ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الثلاثون
عن حذيفة، و معاذ بن جبل، قال: إنه خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام تبوك.
قال: فكان يجمع بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا، ثم دخل فصلى المغرب و العشاء جميعا، ثم قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء اللّه تعالى عين تبوك، و إنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي» .
و في حديث حذيفة: «بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن في الماء قلة، فأمر مناديا ينادي في الناس: أن لا يسبقني إلى الماء أحد» .
قال: فجئناها و قد سبق إليها رجلان، و العين مثل الشراك تبض بشيء من مائها، فسألهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل مسستما من مائها شيئا» .
قالا: نعم.
فسبهما، و قال لهما ما شاء اللّه أن يقول.
ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه وجهه و يديه، و مضمض، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير.
و لفظ ابن إسحاق: فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حسا كحس الصواعق، و ذلك الماء فوارة تبوك. انتهى.
فاستسقى الناس، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا مليء جنانا» (1).
و عن عروة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين نزل تبوك و كان في زمان قلّ ماؤها فيه، فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت. فهي كذلك حتى الساعة (2).
و عن جابر قال: انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، و عينها تبض بماء يسير مثل الشراك، فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 450 و 451 عن مالك، و ابن إسحاق، و مسلم، و أحمد. و البداية و النهاية ج 5 ص 17 و ج 6 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 23 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و 120. و راجع: البحار ج 21 ص 250 و عمدة القاري ج 18 ص 45 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 546 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 82 و ج 4 ص 469 و ج 14 ص 475 و المعجم الكبير ج 20 ص 57 و كنز العمال ج 12 ص 378 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 636 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 58.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 451 و 452 و 453 عن أبي نعيم، و عن البيهقي في الدلائل، و عن ابن عائذ. و عيون الأثر ج 2 ص 258 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 113.
ما دفعها إليهم، فجاشت بالماء، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمعاذ: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا» (1).
و نقول:
قد تقدم بعض هذا الحديث فيما سبق حين الكلام عن سبب تسمية عين تبوك، و ذلك أول هذا الجزء من الكتاب، و قد قلنا: إنه لا يصح قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سب أحدا من الناس، و هو الذي نهى الناس عن السباب. . .
و قد تضمن النص المتقدم: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد جمع بين صلاتي الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، و هذا لا إشكال فيه، إذ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 451 عن مالك و عن الخطيب في كتاب الرواة، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 4 ص 1784-1785 حديث (10/706) و أحمد ج 5 ص 238 و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (549) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 236 و ابن خزيمة (968) و مالك في الموطأ 144 و انظر كنز العمال (35398) . و راجع: صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 82 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 470 و المعجم الأوسط ج 7 ص 76 و المعجم الكبير ج 20 ص 57 و و التمهيد ج 12 ص 194 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 38 و ج 61 ص 275 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 637 و مصادر كثيرة أخرى.
الجمع بين الصلاتين جائز في فقه أهل البيت «عليهم السلام» مطلقا، أي سواء أكان ذلك في السفر أو في الحضر، مع عذر من مطر أو غيره و بدونه. .
و لكن غير الشيعة يلزمون أنفسهم بالتفريق في الحضر، و يجيزون الجمع في السفر، و في حال وجود عذر من مطر أو غيره. .
و قد بدأ الشيعة بالتفريق و بالجمع بين صلاتي الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، من عهد الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» ، و ذلك اقتداء منهم بهذا النبي الكريم و العظيم صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين، حيث صرحت الروايات الكثيرة المروية عند السنة و الشيعة، بأسانيد صحيحة: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد جمع بين الصلوات من دون عذر من سفر، و لا مطر، و لا غير ذلك (1).
علما بأن الشيعة لا يرون الجمع واجبا، كما لا يرون التفريق حتما لازما. .
يضاف إلى ذلك: أن القرآن نفسه لم يحدد سوى ثلاثة أوقات للصلاة اليومية، حيث قال: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (2).
و قد دلت روايات أهل البيت «عليهم السلام» أيضا: على صحة الجمع
و التفريق، فقد روي: أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه (1).
و هذا معناه: أن وقت فضيلة الظهرين يكون قد بدأ بمجرد الزوال، مع حتمية تقديم صلاة الظهر، ثم يستمر وقت فضيلتهما معا إلى حين صيرورة ظل كل شيء مثله كما دلت عليه روايات أخرى، فينتهي حينئذ وقت فضيلة الظهر، و يستمر وقت فضيلة العصر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. . فينتهي هذا الفضل.
فمن صلّى الظهر بعد صيرورة ظل الشيء مثله، إلى آخر الوقت، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.
و من يصلي العصر بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه إلى الغروب، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.
ثم إن علينا أن لا ننسى أن الجمع بين الصلاتين حتى في السفر، أو المطر، أو غير ذلك دليل على أن أوقات الصلاة اليومية ثلاثة، لأنها لو كانت خمسة لكان الجمع بين الصلاتين يقتضي أن تكون إحدى الصلاتين قد وقعت في خارج وقتها، أو الإلتزام بسقوط شرطية الوقت في الصلوات الأربع من الأساس، لأن الجمع بين الصلاتين قد يكون بتقديم العصر إلى
1) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 95 و الكافي ج 3 ص 276 و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 215 و الإستبصار للطوسي ج 1 ص 246 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 2 ص 26 و فقه الرضا لابن بابويه ص 74 و الهداية للصدوق ص 127 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) للحلي ج 2 ص 308 و منتهى المطلب (ط. ج) للحلي ج 4 ص 94 و جواهر الكلام ج 7 ص 78 و البحار ج 80 ص 32 و 46.
وقت الظهر، و قد يكون بتأخير الظهر إلى وقت العصر، كما أنه قد يكون بتقديم العشاء إلى وقت المغرب، و قد يكون بتأخير المغرب إلى وقت العشاء. .
و أما ما ذكرته الرواية المتقدمة عن تأخير النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لصلاته، فلا بد أن يكون المقصود به هو التأخير مع البقاء في داخل وقت الفضيلة، و بدون ذلك، فإن الحديث يكون مكذوبا لأن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لا يختار من الأعمال إلا ما هو أفضل و أتم. .
و قالوا: خطب رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» عام تبوك و هو مسند ظهره إلى نخلة فقال: «ألا أخبركم بخير الناس و شر الناس إن من خير الناس رجلا يحمل في سبيل اللّه على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت. و إن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا، يقرأ كتاب اللّه، لا يرعوي إلى شيء منه (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 273 و ج 5 ص 452 عن أحمد و قال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج 3 ص 37 و 58 و 414 و الحاكم ج 2 ص 67 و سنن النسائي ج 6 ص 12، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 160 و الجهاد لابن المبارك ص 158 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 592 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 305 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 9 و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 439 و كنز العمال ج 15 ص 771 و البداية و النهاية ج 5 ص 17 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 23 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 437.
و عن عقبة بن عامر: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» لما أصبح بتبوك حمد اللّه تعالى و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب اللّه، و أوثق العرى كلمة التقوى، و خير الملل ملة إبراهيم، و خير السنن سنة محمد، و أشرف الحديث ذكر اللّه، و أحسن القصص القرآن.
هذا و خير الأمور عوازمها، و شر الأمور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الأنبياء، و أشرف الموت قتل الشهداء، و أعمى العمى الضلالة بعد الهدى، و خير الأعمال ما نفع و شر العمى عمى القلب، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى، و شر المعذرة حين يحضر الموت، و شر الندامة يوم القيامة.
و من الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، و منهم من لا يذكر اللّه إلا هجرا.
و من أعظم الخطايا اللسان الكذاب، و خير الغنى غنى النفس، و خير الزاد التقوى، و رأس الحكمة مخافة اللّه عز و جل، و خير ما وقر في القلوب اليقين، و الإرتياب من الكفر، و النياحة من أعمال الجاهلية، و الغلول من جثى جهنم، و السكركة (1)من النار، و الشعر من إبليس، و الخمر جماع الإثم، و النساء حبالة الشيطان، و الشباب شعبة من الجنون، و شر المكاسب كسب الربا، و شر المأكل مال اليتيم، و السعيد من وعظ بغيره، و الشقي من شقي في بطن أمه، و إنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، و الأمر إلى الآخرة،
1) السكركة: خمر الحبشة، و هو من الذرة، و تسمى الغبيراء أيضا.
و ملاك العمل خواتمه، و شر الرؤيا رؤيا الكذب، و كل ما هو آت قريب، و سباب المؤمن فسوق، و قتال المؤمن كفر، و أكل لحمه من معصية اللّه عز و جل، و حرمة ماله كحرمة دمه، و من يتألّ على اللّه يكذبه، و من يغفر يغفر له، و من يعف يعف اللّه عنه، و من يكظم الغيظ يأجره اللّه، و من يصبر على الرزية يعوضه اللّه، و من يبتغ السمعة يسمع اللّه به، و من يصبر يضعف اللّه له، و من يعص اللّه يعذبه اللّه.
اللهم اغفر لي و لأمتي-قالها ثلاثا-استغفر اللّه لي و لكم (1).
و من الواضح: أن الإرتياب الذي هو من الكفر هو ذلك الذي يكون في اللّه عز و جل. . أو في نبوة نبيه «صلّى اللّه عليه و آله» ، أو في البعث، أو في القرآن، و غير ذلك، و كذلك الحال إذا كان الريب في صفات اللّه، كأن يرتاب في علمه تعالى، أو في عدله. . أو في قدرته و ما إلى ذلك. .
و النياحة التي هي من أعمال الجاهلية هي النّياحة بالباطل، أو تلك التي تصاحبها بعض الأمور المحرمة. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 452 عن البيهقي، و قال في هامشه البيهقي ج 5 ص 241 قال الحافظ ابن كثير في البداية ج 5 ص 13 و 14 هذا حديث غريب، و فيه نكارة، و في إسناده ضعيف. و راجع: كنز العمال ج 15 ص 930.
و الشعر الذي هو من إبليس هو الذي تحدث اللّه تعالى عنه بقوله: وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مٰا لاٰ يَفْعَلُونَ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ ذَكَرُوا اَللّٰهَ كَثِيراً وَ اِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (1).
و هو الشعر الذي يراد به إشاعة الباطل، أو العدوان على الناس، أو ما إلى ذلك.
و عن قوله: «الشقي من شقي في بطن أمه» نقول:
قد يتخيل البعض أن هذه الفقرة تؤيد مقولة الجبر الإلهي للعباد على أفعالهم. .
و هو تخيل باطل، فإن الآيات الكثيرة و كذلك الروايات المتوافرة قد دلت على أن الإنسان هو الذي يختار طريق السعادة، أو طريق الشقاء. .
و علم اللّه تعالى بما يختاره لا يؤثر في ذلك الإختيار شيئا، و لا يجعله مقهورا أو مجبورا على فعله، بل يكون مثل علمنا بأن فلانا سوف يأكل أو سوف يشرب، و أن الشمس ستطلع في صباح اليوم التالي، و أن الأرض سوف تنبت نباتها و زرعها. . و ما إلى ذلك. .
كما أن وجود الدوافع القوية نحو الشر في داخل الإنسان لا تجعله مجبرا
1) الآيات 224-227 من سورة الشعراء.
على اختيار طريق الشر، مهما كانت تلك الدوافع و النوازع قوية، و عاصفة، و حتى لو كانت قد ولدت معه. .
فقد ورد أن محمد بن أبي عمير، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر «عليهما السلام» عن معنى قول رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «الشقي من شقي في بطن أمه و السعيد من سعد في بطن أمه» .
فقال: الشقي من علم اللّه و هو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الأشقياء، و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء.
قلت له: فما معنى قوله «صلّى اللّه عليه و آله» : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ؟
فقال: إن اللّه عز و جل خلق الجن و الإنس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه، و ذلك قوله عز و جل: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ (1). فيسر كلا لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى (2).
و لهذا البحث محل آخر، و قد تقدم بعض منه أكثر من مرة في هذا الكتاب فراجع. .
و قد استعمل رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» على حرسه بتبوك من
يوم قدم إليها، إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان عباد يطوف في أصحابه على العسكر، فغدا على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يوما، فقال: يا رسول اللّه، ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، فولّيت أحدنا يطوف على الحرس؟ !
قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «ما فعلت، و لكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب» .
فقال سلكان بن سلامة: يا رسول اللّه، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا، فكنا نحرس الحرس.
فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «رحم اللّه حرس الحرس في سبيل اللّه، و لكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة» (1).
و نقول:
إن هذا النص ملتبس بدرجة كبيرة، و ذلك من عدة جهات.
الأولى: في أن سلكان بن سلامة و تسعة معه كانوا يحرسون الحرس، و هذه سابقة غير معهودة، فإن الناس إنما ينتدبون لحراسة الجيش الذي يخلد إلى الراحة، خوفا من أن يفاجئه عدو متربص، و يوقع به. . أما حراسة الحرس، فلم نسمع بها في التدابير المألوفة في مسير الجيوش، و في حلها و ارتحالها. .
الثانية: ما معنى أن يسمع الحرس ذلك التكبير بالقرب منهم، و لا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 453 عن الواقدي، و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 68.
يتحرون مصدره، و لا يسعون لكشف حقيقته، فلعلها مكيدة لهم و لعله عدو متربص بهم، و لعل. . و لعل. .
الثالثة: هل الذي يتصدى للحرس يعلن بالتكبير حتى يسمعه الآخرون؟ ! . فلو فرض أن جماعة تفكر في الإيقاع أو الإغارة على بعض أطراف الجيش، ألا يكون صوت الحرس في جوف الليل، من موجبات تحديد موقعهم، و ذلك بالتالي يعطي القدرة للعدو على تجنب المرور على مواضع تمركز ذلك الحرس، و يبحث عن ثغرات أخرى يستطيع التسلل و النفوذ منها؟ ! .
الرابعة: هل كان الحرس متمركزين في موقع بعينه، حتى استطاع عشرة أشخاص فقط أن يقوموا بمهة حفظهم و حراستهم في ذلك الموقع علما بأن ذلك الجيش الذي يتولون حراسته كان يعد بثلاثين، أو أربعين أو سبعين ألفا، و تحتاج حراسة موقع نزول هذا العدد، بما معه من دواب و مراكب إلى أعداد كبيرة، قد تصل إلى المئات، لأن المساحة التي يحتاجونها ستكون كبيرة. .
الخامسة: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا لهم لأنهم قد حرسوا الحرس، فما معنى أن يتحدث عن الأجر على حراسة الدواب أيضا. . فإن المفروض: أنهم لم يحرسوها.
و ما معنى قوله: «جميعا أو دابة» .
السادسة: لماذا انتظر عباد بن بشر إلى الصباح ليعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمر ذلك التكبير الذي سمعه؟ ! . ألم يكن الأحرى به، و الأصوب له أن يخبره «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر فور سماعه لذلك التكبير؟ !
السابعة: ما معنى أن تقتصر حراسة عباد على الطواف بأصحابه على العسكر؟ ! ألم يكن ذلك من شأنه أن يهييء الفرصة للعدو ليورد ضربته حين يصبح الحرس المتجولون بعيدين عن النقطة التي يريد الهجوم منها. .
قالوا: لما انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك وضع حجرا قبلة مسجد تبوك، و أومأ بيده إلى الحجر و ما يليه، ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: «ما هاهنا شام، و ما هاهنا يمن» (1).
و نلاحظ هنا ما يلي:
إن تحديد الجهات للناس الذين يدخلون بلادا لم يعرفوها ضروري جدا، ليعرفوا قبل كل شيء موقعهم، و الجهة التي يتربص بهم عدوهم فيها، أو يأتيهم الخطر من جهتها، كما أنه يحدد لهم الجهة التي يشعرون بالأمن و السكينة فيها، و تحن قلوبهم إليها أو يرجون الخير فيها. .
ثم إن أول شيء صنعه «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك هو تحديد المسجد و الصلاة فيه، و تعيين قبلته بواسطة وضع حجر فيها، ليعرف الناس موضع صلاتهم، و يكون المسجد هو نقطة الإرتكاز في تحركهم في تلك المنطقة ثم
1) سبل الهدى و الرشاد ج ص 451 عن الواقدي.
أشار إلى الحجر، و إلى الجهة كلها لتصبح جهة القبلة معلومة للجميع.
و إنما أشار إلى ما يلي الحجر، حتى لا يدخل في وهم أحد أن للحجر نفسه خصوصية كما هو الحال بالنسبة لعبادة الأصنام. . بل الخصوصية للجهة، من حيث إنها جهة القبلة، فيتوجه الناس إليها، لا إلى الحجر بما هو حجر. .
و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «ما هاهنا شام، و ما هاهنا يمن» . يؤيد ما ذكرناه في موضع سابق من هذا الكتاب، من أن اليمن يطلق حتى على أهل مكة، بل و على أهل المدينة أيضا.
بل إن هذه العبارة المذكورة هنا تفيد أن كل ما بعد تبوك إلى جهة اليمن، هو يمن. . و أن كل ما قبل تبوك إلى جهة الشام فهو شام. . فتبوك هي الحد الفاصل بين هاتين المنطقتين. .
و اللافت هنا: أنه قد عبر عن ذلك بالاسم الموصول، و هو كلمة «ما» بالنسبة لليمن و الشام على حد سواء، فدل ذلك على أنه يريد إطلاق كلمة يمن و شام على كل أرض بعد تبوك لتكون يمنا، و كل أرض قبلها، فهي شام. .
عن معاوية بن أبي سفيان، و عن أنس قالوا: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، قال أنس: فطلعت الشمس بضياء و شعاع و نور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى، فأتى جبريل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء و شعاع و نور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى» ؟ !
قال: «ذلك معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة اليوم، فبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك يصلون عليه، فهل لك في الصلاة عليه؟
قال: «نعم» .
فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمشي، فقال جبريل بيده هكذا يفرج له عن الجبال و الآكام، و مع جبريل سبعون ألف ملك، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وصف الملائكة خلفه صفين، فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لجبريل: «بم بلغ هذه المنزلة» .
قال: «بحبه قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ (1)يقرؤها قائما أو قاعدا، أو راكبا أو ماشيا و على كل حال (2).
«قال الحافظ في لسان الميزان في ترجمة محبوب بن هلال: هذا الحديث علم من أعلام النبوة، و له طرق يقوى بعضها ببعض.
و قال في فتح الباري، في باب الصفوف على الجنازة: إنه خبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه.
و قال في اللسان في ترجمة نوح بن عمر: طريقه أقوى طرق الحديث. انتهى.
1) الآية 1 من سورة الإخلاص.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 456 و 457 عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و ابن سعد، و البيهقي، و أبي يعلى، و عن البداية و النهاية ج 4 ص 14 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 51 و مجمع الزوائد ج 3 ص 37 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 258 و المعجم الكبير ج 19 ص 429 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1423 و أسد الغابة ج 4 ص 389 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 640.
و أورد الحديث النووي في الأذكار في باب: «الذكر في الطريق» .
فعلم من ذلك رد قول من يقول: إن الحديث موضوع لا أصل له» (1).
و نقول:
1-لقد مات سلمان الفارسي، و أبو ذر، و عمار بن ياسر، بل لقد استشهد أو مات الكثيرون من الأنبياء، و الأوصياء، و الأولياء، و لم نر الشمس قد طلعت بضياء و شعاع و نور فريد، لم تطلع بمثله. باستثناء حالات خاصة أريد بها إفهام الأمة معنى، و إيقافها على حقيقة تحتاج إلى معرفتها في دينها و يقينها. كما هو الحال بالنسبة لاستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء.
2-لم توضح الرواية تلك الخصوصية التي ظهرت في نور الشمس و شعاعها، و نورها، هل هي الحمرة؟ أم الحدة؟ أم تمازج الألوان؟ أم ما ذا؟
3-ما الفرق بين ضياء الشمس و نورها، و كيف اختلف حالهما فيما بينهما، ثم اختلف الحال بينهما و بين الشعاع.
4-حين خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمشي، و كان جبريل يزيح الجبال و الآكام من أمامه. . إلى أين كان يقصد؟ ! و إلى أين بلغ؟ ! و لماذا احتاج إلى قطع هذه المسافات؟ ! ألم يكن يمكنه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصفّ الناس، و يصلي على ذلك الميت، و هو في موضعه؟ !
5-لم يذكر النص الآنف الذكر ما يدل على خروج أحد من المسلمين مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تلك الصلاة، بل يذكر-فقط-أن سبعين
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457.
ألف ملك اصطفوا خلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صلوا بصلاته.
6-هل يمكن القبول بافتراض أن لا يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بأثر قراءة قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ في هذه الأحوال، أو أنه قد عرف ذلك لكنه لم يعلم حتى الخلّص من أصحابه به، حتى فاتتهم هذه المنزلة و الكرامة؟
قد يدّعى: أن سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبرئيل عن سبب بلوغ هذه المنزلة يدل على صحة الإحتمال الأول، و هو أن هذه الرواية المزعومة تريد أن تدّعي: أنه لم يكن عالما بذلك. نعوذ باللّه من الزلل و الخطل في الإعتقاد و في القول و في العمل. .
7-و أخيرا لو صح هذا الحديث-و دون إثبات صحته خرط القتاد- فهو لا يدل على مشروعية صلاة الغائب، لاحتمال أن يكون ما صنعه جبرئيل قد جاء لإكرام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخفض كل رفع، و رفع كل خفض له، حتى أصبحت جنازة ذلك الرجل أمامه، فصلى عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الحاضر لا الغائب، تماما كما كان الحال بالنسبة للنجاشي ملك الحبشة حسبما تقدم في بعض فصول هذا الكتاب. .
عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا، فقال: مررت بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا على حمار، و هو يصلي، فقال: «اللهم اقطع أثره» ، فما مشيت عليها بعدها.
و عن سعيد بن غزوان عن أبيه: أنه نزل بتبوك و هو حاج، فإذا رجل
مقعد فسأله عن أمره، فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنّي حي، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل بتبوك إلى نخلة فقال: «هذه قبلتنا» ، ثم صلى إليها.
فأقبلت و أنا غلام أسعى حتى مررت بينه و بينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع اللّه أثره» . فما قمت عليها إلى يومي هذا (1).
و نقول:
إننا لا نشك في كذب هذه الرواية.
فأولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يدعو بقطع الأثر على غلام لا يحسن تقدير الأمور، و لم يبلغ سن التكليف، كما أن اللّه تعالى لا يستجيب دعاء على بريء، و لا يشارك في ظلم أحد. .
ثانيا: حتى لو كان هذا الغلام قد بلغ سن التكليف، ثم مر في حال الغفلة أمام المصلي، فإنه معذور، و لا يستحق أن يدعو عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل لا يجوز له ذلك. .
ثالثا: من الذي قال: إن ذلك الغلام كان يعرف أن المرور بين يدي المصلي حرام؟ !
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 453 عن أحمد و أبي داود، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (701) و (705) ، و أحمد ج 4 ص 64، و البيهقي في السنن ج 2 ص 234 و البداية و النهاية ج 5 ص 14 و البخاري في التاريخ ج 8 ص 366، و راجع: عمدة القاري ج 4 ص 279 و المغني لابن قدامه ج 2 ص 75 و مسند الشاميين ج 3 ص 195 و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 366 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 336.
رابعا: إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دعائه على ذلك الشخص: «قطع اللّه أثره» ليس معناه أن لا يقف على رجليه. . بل هو شيء آخر يختلف عن مضمون تلك الدعوة تماما. .
فما معنى جعل عدم قدرته على الوقوف على رجليه استجابة لتلك الدعوى؟ ! . .
خامسا: روي عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي، و أنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة.
و قد روي هذا بوجوه مختلفة.
و قالت في بعضها: و أنا حائض.
و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يغمز رجليها فتقبضهما، فإذا رفع رأسه بسطتهما (1).
1) عمدة القاري ج 4 ص 272 عن البخاري، و مسلم و ص 297 و راجع: صحيح البخاري باب التطوع خلف المرأة، و باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء، و باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود؟ و صحيح (ط دار الفكر) ج 1 ص 101 و 130 و صحيح مسلم ج 2 ص 61 و راجع: وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 426 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 128 و ج 2 ص 264 و 276 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 98 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 110 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 121 و الإستذكار ج 2 ص 85 و التمهيد لابن عبد البر ج 21 ص 166 و 170 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 127 و عمدة القاري ج 4 ص 297 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 32 و سنن النسائي ج 1 ص 102 و الموطأ (صلاة الليل) و مسند أحمد ج 6 ص 44 و 55 و 142 و 225 و 255 و 182 و في (ط دار الحديث) ما ورد برقم:24510 و 25308 و 24021 و 24443 و 25513 و 25523 و 25818 و 24118 و 25572 و 25475 و 26059 و (ط دار صادر) ج 6 ص 148 و 225.
فإذا كان اعتراض المرأة خصوصا الحائض بين المصلي، و بين القبلة لا يقطع الصلاة، فالمرور من بين يدي المصلي بطريق أولى (1).
و عن عائشة و هي ترد على قولهم: لا يقطع الصلاة إلا الكلب و الحمار و المرأة قالت: أعدلتمونا بالكلب و الحمار؟ ! لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجيء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أسنّحه (أي أن تستقبله ببدنها في صلاته) ، فأنسل من قبل السرير، حتى انسل من لحافي (2).
قال العيني: «و فيه دلالة على أن مرور المرأة بين يد المصلي لا يقطع صلاته، لأن انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي» (3).
و قال الطحاوي: «دل حديث عائشة على أن مرور بني آدم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة» (4).
1) عمدة القاري ج 4 ص 279.
2) صحيح البخاري (كتاب الصلاة) باب الصلاة إلى السرير، و باب استقبال الرجل و هو يصلي، و باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء و (ط دار الفكر) ج 1 ص 128 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 276 و صحيح مسلم ج 2 ص 60 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 276 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 835.
3) عمدة القاري ج 4 ص 288.
4) عمدة القاري ج 4 ص 299.
و نضيف هنا: أن نفس أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للصلاة في موضع يكون هناك إنسان معترض في قبلته فيدفعه ذلك إلى الإنسلال من أمامه يدل على عدم قادحية وجود أو مرور إنسان أمام المصلي. .
سادسا: إن الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» و هم أعرف بما فيه تدل عدم حرمة المرور بين يدي المصلي (1).
سابعا: إن ظاهر رواية غزوان عن المقعد الذي رآه في تبوك: أنه لم تكن لغزوان معرفة بذلك الرجل المقعد، فلما ذا و كيف وثق ذلك المقعد به، حتى باح له بسره، و أوصاه ألا يحدّث به ما سمع أنه حي؟ ! مع العلم: بان غزوان إنما نزل بتبوك، و هو حاج، فكيف يسمع بحياة ذلك المقعد و هو في بلده البعيد عن تبوك مئات الأميال. . فهل كان ذكر ذلك الرجل المقعد و اسمه يطبق الآفاق؟ ! لكي يسمع به غزوان. .
قال رجل من بني سعد هذيم: جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو جالس بتبوك في نفر، فقال: «يا بلال أطعمنا» .
فبسط بلال نطعا ثم جعل يخرج من حميت له، فأخرج خرجات بيده من تمر معجون بسمن و أقط، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كلوا» .
1) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 434-436 و 426 عن كتاب التوحيد للصدوق ص 171 و 177 و عن تهذيب الحكام ج 1 ص 228 و عن الإستبصار ج 1 ص 204 و عن الكافي ج 3 ص 82 و قرب الإسناد ص 54 و عن من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 80.
فأكلنا حتى شبعنا، فقلت: يا رسول اللّه، إن كنت لآكل هذا وحدي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الكافر يأكل في سبعة أمعاء، و المؤمن يأكل في معاء واحد» .
ثم جئت في الغد متحينا لغدائه لأزداد في الإسلام يقينا، فإذا عشرة نفر حوله، فقال: «هات أطعمنا يا بلال» .
فجعل يخرج من جراب تمرا بكفه قبضة قبضة، فقال: «أخرج، و لا تخش من ذي العرش إقلالا» .
فجاء بالجراب و نشره، فقال: فحزرته مدّين، فوضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده على التمر و قال: «كلوا باسم اللّه» .
فأكل القوم و أكلت معهم، و أكلت حتى ما أجد له مسلكا.
قال: و بقي على النطع مثل الذي جاء به بلال، كأنا لم نأكل منه تمرة واحدة.
قال: ثم غدوت من الغد، و عاد نفر فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو رجلين، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا بلال أطعمنا» .
فجاء بلال بذلك الجراب بعينه، أعرفه، فنثره، و وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده عليه و قال: «كلوا باسم اللّه» .
فأكلنا حتى نهلنا، ثم رجع مثل الذي صب، ففعل ذلك ثلاثة أيام (1).
عن عرباض بن سارية قال: كنت ألزم باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 454 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1017 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 61.
و آله» في الحضر و السفر، فرأيتنا ليلة و نحن بتبوك، و ذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد تعشى و من معه من أضيافه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يدخل قبته-و معه زوجته أم سلمة-فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟
فأخبرته، فطلع جعال بن سراقة و عبد اللّه بن مغفل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جائع، إنما نغشى باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البيت، فطلب شيئا نأكله، فلم يجده، فخرج إلينا فنادى: «يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النفر» .
فقال: و الذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا و حمتنا.
قال: «انظر عسى أن تجد شيئا» .
فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة و التمرتان، حتى رأيت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها، ثم وضع يده على التمرات، و سمى اللّه تعالى، فقال: «كلوا باسم اللّه» .
فأكلنا، فحصيت أربعا و خمسين تمرة، أعدها عدا، و نواها في يدي الأخرى، و صاحباي يصنعان مثل ما أصنع، و شبعنا، فأكل كل واحد منا خمسين تمرة، و رفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي. فقال: «يا بلال ارفعها، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا» .
فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى صلاة الصبح ثم انصرف إلى فناء قبته، فجلس و جلسنا حوله، فقرأ من «المؤمنون» عشرا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل لكم في الغداء» ؟
قال عرباض: فجعلت أقول في نفسي أي غداء، فدعا بلالا بالتمرات،
فوضع يده عليهن في الصحفة، ثم قال: «كلوا بسم اللّه» .
فأكلنا، فو الذي بعثه بالحق، حتى شبعنا و إنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعا، و إذا التمرات كما هي، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا» .
و طلع عليهم غلام من أهل البدو، فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التمرات فدفعها إليه، فولى الغلام يلوكهن (1).
و نقول بالنسبة لما تقدم، من أن الكافر يأكل بسبعة أمعاء، و المؤمن يأكل في معاء واحد (2)نقول:
قد ذكرنا أن هذا الحديث إن ثبت، فلا بد أن يكون المراد منه المعنى المجازي، و هو:
أولا: أن المؤمن لا يأكل رزقه إلا من باب واحد و هو باب الحلال، أما الكافر فلا يبالي من أي باب أكل، و من أين أكل، فأي باب فتح له أكل منه. . فمآكل الكافر كثيرة، و ذكر السبعة إنما هو لإفادة الكثرة، كقوله تعالى:
وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ (1).
ثانيا: أو يقال: إن المؤمن يأكل ليعيش، أي أنه لا يهتم إلا بما يمسك به الرمق، و يقيم الأود، و لا يعيش ليأكل، فيكون كالدابة المربوطة همها علفها، و شغلها تقممها. فكأن المؤمن لشدة قناعته يأكل بمعاء واحد، و كأن الكافر لشدة شرهه، و استقصائه في البحث عن اللذة له سبعة أمعاء. .
ثالثا: أو يقال: إن هذا كناية عن طمع الكافر و جشعه، و حبه للدنيا، و استغراقه في طلبها، و اتساع رغبته بها، فهو يأكل كل ما يحصل عليه، يأكل الدينار، و يأكل القنطار، و يأكل البلاد و العباد. .
و أما أن يكون المراد: أن الكافر يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن، فلا مجال لقبوله، لأن المشاهد خلاف ذلك، و أنه لا فرق بين المؤمن و الكافر في مقدار الطعام الذي يتناوله كل واحد منهما.
رابعا: يفهم من بعض النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: ستكون من بعدي سنة، يأكل المؤمن في معاء واحد، و يأكل الكافر في سبعة أمعاء (2). .
فإن كان المراد هو الإخبار عن سنة من الزمان يكون فيها ذلك، فالأمر واضح، و إن كان المراد بها-كما احتمله العلامة المجلسي-السّنّة (3)-بالضم و التشديد-فالحديث يشير إلى أمر سيحصل، و لا نعرف متى سيكون ذلك.
و نحن نعتقد: أن حديث الجراب الذي يرويه ذلك الرجل، الذي لم نعرف اسمه، و إن كان ممكنا في حد نفسه، و أن له نظائر كثيرة جدا في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن صدور أمثال هذه المعجزات و الكرامات منه «صلى اللّه عليه و آله» و عنه يعد بالعشرات، إن لم يكن بأكثر من ذلك. .
إلا أن اللافت هنا: أن نقل هذه الحادثة قد اقتصر على رجل مجهول من بني سعد هذيم. .
مع أن هذا الحدث قد تكرر أمام جماعة من الناس. . و تكرر مع بلال حامل الجراب ثلاث مرات، فهل زهد المسلمون بنقل هذه الحوادث لكثرتها؟ !
على أن لنا أن نسأل: لماذا لم يأت هذا الرجل نفسه في اليوم الرابع أيضا؟ ! لكي يأكل من جراب رابع و خامس.
و يلاحظ هنا: أن رقم عشرة تكرر في اليومين الأخيرين، مع الإشارة إلى أن العشرة الأخيرة كانت هي نفس العشرة التي جاءت في اليوم السابق.
و عن رواية عرباض بن سارية نقول:
إن دعواه أنه كان ملازما لباب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السفر و الحضر. . لا نجد ما يؤيدها، بل المعروف خلافه، إلا إن كان يقصد أنه كان ملازما للمسجد مع أهل الصفة، الذين كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
يهتم بأمرهم، و يقوم بإعالتهم، لكونهم من الفقراء، و كان عرباض منهم (1). .
على أننا لا ندري سبب إظهار هذه الكرامة لعرباض، و جعال، و ابن مغفل، فإن كان السبب هو جوع هؤلاء، فإن غيرهم أيضا كان يعاني من نفس المشكلة، فلما ذا آثر هؤلاء و حرم أولئك؟ ! . فليظهر هذه الكرامة لكل جائع.
و إن كان السبب هو أن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى إظهار المعجزة، لترسيخ يقينهم، و إزالة الريب من نفوسهم، فذلك يعني أن شائبة النفاق كانت ماثلة فيهم، أو في بعضهم.
و تستمر هذه الشبهة حولهم إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و لعل مما يؤكد هذا الأمر بالنسبة لبعضهم: أنهم يقولون: إن إبليس تصور بصورة مغفل بن سراقة يوم أحد (2). .
و حين نقرأ قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا أني أستحي من ربي، لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا» . . قد يراودنا خاطر يزعج
اليقين لدينا بصحة هذا القول، من حيث تضمنه جرأة على مقام العزة الإلهية، لأنه يعطي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أكرم من اللّه على عباد اللّه، و أرفق بهم منه. . و هذا المنطق مرفوض و مدان جملة و تفصيلا. . لأنه يؤدي إلى الخروج من الدين.
فلا بد أن يكون المقصود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يستحي من اللّه لأن هذا الطلب يؤدي إلى نقض الغرض من المعجزة أو الكرامة. . لأن أولئك الناس قد ينتزعون منه فكرة خاطئة، أو يزينها الشيطان لهم، و هو أن هذا العطاء، و هذه الكرامة. . قد منحهم اللّه إياها عن استحقاق منهم لها.
أو لربما يدخل في وهمهم: أن هذا العطاء هو السنة الإلهية التي لو لم يجرها اللّه تعالى فيهم لكان ظالما لهم، و لكان لهم الحق في أن يطالبوه بها. .
أو غير ذلك من الأوهام الشيطانية التي تؤدي إلى أن يصبح حالهم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» حال بني إسرائيل مع موسى «على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام» . .
أو لأن المقصود هو-كما ذكره بعض الإخوة-: أنه لا ينبغي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعتمد، و لا يغري المؤمنين بالإعتماد على المنح الإلهية التي حباه اللّه تعالى بها في تحصيل الأرزاق، فإن ذلك يؤدي إلى قعود الناس عن طلب الرزق، و إلى غير ذلك من أمور. .
إن ثمة سؤالا يحتاج إلى إجابة، و هو أنه إذا كان الطعام قد فقد، و كانوا قد نفضوا جربهم و. . و. . حتى احتاجوا إلى التصرف النبوي، و الإستجابة
الإلهية. . فماذا كانوا سيأكلون، و ينفقون في الأيام التالية، و إلى حين رجوعهم إلى المدينة؟ ! و الحال أن البلاد ليست بلادهم، و ليس لهم فيها زراعة و لا تجارة، و لا غير ذلك! ! .
إلا أن يكون المقصود: أن الطعام الذي كان عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفد، أما الآخرون فكان لديهم طعام، و لعلهم لا يتركون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الأيام التالية. .
أو يقال: إن نفاد الطعام لا يعني نفاد المال الذي يشتري به في اليوم التالي حيث يبيعه المسلمون أو غيرهم من سكان تلك المنطقة.
و قالوا: كان رجل من بني عذرة يقال له: عدي يقول: جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس، يقول:
«يا أيها الناس، يد اللّه فوق يد المعطي، و يد المعطي الوسطى، و يد المعطى السفلى، أيها الناس، فتغنوا و لو بحزم الحطب، اللهم هل بلغت» ثلاثا.
فقلت: يا رسول اللّه، إن امرأتيّ اقتتلتا، فرميت إحداهما، فرمي في رميتي-يريد أنها ماتت-فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تعقلها و لا ترثها» .
فجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين، و رفع يده يشير إلى أهل اليمن، فقال: «الإيمان يمان» .
و نظر نحو الشرق، فأشار بيده فقال: إن الجفاء و غلظ القلوب في
الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق، حيث يطلع الشيطان قرنيه (1).
و نقول:
إن لنا مع هذا النص وقفات، نقتصر منها على ما يلي:
هناك حكم شرعي يقول: لا يرث القاتل من المقتول إذا قتله عمدا، و إذا كان القتل شبيها بالعمد، كأن يكون قاصدا لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل، و كان الفعل مما لا يترتب عليه القتل في العادة، فقد اختلفت كلمات الفقهاء فيه، تبعا لاختلاف ما استفادوه من النصوص. .
أما قتل الخطأ فلا يمنع من التوارث. .
فقد يقال: إن قتل هذا الرجل لزوجته لم يكن متعمدا، بل هو شبيه بالعمد. . و قد حكم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدم إرثه منها. . فهذا يؤيد قول من قال: بعدم الإرث في شبه العمد.
و نجيب: بأن هذا المورد ليس من موارد شبه العمد، لأن الآلة التي استعملت، و الفعل الذي حصل هو بحسب الظاهر مما يترتب عليه القتل
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 1017 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 455 عنه، و تاريخ مدينة دمشق ج 37 ص 213 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 60 و مسند الحميدي ج 2 ص 452 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 552 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 118 و ج 5 ص 273 و صحيح البخاري ج 4 ص 97 و 154 و ج 5 ص 122 و ج 6 ص 178 و صحيح مسلم ج 1 ص 51 و فتح الباري ج 6 ص 250 و عمدة القاري ج 15 ص 191 و ج 18 ص 31 و ج 20 ص 293 و المعجم الكبير ج 17 ص 209.
عادة، لأن الظاهر من كلامه أنه رماها بسهم، و السهم يقتل عادة، أو هو من آلات القتل و القتال.
إن قلت: لكن رواية الضحاك تقول: «فرميت إحداهما بحجر» (1).
قلنا: إن الحجر يمكن أن يكون كبيرا بحيث يقتل عادة، أو يكون رماه بحيث يصيب منها مقتلا في العادة بحسب جلستها أو نومتها أو حالها، و على كل حال، فمع مثل هذه الإحتمالات لا يثبت أنه شبه العمد، لأنه على بعض الوجوه عمد كرميها بسهم أو نحوه.
و قد ادعت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أشار إلى الشرق، و قال: إن الجفاء، و غلظة القلوب في الفدادين أهل الوبر، من نحو الشرق، حيث يطلع قرن الشيطان. .
و نقول:
إن الحديث المعروف و الثابت و المتداول هو ذلك الذي رواه البخاري عن نافع، عن ابن عمر قال: قام النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا، فأشار إلى مسكن عائشة، و قال: ها هنا الفتنة-ثلاثا-من حيث يطلع قرن الشيطان (2).
1) الآحاد و المثاني ج 5 ص 302 و (ط دار الدراية للطباعة) ج 5 ص 308.
2) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 46. و العمدة لابن البطريق ص 456 و الطرائف لابن طاووس ص 297 و الصراط المستقيم ج 3 ص 237 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 83 و الجمل لابن شدقم ص 47 و البحار ج 31 ص 639 و ج 32 ص 287 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 471 و مسند أحمد ج 2 ص 1.
و في البخاري أيضا قال: خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (1).
و حين صدمتهم دلالة هذا الحديث حاولوا إيجاد مخارج له. . فتمخض الجبل فولد فأرة حين زعموا: أن حجرة عائشة كانت إلى جهة الشرق.
و باقي الأحاديث تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشار إلى الشرق، و قد فسره «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «حيث يطلع قرن الشيطان» ، أي من جانب الشرق. .
قالوا: و لو كان المراد حجرة عائشة، فكيف يصح أن يقول: إن الشيطان يطلع من حجرته المقدسة؟ ! .
و الحال أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطلع من الحجرة؟ ! (2).
و نقول:
أولا: إن ظاهر الكلام يمنع من إرادة جهة الشرق، بل المقصود هو مسكن عائشة، الذي يزعمون أنه يقع في جهة الشرق، و لذلك صرح البخاري: بأنه أشار إلى مسكن عائشة، و أورده في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن كان قد ذكر جهة الشرق حقا، فلأن
1) مسند أحمد ج 2 ص 23 و 26 و صحيح مسلم ج 8 ص 181 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 552 و كنز العمال ج 11 ص 119.
2) دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 157 عن فضل بن روزبهان، و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 1 ص 504 و البحار ج 2 ص 87 ح 241 و إحقاق الحق (الأصل) ص 308 و كشف الغطاء (ط. ق) ج 1 ص 19 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 83 عن صحيح البخاري عن ابن عمر.
مسكن عائشة كان يقع في تلك الجهة حسب زعمهم. . أي أن المطلق، و هو جهة الشرق يحمل على القيد، و هذا هو طبع الكلام في الموارد المختلفة. .
ثانيا: إن مسكن عائشة كان إلى جانبه بيوت كثيرة، و لم يكن وحده في تلك الجهة، فلما ذا خص الراوي مسكنها بالذكر؟ ! .
ثالثا: لماذا قال «صلى اللّه عليه و آله» : «من ها هنا» (الذي هو للإشارة للقريب) ، و لم يقل: من هناك الذي يشار به للبعيد؟ ! .
في حين أنه قد استعمل لفظ: «هناك» في الحديث الذي أشار به إلى نجد فقال: هناك الزلازل و الفتن (1).
رابعا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن كل من يطلع من تلك الحجرة فهو قرن شيطان، لكي يشمل نفسه بهذا الكلام-كما زعموا-بل أراد التكنية عن شخص بعينه، يكون منه ما لا يرضاه اللّه تعالى. كما أظهرته الوقائع بعد استشهاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
خامسا: إننا نقول: إن الروايات التي تتحدث عن الشرق ربما تكون مجعولة، من أجل تخفيف وطأة حديث البخاري، و يكون ذلك مخرجا له. .
1) الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 221 و صحيح البخاري ج 2 ص 23 و ج 8 ص 95 و فتح الباري ج 2 ص 433 و ج 13 ص 39 و عمدة القاري ج 7 ص 58 و ج 24 ص 200 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 12 ص 524 و ج 15 ص 356 و عوالي اللآلي ج 1 ص 154 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 277 و التمهيد لابن عبد البر ج 1 ص 279 و ج 21 ص 267 و العهود المحمدية للشعراني ص 513 و كنز العمال ج 12 ص 300 و الدر المنثور ج 3 ص 113 و تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 133 و 134 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 836.
إذ إن بيت عائشة لم يكن إلى جهة الشرق، بل كان في جهة القبلة في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلاحظ ما يلي:
1-قالوا: «و المعروف عند الناس أن البيت الذي على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة» (1). .
و خوخة آل عمر كانت قبلي المسجد الشريف، و هي اليوم، «يتوصل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة. و هو الرواق الذي يقف الناس فيه للزيارة أمام الوجه الشريف، بالقرب من الطابق المذكور» (2). .
و كان دار حفصة قبلي المسجد (3)، ملاصقا لبيت عائشة من جهة القبلة (4).
2-و قال محمد بن هلال عن بيت عائشة: كان بابه من جهة الشام (5).
و قال ابن عساكر: «و باب البيت شامي» (6). .
و من المعلوم: أن الجهة الشامية التي للمسجد هي الجهة الشمالية، فإذا كان باب بيت عائشة يقابل الجهة الشمالية، فإنه لا يكون لجهة الشرق. .
سادسا: و أخيرا نقول:
إنه لا مانع من أن يطلع قرن الشيطان من موضعين أحدهما: جهة المشرق. .
و ثانيهما: مسكن عائشة، الذي لم يكن في تلك الجهة، و ليس ثمة ما يحتم أن تكون الروايات مسوقة لبيان أمر واحد، إذ لعل هناك حالتين لا بد من أن يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنهما جميعا. .
و عن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «الإيمان يمان» ، نقول:
قد تحدثنا عن هذا الموضوع قبل بضعة صفحات تحت عنوان: «3-ما هاهنا يمن» . و في فصل: «خمسة وفود بلا تاريخ» . تحت عنوان: «وفد الأشعريين» . فراجع. .
غير أننا نحب أن نشير إلى أنه إذا كان المقصود باليمن و اليمان هو ما يشمل الحجاز كله، و اليمن أيضا، فلا ضير في ذلك ما دام أصل الإيمان المتمثل بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» ، قد ظهر في هذه المنطقة، و تبعهم أولئك الذين تربوا على أيديهم، و نهلوا من معين علمهم. .
فإن أريد معارضة هذا الحديث بحديث: لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من فارس (1). فيجاب عن ذلك: بأننا لا نمنع من أن ينال رجال من
1) المعجم الكبير ج 18 ص 353 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 636 و كنز العمال ج 12 ص 91 و تفسير السمعاني ج 5 ص 187 و التفسير الكبير للرازي ج 28 ص 76 و تفسير أبي السعود ج 1 ص 56 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 5 و 8 و 9 و فضل آل البيت للمقريزي ص 92 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 116 و البحار ج 22 ص 52 و ج 64 ص 61 و مجمع البيان 9 ص 108 و الإختصاص ص 143 و التاج الجامع للأصول 3 ص 423 و ج 4 ص 235 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 371.
فارس الدين و العلم، و لكن أصله الأصيل، و حقيقته الظاهرة المتمثلة بصفوة الخلق كله، إنما كان في منطقة الحجاز اليمانية. .
قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن الجفاء، و غلظ القلوب، في الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق الخ. .
و الفداد: هو الشديد الصوت.
و الفدادون: هم الرعيان، و البقارون، و الجمالون، و الفلاحون و سواهم. و هم أهل الوبر، لغلظ أصواتهم، و جفائهم. و لعله لأجل رفع أصواتهم في حروثهم و مواشيهم، و هم أصحاب الإبل الكثير الذين يملك أحدهم المائتين من الإبل إلى الألف، و هم مع ذلك جفاة و أهل خيلاء (1).
و نقول:
1-إنه لا دليل على أن رفع الصوت للراعي، و البقار، و الجمال، و الفلاح، يوجب الجفاء و غلظ القلب، إلا إذا كان الدليل هو هذه الرواية و أمثالها، ثم أخذ المصنفون في اللغة تفاسيرهم من هذه الأحاديث.
و مجتمع أهل الإيمان لا يشير إلى وجود أي فرق في أخلاق الناس الذين يشتغلون بهذه الأمور مع غيرهم من سائر الناس. .
2-لو كان الرعي أو الفلاحة، أو اقتناء الإبل، من موجبات الجفاء
1) لسان العرب (ط سنة 1416 ه) ج 10 ص 201.
و الخيلاء، فإن ذلك يفرض انحسار الإهتمام بهذه الأمور في مجتمع أهل الإيمان، و لكن هذه الأمور قد بقيت كما كانت عليه قبل الإسلام، و استمرت على نفس الوتيرة عبر العصور و الدهور. .
3-إننا لم نجد فرقا بين الفدادين من أهل المشرق و الفدادين في المناطق الأخرى، و لم نجد الشيطان يطلع قرنيه في مشرق جزيرة العرب، أكثر مما كان و لا يزال يطلعه في سائر المناطق، مثل بلاد الشام و نجد، فضلا عن سائر البلاد التي لا تدين بالإسلام، فإن الشيطان يطلع قرنيه في كل موقع لا يهيمن فيه دين اللّه تبارك و تعالى. .
فلما ذا اختص الفدادون المشرقيون بهذا التوصيف الحاد؟ ! .
4-إن من الأنبياء من كان يرعى الأغنام، و بعضهم كان يحرث الأرض و يزرعها، فهل هذا الوصف يشملهم؟ !
قالوا: و هاجت ريح شديدة بتبوك، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هذا لموت منافق عظيم النفاق.
فقدموا المدينة، فوجدوا منافقا عظيم النفاق قد مات (1). .
و نقول:
قد تقدم حين الحديث عما جرى في الحجر، و منع النبي «صلى اللّه عليه
1) مسند أحمد ج 3 ص 341 و 347 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 455 عن الواقدي، و راجع: البحار ج 18 ص 131 و ج 21 ص 251.
و آله» الناس من الإستفادة من مائها، و إكفائه القدور الخ. . : أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبر الناس هناك بأنه ستهب في تلك الليلة ريح شديدة، و أن سبب ذلك هو موت عظيم من المنافقين. . و قد حصل ذلك فعلا.
و قد تكرر ذكر هذه القضية هنا، غير أن الروايات لم تذكر اسم هذا العظيم النفاق في الموضعين، مع أنهم يهتمون بتسمية من هو أقل شأنا و خطرا بمراتب، و لو من دون مناسبة.
فهل كان هذا الرجل العظيم النفاق من أقارب بعض من يرغبون في تفخيمه و تعظيمه، و لا يريدون التلميح، فكيف بالتصريح بأدنى شيء يشير إليه أو إلى أحد من أقاربه، إذا كان مما يشين؟ ! .
و هل كانت الريح تهب كلما مات منافق عظيم النفاق؟ ! و هل هبت الريح عند موت عبد اللّه بن أبي، الذي يحبون أن يصفوه بأنه رئيس المنافقين في المدينة؟ ! .
و أما الرواية التي تصرح باسم رفاعة بن تابوب، أو رافع بن تابوت فيرد عليها: أن هذا العظيم لم يعرف له ذكر أو دور ذو بال في تاريخ الإسلام، و لا أشار إلى أسباب عظمته في شيء، بخلاف عبد اللّه بن أبي، الذي زعموا أنه كان ينظم له الخرز ليتوج قبيل قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة. .
قالوا: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من سعد هذيم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنا قدمنا إليك، و تركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، و هذا القيظ، و نحن نخاف إن تفرقنا أن نقتطع، لأن الإسلام لم يفش حولنا
بعد، فادع اللّه تعالى لنا في مائها، فإنا إن روينا به فلا قوم أعز منا، لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ابغوا لي حصيات» .
فتناول بعضهم ثلاث حصيات، فدفعهن إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ففركهن بيده، ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم، فاطرحوها واحدة واحدة، و سمّوا اللّه تعالى» .
فانصرف القوم من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ففعلوا ذلك، فجاشت بئرهم بالرواء، و نفوا من قاربهم من أهل الشرك و وطئوهم، فما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة حتى أوطئوا من حولهم غلبة، و دانوا عليه بالإسلام.
و نحن لا نريد أن نرهق القارئ بالأسئلة عن مدى صحة أن يكون هؤلاء قد وطأوا جميعا من حولهم غلبة، و دانوا عليه بالإسلام في غضون أيام يسيرة-فإن ذلك مما لا يغفل عنه القارئ الكريم إن شاء اللّه تعالى.
عن عبد اللّه بن عمر قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك، فقام من الليل يصلي، و هو كثير التهجد بالليل، و لا يقوم إلا استاك، فقام ليلة فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: «أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، و كان النبي يبعث إلى قومه. و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، أينما أدركتني الصلاة تيممت و صليت، و كان من قبلي لم يعطوا ذلك، و كانوا لا يصلون إلا في الكنائس
و البيع، و أحلت لي الغنائم آكلها، و كان من قبلي يحرمونها، و الخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي» ثلاثا.
قالوا: يا رسول اللّه، و ما هي؟
قال: «قيل لي سل، فكل نبي قد سأل، فهي لكم، و لمن شهد أن لا إله إلا اللّه» .
و نقول:
إن لنا مع هذه الرواية عدة وقفات نذكر منها:
جاء في الرواية المتقدمة: أن اللّه تعالى بعث محمدا «صلى اللّه عليه و آله» إلى الناس كافة في غزوة تبوك.
و نقول:
أولا: إن اللّه تعالى يقول في سورة التكوير: إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ لِلْعٰالَمِينَ (1).
و سورة التكوير نزلت في مكة قبل الهجرة. . و قال تعالى في سورة الفرقان: تَبٰارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً (2).
و الجمهور على أن سورة الفرقان مكية. و قال الضحاك: مدنية (3).
ثانيا: قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ (1). و هي مكية أيضا.
رابعا: إن رسائله إلى ملوك الأرض في سنة ست دليل على أنه مبعوث إلى الناس جميعا.
و قد صرحوا: بأن آية التيمم قد نزلت في غزوة المريسيع، و غزوة المريسيع قد سبقت غزوة تبوك بعدة سنوات، و قد قدمنا طائفة من المصادر الدالة على ذلك في فصل: «ما عشت أراك الدهر عجبا» ، في فقرة: «ضياع العقد مرة أخرى» .
فكيف تقول الرواية الآنفة الذكر: إن اللّه تعالى أعطاه التيمم في غزوة تبوك؟ !
و لا ندري مدى صحة ما أطلقته الرواية: من أن الأنبياء قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانوا لا يصلون إلا في الكنائس و البيع. . فإن ذلك لم نجده إلا في هذه الرواية التي تعاورت عليها العلل و الأسقام، و هل كان الانبياء، و غيرهم من المؤمنين لا يصلون في أسفارهم و في حضرهم إذا لم يكن ثمة بيعة أو كنيسة قريبة منهم؟ ! و كذلك الحال بالنسبة لتحريم الغنائم من قبل من سبقه من الأنبياء. .
أو أنهم كانوا كلما أرادوا الصلاة في أسفارهم بنوا بيعة أو كنيسة لأجل ذلك.
1) الآية 107 من سورة الأنبياء.
إننا لم نفهم ما ذا عناه بقوله ثلاثا: هي! ما هي؟ ! . .
هل القصد أن يطرحها عليهم كأحجية، يطلب منهم حلها؟ ! . . أم أنه هو نفسه قد نسي الخامسة، ثم هو يحاول أن يتذكرها؟ ! .
و اللافت هنا: أن الرواية تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نقض أول كلامه بآخره، فإنه قد قرر أولا: أن اللّه تعالى قد أعطاه أولا خمسا لم يعطها أحدا قبله. . ثم عاد أخيرا فنقض ذلك و قال: إن كل نبي قد سأل، و أنه هو أيضا له الحق في أن يسأل كما سأل من سبقه، فلم تكن الخامسة مما اختصه اللّه تعالى به. . و بذلك تكون الخمسة قد نقصت واحدة، لم تكن مختصة به «صلى اللّه عليه و آله» ، دون من سبقه. .
عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غزوة تبوك، و كنت على خدمته، فنظرت إلى نحي السمن قد قل ما فيه، و هيأت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» طعاما فوضعت النحي في الشمس، و نمت فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت رأسه بيدي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رآني: «لو تركته لسال الوادي سمنا» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 460 عن أبي نعيم، و الطبراني، و دلائل النبوة لأبي نعيم (1550) و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 117.
قالوا: لما وصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبوك كان هرقل بحمص-و قيل: بدمشق-و لم يكن يهمّ بالذي بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنه من جمعه، و لا حدثته نفسه بذلك. .
و عن أبي بكر بن عبد اللّه المزني قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر و له الجنة» ؟
فقال رجل: و إن لم يقبل؟ .
قال: و إن لم يقبل.
فانطلق الرجل فأتاه بالكتاب (1).
و نص كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقيصر هو التالي:
من محمد رسول اللّه إلى صاحب الروم: إني أدعوك إلى الإسلام، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، و عليك ما عليهم، فإن لم تدخل في الإسلام
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 عن الحارث بن أسامة، و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 442 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 202 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 357 و موارد الظمآن ج 5 ص 218.
فأعط الجزية، فإن اللّه تبارك و تعالى يقول: قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاٰ يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاٰ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1).
و إلا فلا تحل بين الفلاحين و بين الإسلام أن يدخلوا فيه، و أن يعطوا الجزية (2).
فقرأه فقال: اذهب إلى نبيكم، فأخبره أني متّبعه، و لكن لا أريد أن أدع ملكي.
و بعث معه بدنانير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فرجع، فأخبره،
1) الآية 29 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 عن الحارث بن أبي أسامة و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 442 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 411 و أشار إلى المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 22 و في (ط أخرى) ص 32 رواه بإسناده عن عبد اللّه بن شداد، و رسالات نبوية ص 313/117 و مدينة البلاغة ج 2 ص 247 عن جمهرة رسائل العرب، و مجموعة الوثائق السياسية ص 110/27 عن الأموال، و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 187 و صبح الأعشى ج 6 ص 363 و 377 و المطالب العالية ج 4 ص 2231/2479 عن الحارث بن أبي أسامة، و قال: انظر مجلة المعارف شهر يونيو 1935 م ص 416-430) و راجع نشأة الدولة الإسلامية ص 299 و 300(عن أبي عبيد و القلقشندي و محمد حميد اللّه) و راجع أيضا: ص 713. و أوعز إليه الحلبي في السيرة ج 2 ص 377 و البداية و النهاية ج 5 ص 15 و ابن عساكر ج 1 ص 113 و 114 و دحلان (هامش الحلبية) ج 2 ص 374. و مجمع الزوائد ج 5 ص 307 و قال: «رواه الطبراني و رجاله صحيح» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذب» ، و قسم الدنانير (1).
و عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحمص، و كان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ المائة أو قرب، فقلت: ألا تحدثني عن رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هرقل؟
فقال: بلى، قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا قسيسي الروم و بطارقتها، ثم أغلق عليه و عليهم الدار.
فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، و قد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال: أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه مالنا على أرضنا، و الأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب. و اللّه لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن
1) صحيح ابن حبان ج 10 ص 358 و موارد الظمآن ج 5 ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 457 و بغية الباحث عن مسند الحارث ص 202 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 411 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و في (ط أخرى) ص 67 و أشار إليه الحلبي ج 3 ص 277 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 67 و الدلائل للأصبهاني ص 292 و البحار ج 20 ص 379 و 395 و مجموعة الوثائق السياسية ص 111/28 عن اليعقوبي، و عن منشآت السلاطين لفريدون بك ج 1 ص 30 و قال: قابل السهيلي ج 2 ص 320 و مسند أحمد ج 3 ص 442 و ج 4 ص 74 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 166. و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 16 و في فتح الباري ج 1 ص 42 «ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له و أنهم لم يزالوا يتوارثونه. .» و راجع الأموال ص 362.
أرضنا، فهلم فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا.
فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم و قالوا: تدعونا أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز؟
فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقاهم و لم يكد، و قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم (1).
ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب، قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث، عربي اللسان، أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه.
فجاءني، فدفع إلي هرقل كتابا، فقال: اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه، فاحفظ لي منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟
و انظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل؟
و انظر في ظهره هل فيه شيء يريبك؟
قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟
1) حياة الصحابة ج 1 ص 106 و 107 عن عبد اللّه بن أحمد، و أبي يعلى، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 651 و البداية و النهاية ج 4 ص 267 و 268 و ج 5 ص 15 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 20 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 114 و فتح الباري ج 1 ص 41 و مجموعة الوثائق السياسية ص 112/28-ألف ب. و موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص 392 و مجمع الزوائد ج 8 ص 235. و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 442 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 27 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 458.
قيل: ها هو ذا.
قال: فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: «ممن أنت» ؟
فقلت: أنا أخو (أحد) تنوخ.
فقال: «هل لك في الإسلام، الحنيفية، ملة أبيك إبراهيم» ؟
فقلت: إني رسول قوم، و على دين قوم، (لا أرجع عنه)حتى أرجع إليهم.
فضحك، و قال: إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (1).
يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، و اللّه ممزقه و ممزق ملكه، و كتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، و اللّه ممزقه و ممزق ملكه.
و كتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير.
قلت: هذه إحدى الثلاث، التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتي، فكتبتها في جفن سيفي.
ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟
قالوا: معاوية.
فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات و الأرض
1) الآية 56 من سورة القصص.
أعدت للمتقين، فأين النار؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سبحان اللّه أين النهار إذا جاء الليل» .
قال: فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جفن سيفي، فلما فرغ من قراءة كتابي قال: «إن لك حقا، و إنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون» .
قال قتادة: فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه، ففتح رحله، فإذا هو بحلة صفورية، فوضعها في حجري.
قلت: من صاحب الجائزة؟
قيل لي: عثمان.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أيكم ينزل هذا الرجل» ؟
فقال فتى من الأنصار: أنا.
فقام الأنصاري و قمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «تعال يا أخا تنوخ» .
فأقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره و قال: «ها هنا امض لما أمرت له» .
فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة في موضع غضروف الكتف، مثل المحجمة الضخمة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 458 عن أحمد و أبي يعلى، و قال في هامشه: قال الحافظ ابن كثير ج 5 ص 16: هذا حديث غريب، و إسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد. و مكاتيب الرسول ج 2 ص 415 و 416 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 280 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 70 و إعلام السائلين ص 19 و رسالات نبوية ص 278 و أعيان الشيعة ج 2 ص 142 و في (ط أخرى) ج 2 ص 244 و جمهرة رسائل العرب، و الخطط للمقريزي ج 1 ص 29 و حسن المحاضرة ج 1 ص 42 و المواهب اللدنية للقسطلاني ج 1 ص 292 و ج 3 ص 397، و نشأة الدولة الإسلامية ص 304 عن فتوح مصر (ط ليدن) ص 46، و مجلة الهلال أكتوبر سنة 1904 م، و صبح الأعشى ج 6 ص 358-366 و 378 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 61 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 421 و راجع: الإصابة ج 3 ص 531 و دائرة المعارف لوجدي ج 9 ص 317 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 347 و تأريخ الخميس ج 2 ص 37 و لغتنامه دهخدا ج 43 ص 955 و صبح الأعشى ج 6 ص 364 و المصباح المضيء ج 2 ص 129 و مجموعة الوثائق السياسية ص 105/49 و رسالات نبوية، و إعلام السائلين، و مفيد العلوم للقزويني، و حسن المحاضرة للسيوطي، و نصب الراية للزيلعي، و صبح الأعشى، و البيهقي، و المنفلوطي، و منشئات السلاطين لفريدون بك، و شرح المواهب للزرقاني، و الحلبي و غيره.
قال محمد بن عمر: فانصرف الرجل إلى هرقل، فذكر ذلك له.
فدعا قومه إلى التصديق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأبوا حتى خافهم على ملكه، و هو في موضعه بحمص لم يتحرك و لم يزحف، و كان الذي خبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تعبئة أصحابه، و دنوه إلى وادي الشام لم يرد ذلك و لا هم به (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 459 عن الواقدي، و البحار ج 21 ص 251 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 37 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 61 ج 9 ص 264.
و ذكر السهيلي: أن هرقل أهدى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هدية فقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هديته، و فرقها على المسلمين (1).
ثم إن هرقل أمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد و اتبعه، فدخلت الأجناد في سلاحها و طافت بقصره تريد قتله، فأرسل إليهم: إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم، فرضوا عنه.
ثم كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا مع دحية يقول فيه: إني معكم، و لكني مغلوب على أمري، فلما قرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابه قال: «كذب عدو اللّه، و ليس بمسلم بل هو على نصرانيته» .
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم وقفات:
قد روى الراوندي: هذا الحديث باختلاف ظاهر عما ذكرناه آنفا، ففيه: أن رسول قيصر كان رجلا من غسان، و أن الثلاث التي أمره أن يحفظها هي: من الذي يجلس على يمين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و على أي شيء يجلس، و خاتم النبوة.
فوجد الغساني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالسا على الأرض، و كان علي «عليه السلام» عى يمينه، و نسي الغساني الثالثة، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك، فنظر إلى خاتم النبوة. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 459 و ج 11 ص 356.
فعاد الغساني إلى هرقل، فأخبره بما رأى و جرى، فقال: «هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، أنه يركب البعير، فاتبعوه، و صدقوه» .
ثم قال للرسول: أخرج إلى أخي، فاعرض عليه، فإنه شريكي في الملك. .
فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه (1).
و ليس في الرواية: أن ذلك قد حصل في تبوك، بل فيها ما يدل على خلاف ذلك، فإن ذكر أمير المؤمنين «عليه السلام» يدل على أن ذلك كان في المدينة، لأنه «عليه السلام» لم يكن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك، لأنه خلفه في المدينة. .
و لعل الرواة قد خلطوا بين ما حصل في تبوك من مراسلات، و بين ما حصل في المدينة قبل ذلك، حين راسل «صلى اللّه عليه و آله» الملوك و منهم قيصر الروم.
على أن لنا أن نحتمل: أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى ملك الروم، ثم جاء جوابه مع دحية إلى تبوك، ثم جاء رسوله الآخر، و هو ذلك الرجل التنوخي إلى المدينة، و لكن الرواة قد تعمدوا أو اجتهدوا، فذكروا تبوك دون المدينة. .
و قد ضمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الجنة لمن حمل رسالته إلى ملك الروم. . و لعل هذا يشير إلى أن الناس كانوا يشعرون بخطر عظيم من التوغل
1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 104 و البحار ج 20 ص 378 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 532.
في بلاد الروم، و يرون أن من الصعب جدا وصول الرسول إلى هرقل حيا. و حتى لو وصل إليه، فإن خطر أن يأمر ذلك الطاغية الغاضب و الحانق بقتل الرسول قائم، و جدي، لا سيما و أن مرسل الرسالة هو قائد هذا الجيش العظيم الذي يقف على مشارف بلاده، و يخشى أن ينقض عليها، و ينقض ملك ذلك الجبار، و ربما ينتهي الأمر بقتله، و التعجيل بروحه إلى النار. .
فلأجل ذلك كان ثمن الدخول في هذا الخطر العظيم و الجسيم هو الجنة، إذ لا شيء سواها يمكن أن يطمع به من يعرض نفسه للقتل. .
غير أن لسائل أن يسأل هنا فيقول: إذا كان اللّه يطلع نبيه على الغيب فلما ذا لم يسترشد النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ربه سبحانه، و يستأذنه بإعلام هذا الرسول بنجاته من شر هرقل، و من شر الروم كلهم. . و يدفع بذلك الخوف عنه، و يكون من ثم أكثر ثباتا و إقداما؟ ! .
و لنا أن نجيب: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يعوّد أصحابه على هذه الطريقة في التعامل مع الأمور، و مواجهة قضاياهم. . أي أنه لا يريد لهم أن يتكلوا على الغيب إلى هذا الحد، فإن سلبيات هذه الطريقة كثيرة و خطيرة، إذ هي تؤدي:
أولا: إلى حرمانهم من ثواب الجهاد في سبيل اللّه، و قصد القربة، و ثواب الخوف و التغرب، و حمل النفس و توطينها على مواجهة الضرر و الخطر. .
ثانيا: إن ذلك يجعلهم إتكاليين في مواجهاتهم، و يسلب منهم روح الإبداع و الخلاقية، و يمنعهم من التدبر في الأمور و من التدبير الصحيح و السليم. .
ثالثا: إنه إذا مست الحاجة إلى ارتكاب المخاطر حتى الاستشهاد، و كان
العمل بالإستناد إلى الغيب، الذي يحتم تعريف الناس بمآل الأمور، فقد لا نجد أحدا يقدم على ذلك باختياره، و سيظهر الفشل، و تحل الكارثة، إما بسقوط الهكيل على رؤوس الجميع، و إما بالخسران في الآخرة.
رابعا: إن ذلك قد يختزن في داخله نزاعات، و اعتراضات، و انقسامات، و عداوات، و تشكيكات في المعصوم، تخرج الناس من الدين، و تؤدي بهم إلى الردة، و إلى تركه ليواجه وحده المحنة و الشدة.
بقي أن نشير إلى أن ذلك الذي تبرع بحمل الرسالة طمعا بالجنة، كأنه تخيل أنه لا يكون له ما وعد به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا إذا استجاب هرقل إلى دعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قبل الإسلام. .
فجاءه الجواب: أن المطلوب منه هو مجرد إيصال الرسالة، و أن ذلك يكفي لاستحقاق ما وعده به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد أجاب «صلى اللّه عليه و آله» على السؤال عن مكان النار بقوله: إذا جاء الليل فأين يكون النهار؟ !
و هو كلام في غاية الدقة و الأهمية، حيث إنه يتضمن حقيقة علمية لم تكتشفها الأمم إلا في العصور المتأخرة، حيث أشار «صلى اللّه عليه و آله» إلى كروية الأرض، لأن الليل إذا كان من جهة الأرض، فإن الجانب الآخر يكون هو المقابل للشمس، و يكون النهار في ذلك الجانب. .
بل هو يترقى إلى ما هو أهم من ذلك، حيث يقرر أيضا: أن هذه المجرة السابحة، أو حتى منظومة المجرات نفسها السابحة في الكون ربما تكون
جميعها ككومة من حبات عنب، منظومة في عنقود أو بدونه، إن هذه المجرات التي ربما تكون في حالة اتساع مستمر على قاعدة: وَ اَلسَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ (1). فإن الجنة إذا كانت في جهة من هذه المجرة، أو منظومة المجرات، فلتكن النار في الجهة الأخرى، فإن ما يسبح في الفضاء أي جهة من جهاته توازي الجهة الأخرى، و تقابلها تماما كما يكون الليل في جهة من الأرض السابحة في الفضاء و النهار في الجهة الأخرى.
إن الألفاظ إنما وضعت لمعان يدركها الإنسان و هي بالدرجة الأولى المعاني المحسوسة، بالبصر أو السمع أو اللمس. . ثم المعاني القريبة من الحس، كالكرم، و الشجاعة، و العدالة و الغضب و غير ذلك مما يرى دلائله، و يحس بآثاره. ثم هو يركّب من هذه و تلك معاني جديدة، و يستفيد منها في الإنتقال إلى ما هو أدق و أغرب.
و لكن القرآن يريد أن يوصل للإنسان معاني أسمى و أعظم مما يخطر على باله، أو يمر في خياله.
و قد احتاج إلى أن يضعها في قوالب لفظية، كانت قد وضعت لمعان مبتذلة و عادية، و قريبة و محدودة؛ فكان عليه أن يتوسل لإيصال الإنسان إلى تلك المعاني العالية بالمجازات و الكنايات، و الإستعارات، و استعمال تراكيب مختلفة، و إشارات و تلميحات، و مختلف أنواع الدلالات.
1) الآية 47 من سورة الذاريات.
فحين أراد مثلا بيان حجم الكون. .
قال أولا: هناك سماء و أرض، و السماء مأخوذة من السمو، و هو العلو. .
ثم قال: هناك سماء دنيا، و هي القريبة الدانية، و هناك سماوات على.
ثم ذكر: أن السماوات سبع.
ثم قال: إن جميع ما نراه من نجوم يسطع نورها، فإنما هو في السماء الدنيا، فقال تعالى: وَ زَيَّنَّا اَلسَّمٰاءَ اَلدُّنْيٰا بِمَصٰابِيحَ (1).
و حيث إنه قد يفهم من ذلك: أن هذا يختص بالنجوم التي تظهر في الليل، لأن المصابيح تكون في الظلمة، عاد فذكر في آية ثانية ما يفيد التعميم لكل كوكب حتى للشمس التي تطلع في النهار، فقال: إِنّٰا زَيَّنَّا اَلسَّمٰاءَ اَلدُّنْيٰا بِزِينَةٍ اَلْكَوٰاكِبِ (2).
أو لعل كلمة «المصابيح» توهم الاختصاص بما يكون نوره نابعا من ذاته، كما هو الحال في المصباح، فلا يشمل ما كان نوره مكتسبا من غيره، فجاءت الآية الثانية لتفيد الشمول إلى كل ما يضيء، سواء أكان في الليل أم في النهار، حيث عبرت بكلمة «الكواكب» ثم جاء التعبير ب «الزينة» ليشير إلى أن هناك رؤية و تلذذا، و إدراكا لهذه الحالة الجمالية «الزينة» .
و إذا رجعنا إلى ما لدينا من معلومات، فسنجد: أنهم يقولون: إن هناك كواكب لم يصل نورها حتى الآن إلينا. و إن هناك كواكب يحتاج نورها إلى ملايين السنين الضوئية ليصل إلينا، ثم هم يقولون: إن الضوء يقطع ما
يقارب الثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية.
فإذا ضممنا ذلك كله بعضه إلى بعض، و علمنا: أنه كله في السماء الدنيا، فسندرك: أن حجم هذه السماء لا يمكن أن يناله و هم أو خيال. .
فكيف إذا جاء الحديث ليقول لنا: إن السماء الدنيا بالنسبة للثانية كحلقة ملقاة في فلاة. و إن السماء الثانية بالنسبة للثالثة كذلك. . و هكذا السماوات السبع في الكرسي كذلك، و الكرسي بالنسبة للعرش كذلك. .
كما أن اللّه تعالى قد قال: اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً (1).
و قال تعالى: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اَللّٰهُ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً (2).
و صرح أيضا بقوله: تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (3).
و قال تعالى: وَ اَلسَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ (4).
و ذلك كله يظهر لنا: أن القمر الذي يبعد عن الأرض أقل من ثانية و نصف بحسب مسيرة الضوء، لا يعد بعيدا، بل هو أقرب من قريب. . و كذلك سائر الكواكب التي يفكر الإنسان بالوصول إليها كالمريخ و الزهرة و نحوها، و لا يعد هذا البعد شيئا ذا بال في حساب مسافات السماء الدنيا، فضلا عن السماوات العلى. .
هذا و قد ذكرت الآية الشريفة: يٰا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ
أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطٰارِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاٰ تَنْفُذُونَ إِلاّٰ بِسُلْطٰانٍ (1)، أن الإنسان قادر على اختراق أقطار السماوات و الأرض كلها، و الخروج من دائرتها إلى عالم جديد، لأنه تعالى قد حدد للإنسان طبيعة المانع، و سماه له، و أخبره أنه إن تغلّب عليه فسيتمكن من الخروج من جميع جهات السماوات و الأرض، لا من جهة واحدة و حسب، و لذلك قال «من أقطار» .
فمن وصل إلى القمر لا يكون قد خرج من دائرة السماوات، أو اخترقها من أقطارها و جوانبها المختلفة، بل يكون في بداية انطلاقته إلى مسافات تحتاج إلى مليارات المليارات التي لا تنتهي من السنين الضوئية، ليقترب حتى من بعض الكواكب البعيدة نسبيا في السماء الدنيا، فضلا عن غيرها من السماوات. .
و بعد كل هذا الذي ذكرناه من حقائق مثيرة و عظيمة و هائلة نقول:
لا شك في أن الأرض واقعة في محيط السماء الدنيا، في هذه المجرة، و لكن أين هي السماوات السبع، و الكرسي، و العرش، و سدرة المنتهى؟ !
و كيف يكون موقعها بالقياس إلى الأرض؟ !
هل تكون مثل طبقات البصلة التي يحيط بعضها ببعض؟ !
أم هي منظومات هائلة من المجرات المختلفة. . يقع بعضها إلى جانب البعض الآخر، على نحو الاستطالة، أو الاجتماع المنتظم في صعيد واحد. . أو التفرق غير المنتظم؟ ! . .
إن تحديد ذلك كله لا يدخل في نطاق قدراتي شخصيا، و لا أدري إن
1) الآية 33 من سورة الرحمن.
كان ثمة من يستطيع أن يعطي تصورا حاسما في هذا المجال، سوى الإمام المهدي المعصوم صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه الطيبين الطاهرين. .
غير أن من المقطوع به: أن السماء الدنيا محيطة بالأرض، و بكل ما يقع في داخلها. . و لكن إحاطتها لا تعني استدارتها في مجموع تكوينها. . كما أن موقعها بالنسبة إلى سائر السماوات لا يمكن تحديده كم أسلفنا.
و قد ظهر من جميع ما تقدم: أن مجموع السماوات و الأرض و كل ما تحويه من مجرات إن هي إلا سابحة في الفضاء، و هو محيط بها من كل جانب.
تقدم: قولهم إن هرقل لم يكن يهمّ بالذي بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه، و لا حدثته نفسه بذلك. . و نقول:
إننا قد نقبل من هؤلاء أن يقولوا: إن فلانا لم يفعل الشيء الفلاني، لأن المعرفة بصدور ذلك منه أو عدم صدوره قد تكون متيسرة في كثير من الأحيان، و لا سيما إذا كان ذلك الأمر جمع الجيوش، و التهيؤ للحرب، و غير ذلك من الأمور التي لا تخفى عادة.
و لكننا لا نقبل من أحد أن يقول لنا: إن فلانا لم يهم بالأمر الفلاني، لأن الهمّ بالشيء فعل قلبي قد تصاحبه بعض الحركات باتجاه ما يهم به، و قد يخلو عنها.
و أما أن يقول قائل لنا: إن فلانا لم تحدثه نفسه بالشيء الفلاني، فذلك ما لا يمكن قبوله من أحد إلا من نبي، أو وصي نبي، لأنه قول يستبطن العبث بنا، و الإستخفاف بعقولنا، و هذا ما لا نرضاه لأنفسنا، لأنه من إنسان لم
يطلعه اللّه على غيبه، و لا أوقفه على ما يكنه ضمائر عباده.
و قد عرفنا فيما سبق حين الكلام حول مراسلات النبي «صلى اللّه عليه و آله» لملوك الأرض في سنة ست: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى ملك الروم بعنوان: «إلى عظيم الروم» و كتب إليه في تبوك بعنوان: «صاحب الروم» .
و لا ندري هل هذا هو نفس الملك السابق، أم أن ذاك قد مات أو عزل، و حل محله ملك آخر احتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكتابة إليه، كما كان الحال بالنسبة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» مع ملك الحبشة؟
غير أن ما رأيناه في الحالتين: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخاطبه بصفة «ملك» ، ربما لكي لا يتوهم أحد أن ذلك يمثل إقرارا من نبي لا ينطق عن الهوى بالملك له، ثم يشيعون: أن هذا يثبت له حقا منحه اللّه تعالى إياه، و يتخذ ذلك ذريعة لخداع السذّج و البسطاء من الناس.
و لا شك في أن رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى هرقل كانت في غاية الدقة. و هي رسالة هادئة و حازمة، و قد راعت أهداف الإسلام، من دون أن تعطي ذلك الطاغية أية ذريعة للتمرد، أو اللامبالاة، كما أنها لم تخلّ بشرط الإختيار، و الحرية لطاغية الروم، فقد خيره بين أمور لم يذكر له الحرب، و لا إبرام العهد. .
و لكن هرقل تخلص أولا من دحية الكلبي بكذبة كان يعرف أنها لا
تنفع مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين زعم له أنه قد أسلم.
ثم هيأ رسولا آخر، يستطيع أن يأتيه بالمعلومات التي يحتاج إليها، و لكنه على ما يظهر أراد أن يطمئن إلى ولاء قومه، و طاعتهم له. . فعقد جلسة مع قسيسي الروم و بطارقتها و أخبرهم بالخيارات التي كتب بها إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد بهرج الكلام بحيث أثار حفيظتهم، و أيقظ عنجهيتهم الدينية أولا، حين وضعهم و هم بطارقة و قسيسون أمام خيار قبول الإسلام، و الحال أنهم يرون أن كل ما لديهم هو نتيجة الإلتزام بالنصرانية، و التسويق لها، فالتخلي عنها معناه الخسارة لكل شيء.
فلم يبق أمامهم إلا خيار قبول الجزية أو و السيف، و قد عرض عليهم إعطاء الجزية بصورة تحريضية على الرفض، من خلال ما يثيره فيهم من شعور بالمظلومية. . حيث قال لهم: «أو أن أعطيه مالنا، و الأرض أرضنا» .
ثم إنه قد صعّد من لهجته التحريضية، التي تسوقهم إلى المقاومة بشراسة و بقسوة حين قال لهم مرة أخرى: «ليأخذن أرضنا» .
ثم قال لهم ثالثة: «فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا» . .
و يذكرنا هذا الأسلوب بما فعله فرعون «لعنه اللّه» في مواجهة موسى «عليه السلام» ، و ذلك حين كان الحوار يجري بينهما لإبطال ادّعاء فرعون للألوهية، فأظهر اللّه تعالى المعجزة على يد موسى «عليه و على نبينا و آله السلام» ، بانقلاب العصا إلى ثعبان، و ظهور يده البيضاء، لكن فرعون قٰالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هٰذٰا لَسٰاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ. . (1).
1) الآيتان 34 و 35 من سورة الشعراء.
ثم أكد لهم ذلك بإعلانه خروجه عن دائرة الصراع، و إيكال أمر اتخاذ القرار في حق موسى «عليه السلام» إليهم، لأن الأمر يعنيهم، و القضية قضيتهم، و هو إنما كان يساعدهم على درء الخطر فقال لهم: فَمٰا ذٰا تَأْمُرُونَ ؟ (1).
و قد جاءت النتائج وفق ما خطط له قيصر، فقد «نخروا نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم، و قالوا: تدعونا أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز» ؟
فلما اطمأن إلى أنه قد نال ما أراد بادر إلى استيعابهم من جديد، فطمأنهم إلى أنه إنما أراد أن يختبرهم، و يقف على مدى صلابتهم.
قد يعترض على النصوص المتقدمة بأنها تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لرسول ملك الروم: «و كتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، و اللّه ممزقه و ممزق ملكه» .
مع أن الروايات تقول: إن النجاشي أسلم على يد جعفر بن أبي طالب، و إنه قد مات في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . فصلى عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد أن رفع اللّه له كل خفض، و خفض له كل رفع، حتى رأى جنازته أمامه. .
و الجواب: أن هذا الذي مات اسمه أصحمة، و ليس هو المقصود بكلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل المقصود هو الذي تولى بعده،
1) الآية 35 من سورة الشعراء.
و يقال له «النجاشي» أيضا، لأن هذه الكلمة هي لقب ملك تلك البلاد كما يقال: كسرى و قيصر لملكي الروم و الفرس. .
و نعتقد: أن ما جرى في مؤتة على يد القادة الثلاثة الذين استشهدوا كان له أكبر الأثر في قرارات هرقل، و كل بطارقته و أعوانه، فقد رأيناه مذبذبا يسعى إلى التملص، و التخلص من المواجهة، فيزعم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر أنه على دينه، و يرسل إليه هدية. .
ثم يرسل له رسالة أخرى، يحاول فيها أن يطرح بعض الأسئلة، ربما بهدف تسويف الوقت، و عدم إفساح المجال لإلزامه بشيء. .
و لكن ما لا بد من الوقوف عنده مليا هو: أن قيصر كان لا يزال يعيش نشوة النصر على كسرى قبل نحو سنتين، و يرى نفسه أنه يملك نصف الدنيا، و كانت حتى بلاد الشام، و فلسطين و الأردن، و سواها من بلاد العرب خاضعة لسلطانه، و تدين بالولاء له.
و كان يستطيع أن يزحف بمئات الألوف من الجيوش المجهزة بأفضل الأسلحة، ليواجه بها عربيا يعيش في صحراء الحجاز، لا يملك من المال ما يهيء به نعالا لجيشه الذي يريد أن يخترق به تلك الصحراء الشاسعة ليتقي بها ذلك الجيش حر الرمضاء، فيضطر الكثيرون منه إلى قطع تلك المسافات مشاة و حفاة.
إن هرقل هذا لا يجرؤ على التفوه بكلمة «لا» أمام دعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له، رغم أنه يدعوه و قومه إلى إعطاء الجزية عن يد
و هم صاغرون. .
و لم يحدث في تاريخ طواغيت الأرض و عتاتها أن تأتي عساكر أعدائهم لتقف على تخوم بلادهم، و هي ثلة قليلة العدد ضعيفة العدة، ثم يسكتون و لا يحركون ساكنا، و كأن شيئا لم يكن، مع قدرتهم على تجنيد عشرة أضعاف ذلك العدو بأفضل عدة، و أتم و أوفى عدد! !
بل تراه يتحايل على ذلك العدو، و يرسل له بالهدايا، و بالكلمات المعسولة، حتى إنه ليدّعي-كاذبا-الإنقياد له، و القبول به، و التبعية و الطاعة لكل ما يأمر به و ينهى عنه.
ثم يتبع ذلك بما يشير إلى أنه بصدد التأكد من أمر النبوة، و أنه يبحث عن الحقيقة، لكي يسلب منه القدرة على التصميم على مهاجمته، و ليحرجه في قرار المضي بالحرب معه، أو في التوغل في بلاده، لو أنه فكر في ذلك، لأنه كان يعلم أنه لا يمكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتخذ قرارا كهذا في حق من يظهر أنه يبحث عن الحق، و يتلمس دلائله. .
و الذي يبدو لنا: هو أن سبب هذا الإستخذاء من هرقل، و من أصحاب القرار في مملكة الروم هو ما جرى في مؤتة. .
فهي قد عرّفت قيصر، و من معه: أن الأمر في أية مواجهة مع هذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، سيكون بالغ الخطورة، إن لم نقل: إنهم كانوا على يقين من أنه لن يأتي لهم بغير الخزي و العار، و الذل و الصّغار، و الهزيمة النكراء، و الفضيحة الصلعاء. .
إذ إن مئات الأولوف التي جاء بها قيصر إلى حرب مؤتة قد واجهت ثلاثة آلاف فقط من المسلمين، و كان من المتوقع: أن يسقط أكثر المسلمين
صرعى في أول ساعة بل في الدقائق الأولى من المعركة، حيث لا بد أن تتناهبهم سيوف و رماح مئات الألوف من الرجال، إن لم نقل: إن الحجارة كانت تكفيهم، لتبيد جميع أعدائهم و تفنيهم. .
و لكن ما حصل كان نقيض ذلك، فإن الحرب لم تنته في اللحظات الأولى، بل طالت ربما لأيام، و لم يسقط فيها من الشهداء سوى عدد ضئيل جدا، لا يتجاوز السبعة أشخاص، كان القادة الثلاثة منهم، و لو لا الهزيمة التي فرضها عليهم خالد بن الوليد، فلربما بلغ السيل الزبى، و الحزام الطبيين. . و الذين قتلوا من غير القادة لعلهم قتلوا بعد فرار خالد بالمسلمين، أو على الأقل لا يمكن تأكيد قتلهم في ساحة المعركة قبل ذلك. . و قد كان هذا، و الحال أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن معهم. . فلو كان «صلى اللّه عليه و آله» معهم، فكيف ستكون عليه الحال و المآل. .
و لعل قيصر و أهل الروم قد سمعوا بمعاقبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين للعائدين من مؤتة، حتى لقد حثوا في وجوههم التراب، و استقبلوهم بما يكرهون، و قد قاطعهم و عاداهم أهلهم و ذووهم و إخوانهم، و حتى نساؤهم و محبوهم. . و لم يقل لهم أحد: «الحمد للّه على سلامتكم» . .
و ها هو قيصر يرى عشرة أضعاف الثلاثة آلاف، و معهم قائدهم، و رائدهم و سيدهم الذي يقدسونه، و يفدونه بأنفسهم، فأي جيش يمكن أن يواجه هؤلاء و ينتصر عليهم، و لذلك اتخذ قرار الخداع دون الإنصياع، و المخاتلة و المماطلة، بديلا عن المواجهة و المقابلة. .
و لا يبعد أن حصول هرقل على أخبار إلهية من كتب سماوية وصلت إليه تتحدث عن شأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي اضطره لاتخاذ
الإجراءات التي اتخذها، أو كان عاملا مؤثرا في ذلك.
و إن أقبح أنواع الإستكبار هو ذلك الذي ينضح بالغباء البغيض المهلك، و يضج بالسماجة المقيتة و المميتة، و لعل استكبار أولئك الأساقفة و البطارقة، و الذي وافقهم عليه ملكهم أوضح مثال على ما نقول. . إذ لا معنى لأن يستكبر هؤلاء على نبي يجدونه مكتوبا عندهم في إنجيلهم و توراتهم، و على رجل لا يريد أن يستعبدهم، بل يريد أن يحررهم من عبادة الشيطان، و من العبودية للأكاسرة و القياصرة، و الطواغيت و الجبابرة. . و من أسر الشهوات، و حب الدنيا، و ينطلق بهم نحو اللّه، ليكونوا أحرارا في دنياهم، سعداء في آخرتهم. .
و يا ليتهم يقدمون التبرير المقبول و المعقول لذلك، بل ذكروا: أن سبب رفضهم للإنقياد له هو كونه قد جاءهم من الحجاز، معتبريه أعرابيا، و الحال أنهم لم يروه، و لم يسمعوا كلامه، و لا شاهدوا معجزته. . و ذلك هو الإستكبار السمج و الغبي بكل تأكيد، و أغبى منهم من قبل منهم، و رضي عنهم، و انقاد لمشورتهم، مع علمه ببوار حجتهم، و فيال رأيهم. . و هو قيصر بالذات لأن هذا الرجل قد أعلمهم مسبقا أن هذا الحجازي هو الذي أخبرتهم به كتبهم، و عرفتهم أنه سوف ينتصر عليهم، إن عاجلا، و إن آجلا، فما هذه المكابرة، و لماذا المخاطرة؟ ! . إذن. .
و قد أتم اللّه الحجة على قيصر، و أظهر اللّه تعالى كذبه و خداعه، و أنه
يماطل و يخاتل حين أرسل ذلك التنوخي برسالته إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنها قد دلت على أنه قد كذب فيما قاله لدحية من أنه متبع للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن لا يريد أن يدع ملكه، و قد تمت الحجة عليه بما عرفه من كتبهم التي أخبرتهم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بما بلغه عنه «صلى اللّه عليه و آله» من معجزات و كرامات و حالات، ثم بما عاينه من صنع اللّه لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك. . ثم بما عاينه مبعوثه، و أخبره به، حيث وجد ذلك المبعوث صحة كل ما أوصاه باستكناهه، و كشف حقيقته، بدءا من:
1-ذكره «صلى اللّه عليه و آله» لصحيفته، و إخباره بما يجري على كسرى، و النجاشي، و بما يؤول إليه أمر قيصر. . وصولا إلى:
2-إجابته «صلى اللّه عليه و آله» على سؤاله عن مكان النار و الجنة، و انتهاء ب:
3-مشاهدة مبعوثه خاتم النبوة، بعد أن ذكّره النبي «صلى اللّه عليه و آله» به، إذ قد يظهر أنه كان قد نسيه. .
و قد صرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن قيصرا يكذب فيما يدعيه، فقد قال حين أخبره دحية بما قاله له: «كذب» .
و لما قرأ كتابه أيضا قال: «كذب» «عدو اللّه» «و ليس بمسلم» «بل هو على نصرانيته» . .
و رغم ذلك كله، تجد أن المؤرخين يوردون قضية هرقل في سياق يظهر نفس ما كان يريد هرقل أن يخدع به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تصوير أنه مغلوب على أمره، و أنه. . و أنه. . فهل هذا غباء؟ ! . أم أنهم ممن
أضلهم اللّه تعالى على علم؟ ! . أم الإثنان معا؟ !
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا ذلك التنوخي للإسلام، فلم يقبل بحجة أنه رسول قوم، و على دينهم، و لا يرجع عن دينه حتى يرجع إليهم. .
و هي حجة واهية، و غير منطقية، فإن كونه رسولا لا يمنع من قبول الحق، و الإلتزام بالهدى الإلهي، و لا سيما بعد أن رأى البينات بأم عينيه، فقد رأى خاتم النبوة، و سمع إخباره عما فعله قيصر بالصحيفة التي أرسلها إليه، و عما يجري للنجاشي، و كسرى، و سمع و سجل إجابته على السؤال حيث طابقت تلك الإجابة ما أخبره به قيصر الذي أرسله. .
و عاين سلوك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أخلاقه مع الناس عن قرب، حتى إنه لم يستطع أن يميزه من بينهم، حتى احتاج للسؤال عنه، فقال: أين صاحبكم؟ و لم يقل: من هو صاحبكم؟ و كأنه قد ظن أنه غائب، مع أنه يأتي من قبل أحد الملوك، و يعرف كيف يعامل الملوك رعاياهم، و ما هي حقيقة تعامل رعاياهم معهم. .
و قد ورد في كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله لهرقل: «. . و إلا. .» ، أي إن لم تدخل في الإسلام، و لم تعط الجزية، «فلا تحل بين الفلاحين و بين الإسلام أن يدخلوا فيه، أو يعطوا الجزية. .» .
قال أبو عبيد: «لم يرد الفلاحين خاصة، و لكنه أراد أهل مملكته جميعا،
و ذلك أن العجم عند العرب كلهم فلاحون، لأنهم أهل حرث و زرع، لأن كل من كان يزرع، فهو عند العرب فلاح، إن ولي ذلك بنفسه، أو وليه له غيره» (1).
فهذا الشرط من جهة يتيح للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتعامل مع الناس مباشرة، من دون تدخل من قبل هرقل.
و من جهة أخرى فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مقابل ذلك يعفي هرقل من الجزية، و من الحرب. .
و ذلك من شأنه: أن يمكن النبي الكريم و العظيم «صلى اللّه عليه و آله» من مخاطبة الناس، و عرض دعوته عليهم، و يكونون هم الذين يقررون الدخول في دينه، أو إعطاء الجزية. إذ إن خيار الحرب ليس هو الخيار المفضل عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل هو خيار يأتي على قاعدة: آخر الدواء الكي، و الأمر الأهم بالنسبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو استعادة حرمة الناس، و كرامتهم، و خياراتهم من سالبيها، حيث إنهم يمنعون الناس حتى من أن يفكروا، و من أن يعتقدوا، و من أن يخاطبوا هذا الفريق أو ذاك.
فإذا أراد هرقل أن يميز نفسه عنهم، و يرفض أن يختار لنفسه ما يختارونه لأنفسهم، فذلك شأنه، فإذا كف عن ظلمهم المتمثل بمنعهم من ممارسة حريتهم الفكرية و الإعتقادية، فإنه و إن كان الكف عن الظلم واجبا عليه، و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يزيد في إحسانه له
1) الأموال لأبي عبيد ص 32.
بالسكوت عن مطالبته بالجزية، و الإمتناع عن مواجهته بالحرب. .
فظهر مما ذكرناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهر أنه سيكون رفيقا بقيصر محسنا إليه، إذا كف قيصر عن ممارسة القهر و الظلم لشعبه، و تخلى عن مصادرة حرياتهم. .
و قد كان الملوك و لا يزالون يميزون أنفسهم عن رعاياهم، و يرون أنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم. . و لكن حكم الإسلام هو أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، و لا فرق بينهم في العبادات، و لا في المعاملات، و لا في الحقوق، و لا في الحدود. .
و على هذا الأساس جاء قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رسالته إلى هرقل: «فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، و عليك ما عليهم» ، و لم يقل له: إن أسلمت فلك كذا و كذا من المال، أو أنني أجعلك وزيرا لي، أو أوليك على البلد الفلاني، أو ما شاكل ذلك. .
و اللافت في هذه الرسالة، و سائر رسائله إلى الملوك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يخاطب أولئك الملوك بما هم أفراد، فيميزهم بذلك عن غيرهم من الناس، فهو لم يكتب لقيصر مثلا عبارة: أسلموا تسلموا، أو إن أسلمتم فلكم كذا، و إن امتنعتم، فعليكم كذا، بل قال له هو: أسلم تسلم، و قال: فإن أسلمت الخ. .
و ذلك أولا: لأنه لا يريد أن يعترف له بأنه يمثل أحدا من الناس، حتى
لو كانوا قومه، و من يعتبرهم هرقل رعية له.
و ثانيا: لأنه إن أسلم، فسيلتزم بتعاليم الشريعة التي منها ترك الحرية للناس في أن يختاروا دينهم، و سيتعامل معهم وفق ما يختارونه، و سيطبق عليهم أحكام اللّه، لأن الإيمان و الإلتزام به، و العمل بمقتضاه، و الكفر و الجحود هو فعل و مسؤولية الأشخاص، و هم الذين يواجهون آثار و تبعات ما يختارونه من ذلك. .
و لكن الملوك يمثلون-في العادة-العقبة الكأداء أمام ممارسة الناس لحقهم، فيحتاج الأمر إلى مخاطبتهم أولا، من دون أن يكون لهذا الخطاب أي تأثير على حق الرعية. . حسبما أوضحناه. .
و كان أهل أيلة يهودا، فلما بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى أكيدر بدومة-كما بيناه في السرايا-أشفق ملك أيلة، يحنة بن رؤبة أن يبعث إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما بعث إلى أكيدر، فقدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قدم معه أهل جربا و أذرح و مقنا، و أهدى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغلة (1).
و عرض عليه «صلى اللّه عليه و آله» الإسلام، فلم يسلم (2).
قال أبو حميد الساعدي: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ابن العلماء، صاحب أيلة بكتاب، فأهدى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
بغلة بيضاء، و كساه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بردا، و كتب له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ببحرهم (1).
و عن الواقدي قال: رأيت يحنّة بن رؤبة يوم أتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عليه صليب من ذهب، و هو معقود الناصية، فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفّر (أي وضع إحدى يديه على الأخرى) ، و أومأ برأسه، فأومأ إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده أن ارفع رأسك.
و صالح النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحنة يومئذ، و كساه بردا يمنية، فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد اللّه بن محمد بثلاثمائة دينار، و أمر له بمنزل عند بلال انتهى (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 460 و 461 عن البخاري، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 3 ص 1011(503/1392) . و راجع: المغازي للواقدي ج 3 ص 1031 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 114 عنه، و راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 132 و ج 3 ص 141 و ج 4 ص 64 و عمدة القاري ج 9 ص 64 و ج 13 ص 168 و ج 13 ص 170 و ج 15 ص 85 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 165.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 460 و 461 عن الواقدي و مكاتيب الرسول ج 3 ص 114 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 16 و 17(و اللفظ له) و الطبقات الكبرى ج 1 ص 290 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 37 و السيرة الحلبية ج 3 ص 160 و زيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 375 و رسالات نبوية ص 89 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 49 عن شرح الزرقاني للمواهب اللدنية ج 3 ص 413 و مدينة البلاغة ج 2 ص 349. و مجموعة الوثائق السياسية ص 118/32 عن جمع ممن تقدم، و عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 468 و 469 و أخرى في القسم الغير المطبوع (خطية كوپرلو) ص 1040 و المواهب اللدنية ج 1 ص 297 و منشئات السلاطين ج 1 ص 34 و شرح الزرقاني ج 3 ص 360 و دلائل النبوة للبيهقي (خطية كوپرولو) ج 1 ورقة 23-ب. ثم قال: قابل الطبقات ج 1 ق 2 ص 37 و 38 و شرح السيرة لإبراهيم الحلبي ورقة 115 -ب، و فتوح البلدان ص 59 و الخراج لقدامة ورقة 124، مخطوطة باريس، و لسان العرب، و المواهب اللدنية ج 3 ص 160 و التنبيه و الإشراف ص 282 و النهاية لابن الأثير مادة جرب، و انظر مجلة تحقيقات علمية في مراجع المكتوب ص 26(كايتاني) ج 9 ص 239 التعليقة الثانية و (اشپرنكر) ج 3 ص 422 و 424 و (اشپربر) ص 44 و 45.
قالوا: و قطع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الجزية، جزية معلومة، ثلاثمائة دينار كل سنة، و كانوا ثلاثمائة رجل، و كتب لهم بذلك كتابا فيه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم:
هذا كتاب أمنة من اللّه تعالى، و محمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة و أهل أيلة، لسفنهم و سائرهم، السارح في البر و البحر، لهم ذمة اللّه و ذمة رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و لمن كان معهم من أهل الشام، و أهل اليمن، و أهل البحر. و من أحدث حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، و إنه طيب لمن أخذه من الناس، و إنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، و لا طريقا يردونه من بر أو بحر» .
هذا كتاب جهيم بن الصلت، و شرحبيل بن حسنة، بإذن رسول اللّه
«صلى اللّه عليه و آله» (1). .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 461 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1032 و نقله العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في مكاتيب الرسول ج 3 ص 97 و راجع ج 2 ص 480 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 289 و في (ط أخرى) ج 1 ق 1 ص 37 و اللفظ له، و تهذيب تأريخ ابن عساكر ج 1 ص 115 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 181 و في (ط أخرى) ص 169 و السيرة الحلبية ج 3 ص 160 و البداية و النهاية ج 5 ص 16 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 374 و الثقات ابن حبان ج 2 ص 94 و 95 و الأموال لأبي عبيد ص 200 و في (ط أخرى) ص 287 و رسالات نبوية ص 317 و الجمهرة ج 1 ص 48 و مدينة البلاغة ج 2 ص 327 و تأريخ الخميس ج 2 ص 127 و نشأة الدولة الإسلامية ص 310 و منشآت السلاطين ج 1 ص 33 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 468 و راجع: البحار ج 21 ص 245 (بهامشه) عن ابن هشام، و المقريزي، و شرح الزرقاني ج 3 ص 359 و فتح الباري ج 3 ص 273 و ج 5 ص 169 و ج 6 ص 191 و عمدة القاري ج 9 ص 64-70 و ج 13 ص 168-170 و ج 15 ص 76 و 85 و عون المعبود ج 3 ص 144 و إرشاد الساري ج 3 ص 68 و 69 و زاد المعاد ج 3 ص 5 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 463 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 247 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد. و مسند أحمد ج 5 ص 425 و سنن الدارمي ج 2 ص 233 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 540 و إعلام الورى ص 133 و في (ط أخرى) ص 75 و التنبيه و الإشراف ص 236 و فتوح البلدان للبلاذري ص 80 و اليعقوبي ج 2 ص 57 و معجم البلدان ج 1 ص 292 في «إيلة» و أعيان الشيعة ج 1 ص 283 و الكامل ج 2 ص 280 و الطبري ج 3 ص 108 و المفصل ج 7 ص 348 و ج 6 ص 601 و تأريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 50 و النهاية في مادة: بحر، و سيرة ابن كثير ج 4 ص 29 و التأريخ المختصر لأبي الفداء ج 1 ص 142 و مجموعة الوثائق السياسية ص 117 و المطالب العالية لابن حجر ص 2631، و انظر كايتاني ج 9 ص 38(التعليقة الأولى) و (اشپربر) ص 41 و (اشپرنكر) ج 2 ص 422) و راجع: البخاري ج 2 ص 155 و ج 3 ص 213 و ج 4 ص 119 و سنن أبي داود ج 3 ص 179 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 215 و صحيح مسلم ج 4 ص 1785 و كنز العمال ج 10 ص 415 و في (ط أخرى) ج 5 ص 325 و شرح النووي لمسلم ج 15 ص 42 و البخاري شرح الكرماني ج 8 ص 27 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 441.
و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل أذرح كتابا، و كانوا يهودا أيضا، و قد أعطاهم الأمان فيه، و فرض عليهم الجزية، و فيما يلي نص الكتاب:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل أذرح و جربا، إنهم آمنون بأمان اللّه و أمان محمد، و أن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، و اللّه كفيل عليهم بالنصح و الإحسان إلى المسلمين، و من لجأ من المسلمين من المخافة و التعزير، إذا خشوا على المسلمين فهم آمنون، حتى يحدث إليهم محمد «صلى اللّه عليه و آله» قبل خروجه» .
قالوا: و أتى أهل جربا و أذرح بجزيتهم بتبوك فأخذها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 461 عن الواقدي و مكاتيب الرسول ج 3 ص 113 و 114 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 16 و 17(و اللفظ له) و الطبقات الكبرى ج 1 ص 290 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 37 و السيرة الحلبية ج 3 ص 160 و زيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 375 و رسالات نبوية ص 89 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 49 و مدينة البلاغة ج 2 ص 349. و مجموعة الوثائق السياسية ص 118/32 عن جمع ممن تقدم، و عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 468 و 469 و أخرى في القسم الغير المطبوع (خطية كوپرلو) ص 1040 و منشآت السلاطين ج 1 ص 34 و شرح الزرقاني ج 3 ص 360 و دلائل النبوة للبيهقي (خطية كوپرولو) ج 1 ورقة 23-ب. و شرح السيرة لإبراهيم الحلبي ورقة 115-ب، و فتوح البلدان ص 59 و الخراج لقدامة ورقة 124، مخطوطة باريس، و لسان العرب، و المواهب اللدنية ج 3 ص 160 و التنبيه و الإشراف ص 282 و النهاية لابن الأثير مادة جرب، و انظر مجلة تحقيقات علمية في مراجع المكتوب ص 26(كايتاني) ج 9 ص 239 التعليقة الثانية و (اشپرنكر) ج 3 ص 422 و 424 و (اشپربر) ص 44 و 45.
و صالح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا أهل مقنا على ربع ثمارهم، و ربع غزولهم. و كانوا قد وفدوا إليه مع يحنّة عظيم إيلة، و كنا قد أشرنا إلى كتابه في أوائل كتابنا هذا، حيث تحدثنا عن: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة، حيث بحثنا موضوع وضع التاريخ الهجري. .
و قد ذكرنا هناك: أن الظاهر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لهم هذا الكتاب في المدينة، و لعلهم و فدوا إليه مرة أخرى بعد عودته إليها، لأن كاتب الكتاب هو علي بن أبي طالب «صلوات اللّه و سلامه عليه» ، و هو لم يكن في غزوة تبوك. .
و نص الكتاب هو التالي:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم
من محمد رسول اللّه إلى بني حبيبة و أهل مقنا:
سلم أنتم، فإنه أنزل علي أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون، و لكم ذمة اللّه و ذمة رسوله، و إن رسول اللّه قد غفر لكم ذنوبكم، و كل دم اتبعتم به، لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول اللّه، أو رسول رسول اللّه، و إنه لا ظلم عليكم و لا عدوان، و إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يجيركم مما يجير منه نفسه، فإن لرسول اللّه بزتكم و رقيقكم، و الكراع و الحلقة إلا ما عفا عنه رسول اللّه أو رسول رسول اللّه، و إن عليكم بعد ذلك ربع ما أخرجت نخيلكم، و ربع ما صادت عرككم، و ربع ما اغتزلت» (1).
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 100 و 101 و 105 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 277 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 28 و فتوح البلدان للبلاذري ص 71 و في (ط أخرى) ص 80(و اللفظ للأول) و رسالات نبوية ص 115(عن المصباح المضيء عن ابن سعد) و نشأة الدولة الإسلامية ص 311 و المصباح المضيء ج 2 ص 380 و مجموعة الوثائق السياسية ص 119/33 عن المصادر المذكورة و عن الخراج لقدامة ورقة 124 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 439 و مرة أخرى في القسم الغير المطبوع (خطية كوپرولو) ص 1040 و انظر مجلة تحقيقات علمية المقالة المذكورة في مراجع المكتوب ص 26 و كايتاني ج 9 ص 40 و (اشپرنكر) ج 3 ص 419-421 و (اشپربر) ص 45 و 46 و راجع: الطبقات ج 1 ق 2 ص 38 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1032 و السيرة الحلبية ج 3 ص 160 و دحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 375 و مدينة البلاغة ج 2 ص 325 و 326 و معجم البلدان في «مقنا» ، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 280 و الفائق ج 2 ص 411 و النهاية لابن الأثير، و اللسان في «عرك» و «غزل» .
و قالوا أيضا: لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة تسع إلى تبوك، حين سمع باجتماع طوائف من الروم، و عاملة، و لخم، و جذام لحربه، سمع بذلك مالك بن أحمر الجذامي، فوفد إليه، فقبل «صلى اللّه عليه و آله» إسلامه، و سأله مالك أن يكتب له كتابا يدعو قومه به إلى الإسلام، فكتب في رقعة أدم عرضها أربعة أصابع، و طولها قدر شبر (1). .
و نص الكتاب:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم:
هذا كتاب من محمد رسول اللّه لمالك بن أحمر، و لمن تبعه من المسلمين أمانا لهم ما أقاموا الصلاة، و آتو الزكاة، و اتبعوا المسلمين، و جانبوا المشركين، و أدوا الخمس من المغنم، و سهم الغارمين، و سهم كذا و كذا، فهم آمنون بأمان اللّه عز و جل، و أمان محمد رسول اللّه (2). .
1) الإصابة ج 3 ص 338 و الإستيعاب ج 3 ص 381 و أسد الغابة ج 4 ص 271.
2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 249 و 250 عن المصادر التالية: أسد الغابة ج 4 ص 271(و اللفظ له) و الإصابة ج 3 ص 338(عن البغوي و ابن شاهين) و رسالات نبوية ص 253(عن جامع أزهر عن الطبراني في الأوسط، و ابن الأثير و ابن حجر) و لسان الميزان ج 3 ص 20(نقله لمبارك بن أحمر و لعله سهو من قلمه، لأنه لم يذكر مبارك بن أحمر في الإصابة و لا ابن الأثير في أسد الغابة) و نشأة الدولة الإسلامية ص 336 و مدينة البلاغة ج 2 ص 344 و المعجم الأوسط للطبراني ج 7 ص 419 و أوعز إليه في الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 381 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 122 و مجموعة الوثائق السياسية ص 279/174(عن أسد الغابة و الإصابة و معجم الصحابة لابن قانع (خطية) ورقة 165-ب 166-ألف، و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 15 ثم قال: قابل الجرح و التعديل لأبي حاتم الرازي ج 4 ص 1 و راجع: اللباب ج 1 ص 265: و جذام هو الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت، و كذا في الأنساب للسمعاني ج 2 ص 33 و فيه أيضا: جذام هو الصدف بن شوال بن عمرو بن دعمى بن زيد، و لكن المشهور هو ما ذكرنا، و لعل هؤلاء طائفة أخرى كما في هامش الأنساب للسمعاني.
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم الوقفات التالية:
و الظاهر: أن لجذام و فدين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
أحدهما: حيث كان «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك، فجاءه مالك بن أحمر و قومه من بني عوف من جذام، فكتب له الكتاب المتقدم.
الثاني: وفد رفاعة بن زيد الجذامي، فقد وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة مع رهط من بني صبيبة من جذام.
و يلاحظ هنا: أن من جملة بركات مسير تبوك هو: أن اللّه تعالى قد ألقى الرعب في قلوب أعداء اللّه، فبادروا إلى إعلان إسلامهم أو استسلامهم، فكانت هذه المعاهدات مع الفئات المختلفة، هي النتيجة الطبيعية لذلك، و وفد إليه أهل مقنا، و إيلة، و جربا، و أذرح، و مالك بن أحمر و قومه يطلبون العهد و الأمان، و فتح اللّه دومة الجندل، و ما إلى ذلك. .
