فلا فاجر للبرّ يحفظ حرمة و لا يستطيع البرّ دفعا لفاجر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دما فأمّته لا تلوي على زجر زاجر
و أصبح فسّاق القبائل بينهم تشدّ على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلى من صديق و من أخ كريم و من جار شفيق مجاور
و والدة تبكي بحزن على ابنها فيبكي لها من رحمة كلّ طائر
و ذات حليل أصبحت و هي أيّم و تبكي عليه بالدموع البوادر
و إبراز ربّات الخدور حواسرا خرجنّ بلا خمر و لا بمآزر
تراها حيارى ليس تعرف مذهبا نوافر أمثال الظباء النوافر
و آبت لاحراق و هدم منازل و قتل و انهاب اللّهى و الذخائر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا و ملهى رأته عين لاه و ناظر
بلى هكذا كانت فأذهب حسنها و بدّد منها الشمل حكم المقادر
و حلّ بهم ما حلّ بالناس قبلهم فأضحوا أحاديثا لباد و حاضر
-إلى أن قال-و لم تزل الحرب بين الفريقين أربعة عشر شهرا،و ضاقت بغداد بأهلها،و تعطّلت المساجد،و تركت الصلاة،و نزل بها ما لم ينزل قط مذ بناها المنصور-إلى أن قال-:
و لمّا ضاق بالأمين الأمر أمر قائدا من قوّاده يقال له ذريح-و قرن معه آخر يعرف بالهرش-أن يتبع أصحاب الأموال و الذخائر من أهل الملّة، و غيرهم فكانا يهجمان على الناس و يأخذان بالظنة،فهرب الناس بعلّة الحجّ.
فقال علي الأعمى:
أظهروا الحجّ و ما يبغونه بل من الهرش يريدون الهرب
كم اناس أصبحوا في غبطة ركض اللّيل عليهم بالعطب
-إلى أن قال-و ثارت العراة ذات يوم في نحو مئة ألف بالرماح و القصب و الطرادات القراطيس على رؤوسها،و نفخوا في القصب و قرون البقر، و زحفوا من مواضع كثيرة.فبعث إليهم طاهر بعدّة قوّاد،و امراء من وجوه كثيرة،و اشتد الجلاد،و كثر القتل،و كانت للعراة على المأمونية إلى الظهر -و كان يوم الاثنين-ثمّ ثارت المأمونية على العراة من أصحاب الأمين.ففرّق منهم و قتل و أحرق نحو عشرة آلاف.ففي ذلك يقول الأعمى:
بالأمير طاهر بن الحسين صبّحونا صبيحة الاثنين
جمعوا جمعهم فثار إليهم كلّ صلب القناة و الساعدين
يا قتيل العراة ملقى على الشط تطأه الخيول في الجانبين
ما الّذي كان في يديك إذا ما أصطلح الناس آية الخلّتين
أ وزير أم قائد بل بعيد أنت من ذين موضع الفرقدين
كم بصير غدا بعينين كي ينظر ما حالهم فراح بعين
و اشتدّ الأمر بالأمين فباع ما في خزائنه سرّا،و فرّق ذلك أرزاقا في من معه و لم يبق عنده ما يعطيهم.فقال:وددت أن اللّه قتل الفريقين أمّا هؤلاء فيريدون مالي،و أما اولئك فيريدون نفسي ... (1)
مروج الذهب 2:400-409،و [1]النقل بتصرف.
.«يختلون» أي:يخدعون.
«بعقد» بالضم جمع عقدة.
«الأيمان» بالفتح جمع اليمين أي:القسم.
1) 1)
«و بغرور الإيمان» بالكسر مصدر آمن .
«فلا تكونوا أنصاب» جمع النصب بفتحتين،و النصب بضمتين أي:ما نصب فعبد من دون اللّه.
و في(الأساس)الأنصاب:حجارة تنصب تصبّ عليها دماء الذبائح، و تعبد (1)
أساس البلاغة:458، [1]مادة(نصب).
.«الفتن» جمع الفتنة.
«و أعلام» جمع العلم بالتحريك،و في الصحاح العلم العلامة،و الجبل و الراية (2).
«البدع» جمع البدعة أي:ادخال ما ليس من الدين في الدين .
«و الزموا ما عقد عليه حبل الجماعة» قال تعالى «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا » (3).
«و بنيت» عطف على «عقد» .
«عليه أركان الطاعة» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً » (4).
«و أقدموا على اللّه مظلومين،و لا تقدموا عليه ظالمين» فالمظلوم لا لوم عليه، و الظالم لا نجاة له «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ» (5)«وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ»
«إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» «أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ» «وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» (1)
سبأ:31-33. [1]
«وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ» (2)«وَ لا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ» (3)«إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» (4).و نظير كلامه عليه السلام هذا مع كلامه الآخر كما روي«اختر أن تكون مغلوبا و أنت منصف،و لا تختر أن تكون غالبا و أنت ظالم » (5).
«و اتّقوا مدارج» أي:مسالك.قال الشاعر في وصف سيف:
ترى أثره في صفحتيه كأنّه مدارج شبثان لهن هميم (6)
أي مسالك أحناش ذوات أرجل كثيرة لهنّ دبيب.
«الشيطان و مهابط العدوان» قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (7)«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (8).
«و لا تدخلوا بطونكم لعق» في(الصحاح):اللعقة اسم ما تأخذه الملعقة، و اللعق اللحس باللسان (1)
صحاح اللغة 4:1550، [1]مادة(لعق)،و النقل بالمعنى.
.«الحرام» قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أكثر ما تلج به امّتي النار الأجوفان البطن و الفرج.و قال رجل للباقر عليه السلام:إني ضعيف العمل.قليل الصيام،و لكنّي أرجو ألا آكل إلاّ حلالا.فقال عليه السلام:أيّ الاجتهاد أفضل من عفة بطن و فرج (2).
«فإنّكم بعين من حرّم عليكم المعصية» «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (3).
و في(الكافي):عن الصادق عليه السلام من همّ بسيّئة فلا يعملها فإنّه ربما عمل العبد السيّئة.فيراه الربّ فيقول:و عزّتي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا،و عن الكاظم عليه السلام إنّ للّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي:مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه.فلو لا بهائم رتّع،و صبية رضّع،و شيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا ترضّون به رضّا.
و عن أمير المؤمنين عليه السلام لا تبدين عن واضحة،و قد عملت الأعمال الفاضحة و لا تأمنن البيات،و قد عملت السيّئات.
و عن الرضا عليه السلام:أوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من الأنبياء إذا اطعت رضيت، و إذا رضيت باركت،و ليس لبركتي نهاية،و إذا عصيت غضبت،و إذا غضبت لعنت،و لعنتي تبلغ السابع من الورى.
و عن الكاظم عليه السلام:كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون.
و عن الصادق عليه السلام:يقول تعالى:إذا عصاني من عرفني سلّطت عليه من لا يعرفني.
و عنه عليه السلام:تعوّذوا باللّه من سطوات اللّه بالليل و النهار.قيل له:و ما سطوات اللّه؟قال:الأخذ على المعاصي.
و عن الباقر عليه السلام:إتّقوا المحقّرات من الذنوب.فإنّ لها طالبا،يقول أحدكم اذنب و أستغفر.إن اللّه تعالى يقول: «وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» (1)
يس:12. [1]
و قال تعالى: «إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» (2)(3).من الخطبة(106)
منها:
طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ- وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ- مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَ آذَانٍ صُمٍّ- وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ- مُتَّبِعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ- وَ مَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ- وَ لَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ- فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ- وَ الصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ- قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ- وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا- وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا- وَ ظَهَرَتِ الْعَلاَمَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا- مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَرْوَاحٍ- وَ أَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاحٍ- وَ نُسَّاكاً بِلاَ صَلاَحٍ
وَ تُجَّاراً بِلاَ أَرْبَاحٍ- وَ أَيْقَاظاً نُوَّماً- وَ شُهُوداً غُيَّباً- وَ نَاظِرَةً عَمْيَاءَ- وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ- وَ نَاطِقَةً بَكْمَاءَ رَأَيْتُ ضَلاَلَةً قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا- وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا- تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا- وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا- قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ- قَائِمٌ عَلَى الضِّلَّةِ- فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاَّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ- أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ- تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الْأَدِيمِ- وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ- وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ- اسْتِخْلاَصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ- مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ- وَ تَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ- وَ تَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ- وَ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ- وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ- فَ «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ» - وَ لِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ- فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ- وَ أَحْضِرُوا قُلُوبَكُمْ- وَ اسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ- وَ لْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ- وَ لْيَجْمَعْ شَمْلَهُ- وَ لْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ- فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ- وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ- وَ رَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ- وَ عَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وَ قَلَّتِ الدَّاعِيَةُ- وَ صَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ- وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ- وَ تَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ- وَ تَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ- وَ تَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ- وَ تَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ- فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً- وَ الْمَطَرُ قَيْظاً وَ تَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً- وَ تَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً- وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً- وَ سَلاَطِينُهُ سِبَاعاً وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالاً- وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وَ غَارَ الصِّدْقُ- وَ فَاضَ الْكَذِبُ- وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ- وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ- وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً- وَ الْعَفَافُ عَجَباً- وَ لُبِسَ الْإِسْلاَمُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً قول المصنّف : «و منها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(منها)و إن
كانت قبلها اخرى كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:223. [1]لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:40 [2] مثل المصرية.
.«طبيب دوّار بطبّه» في(الجمهرة):رجل طبّ بالشيء حذق به،و منه اشتقاق الطبيب،و من أمثالهم«من حبّ طبّ»أي:تأتّى لاموره،و تلطّف لها (2).
و كان عليه السلام كطبيب دوّار لعلاج أمراض الأرواح.فكان يعظ من شهده شفاها،و من غاب عنه كتابا،و كان عليه السلام يعظ الناس عموما و خصوصا ليلا و نهارا.
و من مواعظه العامة نهارا أنّه عليه السلام كان كلّ بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا،و معه الدرّة على عاتقه-و كان لها طرفان،و كان تسمّى السبية-فيقف على سوق فينادي:يا معشر التّجار!قدّموا الإستخارة، و تبرّكوا بالسهولة،و اقتربوا من المبتاعين،و تزيّنوا بالحلم،و تناهوا عن اليمين،و جانبوا الكذب،و تجافوا عن الظلم،و أنصفوا المظلومين،و لا تقربوا الربا و أَوْفُوا «الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ» ، «وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (3)ثمّ يقول:
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام و يبقى الإثم و العار
تبقى عواقب سوء في مغبّتها لا خير في لذّة من بعدها النار (4)
و من مواعظه الليلية عموما أنّه عليه السلام كان بعد العشاء لمّا كان بالكوفة يقبل بوجهه على الناس في المسجد،و يذكّرهم بهذه الكلمات ثلاث مرّات:
تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرحيل.فما التعرّج على الدنيا بعد نداء
فيها بالرحيل.تجهّزوا رحمكم اللّه،و انتقلوا بأفضل ما بحضرتكم من الزاد و هو التقوى،و اعلموا أنّ طريقكم إلى المعاد،و ممرّكم على الصراط،و الهول الأعظم أمامكم،في طريقكم عقبة كؤودة،و منازل مخوفة مهولة لا بدّ لكم من الممرّ عليها و الوقوف بها.فإمّا برحمة من اللّه و نجاة من هولها،و عظم خطرها،و فظاعة منظرها،و شدّة مختبرها،و إمّا بهلكة ليس بعدها انجبار (1)
رواه الصدوق في أماليه:402 ح 7،المجلس 75،و [1]المفيد في أماليه:198 ح 32،المجلس 23.
.و في الخبر:كان عليه السلام يمشي في الأسواق وحده و هو دالّ يرشد الضال، و يعين الضعيف(و يمسك الشسوع بيده.فيناول الرجل الشسع)و يمرّ بالبيّاع و البقّال.فيفتح عليه القرآن،و يقرأ: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (2).
«قد أحكم» و الأصل فيه حكمة اللجام الّتي تحيط بالحنك تقول منه «حكمت الدابة و أحكمتها».
«مراهمه» جمع المرهم،ما يوضع على الجراحة.قال في(الصحاح):
المرهم معرّب،و لكن في(الجمهرة)الرهمة،و الجمع رهام:الدفعة اللينة من المطر،و منه اشتقاق المرهم للينه (3).
«و أحمى» من قولهم أحميت الحديد في النار.
«مواسمه» جمع الميسم ما يحمى به،و في(الصحاح):أصل الياء و او.
فإن شئت قلت في جمعه مياسم على اللفظ،و إن شئت قلت مواسم على الأصل (4).
روي أنّ حبابة الوالبية قالت:رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في شرطة
الخميس و معه درّة لها سبابتان يضرب بها بيّاع الجرّي و المار ماهي، و الزّمار،و يقول لهم:يا بيّاع مسوخ بني اسرائيل،و جند بني مروان،فقام إليه فرات بن أحنف.فقال:يا أمير المؤمنين و ما جند بني مروان؟فقال له أقوام حلقوا اللّحى،و فتلوا الشوارب (1)
رواه الكليني في الكافي 1:346 ح 3،و [1]الصدوق في كمال الدين 2:536،ح 1. [2]
.«يضع ذلك حيث الحاجة إليه» قال ابن أبي الحديد:يقال:رؤي المسيح خارجا من بيت مومسة.فقيل له:يا سيدنا!أمثلك يكون ها هنا؟فقال:إنّما يأتي الطبيب المرضى (2).
هذا،و في(شعراء القتيبي):رأى دريد بن الصّمّة الخنساء تهنأ الابل.
فقال فيها أبياتا منها:
ما إن رأيت و لا سمعت به كاليوم هاني أنيق جرب
متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب (3)
«من قلوب عمي،و آذان صمّ،و ألسنة بكم» حيث إنّه عليه السلام الهادي،و في تفسير الثعلبي لمّا نزل «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (4)وضع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده على صدره،و قال:«أنا المنذر-و أومأ بيده إلى منكب عليّ عليه السلام-و قال:
و أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي»و في(مناقب السروي)صنّف ابن عقده كتابا في نزول الآية فيه عليه السلام (5).
«متّبع» كذا في(المصرية)،و الصواب:(متتبع)كما في(ابن أبي الحديد)
و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:223،لكن في شرح ابن ميثم 3:40 [1] مثل المصرية.
.«بدوائه مواضع الغفلة،و مواطن الحيرة» قال الخوئي:روى بعض القدماء في أصل له عن عمّار قال:بينا أنا أمشي بأرض الكوفة إذ رأيت أمير المؤمنين عليه السلام جالسا،و عنده جماعة من الناس،و هو يصف لكلّ إنسان ما يصلح له.فقلت له:يا أمير المؤمنين!أ يوجد عندك دواء الذنوب.فقال:نعم اجلس فجثوت على ركبتيّ حتّى تفرّق عنه الناس.ثمّ أقبل عليّ و قال:خذ دواء أقول لك.قلت:قل يا أمير المؤمنين قال:عليك بورق الفقر،و عروق الصبر، و هليلج الكتمان،و بليلج الرضا،و غاريقون الفكر،و سقمونيا الأحزان، و أشربه بماء الأجفان،و اغله في تبخير القلق،وضعه تحت ميزاب الفرق، و صفّه بمنخل الأرق،و اشربه على الحرق.فذاك دواؤك،و شفاؤك يا عليل (2).
«لم يستضيئوا بأضواء الحكمة» كأنّ في هذا الكلام إلى قوله:«و الصخور القاسية»سقطا حيث إنّ سياقه مخالف لسابقه .
«و لم يقدحوا» من قدحت النار.
«بزناد» بالكسر جمع الزند،العود الّذي تقدح به النار.
«العلوم الثاقبة» أي:المضيئة .
«فهم في ذلك كالأنعام السائمة» أي:المرسلة،و الراعية .
«و الصخور» أي:الحجارة العظام.
«القاسية» أي:الصلبة .
«قد انجابت» أي:انكشفت.
«السرائر لأهل البصائر» الظاهر أنّ المراد بقوله عليه السلام قد انجابت السرائر
لأهل البصائر،انكشاف سرائر المتقدّمين عليه لأهل المعرفة،و من كان ذا بصيرة.
روى الثقفي عن المسعودي،عن محمّد بن كثير،عن يحيى بن حمّاد القطّان عن أبي محمّد الحضرمي،عن أبي علي الهمداني،أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى عليّ عليه السلام فقال:يا أمير المؤمنين!إنّي سائلك لآخذ عنك،و قد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله،ألا تحدّثنا عن أمرك هذا أ كان بعهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو شيء رأيته؟فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل،و أوثقه عندنا ما قبلناه عنك و سمعناه من فيك.إنّا كنّا نقول:لو رجعت إليكم بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم ينازعكم فيها أحد،و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول.أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك؟ فإنّ قلت ذلك فعلام نصبك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد حجّة الوداع فقال:«أيّها الناس من كنت مولاه فعليّ مولاه»و إن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاّهم؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام:يا عبد الرحمن إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا،و قد كان من نبيّ اللّه إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت-إلى أن قال-:
فقال عبد الرحمن:يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الأوّل:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان (1)
رواه عنه المفيد في أماليه:223 ح 2،المجلس 26.
«و وضحت محجّة الحق» في(الصحاح):المحجّة:جادّة الطريق (2).
«لخابطها» أي:خابط المحجّة من قولهم خبط عشواء أي:ناقة في
بمصرها ضعف تضرب بيدها الأرض لا تتوقى شيئا.و من قولهم«ما أدري أيّ خابط ليل هو»يعني:أيّ الناس هو .
«و أسفرت» أي:كشفت.
«الساعة» أي:القيامة.
«عن وجهها،و ظهرت العلامة لمتوسّمها» أي:متفرّسها.يقال:توسمت فيه الخير أي:تفرّسته .
«ما لي أراكم أشباحا» أي:أجسادا.
«بلا أرواح،و أرواحا بلا اشباح» أي:أشخاص و أجسام .
«و نسّاكا» أي:عبّادا.
«بلا صلاح و تجّارا بلا أرباح» حيث يحبطون عباداتهم.
ففي(ثواب الأعمال)عن حذيفة:لا يزال«لا إله إلا اللّه»تردّ غضب الربّ تعالى عن العباد ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم،فإذا كانوا لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ثمّ قالوها ردّت عليهم، و قيل:كذبتم و لستم بها صادقين.
و عن زيد بن أرقم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنّة.
و إخلاصه بها أن تحجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه.
و عن اسحق بن راهويه قال:لمّا وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام نيسابور و أراد أن يرحل منها إلى المأمون،اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له:
يا ابن رسول اللّه ترحل عنا،و لا تحدّثنا بحديث نستفيده منك-و قد كان قعد في العمارية-فأطلع رأسه،و قال:سمعت أبي عن آبائه عليهم السلام-واحدا بعد واحد-عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن جبرئيل عليه السلام عن اللّه تعالى«لا إله إلاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي»-فلمّا مرّت الراحلة
نادى:بشروطها،و أنا من شروطها (1)
ثواب الأعمال:20-21 ح 3 و 4 و 1.
.و عن أبي الجارود عن الباقر عليه السلام قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من قال سبحان اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة،و من قال الحمد للّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة،و من قال لا إله إلاّ اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة و من قال اللّه أكبر غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة.فقال رجل من قريش:يا رسول اللّه إن شجرنا في الجنّة لكثير.قال:نعم،و لكن إيّاكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها،و ذلك أنّ اللّه-عزّ و جلّ-يقول «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » (2).
«و أيقاظا نوّما» قال الفرزدق:
يستيقظون إلى نهاق حميرهم و تنام أعينهم عن الأوتار
«و شهودا غيّبا» يقال لصلاة المغرب صلاة الشاهد لأنّها يصلّيها الغائب كما يصليها الشاهد .
«و ناظرة عمياء» غيّر عليه السلام خطابه من الجمع في قوله«أشباحا»إلى قوله «و شهودا» إلى صيغة المفرد المؤنث بإرادة الطائفة تفنّنا .
«و سامعة صمّاء» فمن سمع،و لم يجب يكن كالأصم .
«و ناطقة بكماء» أي:خرساء،و الأصل في قوله عليه السلام «و ناظرة عمياء و سامعة صمّاء و ناطقة بكماء» قوله تعالى «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ» (3)«صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » (4).
«رأيت ضلالة» هكذا في(المصرية)بلفظ الفعل و الفاعل و المفعول،
و الصواب:«راية ضلالة»بلفظ مضاف،و مضاف إليه كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:225،و [1]في بعض نسخ شرح ابن ميثم 3:45.
.قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السلام«راية ضلالة»-إلخ-كلام منقطع عمّا قبله،لأنّ الرضي رضى اللّه عنه كان يلتقط الفصول الّتي في الطبقة العلياء في الفصاحة من كلامه عليه السلام فيذكرها،و يتخطّى ما قبلها،و ما بعدها،و هو عليه السلام يذكر هاهنا ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني و غيره (2).
قلت:الرضي رضى عنه اللّه و ان كان ينتخب من كلامه عليه السلام إلاّ أنّ الانتخاب بدون التنبيه خارج عن القاعدة،و كيف و قد نبّه في هذه الخطبة مرّتين على الالتقاط.
فقال أوّلا بعد ذكر كلامه عليه السلام في التوحيد«منها في ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم...،و ثانيا «منها،طبيب دوّار بطبه»... (3)،و الصواب أن يقال:إنّ الخطبة لمّا كانت في الملاحم كما صرّح به في أوّل كلامه،و كتب الملاحم لا تخلو من التصحيف غالبا،نقل ما وجد فيها،و إلاّ فالقطع ليس مختصا به ظاهرا.فقد عرفت استظهار قطع قوله«لم يستضيئوا»إلى قوله«القاسية»و كذلك قوله«قد انجابت»إلى قوله«لمتوسمها»و كذلك قوله«ما لي»إلى قوله«بكماء».
و كيف كان فما ذكره من كلامه عليه السلام إشارة إلى فتن آخر الزمان من السفياني و غيره غير بعيد.فروى النعماني عن أبي حمزة الثمالي قال:قلت لأبي جعفر عليه السلام:خروج السفياني من المحتوم؟قال:نعم،و النداء من المحتوم و طلوع الشمس من مغربها من المحتوم (4).
و عن الصادق عليه السلام قال:خروج السفياني و اليماني،و الخراساني في
سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد،و ليس في الرايات راية أهدى من اليماني لأنّه يدعو إلى صاحبكم.
و عنه عليه السلام للقائم عليه السلام خمس علامات:السفياني،و اليماني،و الصيحة من السماء،و قتل النفس الزكية،و الخسف بالبيداء (1)
أخرجها النعماني في الغيبة:171 و 169. [1]
.«قد قامت على قطبها» روى النعماني في علامات ظهور القائم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:لا بدّ من رحى تطحن.فإذا قامت على قطبها،و ثبتت على ساقها بعث اللّه عليها عبدا عسفا،خاملا أصله،يكون النصر معه،أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال سود ثيابهم أصحاب رايات سود.ويل لمن ناوأهم يقتلونهم هرجا.و اللّه لكأنّي أنظر إليهم،و إلى أفعالهم،و ما يلقى الفجّار منهم،و الأعراب الجفاة يسلّطهم اللّه عليهم بلا رحمة.فيقتلونهم هرجا على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية و البحرية جزاء بما عملوا «وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ » (2).
«و تفرّقت بشعبها» في(الصحاح):الشعب:ما تشعب من قبائل العرب، و العجم (3).
«تكيلكم بصاعها» أي:تعمل معكم كيف شاءت،و أما قولهم«كايلناهم صاعا بصاع»فمعناه كافأناهم .
«و تخبطكم» في(الصحاح):خبط البعير الأرض بيده خبطا ضربها، و خبطت الشجرة خبطا إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها (4).
«بباعها» في(الصحاح):الباع قدر مدّ اليدين... (1)
صحاح اللغة 3:1188، [1]مادة(بوع).
،و يقال:«ما بيعت هذه الثياب حتّى بيعت»الأوّل من البيع،و الثاني من البوع أصل الباع أي:حتّى قدّرت بالباع .«قائدها خارج من الملّة قائم على الضلّة» روى النعماني عن الباقر عليه السلام انّه قال:إنّ السفياني لم يعبد اللّه قط،و لم ير مكة و لا المدينة قط،يقول:يا رب ثاري و النار (2).
و روى ابن بابويه عن الصادق عليه السلام قال:إنّك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس-إلى أن قال-:
و قد بلغ من خبثه أنّه يدفن امّ ولد له و هي حيّة مخافة أن تدلّ عليه (3).
«فلا يبقى يومئذ منكم إلاّ ثفالة كثفالة القدر» و هي ما استقر تحته.يقال في الماء و الدواء و المرق«علا صفوه و رسب ثفله ».
«أو نفاضة كنفاضة العكم» في(الصحاح):العكم بالكسر العدل،و هما عكمان و العكم أيضا نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها،و النفاضة ما سقط عن النفض يقال:نفضت الثوب و الشجر إذا حرّكته لينتفض (4).
روى النعماني مسندا عن الأصبغ عنه عليه السلام قال:و الّذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض،و حتّى يسمّى بعضكم بعضا كذا بين،و حتّى لا يبقى منكم(على هذا الأمر)كالكحل في العين،و الملح في الطعام(و هو أقلّ الزاد)و سأضرب لكم مثلا و هو مثل رجل كان له طعام فنقّاه و طيّبه ثمّ أدخله بيتا و تركه فيه ما شاء اللّه.ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابه
السوس.فأخرجه،و نقّاه،و طيّبه ثم أعاده الى البيت فتركه ما شاء اللّه ثم عاد اليه فإذا هو قد اصابته طائفة من السوس،فأخرجه و نقاه و طيبه و أعاده،و لم يزل كذلك حتّى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضرّه السوس شيئا،و كذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلاّ عصابة لا يضرّها الفتنة شيئا (1)
غيبة النعماني:140. [1]
.و عن الحارث الأعور عنه عليه السلام:يملك السفياني قدر حمل امرأة تسعة أشهر يخرج بالشام فينقاد له أهل الشام إلاّ طوائف من المقيمين على الحقّ يعصمهم اللّه من الخروج معه،و يأتي المدينة بجيش جرار حتّى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف اللّه به،و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه «وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ » (2).
«تعرككم» أي:تدلككم.
«عرك الأديم» أي:الجلد.قال زهير:«فتعرككم عرك الرحى بثفالها » (3).
«و تدوسكم» أي:تضغطكم بأقدامها.
«دوس الحصيد» يقال حصدت الزرع فهو محصود و حصيد .
«و تستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الحبّة البطينة من بين هزيل الحب» هكذا في(المصرية)،و فيها سقط و الأصل: «استخلاص الطير الحبة...» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4)،و لأنّ الحبّة لا تستخلص بنفسها.
روى(الاكمال)عن محمّد بن مسلم،و أبي بصير قالا:سمعنا أبا عبد اللّه عليه السلام يقول:لا يكون هذا الأمر حتّى يذهب ثلثا الناس.فقيل له:إذا ذهب
ثلثا الناس فما يبقى.فقال عليه السلام:أما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي (1)
كمال الدين 2:655 ح 39. [1]
.«أين تذهب بكم المذاهب» جمع المذهب أي:السيور المموّهة بالذهب .
«و تتيه بكم» أي:توقعكم في التيه و الحيرة.
«الغياهب» جمع الغيهب أي:الظلمة .
«و تخدعكم الكواذب» جمع الكاذبة،و في الأمثال«كذب العير و إن كان برح» (2)«كذبتك الظهائر » (3).
«و من أين تؤتون،و أنّى» أي:كيف.
«تؤفكون» في(الصحاح):قال أبو زيد:المأفوك المأفون،و هو الضعيف العقل و الرأي و قوله تعالى: «يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ» (4).قال مجاهد:يؤفن عنه من افن... (5).
و المراد من قوله عليه السلام:«أين تذهب بكم المذاهب...»أنّ أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المعصومين من العترة معلومون.فكيف يوقعكم بنو العباس في الالتباس،أو أنّ مهدي أهل البيت أمره أبين من الشمس ينادى باسمه من السماء فكيف تنخدعون برجال يدّعون مقامه أو أنّ ظهور المهدي حتم فكيف تيأسون منه و يمكن إرادة الجميع .
«فلكلّ أجل كتاب» قال ابن أبي الحديد:أظنّه منقطعا عمّا قبله مثل قوله «راية ضلالة» (6).قلت:بل اتّصاله معلوم.فإنّه عليه السلام لمّا قال قبل:أين تذهب بكم
المذاهب في اليأس من أهل البيت عليهم السلام و قيام قائمهم عليه السلام أردفه بهذا الكلام بأنّ لكلّ أجل كتاب لا بد من الانتهاء إليه .
«و لكلّ غيبة إياب» قال ابن أبي الحديد:استثنى عبيد بن الأبرص من العموم الموت فقال:
و كلّ ذي غيبة يئوب و غائب الموت لا يئوب
و هو رأي زنادقة العرب.فأمّا أمير المؤمنين عليه السلام-و هو ثاني صاحب الشريعة الّتي جاءت بعود الموتى-فإنّه لا يستثنى،و يحمّق عبيدا في استثنائه.
قلت:كلام ابن أبي الحديد،كلام مختل منحلّ،فإنّ عبيدا و إن كان جاهليا ليس في مقام إنكار البعث،بل مراده أنّ الغائبين بالسفر يرجعون في الدنيا إلى أوطانهم و أهاليهم،و أما الغائب بالموت فلا يرجع إلى أهله أبدا،و هو كلام يقوله الملحد و الموحّد،و كيف و بيته من قصيدة من أحد المعلّقات السبع، و كلّها حكم فقبله:
و كلّ ذي نعمة مخلوسها و كلّ ذي أمل مكذوب
و كلّ ذي ابل موروثها و كلّ ذي سلب مسلوب
و بعده:
أفلح بما شئت فقد يد رك بالضعف و قد يخضع الأريب
بل الظاهر من أبياته أنّه و إن كان جاهليا إلاّ أنّه كان موحدا.ففي القصيدة كما في شعراء ابن قتيبة:
من يسأل الناس يحرموه وسائل اللّه لا يخيب
و اللّه ليس له شريك علاّم ما أخفت القلوب (1)
الشعر و الشعراء:85. [1]
1) 2)
و عود الموتى في القيامة لم يقل به الإسلام قط بل جميع الشرائع من آدم إلى الخاتم.
كما أنّ مراده عليه السلام من قوله «و لكلّ غيبة إياب» ليس البعث بل ظهور المهدي عليه السلام بعد غيبته.ففسر قوله تعالى: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ» (1)
الأنبياء:105. [1]
بظهوره عليه السلام بعد غيبته،و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلا من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا» (2).و نقل النعماني عن ابن عقدة روايته مسندا:أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال يوما لحذيفة،و الّذي نفس عليّ بيده لا تزال هذه الامّة بعد قتل الحسين ابني في ضلال و ظلمة،و عسفة،و جور،و اختلاف في الدين،و تبديل لما أنزل تعالى في كتابه،و إظهار البدع،و ابطال السنن،و اختلال و قياس مشتبهات،و ترك محكمات حتّى تنسلخ من الإسلام،و تدخل في العمى و التلدد و التكسع،مالك يا بني اميّة لا هديت يا بني اميّة،و مالك يا بني فلان لك الاتعاس.فما في بني فلان إلاّ ظالم معتد متمرّد على اللّه بالمعاصي،قتّال لولدي،هتّاك لستر حرمتي.
فلا تزال هذه الامّة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا،منغمس في بحار الهلكات،و في أودية الدماء حتّى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس و باح الناس بفقده أو بقتله أو بموته،اطلعت الفتنة،و نزلت البلية،و التحمت
العصبية،و غلا الناس في دينهم،و أجمعوا على أنّ الحجّة ذاهبة،و الإمامة باطلة،و تحجّ حجيج الناس في تلك السنة من شيعة علي،و تواصيهم التمكن و التجسس عن خلق الخلف.فلا يرى له أثر،و لا يعرف له خلف.فعند ذلك سبّت شيعة علي.سبّتها أعداؤها،و غلبت عليها الأشرار و الفسّاق باحتجاجها حتّى إذا بقيت الامّة،و تدلّهت و أكثرت في قولها أنّ الحجة هالكة،و الإمامة باطلة.
فوربّ عليّ أنّ حجّتها عليها قائمة،ماشية في طرقاتها.داخلة في دورها و قصورها،جوّالة في شرق هذه الأرض و غربها،تسمع الكلام،و تسلّم على الجماعة ترى،و لا ترى إلى وقت الوعد،و نادى المنادي من السماء ذلك يوم سرور ولد عليّ و شيعة عليّ (1)
غيبة النعماني:94،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فاستمعوه من ربّانيّكم» قال ابن أبي الحديد في وصف الحسن البصري لأمير المؤمنين عليه السلام:«كان و اللّه ربّاني هذه الامّة و ذا فضلها،و ذا قرابتها،و ذا سابقتها» (2).
قلت:و في وصفه له عليه السلام أيضا:«كان عليّ و اللّه سهما صائبا من مرامي اللّه على عدوّه،كانت له السابقة،و الفضل و العلم و الحكمة،و الفقه و الرأي و الصحبة،و النجدة،و البلاء،و الزهد،و القضاء،و القرابة،إنّ عليّا عليه السلام كان في أمره عليّا » (3).
«و أحضروه قلوبكم،و استيقظوا إن هتف» أي:صاح.
«بكم» روى(مناقب الكنجي الشافعي)،عن عمران بن حصين قال:بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جيشا،و استعمل عليهم عليّا عليه السلام.فمضى في السرية.فأصاب
جارية فأنكروا عليه،و تعاقد أربعة من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أن يخبروا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.فلمّا قدموا قام أحد الأربعة،و قال:ألم تر عليّا صنع كذا و كذا.
فأعرض عنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ قام الثاني فقال:فأعرض عنه.ثمّ الثالث فأعرض عنه.ثمّ قام الرابع فأقبل عليهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و الغضب يعرف في وجهه-ثمّ قال:ما تريدون من عليّ!ما تريدون من عليّ!إنّ عليّا منّي،و أنا من عليّ،و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي فلا تخالفوه في حكمه.و رواه أحمد بن حنبل في (فضائله ) (1)
كفاية الطالب:42،و [1]النقل بتلخيص.
.«و ليصدق رائد أهله» هو كالمثل.ففي(الصحاح):الرائد الّذي يرسل في طلب الكلاء يقال لا يكذب الرائد أهله » (2).
«و ليجمع شمله» الشمل يجيء لاجتماع الأمر و تفرقه.يقال فرّق اللّه شمله و جمع اللّه شمله و المراد هنا الثاني .
«و ليحضر ذهنه» لأهمّية الأمر فمع الغفلة تحصل الهلكة .
«فلقد فلق» أي:شقّ.
«لكم الأمر فلق الخرزة» بالراء ثمّ الزاي الدرّة،و في(الصحاح):خرزات الملك جواهر تاجه،و يقال:كان الملك إذا ملك عاما زيدت في تاجه خرزة ليعلم عدد سنيّ ملكه قال لبيد:يذكر الحارث بن أبي شمر الغسّاني:
رعى خرزات الملك عشرين حجّة و عشرين حتى فاد و الشيب شامل
و نقله(الأساس):«ستين حجّة » (3).
«و قرفه» أي:قشره.
«قرف الصمغة» قال الجوهري في المثل:«تركته على مثل مقرف الصمغة»و ذلك إذا لم تترك له شيئا لأنّها تقتلع من شجرتها حتّى لا تبقى عليها علقة (1)
صحاح اللغة 4:1323، [1]مادة(صمغ).
.و الفاعل في قوله عليه السلام «فلق» و«و قرفه»ضمير ربّانيكم،و المراد نفسه عليه السلام.روى الكنجي الشافعي في(مناقبه)عن حذيفة قال:قالوا:يا رسول اللّه ألا تستخلف عليّا؟قال:إن تولوا عليّا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم (2).
«فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه» جمع المأخذ أي:جميع ما يلزمه،و يمكنه أخذه.ثمّ الظاهر أنّه وقع قبله سقط كما عرفته في قوله:«راية ضلالة»كما لا يخفى .
«و ركب الجهل مراكبه» كناية عن جمع أسباب الجهل .
«و عظمت الطاغية» أي:طغيان الباغين،و في الأساس«هو طاغية جبّار عنيد » (3).
«و قلّت الداعية» أي:من يدعو إلى الحقّ،و في(الأساس):«دع داعي اللبن و داعية اللبن ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده،و الداعية تدعو المادة » (4).
«و صال الدهر» أي:حمل في الحرب.
«صيال السبع العقور» من عقره أي:جرحه.قيل يقال للخمر العقار بالضم لأنّها تعقر العقل أي:تجرحه .
«و هدر» من هدر البعير أي:ردّد صوته في حنجرته.
«فنيق الباطل» أي:فحله.قال ابن دريد:«الفنيق الفحل من الإبل»قال الشاعر الأعشى:«بزيافة كالفنيق القطم...» (1)
جمهرة اللغة 3:155. [1]
و قول الجوهري:الفنيق الفحل المكرم (2)بلا وجه.«بعد كظوم» من كظم البعير كظوما إذا أمسكه عن الجرّة .
«و تواخى الناس» أي:صاروا إخوانا.
«على الفجور» و الفسوق .
«و تهاجروا على الدين» أي:تقاطعوا عليه،و قد أمروا فيهما بالعكس .
«و تحابّوا» أي:أحبّ كلّ واحد منهم صاحبه.
«على الكذب،و تباغضوا» أي:أبضغ كلّ منهم صاحبه.
«على الصدق» و قد امروا بالضدّ فيهما .
«فإذا كان ذلك،كان الولد غيظا» لأبويه،و كان الحقّ أن يكون قرّة عين لهما .
«و المطر قيظا» أي:في عين الصيف،و شدّة حرارته.فلا يكون مثمرا بل مضرا .
«و تفيض اللئام فيضا» أي:كثروا بلا حصر من فاض الماء فيضا أي:كثر حتّى سال على ضفة الوادي .
«و تغيض الكرام غيضا» أي:قلّوا حتّى لا يوجدوا،من غاض الماء غيضا:
قلّ و نضب.
و في(كامل المبرد):قال محمّد بن منتشر الهمداني،دفع إليّ الحجّاج رجلا ذمّيّا و أمرني بالتشديد عليه،و الاستخراج منه.فلمّا انطلقت به قال:إنّ لك لشرفا و دينا،و إنّي لا اعطي على القسر شيئا فارفق بي.ففعلت فأدّى إليّ في
اسبوع خمسمائة ألف.فبلغ ذلك الحجّاج.فأغضبه فانتزعه من يدي،و دفعه إلى الّذي كان يتولّى لهم العذاب.فدقّ يديه و رجليه،و لم يعطه شيئا،و إنّي لسائر يوما في السوق إذ صاح بي يا محمّد.فالتفتّ فإذا أنا به معترضا على حمار مدقوق اليدين،و الرجلين.فخفت الحجّاج أن آتيه فملت إليه.فقال:إنّك و ليت منّي ما ولي هؤلاء.فرفقت بي،و أحسنت إليّ،و إنّهم صنعوا بي ما ترى ولي خمسمائة ألف عند فلان فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ فقلت:ما كنت لآخذ على معروفي أجرا،و لا لارزئك على هذه الحالة شيئا.قال:فأمّا إذ أبيت فاسمع منّي حديثا حدّثني به بعض أهل دينك عن نبيّكم أنّه قال:«إذا رضي اللّه عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته،و جعل المال في سمحائهم،و استعمل عليهم خيارهم،و إذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته،و جعل المال في بخلائهم و استعمل عليهم أشرارهم.فصرت إلى الحجّاج فألفيته جالسا على فراشه،و السيف مصلت بيده.فقال:ادن فدنوت شيئا.ثمّ قال:ادن فدنوت شيئا،ثمّ قال في الثالثة:ادن لا أبا لك.فقلت:ما لي إلى الدنو من حاجة،و في يدي الأمير ما أرى،فضحك و أغمد سيفه،و قال:اجلس.ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت:و اللّه ما غششتك مذ استنصحتني،و لا كذبتك مذ استخبرتني،و لا خنتك مذ ائتمنتني،ثمّ حدّثته.فلمّا صرت إلى ذكر الرجل الّذي كان المال عنده أعرض عنّي بوجهه،و أومأ إليّ بأن لا تسمّه.ثمّ قال:إنّ للخبيث نفسا،و قد سمع الأحاديث (1)
كامل المبرد 3:174،و [1]النقل بتصرف يسير.
.هذا،و في(تاريخ بغداد):استقبل أبو هفّان المهزمي الشاعر-و كان على حمار مكار-ابن ثوابة.فقال له ابن ثوابة:تركب حمير الكراء.فأجابه من ساعته:
1) 1)
ركبت حمير الكراء لقلّة من يعترى
لأنّ ذوي المكرما ت قد غيّبوا في الثرى
فقال له ابن ثوابة:قلت هذا البيت في وقتك هذا.قال:لا قلته غدا (1)
لم أجده في تاريخ بغداد. [1]
.«و كان أهل ذلك الزمان ذئابا» في(حياة الحيوان للدميري)قال الشاعر:
ليت شعري كيف الخلاص من الناس و قد أصبحوا ذئاب اعتداء
قلت:لمّا بلاهم صدق خبري رضي اللّه عن أبي الدرداء
أشار إلى قول أبي الدرداء.إيّاكم و معاشرة الناس،فإنّهم ما ركبوا قلب امرئ إلاّ غيّروه،و لا جوادا إلاّ عقروه،و لا بعيرا إلاّ أدبروه،و الذئب إذا كدّه الجوع عوى.فتجتمع له الذئاب،و يقف بعضها إلى بعض.فمن ولّى منها وثب إليه الباقون و أكلوه،و إذا عرض للإنسان و خاف العجز عنه،عوى عواء استغاثة.فتسمعه الذئاب.فتقبل على الإنسان إقبالا واحدا،و هم سواء في الحرص على أكله.فإن أدمى الإنسان واحدا منها وثب الباقون على المدمى فمزّقوه،و تركوا الإنسان.و عاتب بعضهم صديقه-و كان أعان عليه-فقال:
و كنت كذئب السوء لمّا رأى دما بصاحبه يوما أحال على الدم
و قال عبيد بن الأبرص للمنذر بن ماء السماء ملك الحيرة لمّا أراد قتله:
و قالوا هي الخمر تكنّى الطلا كما الذئب يكنى أبا جعدة
أي:تظهر لي الإكرام،و أنت تريد قتلي كما أنّ الخمرة و إن سمّيت طلاء ففعلها قبيح،و إنّ الذئب و إن كنّى أبا جعدة-أي:أبا الشاة-ففعله قبيح (2).
«و سلاطينه سباعا و أوساطه أكّالا و فقراؤه أمواتا» روى(الروضة):أنّ حمران بن أعين قال للباقر عليه السلام:لو حدّثتنا متى يكون هذا الأمر فسررنا به.
فقال عليه السلام إنّ رجلا كان في ما مضى من العلماء،و كان له ابن لم يكن يرغب في علم أبيه،و لا يسأله عن شيء،و كان له جار يأتيه،و يسأله،و يأخذ عنه.فحضر الرجل الموت فدعا ابنه.فقال:يا بنيّ إنّك كنت تزهد في ما عندي،و تقلّ رغبتك فيه،و لم تكن تسألني عن شيء،ولي جار قد كان يأتيني و يسألني،و يأخذ منّي،و يحفظ عنّي،فإن احتجت إلى شيء فأته-و عرّفه جاره-فهلك الرجل، و بقي ابنه،فرأى ملك ذلك الزمان رؤيا.فسأل عن الرجل.فقيل له:قد هلك.فقال الملك:هل ترك ولدا؟فقيل له:نعم ترك ابنا.فقال:إيتوني به.فبعث إليه.فقال الغلام:و اللّه ما أدري لما يدعوني الملك،و ما عندي علم،و لئن سألني عن شيء لأفتضحن،فذكر ما كان أوصاه أبوه.فأتى ذاك الرجل،و قال له:إنّ الملك قد بعث إليّ يسألني،و لست أدري فيم بعث به إليّ،و قد كان أبي أمرني أن آتيك إن احتجت إلى شيء.
فقال الرجل:و لكنّي أدري في ما بعث به اليك.فإن أخبرتك فما أخرج اللّه لك من شيء فهو بيني و بينك.فقال:نعم.فاستحلفه و استوثق منه أن يفي له.
فقال له:إنّ الملك يريد أن يسألك عن رؤيا رآها أيّ زمان هذا.فقل له:إنّ هذا زمان الذئب.فأتى الغلام الملك.فقال له الملك:لم أرسلت إليك؟قال:تريد أن تسألني عن رؤيا رأيتها أيّ زمان هذا؟قال له:صدقت.فقل أيّ زمان هذا؟قال:
زمان الذئب.فأمر الملك بجائزة.فقبضها الغلام و انصرف،و أبى أن يفي لصاحبه،و قال لعليّ لا أنفد هذا المال حتّى أهلك،و لعلّي لا اسأل عن مثل هذا الّذي سئلت عنه.
فمكث برهة ثمّ إنّ الملك رأى رؤيا.فبعث إليه يدعوه.فندم على ما صنع و قال:و اللّه ما عندي علم آتيه به،و ما أدري كيف أصنع بصاحبي،و قد غدرت به ثمّ قال:لآتينّه،و لأعتذرنّ إليه،و لأحلفنّ له فلعلّه يخبرني.فأتاه فقال:إنّي صنعت الّذي صنعت،و لم أف لك،و تفرّق ما كان في يدي و أنا أوثق لك ألاّ
يخرج لي شيء إلاّ كان بيني و بينك،و قد بعث إليّ الملك،و لست أدري عمّ يسألني.فقال،إنّه يريد أن يسألك عن رؤيا رآها أي زمان هذا.فقل له:إنّ هذا زمان الكبش.فأتى الملك.فقال له:لم بعثت اليك؟فقال:إنّك رأيت رؤيا،و إنّك تريد أن تسألني أيّ زمان هذا؟فقال له:صدقت فأخبرني أيّ زمان هذا؟فقال، زمان الكبش.فأمر له بصلة.فقبضها،و انصرف،و تدبر في أن يفي أم لا.فهمّ مرّة أن يفعل و مرّة أن لا يفعل ثمّ قال:لعلّي لا احتاج إليه بعد هذه المرّة أبدا.
فأجمع على الغدر.
فمكث برهة ثمّ إنّ الملك رأى رؤيا.فبعث إليه.فندم،و قال بعد غدر مرّتين:كيف أصنع؟ثمّ أجمع رأيه على إتيانه.فأتاه و ناشده اللّه تعالى و أخبره انّ هذه المرّة يفي له،و لا يغدر.فقال:يريد أن يسألك عن رؤيا رآها أيّ زمان هذا.فإذا سألك فأخبره أنّه زمان الميزان.فأتى الملك،فقال له:لم بعثت إليك؟ قال:رأيت رؤيا تريد أن تسألني أيّ زمان هذا؟فقال:صدقت.فأخبرني أيّ زمان هذا؟فقال:زمان الميزان،فأمر له بصلة فانطلق بها إلى الرجل فوضعها بين يديه،و قال:جئتك بما خرج لي فقاسمنيه.فقال له العالم:إنّ الزمان الأوّل كان زمان الذئب،و انّك كنت من الذئاب،و إنّ الزمان الثاني كان زمان الكبش يهمّ و لا يفعل،و كذلك أنت تهمّ و لا تفي،و هذا زمان الميزان،و كنت فيه على الوفاء.فاقبض مالك لا حاجة لي فيه (1)
الكافي 8:362 ح 552،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و غار» من غار الماء:إذا نضب،و ذهب في الأرض.
«الصدق،و فاض الكذب» في(الكافي):عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه اللّه صدّيقا،و ما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه اللّه كذّابا (2).
«و استعملت المودّة باللسان ،و تشاجرت»هكذا في(المصرية)،و الصواب :
(و تشاجر) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:226،لكن في شرح ابن ميثم 3:41 مثل المصرية.
.«الناس بالقلوب» في(الكافي):عن الصادق عليه السلام من لقي المسلمين بوجهين و لسانين جاء يوم القيامة،و له لسانان من نار (2).
«و صار الفسوق نسبا» قال تعالى «وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ» (3).
و في(الاستيعاب)-في أبي الغادية الجهني قاتل عمّار-كان أبو الغادية إذا استأذن على معاوية و غيره يقول:«قاتل عمّار بالباب»،و كان يصف قتله إذا سئل عنه لا يباليه،و في قصته عجب عند أهل العلم قال:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض»ثمّ قتل عمّارا.و مثله في(معارف ابن قتيبة)و زاد:قال ربيعة بن كلثوم:قال أبي:
حدّثني أبو الغادية قال:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإنّ الحق يومئذ لمع عمّار»-قال أبي:فما رأيت شيخا أضلّ منه يروي أنّه سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول ما قال ثمّ ضرب عنق عمّار (4).
«و العفاف عجبا» لندرة المتعفّفين فإذا رأوا عفيفا تعجّبوا منه،و ينطبق جميع ما قاله عليه السلام على عصرنا في الغاية لا سيما الفقرة الأخيرة.فإنّه لكثرة النساء المتكشفات،و كثر نظر الرجال إليهنّ إذا رأوا امرأة عفيفة تتستر أو رجلا عفيفا لا ينظر استغربوه.
«و لبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا» فيعكسون و يبدّلون أحكامه،يحلّلون حرامه،و يحرّمون حلاله،و ينكرون معروفه،و يعرفون منكره،و يعطّلون حدوده،و يتعدّون حدوده بحيث لو كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيّا لبدأ بقتالهم قبل قتال الكفار.فثقيف قالوا:تجارتنا من الربا،و لم نقدر على تركه فنزل «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ» (1)
البقرة:279. [1]
.هذا،و عن بعض كتب المناقب القديمة:جاء جابر الأنصاري إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له:بأبي أنت و امّي رأيت رؤيا هالتني.فقال عليه السلام:ما الّذي رأيت؟فقال:رأيت كان ثيرانا سمانا تشرب من لبن عجاجيل هزال،و رأيت دوابّا سمانا لكلّ دابّة رأسان تأكل بالرأسين،و لا تروث،و رأيت أحواضا يابسة قد نبتت فيها أخشبة خضر،و رأيت المرضى يعودون الأصحاء، و رأيت ثوبا أبيض معلقا من السماء الى الأرض،و الناس يقطّعون منه قطعة قطعة،و رأيت طائرين في بيت مظلم يتكلّمان بكلام فصيح،و رأيت طاستين إحداهما ذهب،و الاخرى رصاص،و رجل واقف بينهما يغرف من الرصاص، يفرغ في الذهب،فلا الرصاص ينقص منه،و لا الذهب يمتلي.
فقال عليه السلام:رؤياك هذه تدلّ على آخر الزمان أما الثيران السمان الّتي تشرب ألبان العجاجيل الهزال.فإنّها سلاطينهم يأخذون أموال الفقراء و المساكين ليستغنوا.فلا يستغنون أبدا،و أما الدوابّ الّتي لكلّ واحدة رأسان تأكل بهما و لا تروث فإنّها أغنياء آخر الزمان يجمعون المال من حلال و حرام، و لا يخرجون الزكاة،و أما الأحواض اليابسة فهم العلماء،و أمّا الأخشبة الخضر فهي علومهم الّتي لا يعملون بها،و أما المرضى الّذين يعودون الأصحّاء،فإنّهم فقراء آخر الزمان يذهبون إلى الأغنياء يسألونهم،فلا
1) 1)
يعطونهم شيئا،و ذلك أكبر المرض،و أما الثوب المعلق من السماء إلى الأرض، فهو دين الإسلام طاهر مطهر بيّن،فإذا كان آخر الزمان وقعت الأهواء و البدع بين الناس فترى مع كلّ واحد منهم شيئا من الإسلام يستتر به،و أما الطائران اللّذان رأيتهما في بيت مظلم يتكلّمان بكلام فصيح أحدهما الوفاء،و الآخر الأمانة.فإذا كان آخر الزمان قلّ الوفاء،و قلّت الأمانة حتّى لا تبين،و يكون مثل بيت مظلم فلا وفاء حينئذ و لا أمانة،و أمّا الطاستان.فالرصاص الدنيا،و الذهب الآخرة،و الرجل الواقف بينهما ملك الموت يحمل من الدنيا إلى الآخرة يقبض الأرواح.فلا الدنيا تفنى،و لا الآخرة تمتلي إلى الوقت المعلوم،و هو القيامة.
يا جابر!قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ليأتينّ على الناس زمان تقصر فيه المروة، و تدقّ فيه الأخلاق،و تستغني الرجال بالرجال،و النساء بالنساء.فإذا كان كذلك فانتظروا العذاب (1)
لم أجد موضع نقله.
.الحكمة(102)
و قال عليه السلام:
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ الْمَاحِلُ- وَ لاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْفَاجِرُ- وَ لاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْمُنْصِفُ- يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً وَ صِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً- وَ الْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ- فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشْوَرَةِ النِّسَاءِ- وَ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ وَ تَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ أقول:رواه(روضة الكافي الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 69 ح 25 عن عدّته)،عن سهل،عن موسى بن عمر الصيقل عن أبي شعيب المحاملي،عن عبد اللّه بن سليمان،عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:«ليأتينّ على الناس زمان يظرّف فيه الفاجر،
1) 1)
و يقرّب فيه الماجن،و يضعف فيه المنصف»فقيل له:متى ذاك يا أمير المؤمنين؟فقال:«إذا تسلطنّ النساء،و سلّطن الاماء،و امّر الصبيان» (1)
الكافي 8:69 ح 25،و [1]النقل بتقطيع.
.و قال ابن أبي الحديد:هو من باب الإخبار بالغيوب،و إحدى آياته عليه السلام و المعجزات المختص بها دون الصحابة (2).
«يأتي على الناس زمان لا يقرّب فيه إلاّ الماحل» أي:الساعي إلى السلطان و الماكر و الكائد.
«و لا يظرّف فيه إلاّ الفاجر،و لا يضعّف فيه إلاّ المنصف» و كأنّه إخبار بزمن المتوكّل.ففي(المعجم):حدّث الجهشياري عن وهب بن سليمان قال:كنت أكتب لإبراهيم بن العباس على ديوان الضياع-و كان رجلا بليغا،و لم يكن له في الخراج تقدم،و كان بينه و بين أحمد بن المدبر تباعد،و كان أحمد مقدّما في الكتابة-فقال للمتوكّل:قلّدت إبراهيم بن العباس ديوان الضياع،و هو لا يحسن قليلا و لا كثيرا-و طعن عليه طعنا قبيحا-فقال المتوكل:في غد أجمع بينكما، و اتّصل الخبر بإبراهيم.فأيقن بحلول المكروه،و علم أنّه لا يفي بأحمد في صناعته،و غدا إلى دار السلطان آيسا من نفسه و نعمته،و حضر أحمد.فقال له المتوكّل:قد حضر إبراهيم،و حضرت،و من أجلكم قعدت فهات اذكر ما كنت فيه أمس.فقال أحمد:أيّ شيء أذكر عنه.فإنّه لا يعرف أسماء عمّاله في النواحي،و لا يعلم ما في دساتيرهم من تقديراتهم و كيولهم،و حمل من حمل منهم و من لم يحمل،و لا يعرف أسماء النواحي الّتي تقلّدها،و قد اقتطع صاحبه بناحية كذا،كذا ألفا،و اختلّت ناحية كذا في العمارة-و أطال في هذه الامور- فالتفت المتوكّل إلى إبراهيم.فقال:ما سكوتك.فقال:جوابي في بيتي شعر
قلتهما.فإن أذن الخليفة أنشدتهما.فقال:هات فأنشده:
ردّ قولي و صدّق الأقوالا و أطاع الوشاة و العذّالا
أ تراه يكون شهر صدود و على وجهه رأيت الهلالا
فقال المتوكل:زه زه.أحسنت.إيتوني بمن يعمل لحنا في هذا،و هاتوا ما نأكل،و جيئوا بالنساء،و دعونا من فضول ابن المدبر،و اخلعوا على إبراهيم.
فخلع عليه و انصرف إلى منزله،قال وهب:فمكث إبراهيم يومه مغموما.فقلت له:هذا يوم سرور و جذل بما جدّد اللّه لك من الانتصار على خصمك.فقال يا بني!الحق أولى بمثلي و أشبه.إنّي لم أدفع أحمد بحجّة،و لا كذب في شيء ممّا ذكر،و لا أنا ممّن يعشره في الخراج،كما أنّه لا يعشرني في البلاغة،و انّما فلجت برطانة و مخرقة أفلا أبكي-فضلا أن اغتم-من زمان يدفع ذلك كلّه (1)
معجم الأدباء 1:194،و [1]النقل بتصرف يسير.
؟ و في(المروج):أنشد البحتري،المتوكّل قصيدته الّتي أوّلها:عن أيّ ثغر تبتسم و بأيّ طرف تحتكم
فلمّا انتهى مشى القهقرى للانصراف.فوثب أبو العنبس.فقال للمتوكّل:
تأمر بردّه.فقد و اللّه عارضته في قصيدته هذه.فأمر بردّه.فأنشد أبو العنبس:
من أيّ سلح تلتقم و بأيّ كفّ تلتطم
أدخلت رأس البحتري أبي عبادة في الرحم
و وصل ذلك بما أشبهه من الشتم.فضحك المتوكّل حتّى استلقى على قفاه و فحص برجله اليسرى،و قال:يدفع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم.
فقال الفتح يا سيّدي،البحتري الّذي هجي،و اسمع المكروه ينصرف خائبا.
قال:و يدفع إلى البحتري عشرة آلاف درهم.قال:يا سيدي و هذا البصري الّذي أشخصناه من بلده-و كان الفتح أشخص المبرد من البصرة لوقوع الاختلاف
1) 1)
في تأويل آية-لا يشركهم في ما حصّلوه.قال:و يدفع إليه عشرة آلاف درهم.
فانصرفوا كلّهم في شفاعة الهزل،و لم ينفع البحتري جده و اجتهاده و حزمه.
ثمّ قال المتوكّل لأبي العنبس:أخبرني عن حمارك و وفاته،و ما كان شعره في الرؤيا الّتي اريتها.قال:نعم.كان حماري أعقل من القضاة،و لم يكن له جرية و لا زلّة.فاعتلّ على غفلة.فمات منها فرأيته في ما يرى النائم.فقلت له:
يا حماري!ألم أبرّد لك الماء،و انقّ لك الشعير،و أحسن إليك جهدي.فلم متّ على غفلة و ما خبرك؟قال:نعم.لمّا كان في اليوم الّذي وقفت على فلان الصيدلاني تكلّمه في كذا و كذا مرّت بي اتان حسناء.فرأيتها فأخذت بمجامع قلبي فعشقتها،و اشتدّ وجدي بها.فمتّ كمدا متأسفا.فقلت له:يا حماري فهل قلت في ذلك شعرا؟قال:نعم،و أنشدني:
هام قلبي باتان عند باب الصيدلاني
تيمّتني يوم رحنا بثناياها الحسان
و بخدّين اسيلين كلون الشنقراني
فبها متّ و لو عشت إذن طال هواني
فقلت:يا حماري!ما الشنقراني؟فقال:هذا من غريب الحمير،فطرب المتوكّل و أمر الملهين،و المغنّين أن يغنّوا ذلك اليوم بشعر الحمار،و فرح في ذلك اليوم فرحا لم ير مثله فيه،و زاد في تكرمة أبي العنبس و جائزته (1)
مروج الذهب 4:9-10،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الأغاني):كان أبو العبر العباسي-من ولد عبد الصمد بن علي- مستويا إلى أن ولي المتوكّل الخلافة.فترك الجد،و عدل إلى الحمق،و قد نيّف على الخمسين،و كان المتوكّل يرمي به في المنجنيق إلى الماء،و عليه قميص حرير.فإذا علا في الهواء صاح الطريق الطريق.ثمّ يقع في الماء فيخرجه
1) 1)
السبّاح و كان المتوكّل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتّى يقع في البركة.ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك.ففي ذلك يقول:
و يأمر بي الملك فيطرحني في البرك
و يصطادني بالشبك كأنّي من السمك (1)
الأغاني 23:197 و 201،و [1]النقل بتصرف يسير.
و فيه:قال أبو العميس الصيمري في دار المتوكّل لأبي العبر:ايش يحملك على هذا السخف؟فقال:يا كشخان!أ تريد أن اكسد أنا و تنفق أنت، و أنت تركت العلم،و صنعت في الرقاعة نيّفا و ثلاثين كتابا لو نفق العقل أ كنت تقدّم على البحتري،و قد قال في المتوكّل بالأمس:
عن أي ثغر تبتسم و بأيّ طرف تحتكم
فلمّا خرجت أنت عليه و قلت:
في أيّ سلح ترتطم و بأيّ كف تلتقم
أدخلت رأسك في الرحم و علمت أنك تنهزم
فاعطيت الجائزة و حرم،و قرّبت و ابعد.قال:و خرج أبو العبر إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة في آجامهم.فسمعه بعض الكوفيّين يقول في عليّ عليه السلام قولا قبيحا.فقتله في بعض الآجام و غرقه فيها،و كان شديد البغض لعليّ عليه السلام و له في العلويّين هجاء قبيح (2).
و في(تاريخ الطبري):قال مروان بن أبي الجنوب:أنشدت المتوكّل شعرا ذكرت الرافضة فيه.فعقد لي على البحرين و اليمامة،و خلع عليّ أربع خلع في دار العامة،و أمر لي بثلاثة آلاف دينار،فنثرت على رأسي و أمر ابنه
المنتصر و سعد الايتاخي يلقطانها لي،و لا أمسّ منها شيئا فجمعاها لي (1)
تاريخ الطبري 7:397 سنة 247،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و قلنا:كأنّه إخبار بزمن المتوكّل حيث كان له خصوصية في هذا كما عرفت من سيرته حتّى إنّه صنّف له الكتب في المجون.و قال في(المروج):«لم يكن أحد ممّن سلف من خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه اللعب و المضاحك،و الهزل مما قد استفاض من الناس تركه إلاّ المتوكّل.فإنّه السابق إلى ذلك،و المحدث له،و أحدث أشياء من نوع ما ذكر فاتّبعه فيها الأغلب من خواصه،و أكثر رعيته.فلم يكن في وزرائه،و المتقدّمين من كتّابه و قوّاده من يوصف بجود و لا إفضال،أو يتعالى عن مجون و طرب» (2).و إلاّ فكان ما قاله عليه السلام في أزمنة بعده عليه السلام أيام باقي العباسيّين،و أيام بني اميّة له عمومية.
و في(الأغاني):عاتب أبان اللاحقي البرامكة على تركهم إيصاله إلى الرشيد و إيصال مديحه إليه.فقالوا له:و ما تريد من ذلك؟فقال:اريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة.فقالوا:إنّ لذلك مذهبا في هجاء آل أبي طالب و ذمّهم،به يحظى،و عليه يعطى.فاسلكه حتّى نفعل.قال:لا استحلّ ذلك.قالوا:فما تصنع؟لا يجيء طلب الدنيا إلاّ بما لا يحلّ؟فقال أبان:
نشدت بحق اللّه من كان مسلما اعمّ بما قد قلته العجم و العرب
أعمّ رسول اللّه أقرب زلفة لديه أم ابن العم في رتبة النسب؟
و هي طويلة.فقال الفضل:ما يرد على الرشيد اليوم شيء أعجب من أبياتك فركب فأنشدها الرشيد.فأمر لأبان بعشرين ألف درهم ثمّ اتّصل به، و خصّ به (3).و في الامويّين كان الوليد بن يزيد أشبههم بالمتوكّل.
ففي(تاريخ الطبري):لمّا ولي الوليد بن يزيد كتب الى نصر بن سيّار بخراسان يأمره أن يتّخذ له برابط و طنابير،و أباريق ذهب و فضّة،و أن يجمع له كلّ صنّاجة بخراسان يقدر عليها.
و في(الأغاني):كان حمّاد الراوية،و مطيع بن أياس،و عمّار ذي كناز يتنادمون و كلّهم كان متّهما بالزندقة.قال حمّاد:استقدمني الوليد فجعلت أنشده.فلا يهشّ حتّى جرى ذكر عمّار ذي كناز.فعرفه و سأل عنه-و ما ظننت أنّ شعر عمار شيء يراد أو يعبأ به-فقال:هل عندك شيء من شعره؟فقلت:
نعم أحفظ قصيدة له فأنشدته:
حبذا أنت يا سلامة العين حبذا اشتهى منك منك منك مكانا مجنبذا
مفعما في قباله بين ركنين ربّذا مدغما ذا مناكب حسن القد محتذى
رابيا ذا مجسّة أخنسا قد تقنفذا لم تر العين مثله في منام و لا كذا
تامكا كالسنام إذ بذّ عنه مقذّذا ملأ كفّي ضجيعها نال منها تفخّذا
لو تأملته دهشت و عاينت جهبذا طيب العرف و المجسّة ذا اللمس هربذا
فأجا فيه فيه بأير كمثل ذا ليت أيري و ليت حرك جميعا تأخذا
فآخذ ذا بشعر ذا و أخذ ذا بقعر ذا
فضحك الوليد حتّى سقط على قفاه،و صفق بيديه و رجليه،و أمر
بالشراب فأحضر،و أكرّر الأبيات،و هو يشرب و يصفق،و أمر لي بحلّتين، و ثلاثين ألف درهم.ثمّ قال:ما فعل عمّار؟قلت:حيّ كميّت قد غشي بصره، و ضعف جسمه لا حراك به،فأمر له بعشرة آلاف درهم.فقلت له:ألا أخبر الخليفة بشيء يفعله لا ضرر عليه،و هو أحبّ إلى عمّار من الدنيا بحذافيرها.
قال:و ما ذاك؟قلت:إنّه لا يزال ينصرف من الحانات،و هو سكران فيرفعه الشرط.فيضرب الحد،فقد قطّع بالسياط،و لا يدع الشراب.فكتب إلى عامله بالعراق ألاّ يرفع إليه أحد من الحرس عمارا في سكر و لا غيره إلاّ ضرب الرافع له حدّين،و أطلق عمارا (1)
يوجد قريب منه في الأغاني 7:56. [1]
.«يعدّون الصدقة فيه غرما» «وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً» (2).
«و صلة الرحم منّا،و العبادة استطالة على الناس» حيث إنّه ليس صلتهم و عبادتهم كصدقتهم للّه تعالى بل للرّياء و السمعة.
«فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء» هكذا في(المصرية) و الصواب:بمشورة الإماء كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«و إمارة الصبيان،و تدبير الخصيان» بالكسر جمع الخصيّ أي:من سلّ خصيتاه،و الكلام إشارة إلى خلافة المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكّل بايعوه،و له ثلاث عشرة سنة.
و لقد كان الصادق عليه السلام أخبر عبد اللّه بن الحسن لمّا كان يدّعي الأمر لابنه محمّد بأنّ الأمر للسفاح ثمّ لأخيه المنصور ثمّ لبنيه حتّى يناله صبيانهم و يشاور فيه نساؤهم،و لذا كان المنصور-لمّا خرج محمّد و إبراهيم عليه،
و خاف من غلبتهما-يقول:أين ما وعدنا جعفر؟ (1)
رواه ابو الفرج في المقاتل:172. [1]
.ففي(مقاتل أبي الفرج)عن أبي الحجّاج الجمّال قال:إنّي لقائم على رأس المنصور،و هو يسألني عن مخرج محمّد إذ بلغه أنّ عيسى بن موسى(و كان من قبله يقاتل محمّدا)هزم-و كان متكئا-فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه،و قال:كلاّ.فأين لعب صبياننا بها على المنابر،و مشاورة النساء (2).
و فيه:عن حفص بن حكيم قال:إنّ المنصور و جل من أمر إبراهيم حتّى جعل يقول:ويلك يا ربيع!فكيف،و لم ينلها أبناؤنا.فأين إمارة الصبيان (3)؟ و قال الجزري-بعد ذكر قتل المقتدر،و رفع رأسه على خشبة،و ترك جنازته مكشوف العورة-:انّ المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيرا،و حكّم فيها النساء و الخدم (4).
الخطبة(136)
و من خطبة له عليه السلام يومى فيها إلى ذكر الملاحم:
يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى- إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى- وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى؟الْقُرْآنِ؟- إِذَا عَطَفُوا؟الْقُرْآنَ؟ عَلَى الرَّأْيِ منها:
حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا- مَمْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا- أَلاَ وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ- يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا
وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا- وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا- فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ- وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السلام في ذكر الملاحم» هكذا في (المصرية)و الصواب:(و من خطبة له عليه السلام يومئ فيها إلى ذكر الملاحم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:386، [1]لكن في شرح ابن ميثم 3:168 [2] مثل المصرية.
و الملاحم:جمع الملحمة،الوقعة العظيمة في الفتنة.قوله عليه السلام «يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى» قال ابن أبي الحديد:أشار عليه السلام إلى إمام يخلقه اللّه في آخر الزمان... (2)قلت:بل يظهره اللّه في آخر الزمان،و كون ذاك الإمام العاشر من ولده عليه السلام و الثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر من ضروريات مذهب الإماميّة،كيف لا و قد تواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام عند الخاصة و العامة أنّه قال لكميل-في كلام طويل- «اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا،أو خائفا مغمورا،لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته» (3)و هو لا ينطبق إلاّ على مذهبنا،و قد اعترف به ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليه السلام ذاك كما مرّ في الإمامة العامة (4).
و روى النعماني عن أبي جعفر عليه السلام قال:إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسويّة،و عدل في الرعية.فمن أطاعه فقد أطاع اللّه،و من عصاه فقد عصى اللّه، و إنّما سمّي المهدي مهديا لأنّه يهدي إلى أمر خفي يستخرج التوراة،و سائر كتب اللّه تعالى من غار،و يحكم بين أهل التوراة بالتوراة،و بين أهل الإنجيل
بالإنجيل،و بين أهل الزبور بالزبور،و بين أهل القرآن بالقرآن (1)
غيبة النعماني:157. [1]
.«و يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي» روى النعماني مسندا عن حبّة العرني قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما أنزل.أما إنّ قائمنا إذا قام كسره و سوّى قبلته.
و عن الأصبغ قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول:كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما انزل.قلت:يا أمير المؤمنين أو ليس هو هذا كما انزل؟فقال:لا.محي منه من قريش بأسمائهم و أسماء آبائهم،و ما ترك أبو لهب إلاّ ازراء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّه عمّه (2).
هذا،و عنون(معارف ابن قتيبة)أصحاب الرأي،و عدّ فيهم ابن أبي ليلى القاضي.قال:ولي القضاء لبني اميّة،و بني العباس،و كان فقيها مفتيا بالرأي- و عدّ فيهم الأوزاعي،و سفيان الثوري.
قال:و أوصى إلى عمارة بن يوسف في كتبه فمحاها و أحرقها،و زفر صاحب الرأي و ربيعة الرأي-و عدّ مالك بن أنس قال:و حمل بمالك ثلاث سنين-و عدّ أبا حنيفة و قال:قيل فيه:
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس و جاء ببدعة هنة سخيفة
أتيناهم بقول اللّه فيها و آثار مبرّزة شريفة
فكم من فرج محصنة عفيف أحلّ حرامه بأبي حنيفة
و عدّ فيهم أبا يوسف القاضي.قال:كان صاحب حديث ثمّ لزم أبا حنيفة،فغلب عليه الرأي،و عدّ فيهم محمّد بن الحسن الشيباني.قال:جالس أبا
حنيفة و سمع منه،و نظر في الرأي.فغلب عليه،و عرف به (1)
المعارف:409-500،و [1]النقل بتلخيص.
.و في(القاموس):«ربيعة الرأي شيخ مالك،و هلال الرأي من أعيان الحنفية » (2).
«(منها)حتى تقوم الحرب بكم على ساق» أي:تقيمكم الحرب على ساق و القيام على ساق كناية عن الجد.كما أنّ الكشف عن الساق كناية عن الشدّة.
«باديا» و في نسخة من(ابن أبي الحديد)«بادية»و هو الأصحّ.فبعده «مملوة» (3).
«نواجذها» جمع الناجذ.قال الجوهري«للإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرحاء،و يسمّى ضرس الحلم لأنّه ينبت بعد البلوغ،و كمال العقل يقال:ضحك حتّى بدت نواجذه» (4).
و في(النهاية):في حديث عليّ عليه السلام:«إنّ الملكين قاعدان على ناجذي العبد يكتبان»يعني سنّيه الضاحكين بين الناس و الأضراس (5).
و في(الأساس):أبدى ناجذه إذا بالغ في ضحكه أو غضبه،و من المجاز أبدلت الحرب ناجذيها.قال بشر:
إذا ما الحرب أبدت ناجذيها غداة الروع و التقت الجموع (6)
و في(الجمهرة):النواجذ أقاصي الأضراس،و هي أربعة تنبت بعد أن يشب الإنسان،و تسمّيها العامة أضراس العقل،و كذلك تسمّيها الفرس«خرد دندان»و قال قوم:بل النواجذ الضواحك،و احتجّوا
بحديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«ضحك حتّى بدت نواجذه»و تلك النواجذ لا يبديها الضحك... (1)
جمهرة اللغة 2:73،و [1]النقل بتصرف يسير.
،و المفهوم منه خلط الجوهري،كما أنّ الظاهر و هم الزمخشري في كون«أبدى ناجذيه»للمبالغة في الغضب و الشعر أعم كقوله عليه السلام بل هو ظاهر في الأوّل بقرينة بعده.هذا،و في(الشعراء):دخلت ليلى الأخيلية-و قد أسنّت-على عبد الملك فقال لها:ما رأى توبة فيك حين عشقك.قالت:ما رأى الناس فيك حين جعلوك خليفة،فضحك حتّى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها (2).
«مملوءة أخلافها» جمع الخلف بالكسر،و هو الضرع .
«حلوا رضاعها» كحلو لبن الأمهات عند الأطفال.
«علقما» أي:مرّا و الأصل في العلقم:شجر مرّ،فقيل لكلّ مرّ.
«عاقبتها» روى النعماني عن ابن عقدة،عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن يوسف بن كليب،عن الحسن بن علي بن أبي حمزة،عن عاصم بن حميد الحنّاط عن أبي حمزة الثمالي،عن أبي جعفر عليه السلام-في خبر-لا يقوم القائم عليه السلام إلاّ على خوف شديد،و زلازل و فتنة و بلاء يصيب الناس،و طاعون قبل ذلك،و سيف قاطع بين العرب،و اختلاف شديد بين الناس،و تشتّت في دينهم،و تغيّر من حالهم حتّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحا و مساء من عظم ما يرى من كلب الناس و أكل بعضهم بعضا،و خروجه إذا خرج عند الإياس، و القنوط،فيا طوبى لمن أدركه،و كان من أنصاره-إلى أن قال-:
يقوم بأمر جديد،و سنّة جديدة،و قضاء جديد على العرب شديد ليس شأنه إلاّ القتل (3).
هذا،و في(شعراء ابن قتيبة):سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معد يكرب عن الحرب.فقال:مرّة المذاق إذا كشفت عن ساق،من صبر فيها عرف،و من ضعف فيها تلف،و هي كما قال الشاعر:
الحرب أوّل ما تكون فتيّة تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا استعرت و شبّ ضرامها عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزّت رأسها و تنكّرت مكروهة للشم و التقبيل (1)
الشعر و الشعراء:138. [1]
«ألا و في غد-و سيأتي غد بما لا تعرفون-» صدّر الخبر الّذي أراد عليه السلام بيانه بكلمة«ألا»و عرّضه بجملة «و سيأتي...» دلالة على عظمه و أهميته .
«يأخذ الوالي من غيرها عمّالها على مساوي أعمالها» قال ابن أبي الحديد:
هذا كلام منقطع عمّا قبله،و قد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس ذات ملك و إمرة فذكر عليه السلام أنّ الوالي-يعني الإمام الذي يخلقه اللّه في آخر الزمان-يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم (2).
قلت:لم يعلم انقطاعه،و لو أراد الرضي عليه السلام قطع الكلام لقال:«منها»كما قال هنا«منها:حتّى تقوم الحرب...»و كما قال بعد«منها»:«كأنّي به قد نعق بالشام...»لكن الظاهر كون الكلام مصحّفا و أنّ الأصل: «يأخذ الوالي غير عمّالها على مساوي أعمالها» .
فروى(العلل و العيون):أنّ أبا الصلت الهروي قال للرضا عليه السلام:ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام أنّ القائم عليه السلام إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها؟فقال عليه السلام:هو كذلك.قال:فقول اللّه تعالى «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (3)ما معناه؟فقال صدق اللّه في جميع أقواله،لكن ذراري
قتلة الحسين عليه السلام يرضون بفعال آبائهم،و يفتخرون بها،و من رضي شيئا كان كمن أتاه،و لو أنّ رجلا قتل في المشرق.فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه تعالى شريك القاتل،و إنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.قال:بأيّ شيء يبدأ القائم إذا قام؟قال:يبدأ ببني شيبة و يقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه تعالى (1)
علل الشرائع 1:299 ح 1،و [1]عيون الاخبار 1:212 ح 5. [2]
.«و تخرج له الأرض من أفاليذ» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أفاليذ) بدون«من»كما في الثلاثة (2)،و هي جمع فلذة أي:قطعة.
«كبدها» و في الخبر«إنّ من أشراط الساعة أن ترمي الأرض بأفلاذ كبدها» (3).
قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السلام: «و تخرج له الأرض من أفاليذ كبدها» كناية عن الكنوز الّتي تظهر للقائم عليه السلام بالأمر و قد جاء ذكر ذلك في خبر مرفوع،و لفظه:«و قاءت له الأرض أفلاذ كبدها»و قد فسّر قوله تعالى:
«وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» (4)بذلك في بعض التفاسير (5).
قلت:و في خبر عن الباقر عليه السلام يجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض و ظهرها.فيقول للناس:تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام،و سفكتم فيه الدماء الحرام،و ركبتم فيه ما حرّم اللّه تعالى فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله و يملأ الأرض عدلا و قسطا و نورا،كما ملئت ظلما و جورا و شرّا (6).
1) 1)
2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:386، [3]لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:169 مثل المصرية.
3) 3) أخرجه أبو يعلى في مسنده و ابن أبي شيبة في مسنده و ابن حبّان في صحيحه،عنهم المطالب العالية و ذيله 4:353 ح 4583،و غيرهم و النقل بالمعنى.
4) 4) الزلزلة:2. [4]
5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:388. [5]
6) 6) أخرجه النعماني في الغيبة:157. [6]
هذا،و في(تاريخ الطبري):أنّ أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصابوا راوية لقريش فأتوا بهم إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بدر.فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لهم:من فيهم من أشراف قريش؟قالوا:عتبة و شيبة ابنا ربيعة،و أبو جهل بن هشام،و أبو البختري بن هشام و حكيم بن حزام،و نوفل بن خويلد،و الحارث بن عامر، و طعيمة بن عدي و النضر بن حارث،و زمعة بن الأسود،و اميّة بن خلف، و نبيه،و منبه ابنا الحجّاج،و سهيل بن عمرو،و عمرو بن عبدود.فأقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الناس.فقال:هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها (1)
تاريخ الطبري 2:142،سنة 2،و النقل بتلخيص.
.«و تلقي إليه سلما مقاليدها» أي:مفاتيحها،و مثله الأقلاد جمع الاقليد قال الشاعر:
و اعطته بالأقلاد كلّ قبيلة و مدّت إليه بالركاب الجحاجح (2)
و في(تفسير غريب القرآن للسجستاني):مقاليد:جمع مقليد،و مقلاد و مقلد و يقال:هو جمع لا واحد له من لفظه،و هي الإقليد أيضا الواحد أقليد.
و في الجمهرة:الإقليد المفتاح فارسي معرّب،و الأقاليد و المقاليد المفاتيح،و لم يتكلّم فيها الأصمعي،و قال غيره:واحد المقاليد مقلد،و مقليد،و واحد الأقاليد إقليد (3).
في خبر عليّ بن عقبة عن أبيه قال:إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، و ارتفع في أيّامه الجور،و آمنت به السبل،و أخرجت الأرض بركاتها،و ردّ كلّ حقّ إلى أهله،و لم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام و يعترفوا بالايمان اما سمعت اللّه سبحانه يقول: «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً»
«وَ كَرْهاً» (1)
آل عمران:83. [1]
و حكم بين الناس بحكم داود،و حكم محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فحينئذ تظهر الأرض كنوزها،و تبدي بركاتها،و لا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته... (2).و روى(الاكمال):عن أبي الجارود عن الباقر عليه السلام إذا خرج القائم عليه السلام من مكّة ينادي مناديه:ألا لا يحملنّ أحد طعاما و لا شرابا،و حمل معه حجر موسى بن عمران عليه السلام و هو وقر بعير.فلا ينزل منزلا إلاّ انفجرت منه عيون،فمن كان جائعا شبع،و من كان ظمآنا روي و رويت دوابهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة (3).
«فيريكم كيف عدل السيرة» روى النعماني عن عبد اللّه بن عطا قال:سألت شيخا من الفقهاء-يعني أبا عبد اللّه عليه السلام-عن سيرة المهدي عليه السلام فقال:يصنع كما صنع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يهدم ما كان قبله كما هدم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر الجاهلية، و يستأنف الإسلام جديدا (4).
و في(الإرشاد):و أمّا سيرة القائم عليه السلام عند قيامه.فروى المفضّل عن الصادق عليه السلام إذا أذن اللّه تعالى للقائم عليه السلام في الخروج صعد المنبر.
فدعا الناس إلى نفسه،و ناشدهم باللّه،و دعاهم إلى حقّه،و أن يسير فيهم بسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يعمل فيهم بعمله.فيبعث اللّه تعالى جبرئيل حتّى يأتيه.
فينزل على الحطيم يقول:إلى أيّ شيء تدعو؟فيخبره القائم عليه السلام فيقول جبرئيل:أنا أوّل من يبايعك ابسط يدك.فيمسح على يده،و قد وافاه ثلاثمئة، و بضعة عشر رجلا.فيبايعونه و يقيم بمكّة حتّى يتمّ أصحابه عشرة آلاف
نفس.ثمّ يسير منها إلى المدينة.
و روى أبو بصير عنه عليه السلام قال:إذا قام القائم عليه السلام هدم المسجد الحرام حتّى يردّه إلى أساسه،و حوّل المقام إلى الموضع الّذي كان فيه.
و روى عليّ بن عقبة عن أبيه عنه عليه السلام قال:إنّ دولتنا آخر الدول،و لم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء،و هو قول اللّه «وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (1)
الارشاد:363-365،و [1]النقل بتقطيع.و الآيات 128 من سورة الأعراف و [2] 83 من سورة القصص.
.«و يحيي ميّت الكتاب و السنّة» روى النعماني عن أبي جعفر عليه السلام قال:
كأنّني بدينكم هذا لا يزال مولّيا يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت،فيعطيكم في السنة عطاءين،و يرزقكم في الشهر رزقين،و تؤتون الحكمة في زمانه،حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه و سنّة رسول اللّه (2).
و روى محمّد بن النعمان عنه عليه السلام قال:إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد،و لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلاّ هدمها، و جعلها جماء،و وسّع الطريق الأعظم،و كسر كلّ جناح خارج في الطريق، و أبطل الكنيف و الميازيب إلى الطرقات،و لا يترك بدعة إلاّ أزالها،و لا سنّة إلاّ أقامها.
و عنه عليه السلام إذا قام القائم عليه السلام ضرب فساطيط،و يعلّم الناس القرآن على ما أنزل اللّه،فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنّه يخالف فيه التأليف (3).
و ممّا أخبر عليه السلام بالمهدي عليه السلام ما رواه النعماني عن الأصبغ قال:أتيت
أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم فوجدته مفكّرا ينكت في الأرض.فقلت:يا أمير المؤمنين أرغبة منك فيها؟فقال لا و اللّه ما رغبت فيها و لا في الدنيا ساعة قط، و لكن فكري في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الّذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.له حيرة و غيبة يضلّ فيها أقوام،و يهتدي فيها آخرون.فقلت:يا أمير المؤمنين فكم تكون تلك الحيرة و الغيبة؟فقال:سبت من الدهر.فقلت ان هذا لكائن؟فقال:نعم.كما انّه مخلوق.
قلت:أدرك ذلك الزمان؟قال:قال:أنّى لك يا أصبغ بهذا الأمر.اولئك خيار هذه الامة مع أبرار هذه العترة.قلت نعم ما يكون بعد ذلك؟قال:ثمّ يفعل اللّه ما يشاء فانّ له إرادات،و غايات،و نهايات (1)
غيبة النعماني:41 و أيضا [1]الكافي 1:338 ح 7. [2]
.و روى أيضا:أنّه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال:يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا.فقال:«إذا درج الدارجون،و قلّ المؤمنون،و ذهب المجليون،فهناك»فقال:يا أمير المؤمنين!ممّن الرجل؟قال:من بني هاشم من ذروة طود العرب،و بحر مفيضها إذا وردت و مجفو أهلها إذا أتت،و معدن صفوتها إذا تكدّرت.لا يجبن إذا المنايا هلعت،و لا يجوز إذا المنون اكتنفت،و لا ينكل إذا الكماة اصطرعت.مشمر مغلولب ظفر ضرغامة.حصد مخدش ذكر، سيف من سيوف اللّه،رأس قتم،بسق رأسه في باذخ السؤدد،و غارز مجده في أكرم المحتد.فلا يصرفنّك عن تبعته صارف عارض،ينوص إلى الفتنة كلّ مناص،إن قال فشرّ قائل،و ان سكت فذو دعائر.
ثمّ رجع إلى صفة المهدي عليه السلام فقال:أوسعكم كهفا و أكثركم علما، و أوصلكم رحما.اللّهم فاجعل بعثه خروجا من الغمّة،و اجمع به شمل الامّة فان خار اللّه لك فاعزم-إلى أن قال-:
1) 1)
هاه-و أومأ إلى صدره-شوقا إلى رؤيته (1)
غيبة النعماني:143. [1]
.و روى ابن بابويه مسندا عن أبي جعفر عليه السلام أنّ عمر قال لأمير المؤمنين عليه السلام:يا ابن أبي طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه؟قال:أمّا اسمه فلا.إنّ حبيبي و خليلي عهد إليّ لا احدّث باسمه حتّى يبعثه اللّه تعالى،و هو ممّا استودع اللّه تعالى رسوله في علمه (2).
(فَصْلٌ نَذْكُرُ فِيْهِ شَيْئاً مِنْ اخْتِيَارِ غَرِيْبِ كَلاَمِهِ المُحْتَاجِ إِلَى
التَّفْسِيْرِ)
فِي حَدِيْثِه عَلَيْهِ السَّلاَم:
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ- فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ (اليعسوب- السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ- و القزع قطع الغيم التي لا ماء فيها) قول المصنّف:(فصل نذكر فيه شيئا من اختيار غريب كلامه عليه السلام المحتاج إلى التفسير)ذكر في فصله تسعة عناوين،و فسّرها،و نقل ابن أبي الحديد عن أبي عبيد،و عن ابن قتيبة مقدارا من كلامه عليه السلام الغريب بالمناسبة من شاء راجعه (3).
هذا،و ما نقلنا من كلام المصنّف على ما في(المصرية)و صدّقه ابن ميثم و لكن في(ابن أبي الحديد)بدله«و من كلامه عليه السلام المتضمن ألفاظا من الغريب يحتاج إلى تفسير» (4).و لعلّه نقله بالمعنى.
«فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين» قال في(الجمهرة):في باب ما جاء على يفعول «يعسوب» دويبة شبيهة بالجرادة لا تضمّ جناحيها إذا سقطت، و يعسوب النحل:الذكر العظيم منها الّذي تتبعه،و كثر ذلك حتّى سمّوا كل رئيس يعسوبا (1)
جمهرة اللغة 3:384. [1]
.«بذنبه» واحد الأذناب،و المراد بذلك وقت ظهور القائم عليه السلام شبهه عليه السلام بملك النحل يضرب ذنبه في موضع فيجتمع عليه النحل.
«فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف» قال في(النهاية):«و ما في السماء قزعة»أي:قطعة من الغيم،و منه حديث عليّ عليه السلام فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف (2).
قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:الخبر من أخبار ملاحمه التي كان يخبر بها عليه السلام و هو يذكر فيه المهدي عليه السلام» (3)-قلت:و روى النعماني مسندا عن الأحنف بن قيس قال:دخلت على عليّ عليه السلام في حاجة لي.فجاء ابن الكوّا.و شبث بن ربعي فاستأذنّا عليه.فقال لي عليّ عليه السلام:إن شئت فأذن لهما فإنّك أنت بدأت بالحاجة.قلت:يا أمير المؤمنين فأذن لهما.فلمّا دخلا قال لهما عليّ عليه السلام:ما حملكما على أن خرجتما عليّ بحروراء؟قالا:أحببنا أن نأمن من الغضب.قال:
و يحكما و هل في ولايتي غضب؟أو يكون الغضب حتّى يكون من البلاء كذا و كذا ثم يجتمعون قزعا كقزع الخريف من القبائل ما بين الواحد و الاثنين و الثلاثة و الأربعة و الخمسة و الستة و السبعة و الثمانية و التسعة و العشرة.
و عن المفضل بن عمر قال:قال أبو عبد اللّه عليه السلام:إذا اذن للامام عليه السلام دعا
اللّه باسمه العبراني.فاتيحت له صحابته الثلاثمئة و الثلاثة عشر قزع كقزع الخريف.فهم أصحاب الألوية منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكّة، و منهم من يرى يسير في السحاب نهارا يعرف باسمه،و اسم أبيه،و حليته و نسبه.قلت:جعلت فداك أيّهم أعظم إيمانا؟قال:الّذي يسير في السحاب نهارا،و هم المفقودون،و فيهم نزلت هذه الآية «أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً» (1)
غيبة النعماني:212-213.و الآية 148 [1] من سورة البقرة.
.و في(فتن نعيم بن حماد)-من العامة-عن أبي جعفر عليه السلام قال:يظهر المهدي بمكّة عند العشاء،و معه راية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قميصه،و سيفه.فيظهر في ثلاثمئة،و ثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر على غير ميعاد،قزعا كقزع الخريف،رهبان بالليل أسد بالنهار... (2).
هذا،و ممّا ورد عنه عليه السلام من الغريب في ذكر القائم عليه السلام أيضا ما رواه النعماني مسندا عن الأصبغ قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول:إنّ بين يدي القائم عليه السلام سنين خدّاعة يكذب فيها الصادق،و يصدق فيها الكاذب،و يقرّب فيها الماحل-و في حديث-و ينطق فيها الرويبضة،قلت:و ما الرويبضة،و ما الماحل؟قال:أ و ما تقرءون القرآن «وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ» (3)-يريد المكر-... (4)،و فيه سقط.و في النهاية في حديث أشراط الساعة و أن ينطق الرويبضة في أمر العامة،قيل و ما الرويبضة يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:الرجل التافه ينطق في أمر العامة (5).
و ما رواه أبو عبيد في(غريبه):أنّ الأشعث قال له عليه السلام و هو على المنبر غلبتنا عليك هذه الحمراء.فقال عليه السلام:من يعذرني من هؤلاء الضياطرة-إلى أن قال-:
و اللّه ليضربنّكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا (1)
رواه أبو عبيد في غريب الحديث 3:484،و الثقفي في الغارات 2:498،و [1]المبرد في الكامل 4:196. [2]
.قول المصنّف:«اليعسوب السيّد العظيم المالك لامور الناس»ما قاله بيان للمراد من يعسوب الدين،و إلاّ فقد عرفت أنّ الأصل في اليعسوب ملك النحل.
«يومئذ»إشارة إلى المشار إليه في قوله عليه السلام«فإذا كان ذلك».
«و القزع:قطع الغيم الّتي لا ماء فيها»قال ابن أبي الحديد:لا يشترط فيها أن تكون خالية من الماء بل القزع قطع من السحاب رقيقه سواء كان فيها ماء أو لم يكن الواحدة قزعه بالفتح،و إنّما غرّه قول الشاعر يصف جيشا بالقلّة و الخفة«كان دعالة قزع الهجام»و ليس يدلّ ذلك على ما ذكره لأنّ الشاعر أراد المبالغة.فإنّ الجهام الّذي لا ماء فيه إذا كان أقطاعا متفرّقة خفيفة كان ذكره أبلغ في ما يريده من التشبيه (2).
قلت:لم يحتج إلى هذا التطويل،و كان يكفيه أن يقول انّ الشاعر أضاف القزع إلى الجهام«أي:سحاب لا ماء فيه»فلم أضفت معنى المضاف إليه على معنى المضاف.
ثمّ كما لا يشترط في القزع أن تكون قطعا من السحاب بلا ماء كما قال المصنّف لا يشترط فيها أن تكون قطعا رقيقة كما قال ابن أبي الحديد،و إنّما غرّه قول الجوهري،و هو و هم من الجوهري.فلم يقل ذلك غيره بل أطلقوا،
الأزهري و ابن دريد،و الفيومي،و الفيروز آبادي،و الزمخشري،و الجزري.
