الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 11

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الحادى عشر

ادامة القسم السابع: من الخندق إلى الحديبية

تتمة الباب الاول: التحضيرات لغزوة الخندق

الفصل السابع: معنويات الجيشين و الرعب و الخوف أيام الحصار

اشارة

الحالة المعنوية لجيش الأحزاب:

لقد حاصر المشركون المسلمين في المدينة مدة طويلة، سنتحدث عنها في الفصل التالي. و لا شك في أن جيش الشرك كان مطمئنا إلى أنه سوف يحقق في مسيره ذاك لحرب المسلمين نتائج طيبة و مثيرة و ربما حاسمة، و ذلك استنادا إلى ذلك الحشد الهائل الذي استطاع أن يوفره، و الذي لم يسبق له مثيل.

ثم فوجئ بالخطة الدفاعية التي اعتمدها المسلمون في المواجهة، و لكنه لم يفقد الأمل، و حرص على متابعة الإعداد و الاستعداد، بحمله بني قريظة على نقض العهد، و ذلك على أمل أن يجد الوسيلة لتجاوز عقدة الخندق، للتوصل إلى المواجهة الحاسمة التي كان يأمل.

فكان من الطبيعي: أن نجد جيش الأحزاب يتظاهر بالأنفة و الشموخ و العنجهية، و الاستعلاء و الفرح.

قال ابن شهر آشوب: «كان الكفار على الخمر، و الغناء، و المدد، و الشوكة» (1).

و كيف لا يكونون كذلك، و هم يرون أنفسهم في موقع من يحاصر


1) (الشوكة: السلاح) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و بحار الأنوار ج 20 ص 272.

أعداءه، و يضيق عليهم الخناق. و يتسبب لهم بالمزيد من الألم و الأذى و الخوف و الرعب، مع ما يعانون من جوع و حاجة، و شدة.

و إن كان فيما بعد-و بعد قتل علي لطليعة فرسانهم-انقلب السحر على الساحر كما سنرى.

و ما يهمنا هنا هو بيان حالة المسلمين في مواجهة الأحزاب فنقول:

المسلمون في مواجهة الأحزاب:

قد تحدث القرآن عن حالة المسلمين بصورة عامة في يوم الأحزاب، و تحدث عن حالات المنافقين و مواقفهم و أساليبهم في هذه المناسبة، و ذكر أيضا حالة أهل الإيمان و الإخلاص، و ميّزهم عن غيرهم.

و نحن نذكر هنا: الآيات التي تعرضت للفرقاء الثلاثة فنقول:

الحالة العامة:

لقد كان ثمة حالة من الخوف و الرعب تهيمن على الأجواء العامة للمسلمين، الذين لم يستحكم الإيمان في نفوسهم و قلوبهم حتى زاغت الأبصار، و بلغت القلوب الحناجر، قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسٰاءُ وَ اَلضَّرّٰاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتّٰى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتىٰ نَصْرُ اَللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ نَصْرَ اَللّٰهِ قَرِيبٌ (1).

حيث يذكر المفسرون: أن هذه الآية قد نزلت يوم الأحزاب و قيل:


1) الآية 214 من سورة البقرة.

نزلت في أحد (1).

و قد زاد هذا الخوف و الرعب باستمرار الحصار، و ظهور بعض المناوشات. و قد أشار اللّه سبحانه إلى ذلك، فقال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جٰاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيراً.

و قال تعالى: إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا، هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً (2).

يقين أهل الإيمان:

أما عن خصوص الثلة المؤمنة الصابرة المجاهدة، فإنهم كانوا مطمئنين إلى نصر اللّه تعالى لهم على أعدائهم. دون أدنى شك أو ريبة منهم، فقد قال تعالى: وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً، مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً، لِيَجْزِيَ اَللّٰهُ اَلصّٰادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ اَلْمُنٰافِقِينَ إِنْ شٰاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ


1) بحار الأنوار ج 20 ص 188 عن مجمع البيان ج 2 ص 309 و راجع: الدر المنثور ج 1 ص 243 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و ابن المنذر، عن قتادة، و ابن أبي حاتم، عن السدي.

2) الآيات 9-11 من سورة الأحزاب.

اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً (1).

حالة المنافقين:

أما المنافقون: فإنهم ما زالوا منذ البداية يشككون في قدرة المسلمين على المواجهة، و قد تقدم أنهم حين حفر الخندق أظهروا نفاقهم الذي رافق جميع مراحل المواجهة و قد حكى اللّه تعالى ذلك عنهم، فقال:

وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً، وَ إِذْ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لاٰ مُقٰامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ اَلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ وَ مٰا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّٰ فِرٰاراً، وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطٰارِهٰا ثُمَّ سُئِلُوا اَلْفِتْنَةَ لَآتَوْهٰا وَ مٰا تَلَبَّثُوا بِهٰا إِلاّٰ يَسِيراً، وَ لَقَدْ كٰانُوا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ مِنْ قَبْلُ لاٰ يُوَلُّونَ اَلْأَدْبٰارَ وَ كٰانَ عَهْدُ اَللّٰهِ مَسْؤُلاً

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْفِرٰارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَ إِذاً لاٰ تُمَتَّعُونَ إِلاّٰ قَلِيلاً

قُلْ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اَللّٰهِ إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لاٰ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَلِيًّا وَ لاٰ نَصِيراً

قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذٰا جٰاءَ اَلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشىٰ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَإِذٰا ذَهَبَ اَلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ


1) الآيات 22-24 من سورة الأحزاب.

حِدٰادٍ أَشِحَّةً عَلَى اَلْخَيْرِ أُولٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً

يَحْسَبُونَ اَلْأَحْزٰابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ اَلْأَحْزٰابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بٰادُونَ فِي اَلْأَعْرٰابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبٰائِكُمْ وَ لَوْ كٰانُوا فِيكُمْ مٰا قٰاتَلُوا إِلاّٰ قَلِيلاً. (1).

النصوص التاريخية:

قد ظهر من الآيات الشريفة: أن ما كان يثيره المنافقون من شائعات، و ما كانوا يتخذونه من مواقف، قد أثّر على الحالة العامة، و أسهم في إثارة مشاعر الخوف التي كانت متحفزة، بسبب ما يرونه من حشود هائلة، و بسبب الحصار الذي يعانون منه و ترافق مع الحاجة الملحة، الأمر الذي بث روح الإنهزام، و التخاذل و التردد فيما بين ضعفاء النفوس، و قليلي التدبر.

و قد حملت لنا النصوص التاريخية بعض التفاصيل، التي يحسن الوقوف عندها، إلى جوانب أخرى يحسن الإلمام بها و الإطلاق عليها، و الإستفادة منها.

و نحن نذكر هنا: بعضا من ذلك و لا نصرف النظر عن جميع ما لدينا من ملاحظات و تحفظات، بل نذكر بعضا من ذلك، حسبما يقتضيه المقام، فنقول:

عن جابر بن عبد اللّه، قال: كان خوفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش، حتى فرّج اللّه ذلك (2).

و عن أم سلمة، أنها قالت: إنها شهدت مع النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الآيات 12-20 من سورة الأحزاب.

2) المغازي ج 2 ص 468.

مشاهد فيها قتال و خوف: المريسيع، و خيبر، و الحديبية، و الفتح، و حنين، و لم يكن من ذلك أتعب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا أخوف عندنا من الخندق، و ذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة، و أن قريظة لا نأمنها على الذراري الخ. . (1).

«و كانوا يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا» (2).

«و اشتد البلاء و الحصر على المسلمين، و شغلتهم أنفسهم، فلا يستريحون ليلا، و لا نهارا» (3).

و قال ابن شهر آشوب: «و كان الكفار على الخمر، و الغناء، و المدد، و الشوكة، و المسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» جاث على ركبتيه، باسط يديه، باك عيناه، ينادي بأشجى صوت:

«يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي، و كربي، فقد ترى حالي» (4).

و يقولون: لما صح عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقض بني قريظة للعهد ضاق ذرعا، و خشي أن يفت ذلك في أعضاد المسلمين، فعظم


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 231 و المغازي للواقدي ج 2 ص 467 و تاريخ الخميس ج 1 ص 485.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 228.

3) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406.

4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و راجع ج 3 ص 134 و بحار الأنوار ج 20 ص 272 و راجع ج 14 ص 88.

البلاء، و اشتد الخوف، و أتاهم عدوهم من فوقهم، و من أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، و نجم النفاق، و كثر الخوض.

و أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه فيما وصف من الخوف و الشدة لتظاهر الأعداء عليهم، و إتيانهم من فوقهم و من أسفل منهم حتى كان ما كان من كيد نعيم بن مسعود الخ. . (1).

و ستأتي قصة نعيم، و ما فيها من هنات و إشكال.

قال ابن الجوزي: «قال علماء السير: كان اشتد الخوف يوم الخندق، و فشل الناس، و خيف على الذراري و الأموال» (2).

و في نص آخر: «و لما فشا نقض بني قريظة، و اشتد الخوف، و عظم عند ذلك البلاء، فبينما هم على ذلك إذ جاءتهم جنود-يعني الأحزاب-و هم قريش


1) تجارب الأمم ج 1 ص 150 و أشار إلى ذلك في المصادر التالية: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 و المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و 113 و السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 و 201 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و 165 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و 111 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 202 و المغازي للواقدي ج 2 ص 459 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 192 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و بهجة المحافل ج 1 ص 264 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و 228 و 281.

2) الوفا ص 693 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528 و نهاية الأرب ج 17 ص 171.

و غطفان، و يهود بني قريظة. .

إلى أن قال: فجاء بنو أسد، و غطفان، و فزارة، و اليهود من فوقهم، من جهة المدينة، و قائدهم حارث بن عوف، و عيينة بن حصن، و جاء قريش و كنانة من جانب أسفل الوادي، و قائدهم أبو سفيان بن حرب» (1).

و قال ابن عباس: «كان الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، و من أسفل منهم قريش و غطفان، كذا في الوفاء. و من هيبة كثرتهم، و شدة شوكتهم رعبت قلوب ضعفاء أهل الإسلام، و زاغت أبصارهم» (2).

و قال القيرواني: «جاءت قريش من هاهنا، و اليهود من ها هنا و المجد من ها هنا، يريد هوازن» (3).

و معنى ذلك هو: أن المسلمين كانوا محاصرين من جهات ثلاث

و يقول الطبرسي: «من فوقكم: من فوق الوادي، من قبل المشرق: قريظة و النضير، و غطفان و من أسفل منكم: أي من قبل المغرب، من ناحية مكة: أبو سفيان في قريش و من تبعه» (4).

مواقف المنافقين:

و قال القمي: «لما طال على أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و السيرة الحلبية ج 2 ص 317 و 318.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5.

3) الجامع ص 281.

4) مجمع البيان ج 8 ص 339 و بحار الأنوار ج 20 ص 192 عنه.

الأمر و اشتد عليهم الحصار، و كانوا في وقت برد شديد، و أصابتهم مجاعة و خافوا من اليهود خوفا شديدا، و تكلم المنافقون بما حكى اللّه عنهم و لم يبق أحد من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا نافق، إلا القليل.

و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخبر أصحابه: أن العرب تتحزب و يجيئون من فوق. و تغدر اليهود و نخافهم من أسفل، و إنه ليصيبهم جهد شديد، و لكن تكون العاقبة عليهم.

فلما جاءت قريش، و غدرت اليهود قال المنافقون: مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً (1).

و كان قوم لهم دور في أطراف المدينة، فقالوا: يا رسول اللّه تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنها في أطراف المدينة، و هي عورة و نخاف اليهود أن يغيروا عليها.

و قال قوم: «هلموا فلنهرب، و نصير في البادية، و نستجير بالأعراب، فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله» (2).

و قال البيهقي: إنه بعد حصار دام قريبا من عشرين ليلة، و بعد حصول قتال دام إلى الليل، شغل المسلمين عن صلاة العصر: «فلما اشتد البلاء على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه نافق ناس كثير، و تكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول اللّه ما فيه الناس من البلاء و الكرب جعل يبشرهم و يقول: و الذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة و إني لأرجو أن أطوف


1) الآية 12 من سورة الأحزاب.

2) تفسير القمي ج 2 ص 186 و بحار الأنوار ج 20 ص 229 و 230.

بالبيت العتيق آمنا، و أن يدفع اللّه عز و جل إليّ مفاتيح الكعبة، و ليهلكن اللّه كسرى و قيصر، و لتنفقن كنوزهما في سبيل اللّه عز و جل.

و قال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد! ! يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، و أن نقسم كنوز فارس و الروم، و نحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، و اللّه ما يعدنا إلا غرورا.

و قال آخرون ممن معه: ائذن لنا، فإن بيوتنا عورة.

و قال آخرون: «يا أهل يثرب، لا مقام لكم فارجعوا» (1).

و يقول نص آخر: «و نجم النفاق من بعض المنافقين، و قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى و قيصر، و أن أموالهما تنفق في سبيل اللّه، واحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط: مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً (2).

و قال رجال ممن معه: «يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا» (3).


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 402 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 460 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5.

2) الآية 12 من سورة الأحزاب.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528 و راجع المصادر التالية: حدائق الأنوار ج 2 ص 587 و وفاء الوفاء ج 1 ص 303 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 238 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 288 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 و السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و فتح الباري ج 7 ص 307 و تاريخ

من الذي قال: بيوتنا عورة؟ !

تقدم في النصوص التي أوردناها: أن هناك من قال: بيوتنا عورة، من أجل الحصول على إذن من النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بترك مواقعهم و الرجوع إلى بيوتهم، فمن هم هؤلاء الذين قالوا ذلك يا ترى؟

إن بعض النصوص التاريخية تقول: هم: «عبد اللّه بن أبي و أصحابه.

و قيل: هم بنو سالم من المنافقين.

و قيل: إن القائل لذلك أوس بن قبطي و من وافقه على رأيه، عن يزيد بن رومان» (1).

و قال ابن الكلبي: إن أبا مليل، سليك بن الأزعر-شهد بدرا-هو الذي قال يوم الخندق بيوتنا عورة (2).

و قال الديار بكري: «و كان جماعة من المنافقين مثل أوس بن القيظي، و متابعيه ينفرون جيش الإسلام، و يقولون: ارجعوا إلى منازلكم، و اعتلوا بأن منازلكم عورة، خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، و نحن نخاف

(3) -اليعقوبي ج 2 ص 51 و مجمع البيان ج 8 ص 347 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 192 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و 165 و المغازي للواقدي ج 2 ص 459 و 450 و بحار الأنوار ج 20 ص 193 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و راجع: سعد السعود ص 138.


1) مجمع البيان ج 3 ص 347 و البحار ج 20 ص 193 عنه و راجع: نهاية الأرب ج 7 ص 181.

2) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 229.

أن يظفر بها جيش العدو» (1).

و يقول نص آخر: «عظم الأمر، و أحيط بالمسلمين من كل جهة و همّ بالفشل بنو حارثة، و بنو سلمة، معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة، ثم ثبتهم اللّه» (2).

لكن البعض قال: إن المستأذنين هم بعض بني حارثة لا كلهم، فراجع (3).

و يروي لنا الواقدي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا، فيقول: إن بني حارثة بعثوا بأوس بن قيظي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يقولون: إن بيوتنا عورة، و ليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا و بين غطفان أحد يرد عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا و نساءنا.

فأذن لهم «صلى اللّه عليه و آله» ففرحوا بذلك، و تهيأوا للانصراف.

فبلغ سعد بن معاذ ذلك، فقال: يا رسول اللّه، لا تأذن لهم، إنّا و اللّه، ما أصابنا و إياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا، فردهم (4).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 133 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5.

2) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و 228 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و مجمع البيان ج 2 ص 347 و بحار الأنوار ج 20 ص 193.

3) راجع: جوامع السيرة النبوية ص 149.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 463 و راجع المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 229 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2

من بقي مع النبي صلى اللّه عليه و آله في المواجهة؟ !

قال دحلان: «فجعل المنافقون يستأذنون، و يقولون: بيوتنا عورة، أي من العدو، لأنها خارج المدينة، و حيطانها قصيرة، يخشى عليها السرقة، فأذن لنا نرجع إلى نسائنا، و أبنائنا، و ذرارينا؛ فيأذن «صلى اللّه عليه و آله» لهم.

قيل: و لم يبق معه تلك الليلة إلا ثلاث مئة» (1).

و عن حذيفة: «أن الناس تفرقوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا» (2).

و قال القاضي النعمان: «و تسلل عن رسول اللّه صلوات اللّه عليه و آله أكثر أهل المدينة، فدخلوا بيوتهم كالملقين بأيديهم» (3).

و تقدم قول القمي: «و لم يبق أحد من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا نافق إلا القليل» .

و هذا يؤيد ما سيأتي: من أن سبب النصر هو بطولات علي «عليه

(4) -ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و ليس فيه موقف ابن معاذ: و راجع المصادر التالية: و إن لم تشر لموقف ابن معاذ: عيون الأثر ج 2 ص 60 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 192 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 435 و 436.


1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و ستأتي بقية المصادر في الفصل الأخير من هذا الباب تحت عنوان: مهمة حذيفة بن اليمان.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 450 و 451 و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 249 و 250 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 31.

3) شرح الأخبار ج 1 ص 294.

السلام» ، و ما جرى على المشركين من مكابدة ما تثيره الرياح و الأعاصير من متاعب لهم، و ما تزرعه من خوف و رعب في قلوبهم، بعد أن آتت النشاطات النبوية لزرع الشكوك فيما بينهم ثمارها، كما سنرى.

و قبل أن نمضي في الحديث عن سائر الوقائع نتوقف قليلا للإشارة إلى

الأمور التالية:

الحارث بن عوف:

ذكرت بعض الروايات المتقدمة: الحارث بن عوف في المشاركين في حصار المدينة، و قد تقدم: أن قومه ينكرون حضوره حرب الأحزاب، فراجع الفصل الأول من هذا الباب.

رهبة الليل:

و قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن الليل كان بالنسبة لكثير من المسلمين بمثابة كابوس مخيف لما يتوقعونه من مفاجئات لم يحسبوا لها حسابا، و نحن و إن كنا نصدق أن لليل رهبته، و لكن وجود الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فيما بينهم، و هو الذي لم يزل يطمئنهم إلى نصر اللّه و عونه، كان ينبغي أن يطمئنهم، و يذهب حالة الخوف و الرعب من نفوسهم لو كانوا راسخي القدم في الإيمان، و التسليم للّه و لرسوله.

خوف الرسول صلى اللّه عليه و آله:

و قد تحدثت بعض كلمات المؤرخين: عن خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حرب الأحزاب.

و نحن لا نشك: في عدم صحة هذه النصوص، و لا أقل من أنها لم تتحر الدقة في نقل الوقائع و الأحداث، فإن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان يبشر المؤمنين بنصر اللّه و عونه، ابتداء من حفر الخندق، ثم حين نقض بني قريظة لعهدهم، و في غير ذلك من مناسبات.

فلم يكن هو ليعاني من حالة الرعب و الخوف، و هو الذي كان مصدر السكينة و الأمن و الطمأنينة للناس.

بل إننا إذا كنا نرى أن القرآن يتحدث عن المؤمنين بأنهم كانوا على درجة من التسليم و التصديق بوعد اللّه، و ما زادهم مجيء الأحزاب، و رؤيتهم لهم إلا إيمانا و تسليما؛ فإن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لن يكون أقل إيمانا منهم.

و الذي نراه: هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تعب كثيرا في إنجاز المهام حين صار أصحابه يتركونه، حتى بقي في قلة قليلة منهم.

بل إن بعضهم حتى طلحة و عمر قد تركوه، و اختبأوا في حديقة هناك، و قد كشفت عائشة أمرهم، و أحرجتهم بصورة ظاهرة كما ذكرناه في موضعه فيمكن أن يكون بعض المؤرخين خلط بين التعب و المعاناة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين الخوف، فنسب إليه الخوف، مع أن الصحيح هو نسبة التعب كما قالته أم سلمة و غيرها فليلا حظ ذلك.

إتهام أحد البدريين بالنفاق:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن متعب بن قشير هو الذي قال: كان محمد يعدنا كنوز كسرى و قيصر الخ. . .

مع أن ابن هشام يقول: قيل: لم يكن متعب من المنافقين، و قد شهد بدرا (1).

و قال العسقلاني: «ذكروه في من شهد العقبة. و قيل: إنه كان منافقا، و أنه الذي قال يوم أحد: لَوْ كٰانَ لَنٰا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ مٰا قُتِلْنٰا هٰاهُنٰا (2).

و قال: إنه تاب، و قد ذكره ابن إسحاق في من شهد بدرا» (3).

و قال أبو عمر: «شهد بدرا و أحدا، و كان قد شهد العقبة.

و يقال: إنه الذي قال: لَوْ كٰانَ لَنٰا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ مٰا قُتِلْنٰا هٰاهُنٰا (4).

و لا نريد تتبع سائر المصادر التي أشارت إلى بدرية متعب بن قشير. فكيف نوفق بين وصف القرآن له بالنفاق، و بين بدريته، التي توجب -حسبما يزعم هؤلاء-أن يغفر له كل ذنب، و يطهر من كل رجس، و قد تحدثنا عن هذا الأمر في غزوة بدر فراجع.

هيكل يخطئ في تصويراته و تصوراته:

قال محمد حسين هيكل: «لأهل يثرب أبلغ العذر إن كان بلغ منهم الفزع و زلزلت قلوبهم، و لمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى و قيصر، و أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، و للذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت


1) عيون الأثر ج 2 ص 60.

2) الآية 154 من سورة آل عمران.

3) الإصابة ج 3 ص 443.

4) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 462.

الذي يرون آتيا تقدح بالشرر عينه، مصورة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش، و في أيدي غطفان، و تدب إلى القلب مخافته، متسللة من منازل قريظة الغدرة الخائنين» ؟ (1).

و نقول: لقد اشتبه هيكل في تصوره و في تصويره أيما اشتباه، و ذلك لأمور: الأول: أن اللّه سبحانه قد حكى طائفة مما ذكر آنفا عن المنافقين، و الذين في قلوبهم مرض، فقال: وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً، وَ إِذْ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لاٰ مُقٰامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ اَلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ وَ مٰا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّٰ فِرٰاراً (2).

فهل كان المنافقون و الذين في قلوبهم مرض على حق في قولهم هذا؟ !

و قد صرح المؤرخون-حسبما تقدم و سيأتي أيضا-: بأن المنافقين هم الذين قالوا: يعدنا محمد كنوز كسرى الخ. . .

الثاني: إن هذه الأقوال-كما تقدم-إنما صدرت بادئ الأمر من المنافقين قبل مجيء الأحزاب، و قبل نقض بني قريظة للعهد، إذ قد صرحت الروايات بأنهم قد قالوا ذلك حين حفر الخندق، توقعا لمجيء قريش و الأحزاب، ثم قالوا بعد اشتداد الحصار.

فلو سلمنا لهيكل قوله ذاك، نقول له: ما هو المبرر لرعبهم قبل مجيء


1) حياة محمد (الطبعة الثانية سنة 1354 ه. ق دار الكتب المصرية) ص 325.

2) الآيتان 12 و 13 من سورة الأحزاب.

الأحزاب و لم يكن ثمة ما يوجب الخوف إلى هذه الدرجة؟

الثالث: إننا لا نوافق أن من حقهم أن يقولوا ذلك، حتى لو كان القائلون هم المؤمنون، و ذلك لأنهم قد رأوا من الآيات و الخوارق و الكرامات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و هم يحفرون الخندق الشيء الكثير. فكان من المفروض فيهم أن يتيقنوا بنصر اللّه سبحانه لهم، و بصدق ما أخبر به نبيهم الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن لم تكن تلك الكرامات تقتصر على مجرد التصور العقلي لهم. بل كانت تتعدى ذلك لتكون ممارسة حسية لكل فرد منهم، كما كان الحال بالنسبة لإطعام أهل الخندق جميعا من وليمة جابر.

الرابع: إن مراجعة الآيات القرآنية تعطينا: أن الذين زاغت أبصارهم و بلغت قلوبهم حناجرهم، و ظنوا باللّه الظنون هم غير المؤمنين الذين كانوا ثابتين في حصون الإيمان. لكن هؤلاء المؤمنين قد تأثروا من حالة إخوانهم، فوقعوا في البلاء و الزلزال، فقد قال تعالى مخاطبا المسلمين:

إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا، هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً (1).

فترى أنه تعالى قد تحدث عن المؤمنين بطريقة الحديث عن الغائبين، مع أنه لو كان المراد جميع المسلمين لكان السياق يقتضي أن يقول: «هنالك ابتليتم و زلزلتم» .


1) الآيتان 10 و 11 من سورة الأحزاب.

أضف إلى ما تقدم: أنه لو كان الأمر كذلك لم يقل: «هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ» بل كان عليه أن يقول: و ابتليتم. فكلمة «هنالك» تشير إلى أن الابتلاء للمؤمنين قد حصل حينما ظننتم باللّه الظنون، و بلغت قلوبكم حناجركم.

على أن من الواضح: أن ظن الظنون باللّه لا ينسجم مع الإيمان بل هو ينافيه. و قد تحدث تعالى عن المؤمنين فذكر أنهم لم يظنوا الظنون هنا، بل زاد إيمانهم عمقا و رسوخا.

فقال تعالى: وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً، مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (1).

بقي أن نشير هنا: إلى أن المراد بابتلاء المؤمنين هو أن مسؤولياتهم أصبحت أكبر و أخطر من ذي قبل، و أصبحت كل المصائب و الآلام الناتجة عن هذا الحصار، من انهزام المسلمين روحيا، و الخوف على الذراري و النساء، و ما صاحب ذلك من تحمل مشقات و جهد و سهر-إن ذلك كله- قد انصب على رؤوس ثلة قليلة مجاهدة صابرة، قد لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين أو حتى اليد الواحدة.

إذ إن من الغني عن البيان: أن تحقيق وعد اللّه و رسوله لهم بالنصر، لا يعني أن لا يتحملوا المشقات و المصاعب و الآلام الكبيرة و أن لا يبتليهم بالمواجهات الخطيرة، التي تصل إلى درجة الاستشهاد بالنسبة إلى بعض


1) الآيتان 22 و 23 من سورة الأحزاب.

الأفراد، لأن الوعد إنما هو للمجموع العام و لأهل هذه الدعوة بصفتهم العامة، و إن كان أفراد كثيرون يستشهدون، أو يمتحنون بالمصائب و البلايا و الرزايا.

الفصل الثامن: عقد عيينة. . مكذوب

اشارة

العقد المزعوم مع عيينة بن حصن:

قال ابن المسيب: «حصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه بضع عشرة حتى خلص إلى كل منهم الكرب. . . إلى أن قال: فبينما هم على ذلك من الحال أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى عيينة الخ. .» (1).

و ذكر نص آخر: أنه بعد أن حوصر المسلمون، و نقض بنو قريظة العهد، و ضاقت الأمور على المسلمين، و أحيط بهم، و همّ بالفشل بنو حارثة، و بنو سلمة، بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى عيينة بن حصن، و الحرث بن عوف: أن يرجعا، و يخذلا الأعراب، و لهما ثلثا ثمار المدينة-كما في بعض المصادر-لكن أكثر المصادر تقول: ثلث ثمار المدينة.

زاد في نص آخر قوله: «فجرى بينهما المراوضة في الصلح حتى كتبوا الكتاب، و لم تقع الشهادة و لا عزيمة الصلح» (2).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 477 و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 367.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 485 و راجع المصادر التالية: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 36 و نهاية الأرب ج 17 ص 172 و 173 و المغازي للواقدي ج 2 ص 477 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530 و الإرشاد للمفيد ص 51 و 52 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و البحار ج 20 ص 252 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 238 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 192 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 430 و أنساب الأشراف ج 1 ص 346 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201.

و شاور «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك: سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة فأبيا، و قالا: يا رسول اللّه، أشيء أمرك اللّه به فلا بد منه؟ ! أم شيء تحبه، فتصنعه، فنصنعه لك؟ ! أم شيء تصنعه لنا؟ !

قال: بل أصنعه لكم، إني رأيت أن العرب رمتكم عن قوس واحدة.

فقال سعد بن معاذ: قد كنا معهم على الشرك و الأوثان، و لا يطمعون منا بتمرة شراء و لا بيعا، فحين أكرمنا اللّه بالإسلام، و أعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ ! و اللّه، لا نعطيهم إلا السيف.

فصلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و راجع: المصادر التالية: سيرة المصطفى ص 499 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 6 و السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و 202 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 236 و فتح الباري ج 7 ص 307 و شرح نهج البلاغ للمعتزلي الشافعي ج 10 ص 180 و أنساب الأشراف ج 1 ص 346 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 531 و راجع: الإرشاد للمفيد ص 52 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و بهجة المحافل ج 1 ص 266 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و 150 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 238 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 239 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و 181 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 203 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و 105 و البحار ج 20 ص 252 و نهاية الأرب ج 17 ص 172 و 173 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 430 و 431 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 و تهذيب سيرة ابن هشام 192 و 193 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 367 و 368 و شرح الأخبار ج 1 ص 293 و 294.

زاد البعض هنا قوله: «فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما أنتم عليه، فإن اللّه تعالى لن يخذل نبيه، و لن يسلمه حتى ينجز له ما وعده.

ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسلمين، يدعوهم إلى جهاد العدو، و يشجعهم، و يعدهم النصر من اللّه تعالى (1)«و ترك ما كان هم به من ذلك» (2).

و قد تفننت بعض الروايات في تصوير وقائع هذه القصة فهي تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى رئيسي غطفان: عيينة بن حصين و الحارث بن عوف أن يجعل لهما ثلث ثمار المدينة، و يرجعان بمن معهما.

فجاءا متخفيين من أبي سفيان مع عشرة من قومهما إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلبا نصف ثمار المدينة، فأبى عليهما إلا الثلث فرضيا، فجرى بينه و بينهم الصلح، و أحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصحيفة و الدواة، و أحضر عثمان بن عفان، حتى كتب كتاب الصلح، و لم يقع الإشهاد.


1) الإرشاد للمفيد ص 52 و راجع: كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 203 و بحار الأنوار ج 20 ص 252. و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198.

2) بهجة المحافل ج 1 ص 266 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و 181.

و عند الواقدي و المقريزي: أحضرت الصحيفة و الدواة ليكتب عثمان الصلح، و عبادة بن بشر على رأس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقنع بالحديد.

و لما أرادوا أن يكتبوا الشهادة جاء أسيد بن حضير، فرأى عيينة بن حصن قد مد رجله بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و علم ما جاء له فأقبل إلى عيينة و قال:

يا عين الهجرس، أتمدّ رجلك بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فو اللّه، لولا مجلس رسول اللّه لأنفذت جنبك بهذا الرمح.

ثم أقبل بوجهه إلى النبي فقال: يا رسول اللّه، إن كان هذا شيئا أمرك اللّه به لا بد لنا من عمله، أو أمرا تحبه، فاصنع ما شئت، ما نقول فيه شيئا، و إن كان غير ذلك، فو اللّه ما نعطيهم إلا السيف، متى كانوا يطمعون منا؟ !

فسكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لم يقل شيئا.

و على حد تعبير الواقدي: فأسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فدعا سعد بن معاذ و سعد بن عبادة، فاستشارهما فيه (خفية) ، فقالا مثل ما قال أسيد (و أبوا إعطاء الدنية، فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشق الكتاب) فاعتذر «صلى اللّه عليه و آله» بأنه قد رأى العرب رمتهم عن قوس واحدة.

إلى أن تقول الرواية: فتناول سعد، أي ابن معاذ، الصحيفة و أخذها من عثمان فمحا ما في الكتاب، و مزق الكتاب.

ثم تذكر الرواية: محاورة بين عبادة بن بشر و عيينة. ثم ذكر رجوع عيينة و الحارث.

و علما: أن لا يد لهم في المدينة، لما رأيا من إخلاص الأنصار، و اتفاقهم مع رسول اللّه، و دخل في أمرهما فتور و تزلزل (1).

و تشير بعض النصوص إلى دور لسعد بن الربيع أيضا (2).

نقاط ضعف في هذا الإتفاق:
اشارة

لقد حفلت هذه القصة بنقاط ضعف كثيرة لا نرى ضرورة للتعرض لها بالتفصيل و نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

1-التناقض و الاختلاف:

إننا نلاحظ هنا: تناقض و اختلاف نصوص هذه الرواية، الأمر الذي


1) راجع في النصوص المتقدمة باختصار تارة و بإسهاب أخرى المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 485 و 486 و المغازي للواقدي ج 2 ص 477 و 478 و في تفصيلات لا مجال لإيرادها. و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و نهاية الأرب ج 17 ص 172 و 173 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 266 و تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 118 و 119 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 235 و 236. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530 و 531 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 239. و راجع: حول هذا العقد المزعوم أيضا: الرسول العربي و فن الحرب ص 246 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 260 و ج 17 ص 199 و خاتم النبيين ص 936 و 932 و 933 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و 165 و سيرة المصطفى ص 507.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6.

يعني أنه لا بد من استبعاد طائفة من هذه النصوص حتى لا يبقى ثمة تناقض و اختلاف فيما بينها.

فليلاحظ مثلا: اختلافها في أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاهما ثلث ثمار المدينة، أم الثلثين؟ !