يضاف إلى ذلك كله، رعب الروم و عمالهم، و سائر القبائل المعادية، مثل عاملة، و لخم، و جذام، و سائر الذين جمعوا الجموع، و أرادوا مهاجمة المسلمين. .
و قد صرحت الروايات: بأن الكتاب الذي طلبه مالك بن أحمر، قد أراد أن يدعو قومه به. .
و يلاحظ: أن ما كتبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم، هو نفس ما كتبه لغيرهم، و هو: أن يلتزموا بأحكام الدين، و أن يكونوا مع المسلمين، و يتركوا المشركين. .
و هذا يدل على: أن هذا الدين لا يحتاج إلى أي جهد لإقناع الناس به، بل إن مجرد عرض نفس حقائقه و أحكامه يكفي للرغبة فيه و التعلق به، و الزهد بغيره إلى حد النفور. .
و الأمان الذي جعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمالك بن أحمر
و قومه هو أمان اللّه تعالى أولا. الذي يكفي في الحصول عليه أن يلتزموا بأحكام الدين، كما أن أمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يحتاج إلى أكثر من ذلك. . فهو إذن لم يطلب لنفسه شيئا، بل ما طلبه يعود نفعه إليهم. .
و حين كفّر رؤبة (أي وضع إحدى يديه على الأخرى) أمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أومأ برأسه، لم يوافق فعله هذا رضى من رسول اللّه، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يكون الإحترام و التعظيم من منطلق الوعي للقيمة الأخلاقية و الإنسانية التي تعطي القيمة للإنسان الذي يعيش إنسانيته، و الإرتباط باللّه تبارك و تعالى بصدق، و بإخلاص.
أما إذا كان الإحترام للإنسان، لأنه غني، أو قوي أو ذو جاه و شوكة، و سلطان، فالإحترام ليس لإنسانيته، و إنما لماله، و لقوته، و خوفا من سلطانه و هيبة لموقعه و جاهه. . و ما إلى ذلك. .
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» يرى أن الخضوع و الخشوع، لا بد أن يكون للّه تبارك و تعالى لا لسواه. . و أن الجميع سواسية أمامه سبحانه، و أن هذه الطاعة له سبحانه تغني عن كل ما عداها. . فكل ما يكون لغيره فلا بد أن ينتهي إليه، و يكون من خلاله تعالى، و إلا فهو باطل و زائف، لأن قطع الصلة بين أي شيء و بين اللّه تعالى، سوف يفقده قيمته، و يسقط معناه. .
إنهم يقولون: إن أهل أيلة، و جربا و أذرح، و سواها، كانوا يهودا فما معنى أن يكون على يحنّة صليب من ذهب، و الحال أن النصارى هم الذين
يعتمدون الصليب؟ !
هذا. . و قد تضمن كتابه «صلى اللّه عليه و آله» ليحنة و أهل إيلة الأمان لهم و لأنفسهم، و أموالهم و قوافلهم، و سفنهم، بشرط أن لا يحدثوا حدثا يوجب نقض العهد، فإن من ينقض العهد لا حرمة لماله و لا لدمه، و لا تقبل منهم الفدية لو بذلوها في هذه الحال. .
و الحدث الموجب لنقض العهد هو الإمتناع عن إعطاء الجزية، و إظهار التمرد و العصيان. .
و قد تضمن كتابهم التنصيص على حرية تحركهم، و قد أباح لهم أن يردوا أي ماء شاؤا، و أن يسلكوا أي طريق أرادوا. .
إن نص كتاب أهل مقنا يفيد: أنهم كانوا قد ارتكبوا من السيئات و الذنوب تجاه الإسلام، و آذوا المسلمين ما جعلهم يستحقون معه العقوبة دون سائر الناس، و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد غفر ذلك لهم. . بل هو قد أحسن إليهم بأن أجارهم «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى أنه ليدفع عنهم كل ما يدفعه عن نفسه. .
و هذا غاية الرفق بهم، و الإحسان إليهم.
و لكنه شدد عليهم من جهة أخرى، فأجرى فيهم حكم التوراة، ربما لكي لا يستسهلوا العودة إلى الجريمة، حين يرون أن العفو، و الحماية بانتظارهم، و أن ثم من يدفع عنهم.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ منهم متاعهم و رقيقهم، و آلة الحرب و ما يتقوّون به على العدوان، إلا ما عفا عنه لهم. مما لا بد لهم منه للدفع عن أنفسهم. .
و قد شرط لهم: أن لا أمير عليهم إلا من أنفسهم، أو من أهل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل المقصود من هذا القرار النبوي تعريف الناس: أن أهل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هم الذين يعاملونهم بالرفق، و يهتمون بما يصلحهم، و لا يبغون لهم إلا الصلاح و الخير، فهم يحرصون على مصلحتهم بمستوى حرص أحدهم على مصلحة نفسه و أهله؟ .
أما غير أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد يجرون النار إلى قرصهم، و يتخذون الدين ذريعة للدنيا، و يتخذون مال اللّه دولا و عباد اللّه خولا، و هذا ما أظهرته الوقائع اللاحقة. .
كما أن أهل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعرف من كل أحد بأحكام الدين، و هم الواقفون على سياسات و مناهج و أخلاق و أهداف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هم الأولى من كل أحد بتولي شأن الناس من بعده. .
و قد أورد بعضهم نصا لكتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مقنا، و هو باللغة العربية لكنه مكتوب بالخط العبراني.
و هو يختلف عن النص المتقدم و يزيد عليه في أمور كثيرة (1)، و لكن بعض الباحثين قد حكموا عليه بأنه مزور و مكذوب. و مستندهم في ذلك الأمور التالية:
1-أن الكتاب المذكور قد أرخ بسنة خمس للهجرة، مع أن ثمة اتفاقا على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عاهد أهل مقنا سنة تسع. .
2-قد ورد ذكر صفية زوجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الكتاب، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما تزوجها سنة سبع بعد غزوة خيبر. .
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى ملوك الدنيا بالخط العربي، فلما ذا كتب ليهود مقنا بالعبرانية، و هم عرب؟ ! . .
4-إن خيبر قد فتحت بعد سنة خمس بالإتفاق. . و الكتاب مؤرخ بسنة خمس.
أن نفوذ المسلمين لم يكن بهذا الإتساع، كما أن عساكر الإسلام لم تكن قد وصلت إلى تلك المناطق، و لم يكن أهلها يخافون من حملات المسلمين على بلادهم، خصوصا قبل سقوط خيبر و قبل فتح مكة حيث كان المشركون في مكة يضغطون على المسلمين، و يشنون عليهم الحملات. .
5-إن الجزية-حسب زعمهم-قد وضعت سنة تسع، فهي في سنة خمس لم تكن قد وضعت بعد. .
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 110-112 و مجموعة من الوثائق السياسية ص 121.
6-بعض الشروط التي أعطاهم إياها، أو أعفاهم منها لم تكن تجري حتى في حق المسلمين. إذا ما معنى أن لا يحجبوا عن ولاة المسلمين؟ ! .
7-ما معنى أن لا يمنع أحد من اليهود من دخول المساجد؟ ! .
8-لماذا لا يعدّ زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمن كانت قبل إسلامها على الشرك إكراما للمشركين أيضا؟
و لماذا لا يعدّ زواجه «صلى اللّه عليه و آله» من مارية القبطية إكراما للنصارى؟ !
قالوا: كان عبد اللّه ذو البجادين (1)من مزينة، مات أبوه و هو صغير، فلم يورثه شيئا، و كان عمه مليّا، فأخذه، فكفله حتى كان قد أيسر، و كانت له إبل و غنم و رقيق، فلما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام و لا يقدر عليه من عمه، حتى مضت السنون و المشاهد كلها.
فانصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من فتح مكة راجعا إلى المدينة، فقال عبد اللّه ذو البجادين لعمه: يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدا، فائذن لي في الإسلام.
فقال: و اللّه لئن اتبعت محمدا لا تركت بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلا انتزعته منك حتى ثوبيك.
1) البجاد: كساء مخطط من أكيسة الأعراب، يشتملون به.
فقال: و أنا و اللّه متبع محمدا و مسلم، و تارك عبادة الحجر و الوثن، و هذا ما بيدي فخذه، فأخذ كل ما أعطاه حتى جرده من إزاره.
فجاء أمه فقطعت بجادا لها باثنين، فائتزر بواحد و ارتدى بالآخر.
ثم أقبل إلى المدينة، فاضطجع في المسجد، ثم صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فأنكره.
فقال: «من أنت» ؟
فانتسب له، فقال: «أنت عبد اللّه ذو البجادين» .
ثم قال: «انزل مني قريبا» .
فكان يكون في أضيافه، و يعلمه القرآن، حتى قرأ قرآنا كثيرا، و كان رجلا صيتا فكان يقوم في المسجد، فيرفع صوته في القراءة، فقال عمر: يا رسول اللّه، ألا تسمع هذا الأعرابي يرفع صوته بالقرآن، حتى قد منع الناس القراءة؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «دعه يا عمر، فإنه قد خرج مهاجرا إلى اللّه تعالى و إلى رسوله» .
فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، قال: يا رسول اللّه. ادع اللّه تعالى لي بالشهادة.
فقال: «أبلغني بلحاء سمرة» . (أي ائتني بها) .
فأبلغه بلحاء سمرة، فربطها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على عضده، و قال: «اللهم إني أحرم دمه على الكفار» .
فقال: يا رسول اللّه، ليس هذا أردت.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنك إذا خرجت غازيا في سبيل اللّه فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد. و إذا وقصتك دابتك فأنت شهيد، لا تبالي بأية كان» .
فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياما، ثم توفي عبد اللّه ذو البجادين، فكان بلال بن الحارث المزني يقول: حضرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و مع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفا بها، و إذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في القبر، و إذا أبو بكر و عمر يدليانه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يقول: «أدنيا لي أخاكما» .
فلما هيأه لشقه في اللحد قال: «اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا، فارض عنه» .
فقال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللحد (1).
و نقول:
في هذه القضية أمور كثيرة تحتاج إلى بيان، غير أننا سوف نقتصر منها على نقطتين فقط، فلاحظ ما يلي:
ذكرت الرواية المتقدمة: أن عمر بن الخطاب قد اشتكى على ذي البجادين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه يرفع صوته بالقرآن، ثم هو يصفه بوصف يريد أن يشينه به، و هو أنه أعرابي، و كأنه يريد إن يطبق عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 459 و 460 عن ابن إسحاق، و ابن مندة، و الواقدي، و المغازي للواقدي ج 3 ص 1014 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 54.
قوله تعالى: اَلْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاّٰ يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1)، و غيرها من الآيات. .
مع أنه يعلم و يرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهم في المسجد، و يسمع قراءة ذي البجادين كما يسمعون، فلو أنه كان في قراءته ما يحتاج إلى تدخل، و تحديد لكان «صلى اللّه عليه و آله» بادر إلى ذلك من دون حاجة إلى تذكير عمر. .
كما أن ذا البجادين لم يسئ إلى عمر، لكي يتخذ عمر ذلك ذريعة لتوجيه الإهانة له. .
يضاف إلى ذلك: أنه لم يظهر من فعل ذي البجادين أنه يتعمد إزعاج المسلمين بقراءته. .
فلما ذا إذن يوجه له عمر بن الخطاب هذه الكلمات اللاذعة و المهينة؟ ! .
و لعل السبب في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يدع بالشهادة لذي البجادين: أن اللّه تعالى كان قد أعلمه بأن غزوة تبوك سوف تنتهي من دون حرب، و الذي طلبه ذو البجادين-فيما يبدو-هو الشهادة في تبوك بالذات، فإذا دعا له النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالشهادة، ثم حضر أجل ذلك الرجل، الذي يرى أن دعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستجاب، فسيعتقد أنه لم يكن أهلا لكرامة اللّه تبارك و تعالى، و لربما يصاب باليأس
1) الآية 97 من سورة التوبة.
الذي قد يؤي به إلى الهلاك. هذا إن لم يرتب في استجابة اللّه دعاء رسوله، ثم ينتقل إليه هنا إلى معان و مفردات أخرى، يتجاوز بها الحدود.
فما فعله النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع هذا الرجل، إنما كان يهدف إلى حفظ إيمانه و صحة يقينه. .
هذا. . و يلاحظ: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد عوضه عن المفاجأة التي أصيب بها للوهلة الأولى، حين رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحرم دمه على الكفار أن يسفكوه، بأن فتح له أبوابا أخرى تلتقي مع معنى الشهادة في أجرها، و في مقامها، فأخبره بأن خروجه للغزو، ثم إدراك الموت له و لو بالحمّى، يجعله في مصافّ الشهداء. .
و يقولون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شاور أصحابه في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، إن كنت أمرت بالمسير فسر.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لو أمرت بالمسير لما استشرتكم فيه» .
فقال: يا رسول اللّه، إن للروم جموعا كثيرة، و ليس بها أحد من أهل الإسلام، و قد دنونا منهم، و قد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى أو يحدث اللّه لك أمرا (1).
1) سبل الهدى و الرشاد 5 ص 461 و 462 عن الواقدي، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 37 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 62 و ج 9 ص 264 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 119.
و نقول:
إننا في الوقت الذي لا نريد فيه أن نتجنى على أحد، لا نريد أيضا أن نورد الأحداث مجتزأة، أو مبهمة، فإن للقارئ علينا حقا، لا بد أن نؤديه إليه و لا نخونه فيه، ألا و هو أن نكون أمينين فيما ننقله له، معتمدين الصراحة و الوضوح، و محاولة استيفاء العناصر الأساسية التي توضح له مرامي النص الذي نعرضه.
من أجل ذلك، نقول:
1-إن ثمة أمرا لافتا للنظر، و هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين استشار أصحابه في أمر الحرب في بدر، كانت مشورتهم عليه تقضي بتجنب الدخول فيها، مع إسهاب ظاهر في التعظيم و التهويل. .
و بقريش و جبروتها في حرب حنين نراهم يعتزون بكثرة عددهم، ثم يهربون بصورة مذلة و مهينة.
ثم جاءت تبوك، فكانت مشورتهم عليه «صلى اللّه عليه و آله» هي هذا الذي قرأناه آنفا من أقوال عمر بن الخطاب. . المتضمن للتخويف من جموع الروم الكثيرة، و عدم وجود أحد في تلك البلاد من أهل الإسلام، و أن الإكتفاء بهذا الدنو منهم الذي أفزعهم، و الرجوع من هناك إلى المدينة هو الأولى و الأصوب. .
فلما ذا هذا التحاشي لأي صدام مع أعداء اللّه من النصارى، و من المشركين؟ هل هو الجبن و الخور؟ أم ما ذا؟ !
2-قد تحدثنا عن سبب استشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه في أمر الحرب، و ذلك حين الحديث عن غزوة أحد، فراجع.
و روى عكرمة عن أبيه أو عن عمه عن جده:
أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال في غزوة تبوك: «إذا وقع الطاعون بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها، و إذا كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها» (1).
قال في بذل الطاعون: يشبه-و اللّه أعلم-أن يكون السبب في ذلك أن الشام كانت في قديم الزمان و لم تزل معروفة بكثرة الطواعين، فلما قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» تبوك غازيا الشام لعله بلغه أن الطاعون في الجهة التي كان يقصدها، فكان ذلك من أسباب رجوعه من غير قتال-و اللّه أعلم. انتهى.
قال الصالحي الشامي:
1) سبل الهدى و الرشاد ص 462 عن أحمد و الطبراني، و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 175 و ج 3 ص 416 و ج 5 ص 373، و الطبراني في الكبير ج 1 ص 90، و انظر المجمع ج 2 ص 315 و الدولابي في الكنى ج 1 ص 100، و الطحاوي في المعاني ج 4 ص 306 و نيل الأوطار ج 7 ص 374 و صحيح مسلم ج 7 ص 27 و سنن الترمذي ج 2 ص 264 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 148 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 376 و مسند أبي داود الطيالسي ص 28 و 87 و مسند سعد بن أبي وقاص ص 138 و 144 و 145 و 186 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 81 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 52 و السنن الكبرى لنسائي ج 4 ص 362 و المعجم الكبير ج 1 ص 166 و ج 4 ص 91 و ج 18 ص 15 و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 254.
قلت: قد ذكر جماعة: أن طاعون شيرويه أحد ملوك الفرس، كان في أيام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه كان بالمدائن (1).
و نقول:
1-إن طاعون شيرويه، إذا كان في المدائن، فهو في العراق، لأن المدائن تقع قرب بغداد، و كانت عاصمة لمملكة الفرس، و لا يزال إيوان كسرى فيها ماثلا للعيان حتى اليوم. .
فأين المدائن عن تبوك، و عن الشام و بلادها، و ما معنى أن يساق الحديث إليه هنا؟ ! .
2-قد تقدم: أن السبب في رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» عن بلاد الروم، هو ما أظهره قيصر من مقاربة لدين الإسلام، حيث لم يعد سائغا الدخول في حرب معه قبل أن تستقر الأمور بالإتجاه الذي يفرض ذلك. .
3-إننا لم نسمع عن وجود طاعون في الشام في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سواء في الجهة التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يقصدها أو في غيرها. .
4-بالنسبة للكلمة المنقولة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» آنفا فيما يرتبط بالدخول أو الخروج من البلاد التي يكون فيها الطاعون نقول:
إنها قد أسست لمبدأ الحجر الصحي للأمان من العدوى، و إن كان بعض الناس قد فهمها بصورة خاطئة، كما أوضحته الروايات الواردة عن أهل البيت «عليهم السلام» :
1) سبل الهدى و الرشاد ج ص 462.
1-فعن علي بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام» : القوم يكونون في البلد يقع فيها الموت، ألهم أن يتحولوا عنها إلى غيرها؟ ! .
قال: نعم.
قلت: بلغنا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عاب قوما بذلك.
فقال: أولئك كانوا رتبة بإزاء العدو، فأمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يثبتوا في موضعهم، و لا يتحولوا منه إلى غيره، فلما وقع فيها الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره. فكان تحولهم من ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف (1).
2-و عن أبان الأحمر قال: سأل بعض أصحابنا أبا الحسن «عليه السلام» عن الطاعون يقع في بلدة و أنا فيها، أتحول عنها؟
قال: نعم.
قال: ففي القرية و أنا فيها أتحول عنها؟
قال: نعم.
قال: ففي الدار و أنا فيها أتحول عنها؟
قال: نعم.
قلت: فإنا نتحدث أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف؟ ! .
1) البحار ج 78 ص 121 عن علل الشرائع ص 176 و (منشورات المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 520. و راجع: التحفة السنية (مخطوط) ص 339 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 430 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 645 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 171.
قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما قال هذا في قوم كانوا يكونون في الثغور في نحر العدو، فيقع الطاعون، فيخلون أماكنهم و يفرون منها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك فيهم (1). .
3-و روي: أنه إذا وقع الطاعون في أهل مسجد، فليس لهم أن يفروا منه إلى غيره (2). .
4-و عن علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى الكاظم «عليه السلام» : عن الوباء، يقع في الأرض، هل يصلح للرجل أن يهرب منه؟ ! .
قال: يهرب منه ما لم يقع في مسجده الذي يصلي فيه، فإذا وقع في مسجده الذي يصلي فيه، فلا يصلح الهرب منه (3).
5-و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كره أن يكلم الرجل مجذوما إلا أن يكون بينه و بينه قدر ذراع، و قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد (4).
1) البحار ج 78 ص 121 و 122 و ج 108 ص 82 عن معاني الأخبار ص 74 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 254 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 171.
2) البحار ج 6 ص 122 و ج 78 ص 122 عن معاني الأخبار ص 74 و و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 255 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 431 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 646 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 171.
3) البحار ج 6 ص 122 و ج 10 ص 255 و مسائل علي بن جعفر ص 117 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 431 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 646.
4) البحار ج 72 ص 14 و ج 62 ص 82 و ج 73 ص 338 و ج 74 ص 50 و الأمالي للصدوق ص 181 و (ط مؤسسة البعثة) ص 378 و الخصال ج 2 ص 102 و (ط منشورات جماعة المدرسين) ص 520 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 258 و (منشورات جماعة المدرسين) ج 3 ص 557 و ج 4 ص 257 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 49 و ج 15 ص 345 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 431 و ج 11 ص 274 و مكارم الأخلاق للطبرسي ص 235 و 436.
6-و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : خمسة يجتنبون على كل حال: المجذوم، و الأبرص، و المجنون، و ولد الزنا، و الأعرابي (1).
7-و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يورد ذو عاهة على مصح (2).
8-و روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أتاه مجذوم ليبايعه، فلم يمد يده إليه، بل قال: أمسك يدك فقد بايعتك (3).
9-و روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: لا تديموا النظر إلى المجذومين (4).
1) البحار ج 72 ص 15 و الخصال ص 287 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 50 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 432.
2) البحار ج 27 ص 277 و ج 61 ص 85 و ج 62 ص 82 و الأمالي ج 2 ص 44 و الطب النبوي لابن القيم ص 118 و 119.
3) البحار ج 62 ص 82 و راجع: مسند ابن الجعد ص 311 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 96 و الطب النبوي لابن القيم ص 118.
4) التاريخ الصغير للبخاري ج 2 ص 76-77، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1172 ح 3543، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 218، و مجمع الزوائد ج 5 ص 101، و فتح الباري ج 10 ص 133 و 134 و 136، و مسند أبي داود الطيالسي ص 339، و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 569 و ج 6 ص 226، و الذرية الطاهرة النبوية ص 129، و المعجم الأوسط ج 9 ص 107، و ناسخ الحديث و منسوخه لابن شاهين ص 517 ح 526، و الجامع الصغير ج 2 ص 731 ح 9754 و ص 732 ح 9763، و كنز العمال ج 10 ص 54 ح 28330 و ص 55 ح 28339، و فيض القدير ج 6 ص 508 ح 9754 و ص 511 ح 9763، و الكامل لابن عدي ج 6 ص 218، و تاريخ مدينة دمشق ج 53 ص 380، و إمتاع الأسماع ج 8 ص 27، و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 171، و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 242، و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 252، و الطب النبوي لابن القيم ص 116، و لسان العرب ج 12 ص 88. و في متون بعضها: لا تحدّوا. .
و نستطيع أن نستخلص مما تقدم ما يلي:
1-إن التحرز من المجذوم و المصاب بالطاعون مطلوب.
2-إنه لا يورد ذو عاهة على مصح.
3-إن ما شاع من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عاب الذين فروا من الطاعون: إنما هو لفرارهم من مواقعهم الدفاعية المتقدمة في ثغورهم. .
4-يجوز لمن يكون في منطقة الطاعون أن يتحول عنها، إلى غيرها ما دام سليما. .
5-إذا بلغ الطاعون إلى أهل مسجد، فليس لهم أن يفروا منه إلى غيره، (ربما لأن ذلك يقرّب احتمال أن يكونوا مصابين بالمرض، و إن لم تظهر عليهم أعراضه، فيوجب ذلك انتقال المرض إلى مناطق أخرى) . .
و هذا لا ينافي جواز التحول من البلد التي وقع فيها الطاعون. . فإن وقوع الطاعون في بعض أحيائها لا يبرر منع سائر الناس من التحول عنها،
فإن احتمال ابتلائهم بالمرض يبدو ضعيفا، بخلاف ما لو وصل المرض إلى بعض من في المسجد الواحد، فإن احتمال ابتلاء سائر من فيه به يكون قويا، زيزجب الإحتياط. .
روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما غزا تبوك استخلف عليا «عليه السلام» على المدينة، فلما نصر اللّه رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و أغنم المسلمين أموال المشركين و رقابهم، جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، و جعل يقسم السهام على المسلمين، فدفع إلى كل رجل سهما سهما، و دفع إلى علي سهمين.
فقام زائدة بن الأكوع فقال: يا رسول اللّه، أوحي نزل من السماء أو أمر من نفسك؟ تدفع إلى المسلمين سهما سهما، و تدفع إلى علي سهمين.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنشدكم اللّه، هل رأيتم في ميمنة عسكركم صاحب الفرس الأغر المحجل، و العمامة الخضراء، لها ذؤابتان مرخاتان على كتفه، بيده حربة، و حمل على الميمنة فأزالها، و حمل على القلب فأزاله؟
قالوا: نعم يا رسول اللّه لقد رأينا ذلك.
قال: ذلك جبريل، و إنه أمرني أن أدفع سهمه إلى علي بن أبي طالب.
قال: فجلس زائدة مع أصحابه و قال قائلهم شعرا:
علي حوى سهمين من غير أن غزاغزاة تبوك حبذا سهم مسهم (1)
و نقول:
قد دلت هذه الرواية على أنه قد جرى في تبوك قتال، و حصل المسلمون على غنائم، قسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين المسلمين، و يؤيد ذلك حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأهل الشورى، حيث قال لهم: «أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، و سهم في الغائب» ؟ .
قالوا: لا (2).
1) راجع المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 142 عن الزمخشري في فضائل العشرة، و شرح إحقاق الحق ج 23 ص 282 عن غاية المرام (نسخة جستربيتي) ص 73 و ج 31 ص 565، و تفسير آية المودة للحنفي المصري ص 74 عنه، و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 281، و عمدة القاري ج 16 ص 215 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 78 و قال محقق الكتاب: و الحديث رواه الحلواني في الباب الثالث من كتاب المقصد الراغب، كما رواه أيضا الخفاجي في الثالثة عشرة من خصائص علي «عليه السلام» من خاتمة تفسير آية المودة الورق 74/ب/. و رواه قبلهم جميعا الحافظ السروي في عنوان: «محبة الملائكة إياه» من كتابه مناقب آل أبي طالب (ط بيروت) ج 2 ص 238.
2) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» من تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 93، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 1 ص 211 و 212 و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 42 ص 435، و مناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» و ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» لأبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه الأصفهاني ص 131 و فيه بدل (الحاضر) و (الغائب) : (الخاص) و (العام) ، و كنز العمال ج 5 ص 725، و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 379، و مسند فاطمة «عليها السلام» للسيوطي ص 21 عنه، و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 31 ص 323، و المناقب للخوارزمي ص 315.
و قال ابن العرندس المتوفى في حدود سنة 840 ه:
و تبوك نازل شوسها فأبادهمضربا بصارم عزمة لن يفللا (1)
و لكن المؤرخين لا يعترفون بحدوث قتال في تبوك، فكيف نوفق بين هذا، و ذاك؟ ! .
و يمكن أن يجاب:
1-بأن من الجائز أن تكون غنائم دومة الجندل، التي أخذت في تبوك، بقيت إلى حين عودة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، فقسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، و أعطى أمير المؤمنين «عليه السلام» منها. .
2-لا ندري، فلعل بعض جماعات أهل الشرك قد احتكت بالمسلمين في غزوة تبوك، فنصر اللّه المسلمين عليها، و غنّمهم أموالها. .
ثم إن المؤرخين أغمضوا النظر عن ذكر ذلك، لما فيه من التنويه بأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و إشاعة لفضائله، فأراحوا أنفسهم، و من هم على شاكلتهم من عناء التماس المخارج، و التأويلات، حين يواجههم شيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» بالحقيقة. .
و اللّه هو العالم بالحقائق. .
1) الغدير ج 7 ص 8 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 76.
عن أبي هريرة، و عمر بن الخطاب و غيرهما: لما أجمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» السير من تبوك أرمل الناس (1)إرمالا، فشخص على ذلك من الحال.
قال أبو هريرة: فقالوا: يا رسول اللّه، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا و ادّهنا؟
قال شيوخ محمد بن عمر: فلقيهم عمر بن الخطاب، و هم على نحرها فأمرهم أن يمسكوا عن نحرها، ثم دخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيمة له، ثم اتفقوا، فقال: يا رسول اللّه، أ أذنت للناس في نحر حمولتهم يأكلونها؟
قال شيوخ محمد: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «شكوا إليّ ما بلغ منهم الجوع، فأذنت لهم، بنحر الرّفقة (2)البعير و البعيرين، و يتعاقبون فيما فضل منهم، فإنهم قافلون إلى أهليهم» .
فقال عمر: يا رسول اللّه لا تفعل، فإن يك في الناس فضل من الظهر يكن خيرا، فالظهر اليوم رقاق. و لكن يا رسول اللّه ادع بفضل أزوادهم، ثم اجمعها، و ادع اللّه تعالى فيها بالبركة، لعل اللّه تعالى أن يجعل فيها البركة.
كما فعلت في منصرفنا من الحديبية حين أرملنا، فإن اللّه تعالى مستجيب لك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم» .
فدعا بنطع فبسط و نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من كان عنده فضل من زاد فليأت به.
فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، و يجيء الآخر بكف تمر، و يجيء الآخر بكسرة. فيوضع كل صنف من ذلك على حدة، و كل ذلك قليل، و كان جميع ما جاؤوا به من السويق و الدقيق و التمر ثلاثة أفراق حزرا-و الفرق ثلثة آصع (1).
قال: فجزأنا ما جاؤوا به فوجدوه سبعة و عشرين صاعا. ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتوضأ و صلى ركعتين، ثم دعا اللّه تعالى أن يبارك فيه، ثم قال: «أيها الناس، خذوا و لا تنتهبوا» .
فأخذوه في الجرب و الغرائر، حتى جعل الرجل يعقد قميصه فيأخذ فيه.
قال أبو هريرة: و ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، و أكلوا حتى شبعوا، و فضلت فضلة.
قال بعض من الصحابة: لقد طرحت كسرة يومئذ من خبز، و قبضة
1) كذا في المصدر و هو جمع صاع كما في مجمع البحرين.
من تمر، و لقد رأيت الأنطاع تفيض، و جئت بجرابين، فملأت أحدهما سويقا، و الآخر خبزا، و أخذت في ثوبي دقيقا كفاني إلى المدينة. قال: فأخذوا حتى صدروا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، لا يأتي بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» .
و في لفظ: «لا يأتي بها عبد محق إلا وقاه اللّه حر النار» (1).
و قال جابر بن عبد اللّه كما رواه ابن سعد أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 462 و 463 عن مسلم و إسحاق بن راهويه، و أبي يعلى، و أبي نعيم، و ابن عساكر، و الواقدي، و المغازي للواقدي ج 3 ص 1083 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 70 و 71 و ج 5 ص 151 و 152 و ج 9 ص 264 و 265.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 463 و ج 8 ص 233 عن ابن سعد، و ابن حزم، و الواقدي و غيرهم، و راجع: تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 4 ص 388 و (ط. ق) ج 1 ص 190 و فتح العزيز للرافعي ج 4 ص 450 و المجموع للنووي ج 4 ص 361 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 237 و ج 10 ص 75 و الجوهر النقي ج 3 ص 150 و كشاف القناع للبهوتي ج 1 ص 627 و المحلى لابن حزم ج 5 ص 25 و ج 7 ص 149 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450 و سبل السلام ج 2 ص 40 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و مسند أحمد ج 3 ص 295 و سنن أبي داود ج 1 ص 276 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 152 و مجمع الزوائد ج 2 ص 158 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 532 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 342 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 345 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 456 و 459 و المعجم الأوسط ج 4 ص 185 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 2 ص 435 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 272 و نصب الراية ج 2 ص 223 و موارد الظمآن ج 2 ص 265 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 212 و كنز العمال ج 8 ص 236 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 276 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 241 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 643 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 50 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 70.
و قيل: بضع عشرة ليلة (1). .
و عن فضالة بن عبيد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غزا غزوة تبوك، فجهد الظهر جهدا شديدا، فشكوا ذلك إليه، و رآهم يزجون ظهرهم، فوقف في مضيق و الناس يمرون فيه، فنفخ فيها و قال: «اللهم احمل عليها في سبيلك فإنك تحمل على القوي و الضعيف، و الرطب و اليابس، في البر و البحر» .
فاستمرت فما دخلنا المدينة إلا و هي تنازعنا أزمتها (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 464 عن ابن إسحاق، و ابن عقبة، و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 152 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 277 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 98 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 113 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 265 و ج 3 ص 119 و الدرر لابن عبد البر ص 242 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 373 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 281 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 224 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 953 و عيون الأثر ج 2 ص 260.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 465 و في هامشه عن: الطبراني في الكبير ج 11 ص 301 و ابن حبان، و ذكره الهيثمي في الموارد (1706) و انظر المجمع ج 6 ص 193 و البيهقي في الدلائل ج 6 ص 155 و ابن كثير في البداية ج 6 ص 186 و راجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 92 و مسند أحمد ج 6 ص 20 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 132 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 535 و المعجم الكبير ج 18 ص 301 و كتاب الدعاء للطبراني ص 265 و مسند الشاميين للطبراني ج 2 ص 68 و موارد الظمآن ج 5 ص 351 و راجع: كنز العمال ج 9 ص 70 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 53 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 124.
و نقول:
إننا بالنسبة لما تقدم نذكر ما يلي:
قد أظهر النص المتقدم: أن نبي الإسلام «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي صنعه اللّه على عينه، كما صنع موسى «عليه السلام» ، و هو عقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل، و هو أكمل الخلق و أفضلهم، أظهر أنه-و العياذ باللّه-ضعيف الإدراك، قاصر النظر، يصدر لأصحابه تعليمات خاطئة، من شأنها أن تودي بحياة ألوف من الناس. . حتى احتاج إلى رجل من أتباعه ليعلمه كيف يتصرف، و يسدده و يرشده على ما يصنع، رغم أن هذا المعلم لم يمنعه عقله من اعتقاد الشرك، و من عبادة الأحجار و الأصنام، طيلة عشرات السنين، كما أنه قد عاش في جاهلية، لم يعرف فيها شيئا من العلوم، و لا اطلع على شيء من المعارف.
على أن التعليل الذي قدمه عمر لم يتضمن ما يقنع سوى أنه ذكر هزال الإبل، و هذا ليس تعليلا يستحق الوقوف عنده، لأن حاجة الناس إلى الطعام هي المشكلة، و هم يعرفون و يرون هزال تلك النواضح، فيصبح هذا التعليل بلا معنى، و يصبح المطلوب هو تنفيذ أوامر عمر، الذي يريد التسويق لقرار اتخذه، و أمر أصدره، فقد قال: «إن يك في الناس فضل من ظهر يكن خيرا، فالظهر اليوم رقاق» (1).
غير أننا لا نمنع أن يكون الناس قد نحروا من الإبل بعضها، بعد أخذهم الإجازة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لعل هذا التطفل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محاولة لإظهار أنه قد أخطأ في إجازته للناس بنحر الظهر. و لم يؤد إلى نتيجة، و لعله «صلى اللّه عليه و آله» لم يستجب لطلب عمر بإلغاء الإذن. .
و اما حديث جمع الأزواد، و الدعاء بالبركة فيها، فلعله كان في يوم جديد احتاجوا فيه للطعام، فبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى صنع هذه الكرامة لهم، من دون أن يكون هناك ارتباط بين الأمرين. .
عن أبي قتادة قال: بينا نحن نسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الجيش ليلا، و هو قافل و أنا معه، إذ خفق خفقة، و هو على راحلته، فمال على شقه، فدنوت منه فدعمته فانتبه، فقال: «من هذا» ؟
1) إمتاع الأسماع ج 5 ص 151 و ج 9 ص 265 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 463 و المغازي للواقدي ج 2 ص 417 و 425 و ج 3 ص 1038.
فقلت: أبو قتادة يا رسول اللّه، خفت أن تسقط فدعمتك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حفظك اللّه كما حفظت رسوله» .
ثم سار غير كثير، ثم فعل مثل ذلك، فدعمته، فانتبه، فقال: «يا أبا قتادة، هل لك في التعريس» ؟
فقلت: ما شئت يا رسول اللّه.
فقال: «انظر من خلفك» .
فنظرت، فإذا رجلان أو ثلاثة، فقال: «ادعهم» .
فقلت: أجيبوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاؤوا، فعرسنا- و نحن خمسة-برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معي إداوة فيها ماء و ركوة لي أشرب فيها، فنمنا فما انتبهنا إلا بحر الشمس، فقلنا: إنا للّه فاتنا الصبح.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لنغيظن الشيطان كما غاظنا» .
فتوضأ من ماء الإداوة، ففضل فضلة فقال: «يا أبا قتادة، احتفظ بما في الإداوة و الركوة، فإن لهما شأنا» .
و صلى «صلى اللّه عليه و آله» بنا الفجر بعد طلوع الشمس، فقرأ بالمائدة، فلما انصرف من الصلاة قال: «أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر و عمر لرشدوا» .
و ذلك أن أبا بكر و عمر أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء، فأبوا ذلك عليهما، فنزلوا على غير ماء بفلاة من الأرض.
فركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلحق الجيش عند زوال الشمس و نحن معه. و قد كادت أعناق الخيل و الرجال و الركاب تقطع عطشا، فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالركوة، فأفرغ ما في الإداوة فيها. و وضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه.
و أقبل الناس فاستقوا وفاض الماء حتى رووا، و رووا خيلهم، و ركابهم، و كان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، و الناس ثلاثون ألفا، و الخيل اثنا عشر ألف فرس، فذلك قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «احتفظ بالركوة و الإداوة» (1).
قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر: و أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قافلا حتى إذا كان بين تبوك و واد يقال له: وادي الناقة-و قال ابن إسحاق: يقال له: وادي المشقق-و كان فيه و شل، يخرج منه في أسفله قدر ما يروي الراكبين أو الثلاثة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من سبقنا إلى ذلك الوشل فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه» .
فسبقه إليه أربعة من المنافقين: معتب بن قشير، و الحارث بن يزيد الطائي حليف في بني عمرو بن عوف، و وديعة بن ثابت، و زيد بن اللصيت.
فلما أتاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وقف عليه فلم ير فيه شيئا.
فقال: «من سبقنا إلى هذا الماء» ؟
فقيل: يا رسول اللّه، فلان و فلان.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ألم أنهكم» ؟
فلعنهم، و دعا عليهم، ثم نزل و وضع يده تحت الوشل، ثم مسحه
1) سبل الهدى و الرشاد جص 464 عن الواقدي، و أبي نعيم و المغازي للواقدي ج 3 ص 1040 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 112 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 72 و ج 5 ص 98.
بإصبعيه حتى اجتمع منه في كفه ماء قليل، ثم نضحه به، ثم مسحه بيده، ثم دعا بما شاء اللّه أن يدعو، فانخرق منه الماء-قال معاذ بن جبل: و الذي نفسي بيده لقد سمعت له من شدة انخراقه مثل الصواعق.
فشرب الناس ما شاؤوا، و استقوا ما شاؤوا، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للناس: «لئن بقيتم. أو من بقي منكم» -لتسمعن بهذا الوادي و هو أخصب مما بين يديه و مما خلفه (1).
قال سلمة بن سلامة بن وقش: قلت لوديعة بن ثابت: ويلك أبعد ما ترى شيء؟ أما تعتبر؟
قال: قد كان يفعل بهذا مثل هذا قبل هذا.
ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و عن جماعة من أهل المغازي قالوا: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسير منحدرا إلى المدينة، و هو في قيظ شديد، عطش العسكر بعد المرتين الأوليين عطشا شديدا، حتى لا يوجد للشفة ماء قليل و لا كثير، فشكوا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 464 و 465 عن الواقدي و ابن اسحاق و المغازي للواقدي ج 3 ص 1039 و معجم البلدان ج 5 ص 135 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 373 و البداية و النهاية ج 5 ص 23 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 113 و عيون الأثر ج 2 ص 260 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 32.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 465 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 72 و ج 5 ص 114 و راجع: البحار ج 21 ص 250.
ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأرسل أسيد بن الحضير في يوم صائف، و هو متلثم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «عسى أن تجد لنا ماء» .
فخرج أسيد و هو فيما بين تبوك و الحجر في كل وجه، فيجد راوية من ماء مع امرأة من بلي، فكلمها أسيد، و أخبرها خبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقالت: فهذا الماء، فانطلق به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد و صفت له الماء و بينه و بين الطريق هنيهة.
فلما جاء أسيد بالماء دعا فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دعا فيه بالبركة، ثم قال: «هلم أسقيتكم» . فلم يبق معهم سقاء إلا ملأوه، ثم دعا بركابهم و خيولهم، فسقوها حتى نهلت.
و يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بما جاء به أسيد فصبه في قعب عظيم من عساس أهل البادية، فأدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه يده، و غسل وجهه، و يديه، و رجليه، ثم صلى ركعتين، ثم رفع يديه مدا، ثم انصرف و إن القعب ليفور، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للناس: «ردوا» .
فاتسع الماء، و انبسط الناس حتى يصف عليه المائة و المائتان فارتووا، و إن القعب ليجيش بالرواء، ثم راح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مبردا مترويا (1). .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 465 عن أبي نعيم و الواقدي، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 73 و ج 5 ص 107.
و نقول:
إن عددا من القضايا و المزاعم التي تضمنتها النصوص المتقدمة قد تم بحثها في ثنايا هذا الكتاب، و لعل بعضها قد بحث أكثر من مرة أيضا، فلا حاجة إلى الإعادة هنا.
و من الأمور التي بحثت سابقا:
1-حديث نومه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاة الصبح.
2-حديث سقي الناس الماء الذي نبع من بين أصابعه «صلى اللّه عليه و آله» .
3-حديث الذين خالفوا نهي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن الإستقساء من عين كانت على الطريق، فخالفه بعضهم، فلعنهم «صلى اللّه عليه و آله» و دعا عليهم.
غير أننا نحاول أن نثير هنا بعض التساؤلات، أو نعرض عن بعض البيانات الأخرى، فنقول:
ذكر في ما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، خفق خفقة، فمال إلى شقه فدعمه أبو قتادة. .
و نقول:
ألف: إن المتوقع لمن ينام على راحلته أن يسقط عنها، لا مجرد أن يميل على شقه، لأن المفروض: أنه لم يربط عليها، بحبل، و لا بغيره. .
ب: و زعم أبو قتادة: أنه قد دعم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكي لا يقع. و السؤال هو: كيف دعمه؟ !
هل كان أبو قتادة راكبا على راحلة، أو كان ماشيا؟ ! فإن كان على راحلته فكيف استطاع أن يصل إليه لكي يدعمه؟ إلا إذا كانت ذراع أبي قتادة بطول مترين أو أكثر. .
و إن كان ماشيا على قدميه، فهل كان أبو قتادة طويل القامة بحيث يوازي ارتفاع الراحلة، أو أكثر من ذلك؟ !
ج: ما ذا لو أن أبا قتادة لم يلتفت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وقع عن ظهر الراحلة؟ ! ألا يعد ركوبه الراحلة، و هو يغالب النوم مخاطرة لا يحسن أن تصدر من مثله «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
د: و لماذا لم يبادر إلى التعريس من المرة الأولى، بل بقي على ظهر راحلته حتى عرض نفسه للخطر مرة أخرى؟ !
ه: قد صرحت النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما تنام عيناه و لا ينام قلبه. .
و في نصوص أخرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يعرف ما يجري حوله.
و قد تقدم طرف منها في هذا الكتاب، فراجع.
و قد زعمت رواية نوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاته: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب من أبي قتادة أن ينظر خلفه، فنظر، فلم يجد سوى ثلاثة فعرسوا و هم خمسة فقط، ثم ناموا، فلم ينتبهوا إلا بحر
الشمس، و فاتتهم صلاة الصبح. .
و نحن لا نريد أن نتحدث عن عصمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن السهو و الخطأ و النسيان.
و لا عن شدة اهتمامه بصلاته، و مراقبته لأوقاتها.
و لا عن أن اللّه تعالى قد أمره بقيام الليل، و أوجبه عليه، فلا يعقل أن يصلي صلاة الليل التي يكون أفضل أوقاتها وقت السحر القريب من الفجر، ثم ينام بعدها لتفوته صلاة الصبح. .
إلى غير ذلك من ملاحظات سجلناها فيما سبق من هذا الكتاب على روايات تحدثت عن حدوث هذا الأمر في العديد من الموارد. .
و لكننا نريد أن نسأل:
لماذا لم يكن هناك إلا ثلاثة أشخاص؟ ! و أين ذهب، أو أين ضاع الجيش المؤلف من ثلاثين ألفا؟ ! و لماذا لم يسأل أحد منهم عن مكان وجود رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لماذا تأخر أولئك الثلاثة أيضا عن سائر الجيش؟ !
و إذا كان الجيش موجودا، فلما ذا لم يوقظ أحد منهم هؤلاء الخمسة للصلاة؟ ! .
و الحقيقة هي: أن الجيش كان قد تقدم عليه، كما صرحت به الرواية، حيث قالت: «فركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلحق بالجيش عند زوال الشمس» .
و هذا معناه: أن المسافة، بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين جيشه كانت شاسعة جدا، احتاجت إلى ساعات كثيرة قد تزيد على ست ساعات
من السير الحثيث لقطعها، فإن غزوة تبوك كانت في أيام قيظ شديد. .
فكيف يترك هذا الجيش نبيّه في قلب الصحراء، مع أربعة أشخاص فقط، بل مع شخص واحد، ألا يخشون على النبي الأعظم و الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» من عدو، أو من حيوان مفترس، أو من أن يضل الطريق. . و يموت جوعا و عطشا؟ !
و قد أمعنت هذه الرواية في جرأتها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين زعمت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعترف بأن الشيطان هو الذي تسبب بنومه عن صلاة الصبح، و ذلك حين زعمت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لنغيظن الشيطان كما غاظنا» (1). .
و هذا يتناقض مع حكم العقل، و مع قوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2). . و آيات كثيرة أخرى. .
بالنسبة لما زعم: من أن ثلاثين ألفا من الناس رفضوا النزول على الماء،
و واصلوا مسيرهم حتى اضطروا للنزول على غير ماء بفلاة من الأرض، نقول:
أولا: لماذا لم يتدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيأمر جيشه بالنزول على الماء؟ و كيف جاز له أن يجاريهم و يفرط بثلاثين ألفا، و يعرضهم لخطر الموت عطشا في تلك الفلاة؟
ثانيا: كيف لم ينتبه أحد من الثلاثين ألفا إلى صحة مشورة أبي بكر و عمر، و هم يعرفون أن حياتهم مرهونة بالماء، و خصوصا في تلك الصحراء القاحلة؟ !
ثالثا: إن هذا الجيش نفسه قد سلك هذا الطريق، و عرف مواضع الماء فيه، و ميزها عن غيرها، حين قدم إلى تبوك قبل أيام، فما معنى أن يرفض ثلاثون ألفا أن ينزلوا على الماء، و أن يفضلوا عليه النزول في الفلاة، رغم تذكير أبي بكر و عمر لهم؟ ! .
فهل اختاروا الإنتحار على الإستمرار في الحياة؟ ! .
عن أبي الطفيل، و حذيفة، و جبير بن مطعم، و الضحاك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما كان ببعض الطريق مكر به ناس من المنافقين، و ائتمروا بينهم أن يطرحوه من عقبة في الطريق.
و كانوا قد أجمعوا أن يقتلوه، فجعلوا يلتمسون غرته، فلما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يسلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه.
و قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فأخبر اللّه
تعالى رسوله بمكرهم.
فلما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلك العقبة نادى مناديه للناس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، و اسلكوا بطن الوادي، فإنه أسهل لكم و أوسع: فسلك الناس بطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما سمعوا ذلك استعدوا و تلثموا.
و سلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العقبة، و أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة و يقودها، و أمر حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه.
فبينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسير من العقبة إذ سمع حسّ القوم قد غشوه، فنفروا ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى سقط بعض متاعه.
و كان حمزة بن عمرو الأسلمي لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالعقبة، و كانت ليلة مظلمة، قال حمزة: فنوّر لي في أصابعي الخمس، فأضاءت حتى جمعت ما سقط من السوط و الحبل و أشباههما.
فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم، و قد رأى غضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه محجن، يضرب وجوه رواحلهم و قال: إليكم إليكم يا أعداء اللّه تعالى.
فعلم القوم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد اطلع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس.
و أقبل حذيفة حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: اضرب الراحلة يا حذيفة، و امش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استوى بأعلاها،
و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من العقبة ينتظر الناس، و قال لحذيفة: هل عرفت أحدا من الركب، الذين رددتهم؟
قال: يا رسول اللّه، قد عرفت رواحلهم، و كان القوم متلثمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل.
قال: «هل علمتم ما كان من شأنهم و ما أرادوا» ؟
قالوا: لا و اللّه يا رسول اللّه.
قال: «فإنهم مكروا ليسيروا معي، فإذا طلعت العقبة زحموني فطرحوني منها، و إن اللّه تعالى قد أخبرني بأسمائهم، و أسماء آبائهم، و سأخبركم بهم إن شاء اللّه تعالى» .
قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول اللّه إذا جاء الناس أن تضرب أعناقهم؟
قال: «أكره أن يتحدث الناس و يقولوا: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه» ، فسماهم لهما، ثم قال: «اكتماهم» ؛ فانطلق إذا أصبحت، فاجمعهم لي.
فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له أسيد بن الحضير: يا رسول اللّه، ما منعك البارحة من سلوك الوادي؟ فقد كان أسهل من العقبة؟
فقال: «أتدري يا أبا يحيى، أتدري ما أراد بي المنافقون، و ما هموا به؟
قالوا: نتبعه من العقبة، فإذا أظلم عليه الليل قطعوا أنساع راحلتي، و نخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي» .
فقال أسيد: يا رسول اللّه، قد اجتمع الناس و نزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي همّ بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، و إن أحببت -و الذي بعثك بالحق-فنبئني بأسمائهم، فلا أبرح حتى آتيك برؤوسهم.
قال: «يا أسيد، إني أكره أن يقول الناس: إن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره اللّه تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم» .
و في رواية: «إني لأكره أن يقول الناس: إن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» لما انقضت الحرب بينه و بين المشركين وضع يده في قتل أصحابه» .
فقال: يا رسول اللّه، فهؤلاء ليسوا بأصحاب.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللّه» ؟
قال: بلى (و لا شهادة لهم).
قال: «أليس يظهرون أني رسول اللّه» ؟
قال: بلى. و لا شهادة لهم.
قال: «فقد نهيت عن قتل أولئك» (1).
و قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير: فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لحذيفة: «ادع عبد اللّه» أبي سعد.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 466 و 467 عن أحمد، و البيهقي، و ابن سعد، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و محمد بن إسحاق، و الواقدي، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 257 و انظر المغازي للواقدي ج 3 ص 1043 و 1044 و الدر المنثور ج 3 ص 259 عن ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و البيهقي في الدلائل، و ابن كثير في البداية ج 5 ص 19 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 30 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 75 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 121 و الصوارم المهرقة للتستري ص 7 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 135 و البحار ج 21 ص 247 و إعلام الورى ج 1 ص 245.
(قال البيهقي: أظن ابن سعد بن أبي سرح.
و في الأصل: عبد اللّه بن أبي سعد بن أبي سرح، لم يعرف له إسلام كما نبه إليه في زاد المعاد) .
قال ابن إسحاق: و أبا حاضر الأعرابي، و عامرا، و أبا عمر، و الجلاس بن سويد بن الصامت، و هو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة، و لئن كان محمد و أصحابه خيرا منا إنا إذا لغنم و هو الراعي، و لا عقل لنا و هو العاقل.
و أمره أن يدعو مجمع بن جارية، و فليح التيمي و هو الذي سرق طيب الكعبة (1)و ارتد عن الإسلام، و انطلق هاربا في الأرض فلا يدرى أين ذهب.
و أمره أن يدعو حصين بن نمير، الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه (2)، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ويحك، ما حملك على هذا» ؟
قال: حملني عليه أني ظننت أن اللّه تعالى لم يطلعك عليه، أما إذا أطلعك عليه، فإنى أشهد اليوم أنك لرسول اللّه، فإني لم أؤمن بك قط قبل الساعة، فأقاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عفا عنه بقوله الذي قاله.
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حذيفة أن يأتيه بطعمة بن أبيرق، و عبد اللّه بن عيينة، و هو الذي قال لأصحابه: اشهدوا هذه الليلة تسلموا
الدهر كله، فو اللّه ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «ويحك، ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت يا عدو اللّه» ؟
فقال عدو اللّه: يا نبي اللّه، و اللّه ما تزال بخير ما أعطاك اللّه تعالى النصر على عدوك، فإنما نحن باللّه و بك، فتركه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قال لحذيفة: «ادع مرة بن الربيع» ، و هو الذي ضرب بيده على عاتق عبد اللّه بن أبي ثم قال: تمطى، أو قال: تمططي و النعيم كائن لنا بعده، نقتل الواحد المفرد، فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين.
فدعاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «ويحك، ما حملك على أن تقول الذي قلت؟
فقال: يا رسول اللّه، إن كنت قلت شيئا من ذلك فإنك العالم به، و ما قلت شيئا من ذلك (1).
فجمعهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم اثنا عشر رجلا الذين حاربوا اللّه تعالى و رسوله، و أرادوا قتله (2)، فأخبرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقولهم، و منطقهم، و سرهم و علانيتهم، و أطلع اللّه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك، و ذلك قوله عز و جل: وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا (3).
و مات الاثنا عشر منافقين محاربين اللّه تعالى و رسوله.
قال حذيفة كما رواه البيهقي: و دعا عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «اللهم ارمهم بالدبيلة» .
قلنا: يا رسول اللّه، و ما الدبيلة؟
قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك» (1).
و عن حذيفة: «في أصحابي اثنا عشر رجلا منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية يكفيهم الدبيلة: سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 467 و 468 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 258 و راجع: العمدة لابن البطريق ص 341 و الصراط المستقيم ج 3 ص 45 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 137 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 30 و المعجم الأوسط ج 8 ص 102 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 84 و تفسير البغوي ج 2 ص 307 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 207 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 387 و الدر المنثور ج 3 ص 260 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 139 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 648 و البداية و النهاية ج 5 ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 36 و السيرة الحلبية ج 3 ص 121.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 468 عن مسلم و قال في هامشه: أخرجه مسلم في صفات المنافقين (9) و أحمد ج 5 ص 390 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 261 و في السنن الكبرى ج 8 ص 198 و انظر البداية ج 5 ص 20. و راجع: العمدة لابن البطريق ص 332 و 334 و 337 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 136 و ص 138 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 606 و صحيح مسلم ج 8 ص 122 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 198 و شرح مسلم للنووي ج 17 ص 125 و الديباج على مسلم ج 6 ص 137 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 466 و الجامع الصغير ج 2 ص 225 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 387 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 649 و البداية و النهاية ج 5 ص 26 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 37 و تقوية الإيمان لمحمد بن عقيل ص 79. و راجع: المحلى لابن حزم ج 11 ص 220 و العمدة لابن البطريق ص 333 و صحيح مسلم النيسابوري ج 8 ص 123 و الديباج على مسلم لجلال الدين السيوطي ج 6 ص 137.
قال البيهقي: و روينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر (1)أو خمسة عشر (2).
و نقول:
إنه لا بد لنا من التعرض لأسماء هؤلاء المجرمين أولا، ثم نعطف الكلام إلى أمور أخرى، ربما يكون تسليط الضوء عليها مفيدا سديدا، فنقول:
1) دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 258 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 468 عنه، و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 375 و البداية و النهاية ج 5 ص 26 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 37 و راجع: الخصال ص 398 و المسترشد للطبري ص 595 و البحار ج 31 ص 522.
2) دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 258 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 468 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1042 و 1044 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 162 و مجمع البيان ج 5 ص 51 و البداية و النهاية ج 5 ص 19 و 26 و عن السيرة النبوية (بهامش الحلبية) ج 2 ص 375 و الصراط المستقيم ج 3 ص 44 و الخصال ج 2 ص 499 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 37 و راجع: المسترشد للطبري ص 595.
قد ذكرت النصوص المتقدمة: أسماء جماعة زعموا: أنهم هم الذين اشتركوا في المؤامرة على حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
غير أننا نشك كثيرا في صحة هذه الأسماء، لأن النصوص المختلفة تبين أن ثمة تزويرا متعمدا في هذا المجال. . و أن ثمة مساعي لإخفاء الأسماء الحقيقية، و طرح أسماء بديلة عنها.