ففي(الجمهرة):«القزع قطع الغيم المتفرقة في السماء»و في(المصباح):
«القزع:القطع من السحاب المتفرقة الواحدة قزعة مثل قصب و قصبة».قال الأزهري:«كلّ شيء يكون قطعا متفرّقة فهو قزع»و في(القاموس):«و القزع محركة قطع من السحاب الواحدة بهاء»و مثله في(النهاية) (1)
صحاح اللغة 3:1265، [1]مادة(قزع)،و تهذيب اللغة 1:184،و [2]جمهرة اللغة 3:6،و [3]المصباح 2:184،و [4]القاموس 3: 68،و [5]الأساس:365،و النهاية 4:59. [6]
.هذا،و في(القاموس):في المثل«كما تجمع قزع الخريف»لا في الحديث كما توهم الجوهري» (2).
قلت:بل الوهم منه،فقد ورد في الحديث و هو العنوان و قد ورد من طريقهم و به صرح في(النهاية)الّذي هذا فنه و موضوع كتابه و قد عرفت نصّه و قد عرفت أنّ نعيم بن حمّاد من رجالهم أيضا رواه في(فتنه)فضلا عن رواية النعماني منّا ذلك في خبرين بل ورد الكلام عنه عليه السلام بهذا اللفظ في شيعة بني العباس حين يجتمعون لاستيصال بني اميّة أيضا كما عرفته في العنوان(24) من الفصل (3).
هذا،و في(المعجم):كان المتوكّل يروي صدرا من الأخبار و الأنساب، و يمتحن من يراه بما يقع فيها من غريب اللغة فقال للمبرد،و بندار بن لرة الأصبهاني:ما معنى هذه الأحرف التي جاءت في هذا الخبر و هو-«ركبت الدجوجي،و أمامي قبيلة.فنزلت ثمّ شربت الصباح.فمررت،و ليس أمامي الا نجيم فركضت أمامي النحوص و المسحل و العمرد.فقنصت ثمّ عطفت و رائي
إلى قلّوب.فلم أزل به حتّى أذقته الحمام.ثمّ رجعت و رائي،فلم أزل أمارس الأغضف في قتله.فحمل عليّ،و حملت عليه حتّى خر صريعا».
فلم يعلما معناها فاستمهلاه،و راجع المبرد دفاتره حتّى وجده في أخبار الأعراب فباكر إليه.فرواه و فسّره له و قال«الأجوجي»الناقة السوداء، و«القبيلة»صخرة على بئر و«النحوص»الاتان الوحشية الحائل،و «المسحل»امام الحمر الوحشية كاليعسوب في النحل،و«العمرّد»الأسد و «القلّوب»الذئب و«الأغضف»الأسد المتثني أو الذي استرخت أجفافه العليا غضبا و كبرا (1)
معجم الأدباء 7:130.
.الخطبة(148)
وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ ع يومى فيها إلى ذكر الملاحم وَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ- وَ تَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ- فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ- وَ لاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ- فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ- وَ مَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ- يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ- وَ دُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ- أَلاَ وَ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ- وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ- لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً- وَ يُعْتِقَ رِقّاً وَ يَصْدَعَ شَعْباً- وَ يَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ- لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ- ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ- تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ- وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ- وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ
1) 1)
منها:
وَ طَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ وَ يَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ- وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ- وَ اشْتَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ- لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ- وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ- حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاَءِ- حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ- وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ قول المصنّف :«في الملاحم»هكذا في(المصرية)،و الصواب: «يومئ فيها إلى الملاحم» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:415، [1]لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:213 [2] مثل المصرية.
.قوله عليه السلام «و أخذوا يمينا و شمالا» الأصل فيه قوله تعالى: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (2).
و روى(الروضة):أنّ سعيد بن يسار،و الحرث بن مغيرة،و منصور الصيقل و ردوا على الصادق عليه السلام.فقال لهم:الحمد للّه الّذي ذهب الناس يمينا و شمالا فرقة مرجئة،و فرقة خوارج،و فرقة قدرية،و سميتم أنتم الترابية،اما و اللّه ما هو إلاّ اللّه،وحده لا شريك له،و رسوله،و آل رسوله،و شيعتهم،و ما كان سوى ذلك فلا.كان عليّ عليه السلام و اللّه أولى الناس بالناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).
«ظعنا في مسالك الغيّ،و تركا لمذاهب الرشد» الأصل فيه قوله تعالى:
«وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً » (4).
«فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد،و لا تستبطئوا ما يجيء به الغد» الظاهر
أنّ مراده عليه السلام استعجال الشيعة لقيام القائم عليه السلام.
فروى النعماني:أنّ مهزم الأسدي قال للصادق عليه السلام جعلت فداك!متى هذا الأمر الذي ننتظره،متى هو؟فقال عليه السلام:يا مهزم كذب الوقّاتون،و هلك المستعجلون،و نجا المسلّمون (1)
غيبة النعماني:198 و 131. [1]
.و روى:أنّ الصادق عليه السلام قال في قوله تعالى «أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» (2):هو أمرنا أمر اللّه تعالى لا نستعجل به.يؤيّده ثلاثة أجناد:
الملائكة،و المؤمنون و الرعب.
و عن الباقر عليه السلام:«اسكنوا ما سكنت السماوات و الأرض».
و عن الصادق عليه السلام:«هلكت المحاضير.قيل:و ما المحاضير؟قال:
المستعجلون،و نجا المقرّبون،و ثبت الحصن على أوتادها.كونوا أحلاس بيوتكم.فإنّ الفتنة على من أثارها.و إنّهم لا يريدونكم بجائحة إلاّ أتاهم اللّه بشاغل لأمر يعرض لهم» (3).
و عنه عليه السلام:لمّا التقى أمير المؤمنين عليه السلام و أهل البصرة نشر راية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتزلزلت أقدامهم.فما اصفرّت الشمس حتّى قالوا:آمنّا يا ابن أبي طالب.فعند ذلك قال:لا تقتلوا الأسرى،و لا تجهزوا على جريح،و لا تتبعوا موليّا،و من ألقى سلاحه فهو آمن،و من أغلق بابه فهو آمن.و لمّا كان يوم صفين سألوه نشر الراية.فأبى عليهم.فتحمّلوا عليه بالحسن و الحسين عليهما السلام و عمّار،فقال:للحسن يا بني إنّ للقوم مدّة يبلغونها،و انّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم عليه السلام.و في خبر أنّ تلك الراية كانت من
ورق الجنّة نزل بها جبرئيل يوم بدر (1)
غيبة النعماني:208 و 209. [1]
.و روى أنّ إبراهيم بن هليل قال لأبي الحسن عليه السلام:مات أبي على هذا الأمر و قد بلغت من السنين ما قد ترى،أموت و لا تخبرني بشيء؟فقال له:أنت تعجل.فقال أي:و اللّه أعجل،و مالي لا أعجل،و قد بلغت من السن ما قد ترى.
فقال:أما و اللّه يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا ... (2).
«فكم من مستعجل بما إن أدركه ودّ أنّه لم يدركه» روى النعماني:أنّ الباقر عليه السلام قال:لو يعلم الناس ما يصنع القائم عليه السلام إذا خرج،لأحبّ أكثرهم ألاّ يروه ممّا يقتل من الناس.أما إنّه لا يبدأ إلاّ بقريش.فلا يأخذ منها إلاّ السيف، و لا يعطيها إلاّ السيف حتّى يقول كثير من الناس:ليس هذا من آل محمّد لو كان من آل محمّد لرحم (3).
«و ما أقرب اليوم من تباشير غد» أي:أوائله،قال الزمخشري:«كأنها جمع تبشير و هو مصدر بشر» (4)إلاّ أنّهم قالوا إنّ المصدر لا يثنّى و لا يجمع،و إنّما قال عليه السلام «ما أقرب اليوم من تباشير غد» حيث إنّ اليوم متّصل بآخره إلى أوائل الغد،و هو نظير قوله تعالى «أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ » (5).
«يا قوم هذا ابّان» بالكسر و التشديد الوقت.
«ورود كلّ موعد» هكذا في(المصرية)و الصواب:(موعود)كما(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (6).
«و دنوّ من طلعة ما لا تعرفون» قال ابن أبي الحديد:أي:دنا وقت القيامة، و ظهور الفتن التي تظهر أمامها،و إبّان الشيء بالكسر و التشديد وقته و زمانه، و كنّى عن تلك الأهوال بقوله:و دنوّ من طلعة ما لا تعرفون،لأن تلك الملاحم و الآثار الهائلة غير معهود مثلها نحو دابّة الأرض،و الدجّال و فتنته و ما يظهر على يده من المخاريق و الامور الموهمة،و واقعة السفياني (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:416. [1]
.قلت:بل مراده عليه السلام فتن تأتي بعده من بني اميّة،و بني العباس إلى علامات القائم عليه السلام لأنّ قوله عليه السلام:«هذا إبّان...»يدلّ على أنّ حين خاطبهم بهذا الكلام صار زمان ما وعدهم،و قرب ما أخبرهم.
روى النعماني:أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال على منبر الكوفة:«إنّ من ورائكم فتنا مظلمة عمياء منكسفة لا ينجو منها إلاّ النؤمة» (2).
و روى أنّه عليه السلام قال:لا يقوم القائم عليه السلام حتّى تفقأ عين الدنيا،و تظهر الحمرة في السماء،و تلك دموع حملة العرش على أهل الأرض،حتّى يظهر فيهم أقوام لا خلاق لهم يدعون لولدي،و هم برءاء من ولدي تلك عصابة ردّية لا خلاق لهم.على الأشرار مسلّطة،و للجبابرة مفتّنة،و للملوك مبيرة،تظهر في سواد الكوفة يقدمهم رجل أسود اللون و القلب،رثّ الدين،لا خلاق له،مهجن زنيم عتل تداولته أيدي العواهر من الامّهات من شر نسل،لا سقاها اللّه المطر من سنة اظهار غيب المتغيب من ولدي صاحب الراية الحمراء،و العلم الأخضر،أيّ يوم للمجنبين بين الأنبار وهيت ذلك يوم فيه صيلم الأكراد و الشراة،و خراب دار الفراعنة،و مسكن الجبابرة،و مأوى الولاة الظلمة،و امّ البلاء،و اخت العار تلك و ربّ عليّ،بغداد.
ألا لعنة اللّه على العصابة من بني اميّة،و بني فلان الخؤنة الّذين يقتلون الطيّبين من ولدي لا يراقبون فيهم ذمّتي،و لا يخافون اللّه في ما يفعلونه بحرمتي.إنّ لبني العباس يوم الطموح،و لهم فيه صرخة كصرخة الحبلى، و الويل لشيعة ولد العباس من الحرب الّتي يفتح من نهاوند،و الدينور،تلك حرب صعاليك شيعة عليّ يقدّمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منعوت موصوف باعتدال الخلق،و حسن الخلق،و نضارة اللون، له في صوته ضحك،و في اشفاره و في عنقه سطح،فرق الشعر مفلّج الثنايا، على فرسه كبدر التمام تجلّى عنه الغمام.يسير بعصابة خير عصابة،آوت و تقرّبت و دانت اللّه بدين.تلك الأبطال من العرب الّذين يلحقون حرب الكريهة و الدبرة يومئذ على الأعداء.انّ للعدوّ يوم ذلك،الصيلم و الاستيصال (1)
غيبة النعماني:96 و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى أنّه عليه السلام قال:لا تنفك هذه الشيعة حتّى تكون بمنزلة المعز لا يدري الحاس على أيّها يضع يده.فليس لهم شرف يشرّفونه،و لاسناد يستندون إليه في امورهم (2).
و روى انّه عليه السلام قال:يأتيكم بعد الخمسين و المئة امراء كفرة،و امناء خونة و عرفاء فسقة.فتكثر التجار،و تقلّ الأرباح،و يفشو الربا،و يكثر أولاد الزنا،و تتناكر المعارف،و تعمر السباخ،و تعظم الأهلّة،و تستكفي النساء بالنساء،و الرجال بالرجال.قال:فقام إليه رجل.فقال:يا أمير المؤمنين و كيف نصنع في ذلك الزمان؟فقال:الهرب الهرب.فإنّه لا يزال عدل اللّه مبسوطا على هذه الامّة ما لم يمل قرّاؤهم إلى امرائهم،و ما لم يزل أبرارهم ينهى فجّارهم.فإن لم يفعلوا ثم استنفروا.فقالوا:لا إله إلاّ اللّه
قال اللّه في عرشه:كذبتم لستم بها صادقين (1)
غيبة النعماني:166. [1]
.و روى أنّ ابن الكوّا سأله عليه السلام عن الغضب.فقال عليه السلام:هيهات الغضب هيهات،موتات فيهن موتات،و راكب الذعلبة،و ما راكب الذعلبة؟مختلط جوفها بوضينها يخبرهم بخبر فيقتلونه ثمّ الغضب عند ذلك (2).
و روى انّه عليه السلام حدّث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم.فقال الحسين عليه السلام يا أمير المؤمنين:متى يطهّر اللّه الأرض من الظالمين؟فقال أمير المؤمنين عليه السلام-في حديث طويل بعد ذكر بني اميّة و بني العباس-إذا قام القائم بخراسان،و غلب على أرض كرمان،و ملتان،و حاز جزيرة بني كاوان، و قام منّا قائم بجيلان،و اجابته الأبر و الديلم،و ظهرت لولدي رايات الترك متفرّقات في الأقطار و الخبات و كانوا بين هنات و هنات إذا خربت البصرة، و قام أمير الأمراء-إلى أن قال-إذا جهّزت الألوف و صفّت الصفوف،و قتل الكبش الخروف هناك يقوم الآخر و يثور الثائر،و يهلك الكافر،ثمّ يقوم القائم المأمول و الامام المجهول.له الشرف و الفضل هو من ولدك يا حسين،لا ابن مثله يظهر بين الركبتين في دريسين باليين،يظهر على الثقلين،و لا يترك في الأرض دمين... (3).
و يمكن أن يريد عليه السلام بقوله «هذا إبّان ورود كلّ موعود» الفتن الّتي حدثت بعده عليه السلام من بني اميّة،و بني العباس،و غيرهما،و بقوله: «و دنو من طلعة ما لا تعرفون» الخوارق الّتي قبل قيام القائم.
فروى النعماني:أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن قوله تعالى: «فَاخْتَلَفَ»
«الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ» (1)
الزخرف:65. [1]
فقال:انتظروا الفرج من ثلاث.قيل:و ما هنّ؟قال:اختلاف أهل الشام بينهم،و الرايات السود من خراسان،و الفزعة في شهر رمضان.قيل:و ما الفزعة؟فقال:أو ما سمعتم قوله تعالى «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (2)هي آية تخرج الفتاة من خدرها،و توقظ النائم،و تفزع اليقظان.
و روى عن الصادق عليه السلام قال:العام الّذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب.قيل:و ما هي؟قال:وجه يطلع في القمر،و يد بارزة.
و روى أنّ أبا بصير سأل الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: «عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» (3)ما هو عذاب خزي الدنيا.فقال:و أيّ خزي أخزى من أن يكون الرجل في بيته و حجاله،و مع إخوانه،وسط عياله إذ شقّ أهله الجيوب عليه،و صرخوا.فيقول الناس:ما هذا؟فيقال:مسخ فلان الساعة قال:قبل قيام القائم أو بعده؟قال:بل قبله.
و عن الباقر عليه السلام:شيئان يكونان قبل القائم عليه السلام لم يكونا منذ أهبط اللّه آدم عليه السلام أبدا،و ذلك أنّ الشمس تنكسف في النصف من شهر رمضان،و القمر آخره-و زاد في خبر آخر-و عنده يسقط حساب المنجّمين.
و عنه عليه السلام إذا رأيتم نارا من المشرق شبه الهردى العظيم تطلع ثلاثة أيّام أو سبعة.فتوقعوا فرج آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن شاء اللّه،ثمّ قال:الصيحة لا تكون إلاّ في شهر رمضان،لأنّ شهر رمضان شهر اللّه،و هي صيحة جبرئيل عليه السلام إلى هذا الخلق،ثمّ قال:ينادي مناد من السماء باسم القائم عليه السلام.
فيسمع من بالمشرق و من بالمغرب ... (1)
غيبة النعماني:168 و 170 و 180 و [1] 182.
.«ألا و من أدركها منّا يسري فيها بسراج منير،و يحذو فيها على مثال الصالحين ليحلّ فيها ربقا» في(الصحاح):الربق بالكسر حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهم، الواحدة من العرى:ربقة،و في الحديث:خلع ربقة الإسلام من عنقه (2).
«و يعتق رقّا» بالكسر أي:مملوكا.
«و يصدع شعبا» في(الصحاح):الصدع:الشق،و صدعت الشيء:
أظهرته (3).
«و يشعب صدعا» في(الصحاح):الشعب الصدع في الشيء و إصلاحه، و شعبته فرّقته،و جمعته تقول التأم شعبهم:إذا اجتمعوا بعد التفرّق،و تفرّق شعبهم إذا تفرّقوا بعد الاجتماع قال الطرماح:«شتّ شعب الحي بعد التيام» (4).
قال ابن أبي الحديد:أراد عليه السلام بقوله:«من أدركها منّا»يسري في ظلمات هذه الفتن بسراج منير و هو المهدي و اتّباع الكتاب و السنّة،و يحذو فيها يقتفي، و يتّبع مثال الصالحين ليحلّ في هذه الفتن و ربقا:أي:حبلا معقودا،و يعتق رقّا:أي:يستفك أسرى،و ينقذ مظلومين من أيدي ظالمين،و يصدع شعبا:أي:
يفرّق جماعة من جماعات الضلال،و يشعب صدعا يجمع ما تفرّق من كلمة أهل الهدى (5).
قلت:لم يعلم أنّه عليه السلام أراد بقوله المهدي عليه السلام بالخصوص بل الظاهر أنّه عليه السلام أراد جميع عترته المعصومين.فقلنا:إنّه عليه السلام أخبر بجملة ما يحدث
بعد عصره من فتن بني اميّة،و بني العباس،و غيرهما إلى ظهور المهدي عليه السلام و هو الظاهر من قوله«منّا»بلفظ العموم،فهو نظير قوله عليه السلام في موضع آخر «نحن أهل البيت منها بمنجاة» (1)
نهج البلاغة 1:184، [1]ضمن الخطبة 91.
.و صدق عليه السلام.فجميع المعصومين من عترته عليه السلام كانوا كما وصف عليه السلام مثله في أيّام الثلاثة يسيرون في الفتن بسراج منير،و يحذون على مثال الصالحين فيحلّون في تلك الفتن ربقا،و يعتقون رقا،و يصدعون شعبا و يشعبون صدعا.
روى(الكافي):أنّ الربيع حاجب المنصور قال له و هو في الطواف:إنّ فلانا مولاك مات البارحة.فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته.فاستشاط و غضب.فقال لابن شبرمة و ابن أبي ليلى،و عدّة معه من القضاة و الفقهاء:ما تقولون في هذا فكلّ منهم قال:ما عندي في هذا شيء.فجعل يقول أقتله أم لا؟ فقيل له:قد قدم الساعة جعفر بن محمّد عليه السلام و قد دخل المسعى.فإن كان عند أحد شيء فعنده.فقال للربيع:اذهب إليه.فقل له:أجبنا في كذا و كذا.
فقال عليه السلام له:قد ترى شغل ما أنا فيه،و قبلك الفقهاء.فسلهم.فقال:قد سألهم، و لم يكن عندهم فيه شيء.فقال عليه السلام:قل:له عليه مئة دينار.فابلغه فقالوا له:
فسله كيف صار عليه مئة دينار.فقال عليه السلام في النطفة عشرون،و في العلقة عشرون،و في المضعفة عشرون،و في العظم عشرون،و في اللحم عشرون.
ثمّ أنشأناه خلقا آخر،و هذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الروح في بطن امّه جنينا فاخبر المنصور بالجواب فأعجب الفقهاء ذلك.فقالوا:إرجع إليه.
فسله الدنانير لمن هي لورثته أم لا؟فقال عليه السلام:ليس لورثته شيء إنّما هذا شيء أتى إليه في بدنه بعد موته يحجّ بها عنه أو يتصدّق بها عنه أو تصير في سبيل
1) 1)
من سبل الخير-و في خبر آخر-قال عليه السلام:ديّة الجنين لورثته دون هذا لأنّ الجنين أمر مستقبل مرجو نفعه و هذا قد مضى و ذهبت منفعته (1)
الكافي 7:347 و 349 ح 1 و 4،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى عن عمر بن أبي المقدام قال:كنت شاهدا عند البيت الحرام، و رجل ينادي بأبي جعفر المنصور-و هو يطوف-إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله.فلم يرجع إليّ،و اللّه ما أدري ما صنعوا به.فقال لهما:وافياني غدا صلاة العصر في هذا المكان.فوافوه من الغد،و حضر ذاك الوقت أبو عبد اللّه عليه السلام.فقال المنصور له عليه السلام و هو قابض على يده:اقض بينهم.فقال:أنت اقض بينهم.فقال:بحقّي إلاّ قضيت.فخرج عليه السلام فطرح له مصلّى قصب.فجلس عليه.ثمّ جاء الخصماء.فجلسوا قدامه.فقال:ما تقول؟ فقال:يا ابن رسول اللّه إنّ هذين طرقا أخي ليلا.فأخرجاه من منزله.فو اللّه ما رجع إليّ،و و اللّه ما أدري ما صنعا به.فقال:ما تقولان؟قال:كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله.فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:يا غلام!اكتب:«بسم اللّه الرحمن الرحيم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:كلّ من طرق رجلا بالليل.فأخرجه من منزله.فهو له ضامن إلاّ أن يقيم البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله»يا غلام نحّ هذا الواحد منهما.فاضرب عنقه.فقال:يا ابن رسول اللّه ما أنا قتلته،و لكنّي أمسكته ثمّ جاء هذا فوجأه فقتله.فقال عليه السلام أنا ابن رسول اللّه يا غلام نحّ هذا،و اضرب عنق الآخر.فقال:يا ابن رسول اللّه،و اللّه ما عذّبته،و لكنّي قتلته بضربة واحدة.فأمر أخاه فضرب عنقه ثمّ أمر بالآخر فضرب جنبيه،و حبسه في السجن،و وقّع على رأسه يحبس عمره،و يضرب كلّ سنة خمسين جلدة (2).
و روى الصدوق عن وصي علي بن السري قال:قلت للكاظم عليه السلام:إنّه
أوصى إليّ،و إنّ ابنه جعفرا وقع على امّ ولد له.فأمرني أن أخرجه من الميراث.فقال لي:أخرجه إن كان صادقا.فسيصيبه خبل.فقدّمني ابنه إلى أبي يوسف القاضي.فقال له:أنا جعفر بن علي السري،و هذا وصيّ أبي فمره أن يدفع إليّ ميراثي من أبي.فقال:ما تقول؟قلت:نعم هذا ابن علي بن السري،و أنا وصيّ أبيه،قال:فادفع إليه ماله.فقلت له:إنّي اريد أن اكلمك.قال:فادن.فدنوت حيث لا يمسع أحد كلامي.فقلت له:هذا وقع على ام ولد أبيه فأمرني أن لا اورّثه شيئا.فأتيت موسى بن جعفر عليه السلام بالمدينة.فأخبرته،و سألته.فأمرني أن أخرجه.فقال:اللّه إنّ أبا الحسن أمرك.فقلت:نعم،فاستحلفني ثلاثا ثمّ قال لي:«انفذ ما أمرك فالقول قوله».قال الوصيّ فأصابه الخبل بعد ذلك (1)
أخرجه الصدوق في الفقيه 4:163 ح 1،و الكليني في الكافي 7:61 ح 15،و [1]الطوسي في التهذيب 9:235 ح 10، و في الاستبصار 4:139 ح 2،و النقل بتصرف يسير.
.و جعفر الوارد في الخبر هو جعيفران الموسوس المعروف،و أبوه علي بن أصفر بن السري،روى(الأغاني):في جعيفران أنّ أباه كان دهقان الكرخ ببغداد و كان يتشيّع.فظهر على ابنه أنّه أتى سرية له.فحجّ و شكا ذلك إلى موسى بن جعفر عليه السلام.فقال له:إن كنت صادقا فليس يموت حتّى يفقد عقله،و لا تطعمه شيئا من مالك في حياتك،و أخرجه عن ميراثك بعد وفاتك.فقدم فطرده،و سأل الفقهاء عن حيلة حتّى يخرجه عن ميراثه،فدلّوه على سبيل فأشهد به،و أوصى إلى رجل.فلمّا مات حاز الوصيّ ميراثه.فاستعدى جعيفران عليه أبا يوسف القاضي.فسأل جعيفران البيّنة على نسبه،و على تركة أبيه.فأقام،و أحضر الوصي بيّنة يشهدون على أبيه بما كان احتال به عليه.فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا،و عزم على أن يورّثه.فكتب الوصي رقعة بما أفتى به موسى بن جعفر عليه السلام فلمّا قرأها أبو يوسف دعا الوصي،
1) 1)
و استحلفه أنّه قد صدق في ذلك فحلف باليمين الغموس.فقال له:اغد عليّ مع صاحبك.فلمّا حضرا حكم أبو يوسف للوصي على جعيفران.فلمّا أمضى الحكم عليه،وسوس جعيفران،و اختلط منذ يومئذ (1)
الأغاني 20:188. [1]
.قلت:الظاهر أنّه عليه السلام أمر عليّا بقطع جعفر من ميراثه لعلمه بكونه من الزنا لا لمجرد زناه بسرية أبيه.فروى(الأغاني):أنّ جعيفران اطلّع يوما في الحبّ.فرأى وجهه.فقال:
ما جعفر لأبيه و لا له بشبيه
أضحى لقوم كثير فكلّهم يدّعيه
هذا يقول بنيّ و ذا يخاصم فيه
و الامّ تضحك منهم لعلمها بأبيه (2)
فالقول بعدم إرث كلّ من زنا بامّ ولد أبيه كما مال إليه ابن بابويه مشكل،و لم يكن عترته عليهم السلام يدخلون في أمر من امور خلفاء الجور حتّى أنّ المأمون مع كونه أعلمهم،و أعدلهم،و جعله الرضا عليه السلام ولي عهده شرط عليه السلام في قبول الولاية ألاّ يتصرّف في شيء من أموره.
ففي(مروج المسعودي):أنّ المأمون أمر في سنة مئتين بإحصاء ولد العباس من رجالهم،و نسائهم،و صغيرهم،و كبيرهم.فكان عددهم ثلاثة و ثلاثين ألفا،و أمر بجمع خواص الأولياء،و أخبرهم أنّه نظر في ولد العباس، و ولد علي.فلم يجد في وقته أحدا أفضل،و لا أحقّ بالأمر من علي بن موسى فبايع له بولاية العهد،و ضرب اسمه على الدنانير و الدراهم... (3).
و في(عيون ابن بابويه):عن ياسر الخادم،و الريّان بن الصلت،و صالح
بن سعيد الكاتب الراشدي قالوا:لمّا انقضى أمر المخلوع،و استوى أمر المأمون كتب الى الرضا عليه السلام يستقدمه إلى خراسان فاعتلّ عليه الرضا عليه السلام بعلل كثيرة.فما زال المأمون يكاتبه و يسأله حتّى علم الرضا عليه السلام أنّه لا يكفّ عنه.فخرج حتّى وافى مرو.فعرض عليه أن يتقلّد الإمرة و الخلافة،فأبى الرضا عليه السلام و جرت في هذه مخاطبات كثيرة،و بقوا في ذلك نحوا من شهرين كلّ ذلك يأبى الرضا عليه السلام فلمّا كثر الخطاب في هذا.قال المأمون:فولاية العهد قال:على أن لا آمر،و لا أنهي،و لا أقضي،و لا اغيّر شيئا... (1)
عيون أخبار الرضا:2:147 ح 21،و [1]النقل بتلخيص.
.و في(مقاتل أبي الفرج):بعد ذكر حمل الرضا عليه السلام إلى خراسان وجّه المأمون إلى الفضل بن سهل.فأعلمه أنّه يريد العقد،و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك.فجعل الحسن يعظّم ذلك عليه و يعرّفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه.فقال له:إنّي عاهدت اللّه أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع،و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل.فأرسلهما إليه.
فعرضا ذلك عليه فأبى-إلى أن قال-:
قال له أحدهما:و اللّه أمرني بضرب عنقك إن خالفت.ثمّ دعا به المأمون.
فخاطبه في ذلك.فامتنع.فقال له:ان عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك و قال:من خالف فاضربوا عنقه،و لا بدّ من قبول ذلك فأجابه-إلى أن قال-.
و أمر المأمون ابنه العباس.فبايع له أوّل الناس.فرفع الرضا عليه السلام يده فتلقى بظهرها وجه نفسه و بطنها وجوههم.فقال له المأمون:ابسط يدك للبيعة.فقال له:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هكذا كان يبايع فبايعه الناس-إلى أن قال-:
قال المأمون للرضا عليه السلام:قم فاخطب الناس.فقام:و قال-بعد حمد اللّه تعالى-«إنّ لنا عليكم حقّا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكم علينا حقّ به.فإذا أدّيتم إلينا
1) 1)
ذلك وجب علينا الحق لكم»-و لم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.-إلى أن قال-:
سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر المدينة و يقول:
«اللّهمّ و اصلح ولي عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
ستّة آباؤهم ما هم هم خير من يشرب من صوب الغمام
-إلى أن قال-و مات الرضا عليه السلام فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره و أمر أن يحفر إلى جانب أبيه.قال أبو الصلت:ثمّ أقبل المأمون علينا.فقال:
حدّثني صاحب هذا النعش أنّه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء و سمك.احفروا فحفروا.فلمّا انتهوا إلى اللحد نبع ماء،و ظهر فيه سمك ثمّ غاض الماء.فدفن فيه الرضا عليه السلام (1)
مقاتل الطالبيين:375-380. [1]
.«في سترة عن الناس» قال ابن أبي الحديد:يدلّ على استتار المهدي عليه السلام و ليس تصريحا بقول الإمامية لأنّه يمكن أن يخلق في آخر الزمان،و يكون مستترا مدّة ثمّ يظهر (2).
قلت:لم يعلم إرادة المهدي عليه السلام به بالخصوص و إلاّ فالإماميّة يكفيهم في مذهبهم قوله عليه السلام المتواتر:«لا تخلو الأرض للّه من قائم بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا».كما أقر به في ما مرّ (3).فيمكن أن يريد به كون مقام الإمام مستورا عن الناس لعجزهم عن إدراكه.
قال الرضا عليه السلام:إنّ الإمامة أجل قدرا،و أعظم شأنا،و أعلى مكانا و أمنع
جانبا،و أبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم،أو يقيموا إماما باختيارهم.إنّ الإمامة خصّ اللّه تعالى بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوّة و الخلة مرتبة ثالثة،و فضيلة شرّفه بها،و شاد بها ذكره.فقال تعالى «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً» فقال الخليل عليه السلام مسرورا بها «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» قال اللّه تعالى «لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ» (1)
البقرة:124. [1]
فأبطلت هذه الآية امامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة،و صارت في الصفوة ... (2).«لا يبصر القائف أثره» في(الصحاح):القائف الّذي يعرف الآثار يقال قفت أثره إذا اتّبعته مثل قفوت أثره،قال القطامي:
كذبت عليك لا تزال تقوفني كما قاف آثار الوسيقة قائف (3)
«و لو تابع نظره» أي:كرّره كقوله تعالى: «فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ » (4).
«ثمّ ليشحذنّ» بلفظ المجهول من شحذت السكين أي:حددته.
«فيها قوم شحذ القين» أي:الحدّاد.
«النصل» أي:حديد السيف و السكّين.
روى النعماني أنّ الباقر عليه السلام قال لأصحابه:إنّ حديثكم هذا لتشمئزّ منه قلوب رجال.فانبذوه إليهم نبذا.فمن أقرّ به فزيدوه،و من أنكر فذروه.إنّه لا بدّ من أن تكون فتنة يسقط فها كلّ بطانة و وليجة،حتّى يسقط فيها من يشقّ الشعرة بشعرتين حتّى لا يبقى إلاّ نحن و شيعتنا (5).
«تجلى بالتنزيل أبصارهم،و يرمى بالتفسير في مسامعهم» «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » (1)
آل عمران:7. [1]
.«و يغبقون» بلفظ المجهول،و الغبوق الشرب بالعشي تقول غبقته فاغتبق.
«كاس» قال ابن الأعرابي:لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ و فيها الشراب (2).
«الحكمة» أي:اتقان الامور،و الأصل فيها حكمة اللّجام،و هي ما أحاط بالحنك.
«بعد الصبوح» الشرب في الصباح،و الغبوق،و الصبوح بكأس الحكمة استعارة كقول زرقاء اليمامة لمّا سئلت عن سبب قوّة عينيها«كنت أكحلهما بصبوح من صبر،و غبوق من أثمد».
عن الصادق عليه السلام شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب،و لا يطمع طمع الغراب و لا يسأل الناس بكفّه،و إن مات جوعا.قيل له:أين نطلبهم؟قال:اطلبهم في أطراف الأرض،اولئك الخشن عيشهم،المنتقلة ديارهم الّذين إن شهدوا لم يعرفوا،و إن غابوا لم يفتقدوا،و إن مرضوا لم يعادوا،و إن خطبوا لم يزوّجوا، و إن ماتوا لم يشهدوا.اولئك الّذين في أموالهم يتواسون،و في قبورهم يتزاورون،و لا تختلف أهواؤهم،و إن اختلفت بهم البلدان (3).
(منها)«و طال الأمد بهم ليستكملوا الخزي و يستوجبوا الغير» «فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (4)«وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً»
«وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» (1)
آل عمران:178. [1]
«فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» (2)«فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ » (3).«حتّى إذا اخلولق الأجل» أي:قرب كثيرا.قال الجزري:هذا البناء للمبالغة و هو افعوعل كاغدودق،و اعشوشب،و في خطبة ابن الزبير«إنّ الموت قد تغشّاكم سحابه،و أحدق بكم ربابه،و اخلولق بعد تفرّق»و في(الصحاح):
«اخلولق السحاب أي:استوى،و يقال صار خليقا للمطر.و اخلولق الرسم أي:
استوى بالأرض»و في(القاموس):«اخلولق السحاب استوى و صار خليقا للمطر،و الرسم استوى بالأرض و متن الفرس أملس» (4).
هذا و لم نقف على ذكر «اخلولق» في غير(النهاية)،و(القاموس)، و المفهوم منها عدم استعمالها ناقصة،و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن مالك في أفعال المقاربة«و ألزموا اخلولق أن مثل حرى»و قوله:
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد غنى بأن يفعل عن ثان فقد (5)
و الظاهر أنّه أخذه من سيبويه.
ففي شرح ابنه قال سيبويه:تقول«عسيت أن تفعل كذا»فإنّ هاهنا بمنزلتها في«قاربت أن تفعل»و بمنزلة دنوت أن تفعل،و اخلولقت السماء أن تمطر (6).إلاّ أنّ الظاهر أنّه خلط بين المعنى،و الاستعمال.
و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول الخوئي«قول ابن ميثم معنى اخلولق صار خليقا ليس بشيء.فإنّه في ما إذا كان ناقصة في مثل اخلولقت السماء أن تمطر لا هنا فإنّه تامة بمعنى قرب » (1)
شرح الخوئي 4:163،و شرح ابن ميثم 3:216،و النقل بالمعنى.
.«و استراح قوم إلى الفتن» هكذا في(النسخ) (2)،و لا يبعد أن يكون «إلى الفتن» محرّف«في الفتن».
روى النعماني عن أبي بكر الحضرمي قال:دخلت أنا و أبان على أبي عبد اللّه عليه السلام حين ظهرت الرايات السود بخراسان.فقلنا:ما ترى؟فقال اجلسوا في بيوتكم.فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح (3).
«و أشالوا»هكذا في(المصرية)،و الصواب: (و اشتالوا) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
قال ابن أبي الحديد:«يقال شال فلان كذا أي:رفعه،و اشتال افتعل هو في نفسه» (5)قلت:بل شال لازم قال ابن دريد«شال هو إذا ارتفع،و اشلته أنا إذا رفعته» (6)و يقال شال الميزان إذا ارتفعت احدى كفّتيه،و شال ذنبها إذا ارتفع، و قال الراجز:
تأبّري يا خيرة الفسيل تأبرّي من حنذ فشولي
و قال الأخطل في جرير:
و إذا وضعت أباك في ميزانهم رجحوا و شال أبوك في الميزان
و قال النمر بن تولب في فرس:
جموم السد شائلة الذنابى تخال بياض غرّتها سراجا (1)
أورد هذه الشواهد لسان العرب 11:374 و 375، [1]مادة(شول).
بل ظاهر(الصحاح):عكس ما قال.فقال:«شالت الناقة بذنبها تشوله و اشتالته أي:رفعته» (2)فعدّى شال بالباء،و عدّى اشتال بالنفس لكن الظاهر أنّه رأى«و أشالته»فقرأه«و اشتالته»و لا ريب في أنّ أشال متعدّ.قال:
ء أبلي تأكلها مصنّا خافض سنّ و مشيل سنا (3)
و من الغريب أنّ(القاموس):قال:«شالت الناقة بذنبها شولا و شولانا، و أشالته رفعته.فشال الذنب نفسه،لازم متعد» (4)فلا يلزم ممّا ذكر إلاّ كون شال لازما.
«عن لقاح حربهم» في(الصحاح):ألقح الفحل الناقة(أي:أحبلها)و لقحت الناقة بالكسر لقحا،و لقاحا بالفتح،و اللقاح بالكسر الابل بأعيانها الواحدة لقوح و هي الحلوب (5).
قال ابن أبي الحديد:معنى قوله عليه السلام «و اشتالوا عن لقاح حربهم» رفعوا أيديهم و سيوفهم عن أن يشبّوا الحرب بينهم و بين هذه الفئة مهادنة (6).
قلت:من المحتمل أن يكون المعنى أن تولّد حربهم صار قريبا كناقة صار وضعها قريبا.قال الجوهري:الشول النوق الّتي خفّ لبنها، و ارتفع ضرعها،و أتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية... (7)،و قال
الشاعر: «حتّى إذا ما العشر عنها شوّلا »
(1).
«و لم يمنّوا على اللّه بالصبر،و لم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق» قال ابن أبي الحديد:لم يمنّوا هذا جواب قوله حتى إذا،و الضمير في يمنّوا راجع إلى العارفين الذين تقدم ذكرهم (2).
قلت:بل حال من قوله «و استراح قوم» و لا يصحّ أن يكون جوابا لأنّ عدم منّتهم على اللّه بصبرهم،و عدم عدّ بذل أنفسهم في الحق عظيما كانا من الابتداء لا بعد اخليلاق الأجل،و إنّما الجواب «حملوا» كما يأتي .
«حتّى» هكذا في(النسخ) (3)،و لا يبعد أن يكون مصحف(و حتّى)حتّى يكون عطفا على «حتّى» الاولى.
«إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء» و المراد صيرورة وقت ظهور المهدي عليه السلام.روى النعماني عن الصادق عليه السلام أنّ قوله تعالى «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً» (4)،نزلت في القائم عليه السلام و أصحابه.
و عنه عليه السلام في قوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً» (5)نزلت في القائم عليه السلام و أصحابه يجتمعون على غير ميعاد (6).
«حملوا بصائرهم على أسيافهم» روى النعماني عن الصادق عليه السلام في قوله
تعالى: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ» (1)
الرحمن:41. [1]
قال:اللّه يعرفهم و لكن نزلت في القائم عليه السلام يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو و أصحابه خبطا (2).و روى عن أبان بن تغلب قال:كنت مع جعفر بن محمّد عليه السلام في مسجد مكّة و هو آخذ بيدي.فقال:يا أبان!سيأتي اللّه بثلاثمئة و ثلاثة عشر رجلا في مسجدكم هذا.يعلم أهل مكّة أنّه لم يخلق آباؤهم،و لا أجدادهم بعد،عليهم السيوف،مكتوب على كلّ سيف اسم الرجل،و اسم أبيه،و حليته،و نسبه،ثم يأمر مناديا فينادي،هذا المهدي يقضي بقضاء داود و سليمان لا يسأل على ذلك بيّنة (3).
هذا،و في(الصحاح):قال أبو زيد:البصيرة من الدم ما كان على الأرض و الجدية ما لزق بالجسد،و قال الأصمعي:البصيرة:شيء من الدم يستدلّ به على الرمية (4).
و في(الجمهرة):البصيرة:القطعة من الدم تستدير على الأرض أو على الثوب كالترس الصغير،و أنشد بيت الاسعر:
جاءوا بصائرهم على أكتافهم و بصيرتي يعدو بها عتدواى
-و يروى:راحوا (5).
«و دانوا لربهم بأمر واعظهم» روى النعماني عن الباقر عليه السلام:كأنّي بدينكم هذا لا يزال مولّيا يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت.
فيعطيكم في السنة عطاءين،و يرزقكم في الشهر رزقين،و تؤتون الحكمة في
زمانه حتّى أنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى و سنّة.
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1)
غيبة النعماني:158. [1]
.الخطبة(114)
مِنْهَا:
لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ- إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ- تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ- وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ لَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ لَهَا- وَ لاَ خَالِفَ عَلَيْهَا- وَ لَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ نَفْسُهُ- لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا- وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ- وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ- فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ- وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ- وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- وَ أَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ- قَوْمٌ وَ اللَّهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ- مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ- مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ- مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ- مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ- وَ أَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ- فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ- وَ الْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ «و لو»في(المصرية ) «لو» و ليس بصواب.
«تعلمون ما أعلم» من استيلاء الجبابرة عليكم عقوبة من اللّه تعالى في و هنكم في أمر اللّه تعالى في حقّه عليه السلام يوم السقيفة،و يوم الشورى،و يوم رفع المصاحف،و أيام غارات معاوية إلى أن ينجرّ إلى تسلّط الحجّاج عليهم،و قد أفصح عليه السلام عنه في ذيل كلامه بعد العنوان.
«ممّا طوى عنكم غيبه» و خفى عليكم خبره .
«إذن لخرجتم إلى الصّعدات» أي:الطرق،و تركتم البيوت .
«تبكون على أعمالكم» قال تعالى «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً»
1) 1)
«جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » (1)
التوبة:82. [1]
.«و تلتدمون» أي:تضربون صدوركم كالنساء في النياحة.
«على أنفسكم» أي:على مأتم أنفسكم .
«و لتركتم أموالكم لا حارس» أي:حافظ.
«لها،و لا خالف عليها» فإنّ الناس إذا غابوا عن أموالهم يخلفون عليها من يحفظها .
«و لهمّت كلّ امرئ نفسه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(منكم نفسه) كما في الثلاثة (2).قال ابن أبي الحديد:و يروى«و لأهمّت»و هو أصح (3)-قلت:
و يشهد لأصحيته لفظ القرآن قال تعالى «وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ» (4)أي:
يكون يومئذ همّ كلّ امرئ نجاة نفسه.
«لا يلتفت إلى غيرها» كيوم القيامة .
«و لكنّكم نسيتم ما ذكّرتم،و أمنتم ما حذّرتم» من أن من أعان ظالما-بل لو عذره-سلّط اللّه تعالى عليه قال تعالى: «وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (5).
و في(خلفاء ابن قتيبة)-في طي خطبته عليه السلام لما دعاهم إلى حرب معاوية بعد انقضاء أمر الخوارج،و تركهم له عليه السلام في نفر-«و اللّه يا أهل العراق ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلاّ ظاهرين عليكم»-فقالوا:أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟-فقال:نعم،و الّذي فلق الحبّة،و برأ النسمة إنّي أرى امورهم
قد علت،و أرى اموركم قد خبت،و أراهم جادّين في باطلهم،و أراكم وانين في حقكم،و أراهم مجتمعين،و أراكم متفرّقين،و أراهم لصاحبهم معاوية مطيعين،و أراكم لي عاصين،أما و اللّه لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنّهم أرباب سوء.
كأنّهم و اللّه عن قريب قد شاركوكم في بلادكم،و حملوا إلى بلادهم منكم.
و كأنّي انظر إليكم تكشّون كشيش الضباب لا تأخذون للّه حقّا،و لا تمنعون له حرمة.
و كأنّي أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم،و يخيفون علماءكم.
و كأنّي أنظر اليكم يحرمونكم،و يحجبونكم،و يدنون الناس دونكم.فلو قد رأيتم الحرمان،و لقيتم الذل و الهوان،و وقع السيف،و نزل الخوف لندمتم، و تحسّرتم على تفريطكم في جهاد عدوّكم،و تذكّرتم ما أنتم فيه من الخفض، و العافية حين لا ينفعكم التذكار.فقال الناس:قد علمنا يا أمير المؤمنين أنّ قولك كلّه و جميع لفظك يكون حقّا أ ترى معاوية يكون علينا أميرا؟فقال عليه السلام:
لا تكرهون إمرة معاوية.فإنّ إمرته سلم و عافية.فلو قد مات رأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كأنّها الحنظل.و عدا كان مفعولا.فأمّا إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرّها،و ما بعدها أدهى و أمرّ (1)
الإمامة و السياسة 1:152. [1]
.«فتاه» أي:وقع في الحيرة.
«عنكم رأيكم » .
«و تشتّت» أي:تفرّق.
«عليكم أمركم،و لوددت» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لوددت)
1) 1)
كما في الثلاثة (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:257،و شرح ابن ميثم 3:107 [1] مثل المصرية أيضا.
،و لأنّ المقام مقام الفصل.«أنّ اللّه فرّق بيني و بينكم،و ألحقني بمن هو أحقّ بي منكم» قال ابن أبي الحديد:أي:النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الصالحين من أصحابه كحمزة،و جعفر،و أمثالهما ممّن كان عليه السلام يثني عليه (2).قلت:و كذلك شيعته العارفون بحقّه كسلمان، و أبي ذر،و المقداد،و عمار،و نظراؤهم .
«قوم و اللّه ميامين» جمع ميمون.
«الرأي مراجيح الحلم» بالكسر الاناة،و فعله حلم بالضم .
«مقاويل» جمع مقوال مبالغة قائل.
«بالحقّ» في(سفيانية الجاحظ):كان أبو ذر يصرخ كلّ يوم على باب قصر معاوية:«أتاكم القطار يحمل النار.اللّهمّ اللعن الآمرين بالمعروف التاركين له.اللّهمّ العن الناهين عن المنكر المرتكبين له» (3).
و في(طبقات ابن سعد):أنّه قيل له:ألم ينهك عثمان عن الفتيا.فقال أبو ذر:و اللّه لو وضعتم الصمصامة على هذا-و أشار إلى حلقه-على أن أترك كلمة سمعتها من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنفذتها قبل أن يكون ذلك (4).
«متاريك» جمع متراك مبالغة تارك.
«للبغي،مضوا قدما على الطريقة» بضمتين أي:أقداما يأتي للواحد، و التثنية،الجمع،و المذكر،و المؤنث.قال الشاعر «تمضي إذا زجرت عن سوأة
قدما»
(5).
«و أوجفوا» أي:أسرعوا في السير قال تعالى: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ» (1)
الحشر:6. [1]
.«على المحجّة» جادّة الطريق،و المراد سبيل الشريعة .
«فظفروا بالعقبى الدائمة،و الكرامة الباردة» أي:الثابتة و في الديوان:
فقد أعرف أقواما و إن كانوا صعاليكا
مساريع إلى النجدة للبغي متاريكا (2).
من الكتاب(10)
وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً ؟بِعُثْمَانَ؟- وَ لَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ؟عُثْمَانَ؟- فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً- فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ- إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ- وَ كَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ- وَ الْقَضَاءِ الْوَاقِعِ وَ مَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ- وَ هِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ «و زعمت أنك جئت ثائرا بعثمان» أي:طالبا لدمه.
«و لقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك ان كنت طالبا» فجميع الناس كانوا يعلمون أنّ المسبب لقتله إنما كان طلحة و الزبير،و عائشة،و من كان معهم.فقال ابن أبي كلاب لعائشة-و كان من أخوالها-لما قالت:لأطلبنّ بدم عثمان لمّا سمعت أنّ الناس قتلوه،و بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام-و اللّه إنّ أوّل من أمال حرف عثمان لأنت،و لقد كنت تقولين:اقتلوا نعثلا فقد كفر (3).
و لمّا بلغ أصحاب عائشة و طلحة و الزبير ذات عرق في مسيرهم إلى البصرة-و كان تبعهم مروان،و غيره من بني اميّة هربا من أمير المؤمنين عليه السلام-و لم يكن معهم سعيد بن العاص.فلقي سعيد،مروان و أصحابه من بني اميّة فقال لهم-كما في(كامل الجزري)-أين تذهبون و تتركون ثاركم على أعجاز الابل وراءكم-يعني عائشة و طلحة و الزبير- اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم (1)
الكامل 3:28،سنة 36. [1]
.«فكأنّي قد رأيتك تضجّ من الحرب إذا عضّتك ضجيج الجمال بالأثقال» في (تاريخ الطبري):لمّا قتلت الزبّاء جذيمة الأبرش جدع قصير أنفه و أثّر آثارا بظهره،و خرج إلى الزبّاء.فقالت:ما الّذي أرى بك؟فقال:زعم عمرو بن عدي أنّي غررت خاله،و زيّنت له السير إليك.ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك.فأكرمته فلمّا عرف أنّها وثقت به قال لها:إنّ لي بالعراق أموالا،و طرائف،فابعثيني إليها.فلا طرائف كطرائف العراق-إلى أن قال-:
ثمّ عاد قصير الثالثة إلى العراق.فقال قصير لعمرو بن عدي:اجمع لي ثقات أصحابك و جندك،و هيئ لهم الغرائر،و المسوح،و احمل كلّ رجلين على بعير في غرارتين،و اجعل معقد رءوس الغرائر من باطنها ففعل-إلى أن قال-:
فخرجت الزبّاء فرأت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا (2)
قيل:أي:جنس من التمر.
«و كأنّي بجماعتك تدعوني جزعا من الضرب المتتابع،و القضاء الواقع، و مصارع بعد مصارع إلى كتاب اللّه» في(صفين نصر بن مزاحم)-في طي ذكر ليلة الهرير-فقام علي عليه السلام خطيبا ثمّ قال:«أيّها الناس!قد بلغ بكم الأمر، و بعدوّكم ما قد رأيتم،و لم يبق منهم إلاّ آخر نفس،و إنّ الامور إذا أقبلت اعتبر أخرها بأوّلها و قد صبر لكم القوم على غير دين حتّى بلغنا منهم ما بلغنا،و أنا غاد عليهم بالغداة احاكمهم إلى اللّه-عزّ و جلّ-»فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فقال:يا عمرو!إنّما هي الليلة حتّى يغدو علينا عليّ بالفيصل.فما ترى؟قال:إنّ رجالك لا يقومون لرجاله،و لست مثله هو يقاتلك على أمر،و أنت تقاتله على غيره،أنت تريد البقاء،و هو يريد الفناء،و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم،و أهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم،و لكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختفلوا،و إن ردّوه اختلفوا.ادعهم إلى كتاب اللّه حكما في ما بينك و بينهم،فإنّك بالغ به حاجتك في القوم،فإنّي لم أزل اؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه.فعرف ذلك معاوية.فقال:صدقت (1)
وقعة صفين:476. [1]
.«و هي» أي:تلك الدعوة.
«كافرة» باللّه.
«جاحدة» لكتاب اللّه.
«أو مبايعة حائدة» أي:مائلة عن الإسلام.
روى(نصر بن مزاحم):عن تميم بن حذيم قال:لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام،وسط الفيلق من حيال موقف معاوية.فلمّا أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح،
1) 1)
و هي عظام مصاحب العسكر،و قد شدّوا ثلاثة أرماح جميعا،و قد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط.و قال أبو جعفر،و أبو الطفيل استقبلوا عليّا عليه السلام بمائة مصحف،و وضعوا في كلّ مجنبة مئتي مصحف، و كان جميعها خمسمائة مصحف قال أبو جعفر ثمّ قام الطفيل بن أدهم حيال عليّ عليه السلام و قام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة،و قام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة.ثمّ نادوا،يا معشر العرب اللّه اللّه في نسائكم و بناتكم.فمن للروم و الأتراك و أهل فارس غدا إذا فنيتم،اللّه اللّه في دينكم،هذا كتاب اللّه بيننا و بينكم.فقال عليّ عليه السّلام:اللّهمّ انّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا و بينهم (1)
وقعة صفين:478. [1]
.قال ابن أبي الحديد:إنّ قوله عليه السّلام:«فكأنّي رأيتك تضجّ من الحرب...»إمّا ان يكون فراسة نبويّة صادقة-و هذا عظيم-و إمّا أن يكون إخبارا عن غيب مفصّل و هو أعظم و أعجب،و على كلا الأمرين فهو غاية العجب،و قد رأيت له ذكر هذا المعنى في كتاب غير هذا و هو:
«أما بعد،فما أعجب ما يأتيني منك،و ما أعلمني بمنزلتك الّتي أنت إليها صائر و نحوها سائر.و ليس إبطائي عنك إلاّ لوقت أنا به مصدّق،و أنت به مكذّب و كأنّي أراك و أنت تضجّ من الحرب،و إخوانك يدعونني خوفا من السيف إلى كتاب هم به كافرون و له جاحدون».
و وقفت له عليه السلام على كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى أوّله:أما بعد.فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الحق أساطير،و نبذتموه وراء ظهوركم،و حاولتم اطفاءه بأفواهكم «وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ»
1) 1)
«وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)
التوبة:32. [1]
و لعمري لينفذن العلم فيك،و ليتمّنّ النور بصغرك، و قماءتك و لتخسأنّ طريدا مدحورا،أو قتيلا مثبورا،و لتجزين بعملك حيث لا ناصر لك،و لا مصرّخ عندك،و قد أسهبت في ذكر عثمان و لعمري ما قتله غيرك،و لا خذله سواك،و لقد تربّصت به الدوائر،و تمنّيت له الأماني طمعا في ما ظهر منك،و دلّ عليه فعلك.و إنّي لأرجو أن الحقك به على أعظم من ذنبه، و أكبر من خطيئته.فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف،و انّ قائمة لفي يدي،و قد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس،و فراعنة بني سهم،و جمح و بني مخزوم و أيتمت أبناءهم و أيّمت نساءهم،و اذكّرك ما لست له ناسيا،يوم قتلت أخاك حنظلة،و جررت برجله إلى القليب،و أسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا،و طلبتك ففررت،و لك حصاص،فلو لا أنّي لا أتبع فارا لجعلتك ثالثهما،و أنا اولي لك باللّه أليّة برّة غير فاجرة.لئن جمعتني و إيّاك جوامع الأقدار لأتركنّك مثلا يتمثّل به الناس أبدا،و لأجعجعنّ بك في مناخك حتّى يحكم اللّه بيني و بينك،و هو خير الحاكمين.
و لئن أنسأ اللّه في أجلي قليلا لأغزينّك سرايا المسلمين،و لأنهدنّ اليك في جحفل من المهاجرين و الأنصار.ثمّ لا أقبل لك معذرة و لا شفاعة،و لا أجيبك إلى طلب و سؤال،و لترجعنّ إلى تحيّرك،و تردّدك و تلدّدك،فقد شاهدت و أبصرت و رأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيّبها حتّى اعتصمت بكتاب أنت و أبوك أوّل من كفر و كذّب بنزوله،و لقد كنت تفرّستها،و آذنتك أنّك فاعلها،و قد مضى منها ما مضى،و انقضى من كيدك فيها ما انقضى،و أنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب.فاختر لنفسك،و انظر لها،و تداركها،فإنّك إن
1) 1)
فرّطت و استمررت على غيّك و غلوائك حتّى ينهد إليك عباد اللّه،ارتجت عليك الامور،و منعت أمرا هو اليوم منك مقبول.
يا ابن حرب!إنّ لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرّأي،فلا يطمعنّك أهل الضلال،و لا يوبقنّك سفه رأي الجهّال.فو الّذي نفس عليّ بيده لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار،لتصعقنّ صعقة لا تفيق منها حتّى ينفخ في الصور النفخة الّتي يئست منها «كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» (1)
شرح ابن أبي الحديد 3:419 و 420.و الآية 12 [1] من سورة الممتحنة.
.قلت:كتابه عليه السلام هذا و إن كان بعد وقوع الأمر إلاّ أنّه تضمّن أنّه عليه السلام قال لمعاوية إنّي أعلمتك قبل بأنّك تفعل ذلك.
الخطبة(69)
و من خطبة له ع في ذم أهل؟العراق؟:
أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ؟الْعِرَاقِ؟ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ- حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَ مَاتَ قَيِّمُهَا- وَ طَالَ تَأَيُّمُهَا وَ وَرِثَهَا أَبْعَدُهَا-.أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً- وَ لَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً- وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ؟عَلِيٌّ؟ يَكْذِبُ قَاتَلَكُمُ اللَّهُ فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ أَ عَلَى اللَّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ- أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ- كَلاَّ وَ اللَّهِ وَ لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا- وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا- وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ- «وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» أقول:رواه( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-ج 6 ص 148 )مع اختلاف و زيادات.فقال:قال عليه السلام:يا أهل الكوفة أنتم كامّ مجالد حملت فأملصت.فمات قيّمها.فطال تأيّمها،و ورثها أبعدها،
1) 1)
و الّذي فلق الحبّة،و برأ النسمة إنّ من ورائكم الأعور الأدبر جهنم الدنيا لا تبقي و لا تذر،و من بعده النّهاس الفراس.الجموع المنوع،ثم ليتوارثنكم من بني اميّة عدّة ما الآخر بارأف بكم من الأوّل ما خلا رجلا واحدا،بلاء قضاه اللّه على هذه الامّة لا محالة كائن،يقتلون خياركم،و يستعبدون أرذالكم، و يستخرجون كنوزكم و ذخائركم في جوف حجالكم.نقمة بما ضيّعتم من اموركم،و صلاح أنفسكم و دينكم.يا أهل الكوفة!اخبركم بما يكون قبل أن يكون لتكونوا منه على حذر،و لتنذروا به من اتّعظ و اعتبر.كأنّي بكم تقولون إنّ عليّا يكذب كما قالت قريش لنبيّها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فيا ويلكم أفعلى من أكذب؟أعلى اللّه،فأنا أوّل من عبده و وحّده،أم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فأنا أوّل من آمن به و صدّقه و نصره.كلاّ و اللّه،و لكنّها لهجة خدعة كنتم عنها أغنياء،و الّذي فلق الحبّة،و برأ النسمة لتعلمن نبأها بعد حين،و ذلك إذا صيّركم إليها جهلكم،و لا ينفعكم عندها علمكم (1)
الإرشاد 6:148. [1]
.قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السلام» -إلخ-هكذا في(المصرية) و الصواب:(و من كلام له عليه السلام...)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
قوله : «أما بعد يا أهل العراق» قال الفيروز آبادي:العراق من عبادان إلى موصل طولا،و من القادسية إلى حلوان عرضا،سمّيت بها لتواشج عراق النخل،و الشجر فيها... (3).
و عن الأصمعي:أنّها معرّبة إيران شهر (4)،و قيل معرّبة إيراف بالفاء
و معناه مغيض الماء لأنّ دجلة و الفرات و تامرّا تنصب من نواحي أرمينية و بند،من الروم إلى العراق،و بها يقرّ قرارها،و قيل:العراق بمعنى الاستواء.
قال:«سياق من ليس له عراق» (1)
أورده معجم البلدان 4:93. [1]
أي:استواء.و العراق مستوية خالية من جبال تعلو،و أودية تنخفض،و قيل:إنّها بمعنى الشاطئ،و العراق على شاطئ دجلة و الفرات.و قيل من عراق المزادة لكون العراق بين الريف و البر .«فإنّما أنتم» في ما فعلتم في صفين من الحرب حتّى ظهرت لكم آثار الغلبة،ثمّ انخذلتم بخدعة العدو.ثمّ اختلافكم،و خروج فرقة منكم على وليّكم، و إقراركم بالخسف في غارات العدو على بلادكم حتّى صاروا مستولين على بلادكم مضافا إلى استقلالهم في بلادهم.
«كالمرأة الحامل حملت فلمّا أتمّت» أيّام حملها.
«أملصت» أي:أسقطت .
«و مات قيّمها،و طال تأيّمها» بقاؤها بلا قيّم بموت زوجها .
«و ورثها أبعدها» حين موتها لعدم زوج و ولد لها.و لمّا أراد معاوية أن يبعث جندا لأخذ مصر خطب أهل الشام،و قال:رأيتم كيف صنع اللّه لكم في حربكم هذه،لقد جاءكم عدوّكم لا يشكّون أنّهم يستأصلون بيضتكم، و يحوزون بلادكم ما كانوا إلاّ أنّكم في أيديهم.فردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، و كفاكم مئونتهم،و حاكمتموهم إلى اللّه فحكم لكم عليهم.ثمّ جمع كلمتنا، و أصلح ذات بيننا،و جعلهم أعداء متفرّقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، و يسفك بعضهم دم بعض.
و قد أخذ ابن كوجك الوراق أو أبوه معنى كلامه عليه السلام «أنتم كالمرأة الحامل» مع أدنى تصرف.فقال:
1) 1)
و ما ذات بعل مات عنها فجاءه و قد وجدت حملا دوين الترائب
بأرض نأت عن والديها كليهما تعاورها الورّاث من كلّ جانب
فلمّا استبان الحمل منها تنهنهوا قليلا و دبّوا...دبيب العقارب
فجاءت بمولود غلام فحوّزت تراث أبيه الميت دون الأقارب
فلمّا غدا للمال ربّا و نافست لإعجابها فيه عيون الكواعب
و أصبح مأمولا يخاف و يرتجى جميل المحيا ذا عذار و شارب
اتيح له عبل الذراعين محدر جريء على أقرانه غير هائب
فلم يبق منه غير عظم مجزّر و جمجمة ليست بذات ذوائب
بأوجع منّي يوم ولّت حدوجهم يؤمّ بها الحادون وادي غباغب
هذا،و في(الأغاني):كان ابن هرمة جالسا على دكان في بني زريق و قال بيتا ثمّ انقطع عليه الرويّ،و بيته:
فإنّك و أطّراحك وصل سعدى لاخرى في مودتها نكوب
فمرّت عليه جارية مليحة كان يستحسنها أبدا،و يكلّمها إذا مرّت به فرآها قد ورم وجهها،و اذناها.فسألها عن خبرها.فقالت:استعار لي أهلي حليّا لأروح إلى عرس.فثقبوا اذني لألبسه.فورم وجهي،و اذناي كما ترى.
فردّوه،و لم أشهد العرس،فاطّرد لابن هرمة الرويّ.فقال:
كثاقبة لحلي مستعار باذنيها فشأنهما الثقوب
فردّت حلي جارتها إليها و قد بقيت باذنيها ندوب
«أما و اللّه ما أتيتكم اختيارا،و لكن جئت إليكم سوقا» فاضطر عليه السلام لأمر معاوية أن يأتي من البصرة إلى الكوفة،و لولاه لرجع،و قال ابن أبي الحديد:«لأنّه لو لا يوم الجمل لم يحتج إلى الخروج من المدينة
إلى العراق» (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:47. [1]
و هو كما ترى .«و لقد بلغني أنكم تقولون عليّ يكذب» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)و ليس في(ابن ميثم و الخطية)كلمة«عليّ » (2).
«قاتلكم اللّه.فعلى من الكذب» هكذا في(المصرية)و الصواب:(أكذب)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) (3).
«أ على اللّه؟فأنا أوّل من آمن به،أم على نبيّه؟فأنا أوّل من صدّقه» قال ابن أبي الحديد:كان عليه السلام كثيرا ما يخبر عن الملاحم،و الكائنات،و يؤمي إلى امور أخبره بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيقول المنافقون من أصحابه:يكذب،كما كان المنافقون الأولون في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقولون عنه يكذب.و إذا تأملت أحواله في خلافته كلّها وجدتها هي مختصرة من أحوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حياته كأنّها نسخة منتسخة منها في حربه و سلمه،و سيرته و أخلاقه،و كثرة شكايته من المنافقين (4).
روى(صاحب الغارات)عن الأعمش عن رجاله.قال خطب عليّ عليه السلام فقال:«و اللّه لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مئة ثمّ لو شئت لحدّثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس لا أخبرتكم إلاّ حقّا ثمّ لتخرجن فلتزعمن أنّي أكذب الناس و أفجرهم».
و روى هو و غيره أنّه عليه السلام قال:«إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للايمان» (5).
و روى المدائني في(صفّينه)قال:خطب عليّ عليه السلام بعد النهروان.فذكر
طرفا من الملاحم قال:إذا كثرت فيكم الأخلاط،و استوت الأنباط،دنا خراب العراق.ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل و أنهار.فإذا غلت فيها الأسعار،و شيّد فيها البنيان،و حكم فيها الفسّاق،و اشتدّ البلاء،و تفاخر الغوغاء،دنا خسوف البيداء،و طاب الهرب و الجلاء،و ستكون قبل الجلاء امور يشيب منها الصغير، و يعطب الكبير،و يخرس الفصيح و يبهت اللبيب.يعاجلون بالسيف صلتا.و قد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون.فيا لها من مصيبة حينئذ من البلاء العقيم،و البكاء الطويل،و الويل و العويل،و شدّة الصريخ،ذلك أمر اللّه و هو كائن و فناء سريع.
فيا ابن خيرة الآباء متى تنتظر؟!أبشر بنصر قريب من ربّ رحيم.ألا فويل للمتكبّرين عند حصاد الحاصدين،و قتل الفاسقين،عصاة ذي العرش العظيم.فبأبي و امّي من عدّة قليلة أسماؤهم في الأرض مجهولة.قد دان حينئذ ظهورهم و لو شئت لأخبرتكم بما يأتي،و يكون من حوادث دهركم،و نوائب زمانكم.و بلايا أيّامكم،و غمرات ساعاتكم،و لكنّه أفضيه إلى من أفضيه إليه مخافة عليكم،و نظرا لكم،علما منّي بما هو كائن،و ما يلقون من البلاء الشامل.
ذلك عند تمرّد الأشرار،و طاعة اولي الخسار.ذاك أو ان الحتف و الدمار.ذاك إدبار أمركم،و انقطاع أصلكم و تشتت أنفسكم،و إنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان،و انتشار الفسوق حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال،حين لا تنال المعيشة إلاّ بمعصية اللّه في سمائه، حين تسكرون من غير شراب،و تحلفون من غير اضطرار،و تظلمون من غير منفعة،و تكذبون من غير إحراج.تتفكهون بالفسوق،و تبادرون بالمعصية.
قولكم البهتان،و حديثكم الزور،و أعمالكم الغرور.فعند ذلك لا تأمنون البيات.
فيا له من بيات ما أشدّ ظلمته،و من صائح ما أفظع صوته.ذلك بيات لا يتمنّى صباحه صاحبه.فعند ذلك تقتلون،و بأنواع البلاء تضربون،و بالسيف
تحصدون،و إلى النار تصيرون،و يعضّكم البلاء كما يعضّ الغارب القتب.يا عجبا كلّ العجب بين جمادى و رجب،من جميع أشتات،و حصد نبات،و من أصوات بعدها أصوات.ثم قال:سبق القضاء سبق القضاء.قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه:أشهد أنّه كاذب على اللّه و رسوله.قال الكوفي:و ما يدريك؟قال فو اللّه ما نزل عليه السلام عن المنبر حتّى فلج الرجل.فحمل إلى منزله في شق محمل فمات من ليلته.
و روى المدائني أيضا:أنّ عليّا عليه السلام خطب فذكر الملاحم.فقال:سلوني قبل أن تفقدوني.أما و اللّه لتشغرن الفتنة الصمّاء برجلها،و تطافي خطامها.
يا لها من فتنة شبّت نارها بالحطب الجزل.مقبلة من شرق الأرض،رافعة ذيلها،داعية ويلها،بدجلة أو حولها.ذاك إذا استدار الفلك.قلتم مات أو هلك، بأيّ واد سلك.فقال قوم تحت منبره:للّه أبوه ما أفصحه كاذبا (1)
رواه عن صفّين المدائني،ابن أبي الحديد في شرحه 2:49-50.
.و روى صاحب(الغارات)عن المنهال بن عمرو عن عبد اللّه بن الحارث قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول على المنبر:ما أحد جرت عليه المواسي إلاّ و قد أنزل اللّه فيه قرآنا.فقام إليه رجل.فقال:يا أمير المؤمنين فما أنزل اللّه فيك -يريد تكذيبه-فقام الناس يلكزونه في صدره و جنبه.فقال:دعوه.أقرأت سورة هود؟قال:نعم.قال:أقرأت قوله سبحانه: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (2)قال:نعم.قال:صاحب البيّنة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التالي الشاهد أنا (3).
قلت:و قال المفيد في(إرشاده):روى عبد العزيز بن صهيب،عن أبي
العالية قال:حدثني مزرع بن عبد اللّه.قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول:أم و اللّه ليقبلنّ جيش حتّى إذا كان بالبيداء خسف بهم.فقلت له:إنّك لتحدّثني بالغيب؟قال:
احفظ ما أقول لك.و اللّه ليكوننّ ما أخبرني به أمير المؤمنين عليه السلام و ليؤخذنّ رجل فليقتلنّ و ليصلبنّ بين شرفتين من شرف هذا المسجد.قلت:إنّك لتحدّثني بالغيب؟قال:حدّثني الثقة المأمون عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال أبو العالية:فما أتت علينا جمعة حتّى اخذ مزرع.فقتل و صلب بين الشرفتين و قد كان حدّثني بثالثة فنسيتها (1)
الارشاد:172. [1]
.و عن الطبراني في(أوسطه)و أبي نعيم في(دلائله)عن زاذان،أنّ عليّا حدّث بحديث.فكذّبه رجل.فقال له عليّ عليه السلام:أدعو عليك إن كنت كاذبا.قال:
ادع.فدعا عليه.فلم يبرح حتّى ذهب بصره (2).
ثمّ أنّ(ابن أبي الحديد)لم يفد كون أحواله عليه السلام مختصرة من أحوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بزمان خلافته عليه السلام بل كان كذلك في خلفته،و في أيّام الثلاثة.
فعاملوه عليه السلام في أيّامهم معاملتهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أوّل أمره،و عاملوه في خلافته عليه السلام معاملتهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد اقتداره حتّى أنّهم كما حجروا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الوصية،اضطروه عليه السلام إلى أن يخفي قبره مدّة.
ثمّ كونه عليه السلام أوّل من آمن باللّه،و صدق رسوله من البديهيّات،كادّعاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم النبوّة،و مع ذلك شكك اخواننا فيه كما شككوا في يوم الغدير مع كونه من المتواترات كما التزموا في دينهم بالمتناقضات .
«كلا و اللّه و لكنّها لهجة غبتم عنها» الظاهر أنّ المراد أنّ إخباره عليه السلام عن
الملاحم الّذي أعطاه اللّه تعالى ليسوا بقابلين لفهمه لعدم استعدادهم،كمن يتكلّم لقوم بغير لغتهم.فلا يفهموه لعدم علمهم بتلك اللغة،يشهد لذلك قوله عليه السلام بعده .
«و لم تكونوا من أهلها» و قال ابن أبي الحديد:يمكن أن يعني بها لهجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيقول شهدت و غبتم،و يمكن أن يعني بها لهجته هو فيقول إنّها لهجة غبتم عن منافعها... (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:49. [1]
و هو كما ترى.هذا،و قد عرفت أنّ(الإرشاد)بدّله بقوله:«و لكنّها لهجة خدعة كنتم عنها أغنياء»و لا يبعد تصحيفه .«ويلمّه» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)و لكن في(ابن أبي الحديد):«ويل امه»و الأوّل مخففة (2).
«كيلا بغير ثمن» و الأصل يكون ما أخبركم من الملاحم كيلا بغير ثمن، و يجوز أن يكون الأصل أكيل لكم كيلا بغير ثمن .
«لو كان له وعاء» أي:ظرف حتّى يحفظ .
«و لتعلمنّ نبأه بعد حين» أي:إذا وقع ما أخبرتكم به تعلمون صدقي.
روى(أمالي الصدوق)مسندا عن هرثمة بن مسلم قال:غزونا مع عليّ عليه السلام صفّين.فلمّا انصرفنا نزل كربلاء فصلّى بها الغداة.ثمّ رفع إليه من تربتها فشمّها.ثمّ قال:واها لك أيّها التربة،ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب.فلمّا رجعت أخبرت زوجتي-و كانت شيعة لعلي عليه السلام فقالت:إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل إلاّ حقّا-فلمّا قدم الحسين عليه السلام كنت في البعث الذين بعثهم عبيد اللّه.فلمّا رأيت المنزل،و الشجر ذكرت الحديث.فجلست على بعيري.ثمّ صرت إلى الحسين عليه السلام فسلمت عليه فأخبرته بما سمعت من أبيه
في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين عليه السلام.فقال،معنا أنت أو علينا.فقلت:لا معك و لا عليك.خلّفت صبية أخاف عليهم عبيد اللّه.فقال:فامض لا ترى لنا مقتلا،و لا تسمع لنا صوتا فو الّذي نفس حسين بيده لا يسمع اليوم و اعيتنا أحد فلا يعيننا إلاّ أكبّه اللّه لوجهه في جهنّم (1)
امالي الصدوق:117 ح 6،المجلس 28. [1]
.و قد أخبر عليه السلام بالنساء العاريات اللاّتي ظهرن في عصرنا.ففي(الفقيه):
روى الأصبغ عن أمير المؤمنين عليه السلام في آخر الزمان و اقتراب الساعة و هو شرّ الأزمنة نسوة كاشفات عاريات،متبرجات(خارجات)من الدين،داخلات في الفتن،ما ثلاث إلى الشهوات،مسرعات إلى اللّذات،مستحلاّت للمحرّمات، في جهنّم خالدات (2).
و مر في 17-8-قوله عليه السلام«بل اندمجت عليّ مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة».
الحكمة(147)
و من كلام له عليه السلام لكميل بن زياد النخعي.قال كميل بن زياد:أخذ بيدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصحر تنفّس الصّعداء،ثمّ قال:
يَا؟كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ؟- إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا- فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ- النَّاسُ ثَلاَثَةٌ- فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ- وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ- لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ- يَا؟كُمَيْلُ؟ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ- الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ- وَ الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَ الْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ- وَ صَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ- يَا؟كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ؟ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ- بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ- وَ جَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ
وَفَاتِهِ- وَ الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ الْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ- يَا؟كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ- وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ- أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ- هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً- بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ- مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا- وَ مُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ بِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ- أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ- يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ- أَلاَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ- أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ- أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَ الاِدِّخَارِ- لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ- أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ- كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ أقول:مرّ في الإمامة العامّة في عنوان ذيله«اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من حجّة»-إلخ-،أنّه روى كلامه عليه السلام هذا أبو هلال أبو هلال العسكري-ديوان المعاني-ج 1 ص 146 ،و ابن عبد ربه ابن عبد ربه-العقد الفريد-ج 2 ص 69 و سبط ابن الجوزي سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 141 من العامّة و ابن بابويه الشيخ الصدوق-كمال الدين-ج 1 ص 289 ح 2 و المفيد الشيخ المفيد-الامالي-ص 247 ح 3،المجلس 29 و ابن شعبة ابن شعبة-تحف العقول-ص 169 من الخاصة و يأتي رواية الجاحظ له أيضا (1)
رواه أبو هلال العسكري في ديوان المعاني 1:146،و ابن عبد ربه في العقد الفريد 2:69،و سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:141،و [1]ابن بابويه في كمال الدين 1:289 ح 2،و في الخصال 1:186 ح 257،و المفيد في أماليه: 247 ح 3،المجلس 29،و في الإرشاد:121،و ابن شعبة في تحف العقول:169.
.قول المصنف :«و من كلامه عليه السلام»هكذا في(المصرية)،و في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم): «و من كلام له عليه السلام» (2)و في(الخطّية):«كلامه عليه السلام».
«لكميل بن زياد النخعي» روى الطبري في ذيله:أنّ الحجاج قال للعريان:أليس كميل قد خرج علينا في الجماجم،ثم جاء كميل يأخذ عطاءه فقال له:أنت الذي فعلت بعثمان-و كلّمه بشيء-فقال:لا تكثر عليّ اللّوم و لا
تهل عليّ الكثيب،و ما ذاك إلاّ رجل لطمني فأصبرني فعفوت عنه،فأيّنا كان المسيء فأمر به فضربت عنقه (1)
منتخب ذيل المذيل:148.
.و روى الشيخ المفيد في(الإرشاد):أن كميلا قال للحجاج:لقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام أنك قاتلي.فقال له الحجاج:كنت فيمن قتل عثمان،اضربوا عنقه (2).
«قال كميل بن زياد:أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام» و هذا دليل على كون كميل كان من أصحاب أسرار الإمام و من ثقاته.
ففي خبر(رسائل الكليني)المتضمن لشكايته عليه السلام عن الثلاثة لمّا سألوه عنهم بعد غلبة معاوية على مصر أنّه قال لعبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه:أدخل عليّ عشرة من ثقاتي-و عدّ كميلا في العشرة (3)هذا،و ليس في(ابن ميثم) «علي بن أبي طالب» (4).
«فأخرجني إلى الجبّان» بالتشديد،أي:الصحراء «فلما أصحر» أي:
صار في الصحراء «تنفّس الصعداء» ،الصعداء مفعول مطلق،أي:نفسة الصعداء،و تأتي غير مفعول أيضا،قال الهذلي:
و إن سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلعها طويل
و قال البحتري:
و صعداء أنفاس إذا ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع
و تأتي بمعنى آخر،قال ذو الرّمة:
قطعت بنهاض الى صعدائه إذا شمّرت عن ساق خمس ذلاذلة (1)
أورد الشاهد الأول و الأخير في أساس البلاغة:254، [1]مادة(صعد).
«ثم قال يا كميل بن زياد» ليس عبارة«بن زياد»في(ابن ميثم)،بل موجودة في(ابن أبي الحديد): «إنّ لهذه القلوب أوعية» (2)أي:أواني «فخيرها أوعاها» أي:أكثرها سعة.
هذا و قال المصنف في(مجازاته النبوية):و من ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض»،و هذه استعارة و المراد تشبيه القلوب بالأوعية و هي الأواني و العياب التي تحرز فيها الأمتعة و غيرها من الأشياء المحفوظة،و هي كالآنية لا يداع الأشياء المائعة،إلا أن الأوعية تختص بالجامدات كما أنّ الآنية تختص بالمائعات،فالقلب من حيث الحفظ و الوعي، كالوعاء من حيث الجمع و السعة.و ربما نسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام على خلاف في لفظه،و قد ذكرناه في جملة كلامه عليه السلام لكميل في كتاب نهج البلاغة (3).
قلت:نسبته إليه عليه السلام متواترة،فرواه من عرفت،و غيرهم مع أنّه لا منافاة فيه بعد إرجاعه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و كيف كان،فقد نقل(الكافي)عن إسحاق بن عمار قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام:الرجل آتيه و اكلّمه ببعض كلامي فيعرفه كلّه،و منهم من آتيه فأكلمه بالكلام فيستوفي كلامه كلّه ثمّ يردّه علي كما كلّمته،و منهم من آتيه فأكلمه فيقول:أعد علي!فقال:يا إسحاق!و ما تدري لم هذا؟قلت:لا،قال:الذي تكلّمه ببعض كلامك فيعرفه كلّه فذاك من عجنت نطفته بعقله،و أمّا الذي تكلّمه
فيستوفي كلامك ثمّ يجيبك على كلامك فذاك الذي ركّب عقله فيه في بطن امّه، و أمّا الذي تكلّمه بالكلام فيقول:أعد علي،فذاك الذي ركّب عقله فيه بعد ما كبر فهو يقول:أعد علي (1)
الكافي 1:26 ح 27. [1]
.«فاحفظ عنّي ما أقول لك» قدّم عليه السلام امره بحفظ مقاله دلالة على أهمية المطلب .
«الناس ثلاثة فعالم ربّاني» أي:المتأله العارف باللّه تعالى،قال تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» (2).
«و متعلّم على سبيل نجاة» جاء في(الكافي)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لا خير في العيش إلا لرجلين:عالم مطاع،أو مستمع واع».
و عن الصادق عليه السلام قال لأبي حمزة:أُغد عالما أو متعلّما أو أحبّ أهل العلم،و لا تكن رابعا فتهلك ببغضهم (3).
و عنه عليه السلام:العلم خزائن و المفاتيح السؤال،فاسألوا يرحمكم اللّه فانه يؤجر في العلم أربعة:السائل،و المتكلّم،و المستمع،و المحبّ لهم (4).
«و همج» في(جمهرة ابن دريد):الهمج من الناس الذين لا نظام لهم و لا عقول،قال ابن حلزة:
يترك ما رقح من عيشه يعيث فيه همج هامج
و به سمّى البقّ همجا (1)
جمهرة اللغة 2:116. [1]
،و في(الصحاح):الهمج:ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم و الحمير و أعينها (2).«رعاع» قال الجوهري:أي:احداث طغام (3).
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:ان الناس آلوا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ثلاثة:آلوا إلى عالم على هدى من اللّه قد أغناه اللّه بما علم عن علم غيره،و جاهل مدّع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا و فتن غيره،و متعلّم من عالم على سبيل هدى من اللّه و نجاة ثمّ هلك من ادّعى و خاب من افترى.
و عنه عليه السلام:يغدو الناس على ثلاثة أصناف:عالم و متعلّم و غثاء،فنحن العلماء،و شيعتنا المتعلّمون،و سائر الناس غثاء (4).
«أتباع كلّ ناعق» من نعق الراعي بغنمه ينعق-بالكسر-نعيقا و نعاقا بالضم و نعاقا بالكسر:أي:صاح بها و زجرها،قال تعالى: «كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَ نِداءً» (5).
«يميلون مع كلّ ريح» في(المروج):قال الجاحظ:سمعت رجلا من العامة و هو حاجّ و قد ذكر له البيت يقول:إذا أتيته من يكلّمني منه؟!! و أخبرني صديق لي قال:سمعني رجل من العامّة اصلّي على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقال:ما تقول في محمد هذا،أربّنا هو؟ و ذكر ثمامة بن اشرس قال:كنت مارّا في السوق ببغداد،فإذا أنا برجل اجتمع عليه الناس،فنزلت عن بغلتي و قلت:ما هذا الاجتماع و دخلت بينهم،و إذا
برجل يصف كحلا معه انّه ينجح من كل داء يصيب العين،فنظرت إليه فإذا عينه الواحدة برشاء و الاخرى مأسوكة،فقلت له:يا هذا لو كان كحلك كما تقول نفع عينيك!!فقال لي:يا جاهل أ هاهنا اشتكت عيناي؟انما اشتكتا بمصر، فقال كلّهم صدق،و ما انفلتّ من نعالهم إلاّ بعد كدّ.
و ذكر لي بعض اخواني:أنّ رجلا من مدينة السلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام على جار له انّه تزندق،فسأله عن مذهبه فقال:
انّه مرجئ قدري ناصبي رافضي،فلما قصّه عن ذلك قال:انّه يبغض معاوية ابن الخطاب الذي قاتل علي بن العاص.فقال له الوالي:ما أدري على أي شيء أحسدك:على علمك بالمقالات أو بصرك بالأنساب؟ و أخبرني رجل من أهل العلم قال:كنّا نقعد نتناظر في أبي بكر،و عمر، و علي،و معاوية،و نذكر ما يذكره أهل العلم،و كان قوم من العامة يأتون فيستمعون منّا،فقال لي ذات يوم بعضهم و كان من أعقلهم و أكبرهم لحية:
كم تطنبون في علي و معاوية و فلان و فلان؟فقلت له:ما تقول أنت في ذلك؟ قال:من تريد؟قلت:علي ما تقول فيه؟قال:أليس هو أبو فاطمة.قلت:و من كانت فاطمة؟قال:امرأة النبيّ عليه السلام بنت عائشة اخت معاوية،قلت:فما كان قصّة علي؟قال:قتل في غزاة حنين مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!! و كان ببغداد في أيام هارون رجل يظهر انّه من أهل السنّة و يلعن أهل البدع و يعرف بالسنّي تنقاد اليه العامّة،فكان يجتمع إليه في كلّ يوم بقوارير الماء خلق من الناس،فإذا اجتمعوا وثب قائما على قدميه فقال لهم:معاشر المسلمين قلتم لا ضار و لا نافع إلاّ اللّه،فلأيّ شيء تسألوني عن منافعكم و مضاركم،الجئوا إلى ربّكم،و توكّلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم.فيقبل بعضهم على بعض فيقولون:أي و اللّه قد
صدقنا،فكم من مريض لم يعالج حتى مات (1)
مروج الذهب 3:32-34،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(المروج)أيضا:توفى أحمد بن حنبل سنة(241)و حضر جنازته خلق من الناس لم ير مثله فيمن قبله،و كان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس و الضدّ في الامور،منها:أن رجلا منهم كان ينادي العنوا الواقف عند الشبهات،يريد ابن حنبل و هذا بالضد عمّا جاء عن صاحب الشريعة (2).
و قال الجاحظ:و من أخلاق العامّة أن يسوّدوا غير السيّد،و يفضّلوا غير الفاضل و يقولوا بغير علم،و هم أتباع من سبق اليهم من غير تمييز بين الفاضل و المفضول و الفضل و النقصان،و لا معرفة للحق من الباطل عندهم، و لا ترى العامة الدهر إلا مرقلين إلى قائد دبّ،و ضارب بدف على سياسة قرد، أو متشوقين إلى اللهو و اللعب،أو مختلفين إلى مشعبد متنمس ممخرق،أو مستمعين إلى قاصّ كذّاب،أو مجتمعين حول مضروب،أو وقوفا عند مصلوب ينعق بهم و يصاح بهم،لا ينكرون منكرا،و لا يعرفون معروفا و لا يبالون أن يلحقوا البارّ بالفاجر و المؤمن بالكافر،و قد بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث يقول«الناس اثنان:عالم،و متعلّم،و ما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ اللّه بهم»،و كذلك ذكر عن علي عليه السلام و قد سئل عن العامّة فقال «أتباع كلّ ناعق،لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا إلى ركن وثيق» .
قال:و انظر إلى ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام يدعو الخلق إلى اللّه اثنتين و عشرين سنة،و هو ينزل عليه الوحي و يمليه على أصحابه فيكتبونه و يدوّنونه و يلتقطونه لفظة لفظة،و كان معاوية في هذه المدّة بحيث علم اللّه،ثم كتب له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل وفاته بشهور فأشادوا بذكره و رفعوا من منزلته،بأن جعلوه
كاتبا للوحي و عظّموه بهذه الكلمة،و أضافوه إليها،و سلبوها عن غيره، و اسقطوا ذكر سواه (1)
هذا كلام المسعودي في مروج الذهب 3:34 و 35،و [1]لم ينسبه الى الجاحظ.
.و في(المروج)أيضا:اتي بأبي الفوارس القرمطي في سنة(280) فقطعت يداه و رجلاه و صلب،و كان لأهل بغداد في قتله أراجيف،فلما قدّم ليضرب عنقه أشاعت العامّة انّه قال لمن حضر قتله:هذه عمامتي تكون قبلك فإني راجع بعد أربعين يوما!،فكان يجتمع في كلّ يوم خلائق من العوام تحت خشبته و يحصون الأيام و يقتتلون و يتناظرون في الطرق في ذلك،فلما تمت الأربعون ليلة و قد كان كثر لغطهم،و اجتمعوا،فكان بعضهم يقول:هذا جسده،و يقول آخر قد مر،و انما السلطان قتل رجلا آخر و صلبه موضعه (2).
«لم يستضيئوا بنور العلم» في(معجم الحموي):كان عبد اللّه بن المبارك يقول:أنفقت في الحديث أربعين ألفا و في الأدب ستين ألفا،و ليت ما أنفقته في الحديث أنفقته في الأدب.قيل له:كيف؟قال:لأن النصارى كفروا بتشديدة واحدة خففوها،قال اللّه«يا عيسى اني ولّدتك من عذراء بتول»فقالت النصارى «ولدتك» (3).
«و لم يلجئوا إلى ركن وثيق» و هو حجّة اللّه في أرضه.قال تعالى: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » (4).
«يا كميل العلم خير من المال» روى صاحب(تحف العقول)و غيره أنّه عليه السلام قال أيضا:«انّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال،إن المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم به،و العلم مخزون
عليكم عند أهله قد أمرتم بطلبه» (1)
رواه ابن شعبة في تحف العقول:199،و الكليني في الكافي 1:30 ح 4. [1]
.و قالوا:العالم كالأسد أينما توجه معه قوّته التي يعيش بها،و الغني كثيرا ما يكون في غير بلده فقيرا.
«العلم يحرسك و أنت تحرس المال» في(أدب كتّاب الصولي):كتب إبراهيم ابن العباس يوما كتابا فأراد محو حرف منه فلم يجد سبيلا،فمحاه بكمّه فقيل له في ذلك فقال:المال فرع و القلم أصل فهو أحق بالصون منه،و انما بلغنا هذه الحال و اعتقلنا الأموال بهذا القلم و المداد.
«المال تنقصه النفقة و العلم يزكو» أي:ينمو «على الانفاق» و قال عليه السلام-كما في(ادباء الحموي)،و(صناعة العسكري)-كلّ شيء يعزّ إذا نزر ما خلا العلم فإنّه يعزّ إذا غزر (2).
«و صنيع المال يزول بزواله» قال أبو الأسود:
العلم ذخر و كنز لا نفاد له نعم القرين و نعم الخدن ان صحبا
قد يجمع المال شخص ثم يحرمه عمّا قليل فيلقى الذلّ و الخزيا
و جامع العلم مغبوط به أبدا و لا تحاذر فيه الفوت و السلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلنّ به درّا و لا ذهبا
و في(عيون ابن قتيبة):قال ابن المقفع:إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنّك ذلك،فإن زوال الكرامة بزوالهما،و لكن ليعجبك إن أكرموك لدين أو أدب (3).
«يا كميل بن زياد معرفة العلم دين يدان به» و نقله(مناقب ابن الجوزي)
و(مناقب سبطه):«و محبّة العالم دين يدان به»و نقله(أمالي المفيد):«محبة العلم خير ما يدان به»و نقله(إرشاد)«محبة العلم دين يدان به» (1)
كذا في ما نقل المجلسي في البحار 78:76، [1]عن مناقب ابن الجوزي لكن هذا خطأ منه بل الكتاب نفس تذكرة الخواص لسبطه و لفظ تذكرة الخواص:141،«و محبة العلم دين يدان به»و لفظ الأمالي:248،مختلف في النسخ أقربها«محبة العلم خير ما يدان اللّه به»و لفظ الإرشاد:121، [2]كما قال.
.«به» هكذا في(المصرية)و هو زائد،فليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«يكسب الانسان الطاعة في حياته و جميل الاحدوثة» في(الصحاح):
الاحدوثة ما يتحدث به،و قال الفرّاء نرى أن واحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوه جمعا للحديث «بعد وفاته» (3)و في الكافي عنه عليه السلام:اعلموا ان صحبة العالم و اتباعه دين يدان اللّه به،و طاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات،و ذخيرة للمؤمنين و رفعة في حياتهم و جميل بعد مماتهم (4).
و فيه أيضا عنه عليه السلام:تعلّموا العلم،فان تعلّمه حسنة،و مدارسته تسبيح، و البحث عنه جهاد،و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة،و هو عند اللّه لأهله قربة،لأنّه معالم الحلال و الحرام و سالك بطالبه سبيل الجنّة،و هو أنيس في الوحشة، و صاحب في الوحدة،و سلاح على الأعداء،و زين الأخلاّء،يرفع اللّه به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم،ترمق أعمالهم و تقتبس آثارهم و ترغب الملائكة في خلّتهم،يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم،لأن العلم حياة القلوب و نور الأبصار من العمى و قوّة الأبدان من الضعف،ينزل اللّه حامله منازل الأبرار و يمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة،و بالعلم يطاع اللّه
و يعبد،بالعلم يعرف اللّه و يوحّد،بالعلم توصل الأرحام و به يعرف الحلال و الحرام،و العلم أمام العقل و العقل تابعه،يلهمه اللّه السعداء و يحرمه الأشقياء (1)
لم يوجد الحديث في الكافي نعم أخرجه الصدوق في أماليه:492،ح 1،المجلس 9. [1]
.«و العلم حاكم و المال محكوم عليه» في(عيون القتيبي)قال أبو الأسود:
الملوك حكّام على الناس،و العلماء حكّام على الملوك.و قال يونس بن حبيب:
علمك من روحك،و مالك من بدنك (2).
و في(المعجم)قال علي عليه السلام:كفى بالعلم شرفا إنّه يدّعيه من لا يحسنه، و يفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله،و كفى بالجهل خمولا،انّه يتبرّأ منه من هو فيه،و يغضب إذا نسب اليه.
