الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 19

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء التاسع عشر

ادامة القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة

الباب العاشر: بين خيبر و مؤتة

اشارة

الفصل الأول: فتح وادي القرى. . ورد الشمس

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء

الفصل الثالث: شخصيات و أحداث. . إلي عمرة القضاء

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت. . و صلاة الغائب

الفصل الخامس: إلي مكة. . لأجل العمرة

الفصل السادس: من مكة إلي المدينة

الفصل السابع: سرايا و أحداث إلي مؤنة

الفصل الأول: فتح وادي القرى. . ورد الشمس

اشارة

انصراف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من خيبر إلى وادي القرى:

و بعد فتح خيبر، انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى وادي القرى. .

قال محمد بن عمر: لما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن خيبر، و أتى الصهباء سلك على برمة، حتى انتهى إلى وادي القرى، يريد من بها من يهود.

قال أبو هريرة: نزلناها أصيلا مع مغرب الشمس، رواه ابن إسحاق.

قال البلاذري: فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا من ذلك، و قاتلوا، ففتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و غنمه اللّه أموال أهلها، و أصاب المسلمون منهم أثاثا و متاعا، فخمس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و تركت الأرض و النخل في أيدي يهود، و عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر (1).

و كان أبو هريرة يحدث فيقول: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر إلى وادي القرى، و كان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و معجم البلدان ج 5 ص 345 و فتوح البلدان ج 1 ص 39 و عن عيون الأثر ج 2 ص 151.

وهب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبدا أسود يقال له: مدعم و كان يرحّل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، و قد ضوى إليها ناس من العرب، فبينما مدعم يحط رحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد استقبلتنا يهود بالرمي حيث نزلنا، و لم نكن على تعبئة، و هم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كلا و الذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم، لم يصبها المقسم، تشتعل عليه نارا» (1).

فلما سمع الناس بذلك، جاء رجل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشراك أو شراكين، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «شراك من نار، أو شراكان من نار» .

و عبأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه للقتال، و صفّهم، و دفع


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 235 و المحلى ج 7 ص 350 و نيل الأوطار ج 8 ص 136 و عن صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 76 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 615 و سنن النسائي ج 7 ص 24 و الديباج على مسلم ج 1 ص 130 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 498 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 283 و فتوح البلدان ج 1 ص 39 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 241 و 248 و ج 5 ص 341 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 40 و عن عيون الأثر ج 2 ص 152 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 401 و 412 و ج 4 ص 631.

لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر.

ثم دعاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الإسلام، و أخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، و حقنوا دماءهم، و حسابهم على اللّه تعالى.

فبرز رجل منهم، فبرز له الزبير بن العوام فقتله.

ثم برز آخر، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» فقتله.

ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله.

ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله. حتى قتل منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحد عشر رجلا، كلما قتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام (1).

و لقد كانت الصلاة تحضر يومئذ، فيصلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى اللّه و رسوله، فقاتلهم حتى أمسوا.

و غدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا بأيديهم، و فتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و غنّمه اللّه تعالى أموالهم، و أصابوا أثاثا و متاعا كثيرا.

و أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بوادي القرى أربعة أيام.

و قسّم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، و ترك الأرض و النخيل بأيدي يهود، و عاملهم عليها.

قال البلاذري: و ولاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن سعيد


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59.

بن العاص، و أقطع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جمرة بن هوذة العذري رمية بسوطه من وادي القرى.

و نلاحظ هنا أمورا نجملها فيما يلي: 1-إن من حق كل أحد أن يدعو الآخرين إلى دينه، فإما أن يرفضوا، أو يقبلوا، و لا يستطيع أحد أن يكره أحدا على هذا الأمر، لأن القضية ترتبط بالعقل و القلب معا. فالعقل، و إن استسلم للدليل، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق الإيمان، إذ قد يلجأ إلى الجحود، و الإنكار، رغم وضوح الأمر لديه، و ذلك على قاعدة: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ (1).

2-و إن بعض الناس لا يكتفون بالجحود، فيتجاوزونه إلى الحرب و القتال، تماما كما فعل مشركو مكة، و كما فعل يهود وادي القرى، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاهم إلى اللّه تعالى، و من حقه ذلك. . و لكنهم لم يكتفوا بالإمتناع عن قبول الحق، بل أعلنوا الحرب عليه، و قاتلوه بغيا منهم، و كانوا هم الذين بدأوه بالعدوان، و استقبلت سهامهم المسلمين بمجرد وصولهم، و قبل أي سؤال أو جواب، و قتلوا أحد أصحابه حتى و هو ينزل رحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأرض.

فكان لا بد أن يواجهوا جزاء هذا البغي، و فتح اللّه تعالى بلدهم عنوة، و غنّم اللّه المسلمين أموالهم، و صارت أرضهم للمسلمين. .

3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن يمعن في مجازاتهم بما يستحقونه، بل اتخذ سبيل السهولة و العفو، فقبّلهم {أي كتب لهم بها


1) الآية 14 من سورة النمل.

قبالات، و جعلها بتصرفهم} الأرض، و عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.

4-و إن هذا العدوان السافر، الذي باشروه، قبل أي سؤال أو جواب، لم يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يعاملهم بالرحمة و الشفقة، فهو في نفس الوقت الذي يهيئ فيه جيشه، و يرفع من مستوى استعداده للردع- حيث عبأه، و أعطى الألوية و الرايات لأهلها-لم يبادر إلى المقابلة بالمثل، بل دعاهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما لهم إن أسلموا، و أعلمهم أنه ليس له طمع بأموالهم، بل المطلوب منهم هو الكف عن العدوان أولا، ثم إنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم. . فالمطلوب منهم هو إعلان الإسلام، و الحال أنه ليس مسؤولا عن دخائلهم، و ما في ضمائرهم. بل حسابهم في ذلك على اللّه تعالى. .

و قد يقال: بأن دعوة الناس إلى الإسلام بهذا الشكل-أعني مجرد إعلان الشهادتين-قد تشجع الناس على النفاق، لحقن دمائهم، و حفظ أموالهم، و هذا يشكل تهديدا حقيقيا للإسلام فيما بعد؟ ! !

و نجيب: إن هذا المحذور غير وارد، من حيث إن ذلك لا يشجع على النفاق، بل هو أول خطوة هامة جدا في سلسلة التنازلات، التي تسقط الإصرار على المقاومة، و تهيئ للإندماج الثقافي، و اعطاء المجال لإعمال الفكر و التعقل و التدبر في أمر هذا الدين و رفع العوائق عن ممارسة الحوار البناء الذي هو الخطوة الأهم على طريق الوصول إلى أسلمة المجتمعات تدريجا من خلال طي مراحل من التنازلات، التي تبقى تحت السيطرة و الهيمنة في نطاق

سياسة احتواء النشاطات المعادية و منعها عن التحرك بشكل علني و سافر، قد يشجع الكثيرين لاتخاذ نفس النهج العدواني الذي يمنع الكثيرين من رؤية الحقايق، و من التعامل معها بروية و أناة. .

5-بل هو «صلى اللّه عليه و آله» لم يكف عن دعوتهم إلى اللّه تعالى، حتى حين بدأت الحرب و استمرت. . بل كان كلما قتل رجل منهم جدّد دعوته لمن بقي منهم إلى الإسلام. . أي أنه أبقى باب النجاة أمامهم مفتوحا، و لم يتخذ بغيهم و عدوانهم ذريعة للإيقاع بهم، رغم أن ذلك أن من حقه، و هذا هو الجزاء العادل لهم، بل هو قد استمر على معاملتهم بالإحسان، الذي هو فوق العدل. .

و كان كلما حضر وقت الصلاة انصرف إليها، فيصلي بأصحابه، ثم يعود إليهم فيدعوهم إلى اللّه و رسوله. .

6-ما ذكرته الرواية المتقدمة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى لواءه إلى سعد بن عبادة، و أعطى رايات إلى عباد بن بشر، و الحباب بن المنذر، و سهل بن حنيف. . لا يمكن قبوله، فقد تقدم في غزوة أحد: أن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء-أو صاحب راية-رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد. .

7-بالنسبة لما ذكرته الرواية: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم على مدعم بكونه ليس من أهل الجنة؛ لأن الشملة التي غلها من غنائم خيبر تشتعل عليه نارا. . نقول:

قد تقدم منا حين الحديث عن غنائم خيبر، في فقرة الغلول في خيبر: أن أمثال هذه القضايا و الأخبار تحتاج إلى مزيد من التأمل و التدقيق في صحتها،

لأكثر من سبب و لا أقل من أنه أغراض بعض اصحاب المأرب الدنيئة حيث يتخذون منها وسلية للتستر، و تبرير و تقليل من بشاعة و شناعة فعل المجترئين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث اتهموه بأنه قد عل حتى احتاج إلى نزول الوحي في هذا. . فتأتي هذه الأباطيل لتقدم المبررات لشكوكهم و المسوغات، لإطلاق تلك التهم الشنيعة. . و اللّه هو العالم بالحقائق.

نوم النبي صلّى اللّه عليه و آله عن صلاة الصبح:

روى مسلم، و أبو داود عن أبي هريرة، و أبو داود عن ابن مسعود، و ابن إسحاق عن سعيد بن المسيب، و محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا:

انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وادي القرى راجعا بعد أن فرغ من خيبر و وادي القرى، فلما كان قريبا من المدينة سرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلته، حتى إذا كان قبيل الصبح بقليل نزل و عرّس، و قال: ألا رجل صالح حافظ لعينه، يحفظ علينا الفجر، لعلنا ننام؟

قال بلال: يا رسول اللّه، أنا أحفظه عليك.

فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قام بلال يصلي ما شاء اللّه أن يصلي. ثم استند إلى بعيره، و استقبل الفجر يرقبه، فغلبته عينه، فنام، فلم يستيقظ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 149 و ج 8 ص 160، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و البحار ج 21 ص 42 و ج 17 ص 120 و عن الكازروني في كتاب المنتقى، و عن الموطأ ج 1 ص 13 و تنوير الحوالك ص 33 و المحلى ج 1 ص 6 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 138 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 227 و 228 و سنن أبي داود ج 1 ص 118 و 119 حديث رقم {435} و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 217 و عن فتح الباري ج 1 ص 380 و عون المعبود ج 2 ص 73 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 402 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 423 و إرواء الغليل ج 1 ص 292 و الدر المنثور ج 4 ص 293 و الكامل ج 5 ص 326 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 242 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 403 و المغازي للواقدي ج 2 ص 711 و 712 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 77 و صحيح البخاري باب 387 من أبواب مواقيت الصلاة أبواب .

و في بعض الروايات: أن الألسنة أخذت بلالا و كان أشدهم عليه أبو بكر.

و ذكرت الروايات أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أول أصحابه هبّ، فقال: «ما صنعت بنا يا بلال» ؟

قال: يا رسول اللّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك.

قال: «صدقت» .

ثم اقتاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعيره غير كثير، ثم أناخ، و أناخ الناس فتوضأ، و توضأ الناس، و أمر بلالا فأقام الصلاة، فلما فرغ، قال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن اللّه عز و جل يقول: وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي (1)» (2).


1) الآية 14 من سورة طه.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و البحار ج 21 ص 42 عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني، و الثقات ج 2 ص 22 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 304 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» التفت إلى أبي بكر، و قال له: إن الشيطان أتى بلالا، و هو قائم يصلي، فلم يزل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى نام.

ثم دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا، فأخبر بلال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمثل ما أخبر به «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر.

فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللّه (1).

و في رواية: فاستيقظ القوم و قد فزعوا، فأمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، و قال: هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي (2).

و نقول: إن ذلك لا يصح، و قد تحدثنا عنه أكثر من مرة، فإن هؤلاء القوم ما زالوا في المواطن المختلفة يذكرون هذا الأمر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد قلنا: إن رواياتهم ظاهرة الاختلاف فيما بينها. .

(2) -ص 355 و عن الموطأ ج 1 ص 15 و راجع: كتاب الأم ج 1 ص 97 و المغازي- -للواقدي ج 2 ص 711 و 712 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 77 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 227 و 228 و سنن أبي داود ج 1 ص 118 و 119 و صحيح البخاري باب 387 من أبواب مواقيت الصلاة.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و كتاب الموطأ ج 1 ص 15.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و 60 و الموطأ ج 1 ص 14 و كتاب الأم ج 1 ص 97 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 449 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 48 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 460.

فهي تارة تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان أول من استيقظ، حسبما تقدم.

و أخرى تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استيقظ على كلام جرى بين أصحابه (1).

و من جهة أخرى: فإنهم تارة يقولون: إن ذلك كان في حال رجوعه من الحديبية.

و أخرى: في مرجعه من حنين.

و ثالثة: في مرجعه من تبوك.

و رابعة: في مرجعه من وادي القرى (2).

و من جهة ثالثة: فتارة يقولون: إن حارسهم كان بلالا كما تقدم.

و أخرى: ابن مسعود (3).

و ثالثة: أنه ذو مخبر (4). و هو رجل حبشي كان يخدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 355 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 226 و سنن أبي داود ج 1 ص 118 و 119 و نصب الراية ص 282 و 283.

2) راجع ما تقديم في المصادر التي ذكرناها في الهوامش المتقدمة بالإضافة إلى: تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 368 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 423 و مجمع الزوائد ج 1 ص 318 و 323 و سنن أبي داود ج 1 ص 1222 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1015.

3) نصب الراية ج 1 ص 282 و مجمع الزوائد ج 1 ص 318 و 319.

4) مجمع الزوائد ج 1 ص 319 و 320.

و رابعة: أنس (1).

و خامسة تقول: إنهم كانوا سبعة أشخاص، و قد ناموا كلهم (2).

و إن لا نستسيغ حتى احتمال حدوث هذه الواقعة، فضلا عن تكرارها مرات كثيرة، فإننا نبادر إلى القول: بأن ذلك كله يدل: على أن ثمة إصرارا قويا على نسبة هذا الأمر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و مما يدلنا على عدم صحة هذه الترهات:

أولا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد سرى في الناس في تلك الليلة، فذلك يعني أن الجميع مرهقون، و أنهم كلهم بحاجة إلى النوم، فالطلب من أي واحد منهم أن يبقى مستيقظا يكون على خلاف ما يقتضيه الرفق، بل فيه ترجيح من دون مرجح ظاهر، إذ لماذا ينعم هؤلاء بالراحة، و النوم الهادىء، و الأحلام اللذيذة، و يبقى ذاك الآخر يغالب نفسه ليقهرها على مواصلة السهر، و معاناة التعب؟ !

ثانيا: إن هذا النوم الذي يستغرق فيه جميع الجيش باستثناء شخص واحد، و هو نوم يأتي بعد الضنى، و التعب، و السهر، يفسح المجال لأي إنسان أو مجموعة شريرة للتسلل تحت جنح الظلام؛ للسرقة أو للفتك بمن أرادوا


1) سنن أبي داو باب من نام عن الصلاة ج 1 ص 119.

2) مسند أحمد ج 5 ص 298 و صحيح مسلم ج 2 ص 139 و مسند ابن الجعد ص 450 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 214 و اللمع في أسباب ورود الحديث للسيوطي ص 37 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 181 و تاريخ مدينة دمشق ص 28 ص 69 و ج 67 ص 144 و البداية و النهاية ج 6 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 248 و سنن أبي داو باب من نام عن الصلاة ج 1 ص 118 و 119 ح 437.

منهم، حتى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا سيما إذا كان الحارس مشغولا بالصلاة، و متوجها إلى جهة واحدة، و لا يراقب سائر الجهات، و بالأخص إذا كان ذلك بالليل، حيث الظلام يصد البصر في كل اتجاه. .

يضاف إلى ذلك: أنه إذا نام ألف و خمس مائة رجل و معهم من الإبل و الخيل المئات فإن المساحة التي يحتاجون إليها في نزولهم سوف تكون واسعة و شاسعة، يصعب مراقبة حالها حتى في وسط النهار، و حتى لو تشارك في هذا الأمر عدد من الرجال. فكيف إذا كان ذلك في الليل، فإن حراسة هذا الجيش من أي مكروه يتعرض له تحتاج إلى عشرات الرجال. .

ثالثا: إننا لم نجد مبررا لأن يسري بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طوال الليل إلى قريب الصبح، إذ ليس هناك من عدو يخشى أن يسبقه إلى جهة لا يريد أن يسبقه إليها، و لا شيء يخشى فواته، ليجهد نفسه، و يجهدهم من أجل الوصول إليه، و الحصول عليه. .

رابعا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما تنام عيناه، و لا ينام قلبه (1). فكيف ينام عن صلاة الصبح؟ ! . .

خامسا: إن ما حصل لم يكن باختيار بلال، فلماذا يلام عليه؟ و لماذا


1) أرشد في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ السنة النبوية إلى المصادر التالية: صحيح البخاري، {التهجد} باب 16{و التراويح} باب 1{و المناقب} باب 24 و صحيح مسلم {مسافرين}125 و سنن أبي داود {طهارة}79{تطوع}26 و الجامع الصحيح {مواقيت}208{فتن}63 و سنن النسائي {ليل}36 و الموطأ {ليل}9 و مسند أحمد ج 1 ص 220 و 278 و ج 2 ص 251 و 438 و ج 5 ص 40 و 50 و ج 6 ص 36 و 73 و 104.

تأخذه الألسنة فيه؟ و لماذا يكون أشدهم عليه أبو بكر؟ و لماذا لا يترك هذا أمره لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: أرواحنا كانت بيد اللّه عز و جل فأرسلها أنى شاء. . فهل كان هؤلاء اللائمون أشد حرصا من نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

الشيطان و بلال:

و أما حديث الشيطان و بلال، فلا مجال لقبوله أيضا لأكثر من سبب. .

فأولا: إن بلالا قد شعر بهذا الشيطان حين جاء إليه، و صار يهدئه، حسبما صرحت به الرواية، فلماذا لم يسأله-بلال-عن نفسه من هو؟ . .

و كيف اطمأن و استسلم إليه، إلى حد أنه جعل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى ينام؟ ! . . مع أنه شخص غريب عنه، و لا يعرف عنه شيئا؟ !

و ألم يكن المفروض ببلال أن ينذر النائمين بوجود هذا الغريب؟ !

و أليس ذلك هو مهمته التي سهر من أجلها؟ !

ثانيا: إن الرواية تقول: إن الشيطان قد جاء إلى بلال و هو يصلي، و صار يهدئه حتى ينام، مع أن الروايات المتقدمة صرحت: بأن بلالا قد صلى ما شاء اللّه أن يصلي، ثم أسند ظهره إلى بعيره، و استقبل الفجر يراقبه، فغلبته عينه، فنام. .

ثالثا: بالنسبة لخروجهم من ذلك الوادي الذي كان به شيطان نسأل: لماذا لم يهرب الشيطان من ذلك الوادي بمجرد وصول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليه؟ ! . .

و هل لذلك الشيطان دور في نومه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاته؟ ! . . و كيف يكون له دور في ذلك، و اللّه تعالى يقول: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ؟ ! (1).

رابعا: أين كان عمر بن الخطاب آنذاك؟ !

أليس يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر؟ ! (2)أو: ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك؟ ! (3).


1) الآية 99 من سورة النحل.

2) أسد الغابة ج 4 ص 64 و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58 و مسند أحمد ج 5 ص 353 و 354 باختلاف، و دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 391 عن الترمذي و ج 2 ص 293 و صححه هو و البغوي في مصابيحه، و ليراجع: الغدير ج 8 ص 64 و 65. و السيرة الحلبية ج 2 ص 62 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 77 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 131.

3) عن صحيح البخاري ج 4 ص 96 و 199 و ج 7 ص 93 و 115 فضائل أصحاب النبي {6} و الأدب {68} و بدء الخلق {11} ، و عن صحيح مسلم ج 15 ص 165 و الصحابة {22} و مسند أحمد ج 1 ص 171 و 182 و 187 و البحار ج 31 ص 25 و الغدير ج 8 ص 94 و إقحام الأعداء و الخصوم ص 104 و عن فتح الباري ج 7 ص 38 و ج 10 ص 399 و ج 11 ص 457 و الديباج على مسلم ج 5 ص 308 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 122 و 123 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 60 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 133 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 316 و رياض الصالحين ص 690 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 178 و كنز العمال ج 11 ص 575 و ج 12 ص 602 و كشف الخفاء ج 2 ص 344 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 205 و المستصفى للغزالي

بل إن شياطين الجن و الإنس يفرون منه (1)كما رووا عنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فلماذا لم يسلك هذا الشيطان المزعوم فجا آخر غير ذلك الوادي، ألم يعلم: أن عمر قد نزل فيه؟ !

إلا أن يقال: إن الشيطان قد استغل فرصة نوم عمر لينال من بلال! !

خامسا: لماذا يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالخروج من الوادي، لأن فيه شيطانا؟ ! أليس في ذلك تخويف لهم من الشيطان إلى حد أنه «صلى اللّه عليه و آله» يحملهم على الهروب من الوادي! !

ألم يكن الأنسب أن يقويهم، و يرفع من معنوياتهم ضد ذلك الشيطان؟ ! و يعلّمهم ما يوجب خزيه و هروبه؟ !

(3) -ص 170 و المحصول ج 6 ص 134 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 181 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 78 و 80 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 275.


1) دلائل الصدق ج 1 ص 390 و التاج الجامع للأصول ج 3 ص 314 و الغدير ج 8 ص 65 و عن مصابيح السنة ج 2 ص 271 و عن مشكاة المصابيح ص 550 و عن الرياض النضرة ج 2 ص 208 و حياة الصحابة ج 2 ص 760 و 761 عن منتخب كنز العمال ج 4 ص 393 عن ابن عساكر، و ابن عدي، و المشكاة ص 272 عن الشيخين و المسترشد ص 185 و أضواء على الصحيحين ص 304 و سنن الترمذي ج 5 ص 285 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 124 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 309 و الجامع الصغير ج 1 ص 401 و فيض القدير ج 3 ص 16 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 82.

رد الشمس لعلي عليه السّلام في خيبر:

و ذكروا: أن الشمس قد ردت-بعدما غربت-لعلي «عليه السلام» في الصهباء، قرب خيبر (1).

و في بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مشغولا بقسم الغنائم في خيبر.

و في نص آخر: كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسله في حاجة فعاد، فنام «صلى اللّه عليه و آله» على ركبته، و صار يوحى إليه. . فغابت الشمس، أو كادت.

و في بعض الروايات: أنها قد ردت إليه مرات عديدة، و قد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا: «رد الشمس لعلي عليه السّلام» ، فراجع.

غير أننا سوف نكتفي هنا: بالإلماح إلى نقاط يسيرة، حول ما كان في


1) مصادر ذلك كثيرة، فراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 517 و مشكل الآثار ج 2 ص 9 و ج 4 ص 389 و كفاية الطالب ص 385 و الشفاء ج 1 ص 284 و المعجم الكبير ج 24 ص 145 و كنز العمال ج 12 ص 349 و عمدة القاري ج 15 ص 43 و البداية و النهاية ج 6 ص 80 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 338 و 339 و 340 و منهاج السنة ج 4 ص 191 و 188 و 189 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 201 و السيرة الحلبية ج 1 ص 386 و 385 و البحار ج 41 ص 167 و 174 و 179 و ج 21 ص 42 و 43 عن علل الشرائع ص 124 و عن المناقب ج 1 ص 359 و 361 و عن الخرايج و الجرايح، و نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11 و 12 و المواهب اللدنية ج 2 ص 209 و 210 و تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني.

غزوة خيبر، فنقول:

رواة حديث رد الشمس:

إن حديث رد الشمس لعلي «عليه السلام» في المواضع المختلفة قد روي عن ثلاثة عشر صحابيا، و قد وردت رواية اثني عشر منهم في مصادر أهل السنة أيضا. و هم:

1-علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

2-و الإمام الحسين «عليه السلام» .

3-و أسماء بنت عميس.

4-و أبو هريرة.

5-و أبو ذر.

6-و أم هانئ.

7-و عبد خير.

8-و أم سلمة.

9-و جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

10-و أبو سعيد الخدري.

11-و سلمان.

12-و أنس.

13-و أبو رافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) تجد هذه الروايات في: كتاب مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 96 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 170 و مشكل الآثار ج 2 ص 8 و ج 4 ص 388-390 و كفاية الطالب ص 381-388 و فتح الملك العلي ص 16 و 17 و 18 و 19- -و 21 و 141 و 144 و عن الرياض النضرة ص 179 و 180، و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 77-87 و المناقب للخوارزمي ص 306 و 307 و لسان الميزان ج 5 ص 76 و 140 و 301 و كنز العمال ج 12 ص 349 و ج 11 ص 524 و ج 13 ص 152 و الشفاء لعياض ج 1 ص 284 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 283-307 و تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و صفين لنصر بن مزاحم ص 135 و ينابيع المودة للقندوزي ص 138 و تذكرة الخواص ص 49-53 و نزل الأبرار ص 76-79 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 327 و 328 و لسان الميزان ج 5 ص 140 و المعجم الكبير ج 24 ص 145-158 و منهاج السنة ج 2 ص 186-195 و مجمع الزوائد ج 3 ص 50 و ج 8 ص 297 و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 220 و 428 و المقاصد الحسنة للسخاوي ص 226 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 324 و عمدة القاري للعيني ج 15 ص 43 و اللآلي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 336-341 و الفصل لابن حزم ج 2 ص 87 و ج 5 ص 3 و 4 عن كتاب رد الشمس للفضلي العراقي و فتح الباري ج 6 ص 155 عن الطبراني في الكبير، و الحاكم، و البيهقي في الدلائل، و الطحاوي، و فرائد السمطين ج 1 ص 183، و نهج السعادة ج 1 ص 117 و ج 7 ص 448 و 449 و الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الهمداني ص 177-179 و إفحام الأعداء و الخصوم ص 26 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 45-47 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 96 و حقائق التأويل ص 74 و شواهد التنزيل ج 1 ص 9 و 10-16 و رجال النجاشي ص 85 و 428 و الفهرست ص 79 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 225 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 1 ص 111-114 و 117 و 118 و 119 و الإحتجاج {ط النجف} ج 1 ص 166 و مائة منقبة ص 8 و المستجاد من الإرشاد ص 135 و الصراط المستقيم ج 1 ص 16 و 99 و 104 و 153 و 201- -و حلية الأبرار ج 2 ص 327 و كشف الظنون ج 2 ص 1494 و بشارة المصطفى، و مرآة الجنان ج 4 ص 178 و الجامع لأحكام القرآن ج 15 ص 97 و علل الشرائع ج 2 ص 48-50 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 201 و 202 و السيرة الحلبية ج 1 ص 383-387 و البحار ج 41 ص 166-191 و ج 21 ص 43 و ج 97 ص 217 و ج 99 ص 30 و ج 17 ص 357 و 358 و ج 55 ص 166 و ج 80 ص 317 و 318 و 324 و 325 و قرب الإسناد ص 82 و الخرايج و الجرايح ج 2 ص 500 و 502 و المناقب لابن شهر آشوب {ط الحيدري} ج 3 ص 51، و عن أمالي المفيد ص 94، و عن الكافي ج 4 ص 561 و 562 و أمالي ابن الشيخ ص 64 و عن السرائر و عدة الداعي ص 88 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 346 و تفسير العياشي ج 2 ص 70 و تفسير البرهان ج 2 ص 98 و ج 4 ص 387 و نسيم الرياض ج 3 ص 10-14 و شرح الشفاء للملا علي القاري {بهامش نسيم الرياض} ج 3 ص 10-13 و إحقاق الحق {قسم الملحقات} ج 16 ص 316-331 و ج 5 ص 521-539 و ج 21 ص 261- 271 و فيض القدير ج 5 ص 440 و المواهب اللدنية ج 2 ص 209-211 و شرح المواهب للزرقاني ج 6 ص 284-294. و راجع أيضا: عيون المعجزات ص 7 و 4 و 136 و بصائر الدرجات ص 217 و 239 و 237 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 135-138 و كتاب المزار الكبير لابن المشهدي ص 258 و 205 و إقبال الأعمال ج 3 ص 130 و المزار للشهيد الأول ص 91 و وسائل الشيعة {ط مؤسسة آل البيت} ج 5 ص 81 و ج 14 ص 255 و ج 3 ص 469 و ج 10 ص 277 و ج 30 ص 30 و 38 و ج 19 ص 328 و 340 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 130 و 611 و الهداية الكبرى ص 123-130 و المسترشد ص 265 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 516 و 518 و 519 و 520 و 521 و خاتمة المستدرك ج 4 ص 94 و 224 و 226- -و روضة الواعظين ص 129 و 130 و خصائص الأئمة ص 52 و 56 و 57 و الخصال ص 550 و معالم العلماء ص 56 و 78 و 113 و 152 و إيضاح الإشتباه ص 102 و رجال ابن داود ص 39 و نقد الرجال ج 1 ص 129 و ج 5 ص 353 و 351 و جامع الرواة ج 1 ص 53 و ج 2 ص 531 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 77 و تهذيب المقال ج 2 ص 22 و ج 3 ص 353 و 356 و ج 4 ص 453 و تذكرة الحفاظ ج 3 ص 1200 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 544 و الكشف الحثيث ص 44 و إعلام الورى ج 1 ص 350 و 351 و قصص الأنبياء للراوندي، و نهج الإيمان لابن حجر ص 70 و كشف اليقين ص 112 و دفع الشبهة عن الرسول للحصني الدمشقي ص 206 و مدينة المعاجز ج 1 ص 196 و 197 و 202 و 205 و 207 و 210 و 217 و ج 4 ص 258 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 12 و 417 و 419 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 147.

و هذا الحدث متواتر، فلا حاجة إلى امتكم حول اسانيده و قد صححه، أو حسنه عدد من الحفاظ، من علماء أهل السنة أنفسهم، مثل الطحاوي، و عياض، و أبي زرعة، و الطبراني، و أبي الحسن الفضلي، و القسطلاني، و دحلان، و غيرهم (1).

و قال الدياربكري: و هذا حديث ثابت الرواية عن ثقات (2).

بل قال بعضهم: يتعذر الحكم على هذا الحديث بالضعف (3).


1) راجع كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام» ، فصل: الأسانيد و الرواة.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و البحار ج 21 ص 43 عن المنتقى في مولد المصطفى.

3) راجع: البحار ج 41 ص 175 عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 359-365 و البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و 87 و المواهب اللدنية ج 2

لماذا لم تنقل الأمم ذلك؟ !

و قد حاولوا التشكيك بهذا الحادثة، بأن الشمس لو ردّت بعدما غربت لرآها المؤمن و الكافر، و هو أمر غريب تتوفر الدواعي على نقله، فالمفروض أن ينقله جماعة كثيرة من الأمم المختلفة (1).

و الجواب: أولا: إن الدواعي لدى كثير من أهل الإسلام كانت متوفرة على كتمان هذا الحديث، لأنه مرتبط بعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي سبوه حوالي ألف شهر على منابرهم، و لم يدخروا وسعا في تصغير قدره، و إبطال أمره، و التشكيك بفضائله، و إنكار مقاماته إن أمكنهم ذلك.

و رغم ذلك، فإن هذه الحادثة قد نقلت عن ثلاثة عشر صحابيا.

ثانيا: إن الشمس قد حبست ليوشع بالاتفاق، و هو حدث كوني أيضا، و إنما وصل إلينا خبر ذلك بواسطة الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم (2). و لم تنقله الأمم في كتاباتها، و لا أهل الأخبار في مروياتهم.

و قد عبرت بعض الروايات: بحبس الشمس لعلي «عليه السلام» . .

كما أن بعضها قال: إن الشمس حين ردّت، كانت قد غابت، أو كادت

(3) ص 211 و منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189 و غير ذلك.


1) راجع: البحار ج 41 ص 175 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 359- 365، و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و راجع ص 87 و المواهب اللدنية ج 2 ص 211 و منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189. و غير ذلك. .

2) منهاج السنة ج 4 ص 184.

تغيب (1).

فلماذا لا يقال: إن الشمس حبست في بعض المرات، و ردّت في بعضها الآخر، في وقت كان نورها لا يزال غامرا للأفق، فلم يلتفت الناس إلى ما جرى، إلا الذين كانوا يراقبونها، كأولئك الذين جرت القضية أمامهم، و يريد اللّه و رسوله أن يريهم هذه الكرامة لعلي «عليه السلام» . .

ثالثا: سيأتي إن شاء اللّه تعالى: أن حصول هذا الأمر كان على سبيل الكرامة و الإعجاز الإلهي، و إنما يجب أن يري اللّه تعالى معجزته لمن أراد سبحانه إقامة الحجة عليه و إظهار كرامة له، كما سيتضح.

لم تحبس الشمس إلا ليوشع:

و زعم أبو هريرة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع، أو نحو ذلك. و قد تمسك البعض بهذا الحديث لإنكار حديث رد الشمس (2).


1) راجع: البحار ج 17 ص 359 و ج 80 ص 324 عن صفين للمنقري، و عن الخرائج و الجرائح، و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 77، و تاريخ مدينة دمشق {بتحقيق المحمودي} ترجمة الإمام على ج 2 ص 292 و {ط دار الفكر} ج 42 ص 314 و الموضوعات لابن الجوزي {ط أولى} ج 1 ص 51 و غير ذلك كثير.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 285 و راجع الحديث في: مشكل الآثار ج 2 ص 10 و ج 4 ص 389 و عن المعتصر من المختصر، و تذكرة الخواص ص 51 و نزل الأبرار ص 78 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 170 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 328 و كنز العمال ج 11 ص 524 و فتح الباري ج 6 ص 154 و البداية و النهاية ج 6 ص 79 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 202 و نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11 و بهامشه شرح الشفاء للقاري ج 3 ص 11 و 13 و الجامع الصغير حديث رقم {7889} و مسند أحمد {ط دار الحديث في القاهرة} ج 8 ص 275 و المواهب اللدنية ج 2 ص 210.

و يرد عليه: أولا: إن أبا هريرة لا يؤتمن فيما يرويه على علي «عليه السلام» ، كيف و قد ضرب على صلعته في باب مسجد الكوفة، ثم روى لهم حديث: من أحدث في المدينة أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه. ثم شهد باللّه أن عليا «عليه السلام» أحدث في المدينة (1).

مكذبا بذلك آية التطهير، و جميع أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق علي «عليه السلام» ، مثل أن عليا مع الحق و الحق مع علي، و نحو ذلك. .

و من جهة أخرى، فقد روي عن علي «عليه السلام» قوله: ألا إن أكذب الناس، أو أكذب الأحياء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أبو هريرة (2).


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 67 و أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 218 و شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبي رية ص 237 و الغارات للثقفي ج 2 ص 659 و خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 255 و النص و الإجتهاد ص 514 و كتاب الأربعين لمحمد طاهر الشيرازي ص 296 و وسائل الشيعة {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 45.

2) الإيضاح لابن شاذان ص 496 و الغارات للثقفي ج 2 ص 660 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 و أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 204 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 160 و شيخ المضيرة أبو هريرة، لمحمود أبي رية ص 135 عن سير أعلام الذهبي ج 2 ص 435. و راجع: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 16.

و قد وضع معاوية قوما من الصحابة و التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام» ، تقتضي الطعن فيه، و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب فيه، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة (1).

ثانيا: لو صح هذا الحديث، فلعل أبا هريرة قد دلس فيه، و رواه عن شخص آخر. و يكون صدور هذا الحديث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل رد الشمس لعلي «عليه السلام» في خيبر و في بدر. .

ثالثا: إن هذا الحديث لو صح: فإنما ينفي حبس الشمس لغير يوشع، و لا ينفي ردها. .

رابعا: قد روي حبسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صبيحة الإسراء، و في الخندق (2).

خامسا: قد حبست الشمس، و ردّت لغير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، فقد روي: أنها حبست لداود «عليه السلام» .


1) المناقب للخوارزمي ص 205 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 63 و 64.

2) راجع: عمدة القاري ج 15 ص 42 و 43، و راجع: فتح الباري ج 6 ص 155 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 202 و السيرة الحلبية ج 1 ص 383 و نسيم الرياض ج 3 ص 11 و 12 و 13 و بهامشه شرح الشفاء للقاري ج 3 ص 13 و فيض القدير ج 5 ص 440 و البحار ج 17 ص 359 و المواهب اللدنية ج 2 ص 210 و 211.

و ردت لسليمان «عليه السلام» .

و حبست لموسى «عليه السلام» .

و زعموا: أنها حبست لأبي بكر.

و حبست في أيام حزقيل.

و زعموا: أنها حبست للحضرمي (1).

سادسا: قال الشافعي: إن الشمس إذا كانت قد حبست ليوشع ليالي قتال الجبارين، فلا بد أن يقع نظير ذلك في هذه الأمة أيضا (2).

الذين يرون المعجزة:

و بعد. . فإن الذين يجب أو يمكن أن يروا المعجزة هم:

إما الصفوة الأخيار، الذين تزيدهم يقينا و إيمانا.

و إما الذين يراد إقامة الحجة عليهم، أو ردّ التحدي الوارد من قبلهم، و تحطيم كبريائهم، و بغيهم.

و يراها أيضا أولئك الذين خدعوا بهؤلاء، من أجل تعريفهم بزيفهم، و بباطلهم، و جحودهم. .

و أما الآخرون الغافلون فقد يجب أن لا يراها الكثيرون منهم، و هم الذين يصابون بالخوف، و الهلع، الذي يفقد إيمانهم قدرته على التأثير في جلب المثوبة لهم، لأن المناط في جلب المثوبة هو الإختيار، البعيد عن أجواء


1) راجع كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام» ص 63-65 للاطلاع على بعض تفاصيل ذلك، و على بعض مصادره.

2) نسيم الرياض ج 3 ص 12 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 341.

الإلجاء، و الاضطرار، ليكون إيمانا مستندا إلى الوعي و الالتفات، و إلى القناعة الناتجة عن روية و تبصر، و عن تأمل و تفكر، و وعي و تدبر.

إختلال النظام الكوني:

و قد زعموا أيضا: أن رد الشمس لعلي «عليه السلام» غير ممكن، لأنه يوجب اختلال الأفلاك (1).

و نقول:

أولا: إن أمر الكون بيد اللّه تعالى، فهو يخضعه للمعجزة، دون أن يوجب حدوثها أي اختلال في نظامه. . لأن صانع المعجزة هو إله قادر عالم حكيم. . و ليس عاجزا و لا جاهلا.

ثانيا: إن هذا الكلام لو صح للزم تكذيب جميع المعجزات التي لها ارتباط بالنظام الكوني، و من ذلك معجزة انشقاق القمر. و معجزة حبس الشمس ليوشع. و غير ذلك. .

لو ردت لعلي عليه السّلام لردت للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قالوا: لو ردت الشمس لعلي «عليه السلام» لردت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما نام هو و أصحابه عن صلاة الصبح في الصهباء، و هو راجع من غزوة خيبر نفسها (2).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 385 و البحار ج 41 ص 175 و تذكرة الخواص ص 52 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 359-365.

2) البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و 87 و راجع: منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189.

و نقول: أولا: تقدم: أن حديث نوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاة الصبح لا يمكن قبوله.

ثانيا: تقدم أيضا: أن الشمس ردت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة الخندق و غيرها، و حبست له «صلى اللّه عليه و آله» حين الإسراء.

و تقدم أيضا: أنها ردّت و حبست لغيره من الأنبياء و الأوصياء السابقين. .

بل زعموا: أن ذلك قد حصل لغير هؤلاء أيضا من هذه الأمة، حيث تقدم أنهم زعموا: أنها حبست للحضرمي، و لأبي بكر أيضا.

ثالثا: قال الخفاجي: «إنما ردت إلى علي «عليه السلام» ببركة دعائه «صلى اللّه عليه و آله» . مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء» .

إلى أن قال: «مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل. كما يلزم منه القول بعدم حبسها ليوشع» (1).

و لعله يقصد بقوله: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل: أن بعض المصالح قد توجب حدوث أمر للمفضول، و لا يكون هناك ما يوجب حدوثه للفاضل. .

فإذا كان هناك من سوف يعاند عليا «عليه السلام» في إمامته، و في خصوصيته، و في أفضليته على البشر جميعا، باستثناء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن اللّه يختصه بكرامات تثبت لهم ذلك كله، و تقيم عليهم الحجة فيهم، فيولد علي «عليه السلام» في الكعبة، و لا يولد رسول اللّه


1) شرح الشفاء للقاري {مطبوع مع نسيم الرياض} ج 3 ص 13.

«صلى اللّه عليه و آله» فيها، و يقلع علي «عليه السلام» باب حصن خيبر، و ترد له الشمس و. . و. . الخ. . و لا يكون هناك ما يقتضي حدوث ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

علي عليه السّلام لا يترك الصلاة:

و قالوا: إن عليا «عليه السلام» أجلّ من أن يترك الصلاة (1). فإذا ورد ما ينسب ذلك إليه، فلا بد من ردّه.

و نقول:

أولا: صرح النص الذي ذكر رد الشمس لعلي «عليه السلام» في منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة، بأن عليا «عليه السلام» قد صلى إيماء، و أراد اللّه أن يظهر كرامته، فردها عليه ليصلي صلاة المختار.

ثانيا: ذكرت بعض النصوص: أن اللّه تعالى رد الشمس عليه، أو حبسها له بعدما كادت تغرب.

و هذا معناه: أن صلاة العصر لم تكن قد فاتته، لأن وقتها يمتد إلى وقت غروب الشمس.

و قد قال ابن إدريس في السرائر: «و لا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت، و دخل الليل، و خرج وقت العصر بالكلية، و ما صلى الفريضة «عليه السلام» ، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته «عليه السلام» ، لأنه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه. و هذا لا يقوله من عرف إمامته، و اعتقد


1) منهاج السنة ج 4 ص 186 و 195.

بعصمته» (1).

و على كل حال: فإن مناوئي علي «عليه السلام» قد سعوا بكل ما لديهم من طاقة و حول إلى إبطال هذه الكرامة الكبرى له «عليه السلام» ، أو إثارة الشبهات و التشكيكات حولها، و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره، و لو كره الشانئون، و الحاقدون، و الحاسدون لعلي «عليه السلام» ، و للأئمة الطاهرين من ولده «عليهم السلام» . .

فمن أراد الاطلاع على المزيد مما يرتبط بهذا الموضوع، فليرجع إلى كتابنا الموسوم ب: «رد الشمس لعلي عليه السلام» ، و اللّه الموفق، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

عصى الرسول صلّى اللّه عليه و آله فوجد ما يكره:

و لما انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجرف ليلا، نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا، فطرق رجل أهله، فرأى ما يكره، فخلى سبيلها و لم يهجر، و ضنّ بزوجته أن يفارقها، و كان له منها أولاد، و كان يحبها، فعصى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأى ما يكره (2).

جبل أحد يحبنا و نحبه:

قالوا: و لما نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جبل أحد، قال:


1) راجع: السرائر ج 1 ص 265 و البحار ج 80 ص 318.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 249 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 414.

«هذا جبل يحبنا و نحبه، اللهم إني أحرم ما بين لابتي المدينة» (1).

و نقول:

1-قد يحب الإنسان جبلا أو مكانا بعينه، باعتبار أنه مصدر أنس له، لكونه يتلذذ بمنظره، أو لأجل ذكريات عزيزة كانت له فيه، أو ما إلى ذلك. . و لكنها تبقى حالة مرتبطة بالفرد، و بمشاعره الشخصية، و لا تتعداه إلى غيره. .

و لا نرى أن حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبل أحد كان من أجل هذا أو ذاك، بل هو حب يتناسب مع أهدافه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع ما يفيد في تأييد هذا الدين، و زيادة اليقين.

2-يضاف إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يحصر الأمر بنفسه الشريفة، بل هو تحدث عن نفسه و عن غيره، فقال: نحبه، و لم يقل: أحبه. و قال: يحبنا. و لم يقل: يحبني.

و هذا يؤكد على أن في جبل أحد خصوصية و معنى يجعل الإنسان المؤمن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 368 و ج 5 ص 150 و راجع: الأحكام ج 2 ص 546 و عن كتاب الموطأ ج 2 ص 889 و 893 و عن مسند أحمد ج 3 ص 149 و 159 و 243 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 223 و 225 و ج 4 ص 118 و ج 5 ص 40 و ج 6 ص 207 و ج 8 ص 153 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 114 و سنن الترمذي ج 5 ص 379 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 197 و ج 6 ص 304 و ج 9 ص 125 و عن فتح الباري ج 6 ص 64 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 292 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 370 و 371 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 193 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 178 و ذيل تاريخ بغداد ج 3 ص 69 و فضائل المدينة ص 21.

يحب هذا الجبل. . فما هي تلك الخصوصية، و ما هو ذلك المعنى يا ترى؟ !

و ربما يفيد في الإجابة على هذا السؤال القول: بأن هذا الجبل كان يحتضن أجسادا طاهرة لشهداء أحد، و في مقدمتهم أسد اللّه و أسد رسوله الشهيد حمزة بن عبد المطلب، عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كانت الزهراء «عليها السلام» تزور قبورهم بصورة رتيبة و دائمة، و قد صنعت سبحتها من تراب قبر حمزة «عليه السلام» .

كما أن لجبل أحد ارتباطا ظاهرا بوقائع حرب أحد، فإن الاستناد إليه قد وفّر مانعا لجيوش الشرك من الالتفاف على أهل الإيمان، و الإيقاع بهم.

فلأجل هذا و ذاك لا بد أن تتعلق به قلوب المؤمنين، و أن يحبوه، و أن يقصدوه لزيارة الأولياء و الشهداء.

3-و أما أن جبل أحد يحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، فذلك أمر قد يصعب إدراكه للوهلة الأولى، غير أن مما لا شك فيه: أن كل شيء يتعامل معه الإنسان بروح الاستقامة و الطهر، و التقوى، يتأثر إيجابا بالصلاح و بالطهر، و التقوى، و كذلك يتأثر سلبا بالفساد و الإفساد، فإن لخبث الباطن و لطهره تأثيرهما على الأرواح و الأجساد، بل على النّفس الذي يتنفسه، و على الأشياء التي يلامسها. و على الهواء الذي يستنشقه و ما إلى ذلك. .

و لعل في بعض الآيات الشريفة إشارات إلى ذلك أيضا، فلاحظ قوله تعالى: ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ. . (1)و غير ذلك


1) الآية 41 من سورة الروم.

من آيات. .

و في الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن آثار الأعمال و عن تأثيراتها في الأمور الخارجية الكثير مما يدل على ذلك، فبسبب الأعمال الصالحة يكون النماء و البركة، و بسبب الأعمال السيئة تسلب البركة، و تشح الأرزاق، و تظهر الأسواء في كل اتجاه. . بل إن للنوايا الصالحة و السيئة تأثيراتها في ذلك أيضا. .

و لا شك أن ما ترتاح إليه الموجودات و تنتعش فيه، و تمتلئ حيوية و نشاطا هو ما ينسجم مع طبيعتها، و مع الهدف الذي أوجدها اللّه تعالى من أجله. .

و من جهة أخرى فإن الآيات قد دلت على أن للجبال خشية و خشوعا إلى حد التصدع، و إلى أن لها تأويبا و تسبيحا، و إلى أن تجلي شيء من عظمة اللّه تعالى للجبل يجعله دكا. .

إلى غير ذلك مما ألمحت إليه و صرحت به الآيات و الروايات الشريفة، فلا غرو إذن إذا كان جبل أحد يحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحب المؤمنين، و يبغض أهل الكفر و الجحود، و يمقت المنحرفين و الفاسقين. .

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء

اشارة

سرية عمر إلى تربة:

يقول المؤرخون: إنه في شعبان سنة سبع بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى بني نصر بن معاوية، و بني جشم بن بكر. و هم الذين يقال هم: «عجز هوازن» (1)، أرسله إلى موضع يقال له: تربة، على أربع ليال من مكة، على طريق صنعاء و نجران (2).

لكن هناك من يقول: إنه واد على يومين من مكة، يصب في بستان ابن عامر (3).

فخرج بهم عمر، و دليله رجل من بني هلال، فكانوا يسيرون بالليل،


1) راجع: القاموس المحيط ج 2 ص 181 و السيرة الحلبية ج 3 ص 185 و 186 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 117 و ج 3 ص 272 و تاريخ المدينة ج 2 ص 665 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 1308 و عن البداية و لنهاية ج 4 ص 251 و عن عيون الأثر ص 2 ص 153 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130 و لسان العرب ج 5 ص 372 و تاج العروس ج 4 ص 52.

2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 85 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن عيون الأثر ج 2 ص 153 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و تاج العروس ج 1 ص 159.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130.

و يكمنون بالنهار. و أتى الخبر هوازن فهربوا.

و جاء عمر إلى محالهم، فلم يلق منهم أحدا.

و انصرف راجعا إلى المدينة، فلما كان بالجدر-موضع على ستة أميال من المدينة-قال له الهلالي: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم، جاؤوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟ !

فقال عمر: لم يأمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهم، إنما أمرني أن أصمد لقتال هوازن بتربة. و واصل طريقه إلى المدينة (1).

و نقول: لنا ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي: 1-إننا نعطي الحق لعمر في امتناعه عن مهاجمة الخثعميين، الذين لم يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء في شأنهم، و نود أن يكون الحفاظ على حرفية أوامره «صلى اللّه عليه و آله» هو الداعي له إلى ذلك، و ليس هو الخوف من أن يحيق به مكروه في ساحات الحرب و النزال، فقد تعودنا منه النكوص و الإحجام عن مثل هذه الساحات. .

و لعل ما يعزز هذا الاحتمال الأخير: أننا وجدناه لا يلتزم بحرفية الأوامر في كثير من المواقع و الحالات، بل هو يصر على مخالفتها. و من ذلك تمرده على أوامر النبي يوم الحديبية و قبلها و منعه للنبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 722 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 418.

من كتابة كتاب لا تضل الأمة بعده أبدا، و قوله: إن النبي غلبه الوجع، أو إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك. .

و قد تقدم عن قريب، كيف أنه يأمر بقتل يهودي، وجده في نوبة حراسته، دون أن يراجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك.

2-إن مشورة ذلك الدليل على عمر بمهاجمة الخثعميين تشير إلى أن هؤلاء كانوا يظنون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرسل هذه السرايا لأجل السلب و النهب، و القتل، و الأسر. . مع أن الأمر ليس كذلك، بل الهدف هو دفع العدوان حين يتبين له «صلى اللّه عليه و آله» أنهم يخططون، و يدبرون لهذا الأمر، و يجمعون الجموع له. .

3-إن توصيف الموضع الذي قصده عمر بن الخطاب يدل على أنه بعيد كثيرا عن المدينة، و أن الوصول إليه يتطلب السير الحثيث لعدة أيام.

فإذا فرض أن هؤلاء القوم كانوا يدبرون و يجمعون لشن الغارات على المدينة، أو على أطرافها، أو على جماعات من المسلمين الذين كانوا في مناطق قريبة لهم. . فلا بد أن يكون عددهم كثيرا، يمكّنهم من القيام بأمثال تلك التحرشات الخطيرة. فما معنى أن يهربوا، و يخلوا أماكنهم بمجرد سماعهم بأن ثلاثين راكبا يقصدونهم؟ !

بل إنهم حتى لو لم يكونوا قد حشدوا و اجتمعوا، فإن هروب هوازن من ثلاثين راكبا ليس له ما يبرره، خصوصا و أن أمير السرية هو عمر بن الخطاب، و ليس علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، أسد اللّه الغالب، الذي كان يعرف كل أحد أن مواجهته في أي موقع، و موقف لن تعود عليه بالخير. . و قلعه لباب خيبر، و قتله لمرحب فارس اليهود، و لعمرو بن عبد

ود، فضلا عما سوى ذلك، لا يزال الناس يتداولونه، و يتناقلونه في مجالس الأسمار و الأسحار. .

4-إن إرسال سرية بهذا العدد القليل و الضئيل إلى تلك البلاد البعيدة، التي يتمكن الأعداء من محاصرتها بكثراتهم، و قطع المدد عنها، و منعها من الاتصال بالمدينة، التي هي مصدر قوتها، ثم الإيقاع بها، و القضاء عليها بسهولة. . إن ذلك أمر غير عقلائي، و لا يتوقع صدوره من عقل الكل، و مدبر الكل، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لم يكن لدى عمر صيت ذائع في الشجاعة، لترهبه الأبطال، و تهرب من وجهه الجموع.

و لا نظن أنه كان لديه من الشجاعة و الإقدام ما يدفعه إلى الإقدام على مخاطرة من هذا القبيل. . و قد تعودنا منه الفرار من الزحف، و النكوص عن منازلة الأقران في أكثر من موقف و موقع. . على الرغم من وجود المسلمين و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه، أو بالقرب منه. .

و لأجل ذلك كله نقول: لو صح أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل سرية بهذه المواصفات، فلا بد أن تكون سرية استطلاع و استكشاف، لا سرية قتال و نزال. .

أو يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم بأن أحدا سوف لا يجرؤ على التعرض لسراياه، بعد أن رأى الجميع ما جرى في خيبر، فأرسل هذه السرايا ليظهر لهم حضوره في المنطقة، و هيمنته على الموقف. .

سرية أبي بكر إلى نجد:

و قالوا: إنه في شعبان سنة سبع، بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر إلى نجد، فبيّت ناسا من هوازن، قال حمزة: فسبينا هوازن، و قال هشام: فسبى ناسا من المشركين، فقتلناهم.

قال سلمة بن الأكوع: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، و كان شعارنا: أمت، أمت (1).

و نقول:

إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة هذه القصة، التي وردت على هذا النحو من الإبهام، و الإيهام، حيث لم يذكر عدد أفراد تلك السرية، و لا الموضع الذي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه من نجد، و لا السبب الذي أرسلت تلك السرية من أجله، و لا. . و لا. . الخ. .

خصوصا و نحن نرى سلمة بن الأكوع يتحدث عن نفسه، و يسطّر لها البطولات الخارقة، التي لم يذكرها له أحد سواه، و لكنها ليست بطولات في ساحات الحرب و النزال، بل هي صولات على أسرى مغلولي الأيدي، لا


1) مغازي الواقدي ج 2 ص 722 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 85 و {ط دار صادر} ج 2 ص 118 و ج 3 ص 175 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و 131 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 199 و عن مسند أحمد ج 4 ص 46 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 594 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 79 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 647 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 48 و 52 و 53 و عن الكامل ج 5 ص 274 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 92 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 327.

يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا.

و اللافت هنا: أنه حتى هذه الصولات على الأسرى لم يتحدث عنها، سوى سلمة بنفسه، فلم يذكر لنا أبو بكر، و لا أحد من أفراد تلك السرية شيئا عن هؤلاء الذين قتلهم هذا البطل العظيم، الذي يريد أن يجعل مما ينسبه لنفسه حديث النوادي، و مجالس السمر، من أول الليل إلى وقت السحر! !

ثم إنه إذا كان سلمة قد قتل وحده سبعة أهل أبيات، فكم قتل غيره من أفراد تلك السرية يا ترى؟ !

و لماذا لم يتحدث التاريخ لنا بالتفصيل عن هذا الحدث الكبير؟ !

و هل جاؤوا بغنائم؟ ! و ما هو مقدارها؟ !

و لماذا أجمل حمزة الكلام، فأشار إلى السبي بصورة مطلقة؟ !

بل إن كلمة حمزة ظاهرة في أنهم قد سبوا معظم هوازن، حيث قال: فسبينا هوازن، و هذا حدث عظيم، فلماذا لم يذكره غير حمزة؟ !

بطولات سلمة بن الأكوع:

و ذكر سلمة هنا أيضا: أنه لقي جماعة منهم يهربون إلى الجبل، فرمى بسهم بينهم و بين الجبل، فوقفوا، فأتى بهم إلى أبي بكر يسوقهم، و فيهم امرأة من بني فزارة مع ابنة لها من أحسن العرب، فأخذ أبو بكر ابنتها، و قدموا المدينة، و ما كشف لها ثوبا.

فلقيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في السوق مرتين في يومين، فطلبها منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: هي لك يا رسول اللّه.

فبعث بها إلى مكة، ففدى بها ناسا من أسرى المسلمين (1).

و نقول:

إن هذه القصة بعينها-تقريبا-قد تقدمت في غزوة أم قرفة، التي يقال: إنها كانت في شهر رمضان من سنة ست، و قد ذكرنا هناك ما يشير إلى عدم إمكان الاطمينان إلى صحتها، فراجع. .

قتل سبعة أهل أبيات:

ربما يقال: إن قول بعضهم: فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين يدل على أنهم قتلوا أولئك الذين وقعوا في السبي، فيأتي السؤال أولا عن سبب قتلهم بعد سبيهم.

ثانيا: هل قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء و الرجال و الشيوخ و الأطفال؟ أم اقتصر القتل على المقاتلين منهم؟ !

و قد يجاب، بأنه: ربما لم يقتلهم بعد سبيهم، إذ يمكن أن يكون الضمير و هو كلمة «هم»


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 22 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 118 و عن عيون الأثر ج 2 ص 154 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و نيل الأوطار ج 5 ص 262 و عن مسند أحمد ج 4 ص 46 و 51 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 129 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 422 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 200 و المعجم الكبير ج 7 ص 14 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 93 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 417 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92.

في قوله: «فقتلناهم» عائدا على المشركين الذين أرسلوا للإغارة عليهم.

و هو جواب ضعيف يخالف ظاهر الكلام، كما هو واضح.

أو يقال: إنها تطلق على خصوص سبي النساء، لكن يصح إطلاقها أيضا على كل من يؤخذ حيا من الأعداء بما في ذلك الرجال و النساء.

و يشهد له قول علي «عليه السلام» لما اعترض البعض عليه لعدم إقدامه على أخذ سلب عمرو بن عبد ود، و هو أنفس سلب: كرهت أن أبزّ السبي ثيابه.

فعبر عن الذي قد استولى عليه و قهره، ثم قتله بأنه سبيّ.

فقوله: سبى ناسا من المشركين معناه: أنه أسر ناسا منهم. . و ربما يكون في جملتهم نساء و شيوخ، و أطفال أيضا.

و بعد ما تقدم نقول:

يحتمل أن يكون سلمة قد قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء، و الرجال، و الشيوخ، و الأطفال، و إن لم يقاتله إلا رجالهم، و يحتمل أن يكونوا قاتلوه نساء و رجالا و أطفالا، فقتلهم من أجل ذلك.

سرية بشير بن سعد إلى فدك:

و يذكرون أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث في شعبان سنة سبع بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فلقي رعاتهم فسألهم عنهم، فقالوا: هم في بواديهم {أو نواديهم، أو واديهم} . و الناس يومئذ شاتون، لا يحضرون الماء.

فاستاق النعم و الشاء، و عاد بها إلى المدينة، فخرج الصريخ، فأدركوه عند

الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبل أصحاب بشير، و أصبحوا، و حمل بنو مرة عليهم، فقتل من أصحاب بشير من قتل، و هرب من هرب، {و قتل كثير من الصحابة} .

و قاتل بشير قتالا شديدا حتى ارتث، و ضرب كعبه، و وقع في القتلى، و قيل: قد مات.

و رجع بنو مرة بنعمهم، و شائهم إلى بلدهم. .

