ghaemiyeh.com
سرشناسه : طباطبائی، محمدحسین، ۱۳۶۰ - ۱۲۸۱
عنوان و نام پدیدآور : حاشیه الکفایه/ من مصنفات محمدحسین الطباطبائی
مشخصات نشر : [تهران].
وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی
یادداشت : عربی
شماره کتابشناسی ملی : ۱۸۱۲۵
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ الحمد للّه رب العالمین و الصلاة علی سیدنا محمد و آله الطاهرین و سلم تسلیما.
قوله «ره» موضوع کل علم و هو الّذی یبحث فیه عن عوارضه الذاتیّة.
(1) أقول کل مطلوب نظری أعنی القضیة التی یصح إقامة البرهان علیها یجب ان یصح تعلق الیقین به و هو العلم المرکب الّذی عرف بأنه العلم بان کذا کذا مع العلم بالفعل أو بالقوة القریبة منه بأنه لا یمکن ان لا یکون کذا فالقضیة الیقینیة یجب ان یکون المحمول فیها ذاتیا للموضوع کما یجب ان تکون کلیة، و دائمیة، و ضروریة علی ما بین فی کتاب صناعة البرهان من المنطق.
و نعنی بکون المحمول ذاتیا ان یکون نفسه موضوعا من غیر ان یکون الموضوع فی الحقیقة شیئا آخر ثم ینسب حکمه إلی الموضوع لاتحاد ما بینهما و عنایة زائدة، و هذا المعنی إذا أخذ بحقیقته کان مرجعه ان القضیة الیقینیة یجب ان یکون موضوعها بحیث إذا وضع وحده مع قطع النّظر عن کل ما عداه مما یصح ان یحمل علیه المحمول من الموضوعات کان ثبوت المحمول له بحاله، کقولنا: الإنسان متعجب فانا إذا وضعنا الإنسان و هو الموضوع ثم أغمضنا عن سائر الموضوعات المرتبطة به مما یصح حمل المتعجب علیها کالقائم، و القائد، و المتکلم، و منتصب القامة و الحساس، و المتحرک بالإرادة و غیرها لم یوجب ذلک سلب المتعجب عنه و ذلک انه لو انتفی الحمل علی تقدیر انتفاء بعض ما عدا الموضوع صدق السلب علی بعض التقادیر فلم یتحقق العلم بامتناع جانب السلب فلم یتحقق یقین، و قد فرضت القضیة یقینیة هف و من هنا یظهر ان کل محمول یثبت لموضوع بواسطة امر آخر لیس عارضا ذاتیا له سواء کان کذلک بواسطة امر مساو للموضوع کما أثبته بعض المتأخرین من المنطقیین و غیرهم، أو غیر مساو کالأعم، و الأخص، و إذ کان من الممکن ان یؤخذ موضوع القضیة مرکبا مؤلفا من الموضوع الحقیقی، و ما یحمل علیه المحمول بواسطته أعنی مرکبا من الواسطة و ذی الواسطة معا کان من الواجب فی الحمل الذاتی ان یصدق الحمل مع إثبات کل واحد واحد من الموضوع، و القیود المأخوذة فیه المتحدة به.
فقولنا: الإنسان المنتصب القامة متعجب لو کان موضوعه مجموع الإنسان المنتصب القامة؟ لم یکن من الحمل الذاتی فی شیء لجریان برهان الخلف السابق فیه بعینه.
و هذا الکلام جار أیضا فی الاجزاء الذاتیّة للموضوع أعنی الجنس و الفصل فکل جزء ذاتی یجب ان لا یتساوی حاله وضعا و رفعا بالنسبة إلی ثبوت محمول القضیة لموضوعها أعنی الجزء الباقی من الموضوع لجریان برهان السابق فیه بعینه. و من هنا ظهر ان العارض الذاتی یجب ان یکون مساویا لموضوعه، لا أعم، و لا أخص، اما الأعم فلو کان الموضوع أخص من محموله العارض الذاتی کقولنا الإنسان ماش کان الجزء الأخص من الموضوع یساوی وضعه رفعه مع فرض بقاء الجزء الأعم من غیر عکس فالجزء الأعم هو الموضوع، و الجزء الأخص انما یتصف بالمحمول بواسطته، و مجموع الموضوع، و غیر الموضوع لیس بالموضوع فیصدق نقیض القضیة و قد فرض الأصل یقینا هف.
نعم لو قید المحمول فی مثل هذه الموارد کتقیید المشی بما یختص بالإنسان من الحصة الخاصة به من المشی عاد عارضا ذاتیا لموضوعه هذا.
و اما الأخص فلو کان الموضوع أعم من محموله العارض الذاتی کقولنا: الحیوان متعجب، کان فرض انتفاء بعض ما عدا الموضوع مع فرض بقاء الموضوع کفرض انتفاء الناطق، أو الإنسان مثلا
موجبا لصدق جانب السلب، و قد فرض الإیجاب یقینا هف.
نعم لو ضم المحمول الأخص، و هو محمول نوع من أنواع الموضوع الأعم، و ما یقابله من محمولات سایر أنواعه علی نحو التردید بالقسمة المستوفاة کان المجموع عارضا ذاتیا للموضوع لمکان المساواة کقولنا: الحیوان اما متعجب، أو غیر متعجب و المثلث اما قائم الزاویة، أو منفرجتها، أو حاد الزوایا.
فان قلت: ما ذکرته من استلزام ذاتیة المحمول للموضوع صدق الحکم مع فرض انتفاء ما عدا الموضوع مما یصح ان یکون موضوعا للمحمول من الأمور المتحدة مع الموضوع منتقض بما کان من الموضوعات علة لثبوت المحمول لموضوعه فمع فرض انتفائه ینتفی المحمول و المفروض کونه عارضا ذاتیا کما فی قولنا: الإنسان ضاحک لأنه متعجب، و الحیوان ماش لأنه متحرک بالإرادة فمع فرض انتفاء المتعجب، و المتحرک بالإرادة ینتفی المحمولان، و قد فرضا ذاتیین لموضوعهما.
قلت: فرق بین انتفاء الحکم عن الموضوع مع بقاء المحمول علی حاله لانتفاء واسطته، و بین انتفاء نفس وجود المحمول لانتفاء علته، و اللازم فی مورد العارض الذاتی، انتفاء الأول، دون الثانی فمن الممکن ان یحمل الضاحک علی الإنسان مع الغفلة عن المتعجب، أو مع فرض انتفائه کما إذا لم یعلم بعلیته و ان کان انتفاء وجود المتعجب خارجا
یلزمه انتفاء وجود الضحک لعلیة بینهما.
و هذا بخلاف حمل الّذی فی قولنا: المیزاب جار لانتفائه مع الغض عن الماء، أو فرض عدمه فالحمل الذاتی لا یتوقف تحققه الا علی فرض الموضوع الذاتی، و اما غیر الموضوع فلا یختل برفعه فمن الممکن حینئذ ان یکون المحمول الذاتی محمولا ذاتیا لموضوع موضوعه، و الموضوع موضوعا لمحمول محموله الذاتی ثم یذهب ذلک صاعدا، أو نازلا إلی حدود بعیدة کحکم النوع الأخیر للنوع المتوسط، ثم العالی مثل الضاحک، و المتعجب، و الإنسان، و الحیوان، و النامی و هکذا، و کعرض العرض، ثم العرض، ثم الموضوع، مثل ذی الخطّ، و ذی السطح، و الجسم التعلیمی، و علی هذا القیاس حتی ینتهی الأمر نازلا إلی محمول لا یتوقف عروض محموله علیه إلی موضوعه لتخصصه بوجود استعداد جدید لعروض عدة محمولات أخر علیه لا موضوعه، و صاعدا إلی موضوع لا یتوقف عروض محموله علیه علی موضوعه کذلک.
و ذلک بان لا یحتاج حمل المحمول علی موضوعه إلی إثبات موضوع الموضوع کما ان وضع الجسم الطبیعی لحمل محمولاته علیه مما یحمل علیه من حیث التغیر لا یحتاج إلی إثبات جوهریته و ترکبه من المادة و الصورة، و کذا إثبات المقدار لحمل محمولاته الریاضیة علیه لا یحتاج إلی تصور موضوعه، و هو الجسم المادی بل یکفی فیه وضع المقدار بحسب مطلق وجوده أعنی الأعم عن الخارجی المادی،
و الخیالیّ العاری عن المادة، و الموضوع فکل محمول واقع فی هذه السلسلة المرتبطة من القضایا محمول ذاتی لکل موضوع قبله، أو هو و مقابله علی سبیل القسمة کما عرفت کذلک.
و حینئذ فالموضوع الأول الّذی ینتهی إلیه المحمولات الواقعة فی هذه السلسلة و هی جمیعا أحواله، و عوارضه الذاتیّة المبحوثة عنها فیها و هذا المجموع هو الّذی نسمیه بالعلم، و الموضوع الأول فیه هو موضوعه الّذی یبحث فیه عن عوارضه الذاتیّة فقد بان من ذلک معنی العلم، و ان کل علم فله موضوع عام یبحث فیه عنه و یتمایز به عن غیره تمایزا ذاتیا أی فی حد نفسه، و یکون محمولات المسائل أعراضا ذاتیة بالنسبة إلیه کما ان کل مسألة لمحمولها ذاتی لموضوعها هذا ملخص الکلام فی هذا المقام.
و قد عرفت ان المنشأ لجمیع هذه النتائج فرض القضیة یقینیة یصح إقامة البرهان علیه، و ینعکس بعکس النقیض إلی ان القضایا التی لیست ذاتیة المحمول للموضوع فهی غیر یقینیة، و لا یقوم علیها البرهان فما یقوم علیها البرهان من الأقیسة المنتجة لها لیس من البرهان فی شیء هذا. ثم ان القضایا الاعتباریة و هی التی محمولاتها اعتباریة غیر حقیقیة حیث کانت محمولاتها مرفوعة عن الخارج لا مطابق لها فیه فی نفسها إلّا بحسب الاعتبار أی ان وجودها فی ظرف الاعتبار، و الوهم دون الخارج عنه سواء کانت موضوعاتها أمورا حقیقیة عینیة بحسب
الظاهر، أو اعتباریة فهی لیست ذاتیة لموضوعاتها أی بحیث إذا وضع الموضوع و قطع النّظر عن کل ما عداه من الموضوعات کان ثبوت المحمول علیه فی محله إذا لا محمول فی نفس الأمر فلا نسبة فالمحمول فی القضایا الاعتباریة غیر ذاتی لموضوعه بالضرورة فلا برهان علیها و لأن العلوم الباحثة عنها تشتمل علی موضوعات یبحث فیها عن أعراضها الذاتیّة هذا.
لکن الاعتبار، و هو إعطاء حد شیء، أو حکمه لآخر حیث کانت التصدیقات المنتسبة إلیه تصدیقات و علوما متوسطة بین کمال الحیوان الفاعل بالإرادة و نقصه علی ما بیناه فی رسالة الاعتبارات کانت هی بذاتها مطلوبة للتوسیط فطلب العلم بها أیضا غیری مغیا بغایة، و غرض فالقضیة الاعتباریة کما انها مجعولة معتبرة بالجعل الاعتباری لغرض حقیقی یتوصل بها إلیه کمجموع القضایا الاعتباریة المجعولة لغرض حقیقی، أو ما ینتهی إلیه کذلک هی مطلوبة بالتدوین، أو للتعلم للتوصل إلی غرض حقیقی أو ما ینتهی إلیه بتمییز الصحیح عن الفاسد کمجموع قضایا مدونة مسماة بعلم کذا لغرض کذا أو مطلوبة بغرض کذا فالتمایز فی العلوم الاعتباریة بالأغراض دون الموضوعات، و محمولات المسائل لا یجب فیها کونها ذاتیة بل الواجب صحة الحمل مع الدخل فی الغرض المطلوب.
فمن هنا یظهر ان لا ضرورة تقتضی نفی الواسطة فی عروض محمولاتها
لموضوعاتها و لا اشتراط المساواة بین موضوعاتها و محمولاتها فیجوز کون المحمول فیها أعم أو أخص مطلقا من الموضوع أو أعم من وجه کقولنا: الفاعل مرفوع، و قولنا: الاسم یصیر مبنیا لشبه الحرف، و قولنا: الصلاة واجبة إلی غیر ذلک، و لا حاجة إلی ما تمحلوا به لدفع هذه المحاذیر کما عرفت.
و من هنا یظهر أیضا ان لا ضرورة تقضی بوجود جامع فیها بین موضوعات المسائل، نعم ربما أذعنت العقلاء بین الأمور الاعتباریة المتحدة فی الغرض بالنظر إلی وحدة الغرض، و الغایة، و عدها من آثار ذی الغایة بوجود جامع واحد بینها یجمعها جمیعا بحسب الموضوع غیر انه لیس من الضروری کون نسبة هذا الجامع مع کونه جامعا إلی افراده کون نسبة الکلیات الحقیقیة إلی افرادها الحقیقیة کما سیجیء بیانه.
قوله: هو نفس موضوعات مسائله: (1) هذا التعبیر منه «ره» فی مقام العلاج لکون موضوع العلم غالبا أعم من موضوعات المسائل، أو أخص فیکون محمولات المسائل عارضة لموضوع العلم بواسطة امر أخص، أو أعم فتکون غریبة لا ذاتیة، و قد فسر العرض الذاتی بما لا واسطة فی عروضه، و العلاج بأخذ موضوع العلم لا بشرط بالنسبة إلی موضوعات المسائل فیتحد معها وجودا، و یکون المحمول علیها محمولا علیه لاتحادهما وجودا بالحمل الشائع فیکون الملاک فی ذاتیة العرض کون عروضه
بلا واسطة اما فی نفس حقیقته، أو من جهة أخذ ذی الواسطة لا بشرط بالنسبة إلی الواسطة المساوی أو الأخص أو الأعم کما ذکره بعض شارحی کلامه وفاقا منه «ره» لبعض المحققین فی تعالیقه و أنت بالرجوع إلی ما قدمناه من الکلام تعرف وجه الخلل فیه فلا نطیل بالإعادة و اللّه اعلم.
قوله ره: ان تمایز العلوم بتمایز الأغراض: (1) قد عرفت حقیقة الأمر فی ذلک مما تقدم.
قوله ره: و إلّا لکان کل باب بل کل مسألة من کل علم علما علی حدة: (2) محذور تمایز العلوم بتمایز الموضوعات، هو ان موضوع العلم لا یزال یتخصص بتخصصات بعد أخری حتی یتنزل إلی موضوع الباب ثم المسألة، و لا یزال یأخذ فی العموم حتی یتصاعد إلی أعم الأشیاء، و هو الموجود من حیث هو موجود فاما ان یکون جمیع العلوم علما واحدا و هو العلم الإلهی الباحث عن الموجود من حیث هو موجود، أو یکون کل مسألة علما برأسها هذا، و إلیه أشار بقوله: بعد فلا یکون الاختلاف بحسب الموضوع و المحمول موجبا للتعدد کما لا یکون وحدتهما سببا لأن یکون من الواحد انتهی لکن الکلام حیث کان فی تمایز العلوم بفرض التمایز لم یذکر الشق الأول من المحذور بل اقتصر علی الثانی فحسب.
قوله: لا خصوص الأدلة الأربعة: (1) الوجه فی هذا المقام ان یقال: ان قیام الضرورة علی ثبوت شریعة ذات أحکام تقضی بوجوب أخذ الناس بها. ثم قیام الضرورة علی کون التفهیم و التفهم فیها مثل التبلیغ علی الطرق التی بنی علیها العقلاء فی مخاطباتهم، و محاوراتهم توجب مساس الحاجة بالبحث عن الطرق المستعملة بین العقلاء فی استنباط أحکام القوانین الدائرة بینهم لیصون العلم بها باستعمالها عن الخطأ فی الاستنباط لما عرفت ان الغایة فی العلوم الاعتباریة جمیعا الاحتفاظ عن الخطاء فی کل منها بما یلیق به کالصون عن الخطأ فی الأبنیة فی علم الصرف، و عن الخطإ فی الکلام فی علم النحو، و عن رداءة الکلام فی علم البیان، و عن رداءة الوزن فی علم العروض، و هکذا.
فعلم الأصول هو العلم الباحث عن القواعد المقررة عند العقلاء لاستنباط الأحکام، و حیث کان الغرض من تدوینها الوصول إلی استنباط الأحکام الشرعیة فحسب فمباحثها مساویة لهذا الغرض و ان کانت فی نفسها أعم منه و هو ظاهر.
و من هنا یظهر ان کل مسألة منها فعندها مقدمة مطویة بها تتم النتیجة و هی ان الشارع جری علی هذا البناء و لم یردع عنه فیقال ان الأمر مثلا یدل علی کذا عند العقلاء و لشارع بنی علی بنائهم فهو
یدل علی کذا فی خطاباته و یقال: ان الأصل مثلا عند عدم الدلیل کذا عندهم. و الشارع بنی علیه فهو کذا عنده، و من هنا یظهر أیضا ان المقدمة العقلیة المحضة و بعبارة أخری البرهان غیر مستعمل فی المباحث الأصولیة فی الحقیقة إذ العقلاء لا یبنون فی القضایا الاعتباریة المتداولة عندهم الا علی أصول بناءاتهم من ضرورة الحاجة أو اللغو، و اما القضایا الأولیة، و ما یتفرع علیها من النظریة فلا تنتج طلبا و لا هربا، و لا وضعا، و لا رفعا، و لا ما ینتهی إلی ذلک بل تصدیقا بنسب حقیقیة نفس أمریة فافهم.
ذلک مضافا إلی ما تحقق فی محله: ان القضایا الاعتباریة، من حیث هی اعتباریة لا یقام علیها برهان و قد مرت الإشارة إلیه و من هنا یظهر أیضا ان أحسن التعاریف تعریفه بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحکام الشرعیة، التعریف بناء علی تعمیم الحکم الظاهری و الواقعی و الوضعی و التکلیفی و کون الحق حکما بوجه کما هو الحق.
قوله و ان کان الأولی تعریفه بأنه صناعة: (1) وجه الأولویة ما ذکره بعد بقوله: بناء علی ان إلخ بزعم عدم شمول التعریف الأول لذلک و قد عرفت ما فیه، و یرد علی تعریفه أیضا انه تعریف بالغرض و هما غرضان اثنان و لازمه کون علم الأصول فنین اثنین، و هما فن مباحث الألفاظ، و فن الأصول العملیة، بناء علی ما التزم به من دوران الوحدة و التعدد مدار الغرض (فان قیل:) ان بین الغرضین جامعا و هو الوصول إلی الأحکام أعم من الظاهریة، و الواقعیة فیتحد الفن باتحاد الغرض، (قلنا:) علی انه عدول إلی التعریف الأول
مع أولویته بالاختصار ان کان وحدة الغرض أو تعدده یتبع نظر العرف فالعرف یری الغرضین المذکورین اثنین، و ان کان المتبع وجود جامع غرضی بین الغرضین و عدمه فجمیع أغراض العلوم یجمعها غرض واحد و هو تحصیل الکمال النفسانیّ، و لازمه کون جمیع العلوم علما واحدا، و من هنا یظهر ان ما أورده علی القول بکون التمایز بالموضوعات مقلوب علی نفسه.
قوله: الوضع هو نحو اختصاص: (1) لا ریب ان انفهام المعنی من اللفظ أعنی المعنی الخاصّ من اللفظ الخاصّ بحسب أی لغة من اللغات ثم دوام ذلک و استمراره بعدم التخلف و الاختلاف یکشف عن نسبة بینهما و ارتباط لأحدهما بالآخر أو لا، و عن کون هذه النسبة ثابتة غیر متغیرة ثانیا، لکن النسبة الثابتة بینهما بحسب لغة و عند قوم مغفول عنها أو مجهول بحسب لغة أخری و عند قوم آخر و لو کانت نسبة خارجیة حقیقیة لم یختلف فی إثباته و نفیه الإفهام علی ما هو الشأن فی الأمور الخارجیة الحقیقیة، فاذن النسبة الثابتة بین اللفظ و المعنی الاعتباریة غیر حقیقیة هذا.
ثم انا إذا تأملنا فی حال الإنسان بل کثیرا من الأنواع الحیوانیة وجدنا مسألة تفهیم ما فی الضمیر من الضروریات التی تمسها الحاجة الأولیة من حیث الاجتماع و التقارن الّذی بینهم فهو من الاعتبارات العامة الأولیة یتلو اعتبار الاجتماع و الّذی یقضی به التأمل المجرد فی حال
الحیوانات الساذجة من حیث الإدراک و الاجتماع، و من فی تلوهم من الإنسان کالأطفال، و کذا فی الکشف عن الأمور المستحدثة، و کذلک فی استعمال أنحاء الإشارات و تشفیع الکلام بها ان أقدم التفهیمات ما یتعلق منها بالمعانی الموجودة تحت الحس بعرض المعنی نفسه علی حس المخاطب و مع عدم إمکانه استعمال الإشارة أو إیجاد صوت عنده مع تعقیبه بما یریده من المخاطب، کما ان الواحد من الطیور إذا أراد تفهیم صاحبه ما یجب الحرکة إلیه أو عنه أخذ فی الصوت فیتوجه إلیه صاحبه لمکان ضرورة البحث عن علل الحوادث عند الحیوان ثم یعقب الصائت صوته بالحرکة إلی الحبة مثلا فیدرک صاحبه ما کان یرید إدراکه إیاه أو یهرب عن محذور مخوف منه فیدرکه صاحبه فیفعل ما یفعل، فهذا أول ما یدل باللفظ علی المعنی.
ثم ان الإدراکات الوجدانیة کالمحبة، و العداوة، و الشوق، و الکراهیة، و الشهوة، و الغضب، و غیر ذلک علی اختلافها توجب اختلافا فی الصوت بالضرورة و هذا أول ما یحصل به الاختلاف فی الأصوات التی هی الألفاظ، و باختلافها یحدث الاختلاف، و الکثرة اللفظیة فی تفهیمات الحیوان و الحیوان بوهمه مفطور علی الانتقال من مجاور إلی ما یجاوره، و من ملازم إلی ما یلازمه و لو اتفاقا فبتکرر الوقوع یذعن الحیوان بالملازمة و ینتقل من الصوت الخاصّ إلی المعنی الخاصّ فی الجملة و یستدل به علیه، فالحیوان إذا سمع صوت رأفة استدل به
علی معنی یناسب الأنس دون الوحشة و الفزع، و علی هذا القیاس، و عند هذا ینفتح الباب إلی الاستدلال إلی بعض المعانی الغائبة عن الحس، ثم انه یأخذ فی تفهیم المعانی الغائبة عن الحس، و أقدمها ما یمکن عرضه علی الحس بواسطة حکایته، اما لکونه مشتملا علی صوت فیحکی نفسه، و یعرض علی الحس کأسماء الأصوات و یوجد فی اللغات علی اختلافها شیء کثیر من أسماء الحیوان، و غیرها مأخوذة من الصوت الوجود عنده کالهدهد، و البوم، و الحمام، و العصفور، و الهر، و من الأفعال کالدق، و الدک، و الشق، و الکسر، و الصریر، و الدوی، و اما لکونه مشتملا علی مقدار أو شکل یمکن حکایته، بالإشارة و لا یزال الوهم یتصرف فیها بتغییرها إلی ما هو أخف، و أسهل عند الطبع، و بتسریة حکمها إلی ما یناسبها، و یشاکلها حتی یتم امر اللغة بحسب ما یمس به الحاجة، فمن المحال ان یوضع لفظ لما لا حاجة إلیه لمتکلم هاج، و کلما اشتق معنی من معنی لمسیس الحاجة اشتق من اسمه اسم للمعنی الثانی لمکان الاتحاد بینهما و لا ترادف، و کلما اتحد معنی مع معنی سبق اسمه إلیه، و شمله و لا اشتراک.
ثم ربما نسیت الخصوصیات فعاد اللفظ مع اللفظ مترادفین کالإنسان و البشر أو اللفظ مشترکا لفظیا کالنون.
ثم ربما أوجب کثرة الجماعة و الزحام بینهم جلاءهم و تفرقهم لأسباب تدعو إلی ذلک و انقطعت الروابط بینهما فبطلت وحدة المعاشرة
و الاجتماع بینهم فتغیرت اللهجة و خلت عن الفعل و الانفعال الاجتماعی و انجر الأمر بمرور الزمان إلی حدوث لغتین أو أکثر، هذا کله مما لا یرتاب فیه المتأمل الباحث فی أوضاع المجتمعین من الإنسان، و الحیوان، و التغیرات، و التطورات الواقعة فیها.
و یتبین بذلک ان الإنسان یتوصل إلی اللغات بوضع المعانی نفسها و عرضها علی المخاطب أولا، ثم وضع الألفاظ فی محلها بالاعتبار بإعطاء حدودها إیاها بحکم الوهم فتکون الألفاظ وجودات للمعانی بالعرض و یتوصل إلی الدلالة اللفظیة أولا بالدلالة العقلیة، و هی دلالة الشیء علی نفسه، و لوازمه العقلیة أولا، ثم الدلالة علی ذلک بما یراه نفس الشیء وهما، و لیس به حقیقة فاللفظ نفس المعنی، و دلالته علیه دلالة الشیء علی نفسه لکن فی ظرف الاعتبار و بحکم الوهم.
و لذلک ربما سری بعض أوصاف أحدهما إلی الآخر من حسن، أو قبح أو خیر، أو شر و من هنا یؤخذ جل باب التطیر، و التفؤل کما یتطیر، من الغراب لاشتقاقه من الغربة، و من شجرة البان لأنه من البین، و الفرقة و العرب کانت تتشأم من العطسة لأنهم کانوا یتشأمون من حیوان یسمی عاطوسا فهذه و أمثالها صفات سرت من معنی إلی لفظ و منه إلی آخر ثم إلی معناه و ربما ذهب الأمر إلی غایات بعیدة هذا.
و یتبین بذلک کله ان وضع جل الألفاظ باستثناء الاعلام الشخصیة وضع تعینی لا تعیینی و انما هو الإنسان مفطور علی ذلک بفطرته الاجتماعیة.
و به یظهر فساد ما قیل ان الوضع من قبیل التعهد حیث ان جعله الاختصاص بین اللفظ و المعنی و کون اللفظ وجودا للمعنی تنزیلا ممن یدعی انه واضع لا یؤثر شیئا بحیث یفهم منه کلما أطلق بل هو تعهد من المستعملین ان یطلقوا اللفظ عند إرادة تفهیم المعنی کما هو کذلک فی وضع الاعلام الشخصیة هذا و وجه الفساد ان ذلک انما ینفی کون الواضع شخصا خاصا و لیس کذلک و انما هو الإنسان بفطرته الاجتماعیة و الاختصاص الوضعی انما یتحقق مع الاستعمال لکن فی رتبة متقدمة علیه.
و به یظهر أیضا فساد ما قیل انه من قبیل التعهد لکنه تعهد الواضع دون المستعملین بتقریب ان جعل الارتباط بین اللفظ و المعنی لو لا وجود المرجح فی البین ترجیح بلا مرجح و تخصیص الواضع و جعله لا یوجب أزید من جعل المرجح و تحققه ثم جریان الاستعمال یوجب الاختصاص فحقیقة الوضع جعل اللفظ بإزاء المعنی و تعهده انه کلما تلفظ باللفظ أراد المعنی المعهود فباستعماله یتحقق الاختصاص ثم المستعملین الآخر یتبعونه فی ذلک و الکلام فیه کسابقه.
و به یظهر أیضا فساد ما قیل ان الواضع هو اللّه سبحانه لبطلان کلما قیل فی غیره و فسر بأنه سبحانه یلهم المتکلم بلفظ خاص عند إرادة معنی مخصوص و لا بد ان یتم الإلهام فی جانب المتکلم بإلهام آخر فی جانب المخاطب و وجه الفساد انه لا یفید فی تشخیص حقیقة الوضع
شیئا و البحث عن علة وجود اللفظ کالمعنی من حیث انهما معلومان فی الأذهان کسائر العلوم و هی جمیعا غیر مستندة إلی إرادة العالم بها غیر البحث عن حد الوضع فهذا القول اقرب إلی القول بذاتیته، دلالة الألفاظ منه بوضعیتها.
و من ذلک یظهر أیضا ان الدلالة باللفظ علی المعنی لا یتوصل إلیه إلّا بدعوی الاتحاد بینهما فربما کان ذلک بدعوی کون اللفظ هو المعنی و ربما کان ذلک بدعوی کون اللفظ هو المعنی لکون معناه هو المعنی أی ان یکون الاتحاد أو لا بین المعنیین ثم بین لفظ أحدهما المتحد معه و المعنی الآخر و هذا هو المجاز.
و من هنا یظهر ان المجاز یدور مدار علاقة واحدة و هو الاتحاد الادعائی بین المعنی الحقیقی و المعنی المجازی فیطلق لفظ الأول علی الثانی أو تعطی نسبة الأول للثانی فحقیقة المجاز هو ادعاء الاتحاد بین المعنیین، أنفسهما أو بینهما من حیث النسبة فالذی فی إطلاق الأسد علی الرّجل الشجاع دعوی الاتحاد بین المعنیین أنفسهما و الّذی فی جری المیزاب لو کان من المجاز فی النسبة ادعاء ان نسبة الجریان إلی المیزاب هو عین نسبته إلی الماء فالمجاز بقسمیه تحت نوع واحد و هو دعوی الاتحاد بین معنیی الحقیة و المجاز و العلاقة أیضا نوع واحد و هو دعوی الاتحاد المزبور.
و من ذلک أیضا یظهر ان الأقدم فی کل وضع هو الوضع الخاصّ
ثم یتدرج إلی العموم بدعوی ان الفرد الثانی هو الفرد الأول ثم الثالث هو الثانی کما ان حصول العلم بالکلیات و الارتقاء إلیها من الجزئیات علی هذا النحو أیضا.
قوله «ره» ثم ان الملحوظ حال الوضع اما یکون معنی عاما إلخ: (1) و قد أحسن التعبیر فی مقام تفسیر کلمة الوضع الواقع فی هذا التقسیم فانه یوهم تقسیم الشیء إلی غیره فالمراد بالوضع فی المقسم هو المعنی الاصطلاحی و فی الأقسام غیره فافهم.
و کیف کان فقد عرفت کیفیة الوضع فی الألفاظ فانها بحسب الوضع الأولی الّذی دعت إلیه ضرورة الحاجة الاجتماعیة أوضاع خاصة کوضع الاعلام الشخصیة ثم قد ینتقل منها إلی الوضع العام اما بسرعة کما فی لفظ الإنسان و الحیوان أو بعد حین کالشمس و القمر و المیزان و القلم و قد لا ینتقل لعدم تماس الحاجة فیبقی الوضع علی خصوصه کبعض الاعلام الشخصیة فافهم و اما الأوضاع الغیر الأولیة مثل أوضاع اللغات المتأخرة فحالها حال التغیرات المتعاقبة للألفاظ و التطورات الطاریة علیها کالإعلال و الحذف و نحوهما و الجمیع ظاهر بعد التأمل فیما قدمناه.
قوله «ره» فقد توهم انه وضع الحروف و ما یلحق بها إلخ (2) الّذی ینبغی ان یقال فی المقام هو ان الموجودات الخارجیة
تنقسم بحسب نظر العقل إلی قسمین.
أحدهما ما یستقل بالوجود و من المعلوم ان العقل حیث کان شأنه تعقل الماهیات لا غیر فغرض استقلال الموجود بالوجود عنده یلزمه بالضرورة ان یکون له ماهیة معقولة یصح تلبسها بالوجود فیکون هذا المفهوم موجودا فی الخارج مثلا من غیر حاجة فی تلبس المفهوم عنده إلی شیء آخر سواء کان الوجود الخارجی بحسب نفسه محتاجا إلی وجود آخر من مادة أو موضوع أو علة أو لم یکن فکل ذلک حاجات الوجود الخارجی من حیث انه وجود خارجی و اما من حیث صدق مفهومه علیه بعد فرضه وجودا فی الخارج أو قیامه به حیث انه حده فلا یختلف حاله فمفهوم الإنسان و السواد لا یختلف حالهما بالنسبة إلی صدقهما علی الإنسان و السواد الخارجیان و ان کان الثانی فی وجوده محتاجا إلی موضوع یقوم به و ینعته بخلاف الأول.
و ثانیهما ما یکون بوجوده رابطا بین موجودین من حیث انه رابط أی یکون عین الربط و هذا القسم بذاته واسطة بین شیئین و من المعلوم ان الواسطة من حیث انها واسطة لو کانت مستقلة الوجود فی قبال الطرفین کانت ثالثتهما و محتاجة فی الارتباط بهما إلی واسطتین رابطتین أخریین و قد فرضت مربوطة بذاتها فیستحیل ان یکون لها ماهیة ملحوظة و حدها عند العقل إذ لو کانت کان اتصافها بالوجود بالاستقلال فکانت من القسم الأول هف.
ثم البرهان قائم علی ان هناک وجودات أخر غیر مستقلة الذوات قائمة بوجودات مستقلة أخر غیر قائمة بطرفین و لا متوسطة بین موجودین و هی المعانی النسبیة القائمة بالذوات مثل معنی الخطاب و التکلم و الغیبة و نحوها فهذه الوجودات جمیعا أمور موجودة فی الخارج لکن لا فی أنفسها بل فی غیرها أی ان ماهیة الغیر یعرضها وجودها و یقوم به هذه الأمور الرابطة نحوا من القیام و إذ لا ماهیة لها فی نفسها فلیست هی ذات حدود فلیست بسیطة الذوات و لأمر کتبها و لیست لها أحکام فلیست بکلیة و لا جزئیة و لا عامة و لا خاصة و لا لهما نسبة مع شیء بالعموم و الخصوص و التباین و التساوی إلّا بتبع الموجودات المستقلة المقومة لوجودها کل ذلک لمکان ان لا ذات لها فی أنفسها هذا.
فان قلت هذه الأحکام التی ذکرت لها هی أحکام لها فی أنفسها فلها نحو ما من الاستقلال به یصح ان یلاحظ أحکامها فیها و تثبت لها فلیست هی مع الموجودات المستقلة المشابهة لها کالابتداء الاستقلالی و الانتهاء الاستقلالی متباینة بالذات غیر متسانخة.
قلت هذه أحکام سلبیة بالسلب البسیط و لا یقتضی وجود الموضوع فان قلت نعم و لکن الموضوع المأخوذ فیها فی اللفظ و هو الابتداء الرابط أو الانتهاء الرابط مثلا یحکی بها عن تلک الوجودات الرابطة الخارجیة الغیر المستقلة فلها معان مستقلة معقولة بالاستقلال و لا بد من اتحاد بین الحاکی و المحکی عنه علی ان السلب البسیط یمکن
تبدیله إلی الإیجاب المعدول.
قلت الابتداء الآلی بمعناه الّذی تحت لفظه معنی اسمی و لیس من هذه الجهة معنی من الرابط بین المبتدأ و المبتدأ منه بل هو مأخوذ عنوانا یحکی به عنه و مصحح ذلک تفاوت الحمل فالابتداء الآلی ابتداء إلی رابط بالحمل الأولی و الاستقلالی بالحمل الشائع و نظائره کثیرة کقولنا الجزئی جزئیّ و لیس بجزئی لصدقه علی کثیرین و المعدوم المتصور معدوم و لیس بمعدوم لوجوده فی الذهن و بالجملة فالمعانی النسبیة لا تتصف بشیء من الأحکام کالتباین و الجزئیة و غیرهما بل کل ما یتصور لها من الأحکام فللوجودات المستقلة المقومة لوجوداتها بالذات.
ثم من المعلوم ان هذه المعانی کلا أو جلا و هو خصوص ما تنبه له الإنسان منها مأخوذة فی الألفاظ محکیة بها عنها فما کان منها رابطة بین موجودین واسطة بین طرفین وضعت لها ألفاظ الحروف مثل حروف الجر و حروف الشرط و ما کان منها قائمة الذات بطرف واحد ربما وضع بإزائها حرف مثل حروف النداء و التنبیه و الخطاب و التحضیض و نحو ذلک و ربما أخذت مع الذات المقوم لها کالذات مع معنی نسبی واحد أو اثنین أو زیادة فوضع بإزاء الذات مع ما یقوم به جمیعا لفظ واحد کالضمائر و أسماء الإشارة و أسماء الشرط و نحو ذلک فکلمة ذا تدل علی الذات مأخوذة مع نسبة الإشارة و کلمة هم تدل علی
الذات مع نسبة الغیبة و التذکیر و الجمعیة هذا.
و یشبه ان یکون وضع الحروف و ما یشتمل علی معانیها متأخرا عن الوضع فی الأسماء کما یعطیه البیان المتقدم فی حقیقة الوضع و یشهد به ما نشاهده من حکم الفطرة فی تعلم الجاهل باللغة لها فانه یأخذ بتعلم الأسماء قبل الحروف و ربما اکتفی فی التفهیم بإلقاء ما عنده من الأسماء هذا.
