الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 21

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الحادى و العشرون

القسم التاسع: فتح مكة

اشارة

الباب الأول: إلى مكة

الباب الثاني: فتح مكة

الباب الثالث: نهايات فتح مكة

الباب الأول: إلى مكة

اشارة

الفصل الأول: المجزرة

الفصل الثاني: إلي المدينة: خبر و شكوى

الفصل الثالث: أبو سفيان في المدينة: تدليس و خداع

الفصل الرابع: جيوش تجتمع. . و الهدف مجهول

الفصل الخامس: ابن أبي بلعته. . يتجسس و يفتضح

الفصل السادس: على طريق مكة

الفصل السابع: هجرة العباس. . و إسلام ابن الحارث و ابن أبي سلمة

الفصل الثامن: أبو سفيان في أيدي المسلمين

الفصل الأول: المجزرة

اشارة

بداية:

إن فتح مكة كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام، و في الأوضاع العامة في الجزيرة العربية بأسرها. . . حيث لم يعد أحد يجد أي عقدة أو حرج من أية جهة كانت في الإقبال على هذا الدين، و الإنضواء تحت لواء الإسلام، بل أصبح ذلك موضع تنافس، و تسابق، لأنهم وجدوا فيه فرصة لتعزيز موقعهم، و تأكيد وجودهم و دورهم في صنع المستقبل، و رسم مسار الأمة بأسرها إلى مصيرها. .

و أصبح أعداء الأمس و صناع الحروب ضد هذا الدين و أهله أتباعا بل أذنابا، أكثر ما يهتمون له هو: أن يجدوا وسيلة لتأكيد صدق ولائهم، و صحة إيمانهم، و سلامة اعتقادهم. . أو أن يظهروا المزيد من الحرص على كسر شوكة أعداء دين اللّه، و النكاية فيهم، و صدقهم في مناهضتهم و ردّ عاديتهم. .

و أصبحت لا تسمع منهم إلا المدح و الثناء، و إلا العبارات الطافحة بالرضا، و المعبرة عن مشاعر العرفان بالجميل، و عن الشعور بالإمتنان، و بالشكر الجزيل لمن كان بنظرهم قاطعا للرحم، و سببا في الخلاف و في الاختلاف، و من وصفوه بالكاهن و الساحر و المجنون، و بالشاعر الذي يتربصون به ريب المنون. .

فكيف كان هذا الفتح، و ما هي تفاصيل أحداثه؟

هذا ما سوف نجيب عليه في الفصول الآتية.

تاريخ فتح مكة:

روي عن الإمام الرضا، عن آبائه «عليهم السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سافر إلى بدر في شهر رمضان، و افتتح مكة في شهر رمضان (1).

و في الروايات التاريخية أيضا: إن الفتح كان في يوم الجمعة (2).

و القول: بأنه كان في شهر رمضان سنة ثمان مروي عن ابن عباس، و سعيد بن المسيب، و أبي سعيد الخدري و غيرهم، بل لا خلاف في أن هذه


1) البحار ج 19 ص 273 و ج 21 ص 116 و راجع ج 97 ص 168 و أمالي ابن الشيخ ص 218. و راجع: الأمالي للطوسي ص 342 و مسند الإمام الرضا ج 2 479 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2249 و تفسير الميزان ج 9 ص 29 و مشارق الشموس للخوانساري ج 2 ص 370 و الحدائق الناضرة ج 3 ص 188 و الإستبصار ج 2 ص 102 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 126 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 10 ص 201 و {ط دار الإسلامية} ج 7 ص 243 و منتهى الجمان ج 2 ص 520.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 77. و راجع: البحار ج 21 ص 143 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 137 و {ط دار الكتب العلمية} ج 1 ص 391 و البداية و النهاية {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 322 و زاد المعاد {ط مؤسسة الرسالة} ج 1 ص 1096 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 77 و 232 و نيل الأوطار ج 2 ص 195 و أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية {ط دار الكتب العلمية} ج 2 ص 640.

الغزوة كانت في شهر رمضان (1)، فلا حاجة إلى تفصيل القول في ذلك.

و لكن الخلاف هنا هو في ثلاثة أمور، هي:

1-يوم الخروج من المدينة.

2-يوم دخول مكة.

3-مدة الإقامة في مكة.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 200 و 265 و 266 عن البخاري، و البيهقي، و أحمد، و الواقدي، و ابن إسحاق، و إسحاق بن راهويه، و مسلم، و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و 77 و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و البحار ج 21 ص 102 و 111 و 124 و 127 و 133 و 143 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و عن البخاري ج 7 ص 595. و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 341 و ج 6 ص 55 و مقدمة فتح الباري ص 371 و فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و التبيان ج 5 ص 198 و تفسير القرطبي ج 6 ص 60 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 119 و سبل السلام ج 2 ص 161 و ج 3 ص 5 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 134 و 137 و {ط دار الكتب العلمية} ج 1 ص 391 و البداية و النهاية {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 322 و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 58 و فتوح البلدان ج 1 ص 46 و زاد المعاد {ط مؤسسة الرسالة} ج 1 ص 1096 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 77 و 232 و نيل الأوطار ج 2 ص 195 و أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية {ط دار الكتب العلمية} ج 2 ص 640 و إعلام الورى ج 1 ص 215 و قصص الأنبياء للراوندي ص 345 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 354 و 539 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52. و غير ذلك من المصادر الكثيرة جدا.

و نحن نذكر هنا موجزا عن هذه الأمور الثلاثة كما يلي:

يوم خروج النبي صلّى اللّه عليه و آله من المدينة:

روي عن الزهري أنه قال: لا أدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعد ما دخل (1).

و عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 عن البيهقي، و راجع: السيرة النبوية لا بن كثير ج 3 ص 539 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 326 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 و 266 عن أحمد بإسناد صحيح، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و {ط دار المعرفة} ج 3 ص 3 و البحار ج 21 ص 127 و إعلام الورى ج 1 ص 218 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 327 و {ط دار المعارف} ج 2 ص 283 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 541 و 542 صحيح ابن حبان {ط مؤسسة الرسالة} ج 11 ص 46 و {ط دار الفكر} ج 5 ص 84 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 66 و مسند أبي حنيفة ج 1 ص 250 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 264 و راجع: المبسوط للسرخسي ج 3 ص 91 و عن عون المعبود ج 7 ص 30 و {ط دار الفكر} ص 39 و التمهيد للقرطبي ج 2 ص 169 و ج 22 ص 47 و مرقاة المفاتيح ج 4 ص 525 و السير الكبير للشيباني ج 1 ص 66 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313.

و قال آخرون: أنه خرج لعشر خلون من شهر رمضان (1).

يوم دخول مكة:

و اختلفت أقوالهم في يوم دخول مكة، فعن الزهري: فصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 عن الواقدي، و ابن إسحاق، و عن إسحاق بن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و البحار ج 21 ص 102 و راجع: شرح مسلم للنووي ج 5 ص 234 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و الديباج على مسلم ج 3 ص 216 و عن عون المعبود ج 7 ص 30 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52 و مرقاة المفاتيح ج 4 ص 525.

2) البحار ج 21 ص 133 عن إعلام الورى و غيره، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 عن البيهقي بسند صحيح، و إعلام الورى ج 1 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 541 و صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 3 ص 141 و {ط دار الكتب العلمية} ج 7 ص 190 و العلل لابن حنبل ص 231 و السنن الكبرى للبيهقي {ط دار الفكر} ج 4 ص 241 و {ط أخرى} ج 6 ص 273 شرح مسلم للنووي {ط دار الكتاب العربي} ج 5 ص 233 و {ط دار الفكر} ج 7 ص 189 و الدر منثور ج 6 ص 408 و مسند أحمد {ط دار صادر} ج 1 ص 276 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 107 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 43 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 374 و نصب الراية {ط دار الحديث} ج 3 ص 28 و منتخب مسند عبد بن حميد {ط مكتبة النهضة} ص 217 و {ط دار عالم الكتاب} ج 1 ص 216 و غرر الفوائد المجموعة ليحي بن علي القرشي ص 310 و مجمع الزوائد ج 6 ص 177 و نصب الراية ج 3 ص 28 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 327 و {ط دار المعارف} ج 2 ص 283.

و قيل: لاثنتي عشرة (1).

و قيل: إنه دخل لست عشرة (2).

و قيل: لسبع عشرة (3).

و قيل: لتسع عشرة (4).

و قيل: لعشرين من شهر رمضان (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 و 266 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 و 266 عن مسلم، و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313.

3) الدر المنثور ج 6 ص 408 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 326 و {ط دار المعارف} ج 2 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثر ج 3 ص 541.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 265 و 266 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و شرح مسلم للنووي {ط دار الكتاب العربي} ج 7 ص 334 و {ط دار الفكر} ج 7 ص 189 و نيل الأوطار {ط دار الفكر} ج 2 ص 295 و {ط دار الجيل} ج 4 ص 311 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 4 ص 158 و ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 4 ص 690 و ج 8 ص 313 و عمدة القاري ج 11 ص 45 و الديباج على مسلم ج 3 ص 216.

5) البحار ج 94 ص 168 ج 21 ص 143 عن الكازروني، و تاريخ خليفة بن خياط ص 53 و تاريخ الأمم و الملوك {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 343 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 889 و {دار المعرفة} ج 4 ص 60 عن ابن إسحاق، و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 107 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و الديباج على مسلم ج 3 ص 216 و نيل الأوطار {ط دار الفكر} ج 2 ص 295 و {ط دار الجيل} ج 4 ص 311 و 312 و إعلام الورى ج 1 ص 226 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 44 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 327 و 369 و {ط دار المعارف} ج 2 ص 283 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 542 و تفسير أبي السعود ج 9 ص 208 و راجع: تفسير الثعالبي، و تفسير البغوي.

و قيل: لاثنين و عشرين من شهر رمضان (1).

و رواية أخرى رددت: بين تسع عشرة، أو سبع عشرة (2).

مدة الإقامة في مكة:

و أما بالنسبة لمدة بقائه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، فهو موضع خلاف أيضا.

فقيل: عشر ليال (3).

و قيل: خمس عشرة ليلة (4).


1) فتح القدير ج 2 ص 10 و تفسير القرطبي ج 6 ص 60 عن الضحاك.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و البحار ج 21 ص 111 عن كتاب العدد، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 و تاريخ بغداد ج 12 ص 108 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 8 ص 2 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 68.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و عن البخاري ج 1 ص 367 ح 1031 و ج 4 ص 1064 ح 1046 و عن مسلم ج 2 ص 141 ح 15 و المحلى ج 5 ص 27 و المجموع للنووي ج 4 ص 363 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 148.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن البخاري، و المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و عن ابن إسحاق، و النسائي. و راجع: مسالك الأفهام ج 7 ص 428 عن صحيح مسلم ج 2 ص 1024 ح 20 و نيل الأوطار ج 9 ص 269 و عن صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 4 ص 132 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 93 و ج 4 ص 225 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 415 و البحار ج 21 ص 143 عن الكازروني، و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 143 و 144 و البداية و النهاية ج 4 ص 363 و السيرة النبوية ج 3 ص 600 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 151 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 340 و ج 8 ص 540 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و تفسير الميزان ج 9 ص 230.

و قيل: سبع عشرة (1).

و قيل: ثماني عشرة (2).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن أبي داود، و راجع: الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 143 و كنز العمال ج 8 ص 239.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن الترمذي، و راجع: الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 143 و 144 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 419 و كنز العمال ج 7 ص 545 و ج 8 ص 237 و عن فتح الباري ج 2 ص 463 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 93 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449 و ج 7 ص 355 و سبل السلام ج 2 ص 40 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و مسند أحمد ج 3 ص 431 و 432 و سنن أبي داود ج 1 ص 275 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 157 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 338 و 340 و 419 و نصب الراية ج 2 ص 224 و 225 و 226 و البداية و النهاية ج 4 ص 363 و السيرة النبوية ج 3 ص 599.

و قيل: تسع عشرة (1).

و لعل التصحيف-بين سبع و تسع-هو الذي جعلهما قولين.

و قيل: عشرين (2).

و قيل: بضع عشرة (3).

و هذا قد لا يكون قولا جديدا، فإنه قد يكون موافقا لأحد الأقوال السابقة.

و هكذا يقال بالنسبة لقولهم: إنه بقي بقية شهر رمضان، و ستة أيام من شوال (4)، فإنه قد يكون متوافقا مع أحد الأقوال المتقدمة.

خطأ في البخاري:

روي عن ابن عباس: أن فتح مكة كان «على رأس ثماني سنين و نصف من مقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة» (5).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 230 عن البخاري و أبي داود، و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 93 و نصب الراية ج 2 ص 221.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 94 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 201 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن الإكليل، و راجع: عون المعبود ج 14 ص 37.

4) المصدر السابق.

5) صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث العربي} ج 8 ص 313 و {ط دار الفكر} ج 5 ص 90 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 عنه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و عوالي اللآلي ج 1 ص 203 و مسند أحمد {ط دار صادر} ج 1 ص 334 و {ط دار إحياء التراث العربي} ص 549 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 241 و عن فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 4 ص 154 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 373 و الدر المنثور {ط دار المعرفة} ج 6 ص 407 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 659 و نيل الأوطار {ط دار الفكر} ج 2 ص 288 و {ط دار الجليل} ج 4 ص 303 و الطرائف لابن طاووس ص 528 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 326 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 541.

قال العسقلاني و غيره: «و هو وهم. و الصواب: على رأس سبع سنين و نصف» (1).

و في خلاصة السيرة: لسبع سنين و ثمانية أشهر، و أحد عشر يوما (2).

و نقول:

إن هذا التحديد ليس دقيقا، و لأن الصحيح هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم المدينة في الثامن من شهر ربيع الأول (3)، فيكون فتح مكة بعد مقدمه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة بسبع سنين و ستة أشهر و أحد عشر يوما إذا كان فتحها في التاسع من شهر رمضان المبارك. . . و تقل الأيام و تزيد بحسب الاختلاف في اليوم الذي دخل فيه «صلى اللّه عليه و آله» مكة،


1) فتح البارى {ط دار المعرفة} ج 8 ص 3 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 313 و عمدة القاري ج 17 ص 275 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 76.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 77.

3) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 41 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 361 و الدر المنثور {ط دار المعرفة} ج 4 ص 108 و {ط دار الفكر} ج 5 ص 97 و العلل في معرفة الرجال لابن حنبل ج 3 ص 426.

حسبما أسلفناه في الصفحات السابقة.

شهر رمضان لماذا؟ ! :

1-لقد كانت سياسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كثير من حروبه مع أعدائه، و خصوصا في غزوة الفتح، هي اعتماد عنصر المباغته. و قد توفر هذا العنصر أيضا في اختيار شهر رمضان المبارك، و هو شهر الصوم و العبادة، للقيام بحملة واسعة و كبيرة، لأن ذلك كان من الأمور التي يقلّ احتمالها في حسابات الناس عادة، حيث يتوقعون إخلاد الناس للراحة في هذا الشهر، و عكوفهم على العبادة، و عزوفهم عن الأسفار، حتى لا يضطروا لقضاء الصوم في أيام فطر الناس.

و بذلك يصح اعتبار هذا التوقيت من العناصر التي ساعدت على مباغتة القوم، و مفاجأتهم كما هو ظاهر. .

2-ثم إن لشهر رمضان أثره الإيحائي في نفوس أهل الإيمان، من حيث أنه يهيئهم للعيش في كنف اللّه، و الشعور بحضوره، و يؤكد علاقتهم به تبارك و تعالى. فكيف إذا انضم إلى ذلك أن حركتهم هذه إنما هي باتجاه بيت اللّه، و حرمه، و أقدس البقاع و أشرفها؟ و يقودهم و يرعاهم أفضل الأنبياء و أكرمهم و أشرفهم؟ ! .

و لعل أهم ما في الأمر: أن ذلك يحقق درجة كبيرة من التمازج العملي فيما بين المعاني و القيم الإيمانية، و بين حركة الإنسان في الحياة، و يعطي هذه الحركة معناها الروحي، و يتجلى ذلك فيها بعمق، و بوضوح، و يمنح الإنسان قدرة أكبر على الشعور بهذا التمازج، و تتفاعل مشاعره و أحاسيسه معه، و تحت و طأته.

الأحلاف في الجاهلية و الإسلام:

قالوا: كانت خزاعة في الجاهلية أصابت رجلا من بني الحضرمي، و اسمه مالك بن عباد-و حلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن-و كان هذا الحضرمي قد خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، و أخذوا ماله.

فمر رجل من خزاعة على بني الديل بعد ذلك فقتلوه، فوقعت الحرب بينهم، فمر بنو الأسود بن رزن، و هم: ذؤيب، و سلمى، و كلثوم على خزاعة، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم.

و كان قوم الأسود منخر بني كنانة يودون في الجاهلية ديتين لفضلهم في بني بكر، و نودى دية.

فبينا بنو بكر و خزاعة على ذلك بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فحجز بالاسلام بينهم، و تشاغل الناس به، و هم على ما هم عليه من العداوة في أنفسهم.

فلما كان صلح الحديبية بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين قريش، و وقع الشرط: «و من أحب أن يدخل في عقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فليدخل، و من أراد أن يدخل في عقد قريش فليدخل» ، دخلت خزاعة في عقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

حلف خزاعة:

و قالوا أيضا: و كانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك عارفا، و لقد جاءته خزاعة يومئذ

بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب و هو:

«باسمك اللهم. هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ قدم عليه سرواتهم و أهل الرأي، غائبهم مقر بما قاضى عليه شاهدهم، إن بيننا و بينكم عهود اللّه و عقوده، و ما لا ينسى أبدا، اليد واحدة، و النصر واحد ما أشرف ثبير، و ثبت حراء مكانه، و ما بل بحر صوفة. و لا يزداد فيما بيننا و بينكم إلا تجددا أبد الدهر سرمدا» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما أعرفني بخلقكم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة. و لا حلف في الإسلام» (1).

و في الإمتاع: أن نسخة كتاب الحلف هي:

«باسمك اللهم. هذا ما تحالف عليه عبد المطلب بن هاشم و رجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة، تحالفوا على التناصر و المواساة ما بلّ بحر صوفة، حلفا جامعا غير مفرق، الأشياخ على الأشياخ، و الأصاغر على الأصاغر، و الشاهد على الغائب، و تعاهدوا و تعاقدوا أوكد عهد، و أوثق عقد، لا ينقض و لا ينكث، ما أشرقت شمس على ثبير، و حنّ بفلاة بعير، و ما أقام الأخشبان، و عمر بمكة إنسان، حلف أبد، لطول أمد، يزيده طلوع الشمس شدّا، و ظلام الليل مدا. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 200 عن فتح الباري ج 7 ص 592 و السيرة الحلبية ج 3 ص 70 و المغازي للواقدي ج 2 ص 781 و 782 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 2 ص 345 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 130 و 234 و 235.

و أن عبد المطلب و ولده و من معهم و رجال خزاعة متكافئون، متظاهرون متعاونون، فعلى عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على كل طالب، و على خزاعة النصرة لعبد المطلب و ولده و من معهم على جميع العرب، في شرق أو غرب، أو حزن أو سهل. و جعلوا اللّه على ذلك كفيلا، و كفى باللّه جميلا» .

فجاؤوا بعهدهم هذا إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» في الحديبية، فقرأه له أبي بن كعب، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : ما أعرفني بحقكم و أنتم على ما أسلفتم عليه من الحلف (1).

سبب حلف خزاعة:

و ذكروا عن سبب عقد هذا الحلف:

أنه لما مات المطلب بن عبد مناف، و ثب أخوه نوفل على ساحات و أفنية كانت لعبد المطلب، و اغتصبه إياها، فضطرب عبد المطلب لذلك، و استنهض قومه، فلم ينهض معه أحد منهم، و قالوا له: لا ندخل بينك و بين عمك.

فكتب إلى أخواله بني النجار، فجاءه منهم سبعون راكبا، فأتوا نوفلا، و قالوا له: و رب هذه البنية، لتردنّ على ابن أختنا ما أخذت، و إلا ملأنا منك السيف، فرده.

ثم حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 70 و 71.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 70 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 9 و 10.

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، نقتصر منها على ما يلي:

حلف أهل الباطل:

قد اتضح مما تقدم: أن نوفلا كان متعديا على عبد المطلب غاصبا لحقه، و أن عبد المطلب حين لم ينهض معه أحد من قومه اضطر إلى الاستعانة بأخواله من بني النجار، ثم حالف خزاعة، ليمتنع بهم إن تعرض له احد بظلم، لكي يدفع عن نفسه، و يعيش مرهوب الجانب عزيزا مكرما. .

و لكن نوفلا الذي ظلم عبد المطلب، و لم يتراجع عن موقفه إلا تحت وطأة التهديد باستعمال السيف، قد حالف بني أخيه عبد شمس، ليتقوى بهم على مواصلة سيرته و نهجه، و هم لم يجدوا في التحالف معه على ذلك أي حرج أو مانع. .

و شتان بين من يحالف جماعة ليتقوى بهم على إحقاق الحق، و بين من يحالف الآخرين ليتقوى بهم على إشاعة نهجه الإنحرافي و الظالم. .

لا حلف في الإسلام:

و من خلال المعادلة المشار إليها آنفا ندرك صحة ما يرمي إليه قوله «صلّى اللّه عليه و آله» : «كل حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة. و لا حلف في الإسلام» .

فإن المقصود بالحلف الذي في الجاهلية، و يزيده الإسلام شدة، هو الحلف الهادف إلى نصرة الحق، و المتضمن للتعاون، و التناصر، و المواساة، و دفع الظلم. . فإن الإسلام يشدد على الاستمرار في هذا الاتجاه، و يؤكد على

الالتزام بمضمون كل حلف فيه هذه المزايا، و يدعو إلى دخول جميع الناس في هذا الالتزام. .

و لكن الإسلام لا يرضى بنشوء حلف فيما بين المسلمين ضد أي فريق آخر منهم أنفسهم، لأن معنى هذا هو: إقرار الإسلام حالة الإنقسام فيما بين أهل الصف الواحد، و أتباع النهج و الدين الواحد، في حين أن دعوة الإسلام تقوم على اعتبار المسلمين يدا واحدة على من سواهم (1)، و يريد لهم: «أن يكونوا بمثابة أسرة واحدة متكاملة العناصر، لهم قيّم واحد، و هو النبي «صلّى اللّه عليه و آله» أو الإمام «عليه السلام» ، و قد روي عنه «صلّى اللّه عليه و آله» قوله: أنا و علي أبوا هذه الأمة (2).


1) راجع: كتاب الأم للشافعي ج 4 ص 239 و 302 و ج 7 ص 367 و 370 و مختصر المزني ص 258 و 272 و المجموع للنووي ج 19 ص 364 و 365 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 25 و نيل الأوطار ج 8 ص 180 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 263 و البحار ج 93 ص 81 و ج 97 ص 32 و الغدير ج 8 ص 171 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1340 و 1341 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 895 و مجمع الزوائد ج 6 ص 292 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 99 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 26 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 193 و المعجم الأوسط ج 6 ص 305 و المعجم الكبير ج 20 ص 206 و كنز العمال ج 1 ص 99 و السير الكبير للشيباني ج 2 ص 482.

2) راجع: معاني الأخبار ص 52 و 118 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 85 و {ط أخرى} ج 1 ص 91 و البرهان {تفسير} ج 1 ص 369 عن الفائق للزمخشري، و عن ابن شهر آشوب. و الميزان {تفسير} ج 4 ص 357 عنه و عن العياشي. و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 235 و علل الشرائع ج 1 ص 127 و الأمالي للصدوق ص 65 و 411 و 755 و كمال الدين و تمام النعمة ص 261 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 322 و خاتمة المستدرك للنوري ج 5 ص 14 و الغارات للثقفي ج 2 ص 717 و 745 و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 46 و 47 و كنز الفوائد ص 186 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 300 و العمدة لابن البطريق ص 345 و سعد السعود للسيد ابن طاووس ص 275 و الصراط المستقيم ج 1 ص 242 و 243 و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 35 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 47 و البحار ج 16 ص 95 و 364 و ج 23 ص 128 و 259 و ج 26 ص 264 و 342 و ج 36 ص 6 و 9 و 11 و 14 و 255 و ج 38 ص 92 و 152 و ج 39 ص 93 و ج 40 ص 45 و 53 و ج 66 ص 343 و ج 71 ص 116 و ج 108 ص 320 و 376 و ج 109 ص 10 و ج 110 ص 36 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 238 و شرح الزيارة الجامعة للسيد عبد اللّه شبر ص 43 و المراجعات ص 286 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 40 و 41 و ج 2 ص 393 و ج 9 ص 264 و ج 10 ص 445 و نهج السعادة ج 7 ص 156 و 158 و الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الرحماني ص 76 و 787 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 80 و 221 و درر الأخبار ص 244 و 272 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 159 و 200 و 413 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 330 و 331 و 645 و التفسير الصافي ج 1 ص 150 و ج 4 ص 165 و 166 و ج 5 ص 52 و التفسير الأصفى ج 2 ص 984 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 237 و 238 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 286 و ج 4 ص 357 و مفردات غريب القرآن ص 7 و إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 233 و بشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص 97 و 254 و نهج الإيمان لابن جبر ص 625 و 629 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص 74 و 128 و ينابيع المودة ج 1 ص 370.

و تتشارك سائر العناصر في بناء الحياة في أخوة مسؤولة، متعاونة، و متكافلة،

و منسجمة على قاعدة: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (1)، تقوم على أساسين اثنين هما: الحق و المواساة، كما اتضح من مؤاخاته «صلى اللّه عليه و آله» بين المسلمين. و قد ذكرنا ذلك في جزء سابق من هذا الكتاب.

مرتكزات حلف عبد المطلب و خزاعة:

و إذا تأملنا في مضمون حلف عبد المطلب مع خزاعة، فإننا نجده قائما على نفس المرتكزات التي قامت عليها المؤاخاة فيما بين المسلمين حسبما قدمناه في هذا الكتاب. .

فإن كانت المؤاخاة قد قامت على دعامتين هما: الحق و المواساة. فإن حلف عبد المطلب و خزاعة أيضا قد قام على نفس هاتين الدعامتين، لأنه جاء لحماية الحق، و تأكيد الالتزام به، و الانتصار له، و التناصر فيه، و التعاون على حفظه، و الالتزام بالمواساة فيه.

كما أنه صرح أو أشار إلى حيثيات تؤكد على هذا المسار، و تبين معالمه، و توضح آفاقه.

فهو-كما صرحت الروايات-:

1-حلف جامع غير مفرق.

و هو يقوم على:

2-التكافؤ فيما بين أفراده و شرائحه، فالكل متكافئون. .

3-و التناصر. . إلى حد يكون فيه النصر واحدا، لا تمييز فيه بين كبير و صغير.


1) الآية 10 من سورة الحجرات.

4-و التعاون حتى إن اليد واحدة.

5-و المواساة.

6-و أساس هذا الحلف عهود اللّه و عقوده. .

7-و هو يخضع لرعاية اللّه تبارك و تعالى، فهو سبحانه الكفيل و الضامن و غير ذلك من لمحات و إشارات يجدها فيه المتأمل الخبير، و الناقد البصير.

قريش تنقض العهد:

و قد نقضت قريش عهدها الذي عقدته مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية.

و قالوا: إن سبب ذلك هو: أنه لما دخل شعبان على رأس اثنين و عشرين شهرا من صلح الحديبية، كلمت بنو نفاثة و بنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم بالرجال و السلاح على عدوهم من خزاعة، و ذكروهم القتلى الذين أصابت خزاعة منهم.

و أرادوا أن يصيبوا منهم ثأر أولئك النفر الذين أصابوا منهم في بني الأسود بن رزن، و ناشدوهم بأرحامهم، و أخبروهم بدخولهم في عقدهم، و عدم الإسلام، و دخول خزاعة في عقد محمد و عهده.

فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا، إلا أن أبا سفيان بن حرب لم يشاور في ذلك و لم يعلم (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 783 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 453 و البحار ج 21 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 260 و 271.

و يقال: إنهم ذاكروه فأبى ذلك (1).

فأعانوا بالسلاح و الكراع و الرجال، و دسوا ذلك سرّا لئلا تحذر خزاعة، و خزاعة آمنون غارون لحال الموادعة، و لما حجز الإسلام بينهم.

ثم اتعدت قريش و بنو بكر و بنو نفاثة أن يأتوا إلى {الوتير} ، و هو موضع أسفل مكة، و هو منازل خزاعة، فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش، من كبارهم، متنكرون منتقبون؛ منهم: سهيل بن عمرو، و صفوان بن أمية، و عكرمة بن أبي جهل، و حويطب بن عبد العزى، و شيبة بن عثمان-و أسلموا بعد ذلك-و مكرز بن حفص، و أجلبوا معهم أرقاءهم.

و رأس بني بكر نوفل بن معاوية الديلي-و أسلم بعد ذلك-.

فبيتوا خزاعة ليلا، و هم غارون آمنون-و عامتهم صبيان، و نساء، و ضعفاء الرجال-فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم.

فقال أصحاب نوفل بن معاوية له: يا نوفل، إلهك، إلهك. قد دخلت الحرم!

فقال كلمة عظيمة: لا إله لي اليوم، يا بني بكر، لعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم، و لا يتأخر أحد منكم بعد يومه عن ثاره؟ !

فلما انتهت خزاعة إلى الحرم دخلت دار بديل بن ورقاء، و دار مولى لهم يقال له: رافع الخزاعيين، و انتهوا بهم في عماية الصبح.

و دخلت رؤساء قريش منازلهم، و هو يظنون أنهم لا يعرفون، و أنه لا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 201 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 257.

يبلغ هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أصبحت خزاعة مقتّلين على باب بديل و رافع.

و قال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث: قد رأيت الذي صنعنا بك و بأصحابك، و من قتلت من القوم، و أنت قد حصدتهم تريد قتل من بقي، و هذا ما لا نطاوعك عليه، فاتركهم.

فتركهم، فخرجوا.

و ندمت قريش، و ندموا على ما صنعوا، و عرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة و العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و جاء الحارث بن هشام، و عبد اللّه بن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، و إلى سهيل بن عمرو، و عكرمة بن أبي جهل، فلاموهم بما صنعوا من عونهم بني بكر على خزاعة، و قالوا: إن بينكم و بين محمد مدة، و هذا نقض لها (1).

و قيل: إنهم قتلوا منهم عشرين رجلا (2).

و قيل: إن سبب نقض العهد ليس هو سعي بني نفاثة لأخذ ثأرهم القديم من خزاعة، بل السبب هو: أن شخصا من بني بكر، و هو أنس بن زنيم الديلي، هجا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و صار يتغنى به، فسمعه غلام من


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 201 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و البحار ج 21 ص 100 و 101 و مجمع البيان ج 10 ص 554 و 555 و المغازي للواقدي ج 2 ص 782 و 783 و تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 257 و زاد المسير ج 3 ص 272 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 134.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 258 و زاد المسير ج 3 ص 272 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 134.

خزاعة، فضربه فشجه، فثار الشر بين الحيين، مما كان بينهم من العداوة.

فطلب بنو نفاثة من أشراف قريش أن يعينوهم بالرجال و السلاح على خزاعة، فأمدوهم بذلك، فبيتوا خزاعة و هم غارون آمنون. . و قاتل معهم جمع من قريش الخ. . (1).

و اعتزلت بنو مدلج، فلم ينقضوا العهد (2).

كما أن أبا سفيان لم يشاور في ذلك و لم يعلم (3).

و قال الطبرسي: «لما مضت سنتان من القضية {يعني عمرة القضاء} قعد رجل من كنانة يروي هجاء رسول اللّه، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا.

قال: و ما أنت و ذاك؟ !

فقال: لإن أعدت لأكسرن فاك!


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 71 عن الإمتاع، و المغازي للواقدي ج 2 ص 782 و 783 و راجع: فتوح البلدان ج 1 ص 41 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 257 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 87.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 71 عن الإمتاع، و المغازي للواقدي ج 2 ص 782 و 783 و راجع: تفسير الميزان ج 5 ص 37 و تفسير العياشي ج 1 ص 263 و الكافي ج 8 ص 327 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 455 و البحار ج 19 ص 172 و التفسير الصافي ج 1 ص 480 و التفسير الأصفى ج 1 ص 228 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 529 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 564.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 783 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق {ط دار الفكر} ج 23 ص 453 و {ط دار الكتب العلمية} ج 25 ص 284 و كنز العمال ج 10 ص 511 و البحار ج 21 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 260 و 271 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 20 ص 171.

فأعادها، فرفع الخزاعي يده، فضرب بها فاه.

فاستنصر الكناني قومه، و الخزاعي قومه. و كانت كنانة أكثر، فضربوهم حتى أدخلوهم الحرم، و قتلوا منهم. و أعانتهم قريش بالكراع و السلاح.

فركب عمرو بن سالم إلى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فخبره الخبر» (1).

و ستأتي قصة عمرو بن سالم.

و لكننا قبل ذلك نشير: إلى بعض الأمور التي ترتبط بما تقدم، فنقول:

سبب نقض العهد واحد:

قد يبدو للوهلة الأولى من ملاحظة النصوص المتقدمة أن ثمة اختلافا حول سبب إقدام قريش على نقض العهد.

و لكن الحقيقة هي: أن مجموع تلك النصوص يشير إلى أمر واحد مترابط و منسجم، و هو: أن أحد بني كنانة، و لعله من بني نفاثة، صار يروي هجاء رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فأنذره الخزاعي، فلم يرتدع، فضربه الخزاعي، فاستنصر الكناني قومه، فطلبوا النصر من قريش، فنصروهم و جرت الأمور بعد ذلك وفق ما فصّلته الرواية الأولى.

إستغلال الضغائن:

و قد لو حظ: أن بني نفاثة حين انتصروا لصاحبهم، إنما حركهم إلى ذلك أحقادهم على خزاعة، و تربصهم بها، لترات لهم عندها في حوادث


1) البحار ج 21 ص 124 و 125 عن إعلام الورى ج 1 ص 215.

جرت قبل البعثة النبوية الشريفة حسبما تقدم بيانه. .

و لكنهم حين يطلبون المساعدة من قريش تراهم يلجأون إلى تذكيرها بما تعتبره ميزة و فضلا، و هو: أن بني نفاثة لم يسلموا، و أنهم دخلوا في عقد قريش ضد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثم يحتجون لهم على استحقاق خزاعة للعقوبة: بأنها قد دخلت في عقد محمد و عهده. . فكان هذا و ذاك من موجبات مسارعة قريش للمشاركة في توجيه تلك الضربة القاسية لخزاعة. .

فحقد قريش على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على الإسلام و أهله قد دعاها إلى المشاركة في جريمة قتل الصبيان، و النساء، و الضعفاء. .

و نقض العهد و الغدر بالآمنين، و اجتياحهم، و أخذهم على حين غرة.

و اللافت هنا: أن الذين يستجيبون لهذه المحركات، لا لنداء الضمير و الوجدان و العقل و الشرف و الشهامة و الرجولة هم-على حد تعبير الرواية- «رجال من قريش، من كبارهم» ! ! . .

مع أن هؤلاء هم الذين يفترض فيهم أن يكونوا أبعد الناس عن التصرفات الرعناء، و عن الانقياد للنزوات الطائشة. و يتوقع منهم أن يزنوا الأمور بموازين فيها شيء من بعد النظر و الاتزان، و حساب العواقب.

و لكن الأمور قد جرت في غير هذا الاتجاه، كما رأينا. .

الغدر بالضعفاء، و بالصبيان و النساء:

و إن الغدر قبيح من كل أحد، لأنه ينافي الرجولة، و ميثاق الشرف، و الشهامة، و أعظم منه قبحا: أن يغدر القوي بالضعيف، فكيف إذا كان هذا

الضعيف هو الصبيان، و النساء، و الضعفاء من الرجال؟ !

و كيف إذا كان الغادر هم كبار القوم، و المدّعون للشرف، بل لمقام الأشرفية و الرئاسة فيهم؟ !

و كيف إذا كان هؤلاء الكبار المشاركون هم أنفسهم الذين أعطوا العهود و المواثيق و تعهدوا بالوفاء؟ ! .

بل إن بعضهم كان هو المفاوض في تلك العهود، و المتولي لإبرامها، و المشرف على نصوصها، و الموقع عليها و أعني به سهيل بن عمرو! !

إنه غدر بالآمنين الذين يستندون في أمنهم إلى عهد و عقد و ميثاق، معقود مع نفس هؤلاء الغادرين بأشخاصهم و أعيانهم، فليس هو أمن الغفلة و التقصير في الاحتياط، و لم يكن الغادر ممن يحسن الاحتياط معه و منه. .

القسوة. . لماذا؟ ! :

و لا نجد تفسيرا معقولا لهذه القسوة من قريش، و من كبارها على النساء و الصبيان، و ضعفاء الرجال، فهم يبيحون لأنفسهم قتلهم، لا على سبيل الصدفة و الاتفاق، بل عن سابق تخطيط و تدبير، و سعي للإستفراد بهم و استئصالهم قبل أن يتنبه الآخرون لما يحدث. .

بل نحن نستغرب: أن يقدم حتى بنو نفاثه على أمر كهذا. و هم الذين يدّعون أن قتل النساء كان عيبا في الجاهلية. . فكيف بالضعفاء، و الصبيان؟ ! .

فضلا عن أن يمعنوا في ملاحقتهم حتى ألجأوهم إلى الحرم! ! ثم لاحقوهم حتى في الحرم نفسه، إلى دار بديل بن ورقاء، و رافع الخزاعي! !

حرمة الحرم لدى قريش:

و إذا كانت قريش ترى: أن عزها و مجدها و فخرها هو في رعايتها لحرمة الكعبة و الحرم، فما بال الكبار فيها قد رضوا بهتك حرمة الحرم، و شاركوا هم في ذلك، و لم نسمع من أحد منهم كلمة ملامة لأحد من أولئك المعتدين على الأرواح، و على قدس المقدسات؟ ! حتى بعد أن حصل ما حصل. .

و كيف يمكننا تفسير موقف قريش من قضية القتال في يوم يشك في أن يكون هو أول الشهر الحرام و هو شهر رجب، أو آخر الشهر الذي قبله، حيث شنعت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أثارت عاصفة من الشكوى و التظلم من أجل ذلك، رغم أن هذا القتال قد كان مع الظالمين و المعتدين، و الذين يصدون عن سبيل اللّه. قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ.

قُلْ: قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ إِخْرٰاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ وَ لاٰ يَزٰالُونَ يُقٰاتِلُونَكُمْ حَتّٰى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطٰاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ (1).

ثم إنها و على أعلى المستويات فيها يعتدي كبارها على قوم بينها و بينهم عهد و ميثاق. فيغدرون بهم، و يختارون قتل خصوص النساء و الصبيان و الضعفاء منهم، حتى في حرم اللّه تبارك و تعالى. .


1) الآية 217 من سورة البقرة.

بل إن هذا التعدي لا ينحصر بهتك حرمة الحرم، بل يتجاوزه إلى التصريح بالإلحاد، و إنكار أصل الألوهية، و ذلك حين يقول أصحاب نوفل: إلهك إلهك! ! قد دخلت الحرم.

فيقول: لا إله لي اليوم.

هل ندموا حقا؟ !

و بعد. . فإننا لم نستطع فهم ما يرمي إليه قولهم: ندمت قريش و ندموا على ما صنعوا، و عرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة و العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و ذلك لأن قرائن الأحوال تشهد بعدم صحة هذا الكلام:

أولا: لأن رجال قريش قد تنكروا و تنقبوا حين جاؤوا لمساعدة بني بكر، مع أن بني بكر كانوا حلفاءهم، و قد دخلوا في عقدهم، فعليهم نصرهم علنا، و لا ضرورة للتنكر و التنقب إن لم يكونوا يريدون تعمية الأمور، لكي لا يظهر للناس أنهم قد نقضوا عهدهم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثانيا: إن بني نفاثة حين كلموا قريشا في نصرهم على خزاعة قد ذكروا لها أنهم داخلون في حلفهم ضدّ محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و خزاعة داخلة مع النبي في الحلف و العقد ضدهم.

فهم إذا ملتفتون إلى هذا العقد و العهد، مدركون أن المهاجم متحالف مع قريش، و أن المقصود بالهجوم متحالف مع المسلمين في عهد الحديبية.

فما معنى ادّعاء الروايات و رواتها أن قريشا بعد أن ارتكبت جريمتها

في حق خزاعة «عرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة و العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . ؟ .

ثالثا: إن هناك روايات تقول: إنهم كلموا أبا سفيان، فأبى ذلك (1).

فلماذا لا يرضى أبو سفيان بنصر حلفائه؟ ! و هو الحاقد على خزاعة بسبب ميلها إلى رسول اللّه و تحالفها معه «صلى اللّه عليه و آله» .

ألا يدل امتناعه هذا على أنه يرى في ذلك ضررا بالغا، و دخولا في أمر خطير، من حيث أنه نقض للعقد و العهد القائم بينهم و بين المسلمين؟ !

رابعا: ما معنى قول هؤلاء الرواة أنفسهم: إنه بعد انتهاء الهجوم و حصول المجزرة «دخلت رؤساء قريش منازلهم، و هم يظنون: أنهم لا يعرفون، و أنه لا يبلغ هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» ؟ !

أليس ظنهم هذا يؤدي بهم إلى إدراك أن بلوغ هذا الأمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يؤدي إلى نشوء مشكلة خطيرة لهم معه؟ !

و لا مبرر لاعتبار ذلك مشكلة إلا لأنهم يدركون أن ما فعلوه له مساس مباشر بالعقود التي تحكم فيما بينهم و بينه «صلى اللّه عليه و آله» . .

بنو نفاثة يسرقون الحاج:

و اللافت هنا: هذا المنطق الخسيس الذي اعتمده نوفل بن معاوية لتحريض بني بكر على الإمعان في قتل النساء و الصبيان و الضعفاء، و توقعه ذلك منهم حتى في داخل الحرم. . فإنه قال لهم: «إنكم لتسرقون الحاج في


1) شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 257 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 201.

الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم» ؟ !

فإذا كان هؤلاء يسرقون الحجاج و هم في حرم اللّه تبارك و تعالى، فهل يتوقع منهم احترام المقدسات، و الوقوف عند حدود اللّه سبحانه، و الالتزام بأمره و نهيه؟ !

و إذا كان هذا هو منطق رئيس بني بكر، و تلك هي أوامره لمن هم تحت إمرته، و هذه هي توقعاته منهم! !

و إذا كان يدفعهم بهذا المنطق إلى متابعة جرائمهم لاستئصال الأبرياء، من النساء و الصبيان و الضعفاء! !

و إذا كان يصور لهم: أن هؤلاء الصبيان الذين قد لا يعرفون شيئا مما يدور حولهم، بل إنهم غير قادرين على إدراك معنى الشر، بالإضافة إلى النساء، و الضعفاء-يصورهم على أنهم هم أعداؤهم الذين يريد منهم أن يعملوا فيهم سيوفهم إلى حد الاستئصال.

و إذا كان نفس هذا الرئيس ينكر وجود الإله لمجرد تبرير اندفاعه للتنفيس عن حقده على هذا النوع من الناس.

و إذا كان الرئيس هو الذي يفترض فيه أن يكون الأكثر وعيا و إحساسا بالمسؤولية. .

فما الذي نتوقعه من همج رعاع، و جهلة أغبياء، و أشرار أشقياء، يمتهنون سرقة الحاج في حرم اللّه تعالى، و عند بيته المحرم؟ !

و هذا يدلنا على مدى معاناة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي جاءهم من عند اللّه بأصفى و أفضل التعاليم، التي هي محض الخير، و كل العطاء، و حقيقة البر و الرحمة، و النور الأنور، و الطهر الأصفى، و النبل

و الوفاء، و التضحية و الفداء، و سائر المعاني الإنسانية في أرقى الدرجات، و أفضل الحالات.

بديل بن ورقاء و ما جرى:

و قد قرأنا في النصوص المتقدمة: أن خزاعة أصبحت مقتّلة على باب بديل بن ورقاء و رافع الخزاعيين. .

و سنقرأ فيما يلي: أن بديلا قد عاش هذه المحنة، و تجرع غصتها، و لمس بشاعتها في بيته و على باب داره، أكثر من أي إنسان آخر. .

فما بالنا نرى هذا الرجل بالذات رفيقا لأبي سفيان حين خرج من مكة يترقب الأخبار، ليعرف حقيقة تحركات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بهذا الحدث؟ فلماذا لا يكون لبديل موقف سلبي و غاضب من قريش و رموزها؟

و يمكن أن نجيب عن هذا السؤال بما يلي:

أولا: إن أبا سفيان-كما تدّعيه بعض الروايات-أبى أن يستجيب لطلب بني بكر فيما يرتبط في توجيه الضربة لخزاعة (1).

أو أنه لم يشاور في هذا الأمر، و لم يعلم، و لكنه حين علم لم يرض، و لم يغضب كما تقدم و سيأتي (2).


1) تقدمت مصادر ذلك في النص المتقدم.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 783 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق {ط دار الفكر} ج 23 ص 453 و {ط دار الكتب العلمية} ج 25 ص 284 و كنز العمال ج 10 ص 511 و البحار ج 21 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 260 و 271.

أو أنه كان في الشام و لم يكن في مكة حين الإعتداء على الخزاعيين (1).

و هذا معناه: أن لا يجد بديل بن ورقاء أي مانع من الإبقاء على علاقته به، و يكون همزة وصل، لو حصل في المستقبل ما يحتاج إلى تفاوض، أو تدخل لمنع حدوث الأسوأ. .

ثانيا: إنه إذا كانت خزاعة تعيش في دائرة الخطر، و لم يكن يمكنها الحصول على الأمن المطلوب إلا عن طريق المداراة و المصانعة، بانتظار الوقت الذي تتمكن فيه من تجاوز المحنة، أو كان هذا الأمر يختص ببديل بن ورقاء فقط، فإن هذه المداراة تصبح مقبولة إذا بقيت في حدود المعقول، و ليس في ذلك أية غضاضة أو وهن على بديل و لا على خزاعة، و ذلك ظاهر لا يخفى.

بين الثأر. . و القصاص:

و قد تقدم: أن نوفل بن معاوية صار يقرّع بني بكر و يقول لهم: «تسرقون الحاج في الحرم، و لا تدركون ثاركم» ! !

و معلوم: أن مفهوم الثأر يعتمد على تبلور حالة من الحنق الشخصي في اندفاع ساحق و مدمر، مع إغفال أي حساب آخر سوى إرضاء نزعة الحقد الأسود بهذا البطش الأرعن و غير المسؤول، الذي لا يبالي بالضحية التي تكون في موقع البراءة و الطهر في أكثر الأحيان. .

و خير شاهد على هذه الرعونة هو: انتقام بني بكر حتى من الصبيان و النساء، و الضعفاء، و ذلك ثأرا لأناس قتلوا قبل عشرات السنين. أي قبل


1) راجع: البحار ج 21 ص 126 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و عن إعلام الورى ج 1 ص 217 و الأنوار العلوية للنقدي ص 199.

ولادة كثير من هؤلاء الضحايا بسنوات كثيرة بلا ريب. .

فالثأر يهدف إلى التدمير و الإبادة و الاستئصال حتى للبريء. .

و قد قال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث بن معاوية: «و أنت قد حصدتهم، تريد قتل من بقي» ؟

و إذا كان الحاكم هو منطق الأحقاد و الضغائن، لا الأخلاق و القيم و المبادئ و الشرع، أو العقل، فلا بد من أن ينتج هذا السلوك حرصا على مقابلة الإساءة بالإساءة، و التدمير و الاستئصال حتى للأبرياء بمثله، و يحول الوحدة إلى تشتت و تفرق، و الجماعة و العصبة إلى تمزق، و يتحول اهتمام المجتمع من العمل على لم الشعث، و التعاون على البر و التقوى، ليصبح تعاونا على الإثم و العدوان و على معصية اللّه و رسوله.

و هذا هو الفرق بين الثأر و القصاص.

فإن القصاص إجراء تربوي إصلاحي، يهدف إلى إرساء قواعد القسط و العدل، و إلى جعل الحياة أكثر صفاء و نقاء، بل أكثر حيوية و قوة و اندفاعا، على قاعدة: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي اَلْأَلْبٰابِ (1).

و في القصاص حفاظ على النفوس، و محاصرة للجريمة، و خنق لها في مهدها، و قطع دابرها، و إعفاء آثارها. .

و القصاص معناه: حصر الجريمة في مصدرها و هو المجرم نفسه، ثم استئصاله و استئصالها به، و تطهير المحيط منه و منها.

و القصاص يرسي قواعد الأمن المجتمعي، و يبعد الناس عن العيش في


1) الآية 179 من سورة البقرة.

أجواء التآمر، و الكيد و التربص شرا بالآخرين و ينمي حالة الثقة و التعاون فيما بين الناس.

و القصاص يهيئ الأجواء لإشاعة مفهوم الكرامة للإنسان، و يؤكد قيمته، و يحدّ من الطموح للتعدي عليه و هتك حرمته. .

و بالقصاص يعطي العدل قيمته و معناه، و ينصب أمام أعين الناس مثلا و قيما و معاني إنسانية لتكون موضع طموحهم، و غاية و منتهى آمالهم.

الفصل الثاني: إلى المدينة: خبر و شكوى

اشارة

النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر بالغيب عن نقض العهد:

روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة و خزاعة بالوتير: «يا عائشة، لقد حدث في خزاعة أمر» .

{أو قال: لقد حرت في أمر خزاعة} (1).

فقالت عائشة: يا رسول اللّه، أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك و بينهم، و قد أفناهم السيف؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ينقضون العهد لأمر يريده اللّه تعالى» .

فقالت: يا رسول اللّه، خير؟

قال: «خير» (2).

و عن ميمونة بنت الحارث: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ إلى الصلاة، فسمعته يقول في متوضئه: «لبيك، لبيك، لبيك-ثلاثا-نصرت، نصرت، نصرت-ثلاثا-» .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 788.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 201 و 202 و المغازي للواقدي ج 2 ص 288 و السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 261.

قالت: فلما خرج قلت: يا رسول اللّه، سمعتك تقول في متوضئك: «لبيك، لبيك-ثلاثا-نصرت، نصرت-ثلاثا» كأنك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟

قال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، و يزعم أن قريشا أعانت عليهم بكر بن وائل» .

قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثا ثم صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح بالناس، فسمعت الراجز ينشد:

يا رب إني ناشد محمداحلف أبينا و أبيه الأتلدا

فذكرت الرجز الآتي (1).

لماذا عائشة دون سواها؟ ! :

إننا لا نريد أن نثير أي سؤال ذا طابع تشاؤمي حول سبب مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إخبار عائشة دون سواها بهذا الأمر الغيبي الخطير، الذي سوف يظهر صدقه، و تتجلى دلائله و براهينه في وقت قصير. .

و قد كان بإمكانه «صلى اللّه عليه و آله» أن يذكر هذا الغيب في ملأ من الناس، ليصبح أكثر شيوعا، و ليسهم-من ثم-في تثبيت إيمان الناس،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 202 عن الطبراني في المعجم الكبير، و في المعجم الصغير، و مجمع الزوائد ج 6 ص 166 و السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و 72 و تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و راجع: فتح الباري {ط دار المعرفة} ج 7 ص 400 و المعجم الصغير ج 2 ص 73 و المعجم الكبير ج 23 ص 434 و دلائل النبوة للأصبهاني ص 73 و الإصابة ج 4 ص 522.

و الربط على قلوبهم. .

و إنما نريد هنا أن نشير فقط: إلى أن تخصيص عائشة بهذا الخبر الغيبي الخطير، من شأنه أن يجعلها أكثر حرصا على رواية هذا الحدث، و إشاعته، ما دام أنها ترى فيه تأكيدا على دورها المميز، و حضورها الفاعل.

ثم هو يوحي بأنها كانت بحاجة لمزيد من الدلائل و الشواهد على رعاية الغيب لمسيرة الرسالة و الرسول، ليحيا من حيي عن بينة، و يهلك من هلك عن بينة. .

و غني عن القول: أن هذا التبرير أو ذاك يبقى في دائرة التظني أو الاحتمال، و لا يجد ما يلغيه أو ما يؤكده بصورة قاطعة و يقينية، فما علينا إذا أوكلنا أمر ذلك إلى المزيد من التأمل و التدبر أي جناح. .

حرت في أمر خزاعة:

و أما بالنسبة لما زعمه الواقدي: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لقد حرت في أمر خزاعة» (1)، فهو مرفوض جملة و تفصيلا لأسباب عديدة، نذكر منها:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يتحير في هذا الأمر و لا في سواه، فإن التكليف الإلهي واضح لديه، و هو واضح هنا أيضا لكل أحد، إذ لا بد له من التعاطي مع ناكثي العهود بما يوجبه الشرع و الدين. . و هو «صلى اللّه عليه و آله» مسدد بالوحي، عارف بأمر اللّه، و هو عقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل، فلم يكن ليخفى عليه وجه الصلاح، و لا حكم


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 788.

اللّه في هذا الأمر.

ثانيا: إذا كان لا بد من الحيرة، فلا بد من أن تكون حيرة في أمر قريش، و بكر بن وائل، لا في أمر خزاعة. فإن خزاعة قد نكبت و ظلمت، فلا بد من التفكير في طريقة كف الظالم عن ظلمه، و ردع الباغي عن بغيه بعد أن لم ينتفعوا بالآيات و النذر، و لم يستجيبوا لنداء العقل، و لم يلتزموا بما يوجبه عليهم معنى الرجولة و الشهامة، و غير ذلك من معاني كانوا يزعمون أن لها دورا و موقعا في حياتهم، و في قراراتهم، و حركتهم، و إقدامهم، و إحجامهم.

سلب الألطاف الإلهية:

إن الشرك و الكفر من أعظم الذنوب التي لا يبقى معها أيّ أهلية للطف الإلهي، و لكن عدم الأهلية هذا لا يفرض حجب الألطاف بصورة قاطعة و نهائية. . فقد تكون هناك عوامل أخرى توجب التفضل الإلهي على فاقد الأهلية، بسبب ابتلائه بالشرك. . فمن كان سخيا، أو حليما، أو بارا بوالديه، أو بغيرهما من ذوي رحمه، ربما يتفضل اللّه تعالى عليه ببعض العنايات و التوفيقات، حفظا لتلك الخصال، أو مكافأة على بعض الأفعال، أو لطفا بغيره من أهل الحاجة و الاستحقاق. .

و قد ورد: أن بعض خصال الخير التي تكون في غير المؤمنين إنما جعلها اللّه فيهم لأجل حفظ أهل الإيمان.

فقد روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» أنه قال: إن اللّه تبارك و تعالى أعار أعداءه أخلاقا من أخلاق أوليائه، ليعيش أولياؤه مع أعدائه في دولاتهم.

و في رواية أخرى: و لو لا ذلك لما تركوا وليا للّه إلا قتلوه (1).

و قد أتي «صلى اللّه عليه و آله» بأسارى، فأمر بقتلهم باستثناء رجل منهم، فقال الرجل: بأبي أنت و أمي يا محمد، كيف أطلقت عني من بينهم؟ !

فقال: أخبرني جبرئيل عن اللّه عز و جل أن فيك خمس خصال يحبها اللّه و رسوله: الغيرة الشديدة على حرمك، و السخاء، و حسن الخلق، و صدق اللسان، و الشجاعة.

فلما سمعها الرجل أسلم الخ. . (2).

و هناك قضية أخرى تدخل في هذا السياق، و قد تكون نفس هذه القضية، و قد تكون غيرها فراجعها (3).

و في المقابل، ربما يكون لبعض الموبقات، التي يرتكبها المشرك أو


1) راجع: البحار ج 68 ص 378 عن الكافي ج 2 ص 101 و شرح أصول الكافي ج 2 ص 292 و مجمع البحرين ج 3 ص 277 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 391.

2) البحار ج 66 ص 383 و ج 68 ص 384 و 385 عن الأمالي للصدوق ص 163 و {ط مؤسسة البعثة} ص 345 و الخصال للصدوق ص 282 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 377 و 384 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 20 ص 155 و {ط دار الإسلامية} ج 14 ص 109 و مشكاة الأنوار لأبي الفضل علي الطبرسي ص 417.

3) البحار ج 68 ص 390 و ج 41 ص 73 و 75 و الأمالي للصدوق ص 93 و 94 و {ط مؤسسة البعثة}167 و 168 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 442 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 76 و الخصال ج 1 ص 96 و مشكاة الأنوار لأبي الفضل علي الطبرسي ص 409 و الجواهر السنية للحر العاملي ص 135 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 419.

الكافر، أثر في تأكيد حجب جميع أشكال و درجات التوفيق، و إيكال هذا المجرم إلى نفسه بصورة تامة و نهائية، لينتهي به الأمر إلى أن يؤثر ذلك حتى على مستوى إدراكه، أو على سلامة هذا الإدراك، أو يوقع هذا المجرم في بحر من الغفلة، و الجهل، و الجهالة التي قد تصل إلى حد الغواية التامة عن طريق الرشد، في أبسط مراتبه، و أدنى حالاته. .

و هذا هو ما حصل لقريش بالفعل، كما ربما يفيده قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعائشة: «ينقضون العهد لأمر يريده اللّه» حيث كان لا بد من حسم أمر الطغيان القرشي، لينتعش الشعور بالعزة لأهل الإيمان، و يتأكد سقوط عنفوان الشرك، و يعيش رموزه حالة الذل و الخزي الأمر الذي من شأنه أن يفسح المجال أمام دعوة الحق و الإيمان لتأخذ طريقها إلى قلوب المستضعفين، الذين كانوا بأمس الحاجة إليها.