و الذي يبدو لنا هو أن هذا التلاعب قد جاء لمصلحة القرشيين منهم، و إبعاد الشبهة عمن شارك منهم في هذه الفعلة الشنعاء، و الفضيحة الصلعاء، حتى لقد قيل: «ليس فيهم قرشي، و كلهم من الأنصار» (1).
لكن يكذّب هذا الإدعاء ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر «عليهما السلام» : أنهم «ثمانية من قريش، و أربعة من العرب» (2).
و قيل: ستة أو سبعة من قريش، و الباقي من أفناء الناس (3).
و قيل: إثنا عشر من بني أمية، و خمسة من سائر الناس (4).
1) الدر المنثور ج 3 ص 260 عن ابن سعد، و المنار ج 10 ص 553 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 599 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 139 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 277 و تهذيب الكمال ج 5 ص 505 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 328.
2) راجع: جمع الجوامع ج 2 ص 70 و مجمع البيان ج 5 ص 51 و البرهان (تفسير)2 ص 540 و 245 و التبيان ج 5 ص 303 و الصراط المستقيم ج 1 ص 316 و روح المعاني ج 10 ص 139 و البحار ج 17 ص 184.
3) البحار ج 21 ص 233 و 248 و ج 31 ص 631 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 599.
4) الخصال ص 398 و البحار ج 21 ص 222 و ج 31 ص 522 عن الخصال.
و قيل: تسعة من قريش، و خمسة من سائر الناس (1).
تقدمت لائحة بأسماء أشخاص زعموا أنهم هم المنفّرون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم على ما ذكره الطبراني:
1-معتب بن قشير بن مليل، من بني عمرو بن عوف.
2-وديعة بن ثابت بن عمرو بن عوف.
3-جدّ بن عبد اللّه بن نبيل (نبتل) بن الحارث من بني عمرو بن عوف.
4-الحارث بن يزيد الطائي.
5-أوس بن قيظى، من بني حارثة.
6-الحارث بن سويد.
7-سعد بن زرارة من بني مالك بن ماتت.
8-قيس بن قهد من بني مالك بن ماتت.
9-سويد من بني بلحبلى.
10-داعس من بني بلحبلى.
11-قيس بن عمرو بن سهل.
12-زيد بن اللصيت.
13-سلامة بن الحمام. (و هما من بني قينقاع) (2).
لكن ابن القيّم، و السيوطي، و الصالحي الشامي، قد ذكروا قائمة أخرى، هي التالية:
1-عبد اللّه بن أبي (سعد) .
2-سعد بن أبي سرح.
3-أبو خاطر (حاضر) الأعرابي.
4-عامر.
5-أبو عامر (أبو عمر) .
6-الجلاس بن سويد بن الصامت.
7-مجمع بن حارثة (جارية) .
8-فليح (مليح) التيمي.
9-طعمة بن أبيرق.
10-عبد اللّه بن عيينة.
11-مرة بن الربيع.
12-حصين بن النمير (1).
و اللافت هنا: أن ابن قيّم الجوزية نفسه لا يرتضي صحة هذه القائمة الثانية، بل أورد عليها بما يلي:
أولا: إن «سعد بن أبي سرح» لم يعرف له إسلام. .
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 600 و الدر المنثور ج 3 ص 260 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 262.
و نقول:
إن الصالحي الشامي ذكر «عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح» (1).
ثانيا: إن عبد اللّه بن أبي (2)، و كذلك الجلاس بن سويد (3)، كانا قد تخلفا عن غزوة تبوك، فما معنى ذكرهما في جملة المشاركين في قضية العقبة؟ ! .
كما أن أبا عامر لم يحضر غزوة تبوك أيضا، لأنه خرج إلى مكة، ثم إلى الطائف، ثم إلى الشام، فمات طريدا (4).
ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسرّ أسماء المنفّرين به إلى حذيفة، و كانوا لا يعرفون. و كان عمر لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة (5).
كما أن ثمة إشكالات على القائمة الأولى، أعني قائمة الطبراني:
فأولا: إن هذه القائمة كانت سرا عند حذيفة.
ثانيا: إن أوس بن قيظى، كان من المتخلفين عن تبوك (6).
ثالثا: إن الذين أرادوا قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانوا يطمعون بالحصول على الدنيا، و كانت لهم مكانة تؤهلهم بنظر الناس إلى طلب هذا الأمر. و كانوا مرهوبي الجانب حتى لقد أخفى حذيفة أسماءهم خوفا منهم،
1) زاد المعاد ج 3 ص 8 و 9 و الدر المنثور ج 3 ص 259 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 467.
2) الحديث عن أنه قد عاد مع جماعته إلى المدينة.
3) أسد الغابة ج 1 ص 292.
4) تقدم ذلك في بداية الحديث عن غزوة تبوك.
5) راجع فيما تقدم: زاد المعاد ج 3 ص 8 و 9 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 600.
6) الدر المنثور ج 3 ص 247 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 601 عنه.
و رهبة منه لجانبهم.
و الذين وردت أسماؤهم في القائمة لا يملكون أية موقعية تخولهم ترشيح أنفسهم لهذا الأمر.
و لم يذكروا لنا سبب تعمّد إخفاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأسمائهم إلا عن بعض أصحابه، فلعله لأجل أنه كان لا يريد أن تنشأ عن ذلك مشكلة في حياته، حيث يصبح ذلك ذريعة لهم لمحاولة التأثير على من يتصل بهم، لإخراجه عن دائرة الإيمان، بالإضافة إلى أنه قد يتسبب بمشاحنات، و مشكلات، و انقسامات عميقة بينهم و بين أقوامهم، و ربما يتخذ ذلك أهل الأهواء ذريعة لإثارة الفتن، و العبث بالبنية الإجتماعية، و الإخلال بتماسكها و بانضباطها. .
أما بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فرغم معرفة حذيفة و غيره بأسمائهم، فإنه لم يجرء أحد على التفوه و الإعلان بها. و لا شك في أن هذا التكتم قد كان خوفا من بطش السلطة بمن يفشي هذا السر، حيث قد يلحق إفشاؤه أضرارا جسيمة بالإسلام و أهله، لأن ظواهر الأمور تعطي أن مرتكبي هذه الجريمة لم يكونوا من الناس العاديين، بل كانت لهم مكانتهم المرموقة، و لهم قوتهم و شوكتهم التي لا مجال لأحد لمواجهتها.
إلا أن بعض الأسماء الحقيقية قد أفلتت من بين تلك الأسماء، ربما لأنها كانت هي الأضعف من بين تلك المجموعة. .
و ممن أفلت اسمهم أبو موسى الأشعري، فقد ورد اسمه في المصادر التي ألفها الفريق الذي لا يدين بالولاء للحكام كما سيأتي.
لكن المصادر الموالية لهم لم تستطع الإفصاح عن اسمه سوى ما روي عن أبي يحيى حكيم، قال: كنت جالسا مع عمار، فجاءه أبو موسى، فقال (يعني عمار) : مالي و لك؟ .
قال: ألست أخاك؟
قال: ما أدري غير أنني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يلعنك ليلة الحملق.
قال: إنه استغفر لي.
قال عمار: قد شهدت اللعن، و لم أشهد الإستغفار (1).
و نقول:
1-حملق-كما في كتب اللغة-: فتح عينيه و نظر شديدا (2)، فإن لم يكن المقصود بها الكناية عن ليلة العقبة، باعتبار أن الحملقة قد وقعت فيها لكشف حقيقة المعتدين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهي تصحيف
1) الكامل لابن عدي ج 2 ص 772 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 604 و كنز العمال ج 13 ص 608 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 93.
2) راجع: أقرب الموارد ج 1 ص 233 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 211 و كتاب العين للفراهيدي ج 3 ص 322 و الصحاح للجوهري ج 4 ص 1465 و معجم مقاييس اللغة ج 2 ص 147 و لسان العرب ج 10 ص 69 و القاموس المحيط ج 3 ص 224 و تاج العروس ج 13 ص 99.
لكلمة العقبة، عمدا، أو سهوا.
و يشير إلى ذلك:
1-أن الوارد في بعض المصادر هو: «الجمل» أو «الجبل» ، و ذلك بملاحظة: أنهم أرادوا تنفير الناقة به «صلى اللّه عليه و آله» في الجبل (العقبة) ، أو بملاحظة إرادتهم إلقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ظهر الجمل من العقبة إلى الوادي (1).
2-روى الشيخ المفيد «رحمه اللّه» هذه الرواية، و فيها: أن عمارا قال لأبي موسى: «سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يلعنك ليلة العقبة، و قد هممت مع القوم بما هممت، الخ. .» (2).
3-أن أبا موسى كان متّهما بالنفاق على نطاق واسع، قال أبو عمر بن عبد البر: «و كان لحذيفة قبل ذلك-أي قبل ما ظهر منه-فيه كلام» (3).
و قد ذكرت لائحة أخرى بأسماء المجرمين، في مصادر أخرى لجماعة لا
1) راجع: كنز العمال ج 13 ص 608 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 93 و لسان الميزان ج 5 ص 290 و تنزيه الشريعة المرفوعة ج 2 ص 9 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 391.
2) الأمالي للشيخ الطوسي ص 184(182) و البحار ج 33 ص 305 و 306 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 605.
3) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 175 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1764 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 603.
تهتم برضا رموز السلطة، التي حكمت الناس من دون نص من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تخشى من الجهر بالنقد لمن يستحق النقد، سواء أكان في السلطة، أم في خارجها. .
و قد ذكرت الأسماء في تلك المصادر على النحو التالي:
قال حذيفة فيهم:
1-أبو بكر.
2-عمر.
3-عثمان.
4-طلحة.
5-الزبير.
6-أبو سفيان.
7-معاوية.
8-عتبة بن أبي سفيان.
9-أبو الأعور السلمي.
10-المغيرة بن شعبة.
11-أبو موسى الأشعري.
12-أبو قتادة.
13-عمرو بن العاص.
14-سعد بن أبي وقاص (1).
1) البحار ج 82 ص 267 و ج 28 ص 100.
و في نص آخر: الثمانية من قريش هم: (سعد بن أبي وقاص، معاوية، و أبو بكر، و عمر، و عثمان، و طلحة) . بالإضافة إلى:
15-عبد الرحمن بن عوف.
16-أبو عبيد بن الجراح.
و الذين هم من غير قريش:
17-أوس بن الحدثان.
18-أبو هريرة.
19-أبو طلحة الأنصاري.
20-أبو موسى الأشعري (1).
و ذكر ابن جرير بن رستم الطبري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر حذيفة أن لا يخبرنا باسم الشيخين الجليلين (2).
و ذكر أبو الصلاح الحلبي: عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعدا، و عبد الرحمن بن عوف (3).
و قد ذكرت مصادر أخرى منها ما ينتمي للفريق المحامي عن السلطة و الحاكم، و منها ما ينتمي إلى الفريق الآخر أسماء اتخذت صفة الكناية عن الأسماء الحقيقية.
فمن ذلك نذكر:
1-ما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه عدّ منهم: أبا الشرور، و أبا الدواهي، و أبا المعازف، و ابن عوف، و سعدا، و أبا سفيان، و ابنه، و فعل، و فعيل، و المغيرة بن شعبة، و أبا الأعور السلمي، و أبا قتادة الأنصاري (1).
و زاد في نص آخر: بعد أن ذكر عددا من الأسماء المتقدمة عن أكثر من مصدر:
21-سالم مولى أبي حذيفة.
22-خالد بن الوليد.
و ذكر فيه أيضا: أبا المعازف.
23-و أباه (2).
و ذكر نص آخر بالإضافة إلى بعض الأسماء المتقدمة: صاحبي البصرة (يعني: طلحة و الزبير) .
24-و أبا مسعود (3).
و يلاحظ هنا: أن العدد قد انتهى إلى أربعة و عشرين، و قد جمعناه من الروايات المختلفة.
و هو ما صرحت به بعض الروايات حيث ذكرت: أنهم كانوا أربعة
و عشرين (1).
و نود أن نذكّر القارئ الكريم: بأن اللّه تعالى هو الذي أعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأسماء أولئك المجرمين، فأعلم بها حذيفة. .
و هذا معناه: أنه علم غير ميسور للبشر بما هو متوفر لديهم من وسائل.
إذن. . فليس للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤاخذهم. .
و لأجل ذلك لم يستجب لطلب حذيفة-حينما طلب منه ذلك.
و زعمت رواية الصالحي الشامي المتقدمة: أن أسيد بن حضير هو الذي طلب قتل المتآمرين. .
و لكننا نشك في صحة ذلك، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتحدث مع حذيفة، و عمار، و لم يكن أسيد حاضرا، و قد أمر «صلى اللّه عليه و آله» حذيفة و عمارا بالكتمان، بعد أن جرى بينه و بينهما ذلك، كما تقدم (2). .
بل صرحت بعض الروايات: بأن حذيفة هو الذي قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فراجع (3). .
و قد زعم حمزة بن عمرو الأسلمي أنه لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالعقبة. . و أنه قد جمع الذي سقط من المتاع بسبب تنفيرهم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد أن نوّر اللّه له أصابعه. .
و نقول:
1-إن هذا مشكوك فيه، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن أعلمه اللّه تعالى بالمؤامرة، قد أمر الناس بأن لا يمر منهم أحد بالعقبة، و أمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي (1).
2-إن تنوير أصابع هذا الرجل كلها لا ضرورة له، إذ كان يكفي تنوير إصبع واحد له بحيث يجعله يضيئ له الدنيا بأسرها. . ، بل هو لا يحتاج إلى نور أصلا، إذ إن حذيفة يقول: إنه سمع حسّ القوم، فالتفت فرأى قوما ملثمين، فلم يعرفهم، لكنه عرف رواحلهم (2).
و هذا معناه: أن الظلام لم يكن دامسا بحيث يحتاج إلى تنوير خمس أصابع. .
قالوا: و حين رجوع الجيش من تبوك، كان في طريقهم عقبة صعبة، لا
يجتاز عليها إلا فرد رجل، أو فرد جمل، و كان تحتها هوة مقدار ألف رمح، فمن تعدى عن المجرى هلك من وقوعه في تلك الهوة.
و قد كانت غزوة تبوك، و العسكر يسير في الليل فرارا من الحرّ.
فسبق بعضهم إلى تلك العقبة، و كانوا قد أخذوا دبابا كانوا هيأوها من جلد حمار، وضعوا فيها حصى، و طرحوها بين يدي الناقة (1).
و لعلهم إنما وضعوا الحصى في تلك الدباب من أجل أن تصدر منها أصوات تفاجئ الناقة، و توجب نفورها، بالإضافة إلى تعثرها بتلك الدباب. .
غير أن النصوص المتقدمة قد ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبرهم بأن المتآمرين أرادوا أن يقطعوا أنساع ناقته، ثم ينخسوها لكي تلقيه. .
فلعل هذا كان هو التدبير الأول لهم، ثم لما وجدوا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد منع الناس من سلوك طريق العقبة، لم يعد يمكنهم الإقتراب منها، فهيأوا الدباب، و سبقوه إلى المكان، ثم نفّروا به الناقة، فسقط بعض المتاع، و لم يتم لهم ما أرادوا. .
ثم إن معظم المصادر قد ذكرت هذه القضية في غزوة تبوك، لكن هناك سياق آخر يقول: إنها كانت بعد حادثة الغدير في حجة الوداع.
و إنهم إنما فعلوا ذلك خوفا من أن يأخذ البيعة لعلي «عليه السلام» منهم مرة أخرى في المدينة.
1) البحار ج 28 ص 99 و 100 و ج 37 ص 115 و 135 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 602 عنه.
و لا نستطيع أن نجزم بكذب أي من الروايتين، غير أننا نقول:
إن الأعرف بين المؤرخين سنّة و شيعة، هو أنها كانت في تبوك.
إن هذا النصر الذي سجّله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك، حيث ظهر لكل أحد رعب قيصر الروم من حركة المسلمين باتجاه بلاده، بالإضافة إلى أمور أخرى جرت في تبوك و أكّدت و رسّخت مكانة المسلمين، ليس في منطقة الحجاز و حسب، بل في المحيط العربي كله، ثم تجاوز ذلك أيضا حتى بلغ بلاد الروم-إن ذلك-يطرح سؤالا عن سبب لجوء هؤلاء الناس إلى هذه المؤامرة. .
و لعل الإجابة الأقرب إلى القبول هي: أن هؤلاء الناس قد رأوا في تبوك تباشير مستقبل عظيم الأهمية، لا بد من أن يكون لهم نصيب فيه، و من الواضح أن وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» سيكون مانعا لهم من التصرف وفق ما تشتهيه أنفسهم، فكيف و هم يرون أنه لم يزل يؤكد إمامة و خلافة علي «عليه السلام» من بعده، و هم يعلمون أن حالهم مع علي «عليه السلام» سوف لن تختلف عن حالهم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه نسخة طبق الأصل عنه. .
و لربما أصبحوا يخشون من أن يبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى عمل يحرجهم، و يعرقل خططهم الرامية إلى الإستئثار بالأمر من بعده، فكانت هذه المبادرة المخزية منهم. .
و قد ذكرت بعض الروايات: أن المنافقين كانوا قد دبروا لقتل علي «عليه السلام» في تبوك كما دبروا لقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في العقبة، و ذلك بأن حفروا في طريق علي «عليه السلام» في المدينة حفيرة طويلة بقدر خمسين ذراعا، و قد عمقوها ثم غطوها بحصر، ثم وضعوا فوقها يسيرا من التراب، فإذا وقع فيها كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه.
و قد أنجاه اللّه تعالى من كيدهم بكرامة منه، و عرّفه أسماء تلك الجماعة التي فعلت ذلك، و أعلنها له، و كانوا عشرة، كانوا قد تواطأوا مع الأربعة و العشرين، الذين دبروا لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في العقبة.
ثم تذكر الرواية حديث العقبة، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نزل بإزائها، و أخبر الناس بما جرى على علي «عليه السلام» . . ثم أمرهم بالرحيل، و أمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحد على العقبة و لا يطأها حتى يجاوزها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة، فينظر من يمر به، و أمره أن يتشبه بحجر، فقال حذيفة: يا رسول اللّه، إني أتبين الشر في وجوه رؤساء عسكرك، و إني أخاف إن قعدت في أصل الجبل، ثم جاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك، للتدبير عليك، يحسّ بي، فيكشف عني، فيعرفني، و موضعي من نصيحتك، فيتهمني و يخافني فيقتلني.
إلى أن تذكر الرواية: أن حذيفة رأى الأربعة و العشرين رجلا على جمالهم، يقول بعضهم لبعض: من رأيتموه ها هنا كائنا من كان فاقتلوه، لئلا يخبروا محمدا بأنهم قد رأونا هنا، فينكص محمد، و لا يصعد هذه العقبة إلا نهارا،
فيبطل تدبيرنا عليه.
فسمعها حذيفة، و استقصوا فلم يجدوا أحدا.
ثم تذكر الرواية دحرجتهم للدباب، و أن اللّه تعالى قد حفظ نبيه «صلى اللّه عليه و آله» و جاز العقبة، و أرسل حذيفة إليهم، فضرب وجوه رواحلهم، فنفرت بهم، و سقط بعضهم، فانكسر عضده، و بعضهم انكسرت رجله، و بعضهم انكسر جنبه.
فلأجل ذلك كان حذيفة يعرف المنافقين. . انتهى ملخصا (1).
و نقول:
إنه يستوقفنا في هذه الرواية الأمور التالية:
إن المدينة كانت قرية صغيرة، و كان سكانها قليلين، و بيوتها متراكمة و مجموعة، غير منتشرة، فإذا كان علي «عليها السلام» واليا على المدينة، و يمر من ذلك الطريق. فإن كان يمر منه في كل يوم فمعنى ذلك: أن هذه الحفرة قد حفرت في أقل من يوم واحد، و المفروض: أن طولها كان خمسين ذراعا، فكيف تمكنوا من حفر هذا المقدار في هذه المدة القصيرة؟ !
و من الذي هيأ الأمور بحيث لا يمر أحد من تلك الطريق ممن يمكن أن يخبر عليا «عليه السلام» بما يجري؟ !
و لماذا لم يتساءل الأطفال، و النساء، و الرجال الساكنون، أو الماروّن من
1) راجع: البحار ج 21 ص 223-232 و الإحتجاج ج 1 ص 116-132 و ج 1 ص 64-65 و التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 380-389.
هناك عن سبب حفر تلك الحفرة؟ !
و هل لم يكن أحد من أهل الإيمان و من بني هاشم يسكن في ذلك الحي كله، فيخبر عليا «عليه السلام» بالأمر؟ !
و هل كان علي «عليه السلام» مفرطا في أمور ولايته إلى حد أن تحفر حفيرة عميقة بطول خمسين ذراعا في طريق عام، و لا يدري بها؟ !
إننا لا نملك جوابا مقبولا أو معقولا على هذه الأسئلة، يخفف من وطأة حيرتنا. .
لقد أكدت روايات عديدة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر الناس أن لا يطأوا العقبة حتى يجاوزها هو «صلى اللّه عليه و آله» .
و هذا إجراء لافت لا بد من فهمه، و معرفة ما يتوخاه «صلى اللّه عليه و آله» منه. .
و لنا أن نبادر إلى القول: بأن المقصود هو فضح المؤامرة، و التمكين من تحديد هوية فاعليها، فإنه لو سار الجيش بأكمله في تلك الطريق لم يمكن ذلك. و لكان قد أعطى الفرصة للمتآمرين لارتكاب جريمتهم، ثم يغيبون في خضم تلك الجموع الغفيرة، لتصبح هي الغطاء الطبيعي لهم، و سيجدون فيها من يساعدهم على إخفاء أنفسهم، و لربما يدّعون أن الزحام هو السبب في سقوط النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الوادي، و قد يأتون هم إلى مسرح جريمتهم بعد ارتكابها في لهفة و استنكار، و بكاء و استعبار، فيساهمون في تشييع جنازة من قتلوا، و يشاركون في البحث عن القاتل
إمعانا منهم في المكر و التضليل.
إنه «صلى اللّه عليه و آله» بإجرائه هذا قد أفردهم عن الجيش، و وضعهم أمام أعين رقبائه الذين رتبهم في مواضع قريبة، و لم يعد هناك أي فرصة للإيهام نتيجة للإختلاط بالآخرين، فإن الشبهة ممنوعة.
يضاف إلى ذلك: أن هذا الإجراء نفسه سوف يوقع الكثيرين في الحيرة، و يدعوهم للتساؤل عن سببه، فإذا تبين لهم الحق بعد ذلك، فستجدهم مسارعين لقبوله، و سوف لن يثور أي جدل حول صحته و واقعيته، و سوف توصد الأبواب أمام الشائعات، و التكهنات، و التشكيكات، بل تبقى الحقيقة بكل حيويتها، و وضوحها، و سيعرفها الناس، و سينقلونها للأجيال اللاحقة، و هي على ما هي عليه من الصفاء و النقاء، و الإشراق و البهاء، و سيترك هذا الحدث أثره في العقل و القلب و الوجدان، لأنه اقترن بمعجزة نبوية، و تسديد رباني، كان هو السبب في إبطال كيدهم، و افتضاح أمرهم.
و يلاحظ هنا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة، و أن يتشبه بحجر، أي أنه يريد منه أن ينطوي على نفسه بطريقة تظهر للناظر أنه يرى حجرا، و لا يرى إنسانا.
و ذلك لأن الوقت كان ليلا، و كان المطلوب منه هو أن يتعرف على أشخاص المتآمرين، و لا يتيسر له ذلك في الليل إلا إذا كان قريبا جدا من الهدف حتى لو كان نور القمر موجودا، و لو في بعض درجاته. . و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» يعرف كما كان حذيفة يعرف أيضا: أن هؤلاء المجرمين
سوف لن يمكّنوا احدا من اقتفاء اثرهم، أو التعرف على اشخاصهم، و أنهم سوف يتخلصون من كل من يصادفونه بالقتل، إن لم يمكنهم ابعاده، أو ابعاد أنفسهم عن الأنظار. .
و قد قال حذيفة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إني اتبين الشر في وجوه رؤساء عسكرك» ، ثم ذكر له: أنه يخشى ان يراه هؤلاء الرؤساء المتآمرون و يقتلوه. .
و هذا يدل على عدم صحة الرواية التي تتضمن اسماء مجهولة، لا يعرف عنها احد شيئا. .
غير أن هذه الحقيقة ستكون مؤلمة جدا، و تجعل الشجى يعترض حلق الإنسان المؤمن، و سيندى جبينه الما و خجلا من أن يكون الرؤساء هم الأعداء و المتآمرون، و ليس لنا إلا ان نقول: إنا للّه و إنا اليه راجعون.
أو زبدة المخض
و بعد. . فقد كان كل ذلك الذي قدمناه يعتمد على الروايات التي عرضها لنا أولئك البعداء عن خط أهل البيت «عليهم السلام» ، و الذين يدينون اللّه بالحب و الولاء للذين عارضوهم، و أقصوهم عن مراتبهم التي رتبهم اللّه تعالى بها، بالقوة و القهر. . و سعوا إلى تصويب فعلهم هذا و تأويله، و التماس المخارج المختلفة و المتناقضة له في كثير من الأحيان.
و قد رأينا أن أكثر تلك الروايات لم تكن سليمة عن التحريف و التزييف، و لكننا لم نغفل شيئا منها يستحق التنويه أو العرض.
و لكننا سوف نذكر هنا رواية، ادخرناها لنتوج بها جهد المتابع لأحداث هذه الغزوة، بعد أن يعيش بكل عقله و فكره الأجواء التي يريدون له أن يعيشها، ثم نفاجئه بهذه الرواية التي هي الأقرب إلى الحقيقة، و الأصوب، و الأصدق في عرض الوقائع، ليشعر بالفارق بينها و بين جميع ما عداها، رغم أنها لم توفق لسند يمكن وصفه بالصحة أو بغيرها مما يوصّف به المحدثون و المهتمون بالأسانيد رواياتهم. و الرواية هي التالية:
لما مات سعد بن معاذ، بعد أن شفى غيظه من بني قريظة، قال رسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يرحمك اللّه يا سعد، فلقد كنت شجا في حلوق الكافرين، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة الإسلام، كعجل قوم موسى.
قالوا: يا رسول اللّه، أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه؟
قال: «بلى، و اللّه يراد، و لو كان لهم سعد حيا ما استمر تدبيرهم. و يستمرون ببعض تدبيرهم، ثم اللّه يبطله» .
قالوا: أتخبرنا كيف يكون ذلك؟
قال: «دعوا ذلك لما يريد اللّه أن يدبره» .
قال موسى بن جعفر «عليه السلام» : و لقد اتخذ المنافقون من أمة محمد «صلى اللّه عليه و آله» بعد موت سعد بن معاذ، و بعد انطلاق محمد «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، أبا عامر الراهب أميرا و رئيسا، و بايعوا له، و تواطأوا على إنهاب المدينة، و سبي ذراري رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سائر أهله و صحابته، و دبروا التبييت على محمد، ليقتلوه في طريقه إلى تبوك.
فأحسن اللّه الدفاع عن محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و فضح المنافقين و أخزاهم، و ذلك أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لتسلكن سبل من كان قبلكم، حذو النعل بالنعل، و القذة بالقذة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتموه» .
قالوا: يا ابن رسول اللّه، من كان هذا العجل؟ ! و ما ذا كان هذا التدبير؟ !
فقال «عليه السلام» : اعلموا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل، و كان ملك تلك النواحي، له مملكة عظيمة مما يلي الشام، و كان يهدد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه
يقصده، و يقتل أصحابه، و يبيد خضراءهم.
و كان أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خائفين وجلين من قبله، حتى كانوا يتناوبون على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل يوم عشرون منهم، و كلما صاح صائح ظنوا أنه قد طلع أوائل رجاله و أصحابه.
و أكثر المنافقون الأراجيف و الأكاذيب، و جعلوا يتخللون أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقولون: إن أكيدر قد أعد من الرجال كذا، و من الكراع كذا، و من المال كذا، و قد نادى فيما يليه من ولايته: ألا قد أبحتكم النهب و الغارة في المدينة، ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم: فأين يقع أصحاب محمد من أصحاب أكيدر؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها، و يسبي ذراريها و نساءها.
حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما هم عليه من الخدع.
ثم إن المنافقين اتفقوا، و بايعوا أبا عامر الراهب الذي سماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الفاسق، و جعلوه أميرا عليهم، و بخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة، لئلا أتهم بتدبيركم.
و كاتبوا أكيدر في دومة الجندل، ليقصد المدينة، ليكونوا هم عليه، و هو يقصدهم فيصطلموه.
فأوحى اللّه إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرّفه ما اجتمعوا عليه من أمرهم، و أمره بالمسير إلى تبوك.
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا أراد غزوا ورّى بغيره إلا غزاة تبوك، فإنه أظهر ما كان يريده، و أمرهم أن يتزودوا لها، و هي الغزاة
التي افتضح فيها المنافقون، و ذمهم اللّه تعالى في تثبيطهم عنها، و أظهر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما أوحي إليه أن (اللّه) سيظفره بأكيدر، حتى يأخذه و يصالحه على ألف أوقية من ذهب في صفر، و ألف أوقية من ذهب في رجب، و مائتي حلة في صفر، و مائتي حلة في رجب، و ينصرف سالما إلى ثمانين يوما.
فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن موسى وعد قومه أربعين ليلة، و إني أعدكم ثمانين ليلة، ثم أرجع سالما غانما، ظافرا بلا حرب يكون، و لا أحد يستأسر من المؤمنين.
فقال المنافقون: لا و اللّه، و لكنها آخر كسراته التي لا ينجبر بعدها، إن أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، و رياح البوادي، و مياه المواضع المؤذية الفاسدة، و من سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر، و قتيل و جريح.
و استأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتلّ بالحر، و بعضهم بمرض يجده، و بعضهم بمرض عياله، و كان يأذن لهم.
فلما صح عزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الرحلة إلى تبوك عمد هؤلاء المنافقون فبنوا مسجدا خارج المدينة و هو مسجد الضرار، يريدون الإجتماع فيه، و يوهمون أنه للصلاة، و إنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة، فيتم لهم به ما يريدون.
ثم جاء جماعة منهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قالوا: يا رسول اللّه إن بيوتنا قاصية عن مسجدك و إنا نكره الصلاة في غير جماعة، و يصعب علينا الحضور، و قد بنينا مسجدا، فإن رأيت أن تقصده و تصلي فيه لنتيمّن و نتبرك بالصلاة في موضع مصلاك، فلم يعرّفهم رسول اللّه «صلى
اللّه عليه و آله» ما عرّفه اللّه من أمرهم و نفاقهم، و قال: ائتوني بحماري.
فأتي باليعفور فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلما بعثه هو و أصحابه لم ينبعث و لم يمش، فإذا صرف رأسه إلى غيره، سار أحسن سير و أطيبه.
قالوا: لعل هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئا كرهه، فلذلك لا ينبعث نحوه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إيتوني بفرس فركبه، فكلما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، و كلما حركوه نحوه لم يتحرك، حتى إذا ولوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير.
فقالوا: لعل هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق.
فقال: تعالوا نمش إليه، فلما تعاطى هو و أصحابه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، و لم يقدروا على الحركة، و إذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، و حنت أبدانهم، و نشطت قلوبهم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن هذا أمر قد كرهه اللّه، فليس يريده الآن، و أنا على جناح سفر، فأمهلوا حتى أرجع إن شاء اللّه تعالى، ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه اللّه تعالى.
و جدّ في العزم على الخروج إلى تبوك، و عزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا محمد، إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و يقول لك: «إما أن تخرج أنت و يقيم علي، و إما أن يخرج علي و تقيم أنت» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ذاك لعلي» .
فقال علي «عليه السلام» : السمع و الطاعة لأمر اللّه و أمر رسوله، و إن
كنت أحب أن لا أتخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حال من الأحوال.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ !
فقال: رضيت يا رسول اللّه.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا أبا الحسن! إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، و إن اللّه قد جعلك أمة وحدك، كما جعل إبراهيم أمة، تمنع جماعة المنافقين و الكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين.
فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و شيعه علي «عليه السلام» خاض المنافقون و قالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له، و ملاله منه، و ما أراد بذلك إلا أن يبيته المنافقون فيقتلوه، و يحاربوه فيهلكوه.
فاتصل ذلك برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال علي «عليه السلام» : تسمع ما يقولون يا رسول اللّه؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما يكفيك أنك جلدة ما بين عيني، و نور بصري، و كالروح في بدني.
ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه، و أقام علي «عليه السلام» بالمدينة، و كان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي «عليه السلام» ، و خافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك، و جعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤوب منها.
فلما صار بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين أكيدر مرحلة قال تلك العشية: يا زبير بن العوام، يا سماك بن خرشة، امضيا في عشرين من
المسلمين إلى باب قصر أكيدر، فخذاه، و ائتياني به.
قال الزبير: و كيف يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نأتيك به و معه من الجيش الذي قد علمت، و معه في قصره-سوى حشمه-ألف ما دون عبد و أمة و خادم؟
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : تحتالان عليه، و تأخذانه.
قال: يا رسول اللّه، و كيف و هذه ليلة قمراء، و طريقنا أرض ملساء، و نحن في الصحراء لا نخفى؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أتحبان أن يستركما اللّه عن عيونهم، و لا يجعل لكما ظلا إذا سرتما، و يجعل لكما نورا كنور القمر لا تتبينان منه؟
قالا: بلى.
قال: «عليكما بالصلاة على محمد و آله الطيبين، معتقدين أن أفضل آله علي بن أبي طالب، و تعتقد يا زبير أنت خاصة أن لا يكون علي «عليه السلام» في قوم إلا كان هو أحق بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدمه.
فإذا أنتما فعلتما ذلك و بلغتما الظل الذي بين يدي قصره من حائط قصره، فإن اللّه سيبعث الغزلان و الأوعال إلى بابه، فتحك قرونها به، فيقول: من لمحمد في مثل هذا؟ فيركب فرسه لينزل فيصطاد.
فتقول له امرأته: إياك و الخروج، فإن محمدا قد أناخ بفنائك، و لست آمن أن يحتال عليك، و دس من يغزونك.
فيقول لها: إليك عني فلو كان أحد يفصل عنه في هذه الليلة لتلقاه في هذا القمر عيون أصحابنا في الطريق. و هذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، فلو كان في ظل قصرنا هذا إنسي لنفرت منه الوحش.
فينزل ليصطاد الغزلان و الأوعال، فتهرب من بين يديه، و يتبعها فتحيطان به و تأخذانه» .
و كان كما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذوه، فقال: لي إليكم حاجة.
قالوا: ما هي؟ فإنا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك.
قال: تنزعون عني ثوبي هذا، و سيفي و منطقتي و تحملونها إليه، و تحملوني في قميصي لئلا يراني في هذا الزي، بل يراني في زي تواضع فلعله أن يرحمني.
ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون و الأعراب يلبسون ذلك الثوب و يقولون: هذا من حلل الجنة، و هذا من حلي الجنة يا رسول اللّه؟
قال: «لا، و لكنه ثوب أكيدر، و سيفه و منطقته، و لمنديل ابن عمتي الزبير و سماك في الجنة أفضل من هذا، إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر.
قالوا: و ذلك أفضل من هذا؟
قال: بل خيط من منديل بأيديهما في الجنة أفضل من ملء الأرض إلى السماء مثل هذا الذهب.
فلما أتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا محمد أقلني، و خلني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فإن لم تف به؟
قال: يا محمد، إن لم أف لك فإن كنت رسول اللّه فسيظفرك بي، من منع ظلال أصحابك أن يقع على الأرض حتى أخذوني، و من ساق الغزلان إلى بابي حتى استخرجتني من قصري، و أوقعتني في أيدي أصحابك.
و إن كنت غير نبي، فإن دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة، و السبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها.
قال: فصالحه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ألف أوقية من ذهب في رجب و مأتي حلة، و ألف أوقية في صفر و مائتي حلة، و على أنهم يضيفون من مر بهم من العساكر ثلاثة أيام، و يزودونهم إلى المرحلة التي تليها، على أنهم إن نقضوا شيئا من ذلك فقد برئت منهم ذمة اللّه، و ذمة محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم كرّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راجعا إلى المدينة إلى إبطال كيد المنافقين في نصب ذلك العجل الذي هو أبو عامر، الذي سماه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفاسق.
و عاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غانما ظافرا، و أبطل اللّه كيد المنافقين.
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإحراق مسجد الضرار، و أنزل اللّه عز و جل: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً (1)الآيات.
و قال موسى بن جعفر «عليهما السلام» : فهذا العجل في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دمر اللّه عليه، و أصابه بقولنج، و فالج، و جذام، و لقوة. و بقي أربعين صباحا في أشد عذاب، صار إلى عذاب اللّه (2).
و نقول:
إن هذا النص قد تضمن أمورا هامة، نحب لفت النظر إليها، و هي التالية:
قد أظهر النص المتقدم: أن المؤامرة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن وليدة ساعتها، بل جاءت ضمن خطة شاملة و دقيقة، حددت الأهداف و طريقة العمل، و توقعت النتائج، و توخت أن تكون ضرباتها حاسمة و مؤثرة، و محمية، و حسبت لكل أمر حسابه. .
فكان على رأس أولياتهم تسديد ضربة حاسمة لمركز القرار، و نقطة الإرتكاز، و رأس الهرم الحافظ و الضامن لوحدة الكيان العام كله، و المؤثر في حركته كلها. ثم لكل امتداداته المؤثرة، أو التي يحتمل أن تؤثر في إعادة انتظام عقد الإجتماع، و امتلاك زمام المبادرة بنفس ما حكموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أوضحه نص آخر، و قرروا سبي جميع ذراري النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سائر أهله و صحابته. .
كل ذلك لإدراكهم أن حدوث الفراغ في مركز القرار، سيؤدي إلى شل حركة سائر الخلايا الفاعلة و الحية في الكيان كله، و سيضع الكيان كله على طريق التمزق و التلاشي. .
و لأجل ذلك حاولوا أن يتخلفوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا يسيروا معه إلى تبوك. .
و قد صرحوا: بأنهم سوف يضعون المسلمين بين خطرين داهمين: خطر يأتي من قبلهم، فهم يهاجمونهم، فيصطلون مخلّفي المسلمين إذا خرجوا، فإذا عادوا من تبوك، فإن أكيدر يلاحقهم، و المتخلفون في المدينة يهاجمونهم من جهة المدينة، و أكيدر يهاجمهم بجموعه من الخلف، و يحده في ذلك هرقل، و ملك غسان من جهة الشام، إن نجح أبو عامر الراهب في إقناعهما بذلك.
و يبدو أن أبا عامر قد نجح في إيجاد صلة بين منافقي المدينة و بين ملك غسان، كما ربما تشير إليه رسالة ملك غسان إلى كعب بن مالك.
و لكن القرار النبوي الذي فاجأهم، قد حسم الأمور في ثلاثة اتجاهات:
الإتجاه الأول: أنه أبطل كيدهم بجعل علي «عليه السلام» خليفته في المدينة، فلم يمكّنهم من فعل أي شيء فيها، حسبما أوضحته الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم «عليه السلام» . .
الإتجاه الثاني: القضاء على أكيدر بصورة سريعة و حاسمة، و الإتيان به أسيرا إلى المدينة لكي يروا جميعا و بأم أعينهم ضعفه، و ذله. .
الإتجاه الثالث: الإثبات العملي لهم بأن قيصر، و من تبعه، بما فيهم الحارث الغساني، لا يجرؤون على مواجهته، بل هم يخطبون وده، و يراعون جانبه، و يسعون لكسب رضاه.
و مما زاد في خزيهم و ذلهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أخبرهم بما يجري على أكيدر، و بمقدار الجزية التي يضعها عليه. .
و ربما يكون هذا هو السبب أيضا في إعلانه «صلى اللّه عليه و آله» جهة السير حين خرج بجيشه من المدينة، فإنه أراد أن لا يدخل في وهم أحد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ أعداءه على حين غرة، و أنه لو لا ذلك فلربما كانت النتائج على عكس ما جاءت عليه. . و ذلك أبعد أثرا في قطع آمال أهل النفاق، و في خزي أهل الشقاق. .
و رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يظهر لأصحابه المعجزات و الكرامات بين الفينة و الفينة، خصوصا في ساعات العسرة، ليكون ذلك أوقع في نفوسهم، و ليربط على قلوبهم، و أدعى لتلمسهم مواقع الإعجاز و خصوصية الكرامة فيما يرونه و يعيشونه. . فإن ما ظهر لهم في غزوة تبوك على الخصوص كان يزيد على ما ظهر لهم في غيرها بأضعاف كثيرة، حتى ليخيّل لقارئ نصوص هذه الغزوة: أن كل ما يجري مرتبط بالغيب، و يراد به إظهار الكرامة و الرعاية، و التدخل الإلهي، من دون التفات يذكر إلى الأسباب الظاهرة. .
حتى لقد أخبرهم حسبما تقدم عن الإمام الكاظم «عليه السلام» بما يجرى على أكيدر، و بمقدار الجزية التي يضعها عليه. .
و هذا يدل على أن لتبوك خصوصية انفردت بها عما عداها. . و لعل خصوصيتها تكمن في أنها تريد أن تسدد إلى النفاق و أهله ضربة مهلكة، فإن الحرب مع المنافقين قد بلغت الذروة و أصبحت مصيرية، و حاسمة. .
و كان ظهور أي ضعف أو توان في هذا المجال، من شأنه أن يعرّض
كل جهود الأنبياء إلى خطر داهم و أكيد، كما أظهرته رواية الإمام الكاظم «عليه السلام» المتقدمة. .
و ظهور هذا الإرتباط العميق بالغيب قد حفظ الكثيرين من أن يتأثروا بوسوسات المنافقين، و أباطيلهم و أضاليلهم. .
و قد فسرت لنا الرواية المشار إليها أيضا ما عناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله على المنبر، و هو يحث الناس على الجهاد: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض» (1).
فإن المؤامرة كانت كبيرة و خطيرة، و كان استهداف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جميع صحابته الأخيار، و كذلك أهل بيته و اصطلامهم يشير إلى قلة أهل الإيمان، بالنسبة إلى من عداهم من أهل النفاق، فإنهم كانوا هم الكثرة الساحقة التي جعلت المنافقين يستسهلون ارتكاب هذه الجريمة، غير مكترثين بتبعاتها. . إذ لو كان المنافقون هم القلة القليلة-ثمانين رجلا أو أكثر بقليل مثلا-فإن ارتكابهم لجريمتهم سوف يستتبع ثورة عارمة ضدهم لا بد أن تنتهي باستئصالهم. .
و لعل مما يشير إلى ذلك: أن حشود أكيدر مهما كانت كثيرة و خطيرة، فإنها لا تستطيع إبادة ثلاثين ألفا، حتى مع مساعدة أهل النفاق المتواجدين في المدينة لهم.
1) المعجم الكبير ج 18 ص 232 و مجمع الزوائد ج 6 ص 191 و كنز العمال ج 13 ص 37 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 63.
و هذا يعطي: أنهم كانوا يتكلون على مساعدة لهم على ذلك تكون من نفس الجيش الذي كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لو بقيام مجموعة منه باغتيال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يتولى فريق آخر السيطرة على الموقف، مع قدرتهم على ذلك، بسبب كثرتهم العارمة، و قلة جماعة أهل الإيمان. .
و مما يدل على ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر المضرّب، بأن يعدّ له العسكر في تبوك، فعدّهم فكانوا ثلاثين ألفا، ثم أمره بأن يعد المؤمنين منهم، فكانوا خمسة و عشرين رجلا فقط (1)، حسبما تقدم.
و ما أسهل كسر شوكة عشرين رجلا على يد ثلاثين ألفا يحسبون أنهم معهم، فكيف إذا انضم إليهم ما يحشده أكيدر، ثم ما يقوم به منافقوا المدينة بعد أن يستأصلوا من عندهم من أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و من المؤمنين؟ ! .
و تتأكد فرص نجاح هذه المؤامرة الخبيثة إذا نجح المنافقون في قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قتل علي «عليه السلام» . .
و قد زعمت الروايات التي نقلها أتباع مناوئي علي «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر خالدا على سرية دومة الجندل. .
1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 296 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 132 و البحار ج 21 ص 218 و التبيان للطوسي ج 5 ص 280 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 5 ص 104.
و لكن الرواية التي ذكرناها آنفا عن الإمام الكاظم «عليه السلام» ، تقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أوكل أمر أكيدر إلى الزبير، و أبي دجانة.
و نحن لا نمنع أن يكون خالد قد حضر في تلك السرية أيضا، فاغتنمها محبوه فرصة، فنسبوا السرية إليه، لينيلوه فضيلة كان بحاجة ماسة إليها، بعد أن كان السبب في تضييع النصر العظيم الذي كان ينتظره المسلمون في مؤتة، و بعد ما فعله ببني جذيمة، و مالك بن نويرة.
أما أبو دجانة فليس له أحد يهتم بحفظ تاريخه، و الذب عن مواقفه، و بيان مواقع التجني عليه، و الإغارة على منجزاته. .
كما أن الزبير، فهو و إن كان-عند هؤلاء المخذولين-قد نال شرف القتال ضد علي «عليه السلام» ، لكنه لم يعد يستحق الذكر، بعد أن نازع ولده المشؤوم بني أمية و انتزع منهم الحجاز. . و هذا ذنب لا يغفره له الأمويون، و هم الشجرة الملعونة في القرآن، و أشياعهم، و محبوهم، و ما أكثرهم.
و قد تقدم في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لمنديل ابن عمتى الزبير، و سماك (يعني أبا دجانة) في الجنة أفضل من هذا، إن استقاما على ما أمضيا من عهدي، إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر. .
و نقول:
أولا: إن الكلام عن منديلي الزبير و أبي دجانة في الجنة اقترن باشتراط
استقامتهما على العهد إلى أن يلقياه في المحشر. . و هذا لا يختص بهما بل هو يجري على كل الناس، و لعل تخصيصهما بالذكر لأنه و لا هما أخذ أكيدر. و يريد «صلى اللّه عليه و آله» أن يظهر قيمة الإيمان و الإسلام، و أنه هو المعيار، و ليس كونه ملكا، أو سوقة. .
ثانيا: إن اشتراط بقاء الزبير و أبي دجانة على العهد، قد جاء بلفظ «إن» التشكيكية، أي التي يؤتى بها عند الشك في تحقق مدخولها، بخلاف «إذا» التحقيقية، فإنها يؤتى بها للدلالة على تحقق مدخولها، قال الزمخشري:
سلم على شيخ النحاة و قل له:عندي سؤال من يجبه يعظم
أنا إن شككت وجدتموني جازماو إذا جزمت فإنني لم أجزم
قل في الجواب بأن إن في شرطهاجزمت و معناها التردد فاعلم
و إذا لجزم الحكم إن شرطيةوقعت و لكن لفظها لم يجزم (1)
ثالثا: إن الوقائع اللاحقة قد أظهرت: أن الزبير لم يبق على العهد، فقد خرج على إمام زمانه علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و قد قتل في تلك الوقعة من المسلمين ما يعد بالألوف، و ربما بعشرات الألوف أيضا، طمعا منه في الدنيا، و رغبة عن الآخرة. .
رابعا: إن الروايات الأخرى قد ذكرت مناديل سعد بن معاذ بدلا عن مناديل الزبير، و نحن لا نمنع من أن يكون قد قال هذه الكلمة مرتين، أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قالها في مناسبة أخرى، و لكن الرواة نقلوها إلى هنا، فعن البراء قال: أهدى إلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثوب حرير،
1) راجع: حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 95.
فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا (1).
و المراجع لآيات القرآن الكريم يلمس الإهتمام الظاهر في آياته المباركة
1) أسد الغابة ج 2 ص 298 و راجع: الإحتجاج للشيخ الطبرسي ج 1 ص 211 و مسند أحمد ج 3 ص 111 و ج 3 ص 234 و صحيح البخاري ج 7 ص 220 و سنن الترمذي ج 3 ص 133 و سنن النسائي ج 8 ص 200 و فضائل الصحابة للنسائي ص 35 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 274 و ج 5 ص 62 و 472 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 23 و فتح الباري ج 10 ص 245 و عمدة القاري ج 13 ص 170 و ج 16 ص 267 و ج 22 ص 14 و ج 23 ص 172 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 508 و ج 8 ص 497 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 273-274 و المعجم الكبير ج 6 ص 13 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 7 ص 138 و تغليق التعليق ج 5 ص 62 و 194 و خلاصة تذهيب تهذيب ص 135 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 435 و أسد الغابة ج 4 ص 107 و تهذيب الكمال ج 22 ص 246 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 3 ص 128 و الإصابة ج 4 ص 525 و البداية و النهاية ج 4 ص 148 و عيون الأثر ج 2 ص 76 و صحيح البخاري ج 2 ص 200 و صحيح مسلم ج 7 ص 150 و 151 راجع: سيرة مغلطاي ص 57 و مرآة الجنان ج 1 ص 10 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 78 و البداية و النهاية ج 4 ص 129 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 278 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 248 و 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20.
بالتصدي للإعلام المسموم، و بيان ما فيه من زيف، و ما يكمن وراءه من خلفيات، و أهداف، و يبدو هذا الإهتمام واضحا من خلال الآيات الكثيرة النازلة في مناسبة حرب تبوك التي تسجل إدانات واضحة للشائعات الكاذبة، التي تهدف إلى التأثير على روحية الناس، و إسقاطهم، و هزيمتهم نفسيا. .
و قد بين النص المتقدم مدى تأثير شائعات و وسوسات المنافقين على الناس الذين لا يملكون ثقافة واسعة، أو حصانة كافية. .
فكان لا بد من مواجهة هذا الكيد الرخيص، الذي لا يؤمن بقيم، و لا يلتزم بمبادئ بصورة قوية و حاسمة، و هكذا كان. .
و قد واجه اللّه هذا الكيد الإعلامي بسياسة مرة و قوية، لم يعرفوها من قبل، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يرفق بهم حيثما كان الرفق سديدا و مفيدا. .
و لعله يحق لنا أن نسمي هذه السياسة التي اتبعها اللّه عز و جل ب «سياسة الفضائح» ، -خصوصا بعد ما سميت سورة التوبة التي جاءت كثير من آياتها فيهم بالفاضحة-حيث بيّن تبارك و تعالى فنون مكرهم، و خفايا أساليبهم التي اتبعوها في قضية تبوك بصراحة و وضوح، فذكر أنهم منافقون.
1-قد ابتغوا الفتنة.
2-و أنهم قلبوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الأمور.
3-و قالوا: هو أذن.
4-و أنهم يلمزون المطّوّعين.
5-يسخرون من المؤمنين الذين لا يجدون إلا جهدهم.
6-يكذبون.
7-يستهزؤن.
8-يقولون للناس: لا تنفروا في الحر.
9-بنوا مسجدا ضرارا.
إلى غير ذلك مما يمكن استخلاصه من آيات سورة التوبة التي فضحتهم، فسميت السورة بالفاضحة. .
و قد بينت الآيات القرآنية للناس حقيقة تصرفاتهم، و أهدافهم، و نواياهم منها. . فتحدثت بالإضافة إلى ما تقدم عن سبب بنائهم لمسجد الضرار، و أنهم قد بنوه ضرارا و كفرا، و تفريقا بين المؤمنين، و إرصادا لمن حارب اللّه و رسوله من قبل. .
و أنهم إذا قيل لهم: انفروا تثاقلوا إلى الأرض، رضا بالحياة الدنيا، و رغبة عن نصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و أنهم يحلفون أن لو استطاعوا لخرجوا، و هم كاذبون، و أنهم يستأذنونه بالتخلف عنه. و أنهم لو خرجوا مع المسلمين ما زادوهم إلا خبالا، و لأوضعوا خلالهم، و أن منهم من يقول: إءذن لي و لا تفتني. و أنه إن تصب النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسنة تسؤهم، و إن تصبه مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل، و يتولوا و هم فرحون. و أنهم ينفقون و هم كارهون.
و أنهم يحلفون إنهم لمن المسلمين، و ما هم منهم. و أن منهم من يلمز النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، و إن لم
يعطوا منها إذا هم يسخطون. و أنهم إن سألهم عن استهزائهم يقولون: كنا نخوض و نلعب. و أنهم يأمرون بالمنكر، و ينهون عن المعروف.
و يقبضون أيديهم، و منهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدقن، فلما آتاهم من فضله بخلوا به، و قد فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل اللّه، و قالوا: لا تنفروا في الحر.
و إذا ما أنزلت سورة: أن آمنوا باللّه، و جاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم، و قالوا: ذرنا نكن مع القاعدين. .
و أنهم يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، و سيحلفون باللّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، و لترضوا عنهم. .
و أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، و يتربص بكم الدوائر. .
و غير ذلك مما صرحت به الآيات الكريمة في تلك السورة المباركة (1).
و قد ذكرت الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم «عليه السلام» : أن عدد أفراد السرية التي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأسر أكيدر كان حوالي عشرين رجلا فقط. .
لكن الروايات التي رواها الآخرون تقول: إن عددهم كان أربع مائة و عشرين. .
1) راجع سورة التوبة.
و نرى: أن تنفيذ هذه المأمورية على النحو الذي وصفه لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يحتاج إلى أكثر من عشرين رجلا. . إذ إن أسر هذا الرجل سيتم دون أن يتمكن أحد من نجدته أو الدفاع عنه، بل دون أن يعلم أحد بالأمر. .
على أن وجود جيش يتألف من ثلاثين ألفا بالقرب من هذه الجماعة، و كان أكيدر على علم بوجوده، و قد حذرته منه زوجته حين حاولت أن تثنيه عن الخروج في تلك الليلة كما تقدم ستكون أقوى رادع لأتباع أكيدر عن القيام بأي تحرك لملاحقه آسريه، كما أن أسر أكيدر سيجعل الرعية بلا راع، و الجند بلا قائد، و سيكون سببا آخر لمزيد من التخبّط و الإحباط، و الخضوع للأمر الواقع.
بل إننا حتى لو أخذنا برواية الأربع مائة و عشرين رجلا، فسوف لن نستفيد شيئا: إذا كان لدى أكيدر ألوف من المقاتلين، كما ورد في سائر الروايات، خصوصا و أن خالدا قد عودنا على الهزيمة، بلا حاجة إلى عساكر جرارة، بل هو قد عودنا على التخلي عن النصر المحقق لصالح أعداء الدين كما هو الحال في مؤتة. . فلا فرق بين الأربع مائة و الألف، لأن النتيجة ستكون واحدة.
و يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من الزبير خاصة أن يعترف بالولاية لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و ذلك لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف ابن عمته حق المعرفة، و قد أخبره بأنه سيقاتل عليا «عليه
السلام» و هو له ظالم (1).
1) علي و الخوارج ج 1 ص 253 و 258 و راجع: أنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 258 و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 366 و أسد الغابة ج 2 ص 199 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 4 ص 323 و الوافي بالوفيات ج 14 ص 123 و رسائل المرتضى للشريف المرتضى ج 4 ص 72 و كفاية الأثر ص 115 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 4 ص 84 و كشف المحجة لثمرة المهجة للسيد ابن طاووس ص 183 و الصراط المستقيم ج 3 ص 120 و 171 و الجمل لابن شدقم ص 10 و 131 و البحار ج 18 ص 123 و ج 30 ص 19 و ج 32 ص 173 و ج 36 ص 324 و فتح الباري ج 6 ص 161 و ج 13 ص 46 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 241 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 719 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 234 و ج 13 ص 287 و كنز العمال ج 11 ص 330 و فيض القدير ج 4 ص 358 و كشف الخفاء ج 2 ص 423 و الضعفاء للعقيلي ج 3 ص 65 و العلل للدار قطني ج 4 ص 245 و تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 409 و 410 و تهذيب الكمال للمزي ج 18 ص 93 و الإصابة ج 2 ص 460 و تهذيب التهذيب ج 6 ص 290 و العثمانية للجاحظ ص 335 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 240 و البداية و النهاية ج 6 ص 237 و 238 و ج 7 ص 268 و 269 و كتاب الفتوح لأعثم ج 2 ص 470 و الإستغاثة ج 2 ص 68 و بشارة المصطفى للطبري ص 380 و إعلام الورى ج 1 ص 91 و المناقب للخوارزمي ص 179 و مطالب السؤول في مناقب آل الرسول «عليه السلام» لمحمد بن طلحة الشافعي ص 215 و كشف الغمة ج 1 ص 242 و كشف اليقين ص 154 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 412 و 415 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 149 و خزانة الأدب للبغدادي ج 5 ص 416 و ج 10 ص 403.
