الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 22

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثانى و العشرون

ادامة القسم التاسع: فتح مكة

الباب الثاني: فتح مكة

اشارة

الفصل الأول: هكذا تحرك من مرّ الظهران

الفصل الثاني: دخول مكة

الفصل الثالث: القتال في مكة

الفصل الرابع: منزل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و جوار أم هاني

الفصل الخامس: ما جرى لأبي قحافة

الفصل السادس: طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و تحطيم الأصنام

الفصل السابع: النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة

الفصل الثامن: الخطبة الأولي في مكة

الفصل التاسع: مفتاح الكعبة. . و البيعة في مكة

الفصل العاشر: أحداث. . و متابعات

الفصل الأول: هكذا تحرك من مرّ الظهران

اشارة

الإعلان بالأمان:

قال أبو سفيان و حكيم بن حزام: يا رسول اللّه، ادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش و كفت أيديها آمنون هم؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم» .

قال العباس: قلت: يا رسول اللّه! ! قد عرفت أبا سفيان و حبه الشرف و الفخر، فاجعل له شيئا.

و عن أبي سلمة و يحيى بن عبد الرحمن: أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب السماع، يعني الشرف انتهى.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» .

فقال: و ما تسع داري؟

زاد ابن عقبة: «و من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» -و دار أبي سفيان بأعلى مكة، و دار حكيم بأسفلها- «و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن» .

فقال أبو سفيان: و ما يسع المسجد؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : «و من أغلق بابه فهو آمن» .

فقال أبو سفيان: هذه واسعة (1).

و قال الحلبي الشافعي: «عقد «صلّى اللّه عليه و آله» في المسجد لأبي رويحة-الذي آخى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينه و بين بلال-لواء، و أمره أن ينادي: و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. أي و إنما قال ذلك لما قاله له أبو سفيان: و ما تسع داري؟ و ما يسع المسجد» ؟ (2).

و في نص آخر: أن العباس أخذ أبا سفيان فأباته عنده، فلما أصبح و سمع الأذان سأل العباس عنه، فأخبره، ثم أمره العباس بأن يتوضأ و يصلي. . . و علمه الوضوء. . ففعل.

فلما صلى غدا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إني أحب أن تأذن لي إلى قومك، فأنذرهم، و أدعوهم إلى اللّه و رسوله، فأذن له.

فقال العباس: كيف أقول لهم؟ ! بيّن لي من ذلك أمرا يطمئنون إليه! !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «تقول لهم: من قال: لا إله إلا اللّه وحده لا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن عقبة، و قال في هامشه: أخرجه الطبراني في الكبير 8/9 و انظر المجمع 6/172 و أخرج صدره مسلم في الجهاد باب (31 و 84 و 86) و أبو داود في الخراج باب (25) و أحمد 2/292 و 538 و البيهقي 6/234 و 9/117 و 118 و 171 و الطبراني في الكبير 8/9 و ابن أبي شيبة 14/475 و عبد الرزاق (9739) و الطبراني في الصغير 2/72 و الدار قطني 3/60 و الطحاوي في المعاني 3/321 و البيهقي في الدلائل 5/32 و 37 و 56 و السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 80.

شريك له، و شهد أن محمدا رسول اللّه، و كف يده فهو آمن، و من جلس عند الكعبة و وضع سلاحه فهو آمن» .

فقال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» .

قال أبو سفيان: داري؟

قال: دارك.

ثم قال: «و من أغلق بابه فهو آمن» (1).

و نص آخر يقول:

و جاء حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلما و بايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين يديه إلى قريش، يدعوانهم إلى الإسلام.

و قال: من دخل دار أبي سفيان-و هو بأعلى مكة-فهو آمن، و من دخل دار حكيم-و هو بأسفل مكة-فهو آمن، و من أغلق بابه و كف يده فهو آمن (2).

و نقول:

إن في هذه النصوص العديد من الإشارات و الدلالات، نذكر منها ما يلي:


1) البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى.

2) مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 104 و تاريخ الخميس ح 2 ص 81.

هل هذا تشريف لأبي سفيان؟ ! :

قد كان مما أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي سفيان: أن جعل الأمان لمن دخل داره، لأن أبا سفيان يحب التفخيم و الذكر، كما قاله العباس رحمه اللّه.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان قد أنعم لأبي سفيان بهذا الأمر و أعطاه إياه بيد، و لكنه عاد فأخذه منه باليد الأخرى، بأسلوب رصين يجعل الناس يدركون للتوّ: أنه مجرد إجراء شكلي ليس له مضمون تشريف و لا تكريم، لأنه:

1-أعطى مثل ذلك لحكيم بن حزام أيضا.

2-ساوى بين دخول دار أبي سفيان، و بين اللجوء إلى راية الأمان، التي جعلها مع أبي رويحة.

3-ساوى أيضا بينه و بين أية دار في مكة يدخلها صاحبها، و يغلق بابها على نفسه.

4-ساوى بين ذلك و بين أن يضع الإنسان سلاحه، و يكف يده، ليكون ذلك إشارة إلى مجرد اتخاذ وضع غير قتالي.

و بذلك يتضح: أن أبا سفيان ليس فقط لم يحصل على ما أراد من الذكر و الفخر، و إنما أخذ منه ما كان قد استلبه بغير حق. . لأن المساواة بين دخول داره و بين دخول دار أي إنسان في مكة، ثم بين ذلك و بين أن يكف الإنسان يده و يضع سلاحه فيها حط من المقام الذي جعله أبو سفيان لنفسه، و جعله كأي إنسان آخر من أهل مكة. .

و ذلك بعد أن جعله أيضا مثل حكيم بن حزام. . الأمر الذي لا يرضاه

أبو سفيان، و لا يقرّ به له.

و لا بد من أن يرضي ذلك ابن حزام، و ربما تذهب به الأوهام إلى أبعد من ذلك، إذا كان يذكي لديه الطموح لمنافسة أبي سفيان، أو لعدم الإقرار له بالتفرد في الزعامة على الأقل. . و من شأن هذا أن يزعج أبا سفيان، و يؤرقه في مضجعه أيضا.

إستجداء بعد الإستغناء:

لقد كان أبو سفيان طيلة حوالي عشرين سنة يسعى لإطفاء نور اللّه، مدّعيا لنفسه مواقع الشرف و الكرامة، متخذا من هذا الفعل المخزي و المشين سبيلا للمجد و الذكر و الفخر، و شيوع الذكر.

و لكنه بين ليلة و ضحاها أصبح يستجدي شيئا من الذكر، و ما يوجب له الفخر من نفس هذا العدو الذي لم يزل يحاربه إلى تلك اللحظة، و لو قدر على شيء من ذلك لما تردد فيه. .

فما هذه الدنيا التي تذل حتى أشد الناس حبا لها، و لا تعطيهم شيئا إلا أن يدفعوا ثمنه أعز شيء لديهم، و أغلاه عليهم؟ !

حفظ حرم اللّه تبارك و تعالى:

و لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن إعلان الأمان لأهل مكة، و كذلك سائر المواقف و السياسات النبوية في مسيره «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، تظهر بما لا مجال معه لأي شبهة و ريب: أن المطلوب هو: أن لا تراق أية قطرة دم في حرم اللّه تبارك و تعالى. .

و لا بد من أن يقارن الكثيرون من أهل مكة و غيرهم بين هذه السياسة

مع صناديد قريش و كل رجالها، و بين ما فعله أهل مكة أنفسهم بالخزاعيين الأبرياء من الصبيان، و النساء، و الرجال الضعفاء. في حين أن قريشا لو تمكنت من الحرب لأبادت هذا الجيش القادم بأكمله في نفس بيت اللّه و حرمه. .

وضوء و صلاة أبي سفيان:

و قد أظهر النص المتقدم عن البحار عن إعلام الورى: أن أبا سفيان قد توضأ و صلى مع المسلمين.

و نقول:

إن ذلك لا مجال لقبوله، إن كان أبو سفيان على شركه إلى تلك اللحظة، كما ذكرته بعض الروايات، فإنه إنما أسلم بعد ما بات عند العباس. .

و إن أخذنا برواية البحار و إعلام الورى، و قلنا: بأنه قد أسلم ليلا، ثم سلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى العباس ليبيت عنده، فلما أصبح رأى أذان المسلمين و صلاتهم، فصلى معهم. . فلا غبار على الرواية التي نتحدث عنها من هذه الجهة. .

إلا أن يقال: إنه قد بات ليلة أخرى غير الليلة التي أخذ فيها، و كان قد أسلم نهارا، و هو إنما توضأ و صلى في صبيحة الليلة الثانية، فلا يبقى إشكال في قولهم: إنه توضأ و صلى، حتى على القول الأول.

الدعاة الجدد إلى الإسلام:

و في النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام يدعوان الناس في مكة إلى الإسلام، بل فيها: أن

أبا سفيان نفسه قد تبرع بذلك، لكنه كان على جهل تام بما يريد قوله، فطلب أن يعلموه ما يقول للناس في ذلك، فعلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يطلب من الناس النطق بالشهادتين.

و نقول:

إن هؤلاء و هم رؤوس الشرك يمكن أن يساهموا في إطفاء نار الحرب، و حمل الناس على ترك القتال. . لأن ذلك يحفظ أرواح الناس، خصوصا إذا كانوا من أهلهم، و عشيرتهم، أو من أحبائهم و أصدقائهم، أو من حلفائهم.

و يمكن أن يقدموا على ذلك من منطق الحفاظ على حرمة البيت و الحرم، و لأجل حفظ ماء وجههم أمام الآخرين. . لا لأجل أن للحرم قداسة حقيقة في نفوسهم.

و لكننا لا يمكن أن نصدق: أن رؤوس الشرك يطلبون أن يكونوا دعاة للناس للدخول في هذا الدين، إلا على أساس أنه نفاق و استغلال، لا سيما و أنهم كانوا لا يزالون يحاربون هذا الدين للحظات خلت. بل إن أبا سفيان قد ما طل و سوّف و لم يزل يقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن في النفس شيئا من الشهادة له بالرسالة. فكيف يعقل أن يتحول في تلك اللحظة نفسها إلى داعية صادق لهذا الدين؟ ! و لو قيل: لعل اللّه هو الذي تصرف في قلبه! !

قلنا: لماذا تأخر هذا التصرف إلى الآن؟ !

أبو سفيان يرصد كتائب الفتح:

و لما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس الغداة، قال للعباس:

«خذه إلى رأس العقبة، فأقعده هناك ليراه الناس جنود اللّه و يراها» .

فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك.

قال العباس: يا أبا سفيان هي نبوة.

قال: نعم (1).

و زعموا أيضا: أنه لما توجهوا ذاهبين قال العباس: يا رسول اللّه، إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه، فاردده حتى يفقه، و يرى جنود اللّه- تعالى-معك (2).

و عن أبي سلمة و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن أبا سفيان لما ولى، قال أبو بكر: يا رسول اللّه، لو أمرت بأبي سفيان فحبس على الطريق؟ (3).

و نرى: أن الصحيح هو ما قاله ابن إسحاق و محمد بن عمر: من أن أبا سفيان لما ذهب لينصرف، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للعباس: «احبسه بمضيق الوادي (حتى تمر عليه جنود اللّه)» .

قال ابن عقبة، و محمد بن عمر: فأدركه العباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟

فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون. زاد الواقدي قوله: و لكن لي إليك حاجة.

فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولا؟


1) البحار ج 21 ص 119 عن الخرايج و الجرايح، و المغازي للواقدي ج 2 ص 118.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن عقبة.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 عن ابن أبي شيبة.

فقلت: إن لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي؟ !

قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب.

و عبأ رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أصحابه الخ. . (1).

و لفظ ابن عقبة: إنا لسنا بغدر، و لكن أصبح حتى تنظر جنود اللّه، و إلى ما أعد اللّه للمشركين.

قال ابن عقبة: فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة حتى أصبحوا (2).

كتائب الإسلام إلى مكة:

قالوا: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مناديا ينادي، لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، و وقفت مع صاحبها عند رايته، و تظهر ما معها من الأداة و العدة.

فأصبح الناس على ظهر، و قدّم بين يديه الكتائب.

قالوا: و مرت القبائل على قادتها. و الكتائب على راياتها (3).

قال محمد بن عمر: و كان أول من قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد في بني سليم و هم ألف، و يقال: تسعمائة، و معهم لواءان و راية، يحمل أحد اللواءين العباس بن مرداس، و الآخر يحمله خفاف بن


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 818 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 452.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و البحار ج 21 ص 104 و 118 و 119 و 129 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 218 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 556.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 219 عن ابن عقبة.

ندبة، و يحمل الراية الحجاج بن علاط-بعين مضمومة-(و عند المعتزلي: و راية يحملها المقداد) ، فلما مروا بأبي سفيان، كبروا ثلاث تكبيرات، ثم مضوا، فقال أبو سفيان: يا عباس! ! من هؤلاء؟

فقال: هذا خالد بن الوليد.

(و في نص آخر قال أبو سفيان: هذا رسول اللّه؟ قال: لا، و لكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة) (1).

قال: الغلام؟

قال: نعم.

قال: و من معه؟

قال: بنو سليم.

قال: ما لي و بني سليم!

ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين و أفناء العرب (2)، و معه راية سوداء.

فلما مروا بأبي سفيان كبروا ثلاثا.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ و في نص آخر: يا عباس! هذا محمد؟ !

قال: هذا الزبير بن العوام.

قال: ابن أختك؟

قال: نعم.


1) البحار ج 1 ص 130.

2) الأفناء: الأخلاط من الناس لا يعرف من أي القبائل هم.

ثم مرت بنو غفار في ثلاثمائة، يحمل رايتهم أبو ذر.

و يقال: إيماء بن رحضة، فلما حاذوه، كبروا ثلاثا.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟

قال: بنو غفار.

قال: ما لي و لبني غفار؟

ثم مرت أسلم في أربعمائة، فيها لواءان، يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب، و الآخر ناجية بن الأعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: أسلم.

قال: ما لي و لأسلم؟ (ما كان بيننا و بينهم ترة قط.

قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام) .

ثم مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة، يحمل رايتهم بسر بن سفيان فلما حاذوه، كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو عمرو بن كعب بن عمرو، إخوة أسلم.

قال: نعم. هؤلاء حلفاء محمد.

ثم مرت مزينة في ألف. فيها ثلاثة ألوية، و مائة فرس. يحمل ألويتها النعمان بن مقرن، و عبد اللّه بن عمرو بن عوف، و بلال بن الحارث، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

قال: من هؤلاء؟

قال العباس: مزينة.

قال: ما لي و لمزينة؟ قد جاءتني تقعقع من شواهقها (1).

ثم مرت جهينة في ثمانمائة، فيها أربعة ألوية، يحملها أبو روعة معبد بن خالد، و سويد بن صخر، و رافع بن مكيث و عبد اللّه بن بدر، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال: جهينة.

قال: ما لي و لجهينة؟

ثم مرت كنانة بنو ليث و ضمرة، و سعد بن بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي، فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو بكر.

قال: نعم، أهل شؤم و اللّه! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم. (زاد في نص آخر قوله: أما و اللّه ما شوورت فيهم و لا علمته، و لقد كنت له كارها حيث بلغني، و لكنه أمر حتم) .

قال العباس: قد خار اللّه-تعالى-لكم في غزو محمد «صلّى اللّه عليه و آله» أتاكم أمنكم، و دخلتم في الإسلام كافة.

ثم مرت أشجع و هم آخر من مر، و هم ثلاثمائة معهم لواءان، يحمل أحدهما: معقل بن سنان، و الآخر: نعيم بن مسعود. فلما حاذوه كبروا ثلاثا.

قال أبو سفيان: من هؤلاء؟


1) تقعقع الشيء: أحدث صوتا عند تحريكه.

قال العباس: هؤلاء أشجع.

قال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد.

قال العباس: و أدخل اللّه-تعالى-الإسلام في قلوبهم، فهذا فضل من اللّه.

ثم قال أبو سفيان: أبعد ما مضى محمد؟

فقال العباس: لا، لم يمض بعد، لو أتت الكتيبة التي فيها محمد رأيت فيها الحديد و الخيل و الرجال، و ما ليس لأحد به طاقة.

قال: و من له بهؤلاء طاقة؟

و جعل الناس يمرون، كل ذلك يقول أبو سفيان: ما مر محمد؟

فيقول العباس: لا، حتى طلعت كتيبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخضراء التي فيها المهاجرون و الأنصار-و سميت الخضراء لما فيها من الحديد، و العرب تطلق الخضرة على السواد و العكس-و طلع سواد شديد، و غبرة من سنابك الخيل، و جعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: أما مر محمد؟

فيقول العباس: لا.

و في هذه الكتيبة: الرايات و الألوية، مع كل بطن من بطون الأنصار لواء و راية، و هم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، و لعمر بن الخطاب فيها زجل (1)بصوت عال و هو يزعها (2)و يقول: رويدا حتى يلحق أولكم آخركم.


1) الزجل: رفع الصوت.

2) وزع فلانا: زجره و نهاه. و وزع الجيش: رتب فرقه، و سواهم صفا واحدا.

و عند الواقدي: (فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل! من هذا المتكلم؟ !

قال: عمر بن الخطاب.

فقال أبو سفيان: لقد أمر أمر بني عدي بعد-و اللّه-قلة و ذلة.

فقال العباس: يا أبا سفيان، إن اللّه يرفع من يشاء بما يشاء. و إن عمر ممن رفعه الإسلام، و يقال: كان في الكتيبة ألف دارع) (1).

و يقال: ألفا دارع.

و أعطى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» رايته سعد بن عبادة، فهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نادى أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل اللّه قريشا.

و في نص آخر: اليوم تستحل الكعبة (2).

قال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار (3).

فمرت القبائل، و طلع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو على ناقته القصواء. قال محمد بن عمر: -طلع-بين أبي بكر الصديق، و أسيد بن الحضير-و هو يحدثهما-فقال العباس: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 821.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 82.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 220 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 818-821.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و في هامشه عن: ابن عبد البر في الدرر (216) و البيهقي في الدلائل 5/38 و ابن كثير في البداية 4/290. و البحار ج 21 ص 130 و 104 و 107 و 108 عن شرح النهج للمعتزلي و غيره، و السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و 81 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و 84.

و في الصحيح عن عروة: أن كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة، و معه الراية: قال: و لم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب، فيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع الزبير.

قال في العيون: كذا وقع عند جميع الرواة.

و رواه الحميدي في كتابه: هي أجل الكتائب، و هو الأظهر انتهى (1).

فقال أبو سفيان: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما.

قال العباس: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة.

قال: فنعم إذا (2).

عن العباس-رضي اللّه عنه-قال: لما بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلت لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا.

قال: لا و اللّه حتى أرى الخيل تطلع من كداء.

قال العباس: قلت ما هذا؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و 267 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و 83.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و في هامشه قال: انظر المجمع 6/173. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 104 و 118 و 119 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

قال: شيء طلع بقلبي، لأن اللّه لا يطلع خيلا هناك أبدا.

قال العباس: فلما طلع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره (1).

قالوا: فلما مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي سفيان، قال: يا رسول اللّه أمرت بقتل قومك؟ ! ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ !

قال: «ما قال» ؟ !

قال: كذا و كذا، و إني أنشدك اللّه في قومك، فأنت أبر الناس، و أوصل الناس، و أرحم الناس.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذب سعد يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم يعظم اللّه فيه الكعبة، اليوم يوم تكسى فيه الكعبة، اليوم يوم أعز اللّه فيه قريشا» . و أرسل إلى سعد فعزله عن اللواء (2).

و عند ابن إسحاق: أن سعدا لما قال ما قال، سمعه رجل من المهاجرين.

قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب.

فقال: يا رسول اللّه، أتسمع ما قال سعد؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة (3).

زاد الديار بكري قوله: فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي بن أبي طالب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 عن الطبراني و مجمع الزوائد ج 6 ص 173.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و البحار ج 21 ص 109 عن المعتزلي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 821 و 822.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

«عليه السلام» : أدركه، و خذ الراية، و كن أنت الذي تدخل بها (1).

و استبعد ذلك الحافظ من عمر هنا؛ لكونه كان معروفا بشدة البأس عليهم (2).

و عند محمد بن عمر: أن عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، قالا ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و قال ضرار بن الخطاب الفهري-فيما ذكره محمد بن عمر، و أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي-شعرا يستعطف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل مكة، حين سمع قول سعد، قال أبو الربيع: و هو من أجود شعر قاله.

و عن جابر: أن امرأة من قريش عارضت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الشعر، فكأن ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قريش:

يا نبي الهدى إليك لجاحي قريش و لات حين لجاء

حين ضاقت عليهم سعة الأرض و عاداهم إله السماء

و التقت حلقتا البطان على القوم و نودوا بالصيلم (4)الصلعاء


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و البحار ج 21 ص 109 عن المعتزلي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

4) الصيلم: السيف المصقول.

إن سعدا يريد قاصمة الظه‌ر بأهل الحجون و البطحاء

خزرجي لو يستطيع من الغي‌ظ رمانا بالنسر و العواء

و غر الصدر (1)لا يهم بشيءغير سفك الدما و سبي النساء

قد تلظى على البطاح و جاءتعنه هند بالسوءة السواء

إذ ينادي بذل حي قريشو ابن حرب بذا من الشهداء

فلئن أقحم اللواء و نادىيا حماة الأدبار أهل اللواء

ثم ثابت إليه من بهم الخزرج و الأوس أنجم الهيجاء

لتكونن بالبطاح قريشفقعة القاع في أكف الإماء

فأنهينه فإنه أسد الأس‌د لدى الغاب و الغ في الدماء

إنه مطرق يريد لنا الأم‌ر سكوتا كالحية الصماء

فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى سعد، فنزع اللواء من يده، و جعله إلى ابنه قيس بن سعد، و رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه (2).

و في رواية: دخل ولد سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون (3).

و زعموا أيضا: أن سعدا أبى أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول اللّه


1) و غر الصدر: امتلأ غيظا.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

«صلى اللّه عليه و آله» ، فأرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعمامته، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.

و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» ، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن (1).

و روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى الراية للزبير إذ نزعها من سعد (2).

زاد الديار بكري قوله: و جعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين.

و عن الزبير: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دفعها إليه فدخل بلواءين (3).

قال الحافظ: و الذي يظهر في الجمع: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عليا لينزعها، و أن يدخل بها (4).

ثم خشي تغير خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إن سعدا خشي أن يقع من ابنه شيء يكرهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذها، فحينئذ أخذها الزبير (5).

و يؤيد ذلك: ما رواه البزار بسند على شرط البخاري عن أنس قال:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 عن ابن عبد البر و السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 عن أبي يعلى، و موسى بن عقبة.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و السيرة الحلبية ج 3 ص 82.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

كان قيس في مقدمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم مكة، فكلم سعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك. انتهى (1).

و في نص آخر: أن أبا سفيان سعى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (و زاحم حتى مرّ تحت الرماح) ، و أخذ بغرزه (2)، فقبّله، و قال: بأبي أنت و أمي، أما تسمع ما يقول سعد؟ إنه يقول:

اليوم يوم الملحمةاليوم تسبى الحرمة

فقال لعلي «عليه السلام» : أدركه، فخذ الراية منه، و كن أنت الذي يدخل بها، و ادخلها إدخالا رفيقا.

فأخذها علي «عليه السلام» ، و أدخلها كما أمر (3).

و نقول:

قد احتوت النصوص المتقدمة أمورا عديدة ينبغي الوقوف عندها. و قد آثرنا أن نقتصر هنا على بعض منها، و هي الأمور التالية:

العباس هو المشير أم أبو بكر؟ ! :

يلاحظ: أن بعض الروايات المتقدمة تذكر: أن العباس هو الذي اقترح أن يرى أبو سفيان عرض جنود اللّه تعالى.


1) المصدران السابقان.

2) الغرز: ركاب الرجل.

3) مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105 و 130 عن إعلام الورى، و عن مناقب آل أبي طالب.

لكن رواية أخرى تذكر: أن أبا بكر هو المشير بذلك.

غير أننا نعلم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى رأي أحد. .

فإذا كانا قد بادرا إلى اقتراح من هذا القبيل، فذلك يشير إلى نقص فيهما، لأنهما يخالفان بذلك قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).

و الصحيح هو: أن هذا هو قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يحتج فيه إلى أحد.

و قد صرحت بعض الروايات: بأنه بمجرد أن أعلن أبو سفيان بالشهادتين أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» العباس بأن يأخذه إلى العقبة ليراه جنود اللّه عز و جل، و يراهم.

أهداف حضور العرض:

و قد صرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالهدف الذي كان يتوخاه من حضور أبي سفيان عرض جنود اللّه تعالى، و هو أمران:

أولهما: أن يراه الناس جنود اللّه، لتقوى بذلك عزائمهم، و يصح يقينهم بوعد اللّه تعالى لهم بالفتح و النصر، منذ الحديبية.

ثانيهما: أن يرى هو جنود اللّه، لتذل و تتطامن نفسه الأمّارة بالسوء، التي تمنيه النصر، و تدعوه إلى محاربة اللّه و رسوله، و عباده المؤمنين، و ليكبته


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

اللّه تبارك و تعالى بذلك، و يشفي به صدور قوم مؤمنين طالما اضطهدهم، و ألحق بهم أنواعا من الأذايا و البلايا و الرزايا.

أبو سفيان يصر على أن ما يراه (ملك) :

و حين يعبّر أبو سفيان للعباس عن انبهاره بما يرى، تراه يقول: ما أعظم ملك ابن أخيك.

فهو يزعم للعباس: بأن ما يراه إنما هو من مظاهر السلطان و الملك، و لا يريد ان يعترف للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة، لأنه قد يستطيع أن يصنع لنفسه ملكا يضاهيه، أو أن يكيد لهذا الملك و يسقطه، أو يسلبه ممن هو له.

أما النبوة فهي شرف لا يمكن سلبه، و لا مجال للسعي للحصول عليه؛ لأن الإختيار فيه لا يعود إليه، و لا إلى أحد يمكن الوصول إليه، بل إلى اللّه تبارك و تعالى. و أبو سفيان لم يزل محاربا له سبحانه، منتهكا لحرماته. .

و لذلك تراه يصر على توصيف كل ما يراه بأنه (ملك) ، متجاهلا كل ما يراه من معجزات و كرامات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . لأنه يرى: أن ذلك من مصلحته، كما أن مصلحته-بزعمه الفاسد-هي بإنكار النبوة، أو التشكيك فيها على الأقل.

أغدرا يا بني هاشم؟ ! :

إن أبا سفيان لم يزل يصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأفضل الصفات، و بأنه أبر الناس و أوصلهم، و أرحمهم، و بأنه الحليم الكريم، و. . و. . و قد عرفه الناس بأنه الوفي الذي لا يغدر، و الواضح الذي لا يمكر،

و الطاهر الذي لا يفجر.

و قد رفض «صلى اللّه عليه و آله» بعد عهد الحديبية أن يستجيب لطلب أبي بصير بأن لا يسلمه لأهل مكة، و قال له: «لا يصح في ديننا الغدر» (1).

و قد كان وفاؤه هذا معروفا لدى المشركين. و قد شهد بذلك مكرز بن حفص الذي بعثته قريش مع جماعة، ليستعلموا منه «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب مجيئه إلى مكة في عمرة القضاء، فقالوا له: «و اللّه، ما عرفت صغيرا و لا كبيرا بالغدر» .

إلى أن تقول الرواية: فقال مكرز: «هو الذي تعرف به البر و الوفاء» (2).

و لكن أبا سفيان برغم هذا كله، بمجرد أن أشار إليه العباس بأن يقف لحاجة له معه، بادر لوصف جميع بني هاشم بالغدر. . مع أن طلب الوقوف ليس فيه ما يشير إلى غدر، و لا إلى سواه.

و لكن خوف أبي سفيان قد أعاده إلى غفلته، و أيقظ فيه سوء سريرته، فتعامل مع الأمور وفق طبعه هو، لا وفق ما يعلمه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من بني هاشم. .

و الذي دل على ذلك: أنه قد برر و ستر بهذا الخوف ما صدر منه من اتهام بني هاشم بالغدر، فإنه حين قال له العباس: لي إليك حاجة.

قال له أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولا.


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 24.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 191 و في هامشه عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 92 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 321 و المغازي للواقدي ج 2 ص 734.

فقلت: إنّ لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي.

العدة و العدد:

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر العباس بأن يوقف أبا سفيان على رأس العقبة ليراه عباد اللّه و يراهم. . ثم عبأ «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و أمرهم بإظهار الأداة و العدة. .

و لا يحتاج هذا الإجراء إلى بيان، فهو المنطق الذي يفهمه عبيد الدنيا، الذين يفهمون الأمور بمقاديرها، و يقومونها بأحجامها، و هيآتها المادية، لا بمضمونها و معناها الواقعي.

كتائب أم قبائل:

و قد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» مناديا ينادي: لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، و وقفت مع صاحبها عند رايته. ثم صارت القبائل تمر على قادتها و القبائل على راياتها. .

و السؤال هنا هو: عن السبب في هذه التبعية التي تعتمد على التصنيف العشائري مع أن الإسلام يرفض المنطق القبلي و العشائري.

و نقول في الجواب:

إن للعشائرية و القبائلية حالتين:

إحداهما: غير مضرة و لا مسيئة لأحد، و ربما تكون محبوبة و مرضية يتجاوز في محبوبيتها درجة الإستحباب لتصل إلى الوجوب.

و لتصبح بذلك منشأ للعقوبات و المثوبات الإلهية، لأن لها دورا في بناء الحياة، و في تصحيح مسارها. . مثل صلة الأرحام، و قضاء حوائجهم، و قد

حفظ الإسلام هذه الصلة و الخصوصية، و رضيها.

و لكنه نزع منها أو فقل: غيّر فيها نزعة العصبية و كرّسها في أن تكون عصبية للحق، و للدين، و السعي لرضا اللّه تعالى، و الالتزام بأوامره في حفظ نفس هذه الصلة أيضا.

الثانية: العصبية للعشيرة، و للنسب، و الإندفاع في تلبية طموحات ذلك المتعصب، و أهوائه إلى حد الظلم و العدوان على الآخرين، لمجرد الإستجابة للداعي النسبي، أو العشائري. و هذا مرفوض و مدان في الإسلام.

و من الواضح: أن ترتيب الكتائب وفق التصنيف العشائري هو من الصنف الأول أي أنه لا يوجب ضررا، بل هو مفيد و سديد، و يوجب تنافسا في السعي إلى تحقيق رضا اللّه تبارك و تعالى فيما ندبهم إليه. . و هو يدفع أيضا إلى التناصر في ساحات الجهاد، و يقلل من حجم الخسائر بين أهل الإيمان.

بل لقد كان لهذا التنظيم فائدة أخرى هامة جدا، و خصوصا في فتح مكة. . حيث رأى أبو سفيان: كيف أن مختلف قبائل العرب، التي طالما علّق آماله على نصرها، تنضوي تحت لواء الإسلام، و تأتي لفتح بلد كان يعتبره آخر ما يمكن أن يفكر أحد بجمع الجيوش لدخوله. .

و لذلك كان أبو سفيان كلما مرت به قبيلة من تلك القبائل، على هيئتها و بعدتها القتالية، يعرب عن حيرته في دوافع تلك القبيلة إلى أن تكون في موقع المحارب له، ثم أن تبلغ في عدائها له و للمشركين إلى هذا الحد، و هو أن تدخل مكة، فيقول: ما لي و لقبيلة كذا. . ثم يكرر هذا القول بالنسبة للقبيلة التي تليها. . و هكذا.

و قد يقول عن بعض القبائل: «ما كان بيننا و بينها ترة قط» .

و قال عن بعضها: «جاءتني تقعقع من شواهقها» .

بل هو حين مر به بنو بكر قال: أهل شؤم و اللّه، هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم.

و لعل أكثر ما آلم قلبه هو: أنه قد مرت به قبائل كانت من أشد الناس عداوة لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» . . فما الذي قلب الأمور، و كيف تغيرت الأحوال؟ !

من هؤلاء:

و لكن يبقى لنا سؤال عن طبيعة أسئلة أبي سفيان للعباس عن الأشخاص و عن القبائل. . فقد كانت معرفة أبي سفيان تضاهي معرفة العباس بهم و بها، فقد كانا يعرفان خالدا و عمر بن الخطاب، و. . و. . الخ. . و يعرفان سليما و بني بكر، و بني أشجع الخ. .

فهل كانت أسئلة تقديرية، أم أنه كان متجاهلا في أسئلته لا جاهلا، ليظهر للعباس أنه قد فوجئ بالأمر؟ ! أم أن هناك بعض الأسباب الأخرى التي لم تخطر على بالنا؟ !

كل ذلك نجعله في بقية الأماكن و لكن النتيجة واحدة على كل حال، و هي فتح اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نصره على أهل الشرك و الضلال.

خالد. . غلام! ! :

و قد ورد في الروايات المتقدمة: أن أبا سفيان وصف خالد بن الوليد

بالغلام حين رآه يقود كتيبته و هو يدخل مكة (1).

و لا ندري ما المبرر لإطلاق هذا الوصف عليه، فقد كان عمره عاليا، و قد يكون من أتراب أبي سفيان نفسه، إن لم يكن أسن منه.

و هل يصح أن يوصف ب‌ «الغلام» من يزعمون: أنه كان أحد أشراف قريش في الجاهلية (2)، و إليه كانت القبة التي كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش؟ (3).

و إليه-حسب زعمهم أيضا-كانت أعنة خيل قريش في الجاهلية (4).

إلا إذا كان يقصد ب‌ «الغلام» الشيخ، على اعتبار أن هذه الكلمة من الأضداد التي تطلق على الفتى الطار الشارب و الكهل (5).

و لكن قد يقال: إنه تأويل غير مقبول؛ لأن أبا سفيان لما سمع باسم خالد قال مستفهما: «الغلام؟ قال: نعم» .

فقد يفيد هذا السياق: أن هذه الكلمة مما عرف إطلاقها على خالد. . فكأنها كانت من ألقابه لمناسبة اقتضت ذلك.


1) الإصابة ج 1 ص 413 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 406 عن الزبير بن بكار.

2) الأعلام للزركلي ج 2 ص 300.

3) تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 254 و ج 24 ص 118 و البداية و النهاية ج 5 ص 366.

4) الأعلام للزركلي ج 2 ص 300 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 254 و ج 24 ص 118 و البداية و النهاية ج 5 ص 366.

5) راجع: أقرب الموارد ج 2 ص 884.

اللواء و الراية:

قدمنا بعض الحديث عن اللواء و الراية، و اتحادها أو عدمه، في أوائل غزوة أحد، و ربما في مواضع أخرى أيضا. .

و سياق الحديث في بعض النصوص المتقدمة يشير إلى اختلافهما أيضا. و يظهر من بعضها خلاف ذلك.

فهو يجمع بين الألوية و الرايات، فيقول عن بني سليم: كان معهم لواءان و راية.

و أضاف المعتزلي راية أخرى أيضا.

و لكنه تحدث عن خصوص الألوية في مواضع أخرى، فقد قال عن بني مزينة: إن لهم ثلاثة ألوية.

و عن جهينة: إن فيهم أربعة ألوية.

و عن أشجع: كان فيهم لواءان.

و عن بني سليم: كان معهما لواءان، و لم يذكر رايات.

و ذكر لبعض الفئات: راية أو أكثر، و لم يذكر لها لواء مثل المهاجرين، و أفناء العرب، و كذلك الحال بالنسبة لقبيلة غفار.

و كل ذلك يزيد في إبهام الأمر بالنسبة للاصطلاح الذي جرى عليه الرواة هنا.

و لعل ذلك يعزز ما قلناه من عدم الفرق بين اللواء و الراية، و إن كان بعض الرواة قد يستنسب خصوصية في مورد، فيبادر إلى التفريق بينهما في تعابيره لأجلها، و إن لم يكن لها مدخلية حقيقية في أصل المعنى.

الرايات السود:

و قد ذكر فيما تقدم: أن راية المهاجرين و أفناء العرب كانت سوداء. .

و قالوا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد يوم حنين و يوم الفتح راية سوداء (1).

و سيأتي أيضا عن أبي هريرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل مكة يومئذ «و عليه عمامة سوداء، و رايته سوداء و لواؤه أسود» (2).

و نقول:

إننا لم نجد مبررا لعقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راية لعمه، خصوصا بملاحظة الرواية الصحيحة التي صرحت: بأن العباس كان من الطلقاء. .

و لو أغمضنا النظر عنها؛ فإن عقد راية له معناه: أن يطبل العباسيون و يزمروا لها ما شاؤوا.

و لكانت قد حفلت كتب التاريخ بذكرها تبركا، أو تزلفا لهم! ! و لم نجد لذلك أثرا، لا في تبجحات العباسيين، و لا في تزلفات المتزلفين.

و بالمناسبة نقول:

قد يظهر من الكميت: أن الراية التي كان المسلمون يرفعونها في حروبهم ضد الكفار كانت سوداء، فهو يقول:

و إلا فارفعوا الرايات سوداعلى أهل الضلالة و التعدي


1) صبح الأعشى ج 3 ص 370 عن كتاب الحاوي الكبير للماوردي.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 و المغازي للواقدي ج 2 ص 824.

و قد كانت راية علي «عليه السلام» في صفين سوداء أيضا (1)، و قد خاطب صلوات اللّه و سلامه عليه حضين بن المنذر بقوله:

لمن راية سوداء يخفق ظلهاإذا قيل: قدمها حضين تقدما (2)

لقد عزّ عمر بعد قلة و ذلة:

و قد تكلمنا فيما سبق عن مقام و موقع عمر في الجاهلية و في الإسلام، و ليس لنا أن نعيد ما ذكرناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في فصل «حتى الشعب» ، تحت فقرة بعنوان: «هل عز الإسلام بعمر حقا» ؟ !

و قد أظهرت النصوص الصريحة: أن عمر بن الخطاب لم يكن من بيوت العز و الشرف و السؤدد، بل كان في قلة و ذلة، و كان هو في نفسه عسيفا، أي تابعا مستهانا به.

و لكن بالإسلام ينال الناس الشرف و العزة، إلا إذا تخلفوا عن الإلتزام بمناهجه، و عن العمل بتعاليمه. . فلا بد من ملاحظة سيرة حياتهم، و تقييمهم على هذا الأساس.


1) راجع: السيادة العربية و الشيعة و الإسرائيليات هامش ص 126.

2) الغارات ج 2 ص 790 و 792 و مواقف الشيعة للأحمدي ج 1 ص 125 و دستور معالم الحكم لابن سلامة ص 196 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 293 و 296 و ج 16 ص 210 و تهذيب الكمال ج 6 ص 556 و الإصابة ج 5 ص 93 و الأعلام للزركلي ج 2 ص 262 و أنساب الأشراف ص 269 و 307 و الأنساب للسمعاني ج 1 ص 45 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 26 و المنتخب في ذيل المذيل للطبري ص 146 و الجمل للمفيد ص 172.

أبو سفيان يصر على موقفه:

و قد ذكرنا في فصول متقدمة: كيف تعامل أبو سفيان مع ما جرى على خزاعة، حين قتلت بنو بكر و قريش طائفة من نسائها و صبيانها، و ضعفاء الرجال فيها، و نقضوا بذلك عهدهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كان رأيه جحد هذا الأمر، و إنكاره. . و سافر من مكة إلى المدينة لكي يوهم المسلمين ببراءة قريش من هذا الأمر، و حصر الأمر فيه بآحاد من بني بكر.

و ها هو يعود ليزعم: أنه كان لما جرى على خزاعة كارها. .

و ليت شعري إذا كان له كارها، حيث بلغه، فلما ذا سعى في طل دماء أولئك المقتولين ظلما، و جحد أن يكون لقريش أي أثر فيه، و سافر إلى المدينة لإيهام المسلمين بهذا الأمر؟ !

و لكنه أمر حتم:

و اللافت: أن أبا سفيان يعود هنا فيلقي بالمسؤولية على القدر، و يتحاشى أن ينسب إلى أولئك المجرمين القتلة أية مسؤولية عن قتل أولئك الأبرياء، فهو يقول: «و لكنه أمر حتم» .

و نقول له:

إنه أمر صنعته إرادات و أيدي زعماء قريش، و زعماء بني بكر، و لم يرحموا فيه صغيرا و لا كبيرا، و لم يجبرهم عليه أحد.

فهو لم يكن محتوما لو لا ركوبهم لخيول الهوى و العصبية، و طاعتهم للشيطان.

هذا. . و قد عوّدنا الأقوياء حين يضعفون و يعجزون، و كذلك الذين يستشعرون بعض القوة، ثم يظهر لهم ما هم فيه من الوهن و الفشل- عودونا-أن يبرروا ذلك بالإحالة على القدر، أو على الجبر التكويني الإلهي، لتغطية ذلك العجز و الوهن، و التستر على ما هم فيه من فشل و خيبة. .

و قد كانت عقيدة الجبرية في المشركين، و ورثها الناس عنهم، و ربما يكون لأهل الكتاب أيضا دور في ترسيخها فيهم.

قال تعالى عن المشركين: سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا وَ لاٰ حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. . (1).

بل إن اليهود قد جعلوا اللّه تعالى محكوما بقدره، و مقهورا و مجبرا فيما يفعل، فقد قال سبحانه عنهم: وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ. . (2).

و قد استخدم الحكام و أهل الأطماع هذه العقيدة لخدمة مصالحهم، و تسيير أمورهم، و حل مشاكلهم، و الخروج من بعض المآزق التي أوقعوا أنفسهم فيها.

و برروا بها إقدامهم على كثير من الأمور غير المشروعة أيضا.

ثم وضعت الأحاديث الكثيرة على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتأييد هذه العقيدة و نشرها. .

من أجل هذا و ذاك ظهرت هذه العقيدة في مفردات كثيرة من مواقف


1) الآية 148 من سورة الأنعام.

2) الآية 64 من سورة المائدة.

و كلمات و تصرفات الخلفاء و الحكام، و الشخصيات المعروفة-باستثناء علي و أهل بيته «عليهم السلام» -فراجع ما ينقل من ذلك عن عمر، و أبي بكر، و عائشة، و خالد بن الوليد، و معاوية، و عمر بن سعد، و المنصور و. . و. . الخ. .

و بها بررت عائشة حرب الجمل التي خاضتها ضد أمير المؤمنين «عليه السلام» (1).

و بها برر عمر بن الخطاب بعض أعماله حتى حين مزق كتابا سجل فيه حكما في مسألة إرثية. .

و بها برر عثمان تمسكه بالحكم إلى أن قتل.

و بها احتج معاوية لعهده بالخلافة بعده ليزيد الخمور و الفجور.

و بها برر عمر بن سعد قتله للإمام الحسين «عليه السلام» .

و بها استدل خالد بن الوليد لقتل مالك بن نويرة، و من معه من المسلمين.

و بها برر معاوية و المنصور العباسي منع الناس من حقوقهم في بيت مال المسلمين.

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه (2).


1) المحاسن و المساوي للبيهقي ج 1 ص 471 و راجع: شواهد التنزيل ج 2 ص 38 و 39 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 276 و مجمع البيان ج 8 ص 357 و راجع: البحار ج 35 ص 222 و في هامشه عن الطرائف ص 20.

2) إن ما تقدم من أمثلة و شواهد، و من أحاديث أيضا موجود في المصادر المختلفة بصورة متفرقة، فمن أراد أن يقف على متفرقاته و يجمع بين شتاته، فليلتقط بعضه من المصادر التالية: تأويل مختلف الحديث ص 5 و 6 و 29 و 45 و 48 و 82 و 83 و 128 و 235 و 236 و الهدى إلى دين المصطفى ج 2 ص 162 و 271 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 119 و 122 و 18 و ج 6 ص 356 و حياة الصحابة ج 2 ص 12 و 95 و 94 و 230 و ج 3 ص 487 و 492 و 501 و 529. و راجع: الغدير ج 7 ص 147 و 154 و 158 و ج 8 ص 132 و ج 9 ص 34 و 95 و 192 و ج 10 ص 333 و 245 و 249 و ج 5 ص 365 و ج 6 ص 128 و 117 و نور القبس ص 31 و 266 و 65 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 4 ص 69 و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 1 ص 401 و قاموس الرجال ج 6 ص 36 و الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 239 و ربيع الأبرار ج 2 ص 64 و 65 و ج 1 ص 821 و المعجم الصغير ج 1 ص 158 و 74 و 130 و 255 و ج 2 ص 67 و 55 و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 5 ص 148 و 543 و ج 7 ص 163 و 417 و ج 3 ص 72 و 66 و كلمة الأديان الحية ص 77 و 80 و الإلمام ج 6 ص 119 و لسان الميزان ج 1 ص 448 و الكفاية في علم الرواية ص 166 و جامع بيان العلم ج 1 ص 20 و ج 2 ص 148 و 149 و 150 و ضحى الإسلام ج 3 ص 81 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 340 و ج 12 ص 78 و 79 و الإمامة و السياسة ص 183 و الأخبار الدخيلة (المستدرك) ج 1 ص 193 و 197 و مقارنة الأديان (اليهودية) ص 271 و 249 و أنيس الأعلام ج 1 ص 279 و 257 و التوحيد و إثبات صفات الرب ص 80-82 و المقدمة لابن خلدون ص 143 و 144 و الأغاني ج 3 ص 76 و العقد الفريد ج 1 ص 206 و ج 2 ص 112 و تاريخ الأمم و الملوك (ط مطبعة الاستقامة) ج 2 ص 445 و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 43 و 49 عن العديد من المصادر و تذكرة الخواص ص 104 و 105 و تاريخ بغداد ج 1 ص 160 و بهج الصباغة ج 7 ص 120 و الدر المنثور ج 6 و المغازي للواقدي ج 3 ص 904 و الموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 92 و 93 و مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 67 و مناقب الشافعي ج 1 ص 17 و صحيح البخاري ج 8 ص 208 و المعتزلة ص 7 و 39 و 40 و 87 و 91 و 201 و 265 عن المنية، و الأمل ص 126 و الخطط للمقريزي ج 4 ص 181 و الملل و النحل ج 1 ص 97 و 98 و العقائد النسفية ص 85 و وفيات الأعيان ص 494. و في «الإمام الصادق و المذاهب الأربعة» ج 3 ص 45 عن الطبري ج 6 ص 33 و ج 3 ص 207 و عن الترمذي ص 508. و في حياة الصحابة نقله عن المصادر التالية: كنز العمال ج 3 ص 138 و 139 و ج 8 ص 208 و ج 1 ص 86 و صحيح مسلم ج 2 ص 86 و أبي داود ج 2 ص 16 و الترمذي ج 1 ص 201 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 209 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 50 و ج 6 ص 349 و مسند أحمد ج 5 ص 245 و مجمع الزوائد ج 6 ص 3 و ج 1 ص 135 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري (مقتل برير) ج 4 ص 124 و ج 3 ص 281 و البداية و النهاية ج 7 ص 79. و نقل أيضا عن: جامع البيان ج 6 ص 60 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 594 و عن أنساب الأشراف ج 5 ص 24.

هذا. . و قد تصدى أمير المؤمنين و أهل البيت «عليهم السلام» و كذلك شيعتهم «رضوان اللّه عليهم» لهذه العقيدة الفاسدة، بكل ما أمكنهم. . كما تصدوا لكل فاسد وافد، و بينوا زيفه بالأدلة و بالشواهد. .

بنو بكر أهل شؤم:

و قد قال أبو سفيان عن بني بكر، حين مروا به: «نعم، أهل شؤم و اللّه! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم» .

و نقول:

إنه كلام غير سليم، و هو يستبطن نوعا من التدليس للحقيقة، و المغالطة

فيها، فلاحظ ما يلي:

أولا: إن بني بكر لم يكونوا وحدهم حين قتلوا الأطفال، و النساء، و الضعفاء من رجال خزاعة، بل كان معهم من قريش جماعة فيهم زعماء، و كبار، و لم يكن بنو بكر ليجبروهم على اتخاذ موقفهم، بل اتخذوه بملء اختيارهم.

فما معنى: أن يعتبرهم شؤما، فضلا عن أن يجعلهم سبب غزو محمد «صلى اللّه عليه و آله» لقريش؟ !

ثانيا: لو صح قول أبي سفيان هذا، فقد كان بإمكانه أن يتلافى ما حصل، بالعمل على القصاص من المجرمين، أو على الأقل أن يعطي أولئك القتلة الظالمون خزاعة دية قتلاها. .

ثالثا: لماذا ساهم هو في التستر على مرتكبي الجريمة، و في السعي لخداع المسلمين، و إعطائهم انطباعا خاطئا عن حقيقة ما جرى؟ !

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من كلام سعد:

و عن قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل اللّه قريشا، نقول:

إنه مرفوض جملة و تفصيلا، بعد أن صدرت الأوامر الصارمة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ظهرت رغبته الأكيدة بحفظ حرمة بيت اللّه، و حرمه.

و هذا ينم عن جهل، أو عن عصبية جاهلية اعترت سعدا في ذلك الموقف. . إلا إذا كان يريد أن يخيف أبا سفيان، أو أنه أطلق كلماته تلك انسياقا

مع مشاعره الجياشة، و انسجاما مع عواطفه الثائرة، بعد كل ما رآه من بغي و طغيان، و ظلم مارسته قريش ضد الإسلام و أهله طيلة أكثر من عشرين سنة.

و في جميع الأحوال نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد حفظ حرم اللّه و التأكيد على كرامة بيته، لأن في ذلك حفظ الإسلام. . حتى لو أدى ذلك إلى أن يتمكن بعض الظلمة من أن يفلتوا من العقوبة التي يستحقونها في هذه الدنيا، و لم يكن يريد حفظ أقاربه و قومه، بما هم قوم و أقارب، فقد أثبتت الأيام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يفكر بهذه الطريقة، و لا ينطلق في مواقفه من مثل هذه المفاهيم و المعاني.

كما أنه يريد: أن يفسح المجال للناس الذين استضعفهم أولئك المستكبرون، ليمارسوا حريتهم في الاختيار و في الممارسة، و أن يمنع حدوث أي شيء يؤسس لأحقاد، أو لطلب ثارات، قد تتسبب في تفجير أوضاع خطيرة على مستقبل الدين و أهله. .

و قد نسبت بعض الروايات إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «كذب سعد» . و هي كلمة قوية و حادة، إن كان يريد أن سعدا تعمد أن يكذب.

و إن كان يريد أنه لم يصب الواقع، لاشتباه الأمر عليه، فظن أن يوم المرحمة هو يوم الملحمة، فليس في هذه الكلمة إهانة لسعد، بل هو يريد تخطئته و حسب.

يوم المرحمة و يوم عزّ قريش:

و لا شك في أن الرحمة الإلهية قد شملت أهل مكة بهذا الفتح الذي

فرض عليهم الإسلام، و أدى إلى هيمنة أحكامه و شرائعه، التي هي محض الحق و العدل، و بها يكون لهم بلوغ درجات الكرامة و الفضل.

إنه يوم رفع الظلم، و الجبرية، و يوم إعلان الحرب على الفساد و المفسدين، و إبطال حكومة الأهواء و النزوات، و إسقاط هيمنة العصبيات و الشهوات.

و هو أيضا: يوم تعظيم الكعبة و كسوتها. . بعد أن خرجت من يد المشركين بربهم، الذين هتكوا حرمة حرم اللّه بذبح أطفال، و نساء، و ضعفاء رجال خزاعة فيه. . و تجرؤوا على اللّه بعبادة الأصنام في بيته و الدعوة إلى الشرك به تعالى فيه. .

و هو يوم عزّ قريش التي أعلنت براءتها من الشرك، و التزامها بالإيمان باللّه، و بأنبيائه و رسله، و قبول دينه، فمنحها ذلك حصانة، و عزة، حتى لو كان إيمانها لا يزال في مراحله الأولى، الذي يقتصر على مجرد الإعلان اللساني، و لم يلامس بعد شغاف القلوب، و لم يتمازج مع الأرواح، و لا طبعت به النفوس.

أخذ الراية من سعد:

و لم يكن أخذ الراية من سعد يهدف إلى إهانته، أو المسّ بمقامه. و لذلك أخذت منه لكي تعطى لمن هو أولى بها منه و من كل أحد، ألا و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، ليدخلها إلى مكة إدخالا رفيقا، بعيدا عن أجواء الإثارة و التحدي، و الرهج (1)، و الحركات المؤذية للناس. .


1) الرهج: الشغب.

و يعيدها إلى قيس بن سعد بن عبادة، ليركزها عند الحجون، لأن إعطاء الراية للولد يرضي الوالد، و يحفظ ماء وجهه، و يطمئنه إلى أن المقصود ليس هو الطعن بمقامه، و إنما تهدئة الأمور، و تبريد الأجواء.

