ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء التاسع و العشرون
إن إشراك علي، و الحسنين، و فاطمة «عليهم السلام» في المبالهلة مما تواترت به الأخبار، و اجتمعت عليه كلمة المسلمين، فقد قال الطبرسي: «أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا: الحسن و الحسين» (1).
و قال الطوسي: «أجمع أهل النقل و التفسير على ذلك» (2).
و قال الرازي و غيره: «هذا الحديث كالمتفق عليه بين أهل التفسير و الحديث» (3).
و قال الجصاص: «نقل رواة السيرة، و نقلة الأثر، و لم يختلفوا في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بيد الحسن و الحسين و علي و فاطمة رضي اللّه عنهم،
ثم دعا النصارى الذين حاجوه في المباهلة» (1).
و قال الحاكم: «تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد اللّه بن عباس و غيره: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ يوم المباهلة بيد علي و الحسن و الحسين، و جعلوا فاطمة وراءهم الخ. .» (2).
غير أننا نجد في مقابل ذلك: أن ابن كثير تبعا للشعبي لم يذكر عليا «عليه السلام» في حديث المباهلة (3).
قال الطبري في تفسيره: «حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، قال: فقلت للمغيرة: إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم، فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري، لسوء رأي بني أمية في علي، أو لم يكن في الحديث» ؟ (4).
و نقول: و الصحيح هو الأول؛ لأن ذكره في الحديث متواتر و لا شك. و لكنهم حين لم يجدوا مبررا لإقحام أي من محبيهم في هذا الحدث الهام جدا، و لم يمكنهم إنكار أو دلالة هذا الحدث على عظيم فضل أمير المؤمنين، إلى حد أنه يجعله أفضل من سائر الأنبياء باستثناء نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، لجأوا إلى ما ربما يثير شبهة، أو على الأقل يبعد عليا «عليه السلام»
عن الذاكرة، إلى أن يجدوا مخرجا من هذه الورطة، و كان الشعبي هو الرائد في تنفيذ هذه الرغبة. . فله موقف بين يدي اللّه، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم، و سيجد فيه أن تجاهله هذا لعلي «عليه السلام» سيجر عليه من البلاء ما لا قبل له به و لا قدرة له على تحمله.
و قد ذكر بعضهم: أن عمر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا عنتهم بيد من تأخذ؟ !
قال: آخذ بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين، و عائشة، و حفصة. و هذا (أي زيادة عائشة و حفصة) يدل عليه قوله تعالى: وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ (1)» (2).
و عن الصادق «عليه السلام» عن أبيه، في هذه الآية: تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ (3)قال: «فجاء بأبي بكر و ولده، و بعمر و ولده، و بعثمان و ولده، و بعلي و ولده» و الظاهر: أن الكلام في جماعة من المؤمنين (4).
1) الآية 61 من سورة آل عمران.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 212 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 144 و 145 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 506 و السيرة الحلبية ج 3 ص 236.
3) الآية 61 من سورة آل عمران.
4) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن ابن عساكر، و تفسير المنار ج 3 ص 322 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 507 و كنز العمال ج 2 ص 379 و تفسير الميزان ج 3 ص 244 و فتح القدير ج 1 ص 348 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 177.
و نقول:
1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ بيد علي و فاطمة و الحسنين «عليهم السلام» ، فعلا، و لم يأخذ بيد عائشة و لا حفصة. .
2-إن كلمة: «و نساءنا و نساءكم» لا تقتضي إضافة عائشة و حفصة، و سيأتي توضيح ذلك، لأن المقصود هو إشراك جنس المرأة الكاملة التي هي المثل الأعلى للتربية الإلهية، و ليس ذلك غير الزهراء «عليها السلام» ، و ليس المراد مطلق امرأة حتى لو قادت حروبا بين المسلمين، و ضد إمام زمانها بالذات. .
و سيأتي: أن لذلك نظائر في الآيات القرآنية، التي تتحدث عن جماعة و يكون المقصود بها أفراد بأشخاصهم، كآية التطهير، و آيات أخرى. .
3-إن حديث مجيئه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي بكر، و عمر و عثمان، و علي و ولدهم بالإضافة إلى أنه مما تكذّبه الروايات المتواترة، قد جاء موافقا لترتيب الخلافة.
و اللافت: أن أحدا من أتباع الخلفاء و محبيهم لم يذكر هذه الرواية و لا أشار إليها في سياق تشكيكاتهم بصحة أو بدلالة حديث المباهلة. . فكيف فاتهم ذلك، حتى انفرد به الإمام الصادق «عليه السلام» حسبما نسبه إليه ابن عساكر؟ !
4-قد المحت بعض النصوص المتقدمة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» دون سائر نسائه، حيث قالت: «و فاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة و له يومئذ عدة نسوة» . أي أنه أخرجها دون نسائه رغم تعددهن، و ذلك يدل على عدم صحة إضافة كلمتي: «و عائشة و حفصة» إلى
الجماعة التي أخرجها «صلى اللّه عليه و آله» إلى المباهلة.
و قد حاول البعض التشكيك في حديث المباهلة، بأنحاء أخرى، فنقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده: «أن الروايات متفقة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اختار للمباهلة عليا و فاطمة و ولديهما. و يحملون كلمة «نساءنا» على فاطمة، و كلمة «أنفسنا» على علي فقط» .
و مصادر هذه الروايات الشيعة، و مقصدهم منها معروف، و قد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، حتى راجت على كثير من أهل السنة.
و لكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإن كلمة «نساءنا» لا يقولها العربي و يريد بها بنته، لا سيما إذا كان له أزواج، و لا يفهم هذا من لغتهم.
و أبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.
ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم، لم يكن معهم نساؤهم و أولادهم.
و كل ما يفهم من الآية أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو المحاجين و المجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الإجتماع رجالا و نساء، و أطفالا، و يبتهلون إلى اللّه بأن يلعن هو الكاذب فيما يقول عن عيسى.
و هذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، و ثقته بما يقول. كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب، سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم، على امترائهم في حجاجهم، و مماراتهم فيما يقولون، و زلزالهم فيما يعتقدون، و كونهم على غير بينة و لا يقين. و أنى لمن يؤمن باللّه أن يرضى بأن
يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين و المبطلين في صعيد واحد، متوجهين إلى اللّه تعالى في طلب لعنه، و إبعاده من رحمته؟ ! و أي جراءة على اللّه، و استهزاء بقدرته و عظمته أقوى من هذا؟ !
قال: أما كون النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام» فحسبنا في بيانه قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ (1)فالعلم في هذه المسائل الإعتقادية لا يراد به إلا اليقين.
و في قوله: نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ. . (2)وجهان:
أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا، و نحن ندعو أبناءكم، و هكذا الباقي.
و ثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا و نساءنا و أنفسنا، و أنتم كذلك.
و لا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، و إنما الإشكال فيه على قول الشيعة و من شايعهم من القول بالتخصيص (3).
و نقول: إن هذه المناقشات ظاهرة الوهن بينة السقوط، فلاحظ ما يلي: أولا: إن ما زعمه من أن مصادر هذا الحديث هم الشيعة غير صحيح، فإن هذا الحديث قد روي في صحاح أهل السنة و مجاميعهم الحديثية
و التفسيرية. و من غير المعقول أن يكون الشيعة قد دسوا هذه الروايات في تلك المجاميع. . إذ إن ذلك يؤدي إلى سقوطها، و منها صحيح مسلم و الترمذي و تفسير الطبري، و الدر المنثور، و سائر صحاح و مصادر أهل السنة عن الإعتبار. .
كما أن ذلك لو صح، لأفسح المجال للقول: بأن الدس في كتب أهل السنة ميسور لكل أحد، و أن حصره في الشيعة لا وجه له، و تكون النتيجة هي: أن تصبح روايات أهل السنة كلها مسرحا لتلاعب جميع الفئات، فتصبح موضع شك و ريب، و تسقط بذلك عن الإعتبار. .
و إن كان المقصود بالشيعة هو خصوص الصحابة و التابعين الذين رووا هذا الحديث فالأمر يصبح أشد خطورة، إذ هو يؤدي إلى نسبة جماعة من أئمة أهل السنة، و رواة حديثهم، و فقهائهم، إلى التشيع و الشيعة، مع أنه لا يرتاب أحد في تسننهم، بل فيهم من هو من الأركان في التسنن. .
ثانيا: بالنسبة لقوله عن الشيعة: «و يحملون كلمة نساءنا على فاطمة، و كلمة أنفسنا على علي فقط» نقول:
إن المقصود من التعبير بالنساء و الأبناء هو: إيراد الكلام وفق ما يقتضيه طبعه العام، و إن كان مصداقه ينحصر في فرد واحد تماما كما هو الحال في قوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1). إذ لا مصداق للمفهوم العام سوى علي بن أبي طالب «عليه السلام» في قضية تصدقه بالخاتم التي يعرفها كل أحد.
1) الآية 55 من سورة المائدة.
و كذلك الحال في قوله: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)، التي لا يقصد بها سوى الأئمة الإثني عشر. .
و منه: آية التطهير التي قصد بها خصوص الخمسة أصحاب الكساء، مع أن كلمة أهل البيت يمكن أن تشمل العباس و أولاده أيضا. و لكن اللّه أخرجهم منها. و بيّن أن المراد بالآية أشخاص بأعيانهم.
و كذلك الحال في قوله: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ (2)، مع أن المقصود بها خصوص أصحاب الكساء و الأئمة الأثني عشر كما دلت عليه الروايات.
و منه: قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ (3)في حين أن إثبات بنات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» غير الزهراء «عليها السلام» صعب المنال، فراجع كتابنا «بنات النبي أم ربائبه» ، و كتاب: «القول الصائب في إثبات الربائب» . .
ثالثا: بالنسبة لقوله: «إن العربي لا يطلق كلمة نساءنا على بنت الرجل، لا سيما إذا كان له أزواج، و لا يفهم هذا من لغتهم» نقول:
ألف: إن الذين أوردوا هذه الروايات التي طبقت الآية على علي و فاطمة «عليهما السلام» ، كانوا من العرب الأقحاح الذين عاشوا في عصر النبوة و بعده، و قد سجلها أئمة اللغة، و علماء البلاغة في كتبهم و مجاميعهم، و لو كان
الأمر كما ذكره هذا الرجل لسجلوا تحفظهم على هذه الروايات أيضا. .
ب: إن إشكال هذا الرجل لو صح، فهو وارد على قوله هو على جميع الأحوال، فإنه يزعم: أن وفد نجران لم يكن معه نساء و لا أولاد، فما معنى أن تقول الآية: نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ ؟ ! . فكيف يمكنه تطبيق الآية؟ ! .
ج: إن المقصود هو أن يبلغهم أنه يباهلهم بجميع الأصناف البشرية التي لها خصوصية اشتراك في العلم و الأهلية، و هم النساء و الأطفال و الرجال، حتى لو لم يكن الجامعون للشرائط سوى فرد واحد من كل صنف، فهو كقول القائل: شرفونا و سنخدمكم نساء و رجالا و أطفالا. أي أن جميع الأصناف سوف تشارك في خدمتهم، حتى لو شارك واحد أو اثنان من كل صنف.
رابعا: زعم هذا القائل: أن ظاهر الآية هو أن المطلوب هو دعوة المحاجين و المجادلين في عيسى من أهل الكتاب جميع نسائهم و رجالهم و أبنائهم، و يجمع النبي جميع أبناء و نساء و رجال المؤمنين، ثم يبتهلون. و هذا من طلب المحال. و يحق للنصارى أن يرفضوا هذا الطلب، و بذلك يثبت أن ثمة تعنتا، و طلبا لما لا يكون. و هو يستبطن الإعتراف بصحة ما عليه النصارى. .
و إن كان المقصود هو: نساء و أبناء الوفد، و نساء و أبناء النبي فيرد إشكال: إنه لم يكن مع الوفد نساء. .
و الجواب: إن ما زعمه: من أنه لم يكن لدى الوفد أبناء و لا نساء، غير ظاهر المأخذ، فإن الناس كثيرا ما كانوا يسافرون و معهم نساؤهم و أبناؤهم. و كان
النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصطحب معه في حروبه إحدى زوجاته، و كان المشركون يأتون بنسائهم في حروبهم، كما كان الحال في بدر، و أحد.
أما في موضوع الوفود فلا يوجد فيها احتمال مواجهة أخطار، و تعرض لأذى و أسر و سبي، فالداعي إلى استصحاب النساء و الأطفال، لا يواجهه أي مانع أو رادع. .
خامسا: لقد زعم هذا القائل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام» . و نقول:
إن الآية تدل على يقين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد دل فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المباهلة على أن الذين أخرجهم معه كانوا على يقين من ذلك أيضا.
و دل على ذلك أيضا قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ (1). حيث إنهم جميعا كانوا شركاء في الدعوى، و على يقين من صحتها.
و أما بالنسبة لسائر المؤمنين فلا شيء يثبت أنهم كانوا على يقين من ذلك، فلعل بعضهم كان خالي الذهن عن كثير من التفاصيل.
بل لقد صرح القرآن بأن الشكوك كانت تراود أكثرهم، فقال: وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (2).
سادسا: لا معنى لقوله: إن الآية قد تعني أن يفوض إلى النصارى دعوة الأبناء و النساء من المؤمنين، و يدعو المؤمنون أبناء و نساء النصارى في
المباهلة، إذ كيف يسلط النبي «صلى اللّه عليه و آله» النصارى على أبناء و نساء المؤمنين، ثم يطلب من النصارى أن يسلطوه على دعوة نسائهم و أبنائهم. . في حين أن المباهلة لا تحتاج إلى ذلك، بل يمكن أن يأتي كل فريق بمن أحب لكي يباهل الجماعة التي تأتي من قبل الفريق الآخر؟ ! .
سابعا: بالنسبة لدعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه نقول:
إن الشيعة لا يقولون بأن الآية تفرض ذلك، بل هم يقولون: إن المراد بقوله: و أنفسنا هو الرجال من أهل بيت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، الذين يكون حضورهم بمثابة حضور نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم إنما يحضرون بدعوة بعضهم بعضا (1).
زعم بعضهم: أن آية المباهلة قد دلت على لزوم إحضار كل فريق أعز شيء عنده، و أحب الخلق إليه في المباهلة، و الأعز و الأحب هو الأبناء، و النساء، و الأنفس (الأهل و الخاصة) .
ثم تقدم بعض آخر خطوة أخرى فزعم: أن إشراك أهل البيت في المباهلة أسلوب اتبعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» للتأثير النفسي على الطرف الآخر ليوحي لهم بثقته بما يدّعيه.
و نقول: 1-إن هذا يؤدي إلى إبعاد قضية المباهلة عن أن تكون بمستوى الجدية
1) راجع: تفسير الميزان ج 3 ص 242 و 243.
الحقيقية، لتصبح أسلوب مناورة، يهدف للتأثير النفسي على الطرف الآخر، لينسحب من ساحة المواجهة.
2-إن اللافت هنا: أن هذا البعض قد نسب هذه المبادرة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن الآية قد صرحت: بأن الأمر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء من اللّه تبارك و تعالى، فهي تدبير إلهي، و قرار رباني.
3-إن كون هذا الأمر تدبيرا إلهيا يعطي: أن لهؤلاء الصفوة الذين أخرجهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قيمة كبرى و مقاما خاصا عنده تبارك و تعالى، و ليست القضية هي حب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لولده أو سبطه، أو لصهره الذي يوحي بأن سبب محبته و معزته لهم هو الرابطة النسبية، و كونهم أبناءه و نساءه، و أهله «صلى اللّه عليه و آله» . .
4-إننا لا نريد أن ننفي أن يكون في خروج هؤلاء إلى المباهلة دلالة على قيمتهم عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دلالة على معنى أن إشراك الحسنين و الزهراء و علي «عليهم السلام» في قضية لها مساس بحقيقة دين الإسلام، من حيث إن ما يراد إثباته، هو بشرية عيسى «عليه السلام» ، و نفي الألوهية عنه يدل دلالة قاطعة على أن من يباهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم قد بلغوا في الفضل و الكرامة و السؤدد حدا يصبح معه جعل اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» لهم في معرض الخطر، من أعظم الوثائق الدالة على صدق الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فيما يدّعيه من حيث إن التفريط بهم و هم أكرم الخلق عليه، و النموذج الأمثل للإنسان الإلهي في أسمى تجلياته يكون تفريطا بكل شيء، حيث لا قيمة لشيء في هذا الوجود
بدونهم، و هو ما أشير إليه في الحديث الشريف (1).
و زعم بعضهم: أن المراد ب «أنفسنا» الرجال (2)، أي بقول مطلق، فتطبيق ذلك على علي «عليه السلام» لا لخصوصية فيه، بل لكونه رجلا، و حسب.
و جوابه واضح: فأولا: روي عن علي «عليه السلام» ، قوله يوم الشورى: أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الرحم مني، و من جعله نفسه، و أبناءه أبناءه، و نساءه نساءه غيري؟ !
قالوا: اللهم لا (3).
و عن الشعبي: أنه قال: أبناؤنا الحسن و الحسين و نساؤنا فاطمة، و أنفسنا علي بن أبي طالب (4).
1) الكافي ج 1 ص 179 و 198 و الغيبة للنعماني ص 139 و 138 و بصائر الدرجات ص 488 و 489 و إكمال الدين للصدوق ص 233 و غيبة النعماني ص 142 و البحار ج 23 ص 43 و تاريخ آل زرارة للزراري ص 170.
2) راجع كلام الفضل بن روزبهان في دلائل الصدق ج 2 ص 83.
3) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و البحار ج 35 ص 367 و الغدير ج 1 ص 161 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 432 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1161 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 177.
4) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ص 47 و البحار ج 35 ص 262 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 68 و نهج الإيمان لابن جبر ص 346.
فإن ذلك كله يدل على أن المراد: هو خصوص شخص بعينه، لا مطلق الرجال. .
و قال العلامة الحلي «رحمه اللّه» : إن اللّه تعالى جعل عليا «عليه السلام» نفس محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فساواه بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجاب الفضل بن روزبهان بأن دعوى المساواة خروج من الدين.
فرد عليه الشيخ محمد حسن المظفر: بأن المقصود هو: المساواة في الخصائص و الكمال الذاتي عدا خاصة أوجبت نبوته، و ميزّته عنه، و هو مفاد ما روي: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : ما سألت اللّه شيئا إلا سألت لك مثله، و لا سألت اللّه شيئا إلا أعطانيه، غير أنه قيل لي: إنه لا نبي بعدك (1).
و يدل عليه: ما روي مستفيضا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن عليا
1) دلائل الصدق ج 2 ص 82 و 83 و 85 و الحديث الأخير نقله عن كنز العمال في فضائل علي «عليه السلام» عن ابن أبي عاصم، و ابن جرير و صححه، و ابن شاهين في السنة، و الطبراني في الأوسط. و العقد النضيد للقمي ص 79 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 582 و أمالي المحاملي ص 204 و المعجم الأوسط للطبراني ج 8 ص 47 و نظم درر السمطين للحنفي ص 119 و كنز العمال ج 13 ص 170 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 311 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 150 و راجع: كشف اليقين للحلي ص 283.
مني و أنا منه (1).
فتدل الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين «عليه السلام» لأن مساواته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في خصائصه عدا مزية النبوة تستوجب أن يكون مثله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أفضل من غيره بكل الجهات، و أن يمتنع صيرورته رعية و مأمورا لغيره كالنبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و نقل الرازي عن الشيخ محمود بن حسن الحمصي: أنه استدل بجعل علي «عليه السلام» نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» على كونه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن النبي «صلى اللّه عليه
1) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الكافي ج 8 ص 321 و دعائم الإسلام ج 1 ص 383 و أمالي الصدوق ص 264 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 449 و أمالي الطوسي ص 134 و مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 2 ص 60 و ج 3 ص 14 و العمدة لابن البطريق ص 198 و 203 و الطرائف لابن طاووس ص 65 و ذخائر العقبى للطبري ص 68 و البحار ج 20 ص 108 و ج 24 ص 261 و ج 31 ص 655 و ج 37 ص 221 و 235 و ج 38 ص 67 و 97 و 119 و ج 39 ص 333 و ج 56 ص 256 و الغدير ج 3 ص 215 و مسند احمد ج 4 ص 438 و سنن الترمذي ج 5 ص 296 و فضائل الصحابة للنسائي ص 15 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و مجمع الزوائد ج 9 ص 128 و عمدة القاري ج 16 ص 214 و مسند أبي داود الطيالسي ص 111 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و 126 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 87 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 374 و المعجم الأوسط للطبراني ج 6 ص 162 و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 129 و تفسير فرات الكوفي ص 81.
2) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الصراط المستقيم لابن يونس العاملي ج 2 ص 26.
و آله» أفضل منهم، و علي «عليه السلام» نفسه.
ثم رد الرازي على ذلك بقيام الإجماع على أن الأنبياء «عليهم السلام» أفضل من غيرهم.
و أجاب المظفر «رحمه اللّه» : بأن المجمع عليه هو تفضيل صنف من الأنبياء على صنف آخر منهم، و تفضيل كل نبي على جميع أمته، لا تفضيل كل شخص من الأنبياء على جميع من عداهم، حتى لو كان من أمم غيرهم.
فذلك نظير تفضيل صنف الرجال على صنف النساء، فإنه لا ينافي تفضيل امرأة بعينها على كثير من الرجال.
و القول بما قاله الحمصي قال به الشيعة قبل الحمصي. .
و أخيرا. . فإننا لا نجد مبررا لكل تلك التمحلات البالية، و التوهمات و الخيالات الخاوية سوى التخلص من شبح إثبات كرامة و فضيلة لأهل البيت «عليهم السلام» ، و ذلك بعد أن وجدوا: أن علماءهم مرغمون على الإقرار بهذا الأمر، و البخوع له، حتى لقد قال الزمخشري و غيره: «و فيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» (1).
1) راجع: الكشاف ج 1 ص 370 و الصواعق المحرقة ص 153 عنه، و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 351 و الطرائف لابن طاووس ص 43 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 235 و الصراط المستقيم لابن يونس العاملي ج 1 ص 249 و البحار ج 21 ص 282 و ج 35 ص 60 و راجع: الإرشاد للمفيد ص 99 و تفيسر الميزان ج 3 ص 238 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 1 ص 294 و تفسير البحر المحيط لابي حيان الأندلسي ج 2 ص 503.
و يلاحظ هنا: أن الشعبي يقع في المتناقضات، فقد روى تارة: أن عليا «عليه السلام» هو المقصود بقوله تعالى: وَ أَنْفُسَنٰا كما تقدم (1).
و لكنه في مورد آخر يروي قضية المباهلة و لا يذكر عليا «عليه السلام» ، فتحيّر الراوي في ذلك، و عزاه إما إلى سقط في رواية الشعبي، أو لسوء رأي بني أمية في علي (2). و لا ريب في أن الثاني هو الأصوب، حسبما عرفناه و ألفناه من أفاعيلهم.
و نحن لا نستطيع في هذه العجالة أن نتعرض لجميع الجوانب التي لا بد من بحثها في حديث المباهلة، فإن ذلك يحتاج إلى تأليف مستقل، و لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:
إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في قضية المباهلة لم يكن بالأمر العادي، أو الإتفاقي. . و إنما كان مرتبطا بمعاني و مداليل هامة، ترتبط بنفس شخصية الحسنين «عليهما السلام» ، فقد كانا صلوات اللّه و سلامه عليهما ذلك المصداق
1) دلائل الصدق ج 2 ص 85 و الطرائف لابن طاووس ص 47 و البحار ج 21 ص 349 و ج 35 ص 262 و تفسير فرات الكوفي ص 87 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 2 ص 311 و أسباب نزول الآيات الواحدي النيسابوري ص 68 و شواهد التنزيل ج 1 ص 159 و نهج الإيمان لابن جبر ص 346.
2) راجع: جامع البيان ج 3 ص 211 و في (ط دار الفكر) ج 3 ص 404.
الحقيقي، و المثل الأعلى، و الثمرة الفضلى التي يعنى الإسلام بالحفاظ عليها، و تقديمها على أنها النموذج الفذ لصناعته الخلاقة، و البالغة أعلى درجات النضج و الكمال. . حتى إنه ليصبح مستعدا لتقديمها على أنها أعز و أغلى ما يمكن أن يقدمه في مقام التدليل على حقانيته و صدقه، بعد أن فشلت سائر الأدلة و البراهين-رغم وضوحها، و سطوع نورها، و قاطعيتها لكل عذر-في التخفيف من عنت أولئك الحاقدين، و صلفهم، و صدودهم عن الحق الأبلج. .
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه، و بهؤلاء، الذين هم القمة في النضج الرسالي، بالإضافة إلى أنهم أقرب الناس إلى اللّه، و هم النموذج الأعلى للتربية الإلهية، فإنه لا يمكن أن يكون كاذبا-و العياذ باللّه-في دعواه.
كما لاحظه نفس رؤساء أولئك الذين جاؤوا ليباهلوه، و ذلك لأن محبة النفس، ثم محبة الأقارب، و إن كانت قد تجعل الإنسان على استعداد للتفريط بكل شيء، قبل أن يفكر في التفريط بنفسه و بهم، إلا أن الأنبياء لا يفكرون بهذه الطريقة، و إنما يفكرون بما من شأنه حفظ الدين و الرسالة، و هم لا يبخلون عليها بمال و لا بنفس و لا بولد حتى لو كان هذا الولد يملك من المزايا و الفضائل و الكمالات، ما لا يملكه أحد على وجه الأرض (1).
1) و يرى المحقق العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : أن من الممكن أن يكون العباس قد اقتدى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما أخرج العباس الحسنين «عليهما السلام» للإستسقاء، و منع عمر من الإلتحاق بهم، و قال له: لا تخلط بنا غيرنا- و ذلك في قضية تبرك عمر بهم في حادثة الإستسقاء. راجع: تبرك الصحابة و التابعين ص 283-287.
فإذا كان على استعداد للتضحية بنفسه، و بنوعيات كهذه-من أهل بيته- فإن ذلك يكون أدل دليل على صدقه، و على فنائه المطلق في هذا الدين، و على ثقته بما يدعو إليه-و ليس هدفه هو الدنيا الفانية، و حطامها الزائل، لأنه يعلم أن أي ضرر يلحق به و بهؤلاء سوف يسقط محل هذه الدعوة التي جاء بها، لأنهم هم المحور و الأساس لها. .
و هذا بالذات هو ما حصل في قضية المباهلة، التي كان النزاع يدور فيها حول بشرية عيسى عليه الصلاة و السلام، و إبطال ما يقوله النصارى فيه، تمهيدا للتأكيد على صحة الإسلام، و أحقية ما جاء به النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
بل إن بعض الإخوة قد ذكر أن من المحتمل أن لا يريد النصراني في: «إذا باهلكم بأهل بيته فهو صادق» الإشارة إلى قاعدة عامة، و أن لكل نبي- أو كل من باهل-بأهل بيته فهو صادق، لأنهم أغلى ما عنده، و لا يمكنه التفريط بهم، بل يكون ذلك للإشارة إلى بعض المأثور عندهم في كتبهم من أن نبي آخر الزمان يباهلهم بأهل بيته الذين هم خير الناس و أفضلهم.
و لربما يتصور البعض: أن اعتبارنا هذا الوليد اليافع، و أخاه عليهما الصلاة و السلام ذلك المثل الأعلى، و النموذج الفذ لصناعة الإسلام و خلاقيته. . نابع عن متابعة غير مسؤولة للعواطف و الأحاسيس المتأثرة بتعصب مذهبي، أثارته لجاجة الخصوم. .
لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، فإن ما ذكرناه نابع عن وعي عقائدي
سليم، فرضته الأدلة و البراهين، التي تؤكد-بشكل قاطع-على أن الأئمة الأطهار «عليهم السلام» كانوا حتى في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهلهم لتحمل الأمانة الإلهية، و قيادة الأمة قيادة حكيمة و واعية، كما كان الحال بالنسبة لإمامنا الجواد و الإمام الهادي عليهما الصلاة و السلام، و كذلك الإمام المهدي عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحملوا مسؤوليات الإمامة في السنين المبكرة من حياتهم. تماما كما كان الحال بالنسبة لنبي اللّه عيسى «عليه السلام» ، الذي قال اللّه تعالى عنه: فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ قٰالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كٰانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. . الآيات» (1).
و كما كان الحال بالنسبة لنبي اللّه يحيى عليه الصلاة و السلام، الذي قال اللّه سبحانه عنه: يٰا يَحْيىٰ خُذِ اَلْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا (2).
نعم. . لقد كان الحسنان «عليهما السلام» حتى في أيام طفولتهما الأولى في المستوى الرفيع من الكمال الإنساني، و يملكان كافة المؤهلات التي تجعلهما محلا للعناية الإلهية، و أهلا للأوسمة الكثيرة التي منحهما إياها الإسلام على لسان نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تجعلهما قادرين على تحمل المسؤوليات الجسام، حتى يصح إشراكهما في الدعوى، و في المباهلة لإثباتها. . حسبما أشار إليه العلامة الطباطبائي و المظفر رحمهما اللّه تعالى، على
اعتبار أن قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ (1)يراد منه: الكاذبون الذين هم في أحد طرفي المباهلة، و إذا كانت الدعوى، و المباهلة عليها هي بين شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بين السيد و العاقب و الأهتم، فكان يجب أن يأتي بلفظ صالح للإنطباق على المفرد و الجمع معا، كأن يقول: (فنجعل لعنة اللّه على الكاذب) ، أو (على من كان كاذبا) مثلا. .
و لكن الآية أوردت صيغة الجمع، لتشير إلى وجود جماعة كاذبة، و لا بد من طلب إهلاكها.
و هذا يعطي: أن الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، فإن الكذب لا يكون إلا فيها. . و عليه. . فعليّ، و فاطمة، و الحسنان «عليهم السلام» شركاء في الدعوى، و في الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. و هذا من أفضل المناقب التي خص اللّه بها أهل بيت نبيه (2).
و تقدم قول الزمخشري: «و فيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» .
و قال الطبرسي و غيره: «قال ابن أبي علان-و هو أحد أئمة المعتزلة-: هذا يدل على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.
و قال أصحابنا: إن صغر السن و نقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال
العقل، و إنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية» (1).
و قد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل.
على أن عندنا يجوز أن يخرق اللّه العادات للأئمة، و يخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم: إبانة لهم عمن سواهم، و دلالة على مكانهم من اللّه تعالى، و اختصاصهم.
و مما يؤيده من الأخبار قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ابناي هذان إمامان، قاما، أو قعدا» (2).
أضف إلى ما تقدم: أن مما يدل على ما ذكره الطباطبائي و المظفر و غيرهما: نزول سورة هل أتى، في أهل الكساء، و منهم الحسنان «عليهما السلام» ، و قد وعدهم اللّه تعالى جميعا بالجنة.
1) و من الواضح: أنه قد لوحظ في ذلك عامة الناس و غالبهم.
2) مجمع البيان ج 2 ص 452 و 453 و غنية النزوع للحلبي ص 299 و السرائر لابن إدريس ج 3 ص 157 و جامع الخلاف و الوفاق للقمي ص 404 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 30 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 303 و المسائل الجارودية للمفيد ص 35 و النكت في مقدمات الأصول للمفيد ص 48 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 141 و البحار ج 16 ص 307 و جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 70 و مجمع البيان للطبرسي ج 2 ص 311 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 407 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 368. و كلام ابن أبي علان موجود في التبيان أيضا ج 2 ص 485، و راجع الإرشاد للمفيد. و في البحار للمجلسي بحث حول إيمان علي «عليه السلام» ، و هو لم يبلغ الحلم.
و يؤيد ذلك أيضا: إشراكهما «عليهما السلام» في بيعة الرضوان، ثم استشهاد الزهراء «عليها السلام» بهما في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك (1)، إلى غير ذلك من أقوال و مواقف للنبي «صلى اللّه عليه و آله» منهما في المناسبات المختلفة. .
كما أن ذلك كله-كان يتجه نحو إعداد الناس نفسيا و وجدانيا لقبول إمامة الأئمة «عليهم السلام» ، حتى و هم صغار السن، كما كان الحال بالنسبة للأئمة: الجواد و الهادي و المهدي «عليهم السلام» .
هذا و قد كان ثمة سياسات و مفاهيم منحرفة، لا بد من مواجهتها، و الوقوف في وجهها. . و نشير هنا إلى أمرين:
إن إخراج عنصر المرأة ممثلة بفاطمة الزهراء صلوات اللّه و سلامه عليها، و التي تعتبر النموذج الفذ للمرأة المسلمة-في أمر ديني و مصيري كهذا. من شأنه أن يضرب ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أية قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء و بلاء، و مجلبة للعار، و مظنة للخيانة، و قد قدمنا بعض الكلام حول هذا الموضوع في بعض فصول هذا الكتاب؛ فلم يكن يتصور أحد أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة و فاصلة، بل و مقدسة كهذه المسألة، فضلا عن أن تعتبر
1) ستأتي بعض المصادر لذلك إن شاء اللّه تعالى. .
شريكة في الدعوى، و في الدعوة لإثباتها و لو بمواجهة أعظم الأخطار.
و يرى البعض: أن إخراج الزهراء «عليها السلام» للمباهلة، دون سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم أن الآية قد جاءت عامة، حيث عبرت ب «نساءنا» و مع أن زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» من أجلى مصاديق هذا التعبير-إن ذلك-له مغزى يشبه إلى حد كبير المغزى من إرسال أبي بكر بآيات سورة براءة، ثم عزله، استنادا إلى قول جبرئيل: لا يبلّغ عنك إلا أنت أو رجل منك! ! .
و هكذا يقال بالنسبة للعموم في قوله: «و أنفسنا» ، و لم يخرج سوى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و في قوله: «و أبناءنا» و لم يخرج سوى الحسنين «عليهما السلام» . انتهى.
و نقول:
أولا: إن إطلاق كلامه حول النساء غير مقبول، فإن بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كأم سلمة-لم يكنّ ممن يستحقنّ التعريض بهن. . لأنها كانت من خيرة النساء، و من فضلياتهنّ.
إلا أن يقال: إن المقصود هو: أنه ليس أحد منهن أهلا لأن يباهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» به سوى فاطمة «عليها السلام» ، لأنها وحدها المرأة التي بلغت أعلى درجات الكمال حتى استحقت أن تشارك الأنبياء و الأوصياء في مثل هذه المهمات الكبرى. .
و ثانيا: إن هذا المحقق يريد: أن قوله: «نساءنا» لا يقصد به الزوجات، و إن كان قد أطلق في القرآن عليهن في بعض الموارد.
بل المقصود هو: المرأة المنسوبة إليه، و بنت الرجل تنسب إليه، و يطلق عليها: أنها من نسائه.
و على هذا نقول:
إن ما ذكره هنا يناقض ما ذكره هو نفسه في موضع آخر حيث قال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» للمباهلة بعنوان: «المرأة المسلمة من ذوات الأزواج، من أهل هذه الدعوة، لا باعتبار أنها من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و إن كان كلامه هذا الأخير ليس في محله، كما ستأتي الإشارة إليه.
إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم، محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهما ابنا ابنته الصديقة الطاهرة صلوات اللّه و سلامه عليها له دلالة هامة، و مغزى عميق كما سنرى. .
لكننا قبل أن نشير إلى ذلك، و إلى مغزاه، لا بد من الإجابة على مناقشة طرحها بعض المحققين (1)، مفادها:
أن الآية لا تدل على أكثر من أن المطلوب هو إخراج أبناء أصحاب هذه الدعوة الجديدة، حيث قال: «أبناءنا» ، و لم يقل «أبنائي» . و ليس في الآية ما يدل على لزوم إخراج ابني صاحب الدعوة نفسه، فكون الحسنين «عليهما السلام» ابنين لبعض أصحاب الدعوة كاف في الصدق. . انتهى.
1) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» . .
و نقول: 1-إن الإمام عليا «عليه السلام» قد استدل بهذه الآية يوم الشورى على أن اللّه سبحانه قد جعله نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعل ابنيه إبنيه، و نساءه نساءه. .
و احتج بها أيضا الإمام الكاظم «عليه السلام» على الرشيد.
و احتج بها أيضا يحيى بن يعمر.
و كذلك سعيد بن جبير على الحجاج-كما سيأتي-فلم يكن استدلالهم بأمر تعبدي بحت، و إنما بظهور الآية، الذي لم يجد الخصم سبيلا إلا التسليم به، و الخضوع له. .
2-لو كان المراد مطلق أبناء أصحاب الدعوة، لكان المقصود بأنفسنا مطلق الرجال الذين قبلوا بهذا الدين، و ليس شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقط. . و عليه فقد كان الأنسب أن يقول: «و رجالنا و رجالكم» بدل قوله: «و أنفسنا» .
أضف إلى ذلك: أن من غير المناسب أن يقصد من الأنفس شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يقصد من الأبناء و النساء أبناء و نساء رجال آخرين، إذ الظاهر: أن الأبناء و النساء هم لنفس من أرادهم بقوله: «و أنفسنا» ، و لو كان المقصود بأنفسنا شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأبنائنا أبناء الآخرين، لكان من قبيل قولنا: «إن لم يكن ما أدعيه صحيحا فليمتني اللّه، و ليمت ابن فلان» مثلا! ! . .
3-إن كلمات: «أنفسنا» ، و «أبناءنا» ، و «نساءنا» كلها جاءت بصيغة الجمع. . فلماذا اقتصر من الأنفس على اثنين، و كذلك من الأبناء، و من
النساء، على واحدة؟ ! فإن ذلك إنما يدل على مزيد من الخصوصية لهؤلاء الذين أخرجهم بالذات. .
و لو كان المقصود مجرد النموذج، فلماذا لم يكتف بواحد واحد من الأنواع الثلاثة؟ .
و لو كان المقصود تخصيص جماعة بشرف معين، للتعبير عن أنهم وحدهم هم الذين بلغوا الذروة في فنائهم بهذه الدعوة، التي يراد المباهلة من أجلها.
فيصح قولهم: إن هذه الآية تدل على فضيلة لا أعظم منها لأصحاب الكساء. و لا سيما بملاحظة ما تقدم عن العلامتين-الطباطبائي و المظفر-: من أن هؤلاء شركاء في الدعوى، و في الدعوة للمباهلة لإثباتها.
و هكذا يتضح: أن دعوى أن الآية لا تدل على أكثر من الأمر بإخراج نموذج من أبناء من اعتنق هذه الدعوة لا يمكن القبول بها، و لا الاعتماد عليها بوجه.
كانت تلك هي المناقشة التي أحببنا الإشارة إليها، و كان ذلك هو بعض ما يمكن أن يقال في الإجابة عنها. .
و بعد ذلك. . فإننا نشير إلى أن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في المباهلة، يدل دلالة واضحة على أنهما ابنان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهما ابنا ابنته، فلا مجال لإنكار ذلك، أو للتشكيك فيه، حتى إنهم ليعترفون صراحة بأن: في الآية دلالة على أن الحسن و الحسين، و هما ابنا البنت يصح
أن يقال: إنهما ابنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما» (1).
و ظاهر الآية: أن كلمة الأبناء قد أريد بها المعنى الحقيقي، سواء بالنسبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، أو بالنسبة إلى النصارى و الكافرين.
أولا: إن ذلك يسقط المفهوم الجاهلي البغيض، القائل: بأن أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة، دون بني البنات، الأمر الذي ينشأ عنه أن يتعرض جماعات من الناس لكثير من المشاكل النفسية، و المصاعب الإجتماعية، و الإقتصادية، و غيرها. تلك المشاكل التي لا مبرر لها، و لا منطق يساعدها، إلا منطق الجاهلية الجهلاء، و العصبية العمياء. .
و لكن مما يؤسف له هو: أن المروجين لهذه المفاهيم العمياء قد أصروا بعده «صلى اللّه عليه و آله» على الأخذ بها إلى حد أنها انعكست حتى على آرائهم الفقهية أيضا، و من ذلك جعلهم قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي
1) تفسير الرازي ج 8 ص 81 و فتح القدير ج 1 ص 347 و تفسير النيسابوري (بهامش تفسير الطبري) ج 3 ص 214 و التبيان ج 2 ص 485 عن أبي بكر الرازي (و هو غير الفخر الرازي) ، و مجمع البيان ج 2 ص 452 و الغدير ج 7 ص 122 عنه، و عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 104 و السرائر لابن إدريس ج 3 ص 238 و الكافي ج 8 ص 317 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 58 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 142 و البحار ج 43 ص 232 و ج 93 ص 239 و تفسير القمي ج 1 ص 209.
أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (1)مختصا بعقب الأبناء، دون من عقبته البنات.
قال ابن كثير: «قالوا: إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه و بنو بنيه، «أي دون بني بنته» ، و احتجوا بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، و بناتنابنوهن أبناء الرجال الأباعد (2)
«و قال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، و الفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، و أن الإنتساب إلى الآباء، و الفقهاء كذلك في الوصية، و أهل المعاني و البيان في التشبيه» (3).
و نقل القرطبي: أن الإمام مالك بن أنس هو الذي لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي يكون على الولد، و ولد الولد (4).
و مالك هذا هو الذي كان خلفاء بني العباس يعظمونه، و قد بلغ من اهتمامهم بأمره: أن أرادوا حمل الناس على العمل بالموطأ بالقوة (5).
و حينما أخذ المنصور أموال عبد اللّه بن الحسن، و باعها، و جعلها في بيت
1) الآية 11 من سورة النساء.
2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 155 و الغدير ج 7 ص 121 عنه.
3) الغدير: ج 7 ص 122 و خزانة الأدب ج 1 ص 300 و في (ط دار الكتب العلمية) .
4) الغدير: ج 7 ص 123 عن تفسير القرطبي ج 7 ص 31.
5) جامع بيان العلم ج 1 ص 160، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، المجلد الأول ص 165، و أضواء على السنة المحمدية ص 298 عن الانتقاء ص 41 و عن الشافعي.
مال المدينة «أخذ مالك بن أنس الفقيه رزقه من ذلك المال بعينه اختيارا» (1).
كما أن المنصور كان إذا أراد أن يولي أحدا على المدينة يستشيره أولا (2).
كما أن محمد بن الحسن الشيباني يقول: إن من أوصى لولد فلان، و له ابن، و ولد بنت «إن الوصية لولد الابن، دون ولد البنت» (3).
نعم. . لقد ألغى اللّه سبحانه ذلك المفهوم الجاهلي البغيض بنص المباهلة، و لكن هؤلاء قد احتفظوا به، حتى حكّموه في آرائهم الفقهية، و ذلك انصياعا للجو السياسي، و تنفيذا لمآرب الحكام، الذين كانوا-سواء منهم الأمويون أو العباسيون-يحاولون تركيز هذا المفهوم و تثبيته، كما سنرى. .
و ثانيا: لقد كان لا بد من تفويت الفرصة على أولئك الحاقدين و المنحرفين، الذين سوف يستفيدون من ذلك المفهوم الجاهلي لمقاصد سياسية، فيما يتعلق بموضوع الإمامة و الخلافة و الزعامة بعد رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات فيما يختص بشخص هؤلاء الذين أخرجهم عليه و آله الصلاة و السلام للمباهلة، و كرمهم في حديث الكساء، و آية التطهير، و غير ذلك مما لا مجال له هنا. .
و ذلك لأن الذين استأثروا بالأمر بعد النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» قد احتجوا في السقيفة بأنهم: أولياء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عشيرته،
و بأنهم عترة النبي، و بأنهم أمسّ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رحما (1).
و جاء الأمويون أيضا، و اتّبعوا نفس الخط، و ساروا على نفس الطريق، و كانت الخطط الجهنمية لهؤلاء و أولئك تتجه نحو تضعيف شأن أهل البيت «عليهم السلام» ، و عزلهم عن الساحة، بل و القضاء عليهم و تصفيتهم بشكل نهائي: إعلاميا و سياسيا، و إجتماعيا، و نفسيا، بل و حتى جسديا، أيضا. .
و كان رأس الحربة يتجه أولا و بالذات إلى أولئك الذين طهرهم اللّه سبحانه و تعالى في محكم كتابه، و أخرجهم نبيه الأكرم محمد «صلى اللّه عليه و آله» ليباهل بهم أهل الكفر، و اللجاج و العناد. . حيث إن تصفية هؤلاء على النحو الذي قدمناه هي الأصعب، و الأهم، و ذلك بسبب ما سمعته الأمة من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و بسبب ما عرفته من آيات قرآنية نزلت في حقهم و بيان فضلهم. . فضلا عن كثير من المواقف التي لا يمكن تجاهلها أو على الأقل لا يمكن تشويهها، أو التعتيم عليها بيسر و سهولة. .
نعم. . لقد كان الأمويون يحاولون إظهار أنفسهم على أنهم هم دون غيرهم أهل بيت النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذوو قرباه. . و قد أثرت
1) راجع: نهاية الإرب ج 8 ص 168 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 و العقد الفريد ج 4 ص 258 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 220 و الإمامة و السياسة (ط الحلبي بمصر) ج 1 ص 14 و 15 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 7 و 8 و 9 و 11 و الأدب في ظل التشيع ص 24 نقلا عن البيان و التبيين للجاحظ، و الإمام الحسين للعلايلي ص 186 و 190 و البحار ج 28 ص 335 و تاريخ الطبري ج 2 ص 457 و الإمامة و السياسة لابن قتيبة (تحقيق الشيري) ج 1 ص 24 و الشافي للشريف المرتضى ج 3 ص 187 و غيرهم.
جهودهم في تضليل كثير من الناس حتى ليحلف للسفاح عشرة من قواد أهل الشام، و أصحاب الرياسة فيها: أنهم ما كانوا يعرفون إلى أن قتل مروان أقرباء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أهل بيت يرثونه غير بني أمية (1).
كما أن أروى بنت عبد المطلب تذكّر معاوية بهذا الأمر، و تقول له:
«و نبينا (صلى اللّه عليه و آله) هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول اللّه الخ. .» (2).
و يقول الكميت:
و قالوا: ورثناها، أبانا و أمناو لا ورثتهم ذاك أم و لا أب
و قال إبراهيم بن المهاجر، الذي كان يسير في الإتجاه العباسي:
أيها الناس اسمعوا أخبركمعجبا زاد على كل عجب
عجبا من عبد شمس إنهمفتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموادون عباس بن عبد المطلب
كذبوا و اللّه ما نعلمهيحرز الميراث إلا من قرب (3)
1) النزاع و التخاصم للمقريزي ص 28 و مروج الذهب ج 3 ص 33 و الفتوح لابن أعثم ج 8 ص 195 و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 159 و أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 159.
2) العقد الفريد ج 2 ص 120 و راجع: الغدير ج 10 ص 167 و الطرائف لابن طاووس ص 28 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 249.
3) مروج الذهب ج 3 ص 33 و النزاع و التخاصم ص 28.
هذا كله. . رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج بني عبد شمس من قرباه، حينما قسّم خمس بني النضير، أو خيبر، فاعترض عليه عثمان، و جبير بن مطعم، بأن: قرابة بني أمية و بني هاشم واحدة، فلم يقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منه. و القصة معروفة و متواترة (1).
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 209 و (ط دار المعرفة)476 و 477 و مجمع الزوائد ج 5 ص 341 عن أحمد، و نيل الأوطار ج 8 ص 228 عن أحمد، و البخاري، و النسائي، و ابن ماجة، و أبي داود، و البرقاني. و سنن أبي داود ج 3 ص 146 و 145 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 961 و المغازي للواقدي ج 2 ص 696 و الإصابة ج 1 ص 226 و بداية المجتهد ج 1 ص 402 و الخراج لأبي يوسف ص 21 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 عن البخاري، و مسند أحمد ج 4 ص 85 و 83 و 81 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 284 و تشييد المطاعن ج 2 ص 818 و 819 عن زاد المعاد، و سنن البيهقي -بأسانيد-ج 6 ص 340 و 341 و 342 و الدر المنثور ج 3 ص 186 عن ابن أبي شيبة، و البحر الرائق ج 5 ص 98 و تبيين الحقائق ج 3 ص 257 و نصب الراية ج 3 ص 425 و 426 عن كثيرين جدا، فليراجع. و مصابيح السنة ج 2 ص 70 و البخاري (ط سنة 1311 ه) ج 4 ص 111 و ج 6 ص 174 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 312 و فتح القدير ج 2 ص 310 و تفسير الخازن ج 2 ص 185 و النسفي (بهامشه) ج 2 ص 186 و تفسير جامع البيان للطبري ج 10 ص 5 و الكشاف ج 2 ص 221 و سنن النسائي ج 7 ص 130 و 131 و مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 118 و نقل ذلك بعض المحققين عن المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 461 و 462 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 7 ص 12 و فتح الباري ج 7 ص 174 و ج 6 ص 150 و تفسير المنار ج 10 ص 7 و ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 125 و 126 و إرشاد الساري ج 5 ص 202 و المحلى ج 7 ص 328.
و بعد هذا. . فإن العباسيين قد اتّبعوا نفس هذا الأسلوب أيضا، فأظهروا أنفسهم على أنهم هم ذوو قربى النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، بهدف إضفاء صفة الشرعية على حكمهم و سلطانهم، حتى لنجد الرشيد يأتي إلى قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا ابن عم، فيتقدم الإمام الكاظم «عليه السلام» إلى القبر الشريف و يقول: السلام عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد، و تبين الغيظ فيه (1).
هذا. . و قد ربط العباسيون دعوتهم و حبل وصايتهم في البداية بأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و نجحوا في الإستفادة من عواطف الناس تجاه ما تعرض له العلويون و أهل البيت «عليهم السلام» من ظلم، و اضطهاد، و آلام، على يد أسلافهم الأمويين. .
و لكنهم بعد ذلك رأوا: أنهم في مجال التمكين لأنفسهم لا يسعهم الإستمرار بربط دعوتهم بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة و السلام، لوجود من هم أمسّ بعلي «عليه السلام» رحما منهم، فاتجهوا نحو التلاعب ببعض
1) كشف الغمة ج 3 ص 20 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 234 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 36 و كنز الفوائد للكراجكي ص 166 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 167 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 434 و البحار ج 25 ص 243 و ج 48 ص 136 و ج 93 ص 239 و تاريخ بغداد ج 13 ص 32 و تهذيب الكمال ج 29 ص 50 و سير أعلام النبلاء ج 6 ص 273 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 12 ص 418 و إعلام الورى للطبرسي ج 2 ص 28 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 654 و كشف الغمة للإربلي ج 3 ص 22.
الركائز و المنطلقات الفكرية و العقائدية للناس، فأسس المهدي-و الظاهر أن هذه هي فكرة أبيه المنصور من قبل-فرقة تدّعي: أن الإمام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو العباس بن عبد المطلب، ثم ولده عبد اللّه، ثم ولده. . و هكذا. . إلى أن ينتهي الأمر إلى العباسيين.
و لكنهم أجازوا بيعة علي «عليه السلام» ، لأن العباس نفسه كان قد أجازها. . و ادّعوا: أن الإرث للعم دون البنت، و لذلك فإن حق الخلافة لا يصل إلى الحسن و الحسين «عليهما السلام» ، عن طريق فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها.
و اهتموا في إظهار هذا الأمر و تثبيته كثيرا، حتى قال شاعرهم:
أنى يكون و ليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
فنال على هذا البيت مالا عظيما.
و هذا موضوع واسع و متشعب، و قد تحدثنا عنه و أوردنا له بعض الشواهد في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام» ص 78- 81 فليراجعه من أراد.