و هل كتب كتاب، ثم رفض السعدان أم رفضا ذلك قبل أن يكتب الكتاب. و هل استشار السعدين، أم استشار السعود.

2-الحارث بن عوف:

و قد تقدم: أن البعض ينكر مشاركة الحارث بن عوف في حرب الخندق، و إن كان الواقدي يصر على هذه المشاركة، فراجع فصل: الأحزاب إلى المدينة. فقرة: تحفظ تاريخي.

3-سعد بن الربيع:

قد ذكرت بعض النصوص: أنه قد كان لسعد بن الربيع دور في هذه القضية أيضا. مع أن سعدا هذا قد استشهد في حرب أحد، و هي قبل الخندق بزمان طويل، فراجع.

4-استشارة السعود، و إعطاء الدنية:

بعض النصوص تقول: إن عيينة بن حصن جاء مهددا متوعدا فهي تقول: إنه قال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة، و إلا ملأتها عليك خيلا و رجالا.

فقال: حتى أستأمر السعود: سعد بن عبادة، و سعد بن معاذ، و سعد بن ربيعة، و سعد بن مسعود.

فكلمهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك، فقالوا: لا و اللّه ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف و قد جاء اللّه تعالى بالإسلام؟

فرجع الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد (1).

فما معنى هذا التهديد و الوعيد من عيينة، ألم يملأها حتى الآن خيلا و رجالا؟ !

و هل بقي عنده خيل و رجال غير هؤلاء لم يأت بهم لحرب محمد؟ !

و الملفت في هذا النص: أن جميع الذين يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يستشيرهم اسمه سعد، فما هذه المصادفة العجيبة! ! ألم يكن في الأنصار أحد من الرؤساء له اسم آخر؟ !

و أمر ثالث يلفت النظر هنا: و هو أنهم اعتبروا أن ذلك معناه إعطاؤه الدنية. فهل كان النبي بصدد أن يعطي الدنية للأعداء؟

ألم يكن يعلم أنهم لم يعطوها في الجاهلية، فكيف و قد جاء اللّه تعالى بالإسلام؟ !

5-المراوضة و كتابة الصلح:

و الأمر الذي يصعب علينا تفسيره و هو: أنه كيف تمت كل هذه المراحل، من دون علم السعدين، أو السعود الأربعة، و غيرهم من زعماء الأنصار؟ ! فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسل للأعداء و يستقدمهم، و يأتون إليه و تجري مراوضة في شأن الصلح، ثم يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 532.

وراء عثمان و يأتي، و يكتب الكتاب. كل ذلك يحصل و لا أحد من زعماء الأنصار يعرف بشيء، حتى يرسل إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحضرهم.

فهل كانوا لا يحضرون مجلس النبي، إلا أن يحضرهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه؟ !

و هل صحيح أنهم كانوا يغيبون عنه فترات طويلة هذا المقدار و لا سيما في حرب الخندق، التي يفترض فيها تواجدهم حوله باستمرار ليتلقوا الأوامر؟ !

و كيف غاب جميع من كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحاجة إلى استشارتهم و لم يحضر و لا أحد منهم و لو صدفة؟ ! إلا أن أسيد بن حضير حضر بصورة مفاجئة! !

6-العجز و الفشل:

و لا ندري بعد هذا كيف يقدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على أمر لا يثق من قدرته على إنجازه؟

أم يعقل: أنه كان واثقا من ذلك ثم فوجئ بما أحبط سعيه، و خيب أمله؟ !

7-رأي النبي صلى اللّه عليه و آله و رأي غيره:

هل صحيح أن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» آراء يطلقها من عند نفسه، و لا تنتهي إلى الإرادة الإلهية؟ !

و كيف نفهم قوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ

يُوحىٰ ؟ ! (1).

أم أن هذه الآية تتحدث عن خصوص ما ينطق به من أي القرآن أو عن أمور يطلب منه تبليغها كالأحكام الشرعية، و نحوها؟ ! و كيف و بماذا نخصص الآية بما ذكر؟ ! و إذا سلمنا ذلك جدلا، فهل صحيح أن للنبي بعض الآراء التي يخطئ فيها، أم أنه ذو اجتهاد صواب دائما؟ !

و بعد ما تقدم: لا بد أن نسأل عن الوسائل التي يمكننا أن نفرق فيها بين ما هو رأي و اجتهاد له، و بين ما يأتي به من قبل اللّه سبحانه.

8-اتهام النبي صلى اللّه عليه و آله:

و لا ندري أيضا: كيف نفسر قولهم للنبي: «أم شيء تحبه؛ فنصنعه لك» فهل يتصورون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يمكن أن يقوم بعمل خطير كهذا لأنه يحب أن يصنع شيئا لنفسه دونهم؟ ! و هل هذه إلا إساءة أدب و سوء ظن خطير برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصل إلى حد التهمة؟ !

9-فصلب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

و يستوقفنا هنا قولهم: فصلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضعف أمام أعدائه، فبدأ يقدم لهم التنازلات و يعطيهم الامتيازات؟

إن نصا آخر ذكرناه آنفا: يكاد يكون صريح الإيحاء بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان بصدد التخلي عن جهاد العدو، حيث يقول: «ثم


1) الآية 3 من سورة النجم.

قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسلمين، يدعوهم إلى جهاد العدو، و يشجعهم، و يعدهم النصر من اللّه تعالى و ترك ما كان هم به من ذلك.

10-الاحتفاظ بسرية هذا العقد:

كيف استمر هذا الأمر خافيا على أبي سفيان، و كيف لم يسر به النبي و المسلمون إلى مسامع زعيم قريش، ليكون مثار خلاف فيما بين زعماء الأحزاب أنفسهم، كما جرى لبني قريظة؟ فإنه إذا كان الأمر بالنسبة لبني قريظة لم يبعد حدود الإعلام بهدف تدمير حالة الثقة القائمة بينهم و بين المشركين، فإن الأمر هنا أصبح أكثر واقعية، بعد أن قطع المتفاوضون مراحل واسعة باتجاه عقد الاتفاق، حتى لقد كتب الكتاب، و إن لم تقع الشهادة و الصلح.

إلا ان يقال: إن تسريب أمر خطير كهذا سوف يكون مضرا بالمسلمين، لأنه يعطي للمشركين انطباعا عن ضعف المسلمين و انهيار معنوياتهم، الأمر الذي ربما يثير لدى قوى الشرك شهية مواصلة الحصار، و مضاعفة الضغوط للوصول بالمسلمين إلى حالة الإنهيار الكامل.

كما أن هذا التسريب لم يكن في صالح زعماء غطفان؛ لأنه سوف يعقد العلاقات مع حلفائهم، و يثير لهم معهم مشاكل هم في غنى عنها.

أما المنافقون: فلعلهم لم يجدوا في تسريب معلومات كهذه ما يخدم مصالحهم، أو يفيد في إخراجهم من الورطة التي يجدون أنفسهم فيها.

11-أدب عيينة، و غيرة ابن حضير:

و لا يفوتنا الإلماح: إلى أن عيينة بن حصن يمد رجليه بين يدي رسول

اللّه و لا يزجره النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أحد من الصحابة الحاضرين و لا حتى عمر بن الخطاب، و لا أبو بكر، اللذين لم نسمع لهما ذكرا في هذه القضية و لا في غيرها إلا في مواقع ما كنا نحب أن نراهما فيها.

و الأهم من ذلك: أن عليا «عليه السلام» أيضا لا يعترض، و يبقى الجميع ينتظرون قدوم أسيد بن حضير ليقف هو فقط ذلك الموقف الغيور و النبيل و الشجاع. حتى إنه يتهدد عيينة بأن ينفذ جنبه بهذا الرمح لولا احترامه مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لا بد من تسطير الفضائل لأسيد هذا؛ لأنه من المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام» ، و من موطدي الأمر لأبي بكر، و القائمين به، لما بينهما من قرابة، و لأمور أخرى لا مجال للإفاضة فيها الآن.

12-فأسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

و الأكثر غرابة هنا: ما ذكره الواقدي في هذا السياق من جرأة على مقام النبوة الأقدس، حين ذكر: أنه بعد أن قال أسيد بن حضير ما قال «فأسكت رسول اللّه» .

يا لها من جرأة قاسية، و إهانة و قحة لنبي الإسلام «صلى اللّه عليه و آله» ، من قبل أناس لا يرون إلا مصالحهم، و لا يهمهم إلا تمشية سياساتهم، حتى و لو على حساب كل القيم و المثل الإسلامية و الإنسانية.

هذا كله: عدا عن ظهور نبرات فيها ظلال ثقيلة من الاعتداد بالنفس و التحدي في كلمات أسيد في مواجهة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . فراجع كلماته و تأمل.

هذا ما أحببنا الإلماح إليه في هذا المجال، و لننظر الآن ماذا يقول الآخرون الذين يهتمون بالتبرير، و يبرعون في التصوير، فنقول:

المساس بشرف الإسلام:

قد حاول البعض شرح ما جرى، بطريقته الخاصة، فهو يقول: «على الرغم من المجاعة التى قاساها المسلمون، و الضيق الذي ألم بهم من جراء الحصار المتطاول، و السهر و الحراسة الموصولين، فقد رأوا أن في القبول بمثل هذا الذل جرحا لكرامتهم.

و قال الأنصار الذين عنتهم هذه المساومة المقترحة مباشرة: إنهم لم يدفعوا أي جزية إليهم حتى في الجاهلية، فكيف يطيقون الإذعان لهم، خاصة و أن في الأمر مساسا بشرف الإسلام نفسه» (1).

و ليت شعري كيف يقدم النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» على أمر فيه مساس بشرف الإسلام؟ ! إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» لم يدرك أن الأمر ينطوي على المخاطرة بهذا الشرف الراسخ، و العز الباذخ؟ ! أو أن شرف الإسلام لم يكن يعنيه كثيرا، و كان يعنيهم هم وحدهم دونه؟ !

إستفادات و توجيهات:

1-لقد استفادوا من هذا الحدث فوائد و عوائد، فقد قال أبو زهرة: «قد أفاد عرض الصلح أمرين عظيمين:

أولهما: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» علم عزمة أصحابه، و أنهم


1) حياة محمد و رسالته ص 168.

يريدون لقاءهم.

ثانيهما: أن ذلك أطمع غطفان و من معها من القبائل، و الطمع إذا سكن حل العزيمة، و قد ترتب على ذلك الإطماع أنهم تململوا بطول الحصار، و جرى بينهم و بين القرشيين خلاف، و هموا أن يعودوا من حيث جاؤوا» (1).

و قال: «إن ذلك يثير طمعهم، و يفت في عضدهم، و إن كان أمر الصلح لم يبت فيه، و لكن بابه مفتوح و لم يغلق» (2).

و قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد «أن يخذل المشركين بعضهم عن بعض بإثارة الطمع في بعضهم، فيتخلون عن باقيهم» (3).

و لعل هذا هو ما يرمي إليه البعض، حين اعتبر أن هذا الصلح يهدف إلى «صرفهم عن قريش، ليفت ذلك في عضدهم، فيرجعوا أيضا» .

«و قد تجلت حنكته السياسية في مساومته غطفان لزلزلتها عن موقفها إلى جانب قريش» (4).

و قال: «لما فاوض الرسول «صلى اللّه عليه و آله» غطفان، و أطمعهم في ثلث غلة المدينة، ثم عدل عن ذلك، و رفضه، توهمت غطفان: أن مركزه قد تحسن، و أنه مقبل على حرب الأحزاب و إجلائهم.

و مما زاد هذا الوهم تحقق غطفان من عدول بني قريظة عن مناصرة الأحزاب، و عزمها على تقديم سادات قريش و غطفان إلى الرسول


1) خاتم النبيين ص 933.

2) خاتم النبيين ص 936.

3) خاتم النبيين ص 932.

4) تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 119 و 120.

ليقتلهم» (1).

و ثمة هدف آخر له «صلى اللّه عليه و آله» و هو: أنه كان يريد أن يطمئن إلى ما يتمتع به أصحابه من قوة معنوية و اعتماد على نصر اللّه و توفيقه؛ لأنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة لخوضها، أو لا يؤمنون بجدواها، و لذلك عرض عليهم رأيه، و أبلغهم أنه ليس تبليغا من اللّه تعالى (2).

و بعد أن ذكر البعض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان «يعرف حق المعرفة: أن دوافع غطفان للغزو هي مادية قبل أي شيء آخر» (3).

قال: «و قد حققت هذه المناورة السياسية أغراضها على الرغم من أنها لم تنته إلى اتفاق مكتوب كما علمنا، ذلك أن كل المصادر التاريخية تجمع: أنه لم يكن لغطفان أي دور عسكري بعد هذه المقابلة التي أكدت لهم إصرار رجال الثورة الإسلامية على القتال في سبيل عقيدتهم. و لكنهم ظلوا مرابطين في معسكراتهم حتى أمرهم القائد أبو سفيان بالانسحاب وفك الحصار» (4).

2-و أما بالنسبة للدلالات لهذا الحدث، فهم يقولون:

ألف: إنها محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه (5).


1) تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 120 هامش.

2) فقه السيرة للبوطي 300 و 301.

3) الرسول العربي و فن الحرب ص 246.

4) المصدر السابق ص 248.

5) فقه السيرة للبوطي ص 300 و 302.

ب: إنها تدل أيضا على: «جواز إعطاء المال للعدو لمصلحة المسلمين.

و قد صالح معاوية ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه إليه، ذكره أبو عبيدة» .

قال السهيلي: قيل: كان مئة ألف دينار (1).

ج: و زعم البعض: أن هذا الحدث يدل على أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا الجزية إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة. و على جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم و قد ناقش ذلك البعض بما حاصله:

أولا: إن الرأي المعروض للاستشارة، لا يعتبر دليلا تشريعيا لأن المقصود بالاستشارة مجرد استطلاع ما في النفوس، فهي ممارسة لعمل تربوي بحت. و الذي يحتج به من تصرفاته «صلى اللّه عليه و آله» و أقواله هو خصوص ما لم يرد اعتراض عليه من كتاب اللّه تعالى. أما ما كان في حدود الاستشارة و الرأي، فلا يعتبر دليلا بحال.

ثانيا: «لسنا ندري ما الصلة بين الجزية، و ما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان.

إن قلت: إن اضطر المسلمون-بسبب ضعف طارئ-إلى التخلي عن بعض أموالهم حفظا لحياتهم، و حذرا من استئصال شأفة المسلمين، أليس لهم أن يفعلوا ذلك؟ !


1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 266 عن البغوي. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 565 و الروض الأنف ج 3 ص 278.

فالجواب: أن قد تستلب أموال المسلمين، و يغنمها أعداؤهم و لكن ليس ذلك عن اختيار من المسلمين، و لا لأجل تشريع ذلك فتوائيا، و إنما هو إلجاء و إكراه لهم. و الأحكام الشرعية لا يخاطب بها المكره، و لا الملجأ، و لا الصبي و لا المجنون.

فهذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف لا ينتزع فيها حكم تكليفي، يختار على أساس الرأي و المصلحة و المراوضة» (1).

هذا ما ذكره ذلك البعض هنا، و لنا فيه و معه مناقشات و وقفات نجملها في النقاط التالية:

مناقشة سريعة:

ألف: قول أبي زهرة: إن إطماع غطفان نشأ عنه تململهم بطول الحصار، لا ندري كيف نفهمه، إذ ما هو الربط بين إطماعهم، و بين تململهم؟

ب: كما أن ما ذكره من حدوث خلافات بين قريش و بين غطفان لا ندري من أين جاء به، و عن أي مصدر نقل ذلك؟ !

ج: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» جاهلا بعزمة أصحابه، و بمقدار استعدادهم للقاء عدوهم؟ إن ما لدينا من وصف دقيق لحالتهم، و من نصوص سجلت لنا مواقفهم و تصرفاتهم لا تترك مجالا للشك في حقيقة النوايا، و درجة الاستعداد عندهم للقاء عدوهم، سلبا أو إيجابا. و لا في مستوى القوة المعنوية و الاعتماد على نصر اللّه لدى أصحابه.


1) فقه السيرة للبوطي ص 300-302.

د: ما معنى قوله: إن أمر الصلح لم يبت فيه، و بابه مفتوح لم يغلق؟ ألم يغلق السعدان باب هذا الصلح. . . و بتّا الأمر فيه؟ !

ه: لا ندري كيف توهمت غطفان أن مركز النبي قد تحسن حين عدل عن الصلح؟ و هم قد رأوا بأم أعينهم سبب العدول عن الصلح، و أنها ضغوط تعرض لها، و رفض من أصحاب الثمار أنفسهم، و لم يطرأ أي شيء على الحالة العسكرية، و لا على التحالفات القائمة بين الفرقاء من كلا الجانبين. . .

فكيف تتوهم غطفان أن مركز النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تحسن إلى درجة أنه مقدم على حرب الأحزاب و إجلائهم؟

و: و أما أن هذه المناورة قد جعلت غطفان تحجم عن الاضطلاع بأي دور عسكري خوفا من مقاومة المسلمين، و لكنهم ظلوا في معسكراتهم حتى أمرهم أبو سفيان بالانسحاب. فهو كلام عجيب غريب. فإن دور غطفان العسكري لا يقل عن دور غيرها فالكل يحاصرون المسلمين، و الكل يتناوبون على الخندق.

و سيأتي حديث أم سلمة عن هجوم خيل غطفان على بعض نواحي الخندق، و أن غطفان قد شاركت في الهجوم الشامل على المسلمين الذي فوت على المسلمين بعض صلواتهم كما سيأتي. . .

ز: الشورى فيما لا نص فيه: و أما بالنسبة للشورى فيما لا نص فيه، فلا يصح استفادتها من هذا المورد.

إذ إن المفروض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قضى في المورد بالصلح، فما معنى اعتراض أسيد بن حضير عليه، و نقض ما كان قد أبرمه؟ !

ثم إن مبدأ الشورى إنما يعمل به قبل اتخاذ القرار، فما معنى أن يستشير النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد اتخاذه القرار، و استقدام عيينة و أصحابه؟ !

ح: و لا يصغى بعد هذا لما ذكره البوطي، من أن ما صدر من النبي لم يخرج عن حدود الاستشارة و الرأي، فلا يعتبر دليلا تشريعيا على جواز إعطاء الجزية للمشركين.

فإن ما صدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أكثر من مجرد استشارة في هذا الأمر، بل قد تعداه إلى استقدام عيينة، ثم استدعاء عثمان و كتابة الكتاب.

ط: و أما بالنسبة لغنيمة الأعداء لأموال المسلمين بسبب ضعف طارئ، فإن ذلك لا يغير الحال، بل يبقى عنوان غنيمة أموال المسلمين بالكره عنهم.

و لو اضطروا لإعطاء الجزية، فإن إكراههم على ذلك لا يرفع عنوان الجزية عن إعطائهم ذاك. بل هي جزية سواء كان من يعطيها مختارا أو مضطرا لأجل الحفاظ على وجوده و حياته.

ي: ثم إن البوطي قد خلط بين المكره و المضطر، فإن الاضطرار إلى شيء لا يرفع الحكم التكليفي، و الإكراه غير الاضطرار. فطلاق المكره و هو الذي تخضع إرادته لإرادة الغير، لا يصح. أما طلاق المضطر، و بيعه، فلا إشكال فيه، كمن اضطر لبيع بيته بثمن زهيد لأجل علاج ولده.

فالخلط بين المكره و المضطر في غير محله. . .

المشورة و قيمة رأي النبي صلى اللّه عليه و آله:

قال المعتزلي: «و كيف يقول المرتضى: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن محتاجا إلى رأي أحد، و قد نقل الناس كلهم رجوعه من رأي إلى رأي عند

المشورة؟ نحو ما جرى يوم بدر من تغير المنزل لما أشار عليه الحباب بن المنذر، و نحو ما جرى يوم الخندق من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة إلى عيينة بن حصن ليرجع بالأحزاب عنهم؛ لأجل ما رآه سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة من الحرب، و العدول عن الصلح، و نحو ما جرى من تلقيح النخل بالمدينة، و غير ذلك» ؟ ! (1).

و نقل عن الإسكافي في رده على الجاحظ قوله: «و لقد كان أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به و تقدم فيه، فيتركه و يعمل بما أشاروا به، كما جرى يوم الخندق في مصانعته الأحزاب بثلث تمر المدينة، فإنهم أشاروا عليه بترك ذلك فتركه و هذه كانت قاعدتهم معه، و عادته بينهم» (2).

و نقول: و قد ناقشنا في كل ما استشهد به المعتزلي و الإسكافي حول تغيير رأي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و خطإه في آرائه في قصة تأبير النخل، ثم قصة مشورة الحباب في بدر فراجع. و قصة عيينة في الخندق قد ظهر عدم إمكان قبولها بأي وجه، فلا معنى لاعتراض المعتزلي على السيد المرتضى فيما قاله.

الصحيح و المقبول في هذه القضية:

و لا نمنع أن يكون ثمة عمل دبره النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خلال إطلاق إشاعة عن أمر كهذا، من شأنها أن تحدث فجوة في جدار الثقة الذي


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي ج 17 ص 199.

2) المصدر السابق ج 13 ص 260.

يحمي جسم جيش الشرك و صفوفه من التصدع، تماما كما كان الحال بالنسبة لما فعله «صلى اللّه عليه و آله» بين قريظة و قريش و جيش الشرك كما سيأتي.

و لم يتعدّ الأمر حدّ الشائعة، التي يمكن للمسلمين أن يتفهموا مراميها. و لكن الرواة حرّفوا هذه القضية و نسجوا حولها من خيالهم الشيء الكثير، ثم استفاد المصطادون في الماء العكر من ذلك، فنفثوا سمومهم للنيل من الشخصية النبوية الشريفة، ثم لتبرير ما صدر من معاوية من عمل ذليل مخز، حين قبل أن يعطي ملك الروم مئة ألف دينار ذهبا، كي يتفرغ لحرب سيد الوصيين علي أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام بهدف الإجهاز على آخر حصون الإسلام المنيعة، و إعادة حكم الجاهلية.

بل لقد وجدنا في كلمات الزبير بن باطا ما يشهد على أن غطفان هي التي أرسلت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» تعرض عليه أن يعطيها بعض ثمار المدينة مقابل الإنسحاب من المواجهة معه، فأبى «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطيها إلا السيف.

يقول الزبير بن باطا و هو يحاول إقناع أصحابه بعدم طلب الرهن من قريش: «و هذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة فأبى أن يعطيهم إلا السيف» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 543 و 544.

الباب الثاني: معركة الخندق

اشارة

الفصل الأول: الحصار و القتال

الفصل الثاني: ضربة علي عليه السّلام يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين

الفصل الثالث: كيف انتهت حرب الخندق

الفصل الأول: الحصار و القتال

اشارة

بداية الحديث:

من الواضح: أن وجود الخندق قد أفشل خطة الأحزاب، و شل حركتهم، و لكنهم لم يفقدوا الأمل، فقد كان الأمل لا يزال يراودهم بإمكانية أن يجدوا فرصة، و يحدثوا ثغرة تمكنهم من توجيه ضربة قاسية للوجود الإسلامي، و لو بالتعاون مع يهود بني قريظة، الذين يتواجدون في مؤخرة الجيش الإسلامي، مع علم المشركين بالحالة الصعبة التي كان يعاني منها المسلمون خصوصا من حيث التموين و وسائل الدفاع و الصمود، مع وجود المنافقين الذين يمكن التعاون مع بعضهم أيضا لإحداث إرباكات خطيرة داخل الجيش الإسلامي.

و قد تحدثنا في الفصل السابق عن معنويات كلا الجيشين بالإضافة إلى موضوعات أخرى، و نتحدث الآن عن الحصار، و عن بعض الأحداث التي حصلت فيه، فنقول، و على اللّه نتوكل، و منه نستمد العون و القوة:

مدة الحصار:

قد تقدم: أن المشركين أحاطوا بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبه، و أخذوا بكل ناحية (1). و قد استمر هذا الحصار مدة طويلة.


1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 209.

اختلف فيها المؤرخون و هل كانت خمسة عشر يوما (1)

أو عشرين يوما (2).

أو أكثر من عشرين يوما (3).

أو شهرا (4).


1) راجع: شذرات الذهب ج 1 ص 11 و التنبيه و الإشراف ص 216 و راجع سيرة مغلطاي ص 56 و مرآة الجنان ج 1 ص 9 و 10 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 239 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و به جزم الواقدي، و ابن سعد، و البلاذري، و النووي في الروضة و القطب، و أنساب الأشراف ج 1 ص 345 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 271 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و تفسير القمي ج 2 ص 185 و البحار ج 20 ص 228 عنه و المغازي للواقدي ج 2 ص 440 و 491 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12.

2) وفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن ابن عقبة و راجع: فتح الباري ج 7 ص 301 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 490 و 492 و حبيب السير ج 1 ص 364 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 239 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و المغازي للواقدي ج 1 ص 419.

3) راجع هذا القول في: شذرات الذهب ج 1 ص 11 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و فيه: بضع و عشرون. و كذا في إعلام الورى ص 91 و كذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و مرآة الجنان ج 1 ص 10 لكن ظاهر عدد منهم: أنهم يتكلمون عن مدة ما قبل قتل عمرو بن عبدود و كذا في مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و 252 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 309.

4) التنبيه و الإشراف ص 216 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 30 لكنه قال: و لم تكن حرب و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و زاد المعاد ج 2 ص 118.

أو قريبا من شهر (1).

أو تسعة و عشرين ليلة (2).

و قيل: سبعة و عشرين (3).

و لعل أحدهما: (السبعة، و التسعة) تصحيف للآخر، فلا يخالفه.

و بعض آخر يقول: أربعة و عشرين يوما (4).

و نذكر أخيرا قول من قال: بضع عشرة ليلة أو يوما (5).


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 30 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 239 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و حدائق الأنوار ج 1 ص 52 و ج 2 ص 587 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238 و نهاية الأرب ج 17 ص 175 و بهجة المحافل ج 1 ص 271 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 و راجع سعد السعود ص 138.

2) البدء و التاريخ ج 4 ص 217.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492.

4) سيرة مغلطاي ص 56 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و الوفاء ص 694 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و حبيب السير ج 1 ص 364.

5) راجع: الوفاء ص 694 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 235 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238. و راجع: و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و الإرشاد للمفيد ص 51 و تاريخ مختصر الدول ص 95 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و نهاية الأرب ج 17 ص 175 و المغازي للواقدي ج 2 ص 491 و تاريخ الخميس ج 1 ص 490

و نقول: الصحيح هو: أن الحصار قد دام شهرا كاملا بل أكثر، فقد قال ضرار بن الخطاب يوم الخندق في جملة أبيات له:

فأحجرناهم (1)شهرا كريتا (2)و كنا فوقهم كالقاهرينا

نراوحهم و نغدو كل يومعليهم في السلاح مدججينا (3)

بل لقد ذكر عبد اللّه بن الزبعرى: أن مدة الحصار قد دامت أكثر من شهر، و بلغت أربعين يوما، فهو يقول:

حتى إذا وردوا المدينة و ارتدواللموت كل مجرب قضاب

شهرا و عشرا قاهرين محمداو صحابه في الحرب خير صحاب (4)

إذن، فلا يمكن قبول قولهم: إن الحصار دام مدة خمسة عشر يوما، أو عشرين أو بضع عشرة ليلة، أو ما إلى ذلك.

(5) -و أنساب الأشراف ج 1 ص 345 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و تاريخ الإسلام للذهبي (الواقدي) ص 238. إلا أن يقال: إن ذلك ناظر إلى فترة ما قبل المفاوضة على ثلث ثمار المدينة، أو ما قبل قتل عمرو بن عبدود كما هو صريح عدد من المصادر الآنفة الذكر. و إن كان ظاهر الواقدي و غيره خلاف ذلك.


1) أحجرناهم: حصرناهم.

2) و شهرا كريتا: تاما كاملا.

3) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 366.

4) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 269 و عيون الأثر ج 2 ص 66.

الحراسة:

و قد كانت الحراسة المستمرة و اليقظة الدائمة من الأمور الضرورية، و كان المسلمون يقومون بها باستمرار، و كانت حراستهم تتركز على الأمور الرئيسية بالدرجة الأولى، و هي:

1-مركز القيادة: النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

2-العسكر.

3-الخندق.

4-المدينة.

5-الرصد لتحركات العدو.

6-النساء و الذراري و تعاهدهم في الآطام.

7-أبواب الخندق.

و قد ذكرت هذه الأمور و غيرها من تفاصيل في النصوص التاريخية، و الحديثية، التي نختار منها ما يلي:

ألف: قال النويري و غيره: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبعث سلمة بن أسلم في ماءتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاث مئة يحرسون المدينة و يظهرون التكبير. و ذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة و كان عباد بن بشر على حرس قبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع غيره من الأنصار، يحرسونه كل ليلة» (1).


1) نهاية الأرب ج 17 ص 171 و 172، و راجع المصادر التالية: عيون الأثر ج 2 ص 58 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و المغازي للواقدي ج 2 ص 460 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و 5 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 228 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528.

و كانت المدينة تحرس حتى الصباح، يسمع فيها التكبير حتى يصبحوا خوفا (1).

ب: و في بعض المصادر: «و جعل المسلمون يتحارسون في عسكرهم» (2)

ج: و قال النويري: «و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون و جاه العدو، لا يزولون، يعتقبون خندقهم و يحرسونه، و المشركون يتناوبون الخ. .» (3).

و يفصل لنا الواقدي ذلك، فيقول: إن المسلمين كانوا «على خندقهم يتناوبون، معهم بضعة و ثلاثون فرسا، و الفرسان يطوفون على الخندق ما بين طرفيه، يتعاهدون رجالا وضعوهم في مواضع منه إلى أن جاء عمر (رض) فقال: يا رسول اللّه، بلغني أن بني قريظة قد نقضت الخ. .» (4).

و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد جعل للخندق أبوابا، و جعل على الأبواب حرسا.

و قال الواقدي: «كانوا يطيفون بالليل حتى الصباح يتناوبون. و كذلك يفعل المشركون أيضا، يطيفون بالخندق حتى يصبحوا» (5).4.


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 231 و المغازي للواقدي ج 2 ص 467.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 343.

3) نهاية الأرب ج 17 ص 171 و 172 و عيون الأثر ج 2 ص 58.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 457.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 474.

«و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون قبالة عدوهم، لا يستطيعون الزوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه» (1).

و أسيد بن حضير كان يحرس في جماعة على الخندق أيضا (2).

د: و تقول عائشة: «كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه إذ أعجلهم الحال، و كان يخاف عليه عبور الأعداء منه، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يختلف و يحرسه بنفسه. ثم تذكر قصة حراسة سعد بن أبي وقاص لذلك الموضع في تلك الليلة (3).

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه في الليالي يحرس بعض مواضع الخندق (4).

و سيأتي حديث أم سلمة في ذلك في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى.

ه: و كان عباد بن بشر-كما يدّعون-ألزم الناس لقبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحرسها (5). و ذكروا الزبير بن العوام في جملة من حرس النبي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و ستأتي بقية المصادر حين الحديث عن القتال، و تناوب المشركين على الخندق.

3) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 463 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 9 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 485 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و تقدم حديث عائشة في ذلك.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 464 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324.

«صلى اللّه عليه و آله» يوم الخندق (1).

بل جاء أن عباد بن بشر، و الزبير بن العوام كانا على حرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و قد ظهر من بعض النصوص المتقدمة: أن المسلمين كانوا يتناوبون الحراسة (3)أو حراسة نبيّهم (4).

و: كان بنو واقف قد جعلوا ذراريهم و نساءهم في أطمهم و كانوا يتعاهدون أهليهم بأنصاف النهار، فينهاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» فإذا ألحّوا أمرهم «صلى اللّه عليه و آله» أن يأخذوا السلاح، خوفا عليهم من بني قريظة فإنهم على طريقهم» (5).

و كان كل من يذهب منهم إنما يسلكون على سلع، حتى يدخلوا المدينة، ثم يذهبون إلى العالية (6).

و قال «صلى اللّه عليه و آله» للنساء حين جعلهن في أطم بني حارثة: «إن


1) عيون الأثر ج 2 ص 58 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 163 و قد أطلق كلامه في أن الزبير كان حارس النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الخندق و كذا في السيرة الحلبية ج 3 ص 327 و المواهب اللدنية ج 1 ص 217 و الغدير ج 7 ص 202 عنهما و عن عيون الأثر ج 2 ص 316 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 204.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و تقدمت نصوص أخرى أيضا.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529 و المغازي للواقدي ج 2 ص 465.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 451 و 474 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 234.

6) المغازي للواقدي ج 2 ص 474.

لم يكن أحد فالمعن بالسيف» (1).

ز: حراسة العسكر و رصد العدو: أما بالنسبة لحراسة العسكر و رصد تحركات العدو، فإن القمي يقول: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، و كان أمير المؤمنين «عليه السلام» على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، و كان أمير المؤمنين «عليه السلام» يجوز الخندق، و يصير إلى قرب قريش، حيث يراهم، فلا يزال الليل كله، قائما وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه.

و مسجد أمير المؤمنين «عليه السلام» هناك معروف، يأتيه من يعرفه، فيصلى فيه، و هو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة (2)» (3).