و بذلك نستطيع أن ندرك: أن الروايات التي ذكرت أخذ الراية من سعد، لتعطى لعلي «عليه السلام» ، أو لقيس بن سعد ليست متنافرة.

كما أنها لا تتضمن إهانة أو حطا من مقام سعد. و إن كان محبو أبي بكر و عمر قد يرضيهم إعطاؤها هذا الطابع، لأن سعدا لا يحظى بالإحترام، و التقدير لديهم، و لا يتمتع بالحصانة التي تمنع من نسبة ذلك إليه، لأنه بنظرهم يستحق كل مهانة، لأنه نافس أبا بكر على الخلافة في يوم السقيفة، في حديث معروف و مشهور. .

و مما يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقصد ذلك: ما تقدم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» نزع اللواء من يده، و جعله إلى ابنه قيس. و قد قالوا: و رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه.

سعد لم يكن ينوي البطش بأهل مكة:

و مما يؤكد: على أن سعدا لم يكن ينوي البطش بأهل مكة، و إنما قال ما قال على سبيل التهديد و التخويف لأبي سفيان. . أو لأنه فهم أن الأمور ستؤول إلى ذلك، ما رووه: من أنه بعد أن صار اللواء إلى ولده خاف أن يقدم ولده على شيء من العنف، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن

يأخذ اللواء حتى من ولده (1).

و أما احتمال أن يكون قد طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذ اللواء من ولده قيس بسبب انزعاجه من عزله و تولية ولده، فهو احتمال رديء يؤدي إلى إتهام سعد في دينه، من حيث إنه يتضمن اعتراضا منه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و أما القول: بأن لا شيء يدل على أن سعدا قد خاف على ولده من أن يرتكب مخالفة فيبادر إلى الطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذ منه الراية أيضا.

فيقال في جوابه: إنه يمكن أن يكون راوي الحديث قد رأى قرائن و دلالات، أعطته الانطباع بأن سعدا يريد حفظ ولده من أن يقع في خلاف ما يريده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

علي عليه السّلام صاحب اللواء:

و لسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بأن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد، و في يوم فتح مكة أيضا. و قد تقدم ذلك في أوائل غزوة أحد.

و قد صرحت النصوص هنا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أضاف إلى علي لواء سعد بن عبادة أيضا.

غير أن ثمة من يدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطى راية سعد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222 و 223 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 عن البزار.

للزبير، و زعموا: أن الزبير دخل مكة بلواءين.

و هي رواية الزبيريين لصالح سيدهم و كبيرهم، بل يظهر من ملاحظة بعض الروايات: أن الزبير قد روى ذلك أيضا لنفسه، في محاولة منه لجر النار إلى قرصه. .

غير أننا نقول:

لنفترض: أن لهذا الكلام نصيبا من الصحة، فلعل أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد أن أدخل الراية إلى مكة إدخالا رفيقا، إمتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -لعله-أعطاها بعد ذلك للزبير، مكتفيا هو بحمل لواء الجيش كله، حسبما ألمحنا إليه. .

فإنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن (1). فلعله جعلها مع الزبير مدة يسيرة بعد ذلك إلى أن جاء قيس بن سعد، فأخذها من الزبير و أوصلها إلى الحجون.

عمر بن الخطاب يتعاطف مع قريش:

و اللافت هنا: أن عمر بن الخطاب الذي أظهر حرصه على قتل أبي سفيان قبل قليل، و لم يزل يظهر الشدة على المشركين، و يطالب بسفك دمهم، هو الذي سمع سعدا يقول: اليوم يوم الملحمة الخ. . فجاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال له: «يا رسول اللّه، اسمع ما قال


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 222.

سعد! ! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة» (1).

ثم تابعه على ذلك عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان (2).

ثم دس ضرار بن الخطاب بشعره المتقدم مع امرأة لتنشده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يستعطفه فيه أيضا على أهل مكة، بعد أن سمع هو الآخر مقالة سعد بن عبادة.

فما هذا الحرص من خصوص هؤلاء على سلامة قريش من صولات سعد؟ !

و لماذا يكون عمر شديدا هناك، في حين كان واضحا لكل أحد أن المصلحة هي في عدم التعرض لأحد من أولئك الناس، و أن الأمر فيهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه، ثم يكون حريصا على سلامة قريش هنا، حيث لا يوجد ما يمنع سعدا من أن تكون له في قريش صولة إلا تدخّل النبي «صلى اللّه عليه و آله» معه لمنعه من ذلك. . مع توفر الدواعي للبطش بقريش، و كسر عنفوانها، و مجازاتها على بعض ما صدر منها من ظلم، و ما ارتكبته من جرائم في حق سائر أهل الإيمان في المنطقة بأسرها.

و أما استبعاد البعض: أن يكون عمر قد فعل ذلك، لكونه كان معروفا بشدة البأس عليهم (3)، فقد تقدم في غزوة أحد ما يفيد في بيان عدم صحة هذا الكلام، حيث قلنا: إن هناك ما يشير إلى وجود عطف متبادل فيما بين


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

2) تقدمت المصادر لذلك.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 221.

المشركين و بين عمر.

و أما المواقف التي كان يظهر فيها عمر شدته عليهم، فإنما هي في المواقع التي كان يعلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ قرارا بعدم التعرض لهم. و لأجل ذلك لم نجده «صلى اللّه عليه و آله» أذن له و لو مرة واحدة بإلحاق الأذى بأي فرد منهم، رغم كثرة طلبه ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» .

أبو سفيان يقبّل غرز رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» :

و قد أشرنا أكثر من مرة إلى مشروعية التقبيل للأنبياء و الأولياء و آثارهم، و قد ذكر في الروايات الكثير من الشواهد و الدلالات على ذلك، و الروايات المتقدمة أظهرت سعي أبي سفيان، و مزاحمته للناس حتى مر تحت الرماح، و وصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخذ بغرزه فقبله. .

و لم يمنعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، و لا أشار إلى أي تحفظ على هذا التقبيل، فيدخل تحت قاعدة مشروعية فعل ما سكت المعصوم عن الاعتراض على فاعله. .

و من جهة أخرى، فإن أبا سفيان الذي لم يزل يجد في داخله إرهاصات الانتقام من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين استكبارا منه، و ظلما و عتوا قد أصبح في موقع المستجدي لعطفهم، و المتملق لهم، و المقبّل لغرز النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المعلن بالمدح و الثناء عليه، فهو يقول له: أنت أبر الناس، و أوصل الناس، و أرحم الناس.

فهل يعتبر هذا الرجل، و يكف عن التآمر، و الكيد، و بث الفتن و الأحقاد؟ !

تأثير المرأة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! ! :

و قد تقدم في بعض الروايات: أن ضرار بن الخطاب الفهري حين سمع مقالة سعد أرسل أبياتا مع امرأة من قريش، فعارضت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بها، «فكأن ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قريش» .

و نقول:

إن هذا تفكير تافه و سخيف، يتناسب مع ذهنية المشركين الذين لا يعرفون معنى النبوة، و لا يعيشون آفاقها.

فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان إنسانا كامل المزايا الإنسانية و منها العاطفة الجياشة، و لكن عاطفته هذه تبقى خاضعة لعقله، و محكومة بالشرع و الدين، و برضا اللّه تبارك و تعالى. .

فإذا كان هذا العطف متوافقا مع الباطل، و يسخط اللّه، فإنه يتحول إلى غضب حازم، و قرار جازم لا يحابي، و لا يجامل، و لا تخالطه عاطفة، و لا عصبيات باطلة.

و إن كان متوافقا مع الحق، و مع رضا اللّه، فرضاه تعالى هو الذي يحرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الحق هو الذي يهيمن على تلك الحركة.

إيحاءات لا تجدي شيئا:

و قد ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل مكة و هو بين أبي بكر (الصديق) و أسيد بن حضير، و هو يحدثهما. .

فقال العباس لأبي سفيان: هذا رسول اللّه! !

و نقول:

إن مجرد أن يمشي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين هذا و ذاك لا يدل على فضيلة لأي منهما.

إلا إذا ثبت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب منهما أن يكونا معه و إلى جانبه.

و ثبت أيضا: أنه أراد تكريمهما بذلك. .

و لم يثبت أي من هذين الأمرين. . لكننا نعرف أن من المألوف أن يسعى الناس أنفسهم للتقرب من العظماء، فكيف لا يتقربون من الأنبياء؟ و لا سيما في مثل هذا الفتح العظيم.

بل إن التحدث عن أن هذا الأمر يشير إلى خصوصية امتاز بها أبو بكر و أسيد بن حضير على من سواهما يوجب الريب فيما يدّعيه أتباع و محبو نفس هؤلاء، من تقدم لعمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و سواهما على أسيد بن حضير، فكيف اختص أسيد بهذه الفضيلة دون هؤلاء، بما فيهم عمر بن الخطاب؟ !

و أما قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يحدث أبا بكر، و أسيد بن حضير. . فإن كان على تقدير أن يكون أحدهما قد سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر مّا، فكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجيبه عنه، فهو مقبول. .

و أما إن كان يراد تعظيم أبي بكر و أسيد، و لو بقيمة تصغير شأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد خاب من اعتدى و افترى على مقام النبوة الأقدس.

على أن من الجائز أن يكونا قد حشرا نفسيهما في هذا الموقع، و بادرا إلى

طرح بعض الأسئلة لكي يرى الناس أن لهما من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» موقعا خاصا.

أسلم بنا:

و عن قول العباس لأبي سفيان، حين بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أسلم بنا، نقول:

إنه لمن الغريب حقا: أن يكون ابن عبد المطلب سيد الحجاز، و شيخ بني عبد مناف يعيش هذه التبعية الذليلة و المهينة أمام أبي سفيان، حتى إنه يعتبر إسلام أبي سفيان أساسا لإسلامه، و إسلام من هم على شاكلته من الناس. . فأبو سفيان هو المتصرف بهم، حتى في قضايا الإيمان و الإسلام.

و يا ليت العباس كان قد تستر على هذا الضعف المهين، أو أخفى طرفا من هذه التبعية المشينة، فإن إظهارها بهذه الطريقة، و كأنها من الأمور العادية و المسلمة، حيث يقول: أسلم بنا! ! فذلك يؤلم روح الإنسان الحر، و يؤذي مشاعره، لأنه يعتبر ذلك إهانة للإنسانية و استخفافا بالضمير، و تحقيرا للعقل.

و على كل حال، فإن العباس بقي على تبعيّته لأبي سفيان طيلة عشرين سنة، بل إنه حتى حين لم يعد له مناص هو و أبو سفيان من إعلان الإسلام لم يضعف اهتمامه بحفظ أبي سفيان، و لم يفتر عن السعي في مصالحه، و ما يرضيه. . و لم نجده متحمسا لحفظ أهل الإيمان، حتى لابن أخيه علي «عليه السلام» حين اعتدى عليه المعتدون بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بمقدار عشر حماسته لأبي سفيان في يوم الفتح. . و ذلك ظاهر لا يخفى.

الفصل الثاني: دخول مكة

اشارة

أدوار مخترعة للعباس رحمه اللّه:

هذا. . و قد رووا: عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، و عن عروة: أن العباس قال: يا رسول اللّه! ! لو أذنت لي فأتيتهم-أي أهل مكة-فدعوتهم فأمنتهم، فركب العباس بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الشهباء، و انطلق.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ردوا عليّ أبي، ردوا عليّ أبي، فإن عم الرجل صنو أبيه. إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود، دعاهم إلى اللّه-تعالى-فقتلوه، أما و اللّه لئن ركبوها منه لأضر منها عليهم نارا» .

فكره العباس الرجوع، و قال: يا رسول اللّه، إن ترجع أبا سفيان راغبا في قلة الناس، فيكفر بعد إسلامه.

فقال: «احبسه» فحبسه.

فذكر عرض القبائل و مرورها بأبي سفيان، و فيه: فقال أبو سفيان: امض يا عباس.

فانطلق العباس حتى دخل مكة، فقال: يا أهل مكة! ! أسلموا تسلموا

قد استبطنتم بأشهب بازل (1).

و في حديث عروة: و كفهم اللّه عز و جل-عن العباس-انتهى.

قال: ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي سفيان: تقدم إلى مكة فأعلمهم الأمان (2).

قال العباس: فقلت لأبي سفيان بن حرب: أنج ويحك، فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فخرج أبو سفيان، فتقدم الناس كلهم حتى دخل مكة من كداء، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، أسلموا تسلموا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

قالوا: قاتلك اللّه! و ما تغني دارك؟ !

قال: و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن.

فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته، فأخذت بشاربه، و قالت: أقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبّح من طليعة قوم.

فقال أبو سفيان: ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 223 عن ابن أبي شيبة، و الطبراني، و تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 236 و معاني الآثار ج 3 ص 315 و عن المصنف ج 14 ص 484.

2) البحار ج 21 ص 119.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 223 و السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و راجع: البحار ج 21 ص 130 و راجع ص 119 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و 823 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81.

و في نص آخر: أن أبا سفيان أقبل يركض حتى دخل مكة و قد سطع الغبار من فوق الجبال (1)، ثم صاح: يا آل غالب، البيوت البيوت. من دخل داري فهو آمن، فعرفت هند فأخذت تطردهم. .

إلى أن قالت الرواية: أن أبا سفيان قال لها: ويلك إني رأيت ذات القرون، و رأيت فارس أبناء الكرام، و رأيت ملوك كندة و فتيان حمير، يسلمن (يسلمون) آخر النهار، ويلك اسكتي، فقد و اللّه جاء الحق، و دنت البلية (2).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، نذكرها فيما يلي:

خوف النبي صلّى اللّه عليه و آله على العباس:

و بالنسبة لما ذكر من خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على عمه العباس، و طلبه أن يردوه عليه، نقول:

إننا نكاد نطمئن إلى أنها رواية مفتعلة في معظمها، فلاحظ ما يلي:

1-كيف يرضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يذهب العباس إلى أهل مكة، و يأذن له بأن يركب بغلته. . إذ لم يكن ليركب العباس بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دون إذنه. . ثم يغير قراره مباشرة، و يطلب من الناس إرجاع العباس.


1) سطع الغبار: إرتفع.

2) البحار ج 21 ص 130 و 131 عن المناقب، و إعلام الورى، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 822 و 823.

فإن لم يكن ملتفتا في بادئ الأمر إلى أن أهل مكة قد يؤذون عمه، و قد يجري له معهم كما جرى لعروة بن مسعود حيث قتلته ثقيف حينما دعاهم إلى اللّه تعالى، فذلك يشير إلى نقص لا يصح نسبته إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و إن كان قد التفت إلى ذلك و كان قرارا مصيبا، فلما ذا عدل عنه؟ ! و إن كان قرارا خاطئا فلما ذا اتخذه، و أصدر أمره على أساسه؟ !

و هل يمكن أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» مترددا إلى هذا الحد؟ ثم ألا يوجب ذلك وهن أمره، و ضعف أثره؟

و من تكون هذه حاله، كيف يستطيع أن يجمع هذه الجموع و يحقق هذه الإنجازات؟ !

2-إن عروة بن مسعود حين دعا ثقيفا إلى اللّه لم يكن وراءه من تخشاه ثقيف و لا كان معه، عشرة آلاف مقاتل، و لا كان قد أخذ من زعمائهم من هو مثل أبي سفيان، و بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام. .

أما العباس، فكان كل ذلك متوفرا بالنسبة إليه، فلا معنى لقياس حاله بحال ابن مسعود الثقفي، الذي قتلته ثقيف. .

3-إن واضع الرواية لم تكن لديه خبرة كافية بالتاريخ. فإن ما ذكره من خشية النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يجري على عمه مثل ما جرى على عروة بن مسعود، حيث قتلته ثقيف حين ذهب إليهم يدعوهم إلى اللّه، لا يمكن أن يصح، لأن عروة-كما صرحت به النصوص-إنما قتلته ثقيف في سنة تسع بعد رجوع أبي بكر من الحج (1).


1) الإصابة ج 2 ص 477 عن موسى بن عقبة.

و قد كان فتح مكة في شهر رمضان من سنة ثمان كما هو معلوم، أو بعد حرب الطائف كما ذكره ابن إسحاق (1). و قد كان الفتح في شوال سنة ثمان.

و سيأتي ذلك كله مع مصادره بعد غزوة الطائف إن شاء اللّه تعالى.

4-ما معنى: أن لا يرضى العباس أن يمتثل لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث كره الرجوع، رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمره به.

5-ما معنى: أن يأمر أبو سفيان العباس بأن يمضي معه، فيطيعه، و يدخل معه مكة، و ذلك بعد أن رأى أبو سفيان عرض القبائل و مرورها. . و لا يرضى بإطاعة أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» له بالرجوع؟ !

فهل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» غافلا عن أن المصلحة هي في أن يرى أبو سفيان ذلك العرض، ثم يذهب هو و العباس بعده إلى أهل مكة؟ !

و لو صح ذلك، فكيف نرد على الروايات المصرحة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر العباس-فور إسلام أبي سفيان-أن يوقفه عند العقبة، و يريه عرض القبائل؟ ! بل الروايات تقول: إن العباس هو الذي اقترح ذلك، فقبله منه النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فإن هذا يعني: أن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للعباس بدخول مكة، ثم تراجعه عن قراره-حسبما يزعمون-قد كان بعد العرض الذي رآه أبو سفيان، و هو ينافي قولهم: إنه رأى العرض بعد إرجاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» للعباس. .


1) الإصابة ج 2 ص 477 عن ابن إسحاق، و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 112 و تاريخ الخميس ج 2 ص 117 عن الإكتفاء.

6-لماذا يراد تضخيم دور العباس بتصوير أنه مستهدف من قبل المشركين، حتى كأن سيوفهم و رماحهم مشرعة لتغمد في صدره و نحره، حتى ليقول عروة: «و كفهم اللّه عز و جل عن العباس» . إذ متى استهدف المشركون العباس بسوء؟

7-إن الروايات تظهر: أن أبا سفيان هو الذي دعا أهل مكة للإسراع بالاستسلام، و هو الذي أخبرهم بالأمان، ثم دخل الجيش مكة.

و لم نجد أية فرصة للعباس ليقول لأهل ذلك البلد شيئا، سوى تلك الكلمة التي يزعمون: أن أبا سفيان أمره بأن يقولها، و هي نفسها التي قالها لهم أبو سفيان أيضا.

8-إننا لم نعهد النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» يتصرف بهذه اللهفة على العباس، أو على غيره انطلاقا من الداعي النسبي، فضلا عن أن يبرر تصرفه هذا بأمر عادي جدا. حيث يقول: «فإن عم الرجل صنو أبيه» ، مع ملاحظة أن أبا لهب كان عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، فهل هو الآخر صنو أبيه أيضا في مواقفه، و في حربه له و لدينه؟ !

9-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرسل العباس لدعوة أهل مكة لدينه. بل أرسله بالأمان لهم على دمائهم و أموالهم. فهم يرونه محسنا لهم. . حتى لو خطّأوه في دعوتهم إلى هذا الأمان. مع أنهم سوف يرون موقفه هذا هو عين الصواب.

سهم العباس في عكاظ. . أكذوبة أخرى:

و مما يدخل في سياق تعظيم العباس و تفخيمه، ما زعموه من أن النبي

«صلى اللّه عليه و آله» لما فتح مكة أوحى اللّه إليه: إن عمك له عليك يد سابقة، و جميل متقدم، و هو ما أنفق عليك في وليمة عبد اللّه بن جدعان، مع ما له عليك في سائر الأزمان. و في نفسه سهم من سوق عكاظ، فامنحه إياه في مدة حياته، و ولده بعد وفاته.

ثم قال: ألا لعنة اللّه على من عارض عمي في سوق عكاظ، و نازعه فيه. و من أخذه فأنا بريء منه، و عليه لعنة اللّه، و الملائكة، و الناس أجمعين.

فلم يكترث عمر بذلك، و حسد العباس على دخول سوق عكاظ، و غصبه منه (1).

و نقول:

إن لنا على هذا النص العديد من المؤاخذات.

أولا: قال العلامة الشيخ محمد تقي التستري ما محصله: إن مضمون هذا الحديث يدل على كذبه.

و لو كان صحيحا، فلم لم يذكر مضامينه المفيد، و المرتضى، و لم يرد في كتاب آخر، أو خبر؟ ! (2).

ثانيا: ما معنى: أن ينفق العباس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وليمة شخص آخر و هو عبد اللّه بن جدعان؟ فإن المفروض: أن يكون من ينفق في الوليمة هو صاحبها، و أن لا يرضى بأن يشاركه غيره في الإنفاق، لأن ذلك يتضمن انتقاصا من مقامه، و تشكيكا في قيامه بما يتوجب عليه.


1) قاموس الرجال ج 5 ص 233.

2) راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 234.

ثالثا: ما معنى: أن يحسد عمر العباس على دخول عكاظ؟ فإن المفروض هو: أن يحسده على حصته في ذلك السوق، لا على مجرد الدخول فيه، علما بأن الناس كلهم يقدرون على دخول سوق عكاظ، و منهم عمر نفسه؟ ! إلا أن يكون المقصود هو دخوله بعنوان كونه مالكا و شريكا في جزء منه، لا مطلقا. . و لكن لماذا لا يفصح هذا القائل عن مراده، و يورد الكلام بصورة مبهمة؟ !

رابعا: هل كان ذلك السوق مملوكا لأشخاص، أم كان مجرد مكان عام واسع يجتمع به الناس، و يبيعون و يشترون، و يتناشدون الأشعار و ما إلى ذلك؟ !

خامسا: قد دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ربه أن لا يجعل لفاسق و لا لفاجر عنده نعمة (1). فما بالك بالمشرك؟ ! كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يقبل هدية من المشرك (2).

فذلك الدعاء يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لأحد منهم قبل الدعاء و بعده أية يد عنده.


1) أبو طالب مؤمن قريش للخنيزي.

2) راجع: المستدرك للحاكم ج 3 ص 484 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) و صححاه، و مجمع الزوائد ج 8 ص 278 و حياة الصحابة ج 2 ص 258 و 259 و 260 عنه، و عن كنز العمال، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 86 و المعجم الصغير ج 1 ص 9 و الوسائل ج 12 ص 216 و كنز العمال (طبعة أولى) ج 6 ص 57 و 59 عن أحمد، و الطبراني، و الحاكم، و سعيد بن منصور، و أبي داود، و الترمذي، و الطيالسي، و البيهقي، و ابن عساكر، و المصنف للصنعاني ج 10 ص 446 و 447 و في هامشه عن مغازي ابن عقبة، و عن الترمذي ج 2 ص 389 و مجمع البيان المجلد الأول ص 535.

و إذا كان اللّه تعالى قد مدح الأتقى حيث قال: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ (1)، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الأولى بهذا المدح، لأنه المصداق الأتم لما ذكرته الآيات من أوصاف حميدة. .

فما معنى أن يكون للعباس يد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مما كان أنفقه عليه في وليمة ابن جدعان، مع ما له عليه في سائر الأزمان؟ ! ألم يكن العباس مشركا آنئذ و بعد ذلك إلى عشرات السنين؟ !

و ألا ينافي ذلك نص الآية الكريمة التي نفت-على سبيل المدح-أن يكون لأحد عند ذلك المؤمن نعمة تجزى، فبطريق أولى أن لا يكون لأحد عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» أية نعمة تستحق الجزاء و المكافأة؟ !

كيف دخل النبي صلّى اللّه عليه و آله مكة؟ ! :

قالوا: لما ذهب أبو سفيان إلى مكة بعد ما عاين جنود اللّه-تعالى-تمر عليه، و اصل المسلمون سيرهم، حتى انتهوا إلى ذي طوى، فوقفوا ينتظرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى تلاحق الناس، و أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كتيبته الخضراء، و هو على ناقته القصواء، معتجرا (2)بشق برد حبرة (3)حمراء (4). و قد أردف أسامة بن زيد و قد طأطأ رأسه تواضعا


1) الآية 19 من سورة الليل.

2) اعتجر فلان بالعمامة: لفها على رأسه و ردّ طرفها على وجهه.

3) الحبرة: ثوب مخطط من القطن أو الكتان.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن ابن إسحاق و غيره، و السيرة الحلبية ج 3 ص 84 و المغازي ج 2 ص 823 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

للّه تعالى، و هو يقرأ سورة الفتح (1).

و عن أنس قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله متخشعا (2).

و عن أبي هريرة قال: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ و عليه عمامة سوداء، و رايته سوداء، و لواؤه أسود حتى وقف بذي طوى، و توسط الناس، و إن عثنونه (3)ليمس واسطة رحله، أو يقرب منها تواضعا للّه عز و جل، حين رأى ما رأى من فتح اللّه تعالى، و كثرة المسلمين، ثم قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة» (4).

قال: و جعلت الخيل تمعج (5)بذي طوى في كل وجه، ثم ثابت و سكنت حين توسطهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (6).

و عن أنس و عمرو بن حريث: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن الحاكم و أبي يعلى، و ابن عدي في الكامل 4/571، و انظر مجمع الزوائد 6/196 و السيرة الحلبية ج 3 ص 84.

3) العثنون: ما نبت على الذقن و تحته.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 83. و راجع: الدر المنثور ج 6 ص 67 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و أبي داود، و الترمذي في الشمائل، و البيهقي في سننه، و النسائي، و راجع: تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

5) معج الفرس: أسرع، أو سار لشدة عدوه مرة في الشق الأيمن و مرة في الشق الأيسر.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن ابن سعد 3/1/180 و المغازي ج 2 ص 824.

دخل مكة و عليه عمامة سوداء بغير إحرام (1).

و عن عمرو بن حريث قال: كأني أنظر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة، و عليه عمامة سوداء خرقانية، و قد أرخى طرفها بين كتفيه (2).

و قد أشرنا أكثر من مرة إلى الإختلاف بين اللواء و الراية، و غير ذلك. .

و بالنسبة لما روي عن أبي هريرة: من أن لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسود و رايته سوداء، في فتح مكة. . نقول:

قد رووا عن جابر أيضا، أنه قال: كان لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم دخل مكة أبيض (3).

و عن عائشة: «كان لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح أبيض، و رايته سوداء، تسمى العقاب، و كانت قطعة مرط (4)مرحل (5)» (6).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن أحمد، و مسلم، و الأربعة، و في هامشه عن: مسلم 2/990(451/1358) (453/1359) و البيهقي في الدلائل 5/67 و ابن أبي شيبة 8/234 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن مسلم.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن الأربعة و أشار في هامشه إلى البخاري 7/611(4290) و السيرة الحلبية ج 3 ص 84.

4) المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان.

5) المرحل: ما ينقش عليه صورة رحل الإبل.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 عن ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود في الجهاد باب (76) ، و الحاكم 2/104 و ابن أبي شيبة 12/514، و البيهقي 6/392. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 84 و 85.

و عنها أيضا قالت: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح من كداء من أعلى مكة (1)، و خرج من أسفلها و هو ثنية كدى.

و عند الواقدي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر الزبير أن يدخل من كدى، و أمر خالدا أن يدخل من الليط (موضع بأسفل مكة) ، و أمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء، و الراية مع ابنه قيس، و مضى «صلى اللّه عليه و آله» فدخل من أذاخر (2).

و قالوا: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، و ضربت له هناك قبة (3).

و رووا: عن ابن عمر: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة عام الفتح، رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان» ؟ !

فأنشده أبو بكر قول حسان:

عدمت بنيتي إن لم تروهاتثير النقع من كتفي كداء

ينازعن الأعنة مسرجاتيلطمهن بالخمر النساء

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ادخلوها من حيث قال حسان» (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 عن البخاري و البيهقي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 85.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 825 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 عن البيهقي في الدلائل 5/66 و الطحاوي في المعاني 4/296 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 83.

قال الصالحي الشامي: و في الصحيح و غيره عن عروة: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر الزبير بن العوام أن يدخل من كداء من أعلى مكة، و أن يغرز رايته بالحجون، و لا يبرح حتى يأتيه» (1).

و قال في الصحيح أيضا عن العباس: أنه قال للزبير بن العوام: يا أبا عبد اللّه ها هنا أمرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن تركز الراية؟

قال: نعم (2).

قال: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد-و كان على المجنبة اليمنى، و فيها أسلم، و سليم، و غفار، و مزينة، و جهينة، و قبائل من العرب-أن يدخلوا من الليط، و هو أسفل مكة، و أمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت (3)، و بها بنو بكر، و بنو الحارث بن عبد مناة، و الأحابيش الذين استنفرتهم قريش (4).

و أمّر أبا عبيدة بن الجراح على الحسّر (5). و الحاسر في مقابل الدارع.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 و في هامشه عن البخاري 7/598(4280) و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و 85 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 105 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و 82.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 عن البخاري 7/598.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 و مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 عن أحمد و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 و 84.

و قال الصالحي الشامي: وقع في الصحيح عن عروة قال: و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، و دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أسفل مكة من كدى، أي بالقصر (1). و هذا مخالف للأحاديث الصحيحة.

ففي الصحيح و غيره: أن خالد بن الوليد دخل من أسفل مكة، و دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أعلاها، و به جزم ابن عقبة، و ابن إسحاق و غير هما (2).

و عن عبد اللّه بن رباح: أن أبا عبيدة كان على البياذقة، يعني الرجالة (3).

و عند ابن إسحاق و عبد اللّه بن أبي نجيح أن أبا عبيدة بن الجراح أقبل بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قالوا: و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمراءه أن يكفوا أيديهم، و لا يقاتلوا إلا من قاتلهم (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267 و السيرة الحلبية ج 3 ص 85. .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267 و مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 عن مسلم في الجهاد (86) و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 عن المواهب اللدنية، و المنتقى

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82 و مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105 و المغازي للواقدي ج 2 ص 825.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرأ سورة الفتح:

عن قراءة النبي «صلى اللّه عليه و آله» سورة الفتح حين دخوله مكة نقول:

إن هذه السورة قد نزلت في شأن الحديبية في ذي القعدة سنة ست (1).

و قد قرأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المسلمين، ليذكرهم برعاية الغيب لهم، و تحقق ما وعدهم به و إذا كان المشركون يتتبعون أخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، خصوصا ما له ارتباط بحركة الصراع معه، فلا بد من أن يكون قد تناهى إلى مسامعهم نزول هذه السورة التي تعنيهم بصورة مباشرة، و جديّة و حقيقية، لأنها تتضمن الوعد بالفتح، و بأمور أخرى هامة و حساسة جدا، و فيها ما يمسهم هم كأشخاص في تعاملهم معه «صلى اللّه عليه و آله» .

فإذا قرأ هذه السورة في حال دخوله مكة، فإن أهل الإيمان سوف يزدادون إيمانا، و أهل الكفر و الشرك سوف يغرقون في بحر من التأمل الذي قد ينتهي بقناعة تتكون لديهم بعدم جدوى استمرار الجحود، و بأن لا فائدة من تبييت النوايا السيئة، و لن ينتهي كيدهم و مكرهم و تآمرهم إلى أية نتيجة. .

بل إن قراءة هذه السورة في حال دخول مكة لا بد من أن يسوق المسلمين و المشركين معا إلى ترقب تحقق سائر المضامين التي ذكرت في آياتها


1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 67 عن ابن إسحاق، و الحاكم، و البيهقي في الدلائل، و الكشاف ج 3 ص 540.

التي نزلت قبل سنوات، و التي حضر وقت تحققها.

و ستكون لحظات ممتعة، و لذيذة لكل أحد، و هو يرى أمرا غيبيا عرفه، و سمعه و وعاه، يتحقق أمام عينيه.

الفتح جائزة المذنب:

و قد جاء في أول سورة الفتح قوله تعالى: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً (1). فليلاحظ:

أولا: إن اللّه تبارك و تعالى يقول: إن سبب هذا الفتح الذي منحه إياه، هو أنه أراد أن يغفر له ذنبه. . فهل يعقل أن يعطى المذنب جائزة بهذه العظمة، و الأهمية و الخطورة على جرأته عليه، و على ذنب ارتكبه؟ ! بحيث يكون مغفرة الذنب سببا لهذه الجائزة! !

ثانيا: كيف نتصور أن يكون اللّه تعالى قد فتح لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ليغفر له ذنبه؟ !

ثالثا: لو سلمنا: أن هذا الفتح سبب لمغفرة الذنب الصادر، فكيف يكون سببا لمغفرة الذنب الذي سوف يصدر؟ !

إن هذا الأسئلة ستكون محرجة جدا إذا كان المراد بالذنب هو الجرأة على اللّه، و ارتكاب ما نهى عنه، و مخالفة أوامره. و المراد بالمغفرة الستر، و المراد بالذنب ما اعتبره المشركون ذنبا له «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو دعوته


1) الآيات 1-3 من سورة الفتح.

إلى الإسلام، و رفضه الشرك، و ما وقع من حروب معهم، و قتل لرجالهم و إسقاط لأطروحتهم. .

فجاء فتح مكة ليكسر شوكتهم، و يخمد نارهم، و ليدخلوا في دين اللّه، و ليروا أن مصلحتهم تقضي بالتقرب منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الاستفادة من الخيرات التي تهيأت لهم في ظل الإسلام.

و أصبحوا يصرحون: بأنهم هم المخطئون و هو المصيب.

و عوضا عن توصيفه بالغادر و قاطع الرحم، و المذنب في عيب آلهتهم و الكاذب و. . و. . الخ. . صاروا يصفونه بالوفي، و الحليم، و الكريم، و الوصول و الصادق و. . و. . الخ. .

كما أن ما كانوا يعدونه ذنبا لو فعله في أيام شركهم، قد غفروه له، بل صاروا يعدونه حسنا و إحسانا و حقا بعد هذا الفتح العتيد.

العيش عيش الآخرة:

و قد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال حين دخل مكة: «العيش عيش الآخرة» .

و نقول:

ربما نستفيد من هذا القول: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد إفهام أهل مكة، و المسلمين الفاتحين و غيرهم: أن هذا الفتح العظيم يجب أن يقودنا قبل اتخاذ أي موقف منه إلى إجراء دراسة لنتائجه و آثاره الدنيوية و الأخروية، بهدف الموازنة فيما بينها، لكي ينصب الاهتمام على الأهم، فيحافظون عليه، و يعملون على ترشيده، و تنميته، و تقويته، و ليس لأحد أن يتلهى بالتفاهات، و القشور،

و يضيع فيها، و يضيّع هذا الإنجاز العظيم أيضا. .

و قد سارع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرسم معالم الحق و الحقيقة، و السداد و الرشاد في هذا الفتح، و حدد المكامن الحقيقية و الراسخة و الخالدة فيه، و بيّن أنها ليست-حتما-في هذه الحياة الدنيا، و إنما هي في الدار الآخرة.

فإن الفتح إذا كان يفتح أبوابا لأنواع أفضل من العيش في الدنيا، فإن الأبواب التي يفتحها للعيش الخالد و الرضي في الآخرة، في ظل الرضا الإلهي ستكون هي الأرقى و الأفضل. .

و هو إنما يقدم هذه المعادلة للناس من موقع النبوة المطلعة بعمق على واقع حقيقة الدنيا و الآخرة، من خلال الوحي الإلهي الذي يكشف هذه الحقائق و يبينها للأنبياء «عليهم السلام» ، كأفضل ما يكون الكشف و البيان.

و قد كان لا بد من إطلاق هذا البيان لأمة تؤمن بالغيب، و لطوائف من الناس يتحفزون للخروج من أسر الشرك إلى الحرية في رحاب التوحيد. .

فيربط على قلوب أهل الإيمان، و المعلنين بالإسلام، و يزيد في وضوح الرؤية لأولئك الخارجين من أحضان الشرك و الجحود إلى آفاق الإسلام الرحبة. .

تواضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تخشعه لربه:

و قد كانت تلك البيانات بالقول دروسا تحمل في طياتها الوعي الرسالي للمفاهيم و الحقائق. . ، و التربية الروحية، و الرشاد و السداد في الفكر، و الوعي، و الاعتقاد. .

و قد رافقتها حالة سلوكية لا بد من أن تترك أثرها العميق على روح و فكر أهل الإيمان، و أهل الكفر و الشرك و الطغيان على حد سواء. .

إذ ربما لم يكن يخطر على بال أحد: أن تتجلى حالة الخشوع و الخضوع، و التطامن و التواضع للّه سبحانه في هذه اللحظات بالذات، بل ربما يتوقع الناس: أن يروا هيبة الملك، و عظمة النصر، و الهيمنة و الحزم، و نظرات التصميم و العزم في كل حركة و لفتة في خصوص هذا الظرف الحساس، الذي يحتاج إلى إصدار الأوامر، و توزيع المهام، و إظهار القوة و الشوكة لقطع دابر أي تفكير بالتمرد، أو الغدر، أو الكيد و المكر الذكي و الخفي. .

و لكن الجميع رأوا مظهرا آخر من مظاهر العبودية للّه سبحانه، و صورة رائعة من صور الخضوع و الخشوع له، حتى إن هذا الفاتح المنتصر يطأطئ رأسه تخشعا و تواضعا إلى حد أن عثنونه يلامس واسطة رحله، أو يقرب منها، و ذلك لما رآه من الفتح، و كثرة المسلمين.

إن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كل إنسان مؤمن واع لحقيقة إيمانه يدرك: أنه لا يكثر بالناس أمام اللّه، بل يكون أمام اللّه وحيدا فريدا، و إنما يكثر باللّه وحده لا شريك له. .

إنه يريد من اللّه تعالى أن ينصره و ينصر من معه، و لا يريد أن ينتصر بهم.

كما أنه حين دخل حرم اللّه مع هذه العساكر، إنما أراد بذلك حفظ حرمة الحرم و البيت، و منع هتك حرمته من قبل العتاة و القساة بشركهم، و كفرهم، و ظلمهم، و إفسادهم في الأرض، و محاربتهم لدين اللّه تعالى. .

و يلاحظ هنا: أن النص المتقدم يقول: استشرفه الناس، فوضع رأسه

على رحله متخشعا، أي أنه حين يستشرف الناس أحدا فإنه يشعر بأنه أصبح محط أنظارهم و ملتقى أبصارهم، و أن الخطرات و الصور تتزاحم في داخل مخيلتهم عن مزاياه، و عن مظهره و خفاياه، و عن حجم قدراته، و سائر صفاته، فيرى لنفسه نوعا من الخصوصية، و درجة من المحورية.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجد نفسه أمام أنظار هؤلاء الناس، بل وجد نفسه أمام اللّه وحده، فهو يرعاه، و يراه، و يراقب حاله و مسراه، فتواضع له و تخشّع، و طأطأ برأسه و لم يكد يرفع.

راية الزبير:

و بالنسبة لبعض التفاصيل نقول:

هناك حديث عن راية كانت مع الزبير، و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمره أن يركزها بالحجون، و لا يبرح حتى يأتيه، و نحن لا ننكر أن يكون ذلك قد حصل فعلا. . غير أننا نقول:

أولا: لا شك في أنها ليست هي راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التي هي للجيش كله، فإن تلك كانت مع علي أمير المؤمنين «عليه السلام» كما دلت عليه النصوص الكثيرة التي ذكرناها في أوائل غزوة أحد.

ثانيا: إن ملاحظة النصوص تعطي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يختار مواقع معينة ليركز فيها إحدى راياته، و لعل ذلك يهدف إلى إظهار الهيمنة على تلك المنطقة، و بسط النفوذ على ذلك المحيط، لكي لا ينتهز الفرصة أوباش الناس، أو طلاب اللبانات للعبث بأمن الناس، أو للتعدي على ممتلكاتهم، و لتكون مثابة لجند الإسلام في تلك المنطقة، و نقطة تجمع و انطلاق.

و هذا يفسر لنا أمره «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد و من معه بان يدخلوا من الليط-و هو أسفل مكة-و أن يغرز رايته عند أدنى البيوت كما ذكرته النصوص المتقدمة أيضا.

ثالثا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر قيس بن سعد أن يغرز رايته في الحجون أيضا، و أمر خالدا بغرز رايته أسفل مكة، عند أدنى البيوت، فهل ذلك يدل على ان خالدا أو قيسا كانا يحملان راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

الأمر لسعد، و الراية لقيس:

و ثمة مفارقة أخرى تظهر في النصوص المتقدمة، و هي: أن أحدها يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء و الراية مع ابنه قيس (1).

فإن الأمر إنما يصدر لصاحب الراية التي يتبعها الناس، و يتحلقون حولها، فإصدار الأمر لسعد مع كون الراية مع قيس يصبح غير ظاهر الوجه. .

و يزيد الأمر إشكالا بملاحظة ما قدمناه من أن الروايات تقول: إن عليا «عليه السلام» هو الذي أخذ الراية من سعد و ادخلها إلى مكة إدخالا رفيقا حتى غرزها عند الركن، إلا أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وزع الناس مرة أخرى في داخل مكة، و أمرهم أن ينزلوا في مواقع معينة في أنحاء


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 825 و تاريخ الخميس ج 2 ص 82.

مختلفة، فأعطى الراية لقيس ليوصلها إلى ذلك المكان، و أبقى القيادة العملية لأبيه سعد.

النساء يلطمن وجوه الخيل:

و حديث لطم النساء وجوه الخيل بخمرهن، و مطابقته لما ورد في شعر حسان بن ثابت-إن صح-فهو من الدلائل الموجبة لرسوخ يقين أهل الإيمان، و تخفيف حدة أهل الكفر و الشرك، و تضاؤل ميلهم إلى الجحود و التحدي، أو المماطلة في قبول الإسلام دينا. .

فإذا أصروا على مواقفهم، و أرادوا المكر بأهل الدين و بالمؤمنين، فذلك يكون من موجبات خزيهم، و بوار حجتهم. .

كيفية الدخول و الخروج من مكة:

قال الحلبي بعد أن ذكر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل مكة يوم الفتح من أعلاها، أي من «كداء» ، و خرج من أسفلها: «و بهذا استدل أئمتنا على أنه يستحب دخول مكة من الأولى، و الخروج من الثانية» (1).

و نقول:

إن هذا الاستدلال غير مقبول:

أولا: إن هذا الدخول و ذلك الخروج لا يدل بمجرده على الاستحباب، إذ لعله أمر اقتضته أحوال عسكرية، أو طبيعة التركيبة السكانية، أو طرقات ذات خصوصيات تفرض الدخول من هنا، و الخروج من هناك.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 85.

نعم لو علمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأخذ أي شيء بنظر الاعتبار، سوى مراعاة ما يستحب له في الأحوال العادية. .

و سلمنا: أن هناك استحبابا فيما يرتبط بكيفية أو بطريق الدخول و الخروج من مكة، كان للحكم بالاستحباب وجه. .

ثانيا: إذا كان الدخول مستحبا من نقطة بعينها، فلما ذا أمر «صلى اللّه عليه و آله» الكتائب الأخرى بالدخول إلى مكة من جهات أخرى لا يستحب الدخول منها؟ ! و هل يمكن أن يأمرهم بمخالفة المستحب؟ ! و ما ذا لو كانوا يريدون رعاية الحكم الاستحبابي، ثم جاء أمره لهم بمخالفة المستحب؟ !

ثالثا: سيأتي: أن عروة يروي-كما في صحيح البخاري (1)-: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل من أسفل مكة، فكيف جزم هؤلاء باستحباب دخولها من أعلاها؟ !


1) راجع صحيح البخاري و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267.

الفصل الثالث: القتال في مكة

اشارة

خالد يقاتل في مكة! ! :

و قالوا: إن صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل، و سهيل بن عمر، دعوا إلى قتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جمعوا أناسا بالخندمة (و هو جبل بمكة) ، و ضوى إليهم ناس من قريش، و ناس من بني بكر، و هذيل، و لبسوا السلاح، يقسمون باللّه لا يدخلها محمد عنوة أبدا.

و كان رجل من بني الديل، يقال له: جماش بن قيس بن خالد، لما سمع بدخول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جعل يصلح سلاحه.

فقالت له امرأته (و كانت قد أسلمت سرا) : لمن تعدّ هذا؟

قال: لمحمد و أصحابه.

قالت: و اللّه، ما أرى يقوم لمحمد و أصحابه شيء.

قال: و اللّه إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، فإنك محتاجة إليه.

قالت: ويلك، لا تفعل، و لا تقاتل محمدا. و اللّه ليضلن عنك رأيك لو قد رأيت محمدا، و أصحابه.

قال: سترين. ثم قال:

إن يقبلوا اليوم فما لي علةهذا سلاح كامل و ألّه

و ذو غرارين سريع السله

ثم شهد الخندمة مع صفوان، و سهيل بن عمرو، و عكرمة، فلما دخل خالد بن الوليد من حيث أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجد الجمع المذكور، فمنعوه الدخول، و شهروا له السلاح، و رموه بالنبل، و قالوا: لا تدخلها عنوة.

فصاح في أصحابه، فقاتلهم، و قتل منهم أربعة و عشرون رجلا من قريش، و أربعة من هذيل (1).

و قالوا: أصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، و انهزموا أقبح الانهزام، حتى قتلوا بالحزوّرة، و هم مولون في كل وجه. و انطلقت طائفة منهم فوق رؤوس الجبال، و أتبعهم المسلمون (2).

و جعل خالد يتمثل بهذه الأبيات، و هو يقاتل خارجة بن خويلد الكلبي:

إذا ما رسول اللّه فينا رأيتهكلجة بحر نال فيها سريرها

إذا ما ارتدينا الفارسية فوقهاردينية يهدي الاصم خريرها

رأينا رسول اللّه فينا محمدالها ناصرا عزت و عز نصيرها (3)


1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 228 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 83، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 825 و تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 228 عن ابن إسحاق، و المغازي للواقدي ج 2 ص 826.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 228 و المغازي للواقدي ج 2 ص 826.

و كان شعار المهاجرين من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة، و حنين، و الطائف: يا بني عبد الرحمن. و شعار الخزرج: يا بني عبد اللّه. ، و شعار الأوس: يا بني عبيد اللّه (1).

و جعل أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم؟ ! من دخل داره فهو آمن، و من وضع السلاح فهو آمن، فجعل الناس يقتحمون الدور، و يغلقون عليهم، و يطرحون السلاح في الطرق، حتى يأخذه المسلمون (2).

و رجع جماش منهزما حتى انتهى إلى بيته، فدقه، ففتحت له امرأته، فدخل و قد ذهبت روحه، فقالت له: أين الخادم الذي وعدتني؟ ما زلت منتظرة لك منذ اليوم-تسخر منه.

فقال: دعي هذا عنك، و اغلقي عليّ بابي، ثم قال:

إنك لو شهدت يوم الخندمةإذ فر صفوان و فر عكرمة

و أبو يزيد كالعجوز المؤتمةو استقبلتهم بالسيوف المسلمة

يقطعن كل ساعد و جمجمهضربا فلا تسمع إلا الغمغمة

لهم نهيت خلفنا و همهمهلم تنطقي في اللوم أدنى كلمة (3)

و أقبل الزبير بمن معه من المسلمين حتى انتهى إلى الحجون، فغرز


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 228 عن ابن هشام و السيرة الحلبية ج 3 ص 85.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 228 و المغازي للواقدي ج 2 ص 826.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 228 و 229 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و المغازي للواقدي ج 2 ص 827 و 828 و تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

الراية عند منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لم يقتل من المسلمين إلا رجلان من أصحاب الزبير، أخطآ الطريق، فسلكا غيره فقتلا. و هما كرز بن جابر الفهري، و حبيش الكعبي (1).

و زعم بعضهم: أنهما كانا مع خالد بن الوليد فشذّا عنه فقتلا (2).

و مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فدخل مكة من أذاخر، فلما ظهر على أذاخر، نظر إلى البارقة (3)مع فضض (4)المشركين، فقال: «ما هذه البارقة؟ ! ألم أنه عن القتال» ؟

قالوا: يا رسول اللّه، خالد بن الوليد قوتل و لو لم يقاتل ما قاتل، و ما كان يا رسول اللّه ليعصيك، و لا يخالف أمرك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قضاء اللّه خير» (5).

و صرح الديار بكري: بأن المهاجرين هم الذين قالوا له «صلى اللّه عليه و آله» : نظن أن خالدا قوتل، و بدئ بالقتال، فلم يكن بد أن يقاتل من قاتله (6).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 229.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 83 عن الإكتفاء.

3) البارقة: السلاح.

4) الفضض من الشيء: ما تفرق منه.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 228 و 229 و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و المغازي للواقدي ج 2 ص 826 و 828 و تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

6) تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

و في المنتقى: و كل الجنود لم يلقوا جنودا غير خالد (1).

و عن أبي هريرة قال: لما كان يوم فتح مكة، و بشت (2)قريش أوباشا لها و أتباعا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، و إن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فرآني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا أبا هريرة» .

قلت: لبيك.

قال: «اهتف بالأنصار، و لا يأتيني إلا أنصاري» .

قال: ففعلت ما أمرني به، فأتوه، فقال: «انظروا قريشا و أوباشهم فاحصدوهم حصدا» (حتى توافوني بالصفا. أي دخلوا من أعلى مكة) (3)ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى.

فانطلقنا فما أحد يوجه إلينا شيئا، و ما منا أحد يريد أحدا منهم إلا أخذه. (أو قال: فما نشاء نقتل أحدا منهم إلا قتلناه) (4).

فجاء أبو سفيان بن حرب، فقال: يا رسول اللّه، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من دخل دار أبي سفيان فهو


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

2) بشّت: جمعت جموعا من قبائل شتى.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 عن المواهب اللدنية، و المنتقى عن أحمد و مسلم و النسائي عن أبي هريرة.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 84 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 عن المواهب اللدنية و المنتقى عن أحمد، و مسلم، و النسائي عن أبي هريرة.

آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن» .

فألقى الناس سلاحهم (1).

و قالوا: و وجه «صلى اللّه عليه و آله» اللوم على خالد، و قال له: قاتلت، و قد نهيت عن القتال؟ !

قال: هم يا رسول اللّه بدأونا بالقتال، و رمونا بالنبل، و وضعوا فينا السلاح، و قد كففت ما استطعت، و دعوتهم إلى الإسلام و أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فأبوا، حتى إذا لم أجد بدا من أن أقاتلهم قاتلتهم، فظفرنا اللّه بهم، فهربوا في كل وجه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كف عن الطلب.

قال: قد فعلت.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قضاء اللّه خير.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر، فحبطوهم ساعة، و هي الساعة التي أحلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 229 و 230 عن أحمد، و مسلم، و البيهقي، و غيرهم، و السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و 84 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 عن المواهب اللدنية، و المنتقى عن أحمد، و مسلم، و النسائي عن أبي هريرة.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 84 و المغازي للواقدي ج 2 ص 839 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 83. و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233 و 234 و عن موارد الظمآن للهيثمي (1699) و مجمع الزوائد ج 6 ص 177 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 487.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» نهى أن يقتل من خزاعة أحد (1).

قال الديار بكري: «أما خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة، فلقيه قريش و بنو بكر و الأحابيش، فقاتلوه، فقتل منهم قريبا من عشرين رجلا، و من هذيل ثلاثة أو أربعة، و انهزموا، و قتلوا بالحزوّرة، حتى بلغ قتلهم باب المسجد، و هرب فضيضهم حتى دخلوا الدور، و ارتفعت طائفة منهم على الجبال، و اتبعهم المسلمون بالسيوف، و هربت طائفة منهم إلى البحر، و إلى صوب اليمن» (2).

و روى الطبراني عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطب فقال: إن اللّه عز و جل حرم هذا البلد (3). فبينما هو كذلك قيل: هذا خالد يقتل.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قم يا فلان. . الى آخر الحديث التالي. .

و قال الديار بكري: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قدم خالد بن الوليد، فأنا لهم شيئا من قتل، فجاء رجل من قريش، فقال: يا رسول اللّه، هذا خالد بن الوليد قد أسرع في القتل.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لرجل من الأنصار عنده: يا فلان.

قال: لبيك يا رسول اللّه.

قال: ائت خالد بن الوليد، قل له: إن رسول اللّه يامرك أن لا تقتل


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 839.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 82 و 83.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 229 و المعجم الكبير ج 11 ص 48.

بمكة أحدا.

فجاء الأنصاري، فقال: يا خالد إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمرك أن تقتل من لقيت.

فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا من مكة.

فجاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» رجل من قريش، فقال: يا رسول اللّه، هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم.

قال: و لم؟ !

قال: هذا خالد لا يلقى أحدا من الناس إلا قتله.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ادع لي خالدا.

فلما أتى إليه خالد، قال: يا خالد، ألم أرسل إليك أن لا تقتل أحدا؟ !

قال: بل أرسلت إلي أن أقتل من قدرت عليه.

قال: ادع لي الأنصاري.

فدعاه له، فقال: ألم آمرك أن تأمر خالدا أن لا يقتل أحدا؟ !

قال: بلى. و لكنك أردت أمرا و أراد اللّه غيره، فكان ما أراد اللّه. .

فسكت «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يقل للأنصاري شيئا، و قال: يا خالد!

قال: لبيك، يا رسول اللّه!

قال: لا تقتل أحدا.

