الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 16

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء السادس عشر

ادامة القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة

الباب الثاني: عهد الحديبية. . وقائع و آثار

اشارة

الفصل الأول: بيعة الرضوان

الفصل الثاني: عهد الحديبية: أحداث و تفاصيل

الفصل الثالث: إدانة البريء

الفصل الرابع: تبرئة المذنب

الفصل الخامس: اللمسات الأخيرة

الفصل السادس: عهد الحديبية. . نتائج و آثار

الفصل الأول: بيعة الرضوان

اشارة

حديث البيعة:

قال الصالحي الشامي: لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن عثمان قد قتل، (و قتل معه العشرة الآخرون (1)) ، دعا الناس إلى البيعة، و قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم» .

و أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منازل بني مازن بن النجار، و قد نزلت في ناحية من الحديبية، فجلس في رحالهم تحت شجرة خضراء، ثم قال: «7ن اللّه تعالى أمرني بالبيعة» .

فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لبني مازن متاع إلا وطئ، ثم لبسوا السلاح و هو معهم قليل.

و قامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به، فأخذته بيدها، و شدت


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 16 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 255 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 452 و عن فتح الباري ج 7 ص 49 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 141 و جامع البيان ج 26 ص 111 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 200 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و البداية و النهاية ج 4 ص 191 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 780 و عن عيون الأثر ج 2 ص 119 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 319.

سكينا في وسطها.

و روى ابن جرير، و ابن أبي حاتم، عن سلمة بن الأكوع، و البيهقي عن عروة، و ابن إسحاق عن الزهري، و محمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس، فاخرجوا على اسم اللّه» .

قال سلمة: «فسرنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو تحت شجرة سمرة فبايعناه» (1).

و في صحيح مسلم عنه قال: فبايعته أول الناس. .

ثم بايع، و بايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال: «بايع يا سلمة» .

قال: قلت: قد بايعتك يا رسول اللّه في أول الناس (2).


1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 136 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 48 و السيرة الحلبية ج 3 ص 16 و 17 و صحيح مسلم ج 6 ص 25 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 512 و كنز العمال ج 1 ص 332 و تفسير الميزان ج 18 ص 292 و زاد المسير ج 7 ص 167 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205 و تفسير الجلالين ص 713 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و لباب النقول ص 177 و فتح القدير ج 5 ص 52 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 622.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 48، أخرجه مسلم في الجهاد ج 3 ص 1434 (132) و صحيح مسلم ج 5 ص 190 و مسند أحمد ج 4 ص 54، و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 138 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 90 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279.

قال: «ورآني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عزلا، فأعطاني حجفة- أو درقة-.

ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: «ألا تبايعني يا سلمة» ؟

قال: قلت: يا رسول اللّه قد بايعتك في أول الناس، و في وسط الناس.

قال: «و أيضا» ، فبايعته الثالثة.

ثم قال لي: «يا سلمة أين حجفتك-أو درقتك-التي أعطيتك» ؟

قال: قلت: يا رسول اللّه، لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها.

قال: فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي (1).

و في صحيح البخاري عنه قال: بايعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة.

قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟

قال: على الموت (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و مسند أحمد ج 4 ص 49 و صحيح مسلم ج 5 ص 190 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 175 و الجامع الصغير ج 1 ص 387 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 202.

2) أخرجه البخاري (4169) و البيهقي ج 4 ص 138 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و ج 9 ص 110 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 303 و البحار ج 38 ص 218 و مسند أحمد ج 4 ص 54 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 8 و عن فتح الباري ج 13 ص 172 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 201 و الدر المنثور ج 6 ص 74 و فتح القدير ج 5 ص 52.

و روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عمر: أشهدت بيعة الرضوان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قال: نعم.

قلت: فما كان عليه؟

قال: قميص من قطن، و جبة محشوة، ورداء و سيف، و رأيت النعمان بن مقرّن المازني قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه.

و في صحيح مسلم، عن جابر قال: بايعنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمر آخذ بيده، تحت شجرة-و هي سمرة-فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره.

و عند ابن إسحاق، عن جابر بن عبد اللّه: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، قد خبا إليها، يستتر بها من الناس. بايعناه على ألا نفرّ، و لم نبايعه على الموت (1).

و روى الطبراني عن ابن عمر، و البيهقي عن الشعبي، و ابن منده عن زر بن حبيش قالوا: لما دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «علام تبايعني» ؟

قال: على ما في نفسك.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و ج 9 ص 111 أخرجه مسلم ج 6 ص 26 و مسند أحمد ج 3 ص 355 و شرح مسلم للنووي ج 13 ص 2 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 416 و المعجم الكبير ج 20 ص 228 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 484.

زاد ابن عمر: فقال النبي: و ما في نفسي؟

قال: أضرب بسيفي بين يدك حتى يظهرك اللّه أو أقتل. فبايعه، و بايعه الناس على بيعة أبي سنان (1).

و روى البيهقي عن أنس، و ابن إسحاق عن ابن عمر، قال: لما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ببيعة الرضوان كان بعث عثمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم إن عثمان في حاجتك و حاجة رسولك، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم (2).

و روى البخاري و ابن مردويه عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة.

قلت: فإن جابر بن عبد اللّه قال: أربع عشرة مائة.


1) أخرجه ابن أبي شيبة ج 14 ص 87(600) و ذكره السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 74 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و مجمع الزوائد ج 6 ص 146.

2) أخرجه الدولابي في الكنى ج 1 ص 133 و الطبراني في الكبير ج 1 ص 41 و ابن أبي شيبة ج 12 ص 46 و الحاكم ج 3 ص 98 و انظر: الدر المنثور ج 6 ص 74، و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و سنن الترمذي ج 5 ص 290 و كنز العمال ج 13 ص 64 و ضعيف سنن الترمذي ص 496 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 76 و أسد الغابة ج 3 ص 379.

قال: يرحمه اللّه توهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة (1).

و روى الشيخان، و ابن جرير عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا و ثلاثمائة، و كانت أسلم ثمن المهاجرين (2).

أفاد الواقدي: أن أسلم كانت في الحديبية مائة رجل.

و روى سعيد بن منصور و الشيخان عن جابر بن عبد اللّه قال: كنا يوم الحديبية ألفا و أربعمائة، فقال لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنتم خير أهل الأرض» (3).

و روى الإمام أحمد، و أبو داود، و الترمذي عن جابر بن عبد اللّه، و مسلم عن أم مبشر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لا يدخل


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و 51 عن البخاري ج 7 ص 507(4153) و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 235 و عن فتح الباري ج 7 ص 341 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 200 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و فتح القدير ج 5 ص 49 و تاريخ خليفة بن خياط ص 49.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 و عن البخاري في المصدر السابق ج 5 ص 63 (4155) و مسلم ج 3 ص 1485(75/1857) و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 271 و البداية و النهاية ج 4 ص 195 و عن فتح الباري ج 7 ص 443 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 326.

3) عن البخاري ج 7 ص 507(4154) و عن مسلم ج 3 ص 1484(71/1856) و السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 و عن فتح الباري ج 7 ص 341 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 202 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 222 و البداية و النهاية ج 4 ص 195 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 325.

النار أحد بايع تحت الشجرة» (1).

فلما نظر سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى، و مكرز بن حفص، و من كان معهم من عيون قريش من سرعة الناس إلى البيعة و تشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم و خوفهم، و أسرعوا إلى القضية (2).

ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل» (3).

أول من بايع:

و قالوا: إن أبا سنان الأسدي أول من بايع. .

و قالوا: إن هذا هو الأشهر، و عليه الأكثر (4).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 أخرجه أبو داود (4653) و الترمذي (3860) و أحمد 3 ص 350 و ابن المبارك في الزهد (498) و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 73 و مسلم في الفضائل باب 37(163) و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 464 و البداية و النهاية ج 6 ص 211 و ج 7 ص 372 و رأس الحسين لابن تيمية ص 204.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 و 52.

3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 48-51 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 89 و جامع البيان ج 26 ص 112 و البداية و النهاية ج 4 ص 191 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 621 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 781 و عن عيون الأثر ج 2 ص 119 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 319.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 75 و كتاب الأوائل ص 82 و معرفة علوم الحديث ص 183 و عن الإصابة ج 3 ص 157 و ج 7 ص 153 و البداية و النهاية ج 4 ص 191 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 328 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 562.

و لكن نصا آخر يقول: إن أولهم هو ولده سنان بن أبي سنان (1).

و لعل هذا هو الصحيح، و ذلك لأن أبا سنان نفسه قد مات في حصار بني قريظة، و دفن بمقبرتهم (2).

و قيل: أول من بايع هو عبد اللّه بن عمر (3).

و قيل: هو سلمة بن الأكوع (4).

و لعل السبب في ظهور هذين القولين هو: أن ابن عمر قد بايع مرتين: مرة في أول الناس، و مرة في آخر الناس (5).

كما أن سلمة بن الأكوع قد بايع ثلاث مرات: مرة في أول الناس، و مرة


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 93 و أسد الغابة ج 5 ص 221 و البداية و النهاية ج 4 ص 197 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 328.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 100 و ج 3 ص 93 و الإصابة ج 7 ص 155 و 163 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 253 و البداية و النهاية ج 4 ص 145 و 192 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 733 و عن عيون الأثر ج 2 ص 58 و 127 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 43.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 18.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و مسند أحمد ج 4 ص 49 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 202.

5) السيرة الحلبية ج 3 ص 18.

في وسط الناس، و مرة في آخر الناس (1).

فظنوا، أن المراد بقوله: بايع أول الناس و آخر الناس: أنه لم يبايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحد قبله.

مع أن المراد: أنه كان في أوائل المبايعين تارة، و في أواخرهم أخرى.

لماذا تعددت بيعة ابن الأكوع؟ !

و قد أثار طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من سلمة بن الأكوع أن يكرر بيعته ثلاث مرات تساؤلا حول سبب ذلك. .

فادّعى البعض: أن ذلك كان فضيلة لسلمة؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يؤكد بيعته لعلمه بشجاعته، و عنايته بالإسلام، و شهرته في الثبات. بدليل ما وقع له في غزوة ذي قرد، بناء على تقدمها على ما هنا. أو تفرس فيه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، بناء على تأخرها (2).

و نقول:

1-قد أشرنا فيما سبق: إلى أن ما يذكرونه عنه في غزوة ذي قرد ظاهر الفساد، و لا يمكن تأييد صحته. .

2-و مع غض النظر عن ذلك نقول: لماذا لم تظهر لسلمة هذا أية مواقف أخرى في سائر المشاهد، بل هو قد فر مع الفارين، و أحجم مع المحجمين؟ ! و تلك هي غزوة حنين، و خيبر، و سواهما، شاهد صدق على ما نقول.


1) تقدمت المصادر لذلك.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 18.

3-لماذا لا يطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» تكرار البيعة من جميع من عرفوا بالشجاعة، مثل علي، و المقداد، و أبي دجانة و. . و. . ؟ !

4-إن الشجاعة لا تناسب طلب تجديد البيعة، بل تناسب إعطاء المناصب، و إطلاق الكلمات المادحة في حق ذلك الشجاع. . أما البيعة فهي أخذ عهد، و إبرام عقد يطلب الوفاء به. .

5-إن تجديد العهود، إنما يكون بهدف تأكيد الإلزام بها، و الحمل على الالتزام بالوفاء، و هذا إنما يطلب ممن يظن فيه الغدر، و يتهم بالخيانة و عدم الوفاء. .

فليكن طلب البيعة مرة بعد أخرى يهدف إلى التلويح بإمكانية صدور هذه الخيانة منه. .

6-و يمكن تأييد ذلك بما ظهر في نفس ذلك المجلس، حيث يذكرون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى سلمة في المرة الثانية درقة-أو جحفة-فما لبث أن أعطاها لغيره، ثم طلب منه البيعة الثالثة فبايعه، فسأله عن جحفته أو درقته التي أعطاه إياها آنفا، فأخبره أنه أعطاها لعمه عامر (1).

فلم يحتفظ بهذه الدرقة سوى هذا الوقت القصير.

مع أن المفروض هو: أن يبقيها عنده، كأعز ذكرى لديه، و أنفس شيء حصل عليه في حياته.

و إذا كان الصحابة يتبركون بفضل وضوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بشعره، و بعصاه، و بكل شيء يرتبط به، فما بال سلمة يزهد بهذه العطية


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49.

السنية، و يعطيها لسواه، و لا تستقر معه دقائق معدودات؟ !

و لو أردنا أن نحمل عمله هذا على إرادة الإيثار، و هو عمل سام و نبيل، يستحق فاعله التمجيد و التقدير.

فإن هذا التوجيه لن يلقى قبولا لدى أهل الدراية و المعرفة؛ لأنهم سوف يقولون لنا: إنه لا مجال للإيثار في أمور العبادة. و تقديس رسول اللّه، و التبرك بآثاره «صلى اللّه عليه و آله» هو من قبيل الصلاة، أو الحج، الذي لا يقبل الإيثار، إذ لا يمكن التخلي عن الصلاة لإيثار الغير بها فيصلي غيره و يترك هو الصلاة. .

و قد قال البعض: إن من الممكن أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب البيعة أكثر من مرة من سلمة بعد أن أعطاه درقته، من أجل أن يزعزع ثقة المشركين الذين هم على رأيه، و الدليل على ذلك: أنه لم يحتفظ بالدرقة و لو لوقت قصير لكي لا تكون علامة انسجام بينه و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد ضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليفهم سلمة أنه-أي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» -عارف بسبب تخلصه من الدرقة.

هل بايعوه على الموت؟ !

و قد اختلفوا في بيعة الرضوان، هل كانت على الموت، أو على عدم الفرار. . (1)أو أن المراد واحد، كما ذكره البعض (2).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و في هامشه عن: صحيح مسلم ج 3 ص 1483(267،69/1856) .

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 17.

و نقول:

إن البيعة على عدم الفرار-سواء أكانت هي نفسها البيعة على الفتح أم الشهادة-خلاف الحكمة و التدبير، و ذلك لأنها تتضمن اتهاما لأصحابه، بأنهم مظنة الفرار، من جهة. .

و فيها أيضا: إيحاء للعدو بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غير واثق بنصر أصحابه له، و أن عدم الثقة هذا قد بلغ حدا جعله يلجأ إلى أخذ المواثيق و العهود منهم بذلك، من جهة أخرى.

و من شأن هذا أن يدفع الأعداء إلى أن يطمعوا بالنصر عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يفكروا بأن بذل المزيد من الجهد قد يعطي ثمارا طيبة لهم. .

و مما يشهد على ما قلناه: ما رووه: من أن أول من بايع هو سنان بن أبي سنان الأسدي، فقال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أبايعك على ما في نفسك.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : و ما في نفسي؟ !

قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك اللّه أو أقتل، و صار الناس يبايعونه على ما بايعه عليه سنان (1).

بيعة المنافقين في الحديبية:

قالوا: و قد بايع جميع الناس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يتخلف منهم أحد إلا الجد بن قيس.


1) تقدمت مصادر ذلك.

قال: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، يستتر بها من الناس.

و قد قيل: إنه كان يرمى بالنفاق. و قد نزل في حقه في غزوة تبوك من الآيات ما يدل على ذلك.

و كان الجد بن قيس سيد قومه بني سلمة-بكسر اللام-في الجاهلية.

و يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوّد عليهم بشر بن البراء بن معرور، و قيل: عمرو بن الجموح. و رجح ابن عبد البر الأول، و رووا شعرا يؤيد الثاني. .

و ذكروا: أن سبب ذلك هو: أنه كان يرمى بالبخل (1).

و نشير هنا إلى أمرين: الأول: أننا نرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبادر إلى أمر كهذا بلا مبرر قوي، لا سيما و أنه يجر عداوات، و يخلق أحقادا و خصومات، و ينشئ عقدا تجاهه «صلى اللّه عليه و آله» . و مجرد بخل إنسان مّا لا يكفي مبررا للإقدام على أمر كهذا. . إلا إذا كان ذلك قد حصل قبل إظهار الجد بن قيس للإسلام، و لسنا بصدد تحقيق هذا الأمر. .

الثاني: أن هذا النص يدل على: أن بقية المنافقين الحاضرين، و منهم عبد اللّه بن أبي قد بايع و بايعوا أيضا. . و قد كان ابن أبي حاضرا بدليل:

1-ما تقدم: من أنه كان حاضرا هو و جماعة من المنافقين، حين جاشت البئر بالماء، بسبب غرس سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها. . فقيل له في ذلك، فادّعى: أنه رأى مثل هذا فيما سبق، و استغفر له «صلى اللّه عليه


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 17.

و آله» في هذه المناسبة.

2-أن قريشا بعثت إلى ابن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل.

فقال له ابنه عبد اللّه: يا أبت أذكرك اللّه، أن لا تفضحنا في كل موطن. تطوف! و لم يطف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فأبى حينئذ و قال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في لفظ قال: إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة.

فلما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امتناعه رضي عنه، و أثنى عليه بذلك (1).

حديث: «لا يدخل النار من شهد الحديبية» لا يصح:

و هذا يوضح لنا: عدم صحة الأحاديث التي تقول: لا يدخل النار من شهد بدرا، و الحديبية، و أن اللّه غفر لأهل بدر و الحديبية، و نحو ذلك (2).

فإن المنافقين يدخلون النار بلا شك. و قد كانوا حاضرين في الحديبية، و قد بايع قسم منهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية، و على رأسهم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و النص و الإجتهاد ص 168.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و 18 و سنن أبي داود ج 2 ص 402 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 464 و فيض القدير ج 5 ص 384 و عن الإصابة ج 2 ص 44 و البداية و النهاية ج 3 ص 398 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 514 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51.

-حسب قولهم-عبد اللّه بن أبي، الذي يقول عنه أهل السنة: إنه كان رأس النفاق في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و إن كنا نحتمل أن يكون ثمة تضخيم لدور ابن أبي، و محاولة الإنحاء باللائمة عليه في كثير من الأمور، التي قد يكون بطلها الحقيقي شخصا آخر يراد التستر عليه، أما ابن أبي فهو ضحية هذه السياسة حين لا يكون له دور أساسي فيها، أو قد يكون بريئا من أي دور فيها. و لسنا هنا بصدد تحقيق ذلك.

و ظهر أيضا عدم صحة حديث: أنتم اليوم خير أهل الأرض (1)، فإن المنافقين كانوا فيهم، و لم يكن المنافقون خير أهل الأرض قطعا. إلا إن كان المراد: أنهم كذلك في ذلك اليوم بالنسبة للمعلنين بالشرك، و المظهرين العناد.

قال الحلبي: «قال ابن عبد البر (ره) : ليس في غزواته «صلى اللّه عليه و آله» ما يعدل بدرا و يقرب منها إلا غزوة الحديبية.

و الراجح: تقديم غزوة أحد على غزوة الحديبية، و أنها التي تلي بدرا في


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 63 و كتاب المسند ص 217 و مسند أحمد ج 3 ص 308 و صحيح مسلم ج 6 ص 26 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 235 و عن فتح الباري ج 7 ص 341 و مسند الحميدي ج 2 ص 514 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 510 و منتخب عبد بن حميد ص 332 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 464 و كنز العمال ج 10 ص 475 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 202 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و تاريخ بغداد ج 12 ص 439 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 222 و تهذيب الكمال ج 4 ص 449 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 192 و البداية و النهاية ج 4 ص 195 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 325 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51.

الفضيلة» (1).

و قد ظهر: أنه كلام بلا مستند صحيح، فالأولى الإضراب، و الإعراض عنه، و التوجه إلى ما هو أهم، و نفعه أعم.

بيعة النبي صلّى اللّه عليه و آله عن عثمان:

و قد ادعوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بايع عثمان، فوضع يده اليمنى على اليسرى، و قال: اللهم إن هذه عن عثمان، فإنه في حاجتك، و حاجة رسولك. أو نحو ذلك (2).

و نقول:

إننا قد تحدثنا عن هذا الأمر في الجزء السابق، غير أننا نعود فنذكر القارئ بما يلي:

أولا: إذا كانت بيعة الرضوان قد حصلت، لأنه بلغهم أن عثمان قد قتل، فكيف بايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه؟ ! . . أما و قد كان عثمان حيا، فإن سبب البيعة لا بد أن يكون شيئا آخر و هو: حبس العشرة الذين دخلوا إلى مكة (3).

أو محاولتهم قتل رسوله «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، أعني خراش بن


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 18.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 489 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 130 و المعجم الأوسط ج 7 ص 209 و المعجم الكبير ج 7 ص 23 و كنز العمال ج 13 ص 40 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 75.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و المصادر السابقة.

أمية، بعد أن عقروا بعيره.

أو المناوشات التي جرت بينهم و بينه، حيث قتلوا أحد المسلمين.

أو محاولتهم انتهاز فرصة غفلة المسلمين لأسر بعضهم أو قتله، فأسر المسلمون منهم خمسين رجلا تارة، و اثني عشر رجلا أخرى.

أو إصرار قريش على منعهم من العمرة و زيارة بيت اللّه. .

أو أن جميع هذه الحوادث قد انضم بعضه إلى بعض ليصبح سببا للدعوة إلى البيعة.

هذا كله، إن لم يكن من أسباب هذه البيعة أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يلزم أناسا بها، بعد أن شعر أنهم يدبرون أمر خيانة خطيرة في الخفاء. .

ثانيا: لماذا لم يبايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن العشرة الذين أخذوا في مكة جميعا كما بايع عن عثمان؟ !

مع أنهم يقولون: إنهم قد دخلوا في أمان عثمان أيضا حسبما تقدم. .

محاولة فاشلة:

و قد حاول بعضهم حل هذا الإشكال بادعاء: أن بيعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عثمان إنما كانت بعد مجيء الخبر بسلامة عثمان، أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بعدم صحة شائعة قتله (1)فبايع عنه.

و يرد عليه: أنه إذا صح ذلك، فلا يبقى داع للدعوة إلى البيعة. كما أنها


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 17.

كلها مجرد احتمالات لا شاهد لها، و لا دليل يساعدها، بل هي محض تخرص و رجم بالغيب.

الرد على الشيعة:

قال الحلبي: «و بهذا يردّ على ما تمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي كرم اللّه وجهه على عثمان (رض) ، لأن عليا كان من جملة من بايع تحت الشجرة. و قد خوطبوا بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : أنتم خير أهل الأرض، فإنه صريح في تفضيل أهل الشجرة على غيرهم.

و أيضا علي حضر بدرا دون عثمان، و قد جاء مرفوعا: لا يدخل النار من شهد بدرا و الحديبية.

و حاصل الرد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بايع عن عثمان، مع الاعتذار عنه: بأنه في حاجة اللّه، و حاجة رسوله.

و خلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عثمان (رض) عن بدر لتمريض ابنته «صلى اللّه عليه و آله» . و أسهم له، كما تقدم، فهو في حكم من حضرها.

على أنه سيأتي: أنه (رض) بايع تحت تلك الشجرة بعد مجيئه من مكة» (1).

و نقول:

إن هذا الكلام كله لا يصح أيضا، و ذلك لما يلي: 1-إن القول المنسوب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنتم خير


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17.

أهل الأرض، مكذوب عليه، و لا يصح؛ لأن المنافقين كانوا من بينهم.

و هكذا يقال: بالنسبة لما رووه مرفوعا: لا يدخل النار من شهد بدرا و الحديبية. .

2-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يبايع عن عثمان حسبما تقدم؛ لأنهم يدّعون: أن البيعة كانت لأجل ما أشيع من أن عثمان قد قتل. .

3-إن اللّه سبحانه لا يحتاج إلى شيء، فلا يصح القول بأن عثمان كان في حاجة اللّه تعالى. .

إلا أن يكون المقصود: أنه كان في حاجة يريدها اللّه منه بالإرادة التشريعية، أو ما يقرب من هذا المعنى.

4-حديث أن عثمان قد بايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد رجوعه من مكة تحت نفس الشجرة، التي كان المسلمون قد بايعوه «صلى اللّه عليه و آله» تحتها (1). لا مجال للاطمينان إليه، فإن من البعيد أن يقصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» تلك الشجرة بالذات لكي يجلس تحتها مرة أخرى، ثم يأتي عثمان و يبايعه. . و لا يوجد داع إلى ذلك. .

و هذا أشبه بالتمثيل، و صناعة الأفلام. .

و لو أن ذلك قد حصل لا متلأت الكتب في وصف الحادثة، و لكثر رواتها، و المتسابقون لبيان تفاصيلها و جزئياتها. . خصوصا من محبي عثمان، و من قومه من بني أمية. .

5-بالنسبة لقوله: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي خلف عثمان


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و 18.

على ابنته ليمرضها، نقول:

ألف: إن الروايات قد صرحت: بأنه لم يكن مهتما بمرضها، و بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حرمه من النزول في قبرها، لأنه كان قد واقع في نفس ليلة وفاتها (1)بصورة جعلته مستحقا لهذا الحرمان.

و قد لاحظ ابن بطال هنا: أنه حين قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أيكم لم يقارف الليلة أهله؟ سكت عثمان، و لم يقل: أنا، لأنه قارف ليلة ماتت بعض نسائه، و لم يشغله الهم بالمصيبة، و انقطاع صهره من النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المقارفة.

فتلطف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في منعه من الدخول في قبر زوجته بغير تصريح (2).

و قد علق العلامة الأميني «رحمه اللّه» على هذه الواقعة بكلام جيد،


1) راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 152 و 146 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 47 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) و الإصابة ج 4 ص 304 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 301 و مشكل الآثار ج 3 ص 202 و 204 و المعتصر من المختصر لمشكل الآثار ج 1 ص 113 و 114 و فتح الباري ج 3 ص 127 و مسند أحمد ج 3 ص 270 و 229 و 228 و 126 و الروض الأنف ج 3 ص 127 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 53 و ذخائر العقبى ص 166 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 414 و عن تاريخ البخاري الأوسط و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 144 و كنز العمال ج 15 ص 603.

2) راجع: الروض الأنف للسهيلي ج 3 ص 127 و 128 و فتح الباري ج 3 ص 127.

ذكر فيه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الداعي للستر على المؤمنين، و الداعي للإغضاء عن العيوب، و الناهي عن التجسس عما يقع في الخلوات -كما نص عليه كتاب اللّه-قد خرج عن سجيته، و عرّض بعثمان هذا التعريض الذي فضحه، فلو أن ما فعله عثمان كان حلالا له، لم يقدم «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك في حقه. .

و هذا معناه: أن ما فعله، كان أمرا بالغ الخطورة. .

و نقول:

ربما يكون هذا الأمر العظيم الذي عجز التاريخ عن الإفصاح عنه هو: ما أشارت إليه بعض الروايات.

فقد روي في الكافي: أن رقية لما قتلها عثمان، وقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قبرها، فرفع رأسه إلى السماء، فدمعت عيناه. و قال للناس: إني ذكرت هذه و ما لقيت، فرققت لها، و استوهبتها من ضمة القبر (1).

و لعل عائشة قد أشارت إلى ذلك أيضا.

فقد روي: أن عثمان خطب فقال: ألست ختن النبي على ابنتيه؟ !

فأجابته عائشة: بأنك كنت ختنه عليهما، و لكن كان منك فيهما ما قد علمت (2).

6-بالنسبة إلى إسهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعثمان في بدر نقول:


1) الكافي ج 3 ص 236 و قاموس الرجال ج 10 ص 439 و الفصول المهمة ج 1 ص 325 و شجرة طوبى ج 2 ص 244 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 226 و البحار ج 22 ص 163.

2) قاموس الرجال ج 10 ص 440 عن تقريب أبي الصلاح، عن تاريخ الثقفي.

ألف: إسهامه «صلى اللّه عليه و آله» لرجل في بعض الغزوات لا يجعل ذلك الذي أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» من سهامها بحكم من حضر تلك الغزوة، بل إن ذلك كما قد يكون لأجل إظهار فضله، قد يكون أيضا تأليفا له على الإسلام، و إنما يعرف هذا من ذاك من خلال القرائن و الدلالات الأخرى. .

و لأجل ذلك نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى غنائم بعض الغزوات للمؤلفة قلوبهم. .

و الحاصل:

أن القرائن تدل تارة: على أن الإسهام للشخص، و إعطاءه من الغنيمة تكريم، و إجلال، و إعلان بفضل أو بتفضيل من يسهم له، إذا كان ذلك الشخص يقوم بمهمات جلى في خدمة الدين، و في الدفاع عنه. .

و تدل تارة أخرى: على مجرد استحقاقه ذلك، من حيث إنه قد كان له نوع مشاركة في تلك الحرب.

و قد أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طلحة و سعيد بن زيد من الغنائم في بدر؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسلهما ليتجسسا له خبر العير، فرجعا إلى المدينة بعد خروجه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بدر (1).

و كذلك كان الحال: بالنسبة لجعفر بن أبي طالب، حيث روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: ضرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 147 و 185 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 369 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 171.

يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه و أجره (1).

و ما ذلك إلا: لأن جعفرا صلوات اللّه و سلامه عليه قد هاجر إلى أرض الحبشة، نصرة لدين اللّه تعالى، و حفاظا على المسلمين المستضعفين، و إلا، فقد كان بإمكانه أن لا يهاجر إلى تلك البلاد النائية، حيث الغربة عن الوطن و الأهل، و الأحبة، بين أناس يختلفون معه في اللغة، و في العادات، و في الدين، و في كثير من الأمور الأخرى. .

ب: لقد جاء في حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأهل الشورى؛ و فيهم عثمان، و طلحة، و الزبير، و غيرهم قوله: «أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، و سهم في الغائب؟

قالوا: لا» (2).

و هو «عليه السلام» لم يغب إلا عن غزوة تبوك.

و قد ذكر الزمخشري في مناقب العشرة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين قسم غنائم تبوك دفع لكل واحد منهم سهما، و دفع لعلي «عليه السلام» سهمين. فاعترض عليه زائدة بن الأكوع، فأجابه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن جبرائيل كان يقاتل في تبوك، و أنه هو الذي أمره أن يعطي


1) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 216 و شرح الأخبار ج 3 ص 205 و بغية الباحث ص 215 و تهذيب الكمال ج 5 ص 52 و البداية و النهاية ج 3 ص 396.

2) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 93. و راجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362 و الضعفاء الكبير ج 1 ص 211 و 212 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 435 و الموضوعات ج 1 ص 379 و كنز العمال ج 5 ص 725.

عليا «عليه السلام» سهمين (1).

و قد يقال: إن خطابه «عليه السلام» لأهل الشورى ناظر إلى هؤلاء الحاضرين في زمانه، و ليس ناظرا إلى جعفر الذي كان قد استشهد في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا إلى أبي أمامة الذي لم يكن مع أولئك المخاطبين و لا نعرف تاريخ وفاته.

ج: إننا نشك في أن يكون قد تخلف عن بدر، لأجل تمريض بنت (ربيبة) رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد روي أيضا: أن تخلفه كان لأجل أنه كان مريضا بالجدري (2).

د: إنه لو فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك لوجدنا كثيرين ممن تخلفوا عن بدر يعترضون و يطالبون بإعطائهم سهمهم أيضا، كما أعطي عثمان. . و خصوصا إذا كان بعضهم قد تخلف على مريض له.

بل إننا قد نجد الأصوات ترتفع حتى من الذين حضروا بدرا و قاتلوا، فإنهم سوف لا يرضون بإعطاء من لم يحضر، و لم يقاتل، إلا أن يعرفهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بوجود سبب معقول، و مقبول لهذا الإعطاء. .

ه: إن تخلف عثمان كان بنظر مشاهير الصحابة منقصة له، و كانوا يعيّرونه بها، فلو كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب له بسهمه و أجره لم يكن هناك محل لهذا التعيير.


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 142 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 77 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 1 ص 78.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 185 و 146 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 224 و المغازي للواقدي ج 1 ص 131.

فقد قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟

فقال عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين-أي يوم أحد-و لم أتخلف يوم بدر، و لم أترك سنة عمر.

فخبر الوليد عثمان، فاعتذر عن تخلفه يوم بدر بتمريضه رقية (1).

و بمثل ذلك اعتذر ابن عمر لذلك الذي كان يعترض على عثمان بذلك (2).

و دخل رجل على سالم بن عبد اللّه، فطعن على عثمان بعين ما تقدم عن


1) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 68 و 75 و الأوائل ج 1 ص 305 و 306 و محاضرات الأدباء المجلد الثاني ص 184 و الدر المنثور ج 2 ص 89 عن أحمد، و ابن المنذر، و البداية و النهاية ج 7 ص 207 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 و 22 و المغازي للواقدي ج 1 ص 278 و الغدير ج 9 ص 327 و ج 10 ص 72 عن أحمد، و ابن كثير، و عن الرياض النضرة ج 2 ص 97 و مجمع الزوائد ج 7 ص 226 و ج 9 ص 84 و المعجم الكبير ج 1 ص 89 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 428 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 258 و تاريخ المدينة ج 3 ص 1033 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 224.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 98 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 629 و مسند أحمد ج 2 ص 101 و البداية و النهاية ج 7 ص 207 عن البخاري، و الغدير ج 10 ص 71 و 70 عن الحاكم، و أحمد، و عن صحيح البخاري ج 6 ص 122 و البحار ج 31 ص 201 و مناقب أهل البيت ص 367 و عن فتح الباري ج 7 ص 48 و عون المعبود ج 7 ص 283 و الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 256 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 261 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 284.

عبد الرحمن بن عوف (1).

فلو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان ضرب له بسهمه و أجره لم يكن معنى لتعيير كبار الصحابة له بذلك، و قد كان ابن عوف حاضرا في بدر، و لم يكن ما جرى فيها خافيا عليه.

كما أنه قد كان من المناسب: أن يعتذر هو بهذا الأمر، لا بتمريض رقية، فإنه أدحض لحجة المخالفين له. .

و: إن ابن مسعود قد رد على سب عثمان له بقوله: «لست كذلك. و لكني صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر، و يوم بيعة الرضوان» (2).

فقد أشار ابن مسعود إلى خصوص هذين الموضعين؛ لأن عثمان لم يحضرهما-أشار بذلك-ليرد بذلك عليه، لأنه كان قد تنقصه، و نال منه. .

و ذلك يدل: على أن عدم حضور عثمان لبيعة الرضوان يعد منقصة له، فلو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد بايع عنه لكان ذلك من أعظم فضائله.

و هكذا يقال بالنسبة لتخلفه عن بدر حسبما أوضحناه. .

الصحيح في القضية:

و لعل الصحيح في القضية هو: ما روي من أن أبا أمامة بن ثعلبة، كان


1) فتح القدير ج 10 ص 70 عن الرياض النضرة ج 2 ص 94.

2) أنساب الأشراف ج 5 ص 36 و الغدير ج 9 ص 3 و 4 عنه و عن الواقدي و المسترشد للطبري ص 164 و البحار ج 31 ص 189 و حياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 377.

قد أجمع على الخروج إلى بدر، و كانت أمه مريضة، فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمقام على أمه، و ضرب له بأجره و سهمه، فرجع «صلى اللّه عليه و آله» من بدر، و قد توفيت، فصلى على قبرها.

بل في بعض نصوص هذه الرواية: أن أبا أمامة تنازع مع أخي زوجته، أبي بردة بن نيار، حيث أراد منه أن يتخلف على أخته، و أراد منه أبو بردة أن يتخلف على زوجته فحسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأمر، بأن أمر زوجها بالتخلف عليها (1).

و أما صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قبرها، فلعله لأنها دفنت من غير أن يصلي عليها أحد، و كان في نبشها لأجل الصلاة عليها هتك لها. .

و علينا أن لا ننسى أن هذا الإصرار من أبي أمامة على الخروج للجهاد، و السعي إلى إقناع أخي زوجته بالبقاء عند أخته، ثم اتخاذ الرسول نفسه «صلى اللّه عليه و آله» قرار إبقائه، يجعل الإسهام له من غنائم بدر أمرا مقبولا لدى الصحابة، و لا يبرر لهم أي اعتراض على ذلك. .

سؤال و جوابه:

و يبقى هنا سؤال، و هو: إذا كان عثمان غير مستحق لأن يسهم له في بدر؛ لأنه ارتكب في حق رقية أمرا عظيما، حتى استحق التشهير به من


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 147 و الإصابة ج 4 ص 9 عن أبي أحمد الحاكم و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 4 و أسد الغابة ج 5 ص 139 و 566 و ج 1 ص 154 و مجمع الزوائد ج 3 ص 32 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 57 و المعجم الكبير ج 1 ص 272 و كنز العمال ج 16 ص 579.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حرمانه أمام كل الناس من الدخول إلى قبرها، و ترجيحه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينزل في قبرها رجل غريب، فلماذا لا يعاقبه على فعلته تلك؟ !

و لماذا يزوجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أختها أم كلثوم؟ !

و يجاب:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعاقب الناس على جرائمهم ما لم تتوفر وسائل إثبات ذلك، و لم يكن يحق له أن يستند في عقوبتهم إلى الغيب الذي يصل إليه بالطرق غير العادية، أو من خلال علم الشاهدية. .

و من الواضح: أن عثمان لم يعترف بما فعل، و لا شهد عليه به الشهود. . و لكنه أعطى الانطباع بصدور هذا الأمر منه. .

ثانيا: إن هذا الإشكال مبني على أن رقية و أم كلثوم، هما بنتا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خديجة. . و قد أثبتنا عدم صحة ذلك، و أنهما كانتا ربيبتيه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلم يكن «صلى اللّه عليه و آله» بالذي يتصدى لتزويج بنات الناس، إلا إذا ظهر: أنهن يردن منه ذلك، و يطلبن نصيحته و مشورته.

فلعل أم كلثوم هي التي أقدمت على هذا الأمر، و لم تطلب النصيحة منه «صلى اللّه عليه و آله» . و ليس ثمة ما يثبت: أنها كانت مطلعة على ما جرى لأختها مع عثمان. .

دليل على موت الخضر:

قال الحلبي: «و استدل بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : أنتم خير أهل

الأرض على عدم حياة الخضر «عليه الصلاة و السلام» حينئذ، لأنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه. و قد قامت الأدلة الواضحة على ثبوت نبوته، كما قاله الحافظ ابن حجر» (1).

و نقول:

أولا: بعد أن ثبت: أن المنافقين قد حضروا بيعة الرضوان، و بايعوا، و ثبت أيضا أن الحديث القائل: أنتم خير أهل الأرض لا تصح نسبته إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فلا يصح الاستدلال به على حياة الخضر، و لا على غير ذلك من أمور.

ثانيا: قولهم: إنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه، فلا يصح تفضيل أهل الحديبية على الخضر، لا يصح.

إذ لا شك في أن بعض الأولياء و الأئمة أفضل من بعض الأنبياء، فإن عليا «عليه السلام» كان أفضل من الأولين و الآخرين، باستثناء نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . .

و الأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، و منها قوله «صلى اللّه عليه و آله» للسيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» : لو لا علي لم يكن لفاطمة كفؤ آدم فمن دونه (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17.

2) تهذيب الأحكام ج 7 ص 470 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 29 و الجواهر السنية ص 252 و الفصول المهمة ج 1 ص 408 و البحار ج 43 ص 93 و 107 و مسند الإمام الرضا ص 141 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 225 و اللمعة البيضاء ص 212 و 246 و مجمع النورين ص 27 و 43.

حيث دل على أنه حتى أولو العزم من الأنبياء «عليهم السلام» - باستثناء نبينا «صلى اللّه عليه و آله» -لم يكونوا كفؤا لها «عليها السلام» ، و كان علي وحده الكفؤ، فهو إذن أرفع مقاما من جميع الأنبياء.

بل ذلك يدل على أفضيلة الزهراء «عليها السلام» عليهم أيضا، و ذلك ظاهر. .

هل أسلم ابن عمر قبل أبيه؟ !

و في البخاري و غيره، عن نافع: أن ابن عمر أسلم قبل أبيه، و ليس كذلك. و لكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد اللّه إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي به ليقاتل عليه. و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبايع عند الشجرة، و عمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد اللّه، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر و هو يستلئم للقتال، فأخبره: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبايع تحت الشجرة.

قال: فانطلق. فذهب معه حتى بايع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» . .

فهي التي يتحدث الناس: أن ابن عمر أسلم قبل عمر (1).

و في البخاري أيضا: عن نافع، عن ابن عمر: أن الناس كانوا مع النبي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 521 (4186) و فتح الباري ج 7 ص 350 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 201 و التعديل و التجريح للباجي ج 2 ص 852 و ج 3 ص 1317 و البداية و النهاية ج 4 ص 197 و عن عيون الأثر ج 2 ص 127 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 328.

«صلى اللّه عليه و آله» ، يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال عمر: يا عبد اللّه، انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فذهب، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج، فبايع (1).

و نقول:

إن ذلك لا يصح، و ذلك لما يلي: 1-روى ابن جرير، و ابن أبي حاتم، عن سلمة بن الأكوع: و البيهقي، عن عروة. . و ابن إسحاق، عن الزهري. . و محمد بن عمر عن شيوخه. . قال سلمة: بينا نحن قائلون إذا نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أيها الناس، البيعة، البيعة الخ. . (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 49 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 521 (4187) و مسند أحمد ج 5 ص 324 و فتح الباري ج 7 ص 350 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 201 و البداية و النهاية ج 4 ص 197 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 329.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 136 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 48 و السيرة الحلبية ج 3 ص 16 و 17 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 452 و كنز العمال ج 1 ص 332 و الميزان ج 18 ص 291 و جامع البيان ج 26 ص 112 و زاد المسير ج 7 ص 167 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205 و تفسير الجلالين ص 713 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و لباب النقول ص 177 و فتح القدير ج 5 ص 52 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279.

و ذكر الحلبي: أن المنادي هو عمر بن الخطاب (1).

2-لا ندري كيف أصبحت كلمة أسلم قبل عمر بمعنى: بايع قبل عمر، فإن ذلك من بدائع اللغة العربية؟ !

3-إن التناقضات بين الروايتين المتقدمتين عن البخاري: ظاهرة، و لا حاجة إلى بيانها، مع أنها واردة في الكتب التي يدّعون صحة جميع مروياتها.

4-إنه إذا كان هناك مناد قد نادى بالناس: البيعة البيعة، فكيف لم يعلم عمر بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبايع حتى أخبره ولده عبد اللّه، أو حتى رأى الناس محدقين بالرسول «صلى اللّه عليه و آله» حسبما تقدم؟ !

لا توقدوا نارا بالليل:

عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم الحديبية، قال لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا توقدوا نارا بالليل» .

فلما كان بعد ذلك قال: «أوقدوا، و اصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم، و لا مدكم» (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 16.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 36 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 169 و مسند أحمد ج 3 ص 26 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 481 و ج 14 ص 443 و عن فتح الباري ج 7 ص 341 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 268 و كنز العمال ج 11 ص 528 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و ج 9 ص 161 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 272 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 263 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 1 ص 391.

و هذا التوجيه النبوي الشريف ظاهر المأخذ: فإن مرحلة ما بعد الحديبية، قد اختلفت كثيرا عن المرحلة التي سبقتها، فإنه لم يعد ثمة من حاجة إلى التخفي في أي مسير يقوم به الجيش الإسلامي في أي اتجاه.

بل أصبح إيقاد النيران للجيش الإسلامي يرعب العدو أكثر من أي شيء آخر. .

و لم يعد هناك أي شيء من شأنه أن يفتح له باب التفكير بتسديد أي ضربة موجعة لذلك الجيش، لأنه يرى أنه لم يعد له حيلة فيه، و ليس من مصلحته الاحتكاك به، بل المصلحة كل المصلحة تكمن في الابتعاد عنه، و إخلاء كل المحيط له.

و هذا هو أحد المظاهر التي تجسّد صدق قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا الصلح: إنه أعظم الفتح.

و ظهر بذلك أيضا مصداق قوله تعالى في مناسبة هذا الصلح: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1).

عمر يقطع شجرة بيعة الرضوان:

إن هناك مفارقات ظاهرة بين آراء و تصرفات عمر بن الخطاب و بين ما هو ثابت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن الصحابة. بل هناك مفارقات بين تصرفات عمر بالذات.

فهو من جهة يتوسل إلى اللّه في الاستسقاء بالعباس عم رسول اللّه


1) الآية 1 من سورة الفتح.

«صلى اللّه عليه و آله» (1)، و يقبّل الحجر الأسود؛ لأنه رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقبّله (2).

و هو يرى: أن الصحابة يتبركون بفضل وضوء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و بشعره، و عرقه، و ببصاقه، و بكل شيء يرجع إليه.

و يشاهد بأم عينيه ما فعله «صلى اللّه عليه و آله» حين بصق و غرس السهم في البئر التي في الحديبية، بالإضافة إلى عشرات الموارد التي يشاهدها هو و المسلمون طيلة حياتهم معه «صلى اللّه عليه و آله» و عدة سنين بعدها فضلا عن تبركهم بقبره الشريف و بغير ذلك (3).

و لكنه من جهة أخرى-على رغم ذلك كله-لا يطيق في أيام خلافته رؤية المسلمين يتعاهدون شجرة بيعة الرضوان، و يصلّون عندها.


1) الغدير ج 7 ص 301 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 618 و عن فتح الباري ج 2 ص 412 و ج 7 ص 62 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 26 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 359 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 413 و ج 12 ص 87 و دفع الشبه عن الرسول للدمشقي ص 131.

2) المعجم الأوسط ج 5 ص 191 و رياض الصالحين للنووي ص 139 و مسند أحمد ج 1 ص 35 و سنن أبي داود ج 1 ص 419 و سنن النسائي ج 5 ص 227 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 16 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 131 و نصب الراية ج 3 ص 117 و كنز العمال ج 5 ص 173 و شرح مسند أبي حنيفة ص 199 عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 178.

3) إن ما جرى في الحديبية ما هو إلا غيض من فيض، فراجع كتاب: التبرك للشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» .

فقد روي عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب: أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فيصلون عندها، فتوعدهم. ثم أمر فقطعت (1).

و الظاهر: أن موضعها بقي معلوما، أو أن بقية منها كانت ظاهرة للناس فكانوا يقصدونها للصلاة عندها أيضا، فحاول سعيد بن المسيب أن يشكك الناس في موضعها، تأييدا منه لما فعله عمر بن الخطاب.

فقد روي عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا، فمررت بقوم يصلّون، فقلت: ما هذا؟ !

قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي: أنه كان فيمن بايع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها. .

فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، و علمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم؟ ! (2).

و نقول نحن لسعيد: لعل أباك و بعض رفقائه نسوا ذلك المكان، فلم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 عن ابن أبي شيبة و ابن سعد و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 101 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و فتح القدير ج 5 ص 52.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 عن البخاري و ابن مردويه. و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 512 رقم (4163) و عن فتح الباري ج 7 ص 344 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 99 و عن الإصابة ج 6 ص 96 و البداية و النهاية ج 4 ص 196 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 327.

يقدروا عليه، و ربما يكون نسيانهم هذا لأسباب مختلفة، و لكن هذا لا يعني أن يكون سائر الصحابة و عددهم ألف و أربع مائة أو أكثر قد نسوا كلهم ذلك المكان أيضا. . إلا أن تكون هذه الأمة هي أغبي الأمم، و أشدها تغفيلا! !

و في حديث نافع الآخر: أنه خرج قوم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك بأعوام، فما عرف أحد منهم الشجرة، و اختلفوا فيها.

قال ابن عمر: كانت رحمة من اللّه. .

و هذا الحديث: قد يكون هو نفس الحديث المتقدم عن طارق. . و سعيد بن المسيب (لكنه بدّل كلمة: «من العام المقبل» بكلمة: «بعد ذلك بأعوام») .

و حتى لو كان حديثا عن جماعة أخرى، فالجواب عنه هو الجواب المتقدم عن حديث طارق أيضا، فإن نسيان جماعة للمكان لبعض الأسباب، لا يلازم نسيان غيرهم له أيضا. . و لعلهم قد خرجوا بعد أن أمر عمر بن الخطاب بقطعها (1)، فقطعت و لم يعلموا بقطعها، فبحثوا عنها، فلم يجدوها. .

و اللافت: أن عمر بن الخطاب قد أجرى امتحانا للصحابة، و ذلك حين مر بذلك المكان بعد ذهاب الشجرة (أي بعد أن أمر بقطعها) فقال: أين كانت؟

فجعل بعضهم يقول: ههنا.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 25.

و بعضهم يقول: هنا.

فلما كثر اختلافهم قال: سيروا، قد ذهبت الشجرة (1).

و أما قول ابن عمر: «كانت رحمة من اللّه» .

فإن كان يقصد به: أن الشجرة كانت رحمة من اللّه، فهو صحيح، لأن عبادة اللّه تعالى عندها من موجبات رحمته سبحانه. .

و أما إن كان يقصد: أن قطعها كان رحمة من اللّه، فهو لا يتلاءم مع تبرك الصحابة بآثار النبي و لا مع تبركه «صلى اللّه عليه و آله» بعلي «عليه السلام» و بالحجر الأسود، و بغير ذلك.

بل قد يقال: إن ذلك لا يتلاءم مع ما كان يفعل ابن عمر نفسه حيث رووا عنه: أنه كان يتتبع آثار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المواضع التي صلى فيها، فيصلي فيها.

بل يذكرون: أنه كان يتتبع مواطئ قدمه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا.

إلا أن يقال: إنه لم يرد عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قد صلى تحت تلك الشجرة، لكي يقتدي به ابن عمر و يصلي تحتها أيضا. .

و على كل حال: فقد عرفنا في ابن عمر تأثره الشديد لخطى أبيه، و الالتزام بأوامره و نواهيه بصورة لافتة، و لعل هذا من ذاك.

مع أن اتباعه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لصحابته في التبرك بآثاره، كان هو الأحرى به، و الأولى. .


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 20.

الفصل الثاني: عهد الحديبية: أحداث و تفاصيل

اشارة

تقديم:

فإن هدنة الحديبية كانت فاتحة عهد جديد، له خصوصياته، و كانت له آثاره العميقة في التحولات الكبيرة و العامة، التي أكدت الحاجة إلى طاقات، و إمكانات، و كذلك إلى وسائل، ثم إلى سياسات و مواقف من نوع آخر غير ما كان الواقع يحتاجه في الظروف و في الفترة التي سبقت الحديبية.

و إن سير الأحداث التي تلت هذا الصلح يظهر هذه الحقيقة. و يفرض على الباحث رؤية جديدة من شأنها أن توفر له فهما أعمق، و أوضح لتلك الأحداث. .

و قد يكون التوفر على هذا الأمر، و الالتفات إلى ما يلزم الالتفات إليه يحتاج إلى تضافر جهود، و إلى إثارة أجواء من البحث، و المناظرة حول ذلك كله، و ذلك من أجل إعطاء الرؤى كلها فرصتها لتتلاقى و تتكامل مع بعضها، و لربما ينالها المزيد من التقليم و التطعيم، و تصبح أكثر غنى باللفتات و اللمحات، التي تجعل نتائج البحث أكثر عمقا، و ملاءمة للواقع، و أشد صفاء و نقاء. .

و لكن ذلك و إن لم يكن متوفرا في مثل هذا الحال، فإن ما لا يدرك كله

لا يترك كله، أو جله.

فإن المهم هو: أن تبدأ مسيرة الألف ميل و لو بخطوة واحدة.

فها نحن نبدأ هذه المسيرة و لتكن هذه هي الخطوة الأولى، و على اللّه نتوكل و منه نستمد العون و القوة، و نستنزل الصبر و التأييد و التسديد، إنه ولي قدير. .

عهد الحديبية:

قال الصالحي الشامي: روى ابن إسحاق و أبو عبيد، و عبد الرزاق، و الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و أبو داود، و النسائي، و ابن جرير، و ابن مردويه، و محمد بن عمر، عن المسور بن مخرمة، و مروان بن الحكم، و الشيخان، عن سهيل بن حنيف: أن عثمان لما قدم من مكة، هو و من معه، رجع سهيل بن عمرو، و حويطب، و مكرز إلى قريش، فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى البيعة، و تشميرهم إلى الحرب فاشتد رعبهم.

فقال أهل الرأي منهم: ليس خير من أن نصالح محمدا على أن ينصرف عنا عامه هذا، و لا يخلص إلى البيت، حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب أنّا قد صددناه، و يرجع قابلا، فيقيم ثلاثا، و ينحر هديه، و ينصرف. و يقيم ببلدنا، و لا يدخل علينا. فأجمعوا على ذلك. .

فلما أجمعت قريش على الصلح و الموادعة بعثوا سهيل بن عمرو، و حويطب و مكرزا، و قالوا لسهيل: ائت محمدا فصالحه، و ليكن في صلحك: ألا يدخل عامه هذا، فو اللّه لا تحدث العرب أنه دخل علينا عنوة.