و وصل خبر ما جرى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أوصله إليه علبة بن زيد الحارثي.

و أمهل بشير بن سعد، و هو في القتلى، فلما أمسى تحامل حتى أتى فدكا، فأقام عند يهودي بفدك أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة (1).

فلما علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى، قرر اتخاذ موقف حاسم، فكانت:


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 723 و 724 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و 61 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 132 و البحار ج 21 ص 48 عن الكامل لابن الأثير، و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 119 و ج 3 ص 531 و عن الثقات ج 2 ص 24 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 289 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 308 و عن عيون الأثر ج 2 ص 155 و راجع: تاريخ خليفة بن خياط ص 46 و التنبيه و الإشراف ص 227 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 254.

سرية غالب الليثي إلى فدك:

فقد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هيأ الزبير بن العوام، فقال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك اللّه بهم فلا تبق فيهم {و أمره أن يستأصلهم} .

و هيأ معه مائتي رجل، و عقد له اللواء، فبينما هو على ذلك إذ قدم غالب بن عبد اللّه من الكديد، بعد أن ظفره اللّه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للزبير: اجلس.

و بعث غالب بن عبد اللّه في مائتي رجل، كان فيهم أسامة بن زيد، و كعب بن عجرة، و علبة بن زيد، و غيرهم.

فلما دنا غالب من بني مرة بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة منهم في محالّهم، فرجعوا إليه، فأخبروه. فأقبل غالب يسير، حتى إذا كان منهم بمنظر العين ليلا، و قد احتلبوا، و عطنوا (1)، و هدأوا، خطب أصحابه. ثم ألف بين كل رجلين، و شرط أن لا يفارق كل رجل زميله.

ثم كبر و كبروا، و أخرجوا السيوف، فخرج إليهم الرجال، فقاتلوا ساعة، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا.

و في نص آخر: أغاروا عليهم مع الصبح، و قاتلوا قتالا شديدا، و قتل كثير من المشركين، و أخذ المسلمون كثيرا من الأسارى، و الإبل و الغنم، فكانت سهام كل رجل عشرة أبعرة، أو عدلها من الغنم، {كل جزور بعشرة من الغنم} .


1) أي: سقوا الإبل، ثم أناخوها و حبسوها عند الماء {لسان العرب ج 17 ص 158} .

و خرج أسامة بن زيد في أثر رجل منهم، يقال له: نهيك بن مرداس فأبعد.

ثم أخذوا النعم، و النساء، فقال غالب: أين أسامة؟ !

فجاء بعد ساعة من الليل، فذكر لهم: أنه لحق برجل، حتى إذا رهقه بالسيف قال: لا إله إلا اللّه. . و لكن أسامة قتله رغم ذلك.

قال أسامة: فأتيت إلى المدينة، فاعتنقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قبّلني، و اعتنقته.

ثم ذكر أنه أخبره بما جرى، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قتلته يا أسامة، و قد قال: لا إله إلا اللّه؟ .

قال فجعلت أقول: يا رسول اللّه، إنما قالها تعوذا من القتل.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ألا شققت قلبه، فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ !

فقال أسامة: لا أقتل أحدا يقول لا إله إلا اللّه. قال أسامة: و تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (1).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 723 و 725 و تاريخ الخميس ج 2 ص 67 و 68 عن معالم التنزيل، و عن روضة الأحباب، و البحار ج 21 ص 65 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و 187 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 88 و ج 368 و عن صحيح مسلم ج 10 ص 68 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 100 و الديباج على مسلم ج 1 ص 112 و رياض الصالحين للنووي ص 231 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 253 و 316 و عن عيون الأثر ج 2 ص 156 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 523 و عن النص و الإجتهاد ص 112 و عن مسند أحمد ج 5 ص 200 أسباب نزول الآيات ص 117 و عن فتح الباري ج 12 ص 172 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 192 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 57 و راجع: روضة الطالبين ج 7 ص 288 و مسند أبي داود الطيالسي ص 87 و المعجم الكبير ج 19 ص 165 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 322.

و من جهة أخرى: فقد روي عن المقداد بن عمرو، قال: قلت يا رسول اللّه: أرأيت رجلا من الكفار يقاتلني، و ضرب إحدى يديّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت للّه، أقتله بعد أن قالها؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تقتله.

قال: فإني قتلته، فماذا؟ !

قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، و أنت بمنزلة قبل أن يقول كلمته التي قال (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 725 و 726 و كتاب الأم ج 1 ص 296 و ج 6 ص 4 و 170 و المغني ج 10 ص 102 و الشرح الكبير ج 10 ص 94 و نيل الأوطار ج 7 ص 198 و عن كتاب المسند ص 197 و عن مسند أحمد ج 6 ص 4 و 6 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 19 و ج 8 ص 35 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 67 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 98 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 595 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 19 و 195 و الديباج على مسلم ج 1 ص 109 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 175 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 55 و المعجم الكبير ج 20 ص 248 و 249 و 251 و رياض الصالحين ص 230 و كنز العمال ج 1 ص 97 و إرواء الغليل ج 8 ص 136 و أحكام القرآن ج 2 ص 309 و تهذيب الكمال ج 19 ص 116 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 386 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 301.

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات عديدة، نكتفي منها بما يلي:

أين تقع فدك؟ !

ذكر بعضهم: أن المقصود بفدك هنا: قرية بينها و بين المدينة ستة أميال (1).

و هو كلام غير دقيق، فإن فدكا تقع على بعد يومين أو ثلاثة من المدينة.

بل في بعض النصوص: أنها على ستة ليال من المدينة (2).

لماذا ثلاثون رجلا؟ ! :

و يعود السؤال ليطرح نفسه من جديد، و لكنه مزود هذه المرة بالشاهد القوي، و القاطع للعذر، فيقول: إذا كان التغلب على بني مرة في فدك يحتاج إلى مائتي مقاتل، كما ظهر من تجهيز هذا العدد بقيادة غالب بن عبد اللّه، فلماذا يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم بشير بن سعد في ثلاثين رجلا فقط؟ !

و إذا كان بنو مرة قد واجهوا المائتين، و قاتلوهم، فهل سوف يتركون ثلاثين رجلا يستاقون نعمهم، دون أن يلاحقوهم، و ينزلوا بهم ضرباتهم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 169 و 411.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 1280 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 90 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 300 و التنبيه و الإشراف ص 219 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 573 و عن عيون الأثر ج 2 ص 107 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 97.

القوية و المهلكة؟ !

و يزداد هذا الأمر وضوحا إذا لوحظ: أن المقصود بالهجوم هو أناس يبعدون عن المدينة مسافات طويلة، تحتاج إلى مسير ثلاثة أيام! !

فكيف إذا كانوا في محيط اليهود المعروفين بغدرهم و خياناتهم، و بحقدهم على أهل الإسلام؟ ! و بالأخص إذا كان ذلك قد حصل بعد أن أوقع المسلمون بهم، و هزموهم شر هزيمة؟ !

أهداف تلك السرية:

قلنا أكثر من مرة: إننا لا نتعقل أن يكون هدف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إرسال تلك السرايا هو مجرد الإيقاع بالناس، و قتل رجالهم، و سبي نسائهم و أطفالهم، و استياق مواشيهم، و استلاب أموالهم من دون دعوة مسبقة لهم إلى اللّه تعالى، كما هي عادته «صلى اللّه عليه و آله» . .

حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» في آخر غزواته ليهود وادي القرى، كان يعاود الدعوة لهم عند كل صلاة، و بعد قتل كل رجل منهم (1)، فما معنى أن يرسل بالسرايا لتغير على الآمنين، و تأخذ الناس على حين غرة، و تقتلهم، و تسبي نساءهم و أطفالهم، و تأخذ أموالهم، و تستاق مواشيهم؟ !

إننا من خلال كل ما قدمناه و سواه نرى: أن هذه السرايا هي سرايا دعوة إلى اللّه، و بعضها كانت مهمته الرصد و الرقابة. . حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرة.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 710.

إمكان نجاة السرية من القتل:

ذكر النص المتقدم: أن بني مرة لحقوا المسلمين في أول الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبال أصحاب بشير. .

و السؤال هو: لماذا لم يغتنم أصحاب بشير الفرصة، و يتخذوا الليل جملا للنجاة بأنفسهم، إذا كانوا يعلمون أنهم لا يقدرون على المواجهة؟ ! و أن مصيرهم سيكون هو البوار و الدمار؟ !

إذ إنهم بعد أن فني نبلهم ليلا لا بد أن يعرفوا: أنهم في خطر أكيد، و ضيق شديد، فإما أن يستعملوا خطة أخرى، أو أن يتحيزوا إلى فئتهم، لكي يأتوا بقوة قادرة على حسم الأمور لصالحهم.

من هم القتلى؟ ! :

و قد تعودنا من المؤرخين، و من رواة المسلمين أن يذكروا أسماء قتلاهم في الحروب المختلفة، فراجع حرب بدر، و أحد، و خيبر، و غير ذلك، بل هم يذكرون أسماء القتلى من المشركين و غيرهم من أعدائهم أيضا، فما بالهم لم يذكروا أسماء و لا عدد من قتل في سرية بشير بن سعد هذا؟ !

و لا بد أن تتنامى توقعاتنا لذلك، و نحن نرى مدى اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالانتقام لهم، حتى إنه يبادر إلى تجهيز جيش، و إرساله لهذا الغرض.

بشير بن سعد الجريح الناجي! ! :

و نلاحظ هنا أيضا: أن هذا الذي ذكروه عن بشير بن سعد، من أنه

ضرب كعبه، فظنوا موته، ثم نجا بنفسه؛ قد ذكر ما يشبهه في سرية أخرى، هي سرية محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة في ذي القصة. . و جاء فيها:

أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث محمد بن مسلمة في عشرة إلى بني ثعلبة، فورد عليهم ليلا، فكمن القوم حتى نام، و نام أصحابه، فأحدقوا بهم، و هم مائة رجل، فما شعروا إلا بالنبل و قد خالطتهم، فوثب ابن مسلمة، و عليه القوس، و وثب من معه، فتراموا بالنبل ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم، فقتلت ثلاثة منهم، ثم قتلوا الباقين، و وقع ابن مسلمة جريحا، فضرب كعبه فلم يتحرك. . فتركوهم. .

ثم نجا محمد بن مسلمة بواسطة رجل مسلم مر على القتلى، فحمله حتى ورد به المدينة.

ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا عبيدة في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فلم يجد أحدا، فاستاق نعما و رجع (1).

و ستأتي قضية أخرى تشبه هذه القضية أيضا، و هي سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في سنة سبع.

و مثلها سرية ذات أطلاح أيضا.

و هذا التشابه يلقي ظلالا من الشك على صحة أكثر هذه النصوص.

قاتل حتى ضرب كعبه! ! :

و ورد في النص المتقدم كلام غير مفهوم، فقد قال: قاتل قتالا شديدا


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 551 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 173 و البحار ج 20 ص 291 و 308 و عن إعلام الورى ج 1 ص 200.

حتى ضرب كعبه.

و قيل: قد مات. .

فما هو ربط القتال الشديد بضرب الكعب؟ !

و كيف أصبح ضرب الكعب هو أقصى شيء في القتال؟ !

إلا أن يقال: إنه حين جرح، ضربوا كعبه، ليعرفوا موته من حياته، فلم يتحرك.

و قيل: قد مات. . و لذلك زاد الحلبي عبارة: «اختبارا لحياته» (1)فراجع.

و لكن لماذا تم اختيار الكعب لمعرفة موته من حياته؟ !

بل لماذا يضربون كعبه، و لا يضربونه بموضع قتّال، فيحصل لهم اليقين بموته؟ !

إلا إن كان لهم غرض بأسره و مفاداته، أو نحو ذلك. .

لماذا عدل عن الزبير؟ ! :

لقد ذكر النص المتقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جهز الزبير أولا، و عقد له اللواء، و أمره بالمسير إلى بني مرة، و لكنه عاد و أمره بالجلوس، و استبدله بغالب بن عبد اللّه من دون أن يفصح عن الداعي إلى ذلك. .

رغم أن غالبا كان قد قدم لتوه من سرية أخرى، و لم يسترح من عناء السفر. . مع ملاحظة: أنهم لم يفصحوا لنا-أيضا-عن أيّ شيء يرتبط بتلك السرية التي عاد منها غالب! !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 192.

و السؤال هنا هو: هل اعرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ارسال الزبير، لأن الزبير امتنع من القيام بهذه جبنا و خورا، أو اعتذر عنها بمشاغل رأى أنها أهم من تنفيذ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فإن كان الأمر كذلك فلماذا لم يذكر لنا المؤرخون. .

و إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي انصرف عنه فالسؤال هو: هل وجد «صلى اللّه عليه و آله» من الزبير أي هناة تمنع من إرساله في مهمة كهذه؟ !

أو أنه لم يكن أهلا لقيادة سرية بهذه الحجم، و لها مهمة كهذه؟ !

فإن كان الأمر من هذا القبيل أو ذاك، فلماذا قدمه أولا؟

ألم يكن عالما بعدم كفاءته، أو بالهنات التي صدرت منه؟ !

و إن كان الأمر كذلك، فكيف يقدم على أمر لم يتثبت فيه، و لم يستكشف حقيقته؟ ! و يقف على ما ينبغي له أن يقف عليه؟ !

و إن كان الزبير بريئا من كل عيب، و كان كفؤا للمهمة التي رشّح لها، فلماذا نحاه عنها؟ !

ألا يعتبر ذلك بمثابة تشكيك في أهليته، أو الطعن في إخلاصه؟ ! فلماذا لم يقل أي شيء من شأنه أن يبعد الشبهة عنه؟ !

أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يتفاءل بالنصر الذي حصل للسرية السابقة، كما يوحي به قول الراوي: «فقدم غالب بن عبد اللّه من سرية قد ظفره اللّه عليهم» ؟ !

و لكن هل يصح أن يكون هذا التفاؤل بقيمة إثارة الشبهات حول

الزبير، أو بقيمة تحقيره، و تصغير شأنه بين أقرانه؟ !

على أن من يلاحظ السرايا و أمراءها، لا يجد للزبير ذلك النصيب الذي يتوقع من مثله! ! و لا سيما فيما يتعلق بإمارة تلك السرايا، و كذلك الحال بالنسبة لعدد من أقرانه. فما هو السبب يا ترى؟ !

الزبير. . و بشير بن سعد:

فهل المقصود من ذلك كله: هو تخصيص بشير بن سعد بالفضائل و الكرامات، لأنه كان أول من بايع أبا بكر، و كسر شوكة ابن عمه سعد بن عبادة في يوم السقيفة؟ !

أما الزبير، فكان معارضا لهم، و مؤيدا لمن أبغضوه، و ناوأوه، و اغتصبوا حقه! ! و إن كان قد انقلب بعد ذلك على عقبيه، فقاتل إمامه في حرب الجمل، بعد بيعته له، فقتل هو في تلك الحرب التي أثارها.

حرب إبادة:

و أغرب من ذلك كله، أن نجده «صلى اللّه عليه و آله» يصدر أمرا لقائد سريته، بإبادة بني مرة إن ظفر بهم.

فقد زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: «فإن ظفرك اللّه بهم لا تبقي فيهم. .» (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 723 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 290 و عن عيون الأثر ج 2 ص 163 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 126 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 140.

أو قالوا: أمره بأن «يستأصلهم» .

فهل يمكن أن يصدر أمر كهذا من نبي الرحمة، الذي يقول بعد استشهاد عمه حمزة و عشرات من أصحابه في حرب أحد: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» ؟ !

و لماذا هذه القسوة منه «صلى اللّه عليه و آله» على قوم قد جاءهم من انتهب منهم النعم و الشاء، فهبّوا لتخليصها و استرجاعها، و دفع المهاجمين عن أنفسهم؟ !

ثم لماذا أصر المهاجمون و المغيرون على مواصلة الحرب مع بني مرة حتى قتلوا عن آخرهم؟ ! مع قصور الرواية التاريخية عن التصريح بشيء يدل على أن بني مرة

قد جمعوا لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو تآمروا عليه، أو نقضوا عهده، أو ما إلى ذلك! !

الغنائم و الأسرى:

و بعد. . فإنه إذا كان نصيب كل واحد من المقاتلين من الغنيمة عشرة أبعرة، فسيكون مجموع ما غنموه من بني مرة حوالي ألفي بعير، أو عدلها من الغنم، على أن يكون مقابل كل جزور عشرة من الغنم.

فأين كانت تلك المواشي ترعى؟ ! و كيف كانت تؤوى؟ !

و من الذي كان يحمي تلك الأبعرة و الأغنام الكثيرة في ذلك المحيط الذي كان يمارس أهله الغارة و السلب في كل اتجاه؟ و كيف غفل عنها أصحاب الغارات، و طلاب اللبانات؟ ! و كانوا يجوبون المنطقة طولا و عرضا، خصوصا

إذا كانت حاميتها ضعيفة إلى هذا الحد؟ !

و كم ينبغي أن يكون هناك من الرجال، ليحموها من سباع و فرسان القبائل، برماحهم و سيوفهم؟ ! إذ لا بد أن يكون عدد حماتها متناسبا مع حجم التحدي الذي يتهددها في تلك المنطقة.

و هل قتلهم جميعا غالب و من معه؟ ! أم أنه قد أسر أحدا منهم؟ ! مع العلم بأن الوصية له من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي كما زعموا: «فإن ظفرك اللّه بهم لا تبقي فيهم. .» .

و مع العلم بأن النص لم يشر إلى أسر أحد منهم، بل قال: «فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم، و نحن نصيح بشعارنا: أمت أمت. .» .

إلى أن قال: «و حوينا على الحاضر، و قتلنا من قتلنا، و معنا النساء و الماشية» (1).

و إذا كانوا قد سبوا النساء، فلا بد أن يكون عدد السبايا بلغ المئات.

و من المتوقع أن يكون لها ذكر يتناسب مع كثرتها.

و أن يكون لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعض الصّفى منهن.

و أن يقع التنازع، أو التنافس في الحصول على الجميلات منهن.

أو يكون ذكر لمن في نصيبه من تذكر منهن بجمال، كما رأينا في مناسبات أخرى.

و لكننا لم نعثر على شيء من ذلك في كتب السير، و لم نقف له على أي أثر.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 724.

قصة أسامة بنحو آخر:

و عن قصة أسامة نقول:

إنها رويت بنحو آخر، و هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسله في خيل إلى بعض قرى اليهود ليدعوهم إلى الإسلام، و كان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن سليم، لما أحس بهم جمع إبله و ماله في ناحية الجبل، و هو يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، فمر به أسامة، فقتله.

ثم تذكر الرواية: ما جرى لأسامة مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: «لا ما قال بلسانه قبلت، و لا ما كان في قلبه علمت» .

و فيه أنزلت: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً (1).

و ربما تكون هذه الرواية هي الأقرب إلى الصحة، مع ملاحظة: أنها مختصرة إلى درجة الإخلال باللوم الشديد، الذي وجهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأسامة، و هي أوضح من الرواية الأولى التي تحاول التخفيف من قبح و بشاعة ما صدر عن أسامة، و أن تعطي أسامة منزلة خاصة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكننا رغم ذلك لا بد أن نتوقف قليلا مع بعض ما ورد فيها، فنقول:

ألا شققت قلبه؟ ! :

إن أسامة بن زيد يقتل من شهد أن لا إله إلا اللّه، ثم يزعم لرسول اللّه


1) الآية 94 من سورة النساء.

«صلى اللّه عليه و آله» : أن ذلك المقتول لم يشهد الشهادتين عن قناعة، و إنما قال ذلك بلسانه لينجو من القتل، مع أنه عاجز عن التحقق من ذلك، و عن إثباته. .

و حتى لو كان يعلم بذلك، فالمفروض هو: قبول ذلك منه. . تأسيا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي يعلم الناس كلهم: أنه كان يعرف بنفاق كثير من أصحابه، و قد أعلم حذيفة بعدد منهم. و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعاملهم وفق ما يظهرونه، و ليس على حسب ما يعلمه منهم. .

بل إن الكثيرين منهم كانوا يقدّمون الدليل تلو الدليل على عدم صحة إيمانهم، و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يرتب أثرا على ذلك في مقام التعامل معهم. . و قد انخذل عنه «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن أبي-في ثلث الجيش-في واقعة أحد. . كما أن جماعة من الصحابة قد نفّروا به «صلى اللّه عليه و آله» ناقته، لكي يقتلوه، و كان يعرفهم بأسمائهم، و أشخاصهم، و لكنه لم يعلن بذلك للناس.

و قد ندد القرآن الكريم في كثير من آياته بهم، و أدان تصرفاتهم، و فضحهم، و شنع عليهم في كثير من المناسبات. .

و لم يعاقبهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ما صدر منهم تجاهه، و لا حاسبهم، و لا طالبهم بغير ما كانوا يظهرونه.

و تلك هي سماحة الإسلام، و بالغ حكمته، و دقة تعاليمه، فإنه يريد أن ينتزع السلاح من يد هؤلاء، فلا يشهرونه في وجهه، و يريد لهم أن يعيشوا هم و كل من يلوذ بهم من أقرباء، و عشائر، و أصدقاء، أجواء الإسلام من دون أي تكلف أو حرج، فعسى و لعل، و لعل و عسى أن يقبل اللّه بقلوبهم

و لو بعد حين.

بل إن القاعدة التي أرساها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في التعامل مع الأغيار، هي: أن من قال: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه، حقن بها ماله، و دمه. فما معنى التعدي عن هذه القاعدة، و تمحل الأعذار لذلك؟ !

تهافت. . لا علاج له:

يدّعي أسامة: أن ذلك الرجل تشهد الشهادتين بعد ما ضربه أسامة بالسيف.

فقد روي أنه قال لأميره: «خرجت في أثر رجل منهم، فجعل يتهكم بي، حتى إذا دنوت منه و ضربته بالسيف، قال: لا إله إلا اللّه.

فقال له الأمير: بئس ما فعلت و ما جئت به، تقتل رجلا يقول: لا إله إلا اللّه؟ ! فندم أسامة الخ. .» .

و نقول:

لا نشك في عدم صحة هذه الرواية، إذ يرد عليها-بالإضافة إلى أنها لا تنسجم مع الرواية التي ذكرت-ما يلي:

أولا: لقد ذكرت: أن ذلك الرجل كان يتهكم بأسامة، و أنه: قد شهد الشهادتين بعد أن ضربه أسامة بالسيف.

فلماذا يلام أسامة إذن؟ !

و لماذا يتهم بأنه قد قتل رجلا مسلما؟ ! .

ثانيا: إن هذا النص لا يبقي مجالا لقول أسامة: إنما قالها متعوذا؛ لأن التعوذ إنما يكون قبل إصابة السيف له لا بعده. كما أنه لا يبقي مجال لأن يلومه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول له: هلا شققت عن قلبه؟ و غير ذلك. .

و الظاهر هو: أن المقصود بهذه الصيغة؛ التخفيف من حدة النقد الذي ربما يوجه إلى أسامة على فعلته هذه. .

لا أقتل أحدا يقول: لا إله إلا اللّه:

قال الحلبي: «و من ثم لم يشهد أسامة رضي اللّه عنه مع علي كرم اللّه وجهه قتالا، و قال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها.

أو قال: لو كنت في فم الأسد لدخلت فيه معك. و لكنك قد سمعت ما قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين قتلت ذلك الرجل، الذي شهد أن لا إله إلا اللّه. و قلت له: أعطي اللّه عهدا: أن لا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا اللّه» .

و إذا كان أسامة بن زيد قد تعهد بأن لا يقتل أحدا يقول: لا إله إلا اللّه (1)، فذلك لا يبرر تخلّفه عن نصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الإمام علي «عليه السلام» ، حين يقاتل البغاة عليه، و لا يبرر مخالفته لأمره، إذا أمره بالخروج لحربهم.

و ليس له الاعتذار: بأنه قد تعهد بأن لا يقتل مسلما، إذ إنما يصح له أن يتعهد بما يرجع أمره إليه، و يكون باقتراح و مبادرة منه. أما إذا كان اللّه تعالى هو الآمر له-باعتبار أنه أمره بطاعة نبيه و إمامه-فإنه يصبح أمام أحد خيارين: إما الطاعة الموجبة للمثوبة الإلهية، و إما المعصية المؤدية إلى الهلاك و العقوبة في نار جهنم.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 725 و الجمل ص 45. و راجع: الأمالي للطوسي ص 716 و البحار ج 28 ص 153 و ج 32 ص 70 و راجع الغارات ج 2 ص 577.

فلا يصح لأحد الاعتذار بذلك لأسامة في تخلفه عن حروب أمير المؤمنين «عليه السلام» للبغاة، كما صرحت به بعض الروايات (1).

و قد أغضب ذلك إمامه «عليه السلام» ، حتى حرمه من العطاء، و قال له: هذا المال لمن جاهد عليه (2). و لو أنه «عليه السلام» وجد أن ذلك يبرر موقف أسامة؛ لعذره، و لم يحرمه من العطاء. .

و أما ما روي من أنه: انحرف عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ثم رجع إليه (3)، فسنده ضعيف، فإن كان ذلك قد حصل بالفعل، فهو الفلاح و النجاح، و السداد و الرشاد.


1) تفسير القمي ج 1 ص 148 و راجع: البحار ج 21 ص 11 و ج 25 ص 93 و ج 62 ص 235 و التفسير الصافي ج 1 ص 485 و التفسير الأصفى ج 1 ص 231 و كنز الدقائق ج 2 ص 580.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 102 و الغارات {ط الأولى} ج 2 ص 577 و البحار ج 28 ص 153 و ج 94 ص 58 و ج 100 ص 58 و ج 21 ص 65 و نهج السعادة ج 4 ص 127 و عن ميزان الحكمة ج 4 ص 2996 و الدرجات الرفيعة ص 445 و تاريخ المدينة ج 3 ص 1139، و مستدرك الوسائل ج 11 ص 97 و تكملة الرجال ج 1 ص 174 و الغارات للثقفي ج 2 ص 577.

3) قاموس الرجال {ط مؤسسة النشر الإسلامي} ج 1 ص 716 و 717 و رجال الكشي ص 39 و راجع: كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 797 و رجال ابن داود ص 50 و إتقان المقال ص 259 و التحرير الطاووسي ص 50 و 51.

ماذا عن سؤال المقداد رحمه اللّه؟ !

و أما بالنسبة لقصة المقداد بن عمرو. .

فربما يقال: إن قصد هؤلاء القوم منها هو إيجاد شريك لأسامة، في هذا الأمر القبيح الذي صدر منه، و إيهام: أن المقداد كأسامة قد قتل امرءا مسلما أيضا.

مع أن المقداد كان من خيرة أصحاب علي «عليه السلام» ، و كان معروفا بالطاعة المطلقة له «عليه السلام» ، و بالتسليم التام لما يريده اللّه سبحانه، و لما يأمر به رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . على أن التأمل في القصة التي يرويها هؤلاء يعطي أنها لا تفيدهم فيما قصدوه، لأن ظاهرها: أن المقداد قد طرح على الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» سؤالا افتراضيا، و لم يكن يتحدث عن نفسه أبدا.

و الذي يظهر لنا: أن الأقرب إلى الاعتبار: هو أن بعض الناس ربما لم يبلغهم تغيّظ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أسامة، فظنوا أو خدعتهم ادعاءات صحة ما أقدم عليه أسامة، فأراد المقداد أن يعرّفهم هذه الحقيقة من لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مباشرة فطرح السؤال على سبيل الافتراض، مضمنا إياه خصوصية تزيد في وضوحه، فقد ذكر في سؤاله الأول: أن ذلك الكافر المقاتل قطع يد مهاجمه {الذي هو السائل} بسيفه، ثم أعلن إسلامه.

و جاء الجواب: بتحريم قتل ذلك الرجل.

و هذا سؤال افتراضي جزما، لأن المقداد لم تقطع يده أصلا. .

ثم رتب على هذا السؤال و جوابه سؤالا افتراضيا آخر يقول: لنفترض

أنني قتلته بعد إعلانه الإسلام، فما هو الحكم في ذلك؟

فجاء الجواب في هذه الحالة أيضا: بأن الحكم هو كذا و كذا. .

هل هذا هو النص الصحيح للقضية؟ !

تقدم أننا نحتمل: أن يكون ثمة سعي للتخفيف من وقع جريمة أسامة بادّعاء: أن ذلك المقتول قد أظهر الإسلام حين رهقه أسامة بالسيف. .

مع أن ثمة ما هو صريح في: أن إسلام ذلك الرجل كان متقدما على ذلك، كان معروفا و مشهورا.

و تقدم أيضا: النص الذي ذكره القمي، و هو لا ينسجم مع هذه الادعاءات. . كما أنهم قد رووا ما يؤيده عن ابن عباس، و هو: أن نهيك بن مرداس كان من أهل فدك، و كان مسلما، و لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بأن سرية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تريدهم، و كان على السرية غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، و أقام الرجل، لأنه كان على دين الإسلام.

فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فألجأ غنمه إلى عال من الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فعرف أنهم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكبر و نزل، و هو يقول: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه. السلام عليكم.

فقتله أسامة، و استاق الغنم.

ثم رجعوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبروه، فوجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجدا شديدا، و كان قبل ذلك قد سبق الخبر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أقتلتموه إرادة ما معه؟ !

ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا (1)، فقال: يا رسول اللّه استغفر لي.

فقال: فكيف بلا إله إلا اللّه؟ !

قالها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مرات.

قال أسامة: فما زال رسول اللّه يكررها و يعيدها، حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.

ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استغفر لي بعد ثلاث مرات، و قال: اعتق رقبة.

و روى عكرمة، عن ابن عباس: أنه مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا، و قتلوه، و أخذوا غنمه، و أتوا بها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا » (2).

و في رواية أبو ظبيان قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسامة بن زيد مع جماعة إلى الحرقات من جهينة، فصبحوهم، فهزموهم، و قتل أسامة رجلا ظنه متعوذا بقول لا إله إلا اللّه، فكرر رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) الآية 94 من سورة النساء.

2) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 272 و سنن الترمذي ج 4 ص 307 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 115 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 577 و ج 7 ص 652 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 59 و موارد الظمآن ص 33 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 302 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 115.

و آله» قوله له: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللّه، حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (1).

و نقول:

1-إن التأمل في هذا النص يجعلنا نشك في أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استغفر لأسامة، و ذلك لأنه طلب منه أن يستغفر له، فقال له ثلاث مرات: فكيف بلا إله إلا اللّه؟ !

ثم لم يزل «صلى اللّه عليه و آله» يكررها، و يعيدها، حتى تمنى أنه لم يسلم إلا يومئذ.

و هو جواب ينضح بالألم، و يشي بالاستياء الشديد، من فعل أسامة. . فكيف يمكن الركون إلى زعمهم: أنه استغفر له؟ !

2-و إذا كان جشع أسامة، و حبه للمال يدفعه لارتكاب جريمة القتل حتى للمسلم. . فلست أدري إن كان قد وفّق بعد ذلك للتخلص من شرهه و جشعه هذا؟ ! أم أنه بقي على حاله؟ ! أو ربما يكون قد تنامى و تعاظم. و تعمق و ترسخ حب الدنيا في نفسه؟ !

و ربما يشير إلى ذلك: أن عليا «عليه السلام» قد عاقبه بحرمانه من بعض هذا المال الذي يحبه، حيث قطع عطاءه، و قال: إن هذا المال لمن جاهد


1) راجع: المحلى لابن حزم ج 7 ص 316 و ج 10 ص 368 و البحار ج 21 ص 65 و الديباج على مسلم ج 1 ص 111 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 575 و ج 7 ص 650 و ج 8 ص 462 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 176 و البداية و النهاية ج 4 ص 316 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 523 و عن عيون الأثر ج 2 ص 156 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 88 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 67.

عليه. حسبما تقدم.

3-إن هذا النص يصرح بأن الرجل المقتول جاء إلى جيش المسلمين، و سلم عليهم، و ذلك يجعلنا نرتاب فيما زعموه من أن أسامة قد قتله في ساحة الحرب، و أنه لما رهقه بالسيف نطق بالشهادتين، و ربما يكون الدافع إلى ادعاء ذلك هو التخفيف من حدة النقد لهذا القاتل، و من قبح الذنب الذي صدر منه.

4-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى الإعلان القاطع عن دوافع أسامة لقتل ذلك الرجل. و قد ساق كلامه بصورة الإخبار عن أمر يقيني.

و اليقين بذلك لا يتأتى إلا لمن يكون نبيا، قد علم ذلك عن طريق الوحي، أو من خلال اطلاعه على الغيب، و لو عن طريق إشرافه على اللوح الذي تكتب فيه الغيوب، التي أذن اللّه تعالى له بالاطلاع عليها، و يسّر له ذلك، بما آتاه إياه من قدرات. .

5-إن رواية أبي ظبيان تحاول أن تنسب القتل إلى قوم آخرين يحكي أسامة لنا: أن هذا القتل قد صدر منه، بعد أن اعتبروا تسليم ذلك الرجل عليهم كان من أجل التعوذ به منهم.

مع أن الرواية المتقدمة تصرح بأن أسامة انفرد به، و قتله.

6-إن هذه الرواية التي رواها أسامة تثير أكثر من سؤال.

فإنه إن كان يريد أن يبرئ نفسه من هذه الجريمة، و ينحي باللائمة على غيره؛ فالروايات كلها تكذبه في ذلك.

و إن كان يتحدث عن أن غيره فعل ذلك، و كان هو معهم. .

فإن كان ما فعلوه قد حدث قبل أن يرتكب هو جريمته بحق ذلك

الرجل، فالسؤال هو: أن آية «فَتَبَيَّنُوا» إن كانت نزلت لتحكي ما فعلته تلك الجماعة في هذه المناسبة، فكيف يقدم هو بعد نزول الآية فيهم على قتل ذلك المتعوذ-بزعمه-بلا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه؟ ! . .

و لماذا لم يتبين أمره، و لم يتحقق مما صدر منه، وفقا لما أمر اللّه تعالى به؟ !

و إن كان ذلك قد حصل بعد أن فعل أسامة فعلته، و بعد استنكار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فعله ذاك. . فكيف لم يعتبر أولئك القوم الذين هم من الصحابة بما جرى لأسامة؟ !

و كيف يقدمون على أمر من هذا القبيل، بعد البيان النبوي الواضح و الصريح؟

و كيف يصح من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يغفر لهم ذلك، و لا يعاقبهم عليه؟ !

هذا، و سيأتي بعض الكلام عما جرى لمحلم بن جثامة في سرية أبي قتادة إلى بطن إضم، و في أواخر حرب حنين، و الطائف، فانتظر. . فإنها تشبه قضية أسامة إلى حد بعيد.

سرية غالب بن عبد اللّه إلى الميفعة:

و في شهر رمضان سنة سبع، و بعد أن رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة الكدر، أقام مدة، ثم قال له يسار {مولاه} : يا رسول اللّه، إني علمت غرّة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معي إليهم {و إلى بني عوال} .

فأرسل معه النبي «صلى اللّه عليه و آله» غالب بن عبد اللّه في مائة و ثلاثين رجلا إلى الميفعة، بناحية نجد، على ثمانية برد من المدينة.

و قد خرج بهم يسار، فسار بهم في غير الطريق، حتى فنيت أزوادهم، و جهدوا، و اقتسموا التمر عددا.

و ساء ظنهم بيسار، و في صحة إسلامه. ثم وصلوا إلى واد قد حفره السيل، فساروا فيه حتى انتهوا إلى أكمة. كان الذين يقصدونهم خلفها، فأغاروا عليهم، و استاقوا نعما و شاء، و قتلوا من أشرف لهم منهم. .

و استاقوا النعم إلى المدينة، و لم يسمع أنهم جاؤوا بأسرى. .

و في نص آخر: و لم يأسروا أحدا (1).

و نقول:

أولا: لقد ذكروا: أن قصة أسامة بن زيد، و قتله لذلك الرجل الذي أسلم، ثم قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأسامة: ألا شققت عن قلبه- ذكروا-أن ذلك قد حصل في هذه الغزوة (2).

و تقدم و سيأتي قولهم: إنها كانت في سرايا أخرى أيضا. .

ثانيا: إننا نقول هنا نفس ما قلناه في سائر المواضع، و هو: إن النبي


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 726 و 727 و تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 33 و البحار ج 21 ص 48 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 308 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 119 و عن عيون الأثر ج 2 ص 156.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 61 عن المواهب اللدنية، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 133 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 2 ص 119 و مسند أحمد ج 5 ص 207 و جامع البيان ج 5 ص 129 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و 187 و عن فتح الباري ج 7 ص 398 و التنبيه و الإشراف ص 227.

الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لا يغير على قوم لمجرد استلاب أموالهم، و لا يقتل أحدا قبل دعوته إلى اللّه تعالى، فإن لم يكن «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا هؤلاء القوم إلى الإسلام، و لم يكونوا نقضوا عهدا، أو ارتكبوا جرما، أو جمعوا جمعا للإغارة على أهل الإسلام، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يستحل الإغارة عليهم بهذه الطريقة. و حيث لم نجد فيما بين أيدينا من نصوص ما يثبت شيئا من ذلك، فلا نستطيع تأكيد صحة ما زعموه. .

هذا مع غض النظر عن أننا لا بد أن نسأل عن هذا التفاوت في التعبير عن موضوع الأسرى، فتارة يقال: لم يسمع عن أسرى أتي بهم منهم.

و أخرى يصرحون: بأنه لم يؤسر منهم أحد! !

سرية بشير بن سعد إلى الجناب:

و قالوا أيضا: إنه في سنة سبع قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجل من أشجع، يقال له: حسيل بن نويرة. و كان دليل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : من أين يا حسيل؟

قال: قدمت من الجناب.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما وراءك؟

قال: تركت جمعا من غطفان بالجناب، {و قيل: فزارة و عذرة} ، قد بعث إليهم عيينة يقول لهم: إما تسيروا إلينا، و إما نسير إليكم.

فأرسلوا إليه: أن سر إلينا، حتى نزحف إلى محمد جميعا. و هم يريدونك، أو بعض أطرافك.

قال: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر و عمر، فذكر لهما

ذلك، فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد.

فبعثه في ثلاث مائة رجل، و بعث معهم حسيل بن نويرة دليلا، فساروا حتى أتوا يمن و جبار، فنزلوا بسلاح {موضع أسفل من خيبر} أو سلاج (1)ثم دنوا من القوم، فأغاروا على النّعم، فأصابوا نعما كثيرا، ملأوا منه أيديهم، و نفر الرعاء، و حذروا قومهم، فتركوا محالهم، فلما هجم عليها المسلمون لم يجدوا بها أحدا.

ثم رجعوا، فأخذوا في الطريق عينا لعيينة، فقتلوه.

ثم لقوا جمع عيينة، و عيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم.

ثم انكشف جمع عيينة، و تبعهم المسلمون، فأسروا منهم رجلا أو رجلين-على اختلاف الروايات-فقدموا بهما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلما، فأطلق سراحهما (2).

و أما عيينة فانهزم على فرس له، فاستوقفه حليفه الحارث بن عوف المري. فلم يقف له، و قال: لا، ما أقدر، الطلب خلفي، أصحاب محمد. و هو يركض.

فقال له الحارث: أما لك أن تبصر ما أنت عليه؟ إن محمدا قد وطئ البلاد، و أنت توضع في غير شيء. ثم تنحى الحارث عن الموضع الذي


1) راجع: معجم البلدان ج 5 ص 101 و وفاء الوفاء ج 2 ص 323 و عن الثقات ج 2 ص 25 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 308 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 134.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 727 و 728 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 134 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 120 و عن عيون الأثر ج 2 ص 157 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 308.

يتوقع أن تمر فيه الخيل لكي يراهم، و لا يراه أحد منهم.

فأقام من حين زوال الشمس ظهرا إلى الليل، فلم يمر به أحد. و لا طلبه أحد منهم، و لكن الرعب الذي دخله صوّر له ذلك. .

ثم إن الحارث ذكر ذلك لعيينة، فأقر له به، و أنه خاف أن يؤسر.

فقال له الحارث: أيها الرجل قد رأيت و رأينا معك أمرا بيّنا في بني النضير، و يوم الخندق، و قريظة، و قبل ذلك قينقاع، و في خيبر، إنهم كانوا أعز يهود الحجاز كله، يقرون لهم بالشجاعة و السخاء، و هم أهل حصون منيعة، و أهل نخل.

و اللّه، إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سارت حارثة بن الأوس حيث كان بينهم و بين قومهم ما كان، فامتنعوا بهم من الناس. ثم قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة! و كيف أديل عليهم! !

فقال عيينة: هو-و اللّه-ذاك! و لكن نفسي لا تقرّني.

فقال الحارث: فادخل مع محمد!

قال: أصير تابعا؟ ! قد سبق قوم إليهم، فهم يزرون بمن جاء بعدهم، يقولون: شهدنا بدرا و غيرها.

قال الحارث: و إنما هو على ما ترى، فلو تقدمنا إليه لكنا من علية أصحابه، قد بقي قومه بعدهم منه في موادعة، و هو موقع بهم وقعة ما وطئ له الأمر.

قال عيينة: أرى و اللّه.

فاتّعدا يريدان الهجرة، فمر بهم فروة بن هبيرة القشيري يريد العمرة، و هما يتقاولان، فأخبراه بأمرهما. فطلب منهما الانتظار إلى أن ينظرا ما يصنع أهل مكة، فأخرا القدوم.

و مضى فروة إلى مكة، فإذا هم على عداوتهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبرهم بما جرى لأهل خيبر، و بأن رؤساء الضاحية على عداوتهم أيضا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسألوه عن رأيه، فأشار عليهم أن يتموا مدة العهد الذي بينهم و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يجمعون العرب لغزوه «صلى اللّه عليه و آله» في عقر داره.

و سمع نوفل بن معاوية الديلي بوجود فروة بن هبيرة في مكة، فنزل إليه من باديته، فأخبره فروة بما قال لقريش.

فطلب منه نوفل أن يستنصر له قريشا على خزاعة، التي كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يغيبون عنه حرفا من أمورهم.

فكلم فروة رؤساء قريش في ذلك: صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو، و عبد اللّه بن أبي ربيعة، فاعتذروا و قالوا: إذن يغزونا محمد فيما لا قبل لنا به؛ فيوطئنا غلبة، و ننزل على حكمه، و نحن الآن في مدة، و على ديننا.

فأخبر فروة نوفلا بما جرى. ثم رجع إلى عيينة و الحارث، فأخبرهم، و قال: رأيت قومه قد أيقنوا عليه، فقاربوا الرجل، و تدبروا الأمر.

فقدّموا رجلا، و أخروا أخرى (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم عدة وقفات، هي التالية:


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 727 و 731.

التآمر. . و الاستعداد:

صرحت النصوص المتقدمة: بأن سبب إرسال هذه السرية هو: أن الغطفانيين قد جمعوا، و تآمروا، و اجتمعوا مع جماعات أخرى، ليزحفوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو إلى بعض أطرافه، فكان لا بد من تسديد ضربة استباقية لهم، تفل جمعهم، و تبطل كيدهم.

و لا يصح الانتظار إلى أن يأتوا هم لغزو البلد، و هتك حرمته، و كسر هيبته، و لا يجوز في منطق الحرب أن تعطى للعدو الفرصة لاختيار الزمان، و المكان، و الخطة الحربية، و طريقة القتال، و أساليبه و وسائله.

بل لابد من استلاب الفرصة من يده، و إرباكه، و إشعاره بأنه لن يكون آمنا، لا في الزمان، و لا في المكان، و لن يكون قادرا على اختيار الإقدام أو الإحجام، و لا بد من زعزة ثقته بالوسائل التي يملكها، و بالخطط التي يضعها، و بالتحالفات التي يعقدها، و يعتمد عليها.

و هذا ما حصل للغطفانيين بالفعل، فإنّ شن الغارة عليهم، و بعثرة جمعهم، قد حقق النتائج الباهرة، سواء بالنسبة إليهم، أم بالنسبة لعيينة بن حصن، الذي أراد الاعتضاد بهم في مواجهة أهل الإسلام. .

مشورة العمرين:

و أما ما ذكرته الرواية المتقدمة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» دعا أبا بكر و عمر، و ذكر لهما ذلك، فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد. .

فلا نستطيع أن نؤيده بصورة حاسمة، إذ لم يكن هناك داع للاستشارة في أصل إرسال السرية، لأن المصلحة كانت ظاهرة في هذا الأمر، و هي

ضرورة إيراد الضربة القاضية بأولئك المتآمرين. وفق ما جرت عليه عادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مثل هذه الحالات.

و أما بالنسبة لاختيار الأشخاص، فليس لنا أن نظن: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان في حيرة من أمره فيهم، علما أنه كان لديه من القادة كثيرون، و قد أثبتوا جدارتهم في المواقف. و لم يكن لبشير بن سعد أي امتياز، يقتضي ترجيحه عليهم، أو يفرض ترشيحه لمثل هذه المهمة دونهم. .

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان مسددا بالوحي، و لم يكن بحاجة لرأي أحد. .

فمن أجل ذلك كله نقول: ربما يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض على أبي بكر و عمر أن يتوليا هذه المهمة، فاعتذرا عن قبولها، و أشارا عليه ببشير بن سعد. .

و ربما يكون قد أعلن أو أراد أن يعلن اسم شخص بعينه، فبادرا إلى اقتراح بشير بن سعد، فأحرجاه به. . و ربما. . و ربما. .

لماذا بشير بن سعد دون سواه؟ ! :

و يبقى سؤال يحتاج إلى الإجابة عليه هنا، و هو لماذا رجحا هذا الرجل دون سواه؟ ! و قالا معا بصوت واحد: ابعث بشير بن سعد؟ ! . . فهل كانا قد تداولا هذا الأمر، و اتفقا عليه؟ !

أم أن الأمر جاء منهما على سبيل الاتفاق، و بعفوية تامة؟ !

إن الإجابة على هذا السؤال نتركها للقارئ الكريم! !

غير أننا نشير إلى ما يلي:

1-إن اختيار النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مائة رجل لهذه المهمة يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد حسم الأمر، و ضمان النصر، و إبعاد أي احتمال في الاتجاه الآخر بصورة عملية. .

2-إننا لا نستغرب اهتمام أبي بكر و عمر ببشير بن سعد، و ترجيحهما له على من عداه، فإن الوقائع اللاحقة أثبتت: أن هذا الرجل كان من المؤازرين لهما على ما أراداه من الاستئثار بأمر الأمة، فقد كان أول من بايع أبا بكر في السقيفة، حتى إنه سبق عمر و أبا عبيدة إلى ذلك (1).

و هو الذي أشار عليهما بعدم الإلحاح على سعد بن عبادة، فقبلوا مشورته «و استنصحوه لما بدا لهم منه» (2).

و قد قال قيس بن سعد-الذي كان مع علي «عليه السلام» -للنعمان بن بشير الذي كان مع معاوية في صفين: «. . و لعمري لئن شغبت علينا، لقد شغب علينا أبوك» (3).


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 458 و البحار ج 28 ص 325 و فدك في التاريخ ص 75 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 39 و ج 6 ص 10 و الدرجات الرفيعة ص 327 و بيت الأحزان ص 57 و السقيفة و فدك ص 61 و عن الإمامة و السياسة ج 1 ص 26 و الغدير ج 2 ص 82.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 459 و البحار ج 32 ص 518 و الإحتجاج ج 2 ص 148 و عن الإمامة و السياسة ج 1 ص 27.

3) صفين للمنقري ص 449 و البحار ج 32 ص 518 و مواقف الشيعة ج 1 ص 98 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 88 و الدرجات الرفيعة ص 345 و عن الإمامة و السياسة ج 1 ص 131.

و لا شك في أن هذا الموقف من بشير بن سعد لم يأت من فراغ، و كان له ممهدات، و نال عليه رشاوى مسبقة، فلعل اتفاق العمرين على تخصيصه بإمارة هذه السرية-التي كانت بشائر النصر فيها لائحة-كان إحدى هذه الرشاوى الجليلة التي نالها مسبقا! !

نصرت بالرعب:

و يستوقفنا هنا أيضا هذا الرعب الذي ظهر من عيينة، و استخرجه منه، و فضحه فيه حليفه الحارث بن عوف، فقد تجلى لكل أحد كيف أهمته نفسه، لأنه كان يظن باللّه غير الحق وَ طٰائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّٰهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجٰاهِلِيَّةِ (1).

و قد صدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيث يقول: نصرت بالرعب مسيرة شهر (2).


1) الآية 154 من سورة آل عمران.

2) راجع: البحار ج 16 ص 179 و راجع: ص 308 و 317 و ج 20 ص 29 و ج 77 ص 277 و المبسوط للسرخسي ج 15 ص 3 و ج 23 ص 3 و حاشية رد المحتار ج 1 ص 246 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 6 و المحلى لابن حزم ج 1 ص 65 و سبل السلام ج 1 ص 93 و فقه السنة ج 1 ص 77 و ج 2 ص 674 و من لا يحضر الفقيه ج 1 ص 241 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 109 و عوالي اللآلي ج 2 ص 14 و نور البراهين ج 1 ص 197 و عن مسند أحمد ج 5 ص 145 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 86 و 113 و ج 4 ص 12 و عن سنن النسائي ج 1 ص 210 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 212 و 433 و ج 9 ص 4 و عن فتح الباري ج 1 ص 370 و ج 6 ص 90 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 135 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 411 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 349 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 308 و نظم درر السمطين ص 39 و عن نصب الراية ج 2 ص 379 و عن الجامع الصغير ج 1 ص 177 و كنز العمال ج 11 ص 412 و 440 و عن فيض القدير ج 1 ص 720 و إرواء الغليل ج 1 ص 315 و التبيان ج 3 ص 17 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 414 و التفسير الصافي ج 1 ص 391 و التفسير الأصفى ج 1 ص 177 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 402 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 255 و عن أحكام القرآن ج 2 ص 49 و عن الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 426 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 420 و 518 و ج 2 ص 266 و 339 و 542 و ج 3 ص 547 و عن فتح القدير ج 5 ص 196 و عن البداية و النهاية ج 3 ص 364 و ج 6 ص 197 و 205 و 288 و 320 و عن العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 277 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 168 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 461 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 271 و 315 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 233 و 434 و لسان العرب ج 1 ص 420 و ج 4 ص 389 و مجمع البحرين ج 2 ص 193 و تارج العروس ج 1 ص 272 و ج 3 ص 286.

و هكذا ينصر اللّه تعالى أولياءه، و منهم الإمام الحجة من آل محمد «صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين» ، فإن الرعب يسير معه أيضا (1).

هلا لنفسك كان ذا التعليم:

تقدم: أن الحارث بن عوف قال لعيينة: أما لك أن تبصر ما أنت عليه؟ ! إن محمدا قد وطئ البلاد، و أنت توضع في غير شيء.

و قد سبق للحارث أن قال لعيينة نفس هذا الكلام، و ذلك حين وصل


1) البحار ج 28 ص 62 و ج 52 ص 348 و 356 و كامل الزيارات ص 549 و الجواهر السنية ص 290 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 2 ص 881.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، و حاصر حصن النطاة، و سمع الغطفانيون صائحا يقول: أهلكم، أهلكم بحيفا، فلا تربة، و لا مال.

حيث قال له: يا عيينة، و اللّه لقد غبرت إن انتفعت.

و اللّه إن الذي سمعت لمن السماء.

و اللّه، ليظهرن محمد على من ناوأه، حتى لو ناوأته الجبال لأدرك منها ما أراد الخ. . (1).

و بعد فتح خيبر-أيضا-حاول عيينة أن يحصل على بعض الغنائم، فرجع خائبا إلى منزله، فجاءه الحارث بن عوف، فقال له:

«ألم أقل لك: إنك توضع في غير شيء؟ !

و اللّه، ليظهرن محمد على من بين المشرق و المغرب. . اليهود كانوا يخبروننا هذا، أشهد لسمعت أبا رافع، سلام بن أبي الحقيق الخ. .» (2).

فإذا كان الحارث بن عوف عارفا بصحة ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان على يقين من انتصاره «صلى اللّه عليه و آله» على أعدائه، و أنه لا فائدة من مناوأته، حتى أصبح يسدي نصائحه مرة بعد أخرى لحليفه عيينة بن حصن، فلماذا لا يبادر-الحارث نفسه-إلى حفظ نفسه و قومه، و حقن دمه و دمائهم، بإعلان قبوله بالأمر الواقع، و اعترافه بما يعلم أنه حق، و يحاول إقناع غيره به؟ !


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 652 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 241 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 401 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 138.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 676.

لقد كانت جميع الدلائل متوفرة لديه على لزوم المبادرة إلى ذلك، فإن كان الأمر يتعلق بالآخرة، فقد صرح في النصوص المتقدمة، و في أقواله لعيينة في حرب خيبر: بأن هذا النبي مؤيد من السماء، و أن اليهود أخبروه بأنهم يجدون في كتبهم ما يدل على صحة نبوته «صلى اللّه عليه و آله» . .

و إن كان الأمر يتعلق بالدنيا، فقد صرح في كلامه لعيينة في خيبر: بأنه لا فائدة من مناوأة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

كما أنه قدم له في هذه المرة الأخيرة شرحا وافيا، من شأنه أن يقنع عيينة و سواه بأنه يوضع في غير شيء. .

و ذكر له: أن الأحداث التي جرت لبني النضير، و في الخندق، و قريظة، و قينقاع، و خيبر هي أدلة دامغة على صحة ما يدعوه الحارث إليه.

بل هو يتوقع: أن يوقع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقريش أيضا في الوقت المناسب، و لا يجد من عيينة أي اعتراض على ذلك كله. .

فلماذا لا يبادر إلى العمل بما كانت المصلحة له و لقومه ظاهرة فيه، بحسب ما يؤمن به و يعتقده؟

و مما يزيد هذه المفارقة وضوحا: أنه استطاع أن يقنع عيينة بما يراه و يعتقده، حتى لقد اتّعدا على الهجرة، و إعلان إسلامهما، و لكن فروة بن هبيرة يفسد هذا الاتفاق بكل سهولة و بساطة، حيث اكتفيا بمجرد وعد منه بأن يأتيهما بما تفكر فيه قريش، التي أصبحت معزولة و محاصرة في محيطها، و قد فشا الإسلام فيها، و لم تعد قادرة على منع المسلمين من ممارسة شعائرهم و حرياتهم حتى في داخل مكة بالذات. .

هذا. . و قد تأخر إسلام الحارث بن عوف، و لم يفلح في التشرف

بالإسلام، حتى بعد أن سقطت مقاومة قريش، و فتحت مكة، و جرى ما جرى في حنين، و غيرها، إلى أن كانت غزوك تبوك (1).

إن ذلك كله، لا يمكننا تفسيره، و لا يتسنى لنا تصديقه إلا على قاعدة التعرض للخذلان الإلهي و حجب الألطاف عنه، رغم أن هذا المنقول عنه يشير إلى أنه لم يكن ينقصه عقل و دراية، و لا أثر فيه للتسرع، أو للحمق، و الرعونة. .

أعاذنا اللّه من سيئات أعمالنا، و شرور أنفسنا، إنه ولي قدير. .

موانع من إسلام عيينة:

و أما ما تذرع به عيينة بن حصن، و اعتبره مبررا لصدوده عن الإسلام، فهو ينبئ عن المزيد من الرعونة و الحمق، و سوء التقدير للأمور. و يكفي أن نتذكر قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه: هذا الأحمق المطاع (2).


1) راجع: الإصابة ج 1 ص 683.

2) الإصابة ج 3 ص 54 عن سعيد بن منصور، و الطبراني، و شرح الأخبار ج 1 ص 291 و البحار ج 17 ص 204 و ج 19 ص 147 و ج 22 ص 64 و ج 69 ص 282 و عن فتح الباري ج 10 ص 378 و ج 13 ص 218 و 253 و تأويل مختلف الحديث ص 218 و تفسير القمي ج 1 ص 147 و عن تفسير مجمع البيان ج 3 ص 154 و التفسير الصافي ج 1 ص 482 و التفسير الأصفى ج 1 ص 228 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 530 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 567 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 310 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 167 و 543 و كتاب المحبر ص 249 و تاريخ المدينة ج 2 ص 537 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 و عن العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 306 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 26 و شرح أصول الكافي ج 9 ص 365.

فهو قد علل صدوده عن الإسلام: بأنه لا يريد أن يصير تابعا، و أن الذين سبقوه إلى الإسلام سوف يزرون عليه؛ بأنهم شهدوا بدرا و غيرها دونه، و بأن نفسه تأبى ذلك. .

فاسمع، و اعجب، ممن يبيع آخرته بأوهام دنيوية، فإنك ما عشت أراك الدهر عجبا. .

الفصل الثالث: شخصيات و أحداث. . إلى عمرة القضاء

اشارة

قتل شيرويه:

و ذكروا: أن شيرويه قتل أباه في سنة سبع، في ليلة الثلاثاء، لعشر مضين من جمادى الآخرة، أو جمادى الأولى.

و روي أنه لما قتله لم يستقم له الأمر حتى قتل سبعة عشر أخا له، ذوي أدب و شجاعة، فابتلي بالأسقام، فبقي ثمانية أشهر، أو ستة، ثم مات، و عمره اثنتان و عشرون سنة (1).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم بأن كسرى سيقتل في هذا الوقت، فكانوا ينتظرون هذا الأمر. فلما بلغهم وقوع ما أخبر به «صلى اللّه عليه و آله» أسلم باذان، و أسلم الأبناء من فارس، الذين كانوا باليمن.

و بعث «صلى اللّه عليه و آله» إلى باذان بنيابة اليمن كلها (2).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 295 و البداية و النهاية ج 4 ص 270 و الطبقات الكبرى لابن سعد {ط ليدن} ج 1 ق 2 ص 16 و البحار ج 20 ص 391 و ج 21 ص 45 و عمدة القاري ج 2 ص 28 و ج 18 ص 58 و فتح الباري ج 8 ص 96 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 656 و السيرة الحلبية ج 3 ص 247 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 447 و الأخبار الطوال للدينوري ص 110.

2) راجع في ذلك: مكاتيب الرسول ج 2 ص 332 عن رسالات نبوية ص 94 و شذرات الذهب ج 1 ص 15 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 278 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 66 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 45 و عمدة القاري ج 2 ص 29 و ج 25 ص 20 و تاريخ الخميس ج 2 ص 35 و مجموعة الوثائق السياسية ص 195.

و نقول:

1-ذكروا: أنه لما سمع المنتصر أباه المتوكل العباسي يشتم فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، سأل رجلا من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل، إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر.

قال: ما أبالي إذا أطعت اللّه بقتله أن لا يطول لي عمر.

فقتله، و عاش بعده سبعة أشهر (1).

و من الواضح: أن المنتصر العباسي قد سأل عن أمر لا يعرفه البشر بالوسائل العادية، بل يحتاج إلى النقل، و البيان عن اللّه تعالى.

و هذا معناه: أن المجيب كان مطّلعا على الغيب، عارفا به، و ليس هو إلا الإمام المعصوم من أهل البيت «عليهم السلام» ، أو من أخذ عنه. .