قال: لا (1).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 84 عن شفاء الغرام، و المعجم الكبير ج 11 ص 48 و مجمع الزوائد ج 3 ص 284 و ج 7 ص 34 و عن الأوسط للطبراني ص 154 و عن الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 271 و 272 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 83 و 84.

و نقول أخيرا:

روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و القاساني جميعا عن الأصفهاني، عن المنقري، عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة لم يسب لهم ذرية، و قال: من أغلق بابه فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن (1).

و لنا مع ما ذكر العديد من الوقفات، و إليك بعضها:

من الخندمة إلى البحر:

الخندمة: جبل معروف بمكة، يقع خلف جبل أبي قبيس، و يمتد منه إلى المعلاّة على طول شعب علي، و شعب عامر.

فلو صح ما زعموه: من أن جماعة من أهل مكة قد تصدوا لخالد، فنقول:

1-المفروض هو: أن يواجههم خالد بما يردعهم، و يبطل حركتهم، و مقاومتهم. و أما أن يلاحقهم بعد هزيمتهم إلى الحزوّرة، ثم يمتد قتلهم حتى باب المسجد، و إلى الجبال، حتى يضطر بعضهم إلى الهرب إلى البحر، و إلى صوب اليمن. . فهذا لا مبرر له على الإطلاق. .

2-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد نهى خالدا عن القتال. و لامه على فعله هذا، و قال له: لم قاتلت، و قد نهيت عن القتال؟ !


1) البحار ج 21 ص 136 و في هامشه عن الكافي ج 3 ص 329.

فاعتذر له: بأنهم هم بدأوا بالقتال. .

و لكنه عذر غير مقبول، إذ إن بدأهم له بالقتال لا يمنعه من أن يراجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أمرهم. .

3-إن ظاهر الكلام الذي جرى بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين خالد يدل على أن خالدا كان لا يزال يلاحقهم و يطلبهم ليقتلهم حتى تلك اللحظة، و لذلك قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كف عن الطلب.

و احتمال بعض الإخوة أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قال له ذلك، لاعتقاده-و لو على ظاهر الأمر-باستمراره في طلب أهل مكة ليقتلهم إلى تلك اللحظة لا مجال لقبوله. فإن الأمر بالكف عن الشيء ظاهر بأنه مستمر في فعله، و يطلب منه الكف عنه، كما أنه لا مجال للقول بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتقد بذلك-بأنه لا يزال يطلبهم-فنهى خالدا عن ذلك، مع كون اعتقاده «صلى اللّه عليه و آله» مخالفا للواقع. . فإن ما يعتقده النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو عين ما يحصل و يجري.

و لا يمكن أن يعتقد بما هو خطأ. كما أن احتمال أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بأن خالدا قد كف عن طلبهم، لكنه أمره بالكف كي لا يكون ترك الأمر به ذريعة لخالد في استئناف الطلب. . مرفوض أيضا، إذ كان ينبغي أن يقول له: لا تطلبهم بعد الآن، لا أن يقول له: كف عن الطلب الذي قلنا: إن ظاهره هو أنه كان لا يزال يطلبهم فعلا كما أوضحنا. .

4-ما معنى قول خالد: إنه دعاهم إلى الإسلام، و أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس؟ ! هل كان هذا من المهمات التي أوكلت إليه أيضا؟ ! .

5-إذا كان أبو سفيان زعيم مكة يأمر الناس بالإستسلام، فما معنى أن

يبادر أوباش من الناس لقتال هذه الألوف التي جاءتهم على حين غفلة منهم؟ !

و هل يمكن أن يفكر أوباش من الناس بإحراز أي نصر على عشرة آلاف مقاتل؟ ! و هم على غير استعداد، و لا سيما مع ذلك النداء الذي صدر لهم من أهم زعيم في مكة، و معه بديل بن ورقاء الزعيم الخزاعي، و حكيم بن حزام، و هو زعيم أيضا في قريش، فضلا عن العباس؟ !

أوقف الطلب:

و الأعجب من ذلك: أن بعض النصوص المتقدمة تعطي: أن خالدا كان لا يزال يلاحق الفارين في الجبال، و الشعاب، حتى حين طلبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طالبه بما فعل؛ فقد قال له «صلى اللّه عليه و آله» : أوقف الطلب.

و نعتقد: أن هذا التصرف من خالد يتضمن جرأة غير عادية. . فإنه بالرغم من إقدامه على مخالفة نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن القتال، و رغم إحساسه بتغيظ النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما يجري، و إحضاره للمساءلة، يتابع نشاطه العسكري المخالف لإرادة و توجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليحقق أكبر قدر ممكن من أهدافه التي توخاها من مباشرة ذلك القتال. . و كأنه يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعلم بحقيقة ما يجري من خلال إعلام اللّه تعالى له! !

كفوا السلاح إلا خزاعة:

ثم إننا لا نكاد نحتمل صحة ما زعموه من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد

طلب من جيشه أن يكفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، و ذلك لما يلي:

1-لقد كانت سياسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في دخول مكة هي أن يدخلها بعنفوان يضع حدا لاستكبار المستكبرين فيها و يمنعهم من التفكير بالمقاومة، مع حرص شديد و تصميم أكيد على عدم إراقة أي نقطة دم فيها، و ذلك حفاظا منه على حرمة بيت اللّه و حرمه. . فكيف يمكن أن نتصوره يسمح لخزاعة بأن تنفذ مذبحة في بني بكر في نفس حرم اللّه و في جوار بيته؟ !

2-إن السماح لخزاعة بالفتك ببني بكر ينافي الأمان الذي أعطاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة، حيث لم يستثن منه بني بكر. .

3-من هم الخزاعيون الذين سمح لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل بني بكر؟ هل هم خزاعيو مكة، أم خزاعيون جاؤوا معه؟

4-لماذا سمح لخزاعة بقتل بني بكر، و لم يسمح لها بقتل قريش، التي شاركت بني بكر في المجزرة التي ارتكبت في حق الخزاعيين. . و قريش هي التي أرسلت زعيمها أبا سفيان إلى المدينة ليدلس الأمر على المسلمين، و يضيع دماء المظلومين! !

5-لقد أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن ينادى في الناس: من ألقى سلاحه فهو آمن، أو دخل بيته، أو كان تحت راية أبي رويحة الخ. . فهل سمع هؤلاء الناس هذا النداء، و أصروا على القتال و حمل السلاح؟ !

و إذا كانوا أصروا على ذلك، فلما ذا يهربون إلى البحر و إلى اليمن؟ !

و إذا كانوا قد ألقوا سلاحهم، فلما ذا يلاحقونهم بالقتل إلى الحزوّرة، و المسجد، و إلى البحر، أو إلى اليمن؟ !

احصدوهم حصدا:

و أغرب من ذلك كله، ما زعمه أبو هريرة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب منه أن يهتف بالأنصار، و لا يأتيه إلا أنصاري، فجاؤوه، فأمرهم أن يحصدوا قريشا و أوباشهم حصدا، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى.

قال أبو هريرة: فما نشاء نقتل أحدا منهم إلا قتلناه.

و نحن لا نشك في أن هذا من المكذوبات المتناهية في الجرأة و الوقاحة.

فأولا: إن هذا لا يتلاءم مع إعلانه «صلى اللّه عليه و آله» بالأمان لكل من دخل داره و أغلق بابه، و دخل المسجد، و دار أبي سفيان، و ابن حزام، و من يلتجي إلى راية أبي رويحة، و من ألقى سلاحه، فهل يريد منهم أن يلقوا سلاحهم ليحصدهم الأنصار حصدا؟ !

أو هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» غادرا؟ ! و العياذ باللّه. أو هل كان قاسيا إلى هذا الحد؟ !

ثانيا: لم نسمع أن الأنصار فتكوا بقريش، أو قتلوا منهم، بل سمعنا أن خالدا فعل ذلك، و خالد من المهاجرين، و لم يكن الأنصار معه، بل كان معه بنو سليم.

ثالثا: هل صحيح أن النبي الكريم، و الوصول، و الرحيم و الحليم كان يتعامل وفق المنطق القبائلي و العشائري و العنصري، فيحرض الأنصار على قريش، و أوباشها، حيث يطلب أن لا يأتيه إلا أنصاريّ؟ !

و ما معنى: أن يأمرهم بالإطباق على قريش كما تطبق إحدى اليدين على الأخرى؟ !

رابعا: إذا كان الأمر كذلك، فلما ذا لم يقتل أحد من الذين حرضوا على

قتل خزاعة، مثل صفوان، و عكرمة، و سهيل بن عمرو؟ ! و كيف أفلتوا من يد الأنصار؟ و كيف يلوم «صلى اللّه عليه و آله» خالدا على ما فعل؟ ! و لماذا يسأله عن ذلك؟ ! أو لماذا يسأل عن شأن تلك البارقة التي رآها؟ ! ألم يكن هو الذي أمر بها و أثارها؟ ! كما يزعمون! !

المهاجرون يظنون أن خالدا قوتل:

لقد صرحت بعض النصوص: بأن المهاجرين أجابوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم يظنون أن خالدا قوتل.

و هذا معناه: أنهم لم يحضروا ما جرى، و لا تحققوا منه بأي من وسائل التحقق، بل أطلقوا كلامهم على سبيل التخمين و الحدس.

و السؤال هو: إذا كان المهاجرون لا يعرفون أزيد مما يعرفه أي إنسان آخر لم يحضر الواقعة، فلما ذا يتصدون للدفاع عن خالد؟ ! و لماذا لم يجب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحد من غير المهاجرين؟ !

بل إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : ألم أنه عن القتال؟ يعطي: أنه كان قد رتب الأمور بنحو ينمع أهل مكة من أن يفكروا في أي حركة قتالية، فإن كان ثمة من قتال، فهو يتوقع أن يكون مصدره أولئك الذين نهاهم عنه.

و معنى ذلك: أنه سيكون قتالا عدوانيا، قد عصي فيه أمر رسول اللّه، و خولفت به تعليماته. .

خالد لا يعصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و أما قولهم عن خالد: و ما كان ليعصيك، و لا يخالف أمرك، فهو غير ظاهر الوجه، فإن خالدا كان حديث عهد بالإسلام، و لم يتعمق الإيمان بعد

في داخل نفسه، و لا ظهرت دلائل انقياده التام لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد أظهرت الوقائع اللاحقة: أنه كان من أعظم الناس جرأة على مخالفة أوامر اللّه و رسوله، فراجع ما صنع ببني جذيمة في عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم ما صنعه بعد ذلك بمالك بن نويرة، حيث قتله، و زنى بزوجته في نفس ليلة قتله، كما ألمحنا إليه أكثر من مرة.

كل الجنود لم يلقوا جنودا غير خالد:

و يبقى السؤال يراود ذهن كل عاقل عن السر في أن جميع تلك الحشود التي دخلت مكة، و هي أكثر من عشرة أضعاف التسع مائة الذين كانوا بقيادة خالد، لم تواجه أية مشكلة، و لم يلقوا أي مسلح. ألا يضع ذلك علامة استفهام على زعمهم القائل: إن هذه الثلة اليسيرة وقفت لتتحدى الذي يرفده عشرة أضعافه من المقاتلين الذين يتدفقون على مكة من كل جهة؟ !

قضاء اللّه خير:

و لا يمكننا أن نقتنع بأن النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» قد أنحى باللائمة على قضاء اللّه تعالى، و اعتبره هو المسؤول عما جرى في أمر عصي اللّه فيه بمخالفة أمر رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد تضمنت هذه المعصية: هتك حرمة الحرم، و قتل أناس كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاهم الأمان. .

و هل يصح وصف ذلك كله: بأنه خير، و بأنه قضاء من اللّه، الذي يريد أن يوحي بأنه تعالى هو الذي فعله، أو أنه هو الذي قضاه على الأقل؟ !

و لم يقتصر الأمر على مجرد مهاجمة أولئك الناس، بل تجاوز ذلك إلى ملاحقتهم حتى قتلوا على باب المسجد، و اتبعوهم إلى الجبال، بل لقد اضطروا الى الهرب إلى البحر، و إلى التفكير بالهرب إلى اليمن. .

و قد كان من الوضوح بمكان: أن المقاومة لهجوم خالد و صحبه كانت في غاية الضعف، كما تشير إليه رواية أبي هريرة، التي يقول فيها: «فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه. .» .

بل ذكر أبو هريرة في روايته المتقدمة ما يدل على أن الذين قصدوهم بالقتل لم يقاوموا أصلا، فقد قال: «فانطلقنا فما أحد يوجه إلينا شيئا، و ما منا أحد يريد أحدا منهم إلا أخذه. .» .

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إن المشركين كانوا هم البادئين بالقتال؟ !

بل إن الرواية التي ذكرت: أن ذلك الأنصاري قد أبلغ خالدا بعكس ما أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهي خير دليل على أن المبادرة لقتل الناس في مكة كانت من خالد نفسه. .

و لكنهم عوضا من تقبيح فعل خالد، برؤوه من جرمه و ألقوا المسؤولية على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اتهموه بذلك الفعل القبيح، الذي ظهر قبحه من نفس نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» للمسلمين عن فعله. .

لم يسب صلّى اللّه عليه و آله لقريش ذرية:

و حين نقرأ في تلك الرواية المتقدمة عن أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» حول ما يرتبط بسيرة علي «عليه السلام» في أهل الجمل:

«كانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ما كان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أهل مكة يوم فتح مكة، فإنه لم يسب لهم ذرية، و قال: من أغلق بابه فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، الخ. .» (1).

فقد دلت هذه الرواية: على أن سياسته «صلى اللّه عليه و آله» في أهل مكة يوم الفتح هي الكف عنهم، و هذا لا يتلاءم أبدا مع دعواهم أنه قال للأنصار: «احصدوهم حصدا» كما أن ذلك يدل على أن مكة قد فتحت عنوة، لا صلحا.

الأنصاري الخائن:

و عن قصة ذلك الأنصاري الذي زعمت الرواية: أنه لم يكن أمينا في إبلاغ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى خالد. . نقول:

إن لنا على تلك الرواية ملاحظات عديدة هي:

1-لماذا لم يعاقب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الأنصاري على فعله الذي أدى إلى إزهاق أرواح كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي لا ينطق عن الهوى يريد حفظها؟ !

كما أنه قد كان سببا في سل السيوف، و إراقة الدماء في حرم اللّه تعالى، و في جوار بيته، و إنما اكتفى «صلى اللّه عليه و آله» بالسكوت، فلم يوجه لذلك الكاذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لو كلمة تأنيب أو تخطئة على أقل تقدير، و قد كان من المناسب جدا أن يذكّره بقوله «صلى اللّه


1) الكافي ج 5 ص 12 و راجع البحار ج 21 ص 136 عنه.

عليه و آله» : فمن كذب عليّ عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (1).


1) راجع المصادر التالية: الكافي ج 1 ص 62 الإعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص 118 و الخصال ص 255 و تحف العقول ص 193 و شرح أصول الكافي ج 2 ص 305 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 27 ص 207 و (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 153 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 91 و 92 و 93 و ج 17 ص 288 و 340 و كتاب سليم بن قيس ص 181 و شرح الأخبار ج 1 ص 228 و ج 2 ص 277 و كتاب الغيبة للنعماني ص 81 و المسترشد ص 232 و الإستنصار للكراجكي ص 11 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 393 و ج 2 ص 246 و العمدة لابن البطريق ص 224 و الطرائف لابن طاووس ص 454 و الصراط المستقيم ج 3 ص 156 و 258 و عوالي اللآلي ج 1 ص 186 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي ص 167 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 309 و البحار ج 2 ص 161 و 225 و 229 و ج 34 ص 169 و ج 36 ص 273 و ج 37 ص 223 و ج 50 ص 80 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 241 و النص و الإجتهاد ص 521 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 15 و 142 و ج 13 ص 579 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 80 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 76 و مسند أحمد ج 4 ص 252 و ج 5 ص 412 و صحيح مسلم ج 1 ص 8 و سنن الترمذي ج 4 ص 268 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 72 و شرح مسلم للنووي ج 1 ص 65 و مجمع الزوائد ج 1 ص 148 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 109 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 204 و 205 و الآحاد و المثاني للضحاك ج 5 ص 344 و 352 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 444 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 18 و الجامع الصغير ج 1 ص 26 و 357 و كنز العمال ج 3 ص 625 و ج 5 ص 126 و ج 10 ص 222 و 231 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 6 و فيض القدير ج 1 ص 171 و ج 2 ص 604 و تفسير القرطبي ج 1 ص 32 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 139 و الأحكام لابن حزم ج 2 ص 197 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 234 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 222 و ج 64 ص 37 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 81 و 87 و 88 ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 6 و أعيان الشيعة ج 1 ص 114 و ج 8 ص 128 و كشف الغمة ج 1 ص 344.

2-إن ما فعله ذلك الأنصاري، من شأنه أن يجرّئ الناس على مخالفة أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تبديل أوامره و نواهيه بأضدادها. . و ذلك يفتح الباب أمام مفاسد كبيرة و خطيرة.

3-قد رأينا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تبرأ مما صنعه خالد ببني جذيمة، فلما ذا لم يتبرأ من الكاذب، و من الكذب الذي نسبه ذلك الأنصاري إليه؟ ! و الذي أدى إلى سفك الدماء في حرم اللّه تعالى، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد حفظها.

4-و اللافت هنا: أن هذا الأنصاري الذي تسبب بإزهاق أرواح العشرات من الناس في حرم اللّه تعالى، لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عن اسمه، أو عن اسم قبيلته على الأقل، بل اكتفى بوصفه بأنه «أنصاري» .

5-و يزيد الأمر إبهاما، و إثارة للشبهة: أن هذه الرواية قد ذكرت رقما يزيد على ضعف العدد الذي ذكرته سائر الروايات. . لأنها تقول: إن الذين قتلوا بسبب كذبة هذا الأنصاري هم سبعون رجلا.

6-هل نستطيع أن نفهم ما جرى على أن هذا النوع من الروايات يقصد به الطعن في الأنصار، و إظهار أنهم قد ظلموا قريشا و أهل مكة، و تعاملوا معهم من منطلق الحقد و الضغينة؟ !

فكل ما يجري على الأنصار بعد ذلك-كما حصل في وقعة الحرة، و سواها-يصبح مبررا، و تقل بشاعته، و لا يعود مستهجنا.

أردت أمرا، و أراد اللّه غيره:

و الغريب في الأمر: أن يستدل ذلك الأنصاري على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: أردت أمرا، و أراد اللّه غيره، و ذلك:

1-لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يريد أمرا يخالف ما يريده اللّه تبارك و تعالى، فهو لا يريد إلا ما يرضي ربه، و لا يفعل و لا يقول إلا ما أذن اللّه تعالى له بفعله و قوله، على قاعدة: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

و هو «صلى اللّه عليه و آله» مسدد من اللّه، و مؤيد بتأييداته.

2-ثم إن قتل الناس في حرم اللّه لم يرده اللّه تعالى بلا ريب، فلا يصح نسبته إليه، بل أراده أولئك العصاة لأوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الكاذبون عليه، الذين توعدهم اللّه بالعذاب الأليم في نار جهنم.

3-و لو فرضنا: أن ذلك الأنصاري أصاب في استدلاله هذا، لكان ينبغي أن يلتفت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا الدليل قبل كل أحد، و لكان ذلك يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من توجيه الأسئلة لخالد حول ما اقترف، و من مطالبة الأنصاري بمبرراته التي استند إليها فيما فعل. .


1) الآيتان 3 و 4 من سور النجم.

4-هل سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين قال له الأنصاري ذلك عن قناعة بما قاله هذا الكاذب على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أن سكوته كان لأجل عجزه عن مواجهة الحجة بالحجة، و الدليل بالدليل؟ ! أم أن ذلك السكوت كان احتجاجيا، يريد به الإعراض عن ذلك الكاذب، و الدلالة على عدم جدوى النقاش معه في هذا الأمر؟ ! بل قد تكون مواصلة النقاش معه فيه مضرة، و لها آثار سلبية على المسلمين، و ربما على غيرهم أيضا. .

قد يقال: إن الإحتمال الأول هو الأوفر حظا من بين سائر الإحتمالات.

و لكننا نقول:

إن هذا الإحتمال هو الأسوأ و الأكثر ضررا من حيث إنه يشير إلى غفلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر يعرفه سائر الناس العاديين. . كما إنه يشير إلى جهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى بمثل هذا الأمر البديهي.

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يصدر و لا يورد، و لا يأمر و لا ينهى إلا وفق ما يريده اللّه تعالى، فإن الأمر يصبح أكثر إشكالا، لأنه يؤدي إلى نسبة هذه العظائم إليه سبحانه، تعالى اللّه عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا.

نهى أن يقتل من خزاعة أحد:

و قد صرحت النصوص التي ذكرناها: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» نهى أن يقتل من خزاعة أحد.

و نقول:

قد يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن القتال و القتل مطلقا، سواء لخزاعة أو لغيرها. . و أعطى الأمان لجميع أهل مكة باستثناء أشخاص بأعيانهم، سيأتي الحديث عنهم؛ لأنهم قد ارتكبوا جرائم لا مجال للعفو عنها. . فلا خصوصية لخزاعة هنا، و لا معنى لحصر الكلام فيها.

و يمكن أن يجاب: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عمم الأمان ليشمل خزاعة و جميع أهل مكة، ثم خص خزاعة بالذكر، لأنها كانت داخلة في عقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عهده، كما ظهر مما جرى في الحديبية. . فلهم أمان الحلف، بالإضافة إلى الأمان الذي يشملهم مع أهل مكة. .

فخزاعة: لا يصح قتال أحد منها حتى لو بادر إلى حمل السلاح و القتال، فيجب مراعاة حاله، و تحاشي قتله، و مراجعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمره، لأن لخزاعة أحكاما تختلف عن أحكام سائر مشركي مكة المحاربين، و قد اصبحوا الآن أسرى في أيدي المسلمين، يحكم فيهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يقتضيه حالهم. .

و أما خزاعة: فليسوا محاربين كمشركي مكة، بل هم حلفاء، و لهم عهد و عقد.

و حتى لو اتفق و وقع القتل على أحد منهم، و لو عن غير قصد، فلعلهم ممن تشملهم أحكام الديات أيضا.

شعار النبي صلّى اللّه عليه و آله في فتح مكة:

روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي

نصر، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال:

شعارنا: «يا محمد، يا محمد» .

و شعارنا يوم بدر: «يا نصر اللّه إقترب، إقترب» .

و شعار المسلمين يوم أحد: «يا نصر اللّه إقترب» .

و يوم بني النضير: «يا روح القدس أرح» .

و يوم بني قينقاع: «يا ربنا لا يغلبنك» .

و يوم الطائف: «يا رضوان» .

و شعار يوم حنين: «يا بني عبد اللّه، (يا بني عبد اللّه)» .

و يوم الأحزاب: «حم، لا يبصرون (أو لا ينصرون)» .

و يوم بني قريظة: «يا سلام أسلمهم» .

و يوم المريسيع، و هو يوم بني المصطلق: «ألا إلى اللّه الأمر» .

و يوم الحديبية: «ألا لعنة اللّه على الظالمين» .

و يوم خيبر، يوم القموص: «يا علي آتهم من عل» .

و يوم الفتح: «نحن عباد اللّه حقا حقا» .

و يوم تبوك: «يا أحد يا صمد» .

و يوم بني الملوح: «أمت، أمت» .

و يوم صفين: «يا نصر اللّه» .

و شعار الحسين «عليه السلام» : «يا محمد» .

و شعارنا: «يا محمد» (1).


1) الكافي ج 5 ص 47.

و سند الحديث صحيح.

و روي أيضا:

أن شعار المسلمين يوم بدر: «يا منصور أمت» .

و شعار يوم أحد للمهاجرين: «يا بني عبد اللّه، يا بني عبد الرحمن» .

و للأوس: «يا بني عبد اللّه» (1).

و نقول:

كنا قبل سنوات قد كتبنا بحثا حول «نقش الخواتيم لدى الأئمة صلوات اللّه و سلامه عليهم» . .

و قد بدا واضحا: أن ما كانوا ينقشونه عليها متوافق مع طبيعة المرحلة التي يمرون بها، و التحديات التي تواجههم.

و هذه العبارات المختارة لتكون شعارا في هذه الحرب أو تلك تشير إلى نفس هذا الأمر، و تؤكد على هذه الحقيقة. .

و لو أردنا أن نشرح هذا التوافق و الإنسجام فيما بين الشعار و بين ما يراد له أن يدل عليه و يشير إليه لاحتجنا إلى عشرات الصفحات، و لكان علينا أن ندّخر المزيد من الوقت و الجهد في إيضاح هذه المعاني و بيان هذه الدلالات.

فلا محيص لنا عن الإكتفاء هنا بلمحة عابرة عن بعض ما يرمي إليه الشعار الذي اختير ليوم فتح مكة فقط، و هو:

«نحن عباد اللّه حقا حقا» ، فنقول:


1) الكافي ج 5 ص 47.

يتضح بعض ما نريد الإلماح إليه كما يلي:

1-لقد كان مشركو مكة و جبابرتها، و عتاتها، و رموز الظلم و الكيد و التعدي على حرمات اللّه فيها، يحاربون اللّه و رسوله، و يهتكون حرمة بيت اللّه، و ينتهكون حرمة الحرم. ثم هم يدّعون أنهم سدنة البيت، و أولياؤه، و حماة الحرم و أبناؤه.

و قد رد اللّه تعالى ذلك عليهم، فقال: وَ مٰا لَهُمْ أَلاّٰ يُعَذِّبَهُمُ اَللّٰهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ مٰا كٰانُوا أَوْلِيٰاءَهُ إِنْ أَوْلِيٰاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ (1).

و لنا حول موضوع البيت و ولايته حديث ذكرناه في كتابنا «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام» ، و لعلنا نحتاج لإيراد موجز عنه فيما يأتي من مطالب إن شاء اللّه تعالى. .

2-إن الكعبة بيت اللّه، و الحرم المكي حرم اللّه، و لا بد من أن تتجلى في هذه الأماكن المقدسة، و المشاعر المعظمة عبودية الإنسان لربه بكل أبعادها، و مختلف تجلياتها.

و خير من يجسد هذه العبودية هم المؤمنون باللّه الواحد الأحد، الفرد الصمد، و لا يشركون به شيئا، فإن الشرك ينقص من مقام العبودية هذا. . بل هو يصرفها إلى غير اللّه تبارك و تعالى إلى حد التمحض في ذلك الغير. .

و لأجل ذلك اختار «صلى اللّه عليه و آله» بيان هذه الحقيقة، و إسقاط هذه المغالطة التي يمارسها المدّعون لها كذبا و زورا. .


1) الآية 34 من سورة الأنفال.

3-إن اختيار العبودية لتكون أول مفهوم يطرح في هذه المناسبة يؤكد على أن هذا الفتح العظيم لم يخرج هؤلاء الفاتحين عن حالة التوازن، و لم يدفعهم للتصرف بكبرياء، و لم يوجب لديهم حالة من الغرور و الادّعاء لأنفسهم فوق ما تملكه من قدرات. بل زادهم ذلك تواضعا، و خضوعا له، و استسلاما لإرادته و مشيئته تعالى، تماما كما يستسلم كل عبد لسيده، و ليس لأهوائهم و نزواتهم.

4-إن هذا يعطي الآخرين الذين اساؤوا و آذوا نفحة من الشعور بالطمأنينة، و بالأمل و السكينة، من حيث أنهم سيفهمون أن القرار بشأنهم لن يكون عشوائيا، تتحكم فيه النزوات، و الأهواء و العصبيات، بل هو قرار إلهي، و حكم رباني. . فإذا أصلحوا علاقتهم باللّه، و تابوا و عادوا إلى الالتزام بأوامره و زواجره، و إذا اعتقدوا: أنه غفور رحيم، و قوي عزيز، و أنه الغفور التواب و. . و. . فإن بإمكانهم أن يأملوا قبول توبتهم، و النظر إليهم بعين الرحمة و المغفرة. .

فيكون نفس هذا الشعار الذي نادى به المسلمون في فتح مكة دعوة لأهلها إلى قبول الحق، و الدخول في دين اللّه و التوبة و الإستغفار، و طلب الرحمة. .

كما إنه شعار يتضمن إنذارا لهم بضرورة التخلي عن المكابرة و الجحود. . لأن ذلك سوف يعرضهم لغضب اللّه و سخطه، و ستجري عليهم و فيهم أحكامه و شرائعه، وفق سنن العدل، و على أساس قاعدة:

أَحْصٰاهُ اَللّٰهُ وَ نَسُوهُ. . (1). و قاعدة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (2).

فتحت مكة عنوة لا صلحا:

و قد زعموا: أن مكة فتحت صلحا، و به قال الشافعي (3).

فلما واجههم ما أثبته التاريخ من قتل خالد ثمانية و عشرين رجلا من قريش و هذيل كما ذكرته الروايات أو سبعين من أهل مكة كما في رواية أخرى قالوا: إن هذه المقاتلة التي وقعت لخالد لا تنافي كون مكة فتحت صلحا، لأنه صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة.

و أما قوله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن» فهو من زيادة الإحتياط لهم في الأمان.

و قوله: احصدوهم حصدا محمول على من أظهر من الكفار القتال، و لم يقع قتال، و من ثم قتل خالد من قاتل من الكفار.

و إرادة علي كرم اللّه وجهه قتل الرجلين اللذين أمنتهما أخته أم هانىء كما سيأتي لعله تأول فيهما شيئا، أو جرى منهما قتال له.

و تأمين أم هانىء لهما، من تأكيد الأمان الذي وقع للعموم.


1) الآية 6 من سورة المجادلة.

2) الآيتان 7 و 8 من سورة الزلزلة.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 81.

فلا حجة في كل ما ذكر على أن مكة فتحت عنوة كما قاله الجمهور.

و قيل: أعلاها فتح صلحا: أي الذي سلكه أبو هريرة و الأنصار، لعدم وجود المقاتلة فيه، و أسفلها الذي سلكه خالد فتح عنوة لوجود المقاتلة فيه (1).

و نقول:

إن ذلك غير صحيح، بل فتحت عنوة، و نستند في ذلك إلى ما يلي:

أولا: إن نفس إعطاء الأمان لأهل مكة، إن دخلوا المسجد، أو بيوتهم، أو غير ذلك يدل على أنهم قد قهروا بدخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» بلدهم، و أن معارضتهم سوف تنتهي إلى استرجاع هذا الأمان، و استمرار حالة الحرب.

ثانيا: قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة: ما ترون أني صانع بكم؟ !

قالوا: أخ كريم، و ابن أخ كريم.

قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

فإن قوله: ما ترون أني صانع بكم يدل على أنه هو الذي يقرر مصيرهم، و يصنع بهم ما يشاء، بعد أن أصبحوا في يده بعد الفتح. و لو كان ثمة صلح، فإن بنود الصلح و شروطه هي التي تحدد ذلك، و لا يبقى لأحد طرفي الصلح أي خيار في مصير الطرف الآخر. .

ثالثا: لم يرد في أي نص تاريخي: أن ثمة صلحا بين النبي و بين أحد من


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 84.

أهل مكة، فالقول بحصول شيء من ذلك ما هو إلا تخرص و رجم بالغيب.

رابعا: إن اعتبارهم طلقاء في قوله «صلى اللّه عليه و آله» : اذهبوا فأنتم الطلقاء، يدل على أنه قد أسرهم، ثم أطلق سراحهم، فإن الطليق هو الأسير إذا أطلق و لم يسترق (1).

خامسا: إن مما يشير إلى ذلك أيضا: ما رواه الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين «صلوات اللّه عليهما» : إن عليا «عليه السلام» سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أهل الشرك.

قال: فغضب ثم جلس، ثم قال: سار و اللّه فيهم بسيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح، إن عليا «عليه السلام» كتب إلى مالك و هو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل، و لا يقتل مدبرا، و لا يجهز على جريح، و من أغلق بابه فهو آمن (2).

و علي «عليه السلام» إنما انتهى إلى هذه النتيجة بعد أن انتصر عليهم في ساحات القتال و النزال، و أصبحوا في يده، و كذلك الحال بالنسبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إستدلالات و تأويلات:

1-بالنسبة للاستدلالات المذكورة آنفا نقول:


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 85.

2) الكافي ج 5 ص 33 و البحار ج 21 ص 139 عنه.

قد استدل القائلون بفتح مكة صلحا: بأن ما جرى في مر الظهران يعتبر صلحا.

و نقول:

أولا: قد ذكرنا فيما تقدم: أن أبا سفيان قد اعتقل من قبل أولئك الذين أرسلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حدد لهم مكانه بدقة. . و لم يذكر التاريخ و لو كلمة واحدة عن أية مفاوضات جرت بين أبي سفيان و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حول دخول مكة عنوة أو صلحا، أو عدم دخولها.

ثانيا: إن أبا سفيان بعد أن أعلن إسلامه، لم يكن يصح أن يعتبر نفسه مسلما، ثم أن يعتقد بأن له الحق في أن يصالح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أن يفاوضه في شأن مكة، أو في شأن غيرها. .

ثالثا: إن إهدار دم جماعة ممن ارتكبوا جرائم في حق الدين و أهله، ما هو إلا قرار نبوي خالص، و قد كانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان في جملة الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم. و لم يكن أبو سفيان ليرضى بقتل زوجته، أو بقتل عكرمة بن أبي جهل، أو صفوان بن أمية و غيرهم، بل هو ينقض ألف صلح و عقد و عهد من أجل حفظهم، فكيف يعقد صلحا تكون نتيجته قتل كثير من أصفيائه و أحبته؟ !

2-بالنسبة للتأويلات التي ذكروها نقول:

ألف: ادّعى القائل بفتح مكة صلحا: بأن الأمان الذي أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» لمن دخل المسجد، أو دار أبي سفيان، أو أغلق بابه، أو ألقى سلاحه، أو لجأ إلى راية أبي رويحة. . قد أعطي لهم زيادة في الإحتياط.

و هو كلام غير دقيق.

فأولا: إن معنى هذا الأمان هو أن من لم يفعل ذلك، فلا أمان له، و سيكون التعامل معه على أنه محارب، يجوز قتله و أسره، و يحل ماله.

ثانيا: لو كان الأمان قد أعطي زيادة في الإحتياط، لكان من الضروري أن ينادى بالأمان العام أولا، ثم يخصص ذلك و يقول: و خصوصا من دخل المسجد، أو ألقى سلاحه، أو أو الخ. . مع أن ذلك لم يحصل، إذ لم يناد أحد بشيء من ذلك.

ب: و زعموا: أن ما نسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال للأنصار: احصدوهم حصدا، محمول على من أظهر من الكفار القتال، و لم يقع قتال. . و لذلك قتل خالد من قاتله من الكفار.

و نقول:

إننا و إن كنا قد ناقشنا النص المذكور بما دل على عدم صحته، غير أننا نزيد هنا:

أولا: إن هذا الحمل تبرعي، ليس في النص المذكور أية إشارة إليه.

ثانيا: إن النصوص تشير إلى أن من قتلهم خالد لم يكونوا قد أظهروا القتال حسبما تقدم.

ثالثا: لقد كان الأولى بهؤلاء أن يقفوا عند عبارة «احصدوهم حصدا» ، ليؤكدوا كذبها من حيث إنها لا تتناسب مع النهج النبوي، و السلوك الإيماني. . و قد عرفنا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تذهب نفسه حسرات على قومه، و كان يدعو لهم بالهداية، حتى و هم يقاتلونه.

و لم يكن يريد سحقهم و استئصالهم، بل كان كل همه «صلى اللّه عليه

و آله» منصرفا إلى كسر شوكتهم، و إسقاط مقاومتهم، ثم العمل على إقناعهم بالإسلام، ثم إيصال الإسلام إلى كل من لهم به صلة نسب، أو مصلحة، أو صداقة، أو غيرها. .

ج: و ذكروا: أن سعي علي «عليه السلام» لقتل الرجلين اللذين اجارتهما أم هاني، لعله لأجل أنه تأول بهما شيئا، أو جرى منهما قتال. و تأمين أم هاني لهم من تأكيد الأمان الذي جرى للعموم. .

و نقول:

سيأتي الحديث عن هذه القضية عن قريب، و نكتفي هنا بما يلي:

أولا: صرح الحلبي: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أهدر دم هذين الرجلين اللذين أجارتهما، و هما: الحارث بن هشام، و زهير بن أبي أمية (1). فلم يكن علي «عليه السلام» متأولا في أمرهما شيئا خلاف ما نص عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: ما زعمه: من أن تأمين أم هاني لهما قد جاء تأكيدا للأمان العام، لا يصح، إذ لماذا لا تحتج أم هاني على علي «عليه السلام» بذلك الأمان العام لتحرجه به، بلا حاجة إلى أن تشتكيه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

يضاف إلى ذلك: أنه لا يوجد أي نص يشير إلى وجود ذلك الأمان العام المزعوم، بل قد تقدم أن تحديد النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، و دار أبي سفيان و. . و. . لتكون مواضع الأمان، ينفي وجود أمان عام.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و راجع ص 93.

الشهداء من المسلمين:

قالوا: «و استشهد من المسلمين ثلاثة نفر، دخلوا في أسفل مكة، و أخطأوا الطريق، فقتلوا» (1).

و نقول:

إنه يبدو لنا: أن هذه النصوص، و أمثالها تشتمل على نوع من التضليل، و ذلك:

أولا: لأن الذي دخل من أسفل مكة هو خالد بن الوليد (2)، و خالد هو الذي قاتل أهل مكة حين دخل، و قتل منهم العشرات، فإذا كان هؤلاء الثلاثة قد قتلوا في أسفل مكة، فهذا يعني: أنهم قتلوا مع خالد بالذات، حين دافعه أهل مكة عن أنفسهم، إذ لا يعقل أن يقتل منهم ما يقرب من ثلاثين قتيلا، و يلاحقهم خالد و من معه إلى المسجد، و إلى الجبال، بل لقد هرب بعضهم إلى جهة اليمن كما تقدم، ثم لا تكون منهم أية مقاومة، و لا


1) البحار ج 21 ص 133 عن إعلام الورى، و الأنوار العلوية للنقدي ص 202 و إعلام الورى ج 1 ص 226 و 227.

2) راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 533 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 315 و كنز العمال ج 10 ص 527 و البداية و النهاية ج 4 ص 332 و 238 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 550 و 560 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 274 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 395 و الثقات ج 2 ص 49 و معجم البلدان ج 5 ص 28 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 334 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 865 و عيون الأثر ج 2 ص 191 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 227 و معجم ما استعجم ج 1 ص 129.

يقتل و لا يجرح أحد ممن كان مع خالد.

و الذي نراه هو: أن ثمة تزويرا رخيصا يهدف إلى إيقاع الناس في الغلط و الاشتباه، فإن محبي خالد بعد أن ظهر لهم أن خالدا قد خالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قتل من قتل من الناس بغير رضا و لا رخصة منه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل مع وجود منعه و نهيه. . خافوا أن يجعل قتل هؤلاء الثلاثة على عهدة خالد، و بتسبيب منه. . فأبعدوهم عنه.

ثم رووا: أنه دخل من أعلى مكة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخل من أسفلها حسبما تقدم، لكي تتعارض الروايات، و يأتي أهل الخير ليجمعوا بينها، بما يبعد الشبهة عن خالد، أو يوجب الشبهة في حقيقة ما ارتكبه، أو ما كان سببا فيه.

ثانيا: إننا لا نرى مبررا لضلال هؤلاء الثلاثة لطريقهم، و لا لقتلهم بسبب ذلك، فإنه إن كان خالد قد دخل من أسفل مكة فقد كانوا معه، و لا مجال لأن يضلوا الطريق عنه دون سواهم، و هم في ضمن جيش يعد بالمئات و الألوف، و إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي دخل من أسفلها فقد كانوا معه، و في حمايته، فلما ذا يقتلون؟ ! و كيف؟ !

لا غنائم في يوم الفتح:

عن عبيد بن عمير قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في يوم فتح مكة: لم تحل لنا غنائم مكة (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 عن الواقدي و مسند أحمد ج 6 ص 466.

و عن يعقوب بن عتبة قال: لم يغنم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة شيئا، و كان يبعث السرايا خارجة من الحرم، و عرفة، و الحل، فيغنمون و يرجعون إليه (1).

و نقول:

قد يقال: إن هذا يدل على أن مكة قد فتحت صلحا، إذ لو فتحت عنوة لحلت غنائمها. .

و نجيب:

أولا: إن مكة قد فتحت عنوة، لكن العنوة لا تعني لزوم وقوع قتال و قتلى، بل الفتح عنوة هو ما يكون بالقهر و القوة، و بالرغم و الهيمنة السلطوية. و ذلك حاصل في فتح مكة. . لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» - حفظا منه لحرمة بيت اللّه و حرمه-منع المقاتلين من مباشرة أي عمل قتالي إلا بإذنه، و قتل الناس الذي صدر من خالد كان معصية لأوامر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في هذا المجال.

على أن نفس أن يهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دم حوالي عشرين شخصا، و قد قتل بالفعل عدد منهم. . يدل على أنه كان يتصرف من موقع الفاتح المنتصر، لا من موقع المصالح، الذي يفرض شروطه على الطرف الآخر. . إذ لم يكن المشركون ليرضوا بقتل عدد من كبار زعمائهم و أصحاب القرار فيهم، و لا يمكن أن يسجلوا ذلك في بنود صلح مع من يطالب بقتلهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 عن الواقدي، و التنبيه و الإشراف ص 233 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 77 و 232.

ثانيا: إنه لا مانع من أن يكون لمكة خصوصية في أحكام الجهاد و الفتح، فتكون غنائمها حراما حتى لو فتحت عنوة. و قد تبينت خصوصية مكة في كثير من الأحكام.

قريش لا تقتل صبرا و لا تغزى:

عن مطيع بن الأسود قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول يوم فتح مكة: «لا يقتل قريشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة» (1).

و عن أبي حصين الهذلي قال: لما قتل النفر الذين أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقتلهم سمع النوح عليهم بمكة، و جاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: فداك أبي و أمي، البقية في قومك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يقتل قريشي صبرا بعد اليوم» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 257 عن مسلم، و قال في هامشه: أخرجه مسلم في الجهاد باب 33 حديث (88) ، و الدارمي 2/198 و الحميدي (568) . و الطبراني في الكبير 7/88 و أحمد 3/412، و الطحاوي في المعاني 326 و البيهقي في الدلائل 5/79 و ابن أبي شيبة 12/173،14/90 انتهى. و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 313 و الأدب المفرد ص 178 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 436 و الثقات ج 2 ص 53 و تهذيب التهذيب ج 6 ص 302 و البداية و النهاية ج 4 ص 351 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 581 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 365 و لسان العرب ج 15 ص 124 و مسند الحميدي ج 1 ص 258.

قال محمد بن عمر: يعني على الكفر (1).

عن الحارث بن مالك، (و يقال له: ابن البرصاء) ، قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة على الكفر» (2).

و عن الحارث أيضا، قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول يوم فتح مكة: «لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة. .» .

قال العلماء: معنى قوله: «لا تغزى» يعني على الكفر (3).

و نقول:

إننا لا نستطيع أن نأخذ بظاهر هذا الكلام، بل لا بد من تأويله إن أمكن، أو الحكم عليه بالسقوط و البطلان، و اعتباره مجعولا لأهداف رخيصة، تتناقض مع التشريع الإلهي و مع التوجيه الرباني. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 862 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 257 عن الواقدي.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 257 عن الواقدي، و في هامشه عن: المغازي للواقدي 2/862 و ابن سعد 2/1/99، و الطبراني في الكبير 3/292 و ابن أبي شيبة 14/490 و البيهقي في الدلائل 5/75 انتهى. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 137 و أسد الغابة ج 1 ص 346 و غريب الحديث ج 3 ص 190 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 365 و لسان العرب ج 15 ص 124.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 عن أحمد، و الترمذي، و صححه، و المغازي للواقدي ج 2 ص 862.

لعل المقصود هو الإخبار لا الإنشاء:

و قد يقال: إن المقصود الإخبار عن أن الشرك و الكفر لن يدخل مكة، و لن يسيطر عليها، بحيث يحتاج إخراجه منها إلى غزوها، و ليس المقصود إنشاء تحريم غزوها حتى مع عودتها للكفر، فإن ذلك يعني: القبول بسيطرة الكفر عليها، و هو أمر مرفوض جملة و تفصيلا.

و لو فرض لزوم الرضى به، فليس من المصلحة الجهر بمثل هذا الأمر، و لا سيما بالنسبة لأهل مكة الذين كان معظمهم لا يزال على الشرك و الكفر، أو أنه أعلن الإسلام نفاقا، بعد أن غلب أهل مكة على أمرهم بدخول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة على تلك الحال القوية، التي لا قدرة لهم على مواجهتها.

و لا بد من أن يكون هذا المعنى هو المراد أيضا بقوله «صلى اللّه عليه و آله» -فيما رووه عنه-: «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم» يعني: على الكفر.

و يزيد الأمر وضوحا إذا علمنا: أنه لو أريد الأخذ بالإحتمال الآخر، و هو: أن تكون قريش في منأى عن القتل صبرا، فإننا نصبح أمام محذورين مهمين:

أحدهما: أن إعلانا من هذا القبيل يدخل في سياق تغذية روح العنصرية، التي رفضها الإسلام جملة و تفصيلا، إنسجاما منه مع حكم العقل، و قضاء الفطرة، و مع ما قررته الآيات الكريمة التي تقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (1).

مع ملاحظة: أن القرشية أو غيرها من مثيلاتها من الخصوصيات مثل


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

العرق و اللون، ليست من الأمور الإختيارية التي يمكن اعتبارها حيثية يصح إناطة التشريعات المرتبطة بالأعمال بها. .

الثاني: إنه لا شك في أن المرتد عن فطرة محكوم بالقتل من الناحية الشرعية، سواء كان قرشيا أو غير قرشي. و هو إنما يقتل صبرا، و لم يقل أحد: أن هذه الكلمة قد ألغت هذا الحكم، مع أنه من موارد القتل على الكفر لمن هو من قريش أيضا.

هذا ما وعدني ربي:

عن عبد اللّه بن مغفل قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة على ناقته، و هو يقرأ سورة الفتح، يرجّع صوته بالقراءة.

قال معاوية بن قرة: لو لا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجّع عبد اللّه بن مغفل، يحكي قراءة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قال شعبة: فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟

قال: ثلاث مرات (1).

و عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح: «هذا ما وعدني ربي» ثم قرأ: إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ (2)» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 عن البخاري في التفسير، و فضائل القرآن، و التوحيد، و المغازي، و عن مسلم في الصلاة، و النسائي، و الحاكم، و السيرة الحلبية ج 3 ص 97.

2) الآية 1 من سورة النصر.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 عن الطبراني.

قالوا: و نزل يوم فتح مكة: وَ قُلْ جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً (1).

فارتجت مكة من قول أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً» (2).

و نقول:

1-قد تحدثنا عن بعض ما يرتبط بقراءته «صلى اللّه عليه و آله» سورة الفتح عن قريب، فلا ضرورة للإعادة، فنحن نكتفي بما ذكرناه هناك. .

2-بالنسبة إلى ما ادّعوه في ترجيعه «صلى اللّه عليه و آله» في قراءة السورة المذكورة نقول:

إنه لا شك في أنه ترجيع لا يصل إلى حد ما نراه من ترجيع غنائي يقوم به القراء في زماننا، و قد وصف ابن قتيبة لنا قراءة بعض قراء زمانه، و إذ بها تشبه ما نراه في هذا الزمان.

فقد قال في معرض حديثه عن حمزة بن حبيب الزيات، و هو أحد القراء السبعة:

«. . هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب، و أهل الحجاز لإفراطه في المد، و الهمز و الإشباع، و إفحاشه في الإضجاع و الإدغام. و حمله المتعلمين على المركب الصعب، و تعسيره على الأمة ما يسر اللّه.

و قد شغف بقراءته عوام الناس و سوقهم، و ليس ذلك إلا لما يرونه من


1) الآية 81 من سورة الإسراء.

2) البحار ج 21 ص 114 عن تفسير القمي.

مشقتها، و صعوبتها. .

إلى أن قال: و رأوه عند قراءته مائل الشدقين، دارّ الوريدين، راشح الجبينين، توهموا: أن ذلك لفضيلة في القراءة، و حذق فيها.

و ليس هكذا كانت قراءة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا خيار السلف، و لا التابعين، و لا القراء العالمين، بل كانت قراءتهم سهلة رسلة» (1).

و قد تحدثنا في موضع آخر عن موضوع التغني بالقرآن، و أن ذلك ليس فقط لم يثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل النصوص تثبت خلافه. .

3-إن الآيات القرآنية التي نزلت، و التي رددها المسلمون حتى ارتجت مكة، تبين: أن المعيار عند صاحب هذا الفتح هو انتصار الحق على الباطل، و ليس المهم فتح البلاد، و امتلاك أزمّة الأمر و النهي في العباد، و لا أي شيء آخر من أمور الدنيا. . إلا إذا كان يقوي هذا الحق و يحميه، و يزهق الباطل و يضعفه، و يبطل أي حركة فيه. .


1) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 58-63.

الفصل الرابع: منزل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و جوار أم هاني

اشارة

أين نزل النبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة؟ ! :

روي عن ابن عباس أنه قال: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة يوم الإثنين (1).

و عن أبي جعفر قال: كان أبو رافع قد ضرب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبة بالحجون (أي عند شعب أبي طالب) من أدم، فأقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى انتهى إلى القبة، و معه أم سلمة، و ميمونة زوجتاه (2).

و عن أسامة بن زيد أنه قال: يا رسول اللّه! أنّى تنزل غدا؟ تنزل في دارك؟

قال: «و هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار» ؟

و كان عقيل ورث أبا طالب هو و أخوه طالب، و لم يرثه جعفر و لا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 85.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 105 و المغازي للواقدي ج 2 ص 829.

علي، لأنهما كانا مسلمين، و كان عقيل و طالب كافرين، أسلم عقيل بعد (1).

و عن أبي هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «منزلنا إن شاء اللّه تعالى-إذا فتح اللّه-بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» .

يعني بذلك: المحصب.

و ذلك أن قريشا و كنانة تحالفت على بني هاشم و بني المطلب أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و عن أبي رافع قال: قيل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : ألا تنزل منزلك من الشعب؟

فقال: «و هل ترك لنا عقيل منزلا» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 و 231 و قال في هامشه: أخرجه البخاري 3/526 في الحج (1588) (3058،4282،6764) ، و مسلم في الحج (439، 440) و أبو داود حديث (2010) و في الفرائض باب (10) و ابن ماجة (2730) و الطحاوي في معاني الآثار 4/49، و أحمد 5/202 و الدار قطني 3/62. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 1 ص 79 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 15 و ج 10 ص 344.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 231 عن البخاري و أحمد، و قال في هامشه: أخرجه البخاري (4284) (1589) ، و مسلم في الحج (355) و البيهقي في الدلائل 5/93 و أحمد 2/263،322،353، و الطبراني في الكبير 11/62 و انظر مجمع الزوائد 3/250. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 85.

و كان عقيل قد باع منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و منزل إخوته من الرجال و النساء بمكة، فقيل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فانزل في بعض بيوت مكة غير منازلك.

فأبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «لا أدخل البيوت» .

و لم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، و كان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون (1).

و عن عطاء: لما هاجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة لم يدخل بيوت مكة، فاضطرب بالأبطح، في عمرة القضية، و عام الفتح، و في حجته (2).

هذا منزلنا يا جابر:

عن جابر-رضي اللّه عنه-قال: كنت ممن لزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخلت معه يوم الفتح، فلما أشرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أذاخر، و رأى بيوت مكة، وقف عليها، فحمد اللّه و أثنى عليه، و نظر إلى موضع قبته، فقال:

«هذا منزلنا يا جابر، حيث تقاسمت قريش علينا في كفرها» .

قال جابر: فذكرت حديثا كنت سمعته منه قبل ذلك بالمدينة: «منزلنا إذا فتح اللّه علينا مكة في خيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 231 عن الواقدي و السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و المغازي للواقدي ج 2 ص 829.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 829.

و كنا بالأبطح، و جاه شعب أبي طالب، حيث حصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بنو هاشم ثلاث سنين (1).

و نقول:

إننا هنا نشير إلى الأمور التالية:

الحكمة في اختيار موضع النزول:

قال الصالحي الشامي:

«الحكمة في نزول النبي «صلى اللّه عليه و آله» بخيف بني كنانة، الذي تقاسموا فيه على الشرك، أي تحالفوا فيه على إخراج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بني هاشم إلى شعب أبي طالب، و حصروا بني هاشم و بني المطلب فيه، كما تقدم ذلك في أبواب البعثة، ليتذكر ما كان فيه من الشدة، فيشكر اللّه تعالى على ما أنعم عليه من الفتح العظيم، و تمكنه من دخول مكة ظاهرا على رغم من سعى في إخراجه منها، و مبالغة في الصفح عن الذين أساؤوا، و مقابلتهم بالمن و الإحسان، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء» (2).