قال و نظمه من قال:
كفى شرفا للعلم دعواه جاهل و يفرح ان يدعى إليه و ينسب
و يكفي خمولا بالجهالة انني اراع متى انسب اليها و أغضب (3)
و لأبي حاتم السجستاني:
ان الجواهر درّها و نضارها هن الفداء لجوهر الآداب
فإذا اكتنزت أو ادخرت ذخيرة تسمو بزينتها على الأصحاب
فعليك بالأدب المزيّن أهله كيما تفوز ببهجة و ثواب
فلربّ ذي مال تراه مبعّدا كالكلب ينبح من وراء حجاب
و ترى الأديب و ان دهته خصاصة لا يستخفّ به لدى الأتراب
«يا كميل هلك خزّان الأموال و هم أحياء،و العلماء باقون ما بقي الدهر» قال
ابن الرقاع:
و المرء يوجب خلده انباؤه و يموت آخر و هو في الأحياء
و القوم أشباه و من حلومهم تفاضل كذلك تفاضل الأشياء
و قال دعبل:
يموت ردي الشعر من قبل أهله و جيّده يبقى و إن مات قائله
و لآخر:
يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم و يلحق الجهل أحياء بأموات
«أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة» قيل في ثعلب:
فان تولى أبو العباس مفتقدا فلم يمت ذكره في الناس و الكتب
«ها إنّ هاهنا لعلما جمّا و أشار بيده» هكذا في(المصرية)و «بيده» زائد «إلى صدره» روى أحمد بن حنبل في(فضائله)،و(مسنده)و محمد بن إسحاق في(مغازيه)،كما نقل سبط ابن الجوزي في(تذكرته)عنه عليه السلام قال:بعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى اليمن و أنا شاب،فقلت:تبعثني إلى قوم لأقضي بينهم و أنا شاب لا علم لي بالقضاء.فقال:أدن منّي،فدنوت منه فضرب في صدري و قال «اللهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه»،فما شككت بعد في قضاء بين اثنين (1)
تذكرة الخواص:44،و هو في مسند أحمد 1:83 و 88 و 111 و 136 و 156.
.و في(التذكرة)أيضا:روى أحمد بن حنبل في(فضائله)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:أنا مدينة العلم و علي بابها (2).
و فيه:روى ابن عساكر في(تاريخه):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«علي عيبة علمي» (3).
و روى الطبراني في(معجمه)مسندا قال:لما نزلت هذه الآية: «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» (1)
الحاقة:12. [1]
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سألت اللّه عزّ و جلّ أن يجعلها أذنك يا علي.قال علي عليه السلام:فما نسيت شيئا بعد و ما كان لي أن أنسى (2).
و فيه روى مسندا عن ابن عباس قال:بينما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي عليه السلام،فلما بصر به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه،و إلى نوح في حكمته،و إلى ابراهيم في حلمه،فلينظر إلى علي بن أبي طالب.
قال السبط ابن الجوزي:تشبيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السلام بآدم في علمه لأنّ اللّه تعالى علّم آدم صفة كلّ شيء كما قال عزّ و جلّ: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» (3)،فما من شيء و لا حادثة و لا واقعة إلاّ و عند علي عليه السلام فيها علم و له في استنباط معناها فهم (4).
قلت:و لنعم ما قيل بالفارسية:
آنچه خوبان همه دارند تو تنها دارى
و روى السبط أيضا مسندا عن حذيفة قال:قالوا:يا رسول اللّه،ألا تستخلف عليّا؟قال:إن تولوا عليّا تجدوه هاديا مهديّا،يسلك بكم الطريق المستقيم (5).
و روى مسندا عن ابن عباس قال:ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب اللّه تعالى،و علي بن أبي طالب عليه السلام،فإنّي سمعت
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول«هذا أوّل من آمن بي و أوّل من يصافحني،و هو فاروق هذه الامّة يفرّق بين الحق و الباطل،و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظلمة،و هو الصدّيق الأكبر،و هو بابي الذي أوتى منه،و هو خليفتي من بعدي».قال السبط:هكذا أخرجه محدّث الشام في الجزء(349)من كتابه بطرق شتّى (1)
كفاية الطالب:79. [1]
.و في(فواتح الميبدي):روى الثعلبي في(تفسيره)عن عبد اللّه بن سلاّم قال:من عنده علم الكتاب في آية «قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» (2)هو علي.
و فيه:روى أحمد بن حنبل عن معقل بن يسار أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لفاطمة:أما ترضين أنّي زوّجتك أقدم امتي سلما،و أكثرهم علما،و أعظمهم حلما.
و فيه:و روى الثعلبي أن ابن عباس كان يتلو «حم عسق» و يقول:كان علي عليه السلام يعلم الفتن بهذين اللفظين.
و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)مسندا عنه عليه السلام قال:كنت أدخل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليلا و نهارا،فكنت إذا سألته أجابني و إن سكتّ ابتدأني،و ما نزلت عليه آية إلاّ قرأتها و علمت تفسيرها و تأويلها،و دعا اللّه لي أن لا أنسى شيئا علّمني إيّاه،فما نسيته من حرام و حلال و أمر و نهي و طاعة و معصية،و قد وضع يده على صدري و قال«اللهم املأ قلبه علما و فهما و حكما و نورا».ثم قال لي:أخبرني ربّي عزّ و جلّ أنّه استجاب لي فيك.قال السبط:هكذا رواه الحافظ الدمشقي في(مناقبه) (3).
و فيه أيضا مسندا عنه عليه السلام قال:و اللّه ما نزلت آية إلاّ و قد علمت فيمن نزلت و أين نزلت و على من نزلت،انّ ربّي وهب لي قلبا عقولا و لسانا طلقا (1)
كفاية الطالب:90. [1]
.و فيه أيضا عنه عليه السلام قال:قلت يا رسول اللّه أوصني.قال:قل«اللّه ربّي» ثمّ استقم.فقلت:ربّي اللّه و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا و نهلته نهلا.قال السبط:هذا سياق أبي نعيم في(حليته) (2).
روى السبط أيضا عن ابن عباس قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من سرّه أن يحيا حياتي و يموت مماتي و يسكن جنّات عدن التي غرسها ربي عزّ و جل فليوال عليّا من بعدي و ليوال وليّه و ليقتد بالأئمة بعدي،فانّهم عترتي خلقوا من طينتي و رزقوا فهما و علما،ويل للمكذبين بفضلهم من امّتي القاطعين فيهم صلتي،لا أنالهم اللّه شفاعتي (3).
و في(تذكرته)أيضا:ذكر الثعلبي في(تفسيره)عن زاذان قال:سمعت عليّا عليه السلام يقول:و الذي فلق الحبة و برأ النّسمة لو ثنّيت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم،و الذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار.فقال له رجل:فما آيتك التي أنزلت فيك؟فقال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (4).فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على بيّنة و أنا شاهد منه (5).
و روى السبط عن ابن مسعود قال:ان القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها إلاّ و له ظهر و بطن،و أن علي بن أبي طالب عليه السلام عنده علم الظاهر منه و الباطن.
قال السبط:هكذا رواه أبو نعيم في(حليته) (1)
كفاية الطالب:158. [1]
.و روى السبط أيضا عن سلمان قال:قلت يا رسول اللّه لكلّ نبيّ وصيّ فمن وصيّك؟فسكت عنّي،فلمّا كان بعد رآني،قال:يا سلمان،فأسرعت إليه فقلت:لبّيك،قال:تعلم من وصي موسى؟قلت:نعم،يوشع بن نون.قال:لم؟ قلت:لأنّه كان أعلمهم يومئذ،قال:فإن وصيّي و موضع سرّي و خير من أترك بعدي ينجز عدتي و يقضي ديني علي بن أبي طالب.
قال السبط:رواه الطبراني في(معجمه الكبير)في ترجمة أبي سعيد (2).
و روى الشيخ الطوسي في(الأمالي)عن سعيد بن المسيّب قال:سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن علي عليه السلام فقال له:إنّ عليّا عليه السلام صلّى القبلتين و بايع البيعتين و لم يعبد صنما و لا وثنا،و لم يضرب على رأسه بزكم و لا بقدح،و ولد على الفطرة و لم يشرك باللّه طرفة عين.فقال له الرجل:إني لم أسألك عن هذا و إنّما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به،حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفا،ثم سار إلى الشام،فلقى حواجب العرب،فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم،ثم أتى النهروان و هم مسلمون،فقتلهم عن آخرهم.فقال له:أعلي أعلم عندك أم أنا؟فقال:لو كان علي عندي أعلم منك لما سألتك!فغضب ابن عباس و قال:ثكلتك امّك،علي علّمني،و كان علمه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و النبي علّمه اللّه من فوق عرشه،فعلم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من اللّه،و علم علي من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،
و علمي من علم علي،و علم أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلّهم في علم علي عليه السلام كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر (1)
أمالي أبي علي الطوسي 1:10 ح 1. [1]
.و روى ابن بابويه في(توحيده)مسندا عن الأصبغ،قال:لما جلس علي عليه السلام في الخلافة و بايعه الناس،خرج إلى المسجد متعمما بعمامة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لابسا بردة النبي،متنعّلا نعل النبي،متقلّدا سيف النبي،فصعد المنبر فجلس متمكّنا ثمّ شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه،ثمّ قال:يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني،هذا سقط العلم،هذا لعاب رسول اللّه، هذا ما زقّني رسول اللّه زقّا،سلوني فإن عندي علم الأولين و الآخرين،أما و اللّه لو ثنّيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول:صدق علي ما كذب،فقد افتاكم بما أنزل اللّه فيّ،و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول صدق علي ما كذب،لقد افتاكم بما أنزل اللّه في،و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول صدق علي ما كذب لقد افتاكم بما أنزل اللّه في،و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا،فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟و لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و بما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة،و هي هذه الآية «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (2).ثمّ قال:سلوني قبل أن تفقدوني،فو الذي فلق الحبة و برأ النّسمة،لو سألتموني عن آية آية في ليل أنزلت أو في نهار أنزلت،مكيّها، و مدنيّها،سفريها و حضريها،ناسخها،و منسوخها،محكمها،و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها لأخبرتكم-الخبر (3).
و في الخبر انّه عليه السلام لمّا قال ذلك قام رجل يقال له ذعلب فقال:هل رأيت ربّك؟فأجابه،و قام إليه الأشعث فسأله عن قبول الجزية من المجوس مع عدم كونهم من أهل الكتاب فأجابه،و قام إليه رجل آخر فسأله عن سبب النجاة فأجابه،ثم غاب الرجل فقال عليه السلام انّه كان أخي الخضر (1)
رواه الصدوق في التوحيد:306.
.هذا و للطغرائي في احتوائه على العلم الكثير و ان كان ادّعاء منه:
أمّا العلوم فقد ظفرت ببغيتي منها فما أحتاج أن أتعلّما
و عرفت أسرار الخليقة كلّها علما أنار لي البهيم المظلما
و ورثت«هرمس»سر حكمته الذي ما زال ظنّا في الغيوب مرجما
و ملكت مفتاح الكنوز بحكمة كشفت لي السرّ الخفيّ المبهما
«لو أصبت له حملة» «لو» هنا للتمنّي،مثلها في قوله تعالى: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (2).
روى الصدوق في(توحيده)عن الباقر عليه السلام قال:لو وجدت لعلمي الذي آتاني اللّه تعالى حملة لنشرت التوحيد و الاسلام و الإيمان و الدين و الشرائع من«الصمد»،و كيف لي بذلك و لم يجد جدّي علي عليه السلام حملة لعلمه حتى كان يتنفّس الصعداء،و يقول على المنبر:سلوني قبل أن تفقدوني،فإن بين الجوانح منّي علما جمّا (3).
و لقد علّم عليه السلام أبا الأسود الدؤلي علم النحو،فروى معجم(ادباء الحموي)مسندا عن أبي الأسود قال:دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فرأيته مطرقا مفكّرا،فقلت:فيم تفكّر؟قال:سمعت ببلدكم لحنا فأردت أن أضع كتابا
في اصول العربية.فقلت:إن فعلت هذا أحييتنا و بقيت فينا هذه اللغة،ثمّ أتيته بعد أيّام فألقى إليّ صحيفة فيها«بسم اللّه الرحمن الرحيم،الكلام كلّه اسم و فعل و حرف،و الاسم ما أنبأ عن المسمّى،و الفعل ما انبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل»ثم قال لي:تتبّعه و زد فيه ما وقع لك،و اعلم أنّ الأشياء ثلاثة،ظاهر و مضمر،و شيء ليس بظاهر و لا مضمر.قال أبو الأسود:فجمعت منه أشياء و عرضتها عليه،و كان من ذلك حروف النصب فكان منها:إنّ و أنّ وليت و لعل و كأنّ-و لم أذكر لكنّ-فقال لي:
لم تركتها؟فقلت:لم أحسبها منها،فقال:بل هي منها فزدها فيها! قال الحموي:قال الزجّاج:«شيء ليس بظاهر و لا مضمر»نحو«هذا» و«من»و«ما»و«أي»و«كم»و«متى»و«أين»و ما أشبهها (1)
معجم الأدباء 14:49،و [1]النقل بتصرف يسير.
.هذا،و في(عيون ابن قتيبة):قال أبو يعقوب الخزيمي:تلقّاني سعيد بن وهب مع طلوع الشمس،فقلت:أين تريد؟قال:عندي حديث حسن فأنا أطلب له إنسانا حسن الفهم،حسن الاستماع،فقلت:حدّثني به،فقال:أنت حسن الفهم سيئ الاستماع (2).و قال أبو تمام:
و كنت أعزّ عزا من قنوع تعوّصه صفوح من جهول
فصرت أذل من معنى دقيق به فقر إلى فهم جليل
«بلى أصبت لقنا» أي:رجلا سريع الفهم «غير مأمون عليه» و المأمون في الناس قليل.
و في(أذكياء ابن الجوزي):سمع رجل أنّ ذا النون المصري يعرف اسم اللّه الأعظم،فذهب إلى مصر و خدمه سنة ثمّ قال له:قيل لي إنّك تعرف اسم اللّه
الأعظم،و قد وجب حقّي عليك بخدمتك في المدة فأحب أن تعلّمنيه،فسكت عنه و أومأ إليه أنّه يخبره،فتركه ستة أشهر ثم أخرج له من بيته طبقا و مكبّة مشدودة في منديل و قال له:تعرف صديقنا من الفسطاط.قال:نعم،قال:أحب أن تؤدي هذا إليه.فأخذ الطبق و جعل يتفكّر في الطريق ان مثل ذي النون يوجّه إلى فلان بهديّة أي شيء هي؟فلم يصبر لمّا بلغ الجسر ان حلّ المنديل و رفع المكبّة،فإذا فأرة قفزت من الطبق و مرت!فاغتاظ و قال:ذو النون يسخر بي يوجّه مع مثلي فأرة،فرجع،و عرف ذو النون في وجهه.الغضب،فقال له:يا أحمق إنّما ائتمنتك على فأرة فخنتني،أ فأيتمنك على اسم اللّه الأعظم،مرّ عنّي فلا أراك (1)
الأذكياء:84،و النقل بتصرف يسير.
.«مستعملا آلة الدين للدنيا» قال شاعر:
إنّي رأيت الناس في دهرنا لا يطلبون العلم للعلم
إلاّ مباهاة لأصحابهم و عزّة للخصم و الظلم
قال ابن جريج:لقد منعتني هذه الأبيات عن أشياء كثيرة من طلب العلم.
و روى صاحب(تحف العقول)عنه عليه السلام قال:لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبّهم اللّه و ملائكته و أهل طاعته من خلقه،و لكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم اللّه و هانوا على الناس (2).
و عن(المنية)عن الصادق عليه السلام:كان لموسى بن عمران جليس من أصحابه قد وعى علما كثيرا،فاستأذن موسى عليه السلام في زيارة أقارب له،فقال له موسى عليه السلام:ان لصلة القرابة حقّا،و لكن إيّاك أن تركن إلى الدنيا،فإن اللّه قد حمّلك علما فلا تضيّعه و تركن إلى غيره،فقال الرجل:لا يكون إلاّ خيرا،
و مضى نحو أقاربه فطالت غيبته،فسأل موسى عليه السلام عنه فلم يخبره أحد بحاله،فسأل جبرئيل عليه السلام عنه فقال:هو ذا على الباب قد مسخ قردا في عنقه سلسلة،ففزع موسى عليه السلام إلى ربّه و قام إلى مصلاّه يدعو اللّه و يقول:يا رب صاحبي و جليسي،فأوحى اللّه إليه:يا موسى لو دعوتني حتى ينقطع ترقوتاك ما استجبت لك فيه،انّي كنت حمّلته علما فضيّعه و ركن إلى غيري (1)
نقله عن المجلسي في البحار 2:40 ح 7. [1]
.«و مستظهرا بنعم اللّه على عباده» «على عباده» متعلّق بقوله «و مستظهرا» «و بحججه على أوليائه» «على أوليائه» أيضا متعلّق بقوله «و مستظهرا» .
و روى(أمالي المفيد)بدل الكلام«و يستظهر بحجج اللّه على خلقه، و بنعمه على عباده،ليتخذه الضعفاء و ليجة دون وليّ الحق » (2).
«أو منقادا لحملة الحقّ لا بصيرة له» هكذا في النسخ (3)،و الظاهر أنّ الأصل «و لكن لا بصيرة له» «في أحنائه» أي:جوانبه،قال لبيد:
فقلت ازدجر أحناء طيرك و اعلمن بأنّك إن قدّمت رجلك عاثر
و قال الكميت:
و ألوا الامور و احناءها فلم يبهلوها و لم يهملوا (4)
«ينقدح» أي:ينكشف كانكشاف الشيء عند ظهور النار في الظلمة «الشك في قلبه لأوّل عارض من شبهة» شبّه عليه السلام عروض الشك لغير ذوي البصيرة بخروج النار من الزند عند قدحه.
«ألا لاذا» أي:لا هذا المنقاد الذي ليس بأهل بصيرة و تميز «و لا ذاك» أي:
و لا ذاك اللقن الذي ليس بمؤتمن .
«أو منهوما» عطف على «لقنا» أي حريصا «باللذة» ،و في الخبر:منهومان لا يشبعان:منهوم بالعلم و منهوم بالمال (1)
لفظه المشهور«طالب علم و طالب دنيا»أخرجه ابن عدي في الكامل و البزار في مسنده،عنهما الجامع الصغير 2: 184،و القاضي القضاعي في شهاب الأخبار:135 ح 256،عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:105،الحكمة 457،عن علي عليه السلام.
.«سلس القياد» أي:سريع الانقياد «للشهوة» قال تعالى: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» (2).
«أو مغرما» أيضا عطف على «لقنا» أي:ولعا «بالجمع» أي:جمع المال «و الادخار» لأيّامه الآتية.
في(عيون القتيبي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من تعلم العلم لأربعة دخل النار، ليباهي به العلماء،أو يماري به السفهاء،أو يميل به وجوه الناس،أو يأخذ به من الامراء (3).
«ليسا» أي:الأخيران المنهوم باللذة المنقاد للشهوة و الحريص بجمع الدنيا و ادخارها.
«من رعاة الدين في شيء» و في(الخصال)عنه عليه السلام:الدينار داء الدين، و العالم طبيب الدين،فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه،و اعلموا انّه غير ناصح لغيره.و أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام:لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدّك عن طريق محبتي،فإن أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين،إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم (4).
و في(أمالي الشيخ الطوسي)عنه عليه السلام قال عيسى عليه السلام لأصحابه:كيف يكون من أهل العلم من مصيره إلى آخرته و هو مقبل على دنياه،و ما يضرّه أشهى إليه مما ينفعه (1)
أمالي أبي علي الطوسي 1:211 جزء 8. [1]
.و في(عقاب الأعمال)عنه عليه السلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سيأتي على امتي زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه،و لا من الاسلام إلاّ اسمه،يسمّون به و هم أبعد الناس منه،مساجدهم عامرة و هي خراب من الهدى،فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظل السماء،منهم خرجت الفتنة و إليهم تعود (2).
و في(الكافي)عنه عليه السلام قال:طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف،ألا فاعرفوهم بصفاتهم و أعيانهم:صنف منهم يتعلّمون العلم للمراء و الجدل، و صنف منهم يتعلّمون للاستطالة و الختل،و صنف منهم يتعلمون للفقه و العقل،فأما صاحب المراء و الجدل فتراه مؤذيا مماريا للرجال في أندية المقال،قد تسربل بالتخشّع و تخلّى من الورع،فدقّ اللّه من هذا حيزومه و قطع منه خيشومه،و أما صاحب الاستطالة و الختل،فإنّه يستطيل على اشباهه من أشكاله،و يتواضع للأغنياء من دونهم،فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم، فأعمى اللّه على هذا خبره،و قطع من آثار العلماء أثره،و أما صاحب الفقه و العقل،فتراه ذا كآبة و حزن،قد قام الليل في حندسه،و انحنى في برنسه، يعمل و يخشى خائفا وجلا من كلّ أحد،الا من كلّ ثقة من اخوانه،فشدّ اللّه من هذا أركانه و أعطاه يوم القيامة أمانه (3).
«أقرب شيء شبها بهما» أي:بهذين الصنفين «الأنعام السائمة» أي:الراعية،
قال تعالى: «إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً» (1)
الفرقان:44. [1]
و قال جلّ و علا: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللّهِ وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ» (2)و قال جلّ ثناؤه: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» (3).«كذلك يموت العلم بموت حامليه» يعني بعد أن لا يصاب للعلم حملة لكونهم غير قابلين للاستضاءة من أنواره.
و روى صاحب(الإرشاد)عنه عليه السلام قال في خطبة له:أيّها الناس اني ابن عمّ نبيّكم و أولاكم باللّه و رسوله،فاسألوني ثم اسألوني فكأنكم بالعلم قد نفد و انّه لا يهلك عالم إلا يهلك معه بعض علمه،و انما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء نوره على سائر الكواكب،خذوا العلم ما بدا لكم و إيّاكم ان تطلبوه لخصال أربع:لتباهوا به العلماء،أو تماروا به السفهاء،أو تراءوا به في المجالس،أو تصرفوا به وجوه الناس اليكم للترؤس،لا يستوي عند اللّه في العقوبة الذين يعلمون و الذين لا يعلمون (4).
و جاء في كتاب(الكافي)عن أبي عبد اللّه عليه السلام إن أبي كان يقول:إن اللّه تعالى لا يقبض العلم بعد ما يهبطه،و لكن يموت العالم فيذهب بما يعلم،فتليهم الجفاة فيضلون و يضلون،و لا خير في شيء ليس له أصل (5).
و من كلام الحكماء:النار لا ينقصها ما اخذ منها،و لكن يخمدها أن لا يجد حطبا،و كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس و لكن فقد الحاملين له سبب عدمه.
الحكمة(420)
وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ- فَمَرَّتْ بِهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ- فَقَالَ ع- إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ وَ إِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا- فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ- فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ؟الْخَوَارِجِ؟- قَاتَلَهُ اللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ- فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ- فَقَالَ ع رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ أقول:روى(تحف عقول ابن شعبة الحلبي)في حديث الأربعمائة عنه عليه السلام قال:إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه فليلق أهله،فان عندها مثل الذي رأى،و لا يجعل للشيطان على قلبه سبيلا،و ليصرف بصره عنها فإن لم يكن له زوجة فليصلّ ركعتين-الخبر (1)
رواه ابن شعبة في تحف العقول:125،و أيضا الصدوق في الخصال 2:638.
.«و روى انّه عليه السلام كان جالسا في أصحابه فمرت» هكذا في(المصرية) و الصواب:«إذ مرت»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«بهم امرأة جميلة فرمّقها» بالتشديد أي:ادام النظر إليها «القوم بأبصارهم» في (عيون ابن قتيبة):مرت اعرابية بقوم من بني نمير فقالت:يا بني نمير و اللّه ما أخذتم بواحدة من اثنتين،لا بقول اللّه تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا»
«مِنْ أَبْصارِهِمْ» (1)
النور:30. [1]
،و لا بقول جرير:فغضّ الطرف انك من نمير فلا كعبا بلغت و لا كلابا
فاستحيا القوم من كلامها و أطرقوا (2).
و في(تاريخ بغداد):قال محمد بن أحمد القاضي:حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة(286)و تقدمت امرأة فادّعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر،فقال القاضي للولي:شهودك،قال:قد أحضرتهم،فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته،فقام الشاهد و قال للمرأة:قومي،فقال:تفعلون ما ذا؟قال الوكيل:
ينظرون إلى امرأتك و هي مسفرة لتصح عندهم معرفتها،فقال الزوج:ان لها عليّ هذا المهر الذي تدّعيه و لا تسفر عن وجهها،فردّت المرأة و أخبرت بما كان من زوجها،فقالت المرأة:فإنّي أشهد القاضي انّي قد وهبت له هذا المهر و ابرأته منه في الدنيا و الآخرة.فقال القاضي:يكتب هذا في مكارم الأخلاق (3).
«فقال عليه السلام ان أبصار هذه الفحول» في(شعراء القتيبي):و من الشعراء علقمة الفحل،و اختلف في تسميته بالفحل،قيل سمّى بذلك لأنّه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته ام جندب لتحكم بينهما،فقالت لهما قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روي واحد و قافية واحدة لأحكم بينكما،فقال امرؤ القيس:
خليلي مرّا بي على ام جندب لتقضي حاجات الفؤاد المعذب
و قال علقمة:
ذهبت من الهجران في كلّ مذهب و لم يك حقّا كلّ هذا التجنّب
ثم أنشداها جميعا،فقالت لامرئ القيس:علقمة أشعر منك.قال:و كيف؟ قالت:لأنك قلت:
فللسوط الهوب و للساق درة و للزجر منه وقع أخرج مهذب
فجهدت فرسك بسوطك و مريته بساقك-و قال علقمة:
فأدركهن ثانيا من عنائه يمر كمر الرائح المتحلّب
فأدرك طريدته و هو ثان من عنان فرسه لم يضربه بسوط و لا مراه بساق و لا زجره،فقال لها امرؤ القيس:ما هو بأشعر منّي و لكنّك له وامق، فطلّقها فخلفه عليها علقمة فسمّى بذلك الفحل.و قيل بل سمّي بالفحل لأن في قومه رجل يقال له علقمة الخصي،ففرّقوا بينهما بهذا الاسم.
و قالوا:العرب تسمّي سهيلا بالفحل،تشبيها له بفحل الإبل لاعتزال سهيل النجوم،كما أن الفحل إذا قرع الإبل اعتزلها،قال الشاعر:
أما ترى الفحل كيف يزهر (1)
الشعر و الشعراء:58،و [1]النقل بتصرف يسير.
«طوامح» أي:مرتفعات «و ان ذلك سبب هبابها» في(الصحاح)«الهبّة» بالكسر:هياج الفحل،تقول:هب التيس يهب-بالكسر-هبيبا و هبابا:إذا نبّ للسفاد (2).
و في الخبر:لا يزني فرجك ما غضضت بصرك (3).
و في(عيون القتيبي):نظر أشعب يوما إلى ابنه،و هو يديم النظر إلى امرأة،فقال:يا بني نظرك هذا يحبل.و قال بعضهم:
و لي نظرة لو كان يحبل ناظر بنظرته انثى لقد حبلت منّي (4).
هذا و كما للرجال الطموح إليهن كذلك لهن الطموح إليهم،بل في الخبر إنّ همّ الرجال في البناء و الطين،و همّ النساء في الرجال (1)
أخرجه الصدوق في العلل 2:498. [1]
.و في خبر،أربعة لا يشبعن من أربعة:عين من نظر،و انثى من ذكر، و أرض من مطر،و اذن من خبر (2).و قال الفرزدق:
فلا تدخل بيوت بني كليب و لا تقرب لهم أبدا رحالا
فإن بها لوامع مبرقات يكدن ينكن بالحدق الرجالا
و في(الجمهرة):قالت امرأة لأمة لها:مري ببنتي على ذوي النظرى لا ذوات النقرى،أي مري بها على الرجال الذين يرضون بالنظر،لا على النساء اللواتي ينقرن عن الخبر (3).
و عن أبي حازم:بينما أرمي الجمار رأيت امرأة سافرة حسنة فقلت لها:
أ ما تتقين اللّه تسفرين في هذا الموضع فتفتنين الناس.قالت:أنا و اللّه ممّن قيل فيهنّ:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة و لكن ليقتلن البرئ المغفّلا
و في(الأغاني):كان ابن الغز الأيادي،فكان إذا انعظ احتكت الفصال بأيره،و كان في اياد امرأة تستصغر أيور الرجال،فجامعها ابن الغز،فقالت:يا معشر اياد،أ بالركب تجامعون النساء،فضرب بيده على إليتها و قال:ما هذا؟ فقالت:و هي لا تعقل ما تقول!هذا القمر،فضربت العرب بها المثل«أريها استها و تريني القمر» (4).
و جاء في(الكافي):أنّ رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:انّي أحمل أعظم ما
يحمل الرجال،فهل يصلح لي أن آتي بعض مالي من البهائم ناقة أو حمارة فإن النساء لا يقوين على ما عندي،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له:ان اللّه تعالى لم يخلقك حتى خلق لك ما يحتملك من شكلك،فانصرف الرجل،و لم يلبث ان عاد فقال له مثل مقالته أوّل مرّة فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فأين أنت من السوداء العنطنطة-أي:
الطويلة العنق-فانصرف الرجل فلم يلبث ان عاد فقال:أشهد أنّك رسول اللّه حقّا،إنّي طلبت ما أمرتني به فوقعت على شكلي مما تحملني (1)
الكافي 5:336 ح 1. [1]
.«فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس» و في(ابن ميثم):«فليلمس» و في(ابن أبي الحديد النسختان) (2): «أهله فانما هي امرأة كامرأة»و في(ابن أبي الحديد) «كامرأته» (3)و هو الأنسب بالمقام.
و في(اسد الغابة)في عبد اللّه بن نعيم بن النحام عن جابر،بينا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أصحابه إذ مرت به امرأة،فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته و خرج فقال:إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله،فإن المرأة تقبل في صورة شيطان،و تدبر في صورة شيطان (4).
هذا و في(كامل الجزري)كان يوسف بن تاشفين ملك العرب و الأندلس حليما كريما خيّرا يحب أهل العلم و الدين و يحكّمهم في بلاده،و كان يحب العفو عن الذنوب العظام،فمن ذلك ان ثلاثة نفر اجتمعوا فتمنّى أحدهم ألف دينار يتّجر بها،و تمنّى الآخر عملا يعمل فيه ليوسف،و تمنّى الآخر زوجته النفزاوية و كانت من أحسن الناس و لها الحكم في بلاده،فبلغه الخبر، فأحضرهم و أعطى متمنّي المال ألف دينار،و استعمل الآخر و قال للذي تمنّى
زوجته:يا جاهل ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه،ثم أرسله إليها فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كلّ يوم طعاما واحدا،ثم أحضرته و قالت له:ما أكلت هذه الأيام؟قال:طعاما واحدا،فقالت:كلّ النساء شيء واحد،و أمرت له بمال و كسوة و أطلقته (1)
الكامل 10:417، [1]أحداث سنة 500،و النقل بتصرف يسير.
.و في(أمثال الكرماني):أن الحكم بن صخر الثقفي سأل امرأة عن اختها و كان رآها عام أوّل،فقالت تزوجها ابن عم لها،فقال لها:لو أدركتها لتزوجتها! فقالت له:ما يمعنك من شريكتها في حسنها،قال:يمنعني قول كثير:
إذا وصلتنا خلة كي تزيلها أبينا و قلنا الحاجبية اول
فقالت:كثير بيني و بينك،أ ليس الذي يقول:
هل وصل عزّة الاّ وصل غانية في وصل غانية من وصلها خلف
فعيّ عن جوابها (2).
في(الكافي)عن الباقر عليه السلام:استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة، و كان النساء يتقنعن خلف آذانهن،فنظر اليها و هي مقبلة،فلما جازت نظر اليها و دخل في زقاق،فجعل ينظر خلفها،و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه،فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على صدره و ثوبه،فقال:و اللّه لآتين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لأخبرنّه،فأتاه فأخبره،فهبط جبرئيل بهذه الآية «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» (3).
و عن الإمام الصادق عليه السلام:النظر سهم من سهام ابليس مسموم،و كم
من نظرة أورثت حسرة طويلة (1)
الكافي 5:531 ح 5 و 559 ح 12. [1]
.و في(الفقيه)عنه عليه السلام:النظرة سهم من سهام ابليس مسموم،من تركها للّه تعالى لا لغيره أعقبه اللّه ايمانا يجد طعمه.
و عن الرضا عليه السلام:و حرّم النظر لما فيه من التهييج،و ما يدعو التهييج إليه من الفساد.
و عن الصادق عليه السلام:من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غضّ بصره لم يرتدّ إليه بصره حتى يزوّجه اللّه من الحور العين (2).
«فقال رجل من الخوارج قاتله اللّه كافرا ما أفقهه» قال الجوهري «ابل مسبّه» أي خيار لأنّه يقال لها عند الاعجاب بها قاتلها اللّه (3).
و في(العيون):شكا الفرزدق امرأته،فقال له شيخ من بني مضر كان أسنّ منه:أفلا تكسعها بالمحرجات-يعني الطلاق-فقال له الفرزدق:قاتلك اللّه!ما أعلمك من شيخ (4).
و نظير قولهم عند الاعجاب «قاتله اللّه» قولهم عنده «للّه دره» و ان كان هو لفظا حسنا،و الأوّل لفظا قبيحا.و روى المدائني سبّ آخر له عليه السلام معجبا بالأخير،فقال خطب علي عليه السلام فذكر الملاحم فقال «سلوني قبل أن تفقدوني، أما و اللّه لتشغرن الفتنة الصماء برجلها،و تطأ في خطامها،يا لها من فتنة شبّت نارها بالحطب الجزل،مقبلة من شرق الأرض رافعة ذيلها،داعية ويلها،بدجلة أو حولها،ذاك إذا استدار الفلك،و قلتم مات أو هلك،بأيّ واد سلك» فقال قوم
تحت منبره:للّه أبوه،ما أفصحه كاذبا (1)
نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 6:136.
.و نظير الأوّل عند الاعجاب ما في(أمالي القالي):أن الحجاج كان ينشد قول مالك بن أسماء:
يا منزل الغيث من بعد ما قنطوا و يا وليّ النعماء و المنن
يكون ما شئت ان يكون،و ما قدرت ألاّ يكون لم يكن
لو شئت إذ كان حبها عرضا لم ترني وجهها و لم ترني
يا جارة الحي إذ كنت لي سكنا إذ ليس بعض الجيران بالسكن
اذكر من جارتي و مجلسها طرائفا من حديثها الحسن
و من حديث يزيدني مقة ما لحديث الموموق من ثمن
ثم يقول:أحسن،فضّ اللّه فاه (2).
«فوثب» زاد ابن ميثم«اليه» (3)«القوم ليقتلوه فقال عليه السلام رويدا» رويدا تصغير الترخيم من«أروادا»و الأصل«أرودوه اروادا»أي:أمهلوه إمهالا.
و نظير ما رواه صاحب(الغارات)أنّ عليّا عليه السلام قال على المنبر:ما أحد جرت عليه المواسي إلاّ و قد أنزل اللّه فيه قرآنا،فقام إليه رجل فقال:فما أنزل اللّه فيك-يريد تكذيبه-فقام الناس إليه يضربونه؟فقال عليه السلام دعوه و قال له:
أ تقرأ سورة هود؟قال:نعم،فقرأ قوله سبحانه «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (4).ثم قال:الذي كان على بيّنة من ربّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الشاهد الذي يتلوه أنا (5).
«انما هو سبّ بسبّ» بأن يقال له«بل قتلك اللّه و أنت كافر» «أو عفو عن ذنب» بأن يترك على عمهه.
و قد وقع نظير ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ففي(تاريخ الطبري)في ذهاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أحد:قال النبي لأصحابه:من يخرج بنا على القوم من كثب لا يمر بنا عليهم؟فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة:أنا،فقدمه،فنفذ به في حرّة بني حارثة،و بين أموالهم حتى سلك به في مال المربع بن قيظي،و كان رجلا منافقا ضرير البصر،فلما سمع حسّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من معه،قام يحثى في وجوههم التراب و يقول:ان كنت رسولا فإني لا أحلّ لك أن تدخل حائطي، و ذكر أنه أخذ حفنة من تراب،ثم قال:لو أعلم أني لا اصيب بها غيرك يا محمّد لضربت بها وجهك.فابتدره القوم ليقتلوه،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لا تفعلوا فهذا الأعمى البصر الأعمى القلب.و قد بدر إليه سعد بن زيد اخو بني عبد الأشهل حين نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنه،فضربه بالقوس في رأسه فشجّه (1)
تاريخ الطبري 2:191،سنة 3،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و هذا الخارجي،و ان نسب إليه عليه السلام الكفر حسب عقيدة الخوارج الفاسدة الوضوح عند جميع المسلمين،أنهم كفروا بالتبرّي منه،إلا انّه لمّا وصفه بكثرة الفقه و مدحه بذلك نهى عليه السلام عن قتله و قال:امّا سبوه بسبه و امّا اعفوا عنه و أهانه عليه السلام خارجي آخر بنسبة الجور إليه عليه السلام،فدعا عليه بالمسخ ليصير عبرة للآخرين فإن العزّة للّه و لرسوله و للمؤمنين.
ففي(خصائص المصنف):روى أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في المسجد و دخل عليه رجلان و اختصما لديه و كان احدهما من الخوارج، فتوجّه الحكم عليه فحكم عليه،فقال له:و اللّه ما حكمت بالسوية،و لا عدلت في القضية،و ما قضيتّك عند اللّه بمرضيّة.فقال عليه السلام له-و أومأ إليه بيده-:اخسأ
1) 1)
عدوّ اللّه!فاستحال كلبا أسود!!فقال من حضره:فو اللّه لقد رأينا تطاير لباسه عنه في الهواء،و جعل يبصبص له عليه السلام و دمعت عيناه و رأيناه قد رقّ فلحظ السماء و حرّك شفتيه بكلام لم نسمعه،فو اللّه لقد رأيناه و قد عاد إلى حاله و تراجعت ثيابه من الهواء حتى سقطت على كتفيه!فرأيناه و قد خرج من المسجد و ان رجليه لتضطربان!فبهتنا ننظر إليه فقال عليه السلام:ما بالكم تنظرون و تعجبون؟فقلنا:كيف لا نتعجب و قد صنعت ما صنعت.فقال:أما تعلمون أنّ آصف بن برخيا وصيّ سليمان بن داود قد صنع ما هو قريب من هذا الأمر، فقصّ اللّه جلّ اسمه قصّته حيث يقول: «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها» -إلى قوله- «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» (1)
النمل:38-40. [1]
-الآية،فأيّما أكرم عليه نبيّكم أم سليمان؟قالوا:بل نبيّنا،قال:فوصي نبيّكم أكرم من وصيّ سليمان،و انما كان عند وصي سليمان من اسم اللّه الأعظم حرف واحد، فسأل اللّه تعالى فخسف به الأرض ما بينه و بين سرير بلقيس،فتناوله في أقلّ من طرفة عين!و عندنا من اسم اللّه الأعظم اثنان و سبعون حرفا،و حرف عند اللّه استأثر به دون خلقه!فقالوا:فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية؟فقال:بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون،إنّ اللّه تعالى ممتحن خلقه بما يشاء.قالوا:فنهضنا و نحن نعظّم ما أتى به (2).الحكمة(37)
وَ قَالَ ع وَ قَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى؟الشَّامِ؟ دَهَاقِينُ؟الْأَنْبَارِ؟- فَتَرَجَّلُوا
لَهُ وَ اشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ- فَقَالَ ع:
مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ فَقَالُوا خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا- فَقَالَ ع:
وَ اللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ- وَ إِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ- وَ تَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ- وَ مَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ- وَ أَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ أقول:رواه نصر بن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 143 )هكذا،فقال:و جاء علي عليه السلام حتّى مرّ بالأنبار فاستقبله بنو خشنوشك دهاقنتها.قال سليمان«خش»طيب «نوشك»راض،يعني«بني الطيّب الراضي»بالفارسية،فلما استقبلوه نزلوا ثم جاءوا يشتدّون معه،قال:ما هذه الدوابّ التي معكم و ما أردتم بهذا الذي صنعتم؟قالوا:أمّا هذا الذي صنعنا فهو خلق منّا نعظّم به الأمراء،و أما هذه البراذين فهديّة لك و قد صنعنا لك و للمسلمين طعاما و هيّأنا لدوابّكم علفا كثيرا.فقال عليه السلام:امّا هذا الذي زعمتم أنّه منكم خلق تعظّمون به الامراء فو اللّه ما ينفع هذا الأمراء،و إنّكم لتشقّون به على أنفسكم و أبدانكم فلا تعودوا له، و اما دوابّكم هذه فان أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم،و أما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنّا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا إلاّ بثمن.قالوا:نقوّمه ثمّ نقبل ثمنه.قال:إذن لا تقوّمونه قيمته،نحن نكتفي بما هو دونه.قالوا:يا أمير المؤمنين فإنّ لنا من العرب موالي و معارف فتمنعنا أن نهدي لهم و تمنعهم أن يقبلوا منّا؟قال:كلّ العرب لكم موال و ليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديّتكم،و إن غصبكم أحد فأعلمونا،قالوا:يا أمير المؤمنين انّا نحبّ أن تقبل هديتنا و كرامتنا.قال لهم:و يحكم،نحن أغنى منكم.
فتركهم ثم سار (1)
وقعة صفين:143. [1]
.1) 1)
قول المصنف : «و قال عليه السلام و قد لقيته عند مسيره» من الكوفة «إلى الشّام» في طريقه «دهاقين الأنبار» جمع دهقان.قال الجوهري:الدهقان، معرب،إن جعلت النون أصلية من قولهم«تدهقن الرجل»صرفته لأنّه فعلال، و ان جعلته من الدهق لم تصرفه لأنّه فعلان (1)
صحاح اللغة 5:2117، [1]مادة(دهقن).
.قلت:لا وجه لاحتمال كونه من الدهق،لأن الكلمة معرّبة مركبة من«ده» بمعنى القرية و«قان»مبدل«پان»مخفّف«پاينده»بمعنى الحافظ (2).
و في(تاريخ الطبري):منوشهر أوّل من خندق الخنادق و جمع آلة الحرب،و أوّل من وضع الدهقنة فجعل لكلّ قرية دهقانا و جعل أهلها له خولا و عبيدا و أمرهم بطاعته (3).
«فترجلوا له» أي:نزلوا من مراكبهم و قاموا على أرجلهم «و اشتدوا» أي:عدوا.قال الشاعر:
هذا أو ان الشدّ فاشتدّي زيم (4)
«بين يديه» أي:قدّامه «فقال عليه السلام» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة فليست في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)،و لأنها تكرار لأنه قال أولا «و قال عليه السلام».
«ما هذا الذي صنعتموه» من الاشتداد و العدو بين يديّ «فقالوا
1) 1)
2) 2) الاشتقاق الذي ذكره الشارح غير صحيح،بل كلمة«دهقان»تعريب«دهگان»الفارسي و«دهيگان»الفهلوي،و هو مركب من جزئين،الأول«ده»بمعنى«القرية»و الثاني«گان»أو«ايكان»الذي يدل على النسبة و التعلّق،فمعنى «دهگان»أو«دهيكان»هو«الزارع»أو«مالك الزرع و القرية».
3) 3) تاريخ الطبري 1:266. [2]
4) 4) أورده لسان العرب 3:224، [3]مادة(شدّ).
5) 5) في شرح ابن أبي الحديد 18:156،«و قال»و في شرح ابن ميثم 5:260«فقال».
خلق» بضمتين أي:عادة «منّا نعظّم به امراءنا.فقال عليه السلام:و اللّه ما ينتفع بهذا امراؤكم» بل يضرّ بهم لأنّه يحدث لهم خيلاء و كبرا «و إنكم لتشقّون» بالتشديد من المشقّة «على أنفسكم» هكذا في(المصرية) و الصواب: «به على أنفسكم» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 18:156،و [1]شرح ابن ميثم 5:261، [2]مثل المصرية.
«في دنياكم» متعلّق بقوله«لتشقّون» «و تشقون» بالتخفيف من الشقاء «به في آخرتكم» لفعلكم العبث «و ما أخسر المشقة وراءها العقاب» فالمشقة ان لم يكن وراءها ثواب،كالمشقة لتحصيل دنيا أو آخرة خسارة،فان كان وراءها عقاب فهي أخسر.«و أربح الدعة» أي:الاستراحة «معها الأمان من النار» فالدعة ان لم يكن وراءها شيء،ربح،فإن كان معها أمان من النار،بأن يكون ضدّها موجبا للنار و تركها الإنسان لذلك فهي أربح.
هذا،و مرّ في فصل صفين أن حرب بن شرحبيل الشبامي أقبل يمشي معه عليه السلام و هو راكب،فقال عليه السلام له:ارجع،فان مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي و مذلّة للمؤمن (2).
و في(معجم بلدان الحموي):قال أحمد بن يحيى بن جابر:مرّ علي بن أبي طالب عليه السلام بالأنبار فخرج إليه أهلها بالهدايا إلى معسكره فقال:اجمعوا الهدايا و اجعلوها باجا واحدا.ففعلوا فسمّي موضع معسكره بالأنبار الباج الى الآن (3).
الحكمة(100)
وَ مَدَحَهُ قَوْمٌ فِي وَجْهِهِ- فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي- وَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ- اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لَنَا مَا لاَ يَعْلَمُونَ كان عليه السلام إمام المتقين،و من صفات المتقين انّه إذا زكّى أحدهم خاف ممّا يقال له فيقول:أنا أعلم بنفسي من غيري،و ربّي أعلم بي منّي بنفسي، اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون،و اجعلني أفضل ممّا يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون.
و قال ابن أبي الحديد:و قال عليه السلام لرجل مدح رجلا في وجهه«عقرت الرجل عقرك اللّه».و قال عليه السلام:لو مشى رجل إلى رجل بسيف مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:256. [1]
.قلت:و في الخبر«أحثوا في وجوه المدّاحين التراب» (2)و عمل به أبو ذر في من مدح عثمان،فانّه مذموم لو كان حقّا،فكيف لو كان باطلا!
الحكمة(83)
وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ كَانَ لَهُ مُتَّهِماً- أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ أقول:قال الجاحظ في( بيانه الجاحظ-البيان و التبيين-ج 2 ص 79 )و الرضي في( خصائصه السيد الرضي-خصائص الائمة-ص 70 ):قال الأصمعي
اثنى رجل على علي عليه السلام فأفرط،فقال علي عليه السلام و كان يتّهمه:انا دون ما تقول، و فوق ما في نفسك (1)
البيان و التبيين 2:79 و [1]خصائص الرضي:70. [2]
.هذا،و روى(الكافي)أنّه عليه السلام بعث إلى بشر بن عطارد التميمي في كلام بلغه عنه،فمرّ به رسوله في بني أسد فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته، فبعث عليه السلام إليه فأتوه به،و أمر به أن يضرب،فقال له نعيم:أما و اللّه ان المقام معك لذلّ و ان فراقك لكفر.فقال عليه السلام له:قد عفونا عنك،ان اللّه عز و جل يقول:
«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ» (2)اما قولك ان المقام معك لذلّ فسيئة اكتسبتها،و أما قولك ان فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها،فهذه بهذه،ثم أمر أن يخلى عنه (3).
هذا و ذكروا أن صديقا لعيسى بن هبة اللّه البزاز كتب إليه رقعة فزاد في خطابه فأجابه:
قد زدتني في الخطاب حتى خشيت نقصا في الزيادة
فاجعل خطابي خطاب مثلي و لا تغيّر علي عادة
و نقل ابن أبي الحديد هنا:ان عمر كان جالسا و عنده الدّرّة،إذ أقبل الجارود العبدي،فقال رجل:هذا سيّد ربيعة،فسمعها عمر و من حوله، و سمعها الجارود،فلما دنا منه خفقه بالدّرة،فقال لعمر:مالي و لك.قال:أما لقد سمعتها،قال:و ما سمعتها فمه!قال:ليخالطن قلبك منها شيء و أنا أحب أن أطأطئ منك (4).
قلت:الجناية للمادح لا للممدوح،فكان على عمر أن يؤنّب المادح،مع
ان المادح انّما يؤنب اذا كان مدح رجلا في وجهه،و هو لم يذكر ذلك للجارود، بل لجلسائه،و كلامه كان كلام حقيقة.
مع ان الضرب بالدّرّة انما يكون لمن جنى جناية لا في مثله! روى(الكافي)عن رزين قال:كنت أتوضأ في ميضاة الكوفة،فإذا رجل قد جاء فوضع نعليه و وضع درّته فوقها ثم دنا فتوضأ معي فزحمته فوقع على يديه،فقام فتوضأ فلما فرغ ضرب رأسي بالدّرّة ثلاثا ثم قال:إيّاك أن تدفع فتكسر فتغرم!فقلت:من هذا؟فقالوا:أمير المؤمنين،فذهبت أعتذر إليه.
فمضى و لم يلتفت إليّ (1)
الكافي 7:268 ح 41. [1]
.و إنّما الأصل في عمل عمر مع الجارود ضغن في قلبه منه،لما أراد عمر تضييع حدّ الشرب على قدامة بن مظعون صهره فألزمه الجارود بذلك.
الحكمة(194)
و كان عليه السلام يقول:
مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ- أَ حِينَ أَعْجِزُ عَنِ الاِنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ- أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عَفَوْتَ أقول:هذا نظير قوله عليه السلام في عدم المورد في الحذر من الموت،لأنّه ان لم يقدر في ذاك الوقت فهو لغو،و ان قدر لم يقدر على الفرار.
و قالوا:لمّا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقتل أحد اسراء قريش في بدر قالت أخته ابياتا منها قولها:
ما ضرّك لو مننت و ربّما منّ الفتى و هو المغيظ المحنق
1) 1)
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لو بلغني أبياتها قبل قتله ما قتلته (1)
رواه ابن أبي الحديد في شرحه 14:171 و 172،و النقل بتصرف يسير.
.هذا،و قالوا أسر معاوية يوم صفين رجلا من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام،فلمّا اقيم بين يديه قال:الحمد للّه الذي أمكنني منك،فقال الرجل:
لا تقل ذلك فإنّها مصيبة،قال:و أية نعمة أعظم من أن يكون ظفرت برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي،اضربا عنقه.فقال الرجل:اللّهمّ اشهد أنّ معاوية لم يقتلني فيك،و لا لأنّك ترضى قتلي،و لكن قتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا،فان فعل فافعل به ما هو أهله،و ان لم يفعل فافعل به ما أنت أهله،فقال معاوية:قاتلك اللّه!لقد سببت فأوجعت في السبّ و دعوت فأبلغت في الدعاء،خليا سبيله.
و قالوا:ضرب الحجّاج أعناق أسارى أتي بهم،فقال رجل منهم:و اللّه لئن كنّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في المكافأة!فقال الحجاج:أفّ لهذه الجيف، أما كان فيهم من يحسن مثل هذا؟و كفّ عن القتل.
هذا و صفة عفوه عليه السلام كباقي صفاته،عجيبة،فقد ظفر بمروان و عداوته له عليه السلام و جساراته معه عليه السلام أيام عثمان لا سيّما في قضية أبي ذر-و هي معروفة-فعفا عنه.
و عفا عن ابن الزبير مع انّه كان يبغضه و يسبّه و قال عليه السلام فيه:إنّ أباه الزبير كان منهم،و أنّه هو الذي قطعه عنهم.
و عفوه عليه السلام عن عائشة و أهل البصرة لا يحتاج إلى بيان.
و من كرم أخلاقه عليه السلام معاملته في الحرب مع طلحة بن عثمان يوم احد و عمرو بن عبد ود يوم الخندق و عمرو بن العاص و بسر بن ارطأة يوم صفين.
1) 1)
و في(تأريخ الطبري)في الأول ضرب علي عليه السلام طلحة صاحب لواء المشركين فقطع رجله،فسقط،فانكشفت عورته،فقال:أنشدك اللّه و الرحم يا ابن عم!فتركه فكبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال لعليّ عليه السلام أصحابه:ما منعك أن تجهز عليه؟قال:ان ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه (1)
تاريخ الطبري 2:194،سنة 3. [1]
.1) 1)
الحكمة(99)
وَ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ- «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» -فَقَالَ إِنَّ قَوْلَنَا «إِنّا لِلّهِ» إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ- وَ قَوْلَنَا «وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» - إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ أقول:و مثله قال الرضيّ في( خصائصه السيد الرضيّ-خصائص الائمة-ص 71 )،و الأصل فيه ما رواه محمد بن يعقوب في( الكافي محمد بن يعقوب الكليني-الكافي-ج 3 ص 261 ح 40 )عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد قال:جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأشعث بن قيس يعزّيه بأخ له يقال له عبد الرحمن،فقال له:
إن جزعت فحقّ الرحم أتيت،و إن صبرت فحقّ اللّه أدّيت،على انّك إن صبرت جرى عليك القضاء و أنت محمود،و ان جزعت جرى عليك القضاء و أنت مذموم،فقال الأشعث:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.فقال عليه السلام:أ تدري ما تأويلها؟ قال:لا أنت غاية العلم و منتهاه!فقال عليه السلام له:أما قولك«إنّا للّه»فإقرار بالملك، و أما قولك«و إنّا إليه راجعون»فإقرار بالهلاك.
و رواه ابن أبي شعبة الحلبي في تحفه ابن أبي شعبة الحلبي-تحف العقول-ص 209 مرفوعا مثله (1)
خصائص الرضي:71،و [1]الكافي 3:261 ح 40،و [2]تحف العقول:209.
.قول المصنّف «و سمع عليه السلام رجلا يقول:انّا للّه و انّا إليه راجعون» قد عرفت من خبر الكليني أن الرجل كان أشعث بن قيس في موت أخيه.
«فقال عليه السلام:إنّ قولنا إنّا للّه إقرار على أنفسنا بالملك» فهو الإقرار بالمبدأ، و قولنا: «و إنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك» فهو الإقرار بالمعاد.
و يجوز في «الملك» و «الهلك» الضم و الفتح.قال ابن السكّيت:يقال «لأذهبن فأما ملك و أما هلك»بالضم و الفتح فيهما (2).
قلت:لكن«الملك»في كلامه عليه السلام بمعنى المملوكية و في كلام ابن السكّيت بمعنى المالكية.
و قد فسر عليه السلام قوله تعالى «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (3)بما هو قريب من المعنى مع زيادة تفسير الروح،ففي(تذكرة سبط ابن الجوزي) عن(فضائل أحمد بن حنبل):أنّ قيصرا كتب إلى عمر يسأله عن مسائل عويصة معضلة،فكتب علي عليه السلام جوابها خلف الكتاب،فلما قرأ قيصر الكتاب قال:ما خرج هذا الكلام إلاّ من بيت النبوّة،فسأل عن المجيب فقيل له ابن عم محمّد،فكتب قيصر إلى علي عليه السلام:وقفت على جوابك فعلمت أنّك من أهل بيت النبوّة،و معدن الرسالة،و أوثر أن تكشف لي عن مذهبكم في الروح التي ذكرها اللّه في كتابكم في قوله «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (4)فكتب علي عليه السلام اليه:أما بعد...فالروح نكتة لطيفة و لمعة شريفة من صنعة باريها
و قدرة منشيها،أخرجها من خزائن ملكه و أسكنها في ملكه،فهي عنده لك سبب،و له عندك وديعة،فإذا أخذت مالك عنده أخذ ماله عندك.و السلام (1)
تذكرة الخواص:146،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:مالنا عنده هو الرزق،و ماله عندنا هي الروح.
قال السبط:و من هنا أخذ ابن سينا قوله:
هبطت اليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزّز و تمنع (2)
الحكمة(229)
وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً» فَقَالَ هِيَ الْقَنَاعَةُ أقول:تمام الآية قبل الجملة و بعدها «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (3).
قلت:و إذا كانت القناعة حياة طيبة فالحرص حياة خبيثة،و قال شاعر:
إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن على حالة إلاّ رضيت بدونها
و من طلب العليا من العيش لم يزل حقيرا و في الدنيا كثير غبونها
و قالوا:القانع بما قسم اللّه تعالى في حدائق النعيم.قال شاعر:
إذا شئت أن تحيا حياة حلوة المحيا فلا تحسد و لا تحقد و لا تأسف على الدنيا
الحكمة(231)
وَ قَالَ ع:فِي قَوْلِهِ تَعَالَى «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» - الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ وَ الْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ أقول:و يجمعهما المروءة كما يشهد له مستند الكلام.
و روى ابن بايويه في( معانيه الشيخ الصدوق-معاني الاخبار-ص 257 ح 1 )،و العياشي في( تفسيره العياشي-تفسير العياشي-ج 2 ص 267 ح 61 )عن عمرو بن عثمان التيمي القاضي قال:خرج علي عليه السلام على أصحابه و هم يتذاكرون المروّة،فقال:أين أنتم من كتاب اللّه؟قالوا:في أيّ موضع؟فقال:في قوله عزّ و جلّ «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» (1)
النحل:90. [1]
فالعدل:الانصاف،و الاحسان:التفضل (2).
و كذلك ما رواه السبط ابن الجوزي:أن رجلا سأله عليه السلام عن المروّة فقال:إطعام الطعام،و تعاهد الإخوان،و كفّ الأذى عن الجيران،ثم قرأ «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» (3).
و لا تنافي بين الخبرين في تفسير الآية،و إنّما هما مجمل و مفصل،فكفّ الأذى إنصاف،و الإطعام و التعاهد إحسان.
و فسّر المروّة في السفر و الحضر بتفصيل أكثر في خبر آخر.هذا و بقية الآية «وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (4).
الحكمة(404)
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ- لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ- إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ شَيْئاً وَ لاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا- فَمَتَى مَا مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا- وَ مَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ- لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ قلت :
روى سبط ابن الجوزي في(تذكرته)معنى آخر لقولهم ذاك عنه عليه السلام فقال:قال علي عليه السلام في معنى«لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه»:إنّه لا حول عن معصية اللّه إلاّ بعصمته و لا قوّة على طاعته إلاّ بمعونته (1)
تذكرة الخواص:157. [1]
.و لكن رواه الخطيب في(تاريخ بغداده)عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لا منافاة فهو عليه السلام و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانا نفسا واحدة كما يشهد له القرآن (2).
«انا لا نملك مع اللّه شيئا» «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ» (3)، «قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (4)، «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما»
«يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)
المائدة:17. [1]
.«و لا نملك إلاّ ما ملّكنا» في(تحف العقول للحلبي):سأله عليه السلام عباية بن ربعي عن الاستطاعة التي بها نقوم و نقعد و نفعل.فقال عليه السلام له:سألت عن الاستطاعة فهل تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟فسكت عباية فقال عليه السلام:إن قلت تملكها مع اللّه قتلتك،و إن قلت تملكها دون اللّه قتلتك،فقال عباية:فما أقول؟قال:
تقول إنّك تملكها باللّه الذي يملكها من دونك،فإن ملّكك إيّاها كان ذلك من عطائه و ان سلبكها كان ذلك من بلائه،فهو المالك لما ملّكك و القادر على ما عليه أقدرك (2).
و في(تفسير القمي):لما أسري بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجد ريحا مثل المسك الأذفر،فسأل جبرئيل عنها،فقال:إنّها تخرج من بيت عذّب فيه قوم في اللّه حتى ماتوا،إنّ الخضر كان من أبناء الملوك،فآمن باللّه و تخلى في دار أبيه في بيت يعبد اللّه،و لم يكن لأبيه ولد غيره،فأشاروا عليه أن يزوّجه ليكون له الملك في عقبه،فخطب له امرأة بكرا و أدخلها عليه،فلم يلتفت إليها،فلما كان في اليوم الثاني قال لها:تكتمين؟ قالت:نعم.قال:إن سألك أبي هل كان منّي ما يكون من الرجال إلى النساء،قولي نعم؟فقالت:أفعل!فسألها فقالت:نعم،فقال له الناس مر النساء بتفتيشها،فكانت كما كانت فقالوا:زوجت الغر من الغرة زوّجه امرأة ثيبا، ففعل،فلما دخلت عليه سألها الخضر الكتمان فقالت:نعم،و لما سألها الملك قالت:ابنك امرأة فهل تلد المرأة من المرأة فغضب،و أمر بردم الباب عليه،فلمّا كان اليوم الثالث حرّكته رقّة الآباء،فأمر بفتح الباب،ففتح فلم يجدوه،فأعطاه
اللّه من القوّة أنّه يتصوّر كيف شاء،ثمّ كان على مقدّمة ذي القرنين و شرب من الماء الذي من شرب منه بقي إلى الصيحة!فخرج من مدينة أبيه رجلان في تجارة،فوقعا في جزيرة فوجدا فيها الخضر قائما يصلّي،فلما انفتل سألهما عن خبرهما فأخبراه،فقال:هل تكتمان على أمري إن رددتكما في يومكما إلى منازلكما.فقالا:نعم،فنوى أحدهما أن يكتم فكتم،و ذهب الآخر إلى الملك فأخبره،فقال له:من يشهد لك؟قال:فلان التاجر،فأحضر فأنكر فقال الأول:
إبعث معي خيلا إلى هذه الجزيرة و احبس هذا حتى آتيك بابنك،فبعث معه خيلا فلم يجدوه،فأطلق الرجل الذي كتم عليه.
ثمّ إنّ القوم عملوا بالمعاصي فأهلكهم اللّه و جعل عالي مدينتهم سافلها، و ابتدرت الجارية التي كتمت عليه أمره،و الرجل الذي كتم عليه كلّ واحد منهما ناحية من المدينة،فلما أصبحا التقيا فأخبر كلّ واحد منهما صاحبه بخبره،فقال:ما نجونا إلاّ بذلك،فآمنا بربّ الخضر،و حسن إيمانهما و تزوّج بها الرجل و وقعا إلى مملكة ملك آخر،و توصلت المرأة إلى ابنة الملك و كانت تزيّنها،فبينا هي يوما تمشّطها،سقط من يدها المشط فقالت«لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه»فقالت بنت الملك:ما هذه الكلمة؟فقالت لها:إنّ لي إلها تجري الامور كلّها بحوله و قوّته.فقالت لها:ألك إله غير أبي؟قالت:نعم و هو إلهك و إله أبيك! فدخلت على أبيها فأخبرته،فدعاها الملك فسألها فأخبرته،فقال:من على دينك؟قالت:زوجي و ولدي،فدعاهم الملك إلى الرجوع فأبوا،فدعا بمرجل من ماء فأسخنه فألقاهم فيه و أدخلهم بيتا و هدم عليهم البيت،فقال جبرئيل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فهذه الرائحة التي شممتها من ذاك البيت (1)
تفسير القمي 2:42-44،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و عن(نوادر محمد بن علي بن محبوب):كان أمير المؤمنين عليه السلام يبرأ
1) 1)
من القدرية و يقول في كلّ ركعة:«بحول اللّه(و قوّته)أقوم و أقعد» (1)
رواه عنه الحر العاملي في الوسائل 4:967 ح 7. [1]
.هذا و روى الخطيب في(تاريخ بغداده)في عبد العزيز التميمي عنه عن آبائه-إلى تسعة آباء-أنّ عليّا عليه السلام سئل عن«الحنّان المنّان»فقال:الحنّان الذي يقبل على من أعرض عنه،و المنّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال (2)(3).
الحكمة(439)
و قال عليه السلام:
الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ؟الْقُرْآنِ؟ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» - وَ مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي- فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن» و قال الجاحظ في(بيانه):قد جمع محمد بن علي بن الحسين-أي الباقر عليه السلام-صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين،فقال:إصلاح شأن جميع التعايش و التعاشر ملأ مكيال ثلثاه فطنة، و ثلثه تغافل.
قال:فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير،و لا حظّا في الصلاح،لأن الإنسان لا يتغافل إلاّ عن شيء قد فطن له و عرفه (4).
«قال اللّه سبحانه» في سورة الحديد «لِكَيْلا» علّة لقوله تعالى قبله:
«ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ»
«نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ» (1)
الحديد:22. [1]
«تَأْسَوْا» أي:تتأسفوا «عَلى ما فاتَكُمْ» من الدنيا «وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» أعطاكم منها.و في(الكافي)عن الرضا عليه السلام قال عيسى عليه السلام للحواريين:لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا،كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم،إذا أصابوا دنياهم.
و عن أمير المؤمنين عليه السلام:إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الحياة الدنيا،أما إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم اللّه تعالى له فيها و إن زهد،و إنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الحياة الدنيا لا يزيده فيها و إن حرص،فالمغبون من حرم حظّه من الآخرة.
و عنه عليه السلام:جعل الخير كلّه في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا،قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا.
و عنه عليه السلام:من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه،و أنطق بها لسانه، و بصّره عيوب الدنيا داءها و دواءها،و أخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام (2).
«و من لم يأس على الماضي» الذي فات «و لم يفرح بالآتي» الذي يؤتيه اللّه «فقد أخذ الزهد بطرفيه» اللذين مرّ ذكر القرآن لهما.
و في(تفسير القمي):قال يزيد لعلي بن الحسين عليه السلام:الحمد للّه الذي قتل أباك!فقال عليه السلام:لعن اللّه من قتل أبي!أفترى ألعن ربّي،فغضب يزيد و أمر بضرب عنقه،فقال عليه السلام:فإذا قتلتني فبنات رسول اللّه من يردّهن و ليس لهن محرم غيري.قال:أنت تردّهن.ثم قال يزيد «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ»
«فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» (1)
الشورى:30. [1]
فقال عليه السلام:كلاّ ما هذا فينا نزلت إنما نزلت فينا «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» (2)فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا من الدنيا و لا نفرح بما آتانا منها (3).الحكمة(377)
و قال عليه السلام:
لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللَّهِ- لِقَوْلِهِ تَعَالَى- «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» - وَ لاَ تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى- «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » «لا تأمنن على خير هذه الامة» و في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:خيركم من أطعم الطعام،و أفشى السلام،و صلّى و النّاس نيام (4).
«عذاب اللّه لقوله تعالى» هكذا في(المصرية)و الصواب:«لقول اللّه سبحانه»كما في(ابن ميثم و الخطيّة)،و لكن في(ابن أبي الحديد):«لقوله سبحانه» (5)«فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ» أي:تدبيره تعالى في امور عبيده كما يريد «إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» لقلّة معرفتهم،و غفلتهم.
و قد كان الزبير بن العوام في الظاهر من خيار الامّة حتى أنّه دافع يوم
1) 1)
2) 2) الحديد:23. [2]
3) 3) تفسير القمي 2:352،و [3]النقل بتصرف يسير.
4) 4) أخرجه البرقي في المحاسن:387 ح 2،و [4]الصدوق في الخصال 1:91 ح 32،و أخرجه بفرق يسير أبو يعلى في مسنده،عنه الجامع الصغير 2:11،و الصدوق في عيون الأخبار 2:65 ح 290. [5]
5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 19:314،و [6]اما في شرح ابن ميثم 5:431 [7] فنحو المصرية.
السقيفة عن أمير المؤمنين عليه السلام حتى كسر عمر سيفه،و مع كونه من أسد قريش،كان يعدّ في عداد بني هاشم،و ازدادت أمواله،و نشأ ولده عبد اللّه، و فتن به،كما قال تعالى «أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» (1)
الانفال:28 و [1]التغابن:15. [2]
حتى صار محاربا للّه و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمحاربته أمير المؤمنين عليه السلام،فقد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«حربك حربي،و حربي حرب اللّه» (2)و صار سببا لقتل آلاف من المسلمين.
قال ابن أبي الحديد لقائل أن يقول:الآية لا تدلّ على ما أفتى به،لأن معنى الآية أنّه لا يجوز للعاصي أن يأمن مكر اللّه على نفسه و هو مقيم على عصيانه، ألا ترى أن قبلها «أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى» -إلى- «وَ هُمْ يَلْعَبُونَ» (3).
قلت:خصوص المورد لا يخصص عموم العلة،و أغلب جمل القرآن كالكلام المستقل .
«و لا تيأسن لشرّ هذه الامة» و قد جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شرار الامّة طبقات.
و روى(الكافي):أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خطب فقال:ألا أخبركم بشراركم.
قالوا:بلى.قال:الذي يمنع رفده،و يضرب عبده،و يتزوّد وحده،فظنوا أنّ اللّه لم يخلق خلقا هو شرّ من هذا،فقال:ألا أخبركم بمن هو شرّ من ذلك؟قالوا:بلى.
قال المتفحّش اللعّان،الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم،و إذا ذكروه لعنوه (4).
من روح اللّه أي:رحمته لقوله تعالى: «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» باللّه.
1) 1)
2) 2) هذا المعنى أخرجه ابن المغازلي في مناقبه:5 ح 73 و 237 ح 285،و الصدوق في أماليه:86 ح 1 المجلس 21، و [3]الكراجكي في كنز الفوائد:281،و الخزاز في كفاية الأثر:157 [4] في ضمن أحاديث.
3) 3) شرح ابن أبي الحديد 19:314.و [5]الآيات 97،98 من سورة الأعراف. [6]
4) 4) الكافي 2:290 ح 7،و [7]النقل بتقطيع.
في(كشكول البهائي):قال بعض أصحابه عليه السلام له:هل نسلم على مذهب هذه الامة؟فقال:يراه اللّه للتوحيد أهلا و لا تراه للسلام أهلا.
و في(ذيل الطبري):أصاب الزهري دما خطأ،فخرج و ترك أهله، و ضرب فسطاطا و قال:لا يظلّني سقف بيت أبدا،فمر به علي بن الحسين عليه السلام فقال له:يا ابن شهاب قنوطك أشدّ من ذنبك،فاتق اللّه و استغفره و ابعث إلى أهله بالديّة و ارجع إلى أهلك و كان يقول علي بن الحسين عليه السلام أعظم الناس علي منة (1)
منتخب ذيل المذيل:119.
.و في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أن رجلا قال:لا و اللّه لا يغفر اللّه لفلان!فقال عزّ و جل:من ذا الذي تألى عليّ أن لا أغفر لفلان،فإنّي قد غفرت لفلان، و أحبطت عمل ذاك القائل (2).
و روي:أنّ رجلا كان في بني إسرائيل منهمكا في المعاصي،فأتى في بعض أسفاره على بئر فإذا كلب قد لهث من العطش فرقّ له،فأخذ عمامته و شدّها بخفه و استقى الماء و أروى الكلب،فأوحى اللّه تعالى إلى نبي ذاك الزمان:إنّي قد غفرت ذنبه بشفقته على خلق من خلقي،فسمع ذلك فتاب.
و روي:أنّ عابدا عبد اللّه ثمانين سنة ثمّ أشرف على امرأة فوقعت في نفسه،فنزل إليها،فراودها عن نفسها فطاوعته،فلمّا قضى منها حاجته طرقه الموت،فاعتقل لسانه،فمرّ سائل فأشار إليه أن خذ رغيفا كان في كسائه،فأحبط اللّه عمل ثمانين سنته بتلك الزنية،و غفر اللّه له بذلك الرغيف.
و روي:أنّه كان في بني إسرائيل عابد غائظ إبليس،فاحتال عليه فجاء
عنده،و قام إلى الصلاة ليلا و نهارا بدون ملل،فتعجب العابد و قال له:من أين لك هذه القوة في العبادة؟فقال له:لأني زنيت بفلانة الفاجرة،فانخدع العابد، فذهب اليها و قصّ عليها قصّته،فقالت له:إنّه كان الشيطان فلا تنخدع.فماتت من ليلتها،فأصبحت،و اذا على بابها مكتوب احضروا فلانة فانها من أهل الجنّة،فارتاب الناس و مكثوا ثلاثة أيام لا يدفنونها،فأوحى تعالى إلى نبيّهم أن ائت فلانة فصلّ عليها و مر الناس أن يصلّوا عليها،فإنّي أوجبت لها الجنّة بتثبيطها عبدي فلانا عن معصيتي (1)
أخرجه الكليني في الكافي 8:384 ح 584،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الخصال)،عن الصادق عليه السلام:تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات،فلما لحق به قال له:يا هذا،ما أرفع من السماء و أوسع من الأرض و أغنى من البحر،و أقسى من الحجر،و أشدّ حرارة من النار، و أشد بردا من الزمهرير،و أثقل من الجبال الراسيات؟فقال له:الحقّ أرفع من السماء،و العدل أوسع من الأرض،و غنى النفس أغنى من البحر،و قلب الكافر أقسى من الحجر،و الحريص الجشع أشد حرارة من النار،و اليأس من روح اللّه أشدّ بردا من الزمهرير،و البهتان على البرىء أثقل من الجبال الراسيات (2)! و مرّ في فصل الإمامة العامّة قوله عليه السلام:«لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها» (3)و تلا عقيب ذلك «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» (4).
الحكمة(135)
و قال عليه السلام:
مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً- مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الاِسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ- وَ مَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ قال؟الرضي؟و تصديق ذلك كتاب الله قال الله في الدعاء «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» - و قال في الاستغفار «وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحِيماً» - و قال في الشكر «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» - و قال في التوبة- «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً » أقول:نقلناه في هذا الفصل لكون جملة«و تصديق ذلك»إلى آخرها من كلامه عليه السلام على الأصح دون كونه من كلام الرضي،و لخلو ابن ميثم الذي نسخته بخط مصنّفه من فقرة«قال الرضي» (1)
شرح ابن ميثم 5:317. [1]
و(الخطية)أيضا خالية منها و(المصرية)الاولى أيضا خالية منها،و انما زادها في الثانية اخذا من ابن أبي الحديد،لكن ابن أبي الحديد و إن زادها إلاّ انّه قال:في بعض الروايات أن الجملة من كلامه عليه السلام...إلخ (2).قلت:و لو كانت الجملة من كلام الرضي رضي اللّه عنه عنه لقال:«و تصديق قوله عليه السلام»لا أن يقول:«و تصديق ذلك»،فان التعبير يشهد بكونه كلامه عليه السلام
ذكره شاهدا و مستندا،و إنّما توهم من زاد الجملة أنّه كلام الرضي لسوء فهمه فزادها توضيحا لما زعم.
ثم ما نقلناه«و تصديق ذلك كتاب اللّه»إنّما هو في(المصرية)، و الصواب:«و تصديق ذلك في كتاب اللّه سبحانه»كما في(ابن ميثم)الذي نسخته بخط مصنّفه،و كذا في(ابن أبي الحديد و الخطية)ذلك لكن فيهما بدل سبحانه«تعالى» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 18:331،و [1]شرح ابن ميثم 5:317. [2]
.ثم نظير ذلك في استشهاده عليه السلام بالآيات ما رواه في(مهج الدعوات) علي بن طاوس عن خط ابن الباقلاني النحوي المتكلّم،قال حدّثني السيّد الأوحد العالم مؤيد الدين شرف القضاة عبد الملك أنّه كان مريضا فجاءه أمير المؤمنين عليه السلام-أي في المنام-و كأنّه قد نزل من الهواء و قال له«الشفاء»و أمرّ يده على ذراعه الأيمن ثمّ قال له قل ثلاث مرّات«أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم،الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا اللّه و نعم الوكيل (2)،أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم،و أفوض أمري إلى اللّه إنّ اللّه بصير بالعباد (3)،أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم،ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده و هو العزيز الحكيم» (4)إذا قلت«الّذين قال لهم النّاس»قال تعالى «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ» (5)و اذا قلت
«وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ» قال تعالى «فَوَقاهُ اللّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ» (1)
فاطر:45. [1]
و اذا قلت«ما يفتح اللّه»فهذا الايمان التام -الخبر (2).الحكمة(270)
وَ رُوِيَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ؟عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فِي أَيَّامِهِ- حَلْيُ؟الْكَعْبَةِ؟ وَ كَثْرَتُهُ فَقَالَ قَوْمٌ- لَوْ أَخَذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ- كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ وَ مَا تَصْنَعُ؟الْكَعْبَةُ؟ بِالْحَلْيِ- فَهَمَّ؟عُمَرُ؟ بِذَلِكَ وَ سَأَلَ؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع؟- فَقَالَ إِنَّ؟الْقُرْآنَ؟ أُنْزِلَ عَلَى؟النَّبِيِّ ص؟- وَ الْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ- فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ- وَ الْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ- وَ الْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللَّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ- وَ الصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا- وَ كَانَ حَلْيُ؟الْكَعْبَةِ؟ فِيهَا يَوْمَئِذٍ- فَتَرَكَهُ اللَّهُ عَلَى حَالِهِ- وَ لَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً وَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً- فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- فَقَالَ لَهُ ؟عُمَرُ؟ لَوْلاَكَ لاَفْتَضَحْنَا- وَ تَرَكَ الْحَلْيَ بِحَالِهِ «و روي أنّه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة و كثرته فقال قوم:لو أخذته فجهّزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر و ما تصنع
الكعبة بالحلي» أقول:في تاريخ الطبري كان تبّع و قومه أصحاب أوثان يعبدونها،فأتاه نفر من هذيل فقالوا له:ألا ندلّك على بيت مال قد أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت و الذهب و الفضة،قال:بلى،قالوا:بيت بمكة يعبده أهله و يصلّون عنده-و انما أراد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك و بغى عنده-فلمّا أجمع لما قالوا،أرسل إلى حبرين من أحبار اليهود كانا أعلم أهل زمانهما و كان خرج بهما معه،فقالا له:
ما أراد القوم إلاّ هلاكك و هلاك جندك،و لئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن و ليهلكن من معك من جندك،قال:فما ذا تأمرانني أن أصنع؟قالا:ما يصنع أهله!تطوف به و تعظّمه و تحلق عنده رأسك،و تتذلل له حتى تخرج من عنده، قال:فما يمنعكما أنتما من ذلك؟قالا:أما و اللّه انّه لبيت أبينا إبراهيم،و لكن أهله حالوا بينه و بيننا بالأوثان التي نصبوا حوله،و بالدماء التي يهريقون عنده و هم نجس،فعرف نصحهما،فقرّب الهذليين فقطع أيديهم و أرجلهم،ثم مضى حتى قدم مكة و أري في المنام أن يكسو البيت فكساه بالخصف،ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر،ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاءة و الوصائل،فكان تبّع فيما يزعمون أوّل من كساه،و أوصى به ولاته من جرهم،و أمرهم بتطهيره و ان لا يقرّبوه دما و لا ميتة و لا ميلاثا -و هي الحائض-و جعل له بابا و مفتاحا (1)
تاريخ الطبري 1:531،و [1]النقل بتصرف يسير.
.(فهمّ عمر بذلك) :في(ملاحم ابن طاوس)نقلا عن فتن نعيم بن حمّاد -و هو من رجال العامة-في أخبارهم المهدي عليه السلام عن ابن وهب عن إسحاق بن يحيى عن طلحة التميمي عن طاوس قال:ودع عمر البيت ثم قال:و اللّه ما أدري أدع خزائن البيت،و ما فيه من السلاح و المال،أم أقسمه في سبيل اللّه،فقال له
1) 1)
علي عليه السلام:امض فلست بصاحبه،إنما صاحبه منّا شابّ من قريش يقسمه في سبيل اللّه في آخر الزمان (1)
نقله عن فتن نعيم بن حمّاد ابن طاوس في الملاحم:72،و [1]المقدسي في عقد الدرر:154،و [2]السيوطي في العرف الوردي:154. [3]
.و أخذ أموال الكعبة بغير حقّ جمع،منهم ابن الأفطس،ففي(تأريخ الطبري)جلس حسين بن الحسن الأفطس في أول يوم من محرم سنة مائتين بعد تفرّق الحاجّ خلف المقام على نمرقة مثنية،فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجرّدت منها حتى لم يبق من كسوتها شيئا و بقيت حجارة مجرّدة،ثم كساها ثوبين من قّز رقيق كان أبو السرايا وجّه بها معه،و عمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه،و جعلوا يحكّون الذهب الرقيق الذي في رءوس أساطين المسجد فيخرج من الاسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحوه،حتى عمّ ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام،و قلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم،و من خشب الساج فبيع بالثمن الخسيس (2).
و منهم الجنابي القرمطي،ففي(صلة تاريخ الطبري):سار الجنابي القرمطي في سنة(316)إلى مكة فدخلها و أوقع بأهلها عند اجتماع الموسم و اهلال الناس بالحج يقتل المسلمين بالمسجد الحرام و هم متعلقون بأستار الكعبة و اقتلع الحجر و ذهب به و اقتلع أبواب الكعبة و جرّدها من كسوتها، و أخذ جميع ما كان فيها من آثار الخلفاء التي زيّنوا بها الكعبة و ذهبوا بدرة اليتيم و كانت فيما ذكر أهل مكة أربعة عشر مثقالا،و قرن كبش ابراهيم و عصا موسى ملبسين بالذهب مرصّعين بالجوهر،و طبق و مكبّة من ذهب و سبعة عشر قنديلا كانت بها من فضّة،و ثلاث محاريب فضّة كانت دون
القامة منصوبة في صدر البيت،ثم ردّ الحجر بعد أعوام،و لم يرد من سائر ذلك شيء.
و قيل إنّ الجنابي صعد إلى سطح الكعبة ليقلع الميزاب و هو من خشب ملبس بالذهب،فرماه بنو هذيل الأعراب من جبل أبي قبيس بالسهام حتى أزالوه و لم يصل إلى قلعه (1)
صلة تاريخ الطبري:59،و النقل بتصرف يسير.
.و بعضهم بدّل كسوته و بابه،ففي(تاريخ الطبري):نزع المهدي سنة (160)كسوة الكعبة التي كانت عليها و كساها كسوة جديدة،و ذلك أنّ حجبة الكعبة رفعوا إليه أنّهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة،فأمر أن يكشف عنها ما عليها من الكسوة حتى بقيت مجردّة،ثم طلى البيت كلّه بالخلوق،و ذكر أنّهم لمّا بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجا ثخينا جيّدا،و وجدوا كسوة من كان قبله عامّتها من متاع اليمن (2).
و في(كامل الجزري):قلع الخليفة المقتفي في سنة(552)باب الكعبة و عمل عوضه بابا مصفحا بالنقرة المذهبة،و عمل لنفسه من الباب الأوّل تابوتا يدفن فيه إذا مات (3).
«و سأل» هكذا في(المصرية)و الصواب:«و سأل عنه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4)«أمير المؤمنين عليه السلام» في(تاريخ الخطيب)،قال المهدي لشريك القاضي:ما تقول في علي بن أبي طالب؟قال:ما قال فيه جدّك العباس و عبد اللّه.قال:و ما قالا فيه؟قال:فأما العباس فمات،و علي عنده أفضل الصحابة،و قد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عمّا ينزل من النوازل،و ما
احتاج هو الى أحد حتى لحق باللّه-إلى آخر ما فيه (1)
تاريخ بغداد 9:292. [1]
.و كما أشار عليه السلام عليه بعدم تعرّضه لحلي الكعبة كذلك أشار عليه بعدم إقرار بهار كسرى.قال الجزري في(كامله)في فتح القادسية:أرسل سعد بن أبي وقاص بعد الفتح في الخمس كلّ شيء أراد أن تعجب منه العرب و أراد إخراج خمس القطيف-و هو بهار كسرى-فلم تعتدل قسمته،فقال للمسلمين:
هل تطيب أنفسكم عن أربعة أخماسه فنبعث به الى عمر يضعه حيث يشاء، فانا لا نراه ينقسم و هو بيننا قليل و هو يقع من أهل المدينة موقعا؟قالوا:نعم، فبعثه و هو بساط طوله ستون ذراعا و عرضه ستون ذراعا مقدار جريب، كانت الأكاسرة تعدّه للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه فكأنّهم في رياض،فيه طرق كالصور،و فيه فصوص كالأنهار،أرضها مذهّبة،و خلال ذلك كالدر و في حافاته كالأرض المزروعة و الأرض المبقلة بالنبات في الربيع،و الورق من الحرير على قضبان الذهب و زهره الذهب و الفضة و ثمرة الجوهر و أشباه ذلك،و كانت العرب تسمّيه القطيف،فقال عمر:أشيروا علي فيه،فمن بين مشير بقبضه و آخر مفوض إليه،فقال له علي عليه السلام:لم تجعل علمك جهلا و يقينك شكّا،انّه ليس لك من الدنيا إلاّ ما أعطيت فأمضيت،أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت،و إنّك إن تبقه على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له؟فقال:صدقتني و نصحتني،فقطّعه بينهم فأصاب عليّا عليه السلام منه قطعة لم تكن بأجود تلك القطع،فباعه بعشرين ألفا (2).
و كما أشار عليه السلام على عمر بعدم تعرّض حليّ الكعبة أشار علي بن الحسين عليه السلام على الحجاج بمنعه من هتك تراب البيت.
و في(الكافي)عن أبان بن تغلب:لما هدم الحجاج الكعبة،فرّق الناس ترابها،فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها،خرجت عليهم حيّة فمنعت الناس البناء حتى هربوا،فأتوا الحجاج فأخبروه،فخاف أن يكون قد منع بناءها،فصعد المنبر ثم قال:أنشد اللّه عبدا عنده ممّا ابتلينا به علم لمّا أخبرنا به!فقام إليه شيخ فقال:إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى،فقال الحجاج:من هو؟فقال:علي بن الحسين.فقال:
معدن ذلك،فبعث اليه عليه السلام فأخبره بما كان من منع اللّه إيّاه البناء،فقال له:إنّك عمدت إلى بناء إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام،فألقيته في الطريق و انهبته كأنّك ترى انّه تراث لك!اصعد المنبر و أنشد الناس أن لا يبقى أحد عنده شيء إلاّ ردّه، فردّوه،فلما جمع التراب أتى عليه السلام،فوضع الأساس و أمرهم أن يحفروا فتغيّبت عنهم الحيّة،و حفروا حتى انتهوا إلى موضع القواعد،قال عليه السلام لهم:تنحّوا، فتنحّوا فدنا منها فغطّاها بثوبه،ثم غطّاها بالتراب بيده ثم دعا الفعلة فقال:
ضعوا بناءكم...الخبر (1)
الكافي 4:322 ح 8،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«فقال عليه السلام:إنّ القرآن أنزل على النبي» هكذا في(المصرية و ابن ميثم و الخطية)و لكن في(ابن أبي الحديد)«على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» (2)«و الأموال أربعة» إن عمر لم يكن يعرف ما يعرفه باقي الصحابة و التابعين.
فقال ابن عبد البر في(استيعابه)في عنوان صعصعة:صعصعة هو القائل لعمر حين قسّم المال الذي بعث اليه أبو موسى و كان ألف ألف درهم، و فضلت منه فضلة،فاختلفوا عليه حيث يضعها،فقام خطيبا و قال:أيّها الناس إنّه قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس،فما تقولون فيها؟فقام صعصعة،
و هو غلام شاب فقال:إنّما تشاور الناس في ما لم ينزل اللّه فيه قرآنا،و أما ما أنزل اللّه به القرآن و وضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه اللّه تعالى فيها!فقال صدقت (1)
الاستيعاب 2:196. [1]
.«أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض» فقال في الطبقة الاولى:
«يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» (2).
و قال في الطبقة الثانية: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (3).
و قال جل و علا: «وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» (4).
و قال في الطبقة الثالثة: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ» (5).
و ذكر ميراث الأزواج فقال: «وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ» -إلى قوله-
«فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ» (1)
النساء:12. [1]
.و ذكر إبطال العصبة في مورد البنات و الأخوات التي يقول بها مخالفونا فقال: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (2).
و دلّ على بطلان العول و ورود النقص على البنات و الأخوات دون الأزواج و الآباء و الامهات،بأن جعل للاولى فريضة واحدة و للأخيرة فريضتان.قال ابن عباس:و أول من أعال عمر فقال ما أدري أيكم قدّم و أيكم أخر،و لو قدّم من قدّم اللّه و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة،فقيل له:فما قدّم و ما أخّر؟فقال:المقدّم فريضة الزوجين و الامهات و المؤخر فريضة البنات و الأخوات.فقيل له:فما منعك أن تشير بهذا على عمر؟قال:هبته (3).
«و الفيء فقسّمه على مستحقيه» فقال جلّ و علا: «وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» (4).
و قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللّهُ عَلَيْكَ» (5).
قالوا:أي بالسبي كصفية و جويرية.
«و الخمس فوضعه اللّه حيث وضعه» قال تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ» (1)
الانفال:41. [1]
.و الفيء كلّه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل بيته عليهم السلام،و الغنيمة خمسها له و لهم.
و في(أدب كتّاب الصولي):ولّى عمر السائب قسمة الغنائم بنهاوند لما فتحها اللّه على المسلمين،فجمع السائب الغنائم فقسّمها،ثم جاء من دلّه على كنز الفخير جان و كان سفطين من جوهر،فاستخرجهما فأتى بهما عمر، فأمره أن يبيعهما و يقسّم ثمنها بين الذرية و لم يأمره أن يخمسه،فتبيّن أنّه جعله فيئا و لم يجعله غنيمة (2).
و عن كتاب(خراج أبي يوسف)أن نجدة بن عامر سأل ابن عباس عن سهم ذي القربى،فكتب إليه:هو لنا و إن عمر دعانا إلى أن ننكح منه أيّمنا و نقضي به عن مغرمنا و نخدم منه عائلنا،فأبينا إلاّ أن يسلمه إلينا و أبى ذلك علينا (3).
«و الصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها» فقال تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ » (4).
«و كان حلي» بالفتح فالسكون و جمعه«حلي»بالضم فالكسر من حلي المرأة «الكعبة فيها يومئذ فتركه اللّه على حاله و لم يتركه نسيانا و لم يخف» بالفتح من خفي «عليه» هكذا في(المصرية)و الصواب:«عنه»كما في(ابن أبي الحديد
و الخطيّة) (1)
شرح ابن أبي الحديد 19:158. [1]
«مكانا فأقرّه» بكسر القاف «حيث أقرّه اللّه و رسوله» .إنّما أمر عليه السلام بإقرار حليها على حالها،و أما ما يهدى اليها لا حليا،فلحاجّ لم يكن له نفقة الرجوع.ففي الكافي:أنّ قوما أقبلوا من مصر فمات منهم رجل فأوصى بألف درهم للكعبة،فلما قدم الوصي مكة سأل فدلّوه على بني شيبة، فأتاهم فأخبرهم فقالوا:قد برئت ذمّتك ادفعها إلينا،فسأل الناس فدلوه على أبي جعفر الباقر عليه السلام،فأتاه فسأله فقال:إنّ الكعبة لغنية عن هذا،انظر إلى من أمّ هذا البيت،فقطع به أو ذهبت نفقته أو ضلّت راحلته أو عجز أن يرجع إلى أهله فادفعها إليه.فأتى الرجل بني شيبة فأخبرهم بقوله عليه السلام،فقالوا له:هذا ضالّ مبتدع ليس له علم و لا يؤخذ عنه،و نحن نسألك لمّا أبلغته عنّا هذا الكلام، فأتاه فقال له:زعموا أنّك كذا و كذا و سألوني بالعظيم ألاّ بلّغتك ما قالوا،قال:
و انا أسألك بما سألوك لمّا آتيتهم فقلت لهم:إنّه يقول إنّ من علمي أن لو ولّيت شيئا من امور المسلمين لقطعت أيديهم ثمّ علقتها في أستار الكعبة ثم أقمتهم على المصطبة ثم أمرت مناديا ينادي:ألا إنّ هؤلاء سرّاق اللّه فاعرفوهم.
و فيه عن الكاظم عليه السلام:جعل رجل جاريته هديا للكعبة،فقال له أبي عليه السلام:
قوّم الجارية أو بعها ثم مر مناديا يقوم على الحجر فينادي:ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان،و مره أن يعطي أولا،فأوّلا حتى ينفد ثمن الجارية (2).
«فقال له» هكذا في(المصرية)،و كلمة «له» زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3)«عمر لولاك لافتضحنا و ترك الحلي بحاله»
و عرف خطأ المشيرين عليه بأخذه.
و ورد شكر عمر له عليه السلام لما أرشده في مواضع اخر في امور شخصه و في امور غيره بألفاظ مختلفة:
منها:ما روي عن الربيع بن زياد-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-قال:قدمت على عمر بمال من البحرين،فصلّيت معه العشاء ثم سلّمت عليه فقال:ما قدمت به؟قلت:خمسمائة ألف.قال:ويحك إنّما قدمت بخمسين ألفا،قلت:بل خمسمائة الف،قال:كم يكون ذلك.قلت:مائة ألف و مائة ألف حتى عددت خمسا.فقال:إنّك ناعس،ارجع إلى بيتك ثم اغد علي،فغدوت عليه فقال:ما جئت به؟قلت:ما قلت لك،فاستشار الصحابة فيه فأشير عليه بنصب الديوان،فنصبه و قسّم المال بين المسلمين ففضلت عنده فضلة،فأصبح فجمع المهاجرين و الأنصار و فيهم علي بن أبي طالب عليه السلام و قال للناس:ما ترون في فضل،فضل عندنا من هذا المال؟فقال الناس:إنّا شغلناك بولاية امورنا عن أهلك و تجارتك و صنعتك فهو لك،فالتفت إلى علي عليه السلام فقال:ما تقول أنت؟قال:قد أشاروا عليك!قال:فقل أنت،فقال له:لم تجعل يقينك ظنّا.