وقفات مع ما تقدم:

و نقول: إن الحذر من العدو، و سد المنافذ في وجهه، و حرمانه من فرصة تسديد ضربة هنا و ضربة هناك، بهدف إرباك صفوف الجيش الإسلامي، أو إحداث ثغرات خطيرة فيه، و هو الذي كان بأمس الحاجة إلى التماسك و التقوي ببعضه البعض-إن ذاك-هو أولى مهمات القيادة الحكيمة و الواعية، التي تريد أن تصل إلى أهدافها بأقل قدر ممكن من الخسائر، و أعلى درجة من الانضباطية و الانسجام.


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن الطبراني، و تاريخ الخميس ج 1 ص 489.

2) غلوة نشابة: مقدار رمية سهم.

3) تفسير القمي ج 2 ص 186 و البحار ج 20 ص 230 عنه.

و من الواضح: أن الأساليب الأمنية التي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ينتهجها كانت و لا تزال كسائر أفعاله، و أقواله، و مواقفه مصدر إلهام لكل المؤمنين و الواعين، الذين رأوا في هذا النبي الكريم أسوة و قدوة لهم. في كل الحالات و الظروف.

و قد تمثل النشاط الأمني للمسلمين في غزوة الأحزاب-بعد إيجاد الموانع الطبيعية، التي يصعب على العدو اختراقها مثل حفر الخندق، و تشبيك سائر المنافذ بالبنيان-في الأمور التالية:

1-جعل الحرس على أبواب الخندق، بطريقة يصعب على العدو إيجاد مواضع نفوذ فيها، حين جعل الحرس من فئات شتى، و متنافسة يرقب بعضهم بعضا، حيث اختار من كل قبيلة رجلا لهذه المهمة، كما تقدم بيانه.

2-إن من الواضح: أن جعل الحرس في نقاط ثابتة ربما يهيئ للعدو فرصة للتخطيط للنفوذ إلى الداخل، بطريقة يتحاشى معها الصدام بنقاط الحراسة، أو حتى إمكانية التفاتها إلى حقيقة ما يجري فكانت الطريقة الأفضل و الأمثل هي أن تنضم إليها دوريات للحراسة غير خاضعة لقيد الزمان و لا المكان. الأمر الذي يضيع على العدو الإحساس بالأمن و النجاح و الفلاح في أية محاولة يبادر إليها، و يقدم عليها. فكان «صلى اللّه عليه و آله» يبعث بالحرس على المدينة خوفا من بني قريظة، و كانوا يتجولون فيها، و يظهرون فيها التكبير.

3-بديهي أن التعرض للنساء يمثل ضربة روحية قاسية للمسلمين و المقاتلين، الذي قد يصل إلى درجة الإحباط لدى البعض، و يدفع البعض الآخر إلى التحرك بصورة غير واعية، و لا مسؤولة، الأمر الذي يؤثر على درجة

الانضباط و التماسك. و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف: أن العدو لن يتأخر عن تسديد ضربة في هذا الاتجاه لو سنحت له الفرصة، و يعتبر ذلك من الأهداف الإستراتيجية و الهامة له. فكان تجميع النساء و الأطفال في الآطام من شأنه أن يسهل أمر حمايتهم من أي اعتداء، مع كونه يهيئ للمسلمين جوا من الطمأنينة و تمركزا في مواضع الاهتمام و التحرك لو دهم أمر.

كما أنه لا بد من الاحتياط للأمر، و عدم الاكتفاء بالحراسة الثابتة و المتنقلة، فوضع فيما بينه و بين النساء رمزا يمكن الاستفادة منه لإفشال أية محاولة تستهدفهن و حين يرين أن الحالة الأمنية غير مؤايتة، مع عدم وجود أحد يمكن الاعتماد عليه في المواجهة و دفع غائلة العدو.

قال «صلى اللّه عليه و آله» لهن: «إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف» .

و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمد هذا الأسلوب، و لم يطلب منهن الصراخ و الاستغاثة و نحوها مما يمثل إثارة عاطفية للمقاتلين و المسلمين، و قد ينشأ عنها حالة من التضعضع و الإرباك و انشغال الخواطر إلى درجة الإخلال بالنشاط الحربي المطلوب، في مواجهة أحزاب الشرك في الجهة الأخرى.

4-و غني عن القول أخيرا: أن بني واقف كانوا يخطئون في ترددهم إلى أهليهم بأنصاف النهار بلا سلاح، و قد يطمع ذلك العدو فيهم، و قد يفاجئهم العدو و هم على غير استعداد فتقع الكارثة.

أضف إلى ذلك: أنه لا بد من الابتعاد عن النساء و الأطفال في أيام الحرب، لأن ذلك يثبط من عزائم المقاتلين و يشدهم إلى الأرض و يمنعهم من السمو في تفكيرهم و في طموحاتهم و تصبح التضحيات و اقتحام الأهوال، و الصبر على

المكاره أكثر صعوبة عليهم، و أشد وقعا على نفوسهم، و يهيئهم نفسيا للابتعاد عن مواطن الخطر، أو التعب و الضرر، و لو كان ذلك بتوطين أنفسهم على مواجهة عار الهزيمة، و خزي عصيان أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

5-و نلمح في النص المتقدم إصرارا من بني واقف على زيارة نسائهم و عوائلهم في الأطم الذي كانوا فيه رغم نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم و ربما يكون أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بحمل السلاح يرمي إلى الإيحاء غير المباشر لهم بأجواء الحرب، و الاحتفاظ بدرجة من الاستعداد الروحي و النفسي لها، بالإضافة إلى أن ذلك هو مقتضى العمل بالحيطة و الحذر، و هما الأمران المطلوبان في ظروف كهذه بصورة أكيدة و قاطعة، و لا أقل من أن ذلك يفيد في نطاق التعليم و التأسي لكل من يأتي بعده «صلى اللّه عليه و آله» .

6-و الأهم من ذلك هو حراسة العسكر، الذي كان يتولاه علي «عليه السلام» ، هذا العسكر الذي كان بأمس الحاجة إلى بعض الشعور بالامن و الراحة في هذه الأجواء المثقلة بالهموم و الشدائد، و المشحونة بالخوف الذي يصل لدى الكثيرين إلى حد الرعب. حتى لقد بلغت القلوب الحناجر، و ظنوا باللّه الظنون الباطلة و السيئة.

و لقد كانت أدنى حركة في أي موضع في أطراف ذلك العسكر كفيلة بإحداث إرباك خطير في ذلك العسكر كله.

فكانت هذه الحراسة ضرورية لهذا الجيش، الذي يطمئن إلى أنه لن يؤخذ و الحال هذه على حين غرة، بل هناك من يبصر له و ينذره في الوقت المناسب.

7-و كان لا بد من رصد جيش الأعداء أيضا، لأن حراسة المعسكر،

و إن كانت تعطي قدرة إلى حد ما على التصدي، إلا أن معرفة تحركات العدو، و حجمها، و اتجاهها في وقت مبكر يعطي هو الآخر، فرصة أكبر من مواجهته بالأساليب و بالمستوى الملائم، و يمنع من العجلة و التشويش في اتخاذ الإجراءات المؤثرة في دفع غائلة هذا العدو.

و كان علي «عليه السلام» ، يقوم بدور الراصد لكل تحركات الأعداء، و كان هو العين الساهرة في المواقع المتقدمة في خط المواجهة، التي لم يكن يجرؤ عليها أحد سواه، كما ظهر من تجربة المسلمين مع عمرو بن عبدود.

8-و بعد، فرغم أن اللّه قد وفق لبقاء المسجد الذي يشهد لجهاد و تضحيات علي «عليه السلام» ، و كان هذا المسجد معروفا، و يقصده المؤمنون للصلاة فيه، فإننا لا نكاد نجد لعلي «عليه السلام» ذكرا في هذا المجال.

و لا ندري إن كان هذا المسجد قد استطاع أن يصمد طويلا أمام حقد الحاقدين على كل ما يمت لعلي و أهل بيته «عليهم السلام» بصلة، حتى انتهى ميراث هذا التجلي الوقح و الغبي إلى من يطلق عليهم اسم: الوهابيين الذين لا تزال تظهر في كلماتهم و في أفعالهم بوادر كثيرة تدل على حقد و كراهية و امتهان، ليس فقط لقدسية علي و أهل البيت «عليهم السلام» ، بل و حتى لمقام النبوة الأقدس بالذات.

و قد أسلفنا بعضا مما يشير إلى ذلك: في الجزء الأول من هذا الكتاب، و لا بأس بمراجعة الجزء الثالث من كتابنا: «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام» ، و بحث: «إدارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم» .

فضائل موهومة لسعد و لعائشة:

رووا عن عائشة ما ملخصه: أنه كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه، إذ أعجلهم الحال، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يختلف إليه و يحرسه بنفسه، خوفا من عبور المشركين منه.

و رجع مرة من الخندق، و كانت تدفئه عائشة في حضنها، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة.

قالت: فبينا رسول اللّه في حضني قد دفئ، و هو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس الليلة هذا الموضع (أو قال: يحرسني، أو: يحرس هذه الثلمة الليلة) ، إذ سمع قعقعة السلاح، فقال: من هذا؟ !

قال: سعد بن أبي وقاص.

فأمره أن يحرس هذا الموضع: فذهب سعد يحرسه، فنام النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى نفخ، و كان إذا نام نفخ (1).

و نقول: إننا نشك في صحة هذه القصة، و نعتقد أن المقصود بها هو تسجيل فضيلة لسعد، و لعائشة على حد سواء، و سبب شكنا هو ما يلي:

أولا: إذا كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه، فلماذا لا يبادرون إلى ضبطه، و ما المبرر لأن يترك ليكون مصدر خوف للمسلمين من عبور


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 463 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 9 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 485. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 229 و 230.

المشركين منه؟ !

مع أن سلمان حين رأى مكانا يمكن أن تطفره الخيل، قال لأسيد بن حضير، بعد أن ردوا عمرو بن العاص الذي كان في حوالي مئة رجل يريدون العبور من ذلك الموضع، قال سلمان لأسيد: «إن هذا مكان من الخندق متقارب، و نحن نخاف تطفره خيلهم، و كان الناس عجلوا في حفره، و بادروا فباتوا يوسعونه، حتى صار كهيئة الخندق، و أمنوا أن تطفره خيلهم» (1).

فلماذا يبادر سلمان للأمر بإصلاح ذلك الموضع، فيتم ما أراده في ليلة، و لا يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مثل ذلك؟ ! .

ثانيا: لماذا يتمنى «صلى اللّه عليه و آله» : «أن يأتي رجل صالح ليحرس ذلك الموضع في تلك الليلة» ؟ ألم يكن بإمكانه أن يأمر جماعته بحراسة ذلك الموضع؟ ! و الناس كلهم تحت أمره، و رهن إشارته؟ ! .

ثالثا: حين كان يرجع إلى عائشة لتدفئه في حضنها! ! من الذي كان يحرس تلك الثلمة؟ ! فلو أن العدو استطاع أن يتسلل منها في ذلك الوقت ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي فرّط في هذا الأمر، و تسبب به؟ ! .

و لا نريد أن نسجل تحفظنا على دعوى: أن عائشة كانت تدفئ النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حضنها! ! .

و لا على حديث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نام حتى نفخ، و كان إذا نام نفخ! !


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 230.

نساء النبي صلى اللّه عليه و آله في غزوة الخندق:

يقول البعض: «كان النبي يعقب بين نسائه، فتكون عائشة أياما، ثم تكون أم سلمة، ثم تكون زينب بنت جحش. فكان هؤلاء الثلاث اللاتي يعقب بينهن في الخندق. و سائر نسائه في أطم بني حارثة، و يقال: كن في «المسير» (النسر) أطم في بني زريق، و كان حصنا، و يقال: كان بعضهن في فارع، و كل هذا قد سمعنا» (1).

و نقول: إننا نشك في صحة ذلك: أولا: لقد صرحت أم سلمة بقولها: «كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الخندق فلم أفارق مقامه كله، و كان يحرس الخ. .» (2).

ثانيا: لا يمكننا أن نقبل بأن يصدر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ترجيح و ميل لبعض زوجاته على حساب البعض الآخر، إذ لماذا يعقب بين خصوص هؤلاء: دون سائر زوجاته، و لم نسمع أن إحداهن تنازلت عن حقها لرفيقاتها في غزوة الخندق، و إن كان ذلك محتملا في حد ذاته.

و الذي نظنه: أنه لو صح حديث ذلك البعض، فالسبب في ذلك هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن عنده سوى هؤلاء الثلاث، بالإضافة إلى سودة بنت زمعة، التي كانت مسنة، و كانت قد وهبت ليلتها إلى عائشة. فلا بد من


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 454 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 518 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 225 و السيرة الحلبية ج 2 ص 314.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 464.

مراجعة تاريخ زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بزوجاته.

و نظن أن النتيجة ستكون هي ما ذكرناه، فمن أراد التوسع فعليه أن يقوم بذلك.

المواجهة بين الفريقين:

«و أمر رسول اللّه صلوات اللّه عليه و آله المسلمين بالثبات في مكانهم، و لزوم خندقهم. . . و نظر المشركون إلى الخندق فتهيبوا القدوم عليه، فجعلوا يدورون حوله بعساكرهم، و خيلهم، و رجلهم، و يدعون المسلمين: ألا هلم للقتال و المبارزة.

فلا يجيبهم أحد إلى ذلك، و لا يرد عليهم فيه شيئا. و لزموا مواضعهم كما أمرهم رسول اللّه «صلوات اللّه عليه و آله» ، قد عسكروا في الخندق، و أظهروا العدة، و لبسوا السلاح، و وقفوا في مواقفهم. و تهيّب المشركون أن يلجوا الخندق عليهم. فلما طال ذلك، و نفذت أكثر أزوادهم، اجتمعوا الخ. . . (1).

ثم يذكر ما جرى لعمرو بن عبدود.

القتال بين المسلمين و المشركين:

تقول النصوص التاريخية: «و صار المشركون يتناوبون، فيغدو أبو سفيان في أصحابه يوما، و يغدو خالد بن الوليد يوما، و يغدو عمرو بن العاص يوما، و يغدو هبيرة بن أبي وهب يوما، و يغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، و يغدو ضرار بن الخطاب


1) شرح الأخبار ج 1 ص 292 ملخصا.

يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، و يفترقون مرة، و يجتمعون أخرى، و يناوشون أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أي يقربون منهم، و يقدمون رجالهم فيرمون.

و مكثوا على ذلك المدة المتقدمة، و لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل و الحصا» (1).

و ذكر البعض: أن ذلك كان في أكثر الأيام (2).

«و كان المشركون يتناوبون الحرب، لكن اللّه تعالى لم يمكنهم من عبور الخندق، فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال و الأحجار» (3).

و استمر الأمر على ذلك «حتى عظم البلاء، و خاف الناس خوفا شديدا» (4).

لكن البعض يذكر: أن الحرب كانت «ثلاثة أيام بالرمي بغير مجالدة


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 315. و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 171 و 172 و راجع المصادر التالية: إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و 231 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 5 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530 و المغاري للواقدي ج 2 ص 468 و عيون الأثر ج 2 ص 58. و الفقرة الأخيرة موجودة أيضا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 486 و حدائق الأنوار ج 2 ص 590 و الإرشاد للشيخ المفيد ص 51 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و السيرة النبوية لابن كثيرة ج 3 ص 200 و 201 و فتح الباري ج 7 ص 301 و 307 عن ابن إسحاق.

2) حبيب السير ج 1 ص 363.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 484.

4) إمتاع الأسماع ج 1 ص 231 و المغازي للواقدي ج 2 ص 468.

و لا مبارزة» (1)سوى ما كان من قتل الفرسان الذين عبروا الخندق.

و كان أبو سفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق، فراماهم المسلمون حتى رجعوا (2).

و في مرة أخرى: كان عمرو بن العاص في نحو الماءة يريدون العبور من الخندق من مكان تطفره الخيل، فراماهم أسيد بن حضير، و من معه من الحرس بالنبل و الحجارة حتى ولوا.

و كان مع المسلمين في تلك الليلة سلمان، فقال لأسيد: إن هذا مكان من الخندق متقارب، و نحن نخاف تطفره خيلهم. و كان الناس عجلوا في حفره، و بادروا فباتوا يوسعونه، حتى صار كهيئة الخندق، و أمنوا أن تطفره خيلهم (3).

«و كان عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد كثيرا ما يطلبان غرّة و مضيقا، من الخندق يقتحمانه، فكان للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالي» (4).

و قال ضرار بن الخطاب:نراوحهم و نغدو كل يومعليهم في السلاح مدججينا (5)


1) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و فتح الباري ج 7 ص 302 و بهجة المحافل ج 1 ص 266 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 230.

3) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 230.

4) إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8.

5) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226.

«ثم إن خالد بن الوليد كرّ بطائفة من المشركين يطلب غرّة للمسلمين، أي غفلتهم، فصادف أسيد بن حضير على الخندق في ماءتين من المسلمين، فناوشوهم، أي تقاربوا منهم ساعة، و كان في أولئك المشركين وحشي، قاتل حمزة رضي اللّه عنه، فزرق (1)الطفيل بن النعمان، فقتله.

ثم بعد ذلك صاروا يرسلون الطلائع بالليل، يطمعون في الغارة، أي في الإغارة، فأقام المسلمون في شدة من الخوف» (2).

لكن صاحب تجارب الأمم يقول: تفرق ذلك الجمع من غير قتال إلا ما كان من عدة يسيرة اتفقوا على الهجوم على الخندق، يحكى: أن فيهم عمرو بن عبدود فقتلوا (3).

إلا أن يكون المراد: أنه لم يكن قتال بالسيوف و الرماح، أما الرمي بالنبل و الحصا فليس محط نظره.

ملاحظة:

و قبل أن نمضي في الحديث: نلفت نظر القارئ إلى هذا الاهتمام الظاهر بإبراز دور أسيد بن حضير، الذي قلنا: إن السياسة كانت تهتم بشأنه، و تعمل على تكريس و تكديس الفضائل له، مكافأة له على هجومه على بيت فاطمة «عليها السلام» ، و قيامه بدور فاعل في تشييد خلافة قريبه أبي بكر.


1) زرق فلانا: رماي بالمزراق، أي الرمح القصير.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 323.

3) تجارب الأمم ج 2 ص 153.

كلام العلامة الحسني رحمه اللّه:

و ذكر العلامة الحسني: أن المشركين ألفوا ثلاث كتائب لمحاربة المسلمين، فأتت كتيبة أبي الأعور السلمي من فوق الوادي، و كتيبة عيينة بن حصن من الجنب، و وقف أبو سفيان و من معه في الناحية الثانية من الخندق (1).

لكننا قدمنا في فصل: الأحزاب إلى المدينة: أن أبا الأعور لم يكن له أي دور في الخندق، و أن أباه هو الذي شارك فيها.

روايات مشبوهة:

عن محمد بن مسلمة قال: كنا حول قبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نحرسه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نائم نسمع غطيطه إذ وافت أفراس على سلع، فبصر بهم عباد بن بشر، فأخبرنا بهم.

قال: فامض إلى الخيل.

و قام عباد على باب قبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» آخذا بقائم السيف ينظرني، فرجعت فقلت: خيل المسلمين أشرفت عليها سلمة بن أسلم بن حريش، فرجعت إلى موضعنا.

ثم يقول محمد بن مسلمة: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه اللّه (2).

و عن محمد بن مسلمة: أن خالد بن الوليد تلك الليلة أقبل في مئة فارس، من جهة العقيق حتى وقفوا بالمذاد و جاه قبة النبي «صلى اللّه عليه


1) سيرة المصطفى ص 499.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 468.

و آله» فنذرت بالقوم، فقلت لعباد بن بشر-و كان على حرس قبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كان قائما يصلي-أتيت، فركع، ثم سجد، و أقبل خالد في ثلاثة نفر هو رابعهم، فأسمعهم يقولون: هذه قبة محمد، إرموا.

فرموا، فناهضناهم حتى وقفنا على شفير الخندق، و هم بشفير الخندق من الجانب الآخر.

فترامينا، و ثاب إلينا أصحابنا، و ثاب إليهم أصحابهم، و كثرت الجراحة بيننا و بينهم.

ثم اتبعوا الخندق على حافتيه و تبعناهم، و المسلمون على محارسهم، فكلما نمر بمحرس نهض معنا طائفة، و ثبت طائفة، حتى انتهينا إلى راتج، فوقفوا وقفة طويلة، و هم ينتطرون قريظة، يريدون أن يغيروا على بيضة المدينة، فما شعرنا إلا بخيل سلمة بن أسلم يحرس، قد أتت من خلف راتج.

فلاقوا خالدا، فاقتتلوا و اختلطوا، فما كان إلا حلب شاة حتى نظرت إلى خيل خالد مولية. و تبعه سلمة بن أسلم حتى رده من حيث جاء.

فأصبح خالد، و قريش، و غطفان، تزري عليه و تقول: ما صنعت شيئا فيمن في الخندق، و لا فيمن أصحر لك.

فقال خالد: أنا أقعد الليلة، و ابعثوا خيلا حتى أنظر أي شيء تصنع» (1).

و نقول: إن هذه الرواية موضع ريب و شك، لأن إصحار سلمة بن أسلم و من معه لخالد و من معه و اختلاطهم بهم يصعب تصديقه، لأن عبور سلمة و أصحابه


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 466.

إلى الجانب الآخر من الخندق أو مجيئهم من خلف راتج، من طرف الخندق، إلى جهة المشركين ينطوي على مخاطرة كبرى لما فيه من تعريض أنفسهم للإبادة الحتمية على يد ألوف المقاتلين من المشركين الذين كانت تعج بهم المنطقة.

و يلفت نظرنا هنا: أن الرواية لم تشر إلى مبادرة خالد لمطاولة هذه الجماعة القليلة، ثم طلب المدد من الجيش الذي هو أحد قواده. و قد كان عليه أن ينتهزها فرصة ذهبية نادرة ليلحق بالمسلمين نكبة هائلة و مروعة.

ثم إن تلك الرواية قد تحدثت: عن أن خالدا كان في مئة فارس، و لكنه حين أراد أن يرمي قبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان في ثلاثة نفر هو رابعهم.

و حين ترامى خالد و أصحابه، و محمد بن مسلمة و أصحابه أين كان عنه أصحابه، حتى يقول الراوي-و هو محمد بن مسلمة-و ثاب إلينا أصحابنا، و ثاب إليهم أصحابهم؟ !

و ما معنى قوله: ثم اتبعوا الخندق على حافتيه و تبعناهم. فهل كان خالد و أصحابه على حافتي الخندق؟ ! الأمر الذي يعني أن خالدا و من معه قد عبروا الخندق إلى جهة المسلمين، أو العكس.

ثم إننا لا ندري مدى صحة هذه الرواية التي لم يروها لنا إلا محمد بن مسلمة، الرجل الذي كانت تهتم السلطة في إعطائه الأدوار الحساسة، لأنه كان من أعوانها.

و لكن الغريب في الأمر: أننا نجد المؤرخين لم يعيروا هذه الرواية أي اهتمام رغم أهمية و حساسية المعلومات التي تدّعيها فيما يرتبط بحرب الخندق.

دعوى قتل طليعة للنبي صلى اللّه عليه و آله:

و عن مالك بن وهب الخزاعي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث سليطا و سفيان بن عوف الأسلمي طليعة يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفت عليهما خيل لأبي سفيان، فقاتلا حتى قتلا، فأتي بهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدفنا في قبر واحد. فهما الشهيدان القرينان (1).

و نحن نشك في صحة ذلك، لما يلي: أولا: بالنسبة لسنده، قال البزار: «لا نعلم روى مالك إلا هذه» (2).

و قال: الهيثمي: «فيه جماعة لم أعرفهم» ، و قريب من ذلك عند العسقلاني (3).

و ثانيا: إن من الواضح: أن سفيان بن عوف الأسلمي و هو الغامدي، هو الذي كان يغير على أطراف علي «عليه السلام» ، و يرتكب الجرائم، و يهتك الحرمات، و قد ذكره أمير المؤمنين «عليه السلام» بقوله: «و إن أخا غامد الخ. .» و كان من قواد معاوية الأساسيين، و كان يعظمه. و قد مات سنة اثنتين أو ثلاث، أو أربع و خمسين (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 514 و كشف الاستار عن مسند البزار ج 2 ص 332 و 333 و مجمع الزوائد ج 6 ص 135 و أسد الغابة ج 4 ص 297 عن أبي نعيم و أبي موسى و الإصابة ج 3 ص 358 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و راجع: الرسول العربي و فن الحرب ص 245.

2) كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 333.

3) مجمع الزوائد ج 6 ص 135 و الإصابة ج 3 ص 358.

4) راجع: الإصابة ج 2 ص 56 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 183-185 و غير ذلك من كتب التراجم.

و لنا أن نحتمل: أن تكون دعوى صحابية سفيان هذا قد جاءت لأجل إعطائه بعض المصونية و الشأن الرفيع، حفاظا على سيده معاوية من جهة، و إضعافا لموقف علي «عليه السلام» من جهة ثانية، و تبريرا لمواقفه المخزية، و جرائمه الخطيرة التي ارتكبها بحق المسلمين الذين أغار عليهم و قتلهم، و هتك حرماتهم من جهة ثالثة.

حديث أم سلمة:

عن أم سلمة قالت: كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الخندق، فلم أفارقه مقامه كله، و كان يحرس بنفسه في الخندق، و كنا في قرّ شديد. فإني لأنظر إليه قام فصلى ما شاء اللّه أن يصلي في قبته، ثم خرج فنظر ساعة، ثم قال: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق، من لهم؟ .

ثم نادى: يا عباد بن بشر!

قال: لبيك.

قال: أمعك أحد؟ .

قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبتك.

قال: فانطلق في أصحابك، فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرة، اللهم ادفع عنا شرهم، و انصرنا عليهم، و اغلبهم، لا يغلبهم غيرك.

فخرج عبّاد في أصحابه، فإذا هو بأبي سفيان في خيل المشركين يطيفون بمضيق الخندق، فرماهم المسلمون بالحجارة و النبل، فرجعوا منهزمين.

ثم جاء عبّاد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فوجده يصلي، فأخبره،

قالت أم سلمة: فنام حتى سمعت غطيطه (1).

و يستوقفنا في هذا الحديث:

1-قول أم سلمة أنها كانت مع رسول اللّه في غزوة الخندق. و أنها لم تفارقه فيها أصلا. و هذا يكذّب ما يقوله البعض: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعقب بينها و بين عائشة و زينب بنت جحش.

2-عبارة أم سلمة: فنام حتى سمعت غطيطه. لا ندري مدى صحة حصول الغطيط منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نحن نتوقع منه خلاف ذلك. فإن الغطيظ من المنفرات التي يتنزه عنها النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

3-قولها: و كنا في قرّ شديد. قد تقدم في الفصل الأول ما يوجب الشك في هذا الأمر.

4-لا ندري كيف لم يلتفت عبّاد بن بشر و من معه إلى خيل المشركين و هي تطيف بالخندق، و كيف رآها النبي «صلى اللّه عليه و آله» دونهم؟ فهل علم «صلى اللّه عليه و آله» ذلك عن طريق الوحي؟ ! إن ظاهر الرواية: هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» علم ذلك بواسطة عينه الباصرة.

5-أين كان سائر المسلمين عن حراسة خندقهم، ألم يكونوا يتناوبون عليه يحرسونه، و يطوفون به؟ لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية كاذبة من أساسها، فلعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نبه المسلمين لمحاولة تسلل من المشركين لم يكونوا قد التفتوا إليها، لا نشغالهم بحديث فيما بينهم.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 464. و لا بأس بمراجعة: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 529 و 530 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 229 و 230.

حديث آخر ينسب لأم سلمة:

عن أم سلمة قالت: و اللّه، إني لفي جوف الليل في قبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو نائم إلى أن سمعت الهيعة (1)، و قائل يقول: يا خيل اللّه (و كان رسول اللّه قد جعل شعار المهاجرين: يا خيل اللّه) ففزع «صلى اللّه عليه و آله» بصوته، و خرج من القبة، فإذا نفر من الصحابة عند قبته يحرسونها منهم عباد بن بشر، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما بال الناس؟

قال عباد: يا رسول اللّه هذا صوت عمر بن الخطاب، الليلة نوبته، ينادي: يا خيل اللّه، و الناس يثوبون إليه، و هو من ناحية حسيكة، ما بين ذباب و مسجد الفتح.

فأمر «صلى اللّه عليه و آله» عبادا أن يأتيه بالخبر، فذهب ثم رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، هذا عمرو بن عبد في خيل المشركين، معه مسعود بن رخيلة في خيل غطفان، و المسلمون يرامونهم بالنبل و الحجارة.

قالت: فدخل «صلى اللّه عليه و آله» فلبس درعه و مغفره و ركب فرسه، و خرج معه أصحابه، حتى أتى تلك الثغرة، فلم يلبث أن رجع و هو مسرور، فقال: صرفهم اللّه، و قد كثرت فيهم الجراحة.

ثم دخل «صلى اللّه عليه و آله» فنام، فسمعوا هائعة أخرى، فانتبه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبروه أنه ضرار بن الخطاب، فلبس «صلى اللّه عليه و آله» درعه و مغفره و ركب فرسه إلى تلك الثغرة، و عاد في وقت السحر، و هو


1) الهيعة: الصوت المفزع.

يقول: رجعوا مفلولين قد كثرت فيهم الجراحة (1).

و نقول: قد يمكن للبعض أن يشكك في صحة هذه الرواية، على اعتبار: أن الروايات الأخرى قد تحدثت عن هزيمة عمر بن الخطاب أمام ضرار، و أنه كاد أن يقتله، ثم كف عنه، لأنه كان لا يقتل قرشيا قدر عليه، كما سيأتي.

كما أن الطبري و غيره يذكرون: أنه قد اختبأ هو و طلحة و غيرهما في بستان إبان حرب الخندق، كما سيأتي عن قريب.

و لكن هذا التشكيك يمكن دفعه: بأن عمر لم يواجه حربا بنفسه هنا، بل واجهها بغيره، أي بواسطة المسلمين الذين تصدوا للمشركين، و ليس بالضرورة أن يصل به الرعب و الخوف إلى حد الهزيمة من ساحة الحرب، حتى حين يكون المتحاربون هم الآخرون.

غير أن ما يلفت نظرنا هنا: هو ما نراه بوضوح من محاولات جادة لإيجاد دور ما لأشخاص بأعيانهم، كان لهم دور سلطوي بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو دور في تركيز دعائم السلطة بعده «صلى اللّه عليه و آله» أو مناوأة آل أبي طالب بشكل أو بآخر، فنجد الاهتمام بإبراز دور ما لأبي بكر، و لعمر، و للزبير، و لمحمد بن مسلمة، و لسلمة بن أسلم، و عباد بن بشر، و سعد بن أبي وقاص، و أسيد بن حضير.

و المطلع على تاريخ هؤلاء يجد: أنهم كانوا على العموم من المناوئين


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 466 و 467 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 230 و 231 و تاريخ الخميس ج 1 ص 485.

لعلي و أهل البيت عليهم الصلاة و السلام، و منهم من هو من أركان الحكم و أعوانه، أو من المشاركين في الاعتداء على الزهراء «عليها السلام» حين قيامهم بعدة هجمات على بيتها صلوات اللّه و سلامه عليها.

إصابة سعد بن معاذ بسهم:

و يذكر المؤرخون: أنه كان للمشركين رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين، أو مجتمعين بين أيديهم و هم حبان بن العرقة، و أبو أسامة الجشمي في آخرين.

فتناوشوا يوما بالنبل ساعة، و هم جميعا في وجه واحد، و جاه قبة رسول اللّه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم بسلاحه على فرسه، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم، فأصاب أكحله.

و قال: خذها و أنا ابن العرقعة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : عرق اللّه (1)وجهك بالنار، (أو قال له سعد نفسه ذلك) .

و يقال: بل رماه أبو أسامة الجشمي، و قيل: خفاجة بن عاصم (2).


1) عرق وجهه: أي أغلاه بالماء الحار.

2) راجع النص المتقدم في: إمتاع الأسماع ج 1 ص 231 و 232 و المغازي للواقدي ج 2 ص 468 و 469 و راجع قسما مما تقدم في المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 537 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207 و البداية و النهاية ج 4 ص 108 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 240 و راجع ص 241 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و جوامع السيرة النبوية ص 151 و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 101 و مجمع البيان ج 8

و قال سعد: اللهم إن أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، و أخرجوه و كذبوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم، فاجعلها لي شهادة، و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، و كانوا حلفاءه و مواليه في الجاهلية (1).

أضاف البعض هنا قوله: فلما قال سعد ما قال إنقطع الدم (2).

(2) -ص 344 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و بحار الأنوار ج 20 ص 206 و 207 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 170 و 171 و دلائل النبوة ص 436 و العبر و ديوان المتبدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و عيون الأثر ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 238 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 و 441 و 442.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 537 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 240 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 238 و 239 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و بحار الأنوار ج 20 ص 231 و 232 و 207 و مجمع البيان ج 8 ص 344 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و دلائل النبوة ص 436 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و عيون الأثر ج 2 ص 63 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 240 و البدء و التاريخ ج 4 ص 218 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 267 و 268 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و جوامع السيرة النبوية ص 151 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 170 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207 و 208 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 281 و 282 و راجع مسند أحمد ج 6 ص 141 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و صحيح البخاري ج 3 ص 23.