و كان الطريق إلى ذلك هو ترك قريش لتتمادى في ممارسة دورها وفق ما يحلو لها، و ترتكب حماقاتها، و تظهر على حقيقتها، و يتجلى خزيها لكل أحد، لتنال جزاء أعمالها بعيدا عن أي لبس أو شبهة، أو تأويل خادع.

النبي صلّى اللّه عليه و آله. . و نصر بني كعب:

و قالوا: إن عمرو بن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يخبرونه بالذي أصابهم، و ما ظاهرت عليهم قريش، و معاونتها لهم بالرجال، و السلاح، و الكراع، و حضور صفوان بن أمية، و عكرمة، و من حضر من قريش. و أخبروه بالخبر، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس في المسجد بين أظهر

الناس، و رأس خزاعة عمرو بن سالم، فلما فرغوا من قصتهم، قام عمرو بن سالم، فقال:

يا رب إني ناشد محمداحلف أبينا و أبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا و كنا والداثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

إن قريشا أخلفوك الموعداو نقضوا ميثاقك المؤكدا

و زعموا أن لست أدعو أحداو هم أذل و أقل عددا

هم بيّتونا بالوتير هجداو قتلونا ركعا و سجدا

و جعلوا لي في كداء رصدافانصر رسول اللّه نصرا أيدا

و ادع عباد اللّه يأتوا مددافيهم رسول اللّه قد تجردا

أن سيم خسفا وجهه تربدافي فيلق كالبحر يجري مزبدا

قرم لقرم من قروم أصيدا

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حسبك يا عمرو، أي: و دمعت عيناه» .

أو قال: «نصرت يا عمرو بن سالم» .

فما برح حتى مرت عنانة {أي سحابة} من السماء فرعدت، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 202 و 203 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 234 و دلائل النبوة ج 5 ص 7 و عن: الطبراني في الكبير و الصغير، عن ميمونة بنت الحارث، و البزار بسند جيد عن أبي هريرة، و ابن أبي شيبة في المصنف عن عكرمة، و البيهقي عن ابن إسحاق، و محمد بن عمر عن شيوخه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و راجع السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 855 و عيون الأثر ج 2 ص 182 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 527 و كنز العمال ج 10 ص 502 و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 520 و أسد الغابة ج 4 ص 105 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 325 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 318 و تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و البحار ج 21 ص 125 عن إعلام الورى، و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 134.

و في المنتقى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما كان بالروحاء نظر إلى سحاب منصب، فقال: إن هذه السحابة لتستهل {لينتصب} الخ. . (1).

و روي بسند جيد عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان. و قال: «لا نصرني اللّه-تعالى-إن لم أنصر بني كعب» (2).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و مجمع الزوائد ج 6 ص 164 و المعجم الصغير ج 2 ص 74 و المعجم الكبير ج 23 ص 434 و دلائل النبوة للأصبهاني ص 74.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و المغازي للواقدي ج 2 ص 791 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 203 و في هامشه عن: مسند أبي يعلى ج 7 ص 343 {24/4380} ، و ذكره الهيثمي في المجمع ج 6 ص 164 و عزاه لأبي يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنهما. و قد وثقهما ابن حبان، و بقية رجاله رجال الصحيح، و ذكره ابن حجر في المطالب العالية {4356} و راجع: مجمع الزوائد {ط دار الكتب العلمية} ص 161 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 262.

و عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لما سمع ما أصاب خزاعة، قام-و هو يجر رداءه-و هو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي» (1).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «و الذي نفسي بيده، لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، و أهلي، و بيتي» (2).

و يتابع المؤرخون، فيقولون: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول اللّه، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك، فهدر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دمه (3).

فبلغ أنس بن زنيم ذلك، فقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معتذرا عما بلغه فقال قصيدة منها:

أ أنت الذي تهدى معد بأمرهبل اللّه يهديهم و قال لك اشهد

فما حملت من ناقة فوق رحلهاأبر و أوفى ذمة من محمد

إلى آخر القصيدة. .

و بلغت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قصيدته و اعتذاره. و كلمه


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 134 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 203 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 258 و 261.

2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 374{9739} و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 203 عنه و عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و المغازي للواقدي ج 2 ص 791.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 789 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 204 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 282 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 23 و أسد الغابة ج 1 ص 90 و 120 و ج 4 ص 105 و الإصابة ج 1 ص 271 و الأعلام ج 2 ص 24.

نوفل بن معاوية الديلي فيه، و قال له:

أنت أولى الناس بالعفو، و من منا لم يعادك و لم يؤذك؟ و نحن في جاهلية، لا ندري ما نأخذ و ما ندع، حتى هدانا اللّه بك من الهلكة، و قد كذب عليه الركب، و كثّروا عندك.

فقال: دع الركب، فإنّا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم و لا بعيدا كان أبر بنا من خزاعة.

فأسكت نوفل بن معاوية.

فلما سكت قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قد عفوت عنه.

فقال نوفل: فداك أبي و أمي (1).

نوفل يضيع الحق:

و نقول:

إن كلام نوفل لم يكن منصفا و لا دقيقا، فلاحظ ما يلي:

1-إنه يبدو: أن كلام نوفل بن معاوية كان يهدف إلى تصغير ذنب أنس من جهة، و إلى تضييع الحق من جهة أخرى.

فما قاله يؤدي إلى أن يصبح عفو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن مرتكب هذا الجرم العظيم، الذي يرمي إلى إلحاق الوهن بالإسلام، من خلال الجرأة على نبيه، يصبح عفوه عن جرم كهذا غير ذي أهمية، بل هو سيجعل ذلك واجبا إنسانيا إلى حد يكون معه النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 789 و 790 و 791 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 283 و راجع: الإصابة ج 1 ص 272 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 23.

نفسه في موقع الاتهام في نبله، و في أخلاقه الحميدة، و في سجاياه الكريمة، و حقيقة التزامه بالقيم، و رعايته للمثل العليا، و للمعاني الإنسانية.

فإذا كان «صلى اللّه عليه و آله» فاقدا لمثل هذه الفضيلة-و العياذ باللّه- فإن تحلّيه بما هو أسمى منها يصير موضع شك و ريب، و يدعو إلى تفسير بعض ما يصدر عنه بطريقة أخرى، تبعده عن أن يكون ناشئا عن خلق رضيّ، و عن نفس تعيش معنى السماحة، و النبل، و سائر المعاني الإنسانية الفاضلة و الرقيقة.

2-إن كلام نوفل قد تضمن المساواة بين الوفي و الغادر، و بين المؤذي عن جهل، و بين من يخطط للإيذاء، و بين من يعادي الشخص لأمور شخصية، و في أمور جزئية، و بين من يعادي المبادئ و القيم، و يسعى لإطفاء نور اللّه عن علم، و هذا من نوفل: إما ظلم واضح، أو جهل فاضح.

و في كلتا الحالتين يفترض برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يتصدى لدفع الظلم و رفع الجهل.

3-إن نوفل بن معاوية يدّعي: أن الأخبار التي بلغت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تشتمل على أكاذيب، و لكنه لم يقدم أي دليل او إشارة تثبت صحة هذه الدعوى.

مع العلم: بأن هذا التكذيب ليس له ما يبرره، فإن الشهادة على النفي من شخص واحد لا يمكن أن تعارض الشهادة على الإثبات، خصوصا إذا كانت شهادة الإثبات تصدر عن جماعة كبيرة من الناس. كانت الشهادة تتناول حقبة زمنية واسعة لا مجال للاطلاع على تفاصيلها.

فإن فعل الهجاء قد يغيب عنه شخص، و يحضره أشخاص آخرون،

و هم قد يقلون و قد يكثرون. فكيف أجاز نوفل بن معاوية لنفسه أن يقيم هذه الشهادة العجيبة أمام سيد عقلاء العالم المؤيد بالوحي، و يحظى بالتسديد و اللطف الإلهي؟ !

4-إن هذه الشهادة تستبطن درجة من الاتهام لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يتسرّع باتخاذ قراراته في حق الأشخاص إلى حد أنه يبادر إلى إهدار دماء الناس استنادا إلى أكاذيب يزجيها إليه ركب زائر. .

5-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بيّن: أن نوفلا لم يكن صادقا فيما قدمه من تبريرات، و قد صرح له: بأن الوقائع قد جاءت لتثبت خلاف مزاعمه، فأسكت نوفل و لم يدر ما يقول. .

6-لقد رأينا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتراجع عن قراره بإهدار دم أنس بن رزين، و لم يعر لمزاعم نوفل أي اهتمام، و إنما عفا عنه بعد أن أكذب نوفلا فيما زعم، فجاء العفو عن ابن زنيم تكرما من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا انصياعا لمنطق نوفل.

غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله لبني كعب:

و قد كان غضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبني كعب شديدا، حتى إن عائشة لم تره قد غضب إلى هذا الحد منذ زمان. و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يغضب لنفسه، و لا لعشيرته، و لا لفوات منفعة، و لا كان غضبه حنقا غير مسؤول، يخرجه عن حدود المقبول و المعقول، بل كان غضبا للّه تعالى، و انتصارا للمظلوم من ظالمه، و لأجل المنع من العدوان على القيم الإنسانية، و المثل العليا. .

إن هذا الغضب واجب شرعي و أخلاقي و عقلي، ناشئ عن الشعور بالمسؤولية، و في سياق مراعاة الحكم الشرعي، و الإصرار على تطبيق القيم الإنسانية بأمانة و بدقة. .

و غني عن القول: أن هذا الغضب لم يخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن جادة الحق، و الإنصاف، و الاعتدال.

بل هو من أجل إرغام الخارجين عن هذه الجادة على الرجوع إليها. .

نصرت يا عمرو بن سالم:

قد لا حظنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصر على الجهر بتصميمه على نصرة المظلومين من خزاعة، و هو يستخدم في بياناته لهذا النصر صيغة فعل الماضي، و كأنه يخبر عن حصول هذا الأمر فيما مضى من الزمان، حتى أصبح كأنه تاريخ يحكى، فيقول لعمرو بن سالم: «نصرت يا عمرو بن سالم» و لم يقل: ستنصر، أو نحو ذلك.

و يقول في إخباره الغيبي بما حصل: «لبيك، لبيك، لبيك. نصرت، نصرت، نصرت» . و لم يقل: سوف أنصرك. .

و قد تحقق مضمون هذه التلبية، و نصر «صلى اللّه عليه و آله» بني كعب أجمل نصر، و أتمّه و أوفاه. .

لا نصرني اللّه إن لم أنصر بني كعب:

و لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى تأكيد تصميمه على نصر بني كعب، بأسلوب قد يفاجئ الكثيرين، و هو الطلب إلى اللّه أن يحجب عنه نصره، إن لم يقم بهذا الواجب. .

غير أننا نقول:

إن هذا الطلب يمكن تفسيره: بأن من يتخلى عن واجبه الشرعي لا يستحق اللطف و النصر الإلهي، هذا إن اقتصر الأمر على المعاملة وفقا لمبدأ المقابلة بالمثل. .

في حين أن من يتخلف عن واجبه الشرعي يستحق الطرد من ساحة الرضا الإلهي، ليصبح من يفعل ذلك في معرض غضبه تبارك و تعالى. .

و بما أن هذا الأمر لا يظن صدوره من أي إنسان مؤمن باللّه ملتزم بأوامره و نواهيه، فيرد السؤال عن معنى أن يجعل أعظم و أفضل و أكرم الأنبياء نفسه في دائرة احتمال التخلف عن هذا الواجب، و مخالفة التكليف الإلهي.

و يمكن أن نجيب بما يلى:

أولا: قد يقال: إن ذلك جار على طريقة هضم النفس، حيث إن المفروض هو: أن يتعامل «صلى اللّه عليه و آله» مع نفسه بغض النظر عن اللطف الإلهي، و عن العصمة. . و هذا أمر شائع و معروف. .

فهذه الكلمة تشبه قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : ما أنا في نفسي بفوق أن أخطئ، و لا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي اللّه بلطف منه (1).


1) راجع: الكافي ج 8 ص 293 و {ط مطبعة الحيدري} ص 356 و البحار ج 27 ص 253 و ج 41 ص 154 و ج 74 ص 358 و 359 و نهج البلاغة {بتحقيق عبده} {ط دار المعرفة} ج 2 ص 201 و {ط دار التعارف بيروت} ص 245 خطبة 216. و نهج السعادة ج 2 ص 186 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 102 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1528 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 499.

و إذا نظرنا إلى الأمور من حيثية أخرى فسنجد: أن اللّه تعالى الذي يعامل الناس العاديين من مقامه الربوبي، فيعتمد منطق الرحمة، و الرفق، و الغفورية، و التوابية، و الترغيب، و الترهيب و غير ذلك. . يعامل أنبياءه «عليهم السلام» من موقع الألوهية، فيضع لهم النقاط على الحروف بكل صراحة و حزم، فيقول لواحد من هؤلاء الأنبياء: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (1).

و يقول: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (2). .

ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يعطي القاعدة للناس؛ ليعرفوا: أن الحكم الإلهي الذي يجريه على كل البشر، هو أن نفس ترك نصرة المظلوم يستتبع فقدان النصر الإلهي في موضع الحاجة إليه و له هذا الأثر، بغض النظر عن أية خصوصية أخرى.

فهو «صلى اللّه عليه و آله» قد استخدم أفضل أسلوب بياني تطبيقي، يجسد الفكرة للآخرين بصورة حية و واقعية، و يسهل إدراكها و فهمها على كل الناس.

ثالثا: إن الواجب عليه «صلى اللّه عليه و آله» هو مجرد النصر لبني كعب، بحيث يرتفع الظلم عنهم، و لا يجب عليه أن ينصرهم مما ينصر منه نفسه و أهل بيته، فإن هذه المرتبة أعلى و أشد من تلك المرتبة، فالذي تعهد


1) الآية 56 من سورة الزمر.

2) الآيات 44-46 من سورة الحاقة.

بالقيام به يزيد على الدرجة التي تجب عليه، فاحتاج إلى تأكيد هذا الالتزام بهذا النحو من المبادرة و التضحية بالنصر الإلهي حين الاحتياج إليه.

و على هذا الوجه لا يكون حجب النصر الإلهي عنه دليلا على غضب اللّه، بل يكون لأجل أنه قد رضي بارتهان نصر كان اللّه قد ادّخره له، بإعطاء درجة من نصر لم تكن مطلوبة منه، و لا كانت واجبة عليه. .

السحابة تستهل بنصر بني كعب:

و عن حديث استهلال السحابة بنصر بني كعب نقول:

قد يروق للبعض أن يضع قوله «صلى اللّه عليه و آله» هذا في سياق التفاؤل بالمطر، الذي تحيا به البلاد و العباد. .

غير أن هذا التفسير يبقى غير دقيق، إن لم نقل: إنه يفقد هذه الكلمة مغزاها، و مرماها بدرجة كبيرة. .

و لعل الأقرب إلى الاعتبار أن نقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الإشارة إلى أمور:

أحدها: أن هذا النصر منسجم مع طبيعة الحياة و مقتضياتها، و هو مما يتطلبه كل شيء حتى هذا المطر العارض الذي لم ينزل بعد. .

ثانيها: الإشارة إلى شدة قرب هذا النصر، فإن بشائره المؤذنة بقرب نزوله حاضرة كحضور بشائر و أمارات نزول المطر، كظهور السحب، و الرعد و نحوه.

ثالثها: التأكيد على حتميته، كحتمية نزول المطر من تلك السحابة. .

رابعها: أنه نصر داهم و غامر، كالمطر الداهم و الغامر. .

خامسها: إن هذا النصر نازل من السماء، و هو هبة إلهية، تماما كالمطر النازل، الذي هو عطاء إلهي.

دخل بيت عائشة أم ميمونة؟ ! :

و يزعم الواقدي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعمرو بن سالم: ارجعوا، و تفرقوا في الأودية. و قام «صلى اللّه عليه و آله» و دخل على عائشة و هو مغضب، فدعا بماء، فدخل يغتسل، قالت عائشة: فأسمعه يقول، و هو يصب الماء: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب (1).

و نقول:

إن نفس هذه القضية قد ذكرت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» مع ميمونة، لا مع عائشة (2).

و لربما يروق للباحث أن يرجح هذه الرواية و هي رواية ميمونة، لأنه اعتاد أن يرى هنا و هناك عمليات سطو على الأدوار، و على الفضائل و الكرامات، و على المواقف. يصل ذلك إلى حد الاختلاف و وضع الحديث على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو على لسان علي «عليه السلام» أو غيرهما، في سبيل تأييد شخص، أو فئة، أو تأكيد نهج فريق بعينه، يؤسفنا


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 791 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 262.

2) راجع: البحار ج 21 ص 101 و 125 عن إعلام الورى ج 1 ص 215، و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 691 و تفسير الميزان ج 20 ص 379 و الجامع لأحكام القرآن {ط دار إحياء التراث العربي} ج 8 ص 87 و {ط دار الكتب العلمية} ج 8 ص 64.

أن نقول: أن عائشة كانت و كذلك أبوها، و من هو في خطهما و نهجهما أحد أركانه! !

هذا عدا ما يراه الباحث من تعمد سلب الفريق الآخر المناوئ لهؤلاء الكثير من الإمتيازات، أو التشكيك بها، أو تجاهلها، أو التعتيم عليها.

ثم هو يرى: ما يبذل من جهد لتلميع صورة هذا أو ذاك من الناس، و تأويل مواقفه السيئة، أو التشكيك بها، أو نسبتها إلى غيره، أو ما إلى ذلك. .

و ذلك كله يهيئ الأجواء لانطلاق احتمال أن تكون قد حصلت عملية سطو هنا أيضا لنفس الأسباب التي دعت إلى نظائر لها شوهدت في الكثير من المواقع و المواضع. . و في هذا الكتاب أمثلة عديدة تدخل في هذا السياق. .

ابن ورقاء أول المخبرين:

ذكر المؤرخون: قدوم بديل بن ورقاء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليخبره بما جرى على خزاعة، و بالمجزرة التي ارتكبت في بيته و على باب داره في حق الصبيان، و النساء و الضعفاء (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 203 عن ابن إسحاق. و تاريخ الخميس ج 2 ص 77 و 78 و البحار ج 21 ص 101 و 102 و 125 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 692 و تفسير الميزان ج 20 ص 379 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 325 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 319 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 855 و زاد المعاد {ط مؤسسة الرسالة} ج 1 ص 1147 و عيون الأثر ج 2 ص 182 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 530 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 316 و {ط دار الكتب العلمية} ص 311 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468 و عن إعلام الورى.

و ذكروا أيضا: لقاءه أبا سفيان في عسفان، حين كان أبو سفيان متوجها إلى المدينة، و بديل عائد منها (1).

و لكن محجن بن وهب يدّعي: أن بديل بن ورقاء لم يدخل مكة من حين انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الحديبية، حتى لقيه في الفتح بمرّ الظهران. قال محمد بن عمر: و هذا أثبت (2).

و نحن لا ندري لماذا يطلق الواقدي دعواه: بأن ما رواه محجن بن وهب أثبت مما رواه ابن إسحاق و غيره.

و لا شك في أن هذه المبادرة من بديل بن ورقاء كانت محاطة منه و ممن معه بنطاق من السرية التامة، لأن اكتشاف قريش لهذا الأمر سوف يعرض بديلا و رفاقه لخطر عظيم، قد عاينوا بعض مظاهره و مستوياته حين حصر


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 785 و 786 و 791 و 792 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 206 و السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و البحار ج 21 ص 101 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 692 و تفسير الميزان ج 20 ص 379 و الثقات ج 2 ص 38 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 325 و 326 و البداية و النهاية ج 4 ص 319 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 855 و عيون الأثر ج 2 ص 183 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 530 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 9 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 204 عن الواقدي.

الخزاعيون في دار بديل، و سقط منهم كثير من الأبرياء قتلى في داخل تلك الدار، و على بابها. .

و لذلك لم يستطع أبو سفيان معرفة حقيقة الأمر إلا من خلال النوى الذي وجده في بعر إبلهم. . و لكنه لم يتيقن هذا الأمر، فسكت عليه.

على أن ذكر التفاصيل الدقيقة لما جرى في عسفان بين أبي سفيان و بين بديل، يقرب احتمالات الصحة، و يوهن احتمال الوهم من الراوي. .

فإذا كانت رواية ذلك قد وردت بأكثر من طريق، و في أكثر من مصدر، فإن حظوظ الحكم بصحة الرواية تصير أكبر و أوفر. .

و أخيرا نقول:

إننا لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن من الممكن تعدد المخبرين لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيخبره عمرو بن سالم، و يخبره أيضا بديل بن ورقاء. .

و قد لا يعلم أي منهما بمسير الآخر خصوصا في مثل تلك الظروف الصعبة. .

عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تدمعان:

ورد في بعض النصوص: ما يدل على مدى تأثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أخبره عمرو بن سالم بما جرى على خزاعة، حتى لقد دمعت عيناه «صلى اللّه عليه و آله» .

و غني عن البيان: أن هذا التأثر إن دل على شيء، فإنما يدل على: كمال معنى الإنسانية فيه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ و على حقيقة التوازن في ميزاته و في خصائصه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم تكن لتطغى خصوصية على أخرى، أو

تستأثر بدورها إلى حد الإلغاء، بل كان لكل خصوصية موقعها، و دورها الذي يخدم و يقوي، و يسدد خصوصيات أخرى في أداء وظيفتها على أكمل وجه و أتمه. .

و لأجل هذا التوازن الدقيق في الشخصية الإنسانية التي يريدها اللّه تبارك و تعالى كان المؤمنون أشداء على الكفار رحماء بينهم. . و كان المؤمن قويا شجاعا و كان رقيقا و رحيما و رؤوفا. و كان حازما، حليما. و لا يمكن أن يكون مؤمنا كاملا من دون أن يستجمع هذا الصفات، و يعيشها، و يتفاعل معها بصورة صحيحة و متوازنة. .

فلا غرو إذا رأينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يجاهد الكفار و يغلظ عليهم في حين تذهب نفسه عليهم حسرات.

ثم هو يتلقى سيوفهم، و رماحهم و سهامهم، و يردها عن نفسه ما وسعه ذلك، ثم هو يدعو لهم و يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. .

و من جهة أخرى: إن هذه الرقة التي نراها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى إن عينيه لتدمعان و هو يسمع ما جرى على خزاعة، لم تكن هي المرتكز لموقفه من القتلة و المجرمين، بل لم يكن لها أي تأثير فيه، بل كان المرتكز و المؤثر في ذلك هو التكليف الشرعي، و طلب رضا اللّه تعالى، و إنزال القصاص العادل بالمعتدين و الظالمين، من دون أي تعد عليهم، أو ظلم لهم، أو تجاوز للحد الشرعي و الإنساني في التعامل معهم.

قام و هو يجر رداءه:

و حين تتحدث الروايات المتقدمة: عن أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بلغ

به الغضب حدا جعله يقوم و هو يجر رداءه، فإنها تكون قد تجاوزت حدود المعقول و المقبول، بالنسبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ ليس لنا أن نصوره «صلى اللّه عليه و آله» بصورة من أخرجه غضبه عن طوره، إلى حد أنه لم يلتفت إلى ردائه ليسويه على نفسه، و يضعه بالصورة التي يفترض أن يكون عليها. .

فإذا كان «صلى اللّه عليه و آله» بهذه المثابة من الانفعال، فكيف يمكن أن نطمئن إلى أنه كان يتخذ قراراته بروية و تعقل، و تدبر و تأمل؟ ! فلعل غضبه الشديد قد جعله غافلا عن بعض الأمور التي لا بد من مراعاتها في تلك القرارات!

كما أن نسبة أمثال هذه الأمور له «صلى اللّه عليه و آله» لا تنسجم مع الاعتقاد بعصمته، و بتسديد اللّه له، و تأييده بالوحي. . و مع ما هو معروف عنه «صلى اللّه عليه و آله» من رويّة و اتزان.

إلا أن يقال: إن المنهي عنه هو جر الرداء خيلاء و تكبرا، و أما إظهارا لشدة الغضب للّه تبارك و تعالى، و شريطة أن لا يترتب على ذلك أي محذور آخر، فما ذكرناه آنفا ليس بقبيح، بل قد يكون محبوبا إلى اللّه تبارك و تعالى. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله يأمر مخبريه بالتفرق في الأودية:

و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعمرو بن سالم و أصحابه «ارجعوا و تفرقوا في الأودية» .

فرجعوا و تفرقوا، و ذهبت فرقة إلى الساحل بعارض الطريق، و لزم

بديل بن ورقاء في نفر من قومه الطريق (1).

و نقول:

إن ما قام به عمرو بن سالم و أصحابه، من إخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى. . ليس من الأمور التي يمكن لقريش و بني بكر أن يتجاوزوها من دون اكتراث أو اهتمام. . بل هو بالنسبة إليهم و إليها قضية حاسمة و مصيرية، تجعلهم بين خياري: البقاء و الفناء، و الحياة و الموت.

و هم يرون: أنهم إذا استطاعوا إخفاء ما جرى عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو التخلص من المسؤولية عنه و من تبعاته، فقد أفلحوا في الإبقاء على حالة الهدنة القائمة فيما بينهم و بين المسلمين. . و لعلهم يقدرون في وقت ما على استعادة بعض القوة لمواجهة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ربما يحلمون بأن ينتهي الأمر بحسم الأمور لمصلحتهم. .

و أما إن ظهر نكثهم للعهد، و استمرت التحولات في هذا الاتجاه، فسيخسرون المعركة مع المسلمين، لأنهم لم يهيئوا لها ما يمنحهم و لو خيطا من الأمل ضعيفا بأي نصر، مهما كان هزيلا و ضئيلا. .

بل إنهم ليدركون: أن قدراتهم قد تضاءلت عما كانت عليه بدرجة كبيرة و خطيرة، كما أن قدرات أهل الإسلام قد تنامت و كبرت، بل تضاعفت، و لا سيما بعد كسر شوكة اليهود في خيبر و سواها، ثم ما جرى في مؤتة. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 203 عن ابن عقبة و الواقدي، و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 10 و السيرة الحلبية ج 3 ص 72. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 791 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 262.

بل إن قدرات كثيرة قد أضيفت إلى قدرات المسلمين، حتى تضاعفت عما كانت عليه من قبل. .

و ذلك كله يشير إلى: أن اكتشاف قريش، و حلفائها لهذه النشاطات التي قام بها عمرو بن سالم و بديل بن ورقاء، سوف يدفعها للانتقام السريع و الهائل و المريع من هؤلاء، و من كل من يلوذ بهم، أو ينتمي إليهم، و من دون أية رحمة أو شفقة. .

و على هذا الأساس نقول:

إنه لم يكن من الحكمة في شيء أن يعود بديل بن ورقاء و عمرو بن سالم و أصحابهما إلى مكة ظاهرين معلنين، و كان التخفي و التستر على هذا الأمر ضرورة لا بد منها، و لا غنى عنها لحفظ حياتهم، و حياة كل من يلوذ بهم. . و قد جاء التوجيه النبوي الكريم منسجما مع هذه الحقيقة حيث أبلغهم أن عليهم أن يتفرقوا حين عودتهم في الأودية و الشعاب، و أن يسلكوا طرقا مختلفة، حتى إذا تمكنت قريش و حلفاؤها من العثور على بعض منهم في بعض الأودية و المسالك، فإنها قد لا تظن أنهم يعودون من مهمة تعنيها و تتعلق بما حدث.

و حتى لو راودها احتمال من هذا القبيل، فقد لا يخطر على بالها: أن يكون لهؤلاء شركاء في مهمتهم هذه.

و لو خطر ذلك أيضا على بالها، و سألت عنه، فإن إنكار هذه الشراكة سوف يحد من دائرة الخطر و يؤكد لها احتمال أن يكون قد حصل شيء من ذلك بمبادرة شخصية، و ربما تكون إزالة أساس هذا الاحتمال أيسر مما لو شوهدت جماعة كثيرة تمخر عباب تلك المنطقة، لأن ذلك سوف يقوي

احتمال وجود أمر مهم دعا رجالات القرار لاتخاذ قرار بشأنه، و هذه الجماعة بصدد تنفيذه.

و هذا ما يفسر لنا عدم قدرة أبي سفيان على التمادي في توجيه الأسئلة لبديل بن ورقاء حينما لقيه بعسفان، فلجأ إلى فت أبعار الإبل، ليرى نوى تمر يثرب فيها، و بعد ذلك لم يتمكن من الجزم بصحة ما دار في خلده، فآثر السكوت، و انصرف عن استقصاء هذا الأمر. .

الفصل الثالث: أبو سفيان في المدينة: تدليس و خداع

اشارة

عروض النبي صلّى اللّه عليه و آله و رفض قريش:

عن ابن عمر، و حزام بن هشام الكلبي، و محمد بن عبّاد بن جعفر: أن قريشا ندمت على عون بني نفاثة، و قالوا: محمد غازينا.

فقال عبد اللّه بن أبي سرح: إن عندي رأيا، إن محمدا لن يغزوكم حتى يعذر إليكم، و يخيّركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه.

قالوا: ما هي؟

قال: يرسل إليكم أن دوا قتلى خزاعة، و هم ثلاثة و عشرون قتيلا، أو تبرؤوا من حلف من نقض الصلح، و هم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم على سواء، فما عندكم في هذه الخصال؟

فقال القوم: أحر بما قال ابن أبي سرح-و قد كان به عالما-.

قال سهيل بن عمرو: ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة.

فقال شيبة بن عثمان العبدري: حفظت أخوالك، و غضبت لهم.

قال سهيل: و أي قريش لم تلده خزاعة؟

قال شيبة: و لكن ندي قتلى خزاعة، فهو أهون علينا.

و قال قرظة بن عبد عمرو: لا و اللّه لا يودون و لا نبرأ من حلف بني

نفاثة، و لكنا ننبذ إليه على سواء.

و قال أبو سفيان: ليس هذا بشيء، و ما الرأي إلا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد، أو قطع مدة، و إنه قطع قوم بغير رضى منا و لا مشورة، فما علينا.

قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره (1).

و قال عبد اللّه بن عمر: إنّ ركب خزاعة لمّا قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أخبروه خبرهم، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فمن تهمتكم و ظنتكم» ؟

قالوا: بنو بكر.

قال: «أكلّها» ؟

قالوا: لا، و لكن بنو نفاثة قصرة، و رأس القوم نوفل بن معاوية النفاثي.

قال: «هذا بطن من بني بكر، و أنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر، و مخيرهم في خصال ثلاث» .

فبعث إليهم ضمرة-لم يسم أباه محمد بن عمر-يخيرهم بين إحدى خلال، بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء.

فأتاهم ضمرة رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأناخ راحلته


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 204 عن ابن عائذ، و الواقدي، و مسدد في مسنده بسند صحيح، و المغازي للواقدي ج 2 ص 787 و 788 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 261.

بباب المسجد، فدخل و قريش في أنديتها، فأخبرهم أنه رسول رسول اللّه و أخبرهم بالذي أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» به.

فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أما أن ندي قتلى خزاعة، فإن نفاثة فيهم عرام، فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد و لا لبد، و أما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحج هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة، و هم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حلفهم، أو لا يبقى لنا سبد و لا لبد، و لكن ننبذ إليه على سواء.

فرجع ضمرة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك من قولهم.

و ندمت قريش على رد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما سيأتي (1).

مساع فاشلة لأبي سفيان:

روى محمد بن عمر عن حزام بن هشام عن أبيه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدّد العهد، وزد في الهدنة {ليشد العقد و يزيد في المدة} . و هو راجع بسخطه» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 204 و 205 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و المطالب العالية ج 4 ص 243 و عن فتح الباري ج 8 ص 4 و المغازي للواقدي ج 2 ص 786 و 787 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 260.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 عن عبد الرزاق عن نعيم، مولى ابن عباس و عن ابن أبي شيبة عن عكرمة، و عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و {ط دار المعرفة} ج 3 ص 3 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 855 و {ط دار المعرفة} ص 27 و عيون الأثر ج 2 ص 183 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 64 و جامع البيان للطبري ج 2 ص 84 و البحار ج 21 ص 101 و زاد المعاد {ط مؤسسة الرسالة} ج 1 ص 1147 و المغازي للواقدي ج 2 ص 791 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 262.

و روي: أن الحارث بن هشام، و عبد اللّه بن أبي ربيعة مشيا إلى أبي سفيان بن حرب، فقالا: هذا أمر لا بد له من أن يصلح، و اللّه لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه.

فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها و أفظعتها و خفت من شرها.

قالوا: و ما هي؟

قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة مليا، ثم كأن ذلك الدم لم يكن، فكره القوم الرؤيا (1).

و في نص آخر زعموا: أنه لما بلغ أبا سفيان ما فعلت قريش بخزاعة- و هو بالشام-أقبل حتى دخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا محمد، احقن دم قومك الخ. . (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و {ط دار المعرفة} ص 3 و المغازي للواقدي ج 2 ص 785 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 259.

2) البحار ج 21 ص 101 و 126 عن إعلام الورى ج 1 ص 217، و عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177 و راجع: تفسير نور الثقلين ج 5 ص 692 و تاريخ مدينة دمشق {ط دار الكتب العلمية} ج 73 ص 88 و {ط دار الفكر} ج 79 ص 150 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 469 و تفسير الميزان ج 20 ص 379 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 321 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 532 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 206.

و قال أبو سفيان لما رأى ما رأى من الشر: هذا-و اللّه-أمر لم أشهده، و لم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا عليّ، و لا و اللّه ما شوورت فيه، و لا هويته حين بلغني، و اللّه، ليغزونا محمد إن صدقني ظني، و هو صادقي، و ما بد من أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة، و يجدد العهد.

فقالت قريش: قد و اللّه أصبت.

و ندمت قريش على ما صنعت من عون بني بكر على خزاعة، و تحرجوا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدعهم حتى يغزوهم.

فخرج أبو سفيان، و خرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع السير، و هو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها؟

قالوا: لا علم لنا بها.

فعلم أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعموناه؟ فإن لتمر يثرب فضلا على تمور تهامة.

قالوا: لا.

فأبت نفسه أن تقرّه حتى قال: يا بديل: هل جئت محمدا؟

قال: لا ما فعلت، و لكن سرت في بلاد بني كعب و خزاعة من هذا الساحل، في قتيل كان بينهم، فأصلحت بينهم.

فقال أبو سفيان: إنك-و اللّه-ما علمت بر واصل.

ثم قايلهم أبو سفيان حتى راح بديل و أصحابه، فجاء أبو سفيان منزلهم ففت أبعار أباعرهم، فوجد فيها نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطير، فقال أبو سفيان: أحلف باللّه لقد جاء القوم محمدا (1).

و كان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم فساروا ثلاثا، و خرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثا، و كانت بنو بكر قد حبست خزاعة في داري بديل و رافع ثلاثة أيام يكلمون فيهم، و ائتمرت قريش في أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خزاعة.

و أقبل أبو سفيان حتى دخل المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأراد أن يجلس على فراش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فطوته دونه.

فقال: يا بنية! ! أرغبت بهذا الفراش عني أو بي عنه؟

قالت: بل هو فراش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنت امرؤ مشرك


1) المغازي للواقدي ص 785 و 786 و 791 و 792 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 206 و السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و {ط دار المعرفة} ص 3 و أشار إلى ذلك في: مجمع البيان ج 10 ص 555 و البحار ج 21 ص 101 و 102 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 259-262.

نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

فقالت: بل هداني اللّه للإسلام. و أنت يا أبت سيد قريش و كبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، و أنت تعبد حجرا لا يسمع و لا يبصر؟

فقام من عندها، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في المسجد، فقال: يا محمد! ! إني كنت غائبا في صلح الحديبية، فاشدد العهد، و زدنا في المدة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فلذلك جئت يا أبا سفيان» ؟

قال: نعم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل كان من قبلكم من حدث» ؟

قال: معاذ اللّه، نحن على عهدنا و صلحنا يوم الحديبية، لا نغير و لا نبدل.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فنحن على مدتنا و صلحنا يوم الحديبية لا نغير و لا نبدل» .

فأعاد أبو سفيان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القول، فلم يرد عليه شيئا (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 206 و السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و {ط دار المعرفة} ص 3 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468 و البحار ج 21 ص 101 و 102 و 126 عن إعلام الورى ج 1 ص 217، و المغازي للواقدي ج 2 ص 792 و 793 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 262 و 263 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 150 و 151 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 321 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 532.

فذهب إلى أبي بكر فكلمه، و قال: تكلم محمدا، أو تجير أنت بين الناس.

فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

زاد ابن عقبة: و اللّه، لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.

فأتى عمر بن الخطاب، فكلمه بمثل ما كلم به أبا بكر.

فقال: أنا أشفع لكم عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! فو اللّه، لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه اللّه، و ما كان منه متينا فقطعه اللّه، و ما كان منه مقطوعا فلا وصله اللّه.

فقال أبو سفيان: جوزيت من ذي رحم شرا (1).

فأتى عثمان بن عفان فقال: إنه ليس في القوم أحد أقرب رحما منك، فزد في المدة، و جدد العهد، فإن صاحبك لا يرده عليك أبدا.

فقال عثمان: جواري في جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

فأتى عليا «عليه السلام» ، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، و إني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى محمد.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 206 و السيرة الحلبية ج 3 ص 72 و 73 و {ط دار المعرفة} ص 3 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 555 و البحار ج 21 ص 101 و 102 و 126 و المغازي للواقدي ج 2 ص 793 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 321 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 533.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط المعرفة} ص 3 و المغازي للواقدي ج 2 ص 793 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 321 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278.

فقال: ويحك يا أبا سفيان! و اللّه لقد عزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.

فأتى سعد بن عبادة، فقال: يا أبا ثابت، أنت سيد هذه البحيرة، فأجر بين الناس، و زد في المدة.

فقال سعد: جواري في جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما يجير أحد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فأتى أشراف قريش و الأنصار، فكلهم يقول: جواري في جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ما يجير أحد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما أيس مما عندهم، دخل على فاطمة الزهراء «عليها السلام» و الحسن «عليه السلام» غلام يدب بين يديها، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين الناس؟

فقالت: إنما أنا امرأة، و أبت عليه (1).

{و في نص آخر: قالت: إنما أنا امرأة.

قال: قد أجارت أختك-يعني: زينب-أبا العاص بن الربيع، و أجاز ذلك محمد.

قالت: إنما ذاك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. .} (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط دار المعرفة} ص 3 و المغازي للواقدي ج 2 ص 794 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 321 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 533 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 263.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط دار المعرفة} ص 3 و المغازي للواقدي ج 2 ص 794 و راجع: البحار ج 21 ص 102 و 126 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 468 و إعلام الورى ج 1 ص 217 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 375 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 363.

فقال: مري ابنك هذا-أي الحسن بن علي «عليهما السلام» -فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر.

قالت: و اللّه ما بلغ ابني ذلك، أن يجير بين الناس، و ما يجير أحد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

{و في نص آخر: ما يدري ابناي ما يجيران من قريش} (2).

{زاد في الحلبية قوله: «قال: فكلمي عليا. .

فقالت: أنت تكلمه.

فكلم عليا فقال: يا أبا سفيان، إنه ليس أحد من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفتئت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجوار»} (3).


1) البحار ج 21 ص 126 و إعلام الورى ج 1 ص 218.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و المغازي للواقدي ج 2 ص 793 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 326 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 320 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 277 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 530 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 856 و عيون الثر ج 2 ص 184 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 133 و البحار ج 22 ص 77 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و زاد المعاد ج 1 ص 1147.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط دار المعرفة} ص 3.

فقال لعلي «عليه السلام» : يا أبا الحسن! ! إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني.

قال: و اللّه ما أعلم شيئا يغنب عنك شيئا، و لكنك سيد بني كنانة.

قال: صدقت، و أنا كذلك.

قال: فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك.

قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟

قال: لا و اللّه، و لكن لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، و لا و اللّه ما أظن أن يخفرني أحد.

ثم دخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا محمد، إني قد أجرت بين الناس.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة» ! !

ثم ركب بعيره و انطلق (1).

و كان قد احتبس و طالت غيبته، و كانت قريش قد اتهمته حين أبطأ أشد التهمة، قالوا: و اللّه إنّا نراه قد صبأ، و اتبع محمدا سرّا، و كتم إسلامه.

فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد احتبست حتى اتهمك


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط دار المعرفة} ص 3 و البحار ج 21 ص 126 و 127 و ج 22 ص 77 و إعلام الورى ج 1 ص 218 و المغازي للواقدي ج 2 ص 794 و 795 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177 و الأنوار العلوية للنقدي ص 200.

قومك، فإن كنت مع الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل.

ثم دنا منها، فجلس مجلس الرجل من امرأته.

فقالت: ما صنعت؟

فأخبرها الخبر، و قال: لم أجد إلا ما قال لي علي.

فضربت برجلها في صدره و قالت: قبحت من رسول قوم، فما جئت بخير (1).

فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند إساف و نائلة، و ذبح لهما، و جعل يمسح بالدم رؤوسهما {كذا} و يقول: لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي، إبراء لقريش مما اتهموه به.

فلما رأته قريش، قاموا إليه، فقالوا: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد، أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا محمد؟

فقال: و اللّه، لقد أبي علي.

و في لفظ: لقد كلمته، فو اللّه ما رد علي شيئا، و كلمت أبا بكر فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو {و في رواية أعدى العدو} و قد كلمت علية أصحابه، فما قدرت على شيء منهم، إلا أنهم يرمونني بكلمة واحدة، و ما رأيت قوما أطوع لملك عليهم منهم له.

إلا أن عليا لما ضاقت بي الأمور قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين الناس، فناديت بالجوار.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و السيرة الحلبية ج 3 ص 73 و {ط دار المعرفة} ص 3 و المغازي للواقدي ج 2 ص 795 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 264.

{و عند الحلبي: ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم. و قد أشار علي بشيء صنعته، فو اللّه، لا أدري أيغني عني شيئا أم لا} (1).

فقال محمد: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة» ! !

لم يزدني.

قالوا: رضيت بغير رضى، و جئت بما لا يغني عنا و لا عنك شيئا، و لعمر اللّه ما جوارك بجائز، و إن إخفارك عليهم لهين، ما زاد علي من أن لعب بك تلعبا.

قال: و اللّه ما وجدت غير ذلك (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 3 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 133 و البحار ج 22 ص 77 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 40 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 320 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 277 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 531 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 857 و {ط دار المعرفة} ج 4 ص 27 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و زاد المعاد {ط مؤسسة الرسالة} ج 1 ص 1147.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 207 و 208 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 3 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 134 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 692 و تفسير الميزان ج 20 ص 380 و الثقات ج 2 ص 40 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 469 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 178 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البحار ج 21 ص 126 و 127 و ج 22 ص 78 و إعلام الورى ج 1 ص 218، و المغازي للواقدي ج 2 ص 795 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 322 و {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 534 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 3 ص 42 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 857 و عيون الأثر ج 2 ص 184.

و نقول:

إن لنا هنا وقفات هي التالية:

ترتيب الأحداث:

و قد يظن البعض: أن ثمة تناقضا بين الروايات المتقدمة، فإنها تارة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إلى قريش يخيرها بين أمور ثلاثة. . فاقترح أبو سفيان عليهم أن يجحدوا حصول أي شيء يمكن فهمه على أنه نقض للعهد. .

و تارة تقول: إن أبا سفيان خرج إلى المدينة بعد خمس ليال فقط من العدوان على خزاعة. فأي ذلك هو الصحيح؟ !

غير أننا نقول: إنه لا تناقض بين تلك الروايات، و لكن الأمور قد اختلطت على المؤرخين، فقدموا المتأخر، و أخروا المتقدم. فاقتضى ذلك إضافة بعض البيانات التوضيحية منهم، فأوجب ذلك الخلل، و بدا أن ثمة تناقضا و اختلافا بين المرويات.

و الحقيقة هي: أنه لو أعيد كل نص إلى موضعه لاستقام السياق و انحل الإشكال بصورة تلقائية. .

و الذي نراه: هو أن أبا سفيان خرج إلى المدينة بعد خمسة أيام من

المجزرة، و سار إلى عسفان. . فالتقى ببديل بن ورقاء و صحبه، و جرى بينه و بينهم ما جرى. . ثم تابع سيره إلى المدينة، و حاول تعمية الأمور و المكر بالمسلمين بحجة: أنه لم يحضر الحديبية، و يريد التأكيد على العهد الذي أبرم فيها، و يزيد من مدته، فواجه ما لم يكن له بالحسبان، و عاد يجر أذيال الخيبة و الخسران.

ثم جاءت وفود خزاعة فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى عليهم، فوعدهم النصر، و أخبرهم: أنه سيرسل إلى قريش يخيرها بين ثلاثة أمور.

ثم أرسل «صلى اللّه عليه و آله» رسولا إلى قريش يعلمهم ببوار مكرهم، و افتضاح أمرهم، و يضعهم أمام تلك الخيارات المتقدمة. .

فكان اقتراح أبي سفيان يقضي بالإصرار على جحد أية مسؤولية لهم تجاه ما حصل.

سؤال و جوابه:

و لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو: كيف استطاع بديل بن ورقاء و صحبه أن يسافروا إلى المدينة و يعودوا منها، و يلتقي بهم أبو سفيان في عسفان في غضون أيام يسيرة قد تتجاوز أصابع اليد الواحدة بيسير، في حين أن المدينة تبعد عن مكة ما يقارب الأربع مائة كيلومتر. . و تحتاج ربما إلى ضعف هذا العدد من الأيام لقطعها ذهابا و إيابا. .

و يمكن أن يجاب: بأن أبا سفيان قد خرج من مكة-حسب زعمهم- باتجاه المدينة بعد خمسة أيام من المجزرة. و لكن لا شيء يدل على طبيعة سيره،

و كم بقي حتى وصل إلى عسفان؟ و هل تلوّم في طريقه من المنازل المختلفة بضعة أيام؟ أم أنه أسرع السير و واصله؟ فهذا ما لا تذكره الروايات.

فيحتمل إذن: أن يكون قد سار ببطء، بحيث لم يصل إلى عسفان حتى مرت عدة أيام، تكون هي و الخمسة أيام الأولى التي أقامها في مكة بعد حصول المجزرة كافية لذهاب الركب إلى المدينة و عودته منها على جناح السرعة، خوفا من افتضاح أمرهم. .

على ماذا ندمت قريش؟ ! :

إن ندم قريش على عون بني نفاثة لا يخفف من قبح الجريمة التي ارتكبتها، و لا يبرر أي إجراء تخفيفي في عقوبتها، لأن هذا الندم لم يكن لأجل إقرارها ببشاعة و فظاعة الجريمة، و قبح نقض العهد، بل هو ندم يؤكد إصرارها على ذلك كله و التزامها به، و يحمل في ثناياه منطق التأييد، و الرضى، و عدم التورع عن العودة إلى مثله حينما تسنح الفرصة، و تأمن من عواقبه و تبعاته السيئة عليها. .

فهو ندم قبيح، و مرفوض، و يوجب لها المزيد من الخزي، و المهانة، و السقوط. إنه ليس ندما، بل لجاج و إصرار، و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. .

إنه ندم حقيقته الخوف من انتقام المظلومين، و أن يدان أهل الحق من الظالمين، و أهل الباطل. .

و خير دليل على إصرار هؤلاء على باطلهم و سيرهم الدائب في خط الجحود و الإنكار للحق، هو موقفهم الرافض للخيارات العادلة التي وضعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمامهم.

أبو سفيان ينقض العهد:

زعموا: أن أبا سفيان لم يعلم بما تعاقد بنو نفاثة و زعماء من قريش عليه، و بما صنعوه في خزاعة قبل وقوعه، و لم يشاوروه في ذلك (1).

و زعموا: أنه كان في الشام آنئذ (2).

و قيل: شاوروه، فأبى عليهم (3).

و لنفترض: أن أبا سفيان لم يرض بنقض العهد، و لم يشارك فيما جرى، فإن ذلك لا يعفيه من المسؤولية لأكثر من سبب.

فأولا: قد تقدم: أن بعض الروايات تصرح: بأنه هو صاحب الرأي الذي يقول: إن اللازم هو إنكار حدوث أي شيء على خزاعة، و جحد هذا الأمر و إبطاله من أساسه. و هذه خيانة عظيمة، و إهدار لدماء الناس، و استخفاف بها. .

و ثانيا: إنه قد سعى بكل جهده للتستر على هذا الأمر حينما جاء إلى المدينة ليوثق العهد من جديد. .

و أنكر لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يكون قد حصل أي


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و المغازي للواقدي ج 2 ص 783 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 205 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 453 و البحار ج 21 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 260 و 271.

2) راجع: البحار ج 21 ص 126 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177 و إعلام الورى ج 1 ص 217 و الأنوار العلوية للنقدي ص 199.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 71 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 201 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 257.

حدث يوجب نقض العهد، و بذلك يكون قد أصبح شريكا في هذا الأمر، خصوصا و أنه قد اتخذ سبيل المكر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و عمل على خديعته. فهو إن كان لم يبدأ بالغدر، و لكنه قد حمى الغدرة الفجرة، المستحلين لحرم اللّه، و القتلة لعباد اللّه.

الخيارات العادلة:

و عن الخيارات التي وضعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمام ناقضي العهد نقول:

ألف: إن الخيار الأول هو: أن يدوا قتلى خزاعة. فإن ذلك من أوليات الحقوق الثابتة و المعترف بها لمن يعانون من عدوان كهذا، حتى في المجتمع الجاهلي. بل إن القتل حين يكون عدوانيا، و عن سابق عمد و إصرار، لا يكتفى معه بالمطالبة بالدية، بل يرتقي الأمر إلى المطالبة بالقصاص من القاتل. . فكيف إذا كانت هناك عهود و مواثيق لا بد من مراعاتها و الوفاء بها؟ !

فالمطالبة بالدية يمثل إرفاقا كبيرا، و تبرعا بالعفو عن جرم كبير و خطير، يراد محاصرة آثاره، و منعه من التوسع و الانتشار، لو أريد الإصرار على خيار القصاص أو أريد الاستفادة من حق إسقاط الالتزامات، و اعتبار العهد في حكم المنتهي. .

ب: و الخيار الثاني هو: إفساح المجال أمام العدالة لتأخذ مجراها، و ذلك بالتخلي عن الحلف مع أولئك المعتدين و المجرمين، لينالوا جزاءهم. .

و هو خيار متوافق مع سنة العدل و الإنصاف، و مشوب بالرفق و الإحسان لقريش أيضا، من حيث إنه يظهر تصديقها فيما تدّعيه، و يغض

النظر عن ملاحقتها، و مجازاتها على ما اقترفته.

و ذلك يمثل درسا عمليا لها في الوفاء بالإلتزامات، و عدم الإنسياق وراء دعوة النزوات و الشهوات. . كما أنه يقدم العبرة للناس، كل الناس، في أخذ الحق للمظلوم من الظالم، و قصاص المعتدي. . و كفى ذلك رادعا لهم عن الانسياق وراء بني نفاثة في ارتكاب جرائم مماثلة، قد يرون أن الظروف تسمح لهم بارتكابها، و ذلك ظاهر لا يخفى.

ج: و أما الخيار الثالث و الأخير: فيقوم على فرضية الإصرار على العدوان، و على مناصرة الظالمين و المجرمين. . حيث لا بد من الردع المؤثر و قطع دابر الفساد و الإفساد، فإن آخر الدواء الكيّ، و من الإحسان للإنسانية استئصال الغدة السرطانية التي تفتك بالوجود الإنساني كله. .

سياسات يعرفها الجميع:

و قد قرأنا في النصوص المتقدمة: أن عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يستبق الأمور، و يخبر أهل مكة بما ستأتيهم به الرسل عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لقد حدد لهم الخيارات التي سيعرضها «صلى اللّه عليه و آله» عليهم. .

و هذا معناه: أن سياسات الإسلام المشوبة بالعفو و الرفق و الرحمة، و الإنصاف، و المتمثلة بأقوال و أفعال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أصبحت معروفة، حتى لدى أعدائه.

و مما يدخل في هذا السياق أيضا يقين بني نفاثة بأن محمدا لن يسكت على نقض العهد، و ظلم الأبرياء. كما أن قريشا خافت أن يعلم رسول اللّه

«صلى اللّه عليه و آله» بما حدث، لأن عواقب ذلك ستكون غير مرضية لها. .

آراء لا يحسدون عليها:

و حين عرض ابن أبي سرح الخيارات التي يتوقع أن تأتي بها الرسل من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . أدلى أصحاب المواقع، و أرباب الرأي الحصيف بآرائهم السخيفة و الوضيعة، التي تعبر عن ذهنيتهم و توجهاتهم، و آفاق تفكيرهم، و منطلقاتهم. فيلاحظ:

ألف: أن سهيل بن عمرو قد عبر عن رأي يظهر طبيعة نظرة أهل الشرك للعهود و المواثيق، و مدى هشاشتها، و سقوط محلها و قيمتها عندهم و ضعف تأثيرها في التزاماتهم، فقال: «ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة» .

ب: و عبر شيبة بن عثمان عن سوء الظن الذي كان يهيمن على مجتمع أهل الشرك، فلم يكن يثق أحد منهم بأحد، و لا يطمئن لسلامة نواياه، الأمر الذي يضعف من درجة اعتماد بعضهم على البعض الآخر، و يحد بصورة كبيرة من إقدامهم على أي عمل يصب في مصلحة الآخرين، فضلا عن أن يضحي في سبيلهم، أو يؤثرهم على نفسه.

ثم هو يشير إلى: أن منطلقاتهم حتى في مواقفهم المصيرية هي مصالحهم الشخصية و أهواؤهم و تعصباتهم القبليّة، و مشاعرهم العرقية.

فقضاياهم الكبرى تتقزم و تتحجم لتصبح في مستوى الشخص، لا من حيث مزاياه الإنسانية، بل بلحاظ مزيته البشرية، و في خصوص طبيعة موقعه النسبي. .

ج: أما موقف قرظة بن عمرو، فيعبر عن حمية الجاهلية التي تختزنها نفوسهم، و التي تهيمن و تطغى على مشاعرهم، و على أحاسيسهم.

د: ثم يأتي موقف أبي سفيان، الذي يدل على أن تلك النفوس أصبحت قاحلة جرداء، لا تمر في أجوائها أي نسمة من نسمات الخير، و لا تجد فيها أي أثر للهدى و الصلاح. . بل هي تضج و تعج بخصال ضربت جذورها في أعماق الباطل، و انطلقت أغصانها في آفاقه، فكانت ثمارها شرا و جهالة، و غواية، و ضلالة.

تحديد المتهم بدقة:

ثم يذكر الحديث السابق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من ركب خزاعة تحديد مرتكب الجريمة بدقة، و لم يكتف بعناوين فضفاضة و عامة.

فحين قالوا: إنهم يتهمون بني بكر، قال لهم: أكلهم؟

قالوا: لا، و لكن بنو نفاثة فقط، و على رأسهم فلان. .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد استبعد المنطق العشائري الجاهلي، الذي يأخذ البريء بذنب المجرم. رغم أن الذين قتلهم بنو نفاثة هم من الصبيان و النساء، و الضعفاء من الرجال. .

عرام بني نفاثة:

و قد وصفت الروايات المتقدمة بني نفاثة: بأن فيهم عراما، أي: حدة و شدة، أو شراسة و أذى. .

فهو يخشى-إن ودى القتلى الأبرياء الذين سقطوا تحت وطأة البغي

و الغدر، و نكث العهود-أن يتعرض للأذى من أناس فيهم حدة و شراسة. و هذا التضييع لحق هؤلاء ظلم آخر يحيق بأولئك الضحايا على يد جلاديهم، و قتلتهم.

بنو نفاثة يعظمون الحرم:

و قد زعم صاحب ذلك الرأي أيضا: أنه ليس في العرب قبيلة أشد تعظيما لبيت اللّه تبارك و تعالى من بني نفاثة. .

مع أن بني نفاثة أنفسهم، و في نفس هذه الواقعة التي أوصلت الأمور إلى هذا الحد، قد هتكوا حرمة الحرم، و قتلوا النساء، و الصبيان، و الضعفاء فيه. و حين حاول الناس لفت نظر زعيمهم و قائدهم نوفل بن معاوية نفسه إلى أنه يهتك حرمة الحرم لأن قتل أولئك الأبرياء قد أصبح في داخله، و قالوا له: إلهك، إلهك. تفوه بما يدل على إلحاده، فقال: لا إله لي اليوم. .

فإذا كان هو فعلا أشد الناس تعظيما للبيت و الحرم، فما الذي ننتظره من سائر القبائل التي لا تعظم البيت إلى هذا الحد؟ !

الخبر اليقين:

و قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالغيب، حين قال لهم: لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدد العهد، و زد في المدة الخ. .

و نقول: إن قضية مكة، و التصدي بحزم لممارسات رموز الشرك فيها، لم يكن تقبّله بالأمر السهل على الناس، بل كان يحتاج إلى جهد كبير لإقناع الناس بصحة ذلك التصدي، و صوابيته.

