الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 33

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثالث و الثلاثون

تتمة القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة

تتمة الباب الثانى عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده. . أحداث و سياسات

الفصل السابع: تغسيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

إبليس يغريهم بترك تغسيل النبي صلّى اللّه عليه و آله:

عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده قال: قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فستر بثوب، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خلف الثوب، و علي «عليه السلام» عند طرف ثوبه و قد وضع خديه على راحته، و الريح يضرب طرف الثوب على وجه علي «عليه السلام» ، قال: و الناس على الباب و في المسجد ينتحبون و يبكون، و إذا سمعنا صوتا في البيت: إن نبيكم طاهر مطهر، فادفنوه و لا تغسلوه.

قال: فرأيت عليا «عليه السلام» حين رفع رأسه فزعا، فقال: اخسأ عدو اللّه، فإنه أمرني بغسله، و كفنه و دفنه، و ذاك سنّة.

قال: ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، و لا تنزع القميص (1).


1) البحار ج 22 ص 541 و 542 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 132 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 1 ص 468 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 153 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 468 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 672.

و نقول:

من الواضح أن إبليس لعنه اللّه إنما يريد إلقاء الشبهة في قلوب ضعفاء العقل و الإيمان، و قاصري المعرفة بالدين و أحكامه. فلعلّ الأمور تنتهي إلى الإختلاف بين المسلمين، حتى لو أصر علي «عليه السلام» على تغسيله، حيث سيكون هناك من يتهمه بأن هذا مجرد اجتهاد منه، و لعله قد أخطأ فيه، و لا سيما إذا لم يستطع أولئك الناس أن يفرقوا بين الملك و الشيطان، فيظنون أن الذي كلمهم ملك.

و لكن وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي، قد مكنت عليا «عليه السلام» من إزالة الشبهة، و إبعاد وسوسات الشيطان عنهم بأهون سبيل. .

تغسيل الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الثلاثاء.

و روى ابن سعد عن علي، و أبو داود و مسدد، و أبو نعيم و ابن حبان، و الحاكم و البيهقي، و صححه الذهبي، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اختلفوا فيه، فقالوا: و اللّه ما ندري كيف نصنع، أنجرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثيابه كما نجرد موتانا؟ أم نغسله و عليه و ثيابه؟

فلما اختلفوا ألقى اللّه عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا و ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عليه ثيابه.

فقاموا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عليه قميصه، فغسلوه يفاض عليه الماء و السدر فوق القميص، و يدلكونه بالقميص دون أيديهم (فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه) (1).

و عن علي «عليه السلام» قال: لما أخذنا في جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أغلقنا الباب دون الناس جميعا، فنادت الأنصار: نحن أخواله، و مكاننا من الإسلام مكاننا.

و نادت قريش: نحن عصبته.

فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم، فننشدكم اللّه، فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه، و اللّه لا يدخل عليه إلا من دعي (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 321 و 322 عن أبي داود ج 2 ص 214 و قال في هامشه: أخرجه الحاكم ج 3 ص 59 و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 242 و سنن أبي داود ج 2 ص 67 و عون المعبود ج 8 ص 288 و كتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص 21 و المنتقى من السنن المسندة ص 136 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 401 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 38 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 451 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 517 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 569 و سبل السلام ج 2 ص 93 و البداية و النهاية ج 5 ص 281 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1076 و عيون الأثر ج 2 ص 433.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 321 و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 213 و (ط دار صادر) ج 2 ص 278 و راجع: إمتاع الأسماع ج 14 ص 570 و كنز العمال ج 7 ص 227.

و عن ابن عباس قال: اجتمع القوم لغسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ليس في البيت إلا أهله: عمه العباس بن عبد المطلب، و علي بن أبي طالب، و الفضل بن عباس، و قثم بن عباس، و أسامة بن زيد بن حارثة، و صالح مولاه.

فلما اجتمعوا لغسله، نادى مناد من وراء الناس، و هو أوس بن خولي الأنصاري، أحد بني عوف بن الخزرج، و كان بدريا على علي بن أبي طالب، فقال: يا علي، ننشدك اللّه و حظنا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال له علي «عليه السلام» : ادخل، فدخل فحضر غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يل من غسله شيئا، فأسنده علي إلى صدره، و عليه قميصه، و كان العباس، و الفضل، و قثم يقلبونه مع علي، و كان أسامة بن زيد، و صالح مولاه يصبان الماء، و جعل علي يغسله، و لم ير من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا مما يرى من الميت، و هو يقول: بأبي و أمي ما أطيبك حيا و ميتا، حتى إذا فرغوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان يغسل بالماء و السدر جففوه، ثم صنع به ما يصنع بالميت (1).

و نقول:

إن لنا على هذه النصوص ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 324 عن أحمد، و البداية و النهاية ج 5 ص 281 و مسند أحمد ج 1 ص 260 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 573 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 158 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 332 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 518 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 702.

متى أقبل الناس على جهاز الرسول صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

إن ما زعمه ابن إسحاق، من أن الناس أقبلوا على جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد بيعة أبي بكر، لا يصح للأسباب التالية:

أولا: ما روي من أن عليا «عليه السلام» قد جهز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و انتهى من دفنه قبل أن ينتهي أهل السقيفة من سقيفتهم، و قال «عليه السلام» بعد انتهائه من إهالة التراب عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد اتكأ على مسحاته و سأل عن خبر أهل السقيفة. .

ثانيا: قد ذكرنا أن الأقوال حول وقت دفنه «صلى اللّه عليه و آله» مختلفة، و من جملتها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دفن ليلة الثلاثاء، أو يوم الثلاثاء، أو يوم الأربعاء، و لا يتوافق أكثرها مع دعوى ابن إسحاق هذه، من أن الناس بعد البيعة لأبي بكر قد أقبلوا على جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن السقيفة و إن كانت قد انتهت يوم الإثنين، لكن البيعة العامة قد بدأت يوم الثلاثاء، و استمرت عدة أيام.

ثالثا: لو سلمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دفن يوم الأربعاء، فالسؤال هو: إذا كان الناس قد بدأوا بتجهيزه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الثلاثاء، فلما ذا لم يدفن إلا في يوم الأربعاء؟ ! فإن تجهيزه و دفنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين على أبعد تقدير! !

رابعا: إن عليا «عليه السلام» و بني هاشم لم يحضروا اجتماع السقيفة يوم الإثنين، لأنهم كانوا مشغولين بجهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد صرحت رواياتهم: بأن الصحابة بمن فيهم المهاجرون و الأنصار قد تركوا أمر تجهيز النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهله، فما معنى قولهم: «إن

الناس أقبلوا على جهازه يوم الثلاثاء» ؟ !

موقف عائشة من غسل النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و لا ندري ما الذي دعا عائشة إلى الندم على عدم تصدي نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لغسله، فهل وجدت عليا «عليه السلام» قد قصر في القيام بما يجب عليه في تغسيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

أم أنها ندمت على فوات هذه الفضيلة منها، و اختصاص علي «عليه السلام» بهذا الفضل دونها؟ !

أم أنها ترى نفسها أقرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ابنته «عليها السلام» ، فتريد أن تستبدّ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دونها؟ !

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى عليا «عليه السلام» بأن يتولى تغسيله، فهل تستطيع هي أن تبطل هذه الوصية، و تمنع من تنفيذها؟ ! و هل يرضى الصحابة منها بذلك؟ !

أوس بن خولي شارك في الدفن لا في التغسيل:

و قد زعمت الرواية أيضا: أن عليا «عليه السلام» قد أدخل أوس بن خولي الأنصاري، فحضر، و لم يشارك في غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كأن ثمة تعمدا من هؤلاء الرواة للإيحاء بأن دخول أوس قد كان بلا فائدة و لا عائدة، مع أنه سيأتي: أنه شارك في حمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قبره، ثم تناوله منه علي «عليه السلام» . .

بل يظهر من تلك الرواية: أن الأنصار إنما طلبوا المشاركة في دفن النبي

«صلى اللّه عليه و آله» لا في تغسيله. .

و نحسب أن سبب تعمد هذا التضعيف لدور الأنصار: أن أحدا من المهاجرين الذين حضروا السقيفة، و استأثروا بالأمر لم يكن له نصيب في شرف المشاركة في شيء من مراسم تجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دفنه، فلم تطب أنفس محبي هؤلاء بالجهر بفوز أوس بن خولي الأنصاري بهذا الشرف دونهم. .

تجريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للغسل:

و لا مجال لقبول ما ذكرته عائشة من اختلاف الصحابة في تجريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للغسل و عدمه.

فإنه لا مجال للاختلاف في ذلك بين أحد من الناس، ما دام أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كلف خصوص علي «عليه السلام» بأن يغسله، و هو «عليه السلام» لم يكن جاهلا بهذا الأمر ليحتاج إلى رأي غيره فيسألهم عنه، ليقع الاختلاف بينه و بينهم.

مع العلم بأن اللّه قد أكمل دينه، و أبلغ جميع الأحكام. . فلا مجال للحيرة، و الاختلاف. .

إلا إذا فرض أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أبلغ هذا الحكم لشخص بعينه، و هو من سيقوم بهذه المهمة بوصية منه، و هو خصوص علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، حيث لا بد أن يعرّفه بهذا الحكم الشرعي المتبقي من الشريعة، لكي يطبقه على مورده.

و لا يعقل أن يتكتّم «صلى اللّه عليه و آله» على ما هو جزء من الشريعة،

و قد حضر وقت العمل به، لأن موته «صلى اللّه عليه و آله» سيبقي هذا الحكم مجهولا، و تبقى الشريعة ناقصة، و سوف لا ينزل جبرئيل على أحد بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و في هذه الصورة يكفي أن يخبرهم علي بما عهد له به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تبقى حاجة و لا مجال لرأي أبي بكر، أو غيره. .

أما افتراض أن يكون تبليغ هذا الحكم من متكلم مجهول، يسمعون صوته، و لا يرون شخصه، فهو لا يدفع الإشكال، بل هو يؤكده و يقويه، إذ لعل المتكلم المجهول كان شيطانا أيضا. لا سيما مع ما سمعناه آنفا عن إبليس، حيث طلب منهم أن يدفنوا نبيهم من دون غسل أصلا. .

و لو لا أن عليا «عليه السلام» أعلمهم أن هذا صوت إبليس، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصاه بتغسيله لأطاعوا إبليس فيما دعاهم إليه و لو لزعمهم أنهم حسبوه ملكا! ! . .

و إذا كان جبرئيل قد أمرهم حين غسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن لا يجردوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قميصه.

فقد يكون لأجل أن بعض الناس قد حاول الطعن بصحة فعل أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فدافع جبرئيل عنه، و صوّب فعله، و قطع الطريق أمام عبث العابثين، و كيد الخائنين.

على أن هذا النوم المفاجئ حتى ما منهم رجل إلا و ذقنه في صدره، و سائر ما ذكرته عائشة، لم يكن أمرا عاديا، بل هو معجزة ظاهرة، و كرامة باهرة، و هي مما تتوفر الدواعي على نقله، فلما ذا لم ينقله لنا أحد من الصحابة سوى عائشة؟ ! ! مع أن المفروض: أن تكون عائشة في معزل عن هذا الأمر،

مراعية لحجابها، مع سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» .

أبو بكر: كل قوم أحق بجنازتهم:

و عن نداء الأنصار: نحن أخواله، و نداء قريش: نحن عصبته، و تدخّل أبي بكر لحسم الأمر. . نقول:

إنه أيضا موضع شك و ريب.

أولا: لأن المفروض: أن أبا بكر، و عمر، و أبا عبيدة و غيرهم من المهاجرين، و كذلك سعد بن عبادة، و أسيد بن حضير، و الحباب بن المنذر و غيرهم من الأنصار، كانوا حين تجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سقيفة بني ساعدة، فما معنى قول الرواية: إن أبا بكر قد كلّم المهاجرين و الأنصار بالكف عن المطالبة بالمشاركة في تجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أما إشراك أوس بن خولي الأنصاري، و مطالبة الأنصار بالمشاركة فإنما كان حين وضع النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما سنشير إليه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

ثانيا: إن أبا بكر و عمر قد اعترضا على علي «عليه السلام» بأنه لم يشهدهما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فردّ عليهما بأن السبب في ذلك: أنه لم يرد أن يعرضهما للخطر، لأنه ما من أحد يرى عورة النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و المراد ما يواريه قميصه-إلا ذهب بصره (1).


1) بصائر الدرجات ص 328 و الخصال ج 2 ص 177 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 648 و البحار ج 22 ص 464 و ج 40 ص 140 عنهما و عن الإحتجاج.

و قد حاول بعض الإخوة أن يصر على إرادة الصورة الحقيقية، و أن المراد هو رؤيتها اتفاقا، فإنه يوجب العمى إلا إن كان الرائي هو علي «عليه السلام» و قال: لو كان المراد بالعورة ما يواريه القميص لرخص عليا «عليه السلام» بأن يغسله مع التجريد من القميص مع ستر العورة و يؤيد ذلك: أن الرواية الآتية عن الإمام الكاظم تقول:

إن عليا «عليه السلام» أراد تجريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قميصه، فدل ذلك على أن حكم التجريد شيء، و حكم رؤية العورة شيء آخر و سيأتي أن رواية عدم تجريد الميت من قميصه للغسل تدل على أن ذلك ليس من مختصات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع أن ظاهر الروايات الناهية عن تغسيل غير علي له «صلى اللّه عليه و آله» معااة بأن ما رأى أحد عورته «صلى اللّه عليه و آله» إلا عمي، ظاهرها خصوصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

و نقول: إن ما ذكره هذا الأخ الكريم لا مجال لقبوله، فإن عليا «عليه السلام» لا بد أن يبالغ في الإحتيلط في الستر و لن يسمح بأن تصبح عورة رسول اللّه في معرض رؤية أحد، لا هو و لا غيره، لا عمدا و لا اتفاقا. . و نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا عن تجريده من قميصه مع أنه يجوز لعلي «عليه السلام» أن يغسله مجردا منه إنما هو لإعلام الآخرين بخصوصية علي و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الحكم الخاص و لعل رواية الإمام الكاظم «عليه السلام» الآتية تدل إلزامية هذا الحكم فلا مجال لإدعاء استحبابية هذا الحكم و بذلك يظهر الفرق بين النبي و بين غيره في هذا الحكم، فإن تغسيل النبي في قميصه لازم، و تغسيل غيره كذلك مندوب.

أمور أخرى تضمنتها الرواية:

و قد تضمنت الرواية المتقدمة أمورا أخرى، لا مجال لقبولها أيضا، و ستأتي الإشارة إلى ما يبطلها، و من ذلك:

ألف: الإقتصار في حديث التغسيل على ذكر الماء و السدر، من دون إشارة إلى الكافور، مع أنهم يعتبرون أن الكافور مطلوب في تغسيل الميت.

ب: عد أسامة بن زيد، و صالح مولاه من أهل بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس الأمر كذلك، و إلا للزم عدّ غير هما من مواليه أيضا في جملة أهل بيته.

ج: حديث إسناد علي «عليه السلام» النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى صدره يكذب ما ادّعوه من أن الفضل بن العباس أخذ بحضن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» يغسله. .

د: حديث أن العباس و الفضل و قثما كانوا يقلبون «صلى اللّه عليه و آله» . . ينافي حديث أنهم كانوا يناولون عليا «عليه السلام» الماء، أو كان أحدهم يأخذ بالثوب ليظلل به، أو أن أحدهم كان قاعدا، و أن الملائكة هي التي كانت تقلبه لعلي «عليه السلام» . . أو نحو ذلك مما ورد في الروايات.

ه‌: حديث أن أسامة و صالحا كانا يصبان الماء أيضا ينافي سائر الروايات كما سنرى. .

علي عليه السّلام يغسل النبي صلّى اللّه عليه و آله وحده:

و قد ادّعوا: أن العباس و ولديه الفضل و قثما كانوا يساعدون عليا «عليه

السلام» في تغسيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و كان أسامة بن زيد و شقران يصبان الماء (2).

و في نص آخر ذكر بدل شقران صالح مولاهما، أي مولى علي «عليه السلام» و أسامة (3).


1) مسند أحمد ج 1 ص 260 و الثقات لابن حبان (ط حيدرآباد) ج 2 ص 158 و الرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج 2 ص 179 و شفاء الغرام (ط دار إحياء الكتب العربية) ج 2 ص 386 و مختصر سيرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لعبد اللّه بن عبد اللّه الحنبلي (ط المطبعة السلفية بالقاهرة) ص 470 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 702 و 703 و البداية و النهاية ج 5 ص 281 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 573 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 518 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 324 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 698.

2) راجع المصادر في الهامش السابق. و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 280 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 451 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 63 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 571 و عيون الأثر ج 2 ص 433 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 703 و ج 18 ص 192 و ج 23 ص 506 و 508 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 301 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1076 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 475.

3) مسند أحمد ج 1 ص 260 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 698 و تلخيص الحبير ج 5 ص 116 و البداية و النهاية ج 5 ص 281 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 574 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 518 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 324 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 475.

و نص أيضا ذكر: «أسامة بن زيد و قثم» (1).

و في نص آخر: «أسامة بن زيد، و أوس بن خولة» (2).

و في نص آخر أيضا: «و الفضل و قثم و أسامة و صالح يصبون عليه» (3).

و في نص آخر: «و العباس يصب الماء» (4).

و في نص: «غسله على و العباس و الفضل بن العباس و صالح مولى رسول اللّه» (5).

و نص آخر يقول: «غسله علي و العباس، و ابناه: الفضل و قثم» (6).


1) التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 566.

2) شرح مسند أبي حنيفة ص 306 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 508.

3) أسد الغابة ج 1 ص 34.

4) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 475 و تلخيص الحبير ج 5 ص 116 و نيل الأوطار ج 4 ص 66 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 395 و عون المعبود ج 8 ص 288 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 397 و كنز العمال ج 7 ص 259 و 273 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 520 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 571 و البداية و النهاية ج 5 ص 282 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 280 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 697 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 567.

5) بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 301 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 278.

6) الأنس الجليل (ط القاهرة) ص 194 و راجع: فقه الرضا ص 20 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 200 و الوافي بالوفيات ج 1 ص 66 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 508 و 509.

و راوية أخرى تقول: «كان العباس و أسامة يناولان عليا الماء من وراء الستر» (1).

و قال في رواية أخرى: «فغسله علي «عليه السلام» ، يدخل يده تحت القميص، و الفضل يمسك الثوب عنه، و الأنصاري يدخل الماء» (2).

و نقول: إن ذلك كله موضع شك و ريب، و ذلك لما يلي: 1-روي عن الإمام الكاظم «عليه السلام» أنه قال: قال علي «عليه السلام» : غسلت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنا وحدي و هو في قميصه، فذهبت أنزع عنه القميص، فقال جبرئيل: يا علي، لا تجرد أخاك


1) البداية و النهاية ج 5 ص 261 عن البيهقي، و مسند البزار، و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و البداية و النهاية ج 5 ص 282 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 343 و ج 14 ص 574 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 520 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 324 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 476 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 30 و ج 18 ص 192 و ج 23 ص 511.

2) حياة الصحابة (ط دار القلم بدمشق) ج 2 ص 603 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 187 و 188 عن المعجم الكبير، و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 8 و نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 36 و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و المعجم الأوسط ج 3 ص 196 و المعجم الكبير ج 1 ص 230 و كنز العمال ج 7 ص 255 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 280 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 572.

من قميصه فإن اللّه لم يجرده، فغسله في قميصه (1).

2-و في حديث المناشدة: هل فيكم أحد غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غيري؟

قالوا: اللهم لا.

قال: هل فيكم أحد أقرب عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مني.

قالوا: اللهم لا.

قال فأنشدكم اللّه: هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غيري؟ !

قالوا: اللهم لا (2).

3-روي عن علي «عليه السلام» قوله: «إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوصى إليّ و قال: يا علي، لا يلي غسلي غيرك، أو لا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى أحد عورتي غيرك تفقأت عيناه. .

فقلت له: كيف؟ فكيف لي بتقليبك يا رسول اللّه.

فقال: إنك ستعان.


1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 198 و البحار ج 22 ص 544 و 546 و ج 78 ص 305 عن أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 7 و 8 و عن الطرائف ص 44 و 45 و 48 و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 418 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155 و مستند الشيعة للنراقي ج 3 ص 150.

2) الأمالي للشيخ الطوسي ص 7 و 8 و (ط دار الثقافة للطباعة و النشر و التوزيع- قم) ص 555 و البحار ج 22 ص 544 و ج 31 ص 368 عنه، و كتاب الولاية لابن عقدة ص 165.

فو اللّه ما أردت أن أقلب عضوا من أعضائه إلا قلب لي (1).

4-و عن علي «عليه السلام» : «أوصاني النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يغسله غيري، فإنه لا يرى عورتي إلا طمست عيناه» (2).


1) البحار ج 31 ص 434 و راجع ج 22 ص 506 و الخصال ج 2 ص 573 و 574 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 3 ص 167.

2) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 205 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 29-32 عن الشفاء لعياض (ط العثمانية بإسلامبول) ج 1 ص 54 و نهاية الإرب ج 18 ص 389 و ميزان الإعتدال (ط القاهرة) ج 1 ص 359 و البداية و النهاية ج 5 ص 261 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 282 عن البيهقي و مسند البزار، و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 355 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 476 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 574 و أخبار الدول (ط بغداد) ص 90 و كنز العمال (ط الهند) ج 7 ص 176 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 250 و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و الضعفاء للعقيلي ج 4 ص 13 و الخصائص للسيوطي (ط الهند) ج 2 ص 276 و عن المواهب اللدنية (ط بولاق) ص 311 و شرح مسند أبي حنيفة ص 306 و ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 417 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 66 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 520 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 278 و ينابيع المودة (ط إسلامبول) ص 17 و مشارق الأنوار للحمزاوي (ط الشرقية بمصر) ص 65 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن ابن سعد، و البزار، و البيهقي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 170 عن مغلطاي، و الشفاء لعياض، و شامل الأصل و الفرع للأباضي الجزائري ص 278 و الإتحاف للزبيدي ج 10 ص 303 و الأنوار المحمدية للنبهاني (ط الأدبية ببيروت) ص 591 و فقه الرضا ص 188 و البحار ج 22 ص 524 عن الإبانة لابن بطة، و حواشي الشرواني ج 3 ص 100.

5-و حينما اعترض أبو بكر و عمر على أمير المؤمنين «عليه السلام» بأنه لم يشهد هما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رد عليهما بقوله: «أما ما ذكرتما أني لم أشهدكما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإنه قال: لا يرى عورتي أحد غيرك إلا ذهب بصره» فلم أكن لأؤذيكما به.

و أما كبي عليه فإنه علمني ألف حرف، كل حرف يفتح ألف حرف، فلم أكن لأطلعكما على سر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

6-روي عن ابن عباس، و عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن العباس لم يحضر غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا (2).

7-عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا علي، تغسلني، و لا يغسلني غيرك، فيعمى بصره.

قال علي «عليه السلام» : و لم يا رسول اللّه؟ .

قال «صلى اللّه عليه و آله» : كذلك قال جبرئيل عن ربي: إنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمي بصره.

إلى أن تقول الرواية: قلت: فمن يناولني الماء؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : الفضل بن العباس، من غير أن ينظر إلى


1) بصائر الدرجات ص 328 و البحار ج 22 ص 464 و 506 و ج 40 ص 140 و الخصال ج 2 ص 177 و عن الإحتجاج.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 136 و ج 14 ص 566 و 571 و عمدة القاري ج 18 ص 71.

شيء مني، فإنه لا يحل له و لا لغيره من الرجال و النساء النظر إلى عورتي، و هي حرام عليهم.

إلى أن قال «صلى اللّه عليه و آله» : و أحضر معك فاطمة، و الحسن و الحسين «عليهم السلام» ، من غير أن ينظروا إلى شيء من عورتي (1).

8-قد ذكرت الروايات: أنه لما أراد «عليه السلام» غسله استدعى الفضل بن عباس، فأمره أن يناوله الماء بعد أن عصب عينيه (2)إشفاقا عليه من العمى.

9-و في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : «جبرئيل معك يعاونك، و يناولك الفضل الماء. و قل له: فليغطّ عينيه، فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك، إلا انفقأت عيناه» (3).


1) البحار ج 22 ص 492 و 493 و ج 78 ص 304 عن الطرائف لابن طاووس ص 42 و عن مصباح الأنوار ص 270 و راجع: الصراط المستقيم ج 2 ص 94.

2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 166 و 200 و إعلام الورى ص 137 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 269 و البحار ج 22 ص 18 و 529 و ج 78 ص 307 و عن الإرشاد للمفيد ص 524 و 529 و (ط دار المفيد) ج 1 ص 187 و عن المناقب لابن شهرآشوب ص 203-206 و عن إعلام الورى ص 143 و 144 و دعائم الإسلام ج 1 ص 228 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155 و 181.

3) البحار ج 22 ص 517 و 536 و 544 و راجع ص 506 و ج 78 ص 302 و فقه الرضا ص 20 و 21 و (بتحقيق مؤسسة آل البيت)188 و الأمالي للشيخ الطوسي ج 2 ص 7 و 8 و (نشر دار الثقافة-قم) ص 660 و كفاية الأثر ص 304 و (ط سنة 1401 ه‌) ص 125 و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 419.

فاتضح مما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد غسّل في قميصه، و أن عليا «عليه السلام» قد عصب عيني الفضل بن العباس. و أن عليا «عليه السلام» هو الذي غسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الثياب. و أنه لم ير عورة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و اتضح أيضا: أن ما زعموه من أن العباس و ابنيه كانوا يساعدون عليا «عليه السلام» في تقليب النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير ظاهر، و لا سيما مع وجود روايات تقول: إن الملائكة هي التي كانت تساعد عليا «عليه السلام» على تغسيله «صلى اللّه عليه و آله» ، و تقلّبه له.

يضاف إلى ذلك: اختلاف الروايات في المهمات التي أو كلت إلى هؤلاء الأشخاص، فهل كان الفضل يساعد عليا «عليه السلام» في تقليب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟

أم أنه كان يناوله الماء من وراء الستر و هو معصوب العينين؟

أم أنه كان يمسك الثوب عنه؟

و هل شارك العباس في تغسيله؟

أم في صب الماء؟

و هل كان أسامة يصب الماء؟

أم كان يناوله عليا «عليه السلام» ؟

المقصود برؤية عورة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

قد ذكرت بعض الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يحل لمسلم أن يرى عورتي إلا علي «عليه السلام» ، أو نحو ذلك.

و ليس المقصود بالعورة معناها المعروف.

بل المقصود بالعورة التي يجوز لعلي «عليه السلام» أن يراها منه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو ما يواريه القميص من جسد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو الذي صرح العباس بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يستحي أن يراه حاسرا عنه.

و هذا كله يعطينا: أن عصب عيني الفضل-مع كون التغسيل مع وجود القميص-إنما هو لكي لا يرى شيئا من جسد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مما لم يكن كشفه مألوفا، فإن هذا المقدار أيضا لا يجوز أن يراه أحد، و لا بد أن يبقى مخفيا، لأن حكمه حكم العورة من جهة حرمة رؤيته، كما أن رؤيته توجب إصابة الرائي بالعمى. .

و لكن كان يجوز لعلي «عليه السلام» أن يرى هذا المقدار. . لأن ذلك من خصائص النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» : أن لا ينظر أحد إلى بدن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير علي، و لذلك لم يعصب علي «عليه السلام» عينيه عنه.

أما العورة الحقيقية نفسها، فلم يرها علي «عليه السلام» ، لأن رؤيتها محرمة عليه و على غيره. و يشهد على ما ذكرناه أن عليا «عليه السلام» قد غسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قميصه.

تغسيل النبي صلّى اللّه عليه و آله في قميصه:

قد ورد في الروايات ما يدل على أنه لا يحل لأحد رؤية جسد النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا علي «عليه السلام» ، و ذلك مثل:

ألف: عن جابر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يحل لرجل أن يرى مجردي إلا علي (1).

ب: عن السائب بن يزيد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يحل لمسلم يرى مجردي (أو عورتي) إلا علي (2).

ج: و في نص آخر: فكان العباس و أسامة يناولان الماء من وراء الستر و هما معصوبا العين، قال علي: فما تناولت عضوا إلا كأنما يقلّبه معي ثلاثون رجلا، حتى فرغت من غسله (3).

فلا بد أن يراد بهذه الروايات و أمثالها. . ما ينسجم مع روايات تغسيله


1) مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 94 و العمدة لابن البطريق ص 296 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 33 و الإيضاح لابن شاذان ص 534.

2) كنوز الحقائق للمناوي (ط بولاق) ص 193 و مناقب الإمام علي أبي طالب لابن المغازلي ص 93 و العمدة لابن البطريق ص 296 و الطرائف لابن طاووس ص 157 و البحار ج 38 ص 313 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 17 ص 341 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 393.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن البزار و البيهقي، و ابن سعد، و البداية و النهاية ج 5 ص 261 عن البيهقي و البزار، و دلائل النبوة ج 7 ص 244 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 213 و (ط دار صادر) ج 2 ص 278 و راجع: كنز العمال ج 7 ص 250 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 507 و 513 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 205 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 282 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 574 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 520 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 476.

«صلى اللّه عليه و آله» و هو في قميصه، أو ثيابه، و هي كثيرة، فلاحظ ما يلي:

1-الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم «عليه السلام» و قد تضمنت قول جبرئيل لعلي «عليه السلام» : يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن اللّه لم يجرده (1)، فغسله في قميصه.

2-عن بريدة: ناداهم مناد من الداخل: أن لا تنزعوا عن رسول اللّه قميصه (2).

3-إن العباس «رحمه اللّه» قد علل عدم حضوره غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا» .

4-قد ورد أنه نادى مناد: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، و لا تنزع القميص.

5-في حديث المناشدة: أنه «عليه السلام» غسله مع الملائكة، و هم


1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 198 عن الطرف، و المصباح، و البحار ج 22 ص 544 و 546 و ج 78 ص 305 عن أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 7 و 8 و عن الطرائف ص 44 و 45 و 48 و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 418 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155 و مستند الشيعة للنراقي ج 3 ص 150.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن ابن ماجة، و تلخيص الحبير ج 5 ص 117 و نيل الأوطار ج 4 ص 66 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 471 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 362 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 387 و عون المعبود ج 8 ص 288 و تهذيب الكمال ج 22 ص 300 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 3 ص 294 و البداية و النهاية ج 5 ص 280 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 517.

يقولون: استروا عورة نبيكم ستركم اللّه (1).

6-ذكروا: أنه لما غسل النبيّ «صلى اللّه عليه و آله» عليّ «عليه السلام» أسنده على صدره، و عليه قمصيه يدلكه به من ورائه، و لا يفضي بيده إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول: بأبي و أمي، ما أطيبك حيا و ميتا. و لم ير من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيء يرى من الميت (2).

7-في حديث عن علي «عليه السلام» : «و أما السادسة عشرة، فإني أردت أن أجرده، فنوديت: يا وصي محمد! لا تجرده، فغسلته و القميص عليه، فلا و اللّه الذي أكرمه بالنبوة، و خصه بالرسالة، ما رأيت له عورة» (3).

8-عن ابن عباس في حديث: «فغسله علي يدخل يده تحت القميص» (4).

9-في نص آخر: «غسله علي، و العباس و ابناه: الفضل، و قثم. و غسلوه و عليه قميصه لم ينزع» (5).


1) البحار ج 22 ص 543 عن أمالي الطوسي ج 2 ص 4 و 6.

2) راجع: الثقات (ط حيدرآباد) ج 2 ص 158 و شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي الحسيني (ط دار أحياء الكتب العربية بمصر) ج 2 ص 386 و مختصر سيرة الرسول لعبد اللّه بن عبد اللّه الحنبلي (المطبعة السلفية بالقاهرة) ص 470 و الرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج 2 ص 179 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 702 و 703 عمن تقدم.

3) البحار ج 31 ص 434 و الخصال ج 2 ص 573 و 574 و الأمالي للطوسي ص 547 و البحار ج 22 ص 543 و ج 31 ص 375.

4) مجمع الزوائد ج 9 ص 36.

5) الأنس الجليل (ط القاهرة) ص 194 و راجع: فقه الرضا ص 20 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 200 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 697.

10-عن علي «عليه السلام» : أوصى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يغسله أحد غيره، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه.

قال علي «عليه السلام» : فكان العباس و أسامة يناولان الماء من وراء الستر.

11-عن محمد بن قيس مرسلا و فيه ضعف قال: قال علي: و ما كنا نريد أن نرفع منه عضوا لنغسله إلا رفع لنا حتى انتهينا إلى عورته، فسمعنا من جانب البيت صوتا: لا تكشفوا عن عورة نبيكم (1).

12-في حديث آخر: أنهم «سمعوا صوتا في البيت: لا تجردوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اغسلوا كما هو في قميصه.

فغسله علي «عليه السلام» يدخل يده تحت القميص، و الفضل يمسك الثوب عنه، و الأنصاري يدخل الماء، و على يد علي «عليه السلام» خرقة، و يدخل يده» (2).

13-تقدم قوله «صلى اللّه عليه و آله» عن الفضل بن العباس: «من غير أن ينظر إلى شيء مني» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن البيهقي، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 574 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 511.

2) إحقاق الحق ج 18 ص 187 و 188 عن المعجم الكبير، و حياة الصحابة للكاندهلوي (ط دار القلم بدمشق) ج 2 ص 603 و نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 36 و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و المعجم الأوسط ج 3 ص 196 و المعجم الكبير ج 1 ص 230 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 187.

فاتضح أن المراد من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يرى عورتي غير علي إلا كافر» (1). هو ما لم تجر العادة على كشفه، لا العورة بمعناها المعروف.

و كذلك الحال بالنسبة إلى سائر الروايات التي ذكرت أو أشارت إلى هذا المعنى بنحو أو بآخر.

إفتراؤهم على علي عليه السّلام:

و لكننا نجد في مقابل ذلك، أنهم رووا عن علي «عليه السلام» أنه قال:

غسلت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئا، فكان طيبا حيا و ميتا (2)، أو نحو ذلك.

و عن سعيد بن المسيب قال: التمس علي من النبي «صلى اللّه عليه و آله» عند غسله ما يلتمس من الميت، فلم يجد شيئا، فقال: بأبي أنت و أمي طبت


1) عن عيون أخبار الرضا ص 65 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 481 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 131.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن ابن سعد، و أبي داود، و البيهقي، و الحاكم و صححه، و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 244 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 214. و المستدرك للحاكم ج 1 ص 362 و ج 3 ص 59 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 53 و كنز العمال ج 7 ص 249 و البداية و النهاية ج 5 ص 282 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 572 و 573 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 699 و ج 18 ص 191 و ج 23 ص 511 و 512 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 519 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 64 و علل الدار قطني ج 3 ص 219 و راجع: تلخيص الحبير ج 5 ص 116 و نصب الراية ج 2 ص 356.

حيا و ميتا (1).

و عن علباء بن أحمر قال: كان علي و الفضل يغسلان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنودي علي: ارفع طرفك إلى السماء (2).

و عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير قال: غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي، و الفضل، و أسامة بن زيد و شقران، و ولي غسل سفلته علي، و الفضل محتضنه، و كان العباس و أسامة بن زيد و شقران يصبون الماء (3).

و نقول: إننا لا نشك في أن المقصود بهذه التعابير الإساءة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إلى علي «عليه السلام» على حد سواء.

فأولا: إن الروايات الكثيرة المتقدمة قد تحدثت عن أنه قد غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الثوب، أو القميص وفق التوجيه الإلهي، فهل يطلب شيئا وراء ذلك أيضا؟ ! و لما ذا؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 و في هامشه عن: ابن سعد ج 2 ص 215 و (ط دار صادر) ج 2 ص 281 و عن ابن ماجة (ج 1 ص 471)(1467) بسند صحيح و رجاله ثقات، و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 133 و ج 8 ص 576 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 161 و كنز العمال ج 7 ص 248 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 572 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 509.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 عن البيهقي، و البداية و النهاية ج 5 ص 281 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 574 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 519.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 213 و (ط دار صادر) ج 2 ص 279 و راجع: إمتاع الأسماع ج 14 ص 570.

ثانيا: إن عليا «عليه السلام» كان أعرف الناس بالأنبياء و بكراماتهم، و مقاماتهم عند اللّه تبارك و تعالى، و لا يمكن أن يرد في و همه، أو أن يحتمل و لو احتمالا ضئيلا جدا بأن يكون ثمة ما يستكره، فضلا عن أن يلتمس رؤية شيء من ذلك. .

ثالثا: إن ذكر أسامة بن زيد، و شقران في جملة من شارك في تغسيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من موجبات زيادة الشك في الرواية، فقد عرفنا أن الذين تولوا ذلك منه هم أهله، و هذان الرجلان ليسا من أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليشاركا في غسله. .

و لو عدّ هذان الرجلان من أهله للزم عدّ كثيرين آخرين من أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، فقد كان له من الموالي ما يعد بالعشرات، فلما ذا لم يشاركوا في تجهيز النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

رابعا: روي عن الإمام الكاظم من قوله «عليه السلام» : أنه أراد أن ينزع القميص، فقال له جبرئيل: يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن اللّه لم يجرده.

خامسا: تقدم أن العباس لم يشارك في الغسل، لأنه رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يستحي أن يراه حاسرا في حال الحياة، فهل يمكن أن يسعى علي «عليه السلام» لرؤية ما وراء ذلك؟ ! و علي أعلم، و أعرف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشد مراعاة لشأنه من العباس.

سادسا: دلت الروايات على أنه «عليه السلام» أسند النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى صدره و عليه قميصه يدلكه به من ورائه، و لا يفضي بيده إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

هل تجريد الميت سنة:

و عن تجريد الميت عند تغسيله قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك خاصا به، لأن السنة عند مالك و أبي حنيفة و الجمهور: أن يجرد الميت و لا يغسل في قميصه انتهى (1).

و نقول: قد ورد عن أهل البيت «عليهم السلام» ما دل على استحباب تغسيل الميت من تحت القميص (2)، فيدل ذلك على أن عدم تجريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قميصه ليس من مختصات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

الوصي يغسل النبي صلى اللّه عليه و آله:

و عن عبد اللّه بن مسعود: قال: قلت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، من يغسلك إذا مت؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 325 و تنوير الحوالك ص 230.

2) الكافي ج 3 ص 139 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 479 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 680 و 683 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 30 و 85 و 126 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 1 ص 108 و 300 و 446 و المعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 271 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 1 ص 347 و (ط. ق) ج 1 ص 38 و مختلف الشيعة ج 1 ص 392 و الحبل المتين (ط. ق) للبهائي العاملي ص 59 و 60 و الحدائق الناضرة ج 3 ص 441 و 448 و رياض المسائل للطباطبائي ج 2 ص 157 و مستند الشيعة للمحقق النراقي ج 3 ص 148 و جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج 4 ص 148.

فقال: يغسل كل نبي وصيه.

قلت: فمن وصيك يا رسول اللّه؟ !

قال: علي بن أبي طالب.

فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول اللّه؟ !

قال: ثلاثين سنة الخ. . (1).

و في رواية أخرى: قال جبريل: يا محمد، قل لعلي «عليه السلام» : إن ربك يأمرك أن تغسل ابن عمك، فإن هذه السنّة، لا يغسّل الأنبياء غير الأوصياء، و إنما يغسل كل نبي وصيه من بعده (2).

نصوص حول التجهيز و الدفن:

عن عبد اللّه بن الحارث و ابن عباس: أن عليا غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل يقول: طبت حيا و ميتا، و قال: و سطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط (3).


1) البحار ج 13 ص 17 و 18 و 367 و ج 22 ص 512 و ج 32 ص 280 عن إكمال الدين ص 17 و 18 و (نشر مؤسسة النشر الإسلامي) ص 27 و بشارة المصطفى للطبري ص 428.

2) البحار ج 22 ص 546 و ج 78 ص 304 عن الطرائف ص 44 و 45 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 198 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 154.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 عن الطبراني، و عن ابن سعد ج 2 ص 214 و 215 و (ط دار صادر) ج 2 ص 280 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 572 و نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 36 و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و المعجم الكبير ج 1 ص 230 و كنز العمال ج 7 ص 255 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 696 و ج 18 ص 187.

و رووا: أن جبرئيل نزل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحنوط، و كان وزنه أربعين درهما، فقسمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أجزاء: جزء له، و جزء لعلي، و جزء لفاطمة صلوات اللّه عليهم (1).

و عن هارون بن سعد قال: كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به، و كان علي يقول: هو فضل حنوط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و عن علي «عليه السلام» قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :


1) البحار ج 22 ص 544 و 545 و 504 و ج 78 ص 312 و علل الشرائع ص 109 و (منشورات المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 302 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 290 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 13 و 14 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 730 و 731 و الكافي (الفروع) ج 1 ص 42 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 3 ص 151 و عن أمالي الشيخ ج 2 ص 4 و 6 و عن الإحتجاج ص 72-75 و مختلف الشيعة ج 1 ص 390 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 24 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 218 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 251.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 324 عن ابن سعد، و الحاكم في الإكليل، و في هامشه عن دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 249، و فقه السنة ج 1 ص 515 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 406 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 60 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 138 و نصب الراية ج 2 ص 307 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 230 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 288 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 580.

«إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرس» (1).

و عن أبي جعفر محمد بن علي «عليهما السلام» قال: غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا بالسدر، و غسل و عليه قميص، و غسل من بئر يقال لها: الغرس (لسعد بن خيثمة بقباء)، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشرب منها (2).

و نقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

إحتضان فضل بن عباس للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

قد ذكرت روايات هؤلاء: أن عليا «عليه السلام» كان يغسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الفضل بن العباس آخذ بحضنه، يقول: اعجل يا علي، انقطع ظهري أو نحو ذلك.

و نقول: 1-إن تغسيل الميت لا يحتاج إلى أن يأخذه أحد الناس بحضنه! ! أو أن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 عن ابن ماجة (ج 1 ص 471)(1468) و انظر الكامل لابن عدي ج 2 ص 762 و كنز العمال (ج 15 ص 573) (4229) ، و فتح الباري ج 5 ص 270 و تهذيب الكمال ج 3 ص 112.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 323 و في هامشه عن ابن سعد ج 2 ص 214 و (ط دار صادر) ج 2 ص 280 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 245 و راجع: تلخيص الحبير ج 5 ص 116 و نيل الأوطار ج 4 ص 66 و عون المعبود ج 8 ص 288 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 571.

يأخذ بحضنه أحد من الناس! !

2-إن الملائكة هي التي كانت تساعد عليا «عليه السلام» على تقليب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما ورد في الروايات.

و في بعضها قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : جبرئيل معك يعاونك. فراجع ما قدمناه حين الحديث عن انفراد علي «عليه السلام» بغسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أخبره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه سيعان، و روى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي: «اغسلني إذا مت» .

فقال: يا رسول اللّه، ما غسلت ميتا قط!

قال: إنك ستهيأ أو تيسر.

قال علي: فغسلته، فما آخذ عضوا إلا تبعني، و الفضل آخذ بحضنه يقول: أعجل يا علي انقطع ظهري (1).

غير أن هذه الرواية قد عادت لتناقض نفسها و تقول: إن الفضل كان آخذا بحضن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فالصحيح هو الرواية التي رواها الصدوق «رحمه اللّه» ، و هي لم تذكر الفضل أصلا، بل قالت: «فو اللّه، ما أردت أن أقلب عضوا من أعضائه إلا قلب لي» (2). و لم تزد على ذلك.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 322 و 323 و في هامشه عن ابن سعد ج 2 ص 215 و (ط دار صادر) ج 2 ص 281 و كنز العمال ج 7 ص 256 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 572 و شرح إحقاق الحق ج 7 ص 35 و ج 23 ص 507.

2) الخصال ج 2 ص 573 و 574 و البحار ج 31 ص 434 و راجع ج 22 ص 506 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 3 ص 167 و ذخائر العقبى ص 71 و البحار ج 31 ص 434 و كنز العمال ج 7 ص 249 و تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 129 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 108 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 36 و ج 18 ص 193 و ج 23 ص 505 و راجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 337.

3-ذكرت الروايات المتقدمة حين ذكر انفراد علي «عليه السلام» بغسله «صلى اللّه عليه و آله» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» حدد مهمة الفضل بن العباس بمناولة الماء.

4-قد صرحت بعض النصوص: بأن عليا «عليه السلام» قد أسند النبي «صلى اللّه عليه و آله» على صدره، و عليه قميصه يدلكه به (1). و لم تذكر الفضل.

5-إن ثمة رواية تقول: إن عليا «عليه السلام» كان يغسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان الفضل يمسك الثوب عنه (2).

فكأن هؤلاء القوم متحيرون في الدور الذي يريدون إسناده للفضل بن العباس في قضية تغسيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) قد ذكرنا هذه الرواية و مصادرها حين الحديث عن انفراد علي «عليه السلام» بغسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

2) إحقاق الحق ج 18 ص 187 و 188 عن المعجم الكبير، و حياة الصحابة للكاند هلوي (ط دار القلم بدمشق) ج 2 ص 603 و نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 36 و مجمع الزوائد ج 9 ص 36 و المعجم الأوسط ج 3 ص 196 و المعجم الكبير ج 1 ص 230 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 187.

غسّل ثلاثا بالسدر:

و قد ذكرت الرواية آنفا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غسّل ثلاثا بالسدر.

و من الواضح: أن الميت يغسل بالماء القراح مرة، و بالكافور مرة، و بالسدر مرة، فلما ذا اقتصر هؤلاء على ذكر السدر؟

و لا مجال للاعتذار عن ذلك بأن الكافور ربما لم يكن متوفرا، فإن جبرئيل الذي جاء بالحنوط للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، سوف يكرمه بإحضار الكافور أيضا، لو صح أنه كان مفقودا.

و سو سلم أن الكافور كان مفقودا فلما ذا أهمل الراوي ذكر الغسل بالماء القراح أيضا. فإن الماء كان متوفرا بلا شك، و قد أرشدهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حدده لهم في بئر غرس.

علي عليه السّلام يمسح عين النبي صلّى اللّه عليه و آله بلسانه:

و ذكروا: أن عليا «عليه السلام» لما غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و فرغ من غسله نظر في عينيه، فرأى فيهما شيئا، فانكب عليه، فأدخل لسانه، فمسح ما كان فيهما، فقال: بأبي و أمي يا رسول اللّه صلى اللّه عليك، طبت حيا، و طبت ميتا. قاله العالم «عليه السلام» (1).

و هذا هو الإيمان الخالص الذي يقدم للناس الأسوة و القدوة في التبرك


1) البحار ج 22 ص 517 و ج 78 ص 318 و فقه الرضا ص 20 و 21 و (تحقيق مؤسسة آل البيت) ص 183 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155.

برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسوقهم إلى حقائق الإيمان، من خلال تجسيدها ممارسة و عملا، و لا يبقيها في دائرة النظرية و التوجيه و الإرشاد. .

غسل مس الميت:

روى محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين «عليه السلام» حين غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عند موته؟

فأجابه: النبي «صلى اللّه عليه و آله» طاهر مطهر، و لكن أمير المؤمنين «عليه السلام» فعل، و جرت به السنة (1).


1) البحار ج 22 ص 540 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 30 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 1 ص 108 و ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ج 2 ص 97 و الحدائق الناضرة ج 3 ص 331 و الإستبصار للشيخ الطوسي ج 1 ص 100 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 1.

الفصل الثامن: تكفين النبي صلّى اللّه عليه و آله و الصلاة عليه

اشارة

الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ورد في صحيحة أو حسنة الحلبي: عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: «أتى العباس عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بقيع المصلى، و أن يؤمهم رجل منهم.

فخرج أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الناس، فقال: أيها الناس، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إمامنا حيا و ميتا. و قال: إني أدفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في البقعة التي قبض فيها.

ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه و يخرجون» (1). و لهذه الرواية نص آخر ورد في فقه الرضا «عليه السلام» لا يخلو من إشكال.

لكن ابن شهرآشوب ذكر في المناقب أن أبا جعفر «عليه السلام» قال: إنهم صلوا عليه يوم الإثنين و ليلة الثلاثاء حتى الصباح، و يوم الثلاثاء حتى صلى


1) الكافي ج 1 ص 451 و فقه الرضا «عليه السلام» ص 188 و البحار ج 22 ص 517 و 540 و ج 78 ص 302 و جواهر الكلام ج 12 ص 102 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 451 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 348.

عليه الأقرباء و الخواص، و لم يحضر أهل السقيفة، و كان علي «عليه السلام» أنفذ إليهم بريدة، و إنما تمت بيعتهم بعد دفنه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و روى سليم بن قيس أيضا، عن سلمان قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما غسله علي «عليه السلام» و كفنه أدخلني و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا «عليهم السلام» ، فتقدم علي عليه السلام و صففنا خلفه و صلى عليه، و عائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ اللّه ببصرها. ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار، فكانوا يدخلون و يدعون و يخرجون، حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه (2).

و نلاحظ على هاتين الروايتين: أولا: أن قولهم: إنهم استمروا في الصلاة عليه يوم الإثنين و ليلة الثلاثاء حتى الصباح، و يوم الثلاثاء لا يتلاءم مع ما ذكرته الرواية نفسها


1) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 206 و الأنوار البهية ص 48 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 263 و 264 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 349 و الدر النظيم ص 195 و البحار ج 22 ص 525.

2) كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 143 و راجع: الإحتجاج ج 1 ص 106 و البحار ج 22 ص 506 و ج 28 ص 262 و ج 78 ص 385 و الأنوار البهية ص 47 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 451 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 350 و جواهر الكلام ج 12 ص 103 و راجع: كشف اللثام (ط. ق) ج 1 ص 132 و (ط. ج) ج 2 ص 362 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 83 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 779 و إعلام الورى ج 1 ص 270 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 451.

من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، و ليس من المعقول أن تستمر السقيفة هذا المقدار من الوقت، فإن غاية ما يمكن قوله هو أنها استمرت بضع ساعات لا أكثر، و لم تستمر قطعا من يوم الإثنين إلى يوم الثلاثاء.

ثانيا: قول رواية سليم: إنه لم يبق أحد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يتلاءم أيضا مع القول بأن أهل السقيفة لم يحضروا دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن بيعتهم قد تمت بعد دفنه.

و ما ورد في آخر الرواية يوضح ذلك حيث يقول: «حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه» .

و بذلك تنسجم هاتان الروايتان فيما بينهما، و تنسجمان أيضا مع صحيحة أو حسنة أبان بن عثمان، و يرتفع ما يظهر منه التنافي و الإختلاف فيما بينها.

و في نص آخر قال: حتى لم يبق أحد في المدينة، حر و لا عبد إلا صلى عليه (1).

و كانوا يصلون عليه أرسالا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و 330 عن أحمد، و أبي يعلى، و مجمع الزوائد ج 9 ص 33 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 371.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 31 و نصب الراية ج 2 ص 350 و كنز العمال ج 7 ص 237 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 158 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 349 و أسد الغابة ج 1 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 452 و 333 و البداية و النهاية ج 5 ص 287 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1077 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 531 و نيل الأوطار ج 4 ص 77 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 130 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 521 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 225.

و لم يؤم الصلاة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحد (1).

و قال ابن كثير و أبو عمر: إن هذا مجمع عليه، و لا خلاف فيه (2).

و بعض الروايات تصرح: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمرهم بذلك (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و 330 عن ابن إسحاق و غيره، و أحمد و أبي يعلي، و نيل الأوطار ج 4 ص 77 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 130 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 521 و كنز العمال ج 7 ص 237 و نصب الراية ج 2 ص 350 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 31 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 225 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 158 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 349 و الثمر الداني للآبي ص 272 و تنوير الحوالك ص 238 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 452 و 333 و البداية و النهاية ج 5 ص 286 و 287 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1077 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 528 و 531 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 478.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 330 و 331 و تنوير الحوالك ص 238 و الثمر الداني للآبي ص 272 و البداية و النهاية ج 5 ص 286 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 528 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 478.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و 331 عن مسند أحمد ج 5 ص 81 و عن ابن سعد ج 2 ص 221 و عن الطبري، و راجع: تلخيص الحبير ج 5 ص 187 و نيل الأوطار ج 4 ص 77 و مجمع الزوائد ج 9 ص 37 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1715 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 296 و أسد الغابة ج 5 ص 254 و البداية و النهاية ج 5 ص 291 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 538.

و عند مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: صلوا عليه فنادى مناد: صلوا أفواجا بلا إمام (1).

قال المفيد: «و لما فرغ من غسله تقدم فصلى عليه وحده، و لم يشركه معه أحد في الصلاة عليه.

و كان المسلمون يخوضون في من يؤمهم في الصلاة عليه، و أين يدفن، فخرج إليهم أمير المؤمنين «عليه السلام» و قال لهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إمامنا حيا و ميتا، فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم، فيصلون عليه بغير إمام، و ينصرفون. .

إلى أن قال: فسلم القوم بذلك، و رضوا به» (2).

صلاة أهل السقيفة على النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد صرحت بعض الروايات المتقدمة: بأنه لم يبق في المدينة حر و لا عبد إلا صلى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 330. و راجع: التنبيه و الإشراف ص 245.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 187 و البحار ج 22 ص 517 و راجع ص 524 و 529 و 536 عن فقه الرضا ص 20 و الأنوار البهية ص 47 و ينابيع المودة ج 2 ص 339 و عن كفاية الأثر ص 304.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و 330 عن أحمد و أبي يعلى، و مجمع الزوائد ج 9 ص 33 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 371.

و زعم حرام بن عثمان: أن أبا بكر قد أمّهم في الصلاة عليه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

قال محمد بن عمر الأسلمي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: وجدت هذا في صحيفة بخط أبي فيها: أنه لما كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وضع على سريره دخل أبو بكر و عمر فقالا: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته. و معهما نفر من المهاجرين و الأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر و عمر، و صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد، فقال أبو بكر و عمر-و هما في الصف الأول حيال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -: اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، و نصح لأمته، و جاهد في سبيل اللّه تعالى، حتى أعز اللّه تعالى دينه و تمت كلماته، فآمن به وحده لا شريك له، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، و اجمع بيننا و بينه حتى يعرفنا و نعرفه، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبتغي بالإيمان بدلا، و لا نشتري به ثمنا أبدا.

فيقول الناس: آمين آمين!

ثم يخرجون و يدخل آخرون، حتى صلى عليه الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 331 و نيل الأوطار ج 4 ص 77.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 330 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 528 و البداية و النهاية ج 5 ص 286 و تنوير الحوالك ص 239 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 290 و كنز العمال ج 7 ص 228 و راجع: إمتاع الأسماع ج 14 ص 583.

و نقول: إننا لا نريد التحدث عن ضعف سند رواية حرام بن عثمان، و انقطاعه، و إنما نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

أولا: إنهم يقولون: و لم يحضر أهل السقيفة، و كان علي أنفذ إليهم بريدة (1).

ثانيا: سؤال علي «عليه السلام» حين فرغ من دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن خبر أهل السقيفة (2).

ثالثا: هناك خلاف في وقت دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هل دفن ليلة الثلاثاء. أم بعد وفاته بساعات؟ ! أم دفن يوم الثلاثاء؟ ! مع تصريحهم بأن أهل السقيفة قد فرغوا من سقيفتهم في يوم الثلاثاء بالذات، فراجع (3).

رابعا: إن النص الذي ترويه لنا هذه الرواية ليس هو نص الصلاة على الميت، لا عند السنة و لا عند الشيعة، و إنما هو مجرد دعاء و شهادة.

كيفية الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله:

يستفاد من الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها أن الصلاة على النبي


1) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 205 و 206 و الأنوار البهية ص 48 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 263 و 264 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 349 و الدر النظيم ص 195 و البحار ج 22 ص 525 و عن إعلام الورى ص 143 و 144.

2) راجع: الأمالي للسيد المرتضى ج 1 ص 198.

3) راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

«صلى اللّه عليه و آله» إنما كانت مجرد دعاء و شهادة، و هذا هو ما تؤكده سائر النصوص الأخرى أيضا، حيث دلت على أن عليا و أهل البيت «عليهم السلام» معه دون غيرهم هم الذين صلوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» الصلاة المشروعة على الميت. . و يدل على ذلك أيضا ما يلي:

1-صرح ابن سعد في رواية له عن علي «عليه السلام» بكيفية صلاتهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: فكان يدخل الناس رسلا رسلا، فيصلون عليه صفا صفا، ليس لهم إمام، يقولون: سلام عليك أيها النبي، و رحمة اللّه و بركاته (1).

2-و روى سالم بن عبد اللّه قال: قالوا لأبي بكر: هل يصلّى على الأنبياء؟ !

قال: يجيء قوم فيكبرون، و يدعون، و يجيء آخرون، حتى يفرغ الناس (2).

ملاحظة: لعل الذي دعا أبا بكر إلى إنكار الصلاة على الأنبياء بعد موتهم هو تبرير عدم حضوره للصلاة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بسبب انشغاله بالسقيفة. .

3-قيل للإمام الباقر «عليه السلام» : كيف كانت الصلاة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: لما غسله أمير المؤمنين كفنه و سجاه، و أدخل عليه عشرة، فداروا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و راجع: تنوير الحوالك ص 239 و كنز العمال ج 7 ص 254 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 291.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 330 و تنوير الحوالك ص 239 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 398.

حوله ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم، فقال: إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (1)، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة و أهل العوالي (2).

4-قال في «المورد» نقلت من خط شيخنا الحافظ الزاهد أبي عبد اللّه محمد بن عثمان المعروف بالضياء الرازي قال: قال سحنون بن سعيد: سألت جميع من لقيت من فقهاء الأمصار من أهل المغرب و المشرق، عن الصلاة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد وفاته: هل صلوا عليه؟ و كم كبر عليه؟ فكل لم يدر حتى قدمت المدينة، فلقيت عبد اللّه بن ماجشون فسألته فقال: صلّي عليه اثنان و تسعون صلاة، و كذلك صلّي على عمه حمزة.

قال: قلت: من أين لك هذا دون الناس؟

قال: وجدتها في الصندوق التي تركها مالك، و فيه عميقات المسائل، و مشكلات الأحاديث بخطه عن نافع عن ابن عمر.

قال الحافظ أبو الفضل العراقي في سيرته المنظومة:

و ليس ذا متصل الإسنادعن مالك في كتب النقاد (3)

فهذا يعطي: أن أحدا من سائر المسلمين لم يصل على رسول اللّه «صلى


1) الآية 56 من سورة الأحزاب.

2) راجع: الكافي ج 1 ص 450 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 206 و البحار ج 22 ص 539 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 348 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 263 و 265 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 450 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 304.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 332.

اللّه عليه و آله» ، و لا سيما مع كون ابن القصار حكى الخلاف: هل صلوا عليه الصلاة المعهودة، أو دعوا فقط؟ ! و هل صلوا عليه أفرادا أو جماعة؟ ! (1).

و قد يؤيد ذلك: ما أوضحناه في الجزء الأول من هذا الكتاب من فشوّ جهل الناس آنئذ بأحكام الشريعة، فلا نتوقع أن يكون كثير منهم وقتئذ يحسنون الصلاة على الميت، بل لعل بعض من كان مشاركا في السقيفة لم يكن يحسنها أيضا.

5-قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أوصى بأن يصلّى عليه بدون إمام، يقابله ما تقدم من أنه أوصى عليا «عليه السلام» بأن يصلي عليه. و قد فعل.

إلا إذا كان المقصود: أن الناس الآخرين-باستثناء علي «عليه السلام» و أهل بيته-إذا أرادوا الصلاة عليه، فليصلوا عليه من دون إمام، حتى لا يتخذ ذلك ذريعة لادّعاء: أن الإمام في الصلاة عليه هو الإمام للأمة.

ثم قد يدعي محبو ذلك الذي يتصدى لهذا الأمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمره بذلك، أو أوصى إليه به، ليجعلوا ذلك إشارة إلى خلافته. .

و قد تنبه إلى ما ذكرناه المحقق البحراني أيضا حيث قال: «و أنت خبير بأنه ربما ظهر من التأمل في هذه الأخبار الواردة في صلاة الناس على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فوجا فوجا إنما هو بمعنى الدعاء خاصة، و أنه لم يصل


1) نيل الأوطار ج 4 ص 77 و تلخيص الحبير ج 5 ص 187.

عليه الصلاة المعهودة إلا علي «عليه السلام» مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الإحتجاج، و إليه تشير أيضا صحيحة الحلبي أو حسنته.

و قوله فيها: «ثم قام علي «عليه السلام» على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس الخ. .» فإن ظاهر صحيح أبي مريم الأول و قوله فيه: «فإذا دخل قوم داروا به و صلوا و دعوا له» أنهم يحيطون به من جميع الجهات و يدعون له، و هكذا من يدخل بعدهم.

و كذا قوله في حديثه الثاني: «ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله-يعني بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» كما دل عليه خبر الإحتجاج- ثم وقف أمير المؤمنين «عليه السلام» في وسطهم فقال: . . الحديث» . فإنه ظاهر في أن الصلاة كانت بهذه الكيفية كما يدل عليه قوله: «فيقول القوم كما يقول» .

و إليه يشير قوله في حديث جابر: «إنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول في حال صحته: «أن هذه الآية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت» و لا ريب أن الصلاة في الآية إنما هي بمعنى الدعاء (1).

تكفين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

عن ابن عباس: إن مما أوصى به النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» قوله: و كفني في طمريّ هذين، أو في بياض مصر و برد اليمان. و لا تغال في كفني (2).


1) الحدائق الناضرة ج 10 ص 451.

2) البحار ج 22 ص 507 و الأمالي للصدوق ص 732 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 72 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 206 و 222 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 231 و 236 و 240.

و روي أن عليا «عليه السلام» غسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قميص. و كفنه في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، و ثوب حبرة يمنية (1).