و أخبر عليا «عليه السلام» ، و سائر الناس بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين لعلي «عليه السلام» ، و المراد بالناكثين أصحاب الجمل بقيادة عائشة، و طلحة و الزبير. .
عن أنس و جابر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» .
فقالوا: يا رسول اللّه، و هم في المدينة؟
قال: «و هم بالمدينة، حبسهم العذر» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 468 عن البخاري، و ابن سعد، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 6 ص 46 في الجهاد، باب من حبسه عذره عن الغزو، و في المغازي (4423) و أبو داود (2508) و أحمد ج 3 ص 103 و 106 و 182 و 300 و ابن ماجة ج 2 ص 923(2764) و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 267 و راجع: البحار ج 21 ص 248 و فتح الباري ج 6 ص 35 ج 8 ص 197 و عمدة القاري ج 14 ص 130 و 133 و ج 18 ص 57 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 247 و ج 8 ص 309 و عون المعبود ج 7 ص 133 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 261 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 562 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 412 و بغية الباحث ص 210 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 193 و ج 6 ص 451 و ج 7 ص 214 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 33 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 82 و ج 3 ص 68 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 319 و ج 12 ص 268 و ج 19 ص 204 و 205 و رياض الصالحين للنووي ص 58 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 350 و موارد الظمآن ج 5 ص 211 و 212 و تغليق التعليق ج 3 ص 434 و كنز العمال ج 3 ص 422 و فيض القدير ج 3 ص 474 و تفسير البغوي ج 1 ص 468 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 601 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 98 و التفسير الكبير للرازي ج 11 ص 8 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 342 و ج 8 ص 226 و 292 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 87 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 554 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 227 و ج 5 ص 607 و الدر المنثور ج 3 ص 267 و تفسير أبي السعود ج 2 ص 222 و فتح القدير ج 1 ص 503 و ج 2 ص 392 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 124 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 247 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 4 ص 289 و ذيل تاريخ بغداد لابن النجار البغدادي ج 3 ص 144 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 362 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 649 و البداية و النهاية ج 5 ص 28 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 394 و إعلام الورى ج 1 ص 247 و عيون الأثر ج 2 ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 41 و السيرة الحلبية ج 3 ص 122.
و لعله إنما قال لمن معه ذلك، حتى لا يخطر في بال أحد منهم أن يدلّ على أولئك الناس الضعفاء، بأنه قد سار مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجهاد، و يحاول أن يسوّق لنفسه عن هذا الطريق، فقد حدث نظير ذلك في مرة سابقة، و ذلك حين قال عمر بن الخطاب لأسماء بنت عميس: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» منكم، فشكته إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقف «صلى اللّه عليه و آله» إلى جانبها، و نصرها
عليه، فراجع (1). .
عن أبي حميد الساعدي، و أنس، و جابر، و أبي قتادة قالوا: أقبلنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة تبوك حتى أشرفنا على المدينة قال: «هذه طابة-و زاد ابن أبي شيبة: أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد» انتهى.
فلما رأى أحدا قال: «هذا أحد، جبل يحبنا و نحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار» .
قلنا: بلى يا رسول اللّه.
1) راجع: الطرائف ص 466 و ذخائر العقبى ص 213 و قاموس الرجال ج 12 ص 185 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 243 و 244 و صحيح البخاري ج 5 ص 80 و صحيح مسلم ج 7 ص 172 و فضائل الصحابة ص 87 و عمدة القاري ج 17 ص 251 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 515 و ج 8 ص 466 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 455 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 104 و مسند أبي يعلى الموصلي ج 13 ص 304 و المعجم الأوسط ج 6 ص 231 و ج 24 ص 153 و كنز العمال ج 13 ص 323 و ج 16 ص 677 و قاموس الرجال ج 12 ص 185 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 281 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 30 و 32 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 2 ص 283 و 431 و الوافي بالوفيات ج 9 ص 34 و البداية و النهاية ج 4 ص 233 و 234 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 389 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و 136 و نهج الحق و كشف الصدق ص 347 و إحقاق الحق (الأصل) ص 289.
قال: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني ساعدة» .
فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيّر دور الأنصار فجعلنا آخرها دارا؟
فأدرك سعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرها دارا؟ !
فقال: «أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار» ؟ (1).
و نقول:
إن ما تقدم يحتاج إلى بعض البيانات التي تفيد في فهم مقاصده و مراميه. و نذكر من ذلك الأمور التالية:
بالنسبة لطابة، و أنها تنفي خبث أهلها نقول:
أولا: إنه لا شك في أن نفي طابة لخبث أهلها ليس بنحو الجبرية،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 469 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة في مصنفيهما، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 8 ص 125 (4422) و مسلم في الحج (503) و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 266 و في السنن الكبرى ج 6 ص 372 و انظر الكنز (34993) و ابن عساكر كما في التهذيب ج 7 ص 226. و راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 41 و راجع مجمع الزوائد ج 10 ص 42 و المعجم الكبير ج 6 ص 125 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 43 و السيرة الحلبية ج 2 ص 246.
و التصرف التكويني، فلعل ذلك يكون على معنى أن أجواءها و محيطها الإيماني يساعد على تصفية النفوس و تزكيتها، و إبعاد الشوائب السيئة عن أهلها. . بالإضافة إلى الألطاف و البركات التي تحل على الناس، لأجل تاريخها المجيد، في خدمة الإسلام و أهله، و بركات حلول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها. .
ثانيا: إن ثمة ما يبرر شكنا في صحة نسبة هذا الكلام إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ إن أهل المدينة سرعان ما انقلبوا على أعقابهم، و اختاروا خط العداء لأهل البيت «عليهم السلام» و منابذتهم، حتى لم يبق في المدينة و في مكة عشرون (1)رجلا يحبهم «عليهم السلام» (2).
فما معنى هذا الثناء على أناس ستكون هذه حالهم مع أهل بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذين أمر اللّه و رسوله بمحبتهم و مودتهم؟ !
ثالثا: لم نعرف المراد بنفيها خبث أهلها! ! فإن كان يراد به تطهيرهم من الخبث الباطني و الأخلاقي، و إعادتهم إلى حالة الصفاء و النقاء من الشوائب كما أشير إليه فيما رووه: «إنها طيبة، تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة» (3)، فنقول:
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 104 و الغارات لللثقفي ج 2 ص 573 و البحار ج 34 ص 297 و ج 46 ص 143 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 579 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 730 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 298.
2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 104 و البحار ج 46 ص 143.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 42 عن البخاري، و مسند أحمد ج 5 ص 184 و ج 5 ص 187 و 188 و صحيح البخاري ج 5 ص 31 و 181 و صحيح مسلم ج 4 ص 121 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 153 و عمدة القاري ج 18 ص 180 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 493 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 452 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 326 و اللمع في أسباب ورود الحديث لجلال ص 54 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 262 و تفسير الثعلبي ج 3 ص 355 و تفسير البغوي ج 1 ص 459 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 306 و الدر المنثور ج 2 ص 190 و فتح القدير ج 1 ص 497 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 167 و عيون الأثر ج 1 ص 408 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 308 و ج 4 ص 189 و السيرة الحلبية ج 2 ص 286 و الفتوحات المكية لابن العربي ج 1 ص 759.
إننا لم نجد في الواقع العملي ما يشير إلى أن المدينة قد نفت خبث أهلها فعلا. بل بقي الذين مردوا على النفاق فيها، و كان عددهم يزداد، و نفوذهم و خطرهم يتضاعف، حتى إن أكثر آيات سورة التوبة قد نزلت فيهم، و كانت لهجتها بالغة القسوة. كما يعلم بالمراجعة.
و لو أن ذلك قد كان بالفعل، فينبغي أن نجد سيماء الصلاح ظاهرة على جميع أهلها، أو على أكثرهم، أو على الكثيرين منهم على الأقل. .
مع أننا نلاحظ: أن ثمة اختلافا كبيرا بينهم و بين غيرهم من أهل البلاد الأخرى. . حيث ظهر منهم الإنحراف عن أهل بيت النبوة، ثم أشاع فيهم الأمويون المجون و الفسق، و الفجور، و اللهو و الباطل كما هو معروف، و في التاريخ موصوف.
و إن كان المراد بنفي الخبث: إخراج شرارها منها، كما صرحت به بعض الروايات: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير
الخبث» (1).
و في آخر: «و هي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد» (2).
فنقول:
إن الواقع الخارجي كان و لا يزال على خلاف ذلك أيضا. . و إن كان
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 41 عن الصحيحين، و راجع: المحلى لابن حزم ج 7 ص 281 و صحيح مسلم ج 4 ص 120 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 154 و فتح الباري ج 4 ص 75 و ج 13 ص 257 و عمدة القاري ج 10 ص 235 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 28 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 52 و ج 15 ص 179 و المعجم الأوسط ج 3 ص 157 و كنز العمال ج 12 ص 240 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 348 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 307 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 286.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 42 عن مسلم، و كتاب الموطأ ج 2 ص 887 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 280 و مسند أحمد ج 2 ص 237 و 247 و صحيح البخاري ج 2 ص 221 و صحيح مسلم ج 4 ص 120 و عمدة القاري ج 10 ص 234 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 267 و مسند الحميدي ج 2 ص 488 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 430 و مسند أبي يعلى ج 11 ص 262 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 39 و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 226 و التمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 170 و 171 و الجامع الصغير ج 1 ص 250 و كنز العمال ج 12 ص 232 و فيض القدير ج 2 ص 243 و الدر المنثور ج 5 ص 188 و فضائل المدينة ص 26 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 348 و الإمامة و السياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج 2 ص 151 و (بتحقيق الشيري) ج 2 ص 204 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 296 و 308.
ابن عبد البر و غيره قد ادّعوا: أن ذلك يختص بزمنه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و دعواه باطلة أيضا، فإن ذلك لم يحصل في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كان المنافقون و الفاسدون مقيمين فيها و لم يخرجوا منها.
فلذلك ادّعى النووي: أن ذلك سيكون في زمن الدجال حسبما تقدم عن البخاري (2).
غير أنهم يروون: أنه حين خروج الدجال يأتي أحدا، فيصعد أحدا، أو ينزل بذباب يخرج إليه مشركوها و كفارها و منافقوها. . و هذا لا ينطبق على الرواية التي تتحدث عن أنها تنفي خبثها في آخر الزمان، لأنها هي لم تخرج المنافقين و الكفار، بل هم خرجوا منها (3).
و يؤكد ما نرمي إليه: أن الرواية تشبه المدينة بالكير الذي ينفي خبث الفضة، و خروجهم منها، من دون أي فعل أو تأثير لها يجعل تشبيهها بالكير في غير محله. .
و لأجل ذلك ادّعى الآقشهري: أن المراد بنفي خبثها أمر الملائكة بنقل
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 42 عن ابن عبد البر، و عمدة القاري للعيني ج 10 ص 235 عن عياض، و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 309.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 42 عن أحمد و غيره برجال الصحيح.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 62 عن أحمد برجال الصحيح، و الطبراني في الأوسط، و الحاكم، و ابن حجر، و راجع: مجمع الزوائد ج 3 ص 308 و المعجم الأوسط ج 2 ص 340 و ج 4 ص 24 و كنز العمال ج 14 ص 330 و مسند أحمد ج 4 ص 338 و فتح الباري ج 13 ص 82 و ج 13 ص 257.
المذنبين إلى غيرها من الأرض (1).
و هذا معناه: عدم صحة ما زعموه من أنه «صلى اللّه عليه و آله» وعد من يموت بالمدينة بالشفاعة (2).
و زعموا: أن المقصود بنفي الخبث هو فضح أهل النفاق فيها (3).
مع أن هذا الإحتمال منقوض بقوله تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (4). فأبقي أمرهم على حال الخفاء و الإبهام. .
كما أن الواقع التاريخي لا يؤيد هذا الإحتمال أيضا، فإن الكثيرين من المنافقين لم يفتضح أمرهم، أو على الأقل لا يمكن التأكد من أن أمر جميع المنافقين فيها قد افتضح، فلا مجال للتأكد من صحة هذا الإحتمال.
و قد يقال: إن المراد هو نفي الأمراض عن أهلها، مثل الوباء و الطاعون، فقد ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «اللهم حبب إلينا المدينة» .
إلى أن قال: «و انقل حماها، و اجعلها بالجحفة» (1).
و في نص آخر: «و اجعل ما بها من وباء بخم» (2).
و في نص ثالث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال على المنبر: «اللهم انقل عنا الوباء» (3).
أو قال: «أتيت هذه الليلة بالحمى، فإذا بعجوز سوداء ملببة في يدي الذي جاء بها، فقال: هذه الحمى، فما ترى؟
فقلت: اجعلوها بخم» (4).
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 55 عن فضائل المدينة للجندي و راجع: كتاب الموطأ لمالك ج 2 ص 891 و تنوير الحوالك ص 642 و مسند أحمد ج 6 ص 260 و صحيح البخاري ج 4 ص 264 و ج 7 ص 5 و ج 7 ص 11 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 382 و عمدة القاري ج 17 ص 61 و ج 21 ص 217 و ج 21 ص 229 و الأدب المفرد للبخاري ص 116 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 355 و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 237 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 451 و فضائل المدينة ص 20 و البداية و النهاية ج 3 ص 269 و إمتاع الأسماع ج 11 ص 296 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 315.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 55 و 57 عن أحمد برجال الصحيح، و عن ابن زبالة و مسند أحمد ج 5 ص 309 و مجمع الزوائد ج 3 ص 304 و كنز العمال ج 12 ص 244 و معجم البلدان ج 5 ص 83.
3) اللمع في أسباب ورود الحديث ص 31 و كنز العمال ج 3 ص 795 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 298.
4) وفاء الوفاء ج 1 ص 55 عن ابن زبالة، و اللمع في أسباب ورود الحديث ص 31 و كنز العمال ج 3 ص 795 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 298.
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «و انقل (أو فحول) حماها الى الجحفة» (1).
و في نص آخر: «اللهم انقل ما كان بالمدينة من وباء إلى مهيعة» (2). «و هي الجحفة» .
قال السمهودي: «و إنما دعا «صلى اللّه عليه و آله» بنقل الحمى إليها، لأنها كانت دار شرك، و لم تزل من يومئذ أكثر بلاد اللّه حمى» .
قال بعضهم: و إنه ليتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها: عين خم، فقلّ من شرب منها إلا حمّ (3).
و قيل: لم يبق أحد من أهلها إلا أخذته الحمى (4).
قال النووي: الجحفة من يومئذ و بيئة، و لا يشرب أحد من مائها إلا حمّ (5).
قال هشام بن عروة: و كان المولود إذا ولد بالجحفة لم يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى (6).
(و الطاعون) بثرة مع لهب و اسوداد من مادة سمّية من و خز الجن.
قال الزمخشري: هو من الطعن لأنهم يسمون الطواعين رماح الجن
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 56 و 57 عن البخاري، و مسلم، و الموطأ، و عن ابن إسحاق.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 57 و 58.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 58 و فيض القدير ج 4 ص 14 و عمدة القاري ج 10 ص 251.
4) وفاء الوفاء ج 1 ص 58 عن الخطابي و عمدة القاري ج 10 ص 251.
5) وفاء الوفاء ج 1 ص 58 و راجع: فتح الباري ج 3 ص 305.
6) وفاء الوفاء ج 1 ص 58 عن البيهقي.
(فأمسكت) حبست (الحمى بالمدينة) النبوية لكونها لا تقتل غالبا بل قد تنفع كما بينه ابن القيم. و هذا كان أولا ثم لما رأى ما أصاب أصحابه حين هاجروا إليها من حماها من البلاء و السقم دعى اللّه فنقلها إلى الجحفة حتى صارت لا يمر بها طائر إلا حم (1).
و نقول:
إن هذه الترهات و الأباطيل مرفوضة جملة و تفصيلا، و ذلك للأمور التالية:
1-لماذا نقلت الحمى إلى خصوص الجحفة، و غدير خم، دون سائر البلاد؟ ! فإن كان السبب هو شرك أهلها أو كفرهم، فلما ذا لم ينقلها إلى جميع بلاد المشركين و الكافرين؟ ! .
2-إذا كان كفرهم أو شركهم هو السبب فما ذنب أبنائهم الذين أسلموا، و ذرياتهم الذين لم يأتوا بعد؟ ! و لماذا تلازم الحمى الناس الذين يشربون من ماء الجحفة إلى يومنا هذا؟ ! .
3-إن الحمى لم تنقطع عن أهل المدينة، سواء في ذلك ما كان منها وباء، كما يدل عليه ما يروونه في صحاحهم عن أبي الأسود قال: «قدمت المدينة، و هم يموتون بها موتا ذريعا» (2).
1) فيض القدير ج 1 ص 124.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 61 عن البخاري، و فتح الباري لابن حجر ج 3 ص 182 و ج 10 ص 151 و 161 و عمدة القاري ج 8 ص 196 و مسند أحمد ج 1 ص 22 و 30 و 45 و صحيح البخاري ج 3 ص 149 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 123 و عمدة القاري ج 8 ص 196 و ج 13 ص 202 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 4 ص 51 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 135 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 297 و كنز العمال ج 15 ص 750 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 197 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 176.
و كذلك سائر أنواع الحمى، فإنها لم تنقطع عنهم أيضا، بل بقيت تنتابهم كما تنتاب سائر العباد في مختلف البلاد (1).
4-قال الصالحي الشامي في أحداث حجة الوداع: «و أصاب الناس جدري، أو حصبة، منعت من شاء اللّه أن تمنع من الحج» (2).
و من المعلوم: أن حجة الوداع كانت في سنة عشر.
و قد صرّحوا: بأن الحمى قد كثرت في المدينة سنة إحدى و ثمانين و ثمان مائة (3).
5-لماذا يدعو لنقل و تحويل الحمى؟ ! ألم يكن الأولى و الأوفق برحمة الرسول بالناس هو أن يطلب رفع الحمى عن أهل المدينة، دون أن يجعلها في غيرهم، لا من أهل الجحفة و لا من غيرهم؟ ! بل يترك الأمور على ما هي عليه بحسب طبيعتها. .
6-إذا كانت الحمى لا تدع أحدا من أهل خم حتى تأخذه، و إذا كان
1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 61.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 450 و راجع: الغدير ج 1 ص 9 و نظرة الغدير ص 52 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 308 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 2 ص 252 و عيون الأثر ج 2 ص 341 و حجة الوداع لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي ج 1 ص 115.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 67.
المقصود بالحمى التي نقلها من المدينة إلى الجحفة هي تلك التي تكون وباء و ليست الحمى العادية (1)، فإن المتوقع هو: أن يكون أهل تلك البلاد قد بادوا على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكان الناس قد هجروا تلك البلاد، و توقف كل أهل الأرض عن الدخول إليها، و لأصبح بنيانها خرابا، و بيوتها يبابا. .
7-بل إن اللازم هو: أن يبتلى بالحمى كل أولئك الذين يحرمون من الجحفة، و أن يفتك ذلك الوباء بالحجاج على مر الأزمان. . و لكان الناس قد امتنعوا عن المرور من ذلك الميقات و حولوا قوافلهم إلى سواه، و لشاع ذلك و ذاع في جميع البلاد و الأصقاع. .
و لجاء السؤال المحرج عن السبب في اعتبار هذه البقعة بالذات من المواقيت، فهل المراد التسبيب لابتلاء الناس بالأمراض، و الأوبئة المهلكة؟
8-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تسعين ألفا من المسلمين، أو أكثر من ذلك، قد جاؤوا إلى غدير خم بعد حجة الوداع، حيث نصب «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إماما و مولى للمسلمين، و لم نسمع أن أحدا من هؤلاء أصيب بالوباء، و لا حتى بالحمى.
و على كل حال، فإن من الواضح: أنهم إنما يريدون برواياتهم هذه توهين هذا الموقع، ليوهنوا هذه الواقعة، أعني واقعة الغدير، حيث نصب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إماما للناس.
9-و عن المرأة التي أتي بها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة دعائه
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 66 و راجع ص 60 و 61.
بنقل الوباء عن المدينة، فأرسلها إلى الجحفة نقول:
ألف: إن ظاهر الحديث الذي ذكره ابن زبالة أنه «صلى اللّه عليه و آله» أتي بالمرأة التي هي الحمى في حال اليقظة فأمر بجعلها بخم (1).
لكن حديث البخاري يقول: إنه رأى امرأة سوداء ثائرة الرأس ذهبت إلى مهيعة، فتأولها بنقل حمى المدينة إلى هناك (2).
و عند ابن زبالة: أن إنسانا جاء إلى المدينة من طريق مكة، فأخبره أنه رأى امرأة سوداء عريانة، ثائرة الشعر فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «تلك الحمى و لن تعود بعد اليوم أبدا» (3).
إلا أن يقال: إن هذه الرواية لا تتنافى مع رواية البخاري المشار إليها آنفا.
ب: و رووا بسند صحيح: أن الحمى استأذنت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: من هذا؟
فقالت: أم ملدم.
فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى. . فشكوها إليه الخ. . (4). فلا ندري هل أرسلها إلى خم أو إلى قباء؟ ! و ما ذنب هؤلاء و أولئك؟ !
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 55 و 56.
2) وفاء الوفاء ج 1 ص 59 عن البخاري، و الطبراني في الأوسط، و البحار ج 58 ص 225 و مسند أحمد ج 2 ص 107 و 117 و سنن الدارمي ج 2 ص 130 و 137.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 60 عن ابن زبالة، و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 298.
4) وفاء الوفاء ج 1 ص 60 عن أحمد برجال الصحيح، و عن ابن حبان، و أبي يعلى، و الطبراني، و مسند أحمد ج 3 ص 316 و مجمع الزوائد ج 2 ص 305 و فتح الباري ج 10 ص 95 و السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و راجع: مستدرك الحاكم ج 1 ص 346 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 409 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 314 و الآحاد و المثاني ج 6 ص 219 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 197 و المعجم الكبير الطبراني ج 25 ص 145 و موارد الظمآن ج 2 ص 450 و كنز العمال ج 10 ص 99 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 303 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 50 و إمتاع الأسماع ج 11 ص 388 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 5 و 333 و السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 238.
ج: و رووا بسند رجاله ثقات عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «أتاني جبريل بالحمى و الطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، و أرسلت الطاعون بالشام.
فالطاعون شهادة لأمتي، و رحمة لهم، و رجز على الكفار» (1).
و أسئلتنا كثيرة هنا: إذ لماذا خص أهل الشام بالطاعون، و لم يرسله إلى العراق أو إلى فارس، أو الروم، أو الحبشة؟ ! . .
1) مسند أحمد ج 5 ص 81 و وفاء الوفاء ج 1 ص 60 عنه، و مجمع الزوائد ج 2 ص 310 عن أحمد، و راجع: فتح الباري ج 10 ص 162 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 92 و المعجم الكبير ج 22 ص 392 و الجامع الصغير ج 1 ص 16 و كنز العمال ج 10 ص 76 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 61 و الثقات لابن حبان ج 5 ص 399 و تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 357 و ج 4 ص 295 و أسد الغابة ج 1 ص 54 و ج 5 ص 254 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 342 و عمدة القاري ج 21 ص 260 و عون المعبود ج 8 ص 263 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 475 و البداية و النهاية ج 5 ص 344 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 637 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 304 و ج 10 ص 332 و السيرة الحلبية ج 2 ص 283.
و لماذا لا نجد هذا الطاعون في الشام في الأزمنة المتعاقبة، إلا مثل ما تراه في جميع الناس في غيرها من البلاد؟ !
و إذا كان الطاعون رحمة و شهادة للأمة، فلما ذا يحرم أهل المدينة و سائر البلاد من هذه الرحمة و الشهادة و يفوز بها اهل الشام؟ !
و لماذا عاد فأخرج الحمى من المدينة إلى غدير خم (أو مهيعة، أو الجحفة) ؟ !
و لعلنا قد أشرنا في بعض الموارد إلى حديث: «أحد جبل يحبنا و نحبه» (1).
1) الأحكام ليحيى بن الحسين ج 2 ص 546 و كتاب الموطأ لمالك ج 2 ص 889 و 893 و تنوير الحوالك ص 641 و المجازات النبوية للشريف الرضي ص 15 و 16 و عوالي اللآلي ج 1 ص 177 و البحار ج 21 ص 248 و الغدير ج 5 ص 162 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 30 و مسند أحمد ج 3 ص 140 و 149 و 159 و 243 و صحيح البخاري ج 2 ص 133 و ج 3 ص 223 و 225 و ج 4 ص 118 و ج 5 ص 40 و 136 و ج 6 ص 207 و ج 8 ص 153 و صحيح مسلم ج 4 ص 114 و 124 و ج 7 ص 61 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1040 و سنن الترمذي ج 5 ص 379 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 197 و ج 6 ص 304 و 372 و ج 9 ص 125 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 139 و 162 و ج 15 ص 43 و مجمع الزوائد ج 4 ص 13 و ج 6 ص 155 و ج 10 ص 42 و فتح الباري ج 3 ص 157 و 274 و 299 و ج 6 ص 64 و ج 7 ص 32 و 266 و 289 و 290 ج 13 ص 260 و عمدة القاري ج 8 ص 128 و ج 9 ص 65 و ج 14 ص 173 و 177 و ج 15 ص 262 و ج 17 ص 138 و 165 و ج 18 ص 57 و ج 21 ص 58 و ج 23 ص 2 و ج 25 ص 58 و الديباج على مسلم ج 3 ص 408 و شرح سنن النسائي ج 4 ص 56 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 310 و ج 10 ص 292 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 268 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 490 و 559 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 247 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 143 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 325 و 438 و ج 6 ص 370 و 371 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 193 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 42 و 43 و ج 10 ص 355 و ج 14 ص 428 و المعجم الأوسط ج 2 ص 255 و ج 6 ص 315 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 90 و مسند الشاميين للطبراني ج 4 ص 12 و 251 و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 230 و 231 و 247 و الإستيعاب ج 2 ص 681 و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 176 و ج 22 ص 330 و 331 و تغليق التعليق ج 3 ص 30 و 31 و ج 4 ص 17 و 110 و ج 5 ص 324 و الجامع الصغير ج 1 ص 41 و 42 و 332 و كنز العمال ج 12 ص 268 و 269 و ج 14 ص 142 و 143 و شرح مسند أبي حنيفة ص 402 و فيض القدير ج 1 ص 239 و 240 و ج 2 ص 522 و كشف الخفاء ج 1 ص 56 و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 125 و تفسير الثعلبي ج 8 ص 63 و تفسير البغوي ج 1 ص 86 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 329 و المحرر الوجيز ج 2 ص 404 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 213 و تفسير البحر المحيط ج 1 ص 432 و 433 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 118 و 178 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 33 و تفسير الآلوسي ج 1 ص 297 و أضواء البيان للشنقيطي ج 8 ص 10 و تاريخ ابن معين ج 2 ص 43 و التاريخ الكبير للبخاري ج 2 ص 380 و ج 4 ص 141 و ج 5 ص 58 و 193 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 308 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 224 و ج 6 ص 59 و علل الدار قطني ج 2 ص 168 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 346 و ج 26 ص 254 و ج 62 ص 236 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 148 و أسد الغابة ج 2 ص 379 و ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ج 3 ص 69 و تهذيب الكمال ج 16 ص 176 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 651 و من له رواية في مسند أحمد لابن حمزة ص 188 و الإصابة ج 3 ص 192 و لسان الميزان ج 4 ص 55 و معجم البلدان ج 3 ص 51 و ج 5 ص 87 و تاريخ المدينة ج 1 ص 80 و 81 و 82 و 84 و فضائل المدينة ص 21 و 44 و 61 و 66 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 358 و ج 2 ص 96 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 423 و 637 و البداية و النهاية ج 4 ص 11 و ج 5 ص 28 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 327 و ج 14 ص 42 و إعلام الورى ج 1 ص 247 و عيون الأثر ج 1 ص 405 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 18 و ج 4 ص 41 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 318 و ج 4 ص 243 و ج 5 ص 150 و 469 و السيرة الحلبية ج 2 ص 487 و ج 3 ص 123 و ينابيع المودة ج 2 ص 88 و غريب الحديث لابن سلام ج 3 ص 56 و معجم ما استعجم ج 1 ص 117 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 1 ص 327.
غير أننا نحب أن نشير هنا إلى أن للأمكنة دورا في حياة البشر يتجاوز ما عهدناه و ألفناه من استفادة الإنسان منها في تيسير حاجاته، و تحقيق غاياته، فالأرض التي قد تكون مقدسة و قد لا تكون قد ورد في الآيات أنها تشهد عند اللّه للعبد إذا صلى فيها، و ربما تفتح و ربما تسكن، و قد تلعنه و قد تبكيه، و قد تكون به برة و قد ترفضه و تلفظه، و قد تحبه و ربما تبغضه، و قد تفتخر و تتباهى به، و قد تخشى و ربما تشفق، و قد يحرم عليها هذا و لا يحرم عليها ذاك، و تأتي طوعا أو كرها. . و. . و. . الخ. .
و جبل أحد يحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته الطاهرين «عليهم السلام» ، و من معه من المؤمنين، لأنهم يجلبون الخير و البركة له، و لغيره من الموجودات، و قد عاين صبرهم و جهادهم و تضحياتهم بكل غال و نفيس، و حتى بأعز أحبابهم، و الخيرة من أهلهم من أجل إعزاز دين اللّه، و الذود عن
حياضه، و في سبيل المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان. . إن جبل أحد قد عاين ذلك، و ساهم فيه بصورة أو بأخرى، و احتضن في بعض سفوحه أجساد الشهداء الأبرار، بمن فيهم حمزة عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أسد اللّه، و أسد رسوله. .
و جبل أحد لم يزل يسمع التسبيح و الدعاء، و الإبتهال، و قراءة القرآن عند تلك القبور، فتنعش وجوده، و تهز كيانه، و يخشع لذكر اللّه تبارك و تعالى، و يعيش لذة تسبيحه، و يتحسس عظمته، و جبل أحد يشعر مع أولئك الذاكرين و المسبحين بالأمان و السكينة، و يطمئن إلى نسمات الأنس التي تزجيها تسابيحهم في كل أجوائه، و يرتاح لنفحات الخير، و الرحمات التي تزدحم في كل محيطه. .
و هم يحبون جبل أحد لأن لهم معه ذكريات جهاد ملأت قلوبهم بالخشية، و همسات أسحار بهرت أنوارها وجودهم، و غمرت بالطهر أرواحهم، و صفت و رضيت بذكر اللّه فاطمأنت نفوسهم.
كما أن لهم لدى جبل أحد ودائع غالية، و نفائس عزيزة، و أمانات مباركات يريدون منه حفظها، و أن يعرف حقها.
و لسنا ندري لماذا ينسبون إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يسيء إلى مكانته، و موقعه كنبي يهدي إلى الحق، و هو أنه قد تدخل بلا مبرر بين القبائل، و أثار حالات من الحسد و الضغينة بينها. . و ذلك حين يفضل هذه القبيلة على تلك، و يجعل هذه القبيلة أولا، و تلك يجعلها آخرا، من دون
سبب، و هذا ما يثير العجب، حيث لم يبين وجه الأفضلية، و أنه في هذا الأمر، أو في ذاك! !
و قد رأينا أثر هذه الكلمة في أبي أسيد الساعدي، الذي شكا من جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بني ساعدة آخر الأنصار دارا. .
و حين طالب سعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر أصر على ذلك، و لم يذكر له أي شيء يخفف من وقع هذا التفضيل. . مع أنه قد كان بالإمكان أن يتخذ منه ذريعة لحثهم على نيل بعض المقامات و الكرامات بالعمل الذي يرشدهم إليه على أنه من موجبات تصحيح الأمور، و التغيير في المعادلة.
عن السائب بن زيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ثنية الوداع، مقدمه من تبوك (1).
و عن ابن عائشة قال: لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 469 و ج 3 ص 278 عن البخاري، و أبي داود، و الترمذي، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 6 ص 191(3082) و أبو داود ج 3 ص 90(2779) و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 175 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 107 و 108 و الإصابة ج 3 ص 23 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 364 و البداية و النهاية ج 5 ص 28 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 41 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 107 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 113 و مسند أحمد ج 3 ص 449.
جعل النساء و الصبيان و الولائد يقلن:
طلع البدر علينامن ثنيات الوداع
وجب الشكر عليناما دعا للّه داع (1)
و عن خريم بن أوس بن لأم قال: هاجرت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول اللّه إني أريد امتداحك؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قل لا يفضض اللّه فاك» .
فقال:
من قبلها طبت في الظلال و فيمستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشرأنت و لا نطفة و لا علق
بل نطفة تركب السفين و قدألجم نسرا و أهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحمإذا مضى عالم مضى طبق
وردت نار الخليل مكتتمافي صلبه أنت كيف يحترق
حتى احتوى بيتك المهيمن منحندق علياء تحتها النطق
و أنت لما ولدت أشرقت الأرضفضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء و فيالنسور و سبل الرشاد نخترق (2)
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 469 عن البيهقي في دلائل النبوة ج 5 ص 255 و ابن كثير في البداية و النهاية ج 5 ص 33.
2) راجع المغني لابن قدامة ج 12 ص 43 و 52 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 27 و البحار ج 22 ص 287 و الغدير ج 2 ص 4 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 327 و مجمع الزوائد ج 8 ص 217 و المعجم الكبير ج 4 ص 213 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 35 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 462-463 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 410 و أسد الغابة ج 2 ص 111 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 102 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 43 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 361 و البداية و النهاية ج 2 ص 317 و ج 5 ص 34 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 193 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 195 و ج 4 ص 51 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 70 و ج 5 ص 469.
و لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة بدأ بالمسجد بركعتين، ثم جلس للناس كما في حديث كعب بن مالك (1).
قال ابن مسعود: و لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة قال: «الحمد للّه الذي رزقنا في سفرنا هذا أجرا و حسنة» (2).
و كان المنافقون الذين تخلفوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخبرون عنه أخبار السوء، و يقولون: إن محمدا و أصحابه قد جهدوا في سفرهم و هلكوا. فبلغهم تكذيب حديثهم و عافية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل اللّه تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ
و نقول:
1-قد تحدثنا عن استقبال النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنشيد المتقدم:
طلع البدر عليناالخ. .
و قلنا: إن الصحيح هو: أن ذلك قد حصل في غزوة تبوك، لا حين الهجرة. .
2-إن بدء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمسجد حين قدومه المدينة يتضمن تعليما كريما، و أدبا عظيما مع اللّه تبارك و تعالى، الذي منّ عليه بهذا النصر المؤزر. . و هو يشير للمسلمين بأن لا شيء يغني الإنسان عن الإتصال باللّه تعالى، و لا يجوز أن يشغل الإنسان أي شاغل عن حفظ هذه الصلة، و عن القيام بالأعمال العبادية التي تغذي الروح و تنميها، و تصفي النفس و تزكيها.
إذ لا يغني شيء عن شيء، كما أن الكمال هو وضع كل شيء في موضعه، و ليس من الحكمة، و لا من الصواب ترك الأمور على حالة النقص من جهة، و التصدي لإكمالها من سائر الجهات. بل لا بد من إنجاز الواجب في الحالتين، و أن لا يسمح بعروض النقص في الموضعين.
و قد أعلن «صلى اللّه عليه و آله» : نتائج سفره إلى تبوك، و حصرها بأمرين:
أحدهما: الثواب و الأجر.
ثانيهما: الحسنة.
و المراد بالحسنة: الغنائم المادية و المعنوية، مثل إرهاب أعدائهم، و زيادة عزتهم، و ثبات أمرهم، و رسوخ قدمهم، و إقبال الناس على الدخول في دينهم.
و يلاحظ هنا: أنه لم يقل: «نلنا» . بل قال: «رزقنا اللّه» ، لكي لا يتوهم متوهم أن ذلك بجهد و سعي منهم، و ليعلم أن ما نالوه إنما هو نتيجة للتفضل الإلهي، من دون أن يواجهوا أمرا ذا بال، أو أن يصيبهم ما يعكر عليهم صفو عيشهم. . بل كل ما فعلوه هو أنهم قاموا بسياحة محفوفة برضا اللّه تعالى و رسوله. مع شعور بالمزيد من السكينة و الرضا، و الطمأنينة، و بالعزة و الكرامة.
و هذا ما حرم منه المتخلفون من المنافقين، و ضعفاء اليقين، فلا كرامة لهم عند اللّه، و لا عزة لهم، و لا غنائم، و لا مثوبة. . بل لهم الخزي في الدنيا، و العذاب في الآخرة. . مع مزيد من الحيرة و القلق، و الترقب و الأرق. . و ما ظلمناهم، و لكن كانوا أنفسهم يظلمون. .
و الذي يلفت النظر: أن كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد توافقت مع قوله تعالى في ذمهم: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ (1)و ترافقت مع ما أذاعوه و أشاعوه من أن محمدا و أصحابه قد جهدوا في سفرهم
1) الآية 50 من سورة التوبة.
و هلكوا. . فبلغهم تكذيب حديثهم، و عافية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه. و طبيعي: أن يزيد ذلك من ألمهم، و يضاعف من ذلتهم، و هي حسنة أخرى تضاف إلى ما رزقه اللّه تعالى نبيه، و من معه، لأنها نصر على أهل الشقاق و النفاق، يزيد من قوة أهل الإيمان، و يبعث فيهم نفحة سكينة و سلام، و محبة و وئام. .
عن أبي رهم كلثوم بن الحصين، و ابن عباس، و سعيد بن جبير، و يزيد بن رومان: «أن مسجد قباء بني في موضع كان لامرأة يقال لها: «لية» ، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن أبي خيثمة و بنو عمرو بن عوف مسجدا، فبعثوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأتيهم فيصلي فيه.
فأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم أخوالهم بنو عمرو بن عوف.
فقال لهم أبو عامر الفاسق، قبل خروجه إلى الشام: ابنوا مسجدكم، و استمدوا فيه بما استطعتم من قوة و سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجيش من الروم، فأخرج محمدا و أصحابه، فكانوا يرصدون قدوم أبي عامر الفاسق.
فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليروج لهم ما أرادوه من الفساد، و الكفر و العناد، فعصم اللّه تبارك و تعالى رسوله «صلى اللّه عليه و آله» من الصلاة فيه، فأتى جماعة منهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتوجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول اللّه إنّا بنينا مسجدا لذي العلّة، و الحاجة و الليلة المطيرة، و إنّا نحب أن تأتينا
فتصلي لنا فيه.
قال: «إني على جناح سفر، و حال شغل، و إذا قدمنا إن شاء اللّه صلينا لكم فيه» (1).
فلما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة تبوك، و نزل بذي أوان-مكان بينه و بين المدينة ساعة-أنزل اللّه سبحانه و تعالى: وَ اَلَّذِينَ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 470 و ج 12 ص 72 عن ابن إسحاق، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و الواقدي. و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 99 و 100 و المجازات النبوية للشريف الرضي ص 134 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 458 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 100 و 101 و الكشاف للزمخشري ج 2 ص 213 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 125 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 32 و تفسير البغوي ج 2 ص 326 و تفسير النسفي ج 2 ص 109 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 581 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 81 و التفسير الكبير للرازي ج 16 ص 195 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 101 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 403 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 213 و الدر المنثور ج 3 ص 277 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 125 و (ط دار الكتب العلمية) ص 111 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 102 و فتح القدير ج 2 ص 405 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 18 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 373 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 647 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 76 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 956 و عيون الأثر ج 2 ص 263 و السيرة الحلبية ج 3 ص 123 و غيرها من المصادر. .
اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً (1)» (2).
عن عروة عن أبيه قال: «كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها «ليّه» كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضرار: نحن نصلى في مربط حمار «ليّه» ؟ لا لعمر اللّه، لكنا نبني مسجدا فنصلي فيه.
و كان أبو عامر برىء من اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، فلحق بمكة ثم لحق بعد ذلك بالشام، فتنصر، فمات بها، فأنزل اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً (3)» (4).
قال ابن النجار: هذا المسجد بناه المنافقون، مضاهيا لمسجد قباء،
1) الآية 107 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 470 و راجع: تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 101 و الفتح السماوي ج 2 ص 701 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 32 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 92 و تفسير البغوي ج 2 ص 327 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 81 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 101 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 403 و ج 2 ص 403 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 213 و الدر المنثور ج 3 ص 277 و 286 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 125 و (ط دار الكتب العلمية) ص 111 و فتح القدير ج 2 ص 405 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 18 و معجم البلدان ج 1 ص 275 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 373 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 647.
3) الآية 107 من سورة التوبة.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 471 ج 12 ص 72 عن ابن أبي شيبة، و ابن هشام، و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 55 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 76.
و كانوا مجتمعين فيه يعيبون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يستهزئون به (1).
قال ابن إسحاق: و كان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد-و من داره أخرج هذا المسجد (2)-و معتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، و أبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، و عبّاد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، و جارية بن عامر، و ابناه مجمّع بن جارية و زيد بن جارية، و نفيل (نبتل) بن الحرث من بني ضبيعة، و بحزج بن عثمان من بني ضبيعة، و وديعة بن ثابت من بني أمية بن عبد المنذر (3).
و قال بعضهم: إن رجالا من بني عمرو بن عوف هم الذين بنوه، و كان أبو عامر المعروف بالراهب-و سماه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالفاسق-منهم (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 471.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 99 و تفسير البغوي ج 2 ص 326.
3) جامع البيان للطبري ج 11 ص 32 و أسباب نزول الآيات ص 175 و زاد المسير ج 3 ص 339 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 253 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 403 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 374 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 282 و البداية و النهاية ج 5 ص 27 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 956 و عيون الأثر ج 2 ص 263 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 40 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 98 و 99 و راجع: الدرر لابن عبد البر ص 147 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 213 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 99 و 100 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 488 و الكشاف للزمخشري ج 2 ص 213 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 93 و التفسير الكبير للرازي ج 15 ص 54 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 102 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 204.
و قالوا: لما أنزلت الآية: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً (1). . دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، و معن بن عدي، و أخاه عاصم بن عدي-زاد البغوي: و عامر بن السكن، و وحشي قاتل حمزة، زاد الذهبي في التجريد: سويد بن عباس الأنصاري (2)- فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فهدّموه، و حرّقوه» (3).
فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف (و هم رهط مالك بن الدخشم) ، فقال مالك لرفيقيه: أنظراني حتى أخرج إليكما، فدخل إلى أهله
1) الآية 107 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 98 و 99.
3) راجع: البحار ج 21 ص 254 و الدرر لابن عبد البر ص 242 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 100 و 101 و التبيان للطوسي ج 5 ص 298 و الكشاف للزمخشري ج 2 ص 213 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 126 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 159 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 32 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 92 و أسباب نزول الآيات ص 176 و تفسير البغوي ج 2 ص 327 و تفسير النسفي ج 2 ص 109 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 81 و زاد المسير ج 3 ص 339 و التفسير الكبير للرازي ج 16 ص 195 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 253.
و أخذ سعفا من النخيل فأشعل فيه نارا، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا المسجد بين المغرب و العشاء، و فيه أهله، و حرّقوه، و هدموه حتى وضعوه بالأرض، و تفرق عنه أهله، و نزل قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً (1).
فلما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارا، فقال عاصم: يا رسول اللّه، ما كنت لأتخذ مسجدا- قد أنزل اللّه فيه ما أنزل-دارا، و لكن أعطه ثابت بن أقرم، فإنه لا منزل له، فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثابت بن أقرم. فلم يولد في ذلك البيت مولود قط. و لم ينعق فيه حمام قط، و لم تحضن فيه دجاجة قط (2).
و عن سعيد بن جبير، و قتادة، و ابن جريج، قالوا: ذكرنا أنه حفر في مسجد الضرار بقعة، فأبصروا الدخان يخرج منها (3).
و نقول:
1-إننا نرتاب فيما ذكره هؤلاء من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض
1) الآية 107 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 و ج 12 ص 72 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 97 و 98 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 77 و السيرة الحلبية ج 3 ص 123.
3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 98 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 عن ابن المنذر، و أبي الشيخ، و ابن أبي حاتم، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 123 و تفسير البغوي ج 2 ص 328.
على عاصم بن عدي أن يتخذ مسجد الضرار دارا، فرفض، ثم أعطاه لثابت بن أقرم فلم يولد له فيه إلى آخر ما تقدم. .
فقد روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قوله: و أمر أن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف (1).
إضافة إلى ما ورد عن جابر من أنه قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان (2).
و لم يتضح لنا متى كان عرض المسجد على عاصم؟ هل كان قبل هدمه، أم بعده؟
و على فرض حصوله، فلعل الأرجح أن عرض موضع المسجد على عاصم كان بعد هدمه، لأن المفروض: أن عرضه عليه قد جاء بعد نزول الآية في شأنه، و قد هدمه «صلى اللّه عليه و آله» بعد نزولها مباشرة. .
فيكون قول عاصم: «ما كنت لأتخذ مسجدا قد أنزل اللّه فيه ما أنزل دارا» (3)قد جرى فيه على ضرب من التأويل، أي أنه قصد الموضع الذي كان مسجدا.
1) تفسير مجمع البيان ج 5 ص 126 و البحار ج 21 ص 254 عنه، و راجع: مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 486 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 269 و تفسير الميزان ج 9 ص 392 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1262 و راجع: تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 72 و زاد المسير ج 3 ص 339 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 258 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 18.
2) البحار ج 21 ص 254 و التبيان للطوسي ج 5 ص 303 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 45 و زاد المسير ج 3 ص 341 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 405.
3) إمتاع الأسماع ج 2 ص 77 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472.
2-إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم بما سيصيب من يسكن في ذلك الموضع من سوء، و أنه لا يولد له ولد. . فإنه يكون قد غرّر بثابت بن أقرم، و حاول التغرير بعاصم. . و حاشاه أن يفعل ذلك، فهو النبي المعصوم، الذي لا يغرر بالآمنين، و لا بالغافلين، بل هو يحفظهم بكل ما أوتي من قوة و حول. .
و إن كان لا يعلم بذلك، فإن عاصم بن ثابت قد صرح له بتوجّسه من السكنى في موضع نزلت الآيات بشأنه، و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتحريقه. . و قد ظهر ما يشير إلى شدة الغضب الإلهي مما جرى فيه، حتى إنهم حين حفروا بقعة منه، أبصروا الدخان يخرج منها. . ألم يكن ذلك كافيا للتخلي عن الأمر بالسكنى في ذلك المكان المغضوب عليه؟ ! . . و إن كان ذلك قد حصل بعد سكناهم فيه،
فلما ذا لم يتركه ساكنوه؟ أو لماذا لم يراجعوا الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في أمره، ليعفيهم من السكنى فيه، أو ليشير عليهم بالأصلح؟ !
3-ما معنى أن يصيب هؤلاء الناس هذا السوء بسبب سكناهم في موضع اختاره النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم؟ ! ألم يكن ذلك من موجبات تشكيكهم، و تشكيك سائر الناس بصوابية تصرفات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أو إعطاء الإنطباع عنه بأنه يخطئ فيما يختاره لهم و هو قد يشير عليهم بما فيه شر و سوء، و مصيبة؟ !
و من الطريف هنا: أن مجمع بن جارية كان حين بناء مسجد الضرار غلاما
حدثا قد جمع القرآن، فقدموه إماما لهم-و هو لا يعلم بشيء من شأنهم.
و قد ذكر: أن عمر أراد عزله عن الإمامة، و قال: أليس بإمام مسجد الضرار؟ !
فأقسم له مجمع أنه ما علم بشيء من أمرهم، و ما ظن إلا الخير.
فصدقه عمر، و أقره (1).
و نقول:
لعل المقصود: أنه كان غلاما حدثا بالنسبة لغيره من الذين كانوا مسنين.
و ليس المقصود: أنه كان دون البلوغ، فإن إمامة الصبي للبالغين لا تصح. .
و يشير إلى ذلك: أنه احتاج إلى أن يقسم لعمر: أنه ما علم بشيء من أمرهم، حيث دل ذلك على أنه كان في سن لو علم بأمرهم لصحت مؤاخذته، و ثبتت مشاركته لهم في النفاق و التآمر. . و الغلام الحدث لا يتمشّى ذلك في حقه. .
على أن ثمة سؤالا يراود خاطرنا، و هو: أنه لماذا لم يتعرض أبو بكر الذي حكم سنتين و نيفا لإمامة هذا الرجل، و لم يحاول عزله عن هذا المقام كما فعل عمر من بعده؟ !
و ذكروا في جملة المشاركين في مسجد الضرار معتب بن قشير. و قد ذكره ابن إسحاق في من شهد بدرا.
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 99 و راجع: الكشاف للزمخشري ج 2 ص 215 و تفسير البغوي ج 2 ص 327 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 255 و السيرة الحلبية ج 3 ص 123.
قال العسقلاني: قيل: كان منافقا.
و قيل: إنه تاب (1).
و هذا يشير: إلى أن ما يزعمونه من أن أهل بدر مغفور لهم، إن صح، فلا بد أن يكون المقصود بهم أولئك الذين استقاموا على طريق الحق، و لم يلبسوا إيمانهم بظلم، و لا عرض لهم النفاق، و لا ارتكبوا الموبقات.
كما أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» ، إن صح، فالمراد به: اعملوا ما شتم من قليل الخير و كثيره.
و ليس المراد: أنه سوف يغفر لهم ما يرتكبونه من ذنوب و موبقات، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يغري أحدا بالمعاصي.
و قالوا: إن سبب تسمية مسجدهم بمسجد ضرار، أنهم كانوا يضارون به مسجد قباء، و ذلك أنه لما بنى عمرو بن عوف مسجد قباء، الذي أسسه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم المدينة، و صلى فيه قالت طائفة من المنافقين: نبني
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 99 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 127 و الغدير للشيخ ج 3 ص 166 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 32 و مجمع الزوائد ج 1 ص 111 و فتح الباري ج 7 ص 307 و عمدة القاري ج 17 ص 311 و المعجم الكبير ج 3 ص 166 و الإستيعاب ج 3 ص 1429 و الدرر لابن عبد البر ص 118 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 96 و قاموس الرجال ج 10 ص 147 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 463 و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 7 ص 280 و تهذيب الكمال ج 5 ص 503 و عيون الأثر ج 2 ص 38.
نحن أيضا مسجدا كما بنوا، فنقيل فيه، فلا نحضر خلف محمد.
فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام: ابنوا مسجدكم، و استمدوا فيه ما استطعتم من سلاح و قوة، فإني ذاهب إلى قيصر، فآتي بجند الروم، فأخرج محمدا و أصحابه، فكانوا يرصدون قدومه (1).
ثم طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي فيه ليروج أمره على الناس العاديين، و ذلك حين كان «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى تبوك، و وعدهم بتلبية طلبهم بعد رجوعه من سفره كما تقدم.
و نقول:
اختلفت كلماتهم في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى، فقيل: هو المسجد النبوي الشريف (2). .
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 99 عن ابن جرير، و غيره و راجع: تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 102 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 33 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1878 و فتح القدير ج 2 ص 404 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 649 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 470 و 471.
2) صحيح مسلم ج 4 ص 126 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 169 و الديباج على مسلم ج 3 ص 429 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 234 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 102 و 103 و جامع البيان ج 11 ص 37 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 94 و تفسير البغوي ج 2 ص 327 و تفسير البيضاوي ج 3 ص 172 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 405 و البداية و النهاية ج 3 ص 367 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 72 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 311 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 471 و ج 12 ص 72 و 355 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 100.
و قال ابن حجر: «الجمهور على أنه هو مسجد قباء، لقوله تعالى في الآية: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقتضي: أنه مسجد قباء، لأن تأسيسه كان من أول يوم و صل فيه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، و قوله في بقية الآية فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يؤكد أن المسجد مسجد قباء» .
قال الداودي و غيره: إن هذا ليس خلافا، فإن كلا منهما أسس على التقوى (1). .
و الذي نقوله:
أولا: قد يقال: ليس المقصود بالضرار هو الضرار بمسجد آخر بتقليل رواده لكي يقال: إن المقصود بالآية: أنه قد أضر بمسجد قباء، أو بمسجد المدينة، بل المقصود هو أن هذا المسجد قد أنشئ بهدف الإضرار بأهل الإسلام، و بدعوة أهل الإيمان. .
ثانيا: قد صرح النص المتقدم بما يدل على أن مقصود المنافقين من بناء مسجد الضرار هو: أن لا يحضروا خلف محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و هذا يرجح: أن مرادهم هو الإستغناء عن الحضور في مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -إذا كان حاضرا بالمدينة-فهو الذي يصلي في مسجدها غالبا لا في مسجد قباء. .
ثالثا: إنه يظهر من بعضهم: أن المراد بقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 471 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 100.
اَلتَّقْوىٰ (1)، هو مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و المراد بقوله: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ (2)، هو مسجد قباء (3)، مع أن سياق الآيات يفيد أن الحديث فيهما عن مسجد واحد.
رابعا: إن المنافقين أرادوا ببناء هذا المسجد أن يتستروا على مكائدهم و مؤامراتهم، بإظهار أنهم أهل دين و عبادة و التزام. . ثم طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي لهم فيه، ليأخذوا شرعية بذلك، و ليظهروا للناس أنهم يقدسون الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتبركون به و بصلاته في مسجدهم.
و اغتنموا الفرصة باختيار هذا الوقت الحساس، و هو وقت خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، حيث الناس منشغلون بأمر السفر، و بالتفكير بمواجهة العدو، و دفع خطره. . ربما لكي تمر القضية في زحمة الأحداث، و توّزع الإهتمامات، حيث لم يكن ثمة متسع من الوقت و لا تتوفر الفرصة اللازمة للبحث و التحري عن النوايا و الخلفيات و الدوافع. .
1) الآية 108 من سورة التوبة.
2) الآية 109 من سورة التوبة.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 257 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1883 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 88 و 349 و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 52 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 85 و تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص 166 و الدر المنثور ج 3 ص 279 و فتوح البلدان ج 1 ص 2.
و لكن لم يلبّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلبهم، و بقيت الأمور غير ظاهرة حتى جاء الوحي الإلهي، ليفضحهم، و يكذب أحدوثتهم. .
و يبقى هنا سؤال: لماذا يهدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، و يتلف بذلك جهدا بذل، مع أنه قد كان بالإمكان أن يبقيه ليصلي به بالمؤمنين، بعد أن يطرد أولئك المتآمرين المكّارين، أو أن يعاقبهم بما يستحقونه. .
و نقول في الجواب:
إنّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعاقب المنافقين الذين شاركوا في هذا الكيد القوي، و اكتفى بهدم مسجد الفتنة الذي أقاموه، من أجل أن لا يبقى رمز النفاق قائما تحنّ له قلوب بعض أهل النفاق، و قد يتشجعون لبذل مسعى آخر يستلهمون فيه نفس الفكرة، و يطبقون نفس الأسلوب، و يسيرون على خطى أسلافهم. .
كما أن من الممكن أن يمارسوا أسلوبا تضليليا بادعائهم أن ما اتّهموا به لم يكن حقيقيا، و إنما هو مجرد شائعات مكذوبة، و لربما يتمكنون من استمالة كثير من ضعفاء العقول و الإيمان إلى جانبهم، ثم يمارسون معهم أساليب الخداع، لسوقهم إلى أجواء النفاق. .