فلم يفهم عمر ما قال،فقال له:لتخرجن ممّا قلت.قال:أجل و اللّه لأخرجن منه، أتذكر حين بعثك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ساعيا فأتيت العباس فمنعك صدقته فكان بينكما شيء،فجئتما إليّ و قلتما:انطلق معنا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فجئنا اليه فوجدناه خاثرا،فرجعنا ثم غدونا عليه فوجدناه طيّب النفس،فأخبرته بالذي صنع العباس فقال لك:يا عمر أما علمت أنّ عمّ الرجل صنو أبيه!فذكرنا له ما رأينا من خثوره في اليوم الأول و طيب نفسه في اليوم الثاني،فقال:إنّكم أتيتم في اليوم الأول و قد بقي عندي من مال الصدقة ديناران،فكان ما رأيتم من خثوري،و أتيتم في اليوم الثاني و قد وجّهتهما فذاك الذي رأيتم من طيب نفسي.أشير عليك أن لا تأخذ من هذا الفضل شيئا و ان تفضّه على فقراء
المسلمين،فقال عمر:صدقت و اللّه لأشكرن لك الاولى و الأخيرة (1)
شرح ابن أبي الحديد 12:99،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و منها:ما روي عن أبي سعيد الخدري-و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر قال:حججنا مع عمر أوّل حجّة حجّها في خلافته،فلما دخل المسجد الحرام،دنا من الحجر الأسود فقبّله و استلمه،و قال:إنّي لأعلم أنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع،و لو لا أني رأيت النبي قبّلك و استلمك لما قبّلتك و لا استلمتك.فقال له علي عليه السلام:بلى إنّه يضر و ينفع،و لو علمت تأويل ذلك من كتاب اللّه لعلمت أنّ الذي أقول لك كما أقول،قال اللّه تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى» (2)،فلما أشهدهم و أقرّوا له أنّه الربّ و أنّهم العبيد كتب ميثاقهم في رقّ، ثم ألقمه هذا الحجر،و إنّ له لعينين و لسانا و شفتين تشهد لمن وافاه بالموافاة، فهو أمين اللّه تعالى في هذا المكان.فقال عمر:لا أبقاني اللّه بأرض لست بها يا أبا الحسن (3).
و روى الكافي عن الصادق عليه السلام قال:إنّ اللّه تعالى لما أخذ مواثيق العباد أمر الحجر فالتقمها و لذلك يقال«أمانتي أدّيتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة» (4).
و منها:ما رواه الكافي عن الصادق عليه السلام:إن امرأة كانت تؤتى،فبلغ ذلك عمر فبعث إليها فروّعها و أمر أن يجاء بها إليه،ففزعت المرأة،فأخذها الطلق فانطلقت إلى بعض الدور فولدت غلاما فاستهلّ الغلام ثمّ مات،فدخل عليه من روعة المرأة و من موت الغلام،فقال له بعض جلسائه ما عليك من هذا شيء
و قال بعضهم و ما هذا؟فقال لهم سلوا أبا الحسن!فقال عليه السلام لهم:إن كنتم اجتهدتم ما أصبتم،و لئن كنتم قلتم برأيكم لقد أخطأتم،ثم قال لعمر:عليك دية الصبيّ.رواه ابن أبي الحديد في موضع آخر و قال:و في خبره«عليك غرة» يعني عتق رقبة (1)
الكافي 7:374 ح 11، [1]لكن لم اظفر عليه في شرح ابن أبي الحديد.
.و منها:ما رواه السروي في مناقبه أن عمر أمر برجل يمني محصن فجر بالمدينة أن يرجم،فقال له علي عليه السلام:لا يجب عليه الرجم،لأنه غائب عن أهله،و أهله في بلد آخر،انّما يجب عليه الحدّ،فقال عمر:لا أبقاني اللّه لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن (2).
و منها:ما رواه(مناقب الخوارزمي)أن عمر أتي بامرأة حامل،فسألها فاعترفت بالفجور،فأمر بها أن ترجم،فلقيها علي عليه السلام فقال:ما بال هذه المرأة؟فقالوا له:أمر عمر بها أن ترجم.فردّها،و قال لعمر:أمرت بها أن ترجم؟قال:نعم،اعترفت بالفجور.فقال عليه السلام له:هذا سلطانك عليها،فما سلطانك على ما في بطنها؟ثم قال له:لعلّك انتهرتها أو أخفتها!فقال:قد كان ذلك،فقال له:أو ما سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:لا حدّ على معترف بعد البلاء.إنّه من قيّدت أو حبست أو تهدّدت فلا إقرار له،فخلّى عمر سبيلها ثم قال:عجزت النساء أن يلدن مثل علي!لو لا علي لهلك عمر (3).
و منها:ما رواه(فتوح البلاذري)أنّ رجلا يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة على عهد عمر،فأصاب مالا من خراج الكوفة.قال:فلمّا صلّى عمر صلاة الصبح قال للنّاس:مكانكم،و ذكر قصّته لهم و قال:
ما تقولون فيه؟فقال قائل اقطع يده،و قال قائل اصلبه،و علي عليه السلام ساكت،فقال له عمر:ما تقول أبا الحسن؟قال:رجل كذب كذبة عقوبته في بشره،فضربه عمر ضربا شديدا و حبسه (1)
فتوح البلدان:449. [1]
! و منها:ما رواه(الكافي)عن عاصم السلولي قال:سمعت غلاما يقول:يا أحكم الحاكمين،احكم بيني و بين امّي،فقال له عمر:لم تدعو على امّك؟قال:إنّها حملتني في بطنها تسعة أشهر و ارضعتني حولين،فلما ترعرعت، و عرفت الخير من الشر طردتني،و زعمت أنّها لا تعرفني،فقال عمر:يا هذه ما يقول الغلام؟فقالت:و الذي احتجب بالنور،فلا عين تراه،ما أعرفه و لا أدري من أيّ الناس هو؟يريد أن يفضحني في عشيرتي،و انّي جارية من قريش لم تتزوج قط،فقال عمر:ألك شهود؟فقالت:نعم هؤلاء إخوتي،فتقدّم أربعون قسامة فشهدوا عند عمر،أنّ الغلام يريد أن يفضحها و أنّها جارية من قريش بخاتم ربّها،فقال عمر:خذوا هذا الغلام و انطلقوا به الى السجن حتى نسأل عن الشهود،فان عدلوا جلدته حدّ المفتري،فأخذوه للسجن،فتلقّاهم أمير المؤمنين عليه السلام في بعض الطريق،فنادى الغلام:يا ابن عمّ النبي،أنا غلام مظلوم و أعاد عليه الكلام الذي كلّم به عمر.فقال عليه السلام:ردّوه،فقال لهم عمر:
أمرت به الى السجن!قالوا:أمرنا علي عليه السلام أن نردّه و سمعناك تقول:لا تعصوا لعليّ أمرا،فبينا هم كذلك إذا أقبل علي عليه السلام فقال:علي بأمّ الغلام.فأتي بها فقال علي عليه السلام:يا غلام ما تقول؟فأعاد الكلام،فقال علي عليه السلام لعمر:أ تأذن لي أن أقضي بينهم؟فقال عمر:سبحانه اللّه!كيف لا و قد سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:
«أعلمكم علي»،ثم قال عليه السلام للمرأة:يا هذه ألك شهود؟قالت:نعم،فتقدّم الأربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الاولى.فقال عليه السلام:لأقضين اليوم بقضية
1) 1)
هي مرضاة للربّ علّمني حبيبي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.ثم قال لها:أ لك وليّ؟قالت:نعم إخوتي،فقال عليه السلام لهم:أمري فيكم و في أختكم جائز؟قالوا:نعم يا ابن عمّ النبي،فقال عليه السلام:أشهد اللّه و من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم و النقد من مالي!يا قنبر علي بالدراهم،فأتاه قنبر بها فصبّها في يد الغلام و قال له:خذها فصبّها في حجر امرأتك،و لا تأتني إلاّ و بك أثر العرس يعني الغسل!فقام الغلام فصبّ الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها،فقال لها قومي،فنادت المرأة:النار!النار!يا ابن عم رسول اللّه، تريد أن تزوّجني من ولدي هذا،و اللّه ولدي زوّجني اخوتي هجينا فولدت منه هذا الغلام،فلما ترعرع و شبّ أمروني أن انتفي منه و أطرده،هذا و اللّه ولدي و فؤادي يتقلّى أسفا عليه!!ثم أخذت بيد الغلام و انطلقت،فنادى عمر:و اعمراه لو لا علي لهلك عمر (1)
الكافي 7:423 ح 6،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و ما رواه محمد بن محمد بن النعمان المفيد في(إرشاده):أنّ امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما ولدا لها بغير بيّنة،و لم ينازعهما فيه غيرهما،فالتبس الحكم في ذلك على عمر،و فزع فيه الى أمير المؤمنين عليه السلام،فاستدعى المرأتين و وعظهما و خوّفهما،فأقامتا على التنازع فقال عليه السلام عند تماديهما:إيتوني بمنشار،فقالت المرأتان:ما تصنع؟فقال:أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه!!فسكتت إحداهما و قالت الاخرى:اللّه اللّه يا أبا الحسن!ان كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها.فقال عليه السلام:اللّه أكبر هذا ابنك دونها،و لو كان ابنها لرقّت عليه و أشفقت،فاعترفت المرأة الاخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها و الولد لها دونها،فسرى عن عمر(غمّه)و دعا له عليه السلام بما فرّج عنه في القضاء.
1) 1)
و رواه السروي في(مناقبه)و قال:و هذا حكم سليمان في صغره (1)
الإرشاد:110،و مناقب السروي 2:367.
.و ما رواه الكافي،أن عمر أتي بجارية قد شهدوا عليها أنها قد بغت، و كانت من قصتها أنّها كانت يتيمة عند رجل،و كان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله،فشبّت اليتيمة فتخوفت المرأة أن يتزوّجها زوجها،فدعت بنسوة فأمسكتها فأخذت عذرتها باصبعها،فلما قدم زوجها رمتها بالفاحشة و أقامت البينة من جاراتها اللاتي ساعدنها على ذلك،فرفع ذلك إلى عمر،فلم يدر كيف يقضي فيها،ثم قال:نأت علي بن أبي طالب،فأتوه و قصوا عليه القصة فقال لامرأة الرجل:ألك بيّنة؟قالت:هؤلاء جاراتي يشهدن عليها، و أحضرتهن،فأخرج علي عليه السلام السيف من غمده،و طرحه بين يديه و أمر بكل واحدة منهم فأدخلت بيتا،ثم دعا امرأة الرجل فأدارها بكلّ وجه،فأبت أن تزول عن قولها،فردّها إلى البيت الذي كانت فيه و دعا احدى الشهود و جثا على ركبتيه ثمّ قال:تعرفيني أنا علي بن أبي طالب و هذا سيفي و قد قالت امرأة الرجل ما قالت و رجعت إلى الحقّ و أعطيتها الأمان و إن لم تصدّقيني لأمكنن السيف منك،فالتفتت المرأة إلى عمر و قالت له:الأمان على الصدق.فقال لها علي عليه السلام:فاصدقي.فقالت:لا و اللّه إلاّ أنّها رأت جمالا و هيئة،فخافت فساد زوجها،فسقتها المسكر و دعتنا،فأمسكناها فافتضتها بإصبعها.فقال علي عليه السلام:اللّه أكبر،أنا أوّل من فرق بين الشهود إلا دانيال النبي عليه السلام،و ألزمهن حد القاذف و ألزمهن جميعا العقر و جعل عقرها أربعمائة درهم،و أمر بالمرأة أن تنفى من الرجل و يطلقها زوجها و زوجه الجارية و ساق عنه المهر.فقال عمر له عليه السلام:حدثنا بحديث دانيال-الخبر (2).
و ما رواه عن الأصبغ أن عمر أتي بخمسة نفر أخذوا في الزنا،فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم حدّ،و كان علي عليه السلام حاضرا،فقال:يا عمر!ليس هذا حكمهم،قال:فأقم أنت عليهم الحكم،فقدّم واحدا فضرب عنقه،و قدّم الثاني فرجمه،و قدّم الثالث فضربه الحدّ،و قدّم الرابع فضربه نصف الحدّ،و قدّم الخامس فعزّره،فتحيّر عمر و تعجّب الناس من فعله،فقال له عمر:خمسة نفر في قضية واحدة،أقمت عليهم خمس حدود،ليس شيء منها يشبه الآخر.
فقال عليه السلام:أمّا الأوّل فكان ذميّا خرج عن ذمّته لم يكن له حكم إلا السيف،و أمّا الثاني فرجل محصن كان حدّه الرجم،و أما الثالث فغير محصن حدّه الجلد، و أمّا الرابع فعبد ضربناه نصف الحدّ،و أمّا الخامس،فمجنون مغلوب على عقله (1)
الكافي 7:265 ح 26. [1]
.و ما روي عن(فضائل العشرة):أن عمر أتي بابن أسود انتفى منه أبوه، فأراد عمر أن يعزّره،فقال علي عليه السلام للرجل:هل جامعت أمّه في حيضها؟قال:
نعم،قال:فلذلك سوّده اللّه.فقال عمر:لو لا علي لهلك عمر (2).
و ما رواه(مناقب السروي)،أن الهيثم كان في جيش،فلمّا جاءت امرأته بعد قدومه بستّة أشهر بولد،فأنكر ذلك منها،و جاء به الى عمر و قصّ عليه، فأمر برجمها فأدركها علي عليه السلام قبل أن ترجم،ثمّ قال لعمر:أربع على نفسك أنّها صدقت يقول تعالى: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (3)و يقول:
«وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» (4)فالحمل و الرضاع ثلاثون
شهرا،فقال عمر:لو لا علي لهلك عمر (1)
مناقب السروي 2:365.
.و ما رواه عن الصادق عليه السلام:أنّ عقبة بن أبي عقبة مات،فحضر علي عليه السلام جنازته و جماعة من أصحابه و فيهم عمر،فقال علي عليه السلام لرجل كان حاضرا:
إنّ عقبة لمّا توفي حرمت امرأتك فاحذر أن تقربها!فقال عمر:كلّ قضاياك عجيبة و هذه من أعجبها،يموت انسان فتحرم على آخر امرأته!فقال:نعم،انّ هذا عبد كان لعقبة تزوج امرأة حرّة،و هي اليوم ترث بعض ميراث عقبة،فقد صار بعض زوجها رقّا لها،و بضع المرأة حرام على عبدها حتى تعتقه و يتزوّجها،فقال عمر:لمثل هذا نسألك عمّا اختلفنا فيه (2).
و روى علي بن طاوس في كتابه(تشريف المنن)عن مجموع محمد بن الحسين المرزبان أن شريح القاضي قال:كنت أقضي لعمر،فأتاني رجل يوما فقال:إن رجلا أودعني امرأتين احداهما حرة مهيرة و الاخرى سرية، فجعلتهما في دار و أصبحت اليوم،و قد ولدتا غلاما،و جارية،و كلتاهما تدّعي الغلام و تنتفي من الجارية،فاقض بينهما بقضائك!فلم يحضرني شيء فيهما، فأتيت عمر فقصصت عليه القصة فقال:فما قضيت؟فقلت:لو كان عندي قضاء ما أتيتك!فجمع من حضره من الصحابة،و أمرني فقصصت القصة و شاورهم،فكلّهم ردّوا الرأي إليّ و إليه،فقال عمر:لكني أعرف حيث مفزعها و أين منتزعها،فقالوا:كأنّك أردت ابن أبي طالب،قال:نعم و أين المذهب عنه! قالوا:فابعث إليه يأتك فقال:لا،له شمخة من هاشم،و أثرة من علم يؤتى لها و لا يأتي،و في بيته يؤتى الحكم،فقوموا بنا إليه،فأتيناه،فوجدناه في حائط له يركل فيه على مسحاة و يقرأ «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» (3)
و يبكي!فأمهلوه حتى سكن ثم استأذنوا عليه،فخرج إليهم و عليه قميص قد نصّف أردانه،فقال لعمر:ما الذي جاءك به؟فقال:أمر عرض،و أمرني فقصصت عليه القصة،فقال:فبم حكمت فيها؟قلت:لم يحضرني حكم فيها، فأخذ بيده من الأرض شيئا ثم قال:الحكم فيه أهون من هذا!ثم أحضر المرأتين و أحضر قدحا ثم دفعه إلى احداهما فقال احلبي فيه،فحلبت ثم وزن القدح و دفعه إلى الاخرى فقال احلبي فيه،فحلبت فيه ثم وزنه،فقال لصاحبة اللبن الخفيف،خذي ابنتك،و لصاحبة اللبن الثقيل خذي ابنك،ثم التفت إلى عمر فقال:أما علمت أنّ اللّه تعالى حطّ المرأة عن الرجل،فجعل عقلها و ميراثها دون عقله و ديته،و كذلك لبنها دون لبنه.فقال عمر:لقد أرادك الحق يا أبا الحسن، و لكن قومك أبوا.فقال علي عليه السلام:خفّض عليك أبا حفص «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً» (1)
الأنبياء:17.
.و رواه(مناقب السروي)و قال:و قد جعلت الأطباء ذلك أساسا في الاستدلال على الذكر و الانثى (2).
و ما رواه(الكافي):أنّ عمر اتي بامرأة و زوجها شيخ فان،فلمّا أن واقعها مات على بطنها،فجاءت بولد فادّعى بنوه أنها فجرت و تشاهدوا عليها.
فأمر بها عمر أن ترجم،فمرّ بها علي عليه السلام فقالت:يا ابن عمّ النبي:ان لي حجّة! فقال:هاتي حجّتك،فدفعت إليه كتابا فقرأه،فقال:هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوجها،و يوم واقعها،ردّوا المرأة،فلما كان من الغد دعا بصبيان أتراب، و دعا بالصبي معهم فقال لهم:العبوا حتى إذا ألهاهم اللعب قال لهم:اجلسوا حتى اذا تمكنوا صاح بهم قوموا،فقام الصبيان،و قام الغلام فاتكى على
راحتيه،فدعا به علي عليه السلام و ورثه من أبيه،و جلد إخوته حدّ المفترين حدّا حدّا، فقال له عمر:كيف صنعت؟قال:عرفت ضعف الشيخ في اتكاء الغلام على راحتيه (1)
الكافي 7:424 ح 7،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و مما رواه أن عمر اتي برجل قد قتل أخا رجل،فدفعه إليه و أمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله،فحمل إلى منزله،فوجدوا به رمقا فعالجوه حتى برئ،فلمّا برئ أخذه أخو المقتول فقال:أنت قاتل أخي،ولي أن أقتلك،فقال قد قتلتني مرة،فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله،فمروا على علي عليه السلام فأخبره خبره،فقال:لا تعجلوا حتى أخرج،فدخل على عمر فقال له:ليس الحكم فيه هكذا،فقال:ما هو؟فقال:يقتصّ هذا من أخ المقتول أوّلا ما صنع به، ثم يقتله بأخيه،فنظر الرجل،إنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه،فعفا عنه، و تتاركا.
و روى السروي ذلك و زاد عليه:فرفع عمر يده إلى السماء،و قال:الحمد للّه الذي جعلكم أهل بيت الرحمة،ثمّ قال:لو لا علي لهلك عمر (2).
و قال المفيد في(الإرشاد):إنّ العامّة و الخاصّة روتا أن امرأة شهد عليها الشهود أنّهم وجدوا في بعض مياه العرب رجلا يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها و كانت ذات بعل فقالت:اللّهم إنّك تعلم أني بريئة،فغضب عمر و قال:و تجرحين الشهود أيضا،فقال علي عليه السلام:ردّوها فاسألوها فلعلّ لها عذرا،فردّت فسئلت فقالت:كانت لأهلي إبل فخرجت فيها،و حملت معي ماء، و لم يكن في إبل أهلي لبن،و خرج معي خليطنا و كان في إبله لبن،فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى امكّنه من نفسي،فلما كادت نفسي تخرج
مكّنته كرها،فقال علي عليه السلام:اللّه اكبر «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (1)
البقرة:173. [1]
فخلّى عمر سبيلها (2).و جاء في(مناقب السروي):صبّت امرأة بياض البيض على فراش ضرّتها و قالت:قد بات عندها رجل،و فتّش ثيابها فأصاب ذلك البياض،و قصّ على عمر فهمّ أن يعاقبها،فقال علي عليه السلام:إيتوني بماء حار قد اغلي غليانا شديدا،فلمّا أتي به أمرهم فصبّوا على الموضع،فاشتوى ذلك البياض فرمى به اليها،و قال للمرأة:إنّه من كيدكن إنّ كيدكن عظيم،و قال للرجل أمسك عليك زوجك،فإنّها حيلة تلك التي قذفتها فضربها الحدّ (3).
و ما فيه أيضا:أن امرأة محصنة فجر بها غلام صغير،فأمر عمر أن ترجم فقال له علي عليه السلام:لا يجب الرجم،إنّما يجب الحدّ،لأن الذي فجر بها ليس بمدرك (4).
و ما فيه أيضا:أن عمر أتي بامرأة مجنونة حبلى قد زنت،فأمر برجمها فقال له علي عليه السلام:أما سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:رفع القلم عن ثلاثة:عن المجنون حتى يبرأ-الخبر.
و رواه(إرشاد المفيد)و زاد:فرّج اللّه عنك لقد كدت أن أهلك (5)!و ما في (الإرشاد)أيضا:ان العامة و الخاصة روت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن يحدّه فقال له قدّامة:إنّه لا يجب علي الحدّ لأنّ اللّه تعالى يقول:
«لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا»
«وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ» (1)
المائدة:93. [1]
،فدرأ عمر عنه الحدّ فبلغ ذلك عليّا عليه السلام،فمشى إلى عمر فقال له:لم تركت الحدّ على قدّامة؟فقال:تلا علي هذه الآية.فقال عليه السلام:ليس قدّامة من أهل هذه الآية،و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم،إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لا يستحلون حراما،فاردد قدّامة و استتبه ممّا قال، فان تاب،فأقم عليه الحدّ و إن لم يتب فاقتله،فقد خرج عن الملّة،فاستيقظ عمر لذلك و عرف قدّامة الخبر فأظهر التوبة-الخبر (2).
و ما رواه الكافي عن زاذان:أن رجلين استودعا امرأة وديعة و قالا لها لا تدفعيها إلى واحد منّا حتى نجتمع عندك،ثم انطلقا فغابا فجاء أحدهما إليها، فقال:أعطني وديعتي و إن صاحبي قد مات،فأبت حتى كثر اختلافه ثمّ أعطته، ثم جاء الآخر فقال:هاتي وديعتي،فقالت المرأة:أخذها صاحبك،و ذكر أنّك متّ،فارتفعا إلى عمر فقال لها:ما أراك إلاّ و قد ضمنت!فقالت المرأة:اجعل بيني و بينه عليّا عليه السلام.فقال عمر له:اقض بينهما.فقال علي:هذه الوديعة عندي، و قد امرتماها ألاّ تدفعها إلى واحد منكما،حتى تجتمعا عندها،فآتني بصاحبك،و لم يضمنها (3).
و ما في(المناقب)أن مصقلة العبدي قال:
إنّا روينا في الحديث خبرا يعرفه سائر من كان روى
إن ابن خطاب أتاه رجل فقال كم عدّة تطليق الأما
فقال يا حيدر كم تطليقة للامة اذكره فأومأ المرتضى
بإصبعيه فثنى الوجه الى سائله و قال اثنتنان و انثنى
قال له تعرف هذا قال لا قال له:هذا علي ذو العلا (1)
مناقب السروي 2:370.
و جاء في(الفقيه):أن حفص بن غالب الأسدي قال:بينما رجلان جالسان في زمن عمر إذ مرّ بهما عبد مقيّد،فقال أحد الرجلين:إن لم يكن في قيده كذا و كذا،فامرأته طالق ثلاثا،فقال الآخر:إن كان فيه كما قلت،فامرأته طالق ثلاثا،فذهبا إلى مولى العبد فقالا له:إنّا حلفنا على كذا و كذا،فحلّ قيد غلامك حتى نزنه،فقال مولى العبد:امرأته طالق ثلاثا ان حللت قيد غلامي، فارتفعوا إلى عمر فقصّوا عليه القصّة،فقال عمر:مولاه أحق به،اذهبوا بنا إلى علي بن أبي طالب لعلّه يكون عنده في هذا شيء،فأتوه فقصّوا عليه فقال:ما أهون هذا!ثم أمر بجفنة و أمر بقيده فشد فيه خيطا،و أدخل رجليه و القيد في الجفنة،ثم صب عليه الماء حتى امتلأت ثم قال عليه السلام:ارفعوا القيد،فرفعوه حتى أخرج من الماء،فلما أخرج نقص الماء ثم دعا عليه السلام بزبر الحديد فأرسله في الماء حتى تراجع الماء إلى موضعه و القيد في الماء ثم قال:زنوا هذه الزبر فهو وزنه.
و رواه(فضائل ابن شاذان)و زاد:فلما فعلوا ذلك و انفصلوا دخلت نساؤهم عليهم و خرجوا،و هم يقولون:نشهد أنّك عيبة علم النبوّة! و قال الصدوق بعد نقله:إنما هدي عليه السلام إلى معرفة ذلك ليخلص الناس من أحكام من يجيز الطلاق باليمين (2).
و ما في(تذكرة سبط ابن الجوزي)نقلا عن(فضائل أحمد بن حنبل) مسندا أن عمر كان يقول«أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو حسن».قال
سعيد بن المسيب:و لهذا القول سبب،و هو ان ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل،فعرضها على الصحابة فلم يجد عندهم جوابا،فعرضها على أمير المؤمنين عليه السلام فأجاب عنها في أسرع وقت بأحسن عبارات.كان قيصر كتب إليه:إنّي سائلك عن مسائل فأخبرني عنها:ما شيء لم يخلقه اللّه،و ما شيء لا يعلمه اللّه،و ما شيء ليس عند اللّه،و ما شيء كلّه فم،و ما شيء كلّه رجل،و ما شيء كلّه عين،و ما شيء كلّه جناح،و سائلك عن رجل لا عشيرة له،و عن أربعة لم يحمل بهم رحم،و عن شيء يتنفّس و ليس فيه روح،و عن صوت الناقوس ما ذا يقول،و عن ظاعن ظعن مرة واحدة،و عن شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ما مثلها في الدنيا،و عن مكان لم تطلع عليه الشمس إلا مرّة واحدة،و عن شجرة نبتت من غير ماء،و عن أهل الجنّة يأكلون و يشربون و لا يتغوطون،و لا يبولون،ما مثلهم في الدنيا،و عن موائد الجنّة عليها القصاع في كلّ قصعة ألوان لا يختلط بعضها ببعض ما مثلها في الدنيا،و عن جارية تخرج من تفاحة الجنة و لا ينقص منها شيء،و عن جارية تكون في الدنيا لرجلين و هي في الآخرة لواحد،و عن مفاتيح الجنة ما هي؟ فقرأ علي عليه السلام الكتاب و كتب في الحال خلفه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم.اما بعد فقد وقفت على كتابك ايّها الملك و أنا اجيبك بعون اللّه تعالى و بركة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أما الشيء الذي لم يخلقه اللّه فالقرآن لأنه كلامه.
و أما الذي لا يعلمه اللّه فقولكم له ولد و له صاحبة و شريك «مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ» (1)
المؤمنون الاخلاص:91. [1]
«لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» (2).و أما الذي ليس عند اللّه فالظلم «وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ» (1)
فصلت:46. [1]
.و أمّا الذي كلّه فم فالنار تأكل كلّ ما يلقى فيها،و أمّا الّذي كلّه رجل فالماء.و أمّا الذي كلّه عين فالشمس،و أمّا الذي كلّه جناح فالريح،و أمّا الذي لا عشيرة له فآدم عليه السلام.و أمّا الذين لم يحمل بهم رحم فعصا موسى عليه السلام و كبش إبراهيم و شخص آدم و حوّاء.و أمّا الذي يتنفس من غير روح فالصبح قال تعالى «وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» (2).
و أما الناقوس فإنّه يقول:
طقا طقا حقا حقا
مهلا مهلا عدلا عدلا
صدقا صدقا ان الدنيا قد غرتنا و استهوتنا
تمضي الدنيا قرنا قرنا ما من يوم يمضي عنّا
إلا أوهى منا ركنا ان الموتى قد أخبرنا
إنّا نرحل فاستوطنا
و اما الظاعن مرة فطور سيناء لما عصت بنو إسرائيل و كان بينه و بين الأرض المقدسة أيام،فقلع اللّه منه قطعة و جعل لها جناحين من نور فنتقها عليهم،فذلك قوله تعالى «وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ» (3).و قال لبني اسرائيل ان تؤمنوا و إلا أوقعته عليكم،فلما تابوا ردّه إلى مكانه.
و أما المكان الذي لم تطلع عليه الشمس فأرض البحر لمّا فلقه اللّه تعالى
لموسى،و قام الماء أمثال الجبال و يبست الأرض بطلوع الشمس عليها،ثم عاد ماء البحر إلى مكانه.
و أما الشجرة التي يسير الركب في ظلّها مائة عام فشجرة طوبى،و هي سدرة المنتهى في السماء السابعة تنتهي إليها أعمال بني آدم،و هي من أشجار الجنة ليس في الجنة قصر و لا بيت إلاّ و فيه غصن من أغصانها، و مثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد،و ظلّها في كلّ مكان.
و أما الشجرة التي نبتت من غير ماء فشجرة يونس،و كان ذلك معجزة له لقوله تعالى «وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ» (1)
الصافات:146. [1]
.و أما غذاء أهل الجنّة فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن امّه،فانّه يتغذّى من سرّة امّه و لا يبول و لا يتغوّط.و أما الألوان في القصعة الواحدة فمثله في الدنيا البيضة فيها لو نان أبيض و أصفر و لا يختلطان.
و أما الجارية التي تكون بين اثنين فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن و كافر،فهي للمؤمن في الآخرة لأنّها في الجنة،و الكافر لا يدخلها،و أما مفاتيح الجنّة فلا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه.
فلما قرأ قيصر الكتاب قال:ما خرج هذا الكلام إلاّ من بيت النبوّة،ثم سأل عن المجيب فقيل له ابن عم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
و روى سبط ابن الجوزي في(تذكرته)عن(فضائل أحمد بن حنبل) و عن مسنده قضايا أربع قال عمر في بعضها«لا أبقاني اللّه بعد ابن أبي طالب» و في بعضها«اللّهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب»و في بعضها «لو لا علي لهلك عمر».
ثم قال السبط:و في هذا المعنى يقول الصاحب بن عباد:
حبّ النبي و أهل البيت معتمدي إذ الخطوب اساءت رأيها فينا
يا مذرة الدين يا فرد الزمان اصخ لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا
أيا ابن عم رسول اللّه أفضل من ساد الأنام و ساس الهاشميينا
هل مثل سبقك في الاسلام لو عرفوا و هذه الخصلة الغراء تكفينا
هل مثل علمك ان زلوا و ان وهنوا و قد هديت كما أصبحت تهدينا
هل مثل جمعك للقرآن تعرفه لفظا و معنى و تأويلا و تبيينا
هل مثل صبرك إذ خانوا و إذ فشلوا حتى جرى ما جرى في يوم صفينا
هل مثل بذلك للعاني الاسير و لك طفل الصغير و قد أعطيت مسكينا
هل مثل قولك إذ قالوا مجاهرة لو لا علي هلكنا في فتاوينا (1)
تذكرة الخواص:144-148،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و روى الكافي:ان أبا بكر لما قام بالأمر أتى برجل قد شرب الخمر فقال أبو بكر:لم شربتها و هي محرمة؟فقال:إني أسلمت و منزلي بين ظهراني قوم يستحلونها و لو أعلم انّها حرام اجتنبتها.فقال أبو بكر لعمر:ما تقول في أمر هذا الرجل؟فقال عمر:معضلة و أبو الحسن لها.فقال أبو بكر:يا غلام ادع لنا عليّا.فقال عمر:يؤتى الحكم في منزله،فأتوه و عنده سلمان،فأخبروه فقال عليه السلام لأبي بكر:ابعث معه من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار فمن كان تلا عليه آية التحريم فليشهد،فإن لم يكن تليت عليه فلا شيء عليه، ففعل فلم يشهد عليه أحد فخلّي سبيله.فقال سلمان له عليه السلام:لقد أرشدتهم فقال عليه السلام:انما أردت أن اجدد تأكيد قوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (2)فيّ و فيهم (3).
و من أراد الوقوف على غرائب قضاياه عليه السلام أكثر من هذا فعليه بكتابنا المؤلف في قضاياه عليه السلام فقد تكفل من ذلك مقدارا مشبعا،و له عليه السلام قضايا في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و قضايا في أمرة الثلاثة،و قضايا في أيام خلافته.
الحكمة(271)
رُوِيَ أَنَّهُ ع رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ سَرَقَا مِنْ مَالِ اللَّهِ- أَحَدُهُمَا عَبْدٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ- وَ الْآخَرُ مِنْ عُرُوضِ النَّاسِ- فَقَالَ ع أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ- مَالُ اللَّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً- وَ أَمَّا الْآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ فَقَطَعَ يَدَهُ أقول :روى الرواية( الكافي الكليني-الكافي-ج 7 ص 264 ح 24 في الصحيح)هكذا:قضى عليه السلام في رجلين سرقا من مال اللّه أحدهما عبد لمال اللّه و الآخر من عرض الناس فقال:أما هذا فمن مال اللّه،ليس عليه شيء من مال اللّه أكل بعضه بعضا،و أما الآخر فقدمه فقطع يده،ثم أمر أن يطعم السمن و اللحم حتى برئت منه (1)
الكافي 7:264 ح 24. [1]
.ثم ما في المتن «من عروض الناس» هو في(المصرية)،و الصواب:«من عرض الناس»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)بل و في مستنده (2).
ثم و نظير قوله عليه السلام في سرقة رجل من عرض الناس من بيت المال و سرقة عبد من بيت المال باختصاص القطع بالأول لما ذكره عليه السلام من كونه مال اللّه أكل بعضه بعضا و لأن في قطعه اضرارا أكثر ببيت المال،قوله عليه السلام
في سرقة العبد من مولاه و من غيره،فروى الكافي أيضا عنه عليه السلام قال:عبدي إذا سرقني لم أقطعه،و عبدي إذا سرق غيري قطعته-الخبر (1)
الكافي 7:237 ح 20. [1]
.ثم ما في المتن «و أما الآخر فعليه الحد الشديد» انما هو في(ابن أبي الحديد)و أخذه عنه(المصرية)و ليس في(ابن ميثم و الخطية)و ليس في مستنده و لا وجه له (2).
و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:هذا مذهب الشيعة أن عبد المغنم إذا سرق من المغنم لم يقطع،فأما العبد الغريب يقطع إذا كان ما سرقه زائدا عمّا يستحقه بمقدار نصاب القطع ربع دينار،فأمّا الفقهاء فانّهم لا يوجبون القطع على من سرق من الغنيمة قبل الغنيمة مطلقا لأن مخالطة حقّه شبهة تمنع من القطع (3).
قلت:ان ابن أبي الحديد قد خبط و خلط،فالشيعة أيضا يمنعون القطع في من سرق مما له شرك فيه مطلقا.روى في(الكافي محمد بن يعقوب الكليني) في باب ما لا يقطع فيه السارق انّه عليه السلام أتي برجل قد سرق من بيت المال فقال، لا يقطع فإن له فيه نصيبا (4).
و روى في باب ما يجب على الطرار و المختلس عنه عليه السلام قال:أربعة لا قطع عليهم:المختلس،و الغلول،و من سرق الغنيمة،و سرقة الأجير فإنّها خيانة (5).
و روى في باب حدّ القطع و كيف هو:أن رجلا أخذ بيضة من المغنم و قالوا له:قد سرق اقطعه.فقال عليه السلام:إنّي لا أقطع أحدا له فيما أخذ شرك (1)
الكافي 7:223 ح 7. [1]
.و انما عنوان النهج السرقة من مال اللّه أي الصدقات،و حينئذ فيفصل فيه بما قال عليه السلام من اختلاف حكم سرقة عبد الصدقات من الصدقات،و سرقة غيره من العبيد بقطع الثاني دون الأول لأنه مال اللّه أكل بعضه بعضا،و اما الأوّل،فيشمله عموم الآية،و لا حقّ له في الصدقات لأن نفقته على مولاه.
و مثل الصدقات الغنائم لو سرق عبد منها منها لا يقطع للعلّة،و لو سرق منها عبد أجنبي يقطع لأن الغنائم للأحرار دون العبيد.و قول ابن أبي الحديد غلط فاحش و نسبته إلى فقهائهم انّهم لا يقطعونه بهتان.
هذا و قالوا انّه فقد في دار بعض الرؤساء مشربة فضة،فوجّه ذاك الشخص إلى ابن ماهان المنجم يسأله،فقال ابن ماهان:المشربة سرقت نفسها،فكشف أن في الدار جارية اسمها فضة سرقت تلك المشربة من الفضة.
1) 1)
الخطبة(141)
و من كلام له عليه السلام:
أَيُّهَا النَّاسُ- مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَ سَدَادَ طَرِيقٍ- فَلاَ يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ- أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي- وَ يُخْطِئُ السِّهَامُ وَ يُحِيلُ الْكَلاَمُ- وَ بَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ وَ شَهِيدٌ- أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ إِلاَّ أَرْبَعُ أَصَابع قال الشريف:فسئل عن معنى قوله هذا- فجمع أصابعه و وضعها بين أذنه و عينه ثم قال الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ- وَ الْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ «أيّها الناس من عرف من أخيه» أي:في الدين،فقد قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (1)
الحجرات:10. [1]
«وثيقة دين» أي:استحكامه في دينه «و سداد» بالفتح أي:1) 1)
استقامة «طريق» أي:في عمله و مسلكه «فلا يسمعن فيه أقاويل» الظاهر كونه جمعا ثانيا لأقوال «الرجال» بأنّه كذا و كذا.
روى الكافي عنه عليه السلام قال:ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه،و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في الخير محملا (1)
الكافي 2:362 ح 2. [1]
.«اما انه قد يرمي الرامي و يخطئ السهام» هو كالمثل.
و من أمثالهم«قرينك سهمك يخطئ و يصيب» (2)و منها أيضا«رماه بنبله الصائب»قال لبيد:
فرميت القوم نبلا صائبا ليس بالعضل و لا بالمفتعل (3)
و المراد أن أقاويل الرجال ليست دائما حقّا عن علم و عرفان،بل تصدر كثيرا عن حدس و تخمين و سماع أخبار أراجيف،و الغالب فيها الخطأ و الاشتباه،فلا يجوز أن يدع عرفانه لأقاويل هكذا.
و قال ابن أبي الحديد كلامه عليه السلام خلاصة قوله تعالى: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» (4).
قلت:هو كما ترى،فالآية في مقام،و كلامه عليه السلام في مقام آخر،فمفاد الآية عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق مطلقا و لو في حقّ من لا تعرفه، و مفاد كلامه عليه السلام عدم جواز قبول خبر المجاهيل على الثقات .
«و يحيل الكلام» هكذا في(المصرية)و لكن في(الخطية)«و يحيك الكلام» و كذا في(ابن ميثم)إلاّ أنّه قال:و روى «و يحيل» و أشار إلى نقل ابن أبي الحديد
فانه نقله «و يحيل» و لكن قال«و من الناس من يرويه و يحيك»و هو دليل على أن الراوندي أيضا نقله«و يحيك»فهو الصحيح (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 9:73،و [1]شرح ابن ميثم 3:179،و استنتاج الشارح في غير مورده إذ لفظ شرح الراوندي 2:58 أيضا«يحيل».
.مع أنّ «و يحيل» من أحال،و معناه أتى بالمحال لا يناسب ما بعده من قوله «و باطل ذلك يبور» لأن المحال كلّه باطل،بخلاف«و يحيك»بالضم و الفتح من«حاك السيف و أحاك»أي اثره،فان ما بعده معه في غاية المناسبة.
و مما يشهد لحيك الكلام و تأثيره،أن الربيع بن زياد العبسي كان نديما للنعمان بن المنذر،فدخل عليه لبيد بن ربيعة و كان الربيع ذم أعمام لبيد عند النعمان و منعه من إكرامهم،فرأى الربيع يأكل مع النعمان،فأنشأ،انتصارا لأعمامه،يقول للنعمان مع صغره:
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه إنّ استه من برص ملمعه
و إنّه يدخل فيها إصبعه يدخلها حتى يوارى أشجعه
كأنّه يطلب شيئا ضيّعه
فرفع النعمان يده من الطعام و قال للربيع:اكذاك أنت؟قال:لا،و اللات كذب ابن الفاعلة ابعث من يفتشني.فقال له النعمان:
شرد برحلك عني و لا تكثر علي و دع عنك الاباطيلا
فقد رميت بداء لست غاسله ما جاور النيل يوما أهل ايليلا
قد قيل ذلك،إن حقا و إن كذبا فما اعتذارك من قيل إذا قيلا
«و باطل ذلك يبور» أي:يكسد و يفنى،و هو نظير قوله تعالى: «وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» (2).
و قال ابن أبي الحديد:و هو من قوله تعالى: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:73.و الآية 81 [1] من سورة الاسراء.
و هو كما ترى .«و اللّه سميع» لأقوال عباده «و شهيد» على أعمالهم،فعليهم ألا يقولوا إلا الحقّ و لا يعملوا إلاّ الصالح .
«أما انّه ليس بين» الباطل و الحق هكذا في(المصرية)و الصواب: «بين الحق و الباطل» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«إلا أربع أصابع» أنّث الأصبع هنا،و قال الجوهري:يذكّر و يؤنّث (3).
«قال الشريف» هكذا في(المصرية)،و الجملة زائدة فليست في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) (4).
«فسئل عن معنى قوله هذا» أي:ليس بين الحق و الباطل إلاّ أربع أصابع «فجمع أصابعه و وضعها بين اذنه و عينه ثم قال:الباطل أن تقول سمعت» لأن كثيرا من المسموعات لا حقيقة لها «و الحق أن تقول رأيت» بعيني،بمعنى أنّه لا يجوز أن تخبر إلاّ بما تتيقن به،إمّا برؤيتك و إمّا مثل رؤيتك ممّا اشتمل على الشواهد القطعية.
و ممّا يشهد لاتفاق كون قول ما لم تره بعينك باطلا،ما في(تاريخ الطبري)-في طي فتح قتيبة لبيكند-أنّ مسلما الباهلي قال لو الان العدوي:إنّ عندي مالا أحب أن استودعكه.قال:أ تريد أن يكون مكتوما أو لا؟قال:أريد أن يكون مكتوما!قال:إبعث به مع رجل تثق به الى موضع كذا و كذا،و مره اذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه و ينصرف،قال:نعم،فجعل مسلم
المال في خرج ثم حمله على بغل،و قال لمولى له:انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا و كذا،فاذا رأيت رجلا جالسا فخلّ عن البغل و انصرف!فانطلق الرجل بالبغل،و قد كان و الان أتى الموضع لميعاده،فأبطأ عليه رسول مسلم و مضى الوقت الذي وعده،فظن أنّه قد بدا له فانصرف،و جاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك الموضع،و جاء مولى مسلم فرأى الرجل جالسا فخلّى عن البغل و رجع،فقام التغلبي إلى البغل،فلمّا رأى المال و لم ير مع البغل أحدا قاد البغل إلى منزله،و أخذ المال،و ظنّ مسلم أنّ المال قد صار إلى و الان،فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه فلقيه،فقال،مالي!فقال:ما قبضت شيئا و لا لك عندي مال!فكان مسلم يشكوه و يتنقصه،فأتى يوما مجلس بني ضبيعة فشكاه،و التغلبي جالس،فقام إليه و خلا به،و سأله عن المال،فأخبره فانطلق به إلى منزله و أخرج الخرج فقال:أتعرفه؟قال:نعم،قال:و الخاتم؟قال:نعم، قال:اقبض مالك و أخبره الخبر،فكان مسلم يأتي الناس و القبائل التي كان يشكو إليهم من والان،فيعذره و يخبرهم الخبر (1)
تاريخ الطبري 5:220،سنة 86،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و ما في(وزراء هلال الصابي):أنّ المقتدر قلّد في سنة(301ه)علي بن عيسى وزارته بعد ابن الفرات و الخاقاني،فعمد الى تخفيف المؤن و حذف الكلف و نقص الخرج و المضايقة في الجاري و الرزق،و ردّ كثيرا مما وقّع به الخاقاني من الزيادات،فأوحش بذلك خواص المقتدر،و كثرت به السعاية عليه،و الوقيعة فيه،و شرعوا في إفساد أمره و تغيير رأي المقتدر فيه و ردّ ابن الفرات،فعرف ذلك،فبدأ بالاستعفاء،و تحدّث في دار المقتدر أنّ ابن الفرات شديد العلة و اتفق أن مات هارون الشاري الذي كان محبوسا في دار السلطان،و كان التدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤخذ من أئمتهم
1) 1)
لأنّهم لا يرون إقامة غيره و هو حي،فأظهر أنّه ابن الفرات و كفّن و اخرجت جنازته على أنها جنازة ابن الفرات،فصلّى عليه علي بن عيسى و انصرف موجعا إلى داره و قال لخواصه:اليوم ماتت الكتابة!و مضت أيام،و وقف علي بن عيسى على ان ابن الفرات حي،و قد تمّ السعي له مع المقتدر،فعجب و قال:
ما ينبغي لأحد أن يحدّث بكلّ ما يسمع و يصدق بجميع ما يخبر (1)
وزراء الصابي:306،و [1]النقل بتصرف يسير.
.هذا،و في(العقد الفريد):سأل علي بن أبي طالب عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام كم بين الإيمان و اليقين؟قال أربع أصابع!قال:و كيف ذلك؟قال:الإيمان كلّ ما سمعته اذناك و صدّقه قلبك،و اليقين ما رأته عيناك فأيقن به قلبك،و ليس بين العين و الاذنين إلاّ أربع أصابع (2).
و هو معنى آخر غير ما في العنوان،لأن هذا في الفرق بين اليقين بشيء من مشاهدته،و الايمان بشيء من سماعه و اعتقاد القلب به.
و لعلّه إشارة إلى قوله تعالى: «كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» (3)بأن يكون علم اليقين:هو إيمان يحصل من السماع من رسل اللّه،و عين اليقين:ما يشاهدونه في القيامة،فيقولون «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» .
الحكمة(300)
وَ سُئِلَ ع كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ- فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ- فَقِيلَ كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ-
فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ أقول :كان السائل-كما في( العقد الفريد ابن عبد ربه-العقد الفريد-ج 4 ص 256 )-سلمان الفارسي،ففيه:وقّع علي عليه السلام في كتاب سلمان الفارسي،و سأله كيف يحاسب الناس يوم القيامة «يحاسبون كما يرزقون» (1)
العقد الفريد 4:256. [1]
.و نظير جوابه عليه السلام عن محاسبة الخلق في القيامة مع كثرتهم و عدم رؤيتهم له تعالى جوابه عليه السلام عن عدم انتهاء علوم القرآن كعدم نفاد ثمار الجنّة،فروى المصنّف في خصائصه أن أسقف نجران قدم على عمر،و سأله عن مسائل،و عمر كان يحيله عليه عليه السلام،و منها:أن الأسقف قال لعمر:أخبرني عن شيء في أيدي أهل الدنيا شبيه بثمار أهل الجنّة؟فقال:سل الفتى(يعنيه) فقال عليه السلام:هو القرآن يجتمع أهل الدنيا عليه،فيأخذون منه حاجتهم و لا ينقص منه شيء و كذلك ثمار الجنّة.قال الأسقف:صدقت يا فتى! (2).
و كذلك جوابه عليه السلام عن محل الجنان في القيامة،ففي(المناقب للسروي) عن(تفسير القطان)عن وكيع عن الثوري عن السّدي قال:كنت عند عمر إذ أقبل كعب بن الأشرف،و مالك بن صيفي،وحي بن أخطب فقالوا:إن في كتابكم «وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» (3)إذا كانت سعة جنّة واحدة كسبع سماوات و سبع أرضين،فالجنان كلّها يوم القيامة أين تكون؟فقال عمر:لا أعلم،فبينا هم في ذلك،إذ دخل علي عليه السلام فقال:في أي شيء أنتم؟ فذكروا،فقال:خبّروني عن النهار إذا أقبل الليل أين يكون،و الليل إذا أقبل النهار أين يكون؟قالوا:في علم اللّه يكون!قال عليه السلام:كذلك الجنان تكون في علم
اللّه،فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أخبره بذلك فنزل «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1)
مناقب السروي 2:352 و الآية 43 من سورة النحل. [1]
.و كذلك جوابه عليه السلام عن وجه الربّ سبحانه،فقد روى ابن بابويه في (توحيده)عن سلمان الفارسي-في خبر قدوم الجاثليق مع مائة من النصارى-بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أبي بكر،و سؤاله عن مسائل عجز عن جوابها،فأرشد إليه عليه السلام،فكان فيما سأل أن قال:أخبرني عن وجه الربّ تعالى.فدعا عليه السلام بنار و حطب فأضرمه،فلما اشتعلت قال له:أين وجه هذه النار؟!قال الجاثليق:هي وجه من جميع حدودها.فقال عليه السلام:هذه النار مدبّرة مصنوعة،لا يعرف وجهها،و خالقها لا يشبهها،و للّه المشرق و المغرب،فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه لا يخفى على ربنا خافية (2).
و كذلك جوابه عليه السلام عن مثل سدرة المنتهى في الدنيا،روى تذكرة سبط ابن الجوزي أن قيصر كتب إلى عمر كتابا سأله فيه عن مسائل،فكتب علي عليه السلام جوابه:و أما الشجرة التي يسير الراكب في ظلّها مائة عام فشجرة طوبى،و هي سدرة المنتهى في السماء السابعة،إليها ينتهي أعمال بني آدم، و هي من أشجار الجنّة،و ليس في الجنّة قصر،و لا بيت إلاّ و فيه غصن من أغصانها،و مثلها في الدنيا الشمس،أصلها واحد و ضوؤها في كلّ مكان (3).
و كذلك جوابه عليه السلام عن مثل غذاء أهل الجنّة بلا مدفوع و مثل كون ألوان من طعامهم في وعاء واحد بلا اختلاط،ففي الكتاب المتقدّم:و أما غذاء أهل الجنّة فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن امّه،فإنّه يتغذى من سرتها و لا يبول
و لا يتغوّط،و اما الألوان في القصعة الواحدة فمثله في الدنيا البيضة فيها لو نان أبيض و أصفر و لا يختلطان (1)
تذكرة الخواص:146. [1]
.هذا،و في(ديوان معاني أبي هلال العسكري)قال ثعلب:قلت لابن الأعرابي،من أحمق الأعراب؟قال:أعرابي سبق الناس الى الموسم و جعل يدعو اللّه لحاله و شأنه و يقول:اللّهم اقض حاجاتي قبل أن يدهمك الوفد!فقلت له:أفلا أدلك على أحمق منه الذي يقول:
خلق السماء و أرضه في ستّة و أبوك يمدر حوضه في عام (2)
الحكمة(356)
وَ قِيلَ لَهُ ع لَوْ سُدَّ عَلَى رَجُلٍ بَابُ بَيْتِهِ وَ تُرِكَ فِيهِ- مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ- فَقَالَ مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ أقول :مصداق ما قاله عليه السلام من إتيان الرزق على من سدّ عليه باب بيته،ما نقله الجاحظ في(حيوانه)،عن أبي اليقظان،و أبي عبيدة و المدائني:أنّ طاعونا جارفا جاء على أهل دار،فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير و لا كبير،و قد كان فيها صبي يرتضع و يحبو و لا يقوم على رجليه،فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلة إلى باب تلك الدار فسدّه،فلما كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم ففتح الباب،فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع أجراء كلبة قد كانت لأهل الدار،فراعه ذلك!فلم يلبث أن أقبلت كلبة كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من اطبائها
فمصّها،فظنوا أن الصبي لمّا بقي في الدار،و بقي منسيا،و اشتدّ جوعه،و رأى أجراءها تستقى من أطبائها،حبا إليها،فعطفت عليه،فلما سقته مرة أدامت ذلك له و أدام هو الطلب،و الذي ألهم هذا المولود مصّ ابهامه ساعة يولد من بطن امّه و لم يعرف كيفية الارتضاع هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة (1)
الحيوان 2:155،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و بالجملة،الرزق كالأجل يأتي صاحبه أينما كان،و لا يختصّ بالإنسان، بل يجري في كلّ ذي حياة،فكما أعطاه الحياة يعطيه الرّزق،قال تعالى:
«وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2).و في تفسير:القمي أتى بختنصر بعد قتل بني إسرائيل على دم يحيى بابل،فبنى بها مدينة و حفر بئرا فألقى فيها دانيال و ألقى معه لبوة،فجعلت اللبوة تأكل طين البئر و يشرب دانيال لبنها،فلبث بذلك زمانا،فأوحى تعالى إلى نبي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام و الشراب إلى دانيال و اقرأه منّي السلام.قال:و أين هو؟قال:في بئر ببابل في موضع كذا و كذا.فأتاه فاطلّع في البئر،فقال:يا دانيال!قال:
لبيك صوت غريب،قال:إنّ ربّك يقرؤك السلام،و قد بعث إليك بالطعام و الشراب فدلاّهما إليه،فقال:الحمد للّه الذي من توكّل عليه كفاه،الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره،الحمد للّه الذي لا يخيّب من دعاه،الحمد للّه الذي من وثق به لم يكله إلى غيره،الحمد للّه الذي يجزي بالإحسان إحسانا،الحمد للّه الذي يجزي بالصبر نجاة،الحمد للّه الذي يكشف ضرّنا عند كربتنا،الحمد للّه الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منّا،الحمد للّه الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننّا بأعمالنا.
فأري بختنصر في منامه كأن رأسه من حديد و رجلاه من نحاس و صدره من ذهب،فدعا المنجمين فقال لهم:ما رأيت؟فقال:أنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا و كذا و لا تدرون ما رأيت في المنام،فأمر بهم فقتلوا،فقال له بعض من كان عنده:ان كان عند أحد شيء فعند صاحب الجبّ،فإن اللبوة لم تتعرض له تأكل الطين و ترضعه،فبعث إليه فقال:ما رأيت في المنام؟قال:
رأيت كأن رأسك من حديد و رجلاك من نحاس و صدرك من ذهب.قال:هكذا رأيت فما ذاك؟قال:ذهب ملكك و أنت مقتول إلى ثلاثة أيام،يقتلك رجل من فارس-الخبر (1)
تفسير القمي 1:88 و 89،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام لما قال يوسف عليه السلام لفتى ظن أنّه ناج اذكرني عند ربك،أتاه جبرئيل فضرب برجله حتى كشط له عن الأرض السابعة و قال له:أنظر ما ذا ترى؟قال:أرى حجرا صغيرا،ففلق الحجر،فقال:
ما ذا ترى؟قال:أرى دودة صغيرة.قال:فمن رازقها.قال:اللّه،قال:فإن ربك يقول لم أنس هذه الدودة في تلك الحجر في قعر الأرض السابعة،أظننت انّي أنساك حتى تقول للفتى: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» (2)،لتلبثنّ في السجن بمقالتك هذه بضع سنين (3).
هذا،و المراد أنّه لو سدّ عليه،و كان عمره باقيا يأتيه رزقه كأجله،و ان لم يكن عمره باقيا يكون بالسد عليه موته كما اتفق لكثير.
و في(معارف ابن قتيبة)في أعشى قيس:كان أبوه يدعى قتيل الجوع،و ذلك أنّه كان في جبل فدخل غارا فوقعت صخرة من الجبل فسدّت
الحكمة(294)
وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ- فَقَالَ ع مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ أقول:هكذا في(المصرية)و الصواب:«و قال عليه السلام و قد سئل عن مسافة ما بين المشرق و المغرب-مسيرة يوم للشمس»فهكذا في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)،لكن مع زيادة «فقال» قبل «مسيرة يوم للشمس» لكن بعد قوله أولا«و قال»هي تأكيدية أو زائدة (2).
و كذا رواه قضايا القمي-عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام-ص 126 القمي،و رواه بيان الجاحظ-البيان و التبيين-ج 3 ص 253 الجاحظ مع زيادة فقال:
قيل لعلي عليه السلام كم بين السماء و الأرض؟فقال:دعوة مستجابة.فقالوا:
كم بين المشرق و المغرب،قال:مسيرة يوم للشمس،و من قال غير هذا فقد كذب (3).
و في خبر أن السائل له عمّا بين المشرق و المغرب ابن الكوّاء (4)،و روى غارات الثقفي أنّه عليه السلام سئل عمّا بين السماء و الأرض فقال:مدّ البصر و دعوة بذكر اللّه فيسمع (5).
و روى أنّه قيل له عليه السلام:ما طعم الماء؟فقال:طعم الحياة (6).
1) 1)
2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 19:199، [1]لكن في شرح ابن ميثم 5:394 مثل المصرية.
3) 3) رواه القمي في عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام:126،و الجاحظ في البيان و التبيين 3:253. [2]
4) 4) كما في الغارات الثقفي-الغارات-ج 1 ص 178 1:178،و [3]مناقب السروي-مناقب-ج 2 ص 383 السروي 2:383.
5) 5) الغارات 1:180. [4]
6) 6) رواه السروي في مناقبه 2:383.
و في(الأغاني):أنشد البحتري من شعر أبي سهل بن نوبخت،فجعل يحرّك رأسه فقيل له:ما تقول فيه؟فقال:هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم و لا معنى (1)
الأغاني 21:42. [1]
.الحكمة(437)
وَ سُئِلَ ع أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْعَدْلُ أَوِ الْجُودُ فَقَالَ ع- الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا وَ الْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا- وَ الْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَ الْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ- فَالْعَدْلُ أَفْضَلُهُمَا وَ أَشْرَفُهُمَا قول المصنف : «و سئل عليه السلام» زاد(المصرية)«منه»و هو غلط فليس في (ابن ميثم و ابن أبي الحديد) (2)«ايّما»هكذا في النسخ (3)و يحتمل كون الأصل فيه «أيّهما» «أفضل» مع كون كلّ منهما ذا فضيلة «العدل أو» بمعنى الواو «الجود»؟فقال عليه السلام العدل يضع الامور مواضعها» كما أن العدلين يجب أن يكونا في موضعهما «و الجود يخرجها» أي:يخرج الامور و المراد بها الأموال «من جهتها» هكذا في(المصرية)و الصواب:«عن جهتها»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«و العدل سائس» أي:مصلح «عامّ» للأموال و الأعمال و في جميع الأحوال «و الجود عارض خاص» يختص ببذل المال «فالعدل أفضلهما و أشرفهما» و ان كان الجود من الصفات الفاضلة و الشيم الشريفة،حتى ورد أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اتي بأسارى فقدم رجل منهم ليضرب عنقه فقال له جبرئيل:إن
ربّك يقول إنّ أسيرك هذا يطعم الطعام،و يقري الضيف،و يصبر على النائبة، و يحمل الحمالات.فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ان جبرئيل أخبرني فيك عن اللّه تعالى بكذا و كذا و قد اعتقتك،فقال:و ان ربّك ليحبّ هذا؟فقال:نعم،فقال:أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّك رسول اللّه،و الذي بعثك لا رددت عن مالي أحدا أبدا (1)
أخرجه البرقي في المحاسن:388 ح 14. [1]
،الا اين هو من العدل الذي به قامت السماوات و الأرضون،و هو أرفع من السماء و أوسع من الأرض.و عن الصادق عليه السلام:العدل أحلى من الشهد،و ألين من الزبد،و أطيب ريحا من المسك.
و عنه عليه السلام:العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن،ما أوسع العدل إذا عدل فيه (2).
هذا و روى الشيخ الطوسي في(أماليه)،عن زيد بن علي عن أبيه قال:
سئل أمير المؤمنين عليه السلام:من أفصح الناس؟قال:المجيب المسكت عند بديهة السؤال (3).
الحكمة(320)
وَ قَالَ ع لِسَائِلٍ سَأَلَهُ عَنْ مُعْضِلَةٍ- سَلْ تَفَقُّهاً وَ لاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتاً- فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ- وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ قول المصنف : «و قال عليه السلام لسائل سأله عن معضلة» أي:مسألة شديدة
مشكلة،و السائل كان ابن الكواء الخارجي.روى المصنف في(خصائصه) عن الأصبغ ان ابن الكواء-و كان متعنّتا في المسائل-قال له عليه السلام:خبّرني عن اللّه تعالى هل كلّم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟فقال عليه السلام:قد كلّم اللّه جميع خلقه برّهم و فاجرهم،و ردوا عليه الجواب.فثقل ذلك على ابن الكواء و لم يعرفه فقال:و كيف كان ذلك؟قال عليه السلام:أما تقرأ كتاب اللّه تعالى إذ يقول لنبيّنا:
«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى» (1)
الاعراف:172. [1]
فقد أسمعهم كلامه و ردّوا عليه الجواب،كما تسمع في قول اللّه يا ابن الكواء! (2).و عن(صفوة الأخبار):قام ابن الكواء إليه عليه السلام فقال:اخبرني عن بصير بالليل بصير بالنهار،و عن بصير بالنهار أعمى بالليل،و عن بصير بالليل أعمى بالنّهار؟فقال عليه السلام له:سلّ عمّا يعنيك و دع ما لا يعنيك!أما بصير بالليل بصير بالنهار فهذا رجل آمن بالرسل الذين مضوا،و أدرك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فآمن به فأبصر في ليله و نهاره،و أما أعمى بالليل بصير بالنهار،فرجل جحد الأنبياء الذين مضوا و الكتب و أدرك النبي فآمن به فعمى بالليل و أبصر بالنّهار،و أما أعمى بالنّهار بصير بالليل فرجل آمن بالأنبياء و جحد النبي فأبصر بالليل و عمى بالنّهار (3).
قوله عليه السلام «سل تفقّها» أي:تفهما «و لا تسأل تعنّتا» أي:بإيقاع المسئول في المشقّة و الزلّة.
روى أنّ ابن الكواء سأله عن قوله تعالى: «وَ الذّارِياتِ ذَرْواً» (4)
فقال عليه السلام له:اجلس فانّك متعنّت و لست بمتفقّه،و لكن سلّ عمّا بدا لك إن شئت تعنتا و إن شئت تفقّها،ويلك هي الرياح-الخبر (1)
روى هذه المعنى القمي في تفسيره 2:327،و [1]ابن كثير في تفسيره 4:231. [2]
.«فان الجاهل المتعلّم شبيه بالعالم» حيث أن قصده التفقّه فيتعلّم فيصير عالما بما تعلّمه «و ان العالم المتعسّف» أي:الآخذ على غير الطريق «شبيه بالجاهل» حيث أن عمله نوع جهالة.
و زادت(المصرية) «المتعنّت» و هو غلط فليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)و لا معنى له،فإن المراد تشبيه العالم المتعسف بالجاهل كتشبيه الجاهل المتعلم بالعالم.
في(العقد الفريد):كان ابن سيرين إذا سئل عن مسألة فيها أغلوطة،قال للسائل:أمسكها حتى تسأل عنها أخاك إبليس! و فيه:سأل عمرو بن قيس،مالك بن أنس عن محرم نزع نابي ثعلب،فلم يرد عليه شيئا (3).
الحكمة(85)
و قال عليه السلام:
مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لاَ أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ أقول :نسبه الجاحظ في( بيانه الجاحظ-البيان و التبيين-ج 1 ص 409 و ج 2 ص 97 )و ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الاخبار-ج 2 ص 125 )إلى ابن عباس،إلاّ أنّه نقل ذلك عنه عليه السلام قبل ذلك فلو ثبت أنّ ابن عباس قاله،فلا بد انّه أخذه منه عليه السلام (4).
و كيف كان،فمقاتل الإنسان المواضع التي إذا أصيبت قتلته،فهو جمع المقتل لا المقتول،و في الخبر مقتل الرجل بين فكيه (1)
ليس هذا بحديث بل مثل أورده الميداني في مجمع الأمثال 2:265، [1]الزمخشري في المستقصي 2:346. [2]
.و ادّعى كثير أنّه يدري كلّ شيء فافتضح و أصيبت مقاتله،و منهم مقاتل،ففي(العقد الفريد)قال مقاتل و قد دخلته أبهة العلم:سلوني عمّا تحت العرش إلى أسفل من الثرى.فقام إليه رجل و قال:ما نسألك عمّا تحت العرش و لا أسفل من الثرى،و لكن نسألك عمّا كان في الأرض،و ذكره اللّه في كتابه، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه؟فأفحمه! و قال آخر:فسئل عن نملة سليمان،ذكرا كانت أم انثى؟فلم يدر و أفحم! و فيه أيضا قال قتادة:ما سمعت شيئا قط و لا حفظت شيئا قط فنسيته، ثم قال:يا غلام هات نعلي،فقال هما في رجليك (2).
و في(عيون ابن قتيبة)قال الخليل:الرجال أربعة:رجل يدري،و يدري أنّه يدري فسلوه،و رجل يدري و لا يدري أنّه يدري فذاك ناس فذكّروه،و رجل لا يدري و يدري أنّه لا يدري فذاك مسترشد فعلّموه،و رجل لا يدري و لا يدري أنّه لا يدري فذاك جاهل فارفضوه (3).
و قال ابن أبي الحديد:جاءت امرأة إلى بزرجمهر فسألته عن مسألة فقال:لا أدري!فقالت:أ يعطيك الملك كلّ سنة كذا و كذا و تقول لا أدري،فقال إنّما يعطيني الملك على ما أدري،و لو أعطاني على ما لا أدري لما كفاني بيت ماله (4).
الحكمة(364)
و قال عليه السلام:
لاَ تَسْأَلْ عَمَّا لاَ يَكُونُ- فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ أقول :هكذا في(المصرية)و نسخة(ابن ميثم)و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية):«لا تسأل عمّا لم يكن» (1)
كذا في شرح ابن ميثم 5:419،و [1]شرح ابن أبي الحديد 19:282. [2]
.و كيف كان،ففي(بيان الجاحظ)قال ابن أبي الزناد:كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز،و كان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم،و كان عبد الحميد يراجعه و يسأله عمّا لا معنى له، فكتب إليه:إنّه يخيّل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة،لكتبت إلي أضأن أم ماعز،و إن كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي أذكر أو انثى،فإن كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي صغير أم كبير،فإذا أتاك كتابي في مظلمة فلا تراجعني (2)! و في(البيان)أيضا:كتب المنصور إلى سلم،يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم و عقر نخلهم،فكتب إليه سلم:بأي ذلك نبدأ بالدور أم بالنخل؟ فكتب المنصور إليه:إنّي لو كتبت إليك بإفساد ثمرهم لكتبت إلي تستأذنني بأية نبدأ بالبرني أم بالشهريز؟ (3).
و من السؤال عمّا لم يكن،الاشتغال بتعلّم فنون لا حقيقة لها و لا معنوية،كأكثر مباحث المتأخّرين:نظير بحثهم عن أصالة الوجود أم الماهية، و هل الوضع و الموضوع له في أسماء الإشارات خاصّ أم عامّ،و هل الوضع
للصحيح أو الأعم؟و كذا كثير من مباحث الفن الذي سمّوه بأصول الفقه الذي أصله من أبي حنيفة،و قد قال شريك،أن أبا حنيفة أعلم الناس بما لا يكون و أجهلهم بما يكون (1)
رواه الجاحظ في البيان و التبيين 2:282. [1]
.هذا و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:من هذا الباب قول أبي الطيب في سيف الدولة:
ليس المدائح تستوفي مناقبه فمن كليب و أهل عصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل (2)
و قال ابن ميثم بعد العنوان:أمر عليه السلام بالسلو،عمّا لا يكون من زيادة رزق و نحوه من المطالب الدنيوية،بما قد كان و وقع من المطالب التي أعطيها الإنسان، (3)و كلّ منهما كما ترى.
الحكمة(243)
و قال عليه السلام:
إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَابُ أقول:و قالوا اللغط يوجب الغلط.
و في(معجم الحموي)عن(أمالي جحظة)،قال العتابي:لو سكت من لا يعلم عمّا لا يعلم،سقط الاختلاف.
و فيه:قال المأمون لهاشمي رفع صوته على آخر:الصواب:في الأسدّ لا الأشد (4).
الحكمة(266)
و سأله رجل أن يعرّفه الإيمان فقال عليه السلام:
إِذَا كَانَ الْغَدُ- فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ- فَإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ- فَإِنَّ الْكَلاَمَ كَالشَّارِدَةِ يَثْقَفُهَا هَذَا وَ يُخْطِئُهَا هَذَا و قد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدّم من هذا الباب،و هو قوله«الايمان على أربع شعب».
قول المصنف : «و سأله رجل» هكذا في(المصرية)و في(ابن ميثم و الخطية)،و لكن في نسخة(ابن أبي الحديد)«و قال عليه السلام حين سأله رجل» (1)
شرح ابن أبي الحديد 19:154،و [1]شرح ابن ميثم 5:379.
.«أن يعرّفه الإيمان» هكذا في(المصرية)و الصواب:«ما الايمان»كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«فقال عليه السلام إذا كان الغد» هكذا في(المصرية)و الصواب:«غد»بدون اللام كما في(ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية)،و لكن ابن أبي الحديد جوّز«غد» بالرفع،لكون«كان»تامّة و«غدا»بالنصب لكون«كان»ناقصة (3).
قلت:الصواب:كون«كان»تامّة،لعدم وجود اسم و خبر له،و المعنى إذا وجد غد،و كون«غد»بالضم بلا تنوين لأن المراد غد يوم السؤال،و لو نوّن يكون نكرة يشمل كلّ غد.
«فأتني حتى أخبرك على أسماع» بالفتح:جمع سمع «النّاس» حين يجتمعون عنده فيسمعون كلّ ما قاله عليه السلام «فان نسيت مقالتي» في حقيقة
الإيمان «حفظها عليك غيرك» حتى لا يذهب جوابه عليه السلام هدرا،و لذا قال الصادق عليه السلام-كما روى الكافي-لأبي بصير:اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا (1)
الكافي 1:52 ح 9. [1]
.«فان الكلام كالشاردة» أي:كالدابّة الشاردة،قال ابن دريد:شرد البعير إذا ذهب على وجهه نافرا،و قواف شوارد أي تشرد في البلاد كما يشرد البعير (2).
«ينقفها»هكذا في(المصرية)و الصواب: «يثقفها» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)بمعنى يجدها و يظفر بها،قال تعالى: «فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ» (4)،و أما النقف و هو كسر الهامة عن الدماغ فلا مناسبة له هنا.
«هذا و يخطئها» و لا يقف عليه «هذا» فلا قاعدة فيمن يجدها و من لا يجدها.
«و قد ذكرنا ما أجابه»هكذا في(المصرية)و فيها سقط فزاد(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)بعده«عليه السلام»«به فيما تقدم من هذا الباب»أي:
الباب الثالث«و هو قوله»هكذا في(المصرية)،و فيها ايضا سقط فزاد(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (6)بعده«عليه السلام»«الإيمان على أربع شعب»-إلخ- في العنوان الثلاثين لكن فيه«على أربع دعائم»لا شعب.
في زهده عليه السلام و إعراضه عن الدّنيا و عدله و تواضعه و فيه ذكر الحقوق
الخطبة(209)
و من كلام له عليه السلام بالبصرة،و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي، و هو من أصحابه يعوده،فلما رأى سعة داره قال:
مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا- أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ- وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ- تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وَ تَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ- وَ تُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا- فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ- فَقَالَ لَهُ؟الْعَلاَءُ؟- يَا؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي ؟عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ؟- قَالَ وَ مَا لَهُ- قَالَ لَبِسَ الْعَبَاءَةَ وَ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا- قَالَ عَلَيَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ- يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ- أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَ وَلَدَكَ- أَ تَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَ هُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا- أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ- قَالَ يَا؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟- هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَ جُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ- قَالَ وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ- إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ
أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ- كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ قال ابن أبي الحديد:الذي رويته عن الشيوخ و رأيته بخط ابن الخشاب أنّ الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه،فكانت تنتقض عليه في كلّ عام،فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال له:كيف تجدك؟قال:أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلاّ بذهاب بصري لتمنّيت ذهابه!قال:و ما قيمة بصرك عندك؟قال:لو كانت لي الدنيا لفديته بها!قال:لا جرم!ليعطينك اللّه على قدر ذلك،إن اللّه تعالى يعطي على قدر المصيبة و عنده تضعيف كثير.
قال الربيع:أشكو إليك عاصم بن زياد أخي.قال:ماله؟قال:لبس العباء و ترك الملاء و غم أهله و حزن ولده.فقال عليه السلام:ادعو لي عاصما،فلما أتاه عبّس في وجهه،و قال:ويحك يا عاصم أ ترى اللّه أباح لك اللذّات و هو يكره ما أخذت منها؟لأنت أهون على اللّه من ذلك،أو ما سمعته يقول «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ» و قال: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» (1)
الرحمن:19 و 23. [1]
و قال: «وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها» (2)،اما و اللّه ابتذال نعم اللّه بالفعال، أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال،و قد سمعتم اللّه يقول: «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (3)و يقول: «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (4)إن اللّه تعالى خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» (5)و قال: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا»«مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً» (1)
المؤمنون:51. [1]
و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لبعض نسائه:مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء! قال عاصم:فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الجشب؟قال:إنّ اللّه افترض على أئمة العدل أن يقدّروا لأنفسهم كيلا يتبيّغ بالفقير فقره!فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباء و لبس ملاءه.. (2).قلت:لا ريب ان من دخل أمير المؤمنين عليه السلام عليه يعوده،الربيع ابن زياد الحارثي،لا العلاء بن زياد،كما قال المصنف،فقد اتّفقت الخاصّة و العامّة على جعل الربيع صاحبه عليه السلام في ذلك.رواه ابن عبد ربه في( عقده ابن عبد ربه-العقد الفريد-ج 2 ص 181 )و سبط ابن الجوزي في( تذكرته سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 111 )و الكليني في( كافيه الكليني-الكافي-كتاب الحجّة ج 1 ص 410 ح 3 ).
رواه الأول مثل ابن أبي الحديد (3)،و قال الثاني جاء الربيع بن زياد الحارثي إلى علي عليه السلام فقال:أعد لي على أخي عاصم!فقال عليه السلام:ما باله؟ فقال:لبس العباء و تنسك و هجر أهله!فقال:علي به،فجاء و قد ائتزر بعباءة و ارتدى بأخرى اشعث أغبر!فقال له:ويحك يا عاصم!أما استحييت من أهلك،أما رحمت ولدك،ألم تسمع إلى قوله تعالى: «وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ» (4)أ ترى اللّه أباحها لك و لأمثالك،و هو يكره أن تنال منها،أما سمعت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ان لنفسك عليك حقّا!فقال عاصم:فما بالك في خشونة ملبسك و جشوبة مطعمك و إنّما تزييت بزيّك؟فقال:ويحك!إنّ اللّه فرض على أئمة الحقّ أن يتّصفوا بأوصاف رعيتهم-أو بأفقر رعيتهم-لئلا يزدري
الفقير بفقره و ليحمد اللّه الغني على غناه (1)
تذكرة الخواص:111. [1]
.و قال الثالث في كتاب(حجّة الكافي):روى علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد و عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد و غيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء و شكاه أخوه الربيع إليه عليه السلام،فلما رآه عبّس في وجهه فقال له:أما استحييت من أهلك،أما رحمت ولدك!أ ترى اللّه أحل لك الطيبات و هو يكره أخذك منها،أنت أهون على اللّه من ذلك!أو ليس اللّه يقول: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ» -إلى- «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» (2)،فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال،و قد قال تعالى: «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (3).فقال عاصم:
فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة؟فقال:ويحك!إنّ اللّه تعالى فرض على أئمة العدل-إلخ (4)-.
هذا،و في(فتوح البلاذري):لما توجّه عبد اللّه بن عامر في سنة(30)إلى خراسان وجّه الربيع بن زياد الحارثي إلى سجستان،فسار الربيع حتى أتى رستاق زالق-حصن على خمسة فراسخ من سجستان-فأغار على أهله في يوم مهرجان،فأخذ دهقانه،فافتدى نفسه بأن ركز عنزته ثم غمرها ذهبا و فضة و صالح الدهقان على حقن دمه-إلى أن قال-ثم حاصر الربيع مدينة زرنج فبعث إليه مرزبانها يستأمنه ليصالحه،فأمر بجسد من أجساد القتلى فوضع له فجلس عليه و اتكأ على آخر،و أجلس أصحابه على القتلى-و كان آدم أخوه طويلا-فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف وصيف،مع كل
وصيف جام من ذهب-إلى أن قال-و أتى القريتين-و هناك مربط فرس رستم-فقاتلوه فظفر بهم (1)
فتوح البلدان:385 و 386،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الأسد):قال عمر دلوني على رجل إذا كان في القوم أميرا فكأنّه ليس بأمير،و إذا كان في القوم و ليس بأمير فكأنّه أمير بعينه.فقالوا:ما نعرف إلاّ الربيع بن زياد،قال:صدقتم،و استعمله زياد لمّا كان على الكوفة و البصرة من قبل معاوية على خراسان،و كان لا يكتب إلى زياد إلاّ في اختيار منفعة أو دفع مضرة،و لا كان في موكب قط فتقدّمت دابّته على دابّة من إلى جانبه و لا مسّ ركبته ركبته.
و قال ابن حبيب:كتب زياد الى الربيع أنّ معاوية يأمرك أن تحرز الصفراء و البيضاء و تقسّم ما سوى ذلك!فكتب اليه الربيع:إنّي وجدت كتاب اللّه قبل كتاب معاوية،و نادى في الناس:ان اغدوا على غنائمكم،فأخذ الخمس و قسّم الباقي على المسلمين و دعا اللّه أن يميته فما جمّع حتى مات،قال:و مر أن هذا القول قاله الحكم بن عمرو الغفاري،و أما الربيع فانّه لمّا أتاه مقتل حجر بن عدي قال:اللّهمّ إن كان للربيع عندك خير فاقبضه،فلم يبرح من مجلسه حتّى مات (2).
قول المصنف : «و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي و هو من أصحابه» كما أن جعل المصنف دخوله عليه السلام على العلاء و هم،كما عرفت من الاتفاق على كون دخوله عليه السلام على الربيع-كذلك كون العلاء من أصحابه عليه السلام فكان من مبغضيه،ففي غارات الثقفي عن إسماعيل بن حكيم عن أبي مسعود الجريري قال:كان ثلاثة من أهل البصرة يتواصلون على بغض علي،و هم:
مطرف بن عبد اللّه بن الشخير،و العلاء بن زياد،و عبد اللّه بن شقيق (1)
الغارات 2:557. [1]
.و من الغريب ان ابن أبي الحديد قال:و أما العلاء بن زياد الّذي ذكره الرضي فلا أعرفه،لعلّ غيري يعرفه،مع أنّه نقل الخبر في موضع آخر.كما أنّ من العجيب أن ابن ميثم مع أنّه رأي كلام ابن أبي الحديد لم يقل شيئا في كلام المصنف بنفي و لا إثبات (2).
«يعوده» العيادة إحدى حقوق المسلّم على أخيه،و كان عليه السلام إذا مرض أحد أصحابه يعوده.روى الكشي أن صعصعة مرض فعاده عليه السلام و قال له:لا تتخذ عيادتي لك أبّهة على قومك!فقال صعصعة:بلى و اللّه أعدّها منّة من اللّه علي و فضلا،فقال عليه السلام له:إن كنت ما علمتك لخفيف المؤنة حسن المعونة.
فقال صعصعة له عليه السلام:و أنت و اللّه ما علمتك إلاّ باللّه عليما و بالمؤمنين رءوفا رحيما.و في خبر:و كان اللّه في صدرك عظيما (3).
و في(كامل المبرد):دخل علي عليه السلام على الحرب بن رويم يعود ابنه يزيد،فقال له:عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليك فسماها يزيد لطيفة (4).
«فلما رأى سعة داره» روى(الكافي):أنّ رجلا من الأنصار شكا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ان الدور قد اكتنفته،فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ارفع صوتك ما استطعت و سل اللّه أن يوسّع عليك.
و قال صلّى اللّه عليه و آله:من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع.
و عن أبي جعفر عليه السلام:من شقاء العيش ضيق المنزل.
و عن أبي الحسن عليه السلام:فضل العيش سعة المنزل،و كثرة المحبّين.
و عن أبي عبد اللّه عليه السلام:ثلاثة للمؤمن فيها راحة:دار واسعة توارى عورته و سوء حاله من الناس،و امرأة صالحة تعينه على أمر الدنيا و الآخرة، و ابنة أو أخت يخرجها من منزله إمّا بموت أو بتزويج.
و روى أنّ أبا الحسن عليه السلام قال لمولى له:منزلك ضيق،فاشترى له دارا و أمره بالتحوّل إليها فقال:إنّ هذه الدار قد أحدثها أبي،فقال عليه السلام:إن كان أبوك أحمق ينبغي أن تكون مثله (1)
هذه الاحاديث أخرجها الكليني في الكافي 6:525 و 526 ح 2-8. [1]
.«قال:ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا،اما أنت في الآخرة كنت أحوج» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و لكن في(ابن ميثم)«ما أنت إليها في الآخرة أحوج»و نسب«اما أنت إليها في الآخرة أحوج»إلى رواية (2)، و الظاهر أنّه أشار إلى نقل ابن أبي الحديد مع أن الأصح نقله لكون نسخة الرضي عنده،و حينئذ فان «ما» في الكلام بمعنى ما دام،قال تعالى: «وَ إِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ» (3).
«و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة» الدنيا إذا كانت مقدّمة للآخرة ممدوحة، و إنّما كانت مذمومة إذا كانت منظورة من حيث هي.
«تقري فيها الضيف» عن(أخبار زمان المسعودي):إنّ اللّه تعالى أوحي إلى ابراهيم عليه السلام أنّك لمّا سلّمت مالك للضيفان،و ولدك للقربان،و نفسك للنيران و قلبك للرحمن اتخذناك خليلا (4).
و في(الكافي)عن عبد اللّه بن محمد الجعفري:أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان في بعض مغازيه،فمرّ به ركب و هو يصلي،فوقفوا على أصحابه و سائلوهم عنه
و دعوا و أثنوا و قالوا:لو لا أنّا عجال لا نتظرناه،فاقرءوه منّا السلام و مضوا، فلما انصرف من صلاته قال لهم:يقف عليكم الركب و يسألونكم عني و يبلغوني السلام،و لا تعرضون عليهم الغداء ليعزّ علي قوم فيهم خليلي جعفر أن يجوزوه حتى يتغدّوا عنده.
و عن عبد الرحمن بن الحجاج:أكلنا مع أبي عبد اللّه عليه السلام فأوتينا بقصعة من ارزّ فجعلنا نعذر فقال:ما صنعتم شيئا،إنّ أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا،فرفعت كسحة المائدة فأكلت،فقال:نعم،الآن،و أنشأ يحدّثنا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أهدي إليه قصعة أرزّ من ناحية الأنصار فدعا سلمان و أبا ذر و المقداد،فجعلوا يعذرون في الأكل فقال ما صنعتم شيئا!أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا،فجعلوا يأكلون اكلا جيدا،ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السلام رحمهم اللّه،و رضي عنهم،و صلّى عليهم.
و عن الباقر عليه السلام:ممّا علّم النبي صلّى اللّه عليه و آله عليا عليه السلام-و عن الصادق عليه السلام ممّا علّم النبي فاطمة عليها السلام-من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليكرم ضيفه.
و عن الصادق عليه السلام:إنّ يعقوب كان له مناد ينادي كلّ غداة من منزله على فرسخ:ألا من أراد الغداء فليأت إلى منزل يعقوب!و إذا أمسى ينادي:ألا من أراد العشاء فليأت إلى منزل يعقوب عليه السلام (1)
هذه الاحاديث أخرجها الكليني في الكافي 6:275 ح 1 و 278 ح 2 و 285 [1] ح 1 و 2 و 287 ح 1.
! «و تصل فيها الرحم» قال تعالى: «وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» (2).و في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:أوصي الشاهد من أمتي،و الغائب منهم و من في اصلاب الرجال و ارحام النساء إلى يوم القيامة،أن يصل الرحم و ان
كانت منه على مسيرة سنة،فإنّ ذلك من الدّين (1)
الكافي 2:151 ح 5. [1]
.و عن مولاة أبي عبد اللّه عليه السلام قالت:كنت عنده عليه السلام حين وفاته،فأغمي عليه فلما أفاق قال:اعطوا الحسن بن علي بن الحسين و هو الأفطس سبعين دينارا،فقلت:أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة!قال:تريدين ألاّ أكون من الّذين قال تعالى: «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» (2)إنّ اللّه خلق الجنة و طيّب ريحها و أنّها لتوجد من مسيرة ألفي عام،و لا يجد ريحها عاقّ و لا قاطع رحم (3)! و عنه عليه السلام:إنّ القوم ليكونون فجرة فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم و تطول أعمارهم،فكيف إذا كانوا بررة (4).
«و تطلع منها الحقوق مطالعها» ،عن الصادق عليه السلام:من منع درهما في حقّ أنفق درهمين في غير حقّه،و من منع حقّا في ماله طوّقه اللّه به حيّة من نار يوم القيامة! و عنه عليه السلام يقول إبليس:ما أعياني في ابن آدم فلن يعيين منه واحدة من ثلاث:أخذ ماله من غير حلّه،أو منعه من حقّه،أو وضعه في غير وجهه.
و عن الباقر عليه السلام:يبعث يوم القيامة ناس مشدودة أيديهم إلى أعناقهم، معهم ملائكة يعيّرونهم يقولون:هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم اللّه فمنعوا حقّ اللّه في أموالهم (5).
«فاذا أنت قد بلغت بها» أي:بتلك الدار «الآخرة» لأنّه جعلها وسيلة تحصيلها .
«فقال له العلاء» قد عرفت أن الصواب«الربيع» «يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد» و كان للربيع أخ آخر غير عاصم،مهاجر بن زياد قتل في كور الأهواز أيام عمر،استقتل صائما،فشكاه الربيع أيضا إلى أميرهم أبي موسى.ففي(فتوح البلاذري):سار أبو موسى إلى مناذر فحاصر أهلها فاشتدّ قتالهم،فكان المهاجر بن زياد الحارثي أخو الربيع في الجيش،فأراد أن يشري نفسه-و كان صائما-فقال الربيع لأبي موسى:إنّ المهاجر عزم على ان يشري نفسه و هو صائم،فقال أبو موسى:عزمت على كل صائم أن يفطر أو لا يخرج إلى القتال،فشرب المهاجر شربة ماء و قال:قد أبررت عزمة أميري،و اللّه ما شربتها من عطش،ثم راح في السلاح فقاتل حتى استشهد، و أخذ أهل مناذر رأسه و نصبوه على قصرهم بين شرفتين (1)
فتوح البلدان:370. [1]
.«قال:و ما له؟قال:لبس العباءة» هكذا في(المصرية)و الصواب:«العباء» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«و تخلّى عن الدنيا» هكذا في (المصرية)و الصواب:«من الدنيا»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«قال عليَّ به فلما جاء قال:يا عدّي» تصغير عدوّ «نفسه لقد استهام بك» أي:
جعلك هائما متحيرا «الخبيث» أي:الشيطان فأضلّك بهذا الطريق.فقالوا عليهم السلام:
ليس منا من ترك دنياه لآخرته،كمن ترك آخرته لدنياه (4).
و سأل الصادق عليه السلام عن رجل،فقيل صالح،و لكنه ترك التجارة، فقال عليه السلام-ثلاثا-عمل الشيطان،أما علم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله اشترى عيرا أتت من الشام فاستفضل فيها ما قضي دينه و قسّم في قرابته (1)
أخرجه الكليني في الكافي 5:75 ح 8. [1]
.هذا،و في(الأغاني)-بعد ذكر توبة أبي العتاهية-قال مخارق المغني:
تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي،فدخلت فاذا هو قد أخذ قوصرتين و ثقب إحداهما و أدخل رأسه و يديه فيها و أقامها مقام القميص و ثقب أخرى و أخرج رجليه منها و أقامها مقام السراويل،فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغمّ عليه،و الوحشة لعشرته،و ضحكت و اللّه ضحكا ما ضحكت مثله قط،فقال:من أي شيء تضحك؟فقلت:أسخن اللّه عينك،هذا أي شيء هو، من بلّغك عنه أنّه فعل مثل هذا من الأنبياء و الزهّاد و الصحابة و المجانين، انزع هذا عنك يا سخين العين-فكأنه استحى منّي (2).
«أ ما رحمت أهلك و ولدك» ،روى الخطيب:أن زيد بن صوحان كان يقوم الليل و يصوم النّهار،و إذا كانت ليلة الجمعة أحياها،فان كان ليكرهها إذا جاءت مما كان يلقي فيها،فبلغ سلمان ما كان يصنع،فأتاه فقال:اين زيد؟قالت امرأته:ليس هاهنا.قال:فإنّي أقسم عليك لمّا صنعت طعاما،و لبست محاسن ثيابك،ثمّ بعثت إلى زيد.فجاء زيد فقرب الطعام،فقال سلمان:كل يا زيد.قال:
إنّي صائم،قال:كل يا زيد،لا ينقص دينك،إنّ شر السير الحقحقة،إنّ لعينك عليك حقا،و إن لبدنك عليك حقّا،و إنّ لزوجتك عليك حقّا،كل يا زيد!فأكل و ترك ما كان يصنع (3).
و في(الاستيعاب):روى أبو جحيفة أن سلمان جاء يزور أبا الدرداء،فرأى امّ الدرداء مبتذلة فقال:ما شأنك؟قالت له:إنّ أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا،فلما جاء أبو الدرداء رحّب بسلمان و قرب له طعاما فقال سلمان:
اطعم قال إنّي صائم،قال:أقسمت عليك أنّي لست بآكل حتّى تطعم،و بات عند أبي الدرداء،فلما كان الليل قام أبو الدرداء،فحبسه سلمان و قال له:إنّ لربك عليك حقا و إنّ لجسدك عليك حقّا فأعط لكلّ ذي حقّ حقّه،فلما كان وجه للصبح قال:قم الآن.فقاما فصلّيا ثم خرجا إلى الصلاة،فلمّا صلّى النبي صلّى اللّه عليه و آله قام إليه أبو الدرداء و أخبره بما قال سلمان،فقال النبي:مثل ما قال سلمان (1)
الاستيعاب 2:260،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«أ ترى اللّه أحلّ لك الطيبات» «قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» (2)«الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» (3)«كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً» (4).
«و هو يكره أن تأخذها» كيف و قد قال: «لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً» (5).
و روى الكافي:أنّه عليه السلام بعث ابن عباس إلى ابن الكواء و أصحابه و عليه قميص رقيق و حلّة،فلما نظروا إليه قالوا له:أنت خيرنا في أنفسنا، و أنت تلبس هذا اللباس؟فقال:و هذا أول ما أخاصمكم فيه «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (6)و قال تعالى:
«خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (1)
الاعراف:31. [1]
.و روى أنّ سفيان الثوري:مرّ على الصادق عليه السلام في المسجد الحرام و عليه ثياب كثيرة القيمة حسان،فقال:و اللّه لآتينّه و لأوبّخنّه،فدنا منه فقال:ما لبس النبي عليه السلام مثل هذا اللباس و لا علي عليه السلام و لا أحد من آبائك،فقال عليه السلام له:
كان النبي في زمان قتر مقتر،و كان يأخذ لقتره و إقتاره،و إنّ الدنيا بعد ذلك أرخت عز اليها،فأحقّ أهلها بها أبرارها،ثم تلا عليه السلام: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (2)و نحن أحق من أخذ منها ما أعطاه اللّه،غير أنّي يا ثوري ما ترى علي من ثوب إنّما ألبسه للناس ثمّ اجتذب يد سفيان فجرّها إليه ثمّ رفع الثوب الأعلى و أخرج ثوبا تحت ذلك على جلدة غليظا فقال:هذا ألبسه لنفسي و ما رأيته للناس،ثم جذب ثوبا على سفيان اعلاه غليظ خشن و داخل ذلك ثوب لين،فقال:لبست هذا الأعلى للناس و لبست هذا لنفسك تسترها! و روى أيضا:أنّ الصادق عليه السلام بينا هو في الطواف إذا بعبّاد بن كثير البصري يجذب ثوبه،و قال:تلبس مثل هذه الثياب و أنت في هذا الموضع مع المكان الّذي أنت فيه من علي عليه السلام.فقال عليه السلام:ثوب فرقبي اشتريته بدينار، و كان علي عليه السلام في زمان يستقيم له ما لبس فيه،و لو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس:هذا مراء مثل عباد (3).
«أنت اهون على اللّه من ذلك» بأن يخصك كالأنبياء و الأئمة عليهم السلام بترك لذائذ الدنيا مع حلّيتها لحكم كما يأتي في كلامه عليه السلام.