و إذ تبین ان الحروف و ما یلحق بها موضوعة لهذه المعانی النسبیة الغیر المستقلة بذاتها المتقومة بوجود غیرها تبین انها موضوعة لمعان فی غیرها و تبین ان قولنا ان معانیها تباین المعانی الاسمیة بالذات و قولنا ان الوضع فیها کالموضوع له عام من الکلام المجازی إذ لا ذات مستقلة فیها فلا حکم لها فافهم.
و من هنا یظهر ما فی إفادة شیخنا المحقق الأستاذ «ره» فی الحاشیة حیث قال ان المعنی الاسمی و الحرفی متباینان لا اشتراک لهما فی طبیعی معنی واحد و البرهان علی ذلک هو ان الاسم و الحرف لو کانا متحدی المعنی و کان الفرق بمجرد اللحاظ الاستقلالی و الآلی کان طبیعی المعنی الوحدانی قابلا لأن یوجد فی الخارج علی نحوین کما یوجد فی الذهن علی طورین مع ان المعنی الحرفی کأنحاء النسب و الروابط لا یوجد فی الخارج الا علی نحو واحد و هو الوجود لا فی نفسه و لا یعقل ان یوجد النسبة فی الخارج بوجود نفسی فان القابل لهذا النحو من
الوجود ما کان له ماهیة تامة ملحوظة فی العقل کالجواهر انتهی و هو مغالطة من باب وضع القسم موضع المقسم و لو بدل القسم بالمقسم بوضعه موضعه عاد مصادرة بالمطلوب الأول کما لا یخفی.
و من أعظم الشاهد علی ان الوجود الواحد یوجد علی کل من الوجهین أی یقوم به کل من نحوی المفهوم ما أقیم علیه البرهان فی محله ان الموجودات الإمکانیة و هی التی وجوداتها فی أنفسها من الجواهر و الاعراض وجودات رابطة بالنسبة إلی الواجب عزّ اسمه و هذه النسبة ذاتیة لها بمعنی ما لیس بخارج فالوجود الواحد الإمکانی بعینه متحیث بالحیثیتین جمیعا و هما حیثیتان صحیحتان حقیقتان و هذا الّذی أشرنا إلیه برهان تام لا یدخله شک البتة و لازمه ان المفهوم من حیث هو مفهوم لا حکم له بشیء من الاستقلال و عدمه الا من حیث الوجود الّذی ینتزع منه أو ینتهی إلیه انتزاعه.
فالحق ان یقال ان المعنی الحرفی ما ینتزع من وجود فی غیره و اللفظ الدال علیه حرف و المعنی الاسمی ما ینتزع عن وجود فی نفسه و الدال علیه اسم و من المعلوم ان الحیثیتین أعنی الاستقلال و عدمه مختلفان سنخا اختلاف المرتبتین فی المشک فافهم و اما التباین بین معنیین فی نفسهما سنخا وراء الغیریة التی فی ذوات المفاهیم کما ذکره «ره» فمما لا ریب فی بطلانه و الزائد علی هذا القدر من الکلام ینبغی ان یطلب من محل غیر هذا المحل.
و من هنا یظهر أیضا فساد ما صوره «ره» لتقریب کون الوضع عاما و الموضوع له خاصا فی الحروف بان المعانی الحرفیة یمتنع تصورها استقلالا فلا تتصور معانیها حال الوضع بل المتصور انما هو عناوینها من المعانی الاسمیة کعنوان الابتداء الآلی فی معنی من و الانتهاء الآلی فی معنی إلی و کل من هذه العناوین جامع عنوانی لا جامع ذاتی إذ لا جامع ذاتی فیها و بینها بل هی لکونها معانی نسبیة فوجودها و ثبوتها فی الخارج بطرفیها علی حد ثبوت المقبول بثبوت القابل علی نهج القوة لا الفعل و کذا فی الذهن فهی دائما متقومة بطرفین خاصتین بحیث لو لوحظت ثانیا لم تکن عین الأول بل غیرها فالملحوظ حال الوضع هو الجامع العنوانی و هو عام و الموضوع له ثانیا هو المحکی عنه و هو خاص انتهی ملخصا و وجه الفساد ما عرفت ان الأحکام العارضة للمعانی الحرفیة انما هی بعرض الوجودات الغیریة التی فی الخارج بإزائها فهی أحکام تلک الوجودات بالذات و أحکام المعانی بالعرض ثم تلک الوجودات الغیریة أیضا لا حکم لها فی نفسها إذ لا نفسیة لها بل هی فی أحکامها تابعة لما یقومها من الأطراف أو غیرها عامة بعمومها خاصة بخصوصها فکونها موجودة فی الخارج بنحو الخصوصیة انما هو لکون مقومها موجودة فی الخارج کذلک هذا و اما کون وجودها بالقوة علی نهج ثبوت المقبول بثبوت القابل فشتان ما بینهما من الفرق و انما هی وجودات فی وجودات أخر بمعنی ما لیس بخارج و لو کان کما
ذکره «قده». کانت نسبة الأطراف إلیها نسبة المادة إلی الصورة أو نسبة الموضوع إلی العرض.
قوله «ره» بخلاف الخاصّ فانه بما هو خاص لا یکون وجها لها إلخ: (1) هذا یناقض کما قیل ما سیذکره فی إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه من جواز کون الموضوع فی القضیة فردا من نوع اللفظ الخارجی أخذ مرآتا لحال بقیة افراد النوع.
و قد أورد علیه بجواز تصویر هذا النوع من الوضع أعنی الوضع الخاصّ و الموضوع له عاما بنحو الخیال المنتشر کالشبح المرئی من بعید المحتمل لأشخاص کثیرة من نوع أو أنواع.
و فیه ان الشبح بوجوده الخارجی لا یحتمل إلّا واحدا بعینه من غیر إبهام إذ لا إبهام فی الوجود الخارجی و بوجوده العلمی المفهومی کلی غیر جزئیّ و تفصیل الکلام فی محل آخر.
قوله «ره» قلت الفرق بینهما انما هو فی اختصاص کل منهما بوضع: (2) فیه ان هذه الغایة أو الفائدة ان کانت مرتبطة بالتخصیص الوضعی ارتباطا حقیقیا عاد المحذور عینا و ان لم تکن مرتبطة کان وجودها و عدمها سواء و جاز حینئذ استعمال کل من لفظی الابتداء و من فی محل الآخر و ان منع عنه الواضع و لا یلتزم به ملتزم.
قوله «ره» ثم لا یبعد ان یکون الاختلاف فی الخبر و
الإنشاء أیضا کذلک إلخ: (1) قد عرفت فیما تقدم من معنی الوضع انه صیرورة اللفظ وجود المعنی اعتبارا بعد ما لم یکن هو هو حقیقة.
و من البین ان اختلاف هذا الاعتبار فی نفسه من حیث کونه تارة ضروریا لا یتصور خلافه و لا یستغنی عنه و أخری غیر ضروری و جائز الاستغناء عنه غیر مؤثر فی هذا الاتحاد الاعتباری من حیث انه اتحاد کذلک فاذن کل اتحاد بین اللفظ و المعنی بوجه بحیث یحتاج إلی اعتبار ما فهو مستند إلی اللفظ و النسب الاخباریة و الإنشائیة کذلک فهی مستندة إلی الوضع و حیث کانت نسبا غیر مستقلة و معانی حرفیة فوضعها وضع الحروف کما ان المجاز کذلک أیضا کما سیجیء.
قوله «ره» ثم انه قد انقدح مما حققناه إلخ.
(2) قد عرفت مما یتعلق به من الکلام.
قوله «ره» أظهرهما انها بالطبع لشهادة الوجدان إلخ.: (3) قد عرفت ان اختلاف نفس الاعتبار من حیث کونه تارة اعتبارا یضطر إلیه الإنسان بحسب تماس الضرورة و أخری یجوز الاستغناء عنه لا یوجب اختلافا فی ناحیة الأمر الاعتباری من حیث انه اعتباری فلو کان اضطرار الإنسان إلی الاعتبار معنی موجبا لخروجه عن الاعتباریة لزم من وجود الاعتبار عدمه و هو باطل بل من وجود أصل الاعتبار عدمه فافهم.
و تعین للفظ بإزاء المعنی الحقیقی و کونه متحدا معه و ان أوجب اتحادا ما للفظ مع کل ما للمعنی الحقیقی اتحاد ما معه لکن اللفظ حیث کان بالإضافة إلی المعنی المجازی مع قطع النّظر عن الاعتبار لیس بینهما اتحاد و دلالة بحسب الحقیقة و الواقع فالمجاز مسبوق بالاعتبار و اللفظ الخاصّ بالنسبة إلی المعنی المجازی الخاصّ لا اتحاد تام بینهما علی حد الاتحاد الموجود بین اللفظ و المعنی الحقیقی أعنی الاتحاد الوضعی لکنه موجود بین نوع اللفظ الموضوع و نوع المعنی المتحد مع معناه الحقیقی فبینهما وضع غیر انه نوعی لیس بالشخصی فالمجاز موضوع بالوضع النوعیّ.
و من هنا ظهر فساد استدلاله «ره» باستغناء المجاز عن الوضع بقوله بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فیه و لو مع منع الواضع عنه و باستهجان الاستعمال فیهما لا یناسبه و لو مع ترخیصه انتهی.
إذ الواضع علی ما مر من تفسیر الوضع هو الإنسان بفطرته الاجتماعیة فمعنی منعه عن الاستعمال شهادة الذوق باستهجان الاستعمال لعدم المناسبة و معنی ترخیصه شهادته بحسنه لوجود المناسبة هذا و بعبارة أخری لو فرضنا الوضع تعینیا کان قوله لشهادة الوجدان بحسن الاستعمال و لو منع الواضع عنه إلخ.
فی قوة قولنا لشهادة الوجدان بحسن الاستعمال و لو لم یشهد بحسنه و لو فرضناه تعیینیا فی قوة قولنا لشهادة الوجدان بحسن
الاستعمال و لو لم یضع الواضع اللفظ لمعناه الحقیقی فتأمل.
قوله «ره» صحة الإطلاق کذلک و حسنه انما کان بالطبع لا بالوضع إلخ: (1) قد عرفت ان وضع الألفاظ تعینی یقتضیه الفطرة الإنسانیة بداعی رفع الاحتیاج إلی التفهیم فطرة فلا مانع من القول بان الإنسان بفطرته یجعل الفرد من اللفظ وجودا لنوعه أو صنفه أو مثله کما کان أول الوضع کذلک علی ما عرفت سابقا و تضعیفه بلزوم وضع المهملات لا یزید علی الاستبعاد شیئا نعم هو علی تقدیر وضع الألفاظ تعیینیا فی محله فافهم.
قوله «ره» لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول إلخ: (2) و هو ممتنع لکونهما من قبیل المتضایفین ذکر شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة ان المتضایفین لیسا متقابلین مطلق بل التقابل فی قسم خاص من التضایف و هو ما إذا کان بین المتضایفین تعاند و تناف فی الوجود کالعلیة و المعلولیة مما قضی البرهان بامتناع اجتماعهما فی وجود واحد لا فی مثل العالمیة و المعلومیة و المحبیة و المحبوبیة فانهما یجتمعان فی الواحد غیر ذی الجهات کما لا یخفی و الحاکی و المحکی و الدال و المدلول کاد ان یکونا من قبیل القسم الثانی حیث لا برهان علی امتناع حکایة الشیء عن نفسه انتهی.
و بنائه علی ان المتضایفین بما هما کذلک لا یقتضیان امتناع الاجتماع و هو خطأ إذ التضایف من أقسام التقابل الأربع الّذی هو
الغیریة بالذات فامتناع الاجتماع فی أطرافهما بالذات لا لعارض فارجع إلی محله و اما اجتماع العالمیة و المعلومیة و المحبیة و المحبوبیة فی الواحد غیر ذی الجهات کالواجب عزّ اسمه فالذی هناک من المجتمعین هو العالم و المعلوم مثلا و لیسا من المتضایفین و ذی نسبة متکررة و هو واضح ثم المعنی المحکی بالعالمیة مورد التضایف لدلالتهما علی أخذ النسبة فی الطرفین إلی الطرفین فتتکرر لکنهما معنیان انتزاعیان یعرضان له فی العقل و یکفیه فرض التعدد بحسب صدق المفهوم علیه و ان کان إحدی الذات بحسب العین فافهم ذلک.
نعم یرد علی أصل المطلب بان الدال و المدلول لیسا من المتضایفین فی شیء لعدم تکرر النسبة و قد قربه بعض الأساطین من مشایخنا «رض» بلزوم اتحاد المرات و المرئی و الفانی و المفنی فیه و لازمه کون الشیء معلوما و غیر معلوم بنفسه لکنه کسابقه.
بیان ذلک انا نجد بعض الأشیاء بحیث إذا حصل العلم بها تعقبه العلم بشیء آخر و نفقد هذا المعنی فی بعض آخر منها و نجد القبیل الأول غیر مختلف فی تلک الحیثیة و لا متخلف فالعلم بالدخان المتصاعد مثلا یتعقبه العلم بوجود نار هناک ثم لا یختلف ذلک بان یکشف عن النار مرة و عن غیرها أخری و لا یتخلف بان یکشف تارة و لا یکشف أخری و هذا یوجب ان یکون بین الشیئین رابطة و نسبة ثابتة غیر متغیرة و النسب أمور غیر مستقلة بنفسها و وجودها
فی غیرها أی وجود النسبة هو وجود ذلک الغیر بمعنی ما لیس بخارج و هذا المعنی مع فرض قیامه بالطرفین یوجب کون الطرفین متحدین اتحادا ما أی ان یکون هناک شیء واحد من جهة النسبة و کثیر من جهة نفسه علی ان تکون الحیثیة تعلیلیة بنحو الوساطة فی الثبوت دون العروض و وجود الکثیر من حیث کثرته أعنی أحد طرفی النسبة عند العالم عین وجوده من حیث وحدته أعنی وجود النسبة مع الطرف الآخر و هذه هی حقیقة الدلالة شیء علی شیء.
و تبین بذلک ان الدلالة لحیثیة الوحدة بینهما أی النسبة أو لا و للکثیر أی الطرف الدال بواسطته ثانیا فدلالة شیء علی شیء هی إیصاله العالم إلی المدلول أی إیجابه حصول المدلول عنده و لنا ان نبدله بقولنا إیجابه للعالم ان یحضر عنده المدلول المعلوم فلو فرضنا معلوما بالذات فهو دال علی ذاته بذاته کما فی الواجب عزّ اسمه و قد ورد فی المأثور یا من دل علی ذاته بذاته هذا فدلالة الشیء علی ذاته بنفسه ان یقتضی ذاته ان یکون معلوما و هذا المعنی لا یتحقق إلّا فی العلة بالنسبة إلی معلولها و فی الشیء إذا کان مجردا بالنسبة إلی نفسه و ینتج بعکس النقیض استحالة دلالة الشیء علی نفسه و مجرد تکثر الحیثیات غیر مفید ما لم یقض بکثرة حقیقیة خارجیة فتأمل و لیطلب بقیة الکلام من غیر المقام.
فدلالة الشیء علی نفسه مستحیلة سواء کانت دلالة غیر وضعیة أو
وضعیة و من هنا یظهر فساد ما أجاب به المصنّف «ره» عن الإشکال باعتبار اللفظ ذا حیثیتین بالصدور و الإرادة هذا.
و اما حدیث فناء شیء فی شیء و کونهما مرآتا و مرئیا فکلام تشبیهی ینبغی ان یحمل علی نوع من المجاز و حقیقته کون الشیء؟
متحد الوجود مع شیء آخر أو کونه ذا وجود فی غیر فالعقل إذا تصوره فی نفسه اما بذاته أو بنحو من التحیل کما فی المعنی الحرفی ثم فقده و وجد مکانه ما یتحد به أو یوجد فیه سمی ذلک فناء له فیه و لیس من الفناء فی شیء لاستلزامه وحدة الکثیر و هو ممتنع بالضرورة و اما ما ربما یمثل له بمثل فناء العلم فی المعلوم و فناء المرات فی المرئی و فناء الماء أو الهواء أو الزجاج فیما تحکیه مما خلفه فهو ناش عن الغفلة عن حقیقة الحال فی تعلق العلم بالخارج و عن حقیقة الإبصار مع الصقالة و الشفاف و النور فیها غیر ملائم لهذا المقام فلیطلب من محله.
قوله: «ره» أو ترکب القضیة من جزءین إلخ: (1) علی تقدیر عدم الاعتبار الدلالة و کون الموضوع نفس اللفظ بخارجیته کما قرره (ره) لضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبین.
أقول: و لا یکفی فی دفع المحذور مجرد ثبوت المنتسبین و لو مع اختلاف الوعاء کالذهن و الخارج بل مقتضی ما قدمناه فی الکلام علی المعنی الحرفی لزوم کون وجود طرفی النسبة من سنخ واحد
اما خارجیین معا أو ذهنیین معا و اما کون أحدهما خارجیا و الآخر ذهنیا متقررا بالتقریر العلمی فمن المستحیل ثبوت النسبة بینهما.
و من هنا یظهر فساد ما أجاب به (ره) ان النسبة قائمة بطرفین أحدهما شخص نفس اللفظ و الآخر المعنی المحکی عنه بالمحمول فتکون القضیة ذات اجزاء ثلاثة.
قوله: «ره» لا وجه لتوهم وضع للمرکبات غیر وضع المفردات.
(1) قد مر ما یتعلق به من الکلام فی الکلام علی وضع المجازات فکون الاعتبار الوضعی فی نفسه ضروریا لا یوجب استغناء الموضوع عن الوضع بل الأمر بالعکس کما ان کون الجعل فی مورد کالعلم ضروریا لا یوجب استغناء المجعول عن الجعل و کون الشیء ضروری الفعل کالتنفس للحیوان لا ینافی کونه إرادیا اختیاریا و من هنا یظهر أیضا فساد ما أورده «ره» علی وضع المرکبات من لزوم دلالة الکلام علی معناه مرتین باعتبار وضع المفردات مرة و باعتبار وضع المرکبات مرة أخری إذ الکلام یدل علی نسبة وراء ما یدل علیه المفرد فلا بد من استناده إلی وضع و الوضع کما عرفت تعینی یتحقق مع الاستعمال ثم ینحل بحسب تعدد الدلالات إلی أوضاع.
قوله «ره» اختلفوا فی ثبوت الحقیقة الشرعیة و عدمه إلخ.
(2) لا ثمرة یترتب علی هذا البحث لعدم وجود مصداق له فیما بأیدینا من الأدلة کما ذکره بعض الأساطین من مشایخنا بل الحق ان البحث عن
حقیقة الألفاظ و مجازها لیس من شأن الأصولی و انما الواقع فی طریق الاستنباط هو الظهور اللفظی أعم من ان یکون علی وجه الحقیقة أو المجاز و لذا تری اما نکتفی بالظهور فی کل مورد لا یساعد الدلیل علی إثبات الوضع فیه کوضع صیغة افعل علی الوجوب و صیغة لا تفعل علی الحرمة فنستفید من ظهورهما فیهما فائدة وضعهما علیهما و لا نکتفی بثبوت الوضع فیما کان حقیقة متروکة کأحد معنیی المشترک إذا کان مهجورا لظهور المعنی الآخر.
قوله «ره» و أنت خبیر بأنه لا یکاد یصح إلخ.
(1) قد عرفت ان الحقیق بالبحث هو الکشف عن ظهور اللفظ فی هذه المقامات دون الحقیقة فینبغی ان یحرر النزاع ان من المفروغ منه استعمال اللفظ فی کل من المعنیین فهل استعمال اللفظ فی الفاسد یحتاج إلی عنایة زائدة أو ان الاستعمال فی الصحیح و الفاسد علی حد سواء و اما حدیث صعوبة الکشف عما کان علیه بناء الشارع فی محاوراته من نصب القرینة و إعمال العنایة الزائدة عند إرادة الفاسد مثلا فهو کذلک لکن نظیر الإشکال وارد علی الفریقین فیما استدل به کل علی مختاره بالتبادر و عدم صحة السلب فان الّذی یسع لنا التمسک به هو ما عندنا من التبادر و عدم صحة السلب و لا یفید شیئا و الّذی یفید هو ما فی زمان الشارع و عند مخاطبیه و لا سبیل إلیه ثم الّذی یستدلون به هناک
من اعتبار بناء العقلاء فی باب وضع الأسامی و ان الشارع فی بنائه ملحق بهم فهو مفید هاهنا فتأمل.
قوله (ره) ان الصحة عند الکل بمعنی واحد و هو التمامیة إلخ (1) کون الصحة عند الکل بمعنی واحد مسلم غیر انها لیست هی التمامیة بل هما حیثیتان متغایرتان و ان ترتبت إحداهما علی الأخری بیان ذلک اما بالارتکاز الفطری نطلق التمام و النقص علی الأشیاء إطلاق المتقابلین فلا یجتمعان فی شیء واحد من جهة واحدة و نجد التمام فیها صفة وجودیة بخلاف النقص فهو یضاف إلی ما یضاف إلیه من جهة فقده صفة التمام و لیس یوجد النقص و لا یضاف الا إلی شیء یصح ان یتصف بصفة التمام فبینهما تقابل العدم و الملکة و لا نصف شیئا بالتمام إلّا إذا کان ذا اجزاء لمکان صحة اتصافه بالنقص و حیث کان اعتبار وصف التمام لتماس الحاجة إلی آثار الشیء فلا بد من اختبار حال الآثار لتتمیم حده فالآثار إذا کانت بحیث تترتب علی البعض و الکل فالشیء لا یتصف حینئذ بالتمام و انما نصفه لو وصفناه بالکمال.
قال اللّه تعالی الیوم أکملت لکم دینکم و قال تعالی تلک عشرة کاملة الآیة.
بخلاف ما لو کان الأثر المترتب علی المجموع غیر مترتب علی البعض فحینئذ نجد اتصافه بالتمام صحیحا قال تعالی و واعدنا موسی ثلاثین لیلة و أتممناها بعشر فتم میقات ربه أربعین لیلة و قال تعالی و أتممت علیکم
نعمتی و یقال تم الکلام و لا یقال کمل و قال تعالی و تمت کلمة ربک صدقا و عدلا الآیة ثم ان فرض کون أثر الشیء التام من حیث هو تام غیر أثر الاجزاء یستلزم حدوث امر آخر وراء الوجود المنسوب إلی الاجزاء حتی یکون هو الموضوع للأثر المفروض عدم ترتبه علی الاجزاء و تلک هی حیثیة التمامیة إذ علیها تدور التمامیة وضعا و رفعا فالتمامیة حیثیة الوحدة الحقیقیة أو کالحقیقیة الحاصلة من اجتماع الاجزاء التی تترتب علیه أثر وراء آثار نفس الاجزاء و اما الصحة و یقابلها الفساد فلیس یصح وضع الفساد موضع النقص بل انما نصف الشیء بالفساد بعد فرض تمامه أی تحقق وحدته الحقیقیة فالشیء انما یتصف بالصحّة و الفساد من حیث وحدته الحقیقیة بخلاف التمام و النقص فانما یتصف بهما من حیث اجزائه فالصحة و الفساد یغایران التمام و النقص فیئول الأمر إلی کون الصحة هی کون الشیء بحیث یترتب علیه الآثار المطلوبة منه و الفساد خلاف ذلک قال تعالی لو کان فیهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا الآیة و لا یقال لنقصتا و قال تعالی و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض الآیة و لا یقال لنقصت و هو ظاهر فالتمام و النقص حصول الوحدة الحقیقیة من انضمام اجزاء المرکب بعضها إلی بعض و عدم حصولها و الصحة و الفساد کون الواحد من حیث وحدته الحاصلة بحیث یترتب علیه آثاره و عدم کونه کذلک و لذلک ربما وضع کل من التمام و الصحة و النقص موضع الآخر کقوله علیه السلام فی کثیر من الروایات
صحت صلاته و تمت صلاته و فی مورد البطلان فسدت صلاته و لا یقال نقصت صلاته و من هنا یظهر فساد ما ذکره (ره) ان الصحة هی التمامیة و التفاوت فی مرتبة اللوازم و الآثار من غیر اختلاف فی معنی نفس الصحة و کذا فساد ما قیل ان حیثیة إسقاط القضاء و موافقة الشریعة و غیرهما لیست من لوازم التمامیة بالدقة بل من الحیثیات التی تتم بها حقیقة التمامیة حیث لا واقع للتمامیة الا التمامیة من حیث إسقاط القضاء أو من حیث موافقة الأمر أو من حیث ترتب الأثر إلی غیر ذلک و اللازم لیس من متممات معنی ملزومه انتهی فانه لو صح فانما یصح بالنسبة إلی الصحة دون التمامیة کما عرفت.
قوله «ره» لا بد فی کلا القولین من قدر جامع إلخ.
(1) ذکر شیخنا الأستاذ (ره) فی الحاشیة ما ملخصه ان الجامع اما ان یکون جامعا ذاتیا أو جامعا عنوانیا اما الأول فغیر معقول فی شیء من المجعولات الشرعیة لأنها أمور اعتباریة مؤلفة من مقولات مختلفة و افراد عدیدة من مقولة واحدة و ما هو کذلک لا تندرج تحت جامع ذاتی لتباین المقولات ذاتا فلا تندرج أکثر من واحد منها تحت ذاتی واحد و إلّا لم تکن الأجناس العالیة أجناسا عالیة هف و اما الثانی فلأنه و ان کان ممکنا فی نفسه لکن یستلزم ان یکون استعمال الصلاة فی نفس المعنون بعنایة الجامع العنوانی کالناهی عن الفحشاء مثلا و لیس کذلک.
ثم ذکره (ره) ان الماهیة إذا کانت من الماهیات الحقیقیة کانت غیر مبهمة من حیث ذاتها و مفهومها و انما الإبهام فیها من حیث الطواری و العوارض و إذا کانت غیر حقیقیة کالأمور الاعتباریة المؤلفة من أمور مختلفة تزید و تنقص فهی مبهمة فی ذاتها و سبیل أخذ الجامع فیها ان تلاحظ علی نحو مبهم غایة الإبهام بعرفیة بعض العناوین الغیر المنفکة عنها فکما ان الخمر مائع مبهم من حیث اتخاذه من العنب و التمر و غیرهما و من حیث اللون و الطعم و الریح و مرتبة الإسکار فلا یتصور الا مائعا مبهما بعرفیة الإسکار مع إلغاء جمیع الخصوصیات کذلک معنی الصلاة مثلا علی ما فیها من الاختلافات کما و کیفا و من کل جهة یؤخذ سنخ عمل مبهم من کل جهة الا من حیث کونه مطلوبا فی الأوقات الخاصة فالعرف لا ینتقلون مع سماع لفظ الصلاة الا إلی هذا السنخ من المعنی انتهی ملخصا.
و ما ذکره (قده) و ان کان صحیحا بوجه علی ما سیجیء لکن یرد علیه ان الجامع الّذی ذکره أخیرا اما ان یکون داخلا فی التقسیم الّذی ذکره ابتداء أو غیر داخل فیه و علی الأول لم یکن حکم بعض الأقسام صحیحا و علی الثانی لم تکن القسمة حاضرة و هو ظاهر ثم أقول إذا اعتبرنا ما مر من الأصول کان حق المقام ان یقال ان هذه الأمور سواء کانت من الموضوعات المرکبة ترکیبا غیر حقیقی أو المجعولة جعلا اعتباریا عقلیا أو شرعیا و بالجملة الأمور الاعتباریة المرکبة علی
اختلافها من کل جهة حیث کانت متسعة المعنی تدریجا کان التشکیک فی معانیها مسبوقا بالتواطی مثال ذلک انهم حصلوا علی المطبوخ من دقیق البر مثلا أو لا فاعتبروها و سموها خبزا ثم وجدوا دقیق الشعیر إذا عمل کذلک یفی بالغرض و هو سد الجوع فوسعوا فی الاسم ثم وجدوا الأرز و الذرة و غیرهما مع خلیط آخر و بدونه و مع تغییر خصوصیات من الشکل و غیره و بدونه کذلک فلم یزالوا یوسعون فی الاسم حتی حصلت المراتب علی اختلافها الشدیدة لکن فی أول المراتب انما اعتبروا جامعا متواطیا بالنسبة إلی افرادها الغیر المختلفة ثم اعتبروا وحدتها النوعیة مع ما یلیها من المراتب ثم الثالث مع الثانی ثم الرابع مع الثالث و هکذا و (ح) وجدوها مختلفة المراتب و استبهموا الجامع کلما ازدادت المراتب فحکموا بکون المفهوم الجامع مشککا فی غایة الإبهام و تشبثوا لفهمه بالمعرفات من الأغراض و الآثار و هذا بناؤنا فیما بأیدینا من الأمور الاعتباریة و المرکبات الغیر الحقیقیة مما لا یحصی و المجعولات الشرعیة من العبادات مثلا علی هذا الوزان فالصلاة مثلا کما شرعت أو لا علی ما فرضه اللّه تعالی رکعتین مع ما لها من الاجزاء و الشرائط فأخذ معناها الجامع جامعا متواطیا یصدق علی افراده علی وتیرة واحدة ثم أضیف إلیها ما فرضه النبی صلی اللَّه علیه و آله و تصرف فیها بالتصرفات المختلفة بالعفو و الاعتبار بحسب الحالات الطاریة و الاعذار اللاحقة من السفر و الحضر و الخوف و المرض و أقسام التعذرات و الاضطرارات
حتی وصلت النوبة إلی صلاة الغریق و هی مجرد إیماء قلبی فهی کما تری تبتدأ أولا من جامع متواط فی مرتبة واحدة ثم بین کل مرتبة و ما یلیها ثم اعتبار جمیع هذه الجوامع المتواطئة المختلفة و سبک جامع واحد منها فینتج التشکیک (فان قلت) التشکیک ممتنع فی الماهیات (قلت) لا ضیر فیه فی الاعتباریات لاستناد الوحدة فیها إلی وحدة الغرض المقصود منها و لیس ذلک بأعظم من تألف ذاتها من الماهیات المختلفة من المقولات المتباینة بالذات نعم یمتنع ذلک فی الماهیات الحقیقیة و لیست بها و قد مرت الإشارة فی ما مر ان الضرورة و الامتناع جهات برهانیة غیر موجودة فی القضایا الاعتباریة (فقد تبین) ان الجامع فی المرکبات الاعتباریة و منها العبادات لشرعیة معنی مبهم تشکیکی یتوصل إلی اعتباره أو لا باعتبار جوامع متواطئة تستنتج هو منها و إلی فهمه ثانیا بالمعرفات من الأغراض و الآثار و یجب ان تعلم ان التشکیک الاعتباری لیس علی حد التشکیکات الحقیقیة المعروفة القائمة بالشدة و الضعف و الکمال و النقص بل انما هو اختلاف ذاتی فی عین الاتفاق الذاتی من غیر تفاوت بالشدة و الضعف فکل مرتبة من الصلاة مثلا واقع علی المأمور بتلک المرتبة و غیر واقع علی المرتبة التالیة من غیر ان تکون أکمل من ما فی تلک المرتبة و انما یطلق اسم المرتبة علیها تجوزا من غیر حقیقة و لو تحقق بین مرتبتین منها کمال و نقص لکانت صلاة الحاضر مثلا مجزیا للمسافر بنحو أکمل و أتم و لیس کذلک و هو ظاهر (قوله ره) بان الجامع
انما هو مفهوم إلخ) أقول و عدم رجوع الشک إلی الشک فی المحصل علی ما تصورناه من الجامع أوضح فان متعلق التکلیف حینئذ لیس هو الجامع المشکک المنطبق علی جمیع المراتب بل الجامع المتواطئ المنطبق علی افراد مرتبة واحدة غیر مختلفة فتدبر.
قوله (ره) و اما علی الأعم فتصویر الجامع فی غایة الإشکال إلخ: (1) قد عرفت ان الصحة و الفساد من قبیل العدم و الملکة و لازم ذلک ان یکون بینهما موضوع یعرضانه فالعلم بتحقق أحد الوصفین مسبوق بالعلم بموضوعهما و وحدة الموضوع لازمة فی المتقابلین فالصحة کالفساد معنی واحد و موضوعهما واحد فهناک للأعم جامع کما ان للصحیح جامعا من غیر إشکال فتأمل.
و اعلم ان الجامع علی الأعم حاله فی الإبهام حال الجامع علی الصحیح لمکان التداخل فی المراتب من حیث الصحیح و الفاسد و من هنا یظهر ان الجامع الّذی أرادوا تصویره بصورة غیر مبهمة بأحد الوجوه الآتیة غیر تام أبدا.
قوله (ره) ثمرة النزاع إجمال الخطاب علی الصحیح و عدم جواز الرجوع إلی إطلاقه إلخ.
(2) هذا هو الّذی ذکره شیخ مشایخنا الأنصاری (ره) لکن الوجه فیه لیس هو بیان الجامع علی أحد التقدیرین دون الآخر إذ قد عرفت ان الصحیح و الأعم فی إبهام الجامع علی حد سواء بل الوجه تبین
الصدق علی الأعم دون الصحیح فالعلم بصدق ماهیة علی فرد لا یتوقف علی العلم بحده التام کما ان من الممکن ان یعلم بکون زید و عمرو إنسانا مع الجهل بحده التام و کذا سایر الماهیات فهذا هو الموجب لإجمال الخطاب علی الصحیح لکون الشک فی اعتبار قید ما من القیود ملازما للشک فی صدق الصلاة لاحتمال الدخالة فی التسمیة بخلاف الأعم و الوجه فی ذلک تداخل المراتب فما من مرتبة تتصف بالصحّة الا أمکن ان تتصف بالفساد فیکون مصداقا للأعم کما یکون مصداقا للصحیح و من هنا کان وروده مورد البیان غیر ممکن بالنسبة إلی جمیع المراتب و اما بالنسبة إلی مرتبة واحدة فیمکن ذلک لکن الشأن فی تمییز المرتبة من المرتبة و علی فرض التمییز فحاله حال الأعم فتأمل.
و البحث علی أی حال قلیل الجدوی و قد ادعی ان الخطابات المشتملة علی العبادات مهملات غیر واردة فی مقام بیان تمام ما له الدخل فیها: قوله «ره» فقد استدل للصحیحی بوجوه إلخ (1) لا یخفی ما فیها من الضعف فالتبادر و صحة السلب انما یستقیمان بالنظر إلی عرفنا جماعة المتشرعة و اما بالنظر إلی ما عند الحاضرین فی زمان الشارع و المخاطبین فی محاوراته فالإنصاف انه لا سبیل لنا إلیه و مثله دعوی خلو الاخبار عن القرینة و اما الوجه الرابع فقد أبدی ضعفه هو (ره) نفسه (و الحق) ان یقال بالنظر إلی الأصول السابقة
ان الاعتبار انما یتعلق بالشیء لإیفائه بالغرض أی یتعلق بالمجعول الصحیح و الغرض من حیث البیان و التبین انما یتعلق ابتداء بالصحیح من المجعول فهو المکشوف عنه بالاسم أو لا ثم التداول و التناول یوجب وجود الفاسد منه فیطلق الاسم علیه بالعنایة أو لا و ان أمکن الاستغناء عن إعمال العنایة بالاخرة فالصحیح لیس فیه عنایة فاللفظ ظاهر فی الصحیح اما لکونه هو المسمی لو کان الظهور أو الوضع للصحیح فقط و اما لکونه من افراد المسمی لو کان ذلک للأعم و اما الفاسد أو الأعم من حیث هو أعم فحیث کان بالعنایة فیحتاج کونه حقیقة أو ظاهرا فیه إلی الکشف عن انتفاء العنایة فی موارد استعمالاته و لا سبیل لنا إلی الکشف عنه.
قوله «ره» لکنه لا یبعد دعوی کونها موضوعة للصحیحة أیضا إلخ: (1) البیان الّذی قدمناه فی کون أسامی العبادات موضوعة للصحیحة أو ظاهرة فیها جار هاهنا فی کون أسامی المعاملات موضوعة للصحیحة عند العرف و الشرع یبنی فی هذا المعانی الاعتباریة علی ما بنی علیه العرف و المنع الشرعی عن بعض الافراد و إضافة بعض القیود شرعا لا یقضی بتعدد المفهوم لکونه کما عرفت فی غایة الإبهام انما هو تصرف فی بعض الافراد بتخطئتهم فی عده فردا للکلی.
