الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 17

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء السابع عشر

ادامة القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة

تتمة الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض

الفصل الرابع: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المقوقس

اشارة

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المقوقس:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد اللّه إلى المقوقس، عظيم القبط:

سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد. .

فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، (و أسلم)يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط و قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ » (1).


1) مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي ج 2 ص 417 عن المصادر التالية، مع التذكير بأنه اعتمد على الطبعات المتوفرة لديه: السيرة الحلبية ج 3 ص 280 و سيرة زيني دحلان {بهامش الحلبية} ج 3 ص 70 و إعلام السائلين ص 19 و رسالات نبوية ص 278 و أعيان الشيعة ج 2 ص 142 و في {ط أخرى} ج 2 ص 244 و جمهرة رسائل العرب، عن صبح الأعشى ج 6 ص 378 و عن خطط المقريزي ج 1 ص 29 و عن حسن المحاضرة ج 1 ص 42 و عن المواهب اللدنية للقسطلاني ج 3 ص 397 و نشأة الدولة الإسلامية ص 304 عن فتوح مصر {ط ليدن} ص 46 و عن مجلة الهلال {عدد أكتوبر سنة 1904 م} و صبح الأعشى ج 6 ص 358- 366 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 61 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 421. و راجع: الإصابة ج 3 ص 531 و دائرة المعارف لوجدي ج 9 ص 317 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 347 و فتوح مصر لابن عبد الحكم ص 46 و تأريخ الخميس ج 2 ص 37 و لغت‌نامه دهخدا {فارسي} ج 43 ص 955 و صبح الأعشى ج 6 ص 364 و المصباح المضيء ج 2 ص 129 و الوثائق السياسية:105/49 عن فتوح مصر لابن عبد الحكم ص 46 و عن مفيد العلوم للقزويني و البيهقي و المنفلوطي و منشآت السلاطين لفريدون بك. و أشار إليه: الطبري ج 3 ص 645 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 210 و اليعقوبي ج 2 ص 67 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و التنبيه و الإشراف ص 227 و البحار ج 20 ص 283 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 86 و ج 2 ق 1 ص 16 و 17 و ج 1 ق 3 ص 80 و ابن هشام ج 4 ص 254 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 5-7 و فقه السيرة ص 387 و الأموال لأبي عبيد ص 367 و حياة الحيوان للدميري ج 2 ص 328 و كنز العمال ج 10 ص 399 و المعجم الكبير للطبراني ج 4 ص 15 و الإصابة ج 1 ص 300 في ترجمة حاطب، و ج 3 ص 530 في ترجمة المقوقس، و الإستيعاب {هامش الإصابة} ج 1 ص 350 و أسد الغابة ج 1 ص 363 و الوثائق السياسية:135/49 و عن الوفاء لابن الجوزي ص 717 و انظر كايتاني ج 6 ص 49 و اشپرنكر ج 3 ص 265 و 267 و مجلة ژورنال آزياتيك {باريس سنة 1917 م} ص 482-498 و مجلة إسلامك ريفيو لاكتشاف أصل المكتوب في كنيسة قرب اخميم في صعيد مصر إلى آخر ما ذكره من المجلات. و راجع أيضا: أنساب الأشراف تحقيق محمد حميد اللّه ص 448 و المنتظم ج 5 ص 69 و ج 3 ص 275 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 5 ص 662 و عن عيون الأثر ج 2 ص 331.

قصة هذه الرسالة:

قال العلامة الأحمدي رحمه اللّه:

قالوا: كتب «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك اليوم {الذي كتب فيه إلى الملوك} إلى المقوقس، عظيم القبط، و كان نصرانيا مع حاطب ابن أبي بلتعة (1).


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 13 و ج 2 ص 421 عن: السيرة الحلبية ج 3 ص 281 و زيني دحلان هامش الحلبية ج 3 ص 70 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 396 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و 118 و الإصابة ج 3 ص 530 و 531 و أسد الغابة 1 ص 362 و قاموس الرجال ج 3 ص 42 و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و التراتيب ج 1 ص 183 و 186 و كنز العمال ج 10 ص 399 و المنتظم ج 5 ص 9 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 142 و البحار ج 20 ص 382 و ج 22 ص 250 و عن فتح الباري ج 8 ص 97 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 415 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 446 و نصب الراية ج 4 ص 490 و ج 6 ص 563 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 134 و 260 و تاريخ خليفة بن خياط ص 47 و 52 و 62 و الثقات ج 2 ص 6 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 235 و ج 34 ص 280 و كتاب المحبر ص 76 و تهذيب الكمال ج 1 ص 197 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 78 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و 289 و 307 و التنبيه و الإشراف ص 227 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 36 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 651 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1026 و عن عيون الأثر ج 2 ص 321 و 331 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 343 و 445 و 514 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 348.

فجاء حاطب بالكتاب حتى دخل مصر فلم يجد المقوقس هناك، فذهب إلى الإسكندرية، فأخبر أنه في مجلس مشرف على البحر، فركب حاطب سفينة، و حاذى مجلسه، و أشار بالكتاب إليه، فلما رآه المقوقس أمر بإحضاره بين يديه، فلما جيء به نظر إلى الكتاب، و فضه، و قرأه.

و قال لحاطب: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه، و أخرجه من بلده إلى غيرها أن يسلّط عليهم، فاستعار {فاستعاد} منه الكلام ثم سكت.

فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول اللّه؟ فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون دعا عليهم أن يهلكهم اللّه تعالى، حتى رفعه اللّه إليه؟

قال: أحسنت، أنت حكيم من عند حكيم.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند المقوقس:

ثم قال له حاطب: إنه كان قبلك من يزعم أنه الرب الأعلى {يعني فرعون} ، فأخذه اللّه نكال الآخرة و الأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، و لا يعتبر غيرك بك.

إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، و أعداهم له يهود، و أقربهم منه النصارى، و لعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما الصلاة و السلام إلا كبشارة عيسى بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، و كل نبي أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، و لسنا ننهاك عن

دين المسيح، بل نأمرك به.

فقال المقوقس: إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، و لا ينهى عن مرغوب فيه، و لم أجده بالساحر الضال، و لا الكاهن الكذاب، و وجدت معه آلة النبوة، بإخراج الخبء، و الإخبار بالنجوى، و سأنظر، ثم أخذ الكتاب و جعله في حق من عاج، و ختم عليه، و دفعه إلى جاريته (1).

الرسول صلّى اللّه عليه و آله مع الملك في السر:

و أرسل المقوقس يوما إلى حاطب فقال: أسألك عن ثلاث.

فقال: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك.

قال: إلى ما يدعو محمد؟

قلت: إلى أن نعبد اللّه وحده، و يأمر بالصلاة خمس صلوات في اليوم و الليلة، و يأمر بصيام رمضان، و حج البيت، و الوفاء بالعهد، و ينهى عن أكل الميتة و الدم-إلى أن قال-: فوصفته فأوجزت.

قال: قد بقيت أشياء لم تذكرها: في عينيه حمرة قلما تفارقه، و بين كتفيه


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 189 و ج 2 ص 422 عن زيني دحلان ج 3 ص 70 و الحلبية ج 3 ص 281 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 17 و فتوح مصر لابن عبد الحكم ص 46 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و تاريخ الخميس ج 2 ص 37 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 396 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 183 و الروض الأنف ج 3 ص 249 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 349 و نصب الراية للزيعلي ج 6 ص 564.

خاتم النبوة، يركب الحمار (1)، و يلبس الشملة، و يجتزي بالتمرات و الكسر، و لا يبالي من لاقى من عم أو ابن عم.

ثم قال المقوقس: هذه صفته، و كنت أعلم أن نبيا قد بقي، و كنت أظن أن مخرجه بالشام، و هناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب، في أرض جهد و بؤس، و القبط لا تطاوعني في اتباعه، و أنا أضن بملكي أن أفارقه.

و سيظهر على البلاد، و ينزل أصحابه من بعد بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، و أنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا واحدا، و لا أحب أن تعلم بمحادثتي إياك (2).

كتاب المقوقس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ثم دعا كاتبه الذي يكتب له بالعربية، فكتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3):


1) لعلها تصحيف كلمة {الجمل} فإن راكب الحمار هو عيسى، و راكب الجمل هو نبينا «صلى اللّه عليه و آله» . و النجاشي-كما سيأتي-قال: و إن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 423 عن: الإصابة ج 3 ص 530 في ترجمة المقوقس و زيني دحلان ج 3 ص 73 و الحلبية ج 3 ص 283 و تأريخ الخميس ج 2 ص 37. و راجع: موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 664.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 423 و قال: نقل كتاب المقوقس في نشأة الدولة الإسلامية:305 كما يلي: «باسمك اللهم» «من المقوقس إلى محمد: أما بعد فقد

«بسم اللّه الرحمن الرحيم

لمحمد بن عبد اللّه، من المقوقس، عظيم القبط:

سلام عليك.

أما بعد. .

فقد قرأت كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و ما تدعو إليه، و قد علمت أن نبيا قد بقي.

و قد كنت أظن أنه يخرج بالشام، و قد أكرمت رسولك، و بعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، و بثياب، و أهديت إليك بغلة لتركبها، و السلام عليك (1).

(3) بلغني كتابك و قرأته و فهمت ما فيه أنت تقول: إن اللّه تعالى أرسلك رسولا و فضلك تفضيلا، و أنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا يا محمد في علمنا عن خبرك، فوجدناك أقرب داع دعا إلى اللّه، و أصدق من تكلم بالصدق، و لو لا أني ملكت عظيما لكنت أول من سار إليك لعلمي أنك خاتم الأنبياء، و سيد المرسلين، و إمام المتقين» و هكذا نقله محمد حميد اللّه بالرقم 51 من فتوح مصر للواقدي: 10 و صبح الأعشى ج 6 ص 467.


1) قال في مكاتيب الرسول ج 2 ص 423 و 424 عن: الحلبية ج 3 ص 281 و سيرة دحلان بهامش الحلبية ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و صبح الأعشى ج 6 ص 136 و 467 و حياة الحيوان ج 2 ص 328 و المنتظم ج 3 ص 274 و 275 و فتوح مصر لابن عبد الحكم ص 47 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و تأريخ الخميس ج 2 ص 37 و نشأة الدولة الإسلامية ص 305 عن الواقدي و القلقشندي. و راجع: رسالات نبوية ص 280 و البحار ج 20 ص 383 و الوثائق السياسية:136 /50 و المواهب اللدنية ج 2 ص 292 و مفيد العلوم و مبيد الهموم للقزويني ص 8 و منشآت السلاطين ج 1 ص 33 و نصب الراية ج 11 ص 2 و الوفاء لابن الجوزي ص 717 و قابل الأموال لأبي عبيد ص 632 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 16 و 17 و شرح الزرقاني للمواهب ج 2 ص 349 و الأموال لابن زنجويه، و انظر كايتاني ج 6 ص 49 و اشپرنكر ج 3 ص 265 و 267. و راجع: موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 664 و 665 و عن عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 332 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 349.

هدايا المقوقس إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:

أرسل الملك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» هدايا كثيرة، ذكرها المحدثون و المؤرخون، و نحن نذكرها إجمالا:

1-أهدى المقوقس إليه «صلى اللّه عليه و آله» جارية اسمها مارية، أم إبراهيم «عليه السلام» ، ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 424 عن: الحلبية ج 3 ص 281 و زيني دحلان ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و ج 4 ص 335 و 404 و الإستيعاب {هامش الإصابة} ج 1 ص 46 و ج 4 ص 329 و 411 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 17 و الطبري ج 2 ص 649 و الكامل ج 2 ص 210 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و تاج العروس ج 3 ص 4 و ج 4 ص 182 و ج 10 ص 341 في المقوقس، و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و تأريخ الخميس ج 2 ص 37 و 182 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 395 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 38 و الأموال لأبي عبيد ص 367 و البحار ج 20 ص 383 و ج 22 ص 263 و عن ج 76 ص 105 و كنز العمال ج 10 ص 399. و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 215 و نصب الراية ج 4 ص 490 و أسد الغابة ج 5 ص 543 و إعلام الورى ج 1 ص 187 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 515.

2-جارية أخرى اسمها: سيرين أخت مارية (1).

3-جارية أخرى اسمها: قيسر، أو قيس، و هي أخت مارية أيضا (2).

4-جارية أخرى سوداء، اسمها: بريرة (3).

و في الطبري و الكامل و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و البحار ج 20 ص 383 أنه أهدى أربع جوار من دون أن يسميهن.


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 424 عن: الحلبية ج 3 ص 281 و دحلان ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و ج 4 ص 335 و 339 و 404 و الإستيعاب {هامش الإصابة} ج 1 ص 46 و ج 4 ص 329 و 412 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و تاج العروس ج 3 ص 4 و ج 4 ص 220 في المقوقس، و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و تاريخ الخميس ج 2 ص 37 و 182 و الدلائل لأبي نعيم ج 4 ص 365 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 38 و البحار ج 20 ص 383 و كنز العمال ج 10 ص 399 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 139 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 336 و عن المعجم الكبير ج 24 ص 306 و عن الطبقات الكبرى ج 1 ص 134 و 135 و ج 5 ص 266 و ج 8 ص 212 و 214 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 236 و ج 4 ص 307 و ج 34 ص 292 و أسد الغابة ج 2 ص 6 و ج 3 ص 285 و ج 4 ص 268 و ج 5 ص 485 و 543 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 549 و المنتخب في ذيل المذيل ص 108 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 648 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 413.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ج 3 ص 282 و دحلان ج 3 ص 71 و تأريخ الخميس ج 2 ص 182 و كنز العمال ج 10 ص 399.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ص 3 ص 282 و دحلان ج 3 ص 71 و تأريخ الخميس ج 2 ص 182.

5-غلاما خصيا أسود، اسمه: مأبور {و في الطبقات شيرين} (1).

6-بغلة شهباء، و هي دلدل (2).

7-حمارا أشهب يقال له: يعفور (3).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ج 3 ص 282 و دحلان ج 3 ص 71 و الإصابة ج 6 ص 13 و الإستيعاب ج 4 ص 329 و 411 و 412 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 311 و ج 7 ص 86 و ج 5 ص 350 و 324 و تأريخ الخميس ج 2 ص 38 و 182 و المستدرك ج 4 ص 38. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 515 و ج 4 ص 648 و 600 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 666 عن المناقب ج 2 ص 225.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ج 3 ص 281 و 282 و دحلان ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و ج 4 ص 335 و 404 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 17 و البداية و النهاية ج 4 ص 272 و تاج العروس في المقوقس، و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و زاد المعاد ج 3 ص 61 و تاريخ الخميس ج 2 ص 37 و 182 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 395 و الأموال ص 367 و البحار ج 20 ص 383 و المعجم الكبير للطبراني ج 4 ص 15 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 146 و البحار ج 16 ص 108 و 126 و عن فتح الباري ج 3 ص 273 و فيض القدير ج 5 ص 224 و عن عيون الأثر ج 2 ص 332 و 410 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 403.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ج 3 ص 281 و دحلان ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و ج 4 ص 335 و 404 و تاريخ الخميس ج 2 ص 38 و البحار ج 20 ص 383.

و قيل: اسمه عفير (1).

قال الدياربكري، و قيل: و ألف دينار و عشرين ثوبا (2).

و قال الدميري: و ألف مثقال ذهبا (3).

8-فرسا و هو اللزاز (4).

9-و أهدى إليه عسلا من عسل نبها {بكسر الباء الموحدة قرية من قرى مصر} (5).

10-و أهدى إليه مكحلة، و مربعة يوضع فيها المكحلة، و قارورة دهن، و المقص {و هو المقراض} و المسواك، و المشط، و مرآة.

و قيل: أهدى أيضا عمائم و قباطي، و طيبا، و عودا، و مسكا، مع ألف


1) البحار ج 61 ص 195 عن البيهقي. قالوا: أما يعفور فأهداه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» فورة بن عمر الجذامي في منصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حجة الوداع. راجع: البحار ج 61 ص 195 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 491 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 422 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 421 و سيأتي: زعمهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أصاب هذا الحمار في خيبر.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 182.

3) حياة الحيوان ج 2 ص 328.

4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 425 عن: الحلبية ج 3 ص 282 و دحلان ج 3 ص 71 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 349.

5) مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 عن: الحلبية ج 3 ص 282 و دحلان ج 3 ص 72 و الإصابة ج 3 ص 531 و تاريخ الخميس ج 2 ص 28 و حياة الحيوان ج 2 ص 328.

مثقال من ذهب، مع قدح من قوارير (1).

و زاد في البداية و النهاية: خفين ساذجين أسودين.

11-و قال بعض: إنه أرسل مع الهدايا طبيبا يداوي مرضى المسلمين، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ارجع إلى أهلك، فإنا قوم لا نأكل حتى نجوع، و إذا أكلنا لا نشبع» (2).

إلى هنا انتهى ما نقلناه عن كتاب العلامة الأحمدي رحمه اللّه (3).

عليك إثم القبط:

و لا يختلف كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المقوقس عن كتابه لكسرى، و قيصر، إلا من حيث إنه حمّله إثم القبط الذين كان المقوقس يحكمهم، إن لم يؤمن، و لم يفسح لهم المجال للتعرف على الإسلام، و لا أعانهم، و لا يسّر لهم أمر الإيمان به. .

بل يكون عزوفه عن الإيمان بالإسلام من أسباب انصرافهم عن هذا الأمر، و زهدهم فيه، هذا إن لم يمنعهم من ذلك بالقسر، و القهر، أو بإلقاء الشبهات، و إشاعة الأباطيل ضد الإسلام و أهله. .


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 عن: الحلبية ج 3 ص 381 و 382 و دحلان ج 3 ص 71 و 72 و الإصابة ج 1 ص 531 و ج 4 ص 335 و 404 و تاج العروس في المقوقس، و حياة الصحابة ج 1 ص 117 و تاريخ الخميس ج 2 ص 38 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 365 و حياة الحيوان ج 2 ص 328.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 عن: الحلبية ج 3 ص 383 و دحلان ج 3 ص 72.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 421-426.

الحرص على الملك:

و ليس في قولنا هنا أية غضاضة: إن المقوقس أيضا كان مثل هرقل، لا يرغب بانتشار الإيمان بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين الأقوام الذين يحكمهم، حرصا منه على ملكه-بزعمه-و على نفوذ كلمته في تلك الأقوام، و عدم الرغبة في إفساح المجال لمشاركة أحد له في ذلك. . و ما ذلك إلا لأنه يعلم أن الطاعة للدين و لأهله أقوى و أعمق من الطاعة لأهل الدنيا. . فإن الطاعة لأهل الدين تأتي طوعية، و باندفاع ذاتي، و بتحريك وجداني، و رضا قلبي، و أنس و سرور و اغتباط روحي. .

أما طاعة الناس لملوكهم، فإنما تكون طمعا في الدنيا، و رهبة من سطوتهم بهم. و شتان ما بين هذه الطاعة و تلك.

و لهذا حرص المقوقس على إبعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دعوته عن قومه برفق، و أناة، و لم يجازف بإعلان الخصومة و العناد، لكي لا يكون هذا الاحتكاك من موجبات إثارة فضول الناس لمعرفة أقوال هذا النبي الكريم، و تتبّع سيرته و أفعاله، و استلهام مواقفه. . و ذلك لأنه يعلم بأن ذلك سينتهي إلى قبولهم-و لو بصورة تدريجية-لهذا الدين، شاء أم أبى، و لسوف تهتز الأرض تحت قدمي كل معاند و جاحد، مهما طغى و بغى، و تكون النتيجة-من ثم-هي نفس النتيجة التي واجهها أهل مكة مع هذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . .

شبهات المقوقس، لماذا؟ ! :

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن أول سؤال طرحه المقوقس على

حاطب ابن أبي بلتعة قد تضمن شبهة ربما لا يلتفت أكثر الناس العاديين إلى حلّها، و هي ليس فقط تكفي لإثارة الشك في نبوة صاحب هذه الدعوة التي تعرض عليهم لأول مرة، و إنما هي تكفي لترجيح جانب النفي، و صرف النظر عن أي تفكير فيها. .

و قد جاءت إجابة حاطب ابن أبي بلتعة على هذه الشبهة قوية و قاطعة، و معبرة عن مستواه الثقافي، الذي فاجأ المقوقس، الذي كان يعلم: أن حاطبا مجرد حامل كتاب، و ليس معروفا بالفضل و العلم بين أصحاب محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما هو من الناس العاديين في ذلك المجتمع الناشئ، الذي أسسه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و هذه الإجابات من شأنها أن تعطي الانطباع الذي لم يكن المقوقس يرغب في أن يراه في قومه تجاه هذا الشخص و من أرسله في هذا الوقت الحساس بالذات. .

و نحن لا نشك في أنه قد ندم على هذه الإثارة التي أراد لها أن تكون اختبارا لحاطب، و تحصينا لرعيته عن التفكير في الدعوة المعروضة عليهم، و التي يحمل لهم حاطب كتاب صاحبها. .

دور الدعاء في دعوة الأنبياء عليهم السّلام:

و الذي نريد لفت النظر إليه هنا هو: أن المقوقس حين سجل اعتراضه الآنف الذكر لم يكن يجهل بل كان يتجاهل: حقيقة دور الدعاء في حياة الأنبياء. أي أنه كان يعلم أن الدعاء لا توكل إليه مهما كهذه في حياتهم «عليهم السلام» .

بل دور الدعاء هو: توثيق الصلة باللّه سبحانه، و إنشاء العلاقة الوجدانية و الروحية به تعالى. .

و قد يستجيب اللّه تعالى دعاء الداعين، و لكن بشروط أهمها أن لا تترك هذه الاستجابة أي أثر سلبي على الداعي نفسه من جهة. .

و أن لا تكون سببا في الإخلال بحقوق الآخرين من جهة أخرى. .

و منها حق الاختيار لهم، و حق الممارسة و التصرف فيما يختارونه؛ لأن الاستجابة للدعاء إذا كانت تؤثر على اختيار الناس، و تسلبهم القدرة عليه، فإنها تدخل في دائرة العدوان عليهم، و الظلم لهم. و نقض السنة الإلهية القائمة، و التي تقضي بحفظ ذلك لهم، ليصح اعتبارها مناطا للعقوبة و المثوبة، و للسعادة و الشقاء.

فإذا كانت المخالفة تستتبع الدعاء من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يسلطه اللّه عز و جل على من يخالفه، بحيث يفقد ذلك المخالف قدرته بهذا القهر، و يتلاشى اختياره بهذا التسليط، فذلك يعني أن يصبح إيمان هذا الشخص مولودا قسريا، نشأ و ترعرع تحت و طأة الخوف، و استيلاء الرعب، و هذا هو الإكراه في الدين، الذي نفاه القرآن، حيث ينتفي معه دور العقل و الفكر، و التأمل و التدبر المأمور به، و الذي يطلب أن يرتكز الإيمان إليه، و يعتمد عليه. .

و إنما يطلب الأنبياء «عليهم السلام» من ربهم إهلاك قوم بأعيانهم؛ حين يبادر أولئك الأقوام باختيارهم إلى فعل ما استحقوا به نزول العذاب عليهم، و معاجلتهم بالعقوبة التي هي نتيجة أعمالهم.

هدايا المقوقس:

و غني عن القول: إن لا فائدة من كل تلك الهدايا التي أرسلها المقوقس إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها هدايا تفيده كشخص في حياته الخاصة، و لا تفيد دعوته في شيء، بل هو أراد أن يماطل بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يدفعه عن التعرض بدعوته لأهل مملكته، مع علمه المسبق أيضا: أن دعوته «صلى اللّه عليه و آله» ستصل إليهم، و سيدخلون في دين اللّه أفواجا، تماما كما علم بذلك قيصر، و صرح به. .

و لكنه آثر أن يستمتع بزهرة الحياة الدنيا، و لو إلى حين، و رضي بأن يكون سببا في إبقاء قومه في ضلالتهم، و أن يبوء-من ثم-بإثمهم. .

القبط لا تطاوعه:

و قد صرح المقوقس-كما فعل قيصر-: بأن القبط لا تطاوعه في اتباع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أنه يضمن بملكه أن يفارقه. .

و هو كاذب في قوله هذا جزما، فإنه-كما أشار إليه كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -هو الذي يبوء بإثم القبط؛ لأنه يمنعهم من التعرف على دعوته «صلى اللّه عليه و آله» ، بما يلقيه إليهم من شبهات، و يمارسه ضدهم من قهر و اضطهاد، و إرهاب، و استضعاف لهم.

كما أنه يمنع رسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من القيام بواجب الدعوة إلى اللّه سبحانه فيهم. .

و حين ادّعى المقوقس أن القبط لا يطيعونه. هل جرب ذلك معهم بالأساليب الحكيمة؟ ! و بالتدبير السليم و الذكي؟ ! أم أن هذا هو قرار

الأهواء، و المصالح، و الرغبات الشخصية، الذي يريد التسويق له بهذه الطريقة الظالمة و اللا إنسانية؟ !

و هل أفسح المجال لدعاة الإسلام، لكي يمارسوا دورهم في هذا السبيل؟ !

وجحدوا بها و استيقنتها أنفسهم:

و بينما نرى المقوقس يرسل بالهدايا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعترف بالنبوة له، حيث يقول:

«وجدت معه آلة النبوة، بإخراج الخبء و الإخبار بالنجوى» و نحو ذلك.

فإنه يقول: إنه يضن بملكه أن يفارقه. .

فإنه إذا كان محمد «صلى اللّه عليه و آله» نبيا، فعليه أن ينقاد له، و يستجيب لدعوته، و ليس له أن يمتنع عليه، و يعصيه، و يؤثر الاحتفاظ بملكه على طاعته، و الانقياد له. .

بل إن هذه المداراة الظاهرة من ملك مصر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إرساله الهدايا له. و البدء ب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ، ثم باسم رسول اللّه في رسائله له «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قال:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: لمحمد بن عبد اللّه، من المقوقس، عظيم القبط: سلام عليك. .»

و كذلك الحال بالنسبة لقيصر، حين كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«. . إلى أحمد رسول اللّه، الذي بشر به عيسى، من قيصر ملك الروم:

و فيه يقول: «و إني أشهد أنك رسول اللّه، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى بن مريم» .

إن هذه المداراة البالغة من هذين الرجلين، تدل على أنهما كانا على يقين من صحة نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لكنهما يحاولان التملص من مسؤوليات هذا الإيمان، و التخلص من تبعاته، فيلقيان بالمسؤولية على عاتق شعوبهما: الروم و القبط، و أن هذه الشعوب هي التي تأبى الإيمان، و بذلك يكون هذان الرجلان-بزعمهما-غير مسؤولين تجاهه «صلى اللّه عليه و آله» ، و غير ملزمين بالطاعة. .

مع أن هذا كلام فارغ، فإنه لو صح أن قومهما قد رفضوا الإيمان-و قد تقدم أن هذا غير صحيح أيضا-فإن ذلك لا يعفي قيصر و لا المقوقس، و لا غير هما من الدخول في هذا الدين، و من طاعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و التعامل مع قومهما بالحكمة و الموعظة الحسنة، و السعي لتسهيل تقبلهما لدعوة الحق، و الدخول في دين اللّه تعالى، و الإيمان برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لكن ماذا نصنع بمن غرتهم الحياة الدنيا، و صدق عليهم إبليس ظنه، فجحدوا بها و استيقنتها أنفسهم؟ !

كتاب آخر مشكوك فيه:

و قد نقلوا عن الواقدي: أن الذي كتب كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المقوقس هو أبو بكر، و أنه كتب فيه: بسم اللّه الرحمن

الرحيم (1).

و لكن النص الذي ذكروه لهذا الكتاب مختلف عن النص الذي نقلناه.

كما أن هذا النص المدّعى يتضمن التهديد للمقوقس بالحرب، مع أن الحديث عن الحرب في أول رسالة دعوة يرسلها «صلى اللّه عليه و آله» ليس له ما يبرره، و ليس هو الأسلوب الحكيم المتوقع من قبل رسول اللّه، و لم يكن من عادته «صلى اللّه عليه و آله» أن يفعل ذلك. .

على أن كتاب فتوح الشام، راوي هذه الرسالة و الذي ينسب إلى الواقدي إنما كتبه مؤلفه بهدف إرغام الروافض كما صرح به مؤلفه (2).

و قد أخذ العلماء على هذا الكتاب: أنه قد اعتمد أسلوب القصاصين، و أن أمارات الاصطناع ظاهرة على أسلوبه و مضامينه (3). فهو كتاب غير موثوق، و لا يمكن الاعتماد عليه.

كلمات عن المقوقس:

و المقوقس بصيغة اسم الفاعل: هو لقب لكل من ملك مصر و الإسكندرية. و كان نصرانيا تابعا لملك الروم، و منصوبا من قبله.

و قيل: إنه تضمّن مصر من قيصر بتسعة عشر ألف ألف دينار (4).


1) رسالات نبوية ص 280 عن المصباح المضيء ج 2 ص 147 عن الواقدي، و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 38. و راجع: فتوح الشام ج 2 ص 23.

2) راجع: فتوح الشام ج 1 ص 116 و 154.

3) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 419.

4) راجع: معجم البلدان ج 5 ص 141 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 420.

و القبط-بكسر القاف-هم: أهل مصر، أو أهل مصر و الإسكندرية (1).

لا تسمع القبط منك حرفا واحدا:

و قد أكرم المقوقس حاطب ابن أبي بلتعة، و بقي عنده حاطب خمسة أيام (2)، و دفع له المقوقس مائة دينار، و خمسة أثواب (3).

و قال له: «القبط لا يطاوعونني في اتباعه، و لا أحب أن تعلم بمجاورتي إياك، و أنا أضن بملكي أن أفارقه، و سيظهر على البلاد، و ينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده.

فارجع إلى صاحبك، و ارحل من عندي، و لا تسمع منك القبط حرفا واحدا.

و بعث معه جيشا إلى أن دخل إلى جزيرة العرب، فوجد قافلة تريد المدينة، فالتحق بها، وردّ ذلك الجيش» (4).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 420 عن السيرة الحلبية، و عن السيرة النبوية لدحلان، و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 501 و البحار ج 7 ص 176 و عون المعبود ج 11 ص 117 و كنز العمال ج 12 ص 475.

2) الطبقات الكبرى {ط ليدن} ج 1 ق 2 ص 17 و {ط دار صادر} ج 1 ص 261 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 395 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 664.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 281 و عن السيرة النبوية لدحلان {مطبوع مع الحلبية} ج 3 ص 71 و نصب الراية ج 6 ص 564 و عن عيون الأثر ج 2 ص 332.

4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 426 و 427 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 283 و عن

و قد أظهرت هذه النصوص أمورا عديدة، منها: 1-ادّعاؤه أن القبط لا يطاوعونه، مع أنه لم يعرض ذلك عليهم، و قد دل على ذلك التعبير المذكور، حيث لم يقل: لم يطيعوني، ليدل ذلك على أنه قد عرض عليهم الإيمان فرفضوه، بل قال: لا يطاوعوني، الذي يستبطن: أنه يقول ذلك عن حدس و استنتاج.

2-لماذا لا يحب أن يعلم القبط بمجاورة حاطب للمقوقس؟ ! أليس ذلك إلا من أجل أن لا يتساءلوا عن السبب الذي جاء به إلى بلادهم، و قد يبذلون بعض المساعي لسماع أنباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أحد أتباعه، إذ إن النفوس تتشوق و تتشوف لسماع أنباء من هذا القبيل.

و هي أنباء يشعر الناس كلهم: أنها تهمهم و تعنيهم، و لها مساس بحياتهم، و بمستقبلهم، و بمصيرهم.

3-ألا يستفاد من هذه المطالب: أن المقوقس لم يعلم أحدا من القبط بقدوم رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و أنه قد حصر هذا الرسول، و حاصره عنده، و قد غمره بالإكرام و الإنعام، و أبقاه تحت السيطرة، و تحت الرقابة التامة؟ !

4-لماذا لا يريد المقوقس: أن تسمع منه القبط حرفا واحدا؟ ! أليس هذا من الأدلة الواضحة على سعيه لتجهيل قومه؟ !

(4) السيرة النبوية لدحلان {مطبوع مع الحلبية} ج 3 ص 72 و راجع: نصب الراية ج 6 ص 564 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 665 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 72 و 73 و عيون الأثر ج 2 ص 332 و تاريخ الخميس ج 2 ص 38 و حياة الصحابة ج 1 ص 118 و كنز العمال {ط الهند} ج 10 ص 399.

و لماذا يهتم بهذا التجهيل؟ ! و ما الذي يخشاه من اطلاعهم على أخبار نبي يعترف هو بصحة نبوته، و بعثته، و هو الذي لم تزل كتبهم السماوية تعدهم به؟ !

إن ذلك كله و سواه مما لم نذكره يدل على أن المقوقس كان يسعى لإبعاد شبح الإسلام عن نفسه، و عن قومه، و كان يستخدم الكلمات المعسولة، و الهدايا، و سياسة المداراة للمسلمين من جهة، و يتبع سياسة محاصرة قومه بالجهل، و الإبعاد عن مواقع المواجهة، من جهة أخرى. . و ذلك من أجل أن يبقي على نفوذه، و يحتفظ بملكه، و لو كان ذلك لقاء إطفاء نور اللّه تعالى، و إشاعة الشبهات و الضلالات في الناس.

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الأول من مكة:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من محمد رسول اللّه، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة:

سلام عليك.

فإني أحمد إليك اللّه، الملك، القدوس، {السلام} المؤمن، المهيمن، {العزيز، الجبار، المتكبر} .

و أشهد أن عيسى بن مريم روح اللّه، و كلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه و نفخه، كما خلق آدم بيده و نفخه.

و إني أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، و الموالاة على طاعته، و أن تتبعني فتؤمن بي، و بالذي جاءني، فإني رسول اللّه.

و قد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا، و معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك، فأقر ودع التجبر. و إني أدعوك و جنودك إلى اللّه عز و جل، و قد بلغت و نصحت فاقبلوا.

و السلام على من اتبع الهدى» (1).


1) راجع مصادر هذا الكتاب في: مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي رحمه اللّه و هي التالية: إعلام الورى ص 30 و في {ط أخرى} ص 56 و الطبري ج 2 ص 294 و في {ط أخرى} ص 652 و البداية و النهاية ج 3 ص 83 و إعلام السائلين ص 4 و ناسخ التواريخ في بيان سيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ص 472 و الحلبية ج 3 ص 279 و زيني دحلان {هامش الحلبية} ج 3 ص 67 و تأريخ الخميس ج 2 ص 30 و أعيان الشيعة ج 2 ص 207 و في {ط أخرى} ج 1 ص 243 و أسد الغابة ج 4 ص 86 و ج 1 ص 61 في ترجمة أرمى بن أصحم، و البحار ج 20 ص 392 و ج 18 ص 418 و 419 و ج 21 ص 23 و 43 عن إعلام الورى و قصص الأنبياء للراوندي ص 324 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 36 و صبح الأعشى ج 1 ص 91 و ج 6 ص 358 و 359 و 465 و رسالات نبوية ص 289 و تأريخ ابن خلدون ج 2 ص 790 و 791 و في {ط أخرى} ج 2 ق 2 ص 36 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 9 و حياة الصحابة ج 1 ص 103 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 376 و ج 2 ص 78 و 79 و في {ط أخرى} ص 309 و ربيع الأبرار ج 3 ص 297 و المصباح المضيء ج 2 ص 35 و زاد المعاد ج 3 ص 60 و إعجاز القرآن ص 113 و المواهب اللدنية للقسطلاني شرح الزرقاني {كما في الجمهرة} و نشأة الدولة الإسلامية: 301/15 و مدينة البلاغة ج 2 ص 241 و المنتظم ج 3 ص 287 و الوثائق السياسية: 99/21 عن جمع ممن تقدم، و عن المواهب ج 1 ص 291 و نصب الراية للزيلعي، و منشآت السلاطين لفريدون بك ج 1 ص 32 و وسيلة المتعبدين {مخطوطة بانكى پور} ص 8 و إعجاز القرآن للباقلاني ص 203 و إمتاع الأسماع للمقريزي {خطية كوپرلو إسطنبول} ص 1021 و المبعث و المغازي لإسماعيل التيمي {خطية كوپرلو} ورقة 114 و رفع شأن الحبشان للسيوطي {خطية بروصة} ورقة 110 و الوفاء لابن الجوزي ص 734. و راجع: التنبيه و الإشراف ص 226 و الطبقات {ط ليدن} ج 2 ق 1 ص 15 و ق 1 ص 139 و {ط بيروت} ج 1 ص 207 و 258 و ج 4 ص 249 و ج 8 ص 97 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 114 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 210 و 213 و الإستيعاب {هامش الإصابة} ج 2 ص 497 و كنز العمال ج 1 ص 239 و ج 10 ص 419 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 165 و 197 و اليعقوبي ج 2 ص 67 و المناقب ج 1 ص 164. قال في الوثائق: {قابل سعيد بن منصور:3 /2/2480 و انظر كايتاني ج 6 ص 53 و اشپرنكر ج 3 ص 262} . و راجع: الكامل ج 2 ص 210 و 213 و حياة محمد لهيكل ص 353 و أنساب الأشراف تحقيق محمد حميد اللّه ص 438.

إسلام النجاشي الأول:

و قد ذكر المؤرخون-و النص للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» (1)-:

أنه لما أوصل عمرو بن أمية الكتاب إلى النجاشي، أخذه و وضعه على عينيه، و نزل عن سريره، و جلس على الأرض إجلالا و إعظاما، ثم أسلم، و دعا بحق من عاج، و جعل فيه الكتاب، و قال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته (2).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 447 و 448 و 449.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 447 عن الطبقات لابن سعد ج 2 ق 1 ص 15 و 16 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 279 و عن السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} ج 3 ص 67 و 68 و المصباح المضيء ج 2 ص 35. و راجع: ميزان الحكمة ج 4

كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند النجاشي الأول:

و قالوا: إن عمرو بن أمية قال للنجاشي: يا أصحمة، إن عليّ القول و عليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، و كأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، و لم نحفظك على شر قط إلا أمناه، و قد أخذنا الحجة عليك من قبل آدم، و الإنجيل بيننا و بينك شاهد لا يرد، و قاض لا يجور، و في ذلك موقع الخير و إصابة الفضل، و إلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى بن مريم، و قد فرق رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، و أمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف و أجر ينتظر (1).

فقال النجاشي: أشهد باللّه: أنه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب، و أن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، و أنه ليس الخبر كالعيان، و لكن أعواني من الحبشة قليل، فانظرني حتى أكثر الأعوان، و ألين القلوب.

و في رواية: لو أستطيع أن آتيه لأتيته (2).

(2) ص 3209 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 430 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 573 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 365.


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 447 عن دحلان ج 3 ص 68 و الحلبية ج 3 ص 279 و زاد المعاد ج 3 ص 60 و الروض الأنف ج 3 ص 304 و المصباح المضيء ج 2 ص 39 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 572 و ج 2 ص 654 و عيون الأثر ج 2 ص 329 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 1 ص 259.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 448 عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 68 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 280 و زاد المعاد ج 3 ص 60.

و نحن نرى: أن حامل رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو جعفر بن أبي طالب، إذ من المعلوم: أن النجاشي إنما أسلم على يدي جعفر فهذه الموعظة إن كانت قد صدرت من أحد فإنما صدرت من جعفر دون سواه باستثناء بعض الفقرات، كما سنو ضحه في الفقرة التالية:

إنما يفتضح الفاجر:

هذا. . و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن عمرو بن أمية قال للنجاشي: «كأنك في الرقة علينا منا، و كأننا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه الخ. .» .

و نقول:

قد نقل عن خط الشهيد رحمه اللّه ما يلي:

«قيل: كتب النجاشي كتابا إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : أكتب جوابا، و أوجز.

فكتب «عليه السلام» : «بسم اللّه الرحمن الرحيم: أما بعد، فكأنك من الرقة علينا منّا، و كأنّا من الثقة بك منك، لأنّا لا نرجو شيئا منك إلا نلناه، و لا نخاف منك أمرا إلا أمناه، و باللّه التوفيق» .

فقال النبي «صلّى اللّه عليه و آله» : الحمد للّه الذي جعل من أهلي مثلك، و شد أزري بك» (1).


1) البحار ج 20 ص 397 و {ط حجرية} ج 6 ص 571 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 541 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 453 و راجع: ناسخ التواريخ، ترجمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مدينة البلاغة ج 2 ص 244.

فالكلام المتقدم من إنشاء أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و لكن الأيدي الخائنة التي تسعى إلى تزوير الحقائق، و إلى سرقة جواهر كلام علي «عليه السلام» ، قد نسبت ذلك إلى عمرو بن أمية. و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون، و المشركون، و أن يفتضح الفجار و المزورون لحقائق الدين و الإيمان، و أن يحل بهم الخزي و العار، و أن يصيبهم الخذلان و الخزي، و البوار، و يكون فيهم كالنار على المنار، و كالشمس في رابعة النهار، و ينتقم منهم في الدنيا و الآخرة العزيز الجبار.

كتاب النجاشي الأول إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قالوا أيضا: إن النجاشي أحضر جعفرا رضوان اللّه تعالى عليه و أصحابه، و أسلم على يديه للّه رب العالمين، و كتب بذلك إلى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «بسم اللّه الرحمن الرحيم.

إلى محمد رسول اللّه، من النجاشي الأصحم بن أبجر.

سلام عليك يا نبي اللّه و رحمة اللّه و بركاته، من الذي لا إله إلا هو، الذي هداني للإسلام.

أما بعد. .

فقد بلغني كتابك يا رسول اللّه فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء و الأرض، إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا (1)إنه كما قلت، و قد عرفنا ما بعثت به إلينا، و قد قربنا ابن عمك و أصحابه، فأشهد أنك


1) الثفروق: الأقماع التي تلصق بالبسر.

رسول اللّه، صادق، مصدق، و قد بايعتك، و بايعت ابن عمك، و أسلمت على يديه للّه رب العالمين، و قد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، و إن شئت أن آتيك فعلت يا رسول اللّه، فإني أشهد أن ما تقول حق، و السلام عليك يا رسول اللّه» (1).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 448 عن المصادر التالية: عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 67 و 68 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 279 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 652 و في {ط أخرى} ص 294 عن ابن إسحاق، و إعلام الورى ص 30 و في {ط أخرى} ص 56 و البحار ج 6 ص 398 و 567{الطبعة الحجرية} و ج 18 ص 419 و ج 20 ص 392 و أسد الغابة ج 1 ص 62 و 63 و أعلام السائلين ص 4 و ناسخ التواريخ ص 273 من تأريخ رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و ثقات ابن حبان ج 2 ص 9 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 79 و حياة الصحابة ج 1 ص 103 و مجموعة الوثائق السياسية ص 46 و في {ط أخرى} ص 104 عن جمع ممن تقدم، و عن صبح الأعشى ج 6 ص 379 و 466 و 467 و سواطع الأنوار للتيمي {خطية} ورقة 114/ب، و 115/ألف، و رفع شأن الحبشان للسيوطي {خطية} ورقة 110/ب، و إمتاع المقريزي {خطية كوپرلو} ص 1021 و الوفاء لابن الجوزي ص 735 و راجع: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 63 و المواهب اللدنية {بشرح الزرقاوي} ج 3 ص 379 و المستدرك ج 2 ص 624 و تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 791 و في {ط أخرى} ج 2 ق 2 ص 36 و البداية و النهاية ج 3 ص 84 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 60 و 61 و الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 164 و نشأة الدولة الإسلامية:302/17 و رسالات نبوية ص 290 و تأريخ الخميس ج 2 ص 30 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 15 و مدينة البلاغة ج 2 ص 243 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 421 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 79 و المنتظم ج 3 ص 288 و المصباح المضيء ج 2 ص 37.

و كتب النجاشي إليه «صلّى اللّه عليه و آله» في جواب كتابه في تزويج أم حبيبة ما يلي: «بسم اللّه الرحمن الرحيم.

إلى محمد «صلّى اللّه عليه و آله» ، من النجاشي أصحمة. .

سلام عليك يا رسول اللّه من اللّه و رحمة اللّه و بركاته.

أما بعد. .

فإني قد زوجتك امرأة من قومك، و على دينك، و هي السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، و أهديتك هدية جامعة: قميصا، و سراويل، و عطافا، و خفين ساذجين، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته» (1).

و كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا في جواب كتابه في تجهيز المسلمين هذا الكتاب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم.

إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، من النجاشي أصحمة. .

سلام عليك يا رسول اللّه من اللّه و رحمة اللّه و بركاته، لا إله إلا الذي هداني للإسلام.

أما بعد. .

فقد أرسلت إليك يا رسول اللّه من كان عندي من أصحابك المهاجرين من مكة إلى بلادي، و ها أنا أرسلت إليك ابني أريحا في ستين


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 449 عن المصادر التالية: الوثائق ص 106 و في {ط أخرى} ص 48 عن سواطع الأنوار للتيمي ص 81 و الطراز المنقوش لابن عبد الباقي، الباب الأول. و ابن الجوزي ص 568 و 569 ملخصا و نشأة الدولة الإسلامية:303/18.

رجلا من أهل الحبشة، و إن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول اللّه، فإني أشهد أن ما تقول حق، و السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته» (1).

رسول النجاشي الأول و هداياه:

لما طغت قريش و عتت ضد الإسلام و المسلمين، و أفرطوا في تعذيبهم قال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو خرجتم إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. و هي أرض صدق حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه» (2).

ثم بعث المهاجرين تحت كفالة جعفر بن أبي طالب رضوان اللّه عليهما (3)


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 449 عن: الوثائق ص 48 و في {ط أخرى} ص 104 عن الطراز المنقوش لابن عبد الباقي و سواطع الأنوار ص 82 و قابل إعلام السائلين ص 3 و المصباح المضيء ج 2 ص 37 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 576 و ج 2 ص 661.

2) البحار ج 18 ص 412 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 449 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 9 و عن فتح الباري ج 7 ص 143 و عن مجمع البيان ج 3 ص 400 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 208 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 70 و عن البداية و النهاية ج 3 ص 85 و 92 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 555 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 213 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 4 و 17 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 22 و ج 2 ص 363.

3) راجع: الجزء الثاني من هذا الكتاب، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 450. و راجع: و البداية و النهاية ج 3 ص 98 عن أبي موسى، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 11 و راجع: كنز الدقائق ج 3 ص 173 و تفسير علي بن إبراهيم ج 1 ص 176 و نور الثقلين ج 1 ص 549 و البرهان ج 1 ص 493 و مجمع البيان ج 9 ص 244 و في أسد الغابة ج 1 ص 44 «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي. .» و راجع ج 5 ص 250.

و كتب إلى النجاشي فيهم، يوصيه بتكريمهم و قراهم. كما أن أبا طالب رضوان اللّه عليه أيضا كتب إليه في هذا المعنى كما تقدم في الأجزاء الأولى من هذا الكتاب، حين استعرض أحداث هجرة المسلمين إلى الحبشة.

فأقام المسلمون هناك في رغد من العيش، و أمن من الغوائل، ورد النجاشي مبعوثي قريش ردا قبيحا، و صار تكريمه للمسلمين سببا للثورة عليه، و دفع اللّه تعالى عنه هذه المكائد.

و قد تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى النجاشي مع عمرو بن أمية في الدعوة إلى الإسلام-و الظاهر: أن المكتوب إليه هو النجاشي الثاني-فآمن و صدق، و كتب إليه أيضا في تزويج أم حبيبة، فزوجها منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كتب إليه أيضا في إرسال جعفر صلوات اللّه عليه، و من معه من المسلمين، فجهزهم و أرسلهم في سفينتين مع هدايا، و مع الوفد الذي أرسله، لينظروا إلى كلامه و مجلسه و مشربه، فيشاهدوا آيات رسالته، و أعلام نبوته، و أن زيه ليس هو زي الملوك و الجبابرة.

فوافوا المدينة، و أكرمهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى قام يخدمهم بنفسه الشريفة، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول اللّه.

فقال: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين، و إني أحب أن أكافيهم، و قرأ

عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القرآن، فبكوا، و رجعوا إلى النجاشي (1).

الإقرار للنجاشي الأول بالملك:

و قد خاطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» النجاشي بعنوان «ملك الحبشة» ، و لم يخاطب كسرى و لا قيصر و لا المقوقس بذلك. . لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان على يقين من إيمان النجاشي، ثم من عقله، و حسن تدبيره،


1) اخترنا هذه النصوص من كتاب مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» تعالى فراجعه، و راجع أحداث هجرة الحبشة في مختلف كتب السيرة و التاريخ، و منها على سبيل المثال: المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 284 و حياة الصحابة ج 1 ص 331 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 21 و تأريخ الخميس ج 1 ص 288 و ج 2 ص 21 و المعجم الكبير للطبراني ج 25 ص 218-223 و كشف الأستار ج 2 ص 297 و الدلائل للبيهقي ج 2 و ج 4 ص 344 و البحار ج 18 ص 410 و ج 21 ص 19 و 23 و 24 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 344 و ج 4 ص 3 و الدر المنثور ج 5 ص 133 و ج 2 ص 302 و 303 و سيرة ابن إسحاق ص 213 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 23 و 24 و كنز الدقائق ج 3 ص 173 و مجمع البيان ج 3 ص 233 و ج 9 ص 244 و نور الثقلين ج 1 ص 546 و البرهان {تفسير} ج 1 ص 493 و تفسير القمي ج 1 ص 176 و الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 259 و البداية و النهاية ج 3 ص 66 و ج 4 ص 262 و 205 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 76 و تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف بمصر} ج 2 ص 328 و عن السيرة الحلبية ج 1 ص 360 و ج 3 ص 56 و السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} ج 1 ص 251 و ج 2 ص 251.

و أمانته، و عدله، فإنه ملك لا يظلم عنده أحد، كما تقدم، فلم يكن هناك أي محذور من الإقرار له بالملك على قومه، و تفويض تدبير أمورهم إليه، فإنه أحرى بذلك من كل أحد. .

و هكذا فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

سلام عليك:

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما قلنا-يكتب إلى المسلم: سلام عليك، أو سلم أنت، أو نحو ذلك، و يكتب إلى غير المسلم: السلام على من اتبع الهدى.

و قد لاحظنا هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يبدأ كتابه للنجاشي بقوله: «سلام عليك، أو سلم أنت» .

و هذا يشير إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم بقبول النجاشي بكل ما يرضي اللّه سبحانه، و لا يتوقع منه أي تلكؤ أو استكبار عن قبول الدعوة الإلهية، فهو يؤمن بعيسى «عليه السلام» ، من حيث إنه يرى: أن في ذلك الإيمان رضاه تعالى، و لا بد أن يتواصل و يستمر هذا الإيمان، و لا ينقطع.

بل هو يتنامى و يكبر و يتحول تلقائيا إلى الإسلام.

أحمد إليك اللّه:

و لسنا بحاجة للإشارة إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ساق حمده للّه حتى أوصله إلى النجاشي، ليؤنسه و يسره به، و ليحببه إليه، و لم يفعل ذلك مع كسرى و قيصر. .

و في هذا دلالة أخرى على: أن النجاشي قريب إلى اللّه تعالى، و هو يأنس

بحمده، و الثناء عليه، و لا يغتر بملكه و طاعة الناس له، إلى حد الشعور بالاستغناء عنه تعالى، و الاستكبار عن طاعته. .

الملك:

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خاطب النجاشي: بأنه «ملك الحبشة» و لكنه عاد و ذكّره: بأن اللّه تعالى هو الملك على الإطلاق، و له دون سواه الملك الحقيقي، الذي لا يخضع في مالكيته إلى جعل، و إنشاء من أحد، و أما من سواه، فمالكيته و سلطانه محتاج إلى إنشاء و اعتبار و جعل من قبل من بيده الأمر، و هو المالك الحقيقي، و الخالق، و المهيمن.

القدوس:

ثم عقب ذلك بذكر. سائر صفات اللّه سبحانه، و التي يحاول الملوك، أن يستأثروا بها لأنفسهم، بنحو أو بآخر. فذكر من ذلك صفة «القدوس» التي هي من صيغ التكثير و التشديد {المبالغة} في تقديس اللّه و تنزيهه عن أي نقص، أو عجز، أو عيب، أو حاجة و ما إلى ذلك.

فلا معنى لأن ينسب إليه أحد ظلما، أو جهلا، أو بخلا، أو. . أو. .

و بمقايسة بسيطة يتجلى للإنسان عجزه حتى لو كان ملكا، و تظهر له عيوبه، و يشعر بأنه محتاج إلى غيره، حتى إلى رعيته، أو إلى بعضهم، ليرفع نقائصه، و ليصل إلى مراداته.

و المفروض بهذا الشعور الداخلي، و الإقرار الوجداني، أن ينتهي به إلى التسليم للّه الملك القدوس، و أن يطلب منه سبحانه تلبية حاجاته، و تقوية ضعفه، و إكمال نقصه، و رفع عجزه. .

السلام، المؤمن:

و رغم أن اللّه مالك، و أن مقتضى ألوهيته أن يكون عباده مطيعين، خاضعين، منقادين له. . فإن الناس، سواء في ذلك الملوك أم السوقة يستكبرون على ربهم، و لا يخضعون، و لا ينقادون له، و لا يطلبون حاجاتهم منه، و لا يعترفون بضعفهم أمام قوته، و بنقصهم أمام كماله، و بفقرهم أمام غناه و. . و. .

و لكنه تبارك و تعالى لا يعاملهم بما يستحقون، و لا يعاجلهم بالعقوبة على ما يقترفون، و لا يبادرهم بالانتقام رغم أنهم مجرمون. بل هو السلام الحاني، و المؤمن لهم من كل ما يخافون و يحذرون، و هو التواب على من تاب، و المؤمن لهم من العذاب.

أما سلام الملوك، فإنه يفرض بالقوة، و هو ليس في حقيقته سلام، بل هو إذلال و قهر. . و لذلك الأمن الذي يأتي من قبلهم فإنه يكون خوفا و استكانة، و استخذاء، و خمودا. .

المهيمن:

و لم تكن صفة السلام و المؤمن فيه تعالى، من أجل أنه فاقد للسيطرة، و غير متمكن من الإمساك بمقاليد الأمور بسبب قلة خبرة، أو انحسار سلطان، أو ضعف في مستوى مراقبة الأحوال. .

بل من أجل أنه تعالى: يمنح السلام و الأمن لمستحقيه و طالبيه من موقع الشاهدية، و الرقابة، و الإمساك بالأمور بصورة حقيقية، و بقدرة و فاعلية، فكان المهيمن و الشاهد. لا بواسطة الاستعانة بغيره، و لا بالاعتماد

على الوسائل المتاحة له، كما هو حال ملوك الأرض، بل بالقدرة الذاتية، و الشاهدية الحقيقية. .

العزيز الجبار المتكبر:

و اللّه تعالى هو العزيز، الجبار، المتكبر على نحو الحقيقة، و أما ملوك الأرض فإنهم يدّعون ذلك لأنفسهم، و لكن على سبيل تسمية الأمور بغير أسمائها الحقيقية، فيصورون ذلهم و مهانتهم عزا و كرامة، و يصورون ضعفهم الذي يجرهم إلى ظلم الآخرين-على قاعدة: و إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف (1)-جبروتا، و بطشا و قوة. .

كما أن صغر أنفسهم حين يغطونه بانتفاخات كاذبة يسمونه كبرياء، مع أن جبروت اللّه هو عين عدله، و عزته تبارك و تعالى كرامة كامنة في حقيقة ذاته، و تتجلى في المظاهر المشيرة إلى عظمته. .


1) من دعاء السجاد «عليه السلام» يوم الأضحى و الجمعة، راجع: الصحيفة السجادية {ط مؤسسة المهدي قم} ص 349-353. و راجع: المقنعة للمفيد ص 129 و مصباح المتهجد ص 270 و 274 و 423 و مكارم الأخلاق ص 295 و إقبال الأعمال ج 1 ص 250 و 326 و 501 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 491 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 88 و المزار لابن المشهدي ص 471 و عن إقبال الأعمال ج 1 ص 205 و 326 و 501 و ج 2 ص 181 و جمال الأسبوع ص 111 و 133 و 266 و البحار ج 5 ص 53 و عن ج 84 ص 203 و 261 و 268 و عن ج 86 ص 295 و عن ج 87 ص 329 و عن ج 88 ص 24 و عن ج 95 ص 18 و 131 و 208 و 286 و نور البراهين ج 2 ص 306 و ميزان الحكمة ج 3 ص 1914 و جامع البيان ج 17 ص 82.

شهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعيسى أولا:

و الذي يستوقف الباحث هنا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه و قبل أن يطلب من غيره شيئا قد بادر إلى الشهادة لعيسى «عليه السلام» ، بما يعتقده فيه، و في أمه على نبينا و آله و على عيسى و أمه الصلاة و السلام، فقال: أشهد أن عيسى بن مريم روح اللّه.

و قد اقتصرت شهادته على النقطة المحورية للخلاف في أمر عيسى «عليه السلام» ، و هي نقطة الارتكاز للديانة المسيحية كلها، حتى إذا تعرضت هذه النقطة لأي اهتزاز، فإن ذلك سوف يزعزع بناء تلك الديانة كله، و يسقط الهيكل على رؤوس أصحابه. . ألا و هي قضية خلق عيسى، فقرر أنه «عليه السلام» مخلوق للّه تعالى، حين وصفه بأنه روح اللّه و كلمته. .

أي أنه روح خلقه اللّه بحكمته، و اختاره و اصطفاه، و أضافه إلى نفسه، من بين سائر الأرواح.

و هو كلمة اللّه أيضا؛ لأنه ولد من غير أب، بل بواسطة كلمته، و هي قوله تعالى: كُنْ. . فكان.

فإن كان عيسى «عليه السلام» روحا مخلوقا للّه عز و جل، بواسطة أمره التكويني. و إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1). فهو مخلوق محدث، لا يحمل أي عنصر إلهي، و هذا بالذات هو ما تقضي به العقول، و تهدي إليه الفطرة السليمة و الصافية. .


1) الآية 82 من سورة يس.