2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 و البداية و النهاية ج 4 ص 108 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 28 و ج 3 ص 441.

حديث عائشة حول سعد:

و تقول عائشة-كما روي-: إن ابن معاذ مر عليها، و هي في الحصن، حصن بني حارثة، و كان من أحرز حصون المدينة-و ذلك قبل أن يفرض علينا الحجاب (1)-و عليه درع مقلصة قد خرجت منها أذرعه كلها، و في يده حربة يرقد (يرقل) بها، و هو يقول:

لبثت قليلا يشهد الهيجا حملما أحسن الموت إذا حان الأجل

فقالت له أمه: الحق بني فقد-و للّه-أخرت.

فقالت لها عائشة: و اللّه لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي عليه، قالت: و خفت عليه حيث أصاب السهم منه.

فقالت أم سعد: يقضي اللّه ما هو قاض.

فقضى اللّه أن أصيب يومئذ (2).


1) هذا العبارة ذكرها الواقدي، و الديار بكري، و ابن سيد الناس، و ابن هشام، و ابن كثير، و الكلاعي، و ابن إسحاق و البيهقي فراجع الهامش التالي.

2) راجع فيما تقدم-و إن اختلفت في بعض الألفاظ-المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 525 و المغازي للواقدي ج 2 ص 469 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207. و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 265 و 266 و البداية و النهاية ج 4 ص 108 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 240 و الروض الأنف ج 2 ص 192 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 440 و 441 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 169 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 281 و عيون الأثر ج 2 ص 62 و 63 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237.

و نقول: إننا نرجح أن يكون أبو أسامة الجشمي هو الذي قتل ابن معاذ، و ذلك: أولا: لأن بعض المصادر تذكر لأبي أسامة الجمشي أبياتا فيها أنه هو الذي رمى سعدا فأصابه، فقد قال مخاطبا عكرمة، و مشيرا إلى قتله سعدا:

أعكرم هلا لمتني إذ تقول ليفداك بآطام المدينة خالد

ألست الذي ألزمت سعدا مريشةلها بين أثناء المرافق عاند

قضى نحبه منها سعيدا فاعولتعليه مع الشمط العذارى النواهد

الأبيات (1).

ثانيا: ذكرت الروايات: أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يوم أحد حبان بن العرقة بسهم فوقع في ثغرة نحره (أو في نحره) فوقع على ظهره و بدت عورته، فضحك «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدت نواجذه.

فهل عاش حبان من جديد؟ أو لم يمت من سهم أصابه في نحره! ! - و عاش-حتى رمى سعد بن معاذ في أكحله في الخندق؟ (2).

إلا أن تكون قصة أحد: قد صنعها محبو سعد بن أبي وقاص لإثبات فضيلة له، و ذلك عن هؤلاء غير بعيد، فقد رأيناهم يفعلون ذلك في كثير من المواضع، ثم سرعان ما ينسيهم اللّه ذلك، فتظهر الحقيقة على ألسنتهم من جديد، و يكذبون أنفسهم من حيث لا يشعرون.


1) البداية و النهاية ج 4 ص 108.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 133 و السيرة الحلبية ج 2 ص 227 و 229 و سبل الهدى و الرشاد (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 201.

الاختلاف في من قتل سعد بن معاذ:

و أما الاختلاف في قاتل سعد بن معاذ، فهو يعود-فيما يظهر لنا-إلى أن الذين كانوا يرمون باتجاه سعد و المسلمين كانوا أكثر من واحد، فاختلطت السهام، و استطاع كل منهم أن يدّعي لنفسه أنه تمكن من قتل سيد قبيلة الأوس في المدينة و هو-باعتقادهم-شرف عظيم أراد كل منهم أن يخص نفسه به، مع أنه في الحقيقة غاية الخزي و العار، لو كانوا يعلمون.

سعد في خيمة رفيدة:

و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بنقل سعد حينما جرح إلى خيمة رفيدة التي كانت أقامتها في مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمداواة الجرحى.

زاد القمي قوله: و كان يتعاهده بنفسه (1).


1) عيون الأثر ج 2 ص 72 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 250 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 200 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 272 عن البغوي و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و جوامع السيرة النبوية ص 154 و البداية و النهاية ج 4 ص 121 و نهاية الأرب ج 17 ص 191 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 267 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 287 و السيرة الحلبية ج 2 ص 238 و فتح الباري ج 7 ص 317 و تفسير القمي ج 2 ص 188 و بحار الأنوار ج 20 ص 232 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 311 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 113 و ج 1 ص 462 و 453 و 454 و الإصابة ج 4 ص 302 و 303 عن ابن إسحاق، و عن البخاري في الأدب المفرد. و في التاريخ بسند صحيح، و المستغفري، و أبي موسى.

و نستفيد من ذلك: إمكانية أن تتولى المرأة مداواة الجرحى. و قد تحدثنا عن ذلك بشيء من التفصيل في كتابنا: الآداب الطبية في الإسلام، فنحن نرجع القارئ الذي يريد التوسع إليه.

إصابة أبي بن كعب في أكحله:

و تذكر بعض الروايات عن جابر: أن أبي بن كعب، رمي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و عنه أي عن جابر: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا، ثم كواه عليه (1).

و نحن نتساءل عن السبب الذي لم يقدم لأجله النبي «صلى اللّه عليه و آله» على معالجة سعد بن معاذ بهذه الطريقة حتى يشفى، أم أنه عالجه، لكن لم يفده العلاج لأن جراحته تختلف عن جراحة أبي؟ !

هل فر عمر و طلحة في غزوة الخندق؟

و الذي يثير فينا العجب هنا: أننا نجد عائشة تروي لنا ما يدل على فرار جماعة من الصحابة في حرب الخندق، و اختبائهم في حديقة هناك.

قال الطبري: «حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا محمد بن بشر، قال حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثني أبي عن علقمة، عن عائشة قالت:

خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فو اللّه إني لأمشي إذ سمعت وئيد الأرض خلفي-يعني حس الأرض-فالتفت فإذا أنا بسعد، فجلست إلى


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن مسلم. كذا في المشكاة.

الأرض، و معه ابن أخيه الحارث بن أوس-شهد بدرا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حدثنا بذلك محمد بن عمرو-يحمل مجنه، و على سعد درع من حديد، قد خرجت أطرافه منها، قالت: و كان من أعظم الناس و أطولهم.

قالت: فأنا أتخوف على أطراف سعد، فمر بي، يرتجز و يقول:لبث قليلا يدرك الهيجا حملما أحسن الموت إذا حان الأجل

قالت: فلما جاوزني قمت، فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب، و فيهم رجل عليه تسبغة له-قال محمد: و التسبغة: المغفر لا ترى إلا عيناه-فقال عمر: إنك لجرية، ما جاء بك؟ ما يدريك؟ لعله يكون تحوّز، (تحرف) أو بلاء.

فو اللّه ما زال يلومني حتى وددت أن الأرض تنشق لي فأدخل فيها، فكشف الرجل التسبغة عن وجهه: فإذا هو طلحة.

فقال: إنك قد أكثرت، أين الفرار، و أين التحوّز (التحرف) إلا إلى اللّه عز و جل (1).

نقول: إن طلحة يتضايق من جهر عمر بالفرار أمام عائشة، ثم لما رأى أنه يكرر ذلك لها، يستنكر أن يكون هذا فرارا، و يعتبره فرارا إلى اللّه عز و جل.

و نلفت النظر هنا: إلى تجاهل جل المؤرخين لهذه الرواية، رغم أنهم


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 241 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 435 و 436 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 266 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 284 و الطبقات الكبرى ج 3 قسم 2 ص 3 و كنز العمال ج 1 ص 280 عن ابن عساكر.

يرون في الطبري المثل الأعلى لهم، و هم ينقلون عنه و يعتمدون عليه، و لعله هو بالإضافة إلى سيرة ابن هشام، يأتي على رأس القائمة في أي مراجعة للسيرة، أو تسجيل أي حدث، أو موقف منها.

كما أننا لا نستبعد: أن تكون هذه هي القضية الصحيحة، لا قضية عائشة مع أم سعد.

ثم إننا لا ننسى أن نسجل هنا تساؤلا يبقى حائرا، و هو أنه كيف سوّغت عائشة لنفسها أن تخرج من الحصن الذي وضعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه، مع خطورة الموقف و حساسيته المتناهية، و مع عدم إذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها بذلك، إذ لو كانت مأذونة منه «صلى اللّه عليه و آله» لاحتجت به على عمر، و لم تصبر على هذا التقريع المر الذي واجهها به، حتى إنها لتود أن تنشق لها الأرض، فتدخل فيها.

و لعل مما يؤيد فرار الكثيرين يوم الخندق: ما سيأتي في حديث حذيفة حينما أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» لكشف خبر قريش، حيث ذكر أنه لم يبق مع النبي سوى اثني عشر رجلا فقط (1).

و الرواية الأخرى تقول: إن الناس تفرقوا و لم يبق من العسكر غير ثلاثة مئة (2).


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 31 و تلخيصه للذهبي بهامشه و صححاه و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 450 و 451 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 249 و 250.

2) سيأتي ذلك في الفصل الأخير من هذا الباب.

من بطولات سعد بن أبي وقاص:

و يقولون: «كان يوم الخندق رجل من الكفار معه ترس، و كان سعد راميا. و كان الرجل يقول كذا بالترس، يغطي جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلما رفع رأسه رماه سعد لم يخطئ هذه منه، يعني جبهته، فانقلب و أشال برجله، فضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدت نواجذه، يعني من فعله بالرجل» (1).

و نقول: إننا نشك في صحة ذلك: ألف: إن الذين قتلوا من المشركين معروفون، و ستأتي أسماؤهم، و أسماء الذين قتلوهم، و هم:

1-عمرو بن عبدود، و قد قتله علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

2-حسل بن عمرو بن عبدود، قتله علي «عليه السلام» أيضا.

3-نوفل بن عبد اللّه، قتله علي «عليه السلام» ، و قيل: بل قتله الزبير، و سيأتي أنه غير صحيح.

4-منبه بن عثمان، أو عثمان بن أمية بن منبه، أصابه سهم غرب فمات منه بمكة، و سيأتي ذلك مع مصادره في الفصل الأخير من هذا الباب.

فأين ذلك الرجل الذي قتله سعد بسهم؟ ! .

إلا أن يقال: إنه أصابه في جبهته، و انقلب و أشال برجله، لكنه لم يمت.

ب: إن هذه الرواية هي-تقريبا-نفس الحكاية التي تحكى لسعد مع


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 488 عن الترمذي في الشمائل.

حبان بن العرقة في غزوة أحد.

إلا أنها ذكرت: أن هذا كان يتلاعب بترسه، فرماه سعد في جبهته، و قد أشرنا غير مرة إلى أننا نجد اهتماما خاصا بتسطير الفضائل لسعد لتعويضه عن فراره في المواطن، و لرد الجميل له على مواقفه المؤيدة للسلطة التي اغتصبت مقام الخلافة بعد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد أشرنا إلى ذلك: في غزوة أحد حين الكلام عن بطولات سعد الموهومة، فراجع.

بطولات وهمية للزبير:

روى البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء و الصبيان في الأطم (يعني حصنا) و معي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي، فأصعد على ظهره، فأنظر إليهم كيف يقتّلوا، و أطأطئ له فيصعد فوق ظهري، فينظر.

قال: فنظرت إلى أبي، و هو يحمل مرة ها هنا، و مرة ها هنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه.

فلما أمسى جاءنا إلى الأطم، قلت: يا أبه، رأيتك اليوم و ما تصنع.

قال: و رأيتني يا بني؟ ! .

قلت: نعم.

قال: أما إن رسول اللّه قد جمع لي أبويه.

قال: فدا لك أبي و أمي (1).

و نقول: قد قدمنا في فصل: غدر بني قريظة: أن عبد اللّه بن الزبير كان آنئذ طفلا صغيرا جدا، و لم يكن بحيث يمكن أن يصدر منه ذلك فقد كان عمره أقل من سنتين على ما يظهر، فراجع ما قدمناه.

هذا بالإضافة إلى أننا: لم نفهم معنى لما يدّعيه ابن الزبير من حملات لأبيه هنا، و حملات هناك، و نحن نعلم أن ذلك لم يحدث في الخندق، بل الذي كان هو المراماة بالنبل و الحصا في بعض الأحيان.

أما قضية المبازرة فإنما كانت بين علي «عليه السلام» و عمرو بن عبد ود، كما سيأتي.

هذا بالإضافة إلى: أن هذا الحديث زبيري سندا و متنا، و لم نجد من روى لنا هذه المواقف البطولية للزبير في حرب الأحزاب.

قدامة بن مظعون في حرب الخندق:

عن نافع، عن ابن عمر، قال: «بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف، فأتيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستأذنته-و هو بالخندق-فأذن لي، و قال لي: من لقيت منهم، فقل لهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمركم أن ترجعوا.

قال: فلقيت الناس، فقلت لهم. . .


1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 439 و 440 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206 و 207 و البداية و النهاية ج 4 ص 107 و كنز العمال ج 10 ص 286.

إلى أن قال ابن عمر: و اللّه ما عطف عليّ منهم اثنان أو واحد» (1).

و نقول: ألف: إن هذه الرواية موضع ريب، لأن عثمان بن مظعون قد توفي قبل الخندق بزمان، فإنه أول من مات بالمدينة من المهاجرين. و ذلك بعد بدر في السنة الثانية من الهجرة الشريفة.

و قد احتمل البعض: أن يكون المقصود هو قدامة بن مظعون فراجع (2).

ب: قد يقال: إن هذه الرواية تدل على أن طائفة من الناس قد فروا يوم الخندق، وفقا لما تقدم من فرار جماعة فيهم عمر و طلحة، و قد اختبأوا في حديقة هناك، فاكتشفتهم عائشة.

و سيأتي أيضا: أن الناس قد تفرقوا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى بقي في ثلاث مئة. بل في اثني عشر رجلا كما في رواية القمي، و الحاكم في المستدرك بسند صححه هو و الذهبي.

لكن قد يجاب عن ذلك: بأن من الممكن أن تكون الرواية ناظرة إلى حالة المسلمين لما بلغهم فرار المشركين، فإنهم تركوا النبي و قصدوا المدينة لا يلوون على شيء، و سيأتي ذلك في آخر فصل: نهاية حرب الخندق.

إلا أن هذا الجواب لا يكفي: إذ لا معنى لطلب النبي من الناس الرجوع إلى مواقعهم، بعد ذهاب الأحزاب.

ج: إن هذه الرواية تشير إلى أنه قد كان ثمة دقة في التنظيم، و هيمنة قيادية،


1) عيون الأثر ج 2 ص 56 و فتح الباري ج 7 ص 309 بإسناد صحيح عن الطبراني.

2) عيون الأثر ج 2 ص 56.

قد فرضت عدم تغيب أي عنصر مشارك في الحرب إلا بإذن من الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، الأمر الذي يتيح للقيادة أن تبقى على اطلاع تام على حجم و فعالية القوة التي تعمل تحت قيادتها، فتتمكن من التخطيط الدقيق و السليم و في نطاق و حدود القدرات المتوفرة لديها، و الإستئذان هذا كان من الجميع حتى من المنافقين لأعذار مختلفة.

القتال بين المسلمين و بين بني قريظة:
اشارة

قد ذكرت النصوص التاريخية عدة موارد يقال: إنها حصلت فيها مناوشات فردية بين المسلمين و اليهود، و ذكرت أيضا حوادث محدودة في نطاق التدبير العسكري فيما بين الفريقين.

بالإضافة إلى: تحركات عامة في دائرة التفاهم لشن هجوم مشترك على المسلمين، و نذكر هذه الأمور في ضمن النقاط التالية:

ألف: التفكير بمباغتة المدينة:

قال الديار بكري: «و استعان بنو قريظة من قريش ليبيتوا المدينة فعلم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فبعث سلمة بن الأسلم في ماءتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاث مئة رجل حتى حرسوا حصون المدينة و محلاتها» (1).

و يفصّل ذلك البعض، فيقول: همت بنو قريظة أن يغيروا على بيضة المدينة ليلا، فأرسلوا حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيهم منهم ألف رجل، و من غطفان ألف فيغيروا بهم.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 484.

فجاء الخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعظم البلاء، و بعث سلمة بن أسلم في مئتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاث مئة يحرسون المدينة، و يظهرون التكبير، و معهم خيل المسلمين، فإذا أصبحوا أمنوا.

فكان أبو بكر يقول: لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش و غطفان. و لقد كنت أوفي على سلع، فأنظر إلى بيوت المدينة، فإذا رأيتهم هادين حمدت اللّه عز و جل، فكان مما رد اللّه به بني قريظة عما أرادوا: أن المدينة كانت تحرس» (1).

و نقول: إنه ربما يستفاد من قوله تعالى: إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أن بني قريظة قد تحركوا لقتال المسلمين، أو لمحاصرتهم، أو عملوا على ذلك بطريقة أو بأخرى.

هذا. . . و لم تذكر لنا الرواية سبب عدم استجابة قريش و غطفان لطلب بني قريظة، و لا الطريقة التي علم بها رسول اللّه بإرسال بني قريظة تلك الرسالة إلى الأحزاب.

كما أننا لا نكاد نطمئن: إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يبادر إلى حراسة المدينة إلا بعد أن علم بعزمهم على تبييتها. فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليغفل عن حراسة المدينة من أول يوم خرج فيه لحفر الخندق


1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 260 و امتاع الاسماع ج 1 ص 228 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و 5 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528.

و مواجهة الأحزاب، بل من أول ساعة.

أضف إلى ذلك كله: أن تخصيص خمس مئة مقاتل لحراسة المدينة، أي ما ربما يزيد على نصف جيش المسلمين، ثم الإكتفاء بالنصف أو بأقل من ذلك-حسبما تقدم عن عدة المسلمين-ليواجهوا جيش الأحزاب-إن هذا-قد يكون أمرا مبالغا فيه، فلعله كان يرسل مئتين على التناوب، فتارة يرسل سلمة، و تارة يرسل زيدا، و هكذا.

ب: قصة خوات بن جبير و اليهودي:

و بعث «صلى اللّه عليه و آله» خوات بن جبير لينظر غرة لبني قريظة، أو خللا من موضع، فكمن لهم، فنام، فحمله رجل منهم و قد أخذه النوم، فأفاق، فعرف أن حامله طليعة لبني قريظة، فأمكنه اللّه من الرجل و قتله، و لحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أخبره، بعد أن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد عرف بالقضية من جهة جبرئيل (1).

و نقول: إننا لا ندري لماذا يفضل ذلك اليهودي حمل عدوه على ظهره؟ ! و لا يبادر إلى قتله، و التخلص منه.

و الذي نعلمه في حالات كهذه هو أن يكون نوم من ينام قلقا و غير مستقر، حتى إن النائم ليتنبه لأدنى حركة أو لمسة له، و نجد أن هذا اليهودي يحمل هذا النائم و يرفعه إلى كتفه و لا يشعر به.


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 228 و المغازي للواقدي ج 2 ص 460 و 461.

ثم كيف عرف خوات بن جبير أن حامله طليعة لبني قريظة؟ ! هذا ما لم تصرح لنا الرواية به.

و إذا أغمضنا النظر عن ذلك: فإن اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعمل الإستخباري في حروبه ظاهر للعيان.

و لكن طلب الغرة لبني قريظة و الخلل من موضع، إنما يتناسب مع التخليط لمهاجمتهم، و ذلك لم يكن متيسرا، أو فقل: لم يكن مطروحا للتداول به و التخطيط له في غزوة الخندق.

فلعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يمهد لغزوهم حين فراغه من الأحزاب، فكان إرسال الطلائع تمهيدا لذلك.

ج: تحركات، و تحرشات:

و خرج نباش (و لعل الصحيح: شاس) بن قيس في عشرة من اليهود يريد المدينة، ففطن بهم نفر من أصحاب سلمة بن أسلم، فرموهم حتى هزموهم (1).

و مر سلمة في من معه، فأطاف بحصون يهود، فخافوه، و ظنوا: أنه البيات.

و من الواضح: أن هؤلاء اليهود لا يشكلون خطرا جديا على المسلمين، إلا من حيث أنهم طليعة للعدو، و تريد أن تحصل على معلومات تفيد في توجيه ضربة عسكرية للمسلمين، أو من حيث أنهم يريدون الحصول على


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 229 و المغازي للواقدي ج 2 ص 462.

مكاسب مادية، لظنهم أن المسلمين في غفلة عن بعض المواقع التي يمكنهم التسلل إليها للحصول على ما يمكن الحصول عليه منها.

أو من حيث إحداث بلبلة في صفوف المسلمين، حين يشعرون أن نساءهم في معرض خطر أكيد من قبل الأعداء.

و من الملفت للنظر أيضا: هذا الرعب من قبل اليهود لمجرد رؤيتهم سلمة بن أسلم يطيف بحصونهم، مع أنهم يظنون أنهم ما نعتهم حصونهم.

د: قتل مغامر:

روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن رافع بن خديج، قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» النساء و الصبيان و الذراري فيه.

و قال لهن: إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف. فجاءهن رجل من بني (ثعلبة) حارثة بن سعد، يقال له: نجدان، أحد بني جحاش على فرس، حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول لهن: انزلن إلي خير لكن.

فحركن السيف، فأبصره أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة، يقال له: ظفر بن رافع، فقال: يا نجدان ابرز.

فبرز إليه، فقتله، و أخذ رأسه فذهب به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن الوفاء عن الطبراني و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و 302 عن الطبراني و كنز العمال ج 10 ص 284.

و لنا ملاحظة على هذا النص، و على نص سابق شبيه به: و هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لهن: إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف، فهل هذا يعني: أن يلمعن بالسيف لإيهام الأعداء وجود أسلحة معهن؟ !

الجواب: قد يكون لا، لأن هذا لو صح لكان الأنسب أن يقول لهن، فالمعن بالسيوف، إلا أن يكون المقصود هو جنس السيف، لا السيف الواحد.

و الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يلمعن بالسيف لو تعرضن لأي هجوم من الأعداء ليعرف المسلمون بالأمر، لينجدوهن بالرجال.

و معنى ذلك: هو أن موضع النساء كان قريبا من جيش المسلمين، و في مقابلهم. كما أن هذه الطريقة لن تنفعهم إلا في وقت النهار، و حيث تكون السماء صافية و الشمس طالعة لا مطلقا. إذ في الليل و حيث لا شمس لا يلمع السيف.

صفية و حسان بن ثابت و اليهودي:
اشارة

روى الزبير بن العوام: أن صفية كانت في حصن فارع.

و في نص آخر: «في حصن حسان بن ثابت» مع نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان معهن حسان بن ثابت، فرقى يهودي الحصن حتى أشرف عليهن، فقالت صفية: يا حسان قم إليه حتى تقتله.

و في نص آخر: أن اليهودي جعل يطوف بذلك الحصن، فخافت صفية أن يدل على عورة الحصن.

قال: لا و اللّه، ما ذاك فيّ، و لو كان فيّ لخرجت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قالت صفية: فاربط السيف على ذراعي. ثم تقدمت إليه حتى قتلته، و قطعت رأسه، فقالت له: خذ الرأس و ارم به على اليهود.

قال: و ما ذاك فيّ.

فأخذت الرأس فرمت به على اليهود.

فقالت اليهود: قد علمنا: أنه لم يك يترك أهله خلوفا، ليس معهم أحد.

و يذكر نص آخر: أنها طلبت منه أن يسلبه فرفض.

و نص آخر يذكر: أنها قتلته بواسطة عمود.

و في غيره: قتلته بفهر. و تذكر رفض حسان لسلبه، و لا تذكر حديث قطع رأسه (1).

و قد زاد أبو يعلى: «فأخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فضرب


1) راجع المصادر التالية: وفاء الوفاء ج 1 ص 302 عن البزار. و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و 525 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و أبي يعلى، و البزار بسند حسن عن الزبير، بسند رجاله رجال الصحيح عن عروة مرسلا، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 241 و 242 و كنز العمال ج 10 ص 286 و أسد الغابة ج 2 ص 6 و تاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن الوفاء، و الهيثمي، و السيرة الحلبية ج 2 ص 317 و مسند أحمد و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 239 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 442 و 443 و أمالي الشيخ الطوسي ص 267 و 268 و بحار الأنوار ج 20 ص 245 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 171 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 208 و 209 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 240 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و وفاء الوفاء ج 1 ص 303 و غرر الخصائص الواضحة ص 358.

لصفية بسهم، كما يضرب للرجل» (1).

لكن نصا آخر يقول: إن غزال بن سموأل أقبل مع عشرة من اليهود نهارا فجعلوا يستترون و يرمون الحصن. «و قد حاربت قريظة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نحر العدو، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذا أتاهم آت» (2).

و نقول: يلفت نظرنا في هذه الرواية أمور عدة، نذكر منها:

ألف: جبن حسان:

قال البلاذري و الوقداي: «كان حسان رجلا جبانا» (3).

و قال ابن الأثير: «كان حسان من أجبن الناس حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جعله مع النساء في الآطام يوم الخندق» (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 525.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و 525. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 462 و 463 و سيرة المصطفى ص 505 و 506 و تاريخ الخميس ج 1 ص 489 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 442 و 443 و الإكتفاء ج 2 ص 171.

3) أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و المغازي للواقدي ج 2 ص 462 و 463 وفاء الوفاء ج 1 ص 302 و 303 و تاريخ الخميس ج 1 ص 489.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 15 و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 281 و وفاء الوفاء ج 1 ص 302 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 564 و أسد الغابة ج 2 ص 6.

و قال الحلبي: «و هذا يدل على ما قيل: إن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس كما تقدم» (1).

و قد صرحوا: بأن حسانا لم يشهد مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مشهدا قط لأنه كان جبانا (2). و كان حسان ضاربا وتدا في ناحية الأطم، فإذا حمل أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المشركين حمل على الوتد فضربه بالسيف، و إذا أقبل المشركون ترك الوتد كأنه يقاتل قرنا. كان يرى أنه يجاهد جبنا عن القتال (3).

و قال الإسكافي: «لو كان الضعيف و الجبان يستحقان الرياسة بقلة بسط الكف، و ترك الحرب و أن ذلك يشاكل فعل النبي، لكان أوفر الناس في الرياسة، و أشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت» (4).

و قال ابن الكلبي: «كان حسان بن ثابت لسنا، شجاعا، فأصابته علة، أحدثت فيه الجبن، فكان لا ينظر إلى قتال و لا يشهده» (5).

و قالت صفية: «كنت أعرف انكشاف المسلمين و أنا على الأطم برجوع حسان إلى أقصى الأطم» (6).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 317.

2) المعارف (ط سنة 1960 م) ص 312 و غرر الخصائص الواضحة ص 358 و أسد الغابة ج 1 ص 6.

3) كنز العمال ج 10 ص 286.

4) شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 282.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 564.

6) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 16 و المغازي للواقدي ج 1 ص 288.

و كلام ابن الكلبي هذا: يدل على عدم صحة ما رد به السهيلي و غيره على هذا بحجة أنه لو صح أنه كان جبانا لهجاه به الشعراء، لأنه كان يهاجيهم كضرار و ابن الزبعري. فلعل حسانا-لو صح أنه كان مع النساء في الأطم-كان معتلا بعلة منعته من شهود القتال (1).

أضف إلى ذلك: أن المؤرخين قد حكموا على حسان بالجبن بصورة مطلقة معللين إبقاءه مع النساء بذلك، الأمر الذي يظهر منه أن جبنه كان معروفا لديهم، لا أنهم استندوا في ذلك إلى خصوص هذه الرواية.

و أما لماذا لم يعيّر الشعراء حسانا بالجبن، فقد قال الزرقاني: «إن ابن إسحاق لم ينفرد به، بل جاء بسند متصل حسن كما علم، فاعتضد حديثه.

و قال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعييره بذلك من أعلام النبوة لأنه شاعره «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و نزيد نحن على ذلك: أن هجاءهم لحسان لا مبرر له، و إنما هم يريدون هجاء الإسلام، و رسول الإسلام، و جماعة المسلمين، و لا يهمهم حسان كشخص من قريب و لا من بعيد.

و هذا بالذات هو ما يطغى على شعرهم المتبادل فيما بينهم.

ب: قصة حسان في الخندق أم في أحد؟ !

و قد رويت قصة جبن حسان، و قتل صفية لليهودي في غزوتي أحد


1) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 281 و وفاء الوفاء ج 1 ص 302 و 303 و تاريخ الخميس ج 1 ص 489 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 564.

2) هامش السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 240 تحقيق الأبياري، و السقا، و شلبي.

و الخندق معا (1).

و قد تقدمت هذه الرواية في غزوة أحد أيضا.

و نرجح أنها كانت في الخندق لأن اليهود إنما غدروا في الخندق (2)، و هذا هو ما رجحه السمهودي أيضا استنادا إلى ذلك، و إلى أن الطبراني قد روى بسند رجاله رجال الصحيح عن عروة مرسلا: أنها كانت في الخندق، و ممن ذكر القصة في الخندق ابن إسحاق أيضا (3).

ج: تأثير هذه القضية على اليهود:

قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن قتل صفية لليهودي قد جعل اليهود يعتقدون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل أناسا لحماية النساء و الذرية، و ليحفظوا مؤخرة الجيش عن أن تتعرض لأي عمل حربي، حيث قالت اليهود: إنه لم يك يترك أهله خلوفا، ليس معهم أحد.

و ذكر في نص سابق: أن عشرة من اليهود «جعلوا يستترون و يرمون الحصن، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نحر العدو، و لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذا أتانا آت» .

و لكننا نشك في صحة ذلك: إذ قد كان ثمة حرس للمدينة يبلغ حوالي خمس مئة مقاتل، و قد كان يكفي لرد هؤلاء العشرة عشرة مثلهم، فضلا عن


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 302 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 288 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 15 و 16.

2) وفاء الوفاء ج 1 ص 303 و تاريخ الخميس ج 1 ص 489.

3) المصدران السابقان.

المئات.

ثم إن وصول عشرة من بني قريظة إلى مكان قريب من الجيش الإسلامي، و في قبال ذلك الجيش، مع احتمالهم أن يكون ثمة حرس يعتبر مجازفة منهم، لا نرى أن اليهود يقدرون عليها.

و قلنا: إن موضع النساء قريب من جيش المسلمين، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم قد طلب من النساء أن يلمعن بالسيف إذا تعرضن لأي مكروه.

فلماذا لم يلمعن بالسيف كما صنعن في قصة أحد بني جحاش، الذي تم التخلص منه بهذه الطريقة بالذات؟

إلا أن يكون الناس في ذلك الوقت قد شغلتهم الحرب حتى لا يستطيع أحد منهم، و لا حتى مفرزة صغيرة بمقدار خمسين فارسا: أن تنجد النساء و الأطفال.

و نحن لا نظن: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يحسب حسابه لساعات كهذه، و ترك الأمر يتطور إلى أن يصل إلى هذه الدرجة من الخطورة.

و لهذا فنحن نعتقد: أن هذه مبادرة من صفية «رحمها اللّه» لمواجهة رجل تسلل إلى موضع قريب، و قد نجحت في المهمة التي أحبت أن تبادر لإنجازها، ثم زاد الآخرون ما شاؤوا على ذلك إكراما لولدها الزبير، و لآل الزبير. و لعل هذه الزيادات لا تبعد كثيرا عن نشاطات عروة و نظرائه ممن يسيرون في نفس الخط الذي هو فيه.

د: ربط السيف على الذراع و تناقض الرواية:

و لا ندري كيف يربط السيف على الذراع، و لا ندري أيضا كيف يمكن تفسير هذه الاختلافات و التناقضات لنصوص هذه الرواية، فإن ذلك مما يضعف وثوقنا بها أيضا.

غنيمة المسلمين من المشركين:

و قال أبو سفيان لحيي بن أخطب: قد نفدت علافتنا فهل عندكم من علف؟ ! فقال حيي: نعم.

فكلم كعب بن أسد، فقال: مالنا مالك. فأرسل المشركون إليهم عشرين بعيرا، فحملوها لهم شعيرا، و تمرا و تبنا، و خرجوا بها إلى قريش، فلما كانوا بصفنة، و هم يريدون أن يسلكوا العقيق، جاؤوا جمعا من بني عمرو بن عوف، و هم يريدون منازلهم بأنصاف النهار، يطلبونهم، و هم عشرون رجلا، فيهم أبو لبابة، و عويم بن ساعدة و معن بن عدي، خرجوا لميت مات منهم في أطمهم ليدفنوه.

فناهضوا الحمولة، و قاتلهم القرشيون ساعة، و كان فيهم ضرار بن الخطاب، فمنع الحمولة، ثم جرح و جرح، ثم أسلموها، و كثرهم المسلمون، و انصرفوا بها يقودونها، حتى أتوا بني عمرو بن عوف، فدفنوا ميتهم، ثم ساروا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بها.

فكان أهل الخندق يأكلون منها، فتوسعوا بذلك، و أكلوه حتى نفد، و نحروا من تلك الإبل أبعرة في الخندق، و بقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة.

فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفيان: إن حييا

لمشؤوم، ما أعلمه إلا قطع بنا، ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا (1).