و لهذا الإقناع طرقه، و أساليبه المختلفة، و لكن أقواها و أعلاها تلك الإخبارات الغيبية التي يخضع لها العقل، و تتفاعل في أجوائها المشاعر و الأحاسيس، و يعيش القلب معها السكينة و الطمأنينة. .

و قد بيّن «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الإخبار الغيبي المشار إليه أعلاه تفاصيل ما يجري بصورة تامة و دقيقة، فصرح باسم القادم، و هو أبو سفيان. و ذكر لهم ما يسعى إليه أبو سفيان، بل هو صرح بعين الألفاظ و العبارات التي سوف يستخدمها، فقال: قد جاء يقول: جدد العهد، و زد في المدة.

ثم بيّن لهم نتيجة سعي ذلك الرجل، و أنه سيرجع، و هو يجر أذيال الخيبة، و يحمل معه سخطه و مرارته. .

رؤيا هند بنت عتبة:

و عن رؤيا هند بنت عتبة نقول:

قد عرفنا أن للرؤيا في المنام دورا في هداية الناس، و في إقامة الحجة عليهم، و في لفت نظرهم لأمور يحتاجون إليها، و ليست الرؤيا مجرد تخيلات عابرة، ليس لها أثر. .

و قد جاءت رؤيا هند لتحذر مشركي مكة من مغبة هذا البغي الذي يمارسونه، و تريهم بعض اللمحات عن المصير الذي ينتظرهم، إن استمروا في اللجاج و العناد، و السعي لإطفاء نور اللّه تبارك و تعالى.

أبو سفيان هو المسؤول:

إن أبا سفيان الذي يدّعي: أنه لم يشهد ما جرى لخزاعة، قد أقر: بأنه لم

يغب عما جرى. .

و هذا معناه: ليس فقط أنه كان على علم بما جرى. . بل هو قد شارك في التخطيط و التآمر، حتى لو سلمنا: أنه كان في الشام حين ارتكاب المجزرة الرهيبة كما ورد في بعض النصوص (1).

إذ لا شيء يمنع من التخطيط و الإتفاق على شيء، على أن يتم التنفيذ في وقت يحدد بعد أيام، حيث يكون المستهدفون بالمؤامرة في غفلة من ذلك كله. .

و إذا كان أبو سفيان حاضرا فلا نجد مبررا لتجاهله، و عدم استشارته، فيما عقدوا العزم عليه.

مع ملاحظة: أن لفعلهم هذا خطورة بالغة على الهدنة التي كانت بينهم و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأجل الحلف الذي كان له مع خزاعة. خصوصا و أن ذلك لا يعفي أبا سفيان من المسؤولية من اتخاذ موقف تجاه ما يحدث، سواء علم أم لم يعلم. و قد اعترف هو نفسه بذلك فقال: «لا يحمل هذا إلا علي» .

و هذا أمر طبيعي: فإن من يؤسس نهجا، و يسن سنّة للناس ليعملوا بها، فإذا عمل بها الناس، فليس له أن يقول لهم: أنا بريء مما تشركون. .

و قد أقر الشرع هذا المنطق أيضا، فقد روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: من سن سنة حسنة فله أجرها، و أجر من عمل بها. و من


1) راجع: البحار ج 21 ص 126 و عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177 و عن إعلام الورى ج 1 ص 217 و الأنوار العلوية للنقدي ص 199.

سن سنة سيئة، فعليه وزرها و وزر من عمل بها (1).


1) راجع: الفصول المختارة للمفيد ص 136 و روضة الطالبين للنووي ج 1 ص 73 و حاشية رد المختار ج 1 ص 62 و نيل الأوطار ج 7 ص 192 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 229 و الإختصاص ص 251 و منية المريد ص 145 و البحار ج 2 ص 24 و ج 71 ص 204 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 184 و مسند أحمد ج 4 ص 357 و 359 و 361 و 362 و صحيح مسلم ج 3 ص 87 و سنن النسائي ج 5 ص 76 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 176 و فتح الباري ج 13 ص 256 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 68 و مسند أبي داود ص 93 و مسند ابن الجعد ص 90 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 3 و 4 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 112 و جزء الحميري ص 25 و صحيح ابن حبان ج 8 ص 101 و المعجم الأوسط ج 4 ص 343 و 384 و المعجم الكبير ج 2 ص 315 و 329 و 330 و 346 و رياض الصالحين للنووي ص 143 و اللمع في أسباب ورود الحديث ص 68 و كنز العمال ج 15 ص 780 و فيض القدير ج 1 ص 672 و كشف الخفاء ج 2 ص 255 و 256 و التبيان ج 1 ص 187 و ج 3 ص 502 و تفسير مجمع البيان ج 1 ص 186 و ج 3 ص 322 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 73 و تفسير الميزان ج 12 ص 230 و ج 17 ص 70 و ج 19 ص 47 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 507 و ج 3 ص 188 و مفردات غريب القرآن للراغب ص 263 و 521 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 87 و ج 6 ص 140 و ج 19 ص 99 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 572 و ج 4 ص 365 و البرهان للزركشي ج 2 ص 144 و الدر المنثور ج 5 ص 260 و ج 6 ص 201 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 201 و الفصول في الأصول للجصاص ج 3 ص 198 و أصول للسرخسي ج 1 ص 114 و 381 و التعديل و التجريح ج 1 ص 13 و 45 و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 544 و الإستغاثة ج 1 ص 20 و النصائح الكافية ص 120 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 106 و لسان العرب ج 8 ص 6 و مجمع البحرين ج 1 ص 164 و تاج العروس ج 5 ص 271.

و قال تعالى في إشارة إلى ذلك: وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ (1).

تجديد العهد، و زيادة المدة:

و قد كان طلب أبي سفيان من النبي «صلى اللّه عليه و آله» تجديد عهد الحديبية، و الزيادة في المدة، هو الخدعة التي أعدها هذا الرجل، و من ورائه قريش، للتملص و التخلص من تبعات الجريمة التي ارتكبوها في حق صبيان و نساء و ضعفاء خزاعة. .

و ذلك بتقدير: أن يكون ذلك الطلب يشير إلى الرغبة في تأكيد العهد، و من تكون لديه هذه الرغبة، فلا يعقل أن يكون قد نقض ما يسعى إلى تقويته! !

و يعزز ذلك و يقويه: طلب الزيادة في المدة، لأن ذلك يبعّد احتمال نقض العهد أيضا. فإن ناقض العهد لا يعترف بوجوده، و قريش تعترف بالعهد، و ببقائه، بل هي ترغب في إطالة أمده. .

و هذا كله يدخل في سياق الإيحاء ببراءة قريش مما جرى لخزاعة. و هو أحد مظاهر جحود ما ظهر من نقضها للعهد، بالمشاركة في العدوان على خزاعة.

و هو عين الرأي الذي طرحه أبو سفيان، و استبشرت به قريش، حينما ائتمروا فيما بينهم حول كيفية الرد على الخيارات التي عرضها النبي «صلى


1) الآية 13 من سورة العنكبوت.

اللّه عليه و آله» عليهم. .

و قد كان لا بد من رد أبي سفيان خائبا ليفهم: أن أساليب المكر و الإحتيال لا تجدي في إماتة الحق، و إحياء الباطل. و هذا ما جرى له فعلا.

أساليب استخبار اتية فاشلة:

و حين التقى أبو سفيان ببديل بن ورقاء و صحبه، و ظن أنهم راجعون من المدينة، بادر إلى التعامل وفق سجيته الماكرة، التي تظهر الود و الصفاء، و تبطن الخبث و الحقد و البغضاء، فبادر إلى طرح السؤال عن أخبار المدينة على بديل، و كأن عودته منها أمر مفروغ عنه. .

فلما أنكر بديل أن يكون له علم بشيء منها بادر بطرح سؤال آخر أكثر صراحة من سابقه، على أمل أن تأخذهم المفاجأة، و تهيمن عليهم هزة مشاعرية تستثير أريحية الكرم فيهم، فيبادرون إلى الإجابة بكلمة نعم، رغبة منهم في البذل و العطاء. و اكتساب الحمد و الثناء.

فسألهم إن كان لديهم شيء من تمر يثرب يطعمونه إياه. و لكنه وجدهم أيضا متيقظين لحيلته، راصدين لحركته. حين أجابوه بالنفي. .

فاضطر إلى الجهر بنواياه، و الكشف عن خفاياه و خباياه، فقال لبديل: هل جئت محمدا الخ. .

و جاءه الجواب بالنفي أيضا، مصحوبا بتبرير معقول و مقبول، لا سبيل إلى رده، و لا مجال للمناقشة فيه. .

فلم يكن أمامه خيار سوى السكوت، و انتظر أبعار إبلهم ليتفحّصها بعد رحيلهم، ليستدل منها على ما يريد. . فوجد فيها بعض ما يشي بصدق

ما كان يخشاه. .

و لكن ذلك أيضا يبقى غير كاف لحسم الأمور لديه، لإمكان التأويل و التفسير، و التوجيه و التبرير. فباء بذلّ الخيبة، و ذاق مرارة الفشل الذي سيكون له ما بعده، من خيبات تتلاحق، و فشل يتوالى. .

أبو سفيان في المدينة:

و إن ما واجهه أبو سفيان في المدينة كان غاية في الروعة، فقد ذاق طعم الذل و الخزي مرة بعد أخرى، و تجرع مرارة الخيبة و الفشل كرّات و مرّات لم يعرف لها مثيلا في حياته كلها. . و قد تجلى هذا الذل في مظاهر مختلفة، نذكر منها:

1-أنه قد بدأ فيما ظن أنه أهونها عليه. . ألا و هو أن يوسّط ابنته لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كأنه يريد أن يستفيد من العنصر النسوي، و النسبي، و العاطفي، و التأثير الأنثوي، على قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ظنا منه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كغيره من أهل الدنيا، الذين يمارسون العمل في الصالح العام بعد وضعه في بوتقة المصالح الشخصية، و صهره و استخلاص نتائجه لحساب الفرد و شهواته و أهوائه، و من يلوذ به من قريب أو عشير. .

مع أن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم لهم الدليل تلو الدليل على أنه يضحي بالنفس و بالمال و الولد، و بكل شيء في سبيل الصالح العام، و بتعبير أدق: في سبيل اللّه، و المستضعفين.

و لعل أبا سفيان حين لجأ إلى ابنته قد ظن أيضا: أن ظهور ضعفه لديها،

سوف يغنيه عما بعده من مواقف ذليلة، اختار هو وضع نفسه فيها. .

كما أنه سيكون قادرا بعد ذلك على لملمة ما انتشر من هيبته، و الظهور على الناس من جديد بورقة التين، التي قد تستر شيئا من عيوبه و قبائحه، و تغطي على بعض ما هو مشين و مهين من واقعه.

و لكنه لم يجد لدى ابنته ما يشجعه على طرح الموضوع معها، لأن الظاهر هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أعطى تعليماته بهذا الخصوص كما أظهره قوله السابق و هو يخبر بالغيب عن أبي سفيان «و هو راجع بسخطه» ، فالحدود كانت قد وضعت، و الثغرات ضبطت، و الصلاحيات حددت. . فلم يبق مجال لأحد أن يفكر في اختراقها. .

و لو أن أحدا سولت له نفسه أن يفعل ذلك، فسوف ينال جزاءه العادل الذي حددته الشريعة، و بيّنه لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

2-ثم جرب حظه مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، فطلب منه أن يجدد العهد و يزيد في المدة، و كان المبرر الذي ساقه لطلبه هذا هو: أنه لم يكن حاضرا في صلح الحديبية. .

و كأنه يريد بهذا الطلب و بذلك التبرير أن يمرر لعبته على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و إلا، فإن غيبته عن الحديبية لا توجب أي وهن أو ضعف في العهد ليحتاج إلى التقوية و التوثيق ما دام أن الوقائع طيلة السنوات التي مرت على عقد الهدنة قد أثبتت التزام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعهد، و استمر جميع أهل مكة على الالتزام بمراعاته، و تنفيذ بنوده.

و إنما يحتاج العهد إلى التقوية و التجديد فيما لو تعرض للنقض و التمرد على أحكامه، و رفض إجرائها. .

و هذا ما ينكره أبو سفيان، بل هو لا يجرؤ على الاعتراف بشيء مما يدخل في هذا السياق. .

و لذلك سأله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إن كان قد حدث في مكة ما يوجب وهن العهد، أو نقضه، فأنكر أبو سفيان أن يكون قد حصل شيء من ذلك.

فأسقط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حجته، و وضعه أمام خيارين كل منهما صعب:

أحدهما: أن يعترف بما جرى لخزاعة، و هذا معناه: الدخول فيما أراد أن يهرب منه، حيث لا بد من أن يرضى بتحمل جميع تبعات ما جرى، و يضطر إلى إعطاء الديات و الرضى بقصاص المجرم و غير ذلك.

ثانيهما: أن يظهر للناس بصورة الرجل التافه، أو الجاهل، أو المبتلى بالخرف أو ما شاكل. . و قد أصر على رفض الخيار الأول و لم يفلح في التملص من تبعات الخيار الثاني. .

خيار الهروب إلى الأمام:

فكانت النتيجة التي انتهى إليها هي اللجوء إلى خيار ثالث ظن أنه يبلغه إلى ما يريد، ألا و هو أن يطلب من بعض أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجير بين الناس. .

و بذلك يكون قد حصل على ما يحسم الأمر فيما يرتبط بما فعله بنو نفاثة و قريش ببني خزاعة، لأنه سيصبح قادرا على ادّعاء أن هذه أمور شخصية، ليس فيها أي نقض للعهد. .

و الأمور الشخصية يحكم بها عقلاء القوم و يحسم الأمر فيها نفس أصحاب العلاقة بما هم أفراد. و الجوار يحفظ هؤلاء الأفراد و يحميهم من الانتقام. .

و بذلك يكون قد أخرج قريشا من دائرة الصراع، و نفى أية مسؤولية لها فيه، و أبعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أن يكون له الحق بالمطالبة بديات أو بقصاص، ما دام أن المسألة فردية، و لا شيء أكثر من ذلك.

و بذلك يكون قد أخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اضطره إلى إمضاء هذا الجوار، فإذا ظهر أن أحدا قد ارتكب جرما، فإن الجوار الذي شمله سوف يمنع من إجراء أي حكم عليه. .

و لو أريد فعل شيء من ذلك؛ فإن إقناع الناس بأن هذا مما لا تصح الإجارة منه سيكون صعبا، و سيحدث بلبلة كبيرة، و يسيء إلى الذهنية العامة، و ربما يحدث إرباكا ضارا، و يترك آثارا سلبية لا مجال لتلافيها. .

على أن هذا الموقف من شأنه أن يظهر أبا سفيان على أنه رجل سلام، يريد حقن الدماء، و يملك مشاعر إنسانية، و من لا يستجيب لطلبه هذا فإنه يكون متهما في ذلك كله.

فطلب من أبي بكر أن يجير بين الناس، و كذلك من عمر، و من عثمان و من سعد بن عبادة، و علي «عليه السلام» ، و أشراف المهاجرين و الأنصار. و كان يسمع منهم جميعا رفضا لهذا الأمر أكيدا، و شديدا.

فتوسل بالزهراء «عليها السلام» ، ثم توسل بالسبطين الحسن و الحسين «صلوات اللّه و سلامه عليهما» ، فلم يجده هذا التوسل نفعا، بل كان الجواب دائما هو الرفض الأكيد، و الشديد. .

التدبير الصارم:

و نحن لا نشك في أن رفض جميع هؤلاء الذين سبقت أسماؤهم إنما هو بسبب أن الجميع كان قد عرف حدّه، و ألزمه الشرع بالوقوف عنده، أو لم يترك له أي سبيل يستطيع أن ينفذ منه.

و قد ظهر ذلك من إخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم بالغيب الإلهي: بأن أبا سفيان سيرجع بسخطه، فلم يعد أحد ليجرؤ على قبول شيء يأتيه به أبو سفيان، لأنه يعرف أن الوحي سوف يفضح أمره، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لن يقبل بأي شيء يطلبه أبو سفيان. . ما دام أن هذا القبول سيكون ضد القرار الإلهي بإرجاع أبي سفيان ساخطا. .

فلم يعد الإصرار يشبه أبدا ما جرى في غزوة بدر من تطاول على مقام النبوة، و من سعي لانتهاك حرمة الحكم الشرعي الإلهي في أمر الأسرى. .

و كذلك ما جرى في أحد و في سواها من مواقف و تحركات تدخل في هذا السياق، فإن الأمور قد جرت في سياق استطاع أن يفضح هؤلاء في مواقفهم.

و رأى الناس بأم أعينهم في أكثر من مناسبة عدم صحة ما يدّعيه هؤلاء الناس لأنفسهم من شجاعة و إخلاص و التزام. . و قد تجلى ذلك بصورة واضحة و فاضحة في الخندق، و خيبر، و قريظة و غير ذلك. .

و قد عولجت تصرفات و تحركات هؤلاء الناس بصورة استطاعت أن تزيد من فضيحتهم، و ظهور خطل رأيهم، و حقيقة ما يسعون إليه. .

مواقف مزعومة، بل موهومة:

و قد زعمت النصوص المتقدمة: أن أبا بكر قد قال لأبي سفيان: و اللّه، لو أن الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. .

و أن عمر بن الخطاب قال: أنا أشفع لكم عند رسول اللّه؟ ! فو اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، و ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه اللّه، و ما كان منه متينا فقطعه اللّه، و ما كان منه موصولا فلا وصله اللّه.

فقال أبو سفيان: جوزيت من ذي رحم شرا.

و نحن نشك في صحة هذه المزاعم: أولا: ليس في كلام أبي سفيان ما يشير إلى أنه يطلب شفاعته عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما معنى قول عمر له: «أنا أشفع لكم عند رسول اللّه» ؟ !

ثانيا: لم يصرح أبو سفيان بأن الشفاعة كانت لهم فلعله يقصد الجوار لمن يتقاتلون فيما بينهم من العرب، فإن دخولهم في جوار المسلمين يمنع الطرف المعتدي من مواصلة عدوانه.

ثالثا: قد تقدم: أن أبا سفيان يعبر عن عمر {كما ورد في بعض النصوص دون بعضها الآخر} : أنه أدنى العدو، و هي كلمة تشير إلى أن عمر كان أقرب إلى قريش من سائر صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

رابعا: إن ما نعرفه عن هذين الرجلين هو سعيهما في المواقع الحساسة إلى التخفيف من الوطأة على قريش، و حفظ موقعيتها.

كما أن قريشا كانت تهتم بسلامتهما قدر الإمكان.

فلا حظ ما يلي: 1-في بدر يستشير النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في أمر الحرب، فيقول أبو بكر كلاما من شأنه أن يضعف عزائم المسلمين: «إنها قريش و خيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، و ما ذلت منذ عزت» أو نحو ذلك.

و كذلك قال عمر بن الخطاب (1).

2-و سيأتي أنه حاول منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غزو مكة، و قال: «قلت: يا رسول اللّه، هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني» (2).

3-و في حرب أحد: ضرب ضرار بن الخطاب الفهري عمر بن الخطاب بالقناة حين هزم المسلمون، و قال له: يا ابن الخطاب إنها نعمة


1) راجع: البحار ج 19 ص 217 و 274 و المغازي للواقدي ج 1 ص 48 و السيرة الحلبية ج 2 ص 105 و الدر المنثور ج 3 ص 166 عن دلائل النبوة للبيهقي، و تفسير القمي ج 1 ص 258 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 112 و عن عيون الأثر ج 1 ص 327 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 26 و صحيح مسلم كتاب الجهاد و السير، باب غزوة بدر ج 5 ص 170 و {ط أخرى} ج 3 ص 1403، و مسند أحمد ج 3 ص 219 بطريقين، و عن الجمع بين الصحيحين، و البداية و النهاية ج 3 ص 263، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 394 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 181 و تفسير مجمع البيان {ط مؤسسة الأعلمي} ج 4 ص 432 و التفسير الصافي ج 2 ص 274 و التفسير الأصفى ج 1 ص 425 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 124 و تفسير الميزان ج 9 ص 25 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 118.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 208 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 506 و {ط دار الفكر} ج 8 ص 542 و كنز العمال {ط مؤسسة الرسالة} ج 10 ص 529 و {ط دار الفكر} ج 1 ص 2104 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 21 ص 423.

مشكورة، ما كنت لأقتلك (1).

فما هذا الغزل الظاهر بين ضرار و عمر؟ !

و قد ذكر ابن سلام: أن هذه كانت يدا له عند عمر يكافئه عليها حين استخلف (2).

4-سعي أبي بكر لتخليص أسرى بدر من القتل، رغم إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قتلهم، حتى لقد نزلت الآيات في ذلك.

و هو أمر لا بد من أن تشكره عليه قريش مدى الحياة (3).

قال الواقدي عن الأسرى: إنهم قالوا: لو بعثنا لأبي بكر، فإنه أوصل قريش لأرحامنا، و لا نعلم أحدا آثر عند محمد منه. فبعثوا إلى أبي بكر، فأتاهم، فكلموه.

فقال: نعم، إن شاء اللّه، لا آلوكم خيرا.

و انصرف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعل يلينه، و يفثؤه، و يقول: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي، قومك فيهم الآباء و الأبناء،


1) المغازي للواقدي ج 1 ص 282 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274 و ج 15 ص 20 عنه، و عن ابن إسحاق، و البلاذري، و طبقات الشعراء لابن سلام ص 63 و راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 107 عن ابن هشام، و البحار ج 20 ص 135 و 138 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 332 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274 و ج 15 ص 20 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 393 و 397 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 500 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 628.

2) طبقات الشعراء لابن سلام ص 63.

3) مصادر ذلك كثيرة، فراجع هذا الكتاب: غزوة بدر، فصل الغنائم و الأسرى.

و العمومة، و الإخوان و بنو العم، و أبعدهم عنك قريب فامنن عليهم، منّ اللّه عليك، أو فادهم يستنقذهم اللّه بك من النار، فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين، فلعل اللّه يقبل بقلوبهم إليك. .

ثم قام فتنحى ناحية، و لم يجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم عاد إليه، فقال له مثل مقالته الأولى، و قال أيضا: لا تكن أول من يستأصلهم، يهديهم اللّه خير من أن تهلكهم. فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و تنحى أبو بكر ناحية، ثم عاد إليه، فأعاد عليه نفس الكلام (1).

5-ما معنى: أن يهنئ أبو سفيان عمر بن الخطاب بانتصار المشركين في أحد، و يقول له: أنعمت عينا، قتلى بقتلى بدر (2).

و ما معنى قول أبي سفيان لعمر آنئذ: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب، فيقول عمر: إنها (3).

6-إن خالد بن الوليد رأى عمر بن الخطاب في أحد، و كان خالد في كتيبة خشناء، فما عرف عمر أحد غيره، قال خالد: فنكبت عنه، و خشيت


1) راجع: المغازي ج 1 ص 107-109 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 173 و 174 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 9 ص 244.

2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 366 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 136 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 171.

3) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 412 و الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 184 و 185 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 31 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 171.

إن أغريت به من معي أن يصمدوا له، فنظرت إليه موجها إلى الشعب (1).

7-إن عمر قد أخبر أبا سفيان: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يزال على قيد الحياة، رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى عن ذلك. فقال أبو سفيان لعمر: أنت أصدق عندي من ابن قميئة و أبر (2).

فلماذا كان عمر أبرّ بأبي سفيان من ابن قميئة، مع أن عمر كان في صفوف المحاربين له، و ابن قميئة كان يحارب معه، و تحت لوائه؟ !

و في مقام وضع اللمسات الأخيرة على حقيقة موقف هذين الرجلين، نقول:

قد يكون مما يثير الشبهة أيضا: توافق أبي بكر و عمر في حديثهما عن الذر المقاتل للمشركين، و العنف الذي أظهراه في خصوص هذه الواقعة، في حين اكتفى كل من عداهما، و منهم فاطمة و علي «عليهما السلام» بالرد بالقول: بأن جوارهم جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أنه لا يجير على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحد. .

مع أننا لا نشاهد لدى هذين الرجلين طيلة حياتهما مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أي نشاط قتالي مميز، أو أي أثر لنكاية كانت لهما في


1) المغازي للواقدي ج 1 ص 297 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 440 و وفاء الوفاء ج 1 ص 294 و السيرة الحلبية ج 1 ص 244 و 245 و سيرة ابن إسحاق ج 3 ص 309 و تاريخ الأمم و الملوك {ط الإستقامة} ج 2 ص 205 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 160 و الثقات ج 1 ص 232 و راجع: شرح الأخبار ج 1 ص 280 تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414 و 415.

المشركين. رغم حضورهما جميع المشاهد معه «صلى اللّه عليه و آله» .

بل ظهر منهما الكثير من موارد الضعف، و الوهن، و قد فرا في مواطن كثيرة، مثل أحد، و قريظة، و خيبر، و حنين. و ذات السلاسل و غير ذلك.

و قعدا عن مبارزة الأبطال مثل عمرو بن عبدود، و مرحب.

جواري جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و تقدم: أن أبا سفيان أصرّ على الحصول على جوار من أحد صحابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أجابه المسلمون بأن أحدا لا يجير على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أن جوارهم جوار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هذا يدل على أنهم فهموا: أن مطلوب أبي سفيان هو الجوار الملزم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المقيد لحركته، فهو المستهدف بهذا الجوار، و المطلوب هو منعه به عن إجراء مقاصده حين يقتضي الأمر ذلك. .

و ذلك يشير إلى مدى وقاحة هذا الرجل، و قلة حيائه و رعونته، حتى لقد أحرج بهذا الأمر أولئك الذين عملوا على منع القتل عن أسرى بدر حسبما قدمناه، فما ظنه أبو سفيان أكسير الغلبة ظهر له أنه هو إكسير الهزيمة و الخذلان، و الخزي و الخسران. .

و قد اكد للناس سوء نوايا أبي سفيان في طلبه هذا أمران:

أحدهما: أنه حيث أجيب بتلك الأجوبة لم يبادر إلى توضيح مراده لأحد كان هناك، و لم يقل لهم أنهم قد أخطأوا في فهم مقصوده.

الثاني: أنه لو كان يقصد حقن دماء الناس حقيقة لكان قد طلب من

النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه أن يجعل الناس في جواره، فإن ذلك يكفي لمنع المعتدين من مواصلة عدوانهم. فلماذا يدعو الآخرين ليجيروا الناس من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أليس لأجل أنهم اقترفوا ما يستحقون به العقوبة منه «صلى اللّه عليه و آله» و يريد ان يخرجهم من و رطتهم تلك بهذه الطريقة؟ ! و إذا صح هذا الأمر فلماذا لا يعترف لنا بهوية المجرم و بحقيقة جرمه؟

ثم إنه إذا كان يعتقد: أن الجوار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعطي من يفعل ذلك و جاهة و عظمة، كما هو الحال عند سائر الناس، فهو في وهم كبير، لأن هذا الأمر لا يجري فيما بين الأنبياء «عليهم السلام» ، و بين المؤمنين، لأنه يستبطن الإعلان عن وجود خلل إيماني لدى من يفعل ذلك، من حيث إنه يخطّئ نبيه في تصرفاته، و يراه ظالما في موقفه ممن يجيره منه، أو يرى أن ذلك النبي يعمل عملا مرجوحا، و يترك ما ينسجم مع العفو و الكرم، و حسن الشيم، و مع النبل و الشمم. .

و لأجل هذا أو ذاك يبادر إلى الحد من قدرته على التصرف، و محاصرة قراراته، ليمنعه من الغلط و الشطط. .

و هذا الأمر مرفوض من الناحية الإيمانية، لأنه تشكيك بالعصمة، أو اتهام للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في ميزاته و صفاته، و أنها لا تصل إلى حد الكمال.

و لو كان أبو سفيان يفهم معنى الإيمان، و يدرك ما له من تبعات و آثار و مسؤوليات لما أقدم على هذا الأمر المشين و المهين. .

هل تجير الزهراء عليها السلام؟ ! :

و لم يكن أبو سفيان يرى للسيدة الزهراء «عليها السلام» ما يميزها عن غيرها أكثر من كونها امرأة كسائر النساء، و لم يكن يرى لجوار النساء قيمة و أثرا. . و لكنه حين سدت في وجهه المذاهب لجأ إليها على أمل أن تستجيب لطلبه بسبب ما توهمه منها من غفلة عما يتنبه له الرجال المتمرسون، و الدهاة المجربون، أو لعدم قدرتها-بزعمه-على إدراك الأمور و تقديرها بسبب قلة معرفتها بالسياسات، و بأعراف الناس.

فإذا استجابت لطلبه، فإنها سوف تحرج أباها، و قد يوافق على طلبها من وجهة نظر عاطفية، بسبب موقعها منه «صلى اللّه عليه و آله» من ناحية النسب، و من ناحية المكانة و الكرامة. .

و قد فوجئ برفضها القائم على أساس البرهان، حيث قالت له: «إنما أنا امرأة» . أي: و لا يحق للمرأة أن تتصدى لأمر كهذا بزعمك فلماذا تريد أن تدفعني إلى أمر لا تؤمن أنت به؟ !

قد أجارت أختك:

و لكن أبا سفيان يستدرك الأمر، و يقدم تبريرا لتصرفه هذا حين احتج عليها بإجارة زينب لزوجها أبي العاص بن الربيع، و قد قبل «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منها.

فجاءه جواب الزهراء المعصومة «عليها السلام» ليفند قوله، و يؤكد له أنها «عليها السلام» تدرك الفرق بين ما فعلته زينب، و بين هذا الذي يطلبه هو منها، فقالت كلمة واحدة، كانت حاسمة و نهائية و هي: إنما ذاك إلى

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إنها تريد أن تقول: إن زينب حين أجارت أبا العاص بن الربيع، فإنما أرادت أن تمنع الناس من التعرض لأبي العاص، إلى أن يبت النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمره، و يصدر عليه حكمه. و لم ترد أن تمنع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من إجراء حكم اللّه تعالى في حقه.

و هذا بالذات هو نفس ما فعلته أم هاني حين أجارت بعض من أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم، و لم تكن تعلم بذلك. كما أنها لم تعرف أن الذي يريد تنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أخوها علي «عليه السلام» .

فأرادت حفظ نفس أولئك الأشخاص من سائر أفراد الجيش إلى أن يرى فيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأيه، و يصدر عليهم حكمه كما سيأتي.

أما أبو سفيان فيريد منها أن تجير الناس، ليمنع بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مجازاة المعتدي، و لتطلّ بذلك دماء الأبرياء من صبيان و نساء، و ضعفاء خزاعة. . و شتان ما بين الأمرين.

أخت الزهراء عليها السلام:

و علينا أن لا ننسى: أن تعبير أبي سفيان عن زينب: بأنها أخت الزهراء «عليها السلام» إنما جاء وفق ما كان متداولا بين الناس، من التعبير عمن تنشأ في بيت كافلها بعد أن مات ابوها الحقيقي، فإنها تنسب إلى ذلك الكافل بعبارات البنوة، و تضاف إلى أبنائه بتعابير الأخوة. . حيث يكون المقصود هو البنوة بالتربية، و كذلك الأخوة.

مري ابنك:

و لعل ما ذكرناه آنفا حول طلب أبي سفيان من فاطمة «عليها السلام» أن تجير بين الناس، يغني عن التعليق على طلب أبي سفيان منها «عليها السلام» أن تأمر ابنها الحسن «عليه السلام» ، الذي كان بعمر الخمس سنوات، أن يجير بين الناس، فإن الكلام هنا هو نفسه الكلام هناك.

غير أننا نقول: إن علينا أن نضيف هنا ما يلي:

أولا: إن أبا سفيان يغري فاطمة بالإقدام على هذا الأمر بمنطق أن ذلك يجعل ولدها سيد العرب إلى آخر الدهر.

نعم، و هذا هو منطق أهل الدنيا، الذين يقيسون الأمور بمقاييس السمعة، و الشهرة، و السيادة، و المال، و الجاه، و ما إلى ذلك. .

و ذلك هو منطق أبي سفيان، لأنه من أهل الدنيا. و أما منطق العقل و الدين، و الشرع، و رضا اللّه تعالى و القيم الإنسانية، و المشاعر النبيلة، و المبادئ و الخصال الحميدة، و نحوها. فهو الذي تلتزم به فاطمة «عليها السلام» ، و تؤمن به، و تنطلق في مواقفها منه. لأنها من أهل الدين و الشرع، و القيم الإنسانية، و العقل و الأخلاق الفاضلة، و المزايا النبيلة. .

ثانيا: إن الإمام الحسن «عليه السلام» كان كبيرا في نفسه وفق مقاييس أهل العقل و الحكمة و الإيمان، و قد بايعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيعة الرضوان، و أشهده على كتاب ثقيف، و أخرجه يوم المباهلة بأمر من اللّه، و جعله شريكا في الدعوة، و يتحمل مسؤولية إثباتها. . و غير ذلك. .

و لكن هذه لم تكن نظرة أبي سفيان إلى الإمام الحسن «عليه السلام» ، بل هو ينظر إليه على أنه طفل كسائر أطفال الناس، و يريد أن يستفيد منه

كوسيلة يصل من خلالها إلى مآربه، فيحرج به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يثير الشبهات و الإشكالات حول صحة و سلامة ما يتخذه «صلى اللّه عليه و آله» من مواقف. .

و لأجل ذلك خاطبته الزهراء «عليها السلام» بما ينسجم مع نظرته هذه، و قالت له: ما بلغ ابني أن يجير بين الناس.

ثم تقدمت خطوة أخرى في بيانها، لتاكيد بطلان منطق أبي سفيان فقالت: «ما يدري ابناي ما يجيران من قريش» .

فإن هذه الكلمة أيضا قد صدرت وفق منطق أبي سفيان الذي يعتبر الحسنين «عليهما السلام» مجرد طفلين صغيرين، لا يحملان في نفسيهما أية ميزة على غيرهما.

فهما في نظره لا يملكان من التعقل ما يكفي لإدراك معنى ما يتفوهان به، فهما إذن غير قادرين على إدراك معاني الكلمات، فضلا عن أن يقصدا معانيها، ليصبح لتلك المعاني تحقق في مقام التخاطب، يصلح لترتيب الآثار عليه، و المطالبة به، و الإشارة إليه. فهو من قبيل القضية السالبة بانتفاء موضوعها.

هما صبيان:

قال الحلبي: «قول فاطمة في حق ابنيها: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير هو الموافق لما عليه أئمتنا، من أن شرط من يؤمّن أن يكون مكلفا.

و أما قولها: و إنما أنا امرأة، فلا يوافق عليه أئمتنا، من أن للمرأة و العبد أن يؤمّنا؛ لأن شرط المؤمّن عند أئمتنا أن يكون مسلما، مكلفا، مختارا. و قد

أمّنت زينب بنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» زوجها أبا العاص ابن الربيع، و قال «صلى اللّه عليه و آله» : قد أجرنا من أجرت.

و قال: المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم. .» .

إلى أن قال: «إن أم هاني أجارت، و إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لها: أجرنا من أجرت يا أم هاني.

لكن سيأتي: أن هذا كان تأكيدا للأمان الذي وقع منه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة، لا أمان مبتدأ» (1).

و نقول:

أولا: إننا نعتقد: أن جواب الزهراء «عليها السلام» الذي يشير إلى أن الحسنين «عليهما السلام» لا يجيران، و بالنسبة لنفسها أيضا، قد جاء على سبيل الجري على ما كان يراه أبو سفيان، و من هم على شاكلته، فإنه إذا كان يرى: أن المرأة لا جوار لها، و يرى: أن الحسنين «عليهما السلام» كانا صبيين لا يجوز جوار هما عنده، فلماذا يريد من هذه المرأة، و من ذلك الصبي أن يجير بين الناس؟ !

ثانيا: إن للجوار مسؤولياته و تبعاته، لأن المجير يتكفل بمن يجير، و يتحمل أعباء و تبعات ما صدر منه. . و لم يكن ذلك ممكنا بالنسبة لفاطمة و الحسنين «عليهم السلام» ، فهناك قتلى و تعديات و ظلم و قهر.

و قريش تنكر ذلك و تجحده، و تمتنع عن الالتزام بأدنى شروط الجوار. . لأنها ترفض تحمل ديات المقتولين، أو البراءة من حلف من تعدى و نقض العهد. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 73.

فما معنى: أن تتحمل فاطمة و الحسنان «عليهم السلام» هذه الديات عن أولئك المجرمين؟ !

و ما معنى: حفظ مرتكب الجريمة، و صيانته عن التعرض للجزاء و القصاص العادل؟ !

ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل من الحسنين «عليهما السلام» البيعة في الحديبية (1)، و قد كان سنهما لا يتجاوز السنتين أو الثلاث. . و أشهد هما على كتاب ثقيف (2).

قريش في مأزق:

و قد بينت عبارة السيدة الصديقة فاطمة الزهراء «عليها السلام» : «ما يدري ابناي ما يجيران في قريش» : أن أبا سفيان يتستر على امر كان معروفا لدى الناس. . و هو أن قريشا في مأزق، و يريد بهذا الجوار إخراجها منه. و إن استخدامه عبارات غائمة و عامة، لا يجدي في تعمية الأمور. .


1) الإحتجاج ج 2 ص 245 و البحار ج 50 ص 78 عنه، و الإرشاد للمفيد ص 363 و تفسير القمي ج 1 ص 184 و 185 و ينابيع المودة ص 375 و ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر {بتحقيق المحمودي} ص 150 و المعجم الكبير للطبراني و حياة الصحابة ج 1 ص 250 و مجمع الزوائد ج 6 ص 40 و العقد الفريد ج 4 ص 384.

2) الأموال لأبي عبيد ص 289 و 290 و راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 274 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 284 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 58 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 373.

فالمطلوب هو تحصيل جوار لفئة من قريش ترى نفسها في دائرة الخطر، و لكن أبا سفيان يحاول أن يتذاكى عليهم، فيطلق كلامه على شكل عمومات، فيطلب من هذا أو ذاك أن يجير بين الناس. و هذه الكلمة تنطبق على القرشي و على غيره. .

كلمي عليا:

و نستطيع أن نلمح في طلب أبي سفيان من السيدة الصديقة الطاهرة المعصومة فاطمة الزهراء «عليها السلام» أن تكلم عليا صلوات اللّه و سلامه عليه في أمر الجوار: أن أبا سفيان كان يحسب لعلي «عليه السلام» حسابا خاصا به. . فهو يقترب في طريقة تعامله معه من طريقة تعامله مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فكما حاول أن يستفيد من موقع أم حبيبة زوجة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حاول أيضا أن يستفيد من موقع فاطمة لدى علي «عليهما السلام» فطلب منها أن تكلم هي عليا. .

و لكنها رفضت طلبه، لأنه لو كان يرى أن طلبه طلب حق، أو كان فيه أي أثر للرجحان، لبادر إلى مطالبة علي «عليه السلام» بل و النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعمل بهذا الحق، و الأمر الراجح.

و لكنه أراد أن يحصل على ما يريد بأساليب الضغط العاطفي، أو من خلال المراعاة لدواعي النسب، و في غير ذلك من أمور تقع خارج دائرة الإنصاف، و الحكمة، و التعقل، و رعاية الصالح العام، و العمل بما يرضي اللّه تبارك و تعالى، بل هي خارج دائرة الإلتزام بالمعاني الإنسانية و الأخلاقية أيضا. .

سيد كنانة! ! يطلب النصيحة! ! :

و أول طلب وضعه أمام الإمام علي «عليه السلام» هو النصيحة منه. و لا شك في أن هذا الطلب من أبي سفيان غريب و عجيب، لا لأن عليا «عليه السلام» يبخل بالنصيحة على أي كان من الناس. . فحاشا عليا «عليه السلام» أن يبخل بأمر كهذا. .

بل لأن هذا الرجل لا يريد النصيحة بالحق، بل يريد النصيحة التي تعزز و تقوي، و تنتج تضييعا للحق، و تزويرا للحقيقة، و ظلما آخر لأولئك الأبرياء من خزاعة، و الذين كان أكثرهم من الصبيان، و النساء، و الضعفاء. و تقوية و نصرا لظالمهم، و مرتكب الجريمة البشعة و الفظيعة بحقهم.

و الغريب في الأمر: أن يطلب أبو سفيان هذه النصيحة التي هي بهذه المثابة من نفس ذلك المعني بالحفاظ على حقوق الناس، و يفترض فيه أن ينصر المظلوم، و أن يأخذ بحقه من ظالمه! !

و كانت نصيحة علي «عليه السلام» تقضي: بحمله عن الكف عن هذا السعي الظالم، و القائم على الخديعة و المكر حتى لنبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و تتلخص الطريقة التي اعتمدها بتذكير أبي سفيان بما يعتقده لنفسه، من مكانة في كنانة كلها، فأقر بأنه هو سيد كنانة.

ثم إنه «عليه السلام» ألزمه بمقتضيات هذه السيادة التي يعطيها لنفسه، لو كان صادقا فيما يدّعيه، و منها أن يقبل الناس جواره.

و لكن أبا سفيان كان يعرف أن هذه السيادة التي يدّعيها ليست بهذه المثابة، و لا تكفي لتحقيق الغرض الذي سعى إليه، و لكنه سأل عليا «عليه

السلام» إن كان ذلك يحقق له ما يريد، فعسى أو لعل! !

فأجابه علي «عليه السلام» بما يجلب اليأس و الأسى إلى قلبه، و هو: أنه لا يرى ذلك مغنيا عنه شيئا، و لكنه لا يجد له سبيلا للخروج من حيرته غير ذلك. .

و ربما يكون الهدف من ذلك هو إفهام أبي سفيان أن ما يزعمه لنفسه من موقع و زعامة ليس سوى مجرد خيال، و وهم، و قد تغيرت الأمور، و أصبح للزعامة معايير أخرى، لا بد من مراعاتها، و الإلتزام بمقتضياتها. . و فهم هذه الحقيقة لا بد من أن يكون مفيدا جدا لأبي سفيان، و سوف يعينه كثيرا على الخروج من أجواء الوهم و الخيال التي وضع نفسه فيها.

قريش تتهم زعيمها:

إن من الواضح: أن المشركين كانوا لا يثقون ببعضهم البعض، لأن دواعي الثقة و موجباتها عندهم مفقودة. . أما مجتمع أهل الإيمان فيعيش الثقة لأن موجباتها متوفرة فيه.

فهناك الإيمان باللّه، و الالتزام بشرائعه و أحكامه، التماسا لرضاه، و طمعا في ثوابه، و خوفا من عقابه.

و هو يملك ثروة ثمينة جدا من المبادئ و القيم التي تحكم مسيرة الإنسان، و تهيمن على حركته و على مواقفه في الحياة. و هناك الفضائل النفسية، و الكمالات التي يربيها و ينميها اهل الدين في داخل نفوسهم، و يبنون من خلالها ميزاتهم، و ملكاتهم، التي تطبع شخصياتهم بطابعها. .

و هناك الإلزامات الدينية الحازمة و الحاسمة، فيما يرتبط بطبيعة تعامل

أهل الإيمان مع بعضهم، و مع الآخرين. .

نعم، إن ذلك كله ينتج درجة عالية من الاعتماد، و رؤية واضحة لمسار الأمور، فيما يرتبط بتعهدات الآخرين، و وفائهم بالتزاماتهم، و قيامهم بواجباتهم الدينية و الأخلاقية. .

و لكن ذلك كله مفقود في مجتمع الشرك و الكفر. و تبقى الضمانة لتعهدات الأشخاص عندهم في مهب رياح المصالح و الأهواء، و محكومة للنزوات و الأهواء و الشهوات و الميول، و لتقلبات الأمزجة الفردية. .

و لأجل ذلك نلاحظ: أن المشركين يتهمون حتى زعيمهم أبا سفيان أشد التهمة، لمجرد زيادة غيبته عن المدة التي يتوقعونها، و يقولون عنه: إنه قد صبأ، و اتبع محمدا سرّا، و كتم إسلامه.

و قد بلغت هذه التهمة من القوة و الشدة حدا اضطر معه هذا الزعيم إلى أن يحلق رأسه عند أساف و نائلة، و أن يذبح لهما، و جعل يمسح بالدم رؤوسهما {كذا} ، و يقول: «لا أفارق عبادتكما، حتى أموت على ما مات عليه أبي» ، إبراء لقريش مما اتهموه به.

الفصل الرابع: جيوش تجتمع. . و الهدف مجهول

اشارة

استشارة أبي بكر و عمر في أمر مكة:

عن محمد بن الحنفية-رحمه اللّه-عن أبي مالك الاشجعي قال: «خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بعض حجره، فجلس عند بابها. و كان إذا جلس وحده لم ياته أحد حتى يدعوه، فقال: «ادع لي أبا بكر» .

فجاء، فجلس أبو بكر بين يديه، فناجاه طويلا، ثم أمره فجلس عن يمينه.

ثم قال: «ادع لي عمر» .

فجاء فجلس إلى أبي بكر، فناجاه طويلا، فرفع عمر صوته، فقال: «يا رسول اللّه، هم رأس الكفر، هم الذين زعموا أنك ساحر، و أنك كاهن، و أنك كذاب، و أنك مفتر» ، و لم يدع عمر شيئا مما كان أهل مكة يقولونه إلا ذكره.

فأمره أن يجلس إلى الجانب الآخر، فجلس أحدهما عن يمينه و الآخر عن شماله.

ثم دعا الناس، فقال: «ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين» ؟

فقالوا: نعم يا رسول اللّه.

فأقبل بوجهه إلى أبي بكر، فقال: «إن إبراهيم كان ألين في اللّه تعالى من

الدهن اللين» .

ثم أقبل على عمر، فقال: «إن نوحا كان أشد في اللّه من الحجر، و إن الأمر أمر عمر، فتجهزوا و تعاونوا» .

فتبعوا أبا بكر، فقالوا: يا أبا بكر، إنّا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: قال لي: كيف تأمرني في غزو مكة؟

قال: قلت: يا رسول اللّه! ! هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني.

ثم دعا عمر، فقال عمر: هم رأس الكفر، حتى ذكر له كل سوء كانوا يقولونه. و أيم اللّه، و أيم اللّه، لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة، و قد أمركم بالجهاد ليغزو مكة» (1).

و نقول:

إننا نشك في هذه الاستشارة، حيث سيأتي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عائشة بتجهيزه، و أن أبا بكر لم يكن يعلم بشيء، حتى أخبرته ابنته.

و قد اعتذر الحلبي عن ذلك: بأن الاستشارة قد وقعت بعد أمره لعائشة بذلك (2).

و هو اعتذار غير مقبول. . إلا إذا كانت الاستشارة صورية، تهدف إلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 208 عن ابن أبي شيبة، و مسند أحمد ج 3 ص 398 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 506 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 74.

تأليف أبي بكر، أو أنه أراد أن يكشف دخيلته للناس.

و قد يؤيد ذلك: ما ذكره من أنه أشار بعدم السير، و قوله: هم قومك (1).

إذ كيف يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز و يأمر بذلك، ثم يشير عليه بخلاف ما عزم عليه، فهل يرى أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعل ما يفعل من عند نفسه؟ ! أم أنه يرى نفسه فوق الوحي، و فوق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

أبو بكر يفشي سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و مع غض النظر عما تقدم، نقول:

أولا: إن هذه الرواية قد تضمنت إقدام أبي بكر على أمر غير مقبول منه تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فهو قد أفشى سرّا ائتمنه عليه.

و ذلك لأن الرواية تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» جلس على انفراد، ثم استدعاه إليه، و ناجاه بسرّه هذا، ثم ناجى به عمر بن الخطاب، ثم دعا الناس للجلوس إليه، ثم كلمهم بكلام لا يشي بشيء من حقيقة وجهة سيره، باستثناء قوله: «تجهزوا و تعاونوا» .

فما معنى: أن يخبرهم أبو بكر بأمر كتمه عنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أين يقع التصرف الخاطئ هذا من موقف فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه «صلوات اللّه و سلامه عليه و عليها و على آلهما الطيبين الطاهرين» مع عائشة بنت أبي بكر، حين أقبلت فاطمة إليه، فأجلسها عن يمينه، ثم أسرّ


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 74.

إليها بأمر فبكت، ثم أسرّ إليها بآخر فضحكت، فسألتها عائشة عما قال «صلى اللّه عليه و آله» .

فقالت «عليها السلام» : ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد استمرت على كتمان هذا السرّ حتى قبض «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) صحيح البخاري {ط مطبعة الأميرية} ج 4 ص 203 و صحيح مسلم ج 7 ص 142 و مسند الطيالسي ص 196 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 26 و حلية الأولياء ج 2 ص 39 و الخصائص للنسائي {ط دار التقدم بمصر} ص 34 و مصابيح السنة {ط دار الخيرية بمصر} ج 2 ص 204 و مسند أحمد ج 6 ص 282 و أنساب الأشراف ج 1 ص 552 و صفة الصفوة {ط حيدر آباد} ج 2 ص 5 و طرح التثريب ج 1 ص 149 و المختار من مناقب الأخيار {ط دمشق} ص 56 و نظم درر السمطين ص 179 و تذكرة الخواص ص 319 و منتخب تاريخ ابن عساكر ج 1{ط الترقي بدمشق} ص 298 و البداية و النهاية ج 5 ص 226 و جمع الفوائد ج 2 ص 233 و تكملة المنهل العذب المورود ج 3 ص 222 و الثغور الباسمة {ط بمبي} ص 13 و أشعة اللمعات في شرح المشكاة ج 4 ص 693 و وسيلة النجاة للمولوي ص 228 و مرآة المؤمنين ص 190 و أضواء على الصحيحين ص 345 و فضائل الصحابة ص 77 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 518 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 112 و المعجم الكبير ج 22 ص 419 و عن أسد الغابة ج 5 ص 522 و الأوائل للطبراني ص 84 و عن المصادر التالية: كتاب الأربعين للماحوزي ص 314 و فتح الباري ج 8 ص 103 و مسند أبي يحيى الكوفي ص 79 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 7 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 96 و 146 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 448 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 120 و كشف الغمة ج 2 ص 80 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 45.

و من جهة أخرى، سيأتي بعد صفحات يسيرة: أن عائشة تفشي هي الأخرى سرّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفس غزوة الفتح أيضا؛ فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لها: جهزينا و اخفي أمرك. .

فهي بمجرد أن دخل عليها أبوها و سألها قائلا: أمركن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتجهيزه؟ !

قالت: نعم.

و علينا أن نقارن بين موقف الزهراء «عليها السلام» الآنف الذكر مع عائشة نفسها! ! و بين ما فعله أبو بكر و عائشة بإقدامهما على إفشاء سرّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم التفاوت الكبير بين هذا السرّ و ذاك.

فسرّ الزهراء «عليها السلام» يرتبط بأمر شخصي يعود إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن السرّ الذي أفشاه أبو بكر و عائشة يرتبط بالأمة بأسرها و بالدين كله. .

ثانيا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا عمر ليناجيه، فلماذا يرفع عمر صوته بكلام صريح بما يدور الحديث حوله؟ ؟ و هل رضي «صلى اللّه عليه و آله» منه ذلك؟ ! فإن كان قد رضيه، فما معنى المناجاة به؟ !

و إن كان قد سخط ذلك و ردعه عنه، فلماذا لم يرتدع، بل استمر رافعا صوته يعدّد أقوال أهل مكة فيه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و إن كان لم يردعه عن أمر قد سخط هذا الإعلان به فلماذا ناجاه به؟ ! أم أنه عدل عن إرادة كتمان ما ناجاهم به؟ و ما هو السبب في هذا العدول؟ هل خاف من عمر؟ ! أم أنه أراد أن يظهر جرأة عمر، و سوء فعله؟ !

ثالثا: إذا كان عمر قد ارتكب هذه المخالفة الظاهرة لمقاصد رسول اللّه

«صلى اللّه عليه و آله» ، فلماذا أطراه ذلك الإطراء الكبير، حتى اعتبره مثل نبي اللّه نوح «عليه السلام» ؟ !

رابعا: إذا كان عمر قد رفع صوته معددا أفاعيل أهل مكة، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتجهز و التعاون، معتبرا أن الأمر أمر عمر، فإن الأمر سيصبح واضحا للناس، و لم يعودوا بحاجة إلى سؤال أبي بكر عما ناجاه به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن الكل سوف يفهم: أن الأمر مرتبط بأهل مكة، و أن التجهيز و التعاون هو لأجل إنجاز هذا الأمر.

لأن المفروض هو: أن موقف عمر و موقف أبي بكر متخالفان في أمر واحد، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار قول عمر. .

خامسا: لماذا اختار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قول عمر، و ترك ما قاله أبو بكر. مع أن أبا بكر-حسب زعم الرواية-قد أشبه إبراهيم الخليل، الذي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مأمورا بالعمل بشريعته «عليه السلام» ، فقد قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (1).

سادسا: إنه إذا كان إبراهيم «عليه السلام» ألين في اللّه من الدهن اللين، فهل لم يكن أشد في اللّه من الحجر الصلد أيضا؟ ! فيضع الأمور في مواضعها، فيشتد حين يقتضي الأمر الشدة، و يلين حين يوجب الأمر اللين؟ !

و نفس السؤال يرد بالنسبة لنوح «عليه السلام» . .


1) الآية 123 من سورة النحل.

و أما إذا كان إبراهيم «عليه السلام» لينا فقط، و لا يشتد حين يكون المطلوب هو الشدة، و كان نوح شديدا، و لا يلين حين يقتضي الأمر اللين، فذلك يعني: أنهما غير متصفين بصفات أهل الإيمان، و أنهما لا يعملان بشرع اللّه، و لا يراعيان المصالح، و لا يتصفان بأدنى درجات الحكمة و العصمة، فهما لا يستحقان درجة النبوة، لأنهما يفقدان صفات أهل الإيمان من الأساس.

فهل نريد أن نمدح أبا بكر و عمر بقيمة ذم الأنبياء، و نسبة هذه النقائص إليهم؟ !

ذل العرب. . و ذل أهل مكة:

و اللافت هنا: ما نسبوه إلى أبي بكر من القسم المتكرر حول أمر لا يصح و لا يجوز أن يدخل في دائرة أهداف الأنبياء «عليهم السلام» ، فقد قال أبو بكر: «. . و أيم اللّه، و أيم اللّه، لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة. و قد أمركم بالجهاد ليغزو مكة. .» .

إن هدف الأنبياء «عليهم السلام» لا يمكن أن يكون إذلال أحد من الناس، بل مرادهم هو إخراج الناس من ذل العبودية للأهواء و الشهوات، و من ذل عبادة الأصنام و الشرك إلى العز بالإسلام، و لا يمكن أن يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذل العرب، بل هو يريد ذل الشرك، و الكفر، و الانحراف. و لا يريد ذل أهل مكة، بل يريد لهم أن يحترموا أنفسهم، و عقولهم، أن يشعروا بالكرامة الإلهية، و بالتكريم الرباني. .

حديث فاطمة عليها السلام كان في عام الفتح أيضا:

عن أم سلمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا فاطمة عام الفتح، فناجاها فبكت، ثم حدثها فضحكت.

قالت: فلما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سألتها عن بكائها و ضحكها.

قالت: أخبرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران، فضحكت (1).

و لكن قال في بعض الروايات: إن ذلك كان بعد الفتح (2).


1) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 368 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 248 و جامع الأصول {ط السنة المحمدية بمصر} ج 10 ص 84 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 268 و ينابيع المودة {ط إسلامبول} ص 172 و الرصف للعاقولي {ط مكتبة الأمل الكويت} ج 1 ص 281 و أشعة اللمعات ج 4 ص 714 و تفريح الأحباب {ط دهلي} ص 408 و مرآة المؤمنين ص 190 و المختار من مناقب الأخيار ص 56 و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 97 و الثغور الباسمة {ط بمبي} ص 13 و تيسير الوصول {ط نول كشور} ص 59.

2) منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 5 ص 98 و المعجم الكبير ج 22 ص 422 و فضائل سيدة النساء لعمر بن شاهين ص 20 و تاريخ دمشق ج 33 ص 269 و كنز العمال ج 13 ص 677 و تهذيب الكمال ج 16 ص 275 و شرح إحقاق الحق ج 19 ص 38 و ج 25 ص 86.

و نقول:

1-تقدم: أن هذه الرواية قد رويت عن عائشة أيضا، و أنها هي التي حاولت استنطاق و حمل فاطمة «عليها السلام» على إفشاء سرّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين ناجاها، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في بعض نصوص الحديث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لها: إنها أول أهل بيته لحوقا به فضحكت. . و جمعت بعض الروايات بين العبارتين (1).

و لا مانع من أن يتكرر الحدث تارة مع أم سلمة، و أخرى مع عائشة، فتسأل كل واحدة منهما الزهراء «عليها السلام» بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تسمع الجواب. .

كما أنه لا مانع من حدوث هذا الأمر أكثر من مرة، و أكثر من زمان.

و يحتمل أن تكون أم سلمة قد ذكرت جزءا من الجواب، و ذكرت عائشة الجزء الآخر.

و لا مانع من أن تذكر عائشة كلا الجزأين من جواب النبي «صلى اللّه


1) راجع: البداية و النهاية ج 2 ص 61 و سعد الشموس و الأقمار {ط التقدم بمصر سنة 1330 ه‌} ص 103 و الأنوار المحمدية ص 150 و تجهيز الجيش ص 98 عن ابن عساكر، و أرجح المطالب ص 241 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 120 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 28 و أنساب الأشراف ج 1 ص 552 و الخصائص {ط التقدم بمصر} ص 34 و صفة الصفوة {ط حيدر آباد} ج 2 ص 5 و مسند أحمد ج 6 ص 282 و طرح التثريب ج 1 ص 149 و المختار في مناقب الأخيار {ط دمشق} ص 56 و نظم در السمطين ص 79.