و عن زيد الشحام، قال: سئل أبو عبد اللّه «عليه السلام» عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بما كفن؟

قال: في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين و برد حبرة (2).


1) البحار ج 22 ص 516 و ج 22 ص 538 و ج 47 ص 368 و ج 78 ص 318 و 333 و فقه الرضا ص 20 و (بتحقيق مؤسسة آل البيت) ص 183 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 205 و 206 و 207 و ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول ج 1 ص 361 و راجع: التحفة السنية (مخطوط) للسيد عبد اللّه الجزائري ص 352 و رياض المسائل للطباطبائي ج 2 ص 168 و مستند الشيعة للمحقق النراقي ج 3 ص 180 و جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج 4 ص 196 و الكافي ج 1 ص 400 و دعائم الإسلام ج 1 ص 231 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 291 و 291 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 7 و 8 و 9 و 11 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 726 و 727 و 728 و 729 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 421 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 237.

2) البحار ج 22 ص 538 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 40 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 400 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 474 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 145 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 3 و 53 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 38 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 329 و قاموس الرجال ج 9 ص 104 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 285 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 351 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 114 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 451 و التنبيه و الإشراف ص 244 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 284 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1077 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 524.

و صحار: قرية باليمن.

و قيل: هو من الصحرة. و هي حمرة خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر، و صحاري.

علي عليه السّلام كفن النبي صلّى اللّه عليه و آله وحده:

و قد تولى علي «عليه السلام» وحده تكفين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، فقد ورد في حديث المناشدة يوم الشورى قوله «عليه السلام» : فهل فيكم من كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وضعه في حفرته غيري (1).

و نقول:

حديث أهل البيت عليهم السّلام هو الأصح:

إن إيمان أي إنسان لا يتم إلا إذا كان على يقين بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يهتم بمراعاة أحكام الشريعة، و اختيار كل ما هو أفضل و أقرب إلى رضا اللّه تبارك و تعالى. . و كذلك كان علي «عليه السلام» الذي تولى تغسيل و تكفين و تجهيز و دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) البحار ج 22 ص 543 و الأمالي للشيخ ج 2 ص 4 و 6 و (ط دار الثقافة) ص 547.

فإذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى عليا «عليه السلام» بأن يتولى ذلك كله، و كان علي «عليه السلام» على علم تام بكل ما هو أفضل، سواء أصرّحت النصوص بأنه «عليه السلام» قد سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن تفاصيل ما سيقوم به، أو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه بادر إلى بيانها له، أو لم تصرح بشيء من ذلك، فالمتوقع هو أن ينفذ «عليه السلام» وصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكل دقة، و أن يتوخى الأرجح و الأفضل من ذلك كله عند اللّه تبارك و تعالى. .

و من جهة أخرى، فإننا إذا أردنا أن نتحرى الدقة و الصحة في معرفة الحكم الشرعي، و التوجيه الإلهي لما هو أفضل و أمثل، فعلينا أن نتوجه إلى نفس ذلك الذي أوصانا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يتولى ذلك منه، و قد قام بالمهمة على أفضل وجه و اتمه، فنسأله عما فعل، و نأخذ به على أنه هو الراجح و المرضي للّه دون سواه.

و علينا أن نعتبر ما يخالف ما يخبرنا به أنه قد حصل الوهم فيه، أو تعرض للتلاعب و التزوير. .

و قد ذكرنا آنفا: أن عليا و أهل بيته «عليهم السلام» يقولون: إنه «عليه السلام» قد كفنه بثوبين صحاريين، و بردة حبرة يمنية. .

و قد روى أبو داود عن جابر هذا المعنى أيضا (1).

فلا قيمة لكل ما رووه مما يخالف ذلك، و مع ذلك نقول:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 عن أبي داود بإسناد حسن، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (315) . و نيل الأوطار ج 4 ص 71 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 65.

تناقض روايات أهل السنة:

إن تناقض الروايات الواردة من غير طريق علي و أهل بيته «عليهم السلام» يكفي للريب في صحتها، و لإسقاطها عن درجة الإعتبار، فكيف إذا كانت التناقضات قد ظهرت في روايات الراوي الواحد، مثل الروايات عن عائشة و ابن عباس مثلا؟ ! إذ لا ريب في أن هذا التناقض يدل على أن شيئا واحدا من هذه المتناقضات يحتمل في حقه الصحة، و يحكم على الباقي بأنه ساقط و مكذوب بلا ريب.

و بذلك نعرف: أن ما رواه أبو داود مما يتوافق مع المروي عن علي و أهل البيت «عليهم السلام» هو الأقوى و الأقرب إلى الإعتبار.

و للتدليل على صحة ما نقول نذكر من رواياتهم المتناقضة خصوص ما ذكره الصالحي الشامي، و نكتفي به عما سواه، و هو ما يلي:

روى الشيخان و البيهقي عن عائشة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية من كرسف ليس فيها قميص و لا عمامة (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 3 ص 135(1264) و (ط دار الفكر) ج 2 ص 77 و 106 و مسلم ج 2 ص 649 (45/941) و مالك في الموطأ ج 1 ص 223(5) و أبو داود (3151 و 3152) و ابن سعد ج 2 ص 215 و أحمد ج 6 ص 40 و 93 و 118 و 123 و 165 و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 246 و النسائي ج 4 ص 35 و 36. و راجع: المعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 279 و كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 303 و المبسوط للسرخسي ج 2 ص 60 و 73 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 306 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 329 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 339 و المحلى لابن حزم ج 5 ص 118 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 186 و نيل الأوطار ج 4 ص 70 و كتاب المسند للشافعي ص 356 و سنن النسائي ج 4 ص 35. بالإضافة إلى مصادر كثيرة أخرى.

و رواه ابن ماجة: و زاد: فقيل لعائشة: إنهم كانوا يزعمون أنه قد كان كفن في حبرة.

فقالت: قد جاؤوا ببرد حبرة، فلم يكفنوه فيها (1).

و في رواية للشيخين و أبي داود: و أدرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حلة يمانية كانت لعبد الرحمن بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، و كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص و لا عمامة.

و في رواية أخرى لهما: أما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة، و كفن في ثلاث أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد اللّه بن أبي بكر، فقال: احبسها حتى أكفن فيها.

ثم قال: لو رضيها اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» لكفنه فيها، فباعها و تصدق بثمنها (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 و قال في هامشه: عن الدلائل للبيهقي ج 7 ص 248 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 399 و (ط دار الفكر) ج 3 ص 401 و أبو داود (3149) . و سنن ابن ماجة ج 1 ص 472.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 و قال في هامشه: عن ابن ماجة ج 1 ص 472 (1469) . و راجع: صحيح مسلم ج 3 ص 49 و كنز العمال ج 7 ص 257 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 282 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 400 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 284 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 576 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 523.

إلى أن قال:

و روى ابن أبي شيبة، بسند فيه عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي عن أبيه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفن في سبعة أثواب.

و روى أبو يعلى، عن الفضل بن عباس قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثوبين أبيضين سحوليين (1).

و روى الإمام أحمد و البزار، بسند حسن عن علي قال: كفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سبعة أثواب (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 و قال في هامشه: أخرجه أبو يعلي ج 12 ص 88(5/6720) و فيه سليمان الشاذكوني وضّاع، و راجع: مسند أبي يعلى ج 12 ص 88 و المعجم الكبير ج 18 ص 275 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 143 و البداية و النهاية ج 5 ص 284 و 285 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 525.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 326 و قال في هامشه: انظر المجمع ج 3 ص 26 في باب ما جاء في الكفن، و المحلى لابن حزم ج 5 ص 119 و تلخيص الحبير ج 5 ص 132 و سبل السلام ج 2 ص 95 و نيل الأوطار ج 4 ص 71 و مسند أحمد ج 1 ص 94 و 102 و مجمع الزوائد ج 3 ص 23 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 65 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 148 و نصب الراية ج 2 ص 310 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 231 و كنز العمال ج 7 ص 256 و 260 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 287 و كتاب المجروحين ج 2 ص 3 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 129 و تاريخ بغداد ج 3 ص 278 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 580.

و روى البزار برجال الصحيح، عن أبي هريرة قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ريطتين و برد نجراني (1).

و روى الطبراني بسند حسن، عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفن في ثلاثة أثواب، أحدها قميص.

و روى ابن سعد عن ابن عمر قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثلاثة أثواب بيض يمانية (2).

و روى ابن سعد، و البيهقي، عن الشعبي قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثلاثة أثواب سحولية، برود يمانية غلاظ، إزار، و رداء، و لفافة (3).

و روى الإمام أحمد، و أبو داود، و ابن ماجة بسند ضعيف، عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفن في ثلاثة أثواب، قميصه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 327 و قال في هامشه: انظر المجمع ج 3 ص 26 و ابن سعد ج 2 ص 217 و (ط دار صادر) ج 2 ص 284. و راجع: عمدة القاري ج 8 ص 49 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 140 و البداية و النهاية ج 5 ص 285 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 526.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 327 و قال في هامشه: عن ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 216 و (ط دار صادر) ج 2 ص 282. و راجع: كنز العمال ج 7 ص 257.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 327 و في هامشه: عن ابن سعد ج 1 ص 218 و (ط دار صادر) ج 2 ص 285 و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 249. و راجع: كنز العمال ج 7 ص 257 و سبل السلام ج 2 ص 94 و عمدة القاري ج 8 ص 49 و شرح سنن النسائي ج 4 ص 35 و حاشية السندي على النسائي ج 4 ص 35.

الذي مات فيه و حلة نجرانية (1).

و روي عنه قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثوبين أبيضين و في برد أحمر.

و روى ابن سعد من طرق صحيحة، عن سعيد بن المسيب قال: كفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ريطتين و برد نجراني.

و روى عبد الرزاق، عن معمر عن هشام بن عروة، قال: لف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في برد حبرة جعل فيه ثم نزع عنه (2).

و بملاحظة هذه التناقضات يتضح: أن الرجوع إلى كتاب اللّه و عترة نبيه، هو الذي يوجب الأمن من الضلال، كما قرره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرات و مرات في المواقف المختلفة. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 327 و قال في هامشه: أبو داود ج 1 ص 216 (3153) . و راجع: تلخيص الحبير ج 5 ص 132 و نيل الأوطار ج 4 ص 70 و مسند أحمد ج 1 ص 222 و عمدة القاري ج 8 ص 49 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 65 و عون المعبود ج 8 ص 297 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 144 و المعجم الكبير ج 11 ص 320 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 5 و 16 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 163 و ج 22 ص 142 و نصب الراية ج 2 ص 310 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 230 و البداية و النهاية ج 5 ص 284 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 136 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 524.

2) جميع ما تقدم ذكره الصالحي الشامي في كتابه سبل الهدى و الرشاد و أشير إليه في هوامشه، فراجع: ج 12 ص 326 و 327. و راجع في المورد الأخير: نيل الأوطار ج 4 ص 71 و فتح الباري ج 3 ص 108.

تناقض موهوم:

و ذكروا: أنهم حين أرادوا تكفينه شق علي «عليه السلام» قميصه من قبل جيبه، حتى بلغ سرته (1).

و لا ينافي ذلك ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجرد من قميصه (2). فإن المقصود: أنه لم يجرد للغسل، فلا ينافي تجريده للتكفين.


1) علل الشرائع ج 1 ص 310 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 200 و البحار ج 22 ص 518 و 529 و الإرشاد (ط دار المفيد) ج 1 ص 187 و إعلام الورى ص 143 و 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 269 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155 و قصص الأنبياء للراوندي ص 357.

2) الخصال ج 2 ص 573 و 574 و البحار ج 22 ص 544 و 546 و ج 31 ص 434 و ج 78 ص 305. و مستدرك الوسائل ج 2 ص 198 و الأمالي للشيخ الطوسي ج 2 ص 7 و 8 و عن الطرائف ص 44 و 45 و 48 و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 418 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 155 و مستند الشيعة للنراقي ج 3 ص 150.

الباب الثالث عشر: دفن الرسول صلّى اللّه عليه و آله حدث. . و تحقيق

اشارة

الفصل الأول: دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

الفصل الثاني: أبن دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله

الفصل الثالث: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات شهيدا

الفصل الرابع: جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله في السماء

الفصل الأول: دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحداث و تفاصيل:

و دخل أمير المؤمنين «عليه السلام» و العباس بن عبد المطلب، و الفضل بن العباس، و أسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي، إنا نذكرك اللّه و حقنا اليوم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يذهب، أدخل منا رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال: ليدخل أوس بن خولي، و كان بدريا فاضلا من بني عوف من الخزرج، فلما دخل قال له علي «عليه السلام» : انزل القبر.

فنزل و وضع أمير المؤمنين رسول اللّه «عليهما السلام» على يديه و دلاه في حفرته، فلما حصل في الأرض قال له: اخرج.

فخرج، و نزل علي القبر، فكشف عن وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وضع خده على الأرض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن، و أهال عليه التراب (1).


1) البحار ج 22 ص 519 و 521 و 530 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 188 و إعلام الورى ص 143 و 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 270 و الأنوار البهية ص 48 و مستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 706 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 425 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 330 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 152 و الدر النظيم ص 196 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 328 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 252 و عن سنن ابن ماجة ج 1 ص 496.

و كان ذلك في يوم الإثنين، لليلتين بقيتا من صفر، سنة عشر من هجرته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ابن ثلاث و ستين سنة.

و لم يحضر دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين و الأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، و أصبحت فاطمة «عليها السلام» تنادي: وا سوء صباحاه.

فسمعها أبو بكر، فقال لها: إن صباحك لصباح سوء.

و اغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب «عليه السلام» برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و انقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتبادروا إلى ولاية الأمر، و اتفق لأبي بكر ما اتفق، لاختلاف الأنصار فيما بينهم، و كراهية الطلقاء و المؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتى يفرغ بنو هاشم، فيستقر الأمر مقره، فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان (1).

و نذكر القارئ بما يلي:

1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، و قد ذكرنا ذلك أكثر من مرة، و قد صرح الشيخ المفيد بذلك


1) البحار ج 22 ص 518 و 519 و 520 و 529 و 530 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 188 و الأنوار البهية ص 50.

أيضا، فقال: «و قد جاءت الرواية: أنه لما تم لأبي بكر ما تم و بايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» و هو يسويّ قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمسحاة في يده، فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر، و وقعت الخذلة في الأنصار لاختلافهم، و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر.

فوضع طرف المسحاة في الأرض و يده عليها ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الم أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكٰاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ (1)» (2).

2-إننا لا ننكر ان يكون أناس من الأنصار و بعض من المهاجرين ممن لا حول لهم و لا قوة قد بقوا في المسجد، أو على مقربة منه، و أن يطلب هؤلاء أو أولئك من علي «عليه السلام» أن ينالوا شرف المشاركة في مراسم دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيشركهم «عليه السلام» في ذلك. .

في حين أن الطامحين و الطامعين لم يكترثوا لموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل تجمعوا و اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لابتزاز هذا الأمر من صاحبه الشرعي على حين غفلة، حيث كان مشغولا بتجهيز و دفن خير خلق اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) الآيات 1-4 من سورة العنكبوت.

2) البحار ج 22 ص 518-520 و ج 24 ص 230 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 149 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 189.

3-قد صرح المفيد «رحمه اللّه» : بأن دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في يوم الإثنين في الثامن و العشرين من شهر صفر. .

و هذا هو المؤيد بالشواهد العديدة، و ذلك في غياب أكثر المهاجرين و الأنصار، لا نشغالهم في السقيفة. .

أما دعوى تأخير دفنه «صلى اللّه عليه و آله» يومين أو أكثر، فلا مبرر لقبولها، فإن من الواضح: أن تجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دفنه لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث على أبعد تقدير. فلما ذا يبقى النبي الأعظم بلا دفن، مع أن التعجيل في دفن الموتى مستحب، و لم يكن علي «عليه السلام» ليفرط في هذا المستحب من دون داع أهم، أو سبب موجب.

4-و لا نريد التعليق على قول أبي بكر لفاطمة الزهراء «عليها السلام» : إن صباحك لصباح سوء، بل نترك ذلك للقارئ الكريم المؤمن و المنصف. .

أبو طلحة يلحد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد وضع «عليه السلام» سرير النبي «صلى اللّه عليه و آله» عند رجل القبر، و سلّه سلاّ (1).


1) البحار ج 22 ص 541 و في هامشه عن تهذيب الأحكام ج 1 ص 30 و (ط) ج 1 ص 296 و راجع: مصباح الفقيه (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 417 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 184 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 850 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 230 و منتقى الجمان ج 1 ص 259.

و عن ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سلّ من قبل رأسه (1).

و روي: أن أبا طلحة لحد له «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم خرج أبو طلحة، و دخل علي «عليه السلام» القبر، فبسط يده، فوضع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أدخله اللحد (2).

و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحد له أبو طلحة الأنصاري (3).

و عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، و كان يضرح لأهل مكة. و قال لآخر: اذهب إلى أبي طلحة، و كان هو الذي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 و المسند للشافعي ج 1 ص 215 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 54 و نصب الراية ج 2 ص 350 و 351 و كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 311 و مختصر المزني ص 39 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 492 و راجع: المعتبر ج 1 ص 299 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 2 ص 91 و (ط. ق) ج 1 ص 52 و نهاية الإحكام للعلامة الحلي ج 2 ص 275.

2) البحار ج 22 ص 516 ج 78 ص 318 و عن فقه الرضا ص 20 و (نشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا) ص 183 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 400 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 316.

3) البحار ج 22 ص 538 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 46 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 3 ص 166 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 1 ص 451 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 166 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 836 و رياض المسائل ج 2 ص 218 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 100 و نهاية الإحكام للعلامة الحلي ج 2 ص 274 و المعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 296.

يحفر لأهل المدينة، و كان يلحد.

فقالوا: اللهم خر لرسولك، فوجدوا أبا طلحة، فجيء به، و لم يوجد أبو عبيدة، فلحد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، وسط الليل من ليلة الأربعاء (1).

و في نص آخر قالوا: نستخير ربنا، و نبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فارسلوا إليهما، فسبق صاحب اللحد الخ. . (2).

و نقول:

ألف: إذا كان الراجح و المستحب شرعا هو اللحد، فلم يكن علي «عليه السلام» ليختار أو ليرضى بغير ما هو راجح شرعا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 عن أبي يعلى و ابن ماجة و في هامشه عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 252 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 496 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 228 و (ط دار صادر) ج 2 ص 298 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 451 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 349 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 8 و كنز العمال ج 7 ص 236 و نصب الراية ج 2 ص 350 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 31 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 408 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1077 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 566 و تنوير الحوالك ص 240 و البحار ج 22 ص 518-520 و الإرشاد للمفيد.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 336 و في هامشه عن: الموطأ ج 1 ص 231 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 496. و راجع: نيل الأوطار ج 4 ص 125 و مسند أحمد ج 3 ص 139 و عمدة القاري ج 8 ص 159 و عون المعبود ج 9 ص 19 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 534 و البداية و النهاية ج 5 ص 289 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 239 و نصب الراية ج 2 ص 349.

ب: ليس اللحد فنا فريدا يحتاج إلى متخصص فيه، بحيث لا يحسنه غيره، بل هو أمر ميسور لكل أحد. و لا معنى لترك ذلك للصدف كما زعموا.

ج: إن أبا عبيدة حفار القبور كان في السقيفة، يسعى في البيعة لأبي بكر، فكيف يترك موقعه، و يأتي لحفر قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

د: إن عليا «عليه السلام» لم يكن ليؤخر دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ إن التعجيل راجح و مستحب (1). و لا مانع من العمل به، و لا ضرورة تلجئ إلى ما عداه. .

و قد ادّعى بعضهم: أن السبب في التأخير هو عدم اتفاقهم على موته (2).

و يردّ هذه الدعوى: أن اختلافهم في موته لم يدم طويلا، و قد حسم الأمر بمجيء أبي بكر من السنح، الذي لم يكن يحتاج إلى أكثر من نصف ساعة، إلا إذا كان أبو بكر قد تعمد أن يتأخر يومين، أو أكثر، لينجز مهمة كبيرة، تحتاج إلى كل هذا الوقت الطويل، فلنا أن نسأل عن طبيعة هذا العمل الذي هو عنده أهم من وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحتاج إلى كل هذا الوقت.

فقد يقال: إن هذه المهمة هي جمع آلاف الرجال، و إعدادهم في مواضع


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 333. راجع: الكافي ج 3 ص 137 باب تعجيل الدفن.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 333 و تفسير القرطبي ج 4 ص 224.

معينة على مشارف المدينة، ليدخلوها ليلا، ليفرضوا هيمنتهم و قرارهم فيما يرتبط بالبيعة لأبي بكر، و منع الآخرين من أي تحرك. و هذا ما سوف نبينه فيما يأتي.

و في جميع الأحوال نقول:

إنه لا معنى لتأخير دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى وسط ليلة الأربعاء كما يدّعون. . فالصحيح أنه «صلى اللّه عليه و آله» دفن في نفس يوم الإثنين كما هو واضح.

شقران. . و القطيفة الحمراء:

و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: ألقى شقران مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قبره القطيفة (1).

زاد بعضهم: أنها كانت حمراء، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يلبسها.


1) البحار ج 22 ص 539 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 54 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 3 ص 197 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 189 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 854 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 عن الترمذي (1047) و انظر شرح السنة ج 3 ص 266 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 342 و كشف اللثام (ط. ج) ج 2 ص 407 و (ط. ق) ج 1 ص 138 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 118 و غنائم الأيام ج 3 ص 541 و جواهر الكلام ج 4 ص 333.

و قال: و اللّه لا يلبسها أحد بعدك أبدا (1).

و نقول:

أولا: إن ما يلبسه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصبح بعد موته للورثة، فلا يحق لشقران، و لا لغيره أن يتصرف فيه إلا الإمام «عليه السلام» .

و شقران إنما كان مولى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس وارثا، و لا كان هو الإمام المفترض الطاعة، و النافذ الحكم كرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: لما ذا خص شقران بقراره هذا هذه القطيفة الحمراء؟ و لما ذا لم يعممه لما سواها مما كان يلبسه أو يستعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثالثا: قد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمرهم بوضع القطيفة تحته في القبر، معللا أمره هذا بقوله: فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء (2).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 و 335 عن أبي يعلى و ابن ماجة، و في هامشه عن: البيهقي في دلائل النبوة، و عن مسلم ج 2 ص 665(91/967) و عن الترمذي، و راجع: سنن ابن ماجة ج 1 ص 521 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 300 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 452 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1078.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 و 336 و في هامشه عن ابن سعد ج 2 ص 229 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 269 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 289 و عن كنز العمال (42245) . و راجع: شرح سنن النسائي ج 4 ص 84 و حاشية السندي على النسائي ج 4 ص 82 و 84 و الجامع الصغير ج 1 ص 184 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 299 و كنز العمال ج 15 ص 577 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 535 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 493.

و لعله لأجل هذا قال ابن سعد: قال وكيع: هذا للنبي خاصة (1).

و لكن رواية أخرى عن الحسن تقول: إنه علل ذلك بقوله: و كانت أرضا ندية (2).

لم ينزل في حفرة النبي صلّى اللّه عليه و آله غير علي عليه السّلام:

ورد في حديث المناشدة يوم الشورى: أن عليا «عليه السلام» قال لهم: «فأنشدكم اللّه، هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول اللّه غيري» .

قالوا: اللهم لا (3).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 299 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 586 و شرح سنن النسائي ج 4 ص 82 و حاشية السندي على النسائي ج 4 ص 82 و مسند ابن الجعد ص 196.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 229 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 53 و شرح سنن النسائي ج 4 ص 82 و حاشية السندي على النسائي ج 4 ص 82.

3) الأمالي للشيخ الطوسي ص 7 و 8 و (ط دار الثقافة للطباعة و النشر و التوزيع- قم) ص 555 و البحار ج 22 ص 544 و ج 31 ص 368 عنه، و كتاب الولاية لابن عقدة ص 165.

قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

عن أبي البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي «عليه السلام» : إن قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رفع من الأرض قدر شبر، و أربع أصابع، و رش عليه الماء. . قال علي «عليه السلام» : و السنة أن يرش على القبر الماء (1).

و روى الكليني بسنده عن عقبة بن بشير، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : يا علي، ادفني في هذا المكان، و ارفع قبري من الأرض أربع أصابع، و رش عليه من الماء (2).

و روي عن أبي جعفر «عليه السلام» : أن قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رفع شبرا من الأرض (3).


1) قرب الإسناد (ط حجرية) ص 72 و (ط مؤسسة آل البيت) ص 155 و البحار ج 22 ص 506 و ج 79 ص 37 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 194 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 858 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 253 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 441 و الأنوار البهية ص 49.

2) البحار ج 22 ص 539 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 450.

3) البحار ج 22 ص 541 عن تهذيب الأحكام ج 1 ص 132 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 469 و كشف اللثام (ط. ج) ج 2 ص 395 و (ط. ق) ج 1 ص 137 و التحفة السنية (مخطوط) ص 356 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 125 و رياض المسائل ج 2 ص 233 و غنائم الأيام ج 3 ص 535 و مستند الشيعة ج 3 ص 275 و جواهر الكلام ج 4 ص 314 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 423 و علل الشرائع ج 1 ص 307 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 194 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 857 و البحار ج 22 ص 541 و ج 79 ص 14 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 441.

و ذكروا أيضا: أن عليا «عليه السلام» قد رفع القبر (1).

و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : جعل علي «عليه السلام» على قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبنا (2).

و ذكرت بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمرهم بنصب اللبن عليه (3).

و عن علي بن الحسين «عليه السلام» : نصبت عليه في اللحد تسع لبنات (4).


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 و البحار ج 22 ص 521 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 397 و الدر النظيم ص 196.

2) البحار ج 22 ص 539 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 54 و 55 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 3 ص 197 و الحبل المتين (ط. ق) للبهائي العاملي ص 70 و رياض المسائل للطباطبائي ج 2 ص 229 و غنائم الأيام ج 3 ص 532 و مستند الشيعة ج 3 ص 272 و جواهر الكلام ج 4 ص 308 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 423 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 189 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 854 و الأنوار البهية ص 49 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 404.

3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 و 336 عن مسدد، و عن مسلم و ابن سعد، و المطالب العالية ج 4 ص 258، و الحاكم و البيهقي و ابن ماجة عن إتحاف المهرة.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 و في هامشه عن: ابن سعد ج 2 ص 227 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 252. و راجع: روضة الطالبين للنووي ج 7 ص 409 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 586 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 48 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 535.

و عنه «عليه السلام» قال: قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محصب حصباء حمراء (1).

و عن جابر قال: رش على قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الماء رشا قال: و كان الذي رش على قبره الماء بلال بن رباح بقربة، بدءا من قبل رأسه من شقه الأيمن، حتى انتهى إلى رجليه. ثم ضرب الماء إلى الجدار، و لم يقدر على أن يدور من الجدار (2).

آخر الناس عهدا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و روي برجال ثقات عن أبي عسيب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما وضع في لحده، قال المغيرة بن شعبة: إنه قد بقي من قبل رجليه


1) البحار ج 22 ص 539 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 54 و 55 و (ط دار الكتب الإسلامية-طهران) ج 3 ص 201 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 203 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 864 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 443 و الأنوار البهية ص 49 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 461 و الدعوات للراوندي ص 273 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 137 و مستند الشيعة ج 3 ص 276.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 335 عن ابن سعد و البيهقي، و في هامشه عن ابن سعد ج 2 ص 233 و عن البيهقي ج 7 ص 264. و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 138.

شيء لم تصلحوه.

قالوا: فادخل فأصلحه.

فدخل فمسح قدميه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: أهيلوا عليّ التراب!

فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه، فخرج فجعل يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و عن عروة بن الزبير قال: لما وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في القبر، ثم قال: خاتمي.

فقالوا: ادخل فخذه.

قال: فدخل ثم قال: أهيلوا عليّ التراب.

فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف قدميه، فخرج.

فلما سوّي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اخرجوا حتى أغلق الباب، فإني أحدثكم عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: لعمري، لئن كنت أردتها لقد أصبتها (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 231 و (ط دار صادر) ج 2 ص 303. و راجع: مسند أحمد ج 5 ص 81 و مجمع الزوائد ج 9 ص 37 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 296 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1715 و أسد الغابة ج 5 ص 254 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 229 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 588 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 538.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 231 و (ط دار صادر) ج 2 ص 303 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 588.

و عن المغيرة بن شعبة قال: لأنا آخر الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حضرنا و لحدنا، فلما حضروا و دفنوا ألقيت الفأس في القبر، فقلت: الفأس الفأس، فأخذته و مسحت بيدي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

رواه أبو يعلى بلفظ: ألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي.

قال: انزل فخذ خاتمك.

و وضعت يدي على الكفن ثم خرجت، فنزلت فأخذت خاتمي (1). في سنده مجالد و هو ضعيف.

و روى الطبراني برجال ثقات-غير مجالد، و هو مختلف فيه-عن المغيرة بن شعبة قال: كنت فيمن حفر قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قالوا: فلحدنا لحدا، فلما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القبر طرحت الفأس ثم قلت: الفأس الفأس، ثم نزلت فوضعت يدي على اللحد (2).

و روى أيضا بإسناد قوي عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أربعة: أحدهم عبد الرحمن بن عوف، و كان المغيرة بن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 عن المطالب العالية ج 4 ص 263(4396 و 4397) و الآحاد و المثاني ج 3 ص 201 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 495 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 302 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 588 و تاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 29.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 و 339 و المعجم الكبير ج 20 ص 414 و مجمع الزوائد ج 9 ص 360 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 495.

شعبة يدّعي: أنه أحدث الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يقول: أخذت خاتمي، فألقيته، و قلت: خاتمي سقط من يدي، لأمسّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأكون آخر الناس عهدا به (1).

و نقول:

إن ما ادّعاه المغيرة لنفسه، لا يصح، كما أن ما ادّعوه لقثم بن العباس غير صحيح أيضا. . و إن صححه الحاكم، أو غيره. . فلاحظ ما يلي:

1-بالنسبة للمغيرة نقول:

قال الحاكم أصح الأقاويل: أن آخر الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قثم بن العباس (2).

و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: لما وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال علي: إنما ألقيته لتنزل.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 339 و مجمع الزوائد ج 9 ص 361 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 41 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 452 و البداية و النهاية ج 5 ص 291 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1078 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 537 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 495.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 339. و راجع: ذخائر العقبى ص 238 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 295 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1304 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 140 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 304 و أسد الغابة ج 4 ص 197 و تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 589 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 495.

فنزل فأعطاه إياه، أو أمر رجلا فأعطاه (1).

و عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل: أن نفرا من أهل العراق قالوا لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» : يا أبا الحسن، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه.

قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

قالوا: أجل، عن ذلك جئنا لنسألك.

قال: أحدث الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قثم بن العباس (2).

2-قال ابن كثير: و قول من قال: إن المغيرة بن شعبة كان آخرهم عهدا ليس بصحيح، لأنه لم يحضر دفنه، فضلا عن أن يكون آخرهم عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 عن البيهقي في الدلائل ج 7 ص 258 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1121. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 291 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 538 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 512.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 338 و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 257. و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 101 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 47 و أسد الغابة ج 4 ص 197 و البداية و النهاية ج 5 ص 290 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1078 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 537.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 339 و أسد الغابة ج 1 ص 34.

و قول الصالحي الشامي: فيه نظر، إنما استند فيه إلى دعاوى المغيرة نفسه. و هو غير مأمون في ذلك.

يكفي أن نذكر أن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» قد وصفه بقوله: «فإنه و اللّه دائما يلبس الحق بالباطل، و يموه فيه، و لم يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا» (1).

و قد تقدم في بعض المواضع من هذا الكتاب ما يشير إلى حال المغيرة، و يمكن مراجعة ترجمته في كتاب قاموس الرجال للعلامة التستري «رحمه اللّه» ، و في تنقيح المقال للعلامة المامقاني: ليقف الإنسان المنصف على حال هذا الرجل، و ما ارتكبه من موبقات و مآثم (2).

3-هناك ما ينفي حضور كل من المغيرة و عبد الرحمن بن عوف دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فضلا عن أن يكون عبد الرحمن بن عوف دخل معهم القبر، فقد قالوا: «ولي وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قبره هؤلاء الرهط الذين غسلوه: العباس، و علي، و الفضل، و صالح مولاه. و خلّى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين رسول اللّه و أهله، فولوا إجنانه» (3).


1) راجع: الأمالي للمفيد ص 218 و البحار ج 32 ص 125 و قاموس الرجال ج 10 ص 194.

2) راجع: قاموس الرجال ج 10 ص 194 و مستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 470 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 303.

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 2 ص 70 و (ط دار صادر) ج 2 ص 301 عن البدء و التاريخ، و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 337 و راجع: الغدير ج 7 ص 75.

4-في نص آخر: «و دخل القبر علي، و الفضل و قثم ابنا العباس، و شقران مولاه. و يقال: أسامة بن زيد. و هم تولوا غسله و تكفينه و أمره كله» (1).

5-في نص آخر: «و ولي دفنه و إجنانه أربعة من الناس» ثم ذكر أنهم: علي، و العباس، و الفضل، و صالح (2).

6-قال ابن سعد: «فلم يدفن حتى كانت العتمة، و لم يله إلا أقاربه» (3).

بل إن هذه النصوص نفسها تدل على عدم حضور أسامة بن زيد دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . فضلا عن صالح، و شقران، فإن أسامة لم يكن من أقارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا هو من أهله.

7-إن لدينا ما يدل على أن أحدث الناس عهدا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو علي «عليه السلام» . . فقد ورد في حديث المناشدة قول علي «عليه السلام» : «نشدتكم باللّه، أفيكم أحد كان آخر عهده برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى وضعه في حفرته غيري» ؟ ! .

قالوا: اللهم لا (4).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 339.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 339 عن الطبراني، و كنز العمال ج 7 ص 249 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 270. و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 205 و ج 8 ص 567.

3) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 304 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 396. و راجع: الغدير ج 7 ص 75.

4) راجع: المناقب للخوارزمي ص 315 و كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص 178 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 433 و 435 و كنز العمال ج 5 ص 726 و راجع: الأمالي للطوسي ص 547 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 118 و الطرائف لابن طاووس ص 413 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 222 و حلية الأبرار ج 2 ص 326 و كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص 433 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 5 ص 454 و نهج السعادة ج 1 ص 133 و 140 و ضعفاء العقيلي ج 1 ص 212 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 380 و مناقب علي بن أبي طالب للأصفهاني ص 129 و نهج الإيمان لابن جبر ص 530 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 116 و غاية المرام ج 5 ص 79 و ج 6 ص 6 و شرح إحقاق الحق ج 5 ص 30 و 39 و ج 8 ص 701 و 702 و ج 15 ص 684 و 686.

و يدل على ذلك أيضا قول عتبة بن أبي لهب:

ما كنت أحسب أن الأمر منصرفعن هاشم، ثم منها عن أبي حسن

إلى أن قال:

و آخر الناس عهدا بالنبي و منجبريل عون له في الغسل و الكفن (1)


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 124 و الغدير ج 3 ص 232 و ج 7 ص 93 عنه، و عن رسائل الجاحظ ص 22 و أسد الغابة ج 4 ص 40 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 164 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 3 ص 1133 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 21 و ج 13 ص 232 و الصراط المستقيم ج 1 ص 237 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 187 و البحار ج 12 ص 337 و ج 28 ص 352 و مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 47 و التفسير الكبير للرازي ج 2 ص 212 و ج 18 ص 212 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري ص 122 و العثمانية للجاحظ ص 293 و الوافي بالوفيات ج 21 ص 183.

الزهراء عليها السّلام ترثي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

عن علي بن أبي طالب «عليه السلام» قال: لما رمس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جاءت فاطمة «عليها السلام» ، فوقفت على قبره و أخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها و بكت، و أنشأت تقول:

ماذا على من شم تربة أحمدأن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت عليّ مصائب لو أنهاصبت على الأيام عدن لياليا (1)

و نقول:

إننا نشير إلى أمرين:

أحدهما: أن هذا الشعر قد تضمن أنها «عليها السلام» قد واجهت مصائب كبيرة، و عديدة، و موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس إلا إحدى المصائب. .

و هذا معناه: أنها قد قالت هذين البيتين بعد تعرضها للضرب، و إسقاط الجنين، و اقتحام البيت، و إشعال النار فيه، و ما إلى ذلك. . فإن هذه المصائب المتعددة يصح أن تصفها الزهراء «عليها السلام» بأنها لو صبت على الأيام


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 337 عن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي، و عن ابن الجوزي في الوفاء، و راجع: المغني لابن قدامة ج 2 ص 411 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 169 و الغدير ج 5 ص 147 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 483 و ج 25 ص 525 و نظم درر السمطين ص 181 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 75 و تفسير الآلوسي ج 19 ص 149 و الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج 1 ص 672.

صرنا لياليا.

و يؤكد ذلك: أن عليا «عليه السلام» حين دفن الزهراء «عليها السلام» خاطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «فاحفها السؤال، و استخبرها الحال، فكم من غليل معتلج في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، و ستنبؤك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها» (1).

فهناك إذن مصائب عديدة وردت على الزهراء «عليها السلام» لم تصل أخبارها إلينا، و لم تحدث بها الزهراء «عليها السلام» أحدا، و ليس استشهاد أبيها «صلى اللّه عليه و آله» إلا أحدها، فما هي هذه المصائب و البلايا يا ترى؟ !

الفطن الذكي هو الذي يدري! !

الثاني: قد اتضح مما تقدم: أن ثمة تدليسا ظاهرا في طريقة عرض ما جرى، لأنه أراد أن يوهم أن الهدف من هذا الشعر هو الإشارة إلى مصابها بموت رسول اللّه دون ما عداه، فادّعى: أن ذلك قد حصل بمجرد فراغهم من دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قال ابن سيد الناس: و لما دفن «عليه السلام» قالت فاطمة ابنته «عليها السلام» :


1) الكافي ج 1 ص 459 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 139 و البحار ج 43 ص 193 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 265 و دلائل الإمامة للطبري (الشيعي) ص 138 و قاموس الرجال ج 12 ص 325. و راجع: روضة الواعظين ص 152 و نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 182 و كشف الغمة ج 2 ص 127.

اغبر آفاق السماء و كورتشمس النهار و أظلم العصران

فالأرض من بعد النبي كئيبةأسفا عليه كثيرة الرجفان

فليبكه شرق البلاد و غربهاو لتكبه مضر و كل يمان

و ليبكه الطود المعظم جوهو البيت ذو الأستار و الأركان

يا خاتم الرسل المبارك ضوءهصلى عليك منزل الفرقان

و يروى أنها تمثلت بشعر فاطمة بنت الأحجم:

قد كنت لي جبلا ألوذ بظلهفتركتني أمشى بأجرد ضاح

قد كنت ذات حمية ما عشت ليأمشى البراز و كنت أنت جناحي

فاليوم أخضع للذليل و أتقىمنه و أدفع ظالمي بالراح

و إذا دعت قمرية شجنا لهاليلا على فنن دعوت صباح (1)

و لها «عليها السلام» :

كنت السواد لمقلتييبكي عليك الناظر

من شاء بعدك فليمتفعليك كنت أحاذر (2)

و قد نسبت هذه الأشعار لآخرين تمقلوا بها في مناسبات أخرة، و لا مانع من التعدد.


1) عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 434. و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 208 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 هامش ص 287 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 161 و ج 25 ص 523.

2) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 208.

الزهراء عليها السّلام تخاطب أنسا:

و تزعم بعض الروايات: أن السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» خاطبت أنسا بن مالك بعبارات مؤثرة، لتعبر له عن عميق حزنها على أبيها، فقد رووا عن أنس قال: لما دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قالت فاطمة «عليها السلام» : يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التراب؟ ! (1).

و نقول:

1-إن كلام الزهراء «عليها السلام» مع أنس مشكوك في صحته، فأنس أجنبي عن الزهراء «عليها السلام» ، و لم تكن الزهراء لتكلم رجلا أجنبيا إلا لضرورة، و ليس هذا من مواردها.

و إذا كان وجود الأجنبي الأعمى مع النساء مرفوضا عندها، لأنه يشم الريح، فما بالك بشاب في مقتبل العمر، و هو بكامل قواه، و في أوج فتوته؟ ! مع ما عرفناه عن أنس من عدم التزامه خط الإستقامة في تعامله، و حديث


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 337 عن البخاري، و ابن سعد، و المجموع للنووي ج 5 ص 308 و نيل الأوطار ج 4 ص 161 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 410 و عمدة القاري ج 18 ص 74 و فيض القدير ج 5 ص 471 و رياض الصالحين للنووي ص 75 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 592 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 403 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 14 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 382 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 144 و مسند أحمد ج 3 ص 204 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 311 و تاريخ بغداد ج 6 ص 259 و البداية و النهاية ج 5 ص 294 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 543.

الطائر المشوي، و حديث عدم إقراره بحديث الغدير فدعا «عليه السلام» عليه، و استجاب اللّه دعاءه فيه ليسا إلا شاهد صدق على ما نقول.

على أن نفس المضمون الذي نسب إليها «عليها السلام» لا يحمل أمرا ذا بال، يستحق حتى أن تتفوه به السيدة الزهراء «عليها السلام» أمام رجل أجنبي كأنس؟ ! . .

و لو سلمنا أنها قالت ذلك بسبب حرقتها و شدة حزنها على أبيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما ذا تختار أنسا لخطابها هذا، و لا تخاطب به عليا «عليه السلام» ، أو عباسا، أو سلمان، أو أبا ذر، أو غير هؤلاء ممن تعرف أن فقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يحزنهم حقا، و بدرجة كبيرة؟ !

إلا إذا فرض: أن الزهراء «عليها السلام» تتهم فريقا من الناس بأنهم يودّون موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن دفنه يفرحهم، فيكون سؤالها لأنس بمثابة اتهام له، و إفهامه هو و غيره بأنها على علم بما يفكر به هؤلاء، و أن إظهارهم الحزن مجرد تمثيل، يهدف إلى خداع الناس، و التعمية عليهم.

على أن أنسا كان معروفا بانحرافه عن علي «عليه السلام» ، و قضيته معه في حديث الطير، و كتمانه لحديث الغدير، و إصابة دعوة علي له مما لا يخفى على أحد.

الجزع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

روى المفيد بسنده إلى ابن عباس قال: لما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تولى غسله علي بن أبي طالب «عليه السلام» و العباس معه، و الفضل

بن العباس، فلما فرغ «عليه السلام» من غسله كشف الإزار عن وجهه، ثم قال: بأبي و أمي، طبت حيا، و طبت ميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك، من النبوة، و الأنبياء، خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، و عممت حتى صار الناس فيك سواء.

و لو لا أنك أمرت بالصبر، و نهيت عن الجزع لأنفذنا عليك الشؤون، و لكان الداء مما طلا، و الكمد محالفا، و قلاّ لك، و لكنه ما لا يملك رده، لا يستطاع دفعه.

ثم أكب عليه فقبل وجهه و الإزار عليه (1).

و الشؤون: هي منابع الدمع في الرأس.

و نقول:

قد يقال: إن عليا «عليه السلام» ذكر أن امتناعه عن إنفاذ ماء الشؤون عليه، لأن ذلك يعد جزعا، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بالصبر، و نهى عن الجزع.

مع أن ثمة نصا آخر مرويا عنه «عليه السلام» يخالف هذا المعنى و يدل على أنه لا مانع من الجزع عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث يقول: «إن الصبر لجميل إلا عنك، و إن الجزع لقبيح إلا عليك» (2).


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 228 و الأمالي للمفيد ص 60 و (نشر دار المفيد) ص 103 و البحار ج 22 ص 327 و البحار ج 22 ص 527 و 542 و الأنوار البهية ص 45 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 162 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 24 و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل للباقلاني ص 488.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 71 البحار ج 79 ص 134 و دستور معالم الحكم ص 198 و عيون الحكم و المواعظ للواسطي ص 150 و غرر الحكم ص 103 و نهاية الأرب ج 5 ص 193 و البحار ج 79 ص 134 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 498 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 195.

و قد جزع الإمام الصادق «عليه السلام» على ابنه إسماعيل جزعا شديدا (1)، و جزع آدم على ابنه هابيل (2).

و نجيب:

أولا: إنه لا منافاة بين ذلك كله، فإن للجزع مراتب، بعضها محرم مطلقا، حتى لو كان جزعا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الوصي، و هو ما يوجب اختلال الحال، لمجرد كونه أبا أو قريبا، أو لتخيله فوات أمر دنيوي بموته، و من دون أية فائدة أو عائدة، لا على الإنسان في مزاياه و أخلاقه، و لا على الدين. .

و هناك مرتبة من الجزع تحرم إذا كان المصاب بغير النبي و الوصي، و تحل إذا كان المصاب بهما «صلوات اللّه عليهما و آلهما» . شرط أن يكون له فائدة على الإنسان في إيمانه و تقواه، أو على نصرة الدين، و حفظ المسلمين، كجزع يعقوب على يوسف «عليهما السلام» ، الذي كان جزعا محبوبا للّه


1) راجع: بحار الأنوار ج 47 ص 249 و 250 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 60.

2) البحار ج 11 ص 224 و 230 و 240 و 264 و ج 23 ص 59 و 63 و 64 و علل الشرائع ج 1 ص 19 و تفسير العياشي ج 1 ص 306 و تفسير القمي ج 1 ص 166 و التفسير الصافي ج 1 ص 416 و ج 2 ص 29 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 432 و 616 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 341 و قصص الأنبياء للراوندي ص 58.

و مطلوبا، لأنه يعطيهم الإنطباع عن قيمة الإنسانية في الإنسان، المتمثلة بما تجلى في يوسف «عليه السلام» من خصال الخير، و حميد الصفات، و فريد المزايا لدى أنبياء اللّه و أصفيائه، و هو يؤكد عظم الخسارة بفقد هذا النوع من الناس.

بالإضافة إلى فوائد أخرى تعود على الجازع نفسه، تكاملا، و ثباتا، و صلابة في الدين، و جهادا و صبرا في سبيل اللّه تعالى، إلى الكثير من الفوائد الأخرى. .

فهذا الجزع المفيد جدا محبوب و مطلوب للّه تعالى، حتى لو أدى إلى العمى، أو الخوف من أن يكون حرضا (1)أو أن يكون من الهالكين. .

و أما الجزع على الناس العاديين الذي لا دافع له إلا شدة التعلق العاطفي، و لا فائدة منه و لا عائدة، فهو مبغوض للّه، و محرم على عباد اللّه تبارك و تعالى. لأنه إنما يعبر عن أنانية طاغية، و حب عارم للدنيا، و تعلق مقيت بها، لأنه إنما يجزع على شيء فقده، و لذة فاتته.

و ربما يبلغ حدّ إظهار الإعتراض على قضاء اللّه تعالى و قدره.

و هذا يفسر لنا الروايات الصحيحة التي أكدت على استحباب الجزع على الإمام الحسين «صلوات اللّه و سلامه عليه» ، و يبين لنا المراد من قول علي «عليه السلام» و هو يرثي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الجزع قبيح إلا عليك الخ. .» .


1) حرض حرضا من باب تعب: أشرف على الهلاك. راجع مجمع البحرين ج 1 ص 489.

ثانيا: قد يشار هنا إلى جواب آخر أيضا، و هو: أن الجزع، و إن كان جائزا عليه «صلى اللّه عليه و آله» و له درجة من الثواب، و لكن التجلد و الصبر هو الأفضل، و الأكثر ثوابا لأن فيه المزيد من المشقة و الجهد، و هو أيضا يوجب ثبات الناس على دينهم، و عدم السقوط أمام التحدي الكبير الذي ينتظرهم، بل قد يتخذ منه بعض المغرضين ذريعة للتخلف عن جيش أسامة، فأصبح بذلك مرجوحا، و ربما يكون محرما، و إن كان لو لا ذلك لكان هو الأفضل و الأرجح.

الخضر عليه السّلام يعزي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

عن أنس قال: لما قبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحدق به أصحابه، فبكوا حوله و اجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى (رقابهم)فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إن في اللّه عزاء من كل مصيبة، و عوضا من كل فائت، و خلفا من كل هالك، فإلى اللّه فأنيبوا، و إليه فارغبوا، و نظره إليكم في البلاء، فانظروا، فإن المصاب من لم يجبره.

فانصرف، و قال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ !

قال أبو بكر و علي: نعم، هو أخو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخضر «عليه السلام» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 340 عن ابن أبي الدنيا، و الحاكم، و البيهقي، و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 109 و البحار ج 79 ص 97 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 322 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 424 و البداية و النهاية ج 1 ص 387 و ج 5 ص 298 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 564 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 551 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 228.

و نقول:

أولا: قال الصالحي الشامي عن هذا الحديث: قد ذكر في كتاب الموضوعات (1).

و قال البيهقي: هذا منكر بمرة (2).

و قال الذهبي: عباد بن عبد الصمد، منكر الحديث (3).

ثانيا: روى محمد بن عمر برجال ثقات، و ابن أبي حاتم، و أبو نعيم عن علي «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قبض و كانت التعزية به جاء آت، يسمعون حسه و لا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم، أهل البيت و رحمة اللّه بركاته كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّمٰا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ (4)إن في اللّه تعالى عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كل هالك، و دركا من كل فائت، فباللّه فثقوا، و إياه فارجوا، فإن المحروم من حرم الثواب، و إن المصاب من حرم الثواب، و السلام عليكم و رحمة اللّه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 340.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 269 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 424 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 298 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 564.

3) ميزان الإعتدال ج 2 ص 369 و راجع: التاريخ الكبير البخاري ج 6 ص 41 و ضعفاء العقيلي ج 3 ص 137 و الجرح و التعديل للرازي ج 6 ص 82 و بيان خطأ البخاري للرازي ص 75 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 2 ص 170 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 210 و ج 4 ص 342.

4) الآية 185 من سورة آل عمران.

و بركاته. .

فقال علي: هل تدرون من هذا؟ هذا الخضر «عليه السلام» (1).

و لعل هذا أقرب إلى الصواب، و اللّه هو العالم بالحقائق.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 340 و في هامشه عن: ابن سعد ج 2 ص 211 و (ط دار صادر) ج 2 ص 275 و انظر المطالب العالية ج 4 ص 259 و كنز العمال ج 7 ص 251 و المعجم الكبير ج 3 ص 129 و مجمع الزوائد ج 9 ص 35 و الإصابة ج 2 ص 266 و 267 و الدر المنثور ج 2 ص 107 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 444 و تفسير ابن أبي حاتم ج 9 ص 3076 و راجع: البحار ج 22 ص 505 و 515 و ج 39 ص 132 و الأمالي للصدوق ص 166 و عن إكمال الدين ص 219 و 220 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 84 و روضة الواعظين ص 72 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 308.

الفصل الثاني: أين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !

اشارة

الإختلاف في موضع دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و في الصلاة عليه:

روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: أتى العباس أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بقيع المصلى، و أن يؤمهم رجل منهم.

فخرج أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الناس فقال: أيها الناس، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إمام حيا و ميتا.

و قال: إني أدفن في البقعة التي أقبض فيها.

ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون (1).

و اختلفوا أين يدفن، فقال بعضهم: في البقيع.

و قال آخرون: في صحن المسجد.

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : إن اللّه لم يقبض نبيه إلا في أطهر البقاع، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض عليها.


1) الكافي ج 1 ص 451 و البحار ج 22 ص 539 و 540 و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

فاتفقت الجماعة على قوله، و دفن في حجرته (1).

و روي أنه لما فرغ علي «عليه السلام» من غسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كفنه أتاه العباس، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا على أن يدفنوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بقيع المصلى، و أن يؤمهم رجل منهم (واحد).

فخرج علي «عليه السلام» إلى الناس، فقال: يا أيها الناس، أما تعلمون أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إمامنا حيا و ميتا؟ . و هل تعلمون أنه لعن من جعل القبور مصلى، و لعن من جعل مع اللّه إلها، و لعن من كسر رباعيته، و شق لثته؟

قال: فقالوا: الأمر إليك، فاصنع ما رأيت.

قال: و إني أدفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في البقعة التي قبض فيها (2).

و عند المفيد و غيره أنه قال: «إن اللّه لم يقبض نبيا في مكان إلا و قد


1) البحار ج 22 ص 525 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 505 و 506 و (نشر المطبعة الحيدرية) ج 1 ص 206 و عن الكافي ج 1 ص 451 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 3 و روضة الواعظين ص 71 و الدر النظيم ص 196 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 54 و المقنعة للمفيد ص 457.

2) البحار ج 22 ص 525 و 536 و 537 و 508 عن كفاية الأثر ص 304 و عن فقه الرضا ص 20 و المقنعة للمفيد ص 457 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 3 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 505 و 506 و (نشر المطبعة الحيدرية) ج 1 ص 206 و الدر النظيم ص 196.

ارتضاه لرمسه فيه، إني لدافنه في حجرته التي قبض فيها. فسلم القوم لذلك و رضوا به» (1).

الصدمة الكبرى لعائشة:

قال علي «عليه السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، أمرتني أن أصيرك في بيتك إن حدث بك حدث؟

قال: نعم يا علي بيتي قبري.

قال علي «عليه السلام» : فقلت: بأبي و أمي، فحد لي أي النواحي أصيرك فيه.

قال: إنك مسخر بالموضع و تراه.

قالت له عائشة: يا رسول اللّه فأين أسكن؟

قال: «اسكني أنت بيتا من البيوت، إنما هي بيتي، ليس لك فيه من الحق إلا ما لغيرك، فقري في بيتك و لا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى، و لا تقاتلي مولاك و وليك ظالمة شاقة، و إنك لفاعلة» .

فبلغ ذلك من قوله عمر، فقال لابنته حفصة: مري عايشة لا تفاتحه في ذكر علي و لا تراده، فإنه قد استهيم فيه في حياته و عند موته، إنما البيت بيتك لا ينازعك فيه أحد، فإذا قضت المرأة عدتها من زوجها كانت أولى ببيتها،


1) البحار ج 22 ص 517 و راجع ص 524 و 529 و 536 عن فقه الرضا ص 20 و 21 و راجع المناقب ج 1 ص 303-306 و إعلام الورى ص 143 و 144 و عن كفاية الأثر ص 304 و الأنوار البهية ص 47.

تسلك إلى أي المسالك شاءت (1).

و نقول:

قد أثبتنا بما لا مجال معه للشك أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في بيت فاطمة «عليها السلام» . . و قد يتخيل أن هذه الرواية لا تنسجم مع النتيجة التي أو صلتنا إليها تلك الأدلة. .

غير أننا نقول:

إن هذا خيال لا واقع له، و ذلك للأمور التالية:

1-إن الرواية المتقدمة لم تذكر لنا متى جرت هذه المحاورة.

2-لقد كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بيوت كثيرة. و قد أكدت الرواية المشار إليها على أن جميع البيوت هي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و معنى ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يملّك زوجاته بيوت سكناهن، بل هو أسكنهن فيها و حسب.

فقول عائشة حين جيء بجنازة الإمام الحسن «عليه السلام» : «نحوا ولدكم عن بيتي، و لا تدخلوا بيتي من لا أحب» (2). ليس له ما يبرره. .


1) البحار ج 22 ص 494.

2) راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 35 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 18 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 242 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 149 و البحار ج 44 ص 153 و 154 و 157 و الأنوار البهية ص 92 و الدرجات الرفيعة ص 125 و قاموس الرجال ج 12 ص 300 و أعيان الشيعة ج 1 ص 576 و الجمل للمفيد ص 234 و كشف الغمة ج 2 ص 209 مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 204. و راجع: روضة الواعظين ص 168.

3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كذلك علي «عليه السلام» لم يحددا أي بيت من بيوته «صلى اللّه عليه و آله» موضعا لدفنه «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن عائشة حددت: أن مدفنه «صلى اللّه عليه و آله» سيكون في بيتها، و لم يردعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا علي «عليه السلام» عن هذا الإعتقاد. .

و لكن ذلك لا يحتم الإلتزام بقولها.

4-إن عليا «عليه السلام» طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يحدد له المكان بصورة أدق. و إذ بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلن أنه «عليه السلام» يرى الموضع، فإن كان يعرف الموضع و يراه، فلما ذا يسأل عنه؟ !

ألا يدل ذلك على أن المقصود من هذا السؤال هو إسماع الغير-و هو عائشة بالتحديد-لكي لا يتهم علي «عليه السلام» بأنه قد تصرف من عند نفسه؟ !

على أن هذه الكلمة النبوية قد أشارت إلى أنه «عليه السلام» إنسان إلهي، مسدد و مؤيد منه تعالى، و لا يحتاج حتى إلى أن يحدد له الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الموضع، الأمر الذي يجعل الإعتراض عليه في هذا الأمر و في سواه غير منطقي و لا واقعي و لا مقبول.

5-و اللافت: أن اهتمام عائشة قد انصب على موضع سكناها، لو دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في البيت الذي تسكن فيه، مع أننا كنا نتوقع أن يكون اهتمامها بحياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر و أكبر، و أن تعلن أنها على استعداد لتقديم أي شيء فداء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلبا لرضاه. .

6-من الذي أخبر عائشة أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يدفن في بيت سكناها، و من الذي قال: إنه سوف لا يطلب الإنتقال عنه إلى بيت فاطمة «عليها السلام» في أيامه الأخيرة ليموت و يدفن فيه؟ !

7-إن الرواية قد صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عائشة بأن تقر في بيتها، فأشار بذلك أنه سوف لا يدفن في ذلك البيت، و أنه لن يؤخذ منها، أو على الأقل لن تخرج منه، بل ستبقى فيه. .

8-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرها أنها سوف لا تقر في بيتها، بل سوف تحارب وليها و مولاها ظالمة له شاقة لعصا الطاعة.

9-ألا ترى معي: أن هذا الحوار بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، كان يهدف إلى استدراج عائشة للدخول في الحديث، ثم توجيه هذا التحذير الشديد لها، الذي هو من الأخبار الغيبية، و من أعلام النبوة؟ !

10-إن الأمر الأعظم و الأهم لهذا الحوار هو ما نتج عنه من موقف جريء و قاس جدا لعمر بن الخطاب، حيث رد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قرر لابنته حفصة: أن البيت بيتها. . و لا ينازعها فيه أحد. .

11-و الأهم من ذلك اتهامه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه استهيم بعلي «عليه السلام» حيا و ميتا، و كأنه يريد أن يقول: إن تصرفات النبي «صلى اللّه عليه و آله» تجاه علي «عليه السلام» لا تستند إلى مبررات معقولة. . بل هي نتيجة هيام خارج عن دائرة التعقل و الحكمة. و كأن قوله في هذه الحادثة ينسجم مع ما صدر عنه في حق النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين اتهمه بأنه يهجر أو غلبه الوجع.

12-إن عمر قد أمر عائشة بالإمتناع عن مفاتحة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء من أمر علي «عليه السلام» ، و أن لا تراده الكلام فيه، ربما لأنه خشي أن يتسبب ذلك بتصريح النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمور تزيد من تعقيد الأمور أمام مشاريعهم الإستئثارية. .

13-و أخيرا، فإن هذا التوجيه العمري لعائشة يظهر مدى التنسيق بين أركان هذه الجماعة في موضوع إقصاء علي «عليه السلام» ، و الإستئثار بالأمر. .

هل أشار أبو بكر بدفن النبي صلّى اللّه عليه و آله في بيته؟ ! :

و قد ادعوا: أن أبا بكر هو الذي أشار بدفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيته، فقد روي عن ابن عباس قال: لما فرغ من جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، و قد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه مع أصحابه بالبقيع.

و قال قائل: ادفنوه في مسجده.

فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض» .

فرفع فراش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي توفي عليه، فحفروا له تحته (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 333 و 334 عن ابن سعد، و ابن ماجة، و أبي يعلى، و في هامشه عن: ابن سعد ج 1 ص 223 و ابن ماجة (1628) و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 260 و من مسند أبي بكر ص 78 و انظر نصب الراية ج 2 ص 298. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 287 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 531.

و عن عبد العزيز بن جريح: أن أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدروا أين يقبروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى قال أبو بكر: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لم يقبر نبي قط إلا حيث يموت، فأخذوا فراشه، و حفروا تحته (1).

و قالوا عن هذا الحديث: هو منقطع، لأن ابن جريح لم يدرك أبا بكر (2).

و عن عائشة قالت: لما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «ما قبض اللّه نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه. ادفنوه في موضع فراشه» (3).

قال ابن حجر الهيثمي: «. . و هذا أول اختلاف وقع بين الصحابة، فقال بعضهم: ندفنه بمكة، مولده، و منشئه.

و بعضهم: بمسجده.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 عن أحمد، و الترمذي بسند صحيح، و قال في هامشه: أخرجه عبد الرزاق في المصنف (ج 3 ص 516)(6534) و انظر الكنز (ج 7 ص 226)(18735 و 32237) . و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 529.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 334 عن الترمذي، و أبي يعلى، و قال في هامشه: أخرجه الترمذي (1018) و انظر الكنز (ج 7 ص 236)(18761 و 32236) . و راجع: الشمائل المحمدية للترمذي ص 202 و البداية و النهاية ج 5 ص 287 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 530.

و بعضهم: بالبقيع.

و بعضهم: ببيت المقدس، مدفن الأنبياء، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم (1).

قال ابن زنجويه: و هذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين و الأنصار، و رجعوا إليه فيها» (2).

و عن عائشة و هي تمجد علم أبيها: فما اختلفوا في لفظة إلا طار أبي بعبئها، و فصلها، و قالوا: أين ندفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فما وجدنا عند أحد في ذلك علما.

فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: ما نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه.

و اختلفوا في ميراثه، فما وجدنا عند أحد في ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (3).