فأتى سهيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رآه «صلى اللّه عليه

و آله» قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا» (1).

و في لفظ: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سهل أمركم» .

و جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متربعا، و كان عباد بن بشر، و سلمة بن أسلم بن حريش على رأسه-و هما مقنعان في الحديد-.

فبرك سهيل على ركبتيه، فكلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأطال الكلام و تراجعا، و ارتفعت الأصوات و انخفضت.

و قال عباد بن بشر لسهيل: اخفض من صوتك عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المسلمون حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جلوس، فجرى بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين سهيل القول حتى وقع الصلح على:

1-أن توضع الحرب بينهما عشر سنين.

2-أن يأمن الناس بعضهم بعضا.

3-أن يرجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عامه هذا، فإذا كان العام المقبل قدمها، فخلّوا بينه و بين مكة، فأقام فيها ثلاثا.

4-ألا يدخلها إلا بسلاح الراكب، و السيوف في القرب، لا يدخلها بغيره.

5-أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه-و إن كان على دين


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 221 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 210 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 280 و البداية و النهاية ج 4 ص 192 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 781 و عن عيون الأثر ج 2 ص 119 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 320 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 52.

محمد-رده إلى وليه.

6-من أتى قريشا ممن اتبع محمدا لم يردوه عليه.

7-و أن بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عيبة مكفوفة.

8-أنه لا إسلال (1).

9-و لا إغلال (2).

10-أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل.

و قد أضافت بعض المصادر إلى المواد العشر المتقدمة ما يلي: 11-أنه من قدم مكة من أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» حاجا، أو معتمرا، أو يبتغي من فضل اللّه، فهو آمن على دمه و ماله. .

و من قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر، و إلى الشام، يبتغي من فضل اللّه، فهو آمن على دمه و ماله (3).

12-أن يخلوا له مكة من قابل ثلاثة أيام، و تخرج قريش كلها من مكة،


1) الإسلال: السرقة، المعجم الوسيط ج 1 ص 448.

2) الإغلال: الخيانة.

3) راجع: كنز العمال ج 10 ص 306 و مدينة البلاغة ج 2 ص 281 و تفسير النيسابوري (مطبوع مع جامع البيان) ج 26 ص 49 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 441 و عن مدينة البلاغة ج 2 ص 281 و مجموعة الوثائق السياسية ص 82 و 83 عن ابن جرير، و أنساب الأشراف، و ابن زنجويه، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 77 عنهم، و البحار ج 20 ص 334 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2246 و جامع البيان ج 26 ص 125.

إلا رجل واحد منها، يخلفونه مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه (1).

13-و أن لا يخرج من أهلها بأحد، إن أراد أن يتبعه.

14-و أن لا يمنع أحدا من أصحابه، إن أراد أن يقيم بها (2).

15-و أن يكون الإسلام ظاهرا بمكة، لا يكره أحد على دينه، و لا يؤذى، و لا يعير (3).

و جاء في آخر العهد: «شهد أبو بكر بن أبي قحافة و. . و. . و كتب علي


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 45 و البحار ج 20 ص 362 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 436 و التنبيه و الإشراف ص 221 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 78 عنهم و عن آخرين، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 175 و إعلام الورى ج 1 ص 205.

2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 78 عن صحيح البخاري ج 2 ص 242 و صحيح مسلم ج 3 ص 1410 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 436 و البداية و النهاية ج 4 ص 234 و البحار ج 20 ص 372 و ج 38 ص 328 و الأموال ص 233 و 443 و كنز العمال ج 10 ص 316 و العمدة ص 201 و 325 و مسند أحمد ج 4 ص 298 و سنن الدارمي ج 2 ص 238 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 85 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 5 و مجمع الزوائد ج 2 ص 75 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 168 و خصائص أمير المؤمنين ص 151 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 229 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 442.

3) البحار ج 20 ص 352 و 362 عن تفسير القمي ج 2 ص 313 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 77 و 90 و نور الثقلين ج 5 ص 53 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 629.

بن أبي طالب» (1).

فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد و عهده، و تواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش و عهدهم.

فكره المسلمون هذه الشروط، و امتعضوا منها، و أبى سهيل إلا ذلك، فلما اصطلحوا، و لم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، ألست نبي اللّه حقا؟

قال: بلى.

قال: ألسنا على الحق و هم على الباطل؟

قال: بلى.

قال: أليس قتلانا في الجنة، و قتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال: علام نعطي الدنية في ديننا؟ و نرجع و لم يحكم اللّه بيننا و بينهم؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إني عبد اللّه، و رسوله، و لست أعصيه، و لن يضيعني، و هو ناصري» .

قال: أو ليس أنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف حقا؟

قال: بلى، أ فأخبرتك أنك تأتيه العام؟

قال: لا.

قال: «فإنك آتيه و مطوف به» .

فذهب عمر إلى أبي بكر متغيظا و لم يصبر، فقال: يا أبا بكر: أليس هذا


1) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 350.

نبي اللّه حقا؟

قال: بلى.

قال: ألسنا على الحق، و هم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة، و قتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، و نرجع و لم يحكم اللّه بيننا و بينهم؟

قال: أيها الرجل، إنه رسول اللّه، و ليس يعصي ربه، و هو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو اللّه إنه لعلى الحق.

و في لفظ: فإنه رسول اللّه.

فقال عمر: و أنا أشهد أنه رسول اللّه.

قال: أو ليس كان يحدثنا: أنه سنأتي البيت و نطوف به؟

قال: بلى، أ فأخبرك أنك تأتيه العام؟

قال: لا.

قال: فإنك آتيه و مطوّف به.

فلقي عمر من هذه الشروط أمرا عظيما» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 53 عن: البخاري ج 4 ص 26 و 125، و عن مسلم ج 3 ص 1412(94/1785) و راجع: الطبراني في الكبير ج 6 ص 109 و في (ط أخرى) ج 20 ص 14 و ابن سعد ج 1 ق 1 ص 20 و انظر المجمع ج 3 ص 312 ج 5 ص 67. و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 187 و عين العبرة ص 22 و مناقب أهل البيت ص 336 و النص و الإجتهاد ص 173 و الغدير ج 7 ص 185 و السنن الكبرى ج 9 ص 220 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 213 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 229 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 334 و البحار ج 30 ص 339 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 339 و إرواء الغليل ج 1 ص 58 و ج 8 ص 196 و مسند أحمد ج 4 ص 330.

و قال كما في الصحيح: و اللّه ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، و جعل يرد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكلام.

فقال أبو عبيدة بن الجراح: ألا تسمع يا بن الخطاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول ما يقول، تعوذ باللّه من الشيطان، و اتهم رأيك.

قال عمر: فجعلت أتعوذ باللّه من الشيطان حياء، فما أصابني شيء قط مثل ذلك اليوم، و عملت بذلك أعمالا-أي صالحة-لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الأمر ابتداء، كما عند ابن إسحاق، و ابن عمر الأسلمي.

قال عمر: فما زلت أتصدق، و أصوم، و أصلي، و أعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا.

و روى البزار عن عمر بن الخطاب، قال: اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أردّ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برأيي، و ما ألوت على الحق.

قال: فرضي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبيت، حتى قال: «يا عمر تراني رضيت و تأبي» ؟ ! (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 53 عن الدولابي في الكنى ج 2 ص 69. و راجع: فتح الباري ج 5 ص 254 و ج 13 ص 245 و المعجم الكبير ج 1 ص 78 و في (ط أخرى) ص 72 و مجمع الزوائد ج 1 ص 179 و ج 6 ص 146 و الأحكام لابن حزم ج 6 ص 782 و كنز العمال ج 1 ص 372.

فقال سهيل: هات، اكتب بيننا و بينك كتابا، فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا-كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصلح و كتاب الجزية، و رواه إسحاق بن راهويه من حديث المسور و مروان، و أحمد، و النسائي، و البيهقي و الحاكم-و صححه عن عبد اللّه بن مغفل.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» .

فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فو اللّه ما أدري ما هو، و لكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. اكتب في قضيتنا ما نعرف.

فقال المسلمون: و اللّه لا نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «اكتب: باسمك اللهم»

ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال سهيل: و اللّه لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت، و لا قاتلناك، اكتب في قضيتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي: امحه، فقال علي «عليه السلام» : ما أنا بالذي «أمحاه» ، و في لفظ «أمحاك» .

و في حديث محمد بن كعب القرظي: فجعل علي يتلكأ، و أبى أن يكتب إلا محمد رسول اللّه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اكتب، فإن لك مثلها تعطيها و أنت مضطهد (1)انتهى.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و في هامشه: عن البخاري ج 5 ص 357(2699) و أحمد ج 4 ص 328 و 86 و ج 5 ص 23 و 33 و البيهقي ج 9 ص 220 و 227 و عبد الرزاق في المصنف (9720) و الطبري في التفسير ج 26 ص 59 و 63 و ابن كثير في التفسير ج 7 ص 324 و انظر المجمع ج 6 ص 145 و 146. و راجع: ميزان الحكمة ج 4 ص 3196 و مجمع البيان ج 9 ص 199 و الميزان ج 18 ص 269 و المناقب للخوارزمي ص 193 و البحار ج 20 ص 335 و ج 32 ص 542 و ج 33 ص 314 و وقعة صفين ص 509 و المسترشد ص 391 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 232 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 628 و ينابيع المودة ج 2 ص 18 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 366 و الأنوار العلوية ص 249 و عن الإحتجاج ج 1 ص 277 و تفسير القمي ج 2 ص 313 و نور الثقلين ج 5 ص 53.

و ذكر محمد بن عمر: أن أسيد بن الحضير، و سعد بن عبادة أخذا بيد علي و منعاه أن يكتب إلا: «محمد رسول اللّه» ، و إلا فالسيف بيننا و بينهم.

فارتفعت الأصوات، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخفضهم، و يومئ بيده إليهم: اسكتوا.

فقال: أرنيه، فأراه إياه، فمحاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده، و قال: اكتب محمد بن عبد اللّه.

قال الزهري: و ذلك لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لسهيل: على أن تخلوا بيننا و بين البيت، فنطوف.

فقال سهيل: لا و اللّه، لا تحدث العرب أنّا أخذنا ضغطة، و لكن لك من العام المقبل، فكتب.

فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا أحد بغير إذن وليه-و إن كان على دينك إلا رددته إلينا.

فقال المسلمون: سبحان اللّه، أيكتب هذا؟ كيف يرد إلى المشركين و قد جاء مسلما.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، و من جاء منهم إلينا سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا» (1).

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات للتوضيح، أو للتصحيح، و هي التالية:

الاصطفاف للقتال، و اللواء مع علي عليه السّلام:

قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : «. . ثم تلا بني المصطلق الحديبية، و كان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما كان في المشاهد كلها. و كان من بلائه في ذلك اليوم عند صف القوم في الحرب للقتال، ما ظهر خبره، و استفاض ذكره. و ذلك بعد البيعة التي أخذها النبي «صلى اللّه عليه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و في هامشه قال: انظر التخريج السابق و أخرجه أبو داود في الجهاد باب (167) و أحمد ج 4 ص 329 و 330 و السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 76. و راجع النصوص المتقدمة في: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51-54 و صحيح مسلم ج 5 ص 175 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 510 و كنز العمال ج 10 ص 480 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 277.

و آله» على أصحابه، و العهود عليهم في الصبر» (1).

و نقول:

إن كتب التاريخ التي بين أيدينا قد عجزت عن الجهر بما فعله علي «عليه السلام» حين صف القوم في الحرب للقتال. . مع أن ذلك كان قد ظهر خبره، و استفاض ذكره. .

فهل كان أسر الخمسين على يد علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و ليس على يد محمد بن مسلمة؟

و هل كان أسر الاثني عشر الآخرين على يد علي «عليه السلام» دون سواه، و كان ذلك في ساحة الحرب، حيث رفعت فيها الألوية، و اصطف فيها الناس للقتال، و كان اللواء مع علي «عليه السلام» كما هو في سائر المشاهد، ثم أخفى ذلك الحاقدون، و قللوا من شأنه، و جعلوه مجرد مناوشات يسيرة لا أهمية لها. . مع أنها هي التي أرعبت قريشا، و أرغمتها على الصلح، و لما «رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم، ضرع إلى النبي «عليه السلام» في الصلح، و نزل عليه الوحي بالإجابة إلى ذلك. .» حسبما رواه الشيخ المفيد «رحمه اللّه» (2).

قريش في مأزق:

لقد وجدت قريش نفسها أمام خيارات صعبة، لا تستطيع أن تتجرع مرارة أي واحد منها، و الخيارات هي التالية:


1) الإرشاد ج 1 ص 119 و المستجاد في الإرشاد ص 73 و البحار ج 20 ص 358.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 119.

1-أن تمنع المسلمين من دخول مكة، حتى لو أدى ذلك إلى حرب شعواء. و هذا خيار صعب، من نواح عديدة. .

إحداها: أنها تخشى أن تدور الدوائر في هذه الحرب عليها.

الثانية: أن العرب يرون: أن مكة و البيت ليس ملكا لقريش، و إنما هي تقوم بمهمة سدانته، و تسهيل أمر زيارته. . و ليس لها أن تمنع أحدا جاء للحج أو العمرة و زيارة البيت من الوصول إليه. .

فإن فعلت ذلك، فسوف تواجه النقد الشديد، و الرفض الأكيد حتى من حلفائها، و ربما تنتهي الأمور إلى حدوث انقسامات خطيرة فيما بينها و قد حصل ذلك بالفعل، كما أظهرته الوقائع. .

2-أن تسمح قريش للمسلمين بدخول مكة. . و في هذا ما فيه أيضا: من كسر لهيبتها.

و من اعتراف بحق المسلمين بهذا الأمر، بعد أن كانت تصورهم للناس على أنهم جناة، و عتاة، و قطاع طرق، و مفسدون في الأرض. .

و من أنها لا تأمن من حدوث مفاجآت تجعل الأمور أكثر تعقيدا، كما لو حصل اعتداء من قبل سفهائها على بعض الوافدين، ثأرا لآبائهم و إخوانهم الذين قتلوا في بدر، و أحد، و الخندق. . و ربما تتطور الأمور إلى ما هو أعظم و أدهى.

3-أن ترجعه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا العام، و ترضى بأن تبذل له من الشروط ما يرضيه، و لكن هذا الاحتمال الأخير يجعل المبادرة بيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو عارف بما يريد، و يعرف سبل الوصول إليه، و الحصول عليه، و هكذا كان. .

رعب قريش و ضراعتها الصلح:

و قد صرحت النصوص: أنه قد زاد من رعب قريش ما رأته من سرعة أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى البيعة، و تشميرهم إلى الحرب (1).

و نستطيع أن نقول: إن قريشا كانت بين نارين:

فهي من جهة ترى: أن دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة على هذا النحو، سيكون بالنسبة لها ذلا شاملا، و ضعفا بارزا، بين العرب.

و ترى من جهة أخرى: أنها لا قدرة لها على الحرب، لأسباب مختلفة، فهي: 1-تعاني من ضائقة اقتصادية شديدة، و الحرب تحتاج إلى نفقات، و تضيّع عليها استثمار موسم الحج في ذلك العام، و كان هذا الموسم على الأبواب.

2-إن الناس قد ملوا الحرب و ملتهم، و قتل كثير من رجالهم. و نشأت من ذلك اختلالات في العلاقات الاجتماعية، و مشكلات أسرية و قبلية. و نحو ذلك. .

3-قد تقدم: أن سيد الأحابيش قد خالفهم في هذا الأمر، و تهددهم، و فارقهم و كذلك الحال بالنسبة لعمرو بن مسعود، و من معه من ثقيف.

4-إن خزاعة أيضا كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مسلمهم و كافرهم. و هي تعيش في مكة مع قريش. .

5-إن الإسلام قد فشا فيما بين قبائل قريش، و أصبحت كل قبيلة تحتفظ بطائفة من أبنائها في القيود و السلاسل و السجون. .

6-إن المعركة لن تكون من الناحية العسكرية في صالح قريش، و هي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51 و 52.

معركة رأوا: أنها ستكون في غاية الحدة و الشراسة، و أنها تحمل معها المزيد من الخسائر في الأموال و الأنفس. و مما يزيد في تضاؤل فرص النجاح لقريش ما رآه مبعوثهم من انقياد و خضوع، و تفان ظاهر للمسلمين في خدمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إطاعة أوامره.

7-و قد أكدت بيعة الرضوان لقريش: أن الأمور في غير صالحها، فإن الالتزامات و العقود، تمنع من أي تعلل، أو تراجع.

فكيف إذا كانت بيعة على الموت و الفناء، حتى يتحقق لهم ما جاؤوا له.

و بذلك يتضح: أنه لابد لقريش من عقد الصلح. . فهو المخرج الوحيد لها من هذه الورطة. .

فبعثوا سهيل بن عمرو إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قالوا له: ائت محمدا، فصالحه، و لا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا.

فأتاه سهيل بن عمرو. فلما رآه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.

فلما انتهى سهيل إليه تكلم، و أطال، و تراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.

بل إن الشيخ المفيد «رحمه اللّه» يقول:

«و لما رأى سهيل بن عمرو توجّه الأمر عليهم ضرع إلى النبي «عليه السلام» في الصلح، و نزل عليه الوحي بالإجابة إلى ذلك. و أن يجعل أمير المؤمنين «عليه السلام» كاتبه يومئذ، و المتولي لعقد الصلح بخطه. .» (1).


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 119 و البحار ج 20 ص 358 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 627.

معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله بعدوّه:

إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين رأى سهيل بن عمرو: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا» يدل على: معرفة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بطبائع عدوه، و ميزاته، و مواقعه، و بكيفيات تصرفات ذلك العدو، حتى إنه ليعرف نواياه بمجرد رؤية مبعوثيه، قبل أن يكلمهم، و يستخبرهم عما جاؤوا من أجله.

جلوس النبي صلى اللّه عليه و آله و جلوس سهيل:

كما أن من الواضح: أن جلوس الرجل متربعا يشير إلى الاسترسال و الهدوء، و راحة البال، و يرى أن الأمور تسير بشكل طبيعي و عادي. .

أما حين يبرك على ركبتيه، فإنه يكون في حالة تختزن معها الاستعداد للجدال و المماحكة، و السعي لحسم أمر يهمه، فيحتاج إلى جمع أطرافه إلى نفسه، و إظهار التماسك، و التصميم، و الجدية في عمله من أجل إنجازه.

و لأجل ذلك نلاحظ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جلس متربعا، و أما سهيل بن عمرو فبرك على ركبتيه.

اختلاف نصوص العهد:

إن نصوص العهد قد اختلفت في كثير من ألفاظها، كالاختلاف في قوله: هذا ما صالح عليه محمد. . أو هذا ما قاضى عليه محمد.

اصطلحا. . أو اصطلحوا.

هل وضعت الحرب عشر سنين كما تقدم (1)، أو ثلاث سنين (2)، أو أربع أو سنتان (3)هناك أقوال في ذلك؟ !

و لعل تلك الاختلافات قد نشأت عن سوء حفظ الناقل، أو لأن بعضهم أراد النقل بالمعنى، أو لغير ذلك من أسباب. .

كما أن هناك بعض المواد قد ذكر بعض الناقلين، دون البعض الآخر. .

مصادر العهد:

و قد ذكر العلامة الشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» طائفة من المصادر، يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص عهد الحديبية. . فلاحظ الهامش (4).


1) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 350 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 782 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 64 و العمدة ص 163 و مسند أحمد ج 4 ص 325 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 630 و نصب الراية ج 4 ص 238 و خصائص الوحي المبين ص 160 و زاد المسير ج 3 ص 273 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 211 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 97 و الثقات ج 1 ص 301 و البداية و النهاية ج 5 ص 373 و نهج الإيمان لابن جبر ص 245 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 691.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 54 و فتح الباري ج 5 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 76.

3) راجع: مكاتيب الرسول للأحمدي ج 3 ص 89 و أنساب الأشراف ج 1 ص 351 و نصب الراية ج 4 ص 239 و عن عيون الأثر ج 2 ص 128.

4) مكاتيب الرسول ج 3 ص 79 و 80 عن المصادر التالية: تفسير علي بن إبراهيم ج 2 ص 336 و إعلام الورى للطبرسي ص 61 و سيرة ابن هشام ج 3 ص 366 و في (ط أخرى) ص 331 و الأموال لأبي عبيد ص 233 و 443 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 97 و في (ط قديم) ج 2 ق 1 ص 70 و كنز العمال ج 10 ص 303 و 306 و 312 و 316 و الطبري ج 2 ص 634 و الكامل ج 2 ص 204 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 394 و السيرة الحلبية ج 3 ص 23 و دحلان بهامش الحلبية ج 2 ص 212 و ما بعدها، و الدر المنثور ج 6 ص 77 و 78 و المغازي للواقدي ج 2 ص 610 و 611 و الخراج لأبي يوسف ص 228 و رسالات نبوية ص 177-180 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 203 و أنساب الأشراف (تحقيق محمد حميد اللّه) ص 349. و راجع: مدينة البلاغة ج 2 ص 281 و مسند أحمد ج 4 ص 325 و 330 و البخاري ج 3 ص 242 و 255 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 233 و البحار ج 20 ص 333 و 334 و 335 و 352 و 362 و 368 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 34-36 و تفسير الطبري ج 26 ص 61 و 63 و النيسابوري بهامش الطبري ج 26 ص 49 و نور الثقلين ج 5 ص 52 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و البداية و النهاية ج 4 ص 168 و 175 و أبو الفتوح ج 5 ص 104 و البرهان ج 4 ص 193 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 337 و 338 و الكافي ج 8 ص 326 و مرآة العقول ج 26 ص 444 و أعيان الشيعة ج 1 ص 269 و نشأة الدولة الإسلامية ص 296 عن جمع، و زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 125 و التاج ج 4 ص 399 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقوه ص 411. و راجع: المنتظم ج 3 ص 269 و مجموعة الوثائق السياسية:77/11 عن جمع ممن قدمناه (و عن سيرة ابن إسحاق ترجمتها الفارسية و الجاحظ في الرسالة العثمانية ص 70 و إعجاز القرآن للباقلاني (ط مصر سنة 1315 ه‌) ص 64 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 297 و الوفاء لابن الجوزي ص 698 و سيرة الطبري رواية البكري فصل الحديبية مخطوطة آيا صوفيا. ثم قال: قابل شرح السيد الكبير للسرخسي ج 4 ص 61 و المبسوط للسرخسي ص 30 و 169 و إرشاد الساري للقسطلاني ج 8 ص 158 و كتاب الشروط للطحاوي ج 1 ص 4 و 5 و انظر كايتاني ج 6 ص 34 و اشپرنكر ج 3 ص 246) . و أشار إلى الكتاب كل مؤرخ و محدث ذكر القصة، فلا نطيل بذكرها و راجع: المعيار و الموازنة ص 200 و المفصل ج 8 ص 98 و 99 و 135 و حياة الصحابة ج 1 ص 131 و الإرشاد للمفيد ص 54 و 55. و راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 73 و 203 و ج 2 ص 24 و ج 3 ص 184 و ثقات ابن حبان ج 1 ص 300 و سنن الدارمي ج 2 ص 237 و مسند أحمد ج 1 ص 342 و ج 3 ص 268 و ج 4 ص 86 و 325 و البخاري ج 3 ص 241 و 246 و ج 4 ص 126 و ج 5 ص 180 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 134 و مسلم ج 3 ص 1409-1411 و اليعقوبي ج 2 ص 45 و 179 و كنز العمال ج 10 ص 307 و 313 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 179 و 180 و ج 9 ص 226 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 435 و 438 و 439 و 449 و صبح الأعشى ج 6 ص 358 و 359. و راجع: القرطبي ج 16 ص 275 و ابن أبي الحديد ج 10 ص 258 و ج 12 ص 59 و ج 17 ص 257 و البحار ج 18 ص 62 و ج 20 ص 335 و 357 و 327 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و 136 و كشف الغمة ج 1 ص 210 و فتوح البلدان ص 49 و أدب الإملاء و الإستملاء ص 12 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 461 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 105 و 145 و الأخبار الطوال ص 194 و تأريخ دمشق (من فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام») ج 3 ص 151-157 و العمدة لابن بطريق ص 325 و 326 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 74. انتهى كلام العلامة الأحمدي رحمه اللّه تعالى. .

كلمات تحتاج إلى توضيح:

و نوضح بعض الكلمات الواردة في هذا العهد على النحو التالي:

لا إسلال: الإسلال-كما قيل-هو السرقة الخفية. .

و قيل: هو الإغارة الظاهرة.

و قيل: هو سل السيوف.

قال البلاذري: الإسلال هو: دس السلاح و سله سرا، و الإغلال: الانطواء على غل (1).

و لعل المراد: أخذ العهد بأن لا يعين أحد المتعاقدين على الآخر، أو نفي الإغارة، أو نفي سل السيوف أو كل هذه المعاني مجتمعة. .

و يفيد هذا الشرط في: تحقيق الأمن على الأموال في تلك المدة، و الأمن من التخويف بالسلاح للأفراد من كلا الجانبين.

لا إغلال: أي لا خيانة خفية، أو لا تلبس الدروع.

و لعل المراد من ذلك الشرط: تحقيق حالة الأمن من الكيد و التآمر في الخفاء.

العيبة المكفوفة: أن يكف ما يحمله الإنسان في باطنه من حقد أو غل أو عداوة، فلا يظهر ذلك و لا يعلن به.

القراب: هو شبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده، و سوطه، و قد يطرح فيه زاده، من تمر و غيره. .

و يقال له: (جلبان) أيضا.


1) راجع: أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 351.

من هو كاتب العهد؟ :

ذكر القمي نص العهد، و جاء في آخره عبارة: «و كتب علي بن أبي طالب» (1).

و لكنه أتبعها بقوله: «و عهد على الكتاب المهاجرون و الأنصار» فيحتمل أن يكون ذلك من إنشاء الراوي، و يحتمل أن تكون هذه العبارة قد وردت في نص الكتاب فعلا. .

هذا، و ذكرت بعض المصادر: أن قريشا أبت إلا أن يكتب علي «عليه السلام» أو عثمان (2).

و تكاد تجمع المصادر على ذلك (3).


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 313 و البداية و النهاية ج 4 ص 169 و البحار ج 20 ص 352 و تفسير الصافي ج 5 ص 36 و نور الثقلين ج 5 ص 53 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 629 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 78.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 610 و السيرة الحلبية ج 3 ص 23 و السيرة النبوية لدحلان.

3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 58 عن المصادر التالية: الدر المنثور ج 6 ص 78 و الحلبية ج 3 ص 23 و 25 و دحلان بهامش الحلبية ج 2 ص 212 و المغازي للواقدي ج 2 ص 610 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 24 و ج 1 ص 73 و 203 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 343 و الإرشاد للمفيد ص 54 و أنساب الأشراف (تحقيق محمد حميد اللّه) ص 349 و مسند أحمد ج 1 ص 342 و ج 3 ص 268 و ج 4 ص 86 و 325 و البخاري ج 3 ص 241 و 242 و ج 4 ص 126 و ج 5 ص 179 و مسلم ج 3 ص 1409-1411 و اليعقوبي ج 2 ص 45 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 179 و ج 9 ص 226 و 227 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 435 و 439 و البحار ج 18 ص 62 و ج 20 ص 327 و 333 و 335 و 351- 353 و 357 و 362 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 45 و تفسير الطبري ج 26 ص 61 و تفسير النيسابوري بهامش الطبري ج 26 ص 49. و راجع: نور الثقلين ج 5 ص 53 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و القرطبي ج 16 ص 275 و ابن أبي الحديد ج 10 ص 258 و البرهان ج 4 ص 192 و 193 و البداية و النهاية ج 4 ص 169 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و فتح الباري ج 5 ص 223 و ج 7 ص 286 و الكافي ج 8 ص 326 و مرآة العقول ج 26 ص 444 و كشف الغمة ج 1 ص 210 و أدب الإملاء و الإستملاء ص 12 و صفين لنصر ص 508 و 509 و الكامل ج 2 ص 204 و الطبقات ج 2 ق 1 ص 71 و رسالات نبوية ص 178 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و المطالب العالية ج 4 ص 234.

و لكن البعض قد زعم: أن الكاتب هو محمد بن مسلمة (1).

و قد صرح ابن حجر: بأن هذا من الأوهام، ثم إنهم جمعوا بين القولين: بأن الكاتب هو علي «عليه السلام» ، لكن محمد بن مسلمة نسخ من الكتاب نسخة أخرى أعطيت لسهيل بن عمرو (2).

و يمكن تأييد ذلك: بما رواه عمر بن شبة، عن عمرو بن سهيل بن عمرو، عن أبيه: الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة.

قال العسقلاني: و يجمع: بأن أصل كتاب الصلح بخط علي-كما هو في


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 24 و 25 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 43 و رسالات نبوية ص 179.

2) راجع: المصادر المتقدمة.

الصحيح-و نسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو (1).

و نحن نخشى أن يكون إصرار هؤلاء على حشر اسم محمد بن مسلمة المهاجم لبيت الزهراء «عليها السلام» ، يدخل في سياق سياساتهم لإنكار فضائل علي «عليه السلام» أو تشريك غيره معه فيها على الأقل، إن لم يمكن منحها بكل تفاصيلها لأعداء و مناوئي أهل البيت «عليهم السلام» .

هذا. . و قد صرح أبو زميل سماك الحنفي: أنه سمع عبد اللّه بن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب (2).

كما أن الزهري رغم أنه كان منحرفا عن أهل البيت «عليهم السلام» ، و كان معلما لأولاد ملوك بني أمية، فإنه كان أكثر جرأة، في هذا الأمر، فقد روى عبد الرزاق عن معمر، قال: سألت عنه الزهري، فضحك، و قال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان (3).

محنة أبي جندل، و حوادث أخرى:

قالوا: و في حديث عبد اللّه بن مغفل، عند الإمام أحمد، و النسائي، و الحاكم، بعد أن ذكر نحو ما تقدم، قال: «فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا إلى وجوهنا، فدعا عليهم رسول اللّه


1) راجع: المصادر المتقدمة.

2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 343 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 305 و البحار ج 31 ص 221 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 84 و الدر المنثور ج 6 ص 78 و النزاع و التخاصم ص 127.

3) المصنف ج 5 ص 343 و النزاع و التخاصم ص 127 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 84.

«صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذ اللّه بأسماعهم-و لفظ الحاكم بأبصارهم-فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هل جئتم في عهد أحد؟ و هل جعل لكم أحد أمانا؟

فقالوا: لا.

فخلى سبيلهم، فأنزل اللّه تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ. . (1).

و روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، و الثلاثة، عن أنس، قال: لما كان يوم «الحديبية» هبط على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فدعا عليهم، فأخذوا، فعفا عنهم (2).

و روى عبد بن حميد، و ابن جرير عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقال له: ابن زنيم اطلع الثنية «يوم


1) أخرجه: أحمد ج 4 ص 87 و البيهقي ج 6 ص 319 و الحاكم في المستدرك ج 2 ص 461 و عن ابن الجوزي في زاد المسير ج 7 ص 438 و انظر: الدر المنثور ج 6 ص 78 و أسباب نزول الآيات ص 257 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 281 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 207 و فتح القدير ج 5 ص 53 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54-56 و قال: أخرجه مسلم ج 3 ص 1442 (133/1808) و أحمد ج 3 ص 124 و الدر المنثور ج 6 ص 76. و الغرة: هي الغفلة. أي: يريدون أن يصادفوا منه و من أصحابه غفلة عن التأهب لهم ليتمكنوا من غدرهم و الفتك بهم.

الحديبية» ، فرماه المشركون فقتلو.

فبعث نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيلا، فأتوا باثني عشر فارسا، فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل لكم عهد أو ذمة» ؟

قالوا: لا. فأرسلهم (1).

و روى الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، عن سلمة بن الأكوع قال: إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح، فلما اصطلحنا، و اختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأبغضهم، و تحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم، و اضطجعوا.

فبينماهم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة و هم رقود، فأخذت سلاحهم، و جعلته في يدي، ثم قلت: و الذي كرم وجه محمد «صلى اللّه عليه و آله» لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جاء عمي عامر برجل من العبلات، يقال له: مكرز-من المشركين-يقوده حتى وقفناه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور و ثنياه، فعفا عنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنزل اللّه تعالى: وَ هُوَ


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54-56 و قال: أخرجه الطبري ج 26 ص 59 و ذكره السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 76 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 207 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 278.

اَلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ .

فبينما الناس على ذلك إذ أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين.

و كان أبوه سهيل قد أوثقه في الحديد و سجنه.

فخرج من السجن، و اجتنب الطريق، و ركب الجبال حتى أتى «الحديبية» ، فقام إليه المسلمون يرحبون به و يهنئونه.

فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه بغصن شوك، و أخذ بتلبيبه ثم قال: «يا محمد، هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنا لم نقض الكتاب بعد» .

قال: فو اللّه إذا لا أصالحك على شيء أبدا.

قال: «فأجزه لي» .

قال: ما أنا بمجيزه لك.

قال: «بلى فافعل» .

قال: ما أنا بفاعل.

فقال مكرز و حويطب: بلى قد أجزناه لك. فأخذاه، فأدخلاه فسطاطا، فأجازاه، و كف عنه أبوه.

فقال أبو جندل: أي معاشر المسلمين، أردّ إلى المشركين و قد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ و كان قد عذب عذابا شديدا.

فرفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته، و قال: «يا أبا جندل، اصبر، و احتسب، فان اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنّا قد

عقدنا مع القوم صلحا، و أعطيناهم و أعطونا على ذلك عهدا، و إنّا لا نغدر» .

و مشى عمر بن الخطاب إلى جنب أبي جندل، و قال له: اصبر، و احتسب، فإنما هم المشركون، و إنما دم أحدهم دم كلب.

و جعل عمر يدني قائم السيف منه.

قال عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.

قال: فضن الرجل بأبيه (1).

و قد كان أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرجوا و هم لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح و الرجوع، و ما تحمل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون.

فزادهم أمر أبي جندل على ما بهم، و نفذت القضية، و شهد على الصلح رجال من المسلمين و رجال من المشركين: أبو بكر، و عمر، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو، و سعد بن أبي وقاص، و محمود بن


1) أخرجه: أحمد في المسند ج 4 ص 330 و 323 و 325 و البيهقي في دلائل النبوة ج 5 ص 331 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54-56 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص و السيرة الحلبية ج 3 ص و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 322 و الكامل في التاريخ ج 2 ص و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 282 و النص و الإجتهاد ص 177 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 93 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 227 و فتح الباري ج 5 ص 254 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 211 و أسد الغابة ج 5 ص 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 783.

مسلمة، و علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنهم) و مكرز بن حفص و هو مشرك (1).

و نقول:

هناك نقاط نذكّر القارئ بها، و هي التالية:

عمر و أبو جندل:

قد أوضح عمر: أنه يريد من أبي جندل أن يقتل أباه، مع أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يرجع أبو جندل مع أبيه.

فما هذا السعي لنقض مراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و ما هي النتائج التي سوف تترتب على قتل أبي جندل لأبيه، دون استئذان من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و هل سوف يصدق الناس أن أبا جندل قد قتل أباه بدون رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و هل عرف عمر كيف ستتطور الأحوال مع قريش، و ما هي الانطباعات التي سوف يتركها عمل كهذا على المنطقة بأسرها، و على الأجيال؟ !

هذه أسئلة تبقى تلح بطلب الإجابة. و لكن من أين. . و أنى؟ !

هل عندكم أمان أو عهد؟ ! :

إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» للثلاثين رجلا: هل جئتم في عهد أحد؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 56.

ثم قول: هل جعل أحد لكم أمانا؟ ! يدل على: أن هؤلاء الثلاثين كانوا من المشركين المحاربين للمسلمين. .

و قد ظهر: أنهم قد اقتحموا معسكر المسلمين بالسلاح. .

مما يعني: أنهم قد جاؤوا، بهدف الإيقاع بالمسلمين، فلا بد من أن يعدّوا من أسرى الحرب، الذين لا يشملهم عهد الحديبية.

و سهيل بن عمرو لم يطالب بهم، إن كانوا قد أسروا قبل كتابة العهد. .

و إن كانوا قد أسروا بعده فلا بد أن يعد ذلك نقضا للصلح، و ليس لقريش أن تطالب بهم أيضا. بل يكون رضاها بفعلهم إعلانا لحالة الحرب مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بادر إلى تخلية سبيلهم كرما منه و نبلا، و لم يكلف قريشا حتى أن تعتذر عما بدر منهم، فضلا عن أن تلتمس منه إطلاق سراحهم. .

و هذا إعلان آخر عن حقيقة ما يسعى إليه، و يعمل من أجله، و أنه ليس طالب حرب و لا ناشد زعامة، و ليس مفسدا و لا ظالما، و لا معتديا على أحد، فكل ما تشيعه قريش ما هو إلا محض أكاذيب، و هو محض التجني و البغي، و المكر السيء، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

و هذا الكلام هو نفسه يقال بالنسبة للثمانين رجلا الآخرين، الذين جاؤوا من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذوا، ثم عفا عنهم «صلى اللّه عليه و آله» . .

اثنا عشر رجلا آخر:

و أما بالنسبة للاثني عشر مشركا الذين أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيلا فأتوا بهم، حين قتل ابن زنيم. . فالذي يبدو لنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى أخذهم ثم إطلاق سراحهم، ليثبت لهم: أنه قادر على مواجهة بغيهم إلى حد إنزال الضربات القاصمة بهم، و أن مرونته معهم ليست ناشئة عن ضعف أو خوف. . بل هي حكمة و روية، و عفو منه و تسامح، و تعظيم للحرم. .

و يوضح ذلك: أنه حين جيء بهم، قال لهم: «هل لكم عهد أو ذمة؟ ! فقالوا: لا. .» .

و ذلك ليفهمهم: أنه لو أراد قتلهم، فإنه سيكون محقا؛ لأنهم معتدون، و محاربون، و ليس لديهم عهد يمنعه من ذلك، كما أنهم لم يدخلوا في ذمة أحد، ليرى نفسه ملزما بمراعاة ذمته.

و هذا يعني: أنه لو قتلهم فليس لأحد أن يلومه في ذلك، أو يمنعه منه. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» عفا عنهم لكي يثوبوا إلى رشدهم، و لتكون هذه رسالة أخرى إلى كل أحد، تؤكد على: أنه لا يلجأ إلى القتل إلا حين لا يمكن دفع خطر العدو بدون ذلك.

و يؤكد ذلك: أن هذا العقوق قد تكرر منهم، و لم يكن مجرد حالة استثنائية، فقد عفا عن الثمانين مع الثلاثين الذين هاجموه، و طلبوا غرته لكي يوقعوا به. .

متى قتل ابن زنيم؟ !

و قد صرحت رواية سلمة بن الأكوع المتقدمة: بأن هذه الأحداث قد حصلت حينما كان سهيل بن عمرو و من معه يفاوضون رسول اللّه «صلى

اللّه عليه و آله» في أمر الصلح. .

و إن كان سلمة قد سعى إلى أن ينسب لنفسه في روايته هذه بطولة لم تنقل لنا عن غيره، فنحن نصدقه فيما نقله من أن قتل ابن زنيم كان في هذا الوقت، و نشك فيما نسبه لنفسه من بطولات لم ينقلها أحد سواه.

و اللافت: أن هذا الأمر قد تعودناه من سلمة بن الأكوع حيث نسب لنفسه بطولات عظيمة تقدم الحديث عنها، مع أنه لم ينقلها أحد سواه.

سهيل يضرب ولده:

و الغريب في الأمر: أن سهيل بن عمرو، الرجل الأريب، و المجرب، و المعروف بحكمته، و تدبيره يخرج عن حالة التوازن، و يتجاوز كل الآداب و اللياقات، و يتحول إلى جلاد شرس بمجرد أن رأى ابنه أبا جندل يلتجئ للمسلمين. . غير مبال في أن تتسبب تصرفاته الرعناء بنقض الصلح الذي جاء من أجله.

و قد كان باستطاعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يخضعه للتأديب، و يمنعه من تصرفاته تلك بالأسلوب الذي يستحقه، حتى لو أدى إلى نقض الصلح، و نشوب الحرب.

و سيكون محقا، حتى في نظر أهل الشرك، و سوف يوجّه كل اللوم إلى مبعوثهم الذي ارتكب هذه الحماقة، و تحول من رجل عاقل أريب إلى رجل طائش أرعن، أوقعهم في مأزق خطير، قد يودي بكل تطلعاتهم و خططهم. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» آثر مراعاة مصلحة الإسلام العليا، و ذلك بحفظ حرمة بيت اللّه، و فسح المجال للوصول إلى الأهداف الكبرى، من

دون إراقة دماء. . و هكذا كان.

الصلف الذي لا يطاق:

و قد أمعن سهيل في صلفه و رعونته، وردّ كل طلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . إلى حدّ جعل مكرز بن حفص، و حويطب بن عبد العزى في موقع الإحراج الشديد، و اضطرهما للتدخل لحفظ ماء الوجه من جهة، و حفظ فرصة عقد الهدنة و خشية على الصلح الذي جاؤوا من أجله من جهة أخرى، فإن المهم عندهم هو إبرامه و أن لا يتعرض لنكسة خطيرة، لا طاقة لقريش بتحملها، و لا قدرة لها على مواجهة تبعاتها و آثارها.

هل في موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله تناقض؟ !

و قد يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لسهيل حين ضرب ولده بغضن شوك: إنا لم نقض الكتاب بعد، و لكنه عاد فقال لأبي جندل: إنا قد عقدنا مع القوم صلحا الخ. .

فهل بين كلاميه «صلى اللّه عليه و آله» تناقض؟ !

و نجيب: لا، لا تناقض بين الكلامين، فإن الاتفاق-كلاميا-كان قد تم بين الفريقين، فيصح أن يقال: قد عقدنا مع القوم صلحا. و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» : عقدنا، و لم يقل: كتبنا.

أما كتاب الصلح، فلم تكن كتابته قد تمت. .

فيصح أن يقول: إننا لم نقض الكتاب بعد. فعبر بالكتاب، و قال عنه: إنه لم يقض بعد، أي لم يتم، و لم يعبر بعقد الصلح.

و بذلك يتضح: مدى الدقة في التعابير التي صدرت من النبي الكريم. .

إنّا لا نغدر:

و قد رأينا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعلن: أن أهل الإسلام لا يغدرون بمن يعاقدونهم و يعاهدونهم، و يخاطب أبا جندل بهذا الخطاب، و يرفع بذلك صوته، ليسمعه سهيل و سواه، ثم يسعى عمر بن الخطاب لإقناع نفس أبي جندل بقتل أبيه سهيل بن عمرو غيلة و غدرا! ! و يدني إليه قائم سيفه ليغريه بهذا الأمر الشنيع، الذي يتضمن نقضا و تكذيبا للرسول «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثم إننا لا ندري، إلى ما ستؤول إليه الأمور لو أن أبا جندل فعل ذلك؟ !

و كيف سينظر الناس إلى هذه الحادثة؟ ! و كيف ستستغلها قريش؟ !

و ما هي النظرة التي سوف تتكون لدى الناس في تلك الحقبة، و سواها إلى يوم القيامة عن طاعة أصحاب النبي له «صلى اللّه عليه و آله» ، و مدى انصياعهم لأوامره، و قدرته على أن يلزمهم بالتعهدات و المواثيق التي يعطيها عنهم، بصفته رئيسا لهم؟ !

أفلا يؤدي تصرف أخرق كهذا إلى تضييع كل جهود و جهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بوار أهدافه، و عقم كل تدبيره، و انقلاب الأمور رأسا على عقب، و ربما عودتها إلى نقطة الصفر، أو ما هو أدنى من ذلك؟ ! . .

غضب قريش من خزاعة:

و قد كان من الطبيعي: أن تغضب قريش من دخول خزاعة في حلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كان أول رد فعل ظهر على هذه المبادرة هو: أن أحد المفاوضين، و هو حويطب بن عبد العزى، التفت إلى سهيل بن عمرو، و قال: بادأنا أخوالك بالعداوة، و قد كانوا يستترون منا، و قد دخلوا في عهد محمد و عقده! !

فقال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا و لحمنا، قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا، فما نصنع بهم؟ !

قال حويطب: نصنع بهم: أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر.

قال سهيل: إياك أن يسمع منك هذا بنو بكر، فإنهم أهل شؤم، فيقعوا بخزاعة، فيغضب محمد لحلفائه، فينقض العهد بيننا و بينه.

قال حويطب: و اللّه حظوت أخوالك بكل وجه. .

فقال سهيل: ترى أخوالي أعز عليّ من بني بكر؟ ! و لكن و اللّه لا تفعل قريش شيئا إلا فعلته، فإذا أعانت بني بكر خزاعة، فإنما أنا رجل من قريش، و بنو بكر أقرب إليّ في قدم النسب، و إن كان لهؤلاء الخؤولة.

و بنو بكر من قد عرفت، لنا منهم مواطن كلها ليست بحسنة، منها يوم عكاظ (1).

و نقول:

إن هذا النص يشير: إلى حاجة قريش إلى هذا الصلح، و حرصها على إمضائه.

كما أنه يدل على: أن الثقة بين أركان الشرك كانت غير وطيدة و لا تصلح للاعتماد عليها. .


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 612.

و يدل أيضا: على أن قريشا لم تجد في دخول بني بكر في حلفها ما يسعدها، لأن لها منها مواطن غير حميدة. .

و لكننا في المقابل نجد: أن خزاعة كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . رغم أنها لم تكن على دينه.

و لعل الأمرّ، و الأضرّ و الأشرّ بالنسبة لقريش: أن خزاعة هي التي بادرت إلى الدخول في حلف عدوها في حركة أظهرت: أنها كانت تنتظر الفرصة، فلما واتتها بادرت إلى اقتناصها.

يضاف إلى ذلك: أن خزاعة قد أظهرت جرأة عظيمة حين دخلت في حلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ في حين أنها لم تكن تعيش في منطقة نفوذه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليقال: إنها بحاجة إلى مهادنته، و حماية نفسها من سائر القبائل بالدخول في حلفه.

بل هي بعملها هذا قد رفضت محيطها و تمردت عليه، و ربطت مصيرها بمن هو بعيد عنها.

و من شأن هذا أن يسيء إلى سمعة قريش، و يضع علامات استفهام كبيرة على مصداقيتها، و على هيبتها، و على سياساتها و. . و. .

صلح الحديبية لا يشمل النساء:
اشارة

و قد ذكرت النصوص التاريخية و الحديثية: أن عددا من النساء قد هاجرن من مكة إلى المدينة بعد الحديبية، و أن قريشا قد طلبت من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أن يرجعهن إليها، فرفض «صلى اللّه عليه و آله» ذلك

معلنا: أن نصوص صلح الحديبية لا تشمل النساء (1).

و قد ذكرت بعض المصادر: أن العبارة الموجودة في الاتفاقية تقول: «فقال سهيل: على أنه لا يأتيك من (رجل) ، و إن كان على دينك إلا رددته إلينا، و من جاءنا ممن معك لا نرده عليك» (2).


1) البحار ج 20 ص 339 و عن ج 89 ص 67 و عن فتح الباري ج 8 ص 488 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 453 و نور الثقلين ج 5 ص 304 و جامع البيان ج 28 ص 88 و أسباب نزول الآيات ص 285 و زاد المسير ج 8 ص 8 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 61 و 64 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 376 و تفسير الجلالين ص 766 و الدر المنثور ج 6 ص 206 و لباب النقول ص 194 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 420 و فتح القدير ج 5 ص 215 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 13 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 220 و أسد الغابة ج 5 ص 475 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 647 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 790.

2) البحار ج 20 ص 334 و مجمع البيان ج 9 ص 116-119 و الكافي ج 8 ص 327 و كتاب سليم بن قيس ص 329 و مسند أحمد ج 4 ص 330 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 181 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 629 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 220 و عن فتح الباري ج 5 ص 252 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 338 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 223 و عن المعجم الكبير ج 20 ص 13 و نصب الراية ج 3 ص 248 و إرواء الغليل ج 1 ص 57 و جامع البيان ج 26 ص 129 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 213 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 229 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 192 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 630 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 333.

فلا صحة لما يدّعيه البعض: من أن القرآن قد نزل بنقض العهد فيما يختص بإرجاع النساء (1).

على أنه: لو صح ذلك، فلا بد أن تتخذه قريش ذريعة للتشهير، و لسوف لا تقبل الاعتذار بهذا النقض القرآني، ما دامت لا تعترف بالقرآن، و لا تراه، وحيا، و قد تجلى ذلك من مواقف ممثلها سهيل بن عمرو حين كتابة العهد، حيث أصرّ على حذف كلمة رسول اللّه، و على استبدال: بسم الله الرحمن الرحيم‌ب‌: «باسمك اللهم» .

1-سبيعة الأسلمية:

و من النسوة اللواتي جئن إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد الحديبية: «سبيعة بنت الحارث الأسلمية» .

و قيل: هي أسلمية، و لكنها غير بنت الحارث (2).

فإنها جاءت مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، وطيه، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية.

فأقبل زوجها مسافر (من بني مخزوم، و قيل: بل زوجها هو صيفي بن الراهب في طلبها) ، و كان كافرا، فقال: يا محمد، أردد عليّ امرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا. و هذه طينة الكتاب لم تجف بعد. .

فنزلت الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ اَلْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 26 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 230.

2) الإصابة ج 4 ص 325 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 453 و البحار ج 20 ص 337 و نور الثقلين ج 5 ص 304 و زاد المسير ج 8 ص 8 و تاريخ المدينة ج 2 ص 492.

فَامْتَحِنُوهُنَّ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلاٰ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّٰارِ لاٰ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لاٰ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (1). فاستحلفها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما خرجت بغضا لزوجها، و لا عشقا لرجل منا، و ما خرجت إلا رغبة في الإسلام: فحلفت باللّه الذي لا إله إلا هو على ذلك.

فأعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زوجها مهرها، و ما أنفق عليها، و لم يردها عليه، فتزوجها عمر بن الخطاب (2).

2-أروى بنت ربيعة:

أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: و قد كانت أروى بنت ربيعة ممن فر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من نساء الكفار، فحبسها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يرجعها إليهم و زوجها خالد بن سعيد بن العاص (3).

3-أميمة بنت بشر:

و كانت أميمة بنت بشر عند ثابت بن الدحداحة، ففرت منه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سهل بن حنيف، فولدت عبد اللّه بن سهل (4).


1) الآية 10 من سورة الممتحنة.

2) راجع فيما تقدم: البحار ج 20 ص 337 و 338 و الإصابة ج 4 ص 325 و السيرة الحلبية ج 3 ص 26 و تاريخ الخميس ج 2 ص 23.

3) البحار ج 20 ص 338 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 453 و جامع البيان ج 28 ص 92.

4) البحار ج 20 ص 338 و راجع: الإصابة ج 4 ص 239 و فيه: أنها كانت تحت حسان بن الدحداحة، و جامع البيان ج 28 ص 92 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 453.

4-أم كلثوم بنت عقبة:

و قد جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة من مكة أيضا، فجاء أخواها الوليد و عمارة إلى المدينة، فسألا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ردها عليهما.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء» ، فلم يردها عليهما (1).

5-زينب ربيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال الشعبي: و كانت زينب امرأة أبي العاص بن الربيع قد أسلمت، و لحقت بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أتى أبو العاص مسلما، فرد النبي «صلى اللّه عليه و آله» زينب عليه بنكاح جديد، و قيل: بالنكاح الأول.

و قد تقدم: أن قضية زينب لا ارتباط لها بالحديبية، و أنه قد ردها عليه بنكاح جديد فراجع (2).


1) البحار ج 20 ص 339 و 373 و راجع: الإصابة ج 4 ص 491 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 488 و السيرة الحلبية ج 3 ص 25 و 26 و تاريخ الخميس ج 2 ص 23 و 24 و عن فتح الباري ج 9 ص 345 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 453 و نور الثقلين ج 5 ص 304 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 61 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 647.

2) تقدم الحديث عن زينب و إرجاعها إلى زوجها في الجزء السابق من هذا الكتاب.

و في بعض النصوص: أن أبا العاص هو الذي أذن لها بإتيان المدينة (1).

نساء لحقن بالمشركين:

أما بالنسبة للنساء اللواتي رجعن عن الإسلام، و عدن إلى بلاد الشرك فقد ذكر الزهري أنهن ست نساء، و هن:

1-أم الحكم بنت أبي سفيان، و كانت تحت عياض بن شداد الفهري.