2-إذا كانت الحكمة الإلهية تقضي بأن لا يطول عمر من قتل أباه -حتى لو قتله بحق-أكثر من أشهر معدودة، فذلك معناه: أن اللّه تعالى يريد للولد القاتل أن يفهم: أن ما فعله، إن كان مرضيا له تعالى، فسيكون


1) راجع: البحار ج 45 ص 396 و 397 و عن الأمالي للطوسي ص 337 و العوالم ص 726 و عن مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 221 و راجع: الغدير ج 3 ص 41 و شجرة طوبى ج 1 ص 157 و المجدي في أنساب الطالبيين ص 372 و عن العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 3 ص 279.

موته في هذه المدة اليسيرة لطفا به، و رحمة له منه تعالى، و فيه إبعاد له عن أجواء كريهة، لو استمر يعيش قريبا منها فربما تؤثر على حالته الروحية و الإيمانية، و تتسبب له بما لم يكن في حسبانه.

و مما يدل على ذلك: أن المنتصر حسب ما ورد في الروايات كان في وضع صعب، و كان إذا جلس إلى الناس يتذكر قتله لأبيه فترتعد فرائصه (1).

و لعل لابن السكيت الفضل في تربية المنتصر على حب أهل البيت «عليهم السلام» ، فإنه كان مؤدبا لأولاد المتوكل، و قد قتله المتوكل لأجل تشيعه، و قصته مشهورة.

أما إذا كان هذا القتل من موجبات سخط اللّه تعالى، فإن وضع هذه السنة و إجراءها من شأنه أن يؤثر في الردع عن الإقدام على مثل هذه الجريمة، و يكون ذلك تقوية لدرجة حصانة المجتمعات من الوقوع في مآزق و مزالق كبيرة و خطيرة.

جبلة بن الأيهم:

قالوا: و في سنة سبع كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جبلة بن الأيهم، و دعاه إلى الإسلام، فلما وصل إليه الكتاب أسلم، و كتب جواب كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعلمه بإسلامه، و أرسل الهدية، و كان ثابتا على إسلامه إلى زمان عمر بن الخطاب (2).


1) راجع: الأعلام ج 6 ص 70.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 205 و في هامشه عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 265 و مجموعة الوثائق السياسية ص 127 و عن إمتاع الأسماع، و عن اليعقوبي ج 2 ص 67 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 185 و المنتظم ج 4 ص 7 و أسد الغابة ج 2 ص 386 ترجمة شجاع بن وهب، و راجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 532 و كتاب المحبر ص 372 و النصائح الكافية ص 204.

و هناك من يزعم: أنه أسلم في زمن عمر، و أنه قاتل المسلمين في دومة الجندل سنة 12 ه. و حضر وقعة اليرموك سنة 15 ه، و هو على مقدمة عرب الشام في الجيش الموالي للروم، ثم قدم على عمر فأسلم، أو أنه أسلم، ثم قدم عليه. .

ثم قالوا: إنه في نفس سنة إسلامه قدم مكة للحج، و حين كان يطوف في المطاف وطأ رجل من فزارة إزارة فانحل، فلطم الفزاريّ لطمة هشم بها أنفه، و كسر ثناياه، فشكاه الفزاري إلى عمر، و استغاثه، فطلب عمر جبلة، و حكم بأحد الأمرين، إما العفو، و إما القصاص.

قال: جبلة: أتقتص له مني سواء، و أنا ملك، و هو سوقي؟ !

قال عمر: الإسلام ساوى بينكما، و لا فضل لك عليه إلا بالتقوى.

قال: و اللّه، لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.

قال عمر: هو ذاك.

قال: فإن كنت أنا و هذا الرجل سواء في هذا الدين فسأتنصّر.

قال عمر: إذا أضرب عنقك.

قالوا: و اجتمع قوم جبلة و بنو فزارة، فكادت تكون فتنة. .

قال: فأمهلني الليلة حتى أنظر في أمري.

فلما كان الليل ركب في بني عمه، و هرب إلى قسطنطينية، و تنصر

هناك، و مات مرتدا (1).

قالوا: «و بعض أهل الإسلام على أن جبلة عاد إلى الإسلام، و مات مسلما» (2).

و له شعر يظهر فيه حسرته، و ألمه البالغ مما جرى، فهو يقول:

تنصرت الأشراف من أجل لطمةو ما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفني منها لجاج و نخوةو بعت لها العين الصحيحة بالعور

فيا ليت أمي لم تلدني و ليتنيرجعت إلى القول الذي قال لي عمر

و يا ليتني أرعى المخاض بقفرةو كنت أسيرا في ربيعة أو مضر

زاد في الأغاني قوله:

و يا ليت لي بالشام أدنى معيشةأجالس قومي ذاهب السمع و البصر

أدين بما دانوا به من شريعةو قد يحبس العود الضجور على الدبر (3)


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و الوافي بالوفيات ج 11 ص 53 و أشار في هامشه إلى: المحبر ص 276 و 372 و المعارف ص 256 و الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 57 و الإستيعاب ج 1 ص 121 و معجم البلدان ج 3 ص 242 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 348 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 74 و الإصابة ج 2 ص 64 و طرفة الأصحاب ص 21 و الأعلام ج 2 ص 102 انتهى. و العقد الفريد {ط دار الكتب العلمية} ج 2 ص 56-62 و راجع ج 11 ص 19{هامش} .

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 61.

3) النص و الإجتهاد ص 360 و الوافي بالوفيات ج 11 ص 56 و العقد الفريد ج 2 ص 61 و الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 162 و 163 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 365 و معجم البلدان ج 3 ص 314 و عن البداية و النهاية ج 8 ص 71 و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 289 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 183.

و في نص آخر عن ابن الكلبي: أن الفزاري لما وطئ إزار جبلة لطم جبلة كما لطمه، فوثبت غسان فهشموا أنفه، و أتوا به إلى عمر. . ثم ذكر باقي الخبر (1).

و ذكر الزبير بن بكار: أن جبلة قدم على عمر في ألف من أهل بيته فأسلم. و جرى بينه و بين رجل من أهل المدينة كلام، فسب المديني، فرد عليه، فلطمه جبلة، فلطمه المديني، فوثب عليه أصحابه، فقال: دعوه حتى أسأل صاحبه، أنظر ما عنده.

فجاء إلى عمر، فأخبره، فقال: إنك فعلت به فعلا، ففعل بك مثله.

قال: أو ليس عندك من الأمر إلا ما أرى؟

قال: لا، فما الأمر عندك يا جبلة؟

قال: من سبنا ضربناه، و من ضربنا قتلناه.

قال: إنما أنزل القرآن بالقصاص.

فغضب، و خرج بمن معه، و دخل أرض الروم، فتنصّر، ثم ندم (2).

و نقول:

لا شك في أنه كان بإمكان عمر أن يراعي حال هذا الرجل، و يعالج القضية بحكمة و رويّة، و يستوهب من الفزاري لطمته، و ينتهي الأمر.

و يتأكد لزوم ذلك إذا صح أن جبلة قد أسلم لتوّه، و لم يتعرف بعد على أحكام الإسلام، و لا يزال يعيش زهو الملك، و نخوة السلطان. .


1) الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 159.

2) الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 159 و 160.

و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغمض النظر عما يرتكبه أصحابه عن جهل، و نحوه، مما يمكن أن يعتبر شبهة تدرؤ عنهم العقوبة.

و يتأكد وجود الشبهة التي تدرؤ الحد، بادعاء جبلة: أن الفزاري قد تعمد أن يطأ إزاره (1). و أن يكشف عورته.

و أن ذلك الفزاري لطم جبلة أيضا. .

و أن الذين ضربوا الفزاري هم الناس الذين كانوا مع جبلة نفسه.

و إذا صح: أن الفزاري لطم جبلة مقابل لطمته له، و كذا إذا كانت الرواية الأخيرة هي الصحيحة، فذلك يؤكد على أنه كان ينبغي الرفق به في مقام تعريفه بالأحكام، و المبادرة إلى تطييب خاطره، و التأني في بيان الأمر له. .

ملاحظة للسيد شرف الدين رحمه اللّه:

و قد سجل العلامة العلم السيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» ملاحظة على صنيع عمر بجبلة بن الأيهم، مفادها مع مزيد من التوضيح و التأييد: أن عمر بن الخطاب أراد أن يسوم عز جبلة الخسف، و أن يجدع منه الأنف، بعد أن وفد عليه بأبهة الملوك، و جلال السلطان.

و نحن نزيد في توضيح هذا الأمر، كما يلي:

يقولون: إن جبلة كان قد كتب إلى عمر يعلمه بإسلامه، و يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عمر: أن أقدم، فلك ما لنا، و عليك ما علينا.

فقدم في خمس مائة فارس من عدد جفنة {و قيل: بألف فارس} ، فلما دنا


1) الأغاني {ط دار إحياء التراث العربي} ج 15 ص 162.

من المدينة ألبسهم الوشي المنسوج بالذهب، و الحرير الأصفر، و جلل الخيل بجلال الديباج، و طوّقها بالذهب و الفضة، و لبس جبلة تاجه، و فيه قرطا مارية-و هي جدته-فلم يبق في المدينة أحد إلا خرج للقائه، و فرح المسلمون بقدومه و إسلامه.

ثم حضر الموسم من عامه ذلك. فبينما هو يطوف إذ وطئ رجل فزاري الخ. . (1).

و قال في نص آخر ذكره أبو الفرج: «و دخل المدينة، فلم يبق بها بكر و لا عانس إلا تبرجت، و خرجت تنظر إليه، و إلى زيه. فلما انتهى إلى عمر رحب به، و ألطفه، و أدنى مجلسه.

ثم أراد عمر الحج، فخرج معه جبلة، فبينما هو يطوف بالبيت، و كان مشهورا بالموسم، إذ وطأ إزاره رجل من فزارة الخ. .» (2).

فهذا العز، و الجلال، و هذه الشهرة، و ذلك الاستقبال الذي حظي به جبلة، لم يكن ليتحمله عمر، أو يروق له، و هو الذي ضرب شابا {ابنا له} بدرته حتى أبكاه، لمجرد أنه رآه يلبس ثيابا حسنة، فسألته حفصة عن سبب ذلك، فقال: إني رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه (3).

و أقبل الجارود العامري، و عمر قاعد و الناس حوله، فقال رجل: هذا


1) الوافي بالوفيات ج 11 ص 53 و العقد الفريد ج 2 ص 56 و الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 158.

2) الأغاني {ط دار إحياء التراث العربي} ج 15 ص 158.

3) تاريخ الخلفاء ص 133 الغدير ج 6 ص 157 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 416 و كنز العمال ج 12 ص 668 و عمر بن الخطاب للبكري ص 363.

سيد ربيعة، فسمعها عمر و من حوله، و سمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدرة، فسأله الجارود عن السبب.

فقال له عمر: ما لي و لك؟ لقد سمعتها!

قال: و سمعتها! ! فمه؟

قال: خشيت أن تخالط القوم.

و يقال: هذا أمير.

و في لفظ: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء، فأحببت أن أطأطئ منك (1).

و دخل عليه معاوية و عليه حلة خضراء، فنظر إليه الصحابة، فقام إليه عمر، و جعل يضربه، فلما سئل عن ذلك، قال: «رأيته-و أشار بيده إلى فوق- فأردت أن أضع منه ما شمخ» (2).

و قد فعل بضبيع التميمي الأفاعيل حتى أسقطه في الناس، و عاش ذليلا وضيعا في قومه حتى هلك، مع أنه كان سيد قومه، و ذلك لمجرد أنه كان يسأل عن معنى بعض الآيات (3).


1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 183 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 73 و ج 18 ص 233 و الغدير ج 6 ص 157 و تاريخ المدينة ج 2 ص 690 و عمر بن الخطاب ص 251 و كنز العمال ج 3 ص 809.

2) البداية و النهاية {حوادث سنة 60} ج 8 ص 125 و الإصابة ج 3 ص 434 و الغدير ج 6 ص 158.

3) راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 54 و 55 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 17 و الإتقان ج 2 ص 5 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 102 و تاريخ دمشق لابن عساكر ج 3 ص 411 و مختصر تاريخ دمشق ج 11 ص 46 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 232 و كنز العمال ج 2 ص 331 و راجع ص 334 عن الدارمي، و نصر المقدسي، و اللالكائي، و ابن عساكر، و ابن الأنباري، و الإصبهاني، و الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 445 و الدر المنثور ج 6 ص 111 و 317 و عن فتح الباري ج 8 ص 211 و ج 13 ص 272 و إحياء علوم الدين ج 1 ص 28 و الصراط المستقيم ج 3 ص 15 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 542 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 273.

و حين رأى جمال نصر بن الحجاج-و هو من بني سليم-نفاه عن أهله إلى البصرة، من دون ذنب جناه، سوى أن عمر كان يعس بالليل، فسمع امرأة تقول:

هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجاج (1)

فقال عمر: لا أرى معي في المدينة رجلا تهتف به العوائق في خدورهن.

و كذلك فعل بأبي ذؤيب، و هو من بني سليم أيضا (2).


1) الطبقات الكبرى ج 3 ص 285 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 27-30 و راجع ج 3 ص 53 و 59 و وضوء النبي ج 1 ص 38 وفقه السنة ج 2 ص 212 و لسان العرب ج 15 ص 294 و تاج العروس ج 11 ص 350 و عن كتاب سليم بن قيس ص 230 و البحار ج 31 ص 21 و 23 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 353 و عن النص و الإجتهاد ص 365 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 275 و ج 62 ص 20-23 و عن أسد الغابة ج 1 ص 371 و ج 6 ص 382 و الأعلام ج 8 ص 22 و تاريخ المدينة ج 2 ص 763 و عن البداية و النهاية ج 9 ص 138 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 258 و غريب الحديث ج 2 ص 223 و النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 367.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 30 و 31 و البحار ج 31 ص 24 و مناقب آل البيت للشيرواني.

هذا بالإضافة إلى تشدده على سعد بن أبي وقاص، و خالد بن الوليد، و لعل السبب هو ما كان يلمسه فيهما من قوة، و من اعتداد بنفسيهما (1).

و ربما يكون هذا بالذات هو ذنب جبلة، الذي كان يعيش عزة الملك، و زهو السلطان و عنفوانه. .

و لكن عمر كان رؤوفا بالمغيرة بن شعبة، متأنيا في أمره، ساعيا في إبعاد شبح تعرضه لإقامة حد الزنى عليه (2). .

و ما ذلك إلا لأن المغيرة كان على حد تعبير السيد شرف الدين: «أطوع لعمر من ظله، و أذل من نعله، و كانت سياسته تقضي إرهاب الرعية، بالتشديد على من كان عزيزا كجبلة، و خالد.

و ربما أرهبهم بالوقيعة بذوي رحمه، كما فعله بابنه أبي شحمة (3)، و بأم فروة


1) راجع: النص و الإجتهاد {ط سنة 1404 ه} ص 363 و 364.

2) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 449 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 235 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 234-239 و البداية و النهاية ج 7 ص 81 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 159 و عمدة القاري ج 6 ص 340 و فتوح البلدان للبلاذري ص 352 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 609 و عن الأغاني ج 16 ص 94 و 100 و 109 و وفيات الأعيان ج 6 ص 364 و كنز العمال ج 5 ص 423.

3) راجع: الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 2 ص 394 و الرياض النضرة ج 2 ص 301 و الإصابة ج 3 ص 72 و عن تاريخ الأمم و الملوك {حوادث سنة 13} ج 3 ص 597، و إرشاد الساري ج 9 ص 439 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 213 و العقد الفريد ج 6 ص 265 و تاريخ بغداد للخطيب ج 5 ص 455 عن الكامل في التاريخ {حوادث سنة 14} ج 2 ص 124.

أخت أبي بكر (1)، و بمن لا فائدة له به، ممن لا يكون في عير السياسة و لا في نفيرها، كما فعله بجعدة السلمي (2)، و ضبيع التميمي، و نصر بن حجاج، و ابن عمه أبي ذؤيب الخ. .» (3).

و قال رحمه اللّه أيضا: «ليت الخليفة لم يحرج هذا الأمير العربي و قومه، و لو ببذل كل ما لديه من الوسائل إلى رضا الفزاري، من حيث لا يدري ذلك الأمير، أو من حيث يدري. و هيهات أن يفعل عمر ذلك» (4).

تأييد عودة جبلة إلى الإسلام:

و أما بالنسبة لما قيل: من أن جبلة بن الأيهم قد عاد إلى الإسلام، فربما يمكن تأييده، بشعره المتقدم، و بتصريحات أخرى منقولة عنه، تدل على ندمه


1) راجع: كنز العمال ج 15 ص 732 و الإصابة ج 6 ص 427 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 181 و البحار ج 31 ص 32 و الغدير ج 6 ص 161 و أضواء على الصحيحين ص 428 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 557.

2) الطبقات الكبرى {ط ليدن} ج 3 ق 1 ص 205 و الإصابة ج 1 ص 261 عن الآمدي، و ابن عساكر، و عن فتح الباري ج 12 ص 141 و لسان العرب ج 4 ص 18. و ذكروا: أنه ضربه مائة و نفاه إلى عمان لمجرد: أنه قرأ شعرا لبعض الناس يتهمه فيه بمغازلة النساء. و حتى لو صح ذلك عنه، فإن عقوبته ليس فيها النفي، و لا جلد مائة! !

3) النص و الإجتهاد {ط سنة 1404 ه ق} ص 360 و 361 و الموارد الثلاثة الأخيرة ذكرنا مصادرها، فراجع. و راجع: تاريخ المدينة ج 2 ص 762.

4) النص و الإجتهاد {ط سنة 1404 ه} ص 360.

على ما فرط منه.

و يمكن تأييد ذلك أيضا: بما ذكروه من أن رسولا كان عمر أرسله إلى هرقل دخل على جبلة، فأجلسه على سرير قوائمه من الذهب، فانحدر عنه، فقال: له جبلة: «لم تأبى الكرامة التي أكرمناك» ؟ !

قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن هذا.

قال: نعم، «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن نقّ قلبك من الدنس، و لا تبال على ما قعدت.

قال ذلك الرسول: فلما صلى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» طمعت به، فقلت. .

إلى أن قال: قلت: «إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن الأكل في آنية الذهب، و الفضة.

قال: نعم، «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن نقّ قلبك، و كل فيما أحببت الخ. .» (1).

بل ربما يستظهر من بعض الروايات أن ابنة جبلة كانت مسلمة أيضا. .

فقد رووا: حرصها على انتصار المسلمين على الروم، و إعلان فرحها بذلك في مقابل بنت هرقل، التي كانت تظهر الفرح بانتصار الروم.

فقد زعموا: أن جيشا غزا القسطنطينية في زمن معاوية، فكان هناك قبتان مبنيتان، عليهما ثياب الديباج؛ فإذا كانت الحملة للمسلمين ارتفع من


1) راجع: الوافي بالوفيات ج 11 ص 54 و العقد الفريد ج 2 ص 58 و الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 15 ص 160 و 161.

إحداهما أصوات الدفوف، و الطبول و المزامير.

و إذا كانت الحملة للروم ارتفع من الأخرى مثل ذلك. .

و كانت الأولى بنت جبلة بن الأيهم، و الثانية بنت ملك الروم، فكانت كل واحدة منهما تظهر السرور بما تفعله عشيرتها (1).

و من الواضح: أن كلمة «عشيرتها» غير دقيقة، لأن حمية الدين هي الأقوى، فلو كانت بنت جبلة تدين بالنصرانية، فلا يتوقع منها هذا الفرح بانتصار من هم على غير دينها. و مجرد كونهم من عشيرتها لا يبرر ذلك منها.

فلعلها كانت تتظاهر بالعصبية العشائرية للتستر على الدافع الحقيقي لهذا الفرح، و هو أنها تبطن الحب للإسلام، و الولاء لأهله. .

جبلة يعطي الزكاة لا الجزية:

و ذكر اليعقوبي: أنه لما أتى عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس، و عاد منها قاصدا المدينة: «أتاه جبلة بن الأيهم، فقال له: تأخذ مني الصدقة، كما تصنع بالعرب.

قال: بل الجزية، و إلا فالحق بمن هو على دينك.

فخرج في ثلاثين ألفا من قومه حتى لحقوا بأرض الروم. و ندم عمر على ما كان منه في أمره» (2).

و نقول:

إن هذا النص يستحق الدراسة لفهم مرماه، و مغزاه، فإذا كان جبلة قد


1) الأغاني {ط دار الكتب العلمية} ج 17 ص 212.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 147 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 183.

أسلم قبل هذه الحادثة، في عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» مثلا، فلماذا يريد عمر منه الجزية؟ !

و إن كان لم يسلم، فلماذا يعرض على عمر أن يعطيه الصدقة، التي هي الزكاة؟ !

ألا يدل هذا على أن جبلة كان مسلما آنئذ؟ !

و حين يعرض على عمر أن يعطيه الصدقة، ألا يفترض في الخليفة الاستفهام عن سرّ هذا العرض؟ !

و لماذا يأبى إلا أن يعتبره كافرا؟ !

و إلاّ أن يفرض عليه الجزية؟ !

و لماذا يطرده من بلاد المسلمين بهذه الطريقة، التي تحمل معها المهانة و الاستخفاف؟ !

و إذا كان يعلم أن لجبلة أنصارا بهذا الحجم-ثلاثين ألفا-فلماذا يفرّط بكل هذا الجمع، و يرسلهم إلى عدو المسلمين، ليتقوى بهم في حربه للإسلام و المسلمين؟ !

و إذا كان يعتقد أنه نصراني حقا، فلماذا لا يخيّره بين الجزية و الحرب؟ !

ألم يكن هذا هو الأوفق بالموقف الإسلامي من محارب يرفض الانصياع للحكم الإلهي؟ !

و يبقى سؤال هو: ألا تتناقض هذه الرواية مع ما تقدم، مما دل على أن سبب لحوقه بالروم، و تنصّره هو قصته مع الفزاري في الطواف، ثم قضاء عمر عليه.

و يمكن الجواب: بأن من الممكن أن تكون الأسباب التي دعته إلى ذلك قد اجتمعت، و تضافرت، حتى كان آخرها ما جرى له في مكة. .

وصول هدايا المقوقس:

و في سنة سبع وصلت هدية المقوقس ملك الإسكندرية و مصر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و من جملتها فرس اسمه اللزار، و بغلة يقال لها: دلدل، و حمار يقال له: يعفور، و ثياب، و مثاقيل من الذهب، و مارية، و سيرين، و جاريتان أخريان، و جريج، و خصي اسمه مأبور، و غير ذلك (1).

فأسلمت مارية و أختها قبل الوصول إلى المدينة، و أسلم الخصي في المدينة (2)، و ولدت مارية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إبراهيم، كما سنبينه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

قيمة الهدايا:

إن الهدية دليل احترام، و عنوان تقدير و تكريم، فإذا كانت من الملوك إلى أمثالهم، فهي على نحوين:

أحدهما: أن تكون دليل رغبة بالسلام، و تجنب الدخول في الصدام، و البقاء على درجة من التوافق و الوئام، و الإعلان عن حسن النوايا حسبما تقتضيه ظروف مرسل الهدية، و نرى أن هدايا المقوقس كانت تسير في هذا الاتجاه حسبما أوضحناه حين الحديث عن مراسلته «صلى اللّه عليه و آله»


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 62 و البحار ج 21 ص 45 و ص 47 و 48 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 424-427 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 311 و ج 5 ص 324 و 350 و ج 7 ص 86 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 515.

2) راجع: البحار ج 21 ص 45 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 212 و الإصابة ج 8 ص 311 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 307.

للملوك، و منهم المقوقس.

الثاني: أن يكون الدافع للهدية: الصداقة، و الوفاء، و المحبة و الإخاء، و الإعراب عن الطاعة و الإيمان، و الولاء. .

و لعل تفسير هدايا النجاشي بهذه المعاني أليق، و هي بها أوفق. كما يظهر من كثير من الأمور التي عبرت عن حب النجاشي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إيمانه، و طاعته له، و منها فرحه بانتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حرب بدر، و إصداق أم حبيبة، و غير ذلك. .

هدايا متبادلة:

و قد أرسل النجاشي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمناسبة زواجه بأم حبيبة «قميصا و سراويل، و عطافا، و خفين ساذجين» (1).

و روى الكليني: أنه أهدى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حلة قيمتها ألف دينار، فكساها عليا «عليه السلام» ، فتصدق بها (2).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 449 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 576 و ج 2 ص 660 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 78.

2) راجع: الكافي ج 1 ص 288 و 289 الحديث رقم 3 و الوسائل ج 3 ص 349 و ج 6 ص 334 و حلية الأبرار ج 2 ص 279 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 184 و التفسير الصافي ج 2 ص 44 و التفسير الأصفى ج 1 ص 281 و نور الثقلين ج 1 ص 643 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 116 و تأويل الآيات ج 1 ص 153.

تصحيح اشتباه:

و أما قول الطبرسي: «ثم بعث إلى الرسول بهدايا، و بعث إليه بمارية القبطية، أم إبراهيم، و بعث إليه بثياب و طيب كثيرة، و فرس» (1).

فالظاهر: أنه قد جاء على سبيل الاشتباه.

فإن مارية كانت من هدايا المقوقس ملك الإسكندرية، كما نص عليه عامة المؤرخين الذين تعرضوا لسيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و ليست من هدايا النجاشي.

المقابلة بالمثل:

هذا. . و قد بادله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذا الأمر، فأرسل مستقة من سندس-كان ملك الروم قد أهداها إليه «صلى اللّه عليه و آله» -


1) راجع: البحار ج 18 ص 416 و 418 و 419 و ج 21 ص 19 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 170 و ج 9 ص 502 و ج 10 ص 497 و تفسير القمي ج 1 ص 86 و 179 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 222 و لكنه ذكر في ص 209 أنها من هدايا المقوقس، و التفسير الصافي ج 2 ص 79 و نور الثقلين ج 1 ص 663 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 657 و إعلام الورى ج 1 ص 119 و قصص الأنبياء للراوندي ص 322 و البرهان للبحراني ج 1 ص 494 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 452 عن بعض من تقدم، و عن البداية و النهاية ج 3 ص 78 و عن الأموال ص 34 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 2 ص 277 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ق 2 ص 466.

إلى جعفر بن أبي طالب، و قال له: ابعث بها إلى أخيك النجاشي (1).

و ليلاحظ: وصفه «صلى اللّه عليه و آله» النجاشي بأنه أخو جعفر.

موت النجاشي:

و ذكروا: أن النجاشي توفي قبل الفتح (2)في السنة الثامنة، أو السابعة، بعد عودة جعفر بن أبي طالب و أصحابه إلى المدينة (3).

و قيل: بل توفي في شهر رجب في السنة التاسعة (4).


1) راجع: الطبقات الكبرى ج 1 ص 457 و نيل الأوطار ج 2 ص 74 و فقه السنة ج 3 ص 480 و مسند أحمد ج 3 ص 229 و 251 و سنن أبي داود ج 2 ص 258 و عون المعبود ج 11 ص 64 و مسند أبي داود ص 274 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 60 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 198 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 128 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 298 و لسان العرب ج 10 ص 343.

2) الإصابة ج 1 ص 109 و أسد الغابة ج 1 ص 99 و الكافي ج 2 ص 121 و الأمالي للمفيد ص 238 و البحار ج 69 ص 124 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 437- 439 و عن فتح الباري ج 7 ص 146 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 316 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 52.

3) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 32.

4) راجع: الإصابة ج 1 ص 102 و 108 و 109 و الأقول المتقدمة في مكاتيب الرسول {ط سنة 1419 ه} ج 2 ص 438 عن المصادر التالية: الكامل ج 2 ص 293 و تأريخ الخميس ج 2 ص 30 و الطبري أيضا، و كذا في مرآة الجنان لليافعي في حوادث السنة التاسعة و البحار ج 21 ص 368 و ابن خلدون ج 2 ص 826 و زاد المعاد ج 3 ص 60 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 69 و عمدة القاري ج 17 ص 15 و فتح الباري ج 7 ص 146 و البداية و النهاية ج 4 ص 277 و عيون الأثر ج 2 ص 358 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 438.

و قد بكى عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعن علي «عليه السلام» قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أتاه جبرئيل بنعي النجاشي بكى بكاء حزين عليه، و قال: إن أخاكم أصحمة مات.

ثم خرج إلى الجبانة، و صلى عليه، و كبر سبعا. فخفض له كل مرتفع، حتى رأى جنازته، و هو بالحبشة (1).

زاد في رواية أخرى عن قتادة و جابر: أن قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ إِلاّٰ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. . (2)نزل في النجاشي. .

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي، و لم يره قط و ليس على دينه، فنزلت هذه الآية.

و جاءت الأخبار من كل جانب: أنه مات في تلك الساعة. و ما علم هرقل بموته إلا من تجار رأوا بالمدينة (3).


1) راجع: الخصال ج 2 ص 359 و 360 باب السبعة حديث رقم 47 و راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 146 و مجمع البيان {ط سنة 1379 ه} ج 2 ص 561 و الكشاف {ط سنة 1406 ه} ج 1 ص 459 و الأقطاب الفقهية ص 65 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 480 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 252 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 2 ص 796 و البحار ج 18 ص 418 و ج 75 ص 346 و مسند الإمام الرضا ج 2 ص 417 و 490.

2) الآية 159 من سورة النساء.

3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 146 و مجمع البيان ج 2 ص 561 و البحار ج 18 ص 130.

و في نصوص أخرى ذكرها أهل السنة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كبر على النجاشي أربعا (1)، و منه استفاد أهل السنة ما يعرف عندهم بصلاة الغائب، أي أنهم يصلون على الميت و هو في بلد آخر.

و حديث الصلاة على النجاشي، و نزول الآية المباركة فيه مذكور في عشرات من المصادر (2).

و نقول:

إن ما ذكروه حول عدد التكبيرات، و حول الصلاة على الميت الغائب لا يصح: و نوضح ما نرمي إليه كما يلي:


1) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 35 و 49 السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 640 و صحيح البخاري ج 2 ص 72 و 88 و 91 و ج 4 ص 246 و صحيح مسلم ج 3 ص 54 و تنقيح المقال ج 1 ص 150 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 و تبيان الحقائق ج 1 ص 241 و البحر الرائق ج 2 ص 97 و 98 و الهداية في شرح البداية ج 1 ص 92 و الأصل ج 1 هامش ص 424 عن شرح المختصر للسرخسي ج 2 ص 63 و سنن النسائي ج 4 ص 70 و 72 و تلخيص الحبير ج 5 ص 165 و أحكام الجنائز ص 111 و شرح مسلم ج 7 ص 23 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 88 و عن الكامل ج 6 ص 123 و علل الدار قطني ج 9 ص 359 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 404 و كتاب الأم ج 7 ص 198.

2) راجع: جواهر الكلام ج 12 ص 58، و راجع المصادر السابقة.

صلاة الغائب:

لقد أجمع فقهاء الإمامية تبعا لأئمتهم على عدم جواز صلاة الغائب (1)، إلا إذا كان المراد بالصلاة على الغائب الدعاء له، كما ورد في بعض الروايات (2).


1) تهذيب الأحكام ج 3 ص 202.

2) إننا نكتفي بالإرجاع إلى كتاب: مكاتيب الرسول ج 2 ص 438 و 439 فقد قال: راجع: مسلم ج 2 ص 656 و 657 و البخاري ج 2 ص 109 و 111 و 112 و ج 5 ص 64 و 65 و الشفاء ج 1 ص 164 و 672 و 690 و مسند أحمد ج 1 ص 254 و ج 2 ص 230 و 231 و 289 و 479 و ج 3 ص 355 و 369 و ج 4 ص 7 و 303 و 433 و 439 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 49 و 50 و ابن ماجة ج 1 ص 490 و 491 و النسائي ج 4 ص 72 و أبي داود ج 3 ص 212 و كشف الأستار ج 1 ص 392 و الترمذي ج 3 ص 342 و 357 و المصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 479 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 154 و ج 3 ص 362 و مسند فاطمة للسيوطي ص 112 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 256 و ج 2 ص 843 و ج 3 ص 1171 و 1259 و ج 4 ص 1575 و ج 6 ص 2083 و 2130 و 2135 و 2214 و 2271 و تأريخ يحيى ابن معين ج 3 ص 233 و 234 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 198 و ج 5 ص 248 و ج 17 ص 20 و ج 18 ص 187 و 196 و 199 و ج 25 ص 223 و ج 19 ص 446 و ج 22 ص 136 و إعلام السائلين ص 5 و المناقب ج 1 ص 107 و البحار ج 18 ص 130 عن المناقب و ص 418 عن الخصال و العيون و ج 21 ص 368 عن المنتقى، و البداية و النهاية ج 3 ص 77 و ج 4 ص 277 و تأريخ ابن خلدون ج 2 ص 826 و الدر المنثور ج 2 ص 113{في تفسير قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ. . عن النسائي، و البزار، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و عبد بن حميد، و ابن جرير} . و راجع في تفسير الآية الشريفة أيضا: القرطبي ج 2 ص 322 و ابن كثير ج 1 ص 443 و روح المعاني ج 4 ص 315 و المنار ج 4 ص 315 و روح البيان ج 2 ص 155 و مجمع البيان ج 2 ص 311 و أبي السعود ج 2 ص 136. و راجع: جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 280 عن التهذيب و الإستبصار، و ص 282 عن الخصال و العيون، و تفسير الإمام العسكري، و فقه الراوندي، و أسد الغابة ج 1 ص 99 و الإصابة ج 1 ص 109 و فتح الباري ج 3 ص 150 و 152 و 163 و ج 7 ص 146 و عمدة القاري ج 8 ص 18 و 115 و 120 و 122 و 132 و ج 17 ص 15 و دحلان هامش الحلبية ج 3 ص 69 و الحلبية ج 3 ص 180 و سيرة ابن إسحاق {المطبوعة} ص 219 و دلائل النبوة لابن نعيم ص 486 و المحلى ج 5 ص 139 و الخصال ج 1 ص 360 و إعلام الورى ص 56 و الروض الأنف ج 2 ص 94 و أسد الغابة ج 2 ص 223 و ج 5 ص 325 و 373 و مجمع الزوائد ج 9 ص 419 و المنتظم ج 3 ص 375 و المصباح المضيء ج 2 ص 34.

و إن حكما يجمع أهل البيت «عليهم السلام» على خلافه، لا مجال للأخذ به، لأنهم هم سفينة نوح، و هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.

و أما قضية النجاشي، فقد كانت أمرا خاصا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم تكن من قبيل الصلاة على الغائب، غيبة حقيقية، بل كانت صلاة على الميت الحاضر، إذ قد صرحت الرواية: بأن اللّه تعالى رفع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل خفض، و خفض له كل رفع، حتى رأى «صلى اللّه عليه و آله» جنازة النجاشي و هو بالحبشة.

و لو كان ذلك جائزا لكان الناس صلوا في كل البلاد صلاة الغائب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما توفي.

بل لو صح ذلك، لم يبق مبرر لدعوة الناس إلى حضور صلاة الجنازة، إذ يمكن لكل مكلف أن يصلي عليها و هو في بيته.

و لو كان ذلك مشروعا لاشتهر فعله في البلاد في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت. . و صلاة الغائب

اشارة

عدد تكبيرات صلاة الميت:

أما بالنسبة لعدد تكبيرات صلاة الميت، فنقول:

ان من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين المذاهب الإسلامية مسألة عدد التكبيرات في صلاة الجنازة على المسلم.

فذهبت طائفة-تبعا لأئمتها-إلى أن الواجب فيها هو فقط أربع تكبيرات، و هؤلاء هم جمهور أهل السنّة و الجماعة. .

و ذهب أهل البيت «عليهم السلام» (1)، و شيعتهم، و تابعهم آخرون من غيرهم-كما سيتضح-إلى أن الواجب هو خمس تكبيرات. . و هذا الحكم إجماعي عند الشيعة الإمامية، لا تجد فيه مخالفا على الإطلاق، بل لعله من ضروريات المذهب عندهم (2).

و الأخبار عندهم في ذلك متواترة عن العترة الطاهرة، و قد رواه عن أهل البيت «عليهم السلام» كل من:

زرارة، و الحلبي، و أبي ولاد، و أم محمد بن مهاجر، و ابن محبوب، و سماعة،


1) و قد رواه في البحر الزاخر ج 3 ص 118 عن العترة جميعا، و راجع: نيل الأوطار ج 4 ص 99.

2) راجع: مستمسك العروة الوثقى {ط ثانية} ج 4 ص 234.

و كليب الأسدي، و عمار الساباطي، و علي بن سويد، و إسماعيل بن همام، و يونس، و هشام بن سالم، و حماد بن عثمان، و أبي بصير، و جعفر الجعفري، و أبي بكر الحضرمي، و إسماعيل بن سعد، و عبد اللّه بن سنان، و عبد اللّه بن مسكان، و علي بن أبي حمزة، و قدامة بن زائدة، و الحسين بن النضر، و إبراهيم بن محمد بن حمران، و الفضل بن شاذان، و سفيان بن السمط، و أبي حمزة، و الأعمش، و محمد بن الفضيل، و فضيل بن يسار، و عمرو بن شمر، و جابر، و إسماعيل بن سعيد الأشعري، و عبد الرحمن العرزمي، و علي بن عبد اللّه، و الحسين بن خالد. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. . (1).

مذهب أهل البيت عليهم السّلام هو الصحيح:

و نحن بدورنا لا نجد مناصا عن الالتزام بمذهب أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم. . و لا نستند في ذلك إلى الإجماع المذكور فقط، و لا إلى خصوص الروايات عنهم «عليهم السلام» ، و هم سفينة النجاة التي من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق، و أحد الثقلين اللذين لا يضل أبدا من تمسّك بهما. .

و إنما نستند-بالإضافة إلى ذلك-إلى العديد من الأدلة و الروايات ذات الأسانيد الصحيحة عند غيرهم أيضا، و المروية في أوثق مصادرهم، و التي تؤكد على أن الزيادة على الأربع ثابتة من فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أهل بيته «عليهم السلام» ، و عدد من الصحابة و غيرهم. .


1) راجع: الوسائل {طبعة حجرية} ج 1 ص 144 فصاعدا، و مستدرك الوسائل، و الكافي، و جامع أحاديث الشيعة، و غير ذلك من مجاميع الحديث و الرواية.

أدلة القائلين بالتكبيرات الأربع:

لقد استدلّ على أن الواجب في صلاة الجنازة هو أربع تكبيرات بعدة أدلة:

الأول: أن الأربع هي آخر ما وقع منه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أخرج الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ:

«آخر ما كبّر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الجنائز أربع» . و كذا روي عن عمر، و ابن عمر، و أنس، و ابن أبي حثمة.

و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كبّر على النجاشي أربعا، و ثبت عليها حتى مات، فكانت الأربع ناسخة لما قبلها. . (1).

و لكن هذا الدليل لا يصح. . لأن هذه الروايات كلها، و التي تريد أن تثبت أنه «صلى اللّه عليه و آله» كبّر في آخر صلاة له أربعا، لا تصح، و طرق جميعها ضعيفة، و قد تكلم على أسانيدها جميعا الزيلعي و الشوكاني، و ابن القيم، و البيهقي (2).

أضف إلى ذلك: ما سيأتي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كبّر على النجاشي خمسا. . هذا عدا عن إصرار كثير من الصحابة على غير الأربع، كما سيتضح. .


1) راجع: نيل الأوطار ج 4 ص 99 و تبيان الحقائق ج 1 ص 241 و البحر الرائق ج 2 ص 97 و 98 و الهداية في شرح البداية ج 1 ص 92 و هامش ص 424 من كتاب الأصل ج 1 عن شرح المختصر للسرخسي ج 2 ص 63 و ناسخ الأحاديث و منسوخه ص 268.

2) راجع: في تضعيف ذلك: نصب الراية ج 2 ص 267-269 و {ط أخرى} ص 317-320 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 و 100 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 141 و 142.

و ثمة روايات أخرى تذكر التكبيرات الأربع، فنّدها الزيلعي، و ابن القيم الجوزية و غيرهما، فراجع (1).

الثاني: الإجماع على الأربع، حيث نقل عن ابن عبد البر-في الإستذكار- قوله: «و انعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، و أجمع الفقهاء، و أهل الفتوى بالأمصار على أربع ما جاء في الروايات الصحاح، و ما سوى ذلك شذوذ لا يلتفت إليه، قال: و لا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى» (2).

هذا كلامه. .

و قال البيهقي: «إن إجماع أكثر الصحابة {رض} على الأربع كالدليل على ذلك» (3).

و لكننا بدورنا نعتبر أن كل ما قاله أبو عمر هنا من أوله إلى آخره محض مبالغة لا مبرر لها، و ذلك استنادا إلى ما يلي:

أما بالنسبة إلى اختلاف الصحابة في ذلك، فهو غير قابل للإنكار، بل لم ينكره ابن عبد البر نفسه، حيث قال:

1- «و قطع عمر بن الخطاب اختلاف أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في التكبير على الجنائز، وردهم إلى أربع. .» (4).


1) زاد المعاد ج 1 ص 141 و 142 و نصب الراية ج 2 ص 267-269.

2) راجع: شرح النووي على صحيح مسلم {هامش إرشاد الساري} ج 4 ص 485 و فتح الباري ج 3 ص 163 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و 190 و {ط أخرى} ج 8 ص 342 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 404 عنه.

3) السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و نصب الراية ج 2 ص 318.

4) جامع بيان العلم ج 2 ص 104.

2-و قال ابن رشد: «اختلفوا في عدد التكبير في الصدر الأول اختلافا كثيرا: من ثلاث إلى سبع، أعني الصحابة. .» (1).

3-و قال النووي، و القاضي عياض: «و اختلفت الصحابة، من ثلاث تكبيرات إلى تسع. .» (2).

4-و العسقلاني أيضا: ذكر اختلاف السلف في ذلك لا سيما ما يذهب إليه زيد، و علي «عليه السلام» ، و ابن مسعود، و غيرهم ممن سيأتي. . (3).

5-و قال في عون المعبود، حول دعوى الإجماع هذه: «في دعوى الإجماع في نفسي شيء، لأن زيد بن أرقم كان يكبّر خمسا، و يرفعه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (4)، إلى آخر كلامه الذي سوف يأتي إن شاء اللّه.

6-و قال أيضا: «ثبوت الزيادة على الأربع لا مردّ له من حيث الرواية. .» (5).

7-و في حاشية السندي على سنن النسائي: «قالوا: كانت التكبيرات على الجنائز مختلفة أولا، ثم رفع الخلاف، و اتفق الأمر على الأربع، إلاّ أن بعض الصحابة ما علموا بذلك، فكانوا يعملون بما عليه الأمر أولا. .» (6).


1) بداية المجتهد ج 1 ص 240.

2) شرح مسلم {بهامش القسطلاني} ج 4 ص 484 و عون المعبود ج 3 ص 190 و نيل الأوطار ج 4 ج 4 ص 98.

3) فتح الباري ج 3 ص 162 و راجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 8 ص 222.

4) عون المعبود ج 3 ص 190.

5) عون المعبود ج 3 ص 187.

6) هامش سنن النسائي ج 4 ص 72 و 73 و حاشية السندي على النسائي ج 4 ص 73 و المجموع للنووي ج 5 ص 231 و عن فتح الباري ج 3 ص 162.

و قال الترمذي: «. . و قد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي و غيرهم. رأوا التكبير على الجنازة خمسا.

و قال أحمد و إسحاق: إذا كبّر الإمام على الجنازة خمسا، فإنه يتبع الإمام» (1).

و عن ابن المنذر: أن أحمد بن حنبل يرى: أنه لا ينقص من أربع، و لا يزاد على سبع، و مثله قال بكر بن عبد اللّه المزني، إلاّ أنه قال: لا ينقص من ثلاث. .

و في إحدى الروايتين عن ابن مسعود: أنه قال: كبّر ما كبّر الإمام (2).

و حماد بن سليمان يقول مثل قول أحمد (3).

و الصحابة أيضا إلى زمان عمر كانوا يكبّرون أربعا، و خمسا، و ستا، و سيأتي تفصيله.

و بعد كل ما تقدم، فلسوف نرى كثيرين جدا يلتزمون بخمس تكبيرات، فأين هو الإجماع يا ترى؟ !

القول الحق:

و نحن نقول: لا بد من الالتزام بالتكبيرات الخمس تبعا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل البيت «عليهم السلام» ، و شيعتهم، و عدد من الصحابة


1) صحيح الترمذي ج 3 ص 343 و أحكام الجنائز للألباني ص 112 و سنن الترمذي ج 2 ص 244.

2) فتح الباري ج 3 ص 162 و الإعتبار للحازمي ص 122 و نيل الأوطار ج 4 ص 100 و مجمع الزوائد ج 3 ص 32 و المجموع للنووي ج 5 ص 131 و المعجم للطبراني ج 9 ص 320 و 321 و الغدير ج 6 ص 247 و عون المعبود ج 8 ص 352.

3) الإعتبار للحازمي ص 122.

و غيرهم، و نذكر منهم:

1-زيد بن أرقم.

2-حذيفة بن اليمان.

3-ابن مسعود.

4-أبا ذر.

5-ابن الحنفية.

6-ابن عباس.

7-أمير المؤمنين علي «عليه السلام» .

8-الإمام الحسن المجتبى «عليه السلام» .

9-جابر بن زيد.

10-أبا يوسف.

11-ابن أبي ليلى.

12-عيسى مولى حذيفة.

13-هو مذهب بني هاشم.

14-أصحاب معاذ في الشام.

15-أهل الشام.

16-هو مذهب الصحابة قبل تقرير الأمر على الأربع.

17-العباس بن عبد المطلب.

هؤلاء بعض من عرفنا أسماءهم في هذه العجالة.

هذا. . عدا عن غيرهم ممن لا يمانع في التكبير خمسا، و أربعا، و ستا، و غير ذلك من الأقوال التي تقدمت الإشارة إلى بعض منها، فمن أراد فليراجع. .

و لا بد من الإشارة هنا: إلى أننا لا ننكر أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كبّر على بعض الجنائز أربعا، و لكن لذلك علة أخرى سنوضحها فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى. .

و أما ما نستند إليه نحن-في وجوب التكبيرات الخمس في الصلاة على الميت المؤمن-فهو:

أولا: ما تقدم و ما سيأتي من الروايات التي تذكر الزيادة على الخمس (1).

ثانيا: الروايات المتعرضة للخمس، و نذكر منها ما يلي:

ما ورد عن النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله:

1-عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعا، و أنه كبّر على جنازة خمسا، فسألته، فقال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يكبّرها.

قال ابن البديع، و الشوكاني: رواه الخمسة إلا البخاري (2)، و يقصد


1) راجع على سبيل المثال: تعليقات المحمودي على ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 307 و 308.

2) صحيح مسلم {ط سنة 1334 ه} ج 3 ص 56. و تيسير الوصول {ط الهند} ج 1 ص 345 و بداية المجتهد ج 1 ص 240 و نيل الأوطار ج 4 ص 98 و منحة المعبود في تهذيب مسند الطيالسي ج 1 ص 164 و الترمذي ج 3 ص 343 و زاد المعاد ج 1 ص 141 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 36 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 482 و مسند أحمد ج 4 ص 372 و 367 و 368 و فتح الباري ج 3 ص 162 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 190 و الرصف ج 1 ص 420 و 421 و الإعتبار للحازمي ص 122 و جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و سنن النسائي ج 4 ص 72 و شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 253.

بالخمسة: مسلما: و الترمذي، و أبا داود، و النسائي، و ابن ماجة.

و على حسب نص آخر، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة، فكبّر خمس تكبيرات، قال: و حدثني رجل سمعه يقول: هذه صلاة رسول اللّه (1).

و عن جابر بن عبد اللّه بن عبد العزيز الحضرمي، قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر خمسا، فسئل عن ذلك، فقال: سنّة نبيّكم (2).

و على حسب رواية أيوب بن سعيد، الذي صلّى خلفه: فكبّر خمسا، ثم قال: صلّيت خلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جنازة فكبر خمسا، فلن ندعها لأحد. .

و على حد تعبير المرقع، الذي صلّى خلفه أيضا: فإني لا أدعها لأحد بعده. .


1) ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق {بتعليق المحمودي} ج 3 هامش ص 308 عن المحاملي في أماليه {مخطوط} ج 3 الورق 28 و الطرائف ص 175 و مسند زيد بن أرقم في كتاب الجمع بين الصحيحين، و كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 470، و الضعفاء للعقيلي ج 3 ص 14 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 627 و لسان الميزان ج 4 ص 29 و عن مسند أحمد ج 4 ص 372 عن عبد العزيز بن حكيم. و وضوء النبي ج 2 ص 182 و الغدير ج 6 ص 245 و مسند أحمد ج 4 ص 370 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 494 و المعجم الأوسط ج 2 ص 228 عن عبد الأعلى. و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 187 و تاريخ الحديث و منسوخة ص 263 و سنن الدارقطني ج 2 ص 60 و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 424 عن أيوب بن النعمان.

2) جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118.

و على حسب رواية عبد الأعلى، الذي صلّى خلفه، أنه قال: «فلا أتركها أبدا» .

و على حسب رواية أبي سلمان، الذي صلّى خلفه، أنه قال: بل عمدا إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلّيها (1).

و قوله: لا أتركها أبدا، و لا أدعها لأحد بعده، و نحو ذلك يدل: على أن زيد بن أرقم لم يكن يترك التكبيرات الخمس. .

و هذا يلقي ظلالا من الشك على ما جاء في الرواية الأخرى: من أنه كان يكبّر أربعا. . فالظاهر: أن هذه زيادة اجتهادية من الراوي لحاجة في نفسه. .

و أخيرا، فقد قال الترمذي: «حديث زيد بن أرقم حديث حسن صحيح» (2).

2-عن يحيى بن عبد اللّه الجابر التيمي، قال: صلّيت خلف عيسى مولى لحذيفة بالمدائن، فكبّر على جنازة خمسا، ثم التفت إلينا، فقال: ما و همت و لا نسيت، و لكن كبّرت كما كبّر مولاي و ولي نعمتي حذيفة بن اليمان، صلّى على جنازة، و كبّر خمسا، ثم التفت إلينا، فقال: ما نسيت، و لكن كبّرت كما كبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جنازة، فكبّر خمسا.

و في نص آخر: «ما وهمت، و لكن كبّرت كما كبر خليلي أبو القاسم» (3).


1) راجع هذه النصوص في: سنن الدارقطني ج 2 ص 75 و 73 و في نسخة أخرى ص 62 و مسند أحمد ج 4 ص 370 و 371 و الإعتبار للحازمي ص 122 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 112 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 174 و شرح معاني الآثار لابن سلمة ج 1 ص 494 و تاريخ بغداد ج 11 ص 143.

2) الجامع الصحيح ج 3 ص 343.

3) مسند أحمد ج 5 ص 406 و الإمام الصادق «عليه السلام» و المذاهب الأربعة المجلد الثالث ج 5 ص 241 عن أحمد، و الغدير ج 6 ص 245 و 246 عن عمدة القاري ج 4 ص 129 عن معاني الآثار للطحاوي، و هو موجود كذلك في: سنن الدارقطني ج 2 ص 73 و في {ط أخرى} ص 60 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 389 و تاريخ بغداد ج 11 ص 142 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 190 و جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و ناسخ الحديث و منسوخة لعمر شاهين ص 264 و نيل الأوطار ج 4 ص 100 و 101 و مجمع الزوائد ج 3 ص 34 عنه، و قال: يحيى الجابر فيه كلام.

و هذا يدل: على أن ذلك كان بعد إرجاع الناس إلى الأربع، و إلا فلا حاجة إلى اعتذارهما عنه، و كذلك الحال أيضا بالنسبة لصلاة زيد بن أرقم، و اعتراضهم عليه، و جوابه لهم.

كما أن المعترضين لم يدركوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أبا بكر، و لا عمر. . كما هو ظاهر.

3-عن ابن أبي خيثمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يكبر أربعا و خمسا، و ستا، و سبعا، و ثمانيا حتى مات النجاشي، فكبر عليه أربعا، و ثبت على ذلك حتى توفي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لكن ذيل هذه الرواية لا يصح كما تقدم.


1) نصب الراية ج 2 ص 268 و نيل الأوطار ج 4 ص 98 عن أبي عمر في الإستذكار، و القاضي عيّاض، و بداية المجتهد ج 1 ص 240 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و شرح مسلم للنووي {هامش القسطلاني} ج 4 ص 484 و عن فتح الباري ج 7 ص 245 و راجع: وضوء النبي ج 1 ص 310 و النص و الإجتهاد ص 257.

كما أن ذكر ما عدا الأربع و الخمس محل شك كبير، ليس هنا محل بحثه. .

4-عن كثير بن عبد اللّه، عن جده، عن أبيه، قال: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على النجاشي، فكبّر عليه خمسا. قلت: رواه ابن ماجة خلا ذكر النجاشي. رواه الطبراني في الكبير و الأوسط (1).

5-عن كبير بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كبّر خمسا (2).

6-عن عبد اللّه بن الحارث، قال: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حمزة، فكبر عليه تسعا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها سبعا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمسا، حتى فرغ من جميعهم غير أنه وتر (3).

7-عن ابن مسعود، قال: قد كبّر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعا و خمسا، و أربعا، فكبروا ما كبر الإمام إذا قدمتموه (4).

8-و قريب من ذلك، ما رواه ابن عباس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه كان يكبر على البدريين سبعا، و على بني هاشم خمسا، «ثم كان


1) مجمع الزوائد ج 3 ص 38 و 35 و راجع: المعجم الأوسط للطبراني ج 9 ص 64 و لسان الميزان ج 4 ص 181 و المعجم الكبير ج 17 ص 20 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 258 و الأحكام ج 1 ص 159 عن يحيى بن الحسين.

2) سنن ابن ماجة ج 1 ص 483.

3) طبقات ابن سعد {ط ليدن} ج 3 ص 9 و {ط دار صادر} ج 3 ص 16.

4) مجمع الزوائد ج 3 ص 34 و 35 و المعجم الأوسط ج 4 ص 217 و شرح مسند أبي حنيفة ص 131.

آخر صلاته أربع تكبيرات حتى خرج من الدنيا» (1).

و الكلام في هذا الذيل قد تقدم. . و عرفنا أنه لا يصح. .

9-و عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كبر عل أهل بدر تسع تكبيرات، و على بني هاشم سبع تكبيرات (2).

10-عن علي «عليه السلام» ، قال: نزل جبرئيل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلّمه السلام على الناس، و الصلاة على الجنازة، فقال: يا محمد، إن اللّه عز و جل فرض الصلاة على عباده خمس صلوات في كل يوم، و ليلة، فإن مرض الرجل، فلم يقدر يصلي قائما صلّى جالسا، فإذا ضعف عن ذلك جاء وليّه، فقال له: يكبّر عن كل وقت صلاة خمس تكبيرات، فإذا مات صلّى عليه وليّه، و كبّر عليه خمس تكبيرات، مكان كل صلاة تكبيرة. . (3).

11-و روى الخطيب في تاريخه، و ابن شيرويه الديلمي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلّي على الميت بخمس تكبيرات (4).


1) نصب الراية ج 2 ص 269 عن أبي نعيم في تاريخ إصبهان و مجمع الزوائد ج 3 ص 35 و الإعتبار للحازمي ص 125 و مجمع الزوائد ج 3 ص 35 و المعجم الكبير ج 11 ص 129 و كتاب المجروحين ج 3 ص 59 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 49 و لسان الميزان ج 6 ص 146.

2) المجروحون ج 3 ص 59 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 88 و لكن في ميزان الإعتدال ج 4 ص 243 و لسان الميزان ج 6 ص 146 سبع تكبيرات في الموضعين فراجع.

3) منتخب كنز العمال {هامش مسند أحمد} ج 1 ص 221 و 222 و عن كنز العمال ج 3 ص 753 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 18 ص 253.

4) نهج الحق للعلامة ص 453، و نقله المعلق عليه عن تعليقة صحيح مسلم ج 2 ص 378 و منتخب كنز العمال ج 6 ص 252 عن أبي وائل، و الطرائف ص 551 و إحقاق الحق {الأصل} ص 393 و راجع: غوالي اللآلي ج 1 ص 207 و عن سنن ابن ماجة كتاب الجنائز {25} باب ما جاء فيمن كبر خمسا حديث {1406} ، و البحار ج 21 ص 39.

و ما ورد عن زيد بن أرقم في ذلك:

فقد تقدم: أنه ملتزم بأن لا يترك ذلك لأحد. . و نزيد هنا:

12-أن البغوي قال: قال أبو يوسف: عن أيوب بن النعمان: شهدت سعد بن حبة، فكبّر عليه زيد بن أرقم خمسا (1).

و في نص آخر: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر خمسا، و لم يرفعه (2).

و تقدم عن عبد العزيز بن حكيم: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة؛ فكبر خمس تكبيرات، و قال: و حدثني رجل أنه سمعه يقول: هذه صلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و قال العظيم آبادي: روي عن زيد بن أرقم: أنه كان يكبر خمسا (4). و مثل هذا كثير عنه.

و قال النووي في المجموع: و قد ثبت في صحيح مسلم من رواية زيد


1) الإصابة ج 2 ص 22 و معارف ابن قتيبة ترجمة أبي يوسف القاضي ص 218 و الغدير ج 6 ص 245.

2) سنن الدارقطني ج 2 ص 73.

3) تقدم مصادر هذا الحديث قبل بضع صفحات، فراجع.

4) عون المعبود {ط الهند} ج 1 ص 178.

بن أرقم عنه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يكبر خمسا (1).

و ليراجع: ما قاله الحازمي، و الشوكاني، و غير ذلك (2).

و ما روي عن عيسى مولى حذيفة:

قد تقدم فلا حاجة لإعادته، و ليراجع: الاعتبار للحازمي، و غيره. .

و ما روي عن ابن مسعود:

13-رواه ابن المنذر، عن ابن مسعود: أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد، فكبر خمسا (3). .

14-قال الزرقاني: «و عن ابن مسعود: أنه صلى على جنازة فكبر خمسا، و كان يكبر على أهل بدر ستا، و على الصحابة خمسا، و على سائر الناس أربعا» (4).

15-عن ابن مسعود، قال: كنا نكبر على الميت خمسا و ستا، ثم اجتمعنا على أربع تكبيرات (5).

و يلاحظ: أنه لم يذكر أنهم كانوا يكبرون أربعا أيضا. . كما أن ظاهره


1) المجموع للنووي ج 5 ص 230.

2) الإعتبار للحازمي ص 122 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 و فلك النجاة ص 355.

3) عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و 190 و نيل الأوطار ج 4 ص 98 و فتح الباري ج 3 ص 62 و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241 و راجع: الإعتبار للحازمي ص 122 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 89.

4) شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 253، و ليراجع: جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و نيل الأوطار ج 4 ص 100.

5) المصنف للصنعاني ج 3 هامش ص 481 عن مصنف ابن أبي شيبة ج 4 ص 114.

دعوى إجماع الصحابة على ذلك قبل الاجتماع على الأربع. .

و سيأتي الكلام حول اجتماع الصحابة إن شاء اللّه تعالى. .

و أما ما روي عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام:

16-فعن عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم: أن عليا «عليه السلام» كبر على جنازة خمسا.

و روي نفس هذا عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن كاتب لعلي «عليه السلام» (1).

17-عن ابن مسعود، عن علي «عليه السلام» : أنه كان يكبر على أهل بدر ستا، و على الصحابة خمسا، و على سائر الناس أربعا (2).