و نقول:

إن ذلك لا يصح، فلا حظ الأمور التالية:

1-لو سلمنا أن أبا بكر قد عرف هذه المسألة دون غيره، لأنه سمعها من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فذلك لا يجعل لأبي بكر أية ميزة خارقة


1) الصواعق المحرقة ص 34 و الصوارم المهرقة ص 129 و الغدير ج 7 ص 18.

2) المصادر السابقة.

3) المصادر السابقة.

للعادة، و لا يجعله متضلعا في العلوم و المعارف، و كم من الناس يحفظون شيئا، و تغيب عنهم أشياء. .

على أن هذا الذي حفظه أبو بكر ليس من الأمور الخطيرة و الأساسية. .

2-إن سيرة أبي بكر قد أظهرت أن هناك مسائل كثيرة لم يكن يعرفها، أو أنه أخطأ الصواب في بيانها، و قد ذكر العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه «النص و الاجتهاد» و العلامة الأميني في كتابه «الغدير» طائفة من هذه المسائل، فراجعهما.

3-تقدم أن أبا بكر لم يحضر دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)، و أنه لما فرغ علي «عليه السلام» من دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: ما فعل أهل السقيفة؟ ! بالإضافة إلى نصوص أخرى دلت على ذلك. إلا أن يكون هذا الإختلاف، قد حصل قبل ذهاب أبي بكر إلى السقيفة. و لم نر ما يدل على ذلك. بل مسار الأمور يظهر خلافه.

4-و قد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: «ضعوني على سريري في بيتي، على شفير قبري» (2).


1) راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 568 و كنز العمال ج 5 ص 652.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 39 و راجع: الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 484 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 30 و 39 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62 و البداية و النهاية ج 5 ص 274 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 320 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 435 و كنز العمال ج 11 ص 468 و كتاب الدعاء ص 367 و المعجم الأوسط ج 4 ص 209 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 60 و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 232 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 257 و عن ابن منيع و الطبراني في الأوسط من طريق ابن مسعود. و راجع: الأمالي للصدوق ص 733 و روضة الواعظين ص 72 و الطرائف ص 290 و الصراط المستقيم ج 3 ص 115 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 503 و كشف الغمة ج 1 ص 17 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 82 و البحار ج 22 ص 507 و 531 و الغدير ج 7 ص 188.

و هذا معناه: أن دفنه في البيت الذي قبض فيه كان بوصية منه، فما معنى أن يختلفوا في موضع دفنه؟ ! إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك لخصوص أبي بكر، الذي يفترض أن يكون في أيام مرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» في جيش أسامة، و أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» غاضبا من تخلفه عن ذلك الجيش، فلا يخصه و لا يسر إليه بشيء. .

مع أنه قد يقال: إن ظاهر كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه يخاطب جماعة كانوا حوله. . فما معنى قولهم: إن علم ذلك لم يوجد إلا عند أبي بكر؟ !

5-إنه لا يصح قول أبي بكر: «ما قبض اللّه نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه» ، أو نحو ذلك. . و ذلك لأنهم يذكرون:

ألف: إن نوحا «عليه السلام» قد نقل جثمان آدم «عليه السلام» من جبل أبي قبيس بعد أن كان قد دفن فيه، و دفنه في بيت المقدس، كما يرويه أهل السنة (1).

أو إلى النجف الأشرف، في ظاهر الكوفة كما هو مروي عن أهل البيت


1) راجع: العرائس للثعلبي ص 29 و الغدير ج 5 ص 67 عنه، و تاريخ الأمم و الملوك ج 1 ص 109 و الكامل في التاريخ ج 1 ص 52 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 68 و البداية و النهاية ج 1 ص 110.

«عليهم السلام» (1).

و قد ورد في زيارة أمير المؤمنين «عليه السلام» : «السلام على ضجيعيك آدم و نوح» (2).

ب: إن النبي يوسف «عليه السلام» قد استأذن ملك مصر في نقل جثمان أبيه يعقوب «عليه السلام» من مصر، و دفنه مع أهله في حبرون، في المغارة المعدة لتلك الأسرة المباركة، فأذن له، فنقله إليها، و دفنه فيها (3).

ج: إن النبي موسى «عليه السلام» قد نقل جثمان النبي يوسف «عليه السلام» أيضا إلى فلسطين (الشام) ، و دفنه مع آبائه (4).


1) راجع: المزار للشيخ المفيد ص 21 و فرحة الغري لابن طاووس ص 101 و الرسائل العشر ص 317 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 385 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 325 و ج 10 ص 229 و البحار ج 11 ص 268 و ج 79 ص 66 و ج 97 ص 258 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 310 و 314 و ج 10 ص 219 و الغارات ج 2 ص 853 و المزار لابن المشهدي ص 37.

2) راجع: المزار لابن المشهدي ص 192 و 255 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 3 ص 135 و المزار للشهيد الأول ص 43 و 98 و البحار ج 53 ص 271 و ج 97 ص 286 و 332 و 376 و ج 99 ص 212.

3) البداية و النهاية ج 1 ص 253 و الغدير ج 5 ص 68 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 358 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 74.

4) راجع: شرح الشمائل للقاري ج 2 ص 208 و شرح الشمائل للمناوي بهامشه ج 2 ص 208 و راجع: فتح الباري ج 3 ص 166 و ج 8 ص 149 و منتقى الجمان ج 1 ص 319 و تفسير الآلوسي ج 22 ص 38 و فيض القدير ج 5 ص 640 و غنائم الأيام للميرزا القمي ج 3 ص 551.

6-على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دلنا على موضع قبره في الحديث المشهور: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة» (1).

فقد دل ذلك على أن قبره «صلى اللّه عليه و آله» قريب من المنبر. .

و قد أوضحت النصوص الأخرى: أن القبر سيكون في بيته، حيث قال «صلى اللّه عليه و آله» : «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة» أو نحو ذلك (2).


1) عن مسند أحمد ج 3 ص 472 ح (11216) و شعب الإيمان ج 3 ص 491 و مسند البزار ج 4 ص 44 و المعجم الكبير ج 12 ص 227 و المعجم الأوسط ج 1 ص 360 و 412 و حلية الأولياء ج 9 ص 324 و كنز العمال ج 12 ص 260 و 261 عن عبد الرازق، و سعيد بن منصور، و الخطيب، و الدار قطني و سمّويه، و ابن عساكر، و غيرهم من طريق جابر و الخدري، و ابن عمر و سعد بن أبي وقاص. و وفاء الوفاء ج 2 ص 427 و 428 و إرشاد الساري ج 4 ص 413 و تاريخ بغداد ج 11 ص 228 و 290 و شرح النووي لصحيح مسلم (هامش إرشاد الساري) ج 6 ص 103 و تحفة الباري في ذيل إرشاد الساري ج 4 ص 412 و فردوس الأخبار للديلمي ج 3 ص 538 من طريق عبيد اللّه بن لبيد، و معاني الأخبار للصدوق ص 267 و من لا يحضره الفقيه للصدوق ج 2 ص 568 و روضة الواعظين ص 152 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 345 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 270 و 289 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 139 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 246 و فتح الباري ج 3 ص 55 و مجمع الزوائد ج 4 ص 6 و عمدة القاري ج 7 ص 255 و 262 و 263 و ج 24 ص 184.

2) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 675 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 109 و مسند البزار ج 4 ص 44 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 257 و المصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 182 و المعجم الكبير ج 23 ص 255 و المعجم الأوسط ج 1 ص 101 و المعجم الصغير ج 2 ص 122 و كنوز الدقائق ج 2 ص 82 و تيسير الوصول ج 3 ص 375 و تمييز الطيب من الخبيث ص 161 و شرح صحيح مسلم ج 9 ص 161 و إرشاد الساري ج 4 ص 492 و الجامع الصغير ج 2 ص 489 و وفاء الوفاء ج 2 ص 426 و 427 و 428 و كنز العمال ج 12 ص 259 و 260 و 261 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 399 و ج 2 ص 667 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 179 و عن مسند أحمد ج 2 ص 469 و 470 و ج 3 ص 71 و 352 و الكافي ج 4 ص 554 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 279 و ج 14 ص 345 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 543 و ج 10 ص 270.

7-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى عليا «عليه السلام» بتغسيله و تكفينه، و بالصلاة عليه و دفنه، و بغير ذلك، فلما ذا لم يبين له أين يكون مدفنه، إذا كان له حكم خاص، و هو أنه لا يجوز نقله من موضع قبضه اللّه فيه، و ما معنى أن يدّخر ذلك لأبي بكر دون سائر الناس؟ !

إن عائشة نفسها تقول: اختلفوا في دفنه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال علي «عليه السلام» : إن أحب البقاع إلي مكان قبض فيه نبيه (1).

8-قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي: بيتي قبري. . و أن عائشة اعترضت على ذلك. فقال لها: اسكني أنت بيتا من البيوت.

9-و أما حديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فقد


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 112 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 486 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 279 و البداية و النهاية ج 7 ص 397 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 394 و الغدير ج 7 ص 189 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 693.

كذبته الزهراء و علي، و ابناهما «عليهم السلام» ، و لا يقبل أحد بأن يخفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا الحكم عن جميع الناس حتى عن ابنته، و يخص به أبا بكر. و يفسح المجال-من ثم-لتكذيب أبي بكر، أو اتهامه، بعد الإستدلال على بطلان ما جاء به بالآيات، و تنشأ عن ذلك مشاحنات بلغت حد ضرب بنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» التي يغضب اللّه لغضبها، و يرضى لرضاها. و يبقى الخلاف في الأمة في ذلك إلى يوم القيامة.

و مع غض النظر عن ذلك نقول:

إن هؤلاء أنفسهم يدّعون: أن هناك من كان يعلم هذا العلم، حيث زعموا-و إن كان ذلك من الأكاذيب-: أن عليا «عليه السلام» ، و العباس، و عثمان، و عبد الرحمن بن عوف، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و أمهات المؤمنين: كلهم كانوا يعلمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال ذلك، و أن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولا، ثم استحضره الآخرون (1).

غير أننا نقول لهم:

إن هذا الترقيع لا يجديهم، فإن الإستحضار السريع إنما يدل على سرعة بديهته، و حفظه، و لا يفيد زيادة في علمه. .

يضاف إلى ما تقدم: أن الصحيح هو أن أبا بكر ليس فقط استولى على إرث الزهراء «عليها السلام» من أبيها، و إنما هو استولى حتى على فدك التي ملّكها إياها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حال حياته، و قد كانت بيدها و استفادت منها عدة سنوات.


1) راجع: الصواعق المحرقة ص 34 و 39 و الغدير ج 7 ص 190.

10-و اللافت هنا: أن أبا بكر قد كتب لفاطمة «عليها السلام» كتابا بفدك، فدخل عمر بن الخطاب عليه فسأله: ما هذا؟

فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها.

فقال: مماذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقه (1).

ثم لما ولي عمر بن عبد العزيز رد فدكا إلى ورثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! (2).

و لهذا البحث مجال آخر. .

في مكة أو في المدينة؟ ! :

و لم يقتصر الأمر على توزع الآراء بين دفنه في البقيع، أو في صحن المسجد، أو في الموضع الذي قبضه اللّه فيه. . بل تعداه إلى الإختلاف في دفنه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 362 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 488 عن سبط ابن الجوزي، و الغدير ج 7 ص 194 و شرح إحقاق الحق ج 25 ص 542.

2) الغدير ج 7 ص 194 عن صحيح البخاري (كتاب الجهاد، باب فرض الخمس) و صحيح مسلم كتاب الجهاد، باب حكم الفيء. و الأموال لأبي عبيد ص 18 و معجم البلدان ج 4 ص 238 و البداية و النهاية ج 5 ص 288 و تاج العروس ج 7 ص 343 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 335 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 301. و شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني ج 2 ص 292 و شرح نهج للمعتزلي ج 16 ص 277 و 278 و الخصال للصدوق ص 105 و المسترشد للطبري ص 503 و البحار ج 46 ص 326 و ج 75 ص 182.

في المدينة، أو في مكة عند جده إبراهيم الخليل (1).

و هذا الخلاف إن دل على شيء فهو يدل على أن الصحابة، أو فريق منهم على الأقل لم يكن يرى محذورا في نقل جثمان النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بلد إلى آخر. . و لم يعترض عليه الفريق الآخر بأن ذلك غير جائز أو منهي عنه، و لو نهي كراهة. .

و جواز ذلك هو ما أفتى به فقهاء المذاهب الأربعة، فراجع (2).

أين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله:

قال ابن كثير: «قد علم بالتواتر: أنه عليه الصلاة و السلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها، شرقي مسجده، في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده أبو بكر، ثم عمر. .» (3).

و قضية دفنه «صلى اللّه عليه و آله» في بيت عائشة رواها في صحيح البخاري و غيره عن عائشة بصورة عامة. . و عن ابن أختها عروة بن الزبير، كما يلاحظ في أكثر الروايات. .

أما نحن فنشك في ذلك كثيرا، لأكثر من سبب:

السبب الأول:

أن بيت عائشة لم يكن في الجهة الشرقية من المسجد، لأمرين:


1) الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 23 و شرح نهج البلاغة ج 10 ص 185 و الصوارم المهرقة ص 129 و عن الصواعق المحرقة ص 34.

2) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 537 فما بعدها.

3) السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 541 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 342.

أحدهما: أن خوخة آل عمر الموجودة في الجانب القبلي في المسجد، و هي اليوم «يتوصل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة، و هو الرواق الذي يقف الناس فيه للزيارة أمام الوجه الشريف بالقرب من الطابق المذكور. .» (1)-هذه الخوخة-قد وضعت في بيت حفصة الذي كان مربدا، و أخذته بدلا عن حجرتها حين توسيع المسجد. .

و قد كانت دار حفصة في قبلي المسجد (2).

و كان بيت حفصة بنت عمر ملاصقا لبيت عائشة من جهة القبلة (3).

«و المعروف عند الناس أن البيت الذي كان على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة» (4).

و على هذا. . فيكون بيت عائشة في قبلي المسجد، لا في شرقيه، حيث يوجد القبر الشريف، أي أنه يكون في مقابله و بينه و بينه فاصل كبير. .

الثاني: مما يدل على أن بيت عائشة كان في جهة القبلة من المسجد من الشرق، ما رواه ابن زبالة، و ابن عساكر، عن محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال: أنه رأى حجر أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جريد، مستورة بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة.

فقال: كان بابه من جهة الشام.

قلت: مصراعا كان أو مصراعين؟


1) راجع كل ذلك في وفاء الوفاء ج 2 ص 706.

2) رحلة ابن بطوطة ص 72.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 543.

4) المصدر السابق ج 2 ص 719.

قال: كان باب واحد (1).

و في عبارة ابن زبالة: مستورة بمسوح الشعر، مستطيرة في القبلة، و في المشرق، و الشام. ليس في غربي المسجد شيء منها الخ. . (2).

و قال ابن عساكر: و باب البيت شامي (3).

فيستفاد من ذلك:

ألف: ما قاله المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» :

«قوله في الحديث (فسألته عن بيت عائشة) في هذا دلالة على أن الحجرة التي دفن فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن بيت عائشة، إذ فيه دلالة على أن السائل يعلم أن بيتها لم يكن في الموضع الذي دفن فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و لذلك فهو يسأل عن موضع بيتها فيما عدا البيت الذي دفن فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليعرفه أين يقع. .» انتهى.

ب: إن من المعلوم أن الجهة الشامية للمسجد هي الجهة الشمالية منه، كما صرحت به الرواية آنفا، و يدل على ذلك أيضا قول ابن النجار:

«قال أهل السير: ضرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحجرات ما بينه و بين القبلة، و الشرق إلى الشام، و لم يضربها في غربيه. و كانت خارجة عنه


1) الأدب المفرد للبخاري ص 168 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 92 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 349 و ج 12 ص 51 و راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 542 و 459 و 460.

2) نفس المصادر السابقة.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 542 و 459 و 460.

مديرة به. و كان أبوابها شارعة في المسجد» (1).

و أيضا: «وجه المنبر، و وجه الإمام إذا قام على المنبر بجهة الشام» (2).

و من المعلوم: أن الجالس على المنبر يكون ظهره إلى القبلة، و وجهه إلى الجهة المقابلة لها. .

فإذا تحقق ذلك. . و إذا كان باب بيت عائشة يقابل الجهة الشمالية، فإن ذلك معناه: أن بيتها كان في جهة القبلة من المسجد. .

و كان باب حجرتها يفتح على المسجد مباشرة، حتى إنها تقول: إنها كانت ترجّل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو معتكف في المسجد، و هي في بيتها، و هي حائض (3).

و قد حاول البعض توجيه ذلك: بأن المراد من الباب الذي لجهة الشام هو الباب الذي شرعته عائشة لما ضربت حائطا بينها و بين القبور، بعد دفن عمر. .


1) راجع: وفاء الوفاء، ج 2 ص 435 و 459 و 517 و 693 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 89.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 435 و 459 و 517 و 693.

3) صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 1 ص 229 و 226 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 256 و 260 و الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 8 ص 119، و فتح الباري ج 4 ص 236 عن أحمد و النسائي، و وفاء الوفاء ج 2 ص 541 و 542 و نيل الأوطار ج 4 ص 356 و مسند أحمد ج 6 ص 234 و عمدة القاري ج 11 ص 144 و 158 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 267 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 439 و غير ذلك.

و أجاب السمهودي بقوله:

«و فيه بعد، لأنه سيأتي ما يؤخذ منه أن الحائط الذي ضربته كان في جهة المشرق» (1).

و إذا كان في جهة المشرق؛ فلا بد أن يكون الباب فيه مقابلا للمغرب، لا لجهة الشام.

ج: و يدل على كون بيت عائشة في جهة القبلة: أن الحجر كانت تبدأ من بيت عائشة، و تنتهي إلى منزل أسماء بنت حسن، كما نص على ذلك من شاهدها (2).

د: إن رواية ابن عساكر، و ابن زبالة المتقدمة تنص على أنه لم يكن لبيت عائشة إلا باب واحد، بمصراع واحد. .

و هم يقولون: إنه قد صلّي على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو على شفير حفرته، و دفن في حجرة لها بابان. .

فقد روى ابن سعد، عن أبي عسيم، قال: لما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قالوا: كيف نصلّي عليه؟

قالوا: ادخلوا من ذا الباب ارسالا ارسالا، فصلّوا عليه، و اخرجوا من الباب الآخر. . (3).


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 542.

2) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 181 و ج 8 ق 2 ص 119 و (ط دار صادر) ج 1 ص 499 و ج 8 ص 167 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 348 و ج 12 ص 50 و وفاء الوفاء ج 2 ص 459.

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 289 و وفاء الوفاء ج 2 ص 542 و سائر المصادر تقدمت. .

و يمكن المناقشة في الرواية التي كان السؤال فيها عن كون الباب فيه مصراعا أو مصراعين:

بأن الجواب لا بد أن يطابق السؤال، فإذا كان السؤال عن مصاريع الباب، لا عن عدد الأبواب، فلا بد أن يكون الجواب عن ذلك أيضا. . و لا يدل ذلك على أنه لم يكن للحجرة باب آخر.

ه‌: سيأتي: أنهم يزعمون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان في مرضه (أي قبل انتقاله إلى بيت فاطمة) في حجرة عائشة؛ فكشف الحجاب؛ فكاد الناس أن يفتنوا و هم في الصلاة لما رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . الأمر الذي يدل على أن حجرة عائشة كانت في طرف القبلة في مقابل المصلّين. .

و أما ما ذكرته الرواية من صلاة أبي بكر في الناس فقد كان ذلك بغير رضى من النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد جاء «صلى اللّه عليه و آله» إليه رغم مرضه، و أخّره، و صلى مكانه. و قد بحثنا هذا الأمر في موضع آخر من هذا الكتاب. .

السبب الثاني:

قال ابن سعد: «و اشترى (يعني معاوية) من عائشة منزلها بمئة و ثمانين ألف درهم، و يقال بمائتي ألف. و شرط لها سكناها حياتها. و حمل إلى عائشة المال، فما رامت من مجلسها حتى قسمته.

و يقال: اشتراه ابن الزبير من عائشة، بعث إليها-يقال-خمسة أجمال بخت تحمل المال، فشرط لها سكناها، حياتها، فما برحت حتى قسمت ذلك

الخ. .» (1).

و لا ينبغي أن يتوهم: أن المقصود ببيت عائشة هنا هو البيت الذي أخذته من سودة، التي توفيت في أواخر خلافة عمر، إذ قد:

أسند ابن زبالة، عن هشام بن عروة، قال: إن ابن الزبير ليعتد بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلها: إن عائشة أوصته ببيتها و حجرتها، و إنه اشترى حجرة سودة (2).

فعائشة إذن، قد باعت بيتها و أكلت ثمنه، فكيف يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في حجرتها؟ !

و المفروض: أن الحجرة كانت من الصغر بحيث لا تتسع لدفن ثلاثة أشخاص.

و احتمال أن يكون المقصود هو بيتها المستحدث، لا يصح، لأن سياق الكلام ناظر إلى حجر أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، التي خصّصت لهن من قبله «صلى اللّه عليه و آله» .

كما أن معاوية لا يدفع هذا المال الكثير إلا لينال شرفا، أو ليحرم الآخرين شرفا بزعمه. . و هذا الشرف هو الحصول على مكان ينسب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 118 و (ط دار صادر) ج 8 ص 165 و وفاء الوفاء ج 2 ص 464 عنه، و إمتاع الأسماع ج 10 ص 93 و ليراجع: حلية الأولياء ج 2 ص 49.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 464 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 35 و معرفة السنن و الآثار ج 4 ص 427 و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 190.

إلا إن كان هدفه هو تعظيم شأن عائشة. و لم نشعر أنه يهتم لها كثيرا، كما أظهره موقفه منها حين عارضت سياساته في قتل أخيها، و حجر بن عدي، و سواهما. .

السبب الثالث:

أنهم يقولون: إن الموضع قد ضاق حتى لم يعد فيه إلا موقع قبر واحد، فدفن فيه عمر. .

فقد روى البخاري، و غيره: أن عمر بن الخطاب لما أرسل إلى عائشة يسألها أن يدفن مع صاحبيه.

قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنه اليوم على نفسي. . (1).

قال ابن التين: «كلامها في قصة عمر يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد» (2).

و إن كان هذا يتناقض مع قولها حين دفن الإمام الحسن «عليه السلام» : أنه لم يبقى في حجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا موضع


1) صحيح البخاري ج 1 ص 159 و ج 2 ص 191 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 107 و ج 4 ص 205 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 58 و فتح الباري ج 3 ص 204 و 205 و عمدة القاري ج 8 ص 228 و ج 16 ص 209 و أسد الغابة ج 4 ص 75 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 416 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 338 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 188 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 576 و نيل الأوطار ج 6 ص 159 و وفاء الوفاء ج 2 ص 557 و البحار ج 338 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 188 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 576 و نيل الأوطار ج 6 ص 159 و وفاء الوفاء ج 2 ص 557 و البحار ج 31 ص 90 و الغدير ج 6 ص 189.

2) فتح الباري ج 3 ص 205 و وفاء الوفاء ج 2 ص 557.

قبر واحد (1).

و يؤيد ذلك: أنه «لما أرسل عمر إلى عائشة؛ فاستأذنها أن يدفن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبي بكر فأذنت.

قال عمر: إن البيت ضيق، فدعا بعصا؛ فأتي بها، فقدر طوله، ثم قال: احفروا على قدر هذه» (2).

و رووا: أنه جاف (3)بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من شرقيه، فجاء عمر بن عبد العزيز، و معه عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، فأمر ابن وردان: أن يكشف عن الأساس، فبينا هو يكشفه إلى أن رفع يده، و تنحى و اجما، فقام عمر بن عبد العزيز فزعا، فقال عبد اللّه بن عبيد اللّه: لا يروعنّك، فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس الخ. .

و في الصحيح، قال عروة: ما هي إلا قدم عمر (4).


1) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهانى ص 49 و شرح الأخبار ج 3 ص 130 و تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 289 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 111 و ترجمة الإمام الحسن «عليه السلام» لابن عساكر ص 218.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 264 و (ط دار صادر) ج 3 ص 364 و كنز العمال ج 12 ص 689.

3) جاف الشيء: قعّره.

4) وفاء الوفاء ج 2 ص 545 و 554 عن ابن زبالة، و يحيى، و كتاب الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 330 و عمدة القاري ج 8 ص 227 و ليراجع: صحيح البخاري ج 1 ص 159 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 107 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 168 و (ط دار صادر) ج 3 ص 369 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 293 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 604 و السيرة النبوية ج 4 ص 542.

و إذ قد عرفنا: أن الحجرة التي دفن فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ضاقت حتى دفن عمر في الأساس. .

فلننظر إلى بيت عائشة الذي كانت تسكن و تتصرف فيه. . فإننا نجد: أنه كان واسعا و كبيرا. . و بقيت تتصرف فيه في الجهات المختلفة، فليلاحظ ما يلي:

1-تقدم: أن عائشة قد باعت بيتها لمعاوية، أو لابن الزبير.

2-إن عائشة قد عرضت على عبد الرحمن بن عوف أن يدفن مع النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . . (1).

و منع بنو أمية من دفن الإمام الحسن «عليه السلام» عند جده، حينما ظنوا أن الحسين «عليه السلام» يريد دفنه هناك (2).


1) وفاء الوفاء، ج 2 ص 557 و ج 3 ص 899 عن ابن شبة، و ابن زبالة.

2) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 60 و 62 و 64 و 65 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 13 و مقاتل الطالبيين ص 74 و وفاء الوفاء ج 2 ص 548 و تاريخ ابن عساكر (ترجمة الحسن «عليه السلام») الحديث رقم 337 فما بعده، و ج 21 ص 38 و ج 64 ص 99 كما ذكره المحمودي، و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 204 و روضة الواعظين ص 168 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 18 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 242 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 149 و البحار ج 44 ص 154 و 157 و الأنوار البهية ص 92 و قاموس الرجال ج 12 ص 300 و الجمل للشيخ المفيد ص 234 و كشف الغمة ج 2 ص 209.

بل يقال: إن عائشة نفسها هي التي تزعّمت عملية المنع عن دفنه هناك. . (1)، و إن ادّعى البعض: أنها قد أذنت في ذلك، لكن بني أمية منعوا منه. . (2).

كما أنهم يروون أن عيسى بن مريم سوف يكون رابع من يدفن هناك. . (3).

ثم إن نفس عائشة تصف القبور الثلاثة ثم تقول: «و بقي موضع قبر» (4).

و أما ما روي عنها من أنها استأذنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه، فقال لها: و أنى لك بذلك و ليس في ذلك الموضع إلا قبري، و قبر أبي بكر، و عمر، و عيسى ابن مريم (5).

فلا يصح لقول الحافظ: لا يثبت (6)، و لأنها كانت تريد أن تدفن في ذلك


1) مقاتل الطالبيين ص 75 و تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج 2 ص 225 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 415 و راجع المصادر السابقة.

2) مقاتل الطالبيين ص 75 و وفاء الوفاء، ج 3 ص 908 و ج 2 ص 557.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 557 عن يحيى و سنن الترمذي، و منتظم ابن الجوزي و الطبراني، و ابن النجار، و الزين المراغي. و عمدة القاري ج 8 ص 225 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 62 و تاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 523 و فتح الباري ج 7 ص 54 و كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي ص 354.

4) وفاء الوفاء ج 2 ص 557.

5) تحفة الأحوذي ج 10 ص 62 و فتح الباري ج 7 ص 54 عمدة القاري ج 16 ص 212.

6) تحفة الأحوذي ج 10 ص 62 و فتح الباري ج 7 ص 54.

الموضع، لكن منعها من ذلك أنها أحدثت بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

أضف إلى ذلك: أن هذا لا يلتقي مع زعمهم أن المكان ضاق حتى حفروا لعمر في الأساس.

ثم إنهم يروون عنها أنها تقول: ما زلت أضع خماري، و اتفضل في ثيابي حتى دفن عمر، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني و بين القبور جدارا (1).

و عن مالك قال:

قسم بيت عائشة قسمين: قسم كان فيه القبر، و قسم تكون فيه عائشة، بينهما حائط (2).

و كل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن الحجرة التي تدعوهم أو تعدهم للدفن فيها، أو تمنعهم من الدفن فيها كانت متسعة. و المفروض: أن الحجرة التي تدّعي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دفن فيه قد ضاقت حتى دفن عمر، فوضعت في الأساس. فهل هما حجرتان؟ ! أم حجرة واحدة؟ !

أو يقال: إن عائشة قد استولت على بيت فاطمة «عليها السلام» ، و أضافت عليه ما اتسع به. و صارت تجيز هذا و تمنع ذاك.


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 264 و (ط دار صادر) ج 3 ص 364 و وفاء الوفاء ج 2 ص 543 و 544 عنه و عن ابن زبالة، و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 945.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 294 و وفاء الوفاء ج 2 ص 564 و 565. و راجع: عمدة القاري ج 8 ص 227.

و ملاحظة أخيرة نذكرها: عن احتجاب عائشة حين دفن عمر و هي: أن هذه القضية قد حيرتنا أيضا.

و هل بلغ بها التقى أن صارت تتستر من الأموات و هم في قبورهم؟ ! . .

فكيف إذن لم تتستر من عشرات الألوف من الرجال الأحياء، حينما خرجت لتحارب أمير المؤمنين «عليه السلام» في حرب الجمل، و غيرها؟ !

و كيف توصي ابن الزبير بأن لا يدفنها مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأنها لا تحب ان تزكى (1).

أو لأنها قد احدثت بعده؟

فلم لم تعلل ذلك بوجود عمر؟

أليست جثة عمر لا تزال موجودة في ذلك الموضع؟ ! . .

و على كل حال. . فإنه بعد دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الحجرة، و هي حجرة فاطمة «عليها السلام» كما سيأتي. . أخليت من ساكنيها، و أظهرت للناس. . و استولت عليها عائشة، و استولت على غيرها. . و سكنت هناك، مستفيدة من قوات السلطة و هيبتها. .

و كان أول من بنى على بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» جدارا عمر بن الخطاب.

قال عبيد اللّه بن أبي يزيد: «كان جداره قصيرا، ثم بناه عبد اللّه بن


1) صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 4 ص 170 و فتح الباري ج 3 ص 204 و وفاء الوفاء ج 2 ص 557.

الزبير. .» (1).

و عن المطلب قال: كانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم، و كانت في الجدار كوّة، فكانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوّة فسدّت (2):

أو أنهم سدوا أو ستروا على القبر بعد محاولة الحسين دفن أخيه الحسن هناك (3)، اتقاء منهم لمثل هذا الأمر، حتى لا يتكرر بعد.

و السبب الرابع:

أن الأدلة تدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في بيت ابنته فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، ثم استولت عليه عائشة، و استقرت فيه، و ضربت جدارا بينها و بين القبور، و بقيت تحتلّ هذا البيت الطاهر-كما قدمنا-الذي كان في وسط بيوت أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما ذكره ابن عمر (4).

و نستند في ذلك إلى ما يلي:

1-روى الصدوق في أماليه رواية مطوّلة، عن ابن عباس، جاء فيها:

«. . فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صلّى بالناس، و خفف


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 294 و وفاء الوفاء ج 2 ص 544 عن ابن سعد، و عمدة القاري ج 8 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 349 و ج 12 ص 51 و كنز العمال ج 7 ص 186.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 548 عن ابن سعد، و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 345 عن ابن زبالة، و أضواء البيان للشنقيطي ج 8 ص 352.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 548 عن ابن سعد.

4) راجع: سفينة البحار ج 1 ص 115.

الصلاة، ثم قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب، و أسامة بن زيد، فجاءا، فوضع «صلى اللّه عليه و آله» يده على عاتق علي، و الأخرى على أسامة، ثم قال: انطلقا بي إلى فاطمة.

فجاءا به، حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن و الحسين. .» ثم ذكر قضية وفاته هنا (1).

2-قال السمهودي: «أسند ابن زبالة، و يحيى بن سليمان بن سالم، عن مسلم بن أبي مريم، و غيره: كان باب فاطمة بنت رسول اللّه في المربعة التي في القبر.

قال سليمان: قال لي مسلم: لا تنس حظّك من الصلاة إليها، فإنها باب فاطمة «عليها السلام» ، الذي كان علي يدخل عليها منه» (2).

و عن ابن أبي مريم: «إن عرض بيت فاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المواجهة للزور قال: و كان بابه في المربعة التي في القبر.

و قد أسند أبو غسان-كما قال ابن شبة-عن مسلم بن سالم، عن مسلم بن أبي مريم، قال: عرس علي «عليه السلام» بفاطمة بنت رسول اللّه إلى الأسطوانة التي خلف الأسطوانة المواجهة للزور. و كانت داره في المربعة التي في القبر.


1) أمالي الشيخ الصدوق (ط النجف سنة 1391 ه‌.) المجلس الثاني و التسعون ص 569 و (ط مركز الطباعة و النشر في مؤسسة البعثة) ص 735 و روضة الواعظين ص 7 و البحار ج 22 ص 509 و مجمع النورين للمرندي ص 70.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 450 و أعيان الشيعة ج 1 ص 31.

و قال مسلم: لا تنس حظّك من الصلاة إليها، فإنه باب فاطمة، التي كان علي يدخل إليها منها، و قد رأيت حسن بن زيد يصلّي إليها» (1).

فهل كان علي «عليه السلام» يدخل على زوجته من وسط حجرة عائشة؟

أم أن عائشة أو غيرها من زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» كانت من محارمه «عليه السلام» ؟ !

إن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن ذلك الموضع هو بيت فاطمة التي ظلمت في مماتها، كما ظلمت في حياتها: وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (2). . و ليس هو بيت عائشة، كما تريد أن تدعي هي و محبوها! !

3-إن لدينا ما يدل على أن شرقي الحجرة كان في بيت فاطمة. و إذن. . فعائشة كانت تسكن في بيت فاطمة حينما ضربت الجدار! ! . .

«قال ابن النجار: و بيت فاطمة اليوم حوله مقصورة، و فيه محراب، و هو خلف حجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قلت (أي السمهودي) : الحجرة اليوم دائرة عليه، و على حجرة عائشة، بينه و بينه موضع تحترمه الناس، و لا يدوسونه بأرجلهم، يذكر أنه موضع قبر فاطمة «عليها السلام» .

و قد اقتضى ما قدمناه: أن بيت فاطمة كان فيما بين مربعة القبر،


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 467 و 469 على الترتيب، و أعيان الشيعة ج 1 ص 314.

2) الآية 227 من سورة الشعراء.

و أسطوان التهجد» (1).

و عن مدفن فاطمة «عليها السلام» يرى ابن جماعة: «أن أظهر الأقوال هو أنها دفنت في بيتها» . و هو مكان المحراب الخشب، داخل مقصورة الحجرة الشريفة من خلفها. و قد رأيت خدام الحضرة يجتنبون دوس ما بين المحراب المذكور و بين الموضع المزور من الحجرة الشريفة الشبيه بالمثلث، و يزعمون أنه قبر فاطمة (2).

و من الواضح: أن أسطوان التهجد يقع على طريق باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما يلي الزور (3).

أي خلف بيت فاطمة (4).

قال السمهودي عن موضع تهجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

«قلت: تقدم في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن الموضع المذكور كان خارج المسجد، تجاه باب جبريل قبل تحويله اليوم. و هو موافق لما سيأتي عن المؤرخين في بيان موضع هذه الاسطوانة» (5).


1) وفاء الوفاء ج 3 ص 469 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 364 و بهج الصباغة ج 5 ص 19 و رحلة ابن بطوطة ص 70 و معاني الأخبار ص 254 و البحار ج 43 ص 185 و الكافي (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 383 و الوسائل ج 10 ص 288 و في هامشه عن التهذيب للشيخ الطوسي، و عن من لا يحضره الفقيه للصدوق.

2) وفاء الوفاء ج 3 ص 906.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 451 و 450 و 452 و 688.

4) المصدر السابق.

5) المصدر السابق.

و إذا كان كذلك: فإن بيت علي يقع بين باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الحجرة الشريفة. و باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أول الأبواب الشرقية مما يلي القبلة، و قد سد الآن. .

و يقولون: إنه سمي بذلك لا لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يدخل منه، بل لأنه في مقابل حجرة عائشة. .

بل نجد ابن النجار يصرح: بأن هذا الباب هو نفسه باب علي «عليه السلام» (1).

و هذا يعني: أن ما بين الحجرة التي فيها القبر الشريف، و باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان من بيت فاطمة «عليها السلام» ، و حيث دفنت.

و يدل عليه: أنها «عليها السلام» دفنت داخل مقصورة الحجرة من خلفها. . أي تماما حيث كانت عائشة مقيمة، بعد أن ضربت الجدار على القبور التي كانت مكشوفة لكل أحد، فتصرفت فيه عائشة بمساعدة السلطة، بعد أن تركه أهله الذين حرموا منه كما حرموهم من إرث نبيهم. .

4-و يدل على ما ذكرناه أيضا: قول السمهودي في مقام بيان موضع باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و باب جبريل: «الثاني: باب علي، الذي كان يقابل بيته الذي خلف بيت النبي» (2).

و قال أيضا: «و يحتمل أن بيت علي «عليه السلام» كان ممتدا في شرقي


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 451 و 450 و 452 و 688.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 688 و 689. و راجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 584 عن تحقيق النصرة (ط دار الكتب المصرية) ص 76.

حجرة عائشة إلى موضع الباب الأول، (يعني باب النبي «صلى اللّه عليه و آله») فسمي باب علي بذلك، و يدل له: ما تقدم عن ابن شبة في الكلام على بيت فاطمة، من أنه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد، و بين الباب المواجه لدار أسماء. و يكون تسميته الباب الثاني بباب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقربه من بابه الخ. .» (1).

إذن. . فبيت فاطمة يكون ممتدا من شمالي الحجرة التي دفن فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى شرقيها، و إذا صح كلام ابن شبة هذا، فإنه يصل إلى قبليها أيضا. .

و المفروض هو أن باب فاطمة و علي «عليهما السلام» كان شارعا في المسجد أيضا. .

فكيف استدار بيت فاطمة «عليها السلام» على بيت عائشة و طوقه بهذا الشكل العجيب، من الشمال إلى الشرق. . و يحتمل إلى القبلة أيضا؟ ! .

عجيب! ! و أي عجيب! ! . .

و ما معنى: أن تسكن عائشة في شرقي الحجرة، و تضرب بينها و بين القبور جدارا؟

أ و ليس شرقي الحجرة كان جزءا من بيت فاطمة؟ !

و كيف يكون باب بيت فاطمة «عليها السلام» في نفس حجرة عائشة؟ !

و هل هناك مسافات شاسعة بين المسجد و بين باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو باب جبريل، تسع عدة بيوت و حجر؟ !


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 688 و 689 و ليراجع: ص 469 و 470.

إن كل ذلك يدل على صحة رواية الصدوق المتقدمة، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في بيت فاطمة «عليها السلام» ، لا في بيت عائشة. .

و نعتقد: أنه قد انتقل من دار عائشة إلى دار فاطمة «عليها السلام» في نفس اليوم الذي توفي فيه، و هو يوم الإثنين (1)، و ذلك لأنه في يوم الإثنين، و حين صلاة الفجر كان لا يزال في بيت عائشة الذي كان لجهة القبلة، إذ قد روى البخاري:

«أن المسلمين بيناهم في صلاة الفجر من يوم الإثنين، و أبو بكر يصلي لهم، لم يفجأهم إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم، و هم في صفوف الصلاة. .

إلى أن قال: و همّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم؛ فرحا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» (2).

و بضم رواية الصدوق المتقدمة، الدالة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج فصلى بالناس، و خفف الصلاة، ثم وضع يده على عاتق علي «عليه


1) راجع: قاموس الرجال ج 11(رسالة في تواريخ النبي و الآل) للتستري ص 36.

2) راجع: البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 3 ص 61 و ج 1 ص 82 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 183 و ج 2 ص 60 و ج 5 ص 141 و الرواية و إن كانت قد ذكرت إقرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر على الصلاة لكن ذلك غير صحيح. و لهذا البحث مجال آخر. و راجع: البحار ج 28 ص 144 و عمدة القاري ج 6 ص 3 و ج 7 ص 280 و ج 18 ص 69 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 41 و ج 3 ص 75 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 587 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 130 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 217 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305.

السلام» و الأخرى على عاتق أسامة، ثم انطلقا به إلى بيت فاطمة «عليها السلام» ، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها. .

ثم يذكر قضية استئذان ملك الموت، حيث كانت وفاته بعد مناجاته لعلي «عليه السلام» ؛ فراجع. .

فبضم هذه الرواية إلى ما تقدم نفهم أنه قد انتقل إلى بيت فاطمة «عليها السلام» في نفس اليوم الذي توفي فيه، بعد أن صلى بالناس.

و أما أنه رفع الستر ثم عاد فأرخاه؛ فلم يروه حتى توفي حسبما ذكرته رواية البخاري الآنفة الذكر. . فلا يصح؛ لأن رواية ابن جرير تصرح بأنه عزل أبا بكر عن الصلاة في نفس اليوم الذي توفي فيه، فراجع (1).

و بعد ذلك كله. . لا يبقى أي شك أو ريب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في بيت فاطمة «عليها السلام» ، لا في بيت عائشة. و لكن فاطمة قد ظلمت بعد مماتها كما ظلمت في حال حياتها. .

«و سيعلم الذين ظلموا آل محمد، عن طريق تزوير الحقيقة و التاريخ، فضلا عن مختلف أنواع الظلم الأخرى. . أي منقلب ينقلبون. .» .


1) راجع كنز العمال ج 7 ص 198 عن ابن جرير، و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 196 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 440 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1068 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 467.

الفصل الثالث: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات شهيدا

اشارة

محاولات إغتيال النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت عدة محاولات اغتيال إستهدفت حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، نذكر منها:

1-تهديدات قريش لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدء الدعوة، و عرضهم على أبي طالب أن يسلمهم إياه ليقتلوه، مقابل أن يعطوه بعض فتيانهم.

و قد تقدمت هذه القصة، فراجعها.

2-تقدم أيضا: أنه حين حصر المشركون المسلمين في شعب أبي طالب، كان أبو طالب ينيم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موضع يراه الناس، حتى إذا هدأت الرجل يقيمه، و ينيم ولده عليا «عليه السلام» في مكانه. حتى إذا حدث أمر كان علي «عليه السلام» فداء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

3-محاولاتهم قتله «صلى اللّه عليه و آله» في ليلة الهجرة، على يد عشرة رجال، كل رجل من قبيلة، فأنجاه اللّه منهم بعلي «عليه السلام» .

4-محاولة اغتياله «صلى اللّه عليه و آله» من قبل بني النضير (1).

5-تنفيرهم الناقة به «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة (2).

بل لقد قال (ابن حزم) : إن حذيفة لم يصلّ على أبي بكر، و عمر، و عثمان. . «و كان لا يصلي على من أخبره «صلى اللّه عليه و آله» بأمرهم» (3).

6-محاولة قتله «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر بالسم.

7-محاولة قتله «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة بالسم أيضا، و سنذكر النصوص المرتبطة بهذه الحادثة.

و بعد ما تقدم نقول:

إن استيفاء البحث هنا يفرض علينا إستعراض النصوص التي ذكرت هذه الحادثة، ثم إيراد مواقع النظر فيها، و لذلك، فنحن نتابع الحديث على النحو التالي:


1) راجع: ما قدمناه في هذا الكتاب. في غزوة بني النضير ج 8 ص 40-50.

2) راجع: السيرة الحلبية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 143 و أسد الغابة ج 1 ص 468 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 260-262 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1042-1045 و إمتاع الأسماع ص 477 و مجمع البيان ج 3 ص 46 و إرشاد القلوب للديلمي ص 330-333 و المحلى ج 11 ص 225، و شرح أصول الكافي ج 12 ص 193، و كتاب سليم بن قيس ص 272 و المسترشد ص 593 و الهداية الكبرى ص 79 و البحار ج 28 ص 99 و 128 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 602 و الدرجات الرفيعة ص 298 و الفوائد الرجالية ج 2 ص 172 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 466 و الكنى و الألقاب ج 2 ص 235.

3) راجع: المحلى لابن حزم ج 11 ص 225.

نصوص مأثورة عامة:

إن ثمة نصوصا عديدة تفيد أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد مات شهيدا بالسم، و هي التالية:

1-عن ابن مسعود أنه قال: لأن أحلف تسعا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة.

و ذلك أن اللّه سبحانه و تعالى، اتخذه نبيا، و جعله شهيدا (1). .

2-عن الإمام الصادق «عليه السلام» عن آبائه: أن الإمام الحسن «عليه السلام» قال لأهل بيته: إني أموت بالسم، كما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

قالوا: و من يفعل ذلك؟

قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث (2).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 201 و (ط دار التحرير بالقاهرة سنة 1388 ه‌) ج 2 ق 2 ص 7 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 303 و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 172 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 58 و صححه على شرط الشيخين، هو و الذهبي في تلخيص المستدرك (مطبوع بهامشه) ، و راجع: فيض القدير للمناوي ج 5 ص 448 و مسند أحمد ج 1 ص 381 و 408 و 434 و مسند أبي يعلى ج 9 ص 132 و مجمع الزوائد ج 9 ص 34 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 269 و المعجم الكبير ج 10 ص 109 و البداية و النهاية ج 5 ص 247 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 449 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 437 و عن أنساب الأشراف ج 1 ص 576.

2) المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 175 و البحار ج 44 ص 153 و ج 43 ص 327 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 241.

3-عن الشعبي قال: لقد سم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سم أبو بكر الخ. . (1).

4-الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إن اليهود سمت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سمت أبا بكر (2).

و من أقوال العلماء نذكر:

قول الشيخ الطوسي «رحمه اللّه» : قبض «صلى اللّه عليه و آله» مسموما يوم الإثنين لليلتين بقيتا من الهجرة سنة عشر الخ. . (3).

و قال الشيخ المفيد: قبض بالمدينة مسموما (4).

و راجع ما قاله العلامة الحلي «رحمه اللّه» حول ذلك أيضا (5).

حديث سم النبي صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:

ذكر الصالحي الشامي حديث سم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر، فقال ما محصله:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 260 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 59 و ج 3 ص 64 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 200.

3) البحار ج 22 ص 514 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 1، و شرح أصول الكافي ج 7 ص 143 و الأنوار البهية ص 41.

4) المقنعة ص 456، الأنوار البهية ص 41، و كذا في روضة الواعظين ص 71.

5) منتهى المطلب ج 2 ص 887 و الحدائق الناضرة ج 17 ص 424 و جواهر الكلام ج 20 ص 79.

روى الشيخان عن أنس، و الإمام أحمد، و ابن سعد، و أبو نعيم عن ابن عباس.

و الدارمى، و البيهقي عن جابر، و البيهقي-بسند صحيح-عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.

و الطبراني، عنه، عن أبيه.

و البزار، و الحاكم، و أبو نعيم عن أبي سعيد.

و البيهقي عن أبي هريرة.

و البيهقي عن ابن شهاب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما افتتح خيبر، و قتل من قتل، و اطمأن الناس، أهدت زينب ابنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم-و هي ابنة أخي مرحب-لصفية امرأة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شاة مصلية، و قد سألت: أي عضو الشاة أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقيل لها: الذراع.

فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة.

فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على صفية، و معه بشر بن البراء بن معرور، فقدمت إليه الشاة المصلية، فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكتف.

و في لفظ: الذراع، و انتهس منها، فلاكها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تناول بشر بن البراء عظما، فانتهس منه (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و 135 و في هامشه عن: البخاري ج 5 ص 272(2617) و مسلم ج 4 ص 1721(45/2190) ، و أحمد ج 2 ص 451 و أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 259 و أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (3169 و 4249 و 5777) و أبو داود في الديات (6) ، و ابن ماجة في الطبراني (45) و الدارمي في المقدمة 11 و انظر المغازي للواقدي ج 2 ص 677 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 293 و (نشر مكتبة محمد علي صبيح و أولاده) ج 3 ص 800 و شرح المواهب ج 2 ص 239 و ابن كثير في البداية و النهاية ج 4 ص 208 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 240 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 394 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 399 و راجع: تفسير الثعلبي ج 9 ص 52 و البحار ج 21 ص 6 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 70 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 9 ص 204 و تفسير الميزان ج 18 ص 298 و تفسير البغوي ج 4 ص 197 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 303.

و ذكر محمد بن عمر: أنه ألقى من لحم تلك الشاة لكلب، فما تبعت يده رجله حتى مات (1).

و قال الصحابة السابق ذكرهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى اليهودية، فقال: «أسممت هذه الشاة» ؟ .

فقالت: من أخبرك؟

قال: «أخبرتني هذه التي في يديّ، و هي الذراع.

قالت: نعم.

قال: «ما حملك على ما صنعت» ؟ .

قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحنا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 202.

منه، و إن كان نبيا فسيخبر.

فتجاوز-و في لفظ-فعفا عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مات بشر من أكلته التي أكل، و لم يعاقبها (1).

و ذكر محمد بن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بلحم الشاة فأحرق (2).

و نقول:

إن لدينا شكوكا عديدة في هذا الذي ذكروه من روايات، و في بعض ما ذكر حولها أيضا، و نلخص ذلك فيما يلي:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و ج 10 ص 15 و راجع: البحار ج 21 ص 7 و مجمع البيان ج 9 ص 204 و الميزان ج 18 ص 298 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 303 و التنبيه و الإشراف ص 223 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 346 و البداية و النهاية ج 4 ص 238 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 801 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 397 و راجع: المجموع ج 18 ص 386 و المحلى ج 11 ص 26 و فقه السنة ج 2 ص 517 و عن سنن الدارمي ج 1 ص 33 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 369 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 46 و عون المعبود ج 12 ص 148 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 317 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 72 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 47 و عون المعبود ج 12 ص 148.

و اللّه يعصمك من الناس:

زعم بعضهم: أن قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1)يدل على عدم صحة حديث سم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على يد اليهودية. .

و نقول:

هذا الزعم باطل بلا شك، و ذلك لما يلي:

أولا: قد أجيب عن ذلك: بأن حديث السم قد كان في خيبر، و الآية قد نزلت في سورة المائدة بعد ذلك بسنتين، أي في عام تبوك (2).

ثانيا: إن الآية قد نزلت سنة عشر يوم عرفة، أو بعد ذلك، لكي تمهد لنصب علي «عليه السلام» في حجة الوداع إماما للناس، في يوم الغدير، في الثامن عشر من ذي الحجة، قبل وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحوالي سبعين يوما.

و مفادها التهديد للذين يحاولون منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبليغ إمامة علي، و يتصرفون مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» برعونة و جرأة، فخبر اللّه تعالى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم سوف لا يتمكنون من منع من ذلك بعد الآن. .

و ليس للآية أي ارتباط بمنع الناس من سم رسول اللّه، أو اغتياله، في الظروف العادية الأخرى. .


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 155 و راجع ج 1 ص 434 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 317.

أما بالنسبة لقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بواسطة السم، فقد صرحت الآيات: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس في مأمن من القتل، أو الإغتيال بالسم أو بغيره في سائر الظروف، قال تعالى:

وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ (1).

و يشهد لذلك أيضا: أنه قد بذلت محاولات كثيرة لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنجاه اللّه منها، فلاحظ ما يلي:

الروايات حول سم النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و بعد ما تقدم نقول:

أما الروايات التي ذكرت محاولة اغتيال النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالسم فهي مروية عند السنة و الشيعة على حد سواء، و هي تنقسم إلى قسمين:

أحدهما يقول: إن يهودية دست السم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

و الآخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشهد بالسم على يد بعض زوجاته. .

و نحن نذكر هنا: نصوصا من هذا القسم، و نصوصا من ذاك. . مع بعض المناقشة، أو التوضيح، أو التصحيح، فنقول:

سم اليهودية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في روايات السنة:

فمن الروايات التي أوردها أهل السنة في مجاميعهم الحديثية و التاريخية،


1) الآية 144 من سورة آل عمران.

و تحدثت عن سم اليهودية له «صلى اللّه عليه و آله» نذكر ما يلي:

1-عن عائشة و أبي هريرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في مرضه الذي توفي فيه: إني أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري (1)من ذلك السم.

قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شهيدا (2).


1) الأبهر: عرق مستبطن الصلب. و الظاهر: أنه هو ما يعرف بالنخاع الشوكي.

2) المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 58، و تلخيص المستدرك للذهبي، و صححاه على شرط الشيخين، و ذكر نحوه عن تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 169 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 53 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 432 و الدرر لابن عبد البر ص 269 و كنز العمال ج 11 ص 466 و راجع ص 467 و راجع: المجموع للنووي ج 18 ص 386 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 348 و الطب النبوي لابن القيم الجوزي ص 97 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 71 و مجمع البيان ج 9 ص 121 و 122 و فيه: ما أزال أجد ألم الطعام. . و في نص آخر: ما زالت أكلة خيبر تعاودني كل عام. . و راجع: البحار ج 21 ص 6 و 7 و المحلى ج 11 ص 25 و 27 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 29 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 434 و ج 5 ص 134 و البداية و النهاية ج 3 ص 400 و ج 4 ص 239 و 240 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 402 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار التحرير بالقاهرة سنة 1388 ه‌) ج 2 ق 2 ص 32 و (ط دار صادر) ج 8 ص 314 و السيرة النبوية لابن هشام المجلد الثاني ص 338 سلسلة تراث الإسلام. و عن سنن أبي داود ج 2 ص 370 و سنن الدارمي ج 1 ص 32 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 11 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 303 و التنبيه و الإشراف ص 224 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 399 و 400.

2-عن أبي هريرة أنه حين فتحت خيبر، أهديت له «صلى اللّه عليه و آله» شاة فيها سم، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إجمعوا من كان ههنا من اليهود، فجمعوا، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء. .

إلى أن قال: أجعلتم في هذه الشاة سما؟

قالوا: نعم.

قال: فما حملكم على ذلك؟ ! . .

قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، و إن كنت نبيا لم يضرك (1).

3-عن أنس: أن يهودية أتت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما كان اللّه ليسلطك على ذلك. أو قال: علي. .

قالوا: ألا نقتلها؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : لا.

فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 435 و سنن الدارمي ج 1 ص 33، و المجموع ج 18 ص 376، و عن مسند أحمد ج 2 ص 451 و صحيح البخاري ج 7 ص 203 و (ط دار الفكر) ج 7 ص 32 و عمدة القاري ج 21 ص 290 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 435 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 123 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 270 و البداية و النهاية ج 4 ص 237 و 239 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 395 و 398 و راجع: المجموع للنووي ج 18 ص 386 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 45.

2) تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 436 و صحيح البخاري ج 5 ص 179 و (ط دار الفكر) ج 3 ص 141 و المحلى ج 11 ص 26 و 416 و نيل الأوطار ج 8 ص 219 و صحيح مسلم ج 7 ص 14 و 15 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 368 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 46 و ج 10 ص 11 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 178 و عن فتح الباري ج 10 ص 209 و الأدب المفرد ص 61 و المعجم الأوسط ج 3 ص 43 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 238 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 396 و الأدب المفرد للبخاري ص 61 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 215 و النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 284 و لسان العرب ج 15 ص 262 و تاج العروس ج 10 ص 335 و راجع: الإنتصار للشريف المرتضى ص 482 و المجموع للنووي ج 18 ص 386 و عمدة القاري ج 13 ص 171 و ج 15 ص 91 و عون المعبود ج 12 ص 147 و جزء ابن عاصم ص 122 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 46.

4-في سيرة ابن هشام: أن التي سمته هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لاك من الشاة مضغة فلم يسغها، فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. .

و كان معه بشر بن البراء بن معرور، و قد أخذ منها و أساغها. . فسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» تلك اليهودية عن ذلك. .

إلى أن قال: فتجاوز عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مات بشر من أكلته التي أكل (1).


1) السيرة النبوية لابن هشام (ط تراث الإسلام) ج 3 ص 337 و (نشر مكتبة محمد علي صبيح و أولاده) ج 3 ص 801 و تاريخ الخميس ج 2 ص 52 و البحار ج 21 ص 7 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 204 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 303 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 221 و التنبيه و الإشراف ص 223 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 240 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 399 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و راجع: تفسير البغوي ج 4 ص 197.

أضاف في نص آخر قوله: فلما مات بشر أمر بها فقتلت (1).

و قيل: صلبت، كما في أبي داود.

و روى أبو داود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قتلها (2).

و في كتاب شرف المصطفى: أنه قتلها و صلبها (3).

و قيل: تركها لأنها أسلمت (4)، كما رواه عبد الرزاق.

فلما مات بشر دفعها إلى أوليائه، فقتلوها به (5). كما في الإمتاع، و ابن


1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 9 ص 328 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 168 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 46 و المغني لابن قدامة ج 9 ص 329 و عمدة القاري ج 15 ص 91.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 316 و راجع: البحار ج 68 ص 402 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 74.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 316 و عن مجمع الزوائد ج 8 ص 296 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 47 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 155 و عمدة القاري ج 15 ص 91.

4) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769 و فتح الباري ج 7 ص 381 و عمدة القاري ج 15 ص 91 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 155 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 39.

5) عمدة القاري ج 15 ص 91 و شرح أصول الكافي ج 8 ص 321 و البحار ج 68 ص 402 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 179 و عون المعبود ج 12 ص 149 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 74 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 39 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 155 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769.

سعد، و راجع: البيهقي، و السهيلي، و الحافظ.

و في صحيح مسلم: أنه لم يقتلها (1).

و عند ابن إسحاق و ابن سخنون: أجمع أهل الحديث على ذلك (2).

و قال مغلطاي: لم يقتلها (3).

و عند الدارمي، عن الزهري: أنه عفا عنها (4).

5-زاد في بعض المصادر قوله: «فلما ازدرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقمته ازدرد بشر ما كان في فيه، و أكل القوم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع، أو


1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 316 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 179 و عون المعبود ج 12 ص 149.

2) شرح مسلم للنووي ج 14 ص 179 و عون المعبود ج 12 ص 149 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 316.

3) و راجع فيما تقدم: السيرة الحلبية ج 3 ص 55 و 56 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 52 و المحلى ج 11 ص 26 و 27 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار التحرير) ج 2 ق 2 ص 7 و المغازي للواقدي ج 2 ص 678. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و البداية و النهاية ج 4 ص 240 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 400 و نيل الأوطار ج 8 ص 222 و شرح أصول الكافي ج 8 ص 306.

4) مغني المحتاج ج 4 ص 7 و سنن الدارمي ج 1 ص 33 و فقه السنة ج 2 ص 517 و البحار ج 68 ص 402 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 74 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 316.

الكتف يخبرني: أنها مسمومة (أو إني نعيت فيها) .

فقال له بشر: و الذي أكرمك، لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أن أنغص عليك طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، و رجوت أن لا تكون ازدردتها. .

فلم يقم بشر من مكانه حتى عادلونه كالطيلسان (أي أسود). و ماطله وجعه سنة، لا يتحول إلا ما حول، حتى مات.

و طرح منها لكلب فمات (1).

قال الزهري: و احتجم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ على كاهله، حجمه أبو هند مولى بني بياضة، بالقرن و الشفرة (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 55 و (ط دار المعرفة) ج 2 ص 766 و عن سنن أبي داود ج 4 ص 174 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 202 و ج 3 ص 571 و المغازي للواقدي ج 2 ص 677 و 678 و تاريخ الخميس ج 2 ص 52 عن الإكتفاء، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و ج 12 ص 303 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 238 و 239 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 397 و 398 و راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 33 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 46 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 349.

2) راجع: الإصابة ج 7 ص 363 و عمدة القاري ج 12 ص 103 و سنن الدارمي ج 1 ص 33 و سنن أبي داود ج 2 ص 369 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 46 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 202 و أسد الغابة ج 1 ص 346 و البداية و النهاية ج 4 ص 238 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و ج 12 ص 303 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 317 و ج 13 ص 346 و 350 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 397 و الطب النبوي لابن القيم ص 97.

6-و في رواية: أنه بعد أن اعترفت اليهودية بتسميم الشاة، بسط النبي «صلى اللّه عليه و آله» يده إلى الشاة، و قال: كلوا باسم اللّه.

فأكلوا و قد سموا باللّه، فلم يضر ذلك أحدا منهم (1).

قال ابن كثير: فيه نكارة و غرابة شديدة (2).

7-و في المنتقى: و لاكها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلفظها، فأخذها بشر بن البراء، فمات من ساعته، و قيل: بعد سنة (3).

8-و عند ابن سعد، و الواقدي: أن اليهودية اعتذرت عن ذلك: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل أباها، و زوجها، و عمها، و أخاها، و نال من قومها. فأبوها الحارث، و عمها يسار، و أخوها مرحب، و زوجها سلام بن مشكم.

فأرادت الانتقام لهم (4).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 56 و (ط دار المعرفة) ج 2 ص 770 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 عن البزار، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 240 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 400 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 345 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 109.

2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 400 و البداية و النهاية ج 4 ص 240.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 52.

4) فتح الباري ج 10 ص 208 و 210 و ج 7 ص 381 و عمدة القاري ج 15 ص 91 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 73 و البحار ج 17 ص 319 و التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 178 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 202 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 316 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769.

9-و عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أكل من الشاة المسمومة، هو و أصحابه، فمات منهم بشر بن البراء، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر باليهودية فقتلت (1).

نظرة في النصوص المتقدمة:

إننا و إن كنا مطمئنين إلى صحة الحديث الذي يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشهد بتأثير سم قد دسه إليه بعضهم.

و إلى أن الراجح هو: أن محاولة دس السم هذه قد تعددت، و ربما يكون قد شارك فيها أكثر من طرف، غير أننا نقول:

إن ذلك لا يعني صحة ما ورد في الروايات المتقدمة. .