و لكن هذا الخط السياسي، و إن حظي بكثير من الدعم و الإصرار من قبل الحكام، و كل أعوانهم. . و قد جندوا كل طاقاتهم المعنوية و المادية من أجل تأكيده و تثبيته. . إلا أنه قد كان ثمة عقبة كؤود تواجههم، و تعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة، و تزوير التاريخ، و هي وجود أهل البيت صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، الذين يملكون أقوى الحجج، و أعظم
الدلائل و الشواهد من القرآن، و من الحديث المتواتر، و من المواقف النبوية المتضافرة، التي يعرفها و رآها و سمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و سمعها منهم التابعون، ثم من بعدهم. .
و كان من جملة تلك الحجج الدامغة «آية المباهلة» بالذات. . و كم رأينا من مواقف للأمويين و للعباسيين على حد سواء يصرون فيها على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى اللّه عليه و آله» . . فكانت تواجه من قبل أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، و المنصفين من غيرهم بالإحتجاجات القوية و الفاصلة. . الأمر الذي جعل «السحر ينقلب على الساحر» . .
و سرعان ما أدركوا: أن أسلوب الحجاج و المنطق، من شأنه أن يظهر الحق الذي يجهدون في إخفائه، و تشويهه. . فكانوا يعملون على عزل الأئمة و شيعتهم عن الساحة، و إبعادهم عن الأنظار، عن طريق الإرهاب و الإضطهاد و التنكيل، حتى إذا وجدوا أن ذلك لا يجدي، تصدوا لتصفيتهم جسديا. . بالسم تارة، و بالسيف أخرى. .
و نستطيع أن نذكر هنا بعض ما يتضمن محاولتهم نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى اللّه عليه و آله» ، و احتجاجات الأئمة و غيرهم عليهم في ذلك. . و بعضه يتضمن الإستدلال بآية المباهلة. . و ذلك في ضمن النقاط التالية:
1-عن ذكوان، مولى معاوية، قال: «قال معاوية: لا أعلمنّ أحدا
سمى هذين الغلامين (1)ابني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن قولوا: ابني علي «عليه السلام» .
قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك، أمرني أن أكتب بنيه في الشرف.
قال: فكتبت بنيه و بني بنيه، و تركت بني بناته. . ثم أتيته بالكتاب، فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كبر بنيّ!
فقلت: من؟
فقال: أما بنو فلانة-لابنته-بنيّ؟ . أما بنو فلانة-لابنته-بنيّ؟ .
قال: قلت: اللّه! ! أيكون بنو بناتك بنيك، و لا يكون بنو فاطمة بني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
قال: ما لك؟ قاتلك اللّه! لا يسمعنّ هذا أحد منك؟ ! . .» (2).
2-جاء عن الإمام الحسن «عليهما السلام» محتجا على معاوية قوله: «فأخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأنفس معه أبي، و من البنين أنا و أخي، و من النساء فاطمة أمي، من الناس جميعا، فنحن أهله، و لحمه و دمه، و نفسه، و نحن منه و هو منا» (3).
3-قال الرازي في تفسير قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ
1) الغلام: الكهل. و الطار الشارب، فهو من الأضداد، راجع: أقرب الموارد ج 2 ص 484، و البحار ج 33 ص 258 و كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 172.
2) كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 176 و البحار ج 33 ص 258.
3) ينابيع المودة ص 479 عن الزرندي المدني، و ص 482 و 52 و تفسير البرهان ج 2 ص 286 و أمالي الطوسي ج 2 ص 172 و في (ط دار الثقافة قم) ص 564 و البحار ج 10 ص 141 و ج 69 ص 154 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 186.
وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ. . إلى قوله: وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ (1)-بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوة الحسنين «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» - قال-: «و يقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف» (2).
4-إحتج أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يوم الشورى على المجتمعين، بأن اللّه، تعالى جعله نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعل ابنيه ابنيه، و نساءه نساءه (3).
5-عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج، فأتي بيحيى بن يعمر، فقيه خراسان، من بلخ، مكبلا بالحديد فقال له الحجاج: أنت زعمت: أن الحسن و الحسين من ذرية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
فقال: بلى.
فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب اللّه (! !) ، أو لأقطعنّك عضوا عضوا.
فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه يا حجاج.
قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج.
1) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.
2) تفسير الرازي ج 13 ص 66 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 241 عنه.
3) ينابيع المودة ص 266 عن الدارقطني، و الصواعق المحرقة ص 154 و فضائل الخمسة ج 1 ص 250 و حياة أمير المؤمنين «عليه السلام» للسيد محمد صادق الصدر ص 205 عن الصواعق، و البحار ج 35 ص 267 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 432 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 385 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 177.
فقال له: و لا تأتني بهذه الآية: نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ .
فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه، و هو قوله: وَ نُوحاً هَدَيْنٰا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ. . إلى قوله: وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ (1). فمن كان أبو عيسى، و قد ألحق بذرية نوح؟ ! .
قال: فأطرق الحجاج مليا، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه حلّوا وثاقه الخ. .» (2).
و في نور القبس: أنّ الحجاج طلب منه أن لا يعود لذكر ذلك، و نشره.
6-لسعيد بن جبير قصة مع الحجاج شبيهة بقصة يحيى بن يعمر، فلا نطيل بذكرها (3).
7-سأل هارون الرشيد الإمام الكاظم «عليه السلام» ، فقال له: كيف قلتم: إنّا ذرية النبي، و النبي لم يعقب، و إنما العقب للذكر لا للأنثى، و أنتم ولد البنت، و لا يكون له عقب؟
فسأله «عليه السلام» أن يعفيه، فلم يقبل، فاحتج «عليه السلام» بأن
1) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.
2) تفسير الرازي ج 2 ص 194 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 164 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 247 و 248 و الدر المنثور ج 3 ص 28 عن ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و الحاكم، و البيهقي، و الغدير ج 7 ص 123 عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 155 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89، و راجع: العقد الفريد ج 5 ص 20 و نور القبس ص 21 و 22 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 12.
3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89 و 90 و البحار الأنوار ج 43 ص 229 و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 558.
القرآن قد اعتبر عيسى من ذرية إبراهيم في آية سورة الأنعام، مع أنه ينتسب إليه عن طريق الأم. ثم احتج عليه بآية المباهلة، حيث قال اللّه تعالى فيها: أَبْنٰاءَنٰا (1).
8-إن عمرو بن العاص أرسل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» يعيبه بأشياء، منها: أنه يسمي حسنا و حسينا ولدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال لرسوله: «قل للشانيء ابن الشانيء: لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك» (2).
9-قال الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه في كربلاء: «اللهم إنّا أهل بيت نبيك، و ذريته و قرابته، فاقصم من ظلمنا، و غصبنا حقنا، إنك سميع قريب» .
فقال محمد بن الأشعث: أي قرابة بينك و بين محمد؟ ! .
فقال الحسين «عليه السلام» : «اللهم إن محمد بن الأشعث يقول: ليس بيني و بين محمد قرابة، اللهم أرني فيه في هذا اليوم ذلا عاجلا، فاستجاب اللّه دعاءه الخ. .» (3).
1) نور الأبصار ص 148 و 149 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 84 و 85 تفسير نور الثقلين ج 1 ص 289 و 290 و تفسير الميزان ج 3 ص 230 و تفسير البرهان ج 1 ص 289 و ذخيرة المعاد (ط. ق) للسبزواري ج 1 ق 3 ص 487 و جواهر الكلام ج 16 ص 95 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 80 و الإحتجاج ج 2 ص 164 و البحار ج 48 ص 128 و ج 93 ص 240.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 334.
3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 249 و مقتل الحسين للمقرم ص 278 عنه، و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 215 و البحار ج 45 ص 302.
10-و قد أوضح الباقر «عليه السلام» لنا: أنه قد كانت سياسات الآخرين تقضي بنفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع ما قاله «عليه السلام» في ذلك (1).
هذا و لهم «عليهم السلام» احتجاجات أخرى بآية المباهلة على خلافة أمير المؤمنين، و على أفضليته «عليه السلام» ، و غير ذلك، لا مجال لذكرها هنا (2).
و بعد أن اتضح: أن السياسة الأموية كانت تقضي بأن يستبعد اسم علي «عليه السلام» من جملة من باهل بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم الإصرار على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فإننا نجدهم يصرون على خؤولة معاوية للمؤمنين، و يجعلون ذلك ذريعة للإنكار على من ذكر معاوية بسوء، و لكنهم إذا ذكر محمد بن أبي بكر
1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 209 و الحدائق الناضرة للبحراني ج 12 ص 398 و ج 22 ص 244 و جواهر الكلام ج 16 ص 93 و الكافي ج 8 ص 317 و البحار ج 43 ص 232 و ج 93 ص 239 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 348 و تفسير الميزان ج 7 ص 263 و العدد القوية للحلي ص 40.
2) لا بأس بمراجعة البحار ج 35 ص 257 و ج 49 ص 188 و تفسير الميزان ج 2 ص 230 و 329 و تفسير البرهان ج 1 ص 286 و 287 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 38 و غير ذلك.
بسوء رضوا أو أمسكوا، و مالوا مع ذاكره، و خؤولته-حسب منطقهم- ظاهرة بائنة.
و قد نفرت قلوبهم من علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، لأنه حارب معاوية و قاتله، و سكنت قلوبهم عند قتل عمار و محمد بن أبي بكر، و له حرمة الخؤولة، و هو أفضل من معاوية، و أبوه خير من أبي معاوية، و ما ذلك إلا خديعة أو جهالة، و إلا فلماذا لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر و لا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟ ! (1).
نعم. . و لم يقتصر الأئمة في تصديهم للمغرضين و الحاقدين، و الوقوف في وجه سياساتهم تلك بحزم و صلابة-على مواقف الحجاج هذه، بل تعدّوا ذلك إلى المناسبات الأخرى، و استمروا يعلنون بهذا الأمر على الملأ، و يؤكدون عليه في كثير من المناسبات و المواقف الحساسة، و كشفوا زيف تلك الدعاوى بشكل لا يدع مجالا لأي شك أو ريب. .
و قد صدع الإمام الحسن «عليه السلام» بهذا الأمر أيضا في أكثر من مناسبة، و أكثر من موقف. .
و لم يكن يكتفي بإظهار و إثبات بنوّته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حسب. . و إنما كان يهتم بالتأكيد على أن حق الإمامة و الخلافة له وحده، و لا تصل النوبة إلى معاوية و أضرابه، لأن معاوية ليس فقط يفقد
1) مقتبس من كتاب: المعيار و الموازنة ص 21.
المواصفات الضرورية لهذا الأمر، و إنما هو يتصف بالصفات التي تنافيها و تنقضها بصورة أساسية. . و كمثال على كل ذلك نذكر:
1-أنه «عليه السلام» يخطب فور وفاة أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فيقول: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني، فأنا الحسن بن علي، و أنا ابن النبي، و أنا ابن الوصي» (1).
لاحظ كلمة: «الوصي» في هذه العبارة الأخيرة.
و في نص آخر أنه قال: «فأنا الحسن بن محمد (صلى اللّه عليه و آله)» (2).
1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 172 و ذخائر العقبى ص 138 عن الدولابي، و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 173 عن الجنابذي على ما يظهر، و مسائل علي بن جعفر ص 329 و أمالي الصدوق ص 244 و تحف العقول ص 232 و مقاتل الطالبيين ص 33 و أمالي الطوسي ص 270 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 178 و ذخائر العقبى للطبري ص 138 و 140 و البحار ج 25 ص 214 و ج 43 ص 331 و 355 و ج 44 ص 41.
2) راجع: الفصول المهمة للمالكي ص 146 و تفسير فرات ص 70 و 72 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 159 و ينابيع المودة ص 225 و 302 و 270 و 479 و 482 عن أبي سعد في شرف النبوة، و الطبراني في الكبير، و البزار، و الزرندي المدني، و غيرهم، و إرشاد المفيد ص 207 و فرائد السمطين ج 2 ص 120 و مستدرك الحكام ج 3 ص 172 و مجمع الزوائد ج 9 ص 46 و حياة الصحابة ج 3 ص 526 و ذخائر العقبى ص 138 و 140 و عن الدولابي في الذرية الطاهرة، و نزهة المجالس ج 2 ص 186 و المحاسن و المساوي ج 1 ص 132 و 133 و المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 11 و 12 و الإحتجاج ج 1 ص 419 و البحار ج 44 و أمالي الشيخ الطوسي ج 1 ص 12 و إعلام الورى ص 208 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 30.
و قال حينئذ أيضا: «أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض اللّه طاعتهم في كتابه الخ. .» .
ثم قام ابن عباس، فقال: «هذا ابن بنت نبيكم، و وصي إمامكم فبايعوه» (1).
و في نص آخر: أنه «عليه السلام» قال حينئذ أيضا: «و عنده نحتسب عزاءنا في خير الآباء رسول اللّه الخ. .» (2).
2-و في مناسبة أخرى في الشام، طلب منه معاوية-بمشورة عمرو بن العاص-أن يصعد المنبر، و يخطب-رجاء أن يحصر-فصعد المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم أورد خطبة هامة، تضمنت ما تقدم، و سواه الشيء الكثير، قال الراوي: «و لم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية، و عرف الحسن من لم يكن عرفه من أهل الشام و غيرهم، ثم نزل.
فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة، و لست هناك!
فقال الحسن «عليه السلام» : أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمل بطاعة اللّه عز و جل. و ليس الخليفة من سار بالجور، و عطل السنن، و اتخذ الدنيا أما و أبا، و عباد اللّه خولا، و ماله دولا، و لكن ذلك أمر ملك أصاب ملكا، فتمتع منه قليلا، كأن قد انقطع عنه. .»
إلى آخر كلامه عليه السلام (1).
و نفس هذه القضية تذكر له مع معاوية، حينما جرى الصلح بينهما في الكوفة (2).
و هذا يؤيد ما ذكره البعض: من أن معاوية قد دس السم الى الإمام الحسن «عليه السلام» ، لأنه كان يقدم عليه إلى الشام (3).
3-و في نص آخر: أن معاوية طلب من الإمام الحسن «عليه السلام» : أن يصعد على المنبر، و يخطب. . فصعد المنبر و خطب، و صار يقول: أنا ابن، أنا ابن. . إلى أن قال: «لو طلبتم ابنا لنبيكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري و غير أخي» (4). و من أراد الرواية بطولها فليراجع المصادر.
4-و في نص آخر: أن معاوية طلب منه: أن يصعد المنبر و ينتسب،
1) الإحتجاج ج 1 ص 419 و الخرائج و الجرائح ص 218 و مقاتل الطالبيين ص 47 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 49 و الكلام الأخير موجود أيضا في مصادر أخرى فراجع الهامش التالي.
2) ذخائر العقبى ص 140 عن أبي سعد، و راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 126 لكن فيه: أن ذلك كان بالمدينة، و البحار ج 44 ص 122 و المحاسن و المساوي ج 1 ص 133 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 49 و مقاتل الطالبيين ص 73 و الإمام الحسن لآل يس ص 110-114 و تحف العقول ص 164.
3) الغدير ج 11 ص 8 عن طبقات ابن سعد.
4) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 12 عن العقد الفريد و المدائني و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 178 و ليراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 126 و البحار ج 10 ص 143 و ج 43 ص 355 و 356 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 172 و الإحتجاج ج 1 ص 420 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 188.
فصعد، و صار يقول: بلدتي مكة و منى، و أنا ابن المروة و الصفا، و انا ابن النبي المصطفى. .
إلى أن قال: فأذن المؤذن، فقال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فالتفت إلى معاوية، فقال: أ محمد أبي؟ أم أبوك؟ ! فإن قلت: ليس بأبي، كفرت، و إن قلت: نعم، فقد أقررت. .
ثم قال: أصبحت العجم تعرف حق العرب بأنّ محمدا منها، يطلبون حقنا، و لا يردون إلينا حقنا» (1).
5-و في مناسبة أخرى، طلب منه معاوية أن يخطب و يعظهم، فخطب و صار يقول: أنا ابن رسول اللّه، أنا ابن صاحب الفضايل، أنا ابن صاحب المعجزات و الدلايل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي. . إلى أن قال: أنا إمام خلق اللّه، و ابن محمد رسول اللّه، فخشي معاوية أن يتكلم بما يفتن به الناس، فقال: إنزل، فقد كفى ما جرى، فنزل» (2).
6-بل لقد رأينا معاوية يعترف له بهذا الأمر، فيقول له مرة في كلام له: «و لا سيما أنت يا أبا محمد، فإنك ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سيد شباب أهل الجنة» (3).
و يدخل في هذا المجال أيضا: قول الإمام الحسن «عليه السلام» لأبي بكر، و قول الإمام الحسين «عليه السلام» لعمر: انزل عن منبر أبي، حسبما سيأتي، إن كان المقصود بأبي: هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كما يظهر من اعترافهما لهما. و إن كان المقصود به أباهما أمير المؤمنين-كما احتمله بعض المحققين (1)-فيدخل في مجال احتجاجاتهما «عليهما السلام» على أحقيتهم بالأمر، دون كل أحد سواهم. . و يكونان قد انتزعا منهما اعترافا صريحا و هاما في هذا المجال.
و بعد ذلك، فإنا نجد الإمام الحسين «عليه السلام» يخطب الناس، و يقول: «أقررتم بالطاعة، و آمنتم بالرسول محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته و عترته، تريدون قتلهم. .
إلى أن قال: ألست أنا ابن بنت نبيكم، و ابن وصيه، و ابن عمه» (2).
و يقول في موضع آخر، حينما اشتد به الحال: «و نحن عترة نبيك، و ولد نبيك، محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي اصطفيته بالرسالة الخ. .» (3).
1) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» .
2) مقتل الحسين للمقرم ص 274 عن مقتل محمد بن أبي طالب الحايري و البحار ج 45 ص 6.
3) المصدر السابق عن الإقبال، و مصباح المتهجد، و عنهما في مزار البحار ص 107 باب زيارته يوم ولادته، و مصباح المتهجد للطوسي ص 827 و المزار للمشهدي ص 399 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 3 ص 304 و البحار ج 98 ص 348.
و يقول في وصف جيش يزيد، في يوم عاشوراء: «فإنما أنتم طواغيت الأمة.
إلى أن قال: و قتلة أولاد الأنبياء، و مبيري عترة الأوصياء» (1).
و قد اعترفوا له بذلك حينما ناشدهم، فقال: أنشدكم اللّه، هل تعرفوني؟
قالوا: نعم، أنت ابن رسول اللّه و سبطه» (2).
و للإمام السجاد «عليه السلام» موقف هام في الشام، حينما ألقى خطبته الرائعة، فقال: «أيها الناس، أنا ابن مكة و منى، أنا ابن زمزم و الصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا. .
إلى أن قال: أنا ابن من حمل على البراق، و بلغ به جبرئيل سدرة المنتهى. .» .
إلى آخر الخطبة التي كان من نتيجتها: أن «ضجّ الناس بالبكاء، و خشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة» . . و لكنه «عليه السلام» تابع خطبته، و احتجاجاته الدامغة على يزيد، و تفرق الناس، و لم ينتظم لهم صلاة في ذلك اليوم (3).
و بعد ذلك. . فإننا نجد العقيلة زينب تقف في وجه يزيد لتقول له: «أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك و إمائك، و سوقك بنات رسول اللّه سبايا؟ . .» .
و فيها: «و استأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» .
إلى أن قالت: «و لتردنّ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما تحملت من سفك دماء ذريته، و انتهكت من حرمته و لحمته» (1).
و في خطبة لها لأهل الكوفة: «الحمد للّه، و الصلاة على أبي محمد و آله الطيبين الأخيار» .
و في نص آخر: «و الصلاة عن أبي رسول اللّه» (2).
و تقول فاطمة بنت الحسين في خطبة لها في الكوفة أيضا: «. . و أنّ محمدا عبده و رسوله، و أنّ أولاده ذبحوا بشط الفرات» (3).
و تتبع كلمات الأئمة و أبناءهم في هذا السياق يحتاج إلى جهد مستقل و وقت طويل، و فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد و الهداية.
1) بلاغات النساء (ط دار النهضة) ص 35 و 36 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 و 65 و مقتل الحسين للمقرم ص 450 و 451 و البحار ج 45 ص 134.
2) راجع: الأمالي للشيخ الطوسي ج 1 ص 90 و مقتل الحسين للمقرم ص 385 عنه و عن أمالي ابنه، و عن اللهوف، و ابن نما، و ابن شهرآشوب، و الإحتجاج.
3) مقتل الحسين للمقرم ص 390 و الإحتجاج ج 2 ص 27 و اللهوف لابن طاووس ص 88.
و بعد. . فإنّ ذلك كله لم يكن منهم «عليهم السلام» إلا تأسيا بالنبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، و قد ورد عنه الكثير مما يدل على إصراره «صلى اللّه عليه و آله» على تركيز قضية بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى اللّه عليه و آله» في ضمير الأمة و وجدانها، بشكل لا يبقى معه أي مجال للشبهة، أو الشك و الترديد. .
1-قال «صلى اللّه عليه و آله» : «هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني» (1).
و في نص آخر: «هذان ابناي، و ابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما، و أحب من يحبهما (2).
1) ذخائر العقبى ص 124 و صفة الصفوة ج 1 ص 763 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 206 و في (ط دار الفكر) ج 13 ص 199 و كنز العمال (ط 2) ج 6 ص 221 و الغدير ج 7 ص 124 عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 166 و نقل عن الترمذي رقم (3772) ، و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 254 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 95 و البداية و النهاية ج 8 ص 39 و تنبيه الغافلين لابن كرامة ص 42 و ترجمة الإمام الحسن «عليه السلام» لابن عساكر ص 59 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» لابن عساكر ص 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 57.
2) ينابيع المودة ص 165 عن الترمذي، و تاريخ الخلفاء ص 189 و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 200 و خصائص الإمام علي للنسائي ص 124 و مجمع الزوائد ج 9 ص 180 و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 166 و 171 و ذخائر العقبى ص 124 و في هامش الخصائص للنسائي عن كفاية الطالب ص 200 و كنز العمال ج 6 ص 220 و عن الترمذي ج 2 ص 240 و غيرهم.
و في رواية أخرى عن عائشة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يأخذ حسنا، فيضمه إليه، ثم يقول: «اللهم إن هذا ابني، و أنا أحبه، فأحببه، و أحب من يحبه» (1).
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» بمجرد ولادة أحدهما: الحسن و الحسين «عليهما السلام» ، يقول لأسماء: هلمي ابني، كما تقدم.
3-و يقول: إن ابني هذا سيد (2).
4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يجلس في المسجد، و يقول: ادعوا لي ابني، قال: فأتى الحسن يشتد. .
إلى أن قال: و جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفتح فمه في فمه، و يقول: «اللهم إني أحبه، فأحبّه، و أحبّ من يحبه، ثلاث مرات» (3).
5-و عنه «صلى اللّه عليه و آله» إنه قال: كل ابن آدم ينتسبون إلى عصبة أبيهم، إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم، و أنا عصبتهم» (4).
1) كنز العمال ج 16 ص 262(ط 2) و في (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 652 و مجمع الزوائد ج 9 ص 176 و ترجمة الإمام الحسن بن علي «عليهما السلام» لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 56 و في هامشه عن المعجم الكبير للطبراني (ط 1) ج 1 ص 20 و تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 197.
2) مصادر ذلك كثيرة، لا يكاد يخلو منها كتاب، و لذا فلا حاجة لتعدادها.
3) ذخائر العقبى ص 122 عن الحافظ السلفي و نظم درر السمطين ص 198.
4) الصواعق المحرقة ص 154 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 164 و تاريخ بغداد ج 11 ص 285 و ينابيع المودة ص 261 و فرائد السمطين ج 2 ص 69 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 68 و إحقاق الحق ج 9 ص 644-655 عن مصادر كثيرة، و ذخائر العقبى ص 121 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 3 ص 149 و عن كنز العمال ج 6 ص 216 و 215 و عن مجمع الزوائد ج 9 ص 172.
و من أراد المزيد من النصوص الدالة على بنوة الحسنين «عليهما السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فليراجع المصادر المذكورة في الهامش (1).
1) الغدير ج 7 ص 124-129 و راجع: ينابيع المودة ص 259 و 138 و 146 و 214 و 183 و 182 و 255 و 136 و 221 و 258 و 222 و 331 و 250 و إسعاف الراغبين ص 132 و 133 و كفاية الطالب ص 235 و 237 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 158 و 159 و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 126 و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 4 ص 152 و 203 و 204.
الفصل الأول: الإعداد و الإستعداد
الفصل الثاني: تجهيز جيش العسرة
الفصل الثالث: النفير العام
الفصل الرابع: المتخلفون و المعذرون و البكاؤون و اللاحقون
الفصل الخامس: الثلاثة الذين خلفوا. . و حديث كعب بن مالك
الفصل السادس: هكذا يكيدون عليا عليه السّلام
الفصل السابع: أحداث جرت في الطريق إلي تبوك
الفصل الثامن: جيش الإسلام في تبوك
الفصل التاسع: رسائل و أجوبتها
الفصل العاشر: في طريق العودة
الفصل الحادي عشر: أصح الروايات عن تبوك. . أو زبدة المخض
الفصل الثاني عشر: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة بعد تبوك
قال تعالى: قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاٰ يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاٰ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1).
و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ اِثّٰاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمٰا مَتٰاعُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاّٰ قَلِيلٌ إِلاّٰ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذٰاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاٰ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلاّٰ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللّٰهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثٰانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي اَلْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا فَأَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلىٰ وَ كَلِمَةُ اَللّٰهِ هِيَ اَلْعُلْيٰا وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ اِنْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالاً وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قٰاصِداً لاَتَّبَعُوكَ وَ لٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اِسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ عَفَا
1) الآية 29 من سورة التوبة.
اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكٰاذِبِينَ لاٰ يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمٰا يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اِرْتٰابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَ لَوْ أَرٰادُوا اَلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لٰكِنْ كَرِهَ اَللّٰهُ اِنْبِعٰاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ اَلْقٰاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلاّٰ خَبٰالاً وَ لَأَوْضَعُوا خِلاٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اَلْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمّٰاعُونَ لَهُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ لَقَدِ اِبْتَغَوُا اَلْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ اَلْأُمُورَ حَتّٰى جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ هُمْ كٰارِهُونَ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَ لاٰ تَفْتِنِّي أَلاٰ فِي اَلْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنٰا أَمْرَنٰا مِنْ قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنٰا إِلاّٰ مٰا كَتَبَ اَللّٰهُ لَنٰا هُوَ مَوْلاٰنٰا وَ عَلَى اَللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنٰا إِلاّٰ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اَللّٰهُ بِعَذٰابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينٰا فَتَرَبَّصُوا إِنّٰا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فٰاسِقِينَ وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلاّٰ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلصَّلاٰةَ إِلاّٰ وَ هُمْ كُسٰالىٰ وَ لاٰ يُنْفِقُونَ إِلاّٰ وَ هُمْ كٰارِهُونَ فَلاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ وَ يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ مٰا هُمْ مِنْكُمْ وَ لٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغٰارٰاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ (1).
1) الآيات 38-57 من سورة التوبة.
و قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كٰانُوا مُؤْمِنِينَ أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحٰادِدِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِداً فِيهٰا ذٰلِكَ اَلْخِزْيُ اَلْعَظِيمُ يَحْذَرُ اَلْمُنٰافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمٰا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اَللّٰهَ مُخْرِجٌ مٰا تَحْذَرُونَ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لاٰ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً بِأَنَّهُمْ كٰانُوا مُجْرِمِينَ (1).
و قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا وَ لَقَدْ قٰالُوا كَلِمَةَ اَلْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاٰمِهِمْ وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا وَ مٰا نَقَمُوا إِلاّٰ أَنْ أَغْنٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اَللّٰهُ عَذٰاباً أَلِيماً فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مٰا لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ نَصِيرٍ (2).
و قال تعالى: فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاٰفَ رَسُولِ اَللّٰهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ قٰالُوا لاٰ تَنْفِرُوا فِي اَلْحَرِّ قُلْ نٰارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كٰانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اَللّٰهُ إِلىٰ طٰائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقٰاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخٰالِفِينَ وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ وَ لاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ
وَ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي اَلدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ وَ إِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ جٰاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا اَلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قٰالُوا ذَرْنٰا نَكُنْ مَعَ اَلْقٰاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ وَ طُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاٰ يَفْقَهُونَ لٰكِنِ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْخَيْرٰاتُ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اَللّٰهُ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ وَ جٰاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ اَلَّذِينَ كَذَبُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ سَيُصِيبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفٰاءِ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرْضىٰ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاٰ أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً أَلاّٰ يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ وَ طَبَعَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذٰا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاٰ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اَللّٰهُ مِنْ أَخْبٰارِكُمْ وَ سَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَرْضىٰ عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ اَلْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاّٰ يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مَنْ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوٰائِرَ عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ اَلسَّوْءِ وَ اَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ
مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ صَلَوٰاتِ اَلرَّسُولِ أَلاٰ إِنَّهٰا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اَللّٰهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
و قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلىٰ عَذٰابٍ عَظِيمٍ وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).
و قال تعالى: لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ اَلْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مٰا كٰادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لاٰ مَلْجَأَ مِنَ اَللّٰهِ إِلاّٰ إِلَيْهِ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ (3).
مٰا كٰانَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاٰ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاٰ نَصَبٌ وَ لاٰ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفّٰارَ وَ لاٰ يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّٰ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً وَ لاٰ يَقْطَعُونَ وٰادِياً إِلاّٰ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اَللّٰهُ أَحْسَنَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (4).
تبوك اسم موضع، و لفظه لا ينصرف للعلمية و وزن الفعل، و قيل للعلمية و التأنيث، فإن أريد صرفها، فيراد منها «الموضع» -كقول كعب بن مالك كما في بعض الروايات-: «فلم يذكرني حتى بلغ تبوكا» (1).
تبوك هي أقصى موضع بلغه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزواته. . و هي في طرف الشام من جهة القبلة، و بينها و بين المدينة المشرّفة اثنتا عشرة مرحلة (2). و قيل: أربع عشرة (3).
قال في النور: و قد سرناها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة، و بينها و بين دمشق إحدى عشرة مرحلة (4).
1) مسند أحمد ج 6 ص 387، و شرح مسلم للنووي ج 17 ص 89، و المصنف للصنعاني ج 5 ص 400، و صحيح ابن حبان ج 8 ص 157.
2) معجم البلدان ج 2 ص 15 و كتاب العين ج 5 ص 342.
3) فتح الباري ج 8 ص 84 و عمدة القاري ج 9 ص 65 و ج 18 ص 45 و تحفة الأحوذي و ج 5 ص 310 ج 8 ص 402 و عون المعبود ج 1 ص 174.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 479، و راجع: فتح الباري ج 8 ص 85 و عمدة القاري ج 9 ص 65 و ج 18 ص 45.
و هذا الإختلاف لا يضر و لا نرى كثير فائدة في تحقيقه، فإن هذا الموضع معروف اليوم.
قال في الروض تبعا لابن قتيبة: سميت الغزوة بعين تبوك، و هي العين التي أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ألا يمسوا من مائها شيئا، فسبق إليها رجلان، و هي تبض بشيء من ماء، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال لهما: ما زلتما تبوكانها منذ اليوم، فلذلك سميت العين تبوك.
و البوك: كالنقش و الحفر في الشيء، و يقال: منه باك الحمار الأتان يبوكها إذا نزا عليها (1).
و نقول: إن لنا مع هذا النص وقفات:
زعم هذا النص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سب ذينك الرجلين اللذين حاولا إثارة ماء العين بسهميهما. .
و هذا كلام باطل لما يلي: أولا: إن هذين الرجلين لم يقصدا الخلاف على رسول اللّه «صلى اللّه
1) سبيل الهدى و الرشاد ج 8 ص 479 و راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1159 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 65. و راجع: معجم البلدان ج 2 ص 15، و عمدة القاري ج 18 ص 44، و فتح الباري ج 8 ص 84.
عليه و آله» و إنما وجداها تبض بماء قليل، فأرادا إثارتها، ليزداد ماؤها لينتفع به المسلمون. . و هذا معناه: أن نيتهما كانت صالحة، فلم يفعلا ما يستحقان به السبّ بحسب ظاهر الأمر. .
و مع غض النظر عن ذلك، فقد كان اللازم هو الرفق بهما، و الإستعلام عن نيتهما، ثم تكون العقوبة، أو يكون العفو، و هو الأمثل و الأجمل برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، المأمور بالعفو عن الناس. .
ثانيا: لو سلمنا أنهما قصدا الخلاف عليه، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يزل ينهى عن سب الناس، و التفوه بالألفاظ الفاحشة، فقد روي أن عائشة قالت له معترضة عليه: قلت لفلان: بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألنت له القول؟
فقال: «يا عائشة، إن اللّه لا يحب الفحش و لا التفحش» (1).
و قال لها: «. . إن الفحش لو كان مثالا لكان مثال سوء» (2).
1) المجموع للنووي ج 18 ص 179 و المغني لابن قدامة ج 9 ص 173 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 9 ص 157 و الكرم و الجود للبرجلاني ص 39 و كتاب الصمت و آداب اللسان لابن أبي الدنيا ص 184 و كنز العمال ج 3 ص 597 و فيض القدير ج 2 ص 344 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 292 و مستند الشيعة للنراقي ج 14 ص 166 و الكافي للكليني ج 2 ص 326 و شرح أصول الكافي ج 1 ص 267 و ج 9 ص 365 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 36.
2) الكافي ج 2 ص 324 و 325 و 648 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 78 و ج 16 ص 32 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 453 و ج 11 ص 327 و البحار ج 16 ص 258 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 432 و ج 15 ص 608 و الحدائق الناضرة ج 9 ص 71 و مفتاح الكرامة ج 8 ص 128 و جواهر الكلام ج 11 ص 114 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 2 ق 2 ص 422 و شرح أصول الكافي ج 9 ص 363 و ج 11 ص 118 و البحار ج 16 ص 258 و ج 108 ص 225.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لو كان الفحش خلقا لكان شر خلق اللّه» (1).
و قال: «إن الفحش و التفحش ليسا من الإسلام» (2).
و روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «ألا أخبركم بأبعدكم مني شبها» ؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه.
قال: «الفاحش المتفحش البذيء» (3).
1) كنز العمال ج 3 ص 599 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2377 و كتاب الصمت و آداب اللسان لابن ابي الدنيا ص 293 و الجامع الصغير ج 2 ص 434 و فيض القدير ج 5 ص 412 و كشف الخفاء ج 2 ص 161.
2) مسند أحمد ج 5 ص 89 و مجمع الزوائد ج 8 ص 25 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 88 و كتاب الصمت و آداب اللسان لابن أبي الدنيا ص 184 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 458 و المعجم الكبير ج 2 ص 256 و الجامع الصغير ج 1 ص 319 و كنز العمال ج 3 ص 598 و التاريخ الكبير ج 6 ص 291 و جامع السعادات ج 1 ص 277 و عيون الحكم للواسطي ص 27 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 432 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2376.
3) الكافي ج 2 ص 291 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 341 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 370 و البحار ج 69 ص 109 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 397 و 544 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 3 ص 297 و ج 4 ص 163 و ج 8 ص 325 و ج 9 ص 129 و ميزان الحكمة ج 1 ص 648 و 807 و ج 3 ص 2376.
و قال: «يا عائشة، لا تكوني فاحشة» (1).
و أما بالنسبة لسباب المسلم، فقد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «سباب المسلم فسق» (2).
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «سباب المسلم فسق و قتاله كفر» (3).
1) الدر المختار للحصكفي ج 4 ص 400 و رياض السالكين للسيد علي خان ج 3 ص 368 و مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 229 و صحيح مسلم ج 7 ص 5 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 93 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 89 و كنز العمال ج 3 ص 597 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 293 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 100 و القاموس المحيط ج 2 ص 282 و تاج العروس ج 9 ص 157.
2) حديث مروي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخرجه: البخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة، و أحمد، و البيهقي، و الطبري، و الدارقطني، و الخطيب، و غيرهم من طريق: ابن مسعود، و أبي هريرة، و سعد بن أبي وقاص، و جابر، و عبد اللّه بن مغفل، و عمرو بن النعمان. راجع: الغدير ج 10 ص 267 و الفتح الكبير للنبهاني ج 2 ص 150 و 151 و راجع: جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 437.
3) راجع: الغدير ج 10 ص 272 و الفتح الكبير ج 2 ص 150 و 151 و أسنى المطالب للحوت ص 168 ح 746 و الجامع الصغير ح 4634 و صحيح الجامع الصغير ح 3580 و التمييز بين الخبيث و الطيب ح 702 و تاريخ بغداد ج 5 ص 144 و ج 10 ص 86 و ج 13 ص 185 و صحيح البخاري ج 7 ص 769 ك الأدب، و (ط دار الفكر) ج 1 ص 17 و ج 7 ص 84 و ج 8 ص 91، و حلية الأولياء ج 5 ص 23 و 24 و ج 6 ص 204 و 343 و ج 8 ص 123 و 359 و ج 10 ص 215. و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 385 و 411 و 454 و صحيح مسلم ج 1 ص 58 و سنن ابن ماجة
فما معنى أن ينسب إليه أنه قد بادر إلى سب ذينك الرجلين؟ !
ثالثا: لعل المقصود بنهيه عن مساس ذلك الماء بشيء هو عدم الأخذ منه، تماما كما جرى في قضية، قول طالوت لعسكره: إِنَّ اَللّٰهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّٰ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ (1).
و لا أقل من أن ذلك قد يكون مما احتمله أو ظنه الرجلان المشار إليهما،
(3) -ج 1 ص 27 و ج 2 ص 1299 و 1300 و سنن الترمذي ج 3 ص 238 و ج 4 ص 132 و سنن النسائي ج 7 ص 121 و 122 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 20 و مجمع الزوائد ج 4 ص 172 و ج 7 ص 300 و ج 8 ص 73 و فتح الباري ج 11 ص 448 و ج 13 ص 22 و عمدة القاري ج 1 ص 277 و 279 و ج 9 ص 190 و ج 22 ص 123 و ج 24 ص 188 و مسند الحميدي ج 1 ص 58 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 379 و الأدب المفرد للبخاري ص 97 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 313 و 314 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 408 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 266 و المعجم الأوسط ج 1 ص 223 و ج 4 ص 44 و ج 6 ص 37 و المعجم الكبير ج 1 ص 145 و ج 10 ص 105 و 157 و 159 و 178 و ج 17 ص 39 و كتاب الدعاء للطبراني ص 566 و 567 و مسند الشاميين ج 3 ص 309 و التمهيد لابن عبد البر ج 4 ص 236 و 237 و ج 17 ص 15 و الأذكار النووية ص 365 و تغليق التعليق ج 5 ص 94 و الجامع الصغير ج 2 ص 40 و 41 و كشف الخفاء ج 1 ص 447 جامع البيان ج 2 ص 376 و نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 375 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 281 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 598 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 215 و أمالي الطوسي ص 537 و البحار ج 74 ص 89 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 324 و ج 23 ص 145 و ج 26 ص 104.
1) الآية 249 من سورة البقرة.
فما معنى سبهما قبل التأكد من الأمر؟ !
رابعا: إن كلمة: «فسبهما» من الراوي كما لا يخفى، في حال أنّا لا نرى في قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ما زلتما تبوكانها منذ اليوم» أي سباب، بعد ما تقدم من أن البوك هو النقش و الحفر! !
إلا إذا كان المراد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سبهما بكلام آخر غير هذه الكلمة. .
و لا مجال أيضا لقبول ما زعمته تلك الرواية: من أن تسميتها بتبوك بسبب قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذينك الرجلين: ما زلتما تبوكانها. . لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد أطلق اسم تبوك على تلك البقعة قبل أن يصل إلى تبوك بيوم، حيث رووا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه: «إنكم ستأتون غدا-إن شاء اللّه-عين تبوك» (1).
فهذا الاسم كان ثابتا للموضع، و متداولا قبل وصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و منهم ذانك الرجلان إليه، فما معنى قولهم: أن تسميتها بتبوك متفرع على اعتراضع «صلى اللّه عليه و آله» على الرجلين.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 450، و الموطأ لمالك ج 1 ص 143، و مسند أحمد ج 5 ص 238، و صحيح مسلم ج 7 ص 60، و فتح الباري ج 8 ص 84 و 85، و عمدة القاري ج 18 ص 44، و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 82، و صحيح ابن حبان ج 4 ص 469 و ج 14 ص 475، و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 204، و المعجم الكبير ج 20 ص 57 و التمهيد لابن عبد البر ج 12 ص 193، و غيرهم.
و قد صرحوا: بأن تبوك آخر مغازيه «صلى اللّه عليه و آله» (1)، و هي المعروفة بغزوة العسرة، و تعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. .
و قد وقع في الصحيح-يعني صحيح البخاري-ذكرها بعد حجة الوداع.
قال الحافظ: و هو خطأ، و لا خلاف أنها قبلها، و لا أظن ذلك إلا من النساخ، فإن غزوة تبوك كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف.
و عند ابن عائذ من حديث ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر.
و ليس هذا مخالفا لقول من قال إنها في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل المدينة بعد رجوعه إلى الطائف في ذي الحجة (2).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 66 عن أحمد، و ابن عقبة، و فتح الباري ج 1 ص 369 و ج 8 ص 238، و عمدة القاري ج 18 ص 259، و فيض القدير ج 1 ص 723، و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 280، و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 336 و 339، و الإحكام لابن حزم ج 7 ص 982، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 163، و غيرهم.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 479 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 4 ص 66. و راجع: فتح الباري ج 8 ص 84.
في حديث عمران بن حصين: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يجلس كل يوم على المنبر فيقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض. فلم يكن للناس قوة» (1).
و نحن نعلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال هذه الكلمة في بدر، و هو ساجد. . و قد ذكرنا أن حرب بدر كانت مصيرية بالنسبة إلى الإسلام، و المسلمين، فقوله «صلى اللّه عليه و آله» هذه الكلمة في تبوك يفيد:
أولا: أن ثمة خطرا حقيقيا يتهدد عصابة أهل الإيمان كلها. و كان ذلك في بدر ظاهرا للعيان، فإن قريشا إذا انتصرت، فسوف لا تبقي على أحد تتوهم فيه أنه سيكون ميّالا إلى القيام بأي نشاط في الدعوة إلى عبادة اللّه سبحانه. . و سوف تدخل المدينة لتلتقي مع المشركين و اليهود، و سيكونون فرحين جدا بها، و سيتعاونون معها لاستئصال البقية الباقية من المسلمين في المدينة أيضا، و ذلك سيكون أغلى أمانيهم، و أعظم إنجازاتهم بنظرهم. .
ثانيا: إنه لا ريب في أن هلاك تلك العصابة سينتج أن لا يعبد اللّه تعالى على الأرض. . و هذا يساوق محو معالم الدين، و إزالة كل أثر له من العقول، و النفوس. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 434 عن الطبراني. و قال في الهامش: أخرجه مسلم ج 3 ص 1383 و أحمد ج 1 ص 32. و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 191، و المعجم الكبير ج 18 ص 232، و كنز العمال ج 13 ص 37، و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 63.
ثالثا: إنما كان «صلى اللّه عليه و آله» يقول ذلك على المنبر، لأنه يريد أن يعرف الناس خطورة تلكئهم عن ذلك المسير حيث يثير ذلك شهية العدو الخارجي لانتهاز فرصة العمر بزعمه، و ليبطل كيد المنافقين الذين كانوا يتآمرون على تضييع جهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حشد الناس للجهاد و الدفاع. .
و لعل هناك من يتوهم أن الكثرة سوف تغني عنهم من اللّه شيئا، فأهملوا، و تقاعسوا، و اتكلوا عليها، و لم يلتفتوا إلى أن كثرة المنافقين و الساعين في عرقلة الأمور، و المدبرين للمكائد و المصايد و الساعين للإخلال بالأمن الداخلي بعد مسير الجيش باتجاه تبوك، فإن ذلك كله سوف يطمع جيش الروم، و يدفعه لاغتنام الفرصة لإنزال أقسى ضرباته بجيش الإسلام. .
رابعا: إن هذا الذي ذكرناه يبين أن كلمة: فلم يكن للناس قوة، قد جاءت في غير محلها، و أنها مجرد أسلوب تضليلي عن حقيقة معاناة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع قومه.
و قد اختلفت المزاعم و الإجتهادات في بيان أسباب غزوة تبوك، و نذكر هنا بعض ترهاتهم و أباطيلهم في هذا المجال، مع الإشارة إلى بعض وجوه الخلل فيه، و ذلك على النحو التالي:
و رووا عن عبد الرحمن بن غنم: أن اليهود أتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوما، فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقا أنك نبي فالحق
بالشام، فإن الشام أرض المحشر و أرض الأنبياء.
فصدّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللّه تعالى آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: وَ إِنْ كٰادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهٰا وَ إِذاً لاٰ يَلْبَثُونَ خِلاٰفَكَ إِلاّٰ قَلِيلاً سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنٰا وَ لاٰ تَجِدُ لِسُنَّتِنٰا تَحْوِيلاً (1)، فأمره اللّه تعالى بالرجوع إلى المدينة و قال: فيها محياك و مماتك و منها تبعث.
فرجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمره جبريل فقال: اسأل ربك عز و جل، فإن لكل نبي مسألة، و كان جبريل له ناصحا، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له مطيعا.
قال: «فما تأمرني أن أسال» ؟ ! .
قال: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطٰاناً نَصِيراً (2)، فهذه الآيات أنزلت عليه مرجعه من تبوك (3).
1) الآيتان 76 و 77 من سورة الإسراء.
2) الآية 80 من سورة الإسراء.
3) سبل الهدى الرشاد ج 5 ص 433 و 462 عن البيهقي بإسناد حسن، و ابن أبي حاتم، و أبي سعد النيسابوري، و في هامشه عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 254 و الدر المنثور ج 4 ص 195 عن ابن أبي حاتم، و البيهقي في الدلائل، و ابن عساكر. و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 45، و تفسير الثعلبي ج 6 ص 119، و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 197، و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 57، و فتح الباري ج 8 ص 85، و الدر المنثور ج 4 ص 195، و لباب النقول ص 139، و فتح القدير ج 3 ص 249.
و نقول: إننا لا نرتاب في عدم صحة هذه الرواية أيضا لما يلي: أولا: إنه بغض النظر عما نراه، فإن نفس هؤلاء يزعمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: إن بيت المقدس هي أرض المحشر و المنشر، فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» لم يأت بقوله هذا عن اللّه تعالى، فما معنى قوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ ؟ ! (1)، و إن كان ينطق عن اللّه، فما معنى تصديقه اليهود في أمر قد أوحى اللّه إليه خلافه؟ !
و احتمال أن يراد بالشام ما يشمل فلسطين بما فيها بيت المقدس لا مجال لقبوله، فإن رواية ابن غنم المتقدمة قد أكدت أن غزو النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتبوك قد كان لأجل الوصول إلى الشام، و إنما يقصد بها البلد المعروف. . لا ما يعم بيت المقدس. . فيقع التعارض بينها و بين ما دل على أن بيت المقدس هي أرض المحشر و المنشر. .
ثانيا: لماذا لم يعترض الناس على اليهود في زعمهم، و لماذا لم يسألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب تصديقه اليهود في خبر يخالف ما جاءه عن اللّه تبارك و تعالى بل أطاع الناس كلهم، و نفروا معه و تكبدوا المشاق و المتاعب، و كانوا يبحثون عن سبب-و لو كان مثل الطحلب-ليتشبثوا به للإمتناع عن ذلك المسير؟ !
إلا إذا فرض: أن أحدا ممن سمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما أخبر به عن بيت المقدس لم يكن حاضرا حين جاء اليهود إلى النبي «صلى اللّه
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
عليه و آله» ، و طلبوا منه ذلك. .
و يجاب عن هذا أيضا بأن من الواضح: أن طلب اليهود هذا لا بد أن ينتشر و أن يتداوله الناس، و سوف يحاولون تحليله و تأويله كل بحسب ما لديه.
ثالثا: حتى لو كانت الشام هي أرض المحشر و المنشر فلماذا يجب عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يلحق بها؟ ! و هل أرض المحشر و المنشر أفضل من مكة و المدينة؟ و ما سواهما مما أخبر اللّه تعالى بفضله؟ ! . .
رابعا: هل صحيح أن أنبياء اللّه تعالى كانوا بالشام، أم أنهم كانوا منتشرين في لبنان و الشام و في فلسطين و في الحجاز و غيره؟ !
خامسا: لماذا تأخر إعلام اللّه تعالى لرسوله بالحقيقة حتى بلغ تبوك، فأمره حينئذ بالرجوع إلى المدينة، مع أن الطبيعي هو: أن يعلمه تعالى بالأمر فور إعلام اليهود إياه بما يخالف الحقيقة؟ ! و لماذا أفسح المجال لشماتتهم، بالرسول و بالمسلمين، و أتعب قلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كلف المسلمين هذه النفقات الباهظة في أيام يزعمون أن المسلمين فيها يعانون من العسرة و الحاجة و الجهد، و لا يجدون ما ينفقون؟ ! . .
سادسا: إن قول اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» : إنه يحيا و يموت و يبعث في المدينة (1)، يدل أيضا على عدم صحة ما زعموه من أن بيت المقدس هي أرض المحشر و المنشر.
سابعا: إن قوله تعالى: وَ إِنْ كٰادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ
1) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 57 و تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 179 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 462.
مِنْهٰا وَ إِذاً لاٰ يَلْبَثُونَ خِلاٰفَكَ إِلاّٰ قَلِيلاً سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنٰا وَ لاٰ تَجِدُ لِسُنَّتِنٰا تَحْوِيلاً (1)رغم أنه في سورة مكية، لا ينطبق على قصة اليهود المزعومة، لأن الآية قد صرحت بما يلي:
1-إنهم كادوا أن يستفزوه من أرضه. أي كادوا أن يصلوا إلى هذا الأمر، و لكنهم لم يصلوا إليه فعلا، مع أن الرواية المتقدمة تدّعي: أنهم قد استفزوه بالفعل، و نفر مع جيش قوامه ثلاثون ألفا، و سار حتى بلغ تبوك.
إلا إن كان المراد بالإستفزاز: الإخراج من الأرض إلى أرض أخرى، و البقاء فيها. .
2-إن الآية تقول: إن عقوبة أو عاقبة هذا الإستفزاز هي: أن لا يلبث اليهود خلافك إلا قليلا. مع أن أمر اليهود كان قد حسم قبل ذلك بزمان، من الناحية العسكرية أو السياسية في المنطقة، و إن كان المقصود هو هلاكهم و استئصالهم، فإننا لم نجد أن شيئا من ذلك قد حصل لليهود بعد استفزازهم إياه من الأرض، رغم أنه قد بلغ تبوك. و هذا يدل على أن الآية لا تعنيهم، بل تعني مشركي مكة كما سنرى.
إلا إن كان المراد الإستفزاز إلى أرض أخرى و البقاء فيها، فهذا لم يتحقق، فلم يصبهم عذاب الإستئصال، الذي علق على هذا الإستفزاز. .