و روى عبد خير، عن علي «عليه السلام» مثل ذلك (3).


1) المصنف للصنعاني ج 3 ص 481، و هامش نفس الصفحة منه عن ابن أبي شيبة.

2) نيل الأوطار ج 4 ص 98 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و 190 و {ط دار الكتب العلمية} ج 8 ص 342 و 349 و المجموع ج 5 ص 231 و تلخيص الحبير ج 5 ص 168 و أحكام الجنائز للألباني ص 113 و الغدير ج 6 ص 246 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 23 و عن فتح الباري ج 3 ص 162 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 89 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 187 و سنن الدار قطني ج 2 ص 60 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 497 و نصب الراية ج 2 ص 321 و كنز العمال ج 10 ص 399 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 329.

3) السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و سنن الدار قطني ج 2 ص 73 و فتح الباري ج 2 ص 162 عن ابن المنذر، و شرح مسلم للنووي {هامش القسطلاني} ج 4 ص 284 و 285 و زاد المعاد ج 1 ص 141 و عون المعبود ج 3 ص 190 و ج 1 ص 187 و نيل الأوطار ج 4 ص 98 عن الدار قطني، و الطحاوي، و ابن أبي شيبة، و جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118، و قال: حكاه في الإنتصار، و نصب الراية ج 2 ص 270 عن ابن أبي شيبة ج 3 ص 115 و عن الدارقطني و الطحاوي ص 287.

و لكن قوله: أنه «عليه السلام» كان يكبر على سائر الناس أربعا؛ في غير محله، و إنما أخذت الست من تكبيره على سهل بن حنيف على ما يظهر، و سنرى: أنه كان يكبر على سائر الناس خمس تكبيرات أيضا.

18-عن عمير بن سعيد: صلى علي على سهل بن حنيف فكبر خمسا، فقالوا: ما هذا التكبير؟ !

فقال: هذا سهل بن حنيف، من أهل بدر، و لأهل بدر فضل على غيرهم، فأردت أن أعلمكم فضلهم.

و كذا روي عن ابن معقل، عن علي «عليه السلام» ، و عن عبد اللّه بن مغفل عنه (1). و لعله نفس ابن معقل السابق لكنه صحف.

19-و قال السرخسي: «. . و أهل الزيغ يزعمون أن عليا «عليه السلام» كان يكبر على أهل بيته خمس تكبيرات، و على سائر الناس أربعا» (2).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد {ط ليدن} ج 3 ق 2 ص 40 و 41 و راجع ج 6 ص 8 و الإصابة ج 2 ص 87 و هامش كتاب الأمم ج 1 ص 251 و نيل الأوطار ج 4 ص 101 و راجع: البدء و التاريخ ج 5 ص 119 و أسد الغابة ج 2 ص 365 و فتح الباري ج 7 ص 245 عن أبي نعيم في المستخرج، و البخاري في تاريخه، و الإسماعيلي، و البغوي، و البرقاني، و سعيد بن منصور، و كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 178.

2) هامش كتاب الأصل ج 1 ص 424 عن شرح المختصر للسرخسي ج 2 ص 63 و المبسوط للسرخسي ج 2 ص 63.

20-صلى «عليه السلام» على فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها فكبر خمس تكبيرات، و دفنها ليلا (1).

و هذا يكذب نقل السرخسي و غيره: أنه كبر عليها أربعا.

و مما ورد عن الحسن عليه السّلام نذكر:

21-أن الحسن صلى على أبيه علي أمير المؤمنين «عليهما السلام» و كبر خمس تكبيرات (2).

و مما ورد عن ابن عباس:

22-عن ابن عباس: لما توفي آدم قال شيث لجبريل: صل على آدم.

فقال: تقدم أنت فصل على أبيك، و كبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي


1) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 131 و جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 256 و 259 عن المناقب و البحار ج 78 ص 390 و 378 و راجع: الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 79 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 125.

2) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج ص 41 و جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 469 و الأخبار الطوال ص 216 و تيسير المطالب في أماني الإمام أبي طالب ص 85 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 122، و راجع: تذكرة الخواص ص 178، و يظهر من بعض النسخ أنه هو مختار سبط ابن الجوزي، و وضوء النبي ج 1 ص 310 و الغارات ج 2 ص 882 و البحار ج 42 ص 338 و نهج السعادة ج 8 ص 498.

الصلاة، و خمس و عشرون تفضيلا لآدم (1).

و ليراجع: ما قاله الشوكاني و غيره (2).

و مما ورد عن محمد بن الحنفية:

23-قال الصعدي: و روي عن محمد بن الحنفية: «أنه صلّى على ابن عباس فكبر خمسا» (3)، و كذا قال غيره (4).

و أما ما ورد عن حذيفة:

فقد تقدمت الرواية فيه (5).

و مما ورد عن أبي ذر:

24-عن حصين بن عمار، قال: قال لي أبو ذر: «يا حصين إذا أنا مت فاستر عورتي، و انق غسلي، و كفنّي في وتر، و كبر علي خمسا الخ. .» (6).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد {ط ليدن} ج 1 ق 1 ص 15 و ذكره في السيرة الحلبية ج 1 ص 346 عن العرائس بدون ذكر مقدار الصلاة و التفصيل.

2) نيل الأوطار ج 4 ص 99 و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241.

3) جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118.

4) راجع: نيل الأوطار ج 4 ص 99 و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241.

5) راجع: الإعتبار للحازمي ص 122 و نيل الأوطار ج 4 ص 99.

6) جواهر الأخبار و الآثار {بهامش البحر الزخار} ج 3 ص 118 و راجع: نيل الأوطار ج 4 ص 99 و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241.

و مما ورد عن أصحاب معاذ في الشام:

25-عن علقمة، قال: قلت لابن مسعود: إن أصحاب معاذ قدموا من الشام فكبّروا على ميت لهم خمسا، فقال ابن مسعود: ليس على الميت من التكبير وقت، كبر ما كبر الإمام، فإذا انصرف الإمام فانصرف (1).

و مما ورد عن أهل الشام:

26-أن علقمة قدم من الشام، فقال لابن مسعود: إن إخوتك بالشام يكبّرون على جنائزهم خمسا، فلو وقّتم وقتا نتابعكم عليه، فأطرق عبد اللّه، ثم قال: انظروا جنائزكم فكبروا عليها ما كبر أئمتكم، لا وقت و لا عدد (2).

و عن العباس بن عبد المطلب:

أنه كبر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما صلى عليه خمسا (3).

و ما روي عن أبي يوسف:

27-قيل: إن أبا يوسف كان يكبر خمسا (4).


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و زاد المعاد ج 1 ص 142 و راجع: الإعتبار للحازمي ص 122 و الغدير ج 6 ص 247.

2) المصنف للصنعاني ج 3 ص 481 و 482 و قال المعلق على نفس الصفحة: إن ابن أبي شيبة أخرجه بسند آخر في مصنفه ج 4 ص 115 و المحلى ج 5 ص 126.

3) راجع: كنز العمال ج 7 ص 184 و فلك النجاة ص 358 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 18 ص 253.

4) فتح الباري ج 3 ص 163 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 كلاهما عن المبسوط للسرخسي.

و ما روي عن جابر بن زيد:

28-قد نقله عنه ابن رشد (2).

و أما ما نقل عن ابن أبي ليلى:

29-فقد نسبه إليه كثيرون (3).

رأي الهاشميين في التكبير:

30-روى الزبير بن بكار: أن المنصور كبّر على هشام بن عروة أربع تكبيرات، ثم صلّى على مولاه هو، و كبّر عليه خمس تكبيرات، قال الزبير: «كبّر عليه أربع تكبيرات بالقرشية، و كبّر على هذا خمس تكبيرات بالهاشمية» .

(2) بداية المجتهد ج 1 ص 240.

(3) راجع: شرح المختصر للزرقاني ج 2 ص 253 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 و هامش كتاب الأصل للشيباني {ط الهند} ج 1 ص 424 عن شرح المختصر للسرخسي ج 2 ص 3 و فتح الباري ج 3 ص 163 و ج 7 ص 245 و بداية المجتهد ج 1 ص 240 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و الناصريات ص 269 و وضوء النبي ج 1 ص 310 و ج 2 ص 182 و البحار ج 31 ص 39 و النص و الإجتهاد ص 256 و مسند أبي داود ص 93 و مسند ابن أبي الجعد ص 27 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 186 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 36 و المنتقى من السنن المسندة ص 139 و عن صحيح ابن حبان ج 7 ص 338 و المعجم الأوسط ج 2 ص 228 و المعجم الكبير ج 5 ص 168 و فيض القدير ج 5 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 267.

قال محمود محمد شاكر في تعليقته هنا على نسب قريش: «و معنى ذلك: أن قريشا كانوا يرون التكبير على الجنازة أربعا، و أن بني هاشم و بني العباس كانوا يرون التكبير عليها خمسا» (1).

و قد تقدم: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان يكبّر على بني هاشم خمس تكبيرات.

و لعله لأجل هذا، نجد: أن علي بن المهدي، أخا الرشيد الخليفة العباسي كبّر على السيد الحميري خمسا، بأمر من الرشيد نفسه، فقد قال المرزباني، و غيره:

31- «. . و وجه الرشيد بأخيه علي، و بأكفان و طيب، فردت أكفان العامة عليهم، و كفن في أكفان الرشيد، و صلّى عليه علي بن المهدي، و كبّر خمسا، و وقف على قبره إلى أن سطح، و مضى، كل ذلك بأمر الرشيد» (2).

32-و مما يدل على أن ذلك هو مذهب الهاشميين: ما رواه أبو الفرج الأصفهاني، بسنده إلى إبراهيم بن الحسن الثائر على المنصور، و المقتول بباخمرى. . قد صلّى على جنازة بالبصرة، فكبّر عليها أربعا، فقال له عيسى بن زيد: لم


1) راجع: نسب قريش ص 304 متنا و هامشا، و رواه الخطيب أيضا في تاريخ بغداد ج 14 ص 41 عن الزبير بن بكار و غيره، و فيه: أن المنصور قال: «صلينا على هذا برأيه، و على هذا برأيه» . و راجع: وضوء النبي ج 1 ص 272 و تاريخ بغداد ج 14 ص 41 و تهذيب الكمال ج 20 ص 241.

2) راجع: أخبار السيد الحميري ص 46 و 49 و قاموس الرجال ج 2 ص 69 و الغدير ج 2 ص 372 و السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري هامش ص 83.

نقّصت واحدة، و قد عرفت تكبير أهلك» ؟ ! (1).

و هذا يدل على: أن الهاشميين يلتزمون بالتكبيرات الخمس.

33-و ذكروا: «أنه صلى عليه {أي على أبي الهذيل} أحمد بن أبي دؤاد القاضي فكبّر عليه خمسا. ثم لما مات هشام بن عمرو فكبّر عليه أربعا، فقيل له في ذلك.

فقال: إن أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم فصلّيت عليه صلاتهم الخ. .» (2).

و مما روي عن عمر بن الخطاب:

34-أن سعيد بن المسيب يحدث عن عمر، قال: كل ذلك قد كان: أربعا، و خمسا، فاجتمعنا على أربع، التكبير على الجنازة. و ذكره ابن المنذر، عن ابن المسيب بإسناد صحيح (3).

كلام ابن قيّم الجوزية:

و أخيرا. . فإن ابن قيم الجوزية-بعد أن ذكر روايات التكبير الخمس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و زيد بن أرقم، و غيرهم-قال: «و هذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع عنها، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو و أصحابه من بعده» .


1) مقاتل الطالبيين ص 335 و وضوء النبي ج 1 ص 309.

2) طبقات المعتزلة ص 48.

3) فتح الباري ج 3 ص 162 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 عنه و عن ابن عبد البر، و نيل الأوطار ج 4 ص 99 عنهما أيضا.

ثم ذكر ما استدل به المانعون من الزيادة على الأربع، و ضعفه، فراجع (1).

و أما سائر الذين أشرنا في أول البحث أنهم يقولون بوجوب التكبير خمسا، فقد ذكرنا هناك من عزا ذلك إليهم، فلا نعيد.

التكبير خمسا عند الصحابة و غيرهم:

تقدم كلام ابن مسعود، و عمر، الدال على أن الصحابة كانوا يزيدون في تكبيرهم على الجنازة على الأربع.

و نزيد هنا:

1-ما سوف يأتي تحت عنوان: {عمر أول من ألزم بالأربع} من أن الصحابة في عهد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و عهد أبي بكر، و عهد عمر كانوا يكبرون خمسا، و ستا، و أربعا. .

2-عن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كانوا يكبّرون على أهل بدر خمسا و ستا، و سبعا. . (2).

3-عن ابن عيينة قال: كانوا يكبّرون على أهل بدر خمسا، و ستا و سبعا (3).

4-عن إبراهيم: كل قد فعل، فاجتمع الناس على أربع تكبيرات،


1) زاد المعاد ج 1 ص 141 و 142.

2) نيل الأوطار ج 4 ص 101 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 190 عن سعيد بن منصور في سننه، و عن المنتقى لابن تيمية، و تلخيص الحبير ج 5 ص 166 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 293 و عن زاد المعاد ج 1 ص 422.

3) زاد المعاد ج 1 ص 141 و الغدير ج 6 ص 246.

و روي مثله عن ابن مسعود أيضا (1).

و ابن مسعود، و إبراهيم يشيران: إلى اجتماع الناس على الأربع في عهد عمر. .

و مثل ذلك كثير، و تقدم: عن ابن عبد البر، و ابن رشد، و عياض، و النووي، و السندي و غيرهم ممن لا مجال لتتبع كلماتهم (2).

عمر هو أول من ألزم بالأربع:

1-من أوليات عمر المعروفة عنه: إرجاع الناس إلى أربع تكبيرات في صلاة الجنازة (3).

2-عن إبراهيم النخعي: أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسا و ستا و أربعا، حتى قبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم كبّروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق، ثم ولي عمر بن الخطاب، ففعلوا ذلك، فقال لهم


1) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 481 و هامش نفس الصفحة عن ابن أبي شيبة في مصنفه ج 4 ص 114 عن ابن مسعود.

2) راجع: زاد المعاد ج 1 ص 141 و نيل الأوطار ج 4 ص 99.

3) الأوائل للعسكري ج 1 ص 240 و روضة المناظر لابن شحنة {بهامش الكامل} ج 11 ص 122 و تاريخ القرماني {بهامش الكامل أيضا} ج 1 ص 203 و راجع: الغدير ج 6 ص 245 و تاريخ الخلفاء ص 137 و الإستغاثة ج 1 ص 35 و حياة الخليفة عمر بن الخطاب للبكري ص 143 و النص و الإجتهاد ص 252 و 253 عن تاريخ الخلفاء للسيوطي، و عن الكامل في التاريخ ج 3 ص 31 و الكنى و الألقاب للقمي ج 3 ص 47 عن أبي هلال العسكري، و ابن شحنة، و السيوطي.

عمر: إنكم معشر أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، و الناس حديث {حديثوا} عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يجمع عليه أمرهم، فأجمع رأي الصحابة على أن ينظروا إلى آخر جنازة كبر عليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخ. .

و بحسب نص آخر: فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى، و الفطر: أربع تكبيرات الخ. . (1).

و قد تقدم: عدم ثبوت قولهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كبر على آخر جنازة أربعا لم يثبت. . و حتى لو ثبت ذلك فهو لا يدل على أنه هو التشريع الثابت في صلاة الجنازة على كل مسلم. .

و سيأتي ذكر سبب التكبير أربعا في بعض الموارد.

3-و عن أبي وائل، قال: كانوا يكبّرون على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعا، و خمسا و ستا، أو قال: و أربعا.

فجمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبر كل رجل بما رأى. فجمعهم عمر على أربع تكبيرات، كأطول ما تكون الصلاة (2).


1) نصب الراية ج 2 ص 268 عن الآثار لمحمد بن الحسن ص 40 و الغدير ج 6 ص 244 و 245 عن عمدة القاري ج 4 ص 129 عن الطحاوي.

2) السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و إرشاد الساري ج 2 ص 231 و فتح الباري ج 3 ص 162 و عون المعبود {ط الهند} ج 3 ص 187 و شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 253 و نيل الأوطار ج 4 ص 99 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 479 و 480 و في هامش ص 480 عن المصنف لابن شيبة ج 4 ص 115 و الغدير ج 6 ص 244 عن المحلى لابن حزم، و الإمام الصادق «عليه السلام» و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241 عن معاني الآثار للطحاوي ج 1 ص 288 و تلخيص الحبير ج 5 ص 168 و كنز العمال ج 15 ص 710 و وضوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 2 ص 181 عن فتح الباري، و سبل السلام ج 2 ص 103 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 89.

و لا ندري ما هو الداعي لإضافة عبارة «كأطول ما تكون الصلاة» ، فإن الصلاة بأربع تكبيرات هي الأقصر، من التي فيها خمس أو ست أو سبع تكبيرات. .

إلا إذا كان المراد: أن ما سمح به عمر هو هذا. . و لم يسمح بما هو أطول من ذلك.

4-قال ابن عبد البر: «و قطع عمر بن الخطاب اختلاف أصحاب رسول اللّه في التكبير على الجنائز، وردهم إلى أربع» (1).

5-و بحسب نص آخر عن أبي وائل، قال: «جمعهم {يعني عمر} فسألهم عن تكبير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال بعضهم: أربع تكبيرات.

و قال بعضهم: خمس.

و بعضهم: ست، كلهم قال ما سمع، فجمعهم على أربع.

و كان آخر ما كبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أربعا على سهيل بن البرصاء» (2).

و هذا القول الأخير محل نظر. . إذا قورن بقولهم: إن آخر صلاة صلاها


1) جامع بيان العلم ج 2 ص 104.

2) الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 240 و 241 و راجع: هامش كتاب الأصل ج 1 ص 424 عن السرخسي في شرح المختصر ج 2 ص 63 و ما ذكره المحمودي هامش أنساب الأشراف ج 2 ص 496 و راجع: تاريخ المدينة ج 2 ص 736.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت على النجاشي، و لكن قد تقدم: أن بعض الروايات ذكرت: أنه كبر عليه خمسا أيضا. .

إلا إذا فرض: أن سهيل بن البرصاء كان من المنافقين، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يكبر على المنافقين أربعا، و يترك التكبيرة الخامسة لأنه لا يريد أن يدعو لهم.

أسد حيدر ماذا يقول؟ ! :

و قد أنكر أسد حيدر: أن يكون عمر جمع الناس على أربع، على اعتبار كونه يستبعد أن يقدم عمر على إحداث فريضة لم تكن على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ ليس له حق التشريع، و لو فعل، فلا يجب اتّباعه، لأن ذلك من وظيفة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى آخر كلامه (1).

و لكن. . ما ذكره إنما يرد لو لم يكن لهذا الفعل نظائر صدرت من عمر و من غيره من الصحابة، و تحريمه لزواج المتعة، و منعه من التمتع بالعمرة إلى الحج، و إسقاطه حي على خير العمل من الأذان، و إضافته لكلمة «الصلاة خير من النوم» فيه، و غير ذلك مما شاع و ذاع عنه، مما لا يمكن إنكاره (2).

سرّ الاختلاف في التكبير على الميت:

عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا صلّى على ميت كبّر و تشهد، ثم كبّر و صلّى على الأنبياء و دعا. ثم كبّر


1) راجع: الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 5 ص 241 و 242.

2) راجع: النص و الإجتهاد لشرف الدين، و الغدير للأميني، و دلائل الصدق للمظفر.

و دعا للمؤمنين، و استغفر للمؤمنين و المؤمنات، ثم كبّر الرابعة و دعا للميت، ثم كبّر الخامسة و انصرف، فلما نهاه اللّه عز و جل عن الصلاة على المنافقين: كبّر و تشهد، ثمّ كبّر و صلّى على النبيين، ثم كبّر و دعا للمؤمنين، ثم كبّر الرابعة و انصرف و لم يدع للميت» (1).

قال أبو عبد اللّه «عليه السلام» : صلّى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جنازة فكبّر عليه خمسا، و صلّى على أخرى فكبّر عليه أربعا، فأما الذي كبّر عليه خمسا، فحمد اللّه و مجده في التكبيرة الأولى، و دعا في الثانية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعا للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة، و دعا في الرابعة للميت، و انصرف في الخامسة.

و أما الذي كبّر عليه أربعا، فحمد اللّه و مجده في التكبيرة الأولى، و دعا لنفسه، و أهل بيته في الثانية، و دعا للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة، و انصرف في الرابعة، فلم يدع له، لأنه كان منافقا. . (2).


1) تهذيب الأحكام ج 3 ص 189 و الكافي ج 3 ص 181 و الوسائل {ط قديم} ج 1 ص 145 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 249 و 250 و راجع: منتهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 452 و الذكرى ص 59 و مجمع الفائدة ج 2 ص 433 و عن علل الشرائع ج 1 ص 303 و البحار ج 75 ص 339 و التفسير الصافي ج 2 ص 365.

2) الوسائل {ط قديم} ج 1 ص 145 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 249 و 250 و راجع: منتهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 452 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 317 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 65 و مسند الإمام الرضا ج 2 ص 418 عن التهذيب، و الإستبصار، و ذخيرة المعاد ج 2 ص 330 و مستند الشيعة ج 6 ص 300 و مصباح الفقيه ج 2 ق 2 ص 500.

و ورد أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يكبر على قوم خمسا، و على قوم آخرين أربعا، و إذا كبّر على رجل أربعا اتهم-يعني بالنفاق- (1).

و من الواضح: أن آية النهي عن الصلاة على المنافقين قد نزلت في سنة تسع. و آية النهي عن الاستغفار للمنافقين قد نزلت في السنة الخامسة أو السادسة (2).

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلّى على آخر جنازة في سنة تسع: و هي جنازة سهيل بن البرصاء، حسبما تقدم. .

فنستنتج من ذلك: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من حين نهي عن الاستغفار في الخامسة، أو السادسة، بدأ يكبر على الميت من المنافقين أربع تكبيرات. . و على الصالح خمسا. .


1) تفسير نور الثقلين ج 2 ص 250 و الكافي ج 3 ص 181 و عن علل الشرائع ج 1 ص 304 و الإستبصار ج 1 ص 475 و البحار ج 22 ص 135 و ج 75 ص 343 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 72 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 197 و 317 و منهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 452 و الذكرى ص 58 و روض الجنان ص 308 و مجمع الفائدة ج 2 ص 432 و مدارك الأحكام ج 4 ص 165 و ذخيرة المعاد ج 2 ص 330 و كشف اللثام {ط جديد} ج 2 ص 343 و رياض المسائل {ط جديد} ج 4 ص 157 و غنائم الأيام ج 3 ص 472 و التفسير الصافي ج 2 ص 365 و إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 167 و منتقى الجمان ج 1 ص 270 و 274.

2) راجع: مقالا بعنوان: «الصلاة على عبد اللّه بن أبي بن سلول» للأخ الكريم الفاضل السيد مرتضى مرتضى دام توفيقه. نشرته مجلة الهادي العدد 3 سنة 6 ص 80 و 81.

فلما نهي عن الصلاة على المنافق، امتنع من الصلاة عليه بالكلية و كان ذلك في سنة تسع. .

و عليه، فيكون مقصود الرواية المتقدمة بالنهي عن الصلاة على المنافق: هو النهي عن الاستغفار له بعد الرابعة، فكأنه لم يصل عليه أصلا. .

أو لعل في الرواية اشتباها بين النهي عن الصلاة، و النهي عن الاستغفار، و كيف كان فالأمر سهل.

و بعد كل ما تقدم، نعود لنقول: إننا لا نجد تعليلا مقبولا، للزيادة و النقيصة في تكبيرات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعض الصحابة على الجنازة سوى هذا. . فاشتبه الأمر على البعض الآخر منهم، و لم يعرفوا الوجه فيه؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يصرح لهم بنفاق من يصلى عليه لأكثر من سبب، فاختلفوا فيما بينهم، و جمعهم عمر على أربع قياسا على بعض ما رأوه بنظرهم صالحا للقياس عليه، و لا عذر للصحابة في موافقته على التصرف في هذا التشريع، حتى لو لم يعرفوا السرّ الكامن وراء تكبيراته «صلى اللّه عليه و آله» المختلفة. .

و لكن الهاشميين و أهل البيت «عليهم السلام» ، الذين منهم أئمة الهدى، و سفينة النجاة، و هم أقرب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعرف بدقائق أموره، و أسرار تصرفاته قد اطّلعوا على ذلك و عرفوه. . و بينوه في الوقت المناسب و لكن بعد أن زالت الموانع. .

و لو أن أمير المؤمنين «عليه السلام» أراد أن يبين هذا الحكم في وقته، و خصوصا حين اختلاف الصحابة، حينما جمعهم عمر، للزم من بيانه لذلك مفسدة عظيمة، و لا سيما مع وجود بقايا المنافقين فيما بينهم. . و أيضا مع

وجود أبناء من صلّى عليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم، و عشائرهم، و أقربائهم.

نعم. . إن ذلك سوف يكون صدمة عنيفة لأولئك الأقارب، لا يؤمن معها من حصول ردّات فعل لا تحمد عقباها، في مجتمع لم يزل قريب عهد بالجاهلية-على حد تعبير عمر فيما تقدم-و حيث لم تتأصل الروح الدينية في نفوسهم بعد.

فكان من الصالح أن يسكتوا عن بيان ذلك حينئذ مؤقتا. . و لكنهم استمروا على ممارسة ما يعلمون أنه الحق. . لتمرّ فترة يقلّ معها ارتباط الناس بأسلافهم، ليمكن طرح الحقيقة و بيانها، و هكذا كان. .

و استمر عمل الهاشميين على الخمس، و أخذ الآخرون بالأربع و لعل بعضهم أخذ ذلك بحسن نية، و سلامة طوية، و غفلة عن حقيقة القضية. .

و الآن. . و بعد أن اتضح السرّ الحقيقي لذلك. . فإننا ندعو الجميع بكل محبة و إخلاص إلى العودة إلى ما عليه أهل البيت «عليهم السلام» ، فهم مصابيح الهدى، و باب حطة، و سفينة نوح، التي من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق و هوى. . و هم أحد الثقلين، اللذين لن يضل من تمسك بهما، و قد أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

الفصل الخامس: إلى مكة. . لأجل العمرة

اشارة

توطئة. . و تمهيد:

عرفنا في جزء سابق، خصصناه للحديث عن غزوة الحديبية: أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كان قد عاقد قريشا على دخول مكة بعد الحديبية بعام، و ليس معه من السلاح إلا سلاح المسافر، و هو السيوف في القرب {جمع قراب} ، بشرط أن لا يقيم بها هو و أصحابه أكثر من ثلاثة أيام، و يخرج في اليوم الرابع، بالإضافة إلى شروط أخرى وضعها «صلى اللّه عليه و آله» على قريش في عهد الحديبية، كما تقدم.

و بعد سنة من عهد الحديبية قصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة، ليؤدي مناسك العمرة، وفق ما اتفق عليه، و هو ما يعرف بعمرة القضاء.

تصحيح اشتباه:

و لكن ظاهر عبارة بعضهم: أن اشتراط تلك الأمور المشار إليها، إنما كان في عمرة القضاء نفسها، فقد قال: «. . ثم خرج «صلى اللّه عليه و آله» معتمرا عمرة القضاء، فأبى أهل مكة أن يدعوه «صلى اللّه عليه و آله» يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم ثلاثة أيام الخ. .» (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 62 عن الأنس الجليل.

إلا أن يقال: إن كلمة «حتى» في قوله: «حتى قاضاهم» تصحيف لكلمة «حيث» ، و يكون المراد: أنه كان قد قاضاهم على ذلك في الحديبية.

و في جميع الأحوال نقول:

الصحيح: هو ما ذكرناه أولا؛ لأن هذه الشروط مذكورة في نفس عهد الحديبية، و هو قد كتب قبل عمرة القضاء بعام، فراجع. .

من المدينة إلى مكة:

و مهما يكن من أمر، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» عزم على العمرة في أول ذي القعدة سنة سبع، فأمر أصحابه بأن يتجهزوا لها، و أن لا يتخلف عنه أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف عنه أحد، إلا من استشهد في خيبر، أو مات بين الحديبية و عمرة القضاء.

و قد انضم إليهم جمع ممن لم يحضر الحديبية أيضا، فكان المسلمون في عمرة القضاء ألفين (1).

و كان جعفر بن أبي طالب «عليه السلام» ، ممن رافق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ممن لم يشهد الحديبية، لأنه كان بالحبشة آنذاك.

فقال رجل من حاضري المدينة من العرب: يا رسول اللّه، و اللّه، ما لنا زاد، و ما لنا أحد يطعمنا.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 731 و السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 195 و البحار ج 21 ص 46 و تاريخ الخميس ج 2 ص 62 و عن فتح الباري ج 7 ص 383 و عمدة القاري ج 17 ص 262 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 120 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 67 و عن عيون الأثر ج 2 ص 158.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين أن ينفقوا في سبيل اللّه تعالى، و أن يتصدقوا، و أن لا يكفوا أيديهم فيهلكوا. .

فقالوا: يا رسول اللّه، بم نتصدق، و أحدنا لا يجد شيئا؟ !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : بما كان، و لو بشق تمرة (1).

و ساق «صلى اللّه عليه و آله» في عمرته تلك ستين بدنة (2)، و قيل سبعين (3)، و قلدها، ليعلم أنها هدي، فكيف الناس عنه، و جعل عليها ناجية بن جندب، و معه أربعة من أسلم (4).

و استخلف على المدينة أبا ذر، و قيل غير ذلك. و حمل معه السلاح،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 362 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 129.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و المغازي للواقدي ج 2 ص 733 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 121 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 143 و عن السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و الكافي ج 4 ص 435 و البحار ج 21 ص 46 و تأويل مختلف الحديث ص 134 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 216 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 109 و البداية و النهاية ج 4 ص 262 و عن عيون الأثر ج 2 ص 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 435 و مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ج 5 ص 518 و ج 7 ص 646، و راجع: نور اليقين للخنيزي، في إسلام خالد و رفيقيه.

3) عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 154 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 26.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 732 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 و 190 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 320 و البداية و النهاية ج 4 ص 230 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 314 و البداية و النهاية ج 4 ص 262 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 435.

و الدروع، و الرماح. و جعل على السلاح بشير بن سعد.

و قاد معه مائة فرس، عليها-كما زعموا-محمد بن مسلمة، و أحرم من المسجد، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول اللّه، حملت السلاح، و قد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا ندخل عليهم الحرم بالسلاح، و لكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا (1).

فمضى بالخيل محمد بن مسلمة، فلما كان بمر الظهران وجد نفرا من قريش، فسألوه، فقال: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء اللّه، و قد رأوا سلاحا كثيرا.

فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل و السلاح، ففزعت قريش، و قالوا: ما أحدثنا حدثا، و إنا على كتابنا و مدتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ! (2).

ثم إن قريشا بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقوه ببطن يأجج، فقالوا: و اللّه يا محمد، ما عرفت صغيرا و لا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، و قد شرطت عليهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و المغازي للواقدي ج 2 ص 733.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و البداية و النهاية ج 4 ص 263 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 435.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إني لا أدخل عليهم بسلاح.

فقال مكرز: هو الذي تعرف به البرّ و الوفاء.

ثم رجع مكرز إلى مكة سريعا، و قال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، و هو على الشرط الذي شرط لكم (1).

دخول مكة:

قالوا: فلما اتصل خروجه «صلى اللّه عليه و آله» بقريش خرجت.

و في نص آخر: خرج كبراؤهم من مكة، حتى لا يروه «صلى اللّه عليه و آله» يطوف بالبيت هو و أصحابه، عداوة و بغضا و حسدا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

النبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة:

فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه مكة صبيحة الرابع


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و 191 و السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 92 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 321 و المغازي للواقدي ج 2 ص 734 و البداية و النهاية ج 4 ص 263 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 436.

2) راجع: النصوص المتقدمة في: السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و المغازي للواقدي ج 2 ص 731-734 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189-191 و تاريخ الخميس ج 2 ص 62 و عن عيون الأثر ج 2 ص 158 و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 40.

من ذي الحجة (1)، راكبا ناقته القصواء، و ابن رواحة آخذ بزمامها، و أصحابه محدقون به، قد توشحوا السيوف يلبون، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون، و هي ثنية كداء.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» إذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منيتنا بها، يقول ذلك من حين يدخل حتى يخرج منها.

و جعل «صلى اللّه عليه و آله» السلاح في بطن يأجج، موضع قريب من الحرم.

و تخلف عند السلاح مائتان من المسلمين، ثم قضى الذين كانوا معه مناسكهم، فجاء مائتان منهم فحلوا محل أولئك، فتمكنوا من السعي و الطواف، و أداء مناسكهم أيضا (2).

و جعل أوس بن خولي على أولئك المائتين (3).

و قعد جمع من المشركين بجبل قينقاع، ينظرون إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى أصحابه، و هم يطوفون بالبيت، و قد قال كفار قريش: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب.

و في لفظ، قالوا: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 191 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 236 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 242.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 194 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و المغازي للواقدي ج 2 ص 735 و تاريخ الخميس ج 2 ص 62 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 542 و في ج 2 ص 121 مائة رجل.

فأطلع اللّه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» على ما قالوا، ثم قال: رحم اللّه امرأ أراهم من نفسه قوة، فأمر أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ليروا المشركين أن لهم قوة.

فعند ذلك قال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم؟ ! هؤلاء أجلد من كذا، إنهم لينفرون {أي يثبون} نفر الظبي، و إنما لم يأمرهم بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم.

و انتهى «صلى اللّه عليه و آله» إلى البيت و هو على راحلته، و استلم الركن بمحجنه، و عبد اللّه بن رواحة آخذ بزمامها، و هو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيلهإني شهدت أنه رسوله

حقا و كل الخير في سبيلهنحن قتلناكم على تأويله

كما ضربناكم على تنزيلهضربا يزيل الهام عن مقيله

و يذهل الخليل عن خليله

فقال عمر بن الخطاب: يابن رواحة! ! بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و في حرم اللّه تقول الشعر؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا عمر، إني أسمع.

أو قال: خلّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل.

فأسكت عمر (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 735 و 736 و تاريخ الخميس ج 2 ص 62 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 191 و 192 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 570 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 343 و عن فتح الباري ج 7 ص 572 و السيرة الحلبية ج 3 ص 64 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 122 و راجع: سنن الترمذي ج 4 ص 217 و سنن النسائي ج 5 ص 203 و الشمائل المحمدية ص 203 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 383 و كنز العمال ج 3 ص 581 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 151 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 99 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 235.

زاد في نص آخر قوله: «يابن رواحة، قل: لا إله إلا اللّه وحده. نصر عبده، و أعز جنده، و هزم الأحزاب وحده» .

فقالها ابن رواحة، فقالها الناس كما قالها (1).

و ذكروا أيضا: أن الذين اعتمروا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يشهدوا الحديبية، لم ينحروا، فأما من كان شهد الحديبية، و خرج في عمرة القضاء، فإنهم شركوا في الهدي (2).

كما أن بعض النسوة ممن شهدن الحديبية، قد اعتمرن معه «صلى اللّه عليه و آله» .

و نحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين الصفا و المروة.

و حلق خراش بن أمية رأس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عند المروة (3).

و اضطبع «صلى اللّه عليه و آله» بردائه، و كشف عضده اليمنى، ففعلت الصحابة كذلك.


1) راجع المصادر السابقة.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 736 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 193 و 194.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 737 و عن الإصابة ج 2 ص 231 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 350.

و هذا أوّل رمل و اضطباع في الإسلام (1).

الخروج من مكة:

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يكايدهم كلما استطاع، و أقام «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه ثلاثة أيام.

فلما تمت الثلاثة التي هي أمد الصلح جاء حويطب بن عبد العزى، و معه سهيل بن عمرو إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمرانه بالخروج هو و أصحابه من مكة.

فقالوا: نناشدك اللّه، و العقد إلا ما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو و أصحابه منها (2).

و زعم بعضهم: أنهم ستروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من السفهاء


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 62 و 63 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 192 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 71 و المعجم الكبير ج 11 ص 386 و البداية و النهاية ج 4 ص 227 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 326 و معاني الآثار ج 2 ص 179 و مسند أحمد ج 1 ص 373 و سنن أبي داود حديث رقم 1885 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 923 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 581 و راجع: البحار ج 84 هامش ص 276 عن ابن إسحاق، و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 827 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 439.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و المغازي للواقدي ج 2 ص 739 و 740 و البداية و النهاية ج 4 ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 433 و عن فتح الباري ج 7 ص 387 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 194 و عن زاد المعاد ج 1 ص 1124.

و الصبيان حتى لا يؤذوه (1).

و بعد. . فإن لنا مع النصوص المتقدمة، وقفات عديدة، نذكر طائفة منها على النحو التالي:

المستخلف على المدينة:

قيل: استخلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة أبا رهم الغفاري (2).

و لكن ابن سعد ذكر في الطبقات: أن أبا رهم قال: كنت ممن أسوق الهدي، و أركب على البدن في عمرة القضاء. و ذكر أنه كان يسير إلى جنب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و قال ابن هشام: استعمل عويف {أو عويث} بن الأضبط (4).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 192 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 581 و عن البيهقي في الدلائل ج 4 ص 328 و عن فتح الباري ج 7 ص 391 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217 و البداية و النهاية ج 4 ص 259 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 430 و عمدة القاري ج 17 ص 262.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 92 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 عنه و عن الواقدي، و تاريخ خليفة بن خياط ص 60 و المسترشد هامش ص 131 عن مغازي الواقدي جلد 1 ص 7.

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 244.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 و تاريخ الخميس ج 2 ص 62 عن القاموس، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 37 و عن الإصابة ج 4 ص 619 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 827 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 429.

و قيل: استعمل أبا ذر (1).

الذي حلق رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و تقدم: أن الذي حلق رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو خراش بن أمية، و هذا غير مسلّم أيضا، فقد روي: أنه معتمر بن عبد اللّه العدوي (2).

لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة:

و قالوا: لما كان بعد سنة من الحديبية أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين بالتجهز لعمرة القضاء، فشكى إليه بعض المسلمين ضيق ذات اليد، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين بأن ينفقوا، و يتصدقوا، و ألاّ يكفوا أيديهم فيهلكوا، و أنزل اللّه عز و جل: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 عن البلاذري و البحار ج 21 هامش ص 46 عن ابن هشام، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 189 و مرقاة المفاتيح ج 7 ص 646 و عن السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و راجع: نور اليقين، في إسلام خالد و رفيقيه.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 65 عن إمتاع الأسماع، و الطبقات الكبرى ج 4 ص 139 {معمر} .

3) الآية 195 من سورة البقرة. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 732 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 362 و مفاتيح الغيب للرازي ج 5 ص 293 و زاد المسير ج 1 ص 187.

و نقول:

إن سورة البقرة-كما يقولون-هي أول سورة نزلت بالمدينة (1)، فهل بقيت هذه الآية إلى سنة سبع حتى نزلت، ثم أضيفت إلى السورة، كما يضاف غيرها حسب زعمهم؟ ! (2)خصوصا و أن الأمر يتعلق بأمر الإنفاق في الجهاد، و قد كان المسلمون في المدينة يعانون من ضيق ذات اليد منذ اللحظات الأولى التي بدأوا يواجهون الحروب فيها بعد الهجرة. .

لكننا نرى: أن السورة كلها أو طائفة كبيرة منها كانت تنزل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دفعة واحدة، ثم تبدأ الأحداث بالتوالي، فينزل جبرئيل ليقرأ عليه «صلى اللّه عليه و آله» الآيات التي ترتبط بها، علما أنها كانت قد نزلت مع سائر الآيات قبل ذلك الحدث بمدة.

و الظاهر: أن هذا هو ما حصل بالنسبة لآية التهلكة.

آية التهلكة خاصة:

هذا. . و قد حاول البعض أن يستفيد من هذه الآية أيضا حكما بتحريم كل عمل يستبطن درجة من الخطورة على الجسد.

و مما لا شك فيه: أن هذه الآية ناظرة إلى تقرير حقيقة استتباع الامتناع عن الإنفاق في سبيل اللّه سبحانه، للعقوبة الأخروية، و لا تتعرض إلى إلقاء


1) الدر المنثور ج 1 ص 17 عن أبي داود في الناسخ و المنسوخ، و تفسير الميزان ج 1 ص 52 و شواهد التنزيل ج 2 ص 411 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 8 و عن فتح القدير ج 1 ص 525 و تهذيب الكمال ج 3 ص 332.

2) راجع: حقائق هامة حول القرآن ص 142.

النفس في المخاطر الدنيوية، لا جوازا، و لا منعا. . فاستدلال البعض بها على ذلك، ليس له ما يبرره.

و قد ذكرنا في كتابنا مراسم عاشوراء: أن إلقاء النفس في المخاطر تجري فيه الأحكام الخمسة، بحسب ما يعرض من عناوين. .

و من جهة أخرى: فإن هذه الآية لا تنشئ حكما تعبديا، بل هي أمر إرشادي، فلا يثبت بمقتضاها أي حكم وراء ما هو ثابت في الشرع لكل مورد بخصوصه، فهي من قبيل الأوامر بإطاعة اللّه تعالى، و إطاعة رسوله «صلى اللّه عليه و آله» : يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ. . (1). . و ذلك ظاهر لا يخفى. .

أحرم من المسجد:

تقدم قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أحرم من المسجد. .

و ليس المراد به مسجد المدينة، بل المراد به مسجد الشجرة؛ لأنه هو ميقات أهل المدينة، و إنما أحرم «صلى اللّه عليه و آله» منه.

و قد سئل الإمام الصادق «عليه السلام» : لأي علة أحرم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مسجد الشجرة، و لم يحرم من موضع دونه؟ !

فقال: لأنه لما أسري به إلى السماء، و صار بحذاء الشجرة نودي: يا محمد!

قال: لبيك الخ. . (2).


1) الآية 59 من سورة النساء.

2) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 224 و 225 عن علل الشرائع ص 149 و {ط أخرى} ج 2 ص 433 و راجع: كشف اللثام {ط جديد} ج 5 ص 211 و رياض

و في رواية أخرى عن أبي بصير: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام» : خصال عابها عليك أهل مكة.

قال: و ما هي؟

قلت: قالوا: أحرم من الجحفة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحرم من الشجرة.

قال: الجحفة أحد الوقتين، فأخذت بأدناهما و كنت عليلا (1).

فإطلاق الكلام عن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحرم من مسجد الشجرة، و عدم الإشارة إلى إحرامه من المدينة، يدل على ما ذكرناه.

و أصرح من ذلك و أوضح: ما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، حيث قال-ردا على دعوى: أن الأفضل إحرام المرء من دويرة أهله-: «و لو كان فضلا لأحرم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة» (2).

(2) المسائل {ط قديم} ج 1 ص 359 و {ط جديد} ج 6 ص 185 و جواهر الكلام ج 18 ص 108 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 200 و عن مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 390 و البحار ج 18 ص 370 و ج 93 ص 128 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 194.


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 229 عن تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، و مجمع الفائدة ج 6 ص 183 و مدارك الأحكام ج 7 ص 219 و مستند الشيعة ج 11 ص 181 و جواهر الكلام ج 18 ص 111 و مستسك العروة ج 11 ص 253 و جامع المدارك ج 2 ص 363.

2) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 232 عن معاني الأخبار ص 108 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 449 و معاني الأخبار ص 382 و البحار ج 93 ص 129.

و في نص آخر رد الإمام الصادق «عليه السلام» على ذلك بقوله: لو كان كما يقولون لما تمتع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بثيابه إلى الشجرة (1)، و قريب منه غيره (2).

تحديد المسؤوليات في دائرة التنظيم:

و بعد، فإن الذي يراقب الأمور في عمرة القضاء يثير اهتمامه أمران:

أحدهما: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يهتم بتوزيع المهمات، و تحديد المسؤوليات، لكي يتشارك الإحساس بالواجب الشرعي، مع الإحساس بالكرامة الفردية، و العنفوان الشخصي لمن يتحمل أية مسؤولية. . و ليتم و يهتم بإنجاز المهمات الموكلة إليه، بعيدا عن روح التواكل و الإهمال، و في مأمن من التقصير الذي قد ينتاب الجماعات التي لم تحدد مسؤوليات أفرادها.


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 234 و في هامشه عن: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 108 و عن تهذيب الأحكام ج 5 ص 17 و راجع: منتهى المطلب {ط قديم} ج 2 ص 667 و مجمع الفائدة ج 6 ص 185 و ذخيرة المعاد ج 3 ص 576 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 448 و مستند الشيعة ج 11 ص 175 و الأصول الستة عشر ص 24 و من لا يحضره الفقيه {ط مؤسسة النشر الإسلامي} ج 2 ص 306.

2) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 234 و 242 و في هامشه عن: الكافي {الفروع} ج 1 ص 254 و عن التهذيب ج 1 ص 463 و عن من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 108 و راجع: مجمع الفائدة ج 6 ص 185 و ذخيرة المعاد ج 3 ص 576 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 448 و الكافي {ط مطبعة الحيدري} ج 4 ص 322.

فانطلاقا من قاعدة: «و اجعل لكل واحد منهم عملا تأخذه به» (1)، جعل «صلى اللّه عليه و آله» على الهدي ناجية بن جندب، و معه أربعة من أسلم، و جعل على السلاح و الدروع، و الرماح بشير بن سعد، و أوكل أمر الخيل-و هي مائة فرس-إلى محمد بن مسلمة، كما زعموا. .

الثاني: أن ذلك يشير إلى أن ثمة سعيا حثيثا لإرساء قواعد تنظيم يراد له أن يهيمن على الحركة العامة، و أن يخرج الأمور عن دائرة الارتجال الذي يمارسه رئيس القبيلة أو الملك، أو الحاكم، و أن يمنع من حصر كل القرارات التفصيلية بشخص واحد، قد يعجز عن الإحاطة بكل الجزئيات التي يحتاج إلى معرفتها، ليكون قراره صحيحا و دقيقا.

إذ بدون هذه الإحاطة الدقيقة تصبح احتمالات إخفاقه في ذلك، و قصور قراراته عن استيعاب جميع المواقع التي يحتاج إليها، أكثر قوة، و أشد حضورا في الحركة العملية.

لا يتخلف من شهد الحديبية:

و كما جرى في خيبر، جرى في عمرة القضاء أيضا. . فقد اشترط «صلى اللّه عليه و آله» هنا كما اشترط هناك حضور من شهد الحديبية، بفارق واحد


1) نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 3 ص 57 و راجع: تحف العقول ص 87 و عيون الحكم و المواعظ ص 85 و البحار ج 68 ص 143 و ج 71 ص 216 و 233 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 43 و نهج السعادة ج 4 ص 333 و موسوعة الإمام الجواد ج 2 ص 577 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 122 و نظم درر السمطين ص 169 و كنز العمال ج 16 ص 183.

بسيط، و هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين جاء المخلفون يريدون أن يخرجوا معه إلى خيبر، و قالوا: إنها ريف الحجاز طعاما، و ودكا، و أموالا، بعث «صلى اللّه عليه و آله» مناديا فنادى: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، فأما الغنيمة فلا (1).

أما في عمرة القضاء، فإنه لم يمنع أحدا من المسير معه إلى العمرة، بل اكتفى بإعلان حتمية حضور أهل الحديبية معه فيها. و لم يكن في عمرة القضاء غنائم ليعلن حرمان أو عدم حرمان أحد منها. .

و لذلك انضم إليه جمع ممن لم يحضر الحديبية.

و السر في هذا و ذاك يمكن رسم معالمه على النحو التالي: 1-أما الأسباب بالنسبة لعمرة القضاء فهي:

أولا: إن هذه العمرة هي أداء نسك ظل الناس محرومين من أدائه مدة طويلة، و لم يكن النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ليحرم أحدا من أداء نسكه، أو أن يمنعه من القيام بعبادة ربه.

ثانيا: إن التنصيص على لزوم حضور أهل الحديبية يتضمن التعريض بغيرهم، و تعريف الناس بأن تخلفهم عنه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الغزوة كان بلا مبرر معقول أو مقبول.

و لا بد أن يكون هذا درسا لهم و لغيرهم، و يفهمهم: أن التخلف عن طاعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرضهم للحرمان من أن يكونوا في


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 634 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 726.

مواقع التفضل، و الرضا، و يوجب لهم انتكاسات لا يروق لهم أن يعرضوا أنفسهم لها.

ثالثا: إن هذا التنصيص يمثل تكريما و تعظيما لمن حضر الحديبية، و هو إعلان بأن حضورهم هناك كان ذا قيمة و ذا أهمية، و من شأن هذا أن يعطيهم، المزيد من الاندفاع نحو الطاعة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الحرص على الكون في مواقع رضا اللّه تبارك و تعالى.

رابعا: إن حضور المتخلفين عن الحديبية إلى مكة، التي كانت طيلة سنوات لا يأتيهم منها إلا الشرور و المتاعب، و البلايا و المصائب، يجعلهم أكثر شعورا بعظمة الإنجاز الذي حققه إخوانهم الذين تخلفوا هم عن مشاركتهم، و خذلانهم قبل عام. . ثم هو يثير فيهم الشعور بالحسرة و الندم على ما فرط منهم. و يدفعهم نحو التوبة النصوح بقوة و حزم و إخلاص.

2-و أما بالنسبة لما جرى في خيبر، فالمقصود به هو: تخصيص من حضر الحديبية بالمكافأة، التي لا يستحقها المتخلفون، لأن اللّه قد جعل هذا الفتح جائزة و ثوابا لهم وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَزِيزاً حَكِيماً (1).

و بذلك يتشجّع المحسنون لمضاعفة إحسانهم، و يكون في هذا الإعلان بتكريمهم من التعظيم و الإجلال لهم ما يسعدهم، و يفرح أرواحهم، و يبهج قلوبهم.

كما أن فيه إعلانا بسوء فعل من تخلف، و تقبيحا لتمرده على الأوامر


1) الآيتان 18 و 19 من سورة الفتح.

النبوية، و تحذيرا و إنذارا لمن تحدثه نفسه بأن يتأسى بهم، و تحتم عليه أن يقلع عما عقد العزم عليه، فإن فيه فضيحة لا يرضاها أهل الكرامة، و خزي يأباه أهل الحفاظ.

تقليد الهدي، و حمل السلاح:

و الظاهر هو: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد دخول مكة من خلال تحطيم عنفوان الشرك، و إسقاط مقاومته من الداخل. أي أنه يريد أن يهزم المشركين نفسيا، من خلال تكوين قناعة لديهم بعدم جدوى مقاومتهم لهذا الدين، و الإدراك عمليا بأن حصاد هذه المقاومة لن يكون سوى الدمار و البوار، و المزيد من الخيبات المريرة و المخزية لهم، ليتوصل «صلى اللّه عليه و آله» -من خلال إذكاء هذا الشعور فيهم-إلى إخراج مكة و البيت العتيق من أسرهم، من دون أن تراق فيه محجمة من دم، صيانة منه «صلى اللّه عليه و آله» لحرمة الحرم، و حفاظا على مكانة البيت و موقعه و حفظا له من أن يتجرأ عليه أحد، عبر الأحقاب و الدهور. .

فلأجل ذلك ترى: أنه في نفس الوقت الذي يجهز فيه أمة كبيرة من الناس لدخول مكة للاعتمار، و يستصحب معه الخيل و السلاح، و الدروع و الرماح، و يقود معه مائة فرس، و يقدمها هي و السلاح أمامه، حين بلغ ذا الحليفة (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 733 و راجع: السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و البحار ج 21 ص 46 و مرقاة الجنان ج 7 ص 646 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 310 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190.

تراه «صلى اللّه عليه و آله» يبالغ في إعطاء التطمينات بأنه لا يريد حربا و لا قتالا في مسيره ذاك، فهو يقلّد الهدي ليعلم أنه هدي، فيكفّ الناس عنه. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يخرج نفسه عن دائرة الحذر و الاحتياط، فيجعل السلاح قريبا منه، تحسبا لأي طارئ، حتى إنه لما دخل مكة جعل السلاح في بطن يأجج، و هو موضع قريب من الحرم، و جعل لحراسته أوس بن خولي في مائتي رجل، ليمنع بذلك أهل الخيانة و الغدر، من التفكير بالغدر، أو افتعال أي ذريعة للخيانة.

قصور النظر لدى بعض المسلمين:

و قد أظهر بعض المسلمين قصور نظر، أو سوء نية حين تظاهر بالاستغراب من أمر السلاح، و قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، أحملت السلاح، و قد شرطوا علينا ألا ندخل عليهم إلا بسلاح المسافر؛ السيوف في القرب؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنا لا ندخلها عليهم الحرم، و لكن تكون قريبا منا؛ فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا. .

فقال له ذلك الرجل: يا رسول اللّه، تخاف قريشا على ذلك؟ !

فأسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قدم البدن (1).

و نحن لا نستطيع أن نسكت على هذا التعبير القبيح و الوقح، و هو


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 733 و راجع: السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 عن الواقدي.

قوله: «فأسكت رسول اللّه» ! ! فإنه مناف للأدب معه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أنه مجانب للحقيقة. .

و الحقيقة هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سكت عن رجل ضعيف البصيرة، خامل التفكير، سقيم النظر، و مؤثرا عدم بسط القول معه؛ لأن ذلك الاسترسال، قد يؤدي إلى تسليط الضوء على أمور ليس من المصلحة التعرض لها.

و بقي هذا الاحتياط النبوي بحمل السلاح هو الإجراء الصحيح و الضروري، و هو الموافق للحكمة و التدبير السليم، إذ لم يكن من الجائز للعاقل الأريب أن يظهر من نفسه الغفلة و الاستنامة، مع عدو عرف بالغدر، و الانطواء على نوايا مدخولة، و أهداف شريرة.

يضاف إلى ما تقدم: أن من المصلحة تعريف الناس بحقيقة هذا العدو الذي يواجهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه عدو غير مأمون على الوفاء بتعهداته، و أن نهجه خياني و غادر، في حين لم يزل نفس ذلك العدو يشهد له «صلى اللّه عليه و آله» بأنه لم يزل يعرفه بالوفاء و الاستقامة، من صغره إلى كبره، و في جميع الأوقات و الحالات. .

و آخر ما نقوله هنا هو: أن المقصود من جعل السلاح قريبا منه: هو إرهاب ذلك العدو، و تعريفه بأن التفكير في غير سياق الوفاء بالعهود، سوف يعيد الأمور إلى مجراها الأول و هو مقاومة الظلم و البغي، و أن ليس ثمة أي خلل أو قصور في التصميم على نشر هذا الدين، و أن العزم لا يزال منعقدا على متابعة المسيرة، فلا مجال للمساومة، و لا للتراخي في شيء من الحقوق التي جعلها اللّه تعالى للمسلمين و المستضعفين، مهما طال الزمن،

فلا فائدة من التآمر، و لا جدوى من خيانة العهود، إلا المزيد من المآسي و الرزايا، و النكبات و البلايا.

رعب قريش و حيرتها:

و بالعودة إلى موضوع تقديم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخيل أمامه، حتى بلغت مر الظهران، فرأى أولئك النفر من قريش-أو الذين كانوا هناك- خيلا كثيرة، و سلاحا وفيرا. . فطاروا بالخبر إلى قريش، التي فزعت من ذلك، و تحيرت، و ظنت أن ثمة غزوا لها من قبله «صلى اللّه عليه و آله» . .

إننا بالعودة إلى ذلك نقول: لقد كان هذا التصور هو ما يريده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأن ذلك يعني: أن هذه المفاجأة قد أثمرت ما يلي:

أولا: وضع قريش على محك المفاجآت لتقترب من التفكير بموضوعية و واقعية، فلا تستسلم لخيالاتها و أوهامها، التي قد توحي لها بأن الأمور تسير على وتيرة واحدة، أو تتوهم أن من الممكن أن تعرض للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين غفلة، تستطيع الاستفادة منها، في تسديد ضربتها الغادرة.

فإن شعورها ذاك، و توهمها هذا، يثير فيها الرغبة الجامحة إلى أن تخطط، و تدبر، و تتآمر. . على أمل أن تنجح بتغيير المعادلة، إذا أصابت غرة من عدوها الغافل عما دبرته له، و كادته به.

و لكنها إذا عرفت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يفكر في كل اتجاه، و يلاحق كل صغيرة و كبيرة، فسوف لا تجرؤ على الدخول في مغامرة خطيرة من هذا القبيل.

ثانيا: إن هذه المفاجأة التي حيّرت قريشا، دفعتها إلى الاعتراف لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه ما عرف بالغدر صغيرا، و لا كبيرا، بل كان البر الوفي في جميع أحواله و شؤونه.

و لا بد أن تكون قد استحضرت في مقابل ذلك ما كان منها طيلة عشرين سنة تجاهه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، من ظلم و غدر، و قطيعة رحم، و أذى.

كما أن لهذا الاعتراف أهميته البالغة، في فضح حقيقتها، و تعريف الناس بمدى شناعة و قباحة فعلها، فيما مضى، ثم فيما يأتي، حيث إنها سوف تغدر به، بعد أقل من سنة من هذا التاريخ، و تضطره إلى دخول مكة على غير هذه الصورة، و هو ما عرف بفتح مكة.

ثالثا: كانت قريش تعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين حققوا أعظم الانتصارات و أجلها في المنطقة بأسرها، سواء على المشركين، أم على اليهود، و لا بد أن تتوقع منه التفكير فيما هو أبعد من ذلك.

فقد هالها أن تراه يفكر و يبادر إلى نشر هذا الدين فعلا في أرض الحبشة، و كان النصر حليفه في ذلك، و ها هي تراه قد أرسل إلى جبابرة الأرض يطالبهم بالاستجابة لأمر اللّه تعالى، و الإيمان بنبوته.

هذا، على رغم أن أعداد أنصاره كانت لا تزال قليلة، و عدّتهم ضئيلة. . فكيف و قد تضاعف العدد، و قويت العدة، و أصبح المسلمون أسياد المنطقة بأسرها. و صار الكل يرهب جانبهم، و يطمح إلى إنشاء علاقات طبيعية معهم؟ !

رابعا: إذا ظهر أن هؤلاء الأقوياء لم تسلمهم قوتهم المتنامية، و لا كثرة

عددهم إلى الغرور، و لم تؤثّر انتصاراتهم في حقيقة و مستوى التزامهم بعهودهم، و بشعاراتهم، و بمبادئهم، و قيمهم، و بأحكام دينهم، و أخلاقهم قيد شعرة.

فذلك من شأنه: أن يهزّ وجدان الكثيرين من الناس، و أن يدعوهم إلى احترامهم، و إلى الثقة بهم، و السكون إلى كل ما يقولونه و يفعلونه. .

الحقد هو الحاكم، و ليس المنطق:

و بعد، فقد ذكر النص المتقدم: أن كبراء قريش خرجوا من مكة، حتى لا يروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطوف بالبيت هو و أصحابه، حسدا، و عداوة، و بغضا له «صلى اللّه عليه و آله» .