2-فاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد أن يهاجر أبت و ارتدت.

3-يروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان.

4-عبدة بنت عبد العزى بن نضلة (أو فضلة) ، كان زوجها عمرو بن عبدود.

5-هند بنت أبي جهل، كانت تحت هشام بن العاص بن وائل.

6-كلثوم بنت جرول (أو أم كلثوم) . كانت تحت عمر.

فأعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أزواجهن من المسلمين مهور نسائهم من الغنيمة (2).


1) البحار ج 20 ص 364 عن إعلام الورى ج 1 ص 206 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 15 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 645.

2) البحار ج 20 ص 341 و المحبر لابن حبيب ص 432 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 455 و الميزان ج 19 ص 245 و الجامع لأحكام القرآن ج 88 ص 70.

الفصل الثالث: إدانة البريء

اشارة

هل عصى علي عليه السّلام أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ !

و زعم البخاري و غيره: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» : أن يكتب في بداية عهد الحديبية: بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، و لكن اكتب باسمك اللهم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اكتب: باسمك اللهم.

فكتب «عليه السلام» ذلك.

ثم قال «صلى اللّه عليه و آله» : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو، (فكتب) ، فاعترض عليه سهيل، و قال: لو نعلم أنك رسول اللّه ما قاتلناك، و لا صددناك، و لكن اكتب اسمك، و اسم أبيك.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» بمحوها. .

فزعموا: أن عليا «عليه السلام» قال: لا و اللّه لا أمحاك أبدا.

أو قال: إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة، أو ما أنا بالذي أمحاه. . أو نحو ذلك.

فمحاه «صلى اللّه عليه و آله» .

أو فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : ضع يدي عليها. أو أرني إياها، فأراه، فمحاه بيده. أو فأخذه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس يحسن أن

يكتب. ثم قال: اكتب الخ. . (1).


1) راجع المصادر التالية: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 34 و 35 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 275-277 و روح المعاني ج 9 ص 5 و عمدة القاري ج 14 ص 12 و 13 و ج 13 ص 275 و تفسير القمي ج 2 ص 312 و 313 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 52 و 53 و تفسير الصافي ج 5 ص 35 و 36 و تفسير البرهان ج 4 ص 192 و حبيب السير ج 1 ص 372 و تفسير الميزان ج 18 ص 267 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و البحار ج 20 ص 352 و 359 و 333 و 371 و 363 و 357 و ج 33 ص 314 و صحيح مسلم ج 5 ص 173 و 174 و تاريخ الخميس ج 2 ص 21 و السيرة الحلبية ج 3 ص 20 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و ج 3 ص 320 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 636 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 316 و 317 و المواهب اللدنية ج 1 ص 128 و صحيح البخاري ج 2 ص 73 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 390 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 146 و 147 و حدائق الأنوار ج 2 ص 616 و الأموال ص 232 و 233 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 202 و تفسير الخازن ج 4 ص 156 و 157 و كشف الغمة ج 1 ص 210 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 120 و إعلام الورى ص 97 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و 53 و عن السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 5 و عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 120 و عن تاريخ بغداد و نهاية الإرب ج 17 ص 230 و أصول السرخسي ج 2 ص 135 و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج 11 ص 222 و 223 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 237 و 239 و صبح الأعشى ج 14 ص 92 و العثمانية ص 78 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 215 و خصائص الإمام علي «عليه السلام» للنسائي ص 150 و 151 و مسند أحمد ج 4 ص 298 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 233-236 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 419 و 420 و 637 و 638 و 641 و 642 و ج 18 ص 361 عن بعض من تقدم و عن مصادر أخرى فليراجع. و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 275 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 214 و مشكل الآثار ج 4 ص 173 و الرياض النضرة ج 2 ص 191.

بل ذكر ابن حبان: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» بمحو اسمه مرتين، فأبى ذلك فيهما معا (1).

و عن محمد بن كعب: أن عليا «عليه السلام» جعل يتلكأ و يبكي، و يأبى أن يكتب إلا محمد رسول اللّه، فقال له: اكتب، فإن لك مثلها، و تعطيها و أنت مضطهد.

فكتب ما قالوا (2).


1) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج 11 ص 222 و 223.

2) راجع: مجمع البيان ج 9 ص 119 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 214 و بحار الأنوار ج 20 ص 335 و ج 33 ص 314 و 316 و 317 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 390 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 147 و السيرة الحلبية ج 3 ص 20 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43. و عن وعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي بأن له مثلها و هو مقهور راجع أيضا: تاريخ الخميس ج 2 ص 21 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و حبيب السير ج 1 ص 372 و تفسير البرهان ج 4 ص 193 و البحار ج 20 ص 352 و 357 و تفسير القمي و الخرايج و الجرايح و غير ذلك كثير. و الخصائص للنسائي (ط التقدم بمصر) ص 50 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 190 و ج 2 ص 588 و المغني لعبد الجبار ج 16 ص 422 و ينابيع المودة ص 159 و صبح الأعشى ج 14 ص 92.

ظهور الحقد الدفين:

و قد وجد أنصار الأمويين، و أتباع مناوئي علي و أهل البيت «عليهم السلام» -وجدوا بزعمهم-الفرصة سانحة لتوجيه ضربتهم، فقالوا: إذا كان الشيعة يحشدون الشواهد المتواترة على مخالفات صريحة، أو قبيحة، و مؤذية صدرت من عدد من الصحابة لأوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن عليا «عليه السلام» قد وقع في نفس المحذور، حين رفض امتثال أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمحو و كتابة ما يمليه عليه.

حتى لقد قال السرخسي: «لقد كان هذا الإباء بالرأي في مقابلة النص» (1).

و في سؤال وجه للسيد المرتضى، جاء ما يلي: «. . ليس يخلو، إما أن يكون قد علم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، و تقتضيه الحكمة و البينات، و أن أفعاله عن اللّه سبحانه و بأمره. أو لم يعلم.

فإن كان يعلم، فلم خالف ما علم؟ !

و إن كان لم يعلمه، فقد جهل ما تدّعيه العقول من عصمة الأنبياء عن الخطأ، و جوّز المفسدة فيما أمر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهذا، إن لم يكن قطع بها.

و هل يجوز أن يكون أمير المؤمنين «عليه السلام» توقف عن قبول الأمر، لتجويزه أن يكون أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» معتبرا له و مختبرا؟ ! مع ما في ذلك لكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عالما بإيمانه قطعا، و هو


1) أصول السرخسي ج 2 ص 135.

خلاف مذهبكم، و مع ما فيه من قبح الأمر على طريق الاختبار بما لا مصلحة في فعله على كل حال.

فإن قلتم: إنه يجوز أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أضمر محذوفا، يخرج الأمر به من كونه قبيحا.

قيل لكم: فقد كان يجب أن يستفهم ذلك، و يستعلمه منه، و يقول: فما أمرتني قطعا من غير شرط أضمرته أولا» (1).

و نقول:

أولا: لقد أجاب السيد المرتضى بما يتوافق مع مذاق المعترض في نظرته للأمور، و نوضح مراده على النحو التالي:

لو سلمنا: صدور هذا الأمر من علي «عليه السلام» ، فهو لا يدل على عدم عصمته، لأنه جوّز أن يكون أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمحو ليس أمرا حقيقيا، بل مجاراة لسهيل، لا لأنه «صلى اللّه عليه و آله» يؤثر ذلك. . فتوقف حتى يظهر: أنه مؤثر له.

و توقفه هذا يقوم مقام الاستفهام، ليتأكد له حقيقة هذا الطلب، و أنه أمر حقيقي، أو ليس بحقيقي (2).

قال العيني عن قوله «عليه السلام» : «ما أنا بالذي محاه: ليس بمخالفة لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأنه علم بالقرينة أن الأمر ليس


1) رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 441 و 442.

2) رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 442.

للإيجاب» (1).

و قال القسطلاني، و النووي: «قال العلماء: هذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي «صلى اللّه عليه و آله» تحتّم محو على نفسه، و لهذا لم ينكر عليه، و لو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه، و لا أقره النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المخالفة» (2).

ثانيا: إن هذه القضية موضع شك و ريب من أساسها، و ذلك لأسباب عديدة، سوف نوردها في الفقرة التالية. .

الشك فيما ينسب لعلي عليه السّلام:

إن شكنا في صحة ما ينسب إلى علي «عليه السلام» يستند إلى الأمور التالية:

أولا: إن عليا «عليه السلام» يقول: «لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد: أني لم أرد على اللّه و لا على رسوله ساعة قط الخ. .» (3).

قال المعتزلي-و هو يشير إلى اعتراضات بعض الصحابة على النبي


1) رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 443.

2) شرح صحيح مسلم ج 12 ص 135.

3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 196 و 197 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 179 و 180 و غرر الحكم ج 2 ص 288(مع الترجمة الفارسية للأنصاري) و شرح أصول الكافي ج 12 ص 454 و البحار ج 38 ص 319 و الأنوار البهية ص 50 و المراجعات ص 330 و ينابيع المودة ج 1 ص 265 و ج 3 ص 436.

«صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية-: «إن هذا الخبر صحيح لا ريب فيه، و الناس كلهم رووه» (1).

و يؤكد ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «علي مع الحق، و الحق مع علي، يدور معه حيث دار» ، أو «علي مع القرآن، و القرآن مع علي» ، و نحو ذلك (2)فإن من يكون مع الحق و مع القرآن، لا يمكن أن تصدر منه مخالفة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا عصيان لأمره.

و يؤكد مدى طاعة علي للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، قوله «عليه السلام» : أنا عبد من عبيد محمد (3).

فهل يمكن أن يقارن من هذا حاله بمن يقول عن نفسه: أنا زميل


1) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 180.

2) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 303 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 72 و عبقات الأنوار ج 2 ص 324 عن السندي في دراسات اللبيب ص 233 و كشف الغمة ج 2 ص 35 و ج 1 ص 141-146 و الجمل ص 81 و تاريخ بغداد ج 14 ص 321 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 119 و 124 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) و ربيع الأبرار ج 1 ص 828 و 829 و مجمع الزوائد ج 7 ص 234 و نزل الأبرار ص 56 و في هامشه عنه و عن: كنوز الحقائق ص 65 و عن كنز العمال ج 6 ص 157 و ملحقات إحقاق الحق ج 5 ص 77 و 28 و 43 و 623 و 638 و ج 16 ص 384 و 397 و ج 4 ص 27 عن مصادر كثيرة جدا.

3) بحار الأنوار ج 3 ص 283 و التوحيد للصدوق ص 174 و الإحتجاج ج 1 ص 496 و الكافي ج 1 90 و شرح أصول لكافي ج 3 ص 130 و 131 و عوالي اللآلي ج 1 ص 292 و الفصول المهمة ج 1 ص 168 و البحار ج 3 ص 283 و عن ج 108 ص 45 و نور البراهين ج 1 ص 430.

محمد؟ ! (1).

و قد بلغ التزامه بحرفية أوامره «صلى اللّه عليه و آله» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له في خيبر: «اذهب و لا تلتفت، حتى يفتح اللّه عليك» .

فمشى هنيهة، ثم قام و لم يلتفت للعزمة، ثم قال: علام أقاتل الناس؟

قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه (2).


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط مطبعة الإستقامة) ج 3 ص 291 و الغدير ج 6 ص 212 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 590 و ج 3 ص 716 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 400 و ج 2 ص 11.

2) راجع: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 93 و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج 15 ص 380 و إسناده صحيح، و مسند أحمد ج 2 ص 384- 385 و صحيح مسلم ج 7 ص 121 و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 179 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 58 و 59 و 57 و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 159 و الغدير ج 10 ص 202 و ج 4 ص 278 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 200 و مسند الطيالسي ص 320 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 110 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 136 و ج 12 ص 494 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 503 و الأمالي للطوسي ص 381 و العمدة ص 143 و 144 و 149 و الطرائف ص 59 و البحار ج 21 ص 27 و ج 39 ص 10 و 12 و النص و الإجتهاد ص 111 و عن فتح الباري ج 7 ص 366 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 111 و رياض الصالحين ص 108 و كنز العمال ج 1 ص 86 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 82 و 83 و 84 و 85 و البداية و النهاية ج 4 ص 211 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 352 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 1 ص 178 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 125 و ينابيع المودة ج 1 ص 154.

و قال ابن عباس لعمر، عن علي «عليه السلام» : إن صاحبنا من قد علمت، و اللّه إنه ما غيّر و لا بدل، و لا أسخط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيام صحبته له (1).

ثانيا: إن أعداء علي «عليه السلام» و المتربصين به السوء، و الباحثين عن أي مغمز فيه كثيرون، لا يحدهم حد، و لا يقعون تحت عد، و منهم من حاربه بكل ما قدر عليه، فلو أنهم وجدوا في قضية الحديبية ما يوجب أدنى طعن، أو يبرر أي تحامل عليه لما تركوه. بل كانوا ملأوا الدنيا تشنيعا عليه، و تقبيحا لما صدر منه. مع أننا لا نجد أحدا تفوه ببنت شفة في هذا المجال. .

ثالثا: إن النصوص مختلفة في نسبة هذا الأمر إليه «عليه السلام» ، بل في بعضها تصريح بما يكذّب هذه النسبة من أساسها. .

فقد أظهرت النصوص: أن اعتراض سهيل بن عمرو قد أثار حفيظة المسلمين، حتى أمسك بعضهم يد علي «عليه السلام» ، و منعه من الكتابة.

و في بعضها ما يفيد: أن سهيلا قد وجه طلبه بمحو تلك الكلمات إلى علي نفسه، فرفض علي «عليه السلام» طلب سهيل، لا طلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 51 و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 5 ص 229 و ج 13 ص 454 و حياة الصحابة ج 3 ص 249 عنه و عن الزبير بن بكار في الموفقيات، و قاموس الرجال ج 6 ص 25 و الدر المنثور ج 4 ص 309.

فما كان من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا أن بادر و طلب من علي «عليه السلام» أن يضع يده على الكلمة، حسما للنزاع بين علي «عليه السلام» و سهيل، و إعزازا منه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي. حيث لم يشأ أن يكسر كلمته أمام عدوه (1).

و قد صرح علي «عليه السلام» : بأن المشركين هم الذين راجعوه في هذا الأمر (2).

بل في بعض النصوص: أن عليا «عليه السلام» هو الذي محاها، و قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : لولا طاعتك لما محوتها (3).

و الصورة التي يمكن استخلاصها من النصوص هي:

أن النزاع قد اشتد بين علي «عليه السلام» و سهيل بن عمرو، و أن عليا «عليه السلام» : قد محابسم الله الرحمن الرحيم، و كتب باسمك اللهم. طاعة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال له: لو لا طاعتك لما محوتها.

ثم اشتدت المنازعة بين الصحابة و بين سهيل، و أخذوا بيد علي «عليه السلام» . و رفض علي «عليه السلام» ما طلبه منه سهيل أيضا، و ما جادله


1) راجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 149 و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 8 ص 419 و الأمالي للطوسي ص 190 و 191 و البحار ج 33 ص 316 و راجع ج 20 ص 357 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 116 و صفين للمنقري ص 509.

2) صفين للمنقري ص 508.

3) راجع: كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 310 و الإرشاد ج 1 ص 120 و عن إعلام الورى ص 97 و البحار ج 20 ص 359 و 363 و 357.

فيه، حتى تدخّل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مؤثرا الحفاظ على قوة موقف علي «عليه السلام» ، فطلب منه أن يضع يده على الكلمة فوضعها، فمحاها «صلى اللّه عليه و آله» بيده.

و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب محوها من علي «عليه السلام» لما تأخر في إطاعة أمره، و لم يكن «عليه السلام» ليطيع أمرا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أولا، ثم يقول له: «لو لا طاعتك لما محوتها» ، ثم يعصيه بعد لحظة. فإن الطاعة إذا كانت تدعوه لمحو الأولى، فلا بد أن تدعوه لمحو الثانية. . خصوصا إذا كان ذلك في مجلس واحد.

و من الواضح: أن محو كلمة «رسول اللّه» ليس فيه إنكار لرسوليته «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أن محو كلمة بسم الله الرحمن الرحيم لا يلزم منه إنكار رحمانية اللّه، و رحيميته تبارك تعالى.

بل لا يتعدى الأمر حدود تسجيل ذلك على ورقة بينه و بين عدوه، أو عدم تسجيله عليها. .

فلا معنى للتحرج من محو كلمة «رسول اللّه» و عدم التحرج من محو كلمتي الرحمن الرحيم.

رابعا: إن من المعلوم: أن الأمر بشيء إذا جاء بعد الإلزام به، يفيد مجرد رفع الإلزام، و الأمر ههنا من هذا القبيل، فقد كان إملاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ملزما لعلي «عليه السلام» و لغيره بحفظ ما أمر بكتابته و عدم محوه حتى لو طلب ذلك منه، من هو مثل سهيل بن عمرو. .

و لكن بعد أن احتدم الجدال بين علي «عليه السلام» و المسلمين من جهة، و بين سهيل بن عمرو من جهة أخرى، بادر النبي «صلى اللّه عليه

و آله» إلى رفع الحظر، و إزالة الإلزام بالأمر، و صار بالإمكان التخلي عن ذلك النص، و بالإمكان إبقاؤه، و أصبح الأمر موكولا إلى الكاتب نفسه. ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» بادر إلى رفع الحرج بأن وضع يده الشريفة على الكلمة و محاها إعزازا لعلي «عليه السلام» و تعلية لشأنه كما قلنا.

استنطاق النصوص:

و قد قلنا: إن النصوص لم تأت على نسق واحد:

1-فبعضها سكت عن التصريح بهذا الأمر، و ذكر أنه «عليه السلام» قد كتب ما طلبه منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقد روى ابن حبان و غيره: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال بعد اعتراض سهيل: «اكتب محمد بن عبد اللّه، و سهيل بن عمرو، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو» .

و قريب من ذلك أيضا: روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» (1).

و النصوص التي ذكرت القضية، و ذكرت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» بكتابة اسمه مجردا، و لم تشر إلى أي تمنّع من علي «عليه السلام» رواها كثير من المؤرخين، مثل اليعقوبي، و ابن كثير


1) الثقات ج 1 ص 300 و 301 و راجع: الكافي ج 8 ص 269 عن الإمام الصادق مع بعض إضافات و تغييرات لا تضر. و البحار ج 20 ص 368 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 68 و تفسير البرهان ج 4 ص 194 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 240 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 166 و حياة محمد لهيكل ص 374 و إكمال الدين ص 50.

و غيرهما، و الرواة، مثل: الزهري، و ابن عباس، و أنس بن مالك، و حتى مروان بن الحكم، و المسور بن مخرمة، و هو المروي أيضا عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» نفسه (1).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 54 و راجع: البداية و النهاية ج 7 ص 277 و 281 و روح المعاني ج 9 ص 50 و الكشاف ج 3 ص 542 و حول النص المنقول عن الزهري راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 634 و البداية و النهاية ج 4 ص 168 و أنساب الأشراف ج 1 ص 349 و 350 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 331 و 332 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 320 و 321 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 153 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) و مسند أحمد ج 1 ص 86. و حول النص المنقول عن ابن عباس راجع: الرياض النضرة المجلد الثاني ص 227 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 522 و مسند أحمد ج 1 ص 342 و خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 148 و 149 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 200 عن أحمد، و أبي داود، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 151 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) و صححاه على شرط مسلم، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 192. و روايتا أنس و مروان و المسور توجدان معا أو إحداهما، أو بدون تسمية، في المصادر التالية: صحيح البخاري ج 2 ص 79 و 78 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 337 و مسند أحمد ج 3 ص 268 و ج 4 ص 330 و 325 و جامع البيان ج 25 ص 63 و الدر المنثور ج 6 ص 77 عنهم و عن عبد بن حميد، و النسائي، و أبي داود، و ابن المنذر، و صحيح مسلم ج 5 ص 175 و المواهب اللدنية ج 1 ص 128 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 370 و 371 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 198 و 200 و البداية و النهاية ج 4 ص 175 و مختصر تفسير ابن كثير ص 351 و 352 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 333 و السنن الكبرى ج 9 ص 220 و 227 و تاريخ الخميس ج 1 ص 21 عن المدارك، و تفسير الخازن ج 4 ص 156 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 105 و 146 و 147 و الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان ج 11 ص 222 و 223 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 277 و بهجة المحافل ج 1 ص 316. و زاد المعاد ج 2 ص 125 و مسند أبي عوانة ص 241. و حول ما روي عن علي «عليه السلام» و غيره راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 232 و قريب منه ما في ينابيع المودة ص 159 و مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 86 و 87 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و قال: رواه أحمد و رجاله الصحيح. و مختصر تفسير ابن كثير ص 347 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 192 و تفسير المراغي ج 9 ص 107 و الدر المنثور ج 6 ص 78 عن أحمد، و النسائي، و الحاكم و صححه، و ابن جرير، و أبي نعيم في الدلائل، و ابن مردويه.

2-هناك نصوص صرحت: بأن بعض المسلمين قد أمسكوا بيد علي «عليه السلام» ، و منعوه من الكتابة.

و لهذا قوّى بعضهم: احتمال أن يكون قوله «عليه السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة.

يريد به: لا تنطلق بسبب إمساكهم.

فبعد أن ذكر النص اعتراضات سهيل أولا.

و ثانيا قال: «فضج المسلمون منها ضجة هي أشد من الأولى، حتى ارتفعت الأصوات، و قام من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول اللّه» .

فعن واقد بن عمرو قال: «حدثني من نظر إلى أسيد بن حضير، و سعد بن عبادة، أخذا بيد الكاتب فأمسكاها، و قالا: لا نكتب إلا محمد رسول اللّه، و إلا فالسيف بيننا، علام نعطي الدنية في ديننا؟ !

فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخفضهم، و يومئ بيده إليهم: اسكتوا. و جعل حويطب يتعجب مما يصنعون، و يقبل على مكرز بن حفص، و يقول: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء القوم الخ. .» (1).

الحدث مستعار بكامل تفاصيله:

و بعد، فهل يمكننا أن نقول: إن هذا الحدث قد استعير بكامل تفاصيله من قضية أخرى.

نعم. . لقد استعاروها بهدف إثارة الشبهات و التساؤلات حول أقدس شخصية بعد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و الحدث الذي نعنيه هو:

أن تميم بن جراشة قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وفد ثقيف، فأسلموا، و سألوه أن يكتب لهم كتابا فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم، ثم إيتوني به.

فأتوا عليا «عليه السلام» ليكتب لهم.

قال تميم: «فسألناه في كتابه: أن يحلّ لنا الربا و الزنى. فأبى علي رضي


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 610 و 611 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 296 و غاية البيان في تفسير القرآن ج 6 ص 58 و 59 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43 و السيرة الحلبية ج 3 ص

اللّه عنه أن يكتب لنا.

فسألناه خالد بن سعيد بن العاص.

فقال له علي: تدري ما تكتب؟ !

قال: أكتب ما قالوا، و رسول اللّه أولى بأمره.

فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال للقارئ: اقرأ. . فلما انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب. فوضع يده، فقال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الآية (1). . ثم محاها.

و ألقيت علينا السكينة، فما راجعناه.

فلما بلغ الزنى وضع يده عليها، و قال: وَ لاٰ تَقْرَبُوا اَلزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً وَ سٰاءَ سَبِيلاً الآية (2)، ثم محاه. و أمر بكتابنا أن ينسخ لنا» (3).

من أسباب التزوير:

و أما دوافع إثارة بعض الشبهات حول طاعة أمير المؤمنين «عليه السلام» لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيمكن أن يكون منها ما يلي:

1-إن النصوص التي ذكرت هذه القضية قد صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أمر عليا «عليه السلام» بمحو ما كتب، قال له: أما إن لك مثلها، و ستأتيها و أنت مضطر.


1) الآية 278 من سورة البقرة.

2) الآية 32 من سورة الإسراء.

3) أسد الغابة ج 1 ص 216 و قال: أخرجه أبو موسى و مكاتيب الرسول ج 3 ص 72.

أو قال له: اكتب، فإن لك مثلها، تعطيها، و أنت مضطهد مقهور. فكتب ما قالوا (1).

فلأجل الحفاظ على ماء وجه معاوية، و حزبه الذين أصروا على محو كلمة «أمير المؤمنين» من وثيقة التحكيم، و ظهر بذلك مصداق ما أخبر عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان لا بد من إثارة أجواء من الريب


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 220 و المعيار و الموازنة ص 200 و خصائص أمير المؤمنين علي «عليه السلام» للنسائي ص 149 و 150 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 419. و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43 و السيرة الحلبية ج 3 ص 20 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و 119 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 214 و البحار ج 20 ص 335 و 352 و 357 و 359 و 363 و 333 و ج 33 ص 314 و 316 و 317 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 390 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 147 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 179 و 180 و تاريخ الخميس ج 2 ص 21 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و حبيب السير ج 1 ص 372 و تفسير القمي ج 2 ص 313 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 116 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 190 و ج 2 ص 588 و 232 و المغني لعبد الجبار ج 16 ص 422 و ينابيع المودة للقندوزي ص 159 و صبح الأعشى ج 14 ص 92 و الآمالي للطوسي ج 1 ص 190 و 191 و صفين للمنقري ص 508 و 509 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 210 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 120 و إعلام الورى ص 97 و البرهان ج 4 ص 193 و نور الثقلين ج 5 ص 52 و الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 8 و البداية و النهاية ج 7 ص 277 و الأخبار الطوال ص 194 عن تاريخ الطبري ج 5 ص 52 و عن فتح الباري ج 5 ص 286.

و الشك في علي نفسه، من أجل أن يخف وقع و أثر هذا الأمر على الناس.

2-إن نفس الطعن بقداسة علي «عليه السلام» ، و في عصمته، و الحط من مقامه، و النيل منه، و ابتذال شخصيته، و نسبة الرذائل و المعاصي إليه، و تصغير شأنه، حتى يصبح كسائر الناس العاديين، أمر مطلوب، و محبوب لأعدائه، و مناوئيه. و بذلك تضعف حجة الطاعنين في مناوئيه، و يخرج أتباعهم من الإحراجات القوية التي تواجههم.

3-تكريس أبي بكر على أنه الرجل المميز بين جميع الصحابة، الذي كان يرى في الحديبية رأي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يدعو الناس للقبول منه، و التسليم له. .

قال دحلان: «. . و لم يكن أحد في القوم راضيا بجميع ما يرضى به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، غير أبي بكر الصديق (رض) ، و بهذا يتبين علو مقامه. و يمكن أن اللّه كشف لقلبه، و أطلعه على بعض تلك الأسرار التي ترتبت على ذلك الصلح، كما أطلع على ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه حقيق بذلك (رض) ، كيف و قد قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و اللّه، ما صب اللّه في قلبي شيئا إلا و صببته في قلب أبي بكر» (1).

4-إن هذه المزاعم بجعل علي و عمر في سياق واحد، من حيث إن هذا يشك في دينه في الحديبية، و ذاك يعصي أوامر الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

من شأنها أن توجد حالة من التوازن، ثم ترجح كفة الفريق الآخر من حيث


1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43.

جعل أبي بكر فوق الجميع، بل هو في مستوى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

لك مثلها يا علي:

و قد قلنا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي في الحديبية: لك مثلها، تعطيها، و أنت مضطهد، أو مضطر. .

و ظهر مصداق قوله «صلى اللّه عليه و آله» في حرب صفين، و ذلك حينما أخذوا بكتابة كتاب الموادعة، فابتدأوا فيه بعبارة:

هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين و معاوية بن أبي سفيان. .

فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت: أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته.

و قال عمرو: لا بل نكتب اسمه، و اسم أبيه، إنما هو أميركم، فأما أميرنا فلا.

فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه. فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك؛ فإني أتخوف، إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، فلا تمحها.

فقال «عليه السلام» : إن هذا اليوم كيوم الحديبية، حين كتب الكتاب عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هذا ما تصالح عليه محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول اللّه لم أقاتلك و لم أخالفك، إني لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت اللّه، و أنت رسوله، و لكن اكتب: من محمد بن عبد اللّه. .

فقال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا علي، إني لرسول اللّه، و أنا محمد بن عبد اللّه، و لن يمحو عني الرسالة كتابي لهم: من محمد بن عبد اللّه،

فاكتبها، فامح ما أرادوا محوه، أما إن لك مثلها، ستعطيها و أنت مضطهد (1).

ضع يدي عليها:

و قد ذكرت المصادر المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : ضع يدي عليها (أي على كلمة رسول اللّه) ، فوضعها عليها، فمحاها «صلى اللّه عليه و آله» بيده (2).

فقد يظن ظان: أن هذا يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرف القراءة. .

و يؤيد ذلك أيضا: الرواية المتقدمة عن الكتاب الذي كتبه لتميم بن جراشة و وفد ثقيف. .

و نقول:

أولا: إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : ضع يدي عليها، لا يدل على أنه لا يعرف القراءة، إذ قد يكون مجلسه «صلى اللّه عليه و آله» بعيدا عن مجلس علي «عليه السلام» ، فيقول له من بعيد: ضع يدي على الكلمة الفلانية، لأنه «عليه السلام» هو المتمكن من قراءتها دونه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) البحار ج 32 ص 541 و 542 و صفين للمنقري ص 503 و 504 و المسترشد ص 391 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 232 و الدرجات الرفيعة ص 117 و ينابيع المودة ج 2 ص 18 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 628 و مصادر ذلك كثيرة.

2) تقدمت المصادر الكثيرة لذلك، و منها على سبيل المثال: كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 210 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 120 و إعلام الورى ص 97 و البحار ج 20 ص 329 و 363 و 357 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 87.

و لو قيل: لماذا لا يستعمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قدرته الغيبية و الإعجازية في هذا المورد؟ !

فالجواب: أن الإعجاز، و إعمال القدرات الغيبية تابع لمصالح يعرفها النبي «صلى اللّه عليه و آله» دوننا، فلا بد من التسليم له، و إيكال الأمر إليه. .

ثانيا: قد روى البخاري ما جرى في الحديبية، فقال: «فأخذ رسول اللّه الكتاب، فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد اللّه الخ. .» (1).


1) صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 2 ص 73 و الكافي ج 8 ص 326 و الغارات ج 2 ص 755 و المسترشد ص 391 و 396 و شرح الأخبار ج 2 ص 50 و 135 و أوائل المقالات ص 224 و الإرشاد ج 1 ص 120 و الأمالي للطوسي ص 187 و العمدة ص 201 و 325 و البحار ج 20 ص 333 و 362 و ج 33 ص 315 و ج 38 ص 328 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 85 و ج 3 ص 82 و مسند أحمد ج 4 ص 298 و سنن الدارمي ج 2 ص 237 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 174 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 629 و مجمع الزوائد ج 6 ص 240 و المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 159 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 507 و 515 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 168 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 212 و عن المعجم الكبير ج 10 ص 258 و ج 20 ص 13 و كنز العمال ج 10 ص 474 و 494 و إرواء الغليل ج 1 ص 57 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 197 و نور الثقلين ج 5 ص 68 و جامع البيان ج 26 ص 129 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 213 و 217 و الدر المنثور ج 2 ص 157 و ج 6 ص 77 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 627 و إعلام الورى ج 1 ص 204 و 372 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 333 و 442 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 53 و 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 228 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 34.

و في نص آخر: «فأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الكتاب-و ليس يحسن أن يكتب-فكتب مكان رسول اللّه: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه: أن لا يدخل الخ. .» (1).

فقد دلت هاتان الروايتان على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو نفسه الذي كتب ما أراده.

و دلت الرواية الثانية على: أن ذلك قد كان منه «صلى اللّه عليه و آله» على سبيل الإعجاز، و يمكن تأييد هاتين الروايتين بما روي عن علي «عليه السلام» : أنه قال للخوارج، و هو يذكر لهم ما جرى في الحديبية: «قالوا: لو نعلم أنك رسول اللّه ما قاتلناك، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك.

فقال: اللهم إنك تعلم أني رسولك. .

ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال: يا علي، اكتب هذا ما صالح عليه الخ. .» (2).

ثالثا: قد تقدم: أن هناك ما يدل على: أن حديث امتناع علي «عليه


1) صحيح البخاري ج 3 ص 73 و مسند أحمد ج 4 ص 298 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 150 و 151 و الأموال ص 233 و سنن الدارمي ج 2 ص 238 و السنن الكبرى ج 8 ص 5 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 173.

2) الرياض النضرة ج 2 ص 277 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 522 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 342 و خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 148 و 149 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 179 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 215 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 464 و المناقب ص 262 و غير ذلك.

السلام» عن محو الكلمة إنما كان في مقابل سهيل، و لكنه لما قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اكتب. . بادر إلى الكتابة، و لم يعص أمره «صلى اللّه عليه و آله» . .

و هذا معناه: أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : ضع يدي عليها يصبح موضع شك من الأساس. . خصوصا مع اختلاف نصوص هذه القضية إلى درجة تمنع الباحث من الاعتماد عليها.

رابعا: إن هناك شواهد و أدلة كثيرة على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف القراءة و الكتابة. . فلا حظ ما سنذكره فيما يلي:

النبي صلى اللّه عليه و آله يقرأ و يكتب:

قال الشيخ الطوسي: «. . و النبي «عليه السلام» -عندنا-كان يحسن الكتابة بعد النبوة، و إنما لم يحسنها قبل البعثة» (1).

و قال السيد جواد العاملي: «و النبي معصوم مؤيد بالوحي. و كان عالما بالكتابة بعد البعثة، كما صرح به الشيخ، و أبو عبد اللّه الحلي، و اليوسفي، و المصنف في التحرير. و قد نقل أبو العباس، و الشهيد في النكت، عن الشيخ، و سبطه أبي عبد اللّه الحلي الساكتين عليه. .» (2).

فالشيخ الطوسي، قد أوضح لنا: أن القول بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ و يكتب هو قول أصحابنا من الشيعة. . كما أن العاملي قد بين أن


1) المبسوط ج 8 ص 120 و تفسير التبيان ج 8 ص 216 و أوائل المقالات ص 225 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 93.

2) مفتاح الكرامة ج 10 ص 10.

عدد من علمائنا الكبار قد صرح بهذا الأمر، و سكت عنه آخرون.

و نقول:

إن ما نستفيده من الروايات و الشواهد الكثيرة: أن النبي نبي منذ ولد، و أنه كان قادرا على القراءة و الكتابة قبل بعثته كرسول، و بعدها.

و ستأتي الروايات الدالة على الأمر الثاني، أما الروايات الدالة على نبوته قبل بعثته فيمكن مراجعتها في كتب الحديث عند السنة و الشيعة.

و لكن السياسة الإلهية، القاضية بتيسير الهداية للناس قد قضت بأن لا يمارس ذلك بصورة فعلية قبل البعثة، و بيان ذلك:

أولا: إذا تحقق للناس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتعلم القراءة و الكتابة قبل البعثة عند أحد، ثم رأوا: أنه بعد البعثة قادر على ذلك كأفضل ما يكون. فسوف يدركون: أن ذلك حصل له بالإقدار الإلهي، و بذلك تقوم الحجة عليهم، و لا يبقى عذر لمعتذر.

و هكذا يقال: بالنسبة لمعرفته بعلوم الأولين و الآخرين، و سواها مما يعجز البشر عن نيله، مع أنه لم يقرأ في كتاب، و لم يدرس عند أحد.

و الخلاصة: أن ظهور قدرته لهم على القراءة و الكتابة، و معرفته بجميع هذه العلوم من دلائل نبوته، و هو للبشرية جمعاء.

و لا ضرورة بعد ذلك إلى أن يبقى-كما يزعمون-عاجزا عن القراءة و الكتابة، مع معرفة الآخرين بها، فإن ذلك قد يثير لديهم الإحساس بأن ثمة نقصا و عيبا في شخصيته، و قد ثبت بالبراهين العقلية و النقلية أنه منزه عن كل عيب و نقص. .

ثانيا: إن القراءة و الكتابة لا تقصد لذاتها، و إنما هي من العلوم الآلية

التي تقصد إلى غيرها. و نيل المعارف عن طريقها. .

فإذا كانت المعارف و العلوم حاضرة لدى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و يراها رأي العين. و هو يخبرهم بها، و يرون صدقه بصدقها، فإن البحث عن وسيلة أخرى عاجزة إلا عن إحضار خيالها، و صورتها لديه لا أكثر (1). يصبح سفها غير مقبول. . و يكون بذلك كالذي يجد حبيبه إلى جنبه، ثم يطلب النوم لعله يرى خياله في عالم الرؤيا.

و من المعلوم: أنه ليس كل عدم نقصا، و ليس كل وجدان كمالا. .

فإن معرفتنا نحن بالأمور و العلم بها كمال بالنسبة لنا، فإذا توقف ذلك على امتلاك آلات و أدوات، فإن حصولنا على العلوم الآلية و الأدوات الموصلة لها كمال لنا أيضا، و فقدانها نقص، لأنه يوجب حرماننا من كثير من المعارف التي نعجز عن الوصول إليها بدونها.

أما إذا كانت المعارف حاضرة بنفسها لدى العالم، و لا يحتاج إلى تلك الآلات الموصلة، كان ذلك عين الكمال. . و لا يكون فقدانه للآلات الموصلة نقصا له، بل يكون حضورها لديه بلا فائدة و لا عائدة هو السفه و النقص.

فمن يستطيع الوصول إلى أي مكان في العالم بمجرد إرادته، فإن ركوبه للدابة، و السعي إلى ذلك المكان، و تحمل المتاعب، و صرف الساعات


1) إشارة إلى الوجود اللفظي و الكتبي الذي يلزم منه حضور صورة الشيء في الذهن، لا حضور نفس الشيء لدى العالم. و إشارة إلى ذلك: حالة التخيل لأمور يسمع بها، و لم يكن قد رآها. فهي حاضرة حضورا تخيليا لا يصل إلى درجة حضور صورة الشيء في الذهن، فضلا عن حضور نفس الشيء لدى العالم.

و الأيام، أو الأشهر في الطريق، يعد سفها.

و لا يعد عدم اقتنائه للدابة أو السيارة عيبا و لا نقصا، ما دام أنه لا لأجل عجزه عن الاقتناء، بل لغناه عنها مع توفر القدرة عليها في كل حين.

و هذا هو حال الأنبياء و الأوصياء «عليهم السلام» في ما يرتبط بعلومهم، فهم يعلمون بالأمور من خلال حضورها عندهم، و رؤيتهم لها بما أعطاهم اللّه إياه من تفضلات و مزايا، فلا يحتاجون إلى قراءة النقوش المكتوبة ليمكنهم الحصول على صورة ذهنية لها، و هذا هو عين الكمال لهم، و سواه هو النقص.

ثالثا: إن هناك أدلة من كلام المعصومين «عليهم السلام» ، و شواهد أخرى، تدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف القراءة و الكتابة، فلا حظ ما يلي:

ألف: إننا نذكر من الشواهد الدالة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ ما يلي:

1-ما رواه الشعبي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، و أخبر بمعناها (1).

2-عن أنس قال: قال «صلى اللّه عليه و آله» : رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، و القرض بثمانية عشر (2). فإن


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 98 عن تفسير النقاش و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 352.

2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 812 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 97 عنه، و مستدرك الوسائل ج 13 ص 395 و مسند أبي داود الطيالسي ص 155 و المعجم الأوسط ج 7 ص 16 و مسند الشاميين ج 2 ص 419 و الجامع الصغير ج 2 ص 5 و كنز العمال ج 6 ص 210 و تذكرة الموضوعات ص 66 و كشف الخفاء ج 2 ص 96 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 240 و الدر المنثور ج 4 ص 153 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 527 و كتاب المجروحين ج 1 ص 284 و الكامل ج 2 ص 337 و ج 3 ص 11 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 110 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 283.

المتبادر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرأ هذا المكتوب بنفسه، لا أنه قد علم بمضمونه من غيره.

ب: و من الشواهد الدالة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ و يكتب نذكر:

1-ما رواه الصدوق «رحمه اللّه» بسنده عن جعفر بن محمد الصوفي، عن أبي جعفر الجواد «عليه السلام» و فيه: «فقلت: يا ابن رسول اللّه، لم سمي النبي الأمي؟ !

فقال: ما يقول الناس؟

قلت: يزعمون: أنه إنما سمي الأمي؛ لأنه لم يحسن أن يكتب.

فقال «عليه السلام» : كذبوا عليهم لعنة اللّه، أنّى ذلك، و اللّه يقول في محكم كتابه: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ (1).

فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ . و اللّه، لقد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرأ و يكتب باثنين و سبعين لسانا، أو قال: بثلاثة و سبعين لسانا،


1) الآية 3 من سورة الجمعة.

و إنما سمي الأمي، لأنه كان من أهل مكة. و مكة من أمهات القرى، و ذلك قول اللّه عز و جل: لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا » (1).

2-عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه «عليه السلام» : إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ و يكتب، و يقرأ ما لم يكتب (2).

و أما الحديث الذي يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ ما يكتب، فهو لا يريد نفي الكتابة عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كلمة «ما» مفعول به ليقرأ. أي أنه يقرأ الذي يكتب.

و أما ما ورد في كثير من المصادر عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرأ و يكتب.

فالمراد به: أنه كان يمارس القراءة، و لا يمارس الكتابة، و إن كان قادرا عليها.

قال المجلسي: كان يقدر على الكتابة، و لكن كان لا يكتب لضرب من المصلحة.

3-روى الصدوق بسنده عن علي بن أسباط و غيره، رفعه عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: قلت: إن الناس يزعمون: أن رسول اللّه «صلى


1) علل الشرايع ص 124 و البحار ج 16 ص 132 و بصائر الدرجات ص 245 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 332 و نور الثقلين ج 2 ص 78 و ج 5 ص 322 و معاني الأخبار ص 54 و الإختصاص ص 263 و الفصول المهمة ج 1 ص 412 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199.

2) البحار ج 16 ص 133 و 134 و بصائر الدرجات ص 247 و البرهان ج 4 ص 333 و نور الثقلين ج 5 ص 322 و الفصول المهمة ج 1 ص 413.

اللّه عليه و آله» لم يكتب و لا يقرأ.

فقال: كذبوا لعنهم اللّه أنّى يكون ذلك، و قد قال اللّه عز و جل: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ (1).

فكيف يعلّمهم الكتاب و الحكمة و ليس يحسن أن يقرأ و يكتب؟ !

قال: فلم سمي النبي الأمي؟

قال: لأنه نسب إلى مكة، و هو قول اللّه عز و جل: لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا ، فأم القرى مكة، فقيل أمي لذلك (2).

4-و عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى كتب (3).

و قال المجلسي: قال الشعبي و جماعة من أهل العلم: ما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى كتب و قرأ. و قد اشتهر في الصحاح و كتب التواريخ قوله «صلى اللّه عليه و آله» : إيتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن


1) الآية 2 من سورة الجمعة.

2) البحار ج 16 ص 133 و علل الشرايع ص 125 و تفسير البرهان ج 2 ص 332 و 40 و نور الثقلين ج 5 ص 323 و ج 4 ص 558 و بصائر الدرجات ص 246 و تفسير العياشي ج 2 ص 78.

3) الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 352 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 173 و البحار ج 16 ص 135 و سير أعلام النبلاء ج 14 ص 190 و ج 22 ص 468 و عن الإرشاد ج 1 ص 184 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 42 و عن فتح الباري ج 7 ص 386 و فيض القدير ج 4 ص 336 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 103.

تضلوا بعده أبدا (1).

و نقول:

إن استدلاله «رحمه اللّه» بالفقرة الأخيرة غير خال عن النظر و المناقشة، فإن قوله: أكتب لكم يتلاءم مع أمره لبعض من حضر بذلك. . و مع توليه الكتابة بنفسه أيضا. .

5-و نقل السيوطي عن أبي الشيخ، من طريق مجالد، قال: حدثني عون بن عبد اللّه بن عتبة، عن أبيه قال: ما مات النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى قرأ و كتب. فذكرت هذا الحديث للشعبي.

فقال: صدق. سمعت أصحابنا يقولون ذلك (2).

6-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: «كان علي «عليه السلام» كثيرا ما يقول: اجتمع التيمي و العدوي عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يقرأ: إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ بتخشع و بكاء، فيقولان:

ما أشد رقّتك لهذه السورة.

فيقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لما رأت عيني، و وعى قلبي، و لما يرى قلب هذا من بعدي.

فيقولان: و ما الذي رأيت، و ما الذي يرى؟ !


1) البحار ج 16 ص 135 و ج 22 ص 468 و عن الإرشاد ج 1 ص 184 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 477 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 219 و ج 12 ص 87 و إعلام الورى ج 1 ص 265.

2) الدر المنثور ج 3 ص 131.

قال: فيكتب لهما في التراب: تنزل الملائكة و الروح الخ. . (1).

فإن ظاهر هذه الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مارس الكتابة فعلا. .

و قد ظهر مما تقدم: أنه لا مجال للقول: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقرأ و يكتب. و أن الصحيح هو خلاف ذلك، سواء قبل بعثته «صلى اللّه عليه و آله» أم بعدها.

و لكن ذلك قد كان بصورة إعجازية، على النحو الذي أوضحناه فيما تقدم.


1) الكافي ج 1 ص 249 و نور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 323 و 633 و مدينة المعاجز ج 2 ص 448 و البحار ج 25 ص 71.

الفصل الرابع: تبرئة المذنب

اشارة

استدراج مدروس:

و المراقب لسير الأحداث في كتابة وثيقة الصلح يلاحظ:

1-أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كتابته القضايا كان ضمن خطة أراد لها أن تنتهي إلى نتائج محددة، فهو يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. . مع أنه يتوقع الاعتراض عليها من قبل سهيل بن عمرو. . و قد حدث ذلك فعلا. .

ثم كان طبيعيا. . أن تثور ثائرة المسلمين. الذين لا يرضون بكسر كلمة نبيهم، و لا سيما في أمر لا ينبغي أن يعارضه المشركون فيه. . فإن كلمة «باسمك اللهم» لا تتعارض مع ما كتبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أن ما كتبه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ليس أمرا غريبا عن ذهنية الناس بالنسبة لما يصح نسبته إلى اللّه من صفات.

و كان قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما طلبه منه سهيل بن عمرو له دلالتان:

إحداهما: أنها جسدت هذه المرونة التي لديه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث ظهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» على استعداد للقبول بكل ما فيه تعظيم للبيت، و حقن للدماء. إذا لم يكن فيه تفريط بحقائق الدين.

و الثانية: أن يقبل أصحابه بهذا التراجع الذي يهيئوهم لمواجهة ما هو

أشد عليهم و أقسى، كما سنرى. .

2-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» يكتب في الفقرة الثانية كلمة «رسول اللّه» مع أنه كان بإمكانه الاكتفاء بكلمة «محمد بن عبد اللّه» ، فلو أنه فعل ذلك، فلن يخطر ببال سهيل بن عمرو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أغفل أمرا هاما، ثم أن يحتمل كون سبب إغفاله هذا هو تنازله عنه، أو أنه أصبح أمرا ثانويا عنده. أو أصبحت له أهداف أخرى، قد تكون هي الأولى عنده. .

3-ثم جاءت المفاجأة الأكبر و الأخطر، و التي حاول البعض-و هو عمر بن الخطاب بالذات-أن يثير من أجلها عاصفة من التحدي لشخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى حد التفكير بقيادة حركة تمرد ضده «صلى اللّه عليه و آله» ، كما صرح به عمر نفسه، و ذلك لأنه اعتبر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى الدنية في دينه، و رضي بها.

فكان ذلك سببا في ظهور ما كان خافيا على كثيرين فيما يتعلق بطبيعة علاقة عمر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و مناحي توجهاته الفكرية، و نظرته العقائدية للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . .

لا نعطي الدنية في ديننا:

قلنا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يسوق الناس باتجاه تلمّس الرعاية الإلهية لهم، و لطف اللّه تعالى بهم، و إفهامهم أن كل ما يجري لهم و عليهم إنما هو بعين اللّه سبحانه. . و قد توالت الدلالات، للمعجزات و الكرامات التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يتعمد إظهارها لهم.

و لكنه كان في مقابل ذلك يريد رفع مستوى الوعي لديهم، من خلال

التعامل مع القضايا بواقعية، و بدقة، بالإضافة إلى زيادة درجة التحمل و الصبر حين يواجهون القضايا المصيرية في مفاصلها الدقيقة و الحساسة و الضاغطة على المشاعر و الأحاسيس. .

و قد كان إخباره «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه بأنهم سوف يدخلون المسجد الحرام هو أحد مفردات هذه السياسات الرائعة، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» اكتفى ببيان بعض جوانب هذا الأمر، و هو: أن هذا الدخول سوف يحصل و سكت عن جانب آخر، و هو: أن هذا الدخول لن يكون في هذه السنة. و ترك أمر معالجة هذا الجانب المسكوت عنه للناس أنفسهم، ففهمه الأكثرون منهم بطريقة غير سليمة، و انساقوا وراء فهمهم هذا، و ظهرت منهم المواقف المتوافقة مع فهمهم الخاطئ هذا.

لقد فهموا: أنهم سيدخلون مكة في نفس تلك السنة، و ينحرون بدنهم، و يتمون فيها نسكهم. .

و اعتبروا: أن الرجوع من دون ذلك تكذيب للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن عمر بن الخطاب قال في ذلك فأكثر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنما قلت: ندخل مكة، و لم أقل في هذه السنة، حتى يكون الرجوع تكذيبا (1).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص و السيرة النبوية لدحلان ج ص و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 365 و 367 و البحار ج 29 ص 21 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 280 و 281 و الكامل ج 2 ص 77 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 175 و المغازي للواقدي ج 2 ص 609.

شك عمر في النبوة:

و لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تابع هؤلاء مسيرتهم في هذا الاتجاه، و تجاوز بعضهم حدود الاعتراض إلى حدود الشك في النبوة، حتى لقد نقل المؤرخون، عن عمر، أنه قال: «إني شككت في يوم الحديبية في النبوة. و تكلمت بما أخاف منه، و أتصدق، و أصلي كي تكون كفارة لذلك» .

و قال عمر: «لو أن معي أربعين رجلا لخالفته» (1).

و في بعض الروايات: لو وجد مائة رجل.

أو قال: لو وجدت أعوانا لخالفت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كتابة الصلح.

و قالوا: «أنكر عليه عامة أصحابه، و أشد ما كان إنكارا عمر» .

و قال عمر في خلافته: «ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ، و لو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت» (2).


1) البحار ج 20 ص 350 و تفسير القمي ج 2 ص 312 و نور الثقلين ج 5 ص 52 و التفسير الصافي ج 5 ص 35.

2) نقل ذلك العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في مكاتيب الرسول ج 3 ص 93 عن: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 331 و عن كنز العمال ج 10 ص 316 و تأريخ الطبري ج 2 ص 634 و الحلبية ج 3 ص 22 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 43 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و المغازي للواقدي ج 2 ص 608 و 607 و 109 و رسالات نبوية ص 177 و 178 و مسند أحمد ج 4 ص 325 و 330 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 438 و 449 و البخاري ج 3 ص 256 و البحار ج 20 ص 335 و 350 و نيل الأوطار ج 8 ص 35 و 47 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 63 و مجمع البيان ج 9 ص 118 و البداية و النهاية ج 4 ص 168 و البرهان ج 4 ص 193 و عبد الرزاق ج 5 ص 339 و زاد المعاد ج 2 ص 125 و حياة الصحابة ج 1 ص 131 و المناقب ج 1 ص 204 و تهذيب تأريخ ابن عساكر ج 7 ص 135 و صحيح مسلم ج 3 ص 1412 و فتح الباري ج 5 ص 255 و السنن الكبرى ج 9 ص 222 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 277 و النص و الإجتهاد ص 182 و شرح النهج لابن أبي الحديد ج 12 ص 59 و التاج ج 4 ص 227 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 106 و ج 1 ص 249.

و كثر الضجيج و علت الأصوات، و طال جدالهم و أشاروا إلى السيوف، و كادت الفتنة أن تقع، و كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يسكنهم، و يهدئ من روعهم.

و قد حاول بعضهم: أن يعتبر ذلك دليل صلاح لدى هؤلاء، و عنوان إخلاصهم لهذا الدين، و غيرتهم عليه. . و أنهم رأوا في هذا الصلح ما حسبوه دنية، و عارا، فلم يطيقوه، و ظهر منهم ما ظهر، و بدر من بعضهم ما بدر.