ثامنا: عن قتادة، و ابن عباس، و سعيد بن جبير: أن مشركي مكة هم الذين حاولوا أن يستفزوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلتحق بالشام (2)، ربما
ليواجه الروم، الذين يظنون أنهم سيكونون أقدر على حسم أمره منهم، و لا سيما مع سعة سلطانهم، و كثرة عساكرهم، مع عدم وجود أية إحراجات قبائلية تمنع من الإمعان في مواجهته، و اتخاذ أي إجراء يروق لهم ضده.
تاسعا: زعمت تلك الرواية: أن قوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ (1). قد نزلت عليه مرجعه من تبوك.
و نقول: إنه رغم أن هذه الآية كآية الإستفزاز من الأرض مكية و ليست مدنية، فإن الروايات تقول ما يلي:
1-عن ابن عباس قال: «كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل اللّه تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ » (2).
(2) -حاتم عن قتادة، و عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس. و ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. و جامع البيان للطبري ج 15 ص 166، و أسباب نزول الآيات ص 197، و فتح القدير ج 3 ص 249.
1) الآية 80 من سورة الإسراء.
2) الدر المنثور ج 4 ص 198 عن أحمد، و الترمذي و الحاكم و صححاه، و ابن المنذر، و ابن جرير، و الطبراني، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و البيهقي معا في دلائل النبوة و الضياء المختارة. و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 223، و سنن الترمذي ج 4 ص 366-367، و جامع البيان للطبري ج 15 ص 185، و زاد المسير ج 5 ص 55، و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 313، و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 62، و الكامل لابن عدي ج 6 ص 49.
2-عن قتادة في معنى الآية، قال: أخرجه اللّه من مكة مخرج صدق، و أدخله المدينة مدخل صدق. قال: و علم نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب اللّه تعالى، و حدوده، و فرائضه، و إقامة كتاب اللّه تعالى، فإن السلطان عزة من اللّه تعالى، جعلها بين عباده، و لو لا ذلك لغار بعضهم على بعض، و أكل شديدهم ضعيفهم (1).
و نقول: إن قتادة هنا قد خلط و خبط، و جاء بخطابات طنانة، و شعارات رنانة ليفسر السلطان النصير الذي طلبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ربه، فجاءت النتيجة بعد الإبراق و الإرعاد، منسجمة مع القاعدة المعروفة و المألوفة: «تمخض الجبل فولد فأرة» . . و قد تابعه زيد بن أسلم أيضا على ذلك، كما سيأتي في الرواية التالية، فجانب الحق، و تجاهل الحقيقة فيما ادّعاه من أن المقصود بالسلطان النصير هو الأنصار.
و الحقيقة هي: أن السلطان هي القوة التي ترهب العدو، و تسقط مقاومته عسكريا و ماديا و علميا أيضا، و غير ذلك مما يفيد في التأييد و التسديد.
و قد كان علي «عليه السلام» هو ذلك السلطان الناصر له «صلى اللّه عليه و آله» في كل مجال، و الذاب و المؤيد له في كل مقام و مقال كما أوضحته
1) الدر المنثور ج 4 ص 198 و 199 عن الحاكم و صححه، و عن البيهقي في الدلائل. و راجع: المستدرك للحاكم ج 3 ص 3، و جامع البيان للطبري ج 15 ص 188، و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 62-63، و تفسير الثعلبي ج 6 ص 127، و تفسير البغوي ج 3 ص 132.
الرواية الآتية عن ابن عباس.
3-عن زيد بن أسلم في الآية، قال: جعل اللّه مدخل صدق المدينة، و مخرج صدق مكة، و سلطانا نصيرا، الأنصار (1).
و هذا و إن كان غير سليم عن النقاش، و لكنه هو الآخر يخالف ما زعمته الرواية السابقة من أن المقصود هو الدخول و الخروج من المدينة و إليها في قضية تبوك.
4-عن ابن عباس: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ، يعني مكة، وَ اِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطٰاناً نَصِيراً . قال: لقد استجاب اللّه لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» دعاءه، فأعطاه علي بن أبي طالب «عليه السلام» سلطانا ينصره على أعدائه (2).
5-و قال القمي في هذه الآية: نزلت يوم فتح مكة لما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخولها: و قال: قل يا محمد رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ
1) الدر المنثور ج 4 ص 199 عن الزبير بن بكار في أخبار المدينة. و راجع: تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 389، و جامع البيان للطبري ج 15 ص 186، و تفسير الثعلبي ج 6 ص 127، و تفسير البغوي ج 3 ص 132، و تفسير الرازي ج 21 ص 32 و 33، و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 227، و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 62، و غيرهم.
2) البرهان (تفسير) ج 2 ص 441 عن ابن شهرآشوب من كتاب أبي بكر الشيرازي. و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 341، و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 452 و البحار ج 41 ص 61.
صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ . قال: قوله: سُلْطٰاناً نَصِيراً ، أي معينا (1).
إنه قد يفهم من تلك الرواية المزعومة أنها تهدف إلى الإنتقاص من مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين تظهره على أنه ألعوبة بيد اليهود، حتى إنه ليجرد الجيش الجرار-ثلاثين ألفا-في وقت عسر و جهد كما يدّعون، دون أن يراجع ربه و يسأله عن تكليفه أمام هذه الترهات التي يسمعها من أناس لم يعرف منهم الصدق و لا الأمانة، بل هو ما عرف منهم إلا الكذب و الكيد و الخيانة، و اشتراءهم بآيات اللّه ثمنا قليلا. .
و قد حدّثه اللّه عنهم، و وصفهم له في كتابه الكريم بما لا يدع مجالا لأي شك أو شبهة في أمرهم، و لا أقل من أن كل هذه البيانات الواضحة و الفاضحة تحتم على أي إنسان مهما كان عاديا التثبت فيما يعرضه عليه هؤلاء الناس.
يضاف إلى ذلك: أن هذه الرواية تريد أن تطعن و تستخف بقيمة هذه الغزوة التي ظهرت خيراتها و بركاتها و لو بفضحها لواقع النفاق المستشري، و بإيجابها التأكيد على أمر الإمامة التي يكون بها حماية هذا الدين و بقاؤه، و قد تجلى هذا الإستخفاف حين اعتبرت أن خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك لم يكن بأمر من اللّه تبارك و تعالى، و لا كان خروج صحة و صدق، فلا عبرة بعد هذا بأي شيء مما قاله «صلى اللّه عليه و آله» مما يرتبط
1) البرهان (تفسير) ج 2 ص 441 و تفسير القمي ج 2 ص 26 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 212 و البحار ج 21 ص 114 عن تفسير القمي.
بأمر الإمامة، و بذلك يتم التعتيم و التمويه، و التستر على الفعلة الشنعاء التي ظهرت من أهل النفاق، فإن للّه و إنا إليه راجعون. .
و قد اختلف في سبب غزوة العسرة و الفاضحة، فقيل: إن جماعة من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة ذكروا للمسلمين: أن الروم جمعوا جموعا كثيرة بالشام، و أن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، و أجلبت معهم لخم و جذام، و عاملة و غسان، و غيرهم من متنصرة العرب، و جاءت مقدمتهم إلى البلقاء.
و لم يكن لذلك حقيقة، و لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك ندب الناس إلى الخروج (1).
و نقول: إن هذا الزعم غير معقول و لا مقبول.
إذ المعروف الذي لا شك فيه من أحد هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرصد تحركات أعدائه بدقة متناهية، لكي لا يؤخذ على حين غرة. و لذلك كان يستبق حملاتهم بالمبادرة إلى تسديد ضربات حاسمة تحبط كيدهم، و تسقط مقاومتهم، بأيسر طريق، و أقلها تكلفة و خسائر. .
و كان «صلى اللّه عليه و آله» يعلم بعداوة الروم له، و كان قد كاتب
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 433 عن ابن سعد، و الواقدي. و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 45، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 165، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 34، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 47.
ملكهم، قبل سنوات، و خاض معهم حربا قوية قبل مدة و جيزة، لا تزيد على سنة و شهرين. . و قد قتل في تلك الحرب قادته الثلاثة، جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة، و عبد اللّه بن رواحة. .
فهل يعقل أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أهمل رصد تحركات هذا الجبار و العدو الخطر جدا، الذي كان يعيش لتوّه نشوة الإنتصار على مملكة فارس. فاعتمد «صلى اللّه عليه و آله» على إخبار أنباط وافدين، لا يدينون بدينه، في حين أن القرآن يقول له: وَ لاٰ تُؤْمِنُوا إِلاّٰ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (1).
و لنفترض: أنه أهمل الرصد، لسبب أو لآخر، و جاءه هذا الخبر من هؤلاء، فلماذا لا يبحث عن صحة هذا الخبر، مع اتخاذ جانب الإحتياط و الحذر، بل يترك ذلك جانبا، و يبادر إلى جمع جيش يعد بعشرات الألوف، و يخض المنطقة بأسرها، و يعطي ذلك العدو الخطر المبرر للقيام بأي عمل لصد ما يعتبره عدوانا عليه، و يزين لأتباعه بأن عليهم مواجهة أعدائهم بحرب هم أوقدوا نارها، و أثاروا إعصارها.
و قيل: إن سبب غزوة تبوك هو أن اللّه سبحانه و تعالى لما منع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام في الحج و غيره قالت قريش: لتقطعن عنا المتاجر و الأسواق، و ليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم اللّه تعالى عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد و هم
1) الآية 73 من سورة آل عمران.
صاغرون، كما قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شٰاءَ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ لاٰ يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لاٰ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1).
و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ (2)» .
و عزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، و أولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام (3).
و نقول: 1-إن ذلك لا يمكن قبوله أيضا، فإن اللّه لم يكن ليشرع الجهاد، و أخذ الجزية و ما يترتب على ذلك من قهر للناس، و قتل، و أسر، و سبي، و اغتنام لأموالهم، لمجرد تعويض قريش أو غيرها عن بعض المتاجر التي فاتتها، مع صرف النظر عن أنها أمضت أكثر من عقدين من الزمن، و هي تحارب الإسلام و أهله، بغيا منها عليه، و جحودا لآياته، من أجل الدنيا و زينتها. .
2-لو صح هذا الزعم، فينبغي أن تكون الجزية أو الغنيمة خاصة
لقريش، و لا يشاركها فيها احد. لا الأنصار، و لا غيرهم من أهل الإسلام المنتشرين في المنطقة العربية و غيرها. .
و إن شاركها أحد في الغنائم، فينبغي أن يكون بعد حصول التعويض لقريش، بحيث يصل إلى الآخرين ما يزيد عن هذا المقدار، بعد اكتفاء قريش بهم. .
3-إن أخذ الجزية من أهل الكتاب قد سبق غزوة تبوك، التي كانت في شهر رجب سنة تسع. . و أخذ من العديد من الجماعات، فلاحظ الموارد التالية:
ألف: كتب «صلى اللّه عليه و آله» سنة ثمان مع العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، و إلى سيبخت مرزبان هجر، أو مرزبان البحرين يدعوها إلى الإسلام أو الجزية، (و في نص آخر: أرسله ليدعو أهل البحرين إلى الإسلام أو الجزية) ، فأسلما و أسلم معهما جميع العرب هناك و بعض العجم الخ. . (1).
ب: بل قيل: إنه وجّه العلاء إلى البحرين في سنة ست (2).
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 209 عن المصادر التالية: الإصابة ج 1 ص 106 (461) و فتوح البلدان للبلاذري ص 107 و في (ط أخرى) ص 89 و معجم البلدان ج 1 ص 348 في كلمة بحرين، و مجمع الزوائد ج 6 ص 205 و 206 و راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4 ص 197 و 211 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 23 و البحار ج 20 ص 396.
2) معجم البلدان ج 1 ص 347 و (نشر مكتبة النهضة المصرية-القاهرة) ج 1 ص 96 و البحار ج 21 ص 49.
قال ابن الأثير في حوادث سنة ست: «و أما المنذر بن ساوى، والي البحرين، فلما أتاه العلاء بن الحضرمي يدعوه و من معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، و كانت ولاية البحرين للفرس، فأسلم المنذر بن ساوى، و أسلم جميع العرب بالبحرين.
فأما أهل البلاد من اليهود و النصارى و المجوس، فإنهم صالحوا العلاء و المنذر على الجزية، من كل حالم دينار» (1).
ج: هناك كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل خيبر المتضمن لإسقاط الجزية و الكلف و السخرة عنهم (2).
و قد ناقشوا في الكتاب، بأن فيه شهادة سعد بن معاذ الذي كان قد استشهد قبل خيبر بسنتين، و شهادة معاوية، و إنما أسلم بعد خيبر بسنة.
و بأن الجزية لم تكن وقت فتح خيبر، لأن آيتها قد نزلت سنة تسع.
1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 215 و الجزية و أحكامها للكلانتري ص 18.
2) مكاتيب الرسول ج 1 ص 258 و 259 و ج 2 ص 336 عن: مجموعة الوثائق السياسية ص 124 عن المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 265 و 312 في أحوال أحمد الخطيب البغدادي، و تذكرة الحفاظ للذهبي في أحوال الخطيب البغدادي ج 3 ص 317 و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج 3 ص 12 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 251 و ج 12 ص 101 و 102 و الإرشاد لياقوت ج 1 أحوال أحمد بن علي الخطيب البغدادي، و الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ للسخاوي ص 75 و أحكام أهل الذمة لابن القيم ص 7 و 8 و الخطيب البغدادي ليوسف العش ص 32 و قد أرجع إلى: كتب ابن شهبة ص 139 و السبكي ج 3 ص 14 و تذكرة الحفاظ ج 3 ص 17 أيضا.
و لم يكن على أهل خيبر كلف و لا سخرة في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتوضع عنهم.
و يمكن أن يجاب عن ذلك بما يلي: إنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الكتاب قد كتب لأصحاب الحصون في خيبر، فلعله كتب لبعض الجماعات الأخرى في خيبر، قبل استشهاد سعد بن معاذ.
و يمكن إلحاق شهادة معاوية بالكتاب بعد إسلامه بطلب من تلك الجماعة، و بموافقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و عن تأخير تشريع الجزية نقول: إن هذا هو أول الكلام. .
يضاف إلى ذلك: أن من الممكن ان تكون قد شرعت على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل نزول الآية.
و عن الكلف و السخرة نقول: لعلهم لم يريدوا بذلك رفع السخرة عنهم، بل اشترطوا ذلك احتياطا لأنفسهم تحسبا من أن توضع عليهم في المستقبل.
د: و قد كتب إلى بكر بن وائل بالجزية، و ذلك بعد سنة ثمان فراجع (1).
ه: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أبا زيد الأنصاري إلى عبد و جيفر ابني الجلندى الأزديين في سنة ست، و قال «صلى اللّه عليه و آله» لأبي زيد:
1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 352. و راجع: الإصابة ج 3 ص 293، و الأنساب للسمعاني ج 1 ص 45.
«خذ الصدقة من المسلمين، و الجزية من المجوس» (1).
و: سئل الإمام الصادق «عليه السلام» عن المجوس: أ كان لهم نبي؟
فقال: نعم، أما بلغك كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل مكة: أن أسلموا و إلا نابذتكم بحرب.
فكتبوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن خذ منا الجزية، و دعنا على عبادة الأوثان.
فكتب إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب» .
فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر.
فكتب إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، و كتاب أحرقوه» (2).
1) فتوح البلدان للبلاذري ص 93 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 369 و نشأة الدولة الإسلامية ص 178.
2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 413 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: الكافي ج 3 ص 568 كتاب الجهاد، و التهذيب ج 4 ص 113 و ج 6 ص 158 و التذكرة كتاب الجهاد، و البحار ج 14 ص 463 و الإختصاص ص 222 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 96 عن الكافي و التهذيب، و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 213 و مرآة العقول ج 16 ص 119. و راجع: مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 338 و التفسير الصافي ج 2 ص 334 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 202 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3183.
و هناك نصوص ذكر فيها وضع الجزية أيضا على بعض الفئات، مع احتمال أن يكون وضعها عليهم قبل غزوة تبوك، و نحن نذكر من ذلك ما يلي:
ألف: جاء في كتابه «صلى اللّه عليه و آله» للأسبذيين: «و من أبى فعليه الجزية على رأسه معافا، على الذكر و الأنثى» (1).
ب: و قد كتب ليهود تيماء: «أن لهم الذمة و عليهم الجزية» (2). و ذلك حين بلغهم وطء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لوادي القرى في سنة تسع. فلعل ذلك كان قبل شهر رجب الذي كانت فيه غزوة تبوك
ج: و كتب «صلى اللّه عليه و آله» إلى يحنّة بن رؤبة و فيه: «فأسلم أو أعط الجزية» (3).
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 124 عن مجموعة الوثائق السياسية ص 155 و 156 عن الأموال لابن زنجويه.
2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 422 و 423 و أشار إلى المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 279 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 29 و إعلام السائلين ص 49 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 227 و مدينة البلاغة ج 2 ص 330 و اللسان و النهاية في سدى و مدى. و مجموعة الوثائق السياسية ص 98/19 عن: الطبقات، و مجموعة المكتوبات النبوية لأبي جعفر الديبلي الهندي ص 6 ثم قال: قابل الخراج لقدامة: ورقة 120-ب، و اللسان مادة عدا، و النهاية لابن الأثير مادة عدا، و انظر كايتاني ج 9 ص 50 و اشبرنكر ج 3 ص 421. و راجع: الفائق للزمخشري ج 3 ص 352 و ناسخ التواريخ ص 305 في تاريخ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 473 و أشار إلى المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 277 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 8 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج ص 14 و رسالات نبوية ص 17 و راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 201 و مدينة البلاغة ج 2 ص 326 و نشأة الدولة الإسلامية ص 309 و 122 و 123 و مجموعة الوثائق السياسية ص 116/30 عن الزرقاني ج 3 ص 360، و ابن حجر في المطالب العالية ص 2631 عن المسدد. و قال: انظر كايتاني ج 9 ص 38 التعليقة الأولى، و اشپرنكر ج 3 ص 421 و اشپربر ص 21. و راجع: شرح الزرقاني ج 3 ص 360 و النهاية في بحر، و المفصل ج 4 ص 249 و المصباح المضيء ج 2 ص 378.
قال العلامة الأحمدي: «و لكن لم يعلم أنه كتبه إليه من تبوك أو قبل ذلك، و لم يتعرض له الناقلون، و الذي يستفاد هو: أنه كتبه «صلى اللّه عليه و آله» إليه بعد نزول الجزية، إما سنة تسع، أو قبل فتح مكة» (1).
4-و أخيرا، فقد ذكرنا آنفا: أنه لا مانع من ان يشرع اللّه تعالى بعض الأحكام على لسان نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم تنزل الآية القرآنية بعد ذلك بمدة لحكمة تقتضي ذلك. . فلا مجال للإصرار على تأخر تشريع الجزية استنادا إلى تأخر نزول الآية.
عن عمران بن حصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي قد خرج يدّعي النبوة هلك، و أصابتهم سنون فهلكت أموالهم. فإن كنت تريد أن تلحق دينك فالآن، فبعث رجلا من عظمائهم، و جهز معه أربعين ألفا، فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 479.
بالجهاد (1).
و نقول: إنه لا مجال لقبول هذا النص على ظاهره: فأولا: هو يقول عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إنه قد هلك، و هذا غير صحيح، و لا يمكن أن يقدم على هذه الكذبة أحد، و لا سيما مع قيصر، الذي لا بد أن يواجه الكاذبين بالعقوبات القاسية حين يظهر له كذبهم، و أنهم قد سعوا للمكر به. .
إلا إذا فرض: أنهم يقصدون بذلك أنه هلك من الناحية الإقتصادية مثلا. . أو السياسية، أو يعاني من الضعف العسكري أو نحو ذلك. .
و لكن هذا أيضا لا يحل الإشكال، فإن قوته «صلى اللّه عليه و آله» قد تضاعفت، و قد سقطت أمام جيوشه كل حصون الكفر و الشرك في المنطقة بأسرها. . فإذا ظهر لقيصر أنهم قد كذبوا عليه في هذا الأمر الواضح، فسوف يلحق بهم الأذى و الهوان.
ثانيا: قد ادّعوا: أن سنين من القحط و العدم قد اصابت المسلمين، حتى هلكت أموالهم، مع أن السنين إنما أصابت أهل مكة، و قد مدّ هو «صلى اللّه عليه و آله» لهم يد العون، تفضلا منه و كرما. .
ثالثا: إنه لم يمض على مواجهة جيش الروم للمسلمين في مؤتة سوى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 433 عن الطبراني بسند ضعيف، و عن مجمع الزوائد ج 6 ص 194. و راجع: فتح الباري ج 8 ص 85، و المعجم الكبير ج 18 ص 232، و كنز العمال ج 13 ص 37، و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 63.
سنة و شهرين، و قد وجد فيهم من البسالة و الإقدام ما يحير العقول، حتى لقد واجه ثلاثة آلاف منهم مئات الألوف من جيوش قيصر، و لم تستطع تلك الحشود الهائلة أن تقتل من جيش المسلمين سوى بضعة أفراد، و ربما لم يمكنهم ذلك إلا بعد أن طحن المسلمون جيوشه الجرارة طحنا. .
و لو لا حدوث الخيانة من خالد بن الوليد، فلربما لم يخرج من الجيوش التي حشدها إلا أقل القليل. .
فأين هي تلك السنون التي مرت على المسلمين حتى هلكت أموالهم و تمهّد السبيل للإنقضاض و القضاء عليهم؟ !
رابعا: إذا كانت مئات الألوف القيصرية مع جيش منتصر على إمبراطورية فارس قد عجزت عن فعل أي شيء مع ثلاثة آلاف في بلاد بعيدة عن بلادها، فإذا أراد قيصر أن يقضي على المسلمين، و يستأصل شأفتهم، فسيحتاج إلى أضعاف ما حشده في مؤتة، و لا سيما بعد أن تعرض جيشه فيها لضربة روحية بالغة القسوة و الأثر. .
فما معنى أن يكتفي الآن بأربعين ألفا، يرسلهم مع أحد قواده؟ ! !
لما عزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قتال الروم عام تبوك، و كان ذلك في زمان عسرة من الناس، و شدة من الحر، و جدب من البلاد، و حين طابت الثمار، و الناس يحبون المقام في ثمارهم و ظلالهم و يكرهون الشخوص على تلك الحال من الزمان الذي هم عليه (1).
قرر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى تبوك و حضّ على الصدقات، فجاؤوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر، جاء بماله كله أربعة آلاف درهم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل أبقيت لأهلك شيئا» ؟ .
فقال: أبقيت لهم اللّه و رسوله (2).
و جاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 434. و تفسير الواحدي ج 1 ص 463 و 464، و زاد المسير ج 3 ص 296، و تفسير السمرقندي ج 2 ص 57 و 58، و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 205 و 206، و تفسير الثعلبي ج 5 ص 46، و لباب النقول ص 117.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و المغازي للواقدي ج 3 ص 991 و حياة الصحابة ج 1 ص 429 عن ابن عساكر ج 1 ص 110.
و آله» : «هل أبقيت لأهلك شيئا» ؟
قال: نعم، مثل ما جئت به.
و حمل العباس، و طلحة بن عبيد اللّه، و سعد بن عبادة، و حمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تصدق عاصم بن عدي بسبعين و سقا من تمر (1).
و عند الديار بكري: أن عمر جاء بنصف ماله. و أن طلحة جاء بمال، و جاء عبد الرحمن بماءتي أوقية من الفضة. و جاء سعد بن عبادة بمال، و جاء محمد بن مسلمة بمال، و جاء عاصم بن عدي بتسعين و سقا من تمر (2). .
و جعل الرجل من ذوي اليسار يحمل الرهط من فقراء قومه، و يكفيهم مؤونتهم، و بعثت النساء بكل ما قدرن عليه من مسك، و معاضد، و خلاخل، و قرطة، و خواتيم (3).
كما أن العباس بن عبد المطلب قد حمل مالا يقال: إنه تسعون ألفا.
و في نص آخر: جاء بمال كثير (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435. و تفسير السمرقندي ج 2 ص 77، و التفسير الكبير للرازي ج 16 ص 145.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 123. و كنز العمال ج 2 ص 428 و ج 10 ص 563، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 35 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 48.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 148.
4) السيرة الحلبية ج 3 ص 148 و الغدير ج 9 ص 330 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 48 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 113 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 421.
و في نص آخر: و حمل رجال، و قوى ناس دون هؤلاء من هم أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل و الرجلين فيقول: هذا البعير بيننا نعتقبه، و يأتي الرجل بالنفقة، فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن النساء كنّ يبعثن بما يقدرن عليه.
و حمل كعب بن عجزة واثلة بن الأسقع (1).
فعن واثلة بن الأسقع قال: نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي-و قد خرج أول أصحابه-فطفت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلا و له سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار- سماه محمد بن عمر: كعب بن عجرة-فقال: سهمه على أن تحمله عقبة، و طعامه معنا؟
فقلت: نعم.
فقال: سر على بركة اللّه تعالى.
فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء اللّه علينا (2).
قال الواقدي: بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة.
قال: فأصابني قلائص-قال الواقدي: ستة-فسقتهن حتى أتيته بهن.
فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مقبلات، فسقتهن.
ثم قال: سقهن مدبرات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراما.
فقلت: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك.
قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا (1).
و قال الواقدي أيضا: و جهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، حتى أنه كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم (2).
قلت: كان ذلك الجيش زيادة على ثلاثين ألفا، فيكون جهز عشرة آلاف (3).
و ذكروا: أن عثمان حمل على تسعمائة بعير و مائة فرس بجهازها.
و قال ابن إسحاق: أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 436 عن الواقدي. و سنن أبي داود ج 1 ص 604، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 28، و الآحاد و المثاني ج 2 ص 179، و المعجم الكبير ج 22 ص 81 و 82.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 عن الواقدي. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 35 إمتاع الأسماع ج 2 ص 48.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 عن أبي عمرو في الدرر، و تبعه في الإشارة، و راجع: الغدير ج 9 ص 329 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 172 و (نشر مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 945 و عيون الأثر ج 2 ص 253 و الدر المنثور ج 3 ص 248 و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 277 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 6 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 367 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 92 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 33.
و في نص آخر: أن عثمان أنفق في جيش العسرة ألف دينار. قلت: غير الإبل و الزاد، و ما يتعلق بذلك.
قال: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض» (1).
و عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بألف دينار في كمه حين جهز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جيش العسرة، فصبها في حجر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقلبها بيده و يقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» (2). يرددها مرارا.
و عن عبد الرحمن بن خباب قال: خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 عن ابن هشام، و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 7، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 945، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 6، و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 عن أحمد، و البيهقي، و الترمذي و حسنه، و قال في هامشه: أخرجه الترمذي (3701) و الحاكم ج 3 ص 102 و ابن أبي عاصم ج 2 ص 587(592) و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 215، و انظر البداية و النهاية ج 5 ص 4، و راجع: سنن الترمذي ج 5 ص 289، و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 573، و تفسير السمعاني ج 5 ص 367.
فحثّ على جيش العسرة، فقال عثمان: عليّ مائة بعير بأحلاسها و أقتابها.
ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر فحث، فقال عثمان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها و أقتابها.
ثم نزل مرقاة أخرى فحث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها و أقتابها.
فرأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول بيده-هكذا-يحركها كالمتعجب: «ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» .
أو قال: بعدها (1).
و عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عثمان يقول لسعد بن أبي وقاص، و علي، و الزبير، و طلحة: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «من جهز جيش العسرة غفر اللّه له» ، فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما و لا عقالا؟
قالوا: اللهم نعم (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و 436 عن زوائد المسند، و البيهقي، و الترمذي، و في هامشه عن: الترمذي (3700) و أحمد ج 4 ص 75 و ابن سعد ج 7 ص 55، و أبي نعيم في الحلية ج 1 ص 99، و الدولابي في الكنى ج 2 ص 17، و البخاري في التاريخ ج 5 ص 247، و راجع: الغدير ج 9 ص 331 و سنن الترمذي ج 5 ص 289 و عمدة القاري ج 14 ص 72 و مسند أبي داود الطيالسي ص 164 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 103 و المعجم الأوسط ج 6 ص 98 و كنز العمال ج 11 ص 594. بالإضافة إلى مصادر كثيرة. .
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 436 عن الطيالسي، و أحمد، و النسائي، و في هامشه قال: أخرجه البيهقي ج 6 ص 167 و الدارقطني ج 4 ص 200 و النسائي في الأحباس باب (4) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 215. و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 70 و سنن النسائي ج 6 ص 235 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 167 و مسند أبي داود الطيالسي ص 14 و السنن الكبرى ج 4 ص 96 و كنز العمال ج 13 ص 70 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 33 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 1113 و البداية و النهاية ج 5 ص 8 و ج 7 ص 199 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 7.
و لا بد لنا من وقفة أو وقفات مع النصوص المتقدمة، لكي ندل على زيف الزائف، و نأخذ بما هو متيقن أو أرجح، فنقول:
و يستوقفنا هنا حديث نفقة أبي بكر في تبوك، من عدة جهات، نذكر منها ما يلي:
1-قولهم إن أبا بكر جاء بماله كله، أربعة آلاف درهم يجعلنا نتساءل:
لماذا لم ينفق من هذه الأربعة آلاف و لو درهما واحدا ليناجي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أمر اللّه تعالى المسلمين بذلك؟ ! حيث لم يعمل بآية النجوى سوى علي «عليه السلام» (1).
1) راجع: الأوائل ج 1 ص 297 و دلائل الصدق ج 2 ص 120 و تلخيص الشافي ج 3 هامش ص 235 و 237 عن العديد من المصادر. و راجع: المستدرك للحاكم ج 2 ص 482، و فتح الباري ج 11 ص 68، و تحفة الأحوذي ج 9 ص 138، و غيرهم.
2-كيف قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» منه أن لا يبقي لأهله شيئا؟ فأين رحمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و رأفته بالمؤمنين؟ ! . .
و لا سيما إذا كان أبوب بكر يملك بعض الأموال، إذ إن ذلك يجعله مسؤولا عن نفقة عائلته، و لا يصح منه تركهم بلا مال، كما لا يصح أن يكفلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالطرق الغيبيّة على سبيل الكرامة لأبي بكر. .
3-على أن لنا أن نسأل: هل أبقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهله شيئا أيضا؟
فإن كان الجواب بالإيجاب، فإن أبا بكر يكون أفضل و أسخى و اكثر رغبة بثواب اللّه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ . . و لما ذا لم يقتد «صلى اللّه عليه و آله» بأبي بكر في هذه الحالة؟ ! !
و إن كان الجواب بالنفي، فنقول: ألم يكن لأهل أبي بكر حقوق عليه؟ ! أم أن ذلك لا يعد تفريطا بحقوق الأهل، و تخليا عن أمر واجب عليه؟ !
أم أن الذي سوّغ له ذلك هو تزاحم الواجبات، فقدّم الأهم على المهم؟ ! فإن كان الأمر كذلك، فقد كان يجب على عمر أيضا، و على غيره من الصحابة أن يأتوا بجميع أموالهم.
أم أن القصة مختلقة من أساسها؟ ! !
4-لما ذا لم ينزل في هذا الذي أنفق ماله كله شيء من القرآن، و لو بمقدار نصف آية، كما نزل في علي «عليه السلام» حين نزلت فيه الآيات و السور، لتثني على تصدقه بخاتم في صلاته، فنزلت فيه آية الولاية، و بأقراص شعير فنزلت سورة هل أتى، و بدرهم ليلا، و درهم نهارا، و بدرهم سرا، و درهم
علانية، فنزلت الآية المشيدة بذلك (1).
فهل اقتضت عدالة اللّه الثناء على هذا، و حرمان ذاك و لو من نصف آية رغم بذله لماله كله في سبيل اللّه؟ ! . .
و اللافت هنا: أن هذه الأربعة آلاف تبقى هي المحور بالنسبة إلى أبي بكر، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى، فسبحان من يغيّر، و لا يتغير.
و عن حديث واثلة بن الأسقع مع كعب بن عجرة، و أن كعبا حمله إلى تبوك، و لم يرد إلا ثواب اللّه نقول:
قد تكون هذه القصة موضوعة إكراما لعيني كعب بن عجرة، كما أنها قد تكون صحيحة، و لكن ذلك لا يعني أن تكون عاقبة كعب بن عجرة إلى خير، فقد ذكر الطبري: أن كعبا هذا كان عثمانيا، و قد امتنع عن بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» (2).
و بعد، فإننا إذا أخذنا بحديث مناشدة عثمان لعلي «عليه السلام» و سعد، و طلحة، و الزبير في أنه جهز جيش العسرة حتى ما يفقدون خطاما و لا
عقالا (1)، فإنه يدل على ارتفاع حاجة جيش العسرة إلى مال أبي بكر، و عمر، و طلحة، و سعد، و العباس، و ابن عوف، و ابن مسلمة، و سواهم من المقربين و المؤيدين للسلطة، أو من أركانها المنحرفين عن أمير المؤمنين علي و أهل بيته «عليهم السلام» . .
و سنشير إلى طائفة من تناقضات رواياتهم هذه فيما يأتي من مناقشة لتجهيز عثمان لجيش العسرة. .
و جميع دعاواهم هذه ترتكز على دعوى أن غزوة تبوك كانت في شدة من الزمان، حتى سموا ذلك الجيش بجيش العسرة (2)، اقتباسا من الآية القرآنية التي أطلقت هذا الوصف في هذه المناسبة، فقد قال تعالى في إلماحة منه إلى حالتهم هذه: لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ اَلَّذِينَ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 436 عن الطيالسي، و أحمد، و النسائي، و في هامشه عن: سنن البيهقي ج 6 ص 167 و دلائل النبوة للبيهقي أيضا ج 5 ص 215 و سنن الدارقطني ج 4 ص 200 و النسائي في الأحباس، باب 4.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 434. و تفسير غريب القرآن للطريحي ص 263، و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 280 و عمدة القاري ج 16 ص 202 و ج 18 ص 277 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 130 و معاني القرآن للنحاس ج 3 ص 209 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 78 و تفسير البغوي ج 2 ص 315 و المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي ج 3 ص 65 و تفسير الرازي ج 16 ص 59 و تفسير ابن كثير ج 2 ص 372 و 391 و النهاية لابن الأثير ج 3 ص 235.
اِتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ اَلْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مٰا كٰادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1).
ثم رتبوا مقولات لا أساس لها عن نفقات هذا الصحابي أو ذاك، و جعلوا ذلك ذريعة لنسبة الفضائل و الكرامات لمن أعوزتهم الفضائل في شتى مجالاتها و مظاهرها.
و الحقيقة هي: أنه لم تكن في تبوك عسرة مالية، و لا احتاج «صلى اللّه عليه و آله» إلى أخذ الأموال من أحد، و هذا هو ما قررته الآيات القرآنية الكثيرة، التي نزلت لتعالج أمر هذه الغزوة. .
و يدلنا على ذلك أمور: 1-قد ذكرت الآيات و الروايات: أن المشكلة الأساسية في حرب تبوك هي الخوف و الرعب من بني الأصفر، ففي بعض النصوص: أن الجد بن قيس مثلا قد اعتذر عن تخلفه بقوله: «ما لي و للخروج في الريح و الحر الشديد، و العسرة إلى بني الأصفر، فو اللّه ما آمن خوفا من بني الأصفر، و أنا في منزلي، أفأذهب إليهم أغزوهم، إني و اللّه يا بني عالم بالدوائر» (2).
2-إنهم لا يتوقّعون من تلك الغزوة غنائم و لا سبايا، و لا فتح بلاد، و هذا هو ما يسعى إليه الكثيرون منهم، حيث رضوا بالحياة الدنيا، و لو لا ذلك لسارعوا إلى الخروج، لأنهم كانوا يعرفون أن الحرب ستكون مع جبار، لا يسهل الحصول على شيء من ذلك معه.
و قد رووا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال للجد بن قيس يحرضه على الخروج: «تجهز فإنك موسر، لعلك تحقب من بنات بني الأصفر» (1).
و قال تعالى مشيرا إلى ذلك، و إلى كذبهم في تعللاتهم التي يسوقونها للتخلص و التملص من المسير: لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قٰاصِداً لاَتَّبَعُوكَ وَ لٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اِسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ (2).
3-إنهم كرهوا أن ينفروا في الحر-بحسب زعمهم-قال تعالى: . . وَ قٰالُوا لاٰ تَنْفِرُوا فِي اَلْحَرِّ قُلْ نٰارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كٰانُوا يَفْقَهُونَ (3).
4-إنهم قد رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ اِثّٰاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمٰا مَتٰاعُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاّٰ قَلِيلٌ (4).
5-إنه لا صحة لما يدّعى من وجود شحة في الأموال، و حاجة إلى النفقات، و لذلك لم تزل الآيات الكثيرة تنعى عليهم امتناعهم عن الإنفاق في سبيل اللّه تعالى، رغم كثرة الأموال لديهم. . و من ذلك قوله تعالى: فَلاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا (5).
و قال جل و علا: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كٰانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوٰالاً وَ أَوْلاٰداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاٰقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاٰقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاٰقِهِمْ (1).
و قال سبحانه و تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ عٰاهَدَ اَللّٰهَ لَئِنْ آتٰانٰا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلصّٰالِحِينَ، فَلَمّٰا آتٰاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمٰا أَخْلَفُوا اَللّٰهَ مٰا وَعَدُوهُ وَ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ (2).
و قال سبحانه: فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاٰفَ رَسُولِ اَللّٰهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ (3).
و قال تبارك و تعالى: وَ لاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي اَلدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ .
وَ إِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ جٰاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا اَلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قٰالُوا ذَرْنٰا نَكُنْ مَعَ اَلْقٰاعِدِينَ (4).
6-قد صرحت الآيات القرآنية في نفس مناسبة غزوة تبوك: بأن اللّه تعالى لم يطلب من الذين لا يجدون ما ينفقون أن ينفروا للغزو، فلا معنى للتعلل بفقدان ما يحتاجون إليه من أموال، قال تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفٰاءِ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرْضىٰ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ
وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاٰ أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً أَلاّٰ يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ (1).
و يقول بعض الإخوة هنا: إن نفس هذه الآيات دليل على أن الأكثيرين كانوا يجدون ما ينفقون، إذ لا يصح في الحكمة ترخيص غير الواجد إذا كانوا الأكثر، أو فقل: إذا كانوا بحيث لو رخّصوا لم يبق من يخرج إلا القليل، ثم هي تدل على أن الآخرين كانوا واجدين من عند أنفسهم، لا بتبرع فلان و فلان، و إلا فلماذا الترجيح بجعل هذا واجدا، و هو لم يجد إلا من التبرعات، و جعل ذلك فاقدا ثم ترخيصه في العقود؟ !
7-إنه ليس بالضرورة أن يكون المقصود بالآيات التي مدحت اتباع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ساعة العسرة خصوص العسرة المالية، فإن كون الإسلام و المسلمين في خطر شديد و أكيد من قبل جبار بني الأصفر، مع ظهور الفشل في أصحابه، و إصرار المنافقين على المكر به «صلى اللّه عليه و آله» و بالمسلمين-إن ذلك-من أعظم موجبات العسر و الحرج على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكيف إذا كان سبب تخلف الكثيرين هو هذه الأمور التافهة، مثل بعد الشقة، و كون الجو حارا، و ترك مواسم القطاف للثمار التي أينعت، و ما إلى ذلك؟ !
و ذلك كله يدل على أن المقصود بقوله تعالى: لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ
1) الآيات 91-93 من سورة التوبة.
وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ اَلْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مٰا كٰادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (1)، ليس هو العسرة المالية، بل هو الخطر الشديد و الأكيد على الإسلام و أهله، إذ لو كان المراد العسر المالي، فالمفروض أنه لم يكلفهم بالمسير معه، كما أنهم معذورون في التخلف عنه، و لا مورد لشن هذا الهجوم على المتخلفين، و لا يحسن تأنيبهم بهذه الحدة و الشدة. .
8-على أنهم يدّعون: أن عثمان و بعضا آخر قد أزاحوا علة الجيش كله من الناحية المالية، و لم تبق عسرة، رغم أن الآية المشار إليها آنفا تقول: إن العسرة باقية، و قد كاد يزيغ قلوب فريق من المهاجرين و الأنصار، لو لا أن اللّه تعالى قد تداركهم بالتوبة. .
9-إن الذين تولوا و أعينهم تفيض من الدمع هم أفراد قليلون جدا، لا يزيدون على سبعة أشخاص معروفة أسماؤهم و قبائلهم (2).
فإذا كان عثمان و طلحة و عمر و بعض آخر، قد جهزوا جيش العسرة الذي كان يعد بعشرات الألوف، فهل عجزوا عن تجهيز سبعة أشخاص، و تركوهم حتى تولوا و أعينهم تفيض من الدمع؟ ! و لم يرق لهم قلب، و لا ارتعش لهم جفن. رغم أن ما سألوه لم يكن هو الدواب و المراكب، بل مجرد
1) الآية 117 من سورة التوبة.
2) الدر المنثور ج 3 ص 267 و 268 عن ابن جرير، و ابن مردويه، و ابن أبي شيبة، و ابن سعد، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و ابن إسحاق، و أبي الشيخ، عن محمد بن كعب، و مجمع بن حارثة، و مجاهد، و الزهري، و يزيد بن يسار، و عبد اللّه بن أبي بكر، و عاصم بن عمرو بن قتادة و غيرهم. . و راجع: تفسير السمرقندي ج 2 ص 81، و تفسير الثعلبي ج 5 ص 81.
أن يزودوهم بنعال (1)، أو بالماء و الزاد، كما في بعض الروايات (2).
إن ذلك كله يدلنا على أن القضية لم تكن هي أن الجيش كله أو جله كان في عسرة من أمره، بل القضية هي شحة هؤلاء الناس بأموالهم و أنفسهم و سعيهم للتملص من هذا المسير، الذي كان لازما و ضروريا جدا. . و عليه يتوقف حفظ الدين و حياة المسلمين، في حين أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يذكرهم في كل يوم من على منبره و يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض» .
و أما بالنسبة لحديث تجهيز عثمان لجيش العسرة، فلا يمكن قبوله، من الناحية العلمية، بل الأدلة متضافرة على لزوم رده، و الحكم عليه بأنه موضوع و مصنوع. . و قد تعرّض العلامة الأميني «رحمه اللّه» في كتابه القيم «الغدير» لهذا الحديث، و بيّن طرفا من تناقضاته، و أكد عدم صحة أسانيده (3).
1) الدر المنثور ج 3 ص 268 عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ عن مشيخة من جهينة، و إبراهيم بن أدهم، و الحسن. و راجع: تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1863، و فتح القدير ج 2 ص 394، و تفسير الآلوسي ج 10 ص 159، و تفسير الثعلبي ج 5 ص 81، و أسباب نزول الآيات ص 174، و تفسير البيضاوي ج 3 ص 165، و غيرهم.
2) الدر المنثور ج 3 ص 268 عن ابن أبي حاتم عن أنس.
3) راجع: الغدير (ط مركز الغدير للدراسات الإسلامية سنة 1416 ه قم-إيران) ج 9 ص 447-472.
و نحن نذكر هنا بعض تناقضات هذا الحديث، ثم نعقّب ذلك ببعض ما يفيد و يزيد في جلاء الحق، و سطوع شمس الحقيقة، فنقول:
قال ابن هشام: أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها، حدثني من أثق به: أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار.
زاد الصالحي الشامي قوله: غير الإبل و الزاد (1). .
و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم. .
و عند الكلبي: جهزهم بألف بعير بأقتابها و أحلاسها، زاد قتادة عليها سبعين فرسا أيضا (2). .
و عند البلاذري: جهزهم بسبعين ألفا (3). .
و عند الطبراني: جهزهم بماءتي بعير بأحلاسها و أقتابها، و مائتي أوقية
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 161 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه) ج 3 ص 148 و ابن أبي عاصم ج 2 ص 587 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 102 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 215 و حلية الأولياء ج 1 ص 59 و مسند أحمد ج 6 ص 55 حديث رقم 20107، و قرة العيون المبصرة ج 1 ص 179 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 585.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 123. و عمدة القاري ج 8 ص 297، و أسباب نزول الآيات للواحدي ص 55.
3) أنساب الأشراف ج 6 ص 112.
من الذهب (1).
و عند أبي يعلى: سبع مائة أوقية من الذهب (2).
و عند ابن عدي: بعشرة آلاف دينار (3).
و عند ابن حنبل: بثلاث مائة بعير بأحلاسها و أقتابها، و قال صلى اللّه عليه و آله: ما على عثمان ما عمل بعد هذا (4).
و عند ابن عساكر: جهز ثلث الجيش (5).
و عند ابن الأثير: جهز نصف جيش العسرة (6).
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و راجع: الغدير ج 9 ص 329 عن الطبراني.
2) فتح الباري ج 5 ص 306 و مجمع الزوائد ج 9 ص 85 و الغدير ج 9 ص 329.
3) الكامل ج 1 ص 340 و راجع: السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه) ج 3 ص 148 و البداية و النهاية ج 7 ص 238 و فتح الباري ج 8 ص 408 و ج 7 ص 54 و المواهب اللدنية ج 1 ص 627 و شرح المواهب ج 3 ص 65 و تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و الغدير ج 9 ص 329.
4) مسند أحمد ج 5 ص 28 و 38 و حلية الأولياء ج 1 ص 59 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و 436 و ابن سعد ج 7 ص 55 و التاريخ الكبير للبخاري ج 5 ص 247 و الدولابي في الكنى ج 2 ص 17 و الترمذي رقم 3700.
5) السنن الكبرى ج 6 ص 167 و تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و سنن الدارقطني ج 4 ص 124 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 348 و المعجم الأوسط ج 2 ص 39 و موارد الظمآن ج 7 ص 120.
6) أسد الغابة ج 3 ص 582 و مسند أحمد ج 1 ص 59 و سنن النسائي ج 6 ص 236 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 581 و السنن الكبرى ج 4 ص 98 و سنن الدارقطني ج 4 ص 124 و كنز العمال ج 13 ص 69 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 339.
و في الكامل في التاريخ: قيل كانت ثلاث مئة بعير و ألف دينار (1).
و عند عماد الدين العامري: أنفق ألف دينار، و حمل على تسعمائة بعير، و مائة فرس. و الزاد، و ما يتعلق بذلك، حتى ما تربط به الأسقية (2).
و في الحلبية أيضا: عند بعض أعطى ثلاث مئة بعير بأحلاسها و أقتابها و خمسين فرسا (3).
و عن أبي عمرو في الدرر: أن عثمان حمل على تسعماية بعير و مئة فرس بجهازها (4).
تقدم: أنهم يقولون: إن أبا بكر قد أعطى في هذه الغزوة ماله كله (5).
و قالوا: إنه-يعني مال أبي بكر-كان أربعة آلاف درهم (6).
1) الكامل في التاريخ ج 1 ص 635 و الغدير ج 9 ص 329 عنه.
2) السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه مطبعة مصطفى محمد بمصر) ج 3 ص 148 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100 و الغدير ج 9 ص 329 عنه.
3) راجع: الغدير ج 9 ص 448 و 449، و السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه) ج 3 ص 148 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100.
4) الدرر لابن عبد البر ص 238 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 49 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100.
5) تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 110، و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 64 و السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه بمصر) ج 3 ص 148 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435.
6) حياة الصحابة ج 1 ص 429 عن ابن عساكر ج 1 ص 110 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و المغازي للواقدي ج 3 ص 991 و السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه) ج 3 ص 148 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 100 و تاريخ الخميس ج 2 ص 123.
و نحن و إن كنا قد أثبتنا قبل صفحات يسيرة عدم صحة ذلك، و لكننا نقول: إنه على فرض صحة ذلك، و إلزاما لهؤلاء القائلين بما ألزموا به أنفسهم نسأل: ألم يكن من حمل ماله كله أولى من عثمان بالإعلان بشأنه، و الدعاء له، و الثناء عليه؟ ! و إذا كانت النفقات العظيمة لا تختص بعثمان، فلما ذا يفوز عثمان وحده بالأوسمة، و الألقاب، دون غيره. ممن أنفق و ساهم من الرجال و النساء؟ ! .
فإن الثناء على الرجل بملاحظة مستوى تضحيته أولى من الثناء عليه بملاحظة مقدار ما يبذله من مال! . لا سيما و أن الثناء إنما جاء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي لا ينطق عن الهوى. .
ثم إنهم يقولون: إن جيش العسرة-كما يقولون-كان ثلاثين ألفا و كان معهم من الإبل اثنا عشر ألف بعير، و عشرة آلاف فرس، و عند أبي زرعة كانوا سبعين ألفا، و في رواية أربعين ألفا (1).
1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد: رقم التسلسل 683، و تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 111 و إمتاع الأسماع ص 650 و فتح الباري ج 8 ص 93 و المواهب اللدنية ج 1 ص 173 و إرشاد الساري ج 6 ص 438 و شرح بهجة المحافل ج 2 ص 30 و الغدير ج 5 ص 450 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه) ج 3 ص 149 و تاريخ الخميس ج 2 ص 125 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442.
و قد تقدم: أن عثمان حينما حوصر، ناشد طلحة و الزبير، و سعدا، و أضافت بعض الروايات الإمام عليا «عليه السلام» أيضا، فكان مما قررهم به، فأقروا: أنه صاحب جيش العسرة، و أنه اشترى بئر رومة (1).
و عند البلاذري أنه قال: أنشدكما اللّه هل تعلمان أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ ! (2).
و في نص آخر: ألستم تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزته؟ قال: فصدقوه لما قال (3).
و قد صرح بأنهما اعترفا له بأن النبي حكم له بأنه شهيد، و بأنه من أهل الجنة، مقابل ما بذله في بئر رومة، و مقابل ما بذله في شراء ما أضيف إلى المسجد.
1) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 113 و 120 حديث 556 و 513، و الإصابة ج 2 ص 462 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 167 و حلية الأولياء ج 1 ص 58 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 436 و سنن الدارقطني ج 4 ص 200 و سنن النسائي في الأحباس باب 4 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 215.
2) أنساب الأشراف ج 6 ص 106 و راجع: السنن الكبرى ج 6 ص 168 و الغدير ج 9 ص 332 و سنن النسائي ج 6 ص 235 و كنز العمال ج 13 ص 74 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 336.
3) البخاري كتاب الوصايا (ط دار الفكر سنة 1401 ه) ج 3 ص 193 و فتح الباري ج 8 ص 408 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 167 و سنن الدارقطني ج 4 ص 125.
و نقول: ألف: كيف أقر طلحة و الزبير لعثمان بما ذكر، ثم واصلا حربه ضدهم، و لم يرتدعا عن محاصرته التي انتهت بقتله؟ ! . . و كيف و بماذا بررا ذلك للناس، الذين سمعوا عثمان يقررهما، و سمعوهما يقران له بذلك؟ !
ب: كيف عرف سائر الصحابة: أن اللّه قد غفر لعثمان ذنوبه ثم يعاملونه هذه المعاملة و يحرضون على قتله، بل و يشاركون فيه بحجة أنه قد خالف أحكام اللّه، و تعدى حدوده؟ !
و كيف يقتلون رجلا وعده اللّه و رسوله بالجنة، و حكم بغفران كل ذنوبه، التي سوف يرتكبها. . أو صرح بعدم إضرار أي من ذنوبه به عند اللّه؟ ! . .