فإذا كان الكبراء و الرؤساء تسيّرهم مشاعرهم، و يتخذون مواقفهم انطلاقا من البغض، و الحسد و الحقد، لا من خلال التفكير و التروي، و وزن الأمور بميزان العقل و الحكمة، فماذا نتوقع من عامة الناس يا ترى. . فهل تراهم سوف يتصرفون على عكس ما يجدونه من كبرائهم و رؤسائهم؟ ! خصوصا مع ما هو معروف من أن عامة الناس على دين ملوكهم، و لهم يكون سعيهم، و هم يبذلون غاية جهدهم في إجابة مطالبهم، و تحقيق رغباتهم و مآربهم. .

و يذكرنا فعل هؤلاء، و ما نتوقعه من أولئك بقول الشاعر:

إذا كان رب البيت بالطبل ضاربافشيمة أهل البيت كلهم الرقص

ظهور الوهن في المهاجرين:

و بمجرد أن عرفت قريش بمسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدأت شائعاتها تلاحق المسلمين، فقد ذكروا: أنه لما نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرّ الظهران في عمرته، بلغ أصحابه: أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف.

فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا، فأكلنا من لحمه، و حسونا من مرقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم و بنا جمامة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تفعلوا، و لكن اجمعوا إلي من أزوادكم.

فجمعوا له، و بسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحشى كل واحد منهم في جرابه (1).

و قد تقدم: أن جمعا من المشركين حين نظروا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و هم يطوفون، لفت نظرهم المهاجرون دون غيرهم، رغم اختلاط الناس بعضهم ببعض، و رغم قلة عدد المهاجرين بالقياس إلى ذلك العدد الكبير من غيرهم، فقالوا: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب.

و يبقى هنا أمامنا سؤالان: السؤال الأول هو: لماذا نسبوا ما يلاحظونه من تعب و وهن في المهاجرين إلى الحمى، و لا ينسبونه إلى تعب السفر و مشقاته؟ !


1) مسند أحمد ج 1 ص 205 و مجمع الزوائد ج 3 ص 288 و البداية و النهاية ج 4 ص 231 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 191 و ج 9 ص 485 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 437.

و الجواب: لعلهم أرادوا الإيحاء للضعفاء من الناس و لأنفسهم: بأن هذا الوهن كامن في عمق شخصية أولئك الأفراد، و أنه ثابت و دائم فيهم، و ليس أمرا عارضا بسبب متاعب و مشقات السفر، لكي يزول بمجرد الراحة و الجمام.

و السؤال الثاني هو: لماذا خصوا كلامهم بالمهاجرين دون غيرهم؟ !

و نجيب:

أولا: إن بعض الروايات قد ذكرت ذلك بصيغة تعم المهاجرين و الأنصار، و أنهم قالوا: يقدم عليكم قوم أوهنتهم حمى يثرب. .

ثانيا: لعل بعضهم خص الكلام بالمهاجرين، و بعضهم أطلقه ليشمل غيرهم معهم.

ثالثا: إن وجود المهاجرين بين المسلمين يزيد في حسرة قريش، و في إحراجها أمام الناس العاديين، الذين يرون أن لهم أقرباء في المسلمين، فلماذا يقسون عليهم، فلعل الأيام تعيد الأمور إلى مجاريها، و يجتمع شملهم بهم؟ !

فإذا أظهرت قريش: أن هؤلاء المهاجرين الأقارب لم يسعدوا بتركهم مكة، بل واجهوا الأمراض، و ابتلوا بالوهن و الضعف، فذلك يقلل من درجة الحنين أو الميل إلى مشاركتهم في ما هم فيه. ما دام أن ثمن ذلك سيكون ضعفا و وهنا. .

أما الأنصار، فقد كانوا قحطانيين، و لا تربط أهل مكة العدنانيين بهم روابط عميقة، و لا يجدون في أنفسهم ميلا للكون معهم، و مشاركتهم في حلو الحياة و مرها. .

و أما المشركون الذين تحدثوا بصيغة التعميم لصفة الضعف و الوهن حتى تشمل جميع من جاء مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلعلهم أرادوا أن

يصدوا الناس عن التفكير في المدينة من حيث هي منشأ للحمى الموجبة للضعف، و الوهن لكل من يسكن فيها!

إظهار القوة. . يبطل كيدهم:

و حين أطلع اللّه عز و جل نبيه «صلى اللّه عليه و آله» على مقالتهم هذه، طلب من أصحابه إظهار القوة، و أطلق دعاءه بالرحمة لمن يفعل ذلك.

و لم يرد «صلى اللّه عليه و آله» أن يجسد هذه القوة في حركات تستبطن التحدي، أو الادعاء القولي، بل أراد تجسيدها بطريقة تظهر حقيقة وجودها بالفعل في واقع نفس كل واحد من أصحابه، و لذلك قال لهم: «أراهم من نفسه قوة» ، أي أنه يريد أن يرى المشركون القوة نفسها في حركة الجسد، لا أن يسمعهم ادعاءات وجودها.

و اختار أن يجسدها في نفس ممارستهم العبادية، فأمرهم بالرمل-و هو ضرب من المشي السريع-في الأشواط الثلاثة.

كما أن طريقة المشي هذه تستبطن ما يشبه الوثبة مع كل خطوة، و لهذا تأثيره القوي في إعطاء الانطباع المطلوب.

و قد فاجأت حركات المسلمين هذه أهل الشرك، فجاء الاعتراض القوي من قبل أولئك الذين أريد تضليلهم، بادعاء تأثير حمى يثرب في وهن قوتهم، و كان اعتراضا يستبطن تكذيب هذا الزعم.

فقالوا: «هؤلاء الذين زعمتم: أن الحمى قد وهنتهم؟ ! هؤلاء أجلد من

كذا {أو أجلد منا} ، {أو ما يرضون بالمشي} أما إنهم لينفرون نفر الظبي» (1).

إجراء آخر لإظهار القوة:

و بعد هذا الاستعراض العملي، جاء إجراء عملي آخر، ليرسخ ذلك الانطباع الذي تركه الإجراء الأول، من حيث إنه يريد أن يفهمهم: أن ما جرى في الطواف لم يكن أمرا عابرا، فرضته مناورة و مكابرة، بل هو يستند إلى مخزون حقيقي من القوة الكامنة في كيان أولئك الأفراد أنفسهم.

و يتلخص هذا الإجراء: في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى الاضطباع، ثم الكشف عن عضده اليمنى. ففعل الصحابة كذلك. .

قالوا: و هذا أول رمل و اضطباع في الإسلام (2).

و نلاحظ هنا:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر هو نفسه لممارسة نفس الفعل الذي كان يفترض أن يأمر أصحابه به، فاضطبع، و أخرج يده.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 192 و عن مسند أحمد ج 3 ص 502 و مجمع الزوائد ج 3 ص 607 و راجع: المجموع ج 8 ص 41 و تلخيص الحبير ج 7 ص 325 و مغني المحتاج ج 1 ص 490 و إعانة الطالبين ج 2 ص 338 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 387 و فقه السنة ج 1 ص 702 عن مسند أحمد ج 1 ص 295 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 65 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 421 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 82 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 504 و نصب الراية ج 3 ص 124 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و عن أسد الغابة ج 1 ص 22.

ثانيا: لم يتضح لنا هل اضطبع «صلى اللّه عليه و آله» ، قبل الطواف، أو بعده؟ !

ثالثا: إن أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقتدوا به، من دون أن يحتاج إلى أن يأمرهم بذلك.

رابعا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كشف عن عضد اليد اليمنى، التي تتولى عادة القبض على مقابض السيوف و الرماح، و تورد الضربات المهلكة على الأعداء. ليترك ظهور عضلات هذه اليد بالذات أثرا في نفوس الأعداء.

و قد روي أن ابن عباس سئل، فقيل له: يزعمون أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بالرمل حول الكعبة.

فقال: كذبوا و صدقوا.

قلت: و كيف ذلك؟ !

فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخل مكة في عمرة القضاء و أهلها مشركون، فبلغهم أن أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» مجهودون، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «رحم اللّه امرء أراهم من نفسه جلدا» .

فأمرهم، فحسروا عن أعضادهم، و رملوا بالبيت ثلاثة أشواط، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته، و عبد اللّه بن رواحة آخذ بزمامها، و المشركون بحيال الميزاب ينظرون إليهم.

ثم حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، فلم يرمل و لم يأمرهم بذلك، فصدقوا في ذلك، و كذبوا في هذا (1).


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 9 ص 429 و راجع: الحدائق الناضرة ج 16 ص 128 و رياض المسائل {ط جديد} ج 7 ص 41 و جواهر الكلام ج 19 ص 351 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 394 و البحار ج 93 ص 353 و راجع صحيح ابن حبان ج 9 ص 151.

خامسا: المروي عن أهل البيت «عليهم السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اكتفى بالرمل، و بكشف عضده، و أنه فعل ذلك في عمرة القضاء، و قد حج بعد ذلك، و لم يفعل، و لم يأمر بشيء من ذلك (1).

سادسا: إن الاضطباع للمحرم عند أهل السنة: هو إدخال الرداء تحت الإبط الأيمن، و تغطية الأيسر، و بذلك يتم إظهار أحد ضبعيه.

و الضبع: وسط العضد بلحمه.

و قيل: العضد كلها.

و قيل: الإبط (2).

و في جميع الأحوال نقول:

إن الذي فرض الاضطباع هو حالة خاصة، عالجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الطريقة، فيبقى الأمر مرهونا بها، و لا مجال لإحراز بقاء


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 9 ص 428 و 429 و في هامشه: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 135، و عن فقه الرضا ص 23 و راجع: علل الشرائع ج 2 ص 412 و 413 و عن الكافي {الفروع} ج 1 ص 279 و عن تهذيب الأحكام ج 1 ص 477 و راجع: الحدائق الناضرة ج 16 ص 128 و رياض المسائل {ط جديد} ج 7 ص 41 و جواهر الكلام ج 19 ص 351 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 394 و البحار ج 93 ص 353.

2) راجع: مادة ضبع في كتب اللغة، مثل أقرب الموارد ج 1 ص 676 و كتاب العين ج 1 ص 284 و لسان العرب ج 8 ص 216.

هذا كتشريع مستمر بعده «صلى اللّه عليه و آله» . فكيف إذا ورد عن أهل بيت العصمة «عليهم السلام» ما يدل على أنه حالة خاصة، و ليس لها أي صفة شرعية؟ !

الفصل السادس: من مكة إلى المدينة

اشارة

هل كان أبو هريرة مع الهدي؟ !

ذكر الواقدي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، و معه أربعة فتيان من أسلم (1).

و لكننا نجد في مقابل ذلك: أن أبا هريرة الدوسي يدعي و يقول: كنت ممن صاحب البدن أسوقها.

كما أن عبيد بن أبي رهم قال: أنا كنت ممن يسوق الهدي، و أركب على البدن (2).

مع أن أبا هريرة لم يكن أسلميا، و لم نجد لعبيد بن أبي رهم ترجمة تدلنا على قبيلته، و لم نجد أبا رهم في بني أسلم. .

إلا أن يقال: إن الذين وظفهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الهدي هم الأسلميون، فلا يمنع ذلك من مشاركة غيرهم لهم على سبيل


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 732 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و دلائل النبوة ج 4 ص 320، و البداية و النهاية ج 4 ص 230 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 314 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 435.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 733، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 244.

التبرع، و المبادرة الشخصية. .

على أننا لا نستبعد أن يكون المقصود: هو التبجح بأمر لم يحصل منه إلا اليسير، إذ لا مانع من أن يبادر شخص فيسوق الهدي و لو لدقائق، لكي يقول للناس: لقد سقت الهدي، و ليثبت لنفسه شرفا و كرامة، مهما كان ذلك ضئيلا، و غير ذي بال! !

شعر ابن رواحة:

و عن شعر عبد اللّه بن رواحة «رحمه اللّه» نقول:

إن لنا تحفظا على قوله: «نحن ضربناكم على تأويله» ، لأن قريشا و أهل مكة لم يسلموا بعد، و لم يقروا بالتنزيل، و لم يتأولوا القرآن على خلاف ما أنزل اللّه تعالى، و لم يقاتلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على تأويله. .

و إنما حاربهم علي «عليه السلام» على تأويله بعد استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لأجل ذلك قال ابن هشام: «نحن قتلناكم على تأويله» ، إلى آخر الأبيات، لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، قال السهيلي: يعني يوم صفين (1).

إلا أن يقال: إن عبد اللّه بن رواحة كان قد سمع من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن عليا «عليه السلام» سوف يقاتل هؤلاء القوم على تأويل القرآن، كما قاتلهم على تنزيله، فأورده في شعره، على سبيل تنزيل الأمر الذي لم يحصل بعد منزلة الحاصل، فأخبر عنه بواسطة الفعل الماضي.


1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 828 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 196 و البداية و النهاية ج 4 ص 260 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 431.

و من الواضح: أن هذا الاحتمال لا يصار إليه إلا بقرينة و دليل، لأنه خلاف الظاهر.

و زعم الحلبي: أنه لا يمنع أن يكون عمار قد أخذه من ابن رواحة و تمثل به (1).

و نقول:

ذكرنا: أنه لا معنى لأن يقول ذلك ابن رواحة، و ليس الإشكال في إيراد عمّار لهذا الشعر، خصوصا لقوله:

اليوم نضربكم على تأويلهكما ضربناكم على تنزيله

فما ذكره لا أثر له في دفع هذه المؤاخذة. .

خطأ يقع فيه الترمذي:

و ذكر الصالحي الشامي: أن أبا عيسى الترمذي بعد أن ذكر رجز ابن رواحة، قال:

و في غير هذا الحديث: أن هذه القصة لكعب بن مالك، و هو الأصح، لأن عبد اللّه بن رواحة قتل بمؤتة، و كانت عمرة القضاء بعد ذلك.

قال الحافظ: و هو ذهول شديد، و غلط مردود. و ما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك، و مع أن في قصة عمرة القضاء، اختصام جعفر، و أخيه علي، و زيد بن حارثة في بنت حمزة، و جعفر قتل هو و زيد و ابن رواحة في موطن واحد، فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا؟ !

ثم وجدت عند بعضهم: أن الذي عند الترمذي من حديث أنس: أن


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 64.

ذلك كان في فتح مكة. فإن كان كذلك اتجه اعتراض الترمذي.

لكن الموجود بخط الكروخي، راوي الترمذي، هو ما تقدم. و كذلك رأيته في عدة نسخ من جامع الترمذي (1).

يا عمر، إني أسمع:

و يستوقفنا هنا قول عمر بن الخطاب: يابن رواحة.

ثم قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا عمر، إني أسمع.

فهل هذا الخطاب من عمر، خطاب توعّد و تهديد لابن رواحة؟ ! .

أو هو خطاب تحذير له، من أن يسمعه أهل الشرك، فتثور ثائرتهم؟ !

أو هو خطاب يستبطن الاتهام بعدم رعاية جانب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، باعتبار أنه لم يسبق إذن منه «صلى اللّه عليه و آله» لابن رواحة بهذا الإنشاد؟ !

فقد يقال: إن التهديد و الوعيد هو الأرجح و الأظهر هنا، بملاحظة ما ورد في الرواية نفسها، فهي تقول:

«فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا عمر، إني أسمع. فأسكت عمر» .

فلو لا أن عمر كان غاضبا و حانقا، و متوعدا لم يكن وجه لقوله: فأسكت عمر. الظاهر في أنه قد كف عن متابعة أقواله قسرا و جبرا. .

ثم إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا عمر إني أسمع، قد أريد به أمران:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 197 و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 112 و عن فتح الباري ج 8 ص 284.

أحدهما: إعلام عمر بأنه «صلى اللّه عليه و آله» راض بقول ابن رواحة، و بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حسب لكل شيء حسابه، فلا داعي للخوف من ردة فعل المشركين، التي ربما يجد فيها عمر ما يؤذيه، أو يؤذي توجهاته. .

الثاني: صد عمر عن مواصلة هجومه و تحدياته لابن رواحة.

و قد قلنا: إن البعض ربما يرى أن احتمال إرادة تطمين عمر غير وارد؛ لأن أهل الخير من المؤمنين و المسلمين يشعرون أنهم في أمن و أمان، و هم على يقين من حسن تدبير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يخالجهم شك في ذلك.

فيتعين أن يكون المراد: الصد لعمر عن وعيده، و تهديده، و هذا هو الأوفق بلحن الكلام و سياقه. .

امشوا بين اليماني و الأسود:

و ذكر الواقدي: أن جبرئيل «عليه السلام» نزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إن المشركين على الجبل، و هم يرونكم، امشوا بين اليماني و الأسود، ففعلوا (1).

و نقول:

لم نفهم معنى لإصدار الأمر للمسلمين، و هم ألفا رجل، جاؤوا للطواف بالبيت، بأن يمشوا بين اليماني و الأسود! !

فإن ذلك غير ممكن، بل غير قابل للتصور.

بل الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بالطواف بين مقام إبراهيم،


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 736.

و بين الحجر الأسود. و ذلك لكي يظهر للمشركين الذين يراقبونهم من فوق الجبل: أنهم كتلة واحدة، متراصة، شديدة التلاحم، توحي بالقوة، و التناصر. . بدلا من أن يتفرقوا أفرادا و جماعات في أكناف المسجد و أطرافه، فيظهر لهم- للمشركين-أحجام أفرادهم، و تبدو لهم الفرج فيما بينهم، فتقتحمهم أنظارهم باستخفاف، و توحي لهم تلك الفرج الخالية بين الأفراد بالتجزئة المظهرة لصغر الأحجام، التي تشي بالضعف، و بالتشتت و التفرق.

أذان بلال فوق ظهر الكعبة:

و قالوا: إنه لما قضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نسكه دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذّن بلال بالظهر فوق ظهر الكعبة، امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم اللّه أبي، حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول.

و كذلك قال صفوان بن أمية.

و قال خالد بن أسيد: الحمد للّه الذي أمات أبي، و لم يشهد هذا اليوم، حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة.

و أما سهيل بن عمرو، و رجال معه، فحين سمعوا ذلك غطوا وجوههم.

و في شرح النهج للمعتزلي: أن خالد بن سعيد بن العاص قال: الحمد للّه الذى أكرم أبي فلم يدرك هذا اليوم.

و قال الحارث بن هشام: وا ثكلاه! ليتنى مت قبل هذا اليوم، قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة!

و قال الحكم بن أبى العاص: هذا و اللّه الحدث العظيم، أن يصيح عبد بنى جمح، يصيح بما يصيح به على بيت أبى طلحه (1).

و قالوا: إن بلالا قد أذن فوق الكعبة يومئذ مرة واحدة، و لم يعد بعد، و هو الثبت (2).

و قالوا أيضا: إن المشهور هو أن بلالا أذن فوق الكعبة في يوم الفتح، لا في عمرة القضاء (3).

ثم قالوا: لم يدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكعبة في عمرة القضاء، و قد طلب ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المشركين، فأبوا، و قالوا: لم يكن في شرطك (4).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 284 و الدرجات الرفيعة ص 365 و راجع: الوفا بتعريف فضائل المصطفى.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 737 و 738 و البحار ج 21 ص 46 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 193 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 328 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 264 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 438 و 439.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 65، و حول أذان بلال يوم الفتح راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 253 و ج 8 ص 539 و كنز العمال ج 10 ص 516 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 248 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 393 و عن تاريخ مدينية دمشق ج 10 ص 466 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 356 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 348 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 575 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 19 ص 147.

4) المغازي ج 2 ص 738 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 193 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65.

و نقول:

الراجح من الاحتمالات و الأقوال:

إننا بالنسبة للاختلاف في دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى داخل الكعبة، و أنهم منعوه من ذلك، أو عدم حصول شيء من ذلك نقول:

نحن نرجح: أنهم قد منعوه من دخولها في عمرة القضاء؛ و قالوا له: إن ذلك لم يكن في شرطك، و هو إنما دخلها في فتح مكة (1)، و في حجة الوداع (2).

و بالنسبة إلى أذان بلال فوق الكعبة في عمرة القضاء، أو فيها و في حجة الوداع معا، نقول:

كلاهما محتمل، و سيأتي أيضا: أنه أذن فوق الكعبة يوم الفتح، و لكننا نرفض احتمال أن يكون أذان بلال مختصا بحجة الوداع دون سواها؛ لأن الأقوال المنقولة عن زعماء قريش و إهاناتهم له، تؤيد و تناسب أن يكون قد أذن على ظهر الكعبة في عمرة القضاء و في فتح مكة أيضا.


1) مستند الشيعة ج 13 ص 84 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 360 و البحار ج 93 ص 357 و نيل الأوطار ج 2 ص 147 و المعجم الصغير ج 1 ص 77 و 78 و عن تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 75 و سير أعلام النبلاء ج 23 ص 155 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 347 و عن السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 575 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 871 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 271 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 84 و الديباج على مسلم ج 3 ص 73.

2) تلخيص الحبير ج 3 ص 222 و شرح مسند أبي حنيفة ص 78.

لماذا بلال؟ !

لقد كان العرب يأنفون من إعطاء أي دور للموالي، و كانوا يحتقرونهم، و يسيئون معاملتهم، و يحرمونهم من أبسط حقوقهم، و لعلهم أخذوا ذلك من اليهود. .

و قد جاء الإسلام ليساوي بين المولى و العبد، على قاعدة: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (1)، و أنه لا فضل لعربي على أعجمي، و لا لأبيض على أسود إلا بالتقوى (2).

فأثارت هذه التشريعات حفيظة الكثيرين منهم، حتى بعض أولئك الذين تظاهروا بالإسلام، فإنهم سرعان ما نقضوا هذه الأحكام بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عادوا إلى مفاهيمهم الجاهلية، فميزوا العربي على الأعجمي، و السيد على العبد، و الأبيض على الأسود، في الإرث و الزواج، و الصلاة، و في كثير من الأمور. .

ثم لما أراد علي «عليه السلام» أن يعيد الناس إلى سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» واجهوه بالحرب التي راح ضحيتها الألوف من المسلمين، فراجع


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

2) راجع: مسند أحمد ج 5 ص 411 و كنز العمال ج 3 ص 699 و فتح الباري ج 6 ص 382 و مسند ابن المبارك ص 147 و المعجم الأوسط ج 5 ص 86 و العهود المحمدية ص 873 و وضوء النبي ج 1 ص 222 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 23 و نيل الأوطار ج 5 ص 164 و الغدير ج 6 ص 188 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 412 و تفسير الميزان ج 14 ص 334 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 382 و ج 3 ص 543 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 342 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 482.

أسباب حرب الجمل.

و قد ذكرنا نبذة مما يتعلق بهذا الأمر في كتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي» فيمكن الرجوع إليه.

و إن ما صدر عن قريش تجاه بلال، حين شرع في الأذان؛ إن دل على شيء، فهو يدل على مدى الألم الذي كان يشعر به القرشيون، و هم يرون بلالا الأسود، و المولى، و الفقير، و الحبشي الغريب! ! يرونه فوق الكعبة، و هي أعظم ما يعتزّون به. .

نعم، لقد هالهم أن يسمعوا بلالا يعلن بتلك الكلمات التي طالما حاربوها، وسعوا في إبطالها، و قتل من آبائهم و إخوانهم، و أبنائهم العشرات، و خسروا الكثير من تحالفاتهم، و من مكانتهم، و من هيبتهم، و من أموالهم، في سبيل إسقاطها، و القضاء عليها.

إن صوت بلال الذي ارتقى فوق الكعبة، التي يزعمون للناس أنهم هم حفظتها و سدنتها سوف يمزقهم، و سيحرق قلوبهم، في وقت يجدون أنفسهم فيه عاجزين عن القيام بأي شيء، و هذا العجز، و تلك الحرقة سوف ينتجان لديهم شعورا بالصّغار، و بالخزي، و الذل، و الاندحار.

و قد ظهر ذلك بصورة واضحة في تعابيرهم، حيث وصف عكرمة و غيره بلالا بالعبد. و وصف خالد بن أسيد صوته بالنهيق، و أنه ينهق فوق الكعبة، و سهيل بن عمرو و جماعة معه راحوا يغطون وجوههم، حين سمعوا أذانه. .

و اللافت هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار الأذان لصلاة الظهر، و هو الوقت الذي تكون فيه أشعة الشمس ساطعة، و يتمكن جميع الناس من سماع الصوت، و من رؤية صاحبه في موقعه-و هو ظهر الكعبة-و يرون

لونه، و تقاسيم وجهه، و يعرفون شخصه.

و كان بلال معروفا لديهم، لأنه عاش بينهم، و تداولته أيدي بعض زعمائهم، و قد عذبوه من أجل دينه، و إسلامه.

و لعل هذه الخصوصية أيضا، هي التي رجحت اختيار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له لهذه المهمة. فلم يأمر رجلا من أهل المدينة أو من غيرهم بالقيام بهذا الأمر. . و ذلك لكي يزيد هذا الاختيار من حسرة المشركين، و تتضاعف لأجله آلامهم، و يعظم به ذلهم و خزيهم.

بين سهيل و سعد بن عبادة:

و من الأمور الجديرة بالتأمل هنا: طريقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في معالجة الأمر بين سعد بن عبادة، و سهيل بن عمرو، و من معه. .

و ملخص ما جرى: حسب نقلهم هو: أن قريشا كانت قد فوضت حويطب بن عبد العزى بإخراج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة (1)، فجاء سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في مجلس من مجالس الأنصار، يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و ما عليكم لو تركتموني، فأعرست بين


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 194 و راجع: البحار ج 20 هامش ص 372 و ج 21 ص 46 عن ابن هشام ج 3 ص 246 و المعجم الكبير ج 11 ص 139 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 210 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 828 و 829 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 270.

أظهركم، فصنعت لكم طعاما؟ !

فقالا: لا حاجة لنا في طعامك، اخرج عنا. ننشدك اللّه، يا محمد، و العهد الذي بيننا و بينك إلا خرجت من أرضنا، فهذه الثلاث قد مضت.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» لم يدخل تحت سقف بيت من بيوت مكة، بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، بقي فيها إلى أن خرج من مكة.

فغضب سعد بن عبادة، لما رأى من غلظة كلامهم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لسهيل: كذبت، لا أم لك، ليست بأرضك، و لا أرض أبيك. و اللّه، لا يبرح منها إلا طائعا راضيا.

فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا.

قال: و أسكت الرجلان عن سعد، ثم أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالرحيل، و قال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، و ركب «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل سرف، و تتامّ الناس.

و جاءه أبو رافع بزوجته ميمونة بعد أن حل المساء، ثم جاءت الخيل، و جاؤوا بالسلاح الذي كان ببطن يأجج، و لحقوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد استبدلهم بفوج كان قبلهم، ليتمكن هؤلاء و أولئك من أداء نسكهم و الطواف بالبيت.

ثم أدلج «صلى اللّه عليه و آله» من سرف حتى قدم المدينة (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 739-741 بتلخيص، و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 194 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 330 و انظر السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 321 و السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و 64 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 122 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 433.

قال الصالحي الشامي: و في الصحيح عن البراء بن عازب: أن الأجل لما مضى أتى المشركون عليا، فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل.

فذكر ذلك علي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا رافع بالرحيل، و قال: لا يمسين بها أحد من المسلمين الخ. . (1).

أخرج من أرضنا:

إن أغرب شيء يواجه الإنسان العاقل، هو أن يقدم الذين يدّعون أنهم قادة، و أنهم عقلاء على أمر لا يقره عقل، و لا يرضاه وجدان، كالذي فعلته قريش مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عمرة القضاء، و قولهم: «نناشدك اللّه، و العقد، إلا ما خرجت من أرضنا» .

و الذي نلاحظه هنا هو:

أولا: إنهم قد نسبوا تلك الأرض إلى أنفسهم، مع ادّعائهم أن الكعبة بيت اللّه تعالى، و لكل البشر الحق في زيارته، و البقاء عنده ما شاؤوا.

ثانيا: إن الأرض للّه سبحانه و تعالى، و لا يحق لأحد ان يمنع أحدا من الإقامة في أي موقع، إلا إذا كان ملكها بالإحياء، أو بغيره من أسباب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 194 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و 64 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 122 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 433 و البحار ج 21 ص 46.

الملك، إما لرقبة الأرض أو لمنفعتها. .

ثالثا: إن هؤلاء أنفسهم كانوا من أقارب و أرحام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد عاش بينهم دهرا طويلا، فما معنى الادّعاء: بأن الأرض لهم دونه؟ !

رابعا: إن هؤلاء أنفسهم سوف ينقضون عن قريب نفس هذا العقد الذي يطالبونه «صلى اللّه عليه و آله» اليوم بالوفاء به، و سوف يلاقون جزاء نقضهم هذا نصرا مؤزرا له «صلى اللّه عليه و آله» عليهم.

خامسا: إن نفس اشتراطهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدم الإقامة في بلده، و عند بيت ربه سوى ثلاثة أيام، هو أحد مفردات الظلم و البغي منهم، الذي يريدون تكريسه ضده «صلى اللّه عليه و آله» تحت شعار الوفاء بالعهد! !

و ها هم يمعنون في بغيهم، و يسعون للحفاظ عليه باسم العدل، و يعتبرون ذلك من حقهم، و بذلك يصبح ظلمهم و بغيهم مشروعا! ! يلزمون به من فرضوه عليه، و يطالبونه برعايته، و بالوفاء به! !

إنتفاضة سعد:

و بعد، فإن من هوان الدنيا على اللّه تعالى أن يصبح أعداؤه تعالى، و المحاربون لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و الرافضون لدينه، و الساعون في إطفاء نوره، هم الذين يفرضون أنفسهم حماة لبيت اللّه تعالى، و سدنة له، و سادة لحرمه، ثم يطالبون صفي اللّه و حبيبه، و خليله و نجيبه، بأن يخلي لهم بيت ربه، الذي هو أولى به منهم، و من كل أحد على وجه الأرض، بل لا

ولاية عليه لأحد سواه. .

إنهم يطالبونه بذلك، بفظاظة ظاهرة، و بعنجهية وافرة، و يريدون بذلك حفظ ثمرات ظلمهم، و بغيهم على الحق و أهله، مع مزيد من الرغبة في الإمعان في الكيد، و التنفيس عن مراجل الحقد، الذي يغلي في أعماق نفوسهم. .

و هذا بالذات هو ما أغاض سعد بن عبادة، فانبرى لهم، يفند مزاعمهم، بحمية، و أنفة و كبرياء، بعد أن طفح الكيل، و بلغ السيل الزبى. .

لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا:

و يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى معالجة الموقف بمنطق يدينهم، و يلحق بهم المزيد من الخزي و العار، و يرسخ المرارة، و يعمق الألم في نفوسهم، من حيث إنه منطق يخضعون له، و يلزمون أنفسهم به. . و إنما على نفسها جنت براقش. .

و يطلق «صلى اللّه عليه و آله» كلمته التي قد تبدو عابرة بحسب الظاهر، و لكنها أمضى من السيف، و أنفذ من السهم في قلوب أهل الطغيان، حيث قال «صلى اللّه عليه و آله» : يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا.

و أسكت الرجلان عن سعد! !

و كيف لا يسكتان عنه، و قد ألقمهما النبي الكريم و الحليم «صلى اللّه عليه و آله» حجرا؟ ! و ألزمهما عارا لا يزول، و شنارا لا يمحى؟ ! حيث تعامل معهم بالخلق الرفيع، و بمنطق الشمم، و الإباء، و الترفع عن مقابلة الإساءة بما يوجبه منطق المقابلة بالمثل، فهو «صلى اللّه عليه و آله» و لمجرد مجيئهما إلى رحله ليس فقط يتجاوز عن إساءتهما، بل هو يعطيهما بذلك

حصانة من التعرض للعقوبة التي يستحقانها، نتيجة سوء ما أتياه تجاه شخصه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و بطريقة تظهر قبح فعلهم، و ما جاءا يطالبانه به. .

فإذا كانت زيارتهما للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في رحله جعلته يمنحهما هذه الحصانة، فلماذا لا يتعاملان معه بنفس هذا الخلق؟ ! و يعتبران زيارته «صلى اللّه عليه و آله» لبيت ربه-و ليس لبيوتهم و رحالهم-من موجبات كف أذاهم عنه، و عمن معه؟ !

و إذا كان مشركو مكة يعتبرون-ظلما و عتوا-أن هذه الأرض أرضهم، فلماذا لا يعاملونه كزائر لهم في أرضهم، فيمتنعون عن أذاه، و يكفون عن مواجهته بهذا المستوى من الغلظة، و المناكرة؟ !

و لماذا لا يمهلونه-و لو للحظات-بعد انقضاء الثلاثة أيام، و هو إنما وعد بالمغادرة في اليوم الرابع، و لم ينقض ذلك الموعد بعد. . ليروا إن كان سيفي لهم بوعده، الذي ابتزوه منه، و لا حق لهم به، أو أنه سوف لا يفي؟ !

فإن الوقت لم يفت بعد، لأن باستطاعته البقاء حتى المساء، و لم تظهر منه أية بادرة تشير إلى أنه سيبقى في مكة بعد انقضاء الوقت المحدد! !

و لذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» : لا يمسين في مكة أحد من المسلمين. و لم يعترض عليه سهيل بن عمرو، و لا غيره، و لو كان بوسع أحد منهم الادّعاء: بأن ذلك يخالف العقد و العهد، و لو بساعة واحدة لبادر إليه، بهدف الطعن و الانتقاص و التجريح به «صلى اللّه عليه و آله» . .

و إن عدم دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» تحت سقف أي بيت من بيوت مكة، رغم أن فيها بيوت أهله، و إخوانه، و عشيرته، و آبائه، و في تلك

البيوت عاش و نشأ، و ترعرع-إن ذلك-لا بد أن يقطع دابر أي تكهن باطل عن نواياه تجاه مكة و أهلها، أو البقاء فيها، فلماذا هذا الصلف؟ ! و لماذا هذا البغي الظاهر عليه. . و هو لم يلمح إلى وجود أي ميل لديه، أو أي حنين إلى سكنى مكة سوى حنينه لبيت اللّه، تبارك و تعالى؟ !

و كان باستطاعته أن يغتنمها فرصة، لإظهار مظلوميته، و للتذكير بحقوقه المغتصبة، من خلال الشواهد الحية التي لا يستطيع أحد أن ينكرها، أو أن يناقش فيها.

و ذلك كله يعطينا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أفهمهم أنه لا يفكر بنفسه كشخص، و إنما يفكر في دين اللّه سبحانه، و في حرمه و بيته، و في المستضعفين و المقهورين من عباده عز و جل.

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بميمونة:

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطب ميمونة بنت الحارث الهلالية في عمرة القضاء، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فزوجها العباس من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)

و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 132 و 133 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 239 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 261 و 265 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 828 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 433 و 439 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 208.

، و أصدقها أربع مائة

1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 738 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 المحلى ج 9 ص 458 و البحار ج 20 ص 337 و عن مسند أحمد ج 1 ص 271 و سنن النسائي ج 6 ص 88 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 221 و مجمع الزوائد ج 4 ص 287 و عن فتح الباري ج 7 ص 392 و ج 9 ص 135 و عن السنن الكبرى للنسائي ص 285 و 289 و ج 11 ص 309 و سنن الدار قطني ج 3 ص 183 و إرواء الغليل ج 6 ص 253 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 211.

درهم (1).

و لما خرج «صلى اللّه عليه و آله» من مكة خلّف أبا رافع ليحملها إليه حين يمسي، فخرج بها أبو رافع و بمن معها عند المساء، فلقوا أذى و عناء من سفهاء المشركين، و تناولوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بألسنتهم، و لم يرتدعوا حتى هددهم أبو رافع بالسلاح، على اعتبار أنهم يريدون نقض العهد، فولوا هاربين.

و بنى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزوجته ميمونة بسرف (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 265 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 828 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 439.

2) راجع: المغازي ج 2 ص 740 و 741 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 عن الإكتفاء و جامع الخلاف و الوفاق ص 87 و وضوء النبي ج 2 ص 122 و البحار ج 21 ص 46 و ج 22 ص 203 و عن مسند أحمد ج 1 ص 359 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 288 و نيل الأوطار ج 5 ص 81 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 24 و المعجم الأوسط ج 4 ص 289 و ج 7 ص 103 و المعجم الكبير ج 11 ص 252 و نصب الراية ج 3 ص 325 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 174 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 239 و إعلام الورى ج 1 ص 278 و عن عيون الأثر ج 2 ص 158.

و نقول:

إن هناك أمورا يحسن التذكير بها، و هي التالية:

الإعراس في مكة غير ميسور:

تقدم: أن سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى، طلبا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» مغادرة مكة بعد أن مضى عليه ثلاثة أيام من دخولها، فقال لهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و ما عليكم لو تركتموني أعرست بين أظهركم، و صنعت لكم طعاما؟ !

فقالا: لا حاجة لنا في طعامك، اخرج عنا (1).

غير أننا نقول: أولا: ربما يحاول البعض الاستفادة من هذه الرواية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب ميمونة و عقد عليها، و هو محرم، و لم يبق إلا أن يعرّس بها. .

لكنها استفادة غير تامة، إذ من الجائز أن يكون قد خطبها و عقد عليها بعد أن أحل من إحرامه. .

ثانيا: إن عرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قريش أن يتركوه


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 739 و 740 و السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و 64 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 134 و ج 11 ص 208 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و المعجم الكبير ج 11 ص 139 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 310 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 829 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 32 و شرح المعاني و الآثار ج 2 ص 268 و حياة الصحابة {باب 10} باب أخلاق الصحابة و شمائلهم.

ليعرس بين أظهرهم فيه إيحاء لهم، بأنه يتعامل مع الأمور بعفوية و بطبيعية تامة، و أنه ليس متوترا، بل هو على غاية من السكينة و الهدوء، و لا يعتبر نفسه في حالة استثنائية، أو غير عادية. . حتى إنه يعرض على أعدائه-بكل عفوية-أن يمنحوه الفرصة لممارسة حقه الطبيعي في الحياة، في بلدهم، و بين أظهرهم، و هو الأمر الذي يرتبط به كشخص، و هو إنشاء بيت للزوجية جديد، و يطلب منهم أن يشاركوه فرحته، رغم علمه بأنهم يضعون أنفسهم في موقع المحارب و العدو. .

و في مقابل ذلك: فإن هؤلاء المناوئين إذا عادوا إلى أنفسهم فسيرون أنها مشحونة بالقلق، زاخرة بالحقد، مليئة بالعقد، و الأزمات، و لا يجدون الفرصة لممارسة حياتهم الشخصية، و تلبية حاجاتهم الطبيعية إلا في أجواء من الهموم و الغموم، و التواترات. .

فما أبعد ما بين الحالتين، و ما أشد تأثيرهما على نفوسهم، و ما أمض ألم ذلك في قلوبهم.

هل تزوج ميمونة و هو محرم؟ !

قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج ميمونة قبل أن يحرم بالعمرة (1).

و قيل: بعد أن أحل منها (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و عن فتح الباري ج 9 ص 136 و تاريخ بغداد ج 14 ص 357 و عن عيون الأثر ج 2 ص 158.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و المغازي للواقدي ج 2 ص 738 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 135 و تاريخ مدينة دمشق ج 41

و قيل: بل خطبها و تزوجها و هو محرم (1). و روي ذلك عن ابن عباس،

(2) ص 111 و تهذيب الكمال ج 20 ص 280 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 23 و عن الإصابة ج 8 ص 323 و وضوء النبي ج 2 ص 119 و زاد المعاد ج 1 ص 75.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 عن البخاري، و مسلم، و الدار قطني، و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و المغازي للواقدي ج 2 ص 738 و عن مسند أحمد ج 1 ص 254 و 405 و 439 و 471 و 552 و المجموع ج 7 ص 289 و البحار ج 16 ص 394 و إختلاف الحديث ص 530 و عن فتح الباري ج 9 ص 126 و الديباج على مسلم ج 4 ص 21 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 427 و الفصول في الأصول للجصاص ج 3 ص 161 و تاريخ بغداد ج 5 ص 328 و ج 11 ص 23 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 61 ص 337 و تهذيب الكمال ج 25 ص 545 و تهذيب التهذيب ج 9 ص 245 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 436 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 266 و عن صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 527 و عن صحيح مسلم {ط دار الكتب العلمية} ج 9 ص 165. و راجع أيضا: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 210 و 211 و 213 و مجمع الزوائد ج 4 ص 492 و سنن الدارقطني ج 3 ص 184 و مشكاة المصابيح ج 5 ص 379 و منتخب عبد بن حميد ج 1 ص 202 و اللؤلؤ و المرجان ج 1 ص 422 و نيل الأوطار ج 3 ص 78 و عون المعبود ج 5 ص 293 و عمدة القاري ج 2 ص 110 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 268 و أسد الغابة ج 5 ص 401 و لسان الميزان ج 3 ص 495 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 41 و معجم الشيوخ للذهبي ج 1 ص 31 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 5 و عن زاد المعاد ج 1 ص 75 و المغني ج 3 ص 312.

و أبي هريرة. و جعل ذلك من خصائصه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قالوا: تزوجها و هو محرم و بنى بها و هو حلالا (2).

و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها في الشهر الحرام، و في البلد الحرام، فلعل هذا هو المراد، و ليس المراد: أنه تزوجها قبل أن يحل من إحرامه (3).

و قالوا: تزوجها حلالا، و أظهر أمر زواجها و هو محرم (4).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 58 و كشف القناع ج 2 ص 513.

2) وضوء النبي ج 2 ص 122 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 191 و البحر الرائق ص 184 و حاشية رد المحتار ج 3 ص 51 و عن مسند أحمد ج 1 ص 359 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 86 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 492 و المعجم الكبير ج 11 ص 252 و نصب الراية ج 3 ص 325 و ص 329 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 240 و الإصابة ج 8 ص 322 و البداية و النهاية ج 4 ص 265 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 439 و 440.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 عن البيهقي، و الترمذي، و النسائي، و عن فتح الباري ج 9 ص 136 و المجموع ج 7 ص 289 و المغني ج 3 ص 312 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 312 و سبل السلام ج 3 ص 124 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 88 و نصب الراية ج 3 ص 328 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 194 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 508 و راجع: نيل الأوطار ج 5 ص 82 و عن عون المعبود ج 5 ص 208 و نصب الراية ج 3 ص 328 و منتهى المطلب {ط قديم} ج 2 ص 808 و تذكرة الفقهاء {ط قديم} ج 1 ص 342.

4) المغني لابن قدامة ج 3 ص 312 و منتهى المطلب {ط قديم} ج 2 ص 808 و تذكرة الفقهاء {ط قديم} ج 1 ص 342 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 312 و فقه

و قال القاضي عياض: لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده، حتى قال سعيد: ذهل ابن عباس و إن كانت خالته ما تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا بعد ما حل. ذكره البخاري (1).

و قال القاضي و غيره: و لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده.

و روت ميمونة و أبو رافع و غيرهما: أنه تزوجها حلالا، و هم أعرف بالقضية لتعلقهم به، خلاف ابن عباس، و لأنهم أضبط من ابن عباس (2).

و ميمونة هي آخر امرأة تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

جعفر هو الخاطب:

و ادّعت بعض الروايات: أن أبا رافع كان هو الوكيل عن النبي «صلى

(4) السنة ج 1 ص 675 و سنن الترمذي ج 2 ص 169 و نصب الراية ج 3 ص 327 و أسد الغابة ج 5 ص 550 و كشف القناع ج 2 ص 513.


1) سبل السلام ج 2 ص 192.

2) شرح مسلم للنووي ج 9 ص 194 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 494 و نصب الراية ج 3 ص 328.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 65 و البحار ج 21 ص 46 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 30 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 167 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 132 و عن الإصاية ج 8 ص 322 و 323 و الأعلام ج 7 ص 342 و المنتخب من ذيل المذيل ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 209 و زوجات النبي لسعيد أيوب ص 108 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و تفسير القرطبي ج 14 ص 167.

اللّه عليه و آله» في أمر ميمونة (1).

و الصحيح هو: أن جعفر بن أبي طالب هو الذي خطبها له «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث جعفرا بين يديه من أجل ذلك (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و المجموع ج 7 ص 289 و كتاب الأم ج 5 ص 190 و تلخيص الحبير ج 11 ص 3 و المبسوط للطوسي ج 4 ص 191 و المغني ج 3 ص 312 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 311 و كشف القناع ج 5 ص 27 و سبل السلام ج 2 ص 192 و نيل الأوطار ج 5 ص 82 و البحار ج 22 ص 303 و عن فتح الباري ج 9 ص 136 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 433 و عون المعبود ج 5 ص 208 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 337 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 288 و المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 310 و نصب الراية ج 3 ص 328 و موارد الظمآن ص 310 و الأحكام للآمدي ج 4 ص 243 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 134 و الثقات ج 2 ص 26 و عن التعديل و التجريح ج 3 ص 1493 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 241 و ج 5 ص 23 و عن إعلام الورى ج 1 ص 278 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 209.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 190 و ج 11 ص 208 و السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و البداية و النهاية ج 4 ص 229 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 207 و الإصابة ج 4 ص 411 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 21 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 211 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 432 و الجواهر النقي ج 7 ص 211 و الخصال ص 363 و عن فتح الباري ج 7 ص 392 و التمهيد ج 3 ص 151 و حياة الصحابة {باب أخلاق الصحابة و شمائلهم} .

برة. . ثم ميمونة:

و زعموا: أن اسمها كان في الأصل «برّة» فسماها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ميمونة (1).

غير أنه قد تقدم منا بعض الكلام حول هذا الموضوع حين الحديث عن زينب بنت جحش، حيث زعموا أن اسمها كان أيضا برة، فغيّره النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى زينب-و ذكرنا هناك بعض ما يوجب الشك بل الجزم بعدم صحة هذه المزاعم، فراجع فصل: «على هامش حديث الزواج» (2).

البعير و ما عليه للبشير:

و قالوا: إن ميمونة لما علمت بأمر الخطبة و كانت على بعيرها، قالت:


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 63 و الإصابة ج 4 ص 411 و مسند الطيالسي ج 1 ص 321 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 114 و جامع الخلاف و الوفاق ص 87 و منتهى المطلب ج 1 ص 165 و المجموع ج 1 ص 460 و فتح الباري ج 10 ص 475 و مسند أبي داود ص 321 و الأدب المفرد ص 179 و 180 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 137 و التعديل و التجريح ج 3 ص 1493 و إكمال الكمال ج 1 ص 253 و عن أسد الغابة ج 5 ص 420 و 550 و تهذيب الكمال ج 25 ص 312 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 243 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 402 و عن البداية و النهاية ج 8 ص 63 و عن عيون الأثر ج 2 ص 291 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 359 و ج 11 ص 207 و زوجات النبي لسعيد أيوب ص 108.

2) الجزء 14 الصفحة 173 من هذا الكتاب {الطبعة الخامسة} .

البعير و ما عليه للّه و لرسوله (1).

و لذلك قيل: إنها هي التي وهبت نفسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و نقول:

إن الصحيح هو: أن التي وهبت نفسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي امرأة من الأنصار، فبادرتها حفصة {أو عائشة} بالقول: ما أقل حياءك، و أجرأك، و أنهمك للرجال! !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كفي يا حفصة، فإنها خير منك، رغبت في رسول اللّه، و لمتها، و عبتها؟ !

ثم قال للمرأة: انصرفي رحمك اللّه، فقد أوجب اللّه لك الجنة لرغبتك


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 209 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1061 و عن عيون الأثر ج 3 ص 392 و مرقاة المفتاح ج 6 ص 387.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و الدر المنثور ج 5 ص 208 و 209 و عن أبي شيبة، و ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و ابن سعد، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و المستدرك للحاكم ج 4 ص 33 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 51 و مجمع الزوائد ج 9 ص 249 و مقدمة فتح الباري ص 313 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 75 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 404 و ج 8 ص 359 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 433 و المعجم الكبير ج 22 ص 447 و ج 23 ص 422 و كنز العمال ج 13 ص 689 و 708 و تفسير الميزان ج 4 ص 197 و جامع البيان ج 22 ص 28 و 29 و معاني القرآن للنحاس ج 5 ص 361 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 508 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 242.

فيّ، و تعرضك لمحبتي و سروري، و سيأتيك أمري إن شاء اللّه.

فأنزل اللّه عز و جل: . . وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرٰادَ اَلنَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا خٰالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ. . (1).

و قيل: إنها لما وهبت نفسها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر؟ !

فنزلت الآية، فقالت عائشة: ما أرى اللّه إلا يسارع في هواك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فإنك إن أطعت اللّه سارع في هواك (2).


1) الآية 50 من سورة الأحزاب. و الرواية في: الحدائق الناضرة ج 23 ص 98 و الجواهر ج 29 ص 122 و الكافي ج 5 ص 568 و البحار ج 22 ص 211 و مسند محمد بن قيس البجلي ص 139 و التفسير الصافي ج 4 ص 196 و نور الثقلين ج 4 ص 292 و الميزان ج 16 ص 342 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 245 و 592 و مسالك الأفهام ج 7 هامش ص 70.

2) راجع: تفسير الصافي ج 4 ص 196 و أحكام القرآن للجصاص ص 479 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 25 و ج 14 ص 208 و 214 و فتح القدير ج 4 ص 295 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 245 و مجمع البيان {ط دار الأعلمي} ج 8 ص 171 و نور الثقلين ج 4 ص 293 و الميزان ج 16 ص 342 و راجع: الدر المنثور ج 5 ص 208 عن ابن سعد، و المبسوط ج 4 ص 158 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و حاشية السندي على النسائي ج 6 ص 4 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 625 و البحار ج 22 ص 181 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 124 و عن مسند أحمد ج 6 ص 261 و عن فتح الباري ج 8 ص 405 و ج 9 ص 135 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 282.

و روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن التي وهبت نفسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي خولة بنت حكيم السلمي (1).

و روي ذلك عن عائشة و عن عروة أيضا (2).


1) الخصال ج 2 ص 419 و نور الثقلين ج 4 ص 293 و البرهان {تفسير} ج 3 ص 331 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 95 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 20 ص 245 و البحار ج 22 ص 194 و فتح الباري ج 8 ص 404 و ج 9 ص 135 و 169 و صحيح البخاري ج 6 ص 128 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 76 و الآحاد و المثاني ج 6 ص 61 و كنز العمال ج 13 ص 710 و البداية و النهاية ج 5 ص 318 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 588 و السنن الكبرى ج 7 ص 55 و فتح الباري ج 8 ص 404 و ج 9 ص 135 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 403 و التفسير الصافي ج 4 ص 197 و التفسير الأصفى ج 2 ص 998 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 268 و 293 و تفسير الميزان ج 16 ص 316 و زاد المسير ج 6 ص 209 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 168 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 507 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 253 و فتح القدير ج 4 ص 292 و 295 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 158 و زوجات النبي لسعيد ايوب ص 21 و مجمع البحرين ج 4 ص 565 و نيل الأوطار ج 6 ص 315 و البحار ج 22 ص 181 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 229 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 32 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 171 و أسد الغابة ج 5 ص 444 و تهذيب الكمال ج 35 ص 154 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 637 و إسعاف المبطأ للسيوطي ص 130 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 233 و تاج العروس ج 7 ص 312.

2) الدر المنثور ج 5 ص 208 عن ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي في السنن، و عبد الرزاق، و ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و البخاري، و ابن

و قيل غيرها، فراجع (1).

فلعل حشر اسم ميمونة في هذه القضية يراد منه التعتيم على ما صدر

(2) المنذر، و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 171 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 158 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 233 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 55 و عن فتح الباري ج 8 ص 404 و ج 9 ص 135 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 403 و 404 و جامع البيان ج 22 ص 29 و عن تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 507 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 353 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 128 و فتح القدير ج 4 ص 292 و 295 و عن الإصابة ج 8 ص 116 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 76 و الآحاد و المثاني ج 6 ص 61 و المعجم الكبير ج 24 ص 236 و كنز العمال ج 13 ص 710 و تهذيب الكمال ج 35 ص 164 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 366 و البداية و النهاية ج 5 ص 318.


1) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 209 البحار ج 22 ص 181 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 51 و 96 و مجمع الزوائد ج 7 ص 92 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 404 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 351 و التبيان للطبرسي ج 8 ص 352 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 171 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 293 و معاني القرآن ج 5 ص 361 و أحكام للقرآن للجصاص ج 3 ص 480 و زاد المسير ج 6 ص 209 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 178 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 155 و 156 و 197 و أسد الغابة ج 5 ص 258 و 514 و ج 7 ص 235 و 236 و ج 8 ص 417 و 419 و 420 و البداية و النهاية ج 5 ص 322 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 244 و 246 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1061 و عيون الأثر ج 2 ص 394 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 595 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 235 و 236.

من عائشة و حفصة من جرأة عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

فضل ميمونة:

و ميمونة أفضل نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد خديجة، و أم سلمة (1).

و قد روي عن أبي جعفر «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا ينجو من النار، و شدة تغيظها و زفيرها و قرنها و حميمها من عادى عليا، و ترك ولايته، و أحب من عاداه.

فقالت ميمونة، زوجة النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما أعرف في أصحابك يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من يحب عليا إلا قليلا منهم.

قال: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : القليل من المؤمنين كثير، و من تعرفين منهم؟

قالت: أعرف أبا ذر، و المقداد، و سلمان. و قد تعلم أني أحب عليا «عليه السلام» بحبك إياه، و نصحه لك.

قال: صدقت، إنك امتحن اللّه قلبك للإيمان (2).

و راجع ما قالته لشقير بن شجرة في حق علي «عليه السلام» (3).


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 139 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 95 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 20 ص 245 و البحار ج 22 ص 193 و 194 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 334 و التفسير الصافي ج 4 ص 197 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 268 و تفسير الميزان ج 16 ص 316 و زوجات النبي ص 21.

2) تنقيح المقال ج 3 ص 83 و قاموس الرجال، و الأصول الستة عشر ص 62.

3) الأمالي للطوسي ص 505 و 506.

عمارة بنت حمزة في كفالة جعفر:

و يذكرون أيضا: أن عمارة، أو أمامة، أو أم أبيها-على الخلاف في اسمها- بنت الشهيد حمزة بن عبد المطلب، و أمها سلمى بنت عميس، كانت بمكة. فكلم علي «عليه السلام» النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين أظهر المشركين؟

فلم ينهه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن إخراجها، فخرج بها (1).

و في نص آخر: أنها حين خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مكة تبعته و هي تنادي: يا عم، يا عم.

و قيل: إن أبا رافع خرج بها، فتناولها علي «عليه السلام» ، و أخذ بيدها، و قال لفاطمة: دونك ابنة عمك (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و 125 عن البخاري، و مسلم، و أحمد، و الواقدي، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و البحار ج 20 هامش ص 372 و عن الإمتاع، و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 361 و عن أسد الغابة ج 5 ص 508 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 195 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و راجع: العمدة ص 201 و 226 و عن مسند أحمد ج 1 ص 98 و 115 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 168 و ج 5 ص 85 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 120 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 6 و عن فتح الباري ج 7 ص 288 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 113 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 127 و 168 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 88 و 151 و صحيح ابن حبان ص 229 و نصب الراية ج 3 ص 549 و كنز العمال ج 5 ص 578 و عن تفسير

المشاجرة:

قالوا: و في المدينة تكلم زيد بن حارثة في أمرها، و أراد أن يكون هو المتكفل لها، استنادا إلى كونه وصي أبيها؛ و لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد آخى بينه و بين حمزة.

و طالب بها جعفر، باعتبار أن خالتها أسماء بنت عميس زوجته، و الخالة والدة.

أما علي «عليه السلام» فقال: ألا أراكم في ابنة عمي (1)، و أنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، و ليس لكم إليها نسب دوني، و أنا أحق بها منكم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنا أحكم بينكم.

أما أنت يا زيد، فمولى للّه و لرسوله.

و أما أنت يا علي، فأخي و صاحبي.

و أما أنت يا جعفر، فتشبه خلقي و خلقي. و أنت يا جعفر أحق بها، تحتك خالتها، و لا تنكح المرأة على خالتها، و لا عمتها.

فقضى بها لجعفر.

فقام جعفر فحجل حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما هذا يا جعفر؟ !

قال: يا رسول اللّه، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله.

(2) القرآن العظيم ج 3 ص 475 و ج 4 ص 218 و عن البداية النهاية ج 4 ص 267 و ج 3 ص 442.


1) أي ألا أراكم تختلفون في أمر ابنة عمي الخ. .

فقيل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : تزوجها.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ابنة أخي من الرضاعة، فزوّجها سلمة بن أبي سلمة (1).

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة عدة وقفات، هي التالية:


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 738 و 739 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و 66 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 195 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 570 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 1409 و عن سنن أبي داود رقم {2280} و الجامع الصحيح ج 4 ص 338 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 338 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 6 و تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و الأمالي للطوسي ص 561 و 562 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 35 و 36 و ج 8 ص 159 و 160 و ج 3 ص 8 و 9 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 87 و 220 و البداية و النهاية ج 4 ص 234 و عن تفسير القرآن العظيم ج 7 ص 331 و صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث} ج 8 ص 284 و عن مسند أحمد ج 1 ص 158 و 185 و عن فتح الباري ج 9 ص 130 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 12 ص 53 و ج 18 ص 253 و ج 20 ص 124 و كنز العمال ج 1 ص 986 و ج 5 ص 580 و 581 و عن فتح الباري ج 8 ص 284 و عمدة القاري ج 17 ص 262 و البيان و التعريف ج 1 ص 103 و نصب الراية ج 5 ص 115 و البحار ج 20 هامش ص 372 عن ابن إسحاق، و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 443.

يا عم، يا عم! !

لا ندري لماذا خرجت بنت حمزة تنادي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا عم، يا عم (1)، مع أنه ليس عمها، بل هو ابن عمها! !

و قد زعم بعضهم: أن هذا الخطاب جاء على سبيل الإجلال منها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

أو أنها قد لاحظت كونه أخا لأبيها من الرضاعة (2).

و لكننا نشك في صحة هذا و ذاك، إذ لم يكن لديها من التمييز و الإدراك ما يدعوها إلى اختيار هذا التعبير، و استبعاد ما عداه.

هذا بالإضافة إلى ما زعموه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان أخا لأبيها من الرضاعة لم يثبت، فراجع ما ذكرناه في موضعه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

جعفر يحجل و النبي صلّى اللّه عليه و آله يسأل:

ورد في النص المتقدم: أن جعفرا قد حجل مسرورا بقضاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بكفالة بنت حمزة، فسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 63 و 64 و العمدة ص 201 و 326 و البحار ج 28 ص 328 و صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 5 ص 85 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 113 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217 و تهذيب الكمال ج 5 ص 54 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 267 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 442.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 197 و عن فتح الباري ج 7 ص 388.

ذلك، فأخبره أن هذا مما يفعله النجاشي في مثل هذه الحالات. .

و نقول:

تقدم في خيبر: أن جعفرا «رضوان اللّه تعالى عليه» قد حجل حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فور قدومه عليه من الحبشة، فسأله آنئذ، عن نفس هذا الأمر و أجابه، و لما يمض وقت طويل على سؤاله هذا، و على إجابته تلك؟ !

و حاول البعض التخلص من ذلك: باحتمال أن يكون جعفر قد حجل في خيبر، و لم يره النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و هو جواب لا يصح، فقد صرحوا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سأله عن فعله هذا، فأخبره، فراجع. .