و نقول:

أولا: إن من يؤمن بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا بد أن يصوّبه في جميع ما يقول و يفعل، فيعتبر أنه لا يفعل إلا ما يرضي اللّه سبحانه، و اللّه لا يرضى للمؤمن الذل بل يريده قويا و عزيزا، بل هو لا يرى العزة إلا لأهل الإيمان.

قال تعالى: وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ. . (1).

و قد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن اللّه سبحانه و تعالى قد


1) الآية 8 من سورة المنافقون.

فوض للمؤمن كل شيء إلا أن يذل نفسه (1).

فهل يمكن أن يقال-بعد كل هذا-: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي بالذل لأهل الإيمان و أعطى الدنية في دينه. . و هل يمكن أن يكون قائل هذا النمط من الكلام تام الإيمان، عارفا بحدوده واقفا على حقائقه و دقائقه.

ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يعطي الدنية، خصوصا إذا كانت الدنية في الدين. . لأنه إن كان لم يدرك أن ما أعطاه دنية، و أدرك ذلك سائر الصحابة، فقد كان الآخرون أجدر منه بمقام النبوة. .

و يزيد الأمر تعقيدا: أنه قد أصر على موقفه، رغم التنبيه الشديد، حتى لقد طال الجدال، و أشاروا إلى السيوف، و كادت الفتنة أن تقع. .

فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بأن ذلك دنية، و قد أقدم عليه، عن سابق تصميم و عزم. مع علمه بعدم رضا اللّه تعالى به. . فهو يخل بعصمته عن الذنب.

و إن كان لا يعلم أن اللّه لا يرضى به، فهو يخل بعصمته في وعي الأحكام و في تبليغها، فإن قوله و فعله و تقريره حجة.

ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح لعمر: بأنه ينفّذ أمر اللّه تعالى، و أنه لو فعل خلاف ذلك لكان عاصيا له سبحانه، حيث قال له: و لن


1) الكافي ج 5 ص 63 و 64 و الوسائل ج 11 ص 424 و مشكاة الأنوار ص 430 و الفصول المهمة ج 2 ص 229 و عن البحار ج 64 ص 72 و ميزان الحكمة ج 2 ص 982 و نور الثقلين ج 5 ص 336.

أعصيه (1).

و في نص آخر: لا أخالف أمره و لن يضيّعني (2).

و أنه مرعي من قبل اللّه سبحانه، حيث قال له: و لن يضيّعني.

و السؤال هو: ما معنى إصرار عمر على موقفه؟ ! فهل هو يتهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و العياذ باللّه-بالكذب على اللّه تعالى، أو أنه يتهمه بالاشتباه في فهم مراد اللّه عز و جل من أوامره و نواهيه. .

و الأدهى من ذلك: أنه يذهب إلى أبي بكر و يوجه له نفس الأسئلة، فهل كان أبو بكر أصدق من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أعرف منه عند عمر؟ !

رابعا: و مع غض النظر عما تقدم نقول: إنه قد يكون هناك أناس بسطاء، ينساقون مع حميتهم، و مع عصبياتهم، أو تثيرهم الشعارات، و تهزم ثباتهم، و تزلزل يقينهم الشبهات، فيعذرون في هذا الحماس، و تغفر لهم هذه الاعتراضات. من أجل ما علم من سلامة نيتهم، و طهر طويتهم. .

و لكن حين يتصدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه إلى تنبيههم


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 515 و كنز العمال ج 10 ص 494 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 52.

2) المسترشد ص 538 و البحار ج 20 ص 333 و ج 30 ص 561 و مسند أحمد ج 4 ص 325 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 59 و زاد المسير ج 7 ص 162 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 211 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 280 و البداية و النهاية ج 4 ص 192 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 782 و عن عيون الأثر ج 2 ص 120 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 320.

و تذكيرهم و التصريح لهم: بأنه ملتفت إلى جميع الحيثيات و الخصوصيات التي يثيرونها، و قد صرح لهم «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه إنما يعمل ما أراده اللّه منه، فإن الاستمرار في المعارضة، في هذه الحال يصبح أمرا غير مقبول من أحد حتى من أمثال هؤلاء. .

خامسا: و الأنكى من ذلك: أن يبلغ الأمر ببعضهم حدّ الإعلان عن استعداده لقيادة حركة تمرد ضد شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لو توفر له من يعينه على ذلك، مائة رجل تارة، و أربعون رجلا أخرى (1).

و هو يقصد بكلامه هذا أمرا عظيما جدا و هائلا، و هو أكثر و أخطر من مجرد الاستمرار بالمعارضة، فإن المفروض: أن أكثر الصحابة كانوا ثائرين معه، و كانوا يجادلون كما كان يجادل، فما الذي يريد منهم أكثر من ذلك، حتى ليتمنى أن يجد منهم أربعين رجلا، ليعاونوه على القيام ضد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالذات؟ !

سادسا: ما هذه الجرأة من الصحابة على مقام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و لماذا الضجيج و علو الأصوات؟ !

و لماذا يجهرون له بالقول كجهر بعضهم لبعض؟ !

و لماذا يقدمون بين يدي اللّه و رسوله؟ !

و لماذا يخفضهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يسكنهم و لا يستجيبون له. .


1) راجع: البحار ج 20 ص 350 و تفسير القمي ج 2 ص 312 و نور الثقلين ج 5 ص 52 و التفسير الصافي ج 5 ص 35.

ألم يقل اللّه سبحانه و تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ؟ ! (1).

و قال تعالى: . . لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ. . (2).

و قال تعالى لهم: . . أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ. . (3).

و قال: . . وَ مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (4).

فلماذا لا يأتمرون بأمره، و لا ينتهون بنهيه؟ !

سابعا: لو عذرنا من أعلن بالاعتراض: بأنه قد ثارت حميته، و قاده عزه، و إباؤه، و شممه إلى اتخاذ هذا الموقف الحماسي الرافض، و لكن بماذا و كيف نعذر من أعلن أنه قد شك في دينه، و في نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و إذا كان هذا الشك قد حصل فعلا، فكيف نطمئن إلى عودة اليقين إليه؟ ! . . و الدخول في جملة المؤمنين أو المسلمين؟ ! . .

و لو أن هذا اليقين قد عاد بالفعل، فما الذي يجعلنا نطمئن إلى أن أمورا أخرى لم تنقضه مرة بعد أخرى، ليحل الشك محله من جديد؟ ! خصوصا مع التصريح: بأن شكه في الحديبية لم يماثله أي شك آخر منذ أسلم، فقد


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

2) الآية 2 من سورة الحجرات.

3) الآية 59 من سورة النساء.

4) الآية 7 من سورة الحشر.

قال: «ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ» (1).

و هو كلام خطير جدا، حيث إنه يدل على كثرة ما عرض له من شكوك في دينه. . طيلة حياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ! ! و لعل هذه الشكوك قد لا حقته بعد الحديبية أيضا! ! و لا ندري هل زالت عنه تلك الشكوك كلها؟ ! أم لا؟ ! كما أننا لا ندري لماذا سهل ورود هذه الشكوك على هذا الرجل دون سواه من سائر الصحابة؟ !

إلا أن يقال: إن غيره كان يشك مثله، لكنه لم يملك شجاعة التصريح بذلك.

و لا ندري كذلك، إن كانت شكوكه قد بقيت في محيط حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أنها قد راودته أيضا بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و إذا كان ذلك قد حصل فعلا فماذا كان مصيرها؟ ! و ما الذي يضمن لنا أن تكون هذه الشكوك لم تلاحقه إلى آخر حياته أيضا؟ !

و كيف يمكن مقايسة هذا الرجل، بمن هو كالجبل الراسخ، الذي كان على بصيرة من أمره، و على بينة من ربه، حتى قال: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا» ؟ ! (2).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 607 و المسترشد ص 535 و 539.

2) إسعاف الراغبين (مطبوع مع نور الأبصار) ص 108 و فتح البيان ج 4 ص 5 و الصواعق المحرقة (ط الميمنية بمصر) ص 77 و ينابيع المودة ص 65 و 287 و طبقات الشافعية ج 4 ص 54 و مطالب السؤل ص 16 و أنموذج جليل (مطبوع مع إملاء ما من به الرحمن) ج 1 ص 18 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 181 و تفصيل النشأتين ص 46 و 62 و المناقب للخوارزمي (ط تبريز) ص 260 و عن بحر المناقب، و عن منال الطالب، و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 2 ص 50 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 317 و مواقف الشيعة ج 1 ص 89.

و قال: «ما شككت في الحق مذ رأيته» ؟ ! (1).

فإن كل ما جرى من ضجيج و عجيج و من وصول الأمر إلى حد الخطورة و الفتنة يفيدنا في معرفة الدافع الحقيقي وراء بيعة الرضوان، فإن تجديد البيعة، كما أسلفنا، إنما يلجأ إليها عند الخوف من عدو داخلي، لا من عدو خارجي! !

شكوك عمر استمرت إلى الطائف:

روى عبد الرحمن بن سيابة و الأجلح-جميعا-عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خلا بعلي بن أبي طالب «عليه السلام» يوم الطائف، أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا و تخلو به دوننا؟

فقال: «يا عمر، ما أنا انتجيته، بل اللّه انتجاه» .

قال: فأعرض عمر و هو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية: . . لَتَدْخُلُنَّ


1) ينابيع المودة ص 65 و خصائص الأئمة ص 107 و الإرشاد ج 1 ص 254 و حلية الأبرار ج 2 ص 63 و البحار ج 20 ص 335 و ج 29 ص 562 و ج 32 ص 237 و 336 و مناقب أهل البيت ص 75 و ميزان الحكمة ج 1 ص 148 و ج 2 ص 1026 و 1499 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 207 و 211 و ج 18 ص 374 و العدد القوية ص 195 و ينابيع المودة ج 1 ص 83 و 203 و ج 3 ص 450.

اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ. . فلم ندخله و صددنا عنه، فناداه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لم أقل إنكم تدخلونه في ذلك العام» ! (1).

و نقول:

إن هذا الحديث قد تضمن أمورا عديدة، نكتفي منها بالإشارة إلى ما يلي:

1-إن عمر بن الخطاب لا يزال يحمل في نفسه قضية الحديبية، معتبرا إياها مأخذا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . حتى أصبح يقيس الأمور عليها. .

2-إن كلامه يستبطن: اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالكذب و التدليس عليه و على المسلمين.

3-إن جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: «لم أقل إنكم تدخلونه في ذلك العام» ، لم يكن قد سمعه منه لأول مرة، لأنه كان قد قاله لعمر بالذات في يوم الحديبية نفسه. .

4-إنه قد سبق للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن أحضر عمر في عمرة القضاء، و بيّن له أنهم قد دخلوا مكة، و أن ما يجري في عمرة القضاء كان تصديقا لما كان قد أخبرهم به عن دخول مكة.

استمرار شكوك عمر إلى حجة الوداع:

و يبدو أن شكوك عمر بن الخطاب قد استمرت إلى عام الفتح و كان


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 153 و البحار ج 21 ص 169 و إعلام الورى ج 1 ص 235.

«صلى اللّه عليه و آله» يسعى لإزالتها. .

و لا ندري إن كان قد حصل ذلك أم لا؟ !

فقد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما كان عام الفتح أخذ المفتاح، و قال: ادعوا إلي عمر بن الخطاب، فقال: هذا الذي كنت قلت لكم (1).

بل استمرت هذه الشكوك إلى حجة الوداع فقد ذكروا: أنه «لما كان في حجة الوداع وقف بعرفة، و قال: أي عمر، هذا الذي قلت لكم: إني رسول اللّه. و اللّه، ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية» (2).

فهل صدّق عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و هل تخلى عن مواقفه و شكوكه السابقة؟ !

الجواب: لا.

فإن عمر قد بلغ درجة اليقين، و لكن في الاتجاه المعاكس! ! حيث حكم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مرض موته بأنه يهجر، أو غلبه الوجع بناء على الرواية القائلة: إن النبي ليهجر، أو غلبه الوجع.

و أما إذا أخذنا بالرواية التي تقول: إنه قال: ما باله أهجر استفهموه؟ . فربما يستفاد منها: أنه كان لا يزال باقيا على شكه. .

و اللّه العالم بالحقائق.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 63 و المسترشد ص 540 و البحار ج 20 ص 141 و النص و الإجتهاد ص 172 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 25.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 63.

المسلمون يرفضون الإحلال:

و يقولون: إنه لما فرغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قضية الكتاب قال: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» .

فو اللّه ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: «هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا و يحلقوا فلم يفعلوا» .

و في رواية: «ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه-و هم يسمعون كلامي، و ينظرون وجهي» ؟ .

فقالت: يا رسول اللّه، لا تلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، و رجوعهم بغير فتح، يا نبي اللّه، اخرج و لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، و تدعو حالقك فيحلقك.

فجلى اللّه تعالى عن الناس بأم سلمة.

فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و اضطبع (1)بثوبه، فخرج، فأخذ الحربة، و يمم هديه، و أهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته: «بسم اللّه و اللّه أكبر» و نحر.

فتواثب المسلمون إلى الهدي، و ازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد


1) الاضطباع: أخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن و يلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره و ظهره، انظر النهاية ج 3 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 56.

بعضهم يقع على بعض.

و أشرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، و كان هدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعين بدنة.

و كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، فلما صده المشركون رد وجوه البدن (1).

قال ابن عباس: لما صدّت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها (2).

فنحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بدنه حيث حبسوه، و هي الحديبية، و شرد جمل أبي جهل من الهدي و هو يرعى، و قد قلد و أشعر. و كان نجيبا مهريا، في رأسه برة من فضة. أهداه ليغيظ بذلك المشركين. فمر من الحديبية حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة، و خرج في أثره عمرو بن عنمة بن عدي الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه، حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه.

قيل: و دفعوا فيه عدة نياق.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 56 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 3 ص 257 و أبو داود في الجهاد باب 167 و أحمد ج 4 ص 331 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 106 و عبد الرزاق الحديث رقم (9720) و الطبري و 26 ص 63 و ابن أبي شيبة و 14 ص 450.

2) أخرجه أحمد في المسند و 4 ص 330 و البيهقي في دلائل النبوة ج 5 ص 331 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 215 و الدر المنثور ج 6 ص 79 و فتح القدير ج 5 ص 57 و البداية و النهاية ج 5 ص 207 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 376 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 57.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو لا أن سميناه في الهدي فعلنا» ، و نحره عن سبعة، و نحر طلحة بن عبيد اللّه، و عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، بدنات ساقوها.

و روى ابن سعد، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعين بدنة عام الحديبية، البدنة عن سبعة، و كنا يومئذ ألفا و أربعمائة، و من لم يضح أكثر ممن ضحى.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مضطربا في الحل، و إنما يصلي في الحرم.

و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند «المروة» مع رجل من أسلم، فلما فرغ الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء، و دعا بخراش-بمعجمتين-بن أمية بن الفضل الكعبي، فحلق رأسه، ورمى شعره على شجرة كانت إلى جنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصونه، و أخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض، و تسقيه، فيبرأ.

و جعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.

و حلق بعض المسلمين، و قصّر بعض. فأخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأسه من قبته و هو يقول: رحم اللّه المحلقين.

قيل: يا رسول اللّه و المقصرين قال: «رحم اللّه المحلقين ثلاثا» .

ثم قال: و «المقصرين» (1).

و روى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، أنهم قالوا: يا رسول اللّه، ما بال المحلقين ظاهرت عليهم الترحيم؟

قال: لأنهم لم يشكوا (2). و رواه البيهقي موقوفا.

و بعث اللّه تعالى ريحا عاصفة فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم كما رواه ابن سعد، عن مجمع بن يعقوب، عن أبيه.

و أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بالحديبية تسعة عشر يوما، و يقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، و ابن سعد. قال ابن عائذ: و أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوته هذه شهرا و نصفا (3).

و نقول:

إن لنا ههنا و قفات، و هي التالية:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 57 و في هامشه قال: أخرجه الحاكم ج 4 ص 230 و البيهقي ج 5 ص 236 و الدعاء للمحلقين متفق عليه من حديث ابن عمر. راجع: البخاري ج 3 ص 561(1727) و مسلم ج 2 ص 945(317/1301) و البحار ج 20 ص 354 و عن فتح الباري ج 5 ص 256 و تفسير القمي ج 2 ص 314 و نور الثقلين ج 5 ص 54 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 633 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 323.

2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 151 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 57 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 283 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 784.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 56 و 57 و عن عيون الأثر ج 2 ص 125.

التبرك:

أما بالنسبة لموضوع التبرك بشعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بغير ذلك نقول: إن ذلك من بديهيات الإسلام، فراجع كتاب التبرك للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» .

ما نحره صلّى اللّه عليه و آله عند المروة:

و قد أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يطعم الناس في مكة من بعض البدن التي كان يريد أن ينحرها، تألفيا لهم على الإسلام، و كسرا للحواجز التي كانوا يسعون لإقامتها بين الناس و بينه، فأرسل عشرين بدنة لتنحر عنه عند المروة كما تقدم.

الهدي عن سبعة:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان ينحر الهدي الواحد عن سبعة أشخاص.

و نقول:

إن ذلك غير جائز في مذهب أهل بيت النبوة «عليهم السلام» ، الذين هم أدرى بما في البيت. فلا شك في أن ذلك مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

حلمهم الكبير الطعن في علي عليه السّلام:

تقدم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن كتب كتاب الصلح: «قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فو اللّه ما قام منهم رجل حتى

قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس.

فقالت أم سلمة: يا نبي اللّه، أتحب ذلك؟ أخرج و لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، و تدعو حالقك فيحلقك الخ. .» (1).

و السؤال هو:

هل كان علي «عليه السلام» ضمن الذين رفضوا حلق رؤوسهم في الحديبية، حين قال «صلى اللّه عليه و آله» : «رحم اللّه المحلقين» ، ليكون ذلك من موجبات الطعن في عصمته، أم أنه كان قد أطاع أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك؟

و الجواب:

أولا: إنه لا شك في أن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» لم يعص أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا في هذه الواقعة، و لا في غيرها، فهو يقول: «و إني و اللّه لم أخالف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم أعصه في


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 283 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و مسند أحمد ج 4 ص 331 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 182 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 215 و ج 9 ص 220 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 340 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 14 و عن المعجم الكبير ج 20 ص 14 و إرواء الغليل ج 1 ص 58 و جامع البيان ج 26 ص 130 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 214 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 229 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 335 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 56 و ج 11 ص 191.

أمر قط» (1).

ثانيا: رغم تحفظنا على حديث أم سلمة، لأنه يظهر أنها «رحمها اللّه» قد أدركت أمرا غفل عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكننا نقول فيه:

إنه و إن كان ظاهره العموم و الشمول لجميع أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكن التأمل فيه يقتضي حمله على العموم و الشمول لجميع المعترضين عليه «صلى اللّه عليه و آله» الرافضين لإطاعة أمره دون غيرهم.

أي فالمراد: ما قام رجل ممن كانوا قد اعترضوا على الصلح، و اغتموا له.

لأن المستفاد من الروايات هو: أن ثمة فريقا من الناس كان يجب عليهم الحلق في عمرتهم تلك، و لكنهم لم يطيعوا أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا قاموا بما لزمهم القيام به، بل تلكأوا في بادئ الأمر، و تعللوا، ثم إنهم حين وجدوا أن لا مناص من التحلل آثروا أن يتحللوا بالتقصير؛ لا بالحلق؛ و ذلك بسبب ما عرض لهم من شك.

و يوضح ذلك النصوص التالية: 1-روى ابن هشام، عن ابن إسحاق، عن عبد اللّه بن نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلق رجال يوم الحديبية، و قصّر آخرون.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يرحم اللّه المحلقين.

قالوا: و المقصرين يا رسول اللّه؟


1) راجع: الأمالي للمفيد ص 235 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 11 و نهج البلاغة ج 2 ص 171 و حلية الأبرار ج 2 ص 85 و البحار ج 32 ص 464 و 595 و عن ج 74 ص 397 و شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 181 و كشف الغمة ج 2 ص 4.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : يرحم اللّه المحلقين.

قالوا: و المقصرين يا رسول اللّه؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : يرحم اللّه المحلقين.

قالوا: و المقصرين يا رسول اللّه؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : و المقصرين.

فقالوا: يا رسول اللّه، فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : لم يشكّوا (1).

فالشاكون إذن قد أحلوا من إحرامهم بالتقصير، مع أن وظيفتهم كانت هي الحلق، امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

تذكير: قال السهيلي: إن الذين قصروا هم: فقط عثمان، و أبو قتادة، و لم يقصر غيرهما (2).

2-يفهم من رواية القمي: أن بعض الذين لم يسوقوا الهدي كانوا قد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 57 عنه، و عن ابن أبي شيبة، و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 151 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 784 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 283 و مسند أحمد ج 1 ص 353 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1012 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 9 ص 50 و عن فتح الباري ج 3 ص 449 و ج 5 ص 256 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 301 و كنز العمال ج 5 ص 237 و إرواء الغليل ج 4 ص 285 و الدر المنثور ج 6 ص 81 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 323.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 23.

حلقوا امتثالا و طاعة لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعضهم قصر اكتفاء في التحليل بالتقصير، و لم يمتثلوا أمره «صلى اللّه عليه و آله» بالحلق، و أن فيمن ساق الهدي من كان شاكا أيضا.

قال القمي: «قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: انحروا بدنكم، و احلقوا رؤوسكم، فامتنعوا، و قالوا: كيف ننحر و نحلق، و لم نطف بالبيت، و لم نسع بين الصفا و المروة؟ ! .

فاغتم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، و شكا ذلك إلى أم سلمة، (ربما ليظهر رجاحة عقلها و دينها-و هي امرأة-على عقولهم، و هم أصحاب الدعاوى العريضة) .

فقالت: يا رسول اللّه، انحر أنت، و احلق.

فنحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حلق، و نحر القوم على حين يقين، و شك و ارتياب.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تعظيما للبدن: رحم اللّه المحلقين.

و قال قوم لم يسوقوا البدن: يا رسول اللّه، و المقصرين؛ لأن من لم يسق هديا لم يجب عليه الحلق.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثانيا: رحم اللّه المحلقين، الذين لم يسوقوا الهدي.

فقالوا: يا رسول اللّه، و المقصرين؟

فقال: رحم اللّه المقصرين» (1).


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 314.

فرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهر رضاه و محبته للمحلقين، و تذمّره من الذين اكتفوا بالتقصير، و هذا يفيد: أن الذين قصروا هم الذين خالفوا أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .

فظهر: أن المخالفين لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الشاكّين ليسوا هم جميع المسلمين الحاضرين في الحديبية، بل هم فريق بعينه كما دلت عليه النصوص.

و لا شك في أن عليا «عليه السلام» ليس منهم، و ليس هناك نص تاريخي يصرح: بأن عليا «عليه السلام» كان بين الذين لم يحلقوا، فإن طاعته للرسول «صلى اللّه عليه و آله» و التزامه الحرفي بأوامره و نواهيه كالنار على المنار و كالشمس في رابعة النهار، و قد أشرنا أكثر من مرة إلى ما جرى في خيبر، حينما أمره «صلى اللّه عليه و آله» بالذهاب و عدم الالتفات، فوقف و لم يلتفت و قال: على ما أقاتلهم يا رسول اللّه؟ .

و تلك هي الآيات الشريفة لم تزل تنزل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقررة لعصمته، كآية التطهير، و تثبيت الفضل و الكرامة له على من عداه له، لأنه هو وحده المطيع للّه و لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، كآية النجوى و غيرها.

هذا بالإضافة إلى شواهد أخرى تبيّن مدى حرصه «عليه السلام» على طاعة أوامر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حرفيا. يجدها المتتبع لسيرته صلوات اللّه و سلامه عليه. .

الفصل الخامس: اللمسات الأخيرة

اشارة

في طريق العودة:

و قد روى مسلم عن سلمة بن الأكوع، و البيهقي عن ابن عباس، و ابن سعد، و البيهقي، و الحاكم عن أبي عمرة الأنصاري، و البزار، و الطبراني، و البيهقي عن أبي خنيس الغفاري، و محمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما انصرف من «الحديبية» نزل بمر «الظهران» ، ثم نزل ب‌ «عسفان» ، و أرملوا من الزاد، فشكا الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنهم قد بلغوا من الجوع الجهد، و في الناس ظهر، فقالوا: ننحره يا رسول اللّه، و ندهن من شحومه، و نتخذ من جلوده أحذية، فأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فجاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، لا تفعل، فإن يكن في الناس بقية ظهر يكن أمثل، كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا؟ ! و لكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها، ثم تدعو فيها بالبركة، فإن اللّه سيبلغنا بدعوتك.

و دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس ببقايا أزوادهم، و بسط نطعا، فجعل الناس يجيئون بالحفنة من الطعام و فوق ذلك، فكان أعلاهم

من جاء بصاع تمر، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال سلمة: فتطاولت لأحرر، كم هو؟ فحررته كربضة عنز، و نحن أربع عشرة مائة.

فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فدعا بما شاء اللّه أن يدعو، فأكلوا حتى شبعوا، ثم حشوا أوعيتهم، و بقي مثله، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدت نواجذه، و قال: «أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و اللّه لا يلقى اللّه تعالى عبد مؤمن بهما إلا حجب من النار» .

ثم أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الرحيل، فلما ارتحلوا أمطروا ما شاؤوا و هم صائفون، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نزلوا، فشربوا من ماء السماء. ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فخطبهم، فجاء ثلاثة نفر، فجلس اثنان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذهب واحد معرضا، فقال رسول اللّه: «ألا أخبركم عن الثلاثة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا اللّه منه، و أما الآخر فتاب فتاب اللّه عليه، أما الثالث فأعرض. فأعرض اللّه عنه» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 58 عن مسلم، و البيهقي، و ابن سعد، و الحاكم، و البزار، و الطبراني، و الواقدي، و عن صحيح البخاري ج 1 ص 24 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 9 و سنن الترمذي ج 4 ص 171 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 232 و مجمع الزوائد ج 8 ص 304 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 453 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 287 و كتاب الدعاء ص 534 و المعجم الأوسط ج 4 ص 29 و عن المعجم الكبير ج 3 ص 249 و رياض الصالحين ص 571 و كنز العمال ج 10 ص 239 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 348 و البداية و النهاية ج 6 ص 125.

و نلاحظ على ما تقدم ما يلي: ألف: إن الناس لم يبادروا إلى نحر الإبل التي معهم، رغم حاجتهم إلى الطعام إلا بعد استئذان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك. و هذا يعطينا درسا في ضرورة الانضباط و المراجعة للقائد في كل أمر له ارتباط بالحالة العامة. .

ب: إن قول عمر: كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا؟ ! غير مفهوم لنا، فإن نحر بعض الإبل لا يلزم منه أن يلقى العدو رجالا، فإن الحرب لا تكون على الإبل، و إنما تكون على الخيل أو بدونها. .

ج: إذا نحروا الإبل، و استفادوا من لحومها، فإنهم لا يبقون جياعا. .

د: إن ما يحتاجونه في كل يوم للنحر و الأكل لا يزيد على أربعة عشر جملا، و هو مقدار يسير في جملة ما يفي بحاجات ألف و أربع مائة رجل. .

فلو أنهم نحروا خلال ثلاثة أيام، أو أربعة: ستين من الإبل ثم يكونون بقرب المدينة، فذلك معناه: أن يصبح مائتا رجل-على أقل تقدير-بلا ظهر يركبونه في سفرهم. إذا كان كل ثلاثة، أو أربعة يعتقبون بعيرا و يبقى مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ألف و مائتا مقاتل، لم يتأثر وضعهم بشيء مما يجري، و هؤلاء قادرون على مواجهة العدو، و معهم الظهر الكافي، و لا يعانون من جوع، و لا من غيره. .

ه‌: و كيف عرف عمر بن الخطاب هذا الأمر، و جهله النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . .

و: و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بهذا الرأي الصالح فلماذا لم يبادر من عند نفسه إلى ذلك الحل و صبر حتى اقترحه عليه عمر بن

الخطاب؟ ! ألم يكن «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي بادر إلى إثارة آبار الحديبية بالسهم الذي ألقاه فيها، ثم صنع لهم الكثير من المعجزات في سفر الحديبية بالذات؟ ! . .

أم يعقل: أنه كان يرعاهم في سفر الذهاب، ثم تخلى عنهم في حال الإياب؟ !

و لماذا يتخلى عنهم؟ !

نوم المسلمين عن صلاتهم:

و روى البيهقي من طريق المسعودي، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود قال: لما أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من «الحديبية» جعلت ناقته تثقل، فأنزل اللّه تعالى: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فأدركنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من السرور ما شاء، فأخبرنا أنها أنزلت عليه، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرس بنا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من يحرسنا» ؟

فقلت: أنا يا رسول اللّه.

فقال: «إنك تنام» .

ثم قال: «من يحرسنا» ؟

فقلت: أنا.

فقال: أنت.

فحرستهم، حتى إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنك تنام، فما استيقظت إلا بالشمس، فلما استيقظنا قال

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه لو شاء أن لا تناموا عنها لا تناموا، و لكنه أراد أن يكون ذلك لمن بعدكم» .

ثم قام فصنع كما كان يصنع، ثم قال: «هكذا لمن نام أو نسي من أمتي» .

ثم ذهب القوم في طلب رواحلهم، فجاؤوا بهن غير راحلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: فقال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اذهب ههنا» ، و وجهني وجها، فذهبت حيث وجهني، فوجدت زمامها قد التوى بشجرة ما كانت تحلها الأيدي.

قال البيهقي: كذا قال المسعودي عن جامع بن شداد: إن ذلك كان حين أقبلوا من الحديبية (1).

ثم روى من طريق شعبة-و ناهيك به-عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود قال: أقبلنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة تبوك.

قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراد المسعودي بذكر الحديبية: تاريخ نزول السورة حين أقبلوا من الحديبية فقط، ثم ذكر معه حديث النوم عن الصلاة، و حديث الراحلة، و كانا في غزوة تبوك.

قلت: لم ينفرد المسعودي بذلك، قال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا منذر، عن شعبة، عن جامع بن شداد به، و لا مانع من التعدد (2).


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 155.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 59 و 60.

و نقول:

إن من الواضح: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا ينام عن صلاته، و ليس في هذا النص ما يدل على ذلك.

بل هو صريح: بنوم أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاتهم، فعلّمهم كيف يصنعون إذا اتفق لهم ذلك. .

و سيأتي إن شاء اللّه المزيد من الحديث عن هذا الأمر في غزوة تبوك.

صلح الحديبية أعظم الفتح:

قالوا: روى البيهقي عن عروة، قال: قفل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راجعا، فقال رجل من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت، و صدّ هدينا. وردّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه.

فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «بئس الكلام، بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم.

و يسألوكم القضية.

و يرغبون إليكم في الأمان.

و لقد رأوا منكم ما كرهوا.

و أظفركم اللّه تعالى عليهم، وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتح.

أنسيتم يوم أحد؟ ؟

إذ تصعدون و لا تلوون على أحد، و أنا أدعوكم في أخراكم؟ !

أنسيتم يوم الأحزاب؟

إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا ؟ !

فقال المسلمون: صدق اللّه و رسوله، فهو أعظم الفتوح، و اللّه يا نبي اللّه ما فكرنا فيما فكرت فيه، و لأنت أعلم باللّه و بالأمور منا (1).

و كان الناس قصر رأيهم عما كان.

و كان أبو بكر يقول: ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، و كان الناس قصر رأيهم عما كان بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين ربه.

و العباد يعجلون، و اللّه تعالى لا يعجل لعجلة العبد حتى يبلغ الأمور ما أراد، لقد رأيت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بدنه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ينحرها بيده، و دعا الحلاق فحلق رأسه، فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره، و أراه يضعه على عينيه، و أذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب:


1) راجع المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 58 و 59 و في هامشه عن: شرح المواهب اللدنية ج 2 ص 211 و الدر المنثور ج 6 ص 68 و السيرة الحلبية ج 3 ص 24 و السنن الكبرى ج 6 ص 325 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 96 عن إعلام الورى ص 61 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 105 و عن شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 121 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 469 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 429 و 458 و 501 و ج 15 ص 318 و النص و الإجتهاد ص 182 و عن عيون الأثر ج 2 ص 125.

بسم الله الرحمن الرحيم فحمدت اللّه تعالى الذي هداه للإسلام (1).

و روى الإمام أحمد، و البخاري، و الترمذي، و النسائي، و ابن حبان، و ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سفر. يعني: «الحديبية» فسألته عن شيء ثلاث مرات، فلم يرد عليّ.

فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، نزرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مرات فلم يرد عليك، فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، و خشيت أن ينزل فيّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فرجعت و أنا أظن أنه نزل فيّ شيء، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا و ما فيها: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ. . (2).

و روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و ابن سعد، و أبو داود، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم-و صححه-و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، عن مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا «الحديبية» مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟

قالوا: أوحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على راحلته عند «كراع الغميم» ،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 63 و 64.

2) الآيتان 1 و 2 من سورة الفتح.

فاجتمع الناس إليه فقرأ عليهم: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الفتح.

فقال رجل من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أو هو فتح؟

فقال: «أي و الذي نفسي بيده إنه فتح»

زاد ابن سعد: فلما نزل بها جبريل قال: ليهنئك يا رسول اللّه، فلما هناه جبريل هناه الناس (1).

و روى عبد الرزاق و الإمام أحمد، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و الشيخان و الترمذي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم، عن أنس قال: «لما رجعنا من «الحديبية» قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنزلت علي ضحى آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا» ثلاثا.

قلنا-و في لفظ قالوا-: هنيئا مريئا لك يا رسول اللّه، قد بين اللّه لك ماذا


1) أخرجه أحمد في المسند ج 3 ص 420 و أخرجه أبو داود في الجهاد باب: (فيمن أسهم له سهما) و ذكره الحافظ بن كثير في التفسير ج 4 ص 197 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 155 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 176 و المعجم الكبير ج 19 ص 445 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 635 و البحار ج 21 ص 8 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 622 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 131 و 459 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 325 و عن فتح الباري ج 7 ص 340 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 509 و المعجم الأوسط ج 4 ص 121 و سنن الدار قطني ج 4 ص 60 و نصب الراية ج 4 ص 278 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 184 و نور الثقلين ج 5 ص 48 و جامع البيان ج 26 ص 93 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 261 و الدر المنثور ج 6 ص 68 و فتح القدير ج 5 ص 46 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 105 و تهذيب الكمال ج 32 ص 364.

يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟

فنزلت، -و في لفظ، فنزلت عليه-: لِيُدْخِلَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ ، حتى بلغ فَوْزاً عَظِيماً » (1).

و روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و البخاري في تاريخه، و أبو داود و النسائي، و ابن جرير، و غيرهم عن ابن مسعود قال: «أقبلنا من الحديبية مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، و كان إذا أتاه اشتد عليه، فسري عنه، و به من السرور ما شاء اللّه، فأخبرنا أنه أنزل عليه: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً » (2).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم و قفات نوجزها على النحو التالي:


1) أخرجه: ابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص (436) (1760) و البيهقي ج 5 ص 217 و أحمد ج 4 ص 152 و الحاكم ج 4 ص 460 و ذكره السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 71 و الخطيب في التاريخ ج 3 ص 319 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 155 و راجع: مسند أبي يعلى ج 6 ص 20 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 94 و المعجم الأوسط ج 7 ص 100 و جامع البيان ج 26 ص 92 و معاني القرآن ج 6 ص 492 و أسباب نزول الآيات ص 256 و تفسير الجلالين ص 712 و لباب النقول ص 177 و فتح القدير ج 5 ص 46 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 60.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 60 عن البخاري في التفسير ج 8 ص 582(4833) و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 155 و الدر المنثور ج 6 ص 68 و فتح القدير ج 5 ص 46.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يذكرهم:

قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين أنكر البعض أن يكون ما جرى في الحديبية فتحا صار يذكّرهم بما كان منهم في أحد، حيث هاجمهم المشركون في عقر دارهم، فانهزموا فيها شر هزيمة، و لم يذكّرهم بما فعله علي «عليه السلام» في أصحاب الألوية، حيث دحر قوى الشرك.

ثم ذكّرهم بما كان في وقعة الخندق، حيث هاجمهم المشركون أيضا في دارهم و لم يستطيعوا أن يبرزوا لمقاومتهم، و كان منهم ما كان، و لم يشر إلى قتل علي «عليه السلام» لعمرو بن عبد ود في الخندق، و هزيمة الأحزاب بسبب ذلك. .

و ذلك من أجل أن يقارنوا بين ما جرى لهم هناك و ما جرى لهم في الحديبية، فإن المسلمين في الحديبية هم الذين حضروا إلى بلاد المشركين، حتى بلغوا مشارف عاصمتهم، و لم يجرؤ المشركون على مواجهتهم، بل رضوا بأن يدفعوهم عن بلادهم بالراح.

ثم هم يرضون بدخول المسلمين بلدهم بعد عام، و معهم سيوفهم في القرب.

و بعقد معاهدة معهم تضمنت شروطا لم يكن المسلمون يحلمون بأن يعطيها لهم أهل الشرك. .

أبو بكر. . في موازاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و الذي يقرأ أحداث صلح الحديبية في الروايات المزعومة يجد: أن ثمة تشابها فيما بين حركات و كلمات، و مواقف كل من أبي بكر، و رسول اللّه «صلى

اللّه عليه و آله» . .

و نحن نرى: أن ثمة تعمدا لإظهار هذا الانسجام و التوافق، لكي ينال أبو بكر فضيلة ترتفع به إلى مستوى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في الوعي للقضايا، و في الحكمة، و التدبير، و الرصانة و الاتزان. .

و ينال عمر بن الخطاب في المقابل فضيلة الغيرة الفائقة، و الحماس المنقطع النظير، و الشدة في الحفاظ على العزة و الكرامة الإسلامية. .

و لينقلب من ثم الخطأ إلى صواب، و الرذيلة إلى فضيلة! ! و يصبح الشك في النبوة و الرسالة صريح الإيمان، و عصارة التقوى! ! فتبارك اللّه أحسن الخالقين! !

تبرك سهيل بن عمرو:

و قد أظهرت الروايات: أن سهيل بن عمرو كان يتبرك بشعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد قلنا مرات كثيرة: إن التبرك من بديهيات هذا الدين، و أن النصوص المثبتة له قد تصل إلى المئات. فراجع كتاب التبرك للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» .

الفصل السادس: عهد الحديبية: نتائج و آثار

اشارة

آثار و نتائج عهد الحديبية:

ثم إن سورة الفتح و كذلك تصريحات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نصوص عهد الحديبية بالذات، أظهرت: أن الإسلام قد حقق في الحديبية أمورا هامة و أساسية جدا، لا مجال للتعرض لها في كتاب كهذا، فلا بد من الاقتصار على الإلماح السريع إلى بعضها، فنقول:

1-إن السورة قد اعتبرت ما جرى في الحديبية فتحا مبينا. و صرح بذلك الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أظهرت الوقائع هذا الأمر بصورة جلية أيضا.

2-قد نسبت السورة هذا الفتح إلى اللّه سبحانه، بمعنى: أن اللّه تعالى هو الذي هيأ لهذا الفتح. حيث يتضح لمن رصد حركة الأحداث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لو استجاب لرغبة أصحابه لما حصل على هذا الفتح العظيم، الذي أوجب دخول المنطقة بأسرها في الإسلام من دون قتال، و أظهر ظلم قريش و عدوانيتها، و أظهر ضعفها، و سماحة الإسلام، و نبل مقاصده، و جلّى مكامن القوة فيه، و عرّف الناس بالبون الشاسع بين حقيقة أهداف المسلمين، و المشركين، ثم هم مع ذلك كله قد رجعوا سالمين، و من دون أية خسائر تذكر. .

3-لقد أوضحت الآيات: أن من جملة ما حققه صلح الحديبية هو: أن اللّه تعالى قد جعل الأمور باتجاه أرغم قريشا على اتخاذ موقف من شأنه أن يسقط مزاعمها في حق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن الصلح قد ركز القناعة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يسعى في قطع الأرحام، و لم يكن يمارس العدوان و البغي، و أنه إنما يطالب بالكف عن الظلم و عن البغي، و أنه الوصول، الودود، الرحيم، الرضي، الذي يتعامل بالصفح و العفو حتى عن أعدى أعدائه. .

و هذا هو ما أشار إليه قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ. . فقد هيأ الصلح قريشا للإقرار: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن مذنبا في حقها، بل هي سوف تبرؤه من الذنب، حتى حين تسير الأمور باتجاه لا ترضاه، أو باتجاه ما ترى أنه لا يخدم مصالحها الخاصة.

و بعد. . فإننا نستطيع أن نفهم الكثير من نتائج هذه الهدنة من ملاحظة نفس الشروط التي وضعت في وثيقة الصلح، و من هذه النتائج و الفوائد:

ألف-أن الصلح قد أفسح المجال أمام الكثير من المشركين و المسلمين للتلاقي في مكة و في المدينة و غيرهما، و طرح القضايا فيما بينهم على بساط البحث، و التقى الأصدقاء و الأهل، و ذوو الأرحام ببعضهم، و بذلوا لهم النصيحة، من موقع المحبة و الإخلاص و الصدق.

و قد أسهم كل ذلك: في اتضاح كثير من الأمور التي كانت مبهمة لدى المشركين فيما يختص بحقائق الإسلام، و ما يسعى إليه المسلمون. و تكونت لدى الكثيرين منهم قناعات جديدة سهلت عليهم الدخول في هذا الدين، أو هي على الأقل قد أسهمت في تخفيف حدة العداء له، و التقليل من

مستويات التشنج ضده.

ب-يضاف إلى ذلك: أن الكثيرين من المشركين قد شاهدوا عن قرب أحوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ربما بعض معجزاته، و عاينوا حسن سيرته، و حميد طريقته، و جميل أخلاقه الكريمة، و عرفوا الكثير عن طبيعة تعاطيه مع القضايا، و أدركوا: أن ما يسعى إليه ليس هو التسلط على الآخرين، و اكتساب الامتيازات على حسابهم، بل هو يريد: أن يحقق لهم المزيد من الرفعة و الشوكة، و الكرامة و العزة. .

و هذا أمر لم يعرفوه و لم يألفوه في زعمائهم، الذين يريدون: أن يتخذوا مال اللّه دولا، و عباد اللّه خولا. .

فلا بد أن تميل نفوسهم إلى الإيمان، و يبادر خلق منهم إلى الإسلام و يزداد الآخرون له ميلا (1).

و كان ذلك أعظم الفتح، فقد دخل الإسلام في تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك، بل أكثر (2).

بل لقد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: «فما انقضت


1) السيرة الحلبية ج 3 ص و مكاتيب الرسول ج 3 ص 94 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 12 ص 140 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 80 و السيرة النبوية لدحلان ج 2.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 283 و النص و الإجتهاد ص 183 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 94 و عن فتح الباري ج 5 ص 257 و البداية و النهاية ج 4 ص 194 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 324 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 64 و الكامل في التاريخ ج 2 و السيرة النبوية لدحلان ج 2.

تلك المدة (و هي سنتا الهدنة) حتى كاد الإسلام يستولي على أهل مكة» (1).

ج-إن شروط الصلح: قد مكنت من إظهار الإسلام في مكة، بعيدا عن أي ضغوط حتى النفسية منها، فلم يعد أحد يمنع أحدا من الدخول في الإسلام، فدخل فيه من أحب. و لم يعد الداخل في هذا الدين يخشى الاضطهاد، و الأذى، بل هو قد أصبح آمنا حتى من ممارسة بعض الضغوط النفسية ضده، حيث لم يعد التعيير به مسموحا بمقتضى المعاهدة. .

و لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اختار طريق الحرب، فإن ضررا بالغا سوف يلحق بهؤلاء المسلمين المستضعفين؛ لأن قريشا سوف تشتد عليهم، و لربما قتلت الكثير منهم، كما أن جيوش المسلمين لا تعرف المسلم من غير المسلم منهم، خصوصا مع ما هم عليه من التقية و التستر، كما أنهم لا يعرفون من أصبح له ميل و رغبة في الدخول في هذا الدين، لكنه غير قادر على المبادرة إلى ذلك في هذا الوقت، بل يكون مجبرا على مجاراة أهل الشرك، و التظاهر بحرب المسلمين معهم. . و هذا سوف ينتهي بقتل عدد كبير من هؤلاء أيضا. .

فكان الصلح سببا في حفظ هؤلاء، و أولئك، و هو صلح سعت إليه قريش نفسها، و ظهر إعزاز اللّه تعالى لأوليائه، و لدينه.

د-إن هذا العهد، قد جعل المسلمين في مأمن من جانب قريش،


1) البحار ج 20 ص 363 و إعلام الورى ص 61 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 175 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 94 و إعلام الورى ج 1 ص 205 و الكافي ج 8 ص 326 و قصص الأنبياء للراوندي ص 344.

فتفرغوا لنشر الإسلام في سائر القبائل، ليصبح المحيط الإسلامي أكثر اتساعا، و يتم التحول من حالة حصار للإسلام في المدينة، و ضواحيها القريبة، إلى حالة حصار لقريش في مكة، بل حصارهم في بعض زواياها، و كان الإسلام ينتشر في مكة بسرعة، فيدخل كل بيت، و شمل كل القبائل و الشعب و الأفخاذ.

فما حققه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الصلح أضعاف أضعاف ما تحقق في حروبه الدفاعية مع قريش و سواها، حسبما تقدم.

و يكفي للتدليل على ذلك، أنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد بعث بعد الحديبية سراياه و بعوثه في مهمة الدعوة إلى اللّه تعالى، فلم تبق كورة و لا مخلاف في اليمن و البحرين، و اليمامة إلا و فيها رسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا (1).

و إذا كان قد جاء إلى الحديبية بألف و أربع مائة أو نحو ذلك، فإنه جاء بعد سنتين فقط بعشرة آلاف مقاتل، و فتح اللّه له مكة، و دخلها من غير قتال (2).

ه‌-دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة في العام التالي، و أداء مناسك العمرة، من دون قتال. .


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 95.

2) راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 351 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 134 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 24 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 90 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 787 و مستدرك الوسائل ج 4 ص 81 و الدر المنثور ج 6 ص 408 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 541.

و هذا يمثل اعترافا من قريش بقوة الإسلام، و بأن للمسلمين الحق في ممارسة شعائر دينهم حتى في مكة، و بأنها كانت ظالمة لهم في حرمانهم من هذا الحق.

كما أن ذلك يعطي الآخرين مزيدا من الجرأة على التعامل مع المسلمين، و ليس لقريش أن تعترض على أحد في ذلك، أو أن تمارس ضده أية ضغوط، لأن ذلك سوف يفهم على أنه بغي، و ابتزاز لا مبرر له. . و لا بد أن يسقط ذلك هيبتها، و يسوق الناس إلى المقارنة بين طريقتها في التعامل، و بين طريقة أهل الإسلام، و تكون النتيجة هي المزيد من التعاطف معهم ضدها. .

هذا بالإضافة إلى أن هذا النصر قد أعطى المسلمين شحنة روحية، و زادهم ثقة بأنفسهم، و تصميما على المطالبة بحقوقهم، و وطد الآمال بالوصول إليها و الحصول عليها، و إن طال السرى. .

و-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يملك الجيش المتحمس، و القادر و المستعد لكل التضحيات. .

و هو مع ذلك قد رجع عن إتمام عمرته، و أحل و نحر البدن في موضعه، مقابل وعد أعطي له بأن يعود إلى مكة في العام التالي معتمرا، و زائرا، و معظما للبيت، لكي يمكن المسلمين و المشركين من الاجتماع بأهلهم و ذويهم.

و ذلك من شأنه أن يعرف الناس عمليا: أن جميع ما كانت تبثه قريش من إشاعات عن أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعظم البيت، و أنه يسعى لإفساد حياة الناس، و يريد قطع الأرحام، هو محض افتراء لا واقع له، و الشواهد كلها على خلافه.

فها هو الجيش القادر و المستعد لدخول مكة عنوة، و ها هي قريش في غاية الضعف و الوهن، و لا يلومه أحد لو أنه سدد الضربة القاضية لها. فإنها كانت و لا تزال تسعى جاهدة لا ستئصال شأفته، و إعفاء آثاره، و محوها من الوجود و الحياة. .

و ها هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤثر الرجوع عنها رغم ذلك كله، رغبة في حقن الدماء و إيثارا لتعظيم البيت، و سعيا في صلة الأرحام، و في تخفيف آلام الناس.

ز-إن قريشا قد رأت كيف أن عددا من ملوك العرب و العجم كانوا بعد الحديبية يخطبون ودّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأت أن باذان عامل كسرى قد دخل في الإسلام، و أسلم أيضا عدد من ملوك العرب و العجم، و أرسل الملوك، مثل المقوقس و ملك الحبشة و غيرهما الهدايا إلى إليه «صلى اللّه عليه و آله» .

كما أن أبا سفيان قد رأى تعظيم قيصر ملك الروم لكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فأسهم ذلك كله في ترسيخ هيبته «صلى اللّه عليه و آله» لدى قريش، و اضطرها إلى أن تخفف من غلوائها. و وجدت نفسها مضطرة للاستسلام له في فتح مكة حتى دخلها من دون قتال. .

ح-إن ثمرات هذا الصلح قد بدأت بالظهور في لحظة إبرامه، حيث إنه لما كتب فيه: «و أن من أحب أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل» .

تواثبت خزاعة، و قالوا: «نحن في عقد محمد و عهده» . .

و تواثبت بنو بكر، فقالوا: «نحن في عقد قريش و عهدهم» .

و خزاعة كانت تعيش مع قريش في مكة و محيطها، و كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم تعد قريشا-التي ظهر أن الحرب قد أكلتها و أوهنت قواها-وحدها في مكة، بل أصبح شركاء محمد «صلى اللّه عليه و آله» و حلفاؤه يعيشون معها، و ليس لها أحد في المدينة يجهر بالتحالف، أو يعترف بالشراكة لها، أو بالتعاون معها. .

هذا بالإضافة إلى: أنها تضطر بمقتضى الصلح إلى رفع اليد عن مصادرة حرية حتى من أسلم من أبنائها، و أصبح لهم الحق في أن يعيشوا معها دون أن تتمكن من إلحاق أي أذى بهم.

و بذلك يكون معسكر الشرك قد انقسم على نفسه بصورة أعمق و أوثق، و أوضح و أصرح. و أصبح هذا الانقسام محميا بالعهود و المواثيق. .

فإذا انضم ذلك إلى ما نتج عن وساطة الحليس، و عمرو بن مسعود، حيث رجع ابن مسعود بمن معه إلى الطائف، و اتخذ الحليس موقفا صارما من قريش. فإن الأمر يصبح أشد خطورة عليها، و زادها مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحديبية، و كذلك عقده و عهده معها و هنا على وهن.

ط-و قد رضي المشركون بالفوز بانتصار و همي، و شكلي، حين سجلوا على أنفسهم عهدا، و أعطوا وعدا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقضي بنقض كل قراراتهم السابقة، و يشير إلى: أن كل تلك الحروب التي شنتها ضده «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين طيلة السنوات الست السابقة كانت ظالمة و بلا فائدة و لا عائدة. .

فإنها قد اعترفت: بأن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الحق في زيارة البيت

و أداء المناسك، فلماذا شنت عليه كل تلك الحروب؟ ! و أدخلت كل تلك المصائب و البلايا على الناس؟ ! و خلقت هذا الكم الكبير من العداوات بين القبائل و الفئات المختلفة؟ ! .

إن نفس هذا الاعتراف و العهد يجعل نفس هذا التأخير إلى العام المقبل أيضا بلا معنى، بل هو يدخله في دائرة العدوان أيضا، لأن مبرراته المعلنة هي: أنهم يريدون إرضاء عنجهيتهم، و تنفيس كربتهم.

ي-إن هذا الشرط الذي نفر منه المسلمون كان إنجازا عظيما لهم لو تدبروا فيه، فإن من يريد الفرار إلى المشركين يكون فراره رحمة للمسلمين؛ لأن وجوده بين المسلمين بعد أن ارتد عن الدين، و نكص على عقبيه، ليس فقط سيكون بلا فائدة و لا عائدة، بل سيكون مضرا لهم، فيما لو سعى في إثارة الشبهات بين الضعفاء من الناس، أو إذا مارس التجسس على المسلمين، و عرّف المشركين بنقاط ضعفهم، أو أعلمهم بطبيعة تحركاتهم و بتدبيراتهم في المواقع التي يجب أن تبقى طي الكتمان عنهم. .