في(تاريخ الطبري):أنّ عبد اللّه بن أبي السمط قال:إنّ المأمون لا يبصر الشعر.فقال له عمارة بن عقيل:و من ذا يكون أعلم به منه،ننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره!فقال:أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرّك له،فقال له:و ما الّذي أنشدته؟قال:أنشدته:
اضحى امام الهدى المأمون مشتغلا بالدين و الناس بالدنيا مشاغيل
فقال له:إنّك و اللّه ما صنعت شيئا!و هل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحتها،فمن القائم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها،و هو المطوّق بها،هلاّ قلت فيه كما قال عمك جرير في عبد العزيز بن الوليد:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه و لا عرض الدنيا عن الدين شاغله
فقال الآن علمت أنّي أخطأت (1)
تاريخ الطبري 7:220،سنة 218. [1]
.«قال:يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك» قال الجوهري:طعام جشب أي:غليظ،و يقال هو الّذي لا أدم معه (2).
روى(المناقب)عن الأشعث العبدي قال:رأيت عليا عليه السلام اغتسل في الفرات يوم جمعة ثم ابتاع قميصا كرابيس بثلاثة دراهم،فصلّى بالناس الجمعة و ما خيط جربانه بعد! و روى عن جندب:أنّ عليّا عليه السلام قدم إليه لحم غثّ،فقيل له نجعل لك فيه سمنا،فقال عليه السلام:إنّا لا نأكل أدامين جميعا! و اجتمع عنده عليه السلام في يوم عيد أطعمة فقال:اجعلها بأجا و خلط بعضها ببعض فصارت كلمته عليه السلام مثلا (3).
«قال عليه السلام:ويحك إنّي لست كأنت» فلكلّ وظيفة «إنّ اللّه فرض على أئمة العدل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)«إنّ اللّه تعالى فرض على أئمة الحقّ» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 11:32، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:16، [2]مثل المصرية.
«أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ» من تبيغ الدم به أي:هاج،قال الجوهري:و قيل أصل تبيّغ بغي فقلب مثل جبذ و جذب (2)«بالفقير فقره» فينكر على اللّه تعالى،و يهلك.الخطبة(160)
وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا- وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ- فَقُلْتُ اعْزُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى أقول:رواه( أمالي الشيخ الصدوق-الامالي-ص 495 ح 7،المجلس 90 الصدوق)عن الدقاق عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسين عن محمد بن محسن عن المفضل عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عنه عليه السلام مع زيادات هكذا:قال عليه السلام:و اللّه ما دنياكم عندي إلاّ كسفر على منهل حلو،إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا،و لا لذاذتها في عيني إلاّ كحميم أشربه غساقا و علقم أتجرّعه زعاقا و سم افعى أسقاه دهاقا،و قلادة من نار أوهقها خناقا،و لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها و قال لي:اقذف بها قذف الاتن لا يرتضيها ليرقعها،فقلت له: «أعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى» ،و تنجلي عنهم علالات الكرى،و لو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم و لأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم،و لشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم،و لكنّي أصدّق اللّه جلّت عظمته حيث يقول: «مَنْ كانَ»
«يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ » (1)
أمالي الصدوق:495 ح 7،المجلس 90.و [1]الآيات 15 و 16 من سورة هود. [2]
.«و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه» في(جمل المفيد):روى أبو مخنف أنّه عليه السلام لمّا أراد التوجه من البصرة قام فيهم فقال:ما تنقمون عليّ يا أهل البصرة:و اللّه إنّهما-و اشار إلى قميصه و ردائه-لمن غزل أهلي،ما تنقمون منّي يا أهل البصرة:و اللّه ما هي-و اشار إلى صرّة في يده-إلاّ من غلتي بالمدينة،فان أنا خرجت من عندكم بأكثر مما ترون فأنا عند اللّه من الخائنين.ثم خرج و شيّعه الناس (2).
و قال ابن أبي الحديد:انه عليه السلام كان يطوف الأسواق مؤتزرا بإزار مرتديا برداء و معه الدّرة كأنّه إعرابيّ بدوي،فطاف مرّة حتى بلغ سوق الكرابيس فقال لواحد:بعني قميصا قيمته ثلاثة دراهم،فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ثم أتى آخر،فلما عرفه لم يشتر منه شيئا،فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم،فلما جاء أبوه،اخبروه فأخذ درهما ثم جاء إليه عليه السلام و قال له:إنّ القميص الّذي باعك ابني كان يساوي درهمين،فلم يأخذ عليه السلام الدرهم و قال:باعني رضاي و أخذ رضاه.
و قال:و عن أبي النوار بائع الخام بالكوفة،قال:جاءني علي عليه السلام إلى السوق و معه غلام له و هو خليفة،فاشترى منّي قميصين و قال لغلامه:اختر أيّهما شئت،فأخذ أحدهما و أخذ علي عليه السلام الآخر،ثم لبسه و مدّ يده فوجد كمّه فاضلة،قال:اقطع الفاضل،فقطعه ثم كفّه و ذهب.
و عن الصمال بن عمير قال:رأيت قميص علي عليه السلام الّذي أصيب فيه
و هو كرابيس سبيلاني،و رأيت دمه سال عليه كالدردي.
و قال أحمد بن حنبل:لمّا أرسل عثمان إلى علي عليه السلام وجدوه مؤتزرا بعباءة محتجزا بعقال و هو يهنأ بعيرا له (1)
شرح ابن أبي الحديد 9:235 و 236،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«حتى استحييت من راقعها» و للحمدوني في طيلسان مرقوع:
طيلسان رفوته و رفوت الرفو منه حتى رفوت رقاعه
فاطاع البلى و صار حليقا ليس يعطى الرفا على الرفو طاعه
«و لقد قال لي قائل أ لا تنبذها» أي:تطرحها «فقلت:اعزب» أي:أبعد-بضم الهمزة و كسرها «عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى» أي:السير بالليل.و قد عرفت من مستنده أن بعده«و تنجلي عنهم علالات الكرى»و كلاهما شعر جاء مثلا لتعب آخره راحة طويلة،و لا يعلم الأصل في المثل،و ربع في الشعر فقيل:
يا نفس قومي بي فقد نام الورى إن تفعلي خيرا فذو العرش يرى
و أنت يا عين دعي عنك الكرى عند الصباح يحمد القوم السرى
و لكن قال العسكري:هو في شعر للخيم يقول فيه:
تسألني عن بعلها أي فتى خب جبان و إذا جاع بكى
لا خطب القوم و لا القوم سقى و لا ركاب القوم إذا ضاعت بغا
كأنه غرارة ملأ خشى لما رأى الرمل و فيران الغضى
بكا!و قال هل ترون ما أرى أليس للسير الطويل منقضى
قلت اعرى صاحبى إلا بلا عند الصباح يحمد القوم السرى
و تنقضي عنهم غيابات الكرى (2)
و قال في(أمثال الكرماني):قال المفضل:بعث أبو بكر إلى خالد بن
الوليد و هو باليمامة أن سر إلى العراق،فأراد سلوك المفازة فقال له رافع الطائي:قد سلكتها في الجاهلية هي خمس للابل الواردة و لا أظنّك تقدر عليها إلاّ أن تحمل من الماء،فاشترى ماه شارف فعطشها ثمّ سقاها الماء حتى رويت،ثم كبتها و كعم أفواهها،ثم سلك المفازة حتى إذ مضي يومان و خاف العطش على الناس و الخيل،و خشي أن يذهب ما في بطون الإبل،نحر الإبل فاستخرج ما في بطونها من الماء فسقى الناس و الخيل و مضى،فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع:أنظروا هل ترون سدرا عظاما؟فان رأيتموها و إلاّ فهو الهلاك!فنظروا فرأوا فأخبروه،فكبّر و كبّر الناس ثم هجموا على الماء،فقال خالد:
للّه درّ رافع أنّى اهتدى فوزّ من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ساربه الجيش بكى ما سارها من قبله ليس يرى
عند الصباح يحمد القوم السرى و تنجلي عنهم غيابات الكرى (1)
مجمع الامثال 2:3. [1]
و قريب من المثل قولهم«التمر في البئر» (2)يعني:ما لم تستق من البئر للنخيل،لم تصر صاحب التمر.
و من أمثالهم في السّرى و الصباح قولهم:«إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنّه مصبح».قال الكرماني،قال الأصمعي:أصله أن القين بالبادية ينتقل في مياههم،فيقيم بالموضع أياما،فيكسد عليه عمله،ثم يقول لأهل الماء:إني راحل عنكم الليلة،و إن لم يرد ذلك،و لكنه يشيعه ليستعمله من يريد استعماله، فكثر ذلك من قوله حتى صار لا يصدق (3).
عن(تفسير الثعلبي):قال جعفر بن محمّد عليه السلام:رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السلام و عليها كساء من جلة الإبل و هي تطحن بيدها و ترضع ولدها، فدمعت عينا النبي فقال:يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة.فقالت:
الحمد للّه على نعمائه و الشكر للّه على آلائه،فأنزل تعالى: «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» (1)
نقله عن تفسير ثعلبي،و تفسير القشيري السروي في مناقبه 3:342.و الآية 5 من سورة الضحى. [1]
.هذا،و في السير،أن المعتز ولّى يعقوب بن الليث،و علي بن شبل، كرمان ليغلب أحدهما الآخر،فأقبل يعقوب و طوق بن المغلس من قبل ابن شبل إلى كرمان و لم يقاتلا،و ارتحل يعقوب بعد شهرين و أظهر الارتحال إلى سجستان،فقعد طوق للأكل و الشرب و الملاهي،و إذا هو بيعقوب قد رفع طوى مرحلتين في يوم،ففر أصحاب طوق و أسر طوق،فنزع يعقوب خفّه، فتساقط منه كسر خبز يابسة،فقال لطوق:هذا خفّي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي،و خبزي فيه آكل منه،و أنت جالس في الشراب! و قال أبو تمام:
رب خفض تحت السّرى و غناء من عناء و نضرة من شحوب
إذا شام الفتى برق المعالي فأهون فائت طيب الرقاد
أيضا:
فليس بياض المجد إلاّ لمكتس سواد الليالي ساهرا غير راقد
و كم ليلة راعيت فيها فراقدا لكسب على فوق السها و الفراقد
و ذكروا،أن بقابس منارا كبيرا،يحدو به الحادي،إذا ورد من مصر يقول:
يا قوم لا نوم و لا قرارا حتى نرى قابس و المنارا
1) 1)
و قال عمر بن أبي ربيعة:
و من أجل ذات الخال أعملت ناقتي أكلفها سير الكلال مع الظلع
و من أجل ذات الخال أحببت منزلا تحلّ به لا ذا صديق و لا زرع
هذا،و في دار السلام عن زين العابدين السلماسي:رأيت في الطيف بيتا عاليا له باب كبير و على جدرانه مسامير من الذهب،فسألت عن صاحبه فقيل لي:إنّه للسيد محسن الكاظمي-و هو صاحب الوسائل و الوافي-فتعجّبت و قلت:داره في الكاظمية صغيرة حقيرة ضيّقة الباب و الفناء،فمن أين اوتي هذا البناء؟قالوا:لمّا دخل من ذاك الباب الحقير أعطاه اللّه تعالى هذا البيت العالي الكبير!قال:و كان بيته في غاية الحقارة،و لم يكن له ما يضع سراجه فيه،فكان يوقد الشمعة على الطابوق و المدر (1)
دار السلام 2:213،و [1]النقل بتصرف يسير.
.الحكمة(103)
وَ قَدْ رُئِيَ عَلَيْهِ إِزَارٌ خَلَقٌ مَرْقُوعٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ- فَقَالَ يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ وَ تَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ- وَ يَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أقول :رواه أحمد بن حنبل في( فضائله 1أحمد بن حنبل-الفضائل- )هكذا:قيل لعليّ عليه السلام:لم ترقّع قميصك؟قال:ليخشع القلب،و يقتدي بي المؤمنون 2.
روى أبو نعيم في(حليته)،عن زيد بن وهب قال:قدم على علي عليه السلام وفد من أهل البصرة فيهم خارجي،فعاتب عليا عليه السلام في لبوسه فقال:مالك و لبوسي،ان لبوسي أبعد من الكبر 3.
1) 1)
من الكتاب(45)
و من هذا الكتاب و هو آخره:
إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ- قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ- وَ أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ- وَ اجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ- أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ- أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ- هَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ وَ مَضَامِينُ اللُّحُودِ- وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً وَ قَالَباً حِسِّيّاً- لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ- وَ أُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي- وَ مُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ- وَ أَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاَءِ إِذْ لاَ وِرْدَ وَ لاَ صَدَرَ- هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ- وَ مَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ- وَ مَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ- وَ السَّالِمُ مِنْكِ لاَ يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ- وَ الدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلاَخُهُ اعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي- وَ لاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي- وَ ايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ- لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ- إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً- وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً- وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا- مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا- أَ تَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ- وَ تَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ- وَ يَأْكُلُ؟عَلِيٌّ؟ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ- قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ- بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ وَ السَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ- طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا- وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَ هَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا- حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا- وَ تَوَسَّدَتْ كَفَّهَا- فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ- وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ- وَ هَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ- وَ تَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ-
«أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» قول المصنف : «و من هذا الكتاب و هو آخره» هكذا في(المصرية)أخذا من(ابن أبي الحديد)لكنّه ليس في(ابن ميثم) (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:292،و [1]شرح ابن ميثم 5:101. [2]
و نسخته بخط المصنف.قوله عليه السلام «إليك» أي:أمسكي «عنّي يا دنيا فحبلك على غاربك» الغارب ما بين سنام الإبل و عنقها،شبّه عليه السلام في هذه الفقرة حاله مع الدنيا بامرأة غير موافقة،طلّقها زوجها و أجرى صيغة طلاقها،فالفقرة من كنايات الطلاق عند العرب،و أصله أنّ الناقة إذا رعت و عليها الخطام لم يهنها شيء.
«قد انسللت» أي:خرجت خفيفة «من مخالبك» و المخالب للسباع كالأظفار للانسان.شبّه عليه السلام في هذه الفقرة حاله مع الدنيا بسبع صاد صيدا و أخذه بمخالبه،فانسلّ الصيد منها و هرب.
«و أفلت» أي:خرجت دفعة «من حبائلك» الّتي تصيد بها.شبّه عليه السلام في هذه الفقرة حاله معها بصيد وقع في حبالة صياد،فأفلت منها،فلا يقربها بعد «و اجتنبت الذهاب في مداحضك» و المدحض مكان زلق.شبّه عليه السلام حاله معها في هذه الفقرة بمن كان في طريقه مواضع دحض،فاجتنب المرور عليها لئلاّ يخرّ و يهوى .
«أين القوم» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية)«القرون» (2)«الذين غررتهم بمداعبك» أي:مزاحاتك.
«أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك» أي:تزويراتك و تمويهاتك.
و الأقوام الذين غرّتهم و الأمم الذين فتنتهم بمداعبها و زخارفها كانوا في كلّ عصر كثيرين و لم يبق منهم أثر.
في(المروج):كتب ملك الصين إلى أنو شروان:من فغفور ملك الصين صاحب قصر الدر و الجوهر،الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود و الكافور الّذي توجد رائحته على فرسخين،و الّذي تخدمه بنات ألف ملك، و الّذي في مربطه ألف فيل أبيض،إلى أخيه كسرى انو شروان،و أهدى إلى انو شروان فرسا من در منضّدا،عينا الفارس و الفرس من ياقوت أحمر، و قائم سيفه من زمرّد منضّد بالجوهر،و ثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملك جالسا في أيوانه و عليه حليته و تاجه،و على رأسه الخدم و بأيديهم المذابّ،و الصورة منسوجة بالذهب و أرض الثوب لازورد،في سفط من ذهب،تحمله جارية تغيب في شعرها،تتلألأ جمالا.و هدايا أخر من عجائب الصين.
و كتب إليه ملك الهند:من ملك الهند،و عظيم أراكنة المشرق،و صاحب قصر الذهب و أبواب الياقوت و الدّرّ،إلى أخيه ملك فارس صاحب التاج و الراية كسرى أنو شروان،و أهدى إليه ألفا منّ من عود هندي يذوب في النار كالشمع،و يختم عليه كما يختم على الشمع فتبين فيه الكتابة،و جاما من الياقوت الأحمر فتحه شبر مملوءا درّا،و عشرة أمنان كالفستق و اكبر من ذلك،و جارية طولها سبعة أشبار تضرب أشفار عينها خدها،و كأن بين أجفانها لمعان البرق من بياض مقلتيها مع صفاء لونها و دقّة تخطيطها و إتقان تشكيلها،مقرونة الحاجبين لها ضفائر تجرّها،و فرشا من جلود الحيّات ألين من الحرير و احسن من الوشي،و كان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي،مكتوب بالذهب الأحمر،و هذا الشجر يكون بأرض الهند و الصين، و هو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن و ريح طيب،لحاؤه أرقّ من الورق الصيني،تتكاتب فيه ملوك الصين و الهند.
و أهدى إليه خاقان ملك التبت أنواعا من العجائب الّتي تحمل من أرض
تبّت،منها أربعة آلاف منّ من المسك في نوافج عزلانه-إلى أن قال-و قال عدي بن زيد العبادي:
اين كسرى خير الملوك انو شر و ان؟ام اين قبله سابور؟
لم يهبه ريب المنون،فولّ ي الملك عنه فبابه مهجور
حين ولّوا كأنّهم ورق ج فّ فألوت به الصبا و الدبور (1)
مروج الذهب 1:293 و 295. [1]
و قال سلم الخاسر في المنصور و بنائه بغداد:
أين ربّ الزوراء إذ قلدته الملك عشرين حجّة و اثنتان
و في(تاريخ بغداد):قال المنصور للربيع:هل تعلم في بنائي هذا موضعا ان أخذني فيه الحصار خرجت خارجا منه على فرسخين؟قال:لا.
قال:بلى فيه كذا موضعا-إلخ (2)-.
قلت:و لم ينجه ذلك لمّا حاصره الموت.
«ها هم رهائن القبور و مضامين اللحود» في الخبر انطلق ذو القرنين يسير في البلاد حتى مر بشيخ يقلّب جماجم الموتى،فوقف عليه بجنوده فقال له:
أخبرني أيها الشيخ:لأي شيء تقلّب هذه الجماجم؟قال:لأعرف الشريف من الوضيع و الغني من الفقير فما عرفت،و إنّي لأقلبها منذ عشرين سنة.فانطلق ذو القرنين و تركه و قال:ما عنيت بهذا أحدا غيري (3).
و في(عيون ابن قتيبة):تذاكر حذيفة و سلمان أمر الدنيا،فقال سلمان:و من أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي سرير كسرى -و في العرصة سرير رخام كان يجلس عليه كسرى فتصعد غنيمات
الغامدي إلى ذلك السرير (1)
عيون ابن قتيبة 2:371. [1]
-.و قال أبو حامد الشهرزوري:
و من عرف الدنيا و لؤم طباعها و أصبح مغرورا بها فهو ألأم
ترديك و شيا معلما و هو صارم و تعطيك كفا رخصة و هو لهذم
و تصفيك ودّا ظاهرا و هي فارك و تسقيك شهدا رائقا و هو علقم
فأين ملوك الأرض كسرى و قيصر و اين مضى من قبل عادو جرهم
كأنهم لم يسكنوا الأرض مرّة و لم يأمروا فيها و لم يتحكّموا
«و اللّه لو كنت شخصا مرئيا و قالبا حسيا لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتهم بالأماني» أي:التمنيّات «و امم ألقيتهم في المهاوي» جمع المهواة ما بين الجبلين.
و للوحيد البغدادي:
لو تجلّى لي الزمان للاقى مسمعيه منّي عتاب طويل
إنّما نكثر الملامة للدهر لانّ الكرام فيه قليل
«و ملوك أسلمتهم إلى التلف و أوردتهم موارد» أي:مشارع «البلاء إذ لا ورد» في ماء رخاء «و لا صدر» عنه.قال:
حيران يعمه في ضلالته مستورد الشرائع الظلم
قال الفيروز آبادي في(قاموسه):المنصورة:بلدة بالسند إسلامية،و بلدة بنواحي واسط،و اسم خوارزم القديمة الّتي كانت شرقي جيحون،و بلدة قرب القيروان،و بلدة ببلاد الديلم،و بلدة بين القاهرة و الدمياط.و من العجب ان كلاّ منها بناها ملك عظيم في جلال سلطانه و علو شانه و سماها المنصورة تفاؤلا بالنصر و الدوام،فخربت
1) 1)
جميعها و اندرست و تعفّت رسومها و اندحضت (1)
القاموس المحيط 2:143، [1]مادة(نصر).
.«هيهات من وطيء» أي:وضع قدمه «دحضك» أي:مزلتك «زلق» و ما قدر على الثبات.قال الشاعر:
إنّ هذي الديار قد نزلت قبل و حلّت فأين أهل الديار
أين أين الملوك في سالف الدهر و ما أثروا من الآثار
كلّ ذي نخوة و أمر مطاع و امتناع و عسكر جرّار
ملكوا برهة فسادوا و قادوا ثمّ صاروا أحدوثة السمار
لم تخلّدهم الكنوز الّتي قد كنزوها من فضّة و نضار
لم تغثهم يوم الحساب و لكن حملوا وزرها مع الأوزار
«و من ركب لججك غرق» هذا تشبيه للدنيا بالبحر،مضافا إلى التشبيهات الأربعة المتقدّمة بمرأة سليطة غادرة،و سبع ذي مخلب،و صياد ذي حبالة، و مكان زلق.
و عن الكاظم عليه السلام قال لقمان لابنه:يا بني،إنّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير،فلتكن سفينتك فيها تقوى اللّه و حشوها الإيمان و شراعها التوكّل و قيّمها العقل،و دليلها العلم و سكّانها الصبر (2).
«و من أزوّر» أي:عدل «عن حبالك» حتى لا يقع فيها «وفّق» لأنّه أتى بما يقتضيه العقل.
جاء في(الكافي):أنّ الكاظم عليه السلام قال لهشام بن الحكم:يا هشام إنّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة و لم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا،فلذلك ربحت تجارتهم.يا هشام:إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف
الذنوب!و ترك الدنيا من الفضل و ترك الذنوب من الفرض.يا هشام:إنّ العاقل نظر إلى الدنيا و إلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلاّ بالمشقّة،و نظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلاّ بالمشقة،فطلب بالمشقة أبقاهما.يا هشام:ان العقلاء زهدوا في الدنيا و رغبوا في الآخرة لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة و أنّ الآخرة طالبة مطلوبة،فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه،و من طلب الدنيا و رغبوا في الآخرة لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة و أنّ الآخرة طالبة الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته (1)
الكافي 1:17. [1]
.«و السالم منك» يا دنيا «لا يبالي» لنجاته من هلكة شديدة «إن ضاق به مناخه» بضم الميم،أي:مستقره و الأصل فيه«انخت الجمل فاستناخ»أي:
أبركته فبرك.
هذا و«تنوخ»ليس من هذا كما توهم الجوهري،فقال ابن دريد:تنخ بالمكان إذا اقام به،و منه تنوخ (2).و هذا من نوخ الإبل.
و وجه عدم مبالاته بضيق مناخه،لأن من سلم منها كمن سلم ممن يريد إهلاكه بالاختفاء في موضع ضيق،فهو لا يحسّ ضيق ذاك المكان ما دام همه النجاة.
«و الدنيا عنده كيوم حان انسلاخه» أي:صار وقت تقضيه.
قال الصادق عليه السلام:اصبروا على طاعة اللّه و تصبّروا عن معصية اللّه، فإنّما الدنيا ساعة فما مضى فلست تجد له سرورا و لا حزنا و ما لم يأت فلست تعرفه،فاصبر على تلك الساعة الّتي أنت فيها فكأنّك قد اغتبطت (3).
«اعزبي» بالضم و الكسر،أي:ابعدي يا دنيا «عنّي فو اللّه لا أذل لك» أي:
لا أكون لك ذلولا «فتستذليني» أي:تجعليني ذليلا «و لا أسلس» أي:لا أنقاد «لك فتقوديني» حيث شئت.
عن الصادق عليه السلام فيما ناجى اللّه تعالى به موسى عليه السلام:يا موسى لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين،و ركون من اتخذها أبّا و أمّا،يا موسى:لو وكّلتك إلى نفسك لتنظر لها إذن،لغلب عليك حبّ الدنيا و زهرتها (1)
الكافي 2:135 ح 21. [1]
.«و ايم اللّه» قال الجوهري:أيمن اللّه بضم الميم،و النون اسم وضع للقسم -إلى أن قال-و ربما حذفوا منه النون فقالوا أيم اللّه و ايم اللّه بكسر الهمزة (2).
«يمينا» قال الجوهري:اليمين:القسم،يقال سمّي بذلك لأنّهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كلّ أمريء منهم يمينه على يمين صاحبه-إلخ (3)-.و نصبه على المصدرية.
«استثنى فيها بمشية اللّه» إشارة إلى قوله تعالى: «وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ» (4).
«لأروضنّ» و الأصل فيه من«رضت المهر»داراه حتى يركبه.
«نفسي رياضة» و الأصل روّاضة «تهشّ» أي:ترتاح النفس «معها» أي:مع تلك الرياضة «إلى القرص» من الخبز «إذا قدرت عليه مطعوما» .
في الكشّي عن أبي عبد اللّه عليه السلام:أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له و معهما مائتا دينار فقال لهما:قولا له يقول لك عثمان استعن بهما على ما نابك.فقال لهما:هل أعطى أحدا مثل ما أعطاني؟قال:لا،قال:فإنّما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم،قالا له:يقول عثمان:إنّها من صلب مالي
و ما خالطها حرام.قال:لا حاجة لي فيها،و أنا من أغني الناس.فقالا له:ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا.فقال:بلى تحت هذا الاكاف الّذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيام،فما أصنع بهذه الدنانير؟ (1)
اختيار معرفة الرجال:27 ح 53،و النقل بتصرف يسير.
.«و تقنع بالملح مأدوما» أي:ما يؤكل الخبز معه.
في(المناقب):رآه عليه السلام عدي بن حاتم و بين يديه شنة فيها قراح ماء، و كسرات من خبز شعير و ملح،فقال له عليه السلام:إني لأراك لتظلّ نهارك طاويا مجاهدا،و بالليل ساهرا مكابدا،ثم يكون هذا فطورك!فقال عليه السلام:
علّل النّفس بالقنوع و إلاّ طلبت منك فوق ما يكفيها
و فيه:ترصّد عمرو بن حريث غذاءه عليه السلام،فأتت فضّة بجراب مختوم فأخرج منه خبزا متغيّرا خشنا،فقال عمرو:يا فضّة!لو نخلت هذا الدقيق و طيبته،قالت:كنت أفعل فنهاني و كنت أضع في جرابه طعاما طيّبا فختم جرابه،ثم أنّه عليه السلام فتّه في قصعة و صبّ عليه الماء ثم ذرّ عليه الملح و حسر عن ذراعه،فلما فرغ قال:يا عمرو:لقد حانت هذه-و أشار إلى محاسنه- و حسرت هذا-و أشار إلى بطنه-أن أدخلها النّار من أجل الطعام،و هذا يجزيني (2).
و في(كامل المبرد):قال أبو نيزر:جاءني علي عليه السلام و أنا أقوم بالضيعتين-عين أبي نيزر و البغيبغة-فقال لي:هل عندك من طعام؟فقلت:
طعام لا أرضاه لك،قرع من قرع الضيعة صنعته باهالة سنخة.فقال:علي به -إلى أن قال-و قال من أدخله بطنه النار فأبعده اللّه (3).
هذا،و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:أنّ يوسف عليه السلام لمّا كان في السجن شكا إلى ربه أكل الخبز وحده و سأل أداما يأتدم به،و قد كان كثر عنده قطع الخبز اليابس،فأمره أن يأخذ الخبز و يجعله في إجّانة و يصبّ عليه الماء و الملح فصار مريا و جعل يأتدم به (1)
الكافي 6:330 ح 1. [1]
.«و لأدعن» أي:أتركن «مقلتي» شحمة العين الّتي تجمع البياض و السواد «كعين ماء نضب» أي:غار و سفل «معينها» أي:جاريها.و معين:فعيل،و قيل:هو مفعول من«عنت الماء»إذا استنبطته.
«مستفرغة» حال من «مقلتي» «دموعها» روى الكافي:أنّه عليه السلام أقبل ذات يوم على الناس بعد صلاة فجره و قال:لقد أدركت أقواما يبيتون لربهم سجدا و قياما،يخالفون بين جباههم و ركبهم كأن زفير النار في آذانهم،إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر،ثم قال عليه السلام فما رئي ضاحكا حتى قبض (2).
«ا تمتلي السائمة» أي:الماشية الراعية «من رعيها» بالكسر،أي:كلاءها، و أمّا بالفتح فمصدر،حملناه على الأول لقوله عليه السلام بعد «و تشبع الربيضة من عشبها» .
«فتبرك» من برك البعير إذا استناخ.
و في(الأساس):وصف أعرابي أرضا خصبة فقال:تركت كلاءها كأنّه نعامة باركة.و ابتركوا في الحرب جثوا على الركب (3).
«و تشبع الربيضة» قال الجوهري:ربوض البقر و الغنم و الفرس مثل بروك الإبل و جثوم الطير،و المرابض للغنم كالمعاطن للإبل،و الربيض الغنم
برعاتها المجتمعة في مربضها (1)
صحاح اللغة 3:1076، [1]مادة(ربض).
.«من عشبها» أي:علفها «فتربض» بكسر العين،أي:تنام على الركب.
«و يأكل علي من زاده فيهجع» أي:ينام ليلا «قرت إذن عينه» كلام تهكّمي.
«اذن اقتدي بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة» أي:بلا راع «و السائمة المرعية» الّتي لها راع .
«طوبى لنفس» اتصفت بما قاله عليه السلام بعد،لأنها المخاطبة بقوله تعالى:
«يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» (2).
«أدّت إلى ربها فرضها» فأعبد الناس من أقام الفرائض و لم يخل بشيء منها.
«و عركت» أي:دلكت «بجنبها بؤسها» أي:شدّتها،من قولهم«عرك البعير جنبه بمرفقه»و المراد احتملت الشدائد و تحمتلها بنفسها.قال الشاعر:
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما يسوء من الأدنى جفاك الأباعد (3)
«و هجرت» أي:تركت «في الليل غمضها» بالضم،أي:نومها،قال تعالى:
«كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ» (4)و فسرت بأنّهم كانوا أقل الليالي تفوتهم حتّى لا يقومون.
«حتى إذا غلب الكرى» أي:الميل إلى النوم «عليها» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية)بدل «حتى إذا غلب الكرى
عليها» .«حتى إذا الكرى غلبها» (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 16:95،و شرح ابن ميثم 5:102، [1]مثل المصرية الا ان ابن ميثم أورد...عليها«بعد... افترشت».
و قلنا غير مرّة أن المقدّم نقل ابن ميثم لكون نسخته بخط مصنفه.«افترشت ارضها» أي:جعل الأرض فراشها «و توسّدت كفها» أي:جعل كفّها و سادها،و المراد أنه إذا غلب النوم عليها تركت القيام و نامت لقوله تعالى: «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى» (2)أي من النوم-كما فسر في خبر (3)-ليفهم ما يقول،لكن ليس نومه نوم استراحة و اطمئنان،بل هكذا ليقوم ثانيا بعد رفع غلبة النوم.
و في(تذكرة السبط):و في(الصحيحين)و(مسند أحمد بن حنبل)،عن أبي حازم قال:جاء رجل إلى سهل بن سعد فقال:هذا فلان يذكر علي بن أبي طالب عند المنبر.فقال:ما يقول؟قال:يقول أبو تراب و يلعن!فغضب سهل و قال:و اللّه ما كناه به إلاّ النبي صلّى اللّه عليه و آله،و ما كان اسم أحبّ إليه منه،دخل على فاطمة عليها السلام فأغضبته في شيء فخرج إلى المسجد فاضطجع على التراب و خلص التراب على ظهره،فجاء النبي صلّى اللّه عليه و آله فمسح التراب عن ظهره و قال:
اجلس أبا تراب (4).
و في(تاريخ الطبري)مسندا عن عمار قال:كنت أنا و علي عليه السلام رفيقين مع النبي صلّى اللّه عليه و آله في غزوة العشيرة-و كانت في السنة الثانية من الهجرة،و كان النبي خرج فيها يعترض لعيرات قريش-فنزلنا منزلا فرأينا رجالا من بني
مدلج يعملون في نخل لهم،فقلت:لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون، فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النعاس،فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته في دقعاء من التراب،فما أيقظنا إلاّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أتانا و قد تتربنا في ذلك التراب،فحرّك عليّا عليه السلام برجله فقال:قم يا أبا تراب:ألا أخبرك بأشقى الناس!أحمر ثمود عاقر الناقة و الّذي يضربك على هذا-يعني قرنه-فيخضب هذه-و أخذ بلحيته-منها (1)
تاريخ الطبري 2:123،سنة 2. [1]
.«في معشر أسهر» أي:منع من النوم «عيونهم خوف معادهم» .جاء في (الكافي)عن الصادق عليه السلام:صلّى النبي صلّى اللّه عليه و آله الصبح بالناس فنظر إلى شاب في المسجد،و هو يخفق و يهوى برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه و غارت عينه في رأسه،فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله:كيف أصبحت يا فلان؟قال:موقنا!فعجب النبي من قوله و قال:إن لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟قال:إنّ يقيني هو الّذي أحزنني و أسهر ليلي و أظمأ هو اجري فعزفت نفسي عن الدنيا و ما فيها، كأنّي أنظر إلى عرش ربّي و قد نصب للحساب،و حشر الخلائق لذلك،و أنا فيهم،و كأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة و يتعارفون على الأرائك متكئون،و كأني أنظر إلى أهل النّار و هم فيها معذّبون مصطرخون،و كأنّي الآن أسمع زفير النّار يدور في مسامعي.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه:هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان.ثم قال له:الزم ما أنت عليه،فقال الشاب له صلّى اللّه عليه و آله:أدع لي أن أرزق الشهادة معك!فدعا له فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي فاستشهد بعد تسعة و كان هو العاشر (2).
«و تجافت» أي:نبت «عن مضاجعهم» و فرشهم «جنوبهم» قال تعالى:
«تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » (1)
السجده:16 و 17. [1]
.«و همهمت» أي:رددت الصوت،من همهم الأسد «بذكر ربّهم شفاههم» قال تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ» -إلى- «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» (2).
«و تقّشعت» أي:تفرقت «بطول استغفارهم ذنوبهم» و في الخبر:لكلّ داء دواء،و دواء الذنوب الاستغفار (3).
و روي أنّ عبّاد البصري قال للصادق عليه السلام:بلغني أنّك قلت ما من عبد يذنب ذنبا الاّ أجلّه اللّه سبع ساعات من النهار.فقال:ليس هكذا قلت،و لكن قلت:
ما من عبد مؤمن و كذلك كان قولي (4).
«أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» هكذا في (المصرية و الخطية)،و ليس الكلام كلّه في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (5)،و كيف فالمفلحون إنّما حزبه تعالى،و الأحزاب الأخرهم الخاسرون.
1) 1)
2) 2) آل عمران:191-195. [2]
3) 3) رواه الصدوق في ثواب الاعمال:197 ح 1،و سيوطي في الجامع الصغير 2:125،و المناوي في كنوز الحقائق 2:69.
4) 4) أخرجه الاهوازي في كتابه،عنه البحار 6:38 ح 63،و الحميري في قرب الاسناد:2،و [3]في رواية الحميري «الحسن البصري».
5) 5) توجد الكلام في شرح ابن أبي الحديد 16:295،و [4]شرح ابن ميثم 5:102. [5]
الخطبة(33)
و من خطبة له عليه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة.
قَالَ؟عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ؟دَخَلْتُ عَلَى ؟أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع؟ ؟بِذِي قَارٍ؟ وَ هُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ- فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذِهِ النَّعْلِ- فَقُلْتُ لاَ قِيمَةَ لَهَا- فَقَالَ ع وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ- إِلاَّ أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً- ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إلخ و مرّ في(20)التوحيد في(الخطبة 80)عن نوف أنّه عليه السلام خطب قائما على حجارة و عليه مدرعة من صوف و حمائل سيفه ليف و في رجليه نعلان من ليف،و كأنّ جبينه ثفنة بعير.
قول المصنف : «قال عبد اللّه بن العباس:دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار» و في رواية( إرشاد الشيخ المفيد-الارشاد-ص 132 الشيخ المفيد)أنّ ذلك كان بالربذة،فقال:
لما توجّه عليه السلام إلى البصرة،نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه و هو في خبائه،قال ابن عباس:فأتيته فوجدته يخصف نعلا،فقلت له:نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منّا إلى ما تصنع،فلم يكلّمني حتى فرغ من فعله ثم ضمها إلى صاحبتها،و قال لي:
قوّمهما،فقلت:ليس لهما قيمة،قال:على ذاك،قلت:كسر درهم.قال:و اللّه لهما أحبّ إليّ من أمركم هذا إلاّ أن أقيم حقّا او أدفع باطلا،قال:قلت إنّ الحاجّ اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلّم،فان كان حسنا كان منك و ان كان غير ذلك كان منّي.قال:لا،أنا أتكلّم،ثمّ وضع يده على صدري-و كان شثن الكفّين-فآلمني،ثم قام فأخذت بثوبه و قلت:نشدتك اللّه و الرحم.فقال:
لا تنشدني،ثمّ خرج فاجتمعوا عليه-إلخ (1)
الإرشاد:132. [1]
-.«و هو يخصف نعله» قال الفيومي:خصف النعل كرقع الثوب (2).
و كان عليه السلام يخصف نعله كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله،يخصف عليه السلام نعله و نعل النبي، و حديث«خاصف النعل»فيه مشهور.روى الخطيب-مع نصبه-في ربعي بن حراش الّذي قال فيه:تابعي ثقة،و يقال أنّه لم يكذب كذبة قط-و نقل شاهدا في ذلك-مسندا عنه قال:سمعت عليا عليه السلام و هو بالمدائن قال:جاء سهيل بن عمرو إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:إنّه قد خرج إليك ناس من أرقائنا ليس بهم الدين تعبّدا فارددهم علينا.فقال أبو بكر و عمر:صدق،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:لن تنتهوا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان،يضرب رقابكم و أنتم مجفلون عنه إجفال النعم،فقال أبو بكر:انا هو.قال:لا،قال عمر:
أنا هو.قال:لا،و لكنّه خاصف النعل،و في كفّ علي نعل يخصفها للنبيّ- و رواه الترمذي مثله (3).
و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)-كما في(تذكرة السبط)-مسندا عن أنس قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:لينتهين بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي، يمضي فيهم إمري،يقتل المقاتلة و يسبي الذرية،قال أبو ذر:فما راعني الاّ برد كفّ عمر من خلفي،فقال:من تراه يعني؟فقلت:ما يعنيك و إنما يعني خاصف النعل علي بن أبي طالب (4)(5).
«فقال عليه السلام:و اللّه لهي أحب إلي من أمرتكم إلاّ أن اقيم حقّا أو أدفع باطلا» و مرّ
في الشقشقيّة قوله عليه السلام«أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة،لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر،و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم،لألقيت حبلها على غاربها،و لسقيت آخرها بكأس أوّلها و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز» (1)
نهج البلاغة 1:36. [1]
.قول المصنف:في الثاني«و عليه مدرعة من صوف و حمائل سيفه ليف و في رجليه نعلان من ليف»،في(المناقب):رآه عليه السلام عقيل الخولاني جالسا على برذعة حمار مبتلة،فقال لأهله في ذلك فقالت:لا تلوموني فو اللّه ما يرى شيئا ينكره إلاّ أخذه و طرحه في بيت المال (2).
و في خبر:قال عليه السلام لأهل البصرة،إن قميصي لمن غزل أهلي (3).
«و كأنّ جبينه ثفنة بعير»من كثرة سجداته،و ثفنات البعير ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ.
و في(العدد)عن الباقر عليه السلام:و لقد كان أبي تسقط منه كلّ سنة سبع ثفنات من موضع سجوده لكثرة صلواته و كان يجمعها فلما مات دفنت معه.
و جاء في(أمالي الشيخ الطوسي):أنّ فاطمة بنت علي عليه السلام أتت جابر الأنصاري و قالت له:هذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين عليه السلام قد انخرم أنفه و ثفنت جبهته و ركبتاه و راحتاه ادأبا منه لنفسه في العبادة-الخبر (4).
و كان عليه السلام إذا أكثروا عليه في عبادته قال:أين تقع عبادتي من عبادة جدّي (5).
الحكمة(236)
و قال عليه السلام:
وَ اللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ- أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عُرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ و مرّ في سابقة قوله«و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».
و في خطبة 222:و إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها،ما لعليّ و لنعيم يفنى و لذة لا تبقى،نعوذ باللّه من سبات العقل و قبح الزلل.
هذا،و في(الصحاح):العرق بالفتح،العظم الّذي أخذ عنه اللحم،و الجمع عراق بالضم (1)
صحاح اللغة 4:1523، [1]مادة(عرق).
.و في(الأساس)قيل لبنت الخس:ما أطيب العراق؟قالت:عراق الغيث،و ذلك ما خرج من النبات على أثر الغيث،لأنّ الماشية تحبّه فتسمن عليه،فيطيب عراقها (2).و في(أنساب السمعاني)قال المدائني:خطب الديباج محمد بن عبد اللّه بن عمر بن عثمان،و الديباج عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب امرأة،فجعلت تبحث عن أحسنهما،فخرجت في ليلة مقمرة،فرأتهما يتعاتبان في أمرها أو أمر آخر،و كان وجه عبد العزيز إليها فرأت بياضه و طوله فقالت:حسبي به:فتزوجها هو،و دعا الآخر في وليمتها،فأكل ثم خرج و هو يقول:
بينا ارجى أن أكون وليّها رضيت بعرق من وليمتها سخن (3)
الحكمة(77)
وَ مِنْ خَبَرِ؟ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الضَّابِيِّ؟- عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى؟مُعَاوِيَةَ؟- وَ مَسْأَلَتِهِ لَهُ عَنْ؟أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع؟- قَالَفَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ- وَ قَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَ هُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ- قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ- وَ يَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَ يَقُولُ- يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ- لاَ حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ- قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا- فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَ خَطَرُكِ يَسِيرٌ وَ أَمَلُكِ حَقِيرٌ- آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَ طُولِ الطَّرِيقِ- وَ بُعْدِ السَّفَرِ وَ عَظِيمِ الْمَوْرِدِ أقول:رواه( مروج المسعودي-مروج الذهب-ج 2 ص 421 المسعودي)هكذا قال:دخل ضرار بن ضمرة-و كان من خواص علي عليه السلام-على معاوية وافدا،فقال له صف لي عليا.قال:اعفني! قال:لا بدّ من ذلك،فقال:أما إذا كان لا بدّ من ذلك،فانه كان و اللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا و يحكم عدلا،يتفجّر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه،يعجبه من الطعام ما خشن و من اللباس ما قصر،و كان و اللّه يجيبنا إذا دعوناه و يعطينا إذا سألناه،و كنّا و اللّه على تقريبه لنا و قربه منّا لا نكلّمه هيبة له،و لا نبتدئه لعظمه في نفوسنا،يبسم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين،و يرحم المساكين و يطعم في المسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة،يكسو العريان و ينصر اللهفان،يستوحش من الدنيا و زهرتها و يأنس بالليل و ظلمته،و كأنّي به و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه و هو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول:يا دنيا غرّي غيري،ألي تعرضت أم إلي تشوّقت؟هيهات هيهات!لا حان حينك قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك،عمرك قصير و عيشك
حقير و خطرك يسير،آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.فقال له معاوية:زدني شيئا من كلامه.
إلى أن قال:قال كيف حزنك عليه؟قال:حزن من ذبح ولدها على صدرها،فما ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها (1)
مروج الذهب 2:421. [1]
! و رواه المصنف في( خصائصه السيد الرضي-خصائص الائمة-ص 40 )-و في روايته-فان تبسم فعن غير أشر و لا اختيال،و إن نطق فعن الحكمة و فصل الخطاب،يعظّم أهل الدين و يحبّ المساكين و لا يطمع الغني في باطله و لا يؤيس الضعيف من حقّه-إلى أن قال-فوكت دموع معاوية ما يملكها!و يقول:هكذا كان علي،فكيف حزنك عليه يا ضرار؟قال:حزني عليه و اللّه حزن من ذبح واحدها في حجرها فلا ترقي دمعتها و لا تسكن حرارتها (2).و رواه ابن بابويه في( أماليه الشيخ الصدوق-الامالي-ص 499 ح 2،المجلس 91 )مسندا عن الأصبغ قال:دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية فقال:صف لي عليّا!قال:أو تعفيني؟قال:لا،بل صفه لي،فقال ضرار:كان و اللّه فينا كأحدنا،يبدأ بنا إذا أتيناه و يجيبنا إذا سألناه و يقرّبنا إذا زرناه،لا يغلق له دوننا باب و لا يحجبنا عنه حاجب،و نحن و اللّه مع تقريبه لنا و قربه منّا لا نكلّمه لهيبته و لا نبتدؤه لعظمته،فاذا تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية:زدني في صفته،فقال ضرار:كان و اللّه طويل السهاد، قليل الرقاد،يتلو كتاب اللّه آناء الليل و أطراف النهار،يجود اللّه بمهجته و يبوء إليه بعبرته،لا تغلق له الستور و لا يدخر عنّا البدور،و لا يستلين الاتكاء و لا يستخشن الجفاء،و لو رأيته إذ مثل في محرابه،و قد أرخى الليل سدوله،
و غارت نجومه و هو قابض على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و هو يقول:يا دنيا أبي تعرضت أم إليّ تشوّقت-إلى أن قال-:فبكى معاوية و قال:حسبك يا ضرار،كذلك و اللّه كان علي،رحم اللّه أبا الحسن (1)
أمالي الصدوق:499 ح 2،المجلس 91. [1]
! و روى( الاستيعاب -الاستيعاب-ج 3 ص 43 )عن حاله عليه السلام عن الحرمازي قال:قال معاوية لضرار الصدائي:صف لي عليا.قال:اعفني،قال:لتصفنّه!قال:أما إذ لا بدّ من وصفه فكان و اللّه بعيد المدى شديد القوى،يقول فصلا و يحكم عدلا،يتفجّر العلم من جوانبه و تنطق الحكمه من نواحيه،و يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و وحشته،و كان غزير العبرة طويل الفكرة،يعجبه من اللباس ما قصر و من الطعام ما خشن،كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استنبأناه و نحن و اللّه مع تقريبه إيّانا و قربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له،يعظّم أهل الدين و يقرّب المساكين،لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله،و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدلته و غارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول:يا دنيا غرّي غيري،ألي تعرضت أم أليّ تشوّقت،هيهات هيهات!قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها،فعمرك قصير و خطرك حقير،آه،من قلّة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق،فبكي معاوية و قال:رحم اللّه أبا الحسن،كان و اللّه كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟قال:حزن من ذبح ولدها و هو في حجرها (2)! و قال ابن أبي الحديد:رواه الرياشي و نقلته من كتاب عبد اللّه بن إسماعيل الحلبي في التذييل على النهج،قال:دخل ضرار على معاوية-و كانمن صحابة علي عليه السلام-فقال له معاوية:صف لي عليا!قال:أو تعفيني؟قال:لا، قال:ما أصف به،كان و اللّه شديد القوى بعيد المدى،يتفجّر العلم من أنحائه و الحكمة من أرجائه،حسن المعاشرة سهل المباشرة،سهل المباشرة،خشن المأكل قصير الملبس،غزير العبرة طويل الفكرة،يقلّب كفّه و يخاطب نفسه،و كان فينا كأحدنا،يجيبنا إذا سألنا و يبتدينا إذا سكتنا،و نحن مع تقريبه لنا أشدّ ما يكون صاحب لصاحب هيبة،لا نبتديه الكلام لعظمته-إلخ-.ثمّ نقله عن (الاستيعاب) (1)
شرح ابن أبي الحديد [1]ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 18 ص 225 18:225. [2]
.و أقول:في تلك الروايات«فوكت دموع معاوية ما يملكها،و قال هكذا و اللّه كان أبو الحسن»أثّرت حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام في معاوية،مع أنّه لعمري كان ممّن قال تعالى فيهم: «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» (2).
و أما قوله له«كيف حزنك عليه»-إلخ-فمثله أبو الطفيل،ففي(المروج):
قال له معاوية:كيف وجدك على خليلك أبي الحسن؟قال:كوجد أم موسى على موسى و أشكو إلى اللّه التقصير (3).
و قول المصنف : «و من خبر ضرار بن حمزة»هكذا في(المصرية) و الصواب: «بن ضمرة» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«الضبائي»هكذا في(المصرية)و الصواب: «الضيابي» كما في(ابن أبي الحديد)و غيره،و لكن(الاستيعاب)جعله«الصدائي»كما وجدت و إن نقل ابن أبي الحديد أيضا عنه«الضبابي»،و قد عرفت أن(الأمالي)قال«النهشلي»
و الحقيقة غير معلومة (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 18:224،و الاستيعاب 3:44،و الأمالي:499،و لفظ نهج البلاغة 4:16،أيضا «الضبابي»و لفظ شرح ابن ميثم 5:276،«الضبائي».
،و نهشل من تميم و صداء من مذحج و ضباب عدة قبائل بعضها بالفتح و بعضها بالكسر.و أما قول ثم«الضباب بطن من فهر بن مالك بن النضر بن كنانه» (2)الدال على أن هذا من ضباب قريش فبلا شاهد،مع أن قوله«بطن من فهر» كالتعريف بالجنس البعيد،و إنّما الصواب:أن يقال بطن من عامر بن لؤي لو قال دليل على كونه من قريش.
«عند دخوله على معاوية و مسألته له عن أمير المؤمنين عليه السلام» بوصفه له «و قال» هكذا في(المصرية)و الصواب:(قال)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3).
«فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى» أي:أرسل «الليل سدوله» أي:أستاره،و إرخاء الليل سدوله كناية عن شدّة ظلامه.
«و هو قائم في محرابه» عن إبانة العكبري قالت ام سليمان بن المغيرة:
سألت أم سعيد سرية علي عليه السلام عن صلاته في شهر رمضان فقالت:رمضان و شوال سواء،كان يحيى الليل كلّه (4).
و في(أمالي ابن بابويه)عن أنس سمعه رجل أنّه قال:نزل قوله تعالى:
«أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ» (5)في علي عليه السلام.قال:فأتيته عليه السلام لأنظر إلى عبادته،فأشهد باللّه لقد رأيته وقت
المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب،فلما فرغ جلس في التعقيب إلى أن قام إلى العشاء،فلما فرغ دخل منزله،فدخلت معه فوجدته طول الليل يصلي و يقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر،ثم جدّد وضوءه و خرج إلى المسجد و صلّى بالناس صلاة الفجر،ثم جلس في التعقيب إلى أن طلعت الشمس،ثمّ قصده الناس فجعل يختصم إليه رجلان فاذا فرغا قاما و اختصم آخران،إلى أن قام، فجدّد لصلاة الظهر وضوءه ثم صلّى بأصحابه الظهر،ثمّ قعد في التعقيب إلى أن صلّى بهم العصر،ثم أتاه النّاس فجعل يقوم رجلان و يقعد آخران يقضي بينهم و يفتيهم إلى أن غابت الشمس،فخرجت و أنا أقول:أشهد باللّه لقد نزلت هذه الآية فيه (1)
رواه عن أمالي الصدوق [1]المجلسي في البحار 41:13 ح 3. [2]
.«قابض على لحيته يتململ» أي:ما يستقر كأنه على ملة،أي:حفرة أوقدت فيها النار، «تململ السليم» أي:من لدغته حيّة،قالوا له السليم تفؤلا له بالسلامة «و يبكي بكاء الحزين» .
روى(أمالي ابن بابويه)مسندا عن عروة بن الزبير قال:كنّا جلوسا في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله فتذاكرنا أعمال أهل بدر و بيعة الرضوان،فقال أبو الدرداء:
أ لا أخبركم بأقل القوم مالا و اكثرهم ورعا و أشدّهم اجتهادا في العبادة فقالوا:
قل،قال:علي بن أبي طالب عليه السلام،فما كان في المجلس أحد إلاّ أعرض عنه بوجهه،ثم انتدب له رجل من الأنصار فقال له:يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها!فقال:إنّي قائل ما رأيت و ليقل كلّ قوم منكم ما رأوا،شهدت عليا عليه السلام بشويحاط بني النجار و قد اعتزل عن مواليه و اختفى مما يليه و استتر بمغيلات النخل،فافتقدته فقلت:لحق بمنزله،فإذا أنا بصوت حزين و نغمة شجي و هو يقول:«إلهي كم من موبقة حلمت عنّي في مقابلتها
1) 1)
بنعمتك؟و كم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك؟الهي،إن طال في عصيانك عمري و عظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمّل غير غفرانك و لا أنا براج غير رضوانك».
ثم فزع إلى الدعاء و البّث و الشكوى،فكان مما ناجى اللّه به أن قال«إلهي أفكّر في عفوك فتهون علي خطيئتي،ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليّتي!آه ان قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها و أنت محصيها فتقول خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته و لا تنفعه قبيلته،يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء،آه من نار تنضج الأكباد و الكلى،آه من نار نزّاعة للشّوى،آه من غمرة من ملهبات لظى».
ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّا،فقلت:غلبه النوم لطول السهر أوقظه لصلاة الفجر،فأتيته فاذا هو كالخشبة الملقاة فحرّكته فلم يتحرك، فقلت:(إنا للّه و إنّا إليه راجعون)مات و اللّه علي!فأتيت منزله مبادرا أنعاه، فقالت فاطمة عليها السلام:ما كان من شأنه فأخبرتها فقالت:هي و اللّه يا أبا الدرداء الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه-الخبر (1)
أمالي الصدوق:72 ح 9،المجلس 18،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و لابن فارض فيه عليه السلام:هو البّكاء في المحراب ليلا هو الضحّاك إذا اشتدّ الضّراب
«و يقول يا دنيا يا دنيا إليك» أي:أمسك «عنّي أ بي تعرضت ام إلّي تشوّقت لا حان حينك» أي:لا صار ذاك الوقت.قالت بثينة:
و إن سلوي عن جميل لساعة من الدهر ما حانت و لا حان حينها
في(المناقب):يروي أنّه عليه السلام كان في بعض حيطان فدك و في يده مسحاة،فهجمت عليه امرأة من أجمل النساء فقالت:يا ابن أبي طالب إن تزوّجتني أغنيك عن هذه المسحاة،و أدلّك على خزائن الأرض،و يكون لك
1) 1)
الملك ما بقيت،قال لها:فمن أنت؟قالت:أنا الدّنيا!فقال عليه السلام:ارجعي فاطلبي زوجا غيري فلست من شأني،و أقبل على مسحاته و أنشأ:
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة و ما هي إن غرّت قرونا بباطل
أتتنا على ذي العروس بثينة و زينتها في تلك الشمائل
فقلت لها:غرّي سواى فانّني عزوف عن الدنيا و لست بجاهل
و ما أنا و الدّنيا و أنّ محمدا رهين بقفر بين تلك الجنادل
وهبنا أتتنا بالكنوز و درّها و أموال قارون و ملك القبائل
أليس جميعا للفناء مصيرها و يطلب من خزّانها بالطوائل
فغرّي سواي إنّني غير راغب لما فيك من عزّ و ملك و نائل
و قد قنعت نفسي بما قد رزقته فشأنك يا دنيا و أهل الغوائل
فإنّي أخاف اللّه يوم لقائه و أخشى عذابا دائما غير زائل (1)
مناقب السروي 2:102.
«هيهات غرّي غيري» عن أبي الأسود الدؤلي-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-قال:لما ظهر علي عليه السلام يوم الجمل دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين و الأنصار و أنا معهم،فلما رأى كثرة ما فيه قال «غرّي غيري» مرارا-ثم نظر إلى المال و صعّد فيه بصره و صوّب فقال:اقسموه بين أصحابي خمسمائة،فقسّم بينهم،فلا و الّذي بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ ما نقص درهما و لا زاد درهما،كأنه كان يعرف مبلغه،و مقداره كان ستة آلاف درهم و الناس اثنا عشر ألفا.
و عن حبة العرني:قسّم علي عليه السلام بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة و اخذ خمسمائة درهم كواحد منهم،فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة فقال له عليه السلام:كنت شاهدا معك بقلبي و ان غاب عنك جسمي
1) 1)
فأعطني من الفيء شيئا،فدفع إليه الّذي أخذه لنفسه و هو خمسمائة و لم يصب من الفيء شيئا (1)
شرح ابن أبي الحديد 1:249 و 250. [1]
.و في(غارات الثقفي)و في(المناقب):و أتي عليه السلام بمال فكوّم كومة من ذهب و كومة من فضة و قال:يا صفراء اصفري يا بيضاء ابيضّي و غرّي غيري! هذا جناي و خياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه (2)
هذا،و في قصة يوذاسف و بلوهر الّتي رواها(الإكمال):أنّ رجلا كان في قوم،فركبوا سفينة،فساروا في البحر ليالي و أياما،ثم انكسرت سفينتهم بقرب جزيرة فيها الغيلان،فغرقوا سواه و ألقاه البحر إلى الجزيرة،و كانت الغيلان يشرفن من الجزيرة إلى البحر،فأتى غولا فهواها و نكحها حتى إذا كان مع الصبح قتلته،و قسّمت أعضاءه بين صواحبها،و اتّفق مثل ذلك لرجل آخر فأخذته ابنة ملك الغيلان فانطلقت به فبات معها ينكحها-و قد علم الرجل ما لقي من كانه قبله-فلم ينام حذرا،حتى إذا كان مع الصبح نامت الغول فانسلّ الرجل حتى أتى الساحل،فاذا هو بسفينة فنادى أهلها و استغاث بهم فحملوه حتى أتوا به أهله،فأصبحت الغيلان فأتوا الغولة الّتي باتت معه فقالوا لها:أين الرجل الّذي بات معك؟قالت:إنّه قد فرّ منّي فكذبوها و قالوا:أكلتيه و استأثرت به علينا فلنقتلنّك إن لم تأتنا به،فمرّت في الماء حتى أتته في منزله و رحله،فدخلت عليه و جلست عنده و قالت له:ما لقيت في سفرك هذا؟قال:
لقيت بلاء خلّصني اللّه منه-و قّص عليها ذلك-فقالت:و قد تخلّصت؟قال:نعم! فقالت:أنا الغول و جئت لأخذك!فقال لها:أنشدك اللّه أن لا تهلكيني فانّي أدلّك
على مكان رجل،قالت:فإنّي أرحمك،فانطلقا حتى إذا دخلا على الملك قالت:
اسمع منّا أصلح اللّه الملك،إنّي تزوّجت بهذا الرجل و هو من أحبّ الناس إليّ،ثم إنّه كرهني و كره صحبتي،فانظر في أمرنا،فلمّا رآها الملك أعجبه جمالها فخلا بالرجل فسارّه و قال له:إنّي أحببت أن تتركها فأتزوّجها.قال:نعم،ما تصلح إلاّ للملك.فتزوّج بها،و بات معها حتى إذا كانت مع السحر ذبحته و قطعت أعضاءه و حملته إلى صواحبها (1)
نقل القصة بطولها الصدوق في كمال الدين 2:577،و [1]هو من اساطير الهند و قد اشار إليها ابن النديم في الفهرست: 364.
.و في(المناقب):و سأله عليه السلام أعرابي شيئا فأمر له بألف،فقال الوكيل:
من ذهب أو فضة؟فقال عليه السلام كلاهما عندي حجران فأعط الأعرابي أنفعهما له (2).
و في(جمل المفيد):لما خرج عثمان بن حنيف من البصرة و عاد طلحة و الزبير إلى بيت المال فتأمّلا إلى ما فيه من الذهب و الفضة،قالوا:هذه الغنائم الّتي وعدنا اللّه بها و أخبرنا أنّه يعجّلها لنا.قال أبو الأسود:سمعت هذا منهما، و رأيت عليا عليه السلام بعد ذلك و قد دخله(أي:بيت المال)فلما رأى ما فيه قال:يا صفراء!يا بيضاء!غرّي غيري،المال يعسوب الظلمة،و أنا يعسوب المؤمنين، فلا و اللّه ما التفت إلى ما فيه (3).
«لا حاجة لي فيك قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها» قال تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» إلى أن قال «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ» (4)-الآية.و لقد أجاد العطار النيسابوري بالفارسية في وصفه عليه السلام:
چنان مطلق شد اندر فقر وفاقه كه زر و نقره بودش سه طلاقه
اگر علمش بدى بحر مصور در او يك قطره بودى بحر اخضر
چه در سر عطا اخلاص او را است سه نان هفده آيه خاص او راست
گرفته اين جهان وصف سنانش گذشته زان جهان وصف سه نانش
و في(العقد الفريد):كان علي عليه السلام يقسّم بيت المال في كلّ جمعة حتى لا يبقي منه شيئا،ثم يرش له،و يقيل فيه،و يتمثل بهذا البيت:
هذا جناي و خياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه (1)
العقد الفريد 5:59،و [1]فيه«يفرش له».
هذا،و قال المعرّي مخاطبا الدنيا:
يا امّ دفر نحاك اللّه والدة فيك الخناء و فيك البؤس و السرف
لو أنّك العرس أوقعت الطلاق بها لكنّك الأم مالي عنك منصرف
و قال بعضهم:
طلق اللهو فؤادي ثلاثا لا ارتجاع لي بعد الثلاث
و قالوا:كان المعدل و أويس يطلقان ثمّ يرجعان،فطلق رجل آخر امرأته -و كانت من بني غلاب-فقال:
لقد طلقت اخت بني غلاب طلاقا ما أظنّ له ارتدادا
و لم أك كالمعدل أو أويس إذا ما طلقّا ندما فعادا
و قال أحمد بن إسحاق بن بهلول في ابن الفرات،و قد كان صار وزيرا ثلاث مرات:
قل لهذا الوزير قول محقّ بثّه النّصح أيّما إبثاث
قد تقلّدتها ثلاثا ثلاثا و طلاق البتات عند الثلاث
و كان الأمر كما قاله فقتل ابن الفرات في وزارته الثالثة في محبسه.
1) 1)
«فعيشك قصير» فقالوا:الدّنيا أشبه شيء بظلّ الغمام و حلم النّيام.
و في السير:أنّ عبد الملك لمّا قتل مصعبا و ملك العراق و دخل الكوفة، صنع عمرو بن حريث له طعاما كثيرا و أمر به إلى الخورنق و أذن إذنا عامّا، فدخل الناس و أخذوا مجالسهم،و أجلس عبد الملك،عمرو بن حريث معه على سريره،ثم جاءت الموائد فأكلوا،فقال عبد الملك:ما ألّذ عيشنا لو دام،و لكنّا كما قال الأول:
و كلّ جديد يا أميم إلى بلى و كلّ أمريء يوما يصير إلى كان
فلمّا فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر،و عمرو بن حريث معه،و هو يسأله لمن هذا البيت و من بنى هذا البيت،و عمرو يخبره،فقال عبد الملك:
اعمل على مهل فانّك ميّت و اكدح لنفسك أيّها الإنسان
فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى و كأنّ ما هو كائن قد كان
«و خطرك» أي:قدرك و منزلتك «يسير» ،في الخبر لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه تعالى جناح بعوضة ما سقي كافرا منها شربة ماء (1)
أخرجه الترمذي في سننه 4:560 ح 2320.
.«و أملك حقير» قالوا:المرء في دنياه بين أماني ممدودة و عواري مردودة.
و قال تعالى: «زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا»
1) 1)
«ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النّارِ اَلصّابِرِينَ وَ الصّادِقِينَ وَ الْقانِتِينَ وَ الْمُنْفِقِينَ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ » (1)
آل عمران:14-17. [1]
.«آه» في(القاموس):بكسر الهاء بدون التنوين،و معه تقال عند الشكاية أو التوجّع (2)«من قلة الزاد» أي:زاد الآخرة و هي التقوى.
هذا،و في(القاموس):ازواد الركب مسافر بن أبي عمرو و زمعة بن الأسود و أبو امية بن المغيرة،لأنه لم يكن يتزود معهم احد في سفر يطعمونه و يكفونه الزاد،و زاد الركب فرس أعطاه سليمان عليه السلام للأزد لمّا وفدوا عليه (3).
«و طول الطريق» في البرزخ «و بعد السفر» في المحشر «و عظيم المورد» النّار. «قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» (4)، «يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً» (5)، «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» (6).
الحكمة(104)
وَ عَنْ؟نَوْفٍ الْبَكَّالِيِّ؟ قَالَ:رَأَيْتُ؟أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع؟ ذَاتَ لَيْلَةٍ- وَ قَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ فَنَظَرَ فِي النُّجُومِ- فَقَالَ لِي يَا؟نَوْفُ؟ أَ رَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ- قُلْتُ بَلْ رَامِقٌ قَالَ يَا؟نَوْفُ؟ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا- الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ- أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ
بِسَاطاً- وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً- وَ؟الْقُرْآنَ؟ شِعَاراً وَ الدُّعَاءَ دِثَاراً- ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ؟الْمَسِيحِ؟- يَا؟نَوْفُ؟ إِنَّ؟دَاوُدَ ع؟ قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ- فَقَالَ إِنَّهَا سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ- إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً- أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ وَ هِيَ الطُّنْبُورُ أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ وَ هِيَ الطَّبْلُ- وَ قَدْ قِيلَ أَيْضاً إِنَّ الْعَرْطَبَةَ الطَّبْلُ- وَ الْكُوبَةَ الطُّنْبُورُ أقول:رواه المسعودي في( مروجه المسعودي-مروج الذهب-ج 4 ص 106 و 107 )و الكراجكي في( كنزه الكراجكي-كنز الفوائد-ص 30 )و الصدوق في( خصاله الشيخ الصدوق-الخصال-ج 1 ص 337 ح 40 )و المفيد في( أماليه الشيخ المفيد-الامالي-ص 133،المجلس 16 ).
أما الأول فقال:كان محمد بن علي الربعي ممّن يكثر ملازمة المهتدي، فقال محمد:قال لي المهتدي ذات ليلة أتعرف خبر نوف الّذي حكاه عن علي عليه السلام حين كان يبايته؟قلت:نعم،ذكر نوف قال:رأيت عليا عليه السلام ليلة قد اكثر الخروج و الدخول و النظر إلى السماء ثمّ قال لي:يا نوف:أ نائم أنت؟قلت:
بل رامق،أرمق بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين،فقال لي:يا نوف،طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة،اولئك قوم اتخذوا ارض اللّه بساطا و ترابها ثيابا و ماءها طيبا و الكتاب شعارا و الدعاء دثارا،ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.يا نوف ان اللّه تعالى أوحى إلى عبده عيسى عليه السلام أن قل لبني إسرائيل ألاّ يدخلوا إليّ إلاّ بقلوب وجلة و أبصار خاشعة و أكفّ نقيّة،و أعلمهم أنّي لا أجيب لأحد منهم دعوة،و لأحد من خلقي قبلهم مظلمة.قال الربعي:فو اللّه لقد كتب المهتدي هذا الخبر بخطّه و قد كنت أسمعه في جوف الليل،و قد خلا بربّه في بيت كان لخلوته و هو يبكي و يقول:يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا،الراغبين في الآخرة،و يمرّ في الخبر
إلى آخره.إلى أن كان من أمره ما كان مع الأتراك و قتلهم إيّاه (1)
مروج الذهب 4:106-107. [1]
.و أما الثاني:فروي مسندا عن الباقر عن آبائه عليهم السلام أنّ عليّا عليه السلام قال لمولاه نوف الشبامي-و هو معه في السطح-يا نوف أراقد أم نبهان؟قال:
نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين!قال:هل تدري من شيعتي؟قال:لا و اللّه!قال:
شيعتي الذّبّل الشفاه الخمص البطون الّذين تعرف الرهبانية و الربّانية في وجوههم،رهبان بالليل أسد بالنّهار،الّذين إذا جنّهم الليل اتزروا على أوساطهم و ارتدوا على أطرافهم و صفّوا أقدامهم و افرشوا جباههم،تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى اللّه في فكاك رقابهم،و أمّا النّهار فحلماء، علماء،كرام نجباء،أبرار أتقياء،يا نوف،شيعتي الّذين اتخذوا الأرض بساطا و الماء طيبا و القرآن شعارا،إن شهدوا لم يعرفوا،و ان غابوا لم يفتقدوا، شيعتي من لم يهرّ هرير الكلب و لا يطمع طمع الغراب،و لم يسأل الناس و لو مات جوعا،ان رأى مؤمنا أكرمه و إن رأى فاسقا هجره،هؤلاء و اللّه يا نوف شيعتي!شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة و حوائجهم خفيفة،و أنفسهم عفيفة،اختلفت بهم الأبدان و لم تختلف قلوبهم.قلت:جعلني اللّه فداك!أين أطلب هؤلاء؟قال:في أطراف الأرض (2).
و اما الثالث:فروي مسندا عن نوف قال:بتّ ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام،فكان يصلّي الليل كلّه و يخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء و يتلو القرآن،فمرّ بي بعد هدوّ من الليل،فقال:يا نوف!أراقد أنت أم رامق؟قلت:بل رامق أرمقك ببصري،قال:يا نوف!طوبى للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة،اولئك الذين اتخذوا الأرض بساطا و ترابها فراشا،
و ماءها طيبا،و القرآن دثارا و الدعاء شعارا،قرضوا من الدنيا تقريضا على منهاج عيسى بن مريم عليه السلام،إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى عيسى قل للملأ من بني اسرائيل لا يدخلوا بيوتا من بيوتي،إلاّ بقلوب طاهرة و أبصار خاشعة و أكفّ نقيّة،و قل لهم:إنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة و لأحد من خلقي قبله مظلمة،يا نوف!إيّاك أن تكون عشّارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة-و هي الطنبور-أو صاحب كوبة-و هي الطبل-فإنّ نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال:إنّها الساعة لا تردّ فيها دعوة إلاّ دعوة عريف أو دعوة شاعر أو دعوة عاشر او شرطي أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة (1)
الخصال 1:337 ح 40.
.و أمّا الرابع:فرواه مثل الثالث لكن فيه«و ترابه وسادا»و فيه«يقرضون الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام»و فيه«إنّ اللّه تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام!يا عيسى عليك بالمنهاج الأول تلحق ملاحق المرسلين،قل لقومك يا أخا المنذرين:ألاّ يدخلوا بيتا من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة و أيد نقيّة و أبصار خاشعة،فانّي لا أسمع من داع دعاني و لأحد من عبادي عنده مظلمة و لا أستجيب له دعوة و لي قبله حقّ لم يرّده إليّ،فان استطعت يا نوف أن لا تكون عريفا و لا شاعرا و لا صاحب كوبة و لا صاحب عرطبة فافعل،فانّ داود عليه السلام رسول ربّ العالمين خرج ليلة من الليالي فنظر في نواحي السماء،ثمّ قال:و اللّه رب داود!إنّ هذه الساعة،لساعة ما يوافقها عبد مسلم يسأل اللّه فيها خيرا إلاّ أعطاه إيّاه إلاّ أن يكون عريفا أو شاعرا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة» (2).
قول المصنف : «و عن نوف البكالي» هكذا في(المصرية و ابن ميثم) و لكن في(ابن أبي الحديد)«و عن نوف البكائي،و قيل:البكالي باللام و هو الأصح» (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:265،و [1]شرح ابن ميثم 5:293.
و لعلّه كان حاشية خلط بالمتن.و كيف كان فقال ابن أبي الحديد:الظاهر أنّ بكالا قبيلة من اليمن،و أما بكيل فحيّ من همدان و إليهم أشار الكميت في قوله:
فقد شركت فيه بكيل و أرحب
فأمّا البكالي في نسب نوف فلا أعرفه (2).
قلت:أخذ كلامه بكيل من همدان و إليهم أشار الكميت في قوله:«فقد شركت فيه بكيل و أرحب»من(الصحاح) (3)،فلم لم يأخذ كلامه في بكال فقال:
و بنو بكال من حمير منهم نوف البكالي (4).ثمّ تعبيره«الظاهر أنّ بكالا من اليمن،و أما بكيل فمن همدان»خطأ،فهمدان أيضا من اليمن،و لا معنى لجعل التقابل بين العامّ و الخاصّ.
ثم الأظهر كون بكال بالكسر كبكيل بالفتح كلّ منهما من همدان.قال ابن دريد في(جمهرته):و بنو بكال و بنو بكيل أحسبهما من همدان.ثم جعل كون بكيل من همدان و بكال من حمير احتمالا (5)،و لم أجد خلافا في الثاني.
و يمكن الاستدلال للأول:بأنّ الطبري في عنوان ذكر خبر الخوارج، روى عن جبر بن نوف أبي الوداك الهمداني (6).و في المغرب:أنّ جبرا بن نوف
البكالي (1)
المغرب:343، [1]مادة(ود).
.و السمعاني قال في بكال:ينسب إليه نوف بن فضالة البكالي و أبو الوداك جبر بن نوف البكالي و قيل البكيلي،و قال في بكيل:بكيل بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان رهط أبي الوداك جبر بن نوف البكيلي.فأتى بالاختلاف (2).و اما قول(القاموس)في«خير»بالخاء ثمّ المثناة:و خيران ولد نوف بن همدان (3)،فلا ينافي ما قاله المغرب،لأن ذاك ابن نوف البكالي و هذا ابن نوف ابن همدان،إلاّ أنّ(معجم البلدان)قال في بكيل:هو جشم بن خيوان بن نوف بن همدان (4)،و المفهوم من خليفة كون بكال لا من همدان و لا من حمير، فعنون(الاستيعاب)«عمرو البكالي»و قال:قال خليفة هو من بني بكال بن دعمي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن كهلان (5).و كيف كان فهمدان من كهلان بن سبأ،فهو كما ذكر في(المعارف)،ابن ربيعة بن خيار بن مالك بن زيد ابن كهلان،و حمير هو ابن سبأ (6).
هذا،و في(ذيل الطبري و السمعاني)،أنّ نوف البكالي،ابن امرأة كعب الأحبار (7).
و مما يؤيد كون نوف همدانيا،أنّ كنز الكراجكي-كما عرفت-وصفه بالشبامي (8).و جاء في كتاب(اللباب لأبن أثير):أن شبام هو ابن اسعد بن
جشم ابن حاشد بن خيران بن نوف بن همدان،و شبام:جبل سكنه عبد اللّه (1)
اللباب لابن الأثير 2:182، [1]بتفاوت في العبارة.
.و اما قول(ابن ميثم):البكال منسوب إلى بكالة قرية من اليمن (2).فلا اعتبار له، و لم يقل به أحد.
«قال رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة و قد خرج من فراشه فنظر في النجوم» هكذا في(المصرية)و الصواب:«إلى النجوم»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
و ذكر الصدوق في كتاب(الفقيه):مدح اللّه تعالى أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه بقيام صلاة الليل فقال «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ» .
و فيه:قال أبو عبد اللّه عليه السلام إذا قام علي عليه السلام آخر الليل رفع صوته،حتّى يسمع أهل الدار،يقول:«اللهمّ أعنّي على هول المطّلع و وسّع علي المضطجع».
و فيه عن أبي جعفر عليه السلام:إذا قمت من فراشك فانظر في افق السماء و قل:
«الحمد للّه الّذي ردّ علي روحي،أعبده و أحمده،اللهمّ إنّه لا يواري منك ليل داج و لا سماء ذات أبراج و لا أرض ذات مهاد و لا ظلمات بعضها فوق بعض و لا بحر لجيّ بين يدي المدلج من خلقك،تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، غارت النجوم و نامت العيون و أنت الحيّ القيوم،لا تأخذك سنة و لا نوم، سبحان ربّ العالمين،و إله المرسلين،و خالق النبيين و الحمد للّه ربّ العالمين، اللهمّ اغفر لي و ارحمني و تب علي إنّك أنت التوّاب الرّحيم»ثمّ اقرأ خمس آيات من آخر آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ»
«لَآياتٍ» -إلى قوله تعالى- «إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» (1)
آل عمران:190-194. [1]
.و عنه عليه السلام في قوله تعالى: «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً» (2)أنزلت في أمير المؤمنين عليه السلام و أتباعه من شيعتنا، ينامون في أول اللّيل،فاذا ذهب ثلثا الليل أو ما شاء اللّه فزعوا إلى ربهم راغبين، راهبين،طائعين،فيما عنده،فذكرهم اللّه تعالى في كتابه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و أخبرهم بما أعطاهم و أنّه أسكنهم في جواره و أدخلهم جنّته و آمن خوفهم و روعتهم (3).
«فقال لي يا نوف أ راقد» أي:نائم «أنت أم رامق» أي:ناظر،و قد عرفت أنّ في رواية الكراجكي«أ راقد أم نبهان» (4)و هو الأصح،ففي مقابل الرقود:النبه و اليقظة،لا الرمق،و لا وجه لأن يقول ذلك عليه السلام،و إنّما المناسب قول نوف-كما عرفته من رواية الكراجكي-أنه قال له عليه السلام«نبهان أرمقك»،و كيف كان فهكذا في(المصرية)بلا زيادة و فيها سقط،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) «فقلت:بل رامق يا أمير المؤمنين » (5).
«قال يا نوف!طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة» ،و من كلامه عليه السلام أيضا:طوبى لمن أخلص للّه العبادة و الدعاء،و لم يشغل قلبه بما ترى عيناه،و لم ينس ذكر اللّه بما تسمع أذناه،و لم يحزن صدره بما أعطي غيره (6).
«اولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا و ترابها فراشا» و في رواية(أمالي المفيد) «وسادا» (1)
أمالي المفيد:133.
.«و ماءها طيبا» لإعراضهم عن زهرة الحياة الدنيا! «و القرآن شعارا» أي:ما ولي الجسد من الثياب.
«و الدعاء دثارا» ما كان فوق الشعار من الثياب.
«ثم قرضوا الدنيا» أي:جازوها،قال تعالى: «وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ» (2)أي:تجوزهم و تتركهم في شمالها.و قال ذو الرمة:
إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف شمالا و عن أيمانهن الفوارس
«قرضا على منهاج 1المسيح» الّذي كانت دابّته رجليه،و سراجه في الليل القمر .
«يا نوف!إنّ داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال:إنّها ساعة لا يدعو فيها عبد إلاّ استجيب له» ،في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:إنّ في الليل لساعة ما يوافقها عبد مسلم ثمّ يصلّي و يدعو اللّه فيها إلاّ استجيب له في كل ليلة،قلت:
و أيّ ساعة هي من الليل،قال:إذا مضي نصف الليل و هي السدس الأول من اوّل النصف (3).
«إلاّ أن يكون عشّارا» من يأخذ من قبل السلطان عشر أموال الناس «أو عريفا» القيّم بأمر الناس بعد الرئيس يعرّفهم له «أو شرطيا» أي:جنديا،من «أشرط نفسه لأمر كذا»أي:أعلمها،و الجند يجعلون لأنفسهم علامة يعرفون بها.
في(الأغاني)عن المدائني:لمّا مات امية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة،فكان يغزو مع المسلمين،و يشهد فتوحات كثيرة،و بقي إلى أيّام زياد،فولاّه الابلة،فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاصي يحدث:أنّ داود نبي اللّه كان يجمع أهله في السحر يقول«ادعوا ربّكم فإنّ السحر ساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلاّ غفر له،إلاّ أن يكون عشّارا أو عريفا»،فلمّا سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد فاستعفاه من عمله فأعفاه (1)
الأغاني 21:15،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(الاستيعاب)عن زوجة أبي ذر قالت:لمّا حضرته الوفاة،بكيت! فقال:ما يبكيك؟قلت:تموت بفلاة و ليس عندي ثوب يسعك كفنا!فقال أبو ذر، لجمع نزل عليه:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول لنفر،أنا فيهم:ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الارض تشهده عصابة من المؤمنين،و ليس من اولئك النفر أحد إلاّ مات في قرية،فأنا ذلك الرجل،و اللّه ما كذبت و لا كذبت و لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي،لم أكفّن إلاّ في ثوب هو لي أولها،و إنّي أنشدكم اللّه أن لا يكفّنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا-و ليس من اولئك النفر أحد إلا و قد قارف بعض ما قال الافتى من الأنصار-فقال الفتى الأنصاري:أنا اكفّنك يا عمّ في ردائي هذا،و في ثوبين في عيبتي من غزل امّي.
قال:أنت تكفّنني (2)! «أو صاحب عرطبة-و هي الطنبور-أو صاحب كوبة-و هي الطبل» ، و نقل في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:إنّ شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحا بالبربط،و دخل عليه الرجال،وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة،فلا يغار
بعد هذا حتى تؤتى نساؤه فلا يغار (1)
الكافي 5:536 ح 5. [1]
.و في(الفقه الرضوي):و إيّاك و الضربة بالصولجان،فانّ الشيطان يركض معك،و الملائكة تنفر عنك (2).
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:إنّ اللّه تعالى بعثني هدى و رحمة للعالمين،و أمرني أن أمحو المزامير و المعازف و الأوتار و الأوثان و أمور الجاهلية-الخبر (3).
«و قد قيل أيضا أنّ العرطبة:الطبل،و الكوبة:الطنبور» ،ذهب إليه ابن دريد في(جمهرته)،و قال الجوهري:العرطبة العود،و قال الزمخشري:الكوبة النرد أو الشطرنج (4).و كيف كان،فمن الغريب أنّ في ابن أبي الحديد-كما في نسخته- «أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة» بدون نقل تفسير،فضلا عن نقل خلاف (5).
هذا،و في(تاريخ الطبري)عن بشر مولى هشام:أوتي هشام برجل عنده قيان و خمر و بربط فقال:اكسروا الطنبور على رأسه،و ضربه فبكى،قال بشر:فقلت له و انا اعزّيه-عليك بالصبر.فقال:أ تراني أبكي للضرب!انما أبكي لاحتقاره للبربط إذ سمّاه طنبورا (6).
الخطبة(214)
و من خطبة له عليه السلام خطبها بصفين:
أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ- وَ لَكُمْ عَلَيَّ
1) 1)
2) 2) أخرجه صاحب فقه الرضا [2]عليه السلام فيه:284،و الصدوق في الفقيه 4:42 ح 7،و زيد النرسي في أصله:51.
3) 3) رواه أبو الفتوح الرازي في تفسيره،عنه المستدرك 2:458 ح 16. [3]
4) 4) جمهرة اللغة 1:327 و 3:307،و صحاح اللغة 1:180،مادة(عرطب)،و أساس البلاغة:400،مادة(كرب).
5) 5) يوجد التفسير و ذكر الخلاف في نسختنا من شرح ابن أبي الحديد 18:265. [4]
6) 6) تاريخ الطبري 5:516،سنة 125. [5]
مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ- فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ- وَ أَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ- لاَ يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ- وَ لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ- وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَ لاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ- لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ- لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ- وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ- وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ- تَفَضُّلاً مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً- افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ- فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا- وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ لاَ يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ-.وَ أَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ- حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي- فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ- فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ- فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ- وَ لاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ- فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ- وَ أَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا- عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ- وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ- فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ- وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ-.وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا- أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ- اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ- وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ- وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى- وَ عُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ- فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ- وَ لاَ لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ- فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ- وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ عِنْدَ الْعِبَادِ-.
فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ- فَلَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّ
عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ- وَ طَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ- بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ- وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ- النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ- وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ- وَ لَيْسَ امْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ- وَ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ- بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ- وَ لاَ امْرُؤٌ وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ- وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ- بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ ع رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ- بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ يُكْثِرُ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ- وَ يَذْكُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ فَقَالَ ع إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلاَلُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ- وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ- أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ- إِلاَّ ازْدَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً- وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاَتِ الْوُلاَةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ- أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ- وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ- وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ- وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ- وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ- لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ- عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِيَاءِ- وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاَءِ- فَلاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ- لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ- فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وَ فَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا- فَلاَ تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ- وَ لاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ- وَ لاَ تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ وَ لاَ تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي- وَ لاَ الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي- فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ- أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ- فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ- فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ- وَ لاَ آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي- إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي- فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ- يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا- وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ- فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل،يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له،فقال عليه السلام:
أقول:روتها(روضة الكافي الكليني-الكافي-الروضة ج 8 ص 352 ح 550 )مسندة عن الباقر عليه السلام قال:خطب عليه السلام بصفين فحمد اللّه،و اثنى عليه،و صلّى على النبي و آله ثمّ قال:أما بعد،فقد جعل اللّه تعالى لي عليكم حقا بولاية أمركم،و منزلتي الّتي أنزلني اللّه عزّ ذكره بها منكم،و لكم علي من الحقّ مثل الّذي لي عليكم،و الحق أجمل الأشياء في التواصف و أوسعها في التناصف،لا يجري لأحد الاّ جرى عليه و لا يجري عليه إلاّ جرى له،و لو كان لأحد أن يجري ذلك له و لا يجري عليه لكان ذلك اللّه عزّ و جلّ خالصا دون خلقه،لقدرته على عباده،و لعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه،و لكن جعل حقّه على العباد أن يطيعوه و جعل كفّارتهم عليه بحسن الثواب تفضّلا منه و تطوّلا بكرمه و توسعا بما هو من المزيد له أهلا.
ثمّ جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض،فجعلها تتكافيء في وجوهها،و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض، فأعظم ممّا افترض اللّه تعالى من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة و حقّ الرعيّة على الوالي فريضة فرضها اللّه عزّ و جلّ لكلّ على كلّ،فجعلها نظام ألفتهم،و عزا لدينهم،و قواما لسنن الحق فيهم،فليست تصلح الرعيّة الاّ بصلاح الولاة و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة،فاذا أدّت الرعية إلى الوالي حقّه و أدّى إليها الوالي كذلك،عزّ الحقّ بينهم،فقامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل،و جرت على أذلالها السنن،فصلح بذلك الزمان و طاب به العيش،
و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء،و إذا غلبت الرعية و اليهم و الوالي الرعيّة اختلفت هنالك الكلمة،و ظهرت مطامع الجور،و كثر الإدغال في الدين و تركت معالم السنن،فعمل بالهوى،و عطلت الآثار،و كثرت علل النفوس،و لا يستوحش لجسيم حدّ عطل و لا لعظيم باطل اثل،فهنالك تذل الأبرار و تعزّ الأشرار و تخرب البلاد و تعظم تبعات اللّه عزّ و جلّ عند العباد.
فهلمّ أيّها النّاس إلى التعاون على طاعة اللّه عزّ و جلّ و القيام بعد له و الوفاء بعهده،و الإنصاف له في جميع حقّه،فإنّه ليس العباد إلى شيء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك و حسن التعاون عليه،و ليس أحد-و ان اشتدّ على رضا اللّه حرصه و طال في العمل اجتهاده-ببالغ حقيقة ما أعطى اللّه من الحقّ أهله،و لكن من واجب حقوق اللّه عزّ و جلّ على العباد،النصيحة له بمبلغ جهدهم،و التعاون على إقامة الحقّ فيهم،ثم ليس امرؤ-و إن عظمت في الحقّ منزلته و جسمت في الحقّ فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمّله اللّه عزّ و جلّ من حقّه،و لا لامرئ مع ذلك،و إن خسئت به الأمور،و اقتحمته العيون، بدون ما أن يعين على ذلك و يعان عليه،و أهل الفضيلة في الحال و أهل النعم العظام اكثر في ذلك حاجة،و كلّ في الحاجة إلى اللّه عزّ و جلّ شرع سواء.
فأجابه رجل من عسكره لا يدري من هو،و يقال إنّه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم و لا بعده:فقام-و احسن الثناء على اللّه عزّ و جلّ بما أبلاهم و أعطاهم من واجب حقه عليهم و الاقرار بكل ما ذكر من تصرف الحالات به و بهم-ثم قال:أنت أميرنا،و نحن رعيتك،بك أخرجنا اللّه عزّ و جلّ من الذل! و بإعزازك أطلق عباده من الغل،فاختر علينا و أمض اختيارك و ائتمر فامض ايتمارك،فانك القائل المصدّق و الحاكم الموفّق و الملك المخوّل،لا نستحلّ في شيء من معصيتك و لا نقيس علما بعلمك،يعظم عندنا في ذلك خطرك،و يجلّ عنه في أنفسنا فضلك!
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام:إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه في نفسه و جلّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه،و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه عليه و لطف إحسانه إليه،فانّه لم تعظّم نعمة اللّه على أحد إلاّ زاد حقّ اللّه عليه عظما،و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن يظنّ بهم حبّ الفخر،و يوضع أمرهم على الكبر،و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أنّي أحبّ الإطراء،و استماع،الثناء،و لست بحمد اللّه كذلك،و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء!و ربّما استحلى الناس الثناء بعد البلاء،فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه و إليكم من البقيّة في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لابدّ من إمضائها،فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة،و لا تتحفظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة،و لا تخالطوني بالمصانعة،و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي و لا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فانّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه،كان العمل بهما أثقل عليه،فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل،فإنّي لست في نفسي بفوق ما إن أخطيء،و لا آمن ذلك من فعلي إلاّ أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي،فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره،يملك منّا مالا نملك من أنفسنا و أخرجنا مما كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه،فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى.
فأجابه الرجل الّذي أجابه من قبل،فقال:أنت أهل ما قلت!و اللّه و اللّه- فوق ما قلته،فبلاؤه عندنا ما لا يكفر،و قد حمّلك اللّه تعالى رعايتنا و ولاّك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الّذي نهتدي به و إمامنا الّذي نقتدي به،و أمرك كلّه رشد،و قولك كلّه أدب،قد قرّت بك في الحياة أعيننا،و امتلأت من سرور بك قلوبنا،و تحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا،و لسنا نقول لك
«أيها الإمام الصالح»تزكية لك و لا نجاوز القصد في الثناء عليك،و لم يكن في انفسنا طعن على يقينك أو غشّ في دينك،فنتخوف أن تكون أحدثت بنعمة اللّه تعالى تجبّرا أو دخلك كبر،و لكنّا نقول لك ما قلنا تقربا إلى اللّه عزّ و جلّ بتوقيرك و توسّعا بتفضيلك و شكرا باعظام أمرك،فنظر لنفسك و لنا و آثر أمر اللّه على نفسك و علينا،فنحن طوع فيما أمرتنا،ننقاد من الامور مع ذلك فيما ينفعنا.
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال:و أنا استشهدكم عند اللّه على نفسي لعلمكم فيما ولّيت به من أموركم،و عمّا قليل يجمعني و إيّاكم الموقف بين يديه و السؤال عمّا كنّا فيه،ثمّ يشهد بعضنا على بعض،فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا،فإنّ اللّه عزّ و جلّ لا يخفى عليه خافيه و لا يجوز عنده إلاّ مناصحة الصدور في جميع الامور.
فأجابه الرجل-و يقال لم ير الرجل بعد كلامه هذا له عليه السلام فأجابه و قد عال الّذي في صدره،فقال،و البكاء يقطع منطقه،و غصص الشجا تكسر صوته اعظاما لخطر مرزئته،و وحشته من كون فجيعته-ثم نصب في المسألة إلى اللّه عزّ و جلّ بالامتنان عليه.فقال له عليه السلام:يا ربانّي العباد و يا سكن البلاد!أين يقع قولنا من فضلك و أين يبلغ وصفنا من فعلك، و انّى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك،و كيف و بك جرت نعم اللّه علينا و على يدك اتصلت أسباب الخير إلينا!ألم تكن لذل الذليل ملاذا و للعصاة الكفار إخوانا،فبمن-إلاّ بأهل بيتك و بك-أخرجنا اللّه عزّ و جلّ من فظاعة تلك الخطرات؟أو بمن فرج عنّا غمرات الكربات،و بمن-الا بكم- أظهر اللّه معالم ديننا و استصلح ما كان فسد من دنيانا،حتى استبان بعد الجور ذكرنا و قرّت من رخاء العيش أعيننا؟-إلى أن قال-و لكنّا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان ان يعود ذليلا و للدين و الدنيا أكيلا،فلا نرى لك خلفا
نشكو إليه و لا نظيرا نؤمله و لا نقيمه (1)
الكافي 8:352 ح 550. [1]
.«اما بعد،فقد جعل اللّه لي عليكم حقا بولاية أمركم» جعل تعالى له عليه السلام حقّا عليهم بولايته أمرهم في الظاهر بعد الثلاثة،في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (2)و في الباطن بعد رسوله صلّى اللّه عليه و آله في قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (3).
و قد استفاضت الأحاديث و الروايات في كونه عليه السلام هو المراد من قوله:
الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون،لنزول الآية لمّا أعطى عليه السلام خاتمه في ركوع الصلاة للسائل كما رواه الثعلبي و غيره (4).
و في قول رسوله صلّى اللّه عليه و آله للناس في حجّة الوداع يوم خم في المتواتر عنه:
أ لست أولى بكم من أنفسكم؟فقالوا بلى.فقال:من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه (5).
«و لكم علي من الحق مثل الّذي لي عليكم» بانصاف مظلومكم من ظالمكم، و المثلية إنّما هي باعتبار اصل الحقّ،فلا تنافي اختلاف الدرجة.