و ببیان آخر قد عرفت ان مفاهیم هذه الألفاظ مفاهیم تشکیکیة مأخوذة عن مفاهیم متواطئة مجتمعة فی مواردها و إضافة قید و المنع
عن فرد انما یتوجه إلی اعتبار بعض تلک المفاهیم المتواطئة لوجود مصلحة زائدة لم یعتبرها العرف أو فقد مصلحة اعتبرها یوجب توسعة أو تضییقا فی الاعتبار و لا یتوجه إلی المفهوم المشترک فیه بین الجمیع الّذی وجهه وجه التشکیک و هذا المعنی کثیر الوجود فی العرف أیضا بین طائفة و طائفة أو بین طائفة فی وقتین فیزیدون و ینقصون فی الأمور المعتبرة المتعلقة بالمأکل و المسکن و الملبس و الآداب و غیرها من غیر ان یتغیر المفاهیم عندهم و هو ظاهر.
قوله «ره» کون ألفاظ المعاملات موضوعة للصحیحة لا یوجب إجمالها إلخ: (1) محصله ان الاعتباریات من المعاملات حیث کانت مبنیة عند العرف و الشرع تابع فی أخذها لهم فالإطلاق إذا کان فی مقام بیان الاجزاء و الشرائط و لم یبین قیدا محتملا من القیود دفع بالإطلاق لصدق المفهوم علی المورد و قیام الحجة علی دفع المحتمل و هو عدم البیان.
و لقائل ان یقول ان الحال فی الاعتباریات من العبادات أیضا هذا الحال إذ لم یأت الشارع بمجعول عبادی لا یعرفه العرف بمفهومه الاعتباری فی الجملة و انما شأن الشارع تحدید الحدود و تتمیم القیود کما ورد عنه صلی اللَّه علیه و آله بعثت لا تمم مکارم الأخلاق فالطهارة و الصلاة و الحج و غیرها من المجعولات الشرعیة جمیعا مما یعرف العرف اعتبارها فی الجملة و انما عرف الشارع منها ما یتم به معانیها علی
ما نسب إلی الباقلانی لکن الإنصاف ان هذه المعانی و ان کانت فی أول ظهور الإسلام علی هذا الحال إلّا انها صارت بعد ذلک مهجورة الأصل منسیة العهد و تعینت فی المعانی الشرعیة و ما بأیدینا من الإطلاقات لو کان فهو صادر فی العصر الثانی دون الأول فالمتعین هو التمسک بالإطلاق فی المعاملات فقط.
قوله «ره» الحق وقوع الاشتراک للنقل إلخ: (1) قد عرفت فی الکلام علی الوضع إمکان الاشتراک و الترادف و اما الوقوع فلا وجه لإنکاره مستندا إلی عدم الوجدان بعد ورود مثل کلمة النون للدواة و الحوت و اسم الحرف و النجم للنبات غیر ذی الساق و الکوکب و أوضح من ذلک أمثلة کثیرة من المبنیات مثل ما الموصولة و النافیة و ان الشرطیة و النافیة و همزة النداء و الاستفهام و غیرها و لا جامع فیها بحیث یرتضیه الطبع السلیم و یتلقاه الذوق المستقیم و نظیر ذلک موجود فی غیر العربیة من اللغات و قد عرفت سابقا ان تعدد اللغات فی معنی الترادف و تطابق اللغتین فی معنی الاشتراک لکون الوضع تعینیا بالطبع.
قوله «ره» بل جعله وجها و عنوانا له إلخ.
(2) قد عرفت فی الکلام علی الوضع انه انما یتم بجعل الهوهویّة بین اللفظ و المعنی اعتبارا أی دعوی کون اللفظ هو المعنی فیرجع استعمال اللفظ فی أکثر من معنی واحد إلی کون الواحد عین
الکثیر و هو محال و اما حدیث فناء اللفظ فی المعنی کفناء الوجه فی ذی الوجه و العنوان فی المعنون فقد مر ما یتعلق به من الکلام.
قوله «ره» المراد بالمشتق هاهنا لیس مطلق المشتقات انتهی: (1) ما مر من الکلام علی موضوع العلم ینتج ان المسألة إذا کانت حقیقیة فهی تدور عموما و خصوصا مدار عقد الوضع أعنی الموضوع أو البرهان و المآل واحد و إذا کانت اعتباریة غیر حقیقیة فهی تدور عموما و خصوصا مدار الغرض أو الدلیل و المآل واحد أیضا و الغرض من بحث المشتق تشخیص ان ما یعد عرفا وصفا ثابتا للذات مطلقا علیه حقیقة فی حال جریانه علیه و وجوده فیه هل هو حقیقة فیه بعد انقضائه عنه فالضارب حقیقة فی زید ما دام یضرب فإذا انقضی عنه الضرب فهل إطلاقه علیه حقیقة باعتبار حال الانقضاء دون اعتبار حال الجری و إطلاق الزوجة علیها حقیقة ما دامت العلقة فإذا انقضت بأحد موجبات بطلانها فهل الإطلاق حقیقة أو مجاز و لا فرق فی ترتب هذه الثمرة بین أقسام الأوصاف الاسمیة کاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و اسم التفضیل و اسم الزمان و المکان و اسم الآلة و بناء المقدار و صیغة المبالغة و ما یلحق بها من الجوامد الجاریة بنظر العرف علی الذوات جریان المشتق علیها کالزوج و الزوجة و الرق و الحر و أشباهها و منها المنسوب.
قوله «ره» مما یکون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة إلخ: (1) توضیح الکلام فی المقام ان اشتراک جمیع المشتقات من حیث المعنی الحدثی بالنظر إلی المعنی و فی الحروف الأصلیة الدائرة بین الجمیع بالنظر إلی اللفظ یقضی باشتقاق الجمیع حتی المصدر و اسمه عن أصل واحد و هو الّذی نسمیه بالمادة أعنی نفس الحروف الأصلیة من غیر تقیدها بحرکة و سکون أو غیرهما و الأوصاف من المشتقات لا تدل علی أزید من معنی واحد استقلالی و إذ کان المبدأ مدلولا علیه بالاستقلال فالمعنی الواحد الاستقلالی هو معنی المبدأ بإزاء المادة و ما عداه معنی نسبی مدلول علیه بالهیئة أعنی ما عدا المادة اما واحدا و أزید من واحد و قد عرفت فی الکلام علی المعنی الحرفی انها غیر مستقلة مفهوما و مصداقا و ان انتزاع مفاهیمها من مصادیقها بتبع المستقل الّذی یحفظها فمفاهیم هذه الأوصاف منتزعة عن المبدأ بملاحظة تقیدها بأنحاء نسب اتحادها مع الذات فمفهوم اسم الفاعل هو الوصف المتحد مع الذات بنسبة القیام التجددی و المنتزع فی الصفة المشبهة هو الوصف کذلک بنسبة القیام الثبوتی و فی اسم المفعول ما هو کذلک بنسبة القیام الوقوعی و فی اسم التفضیل ما هو کذلک بنسبة الشدة و فی صیغة المبالغة ما هو کذلک بنسبة الکثرة و فی اسم الزمان و المکان ما هو کذلک بنسبة الظرفیة و فی اسم الآلة ما هو کذلک بنسبة الآلیة و فی بناء المقدار ما هو کذلک بنسبة المقدار هذا.
و من هنا تعرف ما فی قول المصنف هنا و فیما سیجیء ان معنی الوصف مفهوم منتزع عن الذات بملاحظة تلبسها بالمبدإ و قد وقع مثله فی عبارة غیره و لک ان ترجعه بنحو من التأویل إلی ما ذکرناه.
تنبیه اسم المفعول من اللازم کالممرور به صیغة المفعول و ما یتبعه من الجار و المجرور خارج عن الهیئة یتم به تعلق المبدأ بالذات إذ المبدأ لاشتراکه بین المجرد و المزید فیه و اللازم و المتعدی یدل علی معنی مشترک بین الجمیع ممکن الانطباق علی معنی المزید فیه المتعدی و دلالة المزید فیه المتعدی و زیادته علی المجرد بالهیئة فاختصاص المجرد فی مدلوله بالمعنی المقابل لمعنی المزید فیه أعنی معنی اللازم انما هو بالإطلاق دون الوضع فإذا کان الإمرار و هو من باب الأفعال متعدیا بنفسه فمعنی المرور و هو مجرد لازم المعنی المشترک الممکن الانطباق علی معنی الإمرار إلّا بالإطلاق و ذلک لشهادة صوغ اسم المفعول منه مع اتحاد معنی هیئة المفعول فی صیغتی مضروب و ممرور به و لو کان اسم المفعول مجموع هیئة الممرور به لم یعرب آخر الصیغة و کان الضمیر حرفا و لو کانت الدلالة لنفس هیئة المفعول وحدها لم یحتج إلی إلحاق الظرف و المجری علیها التثنیة و الجمع و التأنیث فالمادة فی المرور به یدل علی المعنی المشترک الأعم و الهیئة علی خصوص النسبة لکن یتم نقص الهیئة بالظرف و نقص المادة بالإطلاق فافهم.
و اما المصادر و أسماؤها فالفرق بینهما ان اسم المصدر یدل علی
الحدث مأخوذا وحده و المصدر علی الحدث مأخوذا بنسبة ناقصة إلی الذات فلهیئتهما دلالة علی النسبة وجودا و عدما.
و اما ما ذکره بعض الأساطین من مشایخنا (ره) ان المصدر لو دل علی النسبة الناقصة بهیئة لکان مبنیا غیر معرب لشبه الحرف باشتماله علی النسبة فهی یدل علی الحدث حال کونه منتسبا إلی الذات بنسبة ناقصة و ظاهره انه (قده) یجعل النسبة ظرفا لا قیدا.
ففیه أو لا انه لو لم یدل علی النسبة لکان جامدا غیر مشتق و هو کما تری و لا یلتزم به و لو دل علیها فحیث کانت الدلالة علی المادة بالمادة فالدلالة علی النسبة بالهیئة و لا یتفاوت الحال بأخذها قیدا أو ظرفا و ثانیا ان مجرد الاشتمال علی النسبة غیر کافیة فی البناء و إلّا کانت الأوصاف جمیعا مبنیات لاشتمالها علی أنحاء النسب بل موجب البناء هو الاشتمال الّذی یوجب عدم التمکن و الاستقلال فی المعنی فلا یقبل تنوین التمکن کالأفعال و أسماء الشروط و الموصولات و سایر المبهمات و اما المصادر و أسماؤها و الأوصاف فمعانیها مع ما فیها من النسب معان مستقلة تامة.
و اما الأفعال فقد قیل بدلالتها علی الزمان کما سیجیء لکن الإنشاءات علی کثرتها و کثرة استعمالها و کذا وقوع الأفعال فی حیز الشرط من غیر دلالة علی الزمان مع بشاعة الالتزام بالمجاز یوجب ان تکون الدلالة علی الزمان فیها بالإطلاق لکثرة الاستعمال و ان
الماضی یدل علی الحدث بنسبة تامة محققة و المضارع علی الحدث بنسبة مترقبة التحقق.
و اما الأمر و النهی فانما یدلان علی البعث و الزجر الاعتباریین و لا تماس لهما بنفسها بالزمان.
قوله «ره» ما عن الإیضاح فی باب النکاح انتهی: (1) أورد علیه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة ان الفرق بین الکبیرتین مشکل لاتحادهما فی الملاک لأن أمومة المرضعة الأولی و بنتیة المرتضعة متضایفان متکافئتان قوة و فعلا و بنتیة المرتضعة و زوجیتها متضادتان شرعا ففی مرتبة حصول الأمومة تحصل البنتیة لمکان الإضافة و فی تلک المرتبة تبطل الزوجیة لمکان التضاد فلیست فی مرتبة من المراتب أمومة المرضعة مضافة إلی زوجیة المرتضعة حتی تحرم لکونها أم الزوج انتهی و لقائل ان یقول ما الفارق بین زوجیة المرضعة و زوجیة المرتضعة حیث تبطل الثانیة بمجرد تحقق البنتیة و لا تبطل الأولی بمجرد تحقق الأمومة مع ان البنتیة و الأمومة فی مرتبة واحدة و الزوجیة و الزوجیة فی مرتبة واحدة أیضا و الظاهر انه وقع الخلط بین البنتیة بالنسبة إلی الزوجیة و البنتیة بالنسبة إلی الزوج فوضعت الثانیة مکان الأولی فأنتج ما تری فافهم ذلک.
قوله «ره» بان انحصار مفهوم عام بفرد کما فی المقام: (2) فعدم وجود مصداق للذات المنقضی عنه المبدأ فی اسم الزمان
لکون الزمان منقضیا بانقضاء المبدأ لا یوجب الخروج عن حریم النزاع.
و أورد علیه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة ان ذلک اعتراف منه رحمه الله بعدم ترتب الثمرة علی النزاع فی اسم الزمان إذ الثمرة کون استعمال المشتق فیما انقضی عنه المبدأ حقیقة أو مجازا و لا مصداق له فی اسم الزمان باعترافه فیخرج عن محل النزاع بالضرورة.
فالأولی ان یقال ان صیغة اسم الزمان و المکان واحد فهو موضوع للوصف مع نسبة الظرفیة و عدم تحقق مصداق لبعض افراد الموضوع له مع عمومه المفهومی لا یوجب خروج الصیغة عن محل النزاع انتهی ملخصا.
قوله «ره» و إلّا لما وقع الخلاف فیما وضع له لفظ الجلالة إلخ: (1) عبارة ناقصة الترکیب و کان المراد بها تنظیر المقام بالخلاف الواقع فی لفظ الجلالة انه علم أو اسم جنس مع وحدة واجب الوجود بالذات مصداقا و اما قوله الواجب موضوع للمفهوم العام انتهی فعبارة غیر قابلة الإصلاح.
قوله «ره» و هو اشتباه ضرورة عدم إلخ: (2) أورد (ره) علی دلالة الفعل علی الرمان وضعا کما اشتهر بین النحاة وجوها.
الأول النقض بفعلی الأمر و النهی.
الثانی خلو ما یسند من الأفعال إلی غیر الزمانیات کالزمان نفسه و المجردات و التزام المجاز فیها جمیعا کما تری.
الثالث اشتراک المضارع بین الحال و الاستقبال و لیس باشتراک لفظی و إلّا لزم الاستعمال فی أکثر من معنی واحد فی مثل قولنا یضرب زید الآن و غدا و لا معنوی إذ لا جامع بین الحال و الاستقبال لتباین اجزاء الزمان ذاتا فلیس إلّا ان فیه خصوصیة ملائمة لکل من الزمانین.
الرابع ان الماضی ربما یستعمل فیما هو مستقبل حقیقة و بالعکس فالفعل انما یدل علی الزمان بالإطلاق فیما یسند إلی الزمانیات لا بالوضع و قد أورد علیه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة بان الدلالة بالإطلاق انما یتصور إذا کانت الخصوصیة المأخوذة فیه أشد مناسبة لما هو ظاهر فیه لا متعینة فیه من غیر ملائمة لغیره أصلا فلو کانت دلالة الماضی علی ما یختص به من الزمان بالإطلاق جاز استعماله فی غیره لکنا لا نشک فی عدم صحة قولنا ضرب غدا و یضرب أمس فالماضی موضوع للحدث المقارن بالنسبة إلی الزمان الماضی و المضارع موضوع للحدث المقارن بالنسبة إلی ما لم یمض من الزمان فینطبق علی کل من الحال و الاستقبال.
ثم أجاب عن الوجه الثانی من الوجوه الأربعة بان التقدم و التأخر الزمانیین فی الزمانیات بعرض الزمان و فی نفس اجزاء الزمان بالذات.
فقولنا مضی الزمان لا یتفاوت مع قولنا مضی زید إلّا بالذات و العرض
و اما الأستاذ إلی المجردات فللمجرد معیة قیومیة مع الزمانیات فهو معها من غیر تقید بالزمان.
و عن الثالث بان المأخوذ فی المضارع ما لم یمض من الزمان و لا محذور علیه.
و عن الرابع بأنه من قبیل الاختلاف فی الحال فقد یجعل الحال حال التکلم و یؤخذ الماضی و المستقبل بالنسبة إلیه و قد یجعل شیء مما مضی أو یأتی و یؤخذان بالنسبة إلیه و من هذا القبیل المثالان اللذان أوردهما فی المتن انتهی ملخصا (و قد عرفت) ما یتعلق به من الکلام اما الحجة فکون المثالین من الغلط ممنوع کیف و استعمال الماضی فی الحوادث المستقبلة إذا کانت محققة الوقوع شایع و فی القرآن منه شیء کثیر کقوله تعالی و نفخ فی الصور فصعق الآیة و سیق الذین اتقوا الآیة و کذا المضارع فی مورد حکایة الحال السابقة و بالجملة فما ناسب من الموارد ما أخذ فی الماضی و المضارع من خصوصیة النسبة أعنی النسبة المحققة فی الماضی و النسبة المترقبة المتحقق فی المضارع فاستعمالهما فیه صحیح لیس من الغلط فی شیء مضافا إلی ما عرفت من سقوط النسب فی الإنشاءات و حیز الشروط و غیرها.
قوله رحمه الله تبادر خصوص المتلبس بالمبدإ: (1) الطریق السهل لإثبات کون المشتق حقیقة فی المتلبس بالمبدإ فقط بناء علی ما اخترناه سابقا ان یقال: ان معنی المشتق هو الوصف
مأخوذا بنسبة و من المعلوم ان لا مطابق له الا الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ و المصنف رحمه الله حیث اختار ان المنتزع عنه هو الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ کان علیه ان یتمسک بما تری من التبادر و صحة السلب و غیرهما.
قوله رحمه الله و لو لم یکن استعماله فیما انقضی إلخ: (1) هذا اعتراف منه رحمه الله بالإشکال کما هو ظاهر قوله رحمه الله ان مفهوم المشتق علی ما حققه المحقق الشریف إلخ المراد بالباسطة خروج الذات عن مفهومه فی مقابل من یقول بترکب مفهومه من الحدث و النسبة و الذات و الّذی یوجد فی کلامه هو خروج الذات و الشیء عن مفهوم المشتقات دون دعوی البساطة فذلک تسمیة من غیره هذا و یرد علی ما أفاده المحقق الشریف انه علی تقدیر تمامه انما یفید خروج الذات المأخوذ بنحو الاستقلال عن مفهوم المشتقات و اما أخذه غیر مستقل بجعله طرف النسبة علی ما قررناه فلا.
قوله «ره» أحدهما قضیة الإنسان إنسان إلخ: (2) ظاهره الرد علی صاحب الفصول علی کلا التقدیرین بان المحمول ان کان هو الذات المقید بنحو دخول التقید و خروج القید فالذات حال التقید ضروری الثبوت لنفسه فقد صح الانقلاب و ان کان هو الذات المقید مع القید فمجموع الذات مع القید و ان لم یکن ضروریا غیر ان القضیة لانحلالها إلی ضروریة فی عقد الوضع و ممکنة
فی عقد الحل لا یخلو عن ضرورة أیضا فیتحقق الانقلاب أیضا مع ان عقد الوضع اما مطلقة أو ممکنة فهو «ره» انما أخذ القضیة الضروریة من ذات الموضوع و الذات المفروضة الأخذ فی جانب المحمول و لو لا ذلک لم یختص الإشکال بالممکنة التی محمولها مشتق بل یجری فی کل ممکنة عنوان موضوعها عنوان الذات کقولنا الإنسان ذو کتابة و الإنسان له الکتابة بالإمکان فالإشکال علی ما سلکه فی تقریبه واقع و لو لم یؤخذ الذات فی مفهوم المشتق فی عین القضیة التی حللها فما سلکه رحمه الله غیر مستقیم هذا، و ربما یورد علیه ان أصل انحلال القضیة إلی عقدی الوضع و الحمل من باب لزوم ما لا یلزم بل هو مبنی علی ما وضعه المنطقیون فی القضایا ان المعتبر فی جانب الموضوع هو الذات و فی جانب المحمول هو الوصف و لا حاجة إلیه بعد اعتبار الاتحاد فی الوجود فی الحمل الشائع.
أقول و هو غفلة عن غرض القوم فان العلوم انما تشتغل بالبحث عن الحقائق الخارجیة و الکشف عن محمولاتها الذاتیّة علی ما عرفت فی الکلام علی موضوع العلم و المقدار الّذی یتعرض فیها بحال الألفاظ انما هو تنزل إلی سطح افهام المتعلمین تسهیلا للتعلیم ثم ان الّذی علیه الأمر فی نفسه ان الموضوع هو الذات و المحمول ما یعرضه لذاته مما یحمل علیه ثم لو حمل علی المحمول شیء من عارض ذاتی فانما یعرضه بما هو متقوم بالموضوع الأول و هو الذات فان هذا هو الحق الّذی فی الأعیان من قیام ما وجوده للغیر بالغیر دون العکس بالبرهان ثم البرهان مع ذلک قائم علی
صدق العکس المستوی فی القضایا و البرهانان جمیعا یعطیان جمیعا ان الموضوع فی القضایا هو الذات و ان الانعکاس بتبدل مکانی الوصفین بالتقدم و التأخر فعقد الوضع و الحمل ینحلان إلی قضیتین هذا.
مضافا إلی ان البرهان قائم علی عمومیة نسبة النعتیة و الوصفیة و هی نسبة الوجود له ثابتة بین کل امر موجود و بین المستقل بالذات الّذی معه سواء کان المستقل الموجود معه غیره کما فی الاعراض أو عینه کما فی غیرها هذا.
و اما حدیث الاتحاد فی الوجود فی الحمل الشائع فلا یکفی فیما مر من الدقیقة و ان کان لا بد من اعتباره.
قوله «ره» ان معنی البساطة بحسب المفهوم وحدته إدراکا و تصورا إلخ: (1) اللفظ حیث انه مأخوذ وجودا للمعنی و لا معنی لوجود واحد یوجد به أمور کثیرة فوق الواحد من غیر رجوعها إلی جهة واحدة یجمعها بان یکون الوجود واحد و الموجود به کثیرا لکون الوجود عین موجودیة الموجود فاللفظ الواحد له صورة تصوریة واحدة من حیث انها معناه سواء کان بسیطا غیر مرکب أصلا کالأجزاء الأخیرة للمرکبات أو مرکبا بالتحلیل کالإنسان مثلا المنحل إلی الحیوان الناطق فالوحدة و الترکب من حیث اللحاظ هو الفارق بین الحد و المحدود أو مرکبا من غیر تحلیل کالدار و الجملة و الخطبة و غیر ذلک إذا عرفت ذلک علمت ان هذه الوحدة اللحاظیة لا مفر منه سواء
قلنا ببساطة معنی المشتق حقیقة أو بمعنی خروج الذات عن مفهومها أو بترکبه من الذات و النسبة و الحدث فالبساطة اللحاظیة غیر متنازع فیه و لا ینافیها القول بالترکب أصلا کما نبه به شیخنا الأستاذ أعلی- اللّه مقامه فی الحاشیة انما النزاع فی ان معنی المشتق هل هو المبدأ فقط من غیر نسبة و لا ذات کما نسب إلی المحقق الدوانی أو هو المبدأ و النسبة من غیر ذات کما علیه المحقق الشریف أو مجموع الذات و النسبة و المبدإ کما علیه المشهور فهاهنا ثلاثة أقوال.
القول الأول ان المشتق هو المبدأ معنی و نسب إلی المحقق الدوانی و المنقول منه ثلاثة أوجه من الاستدلال.
أحدها ما ذکره فی حاشیته علی شرح القوشچی علی تجرید الکلام قال: التحقیق ان المشتق لا یشتمل علی النسبة بالحقیقة فان معنی الأبیض و الأسود و نظائرهما ما یعبر عنه بالفارسیة بسفید و سیاه و أمثالهما و لا مدخل فی مفهومهما للموصوف لا عاما و لا خاصا إذ لو دخل فی مفهوم الأبیض الشیء کان معنی قولنا الثوب الأبیض الثوب الشیء الأبیض و لو دخل فیه الثوب بخصوصه کان معناه الثوب الثوب الأبیض و کلاهما معلوم الانتفاء بل معنی المشتق هو المعنی الناعت وحده.
ثانیها انا إذا رأینا شیئا أبیض فالمرئی بالذات هو البیاض و نحن نعلم بالضرورة انا قبل ملاحظة ان البیاض عرض و العرض لا یوجد قائما بنفسه نحکم بأنه بیاض و أبیض و لو لا الاتحاد بالذات بین الأبیض
و البیاض لما حکم العقل بذلک فی هذه المرتبة و لم یجوز قبل ملاحظة هذه المقدمات کونه أبیض لکن الأمر علی خلاف ذلک.
ثالثها ان المعلم الأول و مترجمی کلامه عبروا عن المقولات بالمشتقات و مثلوا لها بها فعبروا عن الکیف بالمتکیف و مثلوا له بالحار و البارد.
أقول و هذه الوجوه الثلاثة و ان حکیت عنه لإثبات الدعوی المنسوبة إلیه و هو اتحاد معنی المشتق و المبدأ ذاتا لکن التأمل فیما نقل من کلامه یعطی ان بحثه مع القوم من جهتین مختلفتین لا من جهة واحدة بعینها إحداهما ان مفهوم المشتق هل هو مفهوم المبدأ بعینه و لا یعنی بالمبدإ المبدأ المشهوری و هو المصدر کما نسبه إلیه صاحب الفصول فکلامه صریح فی ذلک بل انما یعنی بالمبدإ العرض الخارجی ثم یدعی ان الذات غیر مأخوذة فی مفهومه لاستلزام أخذه التکرار فی قولنا الثوب الأبیض و لصحة الغفلة عن الذات مع تصور معنی المشتق عند تصورنا العرض الخارجی بنحو الناعت (و من هنا یظهر) ان مراده من نفی النسبة عن المشتق فی أول کلامه هو انتفاء الذات کما ینادی به کلامه و استدلاله لدعواه فنسبة القول بخلو معنی المشتق عن الذات و النسبة جمیعا إلیه لیس علی ما ینبغی کیف و هو ینادی بقیامه بالذات و حمله علیها و کونه معنی ناعتا و هل الاشتمال علی النسبة غیر کون المعنی ناعتا و قد أطبقت کلمتهم علی ان العرض وجوده فی نفسه عین وجوده لغیره فما به یکون السواد سوادا عین ما به یکون الجسم أسود و الأول
هو نفس السواد و وجوده و الثانی هو الأسود و وجوده فالسواد عین الأسود و هذا غیر کون السواد أسود أولا و بالذات و الجسم أسود ثانیا و بالعرض فلا تغفل.
الجهة الثانیة ان المبدأ یحمل علیه المشتق أو لا و بالذات و الذات القائم به المبدأ یحمل علیه المشتق بواسطته و عرضه فالسواد أسود بنفسه و الجسم أسود بالسواد و هو لازم استدلاله ان الّذی یناله الحس أو لا هو سواد الجسم و ان الّذی یراه أسود العقل و هذا لا یختص بالاعراض بل الّذی تناله النّفس نیلا أولیا أو ثانویا تجد معه استقلالا فتشاهد نسبة بین ما تشاهده و ما تجده و هذا هو نسبة الناعتیة نعبر عنه فی الاعراض بالوجود لغیره یسری فی کل ما وجوده فی نفسه من أی المعقولات کان کما ان الإنسان إنسان و متصف بالإنسانیة و الوجود وجود و موجود و السواد سواد و أسود نعنی بذلک کله ان المعقول ثابت فی نفسه و ثابت لحیثیته الاستقلال التی نجدها معه ثم العقل یحکم بان هذا الّذی یثبت له المعقول فی الاعراض امر وراء العرض و هو الجوهر بخلاف غیرها و حکم العقل ثانیا لا یبطل حکمه أولا فالسواد أسود بحکم العقل أو لا و الجسم أسود بحکمه ثانیا و عند ذلک ینقسم الوجود قسمین وجود لنفسه کما فی الجواهر و وجود لغیره و اما معنیا الوجود فیه و الوجود له فمتصادقان متساویان دائما.
و من هنا یظهر ان انحلال العقدین فی القضیة إلی قضیتین مما
لا مفر منه.
و من هنا اشتبه الأمر علی المحقق المزبور حیث ظن ان الّذی یجده العقل ثانیا و هو الموضوع المستقل الموجود له العرض لم یکن یجده فی التعقل الأولی للعرض و العرضی و لیس کذلک بل العقل یجد الاستقلال المذکور أولا و ثانیا علی حد سواء و لیس من الأمور المحسوسة حتی یناله ثانیا بعد ما لم یکن یناله أو لا و انما الفرق بین الوجدانین هو ان الحکم یکون الموضوع غیر الوصف بالقوة أو لا و بالفعل ثانیا فاذن الذات متحد مع الوصف أولا و بالذات لا بواسطة المبدأ فافهم ذلک و بقیة الکلام موکول إلی محله فراجع.
و اما استدلاله الثالث فقد عرفت سر التعبیر عن المقولات بالمشتقات بما مر فی الکلام فی عقدی الوضع و الحمل.
القول الثانی ان مفهوم المشتق هو المبدأ و النسبة من غیر أخذ الذات و هو القول المنسوب إلی المحقق الشریف و قد عرفت ان الکلام المنقول من تلمیذه المحقق الدوانی منطبق علیه و علیه عدة من الأصولیین و استدل له بما عن المحقق الشریف ان أخذ الذات فیه موجب لدخول العرض العام فی الفصل أو انقلاب الممکنة العامة إلی الضروریة.
و بما استدل له المحقق الدوانی ان ذلک یوجب التکرار فی مثل قولنا الثوب الأبیض و الشیء الأبیض
و قد عرفت ان غایة ما یلزمه ان یکون الذات غیر مأخوذ بنحو الاستقلال و المعنی الاسمی لا مطلقا و ان ما ذکروه من انتزاع مفهوم المشتق عن الذات باعتبار تلبسه بالمبدإ و اتحاده معه یوجب کون الذات لمکان استقلاله فی الأخذ مدلولا علیه بالدلالة الغیر الحرفیة مع ان مادة المشتق انما تدل علی المبدأ و غیر المادة و هو الهیئة دال حرفی و لا یدل باللفظ الحرفی علی المعنی الاسمی هذا.
القول الثالث ان مفهوم المشتق مشتمل علی المبدأ و النسبة و الذات جمیعا و استدل له ببعض وجوه ضعیفة مثل ان علماء العربیة فسروا المشتق بما یشتمل علیها کقولهم ان معنی اسم الفاعل ما ثبت له الفعل أو ذات أو شیء حصل منه الفعل و اسم المفعول ما وقع علیه الفعل إلی غیر ذلک.
و استدل له شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة ان من المعلوم ان مفهوم المشتق متحد مع الذات الموصوف و من المعلوم ان المبدأ مغایر لذی المبدأ هو الذات فلا یصح الحکم باتحاده معه فی الوجود و ان اعتبر فیه الف اعتبار إذ هذه الاعتبارات لا یوجب انقلاب المبدأ عما هو علیه من المغایرة الذاتیّة و لیست مغایرة اعتباریة تتغیر بتغیر الاعتبار و تزول بزواله و من المعلوم أیضا ان نسبة واحدیة المبدأ و هی النسبة المدلول علیها بالمشتق لا تتحد مع الذات ما لم یعتبر فی طرفها الذات
و کذا المجموع من المبدأ و النسبة لا یتحد معه فلا مناص بعد وضع هذه المقدمات من الالتزام بأخذ الذات فی مفهوم المشتق بان یؤخذ امر مبهم من جمیع الجهات قابل الانطباق علی الذات و المبدأ و یتقوم به العنوان و یکون معرفه العنوان فقط فلفظ الضارب مثلا یدل علی صورة مبهمة قائمة بنفسها معرفها الضرب هذا ملخص ما ذکره ره (قال) و لا ینافیه القول بعدم أخذ الذات لا عموما و لا خصوصا فی مفهوم المشتق إذ ما ذکرناه من الأمر المبهم أعم من الذات و المبدأ و لیس بجوهر و لا عرض و لا هو مفهوم الذات و ان اعتبار هذا الأمر المبهم لا ینافی البساطة العنوانیة بمعنی تمثل صورة وحدانیة فی الذهن علی حد الوحدانیة فی الخارج هذا محصل ما أفاده ره (و فیه) أو لا ان کون المبدأ مغایرا لذی المبدأ مما لا یمکن تصحیحه أصلا فضلا عن کونه مسلما و کیف یکون کذلک و المبدأ لا بشرط بالنسبة إلی المشتق و المشتق لا بشرط بالنسبة إلی ذی المبدأ و هو الذات و سیجیء له زیادة توضیح.
و ثانیا ان الإبهام حیث انه معنی نسبی و امر إضافی لا یوجب زوال التبین المفهومی عن المفهوم فهذا المفهوم اما معنی حرفی أو اسمی لکن جعله إیاه طرفا للنسبة ینفی الاحتمال الأول فهو الثانی فحینئذ ینطبق علی مفهوم الشیء أو یساویه فیرد علیه ما أوردناه علی أخذ مفهوم الذات و الشیء الاسمی فی المشتق مضافا إلی امتناع الجمع بین الشیء بهذا المعنی و کون المشتق بسیطا مفهوما و کیف یتحد الشیء بهذا المعنی
مع المبدأ و هو رحمه الله مقر بالمغایرة الذاتیّة الحقیقیة بینهما و أخذه مبهما یعم الذات و المبدأ و لا یصحح الحمل بین الذات و المبدأ و ان صحح الحمل بین هذا المبهم و الذات و بینه و المبدأ کالحیوان یحمل علی الإنسان و الفرس من غیر حمل بینهما و الحساس یحمل علی الناطق و الأعجم من غیر حمل بینهما.
و ثالثا ان المغایرة بین المبدأ و ذی المبدأ فی الخارج لا یدع وحدة للمطابق الخارجی و المطابقة تقتضی ترکب المفهوم فلا یبقی للمفهوم الا البساطة اللحاظیة و قد أعرف ان البساطة اللحاظیة غیر محل النزاع.
قوله «ره» الفرق بین المشتق و مبدئه إلخ: (1) قد عرفت ان المبدأ معنی سار فی معانی المشتقات کالمادة الساریة فی ألفاظها لیس غیرها و إلّا کان مشتقا مثلها لا مبدأ لها و ظاهر ان المشتق متحد مع الذات جار علیها فهو متحد مع الذات کالمشتق غیر انه لا معنی متعین له لمکان المبدئیة و السرایة کما لا لفظ متعین فالفرق الّذی ذکره غیر مستقیم: قوله «ره» و إلی هذا یرجع ما ذکره أهل المعقول من الفرق بینهما إلخ: (2) غیر مخفی ان الحکیم بما هو حکیم لا شغل له بمفاهیم الألفاظ الموضوعة من حیث هی کذلک بل بحثه انما یتعلق بالحقائق النّفس الأمریة و ملخص مرامهم فی المقام ان العرض وجوده فی نفسه عین وجوده لغیره
بمعنی ان کون السواد سوادا خارجا عین کون الجسم أسود خارجا إذ لو کان وجوده فی نفسه غیر وجوده لغیره کان فی مرتبة نفسه و ذاته غیر مرتبط و لا متعلق بموضوعه و لا منسوبا إلیه فکان فی نفسه لنفسه غیر محتاج بنفسه إلی موضوعه بل لو کان هناک احتیاج ففی مرتبة بعد مرتبة نفسه هف فاذن العرض وجوده فی نفسه عین وجوده لغیره أی ان نسبته إلی موضوعه فی مرتبة نفسه و وجود النسبة حیث کان رابطا غیر خارج عن وجود العرض و إلّا کان مستقلا فی نفسه غیر رابط هذا خلف فوجودها غیر خارج عن وجود العرض و لا یتحقق إلّا مع طرفیها فالموضوع موجود فی مرتبة نفس العرض و وجوده و لا عکس إذ النسبة متأخرة عن ذات الموضوع إذ لیس ناعتا لعرضه فالعرض من هذه الحیثیة النّفس الأمریة من مراتب وجود الموضوع و ان کان من حیث موجودا فی نفسه وجوده غیر وجود الموضوع و إذ کان المتحیث بالحیثیتین واحدا فهناک امر واحد له اعتباران أی حیثیتان بأحدهما یحمل علی الموضوع و هو الأسود و بالآخر لا یحمل و هو السواد فافهم ذلک.
و هذا البحث بعینه جار فی کل امر من الأمور الحقیقیة غیر داخل تحت المقولات سواء کان عارضا لجمیع المقولات أو بعضها و ربما یسمی بالاعتبار کالوجود و الواحدة و الشیئیة و الإمکان و العلم و الحیاة و الحرکة و نحو ذلک بل یجری بین الشیء و نفسه من حیث اعتباره فی-
نفسه ثم اعتباره ناعتا لنفسه کما مر فی الکلام علی عقدی القضیة و یجری أیضا فی سائر المفاهیم من الاعتبارات و (ح) یتم الکلام فی کل مشتق و مبدأ اشتقاقه بالنسبة إلی ما یوجدان فیه و قد عرفت ان هناک معنی واحدا یؤخذ مرة فی نفسه فیکون بشرط لا و أخری لغیره فیکون لا بشرط و القائلون بعدم تصحیح الاعتبار للمغایرة الذاتیّة انما أخذوا الاعتبار فی نفسه مبدأ للاعتبار لغیره و هو خطأ کما عرفت و کلماتهم فی أطراف هذا البحث علی اختلافها لا یزید للباحث الا تعبا و لا یعجبنی هذا المقدار من الغور فیما هو خارج عن حظیرة هذا الفن إلّا ان الحق لا یستهان به.