و أما المسلم الذي يريد الخروج إلى المسلمين فيمنعه المشركون، فإن وجوده بين المشركين-و هو متمسك بدينه-سيكون مفيدا جدا؛ لأنه و هو بينهم لا بد أن يمارس شعائر دينه، و ربما تسنح له فرص كثيرة لطرح قضية الإيمان مع الكثيرين ممن يتصلون به، أو يبذلون جهدا لإقناعه بالتخلي عن دينه و العودة إلى ما كان عليه. . و قد يوفقه اللّه تعالى لإقناع بعضهم، أو لإثارة تساؤلات لديهم. .

و لعل هناك من يلمس في سلوكه الرسالي، ما يجعله مهيئا لاختيار الإيمان على الشرك. .

و لعله لأجل ذلك و سواه قال «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم. . إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، و من جاء منهم إلينا فسيجعل اللّه له فرجا و مخرجا» (1).

ك-إنه بعد أن أصبح المسلمون في راحة من جهة قريش، راسل «صلى اللّه عليه و آله» الملوك من حوله. . فأرسل كتب الدعوة إلى الإسلام إلى كسرى، و قيصر، و المقوقس، و غيرهم. و كان ذلك بعد الحديبية في السنة السادسة أو السابعة بعد الهجرة (2).

و هذا يفسح المجال للشعوب لتتسامع بأنباء بعثته، و تلتفت إلى دعوته، كما أن ذلك يؤكد هيبته في كل المحيط الذي يعيش فيه.

ل-إنه في ظل صلح الحديبية انطلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى يهود خيبر الذين كانوا و ما يزالون يعلنون الحرب على الإسلام و المسلمين،


1) راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 679 و الكافي ج 8 ص 326 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 92 و عن فتح الباري ج 5 ص 253 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 357 و مسند أحمد ج 4 ص 328 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 220 و 227 و المصنف لعبد الرزاق (9720) و جامع البيان ج 26 ص 59 و 63 و تفسير القرآن العظيم ج 7 ص 324 و أخرجه: أبو داود في الجهاد باب (167) و السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 78 و السيرة النبوية لدحلان ج 2.

2) راجع: مكاتيب الرسول (ط دار صعب) ج 1 ص 113 عن الطبقات الكبرى ج 1 ص 258 و 259 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 80 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 148 و التنبيه و الإشراف ص 225.

و ينشئون التحالفات مع أعدائهم و يحرضون و يتآمرون، و يثيرون المشكلات الكبيرة و الخطيرة، كلما سنحت لهم الفرصة، و واتاهم الظرف.

و كان اليهود أكبر قوة ضاربة و متماسكة في منطقة نقطة الارتكاز للوجود الإسلامي، فقد كانوا قادرين على تجهيز عشرة آلاف مقاتل من اليهود في المنطقة، فزحف إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ألف و أربع مائة مقاتل. .

و هو أمر لم يكن متيسرا له «صلى اللّه عليه و آله» قبل الحديبية، فإنه لم يكن يستطيع أن يخلي المدينة من أهلها ليقود جيشا يجمع فيه كل القوى المقاتلة، و يترك المدينة من دون قوة تدافع عنها؛ لأن قوى الشرك كانت تنتظر تلك اللحظة لكي تنقض على عاصمة الإسلام و قلبه النابض.

و قد منع عهد الحديبية قريشا من مهاجمتها، و من أن تمديد العون ليهود خيبر، و لغيرهم. و كانت سائر القبائل القريبة أضعف و أهون من أن يخشى منها أمر من هذا القبيل. لأنها تعرف العواقب الوخيمة التي تنتظرها لو سارت في هذا الاتجاه.

و انتصر المسلمون على اليهود و أسقطوا كبرياءهم في المنطقة كلها: في خيبر، و فدك، و وادي القرى و تيماء. . و غير ذلك. .

م-ثم هناك الانطلاقة الكبرى إلى خارج المحيط الذي كان يعيش فيه المسلمون، و ذلك في غزوة مؤتة التي أظهر فيها ثلاثة آلاف جندي أعظم البطولات في مواجهة جيش يضم عشرات الألوف، الأمر الذي أعطى للدولة البيزنطية انطباعا حاسما و قويا عن بسالة الإنسان المسلم، و أفهمهم: أنهم مقدمون على تحولات و متغيرات كبيرة، قد يكون لها أعظم الأثر على

مستقبل حياتهم السياسية، و الدينية و الاجتماعية. . و غيرها. .

ن-إن قريشا قد اضطرت إلى الاعتراف بقوة المسلمين، و أنها أصبحت متكافئة معها، و أنها قوة لها حضورها، و لا بد أن تتعامل معها معاملة الند للند. و لو لا أنها رأت فيها ذلك، لم تقدم على عقد الصلح معها.

و قبل الحديبية لم تكن قريش على استعداد للاعتراف بهذا التكافؤ، بل ظلت تعتبر المسلمين حالة تمرد شاذة، لا بد من السيطرة عليها، و إخضاعها، و لا يجوز أن يسمح لها-بوصفها شرذمة خارجة عن القانون-: بأن تبقى على ما هي عليه، بل لا بد من إنزال أقصى الضربات بها، و التخلص منها بصورة، أو بأخرى.

س-و الغريب في الأمر هنا: أن المشركين بعد مدة يسيرة يقدمون التماسا، و يوسّطون لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» وسطاء ليرضى بإعفائهم من الشرط الذي اعتبروه نصرا لهم، و اعتبره المسلمون إعطاء للدنية من دينهم. .

فإن أبا بصير عتبة بن أسيد، و أبا جندل، و ثلاث مائة من المسلمين و أكثرهم من الذين حبسهم المشركون في مكة قد تسللوا منها، و لكنهم لم يأتوا إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، لعلمهم بأنه سوف يردهم إلى مكة، بل ذهبوا إلى سيف البحر، فكانوا لا تمر عير لقريش إلا أخذوها، و قتلوا من فيها.

فأرسلت قريش أبا سفيان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسألونه و يتضرعون له بأن يبعث إلى أبي جندل ليأتي إليه، و إن كل من أتى منهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فهو له. .

و لتفصيل ما جرى نقول:

أبو بصير يقتل آسريه، و يعتصم بالساحل:

روى عبد الرزاق، و الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و أبو داود، و النسائي، عن المسور بن مخرمة، و البيهقي، عن ابن شهاب الزهري (1): أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم المدينة من الحديبية أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد-بوزن أمير-بن جارية الثقفي، حليف بني زهرة مسلما، قد أفلت من قومه، فسار على قدميه سعيا.

فكتب الأخنس بن شريق، و أزهر بن عبد عوف الزهري إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا، و بعثا خنيس بن جابر، من بني عامر بن لؤي، استأجراه ببكر، ابن لبون، و حملاه على بعير، و كتبا يذكران الصلح الذى بينهم، و أن يرد إليهم أبا بصير، فخرج العامري و معه مولى له يقال له: كوثر دليلا، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإذا فيه:

قد عرفت ما شارطناك عليه، و أشهدنا بينك و بيننا، من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بصير أن يرجع معهما، و دفعه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 61 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 329 في الشروط، و أبو داود في الجهاد باب 167 و أحمد ج 4 ص 331 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 107 و في السنن ج 9 ص 221 و عبد الرزاق في المصنف (9720) و انظر: البداية و النهاية ج 4 ص 176.

إليهما فقال: يا رسول اللّه، تردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟

فقال: «يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، و لا يصلح لنا في ديننا الغدر. و إن اللّه تعالى جاعل لك و لمن معك من المسلمين فرجا و مخرجا» .

فقال: يا رسول اللّه، تردني إلى المشركين؟ ! !

قال: «انطلق يا أبا بصير، فإن اللّه سيجعل لك فرجا و مخرجا» .

فخرج معهما، و جعل المسلمون يسرون إلى أبي بصير: يا أبا بصير، أبشر، فإن اللّه جعل لك فرجا و مخرجا، و الرجل يكون خيرا من ألف رجل، فافعل و افعل: يأمرونه بقتل الذين معه.

و قال له عمر: أنت رجل، و معك السيف، فانتهيا به عند صلاة الظهر بذي الحليفة، فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين، صلاة المسافر، و معه زاد له من تمر يحمله، يأكل منه. و دعا العامري و صاحبه ليأكلا معه، فقدما سفرة فيها كسر، فأكلوا جميعا، و قد علق العامري سيفه في الجدار و تحادثا.

و لفظ عروة: فسل العامري سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس و الخزرج يوما إلى الليل.

فقال له أبو بصير: أصارم سيفك هذا؟

قال: نعم.

قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد.

قال ابن عقبة: و يقال: بل تناول أبو بصير السيف بفيه، و صاحبه نائم، فقطع إساره، ثم ضربه به حتى برد، و طلب الآخر، فجمز مذعورا مستخفيا.

و في لفظ: و خرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة، و هو عاض على أسفل ثوبه قد بدا طرف ذكره، و الحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، و أبو بصير في أثره، فأعجزه. و أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس في أصحابه بعد العصر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «ويحك ما لك» ؟

قال: قتل و اللّه صاحبكم صاحبي، و أفلت منه و لم أكد. و إني لمقتول.

و استغاث برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمنه، و أقبل أبو بصير فأناخ بعير العامري. و دخل متوشحا سيفه. فقال: يا رسول اللّه قد وفت ذمتك، و أدى اللّه عنك، و قد أسلمتني بيد العدو، و قد امتنعت بديني من أن أفتن.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ويل أمه مسعر حرب» ! ! (1).


1) مسعر حرب، أي: موقدها، انظر المعجم الوسيط ج 1 ص 432 و البحار ج 20 ص 336 و مسند أحمد ج 4 ص 331 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 183 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 63 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 341 و المعجم الكبير ج 20 ص 15 و إرواء الغليل ج 1 ص 59 و مجمع البيان ج 9 ص 199 و جامع البيان ج 26 ص 131 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 214 و الدر المنثور ج 6 ص 78 و إكمال الكمال ج 1 ص 59 و ج 2 ص 3 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 13 و ج 57 ص 230 و أسد الغابة ج 3 ص 360 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 346 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 284 و البداية و النهاية ج 4 ص 201 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 335 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 62.

و في لفظ: «محش حرب، لو كان معه رجال» ! ! (1).

و في لفظ: «له أحد» ! .

قال عروة، و محمد بن عمر: و قدّم سلب العامري لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليخمسه، فقال: «إني إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه. و لكن شأنك بسلب صاحبك، و اذهب حيث شئت» .

و في الصحيح: أن أبا بصير لما سمع قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد» ! عرف أنه سيرده. فخرج أبو بصير، و معه خمسة كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حين قدم على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يكن طلبهم أحد حتى قدموا سيف البحر.

و لما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير العامري اشتد عليه، و قال: ما صالحنا محمدا على هذا.

فقالت قريش: قد برئ محمد منه، قد أمكن صاحبكم منه فقتله بالطريق، فما على محمد في هذا؟

فأسند سهيل ظهره إلى الكعبة و قال: و اللّه لا أؤخر ظهري حتى يودى هذا الرجل.

قال أبو سفيان بن حرب: إن هذا لهو السفه، و اللّه لا يودى-ثلاثا-


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 62 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 284 و البحار ج 20 ص 336 و 363 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 227 و أسد الغابة ج 5 ص 150 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 788 و عن عيون الأثر ج 2 ص 131.

و أنى قريش تديه، و إنما بعثته بنو زهرة؟

فقال الأخنس بن شريق: و اللّه ما نديه، ما قتلناه، و لا أمرنا بقتله، قتله رجل مخالف؛ فأرسلوا إلى محمد يديه.

فقال أبو سفيان بن حرب: لا، ما على محمد دية و لا غرم، قد برئ محمد. ما كان على محمد أكثر مما صنع. فلم تخرج له دية.

فأقام أبو بصير و أصحابه بسيف البحر، و قال ابن شهاب: بين العيص و ذي المروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش.

قال محمد بن عمر: لما خرح أبو بصير لم يكن معه إلا كف تمر، فأكله ثلاثة أيام، و أصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها. و بلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه.

قال محمد بن عمر: كان عمر بن الخطاب هو الذي كتب إليهم بقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بصير: «ويل أمه محش حرب لو كان له رجال» ، و أخبرهم أنه بالساحل.

و انفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي رده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المشركين بالحديبية، فخرج هو و سبعون راكبا ممن أسلموا فلحقوا بأبي بصير، و كرهوا أن يقدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هدنة المشركين، و كرهوا الثواء بين ظهراني قومهم، فنزلوا مع أبي بصير.

و لما قدم أبو جندل على أبي بصير سلم له الأمر، لكونه قرشيا. فكان أبو جندل يؤمهم. و اجتمع إلى أبي جندل-حين سمع بقدومه-ناس من بني غفار، و أسلم، و جهينة، و طوائف من الناس، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل- كما عند البيهقي عن ابن شهاب-لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، و قتلوا

من فيها، و ضيقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه.

و مما قاله أبو جندل بن سهيل في تلك الأيام:

أبلغ قريشا عن أبي جندلأنا بذي المروة في الساحل

في معشر تخفق راياتهمبالبيض فيها و القنا الذابل

يأبون أن تبقى لهم رفقةمن بعد إسلامهم الواصل

أو يجعل اللّه لهم مخرجاو الحق لا يغلب بالباطل

فيسلم المرء بإسلامهو يقتل المرء و لم يأتل

فأرسلت قريش إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا سفيان بن حرب، يسألونه و يتضرعون إليه: أن يبعث إلى أبي بصير و أبي جندل و من معهم.

و قالوا: من خرج منا إليك فأمسكه، فهو لك حلال، غير محرج أنت فيه.

و قالوا: فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره.

فكتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي بصير و أبي جندل يأمرهما: أن يقدما عليه. و يأمرا من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم و أهليهم، فلا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش و عيراتها.

فقدم كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أبي بصير و هو يموت. فجعل يقرؤه، و مات و هو في يديه، فدفنه أبو جندل مكانه، و جعل عند قبره مسجدا.

و قدم أبو جندل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه ناس من أصحابه. و رجع سائرهم إلى أهليهم، و أمنت بعد ذلك عيرات قريش.

قال عروة: فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية: أن طاعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خير لهم فيما أحبوا و فيما كرهوا من رأي من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص اللّه تعالى به رسوله «صلى اللّه عليه و آله» من الفوز و الكرامة.

و لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام القضية، و حلق رأسه قال: «هذا الذي وعدتكم» (1).

مصير أبي بصير:

إن من الأمور التي تؤلم الإنسان و تؤذي روحه هو أن يبذل جهدا مضنيا، حتى إذا رأى: أنه قد حصل على مبتغاه ابتلي بفقده، فكيف إذا استبدل بضده. فإن المصيبة عليه ستكون أعظم، و الألم سوف يكون أشد. .

و بمقدار ما يكون ذلك الشيء الذي يسعى له ثمينا و عزيزا، و غاليا لديه، بمقدار ما تتعذب روحه لفقده، و تعظم مصيبته فيه، فكيف إذا كان أثمن و أغلى ما في الوجود عليه، و أعز عليه من كل عزيز، و هو مستعد لأن يبذل من أجله ماله، و ولده، و حتى روحه التي بين جنبيه، فكيف يمكن لنا أن نتصور حاله حين يفقده، بعد أن وجده؟ !

و هذا بالذات هو ما جرى لأبي بصير الذي أفلت من قومه، و جاء إلى المدينة سعيا على قدميه، و الآمال العذاب تراود خاطره، بأن يملك حريته،


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 61-63 و البحار ج 20 ص 141 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 60 و ج 15 ص 25.

و يكون مع أهله و أحبابه، حيث العزة و الكرامة، و المحبة، و القلوب الصافية، و العاطفة المتوهجة، و حيث يكون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، خير الخلق، و أشرف الكائنات. .

و لم تدم فرحته ثلاثة أيام حتى حلّت به الكارثة، فقد وصل كتاب قريش، يطالب بإرجاعه إليها، ليواجه السجن، و القيد و الذل، و العذاب، و الأذى النفسي، و المهانة، و الفتنة في الدين و ما إلى ذلك. .

فأمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يرجع مع الرسولين، و دفعه إليهما. . و قال له: نفس الكلمات التي كان قالها لأبي جندل حين سلّمه لأبيه سهيل بن عمرو، حين كتابة صلح الحديبية.

أبو بصير يقتل آسره:

و يذهب أبو بصير مع آسريه، و يسير معهما على طريق العذاب و الآلام، و هو يرى أن آسريه محاربون له و لدينه، و معتدون على حريته و على كرامته، و هو لم يعقد معهم عهدا يعطيهم الحق بقهره و ظلمه، و بالعدوان عليه. . و يرى أن له كل الحق بدفع السوء عن نفسه، و أن لا يمكنهم من إلحاق الأذى به.

كما أنه ليس لمحاربه و آسره أن يغفل الاحتياط لنفسه، و أن يطالب بالأمان من ناحيته. . فإذا قصر في حفظ نفسه، و ظفر به عدوه فلا يلو من إلا نفسه، فأبو بصير لم يعتد على آسره و لم يظلمه حتى حين يباشر قتله، بل هو قد مارس حقه الطبيعي بالدفاع عن نفسه.

النبي صلى اللّه عليه و آله يجير المشرك:

و قد كانت إجارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الهارب من أبي بصير، تفضلا منه «صلى اللّه عليه و آله» و كرما، فإن الأمر يرجع إليه في أن يستجيب له أو لا يستجيب. . و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يخيب من أمله، و يطلب معونته، حتى لو كان مخالفا لدينه، و ساعيا في إلحاق الأذى به. .

النبي صلى اللّه عليه و آله لا يجيب أبا بصير:

و قد لا حظنا: أنه حين قال أبو بصير للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : وفت ذمتك. لم يجبه «صلى اللّه عليه و آله» بشيء، لا سلبا و لا إيجابا. إذ لا مجال للإجابة بالنفي؛ لأن ذلك غير واقعي، و ليس من المصلحة الإجابة بالإيجاب، حتى لا تسيء قريش فهم القضية، و تتخذ ذلك ذريعة لاتهامه «صلى اللّه عليه و آله» مما هو بريء منه. .

ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال:

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أطلق كلاما عاما، يصف فيه أبا بصير، دون أن يتمكن أحد من اتخاذه ذريعة لتسجيل مؤاخذة مباشرة عليه، حيث ذكر «صلى اللّه عليه و آله» : أن أبا بصير قادر على أن يسعر حربا لو كان معه رجال.

و هو و إن كان وصفا له بأمر عام يمكن أن يستفاد منه الإغراء بأمر من هذا القبيل. . و يمكن المناقشة و التشكيك القوي في أن يكون قد قصد ذلك منه فإنه لم يحدد زمان و مكان هذه الحرب التي يحب أن يسعرها هذا الرجل. .

و لكن لأبي بصير أن يفهم: أن نفس سماع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهذا الكلام، و بهذه الطريقة لا بد أن يكون له مغزى و يتضمن توجيها خفيا عليه أن يعرفه، و أن يسعى لتحقيقه. . و هو: أن عليه أن يجد رجالا، و أن يسعر حربا على أعدائه و أن يخلص نفسه من الورطة التي هو فيها. .

النبي صلى اللّه عليه و آله يقبل خمس السلب:

و قد صرحت النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرض أن يأخذ خمس سلب ذلك القتيل، موضحا له أن سياسته هي أن لا يعطي قريشا ما ينفعها في توجيه أي تهمة له، فقال:

«إني إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، و لكن شأنك بسلب صاحبك، و اذهب حيث شئت» .

و بذلك يكون قد أعلمه: أن عمله كان مشروعا، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل له: لا خمس عليك فيه، بل أفهمه: أن الخمس ثابت في هذا السلب، و لكن ليس من المصلحة أن يأخذه منه. . لأن قريشا سوف تدفع بالأمور باتجاه توجيه التهمة الصريحة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه وراء قتل الرجل، و أنه هو الآمر بذلك.

قريش تعيش الإرباك و الانقسام:

و بالرجوع إلى خلافات قريش في دية المقتول، نخرج بالنتائج التالية:

1-إن قريشا لم تستطع أن تدي ذلك القتيل، و لم تتفق على رأي في من يجب أن يديه.

2-إن قريشا بمن فيها أبو سفيان قد برأت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يكون هو المطالب بدفع الدية. و لم يستطع أحد منهم أن يدفع هذا القول، أو أن يسجل تحفظا عليه.

مما يعني: أن أسلوب النبي «صلى اللّه عليه و آله» في التعامل مع هذا الأمر كان غاية في الدقة و الحكمة.

3-إن قريشا حتى و هي تواجه مشكلة تمس كبرياءها، و ترى أنها تمثل عدوانا عليها، قد تعاملت مع تلك المشكلة بالمنطق القبلي، الذي يكرس الحقد و الانقسام العشائري، خصوصا حين يقول أبو سفيان: أنّى قريش تديه، و إنما بعثته بنو زهرة.

أسلم و غفار و جهينة مع أبي جندل:

و قد كانت قبائل أسلم، و غفار، و جهينة، تسكن حول المدينة، و هي قبائل من الأعراب، كان فيهم طائفة من المنافقين، أخبر عنها القرآن الكريم بقوله: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ. . (1).

و يلاحظ: أن من هذه القبائل أشخاصا انضموا إلى أبي جندل، و نحسب أن ذلك لكونهم وجدوا الفرصة سانحة للحصول على المال، من التجارات التي يصادرها أبو جندل، حيث ظهر لهم: أنه قد اتخذ موقعا حساسا على طريق قوافل قريش التجارية. .


1) الآية 101 من سورة التوبة.

و اللافت: أن سائر القبائل لم ينفر من أفرادها ما يدعو إلى الإشارة إليها بالبنان كما كان الحال بالنسبة للقبائل الثلاث التي سلف ذكرها. .

ذل قريش:

و قد ألمحنا فيما سبق: إلى أن ما فعله أبو جندل و أبو بصير، قد أوقع قريشا في مأزق حقيقي، وجدت أن إرسال الكتب و الرسائل لا يفيد في إخراجها منه.

كما أن إرسال أناس عاديين لا يكفي في ذلك، فاضطرت إلى إرسال أحد قادتها الكبار، الذي عرف بشدة الطغيان و الجحود، و بجمع الجموع، و قيادة الجيوش لحرب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أبو سفيان بن حرب، أرسلته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتطمئن إلى انحلال العقدة، و الخروج من الأزمة.

و اللافت هو: أن طلب قريش من الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن طلبا عاديا، بل كان طلب الضارع الملح، الذي يظهر المزيد من المسكنة و الضعف، لاستجلاب رضاه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كانت تسعى في استئصال شأفته، و خضد شوكته.

و قد كان تدخّله هذا تفضلا منه، و نبلا و كرما، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يساعد حتى عدوه الذي طالما شن عليه الحروب، و قتل الخلصاء و الأصفياء، و سعى في طمس هذا الدين، و إبطال جهود جميع الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين يساعد على حفظ السلام، و بسط جناح الأمن، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن مطالبا، لا من ناحية أدبية، و لا

من ناحية سياسية، و لا بأي ميزان عرفه الناس آنئذ، بدفع هؤلاء المظلومين عما يطالبون به، و ما يسعون إليه، فإن هؤلاء الذين أخذوا بكظم قريش لم يأتوا إليه، و لم ينطلقوا من عنده، و لا كان عملهم تنفيذا لأوامر صدرت منه، و إنما هي مبادرة منهم لم تنص المعاهدة بمسؤوليته عن أي شيء تجاهها.

الباب الثالث: حتى خيبر

اشارة

الفصل الأول: أشخاص أراد الناس أن يمدحوهم

الفصل الثاني: سرايا و قضايا بين خيبر و الحديبية

الفصل الأول: أشخاص أراد الناس أن يمدحوهم

اشارة

إيضاحات ضرورية:

هناك أشخاص جرت عادة بعض المؤرخين على تخصيصهم بالذكر في بعض الموارد في السيرة النبوية الشريفة، مع أنهم يهملون أو يكادون، ذكر أشخاص قد ساهموا بصورة عميقة في بناء القوة الفكرية أو السياسية، أو المعنوية أو غيرها للمجتمع الإسلامي. و كان لهم أثرهم الكبير في حفظ الدين و في نشره، و سهروا الليالي، و قدموا التضحيات الجسام من أجله و في سبيله. .

نعم، إنهم يهملون هؤلاء. حين لا يحالفهم الحظ في أن يسلبوهم ذلك كله، لينحلوه إلى أعدائهم و مناوئيهم.

و حين تضطرهم الوقائع، و يفرض عليهم الواقع، الذي لا يجدون منه خلاصا و لا عنه مناصا إلى الاعتراف بشيء من تضحيات و جهاد هؤلاء الذين يكرهون التنويه بذكرهم، و الإعلان بمآثرهم، فإن تحريفهم و تلاعبهم بالحقائق، يصل إلى حد يصبح معه الإهمال و التجاهل أولى و أحفظ للحق، و أنفع للخلق، حيث يصبح السباب و التجريح أخف شناعة و قباحة من الكذب الصريح، الموجب لتحريف حقائق الدين، و تضييع جهد و جهاد الأولياء المخلصين. . و انسداد أبواب الهداية عن العالمين.

و قد نجد في هذا الفصل نماذج لأشخاص أريد التسويق لهم، من خلال الادعاءات العريضة التي يطلقونها، و الانتفاخات الاستعراضية التي يقومون بها، لأن ذلك يخدم نفس الأهداف التي كان لهؤلاء الأشخاص دور في مساعدة أصحابها لبلوغها، أو لأنهم قد شاركوا في العمل على استبعاد نهج أصيل، و محاصرة قيم الحق، و إضعاف حركة أناس يريدون لذلك النهج أن يفرض نفسه و لتلك القيم أن يكون لها دورها في واقع الحياة بقوة و حزم، و بعمق و رسوخ، و إباء و شموخ. .

و حيث إننا قد التزمنا بمراعاة و مجاراة كتّاب السيرة في ذكر ما أحبوا ذكره، فإننا نشير في هذا الفصل إلى نفس النقاط التي ذكروها، و نحاول أن لا نمر عليها مرور الكرام، بل نسجل بعض ما نجد ضرورة لتسجيله من توضيحات أو تصحيحات، مع التزام جانب الاختصار الذي نرجو أن لا يصل إلى حد الإخلال، و اللّه الولي، و الموفق، و الهادي إلى سبيل الرشاد. .

وفاة أم رومان:

قالوا: إن أم رومان بنت عامر، بن عويمر، أم عائشة ماتت في سنة ست. و كانت أولا عند عبد اللّه بن سخبرة، فولدت له الطفيل، ثم مات عنها فتزوجها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن و عائشة.

فلما ماتت نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قبرها، فلما دليت فيه قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من أراد أن ينظر إلى امرأة من الحور العين

فلينظر إلى هذه» (1). و هذا هو قول محمد بن سعد، و إبراهيم الحربي.

و نقول:

قد ذكرنا في الجزء الخاص بحديث الإفك من كتابنا هذا، في فصل: «شخصيات و مضامين غير معقولة» : أن هذا الكلام موضع شك، و أن آخرين يقولون: إنها عاشت بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» دهرا طويلا، حيث ماتت في خلافة عثمان (2).

و يستدلون على ذلك:

أولا: برواية مسروق بن الأجدع عنها، و قد ولد مسروق أول سني الهجرة، و روى عنها حديث الإفك في خلافة أبي بكر أو عمر، و سمع منها حديث الإفك، و هو بعمر خمس عشرة سنة (3).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 26 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 202 و الروض الأنف ج 4 ص 21 و وفاء الوفاء ج 3 ص 897 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 473 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 610 و كنز العمال ج 12 ص 146 و فيض القدير ج 6 ص 197 و أسد الغابة ج 5 ص 583 و عن الإصابة ج 8 ص 392 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 164.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 26 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 468 عن البخاري في تاريخيه: الأوسط و الصغير، و عن الإصابة ج 8 ص 392 و فيض القدير ج 6 ص 197 و عن مقدمة فتح الباري ص 371.

3) الإصابة ج 4 ص 451 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 468 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 337 و إرشاد الساري ج 6 ص 343.

و لكن كثيرين أنكروا هذا (1)، بل لقد قال السهيلي: إن مسروقا ولد بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلا خلاف، و لم ير أم رومان قط (2).

فالحكم بإرسال رواية مسروق بن الأجدع عنها، استنادا إلى عدم الخلاف في ولادته أولى. .

ثانيا: قد حاول العسقلاني إثبات بقائها إلى ما بعد سنة أربع أو خمس أو ست لكي يؤيد سماع مسروق منها بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . بالاستناد إلى روايتين:

إحداهما: رواية تخيير النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه. حيث أمر «صلى اللّه عليه و آله» عائشة أن تشاور أبويها: أبا بكر، و أم رومان. .

و الأخرى: حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن أضياف أبي بكر و فيه: «و إنما هو أنا و أبي، و أمي، و امرأتي الخ. .» .

و عبد الرحمن قد هاجر بعد الحديبية في سنة سبع أو ثمان بل هو قد أسلم يوم الفتح (3). فدل ذلك على حياة أمه إلى ما بعد هذا التاريخ.


1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 452 و الروض الأنف ج 4 ص 21 و الإصابة ج 4 ص 452 و فتح الباري ج 7 ص 337 و 338 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 468.

2) الروض الأنف ج 4 ص 21 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79 و تهذيب الكمال ج 35 ص 360 و عن مقدمة فتح الباري ص 371.

3) راجع: الإصابة ج 4 ص 451 و 452 و فتح الباري المقدمة ص 371 و ج 7 ص 337 و ج 8 ص 401 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 468 و 469 و رواية تخيير النبي «صلى اللّه عليه و آله» نساءه في مسند أحمد ج 6 ص 212 و فيض القدير ج 2 ص 187 و جامع البيان ج 21 ص 190 و عن تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 489.

و نقول:

1-قد ذكرنا في حديث الإفك: أن حياتها إلى سنة تسع لا تثبت بقاءها إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فضلا عن أن تثبت سماع مسروق منها، و هو إنما ولد بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بلا خلاف.

2-إن رواية أضياف أبي بكر قد عبرت بكلمة «و أمي» ، فلعله نزّل زوجة أبيه بمنزلة أمه.

3-إن كلمة «و أمي» لا توجد في جميع نسخ البخاري، بل هي موجودة -فقط-في نسختي الكشمهيني، و المستملي.

4-إن عبد الرحمن يقول: فقالت له امرأته، أو فقال لامرأته، و هذا يؤيد أن تكون زوجة أبيه، و ليست أمه على الحقيقة. .

5-إن رواية الأضياف تقول: إن أبا بكر قد قال لزوجته: يا أخت بني فراس. . و هذا دليل آخر على أن المقصود ليس هو أم رومان، ؛ حيث إنها ليست فراسية، فراجع ما ذكرناه حول ذلك في الجزء الخاص بحديث الإفك.

6-إن التخيير لم يكن سنة تسع-كما يدعيه هؤلاء-بل كان قبل ذلك؛ لأن سورة الأحزاب التي وردت فيها آية التخيير قد نزلت-كما يقول نفس هؤلاء-سنة أربع أو خمس، أي حين زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش.

بل لقد صرحت رواية مسلم و غيره: بأن آية التخيير قد نزلت حين تظاهرت عليه عائشة و حفصة، فاعتزلهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تسعا و عشرين ليلة، و ذلك قبل أن يفرض الحجاب على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قد تقدم: أن الحجاب قد فرض-حسبما يدّعون-عند زواجه بزينب بنت جحش، و نحن قلنا سابقا: إنه قد فرض قبل ذلك. فلا نعيد. .

و أما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نزل في قبر أم رومان، فهو مما رواه محبوها.

و قد عوّدنا هؤلاء أنهم إكراما لعائشة، و لأبي بكر، على استعداد لاقتحام كل المسلمات، و إيقاع أنفسهم في المتناقضات.

فإذا احتاجت عائشة إلى رواية مسروق بن الأجدع عن أم رومان، فإن أم رومان تعود إلى الحياة بعد عشرات السنين من موتها، و مسروق بن الأجدع يولد قبل زمان ولادته بعشر أو بعشرات من السنوات.

و إذا احتاجوا أم رومان لإظهار فضيلة لها من حيث إنها زوجة لأبي بكر، فإنها قد تموت قبل زمان موتها الحقيقي بعشرات السنين، لكي ينزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قبرها، و ينشئ لها المدائح و التقاريظ البديعة. .

و نبقى نحن في أتون الحيرة و الشك، فلا ندري من و ما نصدق! ! هل


1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 188 و 187 و 189 و 190 و الدر المنثور ج 6 ص 242 و 243 عنه و عن ابن مردويه و عبد بن حميد و مسند أبي يعلى ج 1 ص 150 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 415 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 496 و كنز العمال ج 2 ص 528 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 189.

نصدق بموتها؟ أم بحياتها؟ ! . . أم نكذب هذا و ذاك؟ !

و نقول:

إنه ليس لها أي دور مميز يفرض على الناس أن يهتموا بتدوينه، و إنما يراد استخدام خصوصية كونها أما لعائشة و زوجا لأبي بكر لتسويق ما يريدون تسويقه من اختراعات و ابتداعات، تهدف إلى تبييض وجه هذا أو ذاك.

و لعل هذا الاحتمال الأخير هو الأولى بالقبول، و الأقرب إلى الاعتبار، و المنسجم كل الانسجام مع ما عرفناه و ألفناه من هؤلاء و عنهم. .

إسلام أبي هريرة:

و يقولون: إن أبا هريرة قد أسلم في سنة سبع، و قدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وقعة خيبر، و سيأتي الحديث عن ذلك حين الحديث عن خيبر إن شاء اللّه تعالى. .

إسلام عمران بن حصين:

و ذكروا: أن عمران بن حصين قد أسلم في سنة سبع أيضا (1).

و روي: أنه كان من المنحرفين عن علي «عليه السلام» أيضا (2)، و أن عليا «عليه السلام» سيّره إلى المدائن، و ذلك أنه كان يقول: إن مات علي، فلا


1) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 21 و أضواء على السنة المحمدية ص 116 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 508.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77.

أدري ما موته، و إن قتل، فعسى أني إن قتل رجوت له (1).

و الظاهر: أنه قد رجع إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و صار من شيعته، فإن الفضل بن شاذان قد عده في السابقين الذين رجعوا إلى علي «عليه السلام» (2).

أو أنه كان مترددا، فتارة يكون معه، و تارة يكون عليه، كما يدل عليه روايته لحديث تسليم أبي بكر و عمر على علي «عليه السلام» بإمرة المؤمنين (3).

و حديث سعيه لإقناع عائشة بالرجوع عن حرب علي «عليه السلام» (4).

و أما حديثه في تحليل المتعة (5)فلا يدل على موالاته لعلي «عليه السلام» ، و لا على معاداته لمناوئيه.


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77.

2) إختيار معرفة الرجال ص 38.

3) إختيار معرفة الرجال ص 94 و الأمالي ص 19 و اليقين ص 285 و 316 و مدينة المعاجز ج 1 ص 62 و البحار ج 37 ص 311 و 323 و 335 و مواقف الشيعة ج 3 ص 100.

4) البحار ج 32 ص 140 و الكافئة ص 21 و مواقف الشيعة ج 2 ص 35.

5) راجع: مصادر حديثه هذا في كتابنا: زواج المتعة.

الفصل الثاني: سرايا و قضايا بين الحديبية و خيبر

اشارة

سرية أبان بن سعيد إلى نجد:

و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل في سنة سبع أبان بن سعيد بن العاص في سرية من المدينة نحو نجد، فقدم أبان في أصحابه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في خيبر، بعد ما افتتحها، و إن حزم (جمع حزام) خيلهم الليف، و لم يقسم لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غنائم خيبر. .

و كان أبان قد أسلم بين الحديبية و خيبر. و هو الذي أجار عثمان بن عفان حينما بعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليعلم أهل مكة بما جاء له (1).

و قد ادّعى أبو هريرة: أنه كان حاضرا، حين قدوم هؤلاء أيضا، فقال: «قلت: يا رسول اللّه، لا تقسم لهم» .

قال أبان: «و أنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن» ؟ ! .


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و قال: كذا في حياة الحيوان. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 128 عن أبي داود في سننه، و عن أبي نعيم في مستخرجه، و عن تمام الرازي في فوائده، و البداية و النهاية ج 4 ص 207 و عن فتح الباري ج 7 ص 377 و تاريخ مدينة دمشق ج 6 ص 133 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 82 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 244 و المعجم الأوسط ج 3 ص 307 و نصب الراية ج 4 ص 266 و أحكام القرآن ج 3 ص 74.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا أبان اجلس.

فلم يقسم لهم (1).

ملاحظة: قيل في معناه: أن الوبر حيوان صغير، كالسنور، و هي دابة وحشية، تسمى غنم بني إسرائيل.

أراد أبان بقوله هذا: أن يظهر احتقاره لأبي هريرة، و أنه ليس بالموضع الذي نفسه فيه.

ثم شبهه بتلك الدابة الوحشية، ثم قال: إنه مجرد راع تحدر إليهم من رأس جبل اسمه «ضأن» ، يقع في أرض دوس.

هذا. . و لكن هناك رواية أخرى تذكر: أن أبا هريرة هو الذي طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يسهم له في خيبر.

فقال بعض ولد سعيد بن العاص: لا تسهم له يا رسول اللّه.

فقلت: هذا قاتل ابن قوقل.

فقال أبان بن سعيد بن العاص: وا عجبا لوبر تدلى علينا. و في رواية أنه قال: «واعجبا لك، و بر تدأدأ (أي هجم علينا بغتة) من قدوم (أي من طرف) ضأن. ينعى عليّ قتل رجل أكرمه اللّه على يديّ، و منعه أن يهينني بيده الخ. .» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 128 و البداية و النهاية ج 4 ص 207.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 128 و في هامشه عن البخاري (كتاب المغازي) ج 7 ص 529 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 393 و عن فتح الباري ج 7 ص 377 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 236 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 393 و شيخ المضيرة ص 45.

و نقول:

إن لنا على ما تقدم ملاحظات، هي التالية:

1-إذا كان أبو هريرة حديث الإسلام، فلماذا يبادر إلى هذا التدخل القوي فيما لا يعنيه، ضد رجل قد أسلم حديثا، و بادر إلى الجهاد في سبيل اللّه، و عاد هو و أصحابه سالمين؟ ! فهل كانت هناك ترات و إحن قديمة بينه و بين أبان؟ ! أم أنه أراد أن يعلّم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحكام الشريعة؟ ! ! أم أن ذلك مجرد حشرية و فضول منه؟ ! . .

2-إذا كان أبان بن سعيد لم يشارك في غزوة خيبر، فاستحق الحرمان من مغانمها، فإن أبا هريرة أيضا لم يشارك في تلك الغزوة، فلماذا يريد أن يأخذ لنفسه، ثم يريد حرمان غيره من ذلك؟ !

بل إن غيره كان أولى منه؛ لأنه عائد من جهاد آخر، واجه فيه الأخطار، و أبو هريرة و من معه كانوا في راحة و أمن و سلام. .

3-إن أبان قد أعلن أمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سائر من حضر: أن أبا هريرة ليس أهلا لأن يشير بشيء، لضعفه و قلة غنائه، فهو مجرد دابة شاردة، و هو لا يحسن إلا رعي الغنم في رأس جبل ضال، أو ضأن.

و يفهم من أبي الحسن الفاسي:

أن ما قصده أبان بكلامه هو: أن أبا هريرة ملصق في قريش (أو في هذه الجماعة المقاتلة المؤمنة) ، كلصوق ما يعلق بوبر الشاة من شوك و غيره مما يتدلى عليها (1).


1) راجع: شيخ المضيرة ص 46 و عن فتح الباري ج 7 ص 377.

4-إن مطالبة الدوسيين بالمشاركة في الغنيمة مع عدم مشاركتهم في الحرب، فيه دناءة ظاهرة.

5-رغم أن أبان قد أعلن بما يفيد تحقير و ازدراء أبي هريرة، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدافع عن أبي هريرة، و لا اعترض على أسلوب أبان في إهانته له. و لا طيّب خاطر أبي هريرة و لو بكلمة واحدة، مع أنه جاءه لتوه، و مع أنه بحكم الضيف بالنسبة إليه. .

بل هو قد اكتفى بالقول لأبان: يا أبان، اجلس.

مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يسكت عن نصرة المظلوم، فكيف إذا كان هذا المظلوم قد تعرض للظلم في حضرته «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد ورد في دعاء الإمام السجاد «عليه السلام» : «و أعوذ بك من مظلوم ظلم في حضرتي فلم أنصره» (1).

6-إن إشراكهم في الغنائم لم يكن عن استحقاق منهم لها.

بل هو مجرد عمل أخلاقي، بدليل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كلم أصحابه في أن يشركوهم في الغنيمة، ففعلوا.

حكم الظهار:

و قالو: إن حكم الظهار نزل في سنة ست قبل خيبر، و قيل: بعد


1) راجع: الصحيفة السجادية الكاملة ص 189 و شرح الصحيفة السجادية للأبطحي ص 187 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1780 و ج 3 ص 1859.

خيبر (1).

و ذلك: أن أوس بن الصامت غضب على زوجته خولة بنت ثعلبة ذات يوم، و قال لها: «أنت علي كظهر أمي» .

و كان ذلك أول ظهار في الإسلام، و كان الظهار طلاقا في الجاهلية. .

ثم ندم على ما قال، فأتت خولة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عائشة تغسل رأسه، فقالت: يا رسول اللّه، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني، و أنا ذات مال و أهل، فلما أكل مالي، و ذهب شبابي، و نفضت بطني، و تفرق أهلي ظاهر مني.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : حرمت عليه.

فبكت، و صاحت، و قالت: أشكو إلى اللّه فقري، و فاقتي، و وجدي، و صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتهم إلي جاعوا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما أراك إلا حرمت عليه.

فجعلت ترفع صوتها باكية، و تقول: اللهم إني أشكو إليك.

فبينما هي على تلك الحالة إذ تغيّر وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للوحي، فنزل جبرئيل «عليه السلام» بقوله تعالى:

قَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَسْمَعُ تَحٰاوُرَكُمٰا إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الآيات.

فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوس بن الصامت، فتلى عليه الآيات المذكورة، و قال له: أعتق رقبة.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 28.

فقال: ما لي قدرة.

قال: فصم شهرين متتابعين.

قال: إني إذا لم آكل في اليوم مرتين كلّ بصري.

قال: فأطعم ستين مسكينا.

قال: لا أجد، إلا أن تعينني منك بعون وصلة.

فأعانه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخمسة عشر صاعا، و كانوا يرون: أن عند أوس مثلها، و ذلك لستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع (1).

و بعض النصوص تقول عن أوس: إنه «كان به لمم، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته» (2).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 25 و 26 و راجع: نور الثقلين ج 5 ص 254 و الدر المنثور ج 6 ص 179 و 180 و 181 و 182 و 183 عن ابن المنذر، و أبي داود، و أحمد، و الطبراني، و ابن مردويه، و البيهقي، و الحاكم، و ابن ماجة، و ابن أبي حاتم، و سعيد، بن منصور، و النحاس. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 29 و البحار ج 22 ص 58 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 392 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 409 و جامع البيان ج 28 ص 4 و 5 و أحكام القرآن ج 3 ص 570 و أسباب نزول الآيات ص 274 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 271 و أسد الغابة ج 1 ص 146.

2) الدر المنثور ج 6 ص 180 عن سعيد بن منصور، و ابن مردويه، و البيهقي، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الحاكم، و صححه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 29 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 332 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 341 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 547 و ج 8 ص 379 و أسد الغابة ج 5 ص 417.

و نقول:

إننا نعتقد: أن الرواية الأصح هي التالية:

روى القمي، عن أبي جعفر «عليه السلام» : أنها حين أخبرت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، قالت: فانظر في أمري.

فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما أنزل اللّه تبارك و تعالى كتابا أقضي فيه بينك و بين زوجك، و أنا أكره أن أكون من المتكلفين.

فجعلت تبكي و تشتكي ما بها إلى اللّه عز و جل، و إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . إلى أن أنزل اللّه عز و جل قرآنا. .

إلى أن قالت الرواية: فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المرأة فأتته، فقال لها: جيئي بزوجك.

فأتت به، فقال له: أقلت لامرأتك هذه: «أنت حرام كظهر أمي» ؟ .

فقال: قد قلت لها ذلك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قد أنزل اللّه تبارك و تعالى فيك و في امرأتك قرآنا، و قرأ: قَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَسْمَعُ تَحٰاوُرَكُمٰا إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، اَلَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسٰائِهِمْ مٰا هُنَّ أُمَّهٰاتِهِمْ إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلاَّ اَللاّٰئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (1).

فضم إليك امرأتك، فإنك قد قلت منكرا من القول و زورا، و قد عفا اللّه عنك و غفر لك، و لا تعد.


1) الآيتان 1 و 2 من سورة المجادلة.

فانصرف الرجل، و هو نادم على ما قال لامرأته، و كره اللّه عز و جل ذلك للمؤمنين بعد.

و أنزل اللّه: وَ اَلَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. . الآية (1).

و نقول:

إننا إذا لا حظنا هذه الرواية، و الرواية المتقدمة، فسنجد ما يلي:

1-إن هذه الرواية تقول: إن ذلك الرجل لم يكفّر بإطعام ستين مسكينا. بل عفا اللّه عنه. . ثم وضع ذلك على من جاء بعده، و فعل ذلك، ما دام أنه لم يتعظ بما جرى لذلك الرجل.

و لعل عفو اللّه عز و جل عن أوس بن الصامت إنما كان لأجل شدة حاجته، و عدم قدرته على التكفير.

و الظاهر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمره بإطعام ستين مسكينا، فأخبره بأنها ليست عنده، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنا أتصدق عنك، فأعطاه تمرا لإطعام ستين مسكينا، فقال: اذهب، فتصدق بها.

فقال: و الذي بعثك بالحق، لا أعلم بين لابتيها (و هي جانبا المدينة) أحدا أحوج إليه مني و من عيالي.


1) راجع: نور الثقلين ج 5 ص 254 و 255 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 301 و 302 و تفسير القمي ج 2 ص 353 و التفسير الصافي ج 5 ص 143 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 506 و البحار ج 22 ص 72 و عن ج 101 ص 166 و الكافي ج 6 ص 152 و قريب منه في الدر المنثور ج 6 ص 180 عن ابن مردويه عن ابن عباس.

قال: فاذهب، و كل، و أطعم عيالك (1).

2-إن هذه الرواية تقول: إن الآيات قد نزلت في غياب المرأة، لا في حضورها. كما زعمته الرواية الأولى.

3-إنها تقول، و كذلك رواية ابن عباس (2): إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعط المرأة جوابا، و الرواية الأولى تقول: إنه أجابها مباشرة بأنها قد حرمت على زوجها.

4-إن الرواية الأولى قد ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لها: ما أراك إلا حرمت عليه.

و في بعض نصوصها: ما أمرنا بشيء من أمرك، أراك إلا قد حرمت عليه (3). فهل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يفتي برأيه؟ ! ثم يظهر خطؤه! ! . أم أنه يخبر عن حكم اللّه الثابت الذي أطلعه اللّه سبحانه و تعالى


1) نور الثقلين ج 5 ص 257 عن الكافي ج 6 ص 155 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 15 و 321 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 409 و 411 و النوادر ص 66 و دعائم الإسلام ج 2 ص 274 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 532 و الإستبصار ج 4 ص 57 و الوسائل ج 15 ص 551 و علل الدار قطني ج 10 ص 239.

2) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 180 و 181 و 182 عن النحاس، و ابن مردويه، و البيهقي، و عبد بن حميد، و الطبراني.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 29 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 385 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 277 و جامع البيان ج 28 ص 7 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 558 و عن تفسير ابن كثير ج 4 ص 343 و الدر المنثور ج 6 ص 180 و 183 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 379 و تاريخ المدينة ج 2 ص 393.

عليه، ثم نسخه اللّه؟ !

فإن كان يفتي برأيه، و يخطئ فيه، فإنه لا يكون مأمونا على شرع اللّه سبحانه، كما أن ذلك لا ينسجم مع حقيقة كونه لا ينطق عن الهوى. .

و إن كان قد أخبر عن حكم اللّه تعالى، ثم نسخ اللّه حكمه، فلما ذا نسب ذلك إلى رأي نفسه، و يقول: ما أراك إلا حرمت عليه؟ !

5-و أما الروايات التي صرحت: بأن أوسا كان به لمم، فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فهي أيضا مردودة، بأن الظهار في حال اللمم ليس له أثر، و لا يوجب التحريم، لأن اللمم نوع من الجنون (1)يوجب سقوط عبارة المظاهر عن التأثير.

و لأجل ذلك نقول:

إنه إذا صح أنه قد كان في أوس لمم، فإنه إنما ظاهر في بعض صحواته، كما صرحت به بعض الروايات فراجع (2).

6-إنهم يزعمون: أن أوس بن الصامت كان أعمى، مع أنهم يقولون: إنه قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إذا لم آكل في اليوم مرتين (أو ثلاث) كلّ بصري» (3)و هو يدل على أنه لم يكن أعمى. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 29.

2) الدر المنثور ج 6 ص 181 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى ج 3 ص 547 و ج 8 ص 379.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 29 و البحار ج 22 ص 58 و عن تفسير مجمع البيان ج 9 ص 409 و أسباب نزول الآيات ص 274 و سنن الدار قطني ج 3 ص 218 و مسند الشاميين ج 4 ص 8 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 271 و عن الدر المنثور ج 6 ص 180.

و قول العسقلاني: المراد: أن بصره يكلّ لو كان مبصرا، لا يفيد في ترقيع الخروق التي في هذه الرواية، فإنه خلاف الظاهر جدا (1).

تحريم الخمر:

و قالوا: إن الخمر قد حرمت في السنة السادسة من الهجرة. سنة الحديبية، و به جزم الدمياطي (2).

و هناك أقوال أخرى، تحدثنا عنها في الجزء السادس من هذا الكتاب في فصل: فاطمة و علي و مناوئوهما. . فراجع ما ذكرناه في ذلك الفصل.

و هناك بعض الكلام عن تحريم الخمر و ما يرتبط بذلك من أمور، حاول الحاقدون و المناوئون لأهل البيت «عليهم السلام» أن يكيدوهم بها و انصب اهتمامهم على الكيد لعلي و حمزة صلوات اللّه و سلامه عليهما. .

و نحن نحيل القارئ الكريم إلى ما ذكرناه في ذلك الموضع أيضا.

أسطورة سحر النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و زعموا: أنه في شهر محرم من السنة السابعة، و قيل سنة ست: سحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 29.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 26 و السيرة الحلبية ج 3 ص 29 و عن فتح الباري (المقدمة) ص 65 و ج 10 ص 25 و عمدة القاري ج 10 ص 82.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 410 و ج 12 ص 68 و ج 10 ص 57 و تاريخ الخميس ج 2 ص 40 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 196 و عن فتح الباري ج 10 ص 192.

فعن عائشة، قالت: سحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى إنه يخيل إليه: أنه يفعل الشيء و ما فعله، حتى إذا كان ذات يوم عندي دعا اللّه، و دعاه، ثم قال: أشعرت يا عائشة: أن اللّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ !

قلت: و ما ذاك يا رسول اللّه؟ !

قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، و الآخر عند رجليّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟

قال: مطبوب.

قال: و ما طبه؟

قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، من بني زريق.

قال: في ماذا؟

قال: في مشط، و مشاطة، و جف طلعة ذكر.

قال: فأين هو؟

قال: في بئر ذي أروان.

قال: فذهب النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها، و عليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: و اللّه، لكأن ماءها نقاعة الحناء، و لكأن نخلها رؤوس الشياطين.

قلت: يا رسول اللّه، فأخرجته؟ !

قال: لا، أما أنا فقد عافاني اللّه و شافاني، و خشيت أن أثور على الناس فيه شرا.

و أمر بها فدفنت (1).

أي: أنه أمر بالبئر فدفنت.

و في نص آخر، عن ابن عباس: أن الملكين أمرا بنزح الماء و رفع الصخرة، و استخراج الركية التي فيها السحر، و أن يحرقوها، فبعث عمار في نفر، فاستخرجوا الركية، و أحرقوها. فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، و أنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة (2).