قال تعالى في الأزواج،النساء و الرجال: «وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (6).
«فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف» هذا الكلام أيضا من كلماته عليه السلام الّتي القليل لم يذكروها فيها،فكلّ من الناس يصف الحقّ و لا يعمل به إلاّ أقل القليل،لكن عرفت أن الروضة نقلته «و الحق أجمل الأشياء في التواصف و أوسعها في التناصف» (1)
الكافي 8:352. [1]
و الجملة الاولى منه عين الاولى من ذاك في المعنى،و انّما اختلافهما في اللفظ،فرصف الحق-و الاصل فيه رصف الحجارة-وصفّه،و أما الثانية فتختلف معنى،و لكنّه في نفسه في غاية الجودة،فكما يصحّ أن يقال أن الحقّ أضيق الأشياء في التناصف،بجعل فاعل التناصف الواصف الّذي هو أحد من أفراد الرعايا،كذلك و أوسعها فيه إذا كان فاعل التناصف و إلي الناس.«لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه و لا يجري عليه إلاّ جرى له» حتى أن الحيوانات المملوكة لها حقوق على مالكها،لو لم يراعها كان مسؤولا عند اللّه تعالى،قال النبي صلّى اللّه عليه و آله-كما روى(الفقيه)-للدابة على صاحبها خصال:يبدأ بعلفها إذا نزل،و يعرض عليها الماء إذا مرّ به،و لا يضرب وجهها،و لا يقف على ظهرها، و لا يحملها فوق طاقتها،و لا يكلفها من المشي إلاّ ما تطيق (2).
و رأى صلّى اللّه عليه و آله-كما روي أيضا-ناقة معقولة و عليها جهازها فقال:مروا صاحبها يستعد غدا للخصومة (3).
«و لو كان لأحد ان يجري له و لا يجري عليه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه» .روى(الفقيه)خبرا طويلا في الحقوق عن السجاد عليه السلام-و في الخبر، حق اللّه الأكبر عليك أن تعبده و لا تشرك به شيئا،فاذا فعلت ذلك بإخلاص
جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا و الآخرة.
ثم في الخبر،ذكر باقي الحقوق-ففيه:و حقّ نفسك عليك أن تستعملها بطاعة اللّه تعالى،و حقّ اللسان إكرامه عن الخناء و تعويده الخير و ترك الفضول الّتي لا فائدة فيها و البرّ بالناس و حسن القول فيهم،و حق السمع تنزيهه عن سماع الغيبة و سماع مالا يحل سماعه،و حقّ البصر أن تغضّه عمّا لا يحلّ لك و تعتبر بالنظر به،و حقّ يدك ألاّ تبسطها إلى مالا يحلّ لك،و حقّ رجليك ألاّ تمشي بهما إلى مالا يحلّ لك،فبهما تقف على الصراط،فانظر ألاّ تزل بك فتردى في النار،و حقّ بطنك ألاّ تجعله وعاء للحرام و لا تزيد على الشبع،و حقّ فرجك أن تحصنه عن الزنا و تحفظه من أن ينظر إليه،و حقّ الصلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى اللّه تعالى و أنت فيها قائم بين يديه عزّ و جلّ، فاذا علمت ذلك قمت مقام العبد الذليل الحقير الراغب الراهب الراجي الخائف المستكين المتضرّع المعظّم لمن كان بين يديه بالسكون و الوقار،و تقبل عليها بقلبك و تقيمها بحدودها و حقوقها،و حقّ الحجّ أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، و فرار إليه من ذنوبك،و قبول توبتك و قضاء الفرض الّذي أوجبه اللّه تعالى عليك،و حقّ الصوم أن تعلم أنّه حجاب ضربه اللّه تعالى على لسانك و سمعك و بصرك و بطنك و فرجك ليسترك به من النار،فان تركت الصوم خرقت ستر اللّه عليك،و حقّ الصدقة أن تعلم أنّها ذخرك عند ربّك و وديعتك الّتي لا تحتاج إلى الإشهاد عليها و كنت لما تستودعه سرا أوثق منك بما تستودعه علانية، و تعلم أنّها تدفع البلايا و الأسقام عنك في الدنيا،و حقّ السلطان أن تعلم أنّك جعلت له فتنة و أنّه مبتلى فيك بما جعل له عليك من السلطان،و أن عليك ألاّ تتعرّض لسخطه فتلقي بيدك إلى التهلكة و تكون شريكا له في ما يأتي إليك من سوء،و حقّ سائسك بالعلم التعظيم له و التوقير لمجلسه و حسن الاستماع إليه و الإقبال عليه و ألاّ ترفع عليه صوتك و لا تجيب احدا يسأله عن شيء حتى
يكون هو الّذي يجيب،و لا تحدّث في مجلسه أحدا و لا تغتاب عنده أحدا و أن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء،و أن تستر عيوبه و تظهر مناقبه و لا تجالس له عدوا و لا تعادي له وليا،فاذا فعلت ذلك شهدت لك الملائكة بأنّك تعلّمت علمه للّه تعالى لا للنّاس،و امّا حقّ سائسك بالملك فأن تطيعه و لا تعصيه إلاّ في ما يسخط اللّه تعالى فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،و أمّا حقّ رعيتك بالسلطان فان تعلم أنّهم صاروا رعيتك لضعفهم و قوّتك،فيجب أن تعدل فيهم و تكون لهم كالوالد الرحيم و تغفر لهم جهلهم و لا تعاجلهم بالعقوبة و تشكره تعالى على ما آتاك من القوة عليهم،و أمّا حقّ رعيتك بالعلم فان تعلم أنّه تعالى إنّما جعلك قيّما لهم فيما آتاك من العلم و فتح لك من خزائنه،فإن أحسنت في تعليمهم و لم تخرق بهم زادك اللّه من فضله،و إن أنت منعتهم علمك أو خرقت بهم كان حقّا عليه تعالى أن يسلبك العلم و بهاءه و يسقط من القلوب محلك،و أما حقّ الزوجة فان تعلم أنّه تعالى جعلها لك سكنا و أنسا، و تعلم أنّ ذلك نعمة من اللّه تعالى عليك فتكرمها و ترفق بها،و إن كان حقّك عليها أوجب و أنّ لها عليك أن ترحمها لأنّها أسيرك و تطعمها و تكسوها،و إذا جهلت عفوت عنها،و أما حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا،و أعطتك من ثمرة قلبها ما لم يعط أحد أحدا و وقتك بجميع جوارحها و لم تبال أن تجوع و تطعمك،و تعطش و تسقيك،و تعري و تكسوك،و تضحى و تظلّك و تهجر النوم لأجلك،و وقتك الحرّ و البرد و لا تطيق شكرها إلاّ بعونه و توفيقه تعالى،و أما حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك فإنّه لولاه لم تكن،و إن رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أنّه أصل النعمة عليك فيه،و أما حقّ ولدك فان تعلم أنّه منك و مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره و أنّك مسئول عما وليّته من حسن الأدب،و أما حقّ اخيك فأن تعلم أنّه يدك و عزّك فلا تتخذه سلاحا على معصية اللّه تعالى و لا عدة للظلم لخلق اللّه تعالى،و لا تدع نصرته على
عدوه و النصيحة له،فإن أطاع تعالى و إلاّ فليكن اللّه تعالى أكرم عليك منه،و أما حقّ ذي المعروف عليك فأن تذكر معروفه و تخلص له الدعاء في ما بينك و بين اللّه،ثمّ إن قدرت على مكافأته يوما كافيته!و أما حقّ المؤذن فان تعلم أنّه يذكر لك ربّك تعالى و داع إلى حظك و عونك على قضاء ما فرض اللّه عليك،و أمّا حقّ إمامك في صلاتك فان تعلم أنّه يقلّد السفارة فيما بينك و بين ربّك تعالى،فان كان نقص كان به دونك و إن كان تماما كنت شريكه،و أمّا حقّ جليسك فأن تلين له جانبك،و تنصفه في مجاراة اللفظ و لا تقوم من مجلسك إلاّ باذنه،و من يجلس إليك يجوز له القيام عنك بغير إذنك،و تنسى زلاّته و تحفظ خيراته و لا تسمعه إلاّ خيرا،و أما حقّ جارك فحفظه غائبا و إكرامه شاهدا و نصرته إذا كان مظلوما،و لا تتّبع له عورة!فان علمت عليه سوء سترته عليه،و إن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته في ما بينك و بينه،و لا تسلمه عند شدائده و تقيل عثرته و تغفر ذنبه و تعاشره معاشرة كريمة،و أما حقّ الصاحب فان تصحبه بالفضل و الإنصاف و تكرمه كما يكرمك و لا تدعه يسبقك إلى مكرمة،فان سبق كافيته و تزجره عمايهمّ به من معصية و كن عليه رحمة لا عذابا،و أمّا حقّ مالك فأن تأخذه من حلّه و تنفقه في وجهه،و لا تؤثر على نفسك من لا يحمدك،فاعمل به بطاعة ربك و لا تبخل فيه فتبوء بالحسرة و الندامة مع التبعة،و أما حقّ غريمك فان كنت موسرا أعطيته و إن كنت معسرا أرضيته بحسن القول،و أما حقّ الخصم المدّعي عليك فإن كان صادقا كنت شاهده على نفسك فأوفيته حقّه و إن كان كاذبا رفقت به و لم تسخط ربّك،و الّذي تدّعي عليه إن كنت محقّا أجملت مقاولته و إن كنت مبطلا اتّقيت اللّه و تركت، و أما حقّ المستشير فإن علمت لك رأيا أشرت عليه و إلاّ أرشدته إلى من يعلم، و حقّ المشير عليك ألاّ تتّهمه إن خالفك في رأيك و إن وافقك حمدت اللّه تعالى، و أما حقّ الكبير فتوقيره لسنه و إجلاله في الاسلام قبلك و ترك مقابلته عند
الخصام،و لا تسبقه إلى طريق،و ان جهل عليك احتملته،و حقّ الصغير رحمته في تعليمه و العفو عنه و الستر عليه و الرفق به،و أما حقّ السائل فاعطاؤه على قدر حاجته،و حقّ المسئول إن أعطى فاقبل منه بالشكر و المعرفة بفضله و إن منع فاقبل عذره،و حقّ أهل ملّتك فاضمار الرحمة لهم و الرفق بمسيئهم، و شكر محسنهم و تحب لهم ما تحب لنفسك،و تكره لهم ما تكره لنفسك،و أن تكون شيوخهم بمنزلة أبيك و شبّانهم بمنزلة إخوتك و عجائزهم بمنزلة أمّك و الصّغار بمنزلة أولادك،و أمّا حقّ أهل الذّمّة أن تقبل منهم،ما قبل تعالى منهم و لا تظلمهم ما وفوا اللّه عزّ و جلّ بعهده (1)
الفقيه 2:376 ح 1،و النقل بتصرف يسير.
.«و لكنه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه،و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله» «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها» (2)«وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ » (3).
«ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ» أي:تتقابل «في وجوهها» .
قال الجاحظ في(البيان):عاتب إعرابي أباه فقال له:إن عظيم حقّك لا يذهب صغير حقي عليك،و الّذي تمّت إليّ به أمّت بمثله إليك،و لست أزعم أنا سواء،و لكنّي أقول لا يحلّ لك الاعتداء (4).
«و يوجب بعضه بعضا و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض» في(كامل المبرد):
قال عبد اللّه بن مصعب الزبيري يذكر عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بقلة الإنصاف:
له حقّ و ليس عليه حقّ و مهما قال فالحسن الجميل
و قد كان الرسول يرى حقوقا عليه لغيره و هو الرسول
و قيل لعليّ بن الحسين عليه السلام:ما بالك!إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة.فقال:أكره أن آخذ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما لا أعطي مثله (1)
كامل المبرد 5:76 و 77. [1]
.«و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق» و أهمّها «حقّ الوالي على الرعيّة و حقّ الرعيّة على الوالي» حقّهما «فريضة فرضها اللّه سبحانه» أي:أوجبها «لكلّ» من الوالي و الرعيّة «على كلّ» من الوالي و الرعيّة «فجعلها نظاما لألفتهم» في دنياهم «و عزّا لدينهم فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة» .
قال الحكماء كما في(العقد):إمام عادل،خير من مطر وابل (2).
و قال الأفوه الأودي:
لا تصلح النّاس فوضى لا سراة لهم و لا سراة إذا جهّالهم سادوا
و البيت لا يبنى إلاّ له عمد و لا عماد إذا لم ترس أوتاد
و إن تجمع أوتاد و أعمدة يوما فقد بلغوا الأمر الّذي كادوا
«و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية» ،في(العقد)قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:الدّين النصيحة،الدّين النصيحة،الدين النصيحة.قالوا:لمن؟قال:للّه و لرسوله و لأولي الأمر منكم،فنصح الإمام و لزوم طاعته فرض واجب،و أمر لازم،و لا يتمّ إيمان إلاّ به،و لا يثبت إسلام إلاّ عليه (3).
قلت:هكذا نقل الخبر في(العقد الفريد)،إلاّ أن الظاهر أن الخبر يتمّ عند قول النبي صلّى اللّه عليه و آله،«و لأولي الأمر منكم»و بعده من كلام الرواة،خلط بالخبر ! «فاذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه و أدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحق بينهم و قامت مناهج الدين» أي:طرقه الواضحة «و اعتدلت معالم العدل» أي:آثاره و علائمه الدالة عليه «و جرت على أذلالها» أي:مجاريها و طرقها «السنن» أي:
السير «فصلح بذلك الزمان» لارتفاع موادّ الفساد عنه «و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء» فان العدوّ إنّما يطمع إذا رأى اختلافا بين الوالي و الرعيّة .
«و إذا غلبت الرعيّة واليها أو أجحف» أي:تعدّى «الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة» بين الوالي و الرعيّة.
و في(العقد)قالوا:لا يكون الذّمّ من الرعية لراعيها إلاّ لأحد ثلاثة:كريم قصّر به عن قدره فاحتمل بذلك ضغنا،أو لئيم بلغ به ما لا يستحق فأورثه ذلك بطرا،أو رجل منع حظه من الإنصاف فشكا تفريطا (1)
العقد الفريد 1:32. [1]
.«و ظهرت معالم الجور» في(العقد):إطّلع مروان على ضيعة له بالغوطة، فأنكر منها شيئا!فقال لوكيله:و يحك إنّي لا ظنّك تخونني!قال:أ تظنّ ذلك و لا تستيقنه؟قال:و تفعله؟قال:نعم و اللّه،إنّي لأخونك،و انك لتخون الخليفة،و ان الخليفة ليخون اللّه،فلعن اللّه شر الثلاثة (2).
«و كثر الإدغال» أي:إدخال الغشّ و الفساد «في الدين و تركت محاجّ» جمع المحّجة أي:جوادّ طرق «السنن» من الشرع «فعمل بالهوى» أي:هوى النفوس «و عطّلت الأحكام» أي:أحكام اللّه «و كثرت علل النفوس» أي:أعذارها الباطلة
لأعمالهم الجائرة «فلا يستوحش لعظيم حقّ عطل و لا لعظيم باطل فعل» و قد عرفت رواية الروضة«اثّل» (1)
الكافي 8:354. [1]
أي:اصل،و هو الأفصح.و كذلك كان الأمر في أيام المتصدّين للأمر قبله عليه السلام،فعطّل القصاص و الحدّ عن خالد بن الوليد القاتل لمالك بن نويرة غدرا،و الزاني بامرأته أيام أبي بكر حتى أنكر ذلك عليه عمر،و عطّل الثاني الرجم على المغيرة،مع ثبوت زناه محصنا،و إنّ منع الشاهد الرابع من إتمام شهادته لهواه فيه،و أما أيّام الثالث فشنائعه أكثر من أن تحصى،و لو لم يكن له إلاّ توليته أخاه لأمّه الوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن (2)الكوفة و شربه و صلاته بالناس في سكره الصبح أربعا و تغنّيه في الصلاة و إخراجه لمثل أبي ذر الّذي أمر اللّه نبيّه بحبّه لكفاه.
«فهنالك تذلّ الأبرار» فكان الأبرار كعمّار و نظرائه في أيام عثمان أذلاّء «و تعزّ الأشرار» و كان مروان بن الحكم طريد النبي صلّى اللّه عليه و آله و لعينه و باقي بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن (3)في أيّام عثمان أعزّاء.و كذلك صار الأمر بعده عليه السلام في أيام معاوية،فذلّ مثل حجر بن عدي و أصحابه الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر،و عزّ مثل زياد بن أبيه،و بسر بن إرطاة، و باقي الفجار.
«و تعظم تبعات اللّه عند العباد» و إن أدّى ذلك إلى قتل حجج اللّه كما فعلوا يوم الطف.
و قد عرفت ان(الروضة)زيد فيها«و تخرب البلاد» (4)فنهبوا المدينة
و قتلوا رجالهم و فجروا بنسائهم .
«فعليكم بالتناصح في ذلك و حسن التعاون عليه» قد عرفت أن(الروضة) روته هكذا«فهلمّ أيّها الناس إلى التعاون على طاعة اللّه عزّ و جلّ و القيام بعدله و الوفاء بعهده،و الإنصاف له في جميع حقّه،فانه ليس العباد إلى شيء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك،و حسن التعاون عليه» (1)
الكافي 8:354. [1]
.و منه يظهر أن في رواية المصنف سقطا.«فليس أحد و ان اشتدّ على رضا اللّه حرصه،و طال في العمل اجتهاده،ببالغ حقيقة ما اللّه أهله من الطاعة له،و لكن من واجب حقوق اللّه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم،و التعاون على إقامة الحقّ بينهم» فلا يكلّف اللّه نفسا إلاّ وسعها، و قال تعالى: «فَاتَّقُوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (2).
و في الخبر عن الزهري قال:دخلت مع علي بن الحسين عليه السلام على عبد الملك،فاستعظم ما رأى من أثر السجود بين عينيه فقال له:لقد بيّن عليك الاجتهاد و لقد سبق لك من اللّه الحسنى و أنت بضعة من النبي قريب النسب و كيد السبب،و انك لذو فضل عظيم على أهل بيتك و ذوي عصرك،و لقد أوتيت من الفضل و العلم و الدين و الورع ما لم يؤته أحد مثلك و لا قبلك إلاّ من مضي من سلفك-و أقبل يثنى على و يطريه-فقال عليه السلام:كلّ ما وصفته و ذكرته من فضل اللّه سبحانه و تأييده و توفيقه فأين شكره على ما أنعم،كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يقف في الصلاة حتى تورم قدماه،و يظمأ في الصيام حتى يعصب فوه،فقيل له صلّى اللّه عليه و آله:ألم يغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟فيقول:أفلا أكون عبدا شاكرا،و اللّه لو تقطعت أعضائي و سالت مقلتاي على صدري أن اقوم للّه تعالى
بشكر عشر العشير من نعمة واحدة الّتي لا يحصيها العادّون لم أبلغ،و لو لا أنّ لأهلي علي حقّا،و لسائر الناس من خاصّهم و عامّهم علي حقوقا لا يسعني إلاّ القيام بها لرميت بطرفي إلى السماء و بقلبي إليه تعالى ثمّ لم أرددهما حتى يقضي اللّه على نفسي،ثمّ بكى عليه السلام فبكي عبد الملك!و قال:شتّان بين من طلب الآخرة و من طلب الدنيا (1)
رواه ابن طاوس في فتح الابواب، [1]عنه البحار 46:56 ح 10. [2]
.«و ليس امرؤ و إن عظمت في الحقّ منزلته و تقدّمت في الدين فضيلته» كالنبي و الإمام «بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه» لأنه تعالى أوجب ذلك على عباده.
«و لا امرؤ و إن صغّرته النفوس و اقتحمته» أي:حقّرته «العيون بدون» أي:
بأنقص «أن يعين على ذلك أو يعان عليه» حيث حثّ تعالى على عمل البرّ:
«وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ» (2).
و قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السلام «و ليس امرؤ» -إلخ-،مثل قول زيد بن علي لهشام«ليس أحد و إن عظمت منزلته بفوق أن يذكّر باللّه و يحذّر من سطوته،و ليس أحد و إن صغّرته العيون بدون أن يذكّر باللّه و يخوّف من نقمته» (3).
قول المصنف : «فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له» قد عرفت من رواية(الروضة)أن ذلك الرجل ما عرفوه و لم ير في عسكره عليه السلام قبل ذاك اليوم و لا بعده،و ان ذاك الرجل أجابه عليه السلام مرّات عديدة في كلّ مرة بكلام يختلف عن سابقه.
«فقال عليه السلام:إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه في نفسه،و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه» .روي في(توحيد الصدوق)عن زينب العطّارة قالت:سألت النبي صلّى اللّه عليه و آله عن عظمة اللّه.فقال صلّى اللّه عليه و آله:إنّ هذه الأرض بمن فيها و من عليها عند الّتي تحتها كحلقة في فلاة قيّ،و هاتان و من فيهما و من عليهما عند الّتي تحتها كحلقه في فلاة قيّ،و الثالثة حتى انتهى إلى السابعة،ثم تلا هذه الآية: «خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (1)
الطلاق:12. [1]
-الخبر (2).«و إنّ أحقّ من كان كذلك» أي:يكون كلّ ما سواه تعالى صغيرا عنده «لمن عظمت نعمة اللّه عليه و لطف إحسانه إليه» مثله عليه السلام «فانه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللّه عليه عظما» .
و في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:من عظمت نعمة اللّه عليه اشتدّت مؤنة الناس عليه،فاستديموا النعمة باحتمال المؤنة و لا تعرّضوها للزوال،فقلّ من زالت عنه النعمة فكادت أن تعود إليه (3).
«و إن من أسخف حالات الولاة» و أقربها إلى دقّة عقولهم «عند صالح الناس أن يظنّ بهم حبّ الفخر و يوضع أمرهم على الكبر» و في(الكافي)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:
آفة الحسب الافتخار و العجب.
و عن الصادق عليه السلام:جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:أنا فلان بن فلان -حتى عدّ تسعة-فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله:أما إنّك عاشرهم في النار (4).
«و قد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء» أي:المدح لي «و استماع الثناء» علي.
قال ابن أبي الحديد:ناظر المأمون البوشنجاني في مسألة كلاميّة، فجعل يستخذي له،فقال له المأمون:أراك تنقاد إليّ ما أقوله لك قبل وجوب الحجّة عليك،و قد ساءني منك ذلك،و لو شئت ان اقتسر الامور بعزّة الخلافة وهيبة الرياسة لصدقت و ان كنت كاذبا و عدلت و ان كنت جائرا و صوبت و ان كنت مخطئا،و لكن لا أقنع إلاّ بإقامة الحجّة و إزالة الشبهة،و إن أنقص الملوك عقلا و أسخفهم رأيا من رضي بقولهم:صدق الامير! و قال ابن المقفع في(يتيمته):إيّاك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حبّ المدح و التزكية و أن يعرف الناس ذلك منك،فتكون ثلمة يقتحمون عليك منها و بابا يفتحونك منه و غيبة يغتابونك بها و يسخرون منك لها (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:104،و [1]النقل بتصرف يسير.
! «و لست بحمد اللّه كذلك،و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء» .جاء في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:أوحى اللّه إلى داود:كما أن أقرب النّاس من اللّه،المتواضعون كذلك أبعد الناس المتكبّرون.
و نقل أيضا عن الباقر عليه السلام:أنّ ملكا أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:إن اللّه تعالى مخيّرك بين أن تكون عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا.فنظر النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى جبرئيل عليه السلام،و أومأ جبرئيل بيده أن تواضع،فقال النبي:عبدا متواضعا رسولا (2).
و في(عقاب الأعمال)عن الصادق عليه السلام:الكبرياء رداء اللّه،فمن نازعه شيئا من ذلك كبه اللّه في النار (3)(4).
«فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه و إليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بدّ من إمضائها» قرأ ابن أبي الحديد من التقية (من البقية)لأنّه قال معنى كلامه عليه السلام «و ربما استحلى الناس-إلى-لا بدّ من إمضائها» أن بعض من يكره الإطراء و الثناء،قد يحب ذلك بعد البلاء و الاختبار،كما قال مرداس بن أدية لزياد«إنّما الثناء بعد البلاء و إنّما يثنى بعد أن يبتلى»فقال عليه السلام:لو فرضنا أن ذلك سائغ و جائز و غير قبيح لم يجز لكم أن تثنوا علي في وجهي و لا جاز لي أن أسمعه منكم لأنّه قد بقيت علي بقية لم أفرغ من أدائها و فرائض لم أمضها بعد،و لا بدّ لي من إمضائها،و إذا لم يتمّ البلاء الّذي قد فرضنا أن الثناء يحسن بعده،لم يحسن الثناء (1)
شرح ابن أبي الجحديد 11:107.
.و اما ابن ميثم فقال:و في خط الرضيّ «من التقية» بالتاء،و المعنى فإن الذي أفعله من طاعة اللّه انّما هو إخراج لنفسي إلى اللّه و إليكم من تقية الحقّ فيما يجب علي من الحقوق،إذ كان عليه السلام إنّما يعبد اللّه للّه غير ملتفت في شيء من عبادته و أداء واجب حقّه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه (2).
«فلا تكلموني بما تكلّم به الجبابرة» جاء في(تاريخ الطبري):خطب الوليد ابن عبد الملك بعد أبيه-و كان جبّارا عنيدا-فقال:أيّها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه،و من سكت مات بدائه (3).
«و لا تتحفظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة» أي:أهل الحدّة.
في(العقد الفريد):قام رجل إلى هارون و هو يخطب بمكة فقال: «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (4)فأمر به فضرب مائة سوط،فكان يئنّ
الليل كلّه و يقول الموت الموت.
و فيه:بقي الوليد بن عبد الملك يوم الجمعة على المنبر حتى اصفرّت الشمس،فقام إليه رجل فقال:ان الوقت لا ينتظرك و ان الربّ لا يعذرك!قال:
صدقت!و من قال مثل مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم مثل مقامك!من هاهنا من الحرس يقوم فيضرب عنقه (1)
العقد الفريد 1:40،و [1]النقل بتصرف يسير.
؟ «و لا تخالطوني بالمصانعة» .في(العقد)،قال الربيع بن زياد الحارثي:كنت عاملا لأبي موسى على البحرين،فكتب إليه عمر يأمره بالقدوم عليه هو و عمّاله و أن يستخلفوا من هو من ثقاتهم حتى يرجعوا،فلمّا قدمنا أتيت يرفأ -غلام عمر-فقلت:يا يرفأ!ابن سبيل مسترشد،أخبرني،أيّ الهيئات أحبّ إلى عمر أن يرى فيها عمّاله؟فأومأ إلى الخشونة،فأخذت خفين مطارقين و لبست جبّة صوف و لثت رأسي بعمامة دكناء،ثم دخلنا على عمر فصفنا بين يديه و صعّد فينا نظره و صوّب،فلم تأخذ عينه أحدا غيري فدعاني-إلخ (2)-.
هذا،و روى صاحب كتاب(البصائر)،و كذا(المناقب)،عن إبراهيم بن عمر أنّه عليه السلام قال:لو وجدت رجلا ثقة لبعثت معه المال إلى المدائن إلى شيعته.
فقال رجل من أصحابه في نفسه:لآتينه و لأقولن له أنا أذهب به فهو يثق بي فإذا أنا أخذته أخذت طريق الكرخة،فأتاه فقال له عليه السلام:أنا أذهب بهذا المال إلى المدائن،فرفع رأسه إليه ثم قال له:إليك عنّي خذ طريق الكرخة! و روى في(الخرائج)كذلك و لكن فيه قال:فإذا أخذته،أخذت طريق الشام إلى معاوية-إلى أن قال-فقال عليه السلام له:إليك عنّي تأخذ طريق الشام (3).
«و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي،و لا التماس إعظام لنفسي،فانّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه» في (بلاغات نساء البغدادي)عن الشعبي قال:استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية،فاذن لها،فلما دخلت قال لها معاوية:هية يا بنت الأسك أ لست القائلة يوم صفين:
شمّر كفعل أبيك يا ابن عمارة يوم الطعان و ملتقى الأقران
و انصر عليّا و الحسين و رهطه و اقصد لهند و ابنها بهوان
إنّ الإمام أخو النّبيّ محمّد علم الهدى و منارة الإيمان
فقه الحتوف و سر أمام لوائه قدما بأبيض صارم و سنان
قالت:أي و اللّه ما مثلي من غرب عن الحقّ أو اعتذر بالكذب!إلى أن قال-قالت لمعاوية:إنّك أصبحت للناس سيّدا و لأمرهم متقلّدا،و اللّه سائلك عن أمرنا و ما افترض عليك من حقّنا،و لا يزال يقدم علينا من ينوء بعزّك و يبطش بسلطانك،فيحصدنا حصد السنبل و يدوسنا دوس البقر و يسومنا الخسيسة و يسلبنا الجليلة،هذا بسر بن إرطأة قدم علينا من قبلك،فقتل رجالي و أخذ مالي يقول لي:فوهي بما استعصم اللّه منه و الجأ إليه فيه-تعني سبّه عليه السلام- و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة،فإمّا عزلته عنّا فشكرناك،و إمّا لا،فعرفناك.
فقال لها معاوية:أ تهدديني بقومك!لقد هممت أن أحملك على قتب اشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه.فأطرقت تبكي ثم قالت:
صلّى الإله على جسم تضمّنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا فصار بالحقّ و الإيمان مقرونا
قال لها:و من ذلك؟قالت:علي بن أبي طالب،قال:و ما صنع بك حتّى صار عندك كذلك؟قال:قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا فكان بيني و بينه ما بين الغثّ و السمين،فأتيت عليّا عليه السلام لأشكو إليه،فوجدته قائما يصلّي،
فلمّا نظر إليّ انفتل من صلاته،ثمّ قال لي برأفة و تعطف:ألك حاجة؟فأخبرته الخبر،فبكى!ثمّ قال:اللّهم إنّك أنت الشاهد علي و عليهم،إني لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقّك،ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ،«قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل و الميزان بالقسط و لا تبخسوا النّاس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين»،«بقيّة اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين،و ما أنا عليكم بحفيظ (1)
هذا خلط بين آية الأعراف:85،و [1]آيتي هود:85 و 86.
»،إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا،حتى يقدم علينا من يقبضه منك»، فأخذته منه،و اللّه!ما ختمه بطين و لا خزمه بخزام فقرأته!فقال لها معاوية:لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون!-إلخ (2)-.هذا،و في(العقد):جلس المأمون للمظالم،فتقدّمت إليه امرأة فقال لها:
اين خصمك؟قالت:الواقف على رأسك-و أومأت إلى العباس ابنه-فقال لأحمد بن أبي خالد:خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم،فجعل كلامها يعلو كلام العباس،فقال لها أحمد اخفضي من صوتك فانّك تكلّمين الأمير! فقال له المأمون:دعها فإن الحقّ أنطقها و أخرسه،ثمّ أمر بردّ ضيعتها إليها (3).
«فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة» بسكون الشين و فتح الواو،أو ضمّ الشين و سكون الواو.
و في(العقد):قيل لرجل من عبس ما أكثر صوابكم؟قال:نحن ألف رجل و فينا حازم واحد،فنحن نشاوره،فكأنّا ألف حازم (4).
«فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ و لا آمن ذلك» هكذا في(المصرية)
و الصواب:(ذاك)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) «من فعلي إلاّ أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 11:102، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:41« [2]ذلك».
.و هذا القول صدر منه عليه السلام كقول يوسف عليه السلام: «وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» (2)،و كقول النبي صلّى اللّه عليه و آله-في خبر-«و لا أنا إلاّ أن يتداركني اللّه برحمته» (3).فلا ينافي عصمته عليه السلام فان عصمتهم عليهم السلام إنّما باللّه تعالى،قال تعالى: «وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» (4)فقال عليه السلام ما قال على مقتضى الغرائز البشرية من حيث هي .
«فانّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره،يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا» و لا حول و لا قوّة لأحد إلاّ به تعالى.
«و أخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه،فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى» ،قال ابن أبي الحديد:لم يشر عليه السلام إلى خاصّ نفسه لأنّه عليه السلام لم يكن كافرا فأسلم،و لكنّه أشار إلى القوم الذين يخاطبهم من افناء النّاس،و أتى بصيغة الجمع توسعا.و يجوز أن يكون معناه لولا ألطاف اللّه تعالى ببعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله لكان الجميع على عبادة الأصنام، كما قال تعالى لنبيّه «وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى» (5)،فليس معناه أنّ النبي كان كافرا،بل معناه:إنّه لو لا اصطفاء اللّه تعالى لك لكنت كواحد من قومك،فكأنّه
كان ضالاّ بالقوّة لا بالفعل (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:108،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قلت:و كأن في الكلام سقطا،و إن وجدنا رواية الروضة أيضا كذلك، فعطف قوله «و أخرجنا» على قوله «يملك منّا» كما ترى.
و كيف كان فقد عرفت من رواية(الروضة)أن من كلامه عليه السلام بعد ما مرّ «و أنا استشهدكم عند اللّه على نفسي-إلى-و لا يجوز عنده إلاّ مناصحة الصدور في جميع الامور» (2)و لم ينقله المصنف.
الخطبة(129)
و من كلام له عليه السلام:
أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ- الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ وَ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ- أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ- وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ- هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ- أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ- اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ- أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ- وَ لاَ الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ- وَ لَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ- وَ نُظْهِرَ الْإِصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ- فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ- وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ- وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ- لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاَّ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ بِالصَّلاَةِ أقول:قال ابن الجوزي في( مناقبه 1ابن الجوزي-المناقب- )-كما في( البحار 2-بحار الأنوار-ج 77 ص 294 ح 3 )-روى مجاهد عن ابن عباس قال:خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوما على منبر الكوفة «أيّتها النفوس...إلخ» مثله 3.
«أيّتها النفوس المختلفة» في الآراء «و القلوب المتشتّتة» في العقائد «الشاهدة أبدانهم» في المجالس «و الغائبة عنهم عقولهم» في العمل لمصالحهم و معائشهم.
و في الخطبة 29«أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم،المختلفة أهواؤهم» و في الخطبة 95«أيّها الشاهدة أبدانهم،الغائبة عقولهم،المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم ».
«أظأركم» أي:أعطفكم «على الحقّ و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة» في(الجمهرة):سمعت وعوعة القوم أي:اختلاط أصواتهم،و يسمى ابن آوى الوعوع،و الوعوعة صوت الديك إذا دارك،و كذلك الذئب في عدوه، قال امرؤ القيس:
كأنّ خضيعة بطن الجواد وعوعة الذئب في الفدفد (1)
جمهرة اللغة 1:160. [1]
«الأسد» كلامه عليه السلام «و أنتم...إلخ» ،نظير قوله تعالى: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » (2).
«هيهات» أي:بعيد «أن أطلع بكم» أي:أخرج بكم «سرار العدل» أي:مخفيّة من سرار الشهر ليلة أو ليلتين من آخر الشهر يستسّر فيهما القمر بطلوع الشمس «أو اقيم» بكم «اعوجاج الحقّ» و زيغه،لأنّهم منشأ سرار العدل،فكيف يطلع بهم،و موجب اعوجاج الحقّ فكيف يقام بهم ؟ «اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا» من ترغيبكم إلى جهاد العدو و تأنيبكم على تقاعدكم عن حفظ الثغور «منافسة» أي:رغبة «في سلطان» الدنيا
كالمتقدّمين عليه عليه السلام «و لا التماس» أي:و لا لطلب «شيء من فضول الحطام» الأصل في الحطام:ما تكسر من اليبيس،شبّه به متاع الدنيا .
«و لكن لنرد المعالم من دينك» معالم الدين:آثاره المستدل بها عليه ، «و نظهر الإصلاح في بلادك،فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطّلة من حدودك» نقل نصر ابن مزاحم في كتابه(وقعة صفين)عن حبة العرني:أنّه لما نزل علي عليه السلام في طريق صفّين بمكان يقال له بليخ،نزل راهب من صومعته فقال له عليه السلام إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليه السلام،أعرضه عليك؟قال عليه السلام:نعم-إلى أن قال فيه-فإذا توفّى اللّه نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله اختلفت امّته ثمّ اجتمعت،فلبثت بذلك ما شاء اللّه،ثمّ اختلفت فيمرّ رجل من أمّته بشاطئ هذا الفرات،يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر،و يقضي بالحقّ،و لا يرتشي في الحكم،الدّنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت الريح،و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ،يخاف اللّه في السرّ،و ينصح له في العلانية،و لا يخاف في اللّه لومة لائم (1)
وقعة صفين:147. [1]
.و في(تاريخ الطبري)عن ناجية القرشي عن عمّه يزيد بن عدي قال:رأيت عليّا عليه السلام خارجا من همدان،فرأى فئتين يقتتلان ففرّق بينهما- ثم مضى فسمع صوتا«يا غوثا باللّه»،فخرج يحضر نحوه حتى سمع خفق نعله و هو يقول:أتاك الغوث،فإذا رجل يلازم رجلا!فقال له عليه السلام:بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم و شرطت عليه أن لا يعطيني مغموزا و لا مقطوعا-و كان شرطهم يومئذ-فأتيته بهذه الدراهم ليبدلها لي فأبى!فلزمته،فلطمني! فقال له:أبدلها له(ففعل)ثمّ قال عليه السلام:بيّنتك على اللطمة؟فأتاه بالبيّنة فأقعده،ثم قال:دونك فاقتص!فقال:إنّي قد عفوت،ثم ضرب الرجل تسع
1) 1)
درّات و قال:هذا حقّ السلطان.
و رواه في إسناد آخر عنه عن أبيه،و فيه:اشترى منّي شاة و قد شرطت عليه ألاّ يعطيني مغموزا و لا محذقا!فأعطاني درهما مغموزا،فرددته فلطمني -إلى أن قال-أو أعفو.قال:ذاك إليك،فلمّا جاز الرجل قال عليه السلام:يا معشر المسلمين خذوه!فأخذوه،فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب ثم ضربه خمس عشرة درّة و قال:هذا نكال لما انتهكت من حرمته (1)
تاريخ الطبري 4:120،سنة 40. [1]
.«اللهمّ إنّي أوّل من أناب»أي:أقبل إلى اللّه«و سمع»دعوة النبي صلّى اللّه عليه و آله «و أجاب»و في(الإرشاد)قال عليه السلام:أخبركم بما يكون قبل أن يكون،لتكونوا منه على حذر،و لتنذروا به من اتعظ و اعتبر،كأنّي بكم تقولون إنّ عليّا يكذب،كما قالت قريش لنبيّها و سيّدها نبي الرحمة،فيا ويلكم!أفعلى من أكذب،أعلى اللّه، فأنا أوّل من عبده و وحده،أم على رسول اللّه فأنا أوّل من آمن به و صدقه و نصره!-الخبر (2)-.
و في(تاريخ الطبري):لما نزلت «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (3)جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله بني عبد المطلب و قال لهم:إنّي و اللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به!إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة،و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه،فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟قال علي عليه السلام:فأحجم القوم عنها جميعا و قلت:
-و إنّي لأحدثهم سنّا،و أرمصهم عينا،و أعظمهم بطنا،و أحمشهم ساقا-أنا أكون وزيرك عليه،فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله برقبتي ثم قال:إنّ هذا أخي،و وصيي،
و خليفتي فيكم،فاسمعوا له و أطيعوا،فقام القوم يضحكون،و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (1)
تاريخ الطبري 2:63. [1]
.«لم يسبقني إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالصلاة»عن الصادق عليه السلام:أوّل جماعة كانت،أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يصلّي و أمير المؤمنين عليه السلام معه،إذ مرّ أبو طالب به و جعفر معه قال:يا بني صل جناح ابن عمّك،فلمّا أحسّ النبي صلّى اللّه عليه و آله تقدّمهما و انصرف أبو طالب مسرورا و هو يقول:
إنّ عليّا و جعفرا ثقتي عند ملمّ الزمان و الكرب (2)
الكتاب(70)
و من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاريّ و هو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية:
أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى؟مُعَاوِيَةَ؟- فَلاَ تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ- وَ يَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ- فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً- وَ لَكَ مِنْهُمْ شَافِياً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ- وَ إِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ- فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَيْهَا- وَ قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ- وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ- فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ- فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً- إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ- وَ لَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ- وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ- وَ يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ السَّلاَمُ أقول:و رواه اليعقوبي في( تأريخه اليعقوبي-تاريخ اليعقوبي-ج 2 ص 203 )مع اختلاف فقال:و كتب علي عليه السلام
إلى سهل،و هو على المدينة:«أما بعد فقد بلغني أنّ رجالا من أهل المدينة خرجوا إلى معاوية،فمن أدركته فامنعه،و من فاتك فلا تأس عليه،فبعدا لهم، فسوف يلقون غيّا،أما لو بعثرت القبور و اجتمعت الخصوم،لقد بدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون،و قد جاءني رسولك يسألني الاذن،فأقبل-عفا اللّه عنّا و عنك-و لا تذر خللا إن شاء اللّه (1)
تاريخ اليعقوبي 2:203. [1]
.قول المصنف : «و من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري» روى الشيخ أنّ سهلا كان بدريا،أحديا،عقبيا،نقيبا (2).
و روى الكليني،أنّ سهلا لمّا توفي صلّى عليه السلام عليه خمس صلوات،كلمّا أدركه النّاس و قالوا:لم ندرك الصلاة على سهل،يضعه فيكبر عليه خمسا (3).
و روى أبو عمر في(استيعابه):أنّ سهلا ممّن ثبت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم أحد (4).
و روى الجزري في(اسده):أنّ سهلا ممّن شهد على سماعه من النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله في علي عليه السلام«من كنت مولاه فعليّ مولاه»لما أنشد على النّاس في الرحبة ذلك-رواه في عبد الرحمن عبد ربّ (5).
«و هو عامله عليه السلام على المدينة» و روى الدينوري في(طواله):أنّ عليّا عليه السلام لمّا بايعه النّاس استعمل عمّاله،و استعمل سهلا على الشام،فلمّا انتهى إلى تبوك-و هي تخوم أرض الشام-استقبله خيل لمعاوية فردّوه، فانصرف إلى علي فعلم عند ذلك أن معاوية قد خالف.
«في معنى» أي:مقصد «قوم من أهلها» أي:أهل المدينة «لحقوا بمعاوية» و روى في ابن قتيبة(تأريخه):أنّه عليه السلام لمّا شخص من المدينة إلى البصرة كتب عقيل إليه من مكة،أنّه رأى ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني اميّة يلحقون بمعاوية يريدون إطفاء نور اللّه (1)
الإمامة و السياسة 1:55. [1]
.قوله عليه السلام : «أما بعد فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك» و كانوا في ناحيتك «يتسلّلون» أي:يخرجون خفية لا مطلق الخروج،كما قال(الصحاح) (2)«إلى معاوية،فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم،و يذهب عنك من مددهم» قال تعالى:
«فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» (3).
«فكفى لهم غيّا و لك منهم شافيا فرارهم من الهدى و الحقّ» قال تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئاً» (4).
«و إيضاعهم» أي:اسراعهم «إلى العمى و الجهل،و إنّما هم أهل دنيا» و في نسخة(ابن ميثم)«الدنيا» «مقبلون عليها و مهطعون» أي:مسرعون «إليها و قد عرفوا العدل و رأوه و سمعوه و وعوه» أي:استمعوه.
و جاء في(تأريخ الخلفاء)-بعد ذكر خطبته عليه السلام في استيلاء بني اميّة عليهم بعده بتخاذلهم-ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال:إنّ أمير المؤمنين أكرمه اللّه قد أسمع من كانت له أذن واعية و قلب حفيظ،أن اللّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حقّ قبولها حيث نزّل بين أظهركم ابن عم رسوله صلّى اللّه عليه و آله و خير المسلمين و أفضلهم و سيّدهم بعده،يفقهكم في الدين و يدعوكم إلى جهاد المحلّين،فو اللّه!لكأنّكم صمّ لا تسمعون،و قلوبكم غلف مطبوع عليها
فلا تستجيبون،عباد اللّه!أليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس،و قد شمل العباد و شاع في الإسلام!فذو حقّ محروم،و مشتوم عرضه،و مضروب ظهره،و ملطوم وجهه،و موطوء بطنه،و ملقى بالعراء،فلمّا جاءكم أمير المؤمنين عليه السلام صدع بالحق،و نشر بالعدل،و عمل بالكتاب،فاشكروا نعمة اللّه عليكم و لا تتولّوا مجرمين،و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون (1)
الإمامة و السياسة 1:152. [1]
.«و علموا أن النّاس عندنا في الحقّ اسوة» أي:متساوون «فهربوا إلى الأثرة» أي:الاستبداد «فبعدا لهم و سحقا» أي:دقّا كاملا من«سحق الدواء ».
«إنّهم و اللّه لم ينفروا» أي:لم يهربوا «من جور و لم يلحقوا بعدل» و إنّما في طبيعة النّاس الجور،فيحبّون الجائرين،و النفرة من الحقّ،فيعرضون عن المحقّين.
«و إنّا لنطمع في هذا الأمر أن يذلّل اللّه لنا صعبه» ،و في نسخة(ابن ميثم) «أصعبه» (2)«و يسهل لنا حزنه» الحزن بالفتح فالسكون،ما غلظ من الأرض في قبال السهل،و في نسخة(ابن ميثم)«أحزنه» (3)«إن شاء اللّه،و السلام» و زاد في (ابن أبي الحديد)«عليك و رحمة اللّه و بركاته» (4).
الكتاب(45)
و من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاريّ و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها:
أَمَّا بَعْدُ يَا؟ابْنَ حُنَيْفٍ؟- فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ؟الْبَصْرَةِ؟- دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا- تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَ تُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ- وَ مَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ- عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَ غَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ- فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ- فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ- وَ مَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ- أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ- وَ يَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ- أَلاَ وَ إِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ- وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ- أَلاَ وَ إِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَادٍ- فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً- وَ لاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً- وَ لاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً- وَ لاَ حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً- وَ لاَ أَخَذْتُ مِنْهُ إِلاَّ كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ- وَ لَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَ أَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ إلى أن قال:
وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى- لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ- وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَ لَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ- وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ- وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ- وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ- وَ لَعَلَّ؟بِالْحِجَازِ؟ أَوْ ؟الْيَمَامَةِ؟ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ- وَ لاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ- أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى- وَ أَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ- وَ حَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَ حَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ
أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ ألى أن قال: فَاتَّقِ اللَّهَ يَا؟ابْنَ حُنَيْفٍ؟ وَ لْتَكْفُكَ أَقْرَاصُكَ- لِتَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلاَصُكَ أقول:و عن( روضة الفتال-روضة الواعظين-ج 1 ص 127 الفتال)و( مناقب السروي-مناقب-ج 2 ص 101 السروي)و( خرائج الراوندي-الخرائج- الراوندي) روايته 1.
قول المصنف : «و من كتاب له عليه السلام» و غرضه من هذا الكتاب التنبيه على نكتتين مهمّتين:الاولى:التجنب عمّا لا يكون للّه،و إليه الإشارة بقوله عليه السلام فيه «ما ظننت أنّك تجيب» .و الثانية:التجنّب عن الحرام بل المشتبه،و إليه الإشارة بقوله عليه السلام «فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم» ،فبرعايتهما قوام الدين، و بالاخلال بهما تحصل مفاسد كثيرة بيقين.
«إلى عثمان بن حنيف» بالضم «الأنصاري» قال ابن أبي الحديد:هو ابن حنيف بن واهب بن العكم بن ثعلبة بن الحارث 2.قلت:بل«بن عكيم»كما في (ذيل الطبري)و في(الاستيعاب) 3-كما أن الظاهر«بن ثعلبة بن عمرو بن الحرث»كما يظهر من الأول في أخيه سهل و ان قال فيه«بن ثعلبة بن الحرث».
«و هو» هكذا في(المصرية)و الصواب:«و كان»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) 4«عامله على البصرة» .في(المروج):لما أتى طلحة و الزبير إلى البصرة مانعهم عثمان بن حنيف و جرى قتال،ثم إنّهم اصطلحوا على كفّ الحرب إلى قدوم علي عليه السلام،فلما كان في بعض
الليالي بيّتوه فأسروه و ضربوه و نتفوا لحيته،ثم إنّهم خافوا على مخلّفيهم بالمدينة من أخيه سهل فخلّوا عنه (1)
مروج الذهب 2:357 و 358. [1]
.«و قد بلغه أنّه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها» و قالوا:من شهد الولائم لقي الألائم.
قوله عليه السلام «أما بعد يا ابن حنيف» و في الكشّي عن الفضل بن شاذان أنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام (2).
«فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة» قال ابن أبي الحديد أي:من شبابها أو من أسخيائهم (3).قلت:بل المراد به الأول مريدا به لازمه،و هو الجهل،كأنّه قيل من جهالها بقرينة كونه عليه السلام في مقام ذمّ إجابته.
«دعاك إلى مأدبة» بضم الدال طعام يدعى النّاس إليه،و جمعها:المآدب قال الشاعر:
كأنّ قلوب الطير في قعر عشّها نوى القسب ملقى عند بعض المآدب (4)
«فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان» أي:ألوان الطعام «و تنقل إليك الجفان» بالكسر جمع الجفنة.قال ابن أبي الحديد:و يروى«و كثرت عليك الجفان فكرعت و أكلت أكل ذئب نهم أو ضبع قرم » (5).
«و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم» أي:فقيرهم «مجفو» فلا يدعونه «و غنيّهم مدعو» و من كان كذلك ممّن يفرّق بين الغني و العائل،و لا يريد
بإطعامه وجهه تعالى فهو مذموم عنده تعالى.
فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من أطعم طعاما رياء و سمعة،أطعمه اللّه مثله من صديد جهنم،و جعل ذلك الطعام نارا في بطنه حتّى يقضي بين النّاس (1)
أخرجه الصدوق في عقاب الأعمال:338.
.و كذلك كلّ عمل أريد به غير اللّه تعالى،فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من بنى بنيانا رياء و سمعة حمله يوم القيامة إلى سبع أرضين ثمّ يطوّقه نارا توقد في عنقه ثمّ يرمى به في النار (2).
و عنهم عليهم السلام:من نكح امرأة حلالا بمال حلال غير أنّه أراد بها فخرا أو رياء لم يزده اللّه بذلك إلاّ ذلاّ و هوانا،و أقامه اللّه بقدر ما استمتع منها على شفير جهنم ثم يهوى فيها سبعين خريفا (3).
كما أن التفريق بين الغني و العائل في الإطعام ملوم عند الأحرار،و في بخلاء الجاحظ أن صاحب المأدبة إذا جاء رسوله و القوم في أنديتهم فقال:
أجيبوا إلى طعام فلان فجعلهم جفلة واحدة-و هي الجفالة-فذلك هو المحدود، و إذا انتقر فقال:قم أنت يا فلان،و قم أنت يا فلان!فدعا بعضا و ترك بعضا فقد انتقر،قال الهذلي:
و ليلة يصطلي بالفرث جازرها يخص بالنقرى مثرين داعيها
و قال بعضهم:
آثر بالجدي و بالمائدة من كان يرجو عنده الفائده
و قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر (4)
و لما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المتفق الضبي،و أثبته عاصم بن خليفة الضبي،شدّ عليه فطعنه،و هو يقول:هذا و في الحفلة لا يدعوني،كأنّه حقد عليه حين لم يدعه.
كما أن الإجابة إنّما تحسن إذا كان الداعي مؤمنا،قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لو أنّ مؤمنا دعاني إلى طعام ذراع شاة لأجبته و كان ذلك من الدّين،و لو أن مشركا أو منافقا دعاني إلى جزور ما أجبته و كان ذلك من الدّين (1)
أخرجه الكليني في الكافي 6:274 ح 1،و [1]أخرج صدره البرقي في المحاسن:411 ح 142. [2]
.و في وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأبي ذر:أطعم طعامك من تحبّه في اللّه،و كل طعام من يحبّك في اللّه (2).
و عنهم عليهم السلام:لو دعي صائم ندب،كان ثواب إجابة أخيه المؤمن أفضل من صومه بمراتب،بل لو كان صوم فرض له عنه مندوحة،فالفضل بالإجابة (3).
روى الجزري في إبراهيم بن عبيد أنّ أبا سعيد الخدري صنع طعاما فدعا النبي و أصحابه،فقال رجل منهم:إنّي صائم.فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:تكلّف لك أخوك و صنع طعاما فأطعم و صم يوما مكانه (4).
و كان عليه السلام يجيب المؤمنين،و في الخبر:إنّ حارث الأعور قال له عليه السلام:
أحبّ أن تكرمني بأن تأكل عندي،فقال عليه السلام:على أن لا تتكلّف لي شيئا، فدخل عليه السلام بيته و أتاه الحارث بكسر،فجعل عليه السلام يأكل،فقال الحارث:معي دراهم-و كانت له دراهم في كمه-فإن أذنت لي اشتريت لك شيئا غيرها.
فقال عليه السلام:هذه ممّا في بيتك (1)
أخرجه الكليني في الكافي 6:276 ح 4،و [1]البرقي في المحاسن:415 ح 169. [2]
.هذا و قال ابن أبي الحديد:ذمّ عليه السلام أهل البصرة فقال«عائلهم مجفو و غنيهم مدعو و العائل:الفقير»،و هذا كقول الشاعر:
فإن تملق فأنت لنا عدو فان تثر فأنت لنا صديق (2)
قلت:كلامه خبط،فان قوله عليه السلام الجملة صفة «قوم» ،فهو ذمّ لذلك الرجل الذي دعا عثمان،لأن طعامه لم يكن اللّه،كما أن الشعر في مقام آخر غير ذمّ أحد،فإنّه في مقام بيان أنّ الفقير مبغض إلى النّاس طبعا،حتى أنّه لو كان صديقا يكون عندهم كالعدو!و الغني بالعكس،حتى أنّه لو كان عدوا كان عندهم كالصديق! هذا،و في(العيون لابن قتيبة)،قال عدي بن حاتم لابن له حدث:قم بالباب فامنع من لا تعرف و أذن لمن تعرف!فقال:لا و اللّه!لا يكون أوّل شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من الطعام (3).
«فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم» من قضمت الدابة شعيرها بالكسر «فما اشتبه عليك علمه» هل هو حلال أو حرام «فالفظه» من لفظ الشيء من فمه، أي:رماه منه،و ما رماه لفاظه.
و في(المروج):كان لأنوشروان مائدة من الذهب عظيمة عليها أنواع من الجواهر مكتوب عليها من جوانبها«ليهنه طعامه من أكله من حلّه،و عاد على ذوي الحاجة من فضله،ما أكلته،و أنت تشتهيه،فقد أكلته،و ما أكلته،و أنت لا تشهيه،فقد أكلك» (4).
«و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه» لعدم وجود تبعة فيه.في الخبر ولّى عليه السلام رجلا من ثقيف و قال له:إذا صلّيت الظهر فعد إليّ،فعدت إليه فلم أجد عنده حاجبا،فوجدته جالسا و عنده قدح و كوز ماء،فدعا بوعاء مشدود مختوم فقلت في نفسي:لقد آمنني حتى أخرج إلي جوهرا،فكسر الختم و حلّه فإذا فيه سويق،فأخرج منه فصبّه في القدح و صبّ عليه ماء فشرب و سقاني، فلم أصبر أن قلت:أتصنع هذا في العراق و طعامه كما ترى في كثرته؟فقال:
أما و اللّه ما أختم عليه بخلا به،و لكني أبتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن ينقص، فيوضع فيه من غيره،و أنا أكره أن يدخل بطني إلاّ طيّبا،و إيّاك و تناول ما لا تعلم حلّه» (1)
أخرجه أحمد في الورع و [1]أبو حاتم السجستاني في المعمرين و أبو نعيم في حلية الأولياء، [2]عنهم ذيل احقاق الحقّ 8:278 و 279،و النقل بتصرف يسير.
.و في الخبر:ما من عبد إلاّ و به ملك يلوي عنقه وقت حدثه حتى ينظر إليه ثم يقول له الملك:يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من أين أخذته و إلى ما صار، فينبغي عند ذلك أن يقول:اللّهمّ ارزقني الحلال و جنّبني الحرام (2).
«ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به و يستضيء بنور علمه» في(الإرشاد):
خرج عليه السلام ذات ليلة من المسجد-و كانت ليلة قمراء-فأمّ الجبانة،فلحقه جماعة يقفون أثره،فوقف ثم قال:من أنتم؟قالوا:نحن شيعتك،فتفرّس في وجوههم ثم قال:ما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة!قالوا:و ما سيماء الشيعة؟قال:
صفر الوجوه من السهر،عمش العيون من البكاء،حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام،ذبل الشفاه من الدعاء،عليهم غبرة الخاشعين (3).
و في الخبر قال أبو الصباح الكناني للصادق عليه السلام:يكون بيننا و بين
الرجل الكلام فيقول:جعفري خبيث!فقال عليه السلام:يعيركم النّاس بي!ما أقلّ و اللّه من يتّبع جعفرا منكم!إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه،و عمل لخالقه،و رجا ثوابه.
و قال الكاظم عليه السلام:كثيرا ما كنت أسمع أبي يقول:ليس من شيعتنا من لا يتحدّث المخدرات بورعه في خدورهن،و ليس من أوليائنا من هو في قرية عشرة آلاف رجل فيهم خلق للّه أورع منه (1)
أخرجهما الكليني في الكافي 2:77 و 79 ح 6 و 15. [1]
.في(تذكرة سبط ابن الجوزي)عن كتاب ابن الغطريف بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال:نظر النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى علي عليه السلام فقال:هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة (2).
«ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه» بالكسر،الثوب الخلق.
قال الباقر عليه السلام:كان علي عليه السلام يأكل أكل العبد و يجلس جلسة العبد،و إنّه كان ليشتري القميصين السنبلانيين،فيخيّر غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه،و إذا جاز كعبيه حذفه،و لقد ولّي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة،و لا لبنة على لبنة،و لا أقطع قطيعا و لا أورث بيضاء و لا حمراء،و ان كان ليطعم النّاس خبز البر و اللحم و ينصرف إلى منزله و يأكل خبز الشعير و الزيت و الخل (3).
و في(ذيل الطبري):كان عطاء سلمان خمسة آلاف،و كان على ثلاثين ألفا من النّاس يخطب في عباءة يفترش نصفها و يلبس نصفها،و كان إذا خرج
عطاؤه أمضاه و يأكل من سفيف يده (1)
منتخب ذيل المذيل:50.
.«و من طعمه بقرصيه» و أدامه الملح أو اللبن الحامض،فعن سويد بن غفلة:دخلت على علي عليه السلام فوجدت بين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته، و في يده رغيف أرى قشير الشعر في وجهه،و هو يكسره بيده و يطرحه فيه، فقال:أدن!فأصب من طعامنا،فقلت:إنّي صائم.فقلت لفضة-و هي بقرب منه قائمة-ويحك!ألا تتقين اللّه في هذا الشيخ بنخل هذا الطعام؟قالت:تقدم إلينا ألا ننخل له طعاما.قال:ما قلت لها؟فأخبرته فقال:بأبي و امّي من لم ينخل له طعام،و لم يشبع من خبز البر ثلاثة أيّام حتى قبضه اللّه (2)! و كان عليه السلام يجعل جريش الشعير في وعاء و يختم عليه،فقيل له في ذلك فقال:أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئا من زيت أو سمن (3).
في(رجال الكشي):قال أبو ذر:من جزى اللّه عنه الدنيا خيرا،فجزاه اللّه عني مذمة،بعد رغيفي شعير أتغذّى بأحدهما و أتعشّى بالآخر،و بعد شملتي صوف اتّزر بإحداهما و أرتدي الاخرى (4).
«ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك» إنّما كان يقتدى به في الملبس و المطعم سلمان،و أبو ذر كما مرّ.
و في(جمل المفيد)عن الواقدي أنّه عليه السلام في حرب البصرة دعا بدرعه البتراء و لم يلبسها بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلاّ يومئذ!فكان بين كتفيه منها متوهيا، و جاء و في يده شسع نعل،فقال له ابن عباس:ما تريد بهذا الشسع؟قال:أربط بها ما قد توهّى من هذا الدرع من خلفي.فقال له:أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل
هذا؟فقال عليه السلام:لا تخف أن أوتي من ورائي،و اللّه يا ابن عباس!ما ولّيت في زحف قط (1)
الجمل:189. [1]
.و في النهج قال ابن عباس:دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار(عند خروجه إلى الجمل)و هو يخصف نعله،فقال لي:ما قيمة هذا النعل؟فقلت:لا قيمة لها.فقال عليه السلام:و اللّه لهي أحب إليّ من أمرتكم-إلخ (2)-.
و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)عن الأحنف بن قيس قال:دخلت على معاوية فقدّم إلي من الحلو و الحامض ما كثر تعجّبي منه،ثم قال:قدّموا ذلك اللون!فقدّموا لونا ما أدري ما هو،فقال:مصارين البط محشوة بالمخ و دهن الفستق قد ذر عليه السكر.قال:فبكيت!فقال:
ما يبكيك؟فقلت:للّه درّ ابن أبي طالب،لقد جاء من نفسه بما لم تسمح به أنت و لا غيرك.فقال:و كيف؟قلت:دخلت عليه ليلة عند افطاره،فقال لي:قم فتعشّ مع الحسن و الحسين!ثم قام إلى الصلاة،فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه فأخرج منه شعيرا مطحونا ثم ختمه،فقلت:
لم أعهدك بخيلا يا أمير المؤمنين،فقال:لم أختمه بخلا و لكن خفت أن يبسّه الحسن أو الحسين بسمن أو اهالة.فقلت:أحرام هو؟قال:لا و لكن على أئمة الحقّ أن يتأسّوا بأضعف رعيتهم حالا في الأكل و اللباس،و لا يتميّزون عليهم بشيء،ليراهم الفقير فيرضى عن اللّه تعالى بما هو فيه،و يراهم الغني فيزداد شكرا و تواضعا (3).
«و لكن أعينوني بورع» عن المحارم قال تعالى: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ»
«مِنَ الْمُتَّقِينَ» (1)
المائدة:27. [1]
و قال نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أفضل الأعمال الورع عن محارمه (2).«و اجتهاد» في الطاعات و العبادات.قال الصادق:كان علي عليه السلام ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة و النّار،يرجو ثواب هذه و يخاف عقاب هذه (3).
و كان عليه السلام لا تفوته عبادة حتّى إعانة المرأة و الكسب و غرس الأشجار.
قال الباقر عليه السلام:كان علي عليه السلام ما ورد عليه أمران كلاهما رضا للّه إلاّ أخذ بأشدّهما على بدنه (4)،و لقد اعتق ألف مملوك من كدّ يده،تربت فيه يداه،و عرق فيه وجهه و ما أطاق عمله أحد من النّاس،و إنّه كان يصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة،و كان أقرب النّاس شبها به حفيده علي بن الحسين عليه السلام و ما أطاق عمله أحد من النّاس بعده.
و قال الحسن عليه السلام صبيحة وفاته-كما في(مقاتل أبي الفرج)-لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل،و لا يدركه الآخرون بعمل،و لقد كان يجاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيقيه بنفسه،و لقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره،فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه -الخبر (5)-.
و روي عنه عليه السلام أنّه قال:ما تركت صوم شعبان بعد ما سمعت منادي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ شعبان شهري،فأعينوني على صيامه (6).
1) 1)
2) 2) روى هذا المعنى بألفاظ مختلفة المجلسي في البحار 70:296،باب 57،و [2]المتقي الهندي في منتخب كنز العمال 1:254 و 255.
3) 3) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:110،و النقل بالمعنى.
4) 4) رواه السروي في مناقبه 2:103.عن الباقر عليه السلام و ابن أبي الحديد في شرحه 4:110 عن الصادق عليه السلام.
5) 5) مقاتل الطالبيين:32. [3]
6) 6) رواه الطوسي في المصباح:757،و ابن طاوس في الاقبال،عنه البحار 97:79 ح 44،و [4]النقل بالمعنى.
و كان عليه السلام يرد بيته بعد الظهر،فإن كان طعام أتى عليه السلام به و إلاّ كان ينوي الصيام.
و ورد في إنفاقه عليه السلام آيات «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» (1)
البقرة:274. [1]
«وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» (2)«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً» -إلى قوله تعالى-: «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» (3).و في الخبر:كان علي عليه السلام يمشي في الأسواق وحده-و هو وال-يرشد الضّالّ و يعين الضعيف،و يمرّ بالبقال و البيّاع فيفتح عليه،و يتلو: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (4)و يقول نزلت هذه الآية في أهل العدل و التواضع من الولاة و أهل القدرة (5).
و جاء في الأثر:كان علي عليه السلام يحتطب،و يستسقي،و يكنس،و كانت فاطمة عليها السلام تطحن و تعجن و تخبز (6).
و في الخبر أنّه عليه السلام غرس مائة ألف نخلة (1)
رواه الكليني في الكافي 5:74 ح 6. [1]
.«و عفّة» قال رجل للباقر عليه السلام:إنّي ضعيف العمل قليل الصيام،و لكنّي أرجو ألاّ آكل إلاّ حلالا،فقال عليه السلام له:أيّ الاجتهاد أفضل من عفّة بطن و فرج (2).
«و سداد» بالفتح «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ » (3).
«فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا» التبر:الذهب غير المضروب،فإذا ضرب فهو عين.
في(الكافي):قال عبد الأعلى مولى آل سام لأبي عبد اللّه عليه السلام:إنّ النّاس يرون أنّ لك مالا كثيرا،فقال:ما يسوؤني ذلك!إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ ذات يوم على ناس شتى من قريش و عليه قميص مخرّق،فقالوا:أصبح علي لا مال له،فسمعها عليه السلام فأمر الذي يلي صدقته أن يجمع تمره و لا يبعث إلى انسان شيئا و أن يوفّره،ثم قال له بع الأوّل فالأوّل و اجعلها دراهم ثمّ اجعلها حيث يجعل التّمر،فاكبسه معه حيث لا يرى،و قال للذي يقوم عليه إذا دعوت بالتّمر فاصعد و انظر المال فاضربه برجلك كأنّك لا تعمد الدراهم حتى تنثرها،ثم بعث إلى رجل منهم يدعوهم،ثم دعا بالتمر،فلما صعد ينزل بالتمر ضرب برجله فانتشرت الدراهم فقالوا:ما هذا يا أبا الحسن؟قال:هذا مال من لا مال له!ثمّ أمر بذلك المال فقال:انظروا كلّ أهل بيت ابعث إليهم،
فانظروا ماله،و ابعثوا له (1)
الكافي 6:439 ح 8،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و لا ادّخرت من غنائمها وفرا» أي:مالا كثيرا كالنّاس.
في(المروج):بنى عثمان داره في المدينة و شيّدها بالحجر و الكلس، و جعل أبوابها من الساج و العرعر،و اقتنى اموالا و جنانا و عيونا بالمدينة، و كان عند خازنه يوم قتل من المال خمسون و مائة ألف دينار و ألف ألف درهم،و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار،و خلّف خيلا كثيرا و إبلا! و بلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار،و خلّف ألف فرس و ألف عبد و ألف أمة و خططا في البصرة و الكوفة و مصر و الاسكندرية و داره بالبصرة المعروفة به في هذا الوقت سنة(332)تنزلها التّجار،و أرباب الأموال،و أصحاب الجهات من البحرين و غيرهم.
و كذلك طلحة داره بالكوفة المشهورة به في هذا الوقت المعروفة بالكناس بدار الطلحيين،و كانت غلته من العراق كلّ يوم ألف دينار و قيل أكثر، و بناحيته سراة أكثر،و شيّد داره بالمدينة و بناها بالآجر و الجصّ و الساج.
و كذلك عبد الرحمن بن عوف ابتنى داره و وسّعها و كان على مربطه مائة فرس و له ألف بعير و عشرة آلاف من الغنم،و بلغ ربع ثمن ماله أربعة و ثمانين ألفا.
و ذكر سعيد بن المسيّب،أن زيد بن ثابت خلّف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفئوس،غير ما خلف من الأموال و الضياع بقيمة مائة ألف دينار.
و مات يعلى بن اميّة و خلف خمسمائة ألف دينار،و ديونا على النّاس
1) 1)
و عقارات و غيرها ما قيمته مائة ألف دينار (1)
مروج الذهب 2:332 و 333،و [1]النقل بتصرف يسير.
.في(جمل المفيد):روى الثوري عن داود بن أبي هند عن أبي حريز الأسود قال:لما قدم طلحة و الزبير البصرة أرسلا إلى أناس من أهل البصرة أنا فيهم،فدخلنا بيت المال معهما،فلما رأيا ما فيه من الأموال قالا:هذا ما وعدنا اللّه و رسوله «وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ» و قالا:نحن أحقّ بهذا المال من كلّ أحد-إلى أن قال بعد ظفره عليه السلام-دعانا علي عليه السلام فدخلنا معه بيت المال،فلما رأى ما فيه ضرب إحدى يديه على الاخرى و قال:غري غيري!و قسّمه بين أصحابه خمسمائة خمسمائة بالسوية حتى لم يبق إلاّ خمسمائة درهم و عزلها لنفسه،جاءه رجل و قال:إنّ اسمي سقط من كتابك،فقال عليه السلام:ردّوها عليه.ثم قال:الحمد للّه الذي لم يصل إليّ من هذا المال شيئا و وفّره على المسلمين.
و فيه روى أبو مخنف عن رجاله قال:لمّا أراد علي عليه السلام التوجّه إلى الكوفة قام في أهل البصرة،فقال:ما تنقمون علي يا أهل البصرة و اللّه إنّهما -و أشار إلى قميصه و ردائه-لمن غزل أهلي،و ما تنقمون مني يا أهل البصرة و اللّه ما هي-و أشار إلى صرّة في يده فيها نفقته-إلاّ من غلّتي بالمدينة،فإن أنا خرجت من عندكم بأكثر ممّا ترون فأنا عند اللّه من الخائنين (2).
«و لا أعددت لبالي» أي:اندراس «ثوبي طمرا» .و في الخبر أنّه عليه السلام كان يغسل ثوبه و يلبسه و يجفّه على بدنه لعدم وجود عوض له! «و لا حزت من أرضها شبرا و لا أخذت منه إلاّ كقوت اتان» انثى الحمار «دبره» من«دبر البعير و أدبره القتب».
«و لهي في عيني أوهى و أهون من عفصة» من«طعام عفص»فيه تقبض «مقره» من«مقر الشيء»صار مرّا،و ليس في(ابن ميثم)قوله«و لا حزت»-إلى هنا و انما هو في ابن أبي الحديد أخذته(المصرية)عنه،لكن،ليس فيه «أوهى و أهون» معا،و الظاهر أنّها رأتهما بالنسخة البدليّة فجمعت بينهما (1)
شرح ابن أبي الحديد 16:207،و شرح ابن ميثم 5:99. [1]
.قوله عليه السلام «و إنّما هي نفسي اروضها» من رضت المهر أروضه رياضا و رياضة،أو من روّضته للمبالغة «بالتقوى» .في الخبر:بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سريّة،فلمّا رجعوا قال:مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر،و بقي عليهم الجهاد الأكبر.قيل له:و ما الجهاد الأكبر؟قال:جهاد النفس،أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه (2).
و في(الحلية)،في سفيان بن عيينة:عن عاصم بن كليب عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام قسّم ما في بيت المال على سبعة أسباع،ثم وجد رغيفا فكسره سبع كسر،ثمّ دعا أمراء الأجناد فأقرع بينهم! و عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه قال:رأيت الغنم تبعر في بيت مال علي عليه السلام فيقسّمه.
و عن الأعمش عن رجل:إنّ عليّا عليه السلام كان إذا قسّم ما في بيت المال نضحه ثمّ صلّى فيه ركعتين (3).
«لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر و تثبت على جوانب المزلق» مزلق الأقدام «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (4)، «الَّذِينَ آمَنُوا»
«وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ» (1)
الانعام:82. [1]
«وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» (2)«تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» (3).و في الخبر:على الصراط قنطرة،لا يجوزها من كان في رقبته مظلمة (4).
ورد في تفسير قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» (5)لا تدع النفس و هواها،فإن هواها في رداها،و كفّ النفس عمّا يهوى دواها.
هذا،و نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس،فقيل له في ذلك، فقال:ليطول وقوفي في الظل.
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم و من يكرم النّفس التي لا تهينها
«و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل» .في(المروج):
استسقى عليه السلام يوم الجمل فأتي بعسل و ماء،فحسا منه حسوة و قال:
هذا الطائفي،و هو غريب بهذا البلد،فقال له عبد اللّه بن جعفر:أما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا؟قال:انّه و اللّه يا بنيّ ما ملأ صدر عمّك شيء قط من أمر الدّنيا (6).
«و لباب» بالضم اللب ضدّ القشر،قال:
أ ليس بذي المكارم في قريش إذا عدّت،و ذي الحسب اللباب (7)
«هذا القمح» أي:البّرّ،و في حديث الحسن البصري«لباب البرّ بلعاب النحل» (1)
رواه عنه أساس البلاغة:402، [1]مادة(لب).
.هذا،و في(النفحة):أرسل سنّيّ إلى شيعيّ شيئا من الحنطة-و كانت عتيقة-فردّها عليه،ثم أرسل إليه عوضها جديدة لكن فيها تراب،فكتب إليه بعد قبولها:
بعثت لنا بدال البرّ برّا رجاء للجزيل من الثواب
رفضناه عتيقا و ارتضينا به إذ جاء و هو أبو تراب
و لا يخفى ما فيه من النكات اللطيفة،جمعه بين الرفض دلالة على تشيعه،و تركه العتيق و هو لقب أبي بكر،و المرتضى لقب أمير المؤمنين، و أبي تراب كنيته عليه السلام.
«و نسائج» جمع نسيج،أي:منسوجات «هذا القز» أي:الإبريسم.
و كان يقال لعمرو بن عامر من ملوك اليمن«مزيقياء»،لأنّه كان يلبس كلّ يوم حلّتين،فيمزّقهما بالعشي،و يكره أن يعود فيهما،و يأنف أن يلبسهما غيره.
قال ابن أبي الحديد:روى بدل قوله عليه السلام «و لو شئت-إلى-هذا القز» «و لو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفّى و لباب هذا البرّ المنقّى،فضربت هذا بذاك حتّى ينضح وقودا و يستحكم معقودا» (2).
قلت:و روى ابن بابويه في(أماليه):«و لو شئت لتسربلت بالعبقريّ المنقوش من ديباجكم،و لأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم،و لشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم،و لكنّي أصدّق اللّه جلّت عظمته حيث يقول: «مَنْ»
«كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ» (1)
هود:15 و 16. [1]
،فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشرره إلى الأرض لأحرقت نبتها،و لو اعتصمت نفس بقلّة لأنضجها وهج النّار في قلّتها» (2).«و لكن هيهات» أي:بعد «أن يغلبني هواي» «وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» (3).
«و يقودني جشعي» الجشع:شدّة الحرص على الطعام،قال:
و إن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا عجل القوم أجشع
«إلى تخيّر الأطعمة» قالوا:من كان همّه ما يدخل في بطنه،كانت قيمته ما يخرج من بطنه.
«و لعلّ بالحجاز» في(المعجم)عن الأصمعي:الحجاز:من تخوم صنعاء من العبلاء و تبالة إلى تخوم الشام،و انما سمّي حجازا لأنه حجز بين تهامة و نجد،فمكّة تهاميّة،و المدينة حجازية،و الطائف حجازيّة،و عن هشام الحجاز ما بين جبلي طي إلى طريق العراق لمن يريد مكّة (4).
و في(الصحاح):سمّيت بذلك لأنّها حجزت بين نجد و الغور،و قال الأصمعي لأنّها احتجزت بالحرار الخمس منها حرّة بني سليم و حرّة واقم، يقال:احتجز بإزار،أي:شدّه على وسطه (5).
«أو اليمامة» في(المعجم):في السير اليمامة كانت منازل طسم و جديس
و كانت تدعى جوا (1)
معجم البلدان 5:442. [1]
.و في(الصحاح):اليمامة:اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام،يقال أبصر من زرقاء اليمامة، سمّيت البلاد باسم هذه الجارية (2).
«من لا طمع له في القرص و لا عهد له بالشبع» في(عيون القتيبي):قيل ليوسف عليه السلام مالك تجوع و أنت على خزائن الأرض؟قال:أخاف أن أشبع فأنسى الجائع (3).
«أو أبيت مبطانا» ممتلأ البطن «و حولي بطون غرثى» أي:جائعة.قال بعضهم:
يملّىء بطنه و الجار جائع و يحفظ ماله و العرض ضائع
«و أكباد حرّى» أي:عطشى.كتب المأمون إلى الرستمي-و قد تظلّم منه غريم-ليس من المروة أن تكون أوانيك من الذهب و الفضة،و جارك طاو و غريمك عاو.
و لدعبل:
و ضيف عمرو و عمرو يسهران معا عمرو لبطنته و الضيف للجوع
و للصابي:
و شبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
و في(عقاب الأعمال)عن السجاد عليه السلام:من بات شبعان و بحضرته مؤمن جائع طاو،قال اللّه عزّ و جلّ:ملائكتي أشهدكم على هذا العبد إنّني أمرته
فعصاني،و أطاع غيري،وكلته إلى عمله،و عزّتي و جلالي لا غفرت له أبدا (1)
عقاب الأعمال:298 ح 1.
.«أو أكون كما قال القائل:
و حسبك داء أن تبيت ببطنة و حولك أكباد تحنّ إلى القد»
القدّ بالكسر:سير يقد من جلد غير مدبوغ،و فلان ما يعرف القد من القد، أي:مسك السخلة من السير،و في الجمهرة قدّ الشيء قدّا إذا قطعه قطعا مستطيلا،و به سمّي القد الذي يقد من الأديم الفطير،و القدّ(بفتح القاف)خلاف القط،لأن القد طولا و القط عرضا،و في الحديث«إنّ عليّا عليه السلام كان إذا اعتلى قدّ و إذا اعترض قط»،و القد(بكسر القاف)سيور تقد من جلد فطير يشد بها الأقتاب و المحامل و غيرها (2).
قال ابن أبي الحديد:هذا البيت منسوب إلى حاتم الطائي،و أوّل أبياته:
أيا ابنة عبد اللّه و ابنة مالك و يا ابنة ذي الجدّين و الفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
قصيّا بعيدا أو قريبا فإنّني أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
كفى بك عارا أن تبيت ببطنة و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ
و إنّي لعبد الضيف ما دام نازلا و ما من خلالي غيرها شيمة العبد (3)
قلت:لم يذكر مستنده في كون الأبيات لحاتم،و قد نسب المبرد في (كامله)الأبيات الثلاثة الاولى و الأخير إلى قيس بن عاصم المنقري،و لم ينقل فيها الرابع شعر كلامه عليه السلام.و نقل ابن قتيبة في(عيونه)أيضا الأبيات الثلاثة الاولى و ذكر بدل الأخيرين:
و كيف يسيغ المرء زادا و جاره خفيف المعى بادي الخصاصة و الجهد
و للموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
و لم يذكر قائلها (1)
كامل المبرد 5:144،و عيون ابن قتيبة 3:263. [1]
،فلعلّ ابن أبي الحديد قال منسوب إلى حاتم حدسا لشهرته في الجود و الإيثار،فكان يتجوّع و يشبع جاره! ففي(شعراء ابن قتيبة):قالت نوّار امرأة حاتم:أصابتنا سنة أقشعرّت لها الأرض و اغبرّت الآفاق،فضنّت المراضع عن أولادها فما تبض بطرة و راحت الإبل حدبا حدابيس،و حلقت ألسنة المال و أيقنا انّه الهلاك من الجوع، فقام حاتم إلى الصبيّين و قمت إلى الصبيّة،فو اللّه ما سكتوا إلاّ بعد هدأة من الليل،و أقبل يعلّلني بالحديث فعلمت الذي يريد فتناومت،فلما تجوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت،فقال:من هذا؟فذهب ثم عاد فقال:من هذا؟فذهب ثم عاد في آخر الليل،فقال:من هذا؟فقال:جارتك فلانة أتتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع فما أجد معولا إلاّ عليك أبا عدي.فقال:أعجيلهم قد أشبعك اللّه و إيّاهم.فأقبلت المرأة تحمل اثنين و تمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها،فقام إلى فرسه،فوجا لبته بمدية ثم كشطه و دفع المدية إلى المرأة فقال:شأنك الآن فاجتمعوا على اللحم،فقال:سوأة أ تأكلون دون الصريم،ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا،و يقول:هبّوا أيها القوم عليكم بالنّار،فاجتمعوا فالتفع ناحية بثوبه ينظر إلينا،و لا و اللّه ما ذاق منه مضغة و انّه لأحوج إليه منّا!فأصبحنا و ما على الأرض إلاّ عظم و حافر،فعذلته على ذلك فقال:
1) 1)
مهلا نوّار أقلّي اللوم و العذلا و لا تقولي لشيء فات ما فعلا
و فيه أيضا:أتى حاتم ماوية بنت عفرز يخطبها،فوجد عندها النابغة الذبياني و رجلا من نبيت يخطبانها،فقالت:انقبلوا إلى رحالكم،و ليقل كلّ واحد منكم شعرا يذكر فيه فعاله و منصبه،فإنّي متزوّجة أكرمكم و أشعركم، فانطلقوا و نحر كلّ واحد منهم جزورا و لبست ماوية ثياب امة لها و اتبعتهم، فأتت النبيتي فاستطعمته فأطعمها ذنب جزوره فأخذته،و أتت النابغة فأطعمها مثل ذلك،و أتت حاتما فأطعمها عظما من العجز و قطعة من السنام و قطعة من الحارك-أي الكاهل-فانصرفت،و أهدى كلّ منهم باقي جزوره و أهدى لها حاتم مثل ما أهدى إلى واحدة من جاراته،و صبّحها القوم فأنشدها النابغة:
هلاّ سألت هداك اللّه ما حسبي إذا الدّخان تغشى الأشمط البرما
إنّي أتمم أيساري و أمنحهم مثنى الأيادي و أكسوا الجفنة الأدما
و أنشدها النبيتي:
هلاّ سألت هداك اللّه ما حسبي عند الشتاء إذا ما هبت الريح
إذا اللقاح غدت ملقى اصرتها و لا كريم من الولدان مصبوح
و أنشدها حاتم:
أ ماوي،إنّ المال غاد و رائح و يبقى من المال الأحاديث و الذكر
أ ماوي،إنّي لا أقول لسائل إذا جاء يوما حل في مالنا نزر
أ ماوي إمّا مانع فمبين و إمّا عطاء لا ينهنهه الزجر
أ ماوي،أن يصبح صداي بقفرة من الأرض لا ماء لدي و لا خمر
ترى ان ما انفقت لم يك ضرّني و إنّ يدي ممّا بخلت به صفر
و قد علم الأقوام لو أنّ حاتما أراد ثراء المال كان له وفر
فلمّا فرغوا من إنشادهم،دعت بالمائدة و قدّمت إلى كلّ واحد
منهم ما كان أطعمها،فنكس النبيتي و النابغة رؤوسهما،فلما رأى حاتم ذلك رمى بالذي قدّم إليه إليهما و أطعمهما،فتسلّلا لو اذا،فتزوّجت حاتم و كانت من بنات ملوك اليمن (1)
الشعر و الشعراء:71-74،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(المروج):قال عبد الملك لبنيه:أحسابكم أحسابكم صونوها ببذل أموالكم،فما يبالي رجل منكم ما قيل فيه من الهجو بعد قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملآ بطونكم و جاراتكم غرثى يبتن خمائصا (2)
و في(كنايات الثعالبي):كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا قعدوا عنده كأنّ على رؤوسهم الطير،فانبرى يوما حسّان فأنشده قول الأعشى:
كلا أبويكم كان فرعي دعامة و لكنّهم زادوا او أصبحت ناقصا
تبيتون في المشتى ملا بطونكم و جاراتكم غرثى يبتن خمائصا
فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لا تنشد هجاء علقمة،فإن أبا سفيان شغب منّي عند هرقل فعزب عليه علقمة،فقال حسّان:يا رسول اللّه،من نالتك يده وجب علينا شكره.فما سمع في الكناية عن الوقيعة بأحسن من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«شغب مني»و لا في الكناية عن الإنكار و الاحتجاج كقوله«فعزب عليه»و لا في الاعتذار كقول حسان«من نالتك يده»-إلخ (3)-.
هذا،و في(الأغاني):قال متمم بن نويرة لعمر-لمّا سأله عن أخيه مالك-:إنّه أسرني حيّ من العرب،فشدّوني وثاقا بالقد و ألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل على راحلته حتى انتهى إلى القوم و هم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليّ أعرض عنّي،و نظر القوم إليه فعدل إليهم و عرفت ما أراد،فسلّم
عليهم و حادثهم و ضاحكهم و أنشدهم،فو اللّه،إن زال كذلك حتى ملأهم سرورا و حضر غداءهم،فسألوه ليتغدّى معهم فنزل و أكل ثم نظر إليّ و قال:
إنّه لقبيح بنا أن نأكل و رجل ملقى بين أيدينا لا يأكل معنا،و أمسك يده عن الطعام،فلما رأى ذلك القوم نهضوا،و صبّوا الماء على قدّي حتى لان و حلّوني، ثم جاءوا بي فأجلسوني معهم على الغداء،فلمّا أكلنا قال لهم:أما ترون،تحرم هذا بنا و أكل معنا انّه لقبيح بكم أن تردوه إلى القد فخلوا سبيلي (1)
الأغاني 15:210،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و فيه:مرّ فضالة بن شريك بعاصم بن عمر بن الخطاب و هو منتبذ بناحية المدينة،فنزل به،فلم يقره شيئا و لم يبعث إليه و لا إلى أصحابه بشيء.
و قد عرّفوه مكانهم،فارتحلوا عنه و التفت فضالة إلى مولى لعاصم فقال له:قل له،أما و اللّه لأطوقنّك طوقا لا يبلى.و قال:
ألا أيّها الباغي القرى لست واجدا قراك إذا ما بتّ في دار عاصم
إذا جئته تبغي القرى بات نائما بطينا و أمسى ضيفه غير نائم (2)
و روي في(الحلية):أن أويس القرني كان إذا أمسى تصدّق بما في بيته من الفضل من الطعام و الثياب،ثم يقول:اللّهمّ من مات جوعا فلا تؤاخذني به، و من مات عريانا فلا تؤاخذني به (3).
هذا،و روي أنّ علي بن الحسين عليه السلام قال لمولاة له يوم جمعة:لا يعبر على بابي سائل إلاّ أعطيتموه،فإن اليوم الجمعة.فقال له أبو حمزة الثمالي:
ليس كلّ من يسأل مستحقّا،فقال عليه السلام:أخاف أن يكون بعض من يسألنا مستحقّا فلا نطعمه فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب،إنّ يعقوب كان يذبح
كلّ يوم شاة فيتصدّق منه و يأكل هو و عياله،و إنّ سائلا صوّاما محقّا،له عند اللّه منزلة-و كان غريبا مجتازا-اعترّ على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه:أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم-هتف بذلك مرارا-و هم يسمعونه و لم يصدّقوا قوله،فلمّا يئس أن يطعموه و غشيه الليل استعبر و شكا جوعه إلى اللّه تعالى،و بات طاويا و أصبح صابرا،و بات يعقوب و آله شباعا بطانا و أصبحوا و عندهم فضلة من طعامهم،فأوحى تعالى إلى يعقوب:أذللت عبدي ذلّة استجررت بها غضبي و استوجبت بها أدبي،و نزول عقوبتي عليك و على ولدك!يا يعقوب،ان أحبّ أنبيائي إليّ من رحم مساكين عبادي و أطعمهم،و كان لهم مأوى و ملجأ،يا يعقوب أما رحمت عبدي بات طاويا حامدا لي،و أنت و ولدك شباع و عندكم فضلة،أو ما علمت ان العقوبة إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي،و ذلك حسن النظر منّي لأوليائي و استدراج منّي لأعدائي،أما و عزّتي لأجعلنّك و ولدك غرضا لمصائبي ! (1)
أخرجه الصدوق في العلل 1:45 ح 1،و [1]النقل بتصرف يسير.
«أ أقنع من نفسي بأن يقال لي أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر» كان المسلمون يوم القادسية و سعد بن أبي وقاص أميرهم كان في القصر ينظر إليهم،فقال بعضهم:فأبنا و قد آمت نساء كثيرة و نسوة سعد ليس فيهنّ أيم
و في(الكافي)،عن حمّاد بن عثمان:أصاب أهل المدينة غلاء و قحط حتى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير و يأكله و يشتري ببعض الطعام،و كان عند أبي عبد اللّه عليه السلام طعام جيد قد اشتراه أوّل السنة،فقال لبعض مواليه:اشتر لنا شعيرا فاخلط بهذا الطعام أو بعه فإنّا نكره أن نأكل
1) 1)
جيدا و يأكل النّاس رديّا (1)
الكافي 5:166 ح 1. [1]
.«أو أكون أسوة لهم» أي:قدوة «في جشوبة» أي:غلظة «العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات» إنّما خلق الإنسان لعبادة ربّه و عرفانه لا للأكل،و إنّما جعل له الأكل ليحيا،و بينهما بون بعيد.
«كالبهيمة المربوطة همّها علفها أو» البهيمة «المرسلة شغلها تقمّمها» أي:
رتعها و أكلها بشفتيها،فمن حسب أنّه خلق لكي يأكل،فانّه-كما قال عليه السلام-أحد حيوانين مربوطا أو مرسلا،قال تعالى: «وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ» (2)«تكترش» أي:تملأ كرشها،أي،معدتها «من أعلافها و تلهو» أي:تغفل «عمّا يراد بها» من الذبح،و نظير قوله عليه السلام قول الآخر:
إن هي إلاّ كالمعلوفة للمدى لا تعرف ما ذا يراد بها
«إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ» (3).
«أو أترك سدى» بالضم أي:مهملا «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى» (4).
«أو أهمل عابثا» «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» (5).
«أو أجرّ حبل الضلالة» أي:أترك مع حبل الضلالة.
«أو اعتسف» أي:أسير على غير الطريق «طريق المتاهة» المفازة
يتاه فيها .
«فاتق اللّه يا ابن حنيف،و لتكفك أقراصك لتكون من النار خلاصك» .في (المروج):دخل شريك يوما على المهدي فقال له:لابدّ أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال قال:و ما هنّ؟قال:إمّا أن تلي القضاء،أو تحدّث ولدي و تعلّمهم،أو تأكل عندي أكلة.ففكر ثمّ قال:الأكلة أخفّهنّ على نفسي،فاحتبسه و قدم إلى الطباخ أن يصلح له ألوانا من المخّ المعقود بالسكر الطبرزد و العسل، فلما فرغ من غدائه،قال له القيمّ على المطبخ:ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدا.قال الفضل بن الربيع:فحدّثهم و اللّه شريك بعد ذلك،و علّم أولادهم،و ولّي القضاء لهم.
و لقد كتب بأرزاقه إلى الجهبذ،فضايقه في النقص،فقال له الجهبذ:إنّك لم تبع بزا.قال له شريك:بلى و اللّه!لقد بعت أكبر من البز،لقد بعت ديني (1)
مروج الذهب 3:310. [1]
.الخطبة(124)
و من كلام له ع- لما عوتب على التسوية في العطاء:
أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ- فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ- وَ اللَّهِ مَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ- وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً- وَ لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ- فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ- أَلاَ وَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَ إِسْرَافٌ- وَ هُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا- وَ يَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ- وَ يُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَ يُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ- وَ لَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ لاَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ- إِلاَّ حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ- وَ كَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ- فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً- فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ
1) 1)
فَشَرُّ خَدِينٍ وَ أَلْأَمُ خَلِيلٍ الخطبة(140) و من كلام له عليه السلام:
وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ- وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ إِلاَّ مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ- وَ ثَنَاءُ الْأَشْرَارِ وَ مَقَالَةُ الْجُهَّالَ- مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ- وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بَخِيْلٌ- فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ- وَ لْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ وَ لْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَ الْعَانِيَ- وَ لْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَ الْغَارِمَ- وَ لْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَ النَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ- فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا- وَ دَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أقول:الأصل فيهما ما رواه الكافي الكليني-الكافي-كتاب الزكاة باب وضع المعروف موضعه ج 4 ص 31 ح 3 في(كتاب زكاته)في باب وضع المعروف موضعه مسندا عن أبي مخنف قال:أتى أمير المؤمنين عليه السلام رهط من الشيعة فقالوا:لو أخرجت هذه الأموال،ففرّقتها في هؤلاء الرؤساء و الأشراف و فضّلتهم علينا،حتى إذا استوسقت الامور عدت إلى أفضل ما عوّدك اللّه من القسم بالسوية و العدل في الرعية.فقال عليه السلام:أ تأمروني و يحكم أن أطلب النصر بالظلم و الجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام،لا و اللّه لا يكون ذلك ما سمر السمير،و ما رأيت في السماء نجما،و اللّه لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم فكيف و إنّما هي أموالهم.