قوله «ره» لأجل امتناع حمل العلم و الحرکة علی الذات و ان أخذ لا بشرط انتهی: (1) و إذ کان العلم و الحرکة نفسهما مشتقین بشرط لا کما عرفت کان معنی هذا الکلام ان المأخوذ بشرط لا و لا بشرط معا لا یحمل علی الذات و هو کذلک و لا یفیده شیئا.
قوله «ره» لا ریب فی کفایة مغایرة المبدأ إلخ: (2) کمغایرة القیام مع زید مفهوما فی قولنا زید قائم و العلم معه سبحانه مفهوما فی قولنا اللّه تعالی عالم سواء تغایرا وجودا أیضا کما فی المثال الأول أو کان أحدهما عین الآخر کما فی المثال الثانی (و الحق) ان یقتصر علی اعتبار مغایرة مفهومی الموضوع و المحمول دون الموضوع و مبدأ المحمول إذ حقیقة الحمل حکم بوحدة علی کثرة فالمغایرة معتبرة
فیما اعتبر فیه الاتحاد و الاتحاد انما هو بین الموضوع و المحمول دون الموضوع و مبدأ المحمول فیشمل نحو قولنا الوجود موجود کما نبه علیه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة و حقق المقام بما لا مزید علیه.
قوله «ره» و التحقیق انه لا ینبغی ان یرتاب إلخ: (1) الفرق بین هذا البحث و ما مر فی الأمر الرابع ان المقصود هناک بیان ان عینیة المشتق أو مبدأه مع الذات لا یوجب کونه مجازا أو منقولا بمعنی انه لا یشترط فی معنی المشتق حقیقة کونه أو کون مبدئه غیر الذات خارجا عنه کالقیام و القائم بالنسبة إلی زید و المقصود هاهنا بیان ان اختلاف مصادیق المشتق لا یوجب کون بعضها مجازا أو منقولا فانما اللازم هو اتحاده بحسب المفهوم و اما المصداق فلا عبرة به فکون الوصف فی بعض المصادیق عین الموصوف لا یوجب الاختلاف بحسب المفهوم.
قوله «ره» و لا یبعد دعوی کونه حقیقة فی الطلب فی الجملة و الشیء إلخ: (2) یعنی به الاشتراک اللفظی بینهما لکن لا یخفی ان صدق الأمر علی غیر الطلب المخصوص موقوف علی اشتمال مصداقه علی نسبة أی معنی حدثی من حیث هو کذلک یشهد بذلک الاستعمالات و الشیء و الشأن و أضرابهما لا تشتمل علی ذلک فلیست من معانی الأمر بل معناه ان کان فهو الطلب و الفعل و أظن ان المتأمل المستأنس بتطورات اللغة و موارد استعمال الأمر خاصة یذعن بان معنی الأمر لیس هو الإرادة مطلقا من الأمر
سواء دل علیها أم لا و لا هو الإرادة المدلول علیها مطلقا سواء کان الدال علیها اللفظ أو غیره من الإشارات فان تسمیة مطلق الإشارة بأسماء الألفاظ من باب الإلحاق فی الحد کما یطلق علی بعض الإشارات الأمر و النهی و علی بعضها القول و الکلام و نحو ذلک و لا هو الإرادة المدلول علیها باللفظ سواء کان بصیغة الأمر أو بغیره کقوله أطلب منک کذا و یجب علیک ان تفعل کذا و أمرتک ان تفعل کذا علی نحو الاخبار أو الإنشاء بل الأمر فی معنی الأمر هو الصیغة الدالة علی إنشاء الإرادة و یجمع علی أو امر ثم اشتق منه الأمر بمعنی مطلق الفعل لکونه یتعلق به الأمر و جمع علی أمور و نظائره کثیرة فی اللغات من حیث تطوراتها و کذا سائر المعانی فی اشتقاقات هذه المادة کالإمرة و الأمارة.
قوله «ره» و لا یخفی انه لا یمکن منه الاشتقاق إلخ: (1) الأمر فی الاشتقاق سهل إذ ربما لوحظ بعض الجوامد مع نسب لها إلی الذوات ملائمة لحالها فأعطی معنی الحدث فاشتق منه کما فی اللابن و التامر و البقال و البواب و نظائرها.
قوله «ره» و کیف کان ففی صحة سلب إلی قوله کفایة: (2) هذا حق فیما إذا لوحظ الأمر بالنسبة إلی السافل نفسه کقولنا امر زیدا عبده ان قم و اما إذا لوحظ بالنسبة إلی المستعلی السافل فممنوع کقولنا استعلی عبد زید علیه فأمره بکذا (و من هنا) یظهر ان المأخوذ فی الأمر ان یصدر عن علو اما حقیقة أو ادعاء و الثانی امر حقیقة بحسب ظرفه و ان
لم یکن بحسب الحقیقة امرا.
قوله «ره» و بالجملة هما متحدان مفهوما و إنشاء و خارجا إلخ: (1) و ظاهر ان الأول بحث لغوی و الثانی بحث أصولی و الثالث بحث عقلی فهنا ثلاث مقامات.
اما المقام الأول فالظاهر ان المفهوم من أحدهما لغة غیر المفهوم من الآخر بمعنی انهما لیسا بمترادفین بل المتحصل من موارد استعمالهما ان الطلب هو الإرادة فیما کان المراد محتاجا فی حصوله إلی مئونة سعی و حرکة یقال خرج فلان یطلب الرزق و لا یقال یرید الرزق و فی الحدیث طلب العلم فریضة علی کل مسلم و لا یقال إرادة العلم بخلاف الإرادة یقال خرج فلان یرید الحج و لا یقال یطلب الحج و قال تعالی تریدون عرض الحیاة الدنیا و لا یقال تطلبون و قال تعالی یریدون وجه اللّه و لا یقال یطلبون ففی مورد الإرادة نوع من قرب الحصول کأنه موصول بالإرادة غیر مفصول عنها بخلاف مورد الطلب ففیه تحقق للمطلوب و حصول غیر ان حصول الطالب علیه و وجدانه إیاه یحتاج إلی طی عمل و حرکة و منه یظهر ان استعمال الطلب فی مورد الإرادة فیما وجد من الموارد من قبیل الاستعارة بالکنایة و الاستعارة التخییلیة ثم ابتذل فالتحقق بالحقیقة بل الأصل فی معناه ان یدور الإنسان للحصول علی ما افتقده کطلب الضالة و المفقود ثم استعمل فی إرادة المراد بنحو الاستعارة فافهم فاللفظان فی اللغة لا مترادفان و لا متقاربان و ان تقاربا ثانیا حتی کانا کالمترادفین.
و اما المقام الثانی و هو اتحادهما بحسب الإنشاء فهو کذلک بمعنی انا لا نجد من أنفسنا عند الأمر بشیء بصیغة افعل غیر نحو واحد من المعنی الإنشائی سواء کان الأمر منا لإرادة وجود المأمور به جدا أو لامتحان المأمور أو تعجیزه أو الاستهزاء به و اما اختلاف السبب الداعی لإنشاء هذا المعنی فهو أجنبی عن نفس الإرادة کما ان السبب الداعی إلی الاخبار من قبیل فائدة الخبر أو لازم فائدته أو غیر ذلک لا ربط لها بنفس مدلول الخبر و إذ کان المعنی المنشأ واحدا فان کان هو الإرادة فهو الطلب أیضا و ان لم یکن أحدهما فلیس هو الآخر (و بیان ذلک) ان المدلول علیه بالأمر لیس امرا ثابتا فی الخارج حقیقة أو اعتبارا نحو ضربت و بعت الأخباریین بحکایة أحدهما عن وقوع الضرب حقیقة فی الخارج و الآخر عن وقوع البیع اعتبارا فی الخارج بل هو امر موجود بعین وجود اللفظ الدال علیه و فی مرتبته فهو إیجاد معنی بوجوده الاعتباری و ان شئت فقل إیجاد المعنی باللفظ اعتبارا و حیث کان الاعتبار کما قرع سمعک مرارا هو إعطاء حد شیء أو حکمه لشیء آخر لغرض ترتب آثار الحقائق علیه کان تحقق الاعتبار فی محله محتاجا إلی تحقق آثار مترتبة علیه و کان نفس الاعتبار ملائما لما یترتب علیه من الآثار بحسب الحقیقة بمعنی ان الحد المأخوذ من امر حقیقی للتطبیق علی المحل یجب ان یکون هو حد امر یترتب علیه تلک الآثار. مثاله ان الأثر الّذی هو عدم الملاقاة بالرطوبة المسریة إذا أرید ترتیبه علی البول و المنی
یجب ان ینطبق علیه حد القذر لکون الحکم حکمه لا حد شیء آخر کحد القرب و البعد مثلا و هو ظاهر.
فلیس اعتبار الأمر فیما نحن فیه الا اعتبار امر حقیقی یترتب علیه ما یترتب علی الأمر و الّذی یترتب علی الأمر فی الجملة هو وجود المأمور به و حصوله فی الخارج و من المعلوم ان وجود الفعل انما یترتب علی إرادة فاعله بعد الفراغ عن سائر مقدماته فهذا هو المعتبر فی الأمر لا غیر.
و ذلک ان کل نوع من الأنواع انما یصدر عنه من الأفعال ما یلائم ذاته بالضرورة سواء کان بلا واسطة أو مع الواسطة فهو انما ینحو بنوعیته أو یرید بنفسه إذا کان من الأنواع الشاعرة بنفسها و أفعالها ما یلائم نفسه و یلائم القوی و الآلات المودعة فیه فمن المستحیل ان یقصد الفرس و هو من ذوات الحافر الکتابة و التصویر أو ان یقصد الحمامة الصید و لا مخالب لها و لا ان یتمنیا ذلک و یأملاه کما ان من المستحیل ان لا یذعن الإنسان بطبعه بالنکاح و قد جهز مقدم الذّکر و الأنثی منه بجهاز التوالد و التناسل فهذه علوم متولدة عن جهات خارجیة و أمور حقیقیة مودعة فی الذوات.
ثم ان الإنسان بأفعاله التی لا تحتاج إلی خارج منه کأفعاله بقواه و آلاته البدنیة یستشعر بنسبة الإیجاب التی بینه بما انه مرید و بین قواه و آلاته.
و بانضمام هذین الأصلین عنده یأخذ فی الاستفادة من کل شیء
أو أثر شیء یلائمه فی نفسه ما وجد إلیه سبیلا کالجمادات و النباتات مما لیست آثاره و أفعاله مستندة إلی الإرادة بحسب الظاهر و هذا ناموس الاستخدام و التوسیط ثم یتنبه بمثله فیما لسائر افراد نوعه من الأفعال الإرادیة بتوسیطه بینه و بین أفعاله و هذا الأمر بالضرورة شک إلی اعتبار نسبة الوجوب و الإیجاب التی کان أدرکها أو لا بین نفسه و افعال نفسه إذ کانت دائرة بین الإرادة و الآلة المطیعة فهو فی هذا التوسیط ینزل المأمور الّذی وسطه منزلة ما یتعلق به إرادته من أدواته و قواه الغیر الخارجة عن نفسه فهو بالأمر یجعل إرادة نفسه متعلقة بفعل الغیر علی حد ما یتعلق بفعل نفسه بصفة التأثیر فهو اعتبار تعلق الإرادة بفعل المأمور به فالامر یدل علی إنشاء إرادة الفعل و طلبه من المأمور أی إیجاد الإرادة و الطلب اعتبارا فافهم.
نعم یعتبر العقلاء أمورا محبوبة أو مبغوضة فیتعلق بالأمر وجودا أو عدما لتحکیم عقد الاعتبار و تشیید أساسه و هی التی تسمی بالمثوبة و العقوبة.
و من هنا یظهر فساد ما قیل و قواه شیخنا الأستاذ (رض) فی الحاشیة ان مدلول الأمر هو البعث الإنشائی و هو غیر الطلب و الإرادة جمیعا قال فی تقریبه ان الوجدان یشهد بذلک فان المرید لفعل الغیر کما انه قد یحرکه و یحمله علیه تحریکا حقیقیا و حملا واقعیا فیکون المراد ملحوظا بالاستقلال و التحریک الّذی هو آله إیجاده خارجا
ملحوظا بالتبع کذلک قد ینزل هیئة اضرب منزلة التحریک الملحوظ بالتبع فیکون تحریکا تنزیلیا یقصد باللفظ ثبوته و لذا لو لم یکن هناک لفظ لحرکه خارجا بیده نحو مراده لا انه یظهر إرادته القلبیة انتهی.
و وجه الفساد ما عرفت ان الاعتبار یجب ان یلائم الحقیقة التی یترتب علیه الأثر المقصود و من المعلوم ان الأثر فی المقام و هو وجود الفعل المأمور به لیس بمترتب علی وجود مجرد تحرک المأمور نحوه بل إلی حرکته المستندة إلی إرادة الفعل فهذا هو المعتبر کما عرفت دون البعث إلی الفعل بمعنی مجرد التحریک و هو ظاهر.
و اما المقام الثالث و هو اتحادهما بحسب الخارج فهو کذلک کما استدل علیه بالوجدان لکن هاهنا دقیقة یجب التنبیه علیها و هو ان البرهان قائم علی ان کل نوع من الأنواع الخارجیة فنسبته إلی الآثار المترتبة علیه نسبة الفاعل إلی فعله أعنی العلة الفاعلة إلی معلولها هذا و لازم ذلک ان لا تکون الإرادة صفة موجودة بوجود مستقل منضم إلی النّفس تتم بها فاعلیتها بل نسبة و حیثیة غیر خارجة عن النّفس موجودة علی حد سایر الوجودات الرابطة و أیضا الإرادة مما یحمل علی الممکن و غیره فلیست مندرجة تحت مقولة من المقولات فلا جنس لها فلا فصل لها فلا حد لها و کلما کان کذلک فهو منتزع عن الوجود فمصداقه الموجود من حیث هو موجود و لو کان مصداقها وجودا خارجا عن النّفس لکانت موجودة فی نفسها فکانت لها ماهیة
فکانت داخلة تحت مقولة هف فهی موجودة بوجود النّفس من غیر ماهیة لها فی نفسها فهی من أطوار النّفس غیر الخارجة عنها.
ثم انها غیر منتزعة عن الوجود بما هو وجود أعنی المطلق بل من الوجود بما هو فاعل و لا بما هو فاعل فقط بل بما هو فاعل له علم بفعله و لا بما له علم بفعله فقط بل بما هو ان فعله موافق لذاته بما هو عالم فالإرادة حیثیة اقتضاء الفاعل العالم بما هو عالم لفعله الملائم لذاته هذا.
ثم ان نظیر البرهان قائم فی العلم و القدرة و الحب و سایر ما یعد من الکیفیات النفسانیّة فجمیعها حیثیات نفسانیة غیر خارجة عنها بنحو الانضمام و ان کانت بینها توقف ما أو ترتب ما کالإرادة تتوقف علی العلم إذ لا مانع من توقف بعض الحیثیات الذاتیّة علی بعض فی عین انها متحدة فی الذات الجامعة لها کما برهن علی نظیره فی حیاة الواجب تعالی و قدرته و علمه هذا.
فان قلت لازم جمیع ما مر کون الإرادة عن الوجودات الرابطة نظیر المعانی فلا تکون صفة کما یقضی به الضرورة.
قلت فرق بین المعانی الوصفیة المنتزعة من الماهیات أو من الوجودات و القسم الأول تنافی الوجودات الرابطة دون الثانی و لیطلب أزید من هذا من مظانه.
و من هنا یظهر ان فی کلامه رحمه الله مثل کلام غیره فی المقام مواقع للنظر.
منها کون العلم من مقدمات الإرادة بماله من المراتب کالتصور و التصدیق بالفائدة و تمام المصلحة و انتفاء المفسدة و الجزم بل لو عد العلم من باب المسامحة من مقدمات الإرادة فانما تتوقف الإرادة علی العلم بوجود الفعل وحده علی ما عرفت.
و منها کون الإرادة هو الشوق الأکید إذ الشوق بحسب التحلیل هو میلان النّفس إلی الشوق سواء کان من الأعیان أم من الأفعال و الإرادة لا تتعلق بالأعیان مضافا إلی إمکان تحقق الشوق الأکید بالوجدان مع استحالة الفعل فلا تتحقق الإرادة لعدم تحقق العلم الّذی تتوقف علیه الإرادة علی ما وصفناه لک و به یتبین ما فی کلام بعضهم دفعا للإشکال ان الإرادة هی الشوق الأکید الّذی لا ینفک عن الفعل یعنی بلوغه مرتبة لا یفارقه من باب التعریف بالمبائن بأخذ ما بالعرض مکان ما بالذات.
و منها جعل الإرادة کیفیة نفسانیة و قد عرفت انها لیست من الکیف فی شیء و الحق ان تسمیة هذه النسب و الحیثیات بالکیفیات النفسانیّة من باب المسامحة وهم و ان لم یصرحوا بذلک لکن ذلک لازم کلماتهم و قد صرح به بعض أهل النّظر فی الوجود الذهنی ان تسمیته بالکیف من باب المسامحة و ارتضاه آخرون.
و منها قوله «ره» المستتبع لأمر عبیده به فیما لو اراده لا کذلک انتهی، فان الإرادة فی استتباعها لأمر العبید من قبیل إرادة الفعل بالمباشرة
و اما بالنسبة إلی إرادة فعل العبد مثلا فلا إرادة فی النّفس تتعلق بفعل الغیر بل انما هی إرادة الإنشائیة و تسمیتها إرادة متعلقة بفعل الغیر مجاز أو مسامحة لمکان التلبس الواقع بین الأمر و المأمور به.
و به یتبین ان القول بتعلق الإرادة بفعل المأمور به مسامحة أو خطأ ناش من الاتحاد المتوهم بین الأمر و المأمور به و ذلک ان الإرادة حیثیة حقیقیة رابطة بین الذات المریدة و فعلها القائم بها و اما النّفس و فعل غیرها فلا رابطة بینهما حتی یتوسط بینها حیثیة الإرادة فالإرادة المتعلقة بفعل المأمور توهما متعلقة بالحقیقة بامره بالفعل فتسند إلی نفس الفعل مجازا أو ان إرادة الأمر لتعلقها بفعل ما له مرتبط بفعل المأمور تعد متعلقة بنفس فعل المأمور تجوزا کما یقال أردت الخبز و انما أراد أکله و هذا النحو من الإسناد أو النسبة کثیر الدوران فی الاستعمال.
قوله و کذا الحال فی الصیغ الإنشائیة و الجمل الخبریة انتهی: (1) فیه عطف الکلام علی الکلام النفسیّ الّذی قال به الأشاعرة و نفاه المعتزلة و المتکلمون من الإمامیة و محصل الکلام فیه ان القدماء من مشایخ الأشاعرة ذهبوا إلی ان القرآن قدیم غیر مخلوق لکونه کلامه سبحانه و إذ کان الکلام علی ما یتلقاه العرف جملا مؤلفة من الحروف التی هی من الکیفیات المسموعة التی هی حادثة زمانیة بالضرورة وجهه المتکلمون منهم بان الکلام انما یصیر کلاما بالمعنی
الّذی یدل علیه فالمعنی هو الکلام فی الحقیقة و من الضروری ان الکلام قائم بنفس المتکلم فالکلام فی الحقیقة هو المعنی القائم بنفس المتکلم المدلول علیه بالکلام اللفظی فکلامه سبحانه هو معنی القرآن القائم بنفسه تعالی فلا یتصف بالخلق و الحدوث و إلا لزم صیرورة ذات الواجب تعالی محلا للتغیر و هو محال.
و أجاب عنه النافون بان الکلام اما إنشاء أو اخبار و لا نجد فی الإنشاء من الأمر و النهی غیر إنشاء الطلب و فی الاخبار غیر العلم بالوجدان فلو کان المراد بالکلام النفسیّ هو العلم کان النزاع فی التسمیة فیعود لغوا و ان کان غیر العلم فلا شیء غیره یصلح ان یکون کلاما نفسیا مدلولا علیه بالکلام اللفظی فلا کلام الا اللفظی و هو حادث مخلوق بالضرورة هذا.
و قد ذکره شیخنا الأستاذ (قده) فی الحاشیة ان دلیل الأشاعرة ینحل إلی مقدمتین.
إحداهما ان فی النّفس غیر الصفات المعروفة من العلم و الإرادة و الحب و الشوق صفة أخری هی المسماة بالکلام النفسیّ.
و الثانیة انها مدلول علیها بالکلام اللفظی و أولی المقدمتین حق دون الثانیة بیان ذلک ان الصورة الذهنیة لها قیام بالنفس قیاما ناعتیا قیام الوصف بموضوعه فهی بهذا الاعتبار من أوصافها و کیفیة لها کسائر الکیفیات النفسانیّة و قیام بها قیاما صدوریا من قبیل قیام المعلول بعلته و
الفعل بفاعله من غیر نعت و وصف و هی بهذا الاعتبار وجود نوری غیر داخل تحت مقولة من المقولات فلا ماهیة لها ففی عالم النّفس غیر الأوصاف المعروفة وجود نوری غیر ذی ماهیة لکن الوجود بما هو وجود یمتنع ان یکون مدلولا علیه باللفظ إذ دلالة اللفظ انما تکون علی الماهیة التی یمکن ان توجد بوجود ذهنی أو وجود خارجی و الوجود حیثیته حیثیة انه فی الخارج فلا یدخل الذهن (انتهی) محصلا و هو مخدوش صغری و کبری.
اما الصغری فلان بنائه علی الفرق بین العلم و المعلوم و کون الأول داخلا تحت مقولة الکیف و الثانی غیر داخل تحت مقولة أصلا بل وجودا نوریا غیر ذی ماهیة.
و الحق ان العلم عین المعلوم و هو من شئون النّفس و حیثیاتها الغیر الخارجة عنها کما مرت الإشارة إلیه بما یلیق بالمقام و الأزید من ذلک مرجوع إلی محله.
و اما الکبری فکون الوجود غیر قابل للحکایة عنه باللفظ مطلقا ممنوع کیف و أغلب المفاهیم الواردة فی الذهن و منها المعانی الحرفیة و الصفات المنتزعة من الوجود منتزعة من الوجود حاکیة عنه غیر داخلة تحت مقولة و لو کان الأمر علی ما ذکره مطلقا لانقلب الکلام علی نفسه «ره» فافهم.
و الحق الّذی ینبغی ان یرکن إلیه و یعتمد علیه فی المقام ان
یقال: ان الکلام علی ما یستبق إلی أذهاننا فی بادئ الحال هو ما یؤلفه الإنسان من حروف الهجاء لدلالة المخاطب علی ما فی ضمیره فهو امر مؤلف من أمور حقیقیة و هو الأصوات و اعتباریة و هی الدلالة و القیود الأخر فهو امر اعتباری ثم انا نعلم بأدنی تأمل ان اعتبار کون المؤلف هو الإنسان و کذا المخاطب و کذا وجود ضمیر ماله من خصوص المورد من دون دخالة لها فی حد الکلام فالکلام عند ما هو المؤلف من ألفاظ للدلالة علی المعنی ثم انا لا نشک إذا تأملنا ان کلام المتکلم شخص التألیف الصوتی الدال الّذی قام بالمتکلم بتکلمه ثم ففی زوال التموج و الاهتزاز الجوی.
فهذا أو لا ثم نتوهم له بقاء ببقاء اثره فی النفوس ما دام باقیا فنقول لمن أوجد کلاما یحاذی کلام زید انه کلام زید بعینه و ان هذا شعر إمرئ القیس أو خطبة علی علیه السلام بعینه.
و هذا ثانیا ثم نتوهم له بقاء فی نفس الأمر ثبوتا غیر متغیر علی حد ما نذعن به فی الماهیات الحقیقیة من الثبات فی نفس الأمر.
و هذا ثالثا ثم انک قد عرفت مما أسلفناه ان حدود الاعتبارات تتبع الآثار الحقیقیة المترتبة علیها بالاعتبار فإنما زید آثار الحقیقیة ثم لا نجد موضوعها فنعطی حد موضوعها لما لیس هو هو و الأثر الحقیقی فی الکلام هو الإنباء عن المعنی أو الانتقال إلیه فالکلام هو موضوع هذا الإنباء غیر انا لما لم نجد إلیه سبیلا الا بتألیف ألفاظ موضوعة اعتبرناه
کذلک و لو وجدنا إلیه سبیلا حقیقیا غیر اعتباری لأخذنا به و کان هو الکلام و البرهان قائم علی ان وجود المعلول من حیث هو وجوده کاشف عن الخصوصیات الذاتیّة لعلته من أسمائه و صفاته و بالجملة هو دال دلالة ذاتیة تفضیلیة علی ما عند علته فحد الکلام منطبق علیه فهو کلام لها بهذه الجملة کما انه کلمتها من جهة أخری.
فللکلام مرتبتان مرتبة اعتبار و مرتبة حقیقیة وحده واقع علی کل بحسبه.
إذا عرفت هذا علمت ان کلام اللّه سبحانه ان أرید به الوجه الأول علی أحد اعتباراته الثلث کان امرا غیر حقیقی لا ماهیة له خارجا عن مقسم الوجوب و الإمکان و الحدوث و القدم غیر متصف بشیء من ذلک إلّا بالعرض کما وقعت الإشارة إلیه فی بعض الاخبار و ان أرید به الوجه الثانی کان جمیع الموجودات کلاما له تعالی کما انها کلمات له تامة أو غیرها و کان الکلام بهذا المعنی فی الخلق و عدمه و القدم و الحدوث تابعا لما یقتضیه وجوده و بقیة الکلام مرجوع إلی محله.
قوله «ره» و اما الجمل الخبریة إلخ: (1) هذا بالنظر إلی کون الصور العلمیة الموجودة فی الذهن غیر ملحوظة استقلالا بل رابطة متوسطة بین اللفظ و الخارج فلا تعد مدالیل بل اللفظ کأنه یحکی عن الخارج و نفس الأمر بلا وساطتها و إلّا فالصور العلمیة هی المدالیل بالذات و لو لا ذلک لزم خلو الکلام فی صورة
الکذب عن المدلول إذ لا شیء بحذائها حینئذ خارجا.
قوله «ره» و اما الصیغ الإنشائیة إلخ.
(1) لا ریب ان اللفظ یرد مورد الاستعمال بما انه وجود المعنی فربما تعلق الغرض بالکشف عن تحقق المعنی فی نفسه من غیر قصر علی وجود اللفظ إذا کان المعنی من شأنه ذلک فیفهم منه ان المعنی ثابت فی نفسه و یطرأ علی اللفظ حینئذ عنوان الحکایة و المرآتیة و هو الاخبار و ربما تعلق الغرض بالکشف عن تحقق المعنی باللفظ فیفهم منه حدوث المعنی بحدوث اللفظ علی حد حدوث الماهیة بحدوث وجودها و هو الإنشاء.
و من هنا یظهر أو لا ان الاخبار و الإنشاء فیما اشترکا لفظا من شئون الاستعمال بمعنی ان المدلول فیهما واحد من غیر اختلاف فی الموضوع له و لا فی المستعمل فیه بل فی ناحیة غرض الاستعمال و یتفرع علیه ان الدلالة علی کل واحد منهما بخصوصه بالقرائن.
و ثانیا ان الاختلاف بین الاخبار و الإنشاء کالاختلاف بین نحوین من الوجود و هذا هو الّذی یریده المصنف ره (بقوله فی الإنشاء) و هذا نحو من الوجود بعد ما ذکر فی الاعتبار انه ثبوت النسبة بین طرفیها فی نفس الأمر و قد ذکر شیخنا الأستاذ (ره) فی الحاشیة ان التقابل بین الاخبار و الإنشاء فی غیر الأمر و النهی تقابل العدم و الملکة لکون الاخبار بنحو الحکایة و الإنشاء عدم الحکایة فیما من شأنه ذلک و فی
الأمر و النهی تقابل الإیجاب و السلب لأن الثابت فیهما عدم الحکایة بنحو السلب المطلق لعدم قابلیة المحل للإیجاب و هو الحکایة.
و فیه أولا ان التقابل من أحکام الحقائق فلا یجری فی الاعتباریات و قد اعترف بمثله فی مسألة تضاد الأحکام الشرعیة.
و ثانیا ان الحکایة عنوان طار کما عرفت و انما یکشف بکل منهما عن نحو من أنحاء وجود المعنی.
قوله «ره» ربما یکون منشأ لانتزاع اعتباره انتهی.
(1) لعل المراد بکونها منشأ لانتزاع الاعتبار کونها أسبابا اعتباریة لتحقق المسببات الاعتباریة ککون الأمر و النهی سببا للوجوب و الحرمة و کون العقد سببا لتحقق الملکیة و الزوجیة و إلّا فهو بظاهره فاسد قطعا إذ المصطلح علیه فی منشأ الانتزاع کون المنتزع موجودا بوجود منشأ الانتزاع من غیر اختصاص بوجود مستقل کمقولة الإضافة و لیست نسبة الحرمة و الوجوب إلی النهی و الأمر و لا نسبة الملکیة و الزوجیة إلی العقد هذه النسبة.
قوله «ره» إشکال و دفع انتهی.
(2) ملخص الإشکال ان تکالیفه تعالی جدیة و التکلیف الجدی لا بد معه من إرادة و إرادته سبحانه لا یتخلف عن المراد و مع تسلیم هذه المقدمات الثلث یقع الإشکال فی موارد عصیان التکالیف و مخالفتها إذ لو قلنا بعدم تحقق إرادة فیها کان خلفا للمقدمة الأولی و لو قلنا بتحققها
کان خلفا للمقدمة الثالثة.
و الجواب انا نختار الشق الثانی و هو تحقق الإرادة لکن لیس کل إرادة منه تعالی یمتنع تخلفها عن المراد بل هی منه تعالی قسمان تکوینی و تشریعی و التی یمتنع تخلفها عن المراد هی الأولی و هی العلم بالصلاح فی النظام التام دون الثانیة و هی العلم بالمصلحة فی فعل المکلف.
أقول و الّذی ینبغی ان یقال فی هذا المورد:
ان ما یقع وصفا له تعالی من المعانی المحمولة علی الممکن و غیره انما یوصف تعالی به بالمعنی الّذی یحمل به علی الموضوعات الممکنة التی عندنا لما مر من البرهان علی ذلک فی تنبیهات بحث المشتق فمعنی الوصف فیه و فی غیره تعالی واحد کالوجود و العلم و القدرة و من الواضح ان هذا القبیل من المعانی یستحیل کونها ذات ماهیة و إلّا لاستلزم فیه الماهیة و هو محال فهذا النوع من المعانی صفات وجودیة غیر ذات ماهیة و إذا کان کذلک کانت الاختلافات الموجودة فیها خارجة عن حاق المعنی أو من قبیل اختلاف مراتب التشکیک، و کیف ما کان لا یوجب ارتفاع الخصوصیات ارتفاع أصل المعنی و هو ظاهر و حینئذ فمن الواجب ان یجرد کل معنی عن الخصوصیات المکتنفة به مع انحفاظ أصل المعنی.
و من هنا یظهر ان تفسیر إرادة الواجب بالعلم بالصلاح لیس علی
ما ینبغی و کان الوجه فی تفسیر القوم الإرادة الواجبیة بالعلم ان إرادتنا عندهم من الکیفیات النفسانیّة فهی من الماهیات الحقیقیة لا تتجرد عن حدها بالتجرید و قد عد من صفات الواجب تعالی فهی هناک بمعنی غیر ما هاهنا لکنک قد عرفت فیما مر ان الإرادة غیر داخلة تحت مقولة من المقولات بل هی کالعلم و القدرة و غیرهما صفة وجودیة غیر زائدة الوجود علی وجود موضوعها البتة و انها حیثیة اقتضاء ذاتنا لفعلها من حیث هی عالمة به و هذا الحد بتجریده عن الخصوصیات ممکن الوقوع علی إرادة الواجب تعالی فالإرادة الذاتیّة فیه تعالی هی نسبة اقتضاء الذات العالمة بذاتها لذاتها و الإرادة الفعلیة نسبة اقتضاء الذات العلمیة لفعلها الخارج عن ذاتها هذا.
و الإرادة بهذا المعنی انما یصح تعلقها بالأمور الحقیقیة التی بینها و بین الواجب تعالی نسبة الجعل و الإیجاد من الداخلة فی نظام الوجود و اما الأمور الاعتباریة الغیر الحقیقیة فلا نسبة بینها و بین الذات الواجبة التی هی محض الوجود و صریح التحقق.
و الّذی یمکن ان یقال حینئذ ان الّذی یقوم به تعالی من هذه الإرادة التشریعیة التی هی الإرادة الإنشائیة انما تقوم به تعالی بحقیقتها کما ان الکلام الّذی هو امر اعتباری انما یقوم بالواجب بحقیقته کما مر بیانه و قد سمعت مرارا ان حقیقة حد الاعتبار انما یتحقق بالأغراض و الآثار المترتبة علیه فما هو موضوع الآثار هو الحد للمعنی
و ما صدق علیه من الأمور الحقیقیة کان هو المصداق الحقیقی للحد و علی هذا فحقائق القرب و البعد المربوطة بالافعال أو حقائق الثواب و العقاب المرتبطة بها هی حقیقة الإرادة الإنشائیة القائمة به تعالی علی حسب ما یلیق بساحة قدسه سبحانه فافهم ذلک.
و قد ظهر مما مر ان إرادة الفاعل لا تتعلق حقیقة إلّا بما هو فعله لوجود رابطة الفاعلیة و الفعل و اما فعل الغیر فیستحیل تعلقها به و منه یظهر ان إرادته تعالی التکوینیة بفعل العبد انما یتصور من حیث کونه موجودا ممکنا من الموجودات الممکنة و اما من حیث کونه فعلا مأمورا به متعلقا للأمر فلا فللمأمور به بالأمر الإلهی حیثیتان حیثیة کونه فعل العبد و لا یتعلق به إرادة تکوینیة من هذه الحیثیة بل انما یتعلق به الأمر فقط و حیثیة کونه فعله سبحانه أی موجودا بإفاضة وجوده و لا یتعلق به أمر من هذه الحیثیة بل انما تتعلق به الإرادة التکوینیة فقط فافهم ذلک.
فإن قلت فهل الفعل الا موجودا بوجود واحد فما تأثیر تکثیر حیثیاته بالاعتبار (قلت) کلا بل هو ذو نسبتین حقیقتین نسبة إلی العبد بما انه وجود محدود بحدود کذائیة و هو فاعله بمعنی ما به الوجود و نسبة إلی الحق من حیث انه وجود مفاض و مفیضه فاعله بمعنی ما منه الوجود فالکثرة حقیقیة.
قوله ان قلت إذا کان الکفر و العصیان إلخ.
(1) إشکال ناش عن قوله فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة و الإیمان و إذا تخالفتا فلا محیص من ان یختار الکفر و العصیان انتهی.
حیث ان مقتضاه ان الکفر و الإیمان ضروری الوقوع فوقع الإشکال بان ضرورة الوقوع تنافی الاختیار المشروطة به صحة التکلیف و بالجملة تعلق الإرادة الإلهیة بالفعل الغیر المنفک عنه لا یجامع صحة التکلیف.
و الجواب ان الفعل إرادی و اختیاری بالذات و الإرادة الإلهیة انما تعلقت به من حیث انه إرادی أی به مع مقدماتها الاختیاریة فلو خرج به عن الاختیاریة لزم تخلف الإرادة عن المراد من هذه الجهة و بعبارة أخری لا نعنی بالفعل الاختیاری الا ما کان صدوره عن إرادة و الإشکال انما یتم لو کان تعلقها بالفعل نفسه و اما إذا فرض تعلقها بالفعل الصادر عن إرادة من حیث هو کذلک لم یخرج الفعل عن الاختیاریة إذ المفروض تعلقها به من حیث هو کذلک.
أقول و الّذی ینبغی ان یقال فی المقام هو انا إذا تصفحنا الأفعال الصادرة عن فواعلها من قبیل ثقل الحجر و طاب الماء و أحرقت النار و قطع السیف و من قبیل أکل زید و قام عمرو و قتل بکر و رمی بنفسه فی البئر فسقط فیها وجدنا علی الإجمال فرقا بین القبیلتین کان القبیل الثانی یزید علی الأول باقتران الفاعل أو الفعل بأمر مفقود فی القبیل
الأول نسمیه بالاختیار کما نسمی فقده بالاضطرار و ربما لاح لنا بادئ بدء بان الفرق بین القبیلین انما هو باقتران القبیل الثانی بالعلم من الفاعل دون الأول.