غير أننا نقول:

إن الأمر لا يقتصر على ما ذكر آنفا، فهناك أمور أخرى نشير إليها في الفقرات التالية:


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 عن الواقدي و مجمع الزوائد ج 9 ص 23 و السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و المغازي للواقدي ج 2 ص 828.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصل الماضي بالحاضر:

قد عرفنا فيما سبق: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد نزل في نفس الموقع الذي حصره فيه أهل الكفر هو و سائر بني هاشم، حينما تظاهروا عليه و عليهم بالإثم و العدوان، و قد مكثوا فيه حوالي ثلاث سنوات يقاسمون الآلام، و لا يقدرون على الاتصال بأحد من الناس، إلا خفية، و قد منع الناس من إقامة أية صلة بهم، حتى صلة البيع و الشراء لأبسط الأشياء، فضلا عن منعهم الناس من مجالستهم، و من التزوج منهم، و التزويج إليهم، و ما إلى ذلك.

و ها هو «صلى اللّه عليه و آله» قد عاد إلى مكة، و معه أكثر من عشرة آلاف مقاتل. . و أصبح محاصروه بالأمس هم أسراه، و طبيعي أن يتوقعوا محاصرتهم من قبله، جزاء لهم على ما كسبت أيديهم.

نعم، لقد أصبح من لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه، أو يقيم معه أية صلة و لو عابرة، موضع الحفاوة و التكريم، و التبجيل و التعظيم، و يتلهف الناس للاقتراب منه، و التماس البركة به، و بكل شيء ينسب إليه، و يتمنون أن تشملهم منه نظرة أو لفتة، حتى لو كانت عابرة. .

بل إن أعداءه بالأمس، الذين تشهد تلك الشعاب التي نزل فيها على شدة ظلمهم له، و بغيهم عليه، يتوافدون إليه في نفس المكان الذي اضطهدوه فيه بالأمس، لتقديم فروض الولاء، و التفنن فيما يزجونه إليه من مدح و ثناء. فيتذكرون ما ارتكبوه في حقه، و في حق الشيوخ و الأطفال و النساء من صحبه و أهله، فهل يخجلون من أنفسهم؟ ! أو هل يندمون؟ ! و هل يتوبون إلى اللّه و يستغفرون؟ !

و هل يفيدهم ذلك في إعادة النظر و المقارنة بين ما كانوا عليه، و ما آلت أمورهم إليه؟ ! فيضعون الأمور في نصابها، و يتأكد لديهم أن اللّه هو الراعي، و الحامي، و المدبر لنبيه، و المعين و الناصر لعباده و أوليائه. .

أين نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

و قال الصالحي الشامي أيضا:

«لا مخالفة بين حديث نزوله «صلى اللّه عليه و آله» بالمحصب، و بين حديث أم هانئ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نزل في بيت أم هانئ. لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم في بيت أم هانئ، و إنما نزل به حتى اغتسل و صلى، ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته عند شعب أبي طالب. و هو المكان الذي حصرت فيه قريش المسلمين قبل الهجرة كما تقدم» (1).

إرث عقيل لأبي طالب دون علي و جعفر:

و عن إرث عقيل لأبي طالب دون علي و جعفر نقول:

إن هذا الكلام لا يمكن أن يصح:

أولا: لأننا قدمنا في هذا الكتاب الكثير الكثير من الدلائل و الشواهد على إيمان أبي طالب «عليه السلام» . . و قد كتب في إثبات إيمانه عشرات المؤلفات، بأقلام العلماء من السنة و الشيعة، بالإضافة إلى بحوث كثيرة جدا كتبت حول هذا الموضوع.

ثانيا: إن المسلم يرث الكافر بلا ريب، و لكن الكافر لا يرث المسلم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268.

فعلي «عليه السلام» يرث أبا طالب، لأنهما كانا مسلمين، و لا يرثه عقيل لأنه كان كافرا حين موت أبي طالب المؤمن. . فراجع كتابنا: «ظلامة أبي طالب» ، ففيه بعض ما يفيد في هذا المجال.

إن قلت: لعلهم قد جروا في هذا الإرث على أحكام الجاهلية و قوانينها. .

قلت:

ألف: إن الذين ذكروا هذا الأمر لا يقصدون بكلامهم أحكام الجاهلية.

ب: لم يكن لأهل الجاهلية أحكام و قوانين في هذا الأمر، بل كان هناك ظلم و تعد على المؤمنين، فلو فرضنا: أن عقيلا كان قويا بحيث استطاع أخذ أموال النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي و جعفر «عليهما السلام» ، فهل كان قويا إلى حد أنه يأخذ حصة أخواته و أخيه طالب، الذين لم يكونوا قد أسلموا بعد، حسب قول هؤلاء الرواة؟ !

و لماذا رضي سائر أقارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي و جعفر «عليهما السلام» بتسلط خصوص عقيل على أموال أبيه، و على أموال ابن عمه-أعني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -دونهم.

ثالثا: إن عقيلا لم يبع خصوص ما ورثه هو من أبيه، بل باع أيضا منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و منزل إخوته من الرجال و النساء، كما صرحت به النصوص المتقدمة.

فإن كان علي و جعفر «عليهما السلام» قد أسلما، و سلمنا جدلا أنهما لا يرثان-و سلمنا على مضض أيضا بموت أبي طالب على الشرك-فإن رسول

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن من ورثة أبي طالب. . فلما ذا يبيع عقيل أملاكه، و لماذا رضي العباس من عقيل بأن يفعل ذلك، و العباس أقرب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» منه، فكيف لم يعترض عليه؟ !

كما أن أم هاني أخت علي «عليه السلام» كانت هي و أخواتها-كما يزعمون-على الشرك أيضا، فلما ذا باع عقيل منزلها و منازل و رباع أخواتها؟ ! و لماذا باع منزل طالب أيضا؟ !

فلما ذا لم يمنعوه من إتمام هذا البيع، و لماذا تركوا أهل مكة يشترون من هذا البائع ما ليس له؟ !

رابعا: كان بإمكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن ينزل في أحد بيوت مكة على سبيل العارية، أو الشراء، فلما ذا لم يفعل ذلك؟ !

بل لقد كان يمكنه أن ينزل في بيت عمه العباس، أو في أي بيت آخر من بيوت المؤمنين الذين كانوا في مكة، و ما أكثرهم! ! و سيدخل ذلك عليهم السرور بلا ريب.

و قد نزل على أبي أيوب حين هاجر «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة مدة شهر أو أشهر أو سنة.

خامسا: إن قول الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : «لا أدخل البيوت» ثم لم يدخل بيتا أبدا لا في عمرة القضاء، و لا في عام الفتح، و لا في حجة الوداع، يشير إلى أن الأمر ليس لأجل عدم وجود بيت ينزل فيه، بل هو يتعدى ذلك ليكون قرارا إلهيا نبويا، و قد بدا بمثابة قاعدة يلتزم بها. .

و أما دخوله بيت أم هاني فلم يكن دخول سكنى، بل دخول تكريم لها و لأخيها علي «عليه السلام» .

الإخبار بالغيب عن موضع نزوله صلّى اللّه عليه و آله:

إن الحديث المتقدم عن اختيار موضع نزوله «صلى اللّه عليه و آله» في مكة يدل على أن القرار بذلك لم يكن وليد ساعته، بل يدخل ضمن خطة كانت قد رسمت منذ وقت طويل، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أخبر جابرا بذلك في المدينة، قبل مدة، فلما سمعه جابر يذكر ذلك في مكة تذكّر ما كان في المدينة.

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» لا ينطق عن الهوى، و لا يفعل إلا ما يريده اللّه سبحانه، و يرضاه، فالنتيجة هي أن ذلك لا بد من أن يكون من مفردات السياسة الإلهية في تربية أهل الإيمان، و تقديم العبر و العظات للناس جميعا، مؤمنهم و كافرهم، فيقيم الحجة على الكافر ليكبته بها، و يرسخ يقين المؤمن ليسعده به، و يبعث فيه نفحة أخرى من الوعي للحقائق و يثبّته بالقول الثابت و الصادق.

لا ينزل النبي صلّى اللّه عليه و آله بيوت مكة:

كأن هؤلاء الناس حين يذكرون امتناع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن النزول في بيوت مكة، يريدون الإيحاء بأن السبب في ذلك: أنه لم يكن له «صلى اللّه عليه و آله» بيت ينزل فيه، لأن عقيلا كان قد باع الرباع و المنازل.

و الحقيقة هي: أن هذا يدخل في سياق تزوير الحقائق الذي طالما شاهدناه في المواضع المختلفة. . إذ عدم وجود بيت يملكه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعني أن يتخذ قرارا بعدم دخول أي بيت من بيوت مكة، و لو كضيف على عمه العباس إن لم يكن يريد شراء بيت فيها. . تماما كما جرى له

«صلى اللّه عليه و آله» حينما هاجر إلى المدينة، فإنه نزل على أبي أيوب الأنصاري. . و بقي عنده شهرا، أو سبعة أشهر، أو سنة (1).

و لنفترض: أن عقيلا قد باع البيوت، لكن أم هاني كان لها بيت تسكن فيه، و بيت عمه العباس لا يزال على حاله، و لم يبعه عقيل، و كذلك بيوت سائر بني هاشم. ألم يكن يمكنه أن ينزل في أحدها؟ ! ألم يكن العباس و غيره من المؤمنين الذين كانوا في مكة، و ما أكثرهم، في غاية اللهفة لنيل هذا الشرف العظيم؟ ! و هو نزول النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيوتهم، و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أكرم أم هاني، فأكل عندها. . فلما ذا لا يكرمها بالنزول في بيتها أياما يسيرة؟ !

فإن كانت لا تزال على شركها، و لا يريد أن تكون لها منة عليه، فلما ذا أكل و صلى و اغتسل عندها؟ ! (2)ألا يدل ذلك على أنها كانت مسلمة؟ !

و الخلاصة: إن ذلك كله يدل على أن ما يذكرونه من الاستناد إلى ما فعله عقيل من بيع البيوت و الرباع لم يكن هو السبب في اتخاذ هذا القرار.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يدخل دور مكة:

و في سياق آخر نقول:

بالنسبة لما تقدم: من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يدخل دور مكة، لا في الفتح و لا في عمرة القضاء، و لا في حجة الوداع: فقد روي عن


1) راجع: البدء و التاريخ ج 4 ص 178 و وفاء الوفاء ج 1 ص 265 و السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267.

الإمام الصادق «عليه السلام» أنه كره المقام بمكة، و ذلك أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخرج عنها، و المقيم بها يقسو قلبه (1).

و روي أيضا عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: «إذا قضى أحدكم نسكه فليركب راحلته، و ليلحق بأهله، فإن المقام بمكة يقسي القلب» (2).

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى أهل مكة أن يؤاجروا دورهم، و أن يعلقوا عليها أبوابا. و قال: سَوٰاءً اَلْعٰاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبٰادِ (3).

و في حديث آخر: لم يكن ينبغي أن يصنع على دور مكة أبوابا، لأن للحاج أن ينزل في دورهم في ساحة الدار، حتى يقضوا مناسكهم.

و إن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية» (4).

و عن جعفر بن عقبة، عن أبي الحسن الرضا «عليه السلام» : إن عليا «عليه السلام» لم يبت بمكة بعد أن هاجر منها حتى قبضه اللّه عز و جل إليه.

قال: قلت: و لم ذلك؟


1) البحار ج 96 ص 80 و سفينة البحار ج 8 ص 92 و 93 و عن علل الشرائع ص 446.

2) البحار ج 96 ص 81 و سفينة البحار ج 8 ص 93 و عن علل الشرائع ص 446.

3) الآية 25 من سورة الحج. و الحديث في سفينة البحار ج 8 ص 93 عن قرب الإسناد و البحار ج 96 ص 81 عن قرب الإسناد ص 65.

4) البحار ج 96 ص 82 عن علل الشرائع ص 396 و سفينة البحار ج 8 ص 93.

قال: يكره أن يبيت بأرض هاجر منها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و كان يصلي العصر و يخرج منها و يبيت بغيرها (1).

و لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن امتناع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المبيت بمكة لم يكن استجابة لحنق شخصي فرض عليه هذا القرار، بل هو-كما أشرنا إليه-قرار يرضاه اللّه و يريده، و هو من مظاهر طاعة اللّه سبحانه. . و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر هذا القرار و هو في المدينة قبل الفتح، و قد ذكره مرة أخرى في مكة. .

و في جميع الأحوال نقول:

إن التحدي الذي واجهه الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لشخصه، إنما هو لنبوته و لرسوليته، و لذلك أخرج من مكة.

و حين فتح مكة، فإن أهلها انقادوا له لأنه قوي، لا مجال لمقاومته، و لم تقبل قلوبهم نبوته و رسوليته، إلا على سبيل الإقرار اللساني. . و لذلك احتاج إلى أن يتألفهم على هذا الدين، و يصبر على الكثير من الأذايا و البلايا التي أوصلوها إليه بنحو أو بآخر. و كان كثير منهم يتخذ سبيل النفاق، فهو يظهر الإسلام، ثم يكيد له و لأهله الحقيقيين المخلصين.

أي أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» كرسول، لم يدخل مكة بعد. . بل ما جرى هو مجرد نسيم هب على مكة، لا بد من العمل على أن يتحول إلى ريح تقل سحابا ثقالا بماء الحق و الصدق الذي ينعش الأرواح، و تحيا به النفوس. .


1) سفينة البحار ج 8 ص 93 عن علل الشرائع ص 396 و عن عيون أخبار الرضا ج 2 ص 84 و البحار ج 96 ص 82 عنهما.

فدخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى منازل يستولي عليها أولئك الذين حاربوه لربما يستتبع الكثير من التخمينات و الحيثيات التي تثير مخاوف أهل مكة و شكوكهم، و لكنه إذا لم يدخل منزلا، و اكتفى بخيمة تنصب له، فإن ذلك سوف يطمئنهم إلى أن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد المقام في البلاد و لا يرغب في الهيمنة على العباد، و إنما يريد أن يفسح الطريق أمام الناس للتعرف على الإسلام، و أن يمنع أعداءه من التعرض له بفنون من المكر و الكيد ليمنعوه من الوصول إلى العقول و القلوب. .

إنه لا يريد أموالا، و لا بلادا، و لا دارا، و لا عقارا، بل يريد لهم العيش الرغيد و السعيد في بلادهم و ديارهم، و بين أهلهم، فهو حتى في أحرج ساعة تواجههم، يقدم لهم الدليل تلو الدليل على أنه لا مطمع له بشيء من دنياهم، و أنه يتعامل معهم بالإنصاف، و بالرحمة، و الإيثار، لا بمنطق المنتصر الحانق الذي يتعامل بالنقمة، و يريد أخذ الثار.

تكريم النبي صلّى اللّه عليه و آله لأم هاني:

عن ابن عباس قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأم هانئ يوم الفتح: «هل عندك من طعام نأكله» ؟

قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة، و إني لأستحي أن أقدمها إليك.

فقال: «هلمّي بهنّ» فكسّرهنّ في ماء.

و جاءت بملح فقال: «هل من أدم» ؟ .

فقالت: ما عندي يا رسول اللّه إلا شيء من خل.

فقال: «هلميه» ، فصبّه على الطعام، و أكل منه، ثم حمد اللّه، ثم قال:

«نعم الأدم الخلّ، يا أم هانئ لا يفقر بيت من أدم فيه خلّ» (1).

و نقول:

ما أروع و أجمل هذا التكريم النبوي العفوي، و ما أجلّ هذه المبادرة للإعلان عن صافي المودة، و جميل الوفاء و الإخاء لامرأة فاضلة و نبيلة، يريد أن يعلن للناس كلهم، و للأجيال اللاحقة، بعظيم احترامه و تقديره لها و لفضلها و نبلها، فيخصها بشرف لم ينله أحد من رجالات مكة و عظمائها، فيدخل منزلها، و يصلي و يأكل عندها. . و يعاملها بعفوية ظاهرة، و مودة طافحة بالإجلال و التعظيم، و المودة و التكريم. .

و قد تجلت وحدة الحال في قوله «صلى اللّه عليه و آله» لها: هل عندك من طعام نأكله؟ !

و لم يكن لديها إلا كسر يابسة من خبز، و إلا شيء من خلّ، جعله «صلى اللّه عليه و آله» إداما. . ثم أثنى على هذا الإدام، و بيّن أن له قيمة كامنة في عمق ذاته، فقال: «نعم الإدام الخل» .

ثم شفع ذلك ببشارة نبوية، من شأنها أن تدخل السرور و الرضا على قلب هذه المرأة الجليلة، فقال: «يا أم هاني، لا يفقر بيت من أدم فيه خلّ» .

علي عليه السّلام و أم هاني:

و في الروايات حديث عن إجارة أم هاني لرجلين من المشركين، و قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منها. و نحن نذكر أولا هذه النصوص، ثم


1) مجمع الزوائد ج 6 ص 176 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 عن الطبراني.

نشير إلى بعض ما يمكن أن يقال حولها، فنقول:

بلغ عليا «عليه السلام» : أن أم هاني بنت أبي طالب آوت ناسا من بني مخزوم، منهم: الحارث بن هشام، و قيس بن السائب، (و عند الواقدي عبد اللّه بن ربيعة) ، فقصد «عليه السلام» نحو دارها مقنّعا بالحديد، فنادى: «أخرجوا من آويتم» .

فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى، خوفا منه.

فخرجت إليه أم هانئ-و هي لا تعرفه-فقالت: يا عبد اللّه، أنا أم هانئ، بنت عمّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخت علي بن أبي طالب، إنصرف عن داري.

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : «أخرجوهم» .

فقالت: و اللّه لأشكونّك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فنزع المغفر عن رأسه، فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته، و قالت: فديتك، حلفت لأشكونك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال لها: «إذهبي، فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي» .

قالت أم هانئ: فجئت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في قبة يغتسل، و فاطمة «عليها السلام» تستره، فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلامي، قال: «مرحبا بك يا أم هانئ و أهلا» .

قلت: بأبي أنت و أمي، أشكو إليك ما لقيت من علي «عليه السلام» اليوم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد أجرت من أجرت» .

فقالت فاطمة «عليها السلام» : «إنما جئت يا أم هانئ تشتكين عليا

«عليه السلام» في أنه أخاف أعداء اللّه و أعداء رسوله» ؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد شكر اللّه لعلي «عليه السلام» سعيه، و أجرت من أجارت أم هانئ، لمكانها من علي بن أبي طالب» (1).

و عند الواقدي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن حين تكلمت أم هانئ مع فاطمة «عليها السلام» . .

ثم جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجار لأم هاني من أجارت، ثم طلب من فاطمة «عليها السلام» أن تسكب له غسلا، فاغتسل، ثم صلى ثمان ركعات (2).

و عن الحارث بن هشام قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة، دخلت أنا و عبد اللّه بن أبي ربيعة دار أم هانئ، ثم ذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أجاز جوار أم هانئ.

قال: فانطلقنا، فأقمنا يومين، ثم خرجنا إلى منازلنا، فجلسنا بأفنيتها لا يعرض لنا أحد، و كنا نخاف عمر بن الخطاب، فو اللّه إني لجالس في ملاءة مورّسة (3)على بابي ما شعرت إلا بعمر بن الخطاب، فإذا معه عدة من المسلمين، فسلم و مضى.

و جعلت أستحي أن يراني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أذكر رؤيته


1) البحار ج 21 ص 131 و 132 عن إعلام الورى و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 829 و 830.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 830.

3) مورسة: مصبوغة بلون أحمر.

إياي في كل موطن مع المشركين، ثم أذكر بره و رحمته و صلته، فألقاه و هو داخل المسجد، فلقيني بالبشر، فوقف حتى جئته فسلمت عليه، و شهدت بشهادة الحق، فقال: الحمد للّه الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام.

قال الحارث: فو اللّه ما رأيت مثل الإسلام جهل (1).

و عن أم هانئ-رضي اللّه عنها-قالت: لما كان عام يوم الفتح فرّ إليّ رجلان من بني مخزوم فأجرتهما، قالت: فدخل عليّ عليّ فقال: أقتلهما.

قالت: فلما سمعته يقول ذلك أغلقت عليهما باب بيتي، ثم أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بأعلى مكة، فلما رآني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رحّب و قال: «ما جاء بك يا أم هانئ» .

قالت: قلت: يا رسول اللّه، كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي «عليه السلام» قتلهما.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد أجرنا من أجرت» .

ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غسله، فسترته فاطمة «عليها السلام» ، ثم أخذ ثوبا فالتحف به، ثم صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثمان ركعات سبحة الضحى (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 149 و 150 عن الواقدي و المغازي للواقدي ج 2 ص 831 و السيرة الحلبية ج 3 ص 102.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 231 و في هامشه عن صحيح مسلم (صلاة المسافرين) (82) و عن أبي داود (2763) و عن مسند أحمد ج 6 ص 341 و 342 و 343 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 75 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 45 و السيرة الحلبية ج 3 ص 93 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 830 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

لكن في الحلبية و غيرها: فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين، و فاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟

إلى أن قال: و في الرواية الأولى: فلما اغتسل أخذ ثوبه و توشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى.

ثم أقبل علي، فقال: مرحبا يا أم هاني، ما جاء بك؟ .

فأخبرته الحديث.

فقال: «أجرنا من أجرت الخ. .» (1).

و قيل: إن الرجلين هما: الحارث بن هشام، و زهير بن أمية بن المغيرة (2).

و عنهما: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اغتسل يوم فتح مكة في بيتها، و صلى ثمان ركعات، قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم ركوعها و سجودها (3).

و أطلقوا على صلاته هذه اسم «صلاة الفتح» . و كان الأمراء يصلونها إذا فتحوا بلدا. و لا يفصل بينهما. و تصلى بغير إمام.

قال السهيلي: و لا يجهر فيها بالقراءة (4).

و سموها أيضا صلاة الضحى، و صلاة الإشراق، و قد اختلفوا في


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 93 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 231 و 232 عن البخاري، و البيهقي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 عن المواهب اللدنية، و البخاري.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 269.

أمرها بين منكر و مثبت. فراجع (1).

و عن معاوية بن وهب، قال: لما كان يوم فتح مكة ضربت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيمة سوداء من شعر بالأبطح، ثم أفاض عليه الماء من جفنة يرى فيها أثر العجين، ثم تحرى القبلة ضحى، فركع ثمان ركعات، لم يركعهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك و لا بعد (2).

و أما الحديث عن أنها «رحمها اللّه» قد ذهبت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل و فاطمة «عليها السلام» تستره (3). و يؤيده ما روي عنها: من أن أبا ذر ستره لما اغتسل (4). فيحمل على أن ذلك قد تكرر منه. و يحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، و كانت هي في بيت آخر في مكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل الخ. . (5).

و نقول:

إننا نعلق على ما تقدم بما يلي:

الأمان. . و الجوار:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعلن بالأمان لأهل مكة، و عين مواضع يلجأ إليها المستأمنون، مثل: المسجد، و دار أبي سفيان، و راية


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 93 فإنه ذكر شطرا من اختلافاتهم في هذا الأمر.

2) البحار ج 21 ص 135 عن الكافي ج 1 ص 125 و 126.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268 عن مسلم.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268 عن ابن خزيمة

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268.

أبي رويحة، و إلقاء السلاح، و دخول الإنسان داره و إغلاق بابه، و ما إلى ذلك. .

و لكننا نقرأ هنا: أن عليا «عليه السلام» يلاحق هذين الرجلين إلى دار أخته أم هاني ليقتلهما.

و نقرأ أيضا: أن أم هاني قد أجارتهما، و لكن عليا «عليه السلام» لم يقتنع منها بذلك، حتى قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه جوارها. .

فالإعلان السابق لا يشير إلى وجود حرب و قتال، بل هناك أمان و سلام.

و حادثة علي «عليه السلام» و أم هانئ تدل على: أن حالة الحرب كانت قائمة، و أن الحاكم هو أعرافها و قوانينها. . فكيف نوفق بين هاتين الحالتين المتخالفتين؟ !

و يمكن أن نجيب بما يلي:

أولا: لماذا لم يلجأ هذان الرجلان إلى أي من تلك المواضع التي حددها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لطالبي الأمان؟ !

ألا يدل ذلك: على أنهما كانا في حالة قتالية، احتاجا إلى الخروج منها إلى جوار أم هاني؟ !

ثانيا: إننا نعرف مدى طاعة علي «عليه السلام» لأوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مدى دقته في تنفيذها مما جرى في خيبر، حيث قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اذهب و لا تلتفت.

فسار «عليه السلام» قليلا ثم وقف و لم يلتفت، و سأل النبي «صلى اللّه

عليه و آله» : علام أقاتلهم؟ ! الخ. . (1).

فملاحقته لهذين الرجلين يدل على: أنهما كانا محاربين، و يدل على ذلك أيضا ثناء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على علي «عليه السلام» : «قد شكر اللّه سعيه، و أجرت من أجارت أم هاني لمكانها من علي» (2).

و عند الحلبي: «قد آمنا من آمنت، و أجرنا من أجرت، فلا نقتلهما» (3).

ثم هو يقول: «فلا نقتلهما» . و هو تعبير يشير إلى أن التصميم على قتلهما كان من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

من الذين آوتهم أم هاني؟ ! :

ذكرت بعض الروايات: أن الرجلين اللذين آوتهما أم هاني هما الحارث بن هشام، و زهير بن أبي أمية.

و بعضها ذكرت: الحارث و عبد اللّه بن ربيعة.

و ذكرت ثالثة: الحارث، و قيس بن السائب.


1) صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج 5 ص 171 و صحيح مسلم ج 7 ص 21 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و الخصائص للنسائي ص 6 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و السنن الكبرى ج 9 ص 107 و تذكرة الخواص ص 24 و أسد الغابة ج 4 ص 28 و مشكاة المصابيح (ط دهلي) ص 564 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 فما بعدها و ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص 74 و راجع: الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج 2 ص 184 و 188.

2) البحار ج 21 ص 131 و 132 عن إعلام الورى.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 93.

و الظاهر: أنها «رحمها اللّه» آوت الجميع، و ربما كان معهم غيرهم أيضا و ذلك لرواية الطبرسي المتقدمة، التي تقول: «آوت ناسا من بني مخزوم، منهم الحارث الخ. .» .

لقاء علي عليه السّلام بأم هاني:

و اللافت هنا: أن عليا «عليه السلام» يأتي إلى دار أخته مقنعا بالحديد، و لا يعرّف أخته بنفسه في بادئ الأمر، و لكنه لا يقتحم الدار، و لعله لأنه لا يريد أن يروع أخته، بل ينادي من خارج الدار: أخرجوا من آويتم! !

فخرجت إليه أخته، فلم يبادر إلى تعريفها بنفسه، بل تركها تعرّف هي بنفسها، بأنها بنت عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخت علي «عليه السلام» ، ثم تأمره بالانصراف عن دارها. .

و لكن عليا «عليه السلام» لا يزال مصرا على موقفه، و يعيد النداء: أخرجوهم.

فلم تضعف، و لم تتراجع، بل قالت له: و اللّه، لأشكونك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في هذه اللحظة ينزع علي «عليه السلام» المغفرة عن رأسه، فعرفته أخته، فجاءته تشتد حتى التزمته.

فنلاحظ: أن عليا «عليه السلام» قد أجرى الأمور على طبيعتها، و في أية حالة أخرى، و في أي بيت أو شخص آخر، و هو «عليه السلام» رغم أنه كان يواجه أخته لم يتراجع عن أداء واجبه الشرعي مراعاة لها، أو انسياقا مع عاطفته تجاهها، كما أنه أراد لها أن تبر بقسمها الذي أطلقته.

و هي ترى أنها محقة في إعطائها الأمان لأولئك المشركين فلم يمنعها من ممارسة حقها في الدفاع عنهما، بل كان هو الذي دلها على مكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتحديد، و طلب منها أن تذهب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تشكوه عنده، ليأتي القرار بالعفو من مصدره الأساس، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و بذلك يسقط التكليف عن أمير المؤمنين بصورة تلقائية. .

خوف الجبناء:

لقد أظهرت بعض الروايات المتقدمة: مدى خوف أولئك الظالمين من سيف عدل علي «عليه السلام» ، رغم أن عددهم كان وافرا، حتى جعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفا من رجل واحد، و لم يجرؤوا على الخروج إلى ساحة المواجهة؟

فبماذا قوي علي «عليه السلام» عليهم؟ ! أليس بإيمانه الراسخ باللّه، و اعتزازه و ثقته بربه و دينه؟ ! و عزوفه عن زخارف هذه الدنيا؟ ! و طلبه لما عند اللّه الذي هو خير و أبقى؟ !

لم تصرح أم هاني بما تطلب:

و في رواية الطبرسي: أن أم هاني لم تصرح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما تشكوه من علي «عليه السلام» ، بل هي بمجرد أن ذكرت له: أنها لقيت من علي «عليه السلام» أمرا شديدا عليها، قال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد أجرت من أجرت» .

ألا يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بتفاصيل ما يجري، من

دون حاجة إلى إخبار أحد؟ ! كما أن فيه إشارة لأم هاني بأن تثق بالغيب، و تيقن بأنه «صلى اللّه عليه و آله» يستمد معرفته من الوحي الإلهي، الذي يسدده و يرعاه. .

موقف الزهراء عليها السّلام من أم هاني:

و لم تكن الزهراء «عليها السلام» بصدد تأنيب أم هاني لشكواها عليا «عليه السلام» ، و إنما أرادت أن تطمئن إلى سلامة أهداف أم هاني من هذه الشكوى، و أنها لم تكن بصدد الدفاع عن أعداء اللّه، و لا لأنه أخاف أعداء اللّه، بل هي تسعى كما يسعى أخوها علي «عليه السلام» إلى دفع شر أولئك الأشرار بأقل قدر ممكن من الخسائر.

و إنما قلنا ذلك: لأننا نعلم أن أم هاني المؤمنة باللّه، و التي تلجأ إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يمكن أن تشتكي ناصر رسول اللّه و من يخيف أعداءه و أعداء اللّه.

و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أوضح لها: أن عليا «عليه السلام» يسعى إلى رضا اللّه تعالى، فكان أن تصرفت بنحو لم يغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل هي قد فعلت ما هو حقها، و المتوقع منها. .

أم هاني لا تجير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و النقطة التي تحتاج إلى بيان هي: أن أم هاني لم تجر أولئك المشركين لتحميهم من قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حكمه فيهم.

بل أجارتهم لتحميهم من سائر المقاتلين حتى يصلوا سالمين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يكون هو الذي يحكم فيهم بما يرضي اللّه سبحانه.

و الشاهد على ما نقول: شكواها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

و لكنّ أبا سفيان حين ذهب إلى المدينة يطلب تأكيد عهد الحديبية بعد نقضه طلب من الزهراء «عليها السلام» أن تجير بين الناس، لأنه أراد ذلك منها ليحمي به أولئك القتلة للنساء، و الصبيان، و الضعفاء من حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيهم.

فهو جوار ضد حكم و قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الظالمين و الناكثين. . و ليس لحمايتهم من الناس إلى أن يصلوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليكون هو الحاكم فيهم.

ما مثلك يجهل الإسلام:

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للحارث بن هشام: «ما مثلك يجهل الإسلام» .

و يبدو أنهم أرادوا بهذا الكلام التنويه برجاحة عقل الحارث، و سلامة تفكيره، و سداد رأيه، باعتبار ثناء حظي به على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بين الكثير من أقرانه.

غير أننا نرى: أن هذا الكلام لا يقصد منه الثناء عليه بقدر ما يقصد به تقريعه، و تأنيبه على اتباعه لأهوائه، و على ضعفه أمام شهواته و انقياده لميوله و رغباته، و ترك ما يحكم به عقله، و ما ترشده إليه فطرته، و تقوده إليه الدلائل الظاهرة، و الحجج القاهرة. .

خوف المشركين من عمر:

و قد تحدث الحارث بن هشام: بأنه بعد أن أجاز النبي «صلى اللّه عليه و آله» جوار أم هاني، خرج أولئك النفر إلى منازلهم، و جلسوا بأفنيتها، لا يعرض لهم أحد، لكنهم كانوا يخافون من عمر. . ثم مر بهم عمر في نفر من المسلمين، فسلم و مضى. .

و نقول:

إن هذا الثناء التبرعي على عمر قد يفهم هنا على أنه ذم له، من حيث دلالته على أن عمر يتطفل على الناس، و يبادر إلى أذيتهم، حتى مع علمه بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاز جوار بعض الناس فيهم، فهو إذن إنسان متهور، لا يبالي بما يصدر عنه، و لا يراعي أبسط قواعد التعامل الصحيح و الموزون حتى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . أو أن ذلك كان على الأقل هو الانطباع الشائع فيهم عن عمر بن الخطاب.

رنة إبليس. . و حديث نائلة و. . :

عن ابن عباس قال: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة رنّ (1)إبليس رنة، فاجتمعت إليه ذريته، فقال: إيأسوا أن تردّوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومكم هذا، و لكن أفشوا فيها-يعني مكة-النوح و الشعر (2).

و قيل: إنه رن ثلاث رنات: رنة حين لعن، فتغيرت صورته عن صورة


1) رنّ: صوّت و صاح.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 232 عن أبي يعلى، و أبي نعيم.

الملائكة، و رنة حين رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي قائما بمكة، و رنة حين افتتح «صلى اللّه عليه و آله» مكة، فاجتمعت ذريته فقال: إيأسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك الخ. . (1).

و عن مكحول: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما دخل مكة تلقته الجن يرمونه بالشرر، فقال جبريل «عليه السلام» : تعوّذ يا محمد بهؤلاء الكلمات:

«أعوذ بكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر، من شر ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها، و من شر ما بث في الأرض، و ما يخرج منها، و من شر الليل و النهار، و من شر كل طارق يطرق إلا بخير، يا رحمن» (2).

و عن ابن أبزى قال: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة جاءت عجوز حبشية شمطاء، تخمش وجهها، و تدعو بالويل، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «تلك نائلة، أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا» (3).

و نقول:

ألف: أما بالنسبة للحديث عن رنة إبليس، فقد ورد في ذيله: أن إبليس قال لذريته: إيأسوا من أن تردوا أمة محمد إلى الشرك، و لكن أفشوا فيها- يعني مكة-النوح و الشعر.

و نحن نشك في صحة ذلك، إذ ليس في النوح و الشعر ما يصلح لأن


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 841 و 842.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 232 عن ابن أبي شيبة.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 232 عن البيهقي في دلائل النبوة ج 5 ص 75 و المغازي للواقدي ج 2 ص 841.

يكون بديلا-حسب منطق إبليس لعنه اللّه-عن الشرك باللّه، مهما بالغنا في الحديث عما يوجبه الشعر من الفساد و الإفساد، فلذلك نقول:

إن الصحيح هو ما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» : إن إبليس رن أربع رنات: يوم لعن، و يوم أهبط إلى الأرض، و يوم بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يوم الغدير (1).

و هذا الحديث هو الأولى بالصحة، و الأقرب إلى الاعتبار، فإن يوم الغدير قد جعل إبليس ييأس من طمس الحق، لأن ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» هي سبب بقاء هذا الدين، و بها تمت النعمة على الخلق، حسبما نصت عليه الآيات الكريمة، فراجع كتابنا: «الغدير. . و المعارضون» ففيه بعض ما يفيد في هذا الموضوع.

ب: بالنسبة لحديث رمي الجن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنار حين دخول مكة، فنزل جبرئيل و علّم النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتعوذ بكلمات اللّه التامات، نقول:

روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعوّذ الحسنين، فيقول: أعيذكما بكلمات اللّه التامات، من كل شيطان و هامة، و من كل عين لامة.

و كان إبراهيم يعوذ بها إسماعيل و إسحاق «عليهم السلام» (2).

على أن هذه الرواية إنما رويت عن مكحول، الذي لم يكن في زمان


1) البحار ج 37 ص 121 عن قرب الإسناد ص 7.

2) البحار ج 43 ص 282 عن حلية الأولياء، و سنن ابن ماجة، و السمعاني في الفضائل.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما ذا لم يروها صحابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنفسهم؟

فلعلهم كانوا قد شاهدوا ذلك بأنفسهم، لكي يصفوا لنا الجن، و أشكالهم، و سماتهم! ! و لنعرف إن كان الشرر قد أصاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أم لم يصبه؟ !

و بعد. . فيا ليتهم ذكروا لنا كيف انصرف الجن عنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و هل تصدى أحد من المسلمين لهم حتى أجبرهم على الإنصراف؟ ! أم أن تلك العوذة التي جاءه بها جبرئيل «عليه السلام» هي التي أوجبت انصرافهم؟ !

ج: و أما حديث مجيء نائلة في صورة عجوز شمطاء (عريانة) ، فقد ذكروا نفس هذا الحديث بالنسبة للعزى أيضا.

و ذكروا: أن خالدا ضربها بسيفه فقطعها نصفين فماتت.

و يذكرون مثل ذلك أيضا: عن مناة، و أن سعيد بن زيد قتلها أيضا. .

و قد ناقشنا هذه القضية في قصة قتل العزى، و طرحنا العديد من الأسئلة التي لن تجد لها جوابا مقنعا و مقبولا. .

على أننا نستغرب: أن لا يكون حديث نائلة قد تداولته الرواة، و نقله لنا العشرات ممن حضروا و شاهدوها، و هي عارية. و هو أمر لافت للأنظار، مثير للفضول. . و كان من المناسب أيضا أن يذكروا لنا بعض صفاتها، و تركيبتها الجسدية، فإن للجن أحوالا تختلف عن أحوال الإنس لا محالة. .

الفصل الخامس: ما جرى لأبى قحافة

اشارة

إسلام أبي قحافة:

عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: لما كان عام الفتح، و نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذي طوى، قال أبو قحافة لابنة له-قال البلاذري: اسمها أسماء، و قال محمد بن عمر تسمى: قريبة-كانت من أصغر ولده: يا بنية، أشرفي بي على أبي قبيس-و قد كف بصره-فأشرفت به عليه.

فقال: أي بنية! ! ماذا ترين؟

قالت: أرى سوادا مجتمعا كثيرا، و أرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا و مدبرا.

فقال: ذلك الرجل الوازع (1)، ثم قال: ما ذا ترين؟

قالت: أرى السواد قد انتشر و تفرق.

فقال: و اللّه إذن انتشرت الخيل، فاسرعي بي إلى بيتي.

فخرجت سريعا حتى إذا هبطت به الأبطح لقيتها الخيل، و في عنقها طوق لها من ورق، فاقتلعه إنسان من عنقها.


1) الوازع: الموكّل بإصلاح الصفوف في الحرب.

فلما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، خرج أبو بكر بأبيه يقوده، و كان رأس أبي قحافة ثغامة (1)، فلما رآه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه» ؟

فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه.

فأجلسه بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صدره، و قال: أسلم تسلم، فأسلم.

ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، فقال: أنشدكم باللّه و الإسلام طوق أختي، فو اللّه ما جاء به أحد. ثم قال الثالثة فما جاء به أحد.

فقال: يا أخية، احتسبي طوقك، فو اللّه إن الأمانة في الناس اليوم لقليل (2).

و قال البلاذري: و رمى بعض المسلمين أبا قحافة فشجه، و أخذت قلادة أسماء ابنته، فأدركه أبو بكر و هو يستدمي، فمسح الدم عن وجهه (3).

و روى البيهقي بسند جيد قوي، عن ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة،


1) الثغام: شجر أبيض الزهر واحدته: ثغامة. يقال: صار الرأس ثاغما. أي أبيض.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 232 و 233 عن الواقدي، و أحمد و الطبراني، و البيهقي، و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 95 و الرياض النضرة ج 1 ص 65 و 66 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 88 و 89 و المغازي للواقدي ج 2 ص 824 و 825 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 82 و 95 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 23 و مسند أحمد ج 6 ص 349.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233.

فأتى به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما وقف به على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: غيروه، و لا تقربوه سوادا (1).

و روى مسلم عن جابر نحوه، لكنه لم يذكر من الذي جاء بأبي قحافة (2).

قال ابن وهب: و أخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هنأ أبا بكر بإسلام أبيه (3).

و عن أنس قال: كأني أنظر إلى لحية أبي قحافة كأنه ضرام عرفج (4)من شدة حمرته، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه» -تكرمة لأبي بكر- (5).

و عن أنس أيضا قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر: «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه» -تكرمة لأبي بكر-.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 96 و المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 244 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع معه) نفس الجزء و الصفحة. و مسند أحمد ج 6 ص 349 و الرياض النضرة ج 1 ص 65 و 66.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233 عن مسلم، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 88 و تاريخ الخميس ج 2 ص 95.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 244 و السيرة الحلبية ج 3 ص 88.

4) العرفج: شجر صغير سريع الإشتعال بالنار. و هو نبات الصيف.

5) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 245 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.

فأسلم و رأسه و لحيته كالثغامة، فقال: غيروهما.

قال قتادة: هو أول مخضوب في الإسلام (1).

و الثغامة: نبت أبيض الثمر و الزهر، يشبه بياض الشيب.

و في نص آخر: غيروا السواد، و لا تتشبهوا باليهود و النصارى.

و في رواية: اليهود و النصارى لا يصبغون، فخالفوهم (2).

و عند ذلك قال أبو بكر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب أقر لعيني من إسلامه، و ذلك أن إسلام أبي قحافة كان أقر لعينك (3).

عن محمد بن عمر بن سالم، بن الجعابي، عن أبي شعيب عبد اللّه بن الحسن الحراني، عن جده أحمد بن أبي شعيب، عن محمد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه.

و روى الحاكم أيضا: عن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن أبي بكر: أنه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 223 عن أحمد، و ابن حبان.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 88 و فيه أحاديث أخرى عن الخضاب.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 88 و راجع: الإصابة ج 4 ص 116 و 117 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 69 و حياة الصحابة ج 2 ص 344 و مجمع الزوائد ج 6 ص 174 عن الطبراني، و البزار، و مسند أحمد ج 1 ص 131 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 142 و 95 و نصب الراية ج 6 ص 281 و 282 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 39 و الحاكم و صححه على شرط الشيخين، و عن أبي يعلى، و أبي بشر سفويه في فوائده، و عمر بن شبّة.

«صلى اللّه عليه و آله» قال له: هلا تركت الشيخ حتى آتيه.

فقلت: بل هو أحق أن يأتيك.

فقال: إنا لنحفظه لأيادي ابنه عندنا (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات هي:

الحديثان الأخيران:

إننا نبدأ بالحديثين الأخيرين، حيث نلاحظ ما يلي:

أولا: قال الذهبي معقبا على رواية أبي بكر: «القاسم لم يدرك أباه، و لا أبوه أبا بكر» (2).

و هذا صحيح، فإن محمدا ولد عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، و توفي أبوه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة.

كما أن محمد بن أبي بكر توفي سنة 38 ه‌، و توفي ولده القاسم سنة 108 ه‌ أو 109 ه‌ (3)و هو ابن سبعين سنة، أو اثنتين و سبعين، فيكون قد ولد سنة وفاة أبيه، أو نحوها.

و قال ابن سعد: إن القاسم قد توفي سنة 112 ه‌ و عمره سبعون سنة،


1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 244 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس الجزء و الصفحة و مجمع الزوائد ج 9 ص 50 عن البزار.

2) تلخيص المستدرك ج 3 ص 244.

3) صفة الصفوة ج 2 ص 90.

فيكون عمره حين وفاة والده حوالي أربع سنين (1).

ثانيا: إن الجعابي لا يمكن أن يروي عن أبي شعيب، لأن الجعابي ولد سنة 285 ه‌ و توفي أبو شعيب سنة 292 ه‌.

و الغريب في الأمر هنا: سكوت الذهبي عن هذا الحديث، بل هو قد وافق الحاكم على تصحيحه، لكن الحاكم قال: إنه صحيح على شرط الشيخين.

أما الذهبي فصححه على شرط البخاري (2).

ثالثا: بالنسبة لأيادي أبي بكر عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:

قد تقدم بعض الحديث عن ذلك، حين الكلام حول هجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن شرائه الراحلتين من أبي بكر بالثمن، فراجع فصل: هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

رابعا: إن من المعيب جدا أن يزعم هؤلاء: أن آية: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ (3)قد نزلت في أبي بكر (4). ثم يقولون: إنه قد كانت لأبي بكر أياد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستطع أن يجازيه عليها.


1) الطبقات الكبرى ج 5 ص 74.

2) راجع: المستدرك للحاكم و تلخيصه للذهبي ج 3 ص 244.

3) الآية 19 من سورة الليل.

4) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 358-360 و السيرة الحلبية ج 1 ص 299 و العثمانية ص 35 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 273.

أبو بكر يريد طوق أخته:

و أما ما ذكرته الرواية: من أن أبا بكر طلب من الناس أن يرجعوا لأخته طوقها. . و أنه ناشدهم اللّه ثلاثا، فلم يجبه أحد، ثم قال: إن الأمانة في الناس اليوم قليل. . ففيه أكثر من مورد يحتاج إلى بحث.

فأولا: إن أموال المشركين ليست من قبيل الأمانات عند المسلمين، بحيث يجب عليهم ردّها لأصحابها، بل هي غنائم إن أخذت من محارب منهم. و إن أخذت من قبل أن يعلموا بمقتضى الأمان الذي أعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إياه، أي قبل دخولهم في البيوت و إغلاق الأبواب، و قيل: دخول المسجد، أو دار أبي سفيان، أو اللجوء إلى راية أبي رويحة.

و أقصى ما يمكن أن يقال: هو أن أمرها في كيفية تقسيمها، و في إرجاعها إلى أصحابها، إن اقتضت المصلحة ذلك، أو تسويغها لآخذيها. . يرجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يحق لأبي بكر و لا لغيره أن يطالب من أخذها بها. .

ثانيا: هل يمكن أن يرضى القائلون بعدالة الصحابة باتهام أبي بكر لأحد أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخيانة، أو بقلة الأمانة؟ !

ثالثا: من أين حصل أبو قحافة على الورق (أي الفضة) ، ليصنع منه طوقا لابنته، و هو رجل فقير لا مال له؟ ! و من أين يكون له المال، و هو إنما كان صيادا ثم صار ينش الذباب عن مائدة ابن جدعان بشبع بطنه، و ستر عورته (1).


1) تلخيص الشافي ج 3 ص 238، و دلائل الصدق ج 2 ص 130، و الإفصاح ص 135 و راجع الغدير ج 8 ص 51.

و لم نسمع أن حاله قد تغير إلى الأفضل، و بماذا و كيف؟ !

و حتى لو كان يملك أموالا، فهل يمكن أن يلبس ابنته الصغيرة طوق فضة، ثم يتركها تتجول في أزقة مكة، و لا يسلبها سالب من كل أولئك الناس المعدمين الذين كانت مكة تعج بهم؟ ! مع العلم بأنه لم يكن لأبي قحافة قبيلة تمنعه، و لم يكن قادرا على ملاحقة المعتدي بسبب عماه.

رابعا: إنه لم يثبت وجود بنت صغيرة لأبي قحافة في فتح مكة، بل لا يعرف لأبي قحافة بنت إلا أم فروة، التي كانت تحت تميم الداري، ثم أنكحها أبو بكر الأشعث بن قيس.

و قد زعم الحلبي الشافعي: أن أم فروة هي صاحبة الطوق المأخوذ في فتح مكة (1)، ثم احتمل أن يكون المقصود: بنتا أخرى اسمها عريبة، زعموا أنها كانت لأبي قحافة (2).

أربعة أسلمواهم و آباؤهم:

و قال بعضهم: لم يكن أحد من الصحابة، المهاجرين و الأنصار، أسلم هو و والده، و جميع أبنائه و بناته غير أبي بكر (3).

و قال بعضهم: «لا يعرف في الصحابة أربعة أسلموا، و صحبوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كل واحد أبو الذي بعده إلا في بيت أبي بكر: أبو قحافة، و ابنه أبو بكر، و ابنه عبد الرحمن، و ابن عبد الرحمن محمد، و يكنّى


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 89.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 89.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 89.

بأبي عتيق» (1).

و في نص آخر: أربعة رأوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كلهم ابن الذي قبله، و هم من الذكور الذين أسلموا (2).

و نقول:

إن هذا الكلام غير دقيق، فهناك: «حارثة أبو زيد، فإنه أسلم-كما ذكره الحافظ المنذري-و رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ابنه زيد، و ابنه أسامة، و جاء أسامة بولد في حياته «صلى اللّه عليه و آله» (أي يحتاج إلى إثبات كونه «صلى اللّه عليه و آله» رأى ذلك المولود) .

إلا أن يقال: كان من شأنهم إذا ولد لأحدهم مولود جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيحنكه، و يسميه» (3).

و كذلك الحال بالنسبة لأياس بن عمرو، بن سلمة، بن لال.

و زعم الحلبي: أنه لا اتفاق على صحبة هؤلاء (4). فراجع.

إسلام أبوي أبي بكر:

عن عائشة قالت: ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو أبي بكر (5).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 89.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق.

5) تاريخ الخلفاء ص 100 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 24 و تاريخ الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) ص 106.

و عن علي «عليه السلام» : أنه قال في أبي بكر: أسلم أبواه جميعا، و لم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أن أسلم أبواه غيره (1).

و نقول:

أولا: قال مسدد: لم يكن في المهاجرين من أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر (2).

ثانيا: ذكر التاريخ لنا عشرات من المهاجرين أسلم آباؤهم أيضا. . و يكفي أن نذكر:

1-عمار بن ياسر، فإنه أسلم هو و أبوه ياسر، و أمه سمية. .

2-عبد اللّه بن عمرو و أمه زينب بنت مظعون، أسلم هو و أبواه.

3-علي «عليه السلام» ، فإنه كان مسلما هو و أبوه أبو طالب، و أمه فاطمة بنت أسد.

4-عبد اللّه بن الزبير، و أمه أسماء بنت أبي بكر. .

5-سلمة بن أبي سلمة بن عبد الأسد، و أمه أم سلمة. .

إلى عشرات آخرين، ذكرهم العلامة الأميني في كتاب الغدير، فيمكن الرجوع إليه.

آيات في بر أبي بكر بأبويه:

روي عن علي «عليه السلام» و عن ابن عباس «رحمه اللّه» أن قوله تعالى:


1) الرياض النضرة ج 1 ص 68 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 194 و عن الواحدي، و نور الأبصار.

2) تهذيب التهذيب ج 7 ص 357.

وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلاٰثُونَ شَهْراً حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قٰالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلىٰ وٰالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صٰالِحاً تَرْضٰاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ (1). قد نزل في أبي بكر.

فقد كان حمله و فصاله ثلاثين شهرا، حملته أمه تسعة أشهر، و أرضعته واحدا و عشرين شهرا، أسلم أبواه جميعا، و لم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه اللّه تعالى بهما، و لزم ذلك من بعده.

فلما نبئ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو ابن أربعين سنة، صدّق أبو بكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة، فلما بلغ أربعين سنة قال: «ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك الّتي أنعمت عليّ و على والديّ» و استجاب اللّه له، فأسلم و والداه و أولاده كلهم (2).

و نقول:

إن للعلامة الأميني ملاحظات على هذا الحديث المزعوم نشير إليها و إلى غيرها في ضمن النقاط التالية:

أولا: إن كون أم أبي بكر أرضعته واحدا و عشرين شهرا، و حملت به


1) الآية 15 من سورة الأحقاف.

2) الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 193 و 194 و الكشاف ج 4 ص 303 و فتح القدير ج 5 ص 20 و الرياض النضرة ج 1 ص 68 و تفسير الخازن ج 4 ص 132 و تفسير النسفي (مطبوع بهامش الخازن) ج 4 ص 132 و عن مرقاة الوصول ص 121 و الدر المنثور ج 6 ص 40 و 41 عن ابن عساكر، و عن ابن مردويه.

تسعة أشهر. . لا يختص بأبي بكر، فإن سائر الناس تحمل أمهاتهم بهم تسعة أشهر، و لعل كثيرات منهن يرضعن أبناءهن واحدا و عشرين شهرا، فلا خصوصية تستحق التنويه بهذا الأمر، و لذلك نقول:

إن الأقرب في معنى الآية هو: الإخبار عن أمر له آثار تشريعية، و من حيث هو خصوصيته في التكوين، و هو ما أشار إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» : من أن ضم هذه الآية إلى قوله تعالى: وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ (1).

أو قوله تعالى: وَ اَلْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ (2). ينتج: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر (3).

ثانيا: إن أبا بكر أسلم في سنة سبع من البعثة، أي بعد أن تجاوز سن الأربعين بعدة سنوات، حسبما قدمناه في تاريخ إسلامه. . و أما أبوه فلم


1) الآية 14 من سورة لقمان.