1) صحيح البخاري ج 7 ص 30 كتاب: بدء الخلق، باب صفة إبليس و جنوده، و كتاب: الطب، باب: هل يستخرج السحر و باب: السحر، و صحيح مسلم ج 7 باب السحر، و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 56 و ج 3 ص 411، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 435 و تفسير ابن كثير (ط دار الجيل) ج 5 ص 579 و أضواء على الصحيحين ص 273 و عن مسند أحمد ج 6 ص 63 و 96 و ج 3 ص 411 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 291 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 196.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 411 و ج 10 ص 56 و 57 عن البيهقي، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و الدر المنثور ج 6 ص 417 عن ابن مردويه، و عن البيهقي في دلائل النبوة، و مكارم الأخلاق ص 414 و البحار ج 18 ص 70 و 71 و عن ج 60 ص 13 و 15 و 24 و عن ج 89 ص 365 و عن ج 92 ص 126 و 130 و عن فتح الباري ج 10 ص 191 و 196 و عن تفسير مجمع البيان ج 10 ص 492 و التفسير الصافي ج 5 ص 396 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1493 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 718 و 719، و أسباب نزول الآيات ص 310 و زاد المسير ج 8 ص 333 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 253 و ج 5 ص 718 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 615 و تفسير الجلالين ص 826 و 830 و لباب النقول ص 220 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 199 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 471 و تأويل الآيات ج 2 ص 862.

و عن عائشة: سحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى كان يرى أنه يأتي النساء و لا يأتيهن.

قال سفيان: و هذا أشد ما يكون من السحر إذا كان (1).

و عن أنس، قال: سحر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتاه جبريل «عليه السلام» بخاتم، فلبسه في يمينه، و قال: لا تخف شيئا ما دام في يمينك (2).

و عن زيد بن أرقم: سحر النبيّ «صلى اللّه عليه و آله» رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل «عليه السلام» ، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، و جعل لذلك عقدا.

فأرسل «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» فاستخرجها، و جاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كأنما نشط من عقال. فما ذكر ذلك لليهودي، و لا رآه في وجهه (3).


1) عن صحيح البخاري ج 7 ص 29، كتاب: الطب، باب السحر، و تفسير القرآن العظيم (ط دار الجيل) ج 4 ص 579 و أضواء على الصحيحين ص 273 و عن فتح الباري ج 10 ص 199 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 181 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 6.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 323 عن ابن عدي، و لسان الميزان ج 2 ص 387 و الكامل ج 3 ص 9 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 642.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 21 عن أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و النسائي، و أبي الشيخ، و البيهقي، و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 435 و مجمع الزوائد ج 6 ص 281 عن الطبراني، و النسائي، و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 579 (ط دار الجيل) عن أحمد، و النسائي، و المعجم الكبير ج 5 ص 179 و 180 و المعرفة و التاريخ ج 3 ص 289 و 290 و شمائل الرسول لابن كثير ص 65 و 66 و سنن النسائي ج 7 ص 13 و فتح القدير ج 51 ص 519 عن عبد بن حميد، و البحار ج 38 ص 303 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 395 و الدر المنثور ج 6 ص 417 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 295 و التبيان في آداب جملة القرآن للنووي ص 183.

و عن زيد بن أرقم في نص آخر: أن رجلا من الأنصار سحر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن ملكين أتيا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أخبراه: أن فلانا عقد له عقدا، و أنها في بئر فلان، و أن الماء قد اصفرّ من شدة عقده (1).

و عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: إنما سحره بنات أعصم، أخوات لبيد، و كان لبيد هو الذي ذهب به، فأدخله تحت راعوفة البئر.

و دس بنات أعصم إحداهن، فدخلت على عائشة، فسمعت عائشة تذكر ما انكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بصره، ثم خرجت إلى أخواتها بذلك. فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبّر، و إن كان غير ذلك فسوف يدلهه هذا السحر، فيذهب عقله، فدله اللّه عليه (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 9 و ج 10 ص 56 عن ابن سعد، و الحاكم و صححه، و البيهقي، و أبي نعيم، و عن البداية و النهاية ج 6 ص 44 و راجع: المستدرك للحاكم ج 4 ص 360 و عن المعجم الكبير ج 5 ص 179 و مجمع الزوائد ج 6 ص 281.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 410 و ج 10 ص 57 عن ابن سعد، و تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن كنز العباد، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 198.

و قد مرض «صلى اللّه عليه و آله» من سحرهن له، حتى إنه لم يقدر على قربان أهله ستة أشهر، و ذكر السنة، و الأربعين يوما، في الوفاء (1).

و عن أنس: صنعت اليهود لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، فأصابه من ذلك وجع شديد، فأتاه جبريل بالمعوذتين يعوذه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحا (2).

و ذكرت بعض الروايات: أن اليهود جعلت لابن الأعصم ثلاثة دنانير (3).

و ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أقام في السحر أربعين يوما (4).

و قيل: ستة أشهر، يرى أنه يأتي و لا يأتي (5).

و قال الديار بكري: و يمكن الجمع، بأن يكون ستة أشهر من ابتداء تغير


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن كنز العباد، و عن الوفاء، و البخاري، و عن عون المعبود ج 4 ص 237 و عن البداية و النهاية ج 3 ص 290 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 413 و عن مسند أحمد ج 6 ص 63 و عن تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 614 و سير أعلام النبلاء ج 21 ص 101.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 57 عن أبي نعيم، و تفسير الجلالين ص 830 و لباب النقول ص 220.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و عن فتح الباري ج 10 ص 192 و الطبقات ج 2 ص 197 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 410.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن الإسماعيلي.

5) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ط دار الجيل) ج 4 ص 579 و عن مسند أحمد ج 6 ص 63 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 88 و سير أعلام النبلاء ج 21 ص 101.

مزاجه، و الأربعين يوما من استحكامه (1).

و عن الزهري: أنه لبث سنة.

قال العسقلاني: قد وجدناه موصولا بالأسناد الصحيح، فهو المعتمد (2).

و عن عائشة: سحر، حتى إنه كان ليخيل إليه: أنه يفعل الشيء و ما فعله (3).

و عن ابن عباس، و عائشة: كان غلام من اليهود يخدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ من مشاطة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، فمرض «صلى اللّه عليه و آله» ، و انتثر شعر رأسه، و لبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء و لا يأتيها (4).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 41.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن السهيلي، عن جامع معمر.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن البخاري و ج 7 ص 28 و 30 و أضواء على الصحيحين ص 272 و عن فتح الباري ج 10 ص 192 و عن مسند أحمد ج 6 ص 63 و صحيح مسلم ج 7 ص 14 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 174 و جامع البيان ج 1 ص 644و زاد المسير ج 8 ص 332 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 473.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن معالم التنزيل، و تفسير القرآن العظيم (ط دار الجيل) ج 4 ص 579 عن الثعلبي، و أسباب النزول (ط سنة 1410 ه‌) ص 405 و عن فتح الباري ج 10 ص 193 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 472.

و ذكر العسقلاني: أن رجلا نزل في البئر، و استخرجه، و أنه وجد في الطلعة مثالا من الشمع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإذا فيه إبر مغروزة، و إذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، (و في نص آخر: و وجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خفة فقام كأنما أنشط من عقال (1)) فنزل جبرئيل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، و كلما نزع عقدة وجد لها ألما، ثم يجد بعدها راحة (2).

و قيل: قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من سحره، و قيل: عفا عنه.

قال الواقدي: عفوه عنه أثبت عندنا. و روي قتله (3).

و في بعض الروايات: أن سحر يهود بني زريق حبس النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن خصوص عائشة سنة (4).


1) تفسير الجلالين ص 826 و مكارم الأخلاق ص 414 و البحار ج 18 ص 71 و عن ج 60 ص 13 و 15 و عن ج 92 ص 130 و عن فتح الباري ج 10 ص 191 و عن تفسير مجمع البيان ج 10 ص 492 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 719 و أسباب نزول الآيات ص 310 و زاد المسير ج 8 ص 333 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 253 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 615.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 عن المواهب اللدنية عن فتح الباري، و الدر المنثور ج 6 ص 417 و عن فتح الباري ج 10 ص 196 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 411.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 41 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 199.

4) راجع: المصنف للصنعاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 11 ص 9 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 182 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 5.

و روي أن الغلام الذي سحر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الذي كان يخدمه هو نفس لبيد بن الأعصم (1).

و هناك تفاصيل أخرى، وردت في بعض الروايات (2). و فيما ذكرناه كفاية.

و نقول:

إننا لا نشك في كذب هذه الروايات، و نعتقد: أنها من مجعولات أعداء هذا الدين، أو من قبل أناس أعمى الجهل بصائرهم، و تاهت في ظلمات الضلالات عقولهم.

و نحن نلخص ما نريد الإلماح إليه هنا بالمطالب التالية:

تناقض الروايات:

و لسنا بحاجة إلى التذكير بالتناقضات الكثيرة بين مضامين تلك


1) الدر المنثور ج 6 ص 417 عن ابن مردويه، و البيهقي في دلائل النبوة.

2) راجع: البرهان (تفسير) للبحراني ج 4 ص 529 و 530 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 65 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 115 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 290 و الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ج 14 ص 545 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 196 و العلل لأحمد بن حنبل ج 1 ص 68 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 642 و الكامل ج 3 ص 9 و معجم البلدان ج 3 ص 5 و البداية و النهاية ج 6 ص 44 و ج 10 ص 21 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 472 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 65 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 65 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 301 و مسند أحمد ج 4 ص 367 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1173 و عن فتح الباري ج 6 ص 239 و ج 10 ص 192 و ج 11 ص 163 و غير ذلك كثير.

الروايات، و ما ذكرته من خصوصيات، و نكتفي من ذلك بأمثلة يسيرة هي: 1-بعضها يقول: إن الملكين أمرا باستخراج السحر و إحراقه، فإنه أرسل من استخرجه، و صار كلما حل عقدة منه وجد لذلك خفة، حتى قام كأنما نشط من عقال.

و رواية تقول: إنه لم يخرجه، و قد عافاه اللّه و شافاه بدون ذلك.

2-هل الذي سحره هو لبيد بن الأعصم؟ أم أن الساحر هو بنات أعصم أخوات لبيد؟

3-هل بقي لا يقدر على قربان أهله ستة أشهر؟ أم بقي أربعين يوما؟ أم سنة؟ أو أنه بقي أياما؟

4-هل شفي بسبب حل العقد؟ أم بسبب أن جبرئيل أتاه فعوّذه بالمعوذتين، فخرج إلى أصحابه صحيحا؟ أم أنه شفي بسبب الخاتم الذي ألبسه إياه جبرئيل؟

5-هل قتل النبي ذلك الذي سحره؟ أم أنه عفا عنه؟

6-هل الغلام الذي كان يخدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو لبيد بن الأعصم نفسه؟ أم أنه رجل آخر؟

7-و هل السحر وضع في بئر ميمون؟ أم في بئر أروان؟

النبي صلّى اللّه عليه و آله الأسوة، و القدوة، و المثال:

إن كلام هؤلاء معناه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد فقد قدرة التمييز بين الأمور و فقد توازنه، و لم يعد قادرا على التركيز، و بسبب ما يعانيه من اختلالات في عقله و إدراكه. .

بل في بعضها: «فأقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يسمع و لا يبصر، و لا يفهم، و لا يتكلم، و لا يأكل و لا يشرب» (1).

و كلامهم يعني أيضا: أنه قد أصبح من الجائز أن يتخيل «صلى اللّه عليه و آله» أنه يصلي، أو يحج، أو يصوم، و هو لا يصلي، و لا يحج في واقع الأمر. بل هو يفعل أمرا آخر و قد يكون هذا الأمر الذي يفعله موبقة من الموبقات، أو جريمة من الجرائم، و قد يكون منافيا للآداب و للأخلاق و للإنسانية.

و قد يتخيل: أنه يبلّغ أحكام اللّه و هو في واقع الأمر ينطق بالكفر، و يدعو الناس للضلال.

فهل يمكن أن يكون هذا حال من وصفه اللّه تعالى بأنه: مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ . .

و هل يمكن أن يقول اللّه تعالى للناس: وَ مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .

و أن يقول: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .

و أن يجعل قوله، و فعله، و تقريره «صلى اللّه عليه و آله» حجة و دليلا على الأحكام، مع أنه رجل مسحور، قد يتكلم بالباطل، و قد يكون تصرفه لا يرضي اللّه تعالى؟ !

إن تتبعون إلا رجلاّ مسحورا:

و الذي يؤكد لنا: أن ثمة يدا تحاول الطعن في النبوة، بل و في الدين


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 138 و البحار ج 60 ص 23.

كله. . أن هؤلاء أرادوا استصدار اعتراف من المسلمين أنفسهم، و من أقرب الناس لرسول الإسلام «صلى اللّه عليه و آله» بأن نبيهم رجل مسحور لا يصح اتباعه، و لا مجال لتصديقه.

و قد اقتدوا في ذلك بأسلافهم، أعداء الأنبياء، الذين حكى اللّه عنهم:

أن الاتهام بالوقوع تحت تأثير السحر هو أحد الوسائل التي اتبعوها لإسقاط دعوات الأنبياء السابقين، قال تعالى حكاية لقول فرعون: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يٰا مُوسىٰ مَسْحُوراً (1).

و يقول سبحانه عن الظالمين: وَ قٰالَ اَلظّٰالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّٰ رَجُلاً مَسْحُوراً (2).

و قال: إِذْ يَقُولُ اَلظّٰالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّٰ رَجُلاً مَسْحُوراً (3).

و قد أخذ هؤلاء على عاتقهم خدمة هذا الكيد الشيطاني، بنسبتهم هذه الأباطيل إلى ساحة قدس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن اللّه سبحانه قد نزهه عنها.

حفظ اللّه تعالى لأنبيائه عليهم السّلام:

و حين نحكم بكذب الروايات التي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سحر فعلا، فذلك لا يعني: أننا نريد نفي أن يكون اليهود و غيرهم قد بذلوا بعض المحاولات في هذا المجال.


1) الآية 101 من سورة الإسراء.

2) الآية 8 من سورة الفرقان.

3) الآية 47 من سورة الإسراء.

بل إن ذلك: هو المتوقع منهم، و المظنون بهم، و لعل هذه المحاولات قد تكررت و تنوعت. .

و لكننا نقول:

إن جميع محاولاتهم قد باءت كلها بالفشل الذريع، و مني الذين قاموا بها بالخيبة القاتلة و الخسران المبين، و فضحهم اللّه على لسان رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ليكون ذلك معجزة له، من حيث إنه إخبار لهم بما أسروا من ذميم الفعل، و خبيث النوايا. .

كما أن ما فعلوه لم يكن له أي تأثير على دعوته «صلى اللّه عليه و آله» .

و خير دليل على ذلك: أنه لم يمكن لهم التعلق بشيء من ذلك طيلة كل هذه الأحقاب المتمادية. . و بقيت صورة نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» تزداد تألقا و سطوعا جيلا بعد جيل، و قرنا بعد قرن. .

هل كان يهودي يخدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟ !

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حارب يهود بني قينقاع، و النضير، و قريظة، و قد قتل المسلمون عددا من زعماء اليهود الآخرين، الذين كانوا يعيشون في المنطقة، من الذين جاهروا بالعداوة لهم و حالفوا أعداءهم، و ساعدوا و سعوا في إثارة الحروب ضدهم، و لم يزل يهود المنطقة في خيبر، و تيماء، و وادي القرى على هذه الحال معهم أيضا. .

فكيف يرضى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الحال هذه، بأن يخدمه ذلك اليهودي، الذي يرى نفسه موتورا، و لا تصفو نفسه لواتره؟ !

خصوصا مع وجود التأكيدات القرآنية المتضافرة على شدة عداوة

اليهود للمسلمين، كما في قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنّٰاسِ عَدٰاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا. . (1).

ألم يكن في المسلمين من يقوم بهذه الخدمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى احتاج إلى خدمة يهودي؟ !

يضاف إلى ذلك: أنهم يقولون: إن لبيد بن الأعصم كان موسرا كثير المال (2).

و من كان كذلك: فإنه لا يرضى عادة بأن يكون خادما لأحد، و إن رضي بذلك للتوصل إلى أهداف شريرة، فإنه سيكون موضع ريب و شك من كل أحد و سوف يتساءل الناس كلهم، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا عن سبب إقدام هذا الرجل على خدمة رجل ليس على دينه، بل هو يماديه، و قد كانت بينه و بين قومه حروب هائلة. .

على أن بعض روايات السحر قد ذكرت: أن غلاما مر بلبيد و في أذنه قرط فجذبه، فخرم أذن الصبي، فأخذ فقطعت يده، فكوي منها فمات (3).

فإن عقوبة من خرم أذن صبي ليست هي قطع يده.

كما أن اليد إذا كويت لا يموت صاحبها. .


1) الآية 82 من سورة المائدة.

2) دعائم الإسلام ج 2 ص 138.

3) دعائم الإسلام ج 2 ص 138 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 108 و البحار ج 60 ص 22.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله بدون شعر! !

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن شعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد انتثر بواسطة السحر. .

و هذا أمر عجيب و غريب، لم نعهده في سحر الساحرين، و لا قرأناه في تاريخ هذا النبي الأمين «صلى اللّه عليه و آله» ، فلو كان ذلك قد حصل فعلا لاعتبره المؤرخون مفصلا تاريخيا في حياته «صلى اللّه عليه و آله» . . و لكان قد بقي في ذاكرة الأجيال المتعاقبة كما بقيت قصة بدر، و أحد، و غيرهما. .

و كما حفظ لنا التاريخ حديث الطائر المشوي، و حديث تصدق علي «عليه السلام» بخاتم في الصلاة، و حديث الغدير، و ما إلى ذلك. .

يضاف إلى ذلك: أن هذا الأمر لو حدث فعلا فسنجد عائشة تحاول بما لا مزيد عليه نشره، و التهويل به، و الإمعان في وصف جزئياته، و حالاته و تحولاته. .

كما أن ذلك سوف ينقص قدره لدى زوجاته، و يثير فيهن حالات من الاستغراب، و قد يصل الأمر ببعضهن إلى حد إظهار الاشمئزاز من حالته. . مع أن شيئا من ذلك لم يحدث، أو أننا على أقل تقدير لم نسمع بما يشير إلى شيء من ذلك. .

تصنيف الروايات المتقدمة:

و الناظر في الروايات المتقدمة يخرج بحقيقة: أنها رغم دلالتها على تعدد محاولة التوسل بالسحر للتأثير على النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فإنه لا بد من تصنيفها في دائرتين:

إحداهما: دائرة المقبول و المعقول. و هو ما دل على تأثير السحر في جسد الرسول، من حيث إيجابه مرضا، أو ضعفا، أو تعبا، فإن الأمراض مما يجوز حصوله للأنبياء، و السحر من أسبابها العادية، فلا يضر عروض المرض لهم، و لا يوجب نقصا في محلهم، و لا في مراتبهم.

تماما كما جرى لأيوب «عليه السلام» ، الذي قال اللّه تعالى عنه: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنٰا أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطٰانُ بِنُصْبٍ وَ عَذٰابٍ (1).

حيث دلت هذه الآية و كذلك الروايات الواردة في تفسيرها، على أنه لا مانع من تأثير السحر في تسليط بعض الأرواح الشريرة على أبدان الأنبياء «عليهم السلام» لإتعابهم، و إيذائهم، و يكون ذلك من موارد امتحان الأنبياء «عليه السلام» لإظهار مدى صبرهم، و عظيم تحملهم و حقيقة ملكاتهم، و قدراتهم في مواجهة المصائب و المصاعب.

الثانية: أن الأنبياء «عليهم السلام» محفوظون من السحر الذي يؤثر في إفساد عقولهم، و العبث بقدراتهم، في مجال الفهم، و الإدراك، و التمييز، و ما إلى ذلك.

و كلامنا إنما هو في إبطال الروايات التي تنحو هذا المنحى و تريد إثبات تأثير السحر في هذه المجالات. . أما التي هي من النوع الأول فلسنا بصدد إثباتها و لا نفيها.

هذا، و هناك أمور أخرى يمكن أن تذكر في جملة المؤاخذات على الروايات المذكورة، غير أننا نكتفي بما ذكرناه آنفا. و اللّه هو الهادي إلى سواء السبيل.


1) الآية 41 من سورة ص.

الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض

اشارة

الفصل الأول: بيانات تمهيدية

الفصل الثاني: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلي كسرى

الفصل الثالث: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر

الفصل الرابع: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلي المقوقس

الفصل الخامس: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلي النجاشي الثاني

الفصل الأول: بيانات تمهيدية

اشارة

كتابة إلى ستة من الملوك:

و في سنة ست (1)أو في سنة سبع (2)كان إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» الرسل إلى ستة من الملوك، الذين يتحكمون في شعوب الأرض، فقد


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 210 و الجامع للقيرواني ص 287 و البداية و النهاية ج 4 ص 262 و البحار ج 20 ص 382 و مروج الذهب ج 2 ص 289 و فتح الباري ج 8 ص 98 و ج 10 ص 274 و سفينة البحار ج 1 ص 376 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 417 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 398 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3209 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 258 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 430 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 344.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 عن الوفاء، و المواهب اللدنية، و أسد الغابة ج 1 ص 62 و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 1 ص 258 و التنبيه و الإشراف ص 225 و تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 148 و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 15 و وفاء الوفاء ج 1 ص 315 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 6 و أعيان الشيعة ج 1 ص 243 و عن فتح الباري ج 10 ص 274 و عن الكامل لابن عدي ج 4 ص 1565 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 357 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 344.

أرسل في ذي الحجة الحرام، أو في أواخره (1)أو في المحرم (2)ستة نفر في يوم واحد (3)فخرجوا مصطحبين (4).

و قد كتب إليهم و إلى غيرهم من الملوك، و الرؤساء، في داخل بلاد الإسلام و خارجها.

و كانت اللغة التي كتب إليهم بها هي العربية، و التي هي لغة القرآن و الإسلام.

الملوك الستة الذين كتب إليهم:

و الملوك الستة الذين كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم هم:

1-النجاشي، ملك الحبشة.

2-قيصر، و يقال: هرقل، عظيم الروم.

3-كسرى، حاكم فارس و المدائن.

4-المقوقس، صاحب الإسكندرية (مصر) .

5-الحارث، و الي تخوم الشام و دمشق.

6-ثمامة بن أثال، و هوذة بن علي الحنفيين، ملكي اليمامة، و قائديها.


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 29.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 عن المواهب اللدنية.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 عن المنتقى و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و البحار ج 20 ص 382.

حاملو الكتب:

أما الذين حملوا الكتب إلى هؤلاء فهم:

1-عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي.

2-دحية بن خليفة الكلبي، إلى قيصر.

3-عبد اللّه بن حذافة السهمي، إلى كسرى.

4-حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، إلى المقوقس.

5-الشجاع بن وهب الأسدي، إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني.

6-و سليط بن عمرو العامري، إلى ثمامة و هوذة.

التثاقل عن تنفيذ أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و الظاهر هو: أنه قد كان ثمة رهبة شديدة و خوف عظيم لدى بعض المسلمين من هذا الأمر، حتى إن الرسل أنفسهم أظهروا تثاقلا عن تنفيذ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد يكون من أسباب ذلك خوفهم من بطش أولئك الملوك بهم، و ذلك في سورة غضب شديد توقّعوها منهم حين تسليم الرسائل إليهم، فقد قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صد عنها يوم الحديبية، فقال:

يا أيها الناس، إن اللّه بعثني رحمة و كافة؛ فأدوا عني يرحمكم اللّه، و لا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى! !

و قال: «انطلقوا و لا تصنعوا كما صنع رسل عيسى بن مريم» .

فقال أصحابه: و كيف اختلف الحواريون يا رسول اللّه؟ ! .

فقال: دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه. . فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي

و سلّم، و أما من بعثه مبعثا بعيدا، فكره وجهه، و تثاقل.

فشكى ذلك عيسى إلى اللّه تعالى؛ فأصبح المتثاقلون، كل واحد منهم يتكلم بلسان الأمة التي بعث إليها (1).

و قد اعتبر الواقدي: أن من معجزات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه حين بعث النفر الستة إلى الملوك: «أصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثهم إليهم» .

و قالوا: «كان ذلك معجزة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» (2).

و على كل حال. . فإن هذا الحديث يدل: على أنه قد جرى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع من أرسلهم إلى الملوك، نفس ما جرى لعيسى مع الحواريين. . فظهر مصداق ما أخبر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 و 30 عن الإكتفاء و كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 418 و 419 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 10 ص 633 و 634 و 635 و ج 11 ص 644 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 254 و 255 و المعجم الكبير ج 25 ص 232 و 233 و عن ج 20 ص 8 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 1561 و حياة الصحابة ج 1 ص 101 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 190 و 191 و نشأة الدولة الإسلامية ص 75 و الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 15 و 19 و السيرة الحلبية ج 3 ص 241 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع مع الحلبية) ج 3 ص 56 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 289 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 445 و الأحاديث الطوال ص 60 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 184 و 185 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 650.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 29 عن الواقدي.

أن هذه الأمة سوف تسير على سنن من قبلها حذو القذة بالقذة، و مطابق النعل بالنعل، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوا فيه. .

لماذا باللغة العربية؟ !

إن ههنا سؤالا يفرض نفسه، و يلح بطلب الإجابة عليه، و هو: أن اللّه سبحانه قد بعث محمدا «صلى اللّه عليه و آله» نذيرا للبشر كلهم، أبيضهم و أسودهم، عربيهم و عجميهم، قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ بِلِسٰانِ قَوْمِهِ (1).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يكلم كل قوم بلسانهم، فلماذا كتب لملوك الأرض كلهم باللغة العربية، و لم يكتب لهم بلغاتهم الخاصة بهم؟ !

و الجواب:

أولا: من الطبيعي أن الإسلام يملك قيما حضارية و مبادئ إنسانية يريد لها أن تحكم العالم، و تهيمن عليه، فلا غرو أن يسعى لفرض لغته و مصطلحاته الخاصة به على الشعوب كلها، و اللغة هي الصلة بين جميع اتباع هذا الدين من هذه الأمة التي يفترض فيها أن تعيش تلك القيم، و ترتكز في تعاملها و سلوكها إلى تلك المبادئ. لأن المطلوب هو: أن تتحول تلك المبادئ و القيم إلى مشاعر و أحاسيس، و أن يكون لها دور في صنع خصائص الشخصية الإنسانية، و تصبح هي عينه التي ينظر بها، و أذنه التي يسمع بها، و لسانه المعبر عن حقيقته الباطنية، و حركته العفوية، و تكوّن


1) الآية 4 من سورة إبراهيم.

لمحاته، و لفتاته، و كل مظهر من مظاهر الحياة و الوعي لديه.

و تكون الكلمة، و اللغة، و المصطلح الإيماني هو ذلك المحرك القوي، الذي يطلق في حنايا الروح، و في أعماق الضمير و الوجدان الإنساني شحناته الرافدة لمشاعره و أحاسيسه، و الغامرة لها بفيوضات من معاني القيم، و المثل العليا.

و من أجل ذلك كله، نقول:

إنه لا بد من أن تفرض لغة القيم نفسها على البشرية كلها، و إن احتفظت الشعوب بلغاتها الخاصة بها فإنما ذلك من أجل أن تكون وسيلتها في تلبية حاجاتها في مفردات و مجالات ليست لها علاقة مباشرة بمعاني القيم و نظام المثل و المبادئ.

و لهذا كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ملوك العالم باللغة العربية، و لم يكتب لهم بلغاتهم التي يتكلمون بها.

ثانيا: إن وحدة اللغة فيما يرتبط بالقيم الإنسانية و مناهج الدين، تعطي الشعوب الإحساس الوجداني العميق بالرابط القيمي فيما بينها و بين الشعوب الأخرى، و تؤكد شعورها بالقواسم المشتركة في مفردات الدين و الإيمان. .

و لذلك أنزل اللّه القرآن، و هو كتاب العالم بأسره باللغة العربية، و جعل لقراءته ثوابا، و رتب أحكاما، كما أنه قد شرع الصلاة، و الأدعية، و الزيارات، و بعض العقود و غيرها باللغة العربية أيضا.

ثالثا: إن الأمم الراقية تسعى لنشر لغتها في الشعوب على مستوى العالم بأسره، و ذلك على حد قول العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : «إعمالا للسيادة،

و تثبيتا للعظمة» (1).

و يعدّ هذا من أسباب قوة الدعوة، و ثباتها، و تعزيزها في وجدان الناس، و في عقولهم، و في حياتهم العملية أيضا. .

تفاوت مستويات الرسائل العربية:

و قد يلاحظ: أن كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و رسائله، و عهوده، و إقطاعاته، تختلف و تتفاوت من حيث اشتمالها على الألفاظ الوحشية و الغريبة فيها تارة، و خلوها من ذلك أخرى، و من حيث سهولة التعبير و حزونته فيها، و غير ذلك من خصوصيات. .

و السبب في ذلك هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يكلم الناس، و يكتب لهم على قدر عقولهم، و حسبما ألفوه من لغاتهم، و يصوغ لهم العبارات، و يورد التراكيب وفق ما هو متداول فيما بينهم، فأوجب ذلك اختلاف كلماته معهم، و رسائله لهم، من حيث و عورة الألفاظ و عذوبتها، و سهولة التراكيب و تعقيدها. «اتساعا في الفصاحة، و استحداثا للإلفة و المحبة، فكان يخاطب أهل الحضر بكلام ألين من الدهن، و أرق من المزن، و يخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب، و أرهف من القضب» (2).

و كلا هذين النوعين من الكلام بليغ و فصيح، فإن الغريب و الوحشي لم يكن وحشيا و لا غريبا بالنسبة للذين خاطبهم به، بل هو فصيح بالنسبة


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 84.

2) مكاتيب الرسول ج 1 ص 80 و كنز العمال ج 10 ص 617 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص.

إليهم، بل هذا النمط هو أعلى درجات البلاغة و الفصاحة عندهم.

بل قد يقال: إن ما ظهر في لهجات و لغات كثير من القبائل من هنات و هنات (1)كان يعدّ هو الفصاحة بعينها بالنسبة لتلك القبائل.

و لغة قريش فقط هي التي سلمت من أمثال هذه الهنات، فكانت هي الأفصح، و الأجمل، و الأصفى، و كان «صلى اللّه عليه و آله» من قريش، فكان «صلى اللّه عليه و آله» أفصح العرب، أو أفصح من نطق بالضاد حسبما روي عنه (2).

الكتابة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

لا ريب في أن الذين كانوا يعرفون القراءة و الكتابة في أول البعثة النبوية الشريفة كانوا قليلين. .

و لكن توسع الإسلام، خصوصا بعد الهجرة، و ظهور حاجة الناس في كثير من شؤون حياتهم و علاقاتهم إلى القراءة و الكتابة، و تشجيع الإسلام على تعلّمها، و قد بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حثه على كتابة العلم،


1) راجع: دائرة المعارف ج 6 ص 277-281 و الوسيط في الأدب العربي.

2) راجع: الإختصاص ص 83 و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 195 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 178 و شرح أصول الكافي ج 9 ص 322 و نور البراهين ج 1 ص 120 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 81 و تذكرة الموضوعات ص 87 و كشف الخفاء ج 1 ص 200 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 429 و ج 2 ص 103 و القاموس المحيط ج 1 ص 6 و مغني اللبيب ج 1 ص 114 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 و غير ذلك.

و على كتابة القرآن، و السنة، الغاية، و وافى على النهاية، إلى حد أن جعل فداء الأسير في بدر، هو أن يعلّم عشرة من أطفال المسلمين القراءة و الكتابة (1).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» أمر عبد اللّه بن سعيد بن العاص: أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة، و كان محسنا (2).

و قد ذكر العلامة الأحمدي «رحمة اللّه» في كتابه «مكاتيب الرسول» العديد ممن صرحوا: بأنهم كتبوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مختلف المجالات، فلا بأس بمراجعة ذلك الكتاب.

لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و آله يكتب بيده:

و كانت طريقته «صلى اللّه عليه و آله» في كتابة رسائله و غيرها، هي: أنه يملي، و الكاتب يكتب، و لم نجد ما يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب بيده إلا ما تقدم عن البراء بن عازب في قصة الحديبية، حيث قال:


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 84 و 49 عن المطالع النصرية للهوريني، و عن السهيلي، و مسند أحمد ج 1 ص 247 و الروض الأنف ج 3 ص 83 و الإمتاع ص 101 و تاريخ الخميس ج 1 ص 395 و السيرة الحلبية ج 2 ص 193 و طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 2 ق 1 ص 14 و نظام الحكم في الشريعة و التاريخ الإسلامي (الحياة الدستورية) ص 48 و البحار ج 19 ص 355 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 140 و مجمع الزوائد ج 4 ص 96 و البداية و النهاية ج 3 ص 397 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 512.

2) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 174 و الإصابة ج 1 ص 344 عنه و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 372 و أسد الغابة ج 3 ص 175 و راجع: السنة قبل التدوين ص 299 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 105 و 394.

«فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه الخ. .» (1).

و قد قالوا: إن الروايات الأخرى قد صرحت: بأن عليا «عليه السلام» قد امتثل أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كتب ما أمر به.

فيكون المراد: أنه أمر عليا «عليه السلام» بالكتابة، فكتب، و ما فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: أنه محا الكلمة السابقة فقط.

و لكن ذلك لا يعني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعرف القراءة و الكتابة، عن طريق التعليم الإلهي الموجب لظهور المعجزة له في ذلك. . كما أثبتناه في كتابنا «مختصر مفيد» (2).

و كان عدم تصديه لكتابة رسائله و غيرها مراعاة للعرف السائد آنذاك، و لذلك لم يكن الخلفاء بعده يتصدون للكتابة بأنفسهم أيضا، بل كانوا يملون على الكاتب، و هو يكتب. . إلا إذا كانت هناك ضرورة لتصديهم للكتابة بأنفسهم. .


1) راجع: البحار ج 20 ص 372 و 352 و مسند أحمد ج 4 ص 298 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و الأموال ص 158 و سنن الدارمي ج 2 ص 238 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 5 و كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 303 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 435 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 93 و 96 و صحيح البخاري ج 4 ص 71 و ج 5 ص 84 و صحيح مسلم ج 5 ص 174 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 173 و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 727 و 729 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 34.

2) مختصر مفيد ج 1 ص 11.

بداية كتب الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان في مدة من الزمن يكتب: «باسمك اللهم» .

ثم صار يكتب: «بسم اللّه» .

ثم صار يكتب: «بسم اللّه الرحمن» .

ثم صار يكتب: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» .

فقد روي عن الشعبي، أنه قال:

كان أهل الجاهلية يكتبون: «باسمك اللهم» .

فكتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أول ما كتب: «باسمك اللهم» ، حتى نزلت: . . بِسْمِ اَللّٰهِ مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا. . (1)، فكتب: «بسم اللّه» .

ثم نزلت: قُلِ اُدْعُوا اَللّٰهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمٰنَ. . (2). فكتب: «بسم اللّه الرحمن» .

ثم أنزلت الآية التي في طس: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ (3). فكتب: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» (4).


1) الآية 41 من سورة هود.

2) الآية 110 من سورة الإسراء.

3) الآية 20 من سورة النمل.

4) راجع: المصادر التالية: الدر المنثور ج 5 ص 106 و 107 عن عبد الرزاق، و ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و أبي عبيد في فضائله، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر، و أبي داود في المراسيل، و كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 194 و التنبيه و الإشراف ص 225 و العقد الفريد ج 4 ص 158 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 140 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 432 و 433 و السيرة الحلبية ج 3 ص 20 و ج 1 ص 249 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 92 و ج 13 ص 194 و الوزراء و الكتاب للجهشياري ص 13 و 14 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 263 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 105 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 8 و المراسيل لأبي داود ص 90 و التفسير الكبير للرازي ج 1 ص 200 و روح المعاني ج 1 ص 27 و ثمرات الأوراق (بهامش المستطرف) ج 2 ص 105 و عمدة القاري ج 5 ص 291.

زاد في السيرة الحلبية بعد قوله: فكتب أول ما كتب: «باسمك اللهم و كتب ذلك في أربعة كتب» (1).

و نقول:

إننا بغض النظر عن الطعون التي ربما يشار إليها فيما يتعلق بالشعبي نفسه، فضلا عمن يروي عنه، و بقطع النظر عن أن الشعبي لم يكن حاضرا و لا ناظرا لما يجري في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، نقول:

أولا: إن آية: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ قد نزلت قبل سورة النمل، و قبل آية: قُلِ اُدْعُوا اَللّٰهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمٰنَ. . و قبل آية: . . بِسْمِ اَللّٰهِ مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا. . . بل هي قد بدأت تنزل مرة بعد أخرى من أول البعثة، و إلى حين وفات النبي، و كان «صلى اللّه عليه و آله» و لم يزل منذ بعثه اللّه نبيا يصلي و يقرأ بفاتحة الكتاب، المشتملة على آية: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ .

و قد ذكرنا في كتابنا «حقائق هامة حول القرآن الكريم» : أن المروي عن


1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 769.

الإمام الصادق «عليه السلام» (1)، و عن ابن عباس، و عثمان بن سعيد بن جبير:

أنهم كانوا لا يعرفون (أو كان النبي لا يعرف) انتهاء السورة السابقة، و بدء السورة اللاحقة إلا بنزول: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ (2).


1) تفسير العياشي ج 1 ص 19 و مصباح الفقيه (كتاب الصلاة) ص 76 و البحار ج 89 ص 236 و نور الثقلين ج 1 ص 6.

2) راجع: الدر المنثور ج 1 ص 7 و ج 3 ص 208 عن أبي داود، و البزار، و الدار قطني في الإفراد، و الطبراني، و الحاكم، و صححه، و البيهقي في المعرفة، و في شعب الإيمان، و في السنن الكبرى، و عن أبي عبيد، و الواحدي، و فتح الباري ج 9 ص 39 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 16 و نيل الأوطار ج 2 ص 228 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 231 و 232 و صححه على شرط الشيخين، و تلخيص المستدرك للذهبي، بهامشه، و أسباب النزول للواحدي ص 9 و 10 و السنن الكبرى ج 2 ص 42 و 43 و محاضرات الأدباء المجلد الثاني، الجزء 4 ص 433 و الإتقان ج 1 ص 78 و بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 56 و 57 و راجع ص 55 عن بعض من تقدم، و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 95 و عمدة القاري ج 5 ص 292 و نصب الراية ج 1 ص 327 و المستصفى ج 1 ص 103 و فواتح الرحموت (بهامشه) ج 2 ص 14 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34 و التفسير الكبير ج 1 ص 208 و غرائب القرآن بهامش الطبري ج 1 ص 77 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 92 و مجمع الزوائد ج 6 ص 310 و ج 2 ص 109 عن أبي داود، و البزار، و كنز العمال ج 2 ص 368 عن الدار قطني في الإفراد، و التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212 عن الحاكم و اليعقوبي، و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و المنتقى ج 1 ص 380 و تبيين الحقائق ج 1 ص 113 و كشف الأستار ج 3 ص 40 و مشكل الآثار ج 2 ص 53 و المراسيل لأبي داود السجستاني ص 90 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 15 و ذكر أخبار إصبهان لأبي نعيم ج 2 ص 356 و المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 611 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 3039 و ج 3 ص 1039 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 35 و المعجم الكبير ج 12 ص 82 و البيان في تفسير القرآن ص 442 و عن فتح الباري ج 9 ص 35 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 106 و الدر المنثور ج 1 ص 7.

فلماذا عمل «صلى اللّه عليه و آله» ، و استن بآية: . . بِسْمِ اَللّٰهِ مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا. . و استن بآية: قُلِ اُدْعُوا اَللّٰهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمٰنَ. . و لم يعمل و لم يستن ببسم الله الرحمن الرحيم التي رافقته في جميع السور منذ بعثته، و إلى حين وفاته؟ ! . .

ثانيا: يضاف إلى ذلك: أن كتب اللّه تعالى كلها قد افتتحت بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. و كانت هذه الكلمة أول كل كتاب نزل من السماء، فلماذا لم يستن بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما استن بآية: . . بِسْمِ اَللّٰهِ مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا. . ، و بغيرها من الآيات المتقدمة؟ !

فراجع الحديث المروي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: مفتاح كل كتاب» (1).

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : ما أنزل اللّه من السماء كتابا إلا و فاتحته «بسم اللّه الرحمن الرحيم» (2).


1) كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 493 و الدر المنثور ج 1 ص 10 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 56 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1366 و ج 3 ص 2664 و الجامع الصغير ج 1 ص 481 و شرح مسند أبي حنيفة ص 5 و فيض القدير ج 3 ص 294 و فتح القدير ج 1 ص 19.

2) جامع أحاديث الشيعة ج 5 ص 116 و 117 عن الكافي، و المحاسن، و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و مستدرك الوسائل عن العياشي، و نور الثقلين ج 1 ص 6 و ج 2 ص 238 عن العياشي، و الكافي، و البرهان ج 1 ص 42 و الوسائل ج 4 ص 747 و البحار ج 82 ص 20 و ج 89 ص 236 و ج 92 ص 234 و 236 و تفسير العياشي ج 1 ص 19 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 31، و راجع: مكاتيب الرسول للأحمدي ج 1 ص 56 و ج 3 ص 505 و 506 عن مصادر كثيرة.

و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : أول كل كتاب نزل من السماء: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» (1).

ثالثا: و مع غض النظر عن هذا و ذاك، فإننا لم نجد هذه الكتب المبدوءة ب‌ «باسمك اللهم» . أو ب‌ «بسم اللّه» أو ب‌ «بسم اللّه الرحمن» رغم بحثنا عنها، و ما ادّعاه الحلبي، لو صدقناه فيما ادّعاه، لم نستطع أن نجد له شاهدا يثبته، و لا مصداقا يمكن الاعتماد عليه. .

رابعا: قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : «أما ما نقل عنه «صلى اللّه عليه و آله» من الكتب، و ليس فيها البسملة فمن آفات الرواة، و تلخيص الناقلين، و عدم اهتمامهم ببعض الأمور.

و أما ما أخرجه السيوطي من كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل نجران، فسيأتي الكلام عليه في ذكر وفد نجران. مع أن المنقول في جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 76 عن صبح الأعشى ج 6 ص 38 و 381 هكذا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، إله إبراهيم. .» الخ. .

و أضف إلى ما ذكرنا: ما سيأتي من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) الكافي ج 3 ص 313 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 4 ص 746 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 56 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 6 و ج 3 ص 84 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 31.

كتب للداريين بمكة، سنة خمس أو ست، من البعثة، أو قبلها، و فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم» انتهى (1).

البدء باسمه الشريف:

و يلاحظ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في كتبه يقدم اسمه الشريف موصوفا بوصف الرسالة أو النبوة، فيكتب مثلا: من محمد رسول اللّه إلى فلان. أو من محمد النبي لفلان. أو هذا ما كتبه النبي محمد لفلان. .

و يصرح باسم المرسل إليه، و ربما وصفه: بأنه عظيم الروم مثلا، أو صاحب مملكة كذا، أو نحو ذلك.

و ذلك-كما يقول العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» -تعظيما منه للنبوة، و ترفيعا لمقام الرسالة. . إلى أن قال: إذ كما يجب على غيره أن يعظّم ساحتها المقدسة السامية، يلزم على نفسه الكريمة أيضا أن يحفظها و يصونها، و أن لا يضعها و لا يذلها.

ألا ترى: أنه يجب عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي على نفسه في الصلاة، و أن يشهد لنفسه بالنبوة، فيقول: أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و اللهم صل على محمد و آل محمد.

و ليس ترفيعا، أو إكبارا، أو إعظاما في الحقيقة، بل هو وضع للشيء في موضعه (2).


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 65 و ج 3 ص 505 و 509 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 12 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 65.

2) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 67 و 68.

و قد أغضب تقديمه اسمه الشريف على اسم المكتوب له، كسرى ملك الفرس، فمزق كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

كما أن أخا قيصر، أو ابن عمه أراد أن يخرق كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لنفس السبب، فمنعه قيصر من ذلك، و قال له:

«إنك أحمق صغير، أتريد أن تمزق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟ ! و لعمري، إن كان رسول اللّه لنفسه أحق أن يبدأ بها مني» (2).

الحمد و التسليم:

و كان يكتب أيضا: «سلم أنت» أو «سلام عليك» أو «سلام على من آمن باللّه» .

و كان يكتب: «أحمد اللّه إليك» أو «أحمد إليك اللّه» أي أهدي إليك حمد اللّه. و كان ذلك تحية يكتبونه في افتتاح كتبهم (3).


1) المعجم الكبير ج 4 ص 225 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 153 و عن فتح الباري ج 8 ص 165 و كنز العمال ج 10 ص 585 و 635 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 209 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 552 و البداية و النهاية ج 4 ص 304 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 505 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 353.

2) مكاتيب الرسول ج 1 ص 69 و الدر المنثور ج 4 ص 156 و مجمع الزوائد ج 5 ص 308 و ج 8 ص 236.

3) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 67 و 68 و ج 2 ص 373 و 649 و ج 3 ص 548 و أشار في هامشه إلى: التراتيب الإدارية ج 1 ص 137 و 138 عن صبح الأعشى، و إكمال الدين ص 571 و الغارات ج 1 ص 210 و كنز الفوائد ص 249 و البحار ج 22 ص 87 و ج 51 ص 249 و عن ج 74 ص 162 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 273 و المعجم الصغير ج 1 ص 151 و كنز العمال ج 15 ص 746 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 385 و مجمع البحرين ج 1 ص 569.

و كذلك كان يكتب أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و أم سلمة في كتابها إلى عائشة حين نهتها عن الخروج قبل وقعة الجمل.

إتخاذ الخاتم:

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ الخاتم في سنة ست، و به ختم الكتب التي أرسلها إلى الملوك، يدعوهم فيها إلى الإسلام. .

و زعم المؤرخون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما أراد أن يكتب إلى الملوك، قيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، أو مختوما. فصاغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» خاتما من ذهب. و اقتدى به ذوو اليسار من أصحابه فصنعوا خواتيم من ذهب.

فلما لبس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاتمه، لبسوا أيضا خواتيمهم.

فجاء جبرئيل «عليه السلام» من الغد، و قال: لبس الذهب حرام لذكور أمتك. فطرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» خاتمه، و طرح أصحابه أيضا خواتيمهم.

ثم اتخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاتما حلقته و فصّه من فضة، و نقش فيه محمد رسول اللّه: محمد سطر. و رسول سطر. و اللّه سطر. و نهى أن ينقش عليه أحد.

و اقتدى به أصحابه، فاتخذوا خواتيمهم من فضة (1).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 29. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 356 و ج 6 ص 2 و 3 و 4 و البحار ج 7 ص 202 و 204 و سنن أبي داود ج 4 ص 88 و 89 و الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 165 و عن فتح الباري ج 10 ص 269 و السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و 241 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع مع الحلبية) ج 3 ص 55 و 56 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 179.

و نقول:

1-إن اتخاذ الخاتم و الختم في آخر الكتاب، إنما هو من أجل المنع من الزيادة فيه.

كما أن ختمه بعد طيه و جعل الختم على شيء رطب من الطين و نحوه، إنما هو من أجل أن لا يفضه حامله أو غيره، و يطلع على ما فيه غير المكتوب إليه، و لكي لا يزاد فيه، و لا تحرّف بعض كلماته (1).

2-إن حديث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ أولا خاتما من ذهب. و لبسه حتى جاءه جبرئيل، و أخبره أن الذهب حرام على ذكور الأمة. . لا يمكن قبوله.

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه.

فإن كان قد فعل ذلك حقا فلا بد أن يكون قد فعله عن أمر اللّه تعالى، و بإذن منه. .

ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لينفق أموالا على خاتم له من ذهب، و هو ما لا يقدم على اتخاذه إلا ذوو اليسار من أصحابه، كما صرحت به الرواية، بل كان يساوي نفسه في مأكله و ملبسه و مشربه


1) راجع: الجامع الصغير للقيرواني ص 287 و السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع مع الحلبية) ج 3 ص 55.

بالضعفاء منهم، كما هو معلوم في سيرته. .

و الصحيح: هو أنه اتخذ خاتما من فضة، فاقتدى به من شاء من أصحابه.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يؤرخ رسائله:

و قد ذكرنا في هذا الكتاب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وضع التاريخ الهجري، و أنه كان يؤرخ به رسائله، و غيرها. .

فراجع فصل: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة، لتجد صحة ما ذكرناه.

كتب دعوة لا كتب حرب:

إن الكتب التي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الملوك قد تضمنت دعوتهم إلى توحيد اللّه تعالى و إلى الإسلام. .

و لم نجد فيها: أية إشارة إلى الحرب، و لا إلى إلزامهم بالجزية لو امتنعوا من الإسلام. . و ذلك لأن الهدف هو نشر الدين بإطلاق نداء الضمير، و الوجدان، و الفطرة، و الالتزام بحكم العقل، و إتمام الحجة عليهم. . و القصد إنما هو إلى إسعاد الناس، و توجيههم نحو الحياة الكريمة و الطيبة، حيث العظمة و المجد، و السؤدد، من دون أن تكون هناك أي امتيازات ظالمة لأحد.

و ليس القصد الاستيلاء على بلاد الناس و لا قهرهم، أو إذلالهم، أو أي نوع من أنواع الإيذاء لهم. .

من أجل ذلك نلاحظ: أن هؤلاء لم ينأوا في الأكثر بأنفسهم عن الإسلام، بل قبله بعضهم، و أجاب بعضهم بجواب لين، ظهرت فيه أمارات التردد، بسبب و ساوس شيطانية، و مخاوف غير واقعية على ملكهم

و سلطانهم، أو على بعض امتيازاتهم فيه.

و ما أشبه الليلة بالبارحة، حيث كان المستضعفون في مكة قد قبلوا الإسلام في بدء الدعوة، فلما عرف أسيادهم و المستكبرون من عظمائهم و أشرافهم بالأمر، لاموهم على ذلك، و منعوهم منه، و واجهوا من أصر على موقفه بالعنف و القسوة البالغة.

فقد ذكروا: أنه لما أظهر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الإسلام أسلم أهل مكة كلهم، و كانوا يجتمعون على الصلاة حتى ما يستطيع بعضهم أن يسجد من كثرة الزحام، و ضيق المكان، حتى قدم رؤوس قريش: الوليد بن المغيرة، و أبو جهل بن هشام-بالطائف في أراضيهم-فقالوا: تدعون دين آبائكم؟ ! فكفروا (1).

و هذا بالذات ما جعل ملوك الأرض-باستثناء بعضهم-يواجهون دعوته «صلى اللّه عليه و آله» لهم، بمزيد من التروي، و المرونة، و أرسلوا إليه بكتب نضحت بالإكرام و الإعظام، و بعثوا إليه بالتحف و الهدايا، و قد قال قيصر لأخيه حين طلب منه أن يرمي الكتاب من يده: أترى أرمي كتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر؟ !

و قد أسلم النجاشي ملك الحبشة.

و المنذر بن ساوى ملك البحرين.


1) تاريخ يحيى بن معين ج 3 ص 53 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 490 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 188 و مجمع الزوائد ج 2 ص 284 و عن فتح الباري ج 2 ص 455 و المعجم الكبير ج 20 ص 5 و كنز العمال ج 1 ص 411 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 155 و عن الإصابة ج 6 ص 42.

و أسلم فروة عامل قيصر على عمّان. . فلما بلغ قيصر ذلك أخذه و استتابه، فأبى، فقتله.

و أسلم جيفر و عبد ابنا جلندى، ملكا عمان.

و أسلم ضغاطر أسقف الروم بعد قراءة كتاب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى قيصر.

و أجابه ملوك حمير و وفدوا عليه.

و أسلم أقيال حضرموت.

و أسلم عمال كسرى بالبحرين و اليمن.

و قال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي. فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، و لا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، و لا الكاهن الكذاب، و وجدت معه آلة النبوة، بإخراج الخبأ، و الإخبار بالنجوى، و سأنظر.

و أعطاه أساقفة نجران الجزية.

و أجابه ملك أيلة و يهود مقنا، إما بالإسلام، أو الجزية (1).

حساسية مخاطبة الملوك:

إن مخاطبة الملوك في أي شأن من الشؤون، حتى ما كان منها عاديا و مألوفا، ليست على حد مخاطبة سائر الناس. بل هي محفوفة بالأخطار، لا بد من حساب كل مفرداتها و فقراتها بدقة بالغة، و بحساسية متناهية.

و ذلك بسبب الأخلاق الخاصة التي يكتسبها هؤلاء الملوك من


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 189 و 190 و ج 2 ص 422 و نصب الراية ج 6 ص 564 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 663.

الأجواء المحيطة بهم، و التي يغذيها شعورهم بالعظمة، و بالقوة، بجميع مكوناتها و مظاهرها، فيبتلون الملوك من خلال استمرار هذا الشعور بالبأو، و بالكبر، و الاستعلاء، و الزهو، و ما إلى ذلك. .