مريم البتول، الطيبة، الحصينة:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد شهد لمريم بثلاثة أوصاف هي:

1-البتول: و تعني: المرأة المتبتلة التي قررت الانقطاع عن الرجال، من حيث إنها تلتزم العفة و العصمة عن كل ما لا يرضاه اللّه في هذا الإتجاه، أو المنقطعة إلى اللّه تعالى عن الدنيا و زينتها، أو كما قال أحمد بن حنبل: «لانقطاعها عن نساء أهل زمانها، و نساء الأمة عفافا، و فضلا، و دينا، و حسبا» (1).

فعن علي «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سئل ما البتول، فإنا سمعناك يا رسول اللّه تقول: إن مريم بتول، و فاطمة بتول؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : البتول التي لم تر حمرة قط. أي لم تحض فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء (2).


1) راجع: لسان العرب {نشر أدب الحوزة-قم} ج 11 ص 34 مادة: بتل. و راجع: النهاية في اللغة، مادة بتل أيضا. و الكافي ج 5 ص 509 و معاني الأخبار ص 64 و المزار الكبير لابن المشهدي ص 78 و البحار ج 6 ص 64 و ج 14 ص 300 و ج 43 ص 15 و عن ج 97 ص 201 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 435 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 171 و اللمعة البيضاء ص 203 و بيت الأحزان ص 26 و السيدة فاطمة الزهراء للبيومي ص 109.

2) علل الشرائع ج 1 ص 181 و معاني الأخبار للصدوق ص 64 و مشرق الشمس للبهائي العاملي ص 325 و روضة الواعظين ص 149 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 37 و دلائل الإمامة ص 150 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 277 و البحار ج 43 ص 15 و 16 و ج 78 ص 112 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 435 و كشف الغمة ج 2 ص 92.

و البتل: القطع، و منه قيل لمريم: البتول و لفاطمة «عليها السلام» ، لانقطاعها عن نساء زمانها، دينا و فضلا، و رغبة في الآخرة (1).

و التبتل: الانقطاع إلى عبادة اللّه (2).

و امرأة متبتلة: كل جزء منها يقوم بنفسه في الحسن (3).

و قيل لفاطمة البتول: لانقطاعها عن الأزواج غير علي «عليه السلام» أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن و الشرف (4).

أو لأنها تبتلت عن النظير (5).

2-الطيبة: أي الطاهرة التي صرح اللّه تعالى بطهارتها، عما نسبه اليهود إليها حين قالوا لها: يٰا أُخْتَ هٰارُونَ مٰا كٰانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَ مٰا كٰانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (6).

و قال تعالى: وَ إِذْ قٰالَتِ اَلْمَلاٰئِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفٰاكِ عَلىٰ نِسٰاءِ اَلْعٰالَمِينَ (7).

3-الحصينة: و هي المرأة العفيفة-المتشددة في عفتها، المتمنعة بها، كما


1) سبل السلام لابن حجر ج 3 ص 111 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 176.

2) الكافي هامش ج 2 ص 379 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 57 و التبيان ج 10 ص 164 و الجامع لأحكام القرآن ج 19 ص 44.

3) رسائل المرتضى ج 4 ص 85.

4) فتح الباري ج 9 ص 96.

5) مكاتيب الرسول ج 2 ص 435 عن ابن الهروي.

6) الآية 28 من سورة مريم.

7) الآية 42 من سورة آل عمران.

يتمنع المحارب في حصنه. .

فخلقه من روحه و نفخه:

و بعد التلويح جاء التصريح: بأن عيسى «عليه السلام» مخلوق محدث، و أن اللّه سبحانه قد خلقه من روح اختاره و اصطفاه، و نسبه إلى نفسه كما ينسب الشيء إلى مالكه و صاحبه، فيقال: بيته، و قميصه، و نحو ذلك. .

ثم بين كيفية هذا الخلق و أنه بنفخ الروح فيه بعد تكونه في بطن أمه مريم جنينا كاملا. .

كما خلق آدم عليه السّلام بيده و نفخه:

ثم بالغ في تحديد كيفية الخلق و أسبابه و شؤونه حين قرر: أن خلقه مثل خلق آدم «عليه السلام» ، فإن اللّه تعالى خلقه بيده، أي بقدرته التي يعبر عنها باليد، كما قال تعالى: يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (1). أي أن قدرة اللّه و بطشه فوق قدرتهم و بطشهم، و لكن بما أن البطش، و إعمال القدرة إنما يكون بواسطة اليد؛ فإنه تعالى أورد هذه الكلمة أيضا إمعانا في تجسيد المعنى إلى حد أصبح شيئا يناله الإنسان بحواسه الظاهرة. فقد تجلت القدرة و تجسدت آثارها حتى أصبحت و كأنها يد ظاهرة للعيان. .

ثم أشار إلى كيفية حلول الروح في جسد آدم و عيسى «عليهما السلام» ، و قال: إن ذلك قد جاء بطريقة النفخ، الذي هو عبارة عن الإيجاد و التكوين المباشر في داخل الجسد نفسه. .


1) الآية 10 من سورة الفتح.

الموالاة على طاعة اللّه عز و جل:

و بعد أن دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» النجاشي إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، -و قد تحدثنا عن هذه الشهادة حين الكلام عن رسالته «صلى اللّه عليه و آله» لكسرى-طلب منه الموالاة على طاعة اللّه سبحانه. فيكون بذلك قد حدد المنطلق و الإطار للعلاقة الروحية، و لطريقة تعامله مع جميع البشر و يدخل في هذا السياق إرشاد الناس إلى المعايير، و الضوابط، من خلال المبادرة منه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه إلى التعامل مع الناس على أساسها، و من خلالها، و يسوقهم بذلك إلى السعي للحصول على وضوح الرؤية، و الاستفادة من جميع القدرات، و الطاقات التي زودهم اللّه تعالى بها بصورة صحيحة. .

و لا يكل ذلك إلى الأهواء و الميول، و نزوات الغرائز، و هذا النهج من شأنه إذا اتبعوه: أن يخرجهم من العشوائية و الإبهام، و الغموض، إلى آفاق بالغة الصفاء، شديدة الوضوح، وفقا لقوله تعالى: وَ كَذٰلِكَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنٰا مٰا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتٰابُ وَ لاَ اَلْإِيمٰانُ وَ لٰكِنْ جَعَلْنٰاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِنٰا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1).

و قال: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2).

و قال أيضا: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ (3).

و الآيات المشيرة إلى هذا المعنى كثيرة. .


1) الآية 52 من سورة الشورى.

2) الآية 42 من سورة الأنفال.

3) الآية 14 من سورة محمد.

أدعوك و جنودك:

و بعد ذكر أمور أخرى-أشرنا إلى بعض دلالاتها حين تكلمنا عن رسالته «صلى اللّه عليه و آله» إلى كسرى-قال «صلى اللّه عليه و آله» للنجاشي: «و إني أدعوك و جنودك إلى اللّه عز و جل. .» .

و الأمر الشائع بين الناس هو خضوع الجند لقادتهم و لملوكهم فيما يعرضونه عليهم، حيث يكون كل همهم و سعيهم محصورا في تنفيذ أوامرهم، و الكون رهن إشارتهم في إقامة صرح العدل، أو في إشاعة الذل و الظلم و التعدي على حد سواء. .

و من الواضح: أن الجنود هم الأداة التي يعتمد عليها الملوك في بسط سلطانهم و نفوذهم، و بهم يوسعون دائرة حكمهم، و هم الأدوات التي يستفيدون منها في قهر الناس، و في ظلمهم و ابتزاز حقوقهم. .

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . قد وجه خطابه إلى هؤلاء بالاستقلال عن قائدهم النجاشي، ليثير لديهم الإحساس بهذه الاستقلالية، و لإفهامهم أن هناك أمورا لا يجوز لأحد أن يقررها لهم، أو أن ينوب عنهم فيها. و من ذلك معرفة اللّه سبحانه و الخضوع له، و الاعتراف بالأنبياء المرسلين و الطاعة لهم، و العمل بأحكامه تعالى و شرائعه، و الالتزام بأوامره و نواهيه.

و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يذكر ذلك في كتابه لكسرى و قيصر، و المقوقس؛ لأنه كان عارفا بأنهم سوف يستكبرون عن قبول دعوته، فضلا عن أن يفسحوا المجال لدعوة أي كان من الناس إلى دين الحق، فكيف إن كانوا من جندهم الذين يعتمدون عليهم في استمرار

تسلطهم على الآخرين، و يستخدمونهم بمثابة أدوات للبطش، و الإذلال و القهر و العدوان على الناس.

هذا. . و ليس في الرسالة: أن على النجاشي إثم أحد من الناس، بخلاف رسالة كسرى و قيصر و المقوقس؛ فإنه قد حمّلهم إثم أقوامهم في صورة عدم قبولهم دعوته. .

الفصل الخامس: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثاني

اشارة

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثاني:

تقدم: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب في سنة ست أو سبع إلى كسرى و قيصر، و النجاشي، و المقوقس، و غيرهم بنسخة واحدة، يدعوهم فيها إلى الإسلام، و في هذه الكتب كلها كتب الآية المباركة: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ .

و نص كتابه إلى هؤلاء، واحد كما تقدم. . و هو يختلف عن النص الذي قدمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتبه للنجاشي الأول.

و النص الذي ذكرناه يدل: على أن ذلك الكتاب قد أرسل إلى النجاشي الأول حين هجرة جعفر و المسلمين إلى الحبشة، مما يدل على: أن الذي كتبه في سنة سبع كان موجها إلى نجاشي آخر غير النجاشي الأول، فلاحظ ما يلي:

1-قول أنس: «إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى كسرى و إلى قيصر، و إلى النجاشي، و إلى كل جبار يدعوهم إلى اللّه تعالى، و ليس

بالنجاشي الذي صلى عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).

2-إن النجاشي الأول الذي مدحه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هاجر إليه المسلمون قد أسلم على يد جعفر بن أبي طالب و آمن به «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد روي عن الحسن بن علي العسكري «عليهما السلام» عن آبائه «عليهم السلام» : «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أتاه جبرئيل «عليه السلام» بنعي النجاشي بكى بكاء الحزين عليه، و قال: إن أخاكم أصحمة-و هو اسم النجاشي-مات، ثم خرج إلى الجبانة و صلى عليه و كبر سبعا، فخفض اللّه له كل مرتفع حتى رأى جنازته و هو بالحبشة (2). و كان ذلك من معجزاته «صلى اللّه عليه و آله» .


1) الدر المنثور ج 3 ص 7 عن أبي الشيخ، و ابن مردويه، و عن صحيح مسلم، و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 68 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 437 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3214 و صحيح مسلم ج 5 ص 166 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 112 و نصب الراية ج 6 ص 559 و فتح القدير ج 2 ص 106 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 299 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 494 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 345.

2) راجع: البحار ج 18 ص 418 و ج 78 ص 348 و الأقطاب الفقهية لابن أبي جمهور ص 65 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 252 و الخصال ص 359 و 360 باب السبعة حديث رقم 47 و الوسائل {ط مؤسسة أهل البيت} ج 3 ص 107 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 275 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 541 و مسند الإمام الرضا ج 2 ص 417 و 490 و عوالي اللآلي ج 2 ص 60 و راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 146 و مجمع البيان ج 2 ص 561 و الكشاف {ط سنة 1406 ه} ج 1 ص 459.

أما الذي كتب إليه حين كتب إلى الملوك و الجبارين فهو النجاشي الثاني الذي استولى على السلطة بعد وفاة النجاشي الأول. .

و قد زعموا: أنه هو الذي خرق كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «إني كتبت بكتابي إلى النجاشي فخرقه، و اللّه مخرق ملكه» (1).

و نحن نقول:

إن ذلك غير دقيق، فإن الظاهر هو: أن هناك ملوكا ثلاثة من ملوك الحبشة كلهم عاصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سيتضح ذلك فيما يأتي.

النجاشي ثلاثة، أسلم منهم اثنان:

بل إننا نستقرب: أن يكون ثلاثة من ملوك الحبشة قد عاصروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كاتبهم «صلى اللّه عليه و آله» جميعا، و هم:

1-النجاشي الأول، الذي أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه جعفر، و أرسل إليه الرسالة الأولى التي قدمناها و شرحناها، و قد أسلم هذا و آمن. .


1) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 75 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 114 و حياة الصحابة ج 1 ص 107 و نصب الراية ج 4 ص 418 و راجع: مجمع الزوائد ج 8 ص 235 و المنتظم ج 3 ص 289 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 416 و كنز العمال ج 1 ص 268 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 20 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 28 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 458 و ج 11 ص 355.

2-النجاشي الثاني، الذي مات حين زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأم سلمة، في أول الهجرة. حسبما ورد في الرواية المتقدمة. .

و الظاهر من رواية أنس المتقدمة: أنه توفي قبل سنة ست أو سبع، أي قبل كتابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الملوك و الجبارين.

فقول من قال: إنه مات سنة تسع، أو بعد غزوة مؤتة، أو سنة ثمان (1)، لا مجال لقبوله. .

و ربما يكون القول بوفاته سنة تسع ناشئا عن الاشتباه في قراءة الكلمة، حيث يكثر تصحيف كلمة {سبع} بكلمة {تسع} بسبب اتحادهما في الشكل مع عدم وجود النقط في الحروف في تلك العصور. .

و الحاصل: أن النجاشي الأول رحمه اللّه قد مات-على ما يظهر-في أول الهجرة، و النجاشي الثاني مات في سنة سبع، أو في آخر سنة ست، ثم تولى الحكم بعده النجاشي الثالث، فكتب إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فخرق الكتاب، و أخبر «صلى اللّه عليه و آله» بتخريق ملكه. .

و مما يدل على موت النجاشي الأول في أوائل الهجرة: أن أم كلثوم


1) راجع هذه الأقوال في: البداية و النهاية ج 4 ص 277 و أسد الغابة ج 1 ص 99 و الإصابة ج 1 ص 109 و 102 و تاريخ الخميس ج 2 ص 30 و البحار ج 21 ص 368 و عن العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 826 و الكامل ج 2 ص 293 و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 15 و فتح الباري ج 7 ص 146 و عن تاريخ الأمم و الملوك. ج 3 ص 122 و مرآة الجنان ج 1 حوادث سنة تسع، و زاد المعاد ج 3 ص 60 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 438 عنهم، و عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 69 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 180 و غير ذلك كثير.

قالت: «لما بنى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأم سلمة» ، قال:

«قد أهديت إلى النجاشي أوراقا من مسك و حلية، و إني لأراه قد مات. و لا أرى الهدية إلا سترد عليّ. .» فكان كما قال (1).

و كان زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأم سلمة في السنة الرابعة (2).

و قيل: في السنة الثالثة (3)، أو في الثانية (4).


1) مجمع الزوائد ج 8 ص 289 و راجع: المعجم الكبير ج 25 ص 81 و ج 23 ص 353 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 439 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 525 و الخلاف و الوفاق لعلي بن محمد القمي ص 370 عن الخلاف ج 3 ص 555 و الإقناع للحجاوي ج 2 ص 32 و مغني المحتاج للشربيني ج 2 ص 400 و إعانة الطالبين ج 3 ص 175 و دلائل النبوة ص 150 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 109 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 95 و الآحاد و المثاني ج 6 ص 226.

2) الإصابة ج 4 ص 458 و البداية و النهاية ج 4 ص 9 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 230 و تنقيح المقال ج 3 ص 72 و التنبيه و الإشراف ص 213 و سيرة مغلطاي ص 55 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 4 ص 421 و 422 و سير أعلام النبلاء ج 16 ص 100 و شرح مسند أبي حنيفة ص 203 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 8 ص 217 و معرفة الثقات ج 1 ص 97 و عن أسد الغابة ج 3 ص 196.

3) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 344 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 87 و معرفة الثقات ج 1 ص 97 و عن فتح الباري ج 1 ص 324 و سير أعلام النبلاء ج 16 ص 100.

4) راجع: تنقيح المقال ج 3 ص 72 و تاريخ الخميس ج 1 ص 466 و سيرة مغلطاي ص 55 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 3 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 145 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 208.

فلما مات النجاشي الأول تولى العهد بعده النجاشي الثاني، فراسله أيضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعاه إلى الإسلام، فأسلم أيضا. كما دلت عليه رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: أنه «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة، و دعاه إلى الإسلام، و كان أمر عمروا أن يتقدم بجعفر و أصحابه. فجهز النجاشي جعفرا و أصحابه بجهاز حسن، و أمر لهم بكسوة، و حملهم في سفينتين» (1).

و لعل هذا هو الذي مات آخر سنة ست، أو في أول سنة سبع، و الظاهر: أنه هو الذي أرسل وفدا إلى المدينة للتحقيق في أمر نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

كما أنه هو الذي كتب إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تزويج أم حبيبة، فزوجه إياها، و أصدقها النجاشي نفسه أربعة آلاف درهم (3).


1) راجع: إعلام الورى ج 1 ص 210 و البحار ج 21 ص 23 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 445 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 258 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 430.

2) الدر المنثور ج 2 ص 302 و 303 و البداية و النهاية ج 3 ص 18 و إعلام الورى ص 6 و تفسير الميزان ج 6 ص 85 و أسباب نزول الآيات ص 137 و زاد المسير ج 2 ص 310 و تفسير الجلالين ص 350 و لباب النقول ص 84 و فتح القدير ج 2 ص 69.

3) الوسائل ج 15 ص 6 و الكافي ج 5 ص 282 و المحاسن للبرقي ص 240 و مرآة العقول ج 20 ص 111 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 473 و علل الشرايع ج 2 ص 500 و مكارم الأخلاق ص 236 و عن البحار ج 100 ص 349 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 468 و سنن النسائي ج 6 ص 119 و عون المعبود ج 6 ص 95 و 96 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 27 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 315 و المنتقى من السنن المسندة ص 179 و كشف الخفاء ج 1 ص 388 و دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي ص 53 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 136 و 139 و تهذيب الكمال ج 1 ص 204 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 442 و ج 2 ص 221 و ج 7 ص 138 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 273 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 194.

3-النجاشي الثالث: و هو الذي نص كتابه يتوافق مع نص كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لكسرى، و قيصر، و المقوقس، و فيه آية الكلمة السواء، و لم يسلم هذا، بل مزق-هذا الخبيث-كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبر «صلى اللّه عليه و آله» : أن اللّه سيمزق ملكه، حسبما تقدم.

النجاشي يموت و هو مهاجر:

و قد ذكر القمي: أن النجاشي وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما عبر البحر توفي رحمه اللّه تعالى (1).

و يحتمل أن يكون المقصود بهذا الكلام هو النجاشي الأول، و يحتمل أن يكون المقصود هو الثاني، و لم نستطع أن نتحقق من هذا الأمر و زمانه، بسبب قلة النصوص.


1) البحار ج 18 ص 416 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 452 عن ناسخ التواريخ، ترجمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ص 273 و مدينة البلاغة ج 2 ص 244 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3426 و تفسير القمي ج 1 ص 179 و التفسير الصافي ج 2 ص 79 و التفسير الأصفى ج 1 ص 292 و نور الثقلين ج 1 ص 664.

إخلاص النجاشي:

و مما يدل على مدى محبة النجاشي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و اهتمامه بظهور أمره، و إعزاز دينه، ما روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: «أرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب و أصحابه، فدخلوا عليه، و هو في بيت جالس على التراب، و عليه خلقان الثياب.

قال: فقال جعفر «عليه السلام» : فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما بنا، و تغير وجوهنا قال:

الحمد للّه الذي نصر محمدا، و أقر عينه، ألا أبشركم؟

فقلت: بلى أيها الملك.

فقال: إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك، فأخبرني أن اللّه عز و جل قد نصر نبيه محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ، و أهلك عدوه، و أسر فلان و فلان و فلان، التقوا بواد يقال له: بدر، كثير الأراك، لكأني أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي هناك، و هو رجل من بني ضمرة.

فقال له جعفر: أيها الملك، فما لي أراك جالسا على التراب، و عليك هذه الخلقان؟

فقال له: يا جعفر، إنا نجد فيما أنزل اللّه على عيسى «عليه السلام» : أن من حق اللّه على عباده أن يحدثوا له تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث اللّه عز و جل لي نعمة بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» أحدثت للّه هذا التواضع.

فلما بلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه: إن الصدقة تزيد صاحبها كثرة، فتصدقوا يرحمكم اللّه، و إن التواضع يزيد صاحبه رفعة،

فتواضعوا يرفعكم اللّه، و إن العفو يزيد صاحبه عزا، فاعفوا يعزكم اللّه» (1).

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثالث:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم.

هذا كتاب من محمد رسول اللّه، إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة.

سلام على من اتبع الهدى، و آمن باللّه و رسوله، و شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و أن محمدا عبده و رسوله، و أدعوك بدعاية اللّه، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم. يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ ، فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك» (2).


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 454 عن الكافي ج 2 ص 121 و قال راجع: البحار ج 72 ص 124 و راجع شرحه هناك، و مرآة العقول ج 8 ص 243 و أمالي الشيخ ج 1 ص 13 و أمالي المفيد ص 238 و البداية و النهاية ج 3 ص 307 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 404 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 218.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 455 و 456 عن المصادر التالية: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 78 و في {ط أخرى} ج 2 ص 308 و زيني دحلان هامش الحلبية ج 3 ص 69 و البداية و النهاية ج 3 ص 83 عن البيهقي في الدلائل، و رسالات نبوية ص 291 و سيرة ابن إسحاق {الجزء المطبوع} ص 210 و في {ط أخرى} ص 228 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 623 و الوثائق:103/22 قال: و قابل إعلام السائلين، و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 346 و نشأة الدولة الإسلامية ص 302 و الأموال لأبي عبيد ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ق 2 ص 36 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 41.

و يبدو كما قلنا: أن المقصود بالنجاشي هنا: هو النجاشي الثالث الذي خرق كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حسبما أوضحناه آنفا.

هذا. . و قد شرحنا مضامين هذا الكتاب، حين تكلّمنا عن كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لكسرى، فيمكن الرجوع إلى هناك.

و حسبنا ما ذكرناه في هذا السياق، و لننتقل إلى الحديث عن غزوة خيبر في الفصول التالية:

الباب الخامس: حصون خيبر

اشارة

الفصل الأول: من المدينة. . إلى خيبر الفصل الثاني: قبل أن يبدأ القتال الفصل الثالث: فتح حصن ناعم الفصل الرابع: فتح سائر حصون النطاة و الشق

الفصل الأول: من المدينة إلى خيبر

اشارة

تقديم:

فقد كانت هدنة الحديبية قد أعطت الانطباع بأن المسلمين قد أصبحوا قوة كبيرة، فرضوا هيبتهم في المنطقة بأسرها. . الأمر الذي دعا قريشا إلى القبول بالهدنة، بعد أن أنهكتها الحروب المتتالية معهم. .

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» أصبح يعمل على نشر دعوته في كل بقاع الدنيا، و هو يرسل إلى أعظم ملوك الأرض-طالبا منهم الدخول في دينه- في خطاب قوي و حازم.

و لم يعد في المحيط الذي يعيش فيه قوة كبيرة متماسكة، يمكن أن يحسب لها حساب، إلا يهود منطقة خيبر، الذين كانوا قادرين على تجهيز عشرة آلاف مقاتل، بل أكثر من ذلك. و هي قوة لا يستهان بها، إذ لديهم حصون منيعة، و قدرات اقتصادية، و لسوف تكون المواجهة صعبة معهم، و لا سيما إذا أرادوا اتباع أسلوب التسويف، و إتلاف الوقت، بالاستفادة من الحصون الكثيرة التي تحت يدهم، التي كان فيها من المؤن، و الأقوات ما يكفي لأشهر طويلة.

و ليبقى الجيش الإسلامي، الذي لم يكن يملك الكثير من ذلك، ليبقى في العراء يعيش الملل، و يكابد لحظات الانتظار الطويلة، و الثقيلة، دون أن

تلوح له في الأفق بارقة أمل، و ليرهقه الخمول و الكسل، حيث لا مجال له للقيام بأي عمل. .

و كانت استعراضات يهود خيبر لقوتهم، و ظهور اغترارهم بها، و ركونهم إليها، قد لفتت الأنظار، و لعلها تركت آثارا على بعض الضعفاء في المنطقة، مثل غطفان، و سواها.

و لكن الأمور قد سارت في غير الاتجاه الذي توقعوه، إذ سرعان ما تهاوت أحلامهم، و دكت حصونهم، و خابت آمالهم، و أنجز اللّه تعالى لنبيه وعده، و نصر جنده، و هزم جموع اليهود وحده، و كانت كلمة اللّه هي العليا، و كلمة الباطل هي السفلى. كما سنبينه في سياق حديثنا هذا.

بداية:

إن الذي يراجع المصادر و الموسوعات التاريخية، و الحديثية، يلاحظ: أن ثمة فرقا بين ما دوّنوه من أحداث، و أشاروا إليه من جزئيات و تفاصيل في تاريخهم لمرحلة ما قبل الحديبية و خيبر، ثم في تاريخهم للحديبية و لخيبر فما بعدهما. .

حيث يلاحظ: أن المرحلة السابقة تعرض فيها الأحداث بما لها من طابع كلي و عام، و لا تجد فيها من الاستغراق في الجزئيات و التفاصيل ما يقترب إلى مستوى ما حفلت به الأحداث المتأخرة عن الحديبية. .

و لعل من أسباب ذلك هو: أن الحديبية قد أفسحت المجال لاختلاط المسلمين مع غيرهم في التجارات، و إنشاء العلاقات، و جهر بالإسلام من كان متسترا به، و دخلت فئات كثيرة في هذا الدين، أو كانت تتهيأ لذلك،

و هي تقوم برصد حركة الواقع، و بملاحقة الأمور بعين الرضا و القبول. . إما بهدف تحصيل القناعة و الاعتقاد التام، أو من أجل الحفاظ على المصالح، و الحصول على الامتيازات، أو ما إلى ذلك. .

و بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حاول كل أولئك الذين يريدون أن يبرروا لمواقف و سياسات، و ممارسات، و أقاويل، و مذاهب بعينها-حاولوا-أن يرجعوا إلى هذه الفترة التي عاشوها مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استفادوا من مشاهداتهم لحركاته و سكناته، و مواقفه، و كل أحواله منها، فاتخذوا منها مرتكزا لإنشاء منظومة التعاليم و التوجيهات و السياسات، و المذاهب الاعتقادية، و الفقهية، التي لم تكن لتجد طريقها إلى عقل، و وجدان و حياة الناس لو لم تستمد شرعيتها من حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، و من أقواله، و أفعاله، و مواقفه. .

أما الفترة التي سبقت هذا المفصل التاريخي فقد غاب عنها أكثر هؤلاء، و جهلوا الكثير من جزئياتها و تفاصيلها، فأنتج ذلك عجزا عن التوسل بها في إنشاء تلك المنظومة، وفق ما يريدون، و على حسب ما يشتهون.

و بعد هذه الإلماحة السريعة نقول:

ماذا عن خيبر؟ !

خيبر اسم منطقة تقع على ثلاثة أيام من المدينة، على يسار الحاج القادم من الشام. و بينها و بين المدينة ثمانية برد {و البريد أربعة فراسخ، و الفرسخ ثلاثة أميال، و كل ميل أربعة آلاف خطوة، و كل خطوة ثلاثة أقدام} .

و الخيبر بلسان اليهود: هو الحصن، و لذا سميت خيابر أيضا (1).

و في هذه المنطقة حصون و مزارع، و نخل كثير، حتى قالوا: كان في الكتيبة، أربعون ألف عذق. و توصف خيبر بكثرة التمر (2).

و في خيبر ثمانية حصون، هي: النطاة، و الوطيح، و السلالم، و الكتيبة، و الشق، و الصعب، و ناعم، و القموص.

قال الماوردي و غيره: «و كان أول حصن فتحه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها ناعم، ثم القموص، ثم حصن الصعب بن معاذ. و كان أعظم حصون خيبر، و أكثرها مالا، و طعاما، و حيوانا، ثم الشق، و النطاة، و الكتيبة.

فهذه الحصون الستة فتحها النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، ثم افتتح الوطيح و السلالم، و هو آخر فتوح خيبر صلحا. بعد أن حاصرهم.

و ملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون: الكتيبة، و الوطيح، و السلالم. أما الكتيبة، فأخذها بخمس الغنيمة، و أما الوطيح و السلالم فهما مما أفاء اللّه عليه؛ لأنه فتحهما صلحا، فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفيء» (3).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 42 و راجع: تهذيب المقال ج 5 ص 421 و تاج العروس ج 3 ص 168.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1210.

3) الأحكام السلطانية ج 1 ص 200 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 670 و 671 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1209 و عمدة الأخبار ص 315 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 221 و السيرة الحلبية ج 3 ص و السيرة النبوية لدحلان {مطبوع مع الحلبية} ج 3 ص و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 351.

و لكن هذا الكلام الأخير غير مقبول في فقه أهل البيت «عليهم السلام» ، و سيأتي البحث عن ذلك إن شاء اللّه.

كما أن ما ذكره: من أن فتح حصن الصعب قد كان بعد فتح حصن القموص غير دقيق، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

خيبر مقدسة! !

قال الصالحي الشامي: «و لابن زبالة حديث: «ميلان في ميل من خيبر مقدس» .

و حديث: «خيبر مقدسة و السوارقية مؤتفكة» .

و حديث: «نعم القرية في سنيات الدجال خيبر» . .» (1).

و السوارقية: «قرية أبي بكر، بين مكة و المدينة، و هي نجدية، فيها مزارع و نخل كثير» (2).

و نقول:

إن الحديث عن كون خيبر نعم القرية في زمن الدجال موضع ريب


1) راجع ما تقدم: في سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1210.

2) مراصد الاطلاع ج 2 ص 751 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1238 و معجم البلدان ج 3 ص 276.

و شك، و لعله من أفائك اليهود أنفسهم.

إلا أن يكون المقصود بهذا الحديث: أنها تكون موضعا مأمونا، بسبب وجود سبعين ألفا من اليهود مع الدجال، على كل رجل منهم ساج و سيف محلى (1).

و من الطبيعي: أن يهتم يهود خيبر بأمر الدجال، ما دام أن الدجال يأتمر بأوامرهم، و ينتهي إلى مقاصدهم. .

و ربما تكون هذه الأحاديث من موضوعات اليهود لتعظيم البلاد التي كانوا يسكنونها، و للإيحاء بأن حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم فيها كانت انتهاكا لحرمة ما هو مقدس. .

على أننا لا ندري: ما الذي جعل قرية أبي بكر؛ «مؤتفكة» أي تفعل الأفك و الافتراء، دون سائر القرى و اللّه هو العالم. .

تاريخ غزوة خيبر:

لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة من الحديبية، و ذلك في ذي الحجة-كما قال ابن إسحاق-من سنة ست، مكث بها عشرين ليلة، أو قريبا منها، ثم خرج في المحرم إلى خيبر.

و كان اللّه عز و جل وعده إياها، و هو بالحديبية، فقد نزلت عليه سورة الفتح، فيما بين مكة و المدينة، و فيها قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اَللّٰهُ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 62 عن أحمد، و الطبراني في الأوسط، و رجال أحمد رجال الصحيح، و مسند أحمد ج 3 ص 292 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 449 و كنز العمال ج 12 ص 248.

تَأْخُذُونَهٰا فَعَجَّلَ لَكُمْ هٰذِهِ (1)يعني خيبر (2).

و عن ابن عباس: أقام بعد الحديبية في المدينة عشر ليال (3).

و عن سليمان التيمي: خمسة عشر يوما (4).

و قيل: أقام شهرا و بعض شهر (5).

و قال مالك: كانت خيبر سنة ست، و إليه ذهب محمد بن حزم. و الجمهور-كما في زاد المعاد-أنها في السابعة (6).

و يمكن الجمع: بأن من أطلق سنة ست فإنما جاء كلامه بناء على ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي و هو ربيع الأول. و ابن حزم من هؤلاء أيضا، فإنه يرى: ابتداء السنة الهجرية من شهر ربيع الأول (7).

و نقل الحلبي عن الجمهور: أنه سار إلى خيبر بعد أن مضى من محرم


1) الآية 20 من سورة الفتح.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 و 152 و 153 عن ابن عقبة، و ابن إسحاق، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و البحار ج 21 ص 1 و تاريخ الخميس ج 2 ص 43.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153.

5) السيرة الحلبية ج 3 ص 31.

6) الإمتاع للمقريزي ج 1 ص 310 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 42 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152 و 153 و السيرة الحلبية ج 3 ص 31.

7) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 42 عن المواهب اللدنية.

السنة السابعة، عشرون يوما، أو قريبا من ذلك (1).

و قال محمد بن موسى الخوارزمي: غزاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين مضى ست سنين و ثلاثة أشهر و واحد و عشرون يوما للهجرة (2).

و هذا معناه: أنها كانت في آخر جمادى الأولى، بناء على: أن أول السنة محرم، أو في آخر جمادى الثانية بناء على: أن أول السنة الهجرية هو ربيع الأول.

في أي شهر كانت؟ !

قيل: إن غزوة خيبر كانت في شهر صفر (3).

و قيل: في ربيع الأول (4).

و قيل: في جمادى الأولى (5).

و قيل أيضا: إنها في شهر رمضان (6).

و لعل سبب هذا القول الأخير هو: تصحيف كلمة حنين بكلمة خيبر. فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سار إلى حنين بعد الفتح، و قد كان الفتح في شهر رمضان (7).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 31.

2) معجم البلدان ج 2 ص 409 و 410.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152 و 153 و المغازي للواقدي ج 2 ص 634.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 634.

5) تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153.

7) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153.

مدة حصار خيبر:

و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أقام يحاصر خيبر بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر (1).

و سيأتي: أن ذلك غير دقيق، و أن حصارها قد تعدى الأيام إلى الأشهر كما سنرى، و لعله يتحدث عن حصار بعض حصونها فقط. .

مدة إقامته صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:

و قد روي عن ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أقام بخيبر ستة أشهر يجمع بين الصلاتين (2).

و عنه أيضا: أنه أقام بها أربعين يوما، و سنده ضعيف (3).

و أن حساب أيام الحصار للحصون المختلفة، وفق ما ورد في النصوص التاريخية، و الروائية يعطي: أن الحصار قد دام عشرات الأيام. . و إن لم يصل إلى ستة أشهر. .

الاستنفار إلى خيبر:

قال الواقدي: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالخروج، فجدوا في ذلك، و استنفروا من حوله ممن شهد الحديبية، يغزون معه.

و جاء المخلّفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152 و تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 156 عن الطبراني في الأوسط.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 156 عن البيهقي.

و لأنها ريف الحجاز طعاما و ودكا و أموالا، فقال «صلى اللّه عليه و آله» :

«لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا» (1).

ثم أمر مناديا ينادي بذلك، فنادى به (2).

و نقول:

1-إن غزوة الحديبية كانت بمثابة امتحان للكثيرين، من حيث إن نتائجها لم تكن واضحة لكثير من الناس الذين يرصدون سير الأمور فيها.

مع أن الحقيقة هي: أنه قد كان فيها ما لم يكن متوقعا، فإن النتائج كانت باهرة على أكثر من صعيد، و في أكثر من اتجاه.

2-و من النتائج التي ظهرت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أصبح قادرا على المبادرة لإزالة الشوكة الجارحة من خاصرة الكيان الإسلامي، المتمثلة باليهود، الذين ما فتئوا يسعون في إثارة الناس ضده، و يحرضون القبائل المختلفة على حربه، و يشاركون في هذه الحروب بالمال و الرجال، و إفساد القلوب، و تسميم الأجواء باستمرار.

3-إن العدو الذي كان له امتداد طبيعي في المنطقة، بسبب موقعه من المقدسات، و بسبب علاقاته، و نفوذه الديني و التجاري، و الاجتماعي في المنطقة-إن هذا العدو-قد لجم، و أقصي عن موقع التأثير المباشر، و تهيأت الفرصة لكثير من الناس لممارسة حرياتهم، في التعرف على دعوة الإسلام


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 و السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و الإمتاع للمقريزي ص 310 و المغازي للواقدي ج 2 ص 634.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و الإمتاع للمقريزي ص 310 و المغازي للواقدي ج 2 ص 634.

عن قرب، و من دون خوف أو رهبة من أحد. .

و أصبح بإمكان الكيان الإسلامي أن يرتب أوضاعه الداخلية، و أن يعالج المشاكل التي يفرضها عليه، أو يخلقها له أعداؤه الذين يعيشون في محيطه، أو في المحيط القريب منه، و الشديد التأثير عليه. .

4-إن الإنجاز الذي حققه المسلمون في الحديبية قد أذكى فيهم الطموح، و بعث فيهم ثقة بأنفسهم، و أعطاهم حيوية و نشاطا غير عادي. و بدا للكثيرين منهم أن رحلتهم إلى خيبر كانت رحلة الاستيلاء على المغانم، و الفوز بها.

و قد رسخ هذا الاعتقاد لدى الكثيرين منهم الوعد الإلهي بهذه المغانم، فقد قال تعالى: وَعَدَكُمُ اَللّٰهُ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهٰا فَعَجَّلَ لَكُمْ هٰذِهِ. . (1).

حيث فسرت هذه الآية بما مكنهم اللّه تعالى منه في خيبر. . حسبما تقدم في أواخر الحديث عن صلح الحديبية. .

5-إن ما فعله المخلفون في قضية الحديبية كان شديد الخطورة في أكثر من اتجاه، فعدا عن أنه يعبر عن ضعفهم الإيماني، و عن حبهم للدنيا، فإنه يجرئ الآخرين على ممارسة هذا الأسلوب في التعاطي مع أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الأمر الذي يمهد لاختلالات خطيرة، ربما تؤثر على الكيان الإسلامي كله.

6-ثم إن النداء بحرمان هؤلاء، و بتخصيص أولئك، لابد أن يثير الشعور لدى أهل الحديبية بالعزة و الكرامة، و يقابله شعور آخر بالخزي


1) الآية 20 من سورة الفتح.

و بالذنب لدى الذين تخلفوا حرصا على الحياة بالأمس، و شدوا الرحال طمعا بالغنيمة اليوم.

و كفى بذلك محفزا لمزيد من التضحية و الإقدام لأولئك، و رادعا عن تكرار ما حدث لدى هؤلاء، و درسا لغيرهم ممن لعلهم يسيرون على نفس الطريق.

المستخلف على المدينة:

و قال ابن هشام و غيره: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف على المدينة «نميلة» -بالتصغير-ابن عبد اللّه الليثي (1).

و قيل: بل استخلف سباع بن عرفطة-بضم العين و الفاء (2).

و قيل: أبا ذر (3).

و لعل سبب هذه الاختلافات الكثيرة في أمثال هذه الأمور هو: أن الرواة كانوا يروون من حفظهم، و كانت الغزوات كثيرة، و المعلومات


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 عن ابن هشام، و السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و الإمتاع ص 310.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 عن أحمد، و سعيد بن منصور، و البخاري في التاريخ الصغير، و ابن خزيمة، و الطحاوي، و الحاكم، و البيهقي عن أبي هريرة، و التاريخ الصغير ج 1 ص 43 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 198 و السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و الإصابة ج 2 ص 13 و الإمتاع ص 310 و المغازي للواقدي ج 3 ص 636 و تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

3) الإمتاع ص 310 و المغازي للواقدي ج 2 ص 637.

غزيرة، فيتفق أن يختلط الأمر على بعض الرواة بين غزوة و أخرى. .

كما أنه قد يكون هناك سياسات أو عصبيات، أو مصالح لدى بعض الفئات تقضي بإقصاء فريق، و بإعطاء المواقف، و إيكال المهمات إلى فريق آخر. .

خدمة أنس للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ادّعى أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأبي طلحة، حين أراد الخروج إلى خيبر: التمسوا لي غلاما من غلمانكم يخدمني، فخرج أبو طلحة مردفي، و أنا غلام قد راهقت، فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا نزل خدمته، فسمعته كثيرا ما يقول: إني أعوذ بك من الهم و الحزن، و العجز و الكسل، و البخل، و الجبن، و ضلع الدين، و غلبة الرجال (1).

و مما يؤيد أن يكون أول اتصال لأنس بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر: أنهم يقولون: إنه غزا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثمان غزوات فقط (2).

و هذا يكذب ما زعموه، من أن أمه أتت به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قالت له: هذا غلام كاتب.

قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشيء صنعته: أسأت، أو بئس ما


1) مسند أحمد ج 3 ص 159 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 و السنن الكبرى ج 9 ص 125 و سنن النسائي ج 8 ص 274 و عن البخاري ج 11 ص 177 {6363} و السيرة الحلبية ج 3 ص 31.

2) الإصابة ج 1 ص 71.

صنعت (1).

و في رواية أخرى: أنها قالت: هذا أنس غلام يخدمك فاقبله.

و ذكروا: أنه خرج معه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بدر يخدمه (2).

نعم، و قد كان أنس يستحق هذه الأوسمة، فإنه كان على السقاية في البحرين من قبل أبي بكر (3).

و كان يبث أقاويل تفيد في تأييد خلافة مناوئي علي «عليه السلام» ، و يحجب حقائق حساسة، يستفيد من حجبها، و إنكارها هذا الفريق بالذات.

فهو من أجل هذا و ذاك يستحق أن تزجى له المدائح، و أن تسطر له المآثر، ليصبح كلامه أكثر وقعا، و أعظم أثرا. .

و قد استحق من جهة أخرى أن يدعو عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» بسبب كتمانه حديث الغدير مرة، و حديث الطير أخرى، و لموقفه من طلحة و الزبير في حرب الجمل ثالثة، فأصيب بالبرص، وعدّ في جملة البرصان! ! (4).

و لكن كل أباطيلهم و أضاليلهم لم تستطع حجب الحقيقة، فقد روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: ثلاثة كانوا يكذبون على النبي «صلى


1) أسد الغابة ج 1 ص 128.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 1 ص 72 و راجع: الإصابة ج 1 ص 71.

3) الإصابة ج 1 ص 72.

4) راجع: إختيار معرفة الرجال {رجال الكشي} ص 45 و المعارف لابن قتيبة ص 580 و الإرشاد للمفيد ص 166 و 167 و الخصال ص 219 و الأمالي للصدوق المجلس 26 ص 106 و 521 و 522.

اللّه عليه و آله» : أبو هريرة، و أنس بن مالك، و امرأة (1).

أم سلمة في خيبر أيضا:

و أخرج «صلى اللّه عليه و آله» معه إلى خيبر أم المؤمنين أم سلمة «رحمها اللّه» (2). مع أنها كانت معه في غزوة الحديبية أيضا. .

و لنا وقفة مع هذا الأمر بالذات: فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يقرع بين نسائه، لتعيين التي تخرج معه في سفره كما يدّعون، فإن القرعة تكون قد وقعت على أم سلمة مرتين. .

و إذا كان اللّه تعالى يسدد نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، لتصيب قرعته ما يحبه اللّه تعالى، أو ما فيه مصلحة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن هذا يدل على اجتماع هذين الأمرين معا في حق أم سلمة رضوان اللّه تعالى عليها؛ فإن هذه المرأة الفاضلة، و التي هي أفضل نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد خديجة، كان اللّه يحبها و كانت المصلحة تقضي بأن تكون هي دون سواها معه في غزوتين هما من أخطر ما مر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بالمسلمين، و أشده حساسية، و يحتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها إلى هدوء البال، و إلى إبعاد أي نوع من أنواع الأذى أو النكد، و المنغصات له. .


1) الخصال ج 1 ص 189 و 190 و الإيضاح ص 541 و البحار ج 2 ص 217 و ج 22 ص 102 و 242 و ج 31 ص 640 عن الخصال و ج 108 ص 31 و معجم رجال الحديث ج 4 ص 151 و ج 11 ص 79 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 81.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص و تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

و كما كان واضحا أنه: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . (1)بل لابد من الطاعة و الإنقياد.

فإن من الواضح أيضا: أن لا حق للنساء بمرافقة أزواجهن في السفر من الناحية الشرعية، و يستطيع الزوج أن يختار أيتهن شاء لمرافقته. . و لكن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» التزم بالقرعة بينهن.

فذلك يعني: أنه قد جعل لهن ما يشبه الحق، رفقا منه بهن، و عطفا منه عليهن. .

و إنما جعل «صلى اللّه عليه و آله» طريقا للتعيين-مع علمه بأن اللّه تعالى هو الذي يتولى تسديده، و هو الذي يختار له-من أجل تسكين خواطرهن، و عدم إثارة أي من المشاعر السلبية لديهن، حتى لو كن يظلمن أنفسهن و غيرهن، و يظلمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا في ذلك. .

و لو لا ما ذكرنا، لأمكن أن يقال: لقد كان بإمكانه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يخرج معه منهن أحدا، أو أن يخرجهن في أسفاره بصورة متوالية، وفق تراتبية القسم و الليلة لهن. أو وفق قرعة تحدد هذه التراتبية.

إحساس يهود المدينة بالخطر:

قال الصالحي الشامي:

و لما تجهز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الناس، شق على يهود المدينة الذين هم موادعو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرفوا أنه إن دخل


1) الآية 36 من سورة الأحزاب.

خيبر أهلك أهل خيبر، كما أهلك بني قينقاع، و النضير، و قريظة.

و لم يبق أحد من يهود المدينة له على أحد من المسلمين حق إلا لزمه، و طالبه به.

و عن ابن أبي حدرد، بسند صحيح: أنه كان لأبي الشحم اليهودي خمسة دراهم.

و لفظ الطبراني، و الواقدي: أربعة دراهم، في شعير أخذه لأهله فلزمه.

فقال: أجلني، فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقك إن شاء اللّه، قد وعد اللّه-تعالى-نبيه أن يغنمه خيبر.

فقال أبو الشحم حسدا و بغيا: أتحسبون أن قتال خيابر مثل ما تلقون من الأعراب؟ فيها: -و التوراة-عشرة آلاف مقاتل.

و ترافعا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أعطه حقه» .

قال عبد اللّه: و الذي بعثك بالحق ما أقدر عليها.

قال: أعطه حقه.

قال: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا قال: ثلاثا لم يراجع.

قال عبد اللّه: فخرجت، فبعت أحد ثوبي بثلاثة دراهم، و طلبت بقية حقه، فدفعت إليه، و لبست ثوبي الآخر. و أعطاني ابن أسلم بن حريش- بفتح الحاء و كسر الراء-ثوبا آخر.

و لفظ الطبراني: فخرج به ابن أبي حدرد إلى السوق، و على رأسه عصابة، و هو يأتزر بمئزر، فنزع العمامة عن رأسه فأتزر بها، و نزع البردة فقال: اشتر مني هذه، فباعها منه بالدراهم، فمرت عجوز فقالت: ما لك يا

صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فأخبرها.

فقالت: ها دونك هذا البرد، فطرحته عليه.

فخرجت في ثوبين مع المسلمين، و نفلني اللّه-تعالى-من خيبر، و غنمت امرأة بينها و بين أبي الشحم قرابة، فبعتها منه (1).

و نقول: 1-إن يهود المدينة قد جربوا حظهم في الحرب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رأوا بأم أعينهم كيف أن اللّه تعالى نصره عليهم. . و عرفوا مسبقا نتائج حركته باتجاه خيبر. . و قد كانت ردة الفعل لديهم غريبة و عجيبة، من حيث إنها اقتصرت على السعي لحفظ أموالهم مهما كانت زهيدة، حتى ما كان بمقدار أربعة دراهم في شعير، فصاروا يلحون بمطالبة غرمائهم، و يلزمونهم بدفعها، و كأنهم يظنون: أن انتصار المسلمين في خيبر سوف ينشأ عنه ضياع تلك الأموال. .

و ربما كان المحفز على تفكيرهم هذا هو: اعتقادهم أن ضعف و حاجة المسلمين إليهم، و حاجتهم إلى تسكين الأوضاع، التي كانت دقيقة و حساسة بسبب القوة الضاربة التي كانت لليهود في المنطقة، هو الذي يفرض على المسلمين إلى الوفاء بالعهود، و قضاء الديون.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 115 و 116 عن الواقدي عن شيوخه، و عن أحمد، و الطبراني، و مسند أحمد ج 3 ص 423 و مجمع الزوائد ج 4 ص 129 و الطبراني في المعجم الصغير ص 234 و المغازي للواقدي ج 2 ص 634 و 635، و راجع: نيل الأوطار ج 9 ص 182 و فيض القدير ج 5 ص 195 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 343 و أسد الغابة ج 3 ص 142.

فهم قد قاسوا المسلمين على أنفسهم، فإن هذا بالذات هو طريقة و ديدن اليهود في التعامل مع الآخرين، و هذه هي معاييرهم و أساليبهم حيث إنهم يخضعون لقوة المال، أو لقهر السلطان، أو سيمارسون مكرا و استدراجا، أو ما إلى ذلك.

و قد فاتهم أن المسلمين-حتى العاديين منهم-إنما يتعاملون معهم و مع غيرهم بالمبادئ و القيم، و بموجبات الأخلاق و الذمم.

و لقد صدق الذي قال: و كل إناء بالذي فيه ينضح.

2-و رغم خوف اليهود الشديد من أن يكون مصير أهل خيبر مثل مصير بني قينقاع و النضير و قريظة، و قد رأوا بأم أعينهم، كيف أن المسلمين قد انتصروا على أعدائهم، رغم كثرة العدد، و حسن العدة لدى أولئك الأعداء، مع قلة في العدد و ضعف في العدة في جانب المسلمين.

و قد تكرر هذا النصر أكثر من مرة و مرتين، فلا مجال لأن يتوهم أحد أن الصدفة هي التي فرضته، بل هو سنة إلهية، و لطف رباني أجراه اللّه على أيديهم، و لهج به القرآن، و أصبح تشريعا يفرض على المسلمين الالتزام بمقتضياته.

نعم، رغم ذلك كله، فإن اليهود توهموا: أن كثرة العدد سيكون لها شأن في مسار الحرب، و مصير القائمين بها.

إجراءات في الطريق إلى خيبر:

و قال المؤرخون أيضا:

و جاء أبو عبس ابن جبر، فقال: يا رسول اللّه، ما عندي نفقة، و لا زاد، و لا ثوب أخرج فيه، فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شقة سنبلانية:

{جنس من الغليظ، شبيه بالكرباس} .

قال سلمة: خرجنا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم، لعامر بن {سنان} الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ و كان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:

اللهم لو لا أنت ما اهتديناو لا تصدقنا و لا صلينا

فاغفر فداء لك ما اتقيناو ألقين سكينة علينا

و ثبت الأقدام إن لاقيناإنا إذا صيح بنا أتينا

و بالصياح عولوا علينا

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من هذا السائق» ؟

قالوا: عامر بن الأكوع.

قال: «يرحمه اللّه» .

و في رواية: «غفر لك ربك» .

قال: و ما استغفر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لإنسان يخصه إلا استشهد.

فقال عمر، و هو على جمل: وجبت يا رسول اللّه، لو لا أمتعتنا بعامر.

و في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب ذلك من عامر، فقال عامر: يا رسول اللّه، قد تولى قولي. أي الشعر.

فقال له عمر: اسمع، و أطع. فنزل يرتجز الخ. . (1).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 638 و 639 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 116 و في الهامش: و أخرجه البخاري ج 7 ص 530{4196} و أخرجه مسلم ج 3 ص 1427{123/1802} .

و روى الحارث بن أبي أسامة، عن أبي أمامة. و البيهقي عن ثوبان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال في غزوة خيبر: «من كان مضعفا أو مصعبا فليرجع» .

و أمر بلالا فنادى بذلك، فرجع ناس، و في القوم رجل على صعب، فمر من الليل على سواد فنفر به فصرعه، فلما جاؤوا به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «ما شأن صاحبكم» ؟ .

فأخبروه، فقال: «يا بلال، ما كنت أذنت في الناس، من كان مضعفا أو مصعبا فليرجع» ؟

قال: نعم. فأبى أن يصلي عليه.

زاد البيهقي: و أمر بلالا فنادى في الناس: «الجنة لا تحل لعاص» ثلاثا (1).

قال محمد بن عمر: و بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الطريق في ليلة مقمرة، إذ أبصر رجلا يسير أمامه عليه شيء يبرق في القمر، كأنه في شمس و عليه بيضة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من هذا» ؟ .

فقيل: أبو عبس بن جبر.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدركوه» .

قال: فأدركوني فحبسوني، فأخذني ما تقدم و ما تأخر، فظننت أنه قد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 116 و 117 و في هامشه قال: أخرجه البخاري ج 7 ص 530{4196} و أخرجه مسلم ج 3 ص 1427{123/1802} ، و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 201 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 31 و 32 و 53 و 54 و البحار ج 21 ص 2 و 3 و بغية الباحث ص 99 و غريب الحديث ج 1 ص 717 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 29.

أنزل فيّ أمر من السماء، فجعلت أتذكر ما فعلت حتى لحقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ما لك تقدم الناس لا تسير معهم» ؟ .

قلت: يا رسول اللّه، إن ناقتي نجيبة.

قال: فأين الشّقيقة التي كسوتك؟

قلت: يا رسول اللّه، بعتها بثمانية دراهم، فتزودت بدرهمين و تركت لأهلي درهمين، و ابتعت هذه البردة بأربعة دراهم.

فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: «أنت و اللّه يا أبا عبس و أصحابك من الفقراء. و الذي نفسي بيده، لئن سلمتم و عشتم قليلا ليكثرن زادكم، و ليكثرن ما تتركون لأهليكم، و لتكثرن دراهمكم و عبيدكم، و ما ذلك لكم بخير» .

قال أبو عبس: فكان و اللّه كما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال سويد بن النعمان: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما وصل إلى الصهباء-و هي أدنى خيبر-صلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أكلنا معه. ثم قام إلى المغرب، فمضمض و مضمضنا، ثم صلى، و لم يتوضأ. رواه البخاري (1)و البيهقي.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 117 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 529 {4195} و المغازي للواقدي ج 2 ص 635 و 636 و راجع: الموطأ لمالك ج 1 ص 26 و مسند أحمد ج 3 ص 462 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 59 و ج 4 ص 13 و ج 5 ص 72 و ج 6 ص 198 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 160 و المصنف للصنعاني ج 1 ص 178 عن البخاري من طريق مالك و الحميدي عن ابن عيينة، و شرح معاني الآثار ج 1 ص 66 و صحيح ابن حبان ج 3 ص 432 و المعجم الكبير ج 7 ص 87 و كنز العمال ج 9 ص 505 و أسد الغابة ج 2 ص 381 و معجم ما استعجم ج 3 ص 844.

زاد محمد بن عمر: ثم صلى بالناس العشاء، ثم دعا بالأدلاء، فجاء حسيل بن خارجة، و عبد اللّه بن نعيم الأشجعي، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحسيل: يا حسيل: امض أمامنا حتى تأخذ بنا صدور الأودية، حتى تأتي خيبر من بينها و بين الشام، فأحول بينهم و بين الشام، و بين حلفائهم من غطفان» .

فقال حسيل: أنا أسلك بك، فانتهى به إلى موضع له طرق، فقال: يا رسول اللّه، إن لها طرقا تؤتى منها كلها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سمها لي» . و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحب الفأل الحسن، و الاسم الحسن، و يكره الطيرة، و الاسم القبيح.

فقال: لها طريق يقال لها: حزن، و طريق يقال لها: شاش، و طريق يقال لها: حاطب، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تسلكها» .

قال: لم يبق إلا طريق واحد يقال له: مرحب، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اسلكها» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 117 و 118 و المغازي للواقدي ج 2 ص 639 و تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

و نقول:

إن لنا ههنا وقفات هي التالية:

لمن الشعر المتقدم؟ !

قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن الشعر المذكور: «اللهم لو لا اللّه ما اهتدينا» إنما هو لعامر بن الأكوع.

مع أنه قد روي في الصحاح، و منها كتاب البخاري، في كتاب الجهاد: أنه من شعر عبد اللّه بن رواحة (1).

قال الصالحي الشامي: «فيحتمل أن يكون هو و عامر تواردا على ما تواردا عليه، بدليل ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر، و استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة» (2).

و يحتمل أيضا: أن يكون عامر قد أخذه كله من ابن رواحة؛ لأنه مجرد حاد، يختار ما يناسبه من الحداء، و لو كان قد نطق به أو نظمه غيره.

الخطأ في مضمون شعر عامر:

هذا، و لا معنى لقوله في ذلك الشعر مخاطبا اللّه تعالى: «فاغفر فداء لك ما اتقينا» ، إذا لا معنى لأن يفدي أحد اللّه بالنفس، لأن ذلك يستبطن توقع حلول مكروه بالمفدي-ليجعل المتكلم نفسه فداء له من ذلك، و هذا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153 و البخاري {المغازي ص 38} و {الأدب ص 90} و صحيح مسلم {الجهاد ص 123} و مسند أحمد ج 4 ص 48.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 153.

يستبطن جواز الفناء على اللّه تعالى، و أنه لو لم يحصل الفداء له، لأمكن أن تحل المصيبة به، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

ارتجاز عامر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد يقال: إن الذي كان يرتجز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أسفاره هو البراء بن مالك، لا عامر بن الأكوع.

و يجاب: بأن المقصود: أنه كان يرتجز له في غالب أسفاره، أو في بعضها كما صرحت به بعض الروايات (1).

الإستغفار أمارة الشهادة:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن عمر بن الخطاب قد خاف على عامر، حتى قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لو لا أمتعتنا بعامر. و ذلك لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا استغفر لإنسان استشهد.

غير أننا نقول: إن ذلك لا يمكن قبوله:

فأولا: لم يثبت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استغفر لعامر، فقد اختلفت الروايات في ذلك، حيث يقول بعضها: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يرحمه اللّه.

ثانيا: لنفرض: أنه قد ثبت استغفار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعامر، و لكن قولهم: إنه ما استغفر «صلى اللّه عليه و آله» لإنسان يخصه إلا استشهد. .

لا يمكن أن يصح، لأن كتب الحديث و التاريخ مشحونة بالأخبار المصرحة باستغفاره «صلى اللّه عليه و آله» للكثيرين من صحابته، و لم يصبهم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 32.

شيء، بل عاشوا بعده عشرات السنوات، فراجع:

1-استغفاره «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر (1).

2-و استغفاره لأبي موسى الأشعري (2).

3-و استغفاره «صلى اللّه عليه و آله» لحذيفة، و لأمه (3).

4-و استغفر للمقصرين في الحديبية. .

و غير ذلك. .

لا تحل الجنة لعاص:

إن هناك أمورا قد يستهين الإنسان بها، فلا يطيع الأوامر الصادرة بشأنها، زعما منه: أنه قادر على تجاوز سلبياتها. .