و لعل الجواب الأقرب هو: أن السؤال في مناسبة الحكم له ببنت حمزة لم يكن عن أصل الفعل، بل عن سبب فعله في مثل هذه المناسبة، فأخبره بأن النجاشي كان إذا أرضى أحدا حجل حوله، تعبيرا عن سروره و شكره للنجاشي. .

و ما جرى في خيبر كان سببه هو سروره بلقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سروره «صلى اللّه عليه و آله» بقدومه، فقد اختلف السبب في الموردين، و لذلك تكرر السؤال منه «صلى اللّه عليه و آله» . .

غير أن هذا الجواب ليس مقنعا أيضا. .

فأولا: إن سرور جعفر بلقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان واضحا بينا، و تنتفي بذلك الحاجة إلى السؤال و الجواب.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 65.

ثانيا: هذه الإجابة تبقى غير مفهومة أيضا، فإن ملك الحبشة كان يقضي للناس الكثير من الحاجات، فهل كان يحجل حولهم جميعا في كل تلك الحالات و المناسبات؟ ! و هل لديه وقت يتسع لذلك؟ !

و هل كان يقضي وقته في الدوران حول هذا و ذاك؟ !

ابنة أخي من الرضاعة:

و زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض الزواج بهذه الطفلة، لأنها ابنة أخيه من الرضاعة، بادعاء أن ثويبة مولاة أبي لهب أرضعته هو و حمزة بلبن ولدها مسروح (1).


1) أسد الغابة ج 3 ص 95 و ج 2 ص 46 و البدء و التاريخ ج 5 ص 8 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 9، و بهجة المحافل ج 1 ص 41 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 1 ص 67 و {ط أخرى} ج 1 ص 108 و الإصابة ج 4 ص 258 و ج 2 ص 335 عن الصحيحين، و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 2 ص 338 و ج 1 ص 16 و 271 و البحار ج 15 ص 337 و 384 عن المنتقى للكازروني، و قاموس الرجال ج 10 ص 417 و المجموع ج 18 ص 228 و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 459 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 و البداية و النهاية ج 4 ص 90 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 18 و 19 و قسم المغازي ص 209 و تاريخ الخميس ج 1 ص 222 و الوفاء ج 1 ص 107 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 131 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 113 وصفة الصفوة ج 1 ص 56 و 57 و زاد المعاد ج 1 ص 19 و ذخائر العقبى ص 259 و 172 و إعلام الورى ص 6 و كشف الغمة ج 1 ص 15 و الأنس الجليل ج 1 ص 176 و أنساب الأشراف {قسم السيرة} ص 94 و السيرة الحلبية ج 3 ص 164 و في الروض الأنف ج 1 ص 186 لكن فيه بدل أبي سلمة عبد اللّه بن جحش. و راجع: المعجم الصغير ج 2 ص 86 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 145 و تاريخ الأمم و الملوك ج 1 ص 573 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 260-262 و العدد القوية ص 122 و عن عيون الأثر ج 1 ص 47 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 6 و 375 و ج 11 ص 83 و البدء و التاريخ ج 5 ص 8.

و نقول:

ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في فصل «عهد الطفولة» : أننا نشك في صحة ذلك.

أولا: لتناقض الروايات في كثير من الأمور المرتبطة بهذا الزعم، فراجع.

ثانيا: إن حمزة كان أكبر سنا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إما بسنتين، أو بأربع سنوات، و ذلك يجعل من البعيد أن يكونا قد ارتضعا بلبن واحد، إلا في حالات نادرة الوقوع، و في سن لا يحتاج الطفل فيها إلى الرضاع، بل هو يستغني عنه بالطعام و الفطام.

و ثالثا: لو أغمضنا النظر عن هذا و ذاك، فإننا نقول:

إن حمزة كان أكبر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأكثر من عشر سنوات، بدليل: أن عبد المطلب كان قد نذر لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم للّه عند الكعبة.

فلما ولد له عشرة، و كان عبد اللّه أصغرهم، و فيهم حمزة، جمعهم ثم أخبرهم بنذره.

و أقرع بينهم فخرجت القرعة على عبد اللّه. . فلم يمكّنوه من ذبحه.

و القصة معروفة، فراجع (1).

و قد صرحوا: بأن قصة الذبح هذه حصلت قبل خمس سنوات من ولادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و ربما يكون هذا التحديد غير دقيق، و يكون الفاصل بين قصة الذبح و ولادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أقل من ذلك أيضا.

أسئلة تبقى حائرة:

و تبقى هنا أسئلة عديدة تحتاج إلى إجابات، و منها:

1-إنه كما كانت أسماء بنت عميس خالة لابنة حمزة، فإن صفية بنت عبد المطلب كانت عمتها، فلماذا لم تأخذها صفية، دون كل أحد؟

فهل هي لم تطالب بها، أو أنها طالبت بها لكنهم لم يعطوها إياها؟

و على فرض عدم مطالبتها، لا بد أن نسأل عن سبب ذلك، فهل هو لأجل عدم قدرتها على القيام بشؤونها؟ أو أنها لم تحضر هذه القضية، و قد


1) راجع: البداية و النهاية ج 2 ص 248 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 174 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 160 و راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 36 و في السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 15 و إن كان لم يذكر: أن عبد اللّه كان أصغر ولده، لكنه ذكر حمزة و العباس في جملة أولاد عبد المطلب حين قضية الذبح. . و ذكر في الكامل لابن الأثير ج 2 ص 6 و تاريخ الأمم و الملوك {ط مطبعة الإستقامة} ج 2 ص 4: أن عبد اللّه كان أصغر ولده، و أحبهم، لكنه لم يسم أولاد عبد المطلب و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 315 و 316 و عن الدر المنثور ج 3 ص 220 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 240 و تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 250 و 251.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 79 عن الواقدي.

حسم الأمر دون أن تعلم، ثم علمت فرضيت؟ !

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما زعموا-أخا لحمزة من الرضاعة، و لحمة الرضاعة كلحمة النسب، و كانت زوجته ميمونة بنت الحارث أخت سلمى بنت عميس؛ لأمها. فهي خالة بنت حمزة، فلماذا لم يأخذها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا.

2-لماذا بقيت زوجة حمزة سلمى بنت عميس و ابنتها في مكة حتى كبرت ابنة حمزة، فهل هي لم تهاجر مع زوجها؟ أو أنها هاجرت معه، ثم عادت إلى مكة؟ مع العلم بأنه هاجر إلى المدينة في أول سني الهجرة. .

و كان أول لواء عقده النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو لواء حمزة، و قد حضر بدرا، و استشهد في أحد.

و لعل الصحيح: هو أن عليا «عليه السلام» قد أخرج فاطمة بنت الحمزة-كما قيل: بنت سلمى بنت عميس (1)و قيل: أن اسمها عمارة (2)،


1) الإصابة ج 4 ص 381 و الجوهر النقي ج 6 ص 241 و مقاتل الطالبيين ص 11 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 35 و 36 و تهذيب الكمال ج 15 ص 82 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 213 و 214 و 151 و عن فتح الباري ج 7 ص 388 و 389.

2) البحار ج 20 هامش ص 372 عن الإمتاع، و عن فتح الباري ج 7 ص 388 و 389 و كنز العمال ج 5 ص 580 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 122 و ج 8 ص 159 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 361 و عن أسد الغابة ج 5 ص 508 و ج 8 ص 185 و 242 و المنتخب من ذيل المذيل ص 114 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 267 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 443 و عمدة القاري ص 17 ص 262 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779.

و قيل: أمامة (1)-من مكة حين هجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2)، لا في عمرة القضاء. . فإن صح هذا فلماذا عادت إلى مكة؟ و كيف؟

و حين يذكرون هجرة الفواطم مع علي «عليه السلام» و نزولهم ضجنان لا يذكرون فاطمة بنت الحمزة مع الفواطم الثلاث، و لعل ذلك لأنها كانت طفلا تابعا.

أما في غيره من المواضع، فإنهم يقولون: إن الفواطم أربعة، أو ثلاث و يذكرونها بينهن (3).


1) الطبقات الكبرى ج 8 ص 48 و 58 و كتاب المحبر ص 107 و عن أسد الغابة ج 5 ص 399 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 779 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 195 و 196.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 204 و 205 و تفسير الميزان ج 4 ص 91 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 748 و الأمالي للطوسي ص 471 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 159 و حلية الأبرار ج 1 ص 151 و 152 و البحار ج 19 ص 66 و ج 63 ص 350 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 468 و التفسير الصافي ج 1 ص 410 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 423 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 326 و كشف الغمة ص 33 و سيرة المصطفى ص 259.

3) راجع: نيل الأوطار ج 2 ص 77 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 167 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 50 و مقدمة فتح الباري ص 282 و الديباج على مسلم ج 5 ص 126 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 174 و عيون الأثر ج 2 ص 371 و اللمعة البيضاء ص 207 و لسان العرب ج 12 ص 455 و تارج العروس ج 9 ص 13 و كنز العمال ج 1 ص 3102 و فتح الباري ج 11 ص 477 و سبل السلام ج 2 ص 86 و عون المعبود ج 11 ص 101 و عمدة القاري ج 21 ص 23 و ج 22 ص 17 و التمهيد ج 14 ص 239 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 243 و مرقاة المفاتيح ج 8 ص 177 و عن الإصابة ج 4 ص 381 و عن أسد الغابة ج 5 ص 362 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 153 و تعريف الأحياء بفضائل الإحياء للعيدروسي ج 1 ص 116.

3-إذا كان زيد و جعفر مهتمين بابنة حمزة إلى حد الخصومة و الاحتكام إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلماذا لم يذكرها أي منهما في مكة، و لم يبادرا إلى مساعدتها للخلاص مما هي فيه؟ !

4-هل كانت هذه الطفلة تتبع عمها وحدها؟ أم كان معها من يرعاها؟ ! و إن كانت وحدها، فكيف تركتها أمها وحيدة تتجول في مكة، و تتبع الخارجين منها، دون أن تدبّر أمرها، و ترشدها إلى ما ينبغي لها أن تفعله؟ !

و كيف تتركها تسافر معهم؟ !

و هل سجلت اعتراضا على سفرها إلى المدينة؟ !

أم أنها لم تعلم بما جرى لابنتها أصلا؟ !

و ربما يؤيد ذلك أن ظاهر بعض النصوص المتقدمة: أن عليا «عليه السلام» قد تناولها، و سلمها لفاطمة «عليها السلام» ، و انتهى الأمر.

فهل هذه عملية خطف أقدم عليها أعظم الخلق و أكرمهم، و لم يراع حال والدتها المسكينة، التي لا بد أن تبحث عن ابنتها في كل اتجاه فلا تجدها، و سيتقطع قلبها خوفا عليها؟

و هل يتناسب هذا مع ما تفترضه الشفقة و تقضي به العاطفة في أمور كهذه؟ !

و إذا كانت أمها معها و هي ترعاها، فهل أرادت التخلص منها، فأغرتها باتباع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و مناداته؟ !

5-و حين نادت هذه الطفلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» فلماذا لم يجبها، و انتظر حتى كلّمه علي «عليه السلام» في شأنها؟ !

و إذا كان أبو رافع قد خرج بها، فهل فعل ذلك بإذن من أمها؟ أم بدون إذن منها؟ !

6-ما معنى القول المنسوب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذه المناسبة: «. . و لا تنكح المرأة على خالتها، و لا على عمتها» ؟ ! هل أريد به التعريض بعلي «عليه السلام» ، و بزيد بأنهما قد يبادران إلى الزواج منها، لو كانت في كفالتهما؟ !

7-كيف أخرج أبو رافع ابنة حمزة معه، مع أن المشركين كانوا قد اشترطوا في الحديبية ألا يخرجوا بأحد من أهلها أراد الخروج؟ !

إلا أن يجاب: بأن المقصود بهذا الاشتراط هو خصوص الرجال، و لا يشمل النساء.

الفصل السابع: سرايا و أحداث إلى مؤتة

اشارة

سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم:

و روى الزهري: أنه لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من عمرة القضاء، سنة سبع، و كان رجوعه في ذي الحجة، بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم. و كان في جملتهم عين لبني سليم.

فلما خرج من المدينة سبقهم ذلك العين، إلى بني سليم، و أخبرهم بالأمر، فجمعوا جمعا كثيرا، فجاءهم ابن أبي العوجاء، و قد أعدّوا له، فلما رأوهم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل، و لم يسمعوا قولهم، و قالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه.

فراموهم ساعة، و جعلت الأمداد تأتي، حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا، حتى قتل عامتهم، و أصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) البداية و النهاية {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 234 و {ط دار إحياء التراث العربي} ج 2 ص 268 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 136 و عن عيون الأثر ج 2 ص 160 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 123 و ج 4 ص 275 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 268 و عن حياة الصحابة {باب الدعوة إلى اللّه و إلى رسوله حب الدعوة} دعوة ابن أبي العوجاء، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 444.

و نقول:

تشابه مريب و غريب:

ما معنى أن يتكرر ما يشبه هذه الحادثة؟ !

ثم ما معنى أن يتجلى هذا التشابه في الأوقات، و مع أشخاص، و مع قبائل مختلفة، ثم هو يتجلى من حيث معرفة المقصودين بأمر البعث إليهم، ثم استعدادهم لهم، ثم مهاجمتهم للمبعوثين إليهم، ثم مراماتهم بالنبل، و قتل أكثر أفراد السرية، ثم نجاة قائدها، جريحا مرتثا بين القتلى، ثم تحامله على نفسه، و الالتحاق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فراجع ما يذكرونه في سرية ذات أطلاح، في شهر ربيع الأول سنة ثمان.

و سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع.

و سرية محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة في ذي القصة.

جهل أم تجاهل؟ !

لم يذكر لنا اسم أي واحد من هؤلاء المسلمين الذين قتلوا في هذه السرية، رغم أن ثمة حرصا ظاهرا على تسجيل هذا الأمر كما نلاحظه في سائر الموارد.

جمع بني سليم:

كيف تمكن بنو سليم من أن يجمعوا هذا الجمع الكثير لمواجهة هذه السرية، فالمفروض أن العين قد خرج من المدينة مع نفس تلك السرية، ثم سبقها، فحتى لو كان سبقها بيوم كامل، فإنهم لا يتمكنون من جمع أعداد

كبيرة، يحتاج جمعها إلى التنقل من مكان إلى مكان، و إلى إعداد و وقت.

على أن سبقه للسرية من شأنه أن يثير الشكوك حوله، إذا التفت أفراد السرية إلى مفارقته لهم، و سوف يجعلهم يترددون في مواصلة المسير، و سيكون اكثر حذرا، و أبعد عن الوقوع في الفخ الذي نصب لهم.

سبب هذه السرية:

إذا كان الخيار الوحيد المتوفر لدينا فعلا هو التسليم و القبول، أو السكوت عن النقاش في صحة هذه السرية، بسبب شحة النصوص حولها، فإن ما يمكن أن نقوله فيها هو: أن نقلة الأخبار و إن كانوا لم يذكروا لنا الكثير من أخبارها، و لا أوردوا شيئا عن سبب إرسالها إلى بني سليم، فهل هو لأنهم نقضوا عهدا؟ ! أو لأنهم ارتكبوا جرما؟ أو لأجل الحصول على نعمهم و مواشيهم؟ ! أو لأنهم جمعوا الناس لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أم لغير ذلك؟ !

لكننا نطمئن إلى أن هذا الافتراض الأخير غير صحيح، لأن النص التاريخي يصرح: بأنهم إنما جمعوا جمعا كثيرا بعد أن أخبرهم العين بأمر السرية. .

كما أن افتراض إرادة سلب أموالهم، لا يمكن قبوله أيضا، لما ذكرناه مرارا و تكرارا: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليغير على أحد بهدف استلاب الأموال، بل لأجل دفع شره، أو جزاء له على عذره، حين يكشّر عن أنيابه، و يدبر للانقضاض على المسلمين! ! و إلحاق الأذى بهم.

و ربما يكون إرسالهم للعين إلى المدينة مؤشرا على نواياهم العدوانية

هذه، و إن كان لا يكفي لإثبات ذلك بصورة قاطعة. .

و يمكن تأييد ذلك بمؤشر آخر أقوى، و هو أنه لا شيء يثبت أن المسلمين قد جاؤوا للحرب، بل الظاهر من سياق الأحداث: هو أنهم جاؤوا للدعوة إلى الإسلام، و ذلك من حقهم. . فكان بإمكانهم الاكتفاء برفض الاستجابة، و لكنهم لم يكتفوا بذلك، بل رشقوا المسلمين بالنبل قبل أن يصرحوا برفضهم! !

ثم باشروا بالعمليات الحربية ضد المسلمين، و كانوا قد هيأوا لها! !

و ربما يؤيد ذلك أيضا: أن اكتفاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإرسال خمسين رجلا إلى قوم يستطيعون أن يجمعوا جموعا قتالية كثيرة، قادرة على إبادة هؤلاء الخمسين، يشير إلى أنها لم تكن سرية قتالية، و إنما كانت سرية دعوة، و إرشاد، و تعليم، ليس إلا، و لكن خبث هؤلاء القوم، قد ساقهم إلى هذا الكيد، الذي يستهين بالجريمة، و يعتبر ارتكابها نصرا و فخرا. .

إسلام خالد، و عمرو بن العاص:

و كان بين الحديبية و عمرة القضاء، إسلام خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و عثمان بن طلحة.

و قيل: كان ذلك بعد عمرة القضاء (1)، في السنة الثامنة (2).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 726 و تاريخ الخميس ج 2 ص 65 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 269 عن البيهقي، و عن عيون الأثر ج 2 ص 159.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 745 و 749 و تاريخ الخميس ج 2 ص 65 و 66 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 446 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 269 و ج 7 ص 128 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 155 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 529 و الثقات ج 3 ص 101 و عن أسد الغابة ج 2 ص 93 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 219 عن الواقدي، و فتوح البلدان ج 1 ص 93 و الجوهر النقي للمارديني ج 9 ص 79 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 429 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 319 عن الإستيعاب.

و في نص آخر: قبيل الفتح (1).

قيل: و يشهد له ما جاء عن خالد بن الوليد أنه قال: لما أراد اللّه عز و جل ما أراد بي من الخير قذف في قلبي الإسلام، و حضر لي رشدي، و قلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا أنصرف، و أنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، و أن محمدا يظهر.

فلما جاء لعمرة القضاء تغيبت، و لم أشهد دخوله، فكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه، فطلبني فلم يجدني، فكتب إليّ كتابا، فإذا فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد. . فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، و قلة عقلك، و مثل الإسلام يجهله أحد. قد سألني عنك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أين خالد؟

فقلت: يأتي اللّه به.

فقال: ما مثله يجهل الإسلام، و لو كان يجعل نكايته مع المسلمين على


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 745 و عن مسند أحمد ج 4 ص 199 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 297 و مجمع الزوائد ج 9 ص 351 و الأحاديث الطوال ص 40 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 162 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 570 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 749 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 271.

المشركين كان خيرا له، و لقدمناه على غيره.

فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة.

فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، و زادني رغبة في الإسلام، و سرتني مقالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأيت في المنام: كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة.

زاد الواقدي و غيره: أنه ذكر هذه الرؤيا لأبي بكر حين جاء إلى المدينة، ففسر له الضيق بالشرك، و السعة بالإسلام.

فلما اجتمعنا للخروج إلى المدينة لقيت صفوان، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى أن محمدا ظهر على العرب و العجم، فلو قدمنا عليه فاتبعناه، فإن شرفه شرف لنا.

قال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.

قلت: هذا رجل قتل أبوه و أخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له: مثل ما قلت لصفوان.

فقال: مثل الذي قال صفوان.

قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك.

قال: لا أذكره.

ثم لقيت عثمان بن طلحة-أي الحجبي-فقلت: هذا لي صديق، فأردت أن أذكر له.

ثم ذكرت من قتل من آبائه: أي قتل أبيه طلحة، و عمه عثمان، و قتل إخوته الأربعة: مسافع، و الجلاس، و الحارث، و كلاب، كلهم قتلوا يوم أحد. فكرهت أن أذكر له.

ثم قلت: و ما عليّ، و أنا راحل من ساعتي، فذكرت له ما صار الأمر إليه.

فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج.

ثم قلت له: ما قلته لصفوان و عكرمة، فأسرع الإجابة، فواعدني إن سبقني أقام في محل كذا، و إن سبقته إليه انتظرته.

فلم يطلع الفجر حتى التقينا، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة-اسم محل- فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم.

فقلنا: و بك.

قال: أين مسيركم؟

قلنا: الدخول في الإسلام.

قال: و ذلك الذي أقدمني.

و في لفظ: قال عمرو لخالد: يا أبا سليمان أين تريد؟

قال: و اللّه لقد استقام الميسم، أي تبين الطريق، و ظهر الأمر، و إن هذا الرجل لنبي، فأذهب فأسلم، فحتى متى؟

و في نص آخر: أن خالدا قال لعمرو: دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طمع، و اللّه، لو أقمنا لأخذ برقابنا، كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها (1).

قال عمرو: و أنا ما جئت إلا لأسلم.

فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة الشريفة.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 744 و كنز العمال ج 13 ص 371-374 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 227 و 228 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 272 و 273 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 451 و 452.

و عند الديار بكري: «فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة، أول يوم في صفر سنة ثمان» (1).

فأنخنا بظهر الحرة ركابنا، فأخبر بنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسرّ بنا، و قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيني أخي، فقال: أسرع فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سر بقدومكم و هو ينتظركم.

فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه، فما زال يتبسم إليّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد عليّ السلام بوجه طلق، فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه.

قال: الحمد للّه الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير.

قلت: يا رسول اللّه، ادع اللّه لي أن يغفر لي تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «الإسلام يجبّ ما كان قبله» .

و في نص آخر: قال خالد: فو اللّه ما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من يوم أسلمت يعدل بي أحدا فيما حزبه (2).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 252 و ج 7 ص 394 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 38 ص 383.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 749 و تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 228 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 189 و ج 7 ص 268 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 238 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 453.

و تقدم عثمان و عمرو فأسلما.

و في رواية عن عمرو بن العاص قال: قدمنا المدينة، فأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه و إن لوجهه تهللا، و المسلمون حوله قد سروا بإسلامنا؛ و تقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فو اللّه ما هو إلا أن جلست بين يديه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، و لم يحضرني ما تأخر.

فقال: «إن الإسلام يجبّ ما كان قبله، و الهجرة تجبّ ما كان قبلها» .

فو اللّه ما عدل بي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بخالد بن الوليد أحدا من الصحابة في أمر حربه منذ أسلمنا، و لقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، و لقد كنت عند عمر بتلك الحالة.

و كان عمر على خالد كالعاتب.

و تقدم: أن عمروا أسلم على يد النجاشي.

قال بعضهم: و في إسلام عمرو على يد النجاشي لطيفة، و هي: صحابي أسلم على يد تابعي. و لا يعرف مثله.

و من حين أسلم خالد لم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوليه أعنة الخيل، فيكون في مقدمها (1).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 726 و المغازي للواقدي ج 2 ص 746 و 750 و تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و عن أسد الغابة ج 2 ص 94 و تهذيب الأسماء و اللغات.

قال أبو عمر: لم يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول اللّه قبل الفتح (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم العديد من الوقفات، نجملها على النحو التالي:

رسالة الوليد إلى خالد:

تقدم: أن الوليد بن الوليد كتب إلى أخيه خالد كتابا يتعجب فيه من ذهاب رأيه-خالد-عن الإسلام، و من قلة عقله، و قال له: «و مثل الإسلام يجهله أحد» ؟ ! !

و نقول:

أولا: مع أن الوليد نفسه لم يسلم إلا بعد وقعة بدر (2)، فأين كان عقله عنه طيلة أكثر خمس عشرة سنة، كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يدعوهم فيها إلى الإسلام.

ثانيا: لم يثبت أن الوليد وصل إلى المدينة بعد خروجه من مكة في عمرة القضاء، فقد قيل: إنه مشى على رجليه لما هرب، و طلبوه فلم يدركوه.

و يقال: إنه مات في بئر أبي عتبة قبل أن يدخل المدينة (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 66.

2) الإصابة ج 3 ص 639 و عن فتح الباري ج 8 ص 170 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 130 و عن أسد الغابة ج 5 ص 92 و ج 6 ص 484.

3) الإصابة ج 3 ص 639 و أسد الغابة ج 5 ص 92 و 93 و الأعلام للزركلي ج 8 ص 123.

لم يسلم خالد سنة خمس:

زعم بعضهم: أن خالدا أسلم سنة خمس للهجرة (1).

و هذا لا يصح، إذ قد تقدم في عمرة الحديبية: أن خالدا كان قائدا لطليعة قريش في تلك الغزوة و كان ذلك سنة ست (2).

من أسباب إسلام عمرو و خالد:

قد أشير فيما تقدم إلى إسلام ابن العاص، و خالد، و إلى الأسباب الداعية لهما إلى ذلك، و لنا على ذلك ملاحظات، هي التالية:

1-إن كلمات خالد المتقدمة تشير إلى: أن شعوره باليأس من الظفر، و تنامي إحساسه بالفشل، و عدم الوصول إلى نتيجة، و معاناة الهزائم المتتالية أمام جيوش الإسلام، هو الذي دعاه لمراجعة حساباته، و التفكير بالانحياز إلى المعسكر الذي يرى بأم عينيه كيف يزداد قوة يوما بعد يوم.

فالقضية إذن، لا تنطلق من الإحساس بالواجب، و ظهور الحق له و لغيره بعد أن كان خافيا، كما أنها لم تكن صحوة وجدان، و يقظة ضمير. بل


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 66 الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 293 و عن البداية ج 4 ص 269 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 446 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 68 و الإستيعاب ج 1 ص 151.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 281 و عن اسد الغابة ج 2 ص 93 و عن البداية ج 4 ص 163 و 272 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 272 و 450 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 327 و كنز العمال ج 13 ص 375 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 226.

هي حسابات ربح و خسارة في الدنيا، و المبادرة إلى اقتناص ما يمكن اقتناصه من الفرص قبل فوات الأوان. .

و أظهرت الوقائع هذا الأمر بصورة جلية و واضحة، حتى لقد ذهبت مصر كلها طعمة لعمرو، و ثمنا لمحاربة الحق و أهله، و ذلك في أواخر عمره، حين عقد صفقة مع معاوية على حرب علي «عليه السلام» في صفين.

2-و لعل من أسباب رغبة خالد و عمرو بالدخول في الإسلام: هو أن عمرو بن العاص داهية محنك معروف بالمكائد و المصائد، و قد انتدبته قريش ليذهب إلى الحبشة، و ليتسبب بمكره و دهائه بترحيل جعفر و غيره من المهاجرين، و إعادتهم إلى مكة.

و هو الذي دبر الأمر في حرب صفين، و كاد المسلمين برفع المصاحف فيها، حتى انجر الأمر إلى التحكيم.

و كان أشد خطرا من خالد بن الوليد، الذي كان متسرعا إلى قتل الناس، قسيا، غادرا، خصوصا بمن له عندهم ثارات.

و غدره ببني جذيمة انتقاما لعمه الفاكه بن المغيرة، و عوف بن عبد عوف، بعد أن أعطاهم الأمان، معروف و مشهور. و قد تبرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من فعلته فيهم، و كان «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إليهم داعيا لهم إلى الإسلام، لا مقاتلا (1).


1) قاموس الرجال ج 4 ص 145 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 66 و 78 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 17 و المسترشد في الإمامة للطبري ص 492 و البحار ج 21 ص 140 و 141 و النص و الإجتهاد ص 460 و عن أسد الغابة ج 3 ص 316 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 61 و عن البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 359 و عن السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593 و معجم ما استعجم ج 3 ص 1005.

كما أنه غدر بمالك بن نويرة، و قتله، ثم عرّس بامرأته في ليلة قتله (1).

ثم قتل رجلين مسلمين في غارته على مضيّح، و هما: عبد العزى بن أبي رهم، و لبيد بن جرير (2).

و لكن و عكل هذه المخازي التي ارتكبها خالد، فإنه كان أقل ضررا على الإسلام من عمرو بن العاص، من حيث إنه كان له محيطه الخاص، و يمكن لجم جماحه، و إخضاعه و وضعه في دائرة السيطرة و ليس كذلك عمرو بن العاص.

3-و لو سلم أنه قد كتب ذلك لخالد، فلا بد أن يكون هذا التلويح النبوي لخالد بأنه سوف يقدّمه إذا أسلم قد أذكى الطموح لديه، و رجح له الانحياز إلى المسلمين.


1) قاموس الرجال ج 4 ص 146 و 147 عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 278 و 279 و الغدير ج 7 ص 159 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 204- 206 و النص و الإجتهاد ص 119 و 123 و عن أسد الغابة ج 4 ص 295 و 296 و معجم البلدان ج 1 ص 455 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 354 و 355 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 73 و البحار ج 30 ص 476 و 477 و 491 و 493 و الثقات ج 2 ص 169 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 274 و عن الإصابة ج 2 ص 218 و ج 5 ص 560 و 561 و الإستغاثة ج 2 ص 6 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 42 و 43 و بيت الأحزان ص 104.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 580 و البداية و النهاية ج 6 ص 387.

و تكون نتيجة هذا و ذاك أن إسلام خالد لم يكن عن قناعة تكونت لديه بصحة هذا الدين، و إنما أسلم طمعا بالتقديم، بعد اليأس من الظفر بشيء عن طريق الحرب. . تماما كما كان الحال بالنسبة لعمرو بن العاص.

و لكن الملاحظ هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ميّز خالدا عن عمرو بن العاص. و لعله لأجل ما قدمناه من شدة خطورة الثاني بالنسبة للأول. .

4-إن ظهور النبي «صلى اللّه عليه و آله» على العرب و العجم، قد أضاف عنصرا آخر، فرض نفسه على تفكير هؤلاء الطامعين، و الطامحين، كما دل عليه كلام خالد مع صفوان بن أمية. . فإنهم يقيسون الأمور بمقاييس الأحجام و الأوزان، و كانت تبهرهم العناوين الكبيرة، و تهيمن الكثرات على تفكيرهم، و من ثم على مسيرهم و مصيرهم. مية

5-إن الرغبة في الحصول على المواقع الدنيوية، و نيل مقامات و مراتب الأبهة و الشرف من أهل الشرف، قد أذكت الرغبة لديهم بهذا الشرف الدنيوي، وفق مفهومهم و نظرتهم، لكي يلونوه بالألوان التي تروق لهم.

6-إنه على تقدير صحة هذه الرسالة، فإن ما يثير دهشتنا: هو أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل تقديمه لخالد مرهونا بنكاية خالد في المشركين على وجه التحديد، مع أنه كان لا يزال على شركه، و هذا العرض ليس فقط لم يزعج هذا الرجل المشرك، بل هو قد شجعه على الإقدام على الدخول في الإسلام، و كان على استعداد لأن يمارس هذه الكناية فعلا، مقابل هذا التقديم. .

و هذا إعلان صريح للأجيال بأن هؤلاء الناس ليس لهم دين، و لا

معبود إلا أنفسهم، و لا يفكرون إلا بمصالحهم، و أن إسلامهم الظاهري هذا قد لا يغيّر شيئا من دخائلهم، و إن كان يجب قبوله منهم، و معاملتهم على أساسه في الظاهر.

و الحديث عن هذا يستبطن تشجيع حركة النفاق داخل المجتمع الإسلامي. . غير دقيق، و تحدثنا عن ذلك حين الحديث عن فتح وادي القرى فراجع. .

7-إن ما قاله خالد لعثمان بن طلحة: «إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب ماء لخرج» ، كان تقييما دقيقا لحقيقة ما انتهى إليه واقع قريش و مشركي مكة، فقد أصبحوا محصورين في داخل بلدهم، بل لقد دخل الإسلام كل بيت، و شاع في كل قبيلة حتى في مكة نفسها، و لم يعد لقريش أي ملاذ تأوي إليه، أو تراوغ فيه، سوى هذا الموقع الذي هو مكة، بحيث لو خرجت منها، لوجدت نفسها في العراء أمام قانصها، الذي كان بانتظارها ليواجهها بمصيرها الذي استحقته بما كسبته يداها.

و هذا المنطق قد فرض نفسه على عثمان بن طلحة، و على خالد، و على عمرو بن العاص و على غيرهم.

الإسلام الصادق عليه السّلام:

إن طريقة اعتراف خالد لعمرو بن العاص بما يفكر فيه، و قوله: «فحتى متى» ؟ ! تدل على أنهم كانوا يعلمون بنبوة رسول قبل مدة، و لكنهم كانوا يسوّفون و يماطلون في الاعتراف بهذا الأمر. . و ذلك وفقا لما أخبر اللّه تعالى

به عنهم حين قال: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ (1).

و هذا الأمر بالذات يجعلنا لا نثق بصدقهم في دعواهم الإسلام و الإيمان، فإن من يكتم الحق، و يرفض الإعتراف به دهرا، من أجل مكاسب دنيوية، لا يتورع عن أن يظهر القبول و الاعتراف به، طمعا في مكاسب دنيوية أيضا. .

و لأجل ذلك. . نقول:

إننا و إن كنا نلتزم بوجوب معاملة هؤلاء وفق ما يفرضه الشرع الحنيف من أحكام لمظهري الإسلام، لكننا لا بد أن نبقى على حذر منهم، و أن لا نخدع بظاهر حالهم، حتى تثبت لنا تضحياتهم، و ممارساتهم، أن باطنهم يتوافق مع ظاهرهم. . و أن ما أضمروه موافق لما أظهروه.

الإسلام يجبّ ما قبله:

و ذكرت الروايات المتقدمة: أن عمرو بن العاص طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو اللّه أن يغفر له ما كان قد فعله في حربه على الإسلام، قبل أن يسلم.

و في نص آخر: بايعه على أن يغفر له ما تقدم من ذنوبه. .

فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» : بأن الإسلام يجبّ ما كان قبله.

و الذي يستوقفنا هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستجب لطلب عمرو بن العاص، و لم يستغفر اللّه له. . بل جعل الأمر مرهونا بصدقه في إسلامه، فإن كان صادقا فيه، فنفس هذا الإسلام هو الذي يرفع و يزيل آثار أفاعيله السابقة، و تكون النتيجة هي: أننا لا نستطيع الجزم بأن ابن العاص قد


1) الآية 14 من سورة النمل.

تخلص من تلك الآثار، إلا إذا تيقنا بصدقه في دعواه الإسلام.

و من الواضح: أن زوال الآثار إنما يبدأ من لحظة تكوّن هذا الإسلام الحقيقي، الذي قد يتأخر، بل ربما لا يحصل أصلا، و يبقى مجرد ادّعاء، ليس وراءه قناعة و لا قبول.

و لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا أو استغفر لعمرو لزالت آثار تلك العظائم حتما و جزما، في أي حال يكون ابن العاص عليها، أي سواء أكان صادقا في دعواه الإسلام، أم غير صادق.

ثم يبدأ حسابه على أعماله من لحظة دعائه «صلى اللّه عليه و آله» له. .

عمر كالعاتب على خالد! ! :

و ذكر النص المتقدم: أن عمر بن الخطاب كان كالعاتب على خالد، و لكنه لم يبين لنا مبررات هذا العتب. .

فإن خالدا لم يقترف ذنبا حين قد مر إلى المدينة و أعلن اسلامه، إلا إذا كان عتبه عليه من أجل ما فعله ببني جذيمة (1)، حين أرسله النبي «صلى اللّه


1) علل الشرايع {ط النجف} ص 474 و البحار ج 21 ص 142 و ج 101 ص 424 و الأمالي للصدوق ص 237 و 238 و أمالي الطوسي ص 498 و البداية و النهاية ج 4 ص 303 و مسند أحمد ج 2 ص 151 و سنن النسائي ج 8 ص 227 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 255 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 70 و 71 و عن فتح الباري ج 8 ص 45 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 203 و ج 4 ص 122 و ج 8 ص 92 و ج 9 ص 91 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 222 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 66 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 366.

عليه و آله» إليهم داعيا، لا مقاتلا؟ ! أم أنه كان عاتبا عليه لأجل قتله مالك بن نويرة، و وطئه زوجته في ليلة قتله؟ ! (1).

أو لعل السبب في ذلك هو: أنه كان قد اصطرع مع خالد بن الوليد، و هما غلامان. و كان خالد ابن خال عمر، فكسر خالد ساق عمر، فعرجت، و جبرت، فكان ذلك سبب العداوة بينهما (2).

إننا نرجح هذا السبب الأخير، إذ لم نجد من عمر أية ردة فعل تجاه ما جرى لبني جذيمة، فإنه لم يسحب سيفه ليقول: دعني أقتله يا رسول اللّه، كما تعودناه منه في الكثير من المناسبات.

كما لم نجده يسعى في معاقبته بعد توليه الخلافة على جريمة الزنى بزوجة مالك بن نويرة في ليلة قتله لرجل مسلم، و لا على قتله امرءا مسلما بصورة غادرة، و غير شريفة، بل هو قد استعان به، و أظهر الحزن عليه حين وفاته، و أعرب عن رغبته في بكاء الناس عليه (3). رغم أنه كان يمنع غيره من ذلك.


1) قاموس الرجال ج 3 ص 491 عن الطبري، و الصراط المستقيم ج 2 ص 279 و الغدير ج 7 ص 158 و 196 و البحار ج 30 ص 351 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 503 و 504.

2) كنز العمال ج 13 ص 369 عن ابن عساكر، و البداية و النهاية ج 7 ص 131 و الغدير ج 6 ص 274 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 220 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 19 ص 253 و 398 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 267.

3) الإصابة ج 1 ص 415 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 1 ص 410 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 269 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 367.

دعاوى عريضة لعمرو بن العاص:

و أما ما ادّعاه عمرو بن العاص: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعدل به و بخالد بن الوليد أحدا من الصحابة، في أمر حربه منذ أسلما، و أنه من حين أسلم خالد، لم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوليه أعنة الخيل (1).

فهو محض افتراء، تكذبه جميع الشواهد و الدلائل التاريخية. .

فإن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حامل رايته في كل مشهد، باستثناء تبوك، التي لم تكن فيها رايته و لواؤه، لا لعمرو بن العاص، و لا لخالد بن الوليد.

و كذلك الحال في سائر الغزوات التي شهدها هذان الرجلان، كغزوة حنين؛ فقد كان خالد في ضمن مجموعة المقدمة (2)، و في فتح مكة، و الطائف، كان سهم عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد فيها لا يكاد يذكر، باستثناء مشاركة خالد في بعض المجموعات القتالية في فتح مكة من دون إعطائه أية مهمات خاصة، أو متميزة.

و حين تعدى خالد طوره فيها سعى النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى رأب الصدع، و إعادة الأمور إلى نصابها.


1) راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 343 و الإصابة ج 1 ص و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 407 و تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و عن أسد الغابة ج 2 ص 94 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 306 و راجع: الأعلام للزركلي ج 2 ص 300 و تهذيب الأسماء و اللغات {142} ترجمة خالد بن الوليد، و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 755.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 66.

و أما السرايا التي أرسلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد إسلام هذين الرجلين، فكان أكثرها بقيادة أناس آخرين أيضا.

و قد ورد ذكر خالد في سرية إلى بني جذيمة، و لكنها لم تكن سرية قتال، بل كانت سرية دعوة، تعدى فيها خالد حدود الأوامر النبوية، فأوقع بهم، لأنهم كانوا قد قتلوا عمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية (1).

و هذا ما دعا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» إلى التبرؤ مما صنعه خالد، ثم بادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى تكليف علي «عليه السلام» بمعالجة الفتق الذي أحدثه هذا الرجل (2).


1) قاموس الرجال ج 3 ص 489 و 490 عن الطبري، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 342 و فيه: أن خالدا اعترف بأن هذا هو السبب فيما فعله بهم، و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 17 و المسترشد ص 385 و 492 و النص و الإجتهاد ص 460 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 139 و البحار ج 21 ص 139 و 140 و 148 و عن أسد الغابة ج 3 ص 316 و المنمق لابن حبيب ص 217 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 61 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 359 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 884 و عن عيون الأثر ج 2 ص 211 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593 و 594 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 19 ص 395 و 536 و كنز العمال ج 13 ص 223 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 234 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 370 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202.

2) قاموس الرجال ج 3 ص 490 عن الطبري، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 342، و المعارف {ط سنة 1390 ه} ص 116 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 407 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 355 و المبسوط للسرخسي ج 13 ص 92 و ج 20 ص 143 و المحلى ج 8 ص 166 و المسترشد ص 491-493 و شرح الأخبار ج 1 ص 309 و 310 و البحار ج 21 ص 142 و 143 و ج 31 ص 330 و النص و الإجتهاد ص 460 و 461 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 379 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 548 و عن أسد الغابة ج 2 ص 94 و المحبر ص 124 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 358 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 884 و كشف الغمة ج 1 ص 220 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و غريب الحديث ج 1 ص 372 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 277 و ج 5 ص 226 و لسان العرب ج 8 ص 135 و 460 و تاج العروس ج 6 ص 26.

و قد ذكر اسم خالد أيضا في ضمن من نفّر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة (1).

و ذكروا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسله لهدم العزى، و لا يصح عدّ هذه المهمة من المهمات القتالية. .

أما ما زعموه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إلى أكيدر، فهناك أيضا شكوك تحوم حول صحة كثير مما يقال فيه، كما سيأتي بيانه.

و أما عمرو بن العاص فقد ورد: أنه كلّف بمهمة هدم سواع. . و لا يصح عد هذه المهمة في جملة المهمات القتالية أيضا. .

و ذكر أيضا: أنه أرسله أميرا لسرية ذات السلاسل التي ظهر فيها فشله الذريع، و كان النصر المؤزر فيها لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و قد سعى عمرو بن العاص نفسه إلى إفشال مهمة علي «عليه السلام» فخاب سعيه كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.


1) الخصال ج 2 ص 299 و البحار ج 21 ص 222 و 223 و ج 31 ص 632 و 633 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 602 و 603 و كتاب سليم بن قيس ص 155.

إسلام ابن العاص على يد النجاشي! !

و هناك من زعم: أن ابن العاص أسلم على يد النجاشي، و ذلك حين ذهب إليه مع رجال قومه بعد الحديبية، فطلب من النجاشي أن يعطيه عمرو بن أمية الضمري ليضرب عنقه، و كان قد جاءه بكتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليزوجه بأم حبيبة، فلما طلبه منه، ضربه النجاشي على أنفه، فابتدر دما، فأسلم عمرو حينئذ على يد النجاشي، و بايعه على الإسلام، و عاد إلى بلاده، فلما بلغ الظهران، التقى بخالد، و عثمان بن طلحة، فترافقوا إلى المدينة، حسبما تقدم (1).

و لذلك قيل: إن هذا معناه: أن صحابيا قد أسلم على يد تابعي، و لا يعرف مثله.

و نقول:

1-إن عمرو بن العاص لم يذكر لنا اسم أي واحد من الذين ذهبوا معه إلى النجاشي، و هم من قومه، و قد تركهم هناك، و انسل راجعا إلى بلاده.


1) راجع: الإصابة ج 3 ص 2 عن الزبير بن بكار، و المغازي للواقدي ج 2 ص 742- 750 و البداية و النهاية ج 4 ص 236 و 237 و 238 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 66 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 397 و 398 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 569 و 570 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 749 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 271 و 272 و مجمع الزوائد ج 9 ص 351 و كنز العمال ج 13 ص 369 و 370 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 226 و ج 46 ص 122 و 123 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 314 و عن مسند أحمد ج 5 ص 222 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 19 ص 398.

مع أنه لم يكن هناك أي داع لأن ينسل من بينهم، فلماذا لا يخبرهم بما جرى له مع النجاشي؟ فلعلهم يوافقونه الرأي و يختارون الإسلام أيضا، خصوصا مع كونهم-كما ذكر ابن العاص نفسه-من قومه، و ممن يرون رأيه، و يسمعون كلامه، و يقدمونه فيما نابهم.

و كيف وثق بخالد، و بعثمان بن طلحة، و لم يثق بهؤلاء الذين يصفهم بهذه الأوصاف؟ !

2-إن هذه الرواية لم يروها-فيما نعلم-سوى عمرو بن العاص نفسه، و هو متهم فيما يقول عن نفسه.

3-لماذا لم يتصل بجعفر بن أبي طالب، و سائر المهاجرين المسلمين، و يبشرهم بإسلامه، و يكون معهم و إلى جانبهم؟ !

4-لماذا لم يخبر عثمان بن طلحة و خالد بن الوليد بإسلامه على يد النجاشي؟ ! بل ادّعى لهم: أنه يريد أن يذهب إلى المدينة ليسلم على يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

5-إن ما جرى بين عمرو و بين النجاشي لم يحمل في طياته أي سبب لإسلام عمرو، بل ربما يقال: إن الأوفق بمسار الأمور هو: أن يزيد حقده على الإسلام، و يتأكد صدوده عنه، و أن يبذل المزيد من الجهد في الكيد له و لأهله. .

لقد كان ما فعله النجاشي عبارة عن تسديد لطمة لعمرو، من شأنها أن تدفعه للانتقام من أهل الإسلام، و اعتبارهم السبب في بلائه، و في تحطيم عنفوانه، و كبريائه، و ليس لهذه الضربة أي أثر في دفع الشبهات، أو في إيضاح الحقائق، أو في تليين القلوب للحق.

إسلام خزاعة و كتب النبي صلّى اللّه عليه و آله لها:

قالوا: و لما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الحديبية، لم يبق أحد من خزاعة إلا مسلم مصدق بمحمد، قد أتوا بالإسلام، و هو في من حوله قليل. و أسلم قوم من العرب كثير، و منهم من هو بعد مقيم على شركه.

إلى أن قدم علقمة بن علاثة، و ابنا هوذة، و هاجروا؛ فكتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى خزاعة في جمادى الآخرة سنة ثمان الرسالة التالية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى بديل، و بشر، و سروات بني عمرو.

سلام عليكم، فإني أحمد اللّه إليكم، اللّه لا إله إلا هو.

أما بعد. .

فإني لم آثم بإلّكم. و لم أضع في جنبكم. و إن أكرم تهامة عليّ أنتم و أقربهم رحما أنتم، و من تبعكم من المطيبين. فإني قد أخذت لمن قد هاجر منكم مثل ما أخذت لنفسي-و لو هاجر بأرضه-غير ساكن مكة إلا معتمرا، أو حاجا.

و إني لم أضع فيكم إذ سالمت، و إنكم غير خائفين من قبلي، و لا محصورين.

أما بعد. . فإنه قد أسلم علقمة بن علاثة و ابناه. و تابعا، و هاجرا على من تبعهما من عكرمة.

أخذت لمن تبعني فيكم ما آخذ لنفسي، و إن بعضنا من بعض أبدا في

الحل و الحرم. و إنني-و اللّه-ما كذبتكم. و ليحبكم ربكم (1).

و قد أورد العلامة المتتبع الشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» هذا النص بصوره المختلفة عن الأموال، و طبقات ابن سعد، و الطبراني، و شرح


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 749 و 750. و نقله في مكاتيب الرسول ج 3 ص 126 عن: الأموال لأبي عبيد ص 201 و في {ط أخرى} ص 288 و الطبقات الكبرى {ط ليدن} ج 2 ق 1 ص 25 و في {ط دار صادر} ج 1 ص 272 و أسد الغابة ج 1 ص 170 في ترجمة بديل، و رسالات نبوية ص 96{عن ابن حجر و الطبراني} و ابن أبي شيبة ج 14 ص 486 و كنز العمال ج 4 ص 276{عن ابن سعد، و الباوردي، و الفاكهي في أخبار مكة، و الطبراني، و أبي نعيم} و ص 310{عن ابن أبي شيبة} . و راجع: و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 15 بسندين، و مدينة البلاغة ج 2 ص 315 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 464 و أعيان الشيعة ج 3 ص 550 و مجمع الزوائد ج 8 ص 172 و 173 و مجموعة الوثائق السياسة 275 و 276/172 {عن جمع ممن تقدم و عن} وسيلة المتعبدين ج 8 ص 28/ألف، ثم قال: قابل ابن عبد ربه ج 2 ص 76 و الإستيعاب، و انظر: كايتاني ج 8 ص 21 و اشبرنكر ج 3 ص 404 و اشبربر ص 20. ثم قال العلامة الأحمدي: و أوعز إليه كنز العمال ج 1 ص 273 و جمهرة النسب لهشام الكلبي ص 365 و الإصابة ج 1 ص 149 و 646 في ترجمة بسر عن أبي شيبة، و الطبراني، و الفاكهي و ص 141/641 و ص 321 في حرملة، و ج 2 ص 504 و الإستيعاب ج 1 ص 166 في بديل، و ص 411 في خالد بن هوذة، و رسالات نبوية ص 17 و أسد الغابة ج 1 ص 398 و ج 2 ص 97 و راجع: ثقات ابن حبان ج 2 ص 36 و الإشتقاق ص 476 و المفصل ج 6 ص 423 و ج 4 ص 15 و 367.

ألفاظه، فراجع (1).

و نقول:

إن لنا مع هذا الكتاب وقفات عديدة، نقتصر منها على ما يلي:

من هو كاتب الكتاب؟ !

يلاحظ: أن أكثر المصادر لم تذكر من الذي تولى كتابة هذا الكتاب، لكن ابن الأثير قال: كان الكتاب بخط علي بن أبي طالب. أخرجه الثلاثة (2).

و في رسالات نبوية: و إن الكتاب بيد علي بن أبي طالب.

و نقل الطبراني، قال: قال أبو محمد: و حدثني أبي قال: سمعت يقولون: هو خط علي بن أبي طالب «عليه السلام» (3).

رسالتان. . أم رسالة واحدة؟ !

و إن إلقاء نظرة على الرسالة المتقدمة تثير أمام الباحث احتمال أن تكون عبارة عن رسالتين، إذ لم يعهد في المكاتبات تكرار كلمة «أما بعد. .» في الرسالة الواحدة.


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 125-137.

2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 137 عن المعجم الكبير ج 2 ص 15 و مدينة البلاغة ج 2 ص 315 و راجع: مجمع الزوائد ج 8 ص 173 و عن أسد الغابة ج 1 ص 197 و عن الإصابة ج 1 ص 410.

3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 137 و المعجم الكبير ج 2 ص 30 و مجمع الزوائد ج 8 ص 173.

و يؤيد ذلك: التكرار لأمر واحد في الفقرة الأولى، ثم في الثانية، فقد قال:

أولا: «فإني قد أخذت لمن قد هاجر منكم، مثلما أخذت لنفسي» .

ثم قال ثانيا: «فقد أخذت لمن تبعني منكم ما آخذ لنفسي» .

بل في رواية ابن سعد: وردت كلمة «أما بعد» ثلاث مرات في الرسالة المذكورة. . فلماذا كان ذلك يا ترى؟ ! .

و يدل على ذلك أيضا: أن الواقدي يصرح: بأن هذه الرسالة قد كتبت في جمادى الآخرة سنة ثمان. .

مع أن الفقرة الأخيرة من الرسالة-حسب نص الطبراني، و رواية ابن سعد-صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذكر لهم: أن علقمة بن علاثة، و ابنا هوذة قد أسلما، و بايعا، و هاجرا.

و صرحت رواية الواقدي: بأنهما قدما على رسول «صلى اللّه عليه و آله» و هاجرا.

و من الواضح: أن العداء {كعطاء} بن خالد بن هوذة، من بني عمرو بن ربيعة، من بني عكرمة بن خصفة، كان من المؤلفة قلوبهم، و هو إنما أسلم بعد حنين، مع أبيه، و أخيه حرملة (1).

و ذكرت بعض الروايات: أن حرملة هو عمه.


1) راجع: الإصابة ج 2 ص 466 و ج 1 ص 321 و الإستيعاب ج 2 ص 161 و ج 1 ص 361 و الجمهرة للكلبي ص 365، و أسد الغابة ج 1 ص 398 و جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 281 و إكمال الكمال ج 3 ص 264 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 338 و 609.

و هذا يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى خزاعة يبشرهم بإسلام هؤلاء بعد حرب حنين.

فكيف تكون الرسالة قد كتبت في سنة ثمان؟

اشتباه ابن سعد:

و زعم ابن سعد: «أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتب فيها السلام، لأنه كتب بها إليهم قبل أن ينزل عليه السلام» (1).

و هو كلام غير دقيق:

فأولا: لأن رواية الواقدي-و ما أقرب ابن سعد إليه، فإنه كاتبه، و راوي أخباره-قد جاء فيها قوله: «السلام عليكم» ، فراجع نسخة المغازي.

ثانيا: قد ورد في العديد من السور المكية ذكر السلام، أو الأمر به؛ فقال تعالى: وَ إِذٰا جٰاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِنٰا فَقُلْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ (2).

و قال: وَ نٰادَوْا أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ أَنْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ (3).

و قال: دَعْوٰاهُمْ فِيهٰا سُبْحٰانَكَ اَللّٰهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهٰا سَلاٰمٌ (4).

و قال: سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ بِمٰا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدّٰارِ (5).


1) الطبقات الكبرى {ط ليدن} ج 1 ق 2 ص 25 و في {ط دار صادر} ج 1 ص 272 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 145 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 129.

2) الآية 54 من سورة الأنعام.

3) الآية 46 من سورة الأعراف.

4) الآية 10 من سورة يونس، و راجع الآية 12 من سورة إبراهيم.

5) الآية 24 من سورة الرعد.

و قال: وَ لَقَدْ جٰاءَتْ رُسُلُنٰا إِبْرٰاهِيمَ بِالْبُشْرىٰ قٰالُوا سَلاٰماً قٰالَ سَلاٰمٌ (1).

و الآيات في ذلك كثيرة.

علاقة مودة و رحمة:

و بعد. . فإن هذا الكتاب الشريف الطافح بالمودة، و العطف، و الناضح بالحنان، و الرقة، قد أظهر ما كان يكنّه خاتم الأنبياء، و سيد المرسلين «صلى اللّه عليه و آله» لهؤلاء الناس الأوفياء، من محبة و احترام و تقدير، و هو خير دليل على طبيعة العلاقة التي يريدها اللّه تعالى لها أن تقوم بين الأنبياء «عليهم السلام» و بين قومهم، و أنها لا بد أن تتجاوز حدود الطاعة و الانقياد من جانب الرعية، و أنها أكثر من مجرد علاقة تدبير و رعاية، و دلالة و هداية من جانب الأنبياء أنفسهم «عليهم السلام» . .

إنه تعالى يريدها علاقة حب تصل إلى حد الانصهار لهم في شخص رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . . كما قال تعالى:

قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (2).

كما أنها لا تقل عن هذا المستوى في جانب شخص الرسول «صلى اللّه عليه و آله» تجاه رعيته، حيث كانت تذهب نفسه حسرات حتى على الذين


1) الآية 69 من سورة هود.

2) الآية 24 من سورة التوبة.

لا يزالون يقاتلونه فكيف تكون حاله تجاه المؤمنين؟ ! و ذلك على قاعدة:

لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1).

و قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً (2).

و قوله سبحانه: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (3).

امتاز الحليف على الرئيس:

و سجل الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الرسالة المباركة، حقيقة هامة جدا، و هي أنه أخذ لمن هاجر من حلفائه من بني خزاعة مثل ما أخذ لنفسه.

ثم ألحق بمن هاجر، أولئك الذين لزموا أراضيهم، و لم يسكنوا مكة، و لا يدخلونها إلا للحج أو للعمرة. .

و قد تجاوز هذا حدود الإنصاف و العدل، ليكون هو منتهى التفضل، إذ لم نعهد في تاريخ الأحلاف سوى الالتزام بما يقع التحالف عليه، مثل نصرة الحليف حين مهاجمة عدو، أو نحو ذلك. .

و لم نسمع أن حليفا منح حليفه نفس الحقوق و الامتيازات التي يعطيها لنفسه، كيف و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تجاوز ذلك هنا؟ ! فأعطى


1) الآية 12 من سورة التوبة.

2) الآية 6 من سورة الكهف.

3) الآية 8 من سورة فاطر.

من أقام بأرضه، و لم يهاجر منها-إذا كان لا يسكن مكة-مثل ما أعطى للمهاجر الذي ترك أرضه، و وطنه، و ماله، و قومه، و عشيرته، و أقاربه! !

أي أنه جعل عدم سكنى مكة، و البقاء في الأرض بمنزلة الهجرة، من حيث الثواب، و من حيث إن سائر الامتيازات التي تعطى للمهاجر، تعطى لهذا المقيم! !

الحلم و التأني:

ثم هو «صلى اللّه عليه و آله» يعيد التنصيص على التزامه بعهده معهم، و يؤكد لهم الأمان من قبله، و أنه لا يخون عهدهم، ثم هو يعدهم بأن لا يسرع في مجازاتهم بالسوء، لو صدر منهم ما يوجب ذلك، بل سيعاملهم بالحلم و التأني، و لذلك قال لهم: إني لم أضع فيكم {أي لم أسرع} إذ سالمت، و أنكم غير خائفين من قبلي، و لا محصورين {أو لا مخفورين} . .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد بلغ الغاية، و أوفى على النهاية في حسن تعامله مع حلفائه. و أعطاهم ما لم يعطه حتى لنفسه، و لا صرح بأنه أعطاه لمن معه من الأصحاب، و من الأهل و العشيرة. .

سرية غالب بن عبد اللّه إلى الكديد:

و في شهر صفر سنة ثمان بعث «صلى اللّه عليه و آله» غالب بن عبد اللّه الليثي في سرية، تتألف من بضعة عشر رجلا، للإغارة على بني الملوح بالكديد. فلما وصلوا إلى قديد لقيهم الحارث بن مالك بن البرصاء، فأخذوه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام.

فقالوا: لا يضرك رباط ليلة إن كنت تريد الإسلام، و إن يكن غير ذلك

نستوثق منك.

فأوثقوه، و خلفوا عليه رجلا منهم، و قالوا له: إن نازعك فاحتز رأسه.

ثم ساروا حتى أتوا الكديد، فكمنوا هناك، و أرسلوا جندب بن مكيث الجهني ليستطلع لهم، فأتى إلى تل مشرف على بيوت أولئك القوم، فانبطح على رأس التل.

فرأى رجل منهم سوادا هناك، فشك في أمره، فرماه بسهمين فما أخطأه، فانتزعهما جندب من جسده.

ثم لما اطمأن ذلك الحي، و هدأوا شنوا عليهم الغارة، فقتلوا المقاتلة، و سبوا الذرية، و استاقوا النعم، و الشاء، و خرجوا بها إلى المدينة، فمروا بابن البرصاء فاحتملوه. .

و خرج صريخ القوم، فجاءهم ما لا قبل لهم به، و كان الوادي بينهم، و إذ بالوادي قد امتلأ جنباه بالماء، بحيث لا يستطيع أحد أن يجوزه، و لم يكونوا رأوا قبل ذلك سحابا و مطرا، ففاتوهم، و غزوا المدينة (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 750-752 و روي أيضا عن ابن إسحاق، و الإصابة ج 3 ص 184 عن مسند أحمد، عن مسلم بن عبد اللّه الجهني، و تاريخ الخميس ج 2 ص 67 و البحار ج 21 ص 49 عن الكامل في التاريخ، و السيرة الحلبية ج 3 ص 188 و 189 و راجع: الآحاد و المثاني ج 5 ص 55 و 56 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 311 و 312 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 253 و 254 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1028 و 1029 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 420 و 421 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 137 و مجمع الزوائد ج 6 ص 202 و 203 و عن مسند أحمد ج 4 ص 508 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 124.