2) الآية 233 من سورة البقرة.

3) راجع: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 157 و تيسير الوصول ج 2 ص 9 و 11 و الموطأ ج 2 ص 176 و عمدة القاري ج 21 ص 18 و البرهان ج 14 ص 174. و راجع: المصنف للصنعاني ج 7 ص 350 و 352 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 442 و تذكرة الخواص ص 148 و الدر المنثور ج 1 ص 288 و ج 6 ص 40 و المناقب للخوارزمي ص 94 و مختصر جامع بيان العلم ص 265 و الرياض النضرة ج 3 ص 142 و كفاية الطالب ص 226 و تفسير النيسابوري ج 6 ص 120 و ذخائر العقبى ص 82 و التفسير الكبير للرازي ج 28 ص 15 و الأربعين للرازي ص 466 و كنز العمال ج 5 ص 457 و ج 6 ص 205 و عن ابن أبي حاتم، و العقيلي، و ابن السمان، و عبد بن حميد، و جامع بيان العلم ص 311.

يسلم إلا بعد سنة الفتح. . أي بعد أكثر من عشرين سنة من البعثة النبوية الشريفة. و حيث كان لأبي بكر-كما يقال-ست و خمسون سنة أو أكثر. .

و أما أمه فأسلمت بعد البعثة أيضا بسنوات، فما معنى قولهم: إنه حين بلغ أبو بكر أربعين سنة قال: «ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك الّتي أنعمت عليّ و على والديّ» ؟ ! . مع أنه قد أسلم هو و أبواه بعد هذا السن بسنوات عديدة. ! !

و ما معنى قولهم: إن اللّه تعالى قد استجاب لأبي بكر، فأسلم والداه، و أولاده كلهم؟ !

ثالثا: قد تقدم عدم صحة ما صرحت به الرواية: من أنه لم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غير أبي بكر. .

و نضيف إلى ما تقدم أيضا ما يلي:

1-ما معنى قولهم: «فأوصاه اللّه بهما، و لزم ذلك من بعده» ؟ ! فهل لم تكن الوصية بالوالدين موجودة قبل ذلك التاريخ؟ ! . .

2-قالت عائشة ردا منها على مروان: ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن غير أنه أنزل عذري (1).

فإن قيل: هي تقصد: أنه لم ينزل اللّه في ذمهم شيئا من القرآن. .

فالجواب: إن عذرها الذي استثنته يراد به آيات حديث الإفك، و إنما


1) الدر المنثور ج 6 ص 41 عن البخاري، و صحيح البخاري (ط 1309 ه‌) ج 3 ص 121 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 159 و فتح القدير ج 4 ص 21 و راجع: الغدير ج 8 ص 247.

يقصد بها: التبرئة و المدح و الثناء على من نزلت فيه لا الذم له. .

3-هناك نصوص كثيرة تقول: إن هذه الآية قد نزلت في الإمام الحسين «عليه السلام» ، و قد ولد لستة أشهر (1). فراجع.

أبو بكر يضرب أباه:

روي من طريق ابن جريج: أن أبا قحافة سب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فصكه أبو بكر ابنه صكة، فسقط منها على وجهه.

ثم أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فذكر له ذلك، فقال: أو فعلته؟ ! لا تعد له.

فقال: و الذي بعثك بالحق نبيا، لو كان السيف مني قريبا لقتلته، فنزل قوله تعالى:

لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولٰئِكَ حِزْبُ اَللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (2).


1) تفسير البرهان ج 4 ص 172 و 173 و 174.

2) الآية 22 من سورة المجادلة، و راجع الحديث في: الدر المنثور ج 6 ص 186 عن المنذر، و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 307 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 36 و الكشاف ج 4 ص 497 و مرقاة الوصول ص 121.

و نقول:

أولا: روي: أن هذه الآية نزلت في الجرّاح، الذي كان يتصدى لابنه أبي عبيدة يوم بدر، فكان أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله (1).

ثانيا: قال سفيان عن هذه الآية: إنها نزلت في من يخالط السلطان (2).

ثالثا: إن قتل إنسان لا يتوقف على وجود سيف بالقرب منه، فيمكنه أن يقتله بغير السيف كالخنق، أو ضرب رأسه على صخرة، أو بإلقائه من شاهق. كما أن بإمكانه استحضار السيف، لو كان قاصدا لذلك الفعل.

رابعا: إن ما صدر من أبي بكر لا يتناسب مع ما ادّعاه: من أنه لو كان السيف قريبا منه لقتل أباه، فإن هذا الحرص على إلحاق الأذى لا يتناسب مع مجرد صكة أوجبت سقوط المصكوك على الأرض.

خامسا: يقول اللّه تبارك و تعالى: وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاٰ تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي اَلدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (3). فما معنى أن يقدم أبو بكر على مخالفة هذه الأوامر الإلهية الصارمة؟ !

سادسا: إن الآية المذكورة قد نزلت بعد بدر و أحد. و آية: . . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلىٰ وٰالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صٰالِحاً


1) الدر المنثور ج 6 ص 186 عن ابن أبي حاتم، و الطبراني، و الحاكم، و أبي نعيم في الحلية، و البيهقي في سننه، و ابن عساكر.

2) الدر المنثور ج 6 ص 186 عن ابن مردويه.

3) الآية 15 من سورة لقمان.

تَرْضٰاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ (1)قد نزلت في أوائل بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أي قبل أكثر من عشر سنوات (2).

سابعا: إن سورة المجادلة مدنية، و لم يأت أبو قحافة إلى المدينة في كل تلك السنوات.

ثامنا: إن ما ذكر في هذه الرواية لا يتناسب مع ما زعموه: من بره بوالديه الذي بلغ إلى حد أن اللّه تعالى أنزل فيه آيات الثناء، و هي آيات سورة الأحقاف: وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ. . .

أسلم تسلم:

و نكاد نلمس قدرا كبيرا من عدم الإنسجام بين ما زعمته الروايات: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أظهر استعداده للذهاب إلى منزل أبي قحافة، الذي كان لا يزال على شركه، تكرمة لابنه، و لأيادي ابنه عنده، و بين قوله لأبي قحافة: «أسلم تسلم» ، المتضمن للتهديد بالعقوبة على ما كان يقترفه من جرائم إذا استمر على شركه. .

أي أن هذه الكلمة تعني: أن الأمان الذي أعلنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة لا يشمل أبا قحافة لو أصر على ما هو عليه. .

و قد يفهم من هذا: أن أبا قحافة كان له دور سيئ في مناهضة هذا الدين، و في الكيد للإسلام و المسلمين.


1) الآية 15 من سورة الأحقاف.

2) التفسير الكبير ج 29 ص 276 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 330.

مفارقات لا علاج لها:

و يلاحظ هنا: وجود العديد من المفارقات في إسلام أبي قحافة.

فرواية تزعم: أن عمر بن الخطاب هو الذي جاء بأبي قحافة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أخرى تقول: إن أبا بكر هو الذي جاء بأبيه.

و في حين نجد رواية تقول: إن أبا بكر لم يعلم بإسلام أبيه حتى بشره به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)

هناك روايات أخرى تتحدث: عن أن أبا بكر هو الذي جاء بإبيه، و أسلم أبوه بحضوره.

و رواية تقول: إنه جاء بأبيه يحمله حتى وضعه بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أخرى تقول: أخذ بيد أبيه فأتى به.

الأمانة اليوم قليل:

ثم إن قول أبي بكر: «. . فو اللّه إن الإمانة في الناس اليوم لقليل» لا يخلو عن مجازفة. . خصوصا مع إضافة كلمة «اليوم» التي قد تفهم على أن الأمانة كانت موجودة لدى المشركين، و أهل الجاهلية، و قد تناقصت و قلّت بمجيء الإسلام. .

على أن من الواضح: أن خيانة رجل للأمانة لا يعني أن الباقين لا أمانة لهم. .


1) المحاسن و المساوئ ج 1 ص 57.

بل ربما كانت الأمانة قليلة، ثم تنامت و زادت أضعافا كثيرة عما كانت عليه في الجاهلية، و إن لم تبلغ حد الإستقطاب التام.

فما معنى: أن يحكم أبو بكر، بل هو يقسم للناس: بأن الأمانة قد قلّت فيهم، بمجرد أن سالب طوق أخته لم يبادر إلى الإقرار به؟ !

يضاف إلى ذلك كله: أنه إذا كان في الذين نفروا مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة المسلم و غير المسلم، و من هو حديث عهد بالإسلام، فلا يمكن أن نتوقع منهم الالتزام التام بحدود الشريعة، و بالأحكام العقلية و الأخلاقية، و ما تقضي به الفطرة.

إسلام أبي طالب أقر لعينيه من إسلام أبيه:

و تعود نفس الترنيمة السابقة لتردد من جديد و تؤكد إصرار هؤلاء الناس على نسبة الشرك إلى أبي طالب رضوان اللّه عليه.

و قد ذكرنا في الفصول المتقدمة في الأجزاء الأولى من هذا الكتاب فصولا أثبتنا فيها إيمان أبي طالب بما لا مجال للريب فيه إلا لمكابر جاحد و شانئ. .

أبو قحافة أول مخضوب في الإسلام:

و قد ذكرت بعض الروايات عن قتادة: أن أبا قحافة أول مخضوب في الإسلام (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 223 عن أحمد، و ابن حبان.

و نقول:

1-إن قتادة لم يكن في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لنكتفي بقوله في تحديد الشخص الذي كان أول مخضوب في الإسلام. على اعتبار أنه إنما يتحدث عما عاينه و شاهده.

2-إننا نكاد نطمئن إلى أن الخضاب قد كان قبل فتح مكة بزمان. . فإنه كان في زمان قلة المسلمين، و ضعفهم، فأريد من خلال أمر المسلمين به الإيحاء بالقوة للأعداء، و بعث الرهبة في قلوبهم. و كان المسلمون في فتح مكة أكثر من عشرة الآف مقاتل، فإن كان ثمة خضاب فهو في عمرة القضاء أو قبلها. .

و يؤيد ذلك: الروايات التالية:

1-ما ورد: من أن الخضاب تفرح به الملائكة، و يستبشر به المؤمن، و يغيظ به الكافر (1).

2-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال عن الخضاب بالسواد: نور و إسلام، و إيمان، و محبة إلى نسائكم، و رهبة في قلوب عدوكم (2).

3-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : الخضاب بالسواد مهابة للعدو، و أنس للنساء (3).


1) البحار ج 73 ص 97 و 99 عن ثواب الأعمال ص 21 و الخصال ج 2 ص 90 و مكارم الأخلاق (ط دار البلاغة) ص 79.

2) البحار ج 73 ص 100 و مكارم الأخلاق (ط دار البلاغة) ص 79.

3) البحار ج 73 ص 100 و مكارم الأخلاق (ط دار البلاغة) ص 80.

4-عن الإمام السجاد «عليه السلام» : أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في غزوة غزاها أن يخضبوا بالسواد، ليقووا به على المشركين (1).

5-عن أبي الحسن «عليه السلام» قال: في الخضاب ثلاث خصال: مهيبة في الحرب، و محبة إلى النساء، و يزيد في الباه (2).

6-سئل أمير المؤمنين «عليه السلام» عن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «غيروا الشيب و لا تتشبهوا باليهود» ، فقال:

إنما قال «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و الدين قلّ. و أما الآن و قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار (3).

و واضح: أن الدين كان قبل فتح مكة، أي في عمرة القضاء و الحديبية و قبلهما، أضعف و أقل منه في فتح مكة، فالأمر بالخضاب في عمرة القضاء أولى.


1) البحار ج 73 ص 100 و 101 و مكارم الأخلاق (ط دار البلاغة) ص 80.

2) البحار ج 73 ص 102 و مكارم الأخلاق (ط دار البلاغة) ص 81.

3) نهج البلاغة (بتحقيق عبده) ج 4 ص 5 و الوسائل (ط أهل البيت) ج 2 ص 87 و البحار ج 73 ص 104 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 122 و مكارم الأخلاق.

الفصل السادس: طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و تحطيم الأصنام

اشارة

طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله بالبيت:

قالوا: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة بغير إحرام، و عليه السلاح، و مكث في منزله ساعة من النهار حتى اطمأن الناس، فاغتسل، ثم دعا براحلته القصواء، فأدنيت إلى باب قبته، و عاد للبس السلاح و المغفر على رأسه، و قد حف الناس به، فركب راحلته و الخيل تمعج (1)بين الخندمة إلى الحجون.

فلما انتهى «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكعبة، فرآها و معه المسلمون، تقدّم على راحلته، و استلم الركن بمحجنه (2)، و كبّر، فكبّر المسلمون بتكبيره، فرجّعوا التكبير، حتى ارتجت مكة تكبيرا، حتى جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشير إليهم أن اسكتوا، و المشركون فوق الجبال ينظرون.

و طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالبيت، آخذا بزمام الناقة محمد بن مسلمة، فأقبل على الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت (3).


1) معجت الخيل: كانت سريعة السير سهلة.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 233 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 244 و السيرة الحلبية ج 3 ص 88.

3) المحجن: العصا المنعطفة الرأس كالصولجان.

تحطيم الأصنام في المسجد الحرام:

عن ابن عمر، و سعيد بن جبير، و ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخل مكة يوم فتح مكة، و حول الكعبة ثلاثمائة و ستون صنما مرصعة بالرصاص (1). (و في الحلبية و غيرها: لكل حي من أحياء العرب صنم. قد شد إبليس (أو الشياطين) أقدامها بالرصاص (و النحاس) (2).

فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفا من حصى فرماها في عام الفتح، و قال: جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً (3)فما بقي صنم إلا خر لوجهه، فأمر بها، فأخرجت من المسجد، فطرحت فكسرت (4)) .

و كان هبل أعظمها، و هو و جاه الكعبة، و إساف و نايلة حيث ينحرون و يذبحون الذبائح، و في يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوس (عود) (مخصرة) و قد أخذ بسية القوس (5)، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلما مر بصنم منها يشير إليه، و يطعن في عينه (أو في بطنه) و يقول: جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 234 و البحار ج 21 ص 117 عن إرشاد المفيد ص 63 و عن الخرائج و الجرائح.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و 86 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 86 عن أبي نعيم.

3) الآية 81 من سورة الإسراء.

4) البحار ج 21 ص 117 عن إرشاد المفيد ص 63 و عن الخرائج و الجرائح.

5) سية القوس: ما عطف من طرفيها.

فما يشير إلى صنم إلا سقط لوجهه. و في لفظ: لقفاه، من غير أن يمسه (1).

و قال الكلبي: فجعل ينكب لوجهه إذا قال ذلك، و أهل مكة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (2).

و في ذلك يقول تميم بن أسد الخزاعي:

ففي الأصنام معتبر و علملمن يرجو الثواب أو العقابا

قال أئمة المغازي: فطاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعا على راحلته، يستلم الركن الأسود بمحجنه كل طواف، فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته (3).

و عند ابن أبي شيبة عن ابن عمر، قال: فما وجدنا مناخا في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال، ثم خرج بها.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 234 عن أبي نعيم، و البيهقي، و ابن إسحاق، و ابن مندة، و الواقدي، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 832 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 71 و عن البخاري في المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و 86 و البحار ج 21 ص 92 و 106 و 116 عن مجمع البيان ج 6 ص 435 و عن أمالي ابن الشيخ ص 214.

2) البحار ج 21 ص 92 و 110 عن مجمع البيان ج 6 ص 435 و عن سعد السعود ص 220.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و المغازي للواقدي ج 2 ص 832 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 و البحار ج 96 ص 210.

قالوا: و جاء معمر بن عبد اللّه بن نضلة، فأخرج الراحلة فأناخها بالوادي.

ثم انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المقام، و هو لاصق بالكعبة، و الدرع عليه، و المغفر، و عمامته بين كتفيه، فصلى ركعتين.

ثم انصرف إلى زمزم، فاطلع فيها، و قال: «لو لا أن تغلب بنو عبد المطلب (على سقايتهم) لنزعت منها دلوا» .

فنزع له العباس بن عبد المطلب-و يقال الحرث بن عبد المطلب-دلوا، فشرب منه، و توضأ (1)، و المسلمون يبتدرون وضوء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصبونه على وجوههم، و المشركون ينظرون إليهم، و يتعجبون، و يقولون: ما رأينا ملكا قط أبلغ من هذا و لا سمعنا به (2).

زاد في الحلبية قوله: «لا تسقط قطرة إلا و في يد إنسان، إن كان قدر ما يشربها شربها، و إلا مسح بها جلده، و المشركون يقولون: ما رأينا ملكا قط أبلغ من هذا و لا سمعنا به» (3).

و أمر بهبل فكسر و هو واقف عليه، فقال الزبير بن العوام لأبي سفيان بن حرب: يا أبا سفيان، قد كسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور، حين تزعم أنه أنعم.

فقال أبو سفيان: دع عنك هذا يابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 و المغازي للواقدي ج 2 ص 832.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و 88 و تاريخ الخميس ج 2 ص 85.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 88.

محمد غيره لكان غير ما كان (1).

ثم انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجلس ناحية من المسجد و الناس حوله (2).

و عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح قاعدا، و أبو بكر قائم على رأس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسيف (3).

إحالات على ما سبق:

ثم إن النصوص المتقدمة قد تضمنت أمورا كنا قد تحدثنا عنها فيما سبق، فلا حاجة إلى إعادة البحث فيها، و التحليل لمضامينها، و هي التالية:

ألف: المسلمون يبتدرون وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

تحدثنا مرات و مرات عن تبرك المسلمين برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بفضل وضوئه، و تأثير ذلك على عتاة المشركين، فراجع غزوة الحديبية، و راجع أيضا ما جرى لأبي سفيان حين جاء إلى المدينة بعد نقضهم عهد الحديبية يطلب تجديد العهد، و الزيادة في المدة، و مواضع كثيرة أخرى.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 و تاريخ الخميس ج 2 ص 87 عن روضة الأحباب.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 و المغازي للواقدي ج 2 ص 832.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 235 عن البزار و مجمع الزوائد ج 6 ص 176 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

ب: ما رأينا و لا سمعنا ملكا بلغ هذا:

و أما قول المشركين، و هم يرون تبرك الصحابة بفضل وضوء نبيهم: «ما رأينا و لا سمعنا ملكا قط بلغ هذا» ، فقد تحدثنا حين ذكرنا مقالة أبي سفيان حين قدم المدينة، و قد رأى مثل ذلك، و ثم حين رأى ما يشبهه في مرّ الظهران، فلا بأس بالرجوع إلى تلك الموارد و سواها.

ج: أبو بكر قائم بالسيف على رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ثم إننا قد تحدثنا في بعض فصول هذا الكتاب، و بالتحديد في غزوة الحديبية: عن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يرضى بأن يقوم الناس على رأسه بالسيف، و ذكرنا بعض الشواهد على ذلك فلا بأس بالرجوع إلى ذلك المورد للاطلاع على ما ذكرناه.

د: المشركون فوق الجبال ينظرون:

و أخيرا نقول:

قد سبق في عمرة القضاء الإشارة إلى أن المشركين كانوا ينظرون من أعالي الجبال إلى المسلمين حين دخلوا مكة، فأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» أن يظهروا لهم بعض القوة.

و قد تكرر نفس هذا المشهد في فتح مكة حيث كان المشركون يراقبون من أعالي الجبال المحيطة بالكعبة حركة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين فيها. .

و قد أظهر المسلمون التكبير حتى ارتجت مكة من ذلك، و هذا التكبير

يرعب أهل الشرك، و يمثل طعنة لهم في أكثر المواضع حساسية و ألما لهم، لأنه يستهدف أساس الشرك، و حبة قلبه.

ثم شاهدوا طوافه «صلى اللّه عليه و آله» على راحلته، و استلامه الركن بالمحجن حسبما تقدم. .

و الأشد عليهم، و الأكثر ألما، و الأعظم أثرا: أنهم قد شاهدوا تحطيم أصنامهم على يد علي «عليه السلام» الذي رأوه يصعد على كتفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و من ثم على ظهر الكعبة. .

و هم يعرفون عليا «عليه السلام» حق المعرفة، في مكة قبل الهجرة، و في شعب أبي طالب، و سواه، و حين الهجرة في مبيته على الفراش ليلة الغار، و بعد الهجرة في ساحات الجهاد، في بدر و أحد و الخندق، و ذات السلاسل، يضاف إلى ذلك جهاده لحلفائهم من اليهود في خيبر و بني النضير و قريظة و سواها، و هو يقتل شجعانهم، و فراعنتهم، و يبير كيدهم، و يبطل أحدوثتهم. .

تأسي عمر برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استلم الحجر الأسود، و لم يزل المسلمون يستلمونه تأسيا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى يومنا هذا.

و لكن عمر بن الخطاب، و إن كان قد استلم الحجر أيضا، و لكنه قد اطلق في هذا المورد كلاما خطيرا، لم تزل آثاره ظاهرة إلى يومنا هذا. .

فقد ذكروا: أنه حج في أمرته، فلما افتتح الطواف و استلم الحجر

الأسود و قبله، قال: قبلتك و إني لأعلم أنّك حجر، لا تضر و لا تنفع، و لكن كان رسول اللّه بك حفيا، و لو لا أني رأيته «صلى اللّه عليه و آله» يقبلك ما قبلتك! ! (أو ما يقرب من هذه الكلمات) .

و كان علي أمير المؤمنين «عليه السلام» حاضرا، فقال له: بلى و اللّه، إنه ليضر و ينفع.

قال: و بم قلت ذلك يا أبا الحسن؟ !

قال: بكتاب اللّه تعالى.

قال: أشهد أنك لذو علم بكتاب اللّه، فأين ذلك من الكتاب؟

قال: قول اللّه عز و جل: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ شَهِدْنٰا. . (1).

ثم ذكر كيف أخذ اللّه تعالى على العباد ميثاقهم بالعبودية، و ألقمها الحجر الأسود. . إلى أن تقول الرواية:

فقال عمر: لا عشت في أمة لست فيها يا با الحسن (2).

و لكن اعتراض أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و اعترف عمر، لم ينه القضية، بل بقي العمريون يصرحون: بأنه حجر لا يضر و لا ينفع، و ينهون الناس عن استلامه (3).

و الأحاديث حول أن اللّه تعالى أودع الحجر مواثيق الخلائق، و أنه


1) الآية 172 من سورة الأعراف.

2) راجع: البحار ج 96 ص 216 و 217 و راجع ص 221 و 227 و 228 عن علل الشرايع ص 49 و راجع ص 426 و تفسير العياشي ج 2 ص 38.

3) راجع: البحار ج 96 ص 217 و 218 عن علل الشرايع ص 425.

يشهد لمن وافاه بالموافاة كثيرة (1).

و هذا الموقف من عمر قد أعطى الانطباع لدى الكثيرين من أتباعه و محبيه بأن القيمة الحقيقية للبناء، و الحجر و الشجر، و كل ما هو جسم مادية و ليست معنوية، فلا قداسة لها في نفسها، و لا تكتسب قداسة من إضافاتها إلى ما هو مقدس، كما أنها لا تزيدها تلك الإضافات قداسة، و لا تعطيها قيمة معنوية زائدا على ما لها من قيمة ما دية.

و خلاصة الأمر: إن كلمة عمر الآنفة الذكر قد أفرغت تقبيله للحجر من أي مضمون معنوي، و رفد روحي، و توهج مشاعري، و جعلته عملا خاويا، وجافا، لا يتضمن سوى المحاكاة الفارغة لفعل صدر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و رغم أن إجابة علي «عليه السلام» قد تضمنت العودة إلى أغوار المضمون الروحي، و أوغلت في مداه العقائدي، و معناه الإيماني، حين شرحت كيف أن اللّه سبحانه قد أودع الحجر الأسود مواثيق الخلائق منذ عالم الذر، فإن ذلك لم يمنع محبي الخليفة الثاني من الإصرار على المنحى الذي نحاه عمر بن الخطاب. . و سعوا إلى التنظير له بعد تعميمه و توسعته، حتى اعتبروا التبرك بالأماكن المقدسة، أو بأي شيء يرتبط برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و بآثاره، من الشرك، الذي يستحق فاعله العقوبة بأقصى مدى. . فما ظنك بالتبرك بآثار الأوصياء و الأولياء و الصالحين! !

و قد ضربوا بعرض الحائط مئات النصوص التي تحدثت عن توجيه


1) البحار ج 96 ص 215-228.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه للناس من الصحابة و التابعين إلى التبرك بآثار الأنبياء و المرسلين، و جميع عباد اللّه الصالحين، و مفردات ما جرى من ذلك عبر الأجيال. .

و قد جمع العلامة الأحمدي طائفة من هذه النصوص في كتابه (التبرك) و جمع غيره أيضا الكثير منها فراجع.

استلام الركن بالمحجن:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استلم الحجر، ثم طاف بالبيت.

و تقدم أيضا: أنه كان يستلم الركن بمحجنه.

فهل المراد بالركن هنا: الركن اليماني؟ أم ركن الحجر الأسود؟ !

لقد صرحت الرواية المتقدمة: بأن المراد به الركن الأسود.

و لكن قد يقال: لعل الركن الذي استلمه «صلى اللّه عليه و آله» بالمحجن هو اليماني، الذي يستحب استلامه. . فإذا أطلق الكلام في استحباب استلام الركن، فاليماني هو المتبادر إلى الذهن.

و في البحار و غيره أطلق القول: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استلم الركن بالمحجن. . الأمر الذي يرجح احتمال إرادة اليماني. .

و لكن الرواة أضافوا كلمة: «الأسود» إلى الرواية التي ذكرت آنفا اجتهادا منهم، أو لحاجة في أنفسهم.

و لكن هذا يبقى مجرد احتمال.

استلم الحجر ثم ركب راحلته:

كما أن ظاهر عبارة الرواية التي تقدمت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استلم الحجر قبل الطواف. . ثم طاف و هو راكب، و صار يستلم الركن بمحجنه. .

فإذا صح هذا، فيرد السؤال عن سر عودته إلى الركوب، و ترجيحه الطواف كذلك على الطواف ماشيا!

و قد يقال في الجواب: إن المراد هو التشريع العملي للطواف في حال الركوب، فإن الناس قد يصعب عليهم قبول بعض مفردات التشريع، و يرون أنها مظنة النقص، بل هي عندهم مظنة الخطر. . فإذا رأوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يمارسها بنفسه، فإن تأسيهم به يهوّن الأمر عليهم. و ذلك نظير قصر الصلاة، و إفطار المريض، و الإفطار في السفر، فإنك تجد تحرّجا من الناس في الإقدام على ذلك، و يصعب عليهم فعله، و لأجل ذلك جاء التعبير بنفي «الجناح» في قوله تعالى: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاٰةِ. . (1).

و لعل جميع الآيات التي عبرت ب‌ «لا جناح» ، واردة في موارد توهم الحرمة فيها، أو التحرج من مباشرة الفعل الوارد بعدها (2).

و يمكن أن يضاف إلى ذلك أيضا: أن ثمة تعمدا من رسول اللّه «صلى


1) الآية 101 من سورة النساء.

2) راجع الآيات:158 و 229 و 230 و 233 و 234 و 235 و 236 و 240 و 282 من سورة البقرة، و 23 و 24 و 102 من سورة النساء.

اللّه عليه و آله» أن يراه مشركو مكة، الذين كانوا ينظرون إلى ما يجري حتى من على الجبال المحيطة، و الحشود المجتمعة، و هو في حالة متميزة، يمارس أمرا لعلهم لم يعهدوه من ذي قبل، و هو الطواف على الراحلة. . و هو أمر شرعه اللّه بالوحي الذي لا يزالون يجحدونه و ينكرونه، رغم ما يرونه من آيات باهرة و معجزات ظاهرة، و دلالات للعقل قاهرة.

محاولة اغتيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم: أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يطوف بالبيت عام الفتح؛ فلما دنا منه قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أفضالة» ؟

قال: نعم.

قال: «ماذا كنت تحدث به نفسك» ؟

قال: لا شيء، كنت أذكر اللّه، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: «إستغفر اللّه» . ثم وضع يده على صدره فسكن.

و كان فضالة يقول: و اللّه ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق شيء أحب إلي منه.

و رجع فضالة إلى أهله، قال: فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها.

فقالت: هلم إلى الحديث.

فقال: لا. و انبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لايأبى علي اللّه و الإسلام

إذ ما رأيت محمدا و قبيلهبالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين اللّه أضحى بيناو الشرك يغشى وجهه الإظلام (1)

و نقول:

ليس غريبا أن نرى بين الفينة و الفينة من يتآمر على حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو من يحدث نفسه بقتله صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين. .

و قد ظهرت هذه المحاولات في المشركين، و في اليهود، و المنافقين، و في جميع تلك المحاولات كانت تظهر لهم الرعاية الإلهية له «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد كان الشيطان ينسيهم ذلك، و يزين لهم تكرار المحاولة، قال تعالى: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اَللّٰهَ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ (2).

و قال: وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ (3).

و قد يترك الشيطان أولئك الناس إلى غيرهم، ليزين هذا الأمر لفريق أو لشقي جديد، فتواجهه أو تواجههم الخيبة، و يقيم اللّه عليه أو عليهم الحجة.

تبقى الإشارة هنا: إلى هؤلاء الذين تنتهي بهم شقوتهم و عنادهم للحق


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 236، و قال: ذكره أبو عمر في الدرر، و لم يذكر في الإستيعاب، و هو على شرطه، و ذكره القاضي في الشفاء بنحوه. و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و تاريخ الخميس ج 2 ص 87.

2) الآية 8 من سورة فاطر.

3) الآية 24 من سورة النمل، و الآية 38 من سورة العنكبوت.

و أهله إلى حد التفكير باغتيال سيد الرسل، مع ما يرونه من آيات باهرة، و معجزات قاهرة، فإنك تراهم يدّعون لأنفسهم أحوالا رائعة و مميزة، و درجات عالية من الإيمان و الإخلاص كما هو الحال بالنسبة لدعاوى فضالة الآنفة الذكر، و لكن النفس لا تسكن إلى صحة دعاواهم تلك، فلا بد أن يبقى الريب بهم، و الحذر منهم. فإن هذا هو القرار الحازم، حتى لو كان لابد من السكوت عن الجهر باتهامهم.

فهذا هو الخيار الحكيم، و الرأي الصحيح و السليم، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

أين كان مقام إبراهيم عليه السّلام؟ ! :

و قد ادعت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن طاف صار إلى خلف مقام إبراهيم، و كان لاصقا بالكعبة، فصلى ركعتين.

و نقول:

إن دعوى لصوق المقام بالكعبة لا تصح، فإن المقام كان حينئذ بعيدا عن الكعبة، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرجعه إلى موضعه الملاصق للكعبة.

و المقام هو حجر فيه آثار قدمي إبراهيم الخليل «عليه السلام» ، حيث إن اللّه تعالى أمره أن يؤذّن في الناس بالحج، فأخذ «عليه السلام» ذلك الحجر فوضعه بحذاء البيت، لاصقا به، بحيال الموضع الذي هو فيه اليوم.

ثم قام عليه فنادى بأعلى صوته بما أمره اللّه عز و جل به، فلما تكلم بالكلام لم يحتمله الحجر، فغرقت رجلا إبراهيم فيه، فقلع «عليه السلام»

رجليه من الحجر قلعا.

فلما كثر الناس، و صاروا إلى الشر و البلاء ازدحموا عليه، فرأوا أن يضعوه في هذا الموضع الذي هو فيه اليوم، ليخلو المطاف لمن يطوف بالبيت.

فلما بعث اللّه عز و جل محمدا «صلى اللّه عليه و آله» رده إلى الموضع الذي وضعه فيه إبراهيم «عليه السلام» ، فما زال فيه حتى قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و في زمن أبي بكر، و أول ولاية عمر.

ثم قال عمر: قد ازدحم الناس على هذا المقام، فأيكم يعرف موضعه في الجاهلية؟

فقال له رجل: أنا أخذت قدره بقدر.

قال: و القدر عندك؟

قال: نعم.

قال: فأت به.

فجاء به، فأمر بالمقام فحمل ورد إلى الموضع الذي هو فيه الساعة (1).

لقد كدت تركن إليهم:

و عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: سألته عن قول اللّه وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (2).

قال: لما كان يوم الفتح أخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصناما


1) البحار ج 96 ص 232 عن علل الشرايع ص 423.

2) الآية 74 من سورة الإسراء.

من المسجد، و كان منها صنم على المروة، و طلبت إليه قريش أن يتركه، و كان استحيا، فهمّ بتركه، ثم أمر بكسره، فنزلت هذه الآية (1).

و نقول:

أولا: إن ما ذكرته الرواية من مناسبة نزول الآية تعارضه روايات أخرى حول هذا الموضوع، و لعل من بينها ما هو أصح و أولى بالقبول.

1-فمنها ما روي في مصادر شيعة أهل البيت «عليهم السلام» ما يدل على أن هذه الآية قد نزلت بإياك أعني و اسمعي يا جارة، فلاحظ ما يلي:

ألف: روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» : إن هذه الآية مما نزل بإياك أعني، و اسمعي يا جارة، خاطب اللّه تعالى بذلك نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أراد أمته (2).

ب: و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً عنى بذلك غيره (3).

2-و منها ما دل على أنها نزلت في من أراد أن يصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن التنويه بشأن علي «عليه السلام» .

و نشير هنا: إلى أن هذه الروايات لا تتنافى مع سابقاتها و ذلك ظاهر، و من هذه الروايات:


1) نور الثقلين ج 3 ص 198 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 434 و البحار ج 21 ص 124 و تفسير العياشي ج 2 ص 306 و مجمع البيان المجلد الثالث ج 6 ص 431.

2) نور الثقلين ج 3 ص 197 و 198 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 434.

3) نور الثقلين ج 3 ص 198.

ألف: عن عبد اللّه بن عثمان البجلي، عن رجل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اجتمعا (1)عنده و ابنتيهما، فتكلموا في علي «عليه السلام» . و كان (2)من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يلين في بعض القول، فأنزل اللّه: . . لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنٰاكَ ضِعْفَ اَلْحَيٰاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمٰاتِ ثُمَّ لاٰ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنٰا نَصِيراً (3)ثم لا تجد لك مثل علي وليا (4).

ب: عن أبي جعفر «عليه السلام» : وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ (5)في علي بن أبي طالب «عليه السلام» (6).

ج: و عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه صلوات اللّه عليهما: أن القوم أرادوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليربط راية (7)في علي (و ليمسك عنه بعض الإمساك، حتى إن بعض نسائه ألححن عليه في ذلك، فكاد يركن إليهم بعض الركون، فأنزل اللّه عز و جل: وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنٰا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً .


1) أي اجتمع عنده أبو بكر و عمر و ابنتاهما. و الواو في قوله: و ابنتيهما للمعية.

2) كذا في المصدر.

3) الآيتان 74 و 75 من سورة الإسراء.

4) نور الثقلين ج 3 ص 198 و 199 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 434.

5) الآية 73 من سورة الإسراء.

6) البرهان (تفسير) ج 2 ص 434.

7) لم أفهم معنى هذه العبارة و لعلها محرفة أو مصحفة. لكن العبارة التي بعدها توضح المراد.

قال محمد بن العباس: (المخاطب بذلك ظ) رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن في التخويف لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين (1).

3-أما روايات أهل السنة فهي مختلفة في ما بينها، و لكنها هي الأخرى متفقة على خلاف ما ورد في تلك الرواية التي نتحدث عنها أيضا.

و مع غض النظر عن ذلك كله نقول:

ألف: روي: أن هذه الآية نزلت قبل الهجرة، حين جاء أمية بن خلف، و أبو جهل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلبوا منه أن يستلم آلهتهم، لكي يدخلوا معه في دينه. و كان يشتد عليه فراق قومه فرقّ لهم. فنزلت الآية (2).

ب: عن سعيد بن جبير: كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلمه حتى تستلم آلهتنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و ما عليّ لو فعلت، و اللّه يعلم مني خلافه، فنزلت (3).

ج: عن ابن شهاب: أن المشركين كانوا يقولون لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا طاف: استلم آلهتنا كي لا تضرك، فكاد يفعل، فنزلت (4).


1) البرهان ج 2 ص 434.

2) الدر المنثور ج 4 ص 194 عن ابن إسحاق، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه.

3) راجع: مجمع البيان المجلد الثالث ج 6 ص 431 و الدر المنثور ج 4 ص 194 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

4) الدر المنثور ج 4 ص 194 عن ابن أبي حاتم.

د: عن جبير بن نفير: أن قريشا طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يطرد الذين اتبعوه من سقاط الناس و مواليهم، ليكونوا هم اصحابه، فركن إليهم، فنزلت (1).

ه‌: عن ابن عباس: أن ثقيفا قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أجّلنا سنة، حتى نهدي لألهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه، ثم أسلمنا، و كسرنا الآلهة، فهمّ أن يؤجلهم، فنزلت (2).

ثانيا: إن الآيات تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يركن، بل هو لم يقترب من الركون إليهم، لأن تثبيت اللّه له كان حاصلا فعلا و من أول الأمر. . و ذلك بقرينة كلمة (لو لا) الدالة على نفي الحصول.

فكل الروايات المفيدة لركونه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو مقاربته للركون لا تصح، لأنها تنافي ظاهر الآية الكريمة.

ثالثا: إن الحديث في الآية إنما هو عن أمر أنزل و أوحي إليه من اللّه تعالى، و هم يريدون منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يفتري على اللّه غيره. .

و هذا لا ينطبق على مورد الرواية السابقة، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لهم: إن اللّه أوحى إليه أن أترك الصنم على المروة، بل هو- حسب ما تقوله الرواية-قد همّ بتركه، لأنه استحيا منهم.

رابعا: إن هذه السورة مكية، و قد ذكرنا في ثنايا هذا الكتاب: أن السور


1) الدر المنثور ج 4 ص 194 عن ابن أبي حاتم، و مجمع البيان المجلد الثالث ج 6 ص 431.

2) الدر المنثور ج 4 ص 194 عن ابن جرير، و ابن مردويه، و مجمع البيان المجلد الثالث ج 6 ص 431.

كانت تنزل دفعة واحدة، ثم تبدأ تطبيقاتها بالحصول تدريجا إلى أن تنزل «بسم اللّه الرحمن الرحيم» مرة أخرى، فيعرف الناس: أن السورة السابقة قد انتهت، و أن سورة جديدة قد بدأت (1).


1) راجع: الدر المنثور ج 1 ص 7 و ج 3 ص 208 عن أبي داود، و البزار، و الدار قطني في الافراد، و الطبراني، و الحاكم، و صححه، و البيهقي في المعرفة و في شعب الإيمان، و في السنن الكبرى، و عن أبي عبيد، و الواحدي، و فتح الباري ج 9 ص 39 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 16 و نيل الأوطار ج 2 ص 228 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 231 و 232 و صححه على شرط الشيخين، و تلخيص المستدرك للذهبي، بهامشه، و أسباب النزول للواحدي ص 9 و 10 و السنن الكبرى ج 2 ص 42 و 43 و محاضرات الأدباء المجلد الثاني، الجزء 4 ص 433 و الإتقان ج 1 ص 78 و بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 56 و 57 و راجع ص 55 عن بعض من تقدم، و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 95 و عمدة للقارئ ج 5 ص 292 و نصب الراية ج 1 ص 327 و المستصفى ج 1 ص 103 و فواتح الرحموت بهامشه ج 2 ص 14 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34 و التفسير الكبير ج 1 ص 208 و غرائب القرآن، بهامش الطبري ج 1 ص 77 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 92 و مجمع الزوائد ج 6 ص 310 و ج 2 ص 109 عن أبي داود و البزار و كنز العمال ج 2 ص 368 عن الدار قطني في الافراد و التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212 عن الحاكم و اليعقوبي، و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و المنتقى ج 1 ص 380 و تبيين الحقائق ج 1 ص 113 و كشف الأستار ج 3 ص 40 و مشكل الآثار ج 2 ص 153 و تفسير العياشي ج 1 ص 19 و عنه في التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212 و بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 56 و مصباح الفقيه (كتاب الصلاة)ص 276 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 95.

و حتى لو قلنا بما يقوله أولئك الناس: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا (1)، فإننا لا نرى مبررا


1) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 272 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 43 و الإتقان ج 1 ص 62 و البرهان للزركشي ج 1 ص 241 عن الترمذي، و الحاكم. و التمهيد ج 1 ص 213 و تاريخ القرآن للصغير ص 81 عن: مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص 34. لكن في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري ج 1 ص 24 و مناهل العرفان ج 1 ص 240 هكذا: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا» . و مستدرك الحاكم ج 2 ص 330 و 221 و تلخيصه للذهبي بهامشه و غريب الحديث ج 4 ص 104، و البرهان للزركشي ج 1 ص 234 و 235 و راجع ص 61 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 1 ص 24 و فتح الباري ج 9 ص 19 و 20 و 39 و 38، و كنز العمال ج 2 ص 367 عن أبي عبيد في فضائله، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن أبي داود، و ابن الأنباري معا في المصاحف، و النحاس في ناسخه، و ابن حبان، و أبي نعيم في المعرفة، و الحاكم و سعيد بن منصور، و النسائي، و البيهقي، و فواتح الرحموت بهامش المستصفى ج 2 ص 12 عن بعض من ذكر، و الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن بعض من ذكر، و عن أبي الشيخ، و ابن مردويه و مشكل الآثار ج 2 ص 152 و البيان ص 268 عن بعض من تقدم، و عن الضياء في المختارة، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 48 و راجع: بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 103 و مناهل العرفان ج 1 ص 347 و مباحث في علوم القرآن ص 142 عن بعض من تقدم، و تاريخ القرآن للصغير ص 92 عن أبي شامة في المرشد الوجيز. . و جواهر الأخبار و الآثار بهامش البحر الزخار ج 2 ص 245 عن أبي داود و الترمذي و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 42 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69.

لبقاء هذه الآيات معلقة في الهواء، في حين أن عشرات السور تنزل عليه، ثم بعد عشرين سنة تنزل آية أو أكثر، فيقول: ضعوها في السورة الفلانية في الموضع الفلاني.

خامسا: ما هي خصوصية الصنم الذي كان على المروة حتى تطلب قريش من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتركه؟ ! و لماذا لم تطلب منه أن يترك لها هبلا أو غيره مما هو بنظرها أهم و أعظم من سائر الأصنام؟ !

صنم لكل قبيلة، و حيّ، و بيت! ! :

و قد صرحت الروايات: بأن ثلاث مائة و ستين صنما كانت موجودة في المسجد الحرام، و بأنه كان لكل قبيلة و لكل حي صنم، بل كان في كل بيت صنم أيضا.

و قد نعى اللّه تعالى على لسان يوسف «عليه السلام» على المشركين هذا الأمر بالذات، فقال: . . أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللّٰهُ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ (1).

و للعلامة الطباطبائي رحمه اللّه إشارات لطيفة في معنى هذه الآية، لا بأس بمراجعتها (2).

و نكتفي هنا بالقول: بأن هناك أمورا ثلاثة وقع فيها أولئك الناس، لا يقبلها عقل، و لا ترضاها فطرة، و هي:

1-عبادة غير اللّه من مخلوقات اللّه تعالى العاقلة، ممن لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا، مثل البشر، و الملائكة و الجن. .


1) الآية 39 من سورة يوسف.

2) الميزان (تفسير) ج 11 ص 175-178.

2-عبادة الأحجار، و الأشجار، و سواها مما لا يعقل، و لا يبصر و لا يسمع، و لا يضر، و لا ينفع.

3-التعدد و التفرق في الأرباب. فإن تفرق الأرباب يعني:

أولا: إما اعتقادهم لجامعية كل واحد منها لصفات الألوهية غير المحدودة و المطلقة في كل شيء. . فيصبح تعددها عبثا مع نشوء أسئلة كثيرة عن حالها لو تعارضت إراداتها فيما بينها في جميع أنحاء التصرفات، و أسئلة عن وحدة إدراكها للمصالح أو المفاسد، و عن شمول قدرتها على التصرف بكل شيء، حتى في موارد تعلق إرادات الأرباب الأخرى أيضا، بل هناك أسئلة عن حالها، لو تعلقت إرادتها بإلغاء سائر الأرباب.

ثانيا: و إما اعتقاد إطلاق القدرة و سائر صفات الألوهية في رب واحد، أو أرباب بعينها، و عدم صلاحية ما عداه أو ما عداها، بسبب ما تعانيه- بنظره-من نقص و عجز، و جهل، و فقر، و ما إلى ذلك. .

و هذا يعني: أن يكون لكل واحد رب يخصه، ثم هو ينكر ما عداه؛ فهو لا يعترف بأرباب سائر القبائل، و لا بالأرباب التي يعبدها سائر الناس في بيوتهم، و أحيائهم، و بلادهم. و بذلك تصبح نفس تلك الأرباب سببا للضعف، و التفرّق، و التلاشي، و التمزق للوحدة الإجتماعية، و مادة للخلاف، و التناحر، و التباين، و التدابر فيما بين الناس.

كف حصى يرمي به الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و عن أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» كفا من حصى، ثم رميه له باتجاه الأصنام، و قراءته الآية الشريفة نقول:

إن هذا الفعل يختزن التعبير عن رفض الباطل عملا، فضلا عن القول، و قد كان رمي الجمرات في منى يعطي معنى رفض الباطل عملا، فضلا عن القول بالإضافة إلى دلالات أخرى لا مجال لشرحها الآن، غير أن الناس استمروا على تداول هذه الطريقة للتعبير عن هذا المعنى في مواقفهم الرافضة لأقوال أو أفعال بعينها. .

غير أن ما يميز هذه الواقعة هو:

أولا: أنها قد صدرت من نبي كريم، شأنه هداية البشر إلى ما يرضي اللّه تبارك و تعالى.

ثانيا: إن رمي هذه الحصيات قد رافقه ظهور المعجزة، و هو أن تلك الأصنام قد خرت لوجهها.

ثالثا: إنه رمي يتجاوز مجرد إعلان الرفض و الإدانة إلى كونه إظهارا و تجسيدا لانتصار الحق، و زهوق الباطل، بصورة حقيقية، و واقعية، و عملية.

رابعا: إن هذه الواقعة قد بينت مدى معاناة هذا النبي الكريم و العظيم «صلى اللّه عليه و آله» مع قومه، الذين لم تنفع جميع تلك الآيات و المعجزات في ردعهم عن جحودهم، و عن تعمد الإفتراء و التجني، و الإتهام له بالسحر، و الكهانة، و الشعر، و بغير ذلك مما هم على يقين من زيفه و بطلانه. .

كما أن كل ما عاينوه من ألطاف و تأييدات إلهية لهذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و انتصارات له تصل إلى حد الإعجاز لم يستطع أن يردعهم عن غيهم، و عن تعمد الباطل في حقه.

فهم حتى حين يرون بأم أعينهم كيف تتبخر آخر آمالهم، و تتلاشى حتى أضغاث أحلامهم، و يرون الكرامة تلو الكرامة، و المعجزة إثر

المعجزة، و يسقط من يدهم آخر حجر، و ينمحي عن صفحة الواقع العملي للشرك آخر أثر. . ما فتئوا يقولون: ما رأينا أسحر من محمد! !

فهل ترى قوما أسوأ رأيا و محضرا منهم؟ ! و هل هناك أصبر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

علي عليه السّلام يكسر أصنام الكعبة:

قال الصالحي الشامي: عن علي «عليه السلام» قال: انطلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى أتى بي الكعبة، فقال: «اجلس» ، فجلست بجنب الكعبة، فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على منكبي، فقال: «انهض» ، فنهضت، فلما رأى ضعفي تحته قال: «اجلس» ، فجلست.

ثم قال: «يا علي، اصعد على منكبي» ، ففعلت، فلما نهض بي خيّل إلي لو شئت نلت أفق السماء.

فصعدت فوق الكعبة، و تنحى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ألق صنمهم الأكبر» ، (و في نص آخر: لما ألقى الأصنام، لم يبق إلا صنم خزاعة) و كان من نحاس موتد بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «عالجه» ، و يقول لي: «إيه إيه» جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً .

فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه.

زاد في سائر المصادر قوله:

حتى إذا استمكنت منه، قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اقذف به، فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير. ثم نزلت، فانطلقت أنا و رسول

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نستبق حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يرانا أحد من الناس، أو من قريش (1).

قال الحاكم: فما صعدت حتى الساعة (2).

و قيل: إن هذا الصنم كان من قوارير صفر، و قيل: من نحاس (3).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : ارم به، فحمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى صعد فرمى به فكسره،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 236 عن ابن أبي شيبة، و الحاكم، و تاريخ الخميس ج 2 ص 86 و مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 429 و التبصرة لابن الجوزي ص 442 و مناقب الأخيار ص 3 و مسند أحمد ج 1 ص 84 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 5 و ج 2 ص 367 و تلخيص المستدرك بهامشه، و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 488 و نظم درر السمطين ص 125 و السيرة الحلبية ج 3 ص 86 عن خصائص العشرة للزمخشري و بدايع الأمثال ص 148 و ينابيع المودة ص 139 و 420 و راجع: و تاريخ بغداد ج 13 ص 302 و المناقب للخوارزمي ص 73 و خصائص الإمام علي «عليه السلام» للنسائي (ط التقدم بمصر) ص 31 و صفة الصفوة ج 1 ص 119 و تذكرة الخواص ص 31 و مجمع الزوائد ج 6 ص 24 و مفتاح النجا ص 27 و ذخائر العقبى (ط مكتبة القدس) ص 85 و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 54 و فرائد السمطين، و تفريح الأحباب ص 316 و بذل القوة للسندي الحنفي ص 224 و كنز العمال (ط حيدرآباد) ج 5 ص 151 و غالية المواعظ ج 2 ص 88.

2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 367 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86 عن الطبراني، و أحمد، و الترمذي، و الصالحاني، و السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 86 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86.

فجعل أهل مكة يتعجبون، و يقولون: ما رأينا أسحر من محمد (1).

«ثم إن عليا «عليه السلام» أراد أن ينزل، فألقى نفسه من صوب الميزاب، تأدبا و شفقة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لما وقع على الأرض تبسم، فسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن تبسمه.

فقال لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع، و ما أصابني ألم.

قال: كيف يصيبك ألم و قد رفعك محمد، و أنزلك جبريل» ؟ ! (2).

و في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان بمنزل خديجة، فدعا عليا «عليه السلام» في إحدى الليالي، فذهبا إلى الكعبة فكسرا الأصنام، فلما أصبح أهل مكة قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ الخ. . (3).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا علي، اصعد على منكبي، و اهدم الصنم.

فقال: يا رسول اللّه، بل اصعد أنت، فإني أكرمك أن أعلوك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنك لا تستطيع حمل ثقل النبوة، فاصعد أنت. .

إلى أن قال: ثم نهض به.

قال علي «عليه السلام» : فلما نهض بي، فصعدت فوق ظهر الكعبة


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 86 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 86 عن الزرندي، و الصالحاني، و مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 202.

3) إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 689.

الخ. . (1).

و جاء في نص آخر قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : لو أن ربيعة و مضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة و أنا حي ما قدروا، و لكن قف يا علي، فضرب بيده إلى ساقيه، فرفعه حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال: ما ترى يا علي؟

قال: أرى أن اللّه قد شرفني بك، حتى لو أردت أن أمس السماء لمسستها الخ. . (2).

و في نص آخر: قال علي «عليه السلام» : أراني كأن الحجب قد ارتفعت، و يخيل إليّ أني لو شئت لنلت أفق السماء.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : طوبى لك تعمل للحق، و طوبى لي أحمل للحق (3).

علي عليه السّلام يكسر الأصنام:

و قال بعض الشعراء، و قد نسب القندوزي الحنفي هذا الشعر إلى الإمام الشافعي، و نسبه عطاء اللّه بن فضل اللّه الحسيني الهروي في الأربعين إلى حسان بن ثابت:


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

2) المناقب لابن المغازلي ص 202 و المناقب المرتضوية ص 188 و البحار ج 38 ص 86 و كشف اليقين ص 447 و الطرائف ص 80 و العمدة لابن البطريق ص 364 و 365.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 86 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 162.

قيل لي قل في عليّ مدحاذكره يخمد نارا مؤصده

قلت لا أقدم في مدح امرئضل ذو اللب إلى أن عبده

و النبي المصطفى قال لناليلة المعراج لما صعده

وضع اللّه بظهري يدهفأحسّ القلب أن قد برده

و علي واضع أقدامهفي محل وضع اللّه يده (1)

و في حديث يزيد بن قعنب عن فاطمة بنت أسد: أنها لما ولد علي «عليه السلام» في جوف الكعبة، و ارادت أن تخرج به هتف بها هاتف: يا فاطمة سميه عليا، فهو علي. .

إلى أن قال عن علي «عليه السلام» : و هو الذي يكسر الأصنام، و هو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي الخ. . (2).