غير أن هذا المنطق: مرفوض في الإسلام جملة و تفصيلا، لأكثر من جهة. .

فأولا: ليس بالضرورة أن يكون ما اعتقد أنه المبرر لقرارات القيادة هو المبرر الحقيقي لها فعلا؛ لأن للقيادة آفاقها، و علاقاتها، و وسائلها التي تمكنها من المواجهة الصحيحة، من خلال رصد الأمور بصورة أدق و أشمل، يمكّنها من وضع كل الأمور في مواضعها الصحيحة و في الدائرة الأوسع في المحيط الذي تتحرك فيه، ضمن سلسلة من الدواعي و المقتضيات التي ربما


1) مسند أحمد ج 5 ص 65 و عن صحيح البخاري {فضائل أصحاب النبي ص 5} .

2) عن صحيح البخاري {دعوات ص 19 الترجمة ص 49 المغازي ص 55} و صحيح مسلم {فضائل الصحابة ص 165} .

3) مسند أحمد ج 5 ص 391 و 392.

لا تخطر للآخرين على بال، أو لا تمر لهم في خيال، بحكم محدودية نظرتهم، و ضآلة حجم معارفهم، و قلة اطلاعهم على ذلك كله. .

ثانيا: إنه حين يكون لدى كثيرين من الناس مراكب تصعب السيطرة عليها، و تحتاج إلى بذل جهد، و ربما إلى تعاون، و تعاضد، فذلك معناه إشغال الناس عن قضيتهم الأساس، في شأن داخلي غير ذي جدوى، تضيع فيه الجهود، التي يفترض توفيرها لتصرف في سبيل ما هو أهم، و نفعه أعم، هذا عدا عما ينشأ عن ذلك من تشويش في الفكر، و إخلال بالنظام العام.

ثالثا: إن عدم صلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك الذي لم يمتثل للأمر، قد أظهر أن خلاف هذا الرجل لم يكن ناشئا عن مجرد حالة عفوية، أو تلبية لرغبة شخصية، أو نتيجة غفلة حدثت له، أو نحو ذلك.

بل كان قاصدا لهذا الخلاف، عامدا إليه، و ربما يصل ذلك إلى حد المؤامرة الهادفة إلى إحداث بلبلة، و تشويش، و إخلال.

بالإضافة إلى: إسقاط حرمة الأوامر النبوية، و تجريء الناس على خلافه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عصيان أوامره، و الاستهانة بتوجيهاته. .

و لعل هذا هو السبب في: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض أن يشرفه بالصلاة عليه.

و رابعا: إن الإعلان بطريقة النداء في الناس: لا تحل الجنة لعاص، لابد أن يكون له تأثيره القوي في ردع الناس عن محاكاة ذلك العاصي في فعله، و بالتالي فرض الالتزام بالنظام، و تنفيذ القرارات الصادرة، بانضباطية تامة، و بدقة و أمانة.

الكثرة لا خير فيها:

و قد ذكرت الروايات قصة أبي عبس مع رسول «صلى اللّه عليه و آله» . .

و وجدنا أنها تشير إلى عدة أمور، نذكر منها:

1-أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى السؤال عن حالة رأى أنها قد خالفت النظم الطبيعي لمسيرة الجيش، و هي انفراد أبي عبس عن الناس. و تقدّمه عليهم.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن لم يكن قد ألزم الناس برعاية نظم بعينه، و لكن ذلك لا يعني السماح بالحالة التي قد تبدو نشازا بحسب ما جرت عليه طريقة الناس في حالات كهذه. .

و جاء تفسير أبي عبس كافيا و ربما مرضيا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن الاستعانة بالناقة النجيبة يريح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في مسير كهذا. .

2-ثم أتبع «صلى اللّه عليه و آله» سؤاله الأول بسؤال آخر يفضي إلى إعطاء توضيحات عن لباس أبي عبس المميز، الذي يثير أكثر من شبهة و سؤال عن مكونات أبي عبس، و عن روافده و مصادره. فالبريق القوي، يضخم التصورات و يوهم: أن أبا عبس قد أصاب كنزا، أو استولى على ثروة بطريقة قد تكون مشروعة، و قد لا تكون! !

و مهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للإجابة المقنعة، و القاطعة لكل احتمال، و ظن و شبهة، حين ضمّن سؤاله تعريف الناس بمصدر المال. حتى لم يعد أبو عبس بحاجة إلى تقديم إثبات بذلك، بل اقتصرت مهمته على بيان موارد مصارف ذلك المال، و صحة تصرفه فيه. . و بذلك يكون «صلى

اللّه عليه و آله» قد جنّبه غضاضة الإحساس بأن ثمة تهمة تموج في نظرات الناس إليه، و أنه يحتاج إلى إعداد وسائل دفعها عن نفسه. .

3-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تقدم خطوة أخرى باتجاه حسم الأمر لصالح أبي عبس، حين أعلن براءة أبي عبس من أية شبهة من هذا القبيل، و بيّن أنه يعيش حالة الفقر و الحاجة حقا، ليس وحده، و إنما هو و أصحابه الفقراء.

4-ثم شفع ذلك بالإخبار عن أمر غيبي، من شأنه: أن يفرح الكثيرين من الناس من طلاب الدنيا، حيث أخبره: أنه هو و أصحابه، إن سلموا و عاشوا فسيكثر زادهم، و ما يتركونه لأهليهم، و ستكثر دراهمهم و عبيدهم.

و قد تضمن هذا الخبر الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أنه قد إشار إلى احتمال سلامتهم و بقائهم على قيد الحياة، و لكنه لم يجزم لهم بذلك.

حيث قال: لئن سلمتم و عشتم، و ذلك لكي يعطيهم الفرصة لإخلاص النية في الجهاد، و ليمكنهم من الإقدام على ما فيه احتمالات الشهادة، و لا يحرمهم من السعي لنيل هذا المقام الجليل. .

الثاني: أنه قد بيّن لهم: أن تحقيق ما يخبرهم به لا ينبغي أن يكون من أسباب اغترارهم بأنفسهم، و تخيّل أن ذلك عطية و كرامة إلهية لهم، بسبب رفعة مقامهم في طاعته، و علو درجتهم في الإخلاص له. .

بل ذلك امتحان و ابتلاء، لا بد لهم من أن يحذروا منه، حتى لا يقعوا في فخ الركون إلى الدنيا، و الاغترار بزبارجها، و بهارجها. .

و بذلك يكون قد أعطاهم القاعدة الصحيحة في التعامل مع الكثرات

الدنيوية، و منحهم النظرة الصائبة، و التقييم السليم لمثل هذا الأمر الخطير. .

أكذوبة الفتاة الحائض:

و رووا: أن إحدى النساء اللواتي حضرن خيبر قالت: فأردفني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حقيبة رحله، قالت: فلما كان الصبح، و أناخ راحلته، و نزلت عن حقيبة رحله، و إذا بها دم مني. و كانت أول حيضة حضتها.

قالت: فتقبضت إلى الناقة، و استحييت.

فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حالي، قال: ما لك، لعلك نفست؟

قلت: نعم.

قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطر حي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمرتحلك.

قالت: فكنت لا أطهر من حيضة إلا جعلت في طهري ملحا. و أوصت أن يجعل ذلك في غسلها حين ماتت (1).

و نقول:

إننا نشك في صحة هذه الرواية، بل لا نرتاب في كذبها، و ذلك لما يلي:

أولا: لا معنى لجعل الملح في طهرها، و لا في غسلها، فإن غسل الدم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 56 و 57 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 387 و مسند أحمد ج 6 ص 380 و سنن أبي داود ج 1 ص 78 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 407 و البداية و النهاية ج 4 ص 232 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 804.

الذي أصاب حقيبة الرحل بالماء و الملح شيء، و جعله في طهرها شيء آخر. .

على أننا لا ندري داعيا لوضع الملح في الماء، فإن الماء يكفي لغسل حقيبة الرحل. .

ثانيا: إنه لا ريب في أن بلوغ البنت إنما هو بإتمامها تسع سنين. . و الفتيات إنما يحضن-غالبا-في سن الثالثة عشرة.

و من الواضح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يردف خلفه من تكون في هذه السن، أو أقل من ذلك أيضا. .

و قد تحدثنا عن موضوع بلوغ الفتاة بشيء من التفصيل في غزوة بني قريظة، فراجع. .

ثالثا: إن الكل يعلم: أن عليا «عليه السلام» كان لا يلقي السلام على الشابة من النساء (1)فكيف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) راجع: الكافي ج 5 ص 535 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 461 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 458 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 373 و ج 14 ص 290 و مكارم الأخلاق ص 235 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 247 و البحار ج 101 ص 37 و جواهر الكلام ج 11 ص 118 و ج 29 ص 99 و جامع المقاصد ج 12 ص 34 و مسالك الأفهام ج 7 ص 56 و مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي ج 2 ص 495 و ج 3 ص 121 و الحدائق الناضرة ج 9 ص 83 و مستند الشيعة ج 16 ص 61.

2) راجع: الكافي ج 2 ص 648 و البحار ج 40 ص 235 و ج 16 ص 215 و 229 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 452 و في هامشه عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 52.

و ورد النهي عن الجلوس في مجلس تقوم عنه المرأة حتى يبرد (1).

فهل يرضى بأن يردف خلفه فتاة في سن من تحيض؟ !

رابعا: ما معنى: أن يردف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه الفتاة الأجنبية عنه، و لماذا لم يردف زوجته أم سلمة، أو أيا من زوجاته في أية غزوة من الغزوات؟ !

و هل لم يوجد من يتبرع بارتداف هذه الفتاة سوى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و من كان يردف أم زياد الأشجعي، التي خرجت إلى خيبر في خمسة نسوة ليداوين الجرحى، و لغير ذلك، فأسهم لهن تمرا؟ ! (2).

بل لقد حضر خيبر عشرون امرأة.

فلماذا لم يجعل هذه الفتاة معهن؟ ! أو مع زوجته أم سلمة في هودجها؟ !

خامسا: هل ارتدفها «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته، أم على فرسه، أم على حماره؟ !

فقد تقدم: أنهم قد اختلفوا في أنه: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» راكبا فرسا، أم حمارا مخطوما برسن من ليف، و تحته أكاف من ليف! !

و قد ذكرنا ما يدل: على هذا و ذاك فيما يأتي تحت عنوان: «وصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر» .


1) راجع: الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 14 ص 185 و في هامشه عن الكافي {الفروع} ج 2 ص 77 و عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 183.

2) مسند أحمد ج 5 ص 271 و في التراتيب الإدارية ج 2 ص 511 عن أبي داود: حنين بدل خيبر. و لعله تصحيف؛ لأجل عدم وجود نقط للحروف في تلك الأزمنة.

و قد رجحوا: أنه قد ركب الحمار في الطريق إلى خيبر، ثم ركب الفرس، حين نشب القتال. .

و أما الحديث الذي صرح: بأن الناقة مأمورة، فلا دلالة فيه على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان راكبا عليها.

و حتى لو دل على ذلك، فإنه يصبح متعارضا مع حديث ركوبه للحمار، أو الفرس، حسبما أوضحناه. .

و في جميع الأحوال نقول: إذا كان راكبا للفرس، فلماذا لا تركب هي على الناقة، أو الحمار؟ و إن كان راكبا على الحمار فيمكن أن تركب هي الناقة أو الفرس، و كذا لو كان قد ركب الناقة، فالحمار و الفرس صالحان للركوب، فلا حاجة-في جميع الأحوال-إلى إردافها خلفه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إختيار الطريق إلى خيبر:

و عن حديث طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الدليل: أن يأخذ بهم في صدور الأودية، حتى يأتي بهم إلى خيبر من جهة الشام، نقول:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يكون بذلك قد تحاشى الظهور على قمم الجبال، و على جوانبها التي تظهر للرائي البعيد، لكي يتحاشى رؤية الناس لجيشه الضارب، و يكون في منأى عن مواقع الرصد التي ربما يكون العدو قد أقامها في المواقع المشرفة. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار أن يسلك الدليل طريقا تؤدي بهم إلى خيبر من جهة الشام، و هو الطريق الذي يشعر اليهود بالأمن من

جهته، و لا يشعرون بالحاجة إلى رصده بدقة و بفعالية. .

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أوضح أيضا: أنه يريد أن يقطع عن اليهود المدد من جهة الشام، سواء أكان المدد مالا، أم رجالا، أم عتادا، أم طعاما، أم غير ذلك.

4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أيضا: أن يحول بين اليهود و بين حلفائهم من غطفان، و سيأتي: أن هذا هو ما حصل بالفعل، و ذلك حين جاءت غطفان لمعونتهم، ثم تراجعت خوفا من أن يتمكن «صلى اللّه عليه و آله» من مهاجمة ديارهم و أهليهم.

التطير و التفاؤل:

و اللافت هنا قولهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من الدليل أن يسمي له الطرق إلى خيبر؛ لأنه كان يحب الفأل الحسن، فسماها له، فاختار أحدها.

و نقول:

أولا: إن من الواضح: أن طلب تسميتها ليس بالضرورة أن يكون من أجل أن يتفاءل بأسمائها، فإن ذلك بعيد عن شأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و مقامه. و قد تكلمنا عن بعض ما يرتبط بذلك في جزء سابق من هذا الكتاب.

ثانيا: إن من جملة الطرق التي سماها الدليل طريقا باسم «شاس» و ليس في هذه الكلمة التفاؤل، أو التشاؤم.

ثالثا: من أين ثبت لهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض السير في تلك الطريق من منطلق التشاؤم و التفاؤل، فقد يكون الغرض هو:

1-أن يظهر خبرة الدليل، و أنه قادر على إنجاز المهمة التي أوكلت إليه.

2-أن يوجهه إلى الطريق الأكثر أمنا، و الأشد ملاءمة للأهداف المتوخاة.

3-أن يعرف الناس بأنه «صلى اللّه عليه و آله» عالم بمسالك تلك البلاد، و إن لم يكن قد و طأتها قدمه من قبل.

لا حول و لا قوة إلا باللّه:

روى أصحاب الكتب الستة، عن أبي موسى الأشعري، قال: أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: «اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم و لا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، و هو معكم» .

و أنا خلف دابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسمعني و أنا أقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

فقال: «يا عبد اللّه بن قيس» .

قلت: لبيك يا رسول اللّه، فداك أبي و أمي.

قال: «ألا أدلّك على كلمة من كنز الجنة» ؟ .

قلت: بلى يا رسول اللّه، فداك أبي و أمي.

قال: «لا حول و لا قوة إلا باللّه» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و في هامشه عن: البيهقي ج 2 ص 184 و ابن أبي عاصم ج 1 ص 274 و الطبري ج 8 ص 147 و ابن السني {512} و عبد الرزاق {9244} و انظر البداية و النهاية ج 4 ص 213 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و مسند أحمد ج 4 ص 418 و 402 و ج 5 ص 265 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 75 و ج 7 ص 169 و عن صحيح مسلم ج 8 ص 74 و مجمع الزوائد ج 10 ص 98 و الديباج على مسلم ج 6 ص 59 و مسند أبي داود ص 326 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 192 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 398 و ج 6 ص 7 و كتاب الدعاء للطبراني ص 472 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 332 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 404.

و نقول:

هناك حالات تنتاب الجماعات، و هي تواجه قضاياها الكبرى، لا يصح الانسياق معها، بل لا بد من معالجتها و التخلص منها. و من هذه الحالات: أن اجتماعها مع بعضها البعض قد يشعرها بالقوة بدرجة قد تتجاوز حدود قوتها الطبيعية، الأمر الذي يهيء لوقوعها في براثن الغفلة عن بعض الثغرات التي تعاني منها. . و ربما يكون ذلك سببا في تدني مستوى قوتها بصورة كبيرة و خطيرة. .

و قد ظهر مصداق ذلك في حرب حنين، حيث تلاشت قوة المسلمين أو كادت، بسبب هذا الشعور بالذات. فقد قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (1).

و من هذه الحالات أيضا، هيمنة العقل الجماعي على تلك الجماعة، و تدني مستوى تفكيرها ليصل إلى أضعف حالاته. .


1) الآية 25 من سورة التوبة.

و يزيد هذه الحالة حدة فيهم، تعالي الصرخات، و اختلاط الأصوات، و الصخب، و العجيج و الضجيج.

و هذا يفسر لنا: أمره «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه بأن يربعوا على أنفسهم، و يخففوا من غلوائهم، و يخفضوا أصواتهم، حتى لو كانوا يجهرون بكلمة «اللّه أكبر» .

فقد كان ثمة حاجة إلى الهدوء و التعقل، ليمكن النظر إلى الأمور و الأحجام، و القدرات بواقعية و اتزان، بعيدا عن الانتفاخات و التضخيمات الصوتية و غير الواقعية. .

ثم. . إنه «صلى اللّه عليه و آله» صرح لهم بالحقيقة و طلب منهم ترديدها في عملية تلقين عفوية للنفس، و إدراك للعقل، و تلمس للوجدان، حين دلهم على كلمة هي كنز الجنة، يتعلمون منها: أن قدرتهم ليست بكثرة جمعهم، و لا بجودة سلاحهم، و لا بقدراتهم الذاتية و شجاعتهم؛ إذ «لا حول و لا قوة إلا باللّه» .

المطلوب هو الخير لا الغنائم:

روى ابن إسحاق، عن أبي مغيث بن عمرو. و محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أشرف على خيبر -و كان وقت الصبح-قال لأصحابه: «قفوا» . فوقفوا.

فقال: «اللهم رب السموات السبع و ما أظللن، و رب الأرضين السبع و ما أقللن، و رب الشياطين و ما أضللن، و رب الرياح و ما أذرين، فإنّا نسألك من خير هذه القرية و خير أهلها، و نعوذ بك من شرها و شر ما فيها. أقدموا بسم اللّه» .

و كان يقولها لكل قرية يريد دخولها.

و رواه النسائي، و ابن حبان عن صهيب (1).

و نقول:

إن هذا الدعاء قد جاء ليحدث تغييرا جذريا في أهداف هؤلاء القادمين إلى بلاد أعدائهم. إذ إن الإنسان حين يتخذ صفة المقاتل، و يعد للقتال عدته، و يحمل سلاحه، و يشرف على بلد عدوه، فإنه لا يحدث نفسه إلا بالنزال و القتال، و لا يفكر إلا بالموت أو الحياة، و بالنصر أو الهزيمة، و لا يحلم إلا بالغنائم و السبايا.

و لذلك يوقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و يوجههم إلى اللّه تعالى، ليفهمهم أنه تعالى هو المهيمن و المشرف على إيصال كل شيء إلى كماله، من حيث هو الرب المدبر الحكيم، و الخبير العليم، و الرؤوف الرحيم، و هو القاهر فوق عباده. .

فحلول هذا الجيش بهذا البلد لا ينبغي أن يكون بهدف الحصول على المغانم، و الاستيلاء على البلاد و العباد.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 118 و قال في هامشه: أخرجه ابن خزيمة {2565} و البخاري في التاريخ الكبير ج 6 ص 472 و الطبراني في الكبير ج 8 ص 39 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 204 و ابن السني {518} . و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و 33 و البحار ج 21 ص 1 و 14 و ج 73 ص 249 و عن مجمع البيان ج 9 ص 200 و الإمتاع ص 310 و المغازي للواقدي ج 2 ص 642 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 176 و المزار ص 52 و الأمان من الأخطار ص 132 و مدينة المعاجز ج 1 ص 173.

بل يجب أن يكون الهدف هو الحصول على الخير: خير البلد و خير أهله، و تجنب الشر: شر البلد و شر ما فيه. . سواء أكان الشر من الناس، أم من غيرهم.

و يلاحظ أيضا: أن هذا الدعاء قد أظهر للداعين و لغيرهم: أن الهيمنة الإلهية كما تشمل السماوات و الأرض، من حيث هي موجودات كونية، فإنها تشمل ما أظللن، و ما أقللن من موجودات، لها وظائف و مهمات، فيهما على حد سواء. .

و أفاد أن هذه السلطة تشمل أيضا حتى الموجودات المتمردة و الطاغية، و تشمل من وقع تحت تأثيرها. . فهو تعالى رب الشياطين و ما أضللن. . كما أنها تشمل ما له حركة و تصرف، و ما يكون محلا للحركة و التصرف، و إن لم يكن من الموجودات العاقلة و المختارة. فهو رب الرياح و ما أذرين.

فإذا كانت الهيمنة للّه تعالى على ذلك كله، فلا بد من أن يتوجه الناس إليه في حاجاتهم. و قد حدد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذه الحاجات في دعائه، بأنها الحصول على الخير، و تجنب الشر. .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أقدموا باسم اللّه. .» .

فإذا كان إقدامهم متمازجا مع اسم اللّه تعالى، و ملابسا له، فلا بد أن يلتزموا بخطه تعالى، و أن لا يشذوا عنه، فيكون معهم في كل حركة، و كل سكون، و كل موقف.

و ما أحوجهم إلى استحضار اللّه تعالى في مواقفهم هذه التي ينسى الإنسان فيها أكثر الأشياء قربا منه، فينسى حتى الطعام و الشراب، و ينسى الأهل و الأولاد، و ينسى المال و المقام، و ينسى. . و ينسى. . و كل هذا النسيان

لا ضير فيه، إذا كان ذاكرا للّه سبحانه، مستشعرا لوجوده، منسجما معه. . و لأجل ذلك قال لهم «صلى اللّه عليه و آله» : «أقدموا باسم اللّه. .» .

ابن أبي يحذر اليهود:

و ذكروا: أن عبد اللّه بن أبي أرسل إلى اليهود يخبرهم: بأن محمدا سائر إليكم، فخذوا حذركم، و أدخلوا أموالكم حصونكم، و اخرجوا إلى قتاله، و لا تخافوا منه، إن عددكم كثير، و قوم محمد شرذمة قليلون، عزّل لا سلاح معهم إلا قليل.

فلما علم بذلك يهود خيبر أرسلوا وفدا إلى غطفان يستمدونهم كما سيأتي (1).

و نقول:

إن توجيهات ابن أبي لهم، و تحريضه إياهم على التصدي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استند إلى عدة أمور، نشير منها إلى الأمرين التاليين:

1-كثرة عددهم، و قلة عدد جيش المسلمين، مع أن ابن أبي و الناس كلهم قد شاهدوا كيف ينتصر المسلمون في حروبهم، و خصوصا في بدر، رغم قلة عددهم، و كثرة عدد جيش عدوهم المهاجم.

و قد بيّن القرآن هذه الحقيقة في موارد كثيرة. و صرح: بأن العشرة من المسلمين قادرون على أن يغلبوا مائة، فيما لو تدرعوا بالصبر و الإيمان.


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 42 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 364.

قال تعالى أيضا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّٰهِ. . (1)

2-إنه قد ركز على السلاح، كعنصر حاسم في المعركة بين الإيمان و الكفر.

غير أن من الواضح: أن للسلاح في نوعه و في مقداره بعض التأثير في الحرب.

و لكن قد أثبتت الوقائع أيضا: أن الكلمة الأخيرة، و الفاصلة ليست له، و إنما هي للعزيمة و الإيمان بالقضية، و الالتجاء إلى اللّه سبحانه، بالإضافة إلى مفردات كثيرة من منظومة القيم، و المفاهيم، و الاعتقادات، و النظرة إلى الكون و إلى الحياة، و مستوى تربية النفس، و درجة التفاعل مع تلك القيم، و درجات رسوخ تلك النظرات و الاعتقادات في كيان الإنسان، و في أعماق وجوده. .

غطفان تخاف، فتتراجع:

أرادت غطفان، و سيدهم عيينة بن حصن أن يعينوا أهل خيبر-و كانوا أربعة الآف-لما سمعوا بمجيئه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، فأرسلوا كنانة ابن أبي الحقيق، و هوذة بن قيس، في أربعة عشر رجلا إلى غطفان، يستمدونهم، و شرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن غلبوا على المسلمين.

فجمعوا أربعة آلاف مقاتل-كما في بعض المصادر-ثم خرجوا ليظاهروا يهود خيبر.


1) الآية 249 من سورة البقرة.

و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إليهم: أن لا يعينوهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم، و هو نصف ثمارها تلك السنة، و قال لهم: «إن اللّه قد وعدني خيبر» .

فأبوا، و قالوا: جيراننا و حلفاؤنا.

فلما ساروا قليلا سمعوا خلفهم في أموالهم و أهليهم حسا ظنوه القوم. أي ظنوا أن المسلمين أغاروا على أهليهم، فألقى اللّه الرعب في قلوبهم.

و حسب نص الواقدي: سمعنا صائحا-ثلاث مرات-لا ندري من السماء، أو من الأرض أهلكم أهلكم بحفياء {أو حيفاء-موضع قرب المدينة} ، فإنكم قد خولفتم إليهم.

فرجعوا على الصعب و الذلول. أي مسرعين على أعقابهم، فأقاموا في أهلهم و أموالهم، و خلوا بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين أهل خيبر.

و في رواية: سمعوا صوتا يقول: أيها الناس، أهليكم خولفتم إليهم، فرجعوا فلم يروا لذلك نبأ (1).

زاد في نص آخر: أنهم قالوا: «فعلمنا: أن ذلك من قبل اللّه، ليظفر محمد بيهود خيبر» (2).

بل ذكر بعضهم: أن عيينة بن حصن قد جاء إلى خيبر في أربعة آلاف، فدخلوا مع اليهود في حصون النطاة، قبل قدوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 51 و الإمتاع ص 313 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 642 و 650 و تاريخ الخميس ج 2 ص 42 و البحار ج 21 ص 30 عن الخرائج و الجرائح و الإصابة ج 3 ص 254 و 301.

2) البحار ج 21 ص 30 و ج 21 ص 30 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 164.

و آله» بثلاثة أيام. فلما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيبر أرسل إليهم سعد بن عبادة و هم في الحصن.

فلما انتهى سعد إلى الحصن ناداهم: إني أريد أكلّم عيينة بن حصن.

فأراد عيينة أن يدخله الحصن، فقال مرحب: لا تدخله فيرى خلل حصننا، و يعرف نواحيه التي يؤتى منها، و لكن تخرج إليه.

فقال عيينة: لقد أحببت أن يدخل فيرى حصانته، و يرى عددا كثيرا. فأبى مرحب أن يدخله، فخرج عيينة إلى باب الحصن.

فقال سعد: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلني إليك، يقول: إن اللّه قد وعدني خيبر فارجعوا، و كفوا، فإن ظهرنا عليها فلكم تمر خيبر سنة.

فقال عيينة: إنّا و اللّه ما كنا لنسلم حلفاءنا لشيء، و إنّا لنعلم ما لك و ما معك مما ههنا طاقة، هؤلاء قوم أهل حصون منيعة، و رجال عددهم كثير، و سلاح. إن قمت هلكت و من معك، و إن أردت القتال عجلوا عليك بالرجال و السلاح.

و لا و اللّه، ما هؤلاء كقريش، و قوم ساروا إليك، إن أصابوا غرّة منك فذاك الذي أرادوا و إلا انصرفوا، و هؤلاء يماكرونك الحرب و يطاولونك حتى تملهم.

فقال سعد بن عبادة: أشهد ليحصرنك في حصنك هذا حتى تطلب الذي كنا عرضنا عليك، فلا نعطيك إلا السيف، و قد رأيت يا عيينة من قد حللنا بساحته من يهود يثرب، كيف مزقوا كل ممزق!

فرجع سعد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره بما قال.

و قال سعد: يا رسول اللّه، لئن أخذه السيف ليسلمنهم، و ليهربن إلى بلاده، كما فعل ذلك قبل اليوم في الخندق.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه: أن يوجهوا إلى حصنهم الذي في غطفان، و ذلك عشية و هم في حصن ناعم، فنادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أصبحوا على راياتكم عند حصن ناعم الذي فيه غطفان.

قال: فرعبوا من ذلك يومهم و ليلتهم، فلما كان بعد هذه من تلك الليلة سمعوا صائحا يصيح، لا يدرون من السماء أو الأرض: يا معشر غطفان، أهلكم أهلكم! ! الغوث، الغوث بحيفاء-صيح ثلاثة-لا تربة و لا مال!

قال: فخرجت غطفان على الصعب و الذلول، و كان أمرا صنعه اللّه لنبيه.

فلما أصبحوا أخبر كنانة ابن أبي الحقيق-و هو في الكتيبة-بانصرافهم، فسقط في يديه (1).

و نقول:

1-إن قبيلة غطفان أصرت على أن تنصر اليهود، لأمرين، هما: أنهم جيرانهم. و أنهم حلفاؤهم.

و الإستجابة لنداء الجيرة و الحلف ليس بأولى من الاستجابة لما يوجبه العقل، و تفرضه الفطرة، فإن غطفان كانت على الشرك الذي هو ظلم عظيم، و تأباه العقول، و تنفر منه الفطرة. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 650 و 651.

فكان من المفروض: أن تستجيب-قبل كل شيء-لنداء العقل و الفطرة، لتكتشف صحة ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتسير في خط طاعة اللّه سبحانه، موالية لأوليائه، و معادية لأعدائه، و محاربة لهم بكل قوة و صرامة و حزم. فلا عهد فوق عهد اللّه تعالى، و لا جوار لأحد في معصية اللّه سبحانه و تعالى.

2-إنه إذا كان اليهود قد وعدوا غطفان بشطر ثمار خيبر، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وعدهم بنفس ما وعدوهم به، مع فارق عظيم و هام، و هو: أن اليهود كانوا معروفين بالغدر.

أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» فكان الصادق الأمين، و الوفي بالوعود و العهود. .

3-إن اليهود إنما وعدوهم: بأن يعطوهم شطر ثمار خيبر، و لكن بشرط أن يعينوهم، و يحاربوا معهم، و لا بد أن يقتل من يقتل منهم، و أن تنشأ العداوات، و الثارات، و الإحن بينهم و بين المجتمع الإسلامي كله. .

أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» فلم يكلفهم بالحرب، بل اكتفى منهم بالكف و عدم الإقدام على مساعدة اليهود، فلا قتلى، و لا عداوات، و لا إحن، و لا أحقاد. .

مع ملاحظة: أن طلب اليهود العون يشير إلى ضعفهم أمام عدوهم، و طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم اعتزال الحرب، و الحياد يشير إلى استغنائه عنهم، و إلى ثقته بالنصر على أعدائه. فكانت الاستجابة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي الأصلح لهم حتى في حسابات الربح و الخسارة الدنيوية.

4-و لعل الحس الذي سمعته غطفان، و خافت أن يكون في أهليها قد جاء ليؤكد شدة خوفهم، و مدى رعبهم في قبال جيش المسلمين، على قاعدة: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ (1). لمجرد أنهم علموا بتوجه المسلمين نحو خيبر، رغم أنهم يعرفون: أن طريق النبي «صلى اللّه عليه و آله» الآتي من المدينة إلى خيبر لا تمرّ بهم، لأن طريق غطفان إلى خيبر كانت من جهة الشام.

و قد استطاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الالتفاف اللافت: أن يقطع هذه الطريق عليهم، كما أسلفنا. .

5-إن غطفان لم تكن صادقة فيما ادّعته: من أنها تريد أن تستجيب لنداء الجيرة و العهد، حيث قالوا: هم جيراننا و حلفاؤنا. فإنه إذا كان هذا هو دافعهم الحقيقي فلماذا يكلفون اليهود نصف ثمار خيبر؟ فإنها إذا كانت تريد أن تفي بالتزاماتها الأخلاقية، و تستجيب لنداء الجيرة، و تنفذ عهدها فيما بينهم و بينها. فلا حاجة إلى هذه الأموال. .

بل إن قبولها من المتبرع بها، فضلا عن المطالبة بها عيب، و عار، و خسة، و صغار.

6-و إذا كانت غطفان قد خافت من إغارة المسلمين على ديارها و أهلها، فقد كان بإمكانها أن ترسل سرية-لو رمزية-من رجالها، لمساعدة اليهود، قضاء لحق الجيرة، و وفاء بالعهد و الحلف. و يبقى الآخرون لدفع المهاجمين المحتملين.


1) الآية 4 من سورة المنافقون.

فإذا كان ثمة من هجوم، فإن باستطاعة هؤلاء أن يشاغلوا المهاجمين إلى أن يرسلوا إلى حلفائهم و جيرانهم من اليهود ليعينوهم مع باقي الرجال الذين ذهبوا لنجدتهم، و إن لم يهاجمهم أحد، فإنهم يكونون قد وفوا بالتزاماتهم، و دفعوا عن جيرانهم، و وفوا بعهودهم، لو صح أنه كانت لهم معهم عهود! !

7-إن كلمة ب «حيفاء» قد صحفت فصارت «جنفا» ، كما سيأتي حينما قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبني فزارة عندما هددوه بالقتال إن لم يعطهم الغنائم: «موعدكم حيفا» . حيث أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يذكرهم بهذا النداء السماوي، ليفهمهم أن اللّه تعالى هو الذي يدافع عنه، أو يهيء له الأمور.

8-ثم إن النداء الذي سمعته غطفان، قد عرّفهم: أن اللّه سبحانه يريد أن يظفّر نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بيهود خيبر. . و قد كان هذا الأمر كافيا لهم ليعودوا إلى أنفسهم، و ليؤمنوا باللّه، و برسوله، و أن يتهافتوا لنصرة هذا الرسول العظيم على أعدائه و أعدائهم. .

و لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل استمروا على الكفر و الجحود، و لو وجدوا الفرصة لخرجوا إلى حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى نصرة أعداء اللّه تعالى. .

و هذا هو الخذلان الإلهي، و الخيبة و الخسران. نعوذ باللّه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

9-و سيأتي: أن العرب و قريشا قد شاركوا اليهود في الحرب ضد الإسلام و المسلمين. .

بل في بعض النصوص الآتية تصريح: بأن عدد الذين واجههم المسلمون في خيبر كان أربعة عشر ألفا. .

10-إن الظاهر: أن هذه الأعداد الكبيرة كانت موزعة على الحصون المختلفة، و كانوا قد قرروا أن لا يخرجوا للقتال في ساحات الحرب و النزال. . فكان رأيهم هذا و بالا عليهم أيضا. .

الفصل الثاني: قبل أن يبدأ القتال

اشارة

وصول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى خيبر:

قال محمد بن عمر: ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى انتهى إلى المنزلة، و هي سوق لخيبر، صارت في سهم زيد بن ثابت، فعرّس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بها ساعة من الليل.

و كانت يهود لا يظنون قبل ذلك أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغزوهم لمنعتهم، و حصونهم، و سلاحهم، و عددهم، فلما أحسوا بخروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، قاموا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفا، ثم يقولون: محمد يغزونا؟ ! ! هيهات! ! هيهات! ! و كان ذلك شأنهم.

و كان يهود المدينة يقولون حين تجهز النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر: ما أمنع-و اللّه-خيبر منكم. لو رأيتم خيبر، و حصونها، و رجالها لرجعتم قبل أن تصلوا إليهم، حصون شامخات في ذرى الجبال، و الماء فيها واتن {أي لا ينقطع} .

إن بخيبر لألف دارع. ما كانت أسد، و غطفان يمتنعون من العرب إلا بهم. فأنتم تطيقون خيبر؟ !

فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم فعمّي عليهم مخرجه،

حتى نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بساحتهم ليلا، و كانوا حين بلغهم عزم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المسير إليهم، اختلفوا في خطة حربهم معه، و لم يتحركوا تلك الليلة، و لم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا و أفئدتهم تخفق، و فتحوا حصونهم غادين معهم المساحي، و الكرازين (1)و المكاتل، فلما نظروا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ولّوا هاربين إلى حصونهم (2).

و روى الشافعي، و ابن إسحاق، و الشيخان من طرق، عن أنس، قال: سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، فانتهى إليها ليلا، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا طرق قوما بليل لم يغر عليهم حتى يصبح، فإذا سمع أذانا أمسك، و إن لم يسمع أذانا أغار عليهم حتى يصبح.

فصلينا الصبح عند خيبر بغلس، فلم نسمع أذانا، فلما أصبح ركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ركب معه المسلمون، و أنا رديف أبي طلحة.

فأجرى نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فانحسر عن فخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإني لأرى بياض فخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن قدمي لتمس قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) الكرازين: الفؤوس.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 118 و السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و الإمتاع ص 310 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 637 و 642 و 643 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 106.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 118 و السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و المغازي للواقدي ج 2 ص 643.

و خرج أهل القرية إلى مزارعهم بمكاتلهم. و مساحيهم، فلما رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قالوا: محمد و الخميس. فأدبروا هربا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رفع يديه: «اللّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» (1).

و روي بسند ضعيف، عن أنس، قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر على حمار مخطوم بر سن من ليف، و تحته إكاف من ليف (2).

قال ابن كثير: الذي ثبت في الصحيح: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه.

فالظاهر: أنه كان يومئذ على فرس لا على حمار.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 119 و في هامشه عن: البخاري ج 2 ص 89 {610/2991} و مسلم ج 3 ص 1426{120/1365} و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و لباب التأويل ج 4 ص 152 و الإمتاع ص 311 و المغازي للواقدي ج 2 ص 642 و 643.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 33 و ج 5 ص 119 و في هامشه عن: الحاكم في المستدرك ج 2 ص 466 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 204، و انظر: الدر المنثور ج 6 ص 111. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 268 و مكارم الأخلاق ص 15 و البحار ج 6 ص 229 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1339 و الجامع الصحيح ج 2 ص 241 و فتح الباري ج 6 ص 56 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 194 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 210 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 131 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 350 و عن تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

قال: و لعل هذا الحديث-إن كان صحيحا-محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، و هو محاصرها.

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة عدة وقفات، هي التالية:

الجيش هو الخميس:

سمي الجيش بالخميس، لأنه خمسة أقسام: المقدمة، و القلب، و الجناحان -أعني: الميمنة و الميسرة-و الساقة.

خربت خيبر:

و ذكروا: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» رفع يديه، و قال:

«اللّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين. .» .

فهل كان هذا منه «صلى اللّه عليه و آله» دعاء بخراب خيبر؟ !

أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تفاءل بخرابها، حين رأى الفؤوس و المساحي، التي هي آلة الهدم، كما زعمه بعضهم.

أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» بصدد الإخبار عن خرابها، بقرينة قوله: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. .» (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و الدر المنضود ج 2 ص 145 و البحار ج 20 ص 234 و 262 و ج 21 ص 32 و الأم للشافعي ص 267 و المجموع للنووي ج 19 ص 288 و تنوير الحوالك ص 391 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 509 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 110 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2247 و مسند الشافعي ص 318 و مسند أحمد ج 3 ص 102 و ج 3 ص 111 و 164 و 186 و 206 و 246 و 263 و 270 و ج 4 ص 28 و 29 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 98 و 152 و 228 و ج 4 ص 5 و 16 و 188 و ج 5 ص 73 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 145 و 147 و ج 5 ص 185 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 54 و سنن النسائي ج 1 ص 272 و ج 6 ص 132 و ج 7 ص 204 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 460 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 230 و ج 9 ص 55 و 80 و 153 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 164 و مجمع الزوائد ج 6 ص 149 و عن فتح الباري ج 7 ص 359 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 132 و مسند أبي داود ص 283 و مسند الحميدي ج 2 ص 504 و بغية الباحث ص 261 و كتاب السنة ص 594 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 478 و ج 3 ص 161 و 335 و ج 5 ص 177 و 178 و 200 و ج 6 ص 441 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 286 و 384 و ج 6 ص 431 و ج 7 ص 30 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 208 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 50 و ج 14 ص 452 و ج 16 ص 195 و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 196 و المعجم الأوسط للطبراني ج 3 ص 95 و ج 4 ص 142 و ج 8 ص 358 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 97 و مسند الشاميين ج 4 ص 22 و دلائل النبوة للإصبهاني ص 112 و الأذكار النووية للنووي ص 209 و نصب الراية للزيلعي ج 6 ص 135 و كنز العمال ج 10 ص 385 و ص 465 و غير ذلك كثير.

قد يكون هذا الاحتمال الأخير قريبا، ثم الاحتمال الأول. و اللّه هو العالم. .

إنحسار الإزار عن فخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و أما قولهم: جرى رسول اللّه في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن

فخذه، فنلاحظ عليه:

أولا: هل يراد الإيحاء: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن متحفظا في لباسه و ستره بالمقدار الكافي؟ !

و أين هو وقاره، و سكينته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فلماذا لا يحتفظ بهما في مثل هذه الحالات التي لا توجب عجلة، إذ ليس هناك أمر يخاف فوته، و لا يوجد عدو تخشى مباغتته؟ !

ثانيا: أليس يقولون: إن الفخذ من العورة، التي ينزه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الغفلة عن التحفظ عليها، أو التهاون في سترها؟ أو أن يعجله أمر عن ذلك؟ !

و قد قدمنا في جزء سابق من هذا الكتاب (1)ما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه أمر رجلا بستر فخذه؛ فإنها من العورة (2).

و هناك نصوص كثيرة، تدل: على أن ما بين السرة و الركبة عورة،


1) راجع: الصحيح من السيرة ج 2 ص 175 و 176.

2) مسند أحمد ج 5 ص 290 و ج 1 ص 275 و صحيح البخاري ج 1 ص 51 و سنن البيهقي ج 2 ص 228 و الإصابة ج 3 ص 448 و فتح الباري ج 1 ص 403 و نيل الأوطار ج 2 ص 50 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 180 و 181 و مجمع الزوائد ج 2 ص 52 عن أحمد، و الطبراني في الكبير، و الغدير ج 9 ص 282 فما بعدها، عن من تقدم، و عن إرشاد الساري، و ابن حبان في صحيحه، و ليراجع: موطأ مالك، و الترمذي، و أبو داود، و مشكل الآثار ج 2 ص 284 و 285 و 286 و حتى ص 293. و المصنف ج 11 ص 27 و تأويل مختلف الحديث ص 323 و 324.

فراجع (1).

هناك نصوص تدل على حياء أبي موسى الأشعري و أبي بكر، و الخدري، لا مجال لإيرادها فعلا (2). فيمكن الرجوع إليها في مظانها.

و قال العلامة الأميني: «هب أن النهي عن كشف الأفخاذ تنزيهي، إلا أنه لا شك في أن سترها أدب من آداب الشريعة، و من لوازم الوقار، و مقارنات الأبهة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أولى برعاية هذا الأدب، الذي صدع به هو الخ. .» (3).

هذا، و لا بأس بالمقارنة بين ما يذكر هنا عن نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و بين ما يذكر عن حياء عثمان، حتى إن أبا بكر، و عمر ليدخلان على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و فخذه مكشوفة، فلا يسترها، حتى إذا دخل عليه عثمان جلس، و ستر فخذه، و سوى عليه ثيابه؛ فتسأله عائشة عن ذلك.

فيجيبها: بأنه ألا يستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ! أو ما هو


1) راجع: الغدير ج 9 ص 285 و 284 و 288 و 290 و 291 و 292. و المعجم الصغير ج 2 ص 96. و حياة الصحابة ج 2 ص 612 و 613 تجد كثيرا من أقوال العلماء و النصوص حول ذلك.

2) راجع: طبقات ابن سعد ج 4 ص 113 و 114 و الزهد و الرقائق ص 107 و ربيع الأبرار ج 1 ص 760 و حياة الصحابة ج 3 ص 482 عن كنز العمال ج 8 ص 306 و ج 5 ص 124 و عن حلية الأولياء ج 1 ص 34 و الغدير ج 7 ص 248 و ج 9 ص 281.

3) الغدير ج 9 ص 285.

قريب من هذا (1).

يضاف إلى ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يأمر بالحياء و يؤكد و يحث عليه باستمرار، فيقول: إذا لم تستح، فاصنع ما شئت (2).


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 82 و البداية و النهاية ج 7 ص 202 عن الطبراني في الكبير، و الأوسط، و مسند أحمد، و أبي يعلى، و تاريخ جرجان ص 416، و المصنف للصنعاني ج 11 ص 232 و 233 و المحاسن و المساوئ ج 1 ص 61 و حياة الصحابة ج 2 ص 611 و 612 عن الأولين، و مشكل الآثار ج 2 ص 283 و 284 و مسند أحمد ج 1 ص 71 و ج 6 ص 62 و 155 و 167 و صحيح مسلم ج 7 ص 116 و 177 و الغدير ج 9 ص 274 و 275 و 287 و ص 290 عن الأخيرين، و عن: مصابيح السنة ج 2 ص 273 و الرياض النضرة ج 2 ص 88 و راجع: تأويل مختلف الحديث ص 323 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 383 و 384 و فيه أحاديث أخرى عن حياء الملائكة من عثمان، و مسند أبي يعلى ج 7 ص 415.

2) راجع: كنز العمال ج 3 ص 122 و مسند أحمد ج 4 ص 121 و ج 5 ص 273 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 100 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 74 و مسند ابن الجعد ص 130 و المعجم الكبير ج 17 ص 236 و 237 و 238 و مسند الشهاب ج 2 ص 186 و الأذكار النووية ص 410 و رياض الصالحين للنووي ص 713 و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 6 و 382 و عن فتح الباري ج 10 ص 434 و الغدير ج 9 ص 275 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 466 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 12 ص 43 و سبل السلام لابن حجر ج 4 ص 206 و المغني لابن قدامة ج 12 ص 33 و تنوير الحوالك ص 167 و إعانة الطالبين ج 4 ص 318 و الإقناع للحجاوي ج 2 ص 280 و مغني المحتاج ج 4 ص 427 و ميزان الحكمة ج 1 ص 718 و فيض القدير ج 2 ص 685 و كشف الخفاء ج 1 ص 14 و 98 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 388 و المحصول للرازي ج 2 ص 34 و الكامل ج 6 ص 82 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 3 ص 560 و تاريخ بغداد ج 3 ص 315 و ج 10 ص 303 و 354 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 388 و ج 36 ص 183 و ج 53 ص 120 و أسد الغابة ج 2 ص 227 و تهذيب الكمال ج 16 ص 124 و الأنساب للسمعاني ج 4 ص 154 و البداية و النهاية ج 2 ص 169 و ج 12 ص 68 و 158.

و يقول: الحياء من الإيمان، و الإيمان في الجنة (1).


1) راجع: الكافي ج 1 ص 7 و ج 2 ص 106 و تحف العقول ص 394 و شرح أصول الكافي ج 8 ص 301 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 330 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 461 و 463 و ج 12 ص 81 و كتاب الزهد للكوفي ص 6 و المسترشد للطبري ص 16 و دلائل الإمامة ص 66 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 411 و البحار ج 1 ص 149 و ج 68 ص 329 و ج 75 ص 309 و ج 76 ص 112 و الغدير ج 9 ص 275 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 310 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 576 و 577 و ميزان الحكمة ج 1 ص 717 و مسند أحمد ج 2 ص 501 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1400 و سنن الترمذي ج 3 ص 247 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 52 و 53 و مجمع الزوائد ج 1 ص 91 و ج 8 ص 26 و 169 و عن فتح الباري ج 10 ص 433 و مسند ابن الجعد ص 421 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 92 و ج 7 ص 222 و الأدب المفرد للبخاري ص 278 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 35 و أمالي المحاملي ص 104 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 373 و 374 و المعجم الصغير ج 2 ص 115 و المعجم الأوسط ج 5 ص 193 و المعجم الكبير ج 10 ص 196 و ج 18 ص 178 و ج 22 ص 414 و موارد الظمآن ص 476 و الجامع الصغير ج 1 ص 596 و ج 2 ص 25 و العهود المحمدية للشعراني ص 459 و كنز العمال ج 3 ص 53 و 120 و ج 15 ص 877 و فيض القدير ج 3 ص 568 و ج 4 ص 75 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 269 و تاريخ بغداد ج 6 ص 189 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 55 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 110 و الكشف الحثيث لسبط ابن العجمي ص 48 و لسان الميزان ج 1 ص 198 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 93 و بيت الأحزان للقمي ص 46 و لسان العرب ج 14 ص 148.

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المروية عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا مجال لتتبعها.

لا يظن اليهود: أنه صلّى اللّه عليه و آله يغزوهم:

و قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن اليهود كانوا لا يظنون قبل ذلك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغزوهم لمنعتهم و سلاحهم، و عددهم.

و نقول:

1-إن هؤلاء كانوا مغرورين بأنفسهم بدرجة كبيرة، فهم يرون أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد خاض حروبا صعبة و هائلة، و منّ اللّه عليه بالنصر فيها، و هو قد ألجأ قريشا، التي لا يشك أحد في زيادة عددها أضعافا على العدد الذي عنده، و لا يماري أحد في سيادتها و نفوذها في الحجاز كله-ألجأها-إلى طلب الصلح. و فرض عليها شروطه القوية، رغم أن عدد الذين كانوا معه في جميع تلك المشاهد لا يقاس بعدد جيوش أعدائه. إضافة إلى ضعف ظاهر في التجهيز في السلاح، و في كثير من الامتيازات الحربية الأخرى.

ثم إنهم قد رأوا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يكاتب ملوك الأرض، و يدعوهم إلى دينه. و إلى الاعتراف بنبوته. .

فكيف مع هذا كله لم يكن اليهود يظنون أنه يغزوهم؟ !

و متى ظهر لهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خاف من كثرة السلاح، أو أرهبته منعة الحصون، أو ثنى عزيمته كثرة عدد أعدائه؟ !

2-إذا كانوا لا يظنون أنه يغزوهم لمنعتهم و. . فلماذا أرسلوا و فدهم إلى قبيلة غطفان لطلب العون، و جعلوا لتلك القبيلة شطر ثمار خيبر، إذا انتصروا على المسلمين؟ ! . .

و مع كل ذلك نؤكد على: أنهم ربما كانوا يظهرون للناس هذا الأمر تجلدا منهم، و مكرا و دهاء، يخفي وراءه رعبا قاتلا، و خوفا مخزيا، دفعهم إلى الاتصال بتلك القبيلة، و عرض ثمرة ديارهم عليهم، ليفوزوا بنصرهم. .

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض ثمرة بلاد عدوه، مقابل وقوف تلك القبيلة على الحياد، و شتان ما بينهما. .

الأذان علامة الإسلام:

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان ينتظر أذان الصبح، فإن سمع الأذان امتنع عن الهجوم.

و لعل السبب في ذلك: أن قرار الحرب و السلم قد يتخذه زعماء تلك الجماعة، لأطماع، معينة، أو لثارات شخصية، أو أهداف شخصانية، ترمي إلى بسط الزعامة و النفوذ لبعض الطامحين، و قد تكون لأسباب اقتصادية أو

غيرها. . مع عدم رضا المرؤوسين بتلك الحرب، أو مع عدم وجود مبرر لها في حياتهم. . فيسوق زعيم القبيلة مع حفنة من أعوانه قبيلته إلى حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حين يكون عامة الناس في تلك القبيلة، و الجماعة غير راضين بخوض تلك الحرب.

فكان «صلى اللّه عليه و آله» يراقب حاله الناس و يميز بينهم، فإن رأى فيهم أية أمارة تدل على استحقاق الرفق بهم، أو تدل على إسلامهم- كالأذان-كف عنهم، و سعى في حل الإشكال مع الذين يسوقونهم إلى الحرب بطرق أخرى، أو سعى إلى استهداف المجرمين منهم دون المستضعفين المقهورين. و هذا هو الغاية في الحكمة و منتهى اللطف منه «صلى اللّه عليه و آله» بمن يظهرون العداوة و ينصبون الحرب له.

و من جهة أخرى، فقد ذكرت الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يهاجم عدوه ليلا، بل ينتظر فيه طلوع الفجر، وفقا لما أشير إليه في قوله تعالى: فَالْمُغِيرٰاتِ صُبْحاً (1).

و قوله تعالى: وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذٰابٌ مُسْتَقِرٌّ (2).

و قوله: فَإِذٰا نَزَلَ بِسٰاحَتِهِمْ فَسٰاءَ صَبٰاحُ اَلْمُنْذَرِينَ (3).

و قوله: . . إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (4).


1) الآية 3 من سورة العاديات.

2) الآية 38 من سورة القمر.

3) الآية 177 من سورة الصافات.

4) الآية 81 من سورة هود.

و قوله: أَنَّ دٰابِرَ هٰؤُلاٰءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (1).

و قوله: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (2)و غير ذلك. .

و ذلك كله يدل: على أن الهجوم على العدو صباحا-كما كان يفعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كذلك علي «عليه السلام» من بعده-هو الراجح و الأولى، و لعل لهذا الأمر اعتبارات نفسية، و عملية قد يحتاج التعرف عليها إلى مزيد من التأمل و التدقيق.

إستعراضات و انتفاخات كاذبة:

و إن ما كان يقوم به اليهود من الخروج في كل يوم، و هم عشرة آلاف، يصطفون و يقولون: محمد يغزونا؟ هيهات! ! هيهات! ! لا يحتاج إلى تعليق.

فقد أشرنا أكثر من مرة إلى أن الاغترار بالكثرة و الاعتماد عليها. . دليل الفشل و السقوط. .

خصوصا إذا كان ذلك في حال الحرب، و بالأخص إذا كان أولئك الناس من أهل الدنيا، و الغارقين بالحياة المادية إلى آذانهم، لأن كلا منهم يريد أن يضحي بغيره من أجل نفسه، فهو يتخذ من غيره مجنا، و ترسا يتخفّى وراءه باستمرار، و هو يشعر: أن نفسه التي بين جنبيه هي المستهدفة بالقتل و بالقتال. .

و لذلك فهو يتخيل: أن الكثرة من شأنها تكديس الموانع و الحواجز التي سوف يختبئ وراءها. . و يحتاج العدو إلى إزالتها و التخلص منها قبل أن يصل إليه. .


1) الآية 66 من سورة الحجر.

2) الآية 83 من سورة الحجر.

مع أنه إذا جد الجد و حمي الوطيس سيرى: أن الكل يفكر بنفس الطريقة، فإن كانوا عشرة آلاف، فسيجد العشرة آلاف كلهم يفكرون بما يفكر به هذا و ذاك، أي أن كل واحد منهم يريد أن يجعل الآخر ترسا و مجنا لهم، ليكون في قبال حراب العدو، و سيوفه و سهامه، التي سوف تأكل من لحمه، و تهشم عظمه.

فإذا وصل به الخيال إلى هذا الحد، فإنه سوف يسعى لإبعاد شبح الحرب عن مخيلته، و سوف يتلذذ بالصور التي يخترعها لمبررات التخلص من عدوه.

و لعل ألذها و أغلاها على قلبه هي تلك الصور التي تزين له كيفية انصراف العدو عن الحرب، و لسوف يندمج و يتفاعل مع هذه الصور، حتى تصبح هي الحقيقة التي لا محيص منها عنده، و لا بديل عنها لديه. .

و لذلك اعتقد اليهود: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف لا يأتي لحربهم، لأنهم توهموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يفكر كما يفكرون، و يخشى من الكثرات كما يخشون. .

و كانت تلك الاستعراضات و الانتفاخات الكاذبة تجسد لهم أحلامهم هذه، و تزينها. حتى إذا استفاقوا من سباتهم هذا وجدوا أنفسهم أمام الحقيقة، و لم يكن لهم بد من مواجهة مصيرهم المحتوم. . و هكذا كان. .

و هذا يصلح تفسيرا لما قد يعتبر تناقضا ظاهرا في مواقفهم، فهم إذا كانوا قد أحسوا بخروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و طلبوا معونة غطفان، و رتبوا حصونهم بحيث يحاربون في بعضها، و يجعلون ذراريهم و أموالهم في البعض الآخر. .

فما معنى قولهم: محمد يغزونا؟ ! هيهات! ! هيهات! !

و لكن شرط أن يضاف إليه: أن يكون المقصود بهذا الاستعراض، إظهار الإعجاب بقوتهم و بكثرتهم، و السعي للتشجع، و الحصول على الجرأة على خوض تلك الحرب التي يخشونها كل الخشية. .

مشورة الحباب:
اشارة

و قال محمد بن عمر: إنه حين نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر، و جاء الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول اللّه، إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان من أمر أمرت به فلا نتكلم، و إن كان الرأي تكلمنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «هو الرأي» .

فقال: يا رسول اللّه، دنوت من الحصون، و نزلت بين ظهري النخل، و النزّ، مع أن أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم منهم، و لا أعدل رمية منهم، و هم مرتفعون علينا، ينالنا نبلهم، و لا نأمن من بياتهم، يدخلون في خمر النخل، فتحوّل يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى موضع بريء من النزّ، و من الوباء، نجعل الحرة بيننا و بينهم، حتى لا تنالنا نبالهم، و نأمن من بياتهم، و نرتفع من النزّ.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أشرت بالرأي، و لكن نقاتلهم هذا اليوم» (1). إذا أمسينا إن شاء اللّه تحولنا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 119 و 120 و في هامشه عن ابن سعد في الطبقات 3/2/109 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و 34 و المغازي للواقدي ج 2 ص 643 و 644.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 33 و 34 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 120 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 644.

و دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة، فقال: انظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم، بريئا من الوباء، نأمن فيه من بياتهم، فطاف محمد حتى أتى الرجيع، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، وجدت لك منزلا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «على بركة اللّه» (1).

و سيأتي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» تحول لما أمسى، و أمر الناس بالتحول.

و يذكرون أيضا: أن راحلته «صلى اللّه عليه و آله» قامت تجر بزمامها، فأدركت لتردّ، فقال: دعوها، فإنها مأمورة.

فلما انتهت إلى موضع من الصخرة بركت عندها، فتحول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الصخرة. و تحول الناس إليها، و اتخذوا ذلك الموضع معسكرا.

و في الأصل: أنه نزل بذلك الموضع، ليحول بين أهل خيبر، و بين غطفان، لأنهم كانوا مظاهرين لهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و ابتنى هنالك مسجدا صلى به طول مقامه بخيبر (2).


1) طبقات ابن سعد 3/2/109 و المصنف للصنعاني {9291} و السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 119 و 120 و في الهامش: أخرجه عبد الرزاق في المصنف {9291} .

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 644.

و نقول:

إن لنا مع النص المتقدم عدة وقفات، نجملها على النحو التالي:

ألف: الإنتقاص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قد أظهرت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار لجيشه منزلا غير صالح، من حيث إنه-كما أوضح الحباب-قريب من العدو إلى حد أن سهامهم تصل إليه.

يضاف إلى ذلك: ارتفاع المواقع التي يتواجد العدو فيها بالنسبة لموقع جيش المسلمين، فلهم إشراف، و تسلط و هيمنة عليهم.