لکنه یندفع بأنا نجد نحو قولنا شاخ زید و صح و مرض و جهل و قبح و طال و قصر من القبیل الأول مع اقتران الفعل بعلم الفاعل و لیس إلّا ان العلم لیس مؤثرا فی تحقق الشیوخة و الهرم و المرض و نحو ذلک وجودا و عدما بخلاف القبیل الثانی فللعلم تأثیر فیه بالضرورة فمع فرض عدم العلم لا تحقق للفعل البتة و مع وجوده ربما تحقق و ربما لم یتحقق فللعلم فیه دخلا فی تحقق الفعل لکن لیس الاستناد إلیه فقط فهناک معه غیره و إذ کان ترجح الفعل من غیر مرجح ممتنعا بالضرورة کان رجحان الفعل فی القبیل الأول غیر مستند إلی العلم بخلاف القبیل الثانی فترجیح الفعل فیه إلی الفاعل بما له من صفة العلم و غیره و هو الّذی نذعن به من ان ترجیح کل من جانبی الوجود و العدم فی القبیل الثانی إلی الفاعل دون الأول و ان کان الحق ان الترجیح إلی الفاعل دائما و انما الفرق ان الترجیح فی القبیل الثانی إلی علم الفاعل و اختیاره دون الأول.
فالفعل ینقسم إلی اختیاری و اضطراری و الاختیاری هو الفعل الّذی من شأنه ان یکون ترجیح أحد طرفی وجوده و عدمه إلی الفاعل و لازمه کون الفعل مساوی الطرفین بالنسبة إلیه.
و حینئذ فلو وقع ترجیح من غیر الفاعل فیما ترجیحه إلیه أی فی الفعل الاختیاری فاما ان یکون بتأثیر منه فی الجانب الموافق بإیجابه و هو یوجب سقوط نسبة الفعل إلی الفاعل و ان شئت قلت سقوط تأثیر علمه و إرادته و هو ینافی کونه فعلا علمیا إرادیا و قد فرض کذلک (هف) أو بتأثیر الغیر فی الجانب المخالف بجعله ممتنعا علی الفاعل فلا یبقی لفاعلیته الا جانب واحد فیرتفع الاختیار أی استواء نسبة الوجود و العدم إلی الفاعل فیما من شأنه ذلک و هذا هو الّذی نسمیه بالجبر و یقابل الاختیار تقابل العدم و الملکة هذا.
و قد تبین بذلک أو لا ان الأفعال الجبریة إرادیة کالاختیاریة و هو الّذی یشهد به التأمل فی موارد الجبر فقولهم ان الفعل الاختیاری لیس إلّا ما کان مسبوقا بإرادة فاعله فی غیر محله.
و ثانیا ان کون الفاعل مجبورا لازمه تأثیر الغیر فیه من حیث کونه فاعلا لفعله.
و یتفرع علیه ان الواجب تعالی لا یتصور کونه مجبورا فی فعله إذ لا معنی لتأثیر الغیر فیه و اما کون فعله اضطراریا بکونه مضطرا فی فعله موجبا بالفتح بالمعنی الّذی مر للاضطرار فلا معنی له أیضا بعد فرض تأثیره فی فعله و کون العلم عین ذاته فافهم.
فان قلت فما معنی کون أفعاله تعالی تابعة للمصالح النّفس الأمریة.
قلت هذا علی ما نعتقده بقریحة الاعتبار ان الأحکام العقل و للحسن و القبح الّذی یدرکهما و للمصالح و المفاسد التی یحکم باعتبارها فی أحکامه ثبوتا غیر متغیر و تحققا غیر زائل فی الواقع و نفس الأمر لا یؤثر فیه توارد الوجود و العدم و أنت تعلم ان ذلک لا یزید علی الحکم الاعتباری شیئا.
و اما حقیقة الأمر فهی ان المصالح المزبورة اما ان تکون موجودة أو معدومة لا سبیل إلی الثانی لعدم تصور تأثیر المعدوم و علی الأول فاما ان تکون واجبة أو ممکنة و لا سبیل إلی الأول و علی الثانی فهی افعال للواجب تعالی فلو کانت فی وجودها تحتاج إلی مصالح أخری و الکلام جار فیه مثلها لتسلسلت و لم ینته إلی الواجب تعالی بالاخرة.
و حینئذ فاما ان لا یحتاج فعله سبحانه إلی مصلحة أصلا بل یکون وجه الصلاح و الحسن منتزعة عن فعله متحدا معه و ان کان بحسب نظر العقل متقدما علیه متبوعا له نظیر حکمه بتقدم الماهیة علی الوجود و کونها موضوعة له مع ان الأمر علی عکسه فی الواقع.
أو یحتاج فعله تعالی مصلحة لکن لا یجب فی المصلحة ان- تکون زائدة علی نفس الفعل بل ربما کانت خارجة عنه غایة له و ربما کانت عینه.
فیئول الأمر إلی ان أفعاله تعالی أی الموجودات الخارجیة علی قسمین مما یکون غایته عین ذاته و کما له الأخیر عین کماله الأول
و هذا القسم غایة لنفسه بنفسه و غایة للقسم الآخر الّذی غایته زائدة علی ذاته خارجة عن نفسه فافهم ذلک.
و ثالثا ان اختیاریة الفعل لا ینافی کونه موجبا بإیجاب الفاعل إیاه بإرادته و ترجیحه له فان المأخوذ فی الفعل الاختیاری ان یکون ترجیحه إلی الفاعل لا إلی غیره و کونه ضروریا بإیجاب الفاعل غیر کونه ضروریا بتأثیر من الغیر فی فاعلیة الفاعل فلا ینافی ذلک القاعدة المعروفة ان الشیء ما لم یجب لم یوجد إذ المراد إیجاب- الفاعل لا مطلق الإیجاب.
و رابعا ان وجوب الفعل بالفاعل کما لا ینافی اختیاریته کذلک وجوب نفس الفاعل بفاعله الموجب له و لازم ذلک استناد وجوب الفعل إلی موجبه و موجب موجبه حتی ینتهی إلی الواجب بالذات المنتهی إلیه سلسلة الوجوب لا ینافی اختیاریة الفعل و علی هذا فتعلق إرادته تعالی التکوینیة بالفعل لا ینافی اختیاریته لکونها متعلقة بالفعل بماله فی الخارج من الخصوصیات الوجودیة و من خصوصیاته صدوره اختیارا و تعلقه بإرادة فاعله المستند فی وجوده إلی الواجب تعالی و تبارک.
فان قلت انا لا نعد الفعل اختیاریا حتی لا یفارق وجوده الإمکان و مساواة الطرفین و لا ینتهی فی جانب علله إلی علة موجبة.
قلت الأمر فی نفسه علی خلاف هذا التوهم و لو لم یفارق الشیء
فی وجوده مساواة الطرفین و لم یکن واجبا بإیجاب الفاعل کان من الجائز اتصاف وجوده بالعدم البدیل و هو اجتماع النقیضین و لو لم ینته فی علله إلی علة موجبة و کان الفعل بالاختیار و اختیاره باختیار أخر و هکذا لارتفع الاختیار فی المرتبة الثانیة فما فوقها و لم یثبت فافهم ذلک.
قوله «ره» فما لم تکن نفس الصلاة إلخ: (1) الظاهر انه بیان لقوله لا یکاد یتأتی إلخ إلّا انه وجه آخر للاستحالة کما ربما یحتمل.
قوله «ره» ان الأمر الأول ان کان یسقط بمجرد موافقته إلخ.
(2) لا یخفی ان متعلق الأمر الثانی حیث انه لیس امرا زائدا علی متعلق الأمر الأول بل هو خصوصیة غیر زائدة علیه فورود الأمر الثانی یوجب الربط اللزومی بینهما بحیث لا یستقل أحدهما بالامتثال و- حینئذ قلنا ان نختار الشق الأول و نقول ان لازمه سقوط الأمر الأول من حیث نفسه مع الغض عن حدوث التلازم المذکور أو نختار الشق
الثانی و نقول انه غیر ساقط لا لما ذکره من عدم حصول الأمر بذلک بل لمکان التلازم بین الامتثالین فتدبر.
قوله «ره» لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض إلخ: (1) أقول اعتبار المولویة عند العقلاء اعتبار مالکیة تدبیر الأمر و ینتشئ منه مالکیة الفعل و علیه یتفرع ملک وسائط فعل المولی علیه لفعله مثل ملک المولی لوسائط فعل نفسه و ملک جعل الوضعیات و التکلیفیات من الأحکام و وجوب إطاعته و التسلیم له کل ذلک لمکان المالکیة الأولی و اما مسألة تحصیل غرض المولی فلا ارتباط له بمعنی ولایته و لا العقل مستقل بالحکم علیه نعم حیث کان الظرف ظرف الاعتبارات العقلائیة و لا- مطلوب عقلائی الا لغرض یستتبعه کان لازم الطلب المولوی وجود غرض له فی طلبه و یجب تحصیله یتبع وجوب امتثال امره لکن یتقدر الغرض بقدر ما یطابق المأمور به لا یزید علی ذلک لکون وجوبه بعرض وجوب إتیان المأمور به بالامتثال هذا.
و إلی هذا یمکن ان ینزل ما ذکره شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة ان التحقیق ان کبری تحصیل الغرض مما لا شبهة فیها لکن الصغری غیر متحققة بمجرد الأمر إذ اللازم عقلا هو تحصیل الغرض المنکشف بحجة شرعیة أو عقلیة و الأمر بمرکب یصلح للکشف عن غرض یفی به المأمور به و لا یصلح للکشف عما لا یفی به انتهی.
و ان کان ظاهر کلامه (قده) وجوب تحصیل الغرض وجوبا
استقلالیا غیر تبعی هذا.
فتبین ما ذکرنا أو لا ان تحصیل غرض الأمر لیس واجبا استقلالیا یجب إتیانه بل تبعی بتبع وجوب المأمور به.
و ثانیا ان الواجب من تحصیل الغرض هو المقدار الّذی یکشف عنه الأمر لا أزید من ذلک.
و ثالثا: ان العقل یحکم فی ظرف المولویة و العبودیة بوجوب امتثال امر المولی من حیث هو امره، و لازم ذلک کون الأصل فی الأوامر المولویة التعبدیة.
نعم ربما یکتفی العقلاء فی بعض الموارد بمجرد تحقق المتعلق بطبیعته. فهو اعتبار خاص قبال اعتبار وجوب الإطاعة و الإتیان بقصد امتثال الأمر.
و یستنتج من هاهنا ان مقتضی الإطلاق المقامی هو التعبدیة، إذ کل امر فمعه حکم العقل بوجوب الإطاعة له الا ما دل الدلیل علی جواز الاکتفاء بأصل الطبیعة فافهم.
قوله رحمه الله إلّا انه غیر معتبر فیه قطعا لکفایة الاقتصار إلخ: (1) عدم تعین واحد من هذه الوجوه مع کفایة کل واحد منها علی ما بینها من المباینة کاشف عن ان الواجب التعبدی غیر مقید فی نفسه بواحد منها بعینه فهو مأخوذ بخصوصیة تتحقق بأی واحد من هذه الدواعی کان فهو بنفسه یخالف التوصلی لا بواسطة الداعی.
و حینئذ فمن الممکن ان یقید الأمر بمثل قصد الامتثال علی ان یکون قرینة کاشفة عن سنخ الواجب لا قیدا مأخوذا معه شطرا أو شرطا قوله «ره» فلا مجال للاستدلال بإطلاقه إلخ.
(1) قد عرفت ان التعبدیة من خصوصیات المأمور به و ان الغرض لازم المطابقة مع المأمور به فی الأغراض المتفرعة علی الأفعال- العقلائیة فاحتمال التعبدیة فی الأمر علی هذا مدفوع بالإطلاق.
قوله «ره» لأن الشک هاهنا فی الخروج إلخ: (2) عبارة الکتاب و ان لم تکن وافیة بالمراد کل الوفاء لکن المراد هو ان المورد و ان کان بالنظر إلی الأمر مورد البراءة لرجوع الشک فیه إلی التکلیف الزائد دون المکلف به لکن حیث کان من المحتمل دخالة قصد القربة فی غرض الأمر و یجب حفظه بالإتیان بما یفی به لم یکن العقاب علی ترکه عقابا بلا بیان فالمورد مورد الاشتغال دون البراءة هذا.
أقول قد عرفت عدم وجوب حفظ الغرض أزید مما یحفظ بحفظ الواجب بإتیانه لکون وجوبه تبعیا و قد عرفت ان تعبدیة التعبدی خصوصیة فی نفس الواجب یحققها إتیانه بأحد الدواعی الرابطة له بالأمر کقصد الامتثال و المصلحة و التقرب و نحوها و من المعلوم ان کل توصلی یصیر تعبدیا بإتیانه بقصد القربة فالنسبة بین خصوصیتی التعبد و التوصل شبیه تقابل العدم و الملکة و بین الواجبین شبیه التقابل بین موضوعی العدم
و الملکة و المئونة الزائدة هی خصوصیة التعبد فیئول الأمر إلی الأقل و الأکثر الارتباطیین فالمورد مورد البراءة دون الاشتغال.
قوله «ره» فانه من الامتثال بعد الامتثال انتهی: (1) سیجیء عدم استحالة ذلک فی نفسه.
قوله «ره» و التحقیق ان قضیة الإطلاق انتهی: (2) الّذی ینبغی ان یقال ان تعلق الأمر بالطبیعة من حیث هی یوجب إرساله بحسب إرسال الطبیعة و من الواضح ان الطبیعة قبل تحقق أصل الامتثال نسبتها إلی الامتثال الأول و الثانی و الثالث و هکذا واحدة فی صدقها علی کل واحدة منها نحو صدق الطبیعة الکلیة علی افرادها و لیس فی الخارج عند وجود الفرد من الامتثال ما یوجب خلاف ذلک فالامتثال الثانی حاله حال الامتثال الأول فی کونه محققا لطبیعة- المأمور به و متعلقا للأمر باتحاده مع الطبیعة الموجودة فی طرف الأمر فتبین ان تحقق الامتثال و وجود المأمور به فی الخارج لا یوجب من حیث هو سقوط الأمر.
نعم امر الأمر حیث کان معلولا لغرضه المتعلق بالمأمور به المترتب علیه فبوجود المأمور به فی الخارج یترتب علیه غرضه و فعلیة وجود الغرض یوجب سقوط مقدمات وجوده فیسقط الأمر حینئذ.
لکن لا یخفی ان الغرض المتعارف عند العقلاء یخالف الغایة الحقیقیة التی یثبتها البرهان الحکمی عند کل حادث وجودی و یحکم باستحالة تخلفها عن ذی الغایة فربما تخلف الغرض عندهم عن ذی- الغرض و ربما خالفه بالزیادة و النقیصة و السعة و الضیق و الترتب الفوری و مع المهلة فإذا امر المولی بإتیان الماء لعطشه فربما عد التمکن من الشرب غرضا و ربما عد نفس الشرب غرضا و علی هذا یختلف سقوط الغرض باختلاف الموارد فربما سقط بالامتثال الأول و ظاهر ان الامتثال الثانی یکون لغوا حینئذ إذ لا معنی للامتثال مع عدم الأمر و ربما لم یسقط الأمر بمجرد الامتثال الأول إذا لم یترتب الغرض علی مجرد وجود المأمور به بالامتثال فلم یسقط و لم یسقط الأمر فکان إمکان الامتثال بحاله.
و من هنا یظهر ان إطلاق الأمر غیر مؤثر فی جواز الامتثال بعد الامتثال لتفرعه علی سقوط الغرض و عدم سقوطه لا علی تحقق المأمور به و عدم تحققه نعم لو کان الأمر فی مقام بیان تمام غرضه و لم یبین کیفیته کان لازم الإطلاق جواز الامتثال بعد الامتثال لأن عدم الجواز تضییق عندهم لدائرة الغرض و مئونة زائدة یحتاج اعتباره إلی نصب دلالة زائدة فافهم.
قوله «ره» فیما إذا کان الامتثال علة تامة إلخ.
(1) کان الأولی ان یقال فیما إذا ترتب الغرض الأقصی علی الامتثال ترتبا ضروریا و ذلک ان الغرض و الغایة علة فاعلیة لفاعلیة الفاعل و لا معنی لکون الفعل علة تامة لعلته الغائیة و المسامحة انما تستحسن بوضع بتبدیل لفظ اصطلاحی بلفظ لغوی عرفی دون العکس.
قوله «ره» بدلا عن التعبد به أو لا انتهی.
(2) قد مر توضیح المرام فی مسألة المرة و التکرار و عرفت ان الّذی یقتضیه بقاء الأمر ببقاء الغرض صحة الامتثال بعد الامتثال لا خصوص التبدیل دون الضم فلا مقتضی له.
قوله «ره» وجب علیه إتیانه ثانیا انتهی.
(3) قد عرفت فیما مر ان مقتضی بقاء الأمر صحة الامتثال الثانی دون الإیجاب و من الواضح ان بقاء الغرض لا یوجب بطلان الامتثال الأول و اما وجوب إتیان الماء ثانیا فی المورد المفروض فلیس مستندا إلی مسألة الامتثال بعد الامتثال بل الموجب له فحوی المقام فیتجدد امر ثانیا یدل علیه خصوصیة الحال یجب امتثاله.
قوله «ره» و اما بناء علیها و ان العمل انتهی.
(4) و التحقیق حسب ما یعطیه الاعتبار العقلائی من ان حفظ ملاک الحکم العقلائی هو الموجب للجعل المنسوب إلی الطریق أولا و إلی مؤدی الطریق و هو الحکم الظاهری ثانیا و یصیر به الطریق و المؤدی
ذا مصلحة طریقیة فحسب و اما الحکم الظاهری ففی صورة المصادفة مصلحته عین مصلحة الحکم الواقعی و فی صورة المخالفة لا مصلحة عنده غیر المصلحة الطریقیة التی بها یتدارک المفسدة فی الطریق أی ما لم ینکشف الخلاف قطعا و سلوک الطریق ربما أوجب سقوط المصلحة ببطلانها فلا اجزاء بارتفاع الموضوع و ربما لم یوجب و حینئذ حیث کان لا مصلحة عنده سوی مصلحة الطریق و قد بطلت بانکشاف الخلاف فالمصلحة الواقعیة قائمة علی ساق فلو قلنا ان ملاک التکلیف یجب الخروج عن عهدته کما یجب الخروج عن عهدة التکلیف کما ادعی المصنف فی مسألة المرة و التکرار استقلال العقل بذلک وجب الإتیان بالتکلیف الواقعی ما دام الوقت إذ أصل الملاک و الغرض قد تحقق و لم یخرج عن عهدته لاحتمال بقائه و عدم بطلانه.
قوله «ره» غایة الأمر أن تصیر صلاة الجمعة إلخ: (1) حاصله ان لا رابطة بین وجوب صلاة الجمعة ظاهرا و وجوب صلاة الظهر واقعا فلا یجزی إحداهما عن الأخری و لو قلنا بان حجیة الطرق و الأمارات من باب السببیة فان غایة ما یلزم ان تصیر صلاة الجمعة ذات مصلحة بسبب قیام الطریق علی وجوبها و استیفاء مصلحتها لا ینافی بقاء صلاة الظهر علی ما هی علیه عن المصلحة کما لا یخفی.
أقول بنائه علی عدم الارتباط بین مؤدی الطریق إذا أثبت أصل التکلیف و بین الحکم الواقعی و کذا بین مصلحتیها و حینئذ فلا وجه
لجعل أحدهما حکما واقعیا و الآخر حکما ظاهریا بالنسبة إلیه بل یکون هناک علی الفرض حکم واقعی مجهول أو لا معلوم ثانیا و حکم آخر منکشف الخلاف من غیر ان یرتبط أحدهما بالآخر و لا وجه للبحث عن اجزاء أحدهما عن الآخر إذ لا رابط بینهما و هو ظاهر ففرض الحکم الظاهری و الواقعی فی مورد فرض الربط بینهما فهناک تکلیف واقعی یکشف عنه الأمارة ثم انکشف الخلاف فلسانها لسان الحکایة فیئول حکمه إلی النوع الثانی من القسم الأول أعنی الطرق الجاریة فی تنقیح الموضوع مما لسانه الحکایة دون الجعل فیجری فیه حینئذ حدیث الحجیة الطریقیة و السببیة و قد عرفت ما یقتضیه التحقیق فیهما و هو عدم الاجزاء علی الطریقیة و السببیة جمیعا فلاحظ.
و منه یظهر فساد ما ربما یقال ان ضم الأصل مثلا إلی الدلیل- الواقعی کما انه مبین لاختصاص فعلیة جزئیة السورة بحال العلم بالواقع و ان الأمر بما عداها فعلی کذلک ضم دلیل الأمارة إلی دلیل وجوب الظهر واقعا یوجب اختصاص فعلیة وجوب الظهر بما إذا لم تقم الأمارة انتهی.
وجه الفساد ان مقتضی الارتباط بین الحکمین کون لسان الأمارة المؤدیة إلی وجوب الجمعة لسان الحکایة عما هو الواجب لا لسان بیان الواجب علی المکلف علی حاله الّذی هو علیه فلا یفید الضم حکومة کما کان یفیده فیما لسانه الجعل علی ما تقدم.
قوله (ره) لا وجه لتوهم الاجزاء فی القطع انتهی: (1) و سنبین فی مستقبل القول إن شاء اللّه ان القطع کأقسام الظن المعتبر فی المجعولیة و ان فی مورده حکما فعلیا ذا مصلحة طریقیة ربما وافق الواقع و ربما خالفه فحال القطع فی الاجزاء و عدمه حال سایر الطرق علی ما مر آنفا.
قوله «ره» و هو منفی فی غیر مورد الإصابة انتهی: (2) و اما علی ما سنذکره من التقریب فوجود الحکم الواقعی الفعلی علی جمیع التقادیر ینفی التصویب.
قوله (ره) لا بد فی اعتبار الجزئیة إلخ: (3) تحقیق المقام انا نجد الآثار المترتبة علی موضوعاتها مختلفة فمنها ما هو أثر واحد لموضوع واحد و منها ما هو أثر واحد مترتب علی عدة أمور مجتمعة و من الضروری ان الأثر الواحد لا یترتب إلّا- علی موضوع واحد فللکثرة المفروضة وحدة حاصلة محفوظة بالکثرة انما یترتب الأثر الواحد علی ذلک المبدأ الواحد و هذه الوحدة الحاصلة المفروضة لا تلائم الفعلیة و الاستقلال الموجودین فی الکثرة المفروضة إذ الفعلیة تأبی عن الفعلیة لاستحالة وحدة الکثیر فیجب ان یصیر بعض الاجزاء بالقوة إلی بعض آخر و البعض الآخر بالفعل بالنسبة إلیه و من المعلوم ان لما بالقوة اعتبارین.
أحدهما کونه قوة الفعلیة المفروضة و بهذا الاعتبار لا یأبی عن
الاتحاد معه بحیث یکون هو هو و الآخر کونه فی انه بالقوة بالفعل فانه لو کان قوة امر آخر بالقوة لکان غیر متصف بوصفه أی بالقوة بالفعل هف.
و معلوم ان الفعلیة تأبی عن الفعلیة فما بالقوة من الجزءین المفروضین مثلا بالاعتبار الأول مأخوذ لا بشرط بالنسبة إلی الجزء الآخر و بالاعتبار الآخر مأخوذ بشرط لا و الجزء الآخر المأخوذ بالفعل یقابل المأخوذ بالقوة بالاعتبارین فبأحدهما یکون لا بشرط بالنسبة إلیه فیحمل و بالآخر یکون بشرط لا فلا یحمل علیه و الاعتباران بعینهما جاریان فیهما بالقیاس إلی الکل أعنی الواحد الحاصل منهما.
و تبین بذلک کله ان اعتبار لا بشرط یوجب العینیة و الحمل فیبطل بذلک الکثرة المفروضة قبلا و التمیز بین اجزاء الکثرة و هذا هو اعتبار الجنسیة و الفصلیة و النوعیة و تسمیة الجنس و الفصل مع ذلک جزءاً لوقوعهما جزءین فی حد النوع لا لأنهما جزءان من النوع حقیقة بل کل منهما عینه کما صرحوا به فی محله و اما اعتبار بشرط لا فهو اعتبار الجزئیة حقیقة أعنی الکثرة الموجودة مع الوحدة المفروضة هذا ما یقتضیه معنی الترکیب حقیقة و لا فرق فی ذلک بین المرکبات الحقیقیة و الاعتباریة أصلا.
نعم المرکبات الاعتباریة و هی التی أثر الترکب فیها امر اعتباری لا کون أثرها امرا اعتباریا فالوحدة الحاصلة فیها بالترکیب
یصیر معنی اعتباریا و هو وصف الاجتماع و الانضمام مع ان الکثرة الموجودة فیها أعنی الاجزاء أمور عینیة خارجیة أو منتهیة إلیها و الموجود الخارجی لا یتغیر عما هو علیه بسبب الاعتبار و لذلک یحکم الوهم بان هذا النوع من الترکیب لا یوجب زوال فعلیة الاجزاء أصلا و عدم اقتضاء أخذ الاجزاء لا بشرط ان یصح الحمل بینها أنفسها و لا- بینها و بین الکل لأن الحاصل بالترکیب و هو هیئة الانضمام و الاجتماع امر عرضی مغایر لجواهر الاجزاء فلا یتصور بینها اتحاد فکل ذلک بحکم الوهم و المسامحة الاعتباریة و یشهد بذلک انا لو قطعنا النّظر عن کون الاجزاء جواهر مستقلة مثلا و کون الحاصل بالترکیب امرا عرضیا اعتباریا و قصرنا النّظر علی مجرد ترکیب اجزاء و حصول کل بذلک کان الحکم بعینه حکم المرکبات الحقیقیة هذا و قد تبین بذلک أولا ان الجزء بما انه جزء مأخوذ بشرط لا و اما أخذها لا بشرط فهو فی الحقیقة یهدم الجزئیة و یوجب العینیة و یصبر الجزء بذلک جزءاً تحلیلیا لا جزءاً حقیقیا خارجیا.
و ثانیا ان تقدم الجزء علی الکل تقدم بالطبع لا بالتجوهر و الماهیة إذ الجزء الحقیقی هو الجزء الخارجی و لا حمل أولیا بینه و بین الکل لأخذه بشرط لا.
و ثالثا وجوه الفساد فی کلامه (ره) فمنها حکمه بان اعتبار الجزئیة یوجب أخذه لا بشرط.
و منها ان أخذ الجزء بشرط لا انما هو بقیاسه إلی الجزء التحلیلی المأخوذ لا بشرط و اما بالقیاس إلی المرکب فالاعتبار اعتبار اللابشرطیة.
و منها جمعه رحمه الله بین أخذ الجزء لا بشرط و بین عدم صحة الحمل.
قوله «ره» ثم لا یخفی انه ینبغی خروج الاجزاء إلخ.
(1) توضیحه ان الکل حیث کان هو الاجزاء بالأسر مع صفة الاجتماع و هی وصف اعتباری لا یزید علی ذات الاجزاء شیئا فی الخارج فلیس هناک فی الحقیقة شیء الا الاجزاء بالأسر فالوجوب المتعلق بالمرکب متعلق بها بعینه لا تعلقا متفرعا علی تعلق و إلّا لزم اجتماع المثلین.
و لا یخفی ان مورد النزاع هو المرکبات الاعتباریة دون- الحقیقیة و حینئذ فالمغایرة الاعتباریة المذکورة ان اقتضت مغایرة بین المرکب و الاجزاء بحیث یحصل فی ظرف الاعتبار بواسطة الترکیب شیء غیر الاجزاء التی هی اجزاء اعتبارا فالوجوب و هو حکم اعتباری انما تعلق بموضوعه الاعتباری و هو المرکب دون غیره و هو الاجزاء و ان لم تقتض مغایرة بان لا یحصل فی ظرف الاعتبار بواسطة الترکیب شیء غیر الاجزاء فقد لغا الاعتبار و لم یحصل ترکیب و هو خلاف الفرض و قد عرفت ما یقتضیه الترکیب من الأحکام هذا.
فغایة ما یمکن ان یقال فی المقام ان الکل و ان کان یغایر الاجزاء علی ما یقتضیه الترکیب لکن الاجزاء حیث کانت أمورا حقیقیة
خارجیة و حیثیة الانضمام الحاصلة بالترکیب امر اعتباری غیر موجود فی الحقیقة یلحقها التسامح العرفی بالعدم و لا یری للمرکب ذاتا غیر ذوات الاجزاء فی الخارج و لذلک یحکم بکون الوجوب النفسیّ المتعلق بالکل متعلقا بعینه بذوات الاجزاء بالأسر هذا.
و الحق ان یمنع من تعلق الوجوب النفسیّ المتعلق بالمرکب بالاجزاء الا الوجوب الغیری.
قوله «ره» و التحقیق فی رفع الإشکال ان یقال إلخ: (1) حاصله ان شرط التکلیف أو الوضع ما لتصوره دخل فی تعلق الإرادة به ان کان تکلیفا أو تعلق الحکم به أو انتزاعه ان کان وضعا فما یتوقف علیه وجوده هو تصوره لا وجوده الخارجی حتی تنخرم به القاعدة العقلیة بتقدمه أو تأخره و ان سمی شرطا و اما شرط المأمور به فهو ما حصل للمأمور به بإضافته إلیه وجه ما و عنوان ما و الإضافة کما تصح بین الشیء و ما یقارنه کذلک تصح بینه و بین ما یتقدم علیه أو یتأخر عنه هذا.
و فیه نظر ظاهر اما فی القسم الأول فلان کون تصور الشرط دخیلا فی متعلق الإرادة ان کان من حیث انه تصور ما کان لازم ذلک سلب الشرطیة عن المفروض شرطا هف.
فلیس إلّا ان دخالة تصوره لدخالة المتصور کما ان تعلق الإرادة بما تحقق فی ظرف العلم لیس بما انه علم بل بما انه معلوم.
و اما فی القسم الثانی فلأنه من المعلوم ان المتضایفین متکافئتان قوة و فعلا فلا معنی لتحقق الإضافة بین موجود و معدوم و هو ظاهر و الحق ان یقال ان البرهان انما قام علی استحالة توقف الموجود علی المعدوم فی الأمور الحقیقیة و اما الأمور الاعتباریة کما هو محل الکلام فلا لما عرفت مرارا ان صحتها انما یتوقف علی ترتب الآثار فلا موجب لهذه التعسفات الا الخلط بین الحقائق و الاعتباریات فالصواب فی الجواب ان یقال ان شرط التکلیف أو الوضع ما یتوقف علیه المجعول بحسب وعاء الاعتبار لا بحسب وعاء الخارج و کذلک شرط المأمور به ما یتوقف علیه بحسب ما یتعلق به من الغرض أو یعنون به من العنوان فی ظرف الاعتبار هذا و کأنه الّذی یرومه المصنف (ره) فی کلامه و ان لم یف به بیانه.
قوله «ره» و لا یخفی ما فیه اما حدیث إلخ: (1) و اما علی ما بیناه من معنی الحرف و ان معناها نسبة غیر مستقلة بنفسها مباینة مع المعنی الاسمی بذاتها تابعة فی العموم و الخصوص و الإطلاق و التقیید و سایر اللواحق لما یقوم بها من المعنی الاسمی فالنسبة بهذا الوصف و ان لم یقبل الإطلاق و التقیید بنفسها و کان ذلک راجعا إلی المادة.
لکن فرق واضح بین ان یکون موضوع وصف الاشتراط هو المادة مع نسبة الوجوب أو المادة وحدها و بعبارة أخری فرق بین
الشیء الواجب بما هو شیء واجب و بین الشیء الواجب بما هو شیء و قد مر سابقا ان الطلب الاعتباری علی کونه معنا حرفیا متعلقا بالمادة یمکن ان یتصور معنی اسمیا فیتعلق به إرادة الأمر من هذه الجهة الملحوظة و یتعلق نفس الطلب الاعتباری بالمأمور به من حیث کونه معنی حرفیا مدلولا لهیئة افعل.
فکذلک یمکن ان یؤخذ الوجوب الّذی هو نسبة غیر مستقلة معنا وصفیا مستقلا و یشترط بشرط ثم یؤمر بالمادة المقیدة بالشرط من حیث هی واجبة لا من حیث هی هی و ینتج ذلک رجوع الشرط إلی الوجوب دون نفس المادة المقومة للوجوب.
قوله «ره» و اما حدیث لزوم رجوع الشرط إلی المادة إلخ: (1) محصله علی قصور فی اللفظ انا لا نسلم لزوم رجوع کل شرط إلی المادة إیجابا کلیا و ان سلمنا صحة الإیجاب الجزئی إذ لو قلنا بقیام المصالح و المفاسد بنفس الأحکام فمن الواضح ان الحکم کالوجوب مثلا کما یمکن قیام المصلحة به علی الإطلاق الموجب للبعث إلیه فعلا و طلبه حالا کذلک یمکن قیاما به بشرط بحیث لولاه کان فعلیة الوجوب علی أی نحو فرض مقرونا بالمانع و لو قلنا بتبعیة الأحکام للمصالح و المفاسد فی متعلقاتها فلا نسلم لزوم قیام کل مصلحة بجمیع خصوصیاتها بالمتعلق لم لا یجوز قیام بعض المصالح بنفس الحکم أو قیام مصلحة بالمتعلق مع قیام بعض خصوصیاتها بالحکم هذا.
و اعلم ان المصنف (قده) و ان ذکر هاهنا و فی عدة مواضع أخر تبعیة الأحکام للمصالح و المفاسد القائمة بها علی سبیل التجویز و الاحتمال إلّا انه فی أول أدلة حجیة الظن قطع بذلک و أحال الکلام فیه إلی ما بینه فی الفوائد و ملخص ما أفاده فی فوائده انا و ان قلنا بثبوت الحسن و القبح الذاتیین لکن ثبوت الحسن و القبح فی ذوات الأشیاء لا یوجب التکلیف بها علی ما یقتضیانه من الأمر و النهی فکثیرا ما یتفق ان المولی لا یرید الفعل من العبد مع حسنه و یکرهه مع ان العقلاء یمدحونه به لو فعل و ان کان عاصیا بذلک و بالعکس.
و کذلک العقلاء أنفسهم ربما یفعلون القبیح و هم یعلمون به و ربما یترکون الحسن کذلک و لو کان ما فی ذوات الأشیاء من الحسن و القبح مثلا ملاک الأمر بها و النهی عنها لما تخلف امر من مورد حسن و لا نهی عن مورد قبح فظهر ان الأمر و النهی أو الإرادة و الکراهة یحتاجان إلی جهات أخری غیر قائمة بذوات الأشیاء مقارنة بهما فملاک الحکم قائم به لا بالمتعلق هذا فی الأحکام المجعولة العقلائیة و اما أحکامه تعالی المشتملة علیها أو امره و نواهیه و سائر مجعولاته فان إرادته تعالی و ان رجعت إلی علمه بالمصلحة و المفسدة فی الفعل لکنها تتم بالبعث و الزجر المنقدحین فی نفس النبی صلی اللَّه علیه و آله بالوحی أو نفس الولی علیه السلام بالإلهام و من المعلوم ان الأحکام تدریجیة المتحقق مختصة بحال دون حال لا دفعیة و لا دائمیة مع ان الحسن و القبح ذاتیان للافعال غیر منفکین عنها دائما إذ کثیر
من الأحکام ما کانت مشرعة فی صدر الإسلام و انما شرعت واحدا بعد واحد علی حسب استقرار الدین و اعتیاد النفوس بالاحکام و انقیادها لها و ربما کان طفل غیر بالغ أعقل من بالغ و أرشد و لیس مع ذلک مشمولا للبعث و الزجر فعلا فهذه و أمثالها فکشف عن ان أحکامه تعالی غیر تابعة للمصالح و المفاسد فی المتعلقات بل إلی خصوصیات راجعة إلی نفس الأحکام هذا ملخص ما أفاده (ره) فیها.
و أنت خبیر بان غایة ما یقتضیه هذه الحجة ان الحسن و القبح الذاتیین الثابتین فی ذوات الأشیاء لیست عللا تامة للأمر و النهی و ملاکات کافیة فیهما و اما انها غیر دخیلة فیها حتی بنحو الاقتضاء بحیث یتوقف تأثیرها علی وجود شرط و ارتفاع مانع فلا و من المعلوم ان الملاک سواء کان قائما بالحکم أو بالمتعلق هو الغرض المقصود فی المورد و هو متعلق العلم الّذی هو سبب الإرادة و هذا الغرض المتحقق فی ظرف العلم کما یکون هو الإرادة و الطلب أی عنوانا متحدا معه فی موارد کذلک یکون هو المتعلق أی عنوانا قائما به فی موارد أخری فالامر مثلا کما یکون بداعی الامتحان و التعجیز و التمسخر و نحوها کذلک یکون بداعی الجد و تحقق المأمور به فی الخارج و هذا إیجاب جزئیّ فی مقابل ما ادعاه رحمه الله من السلب الکلی و لو کان کل حکم تابعا لملاک قائم بنفس الحکم لم یکن للحسن و القبح الذاتیین معنی و لا لإثباتهما فائدة.