و لكننا نسجل تحفظا هنا: ينطلق من كلام أبي سفيان هذا، فإن حييا لم يقطع بهم. كما أن هذه الغنيمة لم تكن خيلا و لا إبلا بل كانت شعيرا و تمرا و تبنا، و بعض الإبل، فما معنى قوله: ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا.

الجن الذين في المدينة:

و كان رجال يستأذنون أن يطلعوا إلى أهليهم، فيقول «صلى اللّه عليه و آله» : إني أخاف عليكم بني قريظة، فإذا ألحوا يأمرهم بأخذ السلاح معهم.

«و كان فتى حديث عهد بعرس، فأخذ سلاحه و ذهب، فإذا امرأته قائمة بين البابين، فهيأ لها الرمح ليطعنها، فقالت: اكفف حتى ترى ما في بيتك، فإذا بحية على فراشه، فركز فيها رمحه، فاضطربت، و خر الفتى ميتا. فما يدري أيهما كان أسرع موتا.

فقال رسول اللّه-لما أخبر بذلك-: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان» (2).


1) راجع القصة في: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 539 و 540 و وفاء الوفاء ج 1 ص 304 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و السيرة الحلبية ج 2 ص 323.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 234 و 235 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 538 و المغازي ج 2 ص 475.

و الذي يلفت نظرنا في هذا النص: ألف: لماذا يؤاذنونه ثلاثة أيام، لا أقل و لا أكثر؟ ! فإن الجن إذا كان مؤمنا، فإنه لا يعتدي على الناس، و لا يأخذ فراش الناس، و يكون فيه.

ب: لماذا يبادر إلى طعن زوجته بالرمح إذا رآها بين البابين ألم يكن بوسعه أن يسألها عن سبب كونها في ذلك المكان؟ و هل وجودها في هذا المكان دليل خيانة و انحراف؟ !

ج: هل الجن قادر على مواجهة الإنسان بهذه الصورة؟

و هل لم يكن بوسع تلك الحية الجنية أن تتخلص من رمح ذلك الفتى؟ !

و هل إذا مات الجن يبقى جسده ماثلا للعيان؟ و يكون من لحم و دم؟ ! .

إشتباك مع الإخوة:

و خرجت طليعتان للمسلمين ليلا، فالتقتا، و لا يشعر بعضهم ببعض، و لا يظنون إلا أنهم العدو، فكانت بينهم جراحة و قتل، ثم نادوا بشعار الإسلام: حم، لا ينصرون.

فكف بعضهم عن بعض، و جاؤوا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : جراحكم في سبيل اللّه، و من قتل منكم فإنه شهيد. فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعضهم من بعض نادوا بشعارهم (1).


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 234 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 537 و 538 و المغازي للواقدي ج 2 ص 474 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321.

لعن اللّه الراكب و القائد و السائق:

قال سبط بن الجوزي: إن الإمام الحسن «عليه السلام» قال لمعاوية: «نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليك يوم الأحزاب، فرأى أباك على جمل يحرض الناس على قتاله، و أخوك يقود الجمل، و أنت تسوقه، فقال: «لعن اللّه الراكب و القائد و السائق» (1).

آية قرانية في خوات بن جبير:

محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، جميعا عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما «عليهما السلام» في قول اللّه تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيٰامِ اَلرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ. . . الآية (2).

فقال: نزلت في خوات بن جبير الأنصاري، و كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الخندق و هو صائم، فأمسى و هو على تلك الحال، و كانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام و الشراب.

فجاء خوات إلى أهله حين أمسى، فقال: هل عندكم طعام؟ !

فقالوا: لا تنم حتى نصلح لك طعاما.

فاتكأ فنام، فقالوا له: قد فعلت؟

قال: نعم.


1) تذكرة الخواص ص 201 و الغدير ج 10 ص 169 عنه.

2) الآية 187 من سورة البقرة.

فبات على تلك الحال، فأصبح ثم غدا إلى الخندق، فجعل يغشى عليه، فمر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره، فأنزل اللّه عز و جل فيه الآية: . . وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ. . . (1).

و الحديث صحيح السند: كما هو ظاهر، لكن صرح في رسالة المحكم و المتشابه بأن ذلك كان حين حفر الخندق في شهر رمضان المبارك، و أن اسم الرجل هو مطعم بن جبير.

و نقول: 1-الذي نعرفه في رجال الصحابة هو جبير بن مطعم، لا العكس.

2-قد وصف رواية القمي و السيد المرتضى خوات بن جبير بأنه كان حينئذ شيخا كبيرا ضعيفا.

مع أنهم يقولون: إن خوات بن جبير قد توفي سنة أربعين، أو اثنتين و أربعين و هو ابن أربع و سبعين سنة (2)، و معنى ذلك هو أنه كان يوم الخندق


1) الكافي ج 4 ص 99 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 144 و 145 و تفسير القمي ج 1 ص 66 و من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 2 ص 130 و 131 و الوسائل ج 7 ص 80 و 81 و رسالة المحكم و المتشابه ص 10 و البحار ج 20 ص 241 و 242 و تفسير البرهان ج 1 ص 186 و 187 عن الكافي و القمي، و عن تفسير العياشي. و مجمع البيان ج 1 ص 280.

2) راجع: الإصابة ج 1 ص 458 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 330 و أسد الغابة ج 2 ص 126 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صار) ج 3 ص 477 و 478 و الثقات ج 3 ص 109 و مشاهير علماء الأمصار ص 39 و خلاصة تذهيب تهذيب

في عز شبابه، و غاية نشاطه و قوته.

و قيل: كان سنه حين توفي إحدى و سبعين سنة (1)عن ابن نمير. و إن كان الإستيعاب قد سجل أربعا و تسعين سنة (2)، و لعلها تصحيف سبعين، فإن الاشتباه بينهما كثير.

3-إن الرواية تقول: إنها نزلت في خوات، لكن روايات أخرى ذكرت: أنها نزلت في صرمة بن قيس أو غيره (3).

4-الرواية تقول: إن المسلمين كانوا إذا نام أحدهم قبل أن يفطر حرم عليه الطعام و الشراب إلى الليلة القابلة-و هذا هو المروي بكثرة عجيبة- من طرق غير أهل البيت «عليهم السلام» .

و نقول: إن هذه كانت طريقة أهل الكتاب. و قد نزلت الآية لردع المسلمين عنها (4)فلعل بعض المسلمين بسبب انبهاره قد انساق وراء أهل الكتاب في ذلك فنزلت الآية لتردعهم عنه، و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا: فصل ما بين صيامنا و صيام أهل الكتاب أكلة السحر (5).

(2) -الكمال ص 108 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 412 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 330.


1) تهذيب التهذيب ج 3 ص 171.

2) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 444 و كذا في تهذيب الأسماء ج 1 ص 179.

3) الدر المنثور ج 1 ص 197 و 198 عن مصادر كثيرة.

4) الدر المنثور ج 1 ص 198 عن عبد بن حميد.

5) الدر المنثور ج 1 ص 198 عن ابن أبي شيبة و أبي داود، و الترمذي، و النسائي.

الفصل الثاني: ضربة علي عليه السلام يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين

اشارة

عبور الخندق:

يقول المؤرخون: إنه بعد أن جرح سعد بن معاذ أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جميعا، و جاؤا يريدون مضيقا يقحمون منه خيلهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجدوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون، فلم تدخله خيولهم، فعبره عكرمة بن أبي جهل، و نوفل بن عبد اللّه المخزومي، و ضرار بن الخطاب الفهري، و هبيرة بن أبي وهب و عمرو بن عبدود.

و زاد المفيد «رحمه اللّه» : مرداسا الفهري.

و زاد البعض: حسل بن عمرو بن عبدود في من عبر الخندق أيضا.

و وقف سائر المشركين وراء الخندق (1).


1) راجع: المصادر التالية: إمتاع الأسماع ج 1 ص 232 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 532 و 533 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و نهاية الأرب ج 17 ص 173 و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و تاريخ الخميس ج 1 ص 286 و الإرشاد للمفيد ص 52 و مناقب آل أبي طالب ج 8 ص 1 ص 198 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 197 و 198 و 203 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 181 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 239 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و 253 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 193 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436 و 437 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و جوامع السيرة النبوية ص 150 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 238 و 239 و راجع: الوفاء ص 693 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30.

و يقول القاضي النعمان: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا بأن يمضي بمن خف معه ليأخذ الثغرة عليهم، و قال: «فمن قاتلكم عليها فاقتلوه» (1).

فخرج علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في نفر من المسلمين، حتى أخذ الثغرة و سلمها إليهم.

و تقدم عمرو، فلما رأى المسلمين، وقف هو و الخيل التي معه، و قال: هل من مبارز (2).


1) شرح الأخبار ج 1 ص 294.

2) راجع المصادر التالية: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و الإرشاد للمفيد ص 52 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 207 و 203 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 181 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 239 و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 100 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 302 و 253 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 193 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 و البدء و التاريخ ج 4 ص 218 و بهجة المحافل ج 1 ص 266 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 202 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 239.

و كان ذلك كما يقول القاضي النعمان بعد شهر من الحصار (1)و قال غيره غير ذلك، كما ذكرناه في موضع آخر.

وصفهم لعمرو:

قالوا: و كان عمرو قد بلغ تسعين سنة، و قد حرم الدهن حتى يثأر بمحمد و أصحابه. و ذلك أنه في بدر قد أثبتته الجراحة، و ارتث فلم يشهد أحدا (2).

و نعتقد: أنهم يبالغون في مقدار عمر عمرو، و لعله بهدف بيان أنه كان في هذا الوقت قد ضعف و شاخ و لم يعد قتله بذلك الأمر المهم. و لكن جبن المسلمين عن مواجهته-كما سنرى-و هم جيش بأكمله، و كذلك ما قاله النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق قاتله، و غير ذلك مما سيأتي، يبطل كيد الخائنين، إن شاء اللّه تعالى.

و قالوا أيضا: كان عمرو بن عبدود فارس قريش (3)، و كان يعد بألف


1) شرح الأخبار ج 1 ص 293.

2) راجع المصادر التالية، فقد تعرضت لذلك كله أو بعضه: إمتاع الأسماع ج 1 ص 232 و السيرة الحلبية ج 2 ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 533 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 181 و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و تاريخ الخميس ج 1 ص 486 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و 63 و ج 15 ص 85 و 86 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 202 و 203 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 239 و وفاء الوفاء ص 693 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30.

3) مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237.

فارس (1)، و يسمى فارس يليل (2)، لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل، و هو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد، فقال لأصحابه: امضوا.

فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك (3).

و كان: «من مشاهير الأبطال، و شجعان العرب» (4).

و عن علي «عليه السلام» : «و فارسها (أي قريش) و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود يهدر كالبعير المغتلم. .

إلى أن قال: و العرب لا تعد لها فارسا غيره» (5).

و سيأتي: أن مسافع بن عبد مناف يبكي عمروا، و يقول:عمرو بن عبد كان أول فارسجزع المذاد، و كان فارس يليل

و قال أبو زهرة: «كان-كما قيل-لم يهزم في مبارزة قط» (6).


1) مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و تاريخ الخميس ج 1 ص 486 و حبيب السير ج 1 ص 361 و ينابيع المودة ص 95.

2) مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 20 ص 203 و 226 و ج 41 ص 88 و تفسير القمي ج 2 ص 183 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135.

3) مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و ج 41 ص 88 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 486.

5) الخصال ج 2 ص 368 و البحار ج 20 ص 244 و الإختصاص ص 167 و شرح الأخبار ج 1 ص 287.

6) خاتم النبيين ج 2 ص 938.

«و كان أشد من فيهم و أنجدهم، يعرف له ذلك جميعهم» (1).

و كان عمرو يلقب بعماد العرب، و كان في مئة ناصية من الملوك، و ألف مقرعة من الصعاليك (2).

المواجهة بين عمرو و المسلمين

و ذكر القمي «رحمه اللّه» : أنه لما جاء الفرسان إلى الخندق ليعبروه كان «صلى اللّه عليه و آله» قد صف أصحابه بين يديه، فلما طفروا الخندق، صاروا قبال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، و المسلمون خلف ظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

رواية مشكوكة:

و ادعى بعضهم: أن بعض المهاجرين قال لرجل من إخوانه بجنبه: أما ترى هذا الشيطان عمروا؟ ! لا و اللّه لا يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله، و نلحق نحن بقومنا، فأنزل اللّه على نبيه في ذلك الوقت قوله: قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. . . إلى قوله: . . . وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً (3)» (4).

و صرح في موضع آخر: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب لما قال


1) شرح الأخبار ج 1 ص 293.

2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 134 و البحار ج 41 ص 88 عنه.

3) الآيتان 18 و 19 من سورة الأحزاب.

4) تفسير القمي ج 2 ص 182 و 183 و البحار ج 20 ص 225.

لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش و نلحق بقومنا: يحسون الأحزاب لم يذهبوا الخ. . (1).

و نقول: إن هذه الرواية موضع شك و ريب.

أولا: إن مضمون الآيات لا ينسجم مع هذا الحدث الذي تقول الرواية: إن الآية نزلت لأجله، و لا يتطابق معه، بل هي لا تشير إليه لا من قريب و لا من بعيد.

ثانيا: ما معنى قوله: هلموا ندفع إليه محمدا ليقتله و نلحق نحن بقومنا؟ فهل إن محمدا، الذي معه سائر المهاجرين و الأنصار أصبح الآن خاضعا لابن عوف و لرفيقه، و أصبحا هما أصحاب القرار في أمره؟ !

ثالثا: و لو أنهما جهرا بهذا القول، ألم يكونا يخافان بأس علي «عليه السلام» و صولته، فضلا عن غيره من أصحابه المخلصين؟ !

أخذ الثغرة على عمرو و أصحابه:

و قد لا حظنا: أن عليا «عليه السلام» قد بادر إلى أخذ الثغرة التي عبر منها الفرسان، عليهم، حتى لا يمكنهم الرجوع منها، و ليمنع بقية قوى الأحزاب من عبورها لمساعدة عمرو و من معه.

و هذه المبادرة تعتبر من وجهة نظر عسكرية هي الإجراء الأمثل و الأفضل لأنها أيضا قد أدت إلى محاصرة المجازفين، و السيطرة على الموقف،


1) تفسير القمي ج 2 ص 188 و البحار ج 20 ص 232.

و إفشال خطتهم.

و لكن علينا: أن لا نهمل التذكير بأن هؤلاء الذين جاؤوا مع علي «عليه السلام» ، و أخذوا الثغرة على عمرو و من معه، ما كانوا ليجرؤوا على الوقوف في مواقعهم لولا وجود علي «عليه السلام» إلى جانبهم، ثم اطمئنانهم إلى أنه سيكون هو الذي ينجدهم لو تعرضوا لأي مكروه من قبل عدوهم عمرو و أصحابه.

فإنما إلى علي «عليه السلام» استندوا، و على مبادرته لحمايتهم، و الدفاع عنهم اعتمدوا، يدلنا على ذلك: أن المسلمين كانوا كأن على رؤسهم الطير خوفا و فرقا من عمرو كما سنرى.

طلب البراز، و خروج علي عليه السلام لعمرو:

لما وقف عمرو و أصحابه على الخندق قالوا: و اللّه هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، فقال عمرو:

يا لك من مكيدة ما أنكركلا بد للملهوب من أن يعبرك

ثم زعق على فرسه في مضيق، فقفز به إلى السبخة، بين الخندق و سلع (1).

و جعلوا يجيلون خيلهم فيما بين الخندق و سلع، و المسلمون وقوف لا يقدم أحد منهم عليهم.

و جعل عمرو بن عبدود يدعو للبراز-و كان قد أعلم ليرى مكانه-


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198.

و يعرض بالمسلمين، فقال «صلى اللّه عليه و آله» على ما في الروايات: من لهذا الكلب؟ فلم يقم إليه أحد.

فلما أكثر قام علي «عليه السلام» ، فقال: أنا أبارزه يا رسول اللّه، فأمره بالجلوس، انتظارا منه ليتحرك غيره.

و أعاد عمرو النداء و الناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، لمكان عمرو، و الخوف منه و ممن معه، و من وراءه.

فقال عمرو: أيها الناس، إنكم تزعمون: أن قتلاكم في الجنة، و قتلانا في النار؟ أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة، أو يقدم عدوا له إلى النار؟ .

فلم يقم إليه أحد.

فقام علي «عليه السلام» دفعة ثانية، قال: أنا له يا رسول اللّه، فأمره بالجلوس.

فجال عمرو بفرسه مقبلا مدبرا، و جاءت عظماء الأحزاب، و وقفت من وراء الخندق، و مدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو: أن أحدا لا يجيبه قال:

و لقد بححت من النداءبجمعهم هل من مبارز

و وقفت مذ جبن المشجعموقف القرن المناجز

إني كذلك لم أزلمتسرعا قبل الهزاهز

إن الشجاعة في الفتىو الجود من خير الغرائز

فقام علي «عليه السلام» ، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي في مبارزته. فلما طال نداء عمرو بالبراز، و تتابع قيام أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ادن مني يا علي.

فدنا منه، فقلده سيفه (ذا الفقار) ، و نزع عمامته من رأسه، و عممه بها،

و قال: امض لشأنك.

فلما انصرف، قال: اللهم أعنه عليه (1).

و لكن ابن شهر آشوب قال: إن عمروا جعل يقول: هل من مبارز؟ ! و المسلمون يتجاوزون عنه.

فركز رمحه على خيمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: ابرز يا محمد.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ !

فنكل الناس عنه.

إلى أن قال: روي أنه لما قتل عمرو أنشد علي «عليه السلام» :ضربته بالسيف فوق الهامةبضربة صارمة هدامة

أنا علي صاحب الصمصامةو صاحب الحوض لدى القيامة

أخو رسول اللّه ذي العلامةو قال إذ عممني عمامة

أنت الذي بعدي له الإمامة (2)

و عند الحسكاني عن حذيفة قال: فألبسه رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) راجع المصادر التالية: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 63 و 64 و الإرشاد للمفيد ص 59 و 60 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و إعلام الورى ص 194 و 195 و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و 471 و حبيب السير ج 1 ص 361 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 و البحار ج 41 ص 88 و 89 و ج 20 ص 225-228- 203 و 205 و 254-256 و تفسير القمي ج 2 ص 181-185 و كشف الغمة ج 1 ص 204 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 و السيرة الحلبية ج 2 ص 319.

2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 و البحار ج 41 ص 88.

و آله» درعه ذات الفضول، و أعطاه سيفه ذا الفقار، و عممه بعمامته السحاب على رأسه تسعة أكوار، ثم قال: تقدم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما ولى: اللهم احفظه من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، و من فوق رأسه، و من تحت قدميه (1).

و يضيف البعض: «أنه رفع عمامته، و رفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه، و قال: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحرث يوم بدر، و حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، و هذا أخي علي بن أبي طالب. رَبِّ لاٰ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوٰارِثِينَ (2)» (3).

و تصور لنا رواية عن علي «عليه السلام» الحالة حين عبور الفرسان الخندق، فهو يقول: «و فارسها و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود، يهدر كالبعير المغتلم، يدعو إلى البراز، و يرتجز، و يخطر برمحه مرة، و بسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم، و لا يطمع فيه طامع، فأنهضني إليه رسول اللّه


1) مجمع البيان ج 8 ص 343 و بحار الأنوار ج 20 ص 203 و ج 41 ص 88. و شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 11 و ينابيع المودة ص 95 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135.

2) الآية 89 من سورة الأنبياء.

3) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 61 و ج 13 ص 283 و 284 و كنز الفوائد للكراجكي (ط دار الأضواء) ج 1 ص 297، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487، و السيرة الحلبية ج 2 ص 319 و بحار الأنوار ج 20 ص 215 و كنز العمال ج 12 ص 219 و ج 10 ص 290 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 221.

«صلى اللّه عليه و آله» ، و عممني بيده، و أعطاني سيفه هذا-و ضرب بيده إلى ذي الفقار-فخرجت إليه و نساء أهل المدينة بواك إشفاقا عليّ من ابن عبد ود، فقتله اللّه عز و جل بيدي، و العرب لا تعد لها فارسا غيره» (1).

و نحن نشك في الفقرة التي تذكر خروج نساء المدينة بواك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يذكر البعض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدناه، و قبله، و عممه بعمامته، و خرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه. ثم لم يزل «صلى اللّه عليه و آله» رافعا يديه إلى السماء، مستقبلا لها بوجهه، و المسلمون صموت حوله، كأن على رؤوسهم الطير الخ. .» (2).

برز الإسلام كله إلى الشرك كله:

و قال «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ: برز الإسلام أو الإيمان كله، إلى الشرك كله (3).


1) الخصال ج 2 ص 368 و البحار ج 20 ص 244 و شرح الأخبار ج 1 ص 287 و 288 و الإختصاص ص 166.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 285.

3) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 205 و ينابيع المودة ص 94 و 95 و إعلام الورى ص 194 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 261 و 285 و ج 19 ص 61 و الطرائف ص 60 و كنز الفوائد للكراجكي ص 137 و مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 20 ص 205 و 273 و ج 41 ص 88 و ج 39 ص 1 و نهج الحق ص 217.

فخرج له علي «عليه السلام» و هو راجل، و عمرو فارسا، فسخر به عمرو، و دنا منه علي (1)و معه جابر بن عبد اللّه الأنصاري «رحمه اللّه» ، لينظر ما يكون منه و من عمرو (2).

و صرحت بعض الروايات: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأصحابه: أيكم يبرز إلى عمرو و أضمن له على اللّه الجنة؟ فلم يجبه منهم أحد هيبة لعمرو، و استعظاما لأمره. فقام علي ثلاث مرات و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يأمره بالجلوس (3).

و حسب نص ابن إسحاق، و غيره من المؤرخين: خرج عمرو بن عبد ود، و هو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز؟ ! . .

فقام علي بن أبي طالب، فقال أنا (له) يا نبي اللّه.

فقال: إنه عمرو، إجلس.

ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم، و يقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليّ رجلا؟ ! .

فقام علي، فقال: أنا يا رسول اللّه.

فقال: إجلس.

ثم نادى الثالثة، فقال:و لقد بححت من النداءلجمعهم هل من مبارز


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 232.

2) راجع الإرشاد للمفيد ص 59 و 60 و حبيب السير ج 1 ص 361 و كشف الغمة ج 1 ص 204 و إعلام الورى ص 194.

3) كنز الفوائد للكراجكي ص 137.

و وقفت إذ جبن المشجعموقف القرن المناجز

و لذاك إني لم أزلمتسرعا قبل الهزاهز

إن الشجاعة في الفتىو الجود من خير الغرائز

قال: فقام علي رضي اللّه عنه، فقال: يا رسول اللّه، أنا له.

فقال: إنه عمرو.

فقال: و إن كان عمروا.

فأذن له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمشى إليه حتى أتاه و هو يقول:

لا تعجلن فقد أتاكمجيب صوتك غير عاجز

ذو نية و بصيرةو الصدق منجا كل فائز

إني لارجو أن أقيمعليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقىذكرها عند الهزاهز

و في الديوان المنسوب لعلي «عليه السلام» بيتان آخران هما:و لقد دعوت إلى البرازفتى يجيب إلى المبارز

يعليك أبيض صارماكالملح حتفا للمبارز

فقال له عمرو: من أنت؟ .

قال: أنا علي.

قال: ابن عبد مناف؟ .

قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك.

فقال له علي: لكني و اللّه لا أكره أن أهريق دمك.

فغضب، فنزل، و سل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي «عليه السلام» مغضبا، و استقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته، فقدها، و أثبت فيها السيف، و أصاب رأسه فشجه. و ضربه علي «عليه السلام» على حبل عاتقة فسقط، و ثار العجاج، فسمع رسول اللّه التكبير، فعرفنا أن عليا قد قتله، فثم يقول علي:

أعلي تقتحم الفوارس هكذاعني و عنهم أخروا أصحابي

الأبيات.

إلى أن قال: و خرجت خيولهم منهزمة، حتى اقتحمت الخندق (1).


1) راجع المصادر التالية: البداية و النهاية ج 4 ص 106 عن البيهقي في دلائل النبوة، عن ابن إسحاق. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 204 و مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 25 ص 203 و 204 و 239 و ج 41 ص 89 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 و 136. و تاريخ الخميس ج 1 ص 486 و 487 و عيون الأثر ج 1 ص 61 و 62 و الروض الأنف ج 3 ص 27 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 438 و 439. و راجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 و السيرة الحلبية ج 2 ص 319 و 320 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 261 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 167 و 168 و راجع: ديوان أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 67 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 32 و 33 و المناقب للخوارزمي ص 104 و راجع: ينابيع المودة ص 95 و 96 و راجع أيضا كنز الفوائد للكراجكي ص 137.

الخصال الثلاث و قتل عمرو:

و قد ذكرت بعض النصوص: أن عليا «عليه السلام» لما بارز عمروا عرض على عمرو خصلتين، و هما: الإسلام، فرفضه، أو النزال، فاعتذر بالخلة بينه و بين أبي طالب، أو بغير ذلك (1).

لكن بعض الروايات ذكرت: أنه عرض عليه ثلاث خصال.

فهي تقول: قال علي لعمرو: يا عمرو، إنك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها.

قال: أجل.

قال علي: فإني أدعوك إلى: أن تشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و تسلم لرب العالمين.


1) راجع عرض الخصلتين على عمرو، ثم قتل علي «عليه السلام» له في المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ص 58، و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 203 و 198 و 199 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 181 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 240. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 105 و البحار ج 20 ص 253 و 254 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 266 و 267 و نهاية الأرب ج 17 ص 173 و 174 و كنز العمال ج 10 ص 288 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 و 167 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 193 و 194 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436 و 437 و السيرة الحلبية ج 2 ص 319 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 32 و شرح الأخبار ج 1 ص 295.

قال: يا ابن أخي، أخّر عنى هذه.

قال: و أخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد صادقا كنت أسعد الناس به، و إن كاذبا كان الذي تريد.

و في نص آخر: كفتهم ذؤبان العرب أمره.

قال: هذا ما لا تحدث به نساء قريش أبدا، و قد نذرت ما نذرت، و حرمت الدهن (1).

قال: فالثالثة؟ .

قال: البراز.

فضحك عمرو، و قال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، فمن أنت؟ !

قال: أنا علي بن أبي طالب.

قال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك.

فقال علي رضي اللّه عنه: لكني و اللّه لا أكره أن أهريق دمك.

فغضب عمرو، فنزل عن فرسه و عقرها، و سل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا، و استقبله علي بدرقته.

و دنا أحدهما من الآخر و ثارت بينهما غبرة، فضربه عمرو، فاتقى علي الضربة بالدرقة، فقدها، و أثبت فيها السيف، و أصاب رأسه، فشجه الخ. .


1) زاد في نص القمي: و لا تنشد الشعراء في أشعارها أنه جبن و رجع، و خذل قوما رأّسوه عليهم. و عند المعتزلي: إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاما خدعني.

أما المفيد و غيره، فقالوا: إن عمروا قال لعلي «عليه السلام» : إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، و قد كان أبوك لي نديما.

و عند الواقدي: «فأنت غلام حدث إنما أردت شيخي قريش: أبا بكر و عمر.

فقال علي «عليه السلام» : لكني أحب أن أقتلك، فانزل إن شئت، فأسف عمرو، و نزل، و ضرب وجه فرسه حتى رجع» انتهى.

و عند آخرين: أنه عرقب فرسه، و ضرب عليا «عليه السلام» بالسيف، فاتقاه بدرقته، فقطها، فثبت السيف على رأسه.

و قال القمي و غيره: فقال له «عليه السلام» : أما كفاك أني بارزتك، و أنت فارس العرب، حتى استعنت علي بظهر؟ ! .

فالتفت عمرو إلى خلفه، فضربه على ساقيه، فقطعهما جميعا.

و عبارة حذيفة هكذا: «و تسيف علي رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه» (1).

و تستمر رواية القمي فتقول: و ارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة، فنظروا، فإذا أمير المؤمنين «عليه السلام» على صدره آخذ بلحيته، يريد أن يذبحه.

فذبحه، ثم أخذ رأسه، و أقبل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، و سيفه يقطر منه الدم، و هو يقول و الرأس بيده:


1) راجع عبارة حذيفة في: مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 20 ص 204 و ج 41 ص 90 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 و 137.

أنا علي و أنا ابن المطلبالموت خير للفتى من الهرب

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : يا علي، ماكرته؟ ! .

قال: نعم يا رسول اللّه، الحرب خدعة.

و ينقل المفيد عن جابر، و نقله غيره من دون تصريح باسم الراوي قوله: فثارت بينهما قترة، فما رأيتهما. فسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن عليا «عليه السلام» قد قتله.

فانكشف أصحابه، حتى طفرت خيولهم الخندق.

و تبادر أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد اللّه الخ. . (1).


1) راجع فيما تقدم بتفصيل أو إجمال المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و الإرشاد للمفيد ص 59 و 60 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 204 و 203 و إعلام الورى ص 194 و 195 و تفسير القمي ج 2 ص 181-185، و البحار ج 20 ص 225 -228 و 203 فما بعدها و 254-256 و ج 41 ص 90 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 و السيرة الحلبية ج 2 ص 319، و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و 471 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 63 و 46 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 266 و 267 و حبيب السير ج 1 ص 361 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135. و راجع المصادر التالية: شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 11 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 239 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و البدء و التاريخ ج 4 ص 218 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 و شرح الأخبار ج 1 ص 295 و 296 و كنز العمال ج 10 ص 290 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 139.

و عند المعتزلي: ثارث الغبرة، و سمعوا التكبير من تحتها، فعلموا أن عليا قتل عمروا فكبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين (1).

و روي: أن عمروا جرح رأس علي «عليه السلام» ، فجاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فشده، و نفث فيه، فبرئ و قال: أين أكون إذا خضب هذه من هذه؟ ! (2).

و في القاموس و غيره: كان علي ذا شجتين في قرني رأسه، إحداهما من عمر بن عبدود، و الثانية من ابن ملجم، و لذا يقال له: ذو القرنين (3).

و عنه «عليه السلام» أنه قال عن عمرو: «و ضربني هذه الضربة. و أومأ بيده إلى هامته» (4).

نص الحسكاني:

و قد ذكر لنا الحاكم الحسكاني بعض التفصيلات الهامة هنا، فقال: «ثم ضرب وجه فرسه فأدبرت، ثم أقبل إلى علي «عليه السلام» ، و كان


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 284.

2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 220.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و تاج العروس ج 9 ص 307 و النهاية لابن الأثير ج 4 ص 52 و 51 و القاموس المحيط ج 4 ص 258 و لسان العرب ج 13 ص 332 و 333 و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 123 لتجد حديث: إنك لذو قرنيها. و كذا نوادر الأصول ص 307.

4) الخصال ج 2 ص 268 و 269 و بحار الأنوار ج 20 ص 224.

رجلا طويلا، يدواي دبرة البعير و هو قائم.

و كان علي في تراب دق، لا يثبت قدماه عليه، فجعل علي ينكص إلى ورائه يطلب جلدا من الأرض يثبت قدمه، و يعلوه عمرو بالسيف. و كان في درع عمرو قصر، فلما تشاك بالضربة، تلقاها علي بالترس، فلحق ذباب السيف في رأس علي، حتى قطعت تسعة أكوار، حتى خط السيف في رأس علي.

و تسيف علي رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه.

و ثارث بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قتله و الذي نفسي بيده.

فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو.

فكبر عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول اللّه، قتله.

فحز علي رأسه، ثم أقبل يخطر في مشيته، فقال له رسول اللّه: يا علي، إن هذه مشية يكرهها اللّه عز و جل إلا في هذا الموضع الخ. . (1).

و في نص آخر عند الحسكاني عن علي «عليه السلام» : أنه لما برز لعمرو دعا بدعاء علمه إياه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم بك أصول، و بك أجول، و بك أدرأ في نحره (2). لكن البعض يقول:


1) شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 11 و 12 و مجمع البيان ج 8 ص 243 و بحار الأنوار ج 20 ص 204 عنه.

2) شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 13.

«أتى برأسه و هو يتبختر في مشيته، فقال عمر: إلا ترى يا رسول اللّه إلى علي كيف يتيه في مشيته؟ !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنها مشية لا يمقتها اللّه في هذا المقام» (1).

نصوص أخرى:

و ذكر نص آخر: أنه احتز رأسه، و حمله، و ألقاه بين يدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقام أبو بكر و عمر فقبلا رأس علي، و وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتهلل، فقال: هذا النصر، أو قال: هذا أول النصر (2).

و قال له أبو بكر: المهاجرون و الأنصار رهين شكرك ما بقوا (3).

و قالوا: إن عليا «عليه السلام» ضرب عمروا على حبل العاتق فسقط و ثار العجاج.

و قيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فسقط و سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التكبير، فعرف أن عليا قتله (4).


1) كنز الفوائد للكراجكي من 137.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و الإرشاد للمفيد ص 61 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 205 و مجمع البيان ج 8 ص 344 و البحار ج 20 ص 206 و ج 41 ص 91 و حبيب السير ج 1 ص 362.

3) مناقب آل طالب ج 3 ص 138.

4) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 من 533 و 534 و البداية و النهاية ج 4 ص 106 و 107 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 و خاتم النبيين ج 2 ص 937.

و حكى البيهقي عن ابن إسحاق: أن عليا طعنه في ترقوته (1).