و لا نريد أن نناقش في أسانيد تلك الروايات، فإن لنا فيه مقالا. . بل نكتفي بتسجيل الملاحظات التالية:

أولا: إن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن من السذاجة بحيث يقبل هدية هذه اليهودية الموتورة، ثم يأكل، و يأمر أصحابه بالأكل منها. . و هو قد فرغ لتوه من تسديد الضربة القاضية لقومها. .

كما أنه كان قد قتل زوجها، سلام بن مشكم، و أخاها كعب بن الأشرف قبل ذلك، و قتل عمها، و. . و. .

كما أن كل أحد قد رأى غدر اليهود المتكرر بالمسلمين، و تآمرهم أكثر من مرة على حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يكن النبي «صلى اللّه


1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار التحرير بالقاهرة سنة 1388 ه‌) ج 2 ق 2 ص 6 و 7 و (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 73.

عليه و آله» ليغفل عن هذا الأمر، و يتصرف بهذا الطريقة.

و لو فرض جدلا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سكت عن هذا الأمر، أو تغافل عنه لمصلحة رآها. . فإن من المتوقع جدا أن يبادر أحد المسلمين إلى الجهر بالاعتراض على الأكل من ذلك الطعام، و إبداء مخاوفه من أن يكون مسموما.

ثانيا: إن من يقرأ الروايات المتقدمة، و يقارن بينها، يلاحظ: أنها غير منسجمة فيما بينها. . فلاحظ ما يلي:

1-بعضها يصرح بأن اللّه تعالى ما كان ليسلط تلك المرأة عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

لكن بعضها الآخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» في مرض موته: قد وجد ألم الطعام الذي أكله في خيبر، و أخبر أن مطاياه قد قطعت، أو أن ذلك هو أوان انقطاع أبهره. .

2-يقول بعضها: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل تلك المرأة، و بعضها الآخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عفا عنها. . و بعض ثالث يقول: إنه عفا عنها أولا. ثم قتلت بعد موت بشر بن البراء. .

3-بعضها يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يسغ ما تناوله من لحم الشاة. .

لكن البعض يقول: إنه قد أساغ ما أكله منها. .

4-و قالوا: إن الذي مات، هو بشر بن البراء؟ ! .

و قيل: هو مبشر بن البراء؟ ! (1).


1) راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 679 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 350.

و قد يجاب عن هذا: باحتمال أن يكون الرسم المتقارب للكلمتين هو الذي أوقع الرواة في الاشتباه في القراءة.

5-في بعض تلك الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اتهم جماعة من اليهود بالأمر، فجمعهم، و سألهم عنه، فأقروا به. .

و في بعضها الآخر: أن المتهم به هو خصوص تلك المرأة منهم. .

6-بعضها يقول: إن الذي أكل هو بشر بن البراء فقط، و بعضها الآخر يضيف قوله: و أكل القوم. . و بعض ثالث يقول: كانوا ثلاثة، و ضعوا أيديهم في الطعام، و لم يصيبوا منه.

7-بعضها يقول: إن الذي حجم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذه المناسبة هو أبو طيبة و قيل: بل حجمه أبو هند. .

8-بعض الروايات يقول: إنه بعد اعتراف اليهودية بما فعلت، أمرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالتسمية، و الأكل من الشاة، فأكلوا فلم يضر ذلك أحدا منهم. .

و بعضها الآخر يقول: لم يأكلوا. . و تضرر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و تضرر بشر بن البراء. .

ثالثا: كيف يحسّ بشر بن البراء بالسم، ثم لا يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، و يتركه يمضغ ما تناوله، ثم يبتلعه؟ ! . .

فهل كان يعتقد أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يموت؟ ! . .

أو أنه كان يعرف أنه يموت، و أراد له ذلك؟ ! .

أو أنه لم يرده له. . و لكنه سكت عن إعلامه بالأمر؟ ! .

و كيف سكت؟ ! . و لما ذا؟ ! .

رابعا: يقول بشر: إنه خاف أن ينغص على النبي «صلى اللّه عليه و آله» طعامه. . و هذا غريب حقا، إذ كيف رضي من لا يحب أن ينغص على النبي «صلى اللّه عليه و آله» طعامه: أن يتناول هذا النبي ذلك السم، و يموت به؟ ! . .

و هل تنغيص الطعام على الرسول أعظم و أشد عليه من موته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

خامسا: كيف أقدم بشر على ازدراد ما يعلم أنه مسموم؟ ! .

و ما معنى هذه المواساة منه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه؟ ! . .

و هل يجوز له أن يقتل نفسه لمجرد المواساة؟ ! .

و ما هي الفائدة التي توخاها من ذلك؟ ! . .

سادسا: هل الحجامة تنجي من السم حقا؟ ! . . و لو كانت كذلك، فلما ذا لا يستفاد منها في معالجة من تلدغه الحية. . أو من يشرب سما خطأ، أو عمدا؟ ! . .

و لما ذا أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذين وضعوا أيديهم في الطعام و لم يأكلوا منه أن يحتجموا؟ !

سابعا: ما معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» : هذا أوان انقطاع أبهري، فهل تناول السم يقطع العرق الأبهر، حتى بعد أن تمضي على تناول ذلك السم سنوات عدة؟ ! . .

و ما هو الربط بين هذا العرق، و بين ذلك السم؟ ! . .

و هل كل من تناول سما ينقطع أبهره؟ !

ثامنا: إن زينب بنت الحارث اليهودية قد اعتذرت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عن فعلتها الشنعاء تلك، بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل أباها،

و عمها، و زوجها، و أخاها. .

و أخوها-كما يزعمون-هو مرحب اليهودي (1)، الذي قتله الإمام علي «عليه السلام»

و نحن نشك في صحة كون مرحب أخا لتلك المرأة. .

فإن هناك من يقول: إنه عمها (2).

تاسعا: إن بعض الروايات كما في شرف المصطفى تحدثت عن أن اليهودية قد قتلت و صلبت، حين مات بشر.

غير أننا نعلم: أنه ليس في العقوبات الإسلامية الصلب للقاتل. . لا سيما إذا أخذنا بروايات العفو عنها من قبل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك. . حيث لا يحتمل أن تكون عقوبة قاتل غير النبي القتل و الصلب. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و 155 عن سنن أبي داود، و به جزم السهيلي و عن سنن أبي ج 2 ص 369 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 179 و عن فتح الباري ج 7 ص 381 و الديباج على مسلم ج 5 ص 207 و عن عون المعبود ج 12 ص 148 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 128 و عمدة القاري ج 15 ص 91 و فتح الباري ج 7 ص 381.

2) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 201 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 56 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 437 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 263 و البداية و النهاية ج 4 ص 239 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 310 و 316 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 398 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 766 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 155 و مجمع الزوائد ج 6 ص 153. و فتح الباري (المقدمة) ص 282 و ج 7 ص 381 و المعجم الكبير ج 2 ص 35 و كنز العمال ج 7 ص 371 و راجع: البحار ج 21 ص 6 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 204.

و أما آية: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1)، فإنما هو في المحارب شرط أن يكون قد شهر السلاح، و أخذ المال، و ضرب و عقر، و لم يقتل. .

هذا كله: مع غض النظر عن أن روايات العفو عنها تناقض الروايات القائلة بأن بشرا قد مات من ساعته، و لم يبق إلى سنة. .

يضاف إلى ذلك: أنها إنما فعلت ما فعلت قبل أن تسلم، فإسلامها يجبّ ما قبله، فلا معنى لقتلها إذا كانت قد أسلمت، حتى لو مات بشر بعد العفو عنها.

عاشرا: ما ذكره أنس من أنه ما زال يعرف فيها-أي آثار السم-في لهوات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! غريب، إذ كيف يمكن أن يرى أنس-باستمرار-لهوات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . فإن اللهاة لا تكون ظاهرة للناس، إذ هي لحمة حمراء معلقة في أصل الحنك. .

و لو أنه كان يرى لهواته «صلى اللّه عليه و آله» ، فما الذي كان يراه فيها، هل كان يرى السم نفسه، أو يرى صفرة أو خضرة، أو ما ذا؟

و هل كان غير أنس يرى لهوات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي الصفة التي كان أنس يراها فيها؟ !

حادي عشر: ظاهر رواية المنتقى: أن بشرا قد التقط اللقمة التي لفظها


1) الآية 33 من سورة المائدة.

الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فأكلها، فمات منها. .

فلما ذا فعل ذلك يا ترى؟ ! . ألم يلتفت إلى أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد لفظها، و أن ذلك قد كان لأمر غير محبب دعاه إلى ذلك؟ ! .

و لنفترض: أنه إنما أخذها ليتبرك بأثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بريقه الشريف، فإن السؤال هو: ألم يكن ينبغي أن ينهاه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن أكلها، بعد أن أحس بما فيها من سم قاتل؟ ! . .

أم تراه لم يره حين التقطها، و أكلها! ! و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن في نفس تلك اللحظة بأن الشاة أخبرته بأنها مسمومة، و لفظ ما كان في فيه منها. فلما ذا يلتقطه بشر بعده؟ !

هذا الحديث من طرق الشيعة:

أما ما رواه الشيعة في مصادرهم حول محاولة سم اليهودية له «صلى اللّه عليه و آله» ، فنذكر منه ما يلي:

1-لقد جاء في التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ما ملخصه:

إنه لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر، جاءته امرأة من اليهود-قد أظهرت الإيمان-بذراع مسمومة، و أخبرته أنها كانت قد نذرت ذلك له. .

و كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البراء بن معرور، و الإمام علي «عليه السلام» ، فطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخبز، فجيء به، فأخذ البراء لقمة من الذراع، و وضعها في فيه. .

فقال الإمام علي «عليه السلام» : لا تتقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال له البراء: كأنك تبخّل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فأخبره الإمام علي «عليه السلام» : بأنه ليس لأحد أن يتقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأكل و لا شرب، و لا قول و لا فعل. .

فقال البراء: ما أبخّل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فقال الإمام علي «عليه السلام» : ما لذلك قلت. و لكن هذا جاءت به يهودية، و لسنا نعرف حالها، فإذا أكلتها بدون إذنه و كلت إلى نفسك. .

هذا. . و البراء يلوك اللقمة، إذ أنطق اللّه الذراع، فقالت: يا رسول اللّه، إني مسمومة، و سقط البراء في سكرات الموت، و مات.

ثم دعا «صلى اللّه عليه و آله» بالمرأة فسألها. .

فأجابته بما يقرب مما نقلناه فيما تقدم من مصادر أهل السنة.

فأخبرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن البراء لو أكل بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكفي شره و سمه. .

ثم دعا بقوم من خيار أصحابه، فيهم سلمان، و المقداد، و أبو ذر، و صهيب، و بلال، و عمار، و قوم من سائر الصحابة تمام العشرة، و الإمام علي «عليه السلام» حاضر. .

فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اللّه تعالى، ثم أمرهم بالأكل من الذراع المسمومة، فأكلوا حتى شبعوا، و شربوا الماء.

و حبس المرأة، و جاء بها في اليوم التالي. . فأسلمت. .

و لم يصلّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على البراء حتى يحضر الإمام علي «عليه السلام» ليحلّ البراء مما كلمه به حين أكل من الشاة. . و ليكون

موته بذلك السم كفارة له. .

فقال بعض من حضر: إنما كان مزحا مازح به عليا، لم يكن جدا فيؤاخذه اللّه عز و جل بذلك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لو كان ذلك منه جدا لأحبط اللّه أعماله كلها. و لو كان تصدق بمثل ما بين الثرى إلى العرش ذهبا و فضة، و لكنه كان مزحا و هو في حل من ذلك، إلا أن رسول اللّه يريد أن لا يعتقد أحد منكم: أن عليا «عليه السلام» واجد عليه، فيجدد بحضرتكم إحلالا، و يستغفر له، ليزيده اللّه عز و جل بذلك قربة و رفعة في جنانه. . الخ (1).

2-و في رواية أخرى: أن امرأة عبد اللّه بن مشكم أتت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشاة مسمومة، و مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشر بن البراء بن عازب. . فتناول النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذراع فلاكها، و لفظها، و قال: إنها لتخبرني أنها مسمومة.

أما بشر فابتلعها فمات. .

ثم سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» اليهودية فأقرت (2).

3-و في رواية عن الأصبغ، عن الإمام علي «عليه السلام» : أنه يقال


1) راجع: البحار ج 17 ص 318 و 320 و 396 و التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 177 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 128.

2) البحار ج 17 ص 232 و راجع ص 408 عن الخرائج و الجرائح، و قرب الإسناد ص 326. و راجع: الخصائص الكبرى ج 2 ص 63-65 و قرب الإسناد ص 326 و قصص الأنبياء للراوندي ص 311 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 27 و 109 و ج 2 ص 509.

للمرأة اليهودية: عبدة.

و أن اليهود هم الذين طلبوا منها ذلك، و جعلوا لها جعلا.

فعمدت إلى شاة فشوتها، ثم جمعت الرؤساء في بيتها، و أتت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: يا محمد، قد علمت ما توجّب لي من حق الجوار، و قد حضر في بيتي رؤساء اليهود، فزينّي بأصحابك. .

فقام «صلى اللّه عليه و آله» و معه الإمام علي «عليه السلام» ، و أبو دجانة، و أبو أيوب، و سهل بن حنيف، و جماعة من المهاجرين. .

فلما دخلوا، و أخرجت الشاة، سدت اليهود آنافها بالصوف،

و قاموا على أرجلهم، و توكأوا على عصيهم. .

فقال لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اقعدوا. .

فقالوا: إنا إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد، و كرهنا أن يصل إليه من أنفاسنا ما يتأذى به.

و كذبت اليهود لعنهم اللّه، إنما فعلت ذلك مخافة سورة السم. . و دخانه. .

ثم ذكرت الرواية: تكلّم كتف الشاة، و سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعبدة عن سبب فعلها، و جوابها له. . و أن جبرئيل هبط إليه و علّمه دعاء، فقرأه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك من معه، ثم أكلوا من الشاة المسمومة، ثم أمرهم أن يحتجموا (1).


1) راجع: الأمالي للصدوق ص 294 و البحار ج 17 ص 395 و 396 و ج 92 ص 140 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 80 و روضة الواعظين ص 61 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 307 و الثاقب في المناقب ص 81 و الجواهر السنية ص 139 و جامع أحاديث الشيعة ج 23 ص 542.

4-عن إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد، عن القداح، عن إبراهيم، عن الإمام الصادق «عليه السلام» : سمت اليهودية النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذراع.

إلى أن قال: فأكل ما شاء اللّه، ثم قال الذراع: يا رسول اللّه، إني مسمومة.

فتركها، و ما زال ينتقض به سمه حتى مات «صلى اللّه عليه و آله» (1).

5-أحمد بن محمد، عن الأهوازي، عن القاسم بن محمد، عن علي، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق «عليه السلام» : سم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر، فتكلم اللحم، فقال: يا رسول اللّه، إني مسموم.

قال: فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، عند موته: اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلت بخيبر، و ما من نبي و لا وصي إلا شهيد (2).

نقد الروايات:

و كما لم نتعرض لمناقشة أسانيد روايات أهل السنة، رغم ما فيها من هنات و هنات، فإننا سوف نغض النظر عن الحديث عن مناقشة روايات الشيعة أيضا، و إن كنا نجد من بينها ما هو معتبر من حيث السند، و نكتفي بمناقشة متونها، فنقول:

أولا: قد ذكرت الرواية الأولى: أن البراء بن معرور هو الذي أكل من


1) البحار ج 17 ص 406 و ج 22 ص 516 و بصائر الدرجات ص 523 و جامع أحاديث الشيعة ج 23 ص 318.

2) بصائر الدرجات ص 523 و البحار ج 22 ص 516 و ج 17 ص 405 و إثبات الهداة ج 1 ص 604 و مختصر بصائر الدرجات ص 15.

الشاة المسمومة فمات.

مع أن البراء بن معرور، قد توفي قبل أن يهاجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة بشهر (1).

و لم يحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» موت البراء، لكنه «صلى اللّه عليه و آله» حين هاجر زار قبره.

و يقال: إنه قد صلى على قبره (2).


1) راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 308 أسد الغابة ج 1 ص 174 و الإصابة ج 1 ص 144 و 145 و (ط دار الكتب العلمية) الإصابة ج 1 ص 415 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 136 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 152 و فتح الباري ج 5 ص 276 و ج 7 ص 173 و الثقات لابن حبان ج 1 ص 136 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 620 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 239 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 474 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 181 و البحار ج 19 ص 132 و نيل الأوطار ج 4 ص 91 و إعانة الطالبيين ج 2 ص 123 و راجع: كنز العمال ج 13 ص 294 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 19.

2) راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 308 أسد الغابة ج 1 ص 174 و الإصابة ج 1 ص 144 و 145 و (ط دار الكتب العلمية) الإصابة ج 1 ص 415 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 136 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 152 و الثقات لابن حبان ج 1 ص 136 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 620 و نيل الأوطار ج 4 ص 91 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 239 و البحار ج 19 ص 132 و إعانة الطالبيين ج 2 ص 123 و راجع: كتاب الأم ج 1 ص 309 و تلخيص الحبير ج 5 ص 196 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 112 و بغية الباحث ص 98.

و قضية خيبر إنما كانت في السنة السابعة بعد الهجرة، فكيف يكون البراء بن معرور قد مات من أكلة خيبر، إذا كان قد مات قبلها بسبع سنوات؟ ! .

و قد يعتذر عن ذلك: بأن ثمة سقطا من الرواية.

و أن الصحيح هو: بشر بن البراء. .

غير أننا نقول:

إن تكرر كلمة البراء في الروايات مرات عديدة يأبى قبول هذا الإعتذار، فإن السهو لا يتكرر في جميع الموارد عادة، و هذا واضح.

ثانيا: إن هذه الروايات التي رواها الشيعة تختلف فيما بينها:

1-فرواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ، تقول: إن الضحية هو البراء بن معرور.

و روايات أخرى تقول: إنه بشر بن البراء بن معرور.

و رواية ثالثة تقول: إنه بشر بن البراء بن عازب. .

2-رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» تقول: إن الذي مات، قد مات و هو يلوك اللقمة.

و الرواية التي بعدها تقول: إنه قد ابتلع اللقمة.

و قد يجمع بينها: بأن الذي يلوك اللقمة كثيرا ما يبتلع بعضها. فلعل كل رواية تحدثت عن شيء من ذلك بخصوصه. و لم تلحظ الخصوصية الأخرى.

3-يظهر من بعض تلك الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأكل من الذراع، و هي و إن كانت لا تنافي الرواية الأخرى التي تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد لاك اللقمة و لم يسغها. .

لكنها تناقض الرواية التي صرحت: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أكل منها ما شاء اللّه، بعد أن علمه جبرئيل دعاء. .

4-بعض الروايات يقول: إن إخبار الذراع له «صلى اللّه عليه و آله» بأنها مسمومة كان قبل أن يسيغ اللقمة.

و غيرها يقول: إن الذراع تكلمت قبل أن يبدأ هو و أصحابه بالأكل منها.

و بعض آخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أكل منها ما شاء اللّه، ثم أخبرته الذراع بأنها مسمومة. .

5-الروايات تصرح بأن اليهودية هي زوجة سلام بن مشكم.

لكن رواية الخرائج و الجرائح تقول: إنها امرأة عبد اللّه بن مشكم، و لا نعرف أحدا بهذا الاسم فيما بين أيدينا من مصادر. . فإن وجد، فالروايتان متناقضتان من هذه الجهة. .

6-الروايات تقول: إن اسم اليهودية زينب.

و رواية الأصبغ عن الإمام علي «عليه السلام» تقول: إنها يقال لها: عبدة. .

7-رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» تقول: إن القضية كانت في المدينة.

و سائر الروايات تقول: في خيبر. .

8-الروايات تتحدث عن أن اليهودية جاءته بذراع أو شاة مسمومة.

لكن رواية الأصبغ تقول: إن اليهودية دعته للإجتماع مع الرؤساء في بيتها، حيث قدمت له الشاة المسمومة.

إلا أن يدّعى: أنها قد جاءته بها بعد قدومه إلى بيتها. .

9-و أخيرا. . هل جاءته بذراع؟ ! أم جاءته بشاة؟ ! إن الروايات قد اختلفت في ذلك.

و قد يدّعى أيضا: أنه لا مانع من إطلاق اسم الجزء على الكل.

و هناك موارد أخرى يظهر فيها هذا الإختلاف، لا نرى حاجة إلى تتبعها.

ثالثا: إذا كان الإمام علي «عليه السلام» قد صرح بأنه يشك في هدية تلك اليهودية، كما ذكرته رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ، معللا ذلك بقوله: «و لسنا نعرف حالها» .

فلما ذا لم يشك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها أيضا، و لم يحذّر من معه من الأكل منها قبل التثبت من حالها. . بل بادر فأكل منها ما شاء اللّه، أو أنه لاك ما تناوله منها، ثم أساغه، أو لم يسغه، حسب اختلاف الروايات؟ ! . .

و لما ذا لم يحذر الإمام علي «عليه السلام» النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، من الأكل منها، كما حذر البراء بن معرور؟ !

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» حاضرا في المجلس ينتظر إحضار الخبز، و كان يسمع الحوار بين الإمام علي «عليه السلام» ، و بين ابن معرور، فلما ذا لم يأخذ تحذير الإمام علي «عليه السلام» بعين الإعتبار؟ ! . .

بل لما ذا لم يؤثر هذا التحذير في البراء نفسه أيضا؟ ! فلم يرتّب أي أثر على هذا التحذير، و لو بأن يلفظ ما كان في فمه، حتى لو مات بعد ذلك بقليل.

رابعا: قد ذكرت رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» دعا قوما من خيار أصحابه. . ثم عددتهم،

و ذكرت من بينهم صهيبا. مع أن صهيب الرومي كما ذكرته الروايات و النصوص، كان عبد سوء، و هو ممن تخلف عن بيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان من أعوان المعتدين على الزهراء «عليها السلام» ، و الغاصبين لحق الإمام علي «عليه السلام» ، بل كان من المعادين لأهل البيت «عليهم السلام» (1).

خامسا: كيف يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيار أصحابه ليأكلوا من الشاة، فيأكلون إلى حد الشبع، ثم لا يصيبهم أي شيء. و يبقون أحياء بعد موته «صلى اللّه عليه و آله» عشرين عاما، و أكثر من ذلك. . لكنه هو «صلى اللّه عليه و آله» وحده الذي يصاب؟ !

حيث تذكر الروايات الأخرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ثلاث سنوات قد وجد ألم أكلته بخيبر، و أن عرقه الأبهر قد انقطع. .

بل بعض الروايات تقول: فما زال ينتقض به سمه حتى مات «صلى اللّه عليه و آله» .

سادسا: إن رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» قد ذكرت أيضا أمرا خطيرا، نجل عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل الإجلال. . و هو:

أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يصلّ على البراء، بانتظار حضور الإمام علي «عليه السلام» ، لكي يحلّه مما كلمه به. و ليكون موته بذلك السم كفارة له. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» حين اعترضوا عليه، بأن البراء قد قال


1) راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 135-137 و غيره من كتب التراجم.

ذلك مزاحا، و لم يكن ليؤاخذه اللّه بذلك، تراجع «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: «. . و لكنه كان مزحا، و هو في حل من ذلك» . .

ثم اعتذر لهم عن موقفه الأول بأنه يريد أن لا يعتقد أحد منهم بأن الإمام عليا «عليه السلام» واجد عليه، فأراد أن يجدد بحضرتهم إحلالا له، و يستغفر له. . ليزيده اللّه بذلك قربة و رفعة في جنانه. .

و هذا معناه: أن هذه الرواية تنسب إلى رسول اللّه-و العياذ باللّه- التدليس، و الإخبار بغير الحق. . ثم التراجع عن الموقف بعد ظهور الأمر. . و. . و. . الخ. . و حاشاه من ذلك كله. .

سابعا: هل صدّق رؤساء اليهود بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى قالوا له: إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد؟ !

و كيف صدقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون في قولهم هذا؟ ! . ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد زارهم قبل ذلك، و اجتمع بهم؟ ! فهل كانوا يقومون أيضا، و يسدّون آنافهم بالصوف. . حتى لا يتأذى بأنفاسهم؟ ! .

و حين سدوا آنافهم بالصوف مخافة سورة السم، هل تنفسوا من أفواههم بعد سد الآناف؟ ! . .

و هل التنفس من الفم يمنع من سورة السم حقا؟ !

أم أنهم سدوها بالصوف، و التزموا بأن يتنفسوا منها أيضا؟

إن الرواية لم توضح لنا ذلك! !

و إذا كان السم يؤثر إلى هذا الحد، فلا حاجة بهم إلى إطعام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من الشاة، بل يكفي أن يضعوها أمامه. . و يدخل السم

إلى بدنه الشريف عن طريق التنفس.

ثامنا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بالسم، و قرأ الدعاء، و أمرهم بأكل ما هو مسموم، ليظهر المعجزة، و الكرامة بذلك، فما معنى أمره لمن معه بالإحتجام بعد ذلك؟ ! . .

فهل أثّر الدعاء في حجب أثر السم، أم لم يؤثر؟ فإن كان قد أثّر، فما الحاجة إلى الحجامة؟ ! . و إن كان لم يؤثر، فلما ذا كان الدعاء؟ !

و كيف أقدم «صلى اللّه عليه و آله» على تناول سم يؤدي إلى الموت، من دون تثبّت من تأثير الدعاء في منع تأثير السم؟ ! . .

تاسعا: إن بعض تلك الروايات يقول: إنه بعد أن أكل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء اللّه، كلمته الذراع، و قالت: إني مسمومة. . فلما ذا أخرت الذراع كلامها إلى حين أكل النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها ما شاء اللّه؟ ! .

و لما ذا لم يمت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك السم من ساعته، إذا كان ذلك السم مؤثرا؟ ! . . بل تأخر أثره إلى ثلاث سنوات؟ ! . .

أ و ليس قد مات بعض المسلمين بسبب أكله من نفس السم الذي أكل منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

هل سم المسلمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! . .

و بعد ما تقدم نقول:

إن أصابع الاتهام لا تتوجه في هذا الأمر إلى اليهود و حسب، فإن هناك روايات تلمّح، و أخرى تصرح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مات مسموما بفعل بعض نسائه. . فلاحظ ما يلي:

1-إن من الروايات التي ربما يقال إنها تلمح إلى ذلك، الرواية المتقدمة عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و فيها: أن الإمام الحسن بن علي «عليهما السلام» قال لأهل بيته: إني أموت بالسم، كما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثم ذكر لهم: أن زوجته هي التي تسممه. .

فربما يقال: إنه «عليه السلام» يريد الإشارة إلى هذا الأمر بالذات، و إلا فقد كان يكفيه أن يقول: إن امرأتي تقتلني بالسم. . و لكنه لم يكتف بذلك، بل شبه ما يجري له بما جرى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فكما أن زوجتيه «صلى اللّه عليه و آله» قد سمتاه، فإن زوجة الإمام الحسن «عليه السلام» سوف تدس له السم أيضا. .

و عهدة هذا الفهم للرواية على هذا النحو تبقى على مدّعيه. . إذا لم يرد أن يؤيد ذلك بالروايات الأخرى الآتية المصرحة بهذا الأمر.

2-ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، في تفسير قوله تعالى: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ (1).

حيث قال «عليه السلام» : «أتدرون، مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو قتل؟ ! إنهما سقتاه قبل الموت» . .

3-و روي أيضا عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: «أتدرون مات النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو قتل؟ ! . . إن اللّه


1) الآية 144 من سورة آل عمران.

يقول: أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ . فسم قبل الموت، إنهما سمتاه» ، أو سقتاه (1).

4-و روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : في حديث الحسين بن علوان الديلمي: «أنه حينما أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إحدى نسائه، لمن يكون الأمر من بعده، أفشت ذلك إلى صاحبتها، فأفشت تلك ذلك إلى أبيها، فاجتمعوا على أن يسقياه سما، فأخبره اللّه بفعلهما. فهمّ «صلى اللّه عليه و آله» بقتلهما، فحلفا له: أنهما لم يفعلا، فنزل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاٰ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ (2)» (3).

أي ذلك هو الصحيح؟ !

و نحن، رغم أننا قد ذكرنا بعض الإشكالات على الطائفتين المتقدمتين أولا، عن السنة و الشيعة، حول سم اليهود له «صلى اللّه عليه و آله» . . فإننا لا نريد أن نتسرع في إصدار الحكم النهائي حتى مع وجود هذه الطائفة الثالثة المذكورة آنفا، و ذلك لأننا إذا نظرنا إلى الطوائف الثلاث من الروايات. . نجد


1) راجع: البحار ج 28 ص 20 و ج 22 ص 516 و ج 31 ص 641 و تفسير العياشي ج 1 ص 200 و تفسير البرهان ج 1 ص 320 و تفسير الصافي ج 1 ص 359 و 389 و 390 و نور الثقلين ج 1 ص 33 و 401 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 251.

2) الآية 7 من سورة التحريم.

3) البحار ج 22 ص 246 و ج 31 ص 641 و الصراط المستقيم ج 3 ص 168 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 627.

أن في الطائفة الثانية روايات معتبرة، لا ترد عليها الإشكالات في مضمونها، إذا أخذت بمفردها، و هي أيضا تتوافق مع بعض روايات أهل السنة في أصل المسألة.

و لأجل ذلك، نقول:

إن النظرة المنصفة لهذه الطوائف الثلاث تدعونا إلى تقرير ما يلي:

إنه ربما يظهر من مجموع ما ذكرناه: أن المحاولات التي بذلها اليهود لقتله «صلى اللّه عليه و آله» قد تعددت، و لعل بعضها قد حصل في خيبر، و بعضها حصل بالمدينة. .

و لعل التي سمته في خيبر هي زينب بنت الحارث اليهودية، و التي سمته في المدينة هي تلك اليهودية التي يقال لها: عبدة. .

و ربما تكون الذراع قد كلمت النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرتين: إحداهما في خيبر، و الأخرى في المدينة.

و لعله أهديت له «صلى اللّه عليه و آله» ذراع تارة، و أهديت له «صلى اللّه عليه و آله» شاة مصليّة أخرى. .

ثم لعل الذي مات في إحداهما: هو مبشر بن البراء، و أما أخوه بشر بن البراء أو بشر بن البراء بن عازب، فمات في حادثة أخرى. .

و ربما يكون بشر قد مات في إحداهما، و لم يمت أحد من المسلمين في المحاولة الأخرى. .

و يمكن أن يقال أيضا: إن المحاولة التي جرت في المدينة، ربما تكون قد جرت بالتواطؤ مع بعض نسائه «صلى اللّه عليه و آله» . . و ربما تكون محاولة بعض نسائه قد جاءت منفصلة عن قصة اليهودية و اليهود. .

و ربما تكون محاولة بعض نسائه قد فشلت مرة، و ذلك في قضية إفشاء سره «صلى اللّه عليه و آله» في موضوع سورة التحريم، إذ إن الرواية تقول:

إن اللّه تعالى أخبره بذلك، ثم نجحت في المحاولة الثانية، و استشهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بفعل السم الذي دسسنه له. .

و إنما فضح اللّه أمرهن في المرة الأولى ليعرف الناس: أنهن قد يقدمن على هذا الأمر الشنيع مرة أخرى، حتى إذا فعلن ذلك، و ذلك حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فتصديق الناس بهذا الأمر يصبح أسهل و أيسر. .

كما أن تعريف الناس بحقيقة أولئك النسوة يحصّن الناس من الاغترار بهن، بحجة كونهن زوجات له «صلى اللّه عليه و آله» ! ! . .

نعم. . إن ذلك كله. . و سواه محتمل في تلك الروايات. .

و نحن و إن لم نستطع الجزم بأي من تلك الوجوه. . و لكن لا شك في أنها وفق ما ذكرناه لا تكون متعارضة فيما بينها و لا متنافرة، لأنها إنما تكون كذلك لو فرض أنها كلها تحكي عن قضية واحدة دون سواها. .

و كونها تحكي عن قضية واحدة مما لا سبيل إلى إثباته. .

و تعدد محاولات اغتياله حسبما تقدم في أوائل هذا البحث قد يؤيد هذا الأمر. .

و تبقى حقيقة واحدة لا مجال لإنكارها من أحد أيضا، و هي: أنه في ظل هذا الذي ذكرناه، لا بد أن تسقط كل الآراء التي تسعى لتبرئة هذا الفريق أو ذاك. .

و تبقى الشبهة تحوم حول الذين ذكرت أسماؤهم في الروايات في الطوائف الثلاث المتقدمة. لا سيما مع وجود نصوص صحيحة السند عند

الشيعة و السنة. .

بل إنه حتى أولئك الذين كانوا من المعروفين، و تدعى لهم الكرامات الراسخة، و المقامات الشامخة، قد أثبت لنا التاريخ أنهم قد شنوا حربا ضارية ضد علي «عليه السلام» قتل فيها ألوف من المسلمين، و لو استطاعوا قتل علي «عليه السلام» نفسه لقتلوه، مع أنه وصي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أخوه و نفسه، كما جاء في آية المباهلة. .

بل إنه حتى بالنسبة إلى النصوص التي لم توفق لسند صحيح، فإنه لا يمكن دفع احتمالات صحتها، خصوصا إذا لو حظت الظروف التي أحاطت برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أول بعثته، و إلى حين وفاته.

مع علمنا بأن الجهر بالحقيقة كان يساوق المجازفة بالحياة، و بالأخص بالنسبة لبعض الشخصيات التي كانت تحتل مكانة خاصة في قلوب بعض الفئات، التي كانت هي الحاكمة عبر أحقاب التاريخ. .

و لتفصيل هذا الأمر، محل و مجال آخر. .

ما من نبي أو وصي إلا شهيد:

و ربما يمكن تأكيد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسم بالروايات التي تقول: ما من نبي أو وصي إلا شهيد، فقد:

1-روى محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال:

سم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر، فتكلم اللحم، فقال: يا

رسول اللّه، إني مسموم.

قال: فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» عند موته: اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلت بخيبر، و ما من نبي، و لا وصي إلا شهيد (1).

و قد أكدت النصوص المتقدمة صحة ذلك، بالنسبة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أما بالنسبة لأوصيائه الاثني عشر، فقد وردت عدة روايات تفيد هذا المعنى أيضا، و بعض هذه الروايات معتبر من حيث السند، و نذكر منها ما يلي:

2-عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن أبي الصلت الهروي، عن الإمام الرضا «عليه السلام» في نفي قول من قال: إن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يقتل، و لكن شبّه لهم، قال «عليه السلام» :

و اللّه، لقد قتل الحسين «عليه السلام» ، و قتل من كان خيرا من الحسين، أمير المؤمنين، و الحسن بن علي، و ما منا إلا مقتول، و إني-و اللّه-لمقتول بالسم الخ. . (2).

و يمكن أن يستفاد من هذه الرواية، و غيرها مما يأتي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا قد مات شهيدا، إذ كان المقصود بكلمة منا هو أهل البيت، و على رأسهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) بصائر الدرجات ص 523 و مختصر بصائر الدرجات ص 15.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 203 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 220 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 87 و ج 2 ص 405 و التفسير الصافي ج 1 ص 513 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 660 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 565 و البحار ج 44 ص 271 و ج 49 ص 285 و ج 27 ص 213.

3-محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي، قال: سمعت الإمام الرضا «عليه السلام» يقول: «و اللّه، ما منا إلا مقتول شهيد» .

و ليس في سند هذه الرواية إشكال (1).

4-قال الصدوق «رحمه اللّه» : و في حديث آخر: «. . و جميع الأئمة الأحد عشر بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قتلوا، منهم بالسيف، و هو أمير المؤمنين، و الحسين «عليهما السلام» . و الباقون قتلوا بالسم، قتل كل واحد منهم طاغية زمانه، و جرى ذلك عليهم على الحقيقة و الصحة الخ. .» (2).

5-روى الخزاز القمي: عن محمد بن وهبان البصري، عن داود بن الهيثم، عن إسحاق بن البهلول، عن طلحة بن زيد، عن الزبير بن باطا، عن


1) راجع: البحار ج 49 ص 320 و ج 50 ص 238 و ج 99 ص 32 و ج 27 ص 209 و الأمالي للصدوق (ط سنة 1417 مؤسسة البعثة-قم) ص 120 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 256 و (ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات) ج 1 ص 287 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 351 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 2 ص 585 و روضة الواعظين ص 233 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 568 و (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 446 و العقد النضيد و الدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص 32 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 414 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 596 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 149 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 51.

2) عيون أخبار الرضا (ط سنة 1404 ه‌ مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 193 و البحار ج 25 ص 118.

عمير بن هاني، عن جنادة بن أميد: أن الإمام الحسن بن علي «عليهما السلام» قال في مرضه الذي توفي فيه:

«و اللّه، إنه لعهد عهده إلينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي «عليه السلام» و فاطمة «عليها السلام» ، ما منا إلا مسموم، أو مقتول الخ. .» (1).

6-قال الطبرسي «رحمه اللّه» ، و كذلك الإربلي «رحمه اللّه» ، و هما يتحدثان عن الإمام العسكري «عليه السلام» : «ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه «عليه السلام» مضى مسموما، و كذلك أبوه وجده، و جميع الأئمة «عليهم السلام» ، خرجوا من الدنيا بالشهادة» .

و استدل القائلون بذلك بما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : و اللّه، ما منا إلا مقتول أو شهيد (2).

7-و روى الحسين بن محمد بن سعيد الخزاعي، عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي، عن الجوهري، عن عتبة بن الضحاك، عن هشام بن محمد،


1) كفاية الأثر ص 226 و 227 و الصراط المستقيم ج 2 ص 128 و الأنوار البهية (ط سنة 1417 ه‌) ص 322 و نهج السعادة للمحمودي ج 8 ص 238 و البحار ج 27 ص 217 و 364 و ج 44 ص 139.

2) المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 51 و كشف الغمة (ط سنة 1381 ه‌ المطبعة العلمية-قم) ج 2 ص 430 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 227 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1093 و البحار ج 27 ص 209 و ج 50 ص 38 عن إعلام الورى، و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 414 و الأنوار البهية ص 322 و أعلام الورى (ط سنة 1390 ه‌.) ص 367 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 132.

عن أبيه، قال: خطب الإمام الحسن بن علي «عليهما السلام» بعد قتل أبيه، فقال في خطبته:

«لقد حدثني حبيبي جدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الأمر يملكه اثنا عشر إماما من أهل بيته و صفوته، ما منا إلا مقتول أو مسموم» (1).

يضاف إلى ما تقدم: وجود نصوص روائية، و تاريخية، تتحدث عن كل إمام، و تروي أنه قد مات بالسم أو القتل على يد طاغية زمانه، مع وجود محاذير كبيرة، و أخطار جسيمة تتهدد من يعلن هذا الأمر، لأن إظهاره ليس في مصلحة أولئك الحكام. .

و بعد هذا. . فلا يصح نفي حصول هذا الأمر بصورة قاطعة، أو استبعاده. .

المفيد رحمه اللّه ينكر حديث ما منا إلا مقتول:

و قد يسأل سائل هنا فيقول: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مات شهيدا، فما معنى أن ينكر ذلك الشيخ المفيد «رحمه اللّه» ، حسبما ذكره في بعض مؤلفاته؟ ! (2).

و نقول في الجواب:

إنه لا ريب في أن الشيخ المفيد «رحمه اللّه» هو من أعاظم علماء الإمامية،


1) البحار ج 27 ص 217 و ج 43 ص 364 و كفاية الأثر ص 162 و مستدرك سفينة البحار (ط سنة 1409 ه‌ مؤسسة البعثة) ج 1 ص 164 و (نشر مركز النشر الإسلامي) ج 1 ص 200 و نهج السعادة للمحمودي ج 8 ص 506 و الأنوار البهية ص 322.

2) تصحيح إعتقادات الإمامية للشيخ المفيد ص 131 و 132.

و له مكانته الرفيعة، و أثره العظيم في حفظ المذهب، و في الذب عنه، و في ترويجه، فجزاه اللّه عن الإسلام و أهله خير جزاء و أوفاه.

غير أن علينا أن لا ننسى أنه «رحمه اللّه» كان يعيش في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية. و كان أسلاف الحكام في بغداد، هم الذي دبروا لارتكاب جرائم قتل الأئمة صلوات اللّه و سلامه عليهم. . و سجل لنا التاريخ عنهم أمورا هائلة تظهر: أن العباسيين كانوا أشد على أهل البيت و شيعتهم من الأمويين. و في كتابنا الحياة السياسية للإمام الرضا «عليهم السلام» ، نبذة صالحة لإعطاء الانطباع عن فظاعة هذا الأمر، و عمقه، و مداه.

و في إلماحة إلى ذلك هنا نقول:

إن الإمام الحسين «عليهم السلام» ، لم يعش في زمن العباسيين، و لا حاربهم، بل هو قد قضى شهيدا مظلوما بسيوف أعدائهم الأمويين، و قد حاول العباسيون أن يستفيدوا من مظلوميته هذه في حركتهم المناهضة لبني أمية، فرفعوا شعار الأخذ بثاراتته «عليه السلام» . .

كما أن مما لا شبهة فيه: أن الإمام الحسين «عليه السلام» هو أقدس رجل مشى على وجه الأرض بعد جده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبيه علي و أخيه الحسن «عليهما السلام» .

و مع ذلك، فإن العباسيين قصدوا قبره «عليه السلام» بالهدم، و حرثوه، و قطعوا الشجر من حوله. . و هو ما فعله المنصور العباسي، و الرشيد و المتوكل و. . كما أنهم قد قطعوا السبل لمنع الناس من الوصول إلى كربلاء لزيارة القبر الشريف، و عاقبوا زواره بأشد العقوبات، حتى بالقتل. .

فإذا كان هذا هو موقفهم من قبر الحسين! «الشهيد» ! و من زوار ذلك

القبر الشريف، فماذا سيكون موقفهم من الأئمة المعاصرين لهم؟ ! و الذين تتعاظم هواجسهم، و خوفهم منهم! ! .

إن التاريخ يحدثنا: أن سيرتهم معهم و مع شيعتهم قد أنست الناس سيرة و سياسات بني أمية، مع أهل البيت «عليهم السلام» ، و مع من يتشيع لهم، و يتصل بهم. . حتى قال الشاعر:

تاللّه ما فعلت أمية منهممعشار ما فعلت بنو العباس

و قال الآخر:

يا ليت جور بني أمية دام لناو ليت عدل بني العباس في النار

و إذا ما لمحنا أحيانا شيئا من التخفيف من وطأة هذه السياسة، فقد كان ذلك استجابة لمقتضيات فرضت نفسها، أو لانشغالهم بأمور حاضرة، كان عليهم المبادرة لمعالجتها، و تأجيل ما سواها. .

و في جميع الأحوال، نقول:

إن الشيخ المفيد «رحمه اللّه» كان يعيش في ظل حكم هؤلاء، الذين ورثوا عن أسلافهم الحقد، و الضغينة، على أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، و قد كان الحديث عن قتل الأئمة يعنيهم مباشرة، دون كل من سواهم. .

فهل تراهم سوف يسمحون و هم أصحاب السلطة و الهيمنة السياسية و العسكرية و الثقافية و الأمنية الخ. . -هل سيسمحون للشيخ المفيد أو لغيره-بإثارة هذا الاتهام ضد أسلافهم؟ ! و أن يتداول الناس هذا الأمر؟ ! و يصبح جزءا من ثقافتهم، و أن يدون في الكتب و الأسفار لينتقل إلى الأجيال اللاحقة، في جملة ما ينتقل من الأخبار؟ !

أم تراهم سيمنعون منه، لكي لا يصبح وسيلة طعن، و سند إدانة يبرر للناس الذين يرتبطون بأهل البيت إيمانيا و عاطفيا بأن يكرهوهم، و أن يزيد حبهم، و تعاطفهم مع الخط المناوئ لهم، و الذي تراود هؤلاء الحكام الشكوك و الهواجس تجاههم، و تجاه كل حركة تصدر منهم و عنهم؟ !

إن أسلافهم الأمويين قد قتلوا الحسين «عليهم السلام» ، و قتلوا زيدا، و يحيى و غيرهم جهارا نهارا. . و حملوا النساء و الأطفال سبايا، و طافوا بهم البلاد. . و لكنهم لم يسمحوا للناس بأن يتداولوا الحديث عن تلك الجرائم بحرية، و بصدقية، و وضوح. .

فهل يسمح العباسيون بكشف و تداول أمر لا يمكنهم الاعتراف به؟ ! . . بل هم يظهرون للناس إدانتهم له، و يجهدون لإقناعهم ببراءتهم منه؟ ! . .

فراجع ما سجله الحديث و التاريخ من مواقف لهم في هذا السياق تجاه الإمام الرضا، و الإمام الكاظم، و سواهما من الأئمة «عليهم السلام» ، حيث كانوا يقتلونهم بالسم، ثم يظهرون للناس بمظهر البريء، و يمشون في جنازتهم، و يكشفون أجسادهم للشهود ليشهدوا ببراءتهم من دمهم، و من سيجرؤ على أن يشهد بضد ما يريدون؟ و أن يقول خلاف ما يحبون؟ !

و كل ذلك يوضح لنا: مدى صعوبة إظهار و إشاعة أخبار استشهاد الأئمة الطاهرين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، على أيدي أسلاف أولئك الحكام، في تلك العصور الصعبة، مثل عصر الشيخ المفيد، أو عصر غيره.

ثانيا: لنفترض أن من الممكن تدوين ذلك، و لكن السؤال هو: هل كان

الشيخ المفيد قادرا على أن يجمع مؤلفات السابقين عليه، في عصر كان يصعب فيه التنقل في البلاد، و لم يكن هناك وسائل ارتباط، و لا كانت هناك وسائل لتكثير الكتب، و توزيعها. . أو وسائل لكشف مطالبها و محتوياتها، سوى القراءة المباشرة و الشاملة؟ ! . .

كما أن الكتّاب و القراء في تلك العصور، لم يكونوا من الكثرة بحيث يمكن مقايستهم بمن يقرأ و يكتب في عصرنا الحاضر. . بل كان الغالب على الناس هو الأمية، و الجهل. .

أما الحالة المادية للناس فلم تكن تفي بمتطلبات حياتهم، و لا تلبي حاجاتهم. . فضلا عن أن يتمكنوا من شراء ما يحتاجون إليه من كتب، و التفرغ لقراءتها، و الإطلاع على ما فيها، فضلا عن شراء الكتب لأجل التجمل بها، و اقتنائها لمجرد الإقتناء.

إلى غير ذلك من عوامل قد توافرت و تضافرت، كان من شأنها أن تقلل من فرص الحصول على النصوص التي تفيد في جلاء الحقيقة، فكيف إذا كانت هذه النصوص مضطهدة من أكثر من فريق. . و منها السلطة، و تحاول التخفي في حنايا و ثنايا الكتب المهجورة، أو البعيدة عن الأنظار، مما تقبع في زوايا الإهمال، بانتظار الوقت الذي تسوق أحدهم الصدفة إليها، و ينشط أو يجد الوقت للاطلاع عليها. .

و بعد ما تقدم، نعود إلى إثارة السؤال من جديد، فنقول:

إلى أي حد كان الشيخ المفيد قادرا على جمع تلك المؤلفات، ثم تصيد تلك الفرائد الشوارد من الأخبار، من نوادر تلك الكتب و الأسفار؟ ! . .

ثالثا: إن مما لا شك فيه أن العلماء المتأخرين. قد استطاعوا أن يجمعوا

مؤلفات كثيرة من مختلف البلاد، و أن يقفوا حتى على كتب الفئات و الأشخاص التي بقيت محظورة طيلة مئات السنين، إما تقية من أصحابها، أو بقرارات و سياسات من السلطة الغاشمة. . أو لغير ذلك من أسباب.

و هناك كتب تمكنت في هذا العصر من رؤية النور، فظهرت و كان مؤلفوها قد اطلعوا على مصادر لم تصل إلينا أيضا. . لأن الوسائل الحديثة قد يسرت وصولها إلينا، بل إلى كل إنسان. كما أنها قد يسرت الحصول على كل فكرة فيه. . مهما كان نوعها، أو حجمها، دون أن يحتاج ذلك إلى بذل أي جهد يذكر. .

و هذا ما يجعل أهل هذا العصر أقدر على الوصول إلى المعلومات المتنوعة، من مصادرها المختلفة، و أن يستفيدوا منها، و يوظفوها في تحقيقاتهم و بحوثهم على أكمل وجه.

و لذلك، فإننا نتوقع ظهور كثير من الحقائق التي نثبتها و الدراسات، مع أنها كانت طيلة العصور الخالية قاصرة عن نيلها، و عن الوصول إلى الكثير مما يفيد في استجلائها، و الوقوف على وجه الصواب فيها. .

رابعا: إننا بعد كل هذا الذي قدمناه، نقول:

إن الشيخ المفيد «رحمه اللّه» حين يقول: إنه لا طريق لإثبات استشهاد من عدا علي و الحسنين، و الكاظم و الرضا «عليهم السلام» . . و أن الخبر بالنسبة إليه في قتل أو سم من عدا هؤلاء يجري مجرى الإرجاف، و ليس إلى تيقنه سبيل. . و إذا استبعدنا شبح احتمال التقية في قوله هذا-فإنما يقول هذا بعد أن راجع ما توفر لديه من مصادر سيرة. . و ظهر له أنه غير قادر على تحصيل اليقين منها بذلك. .

لكن هذا لا يعني أن يكون الآخرون الذين لديهم مصادر أكثر، و نصوص أوفر. و لا يكلفهم استخراجها إلا اليسير من الوقت و الجهد- نعم لا يعني أن يكون هؤلاء غير قادرين على تحصيل الأدلة، أو امتلاك الحجة على أنهم «عليهم السلام» قد تعرضوا للسم أو للقتل. .

و ببيان آخر نقول:

إنه يمكن للشيخ المفيد «رحمه اللّه» أن يقول: لم أجد. . و ليس له أن يقول: لا سبيل إلى اليقين، إلا إذا كان يقصد بذلك يقينه هو. . لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. .

و كل ذلك يعطينا: أن قوله «رحمه اللّه» في هذا المجال ليس ملزما للباحثين بعده. . و لا هو مما يصح الاحتجاج به على النفي. .

و لا نبالغ إذا قلنا: إن لدينا ما يصلح للإستدلال به على نقض كلامه «رحمه اللّه» . . سواء في ذلك النصوص العامة التي وردت في سياق: ما منا إلا مقتول أو مسموم. أو نحو ذلك مما تقدم، أو النصوص الخاصة التي صرحت بأن كل إمام بخصوصه قد قتل بالسم، أو بغيره. .

فراجع: ما قدمناه لتقف على حقيقة الحال. .

الفصل الرابع: جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله في السماء

اشارة

جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله يرفع إلى السماء:
اشارة

ثم إن رفع الأجساد إلى السماء، ليس بالأمر الذي يصح التشكيك فيه، بعد تصريح القرآن، و تواتر الحديث به. . فإن معراج نبينا الأعظم بجسده و روحه، ثابت بلا ريب، و قد أشارت إليه آيات القرآن الكريم (1). . و الأحاديث الشريفة المتواترة. .

و هذا دليل على الوقوع فضلا عن الإمكان. .

كما أن اللّه تعالى قد أشار إلى رفع النبي إدريس «عليه السلام» ، إلى السماء فقال: وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا (2).

و قد صرحت الروايات: بأن اللّه تعالى قد قبض روحه هناك (3). .


1) الآية 1 من سورة الإسراء، و الآيات 5-18 سورة النجم.

2) الآية 57 من سورة مريم.

3) راجع: تفسير البرهان ج 3 ص 17 و راجع: جامع البيان للطبري ج 16 ص 121 و الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 119 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 133 و تفسير الرازي ج 21 ص 233 و البحار ج 11 ص 270 و البداية و النهاية ج 1 ص 112 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 72 و قصص الأنبياء للجزائري ص 71.

كما أن النبي عيسى «عليه السلام» ، قد رفعه اللّه إليه، كما صرحت به الآيات الكريمة. قال تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ و قال: بَلْ رَفَعَهُ اَللّٰهُ إِلَيْهِ (1)و الروايات قد أكدت ذلك أيضا (2). .

غير أن الكلام إنما هو في أن أجساد الأنبياء و الأوصياء، هل تبقى بعد موتهم في قبورهم؟ !

أم أنها ترفع إلى السماء أيضا؟ ! . .

و على الثاني، هل تبقى في السماء؟ ! أم أنها تعود بعد مدة إلى قبورهم في الأرض؟ !

هذه هي الأسئلة المطروحة. .

و للإجابة عليها نقول:

قد نجد من يقول بأنها تبقى في القبور، و إن كانت لا تفنى لأن اللّه سبحانه، قد حرم لحومهم «عليهم السلام» على الأرض (3). .


1) الآية 55 من سورة آل عمران، و الآية 158 سورة النساء.

2) راجع: تفسير البرهان ج 1 ص 285 و الخصال ص 529 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 193 و البحار ج 14 ص 338 و ج 25 ص 118 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 103 و تفسير الميزان ج 3 ص 218 و قصص الأنبياء للجزائري ص 474.

3) قد دلت الروايات على ذلك، فراجع: بصائر الدرجات ص 463 و 464 و البحار ج 22 ص 550 و ج 27 ص 299 و راجع: نيل الأوطار ج 3 ص 305 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 345 و 524 و سنن أبي داود ج 1 ص 236 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 296 و ج 11 ص 65 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 133 و ج 12 ص 356 و 368 و 444 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 529 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 4 و البداية و النهاية ج 5 ص 286 و 296 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 99 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 522 و كشف الخفاء ج 1 ص 167 و فيض القدير ج 2 ص 111 و الجامع الصغير ج 1 ص 380 و عون المعبود ج 3 ص 261 و فضل الصلاة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» للجهضمي ص 16.

قال بعضهم: «و قد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، و قد حرم اللّه تعالى أجسادهم عليها» (1).

و لكن قد ذكر الشيخ المفيد، و الكراجكي، و الفيض الكاشاني، و غيرهم:

أن فقهاءنا و علماءنا متفقون على أن أجساد الأنبياء و الأئمة صلوات اللّه و سلامه عليهم، ترفع بعد دفنها إلى السماء. . و ذلك استنادا إلى روايات رأوا أنها دالة على ذلك. .

و أما أحاديث تحريم لحومهم على الأرض، فلا تنافي هذه الروايات، لأنها ساكتة عن أمر الرفع و عدمه، فيمكن أن يكون عدم أكل الأرض للحومهم «عليهم السلام» ، بسبب عدم بقائهم فيها، و يمكن أن يكون ذلك مع بقائهم، و عدم فنائهم. .

و قد حاولنا تتبع هذه الروايات و جمعها، فوجدنا منها طائفة صرح


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 355 عن جمال الدين الأردبيلي الشافعي في كتابه: الأنوار في أعمال الأبرار، و عن التذكرة للقرطبي، و عن عبد القاهر بن طاهر البغدادي في فتاويه. . و راجع: منهج الرشاد لمن أراد السداد للشيخ جعفر كاشف الغطاء ص 565 عن القرطبي، و تنوير الحلك للسيوطي ص 15.

العلماء بالاستناد إليها، بالإضافة إلى بضع روايات أخرى يمكن أن يستدل بها على ذلك أيضا. .

ثم وجدنا طائفة أخرى من الروايات تدل على خلاف ذلك، و هي كثيرة أيضا. .

و نحن نذكر هنا ما عثرنا عليه من هذه الطائفة و تلك، ثم نعقب عليها بما يقتضيه المقام. . فنقول:

الطائفة الأولى:
اشارة

إن الروايات التي تدل على أن أجساد الأنبياء تكون في قبورهم، و هي كثيرة، كاد بعضهم أن يصرح بتواترها، و نذكر منها ما يلي:

1-روي: أن الناس قحطوا في سر من رأى، فأمر الخليفة بصلاة الإستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام متتالية يستسقون، فما سقوا. .

فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء، و معه النصارى و الرهبان، و كان فيهم راهب، فلما مد يده إلى السماء، هطلت السماء بالمطر، و فعل مثل ذلك في اليوم الثاني. .

فشك أكثر الناس، و تعجبوا، و مالوا إلى النصرانية، فبعث الخليفة إلى الإمام الحسن العسكري-و كان محبوسا-فاستخرجه من حبسه، و طلب منه حسم الأمر. .

فخرج الجاثليق في اليوم الثالث، و الرهبان معه، و خرج الإمام «عليه السلام» في نفر من أصحابه. .

«فلما بصر بالراهب، و قد مد يده، أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده

اليمنى، و يأخذ ما بين أصبعيه.

ففعل، و أخذ من بين سبابته و الوسطى عظما أسود. فأخذه الحسن «عليه السلام» بيده، ثم قال له: استسق الآن، فاستسقى-و كانت السماء متغيمة-فانقشعت، و طلعت الشمس بيضاء. .

فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمد؟ ! . .

فقال «عليه السلام» : هذا رجل مر بقبر نبي من أنبياء اللّه، فوقع بيده هذا العظم، و ما كشف عن عظم نبي إلا هطلت السماء بالمطر. .» (1).

2-و روي أن الإمام الصادق «عليه السلام» ، قال للمفضل بن عمر: «إذا أردت زيارة أمير المؤمنين، فاعلم أنك زائر عظام آدم، و بدن نوح، و جسم علي بن أبي طالب. .» .

ثم يذكر أن اللّه تعالى أوحى إلى نوح «عليه السلام» ، أن استخرج من الماء تابوتا فيه عظام آدم، و أن نوحا قد فعل، و أن عظام آدم كانت مع نوح


1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 441 و 442 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: كشف الغمة ج 2 ص 429 و إثبات الهداة ج 6 ص 319 و البحار ج 50 ص 270 و حلية الأبرار ج 2 ص 502 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 526 و مدينة المعاجز (ط حجرية) ص 574 و الصراط المستقيم ج 2 ص 207 و 208 و الفصول المهمة ص 269 و نور الأبصار ص 184 و الصواعق المحرقة ص 124 و مفتاح النجا ص 189 و رشفة الصادي ص 196 و جواهر العقدين ص 396. و راجع: إحقاق الحق ج 12 ص 264-266 عن بعض المصادر المتقدمة. . و راجع: الثاقب في المناقب ص 575 و ينابيع المودة ج 3 ص 131 و 190 و 306 و وفيات الأئمة ص 405.

في السفينة، فلما خرج منها صير قبره تحت المنارة التي بمسجد الكوفة. .

إلى أن قال: «. . فإذا أردت جانب النجف، فزر عظام آدم، و بدن نوح، و جسم علي بن أبي طالب» (1). .

3-الحديث الذي يدل على نقل عظام النبي يوسف «عليه السلام» ، حيث روي أن اللّه سبحانه أوحى إلى النبي موسى بن عمران «عليه السلام» ، أن أخرج عظام يوسف بن يعقوب من مصر، فأخرجه في صندوق من مرمر إلى الشام. . (2).


1) المزار للمفيد ص 32 و 33 و كامل الزيارات ص 38 و 90 و فرحة الغري ص 73 و 74 و 101 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 23 و وسائل الشيعة ج 14 ص 385(ط مؤسسة آل البيت) ، و الغارات ج 2 ص 854 و الأنوار العلوية ص 430، و الجواهر السنية ص 46 و البحار ج 11 ص 268 و 333 و ج 13 ص 127 و 129 و 130 و ج 22 ص 293 و ج 55 ص 171 و ج 57 ص 208 و ج 79 ص 66 و 67 و ج 97 ص 131 و 258 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 102 و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 63 و 64 و مستند الشيعة ج 3 ص 286 جواهر الكلام ج 4 ص 344، و مستدرك وسائل الشيعة ج 2 ص 310 و تفسير العياشي ج 2 ص 145 و 146 و قصص الأنبياء للجزائري ص 93.

2) الخصال ص 205 و علل الشرائع للصدوق ج 1 ص 296 و قصص الأنبياء للراوندي ص 138 و قصص الأنبياء للجزائري ص 291 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 162 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 834 و البحار ج 13 ص 127 و ج 55 ص 172 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 102 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 394 و الذكرى ص 65 و أمل الآمل ج 1 ص 12 و جامع المقاصد ج 1 ص 401 و روض الجنان ص 220 و مجمع الفائدة و البرهان ج 3 ص 504 و المزار ص 221 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 430 و التفسير الصافي ج 3 ص 51 و جواهر الكلام ج 4 ص 344 و راجع: جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 394.

4-قد ذكروا: أن إبراهيم الديزج قد نبش قبر الإمام الحسين «عليه السلام» ، بأمر من المتوكل، فوجده طريا، على بارية جديدة. . (1).

5-إنهم يقولون: إنهم حفروا في الرصافة بئرا، فوجدوا فيها شعيب بن صالح (2).

و يروى أن أبا هارون العبدي «المكفوف» دخل على الإمام الصادق «عليه السلام» و أنشده قوله في رثاء الإمام الحسين «عليه السلام» :

أمرر على جدث الحسينو قل لأعظمه الزكية

يا أعظما لا زلت منو طفاء ساكبة روية (3)

و لم يعترض عليه الإمام «عليه السلام» في ذلك، و لم يقل له: إن جسد الحسين ليس موجودا في ذلك الجدث، بل هو في السماء.

مع ملاحظة: أن الحديث عن الأعظم الزكية من قبل الشاعر يراد به


1) الأمالي للطوسي ص 326 و البحار ج 45 ص 394 و العوالم للشيخ عبد اللّه البحراني ص 724، و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 386 و راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهانى ص 396.

2) البحار ج 97 ص 131.

3) البحار ج 44 ص 287 و 288، و العوالم ص 541، و الغدير ج 2 ص 235 و 236 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري ص 48 و مثير الأحزان لابن نما الحلي ص 64 و المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة للسيد شرف الدين ص 146.

الحديث عن الجسد كله، و لا يراد به الإشارة إلى فنائه.

فذلك كله يدل على أن أجساد الأنبياء و الأوصياء موجودة في القبور، و لم ترفع إلى السماء.