كما أن وجود النخل بكثافة يعطيهم الفرصة للاستفادة منه في مهاجمة المسلمين تحت جنح الظلام. .

فهذه الحيثيات كلها لا ينبغي أن تخفى على أي إنسان عادي، يملك عقلا و إدراكا، و يعيش حالة التوازن في شخصيته، و لا يغفل عنها إلا من كان يعاني من اختلالات في عقله، فكيف يصح نسبتها إلى عقل الكل، و إمام الكل، و مدبر الكل، و هو سيد الأنبياء و المرسلين، و أفضل الخلائق أجمعين، من الأولين و الآخرين، إلى يوم الدين؟ !

و كيف يكون الحباب بن المنذر أعرف، و أرشد، و أوفر عقلا من الرسول المسدد من اللّه، و المؤيد بالوحي؟ !

و يجب أن لا ننسى: أنهم قد نسبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مثل ذلك في غزوة بدر، و قد ذكرنا هناك أيضا أننا لا نشك في كون ذلك من الأكاذيب، فراجع. .

ب: إذا أمسينا تحولنا:
اشارة

و لعل الصحيح هو: أن الناس أو معظمهم كانوا قد تسرعوا في الأمر، و نزلوا في ذلك المكان القريب من العدو، الذي تنز الأرض فيه ماء. . حتى إن من يقيم في ذلك الموضع يبتلى-بسبب ذلك-ببعض الأدواء و الأوبئة. فشكى الناس بلسان الحباب بن المنذر ذلك لرسول اللّه، و كان «صلى اللّه عليه و آله» عالما بالأمر، و عازما على التحول. .

و لكنه كان لا يريد أن يكسر عنفوان أولئك الناس الذين انطلقوا فيما فعلوه من نوايا طيبة، و نفوس سليمة، و طاهرة. كما أنهم إذا عاينوا سوء ذلك الموضع بأم أعينهم فسوف يكون قرار الانتقال حاجة يشعرون هم أنفسهم بضرورة تلبيتها، من دون أي تردد، أو إحساس بالمرارة، أو اتهام منهم للآخرين بالمبالغة و التجني.

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يشعر اليهود بأن ثمة ترددا أو اهتزازا في القرارات، و في السلوك و الممارسة لدى المسلمين. فيجرؤهم ذلك عليهم، و تهتز هيبتهم في أعينهم، و يهيء لهم الأجواء للتفكير في منافذ من شأنها أن تثير بعض المتاعب لديهم، فقرر «صلى اللّه عليه و آله» المقام في ذلك المكان إلى الليل، للإيحاء لهم بأن ذلك داخل في جملة القرارات المدروسة و المؤثرة.

الحباب ذو الرأي من هو؟ !

و اللافت هنا: أن المؤرخين يذكرون: أن الحباب بن المنذر قد عارض أهل السقيفة، و قال لقومه: لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم {أي الذين

بويعوا في السقيفة} ، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم، و لا يسقون الماء. . (1).

بل ذكروا: أنه حين قال في السقيفة: أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجب، أخذ و وطئ في بطنه، و دسوا في فيه التراب (2).

و هو القائل في السقيفة: منا أمير، و منهم أمير (3).

و لكن ذلك: لا يدل على أنه كان بصدد مناصرة علي «عليه السلام» ، بل قد يفهم من سياق حديث السقيفة: أنه كان بصدد تدبير الأمر لسعد بن عبادة، و أنه لم يكن-فيما يظهر-من المعروفين بالولاء لعلي «عليه السلام» ، أو لبني هاشم.

و من جهة أخرى: فإننا تعودنا من فريق بعينه من الناس تعظيم مناوئي علي «عليه السلام» ، و منحهم الأوسمة، و إعطائهم الامتيازات، فما الذي جعل الحباب يستحق هذه الأوسمة منهم يا ترى؟ !

فهل تمكن الذين حكموا بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من اجتذابه إلى جانبهم، فاستحق بذلك أن ينال بعض هذا الثناء، فيكون الرجل الرشيد، و صاحب الرأي السديد، دون الرسول «صلى اللّه عليه


1) الإمامة و السياسة {ط سنة 1356 ه بمصر} ج 1 ص 9.

2) قاموس الرجال ج 3 ص 46 عن شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 40 و الغدير للأميني ج 7 ص 76.

3) الإمامة و السياسة {ط سنة 1356 ه بمصر} ج 1 ص 7 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 24 و ج 6 ص 9 و صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنى، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 25 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 حوادث سنة 11 ه. و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 92.

و آله» ، حتى ليدّعون أنه حين نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، استنادا إلى رأي نفسه، و أشار هو عليه «صلى اللّه عليه و آله» بالنزول في موضع آخر، نزل جبرئيل «عليه السلام» ، فقال: الرأي ما أشار به حباب (1).

ج: حديث الراحلة:

1-و كما كانت ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مأمورة بتحديد المواقع كما جرى في الحديبية، و حين وصوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة مهاجرا من مكة، فقد كان لناقته «صلى اللّه عليه و آله» دور أيضا في واقعة خيبر. فإنها كانت مأمورة حين قامت تجر بزمامها حتى انتهت إلى موضع بعينه، فبركت فيه، فتحول «صلى اللّه عليه و آله» إليه. و تحول الناس معه، و اتخذوا ذلك الموقع معسكرا.

و كانت هذه إشارة كافية لتعريف الناس برعاية اللّه تعالى لهذه المسيرة، و رضاه عنها. . فلتسكن القلوب إذن، و ليطمئن الناس إلى ما يختاره اللّه تعالى لهم. فالمقتول في هذه المعركة شهيد، و الباذل مهجته في سبيل اللّه مجاهد. . و ما هي إلا إحدى الحسنيين: إما النصر، و إما الشهادة! ! .

2-و حديث الراحلة هذا يكذب الرواية الأخرى التي زعمت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من محمد بن مسلمة: أن يبحث لهم عن مكان ينزلون فيه، فطاف حتى أتى الرجيع فاختاره له، فانتقل «صلى اللّه عليه و آله» إليه. .


1) قاموس الرجال ج 3 ص 44.

فإننا لا نجد في رواية الراحلة أية دواع للكذب، و الافتعال، بينما تكون هذه الدواعي متوفرة بالنسبة لمحمد بن مسلمة، حسبما أشرنا إليه عدة مرات، و ربما نشير إلى ذلك أيضا فيما يأتي. .

3-بل إن بعض النصوص قد صرحت: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار ذلك المكان ليحول بين أهل خيبر و غطفان. .

و ربما تكون الراحلة، قد حددت الموضع، ثم جاء التصريح من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن النزول في ذلك المكان بعينه سوف يقطع طريق الاتصال بين اليهود، و بين غطفان. .

د: بناء المسجد في خيبر:

و ليس من قبيل الصدفة: أن يبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لبناء مسجد له في خيبر، فإن ذلك يتضمن الإيحاء للمسلمين بالنتائج الإيجابية لهذه الحرب التي يقدمون عليها.

كما أنه إشارة، بل إعلان ليهود خيبر بثقته «صلى اللّه عليه و آله» بالنصر عليهم، و بظهور الإسلام في بلادهم رغما عنهم. .

صوابية تدبير اليهود:

قالوا: «ابتدأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من حصونهم بحصون النطاة. و قيل: ابتدأ بحصون الكتيبة؛ لأنهم أدخلوا عيالهم و أموالهم في حصون الكتيبة، و جمعوا المقاتلة في حصون النطاة» (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 33.

غير أننا لم نستطع أن نقنع أنفسنا بصوابية هذا التدبير، فإن فصل العيال عن المقاتلين بهذا النحو قد يعطي الفرصة للجيش المهاجم لتكليف طائفة من مقاتليه بمشاغلة المقاتلين في حصن النطاة، ثم تتولى فئة أخرى مهاجمة الحصن الذي فيه العيال و الأموال، و فتحه، و الاستيلاء على ما و من فيه. . و بذلك يكونون قد عرضوا أنفسهم لضربة قاصمة على الصعيد النفسي على أقل تقدير.

و من جهة ثانية نقول: ماذا لو أن الجيش المهاجم اختار أن يهاجم الحصن الذي فيه المال و العيال بكل جنوده، أو اختار حصنا آخر غير حصني النطاة و الكتيبة، ليهاجمه، فما الذي يصنعه الجيش المتجمع في حصن النطاة؟ ! هل سيترك مواقعه، و يبادر لنجدة مقاتلي الحصن الآخر؟ !

و هل سوف يصحر للجيش المهاجم، و يلاقيه في الصحراء، أو بين أشجار النخيل؟

أم سوف يبقى معتصما بالحصن الذي هو فيه، و يكتفي بالرمي من فوق الأسوار؟ !

من أجل ذلك نقول:

لعل الحقيقة هي: أن اليهود قد وضعوا عيالهم و أموالهم، و رجالهم في الحصن الأقوى بنظرهم. و وضعوا قسما من رجالهم في أول حصن يتوقعون مهاجمة الجيش القادم له. . على أمل أن يتمكنوا من حفظ تلك الحصون من أخذ المهاجمين لها، و الاستفادة منها في إذلالهم، و قهرهم.

كما أن تواجدهم في تلك الحصون قد يربك المسلمين، و يوهمهم صعوبة تحقيق النصر، و يبعث في نفوسهم اليأس من الظفر، و يحملهم على

التفكير بالرجوع عنهم بلا نتيجة، أو بنتيجة هي لصالحهم في جميع احتمالاتها و وجوهها. .

قطع نخيل النطاة:

قالوا: «و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بقطع نخيل أهل حصون النطاة؛ فوقع المسلمون في قطعها، حتى قطعوا أربع مائة نخلة، ثم نهاهم عن القطع، فما قطع من نخيل خيبر غيرها» (1).

بل لقد زعموا: أن الحباب بن المنذر هو الذي أشار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقطع النخيل، لأن النخيل أحب إلى اليهود من أبكار أولادهم، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بقطع النخل، فوقع المسلمون في قطعها حتى أسرعوا في ذلك، فجاء أبو بكر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال له: يا رسول اللّه، إن اللّه عز و جل قد وعدكم خيبر، و هو منجز ما وعدك. فلا تقطع النخل.

فأمر منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فنهى عن القطع (2).

و في نص آخر: أن الذي طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» عدم قطع النخيل هو عمر (3).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و الإمتاع ص 311 و المغازي للواقدي ج 2 ص 644 و 645 و تاريخ الخميس ج 2 ص 46.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 644.

3) السير الكبير للشيباني ج 1 ص 55 و تدوين القرآن ص 27.

و نقول:

إن ذلك غير مقبول، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ألعوبة بأيدي الآخرين، و كان أعلم الناس بالمصالح و المفاسد، و بالتدبير الصحيح.

و مع ذلك نقول: 1-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يوصي سراياه و بعوثه بأن لا يقطعوا شجرا (1).

2-لماذا أمرهم بقطع نخيلهم في خصوص حصون النطاة دون سواها؟ مع أن النخيل في حصون الكتيبة كان أكثر بكثير، فقد قيل-كما تقدم-: إنه كان فيها أربعون ألف عذق.

3-لماذا عاد فنهاهم عن مواصلة قطع النخيل، مع أنهم لم يقطعوا سوى أربع مائة نخلة؟ ! فهل هو قد وجد: أن قطع النخيل لم يكن صوابا؟ ! أو لم يكن راجحا؟ ! ثم تبين له الصواب و الراجح! !

4-إذا كانت مشورة أبي بكر هي التي منعته من مواصلة القطع. . فلماذا أدرك أبو بكر ما لم يدركه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و لماذا كانت النبوة من نصيب الذي قصر فهمه عن إدراك هذا الأمر، و حرم ذلك الرجل الراجح العقل من هذا المقام؟ !


1) الكافي ج 1 ص 334 و 335 و ج 5 ص 30 و البحار ج 19 ص 177-179 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 300 و التهذيب للطوسي ج 6 ص 138 و 139 و الأموال ص 35 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و 413 و منتهى المطلب ج 2 ص 908 و 909 و جواهر الكلام ج 21 ص 66 و الوسائل ج 11 ص 43 و 44 و المحاسن للبرقي ص 355.

5-و إذا كان قطع النخيل يرضي اللّه تعالى، فلماذا أطاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر؟ !

و إذا كان لا يرضي اللّه تعالى فلماذا أطاع الحباب؟ !

و كيف يصح هذا و ذاك، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يقول و لا يفعل إلا ما يرضي اللّه سبحانه؟ !

فالظاهر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بقطع بعض النخلات استجابة لضرورات الحرب، لاحتياج العسكر إلى الفسحة المناسبة، حيث لا عوائق له عن الحركة، و لا موانع من الرصد الدقيق لتحركات العدو، و لغير ذلك من موجبات.

الأمان لمن أراد:

عن الضحاك الأنصاري، قال: لما سار النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر جعل عليا «عليه السلام» على مقدمته، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : من دخل النخل فهو آمن.

فلما تكلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» نادى بها علي «عليه السلام» ، فنظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى جبرائيل يضحك، فقال: ما يضحكك؟ !

قال: إني أحبه.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : إن جبرائيل يقول إنه يحبك!

قال «عليه السلام» : بلغت أن يحبني جبرائيل؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : نعم، و من هو خير من جبرائيل، اللّه عزّ

و جلّ (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم عدة وقفات، هي التالية:

من دخل النخل فهو آمن:

لقد تضمن هذا النص: أمرا هاما، من حيث دلالته الصريحة على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقاتل اليهود، لأنه اتخذ قرارا مسبقا بقتلهم و بإبادتهم، أو بقهرهم، و الاستيلاء على بلادهم، و قد جاء الآن لتنفيذ هذا القرار.

كما أنه قد تضمن إعطاء الأمان للناس من دون أي شروط، و الاكتفاء بمجرد إظهار الرغبة في الدخول في الأمان. .

و هذا يعطي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد أن يستفيد من قوته العسكرية الضاربة لفرض شروطه على محاربيه، بل كانت شروطه هي تلك الشروط، التي يسعى إليها كل إنسان بحسب سجيته و فطرته العامة، و هي كل ما يقتضيه العدل و الإنصاف للناس.

و هذا يدل: على أن الهدف هو مجرد التخلص من الفتنة، و درء الأخطار، و إعادة تصحيح الأوضاع لصالح السلم، و إشاعة الأمن، و ضمان الحرية في نطاق الانضباط و الالتزام بالحدود، و الوفاء بالعهود، و المواثيق.

ثم إن هذه الشروط قد أعطت الإيحاء للعدو: بأن ثمة يقينا بالنصر، و بأن عليهم أن يراجعوا حساباتهم، فلا تغرهم عدتهم، و لا عديدهم. .


1) أسد الغابة ج 3 ص 34.

كما أن وجود هذا الخيار، و ظهور الميل إليه لدى بعض الفئات المحاربة، سوف يضعف الثقة فيما بينهم، و يخلّ بإمكانية الاعتماد على بعضهم البعض، حين يبقى احتمال رغبة الناس بالأمان و احتمال أن يبادر إلى التماسه كل فرد منهم، ماثلا أمامهم، يثير القلق في نفوسهم، و يضعف تأثير قراراتهم في تسكين النفوس، و في الشعور بالأمن، و بالطمأنينة للسلامة، و الثقة بالنصر، و بالتناصر. .

يضاف إلى ذلك: أنه قد يكون هناك أناس مستضعفون مغلوبون على أمرهم، يقهرهم الأقوياء على مواقف لا يريدونها، و يسخّرونهم لتحقيق مآربهم، فيكون إعطاء هذا الأمان فرصة لهم يعيد إليهم الخيار، و يمكنهم من الاختيار، و بذلك يصبحون هم الذين يتحملون المسؤولية لو خاضوا تلك الحرب، و ارتكبوا أي خطأ، أو ذنب.

و ليس لهم أن يعتذروا بالاستضعاف، و انسداد أبواب الخيارات الصحيحة أمامهم.

جعل علي عليه السّلام على المقدمة:

و إن جعل قيادة ذلك الجيش إلى علي «عليه السلام» هو في حد ذاته أحد مفردات الحرب النفسية، الشديدة التأثير على الأعداء، الذين يعرفون عليا «عليه السلام» ، و قد أذاقهم سيفه الويلات، و حلت بهم منه الكوارث و النكبات. و هو أيضا يعطي المسلمين المزيد من القوة و الاندفاع، و الثقة بالنصر. .

التشكيك في قيادة علي عليه السّلام:

و قد حاول بعضهم التشكيك بجعل علي «عليه السلام» على مقدمة الجيش.

فقد قال الديار بكري: «و استعمل على مقدمة الجيش عكاشة بن محصن الأسدي، و على الميمنة عمر بن الخطاب، و على الميسرة واحدا من أصحابه، و في بعض الكتب علي بن أبي طالب.

و هذا غير صحيح: لأن الروايات الصحيحة تدل على: أن عليا في أوائل الحال لم يكن في العسكر. و كان به رمد شديد. و لما لحق بالعسكر، أعطاه الراية، و أمّره على الجيش، و وقع الفتح على يده كما سيجيء» انتهى (1).

و نقول:

إن لنا على ما ذكره بعض المؤاخذات: فأولا: إن دعواه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل عمر بن الخطاب على الميمنة غريبة حقا، فإننا لم نعهد في هذا الرجل طيلة حياته مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أية مواقف شجاعة، تؤهله لهذا المقام الخطير.

و قد كنا نتوقع: أن يذكروا هنا أشخاصا آخرين ممن لهم بهم هوى، حتى لو كان سعد بن عبادة، أو الحباب بن المنذر، أو الزبير، الذي شفعت له عندهم حرب الجمل التي قادها ضد علي «عليه السلام» ، أو محمد بن مسلمة، لأننا نعلم: أن لهم عناية خاصة بأمثال هؤلاء، و حرصا على تسطير الفضائل و الكرامات لهم.

و أما أبو دجانة، و المقداد، و نظراؤهم من الذين كان لهم ميل إلى علي «عليه السلام» ، فلا نكاد نشعر بأن لهم نصيبا في شيء من ذلك. .

و لعلهم قد أبهموا اسم الذي كان على الميسرة لأنه كان في جملة هؤلاء


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 42.

الذين لا يحبون ذكرهم في أمثال هذه المواقف، و لم يكن ثمة مجال لتبديله بغيره، لشدة ظهور أمره للناس.

ثانيا: سيأتي إن شاء اللّه تعالى: أن عليا «عليه السلام» كان على رأس جيش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من حين خروجه من المدينة، و قد طال مقامه في خيبر عشرات الأيام، و ربما بلغ أشهرا، فالرمد لم يصب عليا «عليه السلام» كل هذه المدة الطويلة، بل أصابه قبل قتل مرحب بوقت يسير، و إنما قتل مرحب في أواخر، بل في آخر أيام خيبر، و بعد حصار حصونهم المختلفة عشرات الأيام. .

بل لقد حوصر حصن القموص نفسه عشرين يوما كما سيأتي.

و سيأتي أيضا في الفصل الثالث في فقرة «الرايات بدأت في خيبر» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يبدأ القتال في حصن ناعم قد أعطى لواءه إلى علي «عليه السلام» . . و حصن ناعم هو أول حصون خيبر فتحا. .

علي عليه السّلام يسمع الناس أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد لوحظ: أن عليا «عليه السلام» هو الذي تولى إسماع الناس ما تكلم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و كأن هذا الأمر قد جاء وفق توجيه مسبق ينيط هذه المهمة بعلي «عليه السلام» .

لأننا نعلم: أن عليا «عليه السلام» لا يمكن أن يقدم على أمر، إذا لم يكن هناك توجيه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد ثبت ذلك بصورة قاطعة في نفس غزوة خيبر، حين قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اذهب و لا تلتفت، فسار قليلا، ثم قام و لم يلتفت،

فقال «عليه السلام» : علام أقاتلهم، كما سيأتي إن شاء اللّه. .

جبرئيل يحب عليا عليه السّلام:

ثم يأتي إخباره «صلى اللّه عليه و آله» عن ضحك جبرئيل حين نادى «عليه السلام» في الناس بكلامه «صلى اللّه عليه و آله» .

فإن ما يثير الانتباه هو: أن ذلك قد جاء توطئة للإعلان بحب جبرئيل «عليه السلام» ، و حب اللّه تعالى لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هو الحب الذي لم يوجب له «عليه السلام» . أي نوع من أنواع الغرور غير المقبول، بل هو قد بادر إلى هضم نفسه، و لم يعطها مداها، و لا أتاح الفرصة لأن يتوهم أي كان أن لها أي دور، أو تأثير سلبي في أي شأن من شؤونه «عليه السلام» . .

مع أنه هو الذي سيفتح اللّه تعالى خيبر على يديه، و سوف يتمنى المنهزمون الذين كانوا يجبّنون أصحابهم، و يجبنهم أصحابهم: أن يعطيهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الراية، التي لا نشك في أنهم لو حصلوا عليها، فسوف يفرون بها من جديد، مرة بعد أخرى. .

و قد جاء بيان ذلك كله. . في سياق إعطاء الأمان لمن دخل النخل، ليكون ذلك بمثابة إعلان لهم: بأن هذا الذي سوف يقتل فرسانهم، و يفتح حصونهم، هو إنسان قريب من اللّه سبحانه و هو له حبيب. . و ليس مجرد فارس شجاع، و بطل فاتك، لا يبالي بإزهاق الأرواح، و لا يهدف في حروبه تلك إلى أن يفرض إرادته على الآخرين بالجبروت و بالقهر، و قوة السلاح. .

الفصل الثالث: فتح حصن ناعم

اشارة

حصار حصن ناعم:

قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد: و فرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الرايات، و لم تكن الرايات إلا يوم خيبر، و إنما كانت الألوية (1).

و كانت راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوداء من برد لعائشة، تدعى العقاب، و لواؤه أبيض، دفعه إلى علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و دفع راية إلى الحباب بن المنذر، و راية إلى سعد بن عبادة.

و كان شعارهم: «يا منصور أمت» (2).

و أضاف الحلبي: راية إلى أبي بكر، و راية إلى عمر (3).

ثم صف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و وعظهم، و نهاهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 120 و أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 48 و ذكره ابن حجر في المطالب العالية {4202} و السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و الإمتاع ص 313 و المغازي للواقدي ج 2 ص 649.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 120 و في الهامش قال: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 48 و ذكره ابن حجر في المطالب العالية {4202} و الواقدي في المغازي ج 2 ص 649 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و الإمتاع ص 311 و 313.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 35.

عن القتال حتى يأذن لهم، فعمد رجل من أشجع، فحمل على يهودي فقتله، فقال الناس: استشهد فلان.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أبعد ما نهيت عن القتال» ؟ .

قالوا: نعم.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مناديا فنادى في الناس: «لا تحل الجنة لعاص» .

و روى الطبراني في الصغير، عن جابر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم خيبر: «لا تتمنوا لقاء العدو، و اسألوا اللّه تعالى العافية، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم، فإذا لقيتموهم فقولوا: اللهم أنت ربنا و ربهم، و نواصينا و نواصيهم بيدك، و إنما تقتلهم أنت.

ثم الزموا الأرض جلوسا، فإذا غشوكم فانهضوا، و كبروا» و ذكر الحديث (1).

و قالوا: إن مرحبا هو الذي قتل ذلك الرجل الأشجعي (2).

و أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في القتال، و حثهم على الصبر،


1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 38 و مجمع الزوائد ج 5 ص 328 و ج 6 ص 151 و المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 11 و عيون الأثر ج 2 ص 136 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 120 و في هامشه عن: مسلم في الجهاد باب 6 رقم {20} ، و نحوه عند البخاري في الصحيح حديث {7237} و سنن الدارمي ج 2 ص 216 و المصنف لعبد الرزاق {9513} {9518} و سنن أبي داود في الجهاد باب 97 و السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و راجع: الإمتاع ص 312.

2) الإمتاع ص 312 و المغازي للواقدي ج 2 ص 649.

و أول حصن حاصره حصن ناعم، و قاتل «صلى اللّه عليه و آله» يومه ذاك أشد القتال، و قاتله أهل النطاة أشد القتال، و ترس جماعة من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليه يومئذ، و عليه-كما قال محمد بن عمر- درعان، و بيضة، و مغفر، و هو على فرس يقال له: الظرب، و في يده قناة و ترس (1).

و تقدم في حديث أنس: أنه كان على حمار، فيحتمل أنه كان عليه في الطريق، ثم ركب الفرس حال القتال. و اللّه أعلم.

و جعلت نبل يهود تخالط العسكر و تجاوزه، و المسلمون يلتقطون نبلهم ثم يردونها عليهم. فلما أمسى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحول إلى الرجيع، و أمر الناس فتحولوا، فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغدو بالمسلمين على راياتهم حتى فتح اللّه الحصن عليهم.

و روى البيهقي من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان الفهري، و عن أبي قلابة.

و أبو نعيم، و البيهقي، عن عبد الرحمن بن المرقع.

و محمد بن عمر، عن شيوخه: أن المسلمين لما قدموا خيبر كان التمر أخضر، و هي و بيئة و خيمة، فأكلوا من تلك الثمرة. فأهمدتهم الحمى، فشكوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «قرسوا الماء في الشنان- أي القرب-فإذا كان بين الأذانين-أي أذاني الفجر-فاحدروا الماء عليكم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 120 و السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و الإمتاع ص 313 و المغازي للواقدي ج 2 ص 644 و راجع: الغدير للشيخ الأميني ج 7 ص 204.

حدرا، و اذكروا اسم اللّه تعالى» .

ففعلوا، فكأنما نشطوا من العقل (1).

و نقول:

على فرس، أو على حمار؟ !

قد ذكر آنفا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان على فرس اسمه «الظرب» و هذا لا ينافي أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان في خيبر على حمار، مخطوم برسن من ليف. .

فلعل ركوبه الحمار كان في مسيره إلى خيبر، و في غير ساحة القتال. .

بل لقد صرحت رواية ركوبه الحمار: بأن ذلك كان و هو متوجه إلى خيبر، فراجع (2).

و قد تقدم بعض الحديث عن ذلك فلا نعيد. .

قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:

و جاء في الروايات الآنفة الذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قاتل يومه ذاك أشد القتال.

مع أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يباشر القتال بنفسه إلا في واقعة أحد.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 120 و 121 و في هامشه عن: ابن أبي شيبة ج 7 ص 454 و السيرة الحلبية ج 3 ص 53 و المغازي للواقدي ج 2 ص 644.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

يضاف إلى ذلك: أنه لو كان قد باشر القتال بنفسه لكان قد قتل أو جرح أحدا من المشركين، و لكن أحدا لم يذكر ذلك، مع أن هذا الأمر مما تتوفر الدواعي على نقله.

و قد يجاب عن ذلك: بأن المراد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قاتل بجيشه أشد قتال (1).

و يجاب أيضا: بأنه ليس بالضرورة أن يكون ما ذكروه من أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقتل أحدا في غير غزاة أحد صحيحا، فإنهم ذكروا هنا أيضا- كما سيأتي-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» رمى بسهم فما أخطأ رجلا منهم (2).

الرايات بدأت في خيبر:

ثم إنهم قد ادّعوا: أن راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تسمى العقاب، و أن الرايات بدأت من خيبر، و أن اللواء غير الراية، و أن لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان أبيضا، و هو الذي أعطاه لعلي «عليه السلام» في خيبر. .

و نقول:

أولا: ذكروا: أن اللواء الذي دفعه «صلى اللّه عليه و آله» إلى علي «عليه السلام» يوم خيبر-و كان أبيضا-كان يقال له: العقاب أيضا (3).

ألا يفيد ذلك: أن اللواء هو نفس الراية؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 122.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 36 عن سيرة الدمياطي.

ثانيا: قد صرحت الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى اللواء لعلي في قضية قتل مرحب، و فتح خيبر. .

مع أن عبارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» التي تناقلتها الروايات الكثيرة هي: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله الخ. .» .

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي «عليه السلام» : خذ هذه الراية و تقدم (1).

إلا أن يجاب عن هذا الأمر الأخير: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاه الراية و اللواء معا. .

ثالثا: لقد صرحت الروايات التي ذكرناها في أوائل غزوة أحد: بأن لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» {أو رايته} -فقد عبرت الروايات بهذا تارة و بذاك أخرى-كانت مع علي «عليه السلام» في جميع المشاهد.

فلا معنى للتفريق بين اللواء و الراية، ثم توزيع هذه أو تلك على هذا الرجل أو ذاك، وفقا لبعض الإعتبارات التي يراد التسويق لها.


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 36 و كشف الغطاء ج 1 ص 15 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 1 ص 302 و العمدة لابن البطريق ص 153 و الطرائف لابن طاووس ص 57 و الصوارم المهرقة للتستري ص 35 و البحار ج 39 ص 90 و بغية الباحث ص 218 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 35 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 13 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 61 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 89 و البداية و النهاية ج 7 ص 373 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 798.

الزموا الأرض جلوسا:

و حول أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بلزوم الأرض، ثم النهوض، و التكبير. .

نقول:

ألف: إن جلوسهم في البداية ربما يثير رغبة العدو في اغتنام الفرصة و الهجوم عليهم، لأن حالة الجلوس قد تجعل هذا العدو يشعر بأن له هيمنة على الموقف، و أن الذين هم أمامه أقل حجما و أضعف قدرة منه، فإذا بادر إلى الهجوم عليهم، و فوجئ بقيامهم، فإن انقلاب الصورة بسرعة سوف يحدث إرباكا لدى هذا العدو المهاجم من حيث إيجاب ذلك تبدلا سريعا في مشاعره و ارتجاجات قد تعيق-و لو للحظات-سيطرته على الموقف، و اتخاذ القرارات المناسبة للحظة المناسبة في هذا الوضع المستجد. .

فإذا صاحب ذلك تكبير هؤلاء الناهضين، فإن ذلك سيزيد من تزاحم الصور، و اختلاطها، و سوف تظهر علامات الفوضى و الإرباك، و فقدان القدرة على التمييز بين ما هو حسي و بين ما هو ذهني، مما له اتصال بالفكر و المشاعر، و التصورات العقيدية، بالإضافة إلى حالات من الهواجس المبهمة التي توقظ مشاعر الخوف على النفس، و تستدعي استحضار ما يفيد في حفظها، و دفع الأخطار التي تتزاحم احتمالاتها في مخيلتهم. .

نداء لا تحل الجنة لعاص:

و قد تقدم أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل ذلك أمر بلالا فنادى: لا تحل الجنة لعاص، و ذلك حين خرج رجل على جمل صعب،

فصرعه فمات.

و ها هم يقولون هنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر مناديا لينادي بنفس النداء، و في نفس غزوة خيبر أيضا، و ذلك في شأن رجل من أشجع، حمل على يهودي فقتله اليهودي! !

فهل جرى هذا النداء مرتين؟ !

ألم يكن المفروض: أن يتعلم الناس من النداء الأول، فلا يقدم أحد منهم على معصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . .

و ربما يجاب عن هذا السؤال بالإيجاب، فيقال: إن النداء في المرة الأولى لا يكفي للردع عن المخالفة في المرة الثانية؛ لأن النداء في المرة الأولى قد يفهم أنه نداء على أمر يعتقدون أن المخالفة فيه لا تشكل خطرا كبيرا، لأنها تكون في أمر هو أقرب إلى الأمور الشخصية التي تعني ذلك الراكب نفسه.

و ينظر الناس إلى الأوامر و النواهي في مثله على أنها مجرد إرشادات و نصائح لا تشدّد فيها. بخلاف موضوع إشعال نار الحرب بين الجيشين، بالمبادرة إلى البراز، فإن اتخاذ قرار القتال بصورة منفردة و شخصية، و من دون مراجعة القيادة لا يمكن قبوله من أحد، لأنه قد يورط القيادة و يسوق الأمور إلى خلاف ما ترمي إليه، و قد يفسد عليها خططها، و يبطل تدبيرها. .

إذن. . فقد لا يكون النداء الأول كافيا لردع الناس عن المخالفة الأقوى و الأشد. .

و نقول:

إنه إذا ثبت أن المخالفة في ذلك الأمر العادي محرمة، و أنها توجب

تحريم الجنة على العاصي، فإن ثبوت هذا التحريم للجنة في الأمر الثاني، يصبح أمرا بديهيا، و لا يصح ارتكابه من أحد. .

فإذا حصل ذلك، فإن النداء بتحريم الجنة على مرتكبه يكون أشد ضرورة، و أكثر إلحاحا. و لا سيما إذا كان من يبادر إلى القتال، قد ساقه إلى ذلك حبه للشهادة، و شدة شوقه إلى اللّه و حنقه على أعدائه تبارك و تعالى.

الإنضباط ضرورة لا تقبل الجدل:

و على كل حال: فإن هذا الأمر إذا كان قد حصل من ذلك الرجل فعلا، فإنه يكون عملا بالغ الخطورة، من حيث إنه يصادر قرارات القيادة، و يمهد لاستلاب زمام الأمور من يدها، و إضعاف هيمنتها، و إسقاط هيبتها، و قد يسعى الأعداء للتأثير على قراراتها بمثل هذه الأساليب بالاستفادة من عناصر مدسوسة، و وفق خطط مدروسة.

هذا عدا عن أن ذلك سوف يجعل القيادة تضيع في متاهات أهواء الناس، و اختلاف أذواقهم و مشاربهم، فلا تعرف كيف تخطط، و لا ماذا تقرر، و لا كيف تفكر. .

من أجل ذلك: فإن للانضباط الدور العظيم في إنجاح أية قضية، و لا بد أن تكون عقوبة من يخل بهذا الأمر كبيرة بحجم الفساد الذي تحدثه مخالفته، و يفرضه إخلاله. .

تمني لقاء العدو:

و إذا ألقينا نظرة على الدعاء الذي طلب «صلى اللّه عليه و آله» من أصحابه أن يدعوا به ربهم عند لقاء العدو، فسوف تظهر لنا أمور كثيرة،

نذكر منها ما يلي:

ألف: إن تمني لقاء العدو، و إهمال التفكير في تلافي الحرب بوسائل الإقناع أو نحوها معناه: ترجيح خيار سفك دماء الناس المعارضين و التخلص منهم بأسلوب القتل و التدمير، على خيار السلم، و الوئام، و على بذل الجهد في محاولات إقناع حثيثة و متعاقبة، يمكن أن تكون ذات أثر في حسم الأمور.

مع أن ما يسعى إليه الإسلام هو الاستصلاح للناس، و ليس الاستئصال لهم، إلا إذا فقدت جميع فرص الإصلاح، و أصبح وجودهم مضرا بالإنسان و الإنسانية.

ب: إن الاستهتار بقدرات العدو يجر إلى كوارث و نكبات ربما لم يحسب لها حساب.

و هذا نوع من السذاجة الاختيارية، التي تصل إلى حد التفريط و التقصير غير المقبول. . حيث يؤدي إلى إهمال كثير من الإجراءات الاحتياطية، التي من شأنها أن تبعد شبح كثير من الضربات القوية التي ربما يكون العدو قد أعدّ لها.

ج: إن تمني لقاء العدو يجسد شعورا بالقوة الذاتية، و ربما اغترارا بالقدرة على التصرف، و على التأثير المستقل. . فكان لا بد من تصحيح هذه النظرة بالاستناد إلى أساس عقائدي متين. يستند إلى الاعتراف: بأن اللّه تعالى هو المتصرف بهم، لأنه الرب و الإله. . و ذلك بالتصريح أو التلويح بأمرين:

أحدهما: أن ربوبيته تعالى للجميع تشير إلى: أن حق التصرف منحصر به سبحانه. . و أن ما يفعله الناس إنما هو بإذن منه تعالى، من خلال إجراء

سنة إلهية جعلت من إرادة البشر حلقة في سلسلة العلل، و من موجبات الفيض الإلهي للوجود على بعض الأشياء.

الثاني: أن ذلك التصرف يرتكز إلى حقيقة: أن نواصي كلا الفريقين بيده تعالى، فهو المالك الحقيقي، و المهيمن على الجميع من موقع القدرة، و القاهرية؛ لأنه رب الجميع.

يسلم الراعي و تعود الغنم:

روى البيهقي، عن جابر بن عبد اللّه، و البيهقي عن أنس، و البيهقي عن عروة، و عن موسى بن عقبة: أن عبدا حبشيا لرجل من أهل خيبر، كان يرعى غنما لهم، لما رآهم قد أخذوا السلاح، و استعدوا لقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سألهم: ما تريدون؟

قالوا: نقاتل هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبي.

فوقع في نفسه ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فخرج بغنمه ليرعاها، فأخذه المسلمون، فجاؤوا به لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في لفظ ابن عقبة: أنه عمد بغنمه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء اللّه أن يكلمه.

فقال الرجل: ماذا تقول، و ماذا تدعو إليه؟

قال: «أدعوك إلى الإسلام، و أن تشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و أن لا تعبد إلا اللّه» .

قال العبد: و ماذا يكون لي إن شهدت بذلك، و آمنت باللّه تعالى؟

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لك الجنة إن آمنت على ذلك» .

فأسلم العبد، و قال: يا رسول اللّه، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل، أدخل الجنة؟

قال: «نعم» .

قال: يا رسول اللّه، إن هذه الغنم عندي أمانة، فكيف بها؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أخرجها من العسكر، وارمها بالحصباء، فإن اللّه عز و جل سيؤدي عنك أمانتك» .

ففعل، و أعجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلمته، فخرجت الغنم تشتد مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت كل شاة إلى أهلها، فعرف اليهودي: أن غلامه قد أسلم.

ثم تقدم العبد الأسود إلى الصف، فقاتل، فأصابه سهم فقتله، و لم يصل للّه تعالى سجدة قط، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدخلوه الفسطاط» ، و في لفظ: «الخباء» .

فأدخلوه خباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى إذا فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخل عليه، ثم خرج فقال: «لقد حسن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه، و إن عنده لزوجتين له من الحور العين» (1).

و في حديث أنس: فأتى عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 129 و في هامشه عن: البيهقي في الدلائل ج 4 ص 22 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 344 و البداية و النهاية ج 4 ص 190 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و الإمتاع ص 313 و المغازي للواقدي ج 2 ص 649 و 650 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 136 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 143 و دلائل النبوة ص 188 و كنز العمال ج 16 ص 743.

مقتول، فقال: «لقد حسّن اللّه وجهك، و طيب ريحك، و كثّر مالك. لقد رأيت زوجتيه من الحور العين، ينزعان جبته يدخلان فيما بين جلده وجبته» (1).

و عند ابن إسحاق: «ينفضان التراب عن وجهه، و يقولان: ترب اللّه وجه من تربك، و قتل من قتلك» (2).

و نقول:

أولا: من الواضح: أنه إذا قامت الحرب بين فريقين، فأي مال يحصل عليه أحدهما فإنه يستولي عليه بعنوان أنه غنيمة. فلا يعقل أن يخرج الراعي بالغنم إلى أي مكان يصل إليه جيش المسلمين؛ لأن ذلك معناه: أن يستولي المسلمون على ذلك الغنم فور رؤيتهم له. .

و لا يمهلون ذلك الراعي حتى يراجع أحدا في الأمر. .

بل إنهم سوف يعتبرون نفس ذلك الراعي أحد الغنائم، إن كان عبدا، أو يعتبرونه أسيرا إن لم يكن كذلك.

اللهم إلا أن يكون ذلك قد حصل في فترة المفاوضات، و السعي لإقامة الحجة على اليهود، حتى إذا لم يستجيبوا لداعي اللّه سبحانه، و أصروا على معاندة الحق و أهله، و أعلنت الحرب، و تنابذ الفريقان، فإن كل فريق سوف يسعى إلى حماية ماله، و وضعه في أماكن مأمونة، بعيدا عن متناول يد عدوه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 129 و البداية و النهاية ج 4 ص 218 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 362.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 806 و عيون الأثر ج 2 ص 148.

و لكن ليس في الرواية ما يشير إلى ذلك، فيبقى مجرد احتمال معلق في الهواء.

ثانيا: إن وصول الغنم إلى أصحابها بمجرد رميها بالحصباء قد يوجب يقين أصحاب تلك الغنم بأنهم محقون، و بأن اللّه تعالى هو الذي رد عليهم غنمهم، لأنه راض عنهم، ماض لطفه فيهم. .

و في هذا إغراء بالعناد و اللجاج، و التشبث بالباطل، و دخول الشبهة على المبطلين، فلا يعقل صدور عمل يؤدي إلى ذلك من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و أما الاعتذار عن ذلك: بأن عدم أخذهم لذلك العبد، إنما هو لعدم كونه محاربا، فهو اعتذار واه، لأن المفروض: أن جميع من هم في تلك المنطقة، و يترددون إلى الحصون هم من المحاربين لأهل الإسلام. .

و الكلام إنما هو بالنسبة للناس العاديين، لا بالنسبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المتصل بالوحي و الغيب.

و مما يضحك الثكلى احتمال البعض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أرجع الغنم إلى الحصن بهذه الطريقة لكي يظهر لذلك العبد معجزة تقنعه بنبوته.

فإن الأمور لم تضق على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حد أنه يصنع معجزة من شأنها أن تعيد لليهود قطيعا كبيرا من الغنم، بحيث يعود إليهم لوحده. .

و ليس ثمة ما يدلهم على: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرجعها إليهم، فإن دخول العبد في الإسلام قد لا يكون استنادا إلى عودة الغنم إليهم، بل لأنه قد استضعف و خاف. .

هذا لو سلم أنهم عرفوا بإسلامه، و لم يثبت ذلك.

متى شبع النبي صلّى اللّه عليه و آله من خبز الشعير؟ !

و قالوا: إن حصن ناعم هو أول حصن فتح من حصون النطاة على يد علي «عليه السلام» .

و عن عائشة قالت: ما شبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خبز الشعير و التمر حتى فتحت دار بني قمة، أي و هي أول دار فتحت بخيبر، و هي بالنطاة، و هي منزل ياسر أخي مرحب، و ظاهر السياق أنها ناعم (1).

و نقول:

إن ثمة قدرا من الجرأة من عائشة على مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث ساقت حديثها بنحو يوحي: بأن الجوع و الشبع كان يمثل قضية ذات أهمية بالنسبة إليه «صلى اللّه عليه و آله» . .

كما أنها عبرت بكلمة «ما شبع» ، و هي لا تناسب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . الذي لم يكن يتملى من الطعام، وفقا لقاعدة: اجلس على الطعام و أنت جائع، و قم عنه و أنت تشتهيه. . مع ملاحظة النواهي الصادرة عنه «صلى اللّه عليه و آله» عن الأكل حتى الشبع، و عن التملي من الطعام، و هي لا يكاد يجهلها أحد. .

و في جميع الأحوال نقول: لماذا يجعلون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محور الحديث عن هذا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 39.

الأمر بالذات؟ ! . . و قد كان بإمكانهم جعل الحديث عن غيره، أو أن يستفيد المتحدثون من عناوين عامة، ليس فيها هذا الإيحاء غير المحبب، فيقولون مثلا، ما شبعنا، أو ما شبع الناس، أو المسلمون، أو نحو ذلك.

محمود بن مسلمة يقتل في حصن ناعم:

و يقولون: إن السبب في قتل محمود بن مسلمة هو: أنه كان قد حارب في حصن ناعم حتى أعياه الحرب، و ثقل السلاح. و كان الحر شديدا، فانحاز إلى ظل ذلك الحصن يبتغي فيئه.

قالوا: و لا يظن محمود أن في ذلك الحصن أحدا من المقاتلة، و إنما ظن أن فيه متاعا و أثاثا.

فألقى عليه مرحب حجر الرحا، فهشم البيضة على رأسه، و نزلت جلدة جبينه على وجهه، و ندرت عينه. فأدركه المسلمون، فأتوا به النبي «صلى اللّه عليه و آله» فسوى الجلدة إلى مكانها، و عصبه بخرقة، فمات من شدة الجراحة. و تحول «صلى اللّه عليه و آله» خشية على أصحابه من البيات (1).

و جاء أخوه محمد بن مسلمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إن اليهود قتلوا أخي محمود بن مسلمة، و بكى.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تمنوا لقاء العدو، و اسألوا اللّه العافية، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم، فإذا لقيتموه، فقولوا: اللهم أنت ربنا و ربهم، و نواصينا و نواصيهم بيدك، و إنما تقتلهم أنت.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 645 و الإمتاع ص 311 و 312 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

ثم الزموا الأرض جلوسا، فإذا غشوكم، فانهضوا، و كبروا (1).

و نحن نشك في صحة هذه الرواية من أساسها.

فأولا: إن القتال كله كان مع المدافعين عن حصن ناعم، فما معنى قولهم: «و لا يظن محمود: أن فيه أحدا من المقاتلة، إنما ظن: أن فيه متاعا و أثاثا» ؟ ! فهل ترك المقاتلون حصنهم، و تاهوا في الصحراء؟ !

ثانيا: إذا كان اليهود بعد القتال قد دخلوا حصنهم. فإن من غير المعقول: أن يحارب محمود بن مسلمة اليهود حتى أعياه الحرب، و ثقل السلاح، ثم يجلس في أسفل حصنهم ليستريح.

إذ أي عاقل لا يخطر في باله: أن اليهود قد يفكرون في إلقاء حجر عليه لقتله، و أن عليه أن يتحرز من ذلك؟ !

و قد علم الناس كلهم: أن سبب حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبني النضير، حتى أجلاهم من ديارهم، هو: أنه جاءهم مع أصحابه في أمر، و جلس إلى بعض بيوتهم، فحاولوا إلقاء حجر عليه لقتله، فأخبره اللّه تعالى بذلك فقام و تركهم، و كانت الحرب.

فإذا كان هذا حال اليهود في السلم، فكيف ستكون حالهم في الحرب؟ ! و لا سيما بعد حصول معركة حامية يعيا فيها المحارب. .

ألم يسمع محمود بحرب النضير؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و راجع: المعجم الصغير ج 2 ص 136 و المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 38 و مجمع الزوائد ج 5 ص 328 و ج 6 ص 151 و كتاب الدعاء للطبراني ص 328 و كنز العمال ج 4 ص 361 و عيون الأثر ج 2 ص 136.

و ألم يعرف سبب نشوبها، و هي الحرب التي انتهت إلى تلك النتائج الخطيرة و الكبيرة على مستوى المنطقة بأسرها؟ !

ثالثا: كيف لم يحذّر أحد من المسلمين محمود بن مسلمة من مغبة جلوسه في ذلك الموضع؟ ! أم يعقل أن يكون الجميع قد تركوه وحده، و غادروا المكان؟ !

رابعا: و الغريب في الأمر: أنهم يذكرون عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال لمحمد بن مسلمة، حينما أخبره بقتل أخيه: إنه سوف يرسل رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، ليأخذ له بثأر أخيه، ثم أرسل عليا «عليه السلام» (1).

فلماذا لم يرسل محمد بن مسلمة نفسه. مع أنهم يدّعون له مقاما فريدا في الفروسية و الشجاعة، حتى زعموا-كذبا و زورا-: أنه هو الذي قتل مرحبا؟ !

بالإضافة إلى ما لا يجهله أحد من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأعطين الراية رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله الخ. . بعد فرار أبي بكر و عمر، و لأجل تلافي ما حصل. . لا في مناسبة إخبار محمد بن مسلمة له «صلى اللّه عليه و آله» بقتل أخيه محمود.

خامسا: و الأغرب من ذلك، و الأعجب: أن يجيب «صلى اللّه عليه و آله» ابن مسلمة على إخباره إياه بقتل أخيه، بقوله: لا تمنوا لقاء العدو الخ. . فهل تراه يحذّر ابن مسلمة، من أن يحدث نفسه بلقاء العدو الذي قتل أخاه للتو؟ !

و هل هو يخشى أن يصيبه ما أصاب أخاه؟ !


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123.

و هل ينسجم هذا، و ذاك مع ما زعموه من أن محمد بن مسلمة قد بارز مرحبا و قتله بأخيه؟ !

أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يتنبأ له مسبقا بفراره و فرار غيره حينما يواجهون اليهود في حصن القموص، حينما يرسلهم «صلى اللّه عليه و آله» بالراية إلى حرب الخيبريين؟ ! . .

سادسا: قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن مرحبا هو الذي ألقى الرحى على محمود بن مسلمة، فقتله بها. .

و لكن رواية أخرى تقول: إن الذي ألقى الرحى عليه هو كنانة بن الربيع. .

و في رواية ثالثة: أن قاتله هو شخص آخر، و هو الذي سلمه علي «عليه السلام» لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه. .

و قد حاول الحلبي الجمع بين الروايتين الأوليين: بأن من الممكن أن يكون الرجلان قد اجتمعا على قتل محمود هذا (1).

و لكننا نقول له: إن مجرد الإمكان لا يكفي لصياغة التاريخ، بل ذلك يحتاج إلى شواهد و أدلة صالحة للاعتماد. .

سابعا: إن الظاهر هو: أن مرحبا كان حبيبا و قريبا لأخيه محمد بن مسلمة، فقد صرح أمير المؤمنين «عليه السلام» : بأن محمدا كان ينقم على علي «عليه السلام» أنه قتل أخاه مرحبا (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

2) الإمامة و السياسة {ط سنة 1356 ه-بمصر} ج 1 ص 54 و قاموس الرجال ج 8 ص 388 عنه.

و لعله كان أخا له من الرضاعة، إن لم يكن أخاه لأمه. .

و في جميع الأحوال نقول:

إن ذلك كله يشير إلى مدى الإصرار و الحرص على الكذب و الافتعال في هذا الأمر بالذات.

و لعلهم أرادوا إسداء خدمة لمحمد بن مسلمة، بتضخيم أمر قتل أخيه محمود من جهة، بادّعاء: أن أعظم بطل في اليهود هو الذي قتله. . ثم بإظهار اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل قاتله، ثم سعيه للثأر لأخيه.

و ذلك كله: في سياق التوطئة و التسويق المؤثر لادّعاء: أن محمد بن مسلمة هو قاتل مرحب، بطل أبطال اليهود.

و بذلك يمكنهم أيضا: حرمان علي «عليه السلام» من هذا الفضل، أو تشكيك الناس به على الأقل. .

و الأهم من ذلك كله: التقليل من شأن هذا النصر العظيم الذي سجله «عليه السلام» ، بقتل مرحب، و اقتلاع باب خيبر، و ظهور فضله على الصحابة كلهم، بعد أن اتخذوا طريق الفرار سبيلا للنجاة في الحياة الدنيا، دون أن يعبأوا بعقاب الآخرة.

أين قتل ابن مسلمة؟ !

إن ظاهر بعض النصوص المتقدمة: أن محمود بن مسلمة قد قتل في حصن القموص (1). مع أنه إنما قتل في حصن ناعم حسبما تقدم تفصيله. .


1) البداية و النهاية ج 4 ص 185 عن البيهقي.

الفصل الرابع: فتح سائر حصون النطاة و الشق

اشارة

حصار و فتح حصن الصعب بن معاذ:

لم يكن بخيبر حصن أكثر طعاما، و ودكا، و ماشية، و متاعا من حصن الصعب بن معاذ و وجدوا فيه ما لم يكونوا يظنون، من الشعير، و التمر، و السمن، و العسل، و الزيت، و الودك (1). و كان فيه خمسمائة مقاتل، و كان المسلمون قد أقاموا أياما يقاتلون، ليس عندهم طعام إلا العلف (2).

بل قال الواقدي: إن الأطعمة كلها كانت في هذا الحصن (3).

و روى محمد بن عمر، عن أبي اليسر كعب بن عمر: أنهم حاصروا حصن الصعب بن معاذ ثلاثة أيام، و كان حصنا منيعا، و أقبلت غنم لرجل من يهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من رجل يطعمنا من هذه الغنم» ؟

فقلت: أنا يا رسول اللّه.

فخرجت أسعى مثل الظبي.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 121 و 122 و المغازي للواقدي ج 2 ص 658 و 659 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و 40.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 121 و المغازي للواقدي ج 2 ص 658.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 662.

و في لفظ: مثل الظليم، فلما نظر إليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» موليا قال: «اللهم متعنا به» .

فأدركت الغنم-و قد دخل أولها الحصن-فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت أعدو، كأن ليس معي شيء، حتى انتهيت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر بهما فذبحتا، ثم قسمهما، فما بقي أحد من العسكر الذين معه محاصرين الحصن إلا أكل منهما.

فقيل لأبي اليسر: كم كانوا؟

قال: كانوا عددا كثيرا (1).

فيقال: أين بقية الناس؟ .

فيقول: في الرجيع، بالمعسكر (2).

و روى ابن إسحاق، عن بعض قبيلة أسلم، و محمد بن عمر، عن معتب الأسلمي، و اللفظ له، قال: أصابتنا معشر أسلم مجاعة حين قدمنا خيبر، و أقمنا عشرة أيام على حصن النطاة، لا نفتح شيئا فيه طعام، فأجمعت أسلم أن أرسلوا أسماء بن حارثة، فقالوا: ائت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقل له: إن أسلم يقرئونك السلام، و يقولون: إنّا قد جهدنا من الجوع و الضعف.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 121 و إمتاع الأسماع ص 316 و 317 و المغازي للواقدي ج 2 ص 660 و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 149 و ج 9 ص 316 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 221 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 798 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 368.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 60.

فقال بريدة بن الحصيب: و اللّه، إن رأيت كاليوم قط من بين العرب يصنعون هذا! !

فقال زيد {هند} بن حارثة أخو أسماء: و اللّه، إني لأرجو أن يكون هذا البعث إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفتاح الخير.

فجاءه أسماء فقال: يا رسول اللّه إن أسلم تقرأ عليك السلام، و تقول: إنا قد جهدنا من الجوع و الضعف، فادع اللّه لنا.

فدعا لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: «و اللّه ما بيدي ما أقويهم به، قد علمت حالهم، و أنهم ليست لهم قوة، ثم قال: «اللهم فافتح عليهم أعظم حصن فيها، أكثرها طعاما، و أكثرها و دكا» (1).

و دفع اللواء إلى الحباب بن المنذر، و ندب الناس، فما رجعنا حتى فتح اللّه علينا حصن الصعب بن معاذ.

قالت أم مطاع الأسلمية: لقد رأيت أسلم حين شكوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما شكوا من شدة الحال، فندب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس فنهضوا، فرأيت أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ، فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتح اللّه. .

إلى أن قال: و كان عليه قتال شديد.

و برز رجل من يهود يقال له: يوشع، يدعو إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاختلفا ضربات، فقتله الحباب.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 121 و 122 و السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و إمتاع الأسماع ص 316.

و برز له آخر-يقال له: الزيال، أو الديال-فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري، فبادره الغفاري فضربه ضربة على هامته، و هو يقول: خذها و أنا الغلام الغفاري.

فقال الناس: «بطل جهاده» .

فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فقال: «ما بأس به، يؤجر و يحمد» (1).

و روى محمد بن عمر، عن محمد بن مسلمة، قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رمى بسهم فما أخطأ رجلا منهم، و تبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلي، و انفرجوا، و دخلوا الحصن (2).

و وجدوا في حصن الصعب بن معاذ: آلة حرب، و دبابات، و منجنيقا.

و كان أحدهم قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن في حصن الصعب بن معاذ، في بيت منه تحت الأرض منجنيق، و دبابات، و سيوف (3).

و حسب نص الحلبي: إن اليهود حملت حملة منكرة، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو واقف قد نزل عن فرسه، فثبت الحباب بن المنذر، فحرض «صلى اللّه عليه و آله» على الجهاد، فأقبلوا، و زحف بهم الحباب، فانهزمت يهود، و أغلقت الحصون عليهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 122 و السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و 40 و المغازي للواقدي ج 2 ص 659 و راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 6 ص 94 و 95 و رياض الصالحين للنووي ص 385 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 267.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 122 و المغازي للواقدي ج 2 ص 622.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 40 و راجع ص 41 عن الإمتاع.

ثم إن المسلمين اقتحموا الحصن، يقتلون، و يأسرون، فوجدوا في ذلك الحصن من الشعير الخ. . (1).

و نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كلوا، و اعلفوا، و لا تحملوا، أي لا تخرجوا به إلى بلادكم (2).

و حسب نص الواقدي: و قد أقمنا عليه يومين نقاتلهم أشد القتال، فلما كان اليوم الثالث بكّر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، فخرج رجل من اليهود كأنه الدقل في حربة له، و خرج و عاديته معه، فرموا بالنبل ساعة سراعا، و ترسنا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمطروا علينا بالنبل، فكان نبلهم مثل الجراد، حتى ظننت ألاّ يقلعوا، ثم حملوا علينا حملة رجل واحد.

فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو واقف، قد نزل عن فرسه، و مدعم (3)يمسك فرسه.

و ثبت الحباب برايتنا، و اللّه ما يزول، يراميهم على فرسه، و ندب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين و حضهم على الجهاد و رغبهم فيه، و أخبرهم أن اللّه قد وعده خيبر يغنمه إياها.

قال: فأقبل الناس جميعا حتى عادوا إلى صاحب رايتهم، ثم زحف بهم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 40.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 122 و السيرة الحلبية ج 3 ص 40 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 61 و بغية الباحث ص 211 و نصب الراية للزيعلي ج 4 ص 267 و السير الكبير للشيباني ج 3 ص 1018.

3) مدعم: هو العبد الأسود الذي كان مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

الحباب، فلم يزل يدنو قليلا قليلا، و ترجع اليهود على أدبارها حتى لحمها الشر، فانكشفوا سراعا، و دخلوا الحصن و غلّقوا عليهم، و وافوا على جدره -و له جدر دون جدر-فجعلوا يرموننا بالجندل (1)رميا كثيرا، و نحونا عن حصنهم بوقع الحجارة، حتى رجعنا إلى موضع الحباب الأول.

ثم إن اليهود تلاومت بينها، و قالت: ما نستبقي لأنفسنا؟ قد قتل أهل الجد و الجلد في حصن ناعم.

فخرجوا مستميتين، و رجعنا إليهم، فاقتتلنا على باب الحصن أشد القتال، و قتل يومئذ على الباب ثلاثة من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أبو صياح، و قد شهد بدرا، ضربه رجل منهم بالسيف فأطن قحف رأسه. و عدي بن مرة بن سراقة، طعنه أحدهم بالحربة بين ثدييه فمات، و الثالث الحارث بن حاطب و قد شهد بدرا، رماه رجل من فوق الحصن فدمغه.

و قد قتلنا منهم على الحصن عدة، كلما قتلنا منهم رجلا حملوه حتى يدخلوه الحصن.