و نقول:

حديث التل:

ذكر جندب الجهني ما جرى له حين وصل إلى التل، فقال: «فلما استويت على رأسه، انبطحت عليه، لأنظر، إذ خرج رجل منهم، فقال لامرأته: إني لأنظر على هذا الجبل سوادا، ما رأيته قبل. انظري إلى أوعيتك، لا تكون الكلاب جرت منها شيئا.

فنظرت، فقالت: و اللّه، ما فقدت من أوعيتي شيئا.

فقال: ناوليني قوسي و نبلي.

فناولته قوسه و سهمين. فأرسل سهما، فو اللّه، ما أخطأ بين عيني، فانتزعته و ثبتّ مكاني، فأرسل آخر، فوضعه في منكبي، فانتزعته، و ثبتّ مكاني.

فقال لامرأته: لو كان جاسوسا لتحرك، لقد خالطه سهمان، لا أبا لك الخ. .» (1).

و نشير هنا إلى ما يلي:

أولا: لم نعرف كيف سمع جندب ما جرى بين ذلك الرجل و زوجته؟ ! فإن ذلك مما لا يتيسر سماعه عادة من هذه المسافة البعيدة! !

إلا أن يكون: قد التقى أو بزوجته أو بمن سمع كلامهما في وقت لاحق، فأخبره بهذه التفاصيل. . و لكن ليس بين أيدينا ما يدل على حصول


1) الآحاد و المثاني ج 5 ص 55 و 56 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 137.

مثل هذا اللقاء. .

ثانيا: لو أغمضنا النظر عما تقدم، فإن من يأتيه سهم في جبهته، و يثبت فيها، و يحتاج إلى انتزاعه منها، لا يتوقع منه البقاء على حالة من الوعي و التوازن، إذ معنى ذلك: أن السهم قد ثقب عظم الجبهة، إذ لا يمكن أن يثبت السهم فيها بدون ذلك. . و هذا يؤدي إلى الغياب عن الوعي و التعرض لمضاعفات أصعب، و أخطر. .

هذا، إن قلنا باحتمال قدرة السهم الذي يرسل من مسافة بهذا المقدار، على اختراق العظم.

من هو جندب هذا؟ !

إن راوي هذا الحديث هو شخص يدّعي أنه شارك في تلك السرية، و هو جندب بن مكيث الجهني. . فلماذا لم يروها لنا آخرون ممن شاركوا أو اطلعوا على ما جرى فيها؟ !

أما ما ورد في بعض المصادر، من أن الراوي هو مسلم بن عبد اللّه الجهني (1)، فلم نجد لمسلم هذا ترجمة في كتب الصحابة.

غوامض غير مستساغة:

صرحت الرواية: بأنهم قتلوا مقاتلة ذلك الحي، و سبوا النساء و الذرية، مع أنهم كانوا بضعة عشر رجلا فقط.

لكن الراوي لم يذكر لنا كم كان عدد مقاتلة ذلك الحي؟ !


1) الإصابة ج 3 ص 184 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 393.

و كم كان عدد السبي؟ !

و كم كان عدد الشاء التي أخذت. .

و كم يوما غابوا عن المدينة؟ !

لا بد من التروي:

1-قد ذكرنا أكثر من مرة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليغير على من لم يعلن الحرب عليه، كما أنه لا يقاتل أحدا إلا بعد الدعوة و الاحتجاج، و لم نجد أي شيء يدل على ذلك! !

2-إن إرسال أفراد قليلين-بضعة عشر رجلا-إلى بلاد بعيدة يحتاج الوصول إليها و العود منها إلى أيام عديدة، في منطقة زاخرة بالأعداء، يعد نوعا من المخاطرة التي يصعب تفسير مبرراتها، و دوافعها بسهولة. .

و لأجل ذلك، نقول: إن تأييد، أو تفنيد هذه السرايا يحتاج إلى المزيد من التروي، و التدقيق.

تناقض غير مفهوم:

و الغريب في الأمر: أننا تارة نقرأ في روايات هذه الغزوة: أنهم حين صار الوادي بين الفريقين: «أرسل اللّه سحابا، فأمطر الوادي ما رأينا مثله، فسال الوادي، بحيث لا يستطيع أحد أن يجوزه» (1).

و أخرى نقرأ فيها قولهم: «القوم ينظرون إلينا، إذ جاء اللّه بالوادي من حيث شاء يملأ جنبيه ماء، و اللّه ما رأينا يومئذ سحابا و لا مطرا، فجاء بما لا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 189.

يستطيع أحد أن يجوزه» (1).

تكرار المكررات:

ثم إنهم يقولون: إن ذلك قد تكرر مرة أخرى، و ذلك لقطبة بن عامر حين توجه إلى بني خثعم بناحية تبال (2).

فما أكثر التكرار للأحداث في موضوع السرايا، فهل يمكن أن يشير ذلك إلى أن ثمة من كان يريد توزيع الأوسمة للأتباع و الأشياع لفريق بعينه، فاتخذ من السرايا بابا لتحقيق هذا الغرض، و لعل سرايا كثيرة قد اخترعت، و جعلت قيادتها إلى هذا و ذاك، لتكون رشاوى لهم، أو مكافآت على مواقف اتخذوها، أو مبادرات لصالح فريق يحبونه، أو ضد فريق يناوئونه.

و لعل أحدثا حقيقية في سريا بعينها، أو لعل سرايا كاملة، قد حذفت أو حرّفت لتخفيف الضغط عن أناس متضررين منها، أو تشكيكا بإخلاص، و بمواقف ناس مخلصين، مجازاة لأصحابها، و كيدا منهم لهم، و تجنيا عليهم، لأغراض و دوافع مختلفة. .

و لذلك ظهر التكرار، و طغت على السطح التناقضات، أو الهنات و الفجوات، و كثرت السرايا التشريعية، و الأحداث الوهمية. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 189 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 125 و عن عيون الأثر ج 2 ص 162 و سبل الهدى و ارشاد ج 6 ص 137.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 189.

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله ببنت الضحاك:

قالوا: في سنة ثمان تزوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة بنت الضحاك الكلابية (1)، فلما دخلت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و دنا منها، قالت: إني أعوذ باللّه منك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : عذت بعظيم، الحقي بأهلك (2).

و في رواية: أن ابنة الجون أدخلت الخ. . (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 67 و البحار ج 21 ص 46 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 209 و تاريخ خليفة بن خياط ص 56 و المنتخب من ذيل المذيل ص 103 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 431 و ج 5 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 710 و ج 4 ص 590 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 141 و 218 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 167 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 228.

2) البحار ج 21 ص 46 و 47 و سنن النسائي ج 6 ص 150 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 355 و المعجم الأوسط ج 3 ص 337 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 141 و الثقات ج 3 ص 83 و عن الإصابة ج 8 ص 273 و المنتخب من ذيل المذيل ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 228.

3) راجع: سنن الدارقطني ج 4 ص 19 و المجموع ج 17 ص 105 و المحلى ج 10 ص 187 و سبل السلام ص 178 و نيل أوطار ج 7 ص 30 و فقه السنة ج 2 2254 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 661 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 35 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 39 و 72 و 342 و مجمع الزوائد ج 9 ص 252 و المنتقى من السنن المسندة ص 184 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 83 و المعجم الكبير ج 22 ص 447 و كنز العمال ج 12 ص 140 و ج 13 ص 710 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 184 و عن أسد الغابة ج 5 ص 397 و سير أعلام النبلاء ج 2 هامش ص 255 و عن الإصابة ج 8 ص 9 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 317 و 319 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 587 و 589 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 421 و ج 11 ص 222 و تفسير السمرقندي ج 3 ص 63 و عن صحيح البخاري {دار إحياء التراث} ج 10 ص 447 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 6 ص 66 و ج 18 ص 253 و منتقى ابن الجارود ج 1 ص 301 و عن بلوغ المرام ج 1 ص 214 و سبل السلام ج 3 ص 1429 و عن فتح الباري ج 10 ص 447 و عمدة القاري ج 20 ص 229 و عن زاد المعاد ج 1 ص 2121.

سرية ذات أطلاح:

و في شهر ربيع الأول سنة ثمان بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، وراء ذات القرى. و كان كعب يكمن النهار، و يسير بالليل، فوجدوا جمعا كثيرا من أهل الشام، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، و رشقوهم بالنبل، فقاتلهم المسلمون أشد القتال، حتى قتلوا.

قال أبو عمر: قتلوهم بقضاعة (1).

فأفلت منهم رجل جريح في القتلى.

قال مغلطاي: قيل: هو الأمير.

فلما كان الليل تحامل حتى أتى رسول اللّه، فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، و همّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر، فتركهم (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 143.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 752 و 753 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 143 و البحار ج 21 ص 50 و كنز العمال ج 10 ص 600 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 127 و 128 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 5 و ج 50 ص 149 و 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 454 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 143 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 274 و عن عيون الأثر ج 2 ص 164 و عمدة القاري ج 14 ص 308 و حياة الصحابة، باب الدعوة إلى اللّه.

و نقول:

إننا نلاحظ هنا ما يلي:

1-لم يتضح لنا بالتحديد ذلك الموضع الذي بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليه هذه السرية، إلا أنها أرسلت إلى موضع وراء ذات القرى، كما أننا لم نعرف الهدف من إرسالها إلى تلك المناطق البعيدة، فإنها ليست سرايا قتالية بلا شك، إذ لا قدرة لخمسة عشر رجلا على الدخول في حرب حقيقية، في محيط الكفر الطاغي و الباغي هذا.

و لنا أن نحتمل أن تكون سرية استطلاعية، هدفها تنسّم الأخبار عن تحركات الجيوش في مناطق الشام. . أو هي سرية دعوة إلى الإسلام. .

و ربما يكون هذا الإجراء الاستطلاعي قد اتّخذ انتظارا لنتائج الرسائل التي بعثها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ملوك الأرض، و تحسّبا، و احتياطا لأي أمر ربما يفكر فيه أولئك العتاة، و الجبابرة المستكبرون.

2-و في ضوء ما تقدم نستطيع أن نضع علامة استفهام كبيرة حول صوابية مبادرة قائد السرية إلى مواجهة تلك الجموع بطلب التخلي عن دينهم، و الدخول في الإسلام، ما دام أن هذه الطريقة في الدعوة سوف تفهم على أنها نوع من الاستخفاف و التحدي.

3-و لو أغمضنا النظر عن ذلك، فإن خيار الحرب و القتال ربما لا

يكون هو الخيار الصحيح حتى لو رفض أولئك قبول هذه الدعوة. . بل قد يكون اللجوء إلى تهدئة الأمور، و الخروج من المأزق بلباقة هو الأولى، ما دام أنه لا تترتب على قتل هؤلاء النفر من المسلمين أية فائدة، أو عائدة.

4-إننا لا نظن أن سبب ترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» إرسال سرية لمعاقبة أولئك القتلة، هو انتقالهم إلى موضع آخر، إذ كان بالإمكان تحديد موقعهم، ثم إرسال الجيوش إليهم لتأديبهم.

5-إن هذا النوع من سرد الأحداث المتوافقة في عناصر تكوينها، قد تكرر في عدة سرايا، و هو أمر غير مألوف، و بعيد عن الاحتمال، فراجع على سبيل المثال:

سرية ابن أبي العوجاء، إلى بني سليم.

و سرية محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة في ذي القصة.

و سرية بشير بن سعد إلى فدك.

سرية إلى السّيّ:

روى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم: أنه في شهر ربيع الأول من سنة ثمان بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شجاع بن وهب في أربعة و عشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّيّ، من أرض بني عامر، من ناحية ركبة، على خمس ليال من المدينة، و أمره أن يغير عليهم. .

فخرج يسير بالليل، و يمكن النهار، حتى صبّحهم و هم غارون. و كان قد أوعز إلى أصحابه، أن لا يمنعوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا و شاء،

فاستاقوا ذلك كله حتى قدموا المدينة.

و اقتسموا الغنيمة، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل. و غابت السرية خمس عشرة ليلة (1).

و قالوا أيضا: إنهم كانوا قد أصابوا نسوة هناك، فاستاقوهن. و كانت فيهن جارية وضيئة، فقدموا بها المدينة. .

ثم جاء وفد أولئك القوم مسلمين، فكلموا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في السبي، فكلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» شجاعا و أصحابه في ردهن، فسلموهن، و ردّوهن إلى أصحابهن.

و كانت الجارية الوضيئة عند شجاع بن وهب، أخذها بثمن، فأصابها. فلما قدم الوفد خيرّها، فاختارت المقام عند شجاع، فلقد قتل يوم اليمامة و هي عنده، و لم يكن له منها ولد (2).

و نقول:

1-إن ثمة شكوكا تحوم حول هذه السرية، فقد قال الواقدي:

«فقلت لابن أبي سبرة: ما سمعت أحدا قط يذكر هذه السرية.

فقال ابن أبي سبرة: ليس كل العلم سمعته.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 753 و 754 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 142 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 127 و عن عيون الأثر ج 2 ص 164 و راجع: السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 198 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 273 و 274 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 453.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 753 و 754 و راجع: ما عن البداية و النهاية ج 4 ص 274 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 453.

قال: أجل و اللّه» (1).

فرواية هذه السرية منحصرة بابن أبي زيد. الأمر الذي أثار استهجان الواقدي، فاندفع ليعترض على الراوي الذي جاء بعد حوالي مائتي سنة من شهادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجد الجواب الحاسم، الذي ينضح بروح القمع، و يرشح بالغيظ و التحدي.

2-إذا كانت المسافة بين المدينة و بين السّيّ هي خمس ليال كما ذكروه (2)، و كان المطلوب هو مهاجمة جمع من هوازن كانوا هناك، فهل يكفي أربعة و عشرون رجلا لإنجاز هذه المهمة؟ !

3-لماذا يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مهاجمة هذا الجمع من هوازن، فهل كان بينه «صلى اللّه عليه و آله» و بينهم عهد فنقضوه؟ !

أو هل اعتدوا على أحد من المسلمين، أو أغاروا على أطراف المدينة، فيريد «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤدبهم؟ !

أو هل كان «صلى اللّه عليه و آله» يمارس شن الغارات على الآخرين بهدف سلب أموالهم، على عادة العرب في زمانه؟ !

أو هل كلف هذه السرية بمهمة إرشاد و دعوة هؤلاء القوم إلى الإسلام، و لكن بهذه الطريقة التي لا يرضاها اللّه سبحانه، و لا يقرها شرع و دين؟ !

إن رواية ابن أبي زيد لم تستطع أن توضح لنا شيئا من ذلك.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 754.

2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1240 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 127 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 142 و التنبيه و الإشراف ص 230 و عن عيون الأثر ج 2 ص 164 و راجع معجم البلدان أيضا.

الباب الحادي عشر: مؤتة. . إلى الفتح

اشارة

الفصل الأول: من المدينة. . إلى مؤنة

الفصل الثاني: معركة مؤتة

الفصل الثالث: خالد يضيع النصر الأعظم

الفصل الرابع: نهايات و نتائج

الفصل الخامس: صورة موهومة لسرية ذات السلاسل

الفصل السادس: الصورة الحقيقية لغزوة ذات السلاسل

الفصل السابع: رواية القمي توضح. . بل تصرح

الفصل الثامن: سرايا حدثت. . إلى فتح مكة

الفصل التاسع: حنين الجذع. . و منبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله

الفصل الأول: من المدينة. . إلى مؤتة

اشارة

أول بعث إلى خارج الجزيرة:

ذكر بعضهم: أن بعث مؤتة كان أول بعث يرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خارج الجزيرة العربية، و داخل الأراضي الشامية، التابعة للروم (1).

و نقول:

تقدم: أن سرية أخرى كانت قد قصدت ذات أطلاح، و هي من أرض الشام، و هي في البلقاء من الأردن. و هذه المناطق كانت تحت سيطرة الروم.

و تقدم أيضا: أن غزوة دومة الجندل قد حصلت قبل سرية مؤتة بزمان، و تقع دومة الجندل على خمس ليال من دمشق، و على خمس عشرة ليلة من المدينة، أو ست عشرة، فهي من أعمال الشام (2). و قد ذكرنا هذه الغزوة في الجزء العاشر صفحة 104 (3)من هذا الكتاب، فراجع.

فلا يصح قوله: إن غزوة مؤتة هي أول بعث يرسله «صلى اللّه عليه


1) الكتاب السابع من معارك الإسلام الفاصلة: غزوة مؤتة ص 5.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 12 و 13 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 63 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 93 و التنبيه و الإشراف ص 214 و 215 و عن عيون الأثر ج 2 ص 32 و السيرة الحلبية ج 2 ص 581.

3) الجزء الثامن ص 387{الطبعة الرابعة} و الجزء 14 ص 336{الطبعة الخامسة} .

و آله» إلى خارج الجزيرة العربية، و داخل الأراضي الشامية التابعة للروم.

و ربما تكون هذه الغزوات تهدف إلى إعداد المسلمين للحروب التي تنتظرهم خارج الجزيرة العربية، و لا سيما مع الدولتين الأقوى في المنطقة، و هما الروم و فارس.

تاريخ غزوة مؤتة:

قال بعضهم: المعروف بين أهل المغازي: أن سرية مؤتة كانت سنة ثمان، لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكره خليفة بن خياط في تاريخه: أنها سنة سبع (1).

و لكن خليفة بن خياط قد ذكرها في أحداث سنة ثمان (2)، و ليس فيه.

و عند الترمذي: أن سرية مؤتة كانت قبل عمرة القضاء (3).

قال في النور: و هذا غلط لا شك فيه (4).

و قال الذهبي: قلت: كلا، بل مؤتة بعدها بستة أشهر جزما (5).

و قال الحافظ بعدما نقل كلام الترمذي: هو ذهول شديد، و غلط مردود، و ما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته (6).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157.

2) تاريخ خليفة بن خياط ص 52.

3) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 235 و 236 و سنن الترمذي ج 4 ص 217 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 113 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 103.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157.

5) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 236.

6) تحفة الأحوذي ج 8 ص 113.

نصوص حول سبب غزوة مؤتة:

قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة (1)عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، و هو من أمراء قيصر على الشام، فقال: أين تريد؟

قال: الشام.

قال: لعلك من رسل محمد؟

قال: نعم، أنا رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فأمر به، فأوثق رباطا، ثم قدمه، فضرب عنقه صبرا.

و لم يقتل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رسول غيره.

فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر، فاشتد عليه. و ندب الناس، و أخبرهم بمقتل الحارث، و من قتله. فأسرع الناس و خرجوا فعسكر بالجرف، و لم يبين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر (2).

إلى أن يقول النص: و عسكر الجيش قبل خروجه في الجرف، و هو


1) مؤتة: موضع معروف عند الكرك بالأردن.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 755 و 756 و الطبقات الكبرى لابن سعد {ط دار صادر} ج 2 ص 128 و {ط ليدن} ج 4 ص 24 و 65 و السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و البحار ج 21 ص 58 و 59 عن شرح النهج للمعتزلي، و الإصابة ج 1 ص 286 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 304 و 305 و أسد الغابة ج 1 ص 342 و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 94 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 61 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 7 و ج 11 ص 464 و ج 19 ص 683 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 204.

موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام (1).

و خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في إثرهم، و صلى الظهر بالمسلمين في ذلك الموضع، ثم عين أمراء الجيش (2).

قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن عبد اللّه عن الزهري، قال: إن بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مؤتة قد كان في جمادى الأولى سنة ثمان، إلى آخر ما سيأتي (3).

و قال محمد بن عمر أيضا، عن عمر بن الحكم، عن أبيه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما صلى الظهر جلس، و جلس أصحابه حوله، و جاء النعمان بن مهض {فنحص} اليهودي، فوقف على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :


1) معجم البلدان ج 2 ص 128 و راجع: تنوير الحوالك ص 69 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 173 و 486 و ج 6 ص 95 و 159 و 251 و تاج العروس ج 6 ص 56.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 756.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 144 عن البخاري ج 7 ص 583 و السيرة الحلبية ج 3 ص 6 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 215 و عن فتح الباري ج 7 ص 393 و المعجم الكبير ج 5 ص 84 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 128 و ج 3 ص 530 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 6 و ج 19 ص 368 و 373 و عن أسد الغابة ج 1 ص 288 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 229 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 318 و 319 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 275 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 829 و عن عيون الأثر ج 2 ص 164 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 455.

«زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة، فإن أصيب عبد اللّه بن رواحة، فليرتض المسلمون رجلا منهم فليجعلوه عليهم» .

فقال النعمان بن مهض {أو فنحص} : «يا أبا القاسم، إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان، ففلان، فلو سمى مائة أصيبوا جميعا.

ثم إن اليهودي جعل يقول لزيد بن حارثة: «اعهد، فإنك لا ترجع الى محمد إن كان نبيا.

قال زيد: «فأشهد أنه رسول صادق بار» .

و قالوا أيضا: و عقد لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لواء أبيض، و دفعه إلى زيد بن حارثة. و أوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، و أن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، و إلا استعينوا عليهم باللّه تبارك و تعالى و قاتلوهم (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات عديدة؛ هي التالية:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 144 و 145 عن الواقدي، و البداية و النهاية ج 4 ص 241 و السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و راجع: البحار ج 21 ص 58 و 59 عن الخرايج و الجرايح و ج 21 ص 59 عن المعتزلي. و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 61 و 62 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 8.

ليرتض المسلمون رجلا! !

ذكر النص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: فإن أصيب عبد اللّه بن رواحسة فليرتض المسلمون رجلا منهم، فليجعلوه عليهم. .

و نقول:

إن ذلك موضع شك و ريب، فقد روي: أن عبد اللّه بن عباس، أو عبد اللّه بن جعفر قال لمعاوية:

«يا معاوية، أما علمت: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين بعث إلى مؤتة أمّر عليهم جعفر بن أبي طالب، ثم قال: إن هلك جعفر بن أبي طالب، فزيد بن حارثة، فإن هلك فعبد اللّه بن رواحة!

و لم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم» (1).

و لعل هذا هو الأقرب إلى الاعتبار: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم بأنهم بعد قتل ابن رواحة سوف ينهزمون أسوأ هزيمة، إذ لا معنى لجعل أمير للهزيمة، و للمنهزمين، لأن الحاجة إلى الأمير إنما تكون في حالة الثبات و التصدي، ليقود العمليات الحربية، و يحدد وظائف المحاربين. .

و أما إذا كانت الهزيمة، فأية قيادة يمارسها، و أية وظائف يحددها؟ !

و هل تبقى الحاجة إلى أن يقرر لهم: أن يرتضوا لأنفسهم رجلا، ليجعلوه عليهم؟ !


1) كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 844 و قاموس الرجال ج 6 ص 40 و البحار ج 33 ص 269 و كلمات الإمام الحسين «عليه السلام» للشريفي ص 610 و مواقف الشيعة ج 2 ص 72.

طعن الصحابة في إمارة زيد:

روى البخاري عن عبد اللّه بن دينار، عن عبد اللّه بن عمر، قال: «بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعثا و أمّر عليهم أسامة بن زيد (1)، فطعن (بعض) الناس في إمارته، و قالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟

فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: «قد بلغني أنكم قلتم في أسامة، إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 96 و ج 6 ص 144 و في هامشه عن البخاري كتاب المغازي {4468} ، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 190 و 250. و راجع: صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 4 ص 213 و ج 5 ص 145 و ج 7 ص 217 و ج 8 ص 117 و نهج السعادة ج 5 ص 260 عن كنز العمال، و فضائل الصحابة ص 24 و عن مسند أحمد ج 2 ص 110 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 131 و عن سنن الترمذي ج 5 ص 341 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 128 و ج 8 ص 154 و ج 10 ص 44 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 532 و ج 8 ص 549 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 52 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 518 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 183 و كنز العمال ج 7 ص 269 و ج 10 ص 578 و ج 11 ص 651 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 238 و الطبقات الكبرى لابن سعد {ط دار صادر} ج 2 ص 250 و ج 4 ص 65 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 46 و 49 و ج 8 ص 61 و ج 19 ص 363 و تهذيب الكمال ج 10 ص 37 و معجم البلدان ج 1 ص 50 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 429 و 462 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 291 و ج 5 ص 242 و عن السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 481 و 482 و ج 4 ص 440 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1025.

إمارة أبيه من قبل، و أيم اللّه، إن كان لخليقا للإمارة، و إن كان لمن أحب الناس إليّ، و إن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده» .

و روى الإمام أحمد، و النسائي، و ابن حبان في صحيحه، و البيهقي عن أبي قتادة، قال: «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جيش الأمراء و قال: «عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة» .

قال: فوثب جعفر رضي اللّه عنه، و قال: (بأبي أنت و أمي)يا رسول اللّه، ما كنت أرهب أن {أو ما كنت أذهب إن} تستعمل عليّ زيدا» .

فقال: «امض، فإنك لا تدري أي ذلك خير» (1).

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لجيش مؤتة:

و زعم بعضهم أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهاهم أن يأتوا مؤتة، فغشيتهم ضبابة، فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة (2).

و روى محمد بن عمر، عن خالد بن يزيد، قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف و وقفوا حوله، فقال:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 145 و مسند أحمد ج 5 ص 299 و دلائل النبوة ج 4 ص 367 و حلية الأولياء ج 9 ص 26 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 46 و 47 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 322 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 158.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 759.

«اغزوا باسم اللّه، فقاتلوا عدو اللّه و عدوكم بالشام، و ستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس، فلا تعرضوا لهم، و ستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف.

لا تقتلن امرأة، و لا صغيرا ضرعا، و لا كبيرا فانيا، و لا تقربن نخلا، و لا تقطعن شجرا، و لا تهدمن بيتا {بناء خ ل}» (1).

و روى محمد بن عمر (الواقدي)، عن زيد بن أرقم (رفعه): أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أوصيكم بتقوى اللّه، و بمن معكم من المسلمين خيرا. اغزوا باسم اللّه، في سبيل اللّه، من كفر باللّه. لا تغدروا، و لا تغلوا، و لا تقتلوا وليدا. و إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهن ما أجابوكم إليها فاقبلوا منهم، و كفوا عنهم الأذى.

ثم ادعوهم الى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبروهم: أن لهم ما للمهاجرين، و عليهم ما على المهاجرين.

فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبروهم: أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم اللّه (الذي يجري على المؤمنين)، و لا يكون لهم في الغنيمة و الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.

فإن هم أبوا فسلوهم الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم، و كفوا عنهم.

فإن هم أبوا فاستعينوا باللّه عليهم و قاتلوهم.


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 69 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 146 و المغازي للواقدي ج 2 ص 758 و السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و البحار ج 21 ص 60 عن المعتزلي، و شجرة طوبى ج 2 ص 298 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 65 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 9 و 10.

و إن حاصرتم أهل حصن أو مدينة فأرادوكم أن تجعلوا لهم ذمة اللّه و ذمة رسوله، فلا تجعلوا لهم ذمة اللّه، و لا ذمة رسوله. و لكن اجعلوا لهم ذمتكم، و ذمة آبائكم، إن تخفروا ذممكم و ذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة اللّه و ذمة رسوله» . و ذكر نحو ما سبق (1).

سبب غزوة مؤتة:

و لنا مع كل هذه النصوص المتقدمة وقفات، نجملها على النحو التالي:

تقدم قولهم: إن سبب سرية مؤتة هو قتل الحارث بن عمير، على يد شرحبيل بن عمرو الغساني. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 146 و المغازي للواقدي ج 2 ص 757 و البحار ج 21 ص 59 و 60 عن المعتزلي، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 64 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 52 وفقه السنة ج 2 ص 624 و الكافي ج 5 ص 29 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 138 و 139 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 59 و البحار ج 19 ص 179 و عن مسند أحمد ج 5 ص 358 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 139 و 140 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 953 و 954 و سنن الترمذي ج 3 ص 85 و السنن الكبرى ج 9 ص 49 و مجمع الزوائد ج 5 ص 256 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 218 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 645 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 172 و 207 و 233 و 241 و 242 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 6 و 7 و المنتقى من السنن المسندة ص 261 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 42 و معرفة علوم الحديث ص 240 و مسند أبي حنيفة ص 147 و نصب الراية ج 4 ص 226 و كنز العمال ج 4 ص 380 و 480 و تهذيب الكمال ج 27 ص 548 و 549.

و قيل في مقابل ذلك:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث الحارث بن عمير إلى هرقل عظيم الروم بالشام (1).

غير أننا نقول:

1-إن هذا القول لا ينافي القول السابق، إذ لعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل الكتاب إلى ملك بصرى ليوصله إلى ملك الروم.

2-إننا نلمح في النص المتقدم قدرا من التهافت، فإنه يقول: «و ندب الناس، فأخبرهم بمقتل الحارث، و من قتله، فأسرع الناس، و خرجوا، فعسكر بالجرف.

ثم يقول مباشرة: «و لم يبين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر» .

فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» لم يبين الأمر، فما معنى إخباره الناس بما جرى، حتى أسرعوا، و خرجوا فعسكروا؟ !

ألا يعد هذا بيانا للأمر؟ ! . فإن كل إنسان لو سأل عن السبب في هذا الإسراع بالخروج، فسوف يجيب: بأنه هو قتل الحارث بن عمير، و أن القصد هو المسير لمعاقبة من فعل ذلك. .

إلا أن يقال: إن المقصود هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أبقى وجهة سيره مخفية عن اليهود و المشركين، و لم يخبر بها إلا الذين انتدبهم للخروج.

و لكن قوله: «لم يبين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر» يفيد أمرا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 40 عن الإستيعاب، و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 350 و عن عيون الأثر ج 2 ص 165.

عاديا، و هو: أنه أبقى الأمر مخفيا حتى عن أصحابه. .

أو يقال: إنه إنما أخبرهم بمقتل الحارث، و لم يطلب منهم التجهز للحرب، لكنهم هم الذين أسرعوا إلى المعسكر بالجرف. .

أو أنه ندبهم على الحرب، بعد أن أخبرهم بما جرى للحارث، و لكنه لم يصرح لهم بأنه يريدهم لمحاربة قاتلي الحارث، أو لغيرهم من أعدائه. بل ترك الأمر غامضا، و عرضه لكل احتمال. .

و لعل هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب، و الأصوب.

ذات أطلاح هي السبب:

زعم بعضهم: أن سبب سرية مؤتة ليس هو قتل الحارث بن أبي عمير، بل سببها هو قتل أربعة عشر رجلا من المسلمين، على يد العرب المتنصرة، في سرية ذات أطلاح جنوب الشام، في منطقة البلقاء بالأردن. و كان يحكمها الحارث بن أبي شمر الغساني باسم ملك الروم.

و بعد قتلهم أطلق الحارث هذا تهديدات بغزو النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1)، فبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى تجهيز هذا الجيش ردا على هذه التهديدات. .

و نقول:

1-إن الذين قتلوا الأربعة عشر رجلا هم من قضاعة، لا من الغساسنة. و رئيسهم رجل يقال له: سدوس (2)، و ليس هو الحارث بن أبي شمر الغساني.


1) الكتاب السابع من معارك الإسلام الفاصلة: غزوة مؤتة ص 253.

2) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 155 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 313 عن الواقدي.

2-و أما التهديدات المشار إليها، فلا تصلح مبررا لإرسال الجيش، إلا إذا أريد به تسديد ضربة استباقية، يؤخذ العدو فيها على حين غرة.

و من الواضح: أن الأمور لم تجر على هذا النحو.

مناقشة مردودة:

و ربما يقال: إن ثمة مجالا واسعا للتشكيك في قصة قتل الحارث بن عمير الأزدي، على اعتبار أن راويها هو الواقدي، ثم أخذه عنه كاتبه ابن سعد و غيره.

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني كتابا مع شجاع بن وهب. فلما بلغه ذلك، قال: من ينزع ملكي، فأنا سائر إليه، و بدأ بالتجهيز للمسير إلى المدينة.

فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: باد ملكه.

و كتب الحارث إلى قيصر يخبره بالأمر، فكتب إليه قيصر: أن لا تسر إليه، واله عنه، {أي لا تذكره} ، و اشتغل بإيلياء {أي ببيت اللّه} و هو بيت المقدس، لأن قيصرا كان قد نذر: إن انتصر على الفرس أن يمشي إلى بيت المقدس. و كان يريد من الحارث أن يهيء لإنزاله (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 255 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 462 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 652 و التنبيه و الإشراف ص 226 و شرح الزرقاني للمواهب اللدنية ج 4 ص 356 و عن السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} ج 3 ص 80 و البداية النهاية ج 4 ص 268 و تأريخ الخميس ج 2 ص 38 و البحار ج 20 ص 393 و الكامل ج 2 ص 213 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 261 و في {ط أولى} ق 2 ص 17 و ج 3 ص 194 و في {ط ثالثة} ق 1 ص 66 و المنتظم ج 3 ص 289 و المصباح المضيء ج 2 ص 314-316 و راجع: نصب الراية ج 6 ص 566 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 669 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3211.

و زعم بعضهم: أن الحارث الغساني قد أسلم أيضا (1).

و ذلك كله يدل: على أن السبب ليس هو قتل الحارث بن عمير، بل هو هذا الموقف من ابن أبي شمر الغساني.

و يرد على هذه المناقشة: أن الرسالة التي حملها شجاع بن وهب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر، إنما حملها إليه سنة ست أو سبع، و ذلك حين كتب «صلى اللّه عليه و آله» إلى الملوك (2)، و حينئذ نهاه قيصر عن غزو المدينة، و أمره بالاشتغال ببيت المقدس.

و لكن هذا لا يمنع أن تكون هناك رسالة أخرى أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى قيصر بواسطة الحارث، أو إلى الحارث بن أبي شمر نفسه مع الحارث بن عمير، فأخذه شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله. .

جموع الروم و قرار الحرب:

إن ما يدعو إلى التأمل: هو أن يكون الجيش الذي واجهه المسلمون في مؤتة بهذه الأعداد الضخمة، حيث يعد بعشرات، بل بمئات الألوف. . مائتا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 255.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و 293 و 294 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 461 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 651 و 667 عن الواقدي، و عن تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 367 و عن الإصابة ج 6 ص 226.

ألف، أو مائتان و خمسون ألفا و هذه الأعداد تحتاج إلى وقت طويل، و إلى جهد كبير لجمعها، و إعدادها.

كما أن جيشا بهذا المستوى لا يعدّه هرقل لمحاربة جماعة صغيرة لم تستطع أن تجهز لأكبر حرب خاضتها أكثر من ألف و خمسمائة مقاتل. .

بل هو يعده لمحاربة جيوش ضخمة و من هو مثل كسرى في سعة الملك، و كثرة الرجال، و التوفر على الأموال التي تمكنه من التجهيزات المتميزة.

و هذا يعطينا: أن هذا الجيش لم يجهزه قيصر لمجرد دفع غائلة سرية مؤتة. . بل لعله أراد به الانقضاض على منطقة الحجاز بأسرها، للقضاء على دعوة الإسلام و احتلال جزيرة العرب كلها، في وقت كان يرى فيه انشغال المسلمين بحرب المشركين، و يهود المنطقة.

و يكون بذلك قد تمكن من توسعة نفوذه، في منطقة محيطة بملك الأكاسرة، الذين استطاع أن يسجل نصرا عليهم، و يريد استثمار هذا النصر في وقت بدا له فيه أنهم غير قادرين على لمّ الشعث، و جمع الجموع لمواجهته في منطقة حساسة، و في قلب الصحراء، و في منأى عن أي نفوذ لكلا الدولتين.

و لو كان يرتبط جمع الجموع بدفع سرية مؤتة، بسبب ما فعله شرحبيل بن عمرو الغساني، فلماذا يكون العنوان المطروح بين المسلمين هو أنهم: يسيرون لمحاربة ملك الروم؟ !

و إذا كنا نعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرصد كل تحركات أعدائه، و كان يستطيع من خلال ذلك أن يعرف حتى نوايا الأشخاص، و ما يحدثون أنفسهم به، فهل يغفل عن تحركات كسرى و قيصر، و هو قد بعث بالأمس القريب إليهما يدعوهما لاتباعه و الدخول في دينه.

فذلك كله يدعونا إلى القول: بأنه كان على علم تام بهذه الجموع المحتشدة، و بمقاصدها. . و بأن قتل الحارث بن عمير الأزدي كان هو الإشارة للمسلمين، التي جعلتهم قادرين على تلمس خطورة الأمر، و شحذت هممهم للنفير لمواجهة الخطر المحدق، بطريقة توجب تشويش الأمور على قيصر، و تمنعه من متابعة مسيرته، و تحجب عنه فرصة اتخاذ القرار النهائي بالتوغل إلى عمق منطقة الحجاز، و تعيد الأمور بالنسبة إليه إلى نقطة الصفر، و لو بأن تثور عاصفة من الشكوك حول حاجة هذا الجيش الذي هيأه إلى إعادة تجهيز، و إلى تهيئة روحية، و إلى شحن نفسي جديد. .

فإنه إذا كان ثلاثة آلاف مقاتل، بإمكانياتهم المتواضعة قد واجهوا جيشا مؤلفا من مائتي ألف، كانوا بأحسن عدة، و أتم تجهيز. .

و إذا كان قادة هذا الجيش هم أكثر الناس حرصا على التضحية و الفداء حتى الاستشهاد، و قد ظهرت منهم هذه البسالة النادرة، رغم أنهم في بلد عدوهم، و إذا كانوا لم ترهبهم عدة و لا عدد عدوهم. . فكيف يكون حال القتال معهم إذا دهمهم الخطر في بلدهم، و أصبح دينهم و نبيهم في معرض الخطر الحقيقي؟ !

و إذا كان هذا هو فعل الطليعة، و السرية، فكيف يكون فعل الجيش الذي وراءها، و لا بد أن يكون فيه الشجعان و الأبطال، و الأشدّاء من الرجال. .

و لا سيما قالع باب خيبر، و البطل المظفر، علي بن أبي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه. . الذي لا بد أن يكون صدى ضرباته الماحقة و هجماته الساحقة، و اقتلاعه لباب خيبر قد بلغ مسامع قيصر، و كل بطل و شجاع! !

فهذه السرية رغم أنها لم تسر وفق ما يريده اللّه و رسوله باعتبار أن

خالدا قد انهزم بالجيش بعد قتل قادته الثلاثة. إلا أنها حققت-و لا شك- الحد الأدنى من أهدافها. .

و لولا الهزيمة التي جرّها خالد عليهم. فلربما يكون إنجازها هائلا و عظيما. ليس بإمكاننا التكهن بحدود عظمته، و بمدى أهميته.

مهمات الجيش خطيرة. . و قد ضاعت:

تقدمت الإشارة إلى: أن ثمة ما يشير إلى معرفة المسلمين أو خصوص القادة منهم بأن لهذا البعث مهمات خاصة، على درجة عالية جدا من الخطورة، و يبدو لنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعلم الناس بأن القادة يقتلون، ثم يكون نصر عظيم، لو واصل الجيش القيام بواجبه. .

فقد ذكروا ما يلي:

1-إنه حين عيّن «صلى اللّه عليه و آله» قادة الجيش، و اعترض جعفر، و أمره «صلى اللّه عليه و آله» بالمضي. . «بكى الناس، و قالوا: هلاّ متعتنا بهم يا رسول اللّه، فأمسك» (1).

2-إن عبد اللّه بن رواحة لم يزل يظهر ما يدل على: أنه متوقع للشهادة منذ أمّره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد ظهرت منه العديد من الإشارات إلى ذلك في شعره، و في كلماته، و في ممارساته، كما تظهره النصوص التي أوردنا قسما وافرا منها.

3-إن أهل المدينة قد واجهوا الجيش المهزوم بحنق شديد، و عاملوهم


1) الكامل في التاريخ ج 2 ذكر غزوة مؤتة.

بقسوة ظاهرة، و لم يشفع لهم عندهم أنهم كانوا ثلاثة آلاف فقط في مقابل مائتي ألف، أو مائتين و خمسين ألفا.

الأمر الذي يعني: أن الناس كانوا يتوقعون نصرا هائلا و عظيما، و قد ساءهم تضييعه. .

خالد يضيع نتائج المعركة:

و من المعلوم: أن قائد الهزيمة، هو خالد بن الوليد، الذي كان لحركته في ذلك الجيش أثر بالغ في تهيئة ظروف فرضت تلك الهزيمة، و بذلك يكون قد أبطل التدبير النبوي، و ضيّع نتائج عظيمة و خطيرة، كان «صلى اللّه عليه و آله» قد خطط لتحقيقها.

و لأجل ذلك وجدنا من المسلمين موقفا حادا و صارما جدا من ذلك الجيش العائد بقيادة مدير الهزيمة و صانعها خالد بن الوليد.

و يكفي أن نذكر: أنهم كانوا يحثون التراب في وجوه العائدين، و قد قاطعوهم، و هجروهم، و لم يعد الواحد منهم يجرؤ على الظهور بين الناس، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما سنرى.

و لم نجدهم اعتذروا و لا اعتذر أحد عنهم، بأنهم قد واجهوا جيشا مؤلفا من مائتي ألف مقاتل، كان في أتم عدة، و أحسن تجهيز.

و هذا يدل: على أن الناس كانوا يعرفون أن إمكانات الصمود كانت متوفرة، و أن هناك مهمات لم تنجز، بسبب هذا الفرار المبكر و غير المبرر من ساحة المعركة.

الوصايا تشي و تنم:

و لذلك نقول:

إن الخيارات التي تحدث عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين جهز جيش مؤتة، تشي بأن المطلوب هو: أن ينتهي الأمر-بعد استشهاد القادة-إلى نتائج عظيمة و هائلة، و هي أن يصبح بإمكان جيش المسلمين وضع جيش العدو أمام خيارات تنتهي كلها بتسجيل النصر عليه، و حسم الأمر. . و ذلك حين يواجهه بعروضه التي وضعها ضمن مخطط متكامل في خطوات تتبع اللاحقة منها السابقة، فقد أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يعرض عليهم:

1-الدخول في الإسلام.

فإن فعلوا دعاهم إلى:

ألف: التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. .

ب: فإن فعلوا يخبرهم: أن لهم ما للمهاجرين، و عليهم ما عليهم.

ج: و إن اختاروا دارهم، فلا يكون لهم في الفيء و لا في القسمة شيء إلا إذا جاهدوا مع المسلمين.

2-فإن أبوا الإسلام، يعرض عليهم إعطاء الجزية.

فإن قبلوا يكف عنهم.

3-و إن أبوا إعطاء الجزية، فليستعن باللّه، و ليقاتلهم. .

و رسم له في حال القتال: أنه:

ألف: إذا حاصر مدينة، أو حصنا، فأرادوه أن يستنزلهم على حكم اللّه تعالى، فلا ينزلهم عليه، بل ينزلهم على حكمه.

ب: و إن أرادوه أن يجعل لهم ذمة اللّه و ذمة رسوله، فلا يقبل منهم، بل يجعل لهم ذمته، و ذمة أبيه، و ذمة أصحابه. .

فهذا المخطط التام إنما يناسب جيشا واثقا بالنصر، مطمئنا إلى أنه يذهب إلى فتح المدن و الحصون، و تكون يده العليا في حروبه مع أعدائه. .

مع أن ظاهر الأمر: أنه يرسله إلى حرب مائتي ألف، أو إلى مائتين و خمسين ألف مقاتل، مجهزين بأتم عدة، في جيش لا يزيد على ثلاثة آلاف، مع ضعف ظاهر في تجهيزاتهم، و عدّتهم.

و هذه الوصايا تدل على عدم صحة ما ذكره البعض: من أن المطلوب من جيش مؤتة كله هو الاستشهاد، بل المطلوب هو إنجاز أمر عظيم و هائل، و هو النصر على جيوش الروم رغم كثرة عددها، و حسن عدتها، حتى لو كانت قيمة هذا النصر هو استشهاد القادة.

و لكن ما صنعه خالد: قد أفسد ما كان دبره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فثارت ثائرة المسلمين، حيث واجهوا الجيش العائد مع خالد بالطرد، و النبذ، و المقاطعة كما سنرى.

سرية دعوة، أم سرية حرب؟

و ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى القادة بأن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، و أن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، و إلا فاستعينوا عليهم باللّه تبارك و تعالى، و قاتلوهم.

و نقول:

إن هذه الوصية لا بد أن تكون جارية وفق المسار العام للأحداث،

و هي من الأمور التي ربما يكون المراد منها ترتيب الأوضاع فيما يرتبط بالأساليب العامة، التي يراد لها أن تهيمن على حركة الواقع، وفق الضوابط الدينية و الإيمان. .

و قد دلت هذه الوصية: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يتصرف بصورة انفعالية و متشنجة، فلم يطلب من أصحابه أن يغيروا على الناس هناك، و يوقعوا بهم، و لا أن يقتلوا، و يأسروا، و يغنموا. بل هو قد أمرهم بالدعوة إلى اللّه سبحانه و تعالى، وفق المقررات التي تقدمت، مع ملاحظة ما يلي:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب من أصحابه أن يبدأوا حركتهم من ذلك الموضع الذي تعرض فيه أحد المؤمنين لأفحش الظلم، حيث قتل صبرا بحد السيف. و هذا من شأنه أن يزيد أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» بصيرة في أمرهم، و يفرض عليهم أن يتعاملوا مع الأمور بروح المسؤولية، و الإنصاف، و الانضباط، ضمن الحدود، و الأحكام الشرعية. إذ لا مجال للانفعال، و العبثية، و لا مكان للظلم و التعدي في حركة الإنسان المسلم. .

ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما طلب منهم أن يدعوا من يجدونه في ذلك الموضع إلى الإسلام، و لم يحدد لهم فئة و لا أشخاصا بأعينهم، و لم يذكر لهم اسم شرحبيل بن عمرو الغساني، ربما لعلمه «صلى اللّه عليه و آله» أنهم لن يصادفوه هناك، حيث سيكون في ضمن جيش الروم، كما أنه يريد أن يبعد القضية عن أجواء الانتقام من الأشخاص، و عن حدود النظرة الضيقة، لتصبح قضية قيم و مبادئ، يراد لها أن تكون هي المهيمنة على سلوك الناس، و على قراراتهم، و مواقفهم، و كل حياتهم. .

وصايا في نطاق الأهداف الإلهية:

و بعد. . فإن للمحارب أن يتوسل بمختلف الأساليب المشروعة، التي تمكنه من تسجيل النصر على عدوه. فحتى الخدعة، التي أشير إليها في قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : الحرب خدعة (1)، لا بد أن لا تخرج عن دائرة ما


1) المغني لابن قدامة ج 10 ص 396 و كشف القناع ج 3 ص 79 و سبل السلام ج 4 ص 48 و نيل الأوطار ج 8 ص 56، فقه السنة ج 2 ص 654 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 162 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 102 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 103 و شرح الأخبار ج 1 ص 297 و كنز الفوائد ص 266 و أمالي الطوسي ص 261 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 181 و مسند أحمد ج 1 ص 126 و 131 و ج 2 ص 312 و ج 3 ص 224 و 308 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 24 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 143 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 945 و سنن أبي داود ج 1 ص 593 و سنن الترمذي ج 3 ص 112 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 40 و ج 9 ص 150 و مجمع الزوائد ج 5 ص 320 و عن فتح الباري ج 6 ص 111 و صحيفة همام بن منبه ص 26 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 398 و مسند الحميدي ج 2 ص 519 و المصنف لابن شيبة ج 7 ص 729 و 730 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 193 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 359 و 464 و ج 4 ص 91 و 384 و ج 8 ص 44 و ج 12 ص 130 و المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود النيسابوري، و صحيح ابن حبان ج 11 ص 79 و المعجم الصغير ج 1 ص 17 و المعجم الأوسط ج 2 ص 356 و ج 4 ص 252 و المعجم الكبير ج 3 ص 82 و ج 5 ص 136 و ج 11 ص 293 و ج 18 ص 53 و ج 19 ص 42 و مسند الشاميين ج 1 ص 176 و ج 2 ص 20 و 108 و مسند الشهاب ج 1 ص 40 و 41 و 42 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 279 و ج 15 ص 32.

هو مشروع، و أن لا يتجاوز الإنسان حدود إنسانيته، و أن لا يسقط أية قيمة من القيم التي يؤمن بها.

فلا يجوز أن تؤدي الخدعة إلى سفك دم بريء، كدم الشيخ الفاني، و الطفل و المرأة مثلا، و لا أن تسوق إلى الغدر بمن أعطيته شرف العهد و الوعد، و الخيانة في مال اللّه، أو في مال المسلمين. و هو ما سمي بالغلول.

بل لا بد أن يكون الغزو، ملابسا لاسم اللّه تعالى، متمازجا معه، و أن يكون خطوة تضع المجاهد على طريق الوصول إليه.

و هذا بالذات هو ما ترمي إليه وصيته «صلى اللّه عليه و آله» لجيش مؤتة، حيث قال: «اغزو، باسم اللّه في سبيل اللّه، فقاتلوا من كفر باللّه، لا تغدروا، و لا تغلوا، و لا تقتلوا وليدا» (1).

من وصاياه صلّى اللّه عليه و آله لجيشه أيضا:

تقدم: أن من وصايا النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الجيش هو: أن لا يقطعوا شجرا، و لا يقربوا نخلا، و لا يهدموا بيتا، أو بناء. .

و هذا الحرص على الشجر، سواء في ذلك المثمر منه و غيره، و على النخل الذي يمثل مصدر العيش و الارتزاق للناس، و على البناء و العمران-إن ذلك كله-يشير إلى طبيعة اهتمامات الإسلام، و أنه لا يحارب الناس انطلاقا من حب البطش، و لا استجابة لشهوة القتل أو التلذذ بأذى الآخرين، و حب التنكيل بهم، بل هو يريد أن يدفع ظلمهم، و عتوهم عن نفسه، و عن غيره،


1) المغازي ج 2 ص 757 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 146 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 64 و البحار ج 21 ص 59 و 60 عن الواقدي، و المعتزلي.

و أن يبطل كيدهم، و مؤامراتهم، و أن يحصل على حريته بممارسة قناعاته، بعيدا عن أجواء القهر، و في منأى عن الحدود التي يفرضونها عليه، و القيود التي يقيدونه بها. .

إنه يريد أن يحفظ للبيئة صحتها و سلامتها، و للمناظر الخلابة رونقها و روعتها، و لمصادر الرزق عطاءها و نضارتها، و للبلاد العامرة عمرانها و شموخها و بهجتها. .

و هذا بالذات هو ما يفسر وصاياه «صلى اللّه عليه و آله» لجيش مؤتة، و لغيره من البعوث القتالية، التي كان يضطر لإرسالها.

التحول إلى دار المهاجرين:

و من جملة الخيارات التي طرحها «صلى اللّه عليه و آله» على جيشه، لتعرض على الناس في مسيرهم ذاك، هو التحول إلى دار المهاجرين، ليكون لهم ما للمهاجرين، و عليهم ما عليهم.

و هو خيار لافت للنظر، باعتبار أنه جعل للإنسان الذي يريد أن ينسلخ عن محيطه، ليندمج في محيط آخر لا عهد له به، خصوصية ميزه بها، حيث جعل لعمله هذا قيمة، و للمصاعب التي يتحملها عوضا، ففرض له حقوقا تناسب هذا الواقع الذي استجد له، و تعينه على المصاعب التي سوف يواجهها.

الرسل لا تقتل:

و إن من الأمور التي توافق عليها البشر كلهم، لإدراك حاجتهم إليها لاستمرار حياتهم، و سلامة علاقاتهم، هو الحصانة التي يعطونها للرسل،

و للموفدين، فإن جميع الأمم على اختلاف أديانها، و عاداتها، و حالاتها تمنع من قتل الرسل، و تلتزم بحمايتهم من كل مكروه. . و ترى التعدي عليهم عيبا، بل إن التعدي على حامل الرسالة يعطي الحق لدى البشر جميعا بمعاقبة فاعل ذلك، و لا يعتبرون هذه العقوبة من مفردات التعدي و الظلم للآخرين. .

و لعل بعض ما ذكرناه يفسر لنا حقيقة: أنه لم يقتل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رسول غيره، رغم كثرة رسله و مبعوثيه إلى مختلف الفئات، و في جميع الاتجاهات.

على أن ما فعله شرحبيل قد جاء أشد قباحة، و أظهر وقاحة، باعتبار أنه لم يتثبت من مضمون الرسالة، فلعلها رسالة سلام و وئام، تحقن بها الدماء، و تصان بها الحقوق. .

علما بأن هذه الرسالة لم تكن تعني شرحبيل في شيء، و إنما هي مرسلة إلى غيره، فلماذا يتدخل في شيء لا يعنيه؟ ! و لماذا يفوّت على غيره فرصا، أو يحرمه من منافع يسعى للحصول عليها؟ ! .

و أخيرا نقول:

و نحن و إن كنا نعتقد: أن تجهيز الجيش إلى مؤتة، قد كانت له أهداف جليلة، لعل أهونها منع ذلك الجيش العظيم جدا من الزحف نحو المدينة، و من السعي لامتلاك الحجاز كله. . حيث ستصبح الأمور بالغة التعقيد. .

لكن مما لا شك فيه: أن قتل شرحبيل بن عمرو الغساني، لمبعوث النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بصرى، قد أطلق الشرارة الأولى باتجاه الحرب، و مثّل حافزا للمسلمين لينفروا لمواجهة الخطر، و ليكونوا طليعة جيش الإسلام،

و ليقدموا الأمثولة الكبرى لجيش الروم في الجهاد، و في الاستبسال و التضحية، لكي تعود حالة التوازن إلى ذلك الجيش المغرور بعدّته و بعدده و لتدفعه هذه الصدمة القوية إلى مراجعة حساباته بأناة و روية، و هكذا كان. .

اليهودي. . و قتل القادة:

و رغم أن معجزات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الدالة على نبوته كانت تتوالى. و كانت معجزته الكبرى الخالدة، و هي هذا القرآن الكريم حاضرة لدى جميع الناس، و ماثلة أمام أعينهم.

و قد صرح القرآن نفسه: بأن اليهود كانوا يعرفون النبي العظيم، كما يعرفون أبناءهم.

نعم، رغم ذلك، فقد رأينا: أن هذا اليهودي يبادر إلى الإعلان على الملأ بأن القادة الذين عيّنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، صائرون إلى القتل، ثم إنه علّق صحة نبوته «صلى اللّه عليه و آله» على قتل هؤلاء القادة. .

و من شأن هذا الإعلان: أن يفت في عضد الناس، و أن يرهبهم، و يحبط عزائمهم، خصوصا إذا كان القتل سينال هؤلاء الصفوة حتى جعفر بن أبي طالب «رضوان اللّه عليه» .

و اللافت: أن هذا اليهودي يختار خصوص زيد بن حارثة، ليقول له: «اعهد، فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا» .

فلماذا يخاطب زيدا بهذا الخطاب المرّ، المقرون بالتشكيك بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن ذلك اليهودي كان عارفا بنبوته «صلى اللّه عليه و آله» تماما كما كان يعرف أقرب الناس إليه، من أبنائه و غيرهم، كما

صرح به القرآن الكريم. .

فهل خص ذلك اليهودي زيدا بالخطاب؛ لأنه كان بلا عشيرة ترعاه، و تهتم له؟ ! و تمنع من إطلاق هذا الفأل الذي تعتبره سيئا في حق من ينتسب إليها؟ !

أم أنه اختاره لأنه احتمل أن يظهر شيئا من الضعف في قبال هذا الخبر الذي يصعب وقعه على النفس؟ !

أم اختاره لأنه كان قد تعرض لطعون مرة و قاسية من قبل جماعات كانوا يجهرون بالانتقاص له، و الانتقاد لقيادته؟ ! الأمر الذي يهيء لنشوء حالة من الاتهام له بالتفريط، و عدم القيام بالواجب، و ربما ينجر ذلك إلى توجيه الملامة لمن نصبه في موقع ليس أهلا له. ألا و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه؟ !

لماذا طعنوا في إمارة زيد؟ !

لقد صرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن هناك من يطعن في إمارة زيد. .

و لكن مراجعة حياة زيد، و مشاركاته في السرايا و الغزوات، مذكورة في كتب السير، و لا نجد فيها ما يشير إلى هذا الطعن، و إلى مناشئه، و عناصره، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» صادق فيما قال بدون ريب، فلماذا حذفت تلك الطعون في قيادة زيد، و غيّبت عن ساحة التداول، حتى كأن شيئا لم يكن. .

بل إن الطعون في قيادة ولده أسامة قد غيّبت و حذفت أيضا، و لم يبق منها إلا نزر يسير جدا، ينحصر في مورد أو موردين لا يستحقان أبدا أن

يطلق النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» هذه الصرخة القوية.

ألا يدل حذف تلك الطعون من دائرة التداول على أن شيوع هذا الأمر عن الطاعنين يوقعهم في مشكلة من جهتين:

إحداهما: أنه يفضح نواياهم.

الثانية: أنه يظهر جرأتهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اعتراضهم عليه، و تشكيكهم في صوابية قراراته. .

و الأمر الذي لا مرية فيه: هو التشابه في مضمون الطعن بين ما جرى لزيد و ما جرى لولده. و الطعن في إمارة الوالد إنما هو لتأميره على المهاجرين، و لا أحد في المهاجرين يراد إبعاده عن هذه الدائرة، و إعطاؤه الميزات، و المقامات سوى أبي بكر و عمر، اللذين هما من المهاجرين.

و قد أصبح أسامة أميرا عليهما أيضا. الأمر الذي يدلنا على أن الاعتراض على إمارة زيد قد كان لأجل هذا بالذات.

فلعلهم أنفوا من إمارة زيد على أمثال خالد و غيره من رجالاتهم، لا سيما و أن زيدا قد ابتلي بالرق، و تبرأ منه أبوه، فتبناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و نحو ذلك من أمور لا يرضاها الذين يقيسون الأمور بمقاييس دنيوية، أو حتى جاهلية أيضا.

إنه لمن أحب الناس إلي! !

و أما قوله «صلى اللّه عليه و آله» : إنه لمن أحب الناس إليّ؛ فنحن نرتاب في صحته جدا:

أولا: لأنه يريد أن يجعل ذلك الطعن منحصرا في أسامة و زيد كأشخاص

و في الآخرين كذلك. .

مع أن الظاهر: أن الطعن في نفس إمارة هذا و ذاك، إنما هو موجه للفعل الذي صدر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، أي في عملية التأمير التي هي فعل شخصه «صلى اللّه عليه و آله» . . فالطعن يستهدف مقام النبوة. . لا زيدا و لا أسامة.

كما أن كلمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» تدل على أن هذا الطعن قد شاع و ذاع، حتى صح أن ينسبه إليهم بصورة عامة، فهم إما طاعنون، أو راضون بالطعن. .

ثانيا: إن حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» للناس ليس عشوائيا، و لا مزاجيا، بل هو يحبهم بقدر ما فيهم من فضائل و ميزات، و ملكات، فإذا كان أحدهم من أحب الناس إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا بد أن يكون في مقام من الفضل و التقى، و العلم و العمل الصالح، و الميزات و الملكات يجعله أفضل من جميع من عداه ممن لم ينالوا تلك الدرجة من حب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهم. .