فكان حرق المسجد و هدمه هو السبيل الأمثل لاقتلاع جرثومة الفساد، و إفهام الناس أن لا هوادة في أمر النفاق، و لا مهادنة للمنافقين. بل القرار حاسم، و لا مجال لتزييف الحقائق أو تحريفها بأي وجه. و إن كل حركة باتجاه إثارة أجواء المكر و الخيانة، و التآمر معرّضة للإفتضاح، المؤدي بهم إلى الخزي
و المهانة في أبشع مظاهرها و صورها. .
و ذلك هو الأسلوب الأمثل لردع هؤلاء الساقطين عن غيهم. و إحباط مكرهم، و بوار سيعهم.
و يلاحظ هنا: أن عليا «عليه السلام» كان يهدم دور الذين يهربون إلى معاوية لكي تكون عبرة لمن اعتبر، و درسا لمن حقق النظر.
و قد أوضح النص المتقدم: أن هناك مساع كانت تبذل، و كان المنافقون ينتظرون نتائجها، و هي تهدف إلى إقناع الروم بشن حملة على الإسلام و أهله، و مهاجمة المدينة و الحجاز كله، لاستئصال شأفة الإسلام و المسلمين. .
و لعل هذا يفسر لنا بعض السبب في مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى غزو الروم، كعملية و قائية تهدف إلى و أد الخطر في مهده. . أو على الأقل منع الخطر من الزحف إلى مشارف المدينة.
و قد أظهر كلام أبي عامر الفاسق: أن المنافقين في مسجد الضرار كانوا يتجهون إلى جمع السلاح، و الإستعداد، و السعي للتشبث بأسباب القوة، لاستخدامها في الوصول إلى مآربهم، فراجع: قوله: «و استمدوا فيه بما استطعتم من قوة و سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجيش من الروم، فأخرج محمدا و أصحابه» .
و قد تركت هذه الكلمات أثرها في المنافقين، حيث بقوا يرصدون ما يقدم به أبو عامر الفاسق.
قالوا: و في سنة تسع في شهر ذي القعدة لاعن «صلى اللّه عليه و آله» بين عويمر بن أبيض العجلاني، و بين امرأته، في مسجده، بعد صلاة العصر. و كان عويمر قدم من تبوك فوجدها حبلى، و قد كان قذفها بشريك بن سمحاء (1). .
و يقال: لما نزل قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لاٰ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ (2). قرأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر يوم الجمعة، فقام عاصم بن عدي الأنصاري، فقال: جعلني اللّه فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا، فأخبر بما رأى جلد ثمانين، و سماه المسلمون فاسقا، و لا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء، و نحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته و مرّ؟ ! .
فجاء عويمر إلى عاصم، و أخبره أنه رأى شريك بن السمحاء على بطن امرأته، فرجع عاصم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الجمعة الثانية، فأخبره، فجمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهما فسألها، فأنكرت ذلك.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 73 و راجع: البحار ج 101 ص 174 و تفسير القمي ج 2 ص 98 و راجع: البرهان ج 3 ص 125 عن الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و تهذيب الأحكام، و الإستبصار ج 3 ص 370 و الدر المنثور ج 5 ص 21- 24 و راجع: الوسائل ج 15 ص 586 و 589 و رسالة المحكم و المتشابه ص 90 و راجع: الإستيعاب ج 3 ص 1226 و البحار ج 21 ص 367.
2) الآية 4 من سورة النور.
و أصر عويمر على أنه لم يقربها منذ أربعة أشهر، و هي حامل من غيره، فأنزل اللّه آية الملاعنة، فلاعن بينهما، ففرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينهما، و قال: «لو لا هذه الأيمان لكان في أمرها رأي» .
ثم قال: «تربصوا بها إلى حين الولادة، فإن جاءت بأصيهب أثيج، يضرب إلى السواد، فهو لشريك بن السمحاء، و إن جاءت بأورق، جعدا، جماليا، خدلّج الساقين، فهو لغير الذي رميت به» .
قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق بشريك (1).
و نقول:
إن لنا هنا بعض التوضيحات، و البيانات، و هي كما يلي:
الأصيهب: تصغير الأصهب. و هو الأحمر.
الأثيج: تصغير الأثج. و هو واسع الظهر.
الجمالي: عظيم الخلقة، تشبيها بالجمل عظما و بدانة.
الخدلج: العظيم. و الخدلجة: المرأة الممتلئة الذراعين و الساقين.
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 133 و 134 و تفسير القمي ج 2 ص 89 و البحار ج 101 ص 174 و 175 عنه و ج 22 ص 45 و 46 و 68-70 و ج 21 ص 367 و 368 و مجمع البيان ج 7 ص 127 و 128 و البرهان (تفسير) ج 3 ص 126 و الدر المنثور ج 5 ص 22-24 عن البخاري، و الترمذي، و ابن ماجة و مصادر كثيرة أخرى فراجع.
إن ما ذكر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن المولود الذي سيأتي إن كان فيه صفات كذا فهو لفلان، و إن لم تكن فيه تلك الصفات فهو لغيره، لا يمكن القبول بنسبته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن ذلك لم يجعل من أمارات النسب، و لأجل ذلك نقول:
أولا: إنه إن كان قوله هذا أمارة معتبرة شرعا، فلا حاجة إلى الملاعنة، بل كان يجب أن ينتظر بالمرأة حتى تضع حملها فينظر إلى صفات الولد، ليحكم عليها بالزنا أو بعدمه. .
و إن كان ذلك لا يثبت شيئا، فإنه يدخل في سياق قذف تلك المرأة من دون حجة ظاهرة، و هذا لا يصدر عن نبي الرحمة، المعصوم، و الداعي إلى الستر على الناس.
و يزيد الأمر إشكالا: أن بعض الروايات قد بينت أن ذلك أدى إلى تكريس اتهام تلك المرأة بالزنا و نفي الولد عن أبيه بين الناس، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أورد ذلك على سبيل الظن و الإحتمال، ففيها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: انظروا، فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الإليتين، خدلّج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا صدق عليها.
و إن جاءت به أحيمر، كأنه و جرة، فلا أحسب عويمرا إلا كذب عليها.
فجاءت به على النعت الذي نعته «صلى اللّه عليه و آله» من تصديق عويمر. فكان بعد ذلك ينسب إلى أمه (1).
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 134 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 5 ص 134 و 307 و ج 7 ص 311 و البحر الرائق ج 4 ص 189 و اختلاف الحديث للشافعي ص 547 و كتاب المسند للشافعي ص 188 و كتاب المسند للشافعي ص 257 و مسند أحمد ج 5 ص 334 و صحيح البخاري ج 6 ص 3 و ج 8 ص 146 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 667 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 399 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 386 و فتح القدير ج 4 ص 11 و الدر المنثور ج 5 ص 23 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 71 و الكشاف للزمخشري ج 3 ص 52.
ثانيا: إن الكلام المنسوب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء شبه متناقض فإن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «فهو لغير الذي رميت به. .» قد أكد أن الولد ابن زنا على كل تقدير. ثم لم يحكم بأنه ابن الزوج على التقدير الآخر.
مع أنه حكم بأن عويمرا قد كذب عليها.
إلا أن يقال: إن أبوة الزوج للولد قد انتفت بنفس اللعان و إن كان لا يصح نسبته إلى الزاني أيضا. .
و لكن يبقى السؤال عن معنى توصيف الولد بصفات محددة حتى في الحالتين.
و قد ذكرت الرواية: أن آية اللعان قد نزلت في مناسبة قصة عويمر التي حصلت بعد تبوك.
و قد روى ابن عباس: أن سعد بن عبادة كان بصدد الإعتراض على حكم اللّه، حتى قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» للأنصار: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما قال سيدكم» ؟
فاعتذروا له بشدة غيرة سعد، ثم إن سعدا نفسه اعتذر: بأنه إنما قال ذلك تعجبا.
و تضمن هذا الحديث نفسه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» همّ بأن يجلد الذي قذف زوجته ثمانين.
قال: و اجتمعت الأنصار و قالوا: ابتلينا بما قال سعد: أيجلد هلال (1)، و تبطل شهادته؟
فنزل الوحي باللعان. .
ثم ذكرت الرواية قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن جاءت به كذا و كذا فهو لزوجها. و إن جاءت به كذا و كذا فهو للذي قيل فيه (2).
و نقول:
إن من المناسب ملاحظة ما يلي:
إن سورة النور قد نزلت دفعة واحدة على الأرجح، لقوله تعالى في أول
1) يعني هلال بن أمية.
2) البحار ج 22 ص 46 و مجمع البيان ج 7 ص 127 و 128 و الدر المنثور ج 5 ص 21 و 22 عن أحمد، و عبد الرزاق، و الطيالسي، و عبد بن حميد، و أبي داود، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و راجع: مسند أبي داود الطيالسي ص 348 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 225 و جامع البيان للطبري ج 18 ص 109 و تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 2533 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 355 و 364 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 69 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 350.
آية منها: سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا (1). . و هي إنما نزلت كما يقال: في غزوة المريسيع، التي كانت قبل تبوك بعدة سنوات.
إن قلت: لعل الآية نزلت مع السورة أولا دفعة واحدة، ثم بعد سنوات حصلت مناسبتها، فنزلت مرة ثانية؟ ! .
فإنه يقال: لو كان الأمر كذلك لم يتحير عاصم، أو سعد بن عبادة في هذا الأمر. .
فإن قلت: إن من الممكن أن لا يلتفت المتحير للآية التي ذكرت اللعان.
فنقول: قد كان يكفي في هذه الحال مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الى تذكير المتحير بالآية و السورة، من دون حاجة إلى إنزالها على يد جبرئيل مرة أخرى.
و قد تقدم: عدم صحة ما نسب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من حكمه بأن الولد للزاني إن جاءت به بصفة كذا و كذا.
إن ما زعمته رواية ابن عباس-كما في الدر المنثور-: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جلد هلال بن أمية. لا يمكن قبوله، و ذلك:
أولا: لما ذكرناه من أن هذا الحكم قد ورد في سورة النور التي نزلت دفعة واحدة على ما يظهر، و قد نزلت آيات الأمر بجلد القاذف، و آيات اللعان في صيغة واحدة، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم الحكم قبل هذه الواقعة.
1) الآية 1 من سورة النور.
ثانيا: قد يقال: إن ظاهر الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جلد هلالا.
و الجواب: أن الرواية لا تدل على ذلك، فإن قول سعد بن عبادة: «الآن، فضرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هلال بن أمية، و أبطل شهادته في المسلمين» ، يراد به: توقع حصول ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» لا أنه قد حصل بالفعل.
و يدل عليه قوله في آخر الرواية: «و اللّه لم يعذبني عليها، كما لم يجلدني عليها» .
و لو سلمنا أنه جلده فعلا فيرد عليه:
ألف: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يقدم على جلد ذلك الرجل بدون إذن من ربه، فإن كان الحكم هو اللعان، فلما ذا يأذن اللّه بجلده، و إن كان الحكم هو الجلد، فلا حاجة إلى حكم اللعان. .
و نسبة الظلم إلى اللّه تعالى، أو التسرع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الإقدام على عمل لم يؤذن له به، يوجب الكفر.
ب: تقول الرواية المزعومة-التي وردت في الدر المنثور-عن المصادر المتقدمة: أن هلال بن أمية، بعد أن جلد قال: «و اللّه، إني لأرجو أن مخرجا. .» مع أنه قد جلد و انتهى الأمر، فأي مخرج يرجوه من عند اللّه؟ ! .
إلا إن كان يريد أن يظهر اللّه صدقه فيما ادّعاه، لأنه لا يريد أن يشيع بين الناس أنه قد افترى و كذب. .
و قد ذكرت رواية ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لو لا ما
مضى من كتاب اللّه لكان لي و لها شأن، أو كذا و كذا» (1). أو «لو لا هذه الأيمان لكان في أمرها رأي أو شأن» (2).
1) الدر المنثور ج 5 ص 22 و 24 عن البخاري، و الترمذي، النسائي، و أبي يعلى، و ابن ماجة، و ابن مردويه، و راجع: المجموع للنووي ج 17 ص 389 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 145 و ج 11 ص 280 و نيل الأوطار ج 7 ص 67.
2) الخلاف للشيخ الطوسي ج 5 ص 8 و ج 6 ص 350 و 442 و المبسوط للشيخ الطوسي ج 5 ص 183 و السرائر لابن إدريس ج 2 ص 705 و جامع الخلاف و الوفاق ص 494 و تذكرة الفقهاء (ط. ق) ج 2 ص 278 و كشف اللثام (ط. ج) ج 8 ص 332 و (ط. ق) ج 2 ص 179 و جواهر الكلام ج 34 ص 63 و المجموع للنووي ج 15 ص 310 و ج 17 ص 413 و 433 و المغني لابن قدامة ج 6 ص 396 و 397 و ج 9 ص 4 و 6 و 44 و ج 6 ص 404 و 405 و ج 9 ص 4 و 16 و ج 10 ص 220 و كشاف القناع للبهوتي ج 5 ص 460 و سبل السلام ج 3 ص 194 و ج 4 ص 137 و نيل الأوطار ج 7 ص 70 و 81 و 271 و ج 9 ص 188 و 199 و عوالي اللآلي ج 3 ص 418 و جامع أحاديث الشيعة ج 22 ص 363 و مسند أحمد ج 1 ص 239 و سنن أبي داود ج 1 ص 503 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 395 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 5 و فتح الباري ج 9 ص 391 و 408 و ج 13 ص 153 و عمدة القاري ج 13 ص 6 و 251 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 8 ص 234 و مسند أبي داود الطيالسي ص 348 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 127 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 546 و التمهيد لابن عبد البر ج 15 ص 43 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 421 و كنز العمال ج 15 ص 203 و تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 2534 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 306 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 498 تفسير السمعاني ج 3 ص 505 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 353 و تفسير الرازي ج 23 ص 166 و الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 187 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 277 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 467 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 382.
و نقول:
إن نسبة هذا الكلام إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرفوضة، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يكون له رأي يغاير شرع اللّه تبارك و تعالى.
كما لا يمكن أن يكون التشريع تابعا لآراء الرجال. . بل إذا كان لا بد من إعمال نظر في أية قضية، فلا بد أن ينطلق من الضابطة التي وضعها اللّه، و في الحدود التي رسمها. .
إن هؤلاء يريدون أن يشرعوا لأئمتهم القول في الدين بآرائهم، حين يجهلون أحكام اللّه، و تطلب منهم الفتوى، أو اتخاذ الموقف.
و يلاحظ: أن الروايات قد اختلفت فيما بينها، فلاحظ مثلا اختلافها في اسم الرجل الذي لاعن زوجته، هل هو هلال، أو عويمر؟
و في اسم أبيه، هل هو أبيض، أو أمية؟
و هل الذي كلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الذي يرى مع زوجته رجلا ما ذا يصنع، هل هو عاصم بن عدي، أم هلال بن أمية، أم سعد بن عبادة؟
يضاف إلى ذلك: الإختلاف في الكلام المنسوب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع.
و رووا عن ابن عباس أنه قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» «لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فجاء قبر أمه، فاستأذن ربه أن يستغفر لها. و دعا اللّه تعالى أن يأذن له في الشفاعة لها يوم القيامة، فأبى اللّه أن يأذن له، و نزلت الآية: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ (1)» (2).
و نقول:
إن هذا الكلام مختلق و مكذوب من أساسه، و ذلك لما يلي:
أولا: قد تقدم: أن كلمة الإمامية قد اتفقت على أن أبوي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بل جميع آبائه «عليه السلام» ، كانوا مؤمنين صالحين، و ليس فيهم كافر أصلا، و قال الصدوق «رحمه اللّه» : إن أم النبي «صلى اللّه عليه و آله» آمنة بنت وهب كانت مسلمة أيضا (3).
و هناك جماعة من غير الإمامية يوافقونهم على ذلك. .
و قد ألف السيوطي عدة رسائل لإثبات إيمان آباء النبي «صلى اللّه عليه و آله» مثل: «التعظيم و المنة» في أن أبوي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في
الجنة، و غير ذلك.
ثانيا: قال كعب: إنه وجد في الكتب التي أنزلت من السماء: «ما ضرب على آدمية حجب الجنة غير مريم، و آمنة أم محمد أو أحمد» (1). .
ثالثا: قال الشيخ المفيد: «لا خلاف بين الأمة أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فرغ من حجة الوداع لاذ بقبر قد درس، فقعد عنده طويلا، ثم استعبر، فقيل له: يا رسول اللّه، ما هذا القبر؟ ! .
فقال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب، سألت اللّه تعالى في زيارتها فأذن لي» (2).
رابعا: قال تعالى في سورة «المنافقون» التي نزلت في غزوة بني المصطلق، أي قبل غزوة تبوك بعدة سنوات: سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (3).
فإذا كان اللّه لا يغفر للمنافق، فهل يغفر للمعلن بشركه؟ ! .
خامسا: لماذا لم يتذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الإستغفار لأمه إلا في آخر أيام حياته؟ ! .
سادسا: عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: نزل جبرئيل «عليه السلام» على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا محمد، إن ربك يقرؤك السلام و يقول: «إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، و بطن حملك، و حجر كفلك. .
فالصلب صلب أبيك عبد اللّه بن عبد المطلب، و البطن الذي حملك بطن آمنة بنت وهب، و أما الحجر الذي كفلك فحجر أبي طالب» (1).
زاد في رواية قوله: «و فاطمة بنت أسد» .
سابعا: عن علي «عليه السلام» ؛ قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هبط علي جبرئيل، فقال لي: إن اللّه تعالى مشفعك في (خمسة أو) ستة: بطن حملك، آمنة بنت وهب، و صلب أنزلك، عبد اللّه بن عبد المطلب، و حجر كفلك، أبو طالب الخ. .» (2).
و في نص آخر: «حرمت النار على صلب أنزلك، و بطن حملك الخ. .» (3).
1) روضة الواعظين ص 121 و في (ط أخرى) ج 1 ص 139 و (ط منشورات الشريف الرضي) ص 67 و الجواهر السنية ص 218 و البحار ج 15 ص 108 و ج 35 ص 109 و الكافي ج 1 ص 446 و معاني الأخبار ص 136 و تفسير أبي الفتوح الرازي ج 8 ص 470 و الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص 48 و الغدير ج 7 ص 385 و إيمان أبي طالب للأميني ص 76 و أمالي الصدوق ص 703 و معاني الأخبار ص 137.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 67 و البحار ج 35 ص 108 و ج 35 ص 156 و الغدير ج 7 ص 378 و 386 و راجع: الخصال للشيخ الصدوق ص 294 و البحار ج 15 ص 126.
3) التعظيم و المنة للسيوطي ص 35 عن ابن الجوزي، و راجع: الغدير للأميني ج 7 ص 378 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 283 و لسان الميزان ج 6 ص 248 و ينابيع المودة ج 2 ص 331 و الكافي ج 1 ص 446 و الأمالي للصدوق ص 703 و معاني الأخبار ص 137 و روضة الواعظين ص 67 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 177 و كنز الفوائد ص 70 و الصراط المستقيم ج 1 ص 341 و الجواهر السنية ص 218 و 219 و البحار ج 15 ص 108 و ج 35 ص 109 و الغدير ج 7 ص 378 و 385 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 256 و التفسير الصافي ج 4 ص 96 و الدر النظيم ص 27.
ثامنا: أخرج تمام الرازي في فوائده عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي و أمي و أخ كان لي في الجاهلية» (1).
تاسعا: عنه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه عز و جل و عدني في أربعة، في أبي و أمي و عمي، و أخ كان لي في الجاهلية» (2).
عاشرا و أخيرا: سيأتي في آخر غزوة تبوك تحت عنوان: «إعتمار النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد حجة الوداع» . أن الروايات عن الأئمة المعصومين «عليهم السلام» تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اعتمر ثلاث مرات: في الحديبية، و في عمرة القضاء، و من الجمرانة بعد الطائف و حنين (3). .
أما الروايات عند غير الشيعة، فتزيد على ذلك عمرة رابعة، و هي
1) ذخائر العقبى ص 7 و الدرج المنيفة ص 7 و مسالك الحنفا ص 14 عن أبي نعيم، و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 368 و مكارم الأخلاق للطبرسي ص 442 و البحار ج 8 ص 36 و ج 74 ص 58 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 3 و تفسير القمي ج 2 ص 25 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 206.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35 و الغدير ج 7 ص 378.
3) راجع تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 8 ص 437 و (ط. ق) ج 1 ص 401 و كشف اللثام (ط. ج) ج 5 ص 222 و المجموع للنووي ج 7 ص 170 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 341 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 247.
العمرة في حجة الوداع في السنة العاشرة (1)، و لا توجد عمرة في سنة تسع، بعد تبوك أصلا.
1) راجع: المغني لابن قدامة ج 3 ص 411 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 248 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 483 و نيل الأوطار ج 5 ص 26.
الفصل الأول: أبو بكر و سورة براءة: هكذا يزوّرون الحقائق
الفصل الثاني: حجة الوداع
الفصل الثالث: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية الإمام الصادق عليه السّلام
الفصل الرابع: قبل أن يسير صلّى اللّه عليه و آله إلي عرفات (بروايتهم)
الفصل الخامس: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية أهل السنة
قالوا: و في سنة تسع في ذي القعدة حج أبو بكر بالناس، بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فخرج من المدينة في ثلاث مائة رجل. و بعث معه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين بدنة، قلّدها، و أشعرها بيده، و عليها ناجية بن جندب الأسلمي، و ساق أبو بكر خمس بدنات.
و حج عبد الرحمن بن عوف أيضا، و ساق هديا (1).
قالوا: و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» على أثر أبي بكر ليقرأ على الناس سورة براءة، فأدركه بالعرج في قول ابن سعد، أو في ضجنان (2)كما قاله ابن عائذ. و كان علي «عليه السلام» على العضباء ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رآه أبو بكر قال: أميرا أو مأمورا؟ !
قال: لا بل مأمور. ثم مضيا (1).
و حسب نص آخر: بعث أبا بكر على إقامة الحج سنة تسع، و بعث في أثره عليا يقرأ على الناس سورة براءة.
فقيل: لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج (2).
و قيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا تحل العقود و العهود و يعقدها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته، فلهذا بعث عليا «عليها السلام» في أثره (3).
و قيل: أردفه به عونا له و مساعدا، و لهذا قال له الصديق: أ أميرا أو مأمورا؟
قال: بل مأمورا.
و أما أعداء اللّه الرافضة، فيقولون: عزله بعلي، و ليس هذا ببدع من بهتهم و افترائهم (4).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 73 و 74 و الدرر لابن عبد البر ص 250 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 322.
2) راجع: الدرر لابن عبد البر ص 250 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 321 و 322.
3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 338 و ج 12 ص 75 و دلائل الصدق ج 2 ص 245 و 246 عن الفضل بن روزبهان، و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 61 و البحار ج 30 ص 319 عن الجبائي، و المغني للقاضي عبد الجبار ج 20 ص 351 و تفسير الرازي ج 15 ص 218 و الكشاف للزمخشري ج 2 ص 172 و تفسير البيضاوي ج 1 ص 405 و شرح التجريد للقوشجي ص 372 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 345.
4) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 338.
و قيل: كان في سورة براءة الثناء على الصديق، فأحب أن يكون على لسان غيره، قال في الهدي: لأن السورة نزلت بعد ذهاب أبي بكر إلى الحج (1).
إن هذا العرض لما جرى لأبي بكر في تبليغ مضامين سورة براءة في موسم الحج يمثل أنموذجا لمكر الماكرين، و جحود الجاحدين، وَ عِنْدَ اَللّٰهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كٰانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبٰالُ (2). . مع أن أحداث هذه القضية كالنار على المنار، و كالشمس في رابعة النهار، و لم يزل العلماء يتداولونها، و يستدلون بها في قضايا الإمامة، و لا يجد الآخرون مناصا عن البخوع لمقتضيات مضامينها، و التسليم بدلالاتها، و لو وجدوا أي مجال للتأويل أو التحوير. . لما ترددوا في اللجوء إليه، و التعويل عليه.
و نحن نوضح الحقيقة في هذه القضية هنا، فنقول:
عن الحارث بن مالك: أنه سأل سعد بن أبي وقاص (سعد بن مالك) : هل سمعت لعلي منقبة؟ !
قال: قد شهدت له أربعا، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا، أعمّر فيها مثل عمر نوح: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوما و ليلة. ثم قال لعلي: اتبع أبا
بكر فخذها و بلغها. فردّ عليّ أبا بكر، فرجع يبكي، فقال: يا رسول اللّه، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، إلا خيرا، إنه ليس يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني.
أو قال: من أهل بيتي الخ. .» (1).
و كان مع أبي بكر، قبل أن يرجع ثلاث مائة رجل (2).
و يظهر من النصوص المتوافرة لدينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر أبا بكر أن يسير إلى مكة ليقيم للناس حجهم في سنة تسع، و ليبلغ عنه إلى الناس صدر سورة براءة، بالإضافة إلى قرارات يريد أن يلزم الناس بمراعاتها.
و يستفاد من مجموع الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب عشر آيات، أو ثلاثين أو أربعين آية من سورة براءة، و كتب أيضا:
1-أن لا يطوفنّ بالبيت عريان.
2-و لا يجتمع المسلمون و المشركون.
3-و من كان بينه و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد، فأجله إلى مدته و من لم يكن بينه و بينه عهد فأجّله إلى أربعة أشهر.
1) كفاية الطالب ص 287 و البحار ج 35 ص 285 عن علل الشرايع ص 74 و مقام الإمام علي «عليه السلام» لنجم الدين العسكري ص 36 و الغدير للشيخ الأميني ج 1 ص 40 و الغدير للشيخ الأميني ج 6 ص 346 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 445 و ج 15 ص 661 و ج 22 ص 429 عن مختصر تاريخ دمشق (ط إسلامبول) ج 17 ص 130.
2) البحار ج 35 ص 309 عن الكامل لابن الأثير.
4-و إن اللّه و رسوله بريء من المشركين.
5-و لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (أو إلا من كان مسلما) .
6-و لا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا.
7-و أن هذه أيام أكل و شرب.
8-و أن يرفع الخمس من قريش، و كنانة و خزاعة إلى عرفات (1).
و الخمس أحكام كانوا قد قرروها لأنفسهم ترك الوقوف بعرفات و الإفاضة منها (2).
فلما كان أبو بكر ببعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إذا هو علي «عليه السلام» ، فأخذ الكتاب من أبي بكر و مضى.
و يبدو أن الكتب كانت ثلاثة:
أحدها: ما أشير إليه آنفا.
و الثاني: كتاب يشتمل على سنن الحج، كما روي عن عروة.
و الكتاب الثالث: كتبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الى أبي بكر و فيه: أنه استبدله بعلي «عليه السلام» لينادي بهذه الكلمات في الموسم، و يقيم للناس حجهم.
و عند المفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي: «و خيّر أبا بكر أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ» ، فاختار أبو بكر أن يرجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» ، فلما دخل عليه قال: «يا رسول اللّه، إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه إليّ، فلما توجهت له رددتني عنه؟ ما لي؟ أنزل فيّ قرآن؟
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا، الخ. .» (1).
رجع أبو بكر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منزعجا قلقا قائلا: يا رسول اللّه هل نزل فيّ شيء. فأخبره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن جبرئيل جاءه و قال له: إنه لا يبلغ عنه إلا هو أو رجل منه، و هو علي «عليه السلام» .
فقرأ علي «عليه السلام» في موقف الحج سورة براءة حتى ختمها كما عن جابر.
و عن عروة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» أن يؤذّن بمكة و بمنى، و عرفة، و بالمشاعر كلها: بأن برئت ذمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من كل مشرك حج بعد العام، أو طاف بالبيت عريان الخ. .
و لهذا الحديث مصادر كثيرة جدا، فراجعه في مظانه (2).
1) الإرشاد ج 1 ص 65 و 66 و البحار ج 21 ص 275 و ج 35 ص 303 عنه، و عن المناقب ج 1 ص 326 و 327 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 55 و نهج الإيمان لابن جبر ص 247 و كشف اليقين ص 173.
2) راجع هذا الحديث في المصادر التالية: الدر المنثور ج 3 ص 209 و 210 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و الترمذي، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و ابن حبان، و الطبراني، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 72 و رسالات نبوية ص 72 و البحار ج 21 ص 266 و 267 و 274 و 275 و ج 35 ص 285-309 و الجامع لأبي زيد القيرواني ص 396 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 66 و الرياض النضرة ج 3 ص 118 و 119 و ذخائر العقبى ص 69 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 91 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 122 و 123 و الكفاية للخطيب ص 313 و السنة لابن أبي عاصم ص 589 و كنز العمال ج 2 ص 422 و 417 و 431 و ج 13 ص 109 و مجمع الزوائد ج 7 ص 29 و تفسير المنار ج 10 ص 157 و 156 و العمدة لابن البطريق ص 160 و كشف اليقين ص 172 و البداية و النهاية ج 5 ص 38 و ج 7 ص 357 و عمدة القاري ج 18 ص 260 و ج 4 ص 78 و وسيلة المآل ص 122 و الجمل للمفيد ص 219 و الكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج 3 ص 256 و 413 و ابن زنجويه ج 1 ص 663 و المعجم الكبير ج 11 ص 400 و فتح القدير ج 2 ص 334 و المناقب للخوارزمي ص 99 و 165 و 164 و زوائد المسند ص 353 و فرائد السمطين ج 1 ص 61 و أنساب الأشراف ج 1 ص 383 و جامع البيان ج 10 ص 44-47 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 333 و الصواعق المحرقة ص 32 و تفسير أبي حيان ج 5 ص 6 و إمتاع الأسماع ص 499 و الإصابة ج 2 ص 509 و خصائص الإمام علي بن أبي طالب للنسائي ص 92 و 93 و الأموال لأبي عبيد ص 213 و 215 و تيسير الوصول ج 1 ص 158 و عن الكشاف ج 2 ص 243 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 203 و السنن الكبرى ج 5 ص 128 ح 8461 و ج 9 ص 224 و كفاية الطالب ص 255 و 254 و 285 عن أحمد، و ابن عساكر، و أبي نعيم، و تشييد المطاعن ج 1 ص 164 و 165 و نور الثقلين ج 2 ص 177 و 182 و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 89 و مسند أحمد ج 1 ص 3 و 151 و 150 و ج 3 ص 212 و 283 و إرشاد الساري ج 10 ص 283 و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 10 ص 36 و تذكرة الخواص ص 37 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 376 و 390 و المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 361 و ج 3 ص 52 و ينابيع المودة ص 89 و الطرائف ص 38 و 39 و عن فتح الباري ج 8 ص 318 و مختصر تاريخ دمشق ج 18 ص 6 و ج 20 ص 68 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 257 و 256 و تفسير النسفي ج 2 ص 115 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 168 و تفسير البيضاوي ج 1 ص 394 و مطالب السؤل ص 17 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 46 و ج 7 ص 288 و سنن الدارمي ج 2 ص 67 و 237 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 319 و الروض الأنف ج 7 ص 374 و الكامل في التاريخ ج 1 ص 644 و التفسير الكبير للرازي ج 15 ص 218 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 19 و ج 15 ص 16 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 44 و المواهب اللدنية ج 1 ص 640 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 140 و روح المعاني ج 10 ص 44 و 45 و تاريخ الخميس ج 2 ص 141 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 128 و ج 2 ص 407 و عن ابن خزيمة، و أبي عوانة، و الدار قطني في الإفراد، و ابن أبي حاتم، و تفسير البغوي (مطبوع مع تفسير الخازن) ج 3 ص 49 و تفسير الخازن ج 2 ص 203 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 65 و 66 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 100 و 101 و إعلام الورى ص 132 و عن علل الشرايع ص 74 و عن الخصال ج 2 ص 16 و 17. و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 152 و مسند علي ص 741.
و قد نظم الشعراء هذه المنقبة شعرا فقال شمس الدين المالكي المتوفي سنة 780 ه:
و أرسله عنه الرسول مبلغاو خص بهذا الأمر تخصيص مفرد
و قال هل التبليغ عني ينبغي لمنليس من بيتي من القوم فاقتد (1)
و بعد، فإننا بالنسبة لقولهم: إن أخذ آيات براءة من أبي بكر، إنما هو لأن السورة تضمنت مدحا لأبي بكر، فأحب أن يكون على لسان غيره. .
1) الغدير ج 6 ص 58 عن نفح الطيب ج 10 ص 244.
نقول:
إن هذا القائل يشير إلى آية الغار، فإن أبا بكر مقصود فيها، و هذا الكلام باطل.
أولا: قد ذكرنا في هذا الكتاب حديث الغار، و قلنا: إن الآية التي ذكرت صحبة أبي بكر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في الغار، قد تضمنت ما يدل على التعريض بذم أبي بكر لأكثر من سبب، و من ذلك: أنها ذكرت: حزن أبي بكر و هو في الغار، رغم أنه يرى الكرامات و المعجزات الدالة على حفظ اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو معه، و الحال أنه «صلى اللّه عليه و آله» يطمئنه و لا يلتفت إلى ذلك، و هذا يدل على أنه كان يحتاج إلى المزيد من تأكيد يقينه، و بلورة إيمانه، و لا يكتفي بهذا القدر، الذي لم تكن نتائجه مرضية و مقبولة.
يضاف إلى ذلك: أن اللّه تعالى سبحانه قد أخبر أنه أنزل سكينتة على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» دون أبي بكر، مع أن أبا بكر كان هو الخائف الحزين، و ليس النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: إنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى أهل مكة بعشر آيات، أو بعشرين، أو بثلاثين آية من سورة براءة، فليس من بينها أية آية تشير إلى أبي بكر، لأن آية الغار هي الآية الأربعون في سورة براءة. .
إننا نسجل ملاحظة هامة هنا، و هي: السؤال عن سبب تأخر الحديث عن الغار، إلى ما بعد عشر سنوات، و عدم الحديث عن مبيت علي «عليها السلام» في فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين الهجرة. فهل يراد بذكر الغار الإلماح إلى أن المصائب و البلايا و الشدائد قد لاحقت النبي «صلى اللّه
عليه و آله» إلى تلك اللحظات، و أنها كانت تأتيه من الداخل و الخارج. و قد نصره اللّه في المواطن كلها حتى في هذه المواطن؟ !
فلييأس المتآمرون، و ليكفّ أعداء اللّه عن تقصّده بالكيد و التآمر، فإن اللّه الذي كان معه في تلك المواطن الخطيرة و الصعبة لن يتخلى عنه بعد أن ضرب الإسلام بجرانه، و عزّ الدين و أهل الدين.
نعم، هل يراد بالحديث عن الغار بيان هذه الحقيقة؟ ! أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟ !
تقدم: أن بعض أهل الأهواء زعم: أن حديث عزل أبي بكر عن إمارة الحج من بدع الرافضة. .
و سنرى: أن هذا الذي ادّعي أنه من بدع الرافضة هو الذي تؤيده أكثر الروايات. باستثناء رواية واحدة رواها محبو أبي بكر، و بقية الروايات و هي تؤكد على رجوع أبي بكر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الطريق و هي الأخرى لم يروها الرافضة، بل رواها أعداؤهم، و مناوؤوهم الذين لا يتورعون عن كيل الإتهامات الباطلة لهم، بسبب، و بدون سبب. .
و ليكن ظهور زيف هذه التهمة، دليلا و شاهدا على قيمة سائر اتهاماتهم للرافضة، و مدى تجنّيهم عليهم! . . فإنا للّه و إنا إليه راجعون. . و يا ساعد اللّه هذه الأمة التي يكون رعاتها و علماؤها بهذا المستوى من الجرأة على الباطل، و عدم الإلتزام بالصدق، بل و تعمد التجني، و الإصرار على التسويق للباطل. .
و سيتضح مدى جرأة هؤلاء الناس بملاحظة المطالب التالية:
قد اختلفوا في هل أن أبا بكر رجع إلى المدينة، أم واصل سيره إلى مكة مع علي «عليه السلام» ؟ ! .
و إذا كان قد سار إلى مكة، هل كان هو أمير الحج، و علي «عليه السلام» تحت إمارته و رئاسته، أم العكس؟ ! .
و الجواب: أن الروايات التي رواها غير الشيعة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما لم يتعرض لهذا الأمر.
الثاني: ما صرح بمواصلة أبي بكر سيره إلى مكة، و حج مع علي «عليه السلام» . و هذه الروايات عن أبي هريرة، و ابن عباس، و ينسب ذلك إلى أبي جعفر أيضا و السدي.
الثالث: تلك الروايات التي تحدثت عن رجوع أبي بكر إلى المدينة، و هي منقولة عن علي «عليه السلام» ، و ابن عباس، و أبي هريرة، و السدي (1)، و أبي بكر نفسه، و عن زيد بن بثيع. .
و قد صرحت بعض روايات هؤلاء: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث «براءة» أولا مع أبي بكر، ثم دعاه، فبعث بها عليا «عليه السلام» (2).
1) راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 268.
2) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 283 و نحوه في سنن الترمذي في تفسير سورة التوبة. و قال: هذا حديث حسن. و كنز العمال ج 2 ص 422 و راجع الغدير ج 6 ص 345 و غير ذلك و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 309 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 344 و كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد (بتحقيق الآملي) للعلامة الحلي ص 509 و (بتحقيق السبحاني) ص 204 و شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي (الملحقات) ج 22 ص 422.
فيلاحظ: أن الذين يقال: إنهم رووا أن أبا بكر واصل سفره إلى مكة، و إنه أقام الحج للناس. هم ثلاثة أشخاص فقط و هؤلاء هم أنفسهم باستثناء ما نسبوه إلى أبي جعفر، قد رووا: أن أبا بكر رجع إلى المدينة. .
و بذلك تصبح روايتهم لرجوع أبي بكر إلى المدينة هي المجمع عليها تقريبا.
و بذلك يتضح عدم صحة ما ادّعاه هؤلاء من تواتر الأخبار في حج أبي بكر بالناس في سنة تسع، قال فضل بن روزبهان في رده على العلامة الحلي: «من الذي حج تلك السنة، إن رجع أبو بكر؟ أتدّعي أن عليا كان أمير الحاج تلك السنة، و تخالف المتواتر؟ ! أم تدّعي أنه لم يحج في سنة تسع أحد» ؟ (1).
كما أن القاضي عبد الجبار قد ادّعى: أن ولاية أبي بكر على الموسم و الحج قد ثبت بلا خلاف بين أهل الأخبار، و لم يصح أنه عزله، و لا يدل رجوع أبي بكر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مستفهما عن القصة على العزل (2).
و نقول:
أولا: إن الأخبار متواترة في أن أبا بكر قد رجع إلى المدينة، و مضى علي «عليه السلام» في طريقه إلى مكة. و لم يرو-عندهم-مضي أبي بكر إلى مكة سوى ما نسبوه إلى أبي جعفر «عليه السلام» .
و أما أبو هريرة، و ابن عباس، و السدي، فرووا كلا الأمرين. . فإذا أيدنا رواية الرجوع بما رواه كثيرون غيرهم، فإن روايتهم لغيرها تسقط عن الإعتبار.
ثانيا: إننا نقول لابن روزبهان: إن الذي حج بالناس في تلك السنة هو علي «عليه السلام» ، كما صرحت به الروايات أيضا.
و تبليغ رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» للناس، لا يمنع عليا «عليه السلام» من إقامة الحج لهم. كما لم يكن مانعا لأبي بكر من المضي في نفس هذين الغرضين، و كان سيؤديهما معا، لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرجعه، و يرسل عليا «عليه السلام» مكانه. .
ثالثا: بالنسبة لكلام القاضي عبد الجبار، نقول:
ليس هناك إجماع على تولية أبي بكر للموسم، فقد قال الطبرسي بالنسبة لعلي «عليه السلام» : «روى أصحابنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ولاه أيضا الموسم، و أنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر» (1).
و قد قلنا أيضا: إن أكثر الأخبار خالية عن ذكر مسير أبي بكر إلى مكة.
1) مجمع البيان ج 5 ص 9 و البحار ج 21 ص 266 و ج 30 ص 417 و التفسير الصافي ج 2 ص 321 و التبيان للطوسي ج 5 ص 169 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 182.
و إن جميع الروايات، و جميع الرواة الذين تعرضوا لهذا الأمر قد صرحوا برجوعه إلى المدينة، باستثناء راو واحد و رواية واحدة.
و إن ثلاثة من الرواة قد ناقضوا أنفسهم في ذلك. . فلا اعتداد بروايتهم هذه، لأن روايتهم الأخرى مؤيدة بسواها. .
رابعا: لنفترض: أن أهل الأخبار-كما قال القاضي عبد الجبار-قد ذكروا تولية أبي بكر للموسم. فإذا كانوا كلهم من محبي أبي بكر، و من المدافعين عنه، بكل قوة و حول و يسعون لتبرئته، و لدفع الطعون عنه.
و إذا كانت جميع الروايات التي رووها هم لنا تخالف قولهم هذا، مع تناقض باقيها فيما ينقله سوى رواية واحدة-و إذا كان الأمر كذلك-فإننا نفقد ثقتنا بهم، و نشك في اعتمادهم سبيل الإنصاف، و سنرى: أنهم متحيزون بلا حجة و لا دليل، بل الدليل و الحجة و الرشد في خلافهم. .
خامسا: و يرد على القول: بأن رجوع أبي بكر لا يدل على العزل: أن المدعي لبقائه أميرا على الموسم هو الذي ربط بين الأمرين، و اعتبر أن قبوله برجوع أبي بكر معناه إسقاط أبي بكر عن ولاية الموسم. .
و هو محق في ربطه هذا، لأن الرواية التي اعتمد عليها، و هي رواية أبي جعفر. و رواية ابن عباس المتناقضة تقولان: إن عليا «عليه السلام» و أبا بكر مضيا إلى مكة، و لم يرجع أبو بكر إلى المدينة، فإن ثبت رجوعه، فذلك يكون دليلا آخر على عدم سقوط هاتين الروايتين عن الإعتبار، يضاف إلى سائر الأدلة على ذلك.
تقول بعض الروايات: «نزلت سورة «براءة» لكي تنقض العهد الذي كان بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين المشركين.
ثم بينت: أن المقصود هو العهد العام الذي كان بينه و بين أهل الشرك، و هو: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، و أن لا يخاف أحد في الشهر الحرام. . و كان بين ذلك عهود بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين قبائل من العرب إلى أجل مسمى.
فنزلت «براءة» لتنقض العهد العام منها (1). .
و نقول:
إن هذا كلام باطل، إذ لم يكن عهد بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين أحد، بل فتحت مكة في سنة ثمان، و بقيت الأمور على حالها هذه المدة القصيرة، ثم جاء هذا الحكم الإلهي الصريح، و كان لا بد من إبلاغه و تطبيقه. . و حاشا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينقض عهدا مع أحد، عامّا كان أو خاصّا.
بل لقد صرحت الروايات و الآيات: بأن من كان بين النبي «صلى اللّه
1) راجع: جامع البيان ج 10 ص 42 عن ابن إسحاق، و راجع ص 43 عن الضحاك و دلائل الصدق ج 2 ص 245 عن فضل بن روزبهان، و راجع: المغني لعبد الجبار ج 20 ص 351 و راجع: البحار ج 21 ص 268 و عمدة القاري ج 18 ص 258 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 12 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 37 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 47 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 420.
عليه و آله» و بينهم عهد فعهدهم باق إلى انتهاء مدتهم، لكنه منع من تجديد العهد معهم، و هذا ليس نقضا، كما هو ظاهر. و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.
و لعل الهدف من إعطاء هذه المهلة للمشركين هو إفساح المجال لهم للسؤال عن هذا الدين، و العيش مع أهله لكي يحسموا خياراتهم بروية و هدوء، بعيدا عن أي ضغط أو إكراه.
و قد كان المشركون يرفضون الإعتراف بالحق، و القبول بعبادة اللّه الواحد الأحد، فتحققت بذلك المنافرة و المناقضة بينهم و بين التوحيد، و كل ما يمت إليه بصلة، و هذا يفرض إقصاءهم و منعهم من دخول حرم اللّه تعالى و بيته، و سيكون دخولهم إليه دخول المبغض الحانق، الذي لا يطيق رؤية أي من مظاهر هذا التوحيد و تجلياته، و لو لا أنهم يريدون الحصول على منافع دنيوية، أو أنهم يريدون الكيد للإسلام و أهله، لما راق لهم المجيء إلى حرم اللّه تعالى، و لما استساغوا التعامل مع أهله. .
و الخلاصة: أنه لا يحق لهم المطالبة أو التفكير بدخول الحرم و المسجد، إذ لا شيء يربطهم به، أو يشدهم أو يخولهم الدخول إليه، بل إن دخولهم هذا يمثل عدوانا، و أذى، و ربما يصاحبه استهزاء، و إظهار حنق و بغض لبيت اللّه و حرمه.
يضاف إلى ذلك: أنهم إنما كانوا يدخلونه لعبادة أصناهم، لا لعبادة اللّه، و قد أزيلت تلك الأصنام فيه، و أصبح موضعا لعبادة اللّه و توحيده، و ليس
لهم في هذا الأمر نصيب.
و قد يعترض بعض قاصري النظر، فيقول: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» معصوما فما معنى أن يتبنى رأيا، و يبدأ بتنفيذه، ثم يبدل رأيه هذا بغيره، و يلغي ما كان قام به، و يستبدله بما يتوافق مع هذا الرأي المستجد؟ ! . فيرسل أبا بكر أولا، حتى إذا قطع مسافة لا يستهان بها، أرسل إليه من يكون بديلا عنه. .
ثم ألا يضعف ذلك ثقة الناس بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخل بمكانته في نفوسهم؟ ! .
و الجواب:
إن القضية لم تكن قضية رأي ظهر خطؤه، و بان أن غيره هو الصواب، أو الأصوب، أو حتى الأفضل منه. . و إنما كان المطلوب أمران:
أحدهما: إرسال أبي بكر إلى المكان الذي وصل إليه، ثم إرسال علي «عليه السلام» ليأخذ منه كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن في هذا الأمر مصلحة يراد تحقيقها. و قد كان بوحي من اللّه، لا برأي ظهر خطؤه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و ذلك لأنه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1)،
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
الثاني: إرجاع أبي بكر و إرسال علي «عليه السلام» دونه، و كان هذا بوحي من اللّه تعالى أيضا. .
و قد حاول المشفقون على أبي بكر تبرير ما جرى، فادّعوا-كما تقدم-: أن العقود و العهود لا يحلها إلا المطاع و العاقد لها، أو رجل من أهل بيته (1).
و هذا كلام مرفوض:
أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرسل أبا بكر و لا عليا «عليه السلام» لحل عقد، أو نقض عهد، كما أوضحناه تحت عنوان: «هل نقض النبي «صلى اللّه عليه و آله» العهد؟» .
ثانيا: لو سلمنا: أن الأمر كان كذلك، فلما ذا أرسل أبا بكر من أول الأمر؟ ! فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن جاهلا برسوم المجتمعات في زمانه، و بين قومه، و بالأعراف القائمة التي يفترض فيه أن يراعيها. و لا كان هناك من هو أعرف منه بها.
ثالثا: إن دعوى أن من عادات العرب أن العهد لا ينقضه إلا العاقد أو رجل من أهل بيته، دعوى كاذبة على أهل الجاهلية، و لم نجد لها شاهدا، و لا مؤيدا و لا دليلا، إلا نفس دعواهم لها في هذا المورد.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: ذلك غير معروف من عادة العرب، و إنما هو تأويل تأوله المتعصبون لأبي بكر، لانتزاع سورة براءة منه، و ليس
1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 245 عن فضل بن روزبهان و بقية المصادر تقدمت في بداية الحديث عن موضوع تبليغ سورة «براءة» .
بشيء (1).
فالذي قاله المرتضى أصح و أظهر، و ما نسب إلى عادة العرب غير معروف، و إنما هو تأويل تأول به متعصبو أبى بكر لانتزاع براءة منه، و ليس بشىء.
و لم نسمع أن أحدا توقف في نقض عقد أو عهد حتى يبلغه إياه عاقده أو أحد أقاربه (2)، بل المطلوب هو الوثوق بأن صاحب العلاقة قد نقض العهد، و حل العقد.
رابعا: لو كان الأمر كذلك، فلما ذا يخاف أبو بكر من أن يكون قد نزل فيه شيء؟ ! .
خامسا: لماذا لا يعترض أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في المدينة، و يقول له: أرسل أحد أقاربك، فإن أعراف العرب تمنع من إرسالي. . و قد عهدناه هو و عمر يكثران من الإعتراض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإقتراح عليه. .
أو لماذا لم يعترض أحد من الصحابة عليه في ذلك؟ ! .
سادسا: هناك ما يدل على: أن تبليغ براءة لا يمكن أن يقوم به حتى جميع أقارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل هو خاص بعلي «عليه السلام» ، فقد رووا عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «لا يؤدي عني إلا أنا أو علي» . روي ذلك عن يحي بن آدم السلولي، و عن حبشي بن جنادة، و عن حنش،
1) إعلام الورى ص 132 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 66 و مسند أحمد ج 4 ص 164 و 165 و ج 1 ص 150 و الرياض النضرة ج 3 ص 119 و الدر المنثور ج 3 ص 210 عن ابن الشيخ، و كنز العمال ج 2 ص 422 و ج 11 ص 603 و تذكرة الخواص ص 36 و المقاصد الحسنة ص 124 و جامع البيان ج 10 ص 46 و مطالب السؤول ص 18 و الجامع الصغير ج 2 ص 177 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 495 و السنن الكبرى ج 5 ص 128 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 44 و خصائص علي بن أبي طالب للنسائي ص 91 و مصابيح السنة ج 4 ص 172 و المعجم الكبير ج 4 ص 16 و الروضة الندية ص 257 و ينابيع المودة ج 1 ص 52 و نور الأبصار ص 160 و نزل الأبرار ص 38 و المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 59 و الصواعق المحرقة ص 122 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 356 و مناقب الإمام علي بن أبي طالب ص 222 و كفاية الطالب ص 276 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 348 و تذكرة الحفاظ ج 2 ص 455 و كنوز الحقائق ج 2 ص 16 و فرائد السمطين ج 1 ص 59 و البداية و النهاية ج 7 ص 356 و إسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) و عن ابن قانع، و ابن أبي عاصم، و الضياء المقدسي، و الجارودي، و العقد النبوي للشيخ ابن العيدروس، و البحار ج 21 ص 274 و 275.
2) البرهان (تفسير) ج 2 ص 105 عن ابن شهرآشوب و علل الشرائع ج 1 ص 190 و البحار ج 35 ص 285 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 325 و الغدير ج 6 ص 344 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 316 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 179 و جامع البيان للطبري ج 10 ص 84 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 317 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 256 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 345 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 652 و ج 22 ص 423 و ج 23 ص 206 و ج 30 ص 620.
و عن سبب إرجاع أبي بكر عن تبليغ سورة «براءة» ، و سائر الأحكام التي أرسلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المشركين، و أهل مكة نقول:
1-قد يقال: إن المقصود هنا هو إظهار أن أبا بكر لا يؤتمن على إبلاغ الرسالة التي و كل بإبلاغها، و لذلك قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني» ، و لم يقل: إنك لا تقدر على التبليغ. .
غير أننا نقول:
إن كلمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني» لا تحتم أن يكون سبب عدم تبليغ غيره عنه هو عدم أمانته، لاحتمال أن يكون المقصود: هو النهي عن تولية غير علي «عليه السلام» لتبليغ شيء عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
غير أن هذا الإحتمال يبقى موضع جدال و نقاش.
فإنه-كما أوضحه بعض الإخوة-إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو المبلغ عن اللّه تعالى إلى الناس كتابه و شرائعه، و قال: «لا يبلغ عني إلا علي» كان من المحتمل جدا-إن لم يكن هو الظاهر-إرادة أنه لا يقوم مقامي في التبليغ عني-الذي هو تبليغ بالواسطة عن اللّه تعالى-إلا علي، و هذا دليل إمامته «عليه السلام» و عدم صلاح غيره لهذا المقام.
و أما الرواة و الفقهاء و حفظة القرآن بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» فإنهم و إن كانوا يبلغون عنه إلا أن المرجعية العليا في ذلك هي للإمام بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه هو الحافظ للشريعة و أحكامها و الكتاب و آياته. و كل ما يتداولونه حينذاك إنما يصح الإعتماد عليه لأنه تحت إشرافه و بإمضائه «عليه السلام» و هذا غير ما سيأتي تحت رقم (5) فإن المذكور هناك هو الإستدلال بالأولوية، فإذا كان لا يصلح للنيابة في تبليغ رسالة فكيف يصلح للنيابة في الرياسة العامة، و أما هنا فإنه استدلال مباشر على أصل المسألة التي هي مقام النيابة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حفظ الشريعة و تبليغها، و يكون المورد-أي تبليغ براءة-من مصاديقها.
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» خاف أن يضعف أبو بكر في أداء مهمته، و ربما ينكل عن مواجهة المشركين بهذا الإعلان القوي. حيث إنه قد يخشى من المشركين أن يغتالوه أو أن يؤذوه، و لا يثق بنصرة أهل مكة له، لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام.
و قد أشار المعتزلي إلى ذلك فقال: لعل السبب في ذلك، أن عليا «عليه السلام» ، من بني عبد مناف، و هم جمرة قريش في مكة، و علي «عليه السلام» أيضا شجاع لا يقام له، و قد حصل في صدور قريش منه الهيبة الشديدة، و المهابة العظيمة، فإذا حصل مثل هذا البطل و حوله من بني عمه من هم أهل العزة و القوة و الحمية، كان أدعى إلى نجاته من قريش، و سلامة نفسه الخ. . (1).
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 200 و البحار ج 30 ص 423.
و لكنّ علماءنا (1)ناقشوا في ذلك، فقالوا: لو كان الغرض من استبدال أبي بكر بعلي «عليه السلام» هو سلامة من أرسله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأذى كان الأحرى أن يرسل «صلى اللّه عليه و آله» العباس، أو عقيلا، أو غيرهما ممن لم يكن لدى قريش حقد عليهم، لأنهم لم يشاركوا في قتل آباءهم، و إخوانهم.
و حديث الخوف من شجاعة علي «عليه السلام» لا ينفع هنا، فإن قريشا كانت تجترىء على علي «عليه السلام» و تسعى لقتله في الحروب، و إن كانت تمنى دائما بالخزي و الخيبة، فهل تكف عنه إذا وجدته وحده في مكة بالذات و كان معها ألوف من أهل الشرك؟ !
على أنهم قد زعموا: أن أبا بكر قد ذهب إلى مكة أميرا على الحاج (2)، فلما ذا لم يخف من قريش و من المشركين أن يغتالوه إذا كان قد خاف من القتل، بسبب حمله لرسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم؟ ! .
3-و لا نريد أن نوافق بعضهم حتى على إبداء احتمال أن يؤدي ضعف أبي بكر به إلى مصانعة الأعداء، و ممالأتهم، و التآمر معهم. . فإن أبا بكر كان يعلم: أن النبي و المسلمين كانوا هم الأقوى، كما أظهرته الوقائع و كما ظهر من غزوة مؤتة، و تبوك، و الفتح، و حنين، و خيبر، و أحد، و بدر، و الخندق. . و ما إلى ذلك. . و هو لن يجازف بالغدر بهم، و يعرض نفسه لأخطار سيكون
علي «عليه السلام» هو مصدرها، و ربما يهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه. . و لا يجد بعد هذا ملاذا له في أي مكان.
4-هناك من يطرح احتمال أن يكون أبو بكر غير قادر على الإجابة على أسئلة الناس، و عن أحكام حجهم، و دينهم، و سياساته، و حقائقه، و شرائعه. .
5-لعل الهدف من إرجاع أبي بكر: هو تجسيد حقيقة حاله، و أنه لا يصلح لأن ينوب عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو غير قادر حتى في إبلاغ رسالة له إلى أهل مكة، فهل يصلح للرياسة العامة التي يرشح نفسه لها، أو يقدر على القيام بمقتضياتها، و لا سيما مع وجود علي أمير المؤمنين «عليه السلام» . .