ثم حمل صاحب رايتنا و حملنا معه، و أدخلنا اليهود الحصن، و تبعناهم في جوفه، فلما دخلنا عليهم الحصن فكأنهم غنم، فقتلنا من أشرف لنا، و أسرنا منهم، و هربوا في كل وجه، يركبون الحرة، يريدون حصن قلعة الزبير، و جعلنا ندعهم يهربون.

و صعد المسلمون على جدره، فكبروا عليه تكبيرا كثيرا، ففتتنا أعضاد


1) الجندل: الحجارة. لسان العرب ج 13 ص 136.

اليهود بالتكبير، لقد رأيت فتيان أسلم و غفار فوق الحصن يكبرون، فوجدنا و اللّه من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك، من الشعير الخ. .

و نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كلوا و اعلفوا و لا تحتملوا.

يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم.

فكان المسلمون يأخذون من ذلك الحصن مدة مقامهم؛ طعامهم و علف دوابهم، لا يمنع أحد أن يأخذ حاجته، و لا يخمس الطعام.

و وجدوا فيه من البز و الآنية، و وجدوا خوابي السّكر، فأمروا فكسروها، فكانوا يكسرونها حتى سال السكر في الحصن، و الخوابي كبار لا يطاق حملها.

و كان أبو ثعلبة الخشنى يقول: وجدنا فيه آنية من نحاس و فخار، كانت اليهود تأكل فيها و تشرب، فسألنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: اغسلوها و اطبخوا و كلوا فيها و اشربوا.

و قال: أسخنوا فيها الماء ثم اطبخوا بعد، و كلوا و اشربوا.

و أخرجنا منه غنما كثيرا، و بقرا، و حمرا، و أخرجنا منه آلة كثيرة للحرب، و منجنيقا، و دبابات وعدة، فنعلم أنهم قد كانوا يظنون أن الحصار يكون دهرا، فعجل اللّه خزيهم.

فحدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: لقد خرج من أطم من حصن الصعب بن معاذ من البز عشرون عكما (1)محزومة من غليظ متاع


1) العكم: ثوب يبسط، و يجعل فيه المتاع و يشد. تاج العروس ج 8 ص 404.

اليمن، و ألف و خمس مائة قطيفة، يقال: قدم كل رجل بقطيفة على أهله، و وجدوا عشرة أحمال خشب، فأمر به فأخرج من الحصن ثم أحرق، فمكث أياما يحترق، و خوابي سكر كسرت، و زقاق خمر فأهريقت.

و قالوا أيضا: كان من سلم من يهود حصن ناعم انتقل إلى حصن الصعب من حصون النطاة، ففتحه اللّه قبل ما غابت الشمس من ذلك اليوم. من بعد ما أقاموا على محاصرته يومين (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، هي التالية:

فرار المسلمين. . و ثبات الحباب:

1-قد أظهر هذا النص: أن المسلمين قد فروا أمام اليهود، حتى انتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن هذه الهزيمة قد تكررت منهم.

و هذا أمر لا بد أن يزعج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يؤذيه، خصوصا إذا كان هذا الفرار يشجع اليهود، و يزيدهم إصرارا على مواصلة الحرب، و يوجب تعرض المسلمين للمزيد من الأخطار، و يوقع في صفوفهم خسائر أكبر في الأرواح. .

2-إن رواية الواقدي، زعمت: أن الحباب قد ثبت بالراية.

و لا ندري أين ثبت الحباب؟ و متى؟

فإنه حامل الراية-إن صح أنه حاملها حقا-فلا بد أن يكون في المقدمة.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 39.

فهل انهزم عنه الناس، و بقي يقاتل وحده بين اليهود؟ ! . .

أم أنه انهزم معهم، ثم لما وصل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثبت هناك؟ !

فإن كان وحده، فلا بد أن نسأل ماذا جرى له مع اليهود؟ و كيف خرج سالما من بينهم؟ ! و هل خرج خروج منهزم؟ أم خروج منتصر؟ ! و كيف؟ أم أنه بقي بينهم إلى حين انقضاء القتال، أو إلى حين معاودة المسلمين هجومهم؟ ! و كيف استطاع أن يحفظ نفسه منهم في هذه الحال؟

و أين كان عنه مرحب و سائر الأبطال اليهود في هذه المدة؟ !

و لماذا لم يسجل التاريخ له هذه المفخرة العظيمة؟ ! و لماذا؟ ! و لماذا؟ !

3-إن ظاهر النص: أن المسلمين لم يرجعوا إلى القتال إلا بعد تطميعهم بالغنيمة، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» : حضهم على الجهاد و رغبهم فيه، و أخبرهم أن اللّه قد وعده خيبر، يغنمه إياها. .

4-ما معنى تخصيص فتيان أسلم و غفار بالمدح، و أن المتحدث قد رآهم فوق الحصن يكبرون؟ ! خصوصا بعد أن ذكر: أن المسلمين صعدوا على جدر الحصن يكبرون، فكبروا تكبيرا كثيرا.

لماذا الإحراج؟ :

إن ما فعلته قبيلة أسلم من شأنه أن يحرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل قد اقتضى الأمر: أن يظهر «صلى اللّه عليه و آله» للملأ ما لم تجر عادته على إظهاره، و هو أنه ليس بيده شيء يعطيهم إياه.

مع أن لهذا الإظهار سلبياته أيضا، فإنه ربما يؤثر على سكينة ضعفاء

الناس و ثباتهم، و يثير لديهم الكثير من الهواجس تجاه مصيرهم، و سيتمثل لهم الخطر الذي ينتظرهم أمام أعينهم.

و أما إذا بلغ ذلك إلى مسامع الأعداء، الذين يملكون الكثير من الطعام في حصونهم، فقد يزيدهم ذلك إصرارا على التحدي، و يدفعهم إلى التفكير في وسائل تسويف الوقت، انتظارا لتأثير الجوع في ثبات عدوهم المحارب لهم، حتى يضطر إلى التخلي عن حصارهم، بحثا عن لقمة تحفظ له خيط الحياة، و تمكنه من البقاء و النجاة.

أوسمة أسلم:

و قد تحدثت النصوص المتقدمة: أن أسلم هي التي عانت من الجوع، و أنها شكت ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا «صلى اللّه عليه و آله» لها، بعد أن أظهر الرقة و التعاطف معها، و قد تضمن دعاؤه أن يفتح اللّه عليهم أعظم حصن.

ثم ذكرت أم مطاع: أن أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب، و أن شمس ذلك اليوم لم تغب حتى فتح اللّه ذلك الحصن.

و نقول:

إن ما كانت تعاني منه قبيلة أسلم هو ما كان يعاني منه سائر المسلمين. . و لكن لعل أسلم تستحق كل هذه الأوسمة من هؤلاء، بل و أزيد منها، و أعظم و أفخم، لأنها هي التي ساعدت أبا بكر يوم السقيفة على نيل الخلافة، حيث جاءت إلى المدينة بقضها و قضيضها و احتلتها، و استخرجت كل معارض من بيته، و أتت به إلى المسجد ليبايع أبا بكر، تحت تهديد

السلاح، فراجع كتابنا: أفلا تذكرون، و مختصر مفيد.

الموقف الشائن:

و إن مطالبة قبيلة أسلم النبيّ «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر؛ لها و جهان:

فإما أنهم يعلمون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يكابد ما يكابدون، و يعيش كما يعيشون، فلا يبقى لهذه المطالبة ما يبررها.

و إما أنهم كانوا يظنون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه يحتفظ بشيء من الطعام لنفسه، كان يتناوله في الخفاء، و يؤثر به نفسه عليهم، و هي تهمة شائنة، يعرف الناس كلهم بطلانها، و زيفها، و سوء سريرة من يأتي بها. . و لأجل ذلك اعترض عليهم رجل منهم، و هو: بريدة الأسلمي. و لامهم على فعلهم هذا.

و لعلنا نرجح الاحتمال الأخير، و هو: أن قبيلة أسلم كانت تظن برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذا، فإنها إحدى قبائل الأعراب التي كانت تحيط بالمدينة، و نزل القرآن ليخبر بوجود المنافقين في تلك القبائل. . و لا نريد أن نقول أكثر من هذا! !

اللواء للحباب بن المنذر:

هذا. . و قد ذكرت الفقرة السابقة أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى اللواء للحباب بن المنذر، بعد فتح حصن ناعم، و ذلك حين مهاجمة حصن الصعب. .

مع أننا نعلم: أن لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان مع علي

«عليه السلام» في جميع المشاهد، باستثناء تبوك. .

و قد تقدمت النصوص الدالة على ذلك في واقعة أحد، فراجعها. .

و ما زعموه من أن عليا «عليه السلام» لم يحضر بداية حرب خيبر. . غير صحيح كما أظهرته النصوص حسبما أثبتناه في سياق حديثنا في وقائع هذه الغزوة. .

الصعب أكثرها طعاما:

زعمت الرواية المتقدمة: أن حصن الصعب كان أكثر حصون خيبر طعاما، و أن الجوع قد أصاب أسلم، و سائر المسلمين، حتى فتح عليهم حصن الصعب، و لكننا في مقابل ذلك نرى:

ألف: أن عائشة تروي: أن حصن ناعم قد سد حاجتهم إلى الطعام، فلم تبق لديهم أية مشكلة، فقد قالت: ما شبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خبز الشعير و التمر، حتى فتحت دار بني قمة-و قالوا: إن المقصود: هو حصن ناعم (1).

و لا يعقل: أن يشبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يجوع من معه! !

كما لا يعقل: أن يكون المقصود: أنه شبع مرة واحدة ثم جاع.

ب: و أن اليهود كانوا موجودين في حصن ناعم بالمئات و كانوا قد أعدوا من الأطعمة ما يكفيهم في حصار المسلمين لهم مدة طويلة. .

و بعد فرارهم و خروج الحصن من يدهم بقي ما كانوا قد أعدوه في


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و راجع: معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 2 ص 523.

مكانه، و وقع في أيدي المسلمين. .

بقي أن نشير إلى قولهم: إن اليهود جعلوا أموالهم في حصون الكتيبة (1). لا يصح الاستدلال به هنا. إذ يجوز أن يكون المراد بأموالهم هو: خصوص النقود و نحوها، دون ما ذكرها هنا (2).

تسخين الماء في آنية اليهود:

و عن تسخين الماء في آنية اليهود، قبل استعمال المسلمين لها قال الحلبي: «حكمة تسخين الماء لا تخفى، و هي: أن الماء الحار أقوى في النظافة، و إخراج الدسومة، و اللّه أعلم» (3).

و نضيف:

أن تدخل النبي الكريم في هذا الأمر يشير إلى: أن ثمة أمرا هاما، يحتاج إلى معالجته، و إلا فقد كان من المناسب ترك هذا الأمر إلى سليقة الناس في تعاملهم مع أواني الآخرين.

و لكن الروايات عجزت عن التصريح بالأمر الذي دعاه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا التدخل في هذه التفاصيل و الجزئيات. .

فهل السبب في ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخشى من كيد اليهود للمسلمين، بوضع سموم لا تزول بمجرد غسل الآنية بالماء؟ . .

أم أنه يريد أن يعرّف الناس بمدى قذارة اليهود، و بعدهم عن فروض


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 39.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و المغازي للواقدي ج 2 ص 664.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 41.

النظافة، مهما كانت عادية و سطحية؟ .

أو أنه يريد أن يتلافى دسومة كانت في تلك الأواني، هي بقايا أطعمة محرمة، يرى ضرورة تنزيه المسلمين عنها؟ ! . .

أو أن الهدف هو تأكيد حالة الفصل بين المسلمين و اليهود في تعاملهم مع بعضهم البعض، إذ ربما لم يكن المسلمون يتنزهون عن أي شيء من مستويات هذا التعامل، و حالاته، و كيفياته، في الوقت الذي كانت هناك حاجة إلى درجة من التحاشي عن هذا الاندماج المطلق بين الفريقين، و إيجاد مستوى من الإحساس بالفارق، و عدم الرضا بواقع اليهود، و بحالاتهم. .

أعظم حصون خيبر:

و زعم حديث بني أسلم: أن حصن الصعب بن معاذ كان أعظم حصون خيبر. .

مع أن النصوص تصرح: بأن حصن القموص كان أعظمها، و أنه كان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة، ثم فتحه اللّه تعالى على يد علي «عليه السلام» (1).

فلعلهم أرادوا بتهويل أمر حصن الصعب التفخيم و التعظيم للحباب بن المنذر، و لبني أسلم و غفار، و التخفيف من و هج فتح حصن القموص، و قلع باب خيبر؟ !

أم أنهم وقعوا تحت تأثير اسمه «الصعب» فاستنبطوا له هذه الصعوبة


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 41 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124.

التي ميزته عن سائر الحصون. .

أم أنهم أرادوا تبرير الهزيمة التي مني بها أولئك المتخاذلون، و التي حدثت أكثر من مرة حتى في هذا الحصن الذي لم يستحق سوى يومين من الحصار، ثم سقط أمام عزمة صادقة من عزمات أهل الإيمان.

قد يكون هذا الاحتمال الأخير هو الأوضح و الأظهر، و قد يكون قد تناغم مع الاحتمال الأول حتى كان ما كان. .

الإفتخار في الحرب:

و قد حكم الناس على عمارة بن عقبة الغفاري: بأنه قد بطل جهاده لمجرد قوله، حين ضرب هامة ذلك اليهودي:

خذها و أنا الغلام الغفاري. . .

فصحح النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم هذا المفهوم الخاطئ، و حكم بأنه يؤجر و يحمد.

و نقول:

إن الافتخار في الحرب الموجب لإرعاب العدو، و هزيمته النفسية هو في حد ذاته جهاد يثاب الإنسان عليه. و يوجب الثناء و الحمد لفاعله؛ لأنه يكون قد أسهم في كسر شوكة العدو، و إضعافه، و تمهيد السبيل إلى إلحاق الهزيمة التامة به. .

كما أن إظهار القوة و العزة في قبال العدو، يمنح أهل الإيمان المزيد من الثبات، و الثقة بالنصر، و يزيد في تصميمهم، و في قوتهم، و عزيمتهم، فيجتمع على العدو ضعفان:

ضعف: نابع من داخل ذاته، من خلال الكبت و الشعور بالخيبة.

و ضعف آخر: ينشأ عن رؤية قوة المسلمين، و شدة اندفاعهم.

و يكون فيه للمسلمين قوتان:

إحداهما: نابعة من داخل ذاتهم.

و الأخرى: تتبلور في ضعف عدوهم، و في هزيمته الروحية.

حديث الشاتين، و قطيع الغنم:

و نحن لا نشك في كذب حديث قطيع الغنم، و الاستيلاء على شاتين منه، و ذلك لسبب بسيط، هو:

أولا: إنه لا يعقل وجود قطيع الغنم هذا خارج الحصن، ثم لا يستولي عليه المسلمون، ليصبح من غنائمهم.

ثانيا: إذا كان أخذ المسلمين لذلك القطيع حلالا، فلماذا لا يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» سرية قادرة على أخذ القطيع كله، أو جانب كبير منه. بل يكتفي بالأمر بأخذ شاة أو شاتين؟ ! و إن كان حراما فكيف جاز له أخذ تينك الشاتين؟ !

ثالثا: إذا كان المقصود للنبي «صلى اللّه عليه و آله» هو: إطعام جيشه من ذلك القطيع، فلا تكفي ذلك الجيش الشاة و الشاتان و لا العشرة. .

و إن كان المقصود هو: أن يأكل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من حوله من أهل بيته و خاصته، فذلك بعيد عن خلقه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لأجل ذلك نقول:

لا يمكننا قبول ما ذكرته الرواية: من أن قسما من المسلمين لم يستفيدوا

من لحم تينك الشاتين، و هم الذين كانوا في الرجيع. بل اقتصر الأمر على الذين كانوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موضعه الذي كان فيه. .

رابعا: قد صرحت الرواية نفسها: بأن المسلمين كانوا يحاصرون ذلك الحصن، و أنه كان قد مضى على حصارهم له ثلاثة أيام، فأين كان ذلك القطيع في تلك الأيام الثلاثة؟ ! و لماذا لم يره المسلمون، قبل أن يبادر إلى دخول الحصن؟ ! و أين كان المسلمون حين اقتربت الغنم من باب الحصن المفتوح، هل كانوا يحاصرونه؟ أم أنهم تركوه و ابتعدوا عنه؟ و من أين أقبلت غنم ذلك الرجل اليهودي؟ !

و كيف يجرؤ أهل هذا الحصن المحاصر بالرجال على فتح أبواب حصنهم، و إخراج غنمهم منه، أو إدخالها إليه؟ ! . . و كيف؟ ! و كيف؟ ! . .

الحباب بن المنذر في الواجهة:

و يلاحظ هنا: أن الروايات قد اختارت الحباب بن المنذر ليكون هو المتصدر لواجهة الأحداث في حصن الصعب بن معاذ، و له نصيب أيضا من ذلك في غيره. . و لكن لم يظهر لعلي «عليه السلام» ، و لا لأبي دجانة، و لا للمقداد، و لا حتى للزبير، أو محمد بن مسلمة. و عشرات الفرسان الآخرين، لم يظهر لأحد منهم في هذا الحصن، مع أن محمود بن مسلمة كان قد قتل قبل ذلك في حصن ناعم، فلماذا لا يتحرك أخوه محمد في كل الحصون التي حوصرت عشرات الأيام حتى فتحت؟ ! . .

و لماذا لم يطالب بالأخذ بثارات أخيه فيها، بل صبر إلى حصن القموص ليقتل مرحبا هناك بأخيه كما يزعمون؟ !

و لماذا لم يلاحق مرحبا في حصن الصعب، أو النزار، أو حصون الشق أو غير ذلك؟ ! . .

فأين كان هذا الرجل؟ و أين كان هؤلاء في هذا الحصار الذي استمر أياما لحصن حصين فيه خمس مائة مقاتل، و لم يكن بخيبر حصن أكثر طعاما، و ماشية، و متاعا منه الخ. . كما زعموا؟ !

و لماذا غابوا جميعا عن الواجهة، و خبا و هجهم، و أفل نجمهم؟ ! . .

فهل للحباب شأن في موضوع بعينه، يراد التسويق له؟ ! . .

ابن مسلمة يقول: تبسم إليّ صلّى اللّه عليه و آله:

و في حديث رمي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسهم صائب في هذا الحصن، يقول محمد بن مسلمة: «و تبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليّ» .

و نحن لم نستطع أن نفهم سبب تبسمه «صلى اللّه عليه و آله» لخصوص محمد بن مسلمة، تاركا حوالي ألف و خمس مائة مقاتل محروما من نعمة هذه البسمة، و من الإيحاء بمعانيها و مراميها، من دون سبب ظاهر؟ !

فهل أعجب-و العياذ باللّه-النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، حين أصاب ذلك الرجل، و ظهر أنه يجيد الرمي، و أراد أن ينال إعجاب خصوص محمد بن مسلمة. . إن القول بهذا يتجاوز حدود إساءة الأدب ليكون إنكارا لعصمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

أم أن لابن مسلمة خصوصية لديه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن لأحد سواه حتى لعلي «عليه السلام» ، فضلا عن غيره من أصحابه؟ !

و هذا أمر ينكره و لا يعترف لابن مسلمة به أحد حتى محبوه، و المهتمون بشأنه، و الساعون لتخصيصه بالكرامات و الفضائل. .

الإهتمام بالطعام و الغنيمة:

و النصوص المتقدمة، و بعض النصوص الأخرى، قد أظهرت: أن ثمة اهتماما خاصا بالطعام و المال، و بالغنيمة، و الغنم، بما في ذلك: السمن، و العسل، و السكر، و الزيت، و الشعير، و التمر، و الودك، و الشحم، و الماشية، و المتاع. .

و هي أيضا تتحدث عن جوع، و شكوى، و دعاء، و ابتهال. .

فهل ذلك يعبر عن واقع المسلمين؟ ! أو هل هذا كان كل همهم، و غاية قصدهم؟ !

مدة الحصار:

و قد صرحت النصوص أيضا: بأمور متناقضة، فيما يرتبط بمدة الحصار لحصن الصعب.

فهي تارة تقول: إن الحصار دام أياما، هي أكثر من ثلاثة أيام، بلا شك؛ لأن الاستيلاء على الشاتين كان بعد ثلاثة أيام من الحصار، و لا ندري كم دام الحصار بعدها؟ !

و تارة تقول-كما يظهر من حديث أم مطاع-: إنهم فتحوه في يوم واحد. .

و لكن نصا آخر يقول: إن الحصار دام يومين فقط، فأي ذلك هو الصحيح؟

و ألا يشير هذا إلى: أن ثمة تعمدا للاختلاق و الكذب في هذا الأمر بالذات؟ !

حصن قلة الزبير:

كان حصن قلعة الزبير في رأس قلعة أو قلّة، لا تقدر عليه الخيل و لا الرجال، فلما تحولت يهود من حصن ناعم، و حصن الصعب بن معاذ إلى قلّة {أو قلعة} الزبير حاصرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه.

فأقام «صلى اللّه عليه و آله» محاصرهم ثلاثة أيام، فجاء يهودي يدعى غزال فقال: يا أبا القاسم، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة، و تخرج إلى أهل الشق، فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك؟

فأمنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهله و ماله.

فقال اليهودي: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول (1)تحت الأرض، يخرجون بالليل فيشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت عنهم شربهم أصحروا لك.

فسار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا و قاتلوا أشد قتال (2).

و قتل من المسلمين يومئذ نفر، و أصيب من اليهود في ذلك اليوم عشرة، و افتتحه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان هذا آخر حصون النطاة.


1) الدبول: الجدول {القاموس المحيط ج 3 ص 373} .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 122 و 123 و في هامشه عن: البيهقي في الدلائل ج 4 ص 124 و المغازي للواقدي ج 2 ص 646 و 667. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 40.

قيل: سمي هذا الحصن بحصن قلّة الزبير، لأنه صار في سهم الزبير بن العوام بعد ذلك (1).

و نقول:

أولا: إن إطلاق هذا الاسم على هذا الحصن لا يعقل أن يكون لأجل ما ذكروه، و ذلك لما يلي:

ألف: لا شك في أنه قد كان لهذا الحصن اسم يتداوله أهل تلك البلاد أنفسهم، و ذلك قبل أن يأتي النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه، فما هو هذا الاسم.

فإذا ظهر: أنهم كانوا يطلقون عليه نفس هذه التسمية، فذلك يدل على: أنه كان قد سمي باسم زبير آخر، ممن كان على دينهم، و من الشخصيات المرموقة فيهم مثل الزبير بن باطا، أو غيره.

ب: إن من غير المعقول، و لا المقبول: أن يعطي «صلى اللّه عليه و آله» حصنا بأكمله إلى رجل واحد هو الزبير بن العوام. .

و لماذا يعطي الزبير هذا العطاء الكبير، و هو لم يكن له ذلك الأثر العظيم في تلك الحرب. .

ج: يضاف إلى ذلك: أن أراضي خيبر لم تقسم على المسلمين ليكون للزبير سهم بهذا الحجم بل أبقاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيد اليهود، يعملون فيها على النصف من ثمارها. . و إنما أخرجهم منها عمر بن الخطاب كما سيأتي بيانه.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 40 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 160.

د: إنه إذا أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطي أحدا شيئا فإنه لا يعطيه حصنا أو قلعة-كما ورد في بعض التعابير-بل يعطيه أرضا زراعية، يستطيع أن يستغلها، أو بستانا يستفيد من ثمار أشجاره.

ثانيا: إن هذا اليهودي قد بادر من عند نفسه-كما تقول الرواية-إلى إخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأمر خطير، من شأنه أن يسقط الحصن بأكمله في أيدي المسلمين، و يمكنهم من إلحاق هزيمة منكرة بمن هم على دينه، لا لشيء، بل لمجرد إعطائه الأمان على نفسه، و أهله و ماله! !

غير أننا نلاحظ:

أن النصوص لا تصرح بما جرى لهذا اليهودي المخبر، فهل أخذ أسيرا، فخاف من القتل، فأقر بما أقر به؟ !

أم أنه جاء باختياره متطوعا بإخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر الخطير؟ ! الذي يوجب حلول البلاء بمن هم على دينه؟ !

ربما يقال: إن ظاهر النص هو هذا الأمر الثاني؛ لأنه قال: فجاء يهودي يدعى نزال، فقال: يا أبا القاسم الخ. .

و على فرض صحة هذه الرواية-و نحن نشك في صحتها-فإن هذا يشير إلى: أن هؤلاء الناس لا يعيشون همّ الدين، و لا يلتزمون بالمبادئ و القيم، بل و لا بالعادات و التقاليد، و إنما همتهم هي في حفظ أنفسهم و امتيازاتهم، حتى إنهم إذا قاتلوا فليس ذلك رغبة منهم في جنة، أو خوفا من عقوبة اللّه تعالى لهم على تقصيرهم، و إنما من أجل الدنيا، أو استجابة لنزوات الميول و الأهواء، أو لجاجا، أو عنادا، بداعي الحقد و الضغينة، أو لأن الشيطان يزين لهم أنهم ظاهرون و منتصرون، أو سعيا لاكتساب ثناء لا

يدوم، أو مجد موهوم. . أو نحو ذلك.

بطولات موهومة:

و في صورة تشبه الصورة التي سبقت، يذكر بعضهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مكث سبعة أيام يقاتل أهل حصون النطاة، يذهب كل يوم بمحمد بن مسلمة للقتال، و يخلف على محل العسكر عثمان بن عفان، فإذا أمسى رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى ذلك المحل. و من جرح من المسلمين يحمل إلى ذلك المحل ليداوي جرحه. فجرح أول يوم خمسون من المسلمين.

و نادى يهودي من أهل النطاة بعد ليل: أنا آمن و أبلغكم.

قالوا: نعم.

فدخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدله على عورة ليهود.

فدعا أصحابه و حضهم على الجهاد، فظفره اللّه تعالى بهم الخ. .

و في نص آخر: كان «صلى اللّه عليه و آله» يناوب بين أصحابه في حراسة الليل، فلما كانت الليلة السادسة من السبع استعمل «صلى اللّه عليه و آله» عمر، فطاف عمر بأصحابه حول العسكر، و فرقهم، فأتي برجل من يهود خيبر في جوف الليل، فأمر عمر أن يضرب عنقه.

فقال: اذهب بي إلى نبيكم حتى أكلمه، فأمسك عنه، و انتهى به إلى باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجده يصلي، فسمع «صلى اللّه عليه و آله» كلام عمر، فسلم و أدخله عليه، فدخل اليهودي، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لليهودي: ما وراءك؟

فقال: تؤمنني يا أبا القاسم؟ !

فقال: نعم.

فقال: خرجت من حصن النطاة، من عند قوم يتسللون من الحصن في هذه الليلة.

قال: فأين يذهبون؟

قال: إلى الشق، يجعلون فيه ذراريهم، و يتهيأون للقتال.

و في هذا الحصن الذي هو الحصن الصعب من حصون النطاة، في بيت فيه تحت الأرض، منجنيق، و دبابات، و دروع، و سيوف، فإذا دخلت الحصن غدا، و أنت تدخله.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن شاء اللّه.

قال اليهودي: إن شاء اللّه-أوقفتك عليه، فإنه لا يعرفه غيري. و أخرى. .

قيل: ما هي؟

قال: يستخرج المنجنيق، و ينصب على الشق {و المراد هو: حصن البريء} ، و يدخل الرجال تحت الدبابات، فيحفروا الحصن، فتحته من يومك. و كذلك تفعل بحصون الكتيبة.

ثم قال: يا أبا القاسم، احقن دمي.

قال: أنت آمن.

قال: ولي زوجة فهبها لي.

قال: هي لك. ثم دعاه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الإسلام.

فقال: انظرني أياما.

ثم قال «صلى اللّه عليه و آله» لمحمد بن مسلمة: لأعطين الراية إلى رجل

يحبه اللّه و رسوله، و يحبانه.

و في لفظ: قال «صلى اللّه عليه و آله» : لأدفعن الراية إلى رجل يحب اللّه و رسوله، لا يولي الدبر، يفتح اللّه عز و جل على يده، فيمكنه اللّه من قاتل أخيك الخ. . (1).

و نقول:

إن في هذه الرواية أمورا عديدة، لا بد من التوقف عندها، و هي:

نصب المنجنيق:

إن هذه الرواية ذكرت: أن المنجنيق قد نصب على حصن البريء من حصون الشق. . أو على حصن النزار (2).

مع أنهم يقولون: لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف (3).

و الغريب في الأمر: أن الحلبي يقول في وجه الجمع: إنه يجوز أن يكون قد نصب و لم يرم به هنا، و نصب ورمي به هناك (4).

لقد قال الحلبي هذا، مع أن التعبير الذي أورده هو نفسه يقول: لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف، و لم يقل: لم يرم بالمنجنيق. . و ما ذلك


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 34 و 35 و راجع ص 41 و الإمتاع ص 312 و المغازي للواقدي ج 2 ص 645 و 647 و 648 و نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 99.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 648.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 41.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 41.

إلا لأن المفهوم من التعبير بنصب المنجنيق هو الرمي به.

و الأولى أن يقال: إن الإشكال غير وارد من الأساس.

فإن الرواية لم تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نصب ذلك المنجنيق، و رمى به.

بل قالت: إن ذلك اليهودي قد افترض أو اقترح ذلك، فبذلك ينحل الإشكال المتعلق بالمنجنيق.

يضاف إلى ما تقدم: أن هذه الرواية تدل على: أن أول حصن بدأ به من حصون الشق هو حصن البريء.

مع أنه سيأتي في فقرة «حصون الشق» : أن أول حصن بدأ به هو أبي. و بالتحديد بقلعة سموان.

ذراري اليهود لم تكن في حصن الشق:

و يفهم من الرواية السابقة: أن ذراري اليهود كانوا معهم في حصن النطاة، و أنهم نقلوهم بعد أن أرهقهم الحصار إلى حصن الشق (1).

و نقول:

أولا: قد صرحوا: بأن الذراري لم يكونوا في حصن النطاة، بل كان فيه المقاتلون فقط.

ثانيا: إن هؤلاء الذراري لم يجعلوا في حصن الشق، بل كانوا في حصن الكتيبة كما هو معلوم، و قد جعلوهم-حسب تصريحهم-فيه قبل حصار


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 648.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم. .

إلا أن يكون المقصود: هو بعض الذراري، الذين كانوا معهم يساعدونهم في إعداد الطعام و الشراب للمقاتلين، أو للقيام على جرحاهم، أو نحو ذلك. .

ابن مسلمة تارة، و الحباب أخرى:

لقد ركزت الرواية المتقدمة على محمد بن مسلمة، و جعلته محور التحركات النبوية في حصون النطاة. .

فهي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يذهب كل يوم بمحمد بن مسلمة للقتال، و يرجع في المساء. . فهل كانت قيادة الجيش الإسلامي قد أنيطت بابن مسلمة؟ ! فإن كان الأمر كذلك، فلماذا لم يحدثنا عنه التاريخ و يقول: إن محمد بن مسلمة كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر؟ !

أما أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يأخذه لأجل القتال فقط، لا بعنوان قيادة، و لا غير ذلك؟

فالسؤال هو: إن المشاركين في القتال كثيرون، فلماذا خص الرواة ابن مسلمة بالذكر من بين ألف و خمس مائة مقاتل؟ ! . .

و لماذا لم يذكروا عليا «عليه السلام» ، أو أبا دجانة، أو المقداد، أو غير هؤلاء أيضا؟ !

أم يعقل أن يكون هؤلاء قد أصبحوا متخاذلين؟ ! و غير ذوي أثر، و أن ابن مسلمة أصبح أكثر نشاطا و حركة منهم؟

هذا. . و اللافت: أن الحباب بن المنذر قد غاب هنا أيضا، و لم يكن له

نصيب يذكر، رغم أنه قد أعطي دورا كبيرا في موقع آخر. .

و اللافت أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ير محمد بن مسلمة أهلا لأن يقتل قاتل أخيه، كما صرحت به هذه الرواية، فوعده بأن يعطي الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبانه، يمكنه اللّه من قاتل أخيه {أي أخي محمد بن مسلمة} ، فلماذا لا يمكّن اللّه محمد بن مسلمة نفسه من أن يقتل قاتل أخيه؟ !

و إذا كان محمد بن مسلمة هذا لم يستطع أن يقتل قاتل أخيه، حتى احتاج إلى علي «عليه السلام» ليقوم بهذه المهمة. . فكيف كان يختاره النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليذهب معه للقتال؟ ! و ما هو نوع و مستوى القتال الذي كان يذهب به إليه؟ !

بل سيأتي: أن محمد بن مسلمة نفسه قد انزعج من قتل علي «عليه السلام» لأخيه مرحب اليهودي، و حقد على أمير المؤمنين «عليه السلام» بسبب ذلك، و اعتبر ذلك ذنبا له «عليه الصلاة و السلام» .

موقع عثمان هو الأنسب:

و لعل أنسب ما في هذه الرواية إعطاء عثمان بن عفان مهمة حراسة منازل النساء، و أثقال العسكر، و هو الموضع الذي يحمل إليه المجروحون للتداوي. . لأنه أكثر المواضع أمنا، و أبعدها عن الخطر.

و قد كان عثمان-فيما يبدو-بحاجة إلى هذا الأمن، فقد أظهر ما جرى له في واقعة أحد: أنه لا يقدر على مواجهة الأهوال، أو ملاقاة الرجال. حيث إن فزعته-الشهيرة-في أحد جعلته يهرب في الهضاب و الشعاب، و لا

يعود إلا بعد ثلاثة أيام، حتى قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لقد ذهبت بها عريضة (1).

عمر يأمر بضرب عنق شخص:

و قد صرحت الرواية المتقدمة أيضا: بأن عمر بن الخطاب حين مناوبته في حراسة العسكر قد أتي بيهودي، فأمر بضرب عنقه. .

و سؤالنا هو:

أولا: لماذا يأمر غيره بضرب عنق ذلك اليهودي، و لا يبادر هو إلى ذلك؟ ! أم أنه يريد أن يجد من يشاركه في هذا الفعل، ليكون اللوم عليه


1) راجع: تفسير المنار ج 4 ص 191 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 244 و فتح القدير ج 1 ص 392 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414 و تفسير التبيان ج 3 ص 26 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 203 و الإرشاد للشيخ المفيد ص 50 و البحار ج 20 ص 84 و البداية و النهاية ج 4 ص 28 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 عن الواقدي، لكن مغازي الواقدي المطبوع لم يصرح بالأسماء بل كنّى عنها في ج 1 ص 277 إلا أنه في الهامش قال: في نسخة {عمر و عثمان} و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 158 و السيرة الحلبية ج 2 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 55 و الدر المنثور ج 2 ص 88 و 89 عن ابن جرير و ابن المنذر، و ابن إسحاق. و راجع: سيرة ابن إسحاق ص 332 و جامع البيان ج 4 ص 96 و غرائب القرآن {مطبوع بهامش جامع البيان} ج 4 ص 113 و التفسير الكبير للرازي ج 9 ص 50 و 51 و أنساب الأشراف ج 1 ص 326. و راجع عن فراره يوم أحد و تخلفه يوم بدر: محاضرات الراغب ج 3 ص 184 و مسند أحمد ج 2 ص 101 و ج 1 ص 68 و الصراط المستقيم للبياضي ج 1 ص 91.

أخف؟ ! أو أنه لا يجرؤ على قتل أحد بنفسه؟ !

ثانيا: كيف يجوز أن يأمر بضرب عنق ذلك اليهودي من دون استجازة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! بل حتى من دون أن يعلمه بأمره؟ !

و هل للحارس أن يتولى ضرب أعناق الناس الذين يجدهم في نوبة حراسته؟ ! من دون مراجعة؟ !

و كيف لا يرجع أمره إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فلعل له فيه رأيا آخر و سياسة أخرى.

و هذا العمل هل يتوافق مع قوله تعالى: لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ؟ ! (1).

ثالثا: كيف يأمر بضرب عنق الرجل قبل استجوابه، و معرفة نواياه، و الذي جاء به، و ما يحمل من معلومات تفيد المسلمين في حربهم؟ ! فلعل الأمور كانت تسير في غير الاتجاه الذي ظنه. .

رابعا: إن رواية الواقدي تقول: إن الذي أخذ ذلك العين هو عباد بن بشر، و ليس عمر بن الخطاب، فجاء به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر.

فتدخل عمر و قال: اضرب عنقه.

قال عباد: جعلت له الأمان الخ. . (2).


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 641.

و في جميع الأحوال نقول:

لا ندري لماذا يتدخل عمر، و يصدر الأوامر بهذه الطريقة، فلو أنهم أطاعوه في أوامر كهذه، فهل سيرضي ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

يضاف إلى ذلك: أننا قد ذكرنا في أواخر غزوة أحد: أن عمر كان يطلب ضرب عنق هذا و ذاك في موارد و مناسبات مختلفة، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرفض ذلك. كما أنه قد طلب من عدد من الصحابة أن يبادروا إلى قتل بعض الناس، و كانوا يرفضون قبول ذلك منه، كما كان الحال بالنسبة لأبي جندل، الذي كان يحثه عمر، على قتل أبيه في الحديبية. فرفض أبو جندل ذلك.

فلماذا يصر عمر على مثل هذا الأمر في المواضع المختلفة؟ !

و لماذا لا يبادر هو إلى قتل هذا و ذاك ممن يصدر الأوامر لغيره بقتلهم؟ ! و لماذا؟ ! و لماذا؟ !

لا يعرف المنجنيق إلا هذا اليهودي:

و قد زعمت الرواية المتقدمة: أنه كان في حصن الصعب موضع فيه منجنيق، و دبابات، و دروع، و سيوف. و أنه لا يعرف ذلك الموضع إلا ذلك اليهودي الأسير.

و نقول:

إن كان ذلك اليهودي هو الذي وضع تلك الأسلحة في ذلك الموضع، دون علم أحد، لأن اليهود كلفوه بذلك أو لأن تلك الأسلحة كانت ملكا خاصا به، فمن الطبيعي أن لا يعرفها أحد سواه. .

و أما إذا كانت هذه الأسلحة قد هيأها أهل الحصن للدفاع بها عن حصنهم، فاللازم هو: أن يعرف زعماء اليهود، و القيمون على أمر الحرب بالموضع الذي وضعت فيه، ليستفيدوا منها حين تعرض الحاجة، إذ لا يعقل أن يكونوا قد نسوا هذه الأسلحة، أو نسوا موضعها. .

و في جميع الأحوال نقول:

لم يكن هذا اليهودي هو الزعيم الأوحد لليهود كلهم، و لا ملّكوه أسرار حصونهم، و لم يجعلوا أسلحتهم تحت سلطته، ليتولى هو تغييبها عنهم و عن غيرهم.

لماذا خص النبي صلّى اللّه عليه و آله ابن مسلمة بخطابه؟ !

و قد ذكرت الرواية المتقدمة أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال لمحمد بن مسلمة: لأعطين الراية إلى رجل يحب اللّه و رسوله، و يحبانه.

غير أننا نقول:

أولا: لا بد أن نسأل من جديد: لماذا يتم توجيه الخطاب لمحمد بن مسلمة دون سواه؟ ! فهل هو بهدف التعريض به لأنه كان قد فرّ في تلك الأيام السبعة، التي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخرجه فيها إلى القتال. . حتى صح أن يطلق عليه اسم فرّار؟ !

و لماذا وعده بأن يمكنه اللّه تعالى من قاتل أخيه، مع أن ابن مسلمة نفسه لم يتمكن من ذلك طيلة تلك المدة، و ما بعدها و إلى آخر أيام حرب خيبر. . حيث إن عليا «عليه السلام» هو الذي تمكن من ذلك القاتل، و ليس ابن مسلمة. .

و لماذا يهتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل قاتل أخي ابن مسلمة، و لا يذكر من عداه من الشهداء؟ ! و لا يعلن أنه يريد من علي «عليه السلام» قتل الذين قتلوهم؟ ! . . فهل لأن قاتله هو مرحب لعنه اللّه، و هو رأس الحربة لليهود، و أعظم فرسانهم، فإذا قتل مرحب، تقع الهزيمة بهم، و يحل الفشل و الرعب فيهم؟ ! . . و يكون لذلك النصر العظيم نوع ارتباط ببني مسلمة و يكون ذلك بمثابة مكافأة لهم على خدماتهم للخليفة الثاني، من خلال محمد بن مسلمة بالذات حسبما أشرنا إليه في جزء سابق.

ثانيا: إن هذا القول: «لأعطين الراية غدا رجلا الخ. .» إنما كان بعد فتح حصون النطاة و الشق كلها، و بعد وصوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى حصن القموص-و هو أعظم حصون خيبر-و هو من حصون الكتيبة و هو آخر حصن فتح في خيبر كلها، أو قبل آخرها. .

إسهامات عمر في فتح خيبر:

و هل يمكن أن نفهم من هذه الرواية، التي جعلت أسر اليهودي في نوبة حراسة عمر: أنهم أرادوا أن يجعلوا لعمر بن الخطاب سهما كبيرا في فتح خيبر؟ ! بهدف تقليص الفارق بينه و بين علي أمير المؤمنين «عليه السلام» الذي قتل مرحبا، و فتح اللّه تعالى خيبر على يديه، و اقتلع باب الحصن، و اتخذه ترسا. رغم عجز عشرات الأشخاص من حمله، أو عن إعادته إلى موضعه؟ !

فإذا أخذ رجل في نوبة حراسة عمر، و أدلى ذلك الرجل بمعلومات تؤدي إلى فتح أحد حصون خيبر، فلربما يفيد ذلك في إعادة رذاذ من ماء

الوجه الذي أريق في فرار عمر المتعاقب و كذلك فرار أبي بكر، و غير هما. حتى صح أن تستعمل في حقهما صيغة المبالغة و هي كلمة: «فرّار» {أي كثير الفرار} في مقابل «الكرّار» {أي كثير الكر} . و هو علي «عليه السلام» دون سواه. .

قتل مرحب في القموص لا في الصعب:

و قد فهم من الرواية المتقدمة: أن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله الخ. .» كان في حصون النطاة، و بالذات في الحصن الصعب، مما يعني: أن فرار عمر و أبي بكر، و غيرهما، و انهزامهم، و هم يجبّنون أصحابهم و يجبّنهم أصحابهم، قد كان في هذا الحصن بالذات.

مع أن كلمة المؤرخين متفقة و النصوص متضافرة، و الروايات متواترة في أن محمود بن مسلمة قد قتل في حصن ناعم، و أن فرار عمر و أبي بكر و مبارزة مرحب و قتله على يد علي «عليه السلام» ، ثم قلع باب الحصن، إنما كان في حصن القموص. و ذلك بعد فتح حصون النطاة، و حصون الشق كلها، بل إن القموص آخر حصون خيبر فتحا، أو قبل آخرها.

إلا أن يقال: إن مراد الرواية هو وصف الحصن بأنه صعب و لذلك أدخل الألف و اللام على كلمة الحصن، و ليس المراد الحصن المسمى بحصن الصعب بن معاذ.

و هذا يبقى مجرد احتمال، و لكنه احتمال ليس بالقوي.

حصون الشق:

قد ذكر الصالحي الشامي تبعا لغيره:

أنه لما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من النطاة تحول إلى الشق.

و قد روى البيهقي، عن محمد بن عمر، عن شيوخه، قالوا: لما تحول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الشق، و به حصون ذوات عدد، كان أول حصن بدأ به حصن أبي، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قلعة يقال لها: سموان، فقاتل عليها أهل الحصن، قتالا شديدا.

و خرج رجل من يهود يقال له: غزول، فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاقتتلا، فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب، فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزول، فبادر راجعا منهزما إلى الحصن، فتبعه الحباب، فقطع عرقوبه، فوقع فذفف عليه.

فخرج آخر، فصاح: من يبارز؟

فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش، فقتل الجحشي.

و قام مكانه يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، و قد عصب رأسه بعصابته الحمراء، فوق المغفر، يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه، فقطع رجله، ثم ذفف عليه، و أخذ سلبه، درعه و سيفه، فجاء به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنفله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك.

و أحجم اليهود عن البراز، فكبر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه: أثاثا، و متاعا، و غنما، و طعاما.

و هرب من كان فيه من المقاتلة، و تقحموا الجدر، كأنهم الظباء، حتى صاروا إلى حصن النزار بالشق.

و جعل يأتي من بقي من فلّ النطاة إلى حصن النزال-و في الحلبية: يقال له: حصن البريء، و هو الحصن الثاني من حصني الشق-فغلقوه، و امتنعوا فيه أشد الامتناع.

و زحف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم في أصحابه، فقاتلهم، فكانوا أشد أهل الشق رميا للمسلمين بالنبل و الحجارة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معهم، حتى أصابت النبل ثياب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و علقت به.

فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» النبل فجمعها، ثم أخذ لهم كفا من حصى، فحصب به حصنهم، فرجف الحصن بهم، ثم ساخ في الأرض، حتى جاء المسلمون، فأخذوا أهله أخذا (1).

و نقول:

إننا نشير إلى ما يلي:

1-لا ندري إلى أي حد كان أولئك الذين يطلبون البراز بين الصفين مغرورين بأنفسهم، و واثقين بقوتهم! ! خصوصا إذا كنا مقتنعين، بأن الدافع الديني لم يكن هو المؤثر في اندفاعهم إلى الحرب، و لا في اتخاذ القرار بشأنها.

و لعلنا نستطيع أن نؤكد: أن حب الدنيا، و حب الشهرة فيها، جعلهم عاجزين عن تقييم الأمور بصورة منصفة و موضوعية، و سد عليهم باب التعقل، و التدبر، و الإنصاف، حتى لأنفسهم، فكيف ينصفون غيرهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 123 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 224 و المغازي للواقدي ج 2 ص 667 و 668 و السيرة الحلبية ج 3 ص 40.

إن من يريد أن ينال بقتل الناس مجدا و شهرة، و أن يتلذذ بهذا المجد و بتلك الشهرة لا يملك أدنى حد من الشعور و الوجدان الإنساني. .

و غني عن البيان: أن صدود هؤلاء عن قبول الحق بعد وضوحه لهم يثبت بصورة قاطعة: أن أحدا لا يطلب الجنة بقتاله، و لا يسعى لتنفيذ أمر إلهي يخشى العقوبة على مخالفته. .

2-و تعود الروايات المتقدمة للحديث عن الحباب بن المنذر من جديد، لتجعل له حصة في فتح هذا الحصن أيضا، و قد قدمنا عن قريب بعض ما يفيد في تلمّس الإشارات التي تعطي الانطباع عن حقيقة دوافع هؤلاء لنسبة مواقف و إنجازات لأناس لا يستحقونها في أنفسهم، و إنما تأتي على شكل مكافآت لهم على مواقف اتخذوها، أو نهج اتبعوه، أو أيدوه. .

3-و عن تبختر أبي دجانة نقول: قد مر الحديث عن تبختر علي «عليه السلام» في غزوة الخندق، حينما قتل عمرو بن عبد ود، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن لكل الناس حينئذ: أنها مشية يبغضها اللّه تعالى إلا في هذا الموضع، الذي يطلب فيه إرهاب العدو، و إضعاف شوكته، و الحد من ميله للحرب، فإن ذلك يفيد في حفظ أرواح المسلمين، و دفع و يلات الحرب عنهم، فلعل اللّه سبحانه يقبل بقلوب هؤلاء الجاحدين، أو بقلوب من يلوذ بهم إلى الإسلام و الإيمان، فيما لو أدركوا رعايته تعالى لمسيرة الإيمان، حيث يجد اليأس سبيله إلى قلوبهم من أن يستطيع باطلهم أن يتماسك أمام سطوة الحق و أهله. .

4-و الغريب هنا: أن الرواية المتقدمة: تذكر أنهم حين اقتحموا الحصن كان أبو دجانة يقدمهم، و لا ندري أيضا أين كان أسد اللّه و أسد رسوله

الغالب، الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، الذي هو صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد؟ !

إذ يبدو لنا: أن هؤلاء قد انتهزوا فرصة الإشاعة الباطلة عن أنه «عليه السلام» كان مبتلى بالرمد، و أن التحاقه بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر قد تأخر إلى أيام حصن القموص، و نسوا: أن ذلك قد ثبت بطلانه، و زيفه.

حيث سيأتي إثبات رمد عينيه «عليه السلام» إنما اتفق له في آخر أيام حصار حصن القموص، حيث قتل مرحب. .

و سيأتي: أنه لو صح ذلك لم يكن «عليه السلام» هو صاحب لوائه «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر و في كل مشهد. .

و يضاف إلى ذلك: أنه إذا كان حصاره «صلى اللّه عليه و آله» لحصن القموص الذي قتل علي «عليه السلام» فيه مرحبا قد دام عشرين ليلة، فإن رمد عيني علي «عليه السلام» لم يستمر كل هذه المدة الطويلة. .

و سيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه. .

و علينا ألاّ ننسى أن رمد علي «عليه السلام» ، قد كان من ألطاف اللّه تعالى، فإنه تعالى قد صنع له ذلك، لكي يفرّ أولئك الناس مرة بعد أخرى، و يظهر للناس من هو الفرّار، و من هو الكرّار. .

5-و أما بالنسبة لارتجاف الحصن، و أنه ساخ في الأرض لما حصبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بكف من حصى. فهي إذا ثبتت تكون معجزة عظيمة للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد كان المفروض باليهود بعد حصول هذا الأمر العظيم: أن يستسلموا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يؤمنوا به.

إذ لا يعقل: أن يستمروا على العناد و الجحود، و هم يرون هذا العذاب الأليم يحيق بإخوانهم الذين كانوا في ذلك الحصن.

6-إنه إذا صحت هذه الحادثة فلا بد أن يزيد يقين أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تتأكد صلابتهم في مواجهة أعداء اللّه تعالى، فلا يفرون في تلك الحرب مرة بعد أخرى، حتى وصفهم «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم فرّارون. .

7-لا ندري الحكمة في جمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» للنبال التي رماهم اليهود بها. . و نحن نرتاب أيضا في صحة الرواية التي ذكرت ذلك.

ماذا عن فتح حصن النزار؟ !

و قد رووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نظر إلى حصن النزار، فقال: هذا آخر حصون خيبر كان فيه قتال. .

فلما فتحنا هذا الحصن لم يكن بعده قتال، حتى خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر.

و نقول:

لا شك: في أن عليا «عليه السلام» قد قتل مرحبا و ياسرا في حصن القموص، و هو من حصون الكتيبة، و إنما انتقل إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد فراغه من حصون النطاة و الشق.

فما معنى قولهم: إنه لم يحصل قتال بعد حصن النزار؟ ! لا سيما و أن أبا بكر و عمر، و سواهما قد أخذوا الراية في حصن القموص، و رجعوا و لم يكن فتح-كما تصرح به الروايات-.

و يمكن أن يجاب: بأن المقصود: أن أبا بكر و عمر و سواهما، و إن أخذوا الراية و الجيش، و توجهوا نحو الحصن، و لكنهم بمجرد أن رأوا مرحبا و اليهود فروا خوفا و رعبا، و صاروا يجبّنون أصحابهم، و يجبّنهم أصحابهم. .

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل المسلمين مع علي «عليه السلام» ، فهربوا عنه، و تركوه وحده، فقتل مرحبا، و سائر الفرسان، و لم يكن قتال إلا ذلك. .

و هذا يوجب الشك: في أن يكون الزبير أو محمد بن مسلمة قد قتل أحدا من الفرسان أيضا. .

و لأجل ذلك: صرحت الروايات و النصوص: بأن فتح حصون الكتيبة قد كان بيد علي «عليه السلام» وحده. و لا صحة لما زعموه: من حرب و قتال لأحد سواه «عليه السلام» .

و لعل هذا يفسر لنا أيضا ما سيأتي: من أن الكتيبة و الوطيح و سلالم كانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . بالإضافة إلى فدك. .

صفية في حصن النزار:

و قد ذكروا هنا أيضا: أن صفية بنت حيي، و ابنة عمها قد أخذتا من حصن النزار، و ذلك لأن اليهود أخرجوا النساء و الذرية إلى الكتيبة، و فرغوا حصن النطاة للمقاتلة.

و لكن كنانة بن الحقيق قد رأى أن حصن النزار أحصن ما هنالك،

فأبقاها فيه، هي و نسيبات معها؛ فأسرت تلك النسوة في حصن النزار (1).

و نقول:

إن هناك نصوصا كثيرة تقول: إن عليا «عليه السلام» هو الذي فتح الحصن، و جاء بصفية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

فإن كانت صفية قد سبيت في حصن النزار، فذلك يعني: أن عليا «عليه السلام» : هو الذي فتح هذا الحصن أيضا، كما فتح حصن القموص، و ذلك يدل على وجود تصرف خطير في الحقائق التاريخية، و محاولة تحريف خطيرة لها. .

يضاف إلى ذلك: أن هذا النص يفيد: أن رمد عيني علي «عليه السلام» الذي هيأ الفرصة لأخذ أبي بكر و عمر و غيرهما الراية في حصن القموص، و فرارهما-إن رمد عينيه «عليه السلام» هذا-قد كان بعد فتح حصن النزار، و في أيام حصار حصن القموص، الذي استمر عشرين ليلة، كما سيأتي. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 668 و 669.

2) قد ذكرنا مصادر ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب، و راجع: البحار ج 21 ص 22 و عن الخصائص للنسائي ص 63 و في هامشه عن أعلام النساء ج 2 ص 333 و أسد الغابة ج 5 ص 490 و الدر المنثور ج 1 ص 263.

الباب السادس: فتح خيبر

اشارة

الفصل الأول: المنهزمون الفاشلون الفصل الثاني: وقفات لابد منها الفصل الثالث: قتل مرحب. . أحداث و تفاصيل الفصل الرابع: قلع باب خيبر. . أحداث و تفاصيل

الفصل الأول: المنهزمون الفاشلون

اشارة

بداية:

إننا نستميح القارئ عذرا إذا رأى-في هذا الفصل بالخصوص-أن ثمة تبدلا في طريقة العرض و المناقشة، حيث آثرنا: أن نقدم في البداية عرضا لطائفة كبيرة من النصوص. . ثم ألحقناها ببعض ما اقتضته الحال من مناقشات لبعضها، و توضيحات لبعضها الآخر، بالإضافة إلى ملاحظات، أو استفادات رأينا أن من المفيد الإلماح إليها، و الوقوف عندها، في نطاق عرض الأحداث التي سجلوها على أنها سيرة و تاريخ. .

و سوف نقتصر على أقل القليل من ذلك، حرصا منا على عدم إرهاق القارئ بالجزئيات و التفاصيل، فنقول، و نتوكل على خير مأمول، و أكرم مسؤول:

القموص أعظم حصون خيبر:

قالوا: لقد كان بخيبر أربعة عشر ألف يهودي في حصونهم، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفتحها حصنا حصنا، و كان من أشد حصونهم، و أكثرها رجالا القموص (1).


1) البحار ج 21 ص 21 عن إعلام الورى ج 1 ص 207.

و قالوا أيضا: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حصون النطاة، و الشق، انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة.

و هي: القموص، و الوطيح، و السلالم.

و أعظم حصونها: القموص، و كان حصنا منيعا (1). بل هو حصن خيبر الأعظم (2).

قال ابن وهب: قلت لمالك: و ما الكتيبة؟ !

قال: من أرض خيبر، و هي أربعون ألف عذق (3).

حصار القموص:

و قد فتح اللّه هذا الحصن العظيم على يد علي «عليه السلام» ، بعد أن حاصره المسلمون عشرين ليلة (4).

و ذكر موسى بن عقبة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حاصره


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و المغازي للواقدي ج 2 ص 670 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 376.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 2 ص 522.

3) إمتاع الأسماع ص 319 و 320 و راجع: سنن أبي داود ج 2 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 318 و عون المعبود ج 8 ص 175 و نصب الراية للزيعلي ج 4 ص 253 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 229 و عن عيون الأثر ج 2 ص 142 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 383 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 152.

4) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 41 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124.

قريبا من عشرين ليلة. و كانت أرضا و خمة.

و قال الواقدي: «و بالكتيبة من اليهود، و من نسائهم، و ذراريهم أكثر من ألفين.

فلما صالح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهل الكتيبة أمن الرجال و الذرية، و دفعوا إليه الأموال: البيضاء و الصفراء، و الحلقة، و الثياب إلا ثوبا على إنسان» (1).

ثم ذكر: أن فلول النطاة و الشق جاءتهم إلى الكتيبة، و الوطيح و سلالم، فتحصنوا معهم في القموص أشد التحصين مغلقين عليهم لا يبرزون، حتى هم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يرميهم بالمنجنيق (2).

رعب اليهود:

و يذكر الواقدي أيضا: أن كنانة ابن أبي الحقيق كان راميا، يرمي بثلاثة أسهم في ثلاث مائة ذراع، فيدخلها في هدف شبرا في شبر. فما هو إلا أن قيل له: هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أقبل من الشق في أصحابه، و قد تهيأ أهل القموص، و قاموا على باب الحصن بالنبل. . فنهض كنانة إلى قوسه، فلم يستطع أن يوترها لشدة الرعدة التي انتابته. .

ثم ذكروا: أنه أرسل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلتقيه. . و يكلمه في الصلح. . فوقع الصلح بينهما كما سيأتي (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 669 و إمتاع الأسماع ص 319.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 670.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 670.

و نقول:

لعل هذا النص يريد أن يقول:

إن الصلح كان على بقية حصون الكتيبة، أما حصن القموص فقد فتحه علي «عليه السلام» وحده، كما هو صريح كلمات المؤرخين و رواياتهم.

رايات الفاشلين:

و روى الشيخان، عن سهل بن سعد.

و البخاري، و ابن أبي أسامة، و أبو نعيم، عن سلمة بن الأكوع.

و أبو نعيم، و البيهقي، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه.

و أبو نعيم، عن ابن عمر، و سعد بن أبي وقاص، و أبي سعيد الخدري، و عمران بن حصين، و جابر بن عبد اللّه، و أبي ليلى.

و مسلم، و البيهقي، عن أبي هريرة.

و أحمد، و أبو يعلى، و البيهقي، عن علي «عليه السلام» .