و قالوا أيضا: أنه حين قتل علي عمروا و من معه «انصرف إلى مقامه الأول، و قد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه إلى الخندق تطير جزعا» (2).

و قال علي «عليه السلام» في المناسبة أبياتا نذكرها، و نضم ما ذكروه بعضه إلى بعض، و هي:

أعلي تقتحم الفوارس هكذاعني و عنهم أخرجوا أصحابي

اليوم تمنعني الفرار حفيظتيو مصمم في الرأس ليس بناب

آلى ابن ود حين شد أليةو حلفت فاستمعوا إلى الكذاب

أن لا أصد و لا يولي و التقىرجلان يضطربان كل ضراب

عرف ابن عبد حين أبصر صارمايهتز أن الأمر غير لعاب

أرديت عمروا إذ طغى بمهندصافي الحديد مجرب قضاب

نصر الحجارة من سفاهة رأيهو نصرت رب محمد بصواب

فصدرت حين تركته متجدلاكالجذع بين دكادك و روابي

و عففت عن أثوابه و لو أننيكنت المقطر بزني أثوابي

لا تحسبن اللّه خاذل دينهو نبيه يا معشر الأحزاب (3)


1) البداية و النهاية ج 4 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

2) راجع: الإرشاد للمفيد ص 60 و بحار الأنوار ج 20 ص 254.

3) هذه الأبيات توجد موزعة و مجتمة في مصادر كثيرة، لكن رواية السهيلي لها تختلف جزئيا عما ذكرناه هنا، و مهما يكن من أمر، فإن ما ذكرناه مذكور كله أو بعضه

قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي رضي اللّه تعالى عنه (1).

و ستأتي لنا: وقفة مع ابن هشام فيما يرتبط بكلامه هذا، و ما أشبهه مما سيأتي.

و خرجت خيولهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق.

قال ابن هشام و غيره: و ألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ، و هو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك:

فرّ و ألقى لنا رمحهلعلك عكرم لم تفعل

(3) -في المصادر التالية و غيرها: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 199 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 33 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و الإرشاد للمفيد ص 59 و 61 و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 100 و 101 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 239 و راجع: مجمع البيان ج 8 ص 343 و 344 و البحار ج 41 ص 91 عن المناقب و ج 20 ص 205 و 206 عنه و ص 254 و 257 عن الإرشاد و ص 65 عن الديوان المنسوب لأمير المؤمنين «عليه السلام» ص 23 و عيون الأثر ج 2 ص 61 و البدء و التاريخ ج 4 ص 218 و حبيب السير ج 1 ص 362 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 168 و 169 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137 و 138 و شرح الأخبار ج 1 ص 296 و كنز الفوائد للكراجكي 137 و 138.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 عن ابن هشام.

و وليت تعدو كعدو الظليمما إن تجور عن المعدل

و لم تلق ظهرك مستأنساكأن قفاك قفا فرعل (1)

و حول مبارزة علي لعمرو، و قتله على يده، راجع المصادر الموجودة في الهامش (2)، و بعضها قد صرح بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رد عليا «عليه السلام» مرتين، و أجازه في الثالثة (3).

و ذكرت أبيات عمرو في طلب البراز، و جواب علي له بشعر على نفس


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و 535 و راجع: خاتم النبيين ج 2 ص 938 و نهاية الأرب ج 17 ص 174 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 194 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و بهجة المحافل ج 1 ص 266. و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 و 205 و شرح الأخبار ج 1 ص 296.

2) راجع فيما عدا المصادر التي تقدمت في الهوامش السابقة ما يلي: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و راجع: جوامع السيرة النبوية ص 150 و الوفاء ج 2 ص 693 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 232 و أنساب الأشراف ج 1 ص 345 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و بهجة المحافل ج 1 ص 266 و 267 و راجع: إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 100 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 30 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 239 و تجارب الأمم ج 2 ص 153 و الأوائل للعسكري ج 2 ص 223 و الطرائف ص 60 و البحار ج 39 ص 1 عنه.

3) خاتم النبيين ج 2 ص 937 و ينابع المودة ص 94 و 136 و شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 10.

الوزن و القافية في كثير من المصادر أيضا (1).

يقول أهلكت مالا لبدا:

و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر في قوله: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مٰالاً لُبَداً (2)، قال:

هو عمرو بن عبدود، حين عرض عليه علي بن أبي طالب الإسلام يوم الخندق، و قال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا؟ ! و كان قد أنفق مالا في الصد عن سبيل اللّه، فقتله علي (3).

و لم نجد هذه الرواية إلا في تفسير القمي، فليلاحظ ذلك و لنا مع ما تقدم و قفات، هي التالية:

لماذا طلب عمرو من علي أن يرجع؟ !

قال المعتزلي الشافعي، حين بلغ في حديثه الموضع الذي يطلب فيه عمرو من علي «عليه السلام» أن يرجع لأنه لا يحب أن يقتله:


1) راجع عدا المصادر المتقدمة ما يلي: كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 198 و 199 و تفسير القمي ج 2 ص 183 و البحار ج 20 ص 225 و 266 و 239 و عن ديوان أمير المؤمنين ص 67 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 63 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 533 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 167 و 168 و البداية و النهاية ج 4 ص 106 و السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و 319.

2) الآية 6 من سورة البلد.

3) تفسير القمي ج 2 ص 422 و البحار ج 20 ص 242.

«كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول-إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع-: و اللّه، ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر و أحد، و علم أنه إن ناهضه قتله. فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الإبقاء و الإرعاء و إنه لكاذب فيهما» (1).

علي عليه السلام غلام حدث؟ ! و شيخا قريش:

و قد تقدم أن رواية الواقدي تقول: «فأنت حدث، إنما أردت شيخي قريش، أبا بكر و عمر» (2).

و رواية المعتزلي تقول: «إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاما خدعني» (3).

و نقول: ألف: أما بالنسبة لصغر سن علي «عليه السلام» فقد كان عمره الشريف حينئذ سبعة و عشرين، أو ثمانية و عشرين عاما. كما هو الأصح و الأقوى.

بل بعض الأقوال تزيد في عمره عدة سنوات أخرى على ذلك، و لا يقال لمن هو بهذا السن: أنه غلام حدث.

ب: بالنسبة لأبي بكر و عمر، فإنهما لم يكونا شيخي قريش آنئذ، و لا قبل ذلك أيضا.


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64 و راجع: البحار ج 20 ص 274 و سيرة المصطفى ص 502.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 471.

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64.

و لم يكونا أيضا معروفين بالفروسية و الشجاعة ليقصدهما عمرو بالبراز الذي يريد أن يكتسب به مجدا و شهرة عامة. فقتلهما لم يكن ليكسر شوكة المسلمين العسكرية. أما قتل علي «عليه السلام» فهو المقصود بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم، لأنه هو الذي قتل فرسانهم في بدر و أحد.

و من جهة ثالثة: فقد تقدم أن ضرار بن الخطاب، و خالد بن الوليد لم يقتلا عمر في أحد و في الخندق، رغم تمكنهما من ذلك.

بل كان موقفهما منه يرشح بروائح المودة و المحبة، و الاهتمام بنجاته. و هل خلص أسرى المشركين في بدر غير أبي بكر حسبما تقدم بيانه؟ .

جرح علي عليه السلام:

و هل جرح علي «عليه السلام» حقا بسيف عمرو؟ ! و كان ذا شجتين؟ ! أم أن المقصود هو أظهار شجاعة عمرو و فروسيته في مقابل علي «عليه السلام» ؟ ! .

إن البلاذري يقول: و يقال: إن عليا لم يجرح قط (1).

الكبرياء و الغطرسة:

ذكر الحاكم الحسكاني: أن عليا «عليه السلام» حينما برز لعمرو و كان عمرو طويلا: «جاء حتى وقف على عمرو، فقال: من أنت؟ ! .

فقال عمرو: ما ظننت أني أقف موقفا أجهل فيه، أنا عمرو بن عبدود، فمن أنت؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و أنساب الأشراف ج 1 ص 345.

قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال: الغلام الذي كنت أراك في حجر أبي طالب؟ .

قال: نعم.

قال: إن أباك كان لي صديقا، و أنا أكره أن أقتلك.

فقال له علي «عليه السلام» : لكني لا أكره أن أقتلك.

ثم ذكر تخييره بين الخصال الثلاث، فرفضها، فقال له علي «عليه السلام» : فأنت فارس و أنا راجل.

فنزل عن فرسه و قال: ما لقيت من أحد ما لقيت من هذا الغلام (1).

فعلي «عليه السلام» إذن يريد إذلال عمرو، و تحطيم كبريائه. و قد تحقق له ما أراد، حتى شكا ذلك عمرو نفسه كما ترى.

إنه عمرو:

قد اعتبر الإسكافي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ضنّ بعلي «عليه السلام» عن مبارزة عمرو، حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا، و في كلها يحجمون، و يقدم علي، فيسأل الإذن له في البراز، حتى قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنه عمرو.

فقال: و أنا علي (2).

و نقول: إننا لا نعتقد: أن هذا الكلام دقيق، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان


1) شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه. ق) ج 2 ص 11.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 283 و 284.

يعلم قدرات علي عليه الصلاة و السلام، و مدى ما عنده من استعداد للتضحية و الإقدام في سبيل اللّه سبحانه، و مواقفه في بدر، و صده للكتائب في أحد، حتى نادى الملك بين السماء و الأرض:

لا فتى إلا عليلا سيف إلا ذو الفقار

و قد كانت هذه المواقف معروفة لدى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أكثر من أي شخص آخر، و هو الذي ربى عليا «عليه السلام» ، و علمه و هذبه، و دربه.

و الصحيح هو: ما ذكره بعض المؤرخين حسبما تقدم و هو: أنه أراد أن يفسح المجال أمام الآخرين، فكان يأمره بالجلوس، انتظارا منه ليتحرك غيره. و ليعلم بذلك فضله، و يظهر زيف دعوى من سوف يحاول الدس و التشويه، و إطلاق الدعاوى الفارغة، لأهداف سياسية، و غيرها.

إذن، فنستطيع أن نلخص الأسباب في ضمن النقاط التالية:

1-لكي يظهر للجميع: أن غير علي «عليه السلام» قد أحجم عن مبارزة عمرو خوفا و جبنا. و لولا أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمره بالجلوس ثلاث مرات لكان من الممكن للبعض أن يدّعي: أن كل واحد من المسلمين كان قادرا على مبارزة عمرو و قتله، لكن عليا سبقهم إلى الاستئذان لمبارزته، رغبة منه في الثواب و الأجر. و هو أمر يشكر عليه.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يظهر للناس جميعا: أن عليهم النظر إلى بواطن الأمور، فلا تغرهم الدعاوى العريضة و الشعارات الرنانة و الانتفاخات الكاذبة في حالات الأمن و الرخاء. و لا يجوز أن يخططوا و يقرروا و يتخذوا المواقف استنادا إلى ذلك بل لا بد من اختبار القدرات

و الطاقات في الحالات الصعبة، و اللحظات المصيرية. .

3-و كان لا بد من التنويه بجهاد علي «عليه السلام» ، و تعريف الناس بمن يضحي و يبذل نفسه في سبيل اللّه سبحانه، و بمن يستثمر تضحيات الآخرين و يسرق جهدهم و جهادهم لمصلحة نفسه أو من يمت إليه بصلة أو رابطة. . و يتضح ذلك من قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعلي: إنه عمرو (1).

و بذلك يتضح: أن عدم الإذن لعلي «عليه السلام» بمبارزة عمرو في بادئ الأمر، لم يكن رغبة بعلي عن المخاطر، و حبا بالإبقاء عليه، و تعريض غيره لذلك.

4-و قوله «صلى اللّه عليه و آله» له: إنه عمرو، فارس يليل أو نحو ذلك، ليفهم الناس: أن هذا الإقدام من علي «عليه السلام» ليس مجرد نزوة طائشة، ألقى نفسه بسببها في المهالك، دون أن يكون عارفا بحقيقة عمرو، و مكانته في الفروسية، ثم حالفه الحظ فقتله، لأن عليا رجل شجاع، و لكن لا علم له بالحرب، كما يريد أعداؤه أن يقولوا.

بل كان هذا الإقدام منه عن علم و تثبت، و اطلاع تام على شجاعة عمرو، و مكانته بين فرسان العرب.

الخصال الثلاث:

و حين عرض علي «عليه السلام» الخصال الثلاث على عمرو، نجد أن هذه الخصال قد جاءت من خلال الوعي و الإحساس بالمسؤولية، و في أعلى


1) تفسير القمي ج 2 ص 183 و البحار ج 20 ص 226 و 203 و مجمع البيان ج 8 ص 343.

درجات السداد، و في منتهى الموضوعية و النصفة. و تركت عمروا يبوء بعار البغي، و العدوان، و التجني بلا مبرر، و لا سبب على الإطلاق.

فلم يفرض عليه أن يسلم فقط، بل هو كما عرض عليه أن يسلم من منطلق الإنصاف في الدعوة، و لإعطائه فرصة أخيرة لينقذ نفسه من النار، فإنه أيضا يقدم له خيارا آخر لا يتعارض مع رغاتبه و طموحاته، و لا مع آرائه و معتقداته، و هو أن يرجع عن حرب محمد و المسلمين. ثم قدم له ما يثير اهتمامه، و يقربه إلى اختيار هذه الخصلة مثيرا أمامه ما يوجب إعادة النظر في صوابية القرار الذي اتخذه في خصومته لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، مستثيرا في نفسه نوازع الطموح و مستحثا في داخله المشاعر القبلية التي ينزع إليها، و يعتمد عليها، حين ذكر له: أنه إن يكن محمد صادقا كان أسعد الناس به، و إن يك كاذبا كفتهم ذؤبان العرب أمره.

و في كلمته الأخيرة تلويح يقرب من التصريح بما يراود النفوس عادة من حب السلامة و الراحة و الابتعاد عن المشاكل و المخاطر.

و لكن ما احتج به عمرو لاتخاذه قراره برفض هذا الخصلة الثانية ما كان غير سراب خادع ينطلق من غرور و عنجهية لا مبرر لهما، إلا روح الاستكبار و البغي و التجني و الظلم الذي جره بالتالي إلى الخزي و الخسران في الدنيا و في الآخرة، و ساء للظالمين بدلا.

و لم يبق أمام أمير المؤمنين «عليه السلام» إلا أن يبادر إلى دفع غائلة هذا الظالم المتجبر فكان النصر على يديه، و كانت ضربته له التي تعدل عبادة الثقلين.

قطع رجل عمرو:

و يقول ابن شهر آشوب: «و تبادر المسلمون يكبرون، فوجدوه على فرسه برجل واحدة، يحارب عليا «عليه السلام» ، و رمى رجله نحو علي، فخاف من هيبتها رجلان، و وقعا في الخندق» (1).

و هذا النص غير معقول: و ذلك لأنه إذا كان على فرسه برجل واحدة، فإنه لا يستطيع أن يأخذ رجله عن الأرض يرمي بها عليا «عليه السلام» أو غيره، لأنها حين تقطع لا بد أن يقع القسم المقطوع منها على الأرض إلا أن يكون قد فعل ذلك بعد وقوعه على الأرض.

علي عليه السلام و درع عمرو:

لما قتل علي «عليه السلام» عمروا، و أقبل نحو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وجهه يتهلل قال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته يا علي درعه؟ ! فإنه ليس في العرب درع مثلها.

فقال علي «عليه السلام» : إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي، أو قال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت من ابن عمي أن أسلبه.

و عند الحسكاني: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سأل عليا عن سبب عدم سلبه له (2).


1) مناقب آل طالب ج 3 ص 137.

2) راجع: الإرشاد للمفيد ص 61 و مجمع البيان ج 8 ص 343 و شواهد التنزيل ج 2 ص 12 و البحار ج 20 ص 257 و 204 و ج 41 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 534 و 535 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 33 و البداية و النهاية ج 4 ص 107

و يقال: إنه حين جلس على صدر عمرو، يريد أن يذبحه، و هو يكبر اللّه و يمجده طلب منه عمرو أن لا يسلبه حلته، فقال له علي «عليه السلام» : هي عليّ أهون من ذلك، ثم ذبحه (1).

و زعم الحلبي: أن هذا اشتباه من الرواة، و أن ذلك كان في حرب أحد مع طلحة بن أبي طلحة (2).

و يردّ قوله: أنه في قضية أحد كان السؤال من سعد لعلي «عليه السلام» ، و في الخندق كان السؤال من عمرو لعلي «عليه السلام» ، فهما قضيتان.

و نعود فنذكر كلام المعتزلي و هو يقارن بين علي و سعد بن أبي وقاص في ذلك:

«قلت: شتان بين علي و سعد، هذا يجاحش على السلب، و يتأسف على فواته (كما في قصة أحد) و ذلك يقتل عمرو بن عبدود يوم الخندق، و هو فارس قريش و صنديدها، و مبارزه فيعرض عن سلبه، فيقال له: كيف تركت سلبه، و هو أنفس سلب؟ ! .

فيقول: كرهت أن أبزّ السبي ثيابه.

فكأن حبيبا (أي أبا تمام) عناه بقوله:

(2) -و الروض الأنف ج 3 ص 280 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 439 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 و السيرة الحلبية ج 2 ص 320 و خاتم النبيين ج 2 ص 938 و نهاية الأرب ج 17 ص 174.


1) كنز الفوائد للكراجكي ص 137.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 320.

إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1)

و نقول: إننا لا نريد أن نضيف إلى ذلك شيئا، غير أن ما يستوقفنا هنا هو ما نجده من حرص و اهتمام ظاهر لعمر بن الخطاب بأمر الدرع كي لا تفوت عليا، و كأنه يظن أنه «عليه السلام» إنما يحارب ليحصل على الغنائم و الأسلاب.

و لم يلتفت إلى أن ما يهم عليا «عليه السلام» هو الدفاع عن أساس الدين، و فتح باب الأمل على مصراعيه أمام المسلمين المهزومين نفسيا، كما أخبر اللّه عنهم: إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا، هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً. . . .

إلى أن قال: . . وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (2).

أما جواب أمير المؤمنين «عليه السلام» لعمر، ففيه تأكيد منه على أنه «عليه السلام» : لم يزل و لا يزال يتصرف وفق قواعد النبل و الرجولة و القيم، حتى في مثل هذا الموقف، الذي هو أكثر المواقف صعوبة و خطرا، حيث تزل فيه الأقدام، و تضيع فيه المعايير و الضوابط في زحمة الأهوال و المخاطر، و في خضم ثورات النفوس و المشاعر.

فسلام اللّه عليك يا أبا الحسن، يوم ولدت في الكعبة، و يوم اغتالتك يد


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237.

2) الآيات 10-25 من سورة الأحزاب.

الإفك و الحقد في مسجد الكوفة، و يوم تبعث حيا، حيث تقف لتسقي المؤمنين و المجاهدين من يدك على حوض الكوثر.

قتله في اللّه:

و لما أدرك علي «عليه السلام» عمرو بن عبدود لم يضربه، فوقعوا في علي «عليه السلام» ، فرد عنه حذيفة، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» مه يا حذيفة، فإن عليا سيذكر سبب وقفته.

ثم إنه ضربه، فلما جاء سأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فقال: قد كان شتم أمي، و تفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي، فتركته حتى سكن ما بي، ثم قتلته في اللّه (1).

و نقول: إننا لا نشك في أن عليا «عليه السلام» لا يمكن أن يقتل عمروا غضبا لنفسه، و إن كان ذلك جائزا له. . و لكنه «عليه السلام» أراد أن يتعامل مع الأمور كما لو كان رجلا عاديا ليمكن أن يقدم للناس العظة و الأمثولة بصورة عملية و حية ليروا بأم أعينهم كيف يكون هو الرجل الإلهي، الذي يتعامل مع كل الأمور من موقع المعرفة، و الوعي، و الثبات و التثبت، و يصل كل أعماله، ما دق منها و قل، و ما عظم و جل باللّه سبحانه، ليقربه خطوة إليه.

إنه ذلك الجبل الأشم الشامخ، الذي لا تزله الرياح العواصف، و هو الإنسان القوي و الرصين، الذي لا يثور و لا يغضب إلا للّه، و للّه فقط، وحده لا شريك له.


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 115 و البحار ج 41 ص 51.

فبإرادة اللّه و رضاه يسل سيفه، و يقاتل الأبطال، و يسحق كل جبروتهم و كبريائهم، و هو يغمد سيفه و يستسلم لإرادة اللّه سبحانه و امتثالا لأمره، حين يهجمون عليه في بيته، و يضربون زوجته، و يسقطون جنينها، و يحرقون عليه بيته، أو يكادون. و هو علي هنا، و هو علي هناك، و لا أحد غير علي يستطيع أن يفعل ذلك.

الوسام الإلهي:

عن ابن مسعود، و عن بهز بن حكيم، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لمبارزة علي (أو قتل علي) لعمرو بن عبدود (أو ضربة علي يوم الخندق) أفضل (أو خير) من عبادة الثقلين، أو أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة (1).


1) راجع النصوص التي تشير إلى ذلك في: كنز العمال ج 12 ص 219 و تاريخ بغداد ج 13 ص 19 و مقتل الحسين للخوارزمي ص 45 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 32 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و المناقب للخوارزمي ص 58 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 138 و شرح المواقف ج 8 ص 371 و فرائد السمطين ج 1 ص 256 و شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه) ج 2 ص 14 و الغدير عن بعض من تقدم، و عن هداية المرتاب ص 148 و التفسير الكبير للرازي ج 32 ص 31 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 323 و حبيب السير ج 1 ص 362 و ينابيع المودة ص 94 و 95 و 96 و سعد السعود ص 139 و الطرائف ص 60 و كنز الفوائد للكراجكي ص 137 و السيرة الحلبية ج 2 ص 319 و 320 و شرح المقاصد للتفتازاني ج 5 ص 298 و فردوس الأخبار ج 3 ص 455 و نفحات اللاهوت ص 91 و مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 41 ص 91 و 96

و في نص آخر عن ابن مسعود: أبشر يا علي، فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم (1)، زاد المجلسي و الطبرسي قوله:

«و ذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا و قد دخله وهن بقتل عمرو. و لم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا و قد دخله عز بقتل عمرو» (2).

تمحلات و تعصبات ابن تيمية:

و قد اعتبر ابن تيمية حديث: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين، و نحوه، من الأحاديث الموضوعة، التي ليس لها سند صحيح، و لم يروه أحد من علماء المسلمين في شيء من الكتب التي يعتمد عليها. بل و لا يعرف له أسناد صحيح و لا ضعيف. و هو كذب لا يجوز نسبته إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه لا يجوز أن يكون قتل كافر أفضل من عبادة الجن و الإنس، فإن ذلك يدخل فيه عبادة الأنبياء.

و قد قتل من الكفار من كان قتله أعظم من قتل عمرو، مثل أبي جهل


1) ينابيع المودة ص 94 و شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه) ص 12.

2) راجع: مجمع البيان ج 8 ص 343 و البحار ج 20 ص 205 و شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه) ج 2 ص 12 و كنز الفوائد للكراجكي ص 137.

و عقبة بن أبي معيط، و شيبة. و قصته في الخندق لم تذكر في الصحاح (1).

أما الذهبي، فقال عن حديث: ضربة علي أفضل من عبادة الثقلين: «قبح اللّه رافضيا افتراه» (2).

و نقول: قد رد الحلبي استبعاده أن تكون ضربة عمرو أفضل من عبادة الثقلين بقوله: «فيه نظر، لأن قتل هذا كان فيه نصرة للدين، و خذلان للكافرين» (3).

فإنه إذا كانت قد زاغت الأبصار، و بلغت القلوب الحناجر، و صاروا يظنون الظنون السيئة باللّه سبحانه. و إذا كان المسلمون قد أحجموا عن مبارزة عمرو، خوفا و رعبا، و كانوا كأن على رؤوسهم الطير.

و إذا كان عمرو هو فارس الأحزاب، الذين هم ألوف كثيرة، و قد جاؤوا لاستئصال المسلمين، و هم قلة، و قد جاءهم اليهود من جانب، و قريش من جانب، و غطفان من جانب، و كانوا في أشد الخوف على نسائهم و ذراريهم،

و إذا كان المنافقون لا يألون جهدا في تخذيل الناس و صرفهم عن الحرب، حتى أصبح الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في قلة قليلة، لا تزيد على ثلاث مئة رجل، بل قيل: لم يبق معه سوى اثني عشر رجلا كما سنرى،

و إذا كان الجوع و البرد يفتكان فيهم، و يضعفان من عزائمهم. . .


1) منهاج السنة ج 4 ص 171 و 172 باختصار. و السيرة الحلبية ج 2 ص 320 و سيرة الرسول (ط سنة 1968 دار الفكر للجميع) ص 220.

2) تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي ج 3 ص 32 و السيرة الحلبية ج 2 ص 320.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 320.

نعم. . . إذا كان ذلك، فمن الطبيعي: أن يكون قتل هذا الكافر فيه حياة الإسلام، و انتعاش المسلمين، و فيه خزي الأحزاب، و فشلهم، و سيأتي بعض الكلام حول: أن النصر كان بسبب قتل عمرو في الفصل التالي إن شاء اللّه.

و أما بالنسبة لضعف سنده، و عدم ذكره في الصحاح، فلا يقلل ذلك من قيمته و اعتباره إذ ما أكثر الأحاديث الصحيحة، و المتواترة التي لم تذكر في كتب الصحاح.

و قد عرفنا تحصب أصحاب الصحاح على علي «عليه السلام» و أهل بيته، و قول ابن تيمية ليس له سند ضعيف و لا صحيح، يكذبه رواية المستدرك لهذا الحديث عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده، و قد قال أبو داود: بهز بن حكيم أحاديثه صحاح (1).

شهادة حذيفة:

قال المفيد: «روى قيس بن الربيع، قال: حدثنا أبو هرون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت له: يا أبا عبد اللّه، إنا لنتحدث عن علي «عليه السلام» و مناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي «عليه السلام» . هل أنت محدثي بحديث فيه؟ .

فقال حذيفة: يا ربيعة، و ما تسألني عن علي «عليه السلام» ! فو الذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» في كفة الميزان، منذ بعث اللّه محمدا إلى يوم الناس هذا، و وضع عمل علي «عليه السلام» في


1) خلاصة تهذيب الكمال ص 381، و راجع سائر كتب الرجال و التراجم مثل تهذيب التهذيب، و تهذيب الكمال، و غير ذلك.

الكفة الأخرى لرجح عمل علي «عليه السلام» على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له و لا يقعد.

فقال حذيفة: يا لكع: و كيف لا تحمل؟ و أين كان أبو بكر، و عمر، و حذيفة، و جميع أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» يوم عمرو بن عبدود دعا إلى المبارزة، فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا «عليه السلام» ؟ ! فإنه برز إليه و قتله اللّه على يده. و الذي نفس حذيفة بيده، لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» إلى يوم القيامة (1).

شهادات و مواقف أخرى:

شهادة أبي الهذيل و المعتزلي.

قال المعتزلي: 1- «فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود، فإنها أجلّ من أن يقال: جليلة، و أعظم من أن يقال: عظيمة.

2-و ما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل، و قد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند اللّه: علي أم أبو بكر؟

فقال: يا ابن أخي، و اللّه، لمبارزة علي عمروا يوم الخندق تعدل أعمال


1) الإرشاد ص 55 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 205 و سيرة المصطفى ص 504 شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 60 و 61 و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 195 و البحار ج 20 ص 256 و 257 و نهج الحق ص 249 و 250 و شرح الأخبار ج 1 ص 229 و 300.

المهاجرين و الأنصار و طاعاتهم كلها، و تربي عليها، فضلا عن أبي بكر وحده.

3-و قد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه الخ. . (1).

و عن حذيفة: لو قسمت فضيلة علي «عليه السلام» بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم (2).

4-و قال أبو بكر بن عياش: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها-يعني ضربة عمرو بن عبدود-و لقد ضرب علي ضربة ما ضرب الإسلام أشأم منها-يعني ضربة ابن ملجم لعنه اللّه (3).

5-و قال الحافظ يحيى بن آدم-عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: ما شبهت قتل علي عمروا إلا بقوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ قَتَلَ دٰاوُدُ جٰالُوتَ (4).


1) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 19 و ص 60. و عنه في إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 8 و سيرة المصطفى ص 503 و البحار ج 20 ص 273.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 284.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 61 و النص للمفيد في الإرشاد ص 61 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 205 و مجمع البيان ج 8 ص 344 و البحار ج 20 ص 206 و 258 و ج 41 ص 91 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 138.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 535 و الإرشاد للمفيد ص 60 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 205 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 34 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 196 و البحار ج 20 ص 256 و ج 41 ص 91 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 19 ص 61 و 62 و المناقب للخوارزمي ص 106 و كنز الفوائد للكراجكي ص 138 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137.

6-و روي أن عمروا قال لعلي: ما أكرمك قرنا (1).

لا نأكل ثمن الموتى:

قال ابن إسحاق-كما رواه البيهقي عنه-: و بعث المشركون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشترون جيفة عمرو بن عبدود بعشرة آلاف.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى (2).

و قال أبو زهرة: «و يظهر: أنه كان عظيما بين المشركين، يعتزونه، فأرسلوا يطلبون جثمانه (3).

و قد ذكرت نفس هذه الحادثة: بالنسبة لجيفة نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة، و نكاد نشك في صحة ذلك. و لعل الزبيريين قد حرفوا ما جرى لجيفة عمرو ليكون لصالح جيفة نوفل و ذلك بهدف تضخيم شأن نوفل، ليصبح أهم من عمرو بن عبدود، زعما منهم أن روايتهم المكذوبة: أن الزبير قد قتل نوفلا قد راجت على الناس.

و سيأتي أن عليا «عليه السلام» أيضا هو الذي قتل نوفلا و غيره.

و إن كنا نحتمل أيضا: أن يكون بنو مخزوم قد طلبوا جيفة صاحبهم ليرفعوا من شأنه حتى لا يكون أقل من عمرو.


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 و البحار ج 41 ص 90.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 535 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و البداية و النهاية ج 4 ص 107 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و السيرة الحليبة ج 2 ص 320.

3) خاتم النبيين ج 2 ص 938.

فرح الملائكة بقتل عمرو:

عن الصادق «عليه السلام» : لما قتل علي «عليه السلام» عمرو بن عبدود أعطى سيفه الحسن «عليه السلام» ، و قال: قل لأمك تغسل هذا الصيقل.

فرده و علي «عليه السلام» عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» و في وسطه نقطة لم تنق، قال: أليس قد غسلته الزهراء.

قال: نعم.

قال: فما هذه النقطة؟ .

قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا علي، سل ذا الفقار يخبرك.

فهزه، و قال: أليس قد غسلتك الطاهرة، من دم الرجس النجس؟ !

فأنطق اللّه السيف فقال: بلى، و لكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو بن عبدود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه، و هو حظي منه، فلا تنتضيني يوما إلا ورأته الملائكة و صلّت عليك (1).

و ليس لدينا ما يثبت أو ينفي صحة هذه الرواية. و حين يصعب علينا فهم بعض ما ورد فيها، فإن علينا أن نكل علم ذلك إلى أهله، ما دام أن ذلك لا يمس أساس العقيدة، و لا يؤثر على الضوابط و المرتكزات العامة للبحث العلمي الرصين.

أين المقداد و عمار؟ !

و قد يقال: أين كان المخلصون الأوفياء، و الأبرار الأتقياء آنئذ عن


1) البحار ج 20 ص 249 و 150 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 215 و 216.

مبارزة عمرو بن عبدود؟ !

و لماذا لم يبادروا إلى إجابة طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لينالوا الجنة، التي وعد بها رسول اللّه من يبارز عمروا؟ !

و نجيب: إنه قد كانت هناك مهمات كثيرة كان لا بد من التصدي لها و إنجازها على يد أهل الإيمان، و منها: حراسة أبواب الخندق الثمانية، و حراسة الجيش الإسلامي، و منع جيش الأعداء من التسلل و الالتفاف، و رصد جميع تحركات الأعداء، حتى لا يجدوا أنهم في فسحة من أمرهم، و يستطيعوا أن يتصرفوا كما يحلو لهم. و هذا يفرض إفراز قوات تكفي لإنجاز هذه المهمات في المواقع المختلفة. .

و لعل من يستطيع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يطمئن لسلامة أدائهم، أو عدم تأثرهم بإغراءات العدو و تسويلاته هم أمثال عمار، و المقداد، و سلمان. . .

و كانت الكثرة من المقاتلين الآخرين موجودة في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان هو الذي يضبط حركتها، و يهيمن على قرارها، و يراقب مسارها. .

و يفترض فيها هي: أن تتولى صد العدو، و مبارزة فرسانه، و تحطيم استكباره و إسقاط عنفوانه. .

و قد واجههم عمرو بن عبدود بالتحدي القوي، و جاءت كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتعبر عن مدى خطورة الموقف، و أهمية الإنجاز الذي يتمثل بسحق هذا التحدي القوي،

الذي يتمثل بسحق هذا التحدي، من خلال قتل عمرو هذا. .