فان قلت قولهم بالحسن و القبح الذاتیین لا ینحصر مورده بالإرادة
و الکراهة التشریعیتین بل یجری فی مورد الإرادة و الکراهة التکوینیتین فأفعاله تعالی تابعة للحسن و القبح الذاتیین فی الأشیاء و المصالح و المفاسد الواقعیة فمع القول بعدم تبعیة الأمر و النهی الا لمصالح و مفاسد فی نفس الأحکام لا یلغو القول بالحسن و القبح الذاتیین.
قلت انهم استدلوا علی الحسن و القبح الذاتیین بأنا کما نجد کل صنف من الخصوصیات الموجودة فی الأشیاء ملائمة أو منافرة لقوة من قوانا کما نجد الروائح الطیبة ملائمة لمشامنا و الروائح المنتنة غیر ملائمة لها و نجد الحلاوة ملائمة لقوتنا الذائقة و المرارة و العفوصة غیر ملائمة لها و هکذا کذلک نجد عدة من الأفعال ملائمة لعقلنا عند سلامته إذا خلی و نفسه بحیث یستحسنها و ینجذب إلیها و عدة أخری و هی الباقی غیر ملائمة له بحیث یستکرهها و یتنفر منها و ینبو عنها فکما ان سائر القوی یدرک من خواص الأشیاء ما یناسبها بحسب نفسها فکک العقل و کما انا نحکم بالضرورة ان ما یدرکها القوی أمور موجودة فی الخارج قائمة بذوات الأشیاء فلنحکم بان الحسن و القبح امران موجودان فی الخارج قائمان بذوات الأشیاء هذا.
و الحجة کما تری شاملة للافعال أعم من ان تؤخذ مرادة بالإرادة التکوینیة أو بالإرادة التشریعیة علی ان الحجة بجمیع مقدماتها مدخولة باطلة فان الأفعال بالمقدار الموجود منها فی الخارج لا یجب ان تقع بعنوان واحد من الحسن و القبح إذ کل فعل نفعله أو نفرض
وجوده یمکن ان یقع حسنا إذا تعنون بعنوان حسن أو قبیحا فالفعل بما انه فی الخارج غیر حامل لوصف معین خارجی یسمی بالحسن أو القبح فالوصفان اعتباریان یعلل بهما الحرکات الاعتباریة فهما الغایة الأخیرة و خلافها فی الاعتباریات فهما عنوانا موافقة الفعل للکمال الأخیر المقصود بالاعتبار و ان شئت قلت بالنظام الاجتماعی و (ح) فالعقل هو مبدأ الإدراک الإنسانی من حیث انه واقع فی ظرف الاعتبار و وعاء الاجتماع و ان شئت قلت ان العقل هو القضیة المشهورة کما قیل فالمآل واحد هذا هو الّذی یعطیه صحیح النّظر.
و اما وجود قوة فی الإنسان فی عرض سایر قواه الوجودیة کالشامة و الذائقة و الباصرة و الخیال و الوهم و أضرابها یسمی بالعقل و وجود مدرکاتها من الحسن و القبح فی الخارج علی حد سایر الاعراض الخارجیة ثم کشف إدراکها عن وجود مدرکاتها فی الخارج و کشف إدراک سایر القوی عن وجود مدرکاتها کذلک.
ثم دوران نظام التکوین مدار عدة من هذه الأوصاف و نظام التشریع مدار عدة أخری منها فتصویرات لا تتجاوز دائرة الوهم.
و بعد ذلک کله فالحق فی المقام ان یقال ان الأحکام حیث وقعت فی وعاء الاعتبار فسنخها بحسب هذا الوقوع سنخ الأحکام العقلائیة فلها بحسب هذه الوعاء مصالح و مفاسد تتبعها و حسنا و قبحا تبتنی علیها کسائر الأحکام العقلائیة و انما الفرق بین القسمین ان مصالح التکالیف
العقلائیة یرجع نفعها إلی جاعلها بخلاف المصالح التی فی الأحکام الإلهیة فمنافعها راجعة إلی المکلفین لنزاهة ساحة جاعلها عن- الانتفاع و الاستکمال بالغیر.
و اما غیر الأحکام من البیانات الدینیة فإذا وضع أساسها علی الإفهام السازجة فحکمها و تبعیتها للمصالح و المفاسد بحسب ما یقتضیه أفهامهم هذا ما یقتضیه ظاهر القسمین و اما بحسب الحقیقة فالامر علی ما بیناه فی بحث الطلب و الإرادة إجمالا.
قوله «ره» انما تکون فی الأحکام الواقعیة بما هی واقعیة إلخ: (1) هذا لا یوافق ما ذهب إلیه قده فی التوفیق بین الحکم الواقعی و الظاهری من معنی الفعلیة فانه انما منع فی موارد الأصول و الأمارات عن تنجزها لا عن فعلیتها فان المنع عن الفعلیة یساوق إثبات الشأنیة کما فی الأحکام الإنشائیة الموعود ظهورها فی آخر الزمان.
فاللازم ان یقتصر علی هذه الأحکام الإنشائیة مثالا و لا یذکر معها موارد الأصول و الأمارات إذا خالفت الأحکام الواقعیة.
قوله «ره» فهی حقیقة علی کل حال انتهی: (2) و اما علی ما قررنا علیه معانی الحروف فهی لا تتصف لا بالحقیقة و لا بالمجاز إلّا باعتبار متعلقاتها و هو ظاهر.
قوله «ره» ان الإرادة تتعلق بأمر استقبالی إلخ.
(1) قد عرفت فی بحث الطلب و الإرادة ان الإرادة الحقیقیة صفة غیر زائدة علی النّفس و انه یمتنع تعلقها بفعل الغیر و انها انما تتعلق بالأمر و هو اعتباری بما عنده من حقیقة یقوم بها الاعتبار کاللفظ الّذی هو صوت و اما معنی الأمر و أعنی الطلب الإنشائی الاعتباری و هو نسبة حرفیة فلکونها اعتباریة دائرة بین الآمر و المأمور و المأمور به لا محذور فی تحققها مع المأمور به کما فی الواجب المنجز أو قبل تحقق المأمور به قائمة بالمأمور کما فیما نحن فیه من الواجب المعلق و قد ظهر بذلک ما فی کلامه رحمه الله من وجوه الفساد.
منها قوله ان الإرادة تتعلق بأمر استقبالی کالحالی ففیه ان الإرادة نسبة موجودة تکوینیة یستحیل تعلقها بأمر موجود فی الاستقبال معدوم فی الحال سواء کانت علة تامة أو ناقصة أو مرتبطة بأی نحو من أنحاء الارتباط الخارجی.
و منها ما عده من موارد تعلق الإرادة بأمر استقبالی ذا مقدمات کثیرة تتحمل مشاقها من زمان بعید إلخ و انما هی إرادات متعددة متعلقة بمرادات متعددة.
و منها تفسیره ما عرفوا به الإرادة انه الشوق المؤکد المحرک للعضلات انتهی ان المراد بالوصف أعنی تحریک العضلات بیان مرتبة الشوق بالفرد الغالب أو المعروف و منها انتصاره لتعلق الأمر بأمر استقبالی
بلزوم تعلق البعث بأمر متأخر زمانا و لو بالجملة و قد ظهر وجه فی جمیع ذلک مما مر فلا نطیل بالإطناب.
قوله «ره» نعم لو کان الشرط علی نحو الشرط المتأخر إلخ: (1) تصویر خاص للواجب المشروط بحیث یشارک الواجب المعلق فی کون الوجوب موجودا بالفعل قبل زمان الواجب فیؤثر أثر الواجب المعلق فی ترشح وجوب الواجب إلی مقدماته الموجودة قبل زمانه و هو ان شرط الوجوب فی الواجب المشروط من قبیل الشرط المتأخر فیکون الوجوب موجودا قبل زمان الواجب و شرطه مع الواجب کالحج المشروط وجوبه بإتیان ذی الحجة مثلا فعمل الحج و زمان وجوبه موجودان معا و الوجوب المشروط بإتیان ذی الحجة موجود قبلها.
قوله فانقدح بذلک انه لا ینحصر التفصی إلخ: (2) حاصله ان هذا الإشکال و هو وجوب المقدمة قبل وجوب ذی المقدمة هو الّذی أوجب للقوم ان یختار کل مهربا و یصور تصویرا لتصحیحه حتی صور صاحب الفصول «ره» الواجب المعلق و الشیخ قده الواجب المشروط بإرجاع الشرط إلی المادة دون الهیئة لکن التفصی لا ینحصر فی ذلک بل لنا ان نصور تصویرا آخر و هو کون اشتراط الوجوب بالشرط المتأخر من قبیل الاشتراط بالشرط المتأخر فیتقدم الوجوب علی الواجب فیجب بذلک المقدمة قبل تحقق ذی المقدمة فی الخارج أقول و لعمری لو کان وجوب المقدمة و هو غیری قبل تحقق ذی المقدمة شنیعا فما
هو بأشنع من تحقق وجوب الواجب قبل نفسه فهو اما نسبة اعتباریة من المعانی الحرفیة غیر مستقلة فی وجودها من دون مقومها فکیف یتحقق قبل تحقق ما یقومها و اما معنی وصفی یتصف به الواجب و لا معنی لتحقق الوصف بما هو وصف قبل موصوفه هذا فالحق ان یقال ان وجوب المقدمة کما سیتحقق فی البحث التالی وجوب بالعرض یعرضها بعرض ذی المقدمة و من المعلوم ان کل ما بالعرض المنتهی إلی ما بالذات فی عروضه لموضوعه محتاج إلی اتحاد ما بین موضوعی ما بالذات و ما- بالعرض بنحو من الاتحاد و المقدمة متحدة مع ذیها بملاک التوقف و من المعلوم أیضا ان تحقق النسبة بین شیئین بما انها نسبة قائمة بطرفین یوجب تحقق طرفیها ان حقیقة فحقیقة و ان اعتبارا فاعتبار و هذا الاتحاد المحفوظ بین المقدمة و ذیها یوجب عروض ذی المقدمة لمقدمته عند العقلاء بحسب حکمهم بذلک و ان لم یتحقق ذو المقدمة بعد فی الخارج و لم یتحد الوجودان زمانا فانه لا یخلو عن تحقق ما کما عرفت.
قوله (ره) فالواجب نفسی و إلّا فغیری: (1) اعتباره قده الفرق بین الوجوب النفسیّ و الغیری بکون الغرض من الواجب التوصل إلی الغیر و عدمه یوجب القول بکون المقدمة متصفة بالوجوب علی نحو الحقیقة أعنی کون ذی المقدمة بالنسبة إلیها واسطة فی الثبوت لا واسطة فی العروض فان اختلاف الغرضین فی المقدمة و ذیها و هما غرض الواجب و التوصل إلی غرض الواجب یکشف عن اختلاف
الوجوبین و تعددهما فینتج اتصافین حقیقیین لا اتصافا واحدا مختلفا بالذات و بالعرض و هذا هو الّذی أوجب قوله قده بکون وجوب المقدمة وجوبا حقیقیا لا عرضیا و هو المتراءی من المشهور و الحق خلافه لأن الفارق بین ما بالذات و ما بالعرض ان الحکم العرضی یرتفع مع قطع النّظر عن الواسطة و الغفلة عنه دون الحکم الذاتی کما قد تقرر فی محله و لا یمکن الحکم بوجوب المقدمة مع الغفلة عن وجوب ذیها فهو عرضی غیر ذاتی.
فان قلت الوجوب تابع فی الوحدة و التعدد للغرض من الواجب کما تقدم ذکره و غرض المقدمة هو التوصل إلی ذی المقدمة أو إلی غرضه و هو غیر غرضه فالمقدمة متصفة بوجوب غیر وجوب ذی المقدمة و لازمه کون وجوبها ذاتیا غیر عرضی و هو ظاهر قلت لیس للأمر الا غرض واحد و هو القائم بذی المقدمة و اما التوصل الموجود فی المقدمة فلیس غرضا له و لا من لوازم غرضه و انما هی نسبة تصحح الاتحاد بین المقدمة و ذیها فیوجب قیام غرض الواجب بعینها بالمقدمة لا انه یولد غرضا من غرض و لذا کانت الغفلة عن غرضه غفلة عن غرضها علی حد وجوبهما و لو کان حقیقیا ذاتیا لما کانت الغفلة عین الغفلة و ان کان الارتفاع فی الخارج یوجب الارتفاع و یستلزمه علی حد ارتفاع التابع بارتفاع المتبوع أو ارتفاع الموجود الرابط بارتفاع المستقل الّذی یقومه.
فان قلت فعلی هذا لیس فی الواجبات الخارجیة علی کثرتها الا
واجب واحد حقیقة و الباقی متصف بالوجوب بالعرض و المجاز و لا ینفع (ح) ما صوره المصنف رحمه الله من کون بعضها واجبات نفسیة لاشتمالها علی عنوان حسن یستقل العقل بمدح فاعلها و ذم تارکها.
قلت یمکن ان یکون غرض الواجب الحقیقی فی قیامه بمقدماته مختلفة علی نحو التشکیک فیعد قیامه المجازی ببعض مقدماته بحسب نظر آخر قیاما حقیقیا یمدح و یذم علی طبقه و تعد المقدمة واجبا نفسیا و هی بعینها بحسب نظر آخر أدق من الواجبات الغیریة فتترتب المقدمات مع ذی المقدمة الأخیر بحیث یعد کل واجبا نفسیا بالنظر إلی ما بعده و هو بعینه واجب غیری بالنظر إلی ما قبله و الواجبات الشرعیة من هذا القبیل و لتتمیم بیانه موضع آخر.
قوله «ره» لو کان شرطا لغیره لوجب التنبیه علیه انتهی: (1) لا موجب لهذا الوجوب نعم یجب التنبیه علی شرطیته فی التکلیف بذی المقدمة.
قوله «ره» و قد تقدم فی مسألة الطلب و الإرادة انتهی.
(2) و قد تقدم منا فیما مر بعض ما یتعلق بالمقام.
قوله رحمه الله لا ریب فی استحقاق الثواب انتهی.
(3) حاصله دعوی الضرورة علی استحقاق الثواب و العقاب علی الواجب النفسیّ موافقة و مخالفة و قوله ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق الا لعقاب واحد إلخ دلیل أول علی عدم ترتب شیء من الثواب و العقاب
للمقدمة و قوله فیما بعد و ذلک لبداهة ان موافقة الأمر الغیری إلخ کأنه دلیل ثان.
و الحاصل ان الضرورة قاضیة باستحقاق الثواب و العقاب علی الواجب النفسیّ موافقة و مخالفة و اما الواجب الغیری فلا یترتب علیه شیء موافقة و مخالفة.
اما أو لا فلاستقلال العقل بأنه لا استحقاق عند المخالفة أو الموافقة الا لعقاب واحد أو ثواب واحد و من المعلوم ان ذا المقدمة یوجب الاستحقاق فذلک له و لا یبقی للمقدمة شیء.
و اما ثانیا فلان المقدمة لا استقلال لها لا ملاکا و لا تکلیفا فی قبال ذی المقدمة فلا یترتب علیها بالاستقلال شیء.
و الحق ان الملاک فی استحقاق الثواب علی الموافقة هو العبادیة دون الوجوب النفسیّ ضرورة ان الواجبات التوصلیة لا ثواب علی مجرد موافقتها لو لم تؤت بقصد القربة علی نحو العبادیة فالواجب النفسیّ من حیث هو واجب نفسی لا یوجب ثوابا إلّا إذا أتی بها عبادة و لا تفاوت فیها بین ان تکون مقدمة أو ذا مقدمة لاستقلال العقل بکون الإتیان بقصد القربة موجبا للقرب و الثواب.
و من هنا یظهر ان العبادیة لا تنفک عن محبوبیة ما نفسیة و ان کانت من جهة أخری مطلوبة بالطلب الغیری سواء قلنا بکون الوجوب الغیری من قبیل الوصف الذاتی أو العرضی و اما استحقاق العقاب
فملاکه مخالفة الأمر و السر فی جمیع ذلک ان الملاک حقیقة فی الثواب و العقاب حقیقة موافقة الأمر و مخالفتها لکن إتیان الواجب النفسیّ التوصلی لا بقصد الامتثال لیس موافقة للأمر إلّا ان یؤتی بقصد امتثال الأمر فیرتبط بالأمر و یصیر حینئذ عبادة و اما إتیان الواجب الغیری فان کان غیر عبادی فانما امتثل به امر ذی المقدمة حقیقة و ان کان عبادیا فإتیانه بقصد عبادیته التی هی عین مقدمیته موجب لتحقق القربة و لقصد امر ذی المقدمة عینا اما لکون وجوبه غیر مستقل کما اختاره المصنف (ره) أو لکون وجوبه بعرض وجوب ذی المقدمة کما اخترناه و هی مع ذلک لا تخلو عن محبوبیة نفسیة مستتبعة لاستحباب نفسی أو غیر مستتبعة فتحصل ان کل موافقة لیست بموافقة الأمر بل مع قصدها و اما المخالفة فکل مخالفة مخالفة للأمر سواء فیه التعبدی و التوصلی.
نعم یفترق فیه النفسیّ و الغیری بالاستقلال و عدمه أو بالذات و العرض.
قوله (ره) یصیر من أفضل الأعمال إلخ: (1) لا یخفی ان سیاق ما یدل علی ان أفضل الأعمال أحمزها أجنبی عما نحن فیه.
قوله (ره) أحدهما ما ملخصه ان الحرکات إلخ: (2) الفرق بین الوجهین ان الأول من مسلک ان وقوع المقدمة عبادة یحتاج إلی اعتبار الغرض المقدمی الموجود فیها و الثانی من مسلک
الغرض الغائی الموجود فی ذی المقدمة و لذا اشترک الوجهان فی الاعتراض بعدم کفایة ذلک فی ترتب الثواب علیها و اختص الأول بزیادة إمکان الإشارة إلی العنوان المقدمی من غیر جعله داعیا.
قوله (ره) ضرورة ان العنوان المقدمیة إلخ: (1) قد نبهناک فیما مر ان دوران نسبة بین أطرافها یوجب تحقق أطرافها فی سنخ وعائها أی کون الأطراف مسانخة للنسبة فالنسبة ان کانت حقیقیة کانت أطرافها حقیقیة و ان کانت اعتباریة کانت اعتباریة فنسبة الملکیة الاعتباریة انما تدور بین المالک و المملوک لا بین عین زید و عین العقار مثلا و نسبة التوصل و التوقف تدور بین المقدمة و ذی المقدمة لا بین ما هو الأمر الخارجی المعنون بعنوان المقدمة و المعنون بعنوان ذی المقدمة و من هنا یظهر ان عنوان المقدمیة مثلا واسطة فی العروض فی اتصاف المقدمة بالوجوب لا واسطة فی الثبوت کما ذکره ره.
نعم العرف من حیث استشعارهم بضعف تحقق هذه العناوین الاعتباریة لا یذعنون إلّا بتحقق المعنونات و یتوهمون ان الأحکام انما تقوم بها لا بالعناوین کما مر نظیر ذلک فی الکل و الاجزاء بالأسر.
قوله (ره) و اما عدم اعتبار ترتب انتهی.
(2) الملاک کل الملاک فی القول بالمقدمة الموصلة و عدمها القول باتصاف المقدمة بوجوبها بالذات أو بالعرض کما یظهر بالتأمل فی کلام
صاحب الفصول کما سینقله المصنف (ره) و قد تنبه به المصنف (ره) حیث قال فی آخر کلامه و لعل منشأ توهمه الخلط بین الجهة التقییدیة و التعلیلیة انتهی فالقول بالمقدمة الموصلة یبتنی علی کون اتصاف المقدمة بالوجوب بالعرض فهناک وجوب واحد نفسی و هو لذی المقدمة بالذات و للمقدمة بالعرض و لا محالة یکون الغرضان الموجودان فیهما علی نحو وجودی الوجوبین فغرض ذاتی و غرض عرضی و من المعلوم ان فرض عدم وجود ما بالذات فی الخارج یوجب عدم وجود ما بالعرض سواء کان حکما أو ملاک حکم و من هنا یظهر فساد ما ذکره المصنف (ره) فی إبطاله إذ جمیع الوجوه المذکورة تبتنی علی کون وجوب المقدمة و ملاکها ذاتیین و قد عرفت فساده.
ان قلت هذا انما یتم بناء علی ما ذکره المصنف رحمه الله ان المتصف بالوجوب انما هو ذات المقدمة و ما هو بالحمل الشائع مقدمة لا عنوان المقدمة فذات المقدمة فی الخارج تکون متصفة بالوجوب بالعرض و لا معنی لتحقق ما بالعرض فی الخارج من دون تحقق ما بالذات فیه و اما علی ما ذکرت من کون المتصف حقیقة هو العنوان الاعتباری للمقدمة بما انه اعتباری فلا معنی للقول بالمقدمة الموصلة إذ جمیع المقدمات متصفة بهذا العنوان کما لا یخفی.
قلت معنی الاعتبار کما عرفت مرارا دعوی کون العنوان هو الخارج لغرض الأثر المترتب فما فی الخارج هو المتصف بالاحکام و
الآثار لکن بواسطة الاعتبار فسرایة العنوان فی الخارج و انطباقه علیه لا مفر منه و ح فتحقق عنوان المقدمة فی الخارج أی ذات المقدمة فیه لا ینفک عن وجود عنوان ذی المقدمة أعنی نفس ذی المقدمة فیه فافهم فاما بحسب الدقة فذات المقدمة فی الخارج متصف بالوجوب بواسطتین فذاتها تتصف به بواسطة عنوانها و عنوانها بواسطة عنوان ذی المقدمة لکن الحق بعد ذلک کله ان عرضیة وجوب المقدمة لا توجب القول بالمقدمة الموصلة فان تحقق الواجب فی ظرف التکلیف و اعتباره یوجب تحقق التوقف و کذا تحقق ما یتوقف علیه فیه و یتم بذلک وجوب کل ما یتوقف علیه سواء کان مقدمة موصلة فی الخارج أو لم یکن.
قوله رحمه الله و اما ترتب ذی المقدمة علیها انتهی: (1) هذا مع الغض عن عدم وروده أصلا فاسد من حیث ان اللازم وجود ذی المقدمة فی الخارج و وجود الشیء نفسه و اما الترتب فهو وصف زائد و عنوان طار.
قوله «ره» لعدم کونه بالاختیار انتهی: (2) هذا یناقض ما سیذکره فی أوائل القطع فی امر المعصیة.
قوله رحمه الله لأنه لو کان معتبرا فیه الترتب انتهی: (3) قد عرفت ان معنی الترتب وجود ذی المقدمة فی الخارج فما المانع من کون نسبته و هو متأخر إلی المقدمة الموجودة قبلها نسبة المقتضی المتأخر إلی مقتضاه المتقدم و قد صححوا ذلک و علی ذلک فالوجوب ساقط
لتحقق المقدمة و هو عین السقوط بالموافقة و هو ظاهر.
قوله وجهه انه یلزم انتهی: (1) فیه ان هذا النهی إرشادی یرشد به إلی تشخیص المقدمة و انما یتم الإشکال علی تقدیر کونه مولویا.
قوله «ره» و منها تقسیمه إلی الأصلی و التبعی انتهی: (2) ینبغی ان یجعل الملاک فی هذا التقسیم تعلق الطلب المستقبل و الغیر المستقل مع قطع النّظر عن الملاک فیکون الفرق بینه و بین التقسیم السابق ان تقسیم الواجب إلی النفسیّ و الغیری بحسب الملاک و تقسیمه إلی الأصلی و التبعی بحسب تعلق الطلب بالاستقلال و عدمه مع قطع النّظر عن الملاک و أنت تعلم بان معنی التقسیمین یختلفان بحسب کون وجوب المقدمة ذاتیا أو عرضیا فلا تغفل و علیه فالامر الأصلی بالمقدمة یصیر إرشادیا بناء علی ان الأمر المولوی یتوقف علی ملاک حقیقی أعم من المستقل و عدمه قوله لحصول العصیان بترک أول مقدمة إلخ.
(3) هذا بناء علی الواجب المعلق أو المشروط علی التصویر الّذی صوره المصنف رحمه الله و اما علی ما قدمناه من إبقاء الواجب المشروط علی حاله مع وجوب المقدمة قبل وجوده فالمعصیة و ان تحققت بتحقق علتها إلّا انها تحققت فی ظرف نفسها عند تحقق الواجب لا حین ترکت المقدمة فلا تغفل.
قوله إلّا انه مجعول بالعرض و یتبع انتهی: (1) الجعل و المجعول فی هذا المقام هو الإیجاد و الوجود أو الموجود فجعل الوجوب بالعرض هو کونه بالعرض و علیه فالجمع بین العرضیة و التبعیة فی حکم التناقض هذا و الأصل غیر جار علی العرضیة لأن أدلة الأصول منصرفة عن الأحکام العرضیة.
قوله رحمه الله و الأولی إحالة ذلک إلی الوجدان انتهی: (2) الأولی الاقتصار علی ذلک من غیر تذییله بما یدعیه من الطلب المولوی و یؤیده بوجود الأوامر الغیریة فی الشرعیات و العرفیات لما عرفت من کونها إرشادیة لا مولویة.
قوله و الشرطیة و ان کانت منتزعة إلخ: (3) دفع دخل محصله ان توقف الشرطیة علی الوجوب لازم انتزاعیتها و الجواب انه انما یلزم لو کانت الشرطیة منتزعة عن التکلیف المتعلق بالمقدمة و لیس کذلک بل هی منتزعة عن التکلیف النفسیّ المتعلق بذی المقدمة هذا و الحق ان هذه المعانی کلها اعتباریة لیس بمنتزعة عن التکلیف و إلّا تحقق بینهما الحمل کما قیل لاتحاد المنتزع و المنتزع عنه فکان الشرط هو ذا المقدمة.
قوله رحمه الله و حیث لا منافاة أصلا انتهی: (4) قیاس غیر منتج فان الملاءمة بین شیء و عدم شیء آخر لا یوجب وقوعهما فی مرتبة واحدة ضرورة ان المعلول ملائم علته کمال الملاءمة
مع عدم کونهما فی مرتبة واحدة فالأولی ان یتشبث فی ذلک بما سیذکره من ان المانع الّذی یکون موقوفا علیه هو ما کان ینافی و یزاحم المقتضی فی تأثیره لا ما یعاند الشیء و یزاحمه فی وجوده.
قوله رحمه الله بداهة ثبوت المانعیة من الطرفین: (1) فیه ان ثبوت المانعیة بین الضدین و توقف وجود کل منهما علی عدم الآخر لا یستلزم توقف عدم کل علی وجود الآخر لا مکان تصادق العدمین علی مورد واحد إذ غیر المتناقضین من المتقابلین لا یأبی من ارتفاع الطرفین معا و هذا یوجب عدم توقف أحد العدمین علی وجود الطرف الآخر و هو ظاهر و من هنا ظهر ان الدور غیر تام و الحق بعد ذلک کله ان القول یتوقف وجود الشیء علی عدم مانعة قول مجازی فان الأمر الوجودیّ لا یترشح إلّا عن الوجود و العدم لا ذات له بل المانع حیث ما فرض امر وجودی یضار الممنوع الّذی هو أیضا امر وجودی فهو فی مورد التضاد الحقیقی فیرجع معنی توقف الشیء علی عدم مانعة إلی اشتراط صلاحیة المحل لوجود الشیء فیه لفرض خلوه عن الضد الآخر و لا ثالث للضدین کل ذلک لأمور مبینة فی محله هذا فی الحقائق غیر ان الأمر فی الاعتباریات سهل.
قوله رحمه الله الا طلبا بسیطا و مرتبة أکیدة إلخ: (2) هذا علی ما اشتهر بین الأصولیین أخیرا ان الوجوب و الاستحباب مرتبتان من حقیقة الطلب البسیط متفاوتان بالشدة و الضعف بعد ما
کان المشهور بینهم انهما حقیقتان نوعیتان مرکبتان واقعتان تحت جنس الطلب فالوجوب طلب الفعل مع المنع من الترک و الاستحباب طلب الفعل مع عدم المنع من الترک أو مع تجویز الترک.
و قد ذکر شیخنا الأستاذ رحمه الله فی الحاشیة ما حاصله: ان کون الوجوب و الاستحباب مرتبتین من الإرادة مختلفتین بالشدة و الضعف و ان اشتهر بینهم إلّا ان الّذی یقتضیه دقیق النّظر خلافه و هو ان الاختلاف بین الوجوب و الاستحباب لیس من حیث المرتبة بل من حیث کیفیة الغرض الداعی بیان ذلک ان الإرادة التکوینیة و التشریعیة لا یختلفان الا من حیث تعلق الأولی بفعل الشخص نفسه و الثانیة بفعل غیره و تعلق الإرادة التکوینیة بفعل لا یستلزم کونه مما لا بد منه دائما بل ربما تعلقت بفعل من الأفعال الطبیعیة الموافقة للهوی مع عدم لزومه حتی من حیث الهوی حتی باعتراف فاعله کفضول المعیشة و زخارف العادات و ربما لم تتعلق بفعل من الأفعال العقلیة مع لزومه عقلا حتی باعتراف فاعله فاذن الملاک فی تحقق الإرادة لیس کون المراد لازم الورود بل کون المراد أشد موافقة للقوة الباعثة هذا فی الإرادة التکوینیة و کذلک الإرادة التشریعیة لیس اختلاف البعث الوجوبیّ و الاستحبابی فیها من جهة اختلاف تعلق الإرادة بفعل الغیر شدة و ضعفا بل من حیث شدة موافقة الفعل للغرض الداعی إلی البعث و ضعفها هذا.
أقول لا ریب ان الفعل فی صدوره عن الإرادة التکوینیة ما لم یجب
لم یوجد و ان الّذی یوجب وجوده هو المرجح لوجوده فی الخارج و صدوره عن الإرادة و هو بعینه الفرض الّذی یتحد مع الفعل فی الخارج نوع اتحاد یتقرر فی ظرف العلم الموجب للإرادة فتبین ان العلم ما لم یتعلق بضرورة الفعل أعنی نسبة الضرورة بین الفعل و الفاعل لم تتحقق الإرادة فلم یتحقق الفعل نعم لازم ذلک تحقق الضرورة بحسب خصوص العلم المتفرعة علیه الإرادة لا تحقق الضرورة بحسب الأمر فی نفسه فربما یختلفان و بذلک یختلط الأمر فیظن ان الفعل وقع مع عدم لزومه أو لم یقع مع لزومه هذا فتبین بذلک:
أو لا ان الوجوب هو اعتبار نسبة الضرورة بین الفعل و فاعله حتی فی الإرادة التکوینیة الموجودة فی الحیوان و هذا کأنه أول اعتبار اعتبره الحیوان للتوصل إلی کماله حاذی به الضرورة الواقعة جهة و مادة فی القضایا الحقیقیة الغیر الاعتباریة و قد تقدم فیما تقدم بعض القول فی ذلک و ان هذه النسبة مع انها نسبة غیر مستقلة الذات قد یؤخذ معنی وصفیا مستقلا فیصیر وصفا یتصف به الفعل فیصیر واجبا و یتفرع علیه اشتقاقات أخری کالإیجاب و الاستیجاب.
و بذلک کله یظهر فساد القول بکون الوجوب هو الطلب و هو ظاهر کیف و الوجوب وصف الفعل المتوقف فی اتصافه به علی الطلب و المتأخر عنه.
و ثانیا ان الحرمة و الاستحباب و الکراهة و الجواز أیضا نسب
اعتباریة دائرة بین الفعل و فاعله فالحرمة نسبة الامتناع کما ان الوجوب نسبة الضرورة و الجواز نسبة الإمکان و اما الاستحباب و الکراهة فهما نسبتا الأولویة المتوسطة بین الضرورة و الإمکان و هو الاستحباب و التوسط بین الامتناع و الإمکان و هو الکراهة علی ما یساعده النّظر العرفی و هی هذا بعینها موجودة فی القضایا المضروبة ضرب القانون کقولنا یجب ان یفعل کذا و یحرم کذا و یستحب کذا و یکره کذا و یجوز کذا.
و ثالثا ان لا تشکیک بین الوجوب و الاستحباب و کذا بین الحرمة و الکراهة لکونهما معا فی نسبیة حقیقیة و لا معنی فی النسب الحرفیة للتشکیک و التواطی و النوعیة و الجنسیة و الکلیة و الجزئیة و غیرها و کذلک البساطة و الترکیب نعم لا بأس بإطلاق البسیط علی مثلها بمعنی عدم الترکیب فافهم ذلک.
و رابعا لأحد لمثل هذه المعانی حقیقة.
قوله «ره» مع بقائه علی ما هو علیه إلخ: (1) فیه انه لا یوافق ما ذهب إلیه کما صرح به فی بحث الظن ان المصالح قائمة بنفس الأحکام دون المتعلقات و کذا قوله أو غیره أی شیء کان علی مذهب الأشاعرة اه ظاهر المنع.
قوله «ره» بنحو الشرط المتأخر إلخ: (2) الأخذ بهذه القیود و تعلیق الواجب علیها لتصویر محل الکلام
و هو ان یؤمر بضدین و یجعل ظرف امتثال أحدهما ظرف عصیان الآخر و بعبارة أخری ان یتحقق الأمر بالمهم و الأمر بالأهم معا قبل مرتبة الامتثال مع افتراقهما فی الامتثال من حیث الظرف فظرف امتثال المهم ظرف عصیان الأهم و من المعلوم ان الأهم ساقط فی ظرف عصیان نفسه بمعنی انتهاء أمد الأمر عند الامتثال و العصیان فالکلام فی صحة الترتب و عدمها فی انه هل یمکن الأمر بضدین فعلا مع تقیید أحدهما بعصیان الآخر؟
و من هنا یظهر ان الترتب المذکور لا یتحقق من غیر تعلیق فعلی ما قدمناه فی بحث الواجب المعلق من تصحیح وجوب المقدمة فی الواجب المشروط قبل فعلیة زمان الواجب یصح الأمر بواجبین ظرف امتثال أحدهما ظرف عصیان الآخر من غیر إشکال فینتج نتیجة الترتب من غیر ترتب نعم لو قلنا ببقاء الأمر فی ظرف العصیان کان حکمه حکم الترتب أو هو بعینه الترتب و لذا أخذ المصنف التعلیق فی تحریر البحث لتسلیمه سقوط الأمر فی ظرف العصیان لیصیر بذلک کلا الضدین قبل تحقق ظرف المهم واجبین فعلیین فلا تغفل.
قوله (ره) ما هو ملاک استحالة طلب الضدین إلخ: (1) لا ینبغی ان یرتاب فی ان الأمور الاعتباریة لا یتحقق بینها نسبة التنافی و لا التلاؤم من حیث أنفسها إذ لا نفسیة لها علی ما عرفت سابقا و انما تتحقق بینها من حیث الآثار المترتبة علیها کالتلاؤم بین المتعلقین
و التنافی و التضاد بینهما فالتدافع و التضاد بین الامتثالین و هما أثر الأمرین هو الموجب لتضاد الأمرین بنحو الوساطة فی العروض دون الوساطة فی الثبوت، فالأمران المتضادان إذا فرض اختلاف متعلقیهما من حیث الظرف بحیث لا یزاحمان وجودا فی ظرف الامتثال لا مانع من اجتماعهما قبل امتثالیهما سواء فرضت قبلیة زمانیة أو رتبیة أو نحوا آخر من أنحاء الاجتماع هذا هو أحق الکلام فی المقام.
و منه یظهر وجوه الصحة و الفساد فیما أوردوه فی هذه المسألة التی هی من معارک الآراء فکل ذلک لا یخلو من نوع خلط بین أحکام الحقائق و الاعتباریات.
قوله (ره) علی ما هو علیه من المصلحة إلخ: (1) من الموارد التی یناقض ما ذهب إلیه من قیام المصلحة بنفس الحکم.
قوله «ره» ضرورة قبح العقاب علی ما لا یقدر إلخ: (2) لا ریب فی قبح العقاب علی ما لا قدرة علیه لکن الأمر بالمهم مقدور کما ان الأمر بالأهم وحده مقدور و اما الجمع بینهما فهو و ان کان غیر مقدور إلّا انه غیر متعلق لأمر وراء الأمر المتعلق بکل واحد منهما وحده و هذا نظیر ان کل واجب فهو متعلق لأمر و یعتبر تعلق القدرة به و اما کل اثنین من الواجبات و کل ثلاثة منها فلا یتعلق بها امر و لا یعتبر علیها قدرة.