يضاف إلى ذلك: أن شعورهم بعدم مسؤوليتهم عما يقومون به من تصرفات، من شأنه أن يسهل عليهم البطش، و تظهر عليهم الرعونة إلى حد الإفراط في اتخاذ القرارات المتهورة ضد الأشخاص، و الجماعات الصغيرة، فيستضعفونها، و يقهرونها بسلطانهم و يهيمنون عليها ببطشهم و جباريتهم.

و يتعاظم هذا الخطر و يبلغ أقصى مداه حينما يواجه هؤلاء الملوك دعوة إلى أمر قد يرون أنه يستبطن تقليص نفوذهم، أو يحدّ من سلطانهم، و يقلل إلى حد ما من هيبتهم، أو يكسر من شوكتهم، أو يقيد إطلاق يدهم في الأمور و في التصرفات السلطانية. .

فإذا أحسوا بشيء من ذلك، أو راودتهم شكوك، أو حتى بعض الأوهام فيه، فإن حرصهم على محو هذه الدعوة و كل من يقف وراءها من الوجود، سيكون بلا حدود، و لن تقيده قيود، أو تحول دونه موانع أو سدود.

و هذا يعطي: أن دعوة الأنبياء و المصلحين من أتباعهم للملوك و الجبارين في منتهى الصعوبة، و غاية الدقة، و أقصى درجات الحساسية، و أن أي إخلال في ذلك يؤدي إلى حرمان هذا النوع من الناس الذين تتحكم فيهم تلك العاهات النفسية من الهداية، كما أن ذلك يحركهم إلى حرمان غيرهم منها، بما يثيرونه من أجواء مشحونة بالتحدي لا يجرؤ معها كثير من الناس على المبادرة بخطوة في هذا الاتجاه؛ بسبب أخطار لا يملكون القدرة على دفعها عن أنفسهم، و لا يستطيعون التحرز منها، و لا يمكنهم تحملها.

رسائل النبي صلّى اللّه عليه و آله للملوك:

و إذا راجعنا نصوص الرسائل التي كتبها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ملوك الأرض، فإننا نجدها في غاية الدقة في مراعاة حالات أولئك الملوك، فهي خالية عن أية إثارة لهم، و لا تعطيهم أية فرصة للتخلص أو التملص من مسؤولية النظر في صحة ما يدعوهم إليه، و التعاطي معه بمسؤولية، و تعقل.

و إذا ما ظهر من بعض أولئك الجبابرة أي تصرف غير متوازن، فإنما كان ذلك منه لاعتبارات اختلقها لنفسه، انطلاقا من عدوانيته، و انسجاما مع جباريته، و من دون أي مبرر وجده في طريقة تعاطي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه، أو في المضامين التي وجدها في خطابه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي أرسله إليه. .

و نحن من أجل وضوح ما نرمي إليه بصورة عملية، نلقي نظرة على بعض تلك الرسائل، مقتصرين على رسائله «صلى اللّه عليه و آله» لأربعة منهم و هم:

1-ملك الفرس.

2-ملك الروم.

3-ملك مصر.

4-ملك الحبشة.

الفصل الثاني: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى كسرى

اشارة

1-رسالته صلّى اللّه عليه و آله إلى كسرى:
اشارة

و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى كسرى ما يلي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من محمد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، و آمن باللّه و رسوله، و شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله.

أدعوك بدعاية اللّه، فإني أنا رسول اللّه إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، و يحق القول على الكافرين.

أسلم تسلم.

فإن أبيت فعليك إثم المجوس» (1).


1) لقد كفانا العلامة الشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» مؤونة استقصاء المصادر لهذه الرسالة، حيث ذكر جملة وافرة منها في كتابه القيم: «مكاتيب الرسول» ج 2 ص 316 فما بعدها، فنحن نورد نفس كلامه، و إن اختلفت المصادر التي اعتمد عليها في طبعاتها، فقد أرجع «رحمه اللّه» إلى: السيرة الحلبية ج 3 ص 277 و السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية ج 3 ص 65 و اليعقوبي ج 2 ص 66 و في (ط أخرى) ص 61 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 213 و الطبري ج 2 ص 654 و أعيان الشيعة ج 2 ص 144 و في (ط أخرى) ج 1 ص 244 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 292 و 293 و إعلام السائلين ص 9 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 35 و إعجاز القرآن ص 112 و المواهب اللدنية للقسطلاني شرح الزرقاني ج 3 ص 340 و 389 و تاريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 37 و رسالات نبوية لعبد المنعم خان ص 250(عن المواهب) و حياة الصحابة ج 1 ص 115 و نشأة الدولة الإسلامية ص 306(عن عدة مصادر) و فقه السيرة ص 388 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 60 و ناسخ التواريخ في سيرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و تأريخ الخميس ج 2 ص 34 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 420 و مدينة البلاغة ج 2 ص 244 و البحار ج 20 ص 389 عن المنتقى للكازروني، و المنتظم ج 3 ص 282 و مجموعة الوثائق السياسية ص 139 عن بعض المصادر المتقدمة و عن سعيد بن منصور ص 4280 ثم قال: قابل و انظر كايتاني ج 6 ص 54 و اشپرنكر ج 3 ص 264 و عن الجرائد و المجلات العصرية و عن: مفيد العلوم و مبيد الهموم للقزويني ج 24 ص 17 و المواهب اللدنية و المنتقى لأبي نعيم: ورقة 35/1 ب و نثر الدر المكنون للأهدل ص 760 و منشآت السلاطين ج 1 ص 31 و وسيلة المتعبدين لعمر الموصلي 8/ورقة 27/ب و الإمتاع للمقريزي، خطية كوپرولو، و تاريخ گزيده لحمد اللّه المستوفي (سلسلة كتب لوندرا) ص 147 و تاريخ البلعمي (و هو ترجمة تأريخ الطبري إلى الفارسية مع حذف و زيادات) (ط طهران) ص 1138 و نهاية الإرب في أخبار الفرس و العرب، و الوفاء لابن الجوزي ص 732 و شرف المصطفى لأبي سعيد النيسابوري عن ابن إسحاق. و قال رحمه اللّه أيضا: أوعز إلى الكتاب في البداية و النهاية ج 4 ص 269 و ج 6 ص 306 و البخاري ج 1 ص 25 و ج 4 ص 54 و ج 6 ص 10 و ج 9 ص 111 و فتح الباري ج 1 ص 143 و ج 6 ص 78 و ج 8 ص 96 و ج 13 ص 205 و عمدة القاري ج 2 ص 27 و ج 14 ص 210 و ج 18 ص 57 و 58 و ج 25 ص 20 و صحيح مسلم ج 3 ص 1397 و مسند أحمد ج 3 ص 133 و ج 4 ص 75 و ج 1 ص 243 و 305 و الترمذي ج 5 ص 68 و الطبقات لابن سعد ج 1 ق 2 ص 16 و ج 4 ق 1 ص 139 و صبح الأعشى ج 6 ص 296 و 358 و 359 و 378 و ج 1 ص 91 و كنز العمال ج 1 ص 239 و 4 ج ص 274 و ج 10 ص 418 و مشكل الآثار للطحاوي ج 1 ص 215 و تهذيب تأريخ ابن عساكر ج 7 ص 355 و 356 و ج 1 ص 114 و الأموال لأبي عبيد ص 33 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 177 و 179 و التنبيه و الإشراف ص 225 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 241 و البحار ج 4 ص 100 و ج 17 ص 206 و الجامع للقيرواني ص 288 و سيرة ابن هشام ج 4 ص 254 و فقه السيرة ص 384 و الروض الأنف ج 3 ص 304 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 6 و الإقبال لابن طاووس ص 496 و الإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 283 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 388 و مجمع الزوائد ج 8 ص 237 و مرقاة المفاتيح ج 4 ص 221 و مشكاة المصابيح هامش المرقاة ص 221 و الأم للشافعي ج 4 ص 171 و حياة محمد لهيكل ص 353 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 121 و راجع: أسد الغابة ج 3 ص 143 و المنتظم ج 5 ص 32.

و لنا مع هذا الكتاب وقفات، هي التالية:

اختلاف الكتب:

و قد اشار العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» إلى أن هناك نصوصا أخرى للكتاب الذي أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى كسرى. .

ففي أحدها وردت عبارة: «فأسلم تسلم، و إلا فأذن بحرب من اللّه

و رسوله» (1).

و ورد في نص آخر: «من شهد شهادتنا، و استقبل قبلتنا، و أكل ذبيحتنا، فله ذمة اللّه و ذمة رسوله» (2).

و في نص ثالث: «فإني أحمد إليك اللّه، الذي لا إله إلا هو. و هو الذي آواني، و كنت يتيما. و أغناني، و كنت عائلا. و هداني، و كنت ضالا. و لم يدع ما أرسلت به إلا من سلب معقوله، و البلاء غالب عليه. أما بعد يا كسرى، فأسلم تسلم، أو ائذن بحرب من اللّه و رسوله، و لن تعجزها، و السلام» (3).

و في نص رابع: «إني أحمد اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم، الذي أرسلني بالحق بشيرا و نذيرا إلى قوم غلبهم السفه، و سلب عقولهم، و من يهدي اللّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير. .

أما بعد. . فأسلم تسلم، أو ائذن بحرب من اللّه و رسوله الخ. .» (4).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 319 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 79 و راجع: البحار ج 20 ص 381 و أحكام القرآن ج 1 ص 68 و البداية و النهاية ج 6 ص 338 و عن عيون الأثر ج 2 ص 327 و كنز العمال ج 4 ص 438 و تاريخ بغداد ج 1 ص 142.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 319 عن تاريخ بغداد ج 1 ص 132 و رسالات نبوية ص 251 و كنز العمال ج 4 ص 274.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 320 و 321 عن مجموعة الوثائق السياسية ص 111 عن نهاية الإرب في أخبار الفرس و العرب.

4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 321 عن مجموعة الوثائق السياسية ص 140.

و في نص خامس: أنه كتب إلى كسرى و قيصر و النجاشي رسالة اقتصر فيها على قوله: أما بعد. . تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ (1).

و عن الزهري: «كانت كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم واحدة، و كلها فيها هذه الآية» (2).

و عن ابن عباس: «أن كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكفار: تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ » (3).

و لعل هذه الكتب قد أرسلت إلى عمال كسرى، أو إلى كسرى نفسه، بعد أن ظهر عنادهم للحق، و بغيهم على أهله، و قد اشتبه الأمر على المؤرخين في ذلك. .


1) الدر المنثور ج 5 ص 107 و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 189 و البحار ج 21 ص 287 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 338 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 320 عنهم و عن الأموال ص 23 و في (طبعة أخرى) ص 34 و عن كنز العمال ج 5 ص 326 و في (طبعة أخرى) ج 10 ص 417 و إقبال الأعمال ج 2 ص 311 و المباهلة ص 29.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 83 و في (ط دار إحياء التراث) ص 104 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 320 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 41.

3) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن الطبراني، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 320 و 398 و 490 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3214 و المعجم الأوسط ج 5 ص 323 و عن المعجم الكبير ج 11 ص 311 و فتح القدير ج 1 ص 348.

إذ من غير المعقول: أن يبدأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعوته لهم بالتهديد و الوعيد، قبل إتمام الحجة، و ظهور اللجاج و العناد و البغي منهم، و لا سيما لملوك يعيشون حالة الكبر و الزهو، و العنفوان الظالم، و الشعور بالعظمة و القوة. . فإن مواجهتهم بما يوجب نفورهم بمثابة الإسهام في حرمانهم من الهداية. .

من أجل ذلك نرجح: أن يكون الكتاب الذي ذكرناه أولا هو الذي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولا، ثم أرسل رسائل أخرى ذكر فيها الجزية، و غير ذلك.

كما أننا لا نستبعد: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر في كتابه لكسرى الآية المباركة: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ. . لأن للمجوس أحكام أهل الكتاب،

و قد ورد: أنه قد كان لهم كتاب فضيعوه أو أحرقوه (1).

و لعل عدم نقلها في كتاب كسرى، من أجل أن المؤرخين أسقطوها اختصارا أو سهوا، أو لم ينقلها لهم الناقلون؛ لأنهم اعتقدوا خطأ: أنها لا تحمل مضمونا خاصا، يراد إبلاغه للمرسل إليهم، سوى دعوتهم إلى توحيد اللّه، الذي ذكر في الرسالة نفسها أولا. .


1) راجع: فقه القرآن ج 1 ص 342 و 344 و عن فتح الباري ج 9 ص 343 و الكافي ج 3 ص 568 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 54 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 113 و ج 6 ص 159 و الوسائل ج 11 ص 96 و 97 و الفصول المهمة ج 2 ص 212 و البحار ج 14 ص 463 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 413 و التفسير الصافي ج 2 ص 334 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 202 و قصص الأنبياء للجزائري ص 514.

بسم اللّه الرحمن الرحيم:

1-إن أول ما يواجهنا في ذلك الكتاب هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بدأه باسم اللّه، و لم يبدأه باسمه «صلى اللّه عليه و آله» هو؛ مما يعني: أنه يريد أن يفهم كسرى: أن هذا النبي خاضع للّه، الذي لا يجد أحد حرجا في الخضوع له. و لا تعتبر الدعوة للاعتراف به و الخضوع له، و الرجوع إليه تعالى إذلالا لأحد بقدر ما هي شرف، و عزة، و سؤدد و كرامة للبشر جميعا. .

2-يضاف إلى ذلك: أن هذا الاعتراف يمثل تحديد مرجعية لا غضاضة على البشر جميعا بالرجوع إليها، و الخضوع و الالتزام بأوامرها و نواهيها، و السعي لنيل رضاها، و هي مرجعية ليست للبشر، بل هي للّه الغني بذاته، الذي ليس له مصلحة مع أحد، بل البشر كلهم بالنسبة إليه بمنزلة واحدة، يعاملهم بالعدل، و يجري عليهم أحكامه.

فالدعوة التي يعرضها على هذا الملك ليست دعوة لشخص، يريد أن يستأثر لنفسه بشيء، من حطام الدنيا، بل هي دعوة للّه سبحانه. .

3-ثم إنه هو اللّه الرحيم بعباده، و القريب إليهم، و ليست هذه الرحمة أمرا عارضا له. بل هي من تجليات ذاته، و باهر صفاته. .

4-و اللّه تعالى هو المالك لكل شيء، و الغني عن العباد، فهو إذن لا يحتاج إلى ملك كسرى، و لا إلى ملك سواه، و لذلك لم يطلب منه التخلي عنه، بل طلب منه فقط: أن يخضع لأوامره و نواهيه، و أن يكون في موضع رضاه، لا رضا أحد من بني البشر، و خضوعه لأوامر اللّه تعالى لا يزيد في ملكه، و لا يضيف إليه شيئا من العظمة، أو القوة و المجد، و إنما هو أمر يعود نفعه عليه، و هو كرامة و شرف له. .

فلا ينبغي إذن أن يخشى على ملكه، و لا أن يستكبر على ربه. .

عظيم فارس:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صدّر كتبه إلى ملك الفرس، و الروم، و الحبشة، و مصر، و البحرين بكلمة عظيم فارس، و عظيم البحرين، و بكلمة صاحب كذا-كما في بعض النصوص. .

و بذلك يكون:

أولا: قد خاطبه بما يرضيه من أوصاف و لكنها واقعية، فليس له أن يجد في نفسه أية غضاضة، كما أنه ليس لديه ما يتذرع به لإظهار التغيظ، بحجة أنه قد أهانه أو غمطه حقه، حيث لم يكن الخطاب لائقا، و لا مناسبا لمقامه، فيزيّن لنفسه الخلاف، و يجد من يعذره أو يتعاطف معه في أي موقف سلبي يتخذه تجاه من يدعوه، و ما يدعوه إليه. .

ثانيا: إنه بذلك يكون قد تحاشى الإقرار بالملكية لهؤلاء، خصوصا بملاحظة كونه رسول اللّه، و خاتم النبيين، و لا يريد أن يسجل أمرا قد يتعلق به طلاب اللبانات، و يتخذونه ذريعة لادعاءات الأحقية بالاستناد إلى الاعتراف لهم بالسلطة و الحاكمية في مجالات بعينها، ثم تتعقد الأمور و لا يجد الناس العاديون القدرة على المناقشة في هذا الأمر، و بذلك يتمكن «صلى اللّه عليه و آله» من إخضاع أولئك المدّعين لمقتضيات أحكام الدين و شرائعه القاضية: بأنه لا ملك و لا سلطة للكافر، بل ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لمن ولاّه، و أقر له به، وفقا لقوله تعالى:

. . إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1).

و بذلك يتم تحصين الناس من سيئاتهم، و سوف لا يصغي الكثيرون منهم بعد هذه المزاعم أولئك الطامعين، و سيفتح أمامهم المجال الواسع للنقاش القوي في دلالة كلمة «ملك فارس» أو نحوها على الاعتراف له بالملك، و سيقولون لهم: إنها لمجرد الإشارة لموقعه الفعلي الذي هو فيه، حتى لو كان قد حصل عليه بالبغي، و الظلم، و الابتزاز، و ليس فيها دلالة على الرضا ببقائه في هذا الموقع أو عدمه.

و هذا نظير ما كتبه الإمام الحسن «عليه السلام» في وثيقة الهدنة مع معاوية من أنه سلمه «الأمر» حيث لم يقل: «سلمه الخلافة» ، أو الإمامة، أو الملك، أو ما إلى ذلك. .

سلام على من اتبع الهدى:

و ها هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبلّغه عن اللّه تعالى: أن دعوته تقوم على السلام، لا على الحرب، و تسير و تستمر بالرضا دون السخط، و بالرأفة، لا بالجبروت، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يكتب لغير المسلم «سلام على من اتبع الهدى» و يكتب للمسلم «سلام عليك» أو «سلم أنت» .

و كلمة «سلام على من اتبع الهدى» إنشاء للالتزام بسلام مشروط باختيار طريق الهدى، و يتضمن تلويحا بالحث و الإغراء باختيار هذا الطريق و اتّباعه.


1) الآية 128 من سورة الأعراف.

كما أنه يشير إلى: أن ما يطلبه منه هو-فقط-اتباع الهدى، و ما أرضاها من دعوة، و ما أيسره من طلب، إذ إن أحدا لا يستطيع أن يتنكر للهدى، و لا أن يعادي دعاته.

ثم هو «صلى اللّه عليه و آله» لا يتهم كسرى بالضلال، بل هو يدعوه لاتباع الهدى، فإن الاتهام بالضلال مما يرفضه الناس عادة، و لكنهم لا يرفضون أن ينسب إليهم التقصير في اتباع الهدى.

فما أجمل السلام، و ما أحب الهدى. . و ما أروع الحياة في ظل ذاك، و في حظ هذا. . و لأجل ذلك كانت أول كلمة يكتبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى كسرى هي: «سلام على من اتبع الهدى» .

و هو سلام يغري بالرد عليه بمثله، و يفسح المجال لإظهار الرغبة في معرفة هذا الهدى، و في اتباعه بعد التحقق منه.

و آمن باللّه و رسوله:

ثم تأتي الكلمات التالية في الكتاب لتشير إلى: أن اتباع الهدى إنما هو من خلال الإيمان باللّه عز و جل، و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و الشهادة للّه بالوحدانية. .

و هذا الإيمان باللّه، و الاعتراف به هو الأساس، و هو المطلوب لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس المطلوب له أي شيء آخر مما يطلبه ملوك الدنيا عادة من بعضهم البعض.

و أول درجات الإيمان هو الاعتراف بوجود اللّه سبحانه، ثم الإيمان، بمعنى: أن يلزم نفسه، باحتضانه في داخل كيانه، و في عمق وجدانه، ليعيش

الإحساس بالأمن و السكينة معه. .

ثم أن يقر: بأن للّه رسلا يربطون المخلوق بخالقه، و يبلغون الناس عنه، و يرشدونهم إليه، و يعرّفونهم على ما يرضيه، و ما يسخطه ليختاروا هم أنفسهم أن يكونوا في مواقع رضاه سبحانه، و يختاروا اجتناب مواقع سخطه.

الشهادة للّه بالوحدانية:

و يأتي بعد ذلك: الطلب إليه أن يشهد للّه تعالى بالوحدانية، و نفي الشركاء له، فلا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له. و شهادته بذلك تعني: الاعتراف بهذه الحقيقة، و تأكيدها من موقع المعرفة الفطرية، و الوجدانية، و العقلية، التي تصل إلى حد الرؤية و المشاهدة الحقيقة لفاقديّة، و لعجز، و ضعف، و نقص كل ما عدا اللّه سبحانه، و أن كل واجدية و كمال، و قوة، فإنما هو باللّه تعالى و منه.

و هذا معناه: أنه لا إله إلا اللّه وحده.

و أنه لا شريك له، يعينه، و يضاعف قوته، و يجبر ضعفه.

و أن محمدا عبده و رسوله:

ثم هو يطلب منه، و من الناس جميعا: أن يشهدوا أن رسل اللّه تعالى باقون في موقع العبودية له، و لا تكسبهم رسوليتهم أي عنصر إلهي، و لا ترتفع بهم إلى درجة أن يكون لهم استقلال حقيقي عنه سبحانه في جميع تصرفاتهم. .

فدرجات فضلهم، و ما ينالونه من مقامات و كرامات عنده، إنما هي بتدرّجهم في مقامات العبودية له، و المعرفة به، و الطاعة و الخضوع لديه. .

و باب العبودية هذا مفتوح أمام جميع المخلوقات، فمن دخله كان آمنا و نال من البركات و الفيوضات، و الكرامات و المقامات بمقدار إيغاله فيه، و تحققه به. .

و لا بد أن يعرف البشر جميعا هذا الأمر، معرفة حقيقية تخولهم إقامة الشهادة به. . و لا يكفي مجرد إخبارهم به في آية قرآنية، أو في خبر نبوي. .

و هذا ما يفسر لنا: إدراج هذا الأمر في سياق الشهادة التي طلبها «صلى اللّه عليه و آله» من كسرى حيث قال: «و أن محمدا عبده و رسوله. .»

أدعوك بدعاية اللّه:

و حين أراد «صلى اللّه عليه و آله» الشروع في إبلاغ دعوته لكسرى، قال له: «أدعوك بدعاية اللّه» .

فكسرى إذن، لا يواجه تحديا من إنسان مثله، قد تأخذه العزة في مواجهته، أو يأنف من التواضع له، بل هو يواجه طلبا من إله الوجود كله، و هو قوة لابد أن يعترف لها بالقدرة و الإحاطة و المالكية و الهيمنة.

و لا بد من الاستجابة لهذا الطلب؛ لأن الاستجابة له لا تضر بمصالحه، و لا تنقص من هيبته، و لا تحد من نفوذه، و لا تختزل من ثرواته، و لا تقتطع شيئا من ملكه، بل هي تزيده شوكة و عزة، و نفوذا، و سعة في الرزق، و ما إلى ذلك. .

إنها دعوة اللّه له للنجاح و الفلاح، و السداد و الرشاد، و الاستقامة على جادة الهدى الإلهي، و ليست دعوة للذل و العبودية للأشخاص، و إنما ليكون عبدا للّه وحده. .

فإني أنا رسول اللّه:

و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أضاف كلمة «أنا» في قوله: «فإني أنا رسول اللّه. .» و قد كان يمكن الاستغناء عنها بأن يقول: «فإني رسول اللّه. .» .

فلعل السبب في إضافتها: أنه يريد أن يذكّرهم: بأنه هو النبي الموعود و المنتظر و المعلوم لديهم، من خلال بشارات الرسالات السماوية كلها بظهوره.

فهو بهذا التذكير لم يعد بحاجة إلى إقناع الناس بضرورة إرسال رسول، أو قد أصبحت إمكانية إرسال رسل، و بعث أنبياء أمرا مفروغا عنه، إلى حد أصبح توقع إرسالهم، و بعثتهم أمرا قائما، و محسوما، و تنحصر مهمة الإقناع بتحديد شخص المرسل، بأن هذا الشخص هو الذي بعثه اللّه تعالى، و هو النبي الموعود فعلا. .

إلى الناس كافة:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» بيّن له أنه ليس مبعوثا للعرب وحدهم، و لا لأي أمة أخرى بعينها دون ما عداها، كما كان الحال بالنسبة لموسى و عيسى «عليهما السلام» ، و سواهما ممن بعثهم اللّه لخصوص بني إسرائيل، بل هو مبعوث للناس جميعا، كما قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ (1). و قال: نَذِيراً لِلْبَشَرِ (2).


1) الآية 107 من سورة الأنبياء.

2) الآية 36 من سورة المدثر.

و قال: قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. . (1).

لأنذر من كان حيا:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» يخبر من يكتب إليه: أنه لا يطلب منه شيئا لنفسه، و إنما هو مجرد نذير له، يريد بإنذاره هذا: أن يحفظ له عزته و كرامته، و أن يجنبه مزالق الخطر، و أن يؤمّن له السعادة و السكينة، و الأمن من كل ما يحذره، و يخافه، مما هو غائب عنه، و هي غيبة تظهر عجزه و فشله، و اللّه هو الذي يحميه، و يحفظه منه، و يحصيه له، و يدفعه عنه، من موقع الهيمنة و القدرة، و العزة. .

و قد أعلمه أيضا: أن هذا الإنذار الهادف إلى حفظ حياة الكرامة و السعادة للمنذرين لا يختص بفرد دون فرد، و لا بفريق دون فريق، بل هو شامل للناس جميعا، و يهدف إلى تكوين مجتمع بشري يعيش معنى السعادة، بعمق، و يشعر بالأمن بجميع فئاته، و شرائحه، أفرادا و جماعات. .

و ذلك انطلاقا من حقيقة: أن البشر كلهم يحتاجون إلى الأمن، و إلى السلام و السلامة، و يستوي في ذلك العربي و الأعجمي، و الأبيض و الأسود و الملك، و حفار القبور.

و يحق القول على الكافرين:

و على هذا الأساس، فإنه إذا اختار أحد طريق الجحود، و لم يستجب لنداء اللّه سبحانه، فإنه تعالى هو الذي يجري عليه سننه، و يتولى عقوبته، و تكون خصومته معه تبارك و تعالى، لا مع غيره. . فإن كان لأحد من الناس


1) الآية 158 من سورة الأعراف.

موقف منه، فإنما هو الموقف الذي أراده اللّه تعالى منهم.

و في التعبير بكلمة: «يحق القول» إشارة إلى حتمية حلول العقوبة بالكافر، من حيث إنها قرار إلهي، و القرار الإلهي نافذ لا محالة. .

أسلم تسلم:

و يأتي قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «أسلم تسلم» بمثابة نتيجة طبيعية لكل تلك المقدمات التي قررت: أن المقصود هو: حفظ الإنسان كله.

أو فقل: حفظ كل من كان حيا، من المهالك و الرزايا، و المصائب و البلايا، و أن الذي يختار طريق الكفر، فلا نجاة و لا سلامة له إلا باتباع الهدى، و الإسلام و الاستسلام للّه سبحانه و تعالى، و امتثال ما أمر به، و اجتناب ما نهى عنه. .

فليست هذه الكلمة تهديدا لكسرى بالحرب، و لا هي إكراه له على الإسلام، حتى إذا خالف كانت عقوبته السيف. .

و مما يشير إلى ذلك أيضا قوله:

فإن أبيت فعليك إثم المجوس:

حيث دلت هذه الكلمة: على أن الكلام إنما هو عن السلامة في الآخرة، و النجاة من مهالكها، إذ لو كان قوله: «أسلم تسلم» تهديدا لكسرى بالقتل، لو لم يسلم، فالمناسب هو أن يقول له: فإن أبيت، فالسيف بيننا و بينك. .

و لكنه لم يقل ذلك، بل أثبت عليه إثم الإنسان الذي يضل، و يتسبب بالضلال لغيره أيضا، و هذا الإثم إنما تظهر آثاره في الآخرة فقط، أما عقوبة الدنيا، فهي حتى لو كانت هي القتل، فإنها تبقى أقل من الجريمة التي

ارتكبت، غير أن هذه العقوبة لا تعيد الناس إلى الهدى، و لا تدفع مفسدة إضلالهم، خصوصا إذا كان هذا الإضلال سينال أمة عظيمة كتلك التي يحكمها كسرى. .

و لا تزر وازرة وزر أخرى:

و من جهة ثانية نقول:

صحيح أن الإيمان و الكفر يقعان تحت اختيار الإنسان، و صحيح أنه: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ. . و أنه: لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ .

و لكن من الصحيح أيضا: أن هناك من يسهم في إضلال الناس، و في تعمية الأمور عليهم، و يعمل على إيقاعهم في الشكوك و الشبهات، أو هو على الأقل يسد منافذ الهداية، و يحرمهم من فرص التعرف على الحق، و من الوصول إليه. . و هذا من أعظم الآثام، و من موجبات عقوبة الإله الملك العلام بلا ريب. .

فإذا كان كسرى أو قيصر قد أوجب حجب نور الهداية عن المجوس، أو عن الأكّارين، أو عن الأريسيّين، و استضعفهم، و منعهم من السعي للوصول إليه، و الحصول عليه، أو منع الناس المخلصين من إيصال الحق إليهم، و من إثارة دفائن عقولهم، بالبراهين الساطعة، و الأدلة القاطعة، فإنه سيكون هو المتحمل لإثم ما هم فيه من كفر و ضلال، و فساد و انحلال. و قد قال تعالى: وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ. . (1).


1) الآية 13 من سورة العنكبوت.

و قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزٰارَهُمْ كٰامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ مِنْ أَوْزٰارِ اَلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ. . (1).

إثم المجوس أو إثم الأكارين:

و قد ورد في بعض نصوص الكتاب: بدل قوله: «فعليك إثم المجوس» قوله: «فعليك إثم الأكّارين» (2)أو نحو ذلك.

و في نقل ابن خلدون: «فإن أبيت فإثم الأريسيّين عليك» (3). و هي


1) الآية 25 من سورة النحل.

2) أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 241 و راجع: البحار ج 20 ص 388 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 325 و شرح مسلم ج 12 ص 109 و عن فتح الباري ج 1 ص 36 و عن المعجم الكبير ج 8 ص 19 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 93 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 36 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 498 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 345.

3) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 37 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 93 و ج 23 ص 424 و 427 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 353 و البحار ج 20 ص 387 و 395 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 325 و 390 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3213 و مسند أحمد ج 1 ص 263 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 234 و ج 4 ص 4 و ج 5 ص 169 و صحيح مسلم ج 5 ص 165 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 178 و شرح مسلم ج 12 ص 107 و 109 و عن فتح الباري (المقدمة) ص 76 و عن ج 3 ص 121 و ج 8 ص 166 و 167 و الديباج على مسلم ج 4 ص 380 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 346 و الأدب المفرد ص 237 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 367 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 311 و مسند الشاميين ج 4 ص 219 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 495 و الأحاديث الطوال ص 63 و عن المعجم الكبير ج 8 ص 16 و 18 و 22 و كنز العمال ج 4 ص 384 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 106 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 379 و الدر المنثور ج 2 ص 40 و فتح القدير ج 1 ص 348 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77 و البداية و النهاية ج 4 ص 302 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 501 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 41.

الكلمة التي وردت في رسالته «صلى اللّه عليه و آله» لقيصر. .

و الأكّارون هم الزراع، و هم أسرع انقيادا إلى ملوكهم من غيرهم، لأن الغالب عليهم الجهل و التقليد، كما أن الغالب على حكومتهم الظلم لهم (1). و شدة الوطأة عليهم.

و ذكر العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : أن الأريس و الإرسيس كجليس و سكيت: هو الأكّار، كما عن ابن الأعرابي.


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 325 و البحار ج 20 ص 382 و 389 و ج 22 ص 250 و مسند أحمد ج 1 ص 243 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 414 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 436 و الأحاديث الطوال ص 60 و عن المعجم الكبير ج 20 ص 9 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 259 و تاريخ خليفة بن خياط ص 47 و 62 و تاريخ بغداد ج 1 ص 142 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 357 و عن الإصابة ج 1 ص 463 و كتاب المحبر ص 77 و فتوح البلدان ج 2 ص 358 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 652 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1025 و عن عيون الأثر ج 2 ص 321 و 327 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 343 و 508 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 56 و ج 11 ص 338 و 361.

و عن أبي عبيد: أنهم الخدم و الخول.

و قال الأزهري: و هي لغة شامية، و هم فلاحو السواد، الذين لا كتاب لهم.

و قيل: هم قوم من المجوس، لا يعبدون النار، و يزعمون أنهم على دين إبراهيم.

و المراد: أن عليه إثمهم، لأنهم بقوا على ضلالهم بسببه.

و سيأتي كلام آخر عن المراد من الأريسيّين في كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قيصر ملك الروم، إن شاء اللّه تعالى.

من هو حامل الرسالة؟ !

و قد ذكروا: أن حامل الكتاب إلى كسرى هو عبد اللّه بن حذافة السهمي (1).

و قيل: هو خنيس بن حذافة (2).


1) راجع: كنز العمال ج 10 ص 418 و عمدة القاري ج 18 ص 58 و البداية و النهاية ج 4 ص 269(و ط دار إحياء التراث) ص 306 عن ابن جرير و الكامل ج 2 ص 213 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و نصب الراية ج 6 ص 562 و مسند أحمد ج 1 ص 243 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 189 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 349 و تهذيب الكمال ج 1 ص 197 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 12 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 508 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 362 و الروض الأنف ج 3 ص 68 و التنبيه و الإشراف ص 225 و عن فتح الباري ج 8 ص 96.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 283 و عن فتح الباري ج 8 ص 96 عن ابن شبة، و الآحاد و المثاني ج 1 ص 446 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 173 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 334.

و قيل: شجاع بن وهب (1).

و قيل: عمر بن الخطاب (2).

و هذا القول الأخير بعيد جدا عن الصواب، إذ لو صح أن عمر كان هو الرسول إلى كسرى، لرأيت الكتب مملوءة بالتفاصيل و بالدقائق، و اللطائف، و لربما تجد فيها من البطولات، و العجائب، و المعجزات و الغرائب ما يملأ عشرات الصفحات، و لألفيت ذلك حديث المجالس و الندوات، في الغدوات و العشيات! !

و لكن اللّه سلّم! !

حديث تسليم الكتاب:

و قد ذكروا: أن كسرى أذن لحامل الكتاب بالدخول عليه، فلما دخل: أمر بقبض الكتاب منه، فقال: لا. حتى أدفعه إليك كما أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فدنا منه، و سلمه الكتاب.

فدعا كسرى من يقرؤه فلما قرأ: من محمد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس، غضب كسرى حيث بدأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، و صاح، و أخذ الكتاب، فمزقه قبل أن يعلم ما فيه، و قال: يكتب إليّ بهذا و هو عبدي؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 283 و دلائل النبوة ج 4 ص 388 و البداية و النهاية ج 4 ص 269 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 507.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 283 و عن فتح الباري ج 8 ص 96 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 327 و البداية و النهاية ج 7 ص 175.

و أمر بإخراج حامل الكتاب، فأخرج. فقعد على راحلته و سار. .

فلما ذهب عن كسرى سورة غضبه، بعث في طلب حامل الكتاب، فطلب، فلم يوجد.

و وصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره بما جرى، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : مزق كسرى ملكه.

و قيل: دعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق، و قال: اللهم مزق ملكه (1).

و في نص آخر: أنه دعا بالجلمين (أي المقراض) فقطعه، ثم دعا بالنار فأحرقه، ثم ندم و قال: لا بد أن أهدي له هدية.

قال: فكلمه عبد اللّه بن حذافة كلاما شديدا (2).

و لا ينافي ذلك ما قاله اليعقوبي، من أن كسرى كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا جعله بين سرقتي حرير، و جعل فيهما مسكا. . فلما دفعه الرسول إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فتحه، فأخذ قبضة من المسك فشمه، و ناوله أصحابه.

و قال: لا حاجة لنا في هذا الحرير، و ليس من لباسنا، و قال:

لتدخلن أمري، أو لآتينك بنفسي، و من معي، و أمر اللّه أسرع من ذلك. فأما كتابك فأنا أعلم به منك، فيه كذا و كذا.

و لم يفتحه، و لم يقرأه، و رجع الرسول إلى كسرى، و أخبره الخبر (3).


1) راجع المصادر المتقدمة.

2) تاريخ بغداد ج 1 ص 132 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 329.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 96 و 145 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 389 و البحار ج 20 ص 389(هامش) و تاريخ بغداد ج 1 ص 132 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 328.

و إنما قلنا: إن هذا لا ينافي ذاك؛ لأن من الجائز: أن كسرى قد مزق الكتاب أولا، ثم عاد فتدارك الأمر بإرسال الهدية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثانيا. . و لكنه شفعها بالتهديد و الوعيد.

و ربما أرسل إليه مع تلك الهدية ترابا أيضا.

فقد قال ابن شهر آشوب: إن كسرى مزق الكتاب، و بعث إليه بتراب، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : مزق اللّه ملكه كما مزق كتابي. أما إنكم ستمزقون ملكه. و بعث إليّ بتراب: أما إنكم ستملكون أرضه.

فكان كما قال (1).

عدوانية كسرى تجاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و يؤيد ما قلناه آنفا أيضا: ما يذكرونه من: أن كسرى كتب إلى (باذان) عامله باليمن: أن يسير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يستتيبه، فإن تاب، و إلا فليبعث إليه برأسه.

و في نص آخر: أمره أن يبعث إلى الحجاز رجلين ليأتيانه برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فأرسل (باذان) قهرمانه و رجلا آخر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكتاب كسرى، و كتب إليه يأمره بالمسير معهما إلى كسرى.

فدخلا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزي الفرس، و قد حلقا


1) المناقب ج 1 ص 55 و في (ط أخرى) ص 70 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 329 و البحار ج 20 ص 381 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 362.

لحاهما، و أعفيا شواربهما. فكره النظر إليهما، و قال: ويلكما من أمركما بهذا؟

قالا: أمر ربنا (يعنيان كسرى) .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لكن أمر ربي بإعفاء لحيتي، و قص شاربي، فأبلغاه بما جاءا به، فأجلهما إلى الغد.

و أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر من السماء، بأن اللّه قد سلط على كسرى ابنه فقتله في شهر كذا، لكذا و كذا، في ليلة كذا.

فلما أتاه الرسولان قال لهما: إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا و كذا، من شهر كذا و كذا، بعدما مضى من الليل سبع ساعات، سلط عليه شيرويه فقتله (1).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» تركهم خمس عشرة ليلة لا يكلمهم و لا ينظر إليهم إلا إعراضا. . ثم أمرهم أن يقولوا لباذان: إن ديني و سلطاني سيبلغ إلى منتهى الخف و الحافر و قال: قولا له: إنك إن أسلمت


1) و هي ليلة الثلاثاء، لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع. راجع: الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 16 و البداية و النهاية ج 4 ص 270 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 297 و عمدة القاري ج 2 ص 28 و ج 18 ص 58 و عن فتح الباري ج 8 ص 96 و البحار ج 20 ص 291 و 377 و 390 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 295 و الإصابة ج 1 ص 632 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 230 عنهم، و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 64 و درر الأخبار ص 174 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 357 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 38 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 509.

أعطيتك ما تحت يديك، و ملكتك على قومك (1).

فخرج الرسولان، و قدما على باذان، و أخبراه بما جرى، فقال: و اللّه، ما هذا كلام ملك، و إني لأراه نبيا، و لننظرن. .

إلى أن قال: فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه، يخبره بقتل كسرى، و يقول له: «و انظر الرجل الذي كان كسرى يكتب إليك فيه، فلا تزعجه، حتى يأتيك أمري فيه» (2).

فأسلم باذان، و أسلم من معه باليمن من أبناء فارس، و بعث إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامه، و إسلامهم (3).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 230 و 231 عن البداية و النهاية ج 4 ص 270 و عن السيرة النبوية لدحلان، و عن السيرة الحلبية، و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 204 و عن دلائل النبوة لأبي نعيم ص 295 و البحار ج 20 ص 391 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 38 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 510.

2) أرجع العلامة الأحمدي في مكاتيب الرسول ج 2 ص 331 إلى: السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لدحلان و البداية و النهاية ج 4 ص 307 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 297 و البحار ج 20 ص 391 و رسالات نبوية و الإصابة ج 1 ص 169 و 170 في ترجمة بابويه و تأريخ الخميس ج 2 ص 37 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 295 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 38 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 510.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 331 عن المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 277 و ما بعدها و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 65 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 45 و البداية و النهاية ج 4 ص 268 و ج 6 ص 306 و الكامل ج 2 ص 214 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 654 و عمدة القاري ج 2 ص 28 و ج 18 ص 58 و ج 25 ص 20 و فتح الباري ج 8 ص 96 و حياة الصحابة ج 1 ص 115-117 و مجمع الزوائد ج 8 ص 288 و الطبقات ج 1 ق 2 ص 16 و ابن أبي شيبة ج 4 ص 337 و 338 و رسالات نبوية ص 94 و المعرفة و التاريخ ج 3 ص 262 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 355 و 356 و الإصابة ج 1 ص 169 و راجع ص 170 في ترجمة بابويه و في ترجمة باذان أيضا و البحار ج 20 ص 380 و 382 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 387 و تأريخ الخميس ج 2 ص 34 و 35 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 292-295 و المنتظم ج 3 ص 283.

قريش في مهب الريح:

و حين سمعت قريش بما كان من كسرى، و بإرساله إلى باذان بأوامره فيما يتعلق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فرحوا و استبشروا، و قالوا: قد نصب له كسرى ملك الملوك. كفيتم الرجل.

و لكنهم حين سمعوا برجوع الرسولين، و قتل كسرى، و إسلام باذان، و من معه من أبناء فارس باليمن، صار رجاؤهم خيبة، و سرورهم هما و غما (1).

باذان ملك اليمن:

فلما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إسلام باذان، و من معه بعث إليه بنيابة اليمن كلها، و خاطبه في رسالته بملك اليمن، فراجع (2).


1) راجع المصادر المتقدمة.

2) مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد اللّه ص 178 و 160 عن تاريخ بيهق لابن فندق ص 141 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 333 و البداية و النهاية ج 6 ص 338.

و لم يعزله عنها حتى مات، أو قتله الأسود العنسي.

ففرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لايات اليمن بعد موت باذان على ما يقرب من عشرة رجال هم: شهر بن باذان، و عامر بن شهر الهمداني، و أبو موسى الأشعري، و خالد بن سعيد، و يعلى بن أمية، و عمرو بن حزم، و زياد بن لبيد، و الطاهر بن أبي هالة، و عكاشة بن ثور المهاجر، أو عبد اللّه (1).

باذان و عقله:

و قد ظهر من كل ذلك الذي ذكرناه: أن باذان كان رجلا حكيما عاقلا، و منصفا، و أنه لم يتخذ موقفه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بدافع الهوى و العصبية، أو الغرور و العنجهية الطاغية، أو من خلال حسابات مصلحية، و مطامع دنيوية، بل كان الرجل المتأني، الذي لا يستكبر عن قبول


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 333 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 6 ص 307 و البحار ج 21 ص 407 و تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 59 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 241 و الإصابة ج 1 ص 170 و 759 و ج 2 ص 222 في ترجمة طاهر بن أبي هالة و الطبري ج 2 ص 655 و 656 و ج 3 ص 158 و 227-229 و الكامل ج 2 ص 214 و 304 و 336 و عمدة القاري ج 2 ص 29 و ج 18 ص 58 و ج 25 ص 20 و الوثائق ص 178 و حياة الصحابة ج 1 ص 114 و البحار ج 21 ص 407 و الطبقات ج 1 ق 2 ص 16 و رسالات نبوية ص 94 و 95 و المعرفة و التأريخ ج 3 ص 262-266 و تاريخ الخميس ج 2 ص 35-37 و أسد الغابة ج 1 ص 163.

الحق، حين ظهور دلائله.

كفاية باذان:

كما أن تولية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له على اليمن كلها ما دام حيا، يدل على ثقته «صلى اللّه عليه و آله» بكفايته و بتدبيره، حتى لقد احتاج «صلى اللّه عليه و آله» إلى حوالي عشرة رجال ليقوموا مقامه بعد وفاته أو استشهاده على يد الأسود العنسي.

فرحم اللّه باذان، و هنيئا له ثقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» به، و أناله في الآخرة شفاعته إنه ولي قدير.

باذان لم يسلم طمعا:

و لا ينبغي أن يفهم من طريقة تعامل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع باذان: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أعطاه رشوة على إسلامه، و ذلك لأن باذان قد أسلم استنادا إلى ظهور معجزة و كرامة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لاقتناعة بصدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يقول، حيث ظهر له صحة ما أخبر به من قتل كسرى على يدي ابنه، و ذلك قبل حدوث هذا القتل، بالإضافة إلى شواهد و دلائل أخرى وجدها في رسائله، و في ما يدعو إليه، و في سلوكه مع المبعوثين الذين أرسلهم إليه، و ربما من أمور أخرى عرفها عنه أيضا. .

و يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبره بالقتل قبل وقوعه: رسالته له التي يقول فيها: «إن اللّه وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا و كذا، فانتظر ذلك» .

و قد يقال: إن هذا ينافي ما تقدم، من قوله «صلى اللّه عليه و آله» لرسل باذان، و هم عنده في المدينة: «إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا و كذا، من شهر كذا و كذا، بعد ما مضى من الليل سبع ساعات، سلط عليه شيرويه فقتله» .

و أن ذلك قد حصل ليلة الثلاثاء لعشر مضين من شهر جمادى الأولى سنة سبع.

و يمكن أن يجاب: بأن رسالته لباذان صريحة في: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم: بأن ذلك سوف يحصل لكسرى. و أن الذي يتولى ذلك منه هو ابنه. . فهي أولى بالاعتبار؛ لأن شاهد صدقها هو: إسلام باذان، استنادا إلى ظهور صدق ما أخبره به فيها.

فلعل في الكلمات المنقولة عنه «صلى اللّه عليه و آله» مع رسولي باذان، بعض التصرف الذي أوجب خللا فيها. .

أو يقال: لعله أرسل الرسالة إلى باذان قبل عودة رسوليه إليه، و قبل أن يخبرهما بالأمر.

بل قد يحاول البعض أن يقول: إن التعبير بصيغة الماضي في قوله: «قتل ربكما» و قوله: «سلط عليه شيرويه» ما هو إلا إخبار عن المستقبل بصيغة الماضي، للدلالة على أن هذا الأمر المستقبلي قد قضي و حتم حتى ليصح الإخبار عن حصوله فعلا، فهو نظير، قول الواهب: أعطيتك ألف درهم، في إشارة منه إلى أن ذلك حتمي إلى حد يمكن أن يقال عنه: إنه قد حصل و مضى و انتهى. .

تفاؤل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تكلم بما يفيد: أنه تفاءل بتمزيق ملك كسرى؛ لأن كسرى مزق كتابه، و بأنه يملك بلاده؛ لأن كسرى أرسل إليه من ترابها.

و نحن و إن كنا قد قدمنا في جزء سابق بعض الحديث عن موضوع التفاؤل، الأمر الذي أغنانا عن إعادة ذلك هنا.

غير أننا نشير: إلى أنه لا دليل على أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» هذا قد جاء على سبيل التفاؤل، بل هو إخبار غيبي لا بد أن يعتبر من أعلام النبوة، و من دلائلها، التي تشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تلقى ذلك عن اللّه تعالى، و هذا هو جزاء كسرى على جرأته على اللّه و رسوله، و هو العقوبة العادلة له على بغيه، و إجرامه في حق الدين و الإنسانية، حيث بادر إلى تمزيق كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دون أي مبرر لذلك سوى ما كان يضج في باطنه من خبث، و صلف، و ما كان يعتلج في صدره من سوء سريرة، و سقوطه الشائن و المهين في حمأة الجهل، و البغي، و الاستكبار، و من يكون كذلك فإنه يستحق هذه العقوبة الإلهية و لا يتوقع له سوى الخذلان و الخزي و الخسران الأكيد، و الاندحار الذليل أمام دعوة الحق و الصدق، و العدل، و الهدى.

كما أن إعلان النبي «صلى اللّه عليه و آله» للناس بهذا الأمر، من شأنه أن يربط على قلوب المؤمنين منهم، و أن يكبت أعداءهم، و يكون ذلك للأجيال الآتية، الذين يشاهدون صدق هذا الخبر، سبيل هداية و نجاة. .

حلقا لحاهما:

و مما يثير الانتباه أيضا موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من رسولي باذان، حين رآهما و قد حلقا لحاهما، و أعفيا شواربهما، حيث كره النظر إليهما، و اعترض عليهما بشدة، و قال: و يلكما من أمركما بهذا؟ ! . .

فإن هذه الشدة في الاعتراض تشير إلى أن ذلك كان بالغ القبح عنده، و أن قبحه هذا يدعوه إلى إظهار النفور من فاعله، حتى لو كان غير مسلم، أو من أهل بلد لم يدخل في طاعة أهل الإسلام.

و الحديث حول حلق اللحية أو إعفائها جوازا و منعا ليس محله هنا.

الفصل الثالث: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر

اشارة

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر:

هذا و قد كتب «صلى اللّه عليه و آله» أيضا إلى قيصر كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، و نص الكتاب هو التالي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين و تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ » (1).


1) لقد كفانا العلامة الأحمدي مؤونة تتبع مصادر هذا الكتاب، حيث أشار في كتابه القيم: مكاتيب الرسول ج 2 ص 391 و 392 إلى المصادر التالية، وفقا للطبعات المتوفرة لديه: السيرة الحلبية ج 3 ص 275 و زيني دحلان ج 3 ص 61 و رسالات نبوية ص 311 و مسند أحمد ج 1 ص 263 و تهذيب تأريخ ابن عساكر ج 1 ص 141 و ج 6 ص 392 و 390 و ج 5 ص 22 و اليعقوبي ج 2 ص 67 و صبح الأعشى ج 6 ص 363 و 364 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 120 و ج 2 ص 584 و 585 و المنتظم ج 3 ص 278 و 279 و كنز العمال ج 2 ص 275 و في (ط أخرى) ج 4 ص 237(1942) (عن أحمد و البيهقي و النسائي) و ج 10 ص 385 و 417 و 419 و 411 و الدر المنثور ج 2 ص 40(عن عبد الرزاق، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و ابن أبي حاتم و البيهقي في سننه) و ج 4 ص 30 و مشكل الآثار للطحاوي ج 2 ص 397 و 398 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 290 و المعجم الكبير للطبراني ج 4 ص 266 و ج 8 ص 17-27 بطرق متعددة و ج 25 ص 236 و ج 12 ص 242 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 418 و سنن أبي داود ج 4 ص 335 و الأموال لأبي عبيد ص 32 و 362 و أعيان الشيعة ج 1 ص 244 و صحيح البخاري ج 1 ص 7 و 83 و ح 4 ص 54 و 55 و 57 و ج 6 ص 45 و ج 9 ص 193 و ج 8 ص 72 و صحيح مسلم ج 3 ص 1396 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 81 و في (ط أخرى) ص 212 و الطبري ج 2 ص 291 و في (ط أخرى) ص 649 و البداية و النهاية ج 4 ص 264 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 33 و الأغاني ج 6 ص 93 و المواهب اللدنية للقسطلاني ج 3 ص 384 و إعلام السائلين ص 10-19 و ناسخ التواريخ في سيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ص 274 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 142 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 5 و ج 1 ص 1 و مآثر الإنافة ج 3 ص 247 و فقه السيرة ص 371 و التأريخ لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 36 و تأريخ الخميس ج 2 ص 33 و الفائق للزمخشري ج 1 ص 36 و 14 و حياة الصحابة ج 1 ص 110 و تفسير القرطبي ج 4 ص 105 و تفسير المنار ج 3 ص 328 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 60 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 379 و 380 و 384 و عبد الرزاق ج 5 ص 346 و الوثائق ص 107/26 و قال: قابل مسند أحمد ج 3 ص 133 و ج 4 ص 74 و 75 و أشار إلى المجلات العصرية المتعرضة للكتاب و نقله أيضا عن جمع ممن تقدم (و عن تفسير النسائي ج 3 ص 441 و المنتقى لأبي نعيم ورقة 132 و صبح الأعشى ج 6 ص 376 و مفيد العلوم و مبيد الهموم للقزويني ص 17 و وسيلة المتعبدين ص 8 مخطوطة بانكى پور في الهند ورقة 27 و الإمتاع للمقريزي (خطية كوپر لو) ص 1012 و المبعث و المغازي للتيمي خطية ورقة 12 و الوفاء لابن الجوزي ص 724) و راجع: مدينة البلاغة ج 2 ص 247 و مرقاة المصابيح ج 4 ص 221 و مشكاة المصابيح بهامش المرقاة ص 221 و حياة محمد لهيكل ص 352 و المصباح المضيء ج 2 ص 77 و نشأة الدولة الإسلامية ص 299 و 300. و أشار إلى الكتاب: الترمذي ج 5 ص 68 و البحار ج 21 ص 286 و ج 17 ص 207 و ج 15 ص 30 و ج 4 ص 100 و ج 20 ص 386 و الجامع للقيرواني ج 1 ص 288 و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 16 و ج 4 ق 1 ص 18 و التنبيه و الإشراف ص 226 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 177 و ج 10 ص 130 و 131 و مسند أحمد ج 1 ص 262 و تفسير گازر ج 2 ص 65 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 371 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 275 و ابن هشام ج 4 ص 254 و النهاية لابن الأثير في «دعى» و «أرس» و كذا في لسان العرب. و راجع: فتح الباري ج 13 ص 430 و ج 1 ص 35 و ج 6 ص 79 و ج 8 ص 165 و العمدة ج 1 ص 79 و ج 14 ص 210 و ج 18 ص 144 و عون المعبود ج 4 ص 498 و 499 و مجمع الزوائد ج 5 ص 306 و الأم للشافعي ج 4 ص 171.