عليه و آله» لفاطمة «عليها السلام» ، أو احدهما في مجالس مختلفة.

2-إن بعض نصوص هذه الحادثة يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر لفاطمة «عليها السلام» أن جبرئيل قد عارضه بالقرآن مرتين في ذلك العام، ليدل بذلك على قرب وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هكذا كان. .

و هذا يخالف رواية أم سلمة السابقة، التي تذكر أن هذه القضية قد حصلت عام الفتح، أي في السنة الثامنة للهجرة، في حين أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توفي في آخر السنة العاشرة، بناء على أن أول السنة هو ربيع الأول، أو في أوائل السنة الحادية عشرة بناء على أن ابتداء السنة الهجرية هو شهر محرم.

و لكننا ذكرنا: احتمال أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد ناجى فاطمة الزهراء «عليها السلام» في هذا الأمر أكثر من مرة، لحكمة اقتضت ذلك. .

3-إن استثناء مريم بنت عمران ممن تكون فاطمة «عليها السلام» سيدتهن قد ورد في بعض نصوص هذا الحديث دون سائرها. . فهل نسي الرواة هذه الفقرة؟ أم أنهم أهملوها عمدا، لعلمهم بأنها لم تكن في الحديث من الأساس؟

إننا نرجح الاحتمال الثاني، و ذلك لما يلي:

ألف: إن الأحاديث الدالة على أن فاطمة سيدة و أفضل نساء أهل الجنة على الإطلاق، متواترة. . و قد وردت في مناسبات كثيرة و متنوعة، و في موارد أخرى غير مورد مسارّة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لفاطمة «عليها السلام» .

ب: إن بعض نصوص الحديث قد صرحت: بأنها «عليها السلام»

سيدة نساء العالمين (1). و يدل ذلك على عدم استثناء مريم منهن.

ج: إن الروايات دلت على: أن مريم بنت عمران سيدة نساء عالمها، أما السيدة الزهراء «عليها السلام» فهي سيدة نساء العالمين، من الأولين و الآخرين (2).


1) أرجح المطالب ص 241 و تجهيز الجيش {مخطوط} ص 96 و جامع الأحاديث للسيوطي ج 7 ص 734 و أشعة اللمعات في شرح المشكاة {ط لكهنو} ج 4 ص 693 و وسيلة النجاة ص 228 و عيون المعجزات ص 51 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 27 و أسد الغابة ج 5 ص 522 و ج 8 ص 266 و اللمعة البيضاء للتبريزي ص 46 و شرح إحقاق الحق ج 10 ص 30 و ج 25 ص 48 و ج 33 ص 295 و المسانيد لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 72.

2) مقتل الحسين للخوارزمي ص 79 و أمالي الصدوق {ط مؤسسة البعثة} ص 78 و 175 و 575 و كمال الدين و تمام النعمة ص 257 و معاني الأخبار للصدوق ص 107 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 573 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 10 و روضة الواعظين ص 100 و 149 و شرح الأخبار ج 3 ص 520 و المزار لابن المشهدي ص 80 و الفضائل لابن شاذان ص 9 و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 197 و الشرف المؤبد ص 54 و مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 368 و الصلاة في الكتاب و السنة للريشهري ص 200 و دلائل الإمامة للطبري ص 81 و 149 عن مشكل الآثار ج 1 ص 51، و عن حلية الأولياء ج 2 ص 42، و عن ذخائر العقبى ص 43. و راجع: البحار ج 28 ص 38 و ج 37 ص 85 و ج 43 ص 24 و 26 و 49 و 78 و 172 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 246 و موسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 9 ص 11 و ميزان الحكمة ج 1 ص 150 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 338 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 85 و قاوس الرجال ج 12 ص 334 و بشارة المصطفى للطبري ص 274 و 306 و العدد القوية ص 227 و ينابيع المودة ج 2 ص 298 و اللمعة البيضاء التبريزي ص 179.

و يؤيد ذلك: الروايات الكثيرة جدا التي تقول: إنها «عليها السلام» سيدة نساء أهل الجنة (1). فإن أكثرها لم يستثن مريم «عليها السلام» حسبما تقدم.

و أما الرواية التي ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر أنها سيدة نساء العالمين، فسألته «عليها السلام» عن موقع مريم في هذه الحالة، فقال: لها «صلى اللّه عليه و آله» : تلك سيدة نساء عالمها، و أنت سيدة نساء عالمك (2)،


1) راجع: كشف الغطاء {ط ق} ج 1 ص 18 و الأمالي للصدوق ص 178 و كفاية الأثر ص 124 و كتاب سليم بن قيس ص 236 و 427 و الإختصاص للمفيد ص 183 و الأمالي للطوسي ص 85 و 248 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 104 و 105 و 164 و العمدة لابن البطريق ص 384 و 388 عن صحيح البخاري ج 5 ص 29 باب مناقب فاطمة «عليها السلام» و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 229 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 233 و مسند أحمد ج 5 ص 391 و صحيح البخاري {دار الفكر} ج 4 ص 183 و 209 و 219 و سنن الترمذي ج 5 ص 326 و فضائل الصحابة للنسائي ص 58 و 76 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 151 و مجمع الزوائد ج 9 ص 201 و فتح الباري ج 7 ص 82 و راجع: إحقاق الحق {قسم الملحقات} ج 10 و ج 19 و أجزاء أخرى لتجد هذه الرواية عن عشرات المصادر بطرق مختلفة.

2) راجع: إحقاق الحق {قسم الملحقات} ج 10 عن كثير من المصادر و ج 19 ص 19 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 127 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 198 و فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود ج 4 ص 8 و مرآة المؤمنين ص 183.

فهي متناقضة في نفسها، إذ لا ينسجم قوله «صلى اللّه عليه و آله» لها «عليها السلام» : إنها سيدة نساء العالمين، مع قوله لها: أنت سيدة نساء عالمك.

و هذا يؤكد: أن الصحيح هو حذف العبارة الأخيرة ليستقيم المعنى.

و ذلك ظاهر لا يخفى.

جهزينا، و أخفي أمرك:

ورووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكث بعد خروج أبي سفيان ما شاء اللّه أن يمكث، ثم قال لعائشة: جهزينا، و أخفي أمرك (1).

و قال: «اللهم خذ على أسماعهم و أبصارهم، فلا يرونا إلا بغتة، و لا يسمعون بنا إلا فجأة» (2).

و في نص آخر أنه قال: «اللهم خذ العيون و الأخبار على قريش، حتى نبغتها في بلادها» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 عن ابن عقبة، و ابن إسحاق، و الواقدي، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 534 و البداية و النهاية ج 4 ص 322 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 265 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 351.

2) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 10 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و البحار ج 21 ص 102 و تفسير الميزان ج 20 ص 380 و تفسير البغوي ج 4 ص 537 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242 و البداية و النهاية ج 4 ص 323 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 857 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 535.

و كان قد بنى الأمر في مسيره إليها على الاستسرار بذلك (1).

عائشة تفشي سر النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و دخل أبو بكر على عائشة و هي تحرك بعض جهاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أمر كن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتجهيزه؟

قالت: نعم، فتجهز.

قال: فأين ترينه يريد؟

قالت: لا و اللّه ما أدري (2).

قال: ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد؟

قالت: لا علم لي (3).

و دخل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، أردت سفرا؟


1) البحار ج 21 ص 119 عن الإرشاد للمفيد {ط دار المفيد} ج 1 ص 56 و أعيان الشيعة ج 1 ص 408 و لوامع الحقائق للأشتياني ج 1 ص 85.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و تفسير البغوي ج 4 ص 537 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 857 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 9.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 73 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 2 ص 635 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 384.

قال: نعم.

قال: فأتجهز؟ !

قال: نعم.

قال: فأين تريد يا رسول اللّه؟ !

قال: قريشا. و أخف ذلك يا أبا بكر (1).

«و في رواية: أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه، أتريد أن تخرج مخرجا؟ !

قال: نعم.

قال: لعلك تريد بني الأصفر؟ !

قال: لا.

قال: أفتريد أهل نجد؟ !

قال: لا.

قال: فلعلك تريد قريشا؟

قال: نعم.

قال: يا رسول اللّه، أليس بينك و بينهم مدة؟

قال: أولم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ يعني خزاعة» (2).

و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجهاز، قال: أو ليس بيننا و بينهم مدة؟ !

قال: قال: إنهم غدروا، و نقضوا العهد، فأنا غازيهم.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 265 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 325.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و بمعناه عند الواقدي في المغازي ج 2 ص 796.

و قال لأبي بكر: اطو ما ذكرت لك.

فظان يظن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الشام، و ظان يظن ثقيفا، و ظان يظن هوازن (1).

و لنا مع ما تقدم عدة وقفات نسوقها على النحو التالي:

للمباغتة و جهان:

للمباغتة و جهان: وجه سيء، و وجه حسن، فمن يريد أن يباغت عدوه ليتمكن من إهلاكه، و سحق كل قدراته، و تدمير كل نبضات الحياة لديه، يعتبر المباغتة فرصة للتخريب، و التدمير و الاستئصال، و التنفيس عن الحقد، و التشفي، و الانتقام الوحشي الذي لا يقف عند حد، فهذا الانتقام سيء و قبيح، و كذلك المباغتة التي هيأت له. .

و هناك المباغتة التي يمارسها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يريد منها أن يهييء الجو لإلحاق هزيمة نفسية تتلاشى معها رغبة الطرف الآخر بالقتال، و يواجه أجواء الفشل و الإحباط، و يدفعه إلى السعي لإنهاء المعركة، و الخروج من أجوائها الضاغطة، فتنتج تلك المباغتة السلامة، و النجاة، و صيانة المال و العرض، و ربما يحتفظ بالكرامة و الجاه، وفق ما تسوقه إليه إرادته، و يهديه إليه عقله، و تهيئه له اختياراته.

و خير دليل على ما نقول: هذا الذي جرى في فتح مكة، فإن عنصر المباغتة في الفتح كان ظاهرا و واضحا كالنار على المنار و كالشمس في رابعة


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 266 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 352.

النهار، مع أن مبرررات الانتقام كانت حاضرة، و القدرة عليه ظاهرة، فقد نكثوا العهد، و قتلوا الأبرياء من الصبيان، و النساء، و الرجال الضعفاء، و جحدوا ذلك و أنكروه، و سعوا إلى إبطال حق ضحاياهم بوسائل ما كرة، ظهرت بعض معالمها فيما تقدم من فصول. .

فكان لا بد من إسقاط هيمنة الظالمين، و كف أيدي العتاة المتجبرين لإفساح المجال لعباد اللّه ليتنفسوا نسيم الحرية، و ليخرجوا من أسر أولئك الطواغيت إلى كنف رعاية اللّه، و يتفيأوا ظلال شرائعه و أحكامه، حيث يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قائدهم، و الحق رائدهم.

و هكذا كان.

مكث ما شاء اللّه:

و قد صرح النص المتقدم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يبادر إلى دعوة الناس للتجهز للمسير بمجرد دعوة الخيبة لأبي سفيان. . بل هو قد أهمل هذا الأمر مدة تكفي إلى غياب ما جرى لأبي سفيان عن ذاكرتهم، ثم أمرهم بالتجهز و الاستعداد، فلم يفطنوا إلى الجهة التي يقصدها في مسيره ذاك. .

و من شأن جهلهم بمقصده أن يفوت الفرصة على محبي قريش، و المتعاملين معها، فلا يتمكنون من إنذارها في وقت مبكر لكي تأخذ حذرها و تستعد للقتال، أو أن تزداد تحصّنا و تمنّعا يقلل من تأثّرها بالحشد الذي أعده، و بالعدة التي هيأها. .

التجهيز لسفر مبهم:

ثم إن النص المتقدم يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعائشة: جهزينا و أخفي أمرك. .

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد منها أن تخفي أصل التجهز، و الاستعداد لسفر لم يحدده لها و لا عرّفها طبيعته، هل هو سفر للحرب؟ أو لزيارة منطقة بعينها؟ أو لأي غرض آخر. .

و الذي نريد أن نستوضحه هنا هو: أنها إذا كان المطلوب منها إخفاء نفس التجهيز له، فهذا يدل على أنه يريد سفرا لا يعرف به أحد، فهل يريد أن يسافر وحده «صلى اللّه عليه و آله» دون سائر المسلمين؟ !

و ربما يمكننا أن نجيب على هذا التساؤل بتقديم أحد احتمالين، ربما يكون أحدهما أو كلاهما هو السبب.

الإحتمال الأول: أن يكون الغرض هو إخفاء هذا الأمر عن أناس بأعيانهم، لهم نوع اتصال قريب بها، لعله يخشى من أن يبادروا إلى إعلام قريش بالأجواء التي استجدت في المدينة، تماما كما حصل في قضية حاطب بن بلتعة الآتية، حيث بادر بالكتابة لقريش بمجرد أن علم بتهيؤ المسلمين لغزو مّا، رغم أنه لم يعلم المقصود بالغزو أصلا. .

الإحتمال الثاني: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد اراد تقديم نموذج من معاناته، ليعرف الناس عظمة صبره و دقة ملاحظته، و صحة تدبيره الذي انتهى بذلك الفتح العظيم. .

فإنه إذا كانت زوجة الرسول لم تستطع كتمان هذا الأمر لمدة ساعة أو ساعات، حتى أفشته لأبيها، رغم توصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

لها، فما بالك بسائر الناس و كيف سيتصرفون عند ما يظهر لهم طرف من هذا الأمر؟ !

و ثمة احتمال ثالث يمكن أن ندرجه في دائرة مقاصده أيضا، و هو أن يعطينا «صلى اللّه عليه و آله» درسا في الحيطة و الحذر في مثل هذه الأمور، حتى من أقرب الناس، و هذا درس مفيد و جليل و سديد، لا بد من التوفر على مضامينه بحرص و إتقان.

نجاح الخطة:

يظهر جليا من النصوص المتقدمة كيف أن الذين حاولوا التكهن بمقصده «صلى اللّه عليه و آله» لم يخطر على بال أحد منهم أنه يقصد مكة، بل ذهب و همهم إلى الشام، و ثقيف، و هوازن.

كما أن أبا بكر قد قلّب احتمالات عديدة، مثل أن يغزو أهل نجد، أو بني الأصفر، و كان آخر ما زعموا أنه خطر على باله هو غزو قريش، مع استبعاد قوي منه لهذا الاحتمال، مدعّم بالاستدلال، بأنه كيف يغزوهم و بينه و بينهم مدة و عهد؟ !

و من غير الطبيعي كتمان أمر عن أمة بأسرها، يستنفر منها عشرة آلاف مقاتل ليعالجوا نفس هذا الأمر المكتوم، مع كثرة الموتورين و الحاقدين في المنطقة، و مع وفرة المنافقين المتربصين. بالإضافة إلى الذين يبحثون عما يفيدهم في مصالحهم الشخصية، أو القبلية، أو غيرها. .

و خفاء هذا الأمر الخطير إلى هذا الحد، و في ظروف كهذه، و في هذا المحيط بالذات يعد من أعظم الإنجازات، و من أجلّ التوفيقات، و يدلل

على التدبير الحكيم، و الضبط الدقيق للأمور من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

الأخذ على الأسماع و الأبصار:

لا يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدعائه اللّه بأن يأخذ على أسماع و أبصار أعدائه أن يتدخل اللّه سبحانه بإعمال إرادته التكوينية، و يفعل بهم ذلك بصورة قاهرة. . لأن هذا ظلم لهم، وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . .

بل هو يطلب منه تعالى: أن يتصرف في خارج دائرة اختيار أولئك المشركين، فيؤيد المؤمنين بالتوفيقات و العنايات، و الألطاف الإلهية، و بالتدبيرات الصحيحة، و يفتح أبواب أفهامهم لسد الفرج، و الإمساك بالأمور بحيث لا يتمكن أحد من إيصال أي خبر عن حقيقة ما يجري داخل المجتمع الإسلامي إلى معسكر الكفر و البغي و العدوان. .

و هذا ما حصل بالفعل. .

و لهذه المباغتة تأثيرات هامة على صعيد حسم الأمور لصالح أهل الإيمان، من حيث إن ذلك يمثل فشلا روحيا، و إحباطا كبيرا لدى الأعداء. .

و هو يفقدهم القدرة على الإعداد و الإستعداد، و إيقاظ الهمم، و شحذ العزائم، و لا يبقي لهم الفرصة لرسم الخطط القتالية، و الاستفادة من عنصر المفاجأة في المواقع المختلفة. .

ثم إن جعل زمام المبادرة بيد أهل الإيمان من شأنه أن يجعل الأمور تسير باتجاه اتخاذ القرارات الحكيمة و المنصفة، و التدبيرات المؤثرة في حسم

الأمور بأقل قدر ممكن من الخسائر. .

حتى نبغتها في بلادها:

و من الواضح: أن مجرد أن يراك عدوك تطأ أرضه، و تحل في بلاده يجعله في موقع الدفاع بصورة تلقائية، و يضطره ذلك إلى الإحساس الداخلي بأن ثمة درجة من الهزيمة و الخسارة قد حاقت به، و ذلك يؤثر على روحه، و يطامن من عنفوانه، و يخفف من عنجهيته.

كما أنه يعطيك درجة من الهيمنة على الموقف، و يبعث فيك قدرا من الطموح، و يثير فيك حالة من العنفوان و القوة. .

و لعل هذا و ذاك هو ما يفسر لنا قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حتى نبغتها في بلادها» حسبما تقدم.

لماذا الحديث عن قريش دون بني بكر؟ ! :

و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ركز حديثه على قريش، دون بني بكر، مع أن بني بكر هم الذين ارتكبوا الجريمة، و دعوا قريشا لمشاركتهم و معاونتهم فيها، فسارع عدد من زعمائها إلى تلبية الطلب. . فلماذا يخصصها «صلى اللّه عليه و آله» بالذكر دونهم يا ترى؟ !

و نقول في الجواب:

إن رأس الطغيان في المنطقة العربية كلها، و حامي حمى البغي و الظلم و التعدي هو قريش. . و لولاها لم يجرؤ بنو بكر على مهاجمة خزاعة، و يكفي مانعا و رادعا عن ذلك معرفتهم بحلف خزاعة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لذلك سعى بنو نفاثة إلى إشراك قريش في هذا الأمر. .

فاستئصال كبرياء قريش، و كسر جبروتها الظالم يكفي لمنع تكرار مثل هذه الجرائم. .

أبو بكر و عائشة في مأزق:

و قد يعتذر البعض عن إفشاء عائشة السرّ الذي أمرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإخفائه، فبادرت إلى إفشائه لأبيها عند أول سؤال وجهه إليها-يعتذر-بأنها لم تفش السر لرجل غريب، بل هو أبوها المقرّب جدا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذي يعد من أهل البيت، و كانت تقطع برضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإطلاعه على ما هو أهم من هذا. .

و نجيب بما يلي:

أولا: لو كان هذا صحيحا لبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه إلى إعلام أبي بكر بالأمر.

ثانيا: هذا اجتهاد في مقابل النص، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نص صراحة على لزوم إخفاء هذا الأمر، فلا معنى، و لا يقبل اجتهاد عائشة في مقابل هذا النص.

ثالثا: إن قضايا الحرب و السلم قد تطوى عن أقرب الناس، و تبيّن و تفصّل للبعداء لأسباب تعود إلى طبيعة الحرب و اقتضاءاتها. .

و من كلام علي «عليه السلام» لأصحابه: «ألا و إن لكم عندي أن لا أحتجز {أحجبن} دونكم سرا إلا في حرب، و لا أطوي دونكم أمرا إلا في

حكم» (1).

و قد يكون القريب ثرثارا، و البعيد كتوما. و في غير هذه الصورة أيضا قد يثق القريب بمن لا يؤمن من اتصاله بالعدو، و إخباره بما يجري. .

بل قد يكون للقريب ما يدعوه إلى مباشرة ذلك بنفسه. . و قد. . و قد. .

رابعا: إن نفس انصراف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن إخبار أبي بكر بهذا الأمر يضع علامة استفهام كبيرة حول صحة ما يدعونه من تقريب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له. فضلا عن أن يعدّ من أهل بيته. .

و بعد هذا كيف يمكن ادّعاء أنها كانت تقطع بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرضى منها بإخباره بالأمر، فإن هذا من الأمور القلبية التي لا يعرفها إلا علام الغيوب. .

خامسا: بالنسبة لقرب أبي بكر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:

إن ثمة فرقا بين قرب يأتي من إصرار أبي بكر على حشر نفسه في مجالس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و مثابرته على نسبة نفسه إليه، و سعيه إلى التحدث باسمه، و إظهار قربه منه. . و. . و. . الخ. . و بين تقريب النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و الدال على محبته «صلى اللّه عليه و آله» له، و ثقته به. .


1) نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 3 ص 79 و الأمالي للطوسي ص 217 و البحار ج 33 ص 76 و 469 و ج 72 ص 354 و ميزان الحكمة للريشهري ج 1 ص 124 و أعيان الشيعة ج 1 ص 463 و المعيار و الموازنة ص 104 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 16.

و الذي يمكن التسليم به لأبي بكر هو الأول. أما الثاني، فلا مجال لإثباته.

بل هناك دلائل و شواهد تصب في عكس هذا الاتجاه، و منها: هذه القضية بالذات، حيث إن عدم إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» له و لو بمقدار ما اطلع عليه عائشة يضع علامة استفهام كبيرة حول أصل ثقته به، و اعتماده عليه. .

أبو بكر يصر على النبي صلى اللّه عليه و آله إلى حد الإحراج:

و قد رأينا في الروايات المتقدمة: حرص أبي بكر على معرفة كنه الأمر، و لا يكتفي بتوجيه عدة أسئلة إلى ابنته، مثل:

أمركن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتجهيزه؟ !

أين ترينه يريد؟ !

ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد؟ !

بل هو يوالي الأسئلة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و يسمع أجوبة مقتضبة، من شأنها أن تعرّفه: أنه لا يريد أن يبوح له بشيء. و لكنه يتابع الأسئلة، و يصر على معرفة حقائق الدقائق، و من أسئلته:

أردت سفرا؟

فأتجهز؟

أتريد أن تخرج مخرجا؟

فأين تريد يا رسول اللّه؟

لعلك تريد بني الأصفر؟

أفتريد أهل نجد؟

فلعلك تريد قريشا؟

أليس بينك و بينهم مدة؟

و لم يكن من المصلحة: أن يأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالكف عن الأسئلة، فربما تذهب به الظنون مذاهب مخيفة، و لربما تسوقه الأوهام إلى تكهنات لو سمعها الآخرون منه لألحقت بالمسيرة ضررا بالغا. .

و لكن الذي كنا سنرتاح كثيرا لو عرفناه هو:

1-ألم يلتفت أبو بكر إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد ان يعرّفه شيئا مما عقد العزم عليه، حتى أصل أنه يريد سفرا؟ كما دل إخباره «صلى اللّه عليه و آله» عائشة دونه؟ !

2-و بعد أن عرف أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد سفرا، لماذا يصرّ على معرفة المقصد بدقة، كما ظهر من توجيهه كل تلك الأسئلة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سماعه تلك الأجوبة المقتضبة؟ ! ألم يدرك أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس راغبا في البوح له بشيء؟ فلماذا يحرجه بأسئلته إذن؟ !

3-هل يمكن أن نستفيد من أسئلته لابنته عائشة، أنه لم يكن واثقا من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيخبره لو سأله، فحاول أن يستل بعض الأخبار منها، فلما أعياه ذلك توجه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يزل يحرجه بالسؤال تلو السؤال حتى حصل على ما أراد! !

4-ثم ما معنى أن يسأل ابنته عن الاحتمالات التي تراودها، فيما يرتبط بوجهة سير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و ماذا يفيده رأيها و حدسها، و أية قيمة تكون للحدسيات و التخمينات في أمور كهذه؟ !

أليس بينك و بينهم مدة؟ ! :

و قد حضر أبو بكر أو سمع بمجيء عمرو بن سالم، و بديل بن ورقاء، و جماعة كبيرة إلى المدينة، و عرف منهم ما جرى لخزاعة على يد قريش و بني بكر. . و رأى أبا سفيان أيضا حين جاء يريد خداع المسلمين، و المكر بهم و برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للنجاة من تبعات نقض العهد. .

و قد كان لأبي بكر نفسه نصيب من النشاط الذي أثاره أبو سفيان في هذا الاتجاه، و زعموا له موقفا شديدا مميزا تفرد به، ثم تابعه عليه زميله عمر بن الخطاب.

فما معنى اعتراضه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما عقد عليه العزم في قريش، و كيف يزعم أن بين النبي و بينهم عقدا و عهدا و مدة، و هو عالم بنقض قريش للعهد و العقد في أمر خزاعة؟ !

السيطرة على المسالك:

و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جماعة أن تقيم بالأنقاب {و هي المسالك في الجبال} .

و كان عمر بن الخطاب يطوف على الأنقاب، فيمرّ بهم، فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه.

لكن صاحب السيرة الحلبية نقل ذلك من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كانت الأنقاب مسلّمة إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به، و يسأل

عنه (1).

و نقول:

1-إن رصد الطرقات و المنافذ إلى مكة، و وضع الرجال على المسالك في الجبال بصورة دائمة من شأنه أن يزيد الأمور ضبطا و انتظاما، و أن يمنع من تسرب الأخبار إلى قريش، و لا أقل من أنه يحرج من يريد أن يفعل ذلك، و يربكه، و يحد من ميله لتعريض نفسه للفضيحة، لو كشف أمره. . .

2-إن هذه القوات التي كلفت بمهمة حفظ الطرقات لم تكن تضايق أحدا من سالكي تلك الطرق، فقد ذكر النص المتقدم: أن الطرق مسلّمة، لا يعترض أحد فيها سبيل أحد إلا من سلك إلى مكة.

3-و حتى من يريد مكة، فإنه لا يمنع من ذلك، و إنما يحتجز بمقدار ما يتأكد من أمره، فيسأل عنه.

4-لعل المقصود بالسؤال عن السالك إلى مكة هو: مراجعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمره. .

5-إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حدد لتلك القوات الراصدة و الضابطة للطرقات مسؤوليتها، و هو أن لا يدعوا أحدا يمر بهم ينكرونه إلا ردّوه. . فلماذا يطوف عمر بن الخطاب على الأنقاب، و يطلب منهم نفس هذا الطلب، و يصدر لهم نفس هذا الأمر؟ !

و لسنا نشك في: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حدد لأولئك


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 و المغازي للواقدي ج 2 ص 796 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 351.

الرجال المهمة التي انتد بهم لها-حتى لو لم يذكر لنا الحلبي أو غيره مضمون كلامه «صلى اللّه عليه و آله» لهم-.

فتكرار هذا الكلام على مسامعهم من عمر لا يقدم و لا يؤخر، لأن هذه هي مهمتهم التي انتدبوا لها، و هم ينفذون أوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا أوامر عمر. . إلا إذا كان عمر يريد أن يوحي لهم: بأنه قرين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نظيره، و أوامره كأوامره، و طاعته كطاعته. .

و اللافت هنا: أننا لا نجد هذه الحركات و أمثالها لدى أي من الصحابة الآخرين إلا من عمر بن الخطاب. . و إن شاركه غيره في شيء من ذلك فستجد أنه يسير في نفس خطه، و من القريبين منه، أو من أهل الصفاء عنده، و تربطهما أو اصر مودة و إلفة. .

إلى بطن إضم:

لما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى مكة، بعث أبا قتادة بن ربعي إلى بطن إضم، ليظن الظان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» توجه إلى تلك الناحية، و أن لا تذهب بذلك الأخبار (1).

و أبان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى قريش (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 عن ابن عقبة، و ابن إسحاق، و الواقدي، و غيرهم. و المغازي للواقدي ج 2 ص 296 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 133 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 149 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 347 و عيون الأثر ج 2 ص 177.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 353.

و أرسل إلى أهل البادية، و من حولهم من المسلمين، يقول لهم: «من كان يؤمن باللّه و باليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة» (1).

و هم أسلم و غفار، و مزينة و جهينة، و أشجع، و بعث إلى بني سليم.

فأما بنو سليم فلقيته بقديد، و أما سائر العرب فخرجوا من المدينة (2).

و بعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

قالوا: «و دعا رئيس كل قوم، فأمره أن يأتي قومه، فيستنفرهم» (4).

و قالوا أيضا: لما عزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على فتح مكة- شرفها اللّه تعالى-كتب إلى جميع الناس في أقطار الحجاز و غيرها، يأمرهم أن يكونوا بالمدينة في شهر رمضان من سنة ثمان للهجرة، فوافته الوفود و القبائل من كل جهة (5).


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 308 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 354 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 799 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 354 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و المغازي للواقدي ج 2 ص 799 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 354 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 308.

4) البحار ج 21 ص 127 عن إعلام الورى {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 218.

5) شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 359 عن الواقدي، و الكافي ج 4 ص 249 و الوسائل ج 8 ص 158 و عن السيرة النبوية لدحلان {مطبوع بهامش السيرة الحلبية} ج 2 ص 298 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 308.

و قال حسان بن ثابت يحرض الناس و يذكر مصاب رجال خزاعة:

عناني و لم أشهد ببطحاء مكةرجال بني كعب تحز رقابها

بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهمو قتلى كثير لم تجن ثيابها

ألا ليت شعري هل تنالن نصرتيسهيل بن عمر و حرها و عقابها

فلا تأمننها يا ابن أم مجالدإذا احتلبت صرفا و أعصل نابها

و لا تجزعوا منها فإن سيوفنالها وقعة بالموت يفتح بابها (1)

قال ابن إسحاق: و قول حسان: بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم: يعني قريشا، و ابن أم مجالد: عكرمة بن أبي جهل (2).

و عسكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ببئر أبي عنبة، و عقد الألوية و الرايات. فكان في المهاجرين ثلاث رايات: راية مع علي، و راية مع سعد بن أبي وقاص، ثم ذكر الواقدي سائر الرايات (3).

إشارة لما سبق:

و نقول:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البداية و النهاية ج 4 ص 323 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 857 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 535.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 857.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 800 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 168.

قد تحدثنا في جزء سابق عن سرية بطن إضم، فلا نرى حاجة للإعادة، و نكتفي بالإشارة إلى بضعة أمور هي التالية:

النفير العام:

إنه يبدو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفر جميع العرب، بدوهم و حضرهم، قريبهم و بعيدهم، مسلمهم و كافرهم، ربما لأنه أراد أن يؤكد لهم سقوط جميع حصون الشرك في المنطقة، و أنه لم يعد هناك مبرر للتعامل بجفاء، أو عداء.

و عليهم الاعتراف بهيمنة الإسلام و قدرته و قوته، إذ إنهم ليسوا هدفا عسكريا له، و لا هو يريد أن يبتلعهم، أو أن يستغلهم.

بل هو يريد أن يتعاون معهم على حل المشكلات، و ان يقف إلى جانبهم في إقرار الأمن و السلام، و منع الظلم و التعدي. إذ هو يدعوهم إلى نصرة المظلومين، و محاربة الظالمين، الذين ينقضون العهود، و يبطشون بالصبيان، و النساء، و الضعفاء. . فلماذا لا ينصرونه، و لا يكونون معه؟ فإن ذلك من مصلحتهم بلا ريب.

و يدل أنه قد جرى على استنفار جميع العرب، النصوص المتقدمة نفسها، بالإضافة إلى أنه في حرب خيبر، و في غيرها، و هي حروب كبرى، و صعبة و مصيرية، لم يستطع حشد أكثر من ألف و خمس مائة مقاتل مقابل أكثر من عشرة آلاف مقاتل من الأعداء، كانوا مستقرين في حصونهم، و مستعدين للمواجهة.

و لكنه جمع في مؤتة ثلاثة آلاف مقاتل. .

و قد قلنا: إن الظاهر هو: أنه قد نفر معه مئات من غير المسلمين أيضا، لأنهم أدركوا: أن خطر ملك الروم عظيم و جسيم، فلا بد لهم من الدفع عن أنفسهم، و حفظ حوزتهم، كما تقدم.

الحضور إلى المدينة في شهر رمضان:

و قد كانت رسالته «صلى اللّه عليه و آله» إلى العرب هي: الطلب إليهم أن يحضروا إلى المدينة في شهر رمضان، و لم يبين لهم سبب هذا الطلب، و لا الغاية من حضورهم، فهل هو يحضرهم لإبلاغهم أمرا، أو لمشاورتهم فيه، أو للاتفاق معهم على شيء بعينه، أو لحرب أهل مكة، أو حرب غيرهم؟ إن ذلك لم تحدده لهم تلك الرسائل التي أرسلها إليهم. .

و حتى بعد أن ظهر أن القصد هو التجمع للحرب، فإن الأمر بقي غائما و مجهولا لهم، إلى أن سار بتلك الجموع مسافات طويلة، ثم سلك طريق مكة. .

و لم نجد منهم أي تمرد أو تململ أو ضيق من هذا القرار القاضي بحجب معرفة المقصد عنهم، بل ربما يكون ذلك قد أشعرهم بخطورة الأمر و أهميته، و هيأهم لمواجهة أي خيار يفرض عليهم بصبر و شجاعة.

و إن هذا يشير بلا شك إلى مدى تسليم الناس لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثقتهم بتدبيره، رغم أنهم لم يكونوا كلهم-حسبما استظهرناه- من أهل الإيمان، و الإسلام.

إبان المسير إلى قريش:

قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عائشة بكتمان الأمر،

و أمر أبا بكر بذلك أيضا. و انه أرسل أبا قتادة إلى بطن إضم، و لم يعلمه بوجهة سيره لئلا تذهب بذلك الأخبار.

فما معنى قولهم هنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، و أمرهم بالجد و التجهيز (1)؟ .

أو قولهم: «أبان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» السير إلى قريش، و أرسل إلى أهل البادية الخ. .» (2).

و مما يؤكد التزام السرية في هذا الأمر قولهم: «. . و أمر «صلى اللّه عليه و آله» الناس بالجهاز و طوى عنهم الوجه الذي يريده و قد قال له أبو بكر: يا رسول اللّه، أو ليس بيننا و بينهم مدة؟

قال: إنهم غدروا و نقضوا العهد. واطو ما ذكرت لك. .» (3).

يضاف إلى ذلك: أن رسالة حاطب بن أبي بلتعة لقريش تدل على أنه لم يكن على يقين من وجهة سيره «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث جاء فيها: «و إن محمدا قد نفر، فإما إليكم، و إما إلى غيركم» .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و {ط دار المعرفة} ص 9 و تفسير البغوي ج 4 ص 537 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البداية و النهاية ج 4 ص 323 و العبر و تاريخ المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 857 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 535.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 353 و 354 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 308 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 74 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 352.

أو جاء فيها: «قد آذن بالغزوة، و لا أراه إلا يريدكم» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و فتح الباري ج 12 ص 273 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 11.

الفصل الخامس: ابن أبي بلتعه. . يتجسس و يفتضح

اشارة

اكتشاف تجسس ابن أبي بلتعة لقريش:

و روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أجمع السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأمر في المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة (1)، {سوداء كما في البحار} زعموا أنها من مزينة.

قال محمد بن عمر: يقال لها: كنود (2).

قال ابن إسحاق: و زعم لي غير ابن جعفر: أنها سارة مولاة لبعض بني


1) البحار ج 21 ص 119 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 نيل الأوطار ج 8 ص 156 و فتح الباري ج 7 ص 400 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 450 و جامع البيان للطبري ج 28 ص 76 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و الثقات لابن حبان ج 4 ص 41 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البداية و النهاية ج 4 ص 323 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 376 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 858 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 536.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 209 و المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 450 و نيل الأوطار ج 8 ص 156 و البداية و النهاية ج 4 هامش ص 324 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 352.

المطلب (1).

و زعم مغلطاي: أن حاملة الرسالة هي: أم سارة و اسمها كنود (2). و جعل لها جعلا (3).

قال محمد بن عمر: دينارا (4).


1) في البحار ج 21 ص 125 و 136 و 137 عن إعلام الورى: أنها مولاة أبي لهب. و عن تفسير فرات ص 183 و 184 و المغازي للواقدي ج 2 ص 799 و تاريخ الخميس ج 2 ص 78 و نيل الأوطار ج 8 ص 156 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 450 و جامع البيان للطبري ج 28 ص 76 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 327 و البداية و النهاية ج 4 ص 323 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 858 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 536.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و راجع: فتح الباري {المقدمة} ص 288 و 301 و عمدة القاري ج 14 ص 254 و ج 17 ص 274 و عون المعبود ج 7 ص 223 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 66 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 30 و الإصابة ج 8 ص 398.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 64 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10 و البحار ج 21 ص 119 و 136 و تفسير فرات ص 480 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 3 ص 349 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و الإرشاد ج 1 ص 56 و شجرة طوبى ج 2 ص 301 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 266 و جامع البيان للطبري ج 28 ص 76 و تفسير ابن زمنين ص 376 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و تاريخ الأمم و الملوك 2 ص 327 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 376 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275 و 408 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 536 و شرح إحقاق الحق ج 31 ص 8.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 و المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و عمدة القاري ج 17 ص 274 و نيل الأوطار ج 8 ص 156 و فتح الباري ج 7 ص 400.

و قيل: عشرة دنانير (1).

أضاف الحلبي قوله: و كساها بردا (2)، على أن تبلغه أهل مكة.

و عن ابن عباس: أعطاها عشرة دنانير (3).

و عن مقاتل: عشرة دراهم و كساها بردا (4).

و قال لها: أخفيه ما استطعت، و لا تمري على الطريق، فإن عليه


1) السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10 و البحار ج 21 ص 94 و نيل الأوطار ج 8 ص 156 و فتح الباري ج 7 ص 400 و ج 12 ص 273 و عمدة القاري ج 14 ص 255 و تاريخ الأحاديث و الآثار ج 3 ص 447 و حقائق التنزيل و عيون الأقاويل للزمخشري ج 4 ص 88 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 446 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 291 و تفسير البغوي ج 4 ص 329 و تفسير النسفي ج 4 ص 235 و تفسير الرازي ج 29 ص 269.

2) السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 10 و مغازي الواقدي ج 2 ص 799 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و فتح الباري ج 12 ص 273 و عمدة القاري ج 14 ص 255 و تاريخ الأحاديث و الآثار ج 3 ص 447 حقائق التنزيل و عيون الأقاويل للزمخشري ج 4 ص 88 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 446 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 300 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 291 و تفسير البغوي ج 4 ص 329 و تفسير النسفي ج 4 ص 235 و تفسير الرازي ج 29 ص 269.

3) البحار ج 21 ص 94 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 446 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 300 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 291.

4) البحار ج 21 ص 94 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 291 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370.

حرسا (1).

فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، فسلكت غير نقب عن يسار المحجة في الفلوق حتى لقيت الطريق بالعقيق (2).

نص الكتاب:

و ذكر السهيلي أنه قيل: إنه كان في كتاب حاطب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، و أقسم باللّه لو سار إليكم و حده لنصره اللّه تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن اللّه-تعالى-ناصره و وليه (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 799 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 10 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 352.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 209 عن أحمد، و مسلم، و البخاري، و النسائي، و الترمذي، و أبو داود عن أبي رافع عن علي، و أبو يعلى، و الحاكم و الضياء عن عمر بن الخطاب. و الإمام أحمد، و عبد بن حميد عن جابر، و ابن مردويه عن أنس، و ابن مردويه عن سعيد بن جبير، و ابن إسحاق عن عروة، و ابن مردويه عن عبد الرحمن عن حاطب بن أبي بلتعة، و محمد بن عمر عن شيوخه. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و البحار ج 21 ص 119 و 120 عن الإرشاد للمفيد، و المغازي للواقدي ج 2 ص 799 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 352.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و نيل الأوطار ج 8 ص 156 و فتح الباري ج 7 ص 401 و عمدة القاري ج 17 ص 173 و تفسير القرطبي ج 18 ص 50 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 66 و البداية و النهاية ج 4 ص 324 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 342 و عيون الأثر ج 2 ص 205 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 537.

و عند الطبرسي: أنه كتب لقريش: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خارج إليكم يوم كذا و كذا (1).

و في تفسير ابن سلام: أنه كان فيه: إن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» قد نفر فإما إليكم، و إما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى (2).

و ذكر ابن عقبة الواقدي: أن فيه: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد آذن بالغزو، و لا أراه إلا يريدكم، و قد أحببت أن يكون لي يد بكتابي إليكم (3).

و عند الطبرسي: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريدكم، فخذوا حذركم (4).


1) البحار ج 21 ص 125 عن إعلام الورى {ط مؤسسة الوفاء} ج 1 ص 216.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و البداية و النهاية ج 4 ص 324 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 537 و راجع: البحار ج 21 ص 137 و تفسير فرات ص 183 و 184 و {ط مؤسسة الطبع و النشر-طهران} ص 480 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و راجع: فتح الباري ج 12 ص 273.

4) البحار ج 21 ص 94 و مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و {ط مؤسسة الأعلمي} ج 4 ص 455 و المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 147 و عمدة القاري ج 14 ص 255 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 447 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 300 و تفسير الميزان ج 9 ص 63 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 346 و ج 9 ص 291 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 3 ص 347 و أسباب نزول الآيات ص 282 و تفسير البغوي ج 4 ص 329 و تفسير النسفي ج 4 ص 235 و تفسير الرازي ج 32 ص 153 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51 و تفسير البيضاوي ج 5 ص 325 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 313 و الدر المنثور ج 3 ص 178 و تفسير أبي السعود ج 8 ص 235.

التدخل الإلهي:

قال القمي: «إن حاطب بن أبي بلتعة كان قد أسلم و هاجر إلى المدينة، و كان عياله بمكة. و كانت قريش تخاف أن يغزوهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فصاروا إلى عيال حاطب، و سألوهم أن يكتبوا إلى حاطب، يسألوه عن خبر محمد «صلى اللّه عليه و آله» : هل يريد أن يغزو مكة؟ ! فكتبوا إلى حاطب يسألونه عن ذلك» (1).

فكتب إليهم حاطب: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد ذلك، و دفع الكتاب إلى امرأة تسمى «صفية» فوضعته في قرونها الخ. .

و أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب، و الزبير بن العوام (2).


1) البحار ج 21 ص 112 و ج 72 ص 388 و شجرة طوبى ج 2 ص 301 و تفسير القمي ج 2 ص 361 و التفسير الصافي ج 5 ص 161 و ج 7 ص 165 و تفسير الميزان ج 19 ص 234.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و ج 10 ص 64 و البحار ج 21 ص 112 و 120 و ج 72 ص 388 و تفسير القمي ج 2 ص 361 و التفسير الصافي ج 5 ص 161 و ج 7 ص 165 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 199 و تفسير الميزان ج 19 ص 134 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 266 و جامع البيان للطبري ج 28 ص 76 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و البداية و النهاية ج 2 324 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 352 و ج 13 ص 376 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 858 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 536 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 11.

زاد أبو رافع: المقداد بن الأسود (1).

و غير ابن إسحاق، يقول: بعث عليا و المقداد (2).

و في رواية عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي: أبا مرثد، بدل المقداد (3).

و في الحلبية: بعث عليا «عليه السلام» ، و الزبير، و طلحة، و المقداد.

و قيل: بعث عليا، و عمارا، أو الزبير، و طلحة، و المقداد، و أبا مرثد.

و لا مانع من أن يكون بعث الكل.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و ج 10 ص 64 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج 5 ص 293 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51.

2) عيون الأثر ج 2 ص 184.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و ج 10 ص 64 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج 5 ص 293 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51.

و بعض الرواة اقتصر على بعضهم (1).

و زاد الطبرسي: عمر.

و كانوا كلهم فرسانا (2).

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدرك امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم» (3).

و لفظ أبي رافع: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب» فخرجوا (4)-و في لفظ: فخرجا-حتى إذا كان بالخليقة، خليقة بني


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و البحار ج 21 ص 94 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 446 و المغازي للواقدي ج 2 ص 797 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و عمدة القاري ج 14 ص 255 و ج 19 ص 229 و تفسير جوامع الجامع ج 3 ص 542 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 300 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 291 و أسباب نزول الآيات للواحدي ص 282 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسين ج 2 ص 683.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 858 و عيون الأثر ج 2 ص 184 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 11 موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 1 ص 274.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و قال في هامشة: أخرجه البخاري 6/{3007} {4890} و مسلم ص 3/{1941} حديث {161} و أبو داود في الجهاد، و أحمد 1/79 و الترمذي في تفسير سورة الممتحنة، و البيهقي في الدلائل 5/16. و راجع: البحار ج 21 ص 94 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 446 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و كتاب الأم للشافعي ج 4 ص 264 و المجموع للنووي ج 19 ص 340 و كتاب المسند للشافعي ص 316 و مسند أحمد ج 1 ص 79 و صحيح البخاري ج 6 ص 60 و سنن أبي داود ج 1 ص 597 و سنن الترمذي ج 5 ص 82 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 146 و عمدة القاري ج 14 ص 254 و ج 17 ص 273 و ج 19 ص 229 و مسند الحميدي ج 1 ص 27 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 57 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 316 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 424 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 7 ص 102 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 447 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 301 و تفسير جامع البيان ج 28 ص 74 و أسباب نزول الآيات ص 283 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 369 و أسد الغابة ج 1 ص 361 و تفسير البغوي ج 4 ص 328 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 525 و البداية و النهاية ج 4 ص 324.

أحمد الخ. .

و في الحلبية: «فخذوه منها و خلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها» (1).

و قال المفيد: فاستدعى أمير المؤمنين «عليه السلام» و قال له: «إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، و قد كنت سألت اللّه أن يعمي أخبارنا عليهم. و الكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك و الحقها، و انتزع الكتاب منها، و خلها، و صربه إلي» .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و تفسير فرات ص 183 و 184 و البحار ج 21 ص 136 و 137 و تاريخ الخميس ج 2 ص 89 و راجع: تفسير الثعلبي ج 9 ص 291 و أسباب نزول الآيات ص 282 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51 و مطالب السؤول ص 197 و كشف الغمة ج 1 ص 179.

ثم استدعى الزبير بن العوام و قال له: «امض مع علي بن أبي طالب في هذا الوجه» .

فمضيا، و أخذا على غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير، فسألها عن الكتاب الذي معها فأنكرت، و حلفت: أنه لا شيء معها، و بكت.

فقال الزبير: ما أرى يا أبا الحسن معها كتابا، فارجع بنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نخبره ببراءة ساحتها.

فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام» : يخبرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن معها كتابا و يأمرني بأخذه منها، و تقول أنت: إنه لا كتاب معها؟ ! !

ثم اخترط السيف، و تقدم إليها، فقال: أما و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك، ثم لأضربن عنقك.

فقالت: إذا كان لا بد من ذلك فأعرض يا ابن أبي طالب بوجهك عني، فأعرض بوجهه عنها، فكشفت قناعها، و أخرجت الكتاب من عقيصتها، فأخذه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و صار به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فأمر أن ينادى: «الصلاة جامعة» ، فنودي في الناس، فاجتمعوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم.

ثم صعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المنبر، و أخذ الكتاب بيده و قال: «أيها الناس إني كنت سألت اللّه عز و جل أن يخفي أخبارنا عن قريش، و إن رجلا منكم كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب و إلا فضحه الوحي» .

فلم يقم أحد، فأعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقالته ثانية،

و قال: «ليقم صاحب الكتاب و إلا فضحه الوحي» .

فقام حاطب بن أبي بلتعة، و هو يرعد كالسعفة في يوم الريح العاصف، فقال: أنا يا رسول اللّه صاحب الكتاب، و ما أحدثت نفاقا بعد إسلامي، و لا شكا بعد يقيني.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «فما الذي حملك على أن كتبت هذا الكتاب» ؟

قال: يا رسول اللّه، إن لي أهلا بمكة، و ليس لي بها عشيرة، فأشفقت أن تكون دائرة لهم علينا، فيكون كتابي هذا كفا لهم عن أهلي، و يدا لي عندهم، و لم أفعل ذلك للشك في الدين.

فقام عمر بن الخطاب و قال: يا رسول اللّه مرني بقتله، فإنه منافق.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنه من أهل بدر. و لعل اللّه تعالى اطّلع عليهم فغفر لهم. أخرجوه من المسجد» .

قال: فجعل الناس يدفعون في ظهره حتى أخرجوه، و هو يلتفت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليرق عليه، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بردّه، و قال له: «قد عفوت عنك و عن جرمك، فاستغفر ربك، و لا تعد لمثل ما جنيت» (1).

و في نص آخر: «فخرج علي و الزبير، لا يلقيان أحدا حتى وردا ذا الحليفة، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» وضع حرسا على المدينة. و كان


1) البحار ج 21 ص 119-121 و ص 125 و 126 عن الإرشاد للمفيد ج 1 ص 56-59 و راجع: إعلام الورى ج 1 ص 384 و أعيان الشيعة ج 1 ص 408.

على الحرس حارثة بن النعمان، فأتيا الحرس فسألاهم، فقالوا: ما مر بنا أحد.

ثم استقبلا حطّابا فسألاه، فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرة، فأدركاها فأخذ علي منها الكتاب، وردها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فدعا حاطبا، فقال له: انظر ما صنعت. .

قال: أما و اللّه، إني لمؤمن الخ. . (1).

و قال ابن عقبة: أدركاها ببطن ريم، فاستنزلاها فحلفت، فالتمساه في رحلها، فلم يجدا شيئا، فهموا بالرجوع، فقال لها علي بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-: إني أحلف باللّه ما كذب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ما كذبنا، و لتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك.

و عند القمي: ما كذبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا كذب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جبرئيل، ثم و لا كذب جبرئيل عن اللّه جل ثناؤه، و اللّه لتظهرن الكتاب أو لأوردن رأسك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . (2). {زاد في الحلبية: أو أضرب عنقك} .

و في مجمع البيان: و سل سيفه و قال: «أخرجي الكتاب، و إلا و اللّه


1) البحار ج 21 ص 125 عن إعلام الورى ج 1 ص 216.

2) البحار ج 21 ص 112 و ج 72 ص 388 و تفسير القمي ج 2 ص 361 و التفسير الصافي ج 5 ص 161 و ج 7 ص 165 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 299 و تفسير الميزان ج 19 ص 234.

لأضربن عنقك» (1).

فلما رأت الجد، قالت: أعرضا. فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه.

فخلوا سبيلها، و لم يتعرضوا لها و لا لما معها، فأتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فدعا حاطبا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟

قال: يا رسول اللّه. إني و اللّه لمؤمن باللّه و رسوله، ما غيرت، و لا بدلت، و لكني كنت امرءا ليس لي في القوم من أصل و لا عشيرة، و كان لي بين أظهرهم ولد و أهل، فصانعتهم عليهم (2).


1) تفسير مجمع البيان {ط مؤسسة الأعلمي} ج 9 ص 446 البحار ج 21 ص 94 و ج 41 ص 8 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 301 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 3 ص 683 و عين العبرة في غبن العترة لأحمد بن طاووس ص 27 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 405 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأحمد الرحماني الهمداني ص 777.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 12 و البحار ج 21 ص 94 و 112 و 136 و 137 و مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و تفسير فرات ص 183 و 184 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 797 و 798 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242 و البداية و النهاية ج 4 ص 324 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 858 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 537.

و في نص آخر: أنها أخرجت الكتاب من حجزتها، و الحجزة معقد الإزار و السراويل (1).

و حسب نص أورد في البحار: أن حاطبا قال: و اللّه ما كفرت منذ أسلمت، و لا غششتك منذ صحبتك، و لا أجبتهم منذ فارقتهم، و لكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا و له بمكة من يمنع عشيرته، و كنت {عريرا} عزيزا فيهم. {العرير: الغريب} ، و كان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، و قد علمت أن اللّه ينزل بهم بأسه، و إن كتابي لا يغني عنهم شيئا.

فصدقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عذره، فقام عمر بن الخطاب و قال: دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و ما يدريك يا عمر، لعل اللّه اطّلع على أهل


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و {ط دار المعرفة} ص 11 و عمدة القاري ج 15 ص 12 و راجع: الخرائج و الجرائح ج 1 ص 60 و البحار ج 18 ص 110 و صحيح البخاري ج 4 ص 39 و مجمع الزوائد ج 6 ص 136 و عمدة القاري ج 14 ص 255 و ج 15 ص 11 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 141 و مسند بن أبي يعلى ج 1 ص 320 و تخريج الأحاديث ج 3 ص 449 و 451 و كنز العمال ج 10 ص 523 و جامع البيان ج 28 ص 76 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 224 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج 5 ص 293 و تفسير القرطبي ج 18 ص 51 و التسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج 4 ص 112 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 370 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 123 و ج 13 ص 376 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 280.

بدر، فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم (1).

و في نص القمي: «و لكن أهلي و عيالي كتبوا إلي بحسن صنيع قريش إليهم، فأحببت أن أجازي قريشا بحسن معاشرتهم، فأنزل اللّه الخ. .» (2).

و لفظ أبي رافع، فقال: يا رسول اللّه لا تعجل علي، إني كنت امرءا ملصقا في قريش، و لم أكن من أنفسهم، و كان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم بها و أهليهم بمكة، و لم يكن لي قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك من بينهم أن أتخذ فيهم يدا أحمي بها قرابتي. و ما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام.


1) البحار ج 21 ص 94 و 95 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 318 و 319 و 321 و الدرر لابن عبد البر ص 214 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 266 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 448 و جامع البيان للطبري ج 28 ص 77 و أسباب نزول الآيات 283 و تفسير البغوي ج 4 ص 329 و راجع: تفسير السمرقندي ج 3 ص 413 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج 5 ص 293 و زاد المسير ج 8 ص 3 و تفسير الرازي ج 32 ص 153 و التسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج 4 ص 112 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 42 و البداية و النهاية ج 4 ص 324 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 537 و السيرة الحلبي {ط دار المعرفة} ج 3 ص 12 و شرح إحقاق الحق ج 31 ص 7.

2) البحار ج 21 ص 112 و ج 72 ص 388 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1290 و التفسير الصافي ج 5 ص 161 و ج 7 ص 166 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 300 و تفسير الميزان ج 19 ص 235 و تفسير القمي ج 2 ص 362.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنه قد صدقكم» .

فقال عمر لحاطب: قاتلك اللّه! ! ترى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأخذ بالأنقاب و تكتب إلى قريش تحذرهم؟ ! دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما يدريك يا عمر أن اللّه عز و جل اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ؟ !

فاغر و رقت عينا عمر، و قال: اللّه و رسوله أعلم، حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 210 و 211 و تفسير الرازي ج 29 ص 297 و ج 32 ص 154 و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و 76 و {ط دار المعرفة} ص 12 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 4 ص 264 و المجموع للنووي ج 19 ص 341 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 154 و 156 و الإيضاح لابن شاذان ص 507 و شرح الأخبار ج 2 ص 301 و البحار ج 21 ص 95 و مواقف الشيعة ج 2 ص 255 و كتاب المسند للشافعي ص 316 و مسند أحمد ج 1 ص 80 و صحيح البخاري ج 4 ص 19 و ج 5 ص 89 و ج 6 ص 60 و صحيح مسلم ج 7 ص 168 و سنن أبي داود ج 1 ص 597 و سنن الترمذي ج 5 ص 83 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 146 و عمدة القاري ج 14 ص 254 و ج 17 ص 247 و مسند الحميدي ج 1 ص 28 و السنن الكبرى ج 6 ص 487 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 316 و 321 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 425 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 102 و الدرر لابن عبد البر ص 214 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 266 و تخريج الأحاديث ج 3 ص 448 و كنز العمال ج 10 ص 522 و ج 14 ص 69 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 446 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 301 و تفسير الميزان ج 19 ص 236 و أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي ج 2 ص 48 و جامع البيان ج 28 ص 75 و 77 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 292 و أسباب نزول الآيات ص 283 و تفسير البغوي ج 4 ص 328 و 329 و تفسير النسفي ج 4 ص 236 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 224 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج 5 ص 293 و زاد المسير ج 8 ص 3 و تفسير القرطبي ج 18 ص 50 و التسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج 4 ص 112 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 369 و 370 و الدر المنثور ج 6 ص 203 و فتح القدير ج 5 ص 211 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 66 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 42 و أسد الغابة ج 1 ص 361 و مناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» للأصفهاني ص 154 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 526 و 527 و الوافي بالوفيات ج 11 ص 210 و البدآية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 398 و ج 4 ص 325 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 538.

و أنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيّٰاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهٰاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمٰا أَخْفَيْتُمْ وَ مٰا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ اَلسَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدٰاءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحٰامُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كٰانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرٰاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قٰالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّٰا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمّٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ

كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةُ وَ اَلْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ إِلاّٰ قَوْلَ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ مٰا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللّٰهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنٰا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنٰا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنٰا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ (1)» (2).

و نقول:

إن لنا هنا وقفات:

لعلها عدة رسائل:

قد يقال: إن نصوص الرواية المختلفة تشير إلى أن حاطبا قد كتب لقريش عدة رسائل، و لعل بعضها قد قصد به التعمية على الناس فيما لو انكشف الأمر، حيث يمكن لحامل الرسالة أن يظهر إحدى تلك الرسائل، فينصرف المفتشون عما سواها، و ربما تكون رسالة واحدة، ذكر كل راو بعض فقراتها، و اقتصر عليه.

و لعله كتب الرسالة على فترات، كما احتمله الحلبي (3).