ج: هل صحيح: أن من يبذل هذا المقدار من المال الذي بذله عثمان يمكنه أن يفعل ما يشاء من الذنوب، كبيرها، و صغيرها، حتى ما توعد اللّه عليه بالخلود بالنار كقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، و ما إلى ذلك؟
د: إذا صحت هذه الرواية فينبغي أن لا يتخلف أحد عن المسير إلى تبوك لارتفاع العسرة عن الجميع بما أعطاه عثمان، فلما ذا يرجع الناس إلى منازلهم يبكون، لأنهم لم يجدوا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يحملهم عليه كما نصت عليه الآيات الآتية؟ !
ه: إذا كان ذلك صحيحا، فلما ذا احتاج إلى مال أبي بكر، و نصف مال عمر، و ما أعطاه العباس، و طلحة، و سعد، و الزبير، و ابن مسلمة، و. . و. . الخ. .
و: إذا صح ذلك لم يكن معنى للتخفيف عن الذين لا يجدون، و تصبح الآية الكريمة التي تتحدث عن هؤلاء بلا موضوع و يبطل قوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفٰاءِ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرْضىٰ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاٰ أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً أَلاّٰ يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ (1).
ز: إذا صح ذلك فلما ذا تنزل الآية المقرعة و اللائمة، و المتوعدة بالعذاب و العقاب لأولئك الذين لم ينفقوا في سبيل اللّه، إذ لا مورد و لا محل لنفقاتهم بعد ما أعطاه عثمان.
إلا إذا كان قد ظهر منهم قبل إنفاق عثمان ما يدل على امتناعهم عن البذل في سبيل اللّه، مع قدرتهم على ذلك.
إن شراء عثمان لبئر رومة بماله، و وقفه لها على المسلمين، حديث باطل لأسباب كثيرة، كما أن حديث مناشدته لطلحة و الزبير، أو لهما بالإضافة إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، المتضمن لذكر هذا الأمر، و لأمور باطلة أخرى، و لتناقضات لا دواء لها، لا يمكن أن يصح أيضا، فراجع (2).
إنه لم يكن لدى الصحابة تلكم المبالغ الهائلة، التي يدّعى أن عثمان قدّم
أرقاما منها في جيش العسرة، لا في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و لا في عهد أبي بكر.
فقد روي أن أنس بن مالك، جاء بمال إلى عمر، بعد موت أبي بكر، فبايع عمر، ثم أخبره بأنه قد جاء بأربعة آلاف، فأعطاه إياها. قال أنس: فكنت أكثر أهل المدينة مالا (1).
إذا كان لعثمان هذا السخاء، و هذا الاندفاع للعطاء في سبيل اللّه، فلما ذا لم يتصدق و لو بدرهم، في مناسبة آية النجوى، التي لم يعمل بها سوى علي «عليه السلام» ؟ ! (2).
1) حياة الصحابة ج 2 ص 235 و كنز العمال ج 5 ص 405 عن ابن مسعود. و راجع: تهذيب الكمال للمزي ج 3 ص 372، و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 854.
2) المناقب للخوارزمي ص 196 و الرياض النضرة ج 3 ص 180 و الصواعق المحرقة ص 129 عن الواقدي، و نظم درر السمطين ص 90 و 91 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 327 و 326 و جامع البيان ج 28 ص 14 و 15 و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 28 ص 24 و 25 و كفاية الطالب ص 136 و 137 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 482 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) ج 2 ص 482 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 264 و 265 و تأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 673 و 675 و لباب التأويل ج 4 ص 224 و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 224 و أسباب النزول ص 235 و شواهد التنزيل ج 2 ص 231 و 240 و الدر المنثور ج 6 ص 185 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و الحاكم و صححه، و سعيد بن منصور، و ابن راهويه. و فتح القدير ج 5 ص 191 و التفسير الكبير ج 29 ص 271 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 302 و الكشاف ج 4 ص 494 و كشف الغمة ج 1 ص 168 و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 129 و 140 و ج 14 ص 200-217 و ج 20 ص 181-192 عن بعض من تقدم، و عن مصادر كثيرة أخرى. و إعلام الورى ص 188.
فمن يبخل بدرهم كيف يعطي هذه الألوف المؤلفة، ثم يجهز جيشا بأكمله؟ ! إننا نتوقع أن تنزل في الثناء عليه سورة مثل سورة البقرة، فضلا عن آية أو آيات. .
كما أن الإمام عليا «عليه السلام» حين تصدق بأربعة دراهم سرا و جهرا و ليلا و نهارا، نزلت فيه آية قرآنية (1).
و حين يطعم ثلاثة أقراص شعير لمسكين و يتيم و أسير، تنزل فيه سورة
1) الكشاف ج 1 ص 319 و تفسير المنار ج 3 ص 92 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و غيرهما، و التفسير الكبير ج 7 ص 83 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 347 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 326 عن ابن جرير، و ابن مردويه و ابن أبي حاتم، و فتح القدير ج 1 ص 294 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن عساكر و غيرهم، و الدر المنثور ج 1 ص 363 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 50 و أسباب النزول ص 50 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 341 عن العياشي، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 و نظم درر السمطين ص 90 و ذخائر العقبى ص 88 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 412 و المناقب لابن المغازلي ص 280 و ينابيع المودة ص 92، و روضة الواعظين ص 383 و 105 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21.
كاملة، هي سورة «هل أتى» (1). .
و يتصدق بخاتم في الصلاة فتنزل فيه آية الولاية: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (2)» (3).
1) المناقب للخوارزمي ص 189 و 195، و الرياض النضرة ج 3 ص 208 و 209 و التفسير الكبير ج 30 ص 234 و 244 عن الواحدي، و الزمخشري. و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 29 ص 112 و 113 و الكشاف ج 4 ص 670 و نوادر الأصول ص 64 و 65 و الجامع لأحكام القرآن ج 19 ص 131 عن النقاش، و الثعلبي، و القشيري، و غير واحد من المفسرين. و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 372 و 374 و مدارك التنزيل للنسفي (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 4 ص 339 و كشف الغمة ج 1 ص 169 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 469 و 477 عن أمالي الصدوق، و القمي، و الطبرسي، و ابن شهرآشوب، و تأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 749 و 752 و تفسير فرات ص 521 و 528 و ذخائر العقبى ص 89 و تفسير القمي ج 2 ص 398 و 399 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 412 و الوسائل ج 16 ص 190، و فرائد السمطين ج 2 ص 54 و 56 و مجمع البيان ج 10 ص 404 و 405 و المناقب لابن المغازلي ص 273 و الإصابة ج 4 ص 378 و ينابيع المودة ص 93 و 94 و روضة الواعظين ص 160 و 163 و نزهة المجالس ج 1 ص 213 و ربيع الأبرار ج 2 ص 147 و 248 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21 و أسد الغابة ج 5 ص 530 و 531 و البحار ج 35 ص 237-254 و إحقاق الحق ج 9 ص 110-123 و ج 3 ص 157-170 عن مصادر كثيرة.
2) الآية 55 من سورة المائدة.
3) راجع المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 649 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 93 عن الطبراني، و ابن جرير، و أسباب النزول ص 113 و تفسير المنار ج 6 ص 442، و قال: رووا من عدة طرق و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 533 و 337 عن الكافي، و الإحتجاج، و الخصال، و القمي، و أمالي الصدوق، و جامع البيان ج 6 ص 186، و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 6 ص 167 و التفسير الكبير ج 12 ص 26 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 71 و الدر المنثور ج 2 ص 293 و 294 عن أبي الشيخ و ابن مردويه، و الطبراني، و ابن أبي حاتم، و ابن عساكر، و ابن جرير، و أبي نعيم، و غيرهم، و فتح القدير ج 2 ص 53 عن الخطيب في المتفق و المفترق. و راجع ما عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و غيرهم ممن تقدم ذكره. و لباب التأويل للخازن ج 1 ص 475 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 221 و الكافي ج 1 ص 228 و شواهد التنزيل ج 1 ص 173 و 184 و الخصال ج 2 ص 580 و كفاية الطالب ص 229 و كنز العمال ج 15 ص 146 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 108 و مجمع الزوائد ج 7 ص 17 و معرفة علوم الحديث ص 102 و تذكرة الخواص ص 15 و المناقب للخوارزمي ص 186 و 187 و نظم درر السمطين ص 86 و 87 و الرياض النضرة ج 3 ص 208 و ذخائر العقبى ص 102 عن الواقدي، و أبي الفرج ابن الجوزي، و البداية و النهاية ج 7 ص 358 و نور الأبصار ص 77 و فرائد السمطين ج 1 ص 188 و تأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 151-154 و البحار ج 35 ص 183 و 203 عن مصادر كثيرة، و ربيع الأبرار ج 2 ص 148 و المناقب لابن المغازلي ص 312 و 313 و روضة الواعظين ص 92 و العمدة لابن بطريق ص 119 و 125 و إثبات الهداة ج 2 ص 47 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 2 و 10 و كشف الغمة ج 1 ص 166 و 167 و الأمالي للصدوق ص 109 و 110، و الوسائل ج 6 ص 334 و 335 و سعد السعود ص 96 و البرهان (تفسير) ج 1 ص 480 و 485 و مجمع البيان ج 3 ص 310-312 و إحقاق الحق ج 20 ص 3-22 و راجع ج 3 ص 502-511 و ج 2 ص 399-408 عن مصادر كثيرة.
فلما ذا أهمل اللّه نفقات عثمان، و هي هائلة، و اهتم بذكر نفقات أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هي بضعة دراهم، أو بضعة أقراص من شعير؟ !
و لما ذا لا يعدون عثمان من أجواد قريش، بل من أجواد العرب، إن لم نقل: إنه من أجواد الدنيا؟ !
إلا أن يقال: إن عثمان كان سخيا في سبيل اللّه، بخيلا على الناس، و الجواد إنما يقال له: جواد، إذا كان يجود بماله على الناس! !
من أين و كيف حصل عثمان على هذه الأموال الطائلة و الهائلة، و هو قد جاء إلى المدينة صفر اليدين؟ !
فإن كان ذلك من مال التجارة. . فنحن لم نسمع و لم نقرأ شيئا عن هذه التجارة التي تدرّ عليه هذه الأرباح العظيمة. .
و لما ذا لم يشتغل غير عثمان بهذه التجارات، و يحصل على تلك الأرباح؟ !
أم يعقل أن يكونوا قد اشتغلوا، و على المال حصلوا، ثم هم به قد بخلوا؟ ! . . و لما ذا لم ينقل لنا أسماء بعض هؤلاء المشتغلين الأغنياء و البخلاء؟ !
و إن كان قد حصل عليها من الغنائم. . فإن غيره لا بد أن يكون قد نال منها مثل ما نال. . فلما ذا تكون العسرة يا ترى؟ ! بل لما ذا ينال هذه الأموال الهائلة من الغنائم، و نحن لم نجد له أي مقام محمود أو مشهود في حروب الإسلام؟ ! . .
و أين هي الغنائم التي حصل عليها أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فارس الإسلام الأعظم، و نصيره الأكبر، أو هل يعقل أن يكون علي «عليه السلام» قد بخل بماله. . و جاد به عثمان؟ ! .
و إن كان عثمان قد حصل على ذلك من سهم المؤلفة قلوبهم فلما ذا لا يصرحون لنا بذلك؟ !
و هل من يحصّل المال عن هذه الطريق، ثم يسخو به في سبيل اللّه، يستحق غفران ذنوبه، ثم يدخله اللّه الجنة؟ !
و لو أنه كان كذلك، فلما ذا يدخل الجنة بمال حصله من سهم المؤلفة، و يبقى الناس خالصو الإيمان يكافحون من أجل الجنة، و يتوسلون بشفاعة الشفعاء، لغفران ذنوبهم و ستر عيوبهم؟ !
إذا كانت عند عثمان هذه الأموال الهائلة، فلما ذا استفاق على الإنفاق في سبيل اللّه في هذا الوقت المتأخر، ألم يكن الأجدر به أن يظهر هذه الأموال قبل مناسبة تبوك، و ينفقها على المسلمين أنفسهم، إذا كانوا في عسرة حقيقية؟ ! و لما ذا يتركهم يواجهون تلك الشدائد؟ ! . . و لا يرق له قلب، و لا يرفّ له جفن؟ !
بل لما ذا لم يساعد أقاربه من أهل مكة عند ما أصابهم القحط؟ !
لقد زعموا: أن قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ ثُمَّ لاٰ يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لاٰ أَذىً (1). قد نزل في عثمان لإنفاقه في جيش العسرة (2).
1) الآية 262 من سورة البقرة.
2) التفسير الكبير ج 7 ص 45 و الغدير ج 8 ص 57 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 142 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 200 و تفسير الثعلبي ج 2 ص 258 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 55 و تفسير البغوي ج 1 ص 249 و زاد المسير لابن الجوزي ج 1 ص 275 و تفسير القرطبي ج 3 ص 306 و تفسير البيضاوي ج 1 ص 565.
و نقول: ألف: إن هذه الآية في سورة البقرة، و هي أول سورة نزلت في المدينة في أول الهجرة (1).
و جيش العسرة قد كان في سنة تسع من الهجرة في شهر رجب. .
ب: إذا صح أن أبا بكر قد قدم ماله كله في جيش العسرة، فإن المناسب هو أن تنزل هذه الآية في حقه، لا أن تنزل في حق عثمان. .
ج: إن هذه الآية قد صرحت بالقول: بأن المنفقين لا يتبعون ما أنفقوا منا و لا أذى. فهل هي بصدد التعريض بأبي بكر الذي يقول عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما من أحد أمنّ عليّ في صحبته و ذات يده من أبي بكر (2).
1) الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 132 و تفسير الخازن ج 1 ص 19 و تفسير الشوكاني ج 1 ص 16.
2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 32 و لسان الميزان ج 2 ص 23 و صحيح البخاري كما في إرشاد الساري ج 6 ص 214 و 215 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 608 و 609 و راجع: مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 45 و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 93 و كنز العمال ج 11 ص 554 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 476 و كنز العمال ج 11 ص 552 و 554 و ج 12 ص 523 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 501.
إن حديث: ما يبالي عثمان ما فعل بعد اليوم، أو نحو ذلك، فيه إغراء للناس بالمعاصي، ما دام أنه قد تأكد لدى من قيلت في حقه: أنه غير معاقب على شيء. .
و لا ندري لو أن عثمان زنى بعد هذا العطاء، أو سرق، أو قتل، فهل كان يقام عليه الحد، أو يقتص منه، أو لا يفعل به شيء من ذلك؟ ! . .
إننا لا نعرف السبب في هذه العسرة التي ألّمت بالمسلمين فجأة في سنة تسع، مع أن التاريخ لم يحدثنا عنها إلا في مناسبة نفقات عثمان، و إعطاء الأوسمة له! !
إن ظاهر كلمات عمر بن الخطاب أن العسرة قد بقيت و لم ترتفع بما بذله عثمان، و غيره، فقد قال الديار بكري:
و كان العشرة يتعقبون على بعير واحد، و ربما يمص التمرة الواحدة جماعة، يتناوبونها، و كانوا يعصرون الفرث و يشربونه من شدة العطش.
و عن عمر بن الخطاب قال: نزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى إن الرجل لينحر بعيرا، فيعصر فرثه، و يشربه، و يجعل ما بقي على كبده. كذا في معالم التنزيل. .
و في تفسير عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن عقيل، قال: فخرجوا في قلة من الظهر في حر شديد، حتى إنهم كانوا ينحرون البعير، و يشربون ما في كرشه من الماء. فكان ذلك الوقت عسرة في الماء و الظهر، و النفقة، فسميت
غزوة العسرة (1). .
و آخر كلمة نقولها هنا: إن التاريخ قد سجل لنا أرقاما هائلة جدا عن عطايا عثمان من بيت مال المسلمين في أيام خلافته، و كان ذلك من أهم أسباب ثورة الصحابة و المسلمين عليه حتى قتلوه. .
فلعل الذين وضعوا هذه الأفيكة قد أرادوا الإيحاء بأن هذه العطايا إنما كانت من أمواله الشخصية، لا من بيت المال. .
و عن حجم عطايا عثمان غير المعقولة، و لا المقبولة، نقول: لقد ذكر العلامة الأميني قائمة ببعض عطاياه من الدراهم و الدنانير و لبضعة أشخاص فقط، مع أنها لا تكاد تذكر إلى جانب اقطاعاته، و عطاياه من الأمور العينية، و كيف لو أضيفت إلى ذلك عطاياه الأخرى طيلة سنوات حكمه؟ ! . .
و القائمة هي التالية: لقد أعطى عثمان لسبعة أشخاص فقط هو أحدهم: مبلغ: أربعة ملايين و ثلاث مئة، و عشرة آلاف دينار.
و أعطى مئة و ستة و عشرين مليونا و سبع مئة و سبعين ألف درهم، لأحد عشر شخصا فقط و كان هو في جملة من أخذ؛ فكيف بعطاياه طيلة سنوات حكمه؟ !
و في الغدير ج 8 نصوص تصرح بامتلاكه و امتلاك أتباعه أرقاما هائلة
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 123 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 435 و 436 و فتح الباري ج 8 ص 84، و إمتاع الأسماع ج 8 ص 391.
تكاد لا تصدق. . فيمكن الرجوع إلى ذلك الكتاب للاطلاع عليها. .
و في الختام نقول: هذا ما أفصحت عنه كتب حرص مؤلفوها على حفظ ماء وجه عثمان، بعد أن افتضح أمره بإصرار الصحابة و المسلمين على قتله، و بعد أن كان لا بد لهم من مراعاة الحال في مجتمع يرى الزهد فضيلة، و يعيش أبناؤه حالات قاسية من الحاجة و الفقر. .
فكيف لو أرادوا أن يطلقوا لأقلامهم العنان في بيان الحقائق، فإن الخطب جلل، و المصاب أليم، و إلى اللّه المشتكى، و عليه المعول في الشدة و الرخاء.
و بين «صلى اللّه عليه و آله» للناس مقصده، و إنه يريد بلاد الروم، و كان «صلى اللّه عليه و آله» قلّ أن يخرج في غزوة إلا كنّى عنها و ورّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيّنها للناس، لبعد الشقة، و شدة الزمان، و كثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، و دعا من حوله من أحياء العرب للخروج معه، فأوعب معه بشر كثير، و بعث إلى مكة، و إلى سائر القبائل التي فشا فيها الإسلام.
و تخلف عنه آخرون، فعاتب اللّه-تعالى-من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين و المقصرين، و وبخهم و بين أمرهم، فقال سبحانه و تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ اِثّٰاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمٰا مَتٰاعُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاّٰ قَلِيلٌ إِلاّٰ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذٰاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاٰ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
ثم قال: اِنْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالاً وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ
1) الآيتان 38 و 39 من سورة التوبة.
اَللّٰهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قٰاصِداً لاَتَّبَعُوكَ وَ لٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اِسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ (1)إلى آخر الآيات (2).
و عن كعب بن مالك قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلّما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قيظ شديد، و استقبل سفرا بعيدا، و غزّى و عددا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، و أخبرهم بوجهه الذي يريده (3).
و نقول: إن الإعلان بمقصده «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك لم يكن لمجرد بعد الشقة، و شدة الزمان، و كثرة العدو، ليتأهب الناس، فإنه قد أرسل قبل سنة و شهرين سرية إلى مؤتة، و هي أبعد من تبوك بكثير، لأنها تقع في تخوم البلقاء من أرض الشام، و كانت حشود الأعداء عظيمة، و هائلة، و الشقة
1) الآيتان 41 و 42 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 434.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 434 عن ابن أبي شيبة، و البخاري، و ابن سعد، و قال في هامشه: أخرجه البخاري (2948) و (ط دار الفكر) ج 5 ص 130، و صحيح مسلم ج 8 ص 106 و مسند أحمد ج 3 ص 456 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 40 و ج 9 ص 34 و ص 150 و عمدة القاري ج 14 ص 216 و فيض القدير ج 5 ص 123 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 411 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 167.
أبعد، و عدد جيش المسلمين لا يصل إلى عشر عدد الجيش الذي جهزه هو، حيث لم يكن عدد المسلمين يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل بينما الجيش الذي يجهزه الآن إلى تبوك عشرة أضعاف هذا العدد، و كانت جموع الأعداء التي و اجهت تلك السرية الصغيرة تعد بمئات الألوف حسبما تقدم. . بينما هم يدّعون أن قيصر قد جهز للمواجهة في هذه المرة أربعين ألفا فقط.
من أجل ذلك و سواه نقول: لعل الأصح هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد فيما أراد:
1-أن يفضح حقيقة نوايا تلك الطغمة التي تتربص بالإسلام و بالمسلمين شرا، و هذا ما اشار إليه الشيخ المفيد «رحمه اللّه» حيث قال عن تبوك:
«فأوحى اللّه تبارك و تعالى اسمه إلى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يسير إليها بنفسه، و يستنفر الناس للخروج معه، و أعلمه أنه لا يحتاج فيها إلى حرب، و لا يمنى بقتال عدو، و أن الأمور تنقاد له بغير سيف، و تعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه و اختبارهم، ليتميزوا بذلك، و تظهر به سرائرهم.
فاستنفرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بلاد الروم، و قد أينعت ثمارهم، و اشتد القيظ عليهم، فأبطأ أكثرهم عن طاعته، رغبة في العاجل، و حرصا على المعيشة و إصلاحها، و خوفا من شدة القيظ، و بعد المسافة، و لقاء العدو، ثم نهض بعضهم على استثقال للنهوض، و تخلف آخرون الخ. .» (1).
1) الإرشاد ج 1 ص 154 و 155 و البحار ج 21 ص 207 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 1 ص 261 و أعيان الشيعة ج 1 ص 415 و كشف الغمة ج 1 ص 227.
و نلاحظ هنا أمرين: أحدهما: قد يقال: إن هذا النص ينافي ما تقدم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول على المنبر و هو يحث الناس على المسير: «اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد في الأرض» . . فإن هذا يشير إلى أن ثمة خطرا حقيقيا كان يتهدد المسلمين آنئذ، فإذا كان اللّه قد أخبر نبيه، بأن الأمور تستقيم له من غير حاجة إلى حرب لم يصح هذا القول منه «صلى اللّه عليه و آله» .
الثاني: إذا كانت الأمور تستقيم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بغير حرب، فلما ذا يكبد الناس مشقة هذا السفر البعيد، و يكلفهم مكابدة الأخطار و التفريط بالثمار في أيام القيظ، و في الزمان الشديد؟ !
و نجيب: أولا: إن هذا الكلام على المنبر في كل يوم لا يتناقض مع إخبار اللّه تعالى بأن الأمور سوف تنتهي بلا حرب، بل هو كلام صادق في نفسه على كل حال.
ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» مكلف بأن يتعامل مع الناس وفق ما تقتضيه ظواهر الأمور. أما ما يعرّفه اللّه إياه بالوحي، و بالطرق غير العادية، فليس له أن يجري في تعامله مع أصحابه على أساسه، إلا إذا أذن اللّه تعالى بذلك في بعض الموارد إذا توفرت مبررات الخروج عن هذه القاعدة.
ثالثا: إنه قد يكون نفس مبادرة الناس إلى الإنخراط في هذا الجيش،
و إظهار القوة، و الرغبة في دفع العدو من الكبير و الصغير هو المؤثر في دفع العدو، حين يلقي اللّه في قلوب الذين كفروا الرعب، بحيث يكون أي تخاذل في هذا الإتجاه يظهر حب أصحابه للدنيا، و تعلقهم بها من موجبات طمع العدو بهم، و جرأته على مهاجمتهم، و إنزال ضرباته القوية بهم. .
رابعا: إن من أسباب حفظ الإسلام، و تحصينه من شر الأشرار هو فضح نوايا المنافقين، و إكذاب أحدوثتهم، و كبت عدو أهل الإيمان في الداخل و الخارج.
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يقدم نموذجا عمليا لأمر الإمامة من بعده، و ذلك بأن يجعل الناس يتحسسون الحاجة إلى الحافظ القوي، و الإمام الوصي، حتى لا يعبث أصحاب الأطماع، و طلاب اللبانات بمصير الناس، و لا يفرضوا عليهم مسارا يؤدي بهم إلى البوار و الهلاك و التمزق و التشتت و التلاشي و التفتت. .
3-إنه لا بد من أن يسقط هالة القداسة عمن لم يكن أهلا للقداسة، و إنما هو يضفيها على نفسه لتكون شركا يوقع به البسطاء و السذج من الناس، و يتخذ منهم أداة لفرض واقع معين، لا يرضاه اللّه تعالى، و يؤدي إلى العبث بجهود الإنبياء، و تضييع منجزاتهم. .
4-ثم إنه قد اعلن عن غزوته تلك ليكون ذلك أبعد للسمع، حيث تتناهى أخبارها إلى بني الأصفر، فتنخلع لها قلوبهم، و تطيش لها ألبابهم، و يتلاشى تدبيرهم في ظلمات الحيرة و الضياع، و يوهن اللّه بذلك كيدهم، و تذهب ريحهم.
5-إن ذلك لا بد من أن يثير الزهو و الشعور بالعزة في مجتمع المسلمين
أينما كانوا، و حيثما وجدوا، و سيشد أنظار كل الناس إليهم، و سيشتاقون إلى اللحاق بركب أهل الإيمان، الذي يسير من نصر إلى نصر، و يضيف مجدا إلى مجد. . قبل فوات الأوان. حيث لم يكن أحد أعظم في أعينهم و أهيب في قلوبهم، من قيصر، هذا الرجل المنتصر لتوه على كسرى حسبما ألمحنا إليه. .
فإن تبوك لم تبق مجالا لأن يتوهم أحد أن عدم مبادرة قيصر إلى غزوهم، قد كانت بسبب غفلته عنهم، و لعدم اكتراثه بهم، أو ما إلى ذلك. .
لقد يفهم من آيات سورة التوبة، و من آية التهلكة: أن نفقات الحرب تقع على عاتق المقاتلين. . و ربما يؤيّد ذلك بأن الفارس يعطى سهمين من الغنيمة، أحدهما له، و الآخر لفرسه. . و المقصود-بحسب الظاهر-: هو الفرس التي يملكها المقاتل نفسه.
و لكن الحقيقة هي: أن ذلك لا يحتم هذه النتيجة، و لا يقضي بحصر وجوب الإنفاق لحفظ بيضة الإسلام، و الدفع عن حريم المسلمين بالمقاتلين، بل هو واجب على جميع الناس، على سبيل الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن سائرهم. . و حين تملك الدولة أسباب القوة، فباستطاعتها أن تستفيد من سهم «سبيل اللّه» أيضا. .
كما أن ملكية الفارس للفرس و عدم ملكيتها لا تؤثر على لزوم إعطاء الفارس سهمين، و الراجل سهما واحدا، فيجب أن يعطى سهمين مطلقا، أي سواء كانت الفرس له أو لم تكن.
على أن التقريع الوارد في سورة التوبة للأغنياء المتخلفين، إنما هو على
ما يمارسونه من نفاق، و على كذبهم فيما يدعونه، و ما يظهرونه من أعذار واهية، و على رضاهم بسقوط هذا الدين، و حلول النكبات بإخوانهم لمجرد حبهم للمال و الراحة و الدنيا و زخارفها. . و على عدم امتثالهم أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المباشرة لهم. . و على ما يتسببون به من إخلال في تصميم الناس، و في طاعتهم و انقيادهم، و ما يشيعونه من ضعف و تخاذل.
قال ابن واضح: «و وجّه إلى رؤساء القبائل و العشائر يستنفرها» (1).
و قال الطبرسي: «تهيأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رجب سنة تسع لغزو الروم. و كتب إلى قبائل العرب، ممن قد دخل الإسلام، و بعث إليهم الرسل، يرغبهم في الجهاد و الغزو. و كتب إلى تميم، و غطفان، و طيء، و بعث إلى عتاب بن أسيد عامله على مكة يستنفرهم لغزو الروم» .
و قالوا أيضا: و ضرب «صلى اللّه عليه و آله» عسكره فوق ثنية الوداع بمن تبعه من المهاجرين، و قبائل العرب، و بني كنانة، و أهل تهامة، و مزينة، و جهينة، و طيء، و تميم.
و استعمل الزبير على راية المهاجرين، و طلحة بن عبيد اللّه على الميمنة، و عبد الرحمن بن عوف على المسيرة.
و سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل الجرف. فرجع عبد اللّه بن أبي بغير إذن، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «حسبي اللّه، هو الذي
1) تاريخ اليعقوبي (ط الحيدرية-النجف) ج 2 ص 57 و (ط دار صادر) ج 2 ص 67.
أيدني بنصره و بالمؤمنين، و ألف بين قلوبهم» (1).
أضاف اليعقوبي قوله: «و خرجت النساء و الصبيان يودعونه عند الثنية، فسماها ثنية الوداع» (2).
و قالوا أيضا: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رجب سنة تسع، فعسكر في ثنية الوداع.
و عن زيد بن ثابت و معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا (3).
1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 287 و في هامشه عن: البحار ج 21 ص 244 و 245 عن إعلام الورى، و مغازي الواقدي ج 3 ص 990 و حياة الصحابة ج 1 ص 404. و في الجامع لأبي زيد ص 295: كتب إلى القبائل سنة 9 بعد الفتح إلى القبائل التي لم يفش فيها الإسلام يدعوهم، و كتب إلى التي فشا فيها الإسلام بغزو الروم و واعدهم تبوك. و راجع الحلبية ج 3 ص 129 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 323 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 66 و إعلام الورى ص 129 و 130 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 243 و تاريخ اليعقوبي (ط الحيدرية-النجف) ج 2 ص 58 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 182.
2) تاريخ اليعقوبي (ط الحيدرية-النجف) ج 2 ص 58.
3) سبل الهدى ج 5 ص 442 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و ابن سعد. و فتح الباري لابن حجر ج 8 ص 87، و تفسير القرطبي ج 8 ص 280، و الكامل لعبد اللّه بن عدي ج 7 ص 270.
و نقل الحاكم في الإكليل عن أبي زرعة قال: كانوا بتبوك سبعين ألفا (1).
و جمع بين الكلامين: بأن من قال ثلاثين ألفا: لم يعد التابع.
و من قال سبعين ألفا: عد التابع و المتبوع.
و كانت الخيل عشرة آلاف فرس، و قيل: بزيادة ألفين (2).
و في نص آخر: كانوا أربعين ألفا (3).
قال عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: خرج المسلمون في غزوة تبوك، الرجلان و الثلاثة على بعير واحد (4).
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل بطن من الأنصار و القبائل من العرب أن يتخذوا لواء و راية.
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جيشه بالاستكثار من النعال،
1) سبل الهدى ج 5 ص 442 عن الحاكم في الإكليل، و ابن الأمين، و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 45، و مقدمة ابن الصلاح ص 177، و التسهيل لعلوم التنزيل ج 4 ص 222.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و تاريخ الخميس ج 2 ص 125 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 36، و السيرة الحلبية ج 3(ط دار المعرفة) ص 102.
3) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 125 و عمدة القاري ج 18 ص 45، و مقدمة ابن الصلاح ص 177، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 36، و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 102.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 عن البيهقي. و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 75، و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 290، و جامع البيان ج 11 ص 75، و غيرهم.
و قال: «إن الرجل لا يزال راكبا ما دام منتعلا» (1).
ثم قالوا أيضا: لما رحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ثنية الوداع عقد الأولوية و الرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصديق، و رايته العظمى إلى الزبير بن العوام، و دفع راية الأوس إلى أسيد بن الحضير، و راية الخزرج إلى أبي دجانة، و يقال: إلى الحباب بن المنذر، و أمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواءا (2).
و حمل زيد بن ثابت لواء بني النجار (3).
و كان دليله «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي (4).
و لا بد أن يستغرب الكثيرون ما جاء في بعض النصوص من أن عدد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و في هامشه: عن صحيح مسلم كتاب اللباس (66) و تاريخ الخميس ج 2 ص 125. و الجامع الصغير ج 1 ص 152، و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 44.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 و المغازي للواقدي ج 3 ص 996 و تاريخ الخميس ج 2 ص 125.
3) المغازي للواقدي ج 3 ص 996.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 و تاريخ الخميس ج 2 ص 125 و المغازي للواقدي ج 3 ص 999 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 36 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 3 ص 1088 و أسد الغابة ج 4 ص 14 و الوافي بالوفيات ج 20 ص 47.
الجيش الذي سار إلى تبوك كان خمسة و عشرين ألفا، و كان عدد المؤمنين فيه لا يزيد على خمسة و عشرين رجلا، يقول النص:
«كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتبوك رجل يقال له: «المضرب» من كثرة ضرباته التي أصابته ببدر و أحد، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : عدّ لي أهل العسكر، فعددهم.
فقال: هم خمسة و عشرون ألف رجل سوى العبيد و الأتباع.
فقال: عدّ المؤمنين.
فعددهم، فقال: هم خمسة و عشرون رجلا، و قد كان تخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوم من المنافقين، و قوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق الخ. .» (1).
نعم، و هذا هو الذي يفسر نزول ما يقرب من تسعين آية من سورة التوبة لتبين ما جرى في تبوك، و لتظهر حجم التحدي و الخطر الذي واجهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هؤلاء المنافقين، الذين كان قسم منهم يسعى لزعزعة الإستقرار الداخلي حتى احتاج «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يخلف أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» مكانه، ليكون منه بمنزلة هارون من موسى.
كما أننا لا نستطيع أن نشكك في صحة النص المذكور آنفا، فإن عامة من ساروا إلى تبوك إنما أسلموا خلال الأشهر اليسيرة بين فتح مكة في شهر
1) البحار ج 21 ص 218 و تفسير البرهان ج 2 ص 132 و تفسير القمي ج 1 ص 296 و التفسير الصافي ج 2 ص 385.
رمضان، السنة الثامنة، و شهر رجب السنة التاسعة. . و الذين أسلموا قبل ذلك لم يكن قد مضى على إسلام معظمهم الذي بدأ من صلح الحديبية سوى وقت قليل أيضا. . و الباقون الذين قد لا يزيد عددهم على ألف و خمس مائة، كان قسم كبير منهم يظهر الإسلام، و يبطن النفاق، و قد ظهر ذلك في كثير من المواطن، و منها غزوة أحد كما هو معلوم. .
و رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برأس الثنية عبدا متسلحا، فقال العبد: أقاتل معك يا رسول اللّه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إرجع إلى سيدك لا تقتل معي فتدخل النار» (1).
و نقول: إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة نبدؤها بالنص الأخير على النحو التالي:
إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرض بمشاركة العبد بدون إذن سيده، و هذا الموقف منه «صلى اللّه عليه و آله» يوضح: انه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد أن يجمع الناس حوله كيفما اتفق، بل هو يريد أن يتم ذلك
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 و المغازي للواقدي ج 3 ص 996 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 51.
وفق الضوابط الشرعية، و المنطق السليم. .
كما أنه لا يريد أن يغرر بالناس، و بهدف تكثير السواد معه، بل يريد أن يعطيهم الضابطة الشرعية، و يلزمهم بها، و يعطيهم تلك التي تقول: لا يطاع اللّه من حيث يعصى. .
و هو يريد لهم أن يسعدوا بجهادهم و يكون من أسباب تكاملهم، و سمو مقامهم عند اللّه، و لا يكون ذلك إلا بالإلتزام بأحكامه، و السير على منهاجه، و تطبيق شرائعه. و مراعاة حقوق الناس.
إنه لا يريد أن يتخذ الناس منه غطاء لتمرير مخالفاتهم، و لا ذريعة لتضييع حقوق الآخرين، حتى لو كان ذلك بالحضور في ساحات الجهاد و تعريض أنفسهم للقتل في سبيل اللّه، لأن القتل في سبيله لا بد أن يحمي حقوق الناس، لا أن يضيعها.
و قد زعمت رواية اليعقوبي: أن ثنية الوداع قد سميت بهذا الاسم بسبب وداع الناس لنسائهم و صبيانهم في غزوة تبوك. .
و هو كلام غير دقيق. .
فأولا: إنهم تارة يزعمون: أن هذا الاسم قد أطلق على هذه الثنية حين عودتهم من خيبر، حين تمتع الناس ببعض النساء و فارقوهن عند تلك الثنية. .
و يزعمون تارة أخرى: أن هذا الاسم قد ورد في النشيد الذي استقبل به أهل المدينة النبيّ «صلى اللّه عليه و آله» حين هجرته، حيث قالوا:
طلع البدر علينامن ثنيات الوداع
وجب الشكر عليناما دعا للّه داع
أيها المبعوث فيناجئت بالأمر المطاع (1). .
فأي ذلك هو الصحيح؟ ! . .
ثالثا: إن الأقرب هو: أن هذا الاسم: «ثنيات الوداع» اسم قديم جاهلي، يسمى هذا الموضع به لتوديع المسافرين فيه و قد ذكروا في التفاصيل: أنه كان لا يدخل أحد المدينة إلا من ثنية الوداع، فإن لم يعشّر بها مات قبل أن يخرج.
فإذا وقف على الثنية، قيل: قد ودع، فسميت ثنيات الوداع حتى قدم عروة بن الورد فلم يعشر، ثم دخل، فسأل اليهود عن سبب التعشير.
فقالوا: لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات، و لا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال.
فلما ترك عروة التعشير تركه الناس، و دخلوا من كل ناحية (2).
و التعشير هو: أن ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد، قال عمرو بن الورد العبسي:
لعمري لئن عشرت من خشية الردىنهاق الحمار إنني لجزوع (3)
1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1171 و الغدير ج 7 ص 259 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 202 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 271 و السيرة الحلبية ج 2 ص 235.
2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1167 و 1168 و ج 1 ص 59 عن ابن شبة. و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 269 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 6.
3) وفاء الوفاء ج 1 ص 59. و معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج 4 ص 325.
و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر أبا بكر أن يصلي بمن تقدمه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و نقول: إنه بعد فتح مكة بدأ الفريق المتخصص بمنح الفضائل يشعر بأن الوقت حان لمنح الأوسمة و الفضائل لمناوئي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فكان أن ظهرت لهم فضائل لم نر لها أثرا قبل غزوة تبوك، فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد خلف أمير المؤمنين «عليه السلام» على المدينة، و أعلن أنه منه بمنزلة هارون من موسى، فلا بد أن يكون لأبي بكر ما يضاهي ذلك أو يزيد عليه، فكان طبيعيا أن يدّعوا أنه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف أبا بكر على الصلاة، ليكون لأبي بكر نصيب من الخلافة و الإستخلاف. فإن إعطاء هذا الوسام لعلي «عليه السلام» قد جعل الأمر بالغ الحساسية، و في منتهى الخطورة. . و دعوى استخلاف أبي بكر على الصلاة، ليست ذات قيمة، و لا تستحق الذكر.
فإن ذلك لا يدل على شيء من الفضائل لدى المستخلف، أي أنه لا يدل على علم أبي بكر، و لا على حسن أخلاقه، و لا على زهده و تقواه، و لا على أية صفة أخرى سوى صفة العدالة عند الشيعة، أما أهل السنة، فإنهم ينكرونها أيضا، و يفتون و يروون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442.
قال: صلوا خلف كل بر و فاجر (1).
فإذا كانت الإمامة في الصلاة عندهم لا تثبت حتى صفة العدالة، فهل تثبت الإمامة العظمى، التي تحتاج إلى كل تلك الصفات، و سواها مما لا مجال لذكره في أعلى مستوياتها و أفضل حالاتها؟ !
كما أن الإمامة تتضمن منصب القضاء و قيادة الجيوش و. . و. . الخ. . فالإمام هو الحاكم و المدبر و المعلم و غير ذلك. و كل واحدة من هذه الأمور تحتاج إلى ما يناسبها. من صفات و مزايا. .
فقيادة الجيوش مثلا تحتاج إلى صفات تناسب هذه المهمة، مثل
1) جامع الخلاف و الوفاق ص 84 و فتح العزيز للرافعي ج 4 ص 331 و المجموع للنووي ج 5 ص 268 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 75 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 40 و تحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 229 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 156 و الجوهر النقي للمارديني ج 4 ص 19 و البحر الرائق لابن نجيم المصري ج 1 ص 610 و تلخيص الحبير ج 4 ص 331 و نيل الأوطار ج 1 ص 429 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 254 و المسترشد للطبري و الإفصاح للشيخ المفيد ص 202 و المسائل العكبرية للشيخ المفيد ص 54 و الطرائف لابن طاووس ص 232 و عوالي اللآلي ج 1 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 19 و عمدة القاري للعيني ج 11 ص 48 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 145 و سنن الدارقطني ج 2 ص 44 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 256 و 257 و نصب الراية ج 2 ص 33 و 34 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 168 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 97 و كنز العمال ج 6 ص 54 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 29 و 32 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 156.
الشجاعة، و الخبرة بشؤون الحرب.
فإذا كانت الإمامة في الصلاة لا تثبت شيئا من الصفات المطلوبة، فهل تثبت تمييزا فيها على جميع البشر؟ ! .
و قد تحدثنا ببعض التفصيل عن هذا الأمر حين الكلام عما زعموه من صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلف عبد الرحمن بن عوف، و هم في الطريق إلى تبوك. فليلاحظ ما ذكرناه هناك.
و قد لا حظنا هنا عدة أمور في غزوة تبوك، التي لم يكن فيها قتال، بل تقدم أن اللّه سبحانه و تعالى قد أخبر نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بعدم حصول قتال فيها (1).
الأمر الأول: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر كل بطن من الأنصار، و القبائل من العرب أن يتخذوا لواء و راية. مع أن المعروف هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان هو الذي يعطي الرايات للفرسان و للزعماء من كل قبيلة، أو جماعة، فراجع ما جرى في فتح مكة، و خيبر، و سواهما.
الثاني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» جعل-حسب زعمهم-الرايات و الألوية حسب أقسام الجيش، فجعل هذا على الميمنة، و ذاك على الميسرة، أو على المقدمة، كما يفهم من النصوص المتقدمة، مع أن ذلك إنما يتم حين المواجهة بين الجيشين المتحاربين، فيجعل قسما من الجيش ميمنة، و قسما منه
1) البحار ج 37 ص 259 و كتاب الأم ج 4 ص 175 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 219 و المسترشد للطبري ص 444.
ميسرة، و طائفة منه قلبا، و سواها يكون الجناحين، و يكون هناك خيالة، و رجالة، و مقدمة، و ما إلى ذلك. .
و أما في حال المسير، مع العلم بأن هنا ثمة مئات الأميال التي تحتاج إلى أيام و ليالي كثيرة لقطعها عن جيش الأعداء، فإن ذلك لا يكون ضروريا. بل قد يكون معيقا لحركة الجيش. .
الثالث: قد لفت نظرنا قولهم: إن أبا بكر حمل اللواء الأعظم، ثم قولهم: إن الزبير قد حمل الراية العظمى. . حيث لم يتأكد لدينا أن ثمة فرقا بين اللواء و الراية، حيث ينقلون عن بعض أهل اللغة أنه لا فرق بينهما (1).
الرابع: إن النصوص المتقدمة تارة تقول: إن الراية العظمى كانت مع الزبير، و أخرى تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» جعل إليه راية المهاجرين. .
إن ذلك كله يحتاج لمزيد من التأمل و التدبر.
1-إن من الطبيعي أن يعطي المتخصصون بمنح الفضائل و الكرامات لواء الجيش الأعظم لأبي بكر، ما دام أن عليا «عليه السلام» قد غاب عن ذلك المسير بأمر من اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن المدينة لا تصلح إلا به أو بأخيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن أبا بكر كان يحتاج إلى هذا اللواء لكي يثبت أهليته لمقام القيادة، و لا خوف عليه، فإن هذا المسير ليس فيه حرب، و لا طعن و لا ضرب، لكي يخشى عليه من الفرار، و أن
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 147 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 61 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 43.
يولي عدوه الأدبار. .
و لكن الحقيقة هي: أن أبا بكر لن ينتفع كثيرا من هذه الفضيلة المنحولة، فإنه قد أبان عن شجاعته، و اقتداره، حين فر في أحد، و في قريظة، و خيبر، و حنين، و ذات السلاسل، و. . و. .
و حين لم يجرؤ على مباشرة القتال في بدر، بل بقي معتصما بأمنع حوزة، حيث آثر أن يكون مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي يفديه المسلمون بأرواحهم، و يدافعون عنه بكل وجودهم. . كما أنه آثر السكوت في الخندق، و لم نشهد له أي موقف شجاع في كل تاريخ الإسلام. .
و ما ذا يفيد أن يحمل اللواء أبو بكر أو غيره في مشهد استعراضي، حيث لا عدوّ، و لا قتال.
و حتى لو واجه الأعداء، فهناك ثلاثون ألفا من الرجال، لا بد أن يدفع بهم إلى ساحة المواجهة، حتى إذا أحس بأي خطر يتعرض له، فقد أعد للفرار عدته، و قد اكتسب طيلة تلك السنين، و في المواجهات المختلفة خبرة عميقة في أساليب الهرب من خلال التجربة المتكررة لها في المواطن العديدة كلما أحس أحس بحاجة إلى ذلك.
2-إن جميع الدلائل تشير إلى أن ثمة تزويرا في أمر الألوية و الرايات، و من شأن ذلك أن يزيل الثقة بما يقولونه في هذا المجال. .
إذ ما معنى قولهم: دفع اللواء الأعظم إلى أبي بكر، و الراية العظمى للزبير، فقد تقدم: أن ثمة صعوبة في إثبات وجود فرق بين اللواء و الراية. .
لقد كان لغزوة تبوك بركات و آثار هامة، فقد عرف الناس أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقصد بحركته هذه إرهاب أعظم ملك في ذلك الزمن، و قد كتب إليه يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ثم أرسل إليه رسالة دعوة أخرى من بلاد يراها ذلك الطاغية جزءا من مملكته و بلاده بعد أن وطأتها جيوش الإسلام، و بسط «صلى اللّه عليه و آله» نفوذه عليها، و نشر دعوته و دينه فيها. .
و أصبحت مناطق منها تدين بالولاء لهذا النبي الكريم و العظيم، و تؤدي له الجزية. .
و في تبوك فتح اللّه له دومة الجندل، و أخذ ملكها. و فيها جاءه أسقف أيلة و هو يحنّة بن رؤبة، و وفد عليه أهل أذرح، و سألوه الصلح على الجزية، و وفد إليه أهل مقنا و غيرهم (1).
و كل ذلك من شأنه أن يؤلم قيصر، و يهيج أشجانه، و يهين كبرياءه، الشيطاني، و يثير حميته، و هو الرجل المغرور بنفسه و بملكه العريض، و لا يرى له نظيرا على وجه الأرض، و قد عاد لتوه من نصر عظيم على أعظم مملكة في زمانة، و هي مملكة الفرس التي كانت تجاريه، و تباريه، و تتقاسم معه الملك و النفوذ على الأرض كلها. .
ثم إن مما يزيد الطين بلة و الخرق اتساعا بالنسبة لقيصر: أن يقف هذا
1) راجع: التنبيه و الإشراف ص 236 و مكاتيب الرسول للأحمدي ج 2 ص 414 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 68.
الذي يصفونه بالعربي و المسلم بجيوشه على تخوم مملكته، و يطأ بجيوشه أطرافا منها عزيزة عليه، ليطلب منه الإسلام أو الجزية! ! فهل هناك من ذل و خزي لقيصر أعظم من هذا؟ !
و أية عزة هذه التي منحها اللّه لرسوله و للمؤمنين! !
عن كعب بن مالك قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك يوم الخميس، و كانت آخر غزوة غزاها، و كان يستحب أن يخرج يوم الخميس (1).
و عسكر عبد اللّه بن أبي معه على حدة، و كان عسكره أسفل منه نحو ذباب.
و كان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين (2).
فأقام ابن أبي ما أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما سار رسول
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 عن ابن سعد، و عبد الرزاق، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 167 و راجع: المجموع للنووي ج 4 ص 387 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 243 و المعجم الأوسط للطبراني ج 2 ص 74 و رياض الصالحين للنووي ص 72.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442. و جامع البيان للطبري ج 10 ص 190، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 368، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 631، و البداية و النهاية ج 5 ص 10، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 946، و غيرهم.
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعا إلى المدينة، فيمن تخلف من المنافقين، و قال: يغزو محمد بني الأصفر، مع جهد الحال، و الحر، و البلد البعيد إلى ما لا طاقة له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب، و اللّه لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال، إرجافا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بأصحابه (1).
و نقول: 1-قولهم: إن عسكر ابن أبي لم يكن أقل العسكرين، قال ابن حزم: و هذا باطل، لم يتخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط (2).
2-إذا صح قولهم: أن ابن أبي تخلف عن تبوك، و صح أنه عسكر مع جماعة من أصحابه بصورة منفصلة عن باقي العسكر، فيمكن أن يكون الراوي قد ضخّم الأمر، حتى ادّعى أن جماعة ابن أبي يضاهون بكثرتهم عسكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يبرئ ساحة جماعات أخرى قد يظهر أنهم تخلفوا و تسببوا بمشكلة كبيرة نزلت فيها الآيات التي تلوم و تقرّع. .
أو لعل الراوي كان قد رأى جمعهم في بداية تكوين عسكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين كان لا يزال عددهم قليلا جدا، و قبل قدوم العساكر
من سائر الجهات، فأخبر عما رآه في تلك الساعة، ثم تناقله الرواة فيما بعد من دون ملاحظة ذلك.
و الذي نراه هو: أن الأمر كان كما ذكره هذا الراوي، و أن المنافقين كانوا بهذه الكثرة العظيمة، لأن أكثرهم قد اظهر الإسلام بعد فتح مكة، أي قبل مدة يسيرة من غزوة تبوك، فاقتضى ذلك نزول الآيات الكثيرة التي تؤنبهم على نفاقهم، و على ممارستهم الخبيثة التي تكاد تلحق أذى عظيما في الإسلام، فنزلت أكثر آيات سورة التوبة لمعالجة هذا الواقع، فنجحت المحاولات، و استعاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قسما كبيرا ممن تخلف، و بقيت طائفة منهم و هي أيضا طائفة كبيرة و خطيرة أيضا، و كانت تضمر للإسلام شرا، و لم يكن يمكن السيطرة عليها، و معالجة أمرها إلا بأمير المؤمنين «عليه السلام» أو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فخلّف «صلى اللّه عليه و آله» أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» ، و سار هو بالجيش الذي هيأه كما هو معلوم.
3-لقد تعلل ابن أبي لرجوعه مع غيره من المنافقين بخوفه من بني الأصفر، و هم الروم. . و ببعد الشقة، و ثقل و خطورة المهمة، و بأنه يرى أن المسلمين سيتحولون إلى أسرى في يد أعدائهم. . مع أنه قد رأى من المعجزات على يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما لا يبقي عذرا لأحد في أي تخاذل عن نصرته. . لأن تلك المعجزات تضطره إلى الإيمان بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» متصل باللّه تبارك و تعالى. . فلا بد من إطاعته، ما دام أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
إنه قد رأى كيف انتصرت قلة قليلة من المسلمين على ما يفوقهم عددا بأضعاف كثيرة، و لم تكن غزوة مؤتة إلا حجة دامغة على كل منافق لا يؤمن
بيوم الحساب. . فضلا عما جرى في بدر و خيبر، و حنين، و الخندق، و قريظة، و غيرها. .
و هنا سؤال يقول:
قد صرح الشيخ المفيد: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم عن طريق الوحي بأن غزوة تبوك ستنتهي من دون حرب، فما معنى إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المسلمين بالمشاركة في هذا المسير؟ !
و لما ذا جاءت الآيات الكريمة في سورة التوبة بهذه الحدة و الشدة؟ !