ثم أرم ساكتا طويلا ثم رفع رأسه فقال:من كان فيكم له مال،فإيّاه و الفساد،فإنّ أعطاءه في غير حقّه تبذير و إسراف،و هو يرفع ذكر صاحبه في النّاس و يضعه عند اللّه،و لم يضع امرؤ ماله فى غير حقّه و عند غير أهله إلاّ حرمه اللّه شكرهم،و كان لغيره ودّهم،فإن بقي معه منهم بقيّة ممّن يظهر الشكر له و يريه النّصح فإنّما ذلك ملق منه و كذب،فإن زلّت بصاحبهم النّعل
ثمّ احتاج إلى معونتهم و مكافأتهم فآلم خليل و شرّ خدين،و لم يضع امرؤ ماله في غير حقّه و عند غير أهله إلاّ لم يكن له من الحظّ فيما أتى إلاّ محمدة اللئام و ثناء الأشرار ما دام عليه منعما مفضلا،و مقالة الجاهل ما أجوده!و هو عند اللّه بخيل،فأيّ حظ أبور و أخسر من هذا الحظ؟و أي فائدة معروف أقلّ من هذا المعروف؟فمن كان منكم له مال فليصل به القرابة و ليحسن منه الضيافة و ليفكّ به العاني و الأسير و ابن السبيل،فإنّ الفوز بهذه الخصال مكارم الدنيا و شرف الآخرة-و روى تحف العقول ابن أبي شعبه-تحف العقول-ص 185 لابن أبي شعبه،مثله (1)
الكافي 4:31 ح 3،و [1]تحف العقول:185. [2]
.و ما رواه( أمالي الشيخ المفيد-الامالي-ص 175 ح 6،المجلس 22 المفيد)بإسناده عن الثقفي بإسناده عن المدائني بإسناده عن ربيعة و عمارة و غيرهما:إنّ طائفة من أصحاب علي عليه السلام مشوا إليه عند تفرّق النّاس عنه و فرار كثير منهم إلى معاوية طلبا لما في يديه من الدّنيا،فقالوا له:اعط هذه الأموال،و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم،و من تخاف خلافه عليك من النّاس و فراره إلى معاوية.
فقال عليه السلام لهم:أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور،لا و اللّه لا أفعل ما طلعت شمس و لاح في السماء نجم،و اللّه لو كانت أموالهم لي لواسيت بينهم فكيف و إنّما هي أموالهم!ثم أرم عليه السلام طويلا ساكتا ثم قال:من كان له مال فإيّاه و الفساد،فإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير و إسراف،و هو و إن كان ذكرا لصاحبه في الدنيا فهو يضعه عند اللّه عزّ و جلّ،و لم يضع رجل ماله في غير حقّه و عند غير أهله إلاّ حرمه اللّه تعالى شكره،و كان لغيرهم ودّه،فإن بقي معه من يؤدّه و يظهر له الشّكر فإنّما هو ملق و كذب يريد التقرّب به إليه لينال منه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل،فإن زلت بصاحبه النّعل و احتاج إلى معونته أو مكافأته،فشرّ خليل و ألأم خدين،و من صنع المعروف فيما آتاه اللّه
1) 1)
فليصل به القرابة و ليحسن فيه الضيافة و ليفكّ به العاني و ليعن به الغارم و ابن السبيل و الفقراء و المجاهدين في سبيل اللّه و ليصبّر نفسه على النوائب و الخطوب،فإن الفوز بهذه الخصال أشرف مكارم الدنيا و درك فضائل الآخرة.و روى كتاب( غارات الثقفي-الغارات-ج 1 ص 74 الثقفي)مثله (1)
أمالي المفيد:175،ح 6،المجلس 22،و الغارات 1:74،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في( تاريخ خلفاء ابن قتيبة-الامامة و السياسة-ج 1 ص 153 ابن قتيبة)-بعد ذكر ترغيبه عليه السلام النّاس للعود إلى صفين و تثبّطهم-قام رجال من أصحابه فقالوا:اعط هؤلاء هذه الأموال، و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي ممّن يتخوّف خلافه على النّاس و فراقه،و إنّما قالوا له هذا للذي كان معاوية يصنعه لمن أتاه،و إنّما عامّة النّاس همّهم الدّنيا،و لها يسعون و فيها يكدحون،فاعط هؤلاء الأشراف فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم.فقال عليه السلام:
أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام،فو اللّه لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم،و اللّه لو كان لهم لسوّيت بينهم فكيف و إنّما هي أموالهم (2).
قول المصنف في الأوّل : «و من كلام له عليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)،و زاد(ابن أبي الحديد)عليه «و تصييره النّاس أسوة في العطاء من غير تفضيل أولى السابقات و الشرف» (3)،لكن الظاهر كونه حاشية خلط بالمتن،إما في نسخة نهجه أو نسخة الشرح.
و كيف كان فعدله عليه السلام في القسمة بالسويّة و عدم إعطائه من ليس بذي
حقّ كان سبب نفرة النّاس عنه عليه السلام.روى الطبري في(ذيله)عن عطاء،قال:
قال رجل لأبي عبد الرحمن السّلمي:أنشدك اللّه متى أبغضت عليّا عليه السلام،أليس حين قسّم قسما بالكوفة فلم يعطك و لا أهل بيتك؟قال:أمّا إذا نشدتني اللّه، فنعم (1)
منتخب ذيل المذيل:147.
.كما إنّ سبب تقدّم معاوية و المتقدّمين عليه السلام مصانعة النّاس على خلاف الدين،فقد ذكر نصر بن مزاحم في(صفّينه)أنّه:أتى ابن مسروق العكي إلى معاوية في صفّين فقال له:اجعل لنا فريضة ألفي رجل في ألفين و من هلك فابن عمّه مكانه لنقرّ اليوم عينك!قال:ذلك لك (2).
و لما اشترطت عك و الأشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة و العطاء،فأعطاهم،لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض،إلاّ طمع في معاوية و شخص بصره إليه،حتى فشا ذلك،و بلغ ذلك عليّا عليه السلام فساءه-إلى أن قال-قال معاوية:و اللّه لأستميلنّ بالأموال أهل ثقات علي،و لأقسمنّ فيهم المال حتّى تغلب دنياي على آخرته.
و روى المدائني-كما نقله ابن أبي الحديد في شرح«و من خطبة له عليه السلام في استنفار النّاس»-عن فضيل بن الجعد قال:آكد الأسباب في تقاعد العرب عنه عليه السلام أمر المال،فإنّه لم يكن يفضّل شريفا على مشروف و لا عربيا على عجمي،و لا يصانع الرؤساء،و أمراء القبائل كما يصنع الملوك،و لا يستميل أحدا إلى نفسه،و كان معاوية بخلاف ذلك،فترك النّاس عليّا عليه السلام و التحقوا بمعاوية،فشكا علي عليه السلام ذلك إلى الأشتر فقال له الأشتر:إنّا قاتلنا أهل البصرة و رأي النّاس واحد،و قد اختلفوا بعد و تعادوا و ضعفت النيّة و قلّ العدد،و أنت
تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحقّ،و تنصف الوضيع من الشريف،فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع،فضجّت طائفة ممّن معك من الحقّ إذ عموا به و اغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه،و رأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء و الشرف فتاقت أنفس النّاس إلى الدنيا و قلّ من ليس للدنيا بصاحب، و أكثرهم يجتوي الحقّ و يشتري الباطل و يؤثر الدّنيا،فإن تبذل المال تميل إليك أعناق الرجال و تصفو نصيحتهم لك.
فقال عليه السلام:أما ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل،فإن اللّه تعالى يقول:
«مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ» (1)
فصلت:46. [1]
و أنا من أن أكون مقصّرا فيما ذكرت أخوف.و أما ما ذكرت من أن الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك،فقد علم اللّه أنّهم لم يفارقونا من جور و لا لجئوا إذ فارقونا إلى عدل،و لم يلتمسوا إلاّ دنيا زائلة عنهم كانوا فارقوها،و ليسئلنّ يوم القيامة آلدّنيا أرادوا أم للّه عملوا.
و أما ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرجال فإنّه لا يسعنا أن نؤتي أمرا من الفيء أكثر من حقّه و قد قال سبحانه-و قوله الحقّ- «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَ اللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ» (2)،و قد بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وحده فكثّره بعد القلّة و أعزّ فئته بعد الذلّة،و إن يرد اللّه أن يولّينا هذا الأمر يذلّل لنا صعبه و يسهّل لنا حزنه،و أنا قابل من رأيك ما كان للّه عزّ و جلّ رضا،و أنت من آمن النّاس عندي و أنصحهم و أوثقهم في نفسي إن شاء اللّه (3).
و روى الإسكافي في(نقض عثمانيّته)-و قد نقله ابن أبي الحديد في
شرح قوله عليه السلام«دعوني و التمسوا غيري»-إنّه عليه السلام قال بعد بيعة النّاس له و خطبته:ألا،لا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدّنيا فاتخذوا العقار و فجّروا الأنهار و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الروقة،فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه و أصرتهم إلى حقوقهم التي كانوا يعلمون،فينقمون ذلك و يستنكرون-حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.ألا و أيّما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته،فإنّ الفضل النير غدا عند اللّه و ثوابه و أجره على اللّه.و أيّما رجل استجاب للّه فصدّق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا،فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده،فأنتم عباد اللّه،و المال يقسم بينكم بالسوية،لا فضل فيه لأحد على أحد،و للمتقين غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب،لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجرا و ثوابا و ما عند اللّه خير للأبرار.و إذا كان غدا فاغدوا علينا،فإنّ عندنا مالا نقسّمه فيكم و لا يتخلفنّ منكم أحد عربي و لا عجمي،كان من أهل العطاء أو لم يكن إذا كان مسلما حرّا.
قال:و كان هذا أوّل ما أنكروه من كلامه،و أورثهم الضغن عليه، و كرهوه من القسم بالسويّة،فلمّا كان من الغد غدا و غدا النّاس لقبض المال.
فقال لعبيد اللّه ابن أبي رافع(كاتبه)ابدأ بالمهاجرين،فنادهم و أعط كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير،ثمّ ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك،و من يحضر من النّاس كلّهم الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك.فقال سهل بن حنيف:هذا غلامي بالأمس و قد اعتقته اليوم.فقال عليه السلام:نعطيه كما نعطيك!فأعطى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير و لم يفضّل أحدا على أحد.
و تخلّف عن هذا القسم يومئذ طلحة و الزبير و ابن عمر و سعيد بن العاص و مروان و رجال من قريش و غيرها،و سمع عبيد اللّه بن أبي رافع ابن الزبير يقول لأبيه و لطلحة و مروان و سعيد:ما خفي علينا أمس من كلام علي
ما يريد.فقال سعيد-و التفت إلى زيد بن ثابت-إيّاك أعني و اسمعي يا جارة فقال ابن أبي رافع لسعيد و ابن الزبير:إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه «وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ» (1)
الزخرف:78. [1]
ثم أخبر عليّا عليه السلام بذلك فقال:و اللّه إن بقيت و سلمت لهم لاقيمنهم على المحجّة البيضاء و الطريق الواضح-إلى أن قال-فقال عمار و أبو الهيثم و أبو أيوب و سهل بن حنيف له عليه السلام:أنظر في أمرك و عاتب قومك هذا الحي من قريش،فانّهم قد نقضوا عهدك و اخلفوا وعدك،و قد دعونا في السير إلى رفضك،و ذلك لأنّهم كرهوا الاسوة و فقدوا الأثرة،و لما آسيت بينهم و بين الأعاجم أنكروا و استشاروا عدوّك و عظّموه و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة و تألّفا لأهل الضلالة.فخرج علي عليه السلام فدخل المسجد و صعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري،متقلّدا سيفا متوكّيا على قوس،فقال:«هذا كتاب اللّه بين أظهرنا و عهد رسول اللّه و سيرته فينا،لا يجهل ذلك إلاّ جاهل،عامد عن الحقّ،منكر،قال تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (2)ثم صاح بأعلى صوته،أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول فإن توليتم فإنّ اللّه لا يحبّ الكافرين.
ثم قال:يا معشر المهاجرين و الأنصار،أتمنّون على اللّه و رسوله بإسلامكم بل اللّه يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين.ثم قال:أنا أبو الحسن-و كان يقولها إذا غضب-إلى أن قال:فأمّا هذا الفىء فليس لأحد على أحد فيه أثرة و قد فرغ اللّه من قسمته فهو مال اللّه،و أنتم عباد اللّه
المسلمون!و هذا كتاب اللّه به أقررنا و له أسلمنا و عهد نبينا بين أظهرنا،فمن لم يرض به فليتولّ كيف شاء،فانّ العامل بطاعة اللّه و الحاكم بحكم اللّه لا وحشة عليه-إلى أن قال-:قال عليه السلام لطلحة و الزبير في جملة كلام طويل-فما الذي كرهتما من أمري حتّى رأيتما خلافي؟قالا:خلافك عمر بن الخطاب في القسم،إنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا و سوّيت بيننا و بين من لا يماثلنا فيما أفاءه اللّه تعالى بأسيافنا و رماحنا و أوجفنا عليه بخيلنا،و ظهرت عليه دعوتنا و أخذناه قسرا عمّن لا يرى الإسلام إلاّ كرها.فقال عليه السلام لهما:أما القسم و الاسوة،فان ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء،و قد وجدت أنا و أنتما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحكم بذلك و كتاب اللّه ناطق به،و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد،و أمّا قولكما جعلت فيئنا و ما أفاءته سيوفنا و رماحنا سواء بيننا و بين غيرنا،فقديما سبق إلى الاسلام قوم و نصروه بسيوفهم و رماحهم،فلا يفضّلهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في القسم و لا آثرهم بالسّبق،و اللّه سبحانه موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم،و ليس لكما و اللّه عندي و لا لغير كما إلاّ هذا (1)
شرح ابن أبي الحديد 7:37-42،و [1]النقل بتصرف يسير.
.قوله عليه السلام «أ تأمروني أن أطلب النصر» على الأعداء «بالجور في من ولّيت عليه» بأن أعطي مال الضعفاء للأقوياء.كلامه هذا دالّ على أن عدم التسوية جور و ظلم،و أنّ إحداث عمر لذلك أحد بدعه في الدين،خلافا لكتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما عرفت تفصيله،و إنّ طلحة و الزبير قالا له خالفت في ذلك عمر،فقال عليه السلام بأنّه لم يكن أوّل من خالف عمر،بل خالفه قبله كتاب اللّه تعالى و سنّة رسوله،إلاّ أنّه أين من ألقى السمع و هو شهيد؟ و من العجب هنا قول ابن أبي الحديد إنّ رأي علي و أبي بكر في المسألة
1) 1)
واحد و إليه ذهب الشافعي،و أمّا عمر ففضّل السابقين على غيرهم،و مهاجري قريش على غيرهم،و المهاجرين على الأنصار،و العرب على العجم،و الصريح على المولى،و قد كان عمر أشار على أبي بكر أيام خلافته بذلك،فلم يقبل أبو بكر،فعمل عمر بها في أيّامه.و ذهب كثير من الفقهاء إلى قول عمر،و للإمام أن يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده،و إن كان اتّباع علي عندنا-لا سيما إذا عضدته موافقة أبي بكر-أولى،و إن صحّ أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سوّى فقد صارت المسألة منصوصا عليها لأنّ فعل النبي كقوله.
فإن كان فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التسوية ممّا لا ريب فيه،و قد كان أمير المؤمنين عليه السلام يستدل به من يوم قام بالأمر إلى يوم وفاته،فكيف فكانوا يطلبون ذلك منه مرّة بعد اخرى يوم بايعوه،و في الجمل و صفين،و بعدهما و الأخبار في طلبهم المتكرّر منه بذلك متواترة،و قد عرفت رواية الإسكافي أنّه عليه السلام لما قال لطلحة و الزبير ما الذي نقمتما علي؟فقالا له:خلافك عمر في القسم،قال عليه السلام لهما:قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحكم بذلك.
و لكون حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فعله بالتسوية واضحين لم يجترئ أبو بكر على المخالفة مع إشارة عمر عليه بذلك و خاف طعن النّاس عليه،كما أن حكم الكتاب بذلك أيضا واضح و قد مرّت آياته.
و ذكر(تاريخ اليعقوبي)أنّه بعد فتحه عليه السلام يوم الجمل ما نصّه:و أعطى علي عليه السلام النّاس بالسوية لم يفضّل أحدا على أحد،و أعطى الموالي كما أعطى الصليبة،و قال قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لولد اسماعيل على ولد إسحق فضل-هذا و أشار إلى عود أخذه من الأرض فوضعه بين أصبعيه (1)
تاريخ اليعقوبي 2:183. [1]
.و لم ينحصر اجتهاد فاروقهم في مقابل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مسألة
1) 1)
التسوية،بل اجتهد في مقابل قوله حين وفاته«إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم ما لا تضلّوا بعده أبدا»بأن طلبه لدواة و صحيفة هجر و هذيان (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1:32 و 4:7 و 271،و مسلم في صحيحه 3:1259 ح 22 و غيرها.
،كما اجتهد هو و صدّيقهم في قبال قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«جهّزوا جيش أسامة لعن اللّه من تخلّف عنه» (2)بأنّا لا تطيب أنفسنا أن نفارقه و نسأل عنه الركبان! و لعمر اللّه!إنّ دين إخواننا،دين أبي بكر و عمر،لا دين اللّه و دين رسوله، لأنهم دائرون مدارهما،فما قبلاه من الكتاب و السنّة يقبلوه و ما خالفاه منهما يخالفوه!أ ليس الثاني قال لهم«متعتان كانتا على عهد النبي و أنا احرّمهما» (3)فحرّموهما؟ و لأنّهم على دينهما دون دين اللّه و كتابه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكترثوا بأقواله عليه السلام و ان خالفا الكتاب و السّنّة على وجه العموم أو الخصوص،فلقد طوى عليه السلام كشحه عن حقّه الثابت بصريح العقل و صحيح النقل يوم الشورى لمّا اشترطوا عليه سنّة الرجلين لينبّههم على حقيقة الأمر،و كذلك أفصح عليه السلام عن الأمر في بيعة أصحابه الثانية معه بعد انفصال الخوارج عنهم،فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي-و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم-فقال له:بايع على كتاب اللّه و سنّة رسوله،و على سنّة أبي بكر و عمر.فقال عليه السلام له:ويلك!لو أن أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله لم يكونا على شيء.ثم قال له:أما و اللّه لكأنّي بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت،و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها.فقتل يوم النهر و قد وطأته
الخيل و سوّته بالأرض كما في(تاريخ الطبري)و(الخلفاء) (1)
تاريخ الطبري 4:56،سنة 37،و [1]الإمامة و السياسة فاطر 1:146.
،إلاّ أنّه عليه السلام و إن بيّن في أكثر من موضع،و لكنّ اللّه تعالى قال لنبيّه: «وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (2).هذا،و روى الصولي في(أدب كتّابه)تفصيل تفضيله عن عوانة،و تسميته أزواج النبي آله،و تفضيل عائشة على البواقي لكونها المؤسسة لأمرهم و إمارتهم،و جعل أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو كنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كبني اميّة أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جعل بني امية أقارب النبي كبني هاشم.ففي خبره ثم كثر المال على عمر فقالوا:بمن تبدأ؟قال:أشيروا علي.فقالوا:ابدأ بنفسك.فقال:بل بآل رسول اللّه.فكتب عائشة في اثني عشر ألفا في كلّ سنة!و كتب سائر أزواج النبي في عشرة آلاف لكلّ واحدة،و كتب بعد ازواج النبي عليّا في خمسة آلاف و من شهد بدرا من بني هاشم و من مواليهم،ثم كتب عثمان بن عفّان في خمسة آلاف و من شهد بدرا من بني امية و مواليهم على حدّ سواء.
ثم قال:قد بدأت بآل النبي و أقاربه،فبمن ترون أن نبدأ بعدهم؟قالوا:
بنفسك.قال:بل بآل أبي بكر.فكتب طلحة في خمسة آلاف و بلالا في مثلها.
ثم قال للناس:بمن أبدأ؟قالوا:بنفسك.قال:صدقتم فكتب لنفسه!و لمن شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف خمسة آلاف،ثم كتب لمن شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف،فقالوا:قد قصّرت بنا عن إخواننا المهاجرين.قال:لا أجعل الذين قال تعالى:
«لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ»
«اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ» (1)
الحشر:8. [1]
كمن كانت الهجرة في داره،فرضوا.ثم كتب لمن شهد أحدا بثلاثة آلاف لكلّ واحد منهم،ثم فرض لمن شهد فتح مكة في ألفين ألفين.
و يظهر من التدبّر فيه امور أشرنا إلى بعضها:منها أنّ قوله«ابدأ بآل الرسول»كان إنكارا لآل الرسول و حطّا لمرتبتهم و سترا لفضائلهم،فهل عائشة و كذا ابنته اللتان قال تعالى فيهما «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» (2)و قال جلّ و علا فيهما: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ» (3)هما آل الرسول،دون أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفس الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنصّ القرآن و تصريح الرسول،و دون الحسنين عليهما السلام اللذين هما ابنا النبي بنصّ القرآن،و أقرب الخلق إلى اللّه منذ طفولتيهما حيث باهل بهما،و سيدا شباب أهل الجنّة في متواتر قول النبي (4)فأعطى عائشة اثنى عشر و ابنته عشرا و أمير المؤمنين عليه السلام خمسا،فعل ذلك بعائشة شكرا لها على فعلها لتمهيدها الأمر له و لصاحبه يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،كما مهّد هو لها برفع درجتها و كونها من آل رسول اللّه ممّا جرّأها على أن تقوم يوم الجمل في مقابل أمير المؤمنين عليه السلام،كما انّه جعل بني اميّة كبني هاشم في كونهما من أقارب النبي تمهيدا لانتقال الأمر إلى عثمان إلى السفيانية ثم إلى المروانية،كما انّه جمع
1) 1)
2) 2) التحريم:4،و [2]قد أضاف(عمر)واوا عليها.
3) 3) التحريم:10. [3]
4) 4) قوله تعالى في آل عمران:61،و حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنّة»الذي أخرجه الترمذي في سننه 5:656 و 660 ح 3768 و 3781،و ابن ماجة في سننه 1:44 ح 118،و الحاكم في المستدرك 3:166 و 167،و [4]غيرهم.
يوم الشورى بينه عليه السلام-و هو أوّل مجاهد عن اللّه تعالى و رسوله-و بين عثمان و هو أوّل محام عن بني اميّة أعداء اللّه و أعداء رسوله و أعداء دينه-لكونهما من بني عبد مناف.
ثمّ لم حط الأنصار عن المهاجرين و كانا كفرسي رهان،قال تعالى فيهما:
«وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ» (1)
التوبة:100. [1]
«لَقَدْ تابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ» (2)،فإن فضّل المهاجرين لما تلاه،فقد قال تعالى في الأنصار: «وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (3).ألم يقل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم حنين لما بذل غنائم حنين في المؤلفة من قريش و غيرهم،و لم يعط الأنصار شيئا،فوجدوا في أنفسهم حتى قال بعضهم:
لقي رسول اللّه قومه،فأمر سعد بن عبادة فجمعهم و قال لهم:مقالة بلغتني عنكم و موجدة وجدتموها في أنفسكم ألم آتكم ضلاّلا فهداكم اللّه و عالة فأغناكم اللّه و أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم؟قالوا:بلى.فقال:ألا تجيبوني؟ قالوا:و بماذا نجيبك-و للّه و لرسوله المنّ و الفضل-قال:أما و اللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم و لصدّقتم،أتيتنا مكذّبا فصدقناك،و مخذولا فنصرناك، و طريدا فآويناك،و عائلا فآسيناك،وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا،و وكلتكم إلى اسلامكم،أفلا
ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس بالشاء و البعير و ترجعون برسول اللّه إلى رحالكم،فو الذي نفس محمّد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار،و لو سلك النّاس شعبا،و سلكت الأنصار شعبا،لسلكت شعب الأنصار،اللّهمّ ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار.فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم و قالوا:رضينا برسول اللّه قسما و حظا-إلخ (1)
رواه الواقدي في المغازي 2:956،و [1]ابن هشام في السيرة 4:106،و [2]الطبري في تاريخه 3:361 سنة 8،و [3]النقل بتصرف يسير.
-.و قال صلّى اللّه عليه و آله في الأنصار ما لم يقله في المهاجرين،فلو اريد الترجيح كان الترجيح لهم،و قد كان أبو بكر مقرّا لهم بذلك-ففي صدر خبر عوانة الذي رواه الصولي«إنّ مالا من البحرين جاء إلى أبي بكر فساوى فيه بين النّاس، فغضبت الأنصار و قالوا له:فضّلنا.فقال لهم:صدقتم،إن أردتم أن أفضلكم فقد صار ما عملتم للدنيا.و اللّه يا معشر الأنصار لو شئتم أن تقولوا:إنّا آويناكم و شاركناكم في أموالنا و نصرناكم بأنفسنا لقلتم،و إنّ لكم من الفضل ما لا نحصيه عددا-الخبر-.
مع إنّ قول عمر«لا أجعل من قال اللّه فيه ما قال،كمن كانت الهجرة في داره»مغالطة،فهل كانت هجرة المهاجرين إلاّ فرارا من شدّة كانوا فيها و هو أمر يفعله جميع النّاس،إلاّ أنّ ما فعله الأنصار من إشراك المهاجرين في أموالهم و ديارهم لا يفعله إلاّ الأوحدي من النّاس،مع أنّ الآية التي تلاها إنّما هي: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ» (2)،و هو أراد تفضيل الأغنياء ابن عوف و طلحة و الزبير و عثمان و نظرائهم،إلاّ إنّه حرّف الآية إثباتا لهواه فقال «للفقراء و المهاجرين».
لكن عمل معهم ذاك العمل لأن رئيسهم،سعد بن عبادة،لم يبايعهم و كان هواهم مع أمير المؤمنين عليه السلام،حتى أراد هو و صاحبه ألا يوليا أحدا منهم لذلك.ففي تاريخ اليعقوبي-بعد ذكر مشورة أبي بكر مع عمرو بن العاص في خروج طليحة عليه،و وصف عمرو له رجالا من قريش للإمارة لدفعه، و لا سيما،خالد بن الوليد و تركه ذكر الأنصار-فقام ثابت بن قيس الأنصاري و قال:يا معشر قريش،أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له،أما و اللّه ما نحن عميا عمّا نرى و لا صمّا عمّا نسمع،و لكن أمرنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالصبر،فنحن نصبر.و قام حسّان فقال:
يا للرجال لخلفة الأطوار و لما أراد القوم بالأنصار
لم يدخلوا منّا رئيسا واحدا يا صاح في نقض و لا امرار (1)
تاريخ اليعقوبي 2:129. [1]
«و اللّه ما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«لا»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«أطور به» أي:لا أحوم حوله و لا أدنو منه «ما سمر سمير» قال الجوهري:السمر:اسم الحديث بالليل«و لا أفعله السمر و القمر»أي:ما دام النّاس يسمرون في ليلة قمراء (3).و قال ابن دريد:«لا اكلّمه السمر و القمر»أي:ما أظلم الليل و طلع القمر،ثمّ كثر في كلامهم حتى سموا الليل و النّهار ابني سمير،و من أمثالهم«لا أكلّمه ما سمر ابنا سمير»أي:ما اختلف الليل و النّهار (4).
«و ما أمّ» أي:قصد «نجم في السماء نجما» و قال بعض المتأخرين«لا أفعله ما طلع النجم في الخضراء و نجم الطلع في الغبراء».
و قال زهير:
و لو لا ظلمة ما زلت أبكي سجيس الدهر ما طلع النجوم
و الجملتان في كلامه عليه السلام «ما سمر سمير و ما أمّ نجم نجما» كنايتان عن الدّوام،و نظيرهما في الكناية عنه قولهم«سجيس عجيس»و قولهم«ما غبا غبيس»،قال:
فاقسمت لا آتي ابن ضمرة طائعا سجيس عجيس ما أبان لساني
أيضا:
و في بني أمّ زبير كيس على الطعام ما غبا غبيس (1)
أوردها لسان العرب 6:104 و 153، [1]مادة(سجس)و(غبس).
«لو كان المال لي لسوّيت بينهم فكيف و إنّما المال مال اللّه» يعني إنّه عليه السلام لا يرتكب ما يكون خلاف المروة و مكارم الأخلاق مع إباحته،فكيف يمكن ارتكابه محظورا من اللّه تعالى في شريعته .
«ألا و إنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير» و الأصل فيه بذر الحبّ في الأرض، و قال تعالى: «وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» (2).
«و إسراف» «وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (3)قيل الأصل فيه «سرف»إذا أكلته السرفة،يقال:يفعل السرف بالنشب،ما يفعل الشرف بالخشب .
«و هو» أي:إعطاء المال في غير حقّه «يرفع صاحبه في الدنيا» عند أهلها كما فعل عمر «و يضعه في الآخرة» لمسؤوليته،ثمّة «و يكرمه في النّاس و يهينه
عند اللّه» فعثمان تبع عمر في التفضيل و زاد عليه بما لا حساب له،فلذا كانت قريش تحبّه حبّ العاشق للمعشوق.قال الشاعر:
أحبك آن و الرحمن حبّ قريش عثمان
«و لم يضع امرؤ ماله في غير حقّه و لا عند» هكذا في(المصرية)و الصواب:
«و عند»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 8:109، [1]لكن في شرح ابن ميثم 3:131 [2] نحو المصرية.
«غير أهله إلاّ حرمه اللّه شكرهم و كان لغيره ودّهم» كما أنّ من لم يضع ماله في حقّه و عند أهله اضطره اللّه أن يضع أضعافه في غير محلّه،فمن لم ينفق درهما في حقّ ينفق درهمين في باطل .«فان زلّت به النّعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشرّ خدين» أي:صديق «و ألأم خليل» كما في أعطية عثمان لطلحة و غيره،ففي(تأريخ الطبري):لمّا حصر النّاس عثمان كان أشدّ النّاس عليه طلحة،و قد كان وهب له خمسين ألفا» (2).
هذا،و قد عرفت ممّا نقلنا من أسانيد العنوان أنّ الثاني جزء الأوّل و تتمّته.
قوله عليه السلام في الثاني «و ليس لواضع المعروف في غير حقّه و عند غير أهله من الحظّ» أي:النصيب «إلاّ» هكذا في(المصرية)،و فيها سقط و الأصل«فيما أتى إلاّ»كما يشهد به(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)«محمدة» أي:
حمد «اللئام و ثناء الأشرار و مقالة» أي:قول «الجهال ما دام منعما عليهم» و لم يتخلّله قطع «ما أجود يده» مقول المقالة،أي:الجهال يقولون ما أجوده ما دام لم يقطع عنهم يده .
«و هو عن ذات اللّه بخيل» قد عرفت أنّ(الكافي)نقله«و هو عند اللّه بخيل» (4)،
و أما على رواية المصنف فالمراد أنّه و إن كان في لسان الجهال و الأرذال جوادا،إلاّ أنّه من قبل اللّه تعالى معدود في البخلاء لبخله بحقّ اللّه،فأجود النّاس من أدّى حقوق اللّه و إن كان ممسكا في غيرها،و أبخل النّاس من منع حقوق اللّه و إن كان في غاية الإسراف و التبذير للدّنيا،كما أنّ أعبد النّاس من أقام الفرائض،و أورع النّاس من تنكب المحارم .
«فمن آتاه اللّه مالا فليصل به القرابة» ،روى(الكافي):أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام لمّا حضرته الوفاة أغمي عليه فأفاق،فقال:أعطوا الحسن بن علي بن الحسين -و هو الأفطس-سبعين دينارا،فقيل له:أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة (يريد أن يقتلك).فقال:تريدون ألاّ أكون من الذين قال تعالى: «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» (1)
الرعد:21. [1]
،إن اللّه تعالى خلق الجنّة و طيّبها،و طيّب ريحها،و إن ريحها لتوجد من مسيرة ألفي عام،و لا يجد ريحها عاقّ و لا قاطع رحم.و عنه عليه السلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الصدقة بعشر،و القرض بثمانية عشر،و صلة الإخوان بعشرين،و صلة الرحم بأربعة و عشرين (2).
«و ليحسن منه الضيافة» روى(ثواب الأعمال)عن عبد اللّه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّه عليه السلام:من أطعم مسلما حتّى يشبعه لم يدر أحد من الخلق ماله من الأجر في الآخرة،لا ملك مقرب و لا نبي مرسل إلاّ اللّه ربّ العالمين.ثم قال:من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان.ثمّ تلا قوله تعالى: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ» (3).
و عن الصادق عليه السلام:من أطعم ثلاثة نفر من المؤمنين أطعمه اللّه من ثلاث جنان ملكوت السماوات:الفردوس،و جنّة عدن،و طوبى، شجرة من جنّة عدن.
و عنه عليه السلام:من أطعم أخا في اللّه كان له من الأجر مثل ما أطعم فئاما من النّاس-أي مائة ألف-.
و عن السجاد عليه السلام:من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنّة،و من سقى مؤمنا من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم،و من كسا مؤمنا كساه اللّه من الثياب الخضر (1)
ثواب الأعمال:164 و 165.
.«و ليفكّ به الأسير و العاني» أي:المحبوس.قال الجوهري:عناه حبسه، و عنى فيهم أسيرا أي أقام فيهم على إسارة و احتبس (2).و قال ابن دريد:
العنو مصدر عنا يعنو إذا ذل،و منه اشتقاق العنوة،و فسر قوله تعالى:
«وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» (3)من هذا،و من تسميتهم الأسير عانيا -إلخ (4)-.
و قول ابن أبي الحديد:العاني الأسير بعينه و إنّما اختلف اللفظ (5)،غلط، فالعاني أعمّ و الأصل فيه الذليل،فيراد منه المحبوس كما يراد منه الأسير، و يمكن أن يراد بفكّ العاني فكّ رقبة تحت الشدّة و الذّلّة عند مولاه،و هو أحد مصارف الزكاة الثمانية،و عبر عنه الكتاب بلفظ «وَ فِي الرِّقابِ» (6).
«و ليعط منه الفقير و الغارم» أي:المديون،و إعطاء الفقير و الغارم أيضا من مصارف الزكاة الثمانية.
و الظاهر أنّه عليه السلام أراد الأعمّ من الزكاة الواجبة،كما روى(الكافي)عن أبي بصير،قال:كنّا عند أبي عبد اللّه و معنا بعض أصحاب الأموال،فذكروا الزكاة فقال عليه السلام:إنّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها،و إنّما هو شيء ظاهر، إنّما حقن بها دمه و سمّي بها مسلما،و لو لم يؤدّها لم تقبل له صلاة،و إنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة.فقلت:و ما علينا غيرها؟فقال:سبحان اللّه، أما تسمع اللّه تعالى يقول: «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» (1)
المعارج:24-25. [1]
.قلت:ما المعلوم الذي علينا؟قال:هو الشيء الذي يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر،غير أنّه يدوم عليه،و قوله تعالى: «وَ يَمْنَعُونَ الْماعُونَ» (2)هو القرض يقرضه و المعروف يصطنعه و متاع البيت يعيره و منه الزكاة.قلت:فقوله تعالى «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً» (3)؟قال:ليس من الزكاة.قلت:قوله تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً» (4).قال:ليس من الزكاة،و صلتك قرابتك ليس من الزكاة (5).«و ليصبّر نفسه على الحقوق و النوائب ابتغاء» أي:لطلب «الثواب» روى (الكافي)عن أبي بصير قلت له عليه السلام:أيّ الصدقة أفضل؟قال:جهد المقل،أما
سمعت قوله تعالى: «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» (1)
الحشر:9. [1]
.و عن الصادق عليه السلام:أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وفد من اليمن و فيهم رجل كان أعظمهم كلاما و أشدّهم استقصاء في حاجة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فغضب حتى التوى عرق الغضب بين عينيه و تربّد وجهه و أطرق إلى الأرض،فأتاه جبرئيل فقال:ربّك يقرؤك السلام و يقول لك:هذا رجل سخيّ يطعم الطعام،فسكن عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الغضب و رفع رأسه و قال:لو لا أن جبرئيل أخبرني عن اللّه تعالى أنّك سخيّ تطعم الطعام لشرّدت بك و جعلتك حديثا لمن خلفك،فقال له الرجل:و إنّ ربّك ليحبّ السخاء؟فقال:نعم.فقال:اني أشهد ألاّ إله إلا اللّه و أنّك رسول اللّه،و الذي بعثك بالحقّ لا رددت عن مالي أحدا (2).
«فان فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدين و درك فضائل الآخرة إن شاء اللّه» في (الكافي)عن الصادق عليه السلام:إنّ إبراهيم عليه السلام كان أبا أضياف،فكان إذا لم يكونوا عنده خرج يطلبهم،و أغلق بابه و أخذ المفاتيح يطلب الأضياف،و أنّه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدار،فقال:يا عبد اللّه بإذن من دخلت هذه الدار؟قال:دخلت بإذن ربّها-يردّد ذلك ثلاث مرات-فعرف إبراهيم عليه السلام أنّه جبرئيل،فحمد اللّه،ثم قال لإبراهيم:أرسلني ربّك إلى عبد من عبيده يتخذه خليلا،قال إبراهيم عليه السلام:فأعلمني من هو أخدمه حتى أموت.قال:فأنت هو.قال:و ممّ ذلك؟قال:لأنّك لم تسأل أحدا شيئا قط،و لم تسأل شيئا قط،فقلت:لا.
و عن الحارث الهمداني قال:سامرت أمير المؤمنين عليه السلام فقلت له:عرضت
لي حاجة.قال:فرأيتني لها أهلا.قلت:نعم.قال:جزاك اللّه عنّي خيرا!ثم قام إلى السراج فأغشاها و جلس،ثم قال:إنّما أغشيت السراج لئلا أرى ذلّ حاجتك في وجهك،فتكلّم فإنّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:الحوائج أمانة من اللّه في صدور العباد،فمن كتمها كتبت له عبادة،و من أفشاها كان حقّا على من سمعها أن يعينه.
و عن أبي جعفر عليه السلام:إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله،و وجّه لطلاّب المعروف الطلب إليهم و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة ليحييها و يحيى به أهلها،و إنّ اللّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف و فعاله، و حظر على طلاّب المعروف الطلب إليهم و حظر عليهم قضاءه كما يحرم الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها،و يهلك أهلها و ما يعفو اللّه أكثر.
و عن أبي عبد اللّه عليه السلام:قال أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له:فداك آباؤنا و أمهاتنا، إنّ أصحاب المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم فبم يعرفون في الآخرة؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ اللّه تعالى إذا أدخل أهل الجنّة الجنّة،أمر ريحا عبقة طيبة فلزقت بأهل المعروف،فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنّة إلاّ وجدوا ريحه فقالوا:هذا من أهل المعروف.
و عنه عليه السلام:إنّ للجنّة بابا يقال له المعروف،لا يدخله إلاّ أهل المعروف، و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة،يقال لهم:إنّ ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم (1)
هذه الاحاديث أخرجها الكليني في الكافي 4:24 ح 4 و 25 ح 2 و [1] 29 ح 1 و 2 و 30 ح 4 و 40 ح 6.
.1) 1)
الخطبة(230)
و من كلام له عليه السلام كلّم به عبد اللّه بن زمعة،و هو من شيعته،و ذلك أنّه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا،فقال عليه السلام:
إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَ لاَ لَكَ- وَ إِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَ جَلْبُ أَسْيَافِهِمْ- فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ- وَ إِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ قول المصنف : «و من كلام له عليه السلام كلّم به عبد اللّه بن زمعة» في(ذيل الطبري)عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي،و امّه قريبة الكبرى ابنة أبي اميّة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم،و امّها عاتكة بنت عبد المطلب (1)
منتخب ذيل المذيل:38.
.و في(العقد):أتى بعبد اللّه بن زمعة مسلم بن عقبة فقال له:بايع على أنّك خول ليزيد،يحكم في مالك و دمك و أهلك،فامتنع فقال:اضربوا عنقه،فوثب مروان فضمّه إليه و قال:نبايعك على ما أحببت،فقال:لا و اللّه،لا أقيلها إيّاه أبدا، إن تنحّى عنه و إلاّ فاقتلوهما جميعا،فتركه مروان و ضرب عنقه (2).
و هو إن لم يكن من تصحيف نسخة كتابه فتحريف منه،فإنّما قتل مسلم بن عقبة ابنه يزيد بن عبد اللّه بن زمعة،صرح به مصعب الزبيري في(نسب قريشه)،و ابن قتيبة في(خلفائه)،و(الطبري في تأريخه)،و غيرهم.
جاء في(نسب قريش):فلما مات مسلم بن عقبة متوجها إلى مكة لقتال ابن الزبير خرجت امّ ولد يزيد بن عبد اللّه-و هي ام ابنه يزيد بن يزيد-من ضيعة
كانت لهم على أميال من قديد،فنبشت مسلما فصلبته! و في(تاريخ الخلفاء):مات مسلم في الطريق فدفن في ثنية المشلل،فلما تفترق القوم عنه أتته ام ولد ليزيد بن عبد اللّه بن زمعة-و كانت من وراء العسكر تترقب موته-فنبشت عنه،فلما انتهت إلى لحده وجدت أسود من الأساود منطويا على رقبته فاتحا فاه فتهيّبته،ثم لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل.قال الضحّاك:فحدّثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال (1)
نسب قريش:222،و الامامة و السياسة 1:219،و [1]تاريخ الطبري 4:378 و 379،سنة 63،و انساب الاشراف 4 [2]ق 2:38.
.و بالجملة،لا ريب في قتل ابنه يوم الحرة دونه،كما أن قتله يوم الدار كما ذكره الجزري في(اسده)فقال:قتل عبد اللّه مع عثمان يوم الدار قاله أبو أحمد العسكري عن أبي حسان الزيادي (2)،و هم،فلم يذكره أحد،و يبطله قول المصنف: «قدم عليه عليه السلام في خلافته» و ما رواه من كلامه عليه السلام له،و الظاهر أنّ الزيادي أو العسكري توهما«عبد اللّه بن زمعة مولى عثمان»بهذا،فعن الشافي أنّ عثمان أمر ابن زمعة بإخراج ابن مسعود من المسجد عنيفا، فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه،و قال:و في رواية أنّ ابن زمعة الذي فعل بابن مسعود ما فعل كان مولى لعثمان أسود طوالا (3).
و كيف كان،ففي(نسب قريش الزبيري):و من ولد عبد اللّه بن زمعة،كبير بن عبد اللّه بن زمعة،جدّ أبي البختري وهب بن وهب قاضي الرشيد،و أمّ كبير زينب بنت أبي سلمة و امّها ام سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و من ولد عبد اللّه بن
زمعة أبو عبيدة ابن عبد اللّه بن زمعة،و هو الذي عنى الخارجي محمد بن بشير العدواني بقوله:
إذا ما ابن زاد الراكب لم يمس نازلا قفا صفر لم يقرب الفرش زائر (1)
نسب قريش:222. [1]
و في(الاستيعاب):جدّ عبد اللّه الأسود كان أحد المستهزئين بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذين قال تعالى فيهم: «إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (2)و أبوه زمعة قتل يوم بدر كافرا.
و روى عن عبد اللّه بن زمعة:إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذكر ناقة صالح فقال:انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة في قومه أي جدّه (3).
«و هو من شيعته» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)،و لكن في(ابن أبي الحديد)«و كان له شيعة» (4).
«و ذلك أنّه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا فقال» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد و الخطية)،و ليست الجملة في نسخة(ابن ميثم)رأسا،و في الأخير«فطلب» (5).
قوله عليه السلام «إنّ هذا المال ليس لي و لا لك» فليس لك الطلب منّي،و ليس لي إعطائك منه «و إنّما هو فيء» أي:غنيمة«المسلمين»هذا في (المصرية)و الصواب: «للمسلمين» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (6).
«و جلب أسيافهم» شبّه عليه السلام ما أخذه المسلمون من الكفّار بسيوفهم بمن جلب الماشية من محل إلى محل آخر.
و في(المروج):لما ولّي سعيد بن العاص بعد الوليد بن عقبة الكوفة من قبل عثمان ظهرت منه امور منكرة فاستبد بالأموال،و قال في بعض الأيام-أو كتب به إلى عثمان-إنّما هذا السواد قطين لقريش.فقال له الأشتر:أ تجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا و مراكز رماحنا بستانا لك و لقومك.ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكبا من أهل الكوفة،فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص و سألوا عزله-إلخ (1)
مروج الذهب 2:336-337. [1]
-.«فان شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم و إلاّ فجناة» قال الجوهري:الجني:
ما يجتنى من الشجر،يقال أتانا بجناة طيّبة لكلّ ما يجتنى (2)«أيديهم لا تكون لغير أفواههم» لا يخفى لطف الكلام و كونه برهانا عقليا،و نظير قول عمرو اللخمي:
هذا جناي و خياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه
هذا،و نظير كلامه عليه السلام لعبد اللّه بن زمعة كلامه لعاصم بن ميثم، ففي(مناقب السروي):جاء عاصم بن ميثم إليه عليه السلام و هو يقسّم مالا،فقال:
يا أمير المؤمنين،إنّي شيخ كبير مثقل.فقال عليه السلام:و اللّه ما هو بكدّ يدي و لا بتراثي عن والدي،و لكنّها أمانة أوعيتها.ثم قال عليه السلام:رحم اللّه من أعان شيخا مثقلا (3).
الخطبة(222)
و من كلام له عليه السلام:
وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً- وَ أُجَرَّ فِي الْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً- لِبَعْضِ الْعِبَادِ- وَ غَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ- وَ كَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا- وَ يَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ؟عَقِيلاً؟ وَ قَدْ أَمْلَقَ- حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً- وَ رَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ- كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ- وَ عَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَ كَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً- فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي- وَ أَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي- فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا- فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا- وَ كَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا- فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا؟عَقِيلُ؟- أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ- وَ تَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ- أَ تَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَ لاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى- وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا- وَ مَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا- كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا- فَقُلْتُ أَ صِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ أَمْ صَدَقَةٌ- فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا؟أَهْلَ الْبَيْتِ؟- فَقَالَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ وَ لَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ- فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ أَ عَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي- أَ مُخْتَبِطٌ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ- وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا- عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ- وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا- مَا؟لِعَلِيٍّ؟ وَ لِنَعِيمٍ يَفْنَى وَ لَذَّةٍ لاَ تَبْقَى- نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ وَ قُبْحِ الزَّلَلِ وَ بِهِ نَسْتَعِينُ
أقول:رواه محمد بن علي بن بابويه في( أماليه الشيخ الصدوق-الامالي-ص 495 ح 7،المجلس 90 )مع زيادات و اختلاف هكذا:
الدقّاق عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسين عن محمد بن محسن عن المفضل بن عمرو عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام،قال أمير المؤمنين عليه السلام:
و اللّه ما دنياكم عندي إلاّ كسفر على منهل حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا، و لا لذاذتها في عيني إلاّ كحميم أشربه غساقا،و علقم أتجرعه زعاقا،و سمّ أفعى أسقاه دهاقا،و قلادة من نار أوهقها خناقا،و لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها و قال لي:اقذف بها قذف الاتن لا يرتضيها ليرفعها.
فقلت له:أعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السر،و تنجلي عنّا علالات الكرى.و لو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم،و لأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم،و لشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم،و لكنّي أصدق اللّه جلّت عظمته حيث يقول «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ» (1)
هود:14-15. [1]
،فكيف استطيع الصبر على نار لو قذفت بشرره إلى الأرض لأحرقت نبتها و لو اعتصمت نفس بقلة لأنضجها و هيج النار في قلبها،و أيما خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقربا،أو يكون في لظى خسيئا مبعدا مسخوطا عليه بجرمه مكذبا.و اللّه لأن أبيت على حسك السعدان مرقدا و تحتى اطمار على سفاها ممددا أو أجرّ في الأغلال مصفّدا،أحبّ إليّ من أن ألقى في القيامة محمّدا خائنا في ذي يتمة أظلمه بفلسة متعمّدا،و لم أظلم اليتيم و غير اليتيم لنفس تسرع إلى البلى قفولها و يمتد في أطباق الثرى حلولها،و إن عاشت رويدا فبذي العرش نزولها.معاشر شيعتي،احذروا فقد عضّتكم الدنيا بأنيابها،تختطف منكم نفسا
1) 1)
بعد نفس كدأبها،و هذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها.ألا إنّ الحديث ذو شجون فلا يقولن قائلكم،إن كلام علي متناقض،لأنّ الكلام عارض،و لقد بلغني أن رجلا من قطان المدائن تبع بعد الحنيفة علوجه،و لبس من نالة دهقانه منسوجه،و تضمخ بمسك هذه النوافج صباحه،و تبخر بعود الهند رواحه،و حوله ريحان حديقة يشمّ نفاحه،و قد مد له مفروشات الروم على سرره-تعسا له-بعد ما ناهز السبعين من عمره و حوله شيخ يدب على أرضه من هرمه و ذو يتمة يتضوّر من ضرمه و من قرمه،فما واساهم بفاضلات من علقمه،لئن أمكنني اللّه منه لأخضمنّه خضم البر و لأقيمنّ عليه حدّ المرتد، و لأضربنه الثمانين بعد حد،و لأسدن من جهله كلّ مسد.تعسا له،أفلا شعر، أفلا صوف،أفلا وبر،أفلا رغيف،قفار الليل افطار مغذم،أفلا عبرة على خد في ظلمة ليالي تنحدر؟و لو كان مؤمنا لا تسقت له الحجّة إذا ضيّع ما لا يملك.و اللّه لقد رأيت عقيلا أخي و قد أملق،حتى استماحني من برّكم صاعة،و عاودني في عشر وسق من شعيركم يطعمه جياعه،و يكاد يلوي ثالث أيامه خامصا ما استطاعه،و رأيت أطفاله شعث الألوان من ضرّهم،كأنّما اشمأزّت وجوههم من قرهم،فلمّا عاودني في قوله و كرّره،أصغيت إليه سمعي،فغرّه و ظنّني أوتغ ديني،فاتّبع ما سره!أحميت له حديدة لينزجر،إذ لا يستطيع منها دنوا و لا يصبر،ثم أدنيتها من جسمه،فضجّ من ألمه ضجيج ذي دنف يئنّ من سقمه،و كاد يسبّني سفها من كظمه و لحرقه في لظى،أضنى له من عدمه فقلت له:ثكلتك الثواكل!يا عقيل أتئن من حديدة أحماها انسانها لمدعبه و تجرني إلى نار سجرها جبارها من غضبه؟أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى؟ و اللّه لو سقطت المكافأة عن الامم،و تركت في مضاجعها باليات في الرّمم، لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ،فصبرا على دنيا تمر بلاؤها كليلة بأحلامها تنسلخ،كم بين نفس في خيامها ناعمة و بين
أثيم في جحيم يصطرخ! و لا تعجب من هذا،و أعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زمّلها في وعائها،و معجونة بسطها في إنائها،فقلت له:أصدقه،أم نذر،أم زكاة؟ و كلّ يحرم علينا أهل بيت النبوّة،و عوضنا منه خمس ذي القربى في الكتاب و السنّة.فقال لي:لا ذاك و لا ذاك،و لكنّه هديّة.فقلت له:ثكلتك الثواكل! أفعن دين اللّه تخدعني بمعجونة غرقتموها بقندكم،و خبيصة صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم،أ مختبط،أم ذو جنّة،أم تهجر؟أ ليست النفوس عن ميثاق حبّة من خر دل مسئولة؟فما ذا أقول في معجونة أتزقمها معمولة؟ و اللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها و استرق قطانها مذعنة بأملاكها،على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها شعيرة فألوكها،ما قبلت و لا أردت!و لدنياكم أهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها،و أقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها،و أمرّ على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها!فكيف أقبل ملفوفات عكمتها في طيها،و معجونة كأنها عجنت بريق حية أو قيئها.
اللّهم نفرت عنها نفار المهرة من راكبها اريه السها و يريني القمر،أ أمتنع من وبرة من قلوصها ساقطة و ابتلع إبلا في مبركها رابطة،أدبيب العقارب من و كرها التقط،أم قواتل الرقش في مبيتي ارتبط؟فدعوني اكتفي من دنياكم بملحي و أقراصي،فبتقوى اللّه أرجو خلاصي.ما لعليّ و نعيم يفنى و لذّة تنحتها المعاصي.سألقى و شيعتي ربّنا بعيون مرة و بطون خماص،ليمحّص اللّه الذين آمنوا و يمحق الكافرين.و نعوذ باللّه من سيئات الأعمال،و صلّى اللّه على محمّد و آله (1)
أمالي الصدوق:495 ح 7،المجلس 90. [1]
.1) 1)
«و اللّه» أقسم عليه السلام مع كونه معصوما متحرّزا في كلامه عن الزيادة و النقيصة،لئلاّ يحمل قوله على الإغراق و المبالغة،و لأنّ النّاس منكرون عملا لما يقول عليه السلام و إن أقرّوا به لسانا،فكان المقام مقام التأكيد الكامل،فأكّد عليه السلام بالأوكد،أي:القسم باللّه الواحد الأحد.
«لأن» بفتح اللام كالهمزة،و كتابة«لئن»غلط،لأنه يصير بكسر الهمزة و يصير شرطيّة و يأباه عدم جزم الفعل بعده.
«أبيت» من بات بمعنى قضى الليل «على حسك» أي:شوك «السّعدان» بالفتح نبت كثير الشوك و لا ساق له إنّما هو منفرش على وجه الأرض.
قيل لرجل من أهل البادية-و قد كان خرج عنها-أ ترجع إليها؟قال:
أما ما دام السعدان مستلقيا فلا.
و في الخبر:يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على السّعدان (1)
جاء هذا المعنى في صحيح البخاري 1:146 و 4:140،و صحيح مسلم 1:165 و غيرهما.
.و لكنّه يسمّن الإبل،و لذا قيل في المثل«مرعى و لا كالسعدان» (2)،قال النابغة:
الواهب المائة الأبكار زيّنها سعدان توضح في أوبارها اللبد (3)
«مسهّدا» المسهّد و السهد بضمتين:قليل النوم.
«و أجرّ في الأغلال مصفّدا» بالتشديد أي:مشدودا موثقا.
«أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد» هو نظير قول يوسف عليه السلام «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» (4).
و وجه قولهما عليهما السلام إنّ آلام الدنيا تنقضي و عذاب الآخر لا ينقضي،و أين
شدّة البيات على الحسك مسهدا و الجرّ مصفدا و دخول السجن من عقاب اللّه تعالى.
و كيف لا يكون ما ذكره عليه السلام أحبّ من الظلم لبعض عباده و قد قال تعالى:
«وَ لا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ» (1)
ابراهيم:42-43. [1]
«إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً» (2)«وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ» (3)«وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ» (4)«وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ» (5)«فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (6)«فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا» (7)«وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (8)«الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ» (9)«وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً»«وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» (1)
الفرقان:27-29. [1]
.و في الخبر:من ظلم أجيرا آجره أحبط اللّه عمله،و حرّم عليه ريح الجنّة، و إنّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة (2).
و روي أيضا:الظلم في الدّنيا هو الظلمات في الآخرة (3).
أيضا:من أكل مال أخيه ظلما،و لم يردّه عليه أكل جذوة من النار يوم القيامة (4).
و يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم (5).
و في الخبر:دخل رجلان على أبي عبد اللّه عليه السلام في مداراة بينهما و معاملة، فلمّا أن سمع كلامهما قال عليه السلام:أما إنّه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم،أما إنّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من مال المظلوم.فاصطلحا قبل أن يخرجا من عنده عليه السلام (6).
«و غاصبا لشيء من الحطام» بالضم،في(الأساس):حطام البيض الكسارة، و جمع حطام الدنيا شبّه بالكسار تخسيسا له (7).
في الخبر:من اقتطع مال مؤمن غصبا بغير حقّه لم يزل اللّه عزّ و جلّ معرضا عنه،ماقتا لأعماله التي يعملها من البرّ و الخير،لا يثيبها في حسناته حتّى يتوب،و يردّ المال الذي أخذه على صاحبه (8).
1) 1)
2) 2) أخرجه الصدوق في الفقيه 4:6،و في عقاب الأعمال:331.
3) 3) أخرجه الصدوق في عقاب الأعمال:321 ح 1.
4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 2:333 ح 15،و [2]الصدوق في عقاب الاعمال:322 ح 8.
5) 5) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:53،الحكمة 241. [3]
6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 2:334 ح 22. [4]
7) 7) أساس البلاغة:87 [5] مادة(حطم).
8) 8) رواه الأحسائي في الغوالي،عنه المستدرك 3:146 باب 1 ح 8. [6]
أيضا:من خان جاره شبرا من الأرض،جعله اللّه طوقا في عنقه من تخوم الأرض السابعة،حتى يلقى اللّه تعالى يوم القيامة مطوّقا إلاّ أن يتوب و يرجع (1)
أخرجه الصدوق في الفقيه 4:6،و في عقاب الأعمال:331.
.أيضا:من أخذ أرضا بغير حقّها كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر (2).
الحجر الغصيب في الدار رهن على خرابها (3).
و في(السيرة):لما فرغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ردّ سبايا حنين إلى أهلها ركب، و اتبعه النّاس يقولون:يا رسول اللّه،أقسم علينا فيئنا من الإبل و الغنم حتى ألجئوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه،فقال:أدّوا علي ردائي أيّها النّاس، فو اللّه أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم،ثم ما ألفيتموني بخيلا و لا جبانا و لا كذّابا.ثم قام إلى جنب بعير فأخذ و برة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها ثم قال:أيّها النّاس،و اللّه مالي من فيئكم و لا هذه الوبرة إلاّ الخمس،و الخمس مردود عليكم فأدّوا الخياط و المخيط،فإنّ الغلول يكون على أهله عارا و نارا و شنارا يوم القيامة.فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال:يا رسول اللّه أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر.
فقال:أما نصيبي منها فلك،قال:أما إذا بلغت هذا،فلا حاجة لي بها،ثم طرحها من يده (4).
«و كيف اظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى» بالكسر من بلى الثوب،فإن فتحت مددت،قال الحجاج:
و المرء يبليه بلاء السربال كرّ الليالي و اختلاف الأحوال (1)
أورده لسان العرب 14:85، [1]مادة(بلا).
«قفولها» أي:رجوعها،قال تعالى: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» (2).
ثم الذي في النسخ (3)«يسرع»بصيغة المذكّر،فيكون «قفولها» فاعله،لكنّه غير سلس،و الظاهر كونه«تسرع»بصيغة المؤنث،فيكون الفاعل ضمير النفس و «قفولها» مفعولا فيه،و عليه فالأحسن في الفقرة بعدها أيضا «و تطول»بصيغة المؤنث و«حلولها»بالنّصب حتى تتحدان إعرابا،و إن كان رفع «حلولها» سلسا من حيث المعنى مع«يطول»بصيغة المذكر،كما هو في النسخ.
«و يطول في الثّرى حلولها» كما قال عليه السلام:كأنّ الدنيا لم تكن لهم دارا،و كأنّ الآخرة لم تزل لهم قرارا (4).
و في(تأريخ بغداد):كان شعيب بن حرب الثقفي بنى كوخا على الدجلة، و كان له خبز معلّق و مطهرة،فيأخذ كلّ ليلة رغيفا يبلّه في المطهرة و يأكله، فصار جلدا و عظما،و قال:لأعملنّ حتّى أدخلنّ القبر،و أنا عظام تقعقع،أريد السمن للدود و الحيات (5).
«و اللّه لقد رأيت عقيلا» قال ابن أبي الحديد:كان بنو أبي طالب أربعة طالب،
1) 1)
2) 2) طه:55. [2]
3) 3) كذا في نهج البلاغة 2:217،و [3]شرح ابن أبي الحديد 11:245،و شرح ابن ميثم 4:83.
4) 4) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 2:128،ضمن الخطبة 186،و لفظه«فكأنهم لم يكونوا للدنيا عمّارا و كأن الآخرة لم تزل لهم دارا».
5) 5) تاريخ بغداد 9:240،و [4]النقل بتصرف يسير و الرجل شعيب بن حرب المداني لا الثقفي.
و عقيل و جعفر،و علي،و كان كلّ منهم أسنّ من آخر بعشر سنين (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:250. [1]
.قلت:روى حديث أسنانهم أبو الفرج في(مقاتله)مسندا عن ابن عباس و قال:ما روي أنّ جعفرا قتل و هو ابن ثلاث-أو أربع-و ثلاثين سنة لا يوافق كون جعفر أكبر منه عليه السلام بعشر-إلخ (2)-.و لكن الأغرب أنّهم ذكروه مسلّما حتى مصعب الزبيري في(نسب قريشه) (3).
قال ابن أبي الحديد:كان أبو طالب يحب عقيلا أكثر من حبّه سائر بنيه،فلذلك قال للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و آله و العباس-حين أتياه ليقتسما بنيه عام المحل فيخففا عنه ثقلهم-دعوا لي عقيلا و خذوا من شئتم،فأخذ العباس جعفرا،و أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا عليه السلام (4).
قلت:روى هذا أيضا أبو الفرج في(مقاتله)عن زيد بن علي،لكن في حديثه أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و العباس و حمزة ذهبوا إليه،و أنّ العباس أخذ طالبا،و حمزة جعفرا،و النبي عليّا،و قال النبي في أخذه عليّا:اخترت من اختار اللّه لي عليكم (5).
قال ابن أبي الحديد:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعقيل:إنّي أحبّك حبّين حبّا لقرابتك منّي و حبّا لما كنت أعلم من حبّ عمّي إيّاك (6).
قلت:رواه(أمالي ابن بابويه)عن ابن عباس هكذا:قال علي للنبي:إنّك لتحبّ عقيلا؟قال:أي و اللّه،إنّي لأحبّه حبّين حبّا،له و حبّا لحب أبي طالب له،و إنّ ولده
لمقتول في محبة ولدك،فتدمع عليه عيون المؤمنين و تصلّي عليه الملائكة المقربون،ثم بكى حتى جرت دموعه على صدره،ثم قال:إلى اللّه أشكو ما يلقي عترتي من بعدي (1)
أمالي الصدوق:111 ح 3،المجلس 27. [1]
.قال ابن أبي الحديد:أخرج عقيل إلى بدر مكرها كالعباس،و أسر و فدي و عاد إلى مكة،ثم أقبل مسلما مهاجرا قبل الحديبية،و شهد غزاة مؤتة مع أخيه جعفر،مات سنة(50)و لم يشهد معه عليه السلام شيئا من حروبه،و عرض نفسه و ولده عليه فأعفاه،و اختلف هل التحقّ بمعاوية في حياته عليه السلام،فروى أنّ معاوية قال-و عقيل عنده-هذا أبو يزيد،لو لا علمه أنّي خير له من أخيه لما يتركه.فقال عقيل:أخي خير لي في ديني،و قد آثرت دنياي،و أسأل اللّه خاتمة خير.و روي أنّه لم يعد لمعاوية إلاّ بعد استشهاده عليه السلام،و استدلّ على ذلك بالكتاب الذي كتبه إلى أخيه في آخر خلافته،و الجواب الذي أجابه عليه السلام و هو الأنسب (2).
قلت:أمّا خروجه إلى بدر فمع أسره في اسرى بدر كان يشير على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقتل اسراهم،ففي(تفسير القمي)في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى» (3)قال النّبي لعقيل:قد قتل اللّه-يا أبا يزيد-أبا جهل ابن هشام،و عتبة و شيبة ابني ربيعة و منبّه و نبيه ابني الحجّاج،و نوفل بن خويلد،و أسر سهيل بن عمرو،و النضر بن الحارث،و عقبة بن أبي معيط، و فلان و فلان،فقال إذن لا تنازع في تهامة!فان كنت قد أثخنت القوم و إلاّ فاركب أكتافهم.فتبسّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قوله (4).
و أمّا قوله:انه لم يشهد معه عليه السلام حروبه،فغير معلوم،فقد صرّح ابن عبد البر في(استيعابه)في شأن عبد اللّه بن عباس،بأن عقيلا شهد معه عليه السلام الجمل و صفين و النهروان كابن عباس (1)
الاستيعاب 2:356 و 357. [1]
.و أغرب من ذلك ما رواه صاحب(عمدة الطالب)،فقال:شهد عقيل صفين مع معاوية غير أنّه لم يقاتل،و لم يترك نصح أخيه و التعصّب له،فروي أنّ معاوية قال يوم صفين:لا نبالي و أبو يزيد معنا.قال عقيل:و قد كنت معكم يوم بدر فلم أغن عنكم من اللّه شيئا-إلخ (2)-،و ما رواه-(صاحب العمدة)- و هم فاحش،و أنّ معاوية لم يقل ما ذكر،يوم صفين،بل قال ذلك يوم وفد إليه عقيل بعد صفين،فإنّما لفظ الجاحظ:قال معاوية لعقيل مرّة:أنت معنا يا أبا يزيد الليلة،قال:و يوم بدر قد كنت معكم (3).
كما أن صاحب(عمدة الطالب)أيضا و هم في مكان آخر،فقال:كان عقيل أعور (4)،مع أنّه صار أخيرا أعمى.قال في العقد الفريد:دخل عقيل على معاوية و قد كفّ بصره،فأجلسه على سريره ثم قال له:أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم.قال:و أنتم معشر بني اميّة تصابون في بصائركم (5).
و أمّا قول ابن أبي الحديد:هل التحق بمعاوية في حياته عليه السلام أو بعده (6)، فخبط،فلم يلتحق بمعاوية أصلا،و انّما وفد عليه كما كان غيره يفد عليه،و لم أر من أهل السير من أنكر وفوده في حياته عليه السلام،بل رووا وفوده على معاوية
في حياته عليه السلام و بعده.
و قد قال ابن أبي الحديد نفسه في شرح قوله عليه السلام«أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم»:رووا أنّ عقيلا قدم على أمير المؤمنين عليه السلام فوجده جالسا في صحن مسجد الكوفة،و قد كان كفّ بصره،فالتفت عليه السلام إلى ابنه الحسن فقال:قم فأنزل عمّك،فقام فأنزله ثم عاد إليه،فقال له:فاذهب و اشتر لعمّك قميصا جديدا و رداء جديدا و إزارا جديدا و نعلا،فذهب فاشترى له،فغدا عقيل عليه السلام و قال له:ما أراك أصبت من الدنيا شيئا،و إنّي لا ترضى نفسي من خلافتك بما رضيت لنفسك!فقال عليه السلام له:يخرج عطائي فأدفعه إليك،فلما ارتحل عنه عليه السلام أتى معاوية فنصب له كراسيه و أجلس جلساءه حوله،فلما ورد عليه أمر له بمائة ألف،فقبضها ثمّ غدا عليه يوما بعد ذلك و جلساء معاوية حوله،فقال له معاوية:أخبرني عن عسكري،و عسكر أخيك،فقد وردت عليهما فقال:أخبرك،مررت و اللّه بعسكر أخي،فإذا ليل كليل رسول اللّه و نهار كنهار رسول اللّه،إلاّ أنّ رسول اللّه ليس في القوم،ما رأيت إلاّ مصلّيا و لا سمعت إلاّ قارئا،و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر بالنّبي ليلة العقبة! ثم قال:من هذا عن يمينك يا معاوية؟قال:هذا عمرو بن العاص،قال:هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزار قريش،فمن الآخر؟قال:هو الضحّاك بن قيس الفهري،قال:أما و اللّه لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس،فمن هذا الآخر؟قال:هو أبو موسى الأشعري.قال:هذا ابن السرّاقة، فلما رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه علم أنّه إن استخبره عن نفسه،قال فيه سوء،فأحبّ أن يسأله،ليقول فيه ما يعلمه من السوء فيذهب بذلك غضب جلسائه،فقال له:ما تقول فيّ؟قال:دعني من هذا.قال:لتقولن!قال:أتعرف حمامة؟قال:و من حمامة؟قال:قد اخبرتك،ثم قام فمضى،فأرسل معاوية إلى
نسّابة فقال له:من حمامة!قال:ولي الأمان؟قال:نعم.قال:جدّتك أم أبي سفيان كانت بغيا في الجاهلية صاحب راية،فقال معاوية لجلسائه:قد ساويتكم و زدت عليكم فلا تغضبوا (1)
شرح ابن أبي الحديد 2:124،و [1]النقل بتصرف يسير.
.و في(خلفاء ابن قتيبة):ذكروا أنّ عقيلا قدم من المدينة على أخيه بالكوفة فقال له:ما أقدمك؟قال:تأخّر العطاء عنّا و غلاء السعر ببلدتنا،و ركبنا دين عظيم فجئت لتصلني!فقال عليه السلام:و اللّه ما لي ممّا ترى شيئا إلاّ عطائي،فإذا خرج فهو لك!فقال عقيل:و إنّما شخوصي من الحجاز إليك لأجل عطائك،و ما ذا يبلغ منّي عطاؤك و ما يدفع من حاجتي!فقال عليه السلام له:هل تعلم لي مالا غيره،أم تريد أن يحرقني اللّه في نار جهنّم في صلتك بأموال المسلمين!فقال:و اللّه لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك-يريد معاوية-فقال له:راشدا مهديا!فخرج حتى أتى معاوية-إلخ (2)-.
و في(المروج):وفد عقيل على معاوية منتجعا و زائرا فرحّب به معاوية و سرّ بوروده لاختياره إيّاه على أخيه،فقال له:كيف تركت عليّا؟قال:
على ما يحبّ اللّه و رسوله،و ألفيتك على ما يكره اللّه و رسوله.فقال له معاوية:
لو لا أنّك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك جوابا تألم منه.ثم أحبّ أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفّضه،فوثب عن مجلسه،و أمر له بنزل و حمل إليه مالا عظيما،فلما كان من غد جلس،و أرسل إليه،فأتاه،فقال له:يا أبا يزيد كيف تركت عليّا أخاك؟قال:تركته خيرا لنفسه منك،و أنت خير لي منه!فقال له معاوية:ما تغيّرك الأيام و الليالي.فقال له عقيل:و لكن أنت يا معاوية-إذا افتخرت بنو اميّة-بمن تفخر؟فقال له معاوية:عزمت
عليك لما أمسكت-إلخ (1)
مروج الذهب 3:36-37. [1]
-.و في(العقد):دخل عقيل على معاوية فقال معاوية لأصحابه:هذا عقيل عمّه أبو لهب!فقال عقيل:و هذا معاوية عمّته حمّالة الحطب!ثم قال:يا معاوية،إذا دخلت النّار فاعدل ذات اليسار،فانّك ستجد عمّي أبا لهب مفترشا عمّتك حمّالة الحطب،فانظر أيّهما خير،الفاعل أو المفعول به؟و قال له معاوية:و اللّه إنّ فيكم لخصلة يا بني هاشم ما تعجبني،قال:و ما هي؟قال:لين فيكم،قال:لين ما ذا؟ قال هو ذاك،قال:إيّانا تعيّر يا معاوية؟قال:أجل و اللّه إنّ فينا للينا من غير ضعف،و عزّا من غير جبروت،و أما أنتم يا بني اميّة،فإن لينكم غدر،و عزّكم كفر،و أيم اللّه يا معاوية!لئن كانت الدنيا مهّدتك مهادها،و اظلّتك بحذافيرها و مدت عليك أطناب سلطانها ما ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة،و لا تخشّعا لرهبة (2).
و اما قول ابن أبي الحديد:المنكرون استدلوا بالكتاب الذي كتبه عقيل إليه في آخر خلافته،فذكرناه في فصل الغارات إنّه كان في أوّل خلافته و لا دلالة فيه (3).
هذا،و في(بيان الجاحظ):كان علماء قريش بالأنساب و الأخبار أربعة، و كان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب النّاس،فعادوه لذلك،و قالوا فيه و حمّقوه حتى قالوا:ثلاثة حمقى،كانوا إخوة ثلاثة عقلاء:عقيل أخي علي،و عقبة أخي معاوية،و معاوية أخي عبد الملك.و كيف يكون ذلك؟و جعدة بن هبيرة يقول:
«و خالي علي ذو الندى و عقيل»و قال قدّامة بن موسى:
و جدّي علي ذو التقى و ابن امّه عقيل و خالي ذو الجناحين جعفر (1)
البيان و التبيين 2:364 و 365،و [1]النقل بتلخيص.
«و قد أملق» أي:افتقر،قال تعالى: «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» (2)«حتى استماحني» أي:استعطاني «من برّكم» البرّ:الحنطة «صاعا» الصاع:أربعة أمداد «و رأيت صبيانه شعث» قال الجوهري:الشّعث:انتشار الأمر،فقال«لمّ اللّه شعثك»أي:جمع أمرك المنتشر،و الشعث:مصدر الأشعث،و هو المغبرّ الرأس (3).
«الشعور غبر»هكذا في(المصرية)و هما زائدان فليسا في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4).
«الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم» قال الجوهري:العظلم:
نبت يصبغ به،و هو بالفارسية«فقل»و يقال هو الوسمة و العظلم-إلخ (5)-.
و للمطراني:
يحملن أطفالا كأنّ وجوههم طليت بصمغ من يبيس مخاط (6)
«فأصغيت» أي:ملت «إليه سمعي،فظنّ أنّي أبيعه ديني» قال الشاعر:
تحسّب هواس و أيقن أنّني بها مفتد من واحد لا أغامره
أي:تشمّم الأسد ناقتي،و ظنّ أنّي أتركها له و لا اقاتله.
في الخبر:شرّ النّاس من باع دينه بدنياه،و شرّ منه من باع دينه بدنيا غيره (7).
1) 1)
2) 2) الانعام:151. [2]
3) 3) صحاح اللغة 1:285، [3]مادة(شعث).
4) 4) يوجد في شرح ابن أبي الحديد 11:245،و [4]شرح ابن ميثم 4:83. [5]
5) 5) صحاح اللغة 5:1988، [6]مادة(عظلم).
6) 6) اسقط الشارح هنا فقرتي«و عاودني مؤكدا و كرر على القول مرددا».
7) 7) أخرجه الصدوق في معاني الاخبار:198،و في أماليه:323،المجلس 62،و [7]أبو علي الطوسي في أماليه 2:50،جزء 15،و [8]النقل بالمعنى.
هذا،و في(المروج):كتب بارزاق شريك القاضي إلى الجهبذ فضايقه في النقص،فقال له الجهبذ:إنّك لم تبع بزا،قال له شريك:بلى و اللّه لقد بعت أكبر من البز لقد بعت ديني (1)
مروج الذهب 3:310. [1]
.«و اتّبع قياده» أيّ:قوّده لي كجمل يقوده صاحبه «مفارقا طريقتي» «أخوك دينك فاحتط لدينك» (2)و قال تعالى: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ » (3).
«فأحميت له» بالنّار «حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها» من نار الآخرة و أغلالها.
في(المناقب):ذكر عمرو بن العلاء أنّ عقيلا لمّا سأله إعطاءه من بيت المال قال عليه السلام له:تقيم إلى يوم الجمعة،فأقام فلمّا صلاّها بالنّاس قال له:ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين؟قال:بئس الرجل ذاك،قال:فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء و اعطيك (4).
و فيه قدم عقيل عليه السلام،فلمّا حضر العشاء إذا هو خبز و ملح،فقال:ليس إلاّ ما أرى!فقال:أو ليس هذا من نعمة اللّه و له الحمد كثيرا،فقال:أعطني ما أقضي به ديني-و كانا يتكلّمان فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق- فقال عليه السلام له:إذا بتّ فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر قفالها و خذ ما فيها.
فقال:و ما فيها؟قال:أموال التجار،قال:أ تأمرني أن أكسر صناديق قوم توكّلوا على اللّه و جعلوا فيها أموالهم!فقال عليه السلام:أ أنا أفتح بيت مال المسلمين
فأعطيك أموالهم و قد توكلوا على اللّه و أقفلوا عليها.و قال له:إن شئت أخذت سيفك و أخذت سيفي و خرجنا جميعا إلى الحيرة،فإنّ بها تجارا مياسير، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله.فقال:أو سارقا جئت؟قال:نسرق من واحد خير من أن نسرق من المسلمين جميعا (1)
مناقب السروي 2:108،و النقل بتصرف يسير.
.«فضجّ ضجيج ذي دنف» بفتحتين المرض الملازم «من ألمها و كاد أن يحترق من ميسمها» قال الجوهري:الميسم:المكواة،و أصل الياء واو (2).
«فقلت له ثكلتك الثواكل!» قال الجوهري:الثكل:فقدان المرأة ولدها (3)«يا عقيل أ تئنّ» من«أنّ أنينا»قال ذو الرمة«كما أنّ المريض إلى عواده الوصب» (4).
«من حديدة أحماها» أي:أحرّها «إنسانها للعبه و تجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه» «إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً» (5).
في(تاريخ بغداد):كان سعد بن حذيفة على قضاء المدائن،و كلّمه ابن جعدة بن هبيرة في شيء من الحكم،و بين يديه نار،فقال له سعد:ضع إصبعك في هذه النّار،قال:سبحان اللّه!تأمرني أن أحرق بعض جسدي،قال:
فأنت تأمرني أن أحرق جسدي (6).
و في(الحلية):استعمل هرم بن حيّان،فظنّ أنّ قومه سيأتونه،فأمر بنار، فأوقدت بينه و بين من يأتيه من القوم،فجاءه قومه يسلّمون عليه من بعيد، فقال:مرحبا بقومي ادنوا،قالوا:و اللّه ما نستطيع أن ندنو منك،لقد حال النّار بيننا و بينك.قال:و أنتم تريدون أن تلقوني في نار أعظم منها في نار جهنم- فرجعوا (1)
حلية الأولياء 2:120. [1]
.«أ تئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى» قال الجوهري:لظى:اسم من أسماء النار معرفة لا تنصرف (2)«كَلاّ إِنَّها لَظى نَزّاعَةً لِلشَّوى» (3)أي جلدة الرأس «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى» (4)أي:تتوقّد.
قال ابن أبي الحديد:سأل معاوية عقيلا عن قصّة الحديدة المحماة،فبكى، و قال:نعم أصابتني مخمصة شديدة،فسألته فلم تند صفاته،فجمعت صبياني و جئته بهم و البؤس و الضر ظاهران عليهم،فقال:إيتني عشيّة لأدفع إليك شيئا،فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحّي،ثم قال:ألا فدونك.
فأهويت حريصا قد غلبني الجشع أظنّها صرّة،فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا،فلما قبضتها خرت كما يخور الثور تحت يد جازره،فقال:ثكلتك امك!هذا من حديدة أو قدت لها نار الدنيا،فكيف بي و بك غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم؟ثم قرأ «إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ» (5)،ثم قال:ليس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه اللّه لك إلاّ ما ترى فانصرف.فجعل
معاوية يتعجّب و يقول:هيهات هيهات!عقمت النساء أن يلدن بمثله (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:253. [1]
.قلت:و قد عرفت أن(أمالي الصدوق)رواه مع زيادات منها«أ أمتنع من وبرة من قلوصها ساقطة و أبتلع إبلا في مبركها رابطة» (2).
و في(بلاغات نساء البغدادي):حجّ معاوية سنة،فسأل عن امرأة يقال لها الدارمية الحجونية-و كانت امرأة سوداء كثيرة اللحم-فأخبر بسلامتها، فبعث فجيء بها فقال لها:كيف حالك يا ابنة حام؟قالت:بخير و لست لحام،إنّما أنا امرأة من قريش من بني كنانة،ثمّ من بني أبيك.قال:صدقت هل تعلمين لم بعثت إليك؟قالت:لا،قال:لأسألك علام أحببت عليّا و أبغضتني،و علام واليته و عاديتني؟قالت:أ و تعفيني؟قال:لا،قالت:فأمّا إذ أبيت فإنّي أحببت عليّا على عدله في الرعيّة و قسمه بالسويّة،و أبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك،و طلبك ما ليس لك،و واليت عليّا على ما عقد له النبي من الولاية و لحبّه المساكين و إعظامه أهل الدين،و عاديتك على سفكك الدماء و شقك العصا -إلى أن قال-قال:فهل سمعت كلامه؟قالت:نعم،قال:فكيف سمعته؟قالت:
كان كلامه و اللّه يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدى.
قال:صدقت،هل لك من حجّة؟قالت:و تفعل إذا سألت؟قال:نعم،قالت تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها و راعيها،قال:ما ذا تصنعين بها؟قالت:أغذو بألبانها الصغار،و استحيى بها الكبار،و اكتسب بها المكارم،و أصلح بها بين عشائر العرب-إلى أن قال-فقال لها معاوية:أما و اللّه لو كان علي ما أعطاك شيئا،قالت:أي و اللّه و لا برّة واحدة من مال المسلمين.ثم أمر لها بما سألت (3).
هذا،و في(سيرة ابن هشام):ذكر زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عقيلا دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة بن ربيعة،و سيفه متلطخ دما،فقالت:إنّي قد عرفت أنّك قد قاتلت فما ذا أصبت من غنائم المشركين؟فقال:دونك هذه الابرة تخيطين بها ثيابك فدفعها إليها،فسمع منادي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط و المخيط،فرجع عقيل فقال:ما أرى أبرتك إلاّ قد ذهبت!فأخذها فألقاها في الغنائم (1)
سيرة ابن هشام 4:101. [1]
.«و أعجب من ذلك» أي:من طلب عقيل منه عليه السلام صاعا زائدا عن حقّه «طارق» أي:من جاء ليلا «طرقنا بملفوفة في وعائها و معجونة شنئتها» أي:أبغضتها «كأنّما عجنت بريق» ماء الفم «حيّة أو قيئها» لأنّ الحرام عند أولياء اللّه مبغوض كريق الحية و قيئها.
و قد عرفت أنّ في رواية(الأمالي)،إنّه عليه السلام قال:و لدنياكم أهون عندي من ورقة في فمّ جرادة تقضمها،و أقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها، و أمرّ على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها (2).
و قال البحتري:
و ما كان ما أسدى إلي ابن يلبخ سوى حمة من عارض السم تنزع
و من بديع التشبيه في الشيء المكروه في مجدور قول ابن طباطبا:
ذو جدري وجهه يحكيه جلد السمكة أو جلد أفعى سلخت أو قطعة من شبكه
أو حلق الدرع إذا أبصرتها مشتبكة أو سفر محبّب أو كرش منفركه
أو منخل أو عرض رقعته منهتكة أو حجر الحمام كم من وسخ قد دلكه
أو كور زنبور إذا فرّخ فيه تركه أو كدر الماء إذا أظهر فيه حبكه
أو سلحة جامدة تنقر فيها الدّيكة يبغضه من قبحه كلّ طريق سلكه
و قيل لرجل:رأيناك في دهليز فلان و بين يديك قصعة و أنت تأكل،فمن أي شيء كانت القصعة و أي شيء كان فيها؟قال:قيء كلب في حقف خنزير.
و في الخبر:العائد في هبته كالعائد في قيئه (1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2:96،و مسلم في صحيحه 3:1241 ح 7،و أبو داود في سننه 3:291 ح 3538، و [1]النسائي في سننه 6:266 و 267،و ابن ماجة في سننه 2:797 ح 2385.
.و في آخر:و مثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل،فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه (2).
قالوا:و مثل الكلب الضب،و يسمى الهرم لطول عمره،قال خدّاش كما في (الأساس)«كما أكبّ على ذي بطنة الهرم»قال:أي:رجع على قيئه فأكله (3).
«فقلت أ صلة أم زكاة أم صدقة،فذلك محرم علينا أهل البيت» قال ابن أبي الحديد:الصلة:العطية لا يراد بها الأجر،بل الوصلة إلى الموصول و أكثر ما يفعل للصيت،و الزكاة ما يجب في النصاب من المال،و الصدقة هاهنا صدقة التطوّع،و أراد بأهل البيت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، و هؤلاء خاصة يحرم عليهم الصدقة،و أما غيرهم من بني هاشم فلا يحرم
عليهم إلاّ الزكاة الواجبة،و قبول الحسنين عليهما السلام لصلات معاوية من جهة حقّهما،فإن سهم ذوي القربى منصوص في الكتاب (1)
شرح ابن أبي الحديد 11:248. [1]
.قلت:ما فسّر الصلة به غير جيد،أما ما قاله أولا من أنّ الصلة،العطية التي لا يراد بها الآخرة،فهي في معنى الهدية،فتباح له عليه السلام،و أمّا ما قاله ثانيا من كونها الوصلة إلى الموصول فهي في معنى الرشوة،فتحرم على الجميع،و لا يبعد زيادة الكلمة من النساخ و الأصل«أ زكاة أم صدقة»بدليل جوابه «لا ذا و لا ذاك» و مثله ما في رواية(الأمالي)من تبديلها بالنذر و سهم ذوي القربى منصوص في الكتاب (2)،إلاّ أن أوّل من أسقطه صدّيقهم و فاروقهم كما أخذا فدك.
هذا،و روى كاتب الواقدي في(طبقاته)عن عبد الوهاب العجلي عن عوف عن الحسن ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إنّ اللّه حرّم علي الصدقة و على أهل بيتي (3).
«فقالا لا ذا»المذكور أولا«و لا ذاك»المذكور ثانيا «و لكنّها هدية» و كانوا أعطوا بريرة لحما صدقة،فأهدته إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقالت عائشة لها:إنّ النّبيّ لا يأكل الصدقة.فقال لها:انّما كانت عليها صدقة،و هي منها هدية (4).
«فقلت هبلتك» أي:ثكلتك «الهبول» في(الجمهرة):الهبل الثّكل،هبلت فلانا امّه فهي هابل و هبول،و ابن الهبولة ملك من ملوكهم،و بنو هبل بطن من كلب يقال لهم الهبلات (5)«أ عن دين اللّه أتيتني لتخدعني» بإعطاء الرشوة باسم الهدية
«أ مختبط أنت» يقال تخبطه الشيطان أي:أفسده «أم ذو جنّة» بالكسر أي:جنون «أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ» (1)
الاعراف:184. [1]
و تأتي الجنّة معرفة للجنّ كجنّة منكرة للجنون.«أم تهجر» من هجر المريض هذى،قال الجوهري:فالمريض هاجر و الكلام مهجور،قال أبو عبيد و عن إبراهيم و منه قوله تعالى: «إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» (2).
قلت:و منه قول عمر فيما رواه(كاتب الواقدي)و غيره أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:
إيتوني بالكتف و الدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا.فقال:إنّما يهجر -الخبر (3)-.
و من أين انه ليس المراد بالآية؟فهل أنّ النّبيّ لم يكن من قريش؟أو ليس جاء في هذا القرآن: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (4)و مع ذلك فعل ما فعل،و قال ما قال! قال ابن أبي الحديد:كان المهدي له الأشعث،أهدى له نوعا من الحلواء في طبق مغطى،و ظن أنّه يستميله بالمهاداة لغرض دنيوي،و كان عليه السلام يبغض الأشعث لأنّه كان يبغضه (5).
قلت:و في(مقاتل أبي الفرج):أن الأشعث جاء يستأذن عليه عليه السلام،فردّه قنبر فأدمى أنفه،فخرج عليه السلام و هو يقول:ما لي و لك يا أشعث!أما و اللّه لو بعبد ثقيف
تمرّست،لاقشعرت شعيراتك،قال:و من غلام ثقيف؟قال:غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلاّ أدخلهم ذلاّ (1)
مقاتل الطالبيين:20. [1]
.قلت:صحيح،أن غلام ثقيف لم يتمرّس بشخص الأشعث،و لكنّه تمرّس بحفيده عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث و اقشعرّت شعيراته به،بل أذهب أكثر شعره .
«و اللّه لو اعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها» روى(الخصال)في عنوان «الدنيا سبعة أقاليم» عن أبي يحيى الواسطي باسناده رفعه إلى الصادق عليه السلام:الدنيا سبعة أقاليم يأجوج و مأجوج و الردم و الصين و الزنج و قوم موسى و أقاليم بابل (2).
و قال المسعودي في(تنبيهه)،سمّوا الأقاليم السبعة على الكواكب السبعة على قدر تواليها و تتابعها في الفلك،فالإقليم الأوّل لزحل و هو(كيوان) بالفارسية له من البروج الجدي و الدلو،و الإقليم الثاني للمشتري و هو بالفارسية(أورمزد)له من البروج القوس و الحوت،و الإقليم الثالث للمريخ و هو بالفارسية(بهرام)له من البروج الحمل و العقرب،و الإقليم الرابع للشمس و هو بالفارسية(خرشاد)لها من البروج الأسد،و الإقليم الخامس للزهرة و هي بالفارسية(اناهيد)لها من البروج الثور و الميزان،و الإقليم السادس لعطارد و هو بالفارسية(تير)له من البروج الجوزاء و السنبلة،و الإقليم السابع للقمر و هو بالفارسية(ماه)له من البروج السرطان،و اسم الإقليم بالفارسية (كشور)و اسم الفلك(اسبهر)-إلخ (3)-.
و في(تاريخ اليعقوبي):جعلوا الدنيا سبعة أقاليم:الأول:الهند و حدّه ممّا يلي المشرق البحر،و ناحية الصين إلى الديبل ممّا تلي أرض العراق إلى خليج البحر ممّا يلي أرض الهند إلى أرض الحجاز،و الإقليم الثاني:الحجاز و حدّه هذا الخليج إلى عدن إلى أرض الحبشة ممّا يلي أرض مصر إلى الثعلبية ممّا يلي أرض العراق،و الإقليم الثالث:مصر و حدّه ممّا يلي أرض الحبشة إلى أرض الحجاز إلى البحر الأخضر ممّا يلي الجنوب إلى المغرب إلى الخليج الذي يلي الروم إلى نصيبين ممّا يلي أرض العراق،و الإقليم الرابع:العراق و حدّه ممّا يلي الهند الديبل و ممّا يلي الحجاز الثعلبية و ممّا يلي أرض مصر و الروم نصيبين و ممّا يلي أرض خراسان نهر بلخ،و الإقليم الخامس:الروم و حدّه ممّا يلي أرض مصر الخليج و ممّا يلي المغرب البحر و ممّا يلي الترك يأجوج و مأجوج و ممّا يلي أرض العراق نصيبين،و الإقليم السادس:يأجوج و مأجوج و حده ممّا يلي أرض المغرب الترك و ممّا يلي الخزر البحر و مفاوز بينه و بين سحور الشمال و ممّا يلي المشرق أرض نصيبين و ممّا يلي خراسان نهر بلخ، و الإقليم السابع:الصين و حدّه ممّا يلي المغرب يأجوج و مأجوج و ممّا يلي المشرق البحر و ممّا يلي الهند أرض قشمير و ممّا يلي خراسان نهر بلخ- و قالوا:كلّ إقليم تسعمائة فرسخ في مثلها (1)
تاريخ اليعقوبي 1:84 و 85. [1]
.و في(فواتح الميبدي):الإقليم الأوّل أطول أيام السنة فيه اثنتي عشرة ساعة و خمس و أربعون دقيقة،و يزاد في كلّ إقليم ثلاثون دقيقة على سابقتها إلى أن يصير الإقليم الثاني عشر أطول أيام سنته ست عشرة ساعة و خمس عشرة دقيقة.و قال بعضهم:أوّل الإقليم الأوّل أوّل خط الاستواء و آخر الإقليم السابع آخر العمارة و أطول الأيام ثمة ثلاث و عشرون ساعة-إلى أن قال-
1) 1)
و أعدل أصناف الإنسان عند ابن سينا سكّان الإستواء،و عند الفخر،سكان الاقليم الرابع.
هذا،و في(المعجم)أهدى شمس المعالي قابوس بن و شمكير لعضد الدولة سبعة أقلام و كتب إليه:
قد بعثنا إليك سبعة أقلام لها في البهاء حظّ عظيم
مرهفات كأنّها ألسن الحيات جاز حدّها التقويم
و تفاءلت أن ستحوي الأقاليم بها كلّ واحد إقليم (1)
معجم الأدباء 16:225. [1]
«على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة» قال ابن أبي الحديد:جلب الشعيرة بضم الجيم:قشرها (2).
قلت:لم أقف في اللغة على من يقول جلب الشعيرة.قشرها،و إنّما قالوا:
الجلبة بالضم:القشرة التي تعلو الجرح عند البرء،و أين هذا ممّا قال،و الظاهر أن المراد أسلبها شعيرة جلبتها إلى مسكنها،يقال جلبه أي ساقه من موضع إلى آخر.
و كيف كان،ففي الخبر:نهي عن قتل النحلة و النملة (3).
و عن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جدّه أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى أن يؤكل ما حملت النّمل بفيها و قوائمها (4).
هذا،و في(حياة حيوان الدّميري):كان الفتح بن سخرب الزاهد يفتّ الخبز للنمل كلّ يوم،فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله.و فيه البيض كلّه بالضاد إلا بيظ النمل فإنه بالظاء.قال:و النمل لا تتناكح انما يسقط منه شيء حقير في
الأرض فينمو حتى يصير بيظا حتى يتكوّن منه،و سمّيت نملة لتنمّلها و هو كثرة حركتها (1)
حياة الحيوان 2:366. [1]
.«ما فعلت» قال الكميت:
على تلك جرياي و هي ضريبتي و لو أجلبوا طرا علي و أجلبوا
«و ان دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها» قال الجوهري:
القضم:الأكل بأطراف الأسنان (2).