و إن كنّا لم نستطع أن نفهم معنى معقولا لهذا الاحتمال الأخير. .

غير أننا رغم معقولية سائر الاحتمالات نقول:

سيأتي: أن الأقرب هو أنه لم يرسل سوى رسالة واحدة، و هي تلك


1) الآيات 1-4 من سورة الممتحنة.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و البحار ج 21 ص 112 عن تفسير القمي ص 674 و 675 و {ط مؤسسة دار الكتاب-قم} ج 1 ص 11. و المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و راجع: أغلب المصادر في الهامش السابق.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 75.

التي يعبر فيها حاطب عن عدم معرفته بمقصد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه يريد لهم أن يكونوا على حذر. و ستأتي مبررات ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

مقدار الجعل على حمل الرسالة:

و نحن نشك في أن يكون الجعل الذي أعطاه حاطب لتلك المرأة لكي تحمل الرسالة إلى مكة هو دينار واحد، أو نحو ذلك، فإنها قيمة زهيدة لا يرغب بها راغب، و لا سيما مع هذه الأخطار التي قد تتعرض لها.

إلا إذا فرض: أن تلك المرأة هي سارة التي قدمت من مكة، و تريد أن ترجع إلى بلدها. . أو أنها امرأة أخرى مضطرة للسفر على كل حال، و قد أرادت أن تسدي هذه الخدمة للمشركين، و تستفيد بعض المال أيضا عن هذا الطريق.

هل نافق حاطب؟ ! :

و ذكر الحلبي: أن مراد عمر بقوله عن حاطب: قد نافق: أنه خالف الأمر، لا أنه أخفى الكفر، لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : قد صدقكم، و لا تقولوا له إلا خيرا. و عليه يشكل قول عمر المذكور، و دعاؤه عليه بقوله: قاتلك اللّه.

إلا أن يقال: يجوز أن يكون قول عمر له ذلك كان قبل قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما ذكر (1).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و {ط دار المعرفة} ص 13.

غير أننا نقول:

إن ذلك لا يدفع الإشكال، فإن مخالفته الأمر لا توصف بأنها نفاق، فيبقى السؤال المذكور. إلا إن كان يريد أنه قد فعل فعل المنافق، من حيث إنه كان يظهر للمسلمين إخلاصه، و لكنه يفعل في الباطن خلاف ما يظهره. .

و لكنه بعد انكشاف أمره قد صدق في كلامه حين أخبرهم بالأسباب التي حملته على هذا الفعل النفاقي. .

المخبأ العتيد:

و يلاحظ هنا: أن تلك المرأة قد خبأت الكتاب في شعرها، و فتلت عليه قرونها. أو خبأته في حجزتها، و هو معقد السراويل كما في رواية أخرى. . لأنها كانت تدرك تحرّج المسلمين من النظر إلى شعور النساء، أو من تجريدهن بحيث يظهر لهم المخبأ في معقد السراويل، لأن ذلك حرام شرعا، و يفترض بهم أن يلتزموا بأحكام الشرع، و حتى لو كشفوا رأسها، أو انكشف قهرا بسبب حركة عنيفة، أو بريح شديدة، فإن ذلك لا يضر، لأن الكتاب كان في داخل الشعر المفتول.

الفضل لعلي عليه السّلام:

و قد كان الفضل لعلي «عليه السلام» في كشف أمر تلك المرأة. أما الذين كانوا معه فقد أقنعهم قولها، و أرادوا تخلية سبيلها. بل إن الزبير حكم ببراءتها من هذا الأمر الذي انتدبهم إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لم يطالبوها بكشف رأسها، و لا بنقض شعرها المفتول. .

و قد اخطأوا في ذلك من جهتين:

أولاهما: أنهم لم يراعوا أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسدد بالوحي الذي يريه الواقع كما هو.

الثانية: أن ظاهر حالها لا بد من أن يشي بلزوم الريبة بها لأن نفس المسالك التي سلكتها لا بد من أن تثير شكوكهم في أمرها. . حتى لو لم يخبرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشيء.

و ذلك لأنها تركت الطرقات السهلة، و التي اعتاد الناس سلوكها، و اختارت السير في القفار و الشعاب فترة طويلة، ثم عادت إلى الطريق في «العقيق» . .

فأخذوها هناك، و كشف أمرها علي «عليه السلام» ، و لا يسلك هذه المسالك إلا هارب أو خائف، أو من يخفي شيئا خطيرا يريد ان ينفذه إلى بلاد أخرى.

الحرس على الطريق وشى بالخائن:

إن حاطب بن أبي بلتعة يوصي حاملة رسالته بأن لا تمر على الطريق، فإن عليه حرسا، فتركت الطريق و سارت في القفار و الفجاج مقدارا طويلا، ثم عادت لتسلك الطريق في منطقة «العقيق» .

و من البديهي: أنه لا يمكنها الوصول إلى مكة بسلوك متاهات الصحاري و القفار، و ترك الجادة، لأن ذلك يعرضها لكثير من المفاجآت و الأخطار، بل هو يؤدي بها إلى الهلاك و البوار.

و لأجل ذلك أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسالك على كل

سالك و وضع الحرس عليها، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلم: كل من تنكّب الطريق لا بد من أن يعود إليها و لو بعد حين.

رسالة تهديد أم تحذير؟ ! :

و قد ذكروا بعض النصوص لرسالة حاطب التي قد يقال: إنها أشبه بالتهديد منها بالإخبار لهم مما يراد بهم. ففيها: «أقسم باللّه لو سار إليكم وحده لنصره اللّه عليكم، فإنه منجز له ما وعده اللّه فيكم، فإن اللّه ناصره و وليه» .

ثم يقال: لو صح أن هذا هو النص الذي كتبه إليهم حاطب لاستحق عليه المدح و الثناء، و التقدير، لا الملامة و التوبيخ. . و لكان ينبغي إنفاد الرسالة إليهم، و عدم مصادرتها.

غير أننا نقول:

إن هذه الكلمات لا تكفي لإعطاء هذا الانطباع، لأنها قد تكون لأجل التغطية على الخبر الأهم الذي أتحفهم به، أو يكون قد ساق هذه العبارات ليتذرع بها-لو انكشف الأمر-و يدّعي: أنه لا يقصد إلا بث الرعب و اليأس في قلوب الأعداء، علما بأن ذلك لن يجديه نفعا بعد ما صرح لهم في رسالته بما كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد حذّر الناس من إخبارهم به، و جعل الأرصاد على الطرقات، من أجل تلافي حصوله. . و بذلك يكون حاطب قد عرّض نفسه للإدانة على كل حال. . و جعلها في موضع الخذلان و الخسران، و لا ينفعه المراء و الجدل.

دقة معلومات حاطب:

و نحن لا نستطيع أن نتقبل ما ورد في بعض المصادر من أن حاطبا قد كتب لقريش: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خارج إليكم يوم كذا و كذا. . (1).

و لا أن نقبل الرواية التي تقول: إنه كتب إليهم: إن رسول اللّه يريدكم فخذوا حذركم (2).

و ذلك لسببين:

أحدهما: أن أحدا لم يستطع أن يعرف وجهة سير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى سار بجيشه مسافات طويلة كما ظهر في جزء سابق حين الكلام حول سرية أبي قتادة إلى بطن إضم.

الثاني: أنه حتى لو علم حاطب بأن المقصود هو غزو مكة، و لكن من أين يستطيع تحديد يوم خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك الجيش، و أنه يوم كذا؟ فإن ذلك لا يتلاءم مع هذه السرّية الفائقة التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يعتمدها.

و قد ظهرت الكثير من الدلائل و الشواهد على دقته البالغة في مراعاتها و الحفاظ عليها، بحيث لا يستطيع حاطب و سواه أن يعلم بهذا التاريخ الدقيق.


1) إعلام الورى {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 216 و البحار ج 21 ص 125 عنه.

2) البحار ج 21 ص 94 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270 و المغازي للواقدي ج 2 ص 798 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و مصادر كثيرة تقدمت.

و الصحيح في الأمر هو أنه كتب إليهم يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد آذن بالغزو، إما إليكم أو إلى غيركم.

و قد أحب أن يخبرهم بذلك ليكونوا على حذر، لاحتمال أن يكون قصده إليهم.

خبر السماء:

و يأتي التأييد بالوحي الإلهي في خصوص موضوع سرية التحرك و هدفه الأقصى ليبعث اليأس في نفوس المنافقين، و المتزلفين، و الخانعين، و المتآمرين، و ليقول لهم: إنكم غير قادرين على اختراق حاجز الرقابة هذا، فإن المؤمنين حتى لو استنفدوا قدراتهم، فسيأتيهم المدد و التسديد و التأييد الإلهي، ليسد مواضع الخلل، و يحفظ المسيرة من دون أن يباشر أي تصرف قاهر لإرادات المعاندين و المتآمرين. .

و هذا ما حصل فعلا في قضية حاطب بن أبي بلتعة، حيث لم يتدخل اللّه تعالى لمنع حاطب من التفكير في مراسلة قريش، و لا من التخطيط، ثم التنفيذ، كما انه لم يتصرف في إرادة المرأة حاملة الرسالة، و لا أعجزها عن التصرف، و لا قهرها على التزام طريق بعينها، بل هي اختارت طريقا و سلكته، و خططت لأمر، و نفذت خطتها. .

و لكنه أخبر نبيه بما جرى. . فتصرف «صلى اللّه عليه و آله» بطريقة من شأنها أن تؤدي إلى كشف المستور، و جنّب بذلك اهل الإيمان من الوقوع في المحذور.

كما أن شعور أهل الإيمان بالتسديد و التأييد الإلهي لا بد من أن يقوي

من عزيمتهم، و يشد من أزرهم، و يرسخ من يقينهم.

ألا يكفي علي عليه السلام وحده؟ ! :

و قد يدور بخلد أحدهم سؤال يقول: ألم يكن يكفي أن يرسل عليا وحده لأخذ الكتاب من تلك المرأة، فلماذا أرسل معه آخرين، مثل الزبير، و سواه حتى إن الأسماء قد تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة؟ ! مع أن حاملة الرسالة مجرد امرأة، لا حول لها و لا قوة و لا تحتاج إلى كل هذا العدد.

ألا يدلنا ذلك: على أن ثمة تصرفا في الروايات بالتضخيم، و التهويل، لحاجة في نفس الرواة قضيت؟ !

إلا أن يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلهم فرقا في مسالك مختلفة حتى لا تفوتهم تلك المرأة.

و نجيب:

بأنه لا شك في أن ثمة أهدافا أخرى تتجاوز موضع مصادرة الرسالة، و منع وصولها إلى قريش، و نستطيع أن نذكر من هذه الأهداف ما يلي:

أولا: إن الأمر لا ينحصر بمنع وصول هذه الرسالة إلى قريش، بل هو يتجاوز ذلك إلى إثارة جو من الرهبة يمنع أيا كان من الناس بالتفكير في تسريب أية معلومة عن تحركات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إلى أي كان من الناس. .

فكان أن اختار «صلى اللّه عليه و آله» عدة أشخاص لهم خصوصيات و توجهات، و ارتباطات، و اهواء مختلفة، و متشعبة، ليروا جميعا بأم أعينهم صدق الوحي الإلهي، و ليأخذوا العبرة، و ينقلوها إلى القبائل و الأفراد

الذين يعيشون في أجوائهم، و لهم صلة بهم بنحو أو بآخر. .

ثانيا: إنه لو أرسل «صلى اللّه عليه و آله» أي واحد منهم سوى علي «عليه السلام» ، فسيرجع بخفي حنين، كما اظهرته الوقائع، حيث صدقوا تلك المرأة و هموا بالرجوع، و ستتمكن تلك المرأة من الإفلات، و ربما لم يمكن اللحاق بها، أو ربما يصعب العثور عليها إذا سلكت مسالك معينة. . و في ذلك تفريط ظاهر لا مجال للقبول به، و لا لتحمله. .

ثالثا: إنه لا بد من أن يعرف الناس جميعا مدى التفاوت فيما بين تلك الجماعة التي خدعت ببكاء تلك المرأة، و صدقتها في إنكارها، حتى هموا بالرجوع عنها و بين علي «عليه السلام» ، و في معرفته، و وعيه، و صحة تدبيره، و إيمانه و يقينه بما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كيفية نظرته إلى الوحي الإلهي، و إلى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و طبيعة تعامله معه، و مع أوامره، و أقواله، و إخباراته. .

و بذلك يظهر زيف ما يدّعيه الناس لغيره «عليه السلام» من مناوئيه، و مخالفيه، و حاسديه، أو ما يدّعيه هؤلاء لأنفسهم من مقامات و بطولات، و من خصائص و ميزات، و من جهاد و تضحيات، و ذلك لأنهم خالفوا صريح أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين قال لهم: خذوه منها، و خلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

خذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها:

و هذا الأمر الذي صدر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم حول كيفية التعامل مع حاملة الرسالة لا يترك لهم أي مجال لتصديقها، أو توهم

براءتها مما نسب إليها، فضلا عن أن يهموا بالرجوع، لأن ذلك يتضمن تكذيب الوحي الإلهي، و الطعن بعصمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و التخطئة له. .

و إن الأمر بضرب عنقها لو أبت أن تعطيهم الكتاب يدل على أن حكم من يفشي سر المسلمين، و يصرّ على التآمر على رسول رب العالمين، هو القتل كائنا من كان، حتى لو كان امرأة. .

كما أن الأمر بتخلية سبيلها بعد اخذ الكتاب منها يتضمن إرفاقا بها، و عفوا عن جرمها، خصوصا مع محاولتها إنكار الرسالة، حتى إنها لم تعطهم إياها إلا بعد تهديد علي «عليه السلام» لها. .

و القول بأنها إذا كانت لا تعلم بمضمون الرسالة فإنها تكون غير مشاركة في الخيانة، غير مقبول، فإنها-على أقل تقدير-تحمل رسالة تتضمن أسرارا يراد إيصالها سرا للمشركين، و تعلم أن ظهور هذه الأسرار سيكون مضرا للمسلمين، حتى لو لم تعلم بتفاصيل مضمون الرسالة، و هذا يكفي لإدانتها.

الصلاة جامعة لماذا؟ ! :

و قد صرحت رواية المفيد: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر أن ينادى في الناس: «الصلاة جامعة» ، {و هو تعبير عن دعوة عامة لأمر مهم طارئ} فلما اجتمعوا في المسجد حتى امتلأ بهم صعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» المنبر، و أخذ الكتاب بيده، و طلب من صاحبه أن يعلن عن نفسه، و إلا فضحه الوحي. .

و السؤال هو: لماذا هذا الإعلان بالأمر؟ و بهذه الطريقة القوية و الواسعة؟

ألم يكن الأجدر أن يعالج الأمر بهدوء يحافظ به على ماء وجه حاطب؟ !

و نقول في الجواب:

إن الإعلان عن الموضوع بهذا النحو القوي كان ضروريا، و له أسباب و فوائد عديدة، نذكر منها ما يلي:

1-إن هذه الطريقة من شأنها أن تعرّف الناس بهذا الأمر الخطير على أوسع نطاق، و قد كان هذا هو مطلوب له «صلى اللّه عليه و آله» لأسباب، ربما يتضح بعضها عن قريب. .

2-إن ذلك يبقي هذا الخبر على درجة من السلامة و الصحة، و الوضوح في أذهان الناس، و يمنع من تلاعب المتلاعبين فيه بالزيادة فيه تارة، و النقيصة أخرى، حسب الأهواء، و رياح السياسة، و المصلحة، فإن تناقل أمثال هذه الأخبار بصورة فردية أو جماعية بلا رقيب و لا عتيد سوف يمكّن أصحاب الأهواء من التحريف فيه، بما يخدم أهواءهم و مصالحهم و خططهم! !

3-إن هذا الإعلان الواضح و الصريح قد وضع حدا أمام التكهنات و التساؤلات عن طبيعة الموقف الذي سيتخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ممن أقدم على هذا العمل الخطير، كما أنه قد رسم للناس طريقة التعاطي معه، و منع من الإفراط و التفريط الذي قد تنشأ عنه إثارات غير مسؤولة، قد تضر في مسار الأمور كما يرضاه اللّه و رسوله. .

4-إن ذلك يبين لمن تسوّل له نفسه القيام بأمثال هذه التصرفات حجم الفضيحة التي ستواجهه، و سيكون ذلك مؤثرا في الردع عن أي تصرف من هذا القبيل. .

5-إن هذا التهديد بفضيحة الوحي لمن فعل ذلك، و لا يرضى بالإقرار و الاعتراف العلني لا بد من أن يزيد من شعور الناس بالرقابة، و عدم القدرة على إخفاء أمرهم لو سولت لهم أنفسهم الدخول في مغامرة كهذه. .

6-إن الأمر لم يقتصر على مجرد توجيه اتهام قولي للفاعل، بل تعداه إلى تقديم الدليل الحسي على هذا الأمر، و هو الكتاب الذي أخذه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده و هو على المنبر، بحيث يراه كل أحد، فلا تكهنات و لا اجتهادات و لا ظنون، و لا حدسيات، و لا مجال للوسوسات الشيطانية في هذا الأمر. .

7-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بإظهار الكتاب ثم تحديد الفاعل، بل هو قد حمل الفاعل على أن يقر بنفسه بما فعل. . بصورة طوعية و هو يرتعد. . و ذلك بعد أن ظهر تردده في البداية.

8-إن نفس دفاع حاطب بن أبي بلتعة عن نفسه، قد أثبت الجريمة عليه، و لم تعد هناك أي فرصة للتأويل و الاحتمال و الاجتهاد، و استغلال الحدث في اتجاه انحرافي يسيء إلى القضية بنحو أو بآخر. .

9-إن اعتراف حاطب بما فعل، إنما جاء تحت وطأة الكشف الرباني لما حصل، حتى لقد حددت المرأة، و حدد موقعها، و أرسل الرجال في طلبها، و لم يعد يمكن إخفاء أي شيء. . و ذلك لا يدل على عمق إيمان حاطب، بل هو يدل على هزيمته بعد أن أسقط في يده. .

حاطب ينفي الشك و النفاق:

و قد رأينا: أن أول ما دفعه حاطب عن نفسه هو تهمة النفاق و الشك في الدين، و تأكيد التزامه بإسلامه، و يقينه به. .

و لم يناقشه النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما ادّعاه من ذلك. بل هو قد سمع منه، ثم ساق الحديث معه في اتجاه آخر. .

و من الواضح: أن النفاق هو التهمة الأقسى، و الأشرّ و الأضرّ بالنسبة لحاطب، لأنه كفر قوي و فاعل، يريد أن يلحق الضرر بالإيمان و بأهله، إما بأن يسقط دعوتهم بأساليب من الختل و الغدر و التخريب، أو يريد سلب المسلمين قدراتهم، و الاستئثار بها لنفسه. .

و هذا يمثل خطورة مباشرة و عملية و مؤثرة، لأنه كفر مهاجم يعمل بهدوء و أناة و طمأنينة بعد ان هيأ لنفسه موجبات ذلك، حين أظهر الإسلام و أبطن الكفر. .

و أما مجرد الشك في الدين، فهو و إن كان كفرا أيضا، لكنه كفر مهزوم و راكد و ضعيف، يصارع الحقيقة في داخل نفسه، و لا يقدر على تجاهلها و التخلص منها. .

و قد نفى حاطب عن نفسه الشك، كما نفى عنها النفاق أيضا. .

و لم يرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقف معه عند هذه النقطة و لا أن يناقشه فيها. . لأنه يريد أن يبقيه في دائرة السيطرة، و يعطيه فرصة، و يفسح له المجال لإعادة ترتيب أوضاعه، فإن هذا المقدار من القبول مطلوب له «صلى اللّه عليه و آله» و لا يريد التفريط فيه. . و لذلك وجّه «صلى اللّه عليه و آله» الأنظار إلى تلمّس عذر حاطب فيما أقدم عليه. و سنرى أنه

عذره أيضا. .

تهديد المتهم:

و عن تهديد علي «عليه السلام» لتلك المرأة حاملة الرسالة، قد يقال: كيف جاز لعلي «عليه السلام» أن يهدد إنسانا متهما لم تثبت إدانته بعد؟ !

و يجاب: بأن إدانة تلك المرأة قد ثبتت بالوحي. و من أصدق من اللّه قيلا؟ و هو علام الغيوب؟ ! و العالم بما في القلوب؟

و نحن نشك في أنها لو استمرت على إنكارها فقد كان يجب على علي «عليه السلام» أن يقتلها لسببين:

أحدهما: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمره بقتلها إن أبت تسليم الكتاب، لأن القتل هو حكم اللّه في المحارب للّه و رسوله، و من يصر على إطفاء نور اللّه تبارك و تعالى. .

الثاني: إن تركها سوف يؤدي إلى تمكينها من إيصال الرسالة للأعداء، ليتمكنوا من ثم من إفشال خطة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو من إيجاد متاعب و مصاعب كان المسلمون في غنى عنها. و قد تنشأ عن ذلك خسائر كبرى في أهل الإيمان، و ربما يؤدي ذلك إلى إطالة أمد هيمنة حالة البغي و الاستكبار، و الظلم و التعدي على المستضعفين من النساء و الرجال، و الصبيان بصورة عامة.

و قد يعترض على ذلك: بأنه قد كان بإمكانهم أن يفتشوها تفتيشا دقيقا، و يأخذوا منها الكتاب، و لا تصل النوبة إلى القتل. .

و لكننا قلنا: إن الإصرار على حرب اللّه و رسوله، و إطفاء نور اللّه هو

الذي جعلها تستحق القتل. .

و أما الكتاب فإن التفتيش عنه لا يكفي لحسم مادة الخطر فيه، إلا إذا كان العثور عليه حتميا، و ليس الأمر كذلك إذ هي قد تتمكن من إخفائه تحت حجر، أو مدر، أو بين أغصان الشجر، أو نحو ذلك. . ثم إنها بعد إطلاق سراحها تعود إليه، او تدل عليه من يأخذه و يوصله إلى من يتلهف عليه، و يتشوق إليه.

و لسنا بحاجة إلى التذكر: بأن هذه الإحتياطات من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا تعني أن جهة مسيره قد عرفت، بل هي تعني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يرضى بتعريف قريش و غيرها من أعدائه بأصل خروجه من المدينة على هيئة الحرب، فإن ذلك يجعل الأعداء يحذرون لاحتمال أن يكونوا هم الذين يقصدهم.

كما أن نفس وجود أناس يوصلون للمشركين أخبار المسلمين مرفوض، حتى لو كانت تلك الخبار غير دقيقة أو خاطئة من أساسها.

ردها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ثم إن ما ورد في بعض النصوص: من أنه «عليه السلام» قد رد حاملة الكتاب إلى رسول اللّه، لا يتلاءم مع أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأخذ الكتاب منها، ثم إطلاق سراحها.

إلا أن يقال: إنه قد يكون هناك خطأ في الكتابة، فأراد الكاتب أن يكتب {ردّه} {أي الكتاب} إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكتب ردها.

غير أننا نقول:

إنه يحتمل أن يكون «عليه السلام» قد ردها، لكي يمنعها من الوصول إلى مكة قبل حركة الجيش إليها، لكي لا تخبر أهل مكة شفاها بما رأته من اعداد و استعداد، كانت تحتمل أو تظن أنه لغزوهم.

فيكون المراد بإطلاق سراحها عدم المبادرة إلى قتلها، أو ضربها، أو سجنها، لأن المطلوب هو مجرد تعطيل حركتها إلى مكة برهة يسيرة، يزول فيها الداعي إلى هذا التعطيل.

حاطب يلتفت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله ليرقّ له:

و قد صرحت الرواية عن الشيخ المفيد، و غيره: بأن حاطبا صار يلتفت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليرق له. . و ذلك حين كانوا يدفعون في ظهره حتى أخرجوه من المسجد. .

فحاطب إذن لم يكن لديه أي أمل بغير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو حتى حين ظهرت خيانته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، لم يكن يتوقع النصر من قريب رحيم، و لا من صديق حميم، و لا من حليف جديد و لا قديم.

و هذا يؤكد على: أن ثمة صورة جليلة و جميلة قد انطبعت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفسه و في نفس كل من عرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن قرب، و استقرت في عمق وجدانه، و هي صورة قد ظهرت معالمها في آيات قرآنية كريمة، في أكثر من مناسبة، و من ذلك قوله تعالى: لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1).

و هذا من أروع الأمثلة على طبيعة العلاقة بين القائد و رعيته، حيث يبلغ الأمر في صفائها و نقائها، و سلامتها و صدقها حدا تكون وسيلة المجرم و المسيء، و شافعه إليه، هو نفس ذلك الذي كانت الإساءة إليه، و وقعت الجريمة عليه. .

قيمة العفو. . و الاستغفار:

و تتجلى له قيمة الإستغفار، و ينعم بالعفو الرحيم من النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و يأتيه ما أمّل، و يهب النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لحاطب بن أبي بلتعة جرمه، رغم خطورته، و يجعل قيمة هذا العفو: أن يستغفر حاطب ربه، و أن لا يعود لمثل ما فعل.

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يفرض عليه غرامة، و لا مارس في حقه تعزيرا، و لا وجه إليه أية كلمة إهانة، و لا أمر بالتضييق عليه في سجن، و لا في غيره، كما أنه لم يفرض عليه الإقامة في بلد بعينه، و لا حد من حرية حركته، و لا منع الآخرين من التعاطي معه، و لا. . و لا. .

بل أراد أن لا تزيد عقوبته على إخراجه من المسجد و هي عقوبة تكاد تكون رمزية، من حيث إنها تعبر عن إبعاد محدود عن ساحة الرضا، ما دام أن ما فعله حاطب كان سيؤدي إلى الإضرار بأهل الإيمان. و هو قد ميّز نفسه عنهم، و أراد أن يكون هو في معزل عن أجوائهم، و لا يريد أن يناله ما


1) الآية 128 من سورة التوبة.

ينالهم. لقد أرادها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عقوبة إصلاحية تربوية، مضمونها ترميم علاقته باللّه، بالتوبة و الاستغفار، باعتبار أن الجرأة إنما كانت عليه تبارك و تعالى. .

فإذا استطاع أن يصلح سريرته، و أن يرضي ربه، فإنه يكون قد بلغ الغاية التي يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبلغه إياها.

عذر حاطب:

و عن اعتذار حاطب عما صدر منه نقول: إنه أراد أن يتخذ بما صنعه يدا لدى أهل مكة ليحفظ بذلك أهله، إذ ليس له عشيرة تمنعه. .

و لم يناقشه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا اعترض عليه أحد من المسلمين في ذلك. . لكن هذا الانصراف عن المناقشة لا يعني أنه منطق سليم و مقبول. . بل هو انصراف إرفاقي بالدرجة الأولى، فلاحظ ما يلي:

1-إن وجود أهله في مكة لا يحتم عليه القيام بعمل خياني، يلحق الضرر بالكيان الإسلامي كله، و يوجب إفساد التدبير النبوي، و إضعاف هيبته «صلى اللّه عليه و آله» لدى الأعداء، و فتح أبواب التجريح و التشكيك لأهل النفاق، و لا يجوز لأحد في أي ظرف كان أن يمكنهم من إثارة الشكوك بسلامة المسيرة، و في حسن السياسة، و صواب الرأي النبوي الشريف.

2-إن الضرر إذا توجه لإنسان مّا، فإن بإمكانه أن يدفعه عن نفسه، و لكن ليس له أن يقذف به على غيره، فلو أراد أسد أن يدخل بيتا و يفترس شخصا، فإن بإمكانه أن يتحرز منه بالطريقة التي تدفعه عنه. و ليس له أن يدخله بيت جاره، ليكون جاره هو الضحية. .

3-لقد كان هناك الكثيرون من الضعفاء الذين لم يكن لهم عشائر تمنعهم، و قد تعرضوا للعذاب على يد فراعنة قريش حتى قتل بعضهم، و منهم آل ياسر، و لم يجوّز لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا خطر في بالهم أن يحملوا جلاديهم على التوجه بالعذاب إلى غيرهم من المؤمنين. .

4-من الذي قال: إن قريشا كانت تنوي إلحاق الأذى بأهل حاطب فإن ذلك مجرد و هم وقع فيه حاطب، رغم أنه و هم علّق حصوله على أمر تقديري افتراضي، و هو أن تكون لقريش الدائرة على المسلمين، و ليس ثمة ما يشير إلى حصول أمر من هذا القبيل، بل الدلائل تشير إلى عكس ذلك تماما.

و حتى لو حصل ذلك، فإن حاطبا لا يستطيع أن يجزم بتعرض أحد من أهله لأي سوء.

5-ألم يفكر حاطب في أن ما فعله سوف يؤدي إلى زيادة القتل في صفوف أهل الإيمان؟ فكيف فرط بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بكل أهل الإيمان من أجل حفظ بعض أهله ممن هم على الشرك بحسب الظاهر؟ !

و حتى لو كانوا مسلمين، فإن إلحاق الأذي بهم يبقى في دائرة الاحتمال، بينما هو يقدم لقريش معلومات من شأنها أن تمكنها من أن تلحق الخسائر بالمسلمين بصورة قطعية و يقينية.

للنبي صلّى اللّه عليه و آله أن يعفو عن حاطب:

إننا لسنا بحاجة إلى الاستدلال على مشروعية العفو عن حاطب بأي دليل، بل نحن نستدل على ذلك بنفس العفو الذي صدر عن النبي «صلى

اللّه عليه و آله» في حق هذا الرجل. . فمنه «صلى اللّه عليه و آله» التشريع، و إليه يرجع في معرفة الأحكام، و قوله و فعله و تقريره «صلى اللّه عليه و آله» حجة و دليل ما بعده دليل. .

غير أن البعض قد يتساءل عن إمكان العفو عن حاطب في حين أن جرمه يرتبط بأشخاص آخرين و هم المسلمون، و أهل الإيمان. .

و الجواب:

أولا: إن جرم حاطب يرتبط أولا و بالذات بالسياسة النبوية العامة، و بقرار الحرب و السلم، و لا يرتبط بحق شخصي لأحد من الناس. .

ثانيا: لو فرضنا: أن جرمه يرتبط بحق شخصي لبعض الأفراد، فإن اللّه تعالى قد جعل الولاية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الناس كلهم، فقال: اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. . (1).

عمر: مرني بقتله:

قد ذكرت في العديد من الموارد في تاريخ الإسلام، و فيها هذا المورد بالذات: أنه قد كان من عادة عمر بن الخطاب أن يصدر حكمه على الأشخاص، ثم يطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأمره بتنفيذه. .

فكم من مرة ينبري فيها ليقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعني أقتله يا رسول اللّه. .

و اللافت هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستجب له و لو لمرة واحدة في كل تلك المناسبات الكثيرة. . الأمر الذي يعني كثرة خطأ هذا


1) الآية 6 من سورة الأحزاب.

الرجل في معرفة الحكم الشرعي، أو في معرفة المصلحة في الشأن العام، في حين أن هذه الأمور تمس حياة الناس و مصيرهم.

و هذا يجعلنا نتساءل عن حاله بعد توليه الخلافة لأكثر من عقد من الزمن: كم أخطأ في أحكامه التي كان يصدرها، و لم يصب الحكم الشرعي فيها، أو أنه لم يصب وجه المصلحة في الشأن العام؟ !

لا ندري! !

و لعل الفطن الذكي يدري! !

منقبة عظيمة لحاطب:

قال الحلبي: «. . و في قوله: عدوي و عدوكم منقبة عظيمة لحاطب. . بأن في ذلك الشهادة له بالإيمان» (1).

غير أننا نقول:

أولا: إن اللّه سبحانه قد خاطب من أظهر الإسلام في زمن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ. . (2).

ثانيا: إنه لا مانع من أن يعود الذي آمن إلى الكفر، كما هو الحال في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و طليحة بن خويلد، و غيرهما. .

و قد صرح القرآن الكريم بذلك أيضا، فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدٰادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اَللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ (3).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و {ط دار المعرفة} ص 13.

2) الآية 136 من سورة النساء.

3) الآية 137 من سورة النساء.

و قال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ (1).

ثالثا: قد صرح القرآن الكريم بأن من يتولى اليهود و النصارى فهو منهم، قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسٰارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىٰ أَنْ تُصِيبَنٰا دٰائِرَةٌ فَعَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نٰادِمِينَ (2).

و هذا تقريبا هو نفس حال حاطب، و هو نفس ما اعتذر به، فراجع الكلمات المنقولة عنه فيما تقدم. .

رابعا: إن نفس الآية أو الآيات في سورة الممتحنة، و التي ذكروا أنها نزلت في حاطب، قد صرحت: بأن من يفعل فعل حاطب فقد ضل سواء السبيل. . ثم تواصل الآيات الشريفة بياناتها، و تضرب الأمثال المبينة لكيفيات التعامل مع الكفار، لتختم بالقول: . . وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ (3).

خامسا: إن مما يدل على أن حاطبا قد ارتكب جرما: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بإخراجه، و لم يمنع الناس من التعامل معه بخشونة، حيث صاروا يدفعونه في ظهره حتى أخرجوه، و هو يلتفت إلى النبي «صلى


1) الآية 54 من سورة المائدة.

2) الآيتان 51 و 52 من سورة المائدة.

3) الآية 9 من سورة الممتحنة.

اللّه عليه و آله» ليرق له. .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح بسوء فعل حاطب، و بجرمه، حين قال له: «قد عفوت عنك، و عن جرمك، فاستغفر ربك، و لا تعد لمثل ما جنيت. .» .

فلماذا يحرص الحلبي على اعتبار هذا الجرم فضيلة لحاطب لمجرد كون الخطاب في الآية الكريمة قد وجه إلى المؤمنين؟ !

سادسا: إن الآية إنما جاءت على سبيل الإرشاد للمسلمين إلى سوء هذا الفعل، و تحذيرهم من الوقوع فيه. . مع غض النظر عن الأحكام التي تنشأ عنه، فلو أن أحدا تعمد الوقوع فيه، فالآيات لم تبين حال هذا الشخص، و أنه هل يبقى على حال الإيمان، أو أنه يكفر بذلك.

لعل اللّه اطلع على أهل بدر! ! :

و أما قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقد جاء ردا على عمر بن الخطاب، و ردعا له عن أن يقول شيئا بغير علم. أي أن مضمون هذه الكلمة صحيح في نفسه، إذ لم يكن يحق لعمر أن يخبر عما في الضمائر، و ما تكنّه السرائر.

و لكن ذلك لا يعني أن ذلك قد حصل فعلا، فإن صدق الشرطية لا يلزم منه صدق وقوع طرفيها. .

و لكن أهل الحقد و الشنآن قد حاولوا أن يستفيدوا من هذه الكلمة في اتجاهين:

أحدهما: ادّعاء تحقق المغفرة لأهل بدر فعلا، و أن كل ما صدر و يصدر

منهم مغفور لهم، مع أن هذه الكلمة لا تفيد ذلك. . و ذلك للأمرين التاليين:

أولا: لما ذكرناه آنفا من أن المقصود: هو نفي أن يكون عمر قد اطّلع على الغيب، و علم بما أجراه اللّه لأهل بدر، و مارسه في حقهم. فلعله قد غفر لهم صغائر ذنوبهم، مكافأة لهم على جهادهم و تضحياتهم. .

و لعل هذا الذنب من حاطب لم يكن من الكبائر، بسبب قصوره عن فهم حقيقة الأمور، و توهمه أن ذلك لا يخل بإيمانه، و لا يضر بالمسلمين. و لذلك صدقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «صدق لا تقولوا له إلا خيرا» .

و لكن صدقه هذا لا يعني أنه لم يكن مستحقا للعقوبة بسبب إقدامه على أمر معلوم السوء لدى كل أحد.

ثانيا: إن المراد بهذه الكلمة: هو أن يستأنفوا عمل الخير، و أن يزدادوا منه، فإن سيآتهم السابقة قد محيت. . و أصبح مصيرهم مرهونا بما يكون منهم في المستقبل. .

ثانيهما: إن أولئك الحاقدين قد اتخذوا ذلك ذريعة للطعن في أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقد روى البخاري في صحيحة، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن فلان، قال: تنازع أبو عبد الرحمن و حبان بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء، يعني عليا.

قال: ما هو؟ لا أبا لك.

قال: شيء سمعته يقوله.

قال: ما هو؟

قال: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الزبير، و أبا مرثد، و كلنا فارس.

قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج. قال أبو سلمة: هكذا قال أبو عوانة: حاج. فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها.

فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تسير على بعير لها، و كان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم. فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟

قالت: ما معي كتاب.

فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها، فما وجدنا شيئا، فقال صاحبي: ما نرى معها كتابا.

فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم حلف علي: و الذي يحلف به، لتخرجن الكتاب أو لأجردنك.

فأهوت إلى حجزتها و هي محتجزة بكساء، فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال عمر: يا رسول اللّه، قد خان اللّه، و رسوله، و المؤمنين، دعني فأضرب عنقه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟

قال: يا رسول اللّه، ما لي أن لا أكون مؤمنا باللّه و رسوله، و لكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي و مالي. و ليس من أصحابك

أحد إلا له هنالك من قومه من يدفع اللّه به عن أهله و ماله.

قال: صدق. لا تقولوا إلا خيرا.

قال: فعاد عمر، فقال: يا رسول اللّه، قد خان اللّه و رسوله و المؤمنين، دعني فلأضرب عنقه.

قال: أو ليس من أهل بدر؟ و ما يدريك لعل اللّه اطّلع عليهم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة.

فاغر و رقت عيناه، فقال: اللّه و رسوله أعلم

قال أبو عبد اللّه: «خاخ» أصح، و لكن كذلك قال أبو عوانة: حاج. و حاج تصحيف. و هو موضع. و هشيم يقول: خاخ.

و نقول:

إن لنا هنا وقفات هي التالية:

إصرار عمر لماذا؟ ! :

إن أول ما يستأثر بنظر القارئ الكريم في رواية البخاري المتقدمة، مبادرة عمر بن الخطاب إلى الحكم على حاطب باستحقاق القتل، و الطلب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يدعه يضرب عنقه، على اعتبار أنه قد خان اللّه و رسوله.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبال بكلام عمر، و وجه كلامه إلى حاطب، يسأله عن سبب إقدامه على ما أقدم عليه، فأجابه حاطب بما تقدم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : صدق، لا تقولوا إلا خيرا. . .

و لكن عمر بن الخطاب رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يجبه في المرة الأولى. و رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم بصدق حاطب. و رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم أن لا يقولوا إلا خيرا.

نعم، رغم ذلك كله يعود عمر فيقول: يا رسول اللّه، قد خان اللّه و رسوله، و المؤمنين، دعني فلأضرب عنقه. .

فجاءه الجواب الصريح و الواضح من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليخطّئه في تصرفه هذا، و قد شرحنا هذا الجواب فيما سبق.

الجرأة على الدماء:

و أما بالنسبة لما زعموه: من أن ما جرى في قصة حاطب هو الذي جرأ عليا «عليه السلام» على الدماء، فهو كلام باطل، من غر حاقد جاهل، إذ قد تناسى هؤلاء الحقائق التالية:

أولا: إن عليا «عليه السلام» لم يكن هو المبادر إلى الحرب، لا في حرب الجمل، و لا في صفين، و لا في النهروان، بل الناكثون هم المبادرون لشن حرب الجمل، بقيادة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، و معها طلحة و الزبير.

ثم شنها القاسطون بقيادة معاوية في حرب صفين. .

ثم كان خروج المارقين عليه في النهروان.

فهي حروب مفروضة و باغية على الخليفة الشرعي. و قد حاول «عليه السلام» إقناعهم بالعودة إلى الشرعية، و لزوم الطاعة، و لكن لا حياة لمن تنادي، وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ فَهُمْ لاٰ

يَهْتَدُونَ (1).

و صدق اللّه و رسوله حين أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» بأنه يقاتل بعده الناكثين، و القاسطين، و المارقين (2).


1) الآية 24 من سورة النمل.

2) راجع على سبيل المثال المصادر التالية: مجمع الزوائد ج 6 ص 235 و ج 7 ص 238 و ج 5 ص 186 و ج 9 ص 111 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 139، و تلخيص الذهبي بهامشه، و أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 297 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق {بتحقيق المحمودي} ج 3 ص 172 و 170 و 169 و 165 و 163 و 162 و 160 و 161 و 158 و 159 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 213 و 214 و تاريخ بغداد ج 13 ص 186 و ج 8 ص 340 و 341 و كنز العمال ج 11 ص 278 و راجع ص 287 و 318 و 343 و 344 و ج 15 ص 96 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 207 و 345 و ج 4 ص 221 و 462 و ج 18 ص 27 و ج 6 ص 130 و ج 13 ص 183 و 185 و ج 1 ص 201 و المناقب للخوارزمي ص 125 و 106 و 282 و البداية و النهاية ج 7 ص 206 و 207 و 305 و 304 و ج 6 ص 217 و فرائد السمطين ج 1 ص 332 و 285 و 283 و 282 و 281 و 280 و 279 و 150 و مروج الذهب ج 2 ص 404 و المحاسن و المساوئ ج 1 ص 68 و الغدير و ج 3 ص 192 و 194 و ج 1 ص 337 و ذخائر العقبى ص 110 عن الحاكمي و الرياض النضرة ج 3 ص 226 و كفاية الطالب ص 168 و 169 و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 451 و 435 و 437 و ج 4 ص 244 و لسان الميزان ج 2 ص 446 و ج 6 ص 206 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 126 و 174 و ينابيع المودة ص 104 و 128 و 81 و النهاية في اللغة ج 4 ص 185 و لسان العرب ج 2 ص 196 و ج 7 ص 378 و تاج العروس ج 1 ص 651 و ج 5 ص 206 و نظم درر السمطين ص 130 و أسد الغابة ج 4 ص 33 و الجمل ص 35 و الإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب ص 82 و إحقاق الحق ج 6 ص 37 و 59 و 79 و ج 5 ص 71 عن مصادر كثيرة تقدمت، و عن: تنزيه الشريعة المرفوعة ج 1 ص 387 و مفتاح النجا ص 68 مخطوط و أرجح المطالب ص 602 و 603 و 624 و موضح أوهام الجمع و التفريق ج 1 ص 386 و شرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 217 و مجمع بحار الأنوار ج 3 ص 143 و 195 و شرح ديوان أمير المؤمنين للمبيدي ص 209 مخطوط و الروض الأزهر ص 389.

ثانيا: إن أبا بكر قد قاتل الذين لم يعترفوا بخلافته، و لم يعطوه زكاة أموالهم، و قالوا: إنهم سوف يعطونها لفقرائهم (1).

و قد قتلهم رغم معارضة الصحابة له، بما فيهم عمر بن الخطاب (2).

و هو القائل: لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم أو لجاهدتهم على منعه (3).


1) راجع: المصنف للصنعاني ج 4 ص 43 و كنز العمال ج 6 ص 538.

2) مسند أحمد ج 1 ص 35 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 43 و ج 6 ص 67 و ج 10 ص 172 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 79 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 586 و أعيان الشيعة ج 6 ص 292 و الأحكام لابن العربي ج 1 ص 575 و ج 2 ص 416.

3) بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 2 ص 35 و صحيح مسلم باب 8 ج 1 ص 51 و {ط دار الفكر} ج 1 ص 38 و النص و الإجتهاد ص 109 عنه و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 153 و 209 و الدر المنثور ج 2 ص 292 و ج 3 ص 241 و تاريخ خليفة بن خياط ص 64 و رياض الصالحين للنووي ص 502 و المواقف للإيجي ج 3 ص 651 و نصب الراية ج 4 ص 225 و كنز العمال ج 5 ص 660 و 662 و 719 و ج 6 ص 527 و 531 و ج 12 ص 494 و فيض القدير ج 2 ص 239 و جامع البيان للطبري ج 24 ص 117 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 31 و 107 و تفسير الثعلبي ج 8 ص 286 و أحكام القرآن لابن عربي ج 2 ص 416 و 575 و مواقف الشيعة ج 1 ص 24 و كتاب المسند للشافعي ص 208 و صحيح البخاري ج 8 ص 141 و سنن أبي داود ج 1 ص 347 و سنن الترمذي ج 4 ص 117 و سنن النسائي ج 5 ص 15 و ج 7 ص 77 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 176 و ج 9 ص 182 و عمدة القاري ج 25 ص 30 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 44 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 8 و 280 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 69 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 451 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 109 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 213 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 388 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 111 و ج 7 ص 595 و 596 و راجع: مقارنة الأديان للدكتور أحمد الشلبي ص 286 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 434 و 437 و الشرح الكبير ج 2 ص 434 و 671 و نيل الأوطار ج 1 ص 366 و فقه السنة للسيد سابق ج 1 ص 334 و الإيضاح لابن شاذان ص 132 و شرح الأخبار ج 1 ص 364 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 120 و الطرائف لابن طاووس ص 436 و ذخائر العقبى ص 97 و الصوارم المهرقة للتستري ص 86 و 121 و البحار ج 10 ص 436 و ج 30 ص 351 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 299 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 165 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 134.

و قد جرى على مالك بن نويرة و قومه ما هو معروف، فقد قتلهم خالد بعد الأمان، و زنى بامرأة مالك في نفس ليلة قتله (1).


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 110 و وفيات الأعيان ج 6 ص 15 و قاموس الرجال ج 4 ص 146 و 147 عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 278 و 279 و {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 504 و الغدير ج 7 ص 159 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 204-206 و النص و الإجتهاد ص 119 و 123 و عن أسد الغابة ج 4 ص 295 و 296 و معجم البلدان ج 1 ص 455 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 354 و 355 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 73 و البحار ج 30 ص 476 و 477 و 491 و 493 و الثقات ج 2 ص 169 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 274 و عن الإصابة ج 2 ص 218 و ج 5 ص 560 و 561 و الإستغاثة ج 2 ص 6 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 42 و 43 و بيت الأحزان ص 104.

و قد أصر عمر على معاقبة خالد، و قال له: لأرجمنك بأحجارك (1). و لكن أبا بكر رفض ذلك، و أطلق كلمته المعروفة: «تأول فأخطأ» (2).


1) النص و الإجتهاد ص 125 و في هامشه عن: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 110 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158 و الإصابة ج 3 ص 336 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 280 و {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 504. و راجع: نسب قريش ص 301 و البحار ج 30 ص 477 و 492 و الغدير ج 7 ص 159 عن الطبري، و شرح النهج ج 17 ص 206 و أسد الغابة ج 4 ص 295 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 358 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 36 و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 355 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 240 و أعيان الشيعة ج 1 ص 432 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 43.

2) وفيات الأعيان ج 6 ص 15 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 158 و روضة المناظر لابن الشحنة {مطبوع بهامش الكامل في التاريخ} ج 7 ص 167 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 3 ص 49 و ج 2 ص 358 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 179 و تاريخ الأمم و الملوك {ط ليدن} ج 4 ص 1410 و {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 503 و البداية و النهاية ج 6 ص 323 و البحار ج 30 ص 492 و أسد الغابة ج 4 ص 295 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 239 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 359 و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 355 و الغدير ج 7 ص 160 عن تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158 و ص 161 عن تاريخ الخميس ج 2 ص 233 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 37 وفيات الوفيات ج 2 ص 243 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 239 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 665 و كنز العمال ج 5 ص 619 و تاريخ خليفة بن خياط ص 68 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 256 و الإصابة ج 5 ص 561.

لقد حصل كل هذا، رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ينص على خلافة أبي بكر، و لكنه نص على إمامة و خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام» من بعده، و بايعه الناس بأمره «صلى اللّه عليه و آله» في يوم الغدير. .

كما أن البيعة لأبي بكر قد اكتنفتها عقبات كبيرة، لم يستطع أبو بكر أن يتغلب عليها إلا بالهجوم على بيت فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، و ضربها، و إسقاط جنينها و. . و. . الخ. . ثم استشهدت متأثرة بما جرى عليها «صلوات اللّه و سلامه عليها» (1). و ذلك بعد استقدام عدة ألوف من حملة السلاح إلى المدينة، ليقاتلوا من يرفض البيعة لأبي بكر، و ليستخرجوا الناس من بيوتهم لحملهم على هذه البيعة جبرا و قهرا (2).

فما الذي جرأ أبا بكر على الدماء يا ترى؟ ! و لماذا لا يسجلون هذه الملاحظة عليه، فإنه أولى بها من علي «عليه السلام» ؟ !

ثالثا: إن كان تهديد علي «عليه السلام» لحاملة الرسالة بالقتل إن لم تظهر الرسالة جرأة على الدماء، كما يدّعيه هؤلاء السحرة، فإن المتجرئ على الدماء في الحقيقة-حسب منطقهم-هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، لأنه هو الذي أمرهم بقتلها إن لم تعطهم الرسالة. .


1) راجع كتابنا: مأساة الزهراء «عليها السلام» بمجلديه الأول و الثاني.

2) راجع كتابنا: مختصر مفيد ج 5 ص 62-67 تحت عنوان: «السقيفة إنقلاب مسلح» .

رابعا: لماذا لا يكون المتجرئ على الدماء هو عمر بن الخطاب نفسه، فإنه هو الذي قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : مرني بقتله، فإنه قد نافق. و قد طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» مثل هذا الطلب في العديد من المناسبات، و بالنسبة للعديد من الناس، كما أشرنا إليه فيما سبق.

الفصل السادس: على طريق مكة

اشارة

إستخلف على المدينة و خرج! ! :

قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (1).

و قيل: استخلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري (2).


1) البحار ج 21 ص 127 عن إعلام الورى {ط مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث} ج 1 ص 218 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 58.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 عن أحمد و الطبراني، عن ابن عباس. و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و مجمع الزوائد ج 6 ص 164 و صححه، و البحار ج 21 ص 102 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 9 و ج 19 ص 182 و الدرر لابن عبد البر ص 214 و تفسير البغوي ج 4 ص 538 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 42 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 231 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 527 و البداية و النهاية ج 4 ص 325 و 326 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 539 و 540 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و مسند أحمد ج 1 ص 226 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 859 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 539.

و يقال: ابن أم مكتوم. و به جزم الدمياطي (1).

و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الأربعاء بعد العصر، لعشر خلون من شهر رمضان، و نادى مناديه: «من أحب أن يصوم فليصم، و من أحب أن يفطر فليفطر» . و صام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2). فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل.

و خرج في المهاجرين و الأنصار، و طوائف من العرب، و قادوا الخيل، و امتطوا الإبل، و قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين (3).

و لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البيداء قال، فيما رواه محمد بن عمر عن أبي سعيد الخدري: «إني لأرى السحاب يستهل بنصر بني


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 عن ابن سعد و البلاذري، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 135 و المسترشد للطبري ص 128 و الطرائف لابن طاووس ص 233 و البحار ج 28 ص 169.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 15 و المغازي للواقدي ج 2 ص 801 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 355 و ج 13 ص 374 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 569 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 135.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 7 و المغازي للواقدي ج 2 ص 801 و تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 267 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 354.

كعب» (1).

و قدم «صلى اللّه عليه و آله» بمائة جريدة من خيل، تكون أمام المسلمين.

فلما كانوا بين العرج و الطلوب أتوا بعين من هوازن، فاستخبره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره أن هوازن تجمع له {و قد أجابتهم ثقيف، و قد بعثوا إلى الجرش-و هو مكان في اليمن-فعملوا الدبابات و المنجنيق} فقال: «حسبنا اللّه و نعم الوكيل» .

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد أن يحسبه، لئلا يذهب فيحذر الناس، و قد أسلم حين فتح مكة، ثم خرج مع المسلمين إلى هوازن، فقتل في أوطاس.

و لما بلغ «صلى اللّه عليه و آله» قديدا (2)لقيته سليم هناك، فعقد الألوية و الرايات، و دفعها إلى القبائل (3).

و نقول:

إن لنا بعض الملاحظات حول ما تقدم، نجملها فيما يلي:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و المغازي للواقدي ج 2 ص 801 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 267 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 374.

2) قديد: موضع قرب مكة. مراصد الإطلاع ج 3 ص 1070.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و المغازي للواقدي ج 2 ص 804-806 و 801 الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 135 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 385 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275.

عشرة آلاف مقاتل:

ثم إن هناك من يقول-كابن إسحاق-: إن من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف (1)، و نحو من أربع مائة فارس، و لم يتخلف من


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 65 و 214 و 256 و قال: رواه البخاري في صحيحه عن عروة، و إسحاق بن راهويه، من طريق آخر بسند صحيح عن ابن عباس. و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و البحار ج 21 ص 102 و 118 و 127 و 128 عن الخرايج و الجرايح، و إعلام الورى، و المغازي للواقدي ج 2 ص 801 و 815 و 822 و تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و 89. و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 139 و التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 231 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 244 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 535 و البداية و النهاية ج 4 ص 325 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 787 و ج 4 ص 859 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275 و العبر و تاريخ المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 272 و لسان الميزان ج 1 ص 115 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 324 و 539 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 162 و البحار ج 21 ص 102 و 118 و النص و الإجتهاد ص 183 و مسند أحمد ج 1 ص 226 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 43 و مجمع الزوائد ج 6 ص 164 و 165 و فتح الباري ج 7 ص 340 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 320 و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 10 و الدرر لابن عبد البر ص 214 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 259 و فيض القدير ج 3 ص 632 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و ج 10 ص 470 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 693 و تفسير الميزان ج 9 ص 231 و ج 18 ص 253 و ج 20 ص 380 و تفسير البغوي ج 1 ص 290 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 19 و ج 5 ص 138 و تفسير القرطبي ج 16 ص 261 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 172 و ج 5 ص 260و تفسير الآلوسي ج 26 ص 84.

المهاجرين و الأنصار عنه أحد (1).

و هناك من يقول: إنهم كانوا اثني عشر ألفا (2).

و جمع: بأن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم تلاحق الألفان (3).

و نقول:

قد يقال: إننا نشك في صحة كلا هذين الرقمين. . فإن المسلمين لم يكونوا قد بلغوا إلى الحد الذي يستطيعون معه ان يجهزوا هذا المقدار من الرجال للحرب، ثم يبقى في بلادهم من يحرسها، من غارة أهل الأطماع.


1) مجمع البيان ج 10 ص 555 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 470 و البحار ج 21 ص 102 و 127 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 693 و تفسير الميزان ج 20 ص 380 و تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، و عن إعلام الورى ج 1 ص 219 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 107 و راجع: تفسير البغوي ج 4 ص 538.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 عن عروة، و الزهري، و ابن عقبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و تفسير البحر المحيط ج 2 ص 437 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة محمد علي صبيح} ج 4 ص 891 و ج 5 ص 107 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 615 و عيون الأثر ج 2 ص 215 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 266 و تفسير الآلوسي ج 30 ص 256.

و يشير إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستطع أن يجهز لخيبر أكثر من ألف و خمسمائة مقاتل، ثم جهز لمؤتة-كما يقولون-ثلاثة آلاف. . مع أن تجهيز العشرة آلاف كان في مؤتة أيسر منه في فتح مكة، إلا إن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفر العرب من البلاد، فنفروا معه مسلمهم و كافرهم، لأنهم أيقنوا: أنه يريد الخير لهم، و أن في الخروج معه منافع تهمهم، خصوصا بعد أن ظهر ضعف قريش في تصدياتها له. .

فإذا نفر الناس من سائر القبائل معه، فإن من بقي منهم في البلاد لا يخشى منه، و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بالمنطقة و بمن يسكنها من القبائل. .

و لم يكن ليجرؤ أحد من أي قبيلة على مهاجمة المدينة إذا كان لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طائفة من تلك القبيلة تقاتل معه، إذ إن ذلك سوف يسهّل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» الظفر بمن يقوم بأي تحرك من هذا القبيل و معاقبته، لأن نفس أهل تلك القبيلة سيكونون أعوانا و أنصارا له على الخارجين عليه، حتى إذا كانوا من قبائلهم، فكيف إذا كانوا من غيرها.

يضاف إلى هذا كله: أنه لا بد أن يبقى في المدينة قوة قادرة على حمايتها من هجوم فئات صغيرة، لو فرض أن أحدا يجرؤ على القيام بشيء من ذلك.

تأويلات و تفاصيل:

و قد ذكروا هنا: بعض التفاصيل التي قد لا تملك من الدقة ما يكفي للاعتماد عليها، فقد قالوا:

أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان في عشرة آلاف. أي باعتبار من لحقه في الطريق من القبائل، كبني أسد، و سليم، و لم يتخلف عنه أحد من المهاجرين و الأنصار.

و كان المهاجرون سبع مائة، و معهم ثلاث مائة فرس.

و كانت الأنصار أربعة آلاف، و معهم خمس مائة فرس.

و كانت مزينة ألفا، و فيها مائة فرس و مائة درع.

و كانت أسلم أربع مائة، و معها ثلاثون فرسا.

و كانت جهينة ثمان مائة، و معها خمسون فرسا (1).

و عن ابن عباس: من بني سليم سبع مائة، و قيل: ألف. و من غفار أربع مائة، و من أسلم أربع مائة و من مزينة ألف و ثلاث مائة، و سائرهم من قريش و الأنصار، و حلفائهم، و طوائف من العرب، من بني تميم، و قيس، و أسد (2).

و نقول:

إن هذا يثير لدى الباحث أكثر من سؤال. فمتى صار المهاجرون سبع مائة؟


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 76 و {ط دار المعرفة} ص 13 و المغازي للواقدي ج 2 ص 800 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 354 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 89 عن شفا الغرام، و راجع: تفسير الثعالبي ج 10 ص 319 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 340 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 244 و البداية و النهاية ج 4 ص 354 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 877 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 587.