و هذا ما صرحت به الرواية التي وردت في التفسير المنسوب إلي الإمام العسكري «عليه السلام» ، حيث تقول: إن جبرئيل قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن «براءة» : «ما أمرك ربك بدفعها إلى علي، و نزعها من أبي بكر سهوا، و لا شكا، و لا استدراكا على نفسه غلطا، و لكن أراد أن يبين لضعفاء المسلمين: أن المقام الذي يقومه أخوك علي «عليه السلام» لن يقومه غيره سواك يا محمد، و إن جلّت في عيون هؤلاء الضعفاء من أمتك مرتبته، و شرفت عندهم منزلته» (1).
و هنا سؤال يقول:
إننا نعلم: أن اللّه تبارك و تعالى لا يؤاخذ الناس على نواياهم، فإذا كان
1) البحار ج 35 ص 297 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 231 و 232.
أبو بكر لم يقترف ذنبا، فلما ذا يعرضه لهذا الإمتحان العسير، و يفضحه أمام الناس، و يظهر ضعفه، أو يظهر عدم أمانته، أو نحو ذلك؟ . .
و هل تصح العقوبة بالفضيحة قبل الجناية؟ ! .
و يمكن أن يقال في الجواب: إنه لا شك في أن أبا بكر، قد هيّأ مقدمات كثيرة، و قام باتصالات مختلفة، و تعددت مساعيه لمنع تحقق ما يريده اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، من أن يكون علي «عليه السلام» هو الإمام و الخليفة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و كفى بذلك ذنبا يستحق العقوبة عليه بفضح نواياه، و ابتلائه بهذا الإمتحان العسير. .
غير أننا نقول:
إن ذلك قد لا يقنع أولئك الذين يهتمون بالذب عن أبي بكر، و ابتغاء الأعذار له، و لذلك نقول:
أحدهما: أن هذا الذي جرى قد كان امتحانا لأبي بكر، و للّه و رسوله الحق في امتحان الناس، و إظهار قدراتهم، و استعداداتهم، حتى لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به، و لكن أبا بكر قد فشل في تحقيق أدنى درجات النجاح في هذا الإمتحان، حيث إنه حين أرجعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قضية براءة بكى، و انزعج، و اغتم و اهتم، و عاتب و اشتكى، و أكثر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكلام.
و لم يرض بما رضيه اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم نره سلم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تسليما. و كان أبعد ما يكون عن القاعدة
التي أطلقتها زينب «عليه السلام» : «رضا اللّه رضانا أهل البيت» (1).
و يدل على ذلك خوف أبي بكر من أن يكون قد نزل في حقه شيء من القرآن، مع أنه يعلم أن اللّه تعالى أعدل العادلين و أكرم الأكرمين، فلو لم يكن قد صدر منه شيء خشي المؤاخذة عليه، أو أضمر شيئا خشي افتضاحه، لم يكن معنى لخوفه، و لا لسؤاله عن ذلك. .
و لعل مما يدل على ذلك ما صرحت به الرواية عن علي «عليه السلام» : من أن أبا بكر كان قد تثاقل عن حمل الكتاب كما تثاقل غيره، حتى لجأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى فرض ذلك عليه، و إلزامه به (2).
الثاني: إن أبا بكر كان يرشح نفسه لأخطر موقع، و أسمى مقام، فإذا لم يكن أهلا لما يرشح نفسه له، بل كان من موجبات الهلاك و الدمار، و الفساد و البوار، و سيلحق بالإسلام و أهله ضررا عظيما، و هائلا، فإنه يجب تعريف الناس بعدم أهليته لهذا المقام، و إفهامهم أنه فاقد للمواصفات التي تؤهله لما هو أدنى من ذلك بدرجات، و يكون نفس طموحه و سعيه لهذا الأمر ذنبا عظيما و خطأ جسيما يصحح إجراء العقوبة عليه، و لا أقل من أنه يوجب سقوط حقه في كل ما تكون مراعاته من أسباب تقويته على الوصول إليه. .
و بعد أن يتم هذا البيان، و تقوم به الحجة، يتحمل الناس أنفسهم
مسؤولية أي عمل يقدمون عليه، و إلى اللّه يكون إيابهم، و عليه حسابهم. .
قد صرحت الروايات: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر أبا بكر، بأن جبرئيل قال له: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. .
و صرحت نصوص أخرى: بأنه لا يؤدي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا هو أو علي. .
مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل عشرات، أو مئات الرسائل مع مختلف الأشخاص إلى الملوك، و إلى القبائل، و البلاد، و الفئات و الجماعات. و هذا تبليغ عنه. و لم يكن هو المبلغ و لا رجل منه. .
و يمكن أن يجاب:
أولا: بأن المقصود حينئذ التبليغ عنه فيما هو من شأنه كمبلغ عن اللّه، و هذا يرتبط بالشريعة و الكتاب، و ليس ما كان «صلى اللّه عليه و آله» يبعث الرسل فيه من هذا القبيل.
ثانيا: بأن الذين كان يرسلهم إلى الملوك و الجماعات برسائله لم يكونوا هم الذين يبلغون عنه، بل كانت الرسالة هي التي توصل مرادات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأشخاص أو الجماعات. .
و أما في تبليغ سورة «براءة» ، فالمطلوب من حامل الآيات أن يتولى هو مهمة التبليغ عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أن يعلن الحرب على من يصر على انتهاك حرمة المسجد الحرام بعد ذلك العام، و إبلاغ أحكام و قرارات حازمة، و حاسمة، ترتبط بالتدبير للشأن العام. . و قطع دابر
الخلاف و المخالفة فيه، بما في ذلك: أن لا يطوف بالبيت عريان. و إبطال عادات الجاهلية فيما يرتبط بعرفات، و إنذار المشركين و إعطائهم مهلة إلى أربعة أشهر، و الإعلان عن عدم تجديد عهد مع مشرك. .
و ذلك كله يحتاج إلى حزم و حسم، و تصميم، و اعتبار هذه القرارات نهائية، لا مجال للمساومة و لا للماطلة فيها. .
و من جهة أخرى لا بد من أن ينقطع أمل كل أهل الشرك و من يعنيهم هذا الإعلان من أن يجدوا في القائم بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أدنى تعاطف معهم، بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، بنقض هذه القرارات، أو بأن يخفف من حدتها. .
فإذا كان علي «عليه السلام» الذي لم يشرك باللّه طرفة عين، و كان هو حامل راية التوحيد الخالص منذ خلقه اللّه تعالى، و الذي هو نفس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بنص القرآن، و هو أخوه، و هو منه بمنزلة هارون من موسى، فإذا كان علي هو المبلغ عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه يكون هو الأعمق أثرا، و هو الأولى بإعلان براءة اللّه و رسوله من الشرك و المشركين.
أما أبو بكر الذي عاش أجواء الشرك طيلة عشرات السنين من حياته، فلن يكون قادرا على إعلان البراءة الحقيقية من الشرك و المشركين بنفس القوة و الحزم و الفاعلية، أو هذا ما سيفكر به المشركون على أقل تقدير.
و يؤكد هذه الحقيقة الشواهد التالية:
ألف: قد تقدم: أن بعض الروايات عن علي «عليه السلام» تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب الكتاب، و عرض على جميع أصحابه المضي به إلى
المشركين، فكلهم يرى التثاقل فيهم، فلما رأى ذلك ندب منهم رجلا، فوجهه به، فأتاه جبرئيل «عليه السلام» ، فقال: يا محمد، لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و وجهني بكتابه و رسالته إلى مكة الخ. . (1).
ب: قد صرحت بعض نصوص الرواية بأكثر من ذلك، فعن الإمام الباقر «عليه السلام» قال: لما سرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر بأول سورة «براءة» إلى أهل مكة أتاه جبرئيل «عليه السلام» ، فقال: يا محمد، إن اللّه تعالى يأمرك أن لا تبعث هذا، و أن تبعث علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و إنه لا يؤديها عنك غيره. .
فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فلحقه، فأخذ منه الصحيفة، و قال: ارجع إلى النبي.
فقال أبو بكر: هل حدث في شيء؟ ! .
فقال: سيخبرك رسول اللّه.
فرجع أبو بكر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، ما كنت ترى أني مؤد عنك هذه الرسالة؟ ! .
فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أبى اللّه أن يؤديها إلا علي بن أبي طالب «عليه السلام» .
فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» :
1) الخصال ج 2 ص 369 و البحار ج 35 ص 286 و ج 38 ص 172.
كيف تؤديها و أنت صاحبي في الغار؟ ! (1).
فإن قوله الأخير: «كيف تؤديها و أنت صاحبي في الغار» ، قد جاء على سبيل التقريع و التشنيع و الذم، و بيان السبب و المبرر لهذا الإجراء.
و لعل الوجه في ذلك: أن أبا بكر كان في الغار خائفا فزعا، مع أنه كان يرى الآيات الدالة على حفظ اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، مثل نسج العنكبوت، و نبات شجرة السدر، و وضع الحمامة الوحشية بيضها، و وقوفها على باب الغار.
و مع وجوده إلى جانب النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و مع تطمينات نبي الرحمة له.
و مع عدم علم أحد من المشركين بمكانهما. و. . و. .
فإذا كان أبو بكر في الغار، مرعوبا خائفا إلى هذا الحد، و كل الشواهد تشير إلى أنه في مأمن، فكيف سيكون حاله إذا أمام مئات أو ألوف المشركين، و هم يرونه و يعرفون مكانه، و هو في بلدهم و في قبضتهم، و جموعهم تحيط به، و ليس النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى جانبه، ليهدىء من روعه، و لا تظهر الآيات و المعجزات المطمئنة له. مع العلم: بأن أهل الشرك قد أصبحوا موتورين من الإسلام، الذي قتل صناديدهم، و آباءهم، و إخوانهم، و أبناء عشائرهم، و فتح بلادهم، و غنم أموالهم. .
ج: ثم إن هذه الكلمة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» توضح: أن الأمر بالنسبة إلى علي «عليه السلام» كان هو الأصعب، و أن إرساله هو
1) إقبال الأعمال ج 2 ص 39 و البحار ج 35 ص 288.
الأشد خطرا على شخصه، فإن أبا بكر لم يكن له أثر يذكر في ساحات الحرب، و في مواقع الطعن و الضرب، بل كان مقامه مقام أهل الفرار، و الذين كانوا بكلماتهم و بآرائهم يخذّلون الناس عن الدخول في حرب مع المشركين-كما كان الحال في بدر و الفتح، و سواهما، و قد سعى لحفظ حياة أسارى المشركين في بدر، و لم يعرف له قتيل و لا جريح في أي من الحروب التي شهدها طيلة حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما أن دأبه كان الفرار من الزحف في مواقع الشدة و الحدة، كما جرى في أحد و في حنين، و في قريظة، و خيبر، و لم يجرؤ على الظهور في الخندق. . و في سائر المقامات. .
أما علي «عليه السلام» فهو لم يزل يقمعهم، و يفتك فيهم، طيلة عشر سنين حتى أباد خضراءهم، و قتل صناديدهم، و أذل عزيزهم، و أكذب أحدوثتهم، و كانوا يتربصون به الدوائر، و كان حقدهم عليه لا يقل عن حقدهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان نومه على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و مواجهتهم بالقتال هو السبب في نجاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و في تمكنه من الهجرة الى المدينة. .
و اذا واجههم علي «عليه السلام» بهذا القرار الحاد، المتضمن لهذا التهديد و الوعيد الشديد بالقتل، و بإعلان الحرب على الشرك و أهله، و وجدوه وحيدا فريدا بينهم، و في عقر دارهم، و موضع قوتهم، و محل اجتماعهم، فسوف لن يدخروا وسعا في الإنتقام منه لو أمكنهم ذلك، و لن يجرؤ أحد من بني هاشم على إظهار نفسه في هذه المعمعة الهائلة، لأن مصيرهم سيكون الدمار و البوار.
د: على أنهم قد زعموا: أن أبا بكر لم يتعرض إلى التعذيب في مكة، لأنه
كان محببا في المشركين، مقربا إليهم.
بل يزعمون: أنه كان أول من بنى مسجدا في الإسلام في بني جمح، و لم يعترض عليه أو لم يبالي بإعتراض أحد لأجل مكانته و عزته، كما ذكرناه في جزء سابق من هذا الكتاب، فراجع.
فلم يكن الأمر بالنسبة إليه يمثل أي خطر، و لا سيما بعد أن أسلم قومه، و أصدقاؤه و محبوه. و إن كنا قد ذكرنا فيما سبق عدم صحة هذا الزعم.
أما علي «عليه السلام» فكانوا يحرقون عليه الأرّم، و كانت هند قد طلبت من وحشي أن يقتله هو و النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو حمزة.
و يلاحظ هنا: أن الأمور حين إبلاغ سورة براءة قد انقلبت رأسا على عقب، فبدلا من أن يخاف علي «عليه السلام» المشركين على نفسه، كان هو الذي يتهددهم و يتوعدهم و يتحداهم، حتى لقد أبلغهم سورة براءة و كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد «لمع بسيفه» ! ! (1).
و في نص آخر: «لما دخل مكة اخترط سيفه و قال: و اللّه لا يطوف بالبيت عريان إلا ضربته بالسيف» (2).
1) البحار ج 35 ص 288 و إقبال الاعمال ج 2 ص 39.
2) البحار ج 21 ص 275 و 267 و ج 35 ص 296 و إعلام الورى ص 132 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 94 و جواهر الكلام ج 19 ص 276 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 401 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 464 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 326 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 597 و تفسير العياشي ج 2 ص 74 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 45 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 9 و التفسير الصافي ج 2 ص 321 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 182.
و عن علي «عليه السلام» : «فأتيت مكة، و أهلها من قد عرفتم، ليس منهم أحد إلا و لو قدر أن يضع على كل جبل مني إربا لفعل، و لو أن يبذل في ذلك نفسه و أهله، و ولده، و ماله، فبلغتهم رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قرأت عليهم كتابه، فكلهم يلقاني بالتهديد و الوعيد، و يبدي لي البغضاء، و يظهر الشحناء من رجالهم و نسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم» (1).
و قالوا أيضا: «لما وصل علي «عليه السلام» إلى المشركين بآيات براءة لقيه خراش بن عبد اللّه أخو عمرو بن عبد اللّه و هو الذي قتله علي «عليه السلام» مبارزة يوم الخندق-و شعبة بن عبد اللّه أخوه، فقال لعلي «عليه السلام» : ما تسيرنا يا علي أربعة أشهر، بل برئنا منك و من ابن عمك، إن شئت إلا من الطعن و الضرب» .
و قال شعبة: ليس بيننا و بين ابن عمك إلا السيف و الرمح، و إن شئت بدأنا بك.
فقال علي «عليه السلام» : أجل، أجل، إن شئت فهلموا (2).
1) الخصال ج 2 ص 369 و 370 و البحار ج 35 ص 286 و ج 38 ص 172 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 178 و الإختصاص للمفيد ص 168.
2) البحار ج 35 ص 290 و ج 35 ص 304 عن إقبال الاعمال ص 320 و 321 و (ط مكتب الإعلام الإسلامي) ج 2 ص 41 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 392 و الصوارم المهرقة ص 126 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 422.
و عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» : «خطب علي «عليه السلام» الناس: و اخترط سيفه، و قال: لا يطوفن بالبيت عريان الخ. .» (1).
و عن الامام الصادق «عليه السلام» : أخذ علي «عليه السلام» الصحيفة، و أتى الموسم، و كان يطوف على الناس، و معه السيف، و يقول: بَرٰاءَةٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي اَلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. . (2). فلا يطوف بالبيت عريان بعد عامه هذا، و لا مشرك، فمن فعل، فإن معاتبتنا إياه بالسيف.
قال: و كان يبعثه إلى الأصنام فيكسرها، و يقول: «لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت» (3).
و نربد ان نعترف هنا: أننا في حيرة شديدة في امر أبي بكر، حيث نجد
1) البحار ج 35 ص 296 و 303 عن تفسير العياشي ج 2 ص 75 و المناقب ج 1 ص 326-328 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 94 و جواهر الكلام ج 19 ص 276 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 401 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 464 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 326 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 597 و تفسير العياشي ج 2 ص 74 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 45 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 9 و التفسير الصافي ج 2 ص 321 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 182 و تفسير الميزان ج 9 ص 163.
2) الآيتان 1 و 2 من سورة براءة.
3) البحار ج 35 ص 299 و تفسير فرات ص 159.
محبيه، إذا رأوا أن إظهار الفخامة و العظمة هو المفيد، فإنهم يجعلون حتى فراره من الزحف شجاعة، و يجعلون ابتعاده عن المعركة في بدر رياسة، و يدّعون: أن من دلائل عظمته اقناعه عمر بن الخطاب بموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينسبون له نفوذ الكلمة و الإحترام و الرياسة بين المشركين في مكة، فلم يعذبه المشركون لمكانته فيهم، و لم يمنعوه من إقامة المسجد من أجل ذلك، كما أن قريشا تبذل فيه مائة ناقة لمن يمكّنها منه حين الهجرة كما بذلت في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و على هذا فقس ما سواه.
و إذا احتاجوا لتخليصه من بعض المآزق إلى ادّعاء ضعفه، و خوفه، و كونه بلا نصير، و لا عشيرة، و لا ظهير. . فإنهم يبادرون إلى ذلك، و يبالغون فيه ما شاؤا، و بلا رقيب و لا حسيب.
قال الرازي: «قيل: قرر أبا بكر على الموسم، و بعث عليا خليفة (خلفه) لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر، و يكون ذلك جاريا مجرى تنبيه على إمامة أبي بكر، و اللّه أعلم» .
قال: «و قرر الجاحظ هذا المعنى، فقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا بكر أميرا على الحاج، و ولاه الموسم، و بعث عليا يقرأ على الناس سورة براءة، فكان أبو بكر الإمام و علي المؤتم، و كان أبو بكر الخطيب و علي المستمع، و كان أبو بكر الرافع بالموسم، و السائق لهم، و الآمر لهم، و لم يكن
ذلك لعلي» (1).
و قد أجاب العلامة المجلسي على هذا بما ملخصه (2):
أولا: إن تولي أبي بكر للموسم ممنوع، كما أظهرته النصوص.
ثانيا: إن جعل شخص أميرا لا يلزم الناس بالصلاة خلفه. .
ثالثا: إن عليا «عليه السلام» لم يكن من أهل الموسم ليكون أبو بكر أميرا عليه، بل هو مرسل إليهم برسالة. . و ليس في الأخبار ما يدل على أن عليا «عليه السلام» صلى خلف أبي بكر.
رابعا: إن الصلاة خلف أبي بكر لا تعني ثبوت فضيلة له، على ما زعموه من جواز الصلاة خلف كل بر و فاجر (3).
خامسا: إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : «لا
1) تفسير الرازي ج 15 ص 218 و البحار ج 35 ص 299 عن تفسير فرات ص 54 و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 387.
2) البحار ج 30 ص 418 فما بعدها.
3) راجع: سنن أبي داود كتاب الصلاة: الباب 63 و راجع: فتح العزيز ج 4 ص 331 و المجموع للنووي ج 5 ص 268 و مغني المحتاج ج 3 ص 75 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 40 و تحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 229 و 248 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 156 و 311 و 312 و الجوهر النقي للمارديني ج 4 ص 19 و البحر الرائق ج 1 ص 610 و حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 2 ص 224 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 25 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 25 و ج 11 ص 379 و كشاف القناع للبهوتي ج 6 ص 366 و تلخيص الحبير ج 4 ص 331 و سبل السلام ج 2 ص 29.
يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني» ، يدل على أنها تأدية خاصة لا ينالها أحد من البشر، أما إمارة الحاج فيتولاها أي كان من الناس، برا كان أو فاجرا، و قد تولاها عتّاب بن أسيد قبل أبي بكر، و لا تحتاج إلى أكثر من المعرفة بما هو الأصلح في سوق الإبل، و البهائم، و معرفة المياه، و التجنب عن مواضع اللصوص و نحو ذلك. . فهو أمر إداري صرف. .
سادسا: إن إمارة الحاج لا تستلزم خطابة، لتستلزم الإستماع.
سابعا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأمر عليا «عليه السلام» بطاعة أبي بكر، و مجرد رفاقته له-لو صحت-لا تعني ائتماره بأمره. .
و الشيء الذي قلما أشار إليه الباحثون هو: أن النصوص قد صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل أبا بكر و عمر معا ببراءة إلى أهل مكة، فانطلقا، فإذا هما براكب، فقال: من هذا؟ !
قال: أنا علي. يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك.
فأخذ علي الكتاب، فذهب به، و رجع أبو بكر و عمر إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول اللّه؟ !
قال: «ما لكما إلا خيرا، و لكن قيل لي: لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك» (1).
1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 51 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 50 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 318 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 124.
و يؤيد شراكة عمر في هذا الأمر: أن بعض الروايات قد صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض حمل الكتاب إلى المشركين على جميع أصحابه فكلهم تثاقل عن حمله، و المضي به إلى مكة، فندب منهم رجلا فوجهه به (1).
و هذا معناه: أن عمر كان ممن تثاقل أيضا. . و قد كان تثاقل الناس هذا هو السبب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فرض حمل الكتاب إلى مكة على رجل بعينه! ! .
و بذلك يكون حال عمر كحال أبي بكر في جميع ما يترتب على إرجاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر من آثار، و ما يمكن أن يكون له من دلالات. .
و في مقابل ذلك نلاحظ: أن بعض الروايات تذكر: أن عمار بن ياسر هو الذي رافق عليا «عليه السلام» إلى مكة، و لعل عدم ذكر عمر و عمار في غالب الروايات قد جاء اكتفاء بذكر من هو أهم منهما، فذكر علي «عليه السلام» يكفي عن ذكر عمار، كما أن ذكر أبي بكر يغني عن ذكر عمر، لا سيما و أن عمر يستمد شرعية حكومته من شرعية حكومة أبي بكر، لأنه تلقاها منه بوصية كتبها.
و لعل عمر كان أيضا مرغما على الذهاب معه، فإنه لم يكن ليجازف بنفسه مختارا، و قد سبق أن امتنع عمر عن امتثال أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذهاب إلى مكة ليبلغ أشراف قريش بما جاء له في غزوة
1) الخصال ج 2 ص 369 و البحار ج 35 ص 286 و ج 38 ص 172.
الحديبية، فلم يرض بالذهاب و قال: يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي (1).
و تبذل محاولة للزعم: بأن أبا بكر قد سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب إرسال علي «عليه السلام» بعد أدائه مناسك الحج. . لأجل الإيهام بأن أبا بكر قد مضى مع علي «عليه السلام» إلى مكة و أقام الحج للناس، فلما رجع سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب استبداله بعلي «عليه السلام» في حمل الرسالة.
و لكنها محاولة فاشلة، فإن عددا من الروايات الأخرى تصرح: بأنه حين لقي عليا رجع، و مضى علي «عليه السلام» إلى مكة. .
و بعضها يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» بأن يردّ أبا بكر. .
1) راجع تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 278 و إقبال الأعمال ج 2 ص 38 عنه، و عين العبرة في غبن العترة لأحمد آل طاووس ص 24 و البحار ج 35 ص 287 و مسند أحمد ج 4 ص 324 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 310 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 111 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 47 و تفسير البغوي ج 4 ص 193 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 200 و 210 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 254 و الثقات لابن حبان ج 1 ص 298 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 78 و البداية و النهاية ج 4 ص 191 و عيون الأثر ج 2 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 318 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 46.
و الروايات متفقة على رجوعه، و إن اختلفت في بعض الخصوصيات الأخرى، التي يمكن حل اختلافاتها بأدنى تأمل.
و حتى لو كان قد سار الى مكة مع علي «عليه السلام» ، فإن ذلك لا يستلزم الحكم بأنه هو الذي حج بالناس، فإنه يكون قد ذهب ليحج عن نفسه، و تحت إمرة علي «عليه السلام» ، و لا مضايقة من أحد في ذلك.
و حين ضاقت الأمور على بعض المتعصبين لأبي بكر، وجدوا أنفسهم في موقع الإنكار لأصل الواقعة، و هذا ما فعله عباد بن سليمان، و القوشجي، و أضرابهما (1).
و استدل بعضهم على ذلك: بأن عزل أبي بكر عن تأدية براءة قبل الوصول إلى موضعها يلزم نسخ الفعل قبل حضور وقت العمل، و هو غير جائز (2).
غير أننا نقول:
أولا: إن إنكار أصل الواقعة لا يلتفت إليه، لأنه إنكار لما هو أوضح من الشمس، و أبين من الأمس، كما اعترف به القاضي عبد الجبار (3).
ثانيا: حديث عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل في هذا المقام. . غير سديد.
فإن هذا ليس نسخا، فإن المورد ليس من الأحكام الشرعية الكلية ليتعلق به النسخ، بل هو أمر مرتبط بشخص بعينه، و إنما كانت هناك مصلحة في إعطاء أبي بكر الكتاب و الآيات إلى أن يبلغ بها ذلك الموضع من الطريق لكي يكون ذلك مقدمة لبلورة مصلحة أخرى تكمن في أخذ علي «عليه السلام» الآيات و الكتاب منه، و إيصاله إلى مكة و أهل الموسم، و لعل هذه المصلحة هي إظهار فضل علي «عليه السلام» على أبي بكر، و أن أبا بكر لا يصلح لما يعمل من أجله. .
ثالثا: قد جوز جمهور الأشاعرة و كثير من علماء الأصول النسخ قبل حضور وقت العمل (1).
رابعا: إن عزل أبي بكر ليس من قبيل الأحكام، لكي يجري فيه النسخ، فإدخاله في هذا الباب غريب و عجيب.
خامسا: لو سلمنا: أنه من قبيل النسخ قبل حضور وقت العمل، فنقول:
إذا دلت الأخبار المتواترة على وقوعه-و أجمع نقلة الأخبار على حصوله كان ذلك دليلا على جوازه. . و به يعلم خطأ من ذهب إلى عدم الجواز. .
1) هداية المسترشدين ج 1 ص 590 و بداية الوصول ج 4 ص 256 و عناية الأصول ج 2 ص 334.
هذا، و قد استدل علماء الشيعة بهذه الواقعة على عدم صلاحية أبي بكر للخلافة، فضلا عن الإمامة، فقالوا: من لم يصلح لأداء سورة واحدة إلى أهل بلدة. فهو لا يصلح للرئاسة العامة، المتضمنة لأداء جميع الأحكام إلى عموم الرعايا في سائر البلاد (1).
أضاف الشريف المرتضى «رحمه اللّه» قوله: «لو سلمنا أن ولاية الموسم لم تنسخ (أي لو سلمنا أنه ولي الموسم) لكان الكلام باقيا، لأنه إذا كان ما ولي مع تطاول الأزمان إلا هذه الولاية، ثم سلب شطرها، و الأفخم، و الأعظم منها، فليس ذلك إلا تنبيها على ما ذكرنا» (2).
و يؤكد ما قاله علماؤنا هنا ما ذكرناه فيما سبق، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استبدله بعلي «عليه السلام» الذي كان خطر بطش المشركين و الحاقدين به قويا جدا، بخلاف أبي بكر الذي لم يكن لهم عنده ثارات، و كانت له مواقف إيجابية خلصت أسراهم و صناديدهم من خطر محتم، كما جرى في غزوة بدر و في غيرها. .
بل إن نفس قوله «صلى اللّه عليه و آله» حكاية عن جبريل «عليه السلام» : «لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» ، يتضمن اتهاما خطيرا
لأبي بكر بعدم أدائه للأمانة، و أن القضية لم تكن بسبب الخوف، و إلا لكان قال لأبي بكر: إنك إن أبلغتهم الرسالة قتلوك، إذ إن الخطر إنما يتوجه إليه بعد إبلاغها.
فاتضح: أن هذا التعبير من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرمي إلى إفهام أمر آخر، ليس هو الخوف على أبي بكر من أن يلحقه أذى.
و المناسبة تفرض علينا أن نعترف بأننا في حيرة من أمرنا.
و قد تقدم: أن بعض النصوص أشارت إلى أن عمار بن ياسر قد رافق عليا «عليه السلام» إلى مكة، و تقول: إن فلانا و فلانا قد انزعجا من إرسال علي «عليه السلام» ، و أحبا أن يرسل من هو أكبر سنا، فقالا: بعث هذا الصبي، و لو بعث غيره إلى أهل مكة، و في مكة صناديد قريش و رجالها. و اللّه، الكفر أولى بنا مما نحن فيه.
ثم إنهما سارا إلى علي «عليه السلام» و إلى عمار، و خوفاهما بأهل مكة، و غلظا عليهما الأمر، و قالا لهما: إن أبا سفيان، و عبد اللّه بن عامر، و أهل مكة قد جمعوا لهم. .
فقال علي «عليه السلام» : حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و مضيا، فلما دخلا مكة أنزل اللّه تعالى: اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ إِنَّ اَلنّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزٰادَهُمْ إِيمٰاناً وَ قٰالُوا حَسْبُنَا اَللّٰهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ
اَللّٰهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوٰانَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (1)» (2).
و لعل انزعاج فلان و فلان قد كان بعد تثاقلهما أولا، و بعد الإنتداب القسري لأبي بكر للمهمة، ثم عزله عنها، حيث فاجأهما هذا العزل، و أزعجهما أن يكون علي «عليه السلام» هو البديل، و استفاقا على ضربة معنوية هائلة، و موجعة جدا، فأحبا تدارك الأمر، و لو بأن يعلن علي «عليه السلام» انصرافه، أو تردده، و خوفه، بسبب تخويفهما إياه بجمع الناس. .
كما أن نفس إظهار شيء من الحرص على تولي هذه المهمة قد يعيد شيئا من الإعتبار لمن فقده، مهما كان قليلا و ضئيلا. .
و عن عودة علي «عليه السلام» من سفره تقول الرواية التي لخصناها:
إن عليا «عليه السلام» انصرف إلى المدينة يقصد في السير، و أبطأ الوحي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمر علي «عليه السلام» ، و ما كان منه، فاغتم لذلك غما شديدا. .
و كان من عادته «صلى اللّه عليه و آله» أنه إذا صلى الغداة استقبل القبلة، و استقبل علي «عليه السلام» الناس خلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيستأذنون في حوائجهم، و بذلك أمرهم «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما غاب علي «عليه السلام» إلى مكة لم يجعل أحدا مكان علي «عليه السلام» ، بل كان هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» يستقبل الناس.
فأذن للناس. . فاستأذنه أبو ذر، فأذن له. فخرج يستقبل عليا «عليه السلام» ، فلقيه ببعض الطريق، فالتزمه و قبله، و سبقه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بشره بقدومه، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي ذر: «لك بذلك الجنة» (1).
ثم ركب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ركب معه الناس، فلما رآه أناخ ناقته، و نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتلقاه، و التزمه و عانقه، و وضع خده على منكب علي «عليه السلام» .
و بكى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرحا بقدومه. و بكى علي «عليه السلام» معه. .
ثم سأله عما صنع، فأخبره، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «كان اللّه عز و جل أعلم بك مني حين أمرني بإرسالك» (2). .
و نقول:
يلفت نظرنا في هذا النص أمور عديدة، فلاحظ على سبيل المثال ما يلي:
إن هذا النظام الذي ذكرته الرواية عن استئذان الناس من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من شأنه أن يؤكد حالة الإنضباط في الحركة، المفضي
إلى طمأنينة القائد و إشرافه مباشرة على حركة الذين معه، الأمر الذي يزيده قدرة على التصرف، وفق معطيات دقيقة، و معرفة تفصيلية بما سوف ينتجه تصرفه أو موقفه، و بما سيؤول إليه الحال بعد ذلك. و سيكون قراره متوافقا مع قدراته، و مترافقا مع كل فرص النجاح و الفلاح. .
إن هذا الإجراء من شأنه أن يبلور بعفوية شعورا لدى الناس بارتباطهم الفعلي و المستمر بقيادتهم، و إعطاء القيمة، و الأهمية لدورهم، و لموقعهم في المنظومة الإجتماعية، و يذكي لديهم الشعور بالحيوية، و بالتأثير الإيجابي و الفاعل في الحياة. .
و قد أظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» اهتماما بالغا بسلامة علي «عليه السلام» ، حتى صار همّ أبي ذر هو: أن يكون له دور في إدخال السرور على قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاعتبر أن التعجيل في استجلاء خبر علي «عليه السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أعظم القربات. .
و قد ظهر مصداق ذلك في الثمن الذي تلقاه أبو ذر على بشارته بقدوم علي «عليه السلام» ، حيث قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لك بذلك الجنة» .
و هو ثمن عظيم ربما لم يكن يتوقعه أبو ذر، و لا أحد ممن حضر. . لأنهم ما عرفوا قيمة علي «عليه السلام» عند اللّه تعالى، و عند رسوله «صلى اللّه
عليه و آله» .
و كيف يعرفون قيمته، و هم لا يعرفونه حق معرفته؟ إذ ما عرف عليا «عليه السلام» إلا اللّه تعالى، و إلا رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .
و إنه لمن غير المألوف و لا المعروف أن يستقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحدا بهذه الصورة، إلا ما وجدناه من أنه استقبل جعفرا بخطوات يسيرة. .
و لكننا لم نجده يخرج من المدينة، و يركب راحلته، و يسير ما شاء اللّه أن يسير، لاستقبال قادم سوى علي «عليه السلام» . .
ثم هو يضع خده على منكبه «عليه السلام» ، و يبكي علي «عليه السلام» فرحا بلقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبكي النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرحا بقدوم علي «عليه السلام» . .
و قالوا: لما أذّن علي «عليه السلام» «ببراءة» في مكة أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام. جزعت قريش جزعا شديدا، و قالوا: ذهبت تجارتنا، و ضاعت عيالنا، و خربت درونا، فأنزل اللّه تعالى: قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ
نعم، إن هذا هو ما يهم أهل الدنيا، و طلاب زخرفها، و المهتمين بزبارجها و بهارجها، مع أن دعوة إبراهيم اللّه تعالى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذلك الوادي، و أن يرزقهم و أهله من الثمرات، كانت أقوى من كل تجاراتهم، و علاقاتهم، و أوسع و أكبر من كل آمالهم و توقعاتهم، و بهذه الدعوة يرزقهم اللّه، لا بكدّهم و جدّهم، لو كانوا يعقلون. .
إن من الطبيعي: أن يهتم المسلمون بما جرى في حجة الوداع، و أن يفردوها بتصانيفهم، و بحوثهم، لأنها تضمنت التأكيد على أمور أساسية و حساسة جدا، و مصيرية، أهمها: ما جرى في عرفة، أو في منى من تحد سافر من قبل قريش و من هم على رأيها، تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم التهديد الإلهي لهم الذي أدى إلى إنجاز نصب علي «عليه السلام» وليا و إماما، و أخذ البيعة منهم له بذلك يوم غدير خم، في طريق عودة النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حجته تلك إلى المدينة.
أما دوافع هذا الإهتمام، فلعلها مختلفة إلى حد التباين. . بين من يريد الإثبات، و من يريد النفي، أو على الأقل التشكيك بما حصل، أو بدلالته على ما سيق للدلالة عليه.
و مهما يكن من أمر، فقد قال بعضهم عن حجة الوداع:
أفردها بالتصنيف محمد بن المنذر، و أحمد بن عبد اللّه المحب الطبري، و إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون.
و علي بن أحمد بن حزم الظاهري.
و بسط الكلام عليها محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الحنبلي في «زاد
المعاد» .
و إسماعيل بن كثير الشافعي في كتاب السيرة في تاريخه المسمى «البداية و النهاية» ، و هو أوسع من الذي قبله.
كل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر، و هناك أشياء و ظفرت بأشياء لم لم يذكروها (1).
قالوا: أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام، و لا يحلق، و لا يقصر، و يغزو المغازي و لا يحج، حتى كان في ذي القعدة سنة عشر أجمع الخروج إلى الحج. فأذّن في الناس أنه حاج في هذه السنة.
فسمع بذلك من حول المدينة، فلم يبق أحد يريد، و في لفظ: يقدر أن يأتي راكبا، أو راجلا إلا قدم، فقدم المدينة بشر كثير، و وافاه في الطريق خلائق لا يحصون، و كانوا من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، مد البصر، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يعمل مثل عمله (2).
قد جزم في النص الآنف الذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان بعد
الهجرة يضحي، و لا يحلق و لا يقصر. في أيام الحج، و يغزو و لا يحج. . و أنه لم يحج من المدينة سوى حجة الوداع.
مع أنه قد روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حج عشرين حجة مستسرا (1).
و في الكافي: عشر حجات (2).
و السبب: أنه كان يستسر بحجه، إما لأجل النسيء، لأنهم كانوا يحجون في غير أوان الحج، أو لمخالفة أفعاله لأفعالهم، للبدع التي أبدعوها في حجهم (3). .
و هناك نصوص أخرى أشرنا إليها في الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب، في فصل: «متفرقات في السنة الخامسة» تحت عنوان: «فرض الحج» .
و في موضع آخر من هذا الكتاب، ذكرنا عدد حجاته، و هي تدعو إلى عدم التسرع في إطلاق القول: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يحج سوى حجة الوداع. .
1) البحار ج 21 ص 398 و 399 و 401 و ج 1 ص 280 عن علل الشرائع ص 154 و عن المناقب ج 1 ص 152 و عن السرائر ص 469 و عن الكافي ج 1 ص 233 و 235 و الدروس للشهيد الأول ج 1 ص 474 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 238 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 285 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 380 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 201 و ج 11 ص 504.
2) البحار ج 21 ص 399 عن الكافي في الفروع ج 1 ص 233 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 201 و الكافي ج 4 ص 244 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 124 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 88.
3) البحار ج 21 ص 398.
فإن من القريب جدا: أن تكون بعض هذه العشرين حجة، قد حصلت بعد الهجرة، و بصورة سرية، بالطريقة التي تناسب حال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و يؤيد ذلك قوله: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يستسر بها جميعا، فإذا كان في أيام النسيء، لم يحج مع الناس، و ينتظر إلى الوقت الحقيقي، فيحج سرا. .
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بإعلام الناس بأنه حاج في تلك السنة، بل أمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحج في عامه هذا (1)، حتى «بلغت دعوته إلى أقاصي بلاد الإسلام، فتجهز الناس للخروج معه، و حضر المدينة، من ضواحيها، و من حولها، و يقرب منها خلق كثير، و تهيأوا للخروج معه، فخرج بهم» (2). .
1) البحار ج 21 ص 390 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 233 و 234 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 4 ص 245 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و الفصول المهمة ج 1 ص 649 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 98 و التفسير الصافي ج 3 ص 374 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 146 و ج 3 ص 487 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 386.
2) البحار ج 21 ص 383 و 384 عن الإرشاد للمفيد ج 1 ص 171 و عن إعلام الورى ص 80 ص 396 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 84 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 331 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 283.
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحج، فكتب إلى من بلغه كتابه، ممن دخل الإسلام: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الحج، يؤذنهم بذلك ليحج من أطاق الحج، فأقبل الناس (1). .
قد ذكر النص المتقدم: أن الذين قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك السنة ليحجوا معه كانوا بشرا كثيرا، و وافاه في الطريق خلائق لا يحصون، و كانوا من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، مدّ البصر.
و قد ذكرت الروايات: أن الذين خرجوا معه «صلى اللّه عليه و آله» كانوا سبعين ألفا (2).
و قيل: تسعون ألفا (3).
1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 4 ص 249 و البحار ج 21 ص 396 و الحدائق الناضرة ج 15 ص 58 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 359 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 282 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 3 ص 45 و منتقى الجمان ج 3 ص 163
2) البحار ج 37 ص 202 و التفسير الصافي ج 2 ص 53 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 73 و السيرة الحلبية ج 3 ص 308.
3) الغدير ج 1 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 308.
و يقال: مائة ألف، و أربعة عشر ألفا (1).
و قيل: مائة و عشرون ألفا (2).
و قيل: مائة و أربعة و عشرون ألفا. و يقال أكثر من ذلك (3).
قال العلامة الأميني: «هذه عدة من خرج معه، أما الذين حجوا معه، فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة، و الذين أتوا من اليمن مع علي «عليه السلام» (أمير المؤمنين) ، و أبي موسى» (4).
قالوا: «و أخرج معه نساءه كلهن في الهوادج، و سار معه أهل بيته، و عامة المهاجرين و الأنصار، و من شاء اللّه من قبائل العرب، و أفناء الناس» (5).
و نقول:
إن حشد الأمة إلى الحج، و إرسال الكتب إلى أقصى بلاد الإسلام، و أمر المؤذنين بأن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحج
1) الغدير ج 1 ص 9 و المجموع للنووي ج 7 ص 104 و مغني المحتاج ج 1 ص 345 و السيرة الحلبية ج 3 ص 308.
2) البحار ج 37 ص 150 و الغدير ج 1 ص 9 و 296 و العدد القوية ص 183 و السيرة الحلبية ج 3 ص 308.
3) الغدير ج 1 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 308.
4) الغدير ج 1 ص 9.
5) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 ص 225 و إمتاع الأسماع ص 510 و إرشاد الساري ج 6 ص 429 و الغدير ج 1 ص 9 عنهم.
في عامه هذا، و إخراج النبي «صلى اللّه عليه و آله» نساءه كلهن في الهوادج إلى الحج، و اجتماع هذه الأعداد الهائلة، لتسير معه، سوى من سار إلى مكة من دون أن يمر بالمدينة، و ما والاها، و سوى الذين جاؤوا من اليمن مع ذلك، إن ذلك لم يكن أمرا عفويا، و لا مصادفة، و لا كان استجابة لرغبة شخصية تقضي بجمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس حوله. فحاشاه من ذلك، و لا لغير ذلك من أمور دنيوية، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يفكر و لا يفعل إلا وفق ما يريده اللّه تبارك و تعالى. . و حاشاه من أي تفكير أو موقف أو عمل في غير هذا الإتجاه. .
و لعل الهدف من كل هذا الحشد هو تحقيق أمور كلها تعود بالنفع العميم على الإسلام و المسلمين، و يمكن أن نذكر منها، ما يلي:
1-إنه أراد للناس المتمردين، بل و المنافقين، و الذين يحلمون بالإرتداد على الإسلام و أهله عند أول فرصة تسنح لهم، يريد لهم أن يروا عظمة الإسلام، و امتداداته الواسعة، و أنه لم يعد بإمكان أحد الوقوف في وجهه، أو إيقاف مده، فلييأس الطامحون و الطامعون، و ليراجع حساباتهم المتوهمون، و ليعد إلى عقولهم المتهورون و المجازفون. .
2-إنه يريد أن يربط على قلوب الضعفاء، و يشد على أيديهم، و يريهم عيانا ما يحصنهم من خدع أهل الباطل، و كيد أهل الحقد و الشنآن. . و من كل ما يمارسونه معهم من تخويف، أو تضعيف. .
3-أن ينصب عليا «عليه السلام» إماما و خليفة من بعده أمام كل هذه الجموع الهائلة، ليكونوا هم الشهداء بالحق على أنفسهم و على جميع الناس، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم. .
ثم أن يقطع الطريق على قلة من الناس من أن يتمكنوا من خداع الآخرين ببعض الإدعاءات أو الإشاعات كما سنرى حين الحديث عما جرى في عرفات، و منى، و في طريق العودة، في غدير خم.
و أما أخذه لجميع نسائه معه فلعله لأن فيهن من يريد أن يقيم عليها الحجة في ذلك كله، لأنها سيكون لها دور قوي في الإتجاه الآخر الذي يريد أن يحذر الناس من الإنغماس و المشاركة فيه. .
و قالوا: إن وباء الجدري و الحصبة أصابت الناس فمنعت من شاء اللّه أن تمنع من الحج الخ. . (1).
و هذا يؤيد ما قدمناه تحت عنوان: «نقل الوباء إلى خم» ، من أن حديث نقل الوباء من المدينة إلى خم، أو إلى غيرها، لا يصح، غير أن ما يهم هؤلاء هو أن يوهنوا أمر غدير خم، و أن يثيروا اشمئزاز الناس و نفرتهم منه، بمجرد سماع اسمه، حتى لقد قرنوه بالوباء، و بالحمى، و بالجدري، و ما إلى ذلك. .
قالوا: و صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الظهر بالمدينة أربعا،
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 308 و عيون الأثر ج 2 ص 341 و حجة الوداع لابن حزم الأندلسي ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 450 و الغدير ج 1 ص 9.
و خطب الناس و علمهم ما أمامهم من المناسك ثم ترجل و ادهن بزيت، و اغتسل قبل ذلك، و تجرد في ثوبين صحاريين: إزار ورداء (1).
زاد الواقدي: و أبدلهما بالتنعيم بثوبين من جنسهما، و لبس إزاره، و رداءه، و ركب-كما قال أنس-على رحل و كانت زاملته، و قال أيضا: حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على رحل رث، و قطيفة خلقة.
ثم قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه، و لا سمعة» (2).
و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة نهارا بعد الظهر، لخمس بقين من ذي القعدة (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 173 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 102.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 عن البخاري، و ابن ماجة، و الترمذي في الشمائل، و أبي يعلى في هامشه عن ابن ماجة ج 2 ص 965 و حاشية الدسوقي ج 2 ص 10 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 3 ص 221 و الشمائل المحمدية للترمذي ص 180 و العهود المحمدية للشعراني ص 215 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 237 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 132.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 و سبل السلام ج 2 ص 188 و راجع: كتاب الأم ج 2 ص 138 و موطأ مالك ج 1 ص 393 و نيل الأوطار ج 5 ص 191 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 235 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 168 و الإرشاد ج 1 ص 171 و البحار ج 21 ص 384 و ج 30 ص 610 و كتاب المسند للشافعي ص 111 و مسند أحمد ج 6 ص 273 و صحيح البخاري ج 2 ص 184 و صحيح مسلم ج 4 ص 32 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 993 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 5 و مسند الحميدي ج 1 ص 104 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 425 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 327 و 453 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 238 و راجع: فتح الباري ج 3 ص 323 و ج 6 ص 81 و ج 8 ص 80.
و الصحيح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج لأربع بقين منه (1).
و قيل: خرج يوم السبت (2).
و عند ابن حزم: يوم الخميس (3).
و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على طريق الشجرة، و كان يخرج منها، و صلى في مسجدها (4).
1) البحار ج 21 ص 389 و 390 عن السرائر ص 477 و عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 233 و منتهى المطلب (ط. ق) للحلي ج 2 ص 886 و الكافي ج 4 ص 245 و 248 و علل الشرائع للصدوق ج 2 ص 412 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 5 ص 454 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 214 و 222 و ج 13 ص 199 و (ط الإسلامية) ج 8 ص 151 و 157 و ج 9 ص 318 و مستطرفات السرائر لابن إدريس ص 591 و البحار ج 21 ص 389 و 395 و ج 96 ص 88 و تفسير العياشي ج 1 ص 89 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 185 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 466 و تفسير الميزان ج 2 ص 83.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 عن ابن القيم، و ابن كثير، و الدمياطي، و الحاكم في الإكليل، و ابن سعد، و سبل السلام ج 2 ص 188 و فتح الباري ج 3 ص 323 و ج 6 ص 8 و ج 8 ص 80.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 و فتح الباري ج 3 ص 323 و ج 6 ص 81 و ج 8 ص 80 و عمدة القاري ج 9 ص 168.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 عن البخاري.
و لما أراد الخروج جعل على المدينة أبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي (1).
و يقال: بل سباع بن عرفطة (2).
و دخلها لأربع مضين من ذي الحجة (3).
و دخل مكة من أعلاها، من عقبة المدنيين، و خرج من أسفلها (4).
قالوا: فسار «صلى اللّه عليه و آله» حتى أتى ذا الحليفة، و هو من وادي العقيق فنزل به، تحت سمرة في موضع المسجد، ليجتمع إليه أصحابه، و صلى بهم العصر ركعتين.
و أمر بالصلاة في ذلك الوادي.
فعن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 450 و الدرر لابن عبد البر ص 259 و البداية و النهاية ج 5 ص 127 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1020.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 450 عن ابن هشام، و الدرر لابن عبد البر ص 259 و البداية و النهاية ج 5 ص 127 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1020.
3) البحار ج 21 ص 389 و 390 و 395 و ج 30 ص 618 و ج 96 ص 193 و السرائر ص 477 و عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 233 و 234 و المجموع للنووي ج 7 ص 154 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 482 و تلخيص الحبير ج 7 ص 108 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 199 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 318 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 271.
4) البحار ج 21 ص 389 و 390 و 395 و السرائر ص 477 و عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 233 و 234 و البداية و النهاية ج 5 ص 226.
بوادي العقيق: «أتاني آت من ربي» ، و لفظ البيهقي: «جبريل» فقال: «صل في هذا الوادي المبارك» .
و قال: «عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج، إلى يوم القيامة و اللّه تعالى أعلم» (1).
ثم بات بذي الحليفة، و صلى المغرب و العشاء، و الصبح و الظهر، فصلى بها خمس صلوات، و كان نساؤه معه كلهن في الهودج، و كن تسعة، و طاف عليهن تلك الليلة، و اغتسل.
و عن عائشة: أنها طيبته قبل طوافه عليهن تلك الليلة، و اغتسل (2).
و نقول:
إن من القبيح جدا أن تتحدث عائشة أو غيرها عن مباشرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزوجاته، ما دام أن ذلك لا يفيد في كشف حكم شرعي، أو أخلاقي، بل هو مجرد كشف لستر لا يريد اللّه سبحانه أن يكشف.
و من الذي يرضى: أن تخبر زوجته الناس بمجامعته إياها و اغتساله،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 و رواه أحمد، و البخاري، و أبو داود، و ابن ماجة، و البيهقي، و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 257 و ابن ماجة ج 2 ص 991 و راجع: المعتبر للحلي ج 2 ص 786 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 4 و بدائع الصنائع ج 2 ص 144 و 175 و صحيح البخاري ج 3 ص 71 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 991.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 عن مسلم، و البيهقي.
كلما فعل ذلك؟ !
و عن حديث: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» نقول:
سيأتي: أن ذلك يرتبط بتشريع حج التمتع، الذي بدأ في سنة عشر، و بهذه الكلمة بالذات. غير أن الظاهر أن قول الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك بوادي العقيق غير دقيق، بل قاله في مكة نفسها، كما سنرى في الفقرات التاليات إن شاء اللّه تعالى. .
و ولدت أسماء بنت عميس-زوجة أبي بكر-بذي الحليفة (بالبيدا) محمد بن أبي بكر، فأرسلت أبا بكر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تقول: كيف أصنع؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اغتسلي، و استثفري بثوب، و أهليّ» ، و في رواية: «و أحرمي» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 453 عن مسلم، و في هامشه عن المصادر التالية: مسلم ج 2 ص 886 حديث (147/1218) و الشافعي في المسند ج 1 ص 296 (770) و أبو داود ج 2 ص 182(1905) و النسائي ج 1 ص 654 و ابن ماجة ج 2 ص 1022(3074) و أحمد ج 3 ص 320 و راجع: المغني لابن قدامة ج 3 ص 261 و تلخيص الحبير ج 7 ص 242 و نيل الأوطار ج 1 ص 301 و البحار ج 21 ص 403 و سنن الدارمي ج 2 ص 45 و صحيح مسلم ج 4 ص 39 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 204 و سنن النسائي (ط دار الفكر) ج 5 ص 164 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 172 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 341 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 356 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 24 و 93 و المنتقى من السنن المسندة ص 123.
و زاد في نص آخر، عن أبي بكر: و تصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف بالبيت (1).
و نقول:
لا معنى لأن يأمرها بالغسل، و هي لا تزال نفساء، إلا إن كان المراد أن تغسل الدم.
و الصواب هو: ما روي عن أهل البيت «عليهم السلام» ، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرها فاستثفرت، و تنظفت بمنطقة، و أحرمت (2).
و الإستثفار هو: أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي.
فلما قدموا مكة، و قد نسكوا المناسك و قد أتى لها ثمانية عشر يوما،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 453 عن النسائي، و ابن ماجة، و في هامشه عن: النسائي ج 5 ص 97 و ابن ماجة ج 2 ص 972 و راجع: الآحاد و المثاني ج 1 ص 474 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 331 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 168 و كنز العمال ج 5 ص 276.
2) البحار ج 21 ص 379 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 287 و 288 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 588 و الكافي ج 4 ص 444 و ج 5 ص 389 و 396 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 402 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 66 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 29 و ج 11 ص 429 و منتقى الجمان ج 3 ص 167.
أمرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن تطوف بالبيت، و تصلي، و لم ينقطع عنها الدم، ففعلت ذلك (1).
قالوا: فلما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالروحاء رأى حمارا وحشيا عقيرا، قال: «دعوه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء صاحبه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «شأنكم بهذا الحمار» ، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر فقسمه بين الرفاق.
ثم مضى «صلى اللّه عليه و آله» حتى كان بالأثاية، بين الرويثة و العرج، إذا ظبي حاقف في ظل، و فيه سهم، فأمر رجلا-قالوا: هو أبو بكر الصديق -أن يقف عنده، لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه (2).
1) البحار ج 21 ص 379 عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 289 و رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 173 و المعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 254 و منتهى المطلب (ط. ج) للعلامة الحلي ج 2 ص 438 و (ط. ق) ج 1 ص 124 و مشرق الشمسين ص 326 و كشف اللثام (ط. ج) ج 5 ص 406 و (ط. ق) ج 1 ص 333 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 644 و مستند الشيعة ج 2 ص 442 و الكافي ج 4 ص 449 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 179 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 180 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 399 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 384 و 388 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 612 و 616 و عوالي اللآلي ج 1 ص 307.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 459 و في هامشه عن: أحمد ج 3 ص 452 و النسائي ج 5 ص 143 و راجع: كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 351 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 291 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 291 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 251 و مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 452 و سنن النسائي ج 5 ص 183 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 624 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 188.
قالوا: و الفرق بين قصة الظبي، و قصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، و هذا لم يعلم أنه حلال، و هم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، و وكل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه (1).
و نقول:
أولا: لم يظهر لنا من قصة الظبي الحاقف أنه كان ميتا، فلعله كان لا يزال جريحا و حيا. .
بالنسبة للحمار العقير، و توظيف رجل بحراسته، و حفظه نقول:
1-إنه أراد أن يحفظ حق صاحبه الذي صاده.
2-إنه أراد أن يفهم من معه أن عليهم أن يراعوا الأحكام الشرعية، حتى لا يعتدوا على مال الغير، و لكي لا يرتكبوا مخالفة نهي الشارع المحرمين عنه. .
3-و ربما يكون من الصحيح القول أيضا بأنه فعل ذلك رفقا لذلك الحيوان حتى لا يتعرض لأذى المتطفلين و العابثين. .
ثانيا: حتى لو كان ميتا، فإنه لا يجوز أكله لأحد إذا لم يذّك بفري الأوداج، أو كان قد اصطيد بنحو يؤدي إلى ذكاته، و حلية أكله.
و لو جاز أكله لم يجز ذلك للمحرم، حتى لو وصاده المحل.
ثالثا: إن قصة حمار الوحش إنما كانت بالروحاء، و هي على بعد أربعين
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 459.
ميلا أو نحوها من المدينة (1)، و لا شك في أنها بعد الميقات، و قد كانوا محرمين عندها.
و يدل على ذلك: أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما صار بالأبواء أهدى له الصعب بن جثمامة حمار وحش.
و في رواية: (عجز حمار وحش) .
و في رواية: (لحم حمار وحش، يقطر دما) .
أو: (شق حمار وحشي) .
أو: (رجل حمار وحش، فرده) ، و قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم (2).
رابعا: إنه يظهر أن الذي رمى الظبي بسهم لم يحضر ليرخصهم في الإستفادة من لحم ذلك الظبي، و ليؤكد لهم ذكاته أيضا.
قالوا: و مضى «صلى اللّه عليه و آله» يسير المنازل، و يؤم أصحابه في الصلوات في مساجد له، بناها الناس، و عرفوا مواضعها (3).