وقفات مع الروايات:
اشارة

و لا بد لنا هنا من إلقاء نظرة على الروايات المذكورة، لكي نرى إن كانت تكفي للدلالة على المدّعى أم لا، فنقول:

ألف: حديث الإستسقاء بعظم نبي:

إن الحديث الذي ذكر: أن نصرانيا وجد عظم نبي فكان يكشفه للسماء، فيهطل المطر، لا يدل على أن الأنبياء لا بد أن يكونوا في قبورهم بالفعل. .

و ذلك لعدة أسباب:

أولا: لقد دلت الروايات على أن اللّه تعالى قد حرم لحوم الأنبياء على الأرض. في حين أن هذه الروايات تقول: إن أجسادهم فنيت، و بقيت عظام منها. .

و قد أثبتت الوقائع: أن أجساد بعض المؤمنين و الشهداء، و منهم الحر بن يزيد الرياحي قد بقيت غضة طرية رغم توالي القرون و الأحقاب.

و ورد أن من يواظب على غسل الجمعة، لا يفنى جسده، كرامة من اللّه تعالى له.

إلا أن يقال: إن الحديث الوارد عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يقول:

«إن اللّه حرم لحومنا على الأرض، الخ. .» (1)، و ليس بالضرورة أن يكون الضمير في هذا الخبر راجعا للأنبياء، فلعله «صلى اللّه عليه و آله» ، يتحدث عن نفسه، و عن أهل بيته الطاهرين. .

ثانيا: إنه ليس بالضرورة أن يكون العظم الذي أخذه ذلك الراهب من الأجزاء المتصلة بالجسد، فقد يكون عظما من قبيل الضرس، أو السن، أو الظفر المدفون مع الجسد، حيث يستحب دفن هذه الأجزاء، التي تؤخذ من الجسد حال الحياة. .

و ربما يشير إلى ذلك ما أظهرته الرواية المشار إليها، من صغر حجم ذلك العظم، حتى إن الراهب قد وضعه بين إصبعيه: السبابة و الوسطى. .

و إذا كان الأمر كذلك، فإن الحصول على هذا العظم لا يتناقض مع النصوص القائلة: إن أجساد الأنبياء لا تفنى، فلعل الجسد باق، و قد بقي معه ما دفن من أجزاء منفصلة عنه. . كالظفر، و السن، و ما إلى ذلك. .

بل إن الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة قد دلت على أن المجرمين و الطغاة كانوا يقتلون النبيين بغير حق، و كانوا يقطعون أجسادهم بالمناشير. . فلعل هذا الجزء من ذلك الجسد الطاهر قد قطع ثم دفن. و هو لم يفن بعد. .


1) راجع: بصائر الدرجات ص 463 و 464 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 191 و البحار ج 22 ص 550 و ج 27 ص 299 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 394 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 122 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 302 و الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 90.

ب: حديث زيارة عظام آدم و يوسف:
اشارة

و أما بالنسبة لحديث المفضل بن عمر، حول زيارة عظام النبي آدم، و بدن النبي نوح، و جسم الإمام علي «عليه السلام» ، فنقول:

أولا: إن الحديث لا يصرح بموضع وجود تلك العظام، و ذلك البدن، أو الجسد، فلعله يزورها و هي في السماء، لكن تكون زيارتها من ذلك الموضع الذي كانت قد دفنت فيه مطلوبة، لأنها توجب وصول السلام و الزيارة إلى المزور عن قرب (1)، لخصوصية في موضع الدفن. .

ثانيا: قد يكون المراد بقوله: زر عظام آدم، و بدن نوح، و جسم علي، هو التصريح بذلك في الكلام الذي يزورهم به، فيقول مثلا: السلام على بدن نوح، أو عظام آدم. . و نحو ذلك. .

و أما السبب في طلب هذا التصريح، فيبقى سرا من الأسرار، ليس لنا سبيل إلى معرفته. .

ثالثا: إننا حول نقل عظام النبي آدم و النبي يوسف «عليهما السلامه» ، نقول:

إنه لا بد من ثبوت ذلك بسند قابل للاحتجاج به. .

رابعا: لو سلمنا صحة الخبر بذلك، فإننا نقول: قد صرحت الرواية بوجود عظام النبي آدم «عليه السلام» في تابوت تحت الماء، و بأن عظام


1) قد دلت على ذلك بعض الأحاديث، فراجع الحديث الذي يصرح فيه برفع العظم، و اللحم، و الروح إلى السماء، و هو الآتي في ضمن القسم الثاني من الأحاديث التي ذكرت رفع أجساد الأنبياء و الأوصياء إلى السماء. .

النبي يوسف «عليه السلام» أيضا قد استخرجت في صندوق من مرمر- و ذلك يشير إلى أن تلك الجثة لم تكن قد دفنت بعد، و أنها كانت مودعة في ذلك الموضع. . ربما ليتولى دفنها نبي من أولي العزم، تشريفا للنبي آدم، و للنبي يوسف «عليهما السلام» ، و تكريما لهما. .

خامسا: إن نقل الميت من مكان إلى مكان، يحتاج إلى مبرر و سبب، و لا نجد سببا معقولا يسمح بنبش قبر النبي يوسف «عليه السلام» ، إلا إذا كان هو الآخر، قد وضع على سبيل الإيداع-لا الدفن-إلى أن تحين الفرصة لنقله إلى المكان الذي أعده اللّه، و رضيه له، على يد نبي من أنبياء اللّه تعالى. .

بل لقد ذكر البحراني رحمه اللّه في الدرة النجفية: أن المستفاد من جملة الأخبار: أن دفن الميت إنما يقع في موضع تربته التي خلق منها. . و قد جاء في صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما «عليهما السلام» : قال: من خلق من تربة دفن فيها. .

و عن الصادق «عليه السلام» : إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث اللّه ملكا، فأخذ من التربة التي يدفن فيها، فماثها في النطفة. فلا يزال قلبه يحن إليها حتى يدفن فيها. .

فلعل نقل عظام النبي آدم و يوسف، قد جاء على هذا السبيل، أي أنه قد أودع أولا في غير المكان المعد له. . ثم نقل ليدفن في تربته الحقيقية. .

تذكير:

قد يظن البعض: أن التعبير بكلمة عظام النبي آدم، يشير إلى فناء جسم هذا النبي الكريم «عليه السلام» . .

و نقول:

إنه بعد أن دلت الروايات على أن لحومهم محرمة على الأرض، فإن ذلك يصلح قرينة على أنه «عليه السلام» ، قد أراد بالعظام جثة النبي آدم «عليه السلام» . .

لكنه عبر بهذه الكلمة، لأنه بالعظام يكون قوام البدن، فحملها و نقلها، حمل و نقل للبدن كله. .

كما أن كون تلك العظام في التابوت المغمور بالمياه، يشير إلى أن الأرض لم يكن لها مع بدنه «عليه السلام» ، صلة أو رابطة، و لا طريق لها إليه لتأكل منه أو تترك. .

و أما ما ورد في الزيارة، فالظاهر هو: أن المراد تخصيص العظام للنبي آدم بالزيارة، و البدن للنبي نوح، و الجسم للإمام علي صلوات اللّه و سلامه عليهم، لحكمة يعلمها اللّه تعالى. .

و ربما يكون على طريقة التنويع في التعبير، لغرض لا نعلمه. .

ج: إبراهيم الديزج و قبر الإمام الحسين عليه السّلام:

أما فيما يرتبط بما يزعمونه من أن الديزج قد نبش قبر الإمام الحسين «عليه السلام» ، بأمر المتوكل، فلا يصح الاحتجاج به أيضا، و ذلك لما يلي:

أولا: إن ذلك إنما يستند إلى إخبار الديزج نفسه، و ليس الديزج بمأمون، بعد أن كان هو المتولي لحرث قبر الإمام الحسين، و إجراء الماء عليه.

و قد أقر بأنه حتى بعد أن زعم أنه رأى جسد الإمام «عليه السلام» على بارية جديدة، لم يرتدع عن إجراء الماء عليه، و انتهاك حرمته بأمور أخرى.

و لعله بأقواله هذه يريد أن يخفف من انتقاد الناس، و مقتهم له، و أن يلطف الأمر، و أن يتخلص من بعض ما لحق به من سوء السمعة بسبب فعله ذاك. .

ثانيا: لو سلمنا صحة ما قاله الديزج، فمن الذي قال: إن الذي شاهده هو خصوص جسد الإمام الحسين «عليه السلام» ، و ما الذي أدراه به، فلعله جسد بعض الشهداء الآخرين أو غيرهم ممن دفن في تلك البقاع المباركة. .

ثالثا: لو سلمنا صدق الديزج فيما أخبر به، فنقول:

إن ذلك لا يمنع من أن يكون الجسد قد تمثل له، أو أنه عاد إلى ذلك المكان الطاهر في تلك اللحظات، لحكمة بالغة أرادها اللّه سبحانه. .

د: شعيب بن صالح:

و أما فيما يرتبط بجثة شعيب بن صالح، التي وجدت في بئر، فإننا نقول:

أولا: من الذي قال: إن الجثة التي وجدوها هي جثة شعيب بن صالح، فلعلها جثة رجل آخر مدفون هناك. .

ثانيا: من الذي حدد لهم مكان دفن شعيب بن صالح؟ ! . . و ما مدى صدق من أخبرهم بمكان دفنه هذا؟ ! . . و من أين استقى معلوماته حول هذا الموضوع؟ ! . .

الطائفة الثانية:

أما الروايات التي تشير إلى أن أجساد الأوصياء تكون في السماء مع أجساد الأنبياء، و أن أجساد الأنبياء ترفع، فنذكر منها:

1-ما روي عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه

عليه و آله» : «الأوصياء مع الأنبياء حيث كانوا. لو أن نبيا مات بالمغرب، و مات وصيه بالمشرق، لأمر اللّه تعالى الأرض أن تنقله إليه» (1).

2-روي: أن مما أوصى به الإمام علي ولده الإمام الحسن «عليهما السلام» ، قوله: «فإذا أردت الخروج من قبري، فافتقدني، فإنك لا تجدني، و إني لا حق بجدك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و اعلم يا بني، ما من نبي و إن كان مدفونا بالمشرق، و يموت وصيه بالمغرب، إلا و يجمع اللّه عز و جل بين روحيهما، و جسديهما، ثم يفرقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره، إلى موضعه الذي حط فيه، الخ. .» (2).

3-عن سعد الإسكاف، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، قال: لما أصيب أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال للحسن و الحسين «عليهما السلام» : غسلاني، و كفناني، و حنطاني، و احملاني على سريري، و احملا مؤخره تكفيا مقدمه، فإنكما ستنتهيان إلى قبر محفور، و لحد ملحود، و لبن موضوع، فالحداني، و اشرجا اللبن علي، و ارفعا لبنة مما يلي رأسي، فانظرا ما تسمعان. .

فأخذا اللبنة من عند رأسه، بعد ما أشرجا عليه اللبن، فإذا ليس في القبر شيء، و إذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين كان عبدا صالحا، فألحقه اللّه بنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو


1) المزار للمفيد ص 193 و (دار المفيد) ص 224 و عن كنز الفوائد للكراجكي ص 258 حديث 16 و البحار ج 97 ص 131 و ج 18 ص 298.

2) البحار ج 42 ص 292 و الأنوار العلوية ص 386.

أن نبيا مات في المشرق، و مات وصيه في المغرب، لألحق اللّه الوصي بالنبي (1).

4-و في نص آخر لوصية الإمام علي لولده «عليهما السلام» : «ثم ضع علي سبع لبنات كبار، ثم انظر، فإنك لن تراني في لحدي. .» (2).

5-و في حديث آخر عن أم كلثوم بنت علي، تروي فيه حديث دفن أبيها الإمام علي «عليه السلام» :

«قالت أم كلثوم: فانشق القبر، فلا أدري أغار سيدي في الأرض، أم أسري به إلى السماء. .» (3).

6-و روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال: أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث. . (4).

7-عن الإمام الصادق «عليه السلام» : ما من نبي و لا وصي يبقى في


1) المزار للمفيد ص 192 و البحار ج 42 ص 214 و 236 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 و إثبات الهداة ج 5 ص 2 و فرحة الغري (منشورات الرضي-قم- إيران) ص 30 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص 60 و عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 482 و 483.

2) فرحة الغري (منشورات الرضي-قم-إيران) ص 34 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص 62 و البحار ج 42 ص 215 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 403 و الغارات للثقفي ج 2 ص 846 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 332.

3) فرحة الغري ص 35 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص 64 و البحار ج 42 ص 216 ح 17 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 348.

4) البحار ج 18 ص 298 و ج 26 ص 303 و ج 97 ص 131 و كنز الفوائد للكراجكي ص 258 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 517.

الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيام حتى ترفع روحه و عظمه، و لحمه إلى السماء. و إنما تؤتى مواضع آثارهم، و يبلغهم السلام من بعيد، و يسمعونه في مواضع آثارهم من قريب (1).

8-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : لا تمكث جثة نبي و لا وصي في الأرض، أكثر من أربعين يوما. . (2).

9-عن عبد اللّه بن بكير، بعد ما سأل الإمام الصادق «عليه السلام» عن مسائل عديدة، قلت: جعلت فداك، أخبرني عن الحسين «عليه السلام» ، لو نبش كانوا يجدون في قبره شيئا؟ ! . .

قال: يا ابن بكير، ما أعظم مسائلك، إن الحسين مع أبيه، و أمه، و أخيه الحسن، في منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يحيون كما يحيى، و يرزقون كما يرزق، فلو نبش في أيامه، لوجدوا. و أما اليوم فهو حي عند ربه يرزق،


1) الكافي ج 4 ص 567 و المزار للمفيد ص 189 و (ط دار المفيد) ص 221 و بصائر الدرجات ص 465 و كامل الزيارات ص 329 و 330 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 345 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 119 و منتقى الجمان ج 1 ص 318 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 259 و البحار ج 11 ص 67 و ج 22 ص 550 و ج 27 ص 299 و 300 و ج 97 ص 129 و 130 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 254.

2) البحار ج 97 ص 130 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 و المزار ص 189 و (ط دار المفيد) ص 220 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 119 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 121.

و إنه لينظر إلى. . الخ. . (1).

وقفات مع الروايات:

إننا بغض النظر عن اعتبار أسانيد هذه الروايات و عدمه، نقول: إن لنا مع هذه الروايات عدة وقفات، يمكن أن نعرضها ضمن العناوين التالية:

إلحاق الوصي بالنبي بعد الموت:

هناك عدة روايات تحدثت عن لحوق الوصي بالنبي بعد الموت، و يرد عليها:

أولا: إن رواية حذيفة قد ذكرت أن الأرض هي التي تنقل جسد الوصي إلى النبي، و هذا يعني: أن اللقاء بينهما سوف يكون في الأرض، لا في السماء. . إذ لو كان في السماء، فلا بد من أن يكون الناقل لجسده هو ملك أو غيره، و ليس الأرض نفسها. .

ثانيا: لو سلمنا أنها لا تدل على ذلك، فإننا نقول: إن الرواية لم تبين موضع هذا اللقاء بين النبي و الوصي. . فلا بد من دليل آخر يثبت: أنه سيكون في السماء. .


1) كامل الزيارات ص 438 و 201 و البحار ج 27 ص 300 و ج 44 ص 292 و مقاتل الطالبيين ص 428 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 397 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 230 و مدينة المعاجز ج 4 ص 217 و العوالم (المجلد الخاص بالإمام الحسين) ص 534 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 261 و 555.

و كذلك الحال بالنسبة للرواية الثانية، و هي وصية الإمام علي «عليه السلام» ، لولده الإمام الحسن «عليه السلام» ، فإنها صريحة في أن النبي و الإمام يرجعان إلى موضع قبريهما، حيث قالت: ما من نبي، و إن كان مدفونا بالمشرق، و يموت وصيه بالمغرب، إلا و يجمع اللّه عز و جل بين روحيهما، و جسديهما، ثم يفرقان، فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره، إلى موضعه الذي حط فيه. .

ثالثا: بالنسبة لرواية سعد الإسكاف حول موت أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و فقدانه من قبره بعد وضعه فيه، بعد ما أشرجا عليه اللبن، و أن اللّه تعالى ألحقه بنبيه، نقول: إنها لم تبين لنا: إلى أين لحق به، بل يظهر من التعبير بأنه يلحقه من المغرب إلى المشرق، أن ذلك في الأرض، لا في السماء. .

و بذلك يتضح: أن الرواية التي تقول: إنه «عليه السلام» ، قال للإمام: ثم انظر، فإنك لن تراني في لحدي. .

و كذلك رواية أم كلثوم، لا تدلان على أنه «عليه السلام» قد رفع إلى السماء أيضا، بل هما ساكتتان عن ذلك. .

رواية الثلاثة أيام:

أما ما روي من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث. .

و حديث: لا تمكث جثة نبي، و لا وصي في الأرض، أكثر من أربعين يوما. . فقد حاول البعض أن يسجل احتمال أن يكون المراد بقاءها على

الأرض قبل أن تدفن. . و قد يؤيد هذا الاحتمال: بأن الرواية لم تصرح بإصعاد الجثمان إلى السماء. .

كما و قد ورد في الروايات: أن بدن الإمام الكاظم، و كذلك الإمام الهادي «عليهما السلام» ، قد بقيا ثلاثة أيام بلا دفن. .

بل لقد روي: أن بدن الإمام الهادي «عليه السلام» قد بقي عشرة أيام بلا دفن أيضا. .

و يروي أهل السنة أيضا مثل ذلك بالنسبة للرسول أيضا، و أن كنا نعتقد أنه دفن بعد ساعات من استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» ، كما تدل عليه الشواهد القوية و الحاسمة. .

غير أننا نقول:

إن جميع هذه المؤيدات لا تفيد، إذ إن ظاهر الرواية يأبى ذلك، فقد قالت: لا يدعني في الأرض، و كلمة «في» تشير إلى الظرفية، و لو كان المراد هو ما ذكروه لكان الأنسب أن يقول: على الأرض. .

إلا أن يقال: إن المقصود هو أن يتركه في الأرض مقابل السماء فتكون «في» بمعنى «على» كقوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلٰهٌ (1).

رفع الروح، و اللحم، و العظم:

و أما الرواية التي صرحت برفع روح النبي و الوصي، و عظمه و لحمه


1) الآية 84 من سورة الزخرف.

إلى السماء، فلا بد من رد علمها إلى أهلها، لأنها قالت: إن حال الروح حال العظم، و اللحم في ذلك. . مع أن الروح تصعد إلى بارئها، بعد أن يقبضها ملك الموت، فما معنى بقائها في الأرض مدة ثلاثة أيام؟ ! . .

إلا أن يقال: إن الروح بعد خروجها من الجسد تبقى قريبة منه طيلة هذه المدة، و إن لم تكن حالة فيه. .

جسد الإمام الحسين عليه السّلام:

و حول ما نقله ابن بكير، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، حول جسد الإمام الحسين «عليه السلام» ، نقول:

ألف: قد يقال: إن الجهر بالقول بأن الإمام «عليه السلام» قد رفع إلى السماء، ربما يؤدي إلى إثارة جو من التشكيك و الإتهام، و له سلبيات لا بد من تحاشيها، و التزام جانب الحكمة، في الإجابة على الأسئلة المرتبطة به. .

ب: إن ابن بكير لم يسأل الإمام عن رفع جسد الإمام الحسين «عليه السلام» إلى السماء، بل سأله عن أن جسده هل فني و بلي، و صار ترابا، كسائر الأبدان؟ ! أم أنه باق على حاله؟ ! . .

فأجابه الإمام على حسب ما يليق بحاله، أو بحسب الظروف المحيطة به، فأكد له: أنه لو نبش القبر في الأيام الأولى لوجد الجسد على حاله. . و أما بعد مضي عشرات السنين، فهو حي عند ربه يرزق. .

ج: إن قوله «عليه السلام» : إنه حي عند ربه يرزق، لا يثبت رفعه إلى السماء، و لا ينفيه، بل هو يتلاءم مع حالتي النفي و الإثبات على حد سواء.

د: إنه لا يثبت أيضا فناء الجسد و لا ينفيه، بل هو إجابة فيها مراعاة

لحال السائل، الذي سوف يتفاجأ حتى لمجرد سماعه لخبر عدم فناء الجسد الطاهر، فكيف لو أخبره بما هو أبعد من ذلك، مثل رفعه إلى السماء مطلقا، أو لفترة محدودة. .

ه‌: إن الأخبار قد دلت على أنه ليس للأرض في أبدانهم حقا، و أن اللّه قد حرم لحومهم عليها. . و لكن الإمام «عليه السلام» لم يرد أن يجيب ابن بكير حتى بذلك، بل ترك الأمر بدون بيان. . و لعل هذا يؤيد أن لا تكون أجسادهم «عليهم السلام» موجودة في قبورهم. .

النتيجة:

و بعد ما تقدم نقول: قد ظهر أن أكثر الروايات المتقدمة لا يمكن الاستدلال بها على أن أجساد الأنبياء ترفع إلى السماء، سوى رواية: أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث. . و رواية: أكثر من أربعين يوما. .

مع احتمال أن يكون المراد بكلمة «في» في قوله: «في الأرض» ، ليس هو الظرفية، بل الكينونة عليها بعد الموت قبل الدفن، على حد قوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلٰهٌ (1). .

كما أنه يمكن أن يستدل برواية رفع الروح، و اللحم، و العظم، إذا قبلنا بالتوجيه الذي يقول: إن الروح تبقى قريبة من الجسد إلى أن ترفع معه إلى السماء. .


1) الآية 84 من سورة الزخرف.

الثلاثة أيام و الأربعون:

و لكن يبقى أنه لا بد من الجمع بين رواية الثلاثة أيام، و رواية الأربعين. .

و لم نجد في النصوص ما يصلح قرينة للجمع بين هذين النصين، و لو بأن نحملهما على اختلاف درجات و مقامات الأنبياء، سوى قوله «صلى اللّه عليه و آله» في الرواية نفسها: أنا أكرم على اللّه من أن يدعني. . الخ. .

فإنه قد اعتبر ذلك من الكرامة الإلهية له «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس في الأنبياء من يدانيه في ذلك، فيكون إبقاؤه لمدة ثلاثة أيام فقط خاصا به «صلى اللّه عليه و آله» ، و تمييزا له عن غيره من الأنبياء «عليهم السلام» . .

أما سائر الأنبياء، حتى أولو العزم، فإن اللّه أكرمهم برفعهم صلوات اللّه و سلامه عليهم و على نبينا و آله، غير أنهم إنما يرفعون بعد مضي أيام قد تصل إلى الأربعين. .

و إنما قلنا ذلك لأن لحن الكلام، يقتضي أن يكون رقم «الأربعين يوما» قد جاء لتحديد الغاية القصوى. . فلا مانع من أن يرفع بعضهم بعد موته بشهر، أو أقل، أو أكثر، بحسب ما له من مقام عند اللّه تعالى. .

الباب الرابع عشر: السقيفة. . عرض و تحليل

اشارة

الفصل الأول: ممهدات

الفصل الثاني: ما جرى في السقيفة

الفصل الثالث: الأنصار. . ضحية حنكة أبي بكر

الفصل الرابع: السقيفة. . انقلاب مسلح! !

الفصل الأخير: استدراكات لا بد منها الخاتمة

الفصل الأول: ممهدات

اشارة

قريش و الخلافة:

و الحقيقة هي: أن قريشا كانت تفهم الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أنها مجرد حكم و سلطان، يجلب لها المكاسب، و يعزز نفوذها، و يؤكد عظمتها و هيبتها، و يعيد إليها احترامها في نفوس الناس، ليصبح الخضوع و الإنقياد لها على أساس من التدين، لا لمجرد هيبة السلطان، و أبهة الملك. .

أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك علي «عليه السلام» ، فيرون أن المقام الذي أعطاه اللّه تعالى لعلي «عليه السلام» هو مقام الإمامة بمفهومها الإيماني العميق و الدقيق. و ما الخلافة إلا شأن من شؤونها، مع إدراك عميق لمدى تأثير مبادرة قريش إلى إغتصاب الخلافة في تضييع قدر كبير من جهد الإمامة في العديد من جهات إمامته «عليه السلام» في الواقع العملي. .

أجواء دعت إلى السقيفة:

1-لقد رأى الأنصار بأم أعينهم كيف تعامل المهاجرون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيما يرتبط بولاية علي «عليه السلام» بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا سيما محاولتهم قتله حين التنفير به في العقبة.

ثم ما جرى في حجة الوداع في عرفات و منى.

ثم العصيان شبه المعلن للأمر بالمسير في سرية أسامة.

و العصيان الأكثر وضوحا و ظهورا و إعلانا في قضية كتابة الكتاب الذي لن يضلوا بعده.

ثم جرأتهم على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و إيذاءه باتهامه في عقله، و قولهم: غلبه الوجع، أو إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليهجر.

ثم ما جرى في قضية صلاة أبي بكر، و غير ذلك.

2-و الأنصار يعلمون: أن أهل مكة حديثوا عهد بالإسلام، كما أن أكثر المسلمين إنما أعلنوا إسلامهم أو استسلامهم في سنة تسع و عشر. .

3-ثم إنهم يعلمون أن قريشا كانت تعتبر أن الأنصار هم السبب في ظهور محمد «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، و قد نصروه و آزروه، و شاركوا في قتل صناديد العرب، و فرسان قريش. و كانت مراجل حقدهم تغلي و تفور على الأنصار، و لا تجد متنفسا لها مقبولا أو معقولا. .

4-إنهم كانوا يعلمون أيضا: أن قريشا و أكثر المهاجرين، و سائر من يدور في فلكهم، و ما أكثرهم، مصممون على عدم تمكين علي «عليه السلام» من الوصول إلى مقام الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مهما كلفهم الأمر. . و ها هم يلمحون بوادر نجاحهم في مشروعهم الإستئثاري بالأمر، و الإقصائي للخليفة الشرعي تظهر بوضوح في ثنايا في الأحداث الأخيرة. .

5-و من جهة أخرى فإنهم كانوا يخشون من انتقام قريش و أعوانها منهم، إذا وصلت إلى الحكم و السلطان، و أن تأخذ بثاراتها بصورة قاسية و شرسة.

و قد صرحوا بخوفهم هذا في يوم السقيفة بالذات، فقد قال الحباب بن المنذر: «و لكنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم، و آباءهم، و إخوانهم» (1).

6-و إذا كانت الأمور تسير باتجاه إبعاد الأمر عن صاحبه الشرعي، فإن في الأنصار من يملك هذا الطموح إلى تولي أمر الخلافة، و يرى أن الساعين لإبعاد الأمر عن علي «عليه السلام» ليسوا بأفضل منه. . فلما ذا لا يتصدى هو لهذا الأمر، و يبادر إليه؟ !

و تاريخ الأنصار في نصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و التضحية في سبيل الدين لا يقل عن تاريخ المنافسين، إن لم يكن هو الأكثر إشراقا و تألقا. . فلم يروا حرجا في استباق الأحداث، و الإجتماع في سقيفة بني ساعدة، لينجزوا هذا الأمر، و ليجعلوا الآخرين أمام الأمر الواقع. .

التناقض في الموقف من الخلافة:

ثم إن شيعة أهل البيت «عليهم السلام» لا ينكرون وصول أبي بكر و عمر و عثمان إلى الخلافة، و لكنهم يقولون: إنهم قد استولوا على هذا الأمر من صاحبه الشرعي المنصوب من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غدير خم، و لو أنهم لم يفعلوا ذلك، و تركوا الأمور تسير بالإتجاه الذي


1) راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 420 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 53 و البحار ج 28 ص 326 و قاموس الرجال ج 12 ص 108 و فتح الباري ج 12 ص 135 و السقيفة للمظفر ص 97 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 182 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 275.

يريده اللّه و رسوله لتغير وجه التاريخ بلا ريب. .

و يقولون أيضا: إن المشروعية تنشأ من النص. . فما قرره النص الصحيح من اللّه و رسوله هو الأساس.

و لكن هناك من يقول: إن الخلفاء لم يخالفوا فيما فعلوه ما أمر اللّه به و رسوله. . بل كان عملهم مشروعا. .

و لكنهم حين يريدون تحديد سبب هذه المشروعية، فإنهم لا يكادون يستقرون على رأي، و قد بدأ هذا الإضطراب في التبرير من الساعة الأولى. بل قبل بيعة عمر و أبي عبيدة لأبي بكر في السقيفة، لأن أبا بكر و عمر قد استدلا على الأنصار بالقرابة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و ادعيا أنهما أمس برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رحمه (1)، و أنهم أولياؤه و عشيرته (2)، و أنهم عترة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصله، و البيضة


1) راجع: نهاية الإرب ج 8 ص 168 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 و العقد الفريد (ط دار الكتاب العربي) ج 4 ص 258 و الأدب في ظل التشيع ص 24 نقلا عن البيان و التبيين للجاحظ.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 220 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 457 و الإمامة و السياسة (ط الحلبي بمصر) ص 14 و 15 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 38 و ج 6 ص 7 و 8 و 9 و 11 و الإمام الحسين للعلايلي ص 186 و 290 و غيرهم. . و راجع: الإحتجاج ج 1 ص 92 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 194 و البحار ج 28 ص 181 و 325 و 345 و ج 44 ص 55 و 64 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 329 و 330 و الامامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 14 و 15 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 24 و 25 و كتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 285.

التي تفقأت عنه (1).

و استدل أبو بكر على أهل السقيفة بأن الأئمة من قريش بعد حذف صدره، هو قوله «صلى اللّه عليه و آله» : الأئمة اثنا عشر (2)، و أصبح كون الأئمة من قريش في جملة عقائد أهل السنة المعترف بها، و قد اعترف ابن خلدون على ذلك بالإجماع، و لم يخالف أبو بكر هذا الأصل، لأنه حين شارف على الموت، أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب، و لكن من دون مراعاة لعنصر القرابة. . لا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا قرابته من نفسه.

لكن قول عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته (3)، يعد خروجا


1) راجع: العثمانية للجاحظ ص 200 و المجموع للنووي ج 15 ص 353 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 6 ص 232 و كشاف القناع للبهوتي ج 4 ص 347 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 318 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 19 و السنن الكبرى لبيهقي ج 6 ص 166 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 47 و 256 و لسان العرب ج 4 ص 538 و تاج العروس ج 7 ص 186 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 416 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 150

2) راجع: الصواعق المحرقة ص 6 و الطرائف لابن طاووس ص 400 و الصوارم المهرقة ص 59 و 190 و البحار ج 34 ص 377 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 313 و ج 9 ص 325 و فتح الباري ج 12 ص 135 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 86 و التفسير الكبير للرازي ج 3 ص 147 و الإحكام لابن حزم ج 7 ص 988 و المحصول للرازي ج 2 ص 357 و ج 4 ص 322 و 368 و 383 و ج 6 ص 51 و الإحكام للآمدي ج 2 ص 203 و 211 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 339.

3) راجع: تفسير البحر المحيط ج 4 ص 314 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 194. و راجع: الطرائف ص 483 و الصوارم المهرقة ص 73 و البحار ج 28 ص 383 و ج 29 ص 378 و ج 31 ص 76 و 81 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 391 و الغدير ج 5 ص 364 و ج 7 ص 231 و ج 10 ص 9 و عمدة القاري ج 16 ص 246 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 115 و 285 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 568 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 265 و المحصول للرازي ج 4 ص 322 و أسد الغابة ج 2 ص 246 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 73 و العثمانية للجاحظ ص 217 و الوافي بالوفيات ج 15 ص 58 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 186.

على هذا الأصل لعدم كون سالم قرشيا، و قد أحرج ذلك ابن خلدون، و غيره من علماء أهل السنة و أوقعهم في حيص بيص (1).

كما أن ابن الأثير يقول و هو يتحدث عن البيعة لمحمد بن الشعث:

«. . و العجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة و ليس من قريش، و إنما هو كندي من اليمن، و قد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، و احتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولا ثم رجع عنه» (2).

لكن ليت شعري متى رجع سعد عن ذلك. إنه أصر عليه إلى أن اغتالته يد السياسه بالشام على يد خالد بن الوليد، ثم اتهموا الجن في ذلك،


1) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 194.

2) راجع: البداية و النهاية ج 9 ص 54. و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 66.

ثم جاء الأمويون فادعوا لأنفسهم الخلافة بالإستناد إلى القربى النسبية، حتى لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، و أصحاب النعم و الرياسة فيها -حلفوا للسفاح-على أنهم إلى أن قتل مروان لم يكونوا يعرفون أقرباء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أهل بيت يرثونه غير بني أمية (1).

و قد قال الكميت:

و قالوا: ورثناه أبانا و أمناو ما ورثتهم ذاك أم و لا أب (2)

و قالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لمعاوية: «فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول اللّه و نحن أقرب إليه منكم» (3).

و كانت القربى النسبية هي الحجة التي استند إليها العباسيون في طلبهم للخلافة.

و خلاصة الأمر: أن أبا بكر و عمر استدلا على الأنصار بالقربى النسبية من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) راجع: النزاع و التخاصم ص 28 و (ط أخرى) ص 71 و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 159 و مروج الذهب ج 3 ص 33 و الفتوح لابن أعثم ج 8 ص 95 و (ط دار الأضواء) ج 8 ص 339 و وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان لابن خلكان ج 6 ص 102 و سير أعلام النبلاء ج 6 ص 79.

2) راجع: العقد الفريد ج 2 ص 120 الروضة المختارة (شرح القصائد الهاشميات) للكميت ص 32 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 566.

3) راجع: الطرائف ص 28 و الغدير ج 10 ص 167 و قاموس الرجال ج 12 ص 183 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 2 ص 249.

و لكن أتباعهما يقولون: إن سبب مشروعية بيعة أبي بكر هو بيعة أهل الحل و العقد له.

و يبقى موضوع النص يراود أحلامهم، فلا يصرفون النظر عنه بسهولة، فيدّعون تارة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نص على أبي بكر، و أنه أشار إليه تارة أخرى، و لو في موضوع صلاة أبي بكر بالناس، إبان مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد حاول عمر بن الخطاب التسويق لهذا المنطق، حيث ادّعوا أنه قال: «لقد أقامه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقامه، و اختاره لدينهم على غيره، و قال: يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر» .

و قد قلنا: إن هذا الكلام غير صحيح، لا في مبناه، و لا في معناه. .

أما عمر بن الخطاب نفسه فقد اعتمد مبدأ الشورى المفروضة بالقوة على بضعة أشخاص اختارهم هو بعناية. و من دون أن يقدم مبررا لاستثناء جميع من عداهم-لقد اختارهم-بعد أن قرر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستخلف أحدا. .

و كل هذه التبريرات و الإدعاءات لا يمكن القبول بها، و لا الإعتماد عليها، و قد روي أن عليا «عليه السلام» قال:

فإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبي و أقرب

و إن كنت بالشورى ملكت أمورهمفكيف بهذا و المشيرون غيب (1)


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 43 و التعجب للكراجكي ص 54 و البحار ج 29 ص 609 و ج 34 ص 406 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 340 و النص و الإجتهاد ص 21 و نهج الإيمان لابن جبر ص 384 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 416 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 111.

دعوى أن النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف:

ثم إن هؤلاء الناس قد حشدوا روايات مجعولة، زعموا أنها تصلح لرد النصوص المتواترة في إمامة علي «عليه السلام» ، أو أنها توجب الريب و الشبهة فيها، لدى من لا خبرة له بالأمر، فقد ذكر الصالحي الشامي هنا ما يلي:

1-حديث عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني-يعني: أبا بكر-و إن أترك فقد ترك من هو خير مني، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 13 ص 218(7218) و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 222 و مسلم في الإمارة باب الإستخلاف ج 3 ص 1454(11) . و راجع: الإقتصاد للطوسي ص 208 و الرسائل العشر للطوسي ص 123 و الكافئة للمفيد ص 46 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 566 و البحار ج 30 ص 143 و ج 31 ص 386 و الغدير ج 10 ص 9 و مسند أحمد ج 1 ص 43 و صحيح البخاري ج 8 ص 126 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 95 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 148 و عمدة القاري ج 24 ص 279 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 42 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 331 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 185 و ج 17 ص 220 و كنز العمال ج 5 ص 734 و تمهيد الأوائل للباقلاني ص 508 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 343 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 37 و علل الدارقطني ج 2 ص 73 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 428 و ج 44 ص 432 و 434 و 435 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 267 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 211 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 292 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 65 و البداية و النهاية ج 5 ص 270 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 212 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 478 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 497 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 2 ص 115 و ج 3 ص 102.

2-عن علي «عليه السلام» أنه قال «يوم الجمل» : إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام و استقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام و استقام حتى ضرب بالدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا هذه الدنيا، فكانت أمور يقضي اللّه عز و جل فيها (1).

3-عن ابن عباس: «أن عليا خرج من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: أصبح بحمد اللّه بارئا.

قال: فأخذ بيده العباس، فقال له: أنت و اللّه بعد ثلاث عبد العصا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 عن البيهقي و قال في هامشه: أخرجه البيهقي ج 7 ص 223. و راجع: الغدير ج 5 ص 365 و ج 8 ص 40 و مسند أحمد ج 1 ص 114 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 104 و مجمع الزوائد ج 5 ص 175 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 396 و كنز العمال ج 5 ص 655 و ضعفاء العقيلي ج 1 ص 178 و علل الدارقطني ج 4 ص 86 و 87 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 291 و 292 و كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي ص 46 و البداية و النهاية ج 5 ص 271.

و إني و اللّه لأرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يتوفاه اللّه من وجعه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلنسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك و إن كان في غيرنا كلمناه، فأوصى بنا.

قال علي: إنا و اللّه لئن سألناها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبدا. و إني و اللّه، لا أسألها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

4-عن إبراهيم بن الأسود قال: قيل لعائشة: إنهم يقولون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوصى إلى علي.

قالت: بما أوصى إلى علي؟ ! و قد رأيته دعا بطست ليبول فيها، و أنا مسندته إلى صدري، فانخنس، أو قال: فانحنث، فمات، و ما شعرت. فيم يقول هؤلاء: إنه أوصى إلى علي؟ ! (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 عن البخاري، و ابن جرير، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه البخاري في المغازي حديث (4447) و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 224.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 عن البخاري، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه البخاري في الوصايا و في مرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» و مسلم ج 3 ص 1257(19) و أحمد ج 6 ص 32 و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 226. و راجع: ذخائر العقبى ص 204 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 141 و السنن الكبرى ج 8 ص 149 و عمدة القاري ج 18 ص 69 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 31 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 245 و التاريخ الكبير للبخاري ج 5 ص 178 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 423 و 424 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 436 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 321 و البداية و النهاية ج 5 ص 247 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 480 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 450 و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 77.

5-عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي فقال: من زعم أن عندنا كتابا نقرؤه، ليس إلا كتاب اللّه و هذه الصحيفة صحيفة معلقة في سيفه، فيها أسنان الإبل، و أشياء من الجراحات، فقد كذب (1).

6-عن أبي حسان أن عليا «عليه السلام» قال: ما عهد إلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا خاصة دون الناس إلا شيئا سمعته منه في صحيفة في قراب سيفي الخ. . (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 و 310 عن البخاري، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه البخاري، باب ذمة المسلمين، و في باب إثم من عاهد ثم غدر، و عن أحمد ج 1 ص 81 و عن أبي داود في المناسك ج 2 ص 216 و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 227 و 228. و صحيح البخاري ج 8 ص 144 و صحيح مسلم ج 4 ص 115 و 217 و سنن الترمذي ج 3 ص 297 و عمدة القاري ج 25 ص 38 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 391 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 228 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 7 ص 33 و رياض الصالحين للنووي ص 695 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 35.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 310 عن أبي داود في المناسك ج 2 ص 216(2035) . و راجع: المحلى لابن حزم ج 10 ص 354 و مسند أحمد ج 1 ص 119 و سنن النسائي ج 8 ص 24 و فتح الباري ج 4 ص 73 و عمدة القاري ج 10 ص 232 و عون المعبود ج 6 ص 13 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 220 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 4 ص 204 و كنز العمال ج 14 ص 129 و إمناع الأسماع ج 14 ص 483.

و نقول:

إنه لا يمكن قبول ذلك كله، لأسباب عديدة:

1-إن بيعة الغدير حجة دامغة تكذب كل هذه الأباطيل، يضاف إلى ذلك عشرات النصوص الصريحة و الصحيحة في إمامة علي «عليه السلام» ، و وصايته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

2-ما جرى على الزهراء «عليها السلام» ، من ضرب، و إسقاط جنين، و إهانة، و كذلك عليها و على علي «عليهما السلام» حين أرادوا إحراق بيتهما على من فيه، حتى إن عليا «عليه السلام» لم يبايع حتى رأى الدخان يخرج من بيته. . بل هو لم يبايع إلا مكرها، حتى بعد استشهاد السيدة الزهراء «عليها السلام» . إن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم صحة تلك الروايات عن علي «عليه السلام» و غيرها مما ذكر آنفا. .

3-ما ذا يصنع هؤلاء القوم بالنصوص التي امتلأت بها كتبهم، و التي تتحدث عن امتناع كثيرين من كبار صحابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من جملتهم علي «عليه السلام» و الهاشميون، من القبول بخلافة أبي بكر، كما أن الكثير منهم إنما بايعوا تحت وطأة التهديد و الوعيد، بل و الضرب و الإهانة. .

4-ما ذا يصنع هؤلاء أيضا بما رووه عن علي «عليه السلام» و أبنائه من بعده من خطب و رسائل، و كلمات، و احتجاجات، تدل على عدم رضاهم بأبي بكر، و تبين أنه غاصب لحقهم، متصد لما ليس له. .

5-إن خطبة علي «عليه السلام» ، و قوله فيها: من زعم أن عندنا كتابا نقرؤه إلا كتاب اللّه، و هذه الصحيفة، إنما هي رد على اتهامهم إياه بأنه يدعي

أن عند أهل البيت «عليهم السلام» كتابا سوى القرآن، كانوا يتداولونه فيما بينهم.

و لعل هناك من نسب إليهم أنهم يدعون وجود كتاب لهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أمر الخلافة، فيطالبهم بإخراجه لهم.

مع أن الثابت هو: أن عمر بن الخطاب قد منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من كتابة ذلك الكتاب، و اتهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما اتهمه به، مما نربأ بأنفسنا عن التفوه به إلا على سبيل الحكاية لما جرى.

6-إن حديث قول علي «عليه السلام» يوم الجمل لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا. . مكذوب على علي «عليه السلام» ، فإن أهل السقيفة لم يستشيروا عليا «عليه السلام» و لا أشركوه في شيء من أمرهم، بل استبدوا بالأمر، ثم هو جم بيت علي «عليه السلام» ، و ضربت زوجته، و أسقط جنينها لإجباره على البيعة، ثم لم يبايع إلا جبرا بعد أن استشهدت «عليها الصلاة و السلام» ، فقد روي عن عائشة: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة، و صرحت بذلك نصوصهم، فراجع (1).

و لم يكن علي «عليه السلام» ليقول في حرب الجمل ما يكذب به حديث البيعة له في يوم الغدير، و لا غيره من الأحاديث الثابتة و الصريحة.


1) راجع: فتح الباري ج 7 ص 379 و راجع: الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 56 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 154 و البحار ج 10 ص 427 و ج 28 ص 312 و 349 و 358 و 391 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 22 و ج 6 ص 12 و الإمامة و السياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 20 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 31.

7-دعوى عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستخلف، إنما جاءت ممن يجر النار إلى قرصه، و يريد تبرئة نفسه.

8-حديث العباس و علي «عليه السلام» لا يصح أيضا، إذ هو يتضمن الإتهام لأمير المؤمنين «عليه السلام» بعدم مراعاته لجانب التقوى و الدين، لرفضه «عليه السلام» سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن حكم شرعي، يرتبط بأمر الخلافة بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، طمعا منه في الدنيا، و حبا منه لها، و هذا ما نجله «عليه السلام» عنه، و لا يرضى مسلم بأن ينسبه إليه.

9-إن ما يقولونه هنا يكذب ما يدّعونه من دلالة صلاة أبي بكر على استخلاف النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، بالإضافة إلى روايات أخرى مزعومة في هذا المجال.

10-حديث العباس و علي «عليه السلام» لا يمكن أن يصح، و إن رواه البخاري، فإن حديث الغدير المتواتر بأسانيد صحيحة يكذبه.

11-من أين عرف العباس أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيموت بعد ثلاث، أو أنه سوف يموت من وجعه ذاك؟ هل أطلعه اللّه على غيبه؟ أم أن ملك الموت أخبره؟ !

12-لقد كان بإمكان العباس أن يسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أي شيء، من دون حاجة إلى أخذ علي «عليه السلام» معه.

و لو صح، فلما ذا لم يأخذ معه أي رجل آخر غير علي «عليه السلام» .

13-ما معنى أن يطلب العباس من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يوصي خليفته أو الناس ببني هاشم، إن كان الخليفة من غيرهم؟ ! فهل لم

يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف واجباته، و لا يميز ما ينبغي له أن يفعله، مما لا ينبغي؟ ! فإن كانت هناك حاجة لهذه الوصية، فسيفعلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن لم يكن لها حاجة فلا معنى لطلبها منه.

14-إن العباس لم يكن يريد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يخبره بالغيب، بل هو يريد منه أن يخبره بالحكم و الشرع الإلهي. مما يعني: أن الأمر بنظر العباس يدور بين أمرين، لا ثالث لهما، فهو إما في بني هاشم، و لا يحق لغيرهم التصدي له، أو في غيرهم، و لا يحق لبني هاشم التصدي له. مع أن أحدا لم يدّع ذلك سوى عمر بن الخطاب. . و من زعم عمر أنهم من قريش، و أنهم يوافقونه عليه، حين قال: لا تجتمع النبوة و الخلافة في بيت واحد، أو نحو ذلك مما ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب. .

و لكن الفرق هو: أن عمر بن الخطاب لم يدّع أن ذلك من القرارات الشرعية الإلهية، بل ادّعى أن قريشا لا ترضى بذلك، و لم ينسبه لا إلى اللّه و لا إلى رسوله.

و لكن العباس يقول: إن ذلك من القرارات الإلهية.

15-بناء على ما تقدم: فإن رواية العباس و علي «عليه السلام» تدعونا إلى مطالبة من ينكر استخلاف علي «عليه السلام» بالنص الذي يعين غير علي «عليه السلام» للخلافة، و يصرح بإبطال خلافة بني هاشم من أساسها. .

فإذا سلّم هذا الفريق بضرورة وجود هذا النص، استنادا إلى تلك الرواية، انحلت المشكلة، لأن النصوص التي لا مجال لإحصائها لكثرتها و تنوعها تعيّن خلافة علي «عليه السلام» و تؤكدها، و هم أنفسهم لا يدّعون النص على أبي بكر، بل يثبتون خلافته ببيعة أهل الحل و العقد له. .

16-و أما حديث عائشة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مات على صدرها، و لم يوص لأحد. . فيكذبه:

أولا: إنه قد مات على صدر علي «عليه السلام» ، و الروايات في ذلك كثيرة (1).

ثانيا: إن الوصية لعلي «عليه السلام» لا تنحصر بلحظة الوفاة، بل يمكن


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 261 عن الشيخين، و عن ابن سعد، و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 141 و فتح الباري ج 8 ص 106 و 107 و عمدة القاري ج 18 ص 66 و 70 و 71 و المعجم الكبير ج 23 ص 32 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 250 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 307 و البداية و النهاية ج 5 ص 260 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 498 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 475 الأمالي للمفيد ص 23 و نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 172 و 182 و البحار ج 22 ص 540 و 459 و 542 و ج 32 ص 595 و ج 34 ص 109 و 147 و ج 38 ص 320 و ج 43 ص 193 و ج 74 ص 397 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 329 و 330 و الكافي ج 1 ص 459 و روضة الواعظين ص 152 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 2 ص 215 و الغدير ج 9 ص 374 و دلائل الإمامة للطبري (الشيعي) ص 138 و شرح نهج للمعتزلي ج 10 ص 179 و 182 و 265 و 266 و قاموس الرجال ج 12 ص 324 و كشف الغمة ج 2 ص 127 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 481 و ج 25 ص 551 و ج 33 ص 385 و علل الشرائع للصدوق ج 1 ص 168 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 51 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 495 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 146 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 117 و ينابيع المودة ج 3 ص 436. و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 263 و راجع: و مجمع الزوائد ج 1 ص 293.

أن يوصي «صلى اللّه عليه و آله» له قبل ذلك بسنوات، أو بأشهر، أو بأيام، و يمكن أن يوصي له في بيته، و في مسجده، و في سفره و حضره و. . الخ. .

ثالثا: إن كون علي «عليه السلام» هو الوصي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بديهيات التاريخ، و النصوص في ذلك كثيرة، و يكفي أن نشير إلى بعض ما قيل في ذلك في عهد علي «عليه السلام» نفسه.

قال عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

و منا علي ذاك صاحب خيبرو صاحب بدر يوم سالت كتائبه

وصي النبي المصطفى و ابن عمهفمن ذا يدانيه و من ذا يقاربه

و قال عبد الرحمن بن جعيل:

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظةعلى الدين معروف العفاف موفقا

عليا وصي المصطفى و ابن عمهو أول من صلى أخا الدين و التقى

و قال أبو الهيثم بن التيهان، و كان بدريا:

إن الوصي إمامنا و ولينابرح الخفاء، و باحت الأسرار

و قال عمر بن حارثة الأنصاري، و كان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل، و قد لامه أبوه «عليه السلام» لما أمره بالحملة، فتقاعس:

أبا حسن أنت فصل الأموريبين بك الحل و المحرم

إلى أن قال:

فأعجلته و الفتى مجمعبما يكره الرجل المحجم

سمي النبي و شبه الوصي (1)و رايته لونها العندم


1) أي أن محمد بن الحنفية يشبه أباه الذي هو الوصي.

و قال رجل من الأزد يوم الجمل:

هذا علي و هو الوصيآخاه يوم النجوة النبي

و قال: هذا بعدي الوليوعاه واع و نسي الشقي

و خرج يوم الجمل غلام من بني ضبة، شاب معلم، من عسكر عائشة و هو يقول:

نحن بن ضبة أعداء عليذاك الذي يعرف فينا بالوصي

و فارس الخيل على عهد النبيما أنا عن فضل علي بالعمي

و قال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل، و كان في عسكر علي «عليه السلام» :

أية حرب أضرمت نيرانهاو كسرت يوم الوغى مرّانها

قل للوصي أقبلت قحطانهافادع بها تكفيكها همدانها

هم بنوها و هم إخوانها

و قال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل، و كان من أصحاب علي «عليه السلام» :

كيف ترى الأنصار في يوم الكلبإنا اناس لا نبالي من عطب

و لا نبالي في الوصي من غضبو إنما الأنصار جدّ لا لعب

هذا علي و ابن عبد المطلبننصره اليوم على من قد كذب

من يكسب البغي فبئسا اكتسب

و ستأتي أبيات حجر بن عدي أيضا:

و قال خزيمة بن ثابت الأنصاري، ذو الشهادتين-و كان بدريا-في يوم

الجمل أيضا:

يا وصي النبي قد أجلت الحرب الأعادي و سارت الأضعان

و استقامت لك الأمور سوى الشامو في الشام يظهر الأذعان

و قال خزيمة أيضا في يوم الجمل:

أعائش خلي عن علي و عيبهبما ليس فيه إنما أنت والدة

وصي رسول اللّه من دون أهلهو أنت على ما كان من ذاك شاهدة

و قال ابن بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل أيضا:

يا قوم للخطة العظمى التي حدثتحرب الوصي و ما للحرب من آسي

الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربتتلك القبائل أخماسا لأسداس

و قال عمرو بن أحيحة يوم الجمل، في خطبة الحسن بن علي «عليه السلام» بعد خطبة عبد اللّه بن الزبير:

حسن الخير يا شبيه أبيهقمت فينا مقام خير خطيب

إلى أن قال:

و أبى اللّه أن يقوم بما قامبه ابن الوصي، و ابن النجيب

ان شخصا بين النبي لك الخيرو بين الوصي غير مشوب

و قال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا:

أضربكم حتى تقروا لعليخير قريش كلها بعد النبي

من زانه اللّه و سماه الوصيإن الولي حافظ ظهر الولي

كما الغوي تابع أمر الغوي

ذكر هذه الأشعار و الأراجيز بأجمعها أبو مخنف، لوط بن يحيى، في كتاب:

وقعة الجمل. و أبو مخنف من المحدثين، و ممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، و ليس من الشيعة و لا معدودا من رجالها.

و مما رويناه من أشعار صفين، التي تتضمن تسميته «عليه السلام» بالوصي ما ذكره نصر بن مزاحم المنقري، في كتاب «صفين» ، و هو من رجال الحديث.

قال زحر بن قيس الجعفي: «و نسبها في موضع آخر إلى جرير بن عبد اللّه البجلي» (1):

فصلى الإله على أحمدرسول المليك تمام النعم

رسول المليك و من بعدهخليفتنا القائم المدّعم

عليا عنيت وصي النبينجالد عنه غواة الأمم

قال نصر: و من الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس:

أتانا الرسول رسول الإمامفسرّ بمقدمه المسلمونا

رسول الوصي وصي النبيله السبق و الفضل في المؤمنينا

و من الشعر المنسوب إلى الأشعث أيضا:

أتانا الرسول رسول الوصيعلي المهذب من هاشم

وزير النبي و ذو صهرهو خير البرية و العالم

و قال جرير بن عبد اللّه البجلي شعرا، بعث به إلى شرحبيل بن السمط، من أصحاب معاوية، و قد جاء فيه:


1) راجع: شرح نهج البلاغة، (ط دار مكتبة الحياة) ج 1 ص 553.

مقال ابن هند في علي عضيهةو للّه في صدر ابن أبي طالب أجل

و ما كان إلا لازما قعر بيتهإلى أن أتى عثمان في بيته الأجل

وصي رسول اللّه من دون أهلهو فارسه الحامي به يضرب المثل

و قال النعمان بن عجلان الأنصاري:

كيف التفرق و الوصي أمامنالا كيف إلا حيرة و تخاذلا

لا تغبنن عقولكم لا خير فيمن لم يكن عند البلابل عاقلا

و ذروا معاوية الغويّ و تابعوادين الوصي لتحمدوه آجلا

و قال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي:

ألا ابلغ شر حبيل بن حربفما لك لا تهش إلا الضراب

فإن تسلم و تبق الدهر يومانزرك بجحفل عدد التراب

يقودهم الوصي إليك حتىيردك عن ضلال و ارتياب

و يقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:

فيكم وصي رسول اللّه قائدكمو صهره و كتاب اللّه قد نشرا

و يقول عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب:

وصي رسول اللّه من دون أهلهو فارسه إن قيل: هل من منازل

قال المعتزلي: «و الأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جدا، و لكننا ذكرنا منها ها هنا بعض ما قيل في هذين الحزبين. فأما ما عداهما، فإنه يجل عن الحصر، و يعظم عن الإحصاء و العدد. و لو لا خوف الملالة و الإضجار،

لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة» (1).

و قد ذكر المعتزلي نفسه في نفس الكتاب موارد أخرى، نذكر منها ما يلي:

قال عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، مجيبا للوليد بن عقبة بن أبي معيط:

و إن ولي الأمر بعد محمدعلي و في كل المواطن صاحبه

وصي رسول اللّه حقا وصنوهو أول من صلى، و من لان جانبه

و قال خزيمة بن ثابت في هذا:

وصي رسول اللّه من دون أهلهو فارسه مذ كان في سالف الزمن

و أول من صلى من الناس كلهمسوى خيرة النسوان و اللّه ذو منن (2)

و قال زفر بن بن يزيد بن حذيفة الأسدي:

فحوطوا عليا و انصروه فإنهوصي و في الإسلام أول أول (3)

و قال النعمان بن العجلان، مخاطبا عمرو بن العاص، و ذلك بعد بيعة السقيفة، في جملة قصيدة له:

و كان هو انا في علي و إنهلأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري

فذاك بعون اللّه يدعو إلى الهدىو ينهى عن الفحشاء و البغي و النكر


1) جميع ما تقدم قد ذكره المعتزلي في شرح نهج البلاغة (ط دار مكتبة الحياة-سنة 1963 م) ج 1 ص 128 و 133 و البحار ج 38 ص 20 و 26 عنه.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 227 و 228(ط دار مكتبة الحياة سنة 1964) .

3) المصدر السابق ج 4 ص 228.

وصي النبي المصطفى و ابن عمهو قاتل فرسان الضلالة و الكفر (1)

و قال حسان بن ثابت:

ألست أخاه في الهدى و وصيهو أعلم منهم بالكتاب و بالسنن (2)

و قال حجر بن عدي الكندي في يوم الجمل أيضا:

يا ربنا سلم لنا علياسلم لنا المهذب التقيا

المؤمن المسترشد الرضياو اجعله هادي أمة مهديا

احفظه رب حفظك النبيالا خطل الرأي و لا غبيا

فإنه كان لنا ولياثم ارتضاه بعده وصيا (3)

و قال المنذر بن أبي خميصة الوداعي مخاطبا عليا:

ليس منا من لم يكن لك في اللّهوليا يا ذا الولا و الوصية (4)

بل إن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» نفسه قد ذكر الوصية له في الشعر، فقال: في أمر بيع عمرو بن العاص دينه لمعاوية:

يا عجبا! لقد سمعت منكراكذبا على اللّه يشيب الشعرا

يسترق السمع و يغشى البصراما كان يرضى أحمد لو أخبرا


1) المصدر السابق ج 2 ص 280.

2) المصدر السابق ج 2 ص 283.

3) المصدر السابق ج 2 ص 828 و ج 1 ص 129 و 130.

4) المصدر السابق ج 2 ص 828.

أن يقرنوا وصيه و الأبتراشاني الرسول و اللعين الأخزرا

كلاهما في جنه قد عسكراقد باع هذا دينه فأفجرا

من ذا بدنيا بيعه قد خسرابملك مصران أصاب الظفرا

الخ. . (1).

و اللافت هنا: أن ابن أبي الحديد نفسه قد قرر هذه الوصاية في شعره، فقال:

و خير خلق اللّه بعد المصطفىأعظمهم يوم الفخار شرفا

السيد المعظم الوصيبعل البتول المرتضى علي

و ابناه، الخ. . (2).

و لو أردنا استقصاء ذلك في مصادره لا حتجنا إلى وقت طويل و لنتج عن ذلك ما يملأ عشرات الصفحات. .

أما في غير الشعر، فالأمر أعظم و أعظم. . و لعل ما ذكرناه يكفي لمن ألقى السمع و هو شهيد.


1) المصدر السابق ج 1 ص 324 و 132.

2) المصدر السابق ج 3 ص 645.

الفصل الثاني: ما جرى في السقيفة

اشارة

روايتهم لأحداث السقيفة:

ثم إن أتباع الخلفاء يروون أحداث السقيفة بطريقتهم الخاصة، متجاهلين الكثير من الأمور الهامة و الحساسة التي وردت في مصادرهم، و نحن نذكر هنا النص الذي اورده الصالحي الشامي، فنقول:

روى ابن إسحاق و الإمام أحمد و البخاري و ابن جرير عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قال و هو على المنبر: إنه قد بلغني أن فلانا، و في رواية البلاذري عن ابن عباس: أن قائل ذلك الزبير بن العوام، قال: و اللّه لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا (1).

و في رواية البلاذري عن ابن عباس: «بايعت عليا» لا يغرن امرءا أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 127 و ج 12 ص 311 عن ابن إسحاق، و أحمد، و البخاري، و ابن جرير. و راجع: صحيح البخاري ج 8 ص 25 و فتح الباري (المقدمة) ص 337 و عمدة القاري ج 17 ص 62 و ج 24 ص 6 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 154 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 368 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 280 و 281.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 311. و راجع: خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 305 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 155 و 157 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 281 و 283 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1073 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 487.

(و اللّه ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، و لقد أقامه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقامه، و اختاره لدينهم على غيره، و قال: «يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر» فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له، و إنه كان من خيرنا حين توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن الأنصار خالفونا، و اجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، و تخلف عنا علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام، و من معهما.

و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان: عويم بن ساعدة، و معن بن عدي (1).

إلى أن قال:

فذكر لنا ما تمالأ عليه القوم، و قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 311. و راجع: البحار ج 28 ص 338 و مسند أحمد ج 1 ص 55 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 23 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 446 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 281 و البداية و النهاية ج 5 ص 266 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 327 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 153 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 308 و 311 و 315 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 148 و 155 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 487.

قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار.

قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم.

قال: قلت: و اللّه لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟

فقالوا: سعد بن عبادة.

فقلت: ما له؟

فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد. . فنحن الأنصار، و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، و قد دفت إلينا دافة من قومكم.

قال: و إذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، و قد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، و كنت أداري منه بعض الجد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أعصيه، فتكلم. و كان هو أعلم مني، و أوقر، فو اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني كنت زورتها في نفسي إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها، حتى سكت (1).

إلى أن قال:

فتشهد أبو بكر، و أنصت القوم، ثم قال: بعث اللّه محمدا بالهدى، و دين


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 312. و راجع: شرح نهج للمعتزلي ج 2 ص 24 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 327 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 305 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1073.

اللّه حق، فدعى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الإسلام، فأخذ اللّه بقلوبنا و نواصينا، إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، و نحن عشيرته، و أقاربه، و ذوو رحمه، فنحن أهل النبوة، و أهل الخلافة، و أوسط الناس أنسابا في العرب، ولدتنا كلها، فليس منا قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، و لن تعترف العرب و لا تصلح إلا على رجل من قريش.

هم أصبح الناس وجوها، و أبسطهم لسانا، و أفضلهم قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء و أنتم الوزراء، و هذا الأمر بيننا و بينكم قسمة إلا بثلمة.