و مرّ أن(الأمالي)زاد في خبره«و أقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها،و أمرّ على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها-إلى أن قال- اللّهم انّي نفرت عنها نفار المهرة من راكبها » (3).
«ما لعليّ و لنعيم يفنى و لذّة لا تبقى» في قصة معاوية مع الدارمية الحجونية،قال لها:هل رأيت عليّا؟قالت:أي و اللّه لقد رأيته.قال:كيف رأيته؟ قالت:رأيته لم يفتنه الملك الذي فتنك و لم تشغله النعمة التي شغلتك (4).
«نعوذ باللّه من سبات العقل» أي:نومه «و قبح الزلل» و هو الزلل في الدين.
«و به نستعين» .
الكتاب(25)
و من وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات و إنّما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنّه عليه السلام كان يقيم عماد الحق و يشرع أمثلة العدل في صغير الأمور و كبيرها و دقيقها و جليلها:
انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ- وَ لاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَ لاَ تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً- وَ لاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ- فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ- مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ- ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَ الْوَقَارِ- حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ- وَ لاَ تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ثُمَّ تَقُولَ عِبَادَ اللَّهِ- أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَ خَلِيفَتُهُ- لِآخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ- فَهَلْ لَكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لاَ فَلاَ تُرَاجِعْهُ- وَ إِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ- مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ- أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ- فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ- فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ-
فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ- وَ لاَ عَنِيفٍ بِهِ- وَ لاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَ لاَ تُفْزِعَنَّهَا- وَ لاَ تَسُوأَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا- وَ اصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ- فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ- ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ- فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ- فَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ- وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ- فَاقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ- فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ- ثُمَّ اخْلِطْهُمَا ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً- حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ- وَ لاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَ لاَ هَرِمَةً وَ لاَ مَكْسُورَةً وَ لاَ مَهْلُوسَةً وَ لاَ ذَاتَ عَوَارٍ- وَ لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلاَّ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ- رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ- حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ- وَ لاَ تُوَكِّلْ بِهَا إِلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً وَ أَمِيناً حَفِيظاً- غَيْرَ مُعْنِفٍ وَ لاَ مُجْحِفٍ وَ لاَ مُلْغِبٍ وَ لاَ مُتْعِبٍ- ثُمَّ احْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ- نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ- فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ- فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلاَّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَ بَيْنَ فَصِيلِهَا- وَ لاَ يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذَلِكَ بِوَلَدِهَا- وَ لاَ يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً- وَ لْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وَ بَيْنَهَا- وَ لْيُرَفِّهْ عَلَى اللاَّغِبِ- وَ لْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَ الظَّالِعِ- وَ لْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ- وَ لاَ يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطَّرِيْقِ- وَ لْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ- وَ لْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَ الْأَعْشَابِ- حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللَّهِ بُدَّناً مُنْقِيَاتٍ- غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَ لاَ مَجْهُودَاتٍ- لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص- فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ- وَ أَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أقول:و رواه الكليني الكليني-الكافي-باب أدب المصدق ج 3 ص 536 ح 1 في باب أدب المصدق:عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بريد بن معاوية قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال له:يا عبد اللّه انطلق و عليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له،و لا تؤثرن دنياك على
آخرتك،و كن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحقّ اللّه فيه،حتّى تأتي نادي بني فلان،فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم،ثم امض إليهم بسكينة و وقار حتى تقوم بينهم و تسلّم عليهم،ثمّ قل لهم:يا عباد اللّه أرسلني إليكم وليّ اللّه،لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم،فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّون إلى وليّه.فإن قال لك قائل،لا،فلا تراجعه، و ان أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه أو تعده إلاّ خيرا، فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلاّ بإذنه فان أكثره له،فقل:يا عبد اللّه أ تأذن لي في دخول مالك،فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلّط عليه فيه و لا عنف به،فاصدع المال صدعين،ثمّ خيّره أيّ الصدعين شاء،فأيّهما اختار فلا تعرض له ثمّ اصدع الباقي صدعين ثم خيّره فأيّهما اختار فلا تعرض له،و لا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه تعالى من ماله،فإذا بقي ذلك فاقبض حقّ اللّه منه و ان استقالك فأقله،ثمّ اخلطها و اصنع مثل الذي صنعت أولا،حتّى تأخذ حقّ اللّه في ماله،فإذا قبضته فلا توكل به إلاّ ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف لشيء منها،ثمّ احدر كلّما اجتمع عندك من كلّ ناد إلينا،نصيّره حيث أمر اللّه عزّ و جلّ،فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه ألاّ يحول بين ناقة و بين فصيلها،و لا يفرّق بينهما و لا يمصّرن لبنها فيضرّ ذلك بفصيلها،و لا يجهد بها ركوبا و ليعدل بينهنّ في ذلك،و ليوردهنّ كلّ ماء يمرّ به،و لا يعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جواد الطريق في الساعة التي فيها تريح و تغبق،و ليرفق بهن جهده حتى يأتينا بإذن اللّه تعالى سحاحا سمانا غير متعبات و لا مجهدات،فيقسّمن بإذن اللّه على كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه على أولياء اللّه،فإن ذلك أعظم لأجرك و أقرب لرشدك،ينظر اللّه اليها و إليك و إلى جهدك و نصيحتك لمن بعثك،و بعثت في حاجته،فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:ما ينظر اللّه إلى وليّ له،يجهد نفسه بالطاعة
و النصيحة له و لإمامه إلاّ كان معنا-الخبر-.
و رواه الشيخان في( المقنعة الشيخ المفيد-المقنعة-ص 42 )و( التهذيب الشيخ الطوسي-التهذيب-ج 4 ص 96 ح 8 )كما رواه(الكافي)،و روته ( غارات الثقفي-الغارات-ج 1 ص 126 الثقفي)عن يحيى بن صالح عن أبي العباس الوليد بن عمرو عن عبد الرحمن بن سليمان عن الصادق عليه السلام أيضا (1)
الكافي 3:536 ح 1،و [1]المقنعة:42،و التهذيب 4:96 ح 8،و الغارات 1:126. [2]
.قول المصنف : «و من وصيّة له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات» و كذلك كان عليه السلام يعين لعمال خراجه آداب الخرج.روى البلاذري في(فتوحه)عن مصعب بن يزيد الأنصاري عن أبيه قال:بعثني علي عليه السلام على ما سقى الفرات-فذكر رساتيق و قرى،فسمّى نهر الملك و كوثي و بهر سير و الردمقان و نهر جوير و نهر درقيط و البهقباذات-و أمرني أن أضع على كلّ جريب زرع غليظ من البّر و درهما و نصفا و صاعا من طعام،و على كلّ جريب وسط درهما،و على كلّ جريب من البرّ رقيق الزرع ثلثي درهم،و على الشعير نصف ذلك،و أمرني أن أضع على البساتين التي تجمع النخل و الشجر على كلّ جريب عشرة دراهم،و على جريب الكرم إذا أتت عليه ثلاث سنين و دخل في الرابعة و أطعم عشرة دراهم،و أن ألغي كلّ نخل شاذّ عن القرى يأكله من مرّ به،و أن لا أضع على الخضروات شيئا،المقائي،و الحبوب و السماسم، و القطن،و أمرني أن أضع على الدهاقين الذين يركبون البراذين و يتختمون بالذهب على الرجل ثمانية و أربعين درهما،و على أوسطهم من التجار على رأس كلّ رجل أربعة و عشرين درهما في السّنة،و أن أضع على الاكرة و سائر من بقي منهم على الرجل اثني عشر درهما.
و روى عن الحسن بن صالح قال:بلغني أنّ عليّا عليه السلام ألزم أهل(أجمة برس)أربعة آلاف درهم و كتب لهم بذلك كتابا في قطعة أديم.قال أحمد بن
1) 1)
حمّاد الكوفي«أجمة برس»بحضرة صرح نمرود ببابل (1)
فتوح البلدان:270. [1]
.«و انما ذكرنا هنا جملا منها»هكذا في(المصرية)،و الصواب:«و إنّما ذكرنا منها جملا ههنا»كما(في ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2).
«ليعلم بها أنّه عليه السلام كان يقيم عماد الحقّ» يعرف ذلك منه عليه السلام كلّ أحد حتّى أقرّ بذلك فاروقهم.قال ابن قتيبة قال يوم الشورى لعليّ عليه السلام:و إنّك أحرى القوم إن ولّيتها أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم (3).
و كان عليه السلام في زمان إمارة المتقدّمين عليه أيضا كذلك،فأقام الحدّ على الوليد بن عقبة أخا عثمان لامّه في خلافة عثمان رغما لأنفه،و أراد قتل عبد اللّه بن عمر في خلافة عثمان قصاصا بهرمزان ملك تستر لأنّه قتل بغير حقّ، و أبى عثمان عن إجراء الحدّ عليه ففرّ منه عليه السلام و خرج من المدينة،كما انّه لمّا وصل الأمر إليه عليه السلام فرّ إلى معاوية،و لذلك كانوا لا يرضون بولايته عليه السلام للأمر،و لذا قالت سيّدة النساء عليها السلام يوم السقيفة:ما نقموا من أبي الحسن إلاّ تنمّره في ذات اللّه (4).
«و يشرع أمثلة العدل في صغير الامور و كبيرها و دقيقها و جليلها» في خبر(الكافي)المتقدّم-بعد ما مرّ-ثم بكى أبو عبد اللّه عليه السلام و قال لبريد:لا و اللّه ما بقيت للّه حرمة إلاّ انتهكت،و لا عمل بكتاب اللّه و سنّة نبيّه في هذا العالم،و لا أقيم في هذا الخلق حدّ منذ قبض اللّه أمير المؤمنين،و لا عمل بشيء من الحقّ إلى يوم النّاس هذا.ثم قال:أما و اللّه لا تذهب الأيام و الليالي حتى يحيي اللّه
1) 1)
2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 15:151،و [2]شرح ابن ميثم 4:410.
3) 3) الامامة و السياسة 1:25. [3]
4) 4) قالت هذا في مرضها الذي ماتت فيه و هذا بعض من خطبة لها عليها السلام رواها الجوهري في السقيفة:117،و الصدوق في معاني الأخبار:354،و الطبري في دلائل الإمامة:39،و [4]البغدادي في بلاغات النساء:33 و [5]غيرهم.
الموتى و يميت الأحياء و يردّ الحقّ إلى أهله و يقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه -الخبر (1)
الكافي [1]المقنعة 3:538.
-.و في(مقنعة المفيد):روى إسماعيل بن مهاجر عن رجل من ثقيف قال:
استعملني علي عليه السلام على بانقيا و سواد من سواد الكوفة فقال لي-و الناس حضور-أنظر خراجك فجدّ فيه و لا تترك منه درهما،فإذا أردت أن تتوجّه إلى عملك فمرّ بي،فأتيته فقال:إنّ الذي سمعت منّي خدعة،إيّاك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج أو تبيع دابة عمل في درهم فإنّا أمرنا أن نأخذ منهم العفو،و لا تجمع بين متفرّق و لا تفرّق بين مجتمع (2).
و رواه أبو حاتم السجستاني في(وصاياه)هكذا:حدّثونا عن أبي نعيم عن إسماعيل بن ابراهيم بن المهاجر عن عبد الملك بن عمير عن رجل من ثقيف قال:استعملني علي بن أبي طالب عليه السلام على عكبرى و لم يكن السواد يسكنه المصلّون،فقال لي بين أيديهم:استوف خراجهم منهم فلا يجدوا فيك ضعفا و لا رخصة،ثم قال لي:رح إلي عند الظهر.فرحنا إليه فلم أجد عليه حاجبا و وجدته جالسا و عنده قدح و كوز من ماء،فدعا بظبة-يعني جرابا صغيرا-فقلت في نفسي:لقد أمنّني حين يخرج إليّ جوهرا،فإذا عليه خاتم فكسر الخاتم فإذا فيها سويق فصبه في القدح فشرب منه و سقاني،فلم أصبر و قلت:أتصنع هذا بالعراق،طعام العراق أكثر من ذلك؟فقال،إنّما اشتري قدر ما يكفيني،و أكره أن يفنى فيضع فيه غيري،و إنّي لم أختم عليه بخلا عليه، و انما حفظي لذاك و إنّما أكره أن أدخل بطني إلاّ طيّبا،و إنّي قلت لك بين أيديهم الذي قلت لأنّهم يوم خدع و أنا آمرك الآن بما تأخذهم به إن أنت فعلت و إلاّ
أخذك اللّه به دوني،و إن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك،لا تبيعنّ لهم رزقا يأكلونه و لا كسوة شتاء و لا صيف،و لا تضربنّ رجلا سوطا في طلب درهم فإنّا لم نؤمر بذلك،و لا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها،إنّا أمرنا أن نأخذ منهم العفو.قال:إذن أجيئك كما ذهبت.قال:و ان فعلت.
و في(بلاغات البغدادي)-في وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية و كلام بينهما،قالت أروى لمعاوية:تأمر لي بألفي دينار و ألفي دينار و ألفي دينار.قال:ما تصنعين يا عمّة بألفي دينار؟قالت:اشتري بها عينا فوّارة في أرض خوّارة تكون لولد الحارث،قال:نعم الموضع وضعتها،فما تصنعين بألفي دينار؟قالت:ازوّج بها فتيان بني عبد المطلب من أكفائهم.قال:
نعم الموضع وضعتها،فما تصنعين بألفي دينار؟قالت:استعين بها على عسر المدينة و زيارة بيت اللّه الحرام.قال:نعم الموضع وضعتها،هي لك نعمة و كرامة ثم قال:أما و اللّه لو كان علي ما أمر لك بها.قالت:صدقت إنّ عليّا عليه السلام أدّى الأمانة و عمل بأمر اللّه و أخذ به،و أنت ضيّعت أمانتك و خنت اللّه في ماله، فأعطيت مال اللّه من لا يستحقّه،و قد فرض اللّه الحقوق لأهلها و بيّنها فلم تأخذ بها،و دعانا علي عليه السلام الى أخذ حقّنا الذي فرض اللّه لنا،فشغل بحربك عن وضع الامور مواضعها،و ما سألتك من مالك شيئا فتمنّ به،إنّما سألتك من حقّنا، و لا نرى أخذ شيء غير حقّنا،أتذكر عليّا فضّ اللّه فاك و أجهد بلاك.ثم علا بكاها و قالت:
ألا يا عين ويحك فاسعدينا ألا و ابكي أمير المؤمنينا
و فيه-في وفود سودة بنت عمارة على معاوية بعد ذكر كلام بينهما- قالت سودة لمعاوية:قدم علينا بسر بن إرطأة من قبلك فقتل رجالي و أخذ مالي،تقول:فوهي بما أستعصم اللّه منه و ألجأ اليه فيه،و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة،فإمّا عزلته عنّا فشكرناك،و إمّا لا،فعرفناك.فقال لها معاوية:
أ تهددينني بقومك؟لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ينفذ فيك حكمه.فأطرقت تبكي ثمّ قالت:
صلّى الإله على جسم تضمّنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا فصار بالحقّ و الإيمان مقرونا
قال لها معاوية:و من ذلك؟قالت:علي بن أبي طالب عليه السلام.قال:و ما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟قالت:قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا فكان بيني و بين الرجل ما بين الغث و السمين،فأتيته لأشكوه إليه فوجدته قائما يصلّي،فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة و تعطّف:ألك حاجة؟ فأخبرته فبكى ثم قال:اللّهم إنّك أنت الشاهد علي و عليهم،إنّي لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقّك!ثم أخرج من جيبه قطعة جلد،فكتب «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ» «بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» (1)
هذا خلط بين آية(الاعراف:85)و [1]آيتي(هود:85 و 86). [2]
.إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك-الخبر (2)-.و قولها«يقول فوهي بما استعصم اللّه منه»أي تكلّمي بالسبّ له عليه السلام و استعيذ باللّه من ذلك.
قوله عليه السلام «انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له» «وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» (3).
«و لا تروّعنّ» أي:لا تفزعن «مسلما و لا تجتازن» أي:لا تمرّن «عليه كارها
و لا تأخذن منه أكثر من حقّ اللّه في ماله» لأنّه ظلم .
«فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم» لكون ذلك أذى لهم «ثم امض إليهم بالسكينة» من السكون «و الوقار» من الوقر «حتى تقوم بينهم فتسلّم عليهم» فالسلام من آداب الإسلام،قال تعالى: «فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (1)
النور:61. [1]
.«و لا تخدج» من الاخداج «بالتحية لهم» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و الصواب:«التحية لهم»كما في(ابن ميثم) (2)لتصديق(النهاية)له، فقال:و في حديث علي عليه السلام«لا تخدج التحية لهم»أي:لا تنقصها،يقال أخدجت الناقة ولدها إذا ولدته ناقص الخلق،و خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه و ان كان تام الخلق (3).
«ثم تقول عباد اللّه أرسلني إليكم وليّ اللّه و خليفته لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم» انما قال عليه السلام «عباد اللّه» دون«أيّها الناس»و قال «وليّ اللّه و خليفته» دون«علي أمير المؤمنين»و قال «حقّ اللّه» دون«الصدقات»ليكون الإضافة إلى اللّه تعالى في المواضع الثلاثة لتسهيل الاعطاء على نفوسهم،فإن اعطاء المال شديد على النفوس،و لذا قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أخذ الصدقات من الناس: «وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» (4)كما إنّه عليه السلام أتى بلفظة«اللّه» ظاهرا في الآخرين مع تقدّم ذكره تأكيدا لذلك.
«فهل لكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه» و في(العقد)عن بعضهم قال:وقف
علينا إعرابي فقال:أخ في كتاب اللّه،و جار في بلاد اللّه،و طالب خير من رزق اللّه، فهل فيكم من مواس في اللّه ؟ (1)
العقد الفريد 4:20. [1]
«فان قال قائل لا فلا تراجعه» فقوله مقبول ما دام لم يعلم كذبه و مينه،و لا يحتاج إلى بيّنة أو يمين.«و ان أنعم لك منعم» أي:قال قائل«نعم لك عندي حقّ اللّه» «فانطلق معه من غير أن تخيفه» بالشدّة عليه«و»هكذا في(المصرية)و الصواب: «أو» كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«توعده» بايذائه «أو تعسفه» قال الجوهري:العسف الأخذ على غير الطريق (3)،قال البحتري:
حيث لا عند مجتبى منه الطاط و لا في سياق جابيه عسف
«أو ترهقه» أي:تعسره.
هذا،و في(تاريخ الطبري)قال مسلم العجلي:مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة بن جندب-و كان زياد يستخلفه على البصرة إذا سار إلى الكوفة و على الكوفة إذا سار إلى البصرة و أقرّه معاوية بعد زياد ستة أشهر- فأدّى زكاة ماله،ثم دخل،فجعل يصلّي في المسجد،فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد و بدنه ناحية،فمر أبو بكرة فقال:يقول اللّه سبحانه:
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى» (4)فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شرّ ميتة (5).
«فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة» من زكاة النقدين أو قيمة الغلات الأربعة
«فان كان» هكذا في(المصرية)و الصواب:(فان كانت)كما في(ابن أبي الحديد و ثمّ و الخطية) (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 15:151،و [1]شرح ابن ميثم 4:410 [2] نحو المصرية.
«له ماشية» الماشية تطلق على الغنم و البقر و الإبل،و المراد هنا الأولان «أو إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه فإن أكثرها له،فإذا أتيتها فلا تدخل عليها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فلا تدخلها)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)«دخول متسلّط عليه و لا عنيف به» قال الجوهري:العنيف:الذي ليس له رفق بركوب الخيل (3).«و لا تنفرّن بهيمة و لا تفزعنّها» فانّه ظلم و عمل قبيح.
«و لا تسؤنّ صاحبها فيها» قال بعضهم في وصف مصدقهم:
يا كروانا صك فاكبأنا فشن بالسلح فلما شنا
بل الذنابي عبسا مبنّا أ إبلى تأكلها مصنّا
خافض سن و مشيل سنا
قال ابن السكّيت:معنى قوله«خافض سن»إنّ المصدق يأخذ ابنة لبون و يقول إنّها ابنة مخاض،«و مشيل سنا»إنّ للمصدق ابنة لبون فيأخذ حقّة (4).
«و أصدع المال صدعين» قال الجوهري«الصدعة»بالكسر:الصرمة من الإبل و الفرقة من الغنم،يقال صدعت الغنم صدعتين أي:فرقتين (5).
«ثم خيّره» بين الصدعين «فإذا اختار» أحدهما «فلا تعرضنّ لما اختاره» منهما.
«ثم اصدع الباقي» مما اختاره «صدعين ثمّ خيّره» بين الصدعين «فإذا
اختار» أحدهما «فلا تعرضنّ لما اختاره» منهما.
«فلا تزال كذلك» تصدع بالباقي صدعين ثم تخيّره فإذا اختار فلم يكن لك التعرّض له «حتى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه في ماله» واحد أو أكثر «فاقبض حقّ اللّه منه» ممّا تركه «فان استقالك» من القيل من إقالة البيع بمعنى فسخه.
«فأقله ثمّ اخلطهما» ما بقي و ما اختار «ثمّ اصنع مثل الذي صنعت أوّلا» من صدع المال و يدعه و اختياره «حتى تأخذ حقّ اللّه في ماله» ممّا بقي و أعرض عنه.
هذه آداب الاسلام لعمّال الصدقات،لا يجوز لهم أن يختاروا من أنعام من وجبت عليه الزكاة و إنّما الاختيار لمالكيها.و كان عمّال أبي بكر يختارون ما أعجبهم و لو كان من مال غير المالك مختلطا به،فإن تكلّم المالك في ذلك رموه بالارتداد و قتلوه.
ففي(كامل الجزري):كان زياد بن لبيد قد ولّى من قبل أبي بكر صدقات بني عمرو بن معاوية،فقدم عليهم فكان أوّل من انتهى إليه منهم شيطان بن حجر،فأخذ منهم بكرة و وسمها،فإذا الناقة للعداء بن حجر أخيه و كان أخوه قد أوهم حين أخرجها و كان اسمها شذرة و ظنّها غيره،فقال العداء:هذه ناقتي،فقال أخوه:صدق فأطلقها و خذ غيرها،فاتّهمه زياد بالكفر و مباعدة الاسلام،فمنعهما عنها و قال:صارت في حقّ اللّه،فلجأ في أخذها فقال لهما زياد:لا تكوننّ«شذرة»عليكم كالبسوس.فنادى العداء:يا آل عمرو أ أضام و اضهد،إنّ الذليل من أكل في داره.و نادى حارثة بن سراقة بن معد يكرب، فأقبل حارثة إلى زياد و هو واقف فقال له:أطلق بكرة الرجل و خذ غيرها.فقال زياد:ما إلى ذلك سبيل،فقال حارثة:ذاك إذا كنت يهوديا-و أطلق عقالها و بعثها و قام دونها-فأمر زياد شبابا من حضرموت و السكون فمنعوه و كتفوه و كتفوا أصحابه و أخذوا البكرة،و تصايحت كندة و غضبت بنو معاوية لحارثة و أظهروا أمرهم،و غضبت حضرموت و السكون لزياد
و توافي عسكران عظيمان-إلى أن قال-و نهد زياد إليهم ليلا فقتل منهم و تفرّقوا (1)
كامل ابن الأثير 2:379 سنة 11. [1]
.«و لا تأخذنّ عودا» بالفتح أي:مسنّة.قال الجزري:في حديث حسان«قد آن لكم أن تبعثوا إلى هذا العود،هو الجمل كبير مسنّ مدرّب فشبّه نفسه به، و في حديث جابر«فعمدت إلى عنز لأذبحها فثغت فقال عليه السلام لا تقطع درّا و لا نسلا فقلت:إنّما هي عودة علفناها البلح و الرطب فسمنت»عود البعير و الشاة إذا أسنّا (2).
«و لا هرمة» قال ابن دريد:الهرم:بلوغ الغاية في السنّ (3).
و في(القاموس):ابن هرمة آخر ولد الشيخ و الشيخة و شاعر (4).
هذا،و ليست جملة «و لا تأخذن عودا و لا هرمة» في رواية الكليني و الشيخين.
«و لا مكسورة» لكونها ناقصة و يجب أداء سالمة «و لا مهلوسة» قال الجوهري:الهلاس،السّل،يقال هلسه المرض (5).
«و لا ذات عوار» بالفتح أي:العيب.و يقال في الأمرين المكروهين«كسير و عوير و كل غير خير» (6).
«و لا تأمننّ عليها» في إرسالك لها إليّ «إلاّ من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتّى يوصله إلى وليّهم» غير معنّف و لا مجحف بتقديم الجيم.قال الجوهري:
أجحف به أي:ذهب به،و كان اسم جحفة ميقات الشام مهيعة،فأجحف السيل بأهلها فسمّيت جحفة (1)
صحاح اللغة 4:1335، [1]مادة(جحف).
(2).«و لا ملغب» قال الجوهري:ألغبته أي:انصبته (3).
«و لا متعب ثمّ احدر الينا» و الأصل في الحدر ارسال السفينة إلى أسفل، و هنا كناية عن الإسراع،فالإرسال إلى أسفل يحصل سريعا.
«ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«أمر اللّه به»كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم (4)و(الخطية)،أي:من موارد الصدقات.
«فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه» قال الجوهري:أو عزت إليه في كذا و كذا أي:
تقدمت،و كذلك»وعّزت إليه توعيزا،و قد يخفف فيقال و عزت إليه و عزا (5).
«ألا يحول بين ناقة و بين فصيلها» الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن امه.
«و لا يمصّر لبنها» قال ابن السكيت:المصر:حلب كلّ ما في الضرع (6)«فيضر ذلك بولدها» فيضعف فيموت.
في(أدب كاتب الصولي):قال الحجاج يوما للدهاقين-و قد اجتمعوا عنده-كم كان عمر يجبي السواد؟قالوا مائة ألف ألف درهم.قال:فكم جباه زياد؟قالوا مائة ألف ألف.قال:فكم نجيبه نحن اليوم؟قال:ثمانين ألف ألف.
فقال:لم ذلك؟فقال له دهقان الفلوجيين:هذا كلّه لبيتين قاله شاعركم ابن
حلزة.قال:و ما هما؟قال:قوله:
لا تكسع الشول بأغبارها إنّك لا تدري من الناتج
و أصبب لأضيافك ألبانها فانّ شرّ اللبن الوالج
فاستعمل عمّالكم هذا فخربت الدنيا.
و معنى البيتين أنّ العرب كانت إذا أخصبت عاما لم تستقص الحلب و تركت في الضروع بقية و كسعت الضروع بالماء البارد ليترادّ اللبن فيكون أقوى لظهورها،فان كان في العام المقبل جدب كان فيها فضل و قوّة حتى لا ينقطع اللبن،فقال هذا الشاعر«لا تكسع الشول»و هي النوق«بأغبارها»و هي بقايا ألبانها«إنّك لا تدري من الناتج»أي:لعلّه أن يغار عليك فتؤخذ أو تموت فيأخذها الوارث،أي:يعمل العمّال هذا و أخذوا العاجل و لم يعمروا للطعام المقبل فنقص الخراج لذلك (1)
أدب الكتاب:220 و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و لا يجهدنّها ركوبا و ليعدل بين صواحباتها في ذلك و بينها» و قد عرفت أن رواية(الكافي)«و لا يجهد بها ركوبا و ليعدل بينهنّ في ذلك » (2).
«و ليرفه» أي:يجعل الرفاهية «على اللاغب» الذي حصل له التعب و الإعياء «و ليستأنّ» أي:ينتظر «بالنقب» أي:بعير رقّت أخفافه «و الظالع» أي:بعير غمز في مشيه.
«و ليوردها» الماء «ما تمرّ به من الغدر» جمع الغدير،قدر من الماء يغادره السيل.و في(الصحاح):و يقال الغدير فعيل بمعنى فاعل لأنّه يغدر بأهله،أي:
ينقطع عند شدّة الحاجة إليه،قال الكميت:
و من غدره نبزه الأولون إذ لقبوه الغدير الغديرا (1)
صحاح اللغة 2:767، [1]مادة(غدر).
«و لا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ» بتشديد الدال من الجدد جمع الجادّة الأرض الغليظة «الطرق و ليروّحها» أي:يجعل لها راحة أو يردّها إلى المراح «في الساعات» أي:ساعات الترويح.و في رواية(الكافي)«في الساعة التي فيها تريح و تغبق» (2).
ثم إنّ ابن إدريس جعل«تعنق»في(الكافي)بالعين و النون،من العنق أي:السير الشديد للابل،فقال:معناه لا يعدل بهن عن نبت الأرض الى جوادّ الطرق في الساعات التي لها فيها راحة و لا في الساعات التي عليها فيها مشقة، و بعضهم صحّفه فقرأه«تغبق»بالغين المعجمة و الباء من الغبوق،و هو الشرب بالعشي (3).
قلت:لا معنى لما قال،فإذا كان لا يعدل بها عن النبت في ساعة الراحة و في ساعة الشدّة فأيّ ساعة تسير،و أيضا الأعناق لا يحصل في النبت بل في الجادة.
«و ليمهلها عند النطاف» جمع النطفة الماء الصافي قلّ أو كثر «و الأعشاب» جمع العشب:الكلاء الرطب «حتى تأتينا» هكذا في(المصرية و ابن ميثم)،و لكن في(ابن أبي الحديد و الخطية)«حتى يأتينا بها» (4)«باذن اللّه» أي:بتقديره «بدنا» بضم الدال و سكونه،أي:سمان «منقيات» ذات نقى أي:مخّ «غير متعبات و لا مجهودات» جهد دابته إذا حمل عليها فوق طاقتها «لنقسّمها على كتاب اللّه و سنّة نبيه» على الأصناف المستحقين.
«فإنّ ذلك» أي:رعيك ما ذكرت لك «أعظم لأجرك و أقرب لرشدك إن شاء اللّه» ليست كلمة«إن شاء اللّه في نسخة(ابن ميثم) (1)
توجد الكلمة في شرح ابن ميثم 4:411. [1]
.الكتاب(60)
و من كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم:
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ- مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلاَدِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً- هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ قَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ- مِنْ كَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا- وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ- إِلاَّ مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ لاَ يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ- فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ- وَ كُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ- وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ- وَ أَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ- فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ- وَ مَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ- وَ مَا لاَ تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلاَّ بِاللَّهِ وَ بِي فَأَنَا أُغَيِّرُهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ أقول:رواه نصر بن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 125 و 126 )هكذا:فقال و في حديث عمر أيضا باسناده ان عليّا عليه السلام كتب إلى امراء الأجناد-بعد البسملة:أما بعد،فإنّي أبرأ إليكم و إلى أهل الذّمّة من معرّة الجيش إلاّ من جوعة إلى شبعة،و من فقر إلى غنى،أو عمى إلى هدى،فإنّ ذلك عليهم،فاعزلوا الناس عن الظلم و العدوان، و خذوا على أيدي سفهائكم،و احترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى اللّه بها عنّا فيردّ علينا و عليكم دعانا،فإن اللّه تعالى يقول: «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً» (2)،فانّ اللّه إذا مقت قوما من السماء
هلكوا في الأرض،فلا تألوا أنفسكم خيرا،و لا الجند حسن السيرة،و لا الرعية معونة،و لا دين اللّه قوة،و أبلوه في سبيله ما استوجب عليكم،فإنّ اللّه قد اصطنع عندنا و عندكم ما نشكره بجهدنا و أن ننصره ما بلغت قوّتنا،و لا قوّة إلاّ باللّه.
و في كتابه أيضا:و كتب عليه السلام إلى جنوده يخبرهم بالذي لهم و الذي عليهم:من عبد اللّه علي أمير المؤمنين،أما بعد فإنّ اللّه جعلكم في الحقّ جميعا سواء أسودكم و أحمركم،و جعلكم من الوالي و جعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد و بمنزلة الولد من الوالد،الذي لا يكفيهم منعه إيّاهم طلب عدوّه و التهمة به ما سمعتم و أطعتم و قضيتم الذي عليكم،و إنّ حقّكم عليه إنصافكم و التعديل بينكم و الكفّ عن فيئكم،فإذا فعل ذلك معكم،وجبت عليكم طاعته بما وافق الحقّ و نصرته على سيرته و الدفع عن سلطان اللّه،فانّكم وزعة اللّه في الأرض تكونوا له أعوانا و لدينه أنصارا،و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها إن اللّه لا يحبّ المفسدين (1)
وقعة صفين:125-126. [1]
.قول المصنف : «يطأ الجيش عملهم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:
«يطأ عملهم الجيش»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)،و في نسخة الأول«الجيوش» (2).
قوله عليه السلام «من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى من مرّ به الجيش من جباة الخراج» الجباة:جمع الجابي،و الأصل في معناه الجمع،قال تعالى: «يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ» (3)،و الخراج كالخرج:الأتاوة.
«و عمّال البلاد» أي:حكّامها .
«أما بعد فإنّي قد سيّرت جنودا» إلى العدو «هي مارة بكم إن شاء اللّه» لكونكم في طريقهم «و قد أوصيتهم بما يجب للّه عليهم،من كفّ الأذى و صرف الشذى» أي:
الشر،يقال آذيت و أشذيت.
في(العقد):حبس مروان-و كان والي المدينة من قبل معاوية-غلاما من بني ليث في جناية جناها،فأتته جدّة الغلام ام سنان المذحجية فكلّمته في الغلام،فأغلظ لها،فخرجت إلى معاوية،فقال لها:ما أقدمك أرضنا و قد عهدتك تشتميننا و تحضّين علينا عدوّنا،قالت:ان لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة،و ان أولى الناس باتباع ما سنّ آباؤه لأنت.
قال:نحن كذلك،فكيف قولك:
عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد و الليل يصدر بالهموم و يورد
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا علي كالهلال تحفّه وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق و ابن عمّ محمّد إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا و النصر فوق لوائه ما يفقد
قالت:كان ذلك،و أرجوا أن تكون لنا خلفا.فقال رجل من جلسائه:كيف و هي القائلة:
أما هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحقّ تعرف هاديا مهديّا
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريّا
قد كنت بعد محمّد خلفا كما أوصى إليك بنا فكنت وفيّا
فقالت:لسان صدق و قول نطق،و لئن تحقّق ما ظنّنا فحظّك الأوفر،و اللّه ما ورّثك الشنآن في قلوب المسلمين إلاّ هؤلاء،فأدحض مقالتهم و أبعد منزلتهم-إلى أن قالت-إنّ مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد البراح منها،
لا يحكم بعدل و لا يقضي بسنّة،يتتبع عثرات المسلمين و يكشف عورات المؤمنين (1)
العقد الفريد 1:296،و [1]النقل بتلخيص.
.«و أنا ابرأ إليكم و الى ذمّتكم من معرّة الجيش» أي:إثمهم و شرّهم.
برئ عليه السلام من معرّتهم كما برئ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من معرّة عمل خالد بن الوليد ببني جذيمة،حيث غدر بهم فآمنهم فوضعوا السلاح فأمر بهم فكتّفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم،فلما انتهى الخبر إلى النبي رفع يديه إلى السماء و قال-كما في تاريخ الطبري-اللّهم إنّي ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.ثم دعا عليّا عليه السلام و قال له:أخرج إلى هؤلاء،و بعث معه مالا فودي لهم الدماء،و ما أصيب من الأموال،حتّى أنّه ليدي ميلغة الكلب،فلما فرغ قال لهم:هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم؟قالوا:لا.قال:فإنّي أعطيكم هذه البقية-و قد كان بقي من مال معه بقية-احتياطا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مما لا أعلم و لا تعلمون،فأعطاهم،ثم رجع إلى النبي فأخبره بما فعل،فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له:أصبت و أحسنت.ثم قال النّبيّ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى أنّه ليرى بياض ما تحت منكبيه و هو يقول«اللّهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد-ثلاث مرات» (2).
«إلاّ من جوعة المضطر لا يجد عنها» أي:عن جوعته «مذهبا» أي:مسلكا و حيلة «إلى شبعه» قال تعالى-بعد ذكر حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به و المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و النّطيحة و مأكول السبع و المذبوح على النصب و مستقسم الأزلام- «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (3).
«فنكلوا» أي:دافعوا «من تناول» أي:أخذ «منهم شيئا» هكذا في(المصرية) و ليس «شيئا» في(ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 17:147،لكن في شرح ابن ميثم 5:198 [1] نحو المصرية.
،فالكلمة زائدة «ظلما» مفعول مطلق لقوله «تناول» «عن ظلمهم» متعلق بقوله «فنكلوا» .هذا،و في(تاريخ الطبري):كان هرمز بن انوشروان ذانيّة في الإحسان إلى الضعفاء و المساكين و الحمل على الأشراف،فأبغضوه-و بلغ من عدله أنّه كان يسير إلى مياه ليصيف،فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده،و سائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث و لا يضرّوا بأحد من الدهاقين فيها و يضبطوا دوابّهم عن الفساد فيها،و وكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك و معاقبة من تعدّى أمره،و كان ابنه كسرى ابرويز،فعار مركب من مراكبه و وقع في محرثة كانت في طريقه،فرتع فيها و أفسد منها،فأخذ ذلك المركب و دفع إلى من وكله هرمز بمعاقبة من أفسد دابّته شيئا من المحارث و تغريمه،فلم يقدر الرجل على إنفاذ أمر هرمز في كسرى و لا في أحد ممن كان معه في حشمه،فرفع ما رئى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز،فأمر أن يجدع اذنيه و يبتر ذنبه و يغرم كسرى،فخرج الرجل لينفذ أمره في كسرى و مركبه،فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلم يجب إليه،فسألوه أن يؤخّر أمره في المركب حتى يكلّموا هرمز،فقبل،فلقوه و أعلموه أنّ بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة و أنّه عار،فوقع في محرثة فأخذ من فوره و ان في تبتيره سوء الطيرة على كسرى،فلم يجبهم إلى ما سألوه من ذلك،و أمر بالمركب فجدع أذناه و بتر ذنبه و غرّم كسرى مثل ما كان يغرّم غيره في هذا الحدّ،ثم ارتحل من معسكره.
و فيه أيضا:كان هرمز ركب ذات يوم في أوان ايناع الكرم إلى ساباط
1) 1)
المدائن،و كان ممره على بساتين و كروم،و إنّ رجلا ممّن ركب معه من أساورته اطّلع في كرم فرأى فيه حصر ما فأصاب منه عناقيد و دفعها إلى غلام كان معه و قال له:اذهب بها إلى المنزل،و اطبخها بلحم و اتخذ منها مرقة،فانها نافعة في هذا الوقت،فأتاه حافظ ذاك الكرم فلزمه و صرخ،فبلغ إشفاق الرجل من عقوبة هرمز أن دفع إلى الحافظ منطقة محلاّة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه،و رأى ان قبول الحافظ للمنطقة بدون رفع أمره إلى هرمز من منّه عليه.
و فيه:رفع الهرابذة إلى هرمز قصّة يبغون فيها على النصارى،فوقّع فيها كما أنّه لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا و لا ثبات له مع استفسادنا من في بلادنا من النصارى، و أهل سائر المخالفة لنا،فاقصروا عن البغي عنهم و واظبوا على البر بهم، ليرى ذلك النّصارى و غيرهم من أهل الملل فيحمدوكم عليه و تتوق أنفسهم الى ملّتكم (1)
تاريخ الطبري 1:584 و 585،و [1]النقل بتصرف يسير.
.«و كفّوا أيدي سفهائكم عن مضادتهم و التعرض لهم فيما استثنيناه منهم» من جوعة المضطر «و أنا بين أظهر الجيش» و قوتهم مني «فارفعوا إليّ مظالمكم» من الجيش «و ما عراكم» أي:غشيكم «مما يغلبكم من أمرهم» «و ما لا» هكذا في (المصرية)و الصواب: «و لا» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«تطيقون دفعه إلاّ باللّه و بي» .
في(العقد)-في قصة في وفود سودة الهمدانية على معاوية-قالت له:لا يزال يقدم علينا من عندك من يحصدنا حصد السنبل و يدوسنا دياس البقر،
و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة.فقال:تهدديني بقومك؟لقد هممت أن أردك إلى بسر-و كانت قدمت في الشكاية منه-فسكتت ثم قالت:
صلّى الإله على روح تضمّنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به ثمنا فصار بالحقّ و الإيمان مقرونا
قال:و من ذلك؟قالت:علي بن أبي طالب عليه السلام،أتيته يوما في رجل ولاّه صدقاتنا،فكان بيننا و بينه الغثّ و السمين،فوجدته قائما يصلّي،فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة:ألك حاجة؟فأخبرته فبكى ثم رفع يديه إلى السماء فقال:
انّي لم آمرهم بظلم خلقك،ثمّ أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب«قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا النّاس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين.بقيّة اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين.و ما أنا عليكم بحفيظ» (1)
هذا خلط بين آية(الأعراف:85)و [1]آيتي(هود:85 و 86). [2]
إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك،حتى يأتي من يقبضه منك.فقال لها معاوية:لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان (2).
«فأنا اغيّره بمعونة اللّه إن شاء» هكذا في(المصرية)،و فيها زيادة و نقيصة،و الصواب:«أغيّره بمعونة اللّه إن شاء اللّه»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3)و كذا(الخطية).
الكتاب(50)
و من كتاب له عليه السلام إلى أمرائه على الجيوش:
مِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنِ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ،
أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ عَلَى الْوَالِي أَلاَّ يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ- وَ لاَ طَوْلٌ خُصَّ بِهِ- وَ أَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ- وَ عَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ- أَلاَ وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلاَّ أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلاَّ فِي حَرْبٍ- وَ لاَ أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلاَّ فِي حُكْمٍ- وَ لاَ أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ- وَ لاَ أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ- وَ أَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ لِلَّهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ- وَ لِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ- وَ أَلاَّ تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ وَ لاَ تُفَرِّطُوا فِي صَلاَحٍ- وَ أَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ- فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا عَلَى ذَلِكَ- لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ اعْوَجَّ مِنْكُمْ- ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ وَ لاَ يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً- فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ- وَ أَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ أقول:رواه نصر بن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 107 )فقال:كتب علي عليه السلام إلى امراء الجنود«بسم اللّه الرحمن الرحيم،من عبد اللّه علي أمير المؤمنين،أما بعد فإنّ حقّا على الوالي أن لا يغيّره على رعيته أمر ناله و لا أمر خصّ به،و ان يزيده ما قسم اللّه له دنوا من عباده و عطفا عليهم.ألا و إن لكم عندي ألاّ احتجز دونكم سرّا إلاّ في حرب و لا أطوي لكم أمرا إلاّ في حكم،و لا أؤخّر لكم حقّا عن محله، و لا أرزؤكم شيئا،و أن تكونوا عندي في الحقّ سواء.فإذا فعلت ذلك وجبت عليكم النصيحة و الطاعة.فلا تنكصوا عن دعوتي،و لا تفرطوا في صلاح دينكم من دنياكم،و أن تنفذوا لما هو للّه طاعة و لمعيشتكم صلاح،و أن تخوضوا الغمرات الى الحقّ و لا يأخذكم في اللّه لومة لائم.فإن أبيتم أن تستقيموا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممّن فعل ذلك،ثم اعاقبه عقوبة لا يجد عندي فيها هوادة،فخذوا هذا من أمرائكم و أعطوهم من أنفسكم
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ- لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ وَ أَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ- وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْبَغْيِ وَ الْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ- لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ- فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ اصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ- فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ- وَ وُكَلاَءُ الْأُمَّةِ وَ سُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ- وَ لاَ تُحْسِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ وَ لاَ تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ- وَ لاَ تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَ لاَ صَيْفٍ- وَ لاَ دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا وَ لاَ عَبْداً- وَ لاَ تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَمٍ- وَ لاَ تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَ لاَ مُعَاهَدٍ- إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاَحاً- يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلاَمِ- فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلاَمِ- فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ- وَ لاَ تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً وَ لاَ الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ- وَ لاَ الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً وَ لاَ دِينَ اللَّهِ قُوَّةً- وَ أَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَ عِنْدَكُمْ- أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا- وَ أَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا- وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أقول:و رواه نصر بن مزاحم في( صفينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 108 و 125 )أيضا مع زيادة و نقيصة، فقال:و كتب علي عليه السلام إلى امراء الخراج من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج،أما بعد فإنّه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدّم لنفسه و لم يحرزها، و من اتّبع هواه و انقاد له على ما لا يعرف نفع عاقبته عمّا قليل ليصبحنّ من النّادمين،ألا و إنّ أسعد الناس في الدنيا من عدل عمّا يعرف ضرّه،و إنّ أشقاهم من اتّبع هواه،فاعتبروا،و اعلموا أنّ لكم ما قدّمتم من خير و ما سوى ذلك وددتم لو أنّ بينكم و بينه أمدا بعيدا و يحذّركم اللّه نفسه و اللّه رؤف و رحيم بالعباد،و إنّ عليكم ما فرطتم فيه،و إنّ الذي طلبتم ليسير و إنّ ثوابه لكبير،و لو لم يكن في ما نهى عنه من الظلم و العدوان عقاب يخاف كان في ثوابه ما لا عذر
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
برای مشاهده متن کتاب می بایست عضو سایت شوید و چنانچه عضو هستید از اینجا وارد شوید
لمشاهدة محتويات الكتاب عليك أن تسجل عضواً في الموقع وإن كنت عضواً فيه ادخل من هنا
To view the book text you must Sign up first. If you are a member, Sign in here
إن كنت لا تقدر علی شراء الاشتراك عبرPayPal أو بطاقة VISA، الرجاء ارسال رقم هاتفك المحمول إلی مدير الموقع عبر webmaster@noorlib.ir [1]
If you fail to purchase subscription via PayPal or VISA Card, please send your mobile number to the Website Administrator via webmaster@noorlib.ir [2]
ص:
بنو اميّة يأخذون الجزية ممّن أسلم من أهل الذمّة،و يقولون هؤلاء فرّوا من الجزية،و يأخذون الصدقة من الخيل،و ربما دخلوا دار الرجل قد نفق فرسه أو باعه،فإذا أبصروا الآخية قالوا:قد كان ها هنا فرس فهات صدقتها.و كانوا يبيعون الرجل في الدّين يلزمه،و يرون انّه يصير بذلك رقيقا،كان معن أبو عمير بن معن الكاتب حرّا مولى لبني العنبر،فبيع في دين عليه فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العتكي،و باع الحجّاج علي بن بشر بن الماحوز لكونه قتل رسول المهلّب على رجل من الأزد،و كانوا يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم،و نقشوا أكفّ المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم و الحبشة،و بايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة-و فيها بقايا الصحابة و أولادها و صلحاء التابعين-على أنّ كلاّ منهم عبد قنّ ليزيد إلاّ علي بن الحسين عليه السلام-إلخ (1)
شرح ابن أبي الحديد 15:241 و 242. [1]
-.و هل كان فعلهم ما فعلوا إلاّ بتأسيس المتقدّمين عليه عليه السلام لهم ذلك،كما لا يخفى على من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.و قد أقرّ بذلك خالهم و وليّ ثالثهم في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر (2).
«إلاّ أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به» أي:يتجاوز به «على أهل الاسلام، فانّه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة» واحدة شوك الشجر «عليه» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و عليه فالضمير راجع إلى الإسلام،و لكن في(ابن ميثم)«عليهم»و عليه فالضمير راجع إلى أهل الاسلام (3).
«و لا تدّخروا أنفسكم نصيحة،و لا الجند حسن سيرة،و لا الرعيّة معونة،و لا دين اللّه قوّة» قد عرفت من رواية نصر أنّ هذه الفقرات الأربع ممّا كتبه عليه السلام إلى امراء الأجناد لا الخراج،و هو الحقّ فإنّها تناسبهم .
«و أبلوا» أي:أعطوا كقول جرير:
فأبلى أمير المؤمنين أمانة و أبلاه صدقا في الامور الشدائد
و قول زهير«و أبلاهما خير البلاء الذي يبلو» (1)
أورد الأوّل أساس البلاغة:30 [1] مادة(بلو)،و الأخير لسان العرب 14:84 [2] مادة(بلا).
،و الأصل فيه الاختبار و الامتحان،أي:افعلوا فعلا تظهرون اختباركم و امتحانكم.«في سبيل اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«في سبيله»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).
«ما استوجب» أي:وجب «عليكم فان اللّه سبحانه قد اصطنع عندنا و عندكم» أي:أنعم على كلّ منّا بما وجب علينا «أن نشكره بجهدنا» أي:بقدر طاقتنا و إلاّ فلم يقدر أحد أن يشكره حقّ شكره.
«و أن ننصره بما بلغت به قوتنا» حيث لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ وسعها «و لا قوّة إلا باللّه» في شكره و نصره «العلي العظيم» هكذا في(المصرية)أخذا عن (ابن أبي الحديد)و ليسا في(ابن ميثم) (3).
الكتاب(26)
و من عهد له عليه السلام إلى بعض عماله و قد بعثه على الصدقة:
آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَ خَفِيَّاتِ عَمَلِهِ- حَيْثُ لاَ شَاهِدَ غَيْرُهُ
وَ لاَ وَكِيلَ دُونَهُ- وَ آمُرُهُ أَلاَّ يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا ظَهَرَ- فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ- وَ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَ عَلاَنِيَتُهُ وَ فِعْلُهُ وَ مَقَالَتُهُ- فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ- وَ آمُرُهُ أَلاَّ يَجْبَهَهُمْ وَ لاَ يَعْضَهَهُمْ- وَ لاَ يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ- فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ- وَ الْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ- وَ إِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَ حَقّاً مَعْلُوماً- وَ شُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ وَ ضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ- وَ إِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ- وَ إِلاَّ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ بُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ وَ الْمَسَاكِينُ- وَ السَّائِلُونَ وَ الْمَدْفُوعُونَ وَ الْغَارِمُونَ وَ ابْنُ السَّبِيلِ- وَ مَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ وَ رَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ- وَ لَمْ يُنَزِّهْ نَفْسَهُ وَ دِينَهُ عَنْهَا- فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا- الذُّلَّ وَ الْخِزْيَ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَ أَخْزَى- وَ إِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ- وَ أَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّةِ وَ السَّلاَمُ قول المصنف : «و من عهد له عليه السلام الى بعض عمّاله و قد بعثه على الصدقة» المراد به مخنف ابن سليم الأزدي،أبو جدّ أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الإخباري كما رواه القاضي النعمان في( دعائمه القاضي النعمان-دعائم الاسلام-ج 1 ص 252 ) (1)
دعائم الاسلام 1:252. [1]
.قوله عليه السلام «آمره بتقوى اللّه في سرائر أمره» هكذا في(المصرية)، و الصواب:«أموره»كما في(ابن ميثم و الخطية) (2).
«و خفيّات عمله» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«أعماله»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).
«حيث لا شاهد» هكذا في(المصرية)و الصواب:«لا شهيد»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)
كذا في شرح ابن ميثم 4:416،لكن في شرح ابن أبي الحديد 15:158 [1] نحو المصرية.
«غيره» من البشر،فلا ينافي شهود الملكين «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (2)فالملكان منه و قبله «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (3).«و لا وكيل دونه» حتى أنبيائه «اللّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» (4)«وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» (5).
ثم إنّ قوله عليه السلام: «حيث لا شاهد غيره و لا وكيل دونه» ظرف لقوله «بتقوى اللّه» كقوله «في سرائر أمره و خفيات عمله» ،فقول ابن أبي الحديد يعني حيث لا شهيد و لا وكيل دونه يوم القيامة (6)خطأ .
«و آمره أن لا يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر،فيخالف إلى غيره فيما أسر» كما عليه كثير من الناس بل أكثرهم.
و في(المروج):يحكى أنّه ورد على الرشيد يوما كتاب صاحب البريد بخراسان-و يحيى بن خالد بن يديه-يذكر فيه أنّ الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد و إدمان اللذات عن النظر في امور الرعية،فلمّا قرأه الرشيد رمى به ليحيى و قال له:يا ابت اقرأ هذا الكتاب،و اكتب إليه كتابا يردعه عن مثل هذا، فمد يده إلى دواة الرشيد و كتب الى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد:
حفظك اللّه يا بني و أمتع بك!قد انتهى إلى الخليفة ما أنت عليه من التشاغل بالصيد و مداومة اللذات عن النظر في امور الرعية ما أنكره،فعاود ما هو أزين بك،فإنّه من عاد إلى ما يزيّنه و يشيّنه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به،و السلام.
و كتب في أسفله هذه الأبيات:
انصب نهارا في طلاب العلا و اصبر على فقد لقاء الحبيب
حتّى إذا الليل بدا مقبلا و استترت فيه وجوه العيوب
فبادر الليل بما تشتهي فانّما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكا يستقبل الليل بأمر عجيب
ألقى عليه الليل أستاره فبات في لهو و عيش خصيب
و لذّة الأحمق مكشوفة يسعى بها كلّ عدوّ رقيب
و الرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له:أبلغت يا أبت؟فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف عن عمله (1)
مروج الذهب 3:368 و 369. [1]
.«و من لم يختلف سرّه و علانيته و فعله و مقالته فقد أدّى الأمانة» و الواجب عليه أداؤها «و أخلص العبادة» الواجب الإخلاص فيها .
«و آمره أن لا يجبههم» جبهه:صك جبهته «و لا يعضههم» عضهه:رماه بالبهتان «و لا يرغب عنهم تفضلا بالإمارة عليهم» كان عليه السلام نفسه كذلك،فلما وصفه ضرار الضبابي لمعاوية قال له فيما قال:و كان فينا كأحدنا،يجيبنا إذا سألنا و يبتدئنا إذا سكتنا،و نحن مع تقريبه لنا أشدّ ما يكون صاحب لصاحب هيبة،لا نبتدؤه بالكلام لعظمته-إلخ (2)-.
«فإنّهم الإخوان في الدّين» قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (1)
الحجرات:10. [1]
«و الأعوان على استخراج الحقوق» هذه الفقرة تشهد على أنّ المراد من قوله عليه السلام«و امره ألاّ يجبههم»أعوانه الذين معه كاتبه و حاسبه و حارسه و سائقه لا من يأخذ منهم الصدقات .«و إنّ لك» في رواية(الدعائم):«يا مخنف بن سليم إنّ لك»-إلخ (2)-.
«في هذه الصدقة نصيبا مفروضا و حقّا معلوما» حيث أنّ العمال لجمع الصدقات أحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم اللّه تعالى في مصرف الزكوات فقال: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها» (3)-الآية.
«و شركاء» باقي الأصناف «أهل» بالنصب بيان لشركاء «مسكنة» المراد بأهل مسكنة الفقراء و المساكين.
«و ضعفاء ذوي فاقة» و المراد بهم«في الرقاب»و«الغارمون»و«ابن السبيل»و«في السبيل».
«و إنّا موفّوك حقّك فوفّهم حقوقهم» بأن لا تخون و تخفي مقدارا ممّا معك و لا تحمل الجميع إليّ للصرف بين أهله.
و مما بيّنا ظهر لك ما في كلام ابن أبي الحديد،الكلام دال على أنّه عليه السلام فوّض الى العامل الصّرف (4)،فانّ الكلام ليس في ذاك المقام،بدليل قوله عليه السلام «و إنّا موفّوك حقّك» .
«و إلاّ فإنّك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة» هكذا في(المصرية)،و فيها
تقديم و تأخير،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)«يوم القيامة خصوما» (1)
لفظ شرح ابن أبي الحديد 15:158،و [1]شرح ابن ميثم 4:415 [2] نحو المصرية.
.و كيف كان،فورد في علّة كون زكاة كلّ ألف خمسة و عشرين أنّ اللّه تعالى خلق الخلق كلّهم،فعلم صغيرهم و كبيرهم،و علم غنيّهم و فقيرهم، فجعل من كلّ ألف إنسان خمسة و عشرين مسكينا(فجعل في كلّ ألف درهم خمسة و عشرين درهما)فلو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم لأنّه خالقهم و هو أعلم بهم (2).
«و بؤسا» أي:حال سوء،و قال ابن أبي الحديد:قال الراوندي «بؤسا» أي:
عذابا و شدّة فظنه منونا و ليس كذلك بل هو«بؤسى»على وزن فعلى كفضلى و نعمى قال الشاعر:
أرى الحلم بؤسى للفتى في حياته و لا عيش إلا ما حباك به الجهل (3)
قلت:«بؤسي»على وزن فعلي تكتب بالياء،و أما بؤسا منوّنا فتكتب بالألف،فلا بد أن الراوندي رآه بالألف في النسخ الصحيحة،و يشهد له أنّ ابن ميثم نسخته بخط المصنف نقله بالألف و قال:إنّه منصوب على المصدر (4)، و من اين أنّ الشعر لم يكن«بؤسا»بالتنوين فحرّفه،مع انّ كون الشعر بلفظ «بوسي»أعمّ من الحصر،و أنّ الشعر لم يعلم قائله و لعلّه لبعض المتأخرين، فيكون الاستشهاد به غلطا،مع أنّه لم يعلم استعمال«بوسي»منكرة بل معرفة،ففي(الصحاح)و البؤسي خلاف النعمى (5)،و في(الجمهرة)و البؤسى
مثل الطوبى اشتقاقها من البؤس (1)
جمهرة اللغة 3:277. [1]
.«لمن خصمه عند اللّه الفقراء و المساكين» اختلف في كون الفقير و المسكين أيّهما أسوأ حالا،و الصواب:الثاني كما دلّت عليه الأخبار (2)،و قال يونس:قلت لأعرابي أ فقير أنت؟قال:بل مسكين (3)،و أما قوله تعالى: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ» (4)فالمراد بالمساكين فيها،الأشخاص الذين لا حيلة لهم في امورهم و أهل ذلّة،كما في قولهم«مسكين ابن آدم مكتوم الأجل مكنون العلل محفوظ العمل» (5)-إلخ.
«و السائلون و المدفوعون» قال ابن أبي الحديد:السائلون الرقاب، و المدفوعون في سبيل اللّه،لأنّه عليه السلام أراد ذكر الأصناف المذكورة في الآية إلاّ «المؤلّفة»لسقوط سهمهم بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعزّة الإسلام،فذكر العاملين في «و إنّ لك في هذه الصدقة نصيبا» و أتى بالفقراء و المساكين و الغارم و ابن السبيل بلفظ القرآن،فلا بد أنّه عليه السلام أبدل الرّقاب و في السبيل بالسائلين و المدفوعين،فإنّ في السبيل،فقراء الغزاة،سمّاهم مدفوعين لفقرهم، و المدفوع و المدفع الفقير،لأنّ كلّ أحد يدفعه عن نفسه (6).
قلت:لم يقل أحد أنّ المدفوع الفقير بل المدفّع بتشديد الفاء،و«في السبيل»ليس خصوص فقراء الغزاة بل مطلق أمر الخير يكون سبيلا إلى اللّه تعالى،كما أنّ«في الرقاب»المكاتب العاجز،و العبد تحت الشدّة عند مولاه،
و من أين علم أنّه عليه السلام أراد الاستقصاء،و لم يكن ذكر عليه السلام السائلين و المدفوعين مريدا بهم الفقراء و المساكين الذين هم الأصل و لزيادة التقبيح، بحبس حقوقهم.
كما أنّ ما احتمله ابن ميثم من كون المراد بالمدفوعين العمّال،لأنهم يدفعون لجباية الصدقات (1)
شرح ابن ميثم 4:418.
خطأ،فإنّ خطابه عليه السلام مع العمّال،يبيّن لهم شركاءهم الذين هم الأصل.«و الغارم» و هو المديون في غير المعصية «و ابن السبيل» المسافر الذي نفدت نفقته و لا وسيلة له إلى بلده .
«و من استهان بالأمانة» أي:عدّها هيّنة مع شدّتها و عظمها،فقد قال تعالى:
«إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» (2).
«و رتع» كبهيمة في المرتع «في الخيانة» و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«من خان في أمانة لا يموت على ملّتي» (3).
«و لم ينزه نفسه و دينه عنها» أي:عن دنس الخيانة «فقد أحلّ بنفسه في الدنيا الذلّ و الخزي» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«فقد أذلّ نفسه في الدنيا» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)،لكن الغريب أنّ الأوّل قال في الشرح:قوله «فقد أحل بنفسه الذلّ و الخزي» و قريب منه في الثاني «و هو في الآخرة أذل و أخزى» من الدنيا (4).
«و إنّ أعظم الخيانة خيانة الامّة و أفظع الغش غش الأئمة و السلام» بمعنى ان الخيانة مع أي مسلم عظيم جرمه،و العامل الخائن خان جميع الامّة و المسلمين،و غشّ كلّ أحد قبيح،و العامل الغاش غشّ الإمام، و خيانتهم أكبر خيانة،و غشّه أقبح غش و في نسخة ابن ميثم«و أفظع الغبن غبن الأئمّة» (1)
لفظ نسختنا من شرح ابن ميثم 4:416 [1] نحو المصرية.
.الكتاب(59)
و من كتاب له عليه السلام إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان:
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ- مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ- فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ- فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ- وَ ابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ- رَاجِياً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ- لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً- إِلاَّ كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً- وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ- وَ الاِحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ- فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ- أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ وَ السَّلاَمُ أقول:و روى نصر بن مزاحم أيضا كتابا له عليه السلام إلى الأسود بن قطبة، لكن فيه غير العنوان هكذا«أما بعد،فإنّه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر،و من أعجبته الدنيا رضي بها و ليست بثقة،فاعتبر بما مضى تحذر ما بقي،و أطبخ للمسلمين قبلك من الطلاء ما يذهب ثلثاه،و أكثر لنا من لطف الجند،و اجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند،فان للولدان علينا حقّا و في
1) 1)
الذّريّة من يخاف دعاؤه و هو لهم صالح.و السلام (1)
وقعة صفين:106. [1]
.و الظاهر كونه كتابا آخر له عليه السلام إليه،لا أنّ كلا منهما جزء من كتاب، حيث أنّ في كلّ منهما «و السلام» .
قول المصنف : «و من كتاب له عليه السلام إلى الأسود بن قطيبة» هكذا في (المصرية)،و الصواب:«قطبة»كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)،و إنّما بلفظ التصغير«قتيبة»بالتاء،لا هذا.
ثمّ إنّ ابن أبي الحديد قال:لم أقف على نسب الأسود بن قطبة،و قرأت في كثير من النسخ أنّه حارثي،من بني الحارث بن كعب و لم أتحقّقه،و الذي يغلب على ظنّي أنّه الأسود بن زيد بن قطبة الأنصاري،ذكره أبو عمر في استيعابه قائلا:عدّه موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا (3).
قلت:ما غلب على ظنّه خطأ،فانّه مبتن على صحّة قول أبي عمر و كون ما في العنوان نسبة إلى الجدّ،و قول أبي عمر غير صحيح،أولا:في كون اسم جدّه قطبة،فانّه و هم منه،لأن أبا نعيم نقله عن موسى بن عقبة«الأسود بن زيد ابن ثعلبة»،و مثله نقل أبو موسى عن موسى بن عقبة عن الزّهري، و مثلهما ذكره ابن الكلبي (4)،و كونه نسبة الى الجدّ غير صحيح ثانيا،لأن الكلّ ذكروا ذاك«الأسود بن زيد»و المصنف،و نصر بن مزاحم ذكرا هذا«الأسود بن قطبة»،فالظاهر كون هذا تابعيا و ذاك صحابي،و لا يبعد كونه حارثيا من بلحارث بن كعب كما نقله عن كثير من النسخ،فلابدّ أنّ من قال ذلك،وقف على نسبه.
«صاحب جند حلوان» في(المعجم)«حلوان العراق و هي في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد،و أما أعلى جبلها فان الثلج يسقط به دائما.
و حلوان أيضا قرية من أعمال مصر بينها و بين الفسطاط نحو فرسخين من جهة الصعيد مشرفة على النيل.و حلوان أيضا بليدة بقوهستان نيسابور، و هي آخر حدود خراسان مما يلي اصبهان.
و الظاهر أنّ المراد،الأخير،حيث أنّ في(صفين نصر)كتب علي عليه السلام الى عمّاله-إلى أن قال-فاستعمل مخنف على أصبهان،و الحرث بن أبي الحرث على همذان سعيد بن وهب-إلخ- (1)
معجم البلدان 2:290-294.
.قوله عليه السلام «أما بعد فان الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل» .
روي في(الكافي)عن أبي جعفر عليه السلام:كان في بني إسرائيل قاض يقضي بالحقّ بينهم،فلمّا حضره الموت قال لامرأته:إذا أنا متّ فاغسليني و كفّنيني،وضعيني على سريري،و غطّي وجهي،فانّك لا ترين سوء،فلما مات فعلت ذلك ثم مكثت بذلك حينا،ثمّ كشفت عن وجهه فإذا هي بدودة تقرض منخره،ففزعت من ذلك،فلمّا كان الليل أتاها في منامها فقال لها:أفزعك ما رأيت؟قالت:أجل،فقال:أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت،ألا في أخيك فلان،أتاني أخوك و معه خصم له،فلما جلسا إليّ قلت:
اللّهمّ اجعل الحقّ له و وجّه القضاء على صاحبه!فلما اختصما كان الحقّ معه فوجّهت القضاء له على صاحبه،فأصابني ما رأيت لموضع هواي،الذي كان مع موافقة الحقّ (2).
«فليكن أمر النّاس عندك في الحقّ سواء» روى في(الكافي)عنه عليه السلام:من
ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة و في النّظر و في المجلس (1)
الكافي 7:413 ح 3. [1]
.«فانّه ليس في الجور عوض من العدل» جاء في(الكافي)عنه عليه السلام:يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة،فإذا حاف و كله اللّه إلى نفسه (2).
«فاجتنب ما تنكر أمثاله» من غيرك «و ابتذل نفسك» أي:امتهنها و اجعلها مبتذلة كثياب البذلة،قال:
و من يبتذل عينيه في الناس لا يزل يرى حاجة محجوبة لا ينالها (3)
«فيما افترض اللّه عليك» حتى تؤدّيه «راجيا ثوابه» في الجدّ في الإتيان بالفرائض «و متخوّفا عقابه» من التفريط فيه .
«و اعلم أنّ الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها فيها» هكذا في(المصرية)، و ليست كلمة «فيها» في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4).
«قطّ ساعة إلاّ كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة» «وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (5)«كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ» (6)«أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ» (7)«حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ » (8).
«و انه لن يغنيك عن الحقّ شيء أبدا» فان الحقّ أمر واجب لا يجوز تركه
«و من الحقّ عليك حفظ نفسك» عن الخطأ «و الاحتساب» أي:طلب الأجر «على الرعية» أي:على معونتهم «بجهدك» أي:بقدر طاقتك.
«فان الذي يصل إليك» من ثواب اللّه و جزائه «من ذلك» أي:معونة الرعية «أفضل من الذي يصل» إليهم «بك» أي:بسببك.و قال عليه السلام-كما جاء في(الكافي)- لشريح:و اعلم أنّه لا يحمل الناس على الحقّ إلاّ من ورّعهم عن الباطل،ثمّ واس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك،حتى لا يطمع قريبك في حيفك و لا ييأس عدوّك من عدلك،و إيّاك و التضجّر و التأذّي في مجلس القضاء الذي أوجب اللّه فيه الأجر و يوجب فيه الذخر لمن قضى بالحقّ (1)
الكافي 7:412 ح 1،و [1]النقل بتقطيع.
.الكتاب(67)
و من كتاب له عليه السلام كتبه إلى قثم بن العباس و هو عامله على مكة:
أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ- «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ» - وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ- فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِيَ- وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاكِرِ الْعَالِمَ- وَ لاَ يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلاَّ لِسَانُكَ- وَ لاَ حَاجِبٌ إِلاَّ وَجْهُكَ- وَ لاَ تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا- فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا- لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا- وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ- فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَ الْمَجَاعَةِ- مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَ الْخَلاَّتِ- وَ مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا- وَ مُرْ أَهْلَ؟مَكَّةَ؟ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ- «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ» - فَالْعَاكِفُ الْمُقِيمُ بِهِ- وَ الْبَادِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ- وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلاَمُ
1) 1)
قول المصنف : «إلى قثم بن العباس» في(الاستيعاب):كان قثم يشبّه بالنبي صلّى اللّه عليه و آله،و مرّ راكبا و هو يلعب مع عبد اللّه بن جعفر،فأردفه خلفه،و جعل عبد اللّه بين يديه (1)
الاستيعاب 3:278 و 276. [1]
.و في(اسد الغابة):عن أبي إسحاق قال عبد الرحمن بن خالد لقثم:كيف ورث علي النبي دونكم؟فقال:إنّه كان أوّلنا لحوقا،و أشدّنا لزوقا (2).
و في(أنساب البلاذري)قال ابن عباس:سقط خاتم المغيرة في القبر حين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله،فقال له علي:إنّما أسقطته عمدا لتنزل فتأخذه و تقول:
كنت آخر من نزل في قبر النبي و أقربهم عهدا به.فنزل قثم،فأخرج خاتم المغيرة،فكان قثم آخر الناس عهدا بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).
«و هو عامله عليه السلام على مكة» .
في(تأريخ الطبري):كان قثم عامل علي عليه السلام على الطائف و مكة،و ما اتصل بذلك سنة(40) (4).
و في(الاستيعاب):قال خليفة،لما ولّى علي عليه السلام الخلافة عزل خالد بن العاصي المخزومي عن مكة و ولاّها أبا قتادة الأنصاري،ثم عزله،و ولّى قثما، فلم يزل واليا عليها حتى قتل علي عليه السلام (5).
و به قال المسعودي أيضا (6)،فما عن الزبير بن بكار من كونه عامله عليه السلام على المدينة (7)،ساقط.
كما أنّ ما في(الاستيعاب)من أنّه قيل فيه:
عتقت من حلّي و من رحلتي يا ناق إن أدنيتني من قثم (1)
الاستيعاب 3:278. [1]
هو و هم منه،فإنّه إنّما قيل البيت في قثم بن عباس بن عبيد اللّه بن عباس لا هذا،قال الزبيري:قال ابن المولى فيه،و هو والي اليمامة-و نقل البيت-و كان واليا من قبل المنصور (2).
قوله عليه السلام «أما بعد فأقم للنّاس الحجّ» في(تاريخ الطبري):حجّ قثم بالناس من قبل علي عليه السلام في سنة(38)،و كان عامله على مكّة يومئذ،حدّثني بذلك أحمد ابن ثابت عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر (3).
«و ذكّرهم بأيام اللّه» هو لفظ القرآن،قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ» (4)قالوا:أي ذكّرهم بوقائع اللّه تعالى على الامم الماضية قوم نوح،و قوم هود،و قوم صالح،و قوم لوط،و قوم شعيب،و قوم موسى،و أما قوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ» (5)فالظاهر أنّ المراد،لا ينتظرون أيام اللّه التي وقّتها لنصر المؤمنين.
«و اجلس لهم العصرين» أي:الصبح و العصر،قال الشاعر:
و أمطله العصرين حتى يملّني و يرضى بنصف الدّين و الأنف راغم (6)
يعني إذا جاء غريمي صبحا لطلب حقّه وعدته العصر،و إذا جاء العصر وعدته الصبح،حتى يملّ و يرضى بالنصف قهرا و على رغم أنفه.
«فأفت المستفتي» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام في كتاب علي عليه السلام:إنّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم،حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال،لأن العلم كان قبل الجهل (1)
الكافي 1:41 ح 1. [1]
.«و علّم الجاهل» في(الكافي)عن الصادق عليه السلام:قام عيسى عليه السلام خطيبا في بني إسرائيل فقال:لا تحدّثوا الجهّال بالحكمة فتظلموها،و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم (2).
«و ذاكر العالم» في(الكافي)عن الكاظم عليه السلام:محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابيّ.
و عن السجاد عليه السلام:لو يعلم الناس ما في طلب العلم،لطلبوه و لو بسفك المهج،و خوض اللّجج،إنّ اللّه تعالى أوحى إلى دانيال:إنّ أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم،التارك للإقتداء بهم،و ان أحبّ عبيدي إليّ التقيّ الطالب للثواب الجزيل،اللازم للعلماء،التابع للحلماء،القابل عن الحكماء.
و عن الصادق عليه السلام:من تعلّم العلم،و عمل به،و علّم للّه دعي في ملكوت السماوات عظيما،فقيل،تعلّم للّه و عمل للّه و علّم للّه.
و عن يونس رفعه قال لقمان لابنه:اختر المجالس على عينك،فإن رأيت قوما يذكرون اللّه تعالى فاجلس معهم،فإن تك عالما نفعوك،و إن تك جاهلا علّموك،و لعلّ اللّه أن يظلّهم برحمة فيعمّك معهم،و إذا رأيت قوما لا يذكرون اللّه فلا تجلس معهم،فان تك عالما لم ينفعك علمك،و إن تك جاهلا يزيدوك
جهلا،و لعلّ اللّه أن يظلّهم بعقوبة فيعمّك معهم.
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:تذاكروا،و تلاقوا،و تحدّثوا،فإنّ الحديث جلاء للقلوب،إنّ القلوب لترين كما يرين السيف،و جلاؤها الحديث.
و عنه صلّى اللّه عليه و آله:إنّ اللّه تعالى يقول:تذاكر العلم بين عبادي ممّا تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري (1)
هذه الاحاديث أخرجها الكليني في الكافي 1:35 ح 5 و 6 و [1] 39-41 ح 1 و 2 و 6 و 8.
.«و لا يكن لك إلى النّاس سفير إلاّ لسانك و لا حاجب إلاّ وجهك» في(العقد):قال سعيد بن مسلم:كنت واليا بأرمينية،فغبر أبو دهمان أيّاما ببابي،فلمّا وصل إليّ مثل قائما بين السماطين و قال:و اللّه انّي لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزّه عن عيش رقيق الحواشي،أما و اللّه لا يثنيني عنك إلاّ ما يصرفك عنّي،و لئن أكون مقلا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعّدا،و اللّه ما نسأل عملا لا نضبطه و لا مالا إلاّ و نحن أكثر منه،و هذا الذي قد صار إليك قد كان في يد غيرك،فأمسوا و اللّه حديثا!ان خيرا فخير و إن شرّا فشرّ،فتحبّب إلى عباد اللّه بحسن البشر، و لين الجانب و تسهيل الحجاب،فإنّ حبّ عباد اللّه موصول بحبّ اللّه و بغضهم موصول ببغضه،لأنّهم شهداء اللّه على خلقه و رقباؤه على من أعوجّ عن سبيله.و لبعضهم:
إذا ما أتيناه في حاجة رفعنا له الرقاع بالقصب
له حاجب دونه حاجب و حاجب حاجبه يحتجب (2)
هذا،و لأبي دلف في الاعتذار عن الحجاب في وقت عسره:
إذا كان الكريم قليل مال و لم يعذر تعذّر بالحجاب
«و لا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها فإنّها» أي:الحاجة،و المراد ذوها «ان ذيدت» أي:طردت «عن أبوابك في أوّل وردها» أي:الحاجة أو الأبواب «لم تحمد فيما بعد على قضائها» كما أن صدقة يتبعها منّ و أذى لا يستحق أجرا لها.
و في(ابن أبي الحديد):كان أبو عبّاد ثابت بن يحيى كاتب المأمون إذا سئل حاجة يشتم السائل،و يسطو عليه،و يخجله و يبكّته ساعة،ثم يأمر له بها،فيقوم و قد صارت إليه،و هو يذمّه و يلعنه،قال علي بن جبلة العكوك:
لعن اللّه أبا عبّاد لعنا يتوالى يوسع السائل شتما ثم يعطيه السؤالا
و كان الناس يقفون لأبي عبّاد وقت ركوبه،فيتقدّم الواحد منهم إليه بقصة ليناوله إياها فيركله برجله بالركاب و يضربه بسوطه و يطير غضبا،ثم لا ينزل عن فرسه حتى يقضي حاجته و يأمر له بطلبته!فينصرف الرجل بها و هو ذام له ساخط عليه،فقال فيه دعبل:
أولى الامور بضيعة و فساد ملك يدبره أبو عبّاد
متعمّد بدواته جلساءه فمضرج و مخضب بمداد
و كأنّه من دير هرقل مفلت حرب يجر سلاسل الأقياد
فاشدد أمير المؤمنين صفاده فأشد منه في يد الحداد
و قال فيه بعض الشعراء:
قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد قيّد وزيرك إنّه ركّال
فلسوطه بين الرءوس مسالك و لرجله بين الصّدور مجال
قلت:و لبعضهم:
قد أطلنا بالباب أمس القعودا و جفينا به جفاء شديدا
و ذممنا العبيد حتى إذا نحن بلينا المولى عذرنا العبيدا
و لآخر:
و كم من فتى تحمد أخلاقه و تسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه و سلّط الذم على نعمته (1)
شرح ابن أبي الحديد 18:3231. [1]
«و انظر الى ما اجتمع عندك من مال اللّه فاصرفه الى من قبلك من ذوي العيال و المجاعة مصيبا به مواضع الفاقة» هكذا في(المصرية)،و الصواب:«المفاقر» كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)«و الخلات» بالفتح جمع الخلة، أي:الحاجة.
«و ما فضل عن ذلك فاحمله الينا لنقسّمه فيمن قبلنا» أي:عندنا.أمره عليه السلام بحمل الفضل لأنّ ما دام فيهم محتاجون يصرف اليهم،قال الصادق عليه السلام:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر و لا يقسّمها بينهم بالسوية،انّما على قدر ما يحضره منهم -الخبر (3)-.
و كان أبو بكر يلزم أهل البوادي بحمل جميع صدقاتهم إليه حتى قال «لو منعوني عقالا قاتلتهم» (4).
و لو أرادوا أن يمسكوها لفقرائهم حسبما سنّ لهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،رماهم عمّاله بالارتداد و قتلوا رجالهم و سبوا نساءهم،و كان عمر ردّ كثيرا من سبيه لمّا ولّي الأمر .
«و مر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا،فانّ اللّه سبحانه يقول: «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ» (5)فالعاكف المقيم به،و البادي الذي يحجّ إليه من غير أهله» .
في(الكافي)عن الصادق عليه السلام لم يكن لدور مكة أبواب،و كان أهل البلدان يأتون بقطرانهم فيدخلون فيضربون بها،و كان أوّل من بوّبها معاوية.
و عنه عليه السلام:إنّ معاوية أوّل من علّق على بابه مصراعين بمكة،فمنع حاجّ بيت اللّه ما قال تعالى: «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ» (1)
الحج:25. [1]
،و كان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضي حجّه،و كان معاوية صاحب السلسلة التي قال تعالى: «ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ» (2)و كان فرعون هذه الأمّة (3).«وفقنا اللّه و إيّاكم لمحابّه» جمع المحبة و المحبوبة،و في الصحاح:يقال أحبّه و حبّه،قال الشاعر:
أحبّ أبا مروان من أجل تمره و و اللّه لو لا تمره ما حببته (4)
الكتاب19
و من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله:
أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَ قَسْوَةً- وَ احْتِقَاراً وَ جَفْوَةً- وَ نَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لِأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ- وَ لاَ أَنْ يُقْصَوْا وَ يُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ- فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ- وَ دَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَ الرَّأْفَةِ- وَ امْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَ الْإِدْنَاءِ- وَ الْإِبْعَادِ وَ الْإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أقول:الأصل فيه ما رواه اليعقوبي في( تاريخه اليعقوبي-تاريخ اليعقوبي-ج 2 ص 203 ):أنّه عليه السلام كتب إلى عمر ابن أبي سلمة:اما بعد،فان دهاقين عملك شكوا غلظتك،و نظرت في أمرهم فما
رأيت خيرا،فلتكن منزلتك بين منزلتين،جلباب لين بطرف من الشدّة في غير ظلم و لا نقص،فإنّهم أحيونا صاغرين فخذ مالك عندهم و هم صاغرون،و لا تتخذ من دون اللّه وليّا فقد قال عزّ و جلّ «لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً» (1)
آل عمران:118. [1]
و قال جلّ و عزّ في أهل الكتاب «لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ» (2)و قال تبارك و تعالى «وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» (3)،و قرعهم بخراجهم،و قابل في ورائهم،و إيّاك و دماءهم.و السلام (4).و نقل عن(تاريخ ابن واضح)أيضا (5).
قول المصنف : «و من كتاب له عليه السلام الى بعض عمّاله» قد عرفت من رواية اليعقوبي أنّ عمر بن أبي سلمة كان ربيب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قوله عليه السلام «أما بعد فان دهاقين» جمع دهقان،و الظاهر كونه مركّبا من «ده»بمعنى القرية،و«القان»معرب«پان»مخفف«پاينده»بمعنى الحافظ.
قال ابن دريد:الدهقان فارسي معرب ليس من«دهق»-إلخ (6)-.فقول الجوهري:إن جعلت الدهقان من دهق لم تصرفه لأنّه فعلان (7)،في غير محله.
«أهل بلدك» الذي ولي عليهم،و في(الاسد)استعمله علي عليه السلام على فارس و البحرين (8).
«شكوا منك غلظة و قسوة» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد)،و لكن
1) 1)
2) 2) المائدة:51. [2]
3) 3) المصدر السابق.
4) 4) على ما في تاريخ اليعقوبي 2:203، [3]هذا كتابه عليه السلام إلى عمر بن مسلمة الارحبي.
5) 5) ابن واضح هو اليعقوبي نفسه و اسمه الكامل«أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العباسي».
6) 6) جمهرة اللغة 2:295.
7) 7) صحاح اللغة 5:2117 [4] مادة(دهقن).
8) 8) أسد الغابة 4:79.
في(ابن ميثم و الخطية)«قسوة و غلظة» (1)
كذا في شرح ابن أبي الحديد 15:137 [1] لكن في شرح ابن ميثم 4:398 [2] نحو المصرية.
،و الأول أحسن بقرينة قوله بعد.«و احتقارا و جفوة،و نظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم» قد عرفت من رواية اليعقوبي أنّه عليه السلام استدلّ لعدم أهليتهم للإدناء بآيات ثلاث.
«و لا أن يقصوا» أي:يبعدوا «و يجفوا لعهدهم» مع المسلمين «فالبس لهم جلبابا» في(القاموس):هو القميص و ثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطي به ثيابها من فوق كالملحفة أو هو الخمار (2)«من اللين تشوبه» أي:
تمزجه «بطرف» أي:مقدار «من الشدة» .
«و داول» أي:أدر الأمر،يقال:اللّه يداول الأيام بين الناس مرّة لهم و مرّة عليهم «لهم بين القسوة و الرأفة» .
«و امزج» أي:اخلط «لهم بين التقريب و الادناء و» بين «الإبعاد و الإقصاء إن شاء اللّه» قال ابن نباتة السعدي:
شب الرّعب بالرّهب و امزج لهم كما يفعل الدّهر حلوا بمرّ
العنوان رقم الصفحة
تتمّة الفصل التّاسع-في إخباره عليه السلام بالملاحم 1
العنوان 18 من الخطبة 136:«كانّي به قد نعق بالشّام و فحص براياته...»1
العنوان 19 من الخطبة 142:«آثروا عاجلا و أخّروا آجلا...»6
العنوان 20 من الخطبة 114:«أمّا و اللّه ليسلّطنّ عليكم غلام ثقيف الذّيّال...»12
العنوان 21 من الخطبة 96:«و اللّه لا يزالون حتّى لا يدعو للّه محرّما إلاّ استحلّوه...»46
العنوان 22 من الخطبة 121:«و كانّي أنظر إليكم تكشّون الضّباب...»60
العنوان 23 من الخطبة 156:«فعند ذلك لا يبقى بيت مدر و لا وبر...»67
العنوان 24 من الخطبة 164:«افترقوا بعد الفتهم،و تشتّتوا عن أصلهم...»74
العنوان 25 من الخطبة 85:«حتّى يظنّ الظّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بني اميّة...»100
العنوان 26 من الخطبة 91:«ألا و أنّ أخوف الفتن عندي عليكم...»103
العنوان 27 الحكمة 464:«إنّ لبني اميّة مرودا يجرون فيه...»118
العنوان 28 من الخطبة 104:«و قد بلغتم من كرامة اللّه لكم منزلة...»124
-من الخطبة 103:«فأقسم باللّه يا بني اميّة عمّا قليل لتعرفنّها...»124
العنوان 29 من الخطبة 149:«ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت...»132
العنوان 30 من الخطبة 106:«طبيب دوّار بطبّه قد أحكم مراهمه...»153
العنوان 31 الحكمة 102:«يأتي على النّاس زمان لا يقرّب فيه إلاّ الماحل...»179
العنوان 32 من الخطبة 136:«يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى...»187
العنوان 33 فصل...من اختيار غريب كلامه:«فإذا كان ذلك ضرب...»198
العنوان 34 من الخطبة 148:«و أخذوا يمينا و شمالا ظعنا في مسالك الغيّ...»203
العنوان 35 من الخطبة 114:«لو تعلمون ما أعلم ممّا طوى عنكم غيبه...»225
العنوان 36 من الكتاب 10:«و زعمت انّك جئت ثائرا بعثمان...»229
العنوان 37 من الخطبة 69:«أمّا بعد،يا أهل العراق!فإنّما أنتم كالمرأة...»234
الفصل العاشر-في علمه عليه السلام و في صفحه و مكارم أخلاقه 245
العنوان 1 من الحكمة 147:«يا كميل بن زياد،إنّ هذه القلوب أوعية...»247
العنوان 2 الحكمة 420:«إنّ أبصار هذه الفحول طوامح...»272
العنوان 3 الحكمة 37:«ما هذا الّذي صنعتموه؟...»281
العنوان 4 الحكمة 100:«اللّهمّ انّك أعلم بي من نفسي و أنا أعلم بنفسي منهم...»285
العنوان 5 الحكمة 83:«...أنا دون ما تقول،و فوق ما في نفسك...»285
العنوان 6 الحكمة 194:«من أشفى غيظي إذا غضبت؟...»287
الفصل الحادي عشر-في تفسيره عليه السلام لآيات و لغيرها و استشهاده بآيات 291
العنوان 1 الحكمة 99:«إنّ قولنا(إنّا للّه)إقرار على أنفسنا بالملك...»293
العنوان 2 الحكمة 229:«...هي القناعة...»295
العنوان 3 الحكمة 231:«...العدل:الإنصاف،و الإحسان:التفضّل...»296
العنوان 4 الحكمة 404:«...إنّا لا نملك مع اللّه شيئا...»297
العنوان 5 الحكمة 439:«الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن...»300
العنوان 6 الحكمة 377:«لا تأمننّ على خير هذه الامّة عذاب اللّه،...»302
العنوان 7 الحكمة 135:«من أعطى أربعا لم يحرم أربعا...»306
الفصل الثّاني عشر-في قضاياه عليه السلام 309
العنوان 1 الحكمة 270:«إنّ القرآن أنزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأموال أربعة...»311
العنوان 2 الحكمة 271:«...أمّا هذا فهو من مال اللّه و لا حدّ عليه...»338
الفصل الثّالث عشر-في أجوبته التمثيلية و أدب السّؤال و الجواب 341
العنوان 1 الخطبة 141:«أيّها النّاس من عرف من أخيه وثيقة دين...»343
العنوان 2 الحكمة 300:«...كما يرزقهم على كثرتهم...»348
العنوان 3 الحكمة 356:«...من حيث يأتيه أجله...»351
العنوان 4 الحكمة 294:«...مسيرة يوم للشّمس...»354
العنوان 5 الحكمة 437:«...العدل يضع الامور مواضعها...»355
العنوان 6 الحكمة 320:«...سل تفقّها و لا تسأل تعنّتا...»356
العنوان 7 الحكمة 85:«من ترك قول لا أدري اصيبت مقاتله...»358
العنوان 8 الحكمة 364:«لا تسأل عمّا لا يكون،ففي الّذي قد كان لك شغل...»360
العنوان 9 الحكمة 243:«إذا ازدحم الجواب خفي الصّواب...»361
العنوان 10 الحكمة 266:«إذا كان الغد فأتني حتّى أخبرك على...»362
الفصل الرّابع عشر-في زهده عليه السلام و إعراضه عن الدّنيا و عدله و تواضعه و فيه ذكر الحقوق 365
العنوان 1 من الخطبة 209:«ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار في الدّنيا...»367
العنوان 2 من الخطبة 160:«...و اللّه لقد رقّعت مدرعتي هذه حتّى...»381
العنوان 3 الحكمة 103:«...يخشع له القلب،و تذلّ به النّفس»386
العنوان 4 الكتاب 45:«اليك عنّي يا دنيا،فحبلك على غاربك...»387
العنوان 5 من الخطبة 33:«...و اللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم...»401
العنوان 6 الحكمة 236:«و اللّه لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق...»404
العنوان 7 من الخطبة 77:«...يا دنيا يا دنيا إليك عنّي،أبي تعرّضت...»405
العنوان 8 الحكمة 104:«...يا نوف أراقد أنت أم رامق؟...»417
العنوان 9 من الخطبة 214:«أمّا بعد،فقد جعل اللّه لي عليكم حقّا...»427
العنوان 10 من الخطبة 129:«أيّتها النّفوس المختلفة و القلوب المتشتّتة...»452
العنوان 11 من الكتاب 70:«أمّا بعد فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك...»456
العنوان 12 من الكتاب 45:«أمّا بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أنّ رجلا...»460
العنوان 13 من الخطبة 124:«أتأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور...»487
-من الخطبة 140:«و ليس لواضع المعروف في غير حقّه...»488
العنوان 14 من الخطبة 230:«...إنّ هذا المال ليس لي و لا لك...»510
العنوان 15 من الخطبة 222:«و اللّه لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا...»514
الفصل الخامس عشر-في التزامه بالحقّ و العدل و حثّه عليهما قولا و عملا 543
العنوان 1 من الكتاب 25:«انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له...»545
العنوان 2 من الكتاب 60:«من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى من مرّ به...»561
العنوان 3 من الكتاب 50:«من عبد اللّه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين...»567
العنوان 4 من الكتاب 51:«من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى أصحاب...»575
العنوان 5 من الكتاب 26:«...أمره بتقوى اللّه في سرائر أمره و خفيّات عمله...»581
العنوان 6 من الكتاب 59:«أمّا بعد،فانّ الوالي إذا اختلف هواه...»589
العنوان 7 من الكتاب 67:«أمّا بعد،فأقم للنّاس الحجّ و ذكّرهم بأيّام اللّه...»593
العنوان 8 من الكتاب 19:«أمّا بعد،فانّ دهاقين أهل بلدك شكوا منك...»600
ضمّ«بهج الصّباغة في شرح نهج البلاغة...»(60)فصلا وزّعت على 14 مجلّدا حازت تلك الفصول على أسماء خاصّة بها،و ادرجت وفقا لهيكل ارتاه المؤلّف نفسه.
اشتمل كلّ فصل على عدد من نصوص النّهج المراد شرحها،كتبت بالغامق، و انتظمت استنادا إلى ترابطها الموضوعي بعناوين منحت أرقاما بارزة أعلاها تمثّل تسلسلها في الفصل،إضافة إلى رقم خاص بين قوسين يشير إلى موقعها في النّهج.
قد تحتوي بعض العناوين على أكثر من نصّ يراد توضيحه فتشترك نصوص العنوان برقم واحد أعلاها،و يميزّ كلّ نصّ برقمه الخاص في نهج البلاغة.
يبتدأ الشّرح باقتطاع كلمات أو فقرات متتالية حسب أولويّتها في النصّ غالبا و تحصر بين قوسين و تميّز بالغامق في أوّل مورد أتت به لشرحها.
غالبا ما يكون الشّرح لغويّا أوّل الأمر،ثمّ ينطلق منه إلى وقائع تأريخيّة و قصص أدبيّة معزّزة بأنواع الشّواهد شعرا و نثرا.
لم تحصر النصوص المنقولة من غير نهج البلاغة بين قوسين لكثرتها،و اكتفي لتمييز أوّلها بذكر اسم الكتاب المأخوذة منه-و يقع أوّل السّطر في أحيان كثيرة-بين قوسين،و نهايتها بهامش يشير إلى استخراجها و يبدأ النصّ الآخر برأس سطر جديد.
عند ما يتمّ شرح كلّ نص من العنوان ينتقل إلى عنوان آخر يليه وفقا لرقم تسلسله في الفصل،فتشرح نصوصه و ينتقل إلى عنوان بعده،و هكذا تشرح الفصول متتابعة.
إنّ العبارات التي تقع بين خطّين،هي عبارات اعتراضيّة توضيحيّة.
اضيف في نهاية كلّ مجلّد فهرست للخطب و الكتب و الحكم الواردة في ذلك المجلّد.
و ختاما نرجو من القراء الأعزاء أرسال ما لديهم من ملاحظات أو اقتراحات بناءة حول الكتاب.كما نعتذر عن السهو و الخطأ إن وجد.
نتمنى للجميع التسديد و الصواب،و من اللّه الأجر و الثواب و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته الناشر