قال بريدة: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تأخذه الشقيقة، فيمكث اليوم و اليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، فأرسل أبا بكر، فأخذ راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» - و كانت بيضاء (1)-ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع، و لم يكن فتح. و قد


1) الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و الإرشاد للمفيد {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 121 و راجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 1 ص 147 و العمدة لابن البطريق ص 150 عن تفسير الثعالبي، و الطرائف لابن طاووس ص 58 و إحقاق الحق ج 5 ص 373 و مسند أحمد ج 5 ص 358 و المناقب للخوارزمي {ط النجف} ص 103 و في {طبعة أخرى} ص 167 و البحار ج 21 ص 3 و ج 39 ص 10 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 139 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 37 و عن فتح الباري ج 10 ص 129 و مجمع البيان ج 9 ص 201 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 156 و تفسير الميزان ج 18 ص 295 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 300 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 213 و نهج الإيمان لابن جبر ص 322 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 354 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124.

جهد {و قتل محمود بن مسلمة} (1).

ثم أرسل عمر، فأخذ راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، و لم يكن فتح.

و في حديث عن علي «عليه السلام» عند البيهقي: أن الغلبة كانت لليهود في هذين اليومين (2). انتهى.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عمر في اليوم الأول، ثم أرسل أبا بكر في اليوم الثاني، ثم أرسل عمر في اليوم الثالث، و لم يكن


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها عن البيهقي، و راجع ما تقدم من مصادر في الإحالة السابقة. غير أننا ذكرنا فيما تقدم: أن محمود بن مسلمة قد قتل في حصن ناعم.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 فما بعدها و دلائل النبوة ج 4 ص 209 و السيرة الحلبية ج 3 ص 41 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 30 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و معالم التنزيل {ط مصر} ج 4 ص 156 و تذكرة الخواص ص 25 و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 128 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48.

فتح (1).

و في نص آخر عن بريدة: حاصرنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف و لم يفتح له، ثم أخذه عمر من الغد، فخرج و رجع، و لم يفتح له. و أصاب الناس يومئذ شدة جهد، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني دافع اللواء الخ. . (2).

و عند الطبري: فانكشف عمر و أصحابه، فرجعوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يجبّنه أصحابه و يجبّنهم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية-اللواء-غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يجبه اللّه و رسوله.

فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر، و عمر، فدعا عليا «عليه السلام» الخ. . (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و راجع: مناقب أهل البيت للشيرواني ص 141.

2) مسند أحمد ج 5 ص 353 و راجع: الخصائص للنسائي {ط التقدم بمصر} ص 5 و السيرة النبوية لابن هشام {المطبعة الخيرية بمصر} ج 3 ص 175 و أسد الغابة ج 4 ص 334 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 494 و العمدة لابن البطريق ص 140 و الطرائف لابن طاووس ص 55 و البحار ج 32 ص 133 و ج 39 ص 7 و مجمع الزوائد ج 7 ص 150 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 109 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 92 و 93 و البداية و النهاية ج 7 ص 373 و نهج الإيمان لابن جبر ص 318 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 1 ص 155.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 127 و 128 و لم يذكروا غير عمر في هذا النص، و كذا في الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185-188 و الإرشاد للمفيد {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 126 و البحار ج 21 ص 28 عن الخرايج و الجرايح و راجع ص 3 و ج 39 ص 10، و راجع: العمدة لابن البطريق ص 150 و الطرائف لابن طاووس ص 58 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 9 ص 201 و خصائص الوحي لابن البطريق ص 156 و تفسير الميزان ج 18 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 93 و نهج الإيمان لابن جبر ص 322.

و عن أبي ليلى، و عن ابن عباس: بعث أبا بكر فسار بالناس، فانهزم حتى رجع إليه، و بعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الخ. . (1).

زاد بعضهم قوله: ثم بعث رجلا من الأنصار فقاتل و رجع، و لم يكن فتح (2).

فأخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه عليه، ليس بفرار، يحب اللّه و رسوله، يأخذها عنوة» .

و في لفظ: «يفتح اللّه على يديه» .

قال بريدة: فبتنا طيبة أنفسنا أن يفتح غدا، و بات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها.


1) منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 5 ص 44 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و راجع: مناقب ابن شهر آشوب ج 2 ص 318 و البحار ج 3 ص 525 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 37 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 497 و ج 8 ص 522 و كنز العمال ج 13 ص 121.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و المغازي للواقدي ج 2 ص 654.

فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلهم يرجو أن يعطاها.

قال أبو هريرة: قال عمر: فما أحببت الإمارة قط حتى كان يومئذ (1).

قال بريدة: فما منا رجل له من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منزلة إلا و هو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها، و رفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، و ليس منة (2).

و في حديث سلمة، و جابر: و كان علي تخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرمد شديد كان به لا يبصر، فلما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا، أنا أتخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! !

فخرج فلحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الطريق، أو بعد وصوله إلى خيبر (3).

ثم ذكر البخاري و غيره، قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية غدا. .

إلى أن قال: فنحن نرجوها، فقيل: هذا علي، فأعطاه، ففتح عليه (4).


1) ستأتي مصادر كثيرة لهذا الحديث إن شاء اللّه تعالى.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 128 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 463 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 212 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 354 و مصادر أخرى كثيرة.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و راجع: صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و راجع ص 23.

4) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171.

و في نص آخر: فإذا نحن بعلي، و ما نرجوه، فقالوا: هذا علي الخ. . (1).

قال بريدة: و جاء علي «عليه السلام» حتى أناخ قريبا، و هو رمد، قد عصب عينية بشق برد قطري.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما لك؟

قال «عليه السلام» : رمدت بعدك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ادن مني.

فدنا منه، ثم ذكر أنه أعطاه الراية، فنهض بها معه، و عليه حلة أرجوان حمراء، قد أخرج خملها، فأتى خيبر الخ. . (2).

و في نص آخر: قال بريدة: فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى الغداة، ثم دعا باللواء، و قام قائما.

قال ابن شهاب: فوعظ الناس، ثم قال: «أين علي» ؟

قالوا: يشتكي عينيه.

قال: «فأرسلوا إليه» .

قال سلمة: فجئت به أقوده، قالوا كلهم: فأتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما لك» ؟


1) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 23 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 301 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 156 و المناقب للخوارزمي ص 168 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 355 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 2 ص 220.

قال: رمدت حتى لا أبصر ما قدامي.

قال: «ادن مني» .

و في حديث علي عند الحاكم: فوضع رأسي عند حجره، ثم بزق في ألية يده، فدلك بها عيني.

قالوا: فبرئ، كأن لم يكن به وجع قط، فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله، و دعا له، و أعطاه الراية (1).


1) راجع هذه الكرامة الجليلة في المصادر التالية: منتخب كنز العمال {مطبوع مع مسند أحمد} ج 4 ص 127 و 128 و الصواعق المحرقة {ط الميمنية} ص 74 و حياة الحيوان {مطبعة الشرفية بالقاهرة} ج 1 ص 237 و مشكاة المصابيح {ط دهلي} ص 564 و الإصابة ج 2 ص 502 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 107 و مناقب الإمام علي لابن المغازلي {ط المكتبة الإسلامية} ص 176 و مصابيح السنة {ط الخيرية بمصر} ج 2 ص 201 و الإستيعاب {مع الإصابة} ج 3 ص 366 و معالم التنزيل ج 4 ص 156 و الشفاء {ط مصر} ج 2 ص 272 و جامع الأصول ج 9 ص 469 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 258 و كفاية الطالب ص 130 و 116 و 118 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 فما بعدها و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 2 ص 188 و ج 1 ص 50 و صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و صحيح مسلم ج 5 ص 195 و ج 7 ص 120 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و 353 و 358 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 638 و الخصائص للنسائي {مطبعة التقدم بمصر} ص 4 و 5 و 6 و 7 و السيرة النبوية لابن هشام {المطبعة الخيرية بمصر} ج 3 ص 175 و طبقات ابن سعد {مطبعة الثقافة الإسلامية} ج 3 ص 157 و المعجم الصغير ص 163 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 38 و 108 و 116 و راجع ص 125 و لباب التأويل ج 4 ص 152 و 153 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و 49 و البحار ج 21 ص 29 عن الخرايج و الجرايح، و معارج النبوة ص 219 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 فما بعدها و تاريخ الخلفاء {ط مطبعة السعادة} ص 168 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و تذكرة الخواص ص 24 و 25 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 2 ص 219 و 220 و أسد الغابة ج 4 ص 21 و 25 و 28 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و 122 و مصادر كثيرة أخرى.

و ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل سلمة بن الأكوع إلى علي «عليه السلام» ، فجاء يقوده و هو أرمد (1).

قال سهل: فقال علي: يا رسول اللّه، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟

فقال: «أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه تعالى، و حق رسوله. فو اللّه، لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (2).


1) صحيح مسلم ج 5 ص 195 و مسند أحمد ج 4 ص 54 و طبقات ابن سعد {مطبعة الثقافة الإسلامية} ج 3 ص 157 و مناقب آل أبي طالب لابن المغازلي {ط المكتبة الإسلامية} ص 176 و معالم التنزيل ج 4 ص 156 و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 130 و حياة الحيوان {مطبعة الشرفية بالقاهرة} ج 1 ص 237 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185-187 و لباب التأويل للخازن ج 4 ص 152 و 153.

2) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و صحيح مسلم ج 7 ص 21 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و الخصائص للنسائي ص 6 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و السنن الكبرى ج 9 ص 107 و تذكرة الخواص ص 24 و أسد الغابة ج 4 ص 28 و مشكاة المصابيح {ط دهلي} ص 564 و البداية و النهاية ج 4

و قال أبو هريرة: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي: «اذهب فقاتلهم حتى يفتح اللّه عليك، و لا تلتفت» .

قال: علام أقاتل الناس؟

قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه» .

فخرجوا، فخرج بها-و اللّه يأيح-يهرول هرولة، و إنّا لخلفه نتبع أثره. حتى ركزها تحت الحصن.

فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟

قال: علي.

أو قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال اليهودي: غلبتهم {أو علوتم} ، و الذي أنزل التوراة على موسى. فما رجع حتى فتح اللّه تعالى على يديه (1).

(2) ص 184 فما بعدها و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و راجع: الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 2 ص 184 و 188.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و 125 و الأنس الجليل {ط الوهبية} ص 179 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و 36 و 37 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 175 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و الإكتفاء للكلاعي {ط مكتبة الخانجي} ج 2 ص 258 و الكامل {ط دار صادر} ج 2 ص 220 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 فما بعدها، و ذخائر العقبى ص 184-188 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252 و تاريخ الخميس ج 2 ص 49 و البحار ج 21 ص 16.

و عن حذيفة: «لما تهيأ علي «عليه السلام» للحملة، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«يا علي، و الذي نفسي بيده، إن معك من لا يخذلك. هذا جبريل «عليه السلام» عن يمينك، بيده سيف لو ضرب الجبال لقطعها، فاستبشر بالرضوان و الجنة.

يا علي: إنك سيد العرب، و أنا سيد ولد آدم» .

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ألبسه درعه الحديد (1)، و شد ذا الفقار في وسطه، و أعطاه الراية، و وجّهه إلى الحصن.

فقال علي «عليه السلام» : يا رسول اللّه، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ الخ. . (2).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 49 و راجع: تحف العقول ص 346 و عن عون المعبود ج 8 ص 172 و السيرة الحلبية.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و تاريخ الخميس ج 2 ص 49 و راجع: شرح اللمعة للشهيد الثاني ج 7 ص 152 و زبدة البيان للأردبيلي ص 12 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 136 و ج 12 ص 494 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 507 و 508 و عن الإحتجاج ج 1 ص 167 و العمدة ص 142 و 146 و 148 و 149 و 157 و الطرائف لابن طاووس ص 56 و عن ذخائر العقبى ص 73 و البحار ج 21 ص 3 و ج 39 ص 8 و 12 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 287 و 288 و مناقب أهل البيت ص 137 و الغدير ج 2 ص 41 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 10 و أضواء على الصحيحين للنجمي ص 341 و فضائل الصحابة ص 166 و عن مستدرك أحمد ج 5 ص 333 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 20 و 207 و ج 5 ص 77 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 122 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 107 و عن فتح الباري لابن حجر ج 7 ص 366 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 46 و 110 و 137 و عن الخصائص للنسائي ص 56 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 207 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 378 و المعجم الكبير ج 6 ص 152 و 198 و رياض الصالحين ص 145 و نظم درر السمطين ص 99 و فيض القدير ج 6 ص 465 و مجمع البيان للطبرسي ج 9 ص 201 و تفسير الميزان ج 18 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 86 و 88 و أسد الغابة ج 4 ص 28 و عن الإصابة لابن حجر ج 1 ص 38 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 211 و بشارة المصطفى ص 297 و نهج الإيمان لابن جبر ص 320 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 351 و جواهر المطالب ج 1 ص 177 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 125 و ينابيع المودة ج 1 ص 153 و معجم النورين للمرندي ص 242.

فخرج علي بها، و هو يهرول» (1).

و في نص آخر: أركبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر، و عممه بيده، و ألبسه ثيابه، و أركبه بغلته، ثم قال له: «امض يا علي، و جبرئيل عن يمينك، و ميكائيل عن يسارك، و عزرائيل أمامك، و إسرافيل


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و راجع: الأربعون حديثا لابن بابويه ص 56 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 2 ص 128 و العمدة ص 153 و الطرائف لابن طاووس ص 57 و البحار ج 39 ص 9 و ج 72 ص 33 و بغية الباحث ص 218 و المعجم الكبير ج 7 ص 35 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 13 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 89 و 90 و الجواهر في نسب علي و آله للبري ص 70 و البداية النهاية ج 4 ص 112 و ج 7 ص 373 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 798 و الجمل للمفيد ص 196 و مصادر كثيرة أخرى.

وراءك، و نصر اللّه فوقك، و دعائي خلفك» (1).

رايتان أم ثلاث؟ !

و قد ذكر في بعض النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أبا بكر، فرجع منهزما، ثم أرسل عمر، فرجع منهزما أيضا. .

و بعضها اقتصرت على عمر. .

و بعضها ذكر: أنه أرسل عمر مرتين، مرة قبل أبي بكر، و مرة بعده.

لكن الذي لفت نظرنا هو: إضافة راية ثالثة لرجل من الأنصار، و أنه رجع منهزما أيضا (2).

و الظاهر: أن المقصود بذلك هو: سعد بن عبادة، بل لقد صرح الواقدي باسمه، و بأنه قد رجع مجروحا (3).

مع أن الذي ذكرته الروايات الكثيرة، هو: هزيمة أبي بكر و عمر، و ربما اقتصرت بعض الروايات على ذكر عمر أيضا. فهل السبب في هذه الإضافة لسعد، و ربما لابن مسلمة و غيره، هو إخراج هذا الأمر عن دائرة قريش، و عن دائرة الذين استأثروا بالأمر بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لتشمل الهزيمة زعيم الأنصار، الذي نافسهم في السقيفة، فأرادوا أن ينيلوه شرف الهزيمة و الفرار الذي باؤوا به؟ !


1) راجع: البحار ج 21 ص 18 و 19 و في هامشه عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 78 و عن الإرشاد.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 653.

و إلا، فلماذا اختاروا سعد بن عبادة دون سواه لهذا الأمر؟ !

إرسال عمر مرتين:

و قد لوحظ أيضا: أن بعض النصوص تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عمر إلى اليهود مرتين، مرة قبل إرسال أبي بكر، و مرة بعده. .

و ربما يمكن تفسير ذلك أيضا: بأن عمر كان يدّعي لنفسه الشدة و الصلابة، و يظهر ذلك للناس، حتى إنه يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل هذا، و بقلع ثنايا ذاك، و يصر على قتل الأسرى في بدر. . و على القتال في الحديبية. . و. . و. .

فكأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يظهر: أن هذا كله لم يكن لأجل شجاعة فيه، بل هو لأمور أخرى. .

و الشاهد على ذلك: هذا الذي جرى في خيبر، فإن أمكن لعمر أن يتعلل بشيء في هزيمته في اليوم الأول، فبأي شيء يعتذر أو يتعلل في اليوم الثاني؟ !

ثم إن إرسال أبي بكر، و غيره، قد جاء ليؤكد على: أن هذا السنخ من الناس ليس هو الذي يفتح اللّه تعالى على يده الحصون، و يقرّ بقلع أبوابها العيون. .

بل الذي يقوم بهذه المهمات الجسيمة، و الإنجازات الهائلة و العظيمة هو نوع آخر من الناس، مطمئنة نفسه، و راضية بلقاء اللّه تعالى. . كرار. . غير فرار. . لا يتمنى الإمارة لنفسه، حتى في ذلك اليوم، بل هو يرى أنه لا أحد أن يستطيع أن يمنع ما يعطيه، فيقول: «اللهم لا مانع لما أعطيت» .

أين ابن مسلمة، و الحباب، و الزبير؟ !

و يبقى أمامنا سؤال يقول: لماذا لم يعط النبي «صلى اللّه عليه و آله» الراية في اليوم الثاني لمحمد بن مسلمة، أو للحباب، أو للزبير؟ ! الذين ينسبون لهم البطولات العظيمة في خيبر، حتى ليدّعون أن ابن مسلمة هو الذي قتل مرحبا.

نعم، لماذا صرف النظر عن هؤلاء جميعا؟ ! و أطلق تعريضه بهم ليشمل وصف الفرار كل واحد منهم، بعد أن حصر وصف الكرار بعلي «عليه السلام» دون سواه؟ !

فلماذا لم يحفظ لهم ماء الوجه، لو كانوا قد ثبتوا و لم يهربوا مع الهاربين؟ !

و نحن نكاد نطمئن إلى أنهم قد أهملوا ذكر ابن مسلمة مع الفارين بالراية-كما سيأتي-لأنهم ادخروه لقتل مرحب، بدلا من علي «عليه السلام» كما سنرى. .

كتائب اليهود تهاجم الأنصار:
اشارة

و قد ذكر الواقدي، ما جرى بطريقة تشير إلى أمور يحسن لفت النظر إليها، فهو يقول ما ملخصه: إنه «صلى اللّه عليه و آله» دفع لواءه إلى أحد المهاجرين، فرجع و لم يصنع شيئا.

فدفعه إلى آخر: فكذلك.

فدفع لواء الأنصار إلى رجل منهم: فكذلك أيضا.

فحث «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين على الجهاد.

و سالت كتائب اليهود، أمامهم الحارث أبو زينب يهدّ الأرض هدا،

فأرجعهم صاحب راية الأنصار إلى الحصن.

فخرج ياسر (أو أسير)معه عاديته (1)، و كشف الأنصار حتى انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موقفه، فاشتد ذلك على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بات مهموما.

(و خرج مع ذلك سعد بن عبادة).

و كان سعد بن عبادة قد جرح، و جعل يستبطئ أصحابه، و جعل صاحب راية المهاجرين يستبطئ أصحابه، و يقول: أنتم، و أنتم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إن اليهود جاءهم الشيطان، فقال لهم: إن محمدا يقاتلكم على أموالكم، نادوهم:

قولوا: لا إله إلا اللّه، ثم قد أحرزتم أموالكم و دماءكم، و حسابكم على اللّه.

فنادوهم بذلك، فنادت اليهود: إنّا لا نفعل. و لا نترك عهد موسى و التوراة بيننا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله، و يحب اللّه و رسوله (2)، ليس بفرار (3).

أبشر يا محمد بن مسلمة، غدا إن شاء اللّه يقتل قاتل أخيك، و تولّي عادية اليهود.


1) أي معه الجماعة الذين يعدن للحرب.

2) في الإمتاع لم يذكر كلمة: «و يحب اللّه و رسوله» . فراجع ص 314.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و 654 و الإمتاع ص 313 و 314 و السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

و في نص المقريزي: «ثم خرج مرحب، فحمل على علي، و ضربه، فاتقاه بالترس، فأطن ترس علي رضي اللّه عنه، فتناول بابا كان عند الحصن، فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح اللّه عليه الحصن.

و بعث رجلا يبشر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بفتح حصن مرحب.

و يقال: إن باب الحصن جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا.

و روي من وجه ضعيف عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلا، فكان جهدهم أن أعادوا الباب الخ. .» (1).

و نقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات، نجملها على النحو التالي:

ألف: تعمد التعتيم على الحقائق:

إن أول ما يطالع من يقرأ هذه الرواية، هو تعمد التكتم على المهاجرين


1) الإمتاع ص 314 و 315 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 333 و قال في الهامش: انظر حديث فتح خيبر في تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 174 و 248 و الثاقب في المناقب ص 257 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 125 و المستجاد من الإرشاد {المجموعة} للعلامة الحلي ص 128 و البحار ج 21 ص 1 و ج 41 ص 279 و الإمام علي للهمداني ص 613 و كشف الخفاء ج 1 ص 232 و 366 و مجمع البيان ج 9 ص 202 و الميزان ج 18 ص 296 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 216 عن دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 212 و نهج الإيمان لابن جبر ص 323 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 329 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 359 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 129.

اللذين فرّا أولا، و ذلك بأساليب متعددة، منها:

1-كتمان اسميهما. . و قد جاء ذلك في نصوص أخرى أيضا.

مع ملاحظة: أن ثمة إيحاء بالتكتم على اسم الأنصاري الثالث، بالرغم من أن الراوي يتعمد التصريح أخيرا باسم سعد بن عبادة الذي جرح، حيث يظهر بوضوح أنه هو المقصود، فإنه جعله في مصاف المهاجرين اللذين فرا، و لم يصنعا شيئا.

ثم أوغل الراوي في حشد الأمارات و الدلالات عليه، حين ذكر: أن ذلك الأنصاري جعل يستبطئ أصحابه. . تماما كما جعل المهاجريان يستبطئان أصحابهما. .

2-إنه غيّر في التعابير بطريقة لا يفهم القارئ أن هؤلاء قد هربوا، فضلا عن أن يكون الهروب مخزيا. .

بل هو قد أبعد ذهن القارئ عن موضوع الفرار بصورة تامة، و يكاد لا يشير إليه، بل هو يهيء الأجواء ليفهم الناس عكس الحقيقة، إذ غاية ما يفهم من الكلام، أنهما قد بذلا جهدا، و حاربا و لم يتمكنا من فتح الحصن.

3-إنه تكتم أيضا على أمر آخر قد صرحت به الروايات، و هو: أن الهارب الأول صار يجبّن أصحابه {أي يتهمهم بأنهم جبناء} ، و يجبّنه أصحابه {أي يتهمونه هو بأنه جبان} ، فذكر الراوي هنا عوضا عن ذلك عبارة: يستبطئ أصحابه و يقول: أنتم، و أنتم. .

ب: لواء الأنصار، أم لواء النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !

و يلاحظ أيضا: أن الراوي هنا. . قد نسب اللواء الذي أخذه المهاجري

الأول، و المهاجري الثاني إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فقال: دفع لواءه إلى أحد المهاجرين. .

و لكنه: نسب اللواء الذي أعطاه للأنصاري إلى الأنصار، لا إلى رسول اللّه، فقال: «فدفع لواء الأنصار إلى رجل منهم» .

و هذا يدل: على أن فرار ذلك الأنصاري إنما كان بلواء الأنصار، لا بلواء الجيش كله. . فهو لواء لفرقة خاصة.

و أما فرار الأولين، و هما من المهاجرين، فقد كان بلواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو لواء الجيش.

فإن كان الراوي يريد إعطاء امتياز للمهاجريين {و هما أبو بكر و عمر طبعا} على ذلك الأنصاري {و هو سعد بن عبادة المنافس لهما في يوم السقيفة} . . فإنه يكون قد وقع في أمر لا يريده، و هو أمر بالغ الخطورة.

حيث أوضح: أنهما قد هربا بلواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من الواضح: أن الهزيمة لحامل لوائه «صلى اللّه عليه و آله» -و هو لواء الجيش كله-تبقى هي الأشر، و الأضر، و الأخطر، و الأمر، عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على الإسلام و المسلمين، و هي جريمة عظيمة و هائلة. .

ج: حفظ ماء وجه الأنصاري:

و يلاحظ: أن الراوي نفسه، الذي يريد أن يكرس الامتيازات للرجلين المهاجريين، بالتأكيد على فرار أحد منافسيهما، و هو ابن عبادة، قد أقر لسعد بن عبادة بأنه حقق إنجازا-مهما كان متواضعا-عجز ذانك الرجلان عن تحقيقه، حيث ذكر: أنه قد أرجع كتائب اليهود إلى الحصن، و معهم قائدهم

الحارث أبو زينب، الذي كان يهدّ الأرض هدا.

د: أين كان المهاجرون؟ !

و السؤال المحير هنا هو: لماذا يتصدى خصوص ذلك الأنصاري و الأنصار الذين كانوا معه للحارث أبي زينب، و للكتائب التي كانت معه، حتى ردّوهم إلى الحصن. و أين كان المهاجريان اللذان أخذا لواء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هربا به؟ ! ! . .

و الأغرب من ذلك: أنه بعد ما عادت كتائب اليهود مع الحارث أبي زينب إلى الحصن بجهد الأنصار فقط، قد عادت لتخرج من جديد بقيادة ياسر اليهودي، و تهاجم الأنصار، دون سواهم مرة أخرى. .

و لا ندري لماذا لا تتعرض للمهاجرين في هذه المرة. . أيضا؟ !

كما أننا لا ندري: لماذا لم يعن المهاجرون الأنصار؟ !

و لماذا تركوا اليهود يزيلون الأنصار عن مراكزهم، حتى انتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موقفه؟ !

فإن كانوا لا يحبذون إعانة الأنصار لأمر مّا كان في نفوسهم عليهم، فهل من المعقول أن يتركوا اليهود يخلصون إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في موقفه؟ !

و ماذا سيكون عذرهم لو أن اليهود تمكنوا من إلحاق الأذى به «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . .

ه: نداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في اليهود:

و قد ذكرت تلك الرواية المتقدمة أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . قد

أخبر عن مقالة الشيطان لليهود: إن محمدا يقاتلكم على أموالكم. .

و هو نداء شيطاني حقا، من شأنه أن يثير حفيظة أناس يعرف الناس كلهم: أن حبهم للمال يفوق كل حب، و المال هو هاجسهم الأول و الأخير، و يرون: أن فقدهم للمال يوازي فقدهم للحياة.

و قد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنداء يبطل تأثير مقولة الشيطان هذه، و يفقدهم ذريعة كانوا يرون أنها تكفي لتبرير طغيانهم عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

فإنه «صلى اللّه عليه و آله» أظهر في ندائه لهم: أن أموالهم، و كذلك دماؤهم ليست هدفا له «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم كل ما فعلوه معه، من نقض عهود، و من تحريض، و من تآمر، و سعي للإعداد و الاستعداد لحربه، و إنما هدفه هو: أن يعلنوا أنهم ملتزمون بتوحيد اللّه سبحانه. .

مع تقديم تعهد صريح منه «صلى اللّه عليه و آله» ، بالاكتفاء منهم بهذا الإعلان، فلا يكون هناك أي بحث عن دخائلهم، و عن مكنونات نفوسهم، و لا يتعرض للكشف عن ضمائرهم، فإن حسابهم على اللّه وحده، و ليس لأحد غيره الحق في التعرض لشيء من ذلك.

فنلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يطلب لنفسه منهم مالا، و لا سلطة، و لا سعى لمحاسبتهم على ما بدر منهم، و لا غير ذلك.

و لكن اليهود رفضوا حتى الإعلان عن الالتزام بالوحدانية، و أكدوا التزامهم بالخط الذي هم عليه، رغم ظهور الحجة، و سطوع البرهان على نبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى إنهم ليجدونه «صلى اللّه عليه و آله» ، مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، و هم يعرفونه «صلى اللّه عليه و آله» كما

يعرفون أبناءهم.

و: الصحابة يفرون حتى عن علي عليه السّلام! !

و قد صرحت الرواية: بأن الذين ذهبوا مع علي «عليه السلام» قد فروا عنه «صلوات اللّه و سلامه عليه» أيضا، و تركوه، ليواجه كتائب اليهود وحده، و كانت بقيادة الحارث أخي مرحب. فقتله علي «عليه السلام» . . و هرب الذين كانوا مع الحارث إلى الحصن، و أغلقوا عليهم. .

ثم خرج مرحب، فقتله علي «عليه السلام» أيضا على الباب، و فتح الباب. .

و الذي يبدو لنا: أن الرواة المغرضين قد حاولوا تلطيف أمر هذا الفرار، فقالوا: إن عليا قد أخذ الراية و هرول نحو الحصن و فتحه، و قلع بابه و دخله، قبل أن يلحق آخر الناس أولهم، أو قبل أن يلبس الناس سلاحهم، أو قبل أن يتم اصطفاف الخيل، أو نحو ذلك مما سنذكره فيما سيأتي إن شاء اللّه، تحت عنوان: علي يفتح خيبر وحده.

تعابير ذات مغزى:

و عن ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأبعثن رجلا لا يخزيه اللّه أبدا، يحب اللّه و رسوله.

قال: فاستشرف لها من استشرف.

قال: أين علي «عليه السلام» ؟ !

قالوا: هو في الرحل، يطحن.

قال: و ما كان أحدكم ليطحن؟

قال: فجاء و هو أرمد، لا يكاد يبصر.

قال: فنفث في عينيه، ثم هز الراية ثلاثا، فأعطاه إياها، فجاء بصفية بنت حيي الخ. . (1).

و نقول:

1-قد تحدثنا في موضع آخر من هذا الكتاب عن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يخزيه اللّه أبدا» . فيمكن الاكتفاء بما ذكرناه هناك. .

2-لقد كان علي «عليه السلام» يمارس عملية الطحن، حين تخلف في الرحل، بسبب الرمد الذي جعله لا يبصر.

فلم يكن «عليه السلام» -حتى و هو في هذه الحالة الصعبة-فارغا، ينتظر خدمة الآخرين له. . بل يؤدي وظيفة تفيد هذا الجيش المقاتل لأعداء


1) مسند أحمد ج 1 ص 331 و الخصائص للنسائي {ط التقدم بمصر} ص 8 و في {طبعة أخرى} ص 63 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 132 و كفاية الطالب {ط مكتبة الغري} ص 116 و راجع: العمدة لابن البطريق ص 85 و 238 و ذخائر العقبى ص 87 و حلية الأبرار ج 2 ص و البحار ج 38 ص 241 و ج 40 ص 50 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 112 و 292 و المراجعات ص 196 و الغدير ج 1 ص 50 و ج 3 ص 195 و مواقف الشيعة ج 3 ص 393 و عن مجمع الزوائد ج 9 ص 119 و كتاب السنة لابن عاصم ص 589 و السنن الكبرى ج 5 ص 113 و عن خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 118 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 98 و 99 و 101 و ج 46 ص 150 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 68 و عن الإصابة لابن حجر ج 4 ص 467 و عن البداية و النهاية ج 7 ص 374 و المناقب للخوارزمي ص 125.

اللّه تعالى، وجد نفسه قادرا على أدائها. .

و قد تركه الناس يمارس هذا العمل، و سارعوا إلى الحضور عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، على أمل أن يفوزوا بشرف حمل الراية حين علموا: بأن ثمة أوسمة هامة، تؤهلهم لتبوء مناصب، و تحلهم في مراتب كانوا يحلمون بها، و منها: أن حاملها سوف يفتح اللّه على يديه.

نعم، لقد سارعوا إلى مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استشرفوا للراية، و طلبوها، رغم الفرار الذي كان قد صدر منهم عن قريب.

فهل كانوا ذاهلين عن أن اللّه تعالى إنما يفتح على يدي من كان كرارا غير فرار؟ ! .

و من كان اللّه و رسوله أحب إليه حتى من نفسه؟ ! .

و من كان باذلا نفسه في كل ما يرضي اللّه و رسوله، حتى صار حبيبا لهما؟ !

و من لا يعتبر إعطاء الراية له مكسبا دنيويا، بل هو يعتبره عطاء إلهيا يعبر عنه بقوله: اللهم لا مانع لما أعطيت؟ ! (1).

و من لا يخالف ما يأمره به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى فيما قد يراه الكثير من الناس شكليا، أو أمرا عاديا؟ !

حتى إنه حينما قال له: اذهب و لا تلتفت، مشى قليلا، و وقف و لم يلتفت، و سأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : علام أقاتلهم؟ ! أو علام أقاتل الناس؟ !


1) قد ذكرنا مصادر هذه الكلمة في موضع آخر من هذا الكتاب.

و من الواضح: أن الالتزام بأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تنفيذها حرفيا، هو الأمر الذي يجب الالتزام به، و لا يجوز التخلف عنه، و هو الذي يدخل السرور على قلبه «صلى اللّه عليه و آله» .

3-و لأجل تركهم إياه يمارس ذلك العمل، و إسراعهم إلى ما يرون الحصول عليه مكسبا و امتيازا دنيويا، جاء اللوم لهم من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليؤكد على لزوم معرفة أقدار الرجال، و إعطاء كل ذي حق حقه. .

و الأهم من ذلك: أن يوكل كل عمل للشخص المناسب له، فلا يوكل أمر الطحن، أو استقاء الماء لقادة الجيش، و لعلماء الأمة و ربانييها؛ لأن ذلك معناه: هدر الطاقات، و تعطيل القدرات، خصوصا إذا حصل ذلك في الأوقات العصيبة، و الظروف الحساسة، و المصيرية.

4-و عن النصوص التي تتعمد كتمان أسماء الفارين نعود فنقول:

لماذا يتعمدون تجهيل الناس بهذا الأمر؟ !

ألا يعتبر ذلك: من مفردات الخيانة للأمة، و من التدليس على الناس؟ ! و هو تدليس شديد الإضرار بالأمة، عظيم الأثر على الدين، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ !

و حول قول علي «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : علام أقاتلهم؟ نقول:

1-لعل سؤال علي «عليه السلام» عن غاية القتال قد فاجأ الكثيرين من

الصحابة الذين كانوا حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذين قد يكون أكثرهم إنما يقاتل من أجل الغنائم، أو المناصب، أو الشهرة، أو حبا بالأمارة؛ أو لأجل أن يفرضوا الإسلام عليهم بالقوة و القهر، أو نحو ذلك. .

فأراد علي «عليه السلام» أن يعرف الجميع: أنه لا بد أن يكون كل عمل يقوم به الإنسان هادفا.

ثم أن يكون الهدف في مستوى العمل نفسه، من حيث خطورته، و من حيث حساسية آثاره.

2-و من جهة أخرى نلاحظ: أنه لم يقل: أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين، بل قال: حتى يكونوا مثلنا. .

و لعل السبب في ذلك: أنه «عليه السلام» لو استعمل كلمة «المسلمين» لجاء الجواب بنعم، أو بلا. .

و لكنه حين قال: حتى يكونوا مثلنا. . احتاج إلى توضيح مستوى المثلية المطلوبة، و أن المطلوب أولا: هو الدرجة التي توجب حقن دمائهم. . أما سائر المراتب و الدرجات، فإنما تحصل بالسعي الدؤوب من قبل الأفراد أنفسهم، كل بحسب حاله، و قدراته، و طبيعة قناعاته. .

و الذي تحقن به دماؤهم، هو شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه.

عرّفهم ما يجب عليهم:

و من الأهمية بمكان الوقوف عند قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، حين قال له: علام أقاتلهم؟ ! : «عرّفهم ما يجب عليهم من حق اللّه تعالى، و حق رسوله» . و ذلك بالتزامن مع دعوتهم إلى الإسلام الأمر الذي

يدل على أن دعوتهم إلى الإسلام لا يقصد بها إكراههم عليه، و فرض قبوله عليهم بلا مناقشة. . بل هي دعوة تستند إلى الإقناع، و تعتمد على إقامة الحجة، و التوعية، و التعريف بما يجب و ما لا يجب.

حق اللّه و حق رسوله:

ثم إن قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «عرفهم ما يجب عليهم من حق اللّه و رسوله» ، قد تضمن طلبه «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر تعريفهم بحق اللّه تعالى عليهم، و هو توحيده، و عبادته، و طاعته. و لا يطلب تعريفهم بأوامر اللّه، و نواهيه لهم، فإن هذا يأتي في مرحلة لا حقة، حيث لا بد لهم من السعي إلى الحصول على هذا الأمر. .

كما أنه لم يطلب تعريفهم بشيء يعود نفعه إليه «عليه السلام» كشخص، و لا يريد منهم شيئا لنفسه، بل يطلب «صلى اللّه عليه و آله» منه «عليه السلام» أن يعرفهم بحق من تكون له صفة الرسولية و النبوة، و هو القبول منه، و عنه، و توقيره و نصرته، و الشهادة و الاعتراف له بذلك. .

لأن يهدي اللّه بك نسمة:

ثم هو يعقب ذلك بالتوجيه الكريم و العظيم، حيث يقول له: لأن يهدي اللّه بك رجلا خير لك من حمر النعم. .

ليفهم الجميع: أن مسؤوليتهم هي هداية الناس. . و أن هذا هو الخير العظيم الذي يحب أن تنصرف إليه الهمم، و تعقد عليه العزائم، فلا يكون همهم الحصول على الأموال و الجواري، و المناصب، و لا فتح الحصون، و قتل الرجال. بل يكون كل همهم منصرفا إلى فتح القلوب أولا، حتى إذا أصبحت الحصون

أقفالا على تلك القلوب، فلا بد حينئذ من دكّها و تحطيمها، و إزالة تلك الأقفال عنها.

و قد ورد أيضا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأن يهدي اللّه بك نسمة {أو رجلا} خير لك مما طلعت عليه الشمس (1)، و هذه الكلمة و تلك تعطي الانطباع عن حقيقة القيمة التي للإنسان بنظر الإسلام، حتى إن نسمة واحدة سواء كانت رجلا أم أنثى، صغيرة كانت أم كبيرة، إذا هديت بك، فهي خير من كل ما طلعت عليه الشمس. .


1) راجع: البحار {ط كمباني} ج 6 ص 440 و {ط جديد} ج 32 ص 448 و ج 97 ص 34 و ج 101 ص 364 و ج 1 ص 216 و ج 19 ص 167 و ج 21 ص 361 و مختلف الشيعة ج 4 ص 394 و منتهى المطلب للحلي ج 2 ص 904 و تذكرة الفقهاء للحلي ج 1 ص 409 و ج 9 ص 44 و كشف اللثام ج 2 ص 196 و 276 و رياض المسائل ج 1 ص 486 و ج 7 ص 493 و جواهر الكلام ج 21 ص 52 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 و الكافي ج 5 ص 28 و 36 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 141 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 30 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 30 و ج 12 ص 241 و ج 17 ص 210 و مصباح الشريعة ص 199 و النوادر للراوندي ص 140 و الإقبال لابن طاووس ج 2 ص 58 و اليقين لابن طاووس ص 14 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 353 و ج 10 ص 502 و نهج السعادة ج 2 ص 158 و ج 5 ص 214 و درر الأخبار ص 178 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 568 و مجمع الزوائد ج 5 ص 334 و المعجم الكبير ج 1 ص 315 و 332 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 14 و الجامع الصغير ج 2 ص 401 و كنز العمال ج 10 ص 156 و ج 13 ص 107 و السير الكبير ج 1 ص 78 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 122 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 238.

و هذا معناه: أن كل قتال شرعه الإسلام، إنما شرعه وفق هذه النظرة و من خلالها، إذ لا مجال للتناقض و الاختلاف في دين اللّه سبحانه و تعالى، فهذا التشريع إنما كان بهدف حفظ البشرية، و من أجل إزاحة مصادر الخطر عنها، و استئصال جراثيم سرطانية، لا مجال للحياة معها.

اليهود، و كلمة التوحيد:

و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و هذا يشير إلى أن توحيد اليهود مشوب بالشرك أو بغيره من المعاني التي تنافيه، و تخرجه عن حقيقته، مثل اعتقادهم بأن عزيرا ابن اللّه، و اعتقادهم بالتجسيم الإلهي، و نسبة أمور مشينة إلى الذات المقدسة، مثل أن يده -سبحانه-مغلولة، و كذلك نسبة الظلم، و العجز إليه تبارك و تعالى، و غير ذلك.

التدرج في الاعتقادات، و في الأحكام:

و قد جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ميزان حفظ الأموال، و حقن الدماء. . شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، كما اتضح من جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» . .

و ذلك: لأن للاعتقادات مراتب، و لكل مرتبة منها آثارها. . فالاعتراف بوجود اللّه سبحانه، و بأن له رسلا و كتبا، و شرائع-كما هو الحال في أهل الكتاب-أقل قبحا من الإلحاد، و من الشرك.

و لذلك كانت لهؤلاء أحكام تختلف عن أحكام أولئك، فيجوز مثلا التزويج بالكتابية متعة، و لا يجوز تزويجهم مطلقا، و يصح أيضا اعتبارهم من أهل الذمة، و يمنع التعرض لهم في ممارساتهم الدينية، وفق حدود و قيود

معينة. و يمكن الدخول في عهد معهم، و ما إلى ذلك.

فإذا دخلوا في الإسلام، و شهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، فإنه يضاف إلى ذلك: أنه يوجب بمجرده حقن دمائهم، و يمنع من التعرض لأموالهم، و لا حاجة في ذلك إلى عقد و عهد، و لا يصح اعتبارهم أهل ذمة. .

و يجوز أيضا: التزوج و التزويج منهم، و يحكم بحلية ذبائحهم، و بطهارتهم، و هم يرثون و يورثون الخ. .

فإذا اعتنقوا مذهب الحق: فإن ذلك يرتب أحكاما أخرى لهم و عليهم. فتحرم غيبتهم، و تجب حقوق الأخوة الإيمانية لهم، و تترتب عليهم أيضا أحكام أهل المذهب، فلا يقبل منهم التصرف الموافق للمذاهب الأخرى، فلا يمضى عليهم الطلاق بالثلاث، و يحكم ببطلانه، و لا يقبل طلاقهم من غير شهود، فإذا صاروا من أهل العدالة، صحت الصلاة خلفهم، و قبلت شهادتهم، و ما إلى ذلك.

ثم إن الواحد منهم يتدرج في مراتب الفضل و الكمال، فيكون عالما، و يكون عابدا تقيا، و قد يصل إلى أن يكون وليا من الأولياء.

و من البشر من يصطفيهم تعالى للإمامة و للنبوة، و إن للنبوة مراتب أيضا تختلف و تتفاوت، فيكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أولي العزم، أو من غيرهم، أو تكون له مرتبة النبوة الخاتمة، التي هي المرتبة العظمى و المنزلة الأسمى. . و للإمامة أيضا مراتب، و أعظمها مقام الإمامة للنبوة الخاتمة، فإنها أعظم من مقام الإمامة بدون هذه الخصوصية.

و على كل حال: فإن اللّه يزيد في المقام، و يوجب الحقوق، و يجعل الأحكام التي تناسب هذه الخصوصية أو تلك. .

الفصل الثاني: وقفات لا بد منها

اشارة

هل قاتل المهزومون في خيبر؟ !

زعمت بعض النصوص المتقدمة: أن أبا بكر و عمر قد قاتلا قتالا شديدا، و قد جهدا فلم يفتح لهما. .

و نحن ليس فقط نشك في صحة ذلك، بل نرجح: أنهما قد هزما قبل مباشرة القتال، أو أنهما باشراه مع ظهور الخوف و الجبن، فانهزما بسرعة قبل إنجاز أي شيء مؤثر، أو صالح لأن يوصف بأنه قتال. .

و نستند في ذلك إلى ما يلي:

أولا: أشارت بعض النصوص، و بعضها كاد أن يصرح: بأن عمر قد رجع قبل أن يصل إلى ساحة الحرب. .

فقد ورد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا أبا بكر في اليوم الأول، و قال: خذ الراية.

فأخذها في جمع من المهاجرين، فاجتهد فلم يغن شيئا. فعاد يؤنب القوم الذين اتبعوه و يؤنبونه. .

فلما كان من الغد تعرض لها عمر، فسار بها غير بعيد، ثم رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ليست هذه الراية لمن حملها، جيؤوني بعلي.

فقيل: إنه أرمد.

فقال: أرونيه، تروني رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله (1).

و قد ورد في حديث بريدة أيضا قوله: «فأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف و لم يفتح له، ثم أخذها عمر من الغد، فخرج و رجع و لم يفتح له. .» .

و في حديث ابن أبي ليلى، و ابن عباس: بعث أبا بكر، فسار بالناس؛ فانهزم حتى رجع إليه، و بعث عمر، فانهزم بالناس حتى انتهى إليه.

و في نص آخر: دفع «صلى اللّه عليه و آله» اللواء لرجل من المهاجرين، فرجع و لم يصنع شيئا. فدفعه إلى آخر من المهاجرين فرجع و لم يصنع شيئا.

و كل ذلك قد تقدم مع طائفة من مصادره. .

ثانيا: إن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد غضب و استاء مما حصل، و صرح بما قد يشعر: بأن هذا الفعل مقصود من المهاجرين و الأنصار، حيث قال: هكذا تفعل المهاجرون و الأنصار؟ ! -حتى قالها ثلاثا-لأعطين. . (2).

و قالوا أيضا: فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: «ما بال أقوام يرجعون منهزمين، يجبنون أصحابهم؟ !

أما و اللّه لأعطين الخ. .» (3).

و ذكر نص آخر: انهزام أبي بكر و عمر و قال: حتى ساء رسول اللّه


1) البحار ج 21 ص 15 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 126 و راجع: مدينة المعاجز ج 1 ص 174.

2) البحار ج 21 ص 12 عن الإحتجاج ج 2 ص 64.

3) البحار ج 21 ص 28 عن الخرايج و الجرايح ج 1 ص 159.

«صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فقال: لأعطين الراية الخ. . (1).

فهذا الغضب و الاستياء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدل على: أن هزيمتهم لم يكن لها ما يبررها أصلا.

بل إن قوله ثلاث مرات: هكذا تفعل المهاجرون و الأنصار، يشير إلى أسف بالغ، و حسرة قوية، قد انتابته من فعلهم هذا، حيث يدل ذلك على أن ما يجري ليس بسبب قوة اليهود، بل هو نتيجة تخاذل، و جبن من أصحابه، و لهذا الجبن و الخور دلالته السلبية. .

و مما يؤكد ذلك كله: أن نفس المهاجرين و الأنصار كانوا يتبادلون الاتهامات حول ما يجري، الأمر الذي يدل على قناعتهم بأن مسؤولية ما حصل تقع على عاتقهم أنفسهم.

ثالثا: لو صح قولهم: إنهما قاتلا قتالا شديدا، و جهدا، لم يصح تعريض النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهما و بمن معهما، و إظهار الإزراء عليهما، و فضحهما على رؤوس الأشهاد. بل كان اللازم تقدير جهودهما، و جهادهما، و إغداق الأوسمة عليهما، فهذا الاستياء، و ذلك التعريض و التأنيب، و إظهار الأسى و الغضب يدل دلالة واضحة على أنهما قد ارتكبا بفرارهما أمرا عظيما، و أن هذا الفرار كان على درجة كبيرة من القباحة و الشناعة، جعلتهما يستحقان ذلك كله. .

و بات من الضروري عقوبتهما بهذه الطريقة المؤلمة، التي تخلد اسميهما في سجل لا يحب أحد أن يكون له اسم فيه، و هو سجل الفرارين في


1) البحار ج 21 ص 21 عن إعلام الورى ج 1 ص 207.

الحروب، ثم هو يصف عليا «عليه السلام» بأوصاف، و يمنحه أوسمة تستبطن التعريض بهما، من حيث إنهما لا يستحقان شيئا منها. .

بل هي تظهر أنهما يحملان نقيضها، و هو الأمر القبيح الذي لا يصح الانطواء عليه بأي حال.

و الأوصاف هي التالية:
1-يحب اللّه و رسوله:

فهو «صلى اللّه عليه و آله» قد وصف عليا «عليه السلام» بأنه يحب اللّه و رسوله، مشيرا بذلك-فيما يظهر-إلى أن غيره لم يكن كذلك، فإن ادّعى ذلك لنفسه، فأمثال هذه الدعاوى تكون ساقطة عن الاعتبار، لأن شواهد الامتحان في ساحات الجهاد و النزال، تكذبها.

و لو أن أيا منهما كان صادقا فيما يدّعيه لنفسه لفعل نفس ما فعله علي «عليه السلام» ، و لم يؤثر حفظ نفسه، و النجاة بها، و لو بارتكاب الفرار من الزحف، الذي هو من المحرمات العظيمة، مع علمه بما يترتب على هذا الفرار من سلبيات تتمثل باشتداد ميل الأعداء إلى الحرب، و تؤدي إلى هزيمة روحية للأولياء في ساحات الطعن و الضرب.

و يتأكد ضعف المستوى من خلال ما جرى بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين عمر بن الخطاب، فقد قال عمر: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.

فقال عمر: فأنت الآن-و اللّه-أحب إلي من نفسي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن يا عمر؟ ! (1).

و لا بد أن نتذكر هنا الآية الشريفة التي تقول:

قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (2)

2-يحبه اللّه و رسوله:
اشارة

و إذا كان علي «عليه السلام» يحب اللّه و رسوله، فإن ذلك يستتبع القيام بما يمليه هذا الحب من الالتزام، و الوفاء، و التضحية في سبيل اللّه و رسوله. . الأمر الذي ينشأ عنه حب اللّه و رسوله له «عليه السلام» أيضا. .

فكان من الطبيعي أن يأتي الوسام الآخر، و هو: أنه «عليه السلام» يحبه اللّه و رسوله، و هو وسام عظيم، خصوصا مع ما يتضمنه هذا الوصف من التعريض بالذين هربوا، ليدل فرارهم على: أنهم لم يكونوا كذلك،


1) مسند أحمد ج 4 ص 336 و صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 8 ص 161 و عمدة القاري ج 1 ص 144 و المعجم الأوسط ج 1 ص 103 و كنز العمال ج 12 ص 600 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 356 و ج 3 ص 476 و تاريخ دمشق ج 19 ص 87 و فتح الباري ج 1 ص 56 و راجع: المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3 ص 456 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 19.

2) الآية 24 من سورة التوبة.

فالمعيار لكسب رضا اللّه تعالى، و نيل محبته و محبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ هو العمل الصالح، و الجهاد، و التضحية، و لا تكفي الدعاوى العريضة، و العجيج، و الضجيج في الرخاء، ثم الهرب في ساحات الجهاد، و الحاجة إلى التضحية و الفداء. .

التزوير الرخيص. . تصرف و حذف:

و في بعض الروايات جاءت العبارة هكذا: فقال «صلى اللّه عليه و آله» لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله، أو قال: يحب اللّه و رسوله (1).

و بعضها اكتفى بذكر الفقرة الثانية و هي قوله «صلى اللّه عليه و آله» : يحب اللّه و رسوله (2).


1) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح} ج 5 ص 171 و 23 و الخصائص للنسائي {طبعة التقدم بمصر} ص 7.

2) منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 130 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و الإصابة ج 2 ص 502 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و راجع: الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 2 ص 188 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 252 و 253 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 108 و جامع الأصول ج 9 ص 472 و الإكتفاء {ط مكتبة الخانجي} ج 2 ص 258 و تذكرة الخواص ص 25 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و مسند أحمد ج 1 ص 331 و ج 2 ص 384 و ج 4 ص 54 و لسان العرب ج 14 ص 352 و مسند الطيالسي ص 320 و سنن ابن ماجة {ط مكتبة التازية بمصر} ج 1 ص 56 و السيرة النبوية لابن هشام {ط المكتبة الخيرية بمصر} ج 3 ص 175 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و الخصائص للنسائي {ط مكتبة التقدم بمصر} ص 32 و 4 و 8 و 7 و حلية الأولياء ج 4 ص 356 و ج 1 ص 62.

و بعضها اقتصر على الفقرة الأولى (1). و هي قوله: يحب اللّه و رسوله.

و نقول:

إن هؤلاء ما فتئوا يسعون إلى الانتقاص من علي «عليه السلام» ، و إخفاء فضائله بكل حيلة و وسيلة، و قد بدأت هذه السياسات منذ الصدر الأول، فقد أخفى أعداؤه «عليه السلام» فضائله حسدا، و أخفاها محبوه و أولياؤه خوفا، و ظهر من بين هذين ما ملأ الخافقين. .

و علينا في مثل هذه الموارد التي تغيظ حساد علي «عليه السلام» و مناوئيه، أن نتوقع ظهور حسيكة النفاق، و أن يتجلى الحقد الأعمى بصورة يصعب التستر عليها. . و هكذا كان، فإنهم حاولوا حتى إنكار قتله «عليه السلام» لمرحب، و نسبوه لمحمد بن مسلمة كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه. .

و نسبوا قتل سائر الفرسان إلى أبي دجانة تارة، و إلى الزبير أخرى. . و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره، و لو كره الشانئون و الحاقدون. . فإن فضائل علي «عليه السلام» و كراماته قد ظهرت في أصح الكتب عند شيعته، و عند غيرهم أيضا، و أسفر الصبح لذي عينين.

أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله في المصادر و المراجع:

و في جميع الأحوال نقول:

قد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال في خيبر بعد فرار المهاجرين و الأنصار:


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 653.

لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله (1).


1) تاريخ بغداد ج 8 ص 5 و مسند أحمد ج 1 ص 99 و 185 و ج 5 ص 333 و 353 و 358 و صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و تاريخ البخاري ج 1 ق 2 ص 115 و ج 4 ص 115 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 فما بعدها، و صحيح مسلم ج 7 ص 121 و 120 و ج 5 ص 195 و تذكرة الخواص ص 24 و 25 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 2 ص 219 و 220 و أسد الغابة ج 4 ص 25 و 28 و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و سنن ابن ماجة {ط مكتبة التازية بمصر} ج 1 ص 56 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 638 و الخصائص للنسائي {ط مكتبة التقدم بمصر} ص 4 و 5 و 32 و 6 و 7 و 8 و منتخب كنز العمال ج 5 ص 44 و 48 و ج 4 ص 130 و 127 و 128 و الصواعق المحرقة {ط المكتبة الميمنية بمصر} ص 74 و المناقب المرتضوية {ط بمبي} ص 158 و مدارج النبوة للدهلوي ص 323 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و حياة الحيوان {مطبعة الشرفية} ج 1 ص 237 و مشكاة المصابيح {ط دهلي} ص 564 و الإصابة ج 2 ص 502 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 19 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و تاريخ الخلفاء {مطبعة السعادة بمصر} ص 168 و نور الأبصار ص 81 و إسعاف الراغبين {بهامش نور الأبصار} ص 169 و تاج العروس ج 7 ص 133 و ينابيع المودة {ط بمبي} ص 41 و الطبقات الكبرى لابن سعد {مطبعة الثقافة الإسلامية} ج 3 ص 156 و 157 و مشارق الأنوار للصغائي {ط مكتبة الأستانة} ج 2 ص 292 و كفاية الطالب {ط الغري} ص 130 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و العقد الفريد {ط مكتبة الجمالية بمصر} ج 3 ص 94 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و مناقب الإمام علي لابن المغازلي {ط المكتبة الإسلامية} ص 176 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 38 و 132 و 437 و الشفاء {ط مصر} ج 1 ص 272 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و ج 2 ص 188 و 190 و لباب التأويل ج 4 ص 152 و 153 و المعجم الصغير {ط دهلي} ص 163 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 3 ص 366 و مصابيح السنة {ط المكتبة الخيرية بمصر} ج 2 ص 201 و معالم التنزيل ج 4 ص 156 و جامع الأصول ج 9 ص 469 و 471 و 472 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و البحار ج 21 ص 28 و 21 و 20 عن الخرايج و الجرايح و عن إعلام الورى ص 107 و 108 و عن الخصال ج 2 ص 120 و 124.

ليس بفرار (1)

أو كرار غير فرار (2).

لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه (3).


1) مسند أحمد ج 1 ص 133 و الخصائص للنسائي {ط مكتبة التقدم بمصر} ص 5 و السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة الخيرية بمصر} ج 3 ص 175 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و الإستيعاب {مع الإصابة} ج 3 ص 366 و كفاية الطالب {ط الغري} ص 130 و منتخب كنز العمال {بهامش المسند} ج 5 ص 48 و ج 4 ص 127 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 فما بعدها، و المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و البحار ج 21 ص 20 عن الخصال ج 2 ص 120 و 124.

2) مسند أحمد ج 5 ص 353 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و البحار ج 21 ص 28 و 21 عن الخرايج و الجرايح و عن إعلام الورى ص 107 و منتخب كنز العمال {بهامش المسند} ج 5 ص 48 و المناقب المرتضوية {ط بمبي} ص 158 و معارج النبوة ص 219 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185 و 187.

3) المعجم الصغير {ط دهلي} ص 163 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 38 و المغازي ج 2 ص 653 و البحار ج 21 ص 28 و 21 و 20 عن الخرايج و الجرايح و عن إعلام الورى ص 107 و عن الخصال ج 2 ص 120.

يفتح اللّه على يديه (1).

أو قال: لا يولي الدبر، يفتح اللّه عليه (2).

فاستشرف لها الناس، فبعث عليا (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و مصادر أخرى.

2) المستدرك للحاكم ج 3 ص 38 و المعجم الصغير {ط دهلي} ص 163 و تاريخ بغداد ج 8 ص 5 و السنن الكبرى ج 9 ص 107 و الإستيعاب {مع الإصابة} ج 3 ص 366 و كفاية الطالب {ط الغري} ص 130 و تذكرة الخواص ص 24 و منتخب كنز العمال {بهامش المسند} ج 5 ص 48 و ج 4 ص 130 و الصواعق المحرقة {ط المكتبة الميمنية بمصر} ص 74 و مشكاة المصابيح {ط دهلي} ص 564 و الإصابة ج 2 ص 502 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 فما بعدها و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 4 و لباب التأويل ج 4 ص 182 و 183 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و معارج النبوة ص 219 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252 و تاريخ الخلفاء {ط مكتبة السعادة بمصر} ص 168 و نور الأبصار ص 81 و إسعاف الراغبين بهامشه ص 169 و تاج العروس ج 7 ص 133 و ينابيع المودة {ط بمبي} ص 41.

3) مسند أحمد ج 1 ص 133 و راجع: تاريخ البخاري {ط حيدر آباد الدكن} ج 1 ق 2 ص 115 و صحيح مسلم ج 7 ص 120 و سنن ابن ماجة {ط المكتبة التازية بمصر} ج 1 ص 56 و الجامع الصحيح ج 5 ص 638 و الخصائص للنسائي {ط مكتبة التقدم بمصر} ص 4 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437 و منتخب كنز العمال {بهامش المسند} ج 4 ص 127 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 فما بعدها و راجع: الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123.