و كيف أصبح الأنصار أربعة آلاف؟ في حين أنه لم يستطع أن يجند منهم و من المهاجرين و ممن حولهم من الأعراب أكثر من ألف و خمس مائة مقاتل إلى ألف و ثمان مائة، فراجع: حرب خيبر و الحديبية و غيرهما. .

إلا إن كان سكان المدينة يتكاثرون كما يتكاثر بعض فصائل الحيوان؟

و لماذا كان من المهاجرين ثلاث مائة فرس، و هم سبع مائة رجل فقط، و كان من الأنصار خمس مائة فرس و هم أربعة آلاف؟

فهل كان المهاجرون أكثر مالا من الأنصار؟

و كيف حصلوا على هذه الثروات، و لم يحصل الأنصار على مثلها؟ ! و هم يعيشون في بلد واحد، و يجاهدون عدوهم معهم. مع كون المهاجرين قد قدموا إلى المدينة بدون أموال، حتى تكفل الأنصار بهم، و شاركوهم في أموالهم و بيوتهم؟ !

أم أن المهاجرين كانوا مهتمين بأمر الجهاد أكثر من الأنصار؟ !

و يلاحظ: أن هذه النسبة من الأفراس مع المهاجرين قد بقيت متفوقة فيهم على جميع الفئات و القبائل الأخرى. . إذ لا مجال للمقايسة بينهم و بين جهينة، التي كانت ثمان مائة، و معها خمسون فرسا فقط. . و كانت أسلم أربع مائة، و معها ثلاثون فرسا فقط. . و كانت مزينة ألفا و فيها مائة فرس فقط. .

فما هذا التفاوت بين المهاجرين و كل هذه الفئات؟ !

ألا يشير ذلك إلى أن هذه كانت أرقاما سياسية، و ليست واقعية؟ !

لا يزال المقصد مجهولا:

و قالوا: لما نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العرج، و الناس لا

يدرون أين توجه «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى قريش، أو إلى هوازن، أو إلى ثقيف. فهم يحبون أن يعلموا.

فجلس في أصحابه بالعرج، و هو يتحدث، فقال: كعب بن مالك: آتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأعلم لكم علم وجهه.

فجاء كعب بن مالك فبرك بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ركبتيه، ثم قال:

قضينا من تهامة كل ريبو خيبر ثم أحمينا السيوفا

نسائلها و لو نطقت لقالتقواضبهن دوسا أو ثقيفا

فلست بحاضر إن لم تروهابساحة داركم منها ألوفا

فننتزع الخيام ببطن وجو نترك دوركم منها خلوفا

فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يزد على ذلك.

فجعل الناس يقولون: و اللّه ما بين لك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، ما ندري بمن يبدأ بقريش، أو ثقيف، أو هوازن؟ ! (1).

و كان عيينة بن حصن في أهله بنجد، فأتاه الخبر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد وجها، و قد تجمعت العرب إليه، فخرج في نفر من قومه حتى قدم المدينة، فوجد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرج قبله بيومين. . فسلك يسأل عن مسيره، فبلغ إلى العرج، ثم وصل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعده إلى هناك. .

فقال عيينة: يا رسول اللّه، بلغني خروجك، و من يجتمع إليك، فأقبلت


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 802 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 375.

سريعا و لم أشعر، فأجمع قومي، فيكون لنا جلبة كثيرة. و لست أرى هيأة الحرب، و لا أرى ألوية و لا رايات! فالعمرة تريد؟ فلا أرى هيأة الإحرام! فأين وجهك يا رسول اللّه؟ !

قال: حيث يشاء اللّه.

و ذهب و سار معه. و وجد الأقرع بن حابس بالسقيا في عشرة من قومه. فساروا معه، فلما نزل قديدا عقد الألوية، و جعل الرايات.

فلما رأى عيينة القبائل تأخذ الرايات و الألوية عض على أنامله، فقال أبو بكر: علام تندم؟

قال: على قومي ألا يكونوا نفروا مع محمد. فأين يريد محمد يا أبا بكر؟

قال: حيث يشاء اللّه.

فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة يومئذ بين الأقرع و عيينة (1).

و ذكر الواقدي: أنه لما نزل «صلى اللّه عليه و آله» قديدا لقيته سليم، و هم تسعمائة على الخيول جميعا، مع كل رجل منهم رمحه و سلاحه.

و يقال: إنهم ألف (2).

فقالت سليم: يا رسول اللّه، إنك تقصينا، و تستغشّنا، و نحن أخوالك- أم هاشم بن عبد مناف، عاتكة بنت مرة، بن هلال، بن فالح، بن ذكوان، من بني سليم-فقدمنا يا رسول اللّه حتى تنظر كيف بلاؤنا، فإنّا صبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، فرسان على متون الخيل.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 803 و 804.

2) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 358.

قال: و معهم لواءان و خمس رايات، و الرايات سود.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : سيروا! فجعلهم في مقدمته.

و كان خالد بن الوليد مقدمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين لقيته بنو سليم بقديد، حتى نزلوا مر الظهران و بنو سليم معه.

و يقال: إنهم قد طووا ألويتهم، و راياتهم، و ليس معهم لواء و لا راية معقودة.

فقالوا: يا رسول اللّه، اعقد لنا وضع رايتنا حيث رأيت.

فقال: يحمل رايتكم اليوم من كان يحملها في الجاهلية!

و نادى عيينة بن حصن، فقال: أنا عيينة، هذه بنو سليم قد حضرت بما ترى من العدّة و العدد و السلاح، و إنّهم لأحلاس الخيل، و رجال الحرب، و رماة الحدق.

فقال العباس بن مرداس: أقصر أيها الرجل، فو اللّه إنك لتعلم أنّا أفرس على متون الخيل، و أطعن بالقنا، و أضرب بالمشرفية منك و من قومك، فقال عيينة: كذبت و لؤمت، نحن أولى بما ذكر منك، قد عرفته لنا العرب قاطبة.

فأومأ إليهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيده حتى سكتا.

و نقول:

إن علينا أن نشير هنا إلى الأمور التالية:

توضيح عن المقدمة:

قد يتوهّم: أن النص المتقدم قد ذكر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد

جعل بني سليم في مقدمته، مع أنهم يقولون: إن الذي كان على المقدمة إلى أن دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة هو خالد بن الوليد، و هذا لا يتلاءم مع ذاك.

و يزول هذا التوهم بالكامل في النص المذكور آنفا، حيث قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل بني سليم في مقدمته، أي أنه قد ضمهم إلى الرجال الذين كانوا بقيادة خالد، فصار خالد أميرا على المجموع، و بما أنه كان لكل قبيلة حامل لوائها، فقد حمله عيينة بن حصن.

إلى أين يا رسول اللّه؟ ! :

إن الإنسان مهما كان دينه، و أيّا كانت ميوله ليقف خاشعا أمام عظمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مبهورا و عاجزا عن إدراك دقة تدبيره، مذعنا لصوابية كل حركة و كل سكون، و كل لفتة، و إشارة و. . و. .

و بديهي: أن الناس إذا أدركوا أن ثمة حرصا على إخفاء شيء، فإنهم يجهدون لاستكناه حقيقته، و الوقوف على واقعه، و استشراف دقائقه و تفاصيله.

فإذا كانت ألوف من الناس تلاحق هذا الأمر، و تبحث عنه، و تريد كشفه، و الوقوف على كنهه بكل حرص و اندفاع.

و إذا كان هذا الأمر يعنيهم كلهم أفرادا و جماعات.

و إذا كان يفترض فيهم هم أن يشاركوا في صنع نفس هذا الحدث. .

و إذا كانت قد بدأت بعض التسريبات تظهر منذ اللحظة الأولى التي تفوّه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فيها بأنه يريد سفرا، حيث قال لعائشة: «جهزينا، و أخفي أمرك» .

ثم جرى بين عائشة و أبيها، ثم بين أبي بكر و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما قدمناه فيما سبق.

و إذا كانت هذه التسريبات قد دعت النبي بدأ إلى التحفظ على مسالك المدينة في سهولها و جبالها، و وضع الحرس عليها، و ضبطها.

و إذا كانت الاحتمالات و التكهنات بدأت تؤتي ثمارها على شكل رسائل تحذير لقريش، حيث تجلى ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعة.

و إذا كانت قصة حاطب قد انتهت على ذلك النحو المثير لكل الناس الذين حضروا و شاهدوا أو سمعوا بما جرى، حيث نودي بالناس: «الصلاة جامعة» ، فاجتمعوا في المسجد، ثم كان ما كان. .

و إذا كان عشرة آلاف مقاتل قد بدأوا يتحركون باتجاه المقصد. .

و إذا كانوا قد ساروا أياما و ليالي عديدة نحوه. .

فإننا لا بد أن نتوقع: أن الأمور قد اتضحت لكل أحد، و أسفر الصبح لذي عينين. .

و لكن المفاجأة الهائلة و العظيمة هي: أن تسير هذه الألوف المؤلفة على هيأتها و وفق ما هو مرسوم في تدبير الجيوش، و في كيفية سيرها نحو العدو، حيث الطلائع تقدم، تبث الأرصاد. . و تؤخذ عيون العدو، و يستفاد من المعلومات التي لديها، ثم يحتفظ بهم للوقت المناسب. .

إن المفاجأة هي: أن هذا الجيش يسير باتجاه مقصده، و يصل إلى قديد {و هي قرية جامعة قريب مكة} (1)، و لا يزال يجهل الجهة التي يقصدها،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 281 و معجم البلدان ج 4 ص 313 و راجع: عمدة القاري ج 9 ص 287 ج 17 ص 276 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 242 و عون المعبود ج 10 ص 144 و تنوير الحوالك ص 342 و فتح الباري ج 3 ص 399.

و الفئة التي سيناجزها القتال.

رغم أن محاولات بذلت في السقيا لاستنطاق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكنها تبوء بالفشل. .

فهل يمكن أن نضع هذا الإنجاز في مجال الاستطلاع و الحفاظ على السرية إلا في عداد المعجزات، و خوارق العادات، التي لا يقدر عليها إلا نبي، أو وصي نبي؟ !

لا بد من جواب:

و يبقى أن نشير إلى أن كل هذا الذي ذكرناه لا يعفينا من الإجابة على سؤال: كيف لنا أن نتصور جمعا يزيد على عشرة آلاف مقاتل، يجتمعون من مختلف البلاد و القبائل، و يسيرون أياما و ليالي إلى أن يصلوا إلى قديد، ثم لا يعرفون مقصدهم، و يستمر جهلهم بوجهة سيرهم، و بحقيقة العدو الذي يقصدونه. .

و يمكن أن نجيب على ذلك: بأن بعض النصوص المتقدمة قد صرحت: بأن الناس كانوا متحيرين بين ثلاثة احتمالات، هي: مكة، و ثقيف، و هوازن.

و هذه الخيارات كلها تحتاج لمثل هذا الجمع العظيم من المقاتلين. كما أنها كلها تقع في منطقة واحدة، و في أمكنة متقاربة، و الطريق من المدينة إليها هي نفس هذه الطريق التي سلكها «صلى اللّه عليه و آله» إلى قديد. و إنما

تتميز الطرقات إلى تلك المناطق بدءا من سرف، التي كانت تبعد عن مكة أميالا يسيرة (1).

و ربما يكون من أسباب تعزيز احتمال أن يكون القصد إلى هوازن، و صرف نظر الناس عن مكة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ عينا لهوازن، فأقر له أنهم يجمعون الجموع لحربه؛ فيأمر خالدا بحبس ذلك العين، خوفا من أن يذهب و يحذّر الناس (2).

حيث يشاء اللّه:

و قد أظهرت قضية كعب بن مالك، و توسله بالشعر في محاولة معرفة الوجه الذي يريده النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سفره ذاك أظهرت مدى اهتمام الناس بمعرفة هذا الأمر. . رغم أن كعبا لم يفلح في استخراج السر من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

و الذي زاد في حيرتهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرج بهذه الألوف على هيئة الحرب، فهو لم يعقد ألوية، و لا رفع رايات، و لا رتب هذا الجيش العرمرم ترتيبا قتاليا. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 805 و مجمع البحرين ج 2 ص 365 و معجم ما استعجم ج 3 ص 957 و عمدة القاري ج 14 ص 291 و شرح إحقاق الحق ج 32 ص 441 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 558 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 492 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 362 و لسان العرب ج 9 ص 150.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و المغازي للواقدي ج 2 ص 805 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 356 و ج 9 ص 234.

و لكنه كان يرسل الطلائع. . و يأخذ رصد هوازن الذي وجده في طريقه، و يستجوبه، ثم يأمر بحبسه، و لا يتركه يرجع إلى من وراءه لينذرهم به. .

و من جهة ثانية: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرج على هيئة من يريد العمرة، فلم يحرم و لم يسق البدن كما فعل في الحديبية، و عمرة القضاء. .

و هذا معناه: أنه لا يقصد مكة في مسيره ذاك. .

و يسأله عيينة بن حصن عن مقصده في مسيره، و يصرح له بحيرته في الأمر، فيجيبه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: حيث يشاء اللّه.

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» حتى حين بلغ قديدا، و عقد الرايات و الألوية، و عرف عيينة و غيره أن المهمة قتالية، و ليست شيئا آخر. . قد أبقاه في حيرة من أمره، فسأل أبا بكر: فأين يريد محمد يا أبا بكر؟ ! .

قال: حيث يشاء اللّه (1).

و هي إجابة واقعية، إذ لم يكن المسؤول بأعلم من السائل، فإن أبا بكر أيضا لم يكن يعلم بمقصد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لعل الناس قد بقوا على ترددهم حتى وصلوا إلى مر الظهران، و أخذوا أبا سفيان و من معه.

إستنفار العرب:

قد ذكرنا فيما سبق: أن الظاهر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفر العرب إلى مكة، مسلمهم و كافرهم. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 804.

و قد يمكن الإستشهاد على ذلك بالنص المتقدم الذي يقول: إن عيينة بن حصن قد سمع-و هو بنجد-: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد وجها، و قد تجمعت العرب إليه. .

فعبارة تجمعت العرب إليه، يشير إلى أن هذا التجمع قد شمل المسلم و غيره.

و لعل استنفار النبي «صلى اللّه عليه و آله» للعرب قد أفهمهم: أن ثمة أمرا خطيرا لا بد لهم من مواجهته، كذلك الذي جرى في غزوة مؤتة. .

و قد أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

و ربما يكون مجيء عيينة بن حصن بمجرد سماعه بالأمر شاهدا آخر على ذلك. .

سليم تريد الحظوة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ظهر من كلام بني سليم: أنهم كانوا يسعون لتكون لهم الحظوة عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يريدون الفوز بثقته من خلال أفعالهم و مواقفهم المؤثرة التي تشهد لهم بصحة ما يدّعونه.

و قد صرحوا في كلامهم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يستغشهم و يقصيهم، رغم أنهم أخواله، بسبب عاتكة بنت مرة، فإنها أم هاشم بن عبد مناف. .

و لا يمكن الأخذ بظاهر كلامهم هذا إلا بتقدير: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى في تصرفات بني سليم غشا يوجب الإقصاء و الحذر، فإن هذا هو مقتضى الحزم.

كما أنه لا بد من ملاحظة: أن هذا الإقصاء لم يتخذ أسلوب التنفير، المؤسس للكره، و للعقدة، بل كان إقصاء يدعوهم إلى مراجعة حساباتهم، و يزيد من رغبتهم في إصلاح أمرهم معه «صلى اللّه عليه و آله» . حتى إنهم لينفرون إليه حين يستنفر العرب، و هم مصممون على أن يزيلوا هذه الصبغة عن أنفسهم، بأفعالهم قبل أقوالهم. .

و قد أفسح لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المجال للوفاء بتعهداتهم، حيث جعلهم مقدمة له. . كما صرحت به الرواية.

و قد أظهروا بعضا من الأدب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين طووا ألويتهم، و طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعقدها لهم، و أن يضعها حيث يشاء. .

فجعل عليهم عيينة بن حصن كما تقدم. .

نخوة الجاهلية:

و لكن نخوة الجاهلية قد تحركت لدى عيينة و العباس بن مرداس حيث افتخر عيينة ببني سليم الذين فاز عيينة بتأمير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له عليهم، فلم يرق ذلك لعباس بن مرداس، فافتخر بقومه، و فضّلهم على بني سليم. .

فقال له عيينة: كذبت و لؤمت.

إلى أن تقول الرواية: فأومأ لهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى سكتا. .

فهذا الحدث يدل على أن هؤلاء الناس رغم أنهم قادة و رؤساء في قومهم، لم يكونوا يملكون الشيء الكثير من أدب الخطاب، أو من تقدير

الأمور، فهم لم يراعوا الأدب في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى بلغ الأمر بهم إلى التفوه بالشتائم. . دون أي مبرر معقول أو مقبول لكل ما جرى.

فلم يكن هناك مبرر لتفضيل عباس بن مرداس قومه على بني سليم، ، فإن عيينة و إن كان قد مدح قومه، و لكنه لم يفضلهم على أحد. .

كما أنه لم يكن يجوز لعيينة أن يشتم عباسا بحضرة رسول اللّه، تأدبا مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و تسليما لأمره. .

و لعل هذه الهفوات الصادرة من كلا الرجلين، كانت كافية لأمرهما بالسكوت، دون توجيه اللوم إلى أحد بعينه، فإن الخطأ قد صدر منهما معا، و عليهما معا أن يراجعا حساباتهما، ليجدا أنهما على غير سبيل هدى.

بيض النساء و أدم الإبل في بني مدلج:

و روى محمد بن عمر، عن يزيد بن أسلم، و أبي الحويرث: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما انتهى إلى قديد، قيل له: يا رسول اللّه، هل لك في بيض النساء، و أدم الإبل، بني مدلج؟ !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه عز و جل حرّمهن علي بصلة الرحم» .

و في لفظ: «ببر الوالد، و وكزهم في لبات الإبل» (1).

و نقول:

إن هذا الذي أشار إليه النص آنفا، لهو أمر في غاية الأهمية فيما يرتبط


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و المغازي للواقدي ج 2 ص 803 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 355 و ج 13 ص 375.

بسياسة الإسلام و مفاهيمه، فقد عرض عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يهاجم بني مدلج، تحت وطأة إغراء قوي في اتجاهين:

أحدهما: إغراء الجنس، ففي بني مدلج بيض النساء.

و الآخر: إغراء المال، لأن لدى بني مدلج أدم الإبل.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رفض ذلك، و لم يكن رفضا مبهما، و من دون توضيح، بل هو رفض معلل، يعطي قاعدة هامة فيما يرتبط بسياسة الإسلام تجاه الآخرين.

حيث قرر أن التشريع الإسلامي لا يبيح مهاجمة الآخرين بصورة عشوائية، و بلا ضابطة. بل ذلك له منطلقات و ضوابط أحكامية لا تجوز مخالفتها، و من يفعل ذلك يعرض نفسه للعقوبة الإلهية.

و هذه القاعدة هي: أن لأعمال العباد تأثيرا في اتخاذ أي موقف منهم. . فلا تجوز مهاجمة بني مدلج، حتى لو كانوا على الشرك، و في حالة عداء للمسلمين، لأن فيهم خصالا تمنع من ذلك، ذكرت الروايات منها:

أولا: أنهم يصلون رحمهم و يبرون آباءهم. .

الثاني: أنهم لا يقتلون الإبل كيفما اتفق، من أجل الاستفادة من لحمها، و إنما ينحرونها بالطريقة الصحيحة، وفق أحكام الشرائع التي بلغتهم، أي بالوكز في لباتها. .

و بعد ما تقدم نقول:

1-إنك تجد لمحة من الرقة، و الرفق، و الرحمة، و الشعور الإنساني ظاهرة في كلا هذين الأمرين. . و قد جاء الحكم الناشئ عن ذلك بعدم جواز مهاجمة هذا النوع من الناس منسجما مع خصوصية الرحمة و الرقة

و الرفق. . و مع ضرورة حفظ الإنسانية، و تنميتها، و إفساح المجال لها لتؤثر في مسار الحياة. .

2-و نحن في غنى عن التذكير: بأن للعمل الصالح و الملائم لمرتكزات الخلق و التكوين آثارا وضعية، و أخرى أحكامية في هذه الدنيا كما أظهرته هذه القضية نفسها، بل ربما تؤسس هذه الأعمال لحدوث تغيرات جذرية في حالات النفس، و في إدراكاتها، و تعطيها جرعة من الواقعية، تتمكن من خلالها من بلوغ الحق، و من الانصياع و البخوع له، الأمر الذي لا يتوفر للنفوس الأخرى، التي عزفت عن السير في هذا الاتجاه، و لم تتقبل هذه التوفيقات، و انتهى الأمر بها إلى أن تسير في طريق الجحود و الإنكار، عن سابق علم و تصميم و إصرار.

3-و في سياق آخر: لا بد لنا من التوقف قليلا عند هذا التوجيه التربوي النبوي لأهل الإيمان، الهادف إلى دفعهم نحو الالتزام بمبدأ الرحمة و الرقة و الرأفة، و صلة الرحم، و البر بالوالدين، و الالتزام بأحكام الشرائع، ليكون ذلك أساسا أخلاقيا و عمليا لنظرتهم للآخر، و للتعامل معه. .

4-يضاف إلى ذلك: أن من الطبيعي أن تنتاب أولئك الذين عرضوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفوز ببيض النساء، و أدم الإبل، صحوة تجعلهم يقارنون بين ما عرضوه عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بين ما أجابهم به، لكي يكتشفوا ما يصح أن يكون معيارا للحرب و السلم، و الإقدام، و الإحجام تجاه الذين يدينون بغير دين الإسلام، و يضعون أنفسهم في مواضع المناوئ له. .

5-و قد أظهرت هذه الحادثة: أن ثمة أمورا يحسبها الإنسان ثانوية،

و غير ذات قيمة، في حين أنها قد تصبح الأساس الذي يرتكز عليه أخطر قرار، و أهم موقف يرتبط بالمصير، و بالحياة كلها. .

و قد تجلى ذلك في التزام بني مدلج الوكز في لبات الإبل، وفقا لما قررته الشرائع في كيفية نحرها.

الرفق بالحيوان. . مسؤولية شرعية:

و لما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن العرج-و كان فيما بين العرج و الطلوب-نظر إلى كلبة تهر عن أولادها، و هن حولها يرضعنها، فأمر جميل {و الصحيح: جعيل} (1)بن سراقة: أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش، و لا لأولادها (2).

و نقول:

قد تحدثنا في جزء سابق من هذا الكتاب عن بعض ما يتصل بموضوع الرفق بالحيوان، و صدر لنا كتاب بعنوان: «حقوق الحيوان في الإسلام» و يمكننا أن نكتفي بما ذكرناه هناك عن إعادة الكلام عن ذلك هنا. .

غير أننا نود أن نذكر القارئ الكريم بما يلي:

1-إن علينا أن نرصد مشاعر هذا الجيش العرمرم، الذي اختلطت فيه الفئات، و الثقافات، و القبائل. و فيهم الحاضر و البادي، و الجاهل و العالم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 29 و المغازي للواقدي ج 2 ص 804 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 356 و ج 2 ص 225.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 و ج 7 ص 29 و المغازي للواقدي ج 2 ص 804 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 356 و ج 2 ص 225.

و الكبير و الصغير، و الغني و الفقير، و الرئيس و المرؤوس و. . و. . الخ. . و قد عاش هؤلاء و لا يزال كثير منهم يعيش حياة جاهلية بكل مفاهيمها، و حالاتها، و عاداتها، و بكل ما فيها من مآس، و كوارث، و قد تربوا على استحلال السلب و النهب، و الغارة، و قتل الرجال، و سحق الضعفاء من الرجال، و النساء، و الأطفال.

وهاهم، و هم الجناة الجفاة القساة، يواجهون قرارا حاسما و حازما لا بالتجاوز و إطلاق سراح البشر، بل بمراعاة حال البهائم، و حراستها من أن ينالها أي سوء أو أذى، أو حتى مجرد تكدير لصفاء أجوائها.

2-إن هذا الذي جرى لا بد من أن يفهمهم أيضا: أن ثمة أمورا يحسبها الإنسان صغيرة في حين أنها قد تكون على درجة كبيرة من الأهمية و الخطورة. .

3-إن هذا الذي يرونه يتجاوز موضوع الرحمة، و الرفق بالحيوان، ليكون دليلا على ثبوت حق، و أن ثمة مسؤولية تجاه هذه المخلوقات. . وفقا للحديث الشريف الذي يقول: «إنكم مسؤولون حتى عن البقاع و البهائم» (1).

4-إن على هؤلاء الناس الذين رأوا هذا الموقف أن يعودوا إلى أنفسهم، ليقارنوا بين قسوتهم على البشر، حتى الضعفاء، و بين الرحمة


1) نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 2 ص 80 و البحار ج 22 ص 9 و 41 و ج 65 ص 290 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 194 و أعيان الشيعة ج 1 ص 446 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 288 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 402 و تفسير الميزان ج 17 ص 142 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 457 و البداية و النهاية ج 7 ص 254.

و الرقة و المسؤولية التي أظهرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الحيوان، لتكون الرحمة هي الأساس الذي لا بد من أن يبنوا عليه علاقاتهم بالحيوان. .

و إذا كانت علاقاتهم بالحيوان لا بد من أن تصل إلى هذا الحد، فما بالك بعلاقاتهم ببني الإنسان.

5-لقد كان بإمكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يوقف الجيش، ثم يطلب إقصاء تلك الكلبة عن ذلك المكان، ليمر الجيش و تكون هي و أولادها منه في مأمن و سلام. .

و لكنه لم يفعل ذلك، لأن الذين سوف يعرفون سبب إيقاف الجيش، و يعاينون مبرراته عن قرب سيكونون قلة قليلة من الناس، و هو يريد إشاعة هذه السياسة، و تعريف أكبر قدر ممكن من الناس بها، فكان أن وضع لها حارسا يرشد الجيش إلى لزوم الابتعاد عنها، و لو باختيار مسار آخر. . ربما لأن إبعادها عن الطريق ليس بأولى من الابتعاد عن طريقها، و كلا الأمرين يرجعان إلى اختيار السالكين، و لا تكون حقوقها مرهونة بإرادات الناس، بل لا بد لإراداتهم من أن تنطلق و تتبلور على أساس المفروغية عن ثبوت تلك الحقوق و مراعاتها. .

6-لا بد لذلك الجيش من أن يدرك أن انشغال القائد بالقضايا الكبرى لا يبرر له تضييع ما عداها، ما لم يضر الاهتمام بها بالقضية الكبرى، إذ إن الأمر الصغير كبير في حد ذاته و في موقعه، و لا يغني عنه سواه، و لا يصح التخلي عنه إلا إذا تصادم مع ما هو أكبر و أخطر، بحيث يشكل خطورة عليه، كما هو ظاهر.

صيام النبي صلّى اللّه عليه و آله في السفر:

و روي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالعرج يصب الماء على رأسه من الحر و هو صائم» (1).

و عن جابر، عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرج من المدينة في غزوة الفتح في شهر رمضان يصوم و يصومون، حتى بلغ الكديد (2)، بين عسفان و قديد (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 212 عن مالك و الواقدي، و عن الحاكم في الإكليل و ج 8 ص 423 عن أحمد و أبي داود، و ص 426 عن مالك و الشافعي و أحمد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و المغازي للواقدي ج 2 ص 801 و 802 و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 287 و مسند أحمد ج 4 ص 63 و ج 5 ص 376 و راجع: كتاب الموطأ ج 1 ص 294 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 45 و فتح الباري ج 4 ص 133 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 298 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 374 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 47 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 207 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 45 و لسان الميزان لابن حجر ج 1 ص 377.

2) {الكديد} : قيل: بالفتح، و بالكسر، و آخره دال أخرى: موضع بالحجاز على اثنين و أربعين ميلا من مكة، بين عسفان و أمج. مراصد الإطلاع ج 3 ص 1152 و معجم البلدان ج 4 ص 442 و تاج العروس ج 5 ص 219 و راجع: فتح الباري {المقدمة} ص 174.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و تنوير الحوالك للسيوطي ص 281 و تلخيص الحبير ج 6 ص 427 و نيل الأوطار ج 4 ص 304 و الطرائف لابن طاووس ص 528 و تلخيص الحبير ج 6 ص 427 و تنوير الحوالك ص 281 و عوالي اللآلي ج 1 ص 203 و مسند أحمد ج 1 ص 334 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 14 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 537 و التنبيه و الإشراف ص 230 و تذكرة الحفاظ ج 4 ص 1214 و تفسير القرطبي ج 2 ص 299 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 216 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 373 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 241 و صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 2 ص 238 و ج 5 ص 90 و عمدة القاري ج 11 ص 46 و ج 17 ص 276 و في القاموس: الكديد ما بين الحرمين.

{و في رواية: بين عسفان و أمج (1). و في حديث جابر: كراع الغميم (2)} ،


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 79 و مسند أحمد ج 1 ص 266 و مجمع الزوائد ج 6 ص 165 و عمدة القاري ج 9 ص 234 و المعجم الكبير ج 8 ص 10 و الدرر لابن عبد البر ص 214 و جامع البيان للطبري ج 2 ص 202 و تفسير البغوي ج 4 ص 538 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 43 و معجم البلدان ج 4 ص 442 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 527 و البداية و النهاية ج 4 ص 325 و 326 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 859 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 539 و 540 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 65 و لسان العرب لابن منظور ج 2 ص 208 و تاج العروس ج 3 ص 288. و {أمج} بفتحتين، و الجيم: بلد من أعراض المدينة. مراصد الإطلاع ج 1 ص 115.

2) البحار ج 21 ص 127 عن إعلام الورى و المجموع للنووي ج 6 ص 264 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 34 و الشرح الكبير ج 3 ص 19 و المحلى ج 6 ص 253 و بداية المجتهد ج 1 ص 238 و نيل الأوطار ج 4 ص 306 و 308 و الطرائف ص 529 و اختلاف الحديث للشافعي ص 493 و صحيح مسلم ج 3 ص 141 و سنن الترمذي ج 2 ص 106 و سنن النسائي ج 4 ص 177 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 241 و 246 و عمدة القاري ج 11 ص 47 و مسند أبي داود ص 232 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 101 و مسند ابي يعلى ج 3 ص 400 و ج 4 ص 98 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 255 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 65 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 423 و ج 8 ص 318 و 319 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 390 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 301 و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 68 و ج 22 ص 52 و تفسير الثعلبي ج 2 ص 73 و تفسير السمعاني ج 1 ص 184 و تفسير البغوي ج 1 ص 153 و البداية و النهاية ج 4 ص 327 و 542 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و ج 8 ص 426 و نهج الحق للعلامة الحلي ص 442 و إحقاق الحق {الأصل} ص 383.

بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، و قيل له: إنما ينظرون فيما فعلت.

فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من لبن، أو ماء، و جزم جابر بأنه ماء، و كذا ابن عباس (1).

و في رواية: فوضعه على راحلته ليراه الناس، فشرب فأفطر، فناوله


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و ج 8 ص 428 و إحقاق الحق {الأصل} ص 383 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و راجع: صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 5 ص 90 و فتح الباري ج 4 ص 158 و صحيح مسلم ج 3 ص 141 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 255 و صحيح ابن حبان ج 8 ص 318 و 319 و نصب الراية ج 3 ص 27 و العهود المحمدية ص 716 و نيل الأوطار ج 4 ص 309 و 310 و الطرائف لابن طاووس ص 529 و عمدة القاري ج 17 ص 276 و المعجم الكبير ج 11 ص 274 و راجع: الكافي ج 4 ص 127 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 141 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 10 ص 176 و {ط دار الإسلامية} ج 7 ص 125 و الفصول المهمة ج 1 ص 691 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 293 و منتقى الجمان ج 2 ص 527 و نهج الحق و كشف الصدق ص 442.

رجلا إلى جنبه، فشرب فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» ، فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر (1).

و عن أبي سعيد الخدرى قال: سافرنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، و الفطر أقوى لكم» .

و كانت رخصة، فمنا من صام، و منا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، و الفطر أقوى لكم، فأفطروا» .

فكانت عزيمة، فأفطرنا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 426 و ج 5 ص 213 و في هامشه عن: مسلم من حديث ابن عباس 2/784{88/1113} و من حديث جابر أخرجه مسلم في الصيام 2/785{90/1114} و البخاري {4275} ، و الترمذي {710} و النسائي في الصيام باب {47} و الطيالسي كما في المنحة {912} و الطحاوي في معاني الآثار 2/65 و الشافعي في المسند {158} و البيهقي في الدلائل 5/25 و في السنن 4/241، و انظر التلخيص 2/203 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و المغازي للواقدي ج 2 ص 802 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 238 و عوالي اللآلي ج 1 ص 204 و راجع: شرح معاني الآثار ج 2 ص 64 و نيل الأوطار ج 4 ص 309 و 312 و الطرائف ص 528 و نهج الحق ص 442 و صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 5 ص 90 و عمدة القاري ج 17 ص 275 و نصب الراية ج 3 ص 28.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و في هامشه عن: مسلم 2/789{102/1120} و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 15 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 802 و تلخيص الحبير ج 6 ص 431 و صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 3 ص 144 و السنن الكبرى ج 4 ص 242 و فتح الباري ج 4 ص 160 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 328 و ج 5 ص 271 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 627 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 257 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 65 و مسند الشاميين ج 3 ص 130 و نيل الأوطار ج 4 ص 304 و فقه السنة لسيد سابق ج 1 ص 442 و سنن أبي داود ج 1 ص 538 و السنن الكبرى ج 4 ص 242.

أين أفطر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

و قد اختلفوا في الموضع الذي أفطر فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هل هو قديد؟ أو كديد؟ أو كراع الغميم؟ أو عسفان؟ (1).

قال الصالحي الشامي و غيره: «يجوز أن يكون قد وقع منه «صلى اللّه عليه و آله» الفعل في المواضع الأربعة، و الفطر في موضع منها، لكن لم يره جميع الناس فيه لكثرتهم، و كرره ليتساوى الناس في رؤية الفعل الخ. .» (2).

و قال الحلبي: «لا منافاة لتقارب الأمكنة» (3).

و نقول:

إن تقارب الأمكنة لا يجدي شيئا، فإنه إذا كان الفعل قد وقع منه «صلى اللّه عليه و آله» في كراع الغميم، فلماذا عدل الناقل عنها إلى عسفان، أو قديد، أو كديد؟

و إذا كان قد حصل ذلك في عسفان، فلماذا يذكر الراوي كراع الغميم، أو قديدا؟ !

و أما ما ذكروه من احتمال تكرر الفعل منه «صلى اللّه عليه و آله» ليراه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 267 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14.

الناس، فيحتاج إلى شاهد و قرينة تدل على هذا التعدد.

على أن ظاهر الروايات هو: أنها تتحدث عن فعل واحد صدر منه «صلى اللّه عليه و آله» بما له من خصوصيات و تفاصيل. .

حديث الصيام باطل من أصله:

و نظن أننا لن نفاجىء القارىء الكريم إذا قلنا: إن هذا الذي ذكروه عن أمر الصيام و الإفطار باطل من أساسه، فلاحظ ما يلي:

1-إن المسافة التي توجب القصر في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام» هي ثمانية فراسخ إمتدادية، أو ملفقة من الذهاب و الإياب.

و الفرسخ: ثلاثة أميال.

و المسافة بين المدينة و الأماكن التي يدّعى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أفطر فيها، هي أضعاف المقدار الذي يجب فيه القصر، وفق ما عليه أهل البيت «عليهم السلام» ، و أهل البيت أدرى بما فيه، و هم سفينة النجاة، و الثقل الذي أمر اللّه تعالى بالتمسك به مع القرآن. .

2-و المسافة الموجبة للقصر عند أهل السنة: المالكية، و الحنابلة، و الشوافع، هي: مسيرة يوم و ليلة، و قدروها بستة عشر فرسخا، التي هي حوالي اثنين و ثمانين كيلومترا أي ثمانية و أربعون ميلا.

و عند الحنفية هي: مسيرة ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة بدأ من الصباح إلى الزوال فقط.

و قدرها بعضهم: بأربعة و عشرين فرسخا (1).

و المسافة بين المدينة و المواضع التي زعموا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أفطر فيها: هي أضعاف هذه المسافة. .

3-تقدم أن الحلبي يقول: إن هذه المواضع المذكورة في الروايات متقاربة بحيث يصح ذكر بعضها مكان بعض.

و قد قلنا: إن ذلك لا يصح، إذ لا نجد مبررا لترك اسم الموضع الأصلي، و ذكر اسم الموضع المجاور له.

و لكننا نقول:

إن عسفان تبعد عن مكة ستة و ثلاثين ميلا فقط (2). . فهي على مسافة يومين من مكة (3).

و كديد: تبعد عن مكة اثنين و أربعين ميلا (4).


1) راجع: الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 472 و 473 و راجع: تذكرة الفقهاء {ط ج} ج 4 ص 371 و {ط ق} ج 1 ص 188 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 16 و زاد المسير ج 1 ص 168 و تفسير الرازي ج 5 ص 82.

2) مراصد الإطلاع ج 2 ص 940 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 230 و عمدة القاري ج 9 ص 203 و الديباج على مسلم ج 3 ص 215 و عون المعبود ج 4 ص 74.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1266 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 93 و كشاف القناع ج 1 ص 616.

4) مراصد الإطلاع ج 3 ص 1152 و معجم البلدان ج 4 ص 442 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 230 و فتح الباري {المقدمة} ص 174 و تارج العروس ج 5 ص 219.

و كراع الغميم: أمام عسفان بثمانية أميال (1).

و قد صرح أبو هريرة: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان بالعرج لا يزال صائما، و هي تبعد عن المدينة ثمانية و سبعين ميلا (2).

و قديد: موضع قرب مكة (3)، و بينها و بين ضجنان يوم (4).

و ضجنان: على بعد خمسة و عشرين ميلا من مكة (5).

و قيل: على بعد بريد منها (6).

و هذا معناه: أن ثمة مسافات طويلة فيما بين هذه الأمكنة، قد تصل إلى عشرة أو خمسة عشر كيلومترا. .

علما بأن هذه الأماكن التي تتحدث الروايات عنها تبعد عن المدينة مئات الكيلومترات، كما يظهر من ملاحظة ما ذكرناه. .


1) مراصد الإطلاع ج 3 ص 1153 و معجم البلدان ج 4 ص 443 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1279 و الديباج على مسلم ج 3 ص 216.

2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1264 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 15 و عمدة القاري ج 10 ص 177 و الديباج على مسلم ج 5 ص 274 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 77.

3) مراصد الإطلاع ج 3 ص 1070 و معجم البلدان ج 4 ص 313.

4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1257 و فتح الباري ج 2 ص 93 و في عمدة القاري ج 5 ص 146 و معجم ما استعجم: ليلة.

5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1257 و مراصد الإطلاع ج 2 ص 865 و معجم البلدان ج 3 ص 453.

6) مراصد الإطلاع ج 2 ص 865 و معجم البلدان ج 3 ص 453 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 480.

أي أن عسفان تبعد عن المدينة حوالي ثماني مراحل. أي بما يزيد عن ثلاث مائة كيلومتر، و كذلك الحال بالنسبة لكديد، فضلا عن كراع الغميم، و قديد.

فإذا لاحظنا النصوص في المصادر المختلفة، فسنجد: أن القادم من المدينة إلى مكة يمر بالعرج، ثم بالجحفة، ثم بكديد، ثم بعسفان.

و الجحفة أقرب إلى مكة منها إلى المدينة، فإنها تبعد عن مكة أربع مراحل و نصفا (1)، و تبعد عن المدينة خمس مراحل و ثلثي مرحلة (2).

و المرحلة هي في الحقيقة: مسيرة يوم (3).

و بعد عسفان تأتي كراع الغميم، ثم أمج. . و تأتي أخيرا قديدا، و ضجبان.

و ذلك كله يوضح لنا: أن كديدا و عسفان، و كراع الغميم، و قديد، تبعد عن المدينة أضعاف المسافة التي توجب الإفطار و قصر الصلاة، و ذلك ظاهر لا يخفى.

و الأخذ بهذه الروايات يقتضي طرح جميع الروايات الأخرى التي اعتمد عليها فقهاء المذاهب الأربعة فيما يرتبط بتقدير المسافة التي توجب


1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1174 و راجع: مراصد الإطلاع ج 1 ص 315 و معجم البلدان ج 3 ص 62 و {ط دار إحياء التراث العربي} ج 2 ص 111.

2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1174 و راجع: مراصد الإطلاع ج 1 ص 315 و معجم البلدان ج 3 ص 62 و {ط دار إحياء التراث العربي} ج 2 ص 111.

3) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 473 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 326 عن المصباح للفيومي.

الفطر و القصر، فضلا عن مخالفتها لما يقوله أهل بيت العصمة و الطهارة صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. .

حديث شق عليهم الصوم:

و عن الحديث الذي يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أفطر حين بلغه أن الصوم شق على الناس، نقول:

إننا نضيف إلى ما قدمناه ما يلي:

أولا: إن فطره «صلى اللّه عليه و آله» لأجل التخفيف على الناس غير مقبول؛ لأن الصوم إن كان مفروضا و واجبا، فلا يصح إفطار من لا يشق عليه الصوم لإغراء من شق عليه بالإفطار.

بل الواجب هو: إرشادهم إلى أن من بلغ مقدار المشقة عليه حدا يقتضي الإفطار، فعليه أن يفطر، و من لم تبلغ به المشقة هذا الحد، لم يجز له الإفطار. .

و إن كان الصوم ليس واجبا عليهم، فلا معنى لإناطة الإفطار بالمشقة. .

و المفروض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن الصوم شاقا عليه، فكيف جاز له أن يفطر؟ !

ثانيا: إن حديث مشقة الصوم لا ينسجم مع الحديث الآخر، الذي تحدث عن الرخصة تارة، و العزيمة أخرى. . لأن هذا الحديث يدل على أن السبب في أمره «صلى اللّه عليه و آله» لهم بالإفطار هو: أنه يريد أن يجد فيهم المزيد من القوة في مواجهة عدوهم.

إلا أن يقال: إن هذه الرواية لم تصرح بأن ذلك كان في غزوة الفتح.

و ليس فيها أيضا: أن صيامهم كان في شهر رمضان. .

فلعلها قصة أخرى، غير هذه. .

لا سيما و أنه لم تكن هناك حرب حقيقية في غزوة الفتح.

ثالثا: إن اعتبار الذين صاموا عصاة، يتوقف على أن يكون الصوم واجبا عليهم، فوجوب الإفطار يدور بين احتمالات:

الأول: أن تكون المسافة التي قطعت من موجبات الإفطار.

و قد تقدم بطلان هذا الاحتمال.

الثاني: أن يكون الصوم واجبا، لكن المشقة هي التي حتمت إفطارهم.

الثالث: أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حتّم عليهم الإفطار من موقع كونه أولى بهم من أنفسهم، لكي تظهر قوتهم للأعداء، التي هي بنظره أهم من مصلحة الصوم. فهم قد خالفوا أمره الولائي، و لم يخالفوا أمر اللّه تعالى لهم في صيام شهر رمضان المبارك.

الرابع: أن يكون وجوب الصوم قد كان بنذر و نحوه، و قد حل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نذرهم، من حيث إنه أولى بهم من أنفسهم. .

و كل هذا بعيد. . و الإعتماد على احتمالات كهذه غير سديد و لا رشيد.

الفصل السابع: هجرة العباس. . و إسلام ابن الحارث و ابن أبي سلمة

اشارة

إسلام العباس و هجرته:

و قدم العباس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعياله مسلما مهاجرا.

قال ابن هشام: لقيه بالجحفة (1).

و قيل: بذي الحليفة، و أرسل أهله و ثقله إلى المدينة، و رجع مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة (2).

و عند الواقدي: لقيه بالسقيا هو و مخرمة بن نوفل، فدخل العباس، فلم يخرج حتى رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و كان ينزل معه في كل منزل حتى دخل مكة (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و البحار ج 21 ص 118 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 357 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242 و الإستذكار ج 5 ص 151.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و البحار ج 21 ص 118 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 357 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 42 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 812 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 330 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 357 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275.

قال البلاذري: و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هجرتك يا عم آخر هجرة، كما أن نبوتي آخر نبوة» (1).

و لكننا نجد في مقابل ذلك من يقول عن العباس: «الصحيح: أنه منذ يوم بدر كان بالمدينة» (2).

و قالوا: إن العباس خرج يتلقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه أبو سفيان بن الحارث، و عبد اللّه بن أبي أمية، و قد تلقاه بثنية العقاب، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قبته، و على حرسه زياد بن أسيد، فاستقبلهم زياد، فقال: أما أنت يا أبا الفضل فامض إلى القبة، و أما أنتما فارجعا.

فمضى العباس حتى دخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسلم عليه، و قال: بأبي أنت و أمي، هذا ابن عمك قد جاء تائبا، و ابن عمتك.

قال: لا حاجة لي فيهما، إن ابن عمي انتهك عرضي، و أما ابن عمتي فهو الذي يقول بمكة: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً (3).

فلما خرج العباس كلمته أم سلمة، و قالت: بأبي أنت و أمي، ابن عمك قد جاء تائبا، لا يكون أشقى الناس بك، و أخي إبن عمتك و صهرك، فلا يكونن شقيا بك.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و {ط دار المعرفة} ص 15 و مواقف الشيعة ج 1 ص 171 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 5.

2) الخرايج و الجرايح ج 1 ص 162 و البحار ج 21 ص 118 عنه.

3) الآية 90 من سورة الإسراء.

و نادى أبو سفيان بن الحارث النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كن لنا كما قال العبد الصالح: لاٰ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ فدعاه و قبل منه، و دعا عبد اللّه بن أبي أمية، فقبل منه (1).

وساطة أم سلمة:

كان أبو سفيان بن الحارث أخا النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الرضاعة، أرضعته حليمة السعدية أياما، و كان لا يفارق النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل النبوة. و كان له تربا.

و كان عبد اللّه بن أبي أمية أخا لأم سلمة، و هو ابن عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كان هذان الرجلان من أكبر القائمين عليه، و من أشد الناس إذاية له «صلى اللّه عليه و آله» . فقدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنبق العقاب، أو بالأبواء، فالتمسا الدخول عليه «صلى اللّه عليه و آله» فأعرض عنهما.

فكلمته أم سلمة فيهما، و قالت له: لا يكون ابن عمك، و ابن عمتك أشقى الناس بك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا حاجة لي بهما.

أما ابن عمي، فهتك عرضي.

و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال» .

{أي أنه كان قد قال له: إنه لا يؤمن به إلا إذا عرج بسلم إلى السماء، و هو


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 178 و إعلام الورى ج 1 ص 219 و البحار ج 21 ص 127 و 128 عنه، و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 108.

ينظر إليه، ثم يأتيه بصك، و أربعة من الملائكة يشهدون له: أن اللّه أرسله (1)} .

فلما خرج الخبر، قال أبو سفيان: ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت جوعا و عطشا.

فلما بلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا عليه، و أسلما (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14 و المغازي للواقدي ج 2 ص 810 و 811 و سيرة ابن إسحاق ج 4 ص 180 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 193 و عيون الأثر ج 1 ص 141 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 481 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 340 و راجع: الكشاف للزمخشري ج 2 ص 466 و تفسير القمي ج 2 ص 27 و البحار ج 9 ص 222 و ج 18 ص 179 و التفسير الصافي ج 3 ص 217 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 226 و تفسير الرازي ج 21 ص 58 و تفسير القرطبي ج 10 ص 330 و تفسير البحر المحيط ج 6 ص 78 و الدر المنثور ج 4 ص 203 و تفسير أبي السعود ج 5 ص 195 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 171 و البداية و النهاية ج 3 ص 67 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و 408 و ج 10 ص 272 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 524.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و البحار ج 21 ص 102 و 103 و المغازي للواقدي ج 2 ص 810 و 811 و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 10 و تفسير الميزان ج 20 ص 380 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 329 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 243 و البداية و النهاية ج 4 ص 328 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و 408 و ج 10 ص 272 و السيرة النبوية ج 4 ص 860 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 544 و تاريخ الخميس ج 2 ص 80 عن ذخائر العقبى، و المواهب اللدنية، و أبي عمر.

و قيل: إن عليا «عليه السلام» قال لأبي سفيان: ائت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: . . تَاللّٰهِ لَقَدْ آثَرَكَ اَللّٰهُ عَلَيْنٰا وَ إِنْ كُنّٰا لَخٰاطِئِينَ ؛ فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يرضى بأن يكون أحد أحسن قولا منه، ففعل، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لاٰ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرّٰاحِمِينَ (1).

و كان أبو سفيان قد عادى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نحو عشرين سنة، يهجوه، و لم يتخلف عن قتاله (2).

و قال الواقدي: فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى فتح مكة استقبل عبد اللّه بن أبي أمية، فسلم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يرد عليه السلام، فأعرض عنه و لم يجبه بشيء.

و كانت أخته أم سلمة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، فدخل إليها فقال: يا أختي! إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل إسلام الناس كلهم ورد إسلامي، فليس يقبلني كما قبل غيري.

فلما دخل رسول اللّه صلى «صلى اللّه عليه و آله» على أم سلمة قالت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! سعد بك جميع الناس إلا أخي من بين قريش و العرب، رددت إسلامه، و قبلت إسلام الناس كلهم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا أم سلمة، إن أخاك كذّبني تكذيبا لم يكذبني أحد من الناس، هو الذي قال لي:


1) الآيتين 91 و 92 من سورة يوسف.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و {ط دار المعرفة} ص 14 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 356.

وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله: كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ (1).

قالت أم سلمة: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه ألم تقل: إن الإسلام يجب ما كان قبله؟

قال: نعم.

فقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إسلامه (2).

و لم يزل أبو سفيان عشرين سنة عدوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يهجو المسلمين و يهجونه، و لا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم إن اللّه ألقى في قلبه الإسلام.

قال أبو سفيان: فقلت من أصحب؟ ! و مع من أكون؟ ! قد ضرب الإسلام بجرانه، فجئت زوجتي و ولدي فقلت: تهيأوا للخروج، فقد أظل قدوم محمد.

قالوا: قد آن لك أن تبصر أن العرب و العجم قد تبعت محمدا، و أنت موضع في عداوته، و كنت أولى الناس بنصره.

فقلت لغلامي مذكور: عجل بأبعرة و فرس.

قال: ثم سرنا حتى نزلنا الأبواء، و قد نزلت مقدمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأبواء، فتنكرت، و خفت أن أقتل.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد نذر دمي، فخرجت على


1) الآيات 90 إلى 93 من سورة الإسراء.

2) البحار ج 9 ص 222 و ج 21 ص 114 و تفسير القمي ج 2 ص 27 و القواعد الفقهية ج 1 ص 48 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 5 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 448 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 326 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 226.

قدمي نحوا من ميل و أقبل الناس رسلا رسلا، فتنحيت فرقا من أصحابه، فلما طلع في موكبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى.

فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى، فأعرض عني مرارا، فأخذني ما قرب و ما بعد، و قلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه.

و أتذكر بره و رحمه فيمسك ذلك مني. و قد كنت لا أشك أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي منه.

فلما رأى المسلمون إعراض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عني أعرضوا عني جميعا، فلقيني ابن أبي قحافة معرضا عني.

و نظرت إلى عمر يغري بي رجلا من الأنصار، فقال لي: يا عدو اللّه، أنت الذي كنت تؤذي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تؤذي أصحابه، قد بلغت مشارق الأرض و مغاربها في عداوته.

فرددت بعض الرد عن نفسي، و استطال علي و رفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس يسرون بما يفعل بي.

قال: فدخلت على عمي العباس، فقلت: يا عم، قد كنت أرجو أن يفرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامي لقرابتي و شرفي، و قد كان منه ما رأيت، فكلمه فيّ ليرضى عني.

قال: لا و اللّه، لا أكلمه كلمة أبدا بعد الذي رأيت منه.

فقلت: يا عمّي إلى من تكلني؟

قال: هو ذاك.

قال: فلقيت عليا رحمة اللّه عليه، فكلمته، فقال لي مثل ذلك.

قال أبو سفيان: فخرجت، فجلست على باب منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى خرج إلى الجحفة و هو لا يكلمني و لا أحد من المسلمين. و جعلت لا ينزل منزلا إلا أنا على بابه، و معي ابني جعفر قائم، فلا يراني إلا أعرض عني.

فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة، و أنا في خيله التي تلازمه حتى هبط من أذاخر، حتى نزل الأبطح، فدنوت من باب قبته فنظر إلي نظرا هو ألين من ذلك النظر الأول، قد رجوت أن يبتسم، و دخل عليه نساء بني عبد المطلب، و دخلت معهن زوجتي فرقّقته عليّ.

و خرج إلى المسجد و أنا بين يديه لا أفارقه على حال، حتى خرج إلى هوازن، فخرجت معه و قد جمعت العرب جمعا لم تجمع مثله قط.

و خرجوا بالنساء و الذرية و الماشية، فلما لقيتهم قلت: اليوم يرى أثري إن شاء اللّه. فلما لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر اللّه: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (1).

و ثبت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته الشهباء، و جرد سيفه.

فاقتحمت عن فرسي و بيدي السيف صلتا، قد كسرت جفنه، و اللّه يعلم أني أريد الموت دونه، و هو ينظر إلي، فأخذ العباس بن عبد المطلب بلجام البغلة، فأخذت بالجانب الآخر، فقال: من هذا؟

فقال العباس: أخوك و ابن عمك أبو سفيان بن الحارث! فارض عنه، أي رسول اللّه!

قال: قد فعلت، فغفر اللّه كلّ عداوة عادانيها!


1) الآية 25 من سورة التوبة.

فأقبّل رجله في الركاب، ثم التفت إلي، فقال: أخي لعمري! ثم أمر العباس، فقال: ناد يا أصحاب سورة البقرة! يا أصحاب السمرة يوم الحديبية! يا للمهاجرين! يا للأنصار! يا للخزرج!

فأجابوا: لبيك داعي اللّه!

و كروا كرة رجل واحد، قد حطموا الجفون، و شرّعوا الرماح، و خفضوا عوالي الأسنة، و أرقلوا إرقال الفحول، فرأيتني و إني لأخاف على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شروع رماحهم حتى أحدقوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : تقدم فضارب القوم.

فحملت حملة أزلتهم عن موضعهم، و تبعني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قدما في نحور القوم، ما يألو ما تقدم، فما قامت لهم قائمة حتى طردتهم قدر فرسخ، و تفرقوا في كل وجه.

و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفرا من أصحابه على الطلب، فبعث خالد بن الوليد على وجه، و بعث عمرو بن العاص في وجه، و بعث أبا عامر الأشعري إلى عسكر بأوطاس، فقتل، و قتل أبو موسى قاتله (1).

و نقول:

إن لنا وقفات عديدة مع هذه النصوص كلها، و نجمل ذلك على النحو التالي:


1) قاموس الرجال ج 5 ص 237 عن أنساب الأشراف للبلاذري، و كتاب التوابين ص 113 و 114.

هجرة العباس آخر هجرة:

و قد صرحت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للعباس: «هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة» (1).

و نقول:

إننا نسجل هنا الملاحظات التالية:

ألف: لماذا اعتبر «صلى اللّه عليه و آله» هجرة العباس آخر هجرة، و لم يعتبر هجرة عبد اللّه بن أبي أمية آخر هجرة؟ !

أو لماذا لا يعتبر هجرة أبي سفيان بن الحارث آخر هجرة؟ !

بل لقد كان الأولى اعتبار هجرة هؤلاء جميعا آخر هجرة. .

و قد يقال في الجواب عن ذلك: إن العباس كان في مكة مسلما، و لم يهاجر إلا حين الفتح، أما هؤلاء فقد كانوا على الكفر، و إنما جاؤوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الوقت لكي يسلموا، و كان بعضهم قد أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه. و إنما يصح إطلاق كلمة المهاجر على من أسلم و آمن، ثم هاجر. . لا على من لم يسلم أصلا، و لكنه يعد بأن يسلم حين يلقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

غير أن صحة هذا الجواب تتوقف على ثبوت إسلام العباس قبل يوم الفتح، و دون ذلك خرط القتاد، لا سيما مع ما سيأتي من وجود رواية صحيحة مصرحة بكونه من الطلقاء.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 213 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و {ط دار المعرفة} ص 15 و مواقف الشيعة ج 1 ص 171 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 5.

ب: إننا لم نعرف ماذا كان مصير مخرمة بن نوفل، فإنه لم يدخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن كان قد أسلم فلماذا لم يذكروا لنا ذلك؟ !

و إن كان لم يسلم، فهل تركوه؟ أم أسروه؟ !

ج: إن حديث هجرة العباس في هذا الوقت موضع شك:

أولا: لما تقدم من أن ثمة من يقول عن العباس: «الصحيح: أنه منذ يوم بدر كان في المدينة» . و إن كانت النصوص و الوقائع لا تساعد على قبول هذا القول. .

ثانيا: قد عرفت الخلاف في المكان الذي التقى فيه العباس بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل لقيه بالسقيا و هي تبعد عن المدينة أربعة أيام؟ !

أم لقيه بالجحفة، و هي تبعد عن مكة أربع مراحل و نصف مرحلة، كما تقدم؟ !

أم لقيه في ثنية العقاب؟ !

أم في الجحفة؟ !

أم في ذي الحليفة؟ !

و سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى. .

ثالثا: إن كلام المعتزلي يشير إلى أن آخر من هاجر هو نعيم بن مسعود، و ليس العباس.

فقد ذكر: أن العباس شفع في نعيم بن مسعود: أن يستثنيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قوله: «لا هجرة بعد الفتح» ، فاستثناه، فراجع (1).

رابعا: ما معنى مقارنة هجرة العباس بالنبوة الخاتمة؟ ! فإن للنبوة


1) البحار ج 66 ص 230 عن شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 103.

الخاتمة فضلها على سائر النبوات، و لم يكن لهجرة العباس أي فضل على غيرها من الهجرات، بل كانت تلك الهجرات أفضل عند اللّه تعالى، و لا سيما هجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هجرة أمير المؤمنين «عليه السلام» . و قد كان «عليه السلام» يذكر سبقه إلى الهجرة في جملة فضائله و كراماته التي منّ اللّه تعالى عليه بها (1).

خامسا: إنهم يقولون: إن العباس خرج يلتقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه عبد اللّه بن أبي أمية، و أبو سفيان، و قد تلقاه بثنية العقاب حسبما تقدم.

و هذا معناه: أنه لم يخرج مهاجرا، و إنما خرج متلقيا. . و إن كان لنا كلام حتى بالنسبة لهذا المقدار أيضا، و نظن أنه قد خرج يتنسم الأخبار ففوجئ بجيوش الإسلام فاستسلم كما سنرى.

سادسا: روي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن سدير، قال:

«كنا عند أبي جعفر «عليه السلام» ، فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم


1) نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 1 ص 106 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 16 ص 228 و {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 478 و فرحة الغري لابن طاووس ص 5 و البحار ج 38 ص 255 و 292 و ج 39 ص 325 و ج 72 ص 421 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 581 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 486 و دراسات في نهج البلاغة للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 178 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 5 ص 27 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 54 و تفسير ابن عربي ج 2 ص 345 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 1 ص 205.

«صلى اللّه عليه و آله» ، و استذلالهم أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقال رجل من القوم: أصلحك اللّه، فأين كان عز بني هاشم و ما كانوا فيه من العدد؟ !

فقال أبو جعفر «عليه السلام» : و من كان بقي من بني هاشم؟ إنما كان جعفر و حمزة فمضيا، و بقي معه رجلان ضعيفان ذليلان، حديثا عهد بالإسلام: عباس، و عقيل. و كانا من الطلقاء.

أما و اللّه، لو أن حمزة و جعفرا كانا بحضرتهما، ما وصلا إلى ما وصلا إليه، و لو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما» (1).

و قد وصف السيد الخوئي «رحمه اللّه» سند هذه الرواية بالصحة (2).

و وصفه العلامة المجلسي بالحسن، و لكنه فسر كلمة: «كانا من الطلقاء» - تبعا للمازندراني-بقوله: أي أطلقهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزاة بدر، بعد أسرهما، و أخذ الفداء منهما (3).

و هذا الكلام خلاف الظاهر: فإن كلمة «الطلقاء» اصطلاح خاص، منتزع من كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة يوم الفتح: «اذهبوا فأنتم


1) الكافي {مطبعة النجف سنة 1385 ه‌} ج 8 ص 165 و {ط دار الكتب الإسلامية} ص 189 الحديث رقم 216 و البحار ج 28 ص 251 و معجم رجال الحديث ج 10 ص 252 و مجمع النورين للمرندي ص 89 و بيت الأحزان ص 128 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 3 ص 65 و عقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص 78.

2) معجم رجال الحديث ج 9 ص 235.

3) مرآة العقول ج 26 ص 83 و 84 و راجع: شرح الكافي للمولى محمد صالح المازندراني ج 12 ص 236 و {ط دار إحياء التراث العربي} ص 247.

الطلقاء» . و هو مؤيد بشواهد أخرى تدل على أن العباس لم يهاجر.

فإن إسلام العباس و عقيل في بدر فلا مجال لإثباته، فيبقى في دائرة الظنون و الحدسيات، فراجع ما ذكرناه في غزوة بدر و غيرها.

الهجرة لم تنقطع:

قد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا هجرة بعد الفتح.

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» استثنى نعيم بن مسعود من هذا الإطلاق.

و لكن ذلك غير صحيح: فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة، كما نص عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقد روي أنه قال في خطبة له:

«و الهجرة قائمة على حدها الأول. ما كان للّه في أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمة و معلنها، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها و أقربها فهو مهاجر

و لا يقع اسم الإستضعاف على من بلغته الحجة، فسمعتها أذنه، و وعاها قلبه، إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان، و لا تعي حديثنا إلا صدور أمينة، و أحلام رزينة. .» (1).

فهذا النص يدل على أنه «عليه السلام» يريد أن ينفي ما يزعمونه من


1) نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 2 ص 128 الخطبة رقم 189 و البحار ج 66 ص 227 و الإيجاز و الإعجاز للثعالبي ص 32 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 101 و ينابيع المودة ج 3 ص 452.

انتفاء الهجرة، و هو الزعم الذي أيدوه بما نسبوه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا هجرة بعد الفتح.

و قد قرر «عليه السلام» : أن الهجرة باقية لم تنقطع. .

و أما ما ذكره أمير المؤمنين «عليه السلام» لمعاوية: من أن الهجرة قد انقطعت يوم أسر أخوه، فيمكن أن يكون «عليه السلام» قد أورده وفق مزاعم معاوية و أضرابه، من أن الهجرة قد انقطعت بفتح مكة.

هذا، و قد وقع الملتزمون بأنه لا هجرة بعد الفتح في حيص بيص في توجيه كلام علي «عليه السلام» هذا. و يظهر ذلك جليا مما نقله العلامة المجلسي عن ابن الأثير و ابن أبي الحديد المعتزلي و غيرهما، فقد قال في شرحه للكلام السابق ما ملخصه:

أصل الهجرة المأمور بها الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام.

و قال في النهاية فيه: لا هجرة بعد الفتح، و لكن جهاد ونية.

و في حديث آخر: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة.

و الهجرة هجرتان:

إحداهما: التي وعد اللّه عليها الجنة في قوله: إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ (1)، فكان الرجل يأتي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يدع أهله و ماله لا يرجع في شيء منه، و ينقطع بنفسه إلى مهاجره.

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها، فمن ثم قال: «لكن البائس سعد بن خولة» ، يرثي له أن مات بمكة.


1) الآية 11 من سورة التوبة.

و قال حين قدم مكة: «اللهم لا تجعل منايانا بها» ، فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة، و انقطعت الهجرة.

و الهجرة الثانية: من هاجر من الأعراب و غزا مع المسلمين، و لم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى، فهو مهاجر. و ليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، و هو المراد بقوله: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة» .

فهذا وجه الجمع بين الحديثين.

و إذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين، فإنما يراد بهما: هجرة الحبشة، و هجرة المدينة، انتهى كلام ابن الأثير.

و قال ابن أبي الحديد: هذا كلام من أسرار الوصية يختص به علي «عليه السلام» ، لأن الناس يروون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لا هجرة بعد الفتح» ، فشفّع (1)عمه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثنيه، فاستثناه.

و هذه الهجرة التي أشار إليها أمير المؤمنين «عليه السلام» ليست تلك، بل هي الهجرة إلى الإمام.

و قال بعض الأصحاب: تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المكنة. و يستحب للقادر على إظهارها، تحرزا عن تكثير سواد المشركين.

و المراد بها: الأمور التي تختص بالإسلام، كالأذان و الإقامة، و صوم شهر رمضان، و غير ذلك.


1) أي قبل «صلى اللّه عليه و آله» شفاعة عمه.

و ألحق بعضهم ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكن فيها المؤمن من إقامة شعائر الإيمان مع الإمكان.

و لو تعذرت الهجرة لمرض أو عدم نفقة أو غير ذلك فلا حرج، لقوله تعالى: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولٰئِكَ عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً (1).

إلى أن قال: «لا يقع اسم الهجرة الخ. .» . أي يشترط في صدق الهجرة معرفة الإمام و الإقرار به.

و المراد بقوله: «فمن عرفها الخ. .» ، أنه مهاجر بشرط الخروج إلى الإمام، و السفر إليه، أو المراد بالمعرفة: المعرفة المستندة إلى المشاهدة و العيان.

و يحتمل أن يكون المراد: أن مجرد معرفة الإمام و الإقرار بوجوب اتباعه كاف في إطلاق اسم الهجرة، كما هو ظاهر الجزء الأخير من الكلام.

و يدل عليه: بعض أخبارنا، فمعرفة الإمام و الإقرار به في زمانه قائم مقام الهجرة المطلوبة في زمان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .

و قال بعض الإصحاب: الهجرة في زمان الغيبة سكنى الأمصار، لأنها تقابل البادية مسكن الأعراب، و الأمصار أقرب إلى تحصيل الكمالات من القرى و البوادي، فإن الغالب على أهلها الجفاء و الغلظة، و البعد عن العلوم و الكمالات، كما روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «أن الجفاء و القسوة


1) الآيتان 98 و 99 من سورة النساء.

في {الفدادين} (1)» (2).

و قيل: هي الخروج إلى طلب العلوم، فيعم الخروج عن القرى و البوادي، و الخروج عن بلد لا يمكن فيه طلب العلم (3).

و في جميع الأحوال نقول:

إن هذه التأويلات و التقسيمات تبرعية، ليس لها مبرر سوى أنهم يعتقدون بصحة حديث: لا هجرة بعد الفتح.

و لكن ما ورد في خطبة أمير المؤمنين «عليه السلام» يضع علامة استفهام كبيرة حول صحة هذه الكلمة المنسوبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

مع ملاحظة: أن المطلوب كان هو الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإيمان، حفظا لإيمان الناس، و لا مبرر للطلب من الناس الهجرة من بلاد الإيمان إلى بلاد أخرى حتى لو كانت من بلاد الإيمان أيضا. .


1) الفدادون: الجمالون، و الرعيان، و البقارون، و الحمارون، و الفلاحون، و أصحاب الوبر، و الذين تعلو أصواتهم في حروثهم و مواشيهم، و المكثرون من الإبل.

2) الكافي ج 8 ص 70 و البحار ج 22 ص 136 و ج 57 ص 232 و ج 66 ص 231 و عمدة القاري ج 15 ص 191 و تخريج الأحاديث الآثار للزيلعي ج 2 ص 94 و الذكرى للشهيد الأول ج 4 ص 417 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 94 و غريب الحديث ج 1 ص 202 و تفسير النسفي ج 2 ص 105 و روض الجنان للشهيد الثاني {ط ق} ص 312 و مسالك الأفهام ج 1 ص 316 عن: غريب الحديث للهروي ج 1 ص 125 و الصحاح ج 2 ص 518 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 419.

3) البحار ج 66 ص 229-231.

الطلقاء ليسوا من الصحابة:

و قد يقال: إن حديث: لا هجرة بعد الفتح ثابت بدليل: أنه حلف رجل بخراسان بالطلاق إن كان معاوية من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأفتى الفقهاء بطلاقها.

فسئل الرضا «عليه السلام» عن ذلك، فأفتى: أنها لا تطلق.

فكتب الفقهاء رقعة أنفذوها إليه، يسألونه عن ذلك، فوقع في رقعتهم: قلت: هذا من روايتكم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لمسلمة الفتح، و قد كثروا عليه: أنتم خير، و أصحابي خير، و لا هجرة بعد الفتح (1).

فأبطل الهجرة و لم يجعل هؤلاء أصحابا له، فرجعوا إلى قوله (2).

فحكم الإمام الرضا «عليه السلام» بعدم صحة الطلاق استنادا إلى هذا الحديث، يدل على ثبوته، فلا معنى للتشكيك به أو إنكاره.

غير أننا نقول:

إننا لا نريد أن نتكلم في سند هذا الحديث نقضا و إبراما، إذ يكفينا القول: بأن حكم الإمام الرضا «عليه السلام» لا يدل على صحة حديث


1) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 93 و البحار ج 19 ص 89 و ج 33 ص 167 و ج 101 ص 158 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 569 و إحقاق الحق {الأصل} ص 256 و راجع: مسند أبي داود الطيالسي ص 84 و 130 و 293 و كنز العمال ج 2 ص 560 و الدر المنثور ج 6 ص 406 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 257.

2) البحار ج 19 ص 90 و ج 33 ص 167 و 101 ص 158 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 569 و عيون أخبار الرضا {ط مؤسسة الأعلمي سنة 1404 ه‌} ج 1 ص 93 و 94.

انقطاع الهجرة بالفتح، لأنه جار على قاعدة: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

و يشير إلى ذلك قوله «عليه السلام» : «قلت: هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخ. .» ، فإن هذا القول لو كان ثابتا عنده و عندهم، لكان الأولى أن يقول: «قلت: هذا من الحديث الثابت عن رسول اللّه» .

و أما حكم الإمام «عليه السلام» : بأن معاوية ليس من الصحابة، فيتلخص في أن كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تضمن جعل مسلمة الفتح في مقابل أصحابه، فدل ذلك على أنهم ليسوا منهم، و قد كان معاوية من مسلمة الفتح، فهو إذن ليس من أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» .

العباس يتلقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و بعد. . فإننا كما نشكك بقوة في ان يكون العباس قد خرج مهاجرا، لوجود الرواية الصحيحة سندا، و المصرحة بكونه من الطلقاء، بالإضافة إلى قرائن أخرى، فإننا نشك أيضا: في دقة التعبير الذي ورد في نصوص أخرى، من أنه خرج يتلقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و سبب شكنا في ذلك هو الأمور التالية: 1-إن العباس لم يكن يعلم بقدوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، بل إن الجيش القادم نفسه لم يكن يعلم بحقيقة مقصد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و قد أوضحنا ذلك أكثر من مرة.

2-إن الاختلاف في المكان الذي التقى فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤكد شكنا في نوايا الرواة لهذا الأمر. .

3-إن تلك الرواية الصحيحة السند التي اعتبرته من الطلقاء، تؤكد

على أنه إنما أسلم تحت وطأة الخوف من هذا الجيش القادم، و لم يسلم طوعا، و من يكون من الطلقاء لا يخرج لتلقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فالظاهر هو: أنه قد جرى للعباس مثلما جرى لأبي سفيان و بديل بن ورقاء و غيرهما. أي أنه إنما خرج يتنسم الأخبار. . فأبعد عن مكة أكثر من أبي سفيان، فواجه الجيش العظيم القادم، فاضطر إلى الاستسلام، و إظهار الإسلام، ثم عاد مع ذلك الجيش إلى مكة، و لقي أبا سفيان و من معه في الطريق، و كان ما كان مما سيأتي بيانه إن شاء اللّه.

أين لقي العباس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

و قد ذكرت النصوص المتقدمة مواضع مختلفة ادّعت أن العباس لقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها.

ففي بعضها: أنه لقيه بالأبواء. .

و في بعضها: أنه لقيه بالجحفة.

و قيل: بذي الحليفة.

و قيل: بالسقيا.

و قيل: بثنية العقاب.

و الأبواء بالنسبة للآتي من المدينة إلى مكة تقع قبل الجحفة مما يلي الجحفة بثلاثة و عشرين ميلا (1). فتكون على بعد خمسة أيام من المدينة.

و الجحفة تقع على أربع مراحل و نصف من جهة مكة، و تبعد خمس


1) معجم البلدان ج 1 ص 79 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1118 و مراصد الإطلاع ج 1 ص 19 و فتح الباري ج 4 ص 28 و عمدة القاري ج 14 ص 260.

مراحل و ثلثي مرحلة من المدينة {أو ست مراحل} (1).

و ذو الحليفة يبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة (2).

و أما السقيا، فهي على نحو أربعة أيام من المدينة، و هي بالنسبة للآتي من المدينة إلى مكة، قبل الأبواء بأحد عشر ميلا (3).

أما ذكر ثنية العقاب فهو غلط، لأن ثنية العقاب قرب غوطة دمشق (4)و ليست بين مكة و المدينة.

و بعد ما تقدم نقول:

لا بد من تحديد الموضع الذي التقى فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعباس، و بأبي سفيان بن الحارث، و عبد اللّه بن أبي أمية إذ لا يمكن أن يلتقي به في جميع هذه المواضع المتباعدة عن بعضها البعض بما قد يصل إلى عشرات الأميال.


1) راجع: معجم البلدان ج 3 ص 62 و {ط دار إحياء التراث العربي} ج 2 ص 111 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1174 و راجع: مراصد الإطلاع ج 1 ص 315. راجع: مراصد الإطلاع ج 1 ص 315.

2) معجم البلدان ج 2 ص 295 و 325 و ج 5 ص 155 و أعيان الشيعة ج 1 ص 416 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1193 و مراصد الإطلاع ج 1 ص 420 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 154 و القاموس المحيط ج 3 ص 129 و تاج العروس ج 12 ص 148.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1234 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 135 و في معجم ما استعجم ج 3 ص 954 من السقيا إلى الأبواء تسعة عشر ميلا.

4) مراصد الاطلاع ج 1 ص 301 و راجع: معجم البلدان ج 2 ص 85 و ج 3 ص 21 و ج 4 ص 133.

تناقض و اختلاف الروايات:

إننا نلمح اختلافا و تناقضا في قصة عبد اللّه بن أبي أمية، و أبي سفيان بن الحارث.

و هذا يشير إلى: أن ثمة تصرفا، بل تعمدا للكذب في النصوص، باستثناء واحدة من الروايات، قد يمكن للباحث تحديدها، و قد لا يمكن. .

و على سبيل المثال لا الحصر نقول: هناك رواية تقول: إن العباس قد كلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشأن عبد اللّه بن أمية، و أبي سفيان بن الحارث. .

لكن رواية أخرى تصرح: بأن العباس رفض أن يكلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشأن ابن أبي أمية، رغم أن ابن أبي أمية قد طلب من العباس ذلك. .

و هناك رواية تقول: إنه لما كلمت أم سلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل منها و رضي عنه، و دعاه و قبل توبته. .

لكن رواية أخرى تقول: إنه لم يرض عنه، و لم يقبل منه، رغم ملازمته له، إلى أن جرى ما جرى في حرب حنين.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يرد السلام و لا يقبل التوبة:

و من الأمور التي تثير أكثر من سؤال: ما زعمته بعض الروايات المتقدمة، من أن عبد اللّه بن ابي أمية سلم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يرد عليه السلام، و أعرض عنه، و لم يجبه بشيء. .

كما أنها صرحت: بأنهم أخبروه بأنه قد جاء تائبا. و لكنه «صلى اللّه عليه

و آله» أعرض عنه، و خشي عبد اللّه أن يقتل، فشكى ذلك إلى أخته أم سلمة. .

و نقول:

1-إننا نشك في صحة ذلك، إذ لم نعهد من أخلاق الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» أن يسلّم عليه أحد، ثم لا يجيبه.

كيف، و قد أنزل اللّه تعالى في كتابه الكريم: وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا. . ؟ ! (1).

2-إن نفس مجيء هؤلاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستسلمين، تائبين-كما صرحت به الرواية-ملتمسين منه أن يقبلهم يجعلهم مصداقا لقوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا فَعِنْدَ اَللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ. . (2).

3-إن المفروض: كما صرح به العباس و أم سلمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن هذا المذنب قد جاء تائبا. . و لا نجد مبررا لعدم قبول توبته. . و قد قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئٰاتِ. . (3).

و أصرح من ذلك قوله تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ


1) الآية 86 من سورة النساء.

2) الآية 25 من سورة الشورى.

3) الآية 94 من سورة النساء.

اَللّٰهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً. . (1).

و هؤلاء قد ظلموا أنفسهم، و قد جاؤوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» تائبين مستغفرين. . فلماذا يعرض عنهم، و يرفض إجابة طلبهم، و قبول توبتهم؟ !

فكيف إذا أخذنا بالرواية التي أكدت على إصرار عبد اللّه بن أبي أمية على الفوز برضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استمر ملازما للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ملتمسا رضاه إلى أن صار إلى حنين، و خاض تلك الحرب، و واجه الأهوال فيها (2).

و ماذا نصنع بالكثير الكثير من الآيات و الروايات الشريفة التي تأمر بالعفو، و تبشر الناس بقبول توبة التائبين. .

إلا أن يدّعى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد أن يظهر صدق ذلك الرجل فيما يدّعيه من التوبة، ليقطع دابر الإشاعات المغرضة التي ربما تثار حول سبب العفو، و أنه هو القرابة التي كانت لابن الحارث أو لابن أبي أمية، و أنها إنما قبلت منهما لأنها كانت توبة نصوحا، لا لأجل القرابة.

و لكن لو صحت هذه الدعوى لكان يجب أن يعامل العباس بنفس هذه المعاملة، ليثبت أن قبوله لا لأجل قرابته من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) الآية 64 من سورة النساء.

2) راجع: الإستيعاب ج 3 ص 868 و الإصابة ج 4 ص 10-12 و مستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 446 و عمدة القاري ج 17 ص 17 و ج 20 ص 216 و ج 22 ص 43 و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 134.

و أما بالنسبة للسؤال عن كيفية وصول الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم إليه، فيجاب: بأن طرق الوقاية من الأذى متيسرة لهم، و يكفي أن يحتمي بأحد المسلمين، و يأتي معه، كما فعل عثمان بالنسبة لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح.

تاللّه لقد آثرك اللّه علينا:

و حينما كلّم العباس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشأن أبي سفيان بن الحارث و ابن أبي أمية قد ركّز على أن هذا ابن عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذاك ابن عمته. . ظنا منه أن القربى النسبية وحدها تكفي للتجاوز عن ذنب ذينك الرجلين. .

و لكن الحقيقة هي: أن الإساءة تختلف في طبيعتها و في أحكامها. فإن كانت إساءة للشخص، كان للصفح عنها، و لمراعاة القربى الرحمية فيها مجال، بل لا مجال لسوى ذلك من نبي كريم لم يزل يحث الناس على صلة القربى، و الصفح عن المسيئين. .

و إن كانت الإساءة منهما للدين، و للأمة، و تمثل جرأة عظيمة على اللّه تبارك و تعالى، فلا يحق لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصفح عن مرتكب ذلك، إذا لم يكن الندم و التوبة من نفس هذ الذنب العظيم. . و لم يظهر من أولئك التائبين و لا من الطالبين للصفح عنهم، أن هذا هو ما جاؤوا من أجله.

بل الذي ظهر هو: أنهم يريدون استجلاب رضى شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بهدف إصلاح العلاقة معه كشخص، من أجل حفظ

نفوسهم و مصالحهم، و بغض النظر عن أي شيء آخر.

فجاء الرفض النبوي لقبولهما، منسجما مع طبيعة ذنبهما، و موجها لحقيقة ما يطلب منهما، حيث لم يظهر منهما ما يدل على الرغبة في إصلاح علاقتهما باللّه سبحانه، و الإعتراف بخطأهما في ممارساتهما التي كانت تهدف إلى إضعاف دين اللّه، و زعزعة يقين الناس بهذا الدين.

و قد أشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذه الحقيقة حين أعلن عن سبب موقفه منهما، و هو: أن أحدهما قد هتك عرضه، لأنه كان يهجوه، و يظهر الإستهانة به، و يصغّر من شأنه كشخص، توصلا لإسقاط هيبته، و إضعاف دعوته و تكذيب نبوته.

كما أن الآخر قد اقترح عليه اقتراحات تهدف هي الأخرى إلى تكذيبه في نبوته، من حيث إنها تدخل الشبهة على الضعفاء، و تجعلهم يصدقون المقولة الباطلة في لزوم كون النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غير البشر.

أي أنه يريد أن يفهم الناس: أن من يرقى إلى السماء، و يفعل تلك الخوارق لا يمكن أن يكون بشرا. .

و على هذا الأساس: إن استجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتلك المطالب، فإما أن يكون ليس من جنس البشر، أو يكون ساحرا كذابا، و العياذ باللّه. . و إن لم يستجب لها ظهر أنه ليس صادقا في ادّعائه النبوة.

مع أنه لو جاء بكتاب يقرؤونه و نحو ذلك لفتح لهم باب الجدال بالباطل و التكذيب و الاتهام على مصراعيه. .

و بذلك تكون الشبهة قد دخلت على الناس في جميع الأحوال. . و هذه جريمة كبرى، و جرأة عظيمة على اللّه سبحانه و تعالى و على رسوله، و على دينه. .

و لذلك جاءه الرد الإلهي، ليؤكد بشرية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : . . قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً (1).

مع العلم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد فعل من المعجزات ما يكفي لإسقاط جميع هذه المطالب، فقد عرج به إلى السماء، و أثبت لهم صدق ذلك بما أخبرهم به من أمور حصلت لقافلتهم. . و قد نبع لهم الماء من بين أصابعه، كما أنه قد جاءهم بكتاب قد عجزوا عن مجاراته، و عن الإتيان بسورة من مثله، و لو بمقدار سورة الكوثر. .

و قد ظهر بذلك كله: أن ذنب عبد اللّه بن أبي أمية كان عظيما في حق الدين و الرسالة، و كان جرأة على اللّه تبارك و تعالى، و ليس أمرا شخصيا ليصح الصفح عنه لمجرد القرابة و الرحم. .

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استجاب و أنعم بالرضا حين عملوا بمشورة علي «عليه السلام» ، بأن يقولوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ما قاله إخوة يوسف «عليه السلام» : تَاللّٰهِ لَقَدْ آثَرَكَ اَللّٰهُ عَلَيْنٰا وَ إِنْ كُنّٰا لَخٰاطِئِينَ (2).

و ذلك لأن هذه المبادرة تعني أمرين:

أحدهما: الاعتراف بالخطأ في اختيار الخط و النهج الذي كانوا عليه، لا الخطأ في الممارسة الجزئية تجاه شخص بعينه، و قد ظهر هذا من خلال ربط هذا الخطأ-على سبيل المقابلة-بالفقرة الأولى المتضمنة لبعثة اللّه تعالى له


1) الآية 93 من سورة الإسراء.

2) الآية 91 من سورة يوسف.

بالنبوة، و الإعتراف بصدقه «صلى اللّه عليه و آله» .

الثاني: الإقرار بنبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه سبحانه هو الذي أرسله، و آثره بهذا الأمر دون سائر البشر. .

و هذا هو الذي يصلح ما أفسدوه، و يبطل كيدهم، و يكسر شوكتهم، و تكون كلمة الباطل هي السفلى، و كلمة اللّه هي العليا. .

و من أحسن قولا من اللّه:

و بعد. . فقد قال اللّه تعالى: وَ قُلْ لِعِبٰادِي يَقُولُوا اَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1).

و قال عز و جل: وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اَللّٰهُ إِلَيْكَ (2).

فالتوجيه الإلهي للناس كلهم يقضي بإلزامهم باختيار الأحسن من القول و الفعل، و هذا يحتم عليهم معرفة الأمور، و التمييز بين حسنها و قبيحها، ثم الوقوف على الحسن و الأحسن منها.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أولى الناس بالالتزام بالتوجيه الإلهي، بحيث لا يرضى إلا أن يختار أحسن القول، و أحسن الفعل؛ ليكون ذلك هو طبيعته و سجيته، و هو الذي يفيد في رسم أجمل صورة للحياة، و يعطيها معناها اللائق بها، الذي أراده اللّه تعالى لها.

و قد كان علي «عليه السلام» يريد ان يعرّف الناس على هذه الحقيقة، و لا سيما من كان يجحد و يعاند. .


1) الآية 53 من سورة الإسراء.

2) الآية 77 من سورة القصص.

هنات و هنات في رواية الواقدي:
اشارة

و قد نلمح في رواية الواقدي العديد من القرائن التي تضعف من درجة الإعتماد عليها، فإضافة إلى ما تقدم من شكنا في صحة ما ورد فيها، من عدم جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابن أبي أمية حينما سلم عليه نشير إلى الأمور التالية:

ألف: اعتراض أم سلمة:

إن من دلائل وضع الرواية المشار إليها: أنها تضمنت اعتراض أم سلمة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشمول قاعدة: الإسلام يجب ما قبله لهذه الموارد. ثم تسليمه «صلى اللّه عليه و آله» بصحة اعتراضها.

إذ لا يمكن أن يغفل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن قرار أو حكم إلهي ثابت، فكيف إذا كان هو الذي جاء بتشريعه، و صدر عنه مباشرة، ثم تذكّره به امرأة، أو تكون هي المرشدة له في تطبيقه الصحيح! !

و يزيد في بشاعة هذا الأمر أن هذا الحكم أو القرار له ارتباط بنحو أو بآخر بحقوق الناس، و بمصائرهم، أو بكراماتهم و مواقعهم في الدنيا و الآخرة.

إذ من البديهي: أن خطأه «صلى اللّه عليه و آله» أو غفلته، ينافيان عصمته، و يضعان نبوته و أهليته لها أمام ألف سؤال و سؤال.

ب: أبو سفيان بن الحارث، و الإسلام:

و لا نجد حرجا في تقرير أن لدينا بعض الريب فيما ذكرته الرواية: من

أن اللّه ألقى الإسلام في قلب أبي سفيان بن الحارث. .

فإنه هو نفسه يتابع الحديث ليدلل فيه: على أن خروجه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن رغبة منه بالإسلام، بل كان خوفا من القتل بعد أن أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه، و قد ضاقت عليه الدنيا، و لم يعد يجد أحدا يصحبه، أو يكون معه بعد أن ضرب الإسلام بجرانه.

ج: علم ابن الحارث بقدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد زعمت الرواية المتقدمة: أن ابا سفيان بن الحارث قال لزوجته و ولده: تهيأوا للخروج، فقد أظل قدوم محمد عليكم. .

و نحن نشك كثيرا في صحة ذلك، فإن أحدا من أهل مكة لم يكن يعلم بقدوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل من أهل المدينة أنفسهم، حتى ذلك الجيش العرمرم الذي كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعرف مقصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى بلغ مشارف مكة، حسبما أوضحناه فيما سبق، فمن أين علم أبو سفيان بن الحارث بقدومه «صلى اللّه عليه و آله» ليخبر زوجته و ولده بذلك؟ !

و لعل الصحيح هو: أن هذا الرجل كان يعيش حالة من الرعب، بسبب هدر دمه من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان يتوقع القتل عند رؤية أي إنسان يحتمل أن يكون من المسلمين.

و قد صرحت الرواية: بأنه قد أظهر خوفه من القتل مرات عديدة، فخرج يطلب الأمان لنفسه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، متوسلا إليه بقرابته منه، ظنا منه أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتأثر بذلك،

حتى على حساب دينه، و إسلامه، فالتقى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جرى له معه ما تذكره الروايات التي تقدمت.

د: هل سيفرح المسلمون بإسلام ابن الحارث؟ ! :

و قد زعمت الرواية: أن أبا سفيان بن الحارث يقول: إنه كان على يقين بأن المسلمين سيفرحون بإسلامه فرحا شديدا، لقرابته من النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و أنه كان يرجو أن يفرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامه لقرابته و شرفه. .

و نقول:

إنه سواء أكان هذا الكلام صحيحا، أو كان راويه قد افتراه كله أو بعضه، فإنه يعبر عن طبيعة تفكير قائله، و عن المفاهيم و الإنطباعات التي يعيشها في نفسه. . حتى إنه ليظن أن ما يفرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين بإسلام أبي سفيان بن الحارث هو مجرد قرابته منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و شرفه في قومه، و ليس هو نجاة هذا الرجل من غضب اللّه تعالى، و خروجه من ذل معصيته إلى عز طاعته جل و علا. .

إنه يفكر كما يفكر الجاهلون، و ينطلق من معاييرهم و مفاهيمهم، مع أن الإسلام لم يقم وزنا لقرابة أبي لهب، و لا لشرفه في قومه، و أنزل فيه سورة قرآنية خالدة تذكر الناس بخزيه إلى يوم القيامة. .

و لسنا بحاجة إلى التذكير بما ورد في القرآن عن ابن نوح، و عن زوجتي نوح و لوط. .

ه‌: بطولات أبي سفيان بن الحارث في حنين:

و أما فيما يرتبط ببطولات أبي سفيان بن الحارث التي يدّعيها لنفسه في معركة حنين، فسيأتي في حينه أنها لا يمكن أن تصح، و سنرى أن الناس كلهم قد فروا في تلك الغزوة باستثناء علي «عليه السلام» . .

فلا حاجة لاستباق الأمور. . لكننا نقول:

إنه يكفي للحكم على هذه الرواية بالكذب و الوضع: أنها تدّعي أن أبا سفيان بن الحارث قد طرد جيش الأعداء في حنين قدر فرسخ، و تفرقوا في كل وجه. .

و: يا للأنصار! يا للخزرج! ! :

و من أمارات سوء النوايا في هذه الرواية أيضا: أنها تزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر العباس بأن ينادي: يا للمهاجرين! يا للأنصار! يا للخزرج! فأجابوا. .

فإن الاقتصار على ذكر الخزرج من فئة الأنصار، و عدم نداء الأوس مما لا يمكن قبوله من النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن هذا الأمر من شأنه أن يحدث أسوأ الأثر في نفوس و في مواقف قبيلة الأوس، التي كانت قبل مجيء النبي «صلى اللّه عليه و آله» تتصاول مع الخزرج تصاول الفحلين، على حد تعبير النصوص التاريخية. .

ز: سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أبي سفيان بن الحارث:

و ذكرت الرواية المتقدمة أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما رأى أبا سفيان مجردا سيفه في حنين و قد أخذ بلجام بغلة النبي «صلى اللّه عليه و آله»

قال لعمه العباس: من هذا؟ !

قال أبو سفيان: فذهبت أكشف المغفر.

فقال العباس: أخوك، و ابن عمك، أبو سفيان بن الحارث، فارض عنه، أي رسول اللّه! !

قال: قد فعلت.

فإن من غير المعقول أن لا يعرفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يعرفه العباس، مع أنه كان من رفقاء الصبا، كما أنه لم يزل منذ لقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الأبواء يتعرض له، يلازمه، و يسعى لاسترضائه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرض عنه كما صرح أبو سفيان نفسه في الرواية المشار إليها. .

عمر يغري بأبي سفيان بن الحارث:

و قد ذكرت تلك الرواية: أن عمر بن الخطاب قد أغرى أنصاريا بقتل أبي سفيان بن الحارث. .

و السؤال هو: إن هذا الإغراء قد يحصل وفق سياق رواية الواقدي، التي هي موضع البحث، و قد يحصل أيضا وفق سياق باقي الروايات، و في جميع الأحوال نقول:

لماذا يغري عمر بخصوص أبي سفيان بن الحارث ابن عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يغري بعبد اللّه بن أبي أمية الذي أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه، أو بحكيم بن حزام، أو ببديل بن ورقاء؟ ألم يكن أبو سفيان من أقارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما كان العباس من أقاربه؟

و قد صرح عمر: بأن إسلام العباس كان أحب إليه من إسلام الخطاب التماسا لرضا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» . بل لماذا يغري الآخرين بقتل ابن الحارث؟ ألم يكن الأجدر به أن يبادر هو إلى فعل ما يغري به غيره؟ ! فيقوم بقتل أبي سفيان بنفسه، إذا كان يرى صحة قتله بدون مراجعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك! !

ثم لماذا يغري بقتله رجلا من الأنصار، و يترك جميع المهاجرين؟ !

هل يمكن أن يفهم من ذلك: أن عمر يريد إلقاء فتنة بين قريش و بني هاشم، و أهل مكة و بين أهل المدينة؟ ! و بين العدنانيين و القحطانيين، و بين بني هاشم بالخصوص و بين سائر الناس؟ !

ثم ألا يذكرنا إغراؤه الأنصار بقتل رجل من بني هاشم بالسعي الذي كان هو نفسه قد بذله يوم بدر لقتل عقيل و العباس الهاشميين بيد بني هاشم أنفسهم؟ ! و ألا يؤكد ذلك صحة اتهامهم له في نواياه و أنه لو كان الأسير من بني عدي لم يطلب هذا الطلب؟ !

الفصل الثامن: أبو سفيان في أيدي المسلمين

اشارة

زعماء يربأبهم النبي صلى اللّه عليه و آله عن الشرك:

عن عطاء قال: لا أحسبه إلا رفعه إلى ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة قربه من مكة في غزوة الفتح: «إن بمكة لأربعة نفر من قريش أربأبهم عن الشرك، و أرغب لهم في الإسلام» .

قيل: و من هم يا رسول اللّه؟

قال: «عتاب بن أسيد، و جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و سهيل بن عمرو» (1).

و نقول:

1-قد ذكر بعضهم: أن جبير بن مطعم أسلم بعد الحديبية، و قبل الفتح. مع أن هذه الرواية تشير إلى أن حاله حال الثلاثة المذكورين معه.

و قالوا: أسلم بين الحديبية و الفتح (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 219 عن ابن عساكر، و تاريخ مدينة دمشق ج 15 ص 106 و تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 419 و تهذيب الكمال ج 7 ص 182 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 348 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 595 و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و كنز العمال ج 11 ص 759 و أسد الغابة ج 1 ص 271.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 18 و ج 2 ص 62.

و قيل: في الفتح (1).

و قيل: عام خيبر (2). و لا يهمنا تحقيق ذلك.

2-إن علينا الإشارة هنا إلى أن إطلاق هذا القول من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه إغراء لهؤلاء بالتخلي عن العناد و الجحود. أو هو على الأقل يضعف عزائمهم في ذلك، و يلوح لهم بأن الجسور مفتوحة، و يمكنهم العبور إلى شاطئ الأمان، في ظل الرعاية الإلهية، ليكون أقل شراسة و حماسة في مقاومة هذا الدين، و يهيئ السبيل بذلك للتخفيف من حدة الضغوط منهم على من يرتبط بهم من أقارب، و حلفاء، و ما إلى ذلك. .

3-لكن علينا أن لا ننسى: أن هذا القول يشير إلى رذالة أخلاقية كان هؤلاء الأربعة يمارسونها، فإنهم رغم رجاحة عقولهم، التي تجعل من اعتناقهم للشرك، و محاربتهم للحق و لأهله طيلة هذه السنين أمرا غير منطقي، و لا مستساغ، خصوصا مع ما يرونه من التأييدات و الألطاف الإلهية و المعجزات، بل إن ذلك يجعل عملهم هذا في غاية القبح، و يشير إلى


1) راجع: الإصابة ج 1 ص 226 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 230 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 62 و ج 3 ص 18 و المحلى ج 11 ص 62 و عمدة القاري ج 10 ص 3 و ج 14 ص 295 و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 147 و خلاصة تهذيب الكمال ص 60 و إسعاف المبطأ ص 23 و المعارف لابن قتيبة ص 285 و المنتخب من ذيل المذيل للطبري ص 52 و الوافي بالوفيات ج 11 ص 44 و أعيان الشيعة ج 4 ص 67.

2) الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 230 و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 147 و أعيان الشيعة ج 4 ص 67.

سقوطهم المخزي و المشين في حمأة الشهوات، و يؤكد لجوءهم إلى الجحود عن علم و معرفة بالحق و بأهله.

منام أبي بكر:

عن ابن شهاب: إن أبا بكر قال: يا رسول اللّه! ! أراني في المنام و أراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرّ، فلما دنونا منها استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ذهب كلبهم، و أقبل درّهم، و هم سائلوكم {بأرحامكم} بأرحامهم، و إنكم لا قون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه» (1).

و لا ندري إن كان هذا القول من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أريد به تعبير منام أبي بكر.

أم أنه جاء على سبيل التفاؤل بذهاب الكلب، و إقبال الدر؟ !

أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجرى كلامه على هذا النحو ليسجل إخبارا غيبيا صادرا عن مقام النبوة الأقدس، ليكون ذلك من دلائل نبوته؟ !

و ربما يؤيد هذا المعنى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عقب ذلك بالإخبار


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 عن البيهقي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 812 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 542 و منتخب الكلام في تفسير الأحلام لابن سيرين ج 1 ص 380 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 268 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 357.

عن وقائع غيبية سوف تحصل، و هو قوله: «و هم سائلوكم بأرحامهم. و إنكم لاقون بعضهم» ، مصرحا باسم أبي سفيان من بين سائرهم، ثم أصدر أوامره المتضمنة لكيفية التعاطي معه.

جيش الإسلام في مر الظهران:

قال عروة: و عميت الأخبار عن قريش، فلم يبلغهم حرف واحد عن مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يدرون ما هو فاعل. و هم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب (1).

و رووا عن ابن عباس أنه قال: مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح حتى نزل مر الظهران عشاء، في عشرة آلاف من المسلمين، و قد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يدرون ما هو صانع (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و به جزم ابن عائذ، و غيرهم. و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و 556 و البحار ج 21 ص 103 و راجع ص 127 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و عمدة القاري ج 17 ص 279 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 135 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 385 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275 و عيون الأثر ج 2 ص 185 و المعجم الكبير ج 8 ص 10 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 859.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 عن إسحاق بن راهويه، و الحاكم، و البيهقي، و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 27 و السيرة الحلبية ج 3 ص 77 و 78 و مجمع البيان ج 10 ص 555 و البحار ج 21 ص 103 و 127 و المغازي للواقدي ج 2 ص 814 و تفسير البغوي ج 4 ص 538 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 320 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 43 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 328 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 43 و البداية و النهاية ج 4 ص 230 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 546.

و أمر «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه أن يوقدوا عشرة آلاف نار، و جعل على الحرس عمر بن الخطاب (1).

و عن عروة قال: لما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح، بلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان بن حرب يتحسس الأخبار.

و قالت قريش لأبي سفيان: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا. {زاد الواقدي قوله: «إلا أن ترى رقة من أصحابه، فآذنه بالحرب»} (2).

فخرج هو و حكيم بن حزام، فلقيا بديل بن و رقاء، فاستتبعاه، فخرج معهما يتحسسون الأخبار، و ينظرون هل يجدون خبرا، أو يسمعون به.

فلما بلغوا الأراك من مر الظهران، و ذلك عشيا، رأوا العسكر، و القباب، و النيران كأنها نيران عرفة، و سمعوا صهيل الخيل، و رغاء الإبل، فأفزعهم ذلك فزعا شديدا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و {ط دار المعرفة} ص 15 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 103 و المغازي للواقدي ج 2 ص 814 و تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و عيون الأثر ج 2 ص 186 و فتح الباري ج 8 ص 5 و عمدة القاري ج 17 ص 279 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 268 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 135 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 358 و ج 8 ص 385 و أعيان الشيعة ج 1 ص 275.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 814.

قال عروة-كما في الصحيح-: فقال بديل بن ورقاء: هؤلاء بنو كعب- و في رواية بنو عمرو: يعني بها خزاعة-حمشتها {حاشتها} الحرب.

فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من ذلك (1).

و لكن لعل هذه تميم أو ربيعة (2).

قالوا: فتنجعت هوازن على أرضنا؟ ! و اللّه ما نعرف هذا، إن هذا العسكر مثل حاج الناس (3).

و عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما نزل مر الظهران، رقت نفس العباس لأهل مكة، فقال: وا صباح قريش، و اللّه لئن دخلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

قال العباس: فأخذت بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الشهباء


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 و 215 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 597 و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و راجع: مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 103 و 128 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و المغازي للواقدي ج 2 ص 814 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 507 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 448 و البداية و النهاية ج 4 ص 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 553.

2) البحار ج 21 ص 128 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 108 و إعلام الورى ج 1 ص 220.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 814 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 358 و غريب الحديث ج 2 ص 529.

{البيضاء} -و عند الواقدي: أنها الدلدل (1)-فركبتها، و قلت: ألتمس حطابا، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فو اللّه، إني لفي الأراك ألتمس ما خرجت إليه، إذ سمعت كلام أبي سفيان و بديل بن ورقاء، و هما يتراجعان، و أبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط و لا عسكرا!

فقال بديل بن ورقاء: هذه و اللّه خزاعة حمشتها الحرب.

فقال أبو سفيان: خزاعة أقل و أذل من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها.

قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي.

فقال: لبيك يا أبا الفضل، مالك فداك أبي و أمي! !

فقلت: ويلك! ! هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عشرة آلاف.

فقال: وا صباح قريش، و اللّه بأبي أنت و أمي، فما تأمرني؟ هل من حيلة؟

قلت: نعم، إركب عجز هذه البغلة، فأذهب بك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاستأمنه لك، فإنه و اللّه إن ظفر بك دون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتقتلن.

قال أبو سفيان: و أنا و اللّه أرى ذلك.

فركب خلفي، و رجع صاحباه-كذا في حديث ابن عباس و عند ابن


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 815.

إسحاق و محمد بن عمر: أنهما رجعا-و ذكر ابن عقبة و محمد بن عمر في موضع آخر: أنهما لم يرجعا، و أن العباس قدم بهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» انتهى (1).

و عن حكيم بن حزام: أنه خرج هو و أبو سفيان يتنسمان الأخبار، فلقي العباس أبا سفيان، فذهب به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قال حكيم بن حزام: «فرجعت، و دخلت بيتي، فأغلقته عليّ، و دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة، فأمّن الناس، فجئته، فأسلمت و خرجت معه إلى حنين» (2).

و في موضع آخر عند الواقدي: قال العباس: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عشرة آلاف من المسلمين، فأسلم، ثكلتك أمك و عشيرتك، ثم أقبل على حكيم و بديل، فقال: أسلما، فإني لكما جار حتى تنتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإني أخشى أن تقطعوا دون النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قالوا: فنحن معك.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 215 و 216 عن إسحاق بن راهويه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 103 و 127 و 128 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 816 و 818 و 819 و راجع ص 815 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 268 و كنز العمال ج 10 ص 506 و 507 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 450 و 451.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 95.

فجاء بهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و في سياق آخر، قال العباس: فجئت بأبي سفيان، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا عليها، قالوا: عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فلما رآني، قام، فقال: من هذا؟

قلت: العباس، فذهب ينظر، فرأى أبا سفيان خلفي، فقال: أي عدو اللّه! ! الحمد للّه الذي أمكن {أمكنني} منك بغير عقد و لا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاجتمعنا على باب قبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاقتحمت عن البغلة، قدخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دخل عمر على أثري، فقال عمر: يا رسول اللّه! ! هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عقد و لا عهد، فدعني فلأضرب عنقه.

قال: قلت: يا رسول اللّه، إني قد أجرته.

ثم التزمت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخذت برأسه، فقلت: و اللّه، لا يناجيه الليلة دوني رجل.

فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر، فو اللّه لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، و لكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 815 و تاريخ الخميس ج 2 ص 80 و 81 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 135 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 358.

فقال: مهلا يا عباس-و في لفظ: يا أبا الفضل-فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، و ما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من إسلام الخطاب لو أسلم (1).

و قيل: إن العباس قال: فقلت: يا رسول اللّه! ! أبو سفيان بن حرب، و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء قد أجرتهم، و هم يدخلون عليك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدخلهم» .

فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعاهم إلى الاسلام.

فقالوا: نشهد أن لا إله إلا اللّه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 216 و في هامشه: عن ابن أبي شيبة ج 14 ص 475، و السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و 79 و {ط دار المعرفة} ص 17 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 471 و البحار ج 21 ص 103 و 104 و 128 و راجع: شرح معاني الآثار ج 3 ص 320 و 321 و الدرر لابن عبد البر ص 216 و شرح نهج البلاغة ج 17 ص 269 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 694 و تفسير الميزان ج 20 ص 381 و تفسير البغوي ج 4 ص 538 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 122 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 46 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 449 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 331 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 540 و البداية و النهاية ج 4 ص 331 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 43 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 862 و عيون الأثر ج 2 ص 187 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 548 و شرح إحقاق الحق ج 33 ص 147.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اشهدوا أن لا اله الا اللّه و أني رسول اللّه» .

فشهد بديل، و حكيم بن حزام.

و قال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، و اللّه إن في النفس من هذا لشيئا بعد، فارجئها (1).

و عند أبي شيبة، عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنه قيل لحكيم بن حزام: بايع.

فقال: أبايعك و لا أخر إلا قائما.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما من قبلنا فلن تخر إلا قائما. انتهى (2).

و قيل لأبي سفيان ذلك، فقال: كيف أصنع باللات و العزى؟

فقال عمر بن الخطاب-و هو خارج القبة-: إخرأ عليها، أما و اللّه لو كنت خارج القبة ما قلتها.

فقال أبو سفيان: من هذا؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 216 عن ابن عقبة و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 18 و المغازي للواقدي ج 2 ص 815 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 359.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 216 عن ابن أبي شيبة، و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 312 و كنز العمال ج 10 ص 533 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 132 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 528.

قالوا: عمر بن الخطاب (1).

زاد في الحلبية قوله: فقال أبو سفيان: ويحك يا عمر، إنك رجل فاحش، دعني مع ابن عمي، فإياه أكلم (2).

و عند المجلسي: قال أبو سفيان: «أف لك ما أفحشك، ما يدخلك يا عمر في كلامي و كلام ابن عمي» (3).

قال العباس: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به» .

قال: فذهبت به إلى رحلي (4).

و قالوا: فلما أذّن الصبح أذّن العسكر كلهم: أي أجابوا المؤذن.

ففزع أبو سفيان من أذانهم، فقال: ما يصنع هؤلاء؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 216 و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى ج 1 ص 221 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 6 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 532 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 43.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 18.

3) البحار ج 21 ص 129 و إعلام الورى ج 1 ص 221.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 217 و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 17 و البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى ج 1 ص 221، و المغازي للواقدي ج 2 ص 815 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81 و عون المعبود ج 8 ص 180 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 46 و البداية و النهاية ج 4 ص 331 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 862 و عيون الأثر ج 2 ص 187 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 549.

قال العباس: فقلت: الصلاة.

قال: كم يصلون؟

قلت: خمس صلوات في اليوم و الليلة. {و عند الواقدي: قال: كثير و اللّه} .

ثم رآهم يتلقون وضوء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: ما رأيت ملكا قط كاليوم، لا ملك كسرى و لا قيصر.

قال العباس: فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح غدوت به.

و عند ابن عقبة، و محمد بن عمر: أن أبا سفيان سأل العباس في دخوله على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: فلما أصبحوا قام المسلمون إلى طهورهم، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل! ! ما للناس أمروا فيّ بشيء؟

قال: لا، و لكنهم قاموا إلى الصلاة.

فأمره العباس فتوضأ، و ذهب به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصلاة كبّر و كبّر الناس، ثم ركع، فركعوا، ثم رفع، فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة، قوم جمعهم من ههنا و ههنا، و لا فارس الأكارم، و لا الروم ذات القرون بأطوع منهم له. يا أبا الفضل! ! أصبح ابن أخيك و اللّه عظيم الملك.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 217 عن ابن عقبة، و الواقدي، و البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى، و المغازي للواقدي ج 2 ص 815 و 816.

فقال العباس: إنه ليس بملك، و لكنها النبوة.

قال: أو ذاك؟ !

قال العباس: فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «يا أبا سفيان! ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه» ؟ !

قال: بأبي أنت و أمي! ! ما أحلمك و أكرمك، و أعظم عفوك! إنه لو كان مع اللّه إله لقد أغنى عني شيئا {يوم بدر و يوم أحد} بعد، لقد استنصرت إلهي، و استنصرت إلهك، فو اللّه ما لقيتك من مرة إلا نصرت عليّ، فلو كان إلهي محقا و إلهك مبطلا لقد غلبتك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه» ؟

قال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك، و أعظم عفوك! أما هذه فو اللّه إن في النفس منها شيئا حتى الآن.

فقال العباس: ويحك! أسلم قبل أن تضرب عنقك.

فشهد شهادة الحق، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه. {زاد في نص آخر قوله: تلجلج بها فوه} (1).

و ظاهر كلام ابن عقبة، و محمد بن عمر في مكان آخر: أن أبا سفيان قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه من غير أن يعرض ذلك عليه أحد.


1) البحار ج 21 ص 129 عن إعلام الورى ج 1 ص 221 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 109.

قال: قال أبو سفيان، و حكيم بن حزام: يا رسول اللّه جئت بأوباش الناس، من يعرف و من لا يعرف إلى أهلك و عشيرتك؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنتم أظلم و أفجر، قد غدرتم بعهد الحديبية، و ظاهرتم على بني كعب بالإثم و العدوان في حرم اللّه تعالى و أمنه» .

فقال حكيم، و أبو سفيان: صدقت يا رسول اللّه. ثم قالا: يا رسول اللّه! ! لو كنت جعلت جدك و مكيدتك لهوازن، فهم أبعد رحما، و أشد عداوة لك؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إني لأرجو من ربي أن يجمع لي ذلك كله. فتح مكة، و إعزاز الإسلام بها، و هزيمة هوازن، و غنيمة أموالهم و ذراريهم، فإني أرغب إلى اللّه تعالى في ذلك» (1).

و قال في نص آخر: فصار إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فقال العباس: هذا أبو سفيان صار معي إليك فتؤمنه بسببي.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أسلم تسلم يا أبا سفيان.

فقال: يا أبا القاسم! ما أكرمك و أحلمك؟

قال: أسلم تسلم.

قال: ما أكرمك و أحلمك؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 217 و 218 عن ابن أبي شيبة، و في هامشه عن: كنز العمال برقم {30173} و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و 80 و مجمع البيان ج 10 ص 556 و البحار ج 21 ص 104 و 128 و 129 و المغازي للواقدي ج 2 ص 815 و 816 و 817 و 818 و تاريخ الخميس ج 2 ص 81.

قال: أسلم تسلم.

فوكزه العباس و قال: ويلك إن قالها الرابعة و لم تسلم قتلك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : خذه يا عم إلى خيمتك.

و كانت قريبة، فلما جلس في الخيمة ندم على مجيئه مع العباس، و قال في نفسه: من فعل بنفسه مثل ما فعلت أنا؟ جئت فأعطيت بيدي، و لو كنت انصرفت إلى مكة فجمعت الأحابيش و غيرهم فلعلي كنت أهزمه.

فناداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيمته، فقال: «إذا كان اللّه يخزيك» .

فجاءه العباس، فقال: يريد أبو سفيان أن يجيئك يا رسول اللّه.

قال: هاته.

فلما دخل قال: ألم يأن أن تسلم؟

فقال له العباس: قل، و إلا فيقتلك.

قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه.

فضحك «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: رده إلى عندك.

فقال العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف فشرفه.

فقال: من دخل داره فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات، هي التالية:


1) البحار ج 21 ص 118 و 119 عن الخرايج و الجرايح ج 1 ص 163.

إنه ليس بملك:

إنهم قد رووا: أن العباس إنما رفض مقولة أبي سفيان: «أصبح ابن أخيك و اللّه عظيم الملك» ، من حيث إن ذلك يستبطن عدم اعترافه بنبوته «صلى اللّه عليه و آله» . . و إلا فقد قال تعالى عن داود: وَ شَدَدْنٰا مُلْكَهُ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطٰابِ (1).

و قال حكاية عن سليمان: قٰالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. . (2)

من الذي كان مع أبي سفيان؟ ! :

و قد اختلفت الروايات في الأشخاص الذين كانوا مع أبي سفيان، و في إسلامهم معه و عدمه، و في أمور كثيرة أخرى. .

فرواية تقول: لم يشعر أهل مكة برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل العقبة. و كان أبو سفيان و عكرمة بن أبي جهل قد خرجا يتجسسان خبرا، و نظرا إلى النيران، فلم يعلما لمن هي. .

ثم لقيهما العباس، فاصطحب أبا سفيان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رجع عكرمة إلى مكة (3).

و لكن روايات أخرى ذكرت: بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام. و لم تذكر عكرمة.


1) الآية 20 من سورة ص.

2) الآية 35 من سورة ص.

3) البحار ج 21 ص 118 عن الخرايج و الجرائح ج 1 ص 162.

و بعضها ذكر: أن بديلا و حكيما رجعا إلى مكة، و لم يذهبا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع العباس و أبي سفيان.

و بعضها الآخر يقول: بل ذهبا معهما إليه «صلى اللّه عليه و آله» .

لم يبلغهم حرف واحد:

و في حين يقول عروة: عمّيت الأخبار عن قريش، فلم يبلغهم حرف واحد عن مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يدرون ما هو فاعل، و هم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم. . يعود عروة هذا ليناقض نفسه، فيقول: لما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح، بلغ ذلك قريشا.

و قوله الأول هو الصحيح، لأن الرواية عن ابن عباس و غيره تؤيده. بالإضافة إلى نصوص كثيرة أخرى.

و رغم أن الرواية الثانية قد صرحت: بأن قريشا قالت لأبي سفيان: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، فإنها أيضا قد صرحت: بأن أبا سفيان و من معه لم يخطر في بالهم أن يكون هذا الجيش العظيم الذي يرونه هو للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل ذهبت أوهامهم إلى خزاعة تارة، و إلى تميم أخرى، و إلى ربيعة ثالثة، ثم إلى هوازن رابعة. .

تزوير الحقائق:

و لكن ما نريد أن نبينه للقارئ الكريم هو أن كتابنا هذا قد حفل بالكثير الكثير مما يشير إلى تزوير عروة و أضرابه للحقائق، و اختلاقهم للترهات، رغم شدة تحاشينا في هذا الكتاب عن الإستغراق في مناقشة أقوال هؤلاء الناس، الذين أرادوا أن يستأثروا لأنفسهم بمقام ليسوا من

أهله، ألا و هو مقام حفظ العلم، و الشريعة، و التاريخ، و كل الحقائق التي تحتاجها الأمة عبر الأجيال، مع أنهم إنما قدموا لها بحرا زاخرا بالأباطيل و الأضاليل، و الخزعبلات، و الخرافات، حتى إذا ضاقت بهم السبل، و اضطروا للاعتراف بشيء من الحقيقة، فإنك تراهم يثيرون حولها أجواء من الريبة و الشك و الإتهام، و يشبعونها حذلقة، و تمويها و تشويها.