و أنتم يا معشر الأنصار إخواننا في كتاب اللّه، و شركاؤنا في الدين، و أحب الناس إلينا، و أنتم الذين آووا و نصروا، و أنتم أحق الناس بالرضا بقضاء اللّه و التسليم لفضيلة ما أعطى اللّه إخوانكم من المهاجرين، و أحق الناس ألا تحسدوهم على خير آتاهم اللّه إياه.

و أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدي و بيد أبي عبيدة بن الجراح، و هو جالس بيننا (1).

إلى أن قال:

فقال عمر و أبو عبيدة: ما ينبغي لأحد بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 312 و 313. و عن الرياض النضرة ج 1 ص 213.

و آله» أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثاني اثنين، و أمرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين اشتكى، فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر.

قالت الأنصار: و اللّه ما نحسدكم على خير ساقه اللّه إليكم، و ما خلق اللّه قوما أحب إلينا، و لا أعز علينا منكم، و لا أرضى عندنا هديا منكم، و لكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم أصلا منكم، فإذا مات أخذتم رجلا من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمة، بايعناكم، و رضينا بذلك من أمركم، و كان ذلك أجدر أن يشفق القرشي، إن زاع، أن ينقض عليه الأنصاري.

فقال عمر: لا ينبغي هذا الأمر، و لا يصلح إلا لرجل من قريش، و لن ترضى العرب إلا به، و لن تعرف العرب الإمارة إلا له، و لن يصلح إلا عليه، و اللّه لا يخالفنا أحد إلا قتلناه (1).

و عند الإمام أحمد: قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجب، منا أمير، و منكم أمير يا معشر قريش.

قال: فكثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، حتى خشينا الإختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، و بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 313.

2) مسند أحمد ج 1 ص 56 و صحيح البخاري ج 8 ص 27 و عمدة القاري ج 24 ص 8 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 150 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 283 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 446 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 327 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 7.

و عند ابن عقبة: فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم، و أوعد بعضهم بعضا، ثم تراضى المسلمون، و عصم اللّه لهم دينهم، فرجعوا و عصوا الشيطان.

و وثب عمر فأخذ بيد أبي بكر، و قام أسيد بن حضير الأشهلي، و بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير يستبقان ليبايعا أبا بكر، فسبقهما عمر فبايع، ثم بايعا معا (1).

و عند ابن إسحاق في بعض الروايات، و ابن سعد: أن بشير بن سعد سبق عمر (2).

إلى أن قال:

و وثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة، و سعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على أبي بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا، لا تطأوه، فتقتلوه.

فقال عمر، و هو مغضب: قتل اللّه سعدا، فإنه صاحب فتنة.

فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد، فقعد على المنبر، فبايعه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 313. و راجع: شرح أصول الكافي ج 12 ص 488.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 313. و راجع: الكافي ج 8 ص 343 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 488 و الإحتجاج ج 1 ص 106 و البحار ج 28 ص 262 و 325 و 326 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 10 و 18 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 330 و كنز العمال ج 5 ص 606 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 182 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 292 و ج 30 ص 275.

الناس حتى أمسى، و شغلوا عن دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

إلى أن قال:

روى ابن إسحاق، و البخاري، عن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، و كان الغد جلس أبو بكر، فقام عمر فتكلم، و أبو بكر صامت لا يتكلم، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: . .

إلى أن قال:

. . و إن اللّه قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد اللّه، و أثنى عليه بالذي هو أهله (2).

و في رواية البلاذري، عن الزهري أنه قال:

الحمد للّه، أحمده و أستعينه على الأمر كله، علانيته و سره، و نعوذ باللّه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 314 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 64 و فتح الباري ج 7 ص 25 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 459 و عمدة القاري ج 16 ص 186 و البحار ج 28 ص 336 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 482.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 314. و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 450 و البداية و النهاية ج 5 ص 269 و ج 6 ص 332 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1075 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 406 و كنز العمال ج 5 ص 601 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 157 و الصوارم المهرقة ص 63 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 493 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 483.

من شر ما يأتي بالليل و النهار، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالحق بشيرا و نذيرا، قدام الساعة، فمن أطاعه رشد، و من عصاه هلك، انتهى (1).

ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد و ليت عليكم و لست بخيركم. و قد كانت بيعتي فلتة، و ذلك أني خشيت الفتنة، و أيم اللّه ما حرصت عليها يوما قط، و لا طلبتها، و لا سألت اللّه تعالى إياها سرا و لا و علانية، و ما لي فيها من راحة (2).

و قال: «و اعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أوثّر في أشعاركم و أبشاركم» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 314.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 314 و العثمانية للجاحظ ص 231.

3) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 212 و الإمامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 22 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 224 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 460 و صفة الصفوة ج 1 ص 261 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 20 و ج 17 ص 156 و 159 و كنز العمال ج 5 ص 589 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 315. و راجع: الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 124 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 152 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 430 و البحار الأنوار ج 10 ص 439 و ج 49 ص 280 و ج 90 ص 45 و الغدير ج 7 ص 118 و راجع: تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 481 و 482 و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل للباقلاني ص 476 و 493 و البداية و النهاية ج 6 ص 334 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 303 و 304.

و روى البلاذري و البيهقي-بإسناد صحيح-من طريقين، عن أبي سعيد: أن أبا بكر لما صعد المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: قلت: ابن عمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ !

فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فجاء، فقال أبو بكر: قلت: ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ !

قال: لا تثريب يا خليفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فبايعه (1).

قال أبو الربيع: و ذكر غير ابن عقبة: أن أبا بكر قام في الناس بعد مبايعتهم إياه، يقيلهم في بيعتهم، و يستقيلهم فيما تحمله من أمرهم، و يعيد ذلك عليهم، كل ذلك يقولون: و اللّه لا نقيلك و لا نستقيلك، قدمك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فمن ذا يؤخرك (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 316. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 277 و البداية و النهاية ج 5 ص 269 و ج 6 ص 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 494 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 76 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 143 و كنز العمال ج 5 ص 613 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 10 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 485.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 317. و راجع: و الامامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 22 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 33 و العثمانية للجاحظ ص 235 و تاريخ مدينة دمشق ج 64 ص 345 و طبقات المحدثين بأصبهان لابن حبان ج 3 ص 576 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 31 و الغدير ج 8 ص 40.

قال العلامة الأميني: اكتفى عمر بن الخطاب بقوله: «من له هذه الثلاث؟ : ثٰانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي اَلْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا (1).

و بقوله له: إن أولى الناس بأمر نبي اللّه ثاني اثنين إذ هما في الغار، و أبو بكر السباق المسن.

و بقوله يوم بيعة العامة: إن أبا بكر صاحب رسول اللّه. و ثاني اثنين إذ هما في الغار (2).

و لما قال سلمان للصحابة: أصبتم ذا السن منكم، و لكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم (3).

و قال عثمان: إن أبا بكر الصديق أحق الناس بها، إنه لصديق، و ثاني


1) الآية 40 من سورة التوبة.

2) عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 311 و الرياض النضرة ج 2 ص 203 و 206 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 38 و البداية و النهاية ج 5 ص 247 و 248 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 267 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 490 و السيرة الحلبية ج 2 ص 359. و راجع: صحيح ابن حبان ج 15 ص 298 و مسند الشاميين ج 4 ص 156 و موارد الظمآن ج 7 ص 81.

3) الغدير ج 7 ص 92 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 49 و ج 6 ص 43 و البحار ج 28 ص 314 و السقيفة و فدك للجوهري ص 46 و 69 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 3 ص 225.

اثنين، و صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات عديدة. مع تذكيرنا بأن هذا العرض للأحداث غير سليم، بل هو مصنوع بعناية، و قد اختزل، و حرّف، و زادوا و تصرفوا فيه، حسبما رأوا أنه يخدم عقيدتهم، و ميولهم، و نذكر من هذه الوقفات:

توضيح بضع كلمات:

السقيفة: مكان مستطيل مسقوف، يستظل به.

و بنو ساعدة: بطن من الأنصار. و كانت السقيفة لهم و في محلتهم.

جذيلها: تصغير جذل، عود ينصب للإبل الجربى، تحتك به، فتشفى. . و التصغير هنا للتعظيم. أي أنا من يستشفى برأيه:

و المحكك: الذي كثر به الحك حتى صار أملسا.

عذيق: تصغير عذق-بفتح العين-للتعظيم. و هو هنا النخلة. و أما بالكسر فهو العرجون.

المرجب: من الرجبة-بضم الراء و سكون الجيم-الذي يحاط به النخلة الكريمة مخافة أن تسقط. و إما من رجبت الشيء أرجبه رجبا. عظمته. و قد شدد مبالغة فيه (2).


1) كنز العمال ج 5 ص 653 و الغدير ج 7 ص 92 و حديث خيثمة ص 134 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 276.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 319.

عمر ينكر موت الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

وفور انتقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الرفيق الأعلى، بادر عمر بن الخطاب إلى إنكار موته «صلى اللّه عليه و آله» و قال: ما مات رسول اللّه، و لا يموت، حتى يظهر دينه على الدين كله. و ليرجعن و ليقطعن أيدي رجال و أرجلهم ممن أرجف بموته. لا أسمع رجلا يقول: مات رسول اللّه إلا ضربته بسيفي.

و استمر على هذا الحال يحلف للناس على صحة ما يقول حتى ازبد شدقاه، إلى أن جاء أبو بكر من السنح، و هو موضع يبعد عن المسجد ميلا واحدا، فكشف عن وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم خرج فقال لعمر الذي ما زال يحلف: أيها الحالف على رسلك. . و أمره ثلاث مرات بالجلوس، فلم يفعل.

ثم قام خطيبا في ناحية أخرى، فترك الناس عمر و توجهوا إلى أبي بكر، فقال: من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ (1).

و أظهر عمر أنه سلم و صدق، قائلا: كأني لم أسمع هذه الآية (2).


1) الآية 144 من سورة آل عمران.

2) راجع: كنز العمال (ط الهند) ج 3 ص 3 و 129 و ج 4 ص 53 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 244 و عن البخاري ج 4 ص 152 و عن شرح المواهب للزرقاني ج 8 ص 280 و ذكرى حافظ للدمياطي ص 36 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 201 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 371-374 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 178 و ج 2 ص 40 و الإحكام لابن حزم ج 4 ص 581 و الطرائف لابن طاووس ص 452 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 114 و المعجم الكبير ج 7 ص 57 و البداية و النهاية ج 5 ص 242 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 و المواهب اللدنية ج 4 ص 544 و 546 و روضة المناظر لابن شحنة (مطبوع بهامش الكامل) ج 7 ص 64 و إحياء العلوم ج 4 ص 433. و راجع: إحقاق الحق (الأصل) ص 238 و 287 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 547

و روى ابن إسحاق و البخاري عن أنس قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، و كان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم، و أبو بكر صامت.

فقال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي، و ما وجدتها في كتاب اللّه، و لا كانت عهدا عهده إلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه فيدبرنا، و يكون آخرنا موتا، و إن اللّه أبقى فيكم كتابه الذي به هدى اللّه و رسوله، فإن اعتصمتم هداكم اللّه كما هداكم به (1).

و قد أشار حافظ إبراهيم إلى هذه الحادثة فقال:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 315. و راجع: الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 243 و البحار ج 30 ص 592 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 406 و كنز العمال ج 5 ص 600 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 156 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 450 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 268 و ج 6 ص 332 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1074 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 492.

يصيح من قال: نفس المصطفى قبضتعلوت هامته بالسيف أبريها (1)

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، هي التالية:

أسئلة تحتاج إلى جواب:

إن ثمة أسئلة تحتاج إلى إجابات مقنعة و مقبولة، و هي التالية:

1-من الذي أخبر عمر: أن القول بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مات محرم و ممنوع، و يستحق قائل ذلك العقوبة؟ !

2-من أين جاء عمر بهذا الخبر، الذي يقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يرجع؟ ! .

3-هل المقصود: أنه سوف يرجع من سفر، فإلى أين كان ذلك السفر، ليقال: إنه سيرجع منه؟ !

أم المقصود: إنه سيرجع بعد الموت، فإن هذا الأمر توقيفي، لا يعلمه اللّه إلا إلى رسول من رسله أطلعه على غيبه.

و يبدو لنا: أنه يقصد المعنى الأول، فقد أشارت بعض النصوص إلى أن عمر قد أشار إلى أن غيبته «صلى اللّه عليه و آله» كغيبة موسى بن عمران. . و غيبة موسى هو عبارة عن سفر رجع منه موسى في الوقت المناسب. . و لكن الوقائع أظهرت على كل حال أن هذا الخبر الذي جاء به عمر غير صحيح.

5-إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» سيرجع و يعاقب من أرجف بموته


1) ديوان حافظ إبراهيم ج 1 ص 81.

بقطع الأيدي و الأرجل، فلما ذا يتهددهم عمر بالضرب بالسيف؟ !

فهل لهذا الذنب عقوبتان هما: الضرب بالسيف تارة، و قطع الأيدي و الأرجل أخرى؟ !

6-من الذي خول عمر إجراء عقوبة الضرب بالسيف على الناس؟ !

7-من أين علم عمر أن النبي لم يمت؟ !

8-من أين علم عمر أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله.

9-و لما ذا و على أي شيء اعتمد عمر حين كان يحلف للناس، ليقنعهم بصحة أقواله، و بأنه على يقين مما يقول؟ !

السنح على بعد ميل واحد:

و قد ذكروا: أن السنح يبعد عن المسجد بمقدار ميل واحد (1).

و لكنهم يقولون مقابل ذلك: أن السنح عالية من عوالي المدينة (2). و أدنى العوالي كما يقول ياقوت الحموي يبعد أربعة أميال أو ثلاثة (3)، فلما ذا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 246 و 302 و راجع: زهر الربي على المجتبى ج 1 ص 253 و 254 و عون المعبود ج 2 ص 77 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 122 و إرشاد الساري ج 1 ص 493.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 246 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1261.

3) راجع: معجم البلدان ج 4 ص 166 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 260 و راجع: السنن الكبرى ج 1 ص 440 و عمدة القاري ج 5 ص 37 عنه، و صحيح البخاري ج 4 ص 170 و فتح الباري ج 2 ص 23 و وفاء الوفاء ج 1261.

اختار أبو بكر لزوجته أن تسكن بعيدة عنه هذا المقدار؟ !

و هل كانت أعرابية الهوى و المشرب، و ترفض السكنى في الحضر؟ !

أم أن أبا بكر هو الذي اختار لها هذا المكان ليكون خلوة له كلما احتاج إلى أن يختلي بنفسه؟ !

أم أن له صداقات و ارتباطات يريد أن يحفظها و لا يقطعها؟ !

أم ماذا؟ ! !

صدمة محسوبة:

إن الناس كانوا-بلا شك-حين موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حالة لا يحسدون عليها من الخوف و الوجل، و الترقب، و الضياع و الحيرة، فإن وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها مساس مباشر بمصيرهم، و بمستقبلهم، فإذا جاءهم من هو مثل عمر بمثل هذه المقالة، و أطلقها بصورة صارمة و حازمة، مع تهديد و وعيد، و حلف أيمان، فإن حالة من البلبلة الفكرية و المشاعرية سوف تنتابهم، و تهيمن على كل كيانهم و وجودهم بما تحمله معها من كتل من الأوهام و الخيالات التي تزيدهم حيرة و ضياعا. .

و لا شك في أن هذا سوف يصرفهم عن التفكير بالمستقبل، و بآثار وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و يعطي مهلة لمن يريد إضاعة بعض الوقت، بانتظار أمر ما ليتدبر أمره، و ليجد المخرج المناسب من مأزق يعاني منه.

أفإن مات أو قتل:

و حين قرأ أبو بكر الآية الشريفة أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ

أَعْقٰابِكُمْ (1). اقتنع عمر مباشرة بموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كأنه لم يسمع هذه الآية من قبل.

غير أننا نقول:

أولا: إن عمرو بن زائدة كان قد قرأ هذه الآية في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الصحابة و على عمر قبل مجيء أبي بكر، و قرأ عليهم أيضا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (2)» (3).

فلما ذا بقي عمر مصرا على موقفه أولا، ثم تراجع عنه ثانيا حين سمع الآية من أبي بكر؟ !

ثانيا: إن عمر لم يكن منكرا لموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكنه كان يدعي: أنه إنما يموت بعد أن يظهر اللّه دينه على الدين كله. .

و الآية الشريفة التي تلاها أبو بكر لم تقل: إنه سوف يموت قبل ظهور الدين أو بعده. .

فكيف اقتنع عمر بها يا ترى؟ !

ثالثا: إن عمر قد رد كتابة الكتاب الذي لن يضلوا بعده بقوله: حسبنا كتاب اللّه، أي أنه بعد موت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» تكون هدايتنا


1) الآية 144 من سورة آل عمران.

2) الآية 30 من سورة الزمر.

3) البداية و النهاية ج 5 ص 243 و (نشر دار الكتب العلمية-بيروت) ج 5 ص 213 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 263 و شرح المواهب للزرقاني ج 8 ص 281 و الغدير ج 7 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 481 و راجع: كنز العمال ج 7 ص 245.

منوطة بالكتاب، و لا تحتاج إلى شيء آخر.

و هذا التقرير يستبطن القبول بأن الناس هم الذين سوف يتولون استفادة الهداية من كتاب اللّه، و ذلك لا يكون إلا إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ارتحل إلى الرفيق الأعلى.

و تكون النتيجة هي: أن عمر كان يعرف قبل ذلك بمدة أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يموت، و أن الأمة سوف تهتدي بعده بكتاب اللّه، فلا ذا أنكر موته هذه الساعة على النحو الذي ذكرناه؟ !

ثلاثة احتمالات لا تفيد عمر:

و قد يقال: إن أمر عمر في هذه القضية يدور بين ثلاثة احتمالات:

الأول: أن يكون جاهلا حقا في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يموت.

و يقال في الجواب: إن من يجهل مثل هذا الأمر البديهي، لا يصلح للإمامة و الخلافة. و من يكون جهله مركبا إلى حد أنه يواصل إصراره، و يتبرع بالأيمان على صحة ما يقول. . لا يمكن أن تقنعه حجة أبي بكر، لأنها لا تدل على موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعلا، فلعله سيرجع كما يقول عمر! !

و لما ذا أقنعته الآية حين تلاها أبو بكر، و لم تقتعه حين تلاها غيره؟ !

و إذا كان قد تراجع اعتمادا على قول أبي بكر، فلما ذا لم يتراجع عند قول غيره؟ !

و لما ذا صار قول أبي بكر حجة دون سواه؟ !

الثاني: أن يكون قد دهش لموت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى حد أنه فقد توازنه، و اختل تفكيره. .

قال ابن سيد الناس: خبل عمر في وفاة النبي، فجعل يقول: إنه و اللّه ما مات و لكن ذهب إلى ربه (1).

و قال التفتازاني: إن ذلك لتشوش البال، و اضطراب الحال، و الذهول عن جليات الأحوال (2).

و يجاب عن ذلك: بأن من دهش بالمصيبة، إلى حد الخبل، فإنه حين يتيقن وقوعها سيكون أكثر اختلالا، و أشد خبلا. . مع أن الأمور قد سارت في الإتجاه المعاكس.

الثالث: أن يكون ذلك قد جاء على سبيل كسب الوقت إلى حين مجيء أبي بكر، لأنه خشي أن يكون أمام مأزق يحتاج فيه إلى أبي بكر دون سواه، لأنه هو الذي يساعده على الخروج منه. ألا و هو مأزق طرح اسم من يقوم مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إعلان تولي علي «عليه السلام» لهذا الأمر مباشرة، فلما تحقق له ما أراد، و هو مجيء أبي بكر كان المخرج له من هذا الجو هو أن يتظاهر بلباقة يتقنها: أنه صعق إلى الأرض حين عرف بالحقيقة.

و عمر هو الذي يقول: إنه كان على اتفاق تام مع أبي بكر، فكان إذا أراه أبو بكر الشدة أراه هو اللين، و كذلك العكس.

شجاعة أم عدم اكتراث لموت الرسول؟ ! :

و إذا أردنا أن نجعل الدهشة و عدمها معيارا للحزن، فلا بد أن نحكم


1) عيون الأثر ج 2 ص 433 و الغدير ج 7 ص 185 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 354.

2) شرح المقاصد ج 5 ص 282.

على أبي بكر أنه لم يكن مهتما لاستشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يؤيد هذا: ما ورد من أن أبا بكر اعترض على علي «عليه السلام» في ظهور حزنه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: ما لي أراك متحازما؟ !

فقال له علي «عليه السلام» : إنه قد عناني ما لم يعنك.

فاضطر أبو بكر إلى إنكار ذلك، و التظاهر بالإهتمام و الحزن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع (1).

و قد يحاول البعض أن يؤيد صحة ذلك أيضا بإهمال أصحاب السقيفة جنازة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و انصرافهم إلى السعي للحصول على الخلافة، و قد دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يحضروه لانشغالهم بهذا الأمر، ثم إنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء حتى إخبار علي «عليه السلام» ، و بني هاشم بما يفعلونه و يدبرونه. .

شجاعة أبي بكر:

و بذلك كله يعلم عدم صحة ما يدعيه بعضهم، من أن موقف أبي بكر هنا أدل دليل على شجاعته و جرأته، معللا ذلك بقوله: «فإن الشجاعة و الجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، و لا مصيبة أعظم من موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فظهرت عنده شجاعته و علمه، و قال الناس: لم يمت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، منهم: عمر، و خرس


1) راجع: كنز العمال ج 7 ص 159 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 230 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 312 و حياة الصحابة ج 2 ص 84.

عثمان، و استخفى علي، و اضطرب الأمر، و كشفه الصديق بهذه الآية» (1).

و نقول:

إن هذا الكلام غير صحيح.

أولا: إن القرطبي يقول: استخفى علي «عليه السلام» ، و الحلبي يقول: أقعد علي، فأيهما هو الصحيح؟ ! (2).

ثانيا: إن الحديث عن خبل عمر، لمجرد احتمال موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير صحيح أيضا، إذ لما ذا أفاق حين تيقن موته، و كأن شيئا لم يكن؟ ! ثم ذهب إلى السقيفة، و تصرف على ذلك النحو المعروف و الموصوف.

ثالثا: إن أبا بكر لم يزد على أن استدل بالآية على موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأي ربط لهذا الأمر بالشجاعة؟ !

رابعا: لقد كان عمرو بن زائدة قد استدل على موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الآية، و بآية أخرى في المسجد، فلما ذا لا يعدونه من الشجعان أيضا؟ !

خامسا: إذا أخذ بالرواية المتقدمة التي ذكرت أن عليا «عليه السلام» قال لأبي بكر: إنه قد عناني ما لم يعنك، فهي تدل على عدم اكتراث أبي بكر لموت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تدل على شجاعته.


1) الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 222 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 354 و الغدير ج 7 ص 213. و راجع: الفتح المبين لدحلان (بهامش سيرته النبوية) ج 1 ص 123-125 و الوافي بالوفيات ج 1 ص 66.

2) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 143 و السيرة الحلبية ج 3 ص 354. و راجع: الوافي بالوفيات ج 1 ص 66.

سادسا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بكى عثمان بن مظعون، و كانت الدموع تسيل على و جنتيه، و له شهيق. و بكى على حمزة، و جعفر، و زينب، و إبراهيم، و رقية و. . و. . فهل يمكن اعتبار أبي بكر أشجع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن النبي بكى و شهق على الأحباب و الأصحاب، أما أبو بكر فلم يتأثر، و لم يبك حتى لموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

الشيخان إلى السقيفة:

و قد ذكر العلامة المظفر «رحمه اللّه» : أنه بعد أن اجتمع الرجلان: أبو بكر و عمر، و انتهت مهزلة إنكار موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يطل مقامهما «حتى جاء اثنان من الأوس مسرعين إلى دار النبي، و هما: معن بن عدي و عويم بن ساعدة، و كان بينهما و بين سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب، و لكن عمر مشغول بأعظم أمر، فلم يشأ أن يصغي إليه، لو لا أن يبدو على معن الإهتمام، إذ يقول له: «لا بد من قيام» ، فأسرّ إليه باجتماع الأنصار ففزع أشد الفزع، و هو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه، فيسر إلى أبي بكر بالأمر، و هو يفزع أيضا أشد الفزع. فذهبا يتقاودان مسرعين إلى حيث مجتمع الأنصار، و تبعهما أبو عبيدة بن الجراح، فتماشوا إلى الأنصار ثلاثتهم.

أما علي و من في الدار، و في غير الدار من بني هاشم، و باقي المهاجرين و المسلمين، فلم يعلموا بكل الذي حدث، و لا بما عزم عليه أبو بكر و عمر.

ألم تكن هذه الفتنة التي فزع لها أشد أبو بكر و عمر أشد الفزع-على حد تعبيرهم-تعم جميع المسلمين بخيرها و شرها، و أخص ما تخص عليا

«عليه السلام» ، ثم بني هاشم؟

أو ليس من الجدير بهما أن يوقفاهم على جلية الأمر، ليشاركوهما في إطفاء نار الفتنة الذي دعاهما إلى الذهاب إلى مجتمع الأنصار مسرعين؟

ثم لما ذا يخص عمر أبا بكر بالإسرار إليه دون الناس، ثم أبا عبيدة» ؟ (1).

إجتماع المهاجرين إلى أبي بكر:

و قد ذكرت رواية البلاذري، عن ابن عباس: أن عمر قال: «اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار الخ. .» .

فانطلقوا إليهم، فالتقوا بعويم بن ساعدة و رفيقه.

و نقول:

إن ذلك غير صحيح، فإن المهاجرين لم يجتمعوا إلى أبي بكر، و إنما ذهب إلى الأنصار ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، و هم: أبو بكر، و عمر، و أبو عبيدة.

قيل: و سالم، و ربما يذكر أيضا خالد معهم. . و لا نكاد نطمئن إلى صحة ذلك.

كما أن عويم بن ساعدة، و معن بن عدي، قد جاءا إلى عمر و أبي بكر و أصرا عليهما ليقوما معهما. . (2).


1) السقيفة للشيخ محمد رضا المظفر «رحمه اللّه» (نشر مكتبة الزهراء-قم-إيران) ص 120 و 121.

2) راجع: أنساب الأشراف (ط دار المعارف) ج 1 ص 581 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 262، و قاموس الرجال ج 10 ص 183 عنه.

استدلالات أبي بكر على أن الخلافة لقريش:

و قد استدل أبو بكر على أن قريشا هي الأحق بالخلافة بثلاثة أمور هي:

1-أنهم أصبح الناس وجوها.

2-أنهم أبسطهم لسانا.

3-أفضلهم قولا.

و لم يشر إلى نص نبوي، و لا إلى آية قرآنية، و لا إلى تقدم لقريش على غيرها في علم، أو تقوى أو جهاد، أو غير ذلك مما يفيد في سياسة الناس، و حفظ دينهم، و تدبير أمورهم. .

و ما ذا تنفع صباحة الوجه، و بسط اللسان، و حسن القول، في حفظ الدين، و في الذب عن حياض المسلمين، و تدبير شؤونهم، و تسيير أمورهم، و نشر المعارف فيهم، أو في بسط العدل، و إشاعة الأمن فيهم، إذا لم يكن هناك دين، و زهد، و تقوى، و علم، و أمانة و. . و. . الخ. . ؟ !

على أن هذه الإستدلالات نفسها من شأنها أن تبعد هذا الأمر عن أبي بكر بالذات، فقد تقدم في هذا الكتاب: أنه ليس فقط لم يكن أصبح الناس وجها، و إنما كان على النقيض من ذلك. .

كما أنه لم يعرف عنه بلاغة و لا فضل في قول، و لا بسطة في لسان، و لا غير ذلك. . بل عرف عنه خلاف ما ذكر. . بل كان بنو هاشم هم القمة و المتميزون في ذلك كله، بالإضافة إلى العلم الغزير، و الفضل الكثير، و التقوى و الحلم، و السياسة و التدبير، و الجهاد و التضحية في سبيل اللّه، و غير ذلك من صفات تفيد في حفظ الدين و أهله.

بماذا استحق أبو بكر الخلافة؟ ! :
اشارة

لقد استدل أبو بكر و عمر بن الخطاب على تقديم أبي بكر للخلافة بأمور يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1-إنه أول من أسلم.

2-إنه صدّيق.

3-إنه صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

4-إنه صاحب الغار مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثاني اثنين.

5-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره أن يصلي بالناس. .

6-و في بعض النصوص: إنه أكبرهم سنا. .

فلو كان هناك نص على أبي بكر لبادرا إلى الإحتجاج به، و لو كانت لأبي بكر أية فضيلة أخرى لم يتوانيا عن ذكرها، و التأكيد عليها، فقد كانوا أحوج الناس إلى ذلك في تلك الساعة، و لا يفيد نسبة الفضائل و الكرامات إليه في غير هذا الموقف، إذ لا عطر بعد عروس. .

بل إن عدم ذكر شيء من ذلك في مناسبة السقيفة يثير ألف سؤال و سؤال حول صحة تلك الفضائل، و يقوي احتمال كونها منحولة و مصنوعة في وقت متأخر، حينما احتاجوا إليها في احتجاجاتهم و دفاعاتهم.

و حتى هذه الأمور الثلاثة التي استدلوا بها في السقيفة، لا تفيد أبا بكر في شيء، بل هي في غير صالحه، لو أن العقول كانت هي الحكم و المرجع، و هي التي تهيمن و تتصرف. .

و نستطيع أن نبين خطلها و فسادها على النحو التالي:

1-كبر سن أبي بكر:

بالنسبة لاستدلالهم على أحقية أبي بكر بالخلافة: بأنه الأكبر سنا في أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

حتى لقد رووا: أنه هو و سهيل بن عمرو بن بيضاء كانا أسن الصحابة (1).

نقول:

1-لو كان المعيار في استحقاق الخلافة هو كبر السن، و صغره لكانت نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» باطلة، لأن الكثيرين في طول البلاد و عرضها كانوا أكبر منه، و منهم أعمامه، أبو طالب، و العباس أكبر سنا. .

2-إن أبا قحاقة كان حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يزال حيا، و هو أكبر سنا من ولده أبي بكر، فهو إذن أولى منه بالخلافة.

كما أن العباس عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان موجودا أيضا، و هو أكبر سنا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من أبي بكر. .

و هناك عشرات و ربما مئات من الصحابة المهاجرين و الأنصار و غيرهم كانوا أكبر سنا من أبي بكر، و قد عدّ العلامة الأميني «رحمه اللّه» أربعين صحابيا كلهم كان أسن من أبي بكر، و هم:

أماناة بن قيس، أمد بن أبد الحضرمي، أنس بن مدرك، أوس بن


1) الإستيعاب ج 1 ص 576 و أسد الغابة ج 2 ص 370 و مجمع الزوائد ج 9 ص 60 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 416 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 25 و المجموع للنووي ج 5 ص 212 و الإصابة ج 2 ص 85 و تاريخ الخلفاء ص 100 عن ابن سعد و البزار.

حارثة، ثور بن كلدة، الجعد بن قيس المرادي، حسان بن ثابت، حكيم بن حزام، حمزة بن عبد المطلب، حنيفة بن جبير، حويطب بن عبد العزى، حيدة بن معاوية، خنابة بن كعب، خويلد بن مرة، ربيعة بن الحارث، سعيد بن يربوع، سلمة السلمي، سلمان الفارسي، أبو سفيان، صرمة بن أنس، صرمة بن مالك، طارق بن المرقع، الطفيل بن زيد، عاصم بن عدي، العباس بن عبد المطلب، عبد اللّه بن الحارث، عدي بن حاتم، عدي بن وداع، عمرو بن المسبح، فضالة بن زيد، قباث بن أشيم، قردة بن نفاثة، لبيد بن ربيعة، اللجلاج الغطفاني، المستوعز بن ربيعة، معاوية بن ثور، منقذ بن عمرو، النابغة الجعدي، نوفل بن الحارث، نوفل بن معاوية. و أبو قحافة (1).

3-بماذا استحق عمر بن الخطاب التقديم على سائر الناس، الذين كانوا أكبر منه سنا، حتى أوصى إليه أبو بكر بالخلافة دونهم! ! .

4-إن كبر السن لا يعطي للإنسان قدرات جسدية و لا فكرية، و لا يجعله متحليا بفضائل الأخلاق، و بالمزايا الحميدة، و لا يعطيه أهلية لقيادة الأمة، لأن ما يوجب ذلك هو العلم و التقوى، و الشجاعة و السياسة، و التدبير و العقل الراجح و. . و. . و لم يذكر كبر السن في جملة صفات القائد و الخليفة و الحاكم.

و مجرد كبر السن لا يعني أن أبا بكر كان حائزا على شيء من ذلك.

5-و لو أغمضنا النظر عن جميع ذلك، فإننا نقول:

إنهم يدّعون: أن أبا بكر كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سفره إلى


1) الغدير ج 7 ص 281-285.

الشام، حيث نزلوا على بحيرا الراهب، الذي عرف أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» هو النبي الموعود، و طلب من أبي طالب أن يعيده إلى مكة، فأرسل معه أبو بكر بلالا (1).

و كان عمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» تسع سنين كما قاله الطبري، و السهيلي، أو اثنا عشر سنة كما قاله آخرون (2).

فالمفروض: أن يكون أبو بكر آنئذ في سن العشرين فما فوقها. . و هذا معناه: أنه أكبر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بحوالي عقد من الزمن.

و يدل على ذلك: قولهم في حديث الهجرة: كان أبو بكر شيخا يعرف، و النبي شاب لا يعرف. و كان يسألون أبا بكر: من هذا الغلام بين يديك؟ !

و قد ذكرنا ذلك فيما تقدم في الفقرة: «عاش أبو بكر و عمر ثلاثا


1) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 550 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 616 و دلائل النبوة لأبي نعيم ج 1 ص 53 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 24 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 4 و 8 و مختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 6 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 278 و البداية و النهاية ج 2 ص 284 عن الخرائطي و غيره، و عيون الأثر ج 1 ص 63 و المواهب اللدنية ج 1 ص 187.

2) الروض الأنف ج 1 ص 221 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 182 و عيون الأثر ج 1 ص 64 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 121 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 278 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 9 و البداية و النهاية ج 2 ص 285 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 289 و ج 6 ص 311 و شرح المواهب اللدنية ج 1 ص 196 و البحار ج 15 ص 369 و عيون الأثر ج 1 ص 61 و أسد الغابة ج 1 ص 15 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 37 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 34.

و ستين» فراجع.

و يؤيد ذلك أيضا: روايتهم عن يزيد الأصم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: «أنا أكبر أو أنت» ؟ !

قال: لا، بل أنت أكبر مني و أكرم، و خير مني، و أنا أسن منك» (1). فكيف يدّعون: أن أبا بكر عاش ثلاثا و ستين سنة فقط؟ ! (2).

و إذا كان أبو بكر أكبر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنا، و كان كبر السن يوجب التقدم في المقامات و المناصب الإلهية، فالمفروض أن يكون أبو بكر هو النبي.

مع الإشارة إلى أن ما يشبه هذه الرواية ينقل عن العباس مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا (3).


1) الرياض النضرة ج 1 ص 160 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 25 و تاريخ الخلفاء ص 99 و عن تاريخ خليفة بن خياط، و أحمد، و ابن عساكر، و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 226 و الغدير ج 7 ص 270. و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

2) راجع: المعارف لابن قتيبة ص 172 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 564 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 216 و ج 2 ص 155 و الإستيعاب ج 1 ص 335 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 205 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 75 و أسد الغابة ج 3 ص 223 و عيون الأثر ج 1 ص 64 و السيرة الحلبية ج 3 ص 367 و الإصابة ج 2 ص 341 و 344 و مجمع الزوائد ج 9 ص 60 و مرآة الجنان ج 1 ص 56 و 69.

3) راجع: تهذيب الكمال للمزي ج 14 ص 227 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 97 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 282.

2-ثاني اثنين إذ هما في الغار:

و أما بالنسبة لكون أبي بكر ثاني اثنين إذ هما في الغار، فنقول:

1-قد تقدم: أن هذا ليس من فضائل أبي بكر، لأن الآية قد جاءت في سياق الذم و الإدانة، فراجع ما ذكرناه حين الحديث عن الهجرة.

2-إن كون أبي بكر ثاني اثنين في الغار لا يدل على أن أبا بكر كان متميزا في علم أو تقوى، أو شجاعة، أو تدبير و سياسة، أو عقل، أو ما إلى ذلك مما لا بد منه في الخليفة. .

3-أول من أسلم:

و أما كون أبو بكر أول من أسلم، فلا يصح أيضا، فراجع ما ذكرنا حول ذلك في أوائل هذا الكتاب. .

كما أن ذلك لا يدل على جامعيته لصفات الحاكم و الخليفة.

4-صلاة أبي بكر بالناس:

و أما الإستدلال بصلاة أبي بكر على الخلافة، فقد ذكرنا: أن صلاته مشكوكة الوقوع، و لو ثبت أنه صلى، فالصلاة أيضا لا تدل على فضيلة لأبي بكر، خصوصا و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزله عنها.

و حتى لو لم يعزله، و كان هو الذي نصبه للصلاة، فذلك لا يدل على استحقاقه للإمامة و الخلافة، و لا على حيازته لشرائطها.

و الذي يبدو لنا هو: أن عمر بن الخطاب حين أشار إلى هذه الصلاة كان مطمئنا إلى أن أكثر الناس كانوا لا يعرفون أن أبا بكر قد تصدى

للصلاة من دون علم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزله عنها، لأن العزل جاء بنحو عملي، و من دون تصريح قولي بالعزل. .

و قد أشاع أنصار أبي بكر بين الناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقصد العزل، بل هو قد وجد من نفسه خفة، فأحب أن لا يفوته ثواب الصلاة جماعة.

5-صاحب رسول اللّه و صديق:

و أما أن أبا بكر صاحب رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو لا يفيد أيضا، إذ ما أكثر الصحابة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليست الصحبة من المؤهلات للخلافة.

و أما صديقيته، فقد تقدم: أن الصديق هو علي «عليه السلام» دون سواه، فراجع.

لا يخالفنا أحد إلا قتلناه:

و حين صرح الأنصار بأنهم خائفون مشفقون من تولي المهاجرين، و يريدون ضمانات لكي لا يتعرضوا لسوء، و لو بأن يكون منهم أمير، حتى يشفق القرشي من أنه لو زاغ أن ينقض عليه الأنصاري، فاستغل عمر نقطة الضعف هذه، و تقدم إلى الأمام في خطوة حاسمة، فاستنصر بالعرب قائلا: «لن ترضى العرب إلا به، و لن تعرف العرب الإمارة إلا له، و لن يصلح إلا عليه» .

ثم أطلق قراره الحاسم و الجازم الذي أكده بالقسم، فقال: «و اللّه لا

يخالفنا أحد إلا قتلناه» .

فكثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، حتى كادت الحرب تقع، و أوعد بعضهم بعضا، و بايع أبا بكر عمر و أبو عبيدة، و بشير بن سعد، و أسيد بن حضير. . و لعل عويم بن ساعدة، و معن بن عدي، اللذين جاءا بأبي بكر و عمر إلى السقيفة قد بايعا أيضا.

و لم يسمّ أحد لنا غير هؤلاء، سوى خالد بن الوليد، و سالم مولى أبي حذيفة، مع الشك في حضورهما في السقيفة، فلعلهما لحقا بعض ما جرى.

و إذا كان الإختلاف قد نما حتى كادت الحرب أن تقع، و مع توعد بعضهم بعضا، و مع هذا التهديد و الوعيد من عمر كيف يقال: إن البيعة لأبي بكر كانت عن رضى، و إجماع؟ ! !

و يبدو أن أبا بكر و حزبه الذين ذكرنا أسماءهم، تركوا الأنصار في سقيفتهم يتلاومون، و يتجادلون، و يتهم بعضهم بعضا، و خرجوا إلى المسجد، ليفاجئوا عليا «عليه السلام» بالأمر الواقع، و ليتدبروا الأمر قبل أن يصل الخبر إلى مسامع علي «عليه السلام» و بني هاشم، فيقع ما لم يكن بالحسبان. .

رواية مكذوبة:

و بعد. . فقد روي عن حميد بن عبد الرحمن: أن أبا بكر قال لسعد بن عبادة: لقد علمت يا سعد أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال و أنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، و فاجرهم تبع لفاجرهم» .

قال: صدقت نحن الوزراء و أنتم الأمراء (1).

و نقول:

إننا لا نشك في كذب هذه الرواية، و ذلك لما يلي:

أولا: إن الذي قال: «نحن الأمراء، و أنتم الوزراء» . هو أبو بكر نفسه، و ليس سعد بن عبادة، و قد تقدم ذلك في خطبة أبي بكر.

ثانيا: إن سعدا لم يبايع أبا بكر إلى أن قتله خالد بن الوليد غيلة في حوران من بلاد الشام. ثم زعموا أن الجن قتلته! !

ثالثا: إن ذلك يتلاءم مع قول عمر: «اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا، فإنه صاحب فتنة. .» .

رابعا: إنه لا معنى لأن يقول في الحديث المنسوب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فاجرهم تبع لفاجرهم» و ذلك لما يلي:

ألف: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يؤيد ولاية الفاجر، و لا أن يطلب من الفاجر الآخر الإنقياد له. .

ب: لا يمكن أن يجعل «صلى اللّه عليه و آله» حاكمين للناس بأن يقول: قريش و ولاة هذا الأمر الخ. . بل هو يجعل لهم حاكما واحدا. . فالصحيح هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «الناس تبع لقريش: برهم تبع لبرهم، و فاجرهم تبع لفاجرهم» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 313 عن أحمد، و مجمع الزوائد ج 5 ص 191 و مسند أحمد ج 1 ص 5 و كنز العمال ج 5 ص 638 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 273 و البداية و النهاية ج 5 ص 268 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 491 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 482.

و هذا لا ربط له بأمر الولاية، بل هو يقرر: أن قريشا محط أنظار الناس، و أنهم يقتدون بها، و يقلدونها فيما تقول و تفعل. . فما على قريش إلا أن تلتزم جادة الحق و الصواب، و تكف عن السير في طريق الغي و الإنحراف. .

حضور علي عليه السّلام في السقيفة:

و علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و إن لم يحضر اجتماع السقيفة، بل هم قد عقدوا اجتماعهم من دون أن يعلموه، خوفا من أية كلمة يقولها، أو موقف يتخذه. .

و لكنه كان حاضرا بشخصيته المعنوية، و بهيبته الإلهية، و لم يغب عن ذهن الفرقاء في ذلك الإجتماع، فكانوا بين مؤمل به، و خائف و جل من عاقبة إقصائه عن أمر هو له. . و قد تمثل حضوره «عليه السلام» هذا في اتجاهين:

أحدهما: يسعى إلى إقصائه عن دائرة الإحتمال، و لو بإطلاق الشائعات و النقل الكاذب عنه، فقالوا للناس: إن عليا «عليه السلام» قد عزف عن طلب هذا الأمر، فلا معنى للتفكير فيه، و لا موجب لتعلّق الآمال به. .

الثاني: إن هذه الشائعات لم تفلح في اقتلاعه من نفوس الناس، بل بقوا يفكرون فيه، و يعتبرونه الملاذ، و المنقذ، و الأمل التي تسكن إليه نفوسهم.

و قد أشار إلى الإتجاه الأول، ما ورد من أنه بعد أن اتجهت الأمور نحو ترجيح كفة أبي بكر، قال بعض الأنصار: «إن فيكم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد» . يعني عليا «عليه السلام» (1).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 20 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 123 و عن و الموفقيات للزبير بن بكار ص 579.

فقد دلت هذه الكلمة على أن ثمة من قال لهم: إن عليا «عليه السلام» لا يطلب هذا الأمر، و لا يريده. .

و كأنهم يريدون أن يقولوا لهم: إننا إنما تصدينا لهذا الأمر، لأن صاحبه الشرعي الذي بايعناه نحن و أنتم في يوم الغدير، قد تخلى عن مسؤولياته فيه، فلكي لا تضيع الأمة، و لا يقع الخلاف بادرنا إلى طلب هذا الأمر، لحفظ الدين، و منع الفتنة. .

و قد كان الأنصار لا يملكون التجربة السياسية الكافية، بل يرى البعض: أنهم كانوا على درجة من البساطة، و سلامة النية، و حسن الطوية، و هم إنما يفهمون النصوص الدينية، بسطحية و سذاجة، فلم يدركوا أنه لا يحق لعلي «عليه السلام» أن يتخلى عن هذا الأمر، فإنه إذا قضى اللّه و رسوله أمرا ما كان له و لا لغيره الخيرة من أمرهم. . فكيف إذا كان التخلي عن هذا الأمر من شأنه أن يثير الفتن، و أن يضعف الدين و أهله، و يصبح أسيرا بأيدي المبطلين و الظالمين، و الجهلة و الحاقدين، و طلاب اللبانات، و أهل الأهواء و المفسدين؟ ! !

و مما أشار إلى الإتجاه الثاني ما ورد من: أنه بعد أن ضاعت الفرصة من يد الأنصار هتف فريق منهم: لا نبايع إلا عليا (1). فذلك يدل على أنهم يرون أن تصدّيهم لأمر الخلافة كان من غير حق-و أنه من التجني على علي «عليه


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 443 و البحار ج 28 ص 311 و 338 و الغدير ج 7 ص 78 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 325 و شرح نهج للمعتزلي ج 2 ص 22 و الإكمال في أسماء الرجال ص 82.

السلام» ، بما تضمنه من إفساح في المجال لتضييع حقه.

لكنهم كانوا على يقين من أن هذا الظلم لا يدفع عليا «عليه السلام» إلى التخلي عن واجبه الديني و الأخلاقي تجاههم، أو إلى معاملتهم بالمثل، بل هو الإنسان الصفوح العدل، الحكيم الحليم، الذي لا يحيد عن الحق قيد شعرة. . أما منافسوه، و مناوؤوه، فكانوا يثيرون الخوف في نفوسهم، و يتوقعون منهم كل بلية و رزية. .

لكن هيهات، فقد فات الأوان، و ضاعت الفرصة، و قديما قيل: «في الصيف ضيعت اللبن» .

الإفتئات على أمير المؤمنين عليه السّلام:

و روى ابن عقبة-بأسناد جيد-عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن رجالا من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر، منهم علي و الزبير، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين و الأنصار، فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان، و ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، فكلموهما حتى أخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره.

ثم قام أبو بكر فخطب الناس، و اعتذر إليهم، و قال: و اللّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط و لا ليلة، و لا سألتها اللّه تعالى قط سرا و لا علانية. و لكني أشفقت من الفتنة و ما لي في الإمارة من راحة، و لكني قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة، و لا يدان إلا بتقوية اللّه تعالى، و لوددت أن

أقوى الناس عليها مكاني اليوم.

فقبل المهاجرون منه ما قاله، و ما اعتذر به، و قال علي و الزبير: ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشورة، و إنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنه لصاحب الغار، و ثاني اثنين، و إنا لنعرف له شرفه، و لقد أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالصلاة بالناس و هو حي (1).

و نقول:

1-إن هذا النص يصوّر عليا «عليه السلام» ، و كأنه قد تمرد على الشرعية و أعلن العصيان المسلح، و يظهر أبا بكر على أنه ذلك الرجل المظلوم، الزاهد بالمناصب، غير الحريص على الإمارة، الذي أراد درء الفتنة. . و أنه يود لو يجد من هو أقوى منه ليتخلى له عن ذلك المقام، ثم يعود ليظهر تفاهة تفكير علي و الزبير، و أنهما إنما غضبا لأنفسهما، لأنهما أخرا عن المشورة، و لم يغضبا للّه سبحانه و تعالى.

ثم يقدم عليا «عليه السلام» ، و هو يعترف بأحقية أبي بكر، و يقدم الأدلة عن ذلك. .

2-لكن هؤلاء المفتئتين على الحق و الحقيقة، لم يذكروا: أن عليا «عليه السلام» لم يحضر السقيفة، بل كان في بيته الذي يفتح بابه إلى المسجد، حيث دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه لتوه، و لم يحضر أهل السقيفة جنازته،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 317. و راجع الرياض النضرة ج 1 ص 241 و تاريخ الخميس ج 2 ص 169 و راجع: المسترشد للطبري ص 379 و 378 و إثبات الهداة ج 2 ص 383.

و لا دفنه، بل رجع أهل السقيفة إلى المسجد، و طرقوا الباب على علي «عليه السلام» ، بعد فراغه من دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانت زوجته فاطمة الزهراء «عليها السلام» وراء الباب عند القبر، و كأنها تودع أباها بدموعها و بكلماتها الأخيرة، فسألت: من الطارق؟ ! و إذ بهم يقتحمون عليها الباب بعنف، فعصروها بين الباب و الحائط، فصرخت، و أسقطت جنينها. .

فسمع علي «عليه السلام» صوتها، فبادر المهاجمين، فهربوا، و خلوها، و كل ذلك قد جصل في ثوان معدودة. و انصرف علي «عليه السلام» لإسهاف سيدة النساء، و بقي معها إلى الصباح، و هم مكتنفون باب داره، و جاء أبو بكر في الصباح إلى المسجد، و جلس على المنبر، و صار الناس يبايعونه.

و لعل الزبير تسلل في هذه الفترة إلى داخل بيت علي «عليه السلام» . .

و جاء عمر، و خالد، و أسيد بن حضير، و معاذ بن جبل، و ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، و سلامة بن وقش، و قنفذ، و المغيرة في عصابة آخرين إلى بيت الزهراء و علي «عليهما السلام» . و جاؤوا بالحطب، و أضرموا النار بباب فاطمة «عليه السلام» .

و لعل الزبير خرج إليهم في تلك اللحظة، فأخذوا سيفه فضربوا به الحجر فكسروه. ثم اقتحموا البيت على علي «عليه السلام» ، و حاولت «عليها السلام» أن تدفعهم مرة أخرى، فضربوها، و دخلوا و أخرجوه ملببا، لكي يبايع، فخرجت خلفه، فضربوها أيضا، و أرجعها سلمان إلى البيت بأمر من علي «عليه السلام» . ثم ترك علي «عليه السلام» . . فعاد إلى البيت.

و بعد ثمانية أيام أخذت منها فدك، و تعرضت للضرب مرة أخرى أيضا. .

و كانت قد دخلت إلى المدينة ليلة الثلاثاء بعد دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، و هي بلد صغير الحجم، قليل عدد السكان-دخلت إليها عدة ألوف من المقاتلين، من قبائل النفاق التي كانت حول المدينة، و لا سيما قبيلة أسلم، فقوي بهم جانب أبي بكر، و أيقن عمر بالنصر، و اختبأ المؤمنون في بيوتهم، و هم قلة قليلة جدا، و صار عمر و جماعة معه يدورون على البيوت، و الناس يدلونهم عليهم، فيقولون لهم: في هذا البيت يوجد اثنان. و في ذاك يوجد ثلاثة، أو واحد أو أكثر، فيقتحمون عليهم البيوت، و يخرجونهم بالقوة، و يسحبونهم إلى المسجد للبيعة. .

و لم يكن مع علي «عليه السلام» في بيته من يصول به على المهاجمين، أو من ينتصر به. و لو أنه أبدى أدنى مقاومة لهم، لم يبق مؤمن في المدينة على قيد الحياة، لأن السكك كانت مشحونة بالمقاتلين، و لا يستطيع أحد أن يظهر رأسه منها، فضلا عن أن يتمكن من الإلتحاق بعلي «عليه السلام» لنصرته، أو ليقاتل معه. . و لو أن تلك الثلة القليلة من المؤمنين قتلت فعلى من سيتأمر علي «عليه السلام» ؟ !

3-قال أبو بكر: إنه أشفق من الفتنة، مع أن الحقيقة هي: أنه لو ترك هذا الأمر، لكي يعمل فيه وفق توجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يبق مكان للفتنة.

و لو أنهم لم يتهموا رسول اللّه بالهجر، و لو أطاعوه في الخروج في جيش أسامة، و لو تركوه يكتب لهم الكتاب الذي لن يضلوا بعده، و لو أنهم تركوه ينصب لهم أمير المؤمنين «عليه السلام» يوم عرفة. . و لو لم يستأثر أبو بكر

بالأمر لنفسه، فلما ذا تضرب الزهراء «عليها السلام» ، و يسقط جنينها، و هي التي يغضب اللّه لغضبها؟ !

و قد قالت الزهراء «عليها السلام» ردا على هذه المقالة: «أزعمتم خوف الفتنة؟ ! ألا في الفتنة سقطوا» (1).

4-إن أبا بكر يقول: إنه كان يودّ أن يكون من هو أقوى منه على حمل مسؤولية الأمارة مكانه.

و السؤال هو: من أين علم أبو بكر أنه هو الأقوى من سائر الصحابة على حمل هذه المسؤولية؟ ! و لما ذا لا يكون الأقوى هو الذي نصبه اللّه و رسوله لها، و هو الجامع للصفات المطلوبة فيها دون سواه، و هو علي «عليه السلام» ، فإنه هو الأعلم، و الأتقى، و الأشجع و الأقوى، و الأزهد الخ. .

5-و أما الإستدلال على أحقية أبي بكر بالخلافة بما زعموه من أنه صلى بالناس في مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأنه صاحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الغار فهو مكذوب بلا ريب، و قد ذكرنا ذلك أكثر من مرة فلا نعيد.

التدليس غير المقبول:

قال ابن إسحاق: و لما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، و اعتزل علي بن


1) راجع: دلائل الإمامة ص 116 و الإحتجاج ج 1 ص 137 و الطرائف لابن طاووس ص 265 و البحار ج 29 ص 225 و 238 و 275 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 417 و السقيفة و فدك للجوهري ص 143.

أبي طالب، و الزبير بن العوام، و طلحة بن عبيد اللّه في بيت فاطمة، و انحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، و انحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل.

فأتى آت إلى أبي بكر و عمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، و قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم. و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله.

قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء حتى ننظر ما هم عليه (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 311 و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 ص 229 و ابن كثير في البداية ج 5 ص 252 و انظر ترجمة حماد في الميزان ج 1 ص 598 و البخاري في التاريخ ج 3 ص 28 و الضعفاء للعقيلي ج 1 ص 308 و المجروحون لابن حبان ج 1 ص 252 و أنساب الأشراف للبلاذري (ط دار المعارف) ج 1 ص 583 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 264 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1071 و راجع: صحيح البخاري ج 8 ص 27 و مسند أحمد ج 1 ص 55 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 142 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 6 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 327 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 446 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 282 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 154 و شرح نهج للمعتزلي ج 2 ص 23 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 488 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 442 و عمدة القاري ج 24 ص 7 و الصوارم المهرقة ص 56 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 302 و 308.

و نقول:

لقد صوّر النص المتقدم لنا مشهدا لا حقيقة له، فإن عليا «عليه السلام» و طلحة و الزبير لم يعتزلوا أهل السقيفة في بيت فاطمة «عليها السلام» ، بل كان علي «عليه السلام» في داخل الدار مشغولا بتغسيل و تجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لعل بعض أهله مثل العباس، و الفضل، و غيرهما، كانوا بالقرب منه «عليه السلام» ، يلبون طلباته، و يقضون له بعض حاجاته.

أما الذين كانوا في السقيفة فهم طائفة من زعماء الأوس و الخزرج، و لحق بهم أربعة، أو ربما خمسة أشخاص من المهاجرين. فعقد هؤلاء البيعة لأحدهم بعد أخذ ورد.

أما الباقون من سائر الناس فكانوا إما في بيوتهم، أو في المسجد، أو بالقرب منه، بما فيهم طلحة و الزبير و سواهما، و كان أكثرهم يعيش لحظات الحزن و الأسى، و الترقب، و الوجل، و الإنتظار، فما معنى: أن يدّعي ابن إسحاق اعتزال علي «عليه السلام» و الزبير في بيت فاطمة «عليها السلام» ؟ !

بل إن كلامه هذا يوحي بأن عليا «عليه السلام» لم يكن عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتولى غسله و تجهيزه. . بل كان هناك أناس آخرون، سماهم ابن إسحاق أهله، و قد أغلقوا الباب دونه. .

و هذا تدليس ظاهر، و افتئات على الحقيقة و التاريخ، لا مجال لإغماض النظر عنه.

أبو بكر يختار أحد الرجلين:

و بالنسبة لقول أبي بكر لأهل السقيفة: إنه يختار لهم أحد الرجلين: عمر

و أبا عبيدة للخلافة. .

نسجل هنا ما يلي:

ألف: عدم وجود نص يدل على حصر الخلافة بأحد ممن ذكرهم. .

ب: من الذي و كل أبا بكر ليختار له هذا أو ذاك، ليكون واليا أو خليفة عليه؟ !

و إذا كان أهل السقيفة قد و كلوه، فهل و كله غيرهم من الصحابة، و من غيرهم؟ !

ج: هل كان أبو بكر يعتقد بأفضلية عمر و أبي عبيدة عليه، و لذلك اختار للناس أحدهم؟ ! أو أنه كان يرى رأي معتزلة بغداد. و هو جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل؟ !

و قد يؤيد الإحتمال الأول بقوله: «و ليت عليكم و لست بخيركم» .

إلا أن يقال: إنه قال ذلك على سبيل هضم النفس و التواضع، أو لأنه كان يراهما مساويين له. . أو لأنه كان لا يستطيع أن يفضل نفسه على كثير من الصحابة من أمثال علي «عليه السلام» ، و كثيرين آخرين.

الفصل الثالث: الأنصار ضحية حنكة أبي بكر

اشارة

ما تنعقد به الإمامة:

قال عضد الدين الإيجي حول ما تنعقد به الإمامة: الواحد و الإثنان من أهل الحل و العقد كاف؛ لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، و عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، و لم يشترطوا اجتماع من في المدينة، فضلا عن اجتماع الأمة (1).

و ينقل الماوردي عن طائفة من العلماء: أن أقل ما تنعقد به الإمامة هو خمسة، استنادا إلى أمرين:

أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة، اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس، و هم: عمر، و أبو عبيدة، و أسيد بن حضير، و بشير بن سعد، و سالم مولى أبي حذيفة.

الثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة، و هذا قول أكثر فقهاء المتكلمين


1) المواقف الإيجي ج 3 ص 590 و 594 و كتاب الإرشاد للجويني ص 357 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 186. و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 391 و شرح المواقف للقاضي الجرجانى ج 8 ص 352 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 2 ص 339 و البحار ج 28 ص 363 و الغدير ج 7 ص 141.

من أهل البصرة (1).

فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء الخمسة قد بايعوا أبا بكر، ثم خرجوا به، و تركوا الأنصار في خصام و تنازع حتى جاءتهم بنو أسلم و من معها و أجبروهم على البيعة.

لو لا الأنصار:

و الحقيقة هي: أن هذا التكفير و هذه المبادرة من قبل الأنصار-أعني الخزرج منهم، و سعد بن عبادة بالذات-هو الخطيئة الكبرى، و الخطأ القاتل الذي أسهم في تمكين الفريق الآخر من تحقيق ما كان يصبو إليه، و هيأ له الفرصة، و أعطاه المبرر العملي للمبادرة إلى الإمساك بالسلطة بصورة فعلية، في اللحظة الحرجة، حيث كان علي «عليه السلام» و بنو هاشم مشغولين بتجهيز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و كان سائر الناس في غفلة عما يراد بهم، و في شغل عن تفاصيل ما يحاك، و يدبر في الخفاء، ليستعلنوا به بعد نضوجه، و في الوقت المناسب.

و لو أن الأنصار تركوا سقيفتهم، و عملوا بواجبهم الديني، و انتصروا


1) الأحكام السلطانية ج 2 ص 6 و 7. و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 49 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 24 و الجمل للمفيد ص 92 و كشف الغمة ج 3 ص 69 وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 74 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 472 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 259 و مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص 375 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 141 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 396 و روضة الواعظين ص 225.

للحق، و أصروا على الإلتزام بتوجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانوا إلى جانب علي «عليه السلام» و بني هاشم، و سائر أهل الإيمان لم يمكن لمناوئي علي «عليه السلام» أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه بهذه السهولة. .

و لكن حب بعض الأنصار للرياسة، و انقياد الآخرين له بلا روية، و وقوعهم تحت وطأة الوساوس و الأوهام، و ضعف شخصيتهم، و فيال رأيهم، و سوء تدبيرهم قد أوقع الإسلام و أهله في مأزق، لم يكن وقوعه فيه حتميا و لا ضروريا. .

نقاط ضعف في موقف الخزرج:

و قد كان الأنصار فريقين هما: الأوس و الخزرج، و كانت بينهما حروب قبل أن يدخلوا في الإسلام، و لا زال بينهما تنافس و تحاسد، يخفى تارة، و يظهر أخرى، كما أن هذا التحاسد و التنافس كان قائما بين شخصيات الخزرج أنفسهم، و كذلك الحال بالنسبة لشخصيات الأوس أيضا، و كان أول ضعف واجهه سعد فيما أقدم عليه هو موقف الأوس أنفسهم منه، فإنهم بادروا إلى بيعة أبي بكر، كرها و حسدا له، «فانكسر على سعد بن عبادة و على الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم» (1).

و لو أن البيعة تمت لسعد بن عبادة قبل أن يداهمهم أبو بكر و من معه، لأصبح الأمر أكثر صعوبة على أبي بكر و سائر المهاجرين، و لكن تباطؤ الخزرج في الإستجابة لسعد حتى دهمهم هؤلاء النفر قد أدخل عنصرا


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 458 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 331.

جديدا زاد في تعقيد الأمور على سعد.

ثم إن وجود بعض الحاسدين لسعد داخل الخزرج أنفسهم قد زارد من ضعف موقفه.

و يكفي أن نذكر: أن مسارعة بشير بن سعد الخزرجي لبيعة أبي بكر، سعيا منه في نقض أمر ابن قبيلته سعد ابن عبادة قد قلب الأمور رأسا على عقب، حيث لم يعد ثمة من حرج على الأوس إذا مالوا إلى أبي بكر، و خذلوا سعدا، فإن الخذلان قد جاء أولا من قبل الخزرجيين أنفسهم.