أو فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها (1).

و في اليوم التالي غدا الناس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلهم يرجو أن يعطاها (2).

و عند الراوندي: فتطاول جميع المهاجرين و الأنصار، فقالوا: أما علي فهو لا يبصر شيئا، لا سهلا و لا جبلا (3).


1) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و صحيح مسلم ج 7 ص 121 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و تاج العروس ج 7 ص 133 و ينابيع المودة {ط بمبي} ص 41 فما بعدها و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 205 و حلية الأولياء ج 1 ص 62 و السنن الكبرى ج 9 ص 107 و جامع الأصول ج 9 ص 472 و تذكرة الخواص ص 24 و أسد الغابة ج 4 ص 22 و الصواعق المحرقة {ط الميمنية بمصر} ص 74 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 19 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و مسند الطيالسي ص 320 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252 و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و تاريخ الخلفاء {ط مكتبة السعادة بمصر} ص 168 و إسعاف الراغبين {بهامش نور الأبصار}169 و نور الأبصار ص 81.

2) صحيح البخاري {ط محمد علي صبيح بمصر} ج 5 ص 171 و صحيح مسلم ج 7 ص 121 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و مشكاة المصابيح {ط دهلي} ص 564 و الإصابة ج 2 ص 502 و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و الخصائص للنسائي ص 6 و مصابيح السنة {ط مكتبة الخيرية بمصر} ج 2 ص 201 و تذكرة الخواص ص 24 و الصواعق المحرقة {ط المكتبة الميمنية بمصر} ص 74.

3) البحار ج 21 عن الخرايج و الجرايح.

و عند الطبري: فتطاولت لها قريش و رجال، كل واحد منهم يرجو أن يكون هو صاحب ذلك (1).

و في نص آخر: تطاول لها أبو بكر و عمر (2).

ابن الصباغ ينقل عن صحيح مسلم:

قال ابن الصباغ: «و في صحيح مسلم: قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها، و حرصت عليها حتى أبديت وجهي، و تصديت لذلك ليتذكرني. .

ثم قال: قالوا: و إنما كانت محبة عمر لما دلت عليه من محبته اللّه و رسوله، و محبتهما له، و الفتح» (3).

و نقول:

إن سائر الروايات قد اقتصرت على القول: بأن عمر قال: ما أحببت


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 107 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 2 ص 219 و راجع: منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 128 و البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48.

2) راجع: منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 4 ص 128 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48.

3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 38 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 181 و 189.

الإمارة إلا يومئذ.

قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها (1).

فدعا عليا فأعطاه إياها، و قال: امش، و لا تلتفت.

فصرخ: يا رسول اللّه، على ماذا أقاتل الناس؟ !

قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه.

فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم و مالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه (2).


1) صحيح مسلم {ط محمد علي صبيح} ج 7 ص 121 و مسند الطيالسي ص 320 و التاج الجامع للأصول ج 3 ص 326 و مسند أحمد ج 2 ص 384 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 544{4209 و 4210} و الخصائص الكبرى ج 1 ص 251 و 252 و خصائص علي بن أبي طالب للنسائي ص 7 و الطبقات لابن سعد {ط دار الثقافة الإسلامية مصر} ج 3 ص 156 و معارج النبوة ص 219 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 124 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 205 و جامع الأصول ج 9 ص 472 و تذكرة الخواص ص 24 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و 75 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188 و النهاية لابن الأثير ج 2 ص 420 و ينابيع المودة ج 1 ص 154 و البحار ج 39 ص 12 و 13 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 15 ص 176 و الديباج على مسلم ج 5 ص 387 و رياض الصالحين للنووي ص 108 و الجوهرة في نسب علي بن أبي طالب و ولده ص 68 و شرح أصول الكافي للمازندراني ج 6 ص 136 و ج 12 ص 494 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48.

2) صحيح مسلم {ط محمد علي صبيح} ج 7 ص 121 و مسند الطيالسي ص 320 و التاج الجامع للأصول {ط مصر} ج 3 ص 326 و مسند أحمد ج 2 ص 384 و الخصائص للنسائي ص 7 و الطبقات لابن سعد {ط دار الثقافة الإسلامية} ج 3 ص 156 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 38 و المعجم الصغير {ط دهلي} ص 163 و تذكرة الخواص ص 24 و 25 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 184-188.

فهل كانت لدى ابن الصباغ نسخة من صحيح مسلم تختلف عن النسخة التي وصلت إلينا. .

أم أن أحدا قد كتب في هامش نسخته توضيحا لكلام عمر، فظنه ابن الصباغ جزءا من الرواية، فأدرجه فيها. .

أو أن ابن الصباغ نفسه قد شرح كلمة عمر بالنحو المتقدم، لكن نساخ كلامه قد أسقطوا {كلمة} .

أي أن كل ذلك محتمل و يؤيد هذا الاحتمال الأخير: أن الماحوزي نقل كلام ابن الصباغ بإضافة ما يدل على أنه بصدد توضيح كلام عمر فراجع (1).

3-كرار غير فرار:

و إذا أردنا العودة إلى شرح كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي في خيبر، فإننا نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يكتفي بالإشارة إلى فرار هؤلاء الناس، بل هو يتحدث عن أنهم كثيرو الفرار، حتى كأن هذا الأمر قد أصبح عادة لهم، في حين أن عليا «عليه السلام» ليس بفرار، بل هو كثير الكر، حتى أصبح


1) كتاب الأربعين للماحوزي ص 181 و 189.

ذلك عادة له أيضا. .

4-لا يولي الدبر:

ثم أكد ذلك بقوله: لا يولي الدبر، مستفيدا من تعبير يؤكد شعور السامع بالنفرة من عملهم هذا.

5-لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه:

ثم يزيد «صلى اللّه عليه و آله» في توضيح ما يرمي إليه، بقوله: لا يرجع. . أي كما رجع أولئك، حتى يفتح اللّه سبحانه عليه، لأن الفتح كرامة إلهية، و لطف رباني، يختص اللّه به من هو أهل للكرامة، و مستحق للطف. . و هو ذلك الذي يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مهد تلك المقدمات لينتهي إلى هذه النتيجة، بصورة عفوية و طبيعية.

فكأنها من القضايا التي تكون قياساتها معها. .

6-لا يخزيه اللّه أبدا:

و ورد في بعض النصوص قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لأبعثن رجلا لا يخزيه اللّه أبدا، أي إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تقدم خطوة أخرى في سياق الإعلان عن قبح الفرار الذي حصل، ليدلنا ذلك على أنه لا يمكن المرور عن هذا الأمر مرور الكرام، لشدة خطورته، و عميق تأثيره، مما يعني بقاء تبعاته و آثاره تلاحق الذين صدر منهم ذلك، و تلقي بكلاكلها على سمعتهم، و على موقعهم. و ذلك حين ألمح على سبيل التعريض الذي هو

أبلغ من التصريح إلى أن الفرار من موجبات الذل، و المهانة، و الخزي، الذي هو أشر أنواع السقوط.

و لتلاحظ: كلمة أبدا أيضا في كلامه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها قد جاءت لتفيد المزيد من التأكيد على براءة و نزاهة ذلك المبعوث من هذا الأمر الشنيع.

حتى أنت يا عمر؟ ! :

و قد روي: أن عمر لما سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، كرارا غير فرار، قال: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و راجع: شرح أصول الكافي ج 6 ص 136 و 137 و 494 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 503 و أمالي الطوسي ص 380 و العمدة ص 144 و 149 و الطرائف لابن طاووس ص 59 و البحار ج 21 ص 27 و ج 39 ص 10 و 12 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 290 و مقام الإمام علي للعسكري ص 30 و 42 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 229 و أضواء على الصحيحين ص 432 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 121 و عن فتح الباري ج 7 ص 47 و 365 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 11 و 180 و عن خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 57 و رياض الصالحين للنووي ص 108 و عن تفسير ابن كثير ج 1 ص 377 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 459 و ج 42 ص 83 و 84 و عن الإصابة ج 4 ص 466 و عن البداية و النهاية لابن كثير ج 7 ص 372 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 422 و عن عيون الأثر ج 1 ص 291 و نشأة التشيع ص 120 و عن التاج الجامع للأصول ج 3 ص 331 و رواه الشيخان.

و نقول:

1-الظاهر هو: أنه قد ذكر ذلك عن نفسه ليقول للناس: إنه لم يكن من طلاب الدنيا فما جرى بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان لأجل الحفاظ على الإسلام، و على أهله. .

2-إن عمر قد فهم من الأوصاف التي أوردها النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه يقصد ترشيح صاحب تلك الأوصاف لما هو أعظم من قيادة الجيش و من أخذ الراية يوم خيبر.

فهو يريد أن يقول:

إن الذي يفتح اللّه على يديه، و يحب اللّه و رسوله، هو الذي يصلح لحمل الأمانة من بعده، و هو سيد العرب كما تقدم.

أما من عداه فليس له الحق؛ لأنه لا يؤمن على ذلك.

فكأن عمر أراد أن يظهر: أن هذه الميزات كانت موجودة فيه، و لذلك رشح نفسه للإمارة، و صار يتعرض لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد منح أبا بكر و عمر، كلا على حدة فرصة للفوز بالفتح، و تحقيق النصر العظيم، فضيعاها. و رجعا منهزمين.

بل ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد منح الفرصة لعمر مرتين، فما معنى تجدد حب الإمارة لدى عمر، بعد أن أعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه سيعطي الراية رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله؟ !

فقد يقال: إن ذلك جاء بدافع الحسد المذموم. .

و قد يقال: إن هذا الأمر قد جاء نتيجة الإحساس بأنه بعد فراره هو

و صاحبه قد أصبحا في موضع التهمة، و أن عليه أن يستعيد شيئا من ماء الوجه، مع علمه بمقصود النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فعرض نفسه لذلك، و طلب الراية لنفسه، مع يقينه بأنه لن يختاره، هو و لا غيره من الفارين، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، و لا يصح، و لا يفيد تجريب المجرب، إلا من السفيه، و غير المتوازن. و حاشا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكون كذلك.

4-إن المفروض: أن يكون نفس كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» مانعا لعمر، و لغيره ممن هم مثله من التصدي للراية، و لا يجوز لهم بمقتضاه أن يطلبوها من جديد، إذ إن الكرار غير الفرار، هو ذلك الذي كان من عادته الكر، دون الفر، و قد ظهر عمليا أنه ليس كذلك، فما معنى صدور هذا التمني منه، و ما معنى أن يتطاول لها؟ . و ما معنى رجاءه أن يدعى لها؟ ثم أن يبادر إلى طلبها؟ !

5-إن عمر يقول: إنه لم يتمن الإمارة إلا يومئذ، مع أنه هو نفسه يقر و يقسم على أنه قد تمنى هذا الأمر مرة أخرى، و ذلك عند ما جاء وفد ثقيف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لتسلمن، أو لأبعثن إليكم رجلا مني، و في رواية: مثل نفسي، فليضربن أعناقكم، و ليسبين ذراريكم، و ليأخذن أموالكم (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و راجع: الطرائف لابن طاووس ص 65 و البحار ج 38 ص 325 و ج 40 ص 80 و المناقب للخوارزمي ص 136 و نهج الإيمان لابن جبر ص 481 و العدد القوية للحلي ص 250 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 60 و في الهامش روى الحديث في أواسط ترجمة أمير المؤمنين «عليه السلام» من كتاب الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 3 ص 46 و أما عبد الرزاق فروى الحديث في فضائل علي «عليه السلام» تحت الرقم 2389 من كتاب المصنف ج 11 ص 226، و ليلاحظ: ترجمة أمير المؤمنين «عليه السلام» من تاريخ دمشق ج 2 ص 373.

قال عمر: فو اللّه، ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، و جعلت أنصب صدري له، رجاء أن يقول: هو هذا.

فالتفت «صلى اللّه عليه و آله» إلى علي «عليه السلام» ، و قال: هو هذا، هو هذا.

فعمر يقول هنا: ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ.

و في غزوة خيبر يقول: ما تمنيت الإمارة، إلا ذلك اليوم. . فأيهما هو الصحيح؟ ! . .

أم أنه قد تمنى الإمارة في كلا الموردين؟ !

هذا كله. . عدا عن السؤال الذي يطرح نفسه، و هو: أنه حين هاجم بيت الزهراء «عليها السلام» ، بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اعتدى عليها بالضرب، و تسبب في إسقاط جنينها المحسن، و في استشهادها «عليها السلام» ، ألم يكن ذلك منه حبا بالإمارة، و طلبا لها، و إزهاقا لأرواح أقدس الخلق من أجلها؟ !

و كيف نفسر قول أمير المؤمنين «عليه السلام» له حينئذ: احلب حلبا لك شطره؟ ! (1).


1) راجع: الإحتجاج ج 1 ص 96 و الصراط المستقيم ج 2 ص 225 و ج 3 ص 11 و 111 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 173 و البحار ج 28 ص 285 و 388 و ج 29 ص 522 و 626 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 400 و السقيفة للمظفر ص 89 و الغدير ج 5 ص 271 و نهج السعادة ج 5 ص 210 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 708 و تثبيت الإمامة ص 17 و أنساب الأشراف ص 440 و الإمامة و السياسة {تحقيق زيني} ج 1 ص 18 و بيت الأحزان ص 81 و حياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 257.

و قوله «عليه السلام» عنه، و عن أبي بكر: لشد ما تشطرا ضرعيها؟ ! (1). و غير ذلك. .

مقارنة ذات مغزى:

و علينا أن نتأمل كثيرا في موقف عمر الآنف الذكر، حيث تمنى الإمارة في خيبر تارة، و في ثقيف أخرى. . و بين موقف أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فإنه لما بلغه ما قاله النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، عن الذي سوف يعطيه الراية، قال: «اللهم لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت. .» (2).


1) نهج البلاغة {الخطبة الشقشقية} ج 1 ص 33 و رسائل المرتضى ج 2 ص 109 و الإحتجاج ج 1 ص 284 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 167 و حلية الأبرار ج 2 ص 290 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 457 و النص و الإجتهاد ص 25 و الغدير ج 7 ص 81 و ج 10 ص 25 و المعيار و الموازنة لابن الإسكافي ص 46 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 162 و 170 و الدرجات الرفيعة ص 34 و بيت الأحزان ص 89 و حياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 282 و شرح شافية ابن الحاجب للأستر آبادي ج 1 ص 78.

2) البحار ج 21 ص 21 و تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و إعلام الورى ج 1 ص 207 و قصص الأنبياء للراوندي ص 344.

فهو «عليه السلام» يعتبر: أن ذلك كرامة إلهية، يختص اللّه تعالى بها من يشاء.

أما بالنسبة لتمنيات عمر، فنقول:

ألف: إن كان يقصد بأنه أحب الإمارة، طمعا منه في ملاقاة العدو، فيرد عليه:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل ذلك قد نهى عن لقاء العدو، و قال: لا تتمنوا لقاء العدو (1). فما معنى أن يخالف عمر هذا النهي


1) قد تقدم الكلام حول هذه الفقرة في فصل سابق و راجع: المعجم الصغير {ط دهلي} ص 163 و المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 38 و تنوير الحوالك ص 644 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 293 و فقه السنة للسيد سابق ج 2 ص 648 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 440 و سنن الدارمي ج 2 ص 216 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 9 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 143 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 592 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 78 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 76 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 45 و ج 14 ص 207 و عن فتح الباري ج 10 ص 160 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 248 و 249 و 250 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 189 و مسند أبي يعلى الموصلي ج 2 ص 151 و مسند ابن أبي أوفى ص 117 و الكافي في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 373 و الأذكار النووية ص 209 و 210 و رياض الصالحين للنووي ص 86 و 534 و 540 و الجامع الصغير ج 2 ص 729 و كنز العمال ج 4 ص 291 و 361 و فيض القدير ج 6 ص 504 و كشف الخفاء ج 2 ص 349 و 359 و إرواء الغليل ج 5 ص 7 و تفسير الثوري ص 119 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 417 و ج 2 ص 328 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 233 و 245 و عن الدر المنثور ج 3 ص 189 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 489 و سير أعلام النبلاء ج 6 ص 7 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 383 و ج 5 ص 120 و ج 9 ص 114.

من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

ثانيا: إنه قد جرب حظه مرتين، و مع هذا العدو بالذات، و لم يتغير شيء بين الأمس و اليوم.

ب: و إن كان قد تمنى و تطاول إلى الحصول على الإمارة، لما دلت عليه من محبة اللّه و رسوله، و حصول الفتح، فهو أعجب، و أعجب. فإن كل الناس يعرفون-و عمر بن الخطاب منهم-: أن في جهاد العدو رضا اللّه و رسوله.

و أن محبة اللّه و رسوله لا تنال إلا بالعمل الصالح، و الطاعة و الانقياد في الحرب و السلم، و السراء و الضراء، و هو عارف بنفسه إن كان قد أطاع اللّه و رسوله، و لبى نداء الواجب في جهاد العدو أم أنه لم يقم بذلك.

سعادتهم برمد علي عليه السّلام:

لقد أظهرت النصوص المختلفة: أن قريشا و المتأثرين بمنهجها، و التابعين لها، كانوا سعداء بابتعاد علي «عليه السلام» عن الساحة، و لعلهم ظنوا: أن كل الدور سيكون لهم، و أن الانتصارات و الإنجازات ستحقق على أيديهم، و أن جميع الأوسمة، ستكون من نصيبهم. .

و هذا أول الغيث، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلن عن و سام جديد و هو: أنه سيعطي الراية رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه. .

و في جميع الأحوال نقول:

إنه بعد أن قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية غدا الخ. . غدت قريش يقول بعضهم لبعض:

«أما علي فقد كفيتموه، فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه» (1).

غير أن عليا «عليه السلام» لما سمع مقالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «اللهم لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت» .

و ربما يكون قد دار في خلدهم: أن هذه الأوسمة تعطى جزافا، و أن وجود علي «عليه السلام» بينهم كان هو العائق لهم عن نيلها. . و أن فرارهم السابق لا يضر، فلعل الجيش الذي سوف يقودونه سيجد الفرصة لتحقيق النصر أو لعل بعضهم قد ظن أن هذا الفتح-الذي وعدهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -سيكون سهلا؛ لأنه وعد تضمن الإشارة إلى التدخل الإلهي الذي يأتي بالفتح، فلا تعب و لا نصب، بل هي معجزة يظهرها اللّه تعالى، و ينتهي الأمر. . و هم أهل لأن يظهر اللّه سبحانه المعجزات لمصلحتهم و من أجلهم. .

و هذا سوف يعوضهم عن النكسة التي مني بها أحباؤهم، الذين هربوا بالراية أكثر من مرة في هذه الحرب.

و لعل فيهم أيضا من احتمل أن يكون لغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تأثير على روحيات المقاتلين، الذين سوف يهاجمون الحصن بقوة و اندفاع، يوفر على حاملي الراية جهدا، و يحقق لهم نصرا على أيدي غيرهم، و يظهر لهم فضلا يكون لهم بمثابة الغنيمة الباردة التي يحلم بها الضعفاء، و الفرارون عادة. .


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 319 و البحار ج 21 ص 21 عن ابن جرير و أبي إسحاق، و إعلام الورى ج 1 ص 207.

يضاف إلى ذلك: أن نفس هذا التصدي، و استعراض العضلات، ربما يسهم في تبرئة القادة الذين فروا، و كان أصحابهم يجبنونهم، و يجعل التهمة بالجبن و الفرار موجهة لغيرهم، أكثر مما هي موجهة إليهم.

و الأهم من ذلك كله: أن أي رجل يأخذ الراية لسوف يكون له كل الفضل على الذين هربوا حتى لو كان هو واحدا منهم، و لا سيما بعد غضب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و استيائه، و بعد ما قاله في حقهم تصريحا تارة، و تلويحا أخرى.

كلهم يرجو أن يغطاها:

و لا ندري كيف يرجو أولئك الذين فروا بالراية، مرة بعد أخرى و ربما أكثر من ثلاث مرات، أن يعطيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الراية مرة رابعة، أو خامسة؟ !

فهل هم يحسبون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يملك موازين صحيحة؟

أم يظنون أنه شديد النسيان إلى هذا الحد؟

أم أنه يخضع لتأثيرات الهوى، و الميول، و العصبيات؟ !

أم أنهم هم أنفسهم قد خولطوا في عقولهم؟ !

أم أنهم يظنون أن الرسول سوف يخصهم بمعجزة إلهية، يستطيع هو أن يختار لها من أحب؟ !

ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو الذي يقول: لا يلدغ المؤمن

من جحر مرتين (1)، فكيف يتوقع منه أبوبكر و عمر أن يعطيهما الراية، و هما


1) راجع: مجمع الزوائد ج 8 ص 90 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 395 و الأدب المفرد ص 272 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 240 و الديباج على مسلم ج 6 ص 299 و عن فتح الباري ج 10 ص 439 و 440 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 438 و المعجم الكبير ج 2 ص 222 و ج 17 ص 20 و المعجم الأوسط ج 7 ص 34 و 83 و ج 1 ص 31 و مسند الشاميين ج 1 ص 161 و معرفة علوم الحديث ص 250 و مسند الشهاب ج 2 ص 34 و رياض الصالحين ص 711 و عن الجامع الصغير ج 2 ص 758 و عن كنز العمال ج 1 ص 147 و 166 و فيض القدير ج 6 ص 588 و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 57 و سبل السلام للعسقلاني ج 4 ص 55 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 551 و الصراط المستقيم ج 1 ص 114 و عن بحار الأنوار ج 110 ص 10 و عن مسند أحمد ج 2 ص 115 و سنن الدارمي ج 2 ص 319 و عن البخاري ج 7 ص 103 و عن مسلم ج 8 ص 227 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 448 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1318 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 320 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 18 ص 114 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 97 و قصص الأنبياء للجزائري ص 207 و كشف الخفاء ج 2 ص 185 و 374 و 375 و الأحكام لابن حزم ج 7 ص 968 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 1 ص 74 و المجروحون لابن حبان ج 1 ص 40 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 331 و 444 و ج 4 ص 65 و العلل للدارقطني ج 9 ص 109 و 111 و تاريخ بغداد ج 5 ص 427 و تاريخ مدينة دمشق ج 55 ص 372 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 340 و 342 و الذريعة ج 25 ص 51 و تاريخ جرجان ص 314 و البداية و النهاية ج 3 ص 381 و ج 4 ص 53 و تنزيه الأنبياء ص 110 و نهج الإيمان لابن جبر ص 54 و 618 و الشفاء لعياض ج 1 ص 80 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 486 و ج 3 ص 92 و عن عيون الأثر ج 1 ص 401.

لا يكادان يلتقطان أنفاسهما من عناء الهروب، الذي يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعالج سلبياته و آثاره؟ .

و كيف يتطاولان لها، و هما السبب في اتخاذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا القرار الحاسم، و هو أن يعطي الراية لكرار غير فرار؟ ! .

حتى قريش:

و الأغرب من ذلك أن يصرح المؤرخون: بأن قريشا هي التي تطاولت لهذا الأمر، و رجا كل واحد منهم أن يكون هو صاحب الراية، فما هو المبرر لهذا الطموح القبائلي القرشي؟ !

و متى كانت قريش-بما هي قبيلة-مهتمة بأمر الجهاد و التضحية و العطاء؟ ! فإننا لا ننكر: أن بعض أفرادها قد جاهد و ضحى، و لكنهم لم يكونوا أفضل من غيرهم في ذلك. .

أم يظنون: أن يغلب الحس العشائري على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيخص عشيرته بالامتيازات، و لو لم تكن مستحقة لها؟ !

لماذا الإعلان المسبق؟ !

و قد لوحظ هنا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وعد الناس بأن يعطي الراية في اليوم التالي لرجل ذكره لهم بوصفه دون اسمه. .

مع أنه كان يمكنه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يسكت في ذلك اليوم، ثم يطلب في اليوم التالي حضور علي «عليه السلام» ، فيعطيه الراية، و يمكن أن يطلق عليه تلك الأوصاف في ساعة إرساله «عليه السلام» للقتال. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد للناس أن يفكروا في هذا الأمر، و أن

يطبقوه على هذا تارة، و على ذاك أخرى. . و أن يتمناها الفرارون، و أن تشرئب إليها الأعناق، في الوقت الذي كان لا يمر في خيال الجميع أو في و همهم حتى احتمال أن يكون المقصود هو علي «عليه السلام» لأن الجميع يعرفون أنه «عليه السلام» يعاني من الرمد ما يعاني. . و لذلك لم يعطه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الراية في أيام رمده، حتى أظهر اللّه تعالى ضعف و خور أولئك القوم، و عرف الناس حقيقتهم، و أنهم لم يكونوا أهلا لما يؤملونه، و ليسوا في المواضع التي يضعون أنفسهم فيها.

و قد استقرت كلمات النبي «صلى اللّه عليه و آله» -في وصف صاحب الراية-في أنفسهم، و طبقوها على الكثيرين منهم، و استمرت الاحتمالات و المقارنات بين الأوصاف و بين ما ظهر من صفات المدّعين للمقامات طيلة تلك الليلة. . حتى تبين لهم في اليوم التالي خطؤهم جميعا في حساباتهم، و أن أحدا من الناس الذين فكروا فيهم لا يملك تلك الصفات.

و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أجّل إطلاق كلماته تلك لليوم التالي فلربما لا يفكر أحد بتلك الصفات، و لا يقوم بأية مقارنة تطبيقية، بل قد يظن الكثيرون أنها مجرد مدائح طارئة، و أوسمة يطلقها الرئيس على القادة عادة، لتشجيع فرسانهم، و شحذ عزائمهم، و قد لا تكون فضفاضة على أصحابها في مجال التطبيق.

التدخل الإلهي:

و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أنه حين ظهر إحجام هؤلاء الناس عن القيام بواجبهم الشرعي في دفع العدو، تدخل اللّه تعالى لحفظ دينه

بصورة إعجازية، و ذلك بشفاء علي «عليه السلام» من دون أن يؤثر ذلك على خيار و اختيار أعدائه تعالى، أي أنه تعالى لم يحل بينهم و بين ما يريدون، و لم يشل حركتهم، و لم يمنعهم من ممارسة حقهم الطبيعي، فليس لهم أن يشعروا بأنهم قد ظلموا في ذلك. .

كما أنه لم يقهر المسلمين و لا عليا «عليه السلام» على التصدي للحرب، بل اكتفى بإزالة الموانع من طريق علي «عليه السلام» بشفاء عينيه، و أفسح المجال له لكي يختار، بعد أن أساء الآخرون الاختيار، فاختاروا الحياة الدنيا، و أنفسهم، و أظهروا: أن أنفسهم أحب إليهم من اللّه و رسوله. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصنع المعجزة:

و شفاء عيني علي «عليه السلام» و إن كان معجزة صنعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم، و لكنها لم تكن المعجزة التي يتوقف عليها إقناع الناس بالنبوة. لأن معجزة النبوة هي القرآن الكريم.

و قد كان الناس مقتنعين بنبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، بالاستناد إليها، أو إلى غيرها من موجبات ذلك. .

كما أن هذا الشفاء لم يأت ابتداء من اللّه تعالى ليظهر سبحانه فضل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو علي «عليه السلام» . بل هو أمر تعمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه أن يفعله. و قد اختاره، و قصد إلى إيجاده بعد أن لم يكن، مما يعني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» عارف به، و مختار له، واثق بالنتيجة قبل حصولها. . و عارف بأنه يملك القدرة على فعله، من خلال ما خوله اللّه تعالى إياه. .

و هذا يشير إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يملك قدرات تمكّنه من التأثير التكويني في أمور واقعية و مادية خارجية، من دون استخدام الوسائل المعتادة. بل من خلال هذه القدرات التي يملكها، و أن القضية ليست مجرد دعاء، قد استجابه اللّه تعالى له.

و هذا يفسر ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تفل في عيني علي «عليه السلام» ، و بزق في إلية يده، فدلك بها عينيه، أو نحو ذلك.

و لا بد من التوقف و التأمل في حقيقة أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بالدعاء و الطلب إلى اللّه تعالى أن يشفيه، بل قرن ذلك بممارسة عملية تؤكد: أنه يريد أن ينجز عملا يقع تحت قدرته و باختياره.

متى رمدت عينا علي عليه السّلام؟

و أما حديث: أن عليا «عليه السلام» قد تخلف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بقي في المدينة، فلما سار «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، قال علي: لا، أنا أتخلف؟ !

فلحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلا يصح؛ و ذلك لما يلي:

أولا: إذا كان علي «عليه السلام» يعاني من رمد في عينيه، حتى إنه لم يكن يبصر، فإنه كان غير قادر على السير إلا بقائد يقوده، و مدبر يدبره، فإلى من أوكلت هذه المهمة يا ترى في كل هذه المدة الطويلة؟ ! فإن كان قائده هو سلمة بن الأكوع.

فإن الرواية قد صرحت: بأنه جاء به يقوده إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في قضية قتل مرحب فقط. .

فكيف جاء من المدينة؟ ! و كيف كان ينتقل من حصن إلى حصن، و من مكان إلى مكان لقضاء حوائجه؟ !

و بعد. . فإن تخلف علي «عليه السلام» في المدينة لا بد أن يكون بإذن من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . كما أن مسيره لا بد أن يكون بإذن منه، فهل استأذن «عليه السلام» في الخروج من المدينة؟ أم أنه فعل ذلك من عند نفسه؟ و إذا كان قد خرج بإذنه «صلى اللّه عليه و آله» و بعلمه، فلماذا لم يخرجه معه، فإن حاله لم يختلف؟ و إن كان قد أذن له بالخروج، فكيف أذن له و هو بهذه الحالة؟ و كيف؟ و كيف؟

ثانيا: إنهم يقولون: إن سبب رمد عيني علي «عليه السلام» هو دخان الحصن الخيبري نفسه، و ليس شيئا آخر عرض له في المدينة، فراجع (1). فإذا صح هذا، فلا يكون ثمة مبرر لبقائه في المدينة، كما زعموا.

ثالثا: صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى اللواء في غزوة خيبر إلى علي بن أبي طالب «عليه السلام» (2).

و قد أعطاه إياه في أول حصن ورد عليه، و باشر معه القتال فيه، و هو حصن ناعم، و قد هاجم هو نفسه ذلك الحصن بالذات، فقتل معه «عليه السلام» (3)عبد يهودي اسمه ياسر، و كان قد أسلم آنئذ.


1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و المسترشد للطبري ص 299 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 92.

2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48 و المطالب العالية ح 4202 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و ج 2 ص 649 و السيرة الحلبية ج 3 ص 35.

3) راجع على سبيل المثال: المغازي للواقدي ج 2 ص 649.

فكيف يعطيه اللواء، و هو لا يبصر طريقه؟ !

رابعا: قال المفيد: «كانت الراية يومئذ لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب» (1).

أي إن هذا الرمد قد عرض له بعد أن تسلم الراية. .

خامسا: إن الرواية نفسها تدل على أن رمد عيني علي «عليه السلام» قد كان طارئا في تلك الفترة، و أنه لم يدم برهة، بحيث يصل خبر ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فقد ذكرت الرواية: أنه في يوم قتل مرحب: أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فصلى الغداة، ثم دعا باللواء، و وعظ الناس، فقال: أين علي؟

قالوا: يشتكي عينيه.

قال: فأرسلوا إليه. .

فلما جيء به قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما لك؟ !

قال: رمدت، حتى لا أبصر ما قدامي.

فظاهر السياق يعطي: أن الناس كانوا يرون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن على علم بأمر الرمد، فأخبروه به.

و سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : ما لك؟ و جواب علي «عليه السلام» له يقطع كل عذر، و يزيل كل شبهة في ذلك.

و لو كان علي «عليه السلام» غائبا عن ساحة القتال كل هذه الأيام، لعلم بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا سيما و أنه هو الذي يعتمد


1) راجع: الإرشاد ج 1 ص 126.

عليه في حروبه، و هو القريب منه، و الذي يواصل الاتصال به، و التفقد له، و هو حامل لوائه، و قائد جيوشه. .

علي عليه السّلام فاجأهم:

و في البخاري و غيره: أن عليا «عليه السلام» رمدت عيناه في المدينة، فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحق به، فوصل في لحظة إعطاء الراية.

ففاجأ حضور علي «عليه السلام» الناس، لأنهم كانوا لا يرجون حضوره، حتى إنهم حين رأوه قالوا بعفوية: هذا علي.

و نقول:

قد ذكرنا فيما تقدم: أن رمد عيني علي «عليه السلام» إنما حصل في أواخر أيام الحصار، بل لقد صرحت بعض الروايات: أن الرمد إنما أصابه بسبب دخان الحصن. .

و أما الحديث الدال على أنهم فوجئوا بحضور علي «عليه السلام» ، فقد يكون بعضه صحيحا إذا كان أكثر الناس لم يلتفتوا، أو لم يسمعوا كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين سأل عن علي «عليه السلام» ، فتصدى عمار بن ياسر، أو سلمة بن الأكوع لإخباره أو إحضاره. فلما جاء به فوجئوا بحضوره.

أما إن كان المقصود: أنهم كانوا يعتقدون أن رمده قد منعه من الخروج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة إلى خيبر، ثم لحق به. .

فقد تقدم: أنه لم يفارق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منذ خروجه من المدينة، حسبما أوضحناه.

لباس علي عليه السلام في الحر و البرد:

و رووا عن علي «عليه السلام» أنه قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث إليّ و أنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول اللّه، إني أرمد! !

فتفل في عيني، فقال: اللهم أذهب عنه الحر و البرد، فما وجدت حرا و لا بردا منذ يومئذ.

و ذكروا: أنه «عليه السلام» كان يلبس في الحر الشديد القباء المحشو الثخين. و يلبس في البرد الشديد الثوبين الخفيفين (1).

و نقول:

أولا: قد ذكروا: أن رجلا دخل على علي «عليه السلام» و هو يرعد


1) مسند أحمد ج 1 ص 99 و السيرة الحلبية ج 3 ص 36 و سنن ابن ماجة {ط المكتبة التازية بمصر} ج 1 ص 56 و الخصائص للنسائي {ط مكتبة التقدم بمصر} ص 5 و العقد الفريد {ط مكتبة الجمالية بمصر} ج 3 ص 94 و كفاية الطالب {ط الغري} ص 130 و تاريخ الخميس ج 2 ص 49 و مجمع الزوائد ج 9 ص 122 و تذكرة الخواص ص 25 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 2 ص 188 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 252 و 253 و البحار ج 21 ص 4 و 20 و 29 عن الخرايج و الجرايح، و عن الخصال ج 2 و عن دلائل النبوة للبيهقي و الميزان {تفسير} ج 18 ص 296 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 106 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 214 و كنز العمال {ط مؤسسة الرسالة} ج 13 ص 121 عن ابن جرير، و البزار، و أحمد، و ابن أبي شيبة، و الطيالسي، و المستدرك، و البيهقي، و غيرهم و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 497 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 88 و 89 و مجمع البيان {ط سنة 1421 ه} ج 9 ص 155.

تحت سمل قطيفة، {أي قطيفة خلقة} فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه جعل لك في هذا المال نصيبا، و أنت تصنع بنفسك هكذا.

فقال: لا أرزؤكم من مالكم شيئا، و إنها لقطيفتي التي خرجت بها من المدينة (1).

قال الحلبي: «قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون رعدته رضي اللّه عنه ليست من البرد، خلاف ما ظنه السائل، لجواز أن تكون لحمى أصابته في ذلك الوقت» (2).

و يرد عليه:

أن هذا تأويل بارد، و رأي كاسد، بل فاسد؛ فإن ظاهر الكلام: أن رعدته قد كانت بسبب رقة ما يلبسه، و هو قطيفة خلقة {أي بالية} ، و أنه لو استفاد من نصيبه من المال، و لبس ما يدفع هذا البرد لم يكن ملوما. فما يجري له كان هو السبب فيه، و هو الذي أورده على نفسه. . و قد أصر «عليه السلام» على عدم المساس بالمال الذي تحت يده.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 36 و حلية الأبرار ج 2 ص 246 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 477 و عن ينابيع المودة ج 2 ص 195 و البحار ج 40 ص 334 و التذكرة الحمدونية {ط بيروت} ص 69 و مختصر حياة الصحابة {ط دار الإيمان} ص 253 و الأموال {ط دار الكتب العلمية} ص 284 و قمع الحرص بالزهد و القناعة ص 79 و صفة الصفوة {ط حيدر آباد الدكن} ج 1 ص 122 و حلية الأولياء ج 1 ص 82 و إحقاق الحق {الملحقات} ج 8 ص 295 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 284 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 173.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 36.

و لعلهم أرادوا في جملة ما أرادوه من هذا الحديث: أن يشككوا الناس بزهده «عليه السلام» في ملبسه، و أن يقولوا لهم: إن ذلك بسبب عدم شعوره بحر و لا برد.

ثانيا: إننا لا نجد أي ارتباط بين شكوى علي «عليه السلام» من الرمد، و بين الدعاء المنسوب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو: اللهم أذهب عنه الحر و البرد. فإنه «عليه السلام» لم يكن يشكو من حر و لا برد.

بل كانت شكواه من رمد عينيه، فهل هذا إلا من قبيل أن تقول لإنسان: إني عطشان، فيقول لك: نم على السرير؟ !

ثالثا: حتى لو كان قد دعا له بإذهاب البرد و الحر عنه. . فإنه لا يجب استمرار أثر ذلك حتى الممات، بل يكفي أن لا يشعر بالبرد و الحر في ذلك اليوم، أو في أيام خيبر مثلا.

و يدل على ذلك: أنهم قد رووا عن بلال، قوله: أذّنت في غداة باردة فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلم ير في المسجد أحدا، فقال: أين الناس يا بلال؟ !

قال: منعهم البرد.

فقال: اللهم أذهب عنهم البرد.

قال بلال: فرأيتهم يتروحون (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 214 عن البيهقي، و أبي نعيم، و الطبراني و جمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 318 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 346 و الموضوعات لابن الجوزي ج 2 ص 93 و أسد الغابة ج 1 ص 209 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 289 و لسان الميزان لابن حجر ج 1 ص 482 و البداية و النهاية ج 6 ص 185.

فلماذا لم يستمر ذهاب البرد عنهم إلى أن خرجوا من الدنيا؟ كما يزعمونه بالنسبة لعلي «عليه السلام» ؟ !

أم أن هذه هي القصة الواقعية، و قد استفيد منها في قصة خيبر، لحاجة في أنفسهم؟ !

الفصل الثالث: قتل مرحب. . أحداث و تفاصيل

اشارة

علوتم و الذي أنزل التوراة:

و عن قول اليهودي لما سمع باسم علي «عليه السلام» : علوتم، و الذي أنزل التوراة على موسى، نقول:

إن أبا نعيم قال: «فيه دلالة على أن فتح علي لحصنهم مقدم في كتبهم، بتوجيه من اللّه وجهه إليهم، و يكون فتح اللّه تعالى على يديه» .

و هي التفاتة جليلة من أبي نعيم، و يؤيدها:

أولا: ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي «عليه السلام» : خذ الراية، و امض بها فجبرئيل معك، و النصر أمامك، و الرعب مبثوث في قلوب القوم. .

و اعلم يا علي، أنهم يجدون في كتابهم: أن الذي يدمر عليهم اسمه {إيليا} ، فإذا لقيتهم فقل: أنا علي.

فإنهم يخذلون إن شاء اللّه تعالى الخ. . (1).

ثانيا: إن مرحبا نفسه قد هرب لما سمع باسم علي «عليه السلام» ، و كانت ظئره قد أخبرته: بأن اسم قاتله حيدرة.


1) البحار ج 21 ص 15 عن الإرشاد للمفيد ج 1 ص 126 و راجع: كتاب الأربعين للماحوزي ص 295 و كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 213.

و قد زعموا: أنها قالت له ذلك: لأنها كانت تتعاطى الكهانة.

و الجواب: إن كونها تتعاطى الكهانة لا يعطيها القدرة على معرفة الغيب الإلهي، فإنه تعالى وحده عٰالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاٰ يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً، إِلاّٰ مَنِ اِرْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ. . (1).

و يشهد لذلك: أننا وجدنا في جملة الأقوال حول تسمية علي «عليه السلام» بحيدرة: أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، و الأسد هو الحيدرة. .

و سيأتي بعض الحديث عن ذلك، تحت عنوان: «من سمى عليا «عليه السلام» بحيدرة» إن شاء اللّه تعالى.

و لعل هناك من يريد اعتبار قول اليهودي: علوتم {أو غلبتم} و الذي أنزل التوراة على موسى، قد جاء على سبيل التفؤل بالاسم. .

و نحن و إن كنا لا نصر على بطلان هذا الاحتمال، باعتبار أن الذين يشتد تعلقهم بالدنيا يتشبثون و لو بالطحلب، و يخافون حتى من هبوب الرياح، و يتشاءمون و يتفاءلون بالخيالات و الأشباح. .

غير أننا نقول: إنه مع وجود الشواهد و المؤيدات لما ذكره أبو نعيم، لا يبقى مجال لترجيح الاحتمال الآخر. .

و نزيد هنا: أن ما أكد لهم صحة ما ورد في كتبهم، هو ما تناهى إلى مسامعهم من مواقف علي «عليه السلام» التي تظهر أنه أهل لما أهّله اللّه تعالى له، كما دلت عليه معالي أموره في المواقع المختلفة في الحرب، و في


1) الآيتان 26 و 27 من سورة الجن.

السلم على حد سواء، و من ذلك مبيته «عليه السلام» على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الهجرة، و جهاده في بدر، و أحد، و الخندق، و قريظة، و النضير، و. . و. . الخ. .

قتل علي عليه السّلام مرحبا و الفرسان الثمانية:

قالوا: ثم خرج أهل الحصن إلى ساحة القتال. . أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه لما أصبح أرسل إلى علي «عليه السلام» و هو أرمد، فتفل في عينيه. قال علي «عليه السلام» : فما رمدت حتى الساعة. و دعا له، و من معه من أصحابه بالنصر.

فكان أول من خرج إليهم الحارث أبو زينب، أخو مرحب في عادية {أي ممن يعدون للقتال على أرجلهم} -قال الحلبي: و كان معروفا بالشجاعة-فانكشف المسلمون، و ثبت علي «عليه السلام» ، فاضطربا ضربات، فقتله علي «عليه السلام» .

و رجع أصحاب الحارث إلى الحصن، و أغلقوا عليهم، و رجع المسلمون إلى موضعهم. .

و خرج مرحب و هو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبالخ. . .

فحمل عليه علي «عليه السلام» فقطّره {أي ألقاه على أحد قطريه، أي جانبيه} على الباب، و فتح الباب، و كان للحصن بابان (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و 654 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 34.

و رجع أصحاب الحارث إلى الحصن، و برز عامر، و كان رجلا جسيما طويلا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين برز و طلع عامر: «أترونه خمسة أذرع» ؟ و هو يدعو إلى البراز.

فخرج إليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفّف عليه، و أخذ سلاحه.

قال ابن إسحاق: ثم برز ياسر و هو يقول:

قد علمت خيبر أني ياسرشاكي السلاح بطل مغاور

إذا الليوث أقبلت تبادرو أحجمت عن صولة المساور

إن حسامي فيه موت حاضر

قال محمد بن عمر: و كان من أشدائهم، و كان معه حربة يحوس الناس بها حوسا.

فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له الزبير بن العوام: أقسمت إلا خليت بيني و بينه، ففعل.

فقالت صفية لما خرج إليه الزبير: يا رسول اللّه، يقتل ابني؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بل ابنك يقتله، إن شاء اللّه» ، فخرج إليه الزبير و هو يقول:

قد علمت خيبر أني زبارقرم لقرم غير نكس فرار

ابن حماة المجد، ابن الأخيارياسر لا يغررك جمع الكفار

فجمعهم مثل السراب الختار

ثم التقيا فقتله الزبير.

قال ابن إسحاق: و ذكر أن عليا هو الذي قتل ياسرا.

قال محمد بن عمر: و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للزبير لما قتل ياسرا: فداك عم و خال.

ثم قال: «لكل نبي حواري، و حواري الزبير و ابن عمتي» (1).

و في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم، و البيهقي: أن مرحبا خرج و هو يخطر بسيفه.

و في حديث ابن بريدة، عن أبيه: خرج مرحب و عليه مغفر معصفر يماني، و حجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، و هو يرتجز و يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب

إذا الليوث أقبلت تلهب

قال سلمة: فبرز له عامر {أي عامر بن الأكوع} و هو يقول:

قد علمت خيبر أني عامرشاكي السلاح بطل مغامر

قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، و كان سيفه فيه قصر، فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، و في رواية: أصاب عين ركبته، و كانت فيها نفسه.

قال بريدة: فبرز مرحب و هو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب

إذا الليوث أقبلت تلهبو أحجمت عن صولة المغلب


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 657 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 125 و 126 و تاريخ الخميس ج 2 ص 51.

فبرز له علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و عليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، و هو يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة

فضرب مرحبا ففلق رأسه، و كان الفتح (1).

و في نص آخر: أن عليا «عليه السلام» أجاب مرحبا بقوله:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه المنظرة

عبل الذراعين شديد القصورةأضرب بالسيف وجوه الكفرة

ضرب غلام ماجد حزوّرةأكيلكم بالسيف كيل السندرة (2)

و في حديث بريدة، فاختلفا ضربتين، فبدره علي «عليه السلام» بضربة {بذي الفقار} فقدّ الحجر، و المغفر، و رأسه، و وقع في الأضراس، و أخذ المدينة.

و في نص آخر: سمع أهل العسكر صوت ضربته. و قام الناس مع علي


1) صحيح مسلم ج 5 ص 195 و مسند أحمد ج 5 ص 333 و 351 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 38 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي {ط المكتبة الإسلامية بطهران} ص 176 و لباب التأويل ج 4 ص 182 و 183 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185 و 187 و البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها و معالم التنزيل {ط مصر} ج 4 ص 156 و حياة الحيوان ج 1 ص 237 و طبقات ابن سعد {مطبعة الثقافة الإسلامية} ج 3 ص 157 و ينابيع المودة {ط بمبي} ص 41 و المغازي للواقدي ج 2 ص 657.

2) تذكرة الخواص ص 26.

حتى أخذ المدينة (1).

و في نص آخر: ضربه على هامته حتى عض السيف منها بأضراسه، و سمع أهل العسكر صوت ضربته.

قال: و ما تتام آخر الناس مع علي «عليه السلام» حتى فتح لأولهم (2).

و في نص آخر: «فخرج يهرول هرولة، فو اللّه ما بلغت أخراهم حتى دخل الحصن.

قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا.

و صاح سعد: اربع يلحق بك الناس.

فأقبل حتى ركزها قريبا من الحصن الخ. .» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 126 و 125 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و 37 و 38 و مسند أحمد ج 5 ص 358 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها، و لباب التأويل ج 4 ص 182 و 183 و معارج النبوة ص 219 و الإصابة ج 2 ص 502 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 220 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437 و معالم التنزيل ج 4 ص 156 و تاريخ الخميس ج 2 ص 50 و راجع بعض ما تقدم في: إمتاع الأسماع ص 315 و 316.

2) مسند أحمد ج 5 ص 358 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437 و راجع: العمدة لابن البطريق ص 141 و مجمع الزوائد ج 6 ص 15 و السنن الكبرى ج 5 ص 110 و 178 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 95 و عن الإصابة ج 4 ص 466 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 300 و فضائل الصحابة لابن حنبل ج 2 ص 604.

3) البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى ج 1 ص 208 و في هامشه قال: انظر الإرشاد للمفيد ج 1 ص 125 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 159 و 249 و المغازي للواقدي.

و في بعض النصوص: «أن مرحبا لما رأى أن أخاه قد قتل خرج سريعا من الحصن في سلاحه، أي و قد كان لبس درعين، و تقلد بسيفين، و اعتم بعمامتين، و لبس فوقهما مغفرا، و حجرا قد ثقبه قدر البيضة، و معه رمح لسانه ثلاثة أسنان، و ذكر أن ياسرا خرج بعد مرحب» (1).

و لم يكن بخيبر أشجع من مرحب و لم يقدر أحد من أهل الإسلام أن يقاومه في الحرب (2).

و زعموا: أن محمد بن مسلمة قتل أسيرا أيضا (3).

و عن علي «عليه السلام» قال: لما قتلت مرحبا، جئت برأسه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).

قال الديار بكري: قيل هذا-أي قتل علي مرحبا-هو الصحيح، و ما نظمه بعض الشعراء يؤيده، و هو:

علي حمى الإسلام من قتل مرحبغداة اعتلاه بالحسام المضخم

و في رواية قتله محمد بن مسلمة (5).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و 38 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 50.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 50.

3) إمتاع الأسماع ص 315.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 127 و مسند أحمد ج 1 ص 111 و تذكرة الخواص ص 26 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 152 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 357.

5) تاريخ الخميس ج 2 ص 50 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 5 عن جماعة من السفاف و المعاندين ادّعوا: أن مرحبا قتله محمد بن مسلمة، و ادّعوا، و ادّعوا.

و سيأتي الكلام حول ذلك، و أنه مكذوب و مختلق.

و لنا مع هذه النصوص و قفات عديدة، نكتفي منها بما يلي:

قطع رأس مرحب لماذا؟ !

بالنسبة لما روي من أن عليا «عليه السلام» قد قطع رأس مرحب، و جاء به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، نقول:

أولا: هو أمر لم نعهده منه «عليه السلام» في مختلف مواقفه الجهادية. .

و ثانيا: إننا لا نرى مبررا لتصرف كهذا. فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كذلك علي «عليه السلام» لم يكونا ممن يرغب في التشفي من الأشخاص، لا في حياة أولئك الأشخاص، و لا بعد مماتهم، بل كانا يريدان دفع الفساد، و إقامة الدين.

ثالثا: إنه إذا كان «عليه السلام» قد شق رأس مرحب و جسده نصفين حتى بلغ السرج (1)، كما ذكرته بعض الروايات؛ فإن قطع الرأس في هذه الحال يصبح بمثابة جمع أشلاء، و حمل قطع ذات منظر مثير، و هو أمر لا يليق فعله بالإنسان العادي، فكيف بأنبل الناس، و أشرفهم، و أكرمهم؟ !

صفية تتدخل لمصلحة ولدها:

و أما قصة الزبير، و أن أمه قد خافت عليه، حين برز لذلك اليهودي. فنحن نشك في صحتها. و ذلك لما يلي:

أولا: إنهم يقولون: إن هذه القضية قد حصلت في بني قريظة، حيث


1) معارج النبوة ص 323 و 219.

برز أحد الأعداء، فقال النبي «صلّى اللّه عليه و آله» للزبير: قم يا زبير.

فقالت أمه صفية: واحدي يا رسول اللّه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير فقتله. فنفله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سلبه و قال: السلب للقاتل (1).

ثم نجد الحلبي يشكك في هذه القضية أيضا، فيقول: فليتأمل، فإني لم أقف في كلام أحد على أن بني قريظة وقعت منهم مقاتلة بالمبارزة (2)

فأي ذلك هو الصحيح؟ ! .

ثانيا: قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للزبير حين قتل ياسرا: فداك عم، و خال. . يثير أمامنا سؤالا عن السبب في اختيار تفديته بالعم و الخال، دون الأب و الأم كما هو المعتاد، و من هو العم المقصود بالتفدية؟ ! فهل أراد أن يفديه بعمه المشرك أبي لهب، أو بعمه الآخر أبي طالب، الذي يزعمون أنه مات مشركا أيضا؟ ! مع أن دعواهم الثانية في أبي طالب محض افتراء و بهتان، كما أثبتناه في كتابنا: «ظلامة أبي طالب عليه السلام» .

و من هو الخال الذي يقصدونه؟ و هل كان مسلما أم مشركا؟ !

و لماذا ترك «صلى اللّه عليه و آله» تفدية الزبير بأبويه، مع أنهم يزعمون أنه كان قد فداه بهما في أحد، و في بني قريظة (3).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 38 عن الزمخشري و المغازي للواقدي ج 2 ص 504.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 38 و المغازي للواقدي ج 2 ص 505.

3) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و السيرة الحلبية ج 2 ص 217 و راجع ص 327 و 328 كلاهما عن الشيخين. و قال الترمذي: حديث حسن. و التاريخ الكبير للبخاري ج 6 ص 13.

قال ابن عبد البر: ثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبويه مرتين: يوم أحد، و يوم بني قريظة.

فقال: ارم فداك أبي و أمي (1).

و رغم: أنهم يقولون هذا، فإنهم ينكرونه في موضع آخر فيقولون أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجمع أبويه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص (2).

ثالثا: زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للزبير حين قتل ياسرا: «لكل نبي حواري، و حواري الزبير و ابن عمتي» .

مع أنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له ذلك، حين جاءه بخبر بني قريظة (3).

فأيهما هو الصحيح؟ و إن كنا نعتقد بعدم صحة أي منهما أيضا.

فقد ذكرنا في غزوة بني قريظة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما استخبر عن أمر بني قريظة بواسطة سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، فلم

(3) و قول الزبير الأخير: موجود في السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 10 و كذا في سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 لكنه لم يصرح ببني قريظة. و حدائق الأنوار ج 2 ص 590 عن الصحيحين، و ليس فيهما تصريح ببني قريظة أيضا. و فيه: أنه لما قال له الزبير: أنا، قال: إن لكل نبي حواري، و إن حواريي الزبير. و راجع: صحيح البخاري كتاب أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، باب مناقب الزبير.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 217 و 229.

2) السيره الحلبية ج 2 ص 229 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 184.

3) المغازي ج 2 ص 457 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و السيرة الحلبية ج 2 ص 217.

يكن هناك حاجة لإرسال الزبير.

رابعا: صرحت بعض الروايات: بأن الزبير كان أيضا قد طلب الراية يوم خيبر، و أنه كان قد فرّ بها، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعطه إياها بل قال «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي كرم اللّه وجه محمد لأعطين الراية رجلا لا يفر، هاك يا علي (1).

و سيأتي بعض الحديث عن ذلك إن شاء اللّه تعالى. .

الزبير حواري رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و أما الحديث الذي يقول: لكل نبي حواري، و إن حواريي الزبير، و ابن عمتي. .

فلا نشك: في أنه مكذوب على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» . .

و يكفي أن نذكر شاهدا على ذلك:

أولا: روى الكشي بسنده عن أسباط بن سالم، عن الإمام الكاظم «عليه السلام» أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حوارييّ محمد بن عبد اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذين لم ينقضوا العهد، و مضوا عليه؟ !


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 124 و راجع: شرح الأخبار ج 1 ص 321 و العمدة ص 140 و 143 و فضائل الصحابة ج 2 ص 617 ح 1054 و ص 583 ح 987 و ذخائر العقبى ص 73 عن مسند أحمد ج 3 ص 16 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 500 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 104 و 105 و البداية و النهاية ج 4 ص 212 و نهج الإيمان لابن جبر ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 352 و ينابيع المودة ص 164 و مصادر أخرى تقدمت.

فيقوم سلمان، و المقداد، و أبو ذر.

ثم ينادي مناد: أين حوارييّ علي بن أبي طالب «عليه السلام» الخ. . ؟ (1).

ثانيا: ما معنى و ما فائدة قوله في الحديث المزعوم: و ابن عمتي؟ ! فهل لم يكن الناس يعلمون: أن الزبير كان ابن عمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و ما فائدة كونه كذلك، إذا كان سوف يخالف أمره «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخرج على أخيه و وصيه، و ابن عمه علي بن أبي طالب «عليه السلام» ؟ ! . و سيخرج زوجته «صلى اللّه عليه و آله» من خدرها، و يسير بها في البلاد لتعينه على حرب علي «عليه السلام» . .

لقد كان ابن نوح أقرب إلى نوح من أي إنسان آخر، و لكن ذلك لم ينفعه، حين آثر الكفر على الإيمان و الخيانة على الأمانة. .

و لقد كان أبو لهب أقرب الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الزبير، و لكن ذلك لم ينفعه أيضا، حين اختار أن يحارب اللّه و رسوله. .


1) سفينة البحار ج 2 ص 194 عن رجال الكشي، و البحار ج 34 ص 275 و ج 22 ص 342 و الإختصاص {ط النجف} ص 55 و روضة الواعظين {ط سنة 1386 ه} ص 282 و راجع: شجرة طوبى ج 1 ص 78 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 465 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 210 و إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 41 و جامع الرواة للأردبيلي ج 1 ص 110 و 545 و الدرجات الرفيعة ص 432 و طرائف المقال ج 2 ص 340 و 593 و معجم رجال الحديث ج 4 ص 156 و ج 9 ص 197 و ج 20 ص 109 و تهذيب المقال ج 4 ص 200 و الشيعة في أحاديث الفريقين ص 518.

بل إن قرابته هذه سوف تزيد من عذابه في نار جهنم، لأنه يكون بها أشد إساءة إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى دين اللّه تعالى، حيث ستكون سببا في صدود الناس عنه «صلى اللّه عليه و آله» و عن الدين الذي جاء به.

كما أن هذه القرابة القريبة آكد في إقامة الحجة عليه، بسبب شدة قربه من الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و اطّلاعه على أحواله، و على صدقه و صحة ما جاء به. .

ثالثا: من أين لنا، و كيف يمكن إثبات أن لكل نبي حواريا؟ فإن القرآن قد صرح: بأن عيسى «عليه السلام» هو الذي كان له حواريون، كما أن الروايات تقول: إن للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» أيضا حواريين. .

و لم نجد مثل ذلك لسائر الأنبياء «عليهم السلام» ، سواء أكانوا من أولي العزم، أم من غيرهم.

رابعا: بماذا استحق الزبير أن يكون حواري رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سائر الصحابة، ممن كانوا أقرب إليه «صلى اللّه عليه و آله» منه بمراتب؟ !

خامسا: روى هشام بن زيد، عن أنس، قال: سألت النبي «صلى اللّه عليه و آله» : من حواريك يا رسول اللّه؟ !

فقال: الأئمة بعدي اثني عشر، من صلب علي و فاطمة «عليهما السلام» .

و هم حواريي، و أنصار ديني (1).


1) البحار ج 36 ص 271 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 213 و راجع: كفاية الأثر ص 69.