و قد تبین ان حجج المبطلین للترتب علی اختلافها تبتنی علی مقدمات ثلاث هی أرکانها.
إحداها رجوع الأمرین بالضدین إلی امر واحد بالجمع.
و الثانیة استحالة الأمر بالضدین استحالة ذاتیة لا بعرض التدافع فی مقام الامتثال.
و الثالثة القول بعدم سقوط الأمر فی ظرف العصیان و القول بالتعلیق فی الواجب و قد عرفت حال جمیعها فلا نطیل.
قوله «ره» بلا تفاوت فی نظره بینهما أصلا إلخ: (1) هذا ممنوع و کیف یمکن للعقل الحاکم بسقوط الأمر المهم بالنسبة إلی مورد المزاحمة ان یحکم بجواز إتیانه بداعی امره و هل هو الا تناقض.
قوله «ره» و ان کان جریانه فیه أخفی إلخ: (2) و توجه المنع الّذی ذکرناه علیه أجلی فلیس مرجع الإتیان بالمهم بداعی الأمر الغیر المتعلق به الا حکم العقل بجواز إتیان فعل بداعی امر غیره کالصلاة بداعی الصوم.
قوله (ره) لوضوح ان المزاحمة علی صحة الترتب إلخ: (3) مراده علی قصور فی العبارة ان وقوع المزاحمة بین واجبین فعلیین انما یوجب سقوط الأمرین فی عرض واحد للتزاحم و اما مع ثبوت أهمیة ما فی أحدهما توجب تقدمه علی الآخر لم یوجب السقوط
بل یشمل امر الأهم إیاه مطلقا و امر المهم أیضا إیاه لاقتضاء الأهمیة تقیده بظرف معصیة الأهم الّذی لا یشمله امر الأهم بناء علی الترتب فهما واجبان فعلیان ظرف امتثال أحدهما ظرف عصیان الآخر فمجرد فرض أهمیة الواجبین فی مورد التزاحم یقتضی تحقق الترتب بینهما هذا و قد عرفت انا لو صححنا وجوب المقدمة قبل وجوب ذی المقدمة من غیر تعلق بالتعلیق و ما بمعناه انتج ذلک نتیجة الترتب عند تحقق التزاحم بین الواجبین و ان لم یکن من الترتب المصطلح فی شیء لعدم فعلیة وجوب المهم قبل تحقق عصیان الأهم.
قوله (ره) لا یجوز امر الأمر مع العلم بانتفاء شرطه إلخ: (1) الظاهر ان آخر الضمائر راجع إلی الامتثال فیکون المراد انتفاء القدرة علی الإتیان فیئول الأمر إلی عدم جواز التکلیف بما لا یطاق و التحقیق فی ذلک ان الأمر بما انه إنشاء الطلب لا یقتضی کون المأمور به مقدورا أو غیر مقدور لانتفاء بعض شرائطه و من الممکن قیام مصلحة بنفس الأمر کما فی الأوامر الامتحانیة و التعجیزیة و غیرهما فیصح الأمر حینئذ و لو کان المأمور به غیر مقدور.
نعم لو کانت المصلحة قائمة بالمأمور و کان غیر ممکن الاستیفاء لا یتعلق به غرض الآمر بما انه امر عقلائی لما مر مرارا ان المصحح للاعتبار إمکان ترتب الأثر علیه و أثر الأمر جدی حصول المأمور به بغرضه فی الخارج فیلغو الأمر حین لا أثر لعدم إمکان الاستیفاء.
و من هنا یظهر ان لو فرض فوت المصلحة بسوء اختیار المکلف لم یأب العقل من تجویز الأمر بالمحال حینئذ لا مکان ترتب الأثر علیه کالعقاب و فی القرآن الشریف یوم یدعون إلی السجود فلا یستطیعون و قد کانوا یدعون إلیه من قبل و هم سالمون و مما مر یظهر مواقع النّظر فی کلامه (ره) فی کیفیة استدلاله.
قوله (ره) ان متعلق الطلب إلخ: (1) توضیح المقام انه لا ریب ان الطلب الإنشائی فی الأمر حیث کان اعتبار الطلب الحقیقی فهو من حیث متعلقه علی حذوه و الإرادة الحقیقیة حیث کانت متعلقة بوجود المراد لا بمفهومه کذلک إرادة التشریعیة متعلقة بوجود فعل الغیر لکن الفعل الموجود فی الخارج حیث انه متشخص مقارن لمشخصات کثیرة من الزمان و المکان و الأحوال و غیرها مکتنفة بماهیتها یطرأ لجمیعها بما هی واحدة وجود واحد و هذا الوجود إذا اعتبر مع بعض هذه المقارنات من غیر نظر إلی الباقی کان حاله بحسب الأخذ و الاعتبار حال الماهیة مع افرادها بحیث یجوز ان یتحقق مع وجود کل من الباقی و عدمه کما ان الإکرام الخارجی مع جمیع خصوصیاته موجود واحد خارجی فإذا أخذ الإکرام العالم یوم الجمعة کان بالنسبة إلی المکان و الجهة و السبب و العدد و غیرها کالکلی فإذا قیل أکرم عالما یوم الجمعة کان بالنسبة إلی خصوصیات هذا المأمور به کالکلی بالنسبة إلی افراده و هذا هو
المراد من تعلق الأمر بالطبیعة دون الافراد و لهذا تری المصنف (ره) تارة یصرح بکون المتعلق هو الطبیعة و تارة الوجود السعی و ان کان نحو استدلاله فاسدا.
و اما حدیث أصالة الوجود و الماهیة فلا یبتنی علیها أمثال هذه المباحث الاعتباریة فان الاعتباری اعتباری علی کلا القولین لا یجری علیه آثاره جری آثار الحقائق علیها علی نحو الضرورة و الدوام و الکلیة و الذاتیّة کما نبهناک علیه مرارا و اما حدیث الماهیة من حیث هی ففیه خلط محمولات الماهیة بالحمل الأولی و بالحمل الشائع کما بینه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة بما لا مزید علیه.
قوله «ره» و ان کان بینهما تفاوت فی المرتبة إلخ: (1) قد عرفت ان الأحکام متباینة لا تشکیک بینها.
قوله «ره» و التحقیق ان یقال إلخ: (2) قد عرفت مرارا ان صحة الاعتبار لا یتوقف علی ما یتوقف علیه صحة الأمور الحقیقیة و انما یتوقف علی صحة ترتب الأثر المطلوب علیه و لا- مانع من قیام مصلحة واحدة نوعیة بنوعین من الفعل متغایرین فإذا فرض تعلق الغرض بحصول ما یترتب علی واحد منهما من غیر اختصاص اعتبرت نسبة الوجوب بین الفاعل واحد الفعلین و یترتب علیه الأثر و کل ذلک لمکان الاعتبار و ان کان ذلک بحسب حال الحقائق ممتنعا کما ان الإرادة الحقیقیة انما تتعلق بالجامع بینهما بعد ترجیح أحد الفعلین
فیصدر و بذلک یظهر مواقع النّظر فی کلامه رحمه الله ففیه أولا ان الأحکام الاعتباریات لا یحاذی فیها الحقائق إلّا بمقدار یترتب علیه الأثر المطلوب و ثانیا ان مورد قاعدة الواحد لا یصدر عن الکثیر الواحد الشخصی دون الواحد النوعیّ أو الجنسی و ما نحن فیه من القبیل الثانی کما بینه شیخنا الأستاذ أعلی اللّه مقامه فی الحاشیة بما لا مزید علیه.
و ثالثا ان قیام الغرض الواحد بفعلین علی حد سواء لا یوجب التخییر العقلی کما ذکره و لا التخییر الشرعی یوجب کون المصلحة اثنتین قائمتین بفعلین بحیث لا یبقی مع استیفائها مجال لاستیفاء المصلحة الأخری.
قوله «ره» هل یمکن التخییر عقلا أو شرعا إلخ: (1) قد عرفت ان التخییر انما یحتاج إلی جعل الفعلین طرف نسبة الوجوب علی نحو التردید کما ربما یجعل الفعل الواحد کذلک من غیر محذور بعد ترتب الأثر علیه.
قوله «ره» و التحقیق انه سنخ من الوجوب إلخ: (2) الاختلاف السنخی هو الاختلاف الغیر الراجع إلی الاختلاف انما هوی و حیث کان أثر هذا الوجوب مخالفا لأثر الوجوب العینی ذهب إلی انه سنخ آخر من الوجوب غیر سنخ الوجوب العینی لکنک قد عرفت ان الوجوب اعتبار جهة الضرورة التی هی إحدی الجهات الثلث فی القضایا الحقیقیة الغیر الاعتباریة و هی معنی نسبی واحد و الفرق بینه
و بین الوجوب العینی ان نسبة الوجوب الدائر بین الفعل و الفاعل کما قد یعتبر بین الفاعل و الفعل المعین و قد یعتبر بین الفاعل واحد الفعلین فیتحقق الوجوب التعیینی و التخییری کذلک قد یعتبر بین الفعل و الفاعل الواحد المعین و ربما یعتبر بین الفعل و فاعل ما من غیر ان یؤخذ خصوصیة فی ناحیة الفاعل و ذلک بتعلق الغرض بمجرد تحقق الفعل فی الخارج من غیر نظر إلی خصوصیة الفاعل و یتفرع علیه ان لو صدر فعل واحد عن فاعل واحد سقط الخطاب کما لو دفن المیت مکلف واحد و کذا یسقط لو صدر فعل واحد عن مجموع المکلفین کما لو دفنوه جمیعا و کذا یسقط لو صدر عدة افعال عن عدة من المکلفین دفعة کما لو صلی علی المیت عدة منهم معا فیتحقق بذلک الوجوب العینی و الوجوب الکفائی و لو کان هذا الاختلاف فی الاعتبار موجبا لاختلاف العینی و الکفائی سنخا لکان اللازم القول بمثل ذلک فی الوجوب التعیینی و التخییری هذا نعم ربما یقتضیه ظاهر قوله فی تصویر الواجب التخییری بنحو من الوجوب مع إبطاله وجوب کل واحد منهما تعیینا مع سقوطه بفعل أحدهما کما قیل فی آخر کلامه (ره).
قوله «ره» غیر ان متعلق الطلب فی أحدهما الوجود إلخ: (1) و أنت بالرجوع إلی ما قدمناه فی بحث الأوامر تقف علی عدم استقامة ما ذکره من محاورات النهی للأمر بیان ذلک ان من المعلوم ان مفادی
صیغة افعل و لا تفعل النسبة الاعتباریة بین الحاکم و بین فعل المکلف و ترکه المأخوذة علی حذو النسبة الحقیقیة، الموجودة بینه و بین فعل نفسه أو ترک نفسه و من المعلوم أیضا ان الإرادة الحقیقیة سواء کانت کیفیة نفسانیة کما ذکروه أو نسبة نفسانیة کما ذکرناه امر وجودی لا معنی لتعلقه بالعدم إذ لا ذات للعدم و لا حکم الا بعرض الوجود الّذی ینتزع هو عنه علی انهم یصرحون بان الإرادة علة الوجود المراد ثم یصرحون بان عدم المعلول مستند إلی عدم العلة و لازمه استناد الفعل المستند إلی الفاعل إلی عدم إرادة الفعل لا إرادة عدم الفعل و لازم ذلک کله کون مدلول الأمر هو طلب الفعل و مدلول النهی هو عدم طلب الفعل بدعوی ان فعل الغیر یترتب وجوده علی إرادة الحاکم فعدمه مترتب علی عدم إرادته هذا ما یقتضیه أصل الاعتبار إلّا ان النّظر السطحی حیث یجد الإرادة ممکنة التعلق بالفعل نفسه و بفعل أخری فی عرضه ملازم لعدم الفعل الأول ینعطف إلی أخذ الفعل و عدمه فی التردید مع ان التردید بالذات بین الفعل و الفعل لا بین الفعل و عدمه إلّا بالعرض فیوضع ما بالعرض مکان ما بالذات ثم یتوهم تعلق القدرة و الاختیار بکلا طرفی الفعل و الترک فنعرف القدرة بأنها کون الفاعل بحیث إن شاء فعل و إن شاء لم یفعل مع انها فی الحقیقة کون الفاعل بحیث إن شاء فعل و ان لم یشأ لم یفعل و علی هذا النّظر یتفرع عدهم الأمر و النهی طلبا للفعل و طلبا للترک.
قوله «ره» فان الترک أیضا یکون مقدورا إلخ: (1) قد عرفت ما فیه و اعلم ان الکف أیضا منتزع کالترک عن الفعل المنافی للفعل المنهی عنه فان الإنسان لا یخلو عن فعل فترک الفعل سواء کان مجرد ان لا یفعل أو عدم الفعل مع کون الفاعل علی ذکر من الفعل و وجود الداعی إلی الفعل منتزع عن فعل ما لا یجتمع وجودا مع فعل المنهی عنه فان العدمیات منتزعات و ان صارت مضافة و تخصصت بألف مخصص.
و من هنا یظهر أن القول بتعلق النهی بالکف لا یزید إلّا تکلفا إذ لو أرید بذلک إعطاء وجودیة ما لمتعلق النهی بالعدول عن الترک إلی الکف فالترک أیضا کالکف عدم مضاف له حظ من الوجود و لو أرید تبدیل الترک العدمی إلی فعل وجودی محض فالکف لیس کذلک و ان کان أخص انتزاعا من الترک.
قوله «ره» لا یوجب ان یکون کذلک بحسب البقاء إلخ: (2) و أنت خبیر بان العدم من حیث هو عدم لا ذات له و لا صفة و لا أثر فاتصاف العدم بالأزلیة و البقاء و الاستمرار یقضی بأنه منتزع و ان تعلق الحکم و التکلیف به بالعرض و هو ظاهر
قوله مع انه یمکن ان یقال بحصول الامتثال.
(3) قد عرفت فی بحث الضد المناقشة فیه.
قوله فی ان الأحکام الخمسة متضادة إلخ: (1) حد المتضادین انهما امران وجودیان متواردان علی موضوع واحد داخلان تحت جنس القریب بینهما غایة الخلاف و قد مر فی بحث الضدان الأحکام التکلیفیة معان اعتباریة مأخوذة عن النسب الموجودة بین القضایا الحقیقیة الغیر الاعتباریة و هو موادها أعنی الضرورة و الامتناع و الإمکان و یلحق بها عند العامة نسبتا أولویة الوجود و أولویة العدم و النسب وجودات رابطة لا ماهیة لها فلا حد لها فلا جنس لها فلا تدخل تحت مقولة من المقولات فشیء من الأحکام لا یجری فیها التضاد و بعبارة أخری التضاد وصف خارجی لموصوف خارجی داخل تحت مقولة عرضیة موجود لموضوع خارجی شخصی و لا یتحقق إلّا بین شیئین لا أزید و شیء من هذه المعانی غیر منطبق علی موارد الأحکام الخمسة بداهة انها لیست بخارجیة بل اعتباریة و لیست من الاعراض بل من النسب و لا موضوع خارجی لها بل موضوعها اعتباری و لیس بشخصی بل کلی و لیس التنافی بینهما قائمة بین امرین بل بین خمسة.
قوله ان متعلق الأحکام هو فعل المکلف إلخ: (2) قد ذکرنا مرارا ان الحکم نسبة اعتباریة و أطراف النسب الاعتباریة یجب ان تکون اعتباریة فالعناوین الاعتباریة هی متعلقات الأحکام أو لا و بالذات و الأفعال الخارجیة متصف بها بعرضها فهی واسطة فی العروض بالنسبة إلی معنوناتها لا واسطة فی الثبوت حتی یلزم
تأثیر ما لیس فی الخارج حقیقة فی الأمور الخارجیة تأثیرا حقیقیا.
قوله (ره) ان المجمع حیث کان إلخ: (1) شروع فی حجة القول بالامتناع و قد عرفت المناقشة فی المقدمتین من مقدماتها.
قوله (ره) و ان الفرد هو عین الطبیعی فی الخارج إلخ: (2) المجمع بین کون نسبة العنوان إلی المعنون نسبة الطبیعی إلی فرده و بین عدم کونه ماهیة لما فی الخارج جمع بین المتناقضین إذ لا فرق بین المفاهیم الانتزاعیة التی یعبر عنها بالعناوین و بین المفاهیم التی یعبر عنها بالماهیات الحقیقیة إلّا ان القبیل الثانی موجودة بعین وجود مصادیقها الخارجیة بحیث یترتب علیها آثارها الخارجیة فیقع فی جواب السؤال عن الشیء بما هو بخلاف القبیل الأول حیث لا موطن له الا الذهن فمع تسلیم کون مفهوم بالنسبة إلی الخارج هو الطبیعی بالنسبة إلی فرده لا معنی لنفی کون ماهیة له و هو ظاهر.
قوله «ره» کصوم یوم عاشوراء و النوافل المبتدئة إلخ: (3) کونها من القسم الأول مبنی علی کونها متباینة بالنوع مع ما یشاکلها من العبادات بان یکون صوم یوم عاشوراء مباینة بالنوع مع سایر الصوم المندوب و النوافل المبتدئة کذلک بالنسبة إلی سایر النوافل و الحق خلافه مع وجود عمومات و إطلاقات کافیة کقوله الصوم لی و قوله ان تصوموا خیر لکم و قوله الصلاة خیر موضوع فمن شاء استقل و من
شاء استکثر و قوله: الصلاة معراج المؤمن إلی غیر ذلک فالظاهر ان هذا القسم مجرد تصویر لا مصداق له فی الشرع فیبقی قسمان من الثلاثة و هما اجتماع الأمر و النهی فیما له بدل من جهة أو جهتین.
و یمکن ان یقال فی ذلک مضافا إلی ما صوره المصنف (ره) بما قدمناه سابقا ان الحاکم الجاعل کما ان له ان یجعل الواقع ظرفا لحکمه المجعول کذلک له ان یجعل ظرف امتثال تکلیفه ظرفا لحکم آخر و تقدیرا له فیقول أو لأصل ثم یقول: إذا صلیت فصل فی المسجد و إذا صلیت فلا تصل فی الحمام بناء علی عدم کون الکون فی المسجد و الکون فی الحمام محکومین بحکم أو یقول و لتکن صلواتک کلها عنده أو إذا صلیت فلا تصل فی مواضع التهمة بناء علی ان الکون عند قبر الإمام مستحب و الکون فی مواضع التهمة مکروه و بالجملة یصیر أحد الحکمین فی طول الآخر لا فی عرضه فیخرج عن مورد الاجتماع الغیر الجائز.
قوله رحمه الله و القول بالجواز عقلا و الامتناع عرفا إلخ: (1) قد عرفت ان متعلقات الأحکام هی العناوین دون المعنونات الخارجیة غیر ان العقلاء بالنظر الثانوی یرون انها هی المتعلقات دون العناوین فیصیر هذا اعتبارا ثانیا تالیا للاعتبار الأول فلا یرد علیه ما سیورده رحمه الله من عدم الاعتبار بنظر العرف فیما علم بالنظر الدّقیق خلافه فان الرکون بنظر العرف هاهنا لیس اعتمادا بنظر العرف مع انکشاف
خلافه بل جریا علی اعتبار عقلائی ثان تال لآخر.
قوله (ره) فان الخطاب بالزجر عنه و ان کان ساقطا إلخ: (1) قد عرفت فی بحث الأمر مع العلم بانتفاء شرطه جواز التکلیف بالمحال إذا کانت الاستحالة مستندة إلی سوء الاختیار و علیه فالامر باق و الحرمة مستقرة و العقاب مترتب.
قوله «ره» فان قلت کیف لا یجدیه و مقدمة الواجب واجبة إلخ: (2) محصل ما أفاده رحمه الله علی طوله ان الخروج حیث کان متفرعا علی الدخول تفرع المسبب علی سببه فهو مقدور بالقدرة المتعلقة بسببه فالنهی المتعلق بالسبب متعلق به و هو مخالفة له یستحق بسببه العقاب و ان لم یتعلق به بنفسه نهی لمکان الاضطرار إلیه بالنظر إلی نفسه و اما کونه مقدمة للتخلص الواجب فلا یوجب اتصافه بالوجوب المقدمی من قبله لأن المقدمة المحرمة المنحصرة للواجب مع کون الواجب أهم انما تکسب الوجوب مع سقوط حرمته لو لم یکن الوقوع فیه بسوء الاختیار و إلّا بقیت المقدمة علی مبغوضیتها و الواجب مع ذلک باق علی وجوبه یکتفی فیه بحکم العقل بوجوب المقدمة إرشادا إلی أهمیة الواجب من دون وجوب شرعی للمقدمة هذا.
و أنت خبیر بان أساس هذا البیان یدور مدار کون الخروج من الدار المغصوبة تصرفا فیها و مقدمة للتخلص الواجب و الحق کما ذهب إلیه بعض
الأساطین من مشایخنا ان الخروج عند العقلاء ترک للتصرف الحرام و معه لا یتصور کونه معنونا بالتصرف أیضا لعدم جواز اجتماع عنوانی الفعل و الترک فی واحد فلیس متعلقا لنهی و لا حرمة و لا مبغوضیة أصلا.
فان قلت: هذا یصح لو کان الترک عنوانا للخروج لا سببا تولیدیا مترتبا علیه کما علیه بناء کلامه «ره».
قلت هو کذلک فان الترک لو کان سببا تولیدیا کان من الضروری ان ینتزع بعد تمامیة الخروج عن فعل مقارن له لا عن نفس الخروج و الأمر بخلاف ذلک فانه منتزع عن الخروج و الّذی ینتزع عن ما بعد الخروج هو عدم التصرف لا ترک التصرف.
قوله «ره» لضرورة عدم صحة تعلق الطلب إلخ: (1) و ذلک ان جدیة الطلب تستلزم تعلق إرادة الأمر بفعل المکلف و معلوم ان الإرادة لا تتعلق إلّا بما هو ممکن الوجود و العدم فیترجح بها لا بما هو ضروری الوجود أو العدم بواسطة الاضطرار کما ذکره «ره» سابقا و قد أشرنا هناک إلی انه لا معنی لتعلق الإرادة بالفعل الغیر المباشری و ان لا مانع من تعلق الطلب الاعتباری بالمحال إذا ترتب علیه أثر کالعقاب فیما استند إلی سوء الاختیار.
و اما قوله ان قولهم: «الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار إلخ» فلا معنی للتخصیص فی مورد الأحکام العقلیة علی ان المقام غیر محتاج إلیها کما لا یخفی.
قوله «ره» دلالتهما علی العموم إلی قوله لا ینکر: (1) قد عرفت المناقشة فیه فی أول النواهی.
قوله رحمه الله دفع المفسدة أولی من جلب المنفعة إلخ: (2) هذا الحکم لکونه عقلیا ثابت بالحیثیة أی ان دفع المفسدة من حیث هی مفسدة أولی من جلب المنفعة من حیث هی منفعة و علیه لا یرد علیه ما أورده رحمه الله لکن التمسک بها لترجیح جانب النهی غیر نافع للمستدل إذ ثبوت الأولویة للدفع من حیث طبیعة المفسدة و المنفعة لا یقتضی الحکم عند اختلاف الخصوصیات و المقادیر فمن الجائز ان یکون مصلحة الواجب أهم بکثیر من مفسدة الحرام فیغلب علیها و ان لم تقتضه نفس طبیعة المفسدة کالصلاة و الغصب کما أورده المصنف.
لکن الواجب حیث کان عبادة ربما أوجبت أهمیته غلبة جانب الحرمة فی غیر صورة الانحصار.
و اعلم ان کون أصل الملاکات الشرعیة علی حذو الملاکات العرفیة لا طریق إلی إثباته لو لم یثبت عدمه و لذلک کان الإضراب عن هذا البحث أولی من التعرض به کما ان فیما أورده المصنف رحمه الله علیها موارد للخدشة لکن لا جدوی فی الإطناب فیها بعد عدم استقامة أصل المبحث و اللّه الهادی.
قوله (ره) مع إنکار الملازمة إلخ: (3) فلا یکفی الاستدلال «ح» بالحرمة لعدم الملازمة بینهما بالفرض
فلا یبقی الا الاستدلال بلفظ النهی فلا بد من کون بحث هذا القائل لفظیا و هکذا سائر الأقوال لضرورة توحید موضوع البحث لیرد النفی و الإثبات علی محل واحد و لا ینافی ذلک الاستدلال فی قسم العبادات بالملازمة العقلیة لا مکان تنزیل البحث إلی اللفظ بجعل ذلک مدلولا التزامیا بأخذ الفساد لازما بالمعنی الأعم.
قوله (ره) و المراد بالعبادة هاهنا: (1) أصل العبادة مأخوذة عند العقلاء من العبودیة و اعتبارها من فروع اعتبار الملک للإنسان ثم وسع فی معناها و انقسمت إلی اقسامها و انشعبت إلی شعبها حتی شملت غیر الإنسان من سائر الموجودات تارة قال تعالی و ان من فی السماوات و الأرض إلّا أتی الرحمن عبدا (الآیة) و حتی شملت غیر المملوک من سائر المؤتمرین بالأمر و المطیعین للقول قال تعالی أ لم أعهد إلیکم یا بنی آدم ألا تعبدوا الشیطان (الآیة).
و مجمل القول فیه ان اعتبار الملک و هو اعتبار معنی اللام و بعبارة أخری نسبة قیام شیء بشیء بحیث لا یستقل المملوک أصلا دون المالک إذا قام بین الإنسان و غیره سواء کان قیامه بین افعال الإنسان و غیره کالمؤتمر بالنسبة إلی الأمر و المطیع بالنسبة إلی المطاع المفترض الطاعة أو کان قیامه بین نفس الإنسان فیما یرتبط بغیره و غیره کالإنسان مثلا بالنسبة إلی اللّه سبحانه و تعالی و بالجملة کیف ما کان یوجب عدم استقلال المملوک و العبد من حیث انه مملوک لسیده و مالکه بحکم
العقل و إظهار هذا المعنی بفعل ما یدل علیه هو العبادة و لا ریب فی حسنه بنفسه عند العقل بمعنی موافقته لما یقتضیه النظام المخصوص فالعبادة نصب العبد نفسه فی مقام العبودیة بفعل یدل علی ما للعبد من شئون الاحتیاج و عدم الاستقلال فیدل علی ما للمولی من وصف یقابل ذلک کالسجود یدل علی ذلة العبد فیدل علی عزة المولی و الرکوع یدل علی حقارة العبد و دناءته فیدل علی عظمة المولی و علوه و الخضوع یدل علی تأثر العبد فیدل علی تأثیر المولی.
فقد بان ان العبادة بنفسها فعل اعتباری قصدی من حیث انها هی و اما الفعل الجوارحی فهو بما هو لا یکون عبادة ذاتیة غیر مختلفة الحسن ضرورة ان الأفعال کیف ما کانت فهی تختلف بالوجوه و الاعتبارات نعم یمکن ان یکون بعض الأفعال أوسع اعتبارا و ألزمها من بعض کالسجود بالنسبة إلی الصیام نظیر الاختلاف فیما بین المعاملات.
و من هنا یظهر ان المراد بالذاتیة فی المتن حیث قسم العبادة إلی الذاتیّة و غیر الذاتیّة غیر العبادة الذاتیّة بالمعنی الّذی قدمناه و انما یراد به کون الفعل لو خلی و طبعه لو لا المانع حسنا مقربا إلی المولی نظیر الذاتی فی باب البرهان علی ما فسرناه سابقا و اما العبادة الذاتیّة بالمعنی الّذی قدمناه و هو نفس إقامة الذات مقام العبودیة فمما لا یقبل الحرمة و المبغوضیة البتة و هو ظاهر.
قوله «ره» و الخشوع له إلخ: (1) حیث کان الخشوع فعلا قلبیا و هو نحو تأثر من القلب بمشاهدة عزة المولی و عظمته فهو عبادة ذاتیة بالمعنی الّذی قدمناه و لا یتعلق به نهی و مبغوضیة البتة فلیس فی عداد ما عده من العبادات.
قوله «ره» بل فیهما بمعنی واحد و هو التمامیة إلخ: (2) قد عرفت البحث فیه فی الکلام علی الصحیح و الأعم و ان الصحة وصف عارض للکل بعد تمامیة اجزائه و هو الوحدة الحاصلة له التی تترتب علیه الآثار بها و الفساد خلافه.
قوله «ره» اعتباریان ینتزعان: (3) حیث ان المأمور به و ان کان امرا مجعولا إلّا انه إذا فرض متحققا کانت مطابقة المأمور به له نسبة تکوینیة غیر قابلة التغییر فتسمیتهما اعتباریین لکونهما غیر داخلین تحت المقولات لا بمعنی الجعل العقلائی و أنت بعد التذکر لما قدمناه مرارا ان النسبة تابعة فی سنخ وجودها لسنخ وجود طرفیها تعرف ان وقوع المطابقة بین المأتی به و المأمور به الّذی هو اعتباری مجعول بما انه طرف للأمر یوجب کونها اعتباریة مجعولة فالصحة التی بمعنی المطابقة اعتباریة مجعولة.
قوله «ره» حیث لا یکاد یعقل ثبوت الإعادة: (4) فعدم قابلیته للرفع کاشف عن عدم قابلیته للوضع فهو غیر مجعول فلیس من الأحکام الوضعیّة و لیس من النسب التکوینیة الثابتة فی الخارج
نظیر نسبة المطابقة بین طبیعة المأمور به و فردها فهو من المستقلات العقلیة نظیر استحقاق الثواب مثلا ان استقل العقل به کاستحقاق العقاب علی المخالفة و فیه ان الضروریة لا تنافی الجعل و الاعتبار لا مکان کون الاعتبار اعتبارا واجبا کما سیجیء نظیر ذلک فی حجیة القطع.
کیف ما کان فقد تلخص من کلامه ان مطلق الأوصاف المتحققة فی الأفعال فی الشریعة علی أربعة أقسام.
أحدها الاعتباریات المنتزعة کالصحة و الفساد بمعنی مطابقة الأمر و عدمها.
و ثانیها المستقلات العقلیة مثل الصحة بمعنی سقوط الإعادة بالنسبة إلی الأمر الواقعی.
و ثالثها الأحکام الوضعیّة و هی الصفات التی تقبل الوضع و الرفع و هی موضوعة للشارع اما جعلا أو إمضاء و تترتب علیها الأحکام التکلیفیة.
و رابعها الأحکام التکلیفیة و هی الأحکام الخمسة: الوجوب و الاستحباب و الإباحة و الکراهة و الحرمة و هی مجعولة للشارع کالوضعیات.
فهذه أربعة أقسام أو لها انتزاعیة تکوینیة و ثانیها واقعیة عقلیة و ثالثها و رابعها مجعولة شرعیة.
و الحق ان هذه الأوصاف جمیعا اعتباریة مجعولة و ذلک لما مر مرارا
ان النسبة سنخ وجودها سنخ وجود طرفیها فاعتباریة أحد الأطراف توجب اعتباریة النسبة و إلا لقام وجود رابط خارجی بأمر غیر موجود فی الخارج حقیقة و هو محال فأحکام الموضوعات مجعولة اما تکلیفیة أو وضعیة قوله «ره» نعم الصحة و الفساد إلخ: (1) الکلام فیه نظیر الکلام السابق فی الصحة بمعنی مطابقة الأمر.
قوله بلحاظ ان جزء العبادة عبادة: (2) نوقش فیه بان جزء العبادة من حیث انه جزء لا ینطبق علیه حد العبادة الّذی ذکره بأحد شقیه بل البطلان طار من جهة ان تعلق النهی یوجب مبغوضیته و المرکب المشتمل علی جزء مبغوض لا یکون محبوبا فلا یکون عبادة و الحق ان الجزء فی ضمن الکل موجود بوجود مندک غیر مستقل فوجوده کحکمه تابع لوجود الکل و جزئه.
قوله لاستحالة کون القراءة إلخ: (3) هذا انما یوجب عدم محکومیة أحد المتلازمین بحکم ینافی حکم المتلازم الآخر لا اتحادهما فی الحکم کما قیل و قد صرح به هو فی مطاوی کلامه.
قوله (ره) إذا کان عن المسبب أو التسبب إلخ: (4) هذا لو تم فانما یتم لو کانت نسبة المعاملات إلی آثارها نسبة الأسباب إلی المسببات و اما لو کانت نسبة الاتحاد کاللفظ الموضوع بالنسبة إلی معناه فانه وجود اعتباری له فالنهی عن أحدهما عین النهی عن الآخر و الحق ان مسألة التولید فی باب السببیة مما لا أصل له إذ التولید
علی ما ذکروه انما یتحقق فیما لا یتحقق للمسبب وجود انضمامی مستقل بل منتزع موجود بوجود شیء آخر یکون هو المعلول المسبب و هذا المعنی لو تحقق فی الحقائق کان نسبة الجعل إلیه بالعرض لا بالذات و کان من الخارج المحمول و اما فی الاعتباریات فإذ قد عرفت ان الاعتبار إعطاء حد الشیء لشیء آخر لأثر مترتب علیه فهو متحد الوجود مع امر حقیقی قام به لا مسببا منفصل الوجود عنه فالأثر الواصل إلی ما یسمی مولدا عنه هو بعینه و أصل إلی ما یسمی مسببا تولیدیا فالعقد مثلا وجود اعتباری للأثر المترتب علیه أعنی الانتقال الملکی مثلا فی عقد البیع و علقة الزوجیة فی عقد النکاح و الطهارة فی الوضوء و غیره و لا یلزم من ذلک انعدام الاعتبار المعاملی بانعدام اللفظ عن الخارج لضرورة بطلان أحد المتحدین ببطلان الآخر فان ذلک من خصائص الحقائق و اما الاعتباریات فالامر فیها یدور مدار الأثر المطلوب حدوثا و بقاء و سعة و ضیقا کما عرفت سابقا و الزائد علی هذا المقدار محل آخر.
قوله (ره) و ان کان بصفات المدلول أشبه إلخ: (1) الظاهر ان المراد بکون المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول کونه قائما بدلالة اللفظ أو بالمعنی المدلول علیه باللفظ و علی هذا فالمتعین ان یکون من صفات المدلول إذ قد عرفت فیما علقناه علی أوائل الکتاب ان الدلالة هی حیثیة اتحاد بین شیئین بحیث یکون أحدهما هو الآخر
لنسبة قائمة بهما فیستتبع العلم بأحدهما العلم بالآخر لمکان الاتحاد بینهما و قد عرفت ان ذلک للدلالة أولا و بالذات و للمدلول ثانیا و بالعرض و ینتج ذلک ان دلالة اللفظ هی کونه وجودا للمعنی اعتبارا علی حد اتحاد الوجود مع الماهیة و لازم ذلک عدم جواز اتحاد لفظ مع معنیین کما مر فی بحث عدم جواز استعمال لفظ فی أکثر من معنی واحد و لا یتفاوت الحال فی کون المعنیین عرضیین أو طولیین کما یشبه بذلک امر المفهوم مع المنطوق فتوصیف اللفظ بالدلالة علی المفهوم توصیف بالعرض من باب الوصف بحال المتعلق.
و علی هذا فمعنی کون اللفظ مثلا دالا بالوضع علی المفهوم کونه موضوعا لخصوصیة معنی تستلزم الدلالة علیه لا وضعه للمنطوق و المفهوم معا علی ان الموضوع قد یختلف فی المفهوم و المنطوق کما فی مفهوم الموافقة و لا معنی لوضع اللفظ لما لیس بموضوع بإزائه و هو ظاهر.
قوله رحمه الله نحو ترتب المعلول علی علة المنحصرة إلخ: (1) لا یخفی ان الشرط کما یصح ان یوضع فیه العلة المنحصرة و یعلق علیه معلول اللازم لوجوده کذلک یصح ان یعکس فیوضع المعلول فی الشرط و العلة المنحصرة فی الجزاء فمرادهم من علیة شیء لآخر أن لا یصح وجود الآخر الا معه سواء کان بحسب الاصطلاح العقلی علة أو معلولا و المراد من معلولیة شیء لآخر ان لا یصح وجوده الا مع ذلک الآخر و إلیه یرجع معنی ما عبروا به عن ذلک کالتعلیق و التقیید.
قوله رحمه الله بل علی مجرد الثبوت إلخ: (1) فی العبارة قصور و المعنی هکذا بل هی دالة علی مجرد الثبوت عند الثبوت مع المنع عن دلالتها علی الترتب أو علی نحو الترتب علی العلة أو العلة المنحصرة.
قوله رحمه الله فان له منع دلالتها علی اللزوم إلخ: (2) ظاهره ارتقاء أقسام التعلیق بین شیئین إلی خمسة أقسام.