و قال بعضهم لبعض: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة، و لا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر (1).

يضاف إلى ذلك: أن أسيد بن حضير، و هو من سادات الأوس، و كان أبوه حضير الكتائب قائد الأوس ضد الخزرج في حرب بعاث التي كانت فيما يقال قبل الهجرة بست سنين، إن أسيد بن حضير هذا كان يمت إلى أبي بكر بصلة القرابة، فقد كان ابن خالته يرى في خلافته حظا له. و قد كان أبو بكر يكرمه، و لا يقدم أحدا من الأنصار عليه (2)، و كان له في بيعة أبي بكر أثر عظيم (3).


1) راجع: الإمامة و السياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 16 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 26 و البحار ج 28 ص 354.

2) راجع: أسد الغابة ج 1 ص 92 و الإصابة ج 1 ص 49 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 292.

3) راجع: أسد الغابة ج 1 ص 92 و الغدير ج 11 ص 108.

الجرأة و المفاجأة:

و إنها لجرأة ظاهرة و كبيرة أن يأتي ثلاثة رجال، هم: أبو بكر، و عمر، و أبو عبيدة، ليفاجئوا جماعة في عقر دارهم، كانوا يعقدون اجتماعا سريا، يريدون به إبطال سعي نفس هؤلاء الثلاثة، و أن ينتزعوا من أيديهم نفس الأمر الذي يكافحون من أجل الحصول عليه.

و لا بد أن يكون وقع هذه المفاجأة كبيرا، و يجعلهم في موقع الضعف، و التبرير، و أن تتغير لغتهم و لهجتهم، و أن يشعروا بالحرج الشديد، و الخذلان، و الخوف من فوات الفرصة، و الإنتقال من حالة الهجوم إلى الدفاع، فقد أصبح هناك من يشاركهم في القرار، و يقوي أمر الحاسدين و المناوئين على الإعتراض و الرفض.

ثلاثة أشخاص يبتزونهم:

ثم إن الذين وردوا على الأنصار في سقيفتهم كانوا ثلاثة أشخاص من المهاجرين، و هم:

1-أبو بكر بن أبي قحافة.

2-عمر بن الخطاب.

3-أبو عبيدة.

و أضاف بعضهم: سالما مولى أبي حذيفة، و ربما أضيف خالد بن الوليد أيضا، و لعلهما جاءا متأخرين عن أولئك.

و اللافت هنا: أن ثلاثة أشخاص يقتحمون على الأنصار في عقر دارهم، و يبتزونهم ما كانوا يرون أنه في أيديهم، و هذا إن دل على شيء،

فيدل على ضعف الأنصار، و سطحية تفكيرهم، و قلة تجربتهم، و ضآلة شخصيتهم بصورة عامة. .

نعم، لقد دخلوا عليهم، و أعلنوا خلافة أبي بكر، ثم بايع عمر و أبو عبيدة، و بشير بن سعد، و أسيد بن حضير أبا بكر، و أضاف البعض: سالم بن أبي حذيفة، و عويم بن ساعدة، و معن بن عدي. ثم خرجوا من بينهم، و تركوهم يتلاومون، أو يتشاتمون، و أقبلوا بأبي بكر يزفونه إلى المسجد كما تزف العروس (1).

و لم يكلفهم تحقيق هذا الإنجاز سوى بضع كلمات تفوه بها أبو بكر وحده، هي لا تتجاوز بضعة أسطر، كان لها كل هذا الأثر السحري، فقد قال:

«إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، و إن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج، و قد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى، و جراح لا تداوى.

فإن نعق منكم ناعق جلس بين لحيي أسد، يضغمه المهاجري، و يجرحه الأنصاري.

و أنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين، و لا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم اللّه أنصارا لدينه و لرسوله، و جعل إليكم هجرته، و فيكم جلة أزواجه و أصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 19 عن الموفقيات ص 578 و الرياض النضرة ج 1 ص 164 و تاريخ الخميس ج 1 ص 188.

بمنزلتكم، فنحن الأمراء و أنتم الوزراء» (1).

توضيح خطبة أبي بكر:

و هذه الكلمات كانت هي الرشوة الشكلية التي قدموها للأنصار، حين ذكروا سابقتهم و فضلهم، و اعتبروهم أول من آمن و نصر، و جعلهم اللّه موضع هجرة نبيهم، و فيهم جلة أزواجه و اصحابه، فأرضوا بذلك غرور الأنصار و استمالوهم به.

و لكنهم فضلوا المهاجرين عليهم، فهم في الدرجة التي تلي درجة المهاجرين.

ثم تحاشوا أي تعبير يدل على استبعادهم، بل هم أزاحوهم عن موقعهم بطريقة تفيد أن لهم نصيبا في هذا الأمر، حيث أعطوا الأمارة للمهاجرين و الوزارة للأنصار.

و أوقعوا بين الأنصار الخلاف، و أسالوا لعاب الكثيرين منهم، و أذكوا طموحهم للتوثب على هذا الأمر، و منافسة سعد بن عبادة فيما يرشح نفسه له.

و حركوا عصبياتهم القبلية (التي وصفها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنتنة) .

و ذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من حروب و ترات، و جراح و آلام، و أذكوا نيران الحقد و الإحن في قلوبهم، و ادّعوا لهم: أنها لا تنسى، و لا تداوى، مع أن الإسلام قد أخمدها، و كان البلسم الشافي لها، لو التزموا


1) راجع: البيان و التبيين ج 3 ص 181 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 457 و البحار ج 28 ص 335 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 329.

بأحكامه و تعاليمه.

ثم هددوهم. .

و أهانوهم، و أهانوا سيدهم، الذي يرشح نفسه لهذا الأمر، و اعتبروه ناعقا، بل اعتبروا كل من يطلب منهم هذا الأمر ناعقا أيضا. .

و تحاشوا أن يفضلوا المهاجرين بصورة مطلقة على الأنصار، لأن ذلك لن يكون مقبولا، مع وجود كثير من المهاجرين ممن لا يحسن ذكر أفاعيلهم، لأنها ستكون مخجلة و مضرة، فاكتفوا بالإشارة إلى تقدم خصوص المهاجرين الأولين على من عداهم.

و جعلوا أنفسهم حكاما في هذا الأمر، فهم الذين يقررون لأنفسهم و لغيرهم. .

و أثبتوا لأنفسهم الأحقية في هذا الأمر. . فإنهم هم أولياء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عشيرته. . و أسقطوا حجة الأنصار فيه، و جعلوهم مبطلين.

و أعادوا الحكم إلى شريعة الجاهلية، و استبعدوا حكم الإسلام فيه.

و أخرجوا موقف الأنصار عن دائرة التدبير الحكيم.

و جعلوه من أعمال الفتنة، بهدف إثارة الخوف و الشك لدى كل من يريد أن يشاركهم في مشروعهم، فربما يكون عمله إسهاما في مشروع الفتنة.

و أدخلوا بذلك اليأس إلى قلوب الأنصار من أن يخضع لهم الناس، فإن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. .

و كان أبو بكر يسوق ذلك كله، و كأنه من الأمور البديهية و المسلمة.

ثم جاء عمر بن الخطاب ليؤكد ذلك التهديد و الوعيد، و سائر المضامين التي سجلها أبو بكر، فقال مجيبا على مقولة: منا أمير و منكم أمير.

«لا يجتمع اثنان في قرن، و اللّه لا ترضى العرب أن يؤمروكم و نبيها من غيركم، و لكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، و ولي أمورهم منهم.

و لنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، و السلطان المبين.

من ذا ينازعنا سلطان محمد و إمارته، و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة» (1).

و بعد أن أظهر بشير بن سعد اقتناعه بحجة أبي بكر و عمر، و تسليمه بأن لا نصيب للأنصار في الحكم و الحاكمية، بادر أبو بكر إلى إظهار زهده في هذا الأمر، و التحدث بطريقة توحي أنه ينأى بنفسه عن هذا المقام، و أنه إنما كان يتكلم لمجرد إحقاق الحق، فقال مشيرا إلى عمر، و إلى أبي عبيدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فأيهما شئتم فبايعوا.

لقد قال هذا مع علمه بأن هذين الرجلين سيردان الأمر إليه، ربما لأنهم كانوا متفقين على ذلك.

و ربما لعلمه بعدم جرأتهما على القبول بالتقدم عليه لأكثر من سبب. .

و هكذا كان، فبايعاه و سبقهما بشير بن سعد بالبيعة، و بايعه أيضا أسيد بن حضير، و عويم بن ساعدة، و معن بن عدي، و سالم مولى أبي حذيفة فيما قيل.


1) راجع: الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 92 و البحار ج 28 ص 181 و 345 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 9 و السقيفة و فدك للجوهري ص 60 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 457 و الإمامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 15 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 25 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 3 ص 188.

و ترك هؤلاء سقيفة أولئك، ليواصلوا فيها نزاعاتهم، و خرجوا إلى المسجد لمعالجة امر علي و بني هاشم، و ذلك بوضعهم أمام الأمر الواقع، و مواجهتهم بأمر قد قضي، و لا مجال للنقاش فيه و لا للعودة عنه.

الذين لم يبايعوا أبا بكر:

و قد تخلف عن بيعة أبي بكر جماعة منهم: بنو هاشم، و علي، و العباس، و الفضل بن العباس، و عتبة بن أبي لهب، و سعد بن عبادة، و سلمان، و عمار، و المقداد، و أبو ذر، و أبي بن كعب، و سعد بن أبي وقاص، و الزبير، و طلحة، و البراء بن عازب، و خزيمة بن ثابت، و فروة بن عمرو الأنصاري، و خالد بن سعيد بن العاص (1).

و الذين بايعوه إنما بايعوه كرها (2).

و من المقولات المشهورة قول أبي بكر: «إن بيعتي كانت فلتة وقى اللّه


1) مروج الذهب ج 2 ص 301 و العقد الفريد ج 4 ص 259 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 131 و أسد الغابة ج 3 ص 222 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 208 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 325 و 331 و تاريخ اليعقوبي (ط الغري) ج 2 ص 103 و 105 و سمط النجوم العوالي ج 2 ص 244 و السيرة الحلبية (ط البيهة بمصر) ج 3 ص 356 و المختصر لأبي الفداء ج 1 ص 156. و راجع: الرياض النضرة ج 1 ص 167 و تاريخ الخميس ج 1 ص 188 و ابن عبد ربه ج 3 ص 64 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 و ابن شحنة (بهامش الكامل) ج 11 ص 112 و الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد ج 2 ص 130-134.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 219 و ج 6 ص 9 و 11 و 19 و 40 و 47 و 48 و 49.

شرها، و خشيت الفتنة» (1).

و سمع عمر، و هو في مسيره إلى الحج أن الزبير قال: لو قد مات عمر لقد بايعت عليا.

فلما بلغ المدينة صعد المنبر و قال: إنه قد بلغني أن فلانا قال: لو قد مات عمر لقد بايعت عليا، لا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى اللّه شرها، فتمت و اللّه.

أو قال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى اللّه شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (2).


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 50 و ج 6 ص 47 و أنساب الأشراف البلاذري ج 1 ص 590 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 314 عنه. و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 154 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 337 و السقيفة و فدك للجوهري ص 46.

2) راجع: صحيح البخاري (كتاب الحدود، باب رحم الحبلى من الزنا إذا أحصنت) (ط محمد علي صبيح) ج 8 ص 209 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 23 و 26 و 29 و ج 6 ص 47 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الجيل) ج 4 ص 226 و النهاية لابن الأثير ج 3 ص 466 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 305 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 327 و لسان العرب ج 2 ص 371 و تاج العروس ج 1 ص 568 و الصواعق المحرقة (ط المحمدية) ص 8 و 12 و 34 و 36 و تاريخ الخلفاء ص 67 و السيرة الحلبية ج 3 ص 360 و 363 و مسند أحمد ج 6 ص 55 و أنساب الأشراف ج 5 ص 15 و الرياض النضرة ج 1 ص 161 و تيسير الوصول ج 2 ص 42 و 44 و تمام المتون للصفدي ص 137 و الملل و النحل (ط دار المعرفة) ج 1 ص 22 و التمهيد للباقلاني ج 1 ص 116.

و «الفلتة» : بفاء، فلام، فمثناة فوقية.

و الفجأة: ما وقع من غير إحكام، و ذلك أنهم لم ينظروا في بيعة أبي بكر بإجماع الصحابة، و إنما ابتدرها عمر مخافة الفرقة.

و قيل: يجوز أن يريد بالفلتة الخلسة بمعنى: أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليتها الأنفس، و لذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي، و اختلاسا. و مثل هذه البيعة جديرة أن تكون مثيرة للفتن، فعصم اللّه من ذلك، و وقى شرها (1).

أبو بكر لم يدع النص:

و الأهم من ذلك: أن أبا بكر نفسه لم يكن يدعي النص عليه بالخلافة، و لم يكن يدّعيها له أيضا أبو عبيدة، و عمر، و عائشة، فضلا عن غيرهم. .

و يشهد لذلك: أن أبا بكر لم يستطع أن يلمح لشيء من هذا القبيل في اجتماع السقيفة، و قد كان بأمس الحاجة إلى التلميح فضلا عن التصريح. .

فلم يقل مثلا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد انتدبني للصلاة بالناس في مرض موته. . كما أنه لم يشر إلى أي شيء آخر في هذا السياق، بل اكتفى بالإستدلال على الأنصار بقوله: «لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، أوسط العرب نسبا و دارا» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 318. و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 3 ص 50.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 312. و راجع: الطرائف لابن طاووس ص 483 و مسند أحمد ج 1 ص 56 و صحيح البخاري ج 8 ص 27 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 142 و فتح الباري ج 7 ص 24 و ج 12 ص 135 و 136 و عمدة القاري ج 24 ص 11 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 443 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 150 و كنز العمال ج 5 ص 646 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 155 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 282 و 285 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 446 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 7 و البداية و النهاية ج 5 ص 267 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1073 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 488 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 480.

و قال: «و نحن عشيرته، و أقاربه، و ذوو رحمه» (1).

كما أنه قال لأهل السقيفة: إنه قد رضي لهم أحد الرجلين: عمر، و أبا عبيدة حسبما تقدم، فلو كان هناك نص عليه لم يصح له التخلف عنه، و لا الإجتهاد في مخالفته.

و عمر بن الخطاب لم يستدل على الأنصار بالنص أيضا في السقيفة، بل قال: من ينازعنا سلطان محمد، و نحن أولياؤه و عشيرته (2).

بل إن أبا بكر نفسه قد أعلن في مرض موته عن عدم وجود نص أصلا، فقد روي بسند صحيح: أنه تحدث عن ثلاثة أشياء، فعلها ودّ أنه لم يفعلها، و ثلاثة أشياء لم يفعلها ودّ أنه فعلها، و ثلاثة أشياء ودّ أنه سأل عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 312. و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

2) البحار ج 28 ص 325 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 38. و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

فكان مما قال: «وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، و إن كانوا أغلقوه على الحرب! (1).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 117 و 118 و إثبات الهداة ج 2 ص 359 و 367 و 368 و العقد الفريد ج 4 ص 268 و الإيضاح لابن شاذان ص 161 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 18 و سير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص 17 و مجموع الغرائب للكفعمي ص 288 و مروج الذهب ج 1 ص 414 و ج 2 ص 301 و شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 1 ص 130 و ج 17 ص 168 و 164 و ج 6 ص 51 و ج 2 ص 47 و 46 و ج 20 ص 24 و 17 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 109 و ج 2 ص 215 و الإمامة (مخطوط، توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت) ص 82 و لسان الميزان ج 4 ص 189 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 430 و كنز العمال ج 3 ص 125 و ج 5 ص 631 و 632 و الرسائل الإعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص 470 و 471 و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 2 ص 171 و المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 62 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 90 و 108 عن العديد من المصادر، و النص و الإجتهاد ص 91 و السبعة من السلف ص 16 و 17 و الغدير ج 7 ص 170 و معالم المدرستين ج 2 ص 79 و عن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) ، و مرآة الزمان، و راجع: زهر الربيع ج 2 ص 124 و أنوار الملكوت ص 227 و البحار ج 30 ص 123 و 136 و 138 و 141 و 352 و نفحات اللاهوت ص 79 و حديقة الشيعة ج 2 ص 252 و تشييد المطاعن ج 1 ص 340 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 32 و الخصال ج 1 ص 171-173 و حياة الصحابة ج 2 ص 24 و الشافي للمرتضى ج 4 ص 137 و 138 و المغني لعبد الجبار ج 20 ق 1 ص 340 و 341 و نهج الحق ص 265 و الأموال لأبي عبيد ص 194(و إن لم يصرح بها) ، و مجمع الزوائد ج 5 ص 203 و تلخيص الشافي ج 3 ص 170 و تجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص 402 و كشف المراد ص 403 و مفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص 199 و تقريب المعارف ص 366 و 367 و اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص 302 و مختصر تاريخ دمشق ج 13 ص 122 و منال الطالب ص 280.

و وددت أني لم أكن حرقت النحام (الفجاءة. ظ) السلمي، و أني قتلته شديخا أو خليته نجيحا!

و وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدمت (قلدت. أو قذفت ظ) الأمر في عنق أحد الرجلين، -يريد عمر و أبا عبيدة-فكان أحدهما أميرا و كنت له وزيرا» .

إلى أن قال: «وددت أني أسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنهن، فإني وددت أني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه أحد!

و أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ فلا يظلموا نصيبهم منه!

و وددت أني سألته عن بنت الأخ و العمة، فإن في نفسي منهما شيئا» (1).

موقفنا من حديث أبي بكر:

و لنا على هذا الحديث حول ندم أبي بكر حين موته مؤاخذات عديدة، نكتفي بالإشارة إلى بعضها، و هي التالية:


1) راجع: الأموال ص 174 و العقد الفريد ج 4 ص 93 و مروج الذهب ج 2 ص 317 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 24 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 429 و راجع: ضعفاء العقيلي ج 3 ص 420 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 324.

أولا: إنه يريد أن يوهم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ينص على أحد حتى على علي «عليه السلام» ، مع أنه كان قد بايعه هو و عشرات الألوف من المسلمين في يوم الغدير، و قال له: بخ بخ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.

بالإضافة إلى عشرات أو مئات النصوص على إمامته «عليه السلام» ، و فضلا عن نزول الآيات القرآنية في ذلك، كقوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1).

ثانيا: إن كلامه عن بيت فاطمة «عليها السلام» فيه إيحاء بأنهم كانوا محاربين، و هو إنما أراد بمهاجمته لهم وأد الفتنة. مع أن مهاجمته لهم قد حصلت فور فراغهم من دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكونوا قد جمعوا الرجال، و لا أعدوا السلاح بعد، بل إن أنصار الخلافة أنفسهم كانوا هم المهاجمين، و الضاربين، و المشعلين للنيران، ليحرقوا بها بيوت الأنبياء و الأوصياء، و أبناء الأنبياء «عليهم السلام» على من فيها. و فيها وصي الأوصياء، و خير النساء. .

ثالثا: إنه حتى و هو يظهر هذا الندم قد بقي مصرا على إبعاد الأمر عن صاحبه الشرعي، و على مخالفة أمر اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» فيه.

رابعا: إنه قد أبقى لنفسه شراكة مهمة، و هي أن يصبح وزيرا لأبي عبيدة، و لعمر، و شريكا لهما في الأمر. .


1) الآية 55 من سورة المائدة.

و هذا معناه: أنه لم يقل ذلك لأنه ندم على تصديه للأمر، خوفا من أن يكون قد وقع في خلاف ما يريده اللّه تبارك و تعالى.

خامسا: إنه قد أقر بارتكابه أمرا خطيرا من دون أن يكون مطمئنا لحكم اللّه فيه، و هو إحراقه للفجاءة. ثم هو يندم على أنه لم يقتل الأشعث لمجرد أنه يتخيل أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه. مع أنه لا يصح قتل الناس استنادا إلى تخيلات و أوهام.

و مع غض النظر عن هذا و ذاك! ! فإن كلامه هذا يتضمن اعترافا بالخطأ في أحكامه و سياساته.

سادسا: إنه يقر بأنه لم يكن له معرفة ببعض الأحكام الشرعية الفقهية، التي يكثر الإبتلاء بها، فكيف يصلح للإمامة من كان هذا حاله؟ !

سابعا: قوله: لو أنه سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمن هذا الأمر، يدل على أن النبي هو الذي يعين صاحب هذا الأمر. . و لا يصح الإجتهاد فيه. . و لا هو من موارد الشورى، و لا من صلاحيات أهل الحل و العقد كما يدعون، فلما ذا لم يتريث و يسأل سائر الصحابة، فلعل أحدا سمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يحل له هذه المشكلة؟ !

و لما ذا صار يهدد و يتوعد، و يضرب الناس حتى بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسقط جنينها. . و. . و. .

مع أن رأي عمر المعلن في هذا الأمر، هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستخلف، فقد روى البخاري و البيهقي عنه أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، و إن أترك فقد ترك من هو خير

مني، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

ثم جعلها شورى في ستة أشخاص.

كما أن عائشة نفسها قد أنكرت أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى إلى أحد، مدعية أنه «صلى اللّه عليه و آله» انخنث في حجري. . فمتى أوصى لعلي أو لغيره؟ ! (2).

و هذا الإختلاف الظاهر في مواقف هؤلاء الذين استولوا على الخلافة من صاحبها الشرعي، يدل على أنها كلها تأويلات جاءت بعد الوقوع، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الإعتراف بالحق، و التنازل عن الحق لأهله بعد اغتصابه منهم.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 309 و في هامشه عن: البخاري ج 13 ص 218(7218) و البيهقي في الدلائل ج 7 ص 222 و مسلم في الإمارة، باب الإستخلاف ج 3 ص 1454(11) ، و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

2) راجع: سنن ابن ماجة ج 1 ص 519 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 482 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 261 و عمدة القاري ج 14 ص 31 و شرح مسلم للنووي ج 11 ص 88 و صحيح مسلم ج 5 ص 75 و صحيح البخاري ج 3 ص 186 و مسند أحمد ج 6 ص 32 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 286 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 114 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 361.

الفصل الرابع: السقيفة. . انقلاب مسلح

اشارة

الإكراه في بيعة أبي بكر:

و قد رسم العلامة الأميني «رحمه اللّه» صورة للعنف الذي رافق بيعة أبي بكر، نحاول أن نلخصها على النحو التالي: لقد رأينا كيف جرت الأمور في السقيفة، حيث بلغت الأمور فيها حدا جعل عمر بن الخطاب يقول: «اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا، إنه منافق أو صاحب فتنة» .

و قد قام الرجل (عمر) على رأسه و قال له: «لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك، أو عيونك» (1).

فيتلقاه قيس بن سعد بقوله: «لئن حصصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة، أو جارحة» (2).


1) مسند أحمد ج 1 ص 56 و العقد الفريد ج 4 ص 86 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 459 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 339 و الرياض النضرة ج 1 ص 162 و 164 و السيرة الحلبية ج 3 ص 359 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 482. و راجع: البحار ج 28 ص 336.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 459 و السيرة الحلبية ج 3 ص 359 و الشافي في الامامة للشريف المرتضى ج 3 ص 190 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 68 و الغدير ج 5 ص 369 و ج 7 ص 76.

ثم قال عمر: «و اللّه ما يخالفنا أحد إلا قتلناه. .» حسبما ورد.

و ارتفعت الأصوات حتى كادت الحرب أن تقع. .

و ينتضي الحباب بن المنذر سيفه و يقول: «و اللّه لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمته بالسيف» .

فيقال له: إذن يقتلك اللّه.

فيقول: بل إياك يقتل (1).

فأخذ و وطئ في بطنه، و دس في فيه التراب (2).

و آخر ينادي: «أما و اللّه أرميكم بكل ما في كنانتي من نبل، و أخضب منكم سناني و رمحي، و أضربكم بسيفي ما ملكته يدي، و أقاتلكم مع من معي من أهلي و عشيرتي» (3).


1) مسند أحمد ج 1 ص 56 و البيان و التبيين ج 3 ص 198 و العقد الفريد ج 4 ص 86 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 339 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 15 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 256 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 220 و 223 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 457 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 330 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 339 و الرياض النضرة ج 1 ص 202 و 204 و البداية و النهاية ج 5 ص 246 و ج 7 ص 142 و عن صفة الصفوة ج 1 ص 256 و تيسير الوصول ج 2 ص 45 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 38 و ج 6 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 358 و البحار ج 28 ص 325

2) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 40 و الغدير ج 7 ص 76.

3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 17 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 27 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 222 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 331 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 39 و الغدير ج 7 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 359 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 483 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 3 ص 191.

و يسمع آخر يقول: «إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم» (1).

و يستل الزبير سيفه، و يقول: «لا أغمده حتى يبايع علي» .

فيقول عمر: «عليكم بالكلب» .

فيؤخذ سيفه من يده، و يضرب به الحجر فيكسر (2).

كما أن المقداد يدفع في صدره (3)، و يضرب أنف الحباب بن المنذر و يكسر (4).

و الأمر الأدهى من ذلك كله أن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى بيت الزهراء «عليها السلام» و قال له: إن أبوا فقاتلهم.

فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت:


1) الغدير ج 3 ص 253 و ج 7 ص 76 و السقيفة و فدك للجوهري ص 39 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 221 و ج 2 ص 44 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 449 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 326.

2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 18 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 203 و الرياض النضرة ج 1 ص 207 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 174 و ج 2 ص 156 و ج 6 ص 11 و 47 و الأمالي للمفيد ص 49 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 95 و البحار ج 28 ص 184.

3) الصوارم المهرقة ص 58 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 146 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 266 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 174.

4) الغدير ج 5 ص 368 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 174 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 266.

«يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا» ؟ !

قال: «نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة» (1).

و قال لهم عمر: «لتخرجن إلى البيعة، أو لأحرقنها على من فيها» .

فقيل له: «إن فيها فاطمة» .

فقال: «و إن» (2).

ثم إنهم ضربوا الزهراء «عليها السلام» ، و أسقطوا جنينها في هذا السبيل (3)،


1) العقد الفريد ج 4 ص 87 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 و أعلام النساء ج 4 ص 114 و راجع: روضة المناظر ج 1 ص 189 حوادث سنة 11 و الطرائف لابن طاووس ص 239 و البحار ج 28 ص 339 و الغدير ج 7 ص 77 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 272 و مجمع النورين للمرندي ص 246 و نهج الحق و كشف الصدق للعلامة الحلي ص 271 و إحقاق الحق (الأصل) ص 228 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 25 ص 544. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 250 و سير أعلام النبلاء (سيرة الخلفاء الراشدين) ص 26 و الرياض النضرة ج 1 ص 241.

2) تاريخ الطبري ج 3 ص 202 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 443 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 19 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 56 و ج 6 ص 48 و أعلام النساء ج 4 ص 114 و السقيفة و فدك للجوهري ص 53 و 73 و الطرائف للسيد ابن طاووس ص 238 و بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص 402 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 151 و 155 و البحار ج 28 ص 315 و 321 و الغدير ج 5 ص 369 و 371 و ج 7 ص 77 و 86.

3) راجع كتابنا: مأساة الزهراء ج 2 ص 132-143.

و لم يبايع علي «عليه السلام» حتى رأى الدخان يخرج من بيته (1).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 117 و 118 و إثبات الهداة ج 2 ص 359 و 367 و 368 و العقد الفريد ج 4 ص 268 و الإيضاح لابن شاذان ص 161 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 18 و سير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص 17 و مجموع الغرائب للكفعمي ص 288 و مروج الذهب ج 1 ص 414 و ج 2 ص 301 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 130 و ج 17 ص 168 و 164 و ج 6 ص 51 و ج 2 ص 47 و 46 و ج 20 ص 24 و 17 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 109 و ج 2 ص 215 و الإمامة ص 82 (مخطوط) توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت. و لسان الميزان ج 4 ص 189 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 430(ط المعارف) و كنز العمال ج 3 ص 125 و ج 5 ص 631 و 632 و الرسائل الاعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص 470 و 471. و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 2 ص 171 و المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 62 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 9 و 108 عن العديد من المصادر و النص و الإجتهاد ص 91 و السبعة من السلف ص 16 و 17 و الغدير ج 7 ص 170 و معالم المدرستين ج 2 ص 79 و عن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) و مرآة الزمان. و راجع زهر الربيع ج 2 ص 124 و أنوار الملكوت ص 227 و البحار ج 30 ص 123 و 136 و 138 و 141 و 352 و نفحات اللاهوت ص 79 و حديقة الشيعة ج 2 ص 252 و تشييد المطاعن ج 1 ص 340 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 32. و الخصال ج 1 ص 171 و 173 و حياة الصحابة ج 2 ص 24 و الشافي للمرتضى ج 4 ص 137 و 138. و المغني لعبد الجبار ج 20 ق 1 ص 340 و 341. و نهج الحق ص 265 و الأموال لأبي عبيد ص 194(و إن لم يصرح بها) . و مجمع الزوائد ج 5 ص 203 و تلخيص الشافي ج 3 ص 170 و تجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص 402 و كشف المراد ص 403 و مفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص 199 و تقريب المعارف ص 366 و 367 و اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص 302 و مختصر تاريخ دمشق ج 13 ص 122 و منال الطالب ص 280.

ثم يذكر «رحمه اللّه» ما لاقاه علي و الزهراء «عليهما السلام» من ظلم و اضطهاد في هذا السبيل (1)، فراجع كلامه.

كبس الناس في بيوتهم:

و نعود إلى ذكر بعض النصوص التي لا تبتعد عن تلك النصوص التي ذكرناها آنفا. بل تأتي مؤكدة لمضمونها الصريح بإجبار الناس على البيعة، فنقول:

1-روي عن عبد اللّه بن عبد الرحمن قال:

«إن عمر احتزم بإزاره، و جعل يطوف بالمدينة، و ينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له، فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس عليه فيبايعون. فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير و يكبسهم، و يحضرهم المسجد، فيبايعون، حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب «عليه السلام» . . الخ. .» .

ثم تذكر الرواية إحضارهم الحطب لإحراق باب علي و الزهراء «عليهما السلامه» على من فيه. . (2).


1) الغدير ج 7 ص 77-82.

2) راجع: الإحتجاج ج 1 ص 201-202 و البحار ج 28 ص 204.

2-ذكر الطبرسي أنه قد جيء بعلي «عليه السلام» ملببا يعتل-أي يجر بعنف-إلى أبي بكر «و عمر قائم بالسيف على رأسه، و معه خالد و أبو عبيدة، و سالم، و المغيرة، و أسيد بن حضير، و بشير بن سعد. و سائر الناس قعود، و معهم السلاح» .

ثم تذكر الرواية: أنهم مدّوا يد علي «عليه السلام» و هو يقبضها، حتى وضعوها فوق يد أبي بكر، و صيح في المسجد: بايع بايع (1).

3-و قد جاء في حديث الإثني عشر، الذين احتجوا على أبي بكر، و نصحوه بالتراجع عما أقدم عليه، ما يلي:

«فنزل أبو بكر من المنبر، فلما كان يوم الجمعة المقبلة، سل عمر سيفه، ثم قال: لا أسمع رجلا يقول مثل مقالته تلك إلا ضربت عنقه، ثم مضى هو و سالم، و معاذ بن جبل، و أبو عبيدة، شاهرون سيوفهم حتى أخرجوا أبا بكر و أصعدوه المنبر» (2).

و قال الصدوق بعد ذكره لاحتجاجات الإثني عشر رجلا المشار إليها:

«فأخبر الثقة من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب، و طلحة، و الزبير، و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و أبو


1) الإحتجاج ج 1 ص 212-213 فما بعدها، و البحار ج 28 ص 270-276 و كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 587 و راجع: تخريج الحديث ج 3 ص 965- 966 فإنه أشار إلى العديد من المصادر.

2) كتاب الرجال للبرقي ص 66 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 203.

عبيدة بن الجراح، مع كل واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم، شاهرين السيوف، فأخرجوه من منزله، و علا المنبر، و قال قائل منهم:

«و اللّه، لإن عاد منكم أحد فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملأن أسيافنا منه. فجلسوا في منازلهم، و لم يتكلم أحد بذلك» (1).

و ذكر الزبير في هذه الرواية: إما أن يكون سهوا من الرواة، بسبب الارتكاز و الربط الذهني بينه و بين طلحة، بحيث إذا ذكر أحدهما سبق الذهن إلى الآخر أيضا. . و إما ذكر عمدا، و يكون قد عاد إلى موالاة القوم بعد أن فرغت يده من علي «عليه السلام» ، و نحن نرجح الاحتمال الأول، لأن الزبير كان في بداية أمره مواليا لعلي «عليه السلام» . . و من البعيد أن ينقلب عليه بهذه السرعة. .

و يشير إلى ذلك: أنه في حديث الشورى التي كونها حينما طعن و أراد تدبير الأمر لعثمان، جعل الزبير أمره إلى علي «عليه السلام» .

و مهما يكن من أمر: فإن هذا الحديث مروي بعدة طرق. . و قد رواه ابن طاووس عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، و عن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، في كتاب مناقب أهل البيت «عليهم السلام» (2)، و قال: «إعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين. . الخ. .» (3).


1) الخصال ج 2 ص 465 و راجع البحار ج 28 ص 213-219.

2) راجع: اليقين ص 108 و و (ط مؤسسة دار الكتاب-الجزائري) ص 335 و البحار ج 28 ص 214.

3) اليقين في إمرة أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 108 و 113 و (ط مؤسسة دار الكتاب-الجزائري) ص 335 و راجع البحار ج 28 ص 214 و 215.

و قد ذكر السيد هذه الرواية لكنه قال: «فجلس أبو بكر في بيته ثلاثة أيام، فأتاه عمر و عثمان، و. . و. .

إلى أن قال: فأتاه كل منهم متسلحا في قومه حتى أخرجوه من بيته، ثم أصعدوه المنبر، و قد سلوا سيوفهم، فقال قائل منهم: و اللّه، لئن عاد أحد منكم بمثل ما تكلم به رعاع منكم بالأمس لنملأن سيوفنا منه، فأحجم- و اللّه-القوم، و كرهوا الموت» (1).

أربعة آلاف مقاتل:

4-إن نصا آخر للحديث الآنف الذكر نفسه، يذكر رقما محددا للمقاتلين الذين استفادوا منهم في إرعاب الناس من الأنصار و غيرهم، و خصوصا في مواجهة علي «عليه السلام» و من معه. .

فقد روى الطبرسي «رحمه اللّه» و غيره، حديث احتجاج الاثني عشر صحابيا على أبي بكر عن الإمام الصادق «عليه السلام» و فيه: أنهم بعد ان تكلموا بما أفحم أبا بكر، أخذ عمر بيده «و انطلق إلى منزله، و بقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم، يقدمهم عمر بن الخطاب، حتى وقفوا بمسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال عمر: و اللّه يا أصحاب علي، لئن ذهب منكم رجل يتكلم، بالذي تكلم بالأمس، لنأخذن الذي فيه


1) اليقين ص 113 و (ط مؤسسة دار الكتاب-الجزائري) ص 342 و البحار ج 28 ص 219.

عيناه» (1).

و على كل حال: فإن النصوص الدالة على أن فريق أبي بكر قد استخدم أسلوب القهر و الإكراه للناس، لحملهم على البيعة لأبي بكر، كثيرة، و متنوعة المصادر. . و نذكر نموذجا من ذلك، خصوصا ما يرتبط منه بدور بني أسلم، فنقول:

5- «قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي: أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر» (2).

6-قال ابن الأثير: «و جاءت أسلم فبايعت» (3).

7-و عند المعتزلي: «جاءت أسلم فبايعت، فقوي بهم جانب أبي بكر» (4).

8-عن أبي مخنف، عن محمد بن السائب الكلبي، و أبي صالح، عن


1) الاحتجاج ج 1 ص 200 و البحار ج 28 ص 202 عنه و الصراط المستقيم ج 2 ص 82 عن كتاب إبطال الإختيار، بسنده عن أبان بن عثمان، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و كتاب الأربعين للشيرازي ص 243 و البحار ج 28 ص 202 و نهج الإيمان لابن جبر ص 586 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 334.

2) تاريخ الأمم و الملوك (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 3 ص 222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 458 و تلخيص الشافي ج 3 ص 66 و البحار ج 28 ص 335 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 3 ص 190.

3) الكامل في التاريخ ج 3 ص 331 و راجع: البحار ج 28 ص 326 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 40.

4) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 40 و البحار ج 28 ص 326 عنه.

زائدة بن قدامة: أن قوما من الأعراب دخلوا المدينة ليمتاروا منها، فأنفذ إليهم عمر، فاستدعاهم و قال لهم:

«خذوا بالحظ و المعونة على بيعة خليفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمن امتنع، فاضربوا رأسه و جبينه.

قال: فو اللّه، لقد رأيت الأعراب قد تحزموا، و اتشحوا بالأزر الصنعانية، و أخذوا بأيديهم الخشب، و خرجوا حتى خبطوا الناس خبطا، و جاؤوا بهم مكرهين إلى البيعة» (1).

و من المعلوم: أن الأعراب الذين كانوا حول المدينة هم أسلم، و جهينة، و غفار، و أشجع.

9-روى المعتزلي و غيره، عن البراء بن عازب: أنه فقد أبا بكر و عمر حين وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، «و إذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، و إذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر فلم ألبث، و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل، و معه عمر، و أبو عبيدة، و جماعة من أصحاب السقيفة، و هم محتجزون بالأزر الصنعانية، لا يمرون بأحد إلا خبطوه، و قدموه، و مدوا يده، و مسحوها على يد أبي بكر، شاء ذلك أو أبى» (2).

فهذا النص يقترب جدا إلى سابقه، إلى حد التطابق، و هما معا يقتربان -بنحو أو بآخر-من النصوص المتقدمة حول بني أسلم. .


1) الجمل للشيخ المفيد ص 119 و (ط مكتبة الداوري) ص 59.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 219 و البحار ج 28 ص 286 و كتاب سليم بن قيس (نشر الهادي) ج 2 ص 572 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 147 و السقيفة و فدك للجوهري ص 48.

و لنا مع النصوص المتقدمة وقفات هي التالية:

بنو أسلم و الإكراه على البيعة:

و قد يثار هنا سؤالان:

أولهما: إن أبا بكر كان حين وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسنح، و لم يعلم بوفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما معنى اتهامه بأنه كان يجمع الناس، و خصوصا بني أسلم، ليستعين بهم على اغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي؟ !

الثاني: إن بريدة الأسلمي كان مواليا لعلي «عليه السلام» ، و لم يكن ليرضى من قومه بأن يعينوا أبا بكر على علي «عليه السلام» ، و لا سيما بعد ما سمعه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حقه «عليه السلام» . .

بل الرواية عن بريدة تقول: إن بني أسلم قد أبوا البيعة لأبي بكر، حتى يبايع بريدة بن الخصيب الأسلمي، و هذه الرواية منقولة في البحار (1)و في الشافي (2)و تنقيح المقال (3)و بهجة الآمال (4).

و نقول:

إننا نعالج هذا الموضوع ضمن النقاط التالية:


1) البحار ج 28 ص 392.

2) الشافي ج 3 ص 243.

3) تنقيح المقال ج 1 ص 166.

4) بهجة الآمال ج 2 ص 294.

1-بريدة في بني أسلم:

إنه لم يكن لبريدة-فيما يظهر-نفوذ على جميع بني أسلم، و يشير إلى ذلك.

ألف: إنه في فتح مكة قد حمل أحد لوائي أسلم (1).

ب: إنه خرج مع عمر إلى الشام، لما رجع من سرغ «موضع بين المغيثة و تبوك» أميرا على ربع أسلم (2).

2-بريدة كان غائبا:

ثم إنهم يذكرون: أن بريدة لم يكن في المدينة، حينما توفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بويع أبو بكر. بل كان غائبا: إما في الشام (3)، أو في بعض طريق الشام (4).

و قد صرح بغيبته هذه حديث احتجاج بريدة على أبي بكر مع الاثني


1) تاريخ دمشق ج 10 ص 123 و ج 23 ص 452 و البحار ج 21 ص 107 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 128 و كنز العمال ج 10 ص 510 و الإصابة ج 1 ص 611 و أمتاع الأسماع ج 1 ص 369 و ج 7 ص 169 و 170 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 219.

2) تاريخ دمشق ج 10 ص 123 و تهذيب الكمال ج 4 ص 54 و الوافي بالوفيات ج 10 ص 78 و ج 14 ص 46.

3) راجع: بهجة الآمال للعليّاري ج 2 ص 394 و تنقيح المقال ج 1 ص 166 و الصراط المستقيم ج 2 ص 53 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 90.

4) راجع: تنقيح المقال ج 1 ص 166 عن حذيفة، و البحار ج 28 ص 93.

عشر صحابيا، الذين كانوا غائبين أيضا عن المدينة حينما بويع أبو بكر (1).

3-بريدة في بني سهم:

إن بريدة قد كان من بني سهم الأسلميين. . و كان يعيش معهم، و حين هاجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مرّ به فتلقاه بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فقال له: ممن أنت؟ !

قال: من أسلم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : سلمنا.

ثم قال له: من بني من؟ !

قال: من بني سهم.

قال: خرج سهمك (2).

و يذكر نص آخر: أن بريدة أسلم هو و من معه حينما مرّ بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مهاجرا، و كانوا ثمانين بيتا. فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العشاء الآخرة، فصلوا خلفه.


1) راجع: الإحتجاج ج 1 ص 190 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 101 و البحار ج 28 ص 93 و 374 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 253 و الصراط المستقيم ج 2 ص 53 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 90 و 163 و 248.

2) الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 514 أسد الغابة ج 1 ص 176 و تاريخ دمشق ج 10 ص 123 و بهجة الآمال ج 2 ص 392 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 142 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 73 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 185 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 273 و ج 7 ص 164 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 356.

و بقي بريدة مع قومه، و لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد سنوات (1). .

و بعد ما تقدم نقول:

قد يمكن الجمع بين ما دل على أن قبيلة أسلم ساعدت أبا بكر، و بين الرواية التي تقول: إن أسلم أبت أن تبايع أبا بكر حتى يبايعه بريدة، بأن يقال:

لو صحت رواية امتناع أسلم من البيعة، و هي رواية يتيمة، فيكون المقصود بامسلمين الذين أبوا البيعة لأبي بكر حتى يبايع بريدة، هم خصوص بني سهم، و لعلهم هم أيضا الذين يقال: إن بريدة قد ركز فيهم رايته، و قال: لا أبايع حتى يبايع علي. .

و احتمال أن يكون قوله: لا أبايع حتى يبايع علي، قد جاء على سبيل التحريض لخصومه، و فتح الباب أمامهم لإكراه علي «عليه السلام» على البيعة. لا يلتفت إليه، لأن ظاهر الأمر أنه كان مواليا لأمير المؤمنين «عليه السلام» متابعا له.

أما سائر بني أسلم، و هم قبيلة كبيرة، فإنهم أعانوا أبا بكر على خصومه، و قوي بهم جانبه، كما يظهر من النصوص. .

التشكيك غير المقبول في رواية الخزاعي:

قد حاول بعضهم التشكيك في صحة نقل الخزاعي فقال:

«إن أسلم بطن من خزاعة، و ليسوا بأكثر العرب فرسانا، و لا


1) راجع: أسد الغابة ج 1 ص 175، و البحار ج 28 هامش ص 197 و بهجة الآمال ج 2 ص 392 و قاموس الرجال ج 2 ص 174 و تاريخ دمشق ج 10 ص 123 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 272.

بأشجعهم، و أعزهم.

و كيف أيقن بالنصر عند بيعتهم، و لم يتيقن حينما صفقت الأنصار بالبيعة لهم؟

نعم قد يكون الراوي، و هو أبو بكر بن محمد الخزاعي أراد أن يباهي بقومه، و يكتسب لهم نوالا بذلك» (1).

و نقول:

إن هذا الكلام لا يمكن قبوله، و ذلك لما يلي:

أولا: لم يدّع أحد أن بني أسلم كانوا أكثر العرب فرسانا، و أشجعهم، و أعزهم، بل قالت الرواية: إن حضورهم قد أعطى جانب أبي بكر قوة في الموقف، حتى أيقن عمر بالنصر على أولئك الممتنعين عن البيعة لأبي بكر، أو يتوقع امتناعهم عنها، ممن يعيشون في المدينة من الأنصار، أو من بني هاشم.

و لم يكن إخضاع المخالفين لأبي بكر في داخل المدينة يحتاج إلى أن تكون القبيلة اكثر العرب فرسانا، أو أشجعهم، و أعزهم. . لا سيما مع علم أبي بكر و عمر بوصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، بأن لا يقاتل المعتدي على حقه، إلا إذا وجد أنصارا يقدرون على إنجاز النصر. .

بل كان يكفي أبا بكر بضعة مئات من الرجال لفرض إرادته على المدينة بأسرها. . و هي البلد الصغير، و المنقسم على نفسه.

علما بأن الكثرة تغلب الشجاعة. . فكيف إذا كان مناصروه من الكثرة


1) راجع: البحار ج 28 هامش ص 335 و 336.

بحيث تضايقت بهم سكك المدينة؟ !

بل سيأتي: أنه استطاع أن يحشد بضعة ألوف من حملة السلاح كما لإكراه الناس على هذا الأمر.

أما السؤال الذي يقول: كيف عرفوا أن عليا «عليه السلام» موصى بعدم القتال في ظرف كهذا؟ !

فيجاب عنه بما يلي:

الظاهر هو: أن معرفتهم بذلك قد جاءت عن طريق عائشة و حفصة اللتين نبأتا بالسر الذي أسره النبي لهما و قد تظاهرتا عليه. . و كان تظاهر هما خطيرا جدا إلى حد أنه «صلى اللّه عليه و آله» احتاج إلى أن يكون اللّه مولاه، و جبريل، و صالح المؤمنين، و الملائكة بعد ذلك ظهير. .

و لو لا الخطورة البالغة للسر الذي أفشتاه لما احتاج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للخلاص من الخطر المتوجه إليه منهما إلى هذه المعونة الكاملة، و الشاملة، و العظيمة.

و لهذا البحث مجال آخر. .

ثانيا: إن إيقان عمر و أبي بكر بالنصر، عند ما جاءت قبيلة أسلم. . إنما هو لأنه قد أصبح لديه جيش قادر على مواجهة أصحاب سعد بن عبادة، و الهاشميين، و غيرهم من أصحاب علي «عليه السلام» . و بهذا يتم حسم الأمر لصالحه.

أما بيعة الأنصار لأبي بكر في السقيفة، فإنها لم تكن قادرة على حسم الأمور لصالحه. . لأن عليا «عليه السلام» و من معه، قد يكون لهم تأثير سلبي على الذين بايعوا أبا بكر في السقيفة، فإن الأنصار، الذين تخلوا عن

سعد، هم أنفسهم قد هتفوا في السقيفة بالذات باسم علي «عليه السلام» ، و قالوا: لا نبايع إلا عليا. . أو قالوا: إن فيكم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد. .

كما أن من الممكن أن يعرف الناس بأن ما أشاعوه عن علي «عليه السلام» من أنه قد انصرف عن هذا الأمر، كان مكذوبا عليه، فيكون ذلك سببا في تراجع الكثيرين عن قرارهم بالبيعة لأبي بكر، و ذلك يحمل في طياته أخطارا جساما فيما يرتبط بحسم الأمور لصالح أبي بكر. .

فكان مجيء قبيلة أسلم ضمانة قوية لنجاح مشروع أبي بكر، و لذلك قال عمر: لما أن رأيت أسلم أيقنت بالنصر.

ثالثا: إن عامة الأنصار لم يبايعوا أبا بكر في السقيفة. . و إنما بايعه عمر و أبو عبيدة من المهاجرين، و بضعة أفراد من الأنصار، قد لا يصل عددهم إلى عدد أصابع اليد الواحدة، و كان منهم مثل: أسيد بن حضير، و بشير بن سعد، ثم خرج أبو بكر و فريقه إلى المسجد لحسم الأمر مع علي «عليه السلام» و بني هاشم و تركوا بقية الأنصار في سقيفتهم يتلاهون و يتلاومون، و يتهم بعضهم بعضا، و كان أبو بكر لا يزال بحاجة إلى حشد التأييد للتقوي على الآخرين. . و ليأمن غائلة أي أمر قد يحدث.

و في رواية سليم بن قيس عن سلمان: أن عليا «عليه السلام» قال: يا سلمان، و هل تدري من أول من بايعه على منبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قلت: لا، إلا أني رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، و كان أول من بايعه المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعيد، ثم أبو عبيدة

الجراح، ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل (1).

رابعا: أما قوله: إن قبيلة أسلم بطن من خزاعة، و أن الخزاعي أراد بهذا الخبر أن يباهي بقومه.

فغير ظاهر الوجه. . فإن أسلم ليست بطنا من خزاعة، و إن كانا يجتمعان في الأزد، و اجتماعهما في الأزد غير مفيد؛ فإن خزاعة من ربيعة بن حارثة، و أسلم من أفصى بن حارثة (2).

المدينة. . و سكانها:

و واضح: أن المدينة على ساكنها و آله (أفضل الصلاة و السلام)، كانت بلدا صغيرا جدا، كما أو ضحناه أكثر من مرة، فقد كان عدد سكانها ممن يقدر على حمل السلاح لا يتجاوز بضع مئات. . أما عدد مجموع سكانها فقد لا يصل إلى ألفي نسمة بمن فيهم النساء و الرجال، و الكبار، و الصغار، و من السكان الأصليين، أو من غيرهم من الوافدين. .

و لعل مما يدل على ذلك: ما ذكروه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب منهم أن يكتبوا له كل من تلفظ بالإسلام. . فكتب له حذيفة ألفا و خمس مئة رجل.


1) راجع: كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 144 و الكافي ج 8 ص 343 و الإحتجاج ج 1 ص 106 و البحار ج 28 ص 262.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 38 و قاموس الرجال (ط مركز النشر الإسلامي 1410 ه‌) ج 2 ص 289. و راجع: الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر ص 82.

و في رواية أخرى: و نحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة (1).

مع أن الذين تلفظوا بالإسلام لا ينحصرون بمن هم في المدينة، بل يشمل ذلك القبائل التي حول المدينة من الأعراب، و غيرهم من سائر القبائل، و يشمل مهاجري الحبشة أيضا.

و يشير إلى ذلك أيضا: أن الذين بايعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة كانوا-كما قيل-ألفا و أربع مئة، أو ألفا و خمس مئة، و قيل: كانوا ألفا و ثمان مئة رجل.

و كان من بين هؤلاء أيضا جماعات من غير أهل المدينة ممن أسلم من القبائل القريبة منها. . و كان من بينهم المهاجرون، و هم يعدون بالمئات أيضا. .

و ذلك كله يشير إلى أن تجنيد أبي بكر المئات و الألوف إلى حد أربعة آلاف مقاتل، لا يمكن أن يكون من سكان المدينة و حسب. . إذ المدينة لا يمكن أن تجند، و لو ربع هذا العدد، كما أن أكثر الأنصار، و بني هاشم، و كثيرين غيرهم، ما كانوا على رأي أبي بكر، و لا هم من حزبه. . و لا يستطيع أبو بكر أن يجندهم ضد علي و من معه، و ضد سعد بن عبادة و من معه، و ضد جماعات من المهاجرين و الأنصار الآخرين.


1) راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 2 ص 116 و صحيح مسلم (مشكول) ج 1 ص 91 و مسند أحمد ج 5 ص 384 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1337 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 251 و 252 و ج 1 ص 220-223 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 619 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 179 و عمدة القاري ج 14 ص 306 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 171 و كنز العمال ج 11 ص 228 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 346.

و ذلك كله يحتم عليه أن يستعين بالأعراب من خارج المدينة. .

فإنهم هم الذين يمكن جمع المئات و الألوف منهم، و هم الذين يمكن أن يبادروا لهتك حرمة أشراف الناس، طمعا بالمال و النوال. فإن جهلهم و جفاءهم و أعرابيتهم، تجعلهم يتجاوزون كل الحدود. . و هم الذين قال اللّه تعالى عنهم: اَلْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاّٰ يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1).

و لعل هذا الذي كان من هؤلاء الأعراب حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرادت الآية القرآنية أن تلمح إليه، حيث صرحت بنفاق الأعراب الذين هم حول المدينة، و لكي تعرّف الناس بالدور الذي سيضطلعون به في ضرب أساس هذا الإسلام العزيز بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» .

كما أنه سيكون هناك دور لمنافقي أهل المدينة أنفسهم في هذا السبيل، فقد قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلىٰ عَذٰابٍ عَظِيمٍ (2).

فإن عذابهم مرتين ربما يشير إلى خيانتهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرة، و خيانتهم لوصيه أخرى، فاستحقوا العذاب مرتين بذلك في الدنيا، ثم يردون إلى عذاب عظيم في الآخرة.


1) الآية 97 من سورة التوبة.

2) الآية 101 سورة التوبة.

بنو أسلم في هذه الآية:

و بعد، فقد قالوا حول الآية المباركة المذكورة آنفا: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ .

قال عكرمة و الكلبي: جهينة، و أشجع، و أسلم، و غفار (1). و مزينة (2)و عصية و لحيان (3).

و لعل التركيز على خصوص قبيلة أسلم في تقوية موقف أبي بكر و عمر ضد علي «عليه السلام» و بني هاشم إنما هو لأن أكثرية ذلك الجيش الذي اقتحم المدينة كان منها، أو بقيادتها، و زعامتها.

ثلاثة أشخاص لا يجبرون مائة ألف:

و قد يقال:

كيف يجبر ثلاثة أشخاص من المهاجرين، هم: أبو عبيدة، و أبو بكر، و عمر، و لنفرض: أن معهم أسيد بن حضير، و بشير بن سعد، كيف يجبرون


1) و تفسير النسفي ج 2 ص 107 و التفسير الكبير الرازي ج 16 ص 173.

2) الدر المنثور ج 3 ص 271 عن ابن المنذر، البحار ج 22 ص 41 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 114 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 68 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 174 و تفسير البيضاوي ج 3 ص 168 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 97 و فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 401 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 9.

3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 75 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 97 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 208.

من حضر في السقيفة، و هم رجال الأوس و الخزرج على البيعة لأبي بكر؟ ! . .

بل كيف يجبر هؤلاء الثلاثة، مئة و عشرين ألفا كانوا قد حضروا الغدير، و بايعوا الإمام عليا «عليه السلام» هناك؟ ! . .

و نقول في الجواب:

أما بالنسبة إلى المئة و عشرين ألفا الذين بايعوا الإمام عليا «عليه السلام» ، في الثامن عشر من ذي الحجة في غدير خم بحضور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنهم لم يكونوا في المدينة حين وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كانوا قد رجعوا إلى بلادهم المنتشرة في شرق الجزيرة العربية و غربها. .

و قد كان القائمون بالانقلاب لا يحتاجون إلى أكثر من إعلام أهل تلك البلاد، بأنه قد استجدت أمور فرضت على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» العدول عما كان قرره. . و سارت الأمور باتجاه جديد، وفقا لإرادته «صلى اللّه عليه و آله» ، و توجيهاته. .

و أما بالنسبة لأهل المدينة أنفسهم، الممثلين بمن له رأي و موقع من رجال الأوس و الخزرج، فنقول:

أولا: قلنا: إن المدينة كانت قرية صغيرة قد لا يصل عدد سكانها بجميع أصنافهم و انتماءاتهم الدينية، و غيرها. . إلى ألفين أو ثلاثة آلاف، كبارا و صغارا، شيوخا و شبانا، و رجالا و نساء. .

و المسلمون البالغون من جميع هذه الأصناف، قد لا يصلون إلى الألف في أكثر التقديرات تفاؤلا. .

و قد تقدم: أن حذيفة كتب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» كل من تلفظ

بالإسلام، فكانوا ألفا و خمس مئة رجل. . و في رواية أخرى: و نحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة.

و لعل هذه الرواية الأخيرة تقصد أهل المدينة، و الرواية الأولى تعم جميع من أسلم، و لو من غير أهل المدينة. .

كما أن الذين بايعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، تحت الشجرة قد كانوا ألفا و أربع مئة أو خمس مئة، أو ألفا و ثمان مئة رجل، على أبعد التقادير. .

و كان من بينهم المهاجرون، و هم يعدون بالمئات أيضا، و كان من بينهم أيضا جماعات من القبائل القريبة أو البعيدة من المدينة. .

ثانيا: إن هؤلاء الثلاثة لم يجبروا أهل السقيفة على البيعة لأبي بكر، بل ما حصل هو أن أبا بكر قد أوقع الخلاف بين الأوس و الخزرج، بتذكيرهم بإحن الجاهلية، و خوّف بعضهم من بعض، ثم بايعه عمر و أبو عبيدة، و أسيد بن حضير، و ربما بلغ الأمر إلى ثمانية أشخاص، كما تشير إليه بعض الروايات. . ثم تركوا الأوس و الخزرج مختلفين متلاومين، و خرجوا مسرعين إلى بيت أمير المؤمنين «عليه السلام» ، في المسجد، ليفرضوا عليه البيعة، قبل أن يبلغه الخبر، و يتكلم بما يفسد عليهم أمرهم. .

و جرى لهم معه و مع السيدة الزهراء «عليها السلام» ما جرى، و كانوا قد هيأوا بني أسلم، ليخرجوا على الناس فجأة في لك الليلة، و يفرضوا البيعة لأبي بكر بالقوة و القهر، و صار الناس يسحبون إلى البيعة لأبي بكر في أجواء من الرعب و الخوف و الإهانة، لا يحسدون عليها. .

و قد غاب عن هذه البيعة بنو هاشم، و كثيرون غيرهم. . و قام بها لأبي بكر جماعة من المهاجرين الحاقدين على الإمام علي «عليه السلام» ، و أهل بيته. .

فإجبار الأوس و الخزرج على البيعة، لم يحصل في اجتماع السقيفة، و إنما حصل ذلك في اليوم التالي، حينما حضر الألوف من بني أسلم و غيرهم فجأة، كما ذكرنا.

و لهذا البحث و بيان تفصيلاته المثيرة مجال آخر. .

الفصل الأخير: استدراكات لا بد منها

اشارة

بداية:
اشارة

و بعد. . فإننا لا ندّعي أننا قد استقصينا الكلام في السيرة النبوية الشريفة، أو أننا و فينا ما أوردناه منها حقه. .

و شاهدنا على ذلك، نفس عقدنا لهذا الفصل، الذي أردنا أن نورد فيه بعض ما فاتنا إلحاقه بمواضعه المناسبة، و هو أربعة مباحث هي التالية:

1-و وجدك ضالا فهدى.

2-شق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد.

3-لما ذا ولد علي «عليه السلام» في الكعبة؟ !

4-أهل الكتاب ليس عندهم علم الكتاب.

مع اعتذارنا من القارئ الكريم على هذا الخلل، الذي قد لا يروق له. . فإلى ما يلي من استدراكات، و ما تضمنته من مطالب.

1-و وجدك ضالا فهدى:
اشارة

هناك سؤال لا يزال يطرح حول المراد من قوله تعالى:

أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ، وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ، وَ وَجَدَكَ عٰائِلاً فَأَغْنىٰ (1).


1) الآيات 6-8 من سورة الضحى.

فمتى كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ضالا فهداه اللّه تعالى؟ ! و هل يصح القول بأنه قد كان ضالا قبل بعثته، ثم هداه اللّه تعالى بالبعثة؟ !

الجواب:

قال تعالى: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ، وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ، وَ وَجَدَكَ عٰائِلاً فَأَغْنىٰ .

هذه ثلاث آيات، تضمنت إحداها، و هي الوسطى ذكر هذه الحقيقة، التي تحتاج إلى بعض التوضيح، و البيان، و الإجابة على السؤال المتقدم تستدعي الحديث عن كل آية منها على حدة، و قد آثرنا البدء بالحديث عن الآية الأولى، ثم الثالثة، ثم عدنا إلى الحديث عن الثانية التي هي مورد السؤال. . لأن طبيعة البيان الذي توخيناه اقتضت ذلك.

فجاء الحديث كما يلي:

أولا: بالنسبة لقوله تعالى: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ.

نقول:

إن ظاهر هذه الآية المباركة:

1-أن اللّه تعالى قد وجد نبيه «صلى اللّه عليه و آله» يتيما.

2-إنه بمجرد أن وجده كذلك آواه.

و نحن نتحدث عن هذين الأمرين هنا، فنقول:

أما بالنسبة لوجدان اللّه تعالى للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يتيما، فنقول:

إن من الواضح: أن وجدان اللّه سبحانه لأمر، يختلف عن وجداننا نحن له. . فإن الوجدان بالنسبة إلينا إنما يكون بعد الفقدان. حيث يكون الشيء غائبا عنا، ثم نجده. .

و أما بالنسبة لإيواء اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» بمجرد أن وجده يتيما، فإنه تعالى لا يغيب عنه شيء، بل كل شيء حاضر لديه، منذ أن أوجده. فلا فصل بين وجود الشيء، و بين وجدان اللّه تعالى له. .

و بعبارة أخرى: إن التقدم تارة يكون من قبيل تقدم الصباح على المساء، أو تقدم ولادة الوالد على ولادة ولده. .

و تارة يكون من قبيل تقدم حركة اليد على حركة المفتاح حينما يدار في قفل الباب. فإن التفريق و السبق بين الحركتين في هذه الصورة، إنما هو في الذهن. و ليس زمانيا. .

و تقدم وجود الشيء على وجدان اللّه تعالى له من هذا القبيل، فإن اللّه تعالى حين أمات عبد اللّه والد الرسول، قد وجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتيما. و لم يغب عنه في أي ظرف أو حال.

فلا يوجد أي فصل زماني بين هذين الأمرين.

فهو على حد قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنٰاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ اَلْحِزْبَيْنِ أَحْصىٰ لِمٰا لَبِثُوا أَمَداً (1).

و قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ اَلْمُجٰاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصّٰابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبٰارَكُمْ (2).

أي ليتجسد ذلك على صفحة الوجود، ليكون وجوده العيني عين وجوده العلمي. . و إن اختلفا من حيث التحليل العقلي، فيما. يرتبط بالإدراك


1) الآية 12 من سورة الكهف.

2) الآية 31 من سورة محمد.

و التعقل بالنسبة لنا.

و كذلك الحال في الإيواء في قوله تعالى: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ. فإنه قد جاء مصاحبا لوجدان اللّه تعالى له يتيما. فلم يتركه سبحانه، مدة ثم آواه. .

و ذلك لأنه تعالى قد عبر هنا بالفاء الدالة على التعقيب بلا فصل، فقال: فَآوىٰ . لا بكلمة «ثم» الدالة على التعقيب مع المهلة. . فلم يقل «ثم» (آوى) .

ثانيا: بالنسبة لقوله تعالى: وَ وَجَدَكَ عٰائِلاً فَأَغْنىٰ.

نقول:

المراد بالعائل: الفقير ذو العيلة من غير جدة. . في إشارة إلى تنوع الحاجات، و إلى عظم المسؤوليات الملقاة على عاتقه «صلى اللّه عليه و آله» سواء فيما يرتبط بنفسه، أو فيما يرتبط بالآخرين. و خصوصا مسؤوليات هداية البشر منذ خلق اللّه آدم عليه و على نبينا و آله الصلاة و السلام. .

و قد ذكرت هذه الآية المباركة: أن اللّه تعالى قد وجد نبيه عائلا محتاجا إلى النعم و الألطاف، و العون. سواء في ذلك ما يرجع لنفسه أو لغيره (1)، من خلاله. . فأفاض عليه منها ما يليق بمقامه الأسمى و الأقدس. و ما يناسب حاجته، و موقعه، و مسؤولياته في جميع مراحل وجوده، حتى حينما كان نورا معلقا بالعرش.


1) إن الذي يرجع لنفسه يرجع لغيره أيضا بنحو و بآخر. . فإنه «صلى اللّه عليه و آله» أسوة و قدوة، و مثل أعلى، ثم هو ملجأ و وسيلة إلى اللّه. . احتاج الأنبياء إليه، و توسلوا به منذ آدم عليه و على نبينا و آله الصلاة و السلام. . فلا بد أن تتجلى كمالاته و مزاياه منذئذ. .

و لسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بأنه تعالى قد وجده، و اطلع على حاجاته و على فقره على كونه عائلا، بمجرد حدوثها، و لم يغب عنه ذلك لحظة واحدة.

ثم أفاض تعالى نعمه عليه بمجرد وجدانه كذلك، و من دون أي فصل زماني، أو مهلة، و ذلك من خلال التعبير بالفاء الدالة على التعقيب بلا فصل في قوله: فَأَغْنىٰ ، و لم يأت ب‌ «ثم» الدالة على التعقيب مع المهلة، فلم يقل: «ثم» (أغنى) . .

ثالثا: بالنسبة لقوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ.

نقول:

إنه تعالى بمجرد أن خلق نبيه روحا أولا، ثم روحا و جسدا تاليا قد وجده في جميع مراحل وجوده محتاجا إلى أنواع كثيرة من الهدايات، فأفاضها عليه مباشرة، و منذ اللحظة الأولى، و بلا مهلة، كما دل عليه التعبير بالفاء في قوله: فَهَدىٰ حيث لم يقل: «ثم» (هدى) . .

فأعطاه الهداية التكوينية، بمجرد ظهور حاجته إلى هذه الهداية. .

و أعطاه أيضا هداية الفطرة. .

و أعطاه هداية العقل. .

و أعطاه هداية التشريع و الإلهام و الوحي. .

و أعطاه هداية الحكمة. .

و يتجلى أثر هذه الهدايات في موقع الحاجة في نطاق سعيه الدائب، و تطلبه المستمر للوصول إلى مواضع القرب، و الحصول على مواقع الزلفى. .

فاتضح أنه تعالى يجد حاجة نبيه إلى الهداية من دون حاجة إلى الزمان، لأنه لا يمكن أن يغيب عنه تعالى شيء. . ثم هو يفيض الهدايات عليه مباشرة أيضا،

و بلا فصل و لا مهلة. فذلك يعني أن اللّه سبحانه قد منحه هداية لم يسبقها ضلال، و لو للحظة واحدة.

و يكون هذا الترتيب البياني بين الضلال و الهدى، لا يستبطن التدرج في الوجود الخارجي، بمعنى أن يتجسد ضلال، ثم تأتي الهداية فتزيله. .

بل هو ترتيب قد جاء في دائرة تمكين الناس من إدراك معنى الهدايات، و النعم، و التفضلات الإلهية على النبي الأقدس «صلى اللّه عليه و آله» . .

أي أنه ترتيب نشأ عن السعي الذهني إلى التجزئة بين المدركات، و تلمّس الحدود القائمة فيما بينها، بالإستناد إلى التحليل العقلي، بهدف تيسير إدراك الحقائق بصورة أعمق و أتم.

من نتائج ما تقدم:

و هكذا. . فإنه بإمكاننا بعد هذا البيان أن نقول:

إن هذه الآية المباركة هي أحد الأدلة الظاهرة على أن اللّه سبحانه منذ خلق نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أعطاه جميع الهدايات التي يحتاجها، و التي توصله إلى الغايات الإلهية. . و لا بد أن يكون من بينها هداية الإلهام و الوحي و التشريع و غيرها. و ذلك هو ما يفرضه إطلاق قوله تعالى: فَهَدىٰ .

بل ربما يحاول البعض استفادة ذلك أيضا من قوله تعالى، خطابا للمشركين مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ، وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ

وَحْيٌ يُوحىٰ (1). من حيث أن الآية قد نفت عنه «صلى اللّه عليه و آله» الضلال مطلقا، و في مختلف الحالات و الأزمان.

و ذلك يؤكد لنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان نبيا منذ ولد (2).

بل كان نبيا و آدم بين الماء و الطين أو بين الماء و الجسد (3). كما دلت عليه


1) الآيات 2-4 من سورة النجم.

2) البحار ج 18 ص 277 إلى ص 281 و قد تقدمت مصادر ذلك.

3) راجع: الاحتجاج ج 2 ص 248 و الفضائل لابن شاذان ص 34 و البحار ج 15 ص 353 و ج 50 ص 82 و الغدير ج 7 ص 38 و ج 9 ص 287 و مسند أحمد ج 4 ص 66 و ج 5 ص 59 و 379 و سنن الترمذي ج 5 ص 245 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 609 و مجمع الزوائد ج 8 ص 223 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 111 و ج 10 ص 56 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 438 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 347 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 179 و المعجم الأوسط ج 4 ص 272 و المعجم الكبير ج 12 ص 73 و ج 20 ص 353 و الجامع الصغير ج 2 ص 296 و كنز العمال ج 11 ص 409 و 450 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 86 و كشف الخفاء ج 2 ص 129 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 264 عن ابن سعد، و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 392 و 522 عن كتاب النكاح، و عن فيض القدير ج 5 ص 69 و عن الدر المنثور ج 5 ص 184 و فتح القدير ج 4 ص 267 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 148 و ج 7 ص 59 و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 300 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 169 و ج 7 ص 37 و عن أسد الغابة ج 3 ص 132 و ج 4 ص 426 و ج 5 ص 377 و تهذيب الكمال ج 14 ص 360 و سير أعلام النبلاء ج 7 ص 384 و ج 11 ص 110 و ج 13 ص 451 و من له رواية في مسند أحمد ص 428 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 148 و عن الإصابة ج 6 ص 181 و المنتخب من ذيل المذيل ص 66 و تاريخ جرجان ص 392 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 226 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 275 و 276 و 392 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 166 و عن عيون الأثر ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 288 و 289 و 317 و 318 و دفع الشبه عن الرسول ص 120 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 79 و 81 و 83 و ج 2 ص 239 و عن ينابيع المودة ج 1 ص 45 و ج 2 ص 99 و 261.

الروايات الشريفة.

و بذلك نستطيع أن نفهم بعمق الإشارة الخفية، التي تضمنتها كلمات أمير المؤمنين «عليه السلام» في نهج البلاغة، حيث يقول:

«. . و لقد قرن اللّه به «صلى اللّه عليه و آله» من لدن أن كان فطيما، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره! ! .» (1).

و لا بد من لفت النظر إلى التنصيص على واقع هذا الملك الذي قرنه اللّه سبحانه و تعالى، برسوله حيث وصفه «عليه السلام» بأنه أعظم ملائكته في إشارة منه «عليه السلام» إلى أن هذه المهمة قد بلغت في أهميتها و خطرها حدا جعلت من هذا الإختيار ضرورة لا بد منها.

و أن هذه الضرورة قد فرضت نفسها في وقت مبكر من حياته «صلى


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 157 و اليقين للسيد ابن طاووس ص 196 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 68 و البحار ج 14 ص 475 و راجع: مصادر نهج البلاغة ج 3 ص 57 و 58 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 197 و الغدير ج 3 ص 240 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 403.

اللّه عليه و آله» ، أي منذ كان «عليه السلام» فطيما.

توضيح و بيان:

و بعد ما تقدم نقول: إن من يراجع الآيات القرآنية يجد: أنها في بياناتها لبعض القضايا الحساسة تعتمد أسلوبا مميزا و فريدا، من حيث أنها تورد الحديث عن تلك القضايا بطريقة يحتاج معها نيل تلك المعاني إلى الخروج من حالة الغفلة و الاسترخاء الفكري، لكي يتمكن من تلمّس تلك الإشارات القوية حين تضطره إلى استنفار كل قواه العقلية، و تفرض عليه مستوى من التعمق، و الإحاطة الواعية بدقائق و حقائق مختلفة، و نيل معان عالية و دقيقة، تعطيه درجة من المناعة و الحصانة عن التأثر بالشبهات، التي تجد فرصتها في حالات الغفلة و السطحية، و الإستسلام البريء.

إنه تعالى يريد للإنسان أن يأخذ الفكرة بوعي، و بعمق، و شمولية، و بحساسية فائقة، لتخرج-من ثم-عن مستوى التصور، و تدخل في دائرة التصديق و اليقين المستند إلى البرهان.

و لتتغلغل-من ثم-في قلب الإنسان، و تصبح فكره، و عقيدته، و وجدانه، و ضميره. و يكون ذلك هو الضمانة القوية، و الحصن الحصين.

2-شق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد:

قد يسأل سائل و يقول:

هل هناك أدلة صحيحة السند على حادثة شق الكعبة لفاطمة بنت أسد لكي تلد أمير المؤمنين «عليه السلام» فيها؟ !

و نجيب:

بأنه لا شك في ولادة علي «عليه السلام» في الكعبة، لأن الإجماع قائم على ذلك كما صرح به الحاكم في المستدرك و غيره.

و اللافت هنا: أن حديث شق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد «رضوان اللّه تعالى عليها» ، لتضع مولودها في داخلها، قد روي عن أناس حارب بعضهم عليا «عليه السلام» ، و سعى إلى قتله، أو كان يكرهه، و لا يرضى بالإقرار بفضيلة له. .

فقد رواه: سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عائشة (1).

و رواه: أبو داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن عباس بن عبد المطلب (2).

و رواه: ابن شاذان، عن إبراهيم، بإسناده عن جعفر بن محمد «عليه السلام» (3).

و رواه: الحسن بن محبوب عن الإمام الصادق «عليه السلام» (4).

و رواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي


1) الأمالي للطوسي ص 715 و 716 و (ط دار الثقافة للطباعة) ص 707 و البحار ج 35 ص 35 و 36 و 17 و 18 عن المناقب لابن شهرآشوب، و حلية الأبرار ج 2 ص 20 و مدينة المعاجز ج 1 ص 45.

2) نفس المصادر السابقة.

3) نفس المصادر السابقة.

4) البحار ج 35 ص 17 و 18 و ج 41 ص 274 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 120.

بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (1).

و رواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الأسدي، عن موسى بن عمران، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن ثابت بن دينار، عن ابن جبير، عن يزيد بن قعنب (2).

فظهر مما تقدم: أن أكثر الذين رووا هذه القضية هم من غير الشيعة، بل فيهم من عرف بعدائه لعلي «عليه السلام» ، و بغضه له.

و ظهر أيضا: أن الرواية به مستفيضة. .

و ظهر: أن هذه الرواية قد جاءت عن:

1-عائشة بنت أبي بكر.

2-العباس بن عبد المطلب.

3-عبد اللّه بن عباس.

4-يزيد بن قعنب.

5-الإمام جعفر الصادق «عليه السلام» .


1) الأمالي للصدوق (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1410 ه‌) ص 99 و (ط مؤسسة البعثة) ص 176 و معاني الأخبار ص 62 و غاية المرام ج 1 ص 170.

2) الأمالي للصدوق (مركز الطباعة و النشر في مؤسسة البعثة) ص 194 و كتاب التوحيد للصدوق ص 62 و علل الشرايع (ط سنة 1408 ه‌) ج 1 ص 164 و (منشورات المكتبة الحيدرية) ص 135 و الجواهر السنية للحر العاملي ص 229 و معاني الأخبار ص 62 و روضة الواعظين ص 76 و 77 و البحار ج 35 ص 8 و 9 عنهم، و عن كشف اليقين ص 31 و 32 و عن كشف الحق، و بشارة المصطفى ص 26 و راجع: الخرايج و الجرايح ج 1 ص 171.

فإذا أخذنا بقول الزرقاني الذي صرح بأن: «من القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلا» (1).

و قول الخفاجي عن حديث رد الشمس: «إن تعدد طرقه شاهد صدق على صحته» (2).

و إذا أخذنا بقاعدة: «و الفضل ما شهدت به الأعداء» .

حتى إن عائشة لم تكن تطيب نفسها بذكر علي «عليه السلام» بخير أبدا. .

و إذا أكدنا ذلك بوجود أثر هذا الشق في جدار الكعبة إلى يومنا هذا، و قد جهدوا ليخفوه، فلم يمكنهم ذلك. .

نعم. . إننا إذا أخذنا بذلك كله، فلما ذا لا نأخذ بهذه الرواية أيضا؟ !

بل إنه حتى لو كان رواة حديث ما ينسبون للكذب و الوضع، فإن ذلك لا يعني أن لا تصدر عنهم كلمة صدق أصلا.

بل قد يكون الصدق هو الغالب عليهم، و لو لا ذلك لما استطاعوا التسويق للأمر الذي كذبوا فيه.

و الحاصل: أن الكاذب قد يقول الصدق، و الوضّاع قد يعترف بالحق، مع أن الأمر في رواة هذه الحادثة ليس كذلك كما يعلم بالمراجعة. .


1) شرح المواهب اللدنية ج 6 ص 490 و راجع: فيض القدير ج 5 ص 467 و الغدير ج 3 ص 138.

2) نسيم الرياض ج 3 ص 11 و راجع: شرح معاني الآثار ج 1 ص 46 و الغدير ج 3 ص 136 و رسائل في حديث رد الشمس للمحمودي ص 19 و 34 و 64.

3-لما ذا ولد علي عليه السّلام في الكعبة؟ ! :
اشارة

و هناك سؤال يقول:

كيف نستطيع أن نفسر اختصاص أمير المؤمنين «عليه السلام» ، بكرامة الولادة في الكعبة، دون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و نقول في جوابه ما يلي:

إننا قبل كل شيء، نحب التذكير بأن بين النبوة و الإمامة، و النبي و الإمام، فرقا، فيما يرتبط بترتيب الأحكام الظاهرية على من يؤمن بذلك و ينكر، و من يتيقن و يشك، و من يحب و يبغض. .

فأما بالنسبة للنبوة و النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن أدنى شك أو شبهة بها، و كذلك أدنى ريب في الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يوجب الكفر و الخروج من الدين، كما أن بغض الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بأي مرتبة كان، يخرج الإنسان من الإسلام واقعا، و تلحقه و تترتب عليه أحكام الكفر، في مرحلة الظاهر أيضا، فيحكم عليه بالنجاسة، و بأنه لا يرث من المسلم، و بغير ذلك. .

و أما الإمامة و الإمام «عليه السلام» ، فإن الحكمة، و الرحمة الإلهية، و حب اللّه تعالى للناس، و رفقه بهم، قد اقتضى: أن لا تترتب الأحكام الظاهرية على من أنكر الإمامة، أو شك فيها، أو في الإمام «عليه السلام» ، أو قصر في حبه. . و لكن بشرطين. .

أحدهما: أن يكون ذلك الإنكار، أو الشك، أو التقصير ناشئا عن شبهة، إذ مع اليقين بثبوت النص أو في دلالته، يكون المنكر أو الشاك مكذبا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، رادا على اللّه سبحانه، و من كان كذلك

فهو كافر جزما. .

الثاني: أن لا يكون معلنا ببغض الإمام، ناصبا العداء له، لأن الناصب حكمه حكم الكافر أيضا. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يقتل أحدا؛ لما ذا؟

و بعد ما تقدم نقول:

لا ريب في أن قيام الإسلام و حفظه يحتاج إلى جهاد و تضحيات، و أن في الجهاد قتل و يتم، و مصائب و مصاعب، و لم يكن يمكن لرسول اللّه أن يتولى بنفسه كسر شوكة الشرك، و قتل فراعنته و صناديده. . لأن ذلك يوجب أن ينصب الحقد عليه، و أن تمتلئ نفوس ذوي القتلى و محبيهم، و من يرون أنفسهم في موقع المهزوم بغضا له، و حنقا عليه. .

و هذا يؤدي إلى حرمان هؤلاء من فرصة الفوز بالتشرف بالإسلام، و سيؤثر ذلك على تمكّن بنيهم، و سائر ذويهم و محبيهم من ذلك أيضا. . فقضت الرحمة الإلهية أن يتولى مناجزتهم من هو كنفس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، ألا و هو أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

و اقتضت هذه الرحمة أيضا رفع بعض الأحكام الظاهرية-دون الواقعية- المرتبطة بحبه و بغضه، و بأمر إمامته «عليه السلام» ، تسهيلا من اللّه على الناس، و رفقا بهم-رفعها-عن منكر امامته «عليه السلام» ، و عن المقصر في حبه، و لكن بالشرطين المتقدمين و هما: وجود الشبهة و عدم نصب العداء له، لأنه مع عدم الشبهة يكون من قبيل تعمد تكذيب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ،

و مع نصب العداء يتحقق التمرد و الرد على اللّه سبحانه، كما قلنا. .

معالجة قضايا الروح و النفس:

ثم إن معالجة قضايا الحب و البغض، و الرضا و الغضب، و الإنفعالات النفسية، تحتاج إلى اتصال بالروح، و بالوجدان، و إلى إيقاظ الضمير، و إثارة العاطفة، بالإضافة إلى زيادة البصيرة في الدين، و ترسيخ اليقين بحقائقه. .

و هذا بالذات هو ما يتراءى لنا في مفردات السياسة الإلهية، في معالجة الأحقاد التي علم اللّه سبحانه: أنها سوف تنشأ، و قد نشأت بالفعل، كنتيجة لجهاد الإمام علي «عليه السلام» ، في سبيل هذا الدين. .

و نحن نعتقد: أن قضية ولادة الإمام علي «عليه السلام» في جوف الكعبة، واحدة من مفردات هذه السياسة الربانية، الحكيمة، و الرائعة. .

ولادة علي عليه السّلام في الكعبة صنع اللّه:

و يمكن توضيح ذلك بأن نقول:

إن ولادته «عليه السلام» ، في الكعبة المشرفة، أمر صنعه اللّه تعالى له، لأنه يريد أن تكون هذه الولادة رحمة للأمة، و سببا من أسباب هدايتها. . و هي ليست أمرا صنعه الإمام علي «عليه السلام» لنفسه، و لا هي مما سعى إليه الآخرون، ليمكن اتهامهم بأنهم يدبرون لأمر قد لا يكون لهم الحق به، أو التأييد لمفهوم اعتقادي، أو لواقع سياسي، أو الانتصار لجهة أو لفريق بعينه، في صراع ديني، أو اجتماعي، أو غيره. .

و يلاحظ: أن اللّه تعالى قد شق جدار الكعبة لوالدته «عليه السلام» حين دخلت، و حين خرجت، بعد أن وضعته في جوف الكعبة-و قد جرى

هذا الصنع الإلهي له-حيث كان «عليه السلام» لا يزال في طور الخلق و النشوء في هذا العالم الجديد. . ليدل دلالة واضحة على اصطفائه تعالى له، و عنايته به. .

و ذلك من شأنه أن يجعل أمر الاهتداء إلى نور ولايته أيسر، و يكون الإنسان في إمامته أبصر. .

و يتأكد هذا الأمر بالنسبة لأولئك الذي سوف تترك لمسات ذباب سيفه «ذي الفقار» آثارها في أعناق المستكبرين و الطغاة من إخوانهم، و آبائهم، و عشائرهم، أو من لهم بهم صلة أو رابطة من أي نوع. .

الرصيد الوجداني آثار و سمات:

إن هذا الرصيد الوجداني، الذي هيأ اللّه لهم ليختزنوه في قلوبهم و عقولهم من خلال النصوص القرآنية و النبوية التي تؤكد فضل علي «عليه السلام» و إمامته، ثم جاء الواقع العلمي ليعطيها المزيد من الرسوخ و التجذر في قلوبهم و عقولهم من خلال مشاهداتهم، و وقوفهم على ما جاء اللّه به من ألطاف إلهية به، و إحساسهم بعمق وجدانهم بأنه وليد مبارك، و بأنه من صفوة خلق اللّه و من عباده المخلصين، أن ذلك سيجعلهم يدركون: أنه «عليه السلام» ، لا يريد بما بذله من جهد، و جهاد في مسيرة الإسلام، إلا رضا اللّه سبحانه، و إلا حفظ مسيرة الحياة الإنسانية، على حالة السلامة، و في خط الاعتدال. . لأنها مسيرة سيكون جميع الناس-بدون استثناء-عناصر فاعلة و مؤثرة فيها، و متأثرة بها. .

و بذلك يصبح الذين يريدون الكون في موقع المخاصم له «عليه

السلام» ، أو المؤلب عليه، أمام صراع مع النفس و مع الوجدان، و الضمير، و سيرون أنهم حين يحاربونه إنما يحاربون اللّه و رسوله. . و يسعون في هدم ما شيده للدين من أركان، و ما أقامه من أجل سعادتهم، و سلامة حياتهم، من بنيان. .

ولادة علي عليه السّلام في الكعبة لطف بالأمة:

فولادة الإمام علي «عليه السلام» ، في الكعبة المشرفة، لطف، بالأمة بأسرها، حتى بأولئك الذين و ترهم الإسلام، و سبيل هداية لهم و لها، و سبب انضباط وجداني، و معدن خير و صلاح، ينتج الإيمان، و العمل الصالح، و يكف من يستجيب لنداء الوجدان، عن الامعان في الطغيان، و العدوان، و عن الانسياق وراء الأهواء، و العواطف، من دون تأمل و تدبر. .

و غني عن البيان، أن مقام الإمام علي «عليه السلام» و فضله، أعظم و أجل من أن تكون ولادته «عليه السلام» ، في الكعبة سببا أو منشأ لإعطاء المقام و الشرف له. . بل الكعبة هي التي تتشرف به و تعتز، و تزيد قداستها، و تتأكد حرمتها بولادته فيها صلوات اللّه و سلامه عليه. .

و أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن معجزته الظاهرة التي تهدي الناس إلى اللّه تعالى، و صفاته، و إلى النبوة و تدلهم على النبي، و تؤكد صدقه، و تلزم بالإيمان به، و تأخذ بيدهم إلى التسليم باليوم الآخر-إن هذه المعجزة-هي هذا القرآن العظيم، الذي يهدي إلى الرشد من أراده، و الذي لا بد أن يدخل هذه الحقائق إلى القلوب و العقول أولا، من باب الاستدلال، و الانجذاب الفطري إلى الحق بما هو حق. . من دون تأثر

بالعاطفة، و بعيدا عن احتمالات الإنبهار بأية مؤثرات أخرى معهما كانت. .

إذ إن القضية هي قضية إيمان و كفر، و حق و باطل، لا بد لإدراكهما من الكون على حالة من الصفاء و النقاء، و تفريغ القلب من أي داع آخر، قد يكون سببا في التساهل في رصد الحقيقة، أو في التعامل مع وسائل الحصول عليها، و الوصول إليها. .

فاللّه لا يريد أن تكون مظاهر الكرامة، سببا في إعاقة العقل عن دوره الأصيل في إدراك الحق، و في تحديد حدوده، و تلمّس دقائقه، و حقائقه و التبيّن لها إلى حد تصير معه أوضح من الشمس، و أبين من الأمس. .

و لذلك فإن اللّه تعالى لم يصنع لرسوله، ما يدعوهم إلى تقديسه كشخص، و لا ربط الناس به قبل بعثته بما هو فرد بعينه، لا بد لهم من الخضوع و البخوع له، و تمجيد مقامه، لأن هذا قد لا يكون هو الأسلوب الأمثل، و لا الطريقة الفضلى، في سياسية الهداية الإلاهية إلى الأمور الإعتقادية، التي هي أساس الدين، و التي تحتاج إلى تفريغ النفس، و إعطاء الدور، كل الدور، للدليل و للبرهان، و للآيات و البينات، و إلى أن يكون التعاطي مع الآيات و الدلائل بسلامة تامة، و بوعي كامل، و تأمل عميق، و ملاحظة دقيقة. .

و هذا هو ما نلاحظه في إثارات الآيات القرآنية لقضايا الإيمان الكبرى، خصوصا تلك التي نزلت في الفترة المكية للدعوة. فإنها إثارات جاءت بالغة الدقة، رائعة في دلالاتها و بياناتها، التي تضع العقل و الفطرة أمام الأمر الواقع الذي لا يمكن القفز عنه، إلا بتعطيل دورهما، و إسقاط سلطانهما، لمصلحة سلطان الهوى، و نزوات الشهوات، و الغرائز. .

و هذا الذي قلناه، لا ينسحب و لا يشمل إظهار المعجزات و الآيات الدالة على الرسولية، و على النبوة، فإنها آيات يستطيع العقل أن يتخذ منها وسائل و أدوات ترشده إلى الحق، و توصله إليه. . و تضع يده عليه. . و ليست هي فوق العقل، و لا هي من موجبات تعطيله، أو اضعافه.

4-أهل الكتاب ليس عندهم علم الكتاب:

و ثمة سؤال يورده البعض، مفاده: أنه لا يصح أن يكون المراد بمن عنده علم الكتاب في قوله تعالى: قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (1)عليا «عليه السلام» ، لأن عليا «عليه السلام» ، قد آمن بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو بالتالي طرف في النزاع بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المشركين.

فلا يعقل أن يحيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» المشركين إلى علي «عليه السلام» و أن يستشهد به على صدق نبوة نفسه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنهم لن يقبلوا شهادته.

فكيف يأمره اللّه تعالى بأن يجعله «صلى اللّه عليه و آله» شهيدا بينه و بين أهل الكتاب؟ ! و الحال أن رفعهم لشهادته أمر بديهي، و قد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم ذلك أيضا؟

أليس ذلك من قبيل الإحالة على محال؟

و مع صحة هذا الإشكال العقلي، تسقط كل الروايات التي تفسر من


1) الآية 43 من سورة الرعد.

عنده علم الكتاب بعلي «عليه السلام» .

و نقول في الجواب:

أولا: إن الروايات المتواترة، و كثير منها صحيح السند قد دلت على أن المقصود ب‌ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ أمير المؤمنين علي، و الأئمة من ذريته عليه و عليهم السلام. و هي تقطع دابر كل تخرص و رجم بالغيب في هذا المجال؛ فإنهم «عليهم السلام» عدل القرآن، و أحد الثقلين اللذين أمرنا اللّه بالتمسك بهما.

و لا يمكن تكذيب هذا العدد الكبير من الروايات الصحيحة، فكيف إذا كانت متواترة من طرق الشيعة. . كما أنها مروية من طرق أهل السنة. .

و نذكر من هذه الروايات ثلاثا فقط، هي التالية:

1-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين «عليه السلام» .

و سئل عن الذي عنده علم من الكتاب، أعلم؟ ! أم الذي عنده علم الكتاب؟ !

فقال: ما كان علم الذي كان عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة من ماء البحر. . (1).

2-و عن الإمام الباقر «عليه السلام» في تفسير الآية: إيانا عنى، و علي


1) تفسير القمي ج 1 ص 367 و التفسير الصافي ج 3 ص 77 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 523 و ج 4 ص 88 و البحار ج 26 ص 160 و ينابيع المعاجز ص 14.

أولنا، و أفضلنا، و خيرنا بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

3-و عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: كنت عنده، فذكروا سليمان و ما أعطي من العلم، و ما أوتي من الملك.

فقال لي: و ما أعطي سليمان بن داود؟ إنما كان عنده حرف واحد من الاسم الأعظم، و صاحبكم الذي قال اللّه تعالى: قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (2). و كان-و اللّه-عند علي «عليه السلام» ، علم الكتاب.

فقلت: صدقت و اللّه جعلت فداك (3).

فإذا جاء الخبر اليقين المتواتر عنهم «عليهم السلام» ، و كان عدد كثير منه صحيح السند، فلا بد من البخوع له و الانتهاء إليه، و ليس لأحد-بعد


1) بصائر الدرجات ص 235 و 236 و الكافي ج 1 ص 229 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 504 و البحار ج 23 ص 191 و ج 35 ص 433 و ج 39 ص 91 و بشارة المصطفى للطبري ص 299 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 522 و التفسير الصافي ج 3 ص 77 و التفسير الأصفى ج 1 ص 609 و تفسير مجمع البيان ج 6 ص 54 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 269 و تفسير العياشي ج 2 ص 220 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 160 و دعائم الإسلام ج 1 ص 22 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 27 ص 181 و (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 134 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 315 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 334.

2) الآية 43 من سورة الرعد.

3) بصائر الدرجات ص 233 و ينابيع المعاجز ص 15 و البحار ج 26 ص 170 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 524.

ثبوته-أم يثير الشكوك بكلامهم. استنادا إلى حدسيات و آراء الرجال. . بل لا بد أن تزول الشبهة بكلامهم صلوات اللّه و سلامه عليهم. . و رحم اللّه امرءا عرف حده فوقف عنده.

ثانيا: إن الآية نفسها تكاد تكون صريحة في أن المقصود لا يمكن أن يكون غير علي «عليه السلام» ، لا عبد اللّه بن سلام، و لا غيره من أهل الكتاب.

و حيث إن هناك سعيا حثيثا من قبل البعض لصرف الآية عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و تخصيصها بعبد اللّه بن سلام اليهودي، فلا بد لنا من توجيه الكلام بحيث يحسم مادة النزاع في هذا الأمر، فنقول:

إن الآية التي هي مورد البحث تقول:

وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (1).

و نحن في سياق بيان ما نرمي إليه نشير إلى عدة نقاط ترتبط بهذه الآية الشريفة. . فنقول:

1-إن الشاهد بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بين الذين كفروا، إن كان من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، و ينكرون نبوته، فإن شهادته لا تجعلهم يعترفون بالحق، بل هم سوف يغتنمونها فرصة لإسقاط دعوته و تضعيف أمره. .

و ليس لنا أن نتوقع منهم أن يبادروا إلى إبطال دينهم، و إثبات حقانية هذا الدين الجديد الذي يعارضه، و يناقضه، و ينفيه. .


1) الآية 43 من سورة الرعد.

و إن كان الشاهد هو عبد اللّه بن سلام بعد إسلامه، فمن جهة، ليس ثمة ما يطمئن-بحسب العادة-إلى أن ابن سلام سوف يقول الصدق، و لا يكتم الشهادة، فقد تدفعه أهواؤه إلى ذلك، فإنه ليس بمعصوم.

بل إن الوقائع التي رافقت حياة هذا الرجل بعد إسلامه قد أثبتت أنه لم يكن وفيا للحق، بل اتبع هواه، و عاند الإمام الحق، و اتبع سبيل الذين لا يعلمون. .

كما أن أهل الكتاب قد كتموا الشهادة بالحق لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في غير هذا المورد، و قد تحدث اللّه عنهم في ذلك، و أنبهم عليه، و اتهمهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فراجع تفسير قوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرٰاةِ فَاتْلُوهٰا إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (1).

و قوله تعالى: مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ (2).

فمن كان كذلك كيف تجعل شهادته عدلا لشهادة اللّه و شهيديته؟ !

و كيف يسجل ذلك في القرآن ليقرأه الناس و ليستفيدوا منه خلفا عن سلف؟ ! . .

ألا يعد هذا من الإغراء للناس بما لا يصح الإغراء به؟

بل إن إصرار أهل الكتاب على البقاء على دينهم في هذه الحال لهو من أعظم مظاهر كتمان الشهادة بالحق، كما هو ظاهر لا يخفى. .

مع أن سياق الآية و التعبير بكفى، و جعل شهيدية العالم بالكتاب


1) الآية 93 من آل عمران.

2) الآية 46 من سورة النساء، و راجع الآيتان 13 و 14 من سورة المائدة.

مقرونة بشهيدية اللّه تعالى يفيد: أن هناك ضمانة حقيقية، و طمأنينة شديدة إلى أمانة الشاهد و صدقه، و أنه لن يكتم الشهادة فضلا عن أنه لن يشهد إلا بالحق و الصدق، لا على سبيل الإعجاز في الإخبار عن الغيب، و لا على سبيل الإعجاز بإجبار ابن سلام على ذلك تكوينا.

بل الأمر يجري وفق السنن، من حيث أنه يستند إلى أن الشاهد هو ذلك الإنسان العالم بمواطن الحق و الباطل، المعصوم عن أن ينقاد لهواه، و عن أن ينساق مع تيار الإنحراف، في أي من الظروف و الأحوال. .

2-إن الحديث إنما هو مع المشركين و الكفار، و هم كما لا يعترفون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإنهم لا يعترفون أيضا باليهود، و إلا لكانوا تابعوهم، و دخلوا معهم في دينهم، فما معنى إلزامهم بشهادة ابن سلام الذي كان يهوديا فأسلم. و هم يخطئونه في ذلك و يضللونه؟ !

و ما معنى أن تقرن شهادة اليهود بشهادة اللّه سبحانه، في مقام التحدي؟ !

3-إنه بعد أن دخل ابن سلام في الإسلام لم يعد هناك أي فرق بنظر الكفار بينه و بين علي «عليه السلام» ، فهذا خصم لهم مدع عليهم، و ذاك أيضا كذلك بنظرهم. .

4-إن الآية قد تحدثت عن الشهيد، لا عن الشاهد. . و التعبير الطبيعي عن الذي يؤدي الشهادة في موارد الترافع و الاختلاف هو كلمة «شاهد» ، فيقال فلان شاهد، لا شهيد، التي هي من صيغ المبالغة. .

5-أضف إلى ما تقدم: أنه لا يقال-في العادة-: فلان شاهد بيني و بينكم، بل يقال فلان شاهد على فلان، أو شاهد على الأمر.

و قد ذكر بعضهم: أنه يمكن أن يكون التعبير بكلمة بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ للإشارة إلى توسط الشاهد بين الطرفين، و تساويهما عنده بحيث لا يميل إلى أحدهما على حساب الآخر. و هذا يعطيه الوثاقة و الأمانة و العدالة في الشهادة، إلى حد أن تصبح شهادته هي الفيصل في الأمر، فيكون شاهدا حاكما، قاطعا للنزاع.

و التعبير بكلمة شهيدا للإلماح إلى شدة اطلاعه و حضوره، الأمر الذي يحتم إطاعته و القبول منه.

و نقول:

إننا نتفق مع هذا الأخ الكريم، على أن المراد بالشهيدية هو الحضور المباشر و القوي من حيث شدة انتباهه لما يجري على صفحة الواقع، و تدقيقه فيه. . و لكننا لا نوافقه على أن المراد بالآية الشهادة بين متخاصمين على حد الشهادات الأخرى. بل هو شهيدية، و حضور حاكم، و فاصل للأمر، من دون أن يكون هناك شهادة.

لأن معرفة الصدق، خصوصا في أمر يتعذر فيه الإطلاع إلى درجة الحضور، كمجيء جبرئيل «عليه السلام» للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، أمر غير ميسور للبشر العاديين و ذلك معناه أن هذا الشهيد يملك وسائل عالية جدا، تمكنه من الحضور المباشر حتى في مثل هذه الأمور الخفية جدا، و ذلك لا يتناسب إلا مع ما هو أرقى من هذا الذي نعيشه و نألفه. . و هو شهيدية الإمام، و الإمامة التي ستظهر آثارها في يوم القيامة. .

و هذا يؤيد و يؤكد المعنى الذي نسوق الكلام إليه. . و هو أنها شهيدية بمعنى الحضور، لا بمعنى أداء الشهادة.

6-إن من الواضح: أن الإكتفاء بشهيدية اللّه، و من عنده علم الكتاب ليس معناه أن الذي عنده علم الكتاب سيكون قادرا-بما أوتي من علم- على إلزامهم بالحجة، بعد أن عجز الرسول نفسه «صلى اللّه عليه و آله» عن إلزامهم بها. بل المراد أن ذلك العالم بالكتاب سيكون هو حجة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، عليهم.

7-ليس في الآية أية إشارة إلى أن المقصود بالكتاب فيها، هو كتاب التوراة أو الإنجيل، فتطبيق الآية عليهما ما هو إلا تخرص، و رجم بالغيب، و من دون مبرر.

بل قد وجدنا في الروايات الواردة عن المعصومين «عليهم السلام» ما يشير إلى أن المراد بالكتاب هو ذلك الكتاب الذي يكون للعالم به القدرة على التأثير في عالم التكوين، و الهيمنة على الموجودات، ففي بعضها ما يدل على أن هذا الكتاب هو نفس الكتاب الذي كان آصف بن برخيا يعلم بعضه، فتمكن به من الإتيان بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس: قٰالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّٰا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قٰالَ هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي (1).

و المراد بالكتاب: القرآن. . الذي هو تبيان كل شيء، و قال تعالى: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ (2)فمن كان عنده حقيقته، فإنه سيكون متمكنا و مهيمنا على الأشياء بأعظم هيمنة. و يمكّن من ذلك أيضا آصف بن برخيا


1) الآية 40 من سورة النمل.

2) الآية 38 من سورة الأنعام.

و الأنبياء السابقين لأنهم إنما يملكون بعضا من علوم القرآن، و علي «عليه السلام» ، يعرف كل ما في هذا القرآن.

فالمراد بعلم الكتاب إذن هو ذلك العلم القاهر لهم، الذي يعطي العالم به السلطة و القدرة على التصرف، و إراءة الخوارق التي تسقط استكبارهم، و تعرفهم بمدى ضعفهم، و بأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا.

8-و إذا تحقق ذلك، فإن ملاحظة أنه تعالى قد عبر بكلمة «شهيد» ثم نسبها للّه سبحانه، و للعالم بالكتاب في سياق واحد تعطينا: أن صيغة المبالغة «شهيدا» قد جاءت للتعبير عن الشهادة التي تكون هي الأشد حضورا، و الأكثر إحاطة و هيمنة و إشرافا، و الأبعد أثرا في التمكين من الإطلاع على دقائق الأحوال و خفاياها، و على كل خصوصياتها و حقائقها و مزاياها. بحيث تكون-بملاحظة تعدد المنكشفات-، بمثابة معاينات و مشاهدات متعددة، و مباشرة حسية لذلك كله. .

فتعددها يوجب تعدد المشاهدات و الشهادات، فيصح المبالغة- و التكثير-بلحاظ ذلك.

و لذلك قال: «شهيدا» .

كما أن نيل حقائقها و وقائعها قد أوصلها إلى درجة المحسوس المشاهد، حتى لو كانت من الأمور التي لا تنالها الحواس الظاهرية.

فهل لأحد من أهل الكتاب هذه الإحاطة، و هذا الإشراف ليصح أن يقال عنه: إنه شهيد، و أن تقرن شهيديته بشهيدية اللّه تعالى؟ !

9-إن الشهيدية في مورد الآية قد تعلقت بأمر لا تناله الحواس الظاهرة، بل يعرف بالأدلة العقلية، و بالبصيرة الهادية، و بقضاء الفطرة، و الوجدان

المستند إلى الدليل و البرهان-حتى لو كان هذا الدليل هو المعجزة-في مقام التحدي.

و نيل العلم بالنبوة لا ينحصر بأهل الكتاب، و لا بعبد اللّه بن سلام، بل البشر جميعا يشاركونهم في ذلك. .

و لكن الأمر الذي تحدثت عنه الآية هنا هو شهيدية بالنبوة، و إشراف على حقائقها و دقائقها، مستند إلى العلم المأخوذ من الكتاب. . لا إلى العلم من خلال ظهور المعجزات. . مما يعني: أن دلائل هذه النبوة التي يعاينها ذلك العالم بالكتاب كثيرة جدا. . و متعددة، فالشهادة بالنبوة بمثابة شهادات بتلك الدلائل التي نالها ذلك العالم بعلمه. .

10-كما أن شهيديته لا تكون بمجرد الإعلان بنعم، أو بلا. . كما هو الحال في أية شهادة على أمر مختلف فيه. . بل هي شهادة فيها إظهار لخفيات مكّن العلم بالكتاب من إظهارها. و ذلك بطريقة إعجازية. .

خصوصا: و أن الذين كفروا قد حسموا الأمر، و أعلنوا رفضهم لنبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، بصورة جازمة و قالوا: لَسْتَ مُرْسَلاً فلم يكن هناك مجال للحوار، و لا للأخذ و الرد معهم. .

فجاء هذا الموقف ليواجه عنادهم هذا، و ليتحدى غطرستهم و استكبارهم، و ليكون بمثابة و عيد لهم بالانتقام، و بعدم النجاة، ما دام أن الأمور تعود إلى اللّه سبحانه، و سيكون من عنده علم الكتاب هو الآخذ بكظمهم، و المتولي لأمرهم.

فلا غرو إذا قلنا بعد ذلك كله: إن المقصود بالشهيدية هو مقام الشهادة على الخلق، التي تختزن معنى الإحاطة و الهيمنة، و الإشراف التام على كل الحالات و الخصوصيات. و التي قرنت بشاهدية و شهيدية اللّه سبحانه. .

الذي هو مصدر الفيض و العطاء و التمكين لهذه الشهيدية للعالم بالكتاب المرتبطة به، و المنتهية إليه أيضا، لأن علمه به إنما هو بتعليم منه تعالى. .

فشهيدية هذا العالم بالكتاب مساوقة لشهيدية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (1)وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً (2)لِيَكُونَ اَلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ (3).

و يكون هذا الشهيد معصوما، لا مجال لاحتمال أي إخلال في حقه، و قويا في ذات اللّه، لا يدعوه إلى كتم الشهادة رغب و لا رهب.

عليم بالحقائق، مطلع على أسرار الكائنات، يمتلك-بتمليك اللّه سبحانه له-القدرة على حسم الأمور في الاتجاه الصحيح. .

و تكون الآية تتجه إلى ردّ التحدي، و التصدي للإستكبار و أهله حيث تواجهه و تواجههم بالوعيد الحازم، حيث يتولى اللّه، و من عنده علم الكتاب-و من موقع العلم، و القوة، و القدرة على التصرف-مواجهتهم بما يناسب عنادهم، و جحودهم، و استكبارهم، حيث سيكون علي «عليه السلام» هو الذي له مقام الشهيدية، و هو المتولي لأمر الصراط، فلا يمر عليه إلا من عنده جواز من علي «عليه السلام» (4).


1) الآية 143 من سورة البقرة.

2) الآية 41 من سورة البقرة.

3) الآية 78 من سورة الحج.

4) راجع: الإعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق ص 70 و البحار ج 8 ص 70 و ج 39 ص 211 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 272 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 123.

و الذي يعطيه علي «عليه السلام» هذا الجواز هو من التزم الحق، و الصدق و تجنب الجحود عن علم، و سمع كلمة الحق. و لم يتول مستكبرا عنها كأن لم يسمعها. .

و ستكون معاملة علي «عليه السلام» معهم معاملة العارف بهم عن مشاهدة و معاينة، لمكان شهيديته، و إشرافه على الكتاب، و علمه و معرفته الدقيقة بحقائقه و دقائقه، سواء في مجال التشريع أو في التكوين، و الهيمنة على السنن الإلهية. . في سياق العمل على تطبيق السياسة الربانية في الكون كله، و في الحياة كلها. .

الخاتمة

اشارة

خاتمة الكتاب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه، و الصلاة و السلام على محمد و آله. .

و بعد. .

1-فقد انتهيت من تأليف هذا الكتاب، كتاب «الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . في هذه الأيام الصعبة و الأليمة، حيث الصدور حرى، و العيون عبرى مما يجري على أهلنا و قرانا، و كل جبل عامل الجريح، و في العديد من المناطق اللبنانية الأخرى، و خصوصا الضاحية الجنوبية لبيروت، و بعلبك، و الهرمل، و سائر المناطق في البقاعين و سواهما. . على أيدي اليهود الذين اغتصبوا فلسطين و شردوا أهلها. . حيث كانت آلة حقدهم تصب حممها على شيعة أهل البيت «عليهم السلام» ، فتزهق أرواحهم، و تمزق أجسادهم بما في ذلك أجساد النساء و الرجال، شيوخا و أطفالا، و كبارا و صغارا، و تهدم بيوتهم على رؤوسهم، فيموت من يموت، و يجرح من يجرح، و تندر الأيدي، و تقطع الأرجل، و تتحطم العظام، و تمزق الأجساد، و تبقر البطون. . فإنا للّه و إنا إليه راجعون. .

أما المشردون و التائهون في مختلف البلاد، و هم مئات الألوف، فاللّه أعلم بحقيقة معاناتهم، و ما يجري عليهم، حتى إن منهم من يصعب عليه

حتى أن يجد الملاذ و المأوى، فافترش الأرض، و التحف السماء.

و لعل أقسى ما يؤلمهم هو شماتة الأعداء بهم، بالإضافة إلى ما يعانونه من شظف العيش، و فقدان أدنى مقومات الحياة، فلا وطاء، و لا غطاء، و لا طعام و لا ماء، و لا حتى دواء، فضلا عما سوى ذلك. .

على أن هناك ثلة من أهلنا من أصحاب النفوس الأبية، و الأرواح القدسية، قد بقيت متشبثة بأرضها و بيوتها، تؤثر الموت فيما تهدّم منها، على الهجرة عنها، رغم أنها تعيش في أقسى ظروف يمكن أن يواجهها البشر، حيث يقتلون على أيدي اليهود أحفاد قتلة الأنبياء، و أعداء الصلحاء، و إخوان القردة و الخنازير، و مردة الشياطين، فكانت تحوم فوق رؤوسهم الطائرات، المحملة بقنابل الحقد، المشحونة بآلة الدمار. .

فلا تكاد تفارقهم لحظة واحدة، و كل همها هو أن تتخير منهم من تشاء من أهل العفاف و التقوى، ليكونوا أهدافا لها، ترميهم بسهام الحقد في أية لحظة تشاء.

هذا، بالإضافة إلى المدمرات و الزوارق الحربية التي تتربص بهم، و المدافع الثقيلة و الدبابات التي تصب حممها فوق رؤوسهم، مع احتمال أن يجتاحهم عدوهم بجنوده في كل ساعة، و أية لحظة. . ليتفنن بالفتك بهم. .

هذا عدا عن أن الكثيرين منهم قد لا يجدون ما يدفعون به سورة الجوع و العطش عن أنفسهم. . فهم يأكلون الجشب، و يشربون الكدر. . فيا لها من مصيبة ما أعظمها، و من جرح ما أشد ألمه. .

2-على أن كل هذا الحزن و الأسى قد جاء متمازجا بشعور الكرامة و العزة و الإباء، ما دام أن تلك الوحوش الكاسرة إنما فتكت بهؤلاء الآمنين

من النساء، و الأطفال و المسنين، بعد أن أذاقها أولئك الأشاوس، عشاق علي و الحسين و الزهراء «عليهم السلام» مرارة الخزي و الهوان، و الذل و الخسران في ساحات الوغى، فلاذت بالفرار، و توارت خلف الأسوار، و صبت جام غضبها على الصغار و الكبار، و باءت بغضب العزيز الجبار. .

3-و كان مما امتحنني اللّه به، هو تدمير مكتبتي، التي كانت في بيتي في الضاحية الجنوبية لبيروت. و احتراق غرفة كانت تحوي شطرا من مكتبتي في عيثا الجبل أيضا. . و كانت تحوي بالإضافة إلى بعض المخطوطات القديمة جميع ما خطته يدي طيلة حياتي، و ما أكثره، و قد التهمته النار، و أتت عليه، و لم يسلم لي حتى سطر واحد.

و لكن كل ذلك يهون و يرخص أمام ما عايناه من ألطاف إلهية، شملت أهل الإيمان تمثلت بنصر قل نظيره، و بعنايات ربانية مكنت محبي علي أمير المؤمنين «عليه السلام» و شيعته الأوفياء، و مواليه الصفياء من إذلال أعداء اللّه سبحانه، فأبار اللّه كيدهم. و أظهر خزيهم، و ذلهم.

4-إن قسما كبيرا، أو القسم الأكبر من آخر جزء من هذا الكتاب، قد كتب في أجواء هذه الحرب، و في أماكن فرضت علينا المخاطر اللجوء إليها، لأننا ظننا أنها أكثر أمنا. .

فربما لم نتمكن من إعطائها حقها، و لو بمقدار ما حظيت به سائر أقسام هذا الكتاب، و ربما نكون قد غفلنا عن أمور كثيرة كان يحسن بنا ذكرها، أو الإلماح إليها، بنحو أو بآخر. .

فنحن نعتذر إلى القارئ الكريم عن أي تقصير يمكن أن يلاحظ فيها. .

5-و بالنسبة لعملنا في هذا الكتاب نود أن نعترف و نعتذر، فنعترف بما يلي:

ألف: إننا بسبب تباعد أوقات عملنا فيه، لم نستطع في مراجعاتنا لمصادر النصوص أن نعتمد على طبعة واحدة منها، فاختلفت الطبعات لكثير من تلك المصادر، حتى في الفصل الواحد، و ربما بين صفحة و أخرى، بل بين مورد و آخر. . مثل: كنز العمال، طبقات ابن سعد، تاريخ الطبري، الإصابة، مسند أحمد، البداية و النهاية، السيرة النبوية لابن هشام، تاريخ اليعقوبي، صحيح البخاري، صحيح مسلم، الكافي، البحار، و عشرات المصادر الأخرى. .

ب: قد يلمس القارئ الكريم بعض الإختلاف في طريقة التعاطي مع النصوص فيما بين الثلث الأول من أجزاء هذا الكتاب، و بين الأجزاء التي تلتها، حيث آثرنا في الأجزاء العشرين الأخيرة أن نعتمد طريقة حشد طائفة من النصوص أولا، ثم نبدأ بمناقشتها، أو بالتحليل لنصوصها. أو بتسجيل تحفظات، أو إثارة تساؤلات حولها. . ضمن عناوين لا حقة. . حيث وجدنا في هذه الطريقة بعضا من السهولة علينا، و إن كانت قد توجب حالة من التوزع للمطالب، و التباعد بين موقع النص، و موضع مناقشته، أو تحليل نصوصه. .

الأمر الذي قد يتسبب بحدوث توهمات لدى القارئ الذي لم يطلع على طريقتنا التي ألمحنا إليها، فيتوهم موافقتنا على مضمون النص، مع أن الأمر على خلاف ذلك. .

ج: ثم إننا نريد أن نعتذر عن تقصيرنا في استقصاء النصوص، و عن عزوفنا في أحيان كثيرة عن استقصاء المصادر، فيؤدي ذلك الى إغفال بعض النصوص، و إهمال نقاشها، أو الإكتفاء بأقل القليل من ذلك.

و هذا و لا شك تقصير نستغفر اللّه فيه، و نعتذر للقارئ الكريم عنه.

د: علينا أن نعتذر أيضا عن بعض الإستطرادات الطويلة، التي قد يتضايق القارئ منها، و يرى أنها فرضت عليه، ربما لمبرر لا يعنيه. .

ه‌: و نعتذر أخيرا عن عدم مراعاتنا الضوابط الفنية المقررة في طريقة تسجيل النصوص، و كيفية وضع الهوامش، فقد يحمل ذلك بعض من يتقيد بهذه الأمور على إصدار أحكام قاسية ضدنا، و نحن سوف نتلقاها بصدر رحب، و سنعطيه كل الحق في ذلك.

و ليكن هذا الإعتراف شافعا لنا عنده، و وسيلتنا إليه، ليقبل منا هذا الإعتذار.

و: و قبل الختام أحب أن أشير إلى أنه مهما قيل في قيمة هذا الجهد، و في مستواه. . فإنني أقدمه للقراء الأعزاء على أنه مجرد خطوة متواضعة و محدودة، معترفا بأنه لم يستطع أن يوفي السيرة النبوية حقها. . فتبقى الحاجة ملحة إلى كثير من الخطوات التي تكون أكثر ثباتا، و أشد رسوخا في مجال التحقيق و التمحيص للنصوص، و في مجال استفادة المناهج الصحيحة، و العبر الصريحة منها. .

ز: و بعد. . فإنني أزجي شكري الجزيل لإخوتي الأعزاء الذين لم يدخروا وسعا في مساعدتي، و تذليل الصعاب التي كانت تواجهني، فشكر اللّه سعيهم، و تقبل عملهم هذا بأحسن القبول، و أثابهم بما يثيب به المجاهدين في سبيله، إنه

ولي قدير.

و أخيرا، فإنني أهدي ثواب هذا الجهد المتواضع إلى والديّ، و إلى شهداء هذه الهجمة الشرسة و الحاقدة. . سائلا المولى الكريم أن ينصر عباده، و يعز أولياءه، إنه ولي قدير. .

جعفر مرتضى العاملي لبنان-29 جمادى الثانية 1427 للهجرة. الموافق:25 تموز 2006 للميلاد.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل السابع: تغسيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 5-42

الفصل الثامن: تكفين النبي صلّى اللّه عليه و آله و الصلاة عليه 43-64

الباب الثالث عشر: دفن الرسول صلّى اللّه عليه و آله حدث. . و تحقيق الفصل الاول: دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 67-100

الفصل الثاني: أين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !101-140

الفصل الثالث: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات شهيدا 141-192

الفصل الرابع: جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله في السماء 193-216

الباب الرابع عشر: السقيفة عرض و تحليل. . الفصل الأول: ممهدات 219-244

الفصل الثاني: ما جرى في السقيفة 245-292

الفصل الثالث: الأنصار. . ضحية حنكة أبي بكر 293-312

الفصل الرابع: السقيفة. . انقلاب مسلح! !313-340

الفصل الأخير: إستدراكات لا بد منها 341-372

الخاتمة 373-380

الفهارس:381-392

2-الفهرس التفصيلي

الفصل السابع: تغسيل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله إبليس يغريهم بترك تغسيل النبي صلّى اللّه عليه و آله:7

تغسيل الرسول صلّى اللّه عليه و آله:8

متى أقبل الناس على جهاز الرسول صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :11

موقف عائشة من غسل النبي صلّى اللّه عليه و آله:12

أوس بن خولي شارك في الدفن لا في التغسيل:12

تجريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للغسل:13

أبو بكر: كل قوم أحق بجنازتهم:15

أمور أخرى تضمنتها الرواية:17

علي عليه السّلام يغسل النبي صلّى اللّه عليه و آله وحده:17

المقصود برؤية عورة النبي صلّى اللّه عليه و آله:25

تغسيل النبي صلّى اللّه عليه و آله في قميصه:26

إفتراؤهم على علي عليه السّلام:31

هل تجريد الميت سنة:34

الوصي يغسل النبي صلّى اللّه عليه و آله:34

نصوص حول التجهيز و الدفن:35

إحتضان فضل بن عباس للنبي صلّى اللّه عليه و آله:37

غسّل ثلاثا بالسدر:40

علي عليه السّلام يمسح عين النبي صلّى اللّه عليه و آله بلسانه:40

غسل مس الميت:41

الفصل الثامن: تكفين النبي صلّى اللّه عليه و آله و الصلاة عليه الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:45

صلاة أهل السقيفة على النبي صلّى اللّه عليه و آله:49

كيفية الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله:51

تكفين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:55

علي عليه السّلام كفن النبي صلّى اللّه عليه و آله وحده:57

حديث أهل البيت عليهم السّلام هو الأصح:57

تناقض روايات أهل السنة:59

تناقض موهوم:64

الباب الثالث عشر: دفن الرسول صلّى اللّه عليه و آله: حدث. . و تحقيق الفصل الأول: دفن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله

دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحداث و تفاصيل:69

أبو طلحة يلحد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:72

شقران. . و القطيفة الحمراء:76

لم ينزل في حفرة النبي صلّى اللّه عليه و آله غير علي عليه السّلام:78

قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:79

آخر الناس عهدا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:81

الزهراء عليها السّلام ترثي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:89

الزهراء عليها السّلام تخاطب أنسا:92

الجزع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:93

الخضر عليه السّلام يعزي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:97

الفصل الثاني: أين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! . . الإختلاف في موضع دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و في الصلاة عليه:103

الصدمة الكبرى لعائشة:105

هل أشار أبو بكر بدفن النبي صلّى اللّه عليه و آله في بيته؟ ! :109

في مكة أو في المدينة؟ ! :118

أين دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله:119

الفصل الثالث: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات شهيدا محاولات إغتيال النبي صلّى اللّه عليه و آله:143

نصوص مأثورة عامة:145

حديث سم النبي صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:146

و اللّه يعصمك من الناس:150

الروايات حول سم النبي صلّى اللّه عليه و آله:151

سم اليهودية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في روايات السنة:151

نظرة في النصوص المتقدمة:159

هذا الحديث من طرق الشيعة:165

نقد الروايات:169

هل سم المسلمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :176

أي ذلك هو الصحيح؟ ! :178

ما من نبي أو وصي إلا شهيد:181

المفيد رحمه اللّه ينكر حديث ما منا إلا مقتول:185

الفصل الرابع: جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله في السماء. . جسد النبي صلّى اللّه عليه و آله يرفع إلى السماء:195

الطائفة الأولى:198

وقفات مع الروايات:202

ألف: حديث الإستسقاء بعظم نبي:202

ب: حديث زيارة عظام آدم و يوسف:204

تذكير:205

ج: إبراهيم الديزج و قبر الإمام الحسين عليه السّلام:206

د: شعيب بن صالح:207

الطائفة الثانية:207

وقفات مع الروايات:211

إلحاق الوصي بالنبي بعد الموت:211

رواية الثلاثة أيام:212

رفع الروح، و اللحم، و العظم:213

جسد الإمام الحسين عليه السّلام:214

النتيجة:215

الثلاثة أيام و الأربعون:216

الباب الرابع عشر: السقيفة عرض و تحليل. . الفصل الأول: ممهدات. . قريش و الخلافة:221

أجواء دعت إلى السقيفة:221

التناقض في الموقف من الخلافة:223

دعوى أن النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف:229

الفصل الثاني: ما جرى في السقيفة. . روايتهم لأحداث السقيفة:249

توضيح بضع كلمات:259

عمر ينكر موت الرسول صلّى اللّه عليه و آله:260

أسئلة تحتاج الى جواب:262

السنح على بعد ميل واحد:263

صدمة محسوبة:264

أفإن مات أو قتل:264

ثلاثة احتمالات لا تفيد عمر:266

شجاعة أم عدم اكتراث لموت الرسول؟ ! :267

شجاعة أبي بكر:268

الشيخان إلى السقيفة:270

إجتماع المهاجرين إلى أبي بكر:271

استدلالات أبي بكر على أن الخلافة لقريش:272

بماذا استحق أبو بكر الخلافة؟ ! :273

1-كبر سن أبي بكر:274

2-ثاني اثنين إذ هما في الغار:278

3-أول من أسلم:278

4-صلاة أبي بكر بالناس:278

5-صاحب رسول اللّه و صديق:279

لا يخالفنا أحد إلا قتلناه:279

رواية مكذوبة:280

حضور علي عليه السّلام في السقيفة:282

الإفتئات على أمير المؤمنين عليه السّلام:284

التدليس غير المقبول:288

أبو بكر يختار أحد الرجلين:290

الفصل الثالث: الأنصار. . ضحايا حنكة أبي بكر ما تنعقد به الإمامة:295

لو لا الأنصار:296

نقاط ضعف في موقف الخزرج:297

الجرأة و المفاجأة:299

ثلاثة أشخاص يبتزونهم:299

توضيح خطبة أبي بكر:301

الذين لم يبايعوا أبا بكر:304

أبو بكر لم يدع النص:306

موقفنا من حديث أبي بكر:309

الفصل الرابع: السقيفة. . انقلاب مسلح! ! الإكراه في بيعة أبي بكر:315

كبس الناس في بيوتهم:320

أربعة آلاف مقاتل:323

بنو أسلم و الإكراه على البيعة:326

التشكيك غير المقبول في رواية الخزاعي:329

المدينة. . و سكانها:333

بنو أسلم في هذه الآية:336

ثلاثة أشخاص لا يجبرون مائة ألف:336

الفصل الأخير: إستدراكات لا بد منها بداية:343

1-و وجدك ضالا فهدى:343

من نتائج ما تقدم:348

توضيح و بيان:351

2-شق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد:351

3-لما ذا ولد علي عليه السّلام في الكعبة؟ ! :355

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يقتل أحدا؛ لما ذا؟356

معالجة قضايا الروح و النفس:357

ولادة علي عليه السّلام في الكعبة صنع اللّه:357

الرصيد الوجداني آثار و سمات:358

ولادة علي عليه السّلام في الكعبة لطف بالأمة:359

4-أهل الكتاب ليس عندهم علم الكتاب

361

الخاتمة

373

خاتمة الكتاب

375

الفهارس

381

1-الفهرس الإجمالي

383

2-الفهرس التفصيلي

385