و كان الطامحون و الطامعون و أصحاب الدعاوى العريضة، و كذلك سائر من يلتقي معهم في الفكر، و الرأي و المصالح، يتحلقون حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتصدرون مجالسه، قد فشلوا أمام أنفسهم، و أمام الناس كلهم في اتخاذ القرار الحاسم بالخروج من سجن ذواتهم و ذاتياتهم و خصوصياتهم إلى آفاق الحرية في رحاب التقوى و الورع، و العزوف عن الدنيا، و طلب رضا اللّه تبارك و تعالى. .

و لذلك امتلأت قلوبهم رعبا و خوفا من مواجهة أعداء اللّه، طلبا لمرضاته تبارك و تعالى، و حبا برسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .

فأحجموا عن هذا الأمر، حبا بالدنيا، و بادر إليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» صفوة الخلق، و عبد اللّه، و أخو رسوله، بل نفسه كما صرح به القرآن الكريم. . فأنزل صلوات اللّه و سلامه عليه ضربته الخالدة، التي تعدل عبادة الثقلين: الجن و الإنس إلى يوم القيامة. أنزلها بعدو اللّه عمرو بن عبدود. . و ألحقه بالفراعنة و الجبارين، إلى درك الجحيم.

قتل عمرو هزم بني قريظة و الأحزاب:

و حين أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إلى بني قريظة قال له: «إن الذي أمكنك من عمرو بن عبدود، لا يخذلك» (1).

قال علي «عليه السلام» : «فاجتمع الناس إلي، و سرت حتى دنوت من


1) الإرشاد للمفيد ص 57 و البحار ج 20 ص 261 و ج 41 من 95 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 145.

سورهم، فأشرفوا عليّ، فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، و قال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو.

و جعل بعضهم يصيح ببعض، و يقولون ذلك، و ألقى اللّه في قلوبهم الرعب، و سمعت راجزا يرتجز:

قتل علي عمرواصاد علي صقرا

قصم علي ظهراأبرم علي أمرا

هتك علي سترا

فقلت: الحمد اللّه الذي أظهر الإسلام و قمع الشرك (1).

و كما كان قتل عمرو سببا لهزيمة بني قريظة فإنه كان أيضا سببا لهزيمة الأحزاب كما سيأتي.

و قد أقنع قتله و قتل ابنه و نوفل بن عبد اللّه، أقنع قريشا و من معها: أن أية مغامرة من هذا القبيل سيكون مصيرها الفشل الذريع، و الخيبة القاتلة.

و سيأتي في أواخر الفصل التالي نصوص تدل على أن قتل عمرو و من معه كان سبب هزيمة الأحزاب فانتظر.

الخوارج و حديث قتل عمرو:

كنا نتوقع كل شيء من أعداء علي عليه الصلاة و السلام، إلا أننا لم نتوقع أبدا أن يشككوا في قتل علي «عليه السلام» لعمرو بن عبدود.


1) الإرشاد للمفيد ص 58 و البحار ج 20 ص 261 و 262 و ج 41 ص 95 و 96 و مناقب آل طالب ج 3 ص 145.

و قد ألفت نظري الحاكم النيسابوري، و هو يورد في مستدركه أحاديث صحيحة تثبت قتل علي «عليه السلام» لعمرو، فتساءلت في نفسي عن الداعي لإيراد أحاديث في أمر هو من أوضح الواضحات و أجلاها، و إذا به هو نفسه يصرح بسبب ذلك، و يبين لنا: أن أعداء علي قد حاولوا التشكيك حتى بهذا الأمر، فهو يقول:

«قد ذكرت في مقتل عمرو بن عبدود من الأحاديث المسندة، و مما عن عروة بن الزبير، و موسى بن عقبة، و محمد بن إسحاق بن يسار ما بلغني، ليتقرر عند المصنف من أهل العلم: أن عمرو بن عبدود لم يقتله، و لم يشترك في قتله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

و إنما حملني على هذا الاستقصاء فيه قول من قال من الخوارج: أن محمد بن مسلمة أيضا ضربه ضربة، و أخذ بعض السلب.

و و اللّه، ما بلغنا هذا من أحد من الصحابة و التابعين رضي اللّه عنهم.

و كيف يجوز هذا و علي رضي اللّه عنه يقول ما بلغنا: إني ترفعت عن سلب ابن عمي، فتركته. و هذا جوابه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بحضرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)انتهى.

متى قتل عمرو؟ :

أما متى قتل عمرو، فإن اليعقوبي يقول: إن قتله كان بعد مضي خمسة أيام من الحصار (2).


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 34.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.

لكن آخرين يقولون: إن ذلك كان بعد مضي بضع و عشرين ليلة منه (1).

و فريق ثالث يقول: بعد مضي شهر من الحصار (2).

و نحن نستقرب هذا الأخير: و ذلك لما تقدم من أن الحصار قد دام شهرا. و قد علمنا أن قتل عمرو، كما سيأتي في أواخر الفصل التالي، كان سبب هزيمة الأحزاب بالإضافة إلى الريح العاتية التي أرسلها اللّه تعالى عليهم.

قتل حسل بن عمرو بن عبدود:

قال ابن هشام: حدثني الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهري، أنه قال: قتل علي بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبدود، و ابنه حسل بن عمرو.

قال ابن هشام: عمرو بن عبدود، يقال: عمرو بن عبد (3).

قتل نوفل بن عبد اللّه:

قد ادّعت بعض المرويات: أن الزبير بن العوام هو الذي قتل نوفل بن عبد اللّه فهي تقول: «رجع المشركون هاربين، و خرج في آثارهم الزبير و عمر


1) الإرشاد للمفيد ص 57 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 203 و إعلام الورى ص 91 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 202 و 251 و 253 و عيون الأثر ج 2 ص 60 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 532 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165.

3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 و راجع: سيرة المصطفى ص 502 و 503 عنه و البداية و النهاية ج 4 ص 116 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 198 و 198 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 179.

بن الخطاب، فناوشوهم ساعة، و حمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد اللّه بالسيف، حتى شقه باثنين، و قطع أبدوج (أو أندوج) سرجه، حتى خلص إلى كاهل الفرس.

فقيل: يا أبا عبد اللّه، ما رأينا سيفك! ! .

فقال: و اللّه، ما هو السيف، و لكنها الساعد» (1).

و ذكر البعض: أن نوفلا سأل المبارزة، فبارزه الزبير، فشقه باثنتين، حتى فل في سيفه فلاّ، و انصرف، و هو يقول:

إني امرؤ أحمي و أحتميعن النبي المصطفى الأمي (2)

لكن نصا آخر يقول: إنه لما وقع نوفل في الخندق، و جعل المسلمون يرمونه، و طلب أن ينزل بعضهم إليه ليقاتله، فقتله الزبير بن العوام (3).

و في الوفاء: بارزه الزبير، فقتله، و يقال قتله علي، و رجعت بقية الخيول منهزمة (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 535 و المغازي للواقدي ج 2 ص 471 و 472 لكنه ذكره بلفظ يقال، و راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 248 و فيه: عثمان بن عبد اللّه.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 107 و راجع: الرسول العربي و فن الحرب ص 249 و نهاية الأرب ج 17 ص 174 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 320.

3) مجمع البيان ج 8 ص 343 و بحار الأنوار ج 20 ص 205.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و وفاء الوفاء ج 1 ص 303 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 307 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

قال دحلان: «و يمكن أن عليا و الزبير رضي اللّه عنهما اشتركا في قتله» (1).

و نقول:

إننا نشك في ذلك كثيرا، و ذلك للأمور التالية:

1-إن البعض ينسب قتل نوفل إلى المسلمين، فهو يقول عن عمرو: «ودنا منه علي، فلم يكن بأسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الأدبار، و سقط نوفل بن عبد اللّه عن فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة حتى قتل» (2).

2-و قال البلاذري و غيره: «و نجا أصحاب عمرو إلا رجلا سقط في الخندق، فتكسر، و رماه المسلمون حتى مات» (3).

3-أما ابن الأثير فقد حاول أن يبهم الأمر، حيث قال: «و قتل مع عمرو رجلان، قتل علي أحدهما، و أصاب الآخر سهم مات منه بمكة» (4).

فإذا عرفنا: أن مقصوده بالرجل الآخر الذي قتله علي ليس هو حسل بن عمرو، لأن كثيرا من المؤرخين سكتوا عن ذكره، و هم مجمعون على قتل نوفل بن عبد اللّه،


1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 232 و المغازي للواقدي ج 2 ص 471 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5.

3) أنساب الأشراف ج 1 ص 345 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487 عن معالم التنزيل، و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 60 عن ابن عائذ. و راجع أيضا: المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و 320. و راجع كذلك: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و كنز العمال ج 10 ص 289 عن ابن أبي شيبة.

4) الكامل في التاريخ ج 2 ص 182.

و عرفنا أيضا: أن الذي أصابه سهم فمات منه بمكة هو-كما سيأتي- منبه بن عثمان، أو عثمان بن أمية بن منبه (1)،

فإننا نعرف أنه يقصد بالذي قتله علي هو نوفل بن عبد اللّه بالذات.

و ثمة فريق آخر يقول بصراحة: إن عليا «عليه السلام» هو الذي قتل نوفلا.

4-قال اليعقوبي: «و كبا بنوفل بن عبد اللّه بن المغيرة فرسه، فلحقه علي فقتله» (2).

و قال الطبرسي، و ابن كثير، و الطبري: إنه لما تورط في الخندق جعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله، و طلب المشركون رمته، فمكنهم من أخذه (3).

و ذكرت بعض المصادر: أنه «عليه السلام» ضربه بالسيف فقطعه


1) ستأتي مصادر ذلك حين الكلام عن عدد الشهداء من المسلمين، و القتلى من المشركين، أواخر الفصل التالي إن شاء تعالى.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 266.

3) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط مطبعة الإستقامة) ج 2 ص 240 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 536 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137 و البحار ج 41 ص 90 و خاتم النبيين ج 2 ص 938 و البداية و النهاية ج 4 ص 107 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و راجع ص 320 و سيرة المصطفى ص 502 و البحار ج 20 ص 274 و محمد رسول اللّه، لمحمد رضا ص 231 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و 5 و شرح النهج للمعزلي ج 19 ص 64 و بهجة المحافل ج 1 ص 267 و حبيب السير ج 1 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206 و الإرشاد للمفيد ص 60 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 204 و إعلام الورى ص 195.

نصفين (1).

و ذكر ابن إسحاق: أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق (2).

5-هذا كله، عدا عن أن الشعر المنسوب إلى الزبير أنه قاله في هذه المناسبة غير مستقيم الوزن، فليلاحظ ذلك.

و أخيرا: فإننا نذكر القارئ الكريم بأن هؤلاء الناس قد عودونا أن يغيروا على فضائل علي و على مواقفه «عليه السلام» ، و ينسبوها لغيره، ممن لهم فيه هوى، و لو لم يستطع أن يسجل حتى موقفا رساليا و جهاديا واحدا طيلة حياته.

إنما هي جيفة حمار:

و أرسلت بنو مخزوم يطلبون جيفة نوفل بن عبد اللّه، يشترونها، و أعطوا فيها عشرة آلاف درهم، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنما هي جيفة حمار، و كره ثمنه، فخلى بينهم و بينه (3).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315.

2) مجمع البيان ج 8 ص 343 و دلائل النبوة ج 3 ص 438 عن ابن إسحاق و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و البحار ج 20 ص 205 و 256 و ج 41 ص 90 و الإرشاد للمفيد ص 59 و 60 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 234 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 107 و المغازي للواقدي ج 2 ص 474 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315. و راجع: عيون الأثر ج 2

و قال البعض: إنهم عرضوا الدية، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنه خبيث الدية، فلعنه اللّه و لعن ديته، فلا إرب لنا في ديته، و لسنا نمنعكم أن تدفنوه (1).

و في رواية أخرى: أنهم عرضوا اثني عشر ألفا ثمنا لجسد رجل من المشركين يوم الأحزاب (2).

و نص آخر يقول: إن أبا سفيان هو الذي بعث بديته مئة من الإبل (3).

و لهذا الحديث نصوص مختلفة، فلتراجع في مصادرها (4).

و بعد هذا، فلا يمكن الاعتماد على رواية الحاكم عن ابن عباس، قال: قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى رسول اللّه «صلى

(3) -ص 60 و حديث العشرة آلاف موجود في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 536 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 60 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 و خاتم النبيين ج 2 ص 938.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 440 و تاريخ الإسلام (المغازي) للذهبي ص 247 و 248 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 305 و 306.

3) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 234 و كنز العمال ج 10 ص 289 عن ابن أبي شيبة.

4) راجع بالإضافة إلى جميع المصادر المتقدمة ما يلي: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 240 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و 492 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 206 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 267 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 252.

اللّه عليه و آله» حتى أعطوه الدية (1).

فإنها رواية لا تصح بأي وجه.

الزبير و هبيرة بن وهب:

يقول القمي: إنه بعد أن قتل علي «عليه السلام» عمروا «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الزبير إلى هبيرة بن وهب، فضربه على رأسه ضربة ففلق هامته» (2).

و تقول رواية أخرى: أدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب، فضربه، فقطع ثفر (3)فرسه، و سقطت درع كانت عليه، فأخذها الزبير (4).

و نص ثالث يقول: و مر عمر بن الخطاب في أثر القوم، فناوشهم ساعة و سقطت درع هبيرة بن أبي وهب، فأخذها الزبير (5).

و هبيرة هو زوج أم هاني أخت علي و أبو أولادها و كان فارس قريش


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 32 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) و قالا: إنه حديث صحيح.

2) تفسير القمي ج 2 ص 185 و البحار ج 20 ص 228.

3) الثفر: سير في مؤخر السرج (و السير: قطعة مستطيلة من الجلد) .

4) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64 و السيرة الحلبية ج 2 ص 320 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 من 535 و الرسول العربي و فن الحرب ص 249 و المغازي للواقدي ج 2 ص 472 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

5) إمتاع الأسماع ج 1 ص 232.

كما يقولون (1).

نحن نشك في صحة ذلك، و ذلك استنادا إلى ما يلي:

1-لو كان الزبير قد ضرب هبيرة بالسيف حتى فلق هامته، فاللازم أن يكون قد قتل، مع أن الجميع متفقون على أنه لم يقتل آنئذ.

2-قد ذكرت بعض النصوص: أن عليا لحق هبيرة فأعجزه، و ضرب قربوس سرجه، فسقطت درع كانت عليه و فر عكرمة، و هرب ضرار (2).

3-و يفصل ذلك نص آخر، فيقول: ثم حمل ضرار بن الخطاب و هبيرة على علي، فأقبل علي عليهما. فأما ضرار فولى هاربا و لم يثبت، و أما هبيرة فثبت أولا، ثم ألقى درعه و هرب. و كان فارس قريش و شاعرها (3).

و سئل ضرار عن سبب فراره، فقال: خيل إلي أن الموت يريني صورته (4).

4-قد اعتذر هبيرة بن أبي وهب عن فراره من وجه علي «عليه السلام» ، فقال:

لعمرك ما وليت ظهرا محمداو أصحابه جبنا و لا خيفة القتل

و لكنني قلبت أمري فلم أجدلسيفي غناء إن وقفت و لا نبلي

الخ. . .


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و 320 و 321.

2) راجع: الإرشاد للمفيد ص 60 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 204 و البحار ج 20 ص 254 و 256 و راجع: إعلام الوري ص 195 و تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 عن روضة الأحباب.

3) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 487.

و يؤيد قولهم بأن الفرسان قد هاجموا عليا بعد قتله عمروا، قوله «عليه السلام» :

أعلي تقتحم الفوارس هكذاعني و عنهم أخروا أصحابي

و لعل مواجهة هبيرة لعلي «عليه السلام» و لو للحظات جعلته يستحق و سام فارس قريش و شاعرها.

5-ثم إننا لم نفهم السبب في أن اللذين خرجا في أثر الهاربين هما الزبير و عمر فقط؟ ! و أين كان عنهم سائر فرسان المسلمين؟ و لماذا لم يتبعهم علي نفسه؟ !

واحدي يا رسول اللّه:

و روى ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة: أن رجلا من المشركين قال يوم الخندق: من يبارز.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قم يا زبير.

فقالت صفية بنت عبد المطلب: واحدي يا رسول اللّه.

فقال: قم يا زبير.

فقام الزبير فقتله. ثم جاء بسلبه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فنفله إياه (1).

و نقول: إننا نشك في صحة هذه الرواية.

أولا: لأن صفية كانت مع النساء في حصن حسان حسبما تقدم، فما الذي جاء بها إلى ساحة القتال، في هذه الساعة الحساسة و الحاسمة بالذات؟ و هل كان «صلى اللّه عليه و آله» يسمح للنساء بالتردد إلى ساحة الحرب؟ ! .


1) فتح الباري ج 7 ص 312 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و كنز العمال ج 10 ص 289.

ثانيا: إن هذا الحديث مرسل، و هو ينتهي أيضا إلى عكرمة المعروف بالكذب و الوضع، و قد تحدثنا عن بعض حاله في كتابنا: «أهل البيت في آية التطهير» فليراجع.

ثالثا: إننا نستبعد أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خص الزبير بالطلب إليه أن يبارز ذلك الرجل، و هو قبل قليل قد طلب التطوع من المسلمين بمبارزة عمرو. فما هذه السياسة، و ما هي مبرراتها يا ترى؟ !

عمر و ضرار بن الخطاب:

قال المعتزلي: «و ناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد مس الرمح رفعه عنه، و قال: إنها لنعمة مشكورة، فاحفظها يا ابن الخطاب، إني كنت آليت أن لا تمكنني يداي من قتل قرشي، فأقتله. و انصرف ضرار راجعا إلى أصحابه» (1)و هم عند جبل أبي عبيد.

و في نص آخر: ذكر حملة الزبير و عمر بقية أصحاب عمرو، و قد كان ضرار يفر، و عمر يشتد في أثره. فكر ضرار راجعا، و حمل على عمر بالرمح ليطعنه ثم أمسك و قال:

«يا عمر، هذه نعمة مشكورة أثبتها عليك، و يد لي عندك غير مجزي بها فاحفظها» (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 64 و البحار ج 20 ص 274 عنه و المغازي للواقدي ج 2 ص 471 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7.

لكن القمي ذكر للرواية نصا آخر، فقال: «أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما.

فقال ضرار: ويحك يابن صهاك، أترميني في مبارزة؟ و اللّه، لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته.

فانهزم عنه عمر، و مر نحوه ضرار، و ضربه على رأسه بالقناة، ثم قال: احفظها يا عمر، فإنني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه.

فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فولاه (1).

و نشير نحن هنا إلى ما يلي: ألف: إن من الممكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عمر بمبارزة ضرار، أثناء مبارزة علي «عليه السلام» لعمرو، فحمل عليه ضرار، حتى إذا وجد مس الرمح رفعه و قال له مقالته تلك. ثم لما قتل عمرو و حسل و هجم علي «عليه السلام» على ضرار و هبيرة و نوفل فهربوا، عاد و قتل نوفلا.

ب: إننا لا نصدق أن يكون ضرار قد فر من عمر، لأن ضرارا يعرف عمر و مدى شجاعته، إلا أن يكون فر من السهم الذي حاول عمر أن يرميه به، ثم عاد فهاجهم عمر، و جرى بينهما ما جرى.

ج: إن هذه القضية قد حدثت أيضا بين ضرار و بين عمر في غزوة أحد، و قال له نفس هذه المقالة المذكورة عنه آنفا، و قد ذكرهما الواقدي في


1) تفسير القمي ج 2 ص 185 و البحار ج 20 ص 228 عنه.

كتاب المغازي.

و حسب نص الحلبي: إنه ضرب عمر بالقناة ثم رفعها و قال: ما كنت لأقتلك يا ابن الخطاب (1).

د: إننا نجد عمر يهتم بأمر ضرار بصورة ملفتة للنظر، فقد ذكر القمي: أنه ولاه-و قد تقدم-كما أنه حين قال عبد الرحمن بن عوف لرباح و هم في طريق مكة: غننا.

قال له عمر: إن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب (2).

و هذا التعظيم لضرار قد سرى إلى الآخرين حتى قالوا عنه: إنه فارس قريش و شاعرهم (3). و لعلهم أعطوه هذا الوسام لأنه أراد أن يقدم على علي ثم هرب.

عمر ليس أخا ضرار:

و قد قال البعض: إن ضرار بن الخطاب كان أخا لعمر بن الخطاب (4).

و هذا غير صحيح: فإن عمر بن الخطاب كان من بني عدي، أما ضرار فكان من بني فهر، و شتان ما بينهما.

و الذي أوجب الغلط لدى هؤلاء هو أن أبويهما كان اسمهما الخطاب، فتخيلوا أن الخطاب رجل واحد.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 64 و بحار الأنوار ج 20 ص 274 عنه، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و 8.

2) الإصابة ج 2 ص 209.

3) الإستيعاب مطبوع بهامش الإصابة ج 2 ص 210.

4) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321.

الآن نغزوهم و لا يغزوننا:

قال المفيد «رحمه اللّه» : «فتوجه العتب إليهم، و التوبيخ و التقريع و الخطاب، و لم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، إذ كان الفتح له و على يديه، و كان قتله عمروا و نوفل بن عبد اللّه سبب هزيمة المشركين.

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد قتله هؤلاء النفر: الآن نغزوهم و لا يغزوننا» (1).

الأشعار في غزوة الخندق

هناك أشعار كثيرة في مناسبة غزوة الخندق نختار باقة منها و هي التالية:

عن علي «عليه السلام» أنه قال:و كانوا على الإسلام إلبا ثلاثةفقد خر من تلك الثلاثة واحد

و فر أبو عمرو هبيرة لم يعدو لكن أخو الحرب المجرب عائد

نهتهم سيوف الهند أن يقفوا لناغداة التقينا و الرماح مصائد

و عنه «عليه السلام» :الحمد للّه الجميل المفضلالمسبغ المولي العطاء المجزل

شكرا على تمكينه لرسولهبالنصر منه على الغواة الجهل

كم نعمة لا أستطيع بلوغهاجهدا و لو أعملت طاقة مقول

للّه أصبح فضله متظاهرامنه علي سألت أم لم أسأل


1) الإرشاد للمفيد ص 62. و ستأتي فقرة: الآن نغزوهم و لا يغزوننا، مع مالها من مصادر في أواخر الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.

قد عاين الأحزاب من تأييدهجند النبي و ذي البيان المرسل

ما فيه موعظة لكل مفكرإن كان ذا عقل و إن لم يعقل

و عنه «عليه السلام» مخاطبا لعمرو بن عبدود:يا عمرو قد لاقيت فارس بهمةعند اللقاء معاود الأقدام

من آل هاشم من سناء باهرو مهذبين متوجين كرام

يدعو إلى دين الإله و نصرهو إلى الهدى و شرائع الإسلام

بمهند عضب رقيق حدهذي رونق يقري الفقار حسام

و محمد فينا كأن جبينهشمس تجلت من خلال غمام

و اللّه ناصر دينه و نبيهو معين كل موحد مقدام

شهدت قريش و القبائل كلهاأن ليس فيها من يقوم مقامي (1)

و روي أنه لما قتل عمروا أنشد:ضربته بالسيف فوق الهامةبضربة صارمة هدامة

أنا علي صاحب الصمصامةو صاحب الحوض لدى القيامة

أخو رسول اللّه ذي العلامةقد قال إذ عممني عمامة

أنت الذي بعدي له الإمامة (2)


1) راجع المقطوعات الثلاثة المتقدمة في: البحار ج 20 ص 279 و 280 و ج 41 ص 89 و 91 و 90 عن ديوان علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 46 و 109 و 110 و 126 و 127 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 136 و 137.

2) البحار ج 41 ص 88.

و قال حسان بن ثابت:أمسى (الفتى) عمرو بن عبد يبتغيبجنوب يثرب عادة لم تنظر

و لقد وجدت سيوفنا مشهورةو لقد وجدت جيادنا لم تقصر

و لقد رأيت غداة بدر عصبةضربوك ضربا غير ضرب المحسر

أصبحت لا تدعى ليوم عظيمةيا عمرو أو لجسيم أمر منكر (1)

قال ابن هشام: و بعض أهل العلم ينكرها لحسان فأجابه فتى من بني عامر:

كذبتم و بيت اللّه لا تقتلونناو لكن بسيف الهاشميين فافخروا

بسيف ابن عبد اللّه أحمد في الوغابكف علي نلتم ذاك فاقصروا

و لم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكمو لكنه الكفؤ الهزبر الغضنفر

علي الذي في الفخر طال بناؤهفلا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردكمشيوخ قريش جهرة و تأخروا

فلما أتاهم حمزة و عبيدةو جاء علي بالمهند يخطر

فقالوا: نعم أكفاء صدق فأقلبواإليهم سراعا إذ بغووا و تجبروا

فجال علي جولة هاشميةفدمرهم لما عتوا و تكبروا


1) الإرشاد للمفيد ص 56 و البحار ج 20 ص 259 و ج 41 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 381 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 206 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 290 و البيت الأول فيه و في البحار عن الإرشاد هكذا: أمسى الفتى عمرو بن عبد ناظرا كيف العبور وليته لم ينظر

فليس لكم فخر علينا بغيرناو ليس لكم فخر نعد و نذكر (1)

و روي أن عليا «عليه السلام» لما قتل عمروا لم يسلبه، و جاءت أخت عمرو حتى قامت عليه فلما رأته غير مسلوب سلبه قالت: ما قتله إلا كفؤ كريم، ثم سألت عن قاتله، قالوا: علي بن أبي طالب، فأنشأت هذين البيتين (2):

و لكن نصا آخر يقول: لما نعي عمرو إلى أخته قالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟ !

فقالوا: ابن أبي طالب.

فقالت: لم يعد موته إلا على يد كفؤ كريم. لأرقأت دمعتي إن هرقتها عليه. قتل الأبطال، و بارز الأقران، و كانت منيته على يد كفؤ كريم من قومه.

و في لفظ آخر: «على يد كريم قومه» ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر. ثم أنشأت تقول:

لو كان قاتل عمرو غير قاتلهلكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتل عمرو لا يعاب بهمن كان يدعى قديما بيضة البلد (3)

و قال المعتزلي: «فأما قتلاه، فافتخار رهطهم بأنه «عليه السلام» قتلهم أظهر و أكثر، أخت عمرو بن عبدود ترثيه:


1) الإرشاد للمفيد ص 56 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 206 و البحار ج 20 ص 259 و ج 41 ص 99.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و حبيب السير ج 1 ص 362.

3) الإرشاد للمفيد ص 57 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 و كشف الغمة ج 1 ص 207 و البحار ج 20 ص 260 و ج 41 ص 73 و 97.

لو كان قاتل عمرو غير قاتلهبكيته أبدا ما دمت في الأبد

لكن قاتله من لا نظير لهو كان يدعى أبوه بيضة البلد (1)

و قالت أيضا في ذلك:أسدان في ضيق المكر تصاولاو كلاهما كفؤ كريم باسل

فتخالسا مهج النفوس كلاهماوسط المدار مخاتل و مقاتل

و كلاهما حضر القراع حفيظةلم يثنه عن ذاك شغل شاغل

فاذهب علي فما ظفرت بمثلهقول سديد ليس فيه تحامل

و الثار عندي يا علي فليتنيأدركه و العقل مني كامل

ذلت قريش بعد مقتل فارسفالذل مهلكها و خزي شامل

ثم قالت: و اللّه، لا ثأرث قريش بأخي ما حنت النيب (2).

و قال مسافع بن عبد مناف يبكي عمرو بن عبدود، لما جزع المذاد، أي قطع الخندق:

عمرو بن عبد كان أول فارسجزع المذاد و كان فارس مليل (3)

إلى أن قال:سأل النزال هناك فارس غالببجنوب سلع ليته لم ينزل


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 20 و البيتان في لسان العرب أيضا ج 8 ص 195 و فيه: بكيته ما أقام الروح في جسدي. و راجع مستدرك الحاكم ج 3 ص 33.

2) الإرشاد للمفيد ص 57 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 207 و البحار ج 20 ص 260 و ج 41 ص 98.

3) الصحيح: يليل، و هو واد ببدر.

فاذهب علي ما ظفرت بمثلهافخرا و لو لاقيت مثل المعضل

نفسي الفداء لفارس من غالبلاقى حمام الموت الخ. . . (1)

و عند ابن هشام: تسل النزال علي فارس غالب.

و قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي، يعتذر من فراره عن علي بن أبي طالب و تركه عمروا يوم الخندق، و يبكيه:

لعمرك ما وليت ظهرا محمداو أصحابه جنبا و لا خيفة القتل

و لكنني قلبت أمري فلم أجدلسيفي عناء إن وقفت و لا نبلي

إلى أن يقول:كفتك علي لن ترى مثل موقفوقفت على شلو المقدم كالفحل

فما ظفرت كفاك يوما بمثلهاأمنت بها ما عشت من زلة النعل (2)

و قال هبيرة بن أبي وهب يرثي عمروا، و يبكيه:لقد علمت عليا لؤي بن غالبلفارسها عمرو إذ ناب نائب

و فارسها عمرو إذا ما يسوقه (3)علي، و إن الموت لا شك طالب

عشية يدعوه علي و إنهلفارسها إذ خام عنه الكتائب


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 288 و ذكرها في آخر العثمانية ص 336 عنه، و راجع: مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 203 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 278 و 279.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 289 و عيون الأثر ج 2 ص 67 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 280 و الملحق بالعثمانية ص 336.

3) و في نسخة (يسومه) .

فيا لهف نفسي إن عمروا لكائنبيثرب لا زالت هناك المصائب

لقد أحرز العليا علي بقتلهو للخير يوما لا محالة جالب (1)

و قال حسان:لقد شقيت بنو جمح بن عمروو مخزوم و تيم ما نقيل

و عمرو كالحسام فتى قريشكأن جبينه سيف صقيل

فتى من نسل عامر أريحيتطاوله الأسنة و النصول

دعاه الفارس المقدام لماتكشفت المقانب و الخيول

أبو حسن فقنعه حساماجرازا لا أفل و لا نكول

فغادره مكبا مسلحباعلى عفراء لا بعد القتيل (2)

و قال مسافع يؤنب الفرسان الذين كانوا مع عمرو، فأجلوا عنه و تركوه:عمرو بن عبد و الجياد يقودهاخيل تقاد له و خيل تنعل

أجلت فوراسه و غادر رهطهركنا عظيما كان فيها أول

عجبا و إن أعجب فقد أبصرتهمهما تسوم علي عمروا ينزل

لا تبعدن فقد أصبت بقتلهو لقيت قبل الموت أمرا يثقل

و هبيرة المسلوب ولى مدبراعند القتال مخافة أن يقتلوا


1) المصدر السابق ج 3 ص 289 و 290 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 281 و الملحق بالعثمانية ص 337.

2) مسلحب: منبطح. و الأبيات في شرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج 13 ص 290 و الملحق بالعثمانية ص 337.

و ضرار كان الباس منه محضراولى كما ولى اللئيم الأعزل (1)

قال ابن هشام: بعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. و قال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبدود:

بقيتكم عمرو أبحناه بالقنابيثرب نحمي و الحماة قليل

و نحن قتلناكم بكل مهندالخ. . .

قال ابن هشام: و بعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان (2).

و روى المعتزلي عن بعض شعراء الإمامية قوله:إذ كنتم ممن يروم لحاقهفهلا برزتم نحو عمرو و مرحب (3)

و لا ننسى هنا قول الأزري «رحمه اللّه» :فانتضى مشرفيه فتلقىساق عمرو بضربة فبراها

و إلى الحشر رنة السيف منهيملأ الخافقين رجع صداها

يا لها ضربة حوت مكرماتلم يزن ثقل أجرها ثقلاها

هذه من علاه إحدى المعاليو على هذه فقس ما سواها

المكر المفضوح:

إن من يلاحظ سيرة ابن هشام، التي ادّعى أنها تلخيص لسيرة ابن إسحاق، و يقارن بينها و بين ما وصل إلينا من سيرة ابن إسحاق، من طرق


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 280.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 381.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 7.

الآخرين يجد: أن ابن هشام لم يكن يريد مجرد تلخيص سيرة ذلك الرجل العلامة الخبير و المعتمد في شأن السيرة النبوية الشريفة.

بل أراد أيضا: أن يستبعد نصوصا ذات طابع معين رأى أن الاحتفاظ بها يضر ببعض الاتجاهات، أو يضع علامة استفهام كبيرة عليها.

و هذا الأمر: يضع عمل ابن هشام في السيرة في عداد الأعمال الخيانية بالنسبة للحق و للحقيقة، من منطلق تعصب مذهبي بغيض و مقيت.

و الذي يلاحظ تعليقات ابن هشام على الأشعار المتقدمة يجد: أنه يحاول التشكيك في خصوص ذلك النوع من الشعر الذي يمقته و يبغضه، و لا يطيقه، فيدعي أن أكثر أهل العلم ينكره لحسان، أو لعلي، أو لمسافع الخ. .

رغم أننا لم نعثر و لو على رجل واحد قد أنكر أيا من تلك المقطوعات، أو شكك في نسبتها لأصحابها. ما عدا أولئك الذين لا وجود لهم إلا في مخيلة ابن هشام.

و لا نريد بعد هذا أن نسأل ابن هشام و لا غيره: عن سبب تشكيكهم ذاك. فإننا لن نسمع منه جوابا مقنعا و لا مقبولا، مهما طال بنا الانتظار.