و لما ذا الإصرار على إدانة و تقبيح عمل من تخلف عن تلك الغزوة؟ !
و ما معنى أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر: إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا؟ !
و الجواب:
أولا: قد ذكرنا أكثر من مرة: أن ما يطلع اللّه تعالى عليه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» من الغيوب بوسائط غير عادية، فليس له أن يرتب الأثر عليه، و لا أن يأخذ الناس به. .
ثانيا: إن السبب في عدم حصول القتال في تلك الغزوة هو نفس مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى جمع الجموع للتصدي لتدبير كانوا يخفونه، و يعتقدون أنه يخفى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . حيث إن هذا الحشد الكبير سوف يرعبهم، و سيجعلهم يفكرون مرات و مرات قبل أن يقدموا على أي عمل عدواني. . و لا سيما بعد ما رأوه في مؤتة، حسبما
وصفناه أكثر من مرة.
ثالثا: إذا كانت المصلحة تكمن في تحصين أهل الإسلام من الخارج، بإلقاء الرعب في قلوب أعداء دينهم، و تحصين أهل الإيمان من الداخل بفضح أهل النفاق، و إبطال كيدهم، فذلك يحتم إخفاء نتائج المسير إلى تبوك عن كل أحد، إذ إن إظهارها سيفقد ذلك المسير معنى الجدية، و يحوله إلى حركة إستعراضية فاشلة، و غير ذات أثر. . هذا إن لم تصل أخبار ذلك إلى مسامع الروم و ملكهم. .
رابعا: إن معلومية نتائج تبوك لا يضر بسلامة التصرف النبوي على المنبر، إذ لا شك في أنه إن تهلك تلك العصابة التي معه فإن اللّه لن يعبد في الأرض. . بل إن عدم مشاركة المسلمين في ذلك المسير، ربما يؤدي إلى هلاك هذه العصابة، حيث يطمع فيهم عدوهم، و يندفع لإيراد الضربة القاسمة و الحاسمة بالإسلام و أهله، كما أنه قد يقوي من عزيمة أهل النفاق في الداخل، و يزيد من التمزق، و التناحر، و يفتح أمامهم نوافذ التوسع في التآمر و إشراك العدو الخارجي في ممارسة الضغوط الخانقة على أهل الإيمان. لا يدخل الجنة عاص:
قالوا: «و نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يخرج معنا إلا مقو، فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه بالسويداء.
فقال الناس: الشهيد الشهيد! !
فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» مناديا ينادي: لا يدخل الجنة عاص» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 178.
و أقول:
و لست أدري مدى صحة هذا الحديث.
فأولا: إن ركوب ذلك الرجل بكرا صعبا لا يعني أنه خالف أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يختار دابة قوية، فإن البكر الصعب ليس ضعيفا.
ثانيا: سوف يأتي: أن أبا ذر قد لحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» على بعير ضالع، فلم يسر معه إلا شيئا يسيرا حتى اضطر إلى تركه، و حمل متاعه على ظهره، و لحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ماشيا. فهل كان أبو ذر عاصيا أيضا، و لا يدخل الجنة؟ ! .
إلا أن يقال: إن كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» حول لزوم تهيئة مركوب مناسب لم يصل إلى مسامع أبي ذر. . و كان «صلى اللّه عليه و آله» عالما بتعمد صاحب البكر الصعب مخالفة أوامره. . و هذا القول يحتاج إلى دليل، و إلا كان رجما بالغيب! !
و البكاؤون. . و اللاحقون
عن ابن مسعود قال: لما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك جعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول اللّه، تخلف فلان.
فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه تعالى منه» .
حتى قيل: يا رسول اللّه، تخلف أبو ذر و أبطأ به بعيره.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه تعالى منه» (1).
و تلوّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ماشيا.
قال محمد بن عمر: قالوا: و كان أبو ذر الغفاري يقول: أبطأت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك من أجل بعيري. و كان نضوا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 عن ابن إسحاق. و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 221، و المستدرك للحاكم ج 3 ص 50، و الثقات لابن حبان ج 2 ص 94، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 371، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 632، و غيرهم.
أعجف، فقلت: أعلفه أياما ثم ألحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعلفته أياما، ثم خرجت، فلما كنت بذي المروة أذمّ بي، فتلومت عليه يوما فلم أر به حركة، فأخذت متاعي فحملته.
قال ابن مسعود: و أدرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بعض منازله، قال محمد بن عمر: قال أبو ذر: فطلعت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصف النهار و قد أخذ مني العطش، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول اللّه، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كن أبا ذر» .
فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللّه، هو-و اللّه-أبو ذر.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «رحم اللّه أبا ذر، يمشي وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده» ، فكان كذلك.
فلما قدم أبو ذر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخبره خبره، فقال: «قد غفر اللّه لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتني» .
و وضع متاعه عن ظهره، ثم استقى، فأتي بإناء من ماء فشربه (1).
و نقول:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 443 و 444 و قال في هامشه: أخرجه مسلم في التوبة باب 9(53) و الطبراني في الكبير ج 6 ص 38 و ج 19 ص 43 و 85 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 223 و 226 و انظر البداية لابن كثير ج 5 ص 8 و تاريخ الأمم و الملوك ج 11 ص 43. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 66 ص 186 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 38.
و مبدأ الإسلام في التعامل صريح و صحيح، و هو لا يستثني قريبا حبيبا و لا نائيا غريبا. . و لذلك اطلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفس المعيار، و طبقه على أبي ذر، و لم يظهر أي ليونة تجاهه. . و هو قوله: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه تعالى منه» .
لأن المفروض: أن ما حصل عليه أبو ذر من مقام في الإسلام، و من أوسمة على لسان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يحصل عليه باقتراح و محاباة منه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل حصل عليه بجهد و جهاد، رسم حدوده، و بين معالمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي ذر و للناس كلهم، فاستفاد أبو ذر منه فربح، و تقاعس عنه آخرون و فرطوا فيه، فخسروا.
و من جهة أخرى، فإنه لا بد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يراعي جانب العدل و الإنصاف في كل مفردات تعامله، فإذا كان من الجائز على كل أحد سوى الأنبياء و أوصيائهم أن يحدث لهم تراجع أو اختلال في سلوكهم، نتيجة لسوء اختيارهم أو تقصيرهم، أو لغير ذلك من أمور، فإنه لا بد أن يلتزم بذلك أيضا بالنسبة لأبي ذر، لأنه هو الآخر من الناس الذين يملكون اختيارا، و يتعرضون للخطأ، و التقصير لوسوسات الشيطان.
و هذا بالذات هو ما التزم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أطلق نفس القول بحق أبي ذر الإنسان. . كما كان أطلقه في حق كل من يحمل صفة الإنسانية. .
و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم. . لا يريد أن يؤكد به مبدأ الجبر، و التصرف التكويني في البشر إلى حد سلب اختيارهم. . بل هو يريد أن اللّه تعالى سيمنحه توفيقاته، و سيفتح له أبواب الهداية، ليختار هو لنفسه ما ينجيها، و يعينه عليها لتذليل جماحها، و الرضا بما فيه صلاحها، و نجاحها، و فلاحها.
و لا أدري كيف تمكن المقارنة بين أولئك الباحثين عن المسارب، و المهارب للتملص من هذا المسير الجهادي، و هم أهل الأموال الكثيرة، التي تمكنهم من تذليل صعاب ذلك السفر، و تهوين مشاقه، و يطمعون بدلا عن ذلك-بالتنعم بنسمة عليلة، أو ثمرة يانعة. . و بين هذا الذي يجهد ليمنح بعيره شيئا من القوة ليستفيد منه في طريق الجهاد، و لكنه حين يعجز عن ذلك، فإنه يتركه في أوائل ذلك الطريق الطويل جدا، و يحمل ثقله على ظهره، و يسير في تلك الصحراء القاحلة في أيام القيظ و الحر، يواجه بوجهه لفحات الهجير، و يعرض نفسه لمخاطر الموت جوعا أو عطشا، أو لأخطار الإفتراس، من حيواناتها الكاسرة، أو لأخطار نهشات أفاعيها و حيّاتها، التي عادة ما تكون في أيام القيظ هائجة.
فبأي شيء كان يطمع أولئك إلا بحطام الدنيا و زخرفها الزائل؟ ! و بأي شيء كان يطمع أبو ذر إلا بالثواب و الأجر، و بالشهادة في سبيل اللّه تعالى؟ !
و قد ظهر من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك الذي جاء وحده إلى تبوك: «كن أبا ذر» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فصل بين موقفه في تعامله المباشر مع الحالة العامة للناس، و وضع الأسس الصحيحة لهذا التعامل، و بين تعامل آخر، صحيح و سليم أيضا، و هو حقه في أن يعبر عما يحتفظ به من قناعات عن الأشخاص فيما يرتبط بملكاتهم و خصائصهم، و طبيعة تكوينهم الروحي، و سلوكهم الشخصي. فتوقع! ! أن يكون ذلك القادم وحده من قلب الصحراء أبا ذر الذي عرف أخلاقه، و ما يحمله من مبادئ، و طبيعة سلوكه و مواقفه. .
و كما كان إبراهيم أمة عابدا و خاضعا و قانتا للّه، فإن أبا ذر كان أمة قانتا للّه و خاشعا له، و يعيش الإستقلالية و الغنى عن الإرتباط بأي شيء آخر سوى اللّه تعالى، فهو يعيش وحده، و يموت وحده، و يبعث يوم القيامة وحده، لم يجعل أي شيء في وجوده مرتهنا و لا مقيدا بأي شيء آخر.
و لا يعبد شيئا غير اللّه، و لا يقيم وزنا لأي شيء سواه.
و هذه مرتبة جليلة لا يصل إليها إلا الصفوة من أهل التقوى، الذين حرروا أنفسهم من أي ارتباط بما في هذه الحياة الدنيا. .
و ما يؤكد ذلك و يوضحه: أن الروايات قد جاءت لتؤكد على غربة الدين و أهله عن هذه الدنيا و عن أهلها، ليكون أبو ذر «رضوان اللّه عليه» مصداقا لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود
غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (1).
و زاد في نص آخر: فقيل: و من هم يا رسول اللّه؟
قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، إنه لا وحشة و لا غربة على مؤمن، و ما من مؤمن يموت في غربته إلا بكت عليه الملائكة رحمة له، حيث قلت بواكيه، و فسح له في قبره بنور يتلألأ من حيث دفن إلى مسقط رأسه (2).
و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : «المؤمن غريب، و طوبى للغرباء» (3).
و روي أيضا عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : «العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم» (4).
قالوا: لما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أياما دخل أبو خيثمة على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، و قد رشت كل منهما عريشها و بردت له فيه ماء، و هيأت له فيه طعاما، فلما دخل
1) البحار ج 8 ص 12 و ج 52 ص 367 و 191 و ج 25 ص 136 و ج 24 ص 328 و ج 74 ص 97. و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 218، و إكمال الدين ص 66 و 201، و كتاب الغيبة للنعماني ص 336، و غيرهم.
2) البحار ج 64 ص 200. و مستدرك الوسائل ج 11 ص 323، و النوادر للراوندي ص 102-103، و غيرهم.
3) المحاسن للبرقي ج 1 ص 272. و الكافي ج 1 ص 391.
4) البحار ج 75 ص 81 و كشف الغمة للأربلي ج 3 ص 139 و 141. و عيون الحكم و المواعظ للواسطي ص 52، و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1055.
قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه و ما صنعتا له فقال: سبحان اللّه! رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر في الضح و الريح و الحر، يحمل سلاحه على عنقه، و أبو خيثمة في ظل بارد و طعام مهيأ، و امرأة حسنة، في ماله مقيم؟ ! ! ما هذا بالنصف!
ثم قال: و اللّه، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهيئا لي زادا.
ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى أدركه حين نزل تبوك، و قد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا، فلا عليك أن تخلّف عنى حتى آتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ففعل.
حتى إذا دنا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كن أبا خيثمة» .
فقال رجل: هو و اللّه، يا رسول اللّه أبو خيثمة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أولى لك يا أبا خيثمة» .
ثم أخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : خيرا، و دعا له بخير.
قال ابن هشام: و قال أبو خيثمة في ذلك:
و لما رأيت الناس في الدين نافقواأتيت التي كانت أعف و أكرما
و بايعت باليمنى يدي لمحمدفلم أكتسب إثما و لم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش و صرمةصفايا كراما بسرها قد تحمما
و كنت إذا شك المنافق أسمحتإلى الدين نفسي شطره حيث يمما (1)
و نقول:
إننا لا ندري مدى صحة هذا الحديث، الذي يبدو لنا أنه ينتهي إلى ابن إسحاق، غير أن من الواضح: أن أبا خيثمة-كما أظهره النص المنقول عن ابن إسحاق-قد تعمد في بادئ الأمر التخلف عن المسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، رغم قدرته المالية على ذلك، فلا معنى لجعله في مصاف أبي ذر الذي حاول جهده أن يهيئ بعيره لحمله. فلم يفلح فبادر إلى السير على قدميه حاملا ثقله على ظهره في ذلك الجو القائظ، و ذلك السفر الطويل، الذي هو أطول أسفار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزواته.
فإن لم يكن الهدف هو إيجاد شركاء لأبي ذر في هذا الفضل العظيم الذي حازه كما ربما يوحي به التشابه بين ما نسب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال: «كن أبا خيثمة» . كقوله: «كن أبا ذر» . فإننا لا نمنع من ان يكون شخص أو شخصان كأبي خيثمة و عمير بن وهب قد راجعا حساباتهما، فوجدا أن من الخير أن لا يحسبا في معسكر النفاق، و في موقع المعلن بالعصيان لأوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . لا سيما و هما يريان أن الإسلام يزداد انتشارا، و قوة و شوكة، و عظمة و نفوذا. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 444 و 445 عن الطبراني، و ابن إسحاق، و الواقدي، و البداية و النهاية ج 5 ص 12 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 948 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 14.
غير أن الغريب في الأمر هو: أن حديث أبي خيثمة قد تضمن إشارة تتناقض مع ما يسعى إليه الراوي من تلميع لصورة أبي خيثمة، و ذلك انه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أولى لك يا أبا خيثمة» .
و هذه الكلمة-كما ذكره العلماء-لعلها أكثر ظهورا في التعبير عن عدم الرضا.
و قد ذكروا: أنها تستعمل في مقام التهديد كما قاله الأصمعي.
و قيل: أولى لك، اسم فعل مبني، و معناه: و ليك شر، أو المراد: الهلاك أولى لك، أو أولى لك ما تكرهه. و قد كثر استعماله في مثل هذه المعاني، حتى صار بمنزلة: الويل لك (1).
قال الصالحي الشامي:
و روى ابن جرير، و ابن مردويه، عن ابن عباس و ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، و ابن إسحاق، و ابن المنذر، و أبو الشيخ عن الزهري، و يزيد بن رومان، و عبد اللّه بن أبي بكر، و عاصم بن محمد بن عمر بن قتادة و غيرهم: أن عصابة من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جاؤوه يستحملونه، و كلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاٰ أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ
1) راجع: تفسير الميزان ج 20 ص 114 و 115 و ج 18 ص 239.
اَلدَّمْعِ حَزَناً أَلاّٰ يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ (1)، و هم سبعة.
و اختلفوا في أسمائهم، فالذي اتفقوا عليه: سالم بن عمير، من بني عمرو بن عوف الأوسي، و علبة بن زيد، و أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب. و هرمي بن عبد اللّه.
و الذي اتفق عليه القرظي، و ابن إسحاق، و تبعهم ابن سعد، و ابن حزم، و أبو عمرو، و السهيلي و لم يذكر الأخير، و الواقدي: عرباض بن سارية، و جزم بذلك ابن حزم، و أبو عمرو، و رواه أبو نعيم عن ابن عباس.
و الذي اتفق عليه القرظي، و ابن عقبة، و ابن إسحاق: عبد اللّه بن مغفل المزني، و في حديث ابن عباس: عبد اللّه بن مغفل فيهم.
و روى ابن سعد، و يعقوب بن سفيان، و ابن أبي حاتم، عن ابن مغفل قال: إني لأجد الرهط الذين ذكر اللّه تعالى: وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الآية.
و الذين اتفق عليهم القرظي و ابن عمر: سلمة بن صخر، و لفظ القرظي: سلمان.
و الذي اتفق عليه القرظي و ابن عقبة: عمرو بن عنمة بن عدي، و عبد اللّه بن عمرو المزني. حكاه ابن إسحاق قولا بدلا عن ابن مغفل، و انفرد القرظي بذكر: عبد الرحمن بن زيد أبي عبلة من بني حارثة، و بذكر: هرمي بن عمرو من بني مازن.
قال محمد بن عمر: و يقال: إن عمرو بن عوف منهم.
1) الآية 92 من سورة التوبة.
قال ابن سعد: و في بعض الروايات من يقول فيهم: معقل بن يسار، و ذكر فيهم الحاكم حرمي بن مبارك بن النجار، كذا في المورد.
و لم أر له ذكرا في كتب الصحابة التي وقفت عليها.
و ذكر ابن عائذ فيهم: مهدي بن عبد الرحمن، كذا في العيون، و لم أر له ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة.
و ذكر فيهم محمد بن كعب: سالم بن عمرو الواقفي.
قال ابن سعد: و بعضهم يقول: البكاؤون بنو مقرن السبعة، و هم من مزينة انتهى، و هم: النعمان، و سويد، و معقل، و عقيل، و سنان، و عبد الرحمن و السابع لم يسم، قيل: اسمه عبد اللّه، و قيل: النعمان، و قيل: ضرار، و قيل: (. . .)و حكى ابن فتحون-قولا-أن بني مقرن عشرة، فيتعين ذكر السبعة منهم.
و ذكر ابن إسحاق في رواية يونس و ابن عمر: أن عبلة بن زيد لما فقد ما يحمله، و لم يجد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يحمله، خرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه تعالى، ثم بكى و قال: اللهم إنك أمرتنا بالجهاد و رغبت فيه، و إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض.
ثم أصبح مع الناس، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أين المتصدق هذه الليلة» ؟ فلم يقم أحد.
ثم قال: «أين المتصدق فليقم» ؟ ! فقام إليه فأخبره.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أبشر، فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» .
قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر: لما خرج البكاؤون من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه لقي يامين بن عمرو النضري أبا ليلى و عبد اللّه بن مغفل و هما يبكيان. فقال: ما يبكيكما؟
قالا: جئنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، و ليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، و نحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فأعطاهما ناضحا له، و زود كل واحد منهما صاعين من تمر.
زاد محمد بن عمر: و حمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين، و حمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة نفر بعد الذي جهز من الجيش (1). انتهى.
و نقول: قد سقنا كلام هذا الرجل لنبين مدى الإختلاف في أسماء هؤلاء و قد اقتصرنا على هذا المقدار، و المراجعة إلى سائر المصادر، و مقارنة نصوصها، سوف تزيد من حدة و سعة هذه الإختلافات. و ليس المقصود هو التحقيق حول هذا الأمر، بل المقصود هو لفت نظر القارئ إلى حرص الرواة على تخصيص هذه الفضيلة أو تلك بمن لهم فيه هوى، أو مصلحة. .
و هذا إن دل على شيء فهو يدل على أنهم يتعاملون مع روايات السيرة بمنطق المنتفع و المستفيد، لا بمنطق الأمانة على الحق و الحقيقة. . فإنا للّه و أنا إليه راجعون. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438-440 و الدر المنثور ج 3 ص 248 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 49.
عن أبي موسى الأشعري قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من الأشعريين ليحملنا، و في رواية: أرسلني أصحابي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أساله لهم الحملان، فقلت: يا رسول اللّه إن أصحابي أرسلوني لتحملهم.
فقال: «و اللّه لا أحملكم على شيء، و ما عندي ما أحملكم عليه» .
و وافقته و هو غضبان و لا أشعر.
فرجعت حزينا من منع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من مخافة أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، وجد في نفسه، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم جيء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنهب إبل فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد اللّه بن قيس؟
فأجبته، فقال: أجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدعوك.
فلما أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «خذ هذين القرينين، و هذين القرينين، و هذين القرينين» ، لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد.
و في رواية: فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى، فقال: «انطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن اللّه-أو قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» - يحملكم على هؤلاء، فاركبوا» .
قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي فقلت: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحملكم على هؤلاء، و لكن و اللّه لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين سألته
لكم، و منعه في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك، لا تظنوا إني حدثتكم شيئا لم يقله.
فقالوا لي: و اللّه إنك عندنا لمصدق، و لنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد ذلك، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى.
قال أبو موسى، ثم قلنا: تغفلنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمينه، و اللّه لا يبارك لنا، فرجعنا فقلنا له.
فقال: «ما أنا حملتكم، و لكن اللّه حملكم» .
قال: «إني و اللّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت التي هي خير و تحللتها» .
فقال: «كفّرت عن يميني» (1).
و نقول: إننا لا نريد أن نقول هنا: في كل واد أثر من ثعلبة، إذ قد ينسبنا البعض
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 440 عن البخاري و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 11 ص 601(6718) و مسلم ج 3 ص 1269(7/1649) ، و المجموع للنووي ج 18 ص 11 و المدونة الكبرى ج 2 ص 102 و راجع: الشرح الكبير لابن قدامه ج 11 ص 199 و نيل الأوطار للشوكاني ج 9 ص 135 و صحيح البخاري ج 7 ص 217 و صحيح مسلم ج 5 ص 82 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 681 و سنن أبي داود ج 2 ص 96 و سنن النسائي ج 7 ص 10 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 301.
إلى التعسف في إطلاق التهمة، و اللجوء إلى التجني، و الإمعان في ذلك بلا مبرر أو داع إلى ذلك.
غير أننا نسجل من تحفظاتنا الكثيرة على النص المتقدم ما يلي:
و قد اختلفت الروايات هنا بصورة لافتة، و نحن نكتفي بما قاله المتحذلقون لدفع غائلة هذه الإختلافات، و سيرى القارئ الكريم كم هي تعسفية و ممجوجة، لا تليق بمن ينسب نفسه إلى العلم، أو يدّعي لنفسه اليسير من الإنصاف.
قول أبي موسى: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «خذ هذين القرينين، و هذين القرينين، أي الجملين المشدودين أحدهما إلى الآخر» لستة أبعرة، لعله قال: هذين القرينين ثلاثا، فذكر الرواة مرتين اختصارا.
و لأبي ذر، عن الحموي، و المستملي: و هاتين القرينتين و هاتين القريتنين، أي الناقتين.
و في رواية في باب قدوم الأشعريين و أهل اليمن في الصحيح: فأمر لنا بخمس ذود.
و في باب الإستثناء في الأيمان: بثلاثة ذود.
و الرواية الأولى تجمع بين الروايات، فلعل رواية الثلاثة باعتبار ثلاثة أزواج، و رواية الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينة تبعا، فاعتد به تارة و لم يعتد به أخرى.
و يمكن أن يجمع بينهما: بأنه أمر لهم بثلاثة ذود أولا، ثم زادهم اثنين، فإن لفظ زهدم أحد رواة الحديث: ثم أتي بنهب، ذود، غر الذرى، فأعطانا خمس ذود، فوقعت في رواية زهدم جملة ما أعطاهم، و رواية غيلان: مبدأ ما أمر لهم به، و لم يذكر الزيادة.
و أما رواية: خذ هذين القرينين، ثلاث مرار، و في رواية: ستة أبعرة، فعلى ما تقدم أن تكون السادسة كانت تبعا، فلم تكن ذودتها موصوفة بذلك.
قال الحافظ في رواية: ستة أبعرة، إما أن يحمله على تعدد القصة، أو زادهم على الخمس واحدا.
و قال: في رواية أبي موسى قال: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنهب إبل، فأمر لنا بخمس ذود.
و في رواية بعد قوله: «خذ هذين القرينين» ابتاعهن من سعد.
و لم ينبه الحافظ على الجمع بين الروايتين فيحتمل-و اللّه أعلم-أن يكون ما جاء من النهب أعطاه لسعد، ثم اشتراه منه لأجل الأشعريين، و يحتمل على التعدد (1). انتهى.
ثم إننا لا نرى أن ثمة تناقضا في قوله: «و اللّه لا احملكم على شيء، و لا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 440 و 480 و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 129 و صحيح مسلم ج 5 ص 83 و فتح الباري ج 8 ص 85 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 242 و 283 و البداية و النهاية ج 5 ص 9 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 10.
عندي ما أحملكم عليه» ، حيث أراد بقوله هذا «لا أحملكم على شيء» أنه يرفض معونته بشيء حتى لو كان عنده ما يحملهم عليه، فكيف إذا لم يكن عنده شيء يعينهم به و يحملهم عليه، كما هو حاله في تلك الساعة؟ !
قال محمد بن عمرو ابن سعد عن المعذرين من الأعراب و المتخلفين: «و هما اثنان و ثمانون رجلا من بني غفار، و أنزل اللّه: وَ إِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ جٰاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا اَلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قٰالُوا ذَرْنٰا نَكُنْ مَعَ اَلْقٰاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ وَ طُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاٰ يَفْقَهُونَ لٰكِنِ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْخَيْرٰاتُ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اَللّٰهُ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ وَ جٰاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ اَلَّذِينَ كَذَبُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ سَيُصِيبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفٰاءِ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرْضىٰ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاٰ أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً أَلاّٰ يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوٰالِفِ وَ طَبَعَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ (1)» (2).
قال ابن عقبة: و تخلّف المنافقون، و حدّثوا أنفسهم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يرجع إليهم أبدا، فاعتذروا. و تخلف رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم و المعسر (1).
قال محمد بن عمر: و جاء ناس من المنافقين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليستأذنوه في القعود من غير علة، فأذن لهم، و كانوا بضعة و ثمانين رجلا (2).
و عن جابر بن عبد اللّه: استدار برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجال من المنافقين حين أذن للجد بن قيس يستأذنون يقولون: يا رسول اللّه، ائذن لنا فإنّا لا نستطيع أن نغزو في الحر، فأذن لهم، و أعرض عنهم (3).
و جاء المعذّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم اللّه.
قال ابن إسحاق: و هم نفر من بني غفار.
قال محمد بن عمر: كانوا اثنين و ثمانين رجلا، منهم، خفاف بن أيماء (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438 عن ابن عقبة، و الدر المنثور ج 3 ص 248.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438 عن الواقدي، و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 457 و صحيح البخاري ج 5 ص 131 و صحيح مسلم ج 8 ص 107 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 34 و فتح الباري ج 8 ص 89 و عمدة القاري ج 18 ص 49 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 266 و المعجم الكبير ج 19 ص 48 و الدرر لابن عبد البر ص 244.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438 عن ابن مردويه، و في هامشه عن: البيهقي في الدلائل ج 5 ص 318 و عن الدر المنثور ج 3 ص 265.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438.
1-إذا كان المنافقون من أهل المدينة لم يكونوا من قبيلة بعينها، بل كانوا منتشرين في جميع القبائل، و إذا كان النفاق منتشرا أيضا في الأعراب حول المدينة في قبائل مختلفة مثل: غفار، و أسلم، و جهينة، و مزينة. . فلا نرى ما يبرر كون المعذّرين من الأعراب و هم اثنان و ثمانون رجلا من خصوص قبيلة غفار.
2-إن الآيات الكريمة قد صرحت: بأن المعذّرين من الأعراب كانوا من الأغنياء، فما هذا الغنى الواسع الذي كان في بني غفار؟ !
و أين كان سائر الأغنياء من المنافقين في سائر القبائل؟ !
3-و هل تخلف هؤلاء الثمانين كان سيؤثر على جيش يبلغ عدده ثلاثين ألفا، حتى ينزل القرآن في حقهم بهذه الحدة و الشدة؟ ! و أية خطورة يشكلها هذا العدد القليل على المسلمين، و هم بهذه الكثرة و القوة؟ !
إننا نظن أن ثمة تعمدا لإلقاء التهمة على فريق بعينه، لعله كان هو الأضعف سياسيا، و لم يكن فيهم أحد يؤسف عليه من صناع السياسة، و بذلك يمكنهم حفظ فرقاء آخرين من أن تحوم حولهم الشبهات، لو تركت الأمور على طبيعتها. .
قالوا: كان رهط من المنافقين يسيرون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة، منهم:
وديعة بن ثابت، أخو بني عمرو بن عوف.
و الجلاس بن سويد بن الصامت.
و مخشّن بالنون-قال أبو عمرو و ابن هشام مخشي بالتحتية-ابن حمير من أشجع، حليف لبني سلمة.
زاد محمد بن عمر: ثعلبة بن حاطب (1).
فقال بعضهم لبعض، عند محمد بن عمر: فقال ثعلبة بن حاطب: أتحسبون جلاد بني الأصفر كجلاد العرب بعضهم بعضا، لكأني بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إرهابا للمؤمنين.
و قال الجلاس بن عمرو-و كان زوج أم عمير، و كان ابنها عمير يتيما في حجره-: و اللّه لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير.
فقال عمير: فأنت شر من الحمير، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صادق و أنت الكاذب.
فقال مخشن بن حمير: و اللّه لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، و أننا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه! ! .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد اخترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا و كذا» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 445 و راجع ص 443 عن الواقدي و ابن إسحاق.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 445 و قال في هامشه: أنظر المغازي للواقدي ج 3 ص 1003. و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 372 و الدر المنثور ج 3 ص 254 و 255 عن ابن إسحاق، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و راجع ما عن أبي الشيخ، و الفريابي، و ابن مردويه.
«فانطلق عمار إليهم فقال لهم ذلك، فأتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته، و قد أخذ وديعة بن ثابت بحقبها، و رجلاه تسفيان الحجارة و هو يقول: يا رسول اللّه إنما كنا نخوض و نلعب، فأنزل اللّه تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لاٰ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً بِأَنَّهُمْ كٰانُوا مُجْرِمِينَ (1).
و حلف الجلاس ما قال من ذلك شيئا، فأنزل اللّه سبحانه و تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا وَ لَقَدْ قٰالُوا كَلِمَةَ اَلْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاٰمِهِمْ وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا وَ مٰا نَقَمُوا إِلاّٰ أَنْ أَغْنٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اَللّٰهُ عَذٰاباً أَلِيماً فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مٰا لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ نَصِيرٍ (2)» (3).
و قال مخشّن: يا رسول اللّه، قعد بي اسمي و اسم أبي، فسماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبد الرحمن أو عبد اللّه، و كان الذي عفي عنه في هذه الآية، و سأل اللّه تعالى أن يقتل شهيدا و لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة،
و لم يعرف له أثر (1).
و نقول: إن لنا مع ما تقدم العديد من الوقفات:
قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن من الذين خرجوا رجاء الغنيمة أربعة نفر، تكلموا فيما بينهم بكلام بعينه، فأخبر اللّه تعالى نبيه بمقالتهم، و بما سيعتذّرون به عنها.
غير أننا نقول: ألف: إن ذلك غير مقبول و لا معقول، إذ إن أحدا لا يتوقع، أو فقل: لا يستطيع أن يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتابع كلمة صدرت أو حوارا دار بين أربعة أشخاص فقط، من بين ثلاثين ألفا، ثم تنزل في ذلك الآيات بالتوبيخ و التقريع، فإن المتابع للأمور يرى في هذا الأمر اهتماما غير مبرر بالأمور الصغيرة، و إنه لا معنى لإشغال النفس بها و هي غير ذات قيمة، و هذا معناه: أن الأمر كان أعظم خطرا، و أشد ضررا، إن لم نقل: إن ذلك الخطر كان شاملا و هائلا حتى أوجب هذا المستوى من التصدي
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 446 و البرهان ج 2 ص 141 و الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن إسحاق، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و راجع: كتاب التوابين لابن قدامه ص 93 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1831 و تفسير ابن كثير ج 2 ص 381 و تاريخ الطبري ج 2 ص 372 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 642 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 54 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 952.
و التحدي من اللّه و رسوله.
و أما لو كان الأمر محصورا بأربعة أشخاص، أو حتى بعشرات، فلا مبرر لشيء من ذلك إلا أن يكون هؤلاء الأشخاص من ذوي التأثير القوي في الناس، و قد جاء كلامهم المثير في سياق التآمر، و الكيد الخطير على الإسلام و أهله.
ب: إن الآيات نفسها قد تضمنت ما يدحض مزاعم هذه الروايات، لأنها تقول: إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً (1). الظاهر في وجود جماعات و طوائف شاركت في هذا الأمر.
مع أن الرواية تقول: إن رجلا واحدا فقط هو الذي لم يشارك في مقالة رفاقه الثلاثة. . و الشخص الواحد لا يقال له طائفة. .
و قول الفقهاء و المفسرين عند تفسير قوله تعالى: وَ لْيَشْهَدْ عَذٰابَهُمٰا طٰائِفَةٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (2)بأن أقله واحد (3).
و يشهد له: ما روي عن غياث بن إبراهيم في ذلك (4). لا يصلح نفضا لما
1) الآية 66 من سورة التوبة.
2) الآية 2 من سورة النور.
3) المبسوط للشيخ الطوسي ج 5 ص 223 و الخلاف ج 5 ص 374 و السرائر لابن إدريس ج 3 ص 453 و جامع الخلاف و الوفاق ص 585 و عمدة القاري ج 24 ص 13 و التبيان ج 7 ص 406 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 219 و جامع البيان للطبري ج 18 ص 91 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 64 و تفسير البغوي ج 3 ص 321 و الفصول في الأصول للجصاص ج 3 ص 95.
4) التهذيب ج 10 ص 150 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 37 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 28 ص 93 و جامع المدارك ج 7 ص 53 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 571.
نقول، لأننا لو عملنا بهذا الخبر فإنه يقتصر منه على مورد النص، فيكون تعبدا شرعيا لاستقرار الفهم العرفي لكلمة طائفة في المورد على خلافه.
و قد اختلفت رواياتهم فيه، هل هو مخشي بن عمرو (1). أم هو يزيد بن وديعة (2).
و حين أحرجتهم كلمة: «طائفة» الدالة على أن ثمة جماعة تجرأت، و جماعة أخرى تحرجت، و تراجعت حتى استحقت العفو، بادروا إلى التصرف في لغة العرب. .
فنسبوا إلى الكلبي أنه قال: إنه تعالى «سمى طائفة و هو واحد» (3).
و نسبوا إلى ابن عباس قوله: «الطائفة الرجل و النفر» (4).
و إلى مجاهد قوله: «الطائفة الواحد إلى الألف» (5).
1) الدر المنثور ج 3 ص 254 و 255 عن ابن إسحاق، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و ابن أبي حاتم، و ابن إسحاق.
2) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و أبي الشيخ.
3) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و راجع: تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 283 و تفسير الميزان ج 9 ص 345 و راجع: جامع البيان للطبري ج 10 ص 222.
4) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن ابن أبي حاتم، و فتح القدير ج 2 ص 378 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1831.
5) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و عمدة القاري ج 1 ص 209 و ج 6 ص 35 و جامع البيان للطبري ج 18 ص 91 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 4 ص 162 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 272 و الدر المنثور ج 3 ص 255 و ج 6 ص 90 و لسان العرب ج 9 ص 226.
و إلى ابن عباس قوله: «الطائفة رجل فصاعدا» (1).
ج: إن الروايات قد صرحت: بأن الذين يحلفون ما قالوا، هم نفس هؤلاء الثلاثة. و الآيات قد صرحت أيضا بأن الذين يحلفون هم الذين هموا بما لم ينالوا.
و قد ذكرت الروايات: أن المراد بهم هم الاثنا عشر الذين نفّروا الناقة بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة. و قد وردت أسماؤهم في بعض تلك الروايات.
فما معنى حصر القضية برمتها في هؤلاء الثلاثة، بل في واحد منهم، مع العلم بأنهم أشخاص لا يعرف عنهم إلا النزر اليسير، بل لعل بعضهم شخصية و همية.
و لأجل ذلك نقول: إن هذه القضية قد تعرضت لتزوير هائل و عجيب، و قد ذكرت الآية نفسها دقائق و تفاصيل حاسمة، تمنع من تصديق هؤلاء المزورين و من الإصغاء لهذه الترهات، و تدل الناس على حقيقة هؤلاء الناس، و تشي بأن ثمة مؤامرة عظيمة و هائلة قد فشلت، و أن الإعتذار بالخوض و باللعب كان يقصد به التملص من تبعات فشل هذه المؤامرة، و أن طائفة منهم قد
1) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن عبد بن حميد، و تفسير ابن زمنين ج 3 ص 221.
ارتكبوا جريمة تستحق العذاب.
فقد عبرت الآيات بالخوض، الذي يعبر به عن الكلام في الأمور الباطلة، و باللعب، الذي هو تعبير عن حركة عملية، لا تهدف إلى تحقيق أمر عقلائي، بل هدفها مجرد اللعب، و هذا معناه: أن الأمر لم يقتصر على الكلام الباطل، بل تعداه إلى فعل باطل زعموا أنهم قصدوا به اللعب، ليبعدوا الشبهة عن حقيقة نواياهم و مقاصدهم به. .
ثم بينت الآية الأخرى، و هي آية يحلفون باللّه ما قالوا: أن هؤلاء قد هموا بما لم ينالوا. فما هو هذا الشيء الذي هموا به و لم ينالوه. . ثم إنه و لا شك شيء خطير و كبير، لأن اللّه تعالى يتوعدهم عليه بعذاب دنيوي و أخروي. .
و هذا التوعد بالعذاب يدل على: أن هذا الذي هموا به قد صاحبته حركة و فعل استحقوا العقوبة عليه.
و لا شك في أن دعواهم اللهو و اللعب لو كانت للتستر على الأقوال فقط لكانت تكفي لدفع الشبهة، و درء العقوبة الدنيوية، فإن الحدود تدرأ بالشبهات.
فالإصرار على ثبوت العقوبة، و عدم الإلتفات لهذه التعليلات يدل على أن ما ادّعوه لا يكفي لدفع الشبهة عن الفعل الذي قاموا به. .
فمن خلال ذلك كله نصل إلى نتيجة مفادها: أن هذه الآيات لم تنزل في قصة الجلاس، و وديعة، و مخشن، و ثعلبة. . بل نزلت في قضية محاولتهم قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين نفّروا ناقته به ليلة العقبة لكي تلقي به في الوادي، و يقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لكنهم لم ينالوا ما أملوه. .
و قد أظهرت طائفة من النصوص: أن الذين فعلوا ذلك هم من
الأعيان المعروفين، و المؤثرين الذين تعلق عليهم قريش آمالها في كل ما اهمها. . و قد كانوا عند حسن ظنها، و سعوا في تلبية رغباتها، و حفظ مصالحها في الحالات الصعبة، التي مرت بقريش في مواجهاتها مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و قد ذكرت الروايات أسماء هؤلاء بالتفصيل، و كان حذيفة بن اليمان يعرفهم بأسمائهم، و لطالما سأله بعض أعيان الصحابة عن نفسه، إن كان يعرف أنه كان منهم، كما سنشير إليه إن شاء اللّه. .
كما أن الروايات قد صرحت بما ذكرناه، و بينت أن هذا هو المقصود بالآيات المتقدمة، و ليس المقصود الأشخاص الأربعة الذين زعموا أن الآيات تقصدهم، و كمثال على ذلك نذكر:
1-عن جابر، عن أبي جعفر «عليه السلام» : نزلت هذه الآية: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لاٰ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً بِأَنَّهُمْ كٰانُوا مُجْرِمِينَ (1). نزلت في بني أمية و العشرة معها: أنهم اجتمعوا اثنا عشر، فكمنوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في العقبة، و ائتمروا بينهم ليقتلوه، فقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض و نلعب، و إن لم يفطن لنقتلنه، فأنزل اللّه هذه الآية. . (2).
2-قال الطبرسي في قوله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً بِأَنَّهُمْ كٰانُوا مُجْرِمِينَ «نزلت في اثني عشر رجلا، وقفوا على العقبة، ليفتكوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عند رجوعه من تبوك، فأخبر جبريل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و أمره أن يرسل إليهم، و يضرب وجوه رواحلهم، و عمّار كان يقود دابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حذيفة يسوقها، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم.
فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟
قال: لم أعرف منهم أحدا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنهم فلان و فلان، حتى عدهم كلهم.
فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟
فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم» (1).
3-و رويت القصة عن الإمام الحسن العسكري «عليه السلام» بنحو أبسط، و فيها: أنهم دحرجوا دبابا من فوق الجبل لينفروا به «صلى اللّه عليه و آله» ناقته، فارتفعت الدباب عن الناقة، و وقعت في الجانب الآخر فراجع (2).
4-و قد ذكر حذيفة أسماء الذين نفّروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم أربعة عشر: أبو الشرور، و أبو الدواهي، و أبو المعازف، و أبوه، و طلحة، و سعد بن أبي وقاص، و أبو عبيدة، و أبو الأعور، و المغيرة، و سالم مولى أبي حذيفة، و خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و أبو موسى الأشعري، و عبد الرحمن بن عوف. و هم الذين أنزل اللّه عز و جل فيهم: وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا (1).
و يلاحظ: أن عبد اللّه بن أبي الذي يزعمون أنه كان رأس المنافقين لم يكن من بين هؤلاء. و ذلك لأنه كان في المدينة، و لم يشارك في المسير إلى تبوك.
5-و روى حديث ليلة العقبة: ابن جريج و قال: إنهم اثنا عشر رجلا (2).
و ذكر الزمخشري: أنهم كانوا خمسة عشر رجلا (3).
6-و راجع ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و فيه: وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا من قتل محمد يوم العقبة، و إخراج ضعفاء الشيعة من المدينة، بغضا لعلي (4).
و أما روايات غير أهل البيت و شيعتهم، فقد اختلفت في المراد من
1) البرهان (تفسير) ج 2 ص 147 و الخصال ص 499 و البحار ج 21 ص 222 و ج 31 ص 631 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 602.
2) البرهان (تفسير) ج 2 ص 147 و 148 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 51 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 71 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 113.
3) الطرائف لابن طاووس ص 389 و سعد السعود ص 135 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 148 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 250.
4) البرهان (تفسير) ج 2 ص 147 عن الطبرسي.
الآيات المشار إليها:
1-فذكرت طائفة منها أن المراد هم الأربعة الذين تقدمت أسماؤهم.
2-و لكن رواية جابر تدل على أنها نزلت في وداعة بن ثابت، حيث تخلف في المدينة، فقيل له: ما خلفك عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
فقال: الخوض و اللعب.
فأنزل اللّه فيه و في أصحابه: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لاٰ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طٰائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طٰائِفَةً بِأَنَّهُمْ كٰانُوا مُجْرِمِينَ (1)» (2).
3-هناك روايات أخرى عن شريح بن عبد اللّه، و عن عبد اللّه بن عمر تقول: إن رجلا تكلم في حق القراء، فجاء به عمر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال ذلك الرجل: إنما كنا نخوض و نلعب.
فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ (3)» (4).
و قد صرحت رواية ابن عمر: أن قائل ذلك هو ابن أبي فراجع (5).
1) الآيتان 65 و 66 من سورة التوبة.
2) الدر المنثور ج 3 ص 255 عن ابن مردويه، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 33.
3) الآية 65 من سورة التوبة.
4) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن حلية الأولياء، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و فتح القدير ج 2 ص 378 و تاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 119.
5) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و العقيلي، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و الخطيب في رواة مالك، و فتح القدير ج 2 ص 378.
4-عن مجاهد في قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمٰا كُنّٰا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ. . قال: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا و كذا، في يوم كذا و كذا، و ما يدريه بالغيب (1). فنزلت الآية.
و هذا يدل على: أن الآية قد نزلت بعد قصة ضياع الناقة، و هو إنما يناسب قضية العقبة.
عن ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر، فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء، فأنزل اللّه: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَ لاٰ تَفْتِنِّي (2)» (3).
و في نص آخر أنه قال: نغزو الروم إن شاء اللّه، و نصيب من بنات بني الأصفر، كان يذكر من حسنهن ليرغب المسلمون في الجهاد، فقام رجل من
1) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و البحار ج 21 ص 197 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 5 ص 82 و تفسير مجاهد ج 1 ص 283 و مجمع البيان للطبري ج 10 ص 221 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1830 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 65 و زاد المسير لابن الجوزي ج 3 ص 315 و الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 254.
2) الآية 49 من سورة التوبة.
3) الدر المنثور ج 3 ص 247 و 248 عن الطبراني، و ابن مردويه، و ابن ابي شيبة، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و مجمع الزوائد ج 7 ص 30 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 118 و (ط دار الكتب العلمية) ص 105 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 103.
المنافقين، فقال: يا رسول اللّه، قد علمت حبي للنساء، فائذن لي و لا تخرجني، فنزلت الآية (1).
و عن ابن عباس، و جابر بن عبد اللّه، و آخرين: أن الجد بن قيس أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في المسجد معه نفر، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي في القعود، فإني ذو ضيعة و علة فيها عذر لي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تجهز تجهز فإنك موسر، لعلك تحقب من بنات بني الأصفر» !
قال الجد: أو تأذن لي و لا تفتني، فو اللّه لقد عرف قومي ما أحد أشد عجبا بالنساء مني، و إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألاّ أصبر عنهن.
فأعرض عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «قد أذنا لك» .
زاد محمد بن عمر فجاءه ابنه عبد اللّه بن الجد-و كان بدريا-و هو أخو معاذ بن جبل لأمه، فقال لأبيه: لم ترد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقالته؟ ! فو اللّه ما في بني سلمة أحد أكثر مالا منك، فلا تخرج و لا تحمل؟ !
فقال: يا بني، ما لي و للخروج في الريح، و الحر الشديد، و العسرة إلى بني الأصفر، فو اللّه ما آمن-خوفا-من بني الأصفر و أنا في منزلي، أفأذهب إليهم أغزوهم؟ ! إني و اللّه يا بني عالم بالدوائر.
فأغلظ له ابنه و قال: لا و اللّه و لكنه النفاق، و اللّه لينزلن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيك قرآن يقرأ به.
فرفع نعله فضرب به وجه ولده، فانصرف ابنه و لم يكلمه.
1) الدر المنثور ج 3 ص 248 عن أبي الشيخ عن الضحاك.
و أنزل اللّه تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَ لاٰ تَفْتِنِّي أَلاٰ فِي اَلْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ (1).
أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، و ليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: و إن جهنم لمن ورائه (2).
و جعل الجد و غيره من المنافقين يثبطون المسلمين عن الخروج، قال الجد لجبار بن صخر و من معه من بني سلمة: «لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، و شكا في الحق، و إرجافا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه سبحانه و تعالى فيهم: وَ قٰالُوا لاٰ تَنْفِرُوا فِي اَلْحَرِّ قُلْ نٰارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كٰانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (3)» (4).
1) الآية 49 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 437 عن ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و أبي نعيم في المعرفة، و ابن أبي حاتم، و ابن عقبة، و محمد بن إسحاق، و الواقدي، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في السنن ج 9 ص 33 و في الدلائل ج 5 ص 225. و انظر: الدر المنثور ج 3 ص 247 و 248 عن ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و ابن أبي نعيم في معرفة الصحابة، و ابن أبي حاتم، و ابن إسحاق، و البيهقي في الدلائل، و تفسير القمي ج 1 ص 292.
3) الآيتان 81 و 82 من سورة التوبة.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 437 و راجع: تفسير القمي ج 1 ص 292 و تاريخ الطبري ج 2 ص 367 و البداية و النهاية ج 5 ص 6 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 944 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 5.
و نقول: في النص المتقدم عدة موارد تحتاج إلى توضيح، أو تقتضي التصحيح، فمن ذلك:
زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حاول أن يشجع الجد بن قيس على المسير إلى تبوك بقوله: «لعلك تحقب من بني الأصفر» . .
و نقول: أولا: إننا لا نستسيغ هذا التصرف فيما عرفناه من أخلاق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي يهتم بتوجيه الناس إلى الإخلاص في الجهاد، و التماس ثواب اللّه فيه. لا أن يكون جهادهم من أجل الدنيا، فإن ذلك مما لا يدعو إليه الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم، و هو يناقض ما جاؤوا به فلاحظ:
ألف: قال أمير المؤمنين «عليه السلام» في بعض خطبه: «يقول الرجل جاهدت و لم يجاهد، إنما الجهاد اجتناب المحارم، و مجاهدة العدو، و قد تقاتل أقوام فيحبون القتال لا يريدون إلا الذكر و الأجر، و إن الرجل ليقاتل بطبعه من الشجاعة، فيحمي من يعرف و من لا يعرف، و يجبن بطبيعته من الجبن، فيسلم أباه و أمه إلى العدو، و إنما المثال حتف من الحتوف، و كل امرئ على ما قاتل عليه، و إن الكلب ليقاتل دون أهله (1).
1) البحار ج 97 ص 42 و ج 65 ص 233 عن الغارات للثقفي، و مستدرك الوسائل ج 11 ص 18 و الغارات للثقفي ج 2 ص 502 و 503 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 121 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 103.
ب: و عن كعب بن عجرة قال: مر عليّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرأى أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيّ جلدة و نشاطة، فقالوا: يا رسول اللّه، لو كان هذا في سبيل اللّه! !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل اللّه، و إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللّه، و إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل اللّه، و إن كان خرج يسعى رياء و مفاخرة فهو في سبيل الشيطان (1).
ثانيا: إنه إذا كان الجدّ بن قيس لا يصبر عن بنات بني الأصفر، فإن ذلك لا يمنع من خروجه، إذ إنهن إذا وقعن في السبي، يصبح الوصول إليهن سهل المؤونة، حيث إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف يقسم ذلك السبي على مستحقيه، و يزيل العلة، و تنحل بذلك عقدة الجد بن قيس و غيره ممن هم على شاكلته، و لا يتضمن ذلك أية فتنة له و لا لغيره. . فما معنى أن يتعلل بأنه إن رآهن لا يصبر عنهن؟ ! فإنهن إذا كن في حماية جيش العدو، فلا سبيل إليهن، و إن أصبحن في حوزة المسلمين، فإن العقدة تنحل، و تزول الموانع بأسهل طريق.
ثالثا: إننا لا نرى مبررا لقسوة الابن على أبيه إلى حد مواجهته بتهمة النفاق، كما جرى بين عبد اللّه بن الجد بن قيس مع ابيه، فإن ذلك مما لا
1) مجمع الزوائد ج 4 ص 325 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3415 عن الترغيب و الترهيب ج 3 ص 63 و المعجم الأوسط ج 7 ص 56 و المعجم الصغير ج 2 ص 60 و المعجم الكبير ج 19 ص 129 و العهود المحمدية للشعراني ص 292 و فيض القدير للمناوي ج 3 ص 41 و الدر المنثور ج 1 ص 337.
يرضى به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إن كان ذلك قد حصل بمرأى منه و مسمع، كما أنه مما لا تسمح به آداب الإسلام.
لما دنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه، و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لأصحابه «لا تكلموا رجلا منهم، و لا تجالسوهم، حتى آذن لكم» (1).
فأعرض عنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه و أخيه، و حتى إن المرأة لتعرض عن زوجها، فمكثوا كذلك أياما حتى ركب الذين تخلفوا، و جعلوا يعتذرون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجهد و الأسقام، و يحلفون له، فرحمهم، و بايعهم، و استغفر لهم (2).