أحدها مجرد الثبوت عند الثبوت و لو اتفاقا.
الثانی مجرد اللزوم بینهما.
الثالث الترتب المطلق.
الرابع الترتب نحو ترتب المعلول علی علته.
الخامس الترتب نحو الترتب علی العلة المنحصرة و حینئذ فالفرق بین الثانی و الثالث غیر ظاهر و لو مثلنا لمطلق الترتب بترتب المشروط علی شرطه أو الشیء علی عدم مانعة من حیث ترتبه علیه من غیر اقتضاء وجود الشرط لوجود المشروط و لزوم بینهما من جانب الشرط و ان کان ذلک ثابتا من جانب المشروط للتوقف و حینئذ فمعنی مجرد اللزوم بینهما لو کان عدم الانفکاک بینهما من غیر توقف من أحد الجانبین بعینه لخرجت القضیة بذلک عن معنی الاشتراط و التعلیق و لو کان عدم الانفکاک مع توقف ما لم یکن فرق بین الثانی و الثالث.
فان قلت: اللزوم بین معلولی علة ثالثة من القسم الثانی دون
الثالث و الرابع قطعا.
قلت نعم هو کذلک لبا غیر ان لازم التعلیق فی القضیة اعتبار توقف ما بینهما و المدار هو الاعتبار الکلامی و إلّا کان ترتب مطلق العلة أو العلة المنحصرة علی معلولها أیضا قسما علی حدة فالأولی جعل الأقسام أربعة بإسقاط القسم الثانی.
قوله لانسباق اللزوم منها قطعا إلخ: (1) و دعوی انا نستعمل الشرطیة فی مورد الثبوت عند الثبوت و لو اتفاقا من غیر عنایة کما نستعملها فی مورد الترتب و اللزوم من غیر عنایة خلاف الإنصاف نعم بعض ما یعد من أدوات الشرط مثل إذا و لو غیر موضوعة للترتب اللزومی بل مجرد وجود الجزاء علی تقدیر الشرط و لو اتفاقا کما یعطیه الإمعان فی موارد استعمالاتهما.
قوله (ره) مضافا إلی منع کون اللزوم: (2) یمکن ان یدعی ان اختلاف العلة المنحصرة مع العلة الغیر المنحصرة فی ان الأولی علة علی کل حال بخلاف الثانیة فانها انما تکون علة إذا لم تکن مسبوقة بعلة أخری و إلّا فلیست بعلة و إذا لم تکن معه علة و إلّا فهی بعض العلة یمکن ان یعد عند العقلاء اختلافا بالشدة و الضعف فافهم.
قوله «ره» قلت أو لا هذا إلخ: (3) کلا الجوابین مقلوبان علیه قده اما الجواب بکون الترتب
التعلیقی معنا حرفیا لا تجری فیه مقدمات الحکمة فلان الوجوب النفسیّ أیضا معنی حرفی لکون الوجوب مطلقا معنی نسبیا مدلولا للهیئة و اما الجواب بالفرق بین الوجوب النفسیّ و الغیری و بین العلیة المطلقة و العلیة المنحصرة بان الواجب النفسیّ هو الواجب علی کل حال بخلاف الواجب الغیری فهو واجب علی تقدیر دون تقدیر فالقید الزائد فی جانب الغیری و هذا بخلاف ما بین أنحاء العلة فمع کل منها قید وجودی محتاج إلی قرینة من غیر تفاوت هذا فلأنه یمکن ان یقلب علیه بان العلة المنحصرة أیضا علة علی کل حال بخلاف العلة الغیر المنحصرة فهی علة علی تقدیر دون تقدیر و هو واضح إذ لو کان قبلها غیرها سقطت عن العلیة و لو کان معها غیرها سقطت عن الاستقلال کما سیجیء فی التقریب التالی.
قوله «ره» من المعلوم ندرة تحققه اه: (1) وجهه ظاهر.
قوله «ره» و هذا بخلاف الشرط إلخ: (2) انما یتم الجواب بالبناء علی الشرط و لو وضعنا لفظ العلة موضع لفظ الشرط عاد إلیه ما أوردناه علی أول التقریبات الثلث للإطلاق بعینه.
و اعلم ان هذه التقریبات الثلث للإطلاق لا تختلف إلّا باللفظ و بناء الجمیع علی التمسک بإطلاق العلیة علی کون العلة منحصرة لاحتیاج غیرها إلی مئونة زائدة من قید زائد کما فی الوجوب النفسیّ و الغیری و کما فی الوجوب التعیینی و التخییری فافهم.
قوله «ره» ان المفهوم هو انتفاء سنخ الحکم إلخ (1) لیس المراد بالشخصیة هی الخصوصیة الشخصیة الطاریة علیه من الإرادة الاستعمالیة کما هو المتراءی من کلامه قده فی الإشکال و الدفع کیف و هو حیثیة طارئة للمعنی المفهوم من حیث قیامه بذهن المنشئ أو بإنشائه لا من حیث انه حکم قابل للانطباق علی ما یوجد منه فی الخارج و الارتفاع عن غیر ما علق علیه.
علی ان المراد بالشخصیة لو کان ذلک و هو خارج عن باب الدلالة و الاستعمال و المستعمل فیه هو الحکم بغیر هذه الشخصیة فیکون المستعمل فیه فی جمیع موارد الأحکام أعم من الشرط و غیره هو سنخ الحکم و معلوم ان کل حکم یرتفع بارتفاع موضوعه و کل قید مأخوذ فیه فینتج ذلک ثبوت المفهوم فی جمیع الأحکام و لیس کذلک قطعا بل حقیقة الأمر ان طبیعة الحکم مع الغض عن موضوعه و کل ما علق علیه یقبل ان یکون له موضوع واحد أو موضوعات متعددة و من المعلوم انه إذا تعدد الموضوع طرأ علی الحکم من ناحیة کل موضوع تعین و تخصص یتمیز به عن طبیعة الحکم المتمیز بالموضوع الآخر و من المعلوم ان ارتفاع الحصة بارتفاع ما علق علیه وجوده لا یوجب ارتفاع أصل الطبیعة لکون نقیض الأخص أعم من نقیض الأعم فلا یلزم من الارتفاع الارتفاع بخلاف ما لو کان المعلق علیه علة منحصرة فان الحکم یرتفع بارتفاعه فالمراد بالسنخ هو الطبیعة المرسلة و بالشخص حصة منها متحصصة بعلة من
عللها هذا.
فان قلت فعلی هذا لا یکفی إثبات العلیة المنحصرة بالقضیة الشرطیة فی إثبات المفهوم فان العلة المنحصرة یمکن ان تکون علة لسنخ الحکم أو لشخصه فتمس الحاجة معها إلی دلیل یثبت السنخ و ینفی الشخص حتی یثبت المفهوم فمجرد إثبات العلیة المنحصرة لا یکفی فی إثبات المفهوم لو لم نقل انه لا حاجة إلیها أصلا کما لا یخفی إذ مع ثبوت ما یدل علی السنخ یتم المطلوب و لو لم یثبت العلیة المنحصرة و مع عدمه لا تجدی العلیة المنحصرة شیئا.
قلت معنی الشخصیة کما مر تحصص الحکم بما علق علیه و هذا انما یصح إذا کان هناک علل متعددة یتعین الحکم بکل واحدة منها فیصیر حصة تمتاز عن الحصة الأخری و اما إذا لم یکن الا علّة واحدة منحصرة فلا معنی لتعین الحکم به و امتیازه بسببه إذ التعین و التمیز مما یحتاج فی تحققه إلی شیء یمتاز عنه و علی هذا فالعلیة المنحصرة لا تنفک عن کون المعلق هو سنخ الحکم فیثبت به المفهوم.
قوله «ره» لا یمکن ان یکون کل منها إلخ: (1) لا یخفی علیک ان کون الواحد لا یصدر إلّا عن الواحد قاعدة عقلیة لا تجری فی مورد الاعتباریات حقیقة الا بعنایة علی انک عرفت ان المراد بالعلة و المعلول فی هذا الباب غیر ما هو المصطلح علیه فی الفلسفة فمن الجائز ان یقع المعلول شرطا و العلة جزاءً فلا یتم الکلام بهذه القاعدة
بل بغیرها قوله «ره» محکوما بحکمین متماثلین إلخ: (1) واضح المنع لجواز اتصاف الطبیعة باحکام الحصص و الافراد المتماثلة و المتضادة و لا مانع منه لعدم کون الوحدة فیها شخصیة کعروض الفصول المتباینة للجنس و لحقوق أحکام الافراد المتماثلة و غیرها له.
قوله «ره» بحسب القواعد العربیة قید للحکم إلخ: (2) لا یخفی ان القواعد العربیة لا یقتضی شیئا من قیدیة الحکم أو الموضوع و الألفاظ الموضوعة للغایة مثل إلی و حتی لا یدل علی أزید من القیدیة و الزائد علی ذلک منوط بالقرائن.
قوله (ره) و دخوله فی بعض الموارد إلخ: (3) لا یخفی ان الغایة فی مثل هذه الموارد لا تنسلخ عن کونها غایة و الغایة لو أعملت فانما هی تعد آخر الشیء حدا للشیء فالغایة عند العرف ذو مصداقین و لا موجب لاختصاص أحدهما بالتقدم علی الآخر الا ما یقتضیه المورد فالحق ان الغایة بما هی غایة لا توجب خروج ما بعده عن حکم ما قبله أو عدم خروجه.
قوله بان المراد من الإله واجب الوجود: (4) لا ینبغی ان یرتاب فی ان هذا المعنی علی تقدیر دفعه الإشکال بعید عن فهم العامة.
و اعلم ان کلمة التوحید علی کونها أصدق کلمة و أوفاها قد طالت
فیها المشاجرات و دارت حولها الکلمات و الّذی یساعد علیها الاعتبار ان لفظة الجلالة حیث کان الحق انها علم بالغلبة کان الاستثناء موضوعا علی أساس الوصف فمساق قولنا لا إله إلّا اللّه مساق قولنا لا عالم فی البلد الا هذا العالم و إله ککتاب من اله الرّجل إذ أتاه أو عبد کأنه أصل و له أو مبدله و الاعتبار یقتضی ان یکون الأصل فی معناه الوله و التیه و انما یطلق علی العبادة لکونها مصداقه فالإله بمعنی المعبود المخضوع له عن وله بان یکون لذاته و بذاته مستحقا لأن یوله فیه فیعبد و یخضع له لکون کل شیء من عنده فدلالة الاستثناء علی ان الذات الّذی هو بهذه الصفة غیر موجود الا الذات الواحد الّذی بهذه الصفة.
و اما ان تقدیر الموجود فی الخبر لا یستلزم وجوب وجوده أو امتناع شریکه فی الإلهیة فغیر ضائر إذ الکلمة غیر مسوقة الا لبیان نفی الشریک لا لبیان امتناعه أو غیر ذلک فان الّذی یدل علیه الکلمة الطیبة بالمطابقة هو نفی الشریک لا توحیده تعالی بناء علی ما هو الأفصح من رفع لفظ الجلالة علی البدلیة لا نصبه علی الاستثناء فمعناها نفی کل إله غیر اللّه و اما ثبوته تعالی فمأخوذ مفروغا عنه غیر واقع فیه الشک و لا محتاج إلی إثبات علی ما یعطیه التعلیم الإلهی فی کتابه.
و من هنا یظهر ان قولهم ان کلمة التوحید مشتملة علی عقدین عقد النفی و عقد الإثبات غیر مستقیم و ان الأوجه ان یکون الخبر المقدر هو لفظ موجود بعد لفظة الجلالة لا کلمة حق و ما یشبهها کما لا یخفی.
قوله «ره» انما هو باختلاف کیفیة تعلق الأحکام به إلخ: (1) الظاهر ان مراده (ره) ان هذه الخصوصیات الثلاث انما هی أوصاف کیفیة الحکم أو لا و بالذات و انما یتصف العموم بها اتصافا بالعرض و المجاز فان ثبوت الحکم للفرد و هو موضوعه تعیینا کما فی العام الاستغراقی أو تردیدا کما فی العام البدلی أو بحیث یکون الفرد بعض الموضوع کما فی العموم المجموعی لا یقتضی اختلافا فی العموم و سرایة الطبیعة إلی الافراد حقیقة.
و من هنا یظهر اندفاع ما یمکن ان یقال ان ذلک لازم الاختلاف إذ لا معنی لعروض الکثرة و الاختلاف للشیء من حیث ذاته و انما یعرضه ذلک من جهة الأحکام و المحمولات مما یلحقه ثانیا کاختلاف الحیوان بمحمول الناطق و غیره و اختلاف الإنسان بمحمول الرومی و غیره.
و کذا ما یمکن ان یقال ان الحکم أعنی المحمول یستحیل تأثیره فی الموضوع لتأخر رتبته عنه و العموم من خصوصیات موضوع الحکم فی موضوعیته فیستحیل ان یتعین أو یختلف بواسطة اختلاف المحمولات فالانقسام غیر ناش من ناحیة الحکم بل باستعداد فی نفس الموضوع هذا.
و الجواب عن الجمیع ان اتصاف عموم الموضوع بالأقسام بواسطة اختلاف تعلق الحکم بنحو الوساطة فی العروض دون الثبوت فافهم.
قوله «ره» لا یکاد یکون طبیعة المعدومة إلخ: (1) قد مر ما فیه فان الطبیعة موجودة بوجود الفرد و نقیض کل وجود هو عدمه البدیل الّذی یطرده بنفسه و ینتفی هو به و علی هذا فالطبیعة إذا لم تؤخذ مرسلة ذات سرایة تنتفی بانتفاء فرد ما من افرادها و ان وجدت کل فرد غیره و وجدت هی بهما فإفادة النکرة فی سیاق النفی للعموم منوط بأخذ الطبیعة مرسلة لا مهملة و إلّا لم یفد شیئا من العموم و المصنف ره و ان استدرک ما ذکره أو لا بقوله ثانیا لا یخفی اه فأصلحه بعض الإصلاح إلّا انه أفسده ثانیا بقوله و إلّا فسلبها إلخ.
قوله لا بواسطة دخول غیرها إلخ: (2) ظاهر هذه العبارة ان العام مع قطع النّظر عن المخصص ظاهر فی العموم و غایة ما یقتضیه المخصص علی تقدیر تسلیم المجازیة ان یکون قرینة علی عدم شمول العام لافراد المخصص لا سقوط دلالته علی جمیع ما کان یدل علیه لو لا المخصص بان یبطل أصلا و یتجدد دلالة أخری فیصیر مجملا بل الدلالة الأولیة موجودة و انما أفادت القرینة سقوطها بالنسبة إلی افراد المخصص و اما الباقی فالمقتضی لدلالته علیه موجود و المانع مفقود و لو احتمل دفع بالأصل.
و لا یخفی انه بناء علی هذا التقریب لا یرد علیه ما أورده المصنف ره فان بنائه علی سقوط الدلالة الأولیة رأسا و تجدد دلالة ثانیة مرددة بین مراتب الباقی و قد عرفت خلافه.
قوله «ره» (ره) کما یظهر صدق هذا إلخ: (1) دعوی عهدتها علی مدعیها.
قوله «ره» أصالة عدم تحقق الانتساب إلخ (2) لو لم یعارض بالأصل فی الجانب المقابل لأن غیر القرشیة عنوان وجودی کالقرشیة لا عدمی فتأمل.
قوله «ره» الّذی ینبغی ان یکون محل الکلام إلخ: (3) تغییر العنوان لیکون مناسبا للبحث الأصولی.
قوله «ره» من باب الظن النوعیّ إلخ: (4) و الحق ان الأصول اللفظیة مثل أصالة العموم و أصالة عدم القرینة حالها حال أصالة الظهور فی ملاک الحجیة عند العقلاء و سیجیء ما یتعلق بها من الکلام فی باب حجیة الظواهر.
قوله کما هو الحال فی عمومات الکتاب و السنة إلخ: (5) الحق ان فی المقام تفصیلا و بین الکتاب و السنة فرقا توضیح ذلک ان قوله تعالی أ فلا یتدبرون القرآن و لو کان من عند غیر اللّه لوجدوا فیه اختلافا کثیرا (الآیة) کما یدل علی حجیة ظهور الکتاب کما سیجیء کذلک یدل علی عدم حاجة الکتاب فی انکشاف مراداته إلی الخارج عنه و لازمه إیجاب الفحص عن المخصص فی عمومات الکتاب لکن لا کل مخصص بل المخصص الواقع فی نفس الکتاب.
و اما نحو قوله تعالی ما آتاکم الرسول فخذوه و ما نهاکم عنه فانتهوا
الآیة) مما یجعل بیان الرسول و هو السنة حجة فهو و ان کان مقتضاه حجیة المخصص الواقع فی السنة و لزوم التخصیص به لکن الآیات النازلة فی غیر الأحکام الفرعیة کما أحیلت إلی البیان النبوی فیها کذلک أحیلت إلی العقول و لازم ذلک کفایة البیان الکتابی فی کشف المراد عنها علی ان سیاق الآیة السابقة أعنی قوله تعالی أ فلا یتدبرون إلخ کاف فی ذلک حیث ان لازمها ان الکتاب نفسه رافع للاختلاف حتی عند من لا یصغی إلی قول الرسول صلی اللَّه علیه و آله کما ان لازم سیاقه عدم کفایة البیان العقلی فی کشف المراد و رفع الاختلاف لإثباته الاختلاف فی إدراکات العقول و نفیه الاختلاف فی القرآن و معناه نفی اعتبار البیان العقلی فی کشف مراداته أعنی التفسیر بالرأی فافهم ذلک فظهر بما ذکرنا:
أولا ان عمومات الکتاب فی غیر الأحکام الفرعیة یقتصر فی الفحص عن مخصصها بما فی الکتاب من غیر لزوم التعدی إلی السنة و من غیر جواز التعدی إلی العقل و الرّأی فی التفسیر.
و ثانیا ان عموماته فی الأحکام الفرعیة و عمومات السنة یجب الفحص فیها مطلقا.
و ثالثا أیضا تبین ان التفسیر بالبیان العقلی غیر جائز.
فان قلت کیف ذلک و لو بطل العقل عن الحجیة بما یحتاج فی ثبوت حجیته إلی العقل استلزم ذلک المحال و هو ظاهر علی ان القرآن نفسه یحیل الناس إلی العقول.
قلت فرق بین التفسیر بالبیان العقلی و الإذعان به بأخذه حجة و الّذی یستفاد المنع عنه هو الأول و هو ان یقام حجة عن الرّأی ثم یفسر به القرآن و یحمل علیه دون الثانی فافهم.
قوله «ره» و ذلک انه لو لا القطع إلخ: (1) الاستدلال علی عدم حجیة أصالة العموم فی الکتاب و السنة فقط دون غیرهما عجیب فانها لا تعلق لهما بخصوصهما و لو کان المراد هو العقلاء من المتدینین کان معناه دعوی الإجماع و لا یستقیم ح قوله کیف و قد ادعی الإجماع علی ان الشک فی الإجماع لا یفید شیئا و لا معنی للتمسک به.
قوله یستلزم الطلب منه حقیقة إلخ: (2) کأنه یرید بالطلب منه حقیقة تعلق الإرادة التکوینیة من الآمر بفعل المکلف و هو محال إذ الإرادة لا تتعلق الا بموجود بها بالضرورة و فیه ما مر فی بحث الطلب و الإرادة ان لا معنی لتعلق إرادة الشخص الا بفعل نفسه.
قوله و اما إذا أنشأ مقیدا: (3) ظاهره إمکان البعث و الزجر ح حقیقة مع ان المکلف علی معدومیة و قد ذکر ان بحث المعدوم و زجره محال و من هنا یظهر ان أصل البعث و الزجر مع کون المکلف معدوما لیس محالا فی نفسه فتأمل.
قوله ضرورة انه إحاطته تعالی لا یوجب إلخ.
(1) بل الحق ان سنخ الإحاطة غیر سنخ المخاطبة و أحدهما لا یصحح الآخر.
قوله الحق جواز تخصیص الکتاب بخبر الواحد إلخ: (2) ربما قیل ان عمومات الکتاب من آیات الأحکام واردة فی مورد التشریع و أصل الوضع و لیس ببعید کل البعد کما یشهد به سیاقاتها و علی هذا فیعود الاخبار المخصصة سواء کانت اخبار الآحاد أو غیرها تفسیرا لها و بیانا لتفاصیلها لا مخصصة بالتخصیص المصطلح.
فان قلت: ربما یوجد تمسکات من الأئمة علیهم السلام بعمومها قلت لیس ذلک لذلک بل لکون موارد التمسک مما لا یتم أصل التشریع الا به فارجع و تأمل.
قوله (ره) مع احتمال قوة إلخ: (3) لا یخفی سخافته و نفس الاخبار بمضامینها تدفع ذلک فارجع.
قوله و ان کان مقتض القاعدة جوازها إلخ: (4) و لو جار نسخ الکتاب بالخبر لم یبق مصداق لمخالف الکتاب و لا لتلک الاخبار المتواترة أو المستفیضة التی اتفق الفریقان علی نقلها.
قوله ان النسخ و ان کان رفع الحکم إلخ: (5) ما ذکره و ان کان حقا بحسب النتیجة غیر ان ما ساقه من المقدمات مندمجة مختلطة من مقدمات مشهورة و حقیقیة حقة و الباعث علی ذلک
اختلاف جهتی البحث فله جهة اعتباریة جدلیة و جهة حقیقیة برهانیة و الجهتان جمیعا خارجتان عن صناعة الأصول بل أول البحثین کلامی و الثانی حکمی.
و کیف کان فلا ریب فی اشتمال الشریعة علی بعض أحکام ظاهرها رفع الید عنها بوضع ما ینافیها و ربما لزم رفع الید عن ظاهرها حیث ان الحکم المنسوخ اما مشتمل علی المصلحة فنسخه ثانیا غیر جائز و اما غیر مشتمل علیها فالتکلیف بها ابتداء غیر جائز نعم الحکم ربما یخفی ملاکه التام ثم یظهر علی الحاکم فیرفع الید عن تکلیفه بعد وضعه و مثله ممتنع فی حقه تعالی و الجواب انه کما یجوز ان یتحقق مصالح دائمیة تقتضی أحکاما دائمیة کذلک یجوز ان یتحقق مصالح غیر دائمیة الوجود توجب أحکاما مؤجلة غیر دائمیة ثم من الجائز ان یتحقق معها مصالح آخر توجب إظهار الحکم الغیر الدائمی فی صورة الدوام و تسمیة ذلک بالنسخ لمشابهته إیاه فی الصورة و ان لم یکن منه بحسب الحقیقة.
و نظیر الکلام جار فی مسألة البداء و ذلک لتعین الحوادث فی مرتبة وجود مقتضیاتها و ان کان تحققها العینی متوقفا مع ذلک علی وجود شرائط أو ارتفاع موانع فتلک الحوادث بالنظر إلی مقتضیاتها مقتضیة الوجود مقدرتها و بوجود الموانع أو فقدان الشرائط یظهر فی الخارج خلاف ما کان یظهر فی مرتبة المقتضیات و یبدو ما ینافی ذلک و هو
إبداء فی الحقیقة و تسمیته بداء للمشابهة الصوریة کما عرفت فی النسخ هذا ما یقتضیه ظاهر البحث.
و قد عرفت فی بحث الطلب و الإرادة حقیقة الأمر فی المصالح النّفس الأمریة و کیفیة ارتباط التکالیف الاعتباریة بها فارجع و تأمل.
و علی ذلک یرجع البحث حقیقیا و یعود النسخ و البداء سنخا واحدا و هو رفعه تعالی وصفا وضعه فی امر و إزالته ما أثبته فی موضوع من حیث انه وضعه و أثبته و ذلک لوضوح ان النسخ فیما یصدق علیه من الموارد لیس برفع المنسوخ کالحکم مثلا عن متن الواقع حدوثا و بقاء بل بقاء فقط فهناک موضوع ثابت مرفوع الأثر و إذ کان تحقق العدم مفتقرا إلی وجود راسم ینتزع هو عنه فرفع الأثر یتحقق بوضع أثر آخر حافظ لعدم الأول فالنسخ تبدیل الأثر الظاهر من الشیء بأثر آخر مخفی عند ظهور الأول و یختلف الحال ح بحسب الموارد فنسخ الحکم التکلیفی تبدیله بحکم آخر غیر ظاهر من الأول و نسخ الحکم التکوینی تبدیل الحکم الأول بحکم عینی آخر.
و هذا النحو من البیان أجمع و امتن من الأول و علیه جری کلامه سبحانه فی کتابه الشریف قال تبارک و تعالی ما ننسخ من آیة أو ننسها نأت بخیر منها أو مثلها (الآیة) و قد علق الحکم بالآیة فالنسخ لیس إزالة نفس الشیء من متن الأعیان بل إزالة کون الشیء آیة دالة علیه تعالی بوجه فیتسع البیان و یختلف باختلاف دلالة الأشیاء و حکایة الأمور فالآیة من
القرآن آیة فی إعجازها آیة فی بیانها للحکم فتنسخ فلا توجب تکلیفا و الحکم الشرعی آیة فی امره و نهیه فینسخ فلا یأمر و لا ینهی و الإمام علیه السلام آیة فی دعوته و حفظه الشریعة فینسخ بقبضه فلا یدعو و المقتضیات من الموجودات العالیة آیات فی اقتضائها فتنسخ فلا توجب وجودا و هکذا و من هنا یظهر أو لا ان النسخ حقیقة واحدة وسیعة و من مصادیقها النسخ المصطلح و البداء و غیرهما.
و ثانیا انه یمکن ان یتحقق فی الشیء عدة جهات ینسخ من بعضها و لا ینسخ من آخر.
قوله «ره» موضوعة لمفاهیمها من حیث هی هی إلخ: (1) و ذلک لصحة إطلاقها علی جمیع التقادیر فلم یؤخذ فیها تقدیر کما سیجیء.
قوله فانه کلی عقلی إلخ: (2) خلط فی الاصطلاح فما کل ما لا موطن له إلّا العقل بکلی عقلی بل هو مجموع وصف الکلی و معروضه.
قوله بل بما هی متعینة بالتعین الذهنی إلخ: (3) و فی بعض الکلمات بالتعین الجنسی و المقصود واحد و المراد به ظاهرا وقوع المعنی الجنسی موقع التعین فان الماهیة من حیث هی هی من غیر تعین ما حتی تعین عدم التعین لا یقع طرفا لنسبة من النسب الکلامیة کالموضوعیة و المحمولیة و نحوهما کما سیجیء و أقل التعین تعین
انه هو فقط و هو مفاد لام الجنس فعلم الجنس نحو أسامة مثلا یفید ما یفیده اسم الجنس المحلی باللام نحو الأسد.
و بذلک یظهر فساد ما ذکره رحمه الله عن لزوم عدم صدقه علی موارده الخارجیة لکونه کلیا عقلیا لا موطن له الا الذهن ان لم یجرده عن قیده و لزوم التصرف و العنایة تعسفا لو جرد مع لزوم لغویة التقیید بحسب الوضع کما ذکره رحمه الله و ذلک ان وقوع المعنی موقع التعین لا یقتضی تقیده بالتعین الذهنی بما هو ذهنی غیر صادق علی الخارج.
قوله (ره) الا الإشارة إلی قوله ذهنا إلخ: (1) معنی التمیز ذهنا هو ان التمیز فی مرتبة المفهوم لا الوجود و أطلق علیها التمیز الذهنی لکونها فیه علی محوضة ذاتها من غیر شائبة الآثار الخارجیة و هذا هو الّذی یوجب الخلط فکون المفهوم متمیزا عن المفهوم بحسب ذاته و مفهومیته لا یوجب کونه مقیدا بالکون الذهنی حتی لا یصدق علی شیء من الخارجیات إلّا بالتجرید علی ما ذکره (ره).
قوله «ره» فالظاهر ان اللام مطلقا یکون للتزیین إلخ: (2) و هذا غیر معقول إذ اقتصار معنی لفظ علی مجرد کیفیة لفظیة کالتزیین اللفظی مثلا لا معنی له و قیاسه إلی التأنیث اللفظی مع الفارق إذ التأنیث اللفظی علی تقدیر ان لا یکون معه خصوصیة معنویة انما هو فی بعض موارد التأنیث بخلاف ما لو کان کذلک فی جمیع موارده کاللام علی ما یدعیه المصنف رحمه الله فلا معنی لتزیینه اللفظ.
قوله «ره» حیث لا تعین الا للمرتبة المتفرقة إلخ: (1) هذا دلیل دلالة الجمع المحلی باللام علی الاستغراق و قد دفعه بتعین أقل المراتب و الحق ان یقید دلالة الجمع المحلی باللام بکون اللام لغیر العهد فیبقی مجرد تعریف الجنس فیصیر المدلول مجرد معنی الجمع من حیث هو جمع فیوضع موضع الاستغراق لا ان الاستغراق من مدالیل اللام بل الحق ان اللام لا یدل علی أزید من التعریف و هو وقوع مدخوله موقع التعین و الإشارة فربما انطبق بحسب انطباق المورد علی معنی العهد الذکری أو الحضوری أو الذهنی فیتشخص المدخول و ربما لم یتجاوز التعین الماهوی إلی خصوصیة من خصوصیات أشخاصها فربما یقتضی المورد کون سرایته إلی الافراد واقعا و مقصودا بالإفادة و هو الاستغراق و ربما لا یقتضی المورد ذلک و ان کان بحسب الواقع کذلک و هو تعریف الجنس.
قوله «ره» و منها النکرة إلخ: (2) قد عرفت ان الموضوع له اللفظ هو طبیعة المعنی من دون نظر إلی أی خصوصیة فرضت من خصوصیاتها و ذلک لصدقه مع کل من الخصوصیات فلیست واحدة منها مأخوذة فی الموضوع له فهو لطبیعة المطلقة من الخصوصیات الوجودیة و العدمیة ثم من المعلوم ان الطبیعة بما هی لا تکون طرفا لنسبة من النسب الکلامیة بل لا بد من طرد تعین ما من التعینات حتی یصح فیها ذلک و ذلک اما بتعینها بنفسها بإیقاعها موقع
الإشارة أو بنسبتها إلی معنی غیرها فتتعین به أو بعدم شیء منهما فتتعین بنفسها لعدم معین زائد فانه أیضا نوع من التعین فهذه ثلاثة أنحاء من التعینات لا رابع لها و یدل علیها بلام التعریف و الإضافة و تنوین التمکن و لذا لا یتحمل اللفظ أزید من حالة واحدة من الحالات الثلاث کاللام مع الإضافة و کالإضافة مع التنوین و کاللام مع التنوین هذا ملخص القول و للزائد علی ذلک مقام آخر.
و بالجملة إذا أخذت الماهیة المهملة بوصف عدم التعین بان کان اللفظ من أسماء الأجناس و دخل علیه التنوین ناسب ذلک الواحد لا بعینه بحسب الطبع الأولی و لذلک جری علیه الاستعمال و انتج ذلک معنی النکرة و ان لم یمتنع استعماله فی هذه الحال فی معنی الجنس کما ربما یقع علیه الاستعمال فی بعض الموارد نعم الواحد لا بعینه انما یوجد فی مرحلة القصد الاستعمالی دون الخارج و لذا کان عدم التعین فی الاخبار نحو جاءنی رجل بالنسبة إلی المخاطب و ان کان معینا عند المتکلم و کان عدم التعین فی الأمر نحو جئنی برجل بالنسبة إلی الأمر و الطلب و ان کان معینا عند الامتثال فینتج العموم البدلی بالإطلاق و فی النهی نحو لا تهن عالما کان عدم التعین بالنسبة إلی النهی و اما التعین و التشخص عند الامتثال فیوجب اللغو نوعا لعدم إمکان المخالفة بنحو الاستغراق غالبا فینتج الاستغراق فافهم و قد ظهر بذلک ان النکرة هو الماهیة بوصف عدم التعین ثم بحسب خصوصیات الموارد تفید تارة الواحد الغیر المعین و أخری
العموم البدلی و أخری العموم الاستغراقی. قوله (ره) من کون المطلق عندهم موضوعا إلخ: (1) و ذلک لکون قدماء القوم ینسبون نوع الدلالات و منها دلالة المطلق إلی الوضع فلا بد ان یفرقوا بین العموم و الإطلاق بالشمول الاستغراقی و الشمول البدلی لکن المتأخرین حیث وجدوا بعض الشمول بالوضع و بعضه بمقدمات الحکمة فرقوا بینهما بالوضع و عدمه سواء کان الشمول استغراقیا أو بدلیا و ظاهر ان الشمول إذا کان طارئا من غیر وضع کان الموضوع له هو الماهیة المطلقة فهو المطلق و لم یوجب طرو التقیید مجازا فی الکلمة بخلاف ما إذا کان مستندا إلی الوضع.
قوله «ره» ان المراد بکونه فی مقام البیان إلخ: (2) بیانه ان حکمة الوضع و ان کان أولا هو الکشف عما فی الضمیر لکن بناء الکلام ثانیا علی إلقاء المعنی المقصود و إلقائه فی ذهن السامع و ربما تخلف هذا الثانی عن الأول فبیان ما أرید من الکلام هو المراد دون المراد النفسیّ و الواجب کفایة اللفظ بتمام ما أرید منه لا بتمام ما فی نفس المتکلم و ان لم ینزل منزل اللفظ.
و بذلک یظهر ان الظفر بالقید لا یوجب بطلان الإطلاق من أصله قوله «ره» لا یبعد ان یکون الأصل: (3) قد عرفت ان المراد بالمراد هو المراد من اللفظ دون ما فی نفس المتکلم و بذلک یتم الأصل.
قوله «ره» و کیف یکون ذلک و قد تقدم إلخ: (1) کان مراده علی تصور فی اللفظ ان محصل ما مر کون الانصراف قرینة صارفة عن إرادة المطلق و موجبة لتعین المقید و القرینة الصارفة انما تکون فی المجاز فاللفظ مستعملة فی المقید علی سبیل المجاز و قد تقدم ان الاستعمال فی المقید لا یوجب تجوزا.
و الجواب ان لا حاجة إلی القرینة الصارفة بل زیادة الأنس بحسب الانصراف یفید ما تفیده فتأمل.
قوله «ره» لا مستحبا فعلا إلخ: (2) قد عرفت فی بحث الترتب انه کما یمکن ان یجعل نفس الطبیعة معروضة لحکم من الأحکام کذلک یمکن ان تکون هی مع انضمام ما یعرضها من الحکم معروضة لحکم آخر یناسبها و بعبارة أخری ربما یکون ظرف الحکم نفس الطبیعة و ربما یکون هو الطبیعة مع وصف حکم کمطلق الصلاة للوجوب و الصلاة الواجبة فی المسجد للاستحباب أو الصلاة فی الحمام للکراهة من غیر حاجة إلی تجشم تأویل استحباب الواجب إلی کثرة الثواب و کراهته إلی قلة الثواب فالحق ان الواجب مستحب فعلا و اما قوله ضرورة ان ملاکه لا یقتضی استحبابه إذا اجتمع مع ما یقتضی وجوبه انتهی فانما یتم إذا کان متعلق الملاکین تمام الطبیعة نفسها و اما إذا کان متعلق أحدهما تمام الطبیعة و متعلق الآخر بعض الطبیعة المحکومة بالحکم القبلی کما مر فی المثالین فلا و هو ظاهر.
قوله أقوی من ظهور المطلق فی الإطلاق إلخ: (1) دعوی قابلة للمنع بل الظاهر ان الموارد مختلفة فالظاهر عدم الحمل الا فیما إذا اقتضت خصوصیة المورد قوة ظهور المقید فی التعیین.
قوله (ره) تفاوت الافراد بحسب المحبوبیة إلخ: (2) فیه انه لا یوجب ظهورا یوجب الحمل علی التأکد و لعله إلیه الإشارة بقوله فتأمل و نظیر الإشکال وارد علی الوجه التالی أیضا فتأمل.
قوله «ره» تختلف حسب اختلاف المقامات إلخ: (3) و المراد ان قرینة الحکمة کما انها ربما تقتضی توسعة دائرة المطلقات کذلک ربما تقتضی تضییق الدائرة و ذلک إذا کانت الحاجة إلی القرینة لإفادة خصوصیة زائدة علی أصل المعنی.
و من هنا یظهر ان هذا القسم و ان کان یوجب تضییق الدائرة من وجه فهو من وجه آخر یوجب توسعتها حیث یوجب نفی قید زائد علی أصل المعنی یحتاج إلی مئونة زائدة.
قوله «ره» انهما وصفان إضافیان إلخ: (4) هذا یناقض صدر الکلام إلّا ان یحمل علی الإجمال الطاری و مقابله.
تم و الحمد للّه لیلة الاثنین 23 ج 2 سنة 1367 قمریة