1) وفاء الوفاء ج 4 ص 9222.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 460 و في هامشه عن: البخاري ج 4 ص 31 (1825 و 2573) و مسلم ج 2 ص 850(50/1193) و راجع: فتح العزيز ج 7 ص 496 و المجموع للنووي ج 7 ص 306 و 325 و مغني المحتاج ج 1 ص 525 و كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 353 و 327 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 290 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 290.
3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 173 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 459 عنه.
أي أن الناس كانوا يبنون مساجد في المواضع التي كان يصلي فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و هذا دليل آخر على صحة التبرك و التأسي برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على هذا جرت سيرة المسلمين و المؤمنين، و لم يعترض أحد من الصحابة على ذلك، بل كان الصحابة أنفسهم يفعلون ما يؤكده، بمرأى من الناس و بمسمع من النبي نفسه «صلى اللّه عليه و آله» .
فما معنى أن تظهر في آخر الزمان شرذمة تمنع الناس من التبرك بهذه الآثار المباركة و تسعى في هدمها و إبطالها.
قالوا: ثم سار «صلى اللّه عليه و آله» حتى إذا نزل بالعرج، و كانت زاملته و زاملة أبي بكر واحدة، و كانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر إلى جانبه و عائشة إلى جانبه الآخر، و أسماء بنت أبي بكر إلى جانبه، و أبو بكر ينتظر الغلام أن يطلع عليه، فطلع و ليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟
فقال: أضللته البارحة.
فقال أبو بكر-و كان فيه حدة-: بعير واحد تضله، فطفق يضرب الغلام بالسوط، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتبسم و يقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» ؟
و ما يزيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن يقول ذلك
و يتبسم؟ ! (1).
قال الصالحي الشامي: سبق أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حج على رحل، و كانت زاملة. أي أن الرحل و الزاملة شيء واحد، و كان الرحل و الزاملة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ليس لأبي بكر، فقول الرواية هنا: إن زاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان على زاملة أبي بكر ينافي ذلك.
فأجاب عن ذلك بقوله: قال المحب الطبري: يحتمل أن يكون بعض الزاملة عليها (أي على رحله «صلى اللّه عليه و آله») ، و بعض الزاملة مع زاملة أبي بكر.
و لما بلغ آل فضالة الأسلمي، أن زاملة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ضلت، حملوا له جفنة من حيس، فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «هلم يا أبا بكر، فقد جاء اللّه تعالى بغذاء أطيب» .
و جعل أبو بكر يغتاظ على الغلام.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هون عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، و لا إلينا معك، و قد كان الغلام حريصا على ألا يضل بعيره. و هذا خلف مما كان معه» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 460 و قال: ترجم أبو داود على هذه القصة في باب «المحرم يؤدب» ، و فقه السنة للسيد سابق ج 1 ص 670 و مسند أحمد ج 6 ص 344 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 978 و سنن أبي داود ج 1 ص 409 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 90 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 246 و البداية و النهاية ج 5 ص 130 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 220.
ثم أكل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أهله، و أبو بكر، و من كان معه يأكل حتى شبعوا.
فأقبل صفوان بن المعطل، و كان على ساقة الناس، و البعير معه، و عليه الزاملة، فجاء حتى أناخ على باب منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر: «أنظر هل تفقد شيئا من متاعك» ؟ .
فقال: ما فقدت شيئا إلا قعبا كنا نشرب فيه.
فقال الغلام: هذا القعب معي.
فقال أبو بكر لصفوان: أدّى اللّه عنك الأمانة.
و جاء سعد بن عبادة، و ابنه قيس و معهما زاملة تحمل زادا يؤمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» واقفا بباب منزله، قد رد اللّه عز و جل عليه زاملته، فقال سعد: يا رسول اللّه، بلغنا أن زاملتك ضلت الغداة، و هذه زاملة مكانها.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد جاء اللّه بزاملتنا، فارجعا بزاملتكما بارك اللّه فيكما» (1).
و نقول:
و يعود الحديث هنا من جديد عن ضياع زاملة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفق ما تعودناه في رواياتهم لأسفار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و نحن و إن كنا لا نمانع في أن تضيع زاملته أو ناقته «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 460 و إمتاع الأسماع المقريزي ج 2 ص 106 و 214 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 258.
و آله» أكثر من مرة، غير أننا نلمح في كثير من الأحيان أن ثمة رغبة في التسويق لأشخاص هم من فريق واحد، من خلال إظهار خصوصية، لهم في أنفسهم، أو الإيحاء، بأن لهم نحو اختصاص برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لم نجد لأي من الفريق الآخر في رواياتهم أي حضور في جميع تلكم المواقع و المواضع، و لا في سواها إلا عند ما يعجزون عن تغطية دور ذلك الفريق، أو أحد رموزه الكبار، أو عن تحريفه و تزييفه، أو عن نسبته إلى مناوئي علي «عليه السلام» و شانئيه. .
و مهما يكن من أمر، فإن هناك العديد من النقاط التي تستوقفنا في حديث ضياع الزاملة هنا، و نذكر منها ما يلي:
و قد ادّعت الرواية السابقة: أن زاملة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و زاملة أبي بكر كانت في حجة الوداع واحدة، و كانت مع غلام لأبي بكر. .
و تضمنت الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» جلس، فجلس أبو بكر إلى جانب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و عائشة إلى جانبه الآخر. . و أسماء إلى جانب أبي بكر الخ. .
و نقول:
أولا: لماذا كانت أسماء بنت أبي بكر حاضرة معهم في بيت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم تكن عند الزبير بن العوام زوجها؟ !
ثانيا: أين كانت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، فإنها كانت معهم
في ذلك المسير، و قد ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة؟ !
و لماذا تركها أبو بكر وحدها، و جاء بابنته أسماء دونها؟ !
و لماذا يدخل أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» النساء الأجانب اللواتي يتحرج «صلى اللّه عليه و آله» منهن؟ !
و أين كان سائر نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنهن كن جميعا برفقته؟ و هل كان جميع طعام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و طعام جميع نسائه محمولا على جمل واحد بالإضافة إلى طعام أبي بكر و طعام من معه من العيال و النساء؟ !
ثالثا: بالنسبة للزاملة نقول:
إن ما نعرفه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أنه لم يرض بركوب ناقة أبي بكر حين الهجرة إلا بعد أن اشتراها منه بالثمن، فهل كان أبو بكر قد وضع زاده مع زاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استفاد من زاملة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
أم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي استفاد من زاملة أبي بكر، و حين استفاد منها هل أعطاه أجرتها؟ !
أم اشتراها منه؟ ! أم رضي بوضع زاده على زاملة غيره، دون مقابل؟ !
فإن كان الخيار الأخير هو الصحيح، فلما ذا رضي في حجة الوداع بما لم يرضه يوم الهجرة من مكة. و إن كانت الخيارات الأخرى هي الصحيحة، فلما ذا لم يبينها لنا الرواة؟ !
و عن ضرب أبي بكر لغلامه بالسوط نقول:
أولا: لماذا يضرب أبو بكر غلامه بمحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، دون أن يستأذنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! ألا تعد مبادرته إلى ضرب الغلام إساءة أدب تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
ثانيا: إذا كان ضرب الغلام مما لا ينبغي للمحرم، كما ظهر من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» ، فقد كان ينبغي أن يغضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أن يظهر الإنقباض، و أن يزجره عن فعله هذا، لا أن يبتسم! !
ثالثا: من أين ثبت لأبي بكر أن الغلام كان مقصرا في مهمته، و انه يستحق الضرب، و هو لم يسأله عما جرى، و لا عرف منه سبب غفلته عنه؟ ! فلعل الغلام سها أو غلبته عيناه فنام، فانسل البعير إلى جهة مجهولة، فانتبه، فلم يجده.
رابعا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم أن الغلام كان حريصا على البعير كما صرحت به الرواية، فلما ذا ترك أبا بكر يضربه بالسوط، و يواصل تغيظه عليه، و لماذا لا يدفعه أو يردعه عن ضرب ذلك الغلام المسكين؟ ! أو لماذا لم يقل ذلك لأبي بكر من أول الأمر؟ !
خامسا: إذا كان الأمر ليس لأبي بكر، و لا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا إلى غيره معه كما تقول الرواية، فلما ذا لم يعاقب أبا بكر على ظلمه لذلك الغلام المسكين.
سادسا: من أين عرف صفوان بن المعطل أن الزاملة لرسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» ؟ ! و الحال أن الجمل لأبي بكر! إذ ما أكثر الجمال في ذلك المسير. .
قالوا: فلما مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بوادي عسفان، قال: «يا أبا بكر أي واد هذا» ؟
قال: «وادي عسفان» .
قال: «لقد مر به هود، و صالح، (و نوح) على بكرين أحمرين (بكرات حمر) خطمهما ليف، و أزرهم العباء، و أرديتهم النمار، يلبون، يحجون البيت العتيق (1).
و نقول:
إن هذا النص يحتاج إلى ما يؤكده و يقويه، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يجهل ذلك الموضع، فقد مر به عدة مرات، و لا سيما حين الهجرة، و حين فتح مكة، فلما ذا يسأل أبا بكر عنه، في حين أن السائل أعلم بالأمر من المسؤول؟ !
و سؤال آخر و هو: أنه هل لم يحج البيت مارا بوادي عسفان سوى هود و صالح؟ ! أليس قد حج قبلهما إبراهيم و إسماعيل حسبما جاء في القرآن الكريم؟ !
1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 461 و مسند أحمد ج 1 ص 232 و العهود المحمدية للشعراني ص 219 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 240 و الدر المنثور ج 3 ص 97 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 275 و البداية و النهاية ج 1 ص 158 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 163.
إلا إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد التذكير بما جرى لهذين النبيين العظيمين مع قومهما، و أنه سيجري من أصحابه على خليفته ما يشبه ذلك، و اللّه هو العالم بحقيقة الحال.
و ما فائدة ذكر البكرين الأحمرين؟ ! و ذكر خطامهما، و أنهما من ليف؟ !
و ما فائدة ذكر أزرهما، و أرديتهما؟ !
و لماذا؟ ! و لماذا؟ !
و يلاحظ هنا: أن بعض الروايات تقول عن التمتع بالعمرة إلى الحج: أمرنا بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو فعلناها مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو نحو ذلك، و هو تعبير منسجم مع ما جرى، و ليس فيه ما يريب، أو ما يدعو إلى التساؤل. .
لكن هناك تعابير وردت ربما تكون مثارا للسؤال، كقول بعض الروايات: تمتع نبي اللّه و تمتعنا معه (1).
و في رواية: أعلم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جمع بين حج و عمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب، و لم ينهنا عنهما الخ. .
1) الغدير ج 6 ص 199 عن صحيح مسلم ج 3 ص 71 ح 169-171 و راجع: تلخيص الحبير ج 7 ص 113 و صحيح مسلم ج 4 ص 48 و سنن النسائي ج 5 ص 155 و 179 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 205 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 350 و 367 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 136 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456.
أو قول عمر عن حج التمتع: قد علمت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فعله و أصحابه.
أو قول سعد بن مالك عن المتعة: قد صنعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صنعناها معه.
أو قول ابن عمر: قد فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أمر به و غير ذلك (1).
و يمكن أن يجاب: بأنه بعد أن ثبت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حج قارنا لا متمتعا، فلا بد أن تحمل هذه الروايات على أن ثمة تصرفا تعرض له النص الأصلي، بأن يكون الرواة قد بدلوا الحديث الذي كان عن متعة النساء ليصبح عن متعة الحج، أو لا بد من طرح النص و إهماله، و الأخذ بما يتوافق مع الثابت عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو تلك النصوص المتواترة التي صرحت بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فرض عليهم فسخ حجهم إلى عمرة، ليكون حجهم حج تمتع، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» بقي على حج القران، لأنه ساق الهدي.
و قد يحمل بعض النصوص على أن قوله: جمع بين حجة و عمرة: أنه أمر بذلك، و شرعه، و قرره. .
أما النصوص المطلقة، فيمكن حملها على إرادة متعة النساء، أيضا. .
و بعض نصوص قول ابن عمر قد جاء على صورة القضية التعليقية، التقديرية، فلا تدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فعل ذلك على الحقيقة. .
1) راجع النصوص في كتاب الغدير ج 6 ص 198 و ما بعدها.
و قد زعمت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تطيب، و أن عائشة كانت ترى الطيب في مفرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أيام، أو بعد ثالثة و هو محرم.
و نقول:
لا ريب في عدم صحة ذلك، قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب. و قد قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المحرم الذي و قصته راحلته (1): «لا تمسوه بطيب» رواه مسلم.
و في لفظ: «لا تحنطوه» متفق عليه.
فلما منع الميت من الطيب لإحرامه فالحي أولى. و متى تطيب فعليه الفدية» (2)انتهى.
و لا نرى تناقضا بين قولهم في النص المتقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما صلى الصبح أخذ في الإحرام. .
و بين قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أحرم بعد صلاة الظهر، فإن
المقصود بأخذه في الإحرام هو التهيؤ له، بفعل مقدماته، مثل الغسل المستحب قبله، و إزالة الشعر و نحو ذلك. .
و قد تقدم: أن أربعة عشر من الصحابة قد رووا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره بفسخ الحج إلى العمرة، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من كان معه هدي، لأنه كان قد ساق الهدي، فصار حجهم حج قران.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبرهم: أن حج التمتع الذي نزل الأمر به بعد أن ساق النبي «صلى اللّه عليه و آله» الهدي أفضل من حج القران، و أنه بعد حجه هذا سوف يختار الأفضل، و أنه لو كان استقبل من أمره ما استدبر لما ساق الهدي و لجعلها عمرة. .
و قد ادّعى ابن القيم حسبما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خير من لم يكن معه هدي بين حج القران و حج التمتع في سرف، فلما وصل إلى مكة ألزم من ليس معه هدي بجعلها عمرة، و أن يحج متمتعا، و من معه هدي ألزمه بحج القران في مكة.
و هو كلام غير دقيق. . فإن الذين لم يسوقوا الهدي، و قد احرموا من الميقات لم يكونوا مخيرين بين القران و التمتع. بل كان فرضهم التمتع حصرا، و لكن ذلك لم يكن يروق لهم، بل كانوا يعارضونه أشد المعارضة، و قد عارضه عمر بن الخطاب في مكة. فأحب «صلى اللّه عليه و آله» أن يتدرج معهم في إبلاغهم هذا الحكم. فقال لهم أولا: من أحب. ثم لما
وصلوا إلى مكة ألزمهم بما فرضه اللّه تعالى عليهم، و لم يلتفت إلى كلام عمر، و لا إلى كلام غيره. .
و سيأتي الحديث عن موقف عمر هذا إن شاء اللّه. .
و قد فسر البعض قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ، بأن العمرة جزء من حج القران، فمن ثم قيل: قرن، أي قرن بين الحج و العمرة و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مفردا أولا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، و أدخلها على الحج فصار قارنا، و اكتفى بطواف الحج و سعيه عنه و عنها، كما زعم ابن كثير.
و نقول:
إن دعوى وجود عمرة في ضمن حج القران، من دون أن يكون لها طواف و لا صلاة، و لا سعي، و لا تقصير تحتاج إلى إثبات قاطع للعذر. . و ما قولهم: إنه اكتفى بطواف الحج و سعيه عن طواف العمرة و سعيها إلا اقتراح و افتراض إلا إن لم يقترن بالدليل و الحجة. .
و كلمة: «دخلت العمرة في الحج إلى الأبد» ، قد قيلت في جواب سراقة عن حكمة تحويل و فسخ حج الناس الذين لم يسوقوا الهدي إلى العمرة التي تسبق حج التمتع، فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» بالتأكيد على أن فرض الذين لا يسكنون داخل المواقيت إلى جهة مكة ما إذا لم يسوقوا الهدي هو التمتع، و لزوم تقديم العمرة على الحج. و أن هذا الحكم ثابت إلى الأبد.
و تقدم قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خرج من المدينة لا يسمى حجا و لا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا و المروة، فأمر من لم يكن معه هدي يجعلها عمرة.
و نقول:
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان عالما بالحكم، و قد صرحت النصوص: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أهلّ بحج القران كما تقدم، و لكنه لم يكن يصرح للناس بشيء، لأنه كان يتصرف وفق خطة إلهية تهدف إلى تكريس حج التمتع الذي كان يلقى معارضة شديدة. . فأشار عليهم بحج التمتع بسرف، فلم يستجيبوا له، فلما بلغ مكة أمرهم به بصورة جازمة، فاعترض عليه عمر، فلم يلتفت إليه، و أمضى ذلك عليهم. .
و قد ميز نفسه عنهم بحج القران، ليؤكد لهم و لكل أحد تحديد ما يرمي إليه، و لا يفسح المجال لأي تأويل أو افتئات، فإنه كان يعرف أن هذا الحكم سيلقى معارضة قوية.
و كان لا بد أن يتخذ الإجراءات المناسبة ليكسر حالة اللجاج و العناد التي ظهرت آثارها في اعتراض عمر الذي استمر على المعارضة الشديدة حتى في زمن خلافته. .
و عن جوابه «صلى اللّه عليه و آله» لسراقة بن مالك عن فسخ الحج إلى العمرة بقوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» نقول:
إن فسخ الحج إلى عمرة قد لا يصدق على كثيرين، فقد قالت عائشة: «خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا نذكر حجا و لا عمرة» (1). . فإذا كانت عائشة و أمثالها لا يذكرون شيئا منهما، فما بالك بالآخرين، الذين كان أكثرهم بعيدين عن التدقيق في مثل هذا الأمر.
و رغم أن الآية القرآنية الكريمة تنص على تشريع التمتع بالعمرة إلى الحج، في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ (2).
و رغم أن الناس قد فعلوا حج التمتع في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات في السنة العاشرة من الهجرة، و ذلك قبل استشهاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقليل، الذي كان في الثامن و العشرين من شهر صفر. .
نعم، رغم ذلك، فإن عمر بن الخطاب قد أصر على مواصلة إنكاره لحج التمتع، حتى إذا نال ما تمناه من الإمرة على الناس بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منعهم عنها بالقوة، و قد تقدم حديث منعه عن متعة
1) صحيح مسلم ج 4 ص 33 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 6 و 39 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 138 معرفة السنن و الآثار البيهقي ج 3 ص 512 و 555 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 371 و البداية و النهاية ج 5 ص 160 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 281 و 282 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و السيرة الحلبية ج 3 ص 311.
2) الآية 196 من سورة البقرة.
الحج و متعة النساء، و توعده بعقوبة من يفعل أية واحدة منهما. .
و نشير فيما يلي إلى نصوص أخرى ذكرت منعه عن متعة الحج بالخصوص، فقد روي عن أبي موسى: أنه سأل عمر عن متعة الحج، فأجابه بقوله: «قد علمت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فعله و أصحابه، و لكنني كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم» (1).
و قد فسرت بعض الأحاديث الرجل الذي لم يرضى بحكم اللّه في النسك بعمر (2).
و قد اعترض الضحاك على سعد بن مالك: بأن عمر قد نهى عن حج التمتع، فقال له سعد: قد صنعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و صنعناها معه (3).
1) الغدير ج 6 ص 200 عن مسلم في صحيحه ج 3 ص 67 ح 157، و ابن ماجة ج 2 ص 992 و مسند أحمد ج 1 ص 50 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 20 و سنن النسائي ج 5 ص 153 و تيسير الوصول ج 1 ص 340 و شرح الزرقاني على موطأ مالك، و البحار ج 30 ص 617.
2) الغدير ج 6 ص 200 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 170 ح 165 و 166 و 167.
3) الغدير ج 6 ص 201 عن كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 199 و الموطأ لمالك ج 1 ص 148 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 7 و سنن النسائي ج 5 ص 152 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 185 و المواهب اللدنية ج 4 ص 412 و عن زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 84 و عن الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 258 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 335.
و سئل سعد بن مالك أيضا عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: حسنة جميلة.
فقيل: قد كان عمر ينهى عنها، فأنت خير من عمر؟ ! (1).
قال: عمر خير مني، و قد فعل ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو خير من عمر.
و عن سالم قال: إني لجالس مع ابن عمر في المسجد، إذ جاء رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل.
قال: فإن أباك كان ينهى عنها.
فقال: ويلك! فإن أبي نهى عنها، و قد فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمر به، أ فبقول أبي آخذ؟ أم بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! قم عني (2).
و ثمة نصوص أخرى تدل على منع عمر من متعة النساء، في أيام خلافته فلتراجع في مظانها (3).
1) سنن الدارمي ج 2 ص 35.
2) الغدير ج 6 ص 201 و 202 عن الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 365 عن الدار قطني، و عن الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 185 و زاد المعاد ج 1 ص 189 و عن هامش شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 2 ص 252 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 21 و مجمع الزوائد ج 1 ص 285 و التمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 209 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 388 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 9 ص 32.
3) مسند أحمد ج 1 ص 49 و ج 5 ص 143 و الغدير ج 6 ص 202 فما بعدها عن زاد المعاد ج 1 ص 214 و 215 و 220 و مجمع الزوائد ج 3 ص 246 و كنز العمال ج 5 ص 167 و الدر المنثور ج 1 ص 216 عن أحمد، و عن مسند ابن راهويه، و راجع: إرشاد الساري ج 3 ص 204 و عن جامع بيان العلم ج 2 ص 246 و مختصر جامع بيان العلم ص 199 ح 180 و الآثار لأبي يوسف ص 97.
و قد صرح في بعضها: بأنه سوف يعاقب من يحاول أن يخالف أمره الصارم في متعة النساء و متعة الحج، و مصادر ذلك تأتي في الفقرة التالية. .
و زعمت النصوص المتقدمة: أن معاوية هو أول من نهى عن حج التمتع بالعمرة إلى الحج (1).
و في نصوص أخرى: أن عثمان هو الذي نهى عنها (2).
و نقول:
أولا: إن هذا الكلام غير صحيح، فإن عمر بن الخطاب هو أول من نهى عن حج التمتع، و ذلك في قوله المشهور: «متعتان كانتا على عهد رسول «صلى اللّه عليه و آله» أنا أحرمهما، و أعاقب عليهما: متعة النساء، و متعة الحج» (3).
1) راجع: بالإضافة إلى ما تقدم: مسند أحمد ج 1 ص 292 و 313 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 184.
2) راجع: الغدير ج 6 ص 199 فما بعدها عن شرح مسلم للنووي على صحيح مسلم ج 8 ص 205 و إرشاد الساري ج 4 ص 88 و عن فتح الباري ج 3 ص 433 و غير ذلك.
3) مسند أحمد ج 1 ص 337 و ج 3 ص 325 و 356 و 363 و الغدير ج 6 ص 208 و 209 و 210 و 211 و 212 و نقل أيضا عن الجمع بين الصحيحين، و عن زاد المعاد، و جامع بيان العلم ج 2 ص 239 و عن مختصر جامع بيان العلم ص 226 و كنز العمال (ط الهند) ج 22 ص 93 و 94 و 95 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 16 ص 519 و 520 و 521 عن الطبري، و أبي صالح، و الطحاوي، و ابن عساكر، و عن ضوء الشمس ج 2 ص 94. و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 182 و ج 12 ص 251 و ج 16 ص 265 و الأم ج 7 ص 219 و سنن البيهقي ج 7 ص 206 و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 6 ص 404 و مرآة العقول ج 3 ص 481 و الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 238 و تفسير النيسابوري (بهامش الطبري) ج 5 ص 17 و البيان و التبيين (ط سنة 1380 ه) ج 4 ص 278 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 208 و 223 و زاد المعاد ج 1 ص 213 و ج 2 ص 184 و فيه (ثبت عن عمر) و التفسير الكبير للرازي (ط سنة 1357 ه) -مستدلا به-ج 10 ص 51 و راجع ص 52 و في (ط أخرى) ج 2 ص 172 و ج 3 ص 201 و 202 و وفيات الأعيان، و صحيح مسلم ج 4 ص 131 و تلخي صالشافي ج 3 ص 153 و ج 4 ص 29 و مجمع البيان ج 3 ص 32 و كنز العرفان ج 2 ص 156 و 158 عن الطبري في المستنير، و الجواهر ج 30 ص 139 و 140 و 145 و 148 و 149 و نفحات اللاهوت ص 98 و الإيضاح ص 443 و دلائل الصدق ج 3 ص 102 و 103 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 270 و بداية المجتهد ج 1 ص 342 و المحلى ج 9 ص 107 و التمهيد للقرطبي ج 23 ص 364 و 365 بسندين، و التفسير الحديث لمحمد عزة دروزة ج 9 ص 54 و المرأة في القرآن و السنة لدروزة أيضا ص 182 عن المغني لابن قدامة (ط دار الكتاب العربي) ج 7 ص 527 و عن شرح معاني الآثار باب مناسك الحج ص 374 و ج 2 ص 144 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152 باب القرآن من كتاب الحج و صححه، و البحار (ط قديم) ج 8 ص 273 عن جامع الأصول لابن الأثير، و تحريم نكاح المتعة ص 106 و 105 و 72 و 73 و 76 و أخبار القضاة لوكيع ج 2 ص 124 و قد أشار المعلق في هامشه إلى أن نهي عمر عن المتعة رواه ابن ماجة، و البيهقي، و ابن المنذر، و محاضرات الراغب ج 2 ص 214 و المسالك ج 1 ص 500 و المتعة للفكيكي ص 72 و شرح التجريد للقوشجي مبحث الإمامة ص 484 و الصراط المستقيم ج 3 ص 277 عن الطبري، و جواهر الأخبار و الآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار ج 2 ص 192 عن التفتازاني في حاشيته على شرح العضد، و التمهيد ج 10 ص 112 و 113 و المنتقى للفقي ج 2 هامش ص 519 و الدر المنثور ج 2 ص 141 و راجع: الإيضاح ص 443 و سنن سعيد بن منصور ج 1 ص 219.
ثانيا: إن معاوية نفسه يقول: إنه هو الذي قصر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بمشقص بعد طوافه و سعيه في أيام العشرة (1).
لكن قيس بن سعد، الراوي عن عطاء قال: و الناس ينكرون هذا على معاوية (2).
فإذا كان معاوية يروي: أنه هو الذي قصر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عمرة حج التمتع، فكيف يكون هو نفسه الناهي عن حج التمتع كما نقله لنا ابن عباس؟ !
غير أننا نقول:
إن معاوية كاذب في دعواه: أنه قصر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد طوافه و سعيه للعمرة في حجة الوداع. . لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد
حج قارنا، فلا معنى للتقصير بعد الطواف و السعي في أيام العشر.
و على فرض كونه صادقا أو كاذبا، فإنه متجرئ على اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» عن علم و عمد في منعه الناس عن فعل ما شرعه اللّه تعالى لهم.
و حين رأوا: أن ما فعله عمر قد جاء واضحا و فاضحا، و لا مجال للتسويق له، حاولوا تلطيف الأجواء بطرح بعض التعليلات، و من هذه التأويلات:
1-ما زعم ابن عمر: أن أباه لم يقل: يحرم التمتع بالعمرة إلى الحج، و إنما قال: أفردوا العمرة من الحج، لكي يزور الناس البيت في غير أشهر الحج، أي أن العمرة لا تتم في شهر الحج إلا بهدي، قال: «فجعلتموها أنتم حراما، و عاقبتم الناس عليها، و قد أحلها اللّه عز و جل الخ. .» (1).
و في نص آخر عن ابن عمر: أن عمر لم يقل لك: «إن العمرة في أشهر الحج حرام، و لكنه قال: إنّ أتمّ العمرة أن تفردها من أشهر الحج» (2).
1) السنن الكبرى ج 5 ص 21 و المجموع للنووي ج 7 ص 158 و الغدير للشيخ ج 6 ص 202 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 21 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 61 و 107 و التمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 210 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 33.
2) السنن الكبرى ج 5 ص 21 و مجمع الزوائد ج 1 ص 285 و الغدير ج 6 ص 202 و ج 10 و 66 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 147 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 538 و كنز العمال ج 5 ص 301.
و عن ابن عمر أيضا: أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم و عمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، و أتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج (1).
و نقول:
إن هذه التأويلات لا تصح و لا تجدي و ذلك لما يلي:
أولا: إن عمر نفسه كان يتبجح بأنه إنما ينهاهم عن نفس ما أمر اللّه به في كتابه، و فعله رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .
فعن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: و اللّه إني لأنهاكم عن المتعة، و إنها لفي كتاب اللّه، و لقد فعلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يعني العمرة في الحج (2).
ثانيا: عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج، و قال: فعلتها مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنا أنهى عنها.
إلى أن قال: لو خلينا بينهم و بين ذلك لعانقوهن تحت الأراك، مع أن أهل البيت-يعني أهل مكة-ليس لهم ضرع و لا زرع، و إنما ربيعهم في من
يطرأ عليهم (1). . أي أنه يريد ان يعتمر الناس في غير أشهر الحج لينتفع بهم أهل مكة، إذ ليس لهم ضرع.
ثالثا: إن جعل العمرة في غير أشهر الحج، معناه: إلغاء حج التمتع، و اختلاف التعابير أو التأويلات لا يفيد شيئا، و هذا يخالف ما جاء به الكتاب، و أمرهم به الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
و لا ينفع التمسك تارة: بمقولة أنه يريد لأهل مكة أن ينتفعوا بورود المعتمرين عليهم.
و أخرى: بأنه لا يريد للناس أن يذهبوا إلى عرفات و رؤوسهم تقطر من ماء غسل الجنابة، أو خوفا من أن يعرسوا بالنساء في أراك عرفات، أو خوفا من أن يذهبوا إلى عرفات و ذكورهم تقطر منيا، على حد تعابير عمر بن الخطاب في الموارد المختلفة. فإن ذلك لا يدفع غائله إقدام عمر على تغيير أحكام الشرع، و عدم الرضا بها. .
بل إنه حتى لو أراد إدخال أي تعديل عليها، و لو بمقدار ترجيح حج القران على حج التمتع، أو ترجيح الفصل بين العمرة و بين الحج، بفاصل زمني محدّد، و لو كان يسيرا. . فإن ذلك سيكون أيضا إدخالا لما ليس من الدين في الدين، و هو محرم قطعا، و استدراك على اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و إظهاره و كأن من يفعل ذلك و يصر عليه و يرتأي و يستحسن، ثم يعاقب من يخالفه-إن هذا الشخص-يرى نفسه أعرف من اللّه و رسوله
1) حلية الأولياء ج 5 ص 205 و كنز العمال ج 5 ص 164 عنه، و عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و البيهقي.
«صلى اللّه عليه و آله» بما يصلح الأمة، أو بالأرجح و الأولى. . و هذا مرفوض جملة و تفصيلا من أي كان من الناس. .
و خلاصة الأمر: لقد حاول عبد اللّه بن عمر أن يدافع عن أبيه، بادعاء: أنه لم يحرم حج التمتع، و لم يعاقب عليه، و إنما رجح للناس أن يفصلوا العمرة عن الحج، و يجعلوها في غير أشهر الحج. .
و هي محاولة فاشلة و باطلة، و أما فشلها فلما ذكرناه آنفا من أنه لا يحق لأحد أن يتصرف في التشريع برأيه. و أما بطلانها فلما تقدم من أنه حرم المتعة في الحج، و متعة النساء بصورة باتة و قاطعة و توعد المخالف بالعقوبة.
2-و تأويل آخر قد عكس الدعوى، فقال:
إن عمر لم ينه عن العمرة التي يعقبها الحج، بل نهى عن الحج الذي يؤتى بالعمرة بعده (1).
و قد رد ذلك العيني:
أولا: بما جاء في رواية مسلم من التصريح بكونها متعة الحج.
ثانيا: سيأتي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعمر بعض أهله و هي عائشة في العشر، بمجرد فراغه من نفره من منى.
ثالثا: في رواية له: جمع بين حج و عمرة، و مراده التمتع المذكور، و هو الجمع بينهما في عام واحد (2).
و يمكن مراجعة ما قاله العلامة الأميني في الجواب عن ذلك (1). .
3-هناك من حاول أن يصحح موقف عمر بن الخطاب بادّعاء: أن الحكم بالتمتع بالعمرة إلى الحج خاص بالصحابة، فلعمر الحق في أن يمنع غيرهم من حج التمتع، و يعاقب فاعله.
و قد ذكر ذلك في رواية رواها رجل اسمه بلال. .
و نقول:
أولا: قال ابن القيم: إن تلكم الآثار الدالة على الإختصاص بالصحابة، بين باطل لا يصح عمن نسب إليه البتة، و بين صحيح عن قائل غير معصوم، لا يعارض به نصوص المشرع المعصوم (2).
ثانيا: صرحت الرواية: بأن سراقة بن مالك قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : متعتنا هذه يا رسول اللّه، لعامنا هذا، أم للأبد؟ .
قال: لا، بل لأبد الأبد (3)أو نحو ذلك كما عن سراقة، و ابن عباس،
1) الغدير ج 6 ص 214.
2) الغدير ج 6 ص 214 عن زاد المعاد ج 1 ص 213.
3) الغدير ج 6 ص 214 عن المصادر التالية: صحيح البخاري ج 3 ص 148(باب عمرة التنعيم) و صحيح مسلم ج 1 ص 346 و الآثار لأبي يوسف ص 126 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 992 و مسند أحمد ج 3 ص 388 و ج 4 ص 175 و سنن أبي داود ج 2 ص 282 و صحيح النسائي ج 5 ص 178 و سنن البيهقي ج 5 ص 19. انتهى و راجع: الخلاف ج 1 ص 444 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) للحلي ج 7 ص 172 و (ط. ق) ج 1 ص 318 و منتهى المطلب (ط. ق) ج 2 ص 660 و 662 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 312 و إعانة الطالبين للدمياطي ج 2 ص 321 و تحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 380 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 2 ص 119 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 417 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 247 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 100 و 120 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 56 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 25 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 240 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 172 و مستطرفات السرائر لابن إدريس الحلي ص 552 و عوالي اللآلي ج 2 ص 235 و البحار ج 21 ص 404 و ج 30 ص 607 و ج 96 ص 95 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 331 و 451 و الغدير ج 6 ص 214 و اختلاف الحديث للشافعي ص 567 و كتاب المسند للشافعي ص 112 و 196 و مسند أحمد ج 3 ص 293 و 320 و 366 و 405 و ج 4 ص 175 و سنن أبي داود ج 1 ص 402 و 426 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 326 و 338 و ج 5 ص 6 و 7 و عمدة القاري ج 9 ص 186 و ج 10 ص 122 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 584 و عون المعبود ج 5 ص 258 و مسند أبي داود ص 233 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 504 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 26 و 94 و ج 12 ص 108 و المنتقى من السنن المسندة ص 122 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 191 و 192 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 227 و 232 و 235 و 252 و 255 و المعجم الكبير ج 7 ص 119 و 120 و 121 و 122 و 127 و سنن الدار قطني ج 2 ص 248 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 488 و 513 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 106 و الدرر لابن عبد البر ص 262 و 265 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 423 و 424 و نصب الراية ج 3 ص 206 و أحكام القرآن ج 4 ص 143 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 393 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 359 و 364 و المستصفى للغزالي ص 210 و المحصول للرازي ج 2 ص 103 و منتقى الجمان ج 3 ص 108 و تهذيب الكمال ج 10 ص 215 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 297 و ج 2 ص 12 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 703 و البداية و النهاية ج 5 ص 160 و 165 و البداية و النهاية ج 7 ص 169 و إعلام الورى ج 1 ص 261 و عيون الأثر ج 2 ص 344 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 280 و 291 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 139 و ج 8 ص 467 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص 138 و الفتوحات المكية لابن العربي ج 1 ص 76.
و عمر بن الخطاب (1). .
ثالثا: قال أحمد عن بلال راوي الحديث لا يعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال عندي بثبت (2).
و قال ابن القيم: نحن نشهد باللّه أن حديث بلال هذا لا يصح عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو غلط عليه (3). .
4-و تأويل رابع تضمنته رواية مزعومة تقول: عن سعيد بن المسيب:
1) راجع: الغدير ج 6 ص 215 عن صحيح البخاري ج 2 ص 556 و عن مسلم ج 3 ص 70 و ج 1 ص 355 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 13 و ج 4 ص 344 و 352 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 271 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 991 و سنن الدارمي ج 2 ص 51 و سنن أبي داود ج 2 ص 156 و سنن النسائي ج 5 ص 181 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 230.
2) عون المعبود للعظيمآبادي ج 5 ص 171 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 19 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 359.
3) الغدير ج 6 ص 215 عن زاد المعاد ج 1 ص 207 و 208 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 63 و عون المعبود ج 5 ص 171.
أن صحابيا أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه الذي توفي فيه ينهى عن العمرة قبل الحج (1). .
و نقول:
أولا: قال العيني و غيره: إن هذا الحديث مخالف للكتاب و السنة، و الإجماع (2). .
ثانيا: و قال أبو سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال و قد اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قبل موته، و جوز ذلك إجماع أهل العلم و لم يذكر فيه خلافا (3).
أو: قد اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عمرتين قبل حجه، و الأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون و جواز ذلك إجماع من أهل العلم لم يذكر فيه خلاف (4).
ثالثا: قال الزرقاني: إسناده ضعيف و منقطع كما بينه الحفاظ (5). .
رابعا: لماذا لم يذكر لنا سعيد بن المسيب اسم ذلك الصحابي الذي أدلى
1) سنن أبي داود ج 2 ص 157 و المجموع للنووي ج 7 ص 157 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 237 و نيل الأوطار ج 5 ص 58 و تهذيب الكمال ج 15 ص 439 و البداية و النهاية ج 5 ص 159 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 279 و الفتوحات المكية لابن العربي ج 1 ص 748.
2) عمدة القاري ج 9 ص 199 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 238.
3) شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 266 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 58.
4) عون المعبود ج 5 ص 152.
5) شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 266.
بهذه الشهادة؟ !
خامسا: لماذا لم ينقل هذا الأمر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا ذلك الصحابي؟ ! و أين كان سائر الصحابة عن مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الساعة؟ !
و كيف اكتفى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نسخ حكم ثابت في الكتاب-و قد عمل به عشرات الألوف من الناس بذكره أمام هذا الرجل الوحيد المجهول؟ ! !
و لماذا لم ينقل هذه الشهادة أمام عمر بن الخطاب إلا سعيد بن المسيب، الذي ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر كما ذكره ابن عبد البر؟ ! (1)أو لثلاث سنين بقيت من خلافة عمر كما ذكره غيره (2).
فعمن نقل ابن المسيب حديثه هذا يا ترى؟ ! .
سادسا: لماذا لم يستشهد عمر بن الخطاب بهذا النهي على الصحابة الذين انتقدوه على تحريمه للمتعتين، و لم يستشهد به عثمان على حرمة حج التمتع، ليحسم الأمر في احتجاجه على أمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى؟ ! .
سابعا: إذا كان ذلك صحيحا، فلما ذا يصر عمر على نسبة النهي عن
1) الإستذكار ج 7 ص 488 و عمدة القاري ج 1 ص 186 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 301 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 238 و الثقات لابن حبان ج 4 ص 273 و تهذيب الكمال للمزي ج 11 ص 67 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 54 و سير أعلام النبلاء ج 4 ص 218.
2) عون المعبود للعظيمآبادي ج 14 ص 19 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 301.
المتعتين إلى نفسه، فيقول: أنا أنهى عنهما، و أعاقب عليهما؟ ! ألم يكن الأولى أن ينسب ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينوه بما ذكره له ذلك الصحابي، لكي يدفع عن نفسه غائلة التهمة بتصديه لإبطال أحكام اللّه، و تشريع ما يخالف اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
و حاولوا توجيه اختلافاتهم في طبيعة حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن سببه اختلاف إهلال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتارة: كان يهلّ بحجة و أخرى: بعمرة، و ثالثة: يهلّ بحجة و عمرة.
و نحن لا نشك في عدم صحة هذا الكلام من أساسه. .
فأولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن متحيرا فيما يفعل، بل كان عالما بأنه يحج حج قران، فما معنى أن يهلّ بالعمرة؟ !
ثانيا: تقدم: أن عائشة قالت: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة، لا يسمي حجا و لا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا و المروة الخ. .
و أعجب من ذلك قول النووي و القسطلاني المتقدم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مفردا بالحج أولا، ثم أحرم بالعمرة ثانيا، ثم أدخلها في الحج ثالثا، فصار قارنا.
فإن هذا كله لا معنى له إذا كان قد ساق الهدي و أشعره، حسبما أوضحته الروايات. .
و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمر أربع عمر.
و سيأتي: أن هذا غير صحيح.
و الصحيح: هو ما روي عن أهل البيت «عليهم السلام» ، من أنه اعتمر ثلاث مرات فقط، و هي الحديبية، و القضاء، و الجعرانة بعد حنين. .
و ليس في حج القران عمرة، و ما زعموه من أن طواف الحج و سعيه يقوم مقام العمرة كما ذكره ابن كثير في النص المتقدم لا قيمة له من الناحية العلمية، إلا إذا أثبت ذلك بدليل قاطع، و لم يثبت أن الإنسان يعنبر معتمرا حتى حيث لا يوجد شيء من أفعال العمرة، فلا طواف و لا سعي و لا تقصير، و لا غير ذلك. .
و عن سبب رفض الناس حج التمتع آنئذ نقول:
أولا: قال الترمذي و العيني و غيرهما-تعليقا على حديث سراقة- حول ثبوت حكم التمتع إلى الأبد: «معنى هذا الحديث: أن أهل الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، و لا يرون العمرة في أشهر الحج إلا فجورا، فلما جاء الإسلام رخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك، فقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» : يعني: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. . انتهى (1). . و هو كلام هام جدا.
1) الجامع الصحيح ج 3 ص 271 و عمدة القاري ج 9 ص 198 و المجموع لمحيى الدين النووي ج 7 ص 8 و 168 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 237 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 237 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 57 و فقه السنة للشيخ سيد سابق ج 1 ص 750 و الغدير ج 6 ص 215 و 217 و سنن الترمذي ج 2 ص 206.
غير أننا نلاحظ على تعابير الترمذي و غيره:
1-قولهم: «رخص» أو «أذن» أو «جوز» ، مع أن هذا الحكم مفروض على الناس، و قد أعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن حج التمتع أفضل من حج القران، و من الإفراد.
2-إنه نسب الترخيص لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن هذا الحكم قد نزل به القرآن، و ألزم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل من لم يسق الهدي. .
ثانيا: عن ابن عباس، قال: و اللّه، ما أعمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك.
و قال: كانوا يرون: أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض (1).
و قد رووا: أن عليا «عليه السلام» حج في زمن عثمان، حج تمتع،
1) الغدير ج 6 ص 217 عن صحيح البخاري ج 2 ص 567 ح 1489 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 81 ح 198 كتاب الحج، و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 345 و سنن النسائي ج 5 ص 180 و المجموع للنووي ج 7 ص 9 و البحار ج 30 ص 616 و الغدير ج 6 ص 217 و مسند أحمد ج 1 ص 261 و سنن أبي داود ج 1 ص 442 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 345 و فتح الباري ج 3 ص 337 و عمدة القاري ج 9 ص 199 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 81 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 18 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 499 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 393 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 357.
فأحفط ذلك عثمان بن عفان، فقال: لعلي «عليه السلام» : تراني أنهى الناس عن شيء، و أنت تفعله؟ !
فقال «عليه السلام» : ما كنت لأدع سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقول أحد من الناس (1).
و في نص آخر: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و في نص ثالث: أن عليا «عليه السلام» قال لعثمان: عمدت إلى سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رخصة رخص للعباد بها في كتابه، تضيق
1) الغدير ج 6 ص 219 عن صحيح البخاري (ط سنة 1372 ه) ج 3 ص 69 و سنن النسائي ج 5 ص 148 و سنن البيهقي ج 5 ص 22 و ج 4 ص 52 و مسند أحمد ج 1 ص 136 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 352 و ج 5 ص 22 و مسند سليمان بن داود الطيالسي ص 16 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 342 و كنز العمال ج 5 ص 160 و سير أعلام النبلاء ج 21 ص 409 و الشفا للقاضي عياض ج 2 ص 14 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 279 و البداية و النهاية ج 5 ص 159.
2) الغدير ج 6 ص 219 و عن صحيح البخاري ج 2 ص 569 و عن مسلم ج 3 ص 168 ح 159 و المجموع للنووي ج 7 ص 156 و البحار ج 30 ص 613 و 633 و صحيح البخاري ج 2 ص 153 و فتح الباري لابن حجر ج 3 ص 336 و عمدة القاري ج 9 ص 198 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 15 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 199 و أحكام القرآن لإبن العربي ج 1 ص 181 و الدر المنثور ج 1 ص 216 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 144 و البداية و النهاية ج 5 ص 146 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 248 و ج 4 ص 253.
عليهم فيها، و تنهى عنها؟ ! و كانت لذي الحاجة، و لنائي الدار! !
ثم أهلّ بعمرة و حجة معا.
فأقبل عثمان على الناس، فقال: و هل نهيت عنها؟ ! إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به، فمن شاء أخذ به، و من شاء تركه (1). .
و حسبنا ما ذكرناه حول هذا الموضوع، فإن الحديث عنه طويل. . و الحر تكفيه الإشارة. .
1) الغدير ج 6 ص 219 و 220 و جامع بيان العلم ج 2 ص 30 و مختصر جامع بيان العلم ص 198 و الأحكام لابن حزم ج 6 ص 785.
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الفصل الثامن: جيش الإسلام في تبوك 5-48
الفصل التاسع: رسائل. . و أجوبتها 49-106
الفصل العاشر: في طريق العودة 107-150
الفصل الحادي عشر: أصح الروايات عن تبوك. . أو زبدة المخض 151-176
الفصل الثاني عشر: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة بعد تبوك 177-232
الباب العاشر: تبليغ سورة براءة و حجة الوداع
الفصل الأول: أبو بكر و سورة براءة: هكذا يزوّرون الحقائق 235-284
الفصل الثاني: حجة الوداع 285-236
الفهارس:337-351
الفصل الثامن: جيش الإسلام في تبوك
نزول المسلمين في تبوك:7
النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يسب أحدا:9
الجمع بين الصلاتين و تأخير الصلاة:9
خطبة النبي صلّى اللّه عليه و آله في تبوك:12
الإرتياب من الكفر:14
النياحة من أعمال الجاهلية:14
الشعر من إبليس:15
الشقي من شقي في بطن أمه:15
عباد بن بشر على الحرس في تبوك:16
مسجد تبوك:19
1-تحديد الجهات:19
2-مسجد تبوك و قبلته:19
3-ما هاهنا يمن:20
النبي صلّى اللّه عليه و آله في تبوك يصلي على ميت في المدينة:20
المرور بين يدي المصلي:23
كرامات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في تبوك:27
الكافر يأكل في سبعة أمعاء:30
حديث الجراب في ميزان الإعتبار:32
عرباض ملازم لباب الرسول صلى اللّه عليه و آله:32
لماذا المعجزة و الكرامة هنا؟ ! :33
لو لا أني أستحي من ربي! ! :33
نفضنا جربنا:34
يطلع قرن الشيطان من المشرق:35
تعقلها، و لا ترثها:36
ها هنا يطلع قرن الشيطان:37
الإيمان يمان:41
ما ذنب الفدادين؟ ! :42
هبوب ريح لموت عظيم النفاق:43
بئر سعد بن هذيم:44
أعطيت خمسا:45
متى بعث النبي للعالمين صلّى اللّه عليه و آله:46
آية التيمم متى نزلت؟ :47
الصلاة في الكنائس و البيع، و حرمة الغنائم:47
هي! ما هي؟ ! :48
نقض أول الكلام بآخره:48
لو تركته لسال الوادي سمنا:48
الفصل التاسع: رسائل. . و أجوبتها. .
رسائل بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و قيصر:51
نص الراوندي:58
لماذا ضمان الجنة؟ ! :59
إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ ! :61
توضيحات لا بد منها:62
لم تحدثه نفسه بشيء:66
صاحب الروم. . و عظيم الروم:67
بين هرقل و فرعون:67
ذهاب ملك النجاشي:69
مؤتة هي القوة الرادعة:70
الإستكبار الغبي:73
كذب عدو اللّه، و ليس بمسلم:73
رفض التنوخي للإسلام غير منطقي:75
هرقل يمنع الفلاحين من الإسلام، و من الجزية:75
حكم الإسلام واحد:77
الخطاب لهرقل دون سواه:77
ملك أيلة، و جربا، و مقنا:78
كتابه صلّى اللّه عليه و آله ليحنّة:80
كتابه صلّى اللّه عليه و آله لأهل أذرح و جربا:82
كتابه صلّى اللّه عليه و آله لأهل مقنا:83
كتاب إلى مالك بن أحمر:85
وفدان لجذام:86
من بركات تبوك:87
يريد كتابا يدعو قومه به:87
أمان اللّه، و أمان رسوله:87
إرفع رأسك:88
اليهودي و الصليب:88
لمحة توضيحية في كتاب يحنّة:89
أهل مقنا معتدون:89
الأمير من أهل البيت فقط:90
كتاب مزوّر لأهل مقنا:90
قصة ذي البجادين:92
إعتراض عمر على قراءة القرآن:94
لم يدع له بالشهادة! :95
إلى دمشق:96
حديث الطاعون في الشام:98
قتال الملائكة في تبوك:104
الفصل العاشر: في طريق العودة
قبل المسير:109
بعد بدء المسير:112
نبي يحتاج إلى مرشد! :113
صلاة الصبح تفوت النبي صلّى اللّه عليه و آله مرة أخرى:114
النبي صلّى اللّه عليه و آله يلعن أربعة سبقوه إلى الماء:116
النبي صلّى اللّه عليه و آله يسقي الجيش من قربة واحدة:117
لا حاجة إلى الإعادة:119
النبي صلّى اللّه عليه و آله مال إلى شقه فأسنده:119
أين الجيش؟ :120
لا سبيل للشيطان على الأنبياء عليهم السّلام:122
لو أطاعوا أبا بكر و عمر لرشدوا:122
المنفرون برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة:123
المجرمون. . من أي القبائل؟ ! :131
الأسماء التي يدعونها:132
سبب إخفاء الأسماء:135
إفلات اسم أبي موسى الأشعري:136
لائحة المجرمين لدى آخرين:137
عرفهم بعلم النبوة، فلا مؤاخذة للمجرمين:141
حمزة بن عمرو الأسلمي:142
دباب الحصى، و الهوة السحيقة:142
في تبوك أم في حجة الوداع؟ ! :143
لماذا هذه المؤامرة؟ ! :144
لمحات أخرى على ما جرى في العقبة:145
قصة الحفيرة:146
سبب منع النبي صلّى اللّه عليه و آله الناس من مرافقته:147
التخفي بصورة حجر:148
رؤساء العسكر هم العدو:149
الفصل الحادي عشر: أصح الروايات عن تبوك. . أو زبدة المخض
بداية:153
النص الأقرب و الأصوب:153
الإنقلاب يبدأ بضرب نقطة الإرتكاز:162
الخطة الملعونة:163
القرار النبوي في ثلاثة اتجاهات:163
الإخبار بالغيب، و المعجزات في تبوك:164
إن تهلك هذه العصابة لا تعبد:165
قائد السرية خالد؟ ! أم الزبير و أبو دجانة؟ ! :166
مناديل سعد، أم مناديل الزبير؟ ! :167
الحرب الإعلامية و أثرها:169
سياسة الفضائح:170
عدد سرية آسري أكيدر:172
المطلوب من الزبير خاصة:173
الفصل الثاني عشر: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة بعد تبوك
بالمدينة أقوام لهم أجر المجاهدين:179
المدينة تنفي خبثها، و خير دور الأنصار:181
خبث أهل المدينة:182
نفي الخبث هو فضح المنافقين:187
نقل الوباء إلى خم:187
أحد جبل يحبنا و نحبه:195
خير دور الأنصار حديث مشكوك:198
طلع البدر علينا:199
الأجر و الحسنة:203
مسجد الضرار:204
بناة مسجد الضرار:207
هدم و حرق مسجد الضرار:208
عاقبة السكنى في مسجد الضرار:209
عمر، و إمام مسجد الضرار:211
بدريون. . في مسجد الضرار:212
سبب التسمية بمسجد الضرار:213
هدم المسجد، لماذا؟ !217
جيش الروم أمل أهل النفاق:218
الملاعنة في المسجد:219
إيضاح مفردات:220
لعل هذه أمارات شرعية؟ !221
نزول آية اللعان و اعتراض سعد:222
متى نزلت آية اللعان؟ ! :223
جلد هلال بن أمية:224
لو لا ما مضى من كتاب اللّه:225
آمنة بنت وهب المؤمنة الطاهرة:228
الباب العاشر: تبليغ سورة براءة و حجة الوداع الفصل الأول: أبو بكر و سورة براءة: هكذا يزوّرون الحقائق
أبو بكر يحج بالناس:237
إرجاع أبي بكر و بعث علي عليه السّلام:237
و إن مكرهم لتزول منه الجبال:239
أساس القضية:239
الثناء على أبي بكر في سورة «براءة» :244
من بدع الرافضة! ! :246
رجوع إلى روايات غير الشيعة:247
هل نقض النبي صلّى اللّه عليه و آله العهد؟ ! :251
ليس للمشرك أن يأتي بيت اللّه:252
كيف يتبدل رأي النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :253
لا ينقض العهد إلا العاقد أو رجل منه:254
لماذا أرجع أبا بكر؟ :257
اللّه لا يؤاخذ على النوايا:260
لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك:263
الحدة بين علي عليه السّلام و بين المشركين:268
نحن في حيرة من أمرنا:270
قصة براءة دليل إمامة أبي بكر:271
أبو بكر و عمر إلى مكة:273
محاولة فاشلة:275
أبو بكر لم يعزل:276
من لم يصلح لتبليغ سورة لا يصلح للخلافة:278
نحن في حيرة من أمرنا:279
علي عليه السّلام و عمار:279
عودة علي عليه السّلام:280
1-النظام و الإنضباط:281
2-تأكيد الإرتباط بالقيادة:282
3-الجنة هي ثمن البشارة:282
4-إستقبال علي عليه السّلام:283
جزع قريش:283
الفصل الثاني: حجة الوداع
الإهتمام بحجة الوداع لماذا؟ ! :287
إعلان المسير. . جاء بخلائق لا يحصون:288
حجات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:288
الإعلان. . أم الأذان؟ :290
عدد الذين حجوا مع الرسول صلّى اللّه عليه و آله:291
لماذا هذا الحشد؟ ! :292
وباء الجدري و الحصبة:294
هكذا خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى الحج:294
النبي صلّى اللّه عليه و آله بذي الحليفة:297
لماذا إفشاء أسرار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:298
دخلت العمرة في الحج:299
ولادة محمد بن أبي بكر:299
قصة الحمار الوحشي و الظبي:301
مساجد بناها الناس:303
ضياع زاملة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! ! :304
زاملة النبي صلّى اللّه عليه و آله و زاملة أبي بكر واحدة:307
أبو بكر يضرب الغلام و النبي صلّى اللّه عليه و آله يبتسم:309
هود و صالح يحجان:310
متى حج النبي صلّى اللّه عليه و آله متمتعا؟ ! :311
الطيب للمحرم حرام:313
أحرم بعد صلاة الظهر:313
الأمر بفسخ الحج إلى العمرة:314
دخلت العمرة في الحج إلى الأبد:315
التلويح ثم التصريح:316
دخلت العمرة في الحج:316
عمر لا يرضى بحكم اللّه! ! :317
أول من نهي عن حج التمتع:320
تأويلات للخروج من المأزق:323
سبب اختلافهم في حج النبي صلّى اللّه عليه و آله:332
تصديق روايات الإعتمار أربعا
332
أهل الجاهلية يمنعون من حج التمتع
333
علي عليه السّلام لا يدع السنة لقول أحد
334
الفهارس
337
1-الفهرس الإجمالي
339
2-الفهرس التفصيلي
341