و في بعض المصادر: أنه «عليه السلام» جمع الحطب، و أوقد نارا، ثم وضع قدمه على عضد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صار يأخذ الأصنام عن جدار الكعبة، و يلقيها في النار (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 87 و ينابيع المودة (ط إسلامبول) ص 139 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 683 و ج 18 ص 163.

2) إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 57 عن بشائر المصطفى، و عن تجهيز الجيش للدهلوي العظيم‌آبادي.

3) أنيس الجليس للسيوطي (ط سنة 1291 ه‌) ص 148 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 167.

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات، و محاكمات هي التالية:

تحطيم الأصنام قبل الهجرة، و يوم الفتح:

و رد في الرواية الأولى المتقدمة عن علي «عليه السلام» : أنه بعد أن ذكر تكسير الأصنام، قال:

و نزلت من فوق الكعبة، و انطلقت أنا و النبي «صلى اللّه عليه و آله» نسعى حتى توارينا بالبيوت، و خشينا أن يرانا أحد من قريش، أو من الناس (1).

قال الحلبي الشافعي: «و هذا يدل على أن ذلك لم يكن يوم فتح مكة، فليتأمل» (2).

و نقول:

و هي ملاحظة صحيحة، فإن هذه الرواية تتحدث عن تحطيم الأصنام قبل الهجرة إلى المدينة، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» انطلق إليها من منزل خديجة، كما في بعض الروايات، و هذا معناه:

أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عليا «عليه السلام» قد حطما الأصنام مرتين:

الأولى: في مكة، و بصورة سرية، كما فعل إبراهيم الخليل «عليه السلام» بأصنام قومه الذين قالوا: من فعل هذا بآلهتنا. . و كذلك قال المكيون، فاستحق علي «عليه السلام» بذلك أن يقول في حقه النبي «صلى اللّه عليه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

و آله» : إنه أول من حطم الأصنام بعد إبراهيم الخليل «عليه السلام» .

و الثانية: في فتح مكة، أمام أعين مشركي مكة أنفسهم.

و لعل الرواة قد خلطوا بين الواقعتين. . و الأمر في ذلك سهل.

لماذا التعرض للأصنام سرا؟ !

و يرد سؤال: لماذا يتعرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» للأصنام سرا قبل الهجرة؟ مع علمه بأن ذلك لا يرغم أهل مكة على تغيير موقفهم، بل قد يزيدهم ذلك إصرارا على غيهم، و على مناصرة أصنامهم، و التشدد في المحافظة عليها.

و يمكن أن يجاب: بأن المقصود: هو تقديم العبرة لهم بصورة عملية، و إقامة الحجة عليهم بها، ليحيا من حيي عن بينة، و يهلك من هلك عن بينة. . و لعله يكون من بينهم من يستفيق من سكرته، و يثوب إلى رشده، فيدرك عجز تلك الأصنام عن الدفاع عن نفسها، فكيف تتمكن من الدفع عن غيرها؟ !

فما يدّعى لها من قدرات و آثار، ما هي إلا مزاعم ليس فقط لا تستند إلى برهان، بل لقد أثبت البرهان بوارها و بطلانها.

و هذا البرهان و الحجة ليس مجرد معادلة ذهنية، و افتراضات تجريدية، بل هو عمل جوارحي، و فعل مباشر يستهدف الأصنام نفسها. . و لا يستهدف غيرها، ليقال لعلها لم تنتصر له، لأنها كانت غاضبة عليه، فتركته نهبا للبلاء، و حجبت رعايتها له، و لطفها به.

و هذا هو نفس الدرس الذي أراد إبراهيم «عليه السلام» أن يلقنه

لقومه حين حطم أصنامهم.

و قد جاءت كلمة قوم إبراهيم «عليه السلام» : «من فعل هذا بآلهتنا» ؟ متوافقة مع قول أهل مكة. . و هي كلمة مهمة، لأنها تتضمن اعترافا بوجود من هو أقوى من هذه الآلهة، و إقرارا بعجزها عن منعه من إلحاق الأذى بها، و حاجتها إلى غيرها ليحميها منه.

و بما أن عمل هذا القوي قد كان بصورة سرية، فذلك يعني: أنه يتجنب الاصطدام بالناس العاديين، و هذا يدل على: أن قدراته ليست ذاتية و لا مطلقة، فهو إذن ليس من جنس الآلهة، لكي يلتمس لها بعض العذر في عجزها عن مواجهته و ردعه.

علي عليه السّلام ينوء بثقل النبوة:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب من علي «عليه السلام» أن يجلس، ليصعد «صلى اللّه عليه و آله» على ظهره. . و إذ به «عليه السلام» ينوء بثقل النبوة. .

و هنا سؤلان:

أولهما: ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم بأن للنبوة ثقلا ينوء به علي «عليه السلام» ؟ ! فإن كان يعلم بذلك، فما هي الحكمة في أن يطلب منه علي «عليه السلام» أن يجلس أولا، ليصعد هو على ظهره؟ !

ثانيهما: هل للنبوة ثقل؟ ! و ما هو نوعه، و حقيقته؟ ! و هل هو ثقل مادي كسائر الأثقال؟ !

و نقول في الجواب على السؤال الأول:

إننا ننزه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أن ينسب إليه عدم المعرفة بأن للنبوة ثقلا ينوء به علي «عليه السلام» . . و لذلك نرجح الروايات الأخرى التي صرحت: بأن عليا «عليه السلام» آثر أن يصعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ظهره، لأنه يجل النبي و يكرمه عن أن يصعد هو على ظهره، فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» بأن ثقل النبوة يمنع من ذلك.

غير أن ذلك لا يمنعنا من أن نقول أيضا:

إن عليا «عليه السلام» كان يعلم بأن للنبوة ثقلا ينوء به مثله. و لعله أراد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصرّح بذلك، ليعلم الناس: أن صعوده على ظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يتنافى مع إجلاله و تعظيمه له. .

أو لعله نظر إلى قانون البداء، الذي ربما يكون له تأثيره في مثل هذا المورد، في صورة حدوث أمر يقتضي إظهار معنى في علي «عليه السلام» ، أو في النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو في سياق آخر، فينشأ عنه تمكين علي «عليه السلام» من القيام بثقل النبوة، أو يقضي بتخفيف ذلك الثقل، بحيث يتمكن علي «عليه السلام» من النهوض به.

و أما بالنسبة للسؤال الثاني، فنقول:

إنه ليس بإمكانننا تحديد ماهية هذا الثقل، غير أننا نقول:

لا ريب في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يركب الراحلة، و البغلة، و الفرس، و غيرها، و لكنه يعلن: أنه لو اجتمعت ربيعة و مضر على أن يحملوا بضعة منه و هو حي لما قدروا على ذلك.

و هذا معناه: أن للنبوة في مضمونها المعنوي خصوصية تحتم التدخل

الإلهي في قدرة البشر، لتعجزهم عن حمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن ذلك قد يثير خطرات تسيء إلى معنى النبوة، و نحن و إن ننزه عليا «عليه السلام» عن مثل هذه الخطرات، لأنه نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» في طهره و صفائه. . و لكننا لا نستطيع أن ننزه عنها غير علي «عليه السلام» ممن رأوا ذلك و سمعوه.

هل خيّل إلى علي عليه السّلام؟ ! :

إن التخييل لعلي «عليه السلام» هو إراءته عين الواقع، فلا تخييل للإمام المعصوم خارج دائرة إراءة الحقائق، فالتعبير بكلمة «خيل إليّ» إن كان يراد به الرفق ببعض ضعفاء النفوس، الذين قد لا يتمكنون من فهم الأمور بصورة معقولة و مقبولة، فهو مقبول. . و إن كان الأمر على خلاف ذلك، فلا بد من الإعراض عن هذه الرواية و الأخذ بالروايات التي استبعدت كلمة «خيل إليّ» ، و ذكرت أنه لو أراد أن ينال السماء لنالها، و قد تقدمت.

و مما يشير إلى أن القضية حقيقية، و ليست مجرد تخييل قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : «رفعك محمد، و أنزلك جبريل» ، فإن من يكون هذا حاله، لو أراد أن ينال السماء لنالها، من دون شك و لا شبهة.

تعمل للحق، و أحمل للحق:

و حين قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : طوبى لك تعمل للحق، و طوبى لي أحمل للحق. . فإنه يكون قد أوضح لكل قريب و بعيد: أن مباشرة تحطيم الأصنام لم يكن عملا أملته روح التشفي

و الإنتقام، أو دعته إليه الرغبة في جمع كل ثمرات الإنتصار، و الحرص على الإمساك بجميع خيوط المجد و الفخار. .

و إنما أملاه عليه واجب الدين و الحق، و الإخلاص للّه تعالى.

لماذا لم يباشر النبي صلّى اللّه عليه و آله تحطيم الأصنام؟ ! :

ثم إن ما يدعو إلى التأمل هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تولى بنفسه مع أخيه علي «عليه السلام» هذا العمل مع أنه كان من الممكن أن يوكل هذا الأمر إلى بعض من كان معه من المسلمين. . فلما ذا كان ذلك؟ و ما الحكمة فيه؟ ! .

و نقول:

لعل نفس مبادرة نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وصيه «عليه السلام» إلى تحطيم مظاهر الشرك في بيت اللّه تعالى، يقطع الطريق على أي تأويل أو اتهام لأحد في أن يكون هو الذي بادر إلى تحطيم الأصنام، أو أنه بالغ و تجاوز الحد في إجراء التوجيهات التي صدرت له من قبله «صلى اللّه عليه و آله» بشأنها. .

و قد يدّعى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يتخذ موقفا حادا منها، و إنما كان كل همه هو التسلط على مكة، و قهر قريش، و كسر عنفوانها. و لعله كان لا يمانع في أن يعتقد الناس بأنها تقرب إلى اللّه زلفى.

أو لا يمانع في اقتنائها للذكرى، أو لأي سبب آخر.

فجاءت مبادرته لتحطيمها بنفسه، لتدل على أن وجودها كله مبغوض للّه تبارك و تعالى، و لا يجوز الاحتفاظ بها تحت أي عنوان من العناوين.

لو نزع دلوا من زمزم:

و أما ما ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال: لو لا أن تغلب بنو عبد المطلب (على سقايتهم) لنزعت منها دلوا. . فهو غير ظاهر المعنى.

فأولا: إن مجرد أن ينزع النبي «صلى اللّه عليه و آله» دلوا من ماء لا يوجب نزع السقاية من بني عبد المطلب، و لا أن تصبح الأمور على درجة الفلتان و التسيب، بحيث يغلبون على سقايتهم.

و يجاب عن ذلك: بما قاله بعض الإخوة من أنه يحتمل أن يتخذ المسلمون من عمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنة، فينتزع من يشاء منهم دلوا منها، أو دلاء، فتذهب السقاية من أربابها.

ثانيا: قد يقال: لو أوجب نزع الدلو من زمزم ذلك لكان أخذ المفتاح من بني شيبة-سواء أخذ بالقوة، أو بالحسنى-يوجب نزع حجابة البيت منهم. .

فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد عالج ذلك بإعلانه أن الحجابة لبني شيبة، و أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ المفتاح منهم. . فإنه يمكنه أن يعالج أمر زمزم بنفس الطريقة، فينزع دلوا من زمزم، ثم يعلن عدم جواز مزاحمة بني عبد المطلب في أمر السقاية. .

إلا أن يقال: إن ثمة فرقا بين الأمرين، فإن أخذه «صلى اللّه عليه و آله» لمفتاح الكعبة معناه: إرجاع أمر ولاية الكعبة إلى صاحبها الحقيقي، و الاعتراف بولايته على الكعبة معناه: الإعتراف بولايته على كل ما عداها. لأنها تمثل محورية لا مجال لإنكارها في هذا الأمر. فاقتضت المصلحة أن

يتعامل مع بني شيبة بهذه الطريقة.

و ليس الأمر في السقاية من زمزم بهذه المثابة. .

و لأجل ذلك لم يكن من المصلحة أن يكتفي بالطلب إلى حامل المفتاح أن يفتحه له. . بل كانت المصلحة في أخذ المفتاح منه، ثم يكون هو الذي يعطيه إياه بنحو تكون شرعية حجابته للكعبة مستندة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه.

على أن فرقا آخر بين الحجابة و السقاية، و هو: أنه لا يمكن التعدي على موضوع الحجابة، و لا مجال لغلبة الناس عليها، لأنها مرهونة بمفتاح الكعبة، الذي يكون لدى شخص بعينه، أما السقاية، فيمكن لكل أحد أن يستقي من بئر زمزم، فيمكن الغلبة على الماء.

النداء بتكسير الأصنام في البيوت:

قالوا: و لم يكن رجل من قريش في مكة إلا و في بيته صنم، إذا دخل مسحه، و إذا خرج مسحه تبركا به (1).

و قالوا: و نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يدعن في بيته صنما إلا كسره أو حرقه (2).

قال: فجعل المسلمون يكسرون تلك الأصنام.

و كان عكرمة بن أبي جهل لا يسمع بصنم في بيت من بيوت قريش إلا


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 870 و 871.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 1 ص 99 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 248 و السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و المغازي للواقدي ج 2 ص 870 و 871.

مشى إليه حتى يكسره. و كان أبو تجراة يعملها في الجاهلية و يبيعها (1).

عكرمة يكسر الأصنام:

و نقول:

إن ما زعموه من أن عكرمة كان يكسر الأصنام في بيوت مكة يثير لدى الباحث أكثر من سؤال حول ما إذا كان هذا الرجل، الذي يزعمون أنه قاتل المسلمين يوم الفتح، و فر من المعركة، مخلصا في فعله هذا أو أنه يتزلف للمسلمين به، و يخطط للوصول إلى منافع و الحصول على امتيازات يطمح إليها. . و هذا هو الأقرب إلى الاعتبار، إذ كيف انقلب هذا المقاتل للدين و لأهله بين لحظة و أخرى إلى ولي حميم، و متحمس صارم و حازم إلى هذا الحد؟ !


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 870 و 871.

الفصل السابع: النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة

اشارة

مفتاح الكعبة مع النبي صلّى اللّه عليه و آله:

عن أبي هريرة، و علقمة بن أبي وقاص الليثي، و محمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض، قال عبد اللّه: كان عثمان بن طلحة قد قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة مسلما مع خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص قبل الفتح (1).

فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من طوافه أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة يأتيه بمفتاح الكعبة، فجاء بلال إلى عثمان، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمرك أن تأتي بالمفتاح (2).

فقال: نعم، هو عند أمي سلافة.

فرجع بلال إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره أنه قال: نعم، و أن المفتاح عند أمه.

فبعث إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رسولا فجاء، فقالت: لا،


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 834 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 236 عن الواقدي و ابن أبي شيبة.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 236 عن الواقدي، و ابن أبي شيبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 86.

و اللات و العزى، لا أدفعه إليك أبدا.

فقال عثمان: يا رسول اللّه، أرسلني أخلصه لك منها، فأرسله، فقال: يا أمّه ادفعي إليّ المفتاح، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إليّ، و أمرني أن آتيه به.

فقالت أمه: لا. و اللات و العزى، لا أدفعه إليك أبدا.

فقال: لا لات و لا عزى، إنه قد جاء أمر غير ما كنا عليه، و إنك إن لم تفعلي قتلت أنا و أخي، فأنت قتلتنا. فو اللّه لتدفعنّه، أو ليأتين غيري فيأخذه منك، فأدخلته في حجزتها (1)، و قالت: أي رجل يدخل يده ههنا؟ (2).

و قالت له: أنشدك اللّه أن يكون ذهاب مأثرة قومك على يديك (3).

قال الزهري: فأبطأ عثمان و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم ينتظره، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق، و يقول: «ما يحبسه فيسعى إليه رجل» انتهى.

فبينما هما على ذلك و هو يكلمها إذ سمعت صوت أبي بكر و عمر في الدار، و عمر رافع صوته حين أبطأ عثمان: يا عثمان اخرج.

فقالت أمه: يا بني خذ المفتاح، فإن تأخذه أنت أحب إليّ من أن يأخذه تيم و عدي.

فأخذه عثمان، فخرج يمشي به حتى إذا كان قريبا من وجه رسول اللّه


1) الحجزة: موضع شد الإزار من الوسط.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 236 و 237 عن الواقدي و ابن أبي شيبة، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و المغازي للواقدي ج 3 ص 833.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 98.

«صلى اللّه عليه و آله» عثر عثمان فسقط منه المفتاح، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المفتاح فحنى عليه بثوبه (1).

و عند الواقدي: أن عثمان جاء بالمفتاح إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فناوله إياه (2).

و عن ابن عمر: أن بني أبي طلحة كانوا يقولون: لا (يستطيع أن) يفتح الكعبة إلا هم، فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح، ففتح الكعبة بيده (3).

مفتاح الكعبة أخذ قهرا:

و روي بسند جيد عن أبي السفر، قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة دعا شيبة بن عثمان بالمفتاح-مفتاح الكعبة-فتلكأ، فقال لعمر: «قم فاذهب معه، فإن جاء به و إلا فاجلد رأسه» .

فجاء به فأجاله في حجره (4).

و قال أبان: و حدّثني بشير النبال، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: لما كان فتح مكة قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «عند من المفتاح» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 237 عن عبد الرزاق و الطبراني، و في هامشه عن: أبي داود (2027) ، و عن المطالب العالية (4364) . و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و 99 و المغازي للواقدي ج 2 ص 833.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 833.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 237 عن الفاكهي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 88.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 237 عن ابن أبي شيبة.

قالوا: عند أم شيبة.

فدعا شيبة، فقال: «اذهب إلى أمك، فقل لها: ترسل بالمفتاح» .

فقالت: قل له: قتلت مقاتلنا و تريد أن تأخذ منا مكرمتنا؟

فقال: لترسلنّ به أو لأقتلنك، فوضعته في يد الغلام، فأخذه. و دعا عمر، فقال له: «هذا تأويل رؤياي من قبل» .

ثم قام «صلى اللّه عليه و آله» ففتحه و ستره، فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح، و قال: رده إلى أمك (1).

و في نص آخر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث عليا «عليه السلام» إلى عثمان بن طلحة، فأبى أن يدفع المفتاح إليه، و قال: لو علمت أنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم أمنعه منه، فصعد إلى السطح، فتبعه عليّ «عليه السلام» و لوى يده، و أخذ المفتاح منه قهرا، و فتح الباب (2).

فلما نزل قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (3). أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يدفع المفتاح إليه، متلطفا به، (و يعتذر إليه. و قال له: قل له: خذوها يا بني طلحة بأمنة اللّه، فاعملوا فيها بالمعروف، خالدة تالدة الخ. .) (4).

فجاء علي «عليه السلام» بالمفتاح متلطفا، فقال له: أكرهت و آذيت، ثم جئت ترفق؟ !


1) البحار ج 21 ص 132 عن إعلام الورى.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 87 و 88 و السيرة الحلبية ج 3 ص 98.

3) الآية 58 من سورة النساء.

4) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 88.

فقال «عليه السلام» : لأن اللّه أمرنا بردها عليك.

فأسلم، فأقره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في يده (1).

و في نص آخر: أنه بعد أن أخذ علي «عليه السلام» المفتاح قهرا، و دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكعبة، فصلى ركعتين ثم خرج. سأله العباس أن يعطيه المفتاح، فنزلت الآية: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (2).

و ستأتي روايات أخرى حول نزول هذه الآية في بني شيبة، و ذلك حين الحديث عن إعطائهم حجابة البيت و مفتاح الكعبة، و ذلك بعد خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» على باب الكعبة، فانتظر. .

إزالة الصور و التماثيل من داخل الكعبة:

روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل البيت في فتح مكة، و لم يدخله في حج و لا عمرة. و دخل وقت الظهر (3).

و في حديث صفية بنت شيبة: وجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و البحار ج 21 ص 116 و 117 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 404 و 405.

2) البحار ج 21 ص 116 و 117 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 404 و 405.

3) راجع: البحار ج 21 ص 136 و 132 و 133 و في هوامشه عن تهذيب الأحكام للطوسي ج 1 ص 245 و عن المناقب لابن شهر آشوب، و إعلام الورى، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

البيت حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها (1).

و في حديث جابر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما دخل البيت رأى فيه تمثال إبراهيم، و إسماعيل، و إسحاق. و قد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قاتلهم اللّه، لقد علموا ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام» .

ثم دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزعفران فلطخه بتلك التماثيل (2).

و رووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عمر بن الخطاب-و هو بالبطحاء-أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور، و كان عمر قد ترك صورة إبراهيم.

فلما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأى صورة إبراهيم (و عند الديار بكري: رأى فيها صور الملائكة، و غيرهم، فرأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها) ، فقال: «يا عمر، ألم آمرك ألا تدع فيها صورة؟ قاتلهم اللّه، جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام» .

زاد الحلبي و غيره قوله: مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (3)، ثم أمر بتلك الصور


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 239 عن ابن إسحاق، و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 239 و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86.

3) الآية 67 من سورة آل عمران.

فطمست (1).

ثم رأى صورة مريم، فقال: «امسحوا ما فيها من الصور، قاتل اللّه قوما يصورون ما لا يخلقون» (2).

و حسب نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» رأى الصور و هي صور الملائكة، و صور إبراهيم و إسماعيل في أيديهما الأزلام يستقسمان بها، أي و إسحاق، و بقية الأنبياء، و صورة مريم، فقال: «قاتل اللّه قوما يصورون ما لا يخلقون، قاتلهم اللّه، لقد علموا أنهما لم يستقسما بالأزلام قط» (3).

و عن ابن عباس-رضي اللّه عنهما-و عن عكرمة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة، يعني الأصنام، فأمر بها فأخرجت: صورة إبراهيم، و إسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قاتلهم اللّه لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط» .

زاد ابن أبي شيبة: ثم أمر بثوب فبلّ و محا به صورهما (4).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و تاريخ الخميس ج 2 ص 85.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 237 و 238 عن أبي داود، و ابن سعد، و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 86 و 87 و راجع: قرب الإسناد ص 61 و البحار ج 21 ص 111.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 87.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 238 عن البخاري و ابن أبي شيبة و في هامشه عن: البخاري (3352) و مسند أحمد ج 1 ص 365 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 487 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 73 و البحار ج 21 ص 106 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56.

و عن أسامة بن زيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دعا بدلو من ماء فضرب به الصور (1).

و في نص آخر: أن الذي جاء بذنوب (2)الماء هو الفضل بن العباس، و أنه جاء به من زمزم، فطمس به الصور (3).

و عن ابن عمر: أن المسلمين تجردوا في الأزر و أخذوا الدلاء، و انجروا على زمزم يغسلون الكعبة ظهرها و بطنها، فلم يدعوا أثرا من المشركين إلا محوه و غسلوه (4).

و عن الواقدي قوله: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان أن يقدما البيت، و قال لعمر: لا تدع صورة حتى تمحوها إلا صورة إبراهيم.

فلما دخل «صلى اللّه عليه و آله» و رآها قال: يا عمر، ألم آمرك ألا تدع فيها صورة إلا محوتها.

فقال عمر: كانت صورة إبراهيم.

قال: فامحها (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 270 عن مسند الطيالسي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 834.

2) الذنوب: الدلو الكبير.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 272 عن الأزرقي.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 272 عن ابن أبي شيبة.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 734 و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 عن سبط بن الجوزي.

صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله داخل الكعبة و خارجها:

و رووا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أقبل يوم الفتح من أعلى مكة، على ناقته القصواء، و هو مردف أسامة، و معه بلال، و عثمان بن طلحة، حتى أناخ في المسجد عند البيت، و قال لعثمان: ائتني بالمفتاح. فذهب إلى أمه، فأبت أن تعطيه إياه.

فقال: لتعطينّه أو لأخرجن هذا السيف من صلي. فلما رأت ذلك أعطته إياه، فجاء به، ففتح عثمان له الباب، قالوا:

1-فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أسامة، و بلال، و عثمان بن طلحة.

و زاد بعضهم: الفضل بن عباس، و لم يدخلها أحد معهم، فاغلقوا عليهم الباب (1).

2-و لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكعبة كبر في زواياها، و أرجائها، و حمد اللّه تعالى، و قد اختلفوا في أمر صلاته في الكعبة.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 238 و 239 عن مصادر كثيرة ذكرت الحديث يزيد بعضهم، أو ينقص و هم: البخاري، و مسلم، و مالك، و موسى بن عقبة، و النسائي، و أبي عوانة، و ابن ماجة، و أحمد، و الطبراني، و ابن أبي شيبة، و الطحاوي، و ابن قانع، و الأزرقي، و أبي داود، و البزار، و الحاكم، و البهقي. . و في هامشه عن البخاري في المغازي ج 7 ص 611. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و المغازي للواقدي ج 2 ص 834 و 835 و تاريخ الخميس ج 2 ص 87 و 88.

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كبر في نواحي البيت، و لم يصل (1).

3-و في رواية أخرى: أنه صلى ركعتين (2).

4-عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة انطلقت فوافقت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرج من الكعبة، و أصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، و قد وضعوا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 239 و تاريخ الخميس ج 2 ص 86 و 89 و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 عن الترمذي.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 835 و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و تاريخ الخميس ج 2 ص 88 و 89 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 239 و 240 و 241 و ذكر تفاصيل و اختلافات الرواة في العديد من المصادر، و هي التي تقدمت في الهامش السابق. و قد ذكر الصالحي الشامي: أن صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ركعتين داخل الكعبة قد ورد في رواية يحيى بن سعيد عند الشيخين. و في رواية أبي نعيم الفضل بن دكين عند البخاري و النسائي، و رواية أبي عاصم الضحاك بن مخلد عند ابن خزيمة، و رواية عمر بن علي عند الإسماعيلي، و رواية عبد اللّه بن نمير عند الإمام أحمد، كلهم عن سيف بن أبي سليمان عن مجاهد عن ابن عمر: و تابع سيفا عن مجاهد خصيف عند الإمام أحمد، و تابع مجاهدا عن ابن عمر بن أبي مليكة عند الإمام أحمد و النسائي، و عمرو بن دينار عند الإمام أحمد، و في حديث جابر: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البيت يوم الفتح، فصلى فيه ركعتين، و رواه الإمام أحمد برجال الصحيح، و الطبراني عن عثمان بن طلحة. و رواه الإمام أحمد، و الأزرقي عن عبد اللّه بن الزبير. و رواه الطبراني بسند جيد، و ابن قانع و أبو جعفر الطحاوي من طريقين عن عثمان.

خدودهم على البيت و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وسطهم، فسألت من كان معه، فقلت: كيف صنع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين دخل الكعبة؟

قال: صلى ركعتين (1).

5-روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج من البيت صلى ركعتين قبل الكعبة، و قال: هذه القبلة (2).

و عن السائب يزيد قال: حضرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح صلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يسارة، ثم استفتح بسورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى و عيسى أخذته سعلة فركع (3).

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يدخل الكعبة إلا يوم الفتح:

إن أول سؤال يواجهنا في النصوص المتقدمة هو: ما السبب في أنه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 241 عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح، و عن البزار، قال الصالحي الشامي و رواه أبو دادو، و الطحاوي عن عمر بن الخطاب. و البزار عن أبي هريرة، و أنس بن مالك، و رواه الطبراني.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 241 و 271 و في هامشه عن: البخاري ج 1 ص 688(504 و 505) و مسلم ج 2 ص 966(388 و 389/1329) (390/1329) و مالك ج 1 ص 398(193) و عن مسند أحمد و مجمع الزوائد، و الطبراني في الكبير، و السيرة الحلبية ج 3 ص 87 و تاريخ الخميس ج 2 ص 89 و المغازي للواقدي ج 2 ص 835.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 و 246 عن ابن أبي شيبة في المصنف.

«صلى اللّه عليه و آله» لم يدخل الكعبة إلا في يوم الفتح؟ !

و يمكن أن يقال في الجواب: إن الدخول إلى الكعبة يوم الفتح من شأنه أن يؤكد لقريش أن أمر الحرم لم يعد إليها، بل هو قد عاد إلى أهله رغما عن المعتدين و الغاصبين. و على الناس كلهم أن يلتزموا بما يرسمه لهم من لا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1). .

فأولى الناس ببيت اللّه، هو نبيه المبعوث لتعليم الأمة و هدايتها، و هو لم يجعل الدخول و الخروج من البيت شغله الشاغل، بل إنه لم يدخل إليه إلا حين استعاده من أيدي الأرجاس، ليزيل عنه و منه رجسهم، و مظاهر شركهم، و ليعيده إلى ما كان عليه من الطهر، و النزاهة، و الخلوص. .

فإن على الناس كلهم أن لا يتخذوا الدخول إليه و الخروج منه سنة، أو عادة و طريقة. . و أن لا يجعلوا ذلك من موارد التنافس و التفاخر و التباهي، إذ المطلوب الأهم هو أن تحفظ قداسة البيت، و يصان عزه، و تتأكد مكانته في النفوس، و عظمته في القلوب. و اعتياد الدخول و الخروج إليه ربما يكون مضرا بهذا الهدف.

إزالة الصور من داخل الكعبة:

إن ملاحظة الروايات المتقدمة التي تتحدث عن إزالة الصور من داخل الكعبة تثير علامات استفهام كبيرة حول حقيقة ما فعله عمر بن الخطاب في أمر الصور في داخل الكعبة، حين أمره النبي «صلى اللّه عليه


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

و آله» بمحوها.

فهل محاها حقا، أم أن الذي محاها هو أسامة، أم الفضل بن العباس؟ !

و لو قبلنا: أن عمر قد امتثل أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و محا الصور، فلما ذا ترك صورة إبراهيم «عليه السلام» و هو يستقسم بالأزلام؟ !

و قد حاول الحلبي أن يرفع التنافي بين الروايات، فقال: إن عمر محا الصور كلها باستثناء صورة إبراهيم، و إسماعيل، و مريم و الملائكة (1).

و أغرب من ذلك: أن نجد الزهري ينسب إبقاء صورة إبراهيم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، فيقول: «لما دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرأى فيها صور الملائكة و غيرها، و رأى صورة إبراهيم «عليه السلام» ، قال: قاتلهم اللّه، جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام.

ثم رأى صورة مريم، فوضع يده عليها، ثم قال: امسحوا ما فيها من الصور إلا صورة إبراهيم» (2).

و السؤال هنا هو: إذا كان وجود الصور جائزا فما الحاجة إلى محوها؟ و إن كان حراما، فلما ذا ترك صورة إبراهيم «عليه السلام» ؟ !

و إن كان لا مانع من بقاء الصور لكنه لاحظ عنوانا ثانويا، و هو أنه يخشى من أن تدخل في اعتقادات الناس، و ينتهي الأمر بهم إلى نوع من الشرك في العبادة، فذلك المحذور موجود من خلال إبقائه صورة إبراهيم «عليه السلام» أيضا.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 87.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 834.

و سؤال آخر، و هو: كيف أبقى صورة إبراهيم «عليه السلام» و هو يستقسم بالأزلام؟ مع أن ذلك أمر مكذوب على إبراهيم «عليه السلام» ؟ ! و إذا كان قد أزال من الصورة الأشكال التي تشير إلى الإستقسام، فلما ذا لم يذكر لنا ذلك في التاريخ و الرواية؟ !

و ثمة سؤال آخر أيضا، و هو: لماذا لم تبق صورة إبراهيم «عليه السلام» بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و من الذي أزالها من الكعبة؟ ! و لماذا لم يعترض المسلمون و علماء الأمة على من أبطل و أزال أمرا أبقاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أما الجمع بين الروايات الذي قرره الحلبي، فهو لا ينفع شيئا، بعد أن كان أصل إبقاء الصور ممنوعا. .

على أن إزالة صور الأشخاص، و الملائكة، و غيرهم من ذوي الأرواح أولى من إزالة غيرها، لأن الناس يفتنون بصور الناس و الملائكة أكثر من فتنتهم بصور الأشجار، و الأبنية، و الأواني و نحوها.

على أن مفتاح الكعبة قد كان مع بني شيبة، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أخذه، ففتحها و دخل، فما معنى قولهم: إنه أرسل عمر بن الخطاب ليمحو الصور من داخل الكعبة؟ ! فهل كان مع عمر مفتاح خاص به؟ ! أم أن بني شيبة هم الذين فتحوا باب الكعبة؟ ! .

إلا أن يقال: إن المراد: أن عمر قد دخل معه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكعبة فوكله بمحو تلك الصور، فمحاها و ترك صورة إبراهيم «عليه السلام» .

و لكننا نقول:

إن هذا كلام غير صحيح، فقد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين قد اشتغلوا بمحو الصور بواسطة الماء الذي كانوا يأتون به من زمزم. .

يضاف إلى ذلك: أنهم ذكروا أسماء الذين دخلوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكعبة، و ليس فيهم عمر بن الخطاب. . فما معنى حشر اسمه في هذا المورد؟ ! إلا أن يكون الهدف هو ذر الرماد في العيون، و نسبة فضيلة إليه ليس له فيها نصيب.

التكبير في زوايا الكعبة:

و التكبير في زوايا الكعبة هو المناسب لموقعية الكعبة، و شأنها، و مقامها، و هو المنسجم مع الوظيفة التي تؤديها، و الدلالات التي تتكفل بها، فهي رمز التوحيد، و مثال حي لتعظيم اللّه تبارك و تعالى، و هي أهم موقع لتنزيهه عن الأنداد و الشركاء، فكيف إذا كانت قد تعرضت للإهانة و للتدنيس بوضع الأصنام فيها، و رسم صور الأنبياء على جدرانها، و هم يستقسمون بالأزلام؟ ! افتراء من أولئك الكفرة على أقدس الناس في أقدس مكان، و أفضل بقعة على وجه الأرض.

صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة:

إن الروايات المتقدمة: متناقضة فيما بينها، فقد دلت طائفة منها على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى في داخل الكعبة ركعتين، و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يصل فيها.

كما أن هناك اختلافات في نفس دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، فقد زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرات: يوم الفتح، يوم ثاني الفتح، و في حجة الوداع، و في عمرة القضاء. و في كل هذه الدخلات خلاف، إلا الدخول الذي كان يوم فتح مكة (1).

و قالوا: إن سبب الاختلاف في صلاته داخل الكعبة هو: تعدد دخوله إليها، حيث صلى في بعضها، و لم يصل في بعضها الآخر (2).

و نقول:

لكن ظاهر النصوص هو: أنها تتحدث عن الدخول الأول إلى الكعبة الشريفة، و هو الذي كان محط أنظار الرواة، و نقلة الأخبار.

و حول الصلاة في داخل الكعبة نقول:

إنهم يقولون: أن المراد بالصلاة هو الدعاء (3).

و الجواب: أن التعبير: بأنه صلى ركعتين، في الرواية التي تقول عن بلال: «ذهب عني أن أسأله كم صلى» تكذب هذا الإحتمال (4).

ثم إننا نقول:

إن هذه الإختلافات، خصوصا إذا كانت في أمور التشريع، تحتاج إلى حسم الأمور فيها بصورة تقطع العذر، و تزيل الشبهة. و لا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى أئمة الهدى و مصابيح الدجى، فقد روى الشيخ «رحمه اللّه» عن


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 87.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 87.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق.

الطاطري، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال:

«سمعته يقول: لا تصلّ المكتوبة في جوف الكعبة، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدخلها في حج و لا عمرة، و لكن دخلها في فتح مكة، فصلى فيها ركعتين بين العمودين، و معه أسامة» (1).

سؤال. . و جوابه:

قد يقال: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل الكعبة يوم عمرة القضاء، فماذا كان موقفه من الأصنام التي كانت بداخلها؟ ! هل أزالها؟ ! أم تركها؟ ! و هل يجوز له ترك الأصنام في الكعبة؟ !

و يمكن أن يجاب: بأن المفروض: هو أن لا يتعرض لها في عمرة القضاء، كما لم يتعرض للأصنام التي كانت في المسجد، و على الكعبة، لأن أي تعرض لها لابد من أن يعتبره المشركون نقضا للعهد. و سيعطي المبرر لقريش للتشنيع عليه، و إسقاط مصداقيته بين الناس. فلا بد من أن تترك الأمور إلى الوقت المناسب، و حيث لا يبقى لقريش أي ذريعة.

أبو بكر و عمر لم يدخلا الكعبة:

و قد صرحت الروايات بأسماء الذين دخلوا الكعبة، و أسماء الذين


1) البحار ج 21 ص 136 و 132 و 133 عن تهذيب الأحكام للطوسي ج 1 ص 245 و عن إعلام الورى، و عن المناقب لابن شهر آشوب. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 83.

حطموا الأصنام على ظهر الكعبة، و في المسجد الحرام، و لم نجد لأبي بكر و لا لعمر ذكرا، لا مع هؤلاء، و لا مع أولئك. فأين كان هذان الرجلان في هذه اللحظات الحساسة؟ !

و ما الذي منعهما من المشاركة في هذا الأمر الجليل؟ ! هل كانا لا يرغبان في خدش مشاعر قومهما في هذه اللحظات الحرجة بالذات؟ ! أم أنهما كانا يؤديان واجبا آخر؟ !

إننا لو سألنا عن علي بن أبي طالب لقيل لنا: إنه كان يلاحق المشركين الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم، لينفذ فيهم حكم اللّه تعالى، و قد تمكن من قتل بعضهم ممتثلا بذلك أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هو لم يرع فيهم أخته أم هاني. .

أو يقال لنا: إنه حامل راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قائد جيوشه، فالمفروض أن يكون منشغلا بتدبير أمر ذلك الجيش العرمرم.

أو يقال لنا: إنه كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أصعده «صلى اللّه عليه و آله» على كتفيه إلى ظهر الكعبة ليحطم الأصنام عليها، و قد فعل ذلك. .

و لكن لو سألنا عن أبي بكر و عمر أين هما؟ فما هو الجواب الذي يمكن أن نتوقعه منهما، و عنهما؟ !

و لماذا غابا عن الأنظار في هذه اللحظات الحرجة بالذات؟ ! أم تراهما قد ذهبا لتفقد الأهل و العشيرة، و المنازل و الرباع؟ !

أو أنهما يتجاذبان أطراف الحديث مع الخلان و الإخوان؟ !

لا ندري! !

فإن التاريخ لم يفصح لنا عن شيء في هذا المجال. . إما خيانة منه! ! أو عجزا، و فشلا! ! و كلاهما غير مرضيّ له، و لا مقبول منه.

لا نريد الحديث عن التناقضات:

و قد أشرنا في مناسبات عديدة: إلى أن التناقض فيما بين الروايات يدل على أن واحدة منها هي الصحيحة في مورد الإختلاف، و يحكم على سائرها بالخطأ أو الكذب في نفس ذلك المورد.

مع احتمال: أن يكون الجميع مكذوبا، أو مخطئا، و الصحيح شيء آخر.

و لكن الحكم على مورد الإختلاف بالخطأ، أو الكذب، كلا أو بعضا لا يعني أن سائر الفقرات كذلك، لجواز أن تكون صحيحة أيضا.

أي أن سقوط فقرة من الرواية عن الحجية، لا يعني سقوط سائر فقراتها عنها. .

و لأجل وضوح هذا الأمر، و تكرر ذكرنا له في الموارد المختلفة، آثرنا أن نعتمد من الآن فصاعدا على وعي القارئ لهذه الحقيقة، و نكل إليه أمر رصد تلك التناقضات و الإختلافات، ثم التعامل معها بصورة صحيحة و واقعية.

هذا تأويل رؤياي:

تحدثنا في جزء سابق: عن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما ورد في القرآن الكريم-كان في عام الحديبية قد أخبر أصحابه بأنه رأى رؤيا مفادها: أن المسلمين يدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين. . ثم سار بهم نحو مكة، فصدهم المشركون في ذلك العام، و كان عهد الحديبية، فثارت

ثائرة كثير من أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان أشدهم عمر بن الخطاب.

ثم كانت عمرة القضاء التي دخل المسلمون فيها إلى المسجد الحرام محلقين، قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اَللّٰهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ فَعَلِمَ مٰا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (1)

و لعل المسلمين قد اعتبروا ما جرى في عمرة القضاء هو تأويل تلك الرؤيا (2).

و لكن الرواية المتقدمة عن الإمام الصادق «عليه السلام» تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين تسلم مفتاح الكعبة في فتح مكة، دعا عمر بن الخطاب، و قال له: «هذا تأويل رؤياي» .

فاللافت هنا:

أولا:

دعوته «صلى اللّه عليه و آله» خصوص عمر بن الخطاب، دون كل من عداه، ليسمعه هذا القول. . مما يعني: أن عمر بن الخطاب كان لا يزال يشكك في صدق رؤيا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن رؤياه «صلى اللّه عليه و آله» من الوحي.

ثانيا: إن الأمن الحقيقي في مكة قد حصل يوم الفتح، و بلغ ذروته حين


1) الآية 27 من سورة الفتح.

2) الدر المنثور ج 6 ص 80 و 81 عن ابن مردويه، و ابن جرير، و عن ابن أبي شيبة.

تسلم «صلى اللّه عليه و آله» مفتاح الكعبة، الذي يشير إلى انتهاء كل شيء و استسلام عتاة المشركين، و قريش بالذات.

ثم جاءت حجة الوداع فدخل المسلمون إلى مكة آمنين أمنا حقيقيا، لا شبهة فيه، و كانوا محلقين رؤوسهم و مقصرين.

عثمان بن طلحة في فتح مكة:

تقدم أنهم زعموا: أن عثمان بن طلحة أسلم بالمدينة مع خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و بقي فيها إلى أن جاء مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة يوم الفتح (1).

و لكن الروايات المتقدمة قد تناقضت في بيانها لموقف عثمان بن طلحة، حتى لقد نسب إليه بعضها: أنه رفض تسليم المفتاح، و قال: لو أعلم أنه رسول اللّه لم أمنعه.

فإن كان حقا قد أسلم قبل ذلك، فهذا ارتداد صريح كما قاله ابن ظفر في ينبوع الحياة (2).

على أن بعض الروايات المتقدمة قد صرحت: بأنه إنما أسلم حين أرجع علي «عليه السلام» المفتاح إليه برفق.

و لعل ملاحظة الروايات المتقدمة و سواها تعطي: أن ثمة خلطا بين عثمان بن طلحة، و بين شيبة بن طلحة، فلعل المفتاح كان عند شيبة أولا، فرفض إعطاءه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أودعه عند أمه سلافة، ثم


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 88 و السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و 100.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 87.

أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان بن طلحة فأخذه منها، بعد أن جرى معها له ما جرى.

و سيأتي قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى المفتاح إلى عثمان. .

و يصرح البعض: بأن عثمان دفعه إلى أخيه شيبة، فهي في ولده إلى اليوم (1).

آية: أداء الأمانات إلى أهلها:

و قد زعمت بعض الروايات المتقدمة: أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (2)أرسل «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح إليهم مع علي «عليه السلام» ، و أمره أن يدفعه إلى عثمان بن طلحة متلطفا، فأخذه منه، و أسلم. .

و سيأتي بعد إيراد خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الشهيرة على باب الكعبة، بيان بعض ما فيها من إشارات و دلالات ترتبط بجعل حجابة البيت و إعطاء المفتاح لبني شيبة، و سنتحدث إن شاء اللّه عن شأن نزول هذه الآية أيضا هناك، فانتظر.

لمن هذا التهديد؟ ! :

إن قوله في رواية بشر النبال عن الإمام الصادق «عليه السلام» : لترسلن


1) شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 409 عن ابن كثير.

2) الآية 58 من سورة النساء.

به (يعني المفتاح) أو لأقتلنك، إن كان من كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» يهدد به شيبة، فلا بد من الإجابة على سؤال:

ما معنى هذا التهديد من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لعثمان بالقتل في حين أن أمه هي التي امتنعت عن تسليم مفتاح الكعبة إليه، و قد قال اللّه تعالى: وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ ؟ .

و قد يجاب عن ذلك: بأن من الممكن أن يكون المفتاح بيد شيبة، ثم أودعه عند أمه، في محاولة منه للضغط الهادف إلى الإحتفاظ بهذه المكرمة، فيصح تهديده، باعتبار أنه هو المسؤول عن أمر المفتاح.

و لكن هذا الجواب إنما يصح لو أن شيبة الذي كان لا يزال على شركه هو صاحب المفتاح، أما إن كان صاحبه و المسؤول عنه هو أخوه عثمان الذي كان قد أسلم قبل ذلك التاريخ، فلا يصح تهديده بالقتل إلا إذا كان امتناعه عن تسليم المفتاح قد بلغ حد التمرد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإرتداد عن الدين.

و إن كانت عبارة التهديد المتقدمة قد صدرت عن شيبة أو عثمان نفسه، في مواجهة أمه سلافة. . فلا يرد إلا إشكال من ناحية عصيان أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل يصبح الإشكال أخلاقيا، كما هو ظاهر.

غير أننا نرجح: أن الرواية: تتحدث عن تهديد صادر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ولدها. . كما هو ظاهر سياق الكلام.

و يؤيده: أن رواية أخرى-تقدمت أيضا-قد ذكرت: أن عثمان بن طلحة قد قال لأمه: «إن لم تفعلي قتلت أنا و أخي؛ فأنت قتلتنا» .

كما أننا نرجح: أن يكون علي «عليه السلام» هو الذي أخذ المفتاح من

عثمان بن طلحة بالقوة و القهر، و أن حديث إسلام عثمان هذا قبل ذلك في المدينة، مع عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد، موهون في أكثر من جهة و سبب حسبما أوضحناه في موضعه، و لتكن هذه الروايات الدالة على تمرده على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دلائل و هن هذه المزاعم. .

الفصل الثامن: الخطبة الأولى في مكة

اشارة

خطبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله في مكة:

لقد خطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطبة هامة بمجرد خروجه من الكعبة أعزها اللّه تعالى، فقد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال:

«فتح باب الكعبة، فأمر بصور في الكعبة فطمست، ثم أخذ بعضادتي الباب، فقال: الخ. .» (1).

و زعموا: أن خالد بن الوليد في هذه الحال كان على باب الكعبة يذب عنه «صلى اللّه عليه و آله» الناس (2).

و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج من البيت استكفّ له الناس، و أشرف على الناس حول الكعبة و هم جلوس، فقام على بابه فقال:

«لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده» .

و في نص آخر أنه قال: «الحمد للّه الذي صدق وعده» . ثم اتفقوا «و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش ما ذا تقولون؟ ماذا


1) البحار ج 21 ص 135 عن الكافي ج 1 ص 227.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 89 عن تاريخ مكة للأزرقي.

تظنون (أني فاعل بكم؟

فقال سهيل بن عمرو:) ؟ (1).

قالوا: نقول خيرا، و نظن خيرا. نبي كريم، و أخ كريم، و ابن أخ كريم، و قد قدرت.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فإني أقول كما قال أخي يوسف: لاٰ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرّٰاحِمِينَ (2). إذهبوا فأنتم الطلقاء» .

فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام.

ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مأثرة أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين، و أول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث، إلا سدانة البيت، و سقاية الحاج (فإنهما مردودتان إلى أهليهما) .

ألا و في قتيل العصا و السوط و الخطأ شبه العمد الدية مغلظة، مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها.

ألا و إن اللّه تعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، و تكبرها بآبائها، كلكم لآدم و آدم من تراب» (3).

ثم تلا هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ


1) هذه الفقرة في: السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و البحار ج 21 ص 132 عن إعلام الورى.

2) الآية 92 من سورة يوسف.

3) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 9 ص 118.

خَبِيرٌ (1).

«يا أيها الناس! ! الناس رجلان، فبر تقي كريم، و كافر شقي هين على اللّه.

ألا إن اللّه تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، و وضع هذين الأخشبين، فهي حرام بحرام اللّه، لم تحل لأحد كان قبلي، و لن تحل لأحد كائن بعدي، لم تحل لي إلاّ ساعة من نهار-يقصرها «صلى اللّه عليه و آله» بيده هكذا-و لا ينفر صيدها، و لا يعضد عضاهها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد، و لا يختلى خلاها» .

فقال العباس، و كان شيخا مجربا: إلا الإذخر يا رسول اللّه، فإنه لا بد لنا منه للقين، و ظهور البيوت.

فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساعة ثم قال: «إلا الإذخر فإنه حلال.

و لا وصية لوارث، و إن الولد للفراش و للعاهر الحجر، و لا يحل لامرأة أن تعطي من مال زوجها إلا بإذن زوجها، و المسلم أخو المسلم، و المسلمون إخوة، و المسلمون يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، و هم يردّ عليهم أقصاهم، و يعقل عليهم أدناهم، و مشدّهم على مضعفهم، و مثريهم على قاعدهم، و لا يقتل مسلم بكافر، و لا ذو عهد في عهده، و لا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، و لا جلب و لا جنب.

و لا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم و بأفنيتهم، و لا تنكح المرأة


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

على عمتها و لا على خالتها. و البينة على من ادّعى، و اليمين على من أنكر، و لا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم، و لا صلاة بعد العصر، و بعد الصبح، و أنهاكم عن صيام يومين: يوم الأضحى، و يوم الفطر، و عن لبستين ألا يحتبي أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، و ألا يشتمل الصماء» .

فقام رجل فقال: يا رسول اللّه، إني قد عاهرت في الجاهلية.

فقال: «من عاهر بامرأة لا يملكها، أو أمة قوم آخرين لا يملكها، ثم ادّعى ولده بعد ذلك فإنه لا يجوز له، و لا يرث و لا يورث، و لا إخالكم إلا قد عرفتموها.

يا معشر المسلمين كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر من ضحوة نهار الفتح إلى صلاة العصر منه» .

فخبطوهم ساعة، و هي الساعة التي أحلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم تحل لأحد قبله.

ثم قال لهم: «كفوا السلاح» .

فقام أبو شاة، فقال: اكتب لي يا رسول اللّه.

فقال: «اكتبوا لأبي شاة» .

أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 242 و 243، و قال: أخرجه البخاري (2434) ، و مسلم في الحج (447،448) ، و أبو داود (2017) (3649،4505) و الترمذي (2667) و أحمد 2/238 و البيهقي 8/52 و الدار قطني 3/97. و ذكر الصالحي الشامي: أن رواة الخطبة المشار إليها هم: الإمام أحمد، و أبو داود، و النسائي، و ابن ماجة عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و البخاري في صحيحه عن مجاهد. و ابن أبي شيبة. . و ابن إسحاق عن صفية بنت شيبة، و البيهقي عن عبد اللّه بن عمر، و ابن أبي شيبة عن عبد اللّه بن عبيدة. و واضح: أن نصوص الخطبة تتفاوت، من حيث الإختصار و التطويل، و التقديم، و التأخير، و اختلافات أخرى. و كيف كان فهي موجودة في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 98 و البحار ج 21 ص 132 و 135 و 136 و 105 و 106 و الكافي ج 3 ص 227 و 228 و 328 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 988 و 989 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 39 و ج 3 ص 165 و ج 4 ص 127 و ج 5 ص 194 و ج 9 ص 6 و 17 و مجمع البيان ج 1 ص 206 و ج 10 ص 557 عن إعلام الورى، و سنن أبي داود ج 2 ص 212 و ج 3 ص 319 و ج 4 ص 172 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 39 و مسند أحمد ج 1 ص 259 و ج 2 ص 238 و مقدمة ابن الصلاح ص 170 و معالم السنن ج 4 ص 184 و جامع بيان العلم ج 2 ص 84 و تدريب الراوي ج 2 ص 66 و السنة قبل التدوين ص 305 عن فتح الباري ج 1 ص 183 و 184 و 217 و ج 5 ص 63 و ج 12 ص 181- 183 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 249 و معادن الجواهر ج 1 ص 10 و المحدث الفاصل ص 363 و 364 و إرشاد الساري ج 1 ص 168 و عمدة القاري ج 1 ص 567 و ج 2 ص 163 و ج 12 ص 275 و ج 24 ص 42 و أسد الغابة ج 2 ص 384 و ج 5 ص 224 و تيسير الوصول ج 3 ص 176 و صحائف الصحابة ص 31 و الفقيه و المتفقه ج 1 ص 91 و سنن الدار قطني ج 3 ص 97 و تدوين السنة ص 88 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 495 و تاريخ الخميس ج 2 ص 84 و 85 و 90 و تهذيب الآثار ج 1 ص 255 و رسالات نبوية ص 53 و الدر المنثور ج 1 ص 122 و فتوح البلدان للبلاذري ص 57 و معجم البلدان ج 5 ص 183 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1038 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 1 ص 99 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 52 و الإصابة ج 2 ص 135 و ج 4 ص 10 و الكفاية للخطيب ص 53 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 306 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 281 و زاد المعاد ج 2 ص 166 و 185 و 203 و الإستيعاب ج 4 ص 106 و التاج الجامع للأصول ج 2 ص 172 و الفتح الرباني ج 23 ص 241 و 242 و البداية و النهاية ج 4 ص 304 و مدينة البلاغة ج 1 ص 72 و المغازي للواقدي ج 2 ص 835 و 836 و 837 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 102 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 118 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 2 ص 327 و غير ذلك.