و إذا كان لزيد قسط وافر من هذه الميزات و الفضائل، كما تشهد له نصوص كثيرة، فإن أسامة لم يكن بهذه المثابة، لكي يخصه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الحب دون من عداه، و إذا كان زيد يملك مثل هذه الميزات العظيمة و الظاهرة، فلا مبرر لانتقاد إمارته إلا إرادة حفظ ماء الوجه لبعض من يحبونهم، لكي لا يتأمّر عليهم من ابتلي بالرق، و يرفضون أن يكون بالمستوى و الموقع الذي استحقه بجهده و جهاده، فوضعه اللّه و رسوله فيه.

عودة إلى الطعن في إمارة زيد. . و أسامة:

و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأنه حين جهز النبي «صلى اللّه عليه و آله» -في مرض موته-أسامة بن زيد، ليسير إلى حيث قتل أبوه، طعن بعض الناس في إمارة أسامة، كما طعنوا في إمارة أبيه من قبل. .

و نقول:

أولا: إن رواية البخاري و غيره قد أظهرت: أن الذي ضايقهم هو تأمير أسامة على المهاجرين فقط، حيث قال الطاعنون:

«يستعمل هذا الغلام على المهاجرين» الأولين؟ ! (1).

فلاحظ كلمة «المهاجرين» و لاحظ أيضا كلمة «الأولين» .

و أضافت بعض المصادر اليسيرة كلمة «و الأنصار» (2).

و لعلها أضيفت في وقت متأخر، من أجل حفظ ماء الوجه، و لتعمية الأمر على الأجيال اللاحقة. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 144 و 248 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 583 و السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و عن عيون الأثر ج 2 ص 352 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 190 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 55 و كنز العمال ج 10 ص 572 و البحار ج 21 ص 410 و ج 28 ص 131 و ج 30 ص 429 و المسترشد في الإمامة {بتحقيق المحمودي} ص 112 و الإحتجاج ج 1 ص 173.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 207 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1118 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 188 و عن السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} ج 2 ص 339 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 37.

و كان أهم شيء بالنسبة إليهم هو تأمير أسامة على أبي بكر، و عمر، و أبي عبيدة، و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة، و الزبير، و أسيد بن حضير (1).

ثانيا: إنه لما ظهر تخلف أبي بكر عن جيش أسامة، و قد لعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المتخلف عن جيش أسامة، كان لا بد لهم من لملمة الموضوع، و ترقيع الخرق، و رتق الفتق، فعملوا على تحقيق ذلك بأسلوبين:

أحدهما: إنكار أصل صدور اللعن من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى قال الحلبي ردا على ذلك: «لم يرد اللعن في حديث أصلا» (2).

و زعموا: أن هذا من ملحقات الروافض (3).

الثاني: ادّعاء أن تخلف أبي بكر عن جيش أسامة كان بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأجل صلاته بالناس (4).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52 و البحار ج 30 ص 430 و الدرجات الرفيعة ص 442 و عن إعلام الورى ج 1 ص 263 و قصص الأنبياء للراوندي ص 355 و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 205.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 208.

3) راجع: دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 4.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 208 و المسترشد للطبري ص 116 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 4 عن ابن روزبهان. و عن البداية و النهاية ج 5 ص 242 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 441 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 250 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 37 و كتاب للشافعي ج 1 ص 99 و فقه السنة ج 1 ص 259 و إختلاف الحديث ص 497 و كتاب المستدرك للشافعي ص 29 و 160 و عن مسند أحمد ج 1 ص 209 و ج 6 ص 249 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 166 و 175 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 389 و سنن النسائي ج 2 ص 84 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 304 و ج 3 ص 82 و عن فتح الباري ج 1 ص 464 و ج 5 ص 269 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 831 و المعجم الأوسط ج 5 ص 180 و ج 6 ص 253 و سنن الدارقطني ج 1 ص 382 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 184 و ج 13 ص 33 و كنز العمال ج 8 ص 311 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 215 و 221 و الثقات ج 2 ص 131 و الكامل ج 6 ص 133 و تاريخ بغداد ج 3 ص 443 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 439.

مع أن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة» ، قد روي في مصادر الشيعة و السنة على حد سواء، و قد أرسله جماعة من هؤلاء، إرسال المسلمات. فراجع المصادر في الهامش، و غيرها (1).


1) المعيار و الموازنة ص 211 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدمشقي ج 2 {هامش} ص 172، و المواقف ج 8 ص 376 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 338 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 68 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52 و دعائم الإسلام ج 1 ص 41 و الملل و النحل {ط سنة 1410 ه} ج 1 ص 30 و الدرجات الرفيعة ص 442 و عن السقيفة و فدك للجوهري ص 77 و المهذب لابن البراج ج 1 ص 13 و البحار ج 28 ص 132 و 288 و ج 30 ص 431 و 432 و ج 90 ص 124 و ج 27 ص 324 و الإستغاثة ص 21. و لا بأس بمراجعة: إثبات الهداة ج 2 ص 343 و 345 و 346 عن منهاج الكرامة، و نهج الحق. و مفتاح الباب الحادي ص 197 و حق اليقين ص 178 و 182 و منار الهدى للبحراني ص 433 و مجموع الغرائب للكفعمي ص 288 و أبكار الأفكار للآمدي، و مرآة الأسرار لعبد الرحمن بن عبد الرسول، و شرح المواقف للجرجاني ص 376 و نفس الرحمن ص 598 و إحقاق الحق ص 218 و منهاج الكرامة ص 109 و غاية المرام ج 6 ص 110 و مجمع الفائدة ج 3 ص 218 و الرواشح السماوية ص 140 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 527.

و قد رواه أبو بكر الجوهري، عن أحمد بن إسحاق بن صالح، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الأنصاري، عن رجاله، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن (1).

فما معنى ادّعاء: أنه لم يرد في حديث أصلا. .

أما صلاة أبي بكر بالناس فقد جاءت على سبيل التعدي منه على هذا الأمر، من دون أن يحصل على إذن منه «صلى اللّه عليه و آله» . . فكان أن جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتوكأ على علي «عليه السلام» ، و الفضل بن العباس، و هو في حال المرض الشديد، فعزل أبا بكر عن الصلاة، و صلى هو بالناس (2).

و سيأتي الحديث عن هذين الأمرين في موضعه إن شاء اللّه تعالى. .

الجرف. . و ثنية الوداع:

و ذكرت النصوص المتقدمة: أن الجيش قد عسكر في الجرف، و خرج «صلى اللّه عليه و آله» في إثرهم، و صلى الظهر بالمسلمين في ذلك الموضع، ثم


1) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52.

2) راجع: آفة أصحاب الحديث لابن الجوزي، و مسند أحمد ج 6 ص 224 و ج 1 ص 231 و 232 و 356 و المنتظم ج 4 ص 31 و دلائل النبوة ج 7 ص 191 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 14 ص 568 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 165 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 312 و عن المصنف لابن أبي شيبة {ط الهند} ج 2 ص 329 و ج 14 ص 561.

عيّن أمراء الجيش.

و الجرف يقع على ثلاثة أميال من المدينة، فهو أبعد من عن ثنية الوداع، لأنها كانت قرب مسجد الراية على ذباب (1).

فما معنى قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، حيث أوصاهم هناك بوصاياه؟ ! !

إعتراض جعفر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد زعموا: أن جعفر بن أبي طالب «رضوان اللّه عليه» اعترض على تأمير زيد عليه، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : «امض، فإنك لا تدري أيّ ذلك خير» .

و نقول:

إننا لا نشك في كذب هذه القضية، و ذلك لما يلي:

أولا: إن جعفرا «رضوان اللّه عليه» أجل و أتقى للّه من أن يعترض على قرارات رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، فضلا عن أن يرفض تنفيذها، أو أنه يشكك في صوابيتها، أو بعدالتها.

و كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حقه «عليه السلام» تكفي للتعريف بحقيقته، و بمدى طاعته، و انقياده له «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثانيا: إن النص منقول بنحوين، يفهمان معنيين مختلفين.

فالأول منهما ينسب إلى جعفر قوله: «ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ


1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1169 و معجم البلدان ج 2 ص 128 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 173.

زيدا» . و هذا يدل على قبول جعفر بتأمير زيد عليه. . و لكنه كان بحاجة إلى توضيح السبب في ذلك، فأفهمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن الوقت لا يسمح بالتصريح، فقال له: لا تدري أيّ ذلك خير. .

و الثاني: ينسب إليه قوله: «ما كنت أذهب إن تستعمل علي زيدا» .

و هذا يدل على أنه يرفض الذهاب بالكلية. .

و بعد ما تقدم نقول:

هل الصادر عن جعفر هو إظهار التسليم، أم الصادر عنه التصريح بالاعتراض و الرفض؟ !

أم أن ثمة تصحيفا عفويا أو عمديا من الرواة لتشابه رسم كلمتي «ارهب» و «أذهب» .

ثالثا: إن الأدلة القاطعة قائمة على أن جعفرا كان هو الأمير الأول، فلا مورد لمثل هذه الترهات و الأباطيل من الأساس. . و هذا ما سيتضح فيما يلي:

جعفر هو الأمير الأول:

إن غالب محدثي أهل السنة قالوا: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر على السرية زيدا أولا، و لكن الصحيح هو أن الأمير الأول كان جعفر بن أبي طالب، كما ذهب إليه الشيعة. .

قال ابن أبي الحديد المعتزلي:

«. . قلت: اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة كان هو الأمير الأول، و أنكرت الشيعة ذلك، و قالوا: كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول.

فإن قتل فزيد بن حارثة.

فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة.

و رووا في ذلك روايات، و قد وجدت في الأشعار التي ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم. .» (1).

ثم استشهد بما يأتي من قول حسان بن ثابت، و كعب بن مالك. .

بل يمكن أن يستظهر ذلك من قول اليعقوبي، حيث قال:

«. . و وجّه جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة، و عبد اللّه بن رواحة في جيش إلى الشام، لقتال الروم سنة 8 (2).

و روى بعضهم أنه قال: أمير الجيش زيد بن حارثة، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر بن أبي طالب فعبد اللّه بن رواحة، فإن قتل عبد اللّه بن رواحة، فليرتض المسلمون من أحبوا. .

و قيل: بل كان جعفر المقدم، ثم زيد بن حارثة، ثم عبد اللّه بن رواحة. .» (3).

و قال العسقلاني عن جعفر: «استعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على غزوة مؤتة، و استشهد. .» (4).

و إن كان يمكن أن يكون مراده: أنه استعمله بعد زيد.

و قال الطوسي: «على أنه قد اختلفت الرواية في تقديم زيد على جعفر؛ فروي أن جعفر كان أميرا أولا، و أنشدوا في ذلك أبياتا لحسان بن ثابت،


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 62.

2) تاريخ اليعقوبي {طبع صادر} ج 2 ص 65.

3) تاريخ اليعقوبي {طبع صادر} ج 2 ص 65.

4) تهذيب التهذيب ج 2 ص 198.

و هي الخ. .» (1).

و نحن بدورنا نقول: إن جعفرا كان هو الأمير الأول، و ليس زيدا، على عكس ما اشتهر بين المؤرخين و المحدثين. .

و نستند في ذلك إلى عدة أمور:

1-الروايات التي أشار إليها ابن أبي الحديد، الواردة عن أهل بيت العصمة و الطهارة «عليهم السلام» ، و قد قال السيد شرف الدين في هذا المقام: إن «أخبارنا في هذا متظافرة، من طريق العترة الطاهرة. .» (2).

و منها رواية: أبان عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: إنه استعمل عليهم جعفرا، فإن قتل فزيد، فإن قتل فابن رواحة. . (3).

2-ما رواه ابن سعد في طبقاته، بإسناده عن أبي عامر، قال: «بعثني النبي إلى الشام، فلما رجعت مررت على أصحابي، و هم يقاتلون المشركين بمؤتة. قلت: و اللّه لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم. .

فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، و لبس السلاح {و قال غيره أخذ اللواء زيد بن حارثة} ، و كان رأس القوم، ثم حمل جعفر، حتى إذا همّ أن يخالط العدو، رجع فوحّش بالسلاح، ثم حمل على العدو، فطاعن حتى قتل.

ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة، فطاعن حتى قتل.

ثم أخذ اللواء عبد اللّه بن رواحة، فطاعن حتى قتل.


1) تلخيص الشافي ج 1 ص 227.

2) النص و الإجتهاد {طبع سنة 1386 ه} ص 85 و {ط سنة 1404 ه} ص 26.

3) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 205 و البحار ج 21 ص 55 و إعلام الورى {طبعة ثانية} ص 110 و أعيان الشيعة ج 2 ص 324.

ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة. .» (1).

3-الشعر الذي أشار إليه ابن أبي الحديد. . فقد روي أن حسان بن ثابت رثى شهداء مؤتة، فكان من جملة ما قال:

فلا يبعدن اللّه قتلى تتابعوابمؤتة، منهم ذو الجناحين جعفر

و زيد، و عبد اللّه، حيث تتابعواجميعا، و أسباب المنية تخطر

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهمإلى الحرب ميمون النقيبة أزهر

أغر كضوء البدر من آل هاشمأبي إذا سيم الضلالة مجسر (2)

إلى آخر القصيدة.

حيث لم يكتف في هذا الشعر بذكر التتابع: جعفر، فزيد، فابن رواحة. . بل صرح: بأن القائد لهم إلى الحرب ميمون النقيبة أزهر أغر، من آل هاشم، و هو جعفر، رضوان اللّه تعالى عليه. .

4-قال كعب بن مالك الأنصاري، في رثاء شهداء مؤتة أيضا:

فكأنما بين الجوانح و الحشامما تأوّبني شهاب مدخل


1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 129 و 130 و كنز العمال ج 10 ص 336 عن ابن عساكر.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 26 و البداية و النهاية ج 4 ص 260 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 72 و الإصابة ج 1 ص 238 و أعيان الشيعة ج 2 ص 324 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 62 و 63 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 100 و ديوان حسان. و راجع: شرح الأخبار ج 3 ص 209 و شجرة طوبى ج 2 ص 297 و الدرجات الرفيعة ص 77 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 20 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 491.

وجدا على النفر الذين تتابعوايوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا

إلى أن قال:

فمضوا أمام المسلمين يقودهمفنق عليهن الحديد المرفل

إذ يهتدون بجعفر و لوائهقدام أولهم فنعم الأول

حتى تفرجت الصفوف و جعفرحيث التقى وعث الصفوف مجدل (1)

فقد صرح هو أيضا: بتتابع القواد، و بأن جعفرا كان هو القائد، و كان هو و لواؤه قدام أولهم، فنعم الأول. .

و بالمناسبة، فإن شاعرا آخر من المسلمين، ممن رجع من غزوة مؤتة قد رثاهم أيضا، فقال:

كفى حزنا أنى رجعت و جعفرو زيد و عبد اللّه في رمس أقبر

قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهمو خلفت للبلوى مع المتغير

ثلاثة رهط قدّموا فتقدمواإلى ورد مكروه من الموت أحمر (2)


1) البداية و النهاية ج 4 ص 261 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 27 و 28 و مقاتل الطالبيين ص 15 و أعيان الشيعة ج 2 ص 325 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 63 و تهذيب ابن عساكر ج 1 ص 102 و شرح الأخبار ج 3 ص 210 و 211 و الدرجات الرفيعة ص 78 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 21 و المجدي في إنساب الطالبيين ص 320 عن ديوان كعب بن مالك ص 260-263 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 492 و 493.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 30 و البداية و النهاية ج 4 ص 258 و 259 ما عدا البيت الثالث. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 88 و عن أسد الغابة ج 5 ص 385 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 488.

5-و روى القاضي النعمان، عن أنس بن مالك قال: خطبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عيناه تذرفان، فقال: أخذ الراية جعفر فقتل، ثم أخذها زيد بن حارث فقتل، ثم أخذها عبد اللّه بن رواحة فقتل، ثم أخذها خالد بن الوليد.

ثم إنه «عليه السلام» التفت إلى مؤتة، و قال لهم: بايعهم، إن أصيب جعفر، فأميركم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فأميركم عبد اللّه بن رواحة. و لم يذكر الإمرة بعده غيره (1).

6-قد تقدم قول عبد اللّه بن جعفر-أو ابن عباس-لمعاوية: «يا معاوية، أما علمت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيث بعث إلى مؤتة أمّر عليهم جعفر بن أبي طالب، ثم قال: إن هلك فزيد بن حارثة، فإن هلك زيد، فعبد اللّه بن رواحة، و لم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم الخ. .» (2).

7-و في احتجاج الإمام الحسن «عليه السلام» على معاوية ورد قوله: «و قد بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جيشا يوم مؤتة، فقال: عليكم جعفر، فإن هلك فزيد، فإن هلك فعبد اللّه بن رواحة، فقتلوا جميعا.

فتراه يترك الأمة و لم يعين لهم من الخليفة بعده» ؟ ! ! (3).


1) شرح الأخبار ج 3 ص 206 و 207.

2) كتاب سليم بن قيس {ط النجف} ص 188 و قاموس الرجال ج 6 ص 40 و البحار ج 33 ص 269 و مواقف الشيعة ج 2 ص 72.

3) الإحتجاج ج 2 ص 61 و البحار ج 44 ص 99 و مواقف الشيعة ج 1 ص 368 و العدد القوية ص 49.

مؤيدات لما سبق:

و يمكن تأييد ما ذكرناه آنفا بما يلي:

1-إنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد إرسال هذه الثلة من المسلمين لمواجهة جيش عظيم يصل إلى عشرات أو مئات الألوف، فذلك يشير إلى: أن مستوى الخطورة كان في أعلى الدرجات.

و قد صرح أمير المؤمنين «عليه السلام» : بأنه كان من عادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقذف بأهل بيته في مواقف الخطر، و يقدمهم على كل من عداهم. ففي كتاب منه «صلوات اللّه و سلامه عليه» إلى معاوية قال:

«و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا احمر البأس، و أحجم الناس قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حر السيوف و الأسنة» .

ثم ذكر نتيجة هذا التقديم فقال: «فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، و قتل حمزة يوم أحد، و قتل جعفر يوم مؤتة» (1).

2-و يمكن تأييد ذلك أيضا بما ذكره السيد الأمين (2)من أن جعفرا «رضوان اللّه عليه» كان أشد إخلاصا، و أكثر تصميما، و أمضى عزما منهما،


1) نهج البلاغة {بتحقيق عبده} ج 3 ص 9 و البحار ج 33 ص 112 و 115 و نور البراهين ج 2 ص 318 و نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 180 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 47 و ج 15 ص 77 و أنساب الأشراف ص 281 و وقعة صفين للمنقري ص 90 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 1 ص 360 و العقد الفريد ج 4 ص 336 و المناقب للخوارزمي ص 176 و وضوء النبي للشهرستاني ج 2 ص 328.

2) أعيان الشيعة ج 4 ص 124.

{أي من زيد و ابن رواحة} كما دل عليه ما روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«مثّل لي جعفر، و زيد، و ابن رواحة في خيمة من درّ، كل منهم على سرير، فرأيت زيدا و ابن رواحة في أعناقهم صدود. و رأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، قال: فسألت، أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا، أو كأنهما صدا بوجوههما، و أما جعفر فإنه لم يفعل» (1).

و هذا يدل: على أن جعفرا «عليه السلام» كان هو الأولى بالقيادة و الأحق بالتقديم، فلا معنى لتقديمهما عليه فيها.

3-عن عمر بن علي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة تدمى قادمتاه، و رأيت زيدا دون ذلك، فقلت: ما كنت أظن أن زيدا دون جعفر، فأتاه جبرئيل فقال: إن زيدا ليس بدون جعفر، و لكن فضلنا جعفرا لقرابته منك (2).

فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يظن أن جعفرا دون زيد كما ورد في رواياتهم، فكيف يقدّم زيدا على جعفر؟ !

و هل يصح من النبي «صلى اللّه عليه و آله» تقديم المفضول، و تأخير


1) ذخائر العقبى ص 219 و البحار ج 21 ص 64 و مجمع الزوائد ج 6 ص 160 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 266 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 73 و كنز العمال ج 11 ص 665 و الدرجات الرفيعة ص 77 و عن عيون الأثر ج 2 ص 168 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153.

2) الطبقات الكبرى ج 4 ص 38 و راجع: كنز العمال ج 11 ص 665 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 369.

الفاضل؟ !

ثم إنه يرد على هذه الرواية:

أولا: إن مناط التفضيل ليس هو القرابة في حد ذاتها، إذ لو كان ذلك هو الملاك، لكان ينبغي أن يرضى نقلة الأخبار، بتفضيل علي «عليه السلام» على جميع الصحابة، بمن فيهم أبو بكر و عمر كما أن عليهم أن يحكموا بأفضلية العباس عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جميعهم أيضا بمن فيهم علي «عليه السلام» .

ثانيا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كذلك الأئمة الطاهرون «عليهم السلام» قد صرحوا بفضل جعفر، بنحو يظهر: أن زيدا لا يمكن أن يدانيه في الفضل، حيث عدّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما ورد-في الذين اصطفاهم اللّه على العالمين (1).

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن علي «عليه السلام» : أن جعفرا أحد السبعة الذين لم يخلق في الأرض مثلهم (2).

و الأحاديث في فضل جعفر كثيرة لا مجال لتتبعها.

فلا معنى لأن ينسبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «ما كنت أظن أن زيدا دون جعفر» .

و بعد كل ما قدمناه: لا يبقى مجال للقول بأن زيدا كان هو الأمير الأول


1) البحار ج 37 ص 63 عن تفسير فرات، و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 36 و تفسير فرات الكوفي {ط وزارة الإرشاد و الثقافة الإسلامي-طهران} ص 80.

2) قرب الإسناد ص 25 ح 84 و الكافي {الروضة} ص 49 و البحار ج 22 ص 275 و منتخب الأثر ص 173.

في مؤتة. . و يتعين أن يكون سيد الجيش هو جعفر، الذي أظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الغم عليه ما لم يظهره على أحد، حتى على عمه حمزة، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» سرّ بقدومه عليه من أرض الحبشة سرورا عظيما، حتى لقد قال-و كان قدم عليه حين فتح خيبر-: «لا أدري بأيهما أنا أشد سرورا بقدومك يا جعفر أم بفتح اللّه على يد أخيك خيبر. .» (1).


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 231 و الخصال ص 484 و 77 و البحار ج 21 ص 24 و راجع: و منتهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 359 و الذكرى ص 249 و روض الجنان ص 327 و مدارك الأحكام ج 4 ص 206 و ذخيرة المعاد ج 2 ص 349 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 498 و جواهر الكلام ج 12 ص 200 و مسند زيد بن علي ص 203 و المبسوط للطوسي ج 10 ص 23 و القواعد و الفوائد ج 2 ص 160 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 5 ص 195 و 197 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 227 و المسترشد للطبري ص 333 و مقاتل الطالبيين ص 6 و شرح الأخبار ج 3 ص 204 و مكارم الأخلاق ص 262 و الإحتجاج ج 1 ص 172 و ذخائر العقبى ص 214 و عمدة الطالب لابن عنبة ص 35 و البحار ج 18 ص 413 و ج 21 ص 23 و 24 و 25 و 63 و ج 22 ص 276 و ج 38 ص 294 و ج 39 ص 207 و ج 73 ص 283 و ج 88 ص 207 و 208 و 211 و شجرة طوبى ج 2 ص 297 و المستدرك للحاكم النيسابوري ج 2 ص 624 و ج 3 ص 211 و مجمع الزوائد ج 6 ص 30 و ج 9 ص 271 و 272 و 419 و ج 11 ص 44 و المصنف لابن أبي شيبة ص 7 ص 516 و 732 و ج 8 ص 466 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 277 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 281 و الأحاديث الطوال ص 45 و المعجم الصغير ج 1 ص 19 و المعجم الأوسط ج 2 ص 287 و المعجم الكبير ج 2 ص 111 و ج 22 ص 100 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 128 و ج 15 ص 72 و نصب الراية ج 6 ص 152 و 153 و كنز العمال ج 11 ص 665 و 666 و ج 13 ص 323 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 401 و منتقى الجمان ج 2 ص 272 و الدرجات الرفيعة ص 69 و 74 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 108 و ج 4 ص 35 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 243 و أسد الغابة ج 1 ص 287 و تهذيب الكمال ج 5 ص 53 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 213 و 216 و 437 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 56 و التنبيه و الإشراف ص 223 و البداية و النهاية ج 3 ص 91 و 98 و ج 4 ص 234 و العبر و تاريخ المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 40 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 216 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 818 و بشارة المصطفى ص 163 و إعلام الورى ص 210 و قصص الأنبياء للراوندي ص 345 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 16 و 30 و ج 3 ص 390 و 391 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 136 و ج 11 ص 106 و 107 و ينابيع المودة ج 1 ص 468 و ج 2 ص 80 و اللمعة البيضاء للتبريزي ص 295.

و إذ قد ثبت أن جعفرا كان هو الأمير الأول في غزوة مؤتة، و ليس زيد بن حارثة. . فنستطيع أن نفهم ببساطة: أن ثمة يدا تحاول تشويه الحقيقة، و التجني على التاريخ.

و لعل ذنب جعفر الوحيد هو: أنه أخو علي «عليه السلام» ، و هذا هو الذي كان يذكي الحرص على تقديم زيد، و لو عن طريق التزوير للحقيقة و للتاريخ. .

بل لقد تجاوز الأمر كل الحدود، و نحن نقرأ عن عائشة قولها: ما بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن حارثة في سرية إلا أمّره عليهم و لو بقي لاستخلفه.

فلماذا تصر عائشة كل هذا الإصرار على رفع مقام زيد إلى حد قولها: لو عاش النبي «صلى اللّه عليه و آله» لاستخلفه؟ !

نعم. . إنه لولا علي «عليه السلام» لتوفرت الدواعي للاحتفاظ بالحقيقة دون تشويه أو تحريف، هذا إن لم تتوفر على جعل الأمور كلها في صالحه. . و لكن و رغم ذلك كله، فإن اللّه سبحانه لا بد أن يعز أولياءه، و يعرّف الناس بما يكيدهم به الحاقدون، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره.

لماذا لم يحدد قائدا رابعا:

و عن سؤال: لماذا لم يحدد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قائدا رابعا، مع علمه بقتل القادة الثلاثة خصوصا مع علمه المسبق باستشهادهم، نجيب:

أولا: بأن المطلوب من الناس هو أن تكون لهم رغبة في الجهاد و البذل و العطاء في سبيل اللّه، و لا يصح فرض ذلك عليهم، لأن ذلك معناه بطلان عملهم، و أن تصبح تضحياتهم بلا قيمة، بل تكون و بالا عليهم، إذا لم يقصدوا بها التقرب إلى اللّه تعالى. . فلا بد من اعطائهم الفرصة للتصميم، عن رضا و اختيار. . و هذا ما حصل بالفعل بعد استشهاد القادة الثلاثة.

ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و إن كان يعلم باستشهاد القادة الثلاثة لكن هذا العلم لم يصل إليه بالطرق العادية، و بالتالي فلا يحق له أن يعاملهم على أساسه، لأن الواجب عليه هو أن يأخذهم بما يصل إليه و إليهم بالوسائل العادية، لا ما يصل إليه بعلم الشاهدية.

حديث الضبابة:

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى ذلك الجيش عن أن

يأتوا مؤتة، فغشيتهم ضبابة، فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة.

و نقول:

أولا: لم يظهر لنا أي سبب يدعو إلى نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم عن أن يأتوا مؤتة.

و الحال أن المقصود هو-كما يزعمون-: مواجهة الذين قتلوا الحارث بن عمير و كانوا في مؤتة. .

بل قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، و أن يدعوا من هناك إلى الاسلام. .

ثانيا: إن الذي تغشاه الضبابة حتى لا يبصر؛ لا يواصل المشي بصورة عشوائية، و لا يرضى لنفسه بأن يبقى تائها في الصحراء لا يدري أين تنتهي به قدماه. . خصوصا، و أن السير في تلك الصحارى لا يستقيم بدون أدلاء من ذوي الخبرة، و ما أكثر ما تاه الناس عن الطريق حتى مع الأدلاء، فابتلعتهم الصحراء حتى ماتوا جميعا جوعا أو عطشا.

فمن تغشاه الظلمة حتى لا يبصر، لا بد أن يقف في مكان، و لا يتحرك إلى أن ينقشع الضباب، و يتمكن من رؤية الطريق.

ثالثا: إذا كان الروم قد جمعوا مائتي ألف، أو أكثر بكثير، فإن ذلك لم يكن ليخفى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كانت عيونه مبثوثة في كل مكان. . و هو يلاحق جميع الاحتمالات، في مختلف الاتجاهات، حتى ليكاد يحصي على أعدائه أنفاسهم، و تبلغه عنهم كل شاردة و واردة.

و كان هو نفسه قد غزا دومة الجندل في البلقاء قبل مدة، و كان يرصد كل المواقع التي يحتمل أن يكون لها ميل لمهاجمته، فهل يغفل عن بلاد الشام،

التي قتل فيها رسوله، فلا يرصد ما يجري فيها، مما يعنيه؟ !

و هل يغفل عن رصد الملوك الذين كان قد دعاهم إلى الإيمان به، و القبول بدعوته، و الانقياد له؟ و كيف يتصورون أن يجتمع لحربه مئات الألوف، و هو لا يدري؟ ! إن ذلك غير مقبول، و لا معقول.

إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» بصدد إرسال جيش إلى تلك البلاد، فلا بد أن يكون لديه قدر كاف من المعلومات حول مسير و مصير ذلك الجيش، و أهدافه، و مهمته، و قدراته، و قدرات الجيش الذي قد يواجهه. .

و لأجل ذلك كله، نعود فنذكر القارئ بأن:

جيشا قوامه ثلاثة آلاف رجل، يريد أن يتصدى لمهمة كبرى و حاسمة، لا يمكن أن يسير بلا هدف، و كأنه معصوب العينين.

خصوصا إذا قلنا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا بد أن يكون قد أخبرهم، أو أخبر قادتهم على الأقل بطبيعة، و صعوبة المهمة التي كان أوكلها إليهم، و لا بد أن يكون قد أوصاهم بتوخي الحذر الشديد في تحركاتهم، حتى لا يقعوا في فخ ينصبه لهم عدوهم. .

و بذلك يتضح: أن السير في غمار تلك الضبابة لا يمكن أن يتلاءم مع المنطق السليم، و النظر القويم.

روحيات ابن رواحة:

و روى محمد بن عمر عن عطاء بن مسلم، قال: «لما ودع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن رواحة، قال ابن رواحة: يا رسول اللّه، مرني بشيء أحفظه عنك.

قال: «إنك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل، فأكثر السجود» .

قال عبد اللّه بن رواحة: زدني يا رسول اللّه.

قال: «اذكر اللّه، فإنه عون لك على ما تطالب» .

فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع، فقال: يا رسول اللّه، إن اللّه وتر يحب الوتر.

فقال: «يابن رواحة، ما عجزت، فلا تعجزن إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة» .

قال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها (1).

قالوا: «فتجهز الناس، ثم تهيأوا للخروج و هم ثلاثة آلاف (2). فلما


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 146 و 147 و في هامشه: عن الدر المنثور ج 3 ص 189 عن ابن عساكر، و المغازي للواقدي ج 2 ص 758 و البحار ج 21 ص 60 عن المعتزلي، و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 120 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 65.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 736 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 145 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 319 و عن عيون الأثر ج 2 ص 165 و مجمع الزوائد ج 6 ص 157 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 275 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 829 و إعلام الورى ج 1 ص 213 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 455 و شرح الأخبار ج 3 ص 206 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 176 و البحار ج 21 ص 56 و شجرة طوبى ج 2 ص 298 و النص و الإجتهاد ص 28 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 128 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 7 و ج 28 ص 124 و عن أسد الغابة ج 3 ص 158.

حضر خروجهم ودّع الناس أمراء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سلّموا عليهم. فلما ودّع عبد اللّه بن رواحة مع من ودع من أمراء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكى.

فقالوا: «ما يبكيك يابن رواحة» ؟ .

فقال: «أما و اللّه، ما بي حبّ الدنيا، و لا صبابة بكم، و لكني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرأ آية من كتاب اللّه عز و جل يذكر فيها النار: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (1). فلست أدري كيف لي بالصّدر بعد الورود» ؟

فقال المسلمون: «صحبكم اللّه، و دفع عنكم، وردكم إلينا صالحين» .

فقال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه:

لكنني أسأل الرحمن معفرةو ضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزةبحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثييا أرشد اللّه من غاز و قد رشدا (2)


1) الآية 71 من سورة مريم.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 736 و 737 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 145 و تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و مجمع الزوائد ج 6 ص 157 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 62 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 6 و ج 28 ص 124 و عن أسد الغابة ج 3 ص 158 و تهذيب الكمال ج 14 ص 507 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 319 و عن البداية النهاية ج 4 ص 276 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 830 و عن عيون الأثر ج 2 ص 165 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 456.

قال ابن اسحاق: ثم إن القوم تهيأوا للخروج فأتى عبد اللّه بن رواحة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فودعه ثم قال:

فثبت اللّه ما آتاك من حسنتثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا

إني تفرست فيك الخير نافلةاللّه يعلم أني ثابت البصر

أنت الرسول فمن يحرم نوافلهو الوجه منك فقد أزرى به القدر

هكذا أنشد ابن هشام هذه الأبيات، و أنشدها ابن اسحاق، بلفظ فيه إقواء.

قال ابن اسحاق: «ثم خرج القوم، و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشيعهم، حتى إذا ودّعهم و انصرف عنهم، قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه:

خلف السلام على امرئ ودعتهفي النخل خير مشيع و خليل» (1)

و روي عن ابن عباس: أن رسول «صلى اللّه عليه و آله» بعث إلى مؤتة، فاستعمل زيدا، و ذكر الحديث، و فيه: فتخلّف ابن رواحة، فجمع مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك» ؟

قال: أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 145 و 146. و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 158 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 65 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 6 و ج 28 ص 93 و 94 و 124 و عن البداية النهاية ج 4 ص 276 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 830 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 456.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم» .

و في لفظ: «لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا و ما فيها» (1).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 147 و قال في هامشه: أخرجه الترمذي {527} و أحمد في المسند ج 1 ص 224 و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 393. و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 24 و عن مسند أحمد ج 3 ص 141 و 153 و 207 و 433 و ج 5 ص 266 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 202 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 36 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 921 و سنن الترمذي ج 3 ص 100 و 101 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 187 و شرح مسلم للنووي ج 13 ص 26 و مجمع الزوائد ج 5 ص 279 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 54 و ج 5 ص 235 و مسند أبي داود ص 352 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 560 و ج 8 ص 545 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 381. و راجع: منتخب مسند عبد بن حميد ص 168 و 219 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 462 و المعجم الأوسط ج 5 ص 95 و المعجم الكبير ج 6 ص 190 و ج 11 ص 307 و مسند الشاميين ج 3 ص 310 و رياض الصالحين للنووي ص 524 و كنز العمال ج 4 ص 304 و 318 و 319 و ج 10 ص 561 و عن أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 600 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 261 و ج 17 ص 265 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 298 و الدر المنثور ج 1 ص 249 و 250 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 92 و ج 41 ص 483 و تذكرة الحفاظ ج 4 ص 1271 و تاريخ جرجان ص 146.

المسير بعد الوداع:

قال ابن اسحاق، و محمد بن عمر: ثم مضى الناس.

و عن زيد بن أرقم قال: «كنت يتيما في حجر عبد اللّه بن رواحة، فلم أر وليّ يتيم كان خيرا منه، فخرجنا إلى مؤتة، فكان يردفني خلفه على حقيبة رحله، فو اللّه، إنه ليسير ليلة إذ سمعته و هو ينشد أبياته هذه:

إذا أدّيتني و حملت رحليمسيرة أربع بعد الحساء

فشأنك أنعم، و خلاك ذمو لا أرجع الى أهلي ورائي

و آب المسلمون و غادرونيبأرض الشام مشتهي الثواء

و ردك كل ذي نسب قريبإلى الرحمن منقطع الإخاء

هنالك لا أبالي طلع بعلو لا نخل أسافلها رواء

قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة، و قال: «ما عليك يا لكع أن يرزقني اللّه الشهادة، فأستريح من الدنيا و نصبها و همومها و أحزانها، و ترجع بين شعبتي الرحل» ؟

زاد ابن إسحاق قوله: ثم قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه في بعض شعره، و هو يرتجز:

يا زيد زيد اليعملات الذّبّلتطاول الليل هديت فانزل

زاد محمد بن عمر: ثم نزل نزلة من الليل، ثم صلى ركعتين و دعا فيهما دعاء طويلا، ثم قال: يا غلام.

قلت: لبيك.

قال: هي إن شاء اللّه الشهادة (1).

ابن رواحة. . فقط:

أظهرت النصوص التي بين أيدينا: أن ابن رواحة كان متأثرا بالجو الروحي، حين عيّنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موقع القيادة بعد جعفر و زيد.

و قد أظهرت أشعاره-أيضا-: أنه كان يهيء نفسه لاستقبال الشهادة، فراجعها، و راجع قوله لزيد بن أرقم: ما عليك يا لكع أن يرزقني اللّه الشهادة الخ. .

و قوله أيضا بعد صلاته و دعائه: هي إن شاء اللّه الشهادة.

ثم قوله للمسلمين حين و جلوا من كثرة العدو: «إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة» .

فذلك كله يدل على: أنه لم يكن يقول و يتصرف على هذا النحو، لأنه كان يتوقع أمرا لا يعرف عنه شيئا، بل كان على علم ببعض النتائج التي ستنتهي إليها تلك الحرب، ربما بإخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و لزيد، و لجعفر، إذ لم يكن «صلى اللّه عليه و آله» ليخبره بهذا الأمر دونهما.

أو لأنه قد استفاد ذلك من سكوته «صلى اللّه عليه و آله» عما قاله ابن مهض {أو فنحص} اليهودي.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 147 و المغازي للواقدي ج 2 ص 759 و عن الإصابة ج 4 ص 74 و 75 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 117 و 118 و 119 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 277.

فأثر ذلك في نفسه، و صار يتعامل مع الأمور على هذا الأساس.

لكن ما يدعو إلى التأمل: أننا لا نجد لدى زيد و جعفر أية تصريحات، أو تصرفات تشير إلى أنهم كانوا يعيشون حالة استثنائية-كما كان الحال بالنسبة لعبد اللّه بن رواحة! !

و لا نستطيع أن نصدق أنفسنا إذا أردنا أن نعزو ذلك إلى عدم معرفتهما بما كان يعرفه ابن رواحة، فهما قد سمعا ما سمع، و رأيا ما رأى، و لا نظن أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختصه بسرّ ذلك دونهما.

لكن يمكننا القول بأنهما كانا أقوى منه، على مواجهة هذا الأمر، و أنفذ بصيرة منه فيه، و أثبت جأشا، و أكثر تأنيا و تقبلا له، و أصبر عليه.

و لعل هذا يفسر لنا ما روي: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأى في سرير ابن رواحة ازورارا، و صدودا، بل سيأتي أنه رأى ذلك في سرير زيد أيضا.

و على كل حال، فإن لكل واحد منهما-يعني زيدا و ابن رواحة-مقامه و مرتبته، و كان مقام جعفر أعلى و أسمى، و لذلك كان سريره بلا عيب، لأنه استقبل الموت حين استشهاده، بكل سكينة و رضا و طمأنينة. . و اللّه هو العالم بالسرائر، و المطلع على الدخائل و الضمائر.

ليس إلا المعايير الإلهية:

و قد أظهرت قضية تخلف ابن رواحة للفوز بصلاة الجماعة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطأه في تقديراته للأمور، و أن ثمة معايير إلهية، و تقديرات ربانية لمعنى القيمة تختلف كثيرا عما يعرفه الناس و يفهمونه، أو

فقل عما يتوهمونه. .

فقد أظهرت هذه القضية حقيقة: أن غزوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا و ما فيها، و أنه لو أنفق ابن رواحة ما في الأرض جميعا، ما أدرك غدوة أصحابه إلى الجهاد في سبيله تعالى، مع أن ما فعله لم يكن فيه إنفاق لشيء من المال، و لا تخلى عن أمر دنيوي، و إنما تخلف ليفوز بثواب الصلاة جماعة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فما معنى أن يذكر إنفاق ما في الأرض جميعا؟ !

كما أنه «رحمه اللّه» لم يتخلف عن الغدوة و الروحة في سبيل اللّه عز و جل، بل هو عازم على هذا الأمر بمجرد انتهاء صلاته. . فلماذا إذن يوجه إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا التحذير، أو هذا التوجيه الناقد. .

فلماذا ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك أيضا؟ !

فهل يريد أن يقول له: إن مجرد تأخره عن أصحابه، و غدوهم للجهاد قبله، يجعل ثوابهم أعظم من ثوابه، و أن الصلاة معه «صلى اللّه عليه و آله» لا تجبر مافاته من ثواب المبادرة إلى المسير؟ !

أم أنه يريد أن يقول له: إن ما فعله قد يشجع الآخرين على فعل مثله، و ذلك يوجب انفلات الزمام، و تشويش الأمر على القيادة؟ !

بل إن نفس فقد الناس له في غدوهم، فلا يجدونه معهم-و هو أحد قادتهم-سوف يحدث بلبلة، و ترددا و تشويشا لديهم. .

فأراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول له بالإضافة إلى ذلك كله: إن ما فاته من الثواب لا يمكن تعويضه، و لو بإنفاق جميع ما في الدنيا، و أن يبادر إلى تصحيح نظرته للأمور، و أن يأخذ معايير المثوبة و العقوبة من مصادرها

الحقيقية، فإن عقول البشر لا تستطيع إدراك ذلك.

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لابن رواحة:

و عن وصايا النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابن رواحة نقول:

1-إن أول وصية زود بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ابن رواحة هي قوله: «إنك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل، فأكثر السجود» .

و هي وصية غاية في الأهمية و الدقة بالنسبة لرجل يحتاج إلى شحنات روحية قوية، تخوّله إنجاز مهمة بالغة الحساسية.

أما بالنسبة إليه، فلأنها تعني ذهاب نفسه.

و أما بالنسبة للعدو، فلا بد لهذه التضحيات التي يصنعها أهلها باختيارهم، و لا ترد عليهم فجأة، و لا تفرض عليهم من قبل غيرهم.

نعم، لا بد أن تترك أثرها البالغ في روح عدو يحب الدنيا، و يقاتل من أجلها، و يريد أن يبقى حيا، لكي يستفيد من لذائذها، و يتمتع بمباهجها.

كما أنها لا بد أن تؤثر في جند الإسلام ثباتا، و إصرارا و عزما، و إقداما، و بذلا، و تضحيات. .

و من الواضح: أن السجود للّه تعالى هو غاية الخضوع، و التذلل له سبحانه، و هو يؤكد لدى الساجد الإحساس بعظمته سبحانه، و يقلل من درجة الاعتداد بالنفس، و يهون من شأنها، و يهيء المناخ الروحي للتخلي عنها، ثقة بما عنده سبحانه و تعالى.

و قد أظهر صدود ابن رواحة عن الموت، حين وافته الشهادة، ثم إقباله عليه-أظهر-أنه كان بحاجة إلى الإكثار من هذا السجود لترويض نفسه

و تهيئتها لهذا المقام العظيم.

2-ثم جاءت الوصية الثانية لتأمر ابن رواحة بذكر اللّه تعالى، فإنه عون له على ما يصبو له و يسعى إليه. أي أن عليه أن لا يعتمد على قدراته الذاتية، لأن نفسه قد تخذله في أحرج اللحظات. و لا علاج لهذا الأمر إلا بذكره تعالى الذي تشعر هذه النفس بهيمنته عليها، و بمالكيته لها، و بأنه هو الحافظ، و هو المدبر لها و الرحيم و الرؤوف بها، و العطوف عليها، فتستسلم له، و تكف عن المنازعة، و تجنح للانقياد و المطاوعة.

3-ثم تأتي الوصية الثالثة لتقول له: إن عليه أن لا يستسلم للشعور بالعجز في مواجهة تمردات نفسه المتكررة، و أن عليه أن يعيد المحاولة مرات و مرات، حتى لو بلغت عشرا، فإن الإخفاق في ذلك كله لا يمنع من النجاح مرة واحدة بعدها، ليكون في هذه المرة الفوز العظيم، و النصر المؤزر على هذه النفس الأمارة بالسوء.

و هكذا فإن هذه الوصايا النبوية تكون قد أعطت الانطباع عن حقائق، و دقائق كان لا بد له «صلى اللّه عليه و آله» من التعاطي معها، و معالجتها برفق و أناة، و بواقعية و موضوعية، و هكذا كان.

ملحق

كيف جرت الأمور؟ !

و إذا جاز لنا أن نقدم تصورا محتملا، و معقولا، و ربما مقبولا لما جرت عليه الأمور في أحداث مؤتة. . فإننا نقول:

لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى في طريقة تعامل قيصر مع رسله حين أرسل إليه يدعوه للإسلام، ما يشير إلى طبيعة تفكيره، و يشي بحقيقة الأساليب و السبل التي ينتهجها. .

ثم جاء انتصار هرقل على ملك فارس، و نذر أن يمشي إلى بيت المقدس. .

و كانت مئات الألوف من العساكر ترافقه في مسيره ذاك، و رأى نفسه، و عساكره على مقربة من مركز انطلاقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في رسالته، و هو الإنسان الذي لا مجال لإهمال أمره، فضلا عن نسيانه أو تناسيه. ففكر في أن يعطف بجيوشه عليه لينهي أمره، و لينام قرير العين فارغ البال، لا يرى في الأفق أي شيء يخافه أو يخشاه، لا في قريب الأيام، و لا في بعيدها. .

فعرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، فأرسل في العرب ينذرهم

بالخطر، و يستنفرهم إلى الشام (1).

فاجتمع له منهم ثلاثة آلاف رجل، مع أن المسلمين لم يزيدوا على ألف و خمسمئة، أو أزيد بقليل كما ظهر في الحديبية و خيبر. . مما يعني أن الذين استجابوا لاستنفاره كان فيهم المسلم و غير المسلم، لأنهم عرفوا أن الخطب داهم، و أن المصيبة سوف تعم الجميع. .

فكان خطة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تقضي بالمقاومة، حتى استشهاد القادة. ثم تتواصل الحرب و يصمد جيش المسلمين، و لو ساعة واحدة ليدرك قادة جيش الروم-و على رأسهم ذلك الملك المجرب و الخبير بالأمور-أن الحرب مع هؤلاء لا نهاية لها. . بدليل أن قتل القادة لا يحسم المعركة معهم، بل ربما يزيدها تأججا و توهجا، فلا بد من حساب الأمور بطريقة أخرى تحمل في طياتها، التراجع و إيقاف الحرب، و إعادة النظر في أمر هذا الدين، و دراسة تعاليمه و حقائقه، بل ربما يفكر هرقل بإفساح المجال لهذا الدين لينتشر في بلاده، و لو برجاء أن يكون هو المستفيد من هذه القوة و الشوكة، التي رأى نماذج رائعة منها في مؤتة.

أي أن من جملة ما أراده «صلى اللّه عليه و آله» هو أن يفاجئهم بحقيقة أنه حتى قتل القادة لا ينهي الحرب، بل هي تستمر إلى آخر شخص قادر على حمل السلاح من المسلمين، و هذا معناه: أن الخسائر التي لا بد أن يمنى


1) كما دلت عليه النصوص التي ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام {سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167} ، و هو ما ذكر ابن إسحاق أنه حصل قبل مؤتة، فراجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و تاريخ الخميس ج 2 ص 75.

بها من يقاتل هذا النوع من الناس لا مجال للتكهن لا بحجمها و لا بمستواها، و هذا يعطي انطباعا مفاده: أن ما يحارب هؤلاء الرجال من أجله ليس أمرا دنيويا يرضون إذا أخذوه، أو يسخطون إذا فقدوه، بل القضية أبعد من ذلك بكثير.

و بذلك يكون ما جرى في مؤتة، و من خلال صبر ساعة قد حقق أعظم إنجاز عرفه تاريخ البشرية، و ذلك بدخول الإسلام بأيسر السبل إلى أعظم الإمبراطوريات و أقواها.

و بذلك أيضا: يتغير وجه التاريخ، و يتحول مسار حركة الأمم. . و لكن خالدا قد ضيع ذلك كله، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

ثم إن التاريخ يعيد نفسه، حين يتم نقض خطة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حرب أخرى، جاءت متتمة لحرب مؤتة. و تريد أن تستدرك ما ضيعه المنهزمون فيها. . و ذلك حين جهز النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسامة بن زيد، ليقود جيشا إلى مؤتة نفسها، حيث استشهد أبوه الذي كان أحد القادة الثلاثة في تلك السرية.

و إذ بأناس آخرين ينبرون أيضا ليضيعوا على الأمة، و على النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفرصة، و يتم على أيديهم إفشال خطته، و تذهب جهوده أدراج الرياح.

و لا نكاد نشك في أن النتائج التي كان يتوخاها «صلى اللّه عليه و آله» من هذه السرية كانت تداني في خطورتها، و في أهميتها و نفعها للإسلام ما كان يتوخاه من سرية مؤتة بالذات. .

مع ملاحظة: أن هذا الفريق قد استعمل نفس الأسلوب الذي استعمل

في مؤتة، فقد طعنوا في قيادة أسامة، كما طعنوا في أمارة أبيه زيد من قبل. .

و قد بلغ من إصرارهم على عصيان امر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنهم لم يكترثوا حتى باللعن الذي سجله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على من يتخلف عن جيش أسامة. .

و هذا اللعن يشير أيضا: إلى مدى أهمية و خطورة هذا الأمر بالنسبة إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالنسبة لأمة الإسلام بصورة عامة. .

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الباب العاشر: بين خيبر و مؤتة الفصل الأول: فتح وادي القرى. . ورد الشمس 7-40

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء 41-88

الفصل الثالث: شخصيات. . و أحداث. . إلى عمرة القضاء 89-114

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت. . و صلاة الغائب 115-148

الفصل الخامس: إلى مكة. . لأجل العمرة 149-180

الفصل السادس: من مكة إلى المدينة 183-226

الفصل السابع: سرايا و أحداث إلى مؤتة 227-269

الباب الحادي عشر: مؤتة. . إلى الفتح. . الفصل الأول: من المدينة. . إلى مؤتة 273-336

الفهارس 337-350

2-الفهرس التفصيلي

الباب العاشر: بين خيبر و مؤتة الفصل الأول: فتح وادي القرى. . ورد الشمس. . انصراف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من خيبر إلى وادي القرى:9

نوم النبي صلّى اللّه عليه و آله عن صلاة الصبح:15

الشيطان و بلال:21

رد الشمس لعلي عليه السّلام في خيبر:24

رواة حديث رد الشمس:25

لماذا لم تنقل الأمم ذلك؟ !29

لم تحبس الشمس إلا ليوشع:30

الذين يرون المعجزة:33

إختلال النظام الكوني:34

لو ردت لعلي عليه السّلام لردت للنبي صلّى اللّه عليه و آله:34

علي عليه السّلام لا يترك الصلاة:36

عصى الرسول صلّى اللّه عليه و آله فوجد ما يكره:37

جبل أحد يحبنا و نحبه:37

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء سرية عمر إلى تربة:43

سرية أبي بكر إلى نجد:47

بطولات سلمة بن الأكوع:48

قتل سبعة أهل أبيات:49

سرية بشير بن سعد إلى فدك:50

سرية غالب الليثي إلى فدك:52

أين تقع فدك؟ !55

لماذا ثلاثون رجلا؟ !55

أهداف تلك السرية:56

إمكان نجاة السرية من القتل:57

من هم القتلى؟ ! :57

بشير بن سعد الجريح الناجي! ! :57

قاتل حتى ضرب كعبه! ! :58

لماذا عدل عن الزبير؟ ! :59

الزبير. . و بشير بن سعد:61

حرب إبادة:61

الغنائم و الأسرى:62

قصة أسامة بنحو آخر:64

ألا شققت قلبه؟ ! :64

تهافت. . لا علاج له:66

لا أقتل أحدا يقول: لا إله إلا اللّه:67

ماذا عن سؤال المقداد رحمه اللّه؟ !69

هل هذا هو النص الصحيح للقضية؟ !70

سرية غالب بن عبد اللّه إلى الميفعة:74

سرية بشير بن سعد إلى الجناب:76

التآمر. . و الاستعداد:80

مشورة العمرين:80

لماذا بشير بن سعد دون سواه؟ ! :81

نصرت بالرعب:83

هلا لنفسك كان ذا التعليم:84

موانع من إسلام عيينة:87

الفصل الثالث: شخصيات. . و أحداث. . إلى عمرة القضاء قتل شيرويه:91

جبلة بن الأيهم:93

ملاحظة للسيد شرف الدين رحمه اللّه:97

تأييد عودة جبلة إلى الإسلام:102

جبلة يعطي الزكاة لا الجزية:104

وصول هدايا المقوقس:106

قيمة الهدايا:106

هدايا متبادلة:107

تصحيح اشتباه:108

المقابلة بالمثل:108

موت النجاشي:109

صلاة الغائب:112

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت. . و صلاة الغائب. . عدد تكبيرات صلاة الميت:117

مذهب أهل البيت عليهم السّلام هو الصحيح:118

أدلة القائلين بالتكبيرات الأربع:119

القول الحق:122

ما ورد عن النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله:124

و ما ورد عن زيد بن أرقم في ذلك:130

و ما روي عن عيسى مولى حذيفة:131

و ما روي عن ابن مسعود:131

و أما ما روي عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام:132

و مما ورد عن الحسن عليه السّلام نذكر:134

و مما ورد عن ابن عباس:134

و مما ورد عن محمد بن الحنفية:135

و أما ما ورد عن حذيفة:135

و مما ورد عن أبي ذر:135

و مما ورد عن أصحاب معاذ في الشام:136

و مما ورد عن أهل الشام:136

و عن العباس بن عبد المطلب:136

و ما روي عن أبي يوسف:136

و ما روي عن جابر بن زيد:137

و أما ما نقل عن ابن أبي ليلي:137

رأي الهاشميين في التكبير:137

و مما روي عن عمر بن الخطاب:139

كلام ابن قيّم الجوزية:139

التكبير خمسا عند الصحابة و غيرهم:140

عمر هو أول من ألزم بالأربع:141

أسد حيدر ماذا يقول؟ ! :144

سرّ الاختلاف في التكبير على الميت:144

الفصل الخامس: إلى مكة. . لأجل العمرة. . توطئة. . و تمهيد:151

تصحيح اشتباه:151

من المدينة إلى مكة:152

دخول مكة:155

النبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة:155

الخروج من مكة:159

المستخلف على المدينة:160

الذي حلق رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:161

لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة:161

آية التهلكة خاصة:162

أحرم من المسجد:163

تحديد المسؤوليات في دائرة التنظيم:165

لا يتخلف من شهد الحديبية:166

تقليد الهدي، و حمل السلاح:169

قصور النظر لدى بعض المسلمين:170

رعب قريش و حيرتها:172

الحقد هو الحاكم، و ليس المنطق:174

ظهور الوهن في المهاجرين:175

إظهار القوة. . يبطل كيدهم:177

إجراء آخر لإظهار القوة:178

الفصل السادس: من مكة إلى المدينة. . هل كان أبو هريرة مع الهدي؟ !185

شعر ابن رواحة:186

خطأ يقع فيه الترمذي:187

يا عمر، إني أسمع:188

امشوا بين اليماني و الأسود:189

أذان بلال فوق ظهر الكعبة:190

الراجح من الاحتمالات و الأقوال:192

لماذا بلال؟ !193

بين سهيل و سعد بن عبادة:195

أخرج من أرضنا:197

إنتفاضة سعد:198

لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا:199

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بميمونة:201

الإعراس في مكة غير ميسور:203

هل تزوج ميمونة و هو محرم؟ !204

جعفر هو الخاطب:207

برة. . ثم ميمونة:209

البعير و ما عليه للبشير:209

فضل ميمونة:214

عمارة بنت حمزة في كفالة جعفر:215

المشاجرة:216

يا عم، يا عم! !218

جعفر يحجل و النبي صلّى اللّه عليه و آله يسأل:218

ابنة أخي من الرضاعة:220

أسئلة تبقى حائرة:222

الفصل السابع: سرايا و أحداث إلى مؤتة سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم:229

تشابه مريب و غريب:230

جهل أم تجاهل؟ !230

جمع بني سليم:230

سبب هذه السرية:231

إسلام خالد، و عمرو بن العاص:232

رسالة الوليد إلى خالد:238

لم يسلم خالد سنة خمس:239

من أسباب إسلام عمرو و خالد:239

الإسلام الصادق:243

الإسلام يجبّ ما قبله:244

عمر كالعاتب على خالد! ! :245

دعاوى عريضة لعمرو بن العاص:247

إسلام ابن العاص على يد النجاشي! !250

إسلام خزاعة و كتب النبي صلّى اللّه عليه و آله لها:252

من هو كاتب الكتاب؟ !254

رسالتان. . أم رسالة واحدة؟ !254

اشتباه ابن سعد:256

علاقة مودة و رحمة:257

امتاز الحليف على الرئيس:258

الحلم و التأني:259

سرية غالب بن عبد اللّه إلى الكديد:259

حديث التل:261

من هو جندب هذا؟ !262

غوامض غير مستساغة:262

لا بد من التروي:263

تناقض غير مفهوم:263

تكرار المكررات:264

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله ببنت الضحاك:265

سرية ذات أطلاح:266

سرية إلى السّيّ:268

الباب الحادي عشر: مؤتة. . إلى الفتح. . الفصل الأول: من المدينة. . إلى مؤتة أول بعث إلى خارج الجزيرة:275

تاريخ غزوة مؤتة:276

نصوص حول سبب غزوة مؤتة:277

ليرتض المسلمون رجلا! !280

طعن الصحابة في إمارة زيد:281

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لجيش مؤتة:282

سبب غزوة مؤتة:284

ذات أطلاح هي السبب:286

مناقشة مردودة:287

جموع الروم و قرار الحرب:288

مهمات الجيش خطيرة. . و قد ضاعت:291

خالد يضيع نتائج المعركة:292

الوصايا تشي و تنم:293

سرية دعوة، أم سرية حرب؟294

وصايا في نطاق الأهداف الإلهية:296

من وصاياه صلّى اللّه عليه و آله لجيشه أيضا:297

التحول إلى دار المهاجرين 298

الرسل لا تقتل 298

اليهودي. . و قتل القادة 300

لماذا طعنوا في إمارة زيد؟ ! 301

إنه لمن أحب الناس إلي! ! 302

عودة إلى الطعن في إمارة زيد. . و أسامة 304

الجرف. . و ثنية الوداع 307

إعتراض جعفر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 308

جعفر هو الأمير الأول 309

مؤيدات لما سبق 315

لماذا لم يحدد قائدا رابعا 320

حديث الضبابة 320

روحيات ابن رواحة 322

المسير بعد الوداع 327

ابن رواحة. . فقط 328

ليس إلا المعايير الإلهية 329

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لابن رواحة 331

ملحق

كيف جرت الأمور؟ ! 333

الفهارس 337

1-الفهرس الإجمالي 339

2-الفهرس التفصيلي 341