عشرة آلاف نار لماذا؟ ! :

و لسنا بحاجة إلى بيان أهدافه «صلى اللّه عليه و آله» حين أمر أصحابه بإيقاد عشرة آلاف نار. . الأمر الذي بهر عتاة و جبابرة أهل الشرك، و فراعنة قريش.

و قد تقدم: أن أبا سفيان، و حكيم بن حزام، و ابن ورقاء فزعوا فزعا شديدا حين رأوا تلك النيران، كأنها نيران عرفة.

و لو لا أنهم رأوا القباب و العسكر الجرار، و سمعوا صهيل الخيل، و رغاء الإبل، لأمكن أن يتسرب إلى أوهامهم احتمال أن تكون فئة صغيرة هي التي أوقدت هذه النيران الكثيرة.

لقد تأكد لديهم:

1-أن من يوقد هذه النيران، يريد أن يعلم أعداءه بحضوره، غير آبه بهم، و لا خائف منهم. . و أنه لم يأت متسللا، و لا مغيرا يريد أن يربح المعركة عن طريق المباغتة، لتعوض المباغتة ضعفه، أو لتوهن شيئا من قدرات عدوه. .

2-إنه يريد بإيقاد هذه النيران الكثيرة أن يظهر حجم قوته،

و حضورها، و سعتها و امتدادها، لتساعد تلك النيران أولئك الناظرين الذين قد يكونون في مرتفع، على رؤية أول و آخر رجل جاء لقتال عتاة الشرك، من دون أن تغرقهم عيونهم في ضباب الإبهام، بسبب الظلمة التي قد تمنع العيون من الإحاطة بها.

و تبين حجم الامتداد و السعة إذا كان ذلك الجيش عشرة آلاف مقاتل، و معهم الخيول المقاتلة، و الإبل الحاملة للأثقال، و المساعدون، و ربما الكثير من النساء، و الأتباع. . فإن ذلك يحتاج إلى مساحات شاسعة في حركة ذلك الجمع و في نزوله على حد سواء.

إذن، فقد كان طبيعيا أن يتحير أبو سفيان و من معه في هوية هذا الجيش الذي أمامهم هل هو خزاعة، أو تميم، أو ربيعة؟ ! .

إن لقيت محمدا فخذ لنا أمانا:

و أما بالنسبة إلى ما رواه عروة: من أن قريشا قالت لأبي سفيان: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، فلا يمكننا تأييده. خصوصا إذا صدقنا عروة في زعمه: أن قريشا كانت قد علمت بمسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

لأنها إن كانت تعلم بمسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، أو لو علمت بالمسير دون أن تعلم بالمقصد، فإن المفروض بها: أن تحتاط للأمر، و تتجهز للقائه في ساحات القتال. .

إلا إذا كان قد بلغ بها الضعف حدا يدعوها للاستسلام على كل حال. . ففي هذه الحالة لم يكن ثمة داع لاستسرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمسيره، و بمقصده؟ !

اللهم إلا إذا فرض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعلم بضعف قريش هذا. . و هو أمر لا مجال لقبوله، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مطلعا على أحوال مكة، واقفا على قدراتها، عارفا بنواياها، و توجهاتها.

بل إن الأمر قد كان ميسورا لأي قائد آخر، إذ إن عهد الحديبية قد سهّل انتقال أخبار مكة و أهلها إليه، خصوصا من مسلمي مكة الذين كانوا منتشرين في مختلف البيوت، و من جميع الطبقات و الفئات.

العباس الناصح لقريش على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و واضح: أن ركوب العباس على بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بحثه عن رسول يرسله إلى قريش، لا يمكن أن يكون بدون علم النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، بل ذلك-فيما يظهر-داخل في صلب خطة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأخذ مكة من أولئك الجبارين و الظالمين من دون قتال، و ذلك باعتماد طريقة ترسيخ القناعة لدى أقطابها بعجزهم عن مناجزته الحرب، إلا إذا كانوا يريدون أن يلقوا بأيديهم إلى الدمار و البوار.

و قد كان العباس أفضل رسول إلى قريش و زعمائها، فإنهم على قناعة تامة بأنه لا يمكن أن يفرط بهم، كما أثبتته لهم تجربتهم الطويلة معه. .

فإذا جاءتهم النصيحة من قبل العباس، فإنهم لا يرفضونها، و لا يستغشونه.

و قد ظهر من تفدية أبي سفيان للعباس بأبيه و أمه، مدى عمق علاقة المودة و الصفاء فيما بينهما، حتى إنه يجعل نفسه رهن إشارة العباس. .

ثم يظهر العباس هنا بمظهر القوي الحازم، الذي يفرض رأيه و قراره

بدون أي تحفظ، بل هو يقول لأبي سفيان: ثكلتك أمك و عشيرتك.

على أن نفس ركوب العباس بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من شأنه أن يطمئن أولئك المعاندين و المستكبرين إلى أن مكانة أبي الفضل محفوظة عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن كلمته مؤثرة لديه.

كما أن أحدا من المسلمين لا يجرؤ على إخفار جواره، إذا دخلوا هذا المعسكر العرمرم معه و في حمايته، فكيف إذا أردف رأس الشرك خلفه، و حمله معه؟

فالعباس بعد كل هذا هو الوسيلة الأكثر أمنا في الطريق، و الأكثر فاعلية و تأثيرا لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و ربما يكون هناك اتفاق على طريقة عمل فيما بين العباس و بين هؤلاء، و قد تغاضى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن التصريح للعباس بمعرفته بها. . و استفاد العباس في الوصول إلى الهدف الكبير و الخطير، ألا و هو دخول مكة من دون إراقة دماء. . كما سيتضح في المطالب التالية. .

علم العباس بمكان أبي سفيان:

و بعد. . فإننا لا نستطيع أن نصدق ما يذكرونه من أن العباس قد ذهب إلى الأراك يبحث عن حطاب، أو عن صاحب لبن ليرسله إلى قريش ليحذرها من هذا الجيش القادم، و يدعوها إلى المبادرة إلى أخذ الأمان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

بل الذي يظهر من مسار الأحداث هو: أن العباس كان عالما بمكان أبي سفيان، و بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام، و قد قصدهم ليأتي بهم. .

الأمر الذي يشير إلى أنه قد يكون هناك اتفاق فيما بينه و بينهم على كل ما يجري، إذا أردنا أن نظن أنه كان معهم من أول الأمر، ثم لما رأوا الجيش أرسلوه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، و توسط لهم لديه، ثم عاد ليأتي بهم. و لعله كان يظن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يلتفت إلى طبيعة حركة العباس في التمهيد لاستسلام أبي سفيان.

و الذي يدعونا إلى اعتماد هذا الاتجاه: أننا لا حظنا فيما سبق أن العباس كان من الطلقاء، و أن الدلائل و الشواهد لا تؤيد هجرته و لا حتى ملاقاته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا في ذي الحليفة، و لا الجحفة، و لا السقيا، و لا الأبواء، و لا. . و لا. .

و قد لا حظنا هنا أيضا ما يلي:

1-إنه لا معنى لقولهم: إن العباس قد ذهب يبحث عن حطاب، أو صاحب لبن، ليرسله إلى أهل مكة. . إذ إن الوقت كان ليلا، و لا يوجد حطاب و لا صاحب لبن في هذا الوقت. .

2-إن الحطاب أو صاحب اللبن إن كان من أهل مكة، فإنه لا يأتي من مكة كل هذه المسافة، بل هو يحتطب و يرعى في محيط مكة نفسها.

و إن كان ممن يسكن الأراك، و مر الظهران، فلماذا يبحث عن حطاب أو صاحب لبن {راع} و يترك سكان البيوت في تلك المنطقة، فليقصدهم، و ليكلف واحدا منهم بهذه المهمة. .

3-إن أمرا بهذه الخطورة، و قرارا بهذا الحجم، و هو: أن يستسلموا، و يسلموا مكة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يصدق فيه حطاب، أو صاحب لبن، بل هو يحتاج إلى آراء الرجال التي يسكن إليها، و يعتمد

عليها، فكيف إذا كان هذا الرسول ممن يظن فيه أن يكون العدو قد أرسله إليهم، ليسقط مقاومتهم، و يضعف إرادتهم، و يؤثر على قرارهم عن هذا الطريق، و بهذا الأسلوب. .

4-لماذا خرج العباس بهذه المهمة ليلا، و لم يخرج لها نهارا؟ !

5-ما هذه الصدفة التي جعلت العباس يسمع كلمات أبي سفيان و يفهمها، في حين كان أبو سفيان يحتاج إلى أن يتكلم بصوت خفيض لكي لا يشعر ذلك الجيش أو حرّاسه بوجوده.

كما أن المفروض: أن العباس يركب بغلة لا تراعي في مسيرها عنصر السرية، و لا تسعى لإخفاء أصوات وقع حوافرها، و لعلها أصوات قوية، لما تصادفه في طريقها من الحجارة و غيرها، خصوصا مع عدم قدرتها على الرؤية التي تمكنها من تجنب بعض الأحجار الكثيرة و سواها بسبب الظلام.

فلماذا لم يسمع أبو سفيان و رفيقاه وقع حوافر بغلة العباس، ليختاروا السكوت حتى يتبين لهم من يقصدهم؟ ! فلعله من أعدائهم الذين يجب أن يحترزوا منهم؟ !

عمر و أبو سفيان:

و قد أكدت النصوص أيضا هذه النتيجة التي انتهينا إليها، فقد روي عن أبي ليلى، قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمرّ الظهران، فقال: «إن أبا سفيان بالأراك فخذوه» فدخلنا، فأخذناه (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 214 و 215 عن الطبراني، و مجمع الزوائد ج 5 ص 172 و {ط دار الكتب العلمية} ج 6 ص 169 و المعجم الكبير ج 7 ص 76.

فبينما هم-يعني أبا سفيان، و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء- كذلك، لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثهم عيونا له، فأخذوا بخطم أبعرتهم.

فقالوا: من أنتم؟

فقالوا: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه.

فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش، نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ (1).

و رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال للناس: إنكم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه (2).

و عن عكرمة: أن أبا سفيان لما أخذه الحرس قال: دلوني على العباس، فأتى العباس فأخبره الخبر، و ذهب به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

فنستفيد من هذه النصوص، و من جميع النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرشدهم إلى وجود أبي سفيان بالقرب منهم، و حدد لهم المكان الذي كان فيه، و أمرهم بأخذه، فأخذوه و من معه من دون أن يشعروا، و يبدو أن العباس كان مع تلك المجموعة، فطلب أبو سفيان


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 215 عن ابن عقبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 17.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و {ط دار المعرفة} ص 17.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 215 عن ابن أبي شيبة، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 314 و كنز العمال ج 10 ص 526 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 43 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 532.

منه أن يتولى حمايته، و إيصاله إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليأمن على نفسه، فحمله على البغلة التي أذن له النبي «صلى اللّه عليه و آله» بركوبها، لعلمه بالحاجة إليها خصوصا في هذا المورد.

ثم لقيهم عمر بن الخطاب في الطريق و عرف أبا سفيان، فحاول أن يستفيد من الفرصة لإظهار حرصه و غيرته على الإسلام، و شدته في مناوأة أعدائه، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأذن له في قتله.

و لعله كان يعلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لن يأذن له، و ذلك قياسا على الموارد الكثيرة جدا التي لم يستجب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لطلبه فيها و لو مرة واحدة بأن يأذن له بقتل أسرى.

ترهات و أكاذيب:

و بعد ما تقدم نقول:

إن أبا سلمة و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: أخذ أبو سفيان و أصحابه و كان حرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من الأنصار، و كان عمر بن الخطاب تلك الليلة على الحرس، فجاؤوا بهم إليه.

فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة.

فقال عمر، و هو يضحك إليهم: و اللّه لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم.

قالوا: قد و اللّه أتيناك بأبي سفيان.

فقال: احبسوه، فحبسوه حتى أصبح، فغدا به على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قال ابن عقبة: لما دخل الحرس بأبي سفيان و صاحبيه، لقيهم العباس

بن عبد المطلب، فأجارهم (1).

و نقول:

أولا: من الواضح: أن النصوص المتقدمة و هي الأكثر عددا، و الأوضح سندا و المعتمدة لدى المحدثين و المؤرخين، تدحض هذه المزاعم و تسقطها.

ثانيا: بالنسبة لما قيل من أنه لما دخل الحرس بأبي سفيان و صاحبيه لقيهم العباس فأجاره نقول: إنه لا يصح إجارة المحارب بعد أسره. . و ذلك واضح.

ثالثا: لا ندري لماذا جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحرس من خصوص الأنصار، و لم يجعل بينهم أحدا من المهاجرين، و لا من غيرهم من مسلمي سائر البلاد، إلا إذا كان يتهم المهاجرين بمحاباة قومهم، أو بالتواطؤ معهم ضده. .

كما إننا لم نفهم لماذا خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن المألوف منه في الموارد المشابهة، و جعل هنا فقط خصوص عمر-و هو من المهاجرين -على جماعة الأنصار؟ !

بديل بن ورقاء خزاعي:

و زعمت بعض النصوص: أن بديل بن ورقاء هو الذي توهم أن ذلك


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 215 عن ابن أبي شيبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 79 و {ط دار المعرفة} ص 17 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 359 و نيل الأوطار ج 8 ص 169 و فتح الباري ج 8 ص 5 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 548 و البداية و النهاية ج 4 ص 331.

الجيش النبوي العظيم الذي رأوا نيرانه هو قبائل خزاعة.

و يرد عليه: أن بديل بن ورقاء كان خزاعيا، و كان يعرف خزاعة و حججها، و هذا يرجح الرواية التي تقول: إن رجلا آخر قال: هذه خزاعة، فقال له بديل: هؤلاء أكثر من خزاعة (1).

ما هذا التصافي و الإنسجام؟ ! :

ثم إن ما يثير العجب هنا هو هذا التوافق و الإنسجام التام بين بديل بن ورقاء، الزعيم الخزاعي، و بين زعماء قريش، التي شاركت في البطش بقومه، و ارتكبت مجزرة رهيبة في حقهم، و نقضت العهد مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتعدي عليهم. . مع كون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما يقدم مكة بهذا الجيش غضبا لخزاعة، و سعيا لتأديب قريش، و القضاء على بغيها و جبروتها الظالم.

و يؤكد هذا الذي نقوله: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أجاب حكيم بن حزام بقوله: «أنتم أظلم و أفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية، و تظاهرتم على بني كعب-يعني خزاعة-بالإثم و العدوان، و في حرم اللّه و أمنه» . قال بديل بن ورقاء الخزاعي: «صدقت-و اللّه-يا رسول اللّه، فقد غدروا بنا. و اللّه لو أن قريشا خلوا بيننا و بين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا» (2).

فإذا كان بديل يرى قريشا غادرة فاجرة، فما هذا التعاون و الانسجام


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 78 و {ط دار المعرفة} ص 16.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 80 و {ط دار المعرفة} ص 19.

مع زعمائها ضد حليفه الذي جاء لنصره، و رفع الظلم عنه؟ !

و الأكثر غرابة هنا: أن يكون هذا الود و الصفاء بين بديل و بين أبي سفيان بالذات، فإن أبا سفيان هو الذي أرسلته قريش إلى المدينة ليحتال على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و على المسلمين، ليضيع دماء أبنائهم، و ليساعد الغدرة و الظلمة في غدرهم و ظلمهم، و في التغطية عليهم، و إنكار حق خزاعة حتى بديات قتلاهم.

و قد قلنا فيما سبق:

إن فعل أبي سفيان هذا لعله أفحش و أقبح من فعل ناقضي العهد، و مرتكبي الجرائم في حق خزاعة. .

حماس عمر لقتل أبي سفيان:

و قد قرأنا في تلك النصوص أيضا: شدة حماس عمر لقتل أبي سفيان بمجرد أن رآه مع العباس على بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لكن ذلك يثير لدينا ألف سؤال و سؤال عن مدى وعي عمر للأمور، و تقديره لها، و غير ذلك. . و أول سؤال يقفز إلى الذهن هو: هل كان دائما يتحمس لقتل أبي سفيان بيده حتى في ساحات القتال في المعارك السابقة؟ !

و إذا كان كذلك، فهل هو في مستوى حماسه لقتله حين رآه أسيرا في يد أهل الإسلام، لا حول له و لا قوة؟ !

أم أنه كان في ساحات القتال في زمرة الضعفاء من المقاتلين، و في طليعة المنهزمين حين تستعر نار الحرب، و يروج سوق الطعن و الضرب؟ !

و هل كان في الصفوف الأولى يبارز الفرسان، و يناجز الشجعان؟ أم

كنت تراه في الصفوف الخلفية، يحتمي بغيره، و مشغولا بحفظ نفسه؟ !

تناقضات مواقف عمر و أبي بكر:

و قد كان عمر لم يزل يطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعه يضرب عنق هذا الأسير و ذاك. . و قد تكرر منه ذلك مرات كثيرة جدا، و كان هو المطالب بقتل أسرى بدر، حتى رووا في ذلك روايات شنيعة المضمون، من حيث إنها تهدف إلى الطعن بالرسول الأكرم نفسه «صلى اللّه عليه و آله» -حسبما تقدم بيانه في غزوة بدر، في فصل الغنائم و الأسرى.

و قد كان أبو بكر قرين عمر، وصفيه و حبيبه و نجيّه، و كانا معا يدا واحدة في كل ما يجري، فلماذا نجد لأبي بكر مسارا آخر في هذه الأمور بالذات؟ فكيف اتفقا في سائر القضايا و اختلفا في خصوص هذا الأمر؟ !

بل لم نسمع أن أبا بكر قد أيد عمر في مواقفه هذه إلا مرة واحدة، و انعكست الأمور بينهما في مرة واحدة أيضا. . أي أن عمر كان هو الميال للقتل و العنف، و كان أبو بكر باستمرار هو الذي يهدئه، و يفثؤه، و يردعه عن مضايقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يمنعه من مواصلة الإلحاح عليه. . باستثناء مورد واحد، انعكست فيه الأمور، و تبدلت المواقف، فصار عمر هو حمامة السلام، و الداعي للصلح و المداراة و الوئام. . و أصبح أبو بكر في موقع المصمم على الحرب و القتال مهما كانت النتائج. .

و لكن هذا التفاوت قد ظهر حين أصبحت الحرب مع المسلمين الرافضين للإعتراف بشرعية خلافة أبي بكر، و أصروا على عدم إعطائه

الزكاة، و لم يكفروا بعد إسلامهم (1)، فأصر أبو بكر على حربهم.

و أطلق كلمته المشهورة: «لو منعوني عقال بعير لجاهدتهم {أو لقاتلتهم} عليه» (2).

و المورد الواحد الذي اتفق فيه هذان الرجلان هو: مخالفة أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قتل أصل الخوارج، فنشأ عن مخالفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه مفسدة عظمى حاقت بالأمة، و لا تزال آثارها تتفاعل فيها إلى يومنا هذا.

فقد رووا: أن أبا بكر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إني مررت بوادي كذا و كذا، فإذ رجل متخشع، حسن الهيئة، يصلي. .

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إذهب إليه فاقتله.

فذهب إليه، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: إذهب فاقتله.

فذهب إليه فرآه على تلك الحال فكره أن يقتله.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : اذهب فاقتله. . فذهب إليه فلم يجده.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن هذا و أصحابه يقرؤون القرآن لا


1) راجع: المحلى لابن حزم ج 11 ص 193 و فرق الشيعة ص 7 و المقالات و الفرق ص 4 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 255 و تاريخ الردة ص 10 و راجع: مجمع الأمثال ج 2 ص 65 و الفتوح لابن أعثم ج 1 ص 58.

2) راجع مصادر ذلك تحت عنوان: الجرأة على الدماء.

يجاوز تراقيهم. و ذكر حديث الخوارج و مروقهم من الدين، و في آخره: فاقتلوهم هم شرّ البرية (1).

و في نص آخر: فقال علي «عليه السلام» : أفلا أقتله أنا يا رسول اللّه؟ !

قال: بلى أنت تقتله إن وجدته. . فانطلق علي «عليه السلام» فلم يجده. . أو نحو ذلك (2).

و لكن ما يمكن أن نعتبره قاسما مشتركا فيما بين جميع هذه الموارد هو:

أن هذا المورد الأخير قد جاء موقفهما فيه مخالفا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) مسند أحمد ج 3 ص 15 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 155 و 156 و مجمع الزوائد ج 6 ص 225 و 226 و 227 و البداية و النهاية ج 7 ص 299 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 266 و 267 و الكامل في الأدب ج 3 ص 220 و 221 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 351 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 376 و 378 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 96 و الغدير ج 7 ص 216 و أهمية الحديث عند الشيعة للشيخ أقا مجتبي العراقى ص 217 و فتح الباري ج 12 ص 266 و الفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 121.

2) كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 360 و 361 و العقد الفريد ج 2 ص 404 و راجع المصنف للصنعاني ج 10 ص 155 و 156 و مجمع الزوائد ج 6 ص 226 و 227 و المناقب لابن شهر اشوب ج 3 ص 187 و 188 عن مسند أبي يعلى، و الإعانة لابن بطة، و العكبري. و زينة أبي حاتم الرازي، و كتاب أبي بكر الشيرازي و غيرهم و الطرائف ج 2 ص 429 و البداية و النهاية ج 7 ص 298 و الغدير ج 7 ص 216 و حلية الأولياء ج 2 ص 317 و ج 3 ص 227 و الإصابة ج 1 ص 484 و النص و الإجتهاد ص 93 و 94 عن بعض ما تقدم.

و موقف أبي بكر في قتل مانعي الزكاة هو الآخر مخالف للّه و لرسوله. . و قد عاد عمر إلى رأي أبي بكر و وافقه عليه أيضا. .

كما أن طلبات عمر المتكررة بأن يجيز له الرسول قتل هذا و ذاك قد جاءت كلها على خلاف ما يريده اللّه و رسوله أيضا. .

فما هذا التوافق العجيب بين أبي بكر و عمر في هذين الموردين على خلاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن تكون جميع مواقف عمر مخالفة لما يريد اللّه و رسوله في جميع المواقف المختلفة؟ ! . .

لا مبرر لقتل أبي سفيان:

1-إن عمر كان مهتما بقتل أبي سفيان، مع أنه يعلم: أن هناك مسلمين كثيرين يعيشون في مكة، و إن قتله قد يؤدي إلى ارتكاب المشركين مجزرة هائلة في حقهم فيما لو حصل هيجان عارم لا يخضع للمنطق، و لا يستجيب لنداء العقل. .

2-المفروض أن أبا سفيان قد أصبح في قبضة أهل الإسلام، و لعل ذلك يفسح المجال لاتفاقات تؤدي إلى حقن الدماء، و انطلاقة الإسلام بقوة في تلك المنطقة، فلماذا لا يترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليعالج الأمور بحكمته و رويته؟ ! . .

3-لماذا لا يسعى عمر لإدخال أبي سفيان في الإسلام؟ ألم يكن إسلام أبي سفيان أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قتله؟ ! .

مع ملاحظة: أن عمر كان يحب إسلام العباس أكثر من حبه لإسلام أبيه الخطاب لو كان حيا، لعلمه بسرور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

بإسلام عمه. .

إلا إذا كان عمر يرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما يرغب بإسلام عمه. . لأنه عمه، و لا يرغب بإسلام أبي سفيان تعصبا منه ضد بني عبد شمس، و لأنه عدوه المحارب له. فالعصبية العشائرية هي الحاكمة على مواقفه و تصرفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هذا المنطق سيء و خطير، لأنه ينتهي إلى الطعن بنبوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عصمته و حكمته، و مزاياه. و هو مرفوض جملة و تفصيلا. .

اتهام العباس لعمر بن الخطاب:

إن العباس قد سجل اتهاما صريحا لعمر في نواياه، و في نوازعه العشائرية، و تعصباته القبائلية حين قال له:

«مهلا يا عمر! فو اللّه، لو كان من رجال بني عدي ما قلت هذا. و لكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف» .

و لم يستطع عمر أن يدفع عن نفسه هذه التهمة إلا بادعاء آخر، من شأنه أن يزيد من وطأة اتهامه في نواياه، و هو أنه كان يحب إسلام العباس، لأن ذلك يسر النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

مع العلم: بأن إسلام أبي سفيان أيضا كان يسر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن هداية نسمة خير مما طلعت عليه الشمس، و لأن ذلك قد يوجب تنفيس الإحتقان في المنطقة بأسرها. و لعل إسلام غيره ليس بهذه المثابة. .

فلماذا يريد عمر قتل هذا، و لا يهتم بإسلامه، دون ذاك؟ ! .

و نريد أن لا تفوتنا الإشارة إلى أن هذا الإتهام نفسه قد يوجه إلى عمر

حين طالب بقتل أسرى بدر، حيث لم يكن فيهم أحد من بني عدي أيضا (1).

إسلام العباس. . و إسلام الخطاب:

و بعد. . فإننا لم نستطع أن نتبين وجها مقبولا أو معقولا لقول عمر: إن إسلام العباس كان أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من إسلام الخطاب. .

و إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد إسلام كل الناس، و لا يفرحه إسلام هذا أكثر من إسلام ذاك، و لعل إسلام سلمان الفارسي كان أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من إسلام العباس، إذ كان إسلام سلمان من موجبات القوة للدين، أو كان أكثر صفاء، و أعظم رسوخا، و قوة و عمقا. .

و من الذي أخبر عمر بواقع إيمان الناس، و بدرجات رسوخ الإيمان في قلوبهم؟ !

و مع غض النظر عن ذلك كله، يبقى سؤال نطالب عمر بالإجابة عنه، و هو: إذا كان قد عرف محبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لإسلام العباس، فهل هو أيضا قد عرف كراهته لإسلام أبي سفيان؟ ! .

و لماذا كان في أيام خلافته يعظم أبا سفيان و العباس و يقدمهما بصورة لافتة، فقد كان يفرش لعمر فراش في بيته في أيام خلافته، فلا يجلس عليه أحد إلا العباس بن عبد المطلب و أبو سفيان بن حرب.


1) راجع موقفه هذا في هذا الكتاب في غزوة بدر، فصل: الغنائم و الأسرى.

زاد المبرد قوله: هذا عم رسول اللّه، و هذا شيخ قريش (1).

جوار العباس:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن العباس قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنه أجار أبا سفيان.

و ذكرت أيضا: أنه أجار بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام. .

و نقول:

إنه جوار لا يصح، بل هو غير جائز، إذا كان يريد بهذا الجوار منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من التصرف المناسب في حق أبي سفيان، و في حق بديل، و حكيم. .

و يشهد لذلك: أنه لما قدم أبو سفيان المدينة يطلب تجديد عهد الحديبية، و الزيادة في المدة، و طلب من رجالات الصحابة أن يجيروا بين الناس، قد واجه رفض ذلك منهم جميعا، و كانت حجتهم أنه ليس لأحد أن يجير على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لأجل ذلك نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما لم يلتفت إلى مطالبات عمر بن الخطاب بقتل أبي سفيان، لم يقم وزنا لجوار العباس لهؤلاء أيضا، بل بقي مصرا على إجراء حكم اللّه تعالى فيهم، إن لم ينطقوا بالشهادتين.

و هذا ما يدعونا إلى القول:

إنه إن كان قد أجار أحدا من هؤلاء، حتى على رسول اللّه «صلى اللّه


1) العقد الفريد ج 2 ص 289 و الكامل للمبرد ج 1 ص 319.

عليه و آله» ، فهو مخطئ بلا ريب. و هو لا يلزم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشيء من ذلك. و قد ظهر من تعامل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معهم: أنه لم يلتفت إلى ما ادّعاه العباس من جوار. .

و إن كان العباس قد أجار هؤلاء الثلاثة: أبا سفيان، و حكيما و بديلا من سائر الناس لكي يصلوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سالمين، ليرى فيهم رأيه، فهو تصرف مقبول، و يكون قول العباس لعمر عن أبي سفيان: إني قد أجرته مجرد محاولة لحمايته من عمر، لكي لا يتسرع في الإقدام على أمر خطير كهذا. .

هل مكث أبو سفيان عند النبي صلّى اللّه عليه و آله عامة الليل؟ :

و هناك رواية ذكرت: أن العباس حين أدخل أبا سفيان و حكيما و بديلا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم. . و انتهى الأمر بإسلام بديل و حكيم، و لكن أبا سفيان طلب التأجيل.

و نقول:

أولا: إننا نشك في أن تكون هناك تفاصيل كثيرة ترتبط بشؤون الحرب و يحتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الوقوف عليها منهم، و يستغرق الاستخبار عنها هذا الوقت الطويل {عامة الليل} . لا سيما و أن هذا الجيش الكبير قد ظهر ببلادهم فجأة، و لم يكن لديهم أية فرصة للإعداد و الإستعداد، و جمع الناس من البلاد.

و لو فرض: أنه كان يريد أن يستخرج منهم بعض الأمور، فلماذا لا يوكل أمر سؤالهم عنها إلى غيره؟ !

ثانيا: إذا كان العباس قد أسلم، و كان مقيما بمكة مثلهم، فإنه هو الآخر يستطيع أن يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يريد معرفته.

و لو فرضنا: أنه كان قد خرج من مكة قبلهم، و قد استجدت أمور بعده و لم يعلم بها، فإن تلك الأمور لا تحتاج في الاستخبار عنها إلى هذا الوقت الطويل.

ثالثا: لماذا يشعرهم بأنه محتاج إلى ما عندهم ما دام أنه مسدد بالوحي الصادق؟ في حين أن المصلحة تقضي بأن يظهر لهم التسديد و الرعاية الإلهية له و لمسيرته «صلى اللّه عليه و آله» . .

إلا أن يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يتعامل مع الأمور وفق مسارها الطبيعي، لا من خلال الوحي، و الغيب، إلا في مواقع معينة، و وفق شروط و ضوابط لا تكون متوفرة في هذا الموقف. .

رابعا: هل كانوا مأمونين على ما يخبرونه في الأمور التي يسألهم، حتى لو افترضنا حاجته إلى العلم بها؟ !

ملك أم نبوة؟ ! :

لقد مضى على بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر من عشرين سنة، عاش منها ثلاث عشرة سنة في مكة، و أظهر لهم فيها تعاليم الإسلام، و بيّن للناس تعاليمه و أحكامه، و قرأ عليهم القرآن. و قد رأوا عن كثب معاملته لأصحابه، و نظرة أصحابه إليه، و تعاملهم معه. كما أنهم حتى بعد هجرته إلى المدينة في السنوات الثماني الأخيرة، لم ينقطعوا عن تتبع أخباره و رصد حركته.

و لكنهم بالرغم من ذلك كله، ما زالوا يظهرون في أفعالهم و أقوالهم ما يشير إلى خطأ فاحش في أساس نظرتهم إليه، و إلى تعاليمه. و يتجلى ذلك في حوادث فتح مكة المختلفة، فقد حفلت تصريحات كثيرة لزعمائهم، بأن ما يرونه لدى محمد «صلى اللّه عليه و آله» هو الملك. رغم أنهم قد شاهدوا الكثير من المعجزات و الكرامات الدالة على أنها النبوة، و الرعاية و الإرادة الإلهية. .

و من المفردات التي تدخل في سياق هذه السياسة من هؤلاء العتاة قول أبي سفيان للعباس أكثر من مرة: «لقد أصبح ابن أخيك-و اللّه-عظيم الملك» . أو «ما رأيت ملكا قط كاليوم، لا ملك كسرى و لا قيصر» أو نحو ذلك. .

و يجيبه العباس بأنها النبوة، و ليست الملك. .

و من ذلك أيضا: أن حكيم بن حزام حين قيل له: بايع.

قال: «أبا يعك، و لا أخر إلا قائما» .

فهو يراه ملكا مثل سائر الملوك، في فارس و الروم و غيرها، لا بد من أن يخضع الناس له إلى حد أنهم يخرون سجدا أو ركعا بمجرد رؤيته تحية له. . و كأن حكيم بن حزام أراد أن يشترط لنفسه أمرا يمتاز به عن غيره من العرب، و هو: أن لا يخر ساجدا أو راكعا في تحيته له، بل يحييه و هو قائم.

و لكن جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحكيم قد بيّن: أنه لا توجد مطالب من هذا النوع في قاموس تعامل الناس مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فهو يقول: أما من قبلنا فلن تخر إلا قائما. . أي أنه ليس في شرعنا، و لا في قراراتنا المرتبطة بالتعامل مع الآخرين أي خضوع يصل إلى حد

الركوع و السجود لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

عمر لا يراعي مجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و إذا صح ما ذكروه عن عمر بن الخطاب، من أنه قال لأبي سفيان الذي كان في محضر النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إخرأ عليها {أي على العزى} فهو غير مقبول منه من جهات:

إحداها: أنه يمثل جرأة على مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و خروجا عن الحدود، و مخالفة لأبسط اللياقات التي يفترض مراعاتها في مجالس الناس العاديين، فكيف إذا كان ذلك بمحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . سيد رسل اللّه، و أفضل مخلوقاته تبارك و تعالى؟ !

و قد أظهر أبو سفيان تقززه من هذا الفحش، فقال: أف لك ما أفحشك! أو قال: و يحك يا عمر، إنك رجل فاحش. و يمكن أن يكون قد قال الكلمتين معا أيضا.

الثانية: إن ما صنعه عمر قد جاء على سبيل استراق السمع المذموم، و بطريقة الفضول و التدخل فيما لا يعنيه، فهو إنما كان في خارج القبة، و قد ألقى كلامه من وراء الحجاب، من دون ان يدعوه أحد إلى ذلك. .

و لذلك قال أبو سفيان: «ما يدخلك يا عمر في كلامي، و كلام ابن عمي» .

أو قال: «دعني مع ابن عمي، فإياه أكلم» . و لعله قال الكلمتين معا.

الثالثة: إن هذا من الموارد التي ورد النهي عنها في القرآن الكريم بخصوصها، قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ

وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1). فلماذا يتدخل عمر و يقدم بين يدي اللّه و رسوله؟ !

و علينا أن لا نغفل الإشارة إلى تعبير أبي سفيان عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: ابن عمي، معتبرا عمر بن الخطاب رجلا غريبا عنهما، لكونه من بني عدي. فهو ينطلق من موقعه العشائري ليقطع بذلك الطريق على عمر. .

و لعل السر في أننا لم نسمع أي تعليق أو اعتراض من النبي «صلى اللّه عليه و آله» على هذا المنحى، و لم يقل لأبي سفيان أن المعيار هو الأخوة الإيمانية و القرابة الدينية لا العشائرية. . هو: أن بإمكان أبي سفيان أن يتنصل من هذا الأمر، و يفكر في أن يكون ذلك محط تفكيره و مرمى كلامه.

أبو سفيان يخاف من الأذان و الصلاة! ! :

و قد زعمت النصوص: أن أبا سفيان قد فوجئ بأذان المسلمين، و قيامهم إلى طهورهم، فسأل العباس، فأجابه بأنها الصلاة.

و نقول:

1-قد يقال: إن أبا سفيان كان قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين يصلون في مكة قبل الهجرة طيلة ثلاث عشرة سنة، و رآهم في المدينة قبل مدة يسيرة، حينما ذهب ليطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» تجديد العهد، و الزيادة في المدة، و سمع فيها الأذان، و بقي أياما يتصل برجالات المهاجرين و الأنصار، يطلب منهم مساعدته فيما جاء له. .


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

فما معنى: أن يفزع من الأذان في هذه المرة؟ !

و الحقيقة هي: أن أبا سفيان قد سمع العسكر يجيبون المؤذن بصورة جماعية، فظن أنهم قد اتفقوا على أمر بعينه.

و يدل على ذلك: أن المسلمين حين قاموا إلى طهورهم، قال أبو سفيان للعباس: «ما للناس؟ ! أمروا فيّ بشيء» ؟ !

و هذا على قاعدة: كاد المريب أن يقول: خذوني.

أو كما قال تبارك و تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ. . (1).

و نحن و إن كنا لا نستبعد احتمال أن يكون أبو سفيان قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصلي في المسلمين جماعة في المدينة. .

غير أننا نقول:

إن صلاة عشرة آلاف رجل في جماعة واحدة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا بد من أن يخيف أبا سفيان، و يحركه إلى الإستفهام. .

و نعتقد: أننا لسنا بحاجة إلى بيان: أن الوضوء الذي نسبته بعض الروايات المتقدمة إلى أبي سفيان، و أن العباس أمره فتوضأ، إنما يقصد به مجرد غسل الوجه و اليدين. . و لا يراد به الوضوء بمعناه الشرعي عند أهل الإسلام، لأن أبا سفيان لم يكن قد أسلم آنئذ.

أسلم تسلم:

لقد حاول أبو سفيان التسويف في الإقرار بالشهادتين، ربما لأنه كان


1) الآية 4 من سورة المنافقون.

يأمل بتجاوز هذه المرحلة، و هو يريد أن يحتفظ لنفسه بوضع خاص، يحفظ له محوريته بين أهل الشرك، و مرجعيته لهم.

أو على الأقل يريد أن يكون له ملك في مقابل نبوة محمد، التي حاول أن يصر على أنها مظهر من مظاهر الملك أيضا. . فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرجئ طلب الإقرار بالشهادة له بالنبوة.

فأعطاه «صلى اللّه عليه و آله» فرصة ليتدبر أمره في تلك الليلة. و في اليوم التالي: عاد ليكرر ذلك الطلب عليه، و يعود أبو سفيان إلى المراوغة مرة بعد أخرى، معتمدا على معسول من الكلام ظنا أنه يبلّغه إلى ما يريد. .

و لكن القضية لم تكن قابلة للإستمرار، لأن أبا سفيان ظل منذ أن بعث اللّه محمدا «صلى اللّه عليه و آله» يرتكب أعظم الجرائم و الموبقات و يحارب اللّه و رسوله، و يتسبب بإزهاق الأرواح، و ظلم النفوس، و العدوان على الناس في كراماتهم، و في حرياتهم، و في جميع الشؤون. . و لا بد من إزالة تبعات ذلك كله، إما بالجزاء العادل، و هو مواجهة القتل في الدنيا و العذاب في الآخرة، فيما لو أصر على اللجاج و العناد، و على إعلان الحرب على الحق و أهله بالسيف، و بالكلمة، و بالموقف. و هذا في حد نفسه جرم عظيم، و ظلم جسيم للدين و للمؤمنين. . و لا مجال للتجاوز عنه أو التساهل فيه. . لأنه يقود إلى إضلال الناس، أو إلى استمرار كثير من الضالين على ضلالهم. و إما أن يتراجع عن شركه، و يعلن إسلامه، و بطلان ما كان عليه، و يقر بخطئه في مواقفه، و في ممارساته السابقة. و بذلك يستفيد من سماحة الإسلام الذي منحه عفوا في الدنيا عن جرائمه و عفوا في الآخرة إن تاب توبة نصوحا. .

فيكون باختياره للإسلام قد سهل مهمة انتشار دعوة الحق، و ازال من أذهان بعض المستضعفين الذين يرتبطون به، بنحو أو بآخر، أية شبهة، و رفع أنواع الضغط النفسي، الذي كان يشعر به هؤلاء أو غيرهم، و يمنعهم من الدخول في هذا الدين. .

و لأجل ذلك: كرر عليه النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قوله: أسلم تسلم. أي أنه يسلم من العقوبة على جرائمه في الدنيا على أقل تقدير، حسبما بيناه. .

و بذلك يظهر: أن هذه الكلمة لا تعني أن الإسلام يقهر على الإيمان، أو أنه انتشر بالسيف. .

بل هي تعني: أن الذي يرتكب جريمة محاربة الحق، و يحارب اللّه و رسوله، و يسعى في قتل أهل الحق لا يسلم من الجزاء العادل على عدوانه هذا إلا إذا أعلن تراجعه عن موقفه هذا. . و اعترف بخطئه فيما ارتكبه من جرائم. .

و قد تفضل اللّه تعالى عليه بهذا العفو، لأنه يريد أن يوفر على الأمة خسائر أكبر قد تنشأ من مواصلته مسيرته الإجرامية، حين يرى أنه هالك لا محالة. .

المعادلة التي اعتمد عليها أبو سفيان:

و قد استند أبو سفيان في تقرير بطلان الشرك إلى معادلة تقول: إنه لو كان هناك إله آخر لكان أغنى عنه شيئا في بدر، و في أحد، و في سواهما.

و لكن ليت شعري لماذا لم يأخذ بهذه المعادلة منذ بدر، أو أحد، أو

الخندق، ليكون قد وفر على الأمة تلك الويلات و المآسي التي أصابتها بسبب بغيه و إصراره على الجحود و العدوان؟

علما بأن طريقته هذه لا تؤدي إلى التوحيد التام، و إن كان هو قد نوه بذلك، لأن كلامه يدل على أن إله محمد «صلى اللّه عليه و آله» محق و إله أبي سفيان مبطل، و لكنه لا يدل على عدم صحة دعوى تعدد الآلهة.

لو لا المعجزة لم يسلم أبو سفيان:

و تذكر رواية الراوندي: أن ذلك كله لم يقنع أبا سفيان بإعلان إسلامه، رغم تحذير العباس له بأنه إن لم يسلم جوزي بالقتل. .

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عامله أيضا بالرفق، حيث أمر العباس بأن يأخذه إلى خيمته، و صار أبو سفيان يحدث نفسه: بأنه لو جمع الأحابيش، فلعله كان يهزم هذا الجيش، و إذ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يناديه من خيمته، و يقول له: «إذن كان اللّه يخزيك» .

و كان لا بد لأبي سفيان من أن يخضع للأمر الواقع فقد طفح الكيل، و بلغ في لجاجه حدا لم يعد له عذر فيه، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرأ نواياه، و أقر أبو سفيان بالشهادتين مرغما ليحقن بذلك دمه.

فوفر على الناس المزيد من الخسائر، و انسحب من ساحة الصراع المسلح، ليدير صراعا آخر، و بطريقة أخرى، ليكون صراعا من الداخل يهدف إلى السعي للحصول هو و حزبه على أكبر قدر من المكاسب، بل على أهم المواقع و المناصب. .

و أصبح كما يقول صاحب الإستيعاب و غيره: كهفا للمنافقين (1).

و لهذا البحث مجال آخر.

العتاب و الجواب:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن أبا سفيان و حكيم بن حزام قد عاتبا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأسلوب يفتقر إلى أبسط قواعد اللياقة و الأدب. حيث وصفا الجيش الذي كان معه بأنهم أوباش الناس، جاء ليحارب بهم أهله و عشيرته. .

و قد نسيا:

أولا: أن أبا سفيان نفسه لم يزل يجمع الأحابيش و الأوباش و غيرهم، لمحاربة من هو من أهلهما و عشيرتهما طيلة ما يقرب من عقد من الزمن. بل إن أبا سفيان لم يتلفظ بالشهادتين إلا بعد أن أعلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه يحدّث نفسه لو أنه جمع الأحابيش لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو من أهله و عشيرته. .

ثانيا: إن حرب أبي سفيان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي هو من أهله و عشيرته، ما هي إلا حرب بغي و ظلم، و هتك لحرمات اللّه تعالى. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 351 و الإستيعاب {ط دار الكتب العلمية} ج 4 ص 58 و {ط دار الجيل} ص 1678 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 104 و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 58 و راجع: الغدير ج 3 ص 253 و ج 8 ص 278 و شيخ المضيرة لأبي رية ص 161 و النصائح الكافية لابن عقيل ص 110.

ثالثا: هل الاستعانة بمن يعرف و من لا يعرف لدفع الظلم و إقامة العدل، قبيحة و مرفوضه! ! و لا يكون غدر قريش بخزاعة في حرم اللّه و أمنه و نقضها لعهد الحديبية، و سعيها في تكريس نتائج الغدر-لا يكون-قبيحا و مرفوضا؟ !

إن ذلك كله يبين لنا مدى صدقية قوله «صلى اللّه عليه و آله» لحكيم بن حزام و لأبي سفيان:

«أنتم أظلم و أفجر، قد غدرتم بعهد الحديبية، و ظاهرتم على بني كعب بالإثم و العدوان، في حرم اللّه تعالى و أمنه» .

و أما تحريضهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على هوازن، فلم يكن يهدف إلى إقامة الحق، و إجراء سنة العدل في هوازن على يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل كان من منطلق ظالم، و غير منطقي، لأنهم استندوا في إغرائه بهم إلى أنهم أبعد رحما، و أشد عداوة له. و ليس هذا هو منطق الإسلام و نبي اللّه تعالى.

و قد جاءت إجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهما شديدة الوقع، بالغة الأثر، حيث قال:

«إني لأرجو من ربي أن يجمع لي ذلك كله: فتح مكة، و إعزاز الإسلام بها، و هزيمة هوازن، و غنيمة أموالهم، و ذراريهم» .

و قد تضمنت هذه الكلمات كل ما يغيظ الكفار و يذلهم، و يخزيهم. . لأن جمع ذلك كله له سيكون بالنسبة إلى أبي سفيان و ابن حزام من أعظم الكوارث عليهما و على أهل الشرك. . بل إن الفوز بأية مفردة من تلك المفردات سيكون فيه أعظم الخزي و الذل للشرك و أهله. . و المفردات التي

أشار إليها هي:

1-فتح مكة: التي كانوا يستطيلون بها على العرب، و يمتلكون من خلالها قلوبهم، و يفرضون إرادتهم. . و في التسلط على مكة، و إبطال نفوذهم أعظم الخزي و الذل لهم.

2-إعزاز الإسلام في نفسه و هذا أيضا سيكون من أعظم المصائب و الملمات على أهل الشرك. . فكيف إذا كان هذا الإعزاز في مكة نفسها؟ !

3-هزيمة هوازن: و هذه أيضا: فاجعة كبرى لمشركي قريش، لأنهم يرون فيها سندا قويا لهم. و سقوطها معناه: أن يفقدوا بها أملا كان يهبهم بعض السكون و الطمأنينة.

4-غنيمة أموال هوازن: و هذا معناه: أن لا تقوم لها قائمة بعدها، و أن تخرج من معادلة الحرب و الصراع بصورة تامة، و نهائية. .

5-إن الأشد إيلاما لهم: أن النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لا يعتمد في تحقيق ذلك كله على نفسه و على هذا الجيش الهائل، بل هو يعتمد على ربه تبارك و تعالى. . الذي لم يكونوا في أي وقت في موقع رضاه، بل كانوا دائما في موقع سخطه.

تصحيح اشتباه:

كان بديل بن ورقاء الخزاعي يقول: لما كان يوم الفتح أو قفني العباس بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: يا رسول اللّه، هذا يوم قد شرفت فيه قوما، فما بال خالك بديل بن ورقاء، و هو قعيد حيه؟

قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إحسر عن حاجبيك يا بديل» .

فحسرت عنهما، و حدرت لثامي، فرأى سوادا بعارضي، فقال: كم سنوك يا بديل؟

فقلت: سبع و تسعون يا رسول اللّه.

فتبسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «زادك اللّه جمالا و سوادا، و أمتعك و ولدك، لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد نيف على الستين، و قد أسرع الشيب فيه، اركب جملك هذا الأورق و ناد في الناس: «إنها أيام أكل و شرب» .

و كنت جهيرا، فرأيتني بين خيامهم و أنا أقول: أنا رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول لكم: إنها أيام أكل و شرب، و هي لغة خزاعة، يعني الإجتماع (1).

و نقول:

إننا لا نريد أن نزيد هنا شيئا على ما قاله المجلسي «رحمه اللّه» : «و المشهور: أن هذا النداء كان في حجة الوداع، لا عام الفتح» (2).


1) الأمالي لابن الشيخ ص 239 و {ط دار الطباعة و النشر-قم} ص 376 و البحار ج 21 ص 115 و ج 96 ص 308 و راجع: الإصابة ج 1 ص 141.

2) البحار ج 21 ص 116.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

القسم التاسع: فتح مكة الباب الأول: إلى مكة الفصل الأول: المجزرة 9-44

الفصل الثاني: إلى المدينة: خبر و شكوى 45-72

الفصل الثالث: أبو سفيان في المدينة تدليس و خداع 73-124

الفصل الرابع: جيوش تجتمع. . و الهدف مجهول 125-160

الفصل الخامس: ابن أبي بلتعة. . يتجسس و يفتضح 161-212

الفصل السادس: على طريق مكة 213-250

الفصل السابع: هجرة العباس و إسلام ابن الحارث و ابن أبي سلمة 251-288

الفصل الثامن: أبو سفيان في أيدي المسلمين 289-340

الفهارس 341-354

2-الفهرس التفصيلي

القسم التاسع: فتح مكة. . الباب الأول: إلى مكة الفصل الأول: المجزرة بداية:11

تاريخ فتح مكة:12

يوم خروج النبي صلّى اللّه عليه و آله من المدينة:14

يوم دخول مكة:15

مدة الإقامة في مكة:17

خطأ في البخاري:19

شهر رمضان لماذا؟ ! :21

الأحلاف في الجاهلية و الإسلام:22

حلف خزاعة:22

سبب حلف خزاعة:24

حلف أهل الباطل:25

لا حلف في الإسلام:25

مرتكزات حلف عبد المطلب و خزاعة:28

قريش تنقض العهد:29

سبب نقض العهد واحد:33

إستغلال الضغائن:33

الغدر بالضعفاء، و بالصبيان و النساء:34

القسوة. . لماذا؟ ! :35

حرمة الحرم لدى قريش:36

هل ندموا حقا؟ !37

بنو نفاثة يسرقون الحاج:38

بديل بن ورقاء و ما جرى:40

بين الثأر. . و القصاص:41

الفصل الثاني: إلى المدينة: خبر و شكوى النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر بالغيب عن نقض العهد:47

لماذا عائشة دون سواها؟ !48

حرت في أمر خزاعة:49

سلب الألطاف الإلهية:50

النبي صلّى اللّه عليه و آله. . و نصر بني كعب:52

نوفل يضيع الحق:56

غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله لبني كعب:58

نصرت يا عمرو بن سالم:59

لا نصرني اللّه إن لم أنصر بني كعب:59

السحابة تستهل بنصر بني كعب:62

دخل بيت عائشة أم ميمونة؟ ! :63

ابن ورقاء أول المخبرين:64

عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله تدمعان:66

قام و هو يجر رداءه:67

النبي صلى اللّه عليه و آله يأمر مخبريه بالتفرق في الأودية:68

الفصل الثالث: أبو سفيان في المدينة: تدليس و خداع عروض النبي صلّى اللّه عليه و آله و رفض قريش:75

مساع فاشلة لأبي سفيان:77

ترتيب الأحداث:88

سؤال و جوابه:89

على ماذا ندمت قريش؟ ! :90

أبو سفيان ينقض العهد:91

الخيارات العادلة:92

سياسات يعرفها الجميع:93

آراء لا يحسدون عليها:94

تحديد المتهم بدقة:95

عرام بني نفاثة:95

بنو نفاثة يعظمون الحرم:96

الخبر اليقين:96

رؤيا هند بنت عتبة:97

أبو سفيان هو المسؤول:97

تجديد العهد، و زيادة المدة:100

أساليب استخباراتية فاشلة:101

أبو سفيان في المدينة:102

خيار الهروب إلى الأمام:104

التدبير الصارم:106

مواقف مزعومة، بل موهومة:107

جواري جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:112

هل تجير الزهراء عليها السّلام؟ ! :114

قد أجارت أختك:114

أخت الزهراء عليها السّلام:115

مري ابنك:116

هما صبيان:117

قريش في مأزق:119

كلمي عليا:120

سيد كنانة! ! يطلب النصيحة! ! :121

قريش تتهم زعيمها:122

الفصل الرابع: جيوش تجتمع. . و الهدف مجهول استشارة أبي بكر و عمر في أمر مكة:127

أبو بكر يفشي سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:129

ذل العرب. . و ذل أهل مكة:133

حديث فاطمة عليها السّلام كان في عام الفتح أيضا:134

جهزينا، و أخفي أمرك:139

عائشة تفشي سر النبي صلّى اللّه عليه و آله:140

للمباغتة و جهان:142

مكث ما شاء اللّه:143

التجهيز لسفر مبهم:144

نجاح الخطة:145

الأخذ على الأسماع و الأبصار:146

حتى نبغتها في بلادها:147

لماذا الحديث عن قريش دون بني بكر؟ ! :147

أبو بكر و عائشة في مأزق:148

أبو بكر يصر على النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى حد الإحراج:150

أليس بينك و بينهم مدة؟ ! :152

السيطرة على المسالك:152

إلى بطن إضم:154

إشارة لما سبق:156

النفير العام:157

الحضور إلى المدينة في شهر رمضان:158

إبان المسير إلى قريش:158

الفصل الخامس: ابن أبي بلتعة. . يتجس و يفتضح اكتشاف تجسس ابن أبي بلتعة لقريش:163

نص الكتاب:166

التدخل الإلهي:168

لعلها عدة رسائل:180

مقدار الجعل على حمل الرسالة:181

هل نافق حاطب؟ ! :181

المخبأ العتيد:182

الفضل لعلي عليه السّلام:182

الحرس على الطريق و شى بالخائن:183

رسالة تهديد أم تحذير؟ ! :184

دقة معلومات حاطب:185

خبر السماء:186

ألا يكفي علي عليه السّلام وحده؟ ! :187

خذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها:188

الصلاة جامعة لماذا؟ ! :189

حاطب ينفي الشك و النفاق:192

تهديد المتهم:193

ردها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:194

حاطب يلتفت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله ليرقّ له:195

قيمة العفو. . و الاستغفار:196

عذر حاطب:197

للنبي صلّى اللّه عليه و آله أن يعفو عن حاطب:198

عمر: مرني بقتله:199

منقبة عظيمة لحاطب:200

لعل اللّه اطلع على أهل بدر! ! :202

إصرار عمر لماذا؟ ! :205

الجرأة على الدماء:206

الفصل السادس: على طريق مكة إستخلف على المدينة و خرج! ! :215

عشرة آلاف مقاتل:218

تأويلات و تفاصيل:220

لا يزال المقصد مجهولا:222

توضيح عن المقدمة:225

إلى أين يا رسول اللّه؟ ! :226

لا بد من جواب:228

حيث يشاء اللّه:229

إستنفار العرب:230

سليم تريد الحظوة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله:231

نخوة الجاهلية:232

بيض النساء و أدم الإبل في بني مدلج:233

الرفق بالحيوان. . مسؤولية شرعية:236

صيام النبي صلّى اللّه عليه و آله في السفر:239

أين أفطر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :243

حديث الصيام باطل من أصله:244

حديث شق عليهم الصوم:248

الفصل السابع: هجرة العباس. . و إسلام ابن الحارث و ابن أبي سلمة إسلام العباس و هجرته:253

وساطة أم سلمة:255

هجرة العباس آخر هجرة:262

الهجرة لم تنقطع:266

الطلقاء ليسوا من الصحابة:271

العباس يتلقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:272

أين لقي العباس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :273

تناقض و اختلاف الروايات:275

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يرد السلام و لا يقبل التوبة:275

تاللّه لقد آثرك اللّه علينا:278

و من أحسن قولا من اللّه:281

هنات و هنات في رواية الواقدي:282

ألف: اعتراض أم سلمة:282

ب: أبو سفيان بن الحارث، و الإسلام:282

ج: علم ابن الحارث بقدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:283

د: هل سيفرح المسلمون بإسلام ابن الحارث؟ ! :284

ه‌: بطولات أبي سفيان بن الحارث في حنين:285

و: يا للأنصار! يا للخزرج! ! :285

ز: سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أبي سفيان بن الحارث:285

عمر يغري بأبي سفيان بن الحارث:286

الفصل الثامن: أبو سفيان في أيدي المسلمين. . زعماء يربأ بهم النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الشرك:291

منام أبي بكر:293

جيش الإسلام في مر الظهران:294

إنه ليس بملك:307

من الذي كان مع أبي سفيان؟ ! :307

لم يبلغهم حرف واحد:308

تزوير الحقائق:308

عشرة آلاف نار لماذا؟ ! :309

إن لقيت محمدا فخذ لنا أمانا:310

العباس الناصح لقريش على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:311

علم العباس بمكان أبي سفيان:312

عمر و أبو سفيان:314

ترهات و أكاذيب:316

بديل بن ورقاء خزاعي:317

ما هذا التصافي و الإنسجام؟ ! :318

حماس عمر لقتل أبي سفيان:319

تناقضات مواقف عمر و أبي بكر:320

لا مبرر لقتل أبي سفيان:323

اتهام العباس لعمر بن الخطاب:324

إسلام العباس. . و إسلام الخطاب:325

جوار العباس

326

هل مكث أبو سفيان عند النبي صلّى اللّه عليه و آله عامة الليل؟

327

ملك أم نبوة؟ !

328

عمر لا يراعي مجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

330

أبو سفيان يخاف من الأذان و الصلاة! !

331

أسلم تسلم

332

المعادلة التي اعتمد عليها أبو سفيان

334

لو لا المعجزة لم يسلم أبو سفيان

335

العتاب و الجواب

336

تصحيح اشتباه

338

الفهارس

341

1-الفهرس الإجمالي

343

2-الفهرس التفصيلي

345