و في نص آخر أنه قال: إن اللّه تبارك و تعالى حبس عن مكة الفيل، و سلط عليها رسوله و المؤمنين، و إنها لا تحل لأحد كان قبلي، و إنما أحلت لى ساعة من نهار، و إنها لا تحل لأحد بعدي. . فقام أبو شاة رجل من اليمن الخ. . (1).

نص آخر للخطبة:

و ذكر الشيخ الطبرسي «رحمه اللّه» نصا آخر للخطبة، و هو التالي: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة دخل صناديد قريش الكعبة، و هم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وقف قائما على باب الكعبة، فقال:

«لا إله إلا اللّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده،

ألا إن كل مال و مأثرة و دم يدّعى تحت قدمي هاتين، إلا سدانة الكعبة،


1) تقييد العلم ص 86.

و سقاية الحاج، فإنهما مردودتان إلى أهليهما.

ألا إن مكة محرمة بتحريم اللّه، لم تحل لأحد كان قبلي، و لم تحل لي إلا ساعة من نهار. و هي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، و لا يقطع شجرها، و لا ينفر صيدها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد» .

ثم قال: «ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذّبتم، و طردتم، و أخرجتم، و آذيتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني! !

اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

فيخرج القوم، فكأنما أنشروا من القبور، و دخلوا في الإسلام، و قد كان اللّه سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة، و كانوا له فيئا، فلذلك سمّي أهل مكة الطلقاء (1).

عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد اللّه «عليه السلام» يقول: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة قام على الصفا، فقال:

«يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، إني رسول اللّه إليكم، و إني شفيق عليكم، لا تقولوا: إن محمدا منا، فو اللّه ما أوليائي منكم و لا من غيركم إلا المتقون، فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، و يأتي الناس يحملون الآخرة، ألا و إني قد أعذرت فيما بيني و بينكم، و فيما بين اللّه عز و جل و بينكم، و إن لي عملي و لكم عملكم» (2).


1) البحار ج 21 ص 105 و 106 و 132 و مجمع البيان ج 10 ص 557 عن إعلام الورى.

2) البحار ج 21 ص 111 عن كتاب صفات الشيعة للصدوق ص 4.

وقفات مع الخطبة الشريفة:

إن هذه الخطبة الشريفة تحتاج إلى دراسة متأنية لاستكناه معانيها، و الوقوف على مراميها، و لعل بيان ذلك يفرض إفراد كتاب مستقل، و يستغرق وقتا طويلا، و يحتاج إلى جهد مضن، يبذله أناس أكفاء، و متمرسون أفذاذ. .

فماذا عسانا نقدم في هذه النظرة العابرة و المحدودة، و لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله. . فتلك هي بعض اللمحات المختارة من هذا الروض الفواح بالأطياب. . و الزاخر بالمعاني العذاب، كأنها الشهد المذاب. .

و سنذكر هذه اللمحات اليسيرة في فقرات تبين وجهتها عناوين نختارها لها، و هي التالية:

عتقهم دليل فتح مكة عنوة:

علق الديار بكري على قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة: إذهبوا، فأنتم الطلقاء، فقال:

«فأعتقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة، فلذلك تسمى أهل مكة «الطلقاء» أي الذين أطلقوا، فلم يسترقوا، و لم يؤسروا، و الطليق هو الأسير إذا أطلق» (1).

و كنا قد تحدثنا عن هذا الأمر في فصل سابق، و قلنا: إن هذه الكلمة من أدلة فتح مكة عنوة، لا صلحا. . فلا بأس بمراجعة ما ذكرناه هناك. .


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 85.

الطلقاء. . و الخلافة:

إنه لا ريب في أن الإمامة شأن إلهي و قرار رباني، لا خيار لأحد فيه، و هي تثبت بالنص القاطع للعذر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن السياسة الإلهية قد قضت بوضع معايير، و حدود، و ضوابط، و قيود، من شأنها أن تسقط أي تعلل، و ترد أية شبهة، حتى حينما يحاصر الطامعون و الحاقدون النص بحرابهم، و سيوفهم، أو يثيرون حوله الشبهات و الأقاويل، و ينسجون حوله الترهات و الأباطيل.

و قد صرحت النصوص بكثير من الأمور التي حددها للناس أمين اللّه على وحيه، و عزائم أمره، و من هذه الأمور:

أن الطلقاء لا يحق لهم الاضطلاع بأمر الإمامة. .

و يبدو أن هذا الأمر كان متسالما عليه لدى السلف، فقد روي عن عمر بن الخطاب: أنه اعترف بذلك، و أنه قال:

هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد، ثم في كذا و كذا، و ليس لطليق و لا لولد طليق، و لا لمسلمة الفتح شيء (1).

و قال أيضا: «إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء، و لا لأبناء الطلقاء» (2).

و عن أمير المؤمنين «عليه السلام» في كتاب له إلى معاوية: «و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، و لا تعقد معهم الإمامة، و لا يدخلون


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 342 و أسد الغابة ج 4 ص 387 و فتح الباري ج 13 ص 207.

2) الإصابة ج 2 ص 305.

في الشورى» (1).

و كتب ابن عباس لمعاوية: «ما أنت و ذكر الخلافة؟ ! و إنما أنت طليق و ابن طليق. و الخلافة للمهاجرين الأولين، و ليس الطلقاء منها في شيء» .

و في نص آخر: ما أنت و الخلافة، و أنت طليق الإسلام الخ. . (2).

و قال ابن عباس لأبي موسى: «اعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام» (3).

و كتب المسور بن مخرمة إلى معاوية أيضا: «و ما أنت و الخلافة يا معاوية، و أنت طليق، و أبوك من الأحزاب» (4).

و هذا المعنى بالذات روي عن سعنة بن عريض في كلام له مع معاوية (5).

و نفس هذا المضمون قاله صعصعة بن صوحان لمعاوية (6).

و جاء في كلام لعبد الرحمن بن غنم الأشعري الصحابي، يعاتب فيه أبا هريرة، و أبا الدرداء قوله: «و أي مدخل لمعاوية في الشورى، و هو من


1) الإمامة و السياسة ج 1 ص 85 و (في طبعة)71 و (في أخرى)81 و العقد الفريد ج 4 ص 136 و نهج البلاغة ج 2 ص 5 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 76 و ج 14 ص 36.

2) راجع: الإمامة و السياسة ج 1 ص 100 و (في طبعة أخرى)85 و (في طبعة ثالثة) 97 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 66.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 246.

4) الإمامة و السياسة ج 1 ص 98 و (في طبعة أخرى)75 و (في طبعة ثالثة)85.

5) الغدير ج 10 ص 31.

6) مروج الذهب ج 3 ص 52.

الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة» ؟ ! (1).

تعظيم بيت اللّه:

إن اللّه سبحانه و تعالى قد جعل الكعبة و مكة حرما آمنا. و لكن هل حصل ذلك بدعاء إبراهيم حينما قال: رَبِّ اِجْعَلْ هٰذٰا بَلَداً آمِناً ؟ ! (2).

و في آية أخرى: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً (3).

مع ملاحظة: أن الآية الثانية تشير إلى أن هذا الدعاء قد كان بعد صيرورة مكة بلدا، و أما الآية الأولى، فليس فيها دلالة على ذلك، بل هي تتلاءم مع ما قبل صيرورة مكة بلدا، و مع ما بعد صيرورتها بلدا.

و لكن ثمة ما يدل: على أن إبراهيم قد دعا بذلك مرتين، و في زمانين مختلفين، كما ربما يظهر من كلام العلامة الطباطبائي و غيره (4).

إذ ليس ثمة ما يحتم أن يكون إبراهيم يطلب من اللّه تشريع الأمن لمكة، و أن يجعلها حرما، ثم يلتزم الناس بأوامره سبحانه، لتنشأ عن ذلك حالة الأمن لها. . إذ لعله كان يطلب حصول الأمن الخارجي لذلك البلد و المنع من تعرضها للنكبات على أيدي الجبارين، و أن يوجد حرمة و هيبة لها في نفوس الناس تردعهم عن التعرض لها بسوء، إذ لو كان «عليه السلام» يطلب أمرا تشريعيا لكان ذلك البلد قبل إبراهيم كسائر البلاد، مع أن ثمة ما يدل على أنها


1) الإستيعاب ج 2 ص 402 و أسد الغابة ج 3 ص 318.

2) الآية 126 من سورة البقرة.

3) الآية 35 من سورة إبراهيم.

4) تفسير الميزان ج 12 ص 68 و 69 و التفسير الكبير للرازي ج 4 ص 55.

كانت حراما أيضا قبل ذلك، فقد ورد في خطبة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» المتقدمة في فتح مكة: أن اللّه قد «حرّم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي، و لا تحل لأحد بعدي» (1). فراجع.

و يؤيد ذلك، بل يدل عليه: أن إبراهيم «عليه السلام» قد وصف البيت ب‌ «المحرم» بمجرد إسكانه لذريته في تلك البقعة، فقال: رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنٰا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ. . (2).

و من الواضح: أن إبراهيم على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام لم يؤسس البيت، بل رفع قواعده، و قد تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب: أن البيت قد وضع من لدن آدم «عليه السلام» و هو البيت العتيق، و هو أول بيت وضع للناس، كما دلت عليه الآيات الكريمة.

كلكم لآدم، و آدم من تراب:

و قد ظهر من خلال تلك الخطبة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعالج أدواء كان يراها رأي العين في الناس، و يعرف ما لها من آثار سلبية على حياتهم، و على علاقاتهم، و طريقة تعاملهم مع بعضهم، و على روحياتهم. . و من ذلك ظاهرة الطبقية و التمييز على أسس قبائلية، و عرقية، و غير ذلك. .

فذكّرهم بأصلهم الأصيل، الذي يعطي الدليل الصريح و الصحيح على عدم وجود تميز بين الناس فالأصل هو آدم، و أصل آدم هو التراب.


1) راجع نص خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة في المصادر المختلفة المتقدمة.

2) الآية 37 من سورة إبراهيم.

فإن حصل تميز من أي نوع، فلا بد أن يكون بأمور عارضة اختارها الإنسان و صنعها، و أما القبائل و الشعوب، فلم يكن لأحد في صيرورتها كذلك أي اختيار، بل هي فعل إلهي، فما معنى: أن يدّعي الناس لأنفسهم امتيازات استنادا إلى أمر لم يختاروه، و لا بذلوا أي جهد في سبيل الحصول عليه؟ !

و لذلك يلاحظ: أنه بعد أن قال «صلى اللّه عليه و آله» : كلكم لآدم و آدم من تراب ثنّى بذكر الآية الكريمة، التي تقول: يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1). فقد صرح بأن الإختلاف في الشعوب و القبائل هو من صنع اللّه تعالى، موضحا: أنه سبحانه إنما جعل فيهم هذه الخصوصيات من أجل أن يستفيد بعضهم من بعض، و يكتسبوا من هذا التنوع معرفة إلى معارفهم. . و يكون ذلك سببا في إنشاء العلاقات، و إقرار الروابط المفيدة، و الرشيدة. . و لم يجعل ذلك سببا للتفاخر و التعالي، و الإنفصال و التباعد.

ثم بيّن أن التفاضل إنما هو بتقوى اللّه تبارك و تعالى حين قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ .

السلاح في مكة في عام الفيل و يوم الفتح:

و قد ورد في كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يلي: «إن اللّه تعالى حبس الفيل، و سلط عليهم (أو عليها) ، رسوله و المؤمنين. .» (2).


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

2) راجع: المحلى لابن حزم ج 10 ص 497 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 28 و التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 232.

و قد تقدمت في غزوة الحديبية بعض الإشارات إلى بعض ما تضمنته قصة حبس الفيل من دلالات و عبر فراجع ما ذكرناه هناك، حين التعرض لقوله «صلى اللّه عليه و آله» عن ناقته: «حبسها حابس الفيل» .

غير أننا نشير هنا: إلى أن ما ورد في هذه الخطبة، حول نفس هذا الأمر، قد أريد به لفت النظر إلى أمر مهم، و هو:

أن دخوله «صلى اللّه عليه و آله» مكة بالسلاح، و بدون إحرام، و على هيئة القتال، ليس على حد دخول أبرهة الذي جاء للعدوان على بيت اللّه، و هتك حرمة الحرم، إذ ليس كل دخول لمكة بالسلاح هتك لحرمتها، أو مناف لما يدعوهم اللّه إليه من تعظيمها، إذ لو كان كذلك لتدخل اللّه تبارك و تعالى لمنعه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، كما تدخل لمنع أبرهة و جيشه منه، حيث حبس الفيل عن مكة، ليكون آية للمعتدين، و عبرة للمعتبرين، فلما اصروا على هتك حرمتها، و لم يعودوا إلى اللّه، و لم يتوبوا إليه، أرسل عليهم طَيْراً أَبٰابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجٰارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ .

و ذلك يدل و شواهد كثيرة أخرى على: أن دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين كان دخول تعظيم للحرم و دفاع عن مكة و الكعبة. و ليس دخول إهانة أو استهانة. .

و حمل السلاح إنما هو من أجل رفع الحيف عن مكة و عن البيت، و إبعاد مظاهر الشرك، الذي هو أعظم مظاهر الإهانة، و تطهيرها من الظلم و العدوان، و إخراجها من أيدي العتاة و المستكبرين.

و الخلاصة: أن تسليط المسلمين على مكة، إنما هو لإعزازها، و إعزاز الكعبة، و لإحقاق الحق، و إبطال الباطل، و اقتلاع الشرك و الوثنية، و إعلاء

كلمة اللّه تعالى، و نشر التوحيد، و توجيه الناس إلى عبادة اللّه.

أما أهداف أصحاب الفيل، فهي أهداف شريرة و باطلة، و هي إطفاء نور اللّه، و ترسيخ قواعد الباطل و الشرك و الوثنية.

لا ينفر صيدها! ! و لا يختلى شوكها! ! :

قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه تعالى» حول قوله «صلى اللّه عليه و آله» في خطبته لا ينفر صيدها، و لا يختلى شوكها، ما يلي:

«هذه الجمل بيان لأخفى ما يحرم من مكة و أدنى ما هو حرام، لأنها حرم، فيحرم شوكها و لقطتها، و يحرم نفر الحيوان البري الذي يصاد في غيرها؛ ليعلم من ذلك حرمة الباقي.

فإنه إذا حرم الشوك الذي لا نفع فيه إلا الإحراق حرم ما سواه بالأولوية.

و إذا حرم نفر الحيوان البري يعلم منه حرمة جرحه، و قتله، و أخذه و. . و قتل الإنسان، و إخافته، و إزعاجه.

و إذا حرم لقطتها، حرم أموال الناس بأي نحو أخذت إلا برضا صاحبها، و إذا كانت أموال الناس حراما في غير هذه البلدة، كانت حرمتها فيها أشد و آكد» (1). و هذا كلام سديد رحم اللّه قائله، و حشره مع محمد و آله الطاهرين.


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 594.

الإعلان الأول: التوحيد:

إن أول إعلان أطلقه «صلى اللّه عليه و آله» في خطبته الأولى في مكة هو التوحيد، و رفض الشريك للّه تبارك و تعالى فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له» .

و التوحيد هو غاية الغايات، و أساس الكمالات، و منشأ السعادات، شرط أن يكون حقيقيا، و تاما، و راسخا، و شاملا لكل مناحي الحياة، في الفكر، و في القول، و في العمل، فلا يوحد اللّه بالقول، ثم تكون شهوته و نفسه، أو ولده، أو زوجته، أو زعيمه، أو أي شيء آخر هو الذي يتحكم بقراراته، و يهيمن على مواقفه، و على حركته في الحياة. .

و لا يكون ممن وصفهم اللّه تعالى بقوله: وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (1).

لك بها دار في الجنة:

و يقولون: إنه حين فرغ «صلى اللّه عليه و آله» من خطبته قام أبو أحمد، عبد اللّه بن جحش على جمل له على باب المسجد، و هو يصيح: أنشد باللّه يا بني عبد مناف حلفي، و أنشد باللّه يا بني عبد مناف داري.

فدعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان بن عفان فأسر إليه بشيء، فذهب عثمان إلى أبي أحمد فسارّه، فنزل أبو أحمد عن بعيره، و جلس مع القوم.


1) الآية 106 من سورة يوسف.

فما يسمع أبو أحمد ذاكرها حتى لقي اللّه تعالى.

و كان أبو أحمد قد حالف بني حرب بن أمية. و كان أبو سفيان قد باع دار أبي أحمد بأربع مائة دينار، فثارت ثائرة أبي أحمد، و قال أبياتا يلوم فيها أبا سفيان.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لك بها دار في الجنة (1).

و نقول:

أولا: إن عبد اللّه بن جحش قد استشهد في غزوة أحد (2)، أي قبل فتح مكة بحوالي خمس سنوات.

و أما القول: بأن أبا أحمد هو عبيد اللّه بن جحش-كما ربما يظهر من الكلمات (3)-فلا يصح أيضا؛ لأن من المجمع عليه: أن عبيد اللّه بن جحش كان ممن هاجر إلى الحبشة، و تنصر، و مات هناك، و هو زوج أم حبيبة، التي زوجها النجاشي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا نجد خلافا في ذلك (4).

و الظاهر: أن الصحيح هو: أن اسم أبي أحمد «عبد» بن جحش، بغير


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 840 و 841.

2) طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 64 و أسد الغابة ج 3 ص 131 و الإصابة ج 2 ص 287 و صفة الصفوة ج 1 ص 386 و السيرة الحلبية ج 2 ص 300.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 300.

4) راجع: أسد الغابة ج 3 ص 131 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 272 -274 و الإصابة ج 4 ص 4 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 62 و التنبيه و الإشراف ص 223.

إضافة، و قالوا: كان ضريرا، و كانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان (1).

ثانيا: ما أبعد ما بين موقف هذا الرجل، حيث وعده النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدار في الجنة في مقابل داره، فنزل عن بعيره، و جلس مع القوم، فما سمع ذاكرها حتى لقي اللّه تعالى. . و بين موقف سمرة بن جندب الذي كانت له نخلة في دار شخص آخر، فصار يدخل إليها من دون إذن، و رفض الإنصياع لطلب صاحب الدار بالإستئذان، و رفض طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» منه أن يستأذن، ثم رفض أن يبيعها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعذق في الجنة، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق.

فقال: لا أريد.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنك رجل مضار، و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.

ثم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالنخلة فقلعت، ثم رمى بها إليه، و قال له: اذهب فاغرسها حيث شئت (2).


1) راجع: الإصابة ج 4 ص 3 و 4 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 12 و 13 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 62.

2) الكافي ج 5 ص 294 و راجع ص 292 و راجع أيضا: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 233 و 103 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 147 و الوسائل ج 17 ص 340 و 341 و البحار ج 100 ص 127 و الفائق ج 2 ص 442 و مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 14 و النظم الإسلامية ص 321 عن أبي داود، و عن عون المعبود ج 2 ص 352.

صدق وعده، و نصر عبده:

1-و قد بيّن «صلى اللّه عليه و آله» : أن هذا الفتح العظيم قد كان وعدا من اللّه، و قد أنجز تبارك و تعالى وعده، و هذا يمثل دلالة أخرى لعبّاد الأصنام الذين ما زالوا يحاربونه حتى تلك اللحظة، و يجهدون للاحتفاظ بشركهم و بأصنامهم، على أن عليهم أن يتخلوا عن حالة الصلف و العناد، فهم أحقر و أعجز من أن يتمكنوا من تحدي إرادة اللّه تبارك و تعالى. .

و ها هم يرون بأم أعينهم كيف أن اللّه أنجز وعده لنبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم كل ما كادوه به.

2-ثم إنه تعالى لم ينسب النصر إلى نفسه، و لا تبجح-و العياذ باللّه- بتدبيره الذكي، و خطته المحكمة، و لا فاخر بجيشه الكبير، بل نسبه إلى اللّه دون سواه، بل هو لم يفسح المجال لاحتمال أن يكون لغير اللّه أدنى تأثير في هذا النصر حين صرح: بأن اللّه وحده قد هزم الأحزاب المختلفة التي كانت تتألب عليه، و تجمع الجموع من كل قبيلة و حي، و من مختلف البلاد التي تجد فيها من يعينها، و يشاركها في عدوانها على الحق و أهله. .

3-و قد احتفظ «صلى اللّه عليه و آله» لنفسه بسمة العبودية التي يأنف الناس من إطلاقها على أنفسهم إلا بضروب من التأويلات، و فنون من الإيحاءات، و لو بمثل دعوى التواضع، و هضم النفس.

و الحرب مع المشركين هي في واقعها حرب مع حالة الإستكبار عن الإنصياع لهذه الحقيقة، و الإباء عن الإعتراف بها. فإنهم لا يريدون أن يكونوا عبيدا للّه، بل يريدون أن يكونوا عبيدا لشهواتهم، و لأهوائهم، و لعتاتهم، و ساداتهم، و كبرائهم، الذين يتخذونهم أربابا من دون اللّه تعالى.

و لكن الرسول العظيم، و النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» كان يرى أن أعظم و سام، و أسمى مقام هو و سام و مقام العبودية للّه سبحانه، و كلما تحقق الإنسان في هذه العبودية، و أوغل فيها كلما سما في مدارج الكمال، و حصل على مقام القرب و الزلفى من اللّه، و يكون مع اللّه، و يكون اللّه تعالى معه، يحب ما يحب، و يكره ما يكره، و يريد ما يريد. . فإن للّه عبادا إذا أرادوا أراد (1).

و في الحديث القدسي: عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشيء: كن، فيكون (2).

نعم. . إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعط لنفسه ألقابا، و لا منحها أوصافا، بل هو لم يشر إليها بأية كلمة تدل على أن لها أي درجة من الإستقلال، و الإنفصال، و لو بمقدار كلمة «أنا» ، بل حين تحدث عن نفسه قد وصفها بما دل على سلب أية خصوصية من هذا القبيل، ألا و هو وصف العبودية له تعالى. .

إلا الإذخر:

و ذكروا: أن العباس هو الذي استثنى الإذخر، من بين الأمور التي حرم على الناس العدوان عليها. . قالوا: «فقال العباس، و كان شيخا مجربا:


1) أضواء على السنة المحمدية لأبي رية ص 125 و نظرات في التصوف و الكرامات لمحمد جواد مغنية 89.

2) مستند الشيعة ج 1 ص 6 و الإمام علي للهمداني ص 362 و الفوائد الرجالية لبحر العلوم ج 1 ص 29 و راجع: الفوائد العلية ج 2 ص 394 و الجواهر السنية 361 و البحار ج 102 ص 165 و شجرة طوبى ج 1 ص 33 و مشارق أنوار اليقين ص 10.

إلا الإذخر يا رسول اللّه، فإنه لا بد لنا منه، للقين، و ظهور البيوت.

فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساعة، ثم قال: إلا الإذخر، فإنه حلال» .

و نقول:

إن هذا الموقف يحتاج إلى تبصر و تأمل، و لكننا نكتفي هنا بالإلماح إلى بعض ما يظهر لنا فيه.

فأولا: هل كان النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي لم يزل يخبر الناس بالمغيبات، لا يعرف أن الإذخر مما يحتاج إليه للقين، و لأسقف البيوت؟ ! و عرف ذلك العباس دونه؟ !

ثانيا: هل عرف ذلك العباس و لم يعرفه سائر شيوخ قريش، و سواها من ساكني مكة، من بني بكر و خزاعة، و. . و. . ؟ !

ثالثا: هل كان النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يحلل و يحرم من عند نفسه؟ ! أم كان يتكلم بوحي من اللّه تعالى؟ !

فإن كان ما يأتي به هو الوحي الإلهي، فما معنى تدخل العباس فيه؟ فهل لم يكن اللّه-و العياذ باللّه-يعرف قيمة الإذخر، و أهميته لأهل مكة، حتى نطق العباس؟ أم انه كان يعرف ذلك، لكنه كان يريد تصعيب الأمور عمدا على أهل مكة؟ ! ثم تراجع استجابة لطلب العباس؟ !

و إن كان ما يأتي به إنما يأتي به من عند نفسه، فلما ذا يقول القرآن عنه: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ ؟ ! (1).


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

و كيف نستطيع أن نفرق بين ما يكون من عند نفسه، و ما يكون من عند ربه، فنتدخل في الأول، و نسكت في الثاني؟ !

و إذا كان يتكلم من عند نفسه، فهل هو يخطئ فيه، و يسهو و. . و. . الخ. . ؟ ! أم أنه معصوم فيه؟ !

فإن كان يخطئ فيه، فلا شيء يدعو إلى الوثوق بما يأتي به. و هل يمكن تجزئة العصمة؟ و إن كان معصوما فيه، فلما ذا يتدخل العباس أو غيره في شأن لا يمكن أن يقع فيه خطأ و لا سهو، و لا تقصير؟ ! . .

رابعا: لماذا سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا الوقت الطويل و لم ينطق بالحكم مباشرة ألا يدل سكوته هذا على أنه قد تبرم و تضايق من تدخل العباس في أمر إلهي، و وحي رباني، و حكم شرعي، لا يحق لأحد التدخل فيه؟ !

أم أنه سكت ليتأمل في صحة كلام العباس، و خطئه، فلما ظهر له وجه الصواب فيه أقره؟ !

ألا يعدّ هذا النوع من الإحتمالات إهانة لمقام النبوة الأقدس، و إساءة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ما بعدها إساءة؟ !

خامسا: هل جاء قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن الإذخر: «فإنه حلال» حكاية لحكم اللّه الواقعي، أم جاء مجاراة للعباس، و إرضاء لخاطره الشريف، و إنفاذا لأمره، الذي جاء بطريقة تضمنت إساءة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و خروجا عن حدود الآداب.

سادسا: إذا كان الناس يحتاجون الإذخر، و هو الحشيش الأخضر لظهور البيوت، فإنهم يحتاجون الأشجار لأمور أخرى، مثل صنع الأبواب، و عمل

الكراسي، و المناضد، و سائر الحاجات. . فلما ذا منع من قطع الشجر أيضا، مع أن الحاجة إلى قطعه أشد من الحاجة إلى الحشيش الأخضر؟

كما أنهم يحتاجون إلى العظاة-هو الشجر الذي له شوك-لأجل الوقود و إنضاج الأطعمة، و التدفئة، و نحو ذلك، فلما ذا لم يرخص لهم به أيضا. و اقتصرت الرخصة على الإذخر؟ !

إن الحقيقة هي: أن هؤلاء الناس يريدون أن يمنحوا العباس شرفا، فمنحوه ما يوجب نقصا و تقززا و قرفا. و أرادوا أن يسموه بسمات الأخيار و الأبرار، فوصموه بما يهين و يشين من وصمات الأشقياء و الأشرار. .

اجتهاد الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و قد زعم بعض الناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه. . و قد استدلوا على ذلك بأدلة واهية. . و من ذلك في فتح مكة حسبما ذكره الآمدي:

1-روي عنه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في مكة: لا يختلى خلاها، و لا يعضد شجرها.

فقال العباس: إلا الإذخر.

فقال «عليه السلام» : إلا الإذخر.

قال: «و معلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الإستثناء بالإجتهاد» (1).


1) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 144 و 145. .

و قال في موضع آخر: «معلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا: بأن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، و لو لا أن الحكم مفوض إليه لما ساغ ذلك» (1).

و لكن الآمدي نفسه قد ذكر: أن بعضهم أجاب عن ذلك بقوله: «إن الإذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا فيما حرم. و على هذا، فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال. و الإستثناء من العباس و النبي «عليه السلام» كان تأكيدا. و بتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن يكون ذلك بوحي سابق، و هو الأولى، لقوله تعالى في حق رسول اللّه: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (2). أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من غير دليل فلا» (3).

و نقول:

ألف: إن من الواضح: أن العباس قد قطع على النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلامه، و لم يمهله ليستثني الإذخر و لا غيره. . و لعل سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» لفترة قصيرة في تلك اللحظة كان لإظهار انزعاجه من هذه المداخلة، التي تخرج عن حدود المقبول في التعامل مع الأنبياء، بل و مع غيرهم أيضا. .

ب: على أننا في غنى عن التذكير بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان


1) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 184.

2) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

3) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 144 و 145. .

واقفا على ملاكات الأحكام، عارفا بحدود الحلال و الحرام، فلا حاجة إلى الوحي الفعلي و التفصيلي في كل كبيرة و صغيرة، و لذلك فوض اللّه تعالى إليه حق وضع الأحكام و تشريعها في الوقت الذي تكتمل فيه عناصره. .

و قد أوضحنا ذلك في كتابنا: «الولاية التشريعية» فراجع.

2-و استدلوا-كما ذكره الآمدي أيضا-بما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنه أمر مناديا يوم فتح مكة: «أن اقتلوا ابن حبابة، و ابن أبي سرح، و لو كانا متعلقين بأستار الكعبة» ثم عفا عن ابن أبي سرح، بشفاعة عثمان. و لو كان قد أمر بقتله بوحي لما خالفه بشفاعة عثمان» (1).

و أجابوا أيضا: «يجوز أن يكون قد أبيح القتل، و تركه بالوحي، بدليل ما سبق في الآية» (2).

أي بدليل أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقول ما يقول إلا بوحي، لقوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ .

غير أننا بنحو آخر من البيان نقول:

إن الحكم بالقتل كان متعلقا بهؤلاء الناس، من حيث أن جرمهم يوجب ذلك. . فإذا استجدت أمور، مثل ظهور التعصب القبلي أو حدوث انشقاقات خطيرة توجب فسادا كبيرا، و تضييعا لحقوق الكثيرين، و صدا عن سبيل اللّه، بحيث يمنع ذلك من دخول بعض الناس في الإسلام أو نحو ذلك، فإن الحكم بالقتل يرتفع و يحل محله العفو. أي أن الحكم يتبدل


1) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 182.

2) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 184.

بسبب تبدل طرأ على موضوعه.

و هذا نظير ما لو استحق ولدك عقوبة على ذنب ارتكبه، فإذا شفع له إنسان عزيز تحب أن تكرمه و تظهر للناس موقعه و مكانته، فإنك تعفو عنه من أجله، و كذلك الحال فيما إذا شفع فيه إنسان ظالم يخشى من أن يتسبب رد أمره ورود ظلم أو أذى على أناس أبرياء، فإنك تغض النظر عن عقوبة ذلك المذنب، و تظهر أنك قد عفوت عنه رعاية لهذه الخصوصية.

فظهر أن هناك حكمين قد اختلفا بسبب اختلاف موضوعيهما، و قضية ابن سرح من هذا القبيل.

كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر:

و أما ما ورد في الخطبة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال فيها: «. . كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، من ضحوة نهار الفتح إلى صلاة العصر منه» .

فخبطوهم ساعة، و هي الساعة التي أحلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم تحل لأحد قبله.

فنقول فيه:

أولا: إن هذا النص إنما ورد في بعض نصوص الخطبة دون بعض. . و هذا و إن كان لا يدل على عدم صحة هذه الفقرة، و لكنه يفسح المجال للتأمل في صحتها، و إن وجد ما يقتضي ذلك. كما هو الحال في هذا المورد كما سنرى.

ثانيا: إذا كانت بنو بكر قد هاجمت جزاعة و قتلت منها، فإن قريشا قد

شاركت في هذا الأمر، و كانت مع من هاجم، ثم أرسلت أبا سفيان ليخدع المسلمين، و يبطل دم المقتولين المظلومين. . فلما ذا لا يشرك قريشا مع بني بكر في إعطاء خزاعة حق قتلهم؟

ثالثا: إذا كان ثأر خزاعة عند بني بكر، و قريش بريئة منه، فلما ذا اعتبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما جرى نقضا للعهد من قبل قريش بالذات؟ ! و ما المبرر لجمع هذا الجيش العظيم، و مهاجمة مكة، و فتحها؟ !

و لماذا نهى خالد بن الوليد عن القتال؟ و أمره أن يكف عن ملاحقة الناس؟ !

و كيف سيفهم الناس ذلك كله، خصوصا أهل مكة الذين استسلموا و لم يسلموا، و لما يدخل الإيمان في قلوبهم؟ !

رابعا: إن وقت صلاة العصر إذا كان يبدأ من حين الإنتهاء من صلاة الظهر إلى حين الغروب، فإن معنى قوله: «من ضحوة نهار الفتح إلى صلاة العصر منه» يصبح غير واضح المعنى. إلا إذا أريد الحديث عن وقت فضيلة العصر. .

و على كل حال، فقد أشرنا إلى ما هو الحق في وقت صلاة العصر في فصل: المسير إلى حصون قريظة، تحت عنوان: لماذا لم يعنف النبي «صلى اللّه عليه و آله» تاركي الصلاة؟ !

خامسا: لم يذكر لنا التاريخ شيئا عن قتلى بني بكر على يد خزاعة، و لا قتلى خزاعة على يد المدافعين من بني بكر، فهل يعقل أن تستمر معركة ساعات طوالا، و لا يسقط فيها عشرات القتلى و الجرحى؟ !

سادسا: الضحوة: هي ارتفاع النهار، فإذا كانوا قد خبطوهم من ضحوة النهار إلى وقت صلاة العصر، فإن ذلك يكون ساعات لا ساعة

واحدة، و كيف إذا كان «يقصرها بيده هكذا» ؟ !

و أخيرا ما معنى: أن يكرر نفس العبارة في نفس تلك الخطبة، فيذكرها في وسطها، ثم يذكرها في آخرها؟ ! .

اكتبوا لأبي شاة:

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : اكتبوا لأبي شاة، و عشرات الروايات الأخرى الآمرة بتقييد العلم و بكتابته حجة دامغة على الذين منعوا من كتابة الحديث بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

على أن ما زعموه مبررا لذلك، و هو: أنهم خافوا من اختلاط الحديث بالقرآن، أو أنه لا كتاب مع كتاب اللّه، ما هو إلا رد للنص من أجل مآرب خاصة، لا نريد الإفاضة في بيانها. و قد ذكرنا طائفة مما يفيد في هذا البحث في الجزء الأول من هذا الكتاب، فراجع.

التبرك بالرسول صلّى اللّه عليه و آله:

عن عبد اللّه بن عبيدة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد خطبته عدل إلى جانب المسجد، فأتي بدلو من ماء زمزم، فغسل منها وجهه، ما يقع منه قطرة إلا في يد إنسان، إن كانت قدر ما يحسوها حساها، و إلا مسح جلده.

و المشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا ملكا قط أعظم من اليوم. و لا قوما أحمق من القوم (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 243 عن ابن أبي شيبة.

الفصل التاسع: مفتاح الكعبة. . و البيعة

اشارة

مفتاح الكعبة مع الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

ثم خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من البيت و المفتاح في يده، و خالد بن الوليد يذب الناس عن الباب حتى خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و عن برة بنت أبي تجراة، قالت: نظرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و في يده المفتاح، ثم جعله في كمه (1).

قال الزهري: إنه بعد أن خطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطبته المتقدمة، نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه المفتاح، فتنحى من المسجد، فجلس عند السقاية (2).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد قبض مفتاح السقاية من العباس، و مفتاح البيت من عثمان. فأرجع المفتاح إلى عثمان و دفع السقاية إلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 242 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 100 و المغازي للواقدي ج 2 ص 835.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 243 عن عبد الرزاق، و الطبراني، و المغازي للواقدي ج 2 ص 837 و 838.

العباس (1).

مفتاح الكعبة لبني شيبة:

و قالوا: قال عثمان بن طلحة: لقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة قبل الهجرة، فدعاني إلى الإسلام، فقلت: يا محمد، العجب لك حيث تطمع أن أتبعك، و قد خالفت دين قومك، و جئت بدين محدث.

و كنا نفتح الكعبة في الجاهلية الإثنين و الخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت عليه، و نلت منه.

فحلم عني، ثم قال: «يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» .

فقلت: لقد هلكت قريش و ذلت.

قال: «بل عمرت يومئذ و عزت» .

و دخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا، فظننت أن الأمر سيصير كما قال، فأردت الإسلام، فإذا قومي يزبرونني زبرا شديدا.

فلما كان يوم الفتح قال لي: «يا عثمان، ائت بالمفتاح» .

فأتيته به. فأخذه مني، ثم دفعه إلي و قال: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن اللّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما وصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» .

فلما وليت ناداني، فرجعت إليه، فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 243 عن الواقدي، عن شيوخه، و المغازي للواقدي ج 2 ص 837 و 838.

فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» .

فقلت: بلى. أشهد أنك رسول اللّه.

فقام علي بن أبي طالب، و مفتاح الكعبة بيده، فقال: يا رسول اللّه، اجمع لنا الحجابة مع السقاية!

(و في رواية: أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم. أي منهم علي «عليه السلام») (1).

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أين عثمان بن طلحة؟

فدعي، فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر و وفاء» .

قالوا: و أعطاه المفتاح و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مضطبع (2)بثوبه عليه، و قال: «غيبوه. إن اللّه تعالى رضي لكم بها في الجاهلية و الإسلام» (3).

و عن ابن جريح: أن عليا «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : اجمع لنا الحجابة و السقاية، فنزلت: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (4).


1) راجع هذه الفقرة في: السيرة الحلبية ج 3 ص 100 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 244 و في هامشه عن البداية و النهاية ج 4 ص 301.

2) اضطبع: أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن و غطى به الأيسر.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 244 عن ابن سعد و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 100 و 101 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 837 و تاريخ الخميس ج 2 ص 85 و 88 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 301.

4) الآية 58 من سورة النساء.

فدعا عثمان، فقال: «خذوها يا بني شيبة خالدة مخلدة» .

و في لفظ: «تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» (1).

و عن جابر و مجاهد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دخل في الكعبة يوم الفتح، فخرج «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة، فدفع إليه المفتاح، و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة اللّه سبحانه و تعالى لا ينزعها منكم إلا ظالم» (2).

و عن سعيد بن المسيب: «لا يظلمكموها إلا كافر» (3).

و في لفظ ابن سابط: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعثمان بن طلحة: «إني لم أدفعها إليكم، و لكن اللّه تعالى دفعها إليكم» (4).

و عن الزهري: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج من البيت قال علي «عليه السلام» : «إنا أعطينا النبوة و السقاية و الحجابة، ما قوم بأعظم نصيبا منّا» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 244 و 245 عن ابن عائذ، و الأزرقي، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 100.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 عن الأزرقي و قال في هامشه: أخرجه الطبراني في الكبير ج 11 ص 120، و انظر المجمع ج 3 ص 285 و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 99 و أبا نعيم في تاريخ أصفهان ج 1 ص 248 و السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 175 و 174 عن ابن جرير و ابن المنذر.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 و السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 244 عن ابن عائذ، و ابن أبي شيبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

فكره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع المفتاح إليه و قال: «غيبوه» (1). فلذلك يغيب المفتاح (2).

و عند الحلبي: أن عليا «عليه السلام» أخذ المفتاح و قال: يا رسول اللّه، إجمع لنا الحجابة مع السقاية.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : أكرهت و آذيت، و أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يرد المفتاح على عثمان و يعتذر إليه، فقد أنزل اللّه في شأنك. أي أنزل اللّه عليه ذلك و هو في جوف الكعبة. و قرأ عليه الآية، ففعل ذلك علي» (3).

و سياق هذه الرواية يدل: على أن عليا كرم اللّه وجهه أخذ المفتاح على أن لا يرده لعثمان، فلما نزلت الآية أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يرد المفتاح لعثمان. . (4).

و عن ابن جريح عن ابن مليكة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: «إنما أعطيتكم ما ترزؤون، و لم أعطكم ما ترزؤون» .

يقول: «أعطيتكم السقاية لأنكم تغرمون فيها، و لم أعطكم البيت» .

قال عبد الرزاق: أي أنهم يأخذون من هديته (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 عن عبد الرزاق، و الطبراني.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 244 عن الفاكهي.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 100.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 100.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 عن عبد الرزاق و السيرة الحلبية ج 3 ص 100 و تاريخ الخميس ج 2 ص 85.

و عند الحلبي: إنما أعطيتكم ما تبذلون فيه أموالكم للناس، أي و هو السقاية، لا ما تأخذون منه من الناس أموالهم، و هي الحجابة، لشرفكم، و علو مقامكم (1).

و اللافت هنا: أن الواقدي يذكر نفس هذه القضية، بعين ألفاظها، و ينسبها إلى العباس لا إلى علي «عليه السلام» (2).

عن ابن أبي مليكة: أن العباس-رضي اللّه عنه-قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا نبي اللّه! ! اجمع لنا الحجابة مع السقاية.

و نزل الوحي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ادعوا لي عثمان بن طلحة» ، فدعي له، فدفع له النبي «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح، و ستر عليه.

قال: فرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أول من ستر عليه، ثم قال: «خذوها يا بني طلحة، لا ينتزعها منكم إلا ظالم» (3).

و في رواية: «أنه لما دعا عثمان بن طلحة، و قال له: أرني المفتاح، فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام العباس، فقال: يا رسول اللّه، اجعله لي مع السقاية، فكف عثمان يده.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أرني المفتاح، فبسط يده يعطيه.

فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 100.

2) راجع: المغازي ج 2 ص 833 و تاريخ الخميس ج 2 ص 85 عن البحر العميق.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 245 عن عبد الرزاق.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا عثمان، إن كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر فهاتني المفتاح.

فقال: هاك بأمانة اللّه» .

(فأعطاه إياه، و نزلت الآية. قال ابن ظفر في الينبوع: و هذا أولى) (1).

و لعل هذا كان قبل دخوله «صلى اللّه عليه و آله» الكعبة، فيكون طلب العباس رضي اللّه عنه أن يكون المفتاح له تكرر قبل دخوله الكعبة و بعده (2).

و بعد أن ذكر الحلبي: أن عليا «عليه السلام» دفع المفتاح إلى عثمان. . ثم ذكر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب من عثمان أن يأتي به، قال عثمان: فأتيته به، فأخذه ثم دفعه إليّ و قال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم الخ. .

قال الحلبي: «و لا مانع أن يكون ذلك بعد أن دفعه علي كرم اللّه وجهه له بأمره «صلى اللّه عليه و آله» ، و كأنه «صلى اللّه عليه و آله» أحب أن يؤدي الأمانة بيده الشريفة من غير واسطة. .» (3).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم عدة وقفات، نجملها على النحو التالي:


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 87 و الدر المنثور ج 2 ص 174 عن ابن مردويه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

السقاية:

ذكرت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبض مفتاح السقاية من العباس.

و السؤال هو: هل كان للسقاية من زمزم مفتاح أيضا؟ ! أم المقصود هو جعل السقاية في عداد الحجابة؟ !

و الذي نعرفه هو: أن السقاية كانت أحواضا من أدم، يوضع فيها الماء العذب من زمزم لسقاية الحاج، و قد يطرح فيها التمر، لتزيد عذوبة الماء، و يلذ طعمه لشاربه.

فلعلهم كانوا قد وضعوا موانع تمنع الناس من الوصول إلى تلك الأحواض، و جعلوا لها أقفالا و مفاتيح.

توضيح أكرهت و آذيت:

ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» حين طلب منه أن يجمع لهم الحجابة إلى السقاية: أكرهت و آذيت. و أمره أن يرد المفتاح إلى عثمان، و يعتذر إليه.

و نقول:

المقصود: أن عليا «عليه السلام» أكره و آذى عثمان بن طلحة حين امتنع عن دفع المفتاح، حيث لحقه إلى سطح الكعبة، و لوى يده، و أخذ المفتاح منه، و هو إكراه و أذى يحبه اللّه سبحانه، و في سياق امتثال أوامره تعالى، فإن امتناع عثمان عن إعطاء المفتاح يفرض إكراهه على ذلك، لأن امتناعه يمثل تمردا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي لا ينطق عن

الهوى. . فإذا لجّ في ذلك، فلا بد من إيذائه لدفع أذاه، و رد كيده. .

فكأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد تطييب خاطر عثمان و بني شيبة، و رد المفتاح إليهم تألفا على الإسلام، كما كان يتألف أبا سفيان، و غيره من رؤوس الكفر و الشرك.

أعطيتكم ما ترزؤون:

و قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للعباس: أعطيتكم ما ترزؤون. أي ما تبذلون فيه اموالكم للناس، لا ما تأخذون فيه من الناس أموالا يوضح: أن إعطاء الحجابة لبني شيبة يراد منه إفساح المجال لهم لأخذ ما يقدمه الناس لهم، و هذا يؤيد ما ذكرناه آنفا من أن المقصود من بذل تلك المنافع لهم هو: تألفهم على الإسلام، و سل سخيمتهم عليه، ليعيشوا في أجوائه بسكينة و رضا.

و لو أن بني هاشم أخذوا الحجابة منهم، لوجد المنافقون و الحاسدون و الطامعون مجالا خصبا لاتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمحاباة أهل قرابته، و ابتغاء المنافع لهم، و تخصيصهم بالمغانم، و الأموال، و المناصب، الأمر الذي قد يؤثر على ضعفاء العقول، و من هو رقيق الدين، حديث الإيمان و الإسلام.

و لا نشك في أن عليا «عليه السلام» كان يدرك هذه الحقيقة، فلم يكن ليفكر بطلب الحجابة لنفسه، و لا لبني هاشم أصلا كما سنرى. . و لكن الأمر بالنسبة للعباس ليس كذلك، فقد دلتنا بعض النصوص على أنه كان يسعى للحصول على بعض المنافع.

و قد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سبق، و لسنا بصدد تحقيق هذا الأمر.

اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات:

و حول نزول آية: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (1)نقول:

إن هذه الآية قد وردت في سورة النساء التي انتهى نزولها قبل فتح مكة بعدة سنوات، و لو قبلنا جدلا بأن هذه الآية قد ألحقت بموضعها من السورة بعد سنوات من تمامية نزولها، و هو أمر لا شاهد له سوى الإدعاء و التحكم، فإننا نقول:

قد روي في شأن نزول هذه الآية ما يدل على أنها لم تنزل في شأن عثمان بن طلحة في فتح مكة فلاحظ ما يلي:

1-عن زيد بن أسلم: أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، و فيمن ولي من أمور الناس شيئا (2).

2-عن شهر بن حوشب قال: نزلت في الأمراء خاصة، إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . (3).

3-عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ


1) الآية 58 من سورة النساء.

2) الدر المنثور ج 2 ص 175 عن المصنف لابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم.

3) الدر المنثور ج 2 ص 175 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

إِلىٰ أَهْلِهٰا. . قال: يعني السلطان، يعطون الناس (1).

علي عليه السّلام لا يطلب الحجابة:

و قد ذكرت الروايات: أن عليا «عليه السلام» طلب الحجابة لنفسه أو لبني هاشم، و قد تضمنت تلك الروايات نفسها أمورا تدل على أنها مفتراة، و نحن نجمل ملاحظاتنا عليها على النحو التالي:

1-إن ثمة تناقضا ظاهرا بين الروايات، بل قد تجد التناقض في الرواية الواحدة و نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

ألف: أن الرواية تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذ المفتاح من عثمان، ثم دفعه إليه، و قال: خذوها خالدة تالدة الخ. .

ثم إن الرواية نفسها تتبع ذلك بالقول: فقام علي بن أبي طالب «عليه السلام» و مفتاح الكعبة بيده، فقال: يا رسول اللّه، اجمع لنا الحجابة مع السقاية.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أين عثمان بن طلحة؟

فدعي، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر و وفاء.

قالوا: و أعطاه المفتاح و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مضطبع بثوبه عليه. .

فهل أعطى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان المفتاح قبل طلب علي


1) الدر المنثور ج 2 ص 175 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

«عليه السلام» ؟ ! أم بعده؟ !

و هل كان المفتاح مع علي «عليه السلام» ؟ ! أم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و هل استعاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح من عثمان، و صار معه، و اضطبع عليه بثوبه؟ أم استعاده من علي «عليه السلام» ، كما هو صريح بعض الروايات المتقدمة؟ !

ب: هل قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ادعوا لي عثمان، فدعوه، فأعطاه المفتاح حين كلمه علي «عليه السلام» في أمر الحجابة؟ ! أم حين كلمه العباس؟ !

ج: هل نزلت آية: إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. . لحظة استلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح قبل دخول الكعبة؟ ! أم نزلت حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» داخل الكعبة؟ !

د: هل إن طلب العباس من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل الحجابة له كان قبل دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» للكعبة؟ ! أم كان بعد خروجه منها؟ !

طريقة جمع فاشلة:

و قد احتمل الحلبي الشافعي: أن يكون طلب العباس للحجابة قد تكرر، فكان مرة قبل دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكعبة، و مرة بعد خروجه منها (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 101.

و هو كلام غير مقبول. . فإن هذا الطلب قد جوبه بالرفض، و جعل الحجابة لبني شيبة، و نزول آية أداء الأمانة إلى أهلها. . فبعد هذا و ذاك لا يبقى مجال لتكرار الطلب من العباس، فإنه سيكون أمرا منافيا للتسليم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مخالفا للأدب معه، فلا يقدم عليه العباس، و لا غيره، فإن الكل يعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يخالف ما يأمره اللّه تبارك و تعالى به.

أو فقل: إن الآية قد نزلت لتحسم أمر المفتاح، فمعنى معاودة الطلب هو رفض القرار الإلهي أو الاعتراض عليه، و هذا مما لا يمكن أن يقدم عليه مثل العباس.

السدانة و السقاية مردودتان إلى أهليهما:

و قد صرحت الخطبة المتقدمة: بأن الحجابة (السدانة) و السقاية مردودتان إلى أهليهما. .

و تقدم أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن طمس الصور التي كانت في داخل الكعبة، أخذ بعضادتي الباب، فخطب خطبته الآنفة الذكر. . و قد ورد في خطبته تلك قوله: «إلا سدانة البيت، و سقاية الحج، فإنهما مردودتان إلى أهليهما» .

فرد السقاية و السدانة إلى أهليهما قد حصل قبل أن يغادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» باب الكعبة. .

و لكن الروايات المتقدمة تدّعي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وضع المفتاح في كمه، و تنحى ناحية المسجد، فجلس عند السقاية، ثم رد الحجابة

و السقاية على أهليهما.

و هناك طلب العباس، أو علي «عليه السلام» ، أو كلاهما-حسب زعمهم-الحجابة لنفسه، أو لعشيرته. .

فكيف يطلبانها بعد أن صرح «صلى اللّه عليه و آله» بردها إلى أهلها قبل أن يغادر باب الكعبة؟ !

أعطينا النبوة و السقاية و الحجابة:

و أما ما نسب إلى علي «عليه السلام» من أنه قال: أعطينا النبوة، و السقاية، و الحجابة. ما قوم بأعظم نصيبا منا، فهو:

إما لم يحصل إن كان يقصد به إعطاء المفتاح لهم، و إيكال أمر الحجابة إليهم. لأن ما حصل هو مجرد أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» المفتاح لفتح باب الكعبة، لإزالة ما في داخلها مما يسيء إليها، و لم يعط النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحجابة لأحد. لا لبني هاشم و لا لغيرهم، و لا تعرض لهذا الأمر بعد، لا بالسلب و لا بالإيجاب، و لم تظهر منه أية إشارة إلى الجهة التي سوف يوكل إليها أمر الحجابة. .

و إما أنه قد حصل، و لكن قد قصد به معنى آخر، و هو: أن أمر الحجابة و السقاية قد أصبح لرسول اللّه يضعه حيث يشاء.

فرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بني هاشم، و له النبوة، و له أمر السقاية و الحجابة، فيصح للهاشمي أن يقول: «أعطينا النبوة، و السقاية، و الحجابة، ما قوم بأعظم نصيبا منا» . و لا يخفى أنه بهذا المعنى تكون كل الأمور بيد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا خصوصية للسقاية و الحجابة.

إلا أن يدّعى: أن الخصوصية كون المقام مقام جعل هذين الأمرين- السقاية و الحجابة-في أهليهما دون غيرهما من الأمور! !

و الحاصل: أن المقصود إن كان هذا المعنى، فلا معنى لما تذكره الرواية من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كره مقالته. . بل المتوقع منه هو أن يؤيدها، و يصدقها.

و إن كان المقصود: هو المعنى الأول، فذلك لا يقصده علي «عليه السلام» ، لأنه أمر لا واقع له.

البيعة في فتح مكة:

عن الأسود بن خلف: أنه رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسفلة، فبايع الناس على الإسلام، فجاءه الكبار و الصغار، و الرجال و النساء، فبايعهم على الإيمان باللّه تعالى، و شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله (1).

و قال ابن جرير: اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الإسلام، فجلس لهم-فيما بلغني-على الصفا، و عمر بن الخطاب أسفل من مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذ على الناس السمع و الطاعة للّه و لرسوله فيما استطاعوا (2).

فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، و فيهن هند بنت عتبة، امرأة أبي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 247 عن أحمد، و البيهقي، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 3 ص 415 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 94.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 247 و تاريخ الخميس ج 2 ص 89.

سفيان متنقبة متنكرة خوفا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يخبرها بما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذ بحدثها ذلك.

فلما دنين من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «بايعنني على ألا تشركن باللّه شيئا» .

فرفعت هند رأسها و قالت: و اللّه إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال.

فقال: «و لا تسرقن» .

فقالت: و اللّه إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة، و ما كنت أدري أكان ذلك حلالا أم لا؟

فقال أبو سفيان-و كان شاهدا لما تقول-: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، عفا اللّه عنك.

ثم قال: «و لا تزنين» .

فقالت: يا رسول اللّه، أو تزني الحرة؟ !

ثم قال: «و لا تقتلن أولادكن» .

قالت: قد ربيناهم صغارا، و قتلتهم كبارا، فأنت و هم أعلم.

فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمر، ثم قال: «و لا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن و أرجلكن» .

فقالت: و اللّه، إن إتيان البهتان لقبيح، و لبعض التجاوز أمثل.

ثم قال: «و لا تعصين» .

فقالت: في معروف.

و في الحلبية: لما قال «صلى اللّه عليه و آله» : و لا تعصين في معروف.

قالت: و اللّه ما جلسنا مجلسنا هذا و في أنفسنا أن نعصيك (1).

و فيها أيضا: أن هندا قالت: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟

قال: لا تصحن (أو لا تنحن) ، و لا تخمشن وجها، و لا تنشرن شعرا، و لا تحلقن قرنا، و لا تشققن جيبا، و لا تدعين بالويل (2).

ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: «بايعهن، و استغفر لهن اللّه، إن اللّه غفور رحيم» .

فبايعهن عمر، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يصافح النساء، و لا يمس جلدة امرأة لم يحلها اللّه تعالى له، أو ذات محرم.

و روى الشيخان، عن عائشة قالت: لا و اللّه ما مست يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يد امرأة قط.

و في رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما، و يقول: إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة (3).

زاد في نص آخر قوله: و لا تلحقن بأزواجكن غير أولادهم (4).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 96.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 96.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 247 و 248 عن ابن جرير، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 6 ص 357 و زاد المسير ج 8 ص 145 و البداية و النهاية ج 4 ص 319 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و 96 و البحار ج 21 ص 98 عن مجمع البيان ج 9 ص 275 و 276 و تاريخ الخميس ج 2 ص 89.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 96.

و جاءه «صلى اللّه عليه و آله» رجل، فأخذته الرعدة، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد (1).

و روى علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (البزنطي) ، عن أبان، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة بايع الرجال. ثم جاء النساء يبايعنه، فأنزل اللّه عز و جل: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ يُبٰايِعْنَكَ عَلىٰ أَنْ لاٰ يُشْرِكْنَ بِاللّٰهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَسْرِقْنَ وَ لاٰ يَزْنِينَ وَ لاٰ يَقْتُلْنَ أَوْلاٰدَهُنَّ وَ لاٰ يَأْتِينَ بِبُهْتٰانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لاٰ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبٰايِعْهُنَّ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).

فقالت هند: أما الولد فقد ربيناهم صغارا، و قتلتهم كبارا.

و قالت أم حكيم بنت الحارث بن هشام، و كانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول اللّه، ما ذلك المعروف الذي أمرنا اللّه أن لا نعصيك فيه؟

قال: لا تلطمن خدا، و لا تخمشن وجها، و لا تنتفن شعرا، و لا تشققن جيبا، و لا تسودن ثوبا، و لا تدعين بويل.

فبايعهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على هذا.

فقالت: يا رسول اللّه، كيف نبايعك؟

قال: إنني لا أصافح النساء.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 94.

2) الآية 12 من سورة الممتحنة.

فدعا بقدح من ماء فأدخل يده ثم أخرجها، فقال: أدخلن أيديكن في هذا الماء، فهي البيعة.

و في الكافي: رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» مثله (1).

و في مدارك التنزيل: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء و هو على الصفا، و عمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره، و يبلغهن عنه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا.

فبايع عمر النساء على أن لا يشركن باللّه شيئا الخ. . (2).

ما الذي أضحك عمر بن الخطاب؟ ! :

و ذكروا: أن هندا لما قالت: قد ربيناهم صغارا، و قتلتهم كبارا، فأنت و هم أعلم. ضحك عمر حتى استلقى، و تبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3)، و لم يذكروا عن سبب ضحك أو تبسم عمر شيئا.

و الظاهر هو: أن ثمة تصرفا و حذفا متعمدا، و يدل عليه ما رواه


1) الكافي ج 3 ص 66 و البحار ج 21 ص 134 و 113 و 117 و ج 64 ص 178 عنه و عن تفسير القمي ج 2 ص 364، و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 20 ص 211 و تفسير الصافي ج 5 ص 166 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 307 و تفسير الميزان ج 19 ص 246 و تحف العقول (ط 2) ص 457 عن أبي جعفر.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 89.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 96.

الطبرسي و غيره، قال:

«فقال: و لا تزنين.

فقالت هند: أو تزني الحرة؟

فتبسم عمر بن الخطاب لما جرى بينها و بينه في الجاهلية.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و لا تقتلن أولادكن.

فقالت هند: ربيناهم صغارا، و قتلتموهم كبارا، فأنتم و هم أعلم.

و كان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب «عليه السلام» يوم بدر.

فضحك عمر حتى استلقى، و تبسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).

و لكن النص الذي أورده الديار بكري قد حرّف الحقيقة، و أصبح بحيث يوحي: بأن ضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان لأجل أنه عرفها و هي متنقبة و متنكرة، فقد قال: «فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أصبت من ماله هناة؟

فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال.

فضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عرفها، و قال لها: و إنك لهند؟ !

فقالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي اللّه، عفا اللّه عنك» (2).

إلا أن يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضحك لما عرفها، فلا مانع من أن يضحك مرة أخرى حين قالت ما قالت من أجل ما يعرفه عنها.


1) مجمع البيان ج 9 ص 275 و 276 و البحار ج 21 ص 98.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 89.

مع تذكيرنا القارئ الكريم بأننا لا نوافق على زعمهم: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعرفها في بادئ الأمر.

بل نقول:

إنه قد ضحك منها، لظنها أنه لم يكن قد عرفها.

أو تزني الحرة؟ ! :

إننا لا نحب أن نذكر بعض الأمور التي قد يسعى البعض لتصنيفها في عداد الأمور الشخصية، التي يحسن التستر عليها ما دام أنها لا فائدة من إثارة الحديث حولها، لا من الناحية التربوية و السلوكية، و لا من الناحية الإيمانية و الإعتقادية، كما لا أثر لها في استفادة المعنى و المفهوم الذي يفيد في تحديد النهج، أو يؤثر على المسار السياسي، أو ما إلى ذلك.

غير أننا نقول:

إن هناك ميزات أو حالات شخصية لبعض الأفراد يفيد التعرف عليها في وضوح المفهوم العقائدي أحيانا، و ربما يؤثر على المسار و السلوك حتى في النواحي السياسية لأمة بأسرها. من حيث إنه يطبعه في إطار تلك الخصوصية بطابع الشرع و التدين و الإعتقاد، و الممارسة السياسية و غيرها. .

و يأتي موضوع هند بنت عتبة في هذا السياق. . لأن هندا هي أم معاوية مؤسس الدولة الأموية، التي حكمت الأمة عشرات السنين باسم خلافة النبوة، و باسم الدين و الشرع.

فإذا أثبتت الأحداث و النصوص: أن معاوية كان من الطلقاء. .

و أثبتت وجود شكوك و شبهات في طهارة مولده، من خلال ما ينسب

لأمه، فإن تصديه لأمر الخلافة، بل لأي مقام هو أقل من ذلك بمراتب، يصبح بلا مبرر حتى بنظر من لا يرون أن الإمامة إنما تجب بالنص و التعيين من اللّه و رسوله. .

بالإضافة إلى آثار أخرى تترتب على ظهور هذه الشكوك. .

من أجل ذلك نقول:

إن النصوص حول هذا الموضوع كثيرة نختار منها ما يلي:

قالوا:

1-كانت هند تذكر في مكة بفجور و عهر (1).

2-كانت كما يقول الكلبي: مغيلمة (أي تغلبها شهوتها) ، و كانت تميل إلى السودان من الرجال (2).

3-قد اعترف معاوية نفسه: بأن بعض قريش في الجاهلية يزعمون: أن معاوية للعباس بن المطلب. . و قد عرّض إسحاق بن طلحة بذلك ليزيد بن معاوية (3).

4-و قد كتب زياد بن أبيه لمعاوية: «و أما تعييرك لي بسمية، فإن كنت ابن سمية، فأنت ابن جماعة» (4).

5-و قال الإمام الحسن «عليه السلام» لمعاوية: «و قد علمت الفراش


1) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 336 الخطبة رقم (25) و البحار ج 33 ص 200 و الغدير ج 10 ص 170.

2) راجع: الغدير (ط سنة 1424 ه‌) ج 11 ص 242 و تذكرة الخواص ص 203.

3) ربيع الأبرار ج 3 ص 551 و تذكرة الخواص ص 203 و الغدير ج 10 ص 170.

4) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 183.

الذي ولدت عليه» (1).

6-و تقدم: أن عمر تبسم حين قالت: أو تزني الحرة، لما جرى بينه و بينها في الجاهلية (2).

إسلام هند بعد أبي سفيان بليلة:

قالوا: «و في إسلام أبي سفيان قبل هند، و إسلامها قبل انقضاء عدتها، أي لأنها أسلمت بعده بليلة واحدة، و إقرارها على نكاحهما حجة لشافعي. .» (3).

و نقول:

قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرجع زينب على أبي العاص حين أسلم قبل انقضاء عدتها.

كما أن من الواضح: أن مئات من الناس قبل إسلام هند و أبي سفيان قد أسلموا قبل إسلام نسائهم، و لم يفرق النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم لأنهن أسلمن قبل انقضاء عدتهن، فلا حاجة للاستدلال بهند و زوجها.

إني لا أصافح النساء:

و جاء: أن بعض النساء-و صرح الواقدي بأنها هند-قالت: يا رسول اللّه، نماسحك، أو قالت: هلم نبايعك يا رسول اللّه.


1) تذكرة الخواص ص 201 و 202.

2) و راجع: تذكرة الخواص ص 203.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 96 و 97.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا أصافح النساء. و إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

و في نص آخر: لألف امرأة (1).

و نقول:

لعل طلب النساء منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبايعنه بطريقة المصافحة قد تكرر من قبل عدة نساء، فتكررت الإجابة، فعبر تارة بمائة امرأة، و أخرى بألف. .

و عن عائشة: لم يصافح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امرأة قط، و إنما كان يبايعهن بالكلام (2).

و عن الشعبي: بايع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» النساء و على يده ثوب.

و قيل: إنه غمس يده في إناء، و أمرهن فغمسن أيديهن فيه. فكانت هذه البيعة.

قال ابن الجوزي: و القول الأول أثبت (3).

و نقول:

لقد كانت هناك عدة بيعات للنساء مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 97 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و المغازي للواقدي ج 2 ص 850 و 851.

2) البحار ج 21 ص 98 و مجمع البيان ج 9 ص 275 و 276 عن صحيح البخاري.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 97 و البحار ج 21 ص 98 و مجمع البيان ج 9 ص 99 و 276 و المغازي للواقدي ج 2 ص 851.

إحداها: يوم الفتح.

و بيعة أخرى: حين قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، فقد روت أم عطية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسلم، فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليكن، يبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا. . و قرأ إلى قوله تعالى: . . فِي مَعْرُوفٍ. . (1).

فقلن: نعم.

فمد يده من خارج، و مددن أيديهن من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد.

قال الحلبي: و لعل ذلك كان بحائل، و الفتنة مأمونة (2).

و الخلاصة: أن البيعة قد تكررت قبل الهجرة و بعدها، و في يوم الفتح، و في غيره، فلعله «صلى اللّه عليه و آله» بايعهن مرة بواسطة غمس اليد في الإناء، و أخرى بالكلام. .

و أما البيعة بالمصافحة من وراء الثوب، فنحن لا نستطيع أن ننسبها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد تقدم التصريح بأنه لا يصافح النساء، و لعل عمر هو الذي فعل ذلك، فنسب ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه زعم لهن أنه مرسل من قبله «صلى اللّه عليه و آله» .

و دعوى ذلك من قبل الشعبي، الذي قد يتهم: بأنه يريد تبرير فعل


1) الآية 12 من سورة الممتحنة.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 97.

بعض من كان يسعى لتأييد سلطانهم، و إحكام بنيانهم، تبقى غير قابلة للإعتماد، فإن الشعبي لم يكن في زمان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا ندري عمن نقل هذه الكذبة الظاهرة.

جرأة هند:

أما ما أظهرته هند من جرأة في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . حتى إنها كانت تعقب على كل كلمة قالها، و كل شرط أخذه «صلى اللّه عليه و آله» على النساء، فقد يحسب البعض أنه أمر تستحق المدح و الثناء عليه، كما أنه يشير إلى أنها تعيش معنى الحرية بمفهومها الأوسع. .

و يؤيد ذلك: أننا لم نجد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يشير إلى أي تبرم، أو تضايق، أو اعتراض على أقوالها و مداخلاتها. .

غير أننا نقول:

إن هذا الذي فعلته هند إن دل على شيء، فإنما يدل على أنها لا توقر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تلتزم بحدود الآداب معه، بل في كلماتها ما يدل على حقدها الدفين، و بغضها الراسخ لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلاحظ ما يلي:

1-إنها تقول: «و اللّه إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال» و هذا يمثل محاولة منها للتشكيك بإنصاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عدله. . بل هي تريد الإيحاء بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قاس و ظالم، و لا ينطلق في ممارساته من موازين العدل، و لا مما تقضي به الفطرة، و يحكم به العقل، لأنه يأخذ على النساء ما لا يأخذه على الرجال. . مع أن الرجال

أقوى من النساء.

2-ثم إنه لما قال «صلى اللّه عليه و آله» : «و لا تقتلن أولادكن» . قالت: «ربيناهم صغارا، و قتلتهم كبارا، فأنت و هم أعلم» .

فقد تضمن كلامها هذا: التلويح بثاراتها عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و التصريح بأن النبي قاتل الأبناء و الأحبة، حين كبروا.

و التشكيك في أن يكون محقا في قتله إياهم، حيث قالت: فأنت و هم أعلم.

و هل نسيت هند: أنها و زوجها، و أهلها، و عشيرتها كانوا باستمرارهم الذين يهاجمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسعون في محو ذكره، و إبطال أمره، و استئصال شأفته؟ !

و هل نسيت هند: كبد الحمزة حين حاولت أن تأكلها، فلاكتها و لم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، حتى سميت بآكلة الأكباد؟ !

و أخيرا، فإننا نلاحظ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تجاهل هذه المرأة تجاهلا تاما، و لم يعلق على كلماتها بشيء، رغم أنها كانت جارحة له، حسبما أوضحناه.

و ذلك هو الخلق النبيل، و تلك هي سعة الصدر، و السماحة، و الصفح، و العفو عند المقدرة. و من أولى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك كله؟

عمر في بيعة النساء:

و زعموا: أن عمر بن الخطاب كان يبايع النساء بأمره «صلى اللّه عليه

و آله» ، و يبلغهن عنه. .

و لا نجد حاجة لأمر كهذا، و لو احتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى من يعينه في بيعة النساء، فلما ذا لا يحتاج إلى مثل هذا المعين في بيعة الرجال؟ فإنه لا فرق بين الجنسين من حيث كثرة العدد، و لا في أي شيء يوجب المعونة هنا، و الإستغناء عنها هناك.

فلعل عمر قد حشر نفسه في هذا الأمر، و حاول أن يعيد كلمات النبي «صلى اللّه عليه و آله» على مسامعهن، ليظهر لهن أن له موقعا، أو يوهم الناس أنه يقوم بعمل ما في هذا الفتح العظيم، الذي لم نجد له فيه مكانا، و لا سمعنا له فيه صوتا، لا في تحطيم الأصنام، و لا في ملاحقة المطلوبين للعدالة، الذين أهدر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دمهم. . بل وجدناه فقط مع النساء كما يقولون.

و عمر رجل مغرم بالنساء بصورة غير عادية، و قد ذكرنا في موضع سابق من هذا الكتاب: أنه كان إذا أراد الحاجة تقول له زوجته: تذهب إلى بنات فلان تنظر إليهن (1).

و هو الذي يقول: إنه لم يبق فيه شيء من أمر الجاهلية، إلا أنه لا يبالي أي الناس نكح، و أيهم أنكح (2).

و قصته مع عاتكة بنت زيد، التي كانت جميلة، و مات زوجها فخطبها


1) راجع: المصنف لعبد الرزاق ج 7 ص 303 و مجمع الزوائد ج 4 ص 304 عن الطبراني.

2) طبقات ابن سعد (ط بيروت سنة 1377 ه‌) ج 3 ص 982.

عمر، فرفضته، فعقد لنفسه-بزعمه-ثم ذهب إليها فعاركها حتى وطأها أشهر من أن تذكر (1).

بيعة معاوية. . و إسلامه! ! :

و كان من جملة من بايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» معاوية.

فقد روي عنه قوله: لما كان عام الحديبية وقع الإسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي.

فقالت: إياك أن تخالف أباك، فيقطع عنك القوت.

فأسلمت، و أخفيت إسلامي.

فقال لي يوما أبو سفيان، و كأنه شعر بإسلامي: أخوك خير منك، و هو على ديني.

فلما كان عام الفتح أظهرت إسلامي، و لقيته «صلى اللّه عليه و آله» ، فرحب بي الخ. . (2). ثم يستمر الحلبي في ذكر فضائل معاوية و مآثره. .

و نقول:

أولا: إن هذا الحديث مروي عن معاوية نفسه، و هو غير مأمون على الرواية مطلقا، فكيف إذا كان يحدث عن نفسه، و يريد أن يثبت لها فضيلة، أو يدفع عنها رذيلة؟

ثانيا: إن هذا الكلام غير صحيح، إذ إن معاوية لو كان قد أسلم قبل ذلك لم يصح أن يعتبره المسلمون من الطلقاء. و قد تقدمت طائفة من


1) طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 194 و كنز العمال ج 13 ص 633.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و 95.

النصوص التي تصرح بذلك، و هي مروية عن: عمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و ابن عباس، و المسور بن مخرمة، و سعنة بن عريض، و صعصعة بن صوحان، و عبد الرحمن بن غنم. . فراجع ما قدمناه في فصل سابق، في فقرة بعنوان: «الطلقاء. . و الخلافة» .

و الذي يبدو لنا: أن معاوية قد أراد أن يتخلص من وصمة العار هذه، فاخترع لنفسه هذا الحديث. .

الفصل العاشر: أحداث. . و متابعات

اشارة

لا هجرة بعد الفتح:

قالوا: إن مكة شرفها اللّه تعالى كانت قبل الفتح دار حرب، و كانت الهجرة منها واجبة إلى المدينة، فلما فتحت مكة صارت دار إسلام، فانقطعت الهجرة منها.

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح، و لكن جهاد و نية، و إذا استنفرتم فانفروا» (1).

و عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي، و هي مجاورة بثبير، فسألها عن الهجرة، فقالت: «لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى اللّه و رسوله، مخافة أن يفتن عنه.

فأما اليوم فقد أظهر اللّه تعالى الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث كان، و لكن جهاد و نية» (2).

البيعة على الجهاد:

و عن يعلى بن صفوان بن أمية قال: جئت بأبي يوم الفتح، فقلت: يا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 عن البخاري، و مسلم.

2) المصدر السابق.

رسول اللّه بايع أبي على الهجرة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بل أبايعه على الجهاد فقد انقضت الهجرة» (1).

عن مجاهد مرسلا، قال: جاء يعلى بن صفوان بن أمية بعد الفتح، فقال: يا رسول اللّه، اجعل لأبي نصيبا في الهجرة.

فقال: «لا هجرة بعد اليوم» .

فأتى العباس، فقال: يا أبا الفضل، ألست قد عرفت بلائي؟

قال: بلى، و ما ذا؟

قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي ليبايعه على الهجرة فأبى، فقام العباس معه في قيظ ما عليه رداء، فقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أتاك يعلى بأبيه لتبايعه على الهجرة فلم تفعل.

فقال: «إنه لا هجرة اليوم» .

قال: أقسمت عليك يا رسول اللّه لتبايعه.

فمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده فبايعه، فقال: «قد أبررت عمي و لا هجرة» (2).

و نقول:

إن لنا ههنا وقفات للتوضيح و البيان و هي التالية:

1-قد ذكرنا حين الكلام حول هجرة العباس و إسلامه:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 عن أحمد، و النسائي

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 و 261 عن ابن أبي أسامة.

أن الهجرة باقية ما دام هناك خوف على النفس من أعداء اللّه تعالى و أعداء أهل الإيمان، و قد صرح بذلك أمير المؤمنين «عليه السلام» في خطبة له، قرر فيها «عليه السلام» : أن الهجرة من أرض يضطهد فيها أهل الإيمان باقية و قائمة.

و صرح أيضا «عليه السلام» : بأن الهجرة هي لمن عرف حجة اللّه في الأرض، و ليست لأهل الضلال و الإنحراف، و من آمن ببعض الكتاب و كفر ببعض، و تعصب و كابر (1).

2-إن الهجرة التي نفاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي الهجرة من مكة بعد فتحها، و لم يرد نفي موضوع الهجرة، و قد أوضح حديث عائشة المتقدم ذلك.

3-إن الذين كانوا يأتون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد الفتح، و يصرون أن يبايعوه على الهجرة إنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم عرفوا أن للهجرة قيمة في الإسلام، و أن للمهاجر مقاما منيفا، و موقعا رفيعا و شريفا. فأرادوا أن ينالوا شرفا ليس فيهم، و مقاما ليس لهم، فمنعوا من ذلك على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لذلك صاروا يوسطون الآخرين للحصول على ما منعوا منه، فلم تنفعهم الوساطات شيئا.

و لكن إذا كان أهل الحق و الصدق يواجهون في بلد آخر ضغوطا و اضطهادا من أجل دينهم، ثم هاجروا فرارا بدينهم إلى بلد الإسلام،


1) راجع: خطبة رقم 187 في نهج البلاغة، و البحار ج 66 ص 227 و الإيجاز و الإعجاز للثعالبي ص 32.

و حيث يحميهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو الإمام «عليه السلام» ، فإن لهم مقام المهاجر إلى اللّه و رسوله، و أجره، و شرفه، و عزته. .

إن ظهر النبي صلّى اللّه عليه و آله على مكة آمن به:

عن ابن إسحاق السبيعي قال: قدم ذو الجوشن الكلابي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: «ما يمنعك من الإسلام» ؟ .

قال: رأيت قومك كذبوك، و أخرجوك، و قاتلوك، فانظر، فإن ظهرت عليهم آمنت بك و اتبعتك، و إن ظهروا عليك لم أتبعك.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا ذا الجوشن، لعلك إن بقيت قليلا أن ترى ظهوري عليهم» .

قال: فو اللّه إني لبضرية (1)، إذ قدم علينا راكب من قبل مكة، فقلنا ما الخبر؟

قال: ظهر محمد على أهل مكة. فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قلت: و أسلم بعد ذلك، و روى عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و قال الحسن البصري: «لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة، قالت العرب: أما ظفر محمد بأهل الحرم، و قد أجارهم اللّه من أصحاب


1) ضرية: اسم مكان. قرية في طريق مكة، من البصرة من نجد (معجم البلدان) .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 عن ابن سعد، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 4 ص 68 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 375 و الطبقات لابن سعد ج 6 ص 31.

الفيل، فليس لكم به يد. فكانوا يدخلون في دين اللّه أفواجا، بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا، و اثنين. فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام» (1).

و نقول:

إن لنا الحق في أن نسجل بعض الملاحظات، التي نوجزها كما يلي:

إسلام العرب:

1-إن ما تقدم يوضح لنا حقيقة هامة هي: أن إسلام العرب لم يكن عن قناعة، و إنما لأنه لم يعد لهم بمحمد يد. أي أنهم كانوا يتوقعون أن تتمكن قريش من التغلب عليه، و إذ بها قد عجزت عن ذلك. فجاءهم ما لا قبل لهم به، فاضطروا إلى إظهار الإسلام.

2-و من الواضح: أن المقصود بالعرب هو: قسم منهم، و لعلهم الأعراب الذين حكى اللّه عنهم هذا المعنى، فقال: قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ. . (2).

و إلا فقد كان في العرب طوائف كبيرة دخلت في الإسلام طوعا، قبل فتح مكة، و حيث لم يكن هناك ما يدعو إلى الخوف منه، بل لأنهم وجدوا في الإسلام ضالتهم، و ما بهر عقولهم، و ما من شأنه أن يحل مشاكلهم.

3-و في حديث ذي الجوشن الكلابي دلالة ظاهرة على موقع القوة التي تصنع النصر في تفكير ذلك الرجل، و اعتبارها هي المعيار. و إليها


1) البحار ج 21 ص 99 و مجمع البيان ج 10 ص 554.

2) الآية 14 من سورة الحجرات.

يستند القرار بالإيمان و الكفر، مع أن القوة المادية قد تتوفر للحق و أهله، و قد لا تتوفر لهم، بل تكون لدى أهل الباطل. فالقوة لا تستطيع أن تعطي الإنسان أية فرصة لتمييز الحق من الباطل، كيف و قد قتل الأقوياء أنبياء اللّه و أوصياءهم، و اعتدوا على الضعفاء، و على النساء و الصبيان و قتلوهم؟

4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم لذي الجوشن دليلا على صحة نبوته، تمثّل في إخباره الغيبي القريب عن ظهوره و انتصاره على أهل مكة، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : «لعلك إن بقيت قليلا أن ترى ظهوري عليهم» .

هذا عدا عن أنه قد رأى كما رأى غيره معجزات و كرامات كثيرة له «صلى اللّه عليه و آله» لا تبقي أمام عقله أي فرصة للتهرب من الإعتراف بنبوته. .

أذان بلال فوق الكعبة:

و عن ابن عباس، و رواه عن بعض أهل العلم، و عن عروة، و عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، و عن ابن أبي مليكة، و محمد بن عمر عن شيوخه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما حان وقت الظهر أمر بلالا أن يؤذن بالظهر يومئذ فوق الكعبة، ليغيظ بذلك المشركين، و قريش فوق رؤوس الجبال، و قد فرّ جماعة من وجوههم و تغيبوا.

(قال الواقدي: خوفا أن يقتلوا، فمنهم من يطلب الأمان، و منهم من قد أومن) .

و أبو سفيان بن حرب، و عتّاب-و لفظ ابن أبي شيبة: خالد بن أسيد،

و الحارث بن هشام-جلوس بفناء الكعبة.

فقال عتّاب-أو خالد-بن أسيد: لقد أكرم اللّه أسيدا أن لا يكون يسمع هذا، فيسمع ما يغيظه.

و قال الحارث: أما و اللّه، لو أعلم أنه محق لا تبعته.

فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا.

و قال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم اللّه سعيدا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.

و قال الحكم بن أبي العاص: هذا و اللّه الحدث العظيم، أن يصيح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة.

و قال الحارث بن هشام: إن يكن اللّه تعالى يكرهه فسيعيره.

و في رواية: أن سهيل بن عمرو قال مثل قول الحارث.

فأتى جبريل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره خبرهم، فخرج عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «قد علمت الذي قلتم» .

فقال الحارث و عتاب: نشهد إنك رسول اللّه، ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك (1).

و في رواية: أن الحارث بن هشام قال: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ !


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 78 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 248 و 249 عن أي يعلى، و ابن هشام، و البيهقي عن ابن إسحاق، و ابن أبي شيبة، و الأزرقي و الواقدي، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 101 و 102 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 846 و تاريخ الخميس ج 2 ص 87 و 88.

و لا مانع من وجود الأمرين منه، أي و تقدم في عمرة القضاء وقوع مثل ذلك من جماعة لما أذن بلال رضي اللّه عنه على ظهر الكعبة أيضا.

أي و قال غير هؤلاء من كفار قريش: لقد أكرم اللّه فلانا-يعني أباه- إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.

إلى أن قال: فخرج عليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لهم: لقد علمت الذي قلتم.

ثم ذكر ذلك لهم، فقال: أما أنت يا فلان فقد قلت كذا، و أما أنت يا فلان فقد قلت كذا، و أما أنت يا فلان فقد قلت كذا.

فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول اللّه فما قلت شيئا، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقالوا: نشهد أنك رسول اللّه، و اللّه ما اطلع على هذا أحد معنا فنقول أخبرك (1).

. . و صار بعض قريش يستهزئون و يحكون صوت بلال غيظا، و كان من جملتهم أبو محذورة، و كان من أحسنهم صوتا، فلما رفع صوته بالأذان مستهزئا سمعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر به، فمثل بين يديه، و هو يظن أنه مقتول.

فمسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناصيته و صدره بيده الشريفة، قال: فامتلأ قلبي و اللّه إيمانا و يقينا، فعلمت أنه رسول اللّه.

فألقى عليه «صلى اللّه عليه و آله» الأذان، و علمه إياه، و أمره أن يؤذن


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 101 و 102.

لأهل مكة، و كان سنه ست عشرة سنة، و عقبه بعده يتوارثون الأذان بمكة.

و تقدم: أن أذان أبي محذورة و تعليمه الأذان كان مرجعه «صلى اللّه عليه و آله» من حنين، و تقدم طلب تأمل الجمع بينهما (1).

و عند الراوندي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بلالا عند وقت صلاة الظهر، فصعد على الكعبة، فقال عكرمة: أكره أن أسمع صوت أبي رباح ينهق على الكعبة.

و حمد خالد بن أسيد اللّه على أن أبا عتاب توفي و لم ير ذلك.

و قال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو نطقت لظننت أن هذه الجدر ستخبر به محمدا.

فبعث إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتي بهم، فقال عتاب: نستغفر اللّه و نتوب إليه، قد و اللّه يا رسول اللّه قلنا، فأسلم و حسن إسلامه، فولاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة (2).

و في نص آخر: أنه لما بلغ بلال: «أشهد أن محمدا رسول اللّه» قالت جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، و اللّه لا نحب من قتل الأحبة أبدا. و لقد كان جاء أبي بالذي جاء به محمدا من النبوة فردها، و لم يرد خلاف قومه (3).

قالوا أيضا: دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة، و كان وقت الظهر،


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 102.

2) البحار ج 21 ص 118 و 119 و 133 عن الخرائج و الجرائح، و عن إعلام الورى.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 846 و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 عن تاريخ الأزرقي.

فأمر بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، فما بقي صنم بمكة إلا سقط على وجهه، فلما سمع وجوه قريش الأذان قال بعضهم في نفسه: الدخول في بطن الأرض خير من سماع هذا.

و قال آخر: الحمد للّه الذي لم يعش والدي إلى هذا اليوم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «يا فلان قد قلت في نفسك كذا و يا فلان قلت في نفسك كذا» .

فقال أبو سفيان: أنت تعلم أني لم أقل شيئا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» (1).

و نقول:

قد تكلمنا حول هذه النصوص في عمرة القضاء، و أكثرها بعمرة القضاء أنسب، و لسياقها أقرب. و إنما أوردناها هنا مجاراة لكتّاب السيرة. و سوف لا نعلق عليها ههنا بشيء، بل نكتفي بما ذكرناه هناك، و نقتصر هنا على الإشارة التالية:

و قد ذكر النص المتقدم، و تقدم أيضا عن مصادر عديدة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل البيت يوم الفتح وقت الظهر (2).

فإذا كان الوقت ظهرا، و كان علي «عليه السلام» في هذا الوقت على ظهر الكعبة، فمن أولى منه بالأذان على ظهرها، أو ما هي الحاجة لإصعاد بلال على ظهر الكعبة من جديد، من أجل الأذان؟ !


1) البحار ج 21 ص 119 عن الخرائج و الجرائح.

2) راجع ما ذكرناه تحت عنوان: إزالة الصور و التماثيل من داخل الكعبة.

و لذلك نقول: إنه قد روى يزيد بن قعنب، عن فاطمة بنت أسد: أنها لما ولد علي «عليه السلام» في جوف الكعبة، و أرادت أن تخرج به هتف بها هاتف: يا فاطمة سميه عليا، فهو علي. .

إلى أن قال عن علي «عليه السلام» : «و هو الذي يكسر الأصنام، و هو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي الخ. .» (1).

فالذي أذن فوق ظهر الكعبة حين دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

و لكن ذلك لا يمنع من أن يكون بلال قد أذن في المسجد الحرام، أو على ظهر الكعبة في سائر الأوقات، فأغاظ المشركين.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يعود إلى مكة:

عن أبي هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فرغ من طوافه، أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت، فرفع يديه، و جعل يحمد اللّه تعالى و يذكره، و يدعو ما شاء اللّه أن يدعو. و الأنصار تحته، فقال بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، و رأفة بعشيرته.

قال أبو هريرة: و جاء الوحي، و كان إذا جاء لم يخف علينا: فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى يقضى، فلما قضي الوحي، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا معشر الأنصار» .

قالوا: لبيك يا رسول اللّه.


1) إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 57 عن بشائر المصطفى، و عن تجهيز الجيش للدهلوي العظيم‌آبادي.

قال: «قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، و رأفة في عشيرته» .

قالوا: قد قلنا ذلك يا رسول اللّه.

قال: «فما أسمّى إذن! ! كلا، إني عبد اللّه و رسوله، هاجرت إلى اللّه و إليكم، المحيا محياكم، و الممات مماتكم» .

فأقبلوا إليه يبكون، يقولون: و اللّه يا رسول اللّه، ما قلنا الذي قلنا إلا الضن باللّه و برسوله.

فقال رسول اللّه: «فإن اللّه و رسوله يعذرانكم و يصدقانكم» (1).

و نقول:

إن الأنصار حين قالوا، أو قال بعضهم: أدركته رغبة في قريته، و رأفة في عشيرته، قد جروا على مقتضيات الطبع البشري الإنساني، الذي يختزن الحنين إلى الأوطان، و الرحمة، و الرأفة بذوي الأرحام، و قد غفلوا عن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد صنعه اللّه تعالى على عينه، و أصبح فانيا في الطاعة و العبودية له تعالى، يرى ما يرى، و يرضيه ما يرضيه، و يغضبه ما يغضبه، و لا يريد إلا ما يريد.

و هو أيضا رسوله الذي جاءهم بالهدى و دين الحق، الذي لا يحابي قومه على حساب دينه و عقيدته، و لا يحن إلى شيء إلا إذا كان في ذلك الحنين رضا اللّه و طاعته.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 246 عن الطيالسي، و ابن أبي شيبة، و مسلم، و أحمد. و أشار في هامشه إلى: مسلم 3/1407 في الجهاد و السير باب فتح مكة 86 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 56 و معاني الآثار ج 3 ص 325. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 89.

و هو حين هاجر، إنما هاجر إلى اللّه، و اللّه أحب إليه من عشيرته، و ذوي رحمه، و بلده. .

و لتكن هذه العناصر الثلاثة: عبوديته للّه تعالى، و رسوليته الهادية إلى طريق الحق و الخير، و هجرته إلى اللّه تعالى، هي الأدلة القاطعة، و البراهين الساطعة على أنه لا يرغب إلا بأن يكون مع اللّه، و في دار هجرته إليه، لا في بلده، و لا مع قومه، و لا يتخذ عشيرته و ذوي رحمه بطانة من دون المؤمنين. . بل المؤمنون هم أهله، و عشيرته، دون الناس كلهم.

إذن يخزيك اللّه:

عن أبي إسحاق السبيعي، عن ابن عباس قالا: رأى أبو سفيان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمشي و الناس يطأون عقبه، فقال بينه و بين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال، و جمعت له جمعا؟

فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى ضرب بيده في صدره، فقال: «إذن يخزيك اللّه» .

فقال: أتوب إلى اللّه تعالى، و أستغفر اللّه مما تفوهت به، ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة، إني كنت لأحدث نفسي بذلك (1).

عن سعيد بن المسيب قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تكبير و تهليل، و طواف بالبيت حتى أصبحوا،


1) تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 406 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 246 عن ابن سعد، و عن الحاكم في الإكليل، و عن البيهقي.

فقال أبو سفيان لهند: أترين هذا من اللّه؟

قالت: نعم، هذا من اللّه.

قال: ثم أصبح فغدا أبو سفيان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قلت لهند: أترين هذا من اللّه؟ !

قالت: نعم هذا من اللّه.

فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد اللّه و رسوله، و الذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا اللّه عز و جل و هند (1).

عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبو سفيان جالس في المسجد، فقال أبو سفيان: ما أدري بما يغلبنا محمد؟

فأتاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فضرب صدره و قال: «باللّه تعالى نغلبك» .

فقال أبو سفيان: أشهد أنك رسول اللّه (2).

و عن ابن عباس قال: لقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا سفيان بن حرب في الطواف، فقال: «يا أبا سفيان، هل كان بينك و بين هند كذا و كذا» ؟

فقال أبو سفيان: فشت علي هند سري، لأفعلن بها و لأفعلن.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 246 و 147 عن الذهلي في كتابه: جمع حديث الزهري.

2) معاني الآثار ج 4 ص 314 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 247 عن ابن سعد، و الحارث بن أبي أسامة، و ابن عساكر، و الضعفاء للعقيلي ج 1 ص 226 و ج 3 ص 57 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 406 و لسان الميزان ج 4 ص 178.

فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من طوافه لحق بأبي سفيان فقال: «يا أبا سفيان، لا تكلم هندا، فإنها لم تفش من سرك شيئا» .

فقال أبو سفيان: أشهد أنك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

مع ما سبق: أبو سفيان و الإيمان:

1-إن من يراجع حياة أبي سفيان يخرج بحقيقة مفادها: أن هذا الرجل بما تصدى له من أعمال، و فيما كان له من ممارسات قد عاين الكثير الكثير من دلائل النبوة الظاهرة، و معجزاتها القاهرة، و آياتها الباهرة.

و لكنه كان يصر على رفضها، و يتعمد تجاهلها، و يسير في طريق اللجاج، و المكابرة، و العناد، و الجحود للحق، و السعي لطمسه، و مواصلة الحرب مع أهله. .

و الذي ذكر في الروايات آنفا ما هو إلا رشحة يسيرة من تلك الدلالات، و العبر و العظات.

و هذا يؤكد لنا حقيقة هامة، و هي:

أن هذا الصلف و العناد للحق يدعونا إلى تصديق تلك الطائفة من النصوص المختلفة و الكثيرة، التي تؤكد: أنه لم يغير نهجه، و أنه لم يسلم، و إنما استسلم، و لما يدخل الإيمان في قلبه، و أنه لم يزل كهفا لأهل النفاق، و أنه كان يحلف: أنه ما من جنة و لا نار، و إنما هو الملك و الدنيا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 247 عن العقيلي، و ابن عساكر.

2) راجع: ترجمة أبي سفيان في الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ، و في قاموس الرجال، و غير ذلك.

2-أما قول أبي سفيان: «ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة» فمعناه: أنه كان إلى تلك اللحظة يتخذ سبيل النفاق، و أنه لم يكن قد أسلم قبل ذلك، رغم نطقه بالشهادتين في مرّ الظهران قبل دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة. .

فإذا جاء بعد النطق بالشهادتين ما دل على ما يوجب الحكم بخروجه من الدين، فلا شيء يمكن ان يثبت عودته إلى الإسلام بصورة يقينية، و يبقى الأمر رهنا بما يصدر عنه من دلالات و شواهد تؤيد هذا الإحتمال، أو ذاك.

فإن بلغ الأمر إلى درجة اليقين بعودته إلى الإسلام، فذلك هو المطلوب، و إلا، فإن مجرد الاحتمالات لا تفيد شيئا في إثبات إسلامه.

3-إن ما حدّث به أبو سفيان نفسه من الرغبة بالعودة إلى قتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما جاء على سبيل الحسد للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لما رآه من عزته «صلى اللّه عليه و آله» و عظمته، و خضوع الناس لأمره و نهيه، و سعيهم للتقرب إليه، و لم يعرض لأبي سفيان ما يزيل هذا الحسد من نفسه.

و لعل ما كان يراه من مزيد شوكته، و تأكد عظمته من شأنه: أن يزيد من تأجج نار الحسد في قلبه، و يلهب صدره حنقا و غيظا، و يملأ قلبه حقدا و بغضا.

الم. غلبت الروم:

و بعد. . فلا شك في أن فتح مكة كان من أعظم النعم التي حبا اللّه بها

نبيه و أوليائه، إذ بذلك سقط الشرك و انتهى أمره، و خضدت شوكته في الجزيرة العربية كلها، و أفسح المجال لدخول الناس في الإسلام أفواجا.

و فرح المسلمون بنصر اللّه تبارك و تعالى أعظم الفرح. و كان ذلك في السنة التي غلبت الروم على فارس. . و ظهر مصداق قوله تعالى: الم غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّٰهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اَللّٰهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشٰاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ وَعْدَ اَللّٰهِ لاٰ يُخْلِفُ اَللّٰهُ وَعْدَهُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ (1).

و قد جاءت هذه البشارة في أوائل الهجرة حيث كانت فارس قد غلبت الروم. فبشر اللّه في هذه الآيات بفتح مكة و بنصر اللّه لهم على الشرك منذئذ.

و ذلك لأن معظم الناس سوف يقلبون على هذا الدين، و يحتاجون إلى الإيمان به و بالنبوة إلى المعجزة الميسورة و الواضحة، التي لا تحتاج إلى فكر و دراسة و تأمل، و لا تحتمل التأويل، و لا يمكن ألقاء الشبهة فيها. . و أكثرهم يعيش البساطة، و لا يملك من العلم و الفكر، ما يمكنه من أدراك حقائق القرآن العالية، أو ما يجعله يتفاعل مع الإستدلالات العلمية المعمقة. و هم لا يعرفون شيئا عن مصطلحات الفلاسفة، و أساليب استدلالهم، فجاء هذا الإخبار الغيبي ليسهل عليهم هذا الإيمان، و ليرسخه في نفوسهم، و يعمقه في وجدانهم، و ضميرهم. و هو من مفردات الرحمة الآلهية لهم.


1) الآيات 1-7 من سورة الروم.

و أما ادّعاء أن المقصود بالآية فرح المسلمين بنصر الروم لأنهم أهل كتاب على المشركين لأنهم مجوس، فهو غير مقبول. . فإن المجوس أهل كتاب أيضا، و إن كانوا قد ضيعوه كما ورد في بعض الروايات (1).


1) الكافي ج 3 ص 567 السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 188 و الأمالي للصدوق ص 424 و التفسير الصافي ج 2 ص 334 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 202 و ج 3 ص 475 و تفسير الميزان ج 9 ص 253 و راجع: الخلاف ج 5 ص 542 و المبسوط ج 2 ص 37 الوسائل (آل البيت) ج 20 ص 365 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 9 ص 279 و مصادر ذلك كثرة اقتصرنا على ذكر بعضها.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الباب الثاني: فتح مكة الفصل الأول: هكذا تحرك من مر الظهران 7-54

الفصل الثاني: دخول مكة 55-80

الفصل الثالث: القتال في مكة 81-124

الفصل الرابع: منزل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و جوار أم هاني 125-156

الفصل الخامس: ما جرى لأبي قحافة 157-178

الفصل السادس: طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و تحطيم الأصنام 179-218

الفصل السابع: النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة 219-244

الفصل الثامن: الخطبة الأولى في مكة 245-274

الفصل التاسع: مفتاح الكعبة. . و البيعة في مكة 275-306

الفصل العاشر: أحداث. . و متابعات 307-326

الفهارس 327-340

2-الفهرس التفصيلي

الباب الثاني: فتح مكة الفصل الأول: هكذا تحرك من مرّ الظهران الإعلان بالأمان:9

هل هذا تشريف لأبي سفيان؟ ! :12

إستجداء بعد الإستغناء:13

حفظ حرم اللّه تبارك و تعالى:13

وضوء و صلاة أبي سفيان:14

الدعاة الجدد إلى الإسلام:14

أبو سفيان يرصد كتائب الفتح:15

كتائب الإسلام إلى مكة:17

العباس هو المشير أم أبو بكر؟ ! :28

أهداف حضور العرض:29

أبو سفيان يصر على أن ما يراه (ملك) :30

أغدرا يا بني هاشم؟ ! :30

العدة و العدد:32

كتائب أم قبائل:32

من هؤلاء:34

خالد. . غلام! ! :34

اللواء و الراية:36

الرايات السود:37

لقد عزّ عمر بعد قلة و ذلة:38

أبو سفيان يصر على موقفه:39

و لكنه أمر حتم:39

بنو بكر أهل شؤم:43

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من كلام سعد:44

يوم المرحمة و يوم عزّ قريش:45

أخذ الراية من سعد:46

سعد لم يكن ينوي البطش بأهل مكة:47

علي عليه السّلام صاحب اللواء:48

عمر بن الخطاب يتعاطف مع قريش:49

أبو سفيان يقبّل غرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:51

تأثير المرأة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! ! :52

إيحاءات لا تجدي شيئا:52

أسلم بنا:54

الفصل الثاني: دخول مكة أدوار مخترعة للعباس رحمه اللّه:57

خوف النبي صلّى اللّه عليه و آله على العباس:59

سهم العباس في عكاظ. . أكذوبة أخرى:62

كيف دخل النبي صلّى اللّه عليه و آله مكة؟ ! :65

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرأ سورة الفتح:71

الفتح جائزة المذنب:72

العيش عيش الآخرة:73

تواضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تخشعه لربه:74

راية الزبير:76

الأمر لسعد، و الراية لقيس:77

النساء يلطمن وجوه الخيل:78

كيفية الدخول و الخروج من مكة:78

الفصل الثالث: القتال في مكة خالد يقاتل في مكة! ! :83

من الخندمة إلى البحر:91

أوقف الطلب:93

كفوا السلاح إلا خزاعة:93

احصدوهم حصدا:95

المهاجرون يظنون أن خالدا قوتل:96

خالد لا يعصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:96

كل الجنود لم يلقوا جنودا غير خالد:97

قضاء اللّه خير:97

لم يسب صلّى اللّه عليه و آله لقريش ذرية:98

الأنصاري الخائن:99

أردت أمرا، و أراد اللّه غيره:102

نهى أن يقتل من خزاعة أحد:103

شعار النبي صلّى اللّه عليه و آله في فتح مكة:104

فتحت مكة عنوة لا صلحا:109

إستدلالات و تأويلات:111

الشهداء من المسلمين:115

لا غنائم في يوم الفتح:116

قريش لا تقتل صبرا و لا تغزى:118

لعل المقصود هو الإخبار لا الإنشاء:120

هذا ما وعدني ربي:121

الفصل الرابع: منزل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و جوار أم هاني أين نزل النبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة؟ ! :127

هذا منزلنا يا جابر:129

الحكمة في اختيار موضع النزول:130

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصل الماضي بالحاضر:131

أين نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :132

إرث عقيل لأبي طالب دون علي و جعفر:132

الإخبار بالغيب عن موضع نزوله صلّى اللّه عليه و آله:135

لا ينزل النبي صلّى اللّه عليه و آله بيوت مكة:135

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يدخل دور مكة:136

تكريم النبي صلّى اللّه عليه و آله لأم هاني:139

علي عليه السّلام و أم هاني:140

الأمان. . و الجوار:145

من الذين آوتهم أم هاني؟ ! :147

لقاء علي عليه السّلام بأم هاني:148

خوف الجبناء:149

لم تصرح أم هاني بما تطلب:149

موقف الزهراء عليها السّلام من أم هاني:150

أم هاني لا تجير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:150

ما مثلك يجهل الإسلام:151

خوف المشركين من عمر:152

رنة إبليس. . و حديث نائلة و. . :152

الفصل الخامس: ما جرى لأبي قحافة إسلام أبي قحافة:159

الحديثان الأخيران:163

أبو بكر يريد طوق أخته:165

أربعة أسلموا هم و آباؤهم:166

إسلام أبوي أبي بكر:167

آيات في بر أبي بكر بأبويه:168

أبو بكر يضرب أباه:172

أسلم تسلم:174

مفارقات لا علاج لها:175

الأمانة اليوم قليل:175

إسلام أبي طالب أقر لعينيه من إسلام أبيه:176

أبو قحافة أول مخضوب في الإسلام:176

الفصل السادس: طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و تحطيم الأصنام طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله بالبيت:181

تحطيم الأصنام في المسجد الحرام:182

إحالات على ما سبق:185

ألف: المسلمون يبتدرون وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:185

ب: ما رأينا و لا سمعنا ملكا بلغ هذا:186

ج: أبو بكر قائم بالسيف على رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:186

د: المشركون فوق الجبال ينظرون:186

تأسي عمر برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:187

استلام الركن بالمحجن:190

استلم الحجر ثم ركب راحلته:191

محاولة اغتيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:192

أين كان مقام إبراهيم عليه السّلام؟ ! :194

لقد كدت تركن إليهم:195

صنم لكل قبيلة، و حيّ، و بيت! ! :202

كف حصى يرمي به الرسول صلّى اللّه عليه و آله:203

علي عليه السّلام يكسر أصنام الكعبة:205

علي عليه السّلام يكسر الأصنام:208

تحطيم الأصنام قبل الهجرة، و يوم الفتح:210

لماذا التعرض للأصنام سرا؟ ! :211

علي عليه السّلام ينوء بثقل النبوة:212

هل خيّل إلى علي عليه السّلام؟ ! :214

تعمل للحق، و أحمل للحق:214

لماذا لم يباشر النبي صلّى اللّه عليه و آله تحطيم الأصنام؟ ! :215

لو نزع دلوا من زمزم:216

النداء بتكسير الأصنام في البيوت:217

عكرمة يكسر الأصنام:218

الفصل السابع: النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة مفتاح الكعبة مع النبي صلّى اللّه عليه و آله:221

مفتاح الكعبة أخذ قهرا:223

إزالة الصور و التماثيل من داخل الكعبة:225

صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله داخل الكعبة و خارجها:229

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يدخل الكعبة إلا يوم الفتح:231

إزالة الصور من داخل الكعبة:232

التكبير في زوايا الكعبة:235

صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله في داخل الكعبة:235

سؤال. . و جوابه:237

أبو بكر و عمر لم يدخلا الكعبة:237

لا نريد الحديث عن التناقضات:239

هذا تأويل رؤياي:239

عثمان بن طلحة في فتح مكة:241

آية: أداء الأمانات إلى أهلها:242

لمن هذا التهديد؟ ! :242

الفصل الثامن: الخطبة الأولى في مكة خطبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله في مكة:247

نص آخر للخطبة:252

وقفات مع الخطبة الشريفة:254

عتقهم دليل فتح مكة عنوة:254

الطلقاء. . و الخلافة:255

تعظيم بيت اللّه:257

كلكم لآدم، و آدم من تراب:258

السلاح في مكة في عام الفيل و يوم الفتح:259

لا ينفر صيدها! ! و لا يختلى شوكها! ! :261

الإعلان الأول: التوحيد:262

لك بها دار في الجنة:262

صدق وعده، و نصر عبده:265

إلا الإذخر:266

اجتهاد الرسول صلّى اللّه عليه و آله:269

كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر:272

اكتبوا لأبي شاة:274

التبرك بالرسول صلّى اللّه عليه و آله:274

الفصل التاسع: مفتاح الكعبة. . و البيعة في مكة مفتاح الكعبة مع الرسول صلّى اللّه عليه و آله:277

مفتاح الكعبة لبني شيبة:278

السقاية:284

توضيح أكرهت و آذيت:284

أعطيتكم ما ترزؤون:285

اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات:286

علي عليه السّلام لا يطلب الحجابة:287

طريقة جمع فاشلة:288

السدانة و السقاية مردودتان إلى أهليهما:289

أعطينا النبوة و السقاية و الحجابة:290

البيعة في فتح مكة:291

ما الذي أضحك عمر بن الخطاب؟ ! :295

أو تزني الحرة؟ ! :297

إسلام هند بعد أبي سفيان بليلة:299

إني لا أصافح النساء:299

جرأة هند:302

عمر في بيعة النساء:303

بيعة معاوية. . و إسلامه! ! :305

الفصل العاشر: أحداث. . و متابعات 307

لا هجرة بعد الفتح 309

البيعة على الجهاد 309

إن ظهر النبي صلّى اللّه عليه و آله على مكة آمن به 312

إسلام العرب 313

أذان بلال فوق الكعبة 314

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يعود إلى مكة 319

إذن يخزيك اللّه 321

مع ما سبق: أبو سفيان و الإيمان 323

و هذا يؤكد لنا حقيقة هامة، و هي 323

الم. غلبت الروم 324

الفهارس 327

1-الفهرس الإجمالي 329

2-الفهرس التفصيلي 331