و نقول: إن أسلوب المقاطعة الذي أريد به تعريف الناس بحقيقة ما يجري، و إيقافهم على مدى خطورة ما صدر عن هؤلاء، و دلالتهم على مناشئ الخطر، و المتسببين به، قد سبق و مورس مع من ارتكبوا خطأ فادحا، تسبب في إضعاف
روح المسلمين، و أدخل عليهم شيئا من المهانة و الذل و الإنهزام في غزوة مؤتة. .
و ها هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمر أصحابه بمقاطعة هؤلاء الذين أرادوا أن يسقطوا الهيكل كله على رأس الجميع، فخيب اللّه مسعاهم، و باؤوا بغضب من اللّه، بالفضيحة و الخزي و المهانة في الحياة الدنيا.
و قد أظهر هذا الأسلوب لهم و لكل أحد أن الدين و الإيمان هو الأقوى، و أن لا شيء يستطيع أن يقف في وجهه، و أن يحد من مده، و أن يفل من حده. و قد لقنهم درسا لن ينسوه، و عرفهم بحجمهم الحقيقي، و دل الناس عليهم، و بين لمن كان له فيهم رغبة و هوى أن ثمن ذلك سيكون باهظا قد لا يقدر على تحمله، فالارتداع عنهم أصوب، و الحياة مع غيرهم أطيب، و نمير سواهم أعذب.
عن عبد اللّه بن حارثة قال: بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك، فبعث إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طلحة بن عبيد اللّه في نفر من أصحابه، و أمره أن يحرق عليهم بيت سويلم اليهودي.
ففعل طلحة، و اقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، و اقتحم أصحابه فأفلتوا (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 437 عن ابن هشام، و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 6.
و نقول:
و أول سؤال يطرح نفسه هنا هو: لما ذا أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإحراق البيت على أولئك المجتمعين؟ ! ألم يكن يكفي أن يأمره بأن يأتيه بهم ليعاقبهم على رؤوس الأشهاد؟ !
و ألا يتنافى ذلك مع ما أعلنه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر من مرة بقوله: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ !
و ألا يعتبر إحراق البيت عليهم إتلافا لمال يمكن أن يتحقق الغرض بدون إتلافه؟ !
و لما ذا لم يتثبت الأمر من المتهمين أنفسهم، و لم يفسح المجال لهم للدفاع عن أنفسهم؟ !
و للإجابة على هذه الأسئلة نقول: أولا: البيت ليهودي قد نقض عهده، فلم يبق له و لا لبيته حرمة. .
ثانيا: إن إبقاء البيت، و الإكتفاء بالإستيلاء عليه سوف يبقي أطماع المنافقين تحوم حوله، و سيكون ذريعة لإثارة الشعور، و لو بصورة الوسوسة الخفية للناس، بأنه قد أخذ ظلما، أو أن الأمر لم يكن يستوجب مصادرة البيت.
و في ذلك تشكيك بصوابية فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتضمن خدشا في هيبته، و في عدله و قداسته. .
ثالثا: سيأتي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هدم مسجد ضرار، و لم يكتف بالإعلان عن إدانة النفاق و أهله، أو نحو ذلك، كما أن اللّه سبحانه قد خسف بقارون و بداره، و أتى على قرية لوط فجعل عاليها سافلها.
و لعل سبب اختيار النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسلوب الإحراق هنا هو: أن ذلك كان أرهب للعدو، و أبعد للسمع، و أثبت في الذاكرة، و أوقع في النفوس.
و لعله لم يكن «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يلحق بالمجتمعين في ذلك البيت أذى جسديا مباشرا، نظير ما جرى في قصة مأبور، حيث أمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» بقتله، فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : يا رسول اللّه إنك تبعثني في الأمر أكون فيها كالسكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟
قال: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب (1).
فلحقه بالسيف حتى كشف أمره، و أظهر كذب المفترين.
أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يريد أن يفسح لهم المجال للفرار
1) مسند أحمد ج 1 ص 83 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1912 و كنز العمال ج 5 ص 454 و 773 و 803 و كشف الخفاء ج 2 ص 3 و فيض القدير ج 4 ص 226 و شرح نهج للمعتزلي ج 10 ص 262 و أمالي المرتضى ج 1 ص 54 و 55 و أمالي الطوسي ص 338 و البحار ج 21 ص 70 و ج 22 ص 53 و 167 و ج 38 ص 302 و ج 42 ص 186 و مكارم الأخلاق ص 252 و الكافي ج 8 ص 349 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 297 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 441 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 324 و دلائل الإمامة للطبري ص 387.
و التفرق، دون أن يفضحهم بين الناس، و يكونون هم الذين يفضحون أنفسهم إن شاؤوا، أو يتلكؤون في الفرار، فيفتضح أمرهم. و يكون احتراق البيت هو الأقل مؤونة، و هو الأقرب إلى تحقيق الهدف و دفع السوء بأقل تكلفة ممكنة.
و لعل مما يشهد على أن هذا هو غرض الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أنه بالرغم من أن أحدا من المنافقين لم يصب بأذى، و أن أحدهم، و هو الضحاك بن خليفة قد كسرت فخذه، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يطلب إحضار أحد منهم، و لم نسمع أنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل أو طالب أو عاتب الضحاك بشيء، أو على شيء، فضلا عن ان يكون قد عاقبه.
و جاء أهل مسجد الضرار إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول اللّه، قد بنينا مسجدا لذي العلة و الحاجة، و الليلة المطيرة، و نحب أن تأتينا فتصلي فيه.
فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنّا في شغل السفر، و إذا انصرفت سيكون» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 438. و راجع: البحار ج 21 ص 253 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 458 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 100 و 101 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 32 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 92 و أسباب نزول الآيات ص 175 و تفسير البغوي ج 2 ص 326 و تفسير النسفي ج 2 ص 109 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 581 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 81.
و نقول: إن من الواضح: أن هذه محاولة من هؤلاء المنافقين لتعمية أمرهم على الناس، و اكتساب مشروعية لنشاطهم بصلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مسجدهم. مع أن أمرهم لم يكن ليخفى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه كان قد عود الناس أن يكون هو البادئ بوضع الحجر الأساس لمساجدهم، و هو الذي يختط لهم الدور و الأسواق، و سائر المرافق الحيوية في المدينة كلها. . فما معنى أن يستقل هؤلاء الناس باستحداث مسجد، دون أن يعلموه به، و دون أن يطلبوا منه أن يختطه لهم؟ !
على أنهم قد صرحوا في كلامهم بأنهم قد قصدوا بمسجدهم أن يصلي فيه من لا يريد الحضور في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من ذوي العلل و الحاجات حسب زعمهم، و هذا يزيد الشبهة في مقاصدهم، و نواياهم الحقيقية.
و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يظهر لهم أي شيء غير عادي، بل ذكر لهم أن شغل السفر يمنعه من تلبية طلبهم. . و هذا التأجيل يمنحه الفرصة لاستخراج دخائلهم، و لكي تكشف تقلبات الأحوال باطنهم للناس، و قد حدث ذلك فعلا كما سنرى.
و هذ معناه: أن ثمة ما يبرر هذا الموقف السلبي النبوي منهم، إذ لا يمكن أن يواجههم «صلى اللّه عليه و آله» بمثل هذا الكلام من دون مبرر و لا سبب، فإنه نبي معصوم، بل إن قوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ
هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1)، يعطي: أن اللّه سبحانه هو الذي يريد من نبيه أن يواجههم بهذه الحدة و الشدة، التي تحمل معها المهانة لهم، و الخزي في الدنيا، و لا بد أن يكون العذاب الأليم هو الذي ينتظرهم في الآخرة.
و قد كان يمكن أن نتحمل أن ثمة خطأ من الرواة، أو من أبي موسى في حفظه لكلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لكنه حين شفع ذلك بقوله: «وافقته و هو غضبان و لا أشعر» ، و بقوله: «مخافة أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجد في نفسه» ، قد دلنا على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك، و قصد معناه فعلا.
و قد حاول أبو موسى أن يطعن برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليبرئ نفسه، و يبرئ أصحابه من إساءتهم للرسول «صلى اللّه عليه و آله» التي استوجبت هذا الموقف النبوي الصارم منهم، الذي ألحق بهم المهانة و الخزي، فاتهم النبي بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ما قال و هو في حالة الغضب، فلا قيمة لكلامه، لأن الإنسان قد يصدر عنه في هذه الحال ما لا يرضى بصدوره منه في الحالات العادية، فلا ضير إذن في أن يندم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يلوم نفسه، و ربما يعتذر أو يتوب، إذا كان قد بلغ حد الخطيئة. . و قد اخترعوا على لسان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أحاديث تشير إلى أنه مبتلى بهذا الأمر، و أنه قد أعلن أنه يطلب من اللّه تعالى أن يجعل
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
سبه و لعنه و جلده لأي رجل من المسلمين في حال الغضب زكاة و رحمة لذلك الرجل (1).
فأبو موسى إذن يؤثر أن ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخطأ، و أن ينفي العصمة عنه، و أن يكذّب اللّه تبارك و تعالى في قوله: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (2).
على أن يلحقه هو و أصحابه أدنى مهانة بسبب أعمالهم الشريرة، و نفوسهم المريضة! !
و لعلك تقول: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد ابتاع ستة أبعرة من سعد، فذلك يعني: أنه كان لديه مال يبتاع به ستة أبعرة، فلما ذا قال قبل ساعة لأبي موسى: ما عندي ما أحملكم عليه؟ !
1) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 493 و 496 و صحيح مسلم ج 8 ص 25 و 26 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 61 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 150 و مجمع الزوائد ج 8 ص 267 و عمدة القاري ج 22 ص 310 و عون المعبود ج 12 ص 270 و كنز العمال ج 3 ص 611 و 612 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 89 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 1169 و سير أعلام النبلاء ج 18 ص 354 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 2 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 251 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 227 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 91 و البداية و النهاية ج 8 ص 128 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 195.
2) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
و الجواب: لعله كان يقصد أنه لا يملك إبلا تحملهم، أو أنه قد اشترى تلك الإبل بثمن مؤجل. .
إن الرواية المتقدمة: قد أوضحت أن أبا موسى كان مهتما بإثبات صدقه أمام أصحابه حتى لقد أقسم أن لا يدعهم حتى ينطلق بعضهم معه ليسمعه ممن حضر ما جرى بينه و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المرة الأولى حين لم يعطه لهم شيئا.
فإن هذا الإصرار منه يدل على أنه كان يرى نفسه في موضع الإتهام بنظرهم، و ذلك يدل على أن ما يزعمونه له من مكانة و عزة بين الصحابة موضع شك و ريب، حتى من أقرب الناس إليه، فإنهم لا يثقون به، و هو يعرف ذلك منهم، فكيف بمن سواهم؟ !
إن تعبير أبي موسى بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد منعهم أول مرة يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لديه ما طلبوه، و لكنه منعهم منه. .
و هذا هو مفاد قوله لأبي موسى: «و اللّه لا أحملكم على شيء» . فلما ذا منعهم؟ ! و لما ذا احتاج أبو موسى إلى أن يثبت ذلك لأصحابه. .
و لا يبالي أبو موسى أن ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحنث في يمينه، إذا كان ذلك يثبت فضيلة له و لأصحابه. .
و هذا ما حدث هنا فعلا، فقد نسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه يخطئ في تشخيص ما هو مصلحة، و أنه إذا حلف اليمين قد يظهر له أن غيرها خيرا منها، فلا يعمل بمقتضاها، و يفعل ما يخالفها، ثم يكفّر عنها. .
فما هذا النبي الذي يخالف اليمين، و يحتاج إلى التكفير عنها؟ !
و ما معنى أن يتقلب هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في آرائه؟ !
و كيف يمكن الوثوق بصحة ما يصدر عنه، و هو يعلن للناس أنه قد يخطئ فيما يختاره، فقد يختار غير الأصلح، فإذا عرف الأصلح تراجع عما اختاره أولا، و انتقل إليه؟ !
عن ابن عباس، و سعيد بن المسيب في قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً (1)، قال ابن عباس: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك، منهم: أبو لبابة، و سمى قتادة منهم: جد بن قيس و جذام بن أوس (2).
فلما قفل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، و كان ممر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا رجع من المسجد عليهم، فلما رآهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «من هؤلاء الموثقون أنفسهم» ؟ !
1) الآية 102 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 478 و 479 و الدر المنثور ج 3 ص 272 عن أبي الشيخ و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 272، و جامع البيان للطبري ج 11 ص 19 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1872 و زاد المسير لابن الجوزي ج 3 ص 335 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 98 و فتح القدير ج 2 ص 401 و البداية و النهاية ج 5 ص 32 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 395 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 48.
قالوا: هذا أبو لبابة، و أصحاب له، تخلّفوا عنك يا رسول اللّه، فعاهدوا اللّه ألاّ يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم، فترضى عنهم و تعذرهم، و قدا اعترفوا بذنوبهم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و أنا أقسم باللّه لا أطلقهم و لا أعذرهم حتى يكون اللّه تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، و تخلفوا عن الغزو مع المسلمين» ! !
فلما بلغهم ذلك قالوا: و نحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللّه تبارك و تعالى هو الذي يطلقنا، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ (1)، و عسى من اللّه واجب، . . إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ (2).
فلما نزلت أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم فأطلقهم و عذرهم.
قال ابن المسيب: فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي لبابة ليطلقه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاءه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأطلقه بيده، فجاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول اللّه، هذه أموالنا فتصدق بها عنا و استغفر لنا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما أمرت أن آخذ أموالكم» ، فأنزل اللّه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ. .
، يقول: استغفر لهم . . إِنَّ صَلاٰتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (1)يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة، و استغفر لهم.
و كان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا سنة لا يدرون: يعذبون، أو يتاب عليهم. فأنزل اللّه تعالى: لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ اَلْعُسْرَةِ. . (2)إلى آخر الآية. و قوله: وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا . إلى قوله: ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ (3). يعني استقاموا فأنزل اللّه تبارك-و تعالى-في شأن هذه الغزوة كثيرا من سورة براءة.
و زعموا: أن ارتباط أبي لبابة كان في وقعة بني قريظة، و قد روينا عن ابن عباس و سعيد بن المسيب ما دلّ على أن ارتباطه كان بتخلفه في غزوة تبوك (4).
و قد روى الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك: أن أباه كعب بن مالك حدّث بما جرى له فقال: لم أتخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت عن
غزوة بدر، و لم يعاتب اللّه أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد عير قريش، حتى جمع اللّه بينهم و بين عدوهم على غير ميعاد.
و لقد شهدت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، و ما أحب أن لي بها مشهد بدر، و إن كانت بدر أذكر.
كان من خبري: أني لم أكن قط أقوى و لا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، و اللّه ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، و لم يكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، و كان يقول: «الحرب خدعة» ، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حر شديد، و استقبل سفرا بعيدا، و مفازا، و عددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم-و في لفظ: أهبة عدوهم-فأخبرهم بوجهه الذي يريد، و المسلمون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كثيرون (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 473 عن ابن إسحاق، و عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 8 ص 113(4418) و (ط دار الفكر) ج 5 ص 130 و مسلم ج 4 ص 2120- 2128(53) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 273 و المغازي للواقدي ج 3 ص 997 و البداية و النهاية ج 5 ص 23 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 29 و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 48 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 42 و عيون الأثر ج 2 ص 264.
و عند مسلم: يزيدون على عشرة آلاف (1).
و روى الحاكم في الإكليل عن معاذ قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا.
و قال أبو زرعة الرازي: لا يجمعهم كتاب حافظ.
قال الزهري: يريد الديوان.
قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي اللّه تعالى (2).
و غزا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلك الغزوة حين طابت الثمار و الغلال، في قيظ شديد، في حال الخريف، و الناس خارفون في نخيلهم.
و تجهز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تجهز المسلمون معه، فخرج في يوم الخميس. و كان يحب إذا خرج في سفر جهاد أو غيره أن يخرج يوم
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 473 و مسلم ج 4 ص 2120-2128(53) و (ط دار الفكر) ج 8 ص 112 و شرح مسلم للنووي ج 17 ص 100.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 473 عن الحاكم في الإكليل، و في هامشه عن: البداية و النهاية ج 5 ص 23، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 653 و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 130 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 34 و عمدة القاري ج 18 ص 48 و رياض الصالحين للنووي ص 67 و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 197 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 42 و تفسير البغوي ج 2 ص 334 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 411 و الدر المنثور ج 3 ص 287 و البداية و النهاية ج 5 ص 29 و عيون الأثر ج 2 ص 264 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 43.
الخميس. فطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم، فارجع و لم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه.
و في رواية: و أنا أقدر شيئا في نفسي على الجهاد، و خفة الجهاد، و أنا في ذلك أصبوا إلى الظلال و الثمار، و لم يزل يتمادى بي الحال حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غاديا و المسلمون معه يوم الخميس، و لم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت-بعد أن فصلوا-لأتجهز، فرجعت و لم أقض شيئا.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أمعن القوم و أسرعوا، و تفارط الغزو، و هممت أن أرتحل فأدركهم-و ليتني فعلت! ! -فلم يقدر لي ذلك.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه بالنفاق، أو رجلا ممن عذر اللّه تعالى من الضعفاء.
و عند عبد الرزاق: و كان جميع من تخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بضعة و ثمانين رجلا-و لم يذكرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بلغ تبوك.
فقال و هو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب ابن مالك» ؟
فقال رجل من بني سلمة، و في رواية من قومي-قال محمد بن عمر: هو عبد اللّه بن أنيس السلمي-بفتح اللام-لا الجهني: يا رسول اللّه حبسه برداه، و نظره في عطفيه.
فقال معاذ بن جبل-قال محمد بن عمر: و هو أثبت، و يقال: أبو قتادة: بئس ما قلت! و اللّه يا رسول اللّه، ما علمت عليه إلا خيرا.
فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» توجه قافلا حضرني همي، و طفقت أعد عذرا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أهيء الكلام، و أقول: بما ذا أخرج من سخطه «صلى اللّه عليه و آله» غدا، و استعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي.
فلما قيل إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أطل قادما زاح عني الباطل، و عرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، و عرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق.
و أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قادما، قال ابن سعد: في رمضان، قال كعب: و كان إذا قدم من سفر لا يقدم إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم يدخل على فاطمة، ثم على أزواجه، فبدأ بالمسجد فركعهما، ثم جلس للناس.
فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، و يحلفون له، و كانوا بضعة و ثمانين رجلا، فقبل منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علانيتهم، و بايعهم، و استغفر لهم، و وكل سرائرهم إلى اللّه تعالى. فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسم المغضب، فقال: «تعال» . فجئت أمشي حتى جلست بين يديه.
و عند ابن عائذ: فاعرض عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا نبي اللّه، لم تعرض عني؟ فو اللّه ما نافقت، و لا ارتبت، و لا بدلت.
قال كعب: فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك» ؟
فقلت: بلى إني و اللّه يا رسول اللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا
لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، و لقد أعطيت جدلا، و لكني-و اللّه- لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه تعالى أن يسخطك عليّ، و لئن حدثتك اليوم حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو اللّه عني، لا و اللّه ما كان لي من عذر، و اللّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر مني حين تخلفت عنك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللّه تعالى فيك ما يشاء» .
فقمت، فمضيت و ثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا: ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لك.
فو اللّه ما زالوا يؤنبوني، حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، فقلت: ما كنت لأجمع أمرين: أتخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أكذبه.
ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟
قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك.
فقلت: من هما؟
قالوا: مرارة بن الربيع العمري، و هلال بن أمية الواقفي.
و عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن: أن سبب تخلف الأول أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا؟ !
فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك.
و أن الثاني كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام
عندهم. فلما تذكر قال: اللهم لك عليّ أن لا أرجع إلى أهلي و لا مالي.
قال كعب: فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
و نهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه.
فاجتنبنا الناس، و تغيروا لنا.
و عند ابن أبي شيبة: فطفقنا نغدو في الناس لا يكلمنا أحد، و لا يسلم علينا أحد، و لا يرد علينا سلاما.
و عند عبد الرزاق: و تنكّر لنا الناس حتى ما هم بالذي نعرف، و تنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالتي نعرف. انتهى.
ما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد، و لا يصلي علي حتى تنكرت في نفسي الأرض حتى ما هي التي أعرف.
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأما صاحباي فاستكانا، و قعدا في بيتهما يبكيان.
و أما أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، و أطوف الأسواق، فلا يكلمني أحد، و لا يرد علي سلاما و آتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه، و أقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي، فإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، و هو ابن عمي. أي أنه من بني سلمة، و ليس هو ابن عمه أخو أبيه الأقرب، قال كعب: و هو أحب الناس إلي، فسلمت عليه، فو اللّه، ما رد علي، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك باللّه، هل تعلمني أحب اللّه و رسوله؟
فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت (فعدت له فنشدته)فلم يكلمني، حتى إذا كان في الثالثة أو الرابعة قال: اللّه و رسوله أعلم.
ففاضت عيناي، و توليت حتى تسورت، قال: فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟
فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان، و عند ابن أبي شيبة: من بعض من بالشام، كتب إلي كتابا في سرقة حرير فإذا فيه:
أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، فأقصاك و لم يجعلك اللّه بدار هوان و لا مضيعة، فإن تك متحولا فالحق بنا نواسيك.
فقلت لما قرأتها: و هذا أيضا من البلاء، قد طمع فيّ أهل الكفر، فتيممت بها التنور فسجرته بها.
و عند ابن عائذ: أنه شكا قدره إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ أهل الشرك.
قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأتيني.
قال محمد بن عمر: و هو خزيمة بن ثابت، و هو الرسول إلى مرارة و هلال بذلك.
قال كعب: فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمرك أن تعتزل امرأتك. أي عمرة بنت حمير بن صخر بن أمية الأنصارية أو خيرة-بفتح الخاء المعجمة فالتحتانية.
فقلت: أطلقها، أو ما ذا أفعل؟
قال: لا، بل اعتزلها و لا تقربها، و أرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك.
فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر.
قال كعب: و جاءت امرأة هلال بن أمية، أي خولة بنت عاصم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقالت: يا رسول اللّه، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم-و عند ابن أبي شيبة: إنه شيخ قد ضعف بصره-انتهى. فهل تكره أن أخدمه؟
قال: «لا، و لكن لا يقربك» .
قالت: إنه و اللّه ما به حركة إلى شيء! ! و اللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في امرأتك كما أذن لهلال بن أمية أن تخدمه.
فقلت: و اللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ما يدريني ما يقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا استأذنته فيها، و أنا رجل شاب.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن كلامنا.
و عند عبد الرزاق: و كانت توبتنا نزلت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلث الليل.
فقالت أم سلمة: يا نبي اللّه ألا نبشر كعب بن مالك؟
قال: إذا يحطمكم الناس و يمنعونكم النوم سائر الليلة.
قال: و كانت أم سلمة تجيئه في ثاني عشرة بأمري، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، و أنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الذي ذكره اللّه تعالى قد ضاقت علي نفسي و ضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوتا صارخا أو فى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر.
و عند محمد بن عمر: أن الذي أوفى على سلع أبو بكر الصديق فصاح: قد تاب اللّه-تعالى-على كعب، يا كعب: أبشر.
و عند ابن عقبة: أن رجلين سعيا يريدان كعبا يبشرانه، فسبق أحدهما، فارتقى المسبوق على سلع فصاح: يا كعب، أبشر بتوبة اللّه تعالى و قد أنزل اللّه-تعالى-عز و جل فيكم القرآن، و زعموا أن اللذين سعياهما: أبو بكر و عمر.
قال كعب: فخررت ساجدا أبكي فرحا بالتوبة، و عرفت أن قد جاء فرج، و آذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتوبة اللّه تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، و ذهب قبل صاحبيّ مبشرون، و ركض إليّ رجل على فرس-و عند محمد بن عمر: هو الزبير بن العوام.
قال كعب: و سعى ساع من أسلم حتى أوفى على الجبل، و عند محمد بن عمر: أنه حمزة بن عمرو الأسلمي.
قال كعب: و كان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته، و هو حمزة الأسلمي يبشرني، نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ. و استعرت ثوبين من أبي قتادة-كما عند محمد بن عمر-فلبستهما.
قال: و كان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، فما ظننت أنه يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، أي من الجهد، فقد كان امتنع عن الطعام حتى كان يواصل الأيام صياما لا يفتر عن البكاء، و كان الذي بشر مرارة بن الربيع بتوبته سلكان بن سلامة أو سلامة بن وقش.
قال كعب: و انطلقت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتلقاني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة اللّه تعالى عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني و هنأني. و اللّه ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، و لا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يبرق وجهه من السرور: (أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك).
فقلت: يا رسول اللّه، أمن عندك أم من عند اللّه؟
قال: «لا بل من عند اللّه، إنكم صدقتم اللّه فصدقكم اللّه» .
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة
قمر، و كنا نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول اللّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة إلى اللّه تعالى و إلى رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» .
قلت: نصفه؟
قال: «لا» .
قلت: ثلثه؟
قال: «نعم» .
قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
و قلت: يا رسول اللّه، إنما نجاني اللّه تعالى بالصدق، و إن من توبتي ألاّ أحدث إلا صدقا ما بقيت، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى يومي هذا كذبا، و إني لأرجوا أن يحفظني اللّه تعالى فيما بقيت.
فأنزل اللّه تبارك و تعالى على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» : لَقَدْ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ إلى قوله: وَ كُونُوا مَعَ اَلصّٰادِقِينَ (1)، فو اللّه ما أنعم اللّه علي من نعمة-بعد أن هداني للإسلام-أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك
1) الآيتان 117 و 119 من سورة التوبة.
الذين كذبوا، فإن اللّه تعالى قال في الذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك و تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ إلى قوله: فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَرْضىٰ عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ (1).
قال كعب: و كنا قد تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين حلفوا له، فبايعهم و استغفر لهم، و أرجأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمرنا حتى قضى اللّه سبحانه و تعالى فيه بذلك، قال اللّه تعالى: وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لاٰ مَلْجَأَ مِنَ اَللّٰهِ إِلاّٰ إِلَيْهِ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ (2)و ليس الذي ذكر اللّه مما خلفنا عن الغزو، و إنما تحليفه إيانا، و إرجاؤه أمرنا عمن حلف له و اعتذر إليه، فقبل منه (3).
1) الآيتان 95 و 96 من سورة التوبة.
2) الآية 118 من سورة التوبة.
3) الحديث السابق ذكره بطوله في سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 473-478 و النص له، و في الدر المنثور ج 3 ص 287-289 عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه، و البيهقي. و راجع: الديباج على مسلم ج 6 ص 115 و صحيح البخاري ج 5 ص 135 و عمدة القاري ج 18 ص 51 و صحيح مسلم ج 8 ص 112 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 361 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 83 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1903 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 282.
و عن كعب بن مالك قال: لما نزلت توبتي قبلت يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و في نص آخر: قبلت يده و ركبتيه (2).
و نقول:
إننا قبل أن ندخل في مناقشة النص أو النصوص المتقدمة نحب أن نشير إلى أن التعبير القرآني عن الذين لم يسيروا إلى تبوك قد جاء بصيغة «خلفوا» المبني للمجهول. أي الذين تركوا و خلفهم المسلمون وراء ظهورهم، و ساروا للجهاد في سبيل اللّه. ربما يشير إلى أن مخالفتهم لأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعت المسلمين إلى تركهم، و الإنفصال عنهم، و مواصلة سيرهم إلى اللّه تعالى بدونهم. .
هذا و قد فسر الأئمة الطاهرون: زين العابدين، و الباقر، و الصادق، و الكاظم «عليهم السلام» بأنهم الثلاثة الذين خالفوا، أو قرأوها قراءة تفسيرية كذلك (3). فراجع.
و بعد ما تقدم نقول: كنا قد ذكرنا في حديثنا عن غزوة بني قريظة في فصل: «فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة» . . حديث خيانة أبي لبابة، و ارتباطه إلى سارية من سواري المسجد النبوي، حتى أطلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» سراحه بعد نزول الآيات في حقه. . و أثبتنا أنه حديث غير دقيق، بل هو في أكثره مكذوب و مختلق. .
و حيث إنهم قد ذكروا عنه هذا الأمر في غزوة تبوك، فلا محيص عن العودة للإشارة إلى بعض ما يفيد في جلاء الحقيقة، فنسجل مع مراعاة الإختصار الشديد ما يلي:
إن قوله تعالى: خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً (1)لا ينطبق على قصة أبي لبابة و أصحابه، لأن المفروض: أن ما صدر منهم هو التخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم الإعتراف بالذنب، و الآية لم تصرح بتوبته.
و إذا كان قد تاب فعلا فإن الآية تقول: إن التوبة إنما تعقبت العمل الصالح و السيء اللذين اختلطا. و بدون ذلك فلا يوجد إلا عمل سيء، و اعتبار التوبة هي العمل الصالح غير ظاهر.
بل قد روي: أن هذه الآية نزلت في حق الذي تكلم في حق القراء بما لا
1) الآية 102 من سورة التوبة.
يليق، فشكاه عمر بن الخطاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لعل ذلك قد جرى في غزوة تبوك أيضا (1).
و قيل: نزلت في عبد اللّه بن أبي (2).
و في نص آخر: أنها نزلت في رجل من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا في يوم كذا و كذا، و ما يدريه بالغيب؟ ! (3).
و في نص آخر: أنها نزلت في بعض المنافقين في تبوك (4).
و عن آية خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم نقول:
روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» : أنها نزلت في شهر رمضان فأمر «صلى اللّه عليه و آله» مناديه فنادى في الناس: إن اللّه فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة (5).
1) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن أبي نعيم في حلية الأولياء، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه. و راجع المصادر في الهوامش السابقة.
2) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و العقيلي في الضعفاء، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و الخطيب في رواة مالك.
3) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و البحار ج 21 ص 197 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 82 و تفسير مجاهد ج 1 ص 283 و جامع البيان للطبري ج 10 ص 221 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1830 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 65 و زاد المسير ج 3 ص 315.
4) الدر المنثور ج 3 ص 254 عن ابن المنذر، و ابن ابي حاتم، و أبي الشيخ، عن قتادة.
5) الكافي ج 3 ص 497 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 8 ص 469 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1594 و نهج السعادة ج 8 ص 64 و التفسير الأصفى ج 1 ص 488 و التفسير الصافي ج 2 ص 371 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 260 و تفسير الميزان ج 9 ص 384 و منتقى الجمان ج 2 ص 358 و تفسير البرهان ج 2 ص 156 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 418.
و هذا معناه-إن كانت الآية تعني أبا لبابة-: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل من أبي لبابة و من معه أموالهم كصدقات، و إنما أخذ منهم زكاة أموالهم. .
مع ملاحظة أننا قد قلنا فيما سبق: إن الزكاة قد فرضت قبل ذلك في مكة، فتكون هذه الآية قد جاءت لتمنع من أخذ غير الزكاة المفروضة قبل ذلك، إما إرفاقا بهم، و إما للإشارة إلى عدم خلوص نيتهم في هذا العطاء. .
و قد ذكرنا في حديثنا عن غزوة بني قريظة طائفة من تناقضات و اختلاف الروايات فيما يرتبط بقصة أبي لبابة.
و نشير هنا أيضا إلى: أن هذه التناقضات ظاهرة أيضا بين الروايات التي تدّعي أن ما جرى قد كان في غزوة تبوك، و كمثال على ذلك نذكر:
أن الرواية المتقدمة عن ابن عباس تقول: إن سبعة ارتبطوا في المسجد، معلنين توبتهم، و إن المتخلفين كانوا عشرة.
و لكن رواية أخرى عن ابن عباس تقول: إن المتخلفين كانوا ثلاثة،
و هم الذين ارتبطوا أنفسهم في سواري المسجد و بقي ثلاثة (1).
و في نص آخر عن ابن زيد: أن الذين ربطوا أنفسهم كانوا ثمانية (2).
و في حديث قتادة: إن المجموع كان سبعة، و الذين ارتبطوا بالسواري كانوا أربعة (3).
و في حديث عن جابر: إن المتخلفين كانوا ستة (4).
و عن مقدار المدة التي أرجئ إليها الثلاثة الذين خلفوا تقول رواية تقدمت: إنها سنة.
لكن رواية أخرى تقول: إنهم أرجئوا أربعين يوما (5).
1) الدر المنثور ج 3 ص 273 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و راجع: زبدة البيان ص 184 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 97 و تفسير الكبير للرازي ج 16 ص 175.
2) الدر المنثور ج 3 ص 273 عن ابن أبي حاتم، و تفسير الآلوسي ج 11 ص 12 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 242.
3) الدر المنثور ج 3 ص 273 عن ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1873 و 1875 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 89.
4) الدر المنثور ج 3 ص 273 عن أبي نعيم في المعرفة، و ابن عساكر، و ابن مندة، و أبي الشيخ. و راجع: لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 124 و (ط دار الكتب العلمية) ص 111.
5) الدر المنثور ج 3 ص 273 عن أبي الشيخ، و ابن مندة، و ابن عساكر، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 196.
و رواية كعب بن مالك الطويلة تقول: إنهم بقوا خمسين ليلة (1).
و عن أسمائهم نقول:
قيل: إن الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم إلى سوار المسجد، فنزلت فيهم الآية هم: كعب بن مالك، و مرارة بن الربيع، و هلال بن أمية (2).
و في نص آخر: هم عثمان و صاحباه (3).
و عن صفوان، قال أبو عبد اللّه «عليه السلام» : كان أبو لبابة أحدهم (4).
1) عمدة القاري ج 18 ص 279.
2) تفسير العياشي ج 2 ص 115 و تفسير البرهان ج 2 ص 169 و الدر المنثور ج 3 ص 286-289 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و ابن مندة، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و عن تفسير القمي ج 1 ص 296 و 297 و حواشي الشرواني ج 7 ص 455 و البحار ج 21 ص 204 و 219 و عمدة القاري ج 13 ص 211 و ج 17 ص 102 و ج 18 ص 278 و ج 22 ص 144 و التفسير الصافي ج 2 ص 386 و 387 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 93 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 78 و تفسير غريب القرآن للطريحي ص 143 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 137 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 102 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1542 تحفة الأحوذي ج 8 ص 404.
3) الكافي ج 8 ص 377 و البحار ج 21 ص 237 و ج 89 ص 58 و تفسير العياشي ج 2 ص 115 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 278 و البرهان في تفسير القرآن ج 2 ص 169.
4) البحار ج 21 ص 237 و تفسير العياشي ج 2 ص 116 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 278.
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى المتخلفين، و هم: كعب بن مالك، و هلال بن أمية، و مرارة بن الربيع يأمرهم باعتزال نسائهم. . فهل هذا لمجرد التضييق عليهم، أم أن ما فعلوه. قد أظهر ردتهم عن الإسلام، و لا يصح نكاح المرتد، بل لا بد لزوجته من أن تعتد منه؟ !
و يستوقفنا هنا أيضا ما زعمته رواية كعب: من أن براءتهم قد نزلت في الثلث الأخير من الليل، فقالت أم سلمة: ألا نبشر كعب بن مالك؟
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إذن يحطمكم الناس، و يمنعونكم النوم سائر الليلة. .
و هذا غير مقبول أيضا:
أولا: لما ذا اهتمت أم سلمة بخصوص كعب بن مالك، و أهملت رفيقيه، فإن كان قريبا لها فذلك لا يمنع من تبشير سواه، و قد تقدم: أنها هي التي يزعمون أنها بشرت أبا لبابة حين ربط نفسه في المسجد في قصة بني قريظة. .
ثانيا: هل يصح إبقاء إنسان مسلم رهن العذاب و لو نفسيا لمجرد الخوف من اجتماع الناس و منعهم المبشر من إكمال نومته تلك الليلة؟ !
زعم كعب بن مالك: أن اللّه لم يعاتب أحدا تخلف عن بدر.
و إنما يريد بكلامه هذا: أن يعذر نفسه، و يحفظ ماء وجهه في تخلفه عن ذلك المشهد العظيم. . بل هو يحاول أن يفضل بيعة العقبة عليها. .
و نقول: 1-إن عدم لوم اللّه لهم لا يعني أن ما فعلوه كان مقبولا، فإن نفس عدم استجابتهم لدعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم للمسير معه خذلان عظيم. و عدم عتاب اللّه تعالى لهم إنما هو بفضل منه، و رحمة.
2-إن اللّه تبارك و تعالى قد عاب على من تخلف عن بدر تخلفهم، فقال: كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يُجٰادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (1).
و في هذا الكلام لوم و تقريع ظاهر، فلما ذا يحاول كعب أن ينكره؟ !
3-أما تفضيل بيعة العقبة على غزوة بدر فهو غير مسموع، لأن الذين شهدوا العقبة، قد أعطوا العهد و الميثاق، و التزموا بنصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بايعوه على ذلك. . فمن وفى منهم فله أجره و منزلته عند اللّه بوفائه، لا بنفس بيعته. و من قعد عن نصرته، و نكث بعهده جوزي بفعله. .
و أما قبل حضور وقت النصر، فإن للبيعة فضلها، من حيث تضمنها لدرجة من الطمأنينة و التأييد.
أما الذين شهدوا بدرا، فالذين جاهدوا منهم بأموالهم و أنفسهم و استشهدوا، قد وفوا بعهدهم، و عقدهم و بيعتهم، و من لم يستشهد فلا بد من الإنتظار إلى الأخير لنرى ما تكون نهايته، و إلى ما يؤول إليه أمره. .
1) الآيتان 5 و 6 من سورة الأنفال.
و لا ينفع تبجح كعب بن مالك بنفس البيعة، فإن الأمور مرهونة بخواتيمها، فضلا عن أن الوفاء بالبيعة لا يكفي فيه الحضور في المشاهد المتعاقبة، بل لا بد من صدق الجهاد فيها، و صحة النية، و عدم الفرار من الزحف في أحد، و خيبر، و قريظة، و حنين، و غير ذلك.
و ليس لأحد ان يفضل مقاما على مقام، و مشهدا على مشهد من عند نفسه، و لغايات شخصية. . بل لا بد أن يقدم الشاهد على ذلك من القرآن و السنة الشريفة.
لقد ساق كعب الكثير من العبارات التي تشير إلى وجود مثبطات له و لغيره من المسلمين عن ذلك المسير، مثل: الحر الشديد، و أنه استقبل سفرا بعيدا، و مفازا، و عددا كثيرا، و أن المسلمين الذين كانوا يريدون السفر كثيرون. و أن الثمار طابت، و الناس خارفون في نخيلهم، و أنه يصبو للظلال و الثمار.
غير أننا نقول:
إن ذلك لو صح، و لم يكن السبب في تخلفه هو ضعف الإيمان، فقد كان يجب أن يؤثر على عزيمة الثلاثين ألفا الباقين الذين نفروا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلما ذا لم يؤثر ذلك إلا على جماعة يبالغون في تصغير حجمها حتى ادّعى بعضهم: أن مجموعها يصل إلى بضعة و ثمانين شخصا حسب زعمهم؟ !
على أن ذلك لو صح أيضا لكان يجب أن نجد و لو واحدا من هؤلاء
الناس يذكر ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يطلب منه تأجيل مسيره، أو التفكير في حل لهذه المشكلة. .
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان أرأف و أرحم بالمسلمين منهم بأنفسهم، فلما ذا لم يلاحظ ذلك، و لا سيما مع شدة الحر، و بعد الشقة، و ما إلى ذلك من اعتبارات؟ !
و قد صرح القرآن بهذه الحقيقة، حين قال: لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1)،
يضاف إلى ذلك: أن اللّه تعالى هو أرحم الراحمين، فلما ذا لم يعفهم من ذلك المسير رحمة، و هو تعالى يعلم واقع حالهم. مع العلم بأن المنافع التي سيجنونها منه، لا قيمة لها في قبال الضرر الذي سينا لهم بسببه؟ !
إن ذلك كله يوضح: أن كلام كعب غير صحيح، و أن الحقيقة هي تلك التي أظهرها كعب بن مالك نفسه في بعض كلماته المتقدمة حيث قال: «فكنت إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه بالنفاق، أو رجلا ممن عذر اللّه تعالى من الضعفاء» .
و قد ظهر من سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك الرجل الذي تناول كعب بن مالك بقوله: «حبسه برداه و نظره في عطفيه» أن النبي
1) الآية 128 من سورة التوبة.
«صلى اللّه عليه و آله» لم ير في كلام هذا الرجل ما يوجب الإعتراض، و أنه لم يعتبر ذلك من مفردات الغيبة المحرمة. . كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤيد معاذ بن جبل في دفاعه، فدل ذلك على جواز غيبة كعب، و إنما تجوز غيبة الفاسق فيما تجاهر به على الأقل. .
على أن دفاع معاذ لا فائدة فيه، فإن معاذا لم يبرئ كعبا مما قاله ذلك الرجل، لأن معاذا لم يزد على ادّعاء أنه لا يعرف عن كعب شيئا. .
إن النص المتقدم رواه لنا كعب بن مالك عن نفسه، و لا نستطيع أن نؤكد صحة جميع ما ورد فيه، لا لأجل قوة احتمال: أنه يريد أن يجر النار إلى قرصه، مع ظهور حرصه في مختلف الفقرات على التأكيد على براءته من النفاق، مع اعترافه بأنه يرى من المتخلفين إلا من كان منافقا باستثناء الضعفاء. .
بل لأننا وجدناه، يصرح: بأنه كان مهتما بتبرئة نفسه و لو بصنع كذبة حتى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و إنه لم يتراجع عنها إلا خوفا من أن يفضحها النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي كان يعلم بالغيب، لأنه لو كذب عليه ليرضى عنه ليوشكن اللّه تعالى أن يسخطه عليه، بإعلامه بكذبه عليه. .
غير أن ثمة استثناء كان الناس يعرفونه، و هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يصرح بنفاق أهل النفاق، إذ ليس للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يفعل ذلك. بل يجب أن يعاملهم وفق ظاهر حالهم. .
و قد صرح «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، كما ذكره كعب نفسه في
الحديث المتقدم-حيث نقل عنه أنه حين اعتذر له المخلفون «قبل منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علانيتهم، و بايعهم، و استغفر لهم، و وكل سرائرهم إلى اللّه تعالى. .» .
و لذلك يدّعي كعب: أنه قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ما نافقت، و لا بدلت، و لا ارتبت» .
و قد اتهم كعب بن مالك النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمر خطير، و ارتكاب مفارقة غير مقبولة في تعامله مع المخلفين، حيث ذكر: أن المخلفين جاؤوا إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاعتذروا، فقبل منهم علانيتهم. و بايعهم، و وكل سرائرهم إلى اللّه تعالى. .
و لكنه حين جاءه كعب بن مالك. و قدم له عذره، فإنه بالرغم من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد صدقه، فإنه لم يقبل منه علانيته، و لا بايعه، و لا استغفر له، بل قال له: «. . فقم حتى يقضي اللّه تعالى فيك ما يشاء» .
فإن كان المخلفون قد كذبوا فيما اعتذروا به، و صدق كعب، فهل يكون جزاء الصدق و الصادق التضييق و المعاناة، و جزاء الكذب و الكاذب الرفق و المحاباة؟ !
و لما ذا يدفعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتعامله معه إلى أن يندم على صدقه، و تحدثه نفسه باللجوء إلى الكذب؟ !
و لما ذا ينهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس عن كلام هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا، دون سواهم ممن كذب و نافق؟ !
إلا إذا كان كعب يريد بذلك أن يقول: إن المنافق كان يعامل بظاهره، و توكل سريرته إلى خالقه-و أما هو فليس من المنافقين، و لذا لم يكتف منه بالظاهر حتى يكون اللّه تعالى هو الذي يحكم فيه.
و في هذا من مدح النفس و تزكيتها ما لا يخفى. .
ثم إن الآية الشريفة تقول: . . وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لاٰ مَلْجَأَ مِنَ اَللّٰهِ إِلاّٰ إِلَيْهِ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ (1).
و قد زعموا: أن هذه الآية قد دلت على توبة الثلاثة، و على قبولها من اللّه تبارك و تعالى، و قد تقدم ذلك في رواية كعب بن مالك أيضا. .
غير أننا نقول: إن الآية الشريفة لا تدل على توبتهم و لا على قبولها، بل هي و سابقتها قد دلتا على أن اللّه تعالى قد عاد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالرحمة، كما عاد على المهاجرين و الأنصار بها، فذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الآية الأولى تشريفا للأمة و تكريما للرسول ليفيد أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الواسطة في نزول الخير و البركات على أمته، ثم ذكر في الآية الثانية الثلاثة الذين خلفوا، و أنه قد تاب عليهم أي رجع عليهم برحمة الهداية إلى الخير، لكي يهتدوا بها إلى الإستغفار و التوبة، فإذا فعلوا ذلك قبل توبتهم و عاد
1) الآية 118 من سورة التوبة.
عليهم بغفران ذنوبهم.
أي أن الآية تقول: إن اللّه تاب على الثلاثة. أي عاد إليهم برحمة الهداية للإستغفار، لكي يتوبوا، لكنه لم يبين لنا هل تابوا فعلا أم لا. . بل اكتفى بقوله: ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (1)كما أنه لم بيّن أنه قبل توبتهم أم لم يقبلها.
و قد ادّعى كعب بن مالك: أنه فعل ذلك، و ادّعى أيضا: أن اللّه قد قبل توبته.
و لكننا نشك في صحة قوله، إذ لو كان قد تاب فعلا، و كان اللّه قد قبل توبته لجاءت الآية هكذا: ثم تاب عليهم ليتوبوا، فلما تابوا قبل توبتهم. . و لكن اللّه لم يقل ذلك.
بل قد وجدنا في كلمات كعب المتقدمة ما يدل على خلاف ذلك.
و قد روي عن الإمام أبي جعفر الصادق «عليه السلام» أيضا قوله: أقالهم، فو اللّه ما تابوا (2).
و قد رفض كعب من مالك أن يستأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أمر امرأته، لأنه لا يدري ما يقول إذا استأذنه. . و هو رجل شاب.
أي أنه يخشى أن يأمره بما لا يتوافق مع ميوله و غرائزه، كشاب، و كأنه يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد لا يراعي حاله، و حاجاته، و مصلحته،
فآثر أن يبقى في دائرة الجهل بما يريده الرسول، و لا يعرض نفسه لاحتمالات لا يريد أن يعرض نفسه لها. .
و هذا يشير إلى ضعف ثقته بما يختاره اللّه و رسوله له، و إبائه عن القبول به، و يشير أيضا إلى أن نفسه أحب إليه من كل شيء حتى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و هذا يدعونا إلى عدم الوثوق بما زعمه من نم على ما فرط منه لقوة احتمال أنه كان يريد أن تأتي الأمور كلها موافقة لأهوائه و ما تشتهيه نفسه، و لعل ما يظهره من توبة إنما هو للتخلص من سلبيات نبذ الناس له، و حرمانه مما كان يطمح للحصول عليه، و الوصول إليه في الظروف العادية. .
فإن قلت: لعل مراده أن الأمر قد جاء باعتزال امرأته هو و صاحباه، فألحقها بأهلها، ثم إن امرأة هلال بن أمية استأذنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في البقاء لخدمته فأذن لها.
فقال لكعب بعض أهله: استأذن رسول اللّه في امرأتك. أي أن ترجع إليك لتكون عندك للخدمة كامرأة هلال بن أمية.
فقال: لا أستأذن فيها، و لا أدري إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يجيبني على ما أطلب أم لا؟ ! و كيف يجيبني إلى استخدام امرأتي و أنا رجل شاب أقدر على خدمة نفسي، بينما هلال بن أمية شيخ ضعيف البصر؟ !
قلنا: إن هذا الوجه و إن كان محتملا، فإنه لا يمنع من احتمال الوجه الذي ذكرناه آنفا. . و ذلك يمنع من الوثوق بنزاهة الرجل كما هو ظاهر. .
و اللافت هنا: أن الصائح يوفي على سلع، و يصرخ بأعلى صوته بالبشارة لكعب، و لا يذكر الرجلين الآخرين، فما هذا الإهتمام بكعب دون سواه؟ !
و لما ذا لا تكون البشارة للثلاثة في نداء واحد؟ !
و ما هذه العظمة و الأهمية لكعب، حتى جعلت أبا بكر يصرخ بالبشارة له، بل لعل عمر قد شارك أبا بكر في ذلك أيضا؟ !
قال الصالحي الشامي:
استشكل إطلاق قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» بيوم إسلامه، فإنه مر عليه بعد أن ولدته أمه، و هو خير ما مر، فقيل: هو مستثنى تقديرا، و إن لم ينطق به لعدم خفائه.
قال الحافظ (يعني العسقلاني) : «و الأحسن في الجواب أن يوم توبته يكمل يوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، و يوم توبته مكمل لها، فهو خير من جميع أيامه.
و إن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 481 و 482.
و نقول:
إن هذا الذنب العظيم الذي أوجب ردته عن الإسلام، فيوم توبته منه خير يوم، لأن توبته كانت السبب في نجاته من الخلود في النار مع الكافرين و المشركين الذين جحدوا بآيات اللّه، و عصوا رسوله. .
و لا خير في يوم إسلام تعقبه الردة. .
و لعل هذا هو المراد بكلام الحافظ المذكور أخيرا. .
و قد زعم كعب: أنه أعطى ثوبيه لمن بشره بتوبة اللّه عليه، و قال «و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ، و استعار ثوبين من أبي قتادة» .
و نقول:
إن هذا قد لا ينسجم مع قوله حين مسيرهم إلى تبوك: «إني لم أكن قط أقوى، و لا أيسر مني حين تخلفت عنه تلك الغزوة. و اللّه ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة» .
و قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و اللّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر مني حين تخلفت عنك» .
فهل عاد فأنفق ذلك كله في تلك الأيام اليسيرة، حتى لم يبق معه سوى ثوبيه اللذين يلبسهما؟ !
و مما يزيد ريبنا في مقولات كعب: أنه هو نفسه يعود فيدّعي أنه عرض على رسول اللّه أن يتصدق بجميع ماله، ثم بنصفه، فلم يقبل منه، ثم قبل منه أن يتصدق بثلث ماله، فمن أين جاءه المال، إذا كان قد استعار ثوبين
من أبي قتادة ليلبسهما، بعد أن أعطى ثوبيه للبشير.
و لا نستطيع أن نغض الطرف عن قول كعب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حين بشره «صلى اللّه عليه و آله» بخير يوم مرّ عليه: أمن عندك؟ أم من عند اللّه؟ ! فإنه يتضمن اتهاما للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يقول أشياء من عند نفسه، مع أن اللّه تعالى يقول: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1). و لا يمكن أن يصدر هذا من مؤمن صحيح الإيمان. .
و قد ذكر لنا كعب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرض منه بأن يتصدق بماله كله، و لا بنصفه، و قال له: أمسك بعض مالك فإنه خير لك.
مع أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل من أبي بكر أن يأتي بماله كله لينفقه في سبيل اللّه حين كان يتجهز لتبوك، و رضي بأن لا يترك أبو بكر لأهله شيئا. .
كما أنه قد رضي من عمر بأن يأتي بنصف ماله، و رضي من عثمان بأن يجهز جيش العسرة كله. .
فإما أن يكون ذلك كله مكذوبا، أو يكون كلام كعب غير صحيح! ! مع احتمال الكذب في الجميع أيضا. . و لعل هذا هو الأقرب و الأصوب حسبما ظهر مما ذكرناه في هذا الكتاب.