مضامين الكتاب:

و بالمراجعة و المقارنة بين كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لكسرى، و كتابه لقيصر، يتضح مدى التوافق بين الكتابين، باستثناء اختلافات يسيرة فيما بينهما، سوف نحاول الإلماح إلى بعض ما تمس الحاجة إليه، فنقول:

يؤتك اللّه أجرك مرتين:

ورد في الكتاب قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «يؤتك اللّه أجرك مرتين» و هذا يتضمن إشارات لأمور عديدة، منها:

أولا: لقد ذكر له «إيتاء الأجر» لا إعطاءه، و الإيتاء يتضمن معنى الجزاء بل قد فسر به (1).

و هو أيضا يشير إلى: أن ما يصل إليه إنما هو أحد طرفي معاملة أو فقل مبادلة من طرفين، فهو نظير آسى، و آكل أي أن الإيتاء إعطاء على سبيل المقابلة بشيء قد أوجب ذلك، و دعا إليه. . و قد يستبطن ذلك معنى السهولة و اليسر أيضا.

ثانيا: إن هذا الإيتاء الذي جاء على سبيل المقابلة و الجزاء على فعل الإسلام، إنما هو من اللّه تعالى، فلا منة فيه لأحد عليه، و لا يطلب منه شكر و مكافأة لمخلوق مثله. .

ثالثا: إن هذا العطاء داخل في مقولة الأجر و المثوبة التي أوجبها إيمان؛ يعتبر عند اللّه عملا محترما، و محفوظا لعامله الذي قام به باختياره، و ليس استجابة لعملية ابتزاز، و قهر، و إخضاع مذل. بل هو أمر فرضه على العامل معرفته بواقع كونه مربوبا، لا بد أن يؤدي فروضه و واجباته بأمانة و صدق و إخلاص.

رابعا: لعل إيتاء الأجر مرتين، إنما كان لأجل إيمانه نفسه.

أو ربما يكون الأجر مرتين هو أجر الدنيا و أجر الآخرة. .


1) راجع: لسان العرب ج 1 ص 67.

أو ربما لأجل إيمانه نفسه و ايمان قومه.

و ربما يكون ذلك جاريا وفق السنة في أهل الكتاب، فقد قال تعالى: اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ قٰالُوا آمَنّٰا بِهِ إِنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّنٰا إِنّٰا كُنّٰا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمٰا صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ اَلسَّيِّئَةَ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ (1).

و روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين» (2).

و ذلك لأن أهل الكتاب ينالون أجرهم مرة بصبرهم على أذى الطواغيت، و أذى المنحرفين عن الحق، و ذلك في المرحلة السابقة على ظهور نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . و ينالون أيضا أجرا آخر من أجل إيمانهم بمحمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحملهم الأذى في جنب اللّه تعالى.

إثم الأريسيّين:

و قد جاء في الكتاب إلى هرقل: «فإن توليت، فإنما عليك إثم الأريسيّين» .

و قد ذكر العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : اختلافات الناقلين في هذه


1) الآيات 52-54 من سورة القصص.

2) راجع: المعجم الكبير ج 8 ص 191 و بمعناه في ص 212 و السنن الكبرى ج 7 ص 128 و مشكل الآثار ج 2 ص 215 و 394 و مسند أحمد ج 5 ص 259 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 395 عنهم، و مجمع الزوائد ج 1 ص 93 و الدر المنثور ج 5 ص 133 و كنز العمال ج 1 ص 96 و جامع البيان ج 27 ص 317 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 405.

الكلمة أو الفقرة (1)، لا نرى حاجة للتعرض لها ههنا. .

غير أن علينا أن نشير إلى المراد بهذه الكلمة، فنقول:

قد تقدم بعض الحديث عن المراد بها، حين الكلام عن كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ملك الفرس، و نضيف إلى ذلك هنا: أن أقرب الوجوه في معناها هو:

أن المراد بالأريسيّين: أتباع آريوس أسقف الإسكندرية، الذين كانوا يقولون بالتوحيد الخالص، و أنكروا التثليث، و اعتبروا المسيح عبدا من عباد اللّه المخلصين.

و كانوا قد كثروا و انتشرت دعوتهم، فأخاف ذلك الإمبرطور الروماني قسطنطين، الذي كان وثنيا و تنصر، فجمع عددا كبيرا من الأساقفة، بلغ (318) أسقفا. . و بعد مناقشات حامية و في ظل الترهيب و التخويف سيطر أنصار التثليث على أتباع آريوس، و فرضوا عقيدة التثليث، و حوصر أتباع آريوس بقرار الكنيسة بمنع تداول عقائدهم (2).

و قال أبو عبيد: إن الأريسيّين هم الخدم و الخول (3)، الذين يصدهم أربابهم عن الدين و الحق.

و قيل: هم الأكّارون-لأنهم كانوا عندهم من الفرس، و هم عبدة


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 396 و 397.

2) راجع: تاريخ الفكر المسيحي (تأليف حنا الخضري) ج 1 ص 617، و دائرة المعارف للبستاني، كلمة «أرس» .

3) الأموال ص 33 و النهاية في اللغة ج 1 ص 38 و لسان العرب ج 1 ص 117 و عن فتح الباري ج 8 ص 167.

النار، فجعل عليهم إثمهم؛ إذ كانوا سببا في عدم إيمانهم.

و قيل: أتباع عبد اللّه بن أريس-رجل كان في الزمن الأول-قتلوا نبيا بعثه اللّه إليهم.

و قيل: الأريسيّون: الملوك، واحدهم إرّيس، فالملك هو إرّيسهم الذي يجيبون دعوته و يطيعون أمره.

و قيل: هم العشّارون (1).

ما جرى عند ملك الروم:

و نحن نذكر هنا: ما جرى عند ملك الروم، و نختار النص الذي أورده العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» ، و هو التالي:

«و كتب مع دحية إلى قيصر كتابا، يدعوه إلى اللّه تعالى و دين الإسلام، و أمره أن يدفعه إلى قيصر، فلما وصل دحية إلى الحارث ملك غسان، أرسل معه عدي بن حاتم ليوصله إلى قيصر.

فلما ذهب به إليه، قال قومه لدحية: إذا رأيت الملك فاسجد له، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك.

قال دحية: لا أفعل هذا أبدا، و لا أسجد لغير اللّه.

قالوا: إذا لا يؤخذ كتابك.

فقال له رجل منهم: أنا أدلك على أمر يؤخذ فيه كتابك و لا تسجد له.


1) النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 42 و لسان العرب ج 6 ص 6 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج 3 ص 60 و البحار ج 20 ص 388 و 396 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 397.

فقال دحية: و ما هو؟

قال: إنه له على كل عتبة منبرا يجلس عليه، فضع صحيفتك تجاه المنبر حتى يأخذها هو ثم يدعو صاحبها، ففعل.

فلما أخذ قيصر الكتاب وجد عليه عنوان كتاب العرب، و قال: إن هذا كتاب لم أره بعد سليمان:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية ثم قال: انظروا لنا من قومه أحدا نسأله عنه» .

أبو سفيان عند ملك الروم:

و روي عن ابن عباس، عن أبي سفيان، أنه قال: «في الهدنة التي كانت بيني و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرجت للتجارة إلى الشام، فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هرقل، فأرسل هرقل إليه في ركب من قريش، فأتوه و هم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، و على رأسه تاج، و حوله عظماء الروم، و دعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي.

فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا.

فقال: ادنوه مني، و قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فقال: حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو؟

قلت: شاب.

قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟

قلت: لا.

قال: فهل كان من آبائه ملك؟

قلت: لا.

قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

قلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟

قلت: لا، بل يزيدون.

قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له؟

قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا.

قال: فهل يغدر؟

قلت: لا.

قال: فهل قاتلتموه؟

قلت: نعم.

قال: فكيف كان قتالكم إياه؟

قلت: الحرب بيننا و بينه سجال.

قال: كيف عقله و رأيه؟

قلت: لم نعب له عقلا و لا رأيا قط.

قال: كيف حسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو حسب» .

قال لترجمانه: قل له: فما يأمركم به؟

قلت: يأمرنا بالصلاة، و الزكاة، و الصدق، و العفاف، و الصلة، و أن نعبد اللّه وحده لا شريك له، و ينهانا عما كان يعبد آباؤنا، و يأمرنا بالوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و الطهارة.

فقال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، و كذلك الرسل تبعث في أحساب قومها.

و سألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا.

فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.

و سألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم.

فقلت: بل ضعفاؤهم. و هم أتباع الرسل.

و سألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدّعي الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على اللّه.

و سألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له، فزعمت أن لا، و كذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب.

و سألتك هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت: أنهم يزيدون و كذلك الإيمان حتى يتم.

و سألتك هل قاتلتموه، فزعمت: أنكم قد قاتلتموه، فيكون الحرب بينكم و بينه سجالا، ينال منكم و تنالون منه، و كذلك الرسل تبتلى، ثم

تكون لهم العاقبة.

و سألتك هل يغدر، فزعمت أنه لا يغدر، و كذلك الرسل لا تغدر.

و سألتك هل قال هذا القول أحد قبله، فزعمت أن لا.

فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.

قال ثم قال: إن يكن ما تقول حقا فإنه نبي، و قد كنت أعلم أنه خارج، و لم أكن أظنه منكم، و لو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه، و ليبلغن ملكه ما تحت قدمي.

قال: ثم دعى بكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقرأه» .

و ذكر أن ابن أخي قيصر أظهر الغيظ الشديد، و قال لعمه: قد ابتدأ بنفسه و سماك صاحب الروم.

فقال: و اللّه إنك لضعيف الرأي، أترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، و هو أحق أن يبدأ بنفسه، و لقد صدق أنا صاحب الروم، و اللّه مالكي و مالكه.

و في نقل آخر: إن هذا الرجل أخوه.

قال أبو سفيان: فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، و كثر اللغط، فأمر بنا فأخرجنا.

قال: قلت لأصحابي: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر.

قال: فما زلت موقنا بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

إكرام الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

ثم أمر الملك بإنزال دحية و إكرامه، و أمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد ترك النصرانية، و اتبع دين محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فأقبل جنده قد تسلحوا حتى أطافوا بقصره.

فأمر مناديه فنادى: ألا إن قيصر إنما أراد أن يجرّبكم، كيف صبركم على دينكم، فارجعوا قد رضي عنكم.

ثم قال للرسول: إني أخاف على ملكي، إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، و الذي كنا ننتظره و نجده في كتابنا، و لكني أخاف الروم على نفسي، و لو لا ذلك لا تبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف، فاذكر له أمر صاحبكم، فهو أعظم في الروم مني، و أجوز قولا مني عندهم، صاحبك و اللّه نبي مرسل.

فجاء دحية فأخبره بما جاء به من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال ضغاطر: صاحبك و اللّه نبي مرسل، نعرفه في صفته، و نجده في كتابنا باسمه، ثم ألقى ثيابا كانت عليه سوداء، و لبس ثيابا بيضاء، ثم أخذ عصاه، ثم خرج على الروم و هم في الكنيسة.

فقال: يا معشر الروم: إنه قد جاءنا كتاب أحمد يدعونا فيه إلى اللّه، و إني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن أحمد رسول اللّه، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد فضربوه فقتلوه، فرجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر.

فقال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا، و ضغاطر كان و اللّه أعظم عندهم مني» .

و يظهر من بعض الألفاظ (كما يظهر من الإصابة عن بعض الرواة) :

أن ضغاطر اجتمع مع ملك الروم، فأقرأه الكتاب، فقال: هذا النبي الذي كنا ننتظره.

قال: فما تأمرني؟

قال: أما إني فمصدقه و مشيعه.

قال قيصر: أما إن فعلت يذهب ملكي» (1).


1) في مكاتيب الرسول ج 2 ص 405 قال العلامة الأحمدي: راجع في تفصيل بعث دحية و قصة أبي سفيان: السيرة الحلبية ج 3 ص 273 و سيرة دحلان ج 3 ص 58 و دلائل أبي نعيم:287 و 290 و البحار ج 20 ص 389 و مسند أحمد ج 3 ص 263 و تهذيب تأريخ ابن عساكر ج 1 ص 141 و ج 6 ص 392 و الدر المنثور ج 2 ص 40 و مشكل الآثار للطحاوي ج 3 ص 397 و الدلائل للبيهقي ج 4 ص 279-284 و الأموال لأبي عبيد ص 34 و 362 و أعيان الشيعة ج 1 ص 244 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 177 و ج 10 ص 130 و فتح الباري ج 1 ص 35 و ج 6 ص 79 و ج 8 ص 165 و عمدة القاري ج 1 ص 99 و ج 14 ص 210 و ج 18 ص 144 و عون المعبود ج 4 ص 498 و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 16 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 5 و البخاري ج 1 ص 2-5 و ج 4 ص 57 و تأريخ الخميس ج 2 ص 32 و البداية و النهاية ج 4 ص 262-268 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 646 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 211 و الإصابة ج 2 ص 216 و أسد الغابة ج 3 ص 41 و مجمع الزوائد ج 8 ص 236 و 237 و ج 5 ص 306-308 و حياة الصحابة ج 1 ص 104 و راجع: الطبراني في الكبير ج 12 ص 442(13607) و ج 25 ص 233-238 و ج 4 ص 266 و ج 8 ص 17-28 بأسانيد متعددة و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 344 و الروض الأنف ج 3 ص 249 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 584 و 585 و 589 و المنتظم ج 3 ص 277 و 278.

تعالوا إلى كلمة سواء:

و بعد، فإننا نلاحظ على ما تقدم ما يلي:

إنه قد ورد في كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ملك الروم قوله تعالى: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ (1).

و قد تقدم: أن بعض النصوص صرحت: بأن كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الكفار هو: تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ. . الآية (2).

و عن الزهري: كانت كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم واحدة، كلها فيها هذه الآية (3).

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب هذه الآية إلى كسرى (4).

و سيأتي: أنه كتب بها إلى المقوقس و إلى النجاشي أيضا.

و قال أبو عبيد: «كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى كسرى، و قيصر، و النجاشي كتابا واحدا:


1) الآية 64 من سورة آل عمران.

2) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن الطبراني عن ابن عباس و راجع المصادر المتقدمة.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 83 و المصادر المتقدمة.

4) راجع: الأموال ص 34 و كنز العمال ج 10 ص 417 و البحار ج 21 ص 287 الدر المنثور ج 5 ص 107 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 338 و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 189 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 320.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

من محمد رسول اللّه، إلى كسرى، و قيصر، و النجاشي.

أما بعد، تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ. . الآية» (1).

و هذه الآية قد جاءت في سورة آل عمران.

و قد ذكروا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر هذه الآية لأهل نجران، حين جاؤوا إلى المدينة (2).

و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتبها.

و قيل: نزلت لأنها نزلت سنة تسع، و هي سنة قدوم النجرانيين (3).

و قيل: بل بعد نزولها؛ لأن نزولها كان في أول الهجرة في شأن اليهود (4).

و نقول:

إن قراءة النبي «صلى اللّه عليه و آله» للآية على النجرانيين، و الطلب إليهم العمل بمضمونها لا يدل على نزول الآية في ذلك الحين، فإن مضمونها عام صالح للاستفادة منه في كل حين، و قد دلت الروايات على


1) الأموال ص 34 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 320 و 456 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 461 و كنز العمال ج 10 ص 632.

2) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير، و عن السدي.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 244 و راجع: عمدة القاري ج 1 ص 93.

4) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و عبد بن حميد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 244 و راجع: عمدة القاري ج 1 ص 93 و جامع البيان ج 3 ص 410 و 415 و فتح القدير ج 1 ص 349.

نزولها قبل ذلك حين كان يحتج على يهود المدينة.

كما أن من الجائز أن يكون أهل نجران قد جاؤوا إلى المدينة في سنة ست.

الآية تفرض التوحيد:

و ربما يتوهم بعضهم، أو يتعمد القول: بأن مفاد الآية هو دعوة أهل الكتاب إلى الالتزام بالقواسم المشتركة بيننا و بينهم، و هي عبادة اللّه، و توحيده، و يبقى ما عداها خاضعا للبحث و الحوار. .

إنه كلام غير صحيح، بل إن الآية تريد أن تلزم أهل الكتاب بالتوحيد، و أن تفرض عليهم التخلي عن الشرك، و عبادة غير اللّه، و أن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه.

و هو أمر لا يرضاه أهل الكتاب، و قد صرح القرآن بأنهم: اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ. . (1).

و صرح أيضا بشركهم، و بعبادتهم لغير اللّه عز و جل، حيث قال: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ. . (2).

و قال: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلاٰثَةٍ وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلاّٰ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّٰا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ، أَ فَلاٰ يَتُوبُونَ إِلَى اَللّٰهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كٰانٰا يَأْكُلاٰنِ اَلطَّعٰامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ اَلْآيٰاتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا


1) الآية 31 من سورة التوبة.

2) الآيتان 17 و 72 من سورة المائدة.

وَ لاٰ نَفْعاً وَ اَللّٰهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ، قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اَلْحَقِّ. . (1).

و قال تعالى: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّٰا إِلاّٰ أَنْ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا. . (2).

و قال سبحانه: وَ إِذْ قٰالَ اَللّٰهُ يٰا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ. . (3).

و قال تبارك و تعالى: وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللّٰهِ وَ قٰالَتِ اَلنَّصٰارىٰ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللّٰهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوٰاهِهِمْ يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قٰاتَلَهُمُ اَللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ، اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكٰافِرُونَ (4).

كما أن آية الجزية صريحة: في أن من أهل الكتاب، من لا يؤمن باللّه و لا باليوم الآخر، و لا يدين دين الحق (5).

فهذه الآيات كلها تدل: على أن أهل الكتاب لا يعبدون اللّه وحده لا شريك له، كما يريد أن يدّعيه هذا البعض. بل إن قوله تعالى: تَعٰالَوْا إِلىٰ


1) الآيات 73-77 من سورة المائدة.

2) الآية 59 من سورة المائدة.

3) الآية 116 من سورة المائدة.

4) الآيات 30-32 من سورة التوبة.

5) الآية 29 من سورة التوبة.

كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ. . الآية، يدل: على أنهم بعيدون عن كلمة السواء، و لا يلتزمون بها تماما كاتخاذهم أحبارهم أربابا من دون اللّه.

فإن الآية قد دعتهم إلى الالتزام بهذين الأمرين بصيغة واحدة، و سياق واحد، و ذلك يدل على عدم التزامهم بهما معا، كما قلنا. .

و يؤيد ذلك: ما روي من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلم النضر بن الحارث حتى أفحمه، ثم قال: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. . الآية، فلما خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال ابن الزبعرى: أما و اللّه لو وجدته في المجلس لخصمته، فاسألوا محمدا أكلّ ما يعبد من دون اللّه في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، و اليهود تعبد عزيرا، و النصارى تعبد عيسى.

فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا ويل أمه، أما علم أن «ما» لما لا يعقل، و «من» لمن يعقل؟

فنزلت: إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا. . الآية (1).


1) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 49 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 294 و البحار ج 18 ص 200 و القواعد الفقهية ج 5 ص 338 عن الكاشف ج 3 ص 136 و عن أسباب النزول للواحدي ص 175 و عن الدر المنثور ج 5 ص 679. و راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 111 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 241 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 53 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 465 و جامع البيان ج 17 ص 128 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 16 ص 103 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 208.

المجوس أهل كتاب:

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب بآية «كلمة السواء» إلى ملك الفرس بالإضافة إلى النجاشي، و قيصر، و المقوقس، فإن ذلك يعني: أن المجوس أيضا من أهل الكتاب.

و قد ورد في الأحاديث: أنه كان لهم كتاب فضيعوه، أو أحرقوه (1).

فتضييعهم له، لم يخرجهم عن أحكامه، و لا أوجب معاملتهم معاملة أهل الشرك.

جواب قيصر:

و يقول المؤرخون أيضا: إن قيصر قد رد دحية بن خليفة الكلبي مكرما، و أهدى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هدية، و كتب إليه:

«. . إلى أحمد رسول اللّه، الذي بشر به عيسى، من قيصر ملك الروم:

إني جاءني كتابك مع رسولك، و إني أشهد أنك رسول اللّه، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى بن مريم.

و إني دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك، فأبوا، و لو أطاعوني لكان خيرا


1) فقه القرآن ج 1 ص 342 و 344 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3183 و الكافي ج 3 ص 568 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 54 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 113 و ج 6 ص 159 و 175 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 96 و 97 و الفصول المهمة ج 2 ص 212 و البحار ج 14 ص 463 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 413 و التفسير الصافي ج 2 ص 334 و نور الثقلين ج 2 ص 202 و قصص الأنبياء للجزائري ص 514 و عن فتح الباري ج 9 ص 343.

لهم. و لوددت أني عندك، فأخدمك، و أغسل قدميك» (1).

و جعل كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الديباج و الحرير، و جعله في سفط (2).

فلما وصل كتابه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: «يبقى ملكهم ما بقي كتابي عندهم» (3).

و نقل الحلبي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «كذب عدو اللّه، إنه ليس بمسلم» (4).

و قد ذكر السهيلي: أن هرقل وضع كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كتب إليه في قصبة من ذهب، تعظيما له، و أنهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر، في أرفع صوان، و أعز مكان، حتى كان عند


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و 68 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 246 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع مع الحلبية) ج 3 ص 63 و الروض الأنف ج 4 ص 196 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 410.

2) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 291 و راجع: الروض الأنف ج 4 ص 197 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 354.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 68 و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 442 و ج 4 ص 74 و البحار ج 20 ص 386 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 416 و مجمع الزوائد ج 8 ص 235 و عن فتح الباري ج 1 ص 42 و كنز العمال ج 1 ص 268 و البداية و النهاية ج 5 ص 20 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 28 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 458 و ج 11 ص 355.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 246 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع مع الحلبية) ج 3 ص 63 و موارد الظمآن ص 393.

«أذفونش» الذي تغلب على طليطلة، و ما أخذ أخذها من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته، المعروف ب‌ «السليطين» .

حدثني بعض أصحابنا: أنه حدثه من سأله رؤيته من قواد أجناد المسلمين، كان يعرف بعبد الملك بن سعيد، قال: فأخرجه إلي، فاستعبرته، و أردت تقبيله، و أخذه بيدي، فمنعني من ذلك، صيانة له، و ضنا به عليّ.

حراجة موقف أبي سفيان:

و لا نريد التعليق على المحاورة التي جرت بين قيصر و أبي سفيان، بل نكتفي بالقول: إن أبا سفيان لم يكن سعيدا حين كان يجيب على أسئلة قيصر، و ذلك من جهتين:

إحداهما: أنه يرى: أعدى أعدائه قد أصبح يشكل قضية كبيرة لقيصر، و لكسرى، و لغيرهما من ملوك الأرض، و أن هؤلاء الملوك الأقوياء جدا لم يستهينوا بأمر هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل تلقوا أمره، و قرأوا كتبه لهم باهتمام بالغ، و بجدية ظاهرة، و كان موقفهم منه يتسم بكثير من التروي، و الحرص على عدم ظهور أية بادرة عداء من قبلهم تجاهه، سوى ما ظهر من كسرى. .

و قد أسلم بعض هؤلاء الملوك، أو أسلم كبار من أعوانهم و رجالاتهم، و من لم يعلن إسلامه، فإنه اتخذ جانب المداراة، و التودد له، و أرسل له الهدايا، و خصه بالعبارات الرضية، و الرقيقة. .

و هذا أمر لا بد أن يزعج أبا سفيان جدا، إلى حد الصدمة، و يجعله أكثر يأسا من الوصول إلى مبتغاه، ألا و هو القضاء على دعوته، و التخلص من

الدين الذي جاء به بيسر و سهولة. .

الثانية: إنه وجد نفسه مضطرا للصدق في أجوبته على أسئلة قيصر، ليحفظ لنفسه موطئ قدم لديه، و لا بد أن يكون ذلك صعبا عليه؛ لأنه يدرك أن كلماته سوف تترك انطباعا إيجابيا لدى قيصر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أمر كان أبو سفيان يخشى عواقبه و تبعاته كل الخشية، و لا يرضاه في حال من الأحوال.

لم أكن أظنه منكم:

و يثير الانتباه هنا: قول قيصر لأبي سفيان: إنه يعرف: أنه نبي، و أنه خارج لا محالة، و لكنه لم يكن يظن أنه من العرب. .

غير أننا نقول:

هل كان سوء حال العرب، و استغراقهم في جهالاتهم و ضلالاتهم هو الذي صرف ذهن قيصر عن تداول احتمال أن يكون الرسول الموعود منهم؟ ! و إلا فإن واقع الحال يشير إلى أنه برغم كل هذا التحريف للحقائق الذي ظهر في كتبهم التي يعتقدون بها، فقد حفلت تلك الكتب نفسها بإمارات و دلالات كثيرة جدا، تؤكد على أن هذا النبي هو من العرب، و من مكة المكرمة بالتحديد. و نذكر مثالين على ذلك، و هما:

1-ورد في الأصل العبراني من سفر التكوين ما ترجمته: «و لإسماعيل سمعته (إبراهيم) ها أنا أباركه كثيرا، و أنمّيه، و أثمّره كثيرا، و أرفع مقامه

كثيرا بمحمد، و اثني عشر إماما يلدهم إسماعيل، و أجعله أمة كبيرة» (1).

2- «هذه شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة و لاويين، ليسألوه: من أنت؟ !

فاعترف و لم ينكر، و أقر: إني لست المسيح.

فسألوه: إذن ماذا؟ ! إيليا أنت؟ !

فقال: لست أنا.

النبي أنت؟ !

فأجاب: لا.

فقالوا: من أنت لتعطي جوابا الخ. .» (2).

و هناك العديد من المؤلفات التي أوردت بشارات العهدين برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيمكن الرجوع إليها و الوقوف على بعض من ذلك. . و يكفي أن نشير إلى أن اللّه تعالى يقول: يَعْرِفُونَهُ كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ (3).

و يقول: اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ (4).

و معرفة قيصر بظهور نبي في آخر الزمان يدل على أن ذلك-كما أشار إليه القرآن-كان معروفا عندهم. و هناك شواهد كثيرة على هذا الأمر لسنا بصدد تتبعها.


1) سفر التكوين 17:20.

2) إنجيل يوحنا 1/19 فما بعدها.

3) الآية 146 من سورة البقرة، و الآية 20 من سورة الأنعام.

4) الآية 157 من سورة الأعراف.

ليبلغن ملكه تحت قدمي:

و قد تقدم أن قيصر قد أعلن: بأن ملك هذا النبي-الذي كان عالما بأنه سيظهر-سوف يبلغ إلى تحت قدميه. . و المتوقع في حالات كهذه أحد أمرين:

أولهما: أن يؤمن و يسلم، و يستسلم للأمر الواقع، و يرجع الأمر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه. .

الثاني: أن يثور، و أن يزمجر، و يتهدد، و يتوعد، و يباشر العمل في تجهيز الجيوش، لإنزال الضربة الحاسمة بهذا الذي يخشاه على ملكه. .

و لكن قيصر لم يفعل لا هذا و لا ذاك. . بل عامل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمداراة و الرفق. . و لكنه لم يدخل في الإسلام.

تقدم و سيأتي أنه قد ادّعى الإسلام فكذّبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هذا يدل على أنه قد نافق، و ماكر، و كذب على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و سعى لدفعه برفق و أناة؛ لأنه يريد التصدي لإنسان يعرف أنه نبي مرسل، و يدرك أن إعلان الحرب عليه معناه إعلان الحرب على اللّه سبحانه، و هو يعرف أنه قد يعجز عن مواجهة بشر مثله، فهل يقدر على أن يواجه اللّه تعالى، و يعلن الحرب عليه؟ !

حنكة قيصر في استجواب أبي سفيان:

و قد أظهر استجواب قيصر لأبي سفيان: أن هذا الرجل كان على جانب كبير من الحنكة و المعرفة بالأمور، و بمناشئها، و دوافعها، كما أنه كان مطلعا على شيء من تاريخ دعوات الأنبياء «عليهم السلام» ، و خصوصياتهم، بالإضافة إلى

قدر كبير من الدراية و البصر بأحوال الناس، و بأخلاقهم، و طبيعة نظرتهم للأمور، و يتضح لك فيما يلي:

نظرة في أسئلة قيصر:

و إذا ألقينا نظرة على أسئلة قيصر لأبي سفيان، فإننا سوف نخرج بنتيجة مفادها: أنها قد اختيرت بعناية فائقة، حيث عرف من خلالها كل الأمور و المزايا و الخصوصيات التي تحتم نجاح مهمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه لا قدرة لأحد على الوقوف في وجه دعوة لها هذه الميزات، و الخصوصيات.

و نذكر من ذلك على سبيل المثال: 1-أن قيصر لم يسأل أبا سفيان عن معجزة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن السبب في عدم انصياعهم لمعجزته. بل اتخذ الحوار بينهما منحى آخر يصب في اتجاه التعرف على ما يفيد في وضع خطة لمواجهة هذه الدعوة التي يخشاها كل الخشية و يريد أن يتجنب الصدام معها.

2-أنه سأل أبا سفيان عن نسب و حسب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره: أنه ذو نسب و حسب. . و له مكانة مرموقة فيما بين قومه. . و بديهي: أن الناس العاديين يعظمون ذوي الأحساب، و يحبون التقرب منهم، و لا يرضيهم إلحاق الأذى بهم، و لا يؤنسهم التطاول عليهم. . و معرفة قيصر بهذا الأمر بالنسبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سوف يزعجه، و يزيد من هواجسه. .

3-حين لم يجد قيصر في آباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ملكا،

فإنه فقد المبرر لاتهامه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يريد أمرا لنفسه، و أنه طالب جاه و مقام ضاع منه. .

4-و إذا كان ضعفاء الناس هم أتباع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن ذلك يعني: أن الشرفاء و الرؤساء-و هم قليلون-يفقدون سيطرتهم على أولئك الضعفاء، الذين هم الكثرة الكاثرة، و الذين يعيشون حالة من التلاحم، و التعاضد، و يعطف بعضهم على البعض الآخر، و يحن إليه، و تتلاقى مشاعرهم بالمظلومية و القهر، و تتشارك أمانيهم في التعلق بمن يأتي لينجيهم مما هم فيه، من ظلم و عسف أولئك الأسياد. و يهديهم إلى طريق الخلاص من متاعبهم، و آلامهم. .

5-و من الواضح: أن الوثوق بصدق القائد و الرئيس أمر مهم جدا في حصول الاطمينان لدى الناس بأقواله و أفعاله، و في سكون نفوسهم إليه. . و هو يقلل أيضا من فرص التشكيك في صدقيته، و في خلوصه، و إخلاصه. . و هو من موجبات احترام الناس و إكبارهم له.

كما أن ذلك يؤكد لهم صحة ما جاء به، و يزيد تقديسهم له. .

6-و إن عدم ارتداد أحد ممن يدخل في دينه «صلى اللّه عليه و آله» ، يشير إلى أن باطن هذا الدين لا يخالف ظاهره، و أن شعاراته متوافقة مع حقائقه، و أنه منسجم مع الفطرة و الحقيقة الإنسانية، مؤيد بالمنطق القويم، و العقل السليم، و أنه صالح لكل المستويات، و متوافق مع عقول الناس من مختلف الفئات، و جميع المجتمعات. .

كما أن ذلك يدل على أن من يؤمن بهذا الدين يجد فيه مبتغاه، و أنه حتى لو كان قد دخل فيه لألف سبب و سبب، فإن هذا الدين قادر على تحويل

العلقة الظاهرية، إلى علقة إيمانية حقيقية و واقعية. .

7-يضاف إلى ذلك: أن أهل الإيمان في ازدياد مستمر، و أن هذا الدين لا يتراجع و لا ينحسر. و أن ذلك ينسحب على جميع القوميات، و الطبقات، و الفئات.

و هذا يعطي: أنه لا خصوصية لبلاد العرب و لا لأحوالهم في ذلك، بل الخصوصية هي للتكوين الإنساني نفسه، حيث إنه إذا وجد ما يسانخه، و يتلاءم معه، فإنه يتلاحم معه، و يندمج فيه.

8-و لأجل ذلك سأل قيصر أخيرا عن التعاليم التي جاء بها، فلما أخبره ببعضها أدرك أنها تعاليم إنسانية إلهية خالصة، و هي التي تبحث الفطرة عنها، لتتكامل بها و معها. و هي التي تأنس بها النفس، و تهفو إليها الروح، و يرشد إليها عقل الإنسان و يرضاها وجدانه، و ضميره. .

و في هذا الحوار نقاط كثيرة أخرى، كلها تصب في اتجاه واحد، و هو: أن قيصرا أراد أن يكتشف ثغرة في دعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تفسح المجال لتسديد الضربة القاصمة له، ليتخلص منه، فلم يجد. .

و لأجل ذلك عقب بقوله: «و ليبلغن ملكه ما تحت قدمي» .

بل وجد أن أي صدام مع هذا النبي سوف يؤدي إلى غرس شجرة الإسلام في بلاده، و هي شجرة أصلها ثابت و فرعها في السماء، لا مجال للتخلص منها، في أي حال، بل يكون السعي في هذا الاتجاه من موجبات قوتها، و تجذرها. و انتشار أغصانها في كل اتجاه. .

فآثر العمل على تجنب ذلك، و مارس المكر و الحيلة، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، و لتعلمن نبأه بعد حين.

و لو أنه كان راغبا في الإسلام، فقد كان باستطاعته و هو الرجل المجرب، و الحصيف أن يفعل ذلك، و أن يمهد السبل لإسلام أهل مملكته وفق ما يأمره به نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

هرقل ماكر و كاذب:

تقدم: أن ملك الروم بعد ما قرأ كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و اطلع من أبي سفيان على ما أحب أن يطلع عليه. . «أمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد و اتبعه.

فدخلت الأجناد في سلاحها، و أطافت بقصره، تريد قتله، فأرسل إليهم: أني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم. فرضوا عنه.

ثم كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه مسلم، و لكنه مغلوب على أمره. .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كذب عدو اللّه، ليس بمسلم، بل هو على نصرانيته. . أو نحو ذلك» (1).


1) الروض الأنف ج 4 ص 196 و راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 106 و 107 و البداية و النهاية ج 4 ص 267 و 268 و ج 5 ص 15 و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 114 و عن فتح الباري ج 1 ص 35 و السيرة الحلبية ج 3 ص 246 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 63 و سائر المصادر التي ذكرناها سابقا، حين أوردنا ما جرى بين هرقل، و أبي سفيان، و موارد الظمآن ص 393 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 358.

و نقول:

إن التأمل في هذا الذي جرى يدل دلالة واضحة على مكر هذا الرجل، و على سوء سريرته، حيث اختار هذه الطريقة التحريضية المثيرة، التي من شأنها أن تلهب مشاعر الناس، و تعجل باتخاذهم قرار الرفض، تحت وطأة الشعور بالخوف و الوجل من أمر مجهول لهم، لم يطلعوا على أي شيء منه يفيد في طمأنتهم إلى مصيرهم و مستقبلهم معه. .

و قد كان بإمكانه أن يفعل كما فعل باذان، و ملك الحبشة، و غيرهما من الملوك الذين أسلموا، و لم يثيروا الناس من حولهم، بل هم قد يسروا لهم سبيل الإيمان و الهداية، و أفسحوا لهم المجال في هذا الأمر، بعيدا عن أجواء التشنج و الإثارة و التحدي. . فأنار اللّه قلوبهم بالحق، و فتح أعينهم على الخير، و أسلموا للّه رب العالمين. .

نعم، إن ما فعله قيصر، قد أوجب صدود الناس عن التفكير في حقيقة ما يعرضه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، و أصبحوا يتعاملون بانفعال، و بعصبية بالغة، و بتحفظ شديد. و بذلك يكون قد أوصد أبواب الهداية إلى اللّه تعالى، و حرمهم من بركاتها. .

و قد أكد هذا الصدود لديهم و الإصرار على الممانعة منهم، حين لوّح لهم بأن هذا النبي هو من قوم لم يكن يظن أن يكون منهم، فأثار في نفوس أتباعه مشاعر الاستكبار، و التعالي، و ساقهم إلى رفض الانصياع لنبي يخرج من قوم ليس لهم شأن، و لا مقام، و لا بد أن يعتبروا الانصياع لنبي من قوم لهم هذه الصفة نقيصة و عارا، و لا يليق صدوره من أهل الشرف و الشهامة، و الرياسة، و الزعامة.

و لعل الذي دعاه إلى ذلك: خوفه من أن يكون انتشار الإسلام في رعيته سببا في تعاظم نفوذ كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيهم، إلى حد يؤثر على نفوذه، و يضعف مكانته عندهم، مع إدراكه أن الانقياد للدين و لرموزه يكون هو الأشد؛ لأنه انقياد نابع من ضمير الإنسان، و من أعماق روحه، و شغاف قلبه. لا خوفا من عصا، و لا طمعا بشيء من حطام الدنيا. فابتكر هذه الطريقة من أجل حسم الأمر لصالحه، و هكذا كان.

و أما إعلان الحرب من قبله على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فهو غير سديد؛ لأنه سوف ينتهي إلى ما انتهت إليه قريش في حربها معه. . كما سيأتي توضيحه حين الكلام عن موقف المقوقس.

و بذلك يكون قيصر قد باء بإثم الأريسيّين، أو القبط، الذين كان يستطيع أن يهديهم إلى الحق، و يأخذ بأيديهم إلى النجاة فساقهم إلى الكفر، و أوردهم موارد السوء و البوار و الهلاك. .

أكثر من كتاب إلى قيصر:

هذا و بمراجعة المصادر التاريخية يتضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل كتبا أخرى إلى قيصر، أحدها حينما كان راجعا من تبوك، و قد طلب منه أن يعطي الجزية، فإن أبى، فعليه أن يواجه الحرب، إلا أن يلتزم بأن لا يحول بين الفلاحين، و بين الإسلام (1).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 410 و 411 عن المصادر التالية: الأموال ص 22 و في (طبعة أخرى) ص 32، و رسالات نبوية ص 313-117 و مدينة البلاغة ج 2 ص 247 عن جمهرة رسائل العرب و الوثائق:110/27 عن (الأموال و صبح الأعشى ج 6 ص 363 و 377 و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 187 و المطالب العالية ج 4 ص 2231 و 2479 و راجع 4342 عن الحارث بن أسامة و قال: انظر مجلة المعارف شهر يونيو 1935 م:416-430، و راجع: نشأة الدولة الإسلامية ص 299 و 300(عن أبي عبيد، و القلقشندي، و محمد حميد اللّه) ، و راجع أيضا ص 713. و أوعز إليه الحلبي في السيرة ج 2 ص 377 و البداية و النهاية ج 5 ص 15 و ابن عساكر ج 1 ص 113 و 114 و دحلان هامش الحلبية ج 2 ص 374 و سعيد بن منصور في سننه ج 2 ص 187.

و غزوة تبوك كانت في سنة تسع، فإرسال هذا الكتاب إلى قيصر في هذه السنة يدل على أنه لم يقبل منه ادعاءه للإسلام. بعد أن ظهرت دلائل كذبه، و مكره في دعواه هذه، فهدده في هذا الكتاب بالحرب، أو إعطاء الجزية.

و سوف نتعرض مرة أخرى لهذا الكتاب حين الحديث عن غزوة تبوك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

لا أقبل زبد المشركين:

و قد ذكرنا فيما تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يقبل هدية مشرك، أو كافر. فقد يقال: إن هذا لا يتلاءم مع ما ذكرته الروايات من قبوله «صلى اللّه عليه و آله» هدية قيصر، إذا كان كافرا؟ !

و يمكن أن يجاب عن ذلك بعدة أجوبة:

أحدها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يقبل هدية المشركين. أما هدية أهل الكتاب، مثل: النصراني، و اليهودي، فلم يكن يردها كما دلت عليه

بعض الروايات (1).

و قد كان قيصر نصرانيا، و كان كسرى مجوسيا، و يعد المجوس من أهل الكتاب أيضا.

و أما ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر و لا فاسق عندي نعمة» (2). .

فربما يقال: إن المراد به: من كان محاربا من الفساق و الفجار. .

الثاني: قد يقال: إن المقصود بما سبق هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يرد هدية المشرك المحارب، أما غيره، فكان يقبل هديته، حتى لو كان مشركا (3)، فضلا عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا.


1) إختيار معرفة الرجال (ط جامعة طهران) ص 160 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 268 و البحار ج 16 ص 374 و ج 50 ص 107 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 217 و عون المعبود ج 8 ص 215 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 31 و جامع الرواة ج 1 ص 300 و معجم رجال الحديث ج 8 ص 89.

2) النصائح الكافية ص 156 و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 299(ط مؤسسة النشر الإسلامي) و كنز العمال ج 2 ص 111 و 211 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 108 و 308(ط مؤسسة الرسالة) ، و أبو طالب مؤمن قريش للخنيزي و تذكرة الموضوعات ص 68 و كشف الخفاء ج 1 ص 89 و 331 و ج 2 ص 321 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 353 و الدر المنثور ج 6 ص 186 و 187.

3) الروض الأنف ج 4 ص 196.

و نقول:

أولا: إن هذا الكلام غير ظاهر الوجه، فإن المشرك إذا كان محاربا، فهو لا يهدي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا. .

ثانيا: إن الحديث غير مقيد بالمحارب و لا بغيره. فراجع النصوص المنقولة في ذلك، حين الحديث عن إيمان أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه، فإن مفادها: أن نفس شركهم هو السبب في عدم قبول الهدية منهم.

ثالثا: قد ادّعى البعض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل هدية قيصر؛ لأنها فيء للمسلمين و لذلك قسمها عليهم. و لو أنها كانت هدية خاصة، بحيث تكون لشخصه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يستفيد منها سواه، أو أهل بيته الذين هم تحت تكفله، فإنها تكون له خالصة، كما كانت هدية المقوقس خالصة له، و قد قبلها منه؛ لأنه لم يكن محاربا للإسلام. .

و نقول:

إن هذا الكلام غير دقيق:

أولا: إن قيصر لا يختلف في موقفه عن المقوقس من حيث إنه يداري رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون أن يدخل في دينه.

ثانيا: إن قيصر قد أظهر في رسالته التي بعثها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قد أسلم، غاية الأمر: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر عنه أنه غير صادق فيما يقول، و أنه قد اتبع سبيل النفاق و المكر في هذا الأمر.

و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» يعامل المنافقين كما يعامل المسلمين. و كان عارفا بهم، و قد أخبر حذيفة بأسمائهم، و لم يؤثر عنه «صلى اللّه عليه

و آله» : أنه عاملهم كما يعامل أهل الكفر أو الشرك.

ثالثا: إنه لا دليل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتبر ذلك فيئا للمسلمين، إذ لماذا لا يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد ترك لأصحابه أمرا هو له، ترفعا منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تنزها، أو إظهارا للشمم و النبل، أو إيثارا منه لأصحابه، ليتعلم منه الناس ذلك، و لتصل أخباره إلى من أرسل تلك الهدية، و الذي كان يظن أن هديته، سوف يكون لها وقعها الخاص لدى المرسل إليه، بسبب ندرتها، و قيمتها، و أهميتها من الناحية المادية. .

رابعا: إن الفيء ملك خالص لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ليس لأحد فيه نصيب، فإن هؤلاء لم يأخذوه في ساحة الحرب، ليكون غنيمة لهم.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الباب الثاني: عهد الحديبية. . وقائع. . و آثار الفصل الأول: بيعة الرضوان 7-46

الفصل الثاني: عهد الحديبية: أحداث و تفاصيل 47-88

الفصل الثالث: إدانة البريء 89-122

الفصل الرابع: تبرئة المذنب 123-148

الفصل الخامس: اللمسات الأخيرة 149-162

الفصل السادس: عهد الحديبية: نتائج و آثار 163-190

الباب الثالث: حتى خيبر الفصل الأول: أشخاص أراد الناس أن يمدحوهم 193-202

الفصل الثاني: سرايا و قضايا بين الحديبية و خيبر 203-230

الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض. . الفصل الأول: بيانات تمهيدية 233-258

الفصل الثاني: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى كسرى 259-290

الفصل الثالث: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر 291-330

الفهارس:331-340

2-الفهرس التفصيلي

الباب الثاني: عهد الحديبية. . وقائع. . و آثار الفصل الأول: بيعة الرضوان. . حديث البيعة:9

أول من بايع:15

لماذا تعددت بيعة ابن الأكوع؟ !17

هل بايعوه على الموت؟ !19

بيعة المنافقين في الحديبية:20

حديث: «لا يدخل النار من شهد الحديبية» لا يصح:22

بيعة النبي صلّى اللّه عليه و آله عن عثمان:24

محاولة فاشلة:25

الرد على الشيعة:26

الصحيح في القضية:34

سؤال و جوابه:35

دليل على موت الخضر:36

هل أسلم ابن عمر قبل أبيه؟ !38

لا توقدوا نارا بالليل:40

عمر يقطع شجرة بيعة الرضوان:41

الفصل الثاني: عهد الحديبية: أحداث و تفاصيل تقديم:49

عهد الحديبية:50

الاصطفاف للقتال، و اللواء مع علي عليه السلام:59

قريش في مأزق:60

رعب قريش و ضراعتها الصلح:62

معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله بعدوّه:64

جلوس النبي صلّى اللّه عليه و آله و جلوس سهيل:64

اختلاف نصوص العهد:64

مصادر العهد:65

كلمات تحتاج إلى توضيح:68

من هو كاتب العهد؟ :69

محنة أبي جندل، و حوادث أخرى:71

عمر و أبو جندل:76

هل عندكم أمان أو عهد؟ !76

اثنا عشر رجلا آخر:78

متى قتل ابن زنيم؟ !78

سهيل يضرب ولده:79

الصلف الذي لا يطاق:80

هل في موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله تناقض؟ !80

إنّا لا نغدر:81

غضب قريش من خزاعة:81

صلح الحديبية لا يشمل النساء:83

1-سبيعة الأسلمية:85

2-أروى بنت ربيعة:86

3-أميمة بنت بشر:86

4-أم كلثوم بنت عقبة:87

5-زينب ربيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:87

نساء لحقن بالمشركين:88

الفصل الثالث: إدانة البريء. . هل عصى علي عليه السلام أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ !91

ظهور الحقد الدفين:94

الشك فيما ينسب لعلي عليه السلام:96

استنطاق النصوص:102

الحدث مستعار بكامل تفاصيله:105

من أسباب التزوير:106

لك مثلها يا علي:109

ضع يدي عليها:110

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرأ و يكتب:113

الفصل الرابع: تبرئة المذنب. . استدراج مدروس:125

لا نعطي الدنية في ديننا:126

شك عمر في النبوة:128

شكوك عمر استمرت إلى الطائف:135

استمرار شكوك عمر إلى حجة الوداع:136

المسلمون يرفضون الإحلال:138

التبرك:142

ما نحره صلّى اللّه عليه و آله عند المروة:142

الهدي عن سبعة:142

حلمهم الكبير الطعن في علي عليه السلام:142

الفصل الخامس: اللمسات الأخيرة. . في طريق العودة:151

نوم المسلمين عن صلاتهم:154

صلح الحديبية أعظم الفتح:156

النبي صلّى اللّه عليه و آله يذكرهم:161

أبو بكر. . في موازاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:161

تبرك سهيل بن عمرو:162

الفصل السادس: عهد الحديبية: نتائج و آثار. . آثار و نتائج عهد الحديبية:165

أبو بصير يقتل آسريه، و يعتصم بالساحل:177

مصير أبي بصير:183

أبو بصير يقتل آسره:184

النبي صلّى اللّه عليه و آله يجير المشرك:185

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يجيب أبا بصير:185

ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال:185

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقبل خمس السلب:186

قريش تعيش الإرباك و الانقسام:186

أسلم و غفار و جهينة مع أبي جندل:187

ذل قريش:188

الباب الثالث: حتى خيبر

الفصل الأول: أشخاص أراد الناس أن يمدحوهم. . إيضاحات ضرورية:195

وفاة أم رومان:196

إسلام أبي هريرة:201

إسلام عمران بن حصين:201

الفصل الثاني: سرايا و قضايا بين الحديبية و خيبر. . سرية أبان بن سعيد إلى نجد:205

حكم الظهار:208

تحريم الخمر:215

أسطورة سحر النبي صلّى اللّه عليه و آله:215

تناقض الروايات:223

النبي صلّى اللّه عليه و آله الأسوة، و القدوة، و المثال:224

إن تتبعون إلا رجلا مسحورا:225

حفظ اللّه تعالى لأنبيائه عليهم السّلام:226

هل كان يهودي يخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ !227

الرسول صلّى اللّه عليه و آله بدون شعر! !229

تصنيف الروايات المتقدمة:229

الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض. . الفصل الأول: بيانات تمهيدية كتابة إلى ستة من الملوك:235

الملوك الستة الذين كتب إليهم:236

حاملوا الكتب:237

التثاقل عن تنفيذ أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله:237

لماذا باللغة العربية؟ !239

تفاوت مستويات الرسائل العربية:241

الكتابة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:242

لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و آله يكتب بيده:243

بداية كتب الرسول صلّى اللّه عليه و آله:245

البدء باسمه الشريف:250

الحمد و التسليم:251

إتخاذ الخاتم:252

النبي صلّى اللّه عليه و آله يؤرخ رسائله:254

كتب دعوة لا كتب حرب:254

حساسية مخاطبة الملوك:256

رسائل النبي صلّى اللّه عليه و آله للملوك:258

الفصل الثاني: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى كسرى رسالته صلّى اللّه عليه و آله إلى كسرى:261

اختلاف الكتب:263

بسم اللّه الرحمن الرحيم:267

عظيم فارس:268

سلام على من اتبع الهدى:269

و آمن باللّه و رسوله:270

الشهادة للّه بالوحدانية:271

و أن محمدا عبده و رسوله:271

أدعوك بدعاية اللّه:272

فإني أنا رسول اللّه:273

إلى الناس كافة:273

لأنذر من كان حيا:274

و يحق القول على الكافرين:274

أسلم تسلم:275

فإن أبيت فعليك إثم المجوس:275

و لا تزر وازرة وزر أخرى:276

إثم المجوس أو إثم الأكارين:277

من هو حامل الرسالة؟ !279

حديث تسليم الكتاب:280

عدوانية كسرى تجاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:282

قريش في مهب الريح:285

باذان ملك اليمن:285

باذان و عقله:286

كفاية باذان:287

باذان لم يسلم طمعا:287

تفاؤل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:289

حلقا لحاهما:290

الفصل الثالث: كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر. . كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى قيصر:293

مضامين الكتاب:295

يؤتك اللّه أجرك مرتين:296

إثم الأريسيّين:297

ما جرى عند ملك الروم:299

أبو سفيان عند ملك الروم:300

إكرام الرسول صلّى اللّه عليه و آله:304

تعالوا إلى كلمة سواء:306

الآية تفرض التوحيد:308

المجوس أهل كتاب:311

جواب قيصر:311

حراجة موقف أبي سفيان:313

لم أكن أظنه منكم:314

ليبلغن ملكه تحت قدمي 316

حنكة قيصر في استجواب أبي سفيان 316

نظرة في أسئلة قيصر 317

هرقل ماكر و كاذب 320

أكثر من كتاب إلى قيصر 322

لا أقبل زبد المشركين 323

الفهارس 327

1-الفهرس الإجمالي 329

2-الفهرس التفصيلي 331