و في نص آخر: عن أبي المفضل، عن رجاء بن يحيى العبر تائي الكاتب، عن محمد بن خلاد الباهلي، عن معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك، قال:

سألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن حوارييّ عيسى «عليه السلام» ، فقال: كانوا من صفوته و خيرته، و كانوا اثني عشر، مجردين، مكمشين في نصرة اللّه و رسوله، لا زهو فيهم، و لا ضعف، و لا شك، كانوا ينصرونه على بصيرة و نفاذ، و جدّ و عناء.

قلت: فمن حواريك يا رسول اللّه؟

فقال: الأئمة من بعدي اثنا عشر، من صلب علي و فاطمة، هم حواريي، و أنصار ديني عليهم من اللّه التحية و السلام (1).

لماذا تعظيم الزبير؟ !

من الواضح: أن سياسة هؤلاء تقضي بتعظيم كل من ناوأ علي بن أبي طالب «عليه السلام» و حاربه، فمن الطبيعي إذا أن نجدهم يهتمون بمنح الزبير الأوسمة و أن ينحلوه الكثير من البطولات التي لا يستحقها، بل من الطبيعي أن يختلسوا مواقف أمير المؤمنين «عليه السلام» و يمنحوها لأعدائه الذين أحبوهم لبغضهم عليا «عليه السلام» ، و الزبير-كما هو معلوم-قاد جيشا و حارب عليا «عليه السلام» و تسبب بقتل الألوف من المسلمين و المؤمنين، و لكن الدائرة قد دارت عليه حتى قتل و هو منهزم كما دلت عليه


1) البحار ج 36 ص 309 و كفاية الأثر ص 10.

النصوص الكثيرة.

و أما بشارته «عليه السلام» لابن جرموز-قاتل الزبير-بالنار، فإنما هي إخبار بالغيب عما سيؤول إليه أمر ابن جرموز من المروق من الدين، و صيرورته خارجيا، و ليس لأجل أن الزبير قد تاب و انصرف عن الحرب. و لو كان لأجل ذلك لكان أقاده به، و لما طلّ دمه.

و إنما قلنا: إنه قتل و هو منهزم، استنادا إلى نصوص كثيرة، نذكر منها ما يلي:

1-إنه حينما ذكّر علي «عليه السلام» الزبير بقول رسول «صلى اللّه عليه و آله» له: «أما إنك ستحاربه، و أنت ظالم له» .

رجع الزبير إلى صفوفه، و اتهمه ولده عبد اللّه بالجبن و قال له:

ما أراك إلا جبنت عن سيوف بني عبد المطلب، إنها لسيوف حداد، تحملها فتية أنجاد.

فقال الزبير: و يلك، أتهيجني على حربه؟ ! أما إني قد حلفت ألا أحاربه.

قال: كفّر عن يمينك، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت، و ما كنت جبانا.

فقال الزبير: غلامي مكحول حر كفارة عن يميني.

ثم أنصل سنان رمحه، و حمل على عسكر علي «عليه السلام» برمح لا سنان له.

فقال علي «عليه السلام» : أفرجوا له، فإنه محرج.

ثم عاد إلى أصحابه، ثم حمل ثانية، ثم ثالثة.

ثم قال لابنه: أجبنا-و يلك-ترى؟ !

فقال: لقد أعذرت (1).

2-و قد قال همام الثقفي:

أيعتق مكحولا و يعصي نبيهلقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق

أينوي بهذا الصدق و البر و التقىسيعلم يوما من يبر و يصدق (2)

3-و قد قال النجاشي الشاعر، في رثائه لعمرو بن محصن الأنصاري:

و نحن تركنا عند مختلف القناأخاكم عبيد اللّه لحما ملحّبا

بصفين لما ارفض عنه رجالكمو وجه ابن عتاب تركناه ملغبا

و طلحة من بعد الزبير، و لم ندعلضبة في الهيجا عريفا و منكبا (3)

4-و روى البلاذري: أن ابن الزبير لما جبّن أباه و عيّره، قال له: حلفت ألا أقاتله.

قال: فكفر عن يمينك.

فأعتق غلاما له يقال له: سرجس. و قام في الصف بينهم (4).


1) شرح النهج للمعتزلي {تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم} ج 1 ص 234 و راجع: تلخيص الشافي ج 4 ص 150 و 141 و 142 و 143 و الفصول المختارة ص 106 و تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف بمصر} ج 4 ص 502 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 240 و 261 و تذكرة الخواص ص 71 و البحار ج 32 ص 205.

2) البحار ج 32 ص 205.

3) شرح النهج للمعتزلي {ط سنة 1964 م} ج 2 ص 819.

4) تلخيص الشافي ج 4 ص 143 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 167 و تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف بمصر} ج 4 ص 509 و أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 254.

5-و قال عبد الرحمن بن سليمان:

لم أر كاليوم أخا إخوانأعجب من مكفر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمن

6-و قال رجل من شعرائهم:

يعتق مكحولا لصون دينهكفارة للّه عن يمينه

و النكث قد لاح على جبينه (1)

7-و كتب «عليه السلام» إلى أهل الكوفة يخبرهم بالفتح، و يقول:

«فقتل طلحة و الزبير. و قد تقدمت إليهما بالمعذرة، و أبلغت إليهما بالنصيحة، و استشهدت عليهما صلحاء الأمة، فما أطاعا المرشدين، و لا أجابا الناصحين الخ. .» (2).

8-و عن سليم في حديث قال: و نشب القتال، فقتل طلحة، و انهزم الزبير (3).

9-و عن الحسن قال: إن عليا «عليه السلام» لما هزم طلحة و الزبير أقبل الناس مهزومين فمروا بامرأة حامل الخ. . (4).

10-و ذكر الحاكم: أن عليا «عليه السلام» نادى في الناس: أن لا


1) تلخيص الشافي ج 4 ص 142 و تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف بمصر} ج 4 ص 502 و تذكرة الخواص ص 71.

2) تلخيص الشافي ج 4 ص 136.

3) البحار ج 32 ص 217.

4) البحار ج 32 ص 214.

ترموا أحدا بسهم و لا تطعنوا برمح، و لا تضربوا بسيف، و لا تطلبوا القوم. . إلى أن قال:

ثم الزبير قال لأساورة كانوا معه: ارموهم برشق. و كأنه أراد أن ينشب القتال.

فلما نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا، و حملوا.

فهزمهم اللّه، و رمى مروان طلحة الخ. . (1).

و هذا يدل: على أن الوقعة الفاصلة قد حصلت بفعل الزبير نفسه و حضوره، و أن الهزيمة وقعت عليه و على أصحابه.

11-و ذكر الطبري: أنه «لما انهزم الناس في صدر النهار نادى الزبير: أنا الزبير، هلموا إليّ أيها الناس، و معه مولى له ينادي: أعن حواري رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تنهزمون؟ ! .

و انصرف الزبير نحو وادي السباع» (2).

12-و ذكروا أيضا: أن كعب بن سور أقبل إلى عائشة، فقال: أدركي، فقد أبى القوم إلا القتال، فركبت، و ألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملها، فلما برزت من البيوت وقفت و اقتتل الناس، و قاتل الزبير، فحمل عليه عمار بن ياسر، فجعل يحوزه بالرمح و الزبير كاف عنه، و يقول: أتقتلني، يا أبا اليقظان؟

فيقول: لا، يا أبا عبد اللّه.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 371.

2) تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف بمصر} ج 4 ص 512.

و إنما كف عنه الزبير لقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : تقتل عمارا الفئة الباغية. و لو لا ذلك لقتله.

و بينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة. . فقالت: ما هذا؟

قالوا: ضجة العسكر.

قالت: بخير أو بشر؟

قالوا: بشر.

فما فجأها إلا الهزيمة.

فمضى الزبير من سننه في وجهه، فسلك وادي السباع، و جاء طلحة سهم غرب الخ. . (1).

أضاف ابن الأثير قوله عن الزبير: و إنما فارق المعركة، لأنه قاتل تعذيرا لما ذكر علي «عليه السلام» (2).

13-و نص آخر يقول: «لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة و الزبير، مضى الزبير حتى مرّ بمعسكر الأحنف الخ. .» (3).

14-و عن محمد بن إبراهيم قال: «هرب الزبير على فرس له، يدعى بذي الخمار، حتى وقع بسفوان، فمر بعبد اللّه بن سعيد المجاشعي الخ. .» (4).

15-و في نص آخر: «هرب الزبير إلى المدينة، حتى أتى وادي السباع،


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 3 ص 243 و راجع ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 507.

2) الكامل ج 3 ص 243.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 534.

4) الجمل ص 387.

فرفع الأحنف صوته الخ. .» (1).

16-و عن أبي مخنف و غيره: مضى الزبير حين هزم الناس يريد المدينة، حتى مر بالأحنف أو قريبا منه الخ. . (2).

17-و لعل ما ذكره البلاذري إذا ضممناه إلى ما تقدم يصلح بيانا لحقيقة ما جرى.

فقد روى عن قتادة، قال: لما اقتتلوا يوم الجمل كانت الدبرة على أصحاب الجمل، فأفضى علي إلى الناحية التي فيها الزبير، فلما واجهه قال له: يا أبا عبد اللّه، أتقاتلني بعد بيعتي و بعد ما سمعت من رسول اللّه في قتالك لي ظالما؟ !

فاستحيا و انسل على فرسه منصرفا إلى المدينة، فلما صار بسفوان لقيه رجل من مجاشع يقال له: النعر بن زمام، فقال له: أجرني.

قال النعر: أنت في جواري يا حواري رسول اللّه.

فقال الأحنف: وا عجبا! ! الزبير لفّ بين غارين {أي جيشين} من المسلمين، ثم قد نجا بنفسه الخ. . (3).

فالمراد بانصراف الزبير هو انصراف الهزيمة، لا انصراف التوبة كما هو ظاهر هذا النص إذ لو كان قد انصرف عن القتال على سبيل التوبة، لما احتاج إلى من يجيره.


1) الجمل ص 390.

2) أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 254.

3) المصدر السابق ج 2 ص 258.

و قد صرحت سائر النصوص التي ذكرناها آنفا بهذه الهزيمة.

صيغة أخرى لما جرى في خيبر:

قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قال لعلي «عليه السلام» قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله. .

و لكن نصا آخر ذكر تفصيلا لهذه الوصية يحتاج إلى الكثير من الدراسة و التأمل، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» حين دفع إليه الراية قال له:

«سر في المسلمين إلى باب الحصن، و ادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الإسلام، و لهم ما للمسلمين، و عليهم ما عليهم، و أموالهم لهم. .

و إما أن يذعنوا للجزية و الصلح، و لهم الذمة، و أموالهم لهم.

و إما الحرب.

فإن اختاروا الحرب فحاربهم.

فأخذها و سار بها و المسلمون خلفه، حتى وافى باب الحصن، فاستقبله حماة اليهود، و في أولهم مرحب يهدر كما يهدر البعير.

فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين «عليه السلام» فانهزموا بين يديه و دخلوا الحصن و ردوا بابه، و كان الباب حجرا منقورا في صخر، و الباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، و في وسطه ثقب لطيف، فرمى أمير المؤمنين «عليه السلام» بقوسه من يده اليسرى، و جعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى، لأن السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه

فانهار الصخر المنقور، و صار الباب في يده اليسرى.

فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترسا له، و حمل عليهم فضرب مرحبا فقتله، و انهزم اليهود من بين يديه؛ فرمى عند ذلك الحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر الذي هو الباب على رؤس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر.

قال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت أربعين ذراعا، ثم اجتمعنا على الباب لنرفعه من الأرض و كنا أربعين رجلا حتى تهيأ لنا أن نرفعه قليلا من الأرض» (1).

و نقول:

إننا نذكر القارئ بالأمور التالية:

1-إن من ينقض العهود، و يخون المواثيق إنما يعامله الناس بحزم و بقسوة، و لا يعطونه عادة أي خيار، و لا يمنحونه أية فرصة للاختيار، أما إذا تكررت تلك الخيانات، و ظهر تصميمه على ممارسة العدوان في أية فرصة تسنح له، فلا يترددون في سحقه، و تدميره، و اقتلاعه من جذوره. .

و لكن نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يعامل اليهود بهذه الروحية، بل عاملهم بالعفو و بالتسامح، و بالسعي لمجرد إبطال كيدهم، و دفع شرهم. رغم تكرر خياناتهم له، و إصرارهم على نقض العهود، و إعلانهم الحرب عليه.


1) البحار ج 21 ص 29 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 161 و راجع: إحقاق الحق ج 5 ص 368.

فها هو يقدم لهم خيارات تمنحهم الحياة، و تعفيهم من العقوبة، بل إن بعض تلك الخيارات يمنحهم حصانة، و حقوقا، تساويهم مع سائر من هم معه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إنه يقول لهم: إن أسلموا حقنوا دماءهم، و احرزوا أموالهم، و لهم ما للمسلمين، و عليهم ما عليهم.

و إن لم يفعلوا ذلك. . فإنه أيضا لا ينظر إليهم نظرة العدو و المحارب، بل هو يعطيهم فرصة أخرى للعيش بأمن و سلام، و تكون أموالهم لهم، و لهم ذمة المسلمين.

2-إن اقتلاع باب خيبر كان كافيا لإقناع اليهود بعدم جدوى الحرب، و بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وصيه، و أولياءه مؤيدون من اللّه. . و كان كافيا لأن تستسلم قلوبهم لنداء الضمير و الوجدان، و يعلنوا إيمانهم و إسلامهم.

و لكن ذلك لم يكن، بل عكسه هو الذي كان، فقد حملوا على علي «عليه السلام» مرة أخرى. .

فحمل عليهم و هزمهم. .

3-ثم رمى ذلك الباب من يده إلى مسافات بعيدة، فكان ذلك يكفي رادعا آخر لهم عن غيهم، و دافعا لهم ليثوبوا إلى رشدهم، و ليعلنوا إيمانهم. و لكن ذلك لم يحصل أيضا.

4-و الأغرب من كل هذا و ذاك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يغيّر طريقة تعامله معهم، بل بقي يعتمد سياسة الصفح، و الرفق و التخفيف. فهو بعد كل هذا العناد، و التحدي و الإصرار على مواصلة الحرب، لم ينتقم

منهم، و لم يواجههم بما يستحقونه، بل قبل بأن يعملوا له في الأرض، و أن يعطوه نصف ما يحصل منها. . مع أنهم لا يستحقون البقاء على قيد الحياة، فضلا عن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يهيء لهم الفرصة للحصول على ما يعتاشون به، و يلبي لهم حاجاتهم.

من سمى عليا عليه السّلام بحيدرة؟ !

قد تقدم: أن عليا «عليه السلام» قال في مواجهة مرحب:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه. . .

و قال ثابت بن قاسم: في تسمية علي «عليه السلام» بحيدرة، ثلاثة أقوال:

أحدها: أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، و الأسد هو الحيدرة.

الثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد «رضي اللّه عنها» حين ولدته، كان أبوه غائبا، فسمته باسم أبيها. فقدم أبوه فسماه عليا.

الثالث: أنه كان لقب في صغره بحيدرة، لأن «الحيدرة» الممتلئ لحما مع عظم بطن. و كذلك كان علي (1).

و ذكر ذلك الحلبي أيضا و لكنه لم يشر إلى أن اسمه في الكتب المتقدمة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 163 و قال: «و ذكره الشيخ كمال الدين الدميري {ره} في شرح المنهاج» و راجع: حياة الحيوان {ط المكتبة الشرفية بالقاهرة} ج 1 ص 237 و لسان العرب {ط سنة 1416 ه} ج 3 ص 84 و 85 و مجمع البحرين ج 3 ص 261 و تاريخ الخميس ج 2 ص 50 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 12.

أسد، فراجع (1).

ثم قال: «و يقال: إن ذلك كان كشفا من علي كرم اللّه وجهه، بحيث إن اللّه أطلع عليا على رؤيا كان مرحب قد رآها في تلك الليلة في المنام: أن أسدا افترسه، فذكّره علي كرم اللّه وجهه بذلك. ليخيفه، و يضعف نفسه» (2).

و نقول:

أولا: لو صح قولهم: إن لكلمة حيدرة عدة معان، فلما ذا يختارون منها ما يوهم الناس بأمور غير محببة؟ ! حتى لقد قالوا: الحيدرة: الممتلئ لحما مع عظم بطن، و كذلك كان علي «عليه السلام» . أي أنه قد لقب ب «الحيدرة» لعظم بطنه. .

مع أنهم يقولون: إن أمه هي التي سمته بذلك حين ولدته، فهل كان عظيم البطن من حين ولادته؟ !

و إذا كان قد صرح هو نفسه: بأن أمه قد سمته بحيدرة و كان ذلك منذ ولادته، فما معنى قولهم: لقّب بذلك منذ صغره؟ !

فإن اللقب غير الاسم. . و الاسم يوضع للمولود من حين يولد، و لحوق اللقب في الصغر قد يتأخر لمدة سنوات.

ثانيا: ما معنى قولهم: كان لقّب في سفره ب «الحيدرة» ؟ ألا ينافي هذا قول علي «عليه السلام» نفسه:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه. . .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 38.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 38.

ثالثا: لماذا لا يذكرون ما قاله ابن الأعرابي: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس، و ما قاله أبو العباس: يعني لغلظ عنقه، و قوة ساعديه؟ !

رابعا: قد ذكر ابن بري: أن أم علي لم تسم عليا «عليه السلام» حيدرة، بل سمته أسدا (1).

لكنه «عليه السلام» لم يتمكن من ذكر الأسد لأجل القافية، فعبر بمعناه و هو: «حيدرة» ، فرد عليه ابن منظور بقوله:

«و هذا العذر من ابن بري لا يتم له، إلا إن كان الرجز أكثر من هذه الأبيات، و لم يكن أيضا ابتدأ بقوله: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة» ، و إلا فإذا كان هذا البيت ابتداء الرجز، و كان كثيرا أو قليلا، كان رضي اللّه عنه مخيرا في إطلاق القوافي على أي حرف شاء، مما يستقيم الوزن له به.

كقوله: «أنا الذي سمتني أمي الأسد» ، أو «أسدا» ، و له في هذه القافية مجال واسع، فنطقه بهذا الاسم على هذه القافية من غير قافية تقدمت، يجب اتباعها، و لا ضرورة صرفته إليها، مما يدل على أنه سمي حيدرة» (2).

الصحيح في هذه القضية:

و الصحيح هو: ما رواه المفيد عن الحسين بن علي بن محمد التمار، عن علي بن ماهان، عن عمه، عن محمد بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال:

لما كان يوم خيبر خرج رجل يقال له: مرحب. و كان طويل القامة،


1) لسان العرب {ط سنة 1416 ه.} ج 3 ص 84.

2) المصدر السابق ج 3 ص 84 و 85.

عظيم الهامة، و كانت اليهود تقدمه لشجاعته و يساره.

قال: فخرج ذلك اليوم إلى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما واقفه قرن إلا قال: أنا مرحب. ثم حمل عليه، فلم يثبت له.

قال: و كانت له ظئر، و كانت كاهنة، تعجب بشبابه، و عظم خلقه.

و كانت تقول له: قاتل كل من قاتلك، و غالب كل من غالبك، إلا من تسمّى عليك ب «حيدرة» ، فإنك إن وقفت له هلكت.

قال: فلما كثر مناوشته، و جزع الناس بمقاومته، شكوا ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سألوه أن يخرج إليه عليا «عليه السلام» ، فدعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» ، و قال له: «يا علي، اكفني مرحبا» .

فخرج إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فلما بصر به مرحب يسرع إليه فلم يره يعبأ به، أنكر ذلك، و أحجم عنه، ثم أقدم و هو يقول:

أنا الذي سمتني أمي مرحبا. . . .

فأقبل علي «عليه السلام» و هو يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه. . . .

فلما سمعها منه مرحب هرب و لم يقف، خوفا مما حذرته منه ظئره، فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود، فقال: إلى أين يا مرحب؟

فقال: قد تسمى عليّ هذا القرن بحيدرة! !

فقال له إبليس: فما حيدرة؟

فقال: إن فلانة ظئري كانت تحذرني من مبارزة رجل اسمه حيدرة، و تقول: إنه قاتلك.

فقال له إبليس: شوها لك، لو لم يكن حيدرة إلا هذا وحده لما كان

مثلك يرجع عن مثله، تأخذ بقول النساء، و هن يخطئن أكثر مما يصبن؟ ! و حيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سدت قومك، و أنا في ظهرك أستصرخ اليهود لك، فرده، فو اللّه ما كان إلا كفواق ناقة حتى ضربه علي ضربة سقط منها لوجهه، و انهزم اليهود يقولون: قتل مرحب، قتل مرحب (1).

إشارات و دلالات:
اشارة

و قد تضمن هذا الحديث أمورا هامة تحسن الإشارة إليها. و الدلالة عليها، و هي التالية:

ألف: سر زعامة مرحب:

قد ذكر الحديث: أن سبب تقديم اليهود لمرحب أمران:

أحدهما: شجاعته.

و الثاني: يساره.

نعم. . و هذا هو المتوقع من اليهود الذين لا يفكرون إلا بالمال، و بالدنيا، و الذين يسعون في الأرض فسادا، و يثيرون الفتن بين الناس، و كل همهم هو الهيمنة على الآخرين، و إذلالهم، و قهرهم، فإن ذلك هو ما ينسجم مع نظرتهم الاستعلائية إلى كل من هو غير إسرائيلي، لأنهم-بزعمهم- شعب اللّه المختار، و قد خلق اللّه تعالى غيرهم من أجل خدمتهم، و قد


1) البحار ج 21 ص 9 عن الأمالي للمفيد، و أمالي الطوسي ص 4 و مدينة المعاجز ج 1 ص 178.

تحدثنا عن جانب من آرائهم هذه في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

إن تقدم مرحب بينهم لم يكن لأجل عقله، و دينه، و مزاياه الأخلاقية، و الإنسانية، بل لأنهم يحتاجون إلى فروسيته و شجاعته، و قوته، و يحتاجون إلى ماله و دنياه أيضا.

ب: اكفني مرحبا:

و بعد، فما أروع كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا علي، اكفني مرحبا» ، فإنه تحدث بصيغة المتكلم وحده «اكفني» ، ربما لكي يشير: إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو المقصود الحقيقي لمرحب، و أن همة اليهود منصرفة إلى النيل من شخص رسول للّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن لا مشكلة لمرحب مع أحد من الناس إلا معه «صلى اللّه عليه و آله» . .

أما سائر من حضر فلا يقيم مرحب لهم وزنا، و هو قادر على استيعاب كل حركتهم ضده، و ليشير «صلى اللّه عليه و آله» في كلامه هذا: إلى أن الذي يكفيه و يدفعه عنه هو خصوص علي «عليه السلام» دون سواه.

ج: الناس يريدون عليا عليه السّلام:

و صرحت الرواية الآنفة الذكر أيضا: بأن الناس حين جزعوا و عجزوا عن مقاومة مرحب التجأوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سألوه أن يخرج إليه عليا «عليه السلام» . مع علمهم بشدة مرضه «عليه السلام» ، و ذلك يدل على أنهم كانوا يعرفون طرفا من جهاد علي «عليه السلام» ، و إقدامه و تضحياته في سبيل اللّه تعالى، و يعرفون أنه لا يتعرض له أحد إلا

هلك، و أن مرضه لا يقصر به عن بلوغ غاياته. .

فإن صحت هذه الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها، فهي لا تنافي روايات إرسال غير علي «عليه السلام» بالراية قبله، لجواز أن يكون الناس قد طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إرسال علي «عليه السلام» بعد فشل الذين كان قد أرسلهم قبل ذلك. .

بل قد يكون طلبهم هذا قبل إرسال الآخرين أيضا، لكن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد آثر أن لا يرسل عليا «عليه السلام» من أول يوم لمصالح رآها. .

و لعل بعضها قد اتضح في ثنايا هذا الكتاب.

بل قد يكون قسم من المسلمين، طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يخرج عليا «عليه السلام» لمرحب، مع عدم علمهم بحالته الصحية، فوافق ذلك ما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد العزم عليه، فأعطاه الراية، و أمره بأن يكفيه مرحبا.

ثم تعجب العارفون برمد عيني علي «عليه السلام» ، حين رأوه «عليه السلام» قد حضر بينهم.

و بذلك يتضح: أنه لا تناقض و لا اختلاف فيما بين هذه الرواية و رواية إعطاء الراية لعلي «عليه السلام» ، خصوصا تلك التي صرحت بأنهم قد فوجئوا بعلي «عليه السلام» .

د: تمثل أبليس:

و قد يستغرب البعض أن يتمثل إبليس بصورة بعض أحبار اليهود. .

و لكن الحقيقة هي: أنه لا غرابة في ذلك، فإن الآيات قد صرحت بأن إبليس كان من الجن. . و الجن كما دلت عليه الروايات يقدرون على التمثل، تماما كما يقدر الملائكة على ذلك.

و قد دلت الآيات و الروايات على تمثل الملائكة، قال تعالى: فَأَرْسَلْنٰا إِلَيْهٰا رُوحَنٰا فَتَمَثَّلَ لَهٰا بَشَراً سَوِيًّا (1).

و كان جبرئيل يتمثل بصورة دحية الكلبي-على حد زعمهم-.

و قد ذكر اللّه تعالى: أن إبليس كان من الجن، فقال: إِلاّٰ إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ اَلْجِنِّ (2).

و أشارت الروايات: إلى أن الجن أيضا يتمثلون بصورة البشر، و يدل على ذلك: ما ورد من أن إبليس قد تمثل لقريش حينما تآمروا على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشار عليهم باختيار عشرة من الرجال- كل واحد من قبيلة-و يبيّتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يضربوه بأسيافهم ليضيع دمه في القبائل. .

فقبلوا مشورته، و حاولوا تنفيذها في ليلة الهجرة، حيث بات علي «عليه السلام» في فراش الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فنجى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسبب ذلك (3).

و قد روي عن الحارث الأعور قال: بينا أمير المؤمنين «عليه السلام»


1) الآية 17 من سورة مريم.

2) الآية 50 من سورة الكهف.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 3 ص 175 و تاريخ الخميس ج 1 ص 321 و 322.

يخطب على المنبر يوم الجمعة، إذ أقبل أفعى من باب الفيل. .

إلى أن تقول الرواية:

إن عليا «عليه السلام» أخبرهم: أن هذا الأفعى هو من الجن قال:

«فأتاني في ذلك، و تمثل في هذا المثال، يريكم فضلي الخ. .» (1).

فلاحظ قوله: «و تمثل في هذا المثال» .

و في رواية أخرى: أن هاتفا كلّم النبي، فقال «صلى اللّه عليه و آله» ، له: «اظهر رحمك اللّه في صورتك.

قال سلمان: فظهر لنا شيخ أذب، أشعر، قد لبس وجهه شعر غليظ الخ. .» (2).

و في حديث آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا بالأبطح، و عنده جماعة من أصحابه. . «إذ نظرنا إلى زوبعة قد ارتفعت فأثارت الغبار، و ما زالت تدنو و الغبار يعلو إلى أن وقفت بحذاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم برز منها شخص كان فيها، ثم قال: يا رسول اللّه. .

إلى أن تقول الرواية: فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : فاكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها.

قال: فكشف لنا عن صورته، فنظرنا فإذا الشخص عليه شعر كثير،


1) الثاقب في المناقب ج 2 ص 248 و مدينة المعاجز ج 1 ص 141.

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 2 ص 308 و مدينة المعاجز ج 1 ص 144 و 145 و الأنوار العلوية ص 133 و حلية الأبرار ج 1 ص 268 و ج 2 ص 95 و البحار ج 39 ص 183.

فإذا رأسه طويل العينين، عيناه في طول رأسه، صغير الحدقتين الخ. .» (1).

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : إن إبليس لعنه اللّه قد طلب من ربه أن: «لا يولد لهم-أي لبني آدم-ولد إلا ولد لي اثنان، و أراهم، و لا يروني، و أتصور لهم في كل صورة شئت» (2).

و في حديث آخر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا، و عنده جني يسأله عن قضايا مشكلة، فأقبل أمير المؤمنين، فتصاغر الجني حتى صار كالعصفور الخ. . (3).

يضاف إلى ما تقدم حديث يقول: إن جنية من أهل نجران تمثلت في مثال أم كلثوم (4)فراجع.

و أمثال ذلك كثير لا مجال لاستقصائه. . و هو يدل على ما ذكرناه من


1) مدينة المعاجز ج 1 ص 148 و 149 و حلية الأبرار ج 1 ص 270 و ج 2 ص 918 و عيون المعجزات ص 43 و البحار ج 18 ص 86 و ج 39 ص 169 و ج 60 ص 91 و نوادر المعجزات للطبري ص 53 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 169 و اليقين لابن طاووس ص 261 و حلية الأبرار ج 2 ص 98.

2) تفسير الميزان ج 8 ص 61 عن تفسير القمي.

3) مشارق أنوار اليقين ص 85 و مدينة المعاجز ج 1 ص 142 عنه، و حلية الأبرار ج 2 ص 15 و مجمع النورين ص 190.

4) البحار ج 42 ص 88 و الخرائج و الجرائح ج 2 ص 825 و 826 و مرآة العقول ج 21 ص 198 و راجع: المجدي في أنساب الطالبيين ص 17 و 18 و مدينة المعاجز ج 3 ص 202 و الصراط المستقيم ج 3 ص 130 و سفينة البحار {ط سنة 1414 ه} ج 1 ص 684.

قدرة الجن-و إبليس منهم-على الظهور بأية صورة أرادوا. .

شكوك حول مقتل عامر:

روى الشيخان، و البيهقي، عن سلمة بن الأكوع، قال: لما تصاف القوم يوم خيبر، و كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه، فرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبته، فمات منه.

فلما قفلوا سمعت نفرا من أصحاب محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا أبكي فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لما رآني شاحبا: ما لك؟

قلت: فداك أبي و أمي، زعموا أن عامرا حبط عمله.

قال: «من قال» ؟

قلت: فلان و فلان، و أسيد بن الحضير الأنصاري الخ. . (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و راجع: الإصابة ج 2 ترجمة عامر بن سنان و المغازي للواقدي ج 2 ص 661 و 662 و عبقات الأنوار ج 3 ص 278 و مسند أحمد ج 4 ص 48 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 73 و ج 7 ص 108 و ج 8 ص 41 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 186 و عن فتح الباري {المقدمة} ص 303 و ج 7 ص 358 و المعجم الكبير ج 7 ص 33 و جزء أحاديث الشعر ص 102 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 304 و تاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 240 و البداية و النهاية ج 4 ص 208 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 347.

و نقول:

إننا نشك في هذه الرواية لما يلي:

أولا: إن مجرد إصابة ذباب السيف لعين ركبة إنسان لا يقتضي موته، بل هي جراحة بسيطة قابلة للشفاء. .

ثانيا: إن هذا النوع من الجراحات-لو كان يؤدي بالمجروح إلى الموت- لا يوجب الموت مباشرة، فهو ليس مثل ضرب العنق، أو الطعن في القلب، أو شق الرأس. بل هو لا يميت إلا بعد وقت طويل، و تفاعل أمراض، و حصول مضاعفات، مع أن ظاهر الكلام هو: أن عامرا قد مات من ذلك في وقت قصير.

ثالثا: لماذا يبكي سلمة، ألم يكن يعلم: أن من لم يتعمد قتل نفسه لا يعد قاتلا لها، و لا موجب لحبط عمله.

رابعا: إن ما ذكروه في وجه إصابة ذباب السيف لعين ركبة عامر مما يصعب تصوره، إلا في حالة لا تكاد تحصل إلا ممن تعمد فعل ذلك، و لماذا يتعمد فعل أمر يحتاج إلى تكلف و جهد، ما دام أن بإمكانه تحقيق غرضه بضرب نفسه بمواضع من السيف هي أدنى من ذبابه. .

شائعات أسيد بن حضير:

قد تقدم: أن الناس قالوا عن عامر بن الأكوع، الذي قتله مرحب- حسب زعمهم-: قد قتله سلاحه.

و في رواية: قتل نفسه. أي فليس بشهيد.

و أن سلمة بن الأكوع قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : زعموا أن

أخي عامرا حبط عمله، أو قال: يزعم أسيد بن حضير، و جماعة من أصحابك: أن عامرا حبط عمله، إذ قتل بسيفه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كذب من قال، و إن له لأجرين، و جمع بين إصبعين.

و في رواية: و إنه لشهيد.

و في نص آخر: إنه لجاهد، مجاهد قل عربي مشى-و في لفظ: نشأ بها- مثله (1).

و نلاحظ هنا: أولا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاب بعبارة تتضمن اتهاما صريحا لأولئك القائلين، بأنهم قد كذبوا فيما قالوه. حيث لم يقل: إنهم أخطأوا، أو نحو ذلك.

فوصفهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالكذب يدل: على أنهم متعمدون للإخبار عن أمر يعلمون أنه خلاف الواقع، و هذا يؤكد أنهم لا يملكون من الورع ما يحجزهم عن ارتكاب الكبائر-و منها الكذب-حتى على إنسان قد نال مقام الشهادة في سبيل اللّه. .

مع أن كل أحد يعلم: أن من لم يتعمد قتل نفسه، لا موجب لحبط عمله.

و قد حاول الحلبي: التخفيف من وقع هذا التعبير النبوي بادعاء: أن


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و راجع: الإصابة ج 2 ترجمة عامر بن سنان، و إمتاع الأسماع ص 317.

المراد بالكذب: الخطأ، أي أخطأ من قال (1).

غير أننا نقول له: أولا: إن هذا خلاف ظاهر الكلام، إذ كان بالإمكان أن يقول: أخطأ من قال.

ثانيا: لقد وصف سلمة بن الأكوع عامرا في هذه الرواية: بأنه أخوه، مع أنهم يقولون: إن الصحيح أنه عمه، و هذا وجه آخر من وجوه ضعف هذه الرواية. .

و أجيب: بأنه من الجائز: أن يكون أخاه من الرضاعة، و عمه في النسب، فجاز له أن يقول: أخي (2).

و نقول:

إن من الندرة بمكان، أن يعدل عن التعبير بالعم إلى التعبير بالأخ؛ لأجل الأخوة الرضاعية بمجردها. بل لم نجد أحدا يفعل ذلك.

بل الإنصاف يقضي: بأن يعدّ هذا من الأدلة على أن عامرا كان أخا لسلمة فعلا، و اللّه هو العالم.

ابن مسلمة قاتل مرحب. . كذبة مفضوحة:

قد تقدم أن هناك من يزعم: أن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، و ليس علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فقد روى البيهقي عن عروة، و عن موسى بن عقبة، و عن الزهري، و عن ابن إسحاق، و عن محمد بن عمر عن


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و راجع: البحار ج 21 ص 2 و 3.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146.

شيوخه، قالوا: و اللفظ لابن إسحاق، قال: حدثني عبد اللّه بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه-رضي اللّه عنه -قال:

خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، و قد جمع سلاحه يقول: من يبارز؟ و يرتجز:

قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب

أطعن أحيانا و حينا أضربإذا الليوث أقبلت تجرب

إن حماي للحمى لا يقرب

فأجابه كعب بن مالك:

قد علمت خيبر أني كعبمفرج الغمى جريء صلب

إن شبت الحرب تلتها الحربمعي حسام كالعقيق عضب

نطؤكم حتى يذل الصعبنعطي الجزاء أو يفيء النهب

بكف ماض ليس فيه عتب

قال ابن هشام: و أنشدني أبو زيد:

قد علمت خيبر أني كعبو أنني متى تشب الحرب

ماض على الهول جريء صلبمعي حسام كالعقيق عضب

بكف ماض ليس فيه عتبندككم حتى يذل الصعب

قال: و مرحب: ابن عميرة.

قال جابر: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من لهذا» ؟

قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول اللّه، أنا و اللّه الموتور الثائر، قتل

أخي بالأمس.

فأمره بأن يقوم إليه، قال: «اللهم أعنه عليه» .

{و في بعض المصادر: و أعطاه سيفه، فخرج إليه، و دعاه إلى البراز، فارتجز كل منهما} .

قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية {غمرته} من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ منه بها اقتطع صاحبه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، و صارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن.

ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، و ضربه محمد بن مسلمة فقطع فخذيه حتى قتله (1).

قالوا: و نفّل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة يوم خيبر سلب مرحب: سيفه، و رمحه، و مغفره، و بيضته (2).

قال الواقدي: «فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه، فيه كتاب لا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 127 و 128 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و 38 و المغازي للواقدي ج 2 ص 655 و 656 و تاريخ الخميس ج 2 ص 50 و 51 عن الإكتفاء و عن مسند أحمد ج 3 ص 385 و مجمع الزوائد ج 6 ص 150 و بغية الباحث ص 217 و تاريخ مدينة دمشق ج 55 ص 268 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 299 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 797 و البداية و النهاية ج 4 ص 215.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 38 عن مختصر المزني و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 656.

يدرى ما هو، حتى قرأه يهودي من يهود تيماء، فإذا فيه:

هذا سيف مرحبمن يذقه يعطب» (1)

.

ابن مسلمة يقتل كنانة بأخيه:

و يقولون أيضا: إنه بعد تعذيب كنانة ابن أبي الحقيق دفعه «صلى اللّه عليه و آله» لمحمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود.

و ذكروا في توجيه بشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمحمود هذا بنزول فرائض البنات: أن محمود بن مسلمة كان متمولا، و كان ماله أكثر من أموال أخيه محمد. فلما سقطت عليه الرحى جعل يقول لأخيه: بنات أخيك لا يتبعن الأفياء، يسألن الناس.

فيقول له محمد: لو لم تترك مالا لكان لي مال. و لم تكن فرائض البنات قد نزلت.

فلما كان يوم موته، و هو اليوم الذي قتل فيه مرحب أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» جعيل بن سراقة الغفاري، ليبشر محمود بأن اللّه قد أنزل فرائض البنات و أن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله.

فسر بذلك، و مات في اليوم الذي قتل فيه مرحب بعد ثلاث من سقوط الرحى عليه من حصن ناعم (2).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 656.

2) إمتاع الأسماع ص 316 و المغازي للواقدي ج 2 ص 658.

و نقول:

إن هذا الكلام كله غير صحيح، و ذلك لما يلي: أولا: إن الفاصل بين ما جرى في حصن ناعم حيث قتل محمود بن مسلمة و بين قتل مرحب في حصن القموص كان أياما كثيرة تعد بالعشرات. .

ثانيا: إنه لا ربط بين البشارة بنزول فرائض البنات و بين البشارة بقتل مرحب.

ثالثا: إن فرائض البنات قد نزلت قبل ذلك بسنوات، و يشهد لهذا: أن الآيات المرتبطة بذلك هي في سور قد نزلت قبل ذلك بزمان طويل. .

رابعا: إن قاتل مرحب هو علي «عليه السلام» ، لا محمد بن مسلمة. .

و شواهد ذلك كله يجدها المتتبع بالمراجعة.

خامسا: إن رواياتهم في قاتل محمود بن مسلمة مختلفة و متناقضة.

فهم يدّعون: أن قاتله هو مرحب.

ثم يدّعي بعضهم أيضا: أن ابن مسلمة قد قتل مرحبا بأخيه.

ثم هم يدّعون: أن عليا «عليه السلام» حين فتح الحصن أخذ قاتل محمود، و دفعه لأخيه محمد بن مسلمة، فقتله به. .

ثم يدّعون أيضا هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دفع كنانة ابن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة ليقتله بأخيه محمود (1).

فلماذا هذا الاختلاف؟ ! و ما هو السبب في هذا التخبط؟ !

و قد يقال في دفع هذا التناقض الأخير: إن عليا «عليه السلام» دفعه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43 و راجع: السير الكبير للشيباني ج 1 ص 218.

للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و النبي دفعه لمحمد بن مسلمة، فصح نسبة ذلك إليه «صلى اللّه عليه و آله» تارة، و إلى علي «عليه السلام» أخرى. .

و نحن لو قبلنا هذا التوجيه، فإنه لا يدفع التناقض الآخر. . و لا يدفع التناقض بين كون القاتل لمحمود هو مرحب، أو كنانة. .

كما أن ملاحظة رواياتهم تعطي: أن هؤلاء الناس ليس لهم همّ و لا شغل إلا رواية الأحاديث في الإشادة بمحمد بن مسلمة، و تسطير المآثر و البطولات له، و كأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عليا «عليه السلام» و سواهما متحيرون في كيفية إرضاء ابن مسلمة، و تطييب خاطره، و تلبية طلباته. .

سادسا: إن دعواهم تعذيب كنانة بن أبي الحقيق قبل قتله، على يد هذا تارة و ذاك أخرى، دليل آخر على كذب هذه الرواية، إذ لا مبرر لتعذيبه.

و يكفي أن نذكّر الناس بوصية علي «عليه السلام» بقاتله عبد الرحمن بن ملجم، حيث قال:

«ما فعل ضاربي؟ ! أطعموه من طعامي، و اسقوه من شرابي، فإن عشت فأنا أولى بحقي، و إن مت فاضربوه و لا تزيدوه» (1).

و في نص آخر: «احبسوه، و أطيبوا طعامه، و ألينوا فراشه، فإن أعش فعفو، أو قصاص الخ. .» (2).


1) المناقب للخوارزمي ص 280 و 281.

2) الثقات ج 2 ص 303 و الأخبار الطوال ص 215 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 25 و 26 و راجع: أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 495 و 502 و 504.

حدّث العاقل بما لا يليق له:
اشارة

و حول دور محمد بن مسلمة في قتل مرحب نضيف إلى ما تقدم ما قاله الحاكم النيسابوري: «على أن الأخبار متواترة بأسناد كثيرة: أن قاتل مرحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام» (1).

و قال الذهبي: الأخبار متواترة: أن قاتل مرحب علي (2).

و قال الصالحي الشامي: قلت: جزم جماعة من أصحاب المغازي: بأن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا.

و لكن ثبت في صحيح مسلم-كما تقدم-عن سلمة بن الأكوع: أن عليا-رضي اللّه عنه-هو الذي قتل مرحبا.

و ورد ذلك: في حديث بريدة بن الحصيب، و أبي نافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و على تقدير صحة ما ذكره جابر، و جزم به جماعة، فما في صحيح مسلم مقدم عليه من وجهين:

أحدهما: أنه أصح إسنادا.

الثاني: أن جابرا لم يشهد خيبر، كما ذكره ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و غيرهما، و قد شهدها سلمة، و بريدة، و أبو رافع. و هم أعلم ممن لم يشهدها.

و ما قيل: من أن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، و لم


1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 437.

2) تلخيص مستدرك الحاكم {مطبوع مع المستدرك} ج 3 ص 437.

يجهز عليه، و مرّ به علي «عليه السلام» فأجهز عليه، يأباه حديث سلمة، و أبي رافع، و اللّه أعلم.

و صحح أبو عمر: أن عليا «عليه السلام» هو الذي قتل مرحبا، و قال ابن الأثير: إنه الصحيح (1).

و قال ابن الأثير: «و قيل: إن الذي قتل مرحبا، و أخذ الحصن علي بن أبي طالب، و هو الأصح و الأشهر» (2).

و قال أيضا: «الصحيح الذي عليه أهل السير و الحديث: أن عليا كرم اللّه وجهه قاتله» (3).

و قال الحلبي: «و قيل: القاتل له علي كرم اللّه وجهه، و به جزم مسلم {ره} في صحيحه.

و قال بعضهم: و الأخبار متواترة به» .

و قال أيضا: «و قد يجمع بين القولين: بأن محمد بن مسلمة أثبته، أي بعد أن شق علي كرم اللّه وجهه هامته، لجواز أن يكون قد شق هامته، و لم يثبته، فأثبته محمد بن مسلمة. ثم إن عليا كرم اللّه وجهه وقف عليه» (4).

ثم استدل الحلبي على ذلك بما في بعض السير عن الواقدي، قال: «لما قطع محمد بن مسلمة ساقي مرحب، قال له مرحب: أجهز عليّ.

فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه أخي.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 127 و 128 و عن أسد الغابة ج 4 ص 331.

2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 219.

3) شرح مسلم للنووي ج 12 ص 186 عن ابن الأثير.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 38.

و مر به علي فضرب عنقه، و أخذ سلبه، فاختصما إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سلبه.

فقال محمد: يا رسول اللّه، ما قطعت رجليه و تركته إلا ليذوق الموت، و كنت قادرا أن أجهز عليه.

فقال علي كرم اللّه وجهه: صدق.

فأعطى سلبه لمحمد بن مسلمة» (1).

و قالوا: لعل هذا كان بعد مبارزة عامر بن الأكوع لمرحب، فلا ينافي ما مر عن فتح الباري (2).

و في الإستيعاب: «و الصحيح الذي عليه أكثر أهل السير و الحديث أن عليا قاتله» (3).

و نقول:

إن ما تقدم هو محض اكاذيب و لا يصح، و الذي قدمناه من النصوص الصحيحة، و المتواترة كاف في إثبات ذلك، و نزيد هنا ما يلي:

1-علي عليه السّلام يفي بوعده:

رووا: أن عليا «عليه السلام» لما فتح الحصن، أخذ الرجل الذي قتل أخا محمد بن مسلمة، و سلمه إلى ابن مسلمة، فقتله بأخيه. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 38. و أشار إلى ذلك في الإمتاع ص 315 و المغازي للواقدي ج 2 ص 656 و راجع: السير الكبير ج 2 ص 606.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 38.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 38.

و في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دفع كنانة لمحمد بن مسلمة ليقتله (1).

و لا منافاة بين الروايتين، إذ إن عليا «عليه السلام» لا يورد و لا يصدر إلا عن أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو قد سلمه إليه بعد أن أحرز الإذن منه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فيصح أن يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دفعه إليه، و يصح أيضا القول: بأن عليا «عليه السلام» فعل ذلك.

2-الإشتراك في قتل محمود:

إن دعوى اشتراك مرحب، و كنانة بن الربيع، و الرجل الذي سلمه علي «عليه السلام» لمحمد بن مسلمة-إن دعوى اشتراك الثلاثة-في قتل محمود بن مسلمة (2)غير مقبولة:

أولا: لثبوت أن ابن مسلمة لم يقتل مرحبا بأخيه-كما زعموا-لكي يصح قولهم: إنه قتله بأخيه الذي كان قد شارك في قتله، بل قاتل مرحب هو علي «عليه السلام» . .

ثانيا: لما روي: من أن عليا «عليه السلام» قد سلم قاتل محمود إلى أخيه محمد. و هو لم يسلم إليه مرحبا قطعا. . و لم يسلم إليه كنانة لأجل ذلك أيضا.

ثالثا: قيام احتمال أن يكون محمد بن مسلمة قد فرّ مع الفارين في غزوة خيبر، كما سنرى في الفقرة التالية، فإنه إذا كان قد فر و انهزم، فلا يكون قد


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 39.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 39.

قتل مرحبا بأخيه أيضا.

3-ابن مسلمة يفرّ بالراية أيضا:

لقد ورد في بعض النصوص: ما يثير بقوة احتمال أن يكون محمد بن مسلمة أحد الذين أعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» الراية و هرب، فقد روى ابن الأثير بإسناده عن بريدة، قال: «لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء، فلما كان من الغد أخذه عمر. و قيل {أخذه} : محمد بن مسلمة {أي و هرب} ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

لأدفعن لوائي إلى رجل لم يرجع حتى يفتح اللّه عليه.

فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الغداة، ثم دعا باللواء، فدعا عليا «عليه السلام» و هو يشتكي عينيه الخ. .» (1).

فقد دلت هذه الرواية: على أن ابن مسلمة كان هو أو عمر قد هرب في خيبر.

و مما يؤيد ذلك: الرواية التي تقول: إن جماعة طلبوا الراية من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر، فلم يعطهم إياها، و أعطاها عليا «عليه السلام» ، ففتح اللّه عليه (2).


1) أسد الغابة ج 4 ص 21 و العمدة لابن البطريق ص 156 و عن المناقب لابن المغازلي ص 88.

2) تذكرة الخواص ص 25 عن أحمد في الفضائل و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 16.

4-الإختصام في سلب مرحب:

ثم إن الحديث عن اختصام علي «عليه السلام» و محمد بن مسلمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سلب مرحب، مكذوب أيضا، بدليل:

أنهم قد رووا: أن عليا «عليه السلام» لم يقدم على سلب عمرو بن عبد ود و هو أنفس سلب، و حين طالبه عمر بن الخطاب بذلك قال:

«كرهت أن أبز السبيّ ثيابه» (1).

قال المعتزلي: فكأن حبيبا {يعني أبا تمام الطائي} عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب (2)

كما أنه «عليه السلام» قال لعمرو بن عبد ود حين طلب منه أن لا يسلبه حلته: هي أهون علي من ذلك (3).

فمن كان كذلك: فهو لا يجاحش على السلب، و لا ينازع أحدا فيه، فضلا عن أن يرفع الأمر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليفصل فيه.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237.

3) كنز الفوائد للكراجكي ص 137 و البحار ج 20 ص 216.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمال

الفصل الرابع: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المقوقس 5-50

الفصل الخامس: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثاني 51-62

الباب الخامس: حصون خيبر الفصل الأول: من المدينة. . إلى خيبر 65-114

الفصل الثاني: قبل أن يبدأ القتال 115-146

الفصل الثالث: فتح حصن ناعم 147-168

الفصل الرابع: فتح سائر حصون النطاة و الشق 169-212

الباب السادس: فتح خيبر الفصل الأول: المنهزمون الفاشلون 215-248

الفصل الثاني: وقفات لا بد منها 249-286

الفصل الثالث: قتل مرحب. . أحداث و تفاصيل 287-338

الفهارس 339-353

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الرابع: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المقوقس كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المقوقس:7

قصة هذه الرسالة:9

الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند المقوقس:10

الرسول صلّى اللّه عليه و آله مع الملك في السر:11

كتاب المقوقس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:12

هدايا المقوقس إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:14

عليك إثم القبط:18

الحرص على الملك:19

شبهات المقوقس، لماذا؟ ! :19

دور الدعاء في دعوة الأنبياء عليهم السّلام:20

هدايا المقوقس:22

القبط لا تطاوعه:22

و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم:23

كتاب آخر مشكوك فيه:24

كلمات عن المقوقس:25

لا تسمع القبط منك حرفا واحدا:26

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الأول من مكة:28

إسلام النجاشي الأول:30

كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند النجاشي الأول:31

إنما يفتضح الفاجر:32

كتاب النجاشي الأول إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:33

رسول النجاشي الأول و هداياه:36

الإقرار للنجاشي الأول بالملك:38

سلام عليك:39

أحمد إليك اللّه:39

الملك:40

القدوس:40

السلام، المؤمن:41

المهيمن:41

العزيز الجبار المتكبر:42

شهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعيسى أولا:43

مريم البتول، الطيبة، الحصينة:44

فخلقه من روحه و نفخه:46

كما خلق آدم عليه السلام بيده و نفخه:46

الموالاة على طاعة اللّه عز و جل:47

أدعوك و جنودك:48

الفصل الخامس: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثاني كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثاني:53

النجاشي ثلاثة، أسلم منهم اثنان:55

النجاشي يموت و هو مهاجر:59

إخلاص النجاشي:60

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي الثالث:61

الباب الخامس: حصون خيبر الفصل الأول: من المدينة. . إلى خيبر. . تقديم:67

بداية:68

ماذا عن خيبر؟ !69

خيبر مقدسة! !71

تاريخ غزوة خيبر:72

في أي شهر كانت؟ !74

مدة حصار خيبر:75

مدة إقامته صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:75

الاستنفار إلى خيبر:75

المستخلف على المدينة:78

خدمة أنس للنبي صلّى اللّه عليه و آله:79

أم سلمة في خيبر أيضا:81

إحساس يهود المدينة بالخطر:82

إجراءات في الطريق إلى خيبر:85

لمن الشعر المتقدم؟ !90

الخطأ في مضمون شعر عامر:90

ارتجاز عامر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:91

الإستغفار أمارة الشهادة:91

لا تحل الجنة لعاص:92

الكثرة لا خير فيها:94

أكذوبة الفتاة الحائض:96

إختيار الطريق إلى خيبر:99

التطير و التفاؤل:100

لا حول و لا قوة إلا باللّه:101

المطلوب هو الخير لا الغنائم:103

ابن أبي يحذر اليهود:106

غطفان تخاف، فتتراجع:107

الفصل الثاني: قبل أن يبدأ القتال. . وصول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى خيبر:117

الجيش هو الخميس:120

خربت خيبر:120

إنحسار الإزار عن فخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:121

لا يظن اليهود: أنه صلّى اللّه عليه و آله يغزوهم:126

الأذان علامة الإسلام:127

إستعراضات و انتفاخات كاذبة:129

مشورة الحباب:131

ألف: الإنتقاص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:133

ب: إذا أمسينا تحولنا:134

الحباب ذو الرأي من هو؟ !134

ج: حديث الراحلة:136

د: بناء المسجد في خيبر:137

صوابية تدبير اليهود:137

قطع نخيل النطاة:139

الأمان لمن أراد:141

من دخل النخل فهو آمن:142

جعل علي عليه السلام على المقدمة:143

التشكيك في قيادة علي عليه السلام:143

علي عليه السلام يسمع الناس أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله:145

جبرئيل يحب عليا عليه السلام:146

الفصل الثالث: فتح حصن ناعم. . حصار حصن ناعم:149

على فرس، أو على حمار؟ !152

قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خيبر:152

الرايات بدأت في خيبر:153

الزموا الأرض جلوسا:155

نداء لا تحل الجنة لعاص:155

الإنضباط ضرورة لا تقبل الجدل:157

تمني لقاء العدو:157

يسلم الراعي و تعود الغنم:159

متى شبع النبي صلّى اللّه عليه و آله من خبز الشعير؟ !163

محمود بن مسلمة يقتل في حصن ناعم:164

أين قتل ابن مسلمة؟ !168

الفصل الرابع: فتح سائر حصون النطاة و الشق حصار و فتح حصن الصعب بن معاذ:171

فرار المسلمين. . و ثبات الحباب:178

لماذا الإحراج؟ :179

أوسمة أسلم:180

الموقف الشائن:181

اللواء للحباب بن المنذر:181

الصعب أكثرها طعاما:182

تسخين الماء في آنية اليهود:183

أعظم حصون خيبر:184

الإفتخار في الحرب:185

حديث الشاتين، و قطيع الغنم:186

الحباب بن المنذر في الواجهة:187

ابن مسلمة يقول: تبسم إليّ صلّى اللّه عليه و آله:188

الإهتمام بالطعام و الغنيمة:189

مدة الحصار:189

حصن قلة الزبير:190

بطولات موهومة:193

نصب المنجنيق:195

ذراري اليهود لم تكن في حصن الشق:196

ابن مسلمة تارة، و الحباب أخرى:197

موقع عثمان هو الأنسب:198

عمر يأمر بضرب عنق شخص:199

لا يعرف المنجنيق إلا هذا اليهودي:201

لماذا خص النبي صلّى اللّه عليه و آله ابن مسلمة بخطابه؟ !202

إسهامات عمر في فتح خيبر:203

قتل مرحب في القموص لا في الصعب:204

حصون الشق:205

ماذا عن فتح حصن النزار؟ !209

صفية في حصن النزار:210

الباب السادس: فتح خيبر الفصل الأول: المنهزمون الفاشلون. . بداية:217

القموص أعظم حصون خيبر:217

حصار القموص:218

رعب اليهود:219

رايات الفاشلين:220

رايتان أم ثلاث؟ !231

إرسال عمر مرتين:232

أين ابن مسلمة، و الحباب، و الزبير؟ !233

كتائب اليهود تهاجم الأنصار:233

ألف: تعمد التعتيم على الحقائق:235

ب: لواء الأنصار، أم لواء النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !236

ج: حفظ ماء وجه الأنصاري:237

د: أين كان المهاجرون؟ !238

ه: نداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في اليهود:238

و: الصحابة يفرون حتى عن علي عليه السلام! !240

تعابير ذات مغزى:240

أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ !243

عرّفهم ما يجب عليهم:244

حق اللّه و حق رسوله:245

لأن يهدي اللّه بك نسمة:245

اليهود، و كلمة التوحيد:247

التدرج في الاعتقادات، و في الأحكام:247

الفصل الثاني: وقفات لا بد منها هل قاتل المهزومون في خيبر؟ !251

1-يحب اللّه و رسوله:254

2-يحبه اللّه و رسوله:255

التزوير الرخيص. . تصرف و حذف:256

أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله في المصادر و المراجع:257

ابن الصباغ ينقل عن صحيح مسلم:262

3-كرار غير فرار:264

4-لا يولي الدبر:265

5-لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه:265

6-لا يخزيه اللّه أبدا:265

حتى أنت يا عمر؟ ! :266

مقارنة ذات مغزى:270

سعادتهم برمد علي عليه السّلام:272

كلهم يرجو أن يعطاها:274

حتى قريش:276

لماذا الإعلان المسبق؟ !276

التدخل الإلهي:277

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصنع المعجزة:278

متى رمدت عينا علي عليه السّلام؟279

علي عليه السّلام فاجأهم:282

لباس علي عليه السّلام في الحر و البرد:283

الفصل الثالث: قتل مرحب. . أحداث و تفاصيل. . علوتم و الذي أنزل التوراة:289

قتل علي عليه السّلام مرحبا و الفرسان الثمانية:291

قطع رأس مرحب لماذا؟ !297

صفية تتدخل لمصلحة ولدها:297

الزبير حواري رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:300

لماذا تعظيم الزبير؟ !303

صيغة أخرى لما جرى في خيبر:310

من سمى عليا عليه السّلام بحيدرة؟ !313

الصحيح في هذه القضية:315

إشارات و دلالات:317

ألف: سر زعامة مرحب:317

ب: اكفني مرحبا:318

ج: الناس يريدون عليا عليه السّلام:318

د: تمثل أبليس:319

شكوك حول مقتل عامر:323

شائعات أسيد بن حضير:324

ابن مسلمة قاتل مرحب. . كذبة مفضوحة:326

ابن مسلمة يقتل كنانة بأخيه:329

حدّث العاقل بما لا يليق له:332

1-علي عليه السّلام يفي بوعده:334

2-الإشتراك في قتل محمود 335

3-ابن مسلمة يفرّ بالراية أيضا 336

4-الإختصام في سلب مرحب 337

الفهارس 339

1-الفهرس الإجمال 341

2-الفهرس التفصيلي 343