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
على أننا قد سألنا كعبا من أين له هذا المال الذي يريد أن يتصدق به أو بنصفه أو بثلثه و هو يدّعي قبل لحظات أنه أعطى ثوبيه للبشير، و لم يكن يملك شيئا غيرهما، ثم استعار ثوبين من أبي قتادة ليلبسهما؟ !
على أنه قد اعترف أيضا بأن له سهما بخيبر أيضا، و قد صرح بأنه يمسكه، و يتخلى عما عداه.
و قال بعضهم: إن سبب قيام طلحة لكعب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان آخى بينهما لما آخى بين المهاجرين و الأنصار، و الذي ذكره أهل المغازي: أن كعبا كان أخا الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه (1).
و نقول:
لعل هناك عاملا آخر يمكن إضافته إلى ما ذكره هذا البعض، و هو أن ثمة انسجاما في الروحية، و في الأفكار، و التصورات، و ربما في السلوك، بين كعب و بين طلحة.
و قد أظهرت الأحداث مدى جرأة طلحة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لقد آذاه في عرضه و أزواجه حين قال: «ليموتن محمد و لنجلسن بين خلاخيل نسائه حتى نزل قوله تعالى: . . وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ عِنْدَ اَللّٰهِ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 481 و فتح الباري ج 8 ص 92.
عَظِيماً (1)» (2). و مات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو ساخط عليه (3).
ثم حارب وصيه من بعده في حرب الجمل. . إلى غير ذلك من أفاعيله الكثيرة التي لا مجال هنا لتتبعها. .
ثم أظهر حديث كعب السابق-موقف كعب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -و هو موقف يدين كعبا و يكشف حقيقته. . و ستأتي الإشارة إلى موقفه من وصيه من بعده أيضا.
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤاخي بين كلّ و نظيره حسبما أشرنا إليه في حديث المؤاخاة.
قال بعضهم: دلّ صنع كعب بكتاب ملك غسان على قوة إيمانه، و محبته للّه تبارك و تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلا فمن صار في مثل حاله من الهجر و الإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، و تحمله
1) الآية 53 من سورة الأحزاب.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 56 و 323 و راجع: الدر المنثور ج 5 ص 214 عن ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن سعد عن السدي، و قتادة، و محمد بن عمرو بن حزم، و البحار ج 17 ص 27 و ج 22 ص 190 و ج 321 ص 107 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1000. و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 217 و التفسير الصافي ج 4 ص 199 و ج 6 ص 61 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 298.
3) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 186.
الرغبة في الجاه و المال على هجران من هجره، و لا سيما مع أنه من الملك الذي استدعاه إليه، لأنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الإفتتنان، حسم المادة، و أحرق الكتاب، و منع الجواب.
هذا مع كونه من البشر الذين طبعت نفوسهم على الرغبة و لا سيما مع الإستدعاء، و الحث على الوصول إلى المقصود من الجاه و المال، و لا سيما و الذي استدعاه قريبه، و مع ذلك فغلب عليه دينه، و قوي عنده يقينه، و رجح ما فيه من النكر و التعذيب، على ما دعي إليه من الراحة و التنعيم، حبا في اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، كما قال «صلى اللّه عليه و آله» : «و أن يكون اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما» (1).
و نقول:
1-إن ما ذكره هذا البعض غير سليم، و لا قويم، بل هو موضع تساؤل و ريب، فإن عدم الإستجابة لملك غسان كما يكون بسبب قوة إيمان كعب، فإنه قد يكون أيضا لأجل ضعف كعب، و عدم قدرته على مواجهة سلبيات استجابته لطلب ملك غسان. . لا سيما إذا كانت هناك أمور
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 481. و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 221 و 224 و سبل السلام ج 1 ص 35 و نيل الأوطار ج 3 ص 325 و 326 و روضة الواعظين ص 417 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 234 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 220 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 229 و مسند أحمد ج 3 ص 103 و 172 و 207 و 230 و 248 و 275 و 278 و 288 و صحيح البخاري ج 1 ص 10 و 11 و صحيح البخاري ج 7 ص 83 و ج 8 ص 56 و صحيح مسلم ج 1 ص 48 و مصادر كثيرة أخرى.
أساسية و هامة، لا يستطيع أن يعرضها لخطر لا يعرف طبيعته و لا مداه إذا اتخذ قرارا بالإلتحاق بمعسكر الكفر. .
بل إن ما رآه من قوة و شوكة الإسلام و نبي الإسلام كما ظهر في غزوة مؤتة، ثم تأكد ذلك في غزوة تبوك، التي لم يجترئ فيها طاغية الروم حتى على التفكر بالتصدي و التحدي-إن هذا الذي رآه-يجعله شديد التردد في الإستجابة، لأنه يرى فيها خطرا عظيما على نفسه، و على كل مشروعه في هذه الحياة. لا سيما و أن الرسالة قد وصلته بصورة معلنة و ظاهرة، و قد ذهبت أخبارها في كل اتجاه.
2-إن ما ذكره النص الآنف الذكر من أن ملك غسان سوف لا يكرهه على فراق دينه غريب و عجيب.
فأولا: من أين ظهر له أن ملك غسان سوف لا يكرهه على فراق دينه. . حتى لو وعده بذلك. .
ثانيا: هل هذا الذي يلجأ إلى أعداء دينه، و أعداء رسوله يبقى على دين الإسلام، لا سيما إذا كان التجاؤه هذا مضادة لنبيه، و كيدا منه له. . لا سيما و أن القرآن قد حدد موقع من يتولى أعداء اللّه و رسوله، فقال: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (1).
و تبقى هناك أسئلة أساسية و حاسمة، و هي: لما ذا يتصل ملك غسان
1) الآية 51 من سورة المائدة.
بكعب بن مالك دون رفيقه، اللذين نزلت الآية فيه، و فيهما؟ !
بل لما ذا لم يتصل بعبد اللّه بن أبي الذي يزعمون: أن معسكره لم يكن بأقل المعسكرين-حين المسير إلى تبوك؟ أو لما ذا لم يتصل بمحمد بن مسلمة، و هو لم يكن مريضا، و لا ضعيفا؟ !
و سؤال آخر: لما ذا لم يوص ملك غسان حامل رسالته إلى كعب بن مالك بمراعاة جانب السرية في الإتصال معه؟ !
ألا يحتمل أن يكون أمر الرسالة قد اكتشف بواسطة الغيب، كما اكتشفت رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يوم الفتح؟ ؟ .
بالنسبة إلى قول أبي قتادة لما سأله كعب: اللّه و رسوله أعلم. قال القاضي: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه، لأنه منهي عن كلامه. و إنما قال ذلك لنفسه لما ناشده، فقال أبو قتادة ذلك مظهرا لاعتقاده، لا ليسمعه.
و بالنسبة لقول كعب: قال لي بعض أهلي.
قال في النور: الظن أن القائل له من بعض أهله امرأة، و ذلك أن النساء لم يدخلن في النهي، لأن في الحديث: «و نهى المسلمين عن خطابنا» .
و هذا الخطاب لا يدخل فيه النساء، و أيضا فإن امرأته ليست داخلة في النهي، فدل على أن المراد الرجال.
و قال الحافظ: لعل القائل بعض ولده أو من النساء، و لم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللائي في بيوتهن، أو أن الذي كلّمه كان منافقا، أو
الذي يخدمه. و لم يدخل في النهي (1).
و نقول:
1-إن قولهم: نهى المسلمين عن خطابنا لا يدل على عدم شمول النهي للنساء، فإن المراد بالمسلمين هم الأشخاص المسلمون، سواء كانوا رجالا أم نساءا، و هذه هي طريقة الخطابات القرآنية، كما في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ (2)، فإن المراد هم: الناس المؤمنون، و ليس المراد خصوص الرجال المؤمنين، لأنه استعمل صيغة جمع المذكر السالم. . و هكذا سائر الآيات القرآنية و الخطابات النبوية.
و لو أراد الذكور وحدهم لقال-مثلا: نهى رجال المسلمين.
2-إن كعب بن مالك-كما في الدر المنثور-قال: «نهى رسول اللّه الناس عن كلامنا» و لم يقل: نهى المسلمين، و لعل ذلك يفسر لنا التصريح بأن الناس هجروا المتخلفين حتى الصببيان (3).
و في تفسير القمي: «لم يكلمهم رسول اللّه و لا إخوانهم، و لا أهلوهم، فضاقت عليهم المدينة» (4).
و قد ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأصحابه: «لا تكلموا رجلا تخلف عنا، و لا تجالسوه حتى آذن لكم» ، و إنه قد قال ذلك لأصحابه قبل وصوله إلى المدينة حين جاء المنافقون يتلقونه، ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» رحمهم و بايعهم و استغفر لهم، ثم كانت قضية الثلاثة الذين خلفوا (1).
و قد اتضح من جميع ما تقدم: أنه ليس من الصواب اعتبار حال كعب بن مالك كحال أبي ذر، إذ شتان ما بين الرجلين، فكعب قد خالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أصبح في جملة العصاة، و قد امر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهجره، و لم تتحقق له توبة كما ظهر من النص الذي رواه كعب لنا، مع ما فيه من محاولة التضخيم و التفخيم.
أما أبو ذر فله شأن آخر سنوضحه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى، و لأجل ذلك فنحن لا نوافق على قولهم: و كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى تخلفوا عنه من غير شك و لا ارتياب منهم: كعب بن مالك، و هلال بن أمية، و أبو خيثمة، و أبو ذر الغفاري.
و كانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم انتهى.
1) الدر المنثور ج 3 ص 286 عن ابن مردويه، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 472 عن ابن عقبة، و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 280، و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 123 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 81 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 80.
هذا و قد لحق أبو خيثمة، و أبو ذر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و قد صرحت النصوص: أن النساء قد شاركوا في مقاطعتهم أيضا، فقد قالوا: «فأعرض عنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنون، حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه و أخيه، و حتى أن المرأة لتعرض عن زوجها» (2).
قال الحافظ: إنما غلظ الأمر على كعب و صاحبيه و هو جروا، لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، لأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير، و لحق اللوم بكل فرد، أي لو تخلف.
قال ابن بطال: إنما اشتد الغضب على من تخلف، و إن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك، و مصداق ذلك قولهم و هم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداعلى الجهاد ما بقينا أبدا
و كأن تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة، لأنها كالنكث لبيعتهم.
قال السهيلي: و لا أعرف له وجها غير الذي قاله ابن بطال.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 441 عن ابن إسحاق و الواقدي، و التفسير الصافي ج 2 ص 384 و البحار ج 21 ص 215 و تفسير القمي ج 1 ص 294 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 50 و راجع: فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 4 ص 484 و و تفسير أبي السعود ج 4 ص 110 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 94.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 473 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 80 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 124.
قال الحافظ: قد ذكرت وجها غير الذي ذكره، و لعله أقعد.
و يؤيده قوله سبحانه و تعالى: مٰا كٰانَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاٰ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاٰ نَصَبٌ وَ لاٰ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفّٰارَ وَ لاٰ يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّٰ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ (1).
و عند الشافعية: أن الجهاد كان فرض عين في زمنه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعلى هذا، فيتوجه العتاب على كل من تخلف مطلقا (2).
و نقول:
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ندب جميع الناس إلى الجهاد، و لم يأذن لأحد بالتخلف، فمن تخلف فقد عصى أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيستحق العتاب و العقاب. .
و بذلك يتضح: أن المعيار هنا ليس هو أن الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، لكي يعود الأمر في تشخيص ذلك إلى المكلفين أنفسهم! بل المعيار هو أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمعصية الرسول، و التمرد عليه محرم في نفسه، و طاعته فرض عين، حتى لو كان الجهاد فرض كفاية. .
2-كما أنه لا محل للحديث عن أن ذلك يختص بالأنصار و حسب، فإن بيعتهم إنما هي لتأكيد إلزامهم بالواجب، تماما كما جرى في بيعة الغدير، فإن
الإمامة لا تثبت بالبيعة، و لا تنتفي بعدمها، بل هي ثابتة في حق من بايع، و من لم يبايع لأنها بالنص، و البيعة إنما هي لتأكيد وجوب الواجب في حقهم على ما هو عليه، و لكنها لا تغير من صفة الوجوب، فلا تجعل الواجب الكفائي واجبا عينيا و لا العكس. .
3-إن التخلف عن الغزو الذي يحتاج المسلمون إلى القيام به للذب عن دينهم، و عن أنفسهم، و قد ندبهم إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كبيرة على كل حال، سواء أكان ذلك ممن بايع أو ممن لم يبايع. . فلا يصح اعتبار تخلف المهاجرين صغيرة، و تخلف الأنصار كبيرة.
و قد كان لا بد من البحث عن أوسمة، أو اختراعها لكي تمنح لكعب بن مالك، فإنه كان عثمانيا لم يبايع عليا «عليه السلام» (1).
و كان عثمان قد استعمله على صدقة مزينة، و ترك ما أخذ منهم له (2).
و قد رثى عثمان بأمور منكرة (3).
و ربما من أجل ذلك كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد آخى بينه و بين الزبير (4)، أو بينه و بين طلحة (5).
1) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 452.
2) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 452 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 191.
3) تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 536.
4) المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 265 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 98 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 542 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي-ج 14 ص 124 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 115 و (ط دار الكتب العلمية) ص 102 و أنساب الأشراف ج 1 ص 271 و المجموع للنووي ج 15 ص 403.
5) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 764 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 141.
و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يؤاخي بين كل و نظيره. .
و كان كعب بن مالك، و حسان بن ثابت، و نعمان بن بشير عثمانية، يقدمون بني أمية على بني هاشم، و يقولون: الشام خير من المدينة، و اتصل بهم أن ذلك بلغ عليا «عليه السلام» ، فدخلوا عليه، فقال له كعب: أخبرنا عن عثمان أقتل ظالما فنقول بقولك؟ أو قتل مظلوما فتقول بقولنا، و نكلك إلى الشبهة فيه؟ فالعجب من تيقننا و شكك. . و قد زعمت العرب أن عندك علم ما اختلفنا فيه، فهاته نعرفه.
فقال لهم أمير المؤمنين «عليه السلام» : لكم عندي ثلاثة أشياء: استأثر عثمان فأساء الإثرة، و جزعتم فأسأتم الجزع، و عند اللّه ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة.
فقالوا: لا ترضى بهذا العرب، و لا تعذرنا به.
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : أتردون علي بين ظهراني المسلمين بلا نية صادقة، و لا حجة واضحة؟ ! أخرجوا عني فلا تجاوروني في بلد أنا فيه أبدا.
فخرجوا من يومهم فساروا حتى أتوا معاوية فقال: لكم الكفاية أو الولاية، فأعطى حسانا ألف دينار و كعبا ألف دينار، و ولى النعمان حمص (1).
1) نهج السعادة ج 1 ص 219 و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 178.
و كان كعب أحد من عاون المصريين، و شهر سلاحه، فلما ناشد عثمان الناس أن يغمدوا سيوفهم، انصرف، و لم ير أن الأمر ينتهي إلى قتله فلما قتل وقف على الأنصار و قال:
من مبلغ الأنصار عنك رسالةرسل تقص عليهم التبيانا (1)
إلخ. .
و عن الزهري: أن كعب بن مالك قال يوم الدار: يا معشر الأنصار، انصروا اللّه. . مرتين (2).
و زعمت بعض الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما خلف عليا «عليه السلام» في أهله، و أنه لم يستخلفه على المدينة كلها، فلاحظ قولهم:
و خلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» على أهله، و أمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون و قالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، و تخففا منه.
فلما قالوا ذلك أخذ علي «عليه السلام» سلاحه، و خرج حتى لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو نازل بالجرف، فأخبره بما قالوا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذبوا، و لكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي و أهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي» ؟ !
فرجع علي «عليه السلام» إلى المدينة.
و هذا الحديث رواه الشيخان، و له طرق (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 441 عن ابن إسحاق، و البخاري، و مسلم. و قال في الهامش: أخرجه البخاري ج 7 ص 71(3706) و مسلم ج 4 ص 1870 (30/2404) . و راجع: البحار ج 37 ص 267 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 125 و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز الأدبية) ج 2 ص 519 و راجع الثقات لابن حبان (ط الهند) ج 2 ص 93 فما بعدها، و الرحيق المختوم للمباركفوري ص 398.
و إمعانا منهم في حبك أكذوبتهم المتمثلة في نفي استخلاف علي «عليه السلام» على المدينة، زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف على المدينة محمد بن مسلمة (1)، و هذا هو الثابت عند الواقدي، و قال: لم يتخلف عنه في غزوة غيرها (2).
و قيل: استخلف سباع بن عرفطة (3).
و قيل: ابن أم مكتوم (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و الرحيق المختوم للمباركفوري ص 398 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 125 عن الدمياطي، و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص 519. و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 165 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 35 و العثمانية للجاحظ ص 153 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 50.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 عن الواقدي.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص 519 و الثقات لابن حبان (ط الهند) ج 2 ص 93 فما بعدها، و الرحيق المختوم للمباركفوري ص 398 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 125 عن المنتقى، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 35 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 50.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و البداية و النهاية ج 5 ص 7 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص 519 و الثقات لابن حبان (ط الهند) ج 2 ص 93 فما بعدها، و الرحيق المختوم للمباركفوري ص 398 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 125 عن المنتقى، و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 35 و العثمانية للجاحظ ص 153.
و قيل: علي بن أبي طالب «عليه السلام» . قال أبو عمر و تبعه ابن دحية: و هو الأثبت.
و رواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، و لفظه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب، و ذكر الحديث (1).
قد روي حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى عن جماعة كثيرة، منهم: أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و زيد بن أرقم، و أم سلمة، و أسماء بنت عميس، و ابن عباس، و جابر بن عبد اللّه، و أبو سعيد الخدري، و عمرو بن ميمون، و حذيفة، و محدوج الذهلي، و أنس، و جشي بن جنادة، و عمر، و جابر بن سمرة، و سعد بن أبي وقاص، و أبو الطفيل، و قيس، و سعيد بن المسيب، و علي بن زيد بن جدعان، و سعد بن مالك، و إبراهيم، و الحارث
1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 406 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 442 و الفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص 92 و تاريخ الخميس ج 2 ص 125. و راجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 527 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 428.
بن مالك، و خالد بن عرفطة، و آخرون كثر، فراجع ما ذكره آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» حول رواة هذا الحديث الشريف و أسمائهم.
و سيأتي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك لعلي «عليه السلام» في مواضع كثيرة، و قد أوردته طائفة من المصادر من دون تحديد، فراجع (1).
1) راجع على سبيل المثال: مسند فاطمة للسيوطي (ط سنة 1406) ص 34 و 43 و الحلي بتخريج فضائل علي ص 62 عن البزار 185-186/3 و تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي ص 64 و 61 و موضح أوهام الجمع و التفريق ج 2 ص 583 و ج 1 ص 297 و ج 3 ص 72 و كتاب المعجم لابن المثنى التميمي ص 94 و 91 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 344 و 346 و 347 و 345 و 334 و 335 و تهذيب الكمال ج 35 ص 263 و ج 25 ص 422 و ج 16 ص 346 و الفرائد المنتقاة، و الغرائب الحسان لابن الصوري ص 14 و 22 و 54 و العلل المتناهية ج 1 ص 228 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 626 و حلية الأولياء ج 3 ص 345 و التنكيت و الإفادة ص 46 و 44 و تثبيت الإمامة ص 57 و أعلام الحديث ج 3 ص 1637 و المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي ج 16 ص 50 و معجم الشيوخ لابن جميع الصيداوي ج 240 و المغازي النبوية للزهري ص 111 و الأسرار المرفوعة ص 272 و السيرة النبوية لأبي حاتم البستي ص 367 و رياض النفوس ج 1 ص 58 و معتقد أبي إسحاق الشيرازي ص 106 و الدر الملتقط ص 49 و سلوك المالك ص 193 و علم الحديث لابن تيمية ص 266 و الثقات ج 1 ص 141 و اللآلي ليموت بن المزرع (مطبوع في نوادر الرسائل) ص 100 و مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب ص 154 و فضائل الصحابة للنسائي ص 14 و 13 و الفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص 92 و المعجم الكبير للطبراني ج 19 ص 291 و الوسيلة للموصلي ص 161 و المسند للحميدي ج 1 ص 38 و الجوهر الثمين ج 1 ص 59 و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج 8 ص 221 و ج 9 ص 41 و التبر المذاب ص 39 و الزبرجد على مسند أحمد ج 2 ص 167 و المجالسة ص 474 و الحدائق لابن الجوزي ج 1 ص 408.
و من النصوص التي ذكرت هذا الحديث الشريف و حددت حصوله في غزوة تبوك نشير-على سبيل المثال-إلى ما يلي:
1-خرج الناس في غزوة تبوك، فقال علي «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أخرج معك؟
فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا.
فبكى علي «عليه السلام» ، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟ ! .
إنه لا ينبغي أن أذهب إلا و أنت خليفتي (1).
2-و قالوا: لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك،
1) المعجم الكبير (مطبعة الأمة في بغداد) ج 11 ص 98 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 12 ص 78 و راجع: مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 329 و العمدة لابن البطريق ص 86 و 239 و ذخائر العقبى ص 87 و البحار ج 38 ص 242 و ج 40 ص 51 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 197 و 198 و 396 و مسند أحمد ج 1 ص 331 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 133 و مجمع الزوائد ج 9 ص 120 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 552 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 64 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 11.
استخلف علي بن أبي طالب «عليه السلام» على المدينة، فماج المنافقون في المدينة، و في عسكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قالوا: كره قربه و ساء فيه رأيه، فاشتد ذلك على علي «عليه السلام» ، فقال: يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تخلفني مع النساء و الصبيان؟ ! أنا عائذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله.
فقال: رضي اللّه برضائي عنك فإن اللّه عنك راض، إنما منزلك مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي.
فقال علي «عليه السلام» : رضيت، رضيت (1).
3-و في رواية سعد بن أبي وقاص: خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي «عليه السلام» : أتخلفني مع النساء و الصبيان؟ !
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ (2).
1) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 347 و راجع مسند أبي يعلى ج 2 ص 66 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 181.
2) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 332 و الإعتقاد على مذهب السلف لأحمد بن الحسين البيهقي ص 205 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 286 و معارج القبول ج 2 ص 471 و مسند فاطمة للسيوطي ص 62 و المعجم لابن المثنى التميمي ص 230 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 229 و تلخيص المتشابه في الرسم ج 2 ص 644 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 627 و تاريخ الأحمدي ص 99 و فضائل الصحابة للنسائي ص 14 و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ط بيروت) ج 9 ص 41 و الحدائق لابن الجوزي ج 1 ص 387 عن البخاري، و مسلم، و البداية و النهاية ج 5 ص 7.
زاد في نص آخر قوله: قال: بلى يا رسول اللّه.
قال: فأدبر علي «عليه السلام» فكأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع (1).
4-و في نص آخر: عند ما خلف عليا «عليه السلام» في المدينة، قال الناس: ملّه و كره صحبته.
فتبع علي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لحقه في بعض الطريق، فقال: يا رسول اللّه، خلفتني في المدينة مع النساء و الذراري، حتى قال الناس ملّه و كره صحبته؟ ! .
فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا علي إني خلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ (2).
5-و في نص آخر: أنه تبعه إلى ثنية الوداع و هو يبكي و يقول: يا رسول اللّه، تخلفني مع الخوالف؟ ! .
1) مسند أبي يعلى ج 2 ص 57 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 513 و 523 و 533 و العمدة لابن البطريق ص 128 و البحار ج 37 ص 262 و مسند أحمد ج 1 ص 173 و مسند سعد بن أبي وقاص للدورقي ص 177 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 24.
2) مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 1 ص 531 و 532 و فضائل الصحابة ص 13 و مسند سعد بن أبي وقاص ص 174 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 44 و 120 و 240 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 76 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 86 و الكامل ج 2 ص 417 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 151 و 152 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 344.
فقال: ألا ترضى أن تكون مني الخ. . (1).
6-عن زيد بن أرقم قال: لما عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لجيش العسرة، قال لعلي «عليه السلام» : إنه لا بد من أن تقيم أو أقيم.
قال: فخلّف عليا و سار. فقال ناس: ما خلفه إلا لشيء يكرهه منه.
فبلغ ذلك عليا «عليه السلام» ، فاتبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى انتهى إليه، فقال: ما جاء بك يا علي؟ ! .
فقال: يا رسول اللّه، إني سمعت ناسا يزعمون أنك خلّفتني لشيء كرهته مني.
قال: فتضاحك إليه و قال: ألا ترضى أن تكون مني كهارون من موسى، غير أنك لست بنبي؟ ! .
قال: بلى يا رسول اللّه.
قال: فإنه كذلك (2).
7-و عن أبي سعيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي.
فقال علي «عليه السلام» : يا رسول اللّه، إني أكره أن يقول العرب، خذل ابن عمه، و تخلف عنه.
فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ ! .
قال: بلى.
قال: فاخلفني (1).
و نقول:
إن لنا مع هذا الحديث وقفات عديدة، قد ذكرنا فيما سبق بعضا منها، و نذكر هنا بعضا آخر، و نصرف النظر عن باقيها توخيا للأختصار. .
قال علماؤنا الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم: إن حديث المنزلة يدل على: أن لأمير المؤمنين «عليه السلام» جميع منازل هارون من موسى إلا منزلة النبوة، و استثناء النبوة دليل العموم لجميع المنازل. .
و مع غض النظر عن إفادة الإستثناء لذلك، فإن نفس إطلاق قوله: أنت مني بمنزلة فلان، لا بد أن يراد به أظهر منازله، و أقربها إلى فهم الناس بملاحظة حالة ذينك الشخصين مع بعضهما البعض، فإن كان قائل هذه الكلمة والدا أو ابنا، أو أخا، حملت هذه الكلمة على هذه المعاني، أي أنه بمنزلة ولده، و أبيه، و أخيه.
و إن كان ذلك الشخص معلما، فكذلك، و إن كان وزيرا و حاملا لمسؤوليات التدبير، و الرعاية، كانت له منزلته من هذه الناحية. .
1) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 347 و البحار ج 21 ص 232 و ج 37 ص 255 و مجمع الزوائد ج 9 ص 109 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 173 و فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة ص 57.
و من الواضح: أن أظهر خصوصية كانت بين هارون و موسى هي أخوته له، و شد أزره، و وجوب طاعته، و وزارته، و شراكته في أمره و كونه أولى الناس به حيا و ميتا، حسبما أشارت إليه الآية الكريمة: وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هٰارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (1).
فلا بد أن يراد بكونه بمنزلته هو هذه الخصوصيات، و لا سيما هاتان الخصوصيتان.
أما خصوصية النبوة، فهي غير مرادة قطعا، لأنها خصوصية لا تعني موسى «عليه السلام» و إنما تعني الناس الآخرين، فاستثناؤها من المنازل من قبيل الإستثناء المنقطع، الذي جيء به إمعانا في التوضيح، و استقصاء في دفع الشبهة.
و ليس هذا من الإستثناء المتصل، فإن إشراك هارون في أمر موسى ليس من جهة جعل النبوة مناصفة بينهما، فإن ذلك مما لا يصح توهمه، إلا من جاهل. بل من جهة معونته له، و وجوب طاعته، و هو في موقع الأخ و الوزير، حسبما أوضحته الآيات الكريمة. .
و زعموا: أن حديث المنزلة خاص بأهل بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يعم الناس جميعا، حيث إن بعض نصوصه تقول: فارجع، فاخلفني في أهلي و أهلك. . كما تقدم.
1) الآيات 29-32 من سورة طه.
و نجيب:
أولا: إن معظم نصوص غزوة تبوك لم تخص حديث المنزلة في استخلاف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» على أهله «صلى اللّه عليه و آله» ، بل أطلقت الخلافة.
فمن أين جاءت هذه الإضافة المشبوهة؟ ! .
ثانيا: إن حديث المنزلة بإطلاقه قد قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مواقف كثيرة كانت تبوك واحدة منها. فقد قاله في:
1-يوم المؤاخاة الأولى (1).
2-يوم المؤاخاة الثانية (2).
3-يوم تسمية الحسن و الحسين «عليهما السلام» (3).
4-في حجة الوداع (4).
1) راجع: البحار ج 38 ص 334 و ج 8 ص 330 و إثبات الهداة ج 3 باب 10 ح 619 و 761 و عن كنز العمال ج 15 ص 92 و ج 6 ص 390 و تذكرة الخواص ص 23 و فرائد السمطين ج 1 ص 115 و 121 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 107 و ينابيع المودة ص 65 و 57.
2) راجع: المناقب للخوارزمي ص 7 و تذكرة الخواص ص 20 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 21 و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 5 ص 31.
3) علل الشرائع ص 137 و 138 و ينابيع المودة ص 220 و فرائد السمطين ج 2 ص 103-105.
4) البحار ج 37 ص 256 و دعائم الإسلام ج 1 ص 16 و الأمالي للطوسي ص 521 و الغدير ج 1 ص 268 و وفيات الأعيان لابن خلكان ج 5 ص 231.
5-في منى (1).
6-يوم غدير خم (2).
7-يوم المباهلة (3).
8-غزوة تبوك.
9-عند الرجوع بغنائم خيبر (4).
10-يوم كان يمشي مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» (5).
11-في حديث لحمه لحمي، حين خاطب «صلى اللّه عليه و آله» أم سلمة بهذا القول (6).
1) البحار ج 37 ص 260 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 29 و الدر النظيم ص 284.
2) البحار ج 37 ص 206 و تفسير العياشي ج 1 ص 332 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 73 و اليقين لابن طاووس ص 348 و التفسير الصافي ج 2 ص 45.
3) البحار ج 21 ص 343 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 142 و المناقب للخوارزمي ص 108 و عن الطرائف ج 1 ص 148-149 ح 224 عن مناقب ابن المغازلي، و عن العمدة لابن البطريق ص 46.
4) الأمالي للصدوق ص 85 و إثبات الهداة ج 3 باب 10 ح 243 و المناقب للخوارزمي ص 76 و 96 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 45 و كفاية الطالب ص 264 و مجمع الزوائد ج 9 ص 131 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 449 و ينابيع المودة ص 130 و كنز الفوائد للكراجكي ص 281 و المسترشد للطبري ص 634 و روضة الواعظين ص 112.
5) و إثبات الهداة ج 3 ص باب 10 ح 108.
6) البحار ج 32 ص 348 و ج 37 ص 254 و 337 و ج 38 ص 122 و 132 و 341 و ج 40 ص 14 و الأمالي للطوسي ج 1 ص 49 و عن كنز العمال ج 6 ص 154 الحديث رقم (2554) و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 5 ص 31 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 78 و المناقب للخوارزمي ص 86 و ينابيع المودة ص 50 و 55 و 129 و مجمع الزوائد ج 9 ص 111 و كفاية الطالب ص 168(ط الحيدرية) و ميزان الإعتدال ج 2 ص 3 و فرائد السمطين ج 1 ص 150 و شرح الأخبار ج 2 ص 544 و علل الشرائع ج 1 ص 66 و التحصين لابن طاووس ص 566 و اليقين لابن طاووس ص 161 و 173 و 334 و 415.
12-يوم سد الأبواب (1).
13-يوم بدر (2).
14-يوم نام الصحابة في المسجد (3).
15-في قضية الإختصام في ابنة حمزة «عليه السلام» (4).
16-يوم كان أبو بكر، و عمر، و أبو عبيدة في حضرة النبي «صلى اللّه
1) ينابيع المودة ص 88 و مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 255 و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 266.
2) المناقب للخوارزمي ص 84.
3) كفاية الطالب ص 284 و البحار ج 37 ص 260 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 139 و المناقب للخوارزمي ص 109 و كشف اليقين للعلامة الحلي ص 282 و ينابيع المودة ج 1 ص 160.
4) الخصائص للنسائي (ط الحيدرية) ص 18 و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 338.
عليه و آله» ، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» متكئ على علي «عليه السلام» (1).
و ذلك كله يشير إلى أن عليا «عليه السلام» شبيه بهارون في جميع مزاياه، و أظهرها و أشهرها شراكته في الأمر، و وزارته، و شد أزره، و إمامته للناس في غياب أخيه موسى «عليه السلام» .
ثالثا: إنه لو كانت خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منحصرة في أهله «صلى اللّه عليه و آله» لوقعت المنافات بين صدر الرواية و ذيلها، فإن صدرها يقول: إنه يستخلفه في أهله، و ذيلها يجعله منه كهارون من موسى، مع أن هارون إنما خلف موسى في قومه، لا في أهله.
و صرحت الآية: بأن موسى قد طلب من اللّه أن يجعل له هارون أخا، و شريكا له في الأمر الذي هو إمامة الناس و قيادتهم. .
قال الشيخ المفيد رضوان اللّه تعالى عليه، و نعم ما قال:
«و قال: يا علي، إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك.
و ذلك أنه «صلى اللّه عليه و آله» علم خبث نيات الأعراب، و كثير من أهل مكة و من حولها، ممن غزاهم، و سفك دماءهم، فأشفق أن يطلبوا
1) راجع: كنز العمال (ط 2) ج 15 ص 109 و 108 و المناقب للخوارزمي ص 19 و ينابيع المودة ص 202 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 321 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 110 و الرياض النضرة (ط 2) ج 2 ص 207 و 215.
المدينة عند نأيه عنها، و حصوله ببلاد الروم، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن من معرّتهم، و إيقاع الفساد في دار هجرته، و التخطي إلى ما يشين أهله، و مخلفيه. .
و علم أنه لا يقوم مقامه في إرهاب العدو، و حراسة دار الهجرة، و حياطة من فيها إلا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فاستخلفه استخلافا ظاهرا، و نص عليه بالإمامة من بعده نصا جليا، و ذلك فيما تظاهرت به الرواية أن أهل النفاق لما علموا باستخلاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة حسدوه لذلك، و عظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، و علموا أنها تتحرس به، و لا يكون فيها للعدو مطمع، فساءهم ذلك. .
و كانوا يؤثرون خروجه معه، لما يرجونه من وقوع الفساد و الإختلاط عند نأي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن المدينة، و خلوها من مرهوب مخوف يحرسها. .
و غبطوه «عليه السلام» على الرفاهية و الدعة بمقامه في أهله، و تكلف من خرج منهم المشاق بالسفر و الخطر، فأرجفوا و قالوا: لم يستخلفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إكراما له، و إجلالا و مودة، و إنما خلفه استثقالا له» .
إلى أن قال: فلما بلغ أمير المؤمنين «عليه السلام» إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم، و إظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، إن المنافقين يزعمون: أنك خلفتني استثقالا و مقتا؟ ! .
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إرجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك. فأنت خليفتي في أهل بيتي، و دار هجرتي و قومي،
ألا ترضى أن تكون بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ ! الخ. . (1).
و زعم بعضهم أن حديث المنزلة خاص بغزوة تبوك، و لا ربط له بما بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إليك نص كلامه:
«هارون لم يكن خليفة موسى، لأنه مات قبل موسى، بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك، كما استخلف موسى هارون عند ذهابه إلى الطور، لقوله تعالى: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي (2).
و نجيب:
أولا: إن ذلك يؤدي إلى أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أورد كلاما متناقضا، فإنه إذا كان المقصود هو الحديث عن خلافته في حال حياته لم يكن معنى لأن يقول: إلا أنه لا نبي بعدي، بل كان الأحرى أن يقول: إلا أنه لا نبي معي. .
ثانيا: لو كان المراد الخلافة في خصوص تبوك، فلا حاجة إلى تنزيله منزلة هارون من موسى و إلا، فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» استخلف الكثيرين على المدينة في غزواته المختلفة، كغزوة الفتح، و بدر، و قريظة، و خيبر. . و. . الخ. . فلما ذا لم يجعل لهم منه منزلة هارون من موسى؟ !
ثالثا: إن العبرة إنما هي بعموم اللفظ، لا بخصوص المورد، فكيف إذا تضمن الكلام الإشارة إلى استمرار المنزلة المجعوله لأمير المؤمنين «عليه السلام» إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسبما ألمحنا إليه. .
فاستخلاف موسى لهارون في قومه حين ذهب إلى الطور، لا يعني أن تكون منزلة أمير المؤمنين «عليه السلام» من النبي «صلى اللّه عليه و آله» خاصة بحياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و يشير إلى ذلك: أن إطلاق المنزلة المجعولة يستدعي أن يكون أمير المؤمنين «عليه السلام» بمنزلته هارون من موسى في شراكته معه في الأمر أيضا، و الشريك في الأمر هو الأولى بمتابعة أمور شريكه في حياته، و بعد وفاته، فلو أن موسى مات قبل هارون، فإن هارون سيكون أولى بأخيه من جميع بني إسرائيل، و سيقوم مقامه في كل شيء. . و ذلك ظاهر. .
و يشهد لذلك: أن أجدا لا يدّعي أن آية: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ (1)خاصة بحياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد انقطع ذلك بعد وفاته. .
و قد صرحت بعض روايات غزوة تبوك: أن عليا «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «زعمت قريش أنك خلفتني استثقالا لي» (2).
1) الآية 38 من سورة الشورى.
2) المسترشد ص 129 و 444 و الإرشاد ج 1 ص 156 و ذخائر العقبى ص 63 و المستجاد من الإرشاد ص 95 و 96 و الصراط المستقيم ج 1 ص 316 و البحار ج 21 ص 208 و 245 و ج 37 ص 267 و الغدير ج 3 ص 198 و المناظرات في الإمامة ص 214 و الثقات ج 2 ص 93 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 31 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 368 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 11 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 946 و كشف الغمة ج 1 ص 227 و عن عيون الأثر ج 2 ص 254 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 12 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 441 و نشأة التشيع و الشيعة ص 109 و كتاب السنة ص 586 و إعلام الورى ج 1 ص 244 و قصص الأنبياء للراوندي ص 349 و شرح الأخبار ج 2 ص 195 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 183 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 378 و الثقات ج 2 ص 93 و كشف اليقين للعلامة الحلي ص 145.
و قد ورد في الجزء الثالث و العشرين ما يؤيد هذا الزعم فراجع (1).
و من الواضح: أن قريشا كانت تتقصد أمير المؤمنين «عليه السلام» بالأذى، حتى شكاها علي «عليه السلام» مرات و مرات، و دعا عليها أيضا فقال: «اللهم عليك بقريش، فإنهم قطعوا رحمي، و أكفأوا إنائي، و صغروا عظيم منزلتي» (2). .
و قد كانت قريش كلها مع بني أمية على خلاف مع أمير المؤمنين «عليه
1) راجع الفصل الرابع: «حديث العترة هو القصص الحق» .
2) راجع: راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) الرسالة رقم 36، و قسم الخطب رقم (212) و (32) و (137) و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 96 و ج 2 ص 119 و الغارات ج 1 ص 309 و ج 2 ص 454 و 429 و 430 و أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 74 فما بعدها، و البحار (ط قديم) ج 8 ص 621 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 155. و راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 175 و 176 للإطلاع على مصادر أخرى.
السلام» (1).
و قد أجمعت قريش على حربه بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أجمعت على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما قاله «عليه السلام» في رسالته لأخيه عقيل.
و إن كانت بعض المصادر بدلت كلمة «قريش» بكلمة «العرب» (2).
1) الغارات ج 2 ص 569 و راجع ص 454.
2) راجع النص المذكور، سواء فيه كلمة «قريش» أو كلمة «العرب» في المصادر التالية: المعيار و الموازنة ص 180 و راجع: الغارات للثقفي ج 2 ص 429-430 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 118-119 و أنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 74-75 و الأغاني (ط ساسي) ج 15 ص 46 و البحار (ط حجري) ج 8 ص 621 و 673 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 595 و نهج السعادة ج 5 ص 300 و سفينة البحار ج 2 ص 215 و أشار إليها في العقد الفريد (ط دار الكتاب) ج 2 ص 356 و ج 3 ص 504، و ذكرها أيضا في الدرجات الرفيعة ص 155-157. و في الإمامة و السياسة (ط سنة 1967 م) ج 1 ص 53-54 و قاموس الرجال ج 6 ص 323 عنه أن عقيلا قد التقى بعائشة، و طلحة، و الزبير، أيضا. . و هذا كذب لأن طلحة و الزبير كانا قتلا قبل غارة الضحاك بسنوات! ! و لا يخفى سر زيادة ذلك في رسالة عقيل. . و لكنه قال: إن العرب أجمعت على حربه الخ. .
عن عبد اللّه بن سلام: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما مر بالخليجة في سفره إلى تبوك قال له أصحابه: المبرك يا رسول اللّه، الظل و الماء (1). و كان فيها دوم و ماء.
فقال: «إنها أرض زرع نفر» ، دعوها فإنها مأمورة-يعني ناقته.
فأقبلت حتى بركت تحت الدومة التي كانت في مسجد ذي المروة (2).
إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يعلم الناس: أن عليهم أن يتحاشوا الإضرار بأملاك الناس، و أن لا يتخذوا من جهادهم و تضحياتهم سببا لاستسهال ذلك، و أن لا يستفيدوا من تهيّب الناس من قوتهم أو من كثرتهم، أو حتى من موقعهم، و لو كان هو موقع النبوة سبيلا لإلحاق الأذى بممتلكات الآخرين، حتى لو أظهر الآخرون الرضا بذلك. .
هذا و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم عن الناقة: «دعوها فإنها مأمورة» ، مع أنه كان يكفي أن يخبرهم بضرورة حفظ الزرع و يأمرهم بالإبتعاد و اختيار موضع آخر. .
و ذلك ليشير إلى: أن اللّه تعالى يسدده، و يحفظه، من أن يقع في خلاف الواقع، و لو في الحال التي يعذره الناس فيها، زاعمين أنه غافل، فإن اللّه تعالى يسدد نبيه ليصيب الواقع فيما يرتبط بحقوق اللّه تبارك و تعالى، و حقوق الناس. . فلا يخطئ و لا يسهو، و لا ينسى، و لا يغفل عن حق أحد، و لا يقصر في حق اللّه.
كما أنه في الجانب الآخر لا يأكل، و لا يلبس، و لا يشرب، و لا يمارس أي شيء إلا إذا كان حلالا في الظاهر و في الواقع على حد سواء. . و لهذا البحث مجال آخر.
و قالوا: لما نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وادي القرى أهدى له بنو عريض اليهودي هريسة، فأكلها، و أطعمهم أربعين و سقا، فهي جارية عليهم إلى يوم القيامة.
و قال محمد بن عمر: فهي جارية عليهم إلى الساعة (1).
و عن ابن عمر قال: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجبنة في تبوك، فدعا بالسكين، فسمى و قطع، رواه أبو داود (2).
و نقول:
1-الهريسة هي طعام يعمل من الحب المدقوق بالمهراس و اللحم (1)، و نحن نعلم أنه لا يجوز أكل غير المذكى من اللحم وفق الشرائط الشرعية، و منها كون الذابح مسلما.
2-و إذا كان اليهود لا يتحاشون عن مباشرة النجاسات، المبينة في الشرع الإسلامي، لأنهم لا يدينون بالإسلام، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأكل ما يلامسونه برطوبة مسرية، فكيف إذا قلنا بنجاسة الكتابي؟
على أن الأنفحة التي يصنع بها الجبن تؤخذ من حيوان محكوم بأنه ميتة، لأن الذابح يهودي، و لا شك في نجاسة الميتة، و نجاسة ما يلامسها، حتى و إن كان طاهرا في نفسه، كالأنفحة. .
3-لما ذا يطعم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اليهود هذه الأوسق من التمر؟ و من الذي أجراها عليهم حتى الساعة، أو إلى يوم القيامة؟ ! . و لو أطعمه يهود المدينة هريسة أو جبنا، هل كان يجري عليهم مثل ما أجرى على يهود وادى القرى؟ و هل؟ و هل؟ . .
قال أبو حميد الساعدي: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: «اخرصوا» .
1) أقرب الموارد ج 2 ص 1384.
فخرص القوم، و خرص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرة أوسق.
و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للمرأة: «احفظي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء اللّه تعالى» .
و لما أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة تبوك إلى وادي القرى قال للمرأة: «كم جاءت حديقتك» ؟
قالت: عشرة أوسق خرص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و يواجهنا هنا سؤالان، هما: 1-ما الذي أراده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعمله هذا؟ !
2-لما ذا فعل ذلك في طريق تبوك، لا في المدينة؟ !
فأما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فنقول: لعل المراد هو إجراء التجربة في موقع بعيد عن السوابق الذهنية للناس، حيث إن الناس يتسامعون بمقادير محاصيلهم في كل عام،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 446 عن أحمد، و مسلم، و ابن أبي شيبة، و قال في هامشه: أخرجه ابن أبي شيبة ج 14 ص 540 و مسلم ج 4 ص 1785(11) ، و أحمد ج 5 ص 424 و البيهقي في السنن ج 4 ص 22 و في الدلائل ج 4 ص 239. و راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 132 و سنن أبي داود ج 2 ص 52 و عمدة القاري ج 9 ص 64 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 40 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 355 و ج 14 ص 427 و البداية و النهاية ج 5 ص 16 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 42.
و يقايسون فيما بينها، و يعرفون و لو على نحو التقريب غلة أراضيهم، بما لها من نوع تربة، و بملاحظة سائر العوامل المؤثرة مثل طبيعة الجو و الهواء في حرارته و برودته، و سائر تقلباته، فإن ذلك قد يؤثر بنحو أو بآخر على مقادير المحاصيل، و في جودتها و رداءتها، و ما إلى ذلك.
فلعله «صلى اللّه عليه و آله» أراد لفت نظر أصحابه إلى هذا الأمر بصورة عملية ليؤكد قناعتهم به، و لكي يعطي القاعدة و الضابطة للناس كلهم، و يدفعهم ذلك إلى أن يدققوا و لا يتعسفوا في تعاملهم مع الناس في أمثال هذه الأمور، فإن التزام و تيرة واحدة في التعامل لربما تنتهي بهم إلى الظلم و الأذى.
و هذا بالذات يمثل إجابة مقبولة على السؤال الأول. .
يضاف إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يشاركهم في الخرص بنفسه، لكي لا يحزنهم تعرضهم لهذا الإمتحان، الذي سيظهر إخفاقهم فيه، فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهم، فسوف لا يرون في هذا الإمتحان أي حرج، و لا يشعرون بالأذى أو بالمهانة أو ما إلى ذلك.
فالإمتحان شرف و كرامة، و هو سبب تكامل، و سبيل سمو و رفعة، و طريقة تعليم، و السقوط فيه ليس سقوط ذل، و إنما هو سقوط الطائر، ليلتقط الحبة التي يحتاج إليها، ثم يطير بها محلقا إلى سماء الفضل و الكمال لتكون تلك الحبة زادا و عونا له، و قوة، و سبب حياة.
و في الطريق إلى تبوك عارض الناس في مسيرهم حيّة ذكر من عظمها و خلقها، فانصاع الناس عنها، فأقبلت حتى واقفت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو على راحلته طويلا، و الناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق، فقامت قائمة، فأقبل الناس حتى لحقوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لهم: «هل تدرون من هذا» ؟ .
قالوا: اللّه و رسوله أعلم.
قال: هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن، فرأى عليه من الحق-حين ألمّ به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يسلم عليه، و ها هو يقرؤكم السلام، فسّلّموا عليه.
فقال الناس جميعا: و عليه السلام و رحمة اللّه و بركاته (1). .
و نقول:
1-قد يقال: إن الأحاديث الشريفة قد دلت على أنه لم يؤذن للجن بالظهور للبشر (2)، فما معنى أن يظهر هذا الجني للناس في هذه المناسبة. .
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 1015 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 450 عنه و عن أبي نعيم في دلائل النبوة، و ابن كثير، و الخصائص الكبرى للسيوطي. و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 58 و ج 5 ص 273 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 66 و 124.
2) البحار ج 19 ص 104 و ج 58 ص 299 و ج 60 ص 83 و 273 و علل الشرائع ج 1 ص 98 و كنز الدقائق ج 1 ص 223 و تفسير القمي ج 1 ص 311 و نور الثقلين ج 1 ص 52 و الصافي ج 1 ص 108.
فقد روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» أنه قال في حديث: «و اجعل بين الجن و بين خلقي حجابا، و لا يرى نسل خلقي الجن، و لا يؤانسونهم، و لا يخالطونهم» .
و قال الطحاوي حول قتل الحيات: «لا بأس بقتل الكل، لأنه «عليه الصلاة السلام» عاهد الجن ألاّ يدخلوا بيوت أمته، و لا يظهروا أنفسهم، فإذا خالفوا فقد نقضوا العهد، فلا حرمة لهم» (1).
فإن قيل: إن هذا الجني لم يظهر على صورته الأصلية. . و إنما ظهر بصورة حية، فهو لم يخالف ما أخذ عليه. .
فالجواب: أن العبارة تقول: إنه لم يؤذن للجن بالظهور على أية صورة كانت، أي حتى لو كانت صورة حية. .
غير أن ذلك لا يمنع من أن يعصوا و يحالفوا القرار التشريعي الإلهي، كما لا يمنع من أن يأذن اللّه تعالى لبعضهم بالظهور تأكيدا للحق، و نصرة لأهله، و لذلك لا يبقى مجال للإعتراض بأن لو قبلنا بهذه الإجابة، فسوف تواجهنا طائفة من الروايات تقول: إن بعض الجن قد ظهروا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو للإمام «عليه السلام» تأييدا له، و تقوية ليقين الناس بصحة ما جاء به. .
2-إن هذا الحديث يدل على أن الجن مكلفون بالعمل بالرسالة الإسلامية، و الإيمان برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . كما هو الحال بالنسبة
1) البحر الرائق ج 2 ص 53 و تكملة حاشية رد المحتار ج 1 ص 102 و حاشية رد المحتار ج 1 ص 702.
للأنس، و لهذا شواهد كثيرة من الآيات و الروايات. .
و عن عبد اللّه بن عمر، و جابر بن عبد اللّه، و أبي كبشة الأنماري، و الزهري، و أبي حميد الساعدي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما مر بالحجر تقنع بردائه و هو على الرحل، فاتضع راحلته حتى خلّف أبيات ثمود، و لما نزل هناك سارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، و استقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا و نصبوا القدور باللحم.
فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، و لا تشربوا من مائها، و لا تتوضأوا منه للصلاة، و اعلفوا العجين الإبل» .
ثم ارتحل بهم حتى نزل على العين كانت تشرب منها الناقة، و قال: «لا تسألوا الآيات. فقد سألها قوم صالح، سألوا نبيهم أن تبعث آية، فبعث اللّه تبارك و تعالى لهم الناقة، فكانت ترد هذا الفج، و تصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، و كانت تشرب مياههم يوما، و يشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد اللّه تعالى من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم اللّه تعالى.
قيل: من هو يا رسول اللّه؟
قال: «أبو رغال» . فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، ما تدخلون على قوم غضب اللّه عليهم» ؟ ! .
فناداه رجل منهم: تعجب منهم؟ !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ألا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم، فينبئكم بما كان قبلكم، و ما هو كائن بعدكم، فاستقيموا و سددوا، فإن اللّه تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئا، و سيأتي اللّه بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء.
و إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقومن أحد، و من كان له بعير فليوثق عقاله، و لا يخرجن أحد منكم إلا و معه صاحب له» .
ففعل الناس ما أمرهم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، و الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته، فإنه خنق على مذهبه-أي موضعه الذي ذهب إليه-و أما الذي خرج في طلب بعيره، فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء، اللذين يقال لأحدهما: أجا، و يقال للآخر: سلمى.
فأخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد إلا و معه صاحبه، ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، و أما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رجع إلى المدينة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 446 و 447 عن مالك، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 8 ص 125 (4419) و مسلم ج 4 ص 2286(38 و 39/2980) و أحمد ج 2 ص 9 و 58 و 72 و 74 و 113 و 137 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 233 و في السنن ج 2 ص 451 و الحميدي (653) و عبد الرزاق (1625) و الطبراني في الكبير ج 12 ص 457 و انظر الدر المنثور ج 4 ص 104. و راجع: البحار ج 11 ص 393 و العرائس للثعلبي ص 43 و عن مجمع البيان ج 4 ص 441-443.
قالوا: و نزلوا الحجر، فأمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل، ثم نزل منزلا آخر و ليس معهم ماء.
فشكوا ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقام فصلى ركعتين، ثم دعا فأرسل اللّه سبحانه و تعالى سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها.
فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك، قد ترى ما دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمطر اللّه علينا السماء.
فقال: إنما أمطرنا بنوء كذا و كذا.
فأنزل اللّه تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (1).
ذكر ابن إسحاق: أن هذه القصة كانت بالحجر.
و روي عن محمود بن لبيد، عن رجال من قومه قال: كان رجل من المنافقين معروف نفاقه يسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، و دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين دعا، فأرسل اللّه تعالى السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شيء؟
1) الآية 82 من سورة الواقعة.
قال: سحابة مارة (1).
و عن عمر بن الخطاب قال: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا، و أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل يذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع، حتى أن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، و يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، إن اللّه عز و جل قد عودك في الدعاء خيرا، فادع اللّه تعالى لنا.
قال: «أتحب ذلك» ؟
قال: نعم.
فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 448 و الدر المنثور ج 6 ص 263 عن ابن أبي حاتم، و المغازي للواقدي ج 3 ص 1009. و راجع: المحلى لابن حزم ج 11 ص 222 و البحار ج 21 ص 250 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 370 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 279 و البداية و النهاية ج 5 ص 13 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 116 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 949 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 107.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 447 و 448 عن أحمد، و ابن خزيمة، و ابن حبان، و الحاكم، و ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في السنن ج 9 ص 357 و في الدلائل ج 5 ص 231 و ابن خزيمة (101) ، و ابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن (1707) و انظر مجمع الزوائد ج 6 ص 195. و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 404 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 223 و نصب الراية ج 1 ص 192 و موارد الظمآن ج 5 ص 352 و كنز العمال ج 12 ص 353 و جامع البيان للطبري ج 11 ص 76 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 105 و تفسير البغوي ج 2 ص 333 و زاد المسير ج 3 ص 348 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 279 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 411 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 224 و الدر المنثور ج 3 ص 286 و فتح القدير ج 2 ص 414.
و عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: خرج المسلمون إلى تبوك في حر شديد، فأصابهم يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها، و يشربوا ماءها، فكان عسرة في الماء، و عسرة في النفقة، و عسرة في الظهر (1).
و نقول:
إن مرور النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أبيات ثمود، و إظهاره هذه الخشية و الإشفاق من المرور بمساكن الظالمين التي حل العذاب بأهلها قبل مئات أو آلاف السنين يشير إلى أن السنة الإلهية في الطغاة و العصاة لم تبطل، بل هي لا تزال جارية و سارية، فعلى الناس أن يحاذروا من الوقوع فيما وقع فيه أسلافهم، و عليهم أن يراجعوا حساباتهم، و يدققوا في مواقفهم و مسيرهم
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 447 و في هامشه عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 227. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 13 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 16.
و مسارهم، حتى لا ينتهي بهم الأمر إلى ما انتهى إليه أسلافهم.
ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرو لهم ما جرى على قوم صالح بنحو يفيد في تكوين تصورات، و إحداث انفعالات يتوقع أن تتبخر و تتلاشى، تبعا لتلاشي تلك الصور التي استحضرت بواسطة حديث يتلى، و خبر يروى. .
بل هو «صلى اللّه عليه و آله» قد ربط لهم الصورة الذهنية بأمور عينية واقعية، لها مساس بأشخاصهم، حين تركهم ينقلون الماء من آبار ثمود، و يعجنوا بها عجينهم، و ينصبوا القدور المملوءة باللحم و الماء، ثم ينادي فيهم بالصلاة جامعة، و قد كان ذلك بعد منعهم من الإستفادة من الماء في ذلك المكان كله، ثم أمرهم بأن يعلفوا العجين الإبل. .
أي أنه لم يكتف بمنعهم من الإستفادة من الماء الذي تعبوا بحمله، بل ألحق به ما اختلط به، مما تعبوا في الحصول عليه، و في حمله، و نقله، و يرون أنفسهم بأمس الحاجة إليه، للغذاء و البقاء. .
مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين وصل إلى تلك المساكن كان يعلم أن الناس المتعبين الذين يسيرون في حر الهاجرة في تلك الصحراء القاحلة، سوف يتهافتون على الماء، و سيبادرون للإستفادة منه في إعداد أطعمتهم، و في تبردهم، و غسلهم و شربهم، و لكنه لم يحذّرهم منه، و لم يذكر لهم شيئا في هذا السياق. . بل سكت حتى بلغ بهم التعامل مع ذلك حدا جعله محط أنظارهم، و مهوى أفئدتهم. .
و لعله لو كان قدّم لهم النهي عنه، لوجد فيهم من يستسيغ مخالفته، و يكون حالهم حينئذ حال طالوت مع جنوده، حيث قال لهم: . . إِنَّ اَللّٰهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّٰ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّٰ قَلِيلاً مِنْهُمْ. . (1).
إن هذه القضية قد أظهرت أن آثار سخط اللّه تبارك و تعالى قد تمتد عبر الأجيال و الأحقاب إلى آلاف السنين، و لأجل ذلك نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يصلي صلاة المختار في أرض خسف بها، بل هو يسرع السير ليتجاوزها، ثم يصلي أو يعيد ما كان قد صلاه في حالة الإضطرار. .
و في هذه المرة أيضا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين مر بالحجر، تقنع بردائه، و اتضع راحلته (أي خفض رأس بعيره) حتى خلّف أبيات ثمود وراء ظهره. .
كما أنه قد نهى أصحابه عن دخول مساكن ثمود، و منعهم من شرب ماء تلك البقعة، و من الوضوء به، و من استعماله في سائر المجالات. .
إن النهي عن دخول مساكن ثمود، و قول الرواية: حتى خلف أبيات ثمود، يدل على أن تلك المساكن كانت لا تزال ماثلة للعيان، رغم مرور السنين و الأحقاب. .
1) الآية 249 من سورة البقرة.
في حين أننا نجد كثيرا من الآثار التي لها هذا المقدار من القدم مطمورة بالتراب الذي تحمله الرياح من هنا و هناك. . و هذا يؤكد القناعة بأن ذلك من التدبير الإلهي، و من أسباب الهداية، أو إقامة الحجة على من تأمل و تفكر، و لاحظ و تدبر. .
إن سياق الكلام المنقول عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يعلن منعهم من دخول مساكنهم، يعطي: أنه لم يكن يأمن على قومه من أن يصيبهم ما أصاب قوم ثمود، و لذلك منعهم من دخول مساكنهم إلا أن يكونوا باكين أن يصيبهم ما أصابهم، و لا يصيبهم من ذلك إلا إذا فعلوا كفعلهم، و لذلك قال لهم: لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح. . أي لا تفعلوا كما فعل أولئك. .
ثم إنه بين لهم: أن أمرهم أعجب من أمر قوم صالح، فإن رجلا سيكون من أنفسهم، سوف ينبؤهم بخبر ما كان قبلهم، و ما هو كائن بعدهم.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» اقتصر على ذكر هذه العلامة لذلك الرجل، و لم يبين ما ذا سيصنعون به، و كيف سيكون حالهم معه، و إنما اكتفى «صلى اللّه عليه و آله» بأمرهم بالإستقامة و السداد. .
و لعله لأجل أن لا يتوهموا الجبرية في هذا الأمر، و لكي يفسح المجال لهم للتوبة و العودة و الإنابة، مبينا لهم: أنهم إن لم يستقيموا على المحجة و لم يسددوا، فسينالهم العذاب كما نال قوم صالح حين عقروا الناقة. . و لا يعبأ
اللّه بعذابهم شيئا. .
ثم أثبت لهم صحة كلامه هذا بأن أخبرهم بما سيجري في تلك الليلة مباشرة، مما لا يمكن أن ينال علمه إلا اللّه تبارك و تعالى. . و أمرهم بأمره. .
و قد ظهر صدق كلامه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الليلة، و جرى عليهم نفس ما وصفه لهم. . فهل من معتبر؟ !
هذا و قد صرح التاريخ بأن الذي كان يخبر الناس بما كان و ما يكون هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و قد بلغ من كثرة إخباره: أن صاروا يتهمونه بالكذب، فقد:
1-سمع أعشى همدان (و هو غلام) حديثه «عليه السلام» ، فاعتبره حديث خرافة (1).
2-و كان قوم تحت منبره «عليه السلام» ، فذكر لهم الملاحم، فقالوا: قاتله اللّه، ما أفصحه كاذبا (2). .
و هناك قضية أخرى تشبه هذه القضية أيضا، فراجعها (3). .
3-و حين أخبر الناس بأنه لو كسرت له الوسادة لحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الفرقان بفرقانهم، و ما من آية إلا و هو يعلم أين و متى، و في من نزلت.
قال رجل من القعود تحت منبره: يا للّه و للدعوى الكاذبة (1).
و كان ميثم التمار يحدث ببعض العلوم و الأسرار الخفية، فيشك قوم من أهل الكوفة، و ينسبون أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى المخرقة، و الإيهام، و التدليس الخ (2). .
و قال «عليه السلام» : «و اللّه لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة، ثم لو شئت لحدثتكم إلى أن تغيب الشمس، لا أخبركم إلا حقا، ثم لتخرجن فتزعمن: أني أكذب الناس و أفجرهم. .» (3).
و قال مخاطبا أهل العراق: «و لقد بلغني أنكم تقولون: علي يكذب! قاتلكم اللّه» (4). .
و قد تحدث ابن أبي الحديد عن أن قوما من عسكر أمير المؤمنين «عليه السلام» كانوا يتهمونه فيما يخبرهم به عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أخبار الملاحم، و الغائبات. و قد كان شك منهم جماعة في أقواله، و منهم من
1) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 136.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 291 و البحار ج 34 ص 302.
3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 128.
4) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 119 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 99 و الإختصاص ص 155 عن كتاب ابن دأب، و الإرشاد للمفيد ص 162 و الفصول المختارة ص 262 و الإحتجاج ج 1 ص 255 و ينابيع المودة ج 3 ص 435 و البحار ج 34 ص 103 و 136 و ج 35 ص 421 و ج 38 ص 269 و ج 40 ص 111 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 127 و نهج الإيمان ص 164 و جواهر المطالب في المناقب الإمام علي «عليه السلام» ج 1 ص 321.
واجهه بالشك و التهمة (1). .
و لا نتفاجأ إذا كان أبو بكر هو الوسيط الذي طلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو اللّه أن يسقيهم، فهناك اعتبارات عديدة لا بد من النظر إليها، فلاحظ ما يلي:
1-إن حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن شخص يحدثهم بما كان و بما هو كائن، إنما هو حديث عن إنسان يملك علما خاصا، ليس لأحد منهم كلهم أي سبيل إليه، فهو رجل متصل بالغيب، و قد اختصه اللّه بما لم يعطه أحدا من خلقه، إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه. .
2-إن هذا العلم هو ما نسميه بعلم الإمامة، و هو أحد سبيلي معرفة شخص الإمام. و السبيل الآخر هو النص. .
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» تحدث عن رجل غائب، و حذر جميع من حضر من مغبة الخروج على جادة الإستقامة و السداد بمخالفته، و أن عاقبة ذلك ستكون هي عذابهم، و لا يعبأ اللّه تعالى بهم. .
و لا تعذب الأمة بمخالفة أحد إلا إن كان نبيا، أو وصي نبي. .
4-و من جهة أخرى فإننا نلاحظ: أن الذي غاب بإذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة هم أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و الضعفاء، و النساء و الصبيان، و الذين لا يجدون ما يحملهم عليه. و المنافقون. .
1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 286.
و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لواحد من هؤلاء فقط، و هو ذلك المأذون له بالبقاء، و المنصوب من قبله على المدينة: إنه منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده. .
5-و يلاحظ أيضا: أن الذي جاء يطلب الماء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو نفس ذلك الذي يتزعم المعارضة لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و يخطط لانتزاع الأمر منه فور وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو لّما يدفن. . و الناقل لهذا الحديث أيضا هو نصيره و نظيره، و وزيره، و خليفته من بعده. .
و هو يطلب ذلك تحت وطأة عطش كان نتيجة لما جرى في الحجر، حيث أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر الإمام و الإمامة حسبما أوضحناه. .
6-لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرى حال أصحابه، و جهدهم و عطشهم و معاناتهم، و لكنه لم يبادر إلى مد يد العون لهم، و لا اكترث بحالهم، بل تجاهل هذا الحال، حتى جاؤوه هم و طلبوا منه ذلك.
و لا شك في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس قاسيا عليهم بل كان رحيما بهم عطوفا عليهم كما قال اللّه تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1)، فلما ذا غض النظر حتى كانوا هم المطالبين له بالتدخل، و كان الوسيط خصوص أبي بكر.
فإن ذلك يدلنا على أن ثمة سياسة إلهية حكيمة و فاضحة لنوايا
1) الآية 128 من سورة التوبة.
مكتومة، كان لا بد من العمل على فضحها، و الحر تكفيه الإشارة. .
إن حديث الناقة، و عقرها، و صالح و قومه. . ثم تحذير النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقومه من أن يصيبهم ما أصاب قوم صالح، ثم ذكره لرجل منهم، يخبرهم عن الماضي و عما يأتي. و أن سلوكهم معه إن لم يكن على طريق الإستقامة و السداد، فإن اللّه تعالى سيعذبهم، و لا يعبأ بعذابهم شيئا. .
إن هذا الحديث لم يكن مجرد تلويح، بل هو قد انتهى إلى التصريح، لمن راجع ذاكرته، و راقب أقوال الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» التي كان يقرن فيها قاتل علي «عليه السلام» بعاقر ناقة صالح (1). .
و أما بالنسبة لأبي رغال فقد قدمنا بعض الحديث عنه في الجزء الخامس و العشرين في فصل «قبر أبي رغال» و لا نرى ضرورة للإعادة. .
1) راجع: العقد الفريد (ط دار الشرفية بمصر) ج 2 ص 210 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 591 ط مصطفى الحلبي و إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 332 عن بحر المناقب لابن حسنويه، و مقاصد المطالب ص 11 و البدء و التاريخ ج 5 ص 61 و نهاية الأرب ج 2 ص 190 و مجمع الزوائد ج 9 ص 137 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 113 و أسد الغابة ج 4 ص 33 و تلخيص المستدرك للذهبي ج 3 ص 113 و نظم درر السمطين ص 126 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 113 و المناقب للخوارزمي و نور الأبصار (ط دار العامرة بمصر) ص 98. و الروايات في ذلك كثيرة جدا لا مجال لاستقصائها، و لا ضرورة لإحصائها. .
و لم يقتصر الأمر على هذا الذي جرى في الحجر، بل استمرت المعجزات و الكرامات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلح على ضمير الناس، و تقتحم عليهم خلواتهم التأملية، لترسخ لديهم اليقين، و لتؤكد الحجة بالحجة، و لتكون كلمة اللّه هي العليا، و كلمة أهل المطامع و الأهواء، هي السفلى، فجاء استسقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليروي الناس من ظمأهم بعد أن منعوا من ماء الحجر، تأكيدا على أن اللّه الذي منعهم هو الذي يعوضهم بدعوة من نبيّه، ليؤكد لهم بذلك صدقه و قداسته، و يلزمهم بالحق، و لو كانوا كارهين. .
و قد أمرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإرتحال، و أن لا يحملوا معهم من ماء الحجر شيئا. .
و طبيعي أن يثير هذا فيهم الهواجس و الوساوس، و أن يتنامى خوفهم و يزداد كلما أوغلوا في تلك الصحراء القاحلة حيث تزداد احتمالات هلاكهم و ما معهم من دواب، من شدة العطش.
و لا بد أن يرتبط ذلك كله بصور العذاب الذي صبه اللّه تعالى على ثمود، و آثار هذا الغضب الإلهي التي لم تنته حتى بعد مضي آلاف السنين، و يقع الأمر الذي طالما أرعبهم، و أقضّ مضاجعهم ألا و هو العطش الشديد، المنذر بالموت. و يتعاظم هذا الخطر و يزداد، و ظهر لهم أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه. .
و تعلقت القلوب، و انشدّت الأنظار إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلبوا منه أن يغيثهم بدعوة منه يرفعها إلى اللّه تعالى، ليسقيهم الماء، تفضلا منه، و كرامة لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لم يصلّ بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الإستسقاء، بل اكتفى برفع يديه نحو السماء، فلم يرجعها حتى قال له الكريم: خذ، و أرخت السماء عزاليها، و سكبت عليهم ما قسمه اللّه تعالى لهم. . و لم يتجاوز المطر العسكر. .
و طبيعي أن تكون الفرحة عارمة، و أن يكون الشعور بالإمتنان عظيما. . و ذلك كله يحتم عليهم أن لا ينسوا ما بينه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم من لزوم الإستقامة، و تحري الصواب حين يكون معهم من يخبرهم بما كان و بما هو كائن. . و أن لا يتخلوا عنه، و إلا، فإن عليهم أن يواجهوا العذاب الأليم، و الغضب الإلهي العظيم. .
ثم إنهم رؤوا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سار حتى إذا كان ببعض الطريق متوجها إلى تبوك فأصبح في منزل، فضلّت ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال محمد بن عمر: هي القصواء. .
فخرج أصحابه في طلبها، و عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمارة بن حزم، و كان عقبيا بدريا، قتل يوم اليمامة شهيدا، و كان في رحله زيد بن اللصيت، أحد بني قينقاع، كان يهوديا، فأسلم، فنافق، و كان فيه خبث
اليهود و غشهم، و كان مظاهرا لأهل النفاق، فقال زيد و هو في رحل عمارة بن حزم، و عمارة عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : محمد يزعم أنه نبي، و هو يخبركم عن خبر السماء، و هو لا يدري أين ناقته! !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمارة عنده: «إن منافقا قال: هذا محمد يزعم أنه نبي، و يخبركم بأمر السماء، و لا يدري أين ناقته، و إني و اللّه لا أعلم إلا ما علمني اللّه تعالى، و قد دلني اللّه عز و جل عليها، و هي في الوادي في شعب كذا و كذا، لشعب أشار لهم إليه، حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها» . فذهبوا، فجاءوا بها.
فرجع عمارة إلى رحله فقال: و اللّه، العجب لشيء حدثناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» آنفا عن مقالة قائل أخبرها اللّه تعالى عنه، قال كذا و كذا للذي قال زيد.
فقال رجل ممن كان في رحل عمارة-قال محمد بن عمر: و هو عمرو بن حزم أخو عمارة-و لم يحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : زيد و اللّه قائل هذه المقالة، قبل أن تطلع علينا.
فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، و يقول: يا عباد اللّه، إن في رحلي لداهية و ما أشعر، أخرج يا عدو اللّه من رحلي فلا تصحبني.
قال ابن إسحاق: زعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، و قال بعض الناس: لم يزل متهما بشرّ حتى هلك (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 448 و 449 عن الواقدي و ابن اسحاق، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 371 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 950.
و نقول:
قد تكرر في الغزوات المختلفة ذكر ضلال ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دلالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه عليها، و ظهور أن اللّه تعالى مسدّد نبيه بالوحي، و تأكد بوار كيد المنافقين، و افتضاح أمرهم. .
و هذا بالذات، هو ما جرى في غزوة تبوك، كما قررته الرواية الآنفة الذكر. .
و يلاحظ: أن طعن المنافقين، و اليهود و المشككين في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتركز على موضوع علم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالغيب، فيتّخذ من ضياع ناقته ذريعة للتشكيك بالنبوة، عن طريق إثارة الشبهة بعلمه بمكان ناقته، فإن جهله-بزعمهم-بمكان ناقته دليل عدم نبوته. . و هم يرسلون هذا الأمر إرسال المسلمات. . و كأنه مما تحكم به العقول أو تقضي به فطرة الناس، كل الناس، حيث يقدم اليهودي للمشرك، و للمسلم هذا الأمر على أنه أمر بديهي و أنه دليل قاطع على ذلك.
و لم ينقل لنا أنه «صلى اللّه عليه و آله» ناقشهم في هذا الأمر، أو رده عليهم، بل هو يستجيب لما يقتضيه هذا التحدي، و يخبرهم بمكان الناقة، و يصف لهم حالها، و ما آل إليه أمرها بدقة.
و بظهور صدقه في ذلك كله يظهر اللّه تعالى للملأكيدهم، و يفتضح به كذبهم، و يبور سعيهم، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا. .
بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» يقرّ و يؤكد اتصاله باللّه، و أنه يتلقى علمه
منه تبارك و تعالى، و أن هذا الذي يخبرهم به قد تلقاه منه سبحانه. .
و قد أظهرت قصة الناقة: أن كل الذي يجري، إنما هو بعين اللّه تبارك و تعالى، و لعله كان يهدف:
أولا: إلى ترسيخ إيمان الناس، و لا سيما الذين دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة، بفتح نوافذ لهم على الغيب الإلهي، و تقريبهم من حقائقه، من خلال تجسيده لهم في مفردات حسية و حاضرة. .
ثانيا: إنه يريد أن يبين للناس أن أهل الريب و النفاق لا يزالون يعيشون بينهم، و أنهم يسعون للكيد لهذا الدين و أهله، و أن على الناس أن يتنبهوا لذلك، لكي لا يقعوا في المآزق و المهالك، التي ربما يكيدهم بها أولئك الحاقدون، و لا سيما مع اقتراب رحيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنهم، و هو كان يعلم بحقيقة ما يحاك و يدبر للإستئثار بأمر الناس بعده. .
و لعل نداء عمارة بن حزم حين اكتشف الأمر: إن في رحلي لداهية، و ما أشعر، يصلح للتدليل على أن هذه السياسة قد آتت ثمارها، و أن هذا من بعض آثارها.
عن المغيرة بن شعبة قال: لما كنا فيما بين الحجر و تبوك ذهب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحاجته، و كان إذا ذهب أبعد، و تبعه المغيرة بماء بعد الفجر-و في رواية: قبل الفجر-فأسفر الناس بصلاتهم، و هي صلاة الفجر حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم.
فحملت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إداوة فيها ماء، و عليه جبة رومية من صوف، فلما فرغ صببت عليه فغسل وجهه، ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإنني أدخلتهما طاهرتين» ، فمسح عليهما.
فانتهينا إلى عبد الرحمن بن عوف، و قد ركع ركعة، فسبح الناس لعبد الرحمن بن عوف حين رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى كادوا يفتنون.
فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه، فأشار إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اثبت.
فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، فلما سلم عبد الرحمن تواثب الناس، و قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقضي الركعة الباقية، ثم سلم بعد فراغه منها، ثم قال: «أحسنتم، أو قد أصبتم-فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها-إنه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته (1).
و نقول:
أولا: إن هذا الخبر و إن كان يراد له أن يسجل فضيلة لعبد الرحمن بن عوف، من حيث إن من يصلي النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلفه يكون له
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 1012 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 449 عن ابن سعد، و عن مسلم. و سيأتي مصادر ذلك في فصل: «عزل أبي بكر عن الصلاة» .
مقام ليس لغيره. و لكنه سيضيّع على أولئك المتحذلقين أنفسهم استدلالا آخر يعز على قلوبهم، و لطالما حاولوا تشييده و تأكيده و تعضيده. . و هو أنهم قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه (1). و أن ذلك يدل على صحة خلافة أبي بكر بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذ كيف لا نرضى لدنيانا من رضيه اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» لديننا. .
فإذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك (2). فإن استدلالهم هذا الأخير يسقط عن الإعتبار، و يصبح أبو
1) راجع: البحار ج 28 ص 164 و 165 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 49 و كشاف القناع ج 1 ص 580 و نيل الأوطار ج 3 ص 184 و مسند أحمد ج 3 ص 243 و سنن الترمذي ج 1 ص 226 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 83 و مجمع الزوائد ج 9 ص 46 و فتح الباري ج 2 ص 130 و 146 و عمدة القاري ج 5 ص 187 و 188 و 191 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 296 و 297 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 399 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 406 و المعجم الصغير ج 1 ص 178 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 360 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 317 و كنز العمال ج 8 ص 20 و فيض القدير ج 5 ص 378 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 222 و 223 و تاريخ بغداد ج 2 ص 36 و ج 9 ص 296 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 37 و 291 و ج 51 ص 173 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 176 و 178 و البداية و النهاية ج 5 ص 255 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 460 و 464 و 465 و السيرة النبوية ج 4 ص 465 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 195.
2) راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 229 و المواقف للإيجي ج 3 ص 609 و 610 و نصب الراية ج 2 ص 323 و فيض القدير ج 5 ص 378 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 129 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 79 و 80 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 294 و ج 10 ص 171 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 449 و ج 8 ص 194 و ج 10 ص 490 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 464 و 468 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 458 و المنتظم ج 5 ص 34 و صفة الصفوة ج 1 ص 349 و البحار ج 28 ص 165 و 170 و مسند أحمد ج 4 ص 247 و مسند أبي داود الطيالسي ص 95 و تنوير الحوالك للسيوطي ص 59 و المسترشد للطبري ص 133 و التمهيد لابن عبد البر ج 11 ص 159 و ج 22 ص 322 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 196 و تهذيب الكمال ج 14 ص 102 و أمالي المحاملي ص 258 و المعجم الكبير ج 20 ص 427 و 433 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 2 ص 290 و 401 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 1 ص 116 و كشف المشكل ج 1 ص 216 و كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 182 و 203 و نيل الوطار ج 3 ص 211 و فتح الباري ج 23 ص 146 و كنز العمال ج 9 ص 614 و فيض القدير ج 5 ص 378 و الأحكام لابن حزم ج 2 ص 218 و تاريخ مدينة دمشق ج 35 ص 258 و 259 و الإصابة ج 4 ص 202 و البداية و النهاية ج 5 ص 28 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 57 و ج 6 ص 361 و ج 14 ص 458 و 459 و السيرة و النبوية لابن كثير ج 4 ص 40 و تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ج 1 ص 83.
بكر، مثل عبد الرحمن بن عوف، من هذه الجهة. فلما ذا يقدّم عليه و على غيره، و لا سيما مع وجود النص على الغير في حديث المنزلة و حديث الغدير، و غير ذلك. .
و لا يختلفون أيضا في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر عمرو بن العاص
على أبي بكر و عمر، و جماعة من المهاجرين و الأنصار، و كان عمرو يؤمهم طول زمان إمارته في الصلاة عليهم، و لم يدل ذلك على فضله عليهم في الظاهر، و لا عند اللّه تعالى على حال من الأحوال. و لم يوجب تقدمه عليهم بالخلافة.
ثانيا: إن صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلف أي كان من الناس، لا تعني أن ذلك الرجل يملك المواصفات التي تؤهله لمقام الإمامة و الخلافة، لأن إمامة الجماعة لا تحتاج إلى علم شامل، و لا إلى شجاعة، و لا إلى معرفة بشؤون المسلمين، و لا إلى تدبير، و لا إلى فضل، و لا إلى غير ذلك من شرائط، و مواصفات معتبرة في من يتولى شؤون الأمة.
ثالثا: إن هؤلاء يقولون: إنه لا تشترط في إمامة الجماعة التقوى، و لا الإجتناب عن المحرمات و المآثم، و يزعمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «صلوا خلف كل بر و فاجر» (1). .
1) راجع: جامع الخلاف و الوفاق للقمي ص 84 و فتح العزيز للرافعي ج 4 ص 331 و المجموع للنووي ج 5 ص 268 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 75 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 40 و تحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 229 و بدائع الصنائع للكاشاني ج 1 ص 156 و الجوهر النقي للمارديني ج 4 ص 19 و البحر الرائق ج 1 ص 610 و تلخيص الحبير لابن حجر ج 4 ص 331 و نيل الأوطار ج 1 ص 429 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 254 و الإفصاح للمفيد ص 202 و المسائل العكبرية للمفيد ص 54 و الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ص 232 و غوالي اللآلي ج 1 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 19 و عمدة القاري ج 11 ص 48 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 145 و سنن الدارقطني ج 2 ص 44 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 256 و 257 و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 33 و 34 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 1 ص 168 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 97 و كنز العمال ج 6 ص 54 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 29 و 32 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 156 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 168 و تلخيص الحبير ج 2 ص 35 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 154 و العلل المتناهية لابن الجوزي ج 1 ص 422 و 425 و المقاصد الحسنة للسخاوي ج 1 ص 426.
و لكنهم يشترطون العدالة و العلم، و. . و. . في إمامة الأمة. .
رابعا: إن حديث صلاة أبي بكر بالناس، ثم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يثبت من الأساس، فإن بعض الروايات قد صرحت: بأن عائشة هي التي أمرت أباها بالصلاة (1)، و ليس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكي يقال: كيف لا نرضى لدنيانا من رضيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لديننا. .
خامسا: قد صرحت الروايات أيضا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزل أبا بكر عن الصلاة، و صلى هو مكانه رغم مرضه الشديد (2). .
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 197 و ج 14 ص 23 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 620 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 399 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 268 و البحار ج 28 ص 159. و سيأتي مصادر أخرى لهذا الحديث في فصل: «عزل أبي بكر عن الصلاة» .
2) راجع: البحار ج 27 ص 324 و ج 28 ص 110 و ج 85 ص 96 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 23 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 307 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 399 و مواقف الشيعة ج 3 ص 438 و قاموس الرجال للتستري ج 11 ص 235.
سادسا: لما ذا قدّم الناس عبد الرحمن بن عوف، و لم يقدموا أبا بكر، أو عمر، فإن هؤلاء يدّعون أنهما أفضل من ابن عوف؟ ! أو لما ذا لم يقدموا عثمان، فكذلك أيضا حسب ما هو مقرر عندهم؟ ! . .
سابعا: قد صرحت رواية المغيرة بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تأخر عن صلاته حتى خاف الناس من طلوع الشمس قبل رجوعه، فقدموا عبد الرحمن بن عوف. .
و هذا غير مقبول، و لا معقول منه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه يتضمن اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالتفريط في صلاته الواجبة، و أنه ليس من الذين هم على صلاتهم يحافظون.
و قد كان قيام الليل واجبا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان يصلي الفجر، فلما ذا لم يتهيأ لصلاة الصبح قبل أن يحين وقتها. .
ثامنا: إن من غير المقبول و لا المعقول أن يسافر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحاجته بمقدار مسير أكثر من نصف ساعة ذهابا، و مثلها إيابا، فيبدأ سفره من الفجر أو قبله، و تتأخر عودته إلى الوقت الذي يخشى فيه من طلوع الشمس، و الناس ينتظرونه لصلاة الصبح.
تاسعا: إن الإستعانة في الوضوء للصلاة مكروهة، فعن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: خصلتان لا أحب أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي فإنه من صلاتي، و صدقتي فإنها من يدي إلى يد السائل، فإنها تقع في يد الرحمان (1).
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 478 و (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 336 و الخصال للصدوق ص 33 و النوادر للراوندي ص 190 و البحار ج 23 ص 128 و ج 77 ص 329 و ج 93 ص 128 و 178 و كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري ج 2 ص 401 و (ط ق) ج 1 ص 150 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 344 و 346 و سنن النبي للطباطبائي ص 276 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 261 و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 272 و تفسير العياشي ج 2 ص 108 و جواهر الكلام ج 2 ص 343.
و روى الحسن بن علي الوشا: أنه دخل الإمام الرضا «عليه السلام» و بين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة، فدنوت منه لأصب عليه فأبى ذلك، فقال: مه يا حسن.
فقلت له: لم تنهاني أن أصب على يديك؟ تكره أن أؤجر.
قال: تؤجر أنت، و أؤزر أنا.
فقلت: و كيف ذلك؟
فقال: أما سمعت اللّه عز و جل يقول: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و ها أنا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد (1).
و رووا: أن عمر رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستقي ماء
1) الكافي ج 3 ص 69 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 365 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 477 و (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 335 و البحار ج 49 ص 104 و ج 81 ص 349 و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 272 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 153 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 316 و مستند الشيعة ج 2 ص 157 و جواهر الكلام ج 2 ص 312 و 343 و كتاب الطهارة للأنصاري ج 2 ص 399 و (ط ق) ج 1 ص 149.
لوضوئه فبادره يستقي له، فقال له: «مه يا عمر، فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد» .
أو: «لا أحب أن يعينني على وضوئي أحد» .
أو: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد» (1).
فلما ذا لا ينزه النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه عن هذا المكروه في غزوة تبوك أيضا، فيخالف طريقته و يستعين بالمغيرة؟ ! مع أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ابن سمية (أو عمار) ما عرض عليه أمران قط إلا اختار الأرشد منهما (أو أرشدهما) (2)فإن كان هذا حال عمار فكيف بالنبي الأعظم
1) راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 227 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 200 و عمدة القاري ج 3 ص 61 و كنز العمال ج 9 ص 144 و 207 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 9 ص 472 و المجروحين من المحدثين و الضعفاء و المتروكين ج 3 ص 53 و تحفة المحتاج ج 1 ص 190 و البيان و التعريف ج 2 ص 270 و حاشية ابن عابدين ج 1 ص 126 و المطالب العالية لابن حجر ج 2 ص 305 و الفردوس بمأثور الخطاب لابن شيرويه الديلمي ج 5 ص 310 و تلخيص الحبير ج 1 ص 97 و خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير ج 1 ص 40 و نيل الأوطار ج 1 ص 219.
2) مسند أحمد ج 1 ص 389 و 445 ج 6 ص 113 و سنن الترمذي ج 5 ص 332 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 388 و فتح الباري ج 7 ص 72 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 203 و ج 10 ص 213 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 523 و الجامع الصغير ج 2 ص 495 و كنز العمال ج 11 ص 721 و 723 و فيض القدير ج 2 ص 73 و ج 5 ص 567 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 181 و معجم الرجال و الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 1 ص 72 و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 404 و 407 و أسد الغابة ج 4 ص 45 و الأعلام للزركلي ج 5 ص 36 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 575 و المسانيد لمحمد حياة الأنصاري ج 1 ص 138 و 204 و 328 و علل الدارقطني ج 5 ص 233 و المراجعات ص 319 و 320 و الغدير للأميني ج 9 ص 26 و 259 و ج 9 ص 325 و البداية و النهاية ج 7 ص 298 و أعيان الشيعة ج 8 ص 373 و وقعة صفين للمنقري ص 343.
«صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
عاشرا: لما ذا يحمل له الأداوة المغيرة بن شعبة، و هو الرجل المعروف بالغدر، و قد أسلم بعد أن فتك بثلاثة عشر رجلا، غدرا، حسدا، و أخذ أموالهم، لكي يأمن من ملاحقة أهلهم و عشائرهم له (1). .
1) راجع: فتح الباري ج 5 ص 249 و عمدة القاري ج 14 ص 3 و 11 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 202 و عيون الأثر ج 2 ص 117 و الغارات للثقفي ج 2 ص 833 و 834 و عون المعبود ج 7 ص 317 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 698 و البحار ج 20 ص 369 و أعيان الشيعة ج 1 ص 269 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 779 و راجع: نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 185 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 312 و مسند أحمد ج 4 ص 329 و صحيح البخاري ج 3 ص 180 و سنن أبي داود ج 1 ص 629 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 113 و 219 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 369 و 376 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 10 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 336 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 221 و المعجم الكبير ج 20 ص 12 و شرح النهج ج 20 ص 8 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 196 و تفسير الميزان ج 18 ص 266 و جامع البيان ج 26 ص 128 و تفسير البغوي ج 4 ص 200 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 227 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 375 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 332.
و كيف قبل المسلمون أن ينفرد المغيرة المعروف بغدره برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يوجد فيهم من يتبرع بالقيام بهذا الأمر دونه. .
حادي عشر: ما معنى قول الرواية: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غبطهم حيث صلوا الصلاة لوقتها، و قال لهم: أحسنتم. فإن المفروض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلاها أيضا لوقتها، بل هو قد صلاها معهم. .
و إن كان المقصود: أنهم قد صلوها في أول وقتها، فغير صحيح، لأنهم ما صلوها إلا بعد أن خافوا الشمس أن تطلع. .
على أن هذه الغبطة إنما يصبح لها معنى لو كانوا لم يضيعوا فضيلة أول الوقت، حيث يكونون قد فازوا بما لم يفز به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فغبطهم من أجل ذلك كله، لكن ذلك لم يحصل. .
إلا إن كان المقصود: أنه غبطهم على عدم تفريطهك بصلاتهم، و إن كان هو «صلى اللّه عليه و آله» قد أدرك هذه الصلاة أيضا.
عن يعلى بن أمية قال: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأجير له قد نازع رجلا من العسكر، فعضه ذلك الرجل، فانتزع الأجير يده من فم العاض، فانتزع ثنيته.
فلزمه العاض، فبلغ به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قمت مع أجيري لأنظر ما يصنع، فأتي بهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «أيعمد أحدكم فيعض أخاه كما يعض الفحل» ؟
فأبطل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما أصاب من ثنيته، و قال: «أ فيدع
يده في فيك تقضمها كأنها في فم فحل يقضمها» ؟ (1).
و نلفت النظر هنا إلى قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «يعض أخاه كما يعض الفحل» ، و قوله: «تقضمها كأنها في فم فحل يقضمها» ، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» يجسد بكلامه هذا القسوة البالغة، لمن يجب أن يعامل بأعلى درجات الرحمة و الرفق، و هو الأخ. . ليظهر للناس أن فعله سمج و قبيح، تنفر منه النفوس، و ذلك مبالغة منه «صلى اللّه عليه و آله» في زجره عن مثل هذا العمل. .
عن سهيل بن بيضاء: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أردفه على رحله في غزوة تبوك، قال سهيل: و رفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته: «يا سهيل» .
كل ذلك يقول سهيل: يا لبيك يا رسول اللّه، ثلاث مرات.
حتى عرف الناس أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريدهم، فانثنى عليه من أمامه، و لحقه من خلفه من الناس، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له حرمه اللّه على النار» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 449 و 450 عن البخاري، و غيره و في هامشه عن البخاري (4417) و (ط دار الفكر) ج 5 ص 130. و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 158 و عمدة القاري ج 18 ص 47 و المعجم الكبير ج 22 ص 250.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 450 عن أحمد، و الطبراني، و الواقدي، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 5 ص 318 و 236 و ابن حبان، و عن مجمع الزوائد ج 6 ص 252 و الطبقات الكبرى لا سعد ج 3 ص 415 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 58.
و نقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد-فيما يظهر-أن يواجه الناس بحقيقة أن ما يكنونه يخالف ما يظهرونه. . و أن عليهم أن يزيلوا جميع رواسب الشرك من عقولهم، و أن يخلصوا للّه سبحانه، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يتجنب إظهار أية إشارة من شأنها أن تثير الشبهة في أمرهم، حتى إنه لا يوجه إليهم خطابه، بل يتظاهر بأنه يريد بخطابه سهيل بن بيضاء، متعمدا أن يعرّفهم أنه يريد منهم أن يسمعوا ما سيقوله. . لأنه ينادي برفيع الصوت، مع أن سهيل بن بيضاء كان أقرب من غيره إليه، و يجيبه سهيل بن بيضاء، و لكنه لا يكترث للإجابة بل يكرر النداء. .
و بعد أن تأكد أن الناس قد أدركوا أنه يريد أن يقول شيئا، و أنه يريد لهم أن يسمعوا ما يقول. . أطلق كلمته، التي توجههم إلى ضرورة التزام خط التوحيد بمعناه الدقيق و العميق. . لأنه هو الذي يضمن سلامة مسيرهم نحو اللّه تبارك و تعالى وفق ما رسمه من أحكام و ما حدده من شرائع، حيث لا يبقى لغيره تعالى أي دور في حياتهم، و أي تأثير في حرف تصرفاتهم و مواقعهم بالإتجاهات الخاطئة، حيث الهلاك و البوار، و التعرض لغضب الجبار، و استحقاق العقاب بالنار. .
عن عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في
غزوة تبوك، فلما كان منها على ليلة استرقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال: «ألم أقل لك يا بلال: اكلأ لنا الفجر» ؟ ! .
فقال: يا رسول اللّه ذهب بي النوم، و ذهب بي مثل الذي ذهب بك.
قال: فانتقل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من منزله غير بعيد، ثم صلى، و سار مسرعا بقية يومه و ليلته، فأصبح بتبوك (1).
و نقول:
1-إن هؤلاء المخذولين يحاولون التسويق عمدا لأمور محدّدة تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ربما ليبرروا مخالفات من يحبونهم من الحكام و الخلفاء، الذين كانوا لا يهتمون بصلاتهم، و بعباداتهم، و برعاية أحكام اللّه تبارك و تعالى في مواقفهم، و سياساتهم، و سائر تصرفاتهم. .
فأراد أتباعهم و محبوهم أن يبرروها لهم و يخففوا من وقع الإعتراضات عليهم بنسبة نظائر تلك المخالفات الشنيعة، و التهاون بأحكام اللّه تبارك و تعالى إلى النبي المعصوم صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطيبين الطاهرين. .
و لكي يتم لهم ما يريدون، يحاولون تكرير نسبة هذه القبائح إليه «صلى اللّه عليه و آله» في المناسبات المختلفة حتى ليحسب الناظر: أن هذا الأمر مشهود و مرصود منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه من عاداته التي يتكرر
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 451 عن البيهقي، و الدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 225 و تاريخ مدينة دمشق ج 51 ص 240 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 59 و البداية و النهاية ج 5 ص 17 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 24 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 111.
صدورها منه باطراد. .
و ما نسبة النوم عن صلاة الصبح إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، التي تكررت في جملة من أسفاره إلا واحدة من هذه المفردات الكثيرة، و قد حافظوا فيها حتى على الأشخاص، و على الكلمات كما يعلم بالمراجعة و المقارنة. .
و كنا قد تعرضنا لتفنيد هذه الترهات و الأباطيل حين الحديث عن رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة خيبر، و في مواضع أخرى، و ها نحن نواجهها بعينها في غزوة تبوك، فيرجى من القارئ الكريم أن يراجع ما ذكرناه حول هذه الأفيكة في المواضع التي سلفت من هذا الكتاب. .
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الفصل الحادي عشر: الكيد السفياني في حديث المباهلة 5-58
الباب التاسع: . . . إلى حجة الوداع غزوة تبوك في القرآن الكريم 61-66
الفصل الأول: الإعداد و الإستعداد 67-38
الفصل الثاني: تجهيز جيش العسرة 99-134
الفصل الثالث: النفير العام 135-162
الفصل الرابع: المتخلفون و المعذرون و البكاؤون و اللاحقون 163-210
الفصل الخامس: الثلاثة الذين خلفوا. . و حديث كعب بن مالك 211-258
الفصل السادس: هكذا يكيدون عليا عليه السّلام 259-280
الفصل السابع: أحداث جرت في الطريق إلى تبوك 281-322
الفهارس:323-335
الفصل الحادي عشر: الكيد السفياني في حديث المباهلة إهمال ذكر علي عليه السّلام:7
أبو بكر و عمر و حفصة و عائشة في المباهلة:9
البعض يفتئت و يناقش:11
المباهلة بأعز الناس:17
و أنفسنا:19
مساواة علي عليه السّلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله:20
سبب إثارة الشبهات:22
تناقضات الشعبي:23
الأمر الأول: النموذج الحي:23
الأمر الثاني: التخطيط. . في خدمة الرسالة:25
الأمر الثالث: سياسات لا بد من مواجهتها:29
عنصر المرأة:29
الحسنان أبناء النبي صلّى اللّه عليه و آله:31
عود على بدء:33
الخطة. . و مواجهتها:41
أمثلة تاريخية هامة:42
مفارقة:47
من مواقف الإمام الحسن عليه السّلام:48
و الإمام الحسين عليه السّلام أيضا:53
الإمام السجاد ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:54
خطبة زينب و سواها:55
على خطى النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله:56
الباب التاسع: تبوك. . و إلى حجة الوداع غزوة تبوك في القرآن الكريم:61
الفصل الأول: الإعداد و الإستعداد تبوك علم لا ينصرف:69
سبب تسمية الغزوة بتبوك:70
الأولى: فسبهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:70
الثانية: تسمية العين تبوك:75
تاريخ غزوة تبوك و هي آخر مغازيه:76
إما تبوك، و إما الهلاك:77
لما ذا كانت غزوة تبوك؟ ! :78
1-النبي صلّى اللّه عليه و آله ليس ألعوبة بيد اليهود:78
أهداف هذه الفرية:86
2-الأخبار الكاذبة هي السبب:87
3-تعويض قريش عن متاجرها:88
4-هلكت أموالهم:95
الفصل الثاني: تجهيز جيش العسرة المنفقون في جيش العسرة:101
عثمان يجهز جيش العسرة:104
مناقشة النصوص:107
أبو بكر ينفق ماله كله:107
كعب بن عجرة كان عثمانيا:109
حديثهم يكذب بعضه بعضا:109
لم يكن في تبوك عسرة مالية:110
تجهيز عثمان لجيش العسرة خرافة:116
تناقض الروايات:117
أبو بكر أعطى ماله كله:119
حديث المناشدة باطل:120
بئر رومة:123
لا توجد أموال بهذا الحجم:123
عثمان و العدل الإلهي:124
هل كان عثمان من الأجواد؟ ! :128
من أين لك هذا؟ ! :128
الإستفاقة المتأخرة:129
هل هذا تعريض بأبي بكر؟ ! :129
الإغراء بالمعاصي:131
العسرة لم ترتفع بما فعل عثمان:131
عثمان يعطي من بيت المال:132
الفصل الثالث: النفير العام إعلان المسير، لما ذا؟ ! :137
تكاليف الحرب على المحاربين؟ ! :142
الإستنفار العام:143
العدد، و العدة، و الألوية، و الرايات:144
توزيع الرايات، و اللواء الأعظم مع أبي بكر:146
خمسة و عشرون رجلا مؤمنا فقط:146
لا تقتل معي فتدخل النار:148
مشاركة العبد بدون إذن سيده:148
ثنية الوداع:149
أبو بكر يصلي بالناس:151
الألوية. . و الرايات:153
خبير الفرار من الزحف:154
بركات غزوة تبوك:156
ابن أبي في أحد كما في تبوك:157
نتائج تبوك معلومة سلفا:160
الفصل الرابع: المتخلفون و المعذرون و البكاؤون و اللاحقون أبو ذر يلحق بالنبي صلّى اللّه عليه و آله:165
لا فرق بين أبي ذر و غيره:167
فسيلحقه اللّه:168
مقايسة بين نوعين من الناس:168
كن أبا ذر:169
يموت وحده، و يبعث وحده:169
أبو خيثمة و عمير بن وهب أيضا:170
البكاؤون الذين لا يجد ما يحملهم عليه:173
النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يجد ما يحمل عليه أبا موسى، ثم يجد:177
لا حافظة لكذوب:179
و اللّه لا أحملكم على شيء:180
المتخلفون و المعذّرون من الأعراب:181
بنو غفار هم المنافقون المعذّرون:183
التزوير في حديث المخذّلين:183
تضخيم القضية لما ذا؟ ! :186
حقيقة القضية:189
الجد بن قيس يرفض المشاركة في تبوك:195
لعلك تحقب من بني الأصفر:198
النبذ الإجتماعي للمتخلفين:200
النبي صلّى اللّه عليه و آله يحرق بيت سويلم على المنافقين:201
أسئلة هامة و أجوبتها:202
أهل مسجد الضرار:204
طعن أبي موسى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:206
إذا كان قد ابتاعهن من سعد:207
كاد المريب أن يقول خذوني:208
هل منعهم النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :208
النبي صلّى اللّه عليه و آله يحنث في يمينه:208
الفصل الخامس: الثلاثة الذين خلفوا. . و حديث كعب بن مالك أبو لبابة و أصحابه:213
الثلاثة الذين خلّفوا:215
خلفوا أم تخلفوا؟ ! :228
خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا:229
خذ من أموالهم صدقة:230
إختلاف الروايات:231
اختلاف الروايات في الثلاثة الذين خلفوا:232
هل كفر المتخلفون؟ ! :234
ألا نبشر كعب بن مالك؟ ! :234
لم يعاتب اللّه أحدا تخلف عن بدر:234
مبررات المتخلفين:236
حبسه برداه، و نظره في عطفيه:237
الصدق و الكذب في كلام كعب بن مالك:238
مفارقة مرفوضة:239
الثلاثة لم يتوبوا:240
لا يثق بما يختاره له النبي صلّى اللّه عليه و آله:241
لما ذا كعب دون سواه؟ ! :243
يوم التوبة خير يوم:243
كعب لا يملك إلا ثوبيه:244
أمن عندك؟ ! أم من عند اللّه؟ ! :245
النبي صلّى اللّه عليه و آله يأمر كعبا بإمساك ماله؟ !245
الإنسجام بين طلحة و بين كعب:246
كعب و كتاب ملك غسان:247
أسئلة حاسمة حول الرسالة:249
من المكلف بمقاطعة المتخلفين؟ ! :250
كعب بن مالك ليس كأبي ذر:252
الجهاد فرض عين أو فرض كفاية:253
كعب بن مالك يحتاج إلى أوسمة:255
الفصل السادس: هكذا يكيدون عليا عليه السّلام علي عليه السّلام خليفة النبي صلّى اللّه عليه و آله في أهله:261
حديث المنزلة كما روي:263
ما جرى في غزوة تبوك:265
الإستثناء منقطع:269
هل حديث المنزلة خاص بأهل النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :270
لما ذا خلّف عليا عليه السّلام في المدينة؟ ! :274
هل الرواية خاصة بتبوك؟ :276
قريش هي البلاء:277
الفصل السابع: أحداث جرت في الطريق إلى تبوك دعوها فإنها مأمورة:283
النبي صلّى اللّه عليه و آله يأكل هريسة اليهود:284
خرص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:285
تجربة بلا سوابق:286
إمتحان التخريج:287
جنّي بصورة حية:288
لا تدخلوا مساكن ثمود:290
الإستسقاء. . و نزول المطر:292
السنةّ الإلهية باقية:294
تجسيد الحدث:295
آثار السخط الإلهي:296
مساكن ثمود:296
عليّ عليه السّلام هو المقصود:297
علي عليه السّلام يخبر بما كان و بما يكون:298
أبو بكر هو الوسيط:300
تلميح. . كأنه تصريح:302
أبو رغال:302
المعجزة تلو المعجزة:303
مواصلة المسير دون ماء:303
لا يدري النبي صلّى اللّه عليه و آله أين ناقته! !304
طعن المشككين و المنافقين
306
سياسة إظهار نفاق أهل النفاق
307
النبي صلّى اللّه عليه و آله يأتم بابن عوف
307
قضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله في قضية
317
النبي صلّى اللّه عليه و آله يردف سهيل بن بيضاء
318
النبي صلّى اللّه عليه و آله ينام عن الصلاة
319
الفهارس
323
1-الفهرس الإجمالي
325
2-الفهرس التفصيلي
327