تعصب يثير الغثيان:

كنا نتوقع كل شيء من التجني، و الافتراء، و التحريف للحقائق الثابتة، بدافع من الحقد و التعصب ضد علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، إلا أننا لم نتوقع أن يتجاهل هؤلاء الحاقدون الأغبياء مواقف و بطولات و أثر علي في حرب الخندق، خصوصا قتله كبش كتيبة جيش الشرك عمرو بن عبدود العامري، لأن تجاهل مثل هذا الحدث المصيري، الذي شاع و ذاع، يحتاج إلى

درجة كبيرة من الشجاعة النادرة، أو فقل إلى درجة عالية من الوقاحة الفاجرة.

و هذا ما حصل بالفعل: حيث نجد بعضهم ليس فقط لا يذكر لعلي «عليه السلام» خبرا، و لا يورد في مواقفه أثرا. بل هو يكاد يجهر بإنكار تلك المواقف الرسالية الرائدة.

حيث يقول أحدهم: «و لم يكن بين القوم قتال إلا الرمي بالنبل و الحصا، فأوقع اللّه بينهم التخاذل، ثم أرسل اللّه عليهم في ظلمة شديدة من الليل ريح الصبا الشديدة في برد شديد، فأسقطت خيامهم، و أطفأت نيرانهم، و زلزلتهم، حتى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظلمة فارتحلوا خائبين» (1). ثم يذكر إرسال الزبير بن العوام لكشف خبر القوم.

بينما نجد رجلا مسيحيا، لا يرغب بالاعتراف للمسلمين بشيء ذي بال، يعتبر قتل علي «عليه السلام» لعمرو و لصاحبه «سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم، و وفرة عددهم» (2).

فشتان ما بين هذا الرجل، و بين أولئك، و لا حول و لا قوة باللّه.

من تشكيكات الجاحظ و تعصباته:

قد ادّعى ابن تيمية: أن عمرو بن عبدود لم يعرف له ذكر إلا في هذه


1) حدائق الأنوار ج 2 ص 590 و راجع: الزمخشري في الكشاف ج 3 ص 526 و قد تعجب منه في سعد السعود ص 138 و 139.

2) تاريخ مختصر الدول ص 95.

الغزوة (1).

و قد حاول الجاحظ أن يدّعي: أن شهرة عمرو بن عبدود بالشجاعة مصنوعة، من قبل محبي علي، حتى تركوه أشجع من عامر بن الطفيل، و عتيبة بن الحارث، و بسطام بن قيس، مع أنه لم يسمع لعمرو ذكر في حرب الفجار، و لا في الحروب بين قريش و دوس.

و قد رد عليه الإسكافي بما حاصله: أن أمر عمرو بن عبدود أشهر من أن يذكر، و لينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل. ثم ذكر شعر مسافع بن عبد مناف، و شعره الآخر في رثائه له.

و ليس أحد يذكر عمروا إلا قال: كان فارس قريش و شجاعها، و قد شهد بدرا، و جرح فيها، و قتل قوما من المسلمين. و كان عاهد اللّه عند الكعبة أن لا يدعوه أحد إلى إحدى ثلاث خصال إلا قبلها، و آثاره في أيام الفجار مشهورة.

كما أنه لما جزع الخندق في ستة فرسان هو أحدهم، جبن المسلمون كلهم عنه، و هو يوبخهم و يقرعهم، و ملكهم الرعب و الوهل، فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه، أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب و أذلهم و أفشلهم.

و إنما لم يذكر مع الفرسان الثلاثة لأنهم كانوا أصحاب غارات و نهب، و أهل بادية، و قريش أهل مدينة، و ساكنوا مدر و حجر، لا يرون الغارات، و لا ينهبون غيرهم من العرب، و هم مقيمون ببلدتهم، فلم يشتهر اسمه


1) منهاج السنة ج 4 ص 172 و السيرة الحلبية ج 2 ص 32 و سيرة الرسول ص 220.

كاشتهار هؤلاء (1).

هذا كله: بالإضافة إلى أنه كان قد نذر في بدر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدا. و كان أيضا معروفا بفارس يليل، و قد ذكر ذلك مسافع بن عمرو في شعره الذي يرثيه فيه.

و قد وصفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي بأنه فارس يليل أيضا.

هذا و قد قتل عمرو في بدر عمير بن أبي وقاص، و سعد بن خيثمة (2)و كان على ميسرة قريش في بدر (3).

المعركة التي لا حقيقة لها:

قالوا: و لما قتل عمرو، و رجع المنهزمون إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء، ارجعوا.

فنفرت قريش إلى العقيق، و رجعت غطفان إلى منازلها، و استعدّوا يغدون جمعيا، و لا يتخلف منهم أحد. فباتت قريش يعبئون أصحابهم، و كذلك غطفان، و وافوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخندق، قبل طلوع الشمس. و لم يتخلف منهم أحد، و عبأ «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و حضهم على القتال، و وعدهم النصر إن صبروا. و المشركون قد جعلوا


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 291 و راجع الملحق آخر العثمانية ص 335 -339.

2) قد تقدمت مصادر كثير مما ذكرناه. و راجع أيضا: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 207 و راجع أيضا السيرة الحلبية ج 2 ص 320.

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 120.

المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم، فأحدقوا بكل وجه من الخندق، و وجهوا نحو خيمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتيبة غليظة، فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم إلى الليل، و كان القتال من وراء الخندق.

فلما حان وقت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي، و لا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: شغلونا عن صلاة العصر ملأ اللّه بطوبهم (أو قبورهم) نارا.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما قدر على صلاة ظهر، و لا عصر، و لا مغرب، و لا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: ما صلينا.

فيقول: و لا أنا-و اللّه-ما صليت.

حتى كشف اللّه المشركين، فرجعوا متفرقين، و رجع كل من الفريقين إلى منزله.

و قام أسيد بن حضير في ماءتين على شفير الخندق، فكرت خيل المشركين يطلبون غرة، و عليها خالد بن الوليد، فناوشهم ساعة، فزرق وحشي الطفيل بن النعمان. و قيل: الطفيل بن مالك بن النعمان بن خنساء الأنصاري السلمي بمزراقة، فقتله، كما قتل حمزة رضي اللّه عنه بأحد.

فلما صار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى موضع قبته أمر بلالا، فأذن و أقام للظهر، و أقام بعد لكل صلاة إقامة، فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها، و ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف.

أضاف البعض هنا قوله «صلى اللّه عليه و آله» : ما على وجه الأرض قوم يذكرون اللّه تعالى في هذه الساعة غيركم.

و قال يومئذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللّه أجوافهم و قبورهم نارا.

«و لم يكن لديهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل طمعا بالغرة» (1).

و نحن نشك في صحة ذلك، لما يلي: أولا: صرح بعض المؤرخين: بأنه بعد قتل عمرو و رفاقه لم يحصل أي قتال، فقال:

«و لم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا، حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل، يطمعون بالغارة» (2).

ثانيا: إنه إذا كان القتال بهذا العنف، فأين القتلى و الجرحى، لا سيما مع اجتماع ألوف من الناس؟ أم يعقل أن تكون جميع تلك السهام و الحجارة،


1) راجع هذه النصوص باختصار تارة، و بتطويل أخرى في المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 536-539 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 233 و المغازي للواقدي ج 2 ص 472-474 و نهاية الأرب ج 17 ص 174 و 175 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و الوفاء ص 694 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و عيون الأثر ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401 و 402 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 268 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 و 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210-212 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و أنساب الأشراف ج 1 ص 345.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 536 عن ابن سعد و وفاء الوفاء ج 1 ص 304 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488.

و الحصى، كانت تذهب سدى و لا تصيب أحدا؟ ! .

ثالثا: إن القتال لا يمنع من الصلاة بصورة نهائية، فقد كان من الممكن أن يصلوا منفردين، أو أفواجا.

و قد ذكر الفقهاء: أن الصلاة لا تسقط حتى عن الغريق، فكيف بالمقاتلين؟ و صلاة المطاردة حال القتال مذكورة في الكتب الفقهية، و إذا كان المسلمون لا يعرفونها، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرفها، فلماذا لم يصلّها؟ ! .

رابعا: إن تناقص الروايات في كثير من خصوصياتها يفقدنا الثقة بها، و بالمراجعة و المقارنة يتضح ذلك بجلاء.

و يكفي أن ننبه: إلى اختلاف الروايات في الصلاة أو الصلوات التي فاتت النبي و المسلمين، فهل فاتتهم صلاة فقط كما في حديث جابر (1)و علي (2)و ابن


1) راجع المصادر المتقدمة، و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 و تاريخ الإسلام (المغازي) للذهبي ص 248 و السيرة الحلبية ج 2 ص 322 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 444 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 عن الشيخين، و الترمذي، و النسائي، و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 538 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 233 و المغازي للواقدي ج 2 ص 474 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 268.

2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 576 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 81 و 82 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 234 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 عن الخمسة إلا ابن ماجة، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 و مسند أحمد ج 1 ص 81 و 79 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 538 و عن فتح الباري ج 6 ص 105 و ج 7 ص 405

عباس (1)و حذيفة و ابن حبيبة (2).

أم أنهم شغلوا عن الظهر، و العصر، و المغرب، و العشاء، كما عن جابر أيضا، و أبي سعيد و ابن مسعود (3)؟

أو عن الظهر و العصر، كما عن سعيد بن المسيب و ابن عباس و عمر و علي «عليه السلام» (4)؟

(2) -و الدر المنثور ج 1 ص 303 عن الستة، و عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و البيهقي، و ابن أبي حاتم، و راجع: مسند الطيالسي ص 16 و كنز العمال ج 2 ص 240 عن البخاري، و البيهقي، و عبد الرزاق، و أحمد، و أبي عبيد في فضائله، و العدني، و مسلم، و النسائي، و ابن جرير، و ابن خزيمة، و أبي عوانة، و ابن زنجويه، و عبد بن حميد و غير ذلك.


1) كنز العمال ج 1 ص 240 عن الطبراني و ص 286 عن البيهقي.

2) كنز العمال ج 10 ص 283 و 288.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و 322 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 538 عن أحمد، و النسائي، و أحمد عن ابن مسعود، و عن البزار عن جابر، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 110 و 111 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 445 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 212 و 213 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و كنز العمال ج 10 ص 285 عن مصادر عديدة و ص 288 عن ابن أبي شيبة.

4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 576 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 233 و عيون الأثر ج 2 ص 63 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 عن الموطأ و كنز العمال ج 2 ص 240 و مجمع الزوائد ج 1 ص 309 عن الطبراني و الدر المنثور ج 1 ص 304 و 303 عن الطبراني، و عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و مسلم و النسائي و البيهقي و كنز العمال ج 10 ص 280.

أو الظهر و العصر و المغرب كما في رواية أبي هريرة، و أبي سعيد (1)؟

و في الموطأ: أن الفائتة هي الظهر (2)، و كذا عن جابر و أم سلمة و علي و ابن مسعود (3).

و بعض الروايات: عن ابن عباس و حذيفة، لم تعين الصلاة أو لم تعين العدو.

قال المقريزي: «فاحتمل أن يكون كله صحيحا، لأنهم حوصروا في الخندق، و شغلوا بالأحزاب أياما» (4).

و قد جمع النووي بين هذه الروايات بأن فوات الصلاة قد حصل مرتين لأن الحرب استمرت في الخندق عدة أيام (5).

إستفادات غير موفقة:

و قد حاول البعض: أن يستفيد من هذا الحديث المشكوك أحكاما


1) البداية و النهاية ج 4 ص 110 و تاريخ الخميس ج 1 ص 488 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 212.

2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 268.

3) راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 309 و 310 و الدر المنثور ج 1 ص 304 عن البزار و ص 303 عن مصادر أخرى، و كنز العمال ج 10 ص 239 عن مصادر كثيرة و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 196 و 197.

4) إمتاع الأسماع ج 1 ص 233.

5) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمحمد رضا ص 23.

شرعية و غيرها، فقال بعضهم:

«إن هذا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير لعذر الحرب، و أجازه أحمد و غيره، و قال: و تكون الصلاة المؤخرة أداء لا قضاء» (1).

و استدلوا على ذلك أيضا، أي على جواز التأخير لعذر القتال بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة، فمنهم من صلاها في الطريق، و منهم صلاها بعد الغروب في بني قريظة، و لم يعنف واحدا من الفريقين.

و قالوا: إن هذا قد نسخ بتشريع صلاة الخوف، و لو كانت مشرعة لم يؤخروها (2).

لكن هذا الكلام لا يصح، إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون قد أجبروا على تأخير الصلاة بحيث لم يكن لديهم أي خيار في ذلك، و لا يصح بناء على قول من قال: إن تأخير الصلاة يوم الخندق كان نسيانا (3).

و قد صرحت بذلك رواية عن ابن عباس، قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نسي الظهر و العصر يوم الأحزاب فذكر بعد المغرب، فقال:


1) خاتم النبيين ج 2 ص 940 و راجع ص 951 و البداية و النهاية ج 4 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 211 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 و فقه السيرة ص 303.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 211 و 212 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114.

3) راجع المصادر المتقدمة.

اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم نارا (1).

و عن أبي جمعة: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل أحد منكم علم أني صليت العصر؟ !

فقالوا: يا رسول اللّه ما صليت، فأمر المؤذن فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب (2).

أضاف الحلبي: «أقول: يحتاج إلى الجواب عن إعادة المغرب. و قد يقال: أعادها مع الجماعة» (3).

الصحيح في القضية:

و أخيرا. . . فنحن لا نمانع من أن يكون قد حصل تأخير في أداء الصلاة إلى حد يصدق معه الاضطرار ليمكن للمكلف أن يصلي صلاة المضطر، أو صلاة المطاردة. فإن قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالاً أَوْ رُكْبٰاناً. . . (4)قد ورد في سورة البقرة، النازلة في أوائل الهجرة.

و قد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى يوم الأحزاب إيماء (5).

و معنى ذلك: هو أن الآية المذكورة قد نزلت في غزوة الخندق.

و هذه الآية هي غير الآية التي تحدثت عن صلاة الخوف جماعة فراجع.


1) الدر المنثور ج 1 ص 304 عن الطبراني.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 539 و السيرة الحلبية ج 2 ص 322.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 323.

4) الآية 239 من سورة البقرة.

5) تفسير نور الثقلين ج 1 ص 199 و مجمع البيان ج 1 ص 344.

السر و السبب:

1-إننا بعد أن استظهرنا عدم صحة ما ذكروه نرى: أن السبب الذي يدعو البعض لإشاعة أمور كهذه هو الرغبة في تبرير تهاون الحكام بصلاتهم، و تأخيرهم لها عن أوقاتها-كما ذكرناه في الجزء الأول من هذا الكتاب-و لا يهمهم أن يكون ذلك على حساب كرامة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و النيل من عصمته، و عقله و حكمته.

2-قد يكون السبب هو ما جرى لعمر بن الخطاب حين فاتته الصلاة في غزوة الخندق، حيث قال: يا رسول اللّه، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب.

قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و اللّه ما صليتها.

فنزلنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بطحان، فتوضأ للصلاة و توضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (1).

3-إن دعوى وجود قتال ضار استمر ثلاثة أيام، أو أكثر أو أقل، قد يكون الهدف منها هو التضخيم و التهويل في قوة المشركين، و التأكيد على شوكتهم و على ارتفاع معنوياتهم بعد قتل عمرو بن عبدود و رفاقه، الأمر الذي ينتج عنه أن لا يكون علي «عليه السلام» قد حقق إنجازا ذا بال،


1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 22 و السيرة الحلبية ج 2 ص 322 و تاريخ الإسلام (المغازي) للذهبي ص 248 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 444 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و البداية و النهاية ج 4 ص 109 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 عن الشيخين، و الترمذي، و النسائي.

فضلا عن أن يكون ما جرى قد أسهم في هزيمة المشركين بطريقة أو بأخرى.

4-إن ذلك أيضا سوف يحدث ترديدا و تشكيكا في قيمة الأوسمة التي حباه بها رسول اللّه، و في استحقاقه «عليه السلام» لها، و في جدارته لحملها.

الفصل الثالث: كيف انتهت الحرب الخندق؟ !

اشارة

ما فعله نعيم بن مسعود:

لقد حاول المؤرخون و المحدثون الذين توجههم التيارات و القوى و التعصبات السياسية، و المذهبية، و الأحقاد-حاولوا-التعتيم على النصر المؤزر الذي سجله علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في حرب الأحزاب بطريقة أخرى غير طريقة تضخيم الأمور، و ادعاء حصول قتال شغلهم عن صلاة العصر، و غيرها.

فادعوا: أن نعيم بن مسعود قد قام بدور فاعل و أساس في تخذيل القوم، و إلقاء الريب و الشك ببعضهم البعض فيما بينهم.

فيدعي المؤرخون: أن نعيم بن مسعود الغطفاني جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مسلما-و كان من دواهي العرب-فقال: يا رسول اللّه إني قد أسلمت، و إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت أنته إليه (1).


1) يقول القمي في تفسيره ج 2 ص 181 و البحار ج 20 ص 223 عنه: إن قريظة قد نقضوا العهد نهارا، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان قد أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام. و نقول: لماذا أخّر نعيم مجيئه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليعلن إسلامه هذه المدة الطويلة؟ ! و آثر البقاء في صفوف أهل الشرك.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : إنما أنت رجل واحد فينا، و إنما غناؤك أن تخذل عنا ما استطعت، و عليك بالخداع، فإن الحرب خدعة.

و حسب نص المقدسي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: إن الحرب خدعة، فاحتل لنا.

فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة، و كان نديما لهم، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودّي إياكم، و خاصة ما بيني و بينكم.

قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.

فقال لهم: إن قريشا و غطفان و من التف معهم جاؤوا لحرب محمد، فإن ظاهرتموهم عليه، فليسوا كهيئتكم، و ذاك أن البلد بلدكم، به أموالكم، و أولادكم، و نساؤكم، لا تقدرون أن تتحلوا إلى غيره. فأما قريش و غطفان، فإن أموالهم، و أبناءهم، و نساءهم ببلاد غير بلادكم، فإن رأوا نهبة و غنيمة أصابوها، و إن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، و خلوا بينكم و بين الرجل. و الرجل ببلادكم لا طاقة لكم به، و إن خلا لكم.

زاد الواقدي: «و قد كبر عليهم جانب محمد، أجلبوا عليه بالأمس إلى الليل، فقتل رأسهم عمرو بن عبدود و هربوا منه مجرحين» ، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى يناجزوه.

قالوا: لقد أشرت علينا برأي و نصح.

ثم خرج حتى أتى قريشا.

فقال لأبي سفيان بن حرب و من معه: يا معشر قريش، قد عرفتم ودّي إياكم، و فراقي محمدا، و قد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكم، نصحا

لكم، فاكتموا عليّ.

قالوا: نفعل.

قال: اعلموا: أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم و بين محمد، و قد أرسلوا-و أنا عندهم-أن قد ندمنا على ما صنعنا، فهل يرضيك عنا: أن نأخذ من القبيلتين (مئة رجل، كما عند المقدسي) من قريش و غطفان رجالا من أشرافهم، و كبرائهم، و نعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟

أضافت بعض المصادر: «و ترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم-يعنون بني النضير» ، فإن بعثت إليك يهود، يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.

فوقع ذلك من القوم.

و خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي و عشيرتي، و أحب الناس إلي، و لا أراكم تتهموني.

قالوا: صدقت.

قال: فاكتموا عليّ.

قالوا: نفعل.

ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، و حذرهم مثل ما حذرهم.

فأرسل أبو سفيان (1)، و رؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي


1) و ذكرت بعض المصادر: أن اليهود هم الذين أرسلوا عزال بن سموأل يطلبون التواعد على الزحف بشرط اعطائهم رهائن من أشرافهم سبعين رجلا، فلم يرجعوا إليهم بجواب. أضافت بعض المصادر: أن نعيما عاد إلى بني قريظة و أخبرهم: أن أبا سفيان قال بعد أن ولى عزال: لو طلبوا مني عناقا ما رهنتها، راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 543 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 237 و المغازي للواقدي ج 2 ص 482 و 485 و السيرة الحليبة ج 2 ص 325 و 326.

جهل في نفر من قريش و غطفان، فقال لهم:

إنا لسنا بدار مقام، و قد هلك الخف و الحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، و نفرغ مما بيننا و بينه.

فأرسلوا إليه: أن اليوم يوم السبت و هو يوم لا نعمل فيه شيئا (و كان قد أحدث فيه بعض الناس شيئا فأصابه ما لم يخف عليكم) و مع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم (سبعين رجلا) ، يكونون بأيدينا ثقة حتى نناجز محمدا، فإننا نخشى-إن ضرستكم الحرب، و اشتد عليكم القتال-أن تشمروا إلى بلادكم، و تتركونا و الرجل في بلدنا، و لا طاقة لنا بذلك من محمد.

و أرسلت غطفان مسعود بن رخيلة في رجال بمثل ما راسلهم به أبو سفيان. .

فلما رجعت الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش و غطفان: و اللّه، إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق.

فأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا و اللّه ما ندفع إليكم رجلا واحدا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا (1).


1) و يذكر الواقدي: أن الزبير بن باطا قد نصحهم بعدم طلب الرهن من قريش، لأنها لا تعطيهم إياه، و هم أكثر عددا و معهم كراع و لا كراع مع بني قريظة «و هم يقدرون على الهرب و نحن لا نقدر عليه، و هذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة، فأبى أن يعطيهم إلا السيف» فلم يوافق الزبير أحد من قومه، فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان الخ. . راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 543 و 544.

فقالت بنو قريظة حين أدت إليهم الرسل: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، و إن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، و خلوا بينكم و بين الرجل. فأرسلوا إلى القوم: إنا-و اللّه-لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا.

قالوا: و تكررت رسل قريش و غطفان إلى بني قريظة، و هم يردون عليهم بما تقدم، فيئس هؤلاء من نصر هؤلاء. و تخاذل القوم، و اتهم بعضهم بعضا. و ذلك في زمن شات، و ليال باردة، كثيرة الرياح، تطرح أبنيتهم، و تكفأ قدورهم الخ. .

و لما طالب أبو سفيان حيي بن أخطب بالأمر، حاول حيي أن يقنع بني قريظة بالعدول عن ذلك، فلم يفلح (1).


1) تجارب الأمم ج 1 ص 150-152 و المغازي للواقدي ج 2 ص 481-484 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 541-545، و تجد هذه القضية بتلخيص أو بدونه في المصادر التالية: الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 236 -238 و البداية و النهاية ج 2 ص 111 و 112 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 242 و 243 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 240-242 و تفسير القمي ج 2 ص 181 و 182 و 185 و 186 و بحار الأنوار ج 20 ص 23 و 224 و 228 و 229 و 207 و 208 و مجمع البيان ج 8 ص 344 و نهاية الأرب ج 17 ص 175-177 و تاريخ الخميس ج 1 ص 490 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 2 ص 30 و 31 و عيون الأثر ج 2 ص 64 و 65 و حبيب السير ج 1 ص 363 و جوامع السيرة النبوية ص 151 و 152 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 172-174 و شرح الأخبار ج 1 ص 297-299 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214-216 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 241 و 242 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324 و فتح الباري ج 7 ص 309 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 194-196 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 446-219 و 220 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 267-271.

و رواية القمي: تختلف عن هذه الرواية فلتراجع (1).

و نقول: كان ما تقدم هو النص الذي يذكره أكثر المؤرخين مطولا أو ملخصا، لهذه القضية. و تساورنا شكوك حول صحة ذلك، و نرى أن ما جرى لم يكن بهذا الشكل، و ذلك بالنظر إلى الأمور التالية:

أولا: يقول البعض عن دور نعيم: «يمكن أن يكون في ذلك مبالغة، لأن القصة تروى عن نعيم نفسه، بواسطة رواة أشجع» (2).

ثانيا: بالنسبة لطلب الرهائن تقول رواية نعيم بن مسعود: إن ذلك قد كان بعد نقض بني قريظة للعهد مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعد أن طال الحصار على قريش، و بإيحاء من نعيم بن مسعود بالذات.


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 182 و البحار ج 20 ص 224 و فيه أن نعيم بن مسعود حرض أبا سفيان على طلب الرهن من بني قريظة، عشرة رجال من أشرافهم.

2) محمد في المدينة ص 139.

لكن هناك نص يقول: إنهم قد طلبوا الرهائن حين كلمهم حيي بن أخطب في نقض العهد، فإنهم طلبوا منه: أن يأخذ لهم رهائن من قريش و غطفان تكون عندهم، تسعين رجلا من أشرافهم (1)، و ذلك قبل إسلام نعيم.

و قد حاول البعض: أن يحل هذا الإشكال، فقال: «قد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش و غطفان بعثوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة» (2).

و هو حل غير مقبول: لأنهم بعد أن يئسوا من انتظام أمرهم مع المشركين، و صيرورتهم في الموقف الأضعف، و أصبحوا يخشون على أنفسهم من مغبة غدرهم، و عواقب خيانتهم و ما جنته أيديهم، لم يكونوا ليجرؤوا على اشتراط إرجاع بني النضير إلى أراضيهم.

أضف إلى ذلك: أن هذا الاحتمال الذي ذكره ابن كثير لا يحل إشكال أن يكون طلب الرهائن قبل إسلام نعيم. حسبما أوضحناه.

ثالثا: إننا لا نكاد نصدق دعوى نعيم: أن قريظة قد أرسلت بحضوره إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» تعده بأخذ سبعين، أو تسعين رهينة من أشراف قريش و غطفان ليقتلهم.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و البداية و النهاية ج 4 ص 113 و 103 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 113.

إذ إن نعيم بن مسعود نفسه كان من غطفان، فهل يجهر بنو قريظة أمام غطفاني-مهما كانت درجة إخلاصه لهم-بأنهم يريدون أخذ أشراف قومه ليسلموهم إلى القتل؟ ! .

و هل يمكن أن يصدقه المشركون: أنه قد سمع ذلك حقا من بني قريظة؟ ! .

رابعا: لو صحت قصة نعيم على النحو المذكور آنفا، لكان يجب أن نتوقع من حيي بن أخطب موقفا آخر من بني قريظة. فيتملص من تعهداته لهم، و لا يسلم نفسه إلى القتل بدخوله معهم في حصنهم بعد رحيل قريش، لأن لديه حجة واضحة، و هي أن الإخلال و إفشال ما جمعه من كيد إنما من قبل بني قريظة أنفسهم، فإنهم هم الذين أخلّوا بتعهداتهم تجاه قريش، و ليس العكس.

خامسا: هناك العديد من الروايات التي تؤكد على أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الذي أفسد العلاقة بين قريش و المشركين من جهة، و بين بني قريظة من جهة أخرى. و ليس نعيم بن مسعود بل كان هو الآخر غافلا عن حقيقة التدبير النبوي في هذا المجال.

و النصوص المشار إليها هي التالية:

1-قال ابن عقبة: إن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مرّ بالقرب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات يوم عشاء، فأشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» أن تعال، فجاء، فقال: ما وراءك؟ ! .

فقال: إنه قد بعثت قريش و غطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فينا جزوك.

فقالت قريظة: نعم، فأرسلوا إلينا بالرهن.

قال: فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني مسر إليك شيئا فلا تذكره.

قال: «إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح، و أرد بني النضير إلى دورهم و أموالهم» . و إنما قال له «صلى اللّه عليه و آله» ذلك على سبيل الخدعة الجائزة في الحرب.

فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان.

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الحرب خدعة. و عسى أن يصنع لنا.

فأتى نعيم غطفان و قريشا فأعلمهم؛ فبادر القوم و أرسلوا إلى بني قريظة عكرمة و جماعة معه-فاتفق ذلك ليلة السبت-يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم، فاعتلت اليهود بالسبت. ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة، فأوقع اللّه بينهم و اختلفوا (1).

و نعتقد: أن هذه الرواية هي الأقرب إلى الصواب، و يشهد لذلك ما يلي:

2-قال القمي: إنه لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» نقض بني قريظة للعهد، قال «لعناء، نحن أمرناهم بذلك. و ذلك أنه كان على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عيون لقريش، يتجسسون خبره» (2).


1) البداية و النهاية ج 4 ص 113 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 216 و 217 و راجع: الأمالي للشيخ الطوسي ص 267 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 و 405 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 541 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10.

2) تفسير القمي ج 2 ص 186 و بحار الأنوار ج 20 ص 223 عنه.

3-عن علي «عليه السلام» قال: الحرب خدعة. إذ حدثتكم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حديثا، فو اللّه، لأن أخرّ من السماء أو تخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و إذ حدثتكم عني، فإن الحرب خدعة.

فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلغه: أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان: أنكم إذا التقيتم أنتم و محمد «صلى اللّه عليه و آله» أمددناكم و أعنّاكم.

فقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فخطبنا فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا: أنّا إذا التقينا نحن و أبو سفيان أمددونا و أعانونا.

فبلغ ذلك أبا سفيان، فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم (1).

4-عن عائشة: كان نعيم رجلا نموما، فدعاه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إن يهود قد بعثت إليّ: إن كان يرضيك عنا: أن نأخذ رجالا رهنا من قريش و غطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك فتقتلهم، فخرج من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتاهم، فأخبرهم بذلك.

فلما ولى نعيم، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنما الحرب خدعة (2).

5-و يروي الواقدي عن أبي كعب القرظي: أنه لما جاء حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد يريده على نقض العهد قال له: لا تقاتل حتى تأخذ سبعين رجلا من قريش و غطفان رهانا عندكم.


1) راجع: قرب الإسناد ص 63 و البحار ج 20 ص 246 عنه و ج 100 ص 31 و الوسائل ج 11 ص 102 و 103.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 447 و فتح الباري ج 7 ص 309.

و ذلك من حيي خديعة لكعب حتى ينقض العهد. و عرف أنه إذا نقض العهد لحم الأمر، و لم يخبر حيي قريشا بالذي قال لبني قريظة، فلما جاءهم عكرمة يطلب منهم أن يخرجوا معه البست (أي يوم السبت) ، قالوا: لا نكسر البست، و لكن يوم الأحد. و لا نخرج حتى تعطونا الرهان.

فقال عكرمة: أي رهان؟ !

قال كعب: الذي شرطتم لنا.

قال: و من شرطها لكم؟ .

قالوا: حيي بن أخطب.

فأخبر أبا سفيان ذلك، فقال: يا يهودي، نحن قلنا لك كذا و كذا؟

قال: لا، و التوراة ما قلت ذلك.

قال أبو سفيان: بل هو الغدر من حيي.

فجعل حيي يحلف بالتوراة ما قال ذلك (1).

و في نص آخر: قال كعب: يا حيي، لا نخرج حتى نأخذ من كل أصحابك من كل بطن سبعين رجلا رهنا في أيدينا.

فذكر ذلك حيي لقريش و لغطفان، و قيس. ففعلوا، و عقدوا بينهم عقدا بذلك حتى شق كعب الكتاب.

فلما أرسلت إليه قريش تستنصره قال: الرهن، فأنكروا ذلك و اختلفوا (2).


1) المغازي ج 2 ص 485 و 486 و ذكر ابن عقبة أيضا ما فعله عكرمة راجع السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199.

2) المغازي ج 2 ص 486 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 301

6-قال نص آخر ما ملخصه: حدثني معمر، عن الزهري: أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان: أن ائتوا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود، و كان موادعا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» فأقبل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : فلعلنا أمرناهم بذلك.

فقام نعيم بكلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، فلما ولىّ من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذاهبا إلى غطفان، قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، ما هذا الذي قلت؟ إن كان هذا الأمر من اللّه تعالى فأمضه، و إن كان هذا رأيا من قبل نفسك، فإن شأن بني قريظة هو أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : بل هو رأي رأيته، الحرب خدعة. ثم أرسل «صلى اللّه عليه و آله» في أثر نعيم فدعاه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» له: أرأيت الذي سمعتني قلت آنفا؟ اسكت عنه، فلا تذكره فإنما أغراه.

فانصرف من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى عيينة و من معه من غطفان، فقال لهم: هل علمتم محمدا قال شيئا قط إلا كان حقا؟ !

قالوا: لا. قال: فإنه قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة: «فلعلنا نحن أمرناهم بذلك» ثم نهاني أذكره لكم.

فأخبر عيينة بن حصن أبا سفيان بذلك، فقال: إنما نحن في مكر بني قريظة.

فقال أبو سفيان: نرسل إليهم الآن فنسألهم الرهن، فإن دفعوا الرهن إلينا، فقد صدقونا، و إن أبوا ذلك فنحن منهم في مكر.

فأرسلوا إليهم يطلبون الرهن ليلة السبت، فامتنعوا من إعطائه لأجل السبت.

فقال أبو سفيان و رؤوس الأحزاب: هذا مكر بني قريظة، فارتحلوا فقد طالت إقامتكم، فأذنوا بالرحيل، و بعث اللّه تعالى عليهم الريح، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله. فارتحلوا، فولوا منهزمين.

و يقال: إن حيي بن أخطب قال لأبي سفيان: أنا آخذ لك من بني قريظة سبعين رجلا رهنا عندك حتى يخرجوا فيقاتلوا، فهم أعرف بقتال محمد و أصحابه، فكان هذا الذي قال: إن أبا سفيان طلب الرهن.

قال ابن واقد: و أثبت الأشياء عندنا قول نعيم الأول (1).

و نقول: إننا نلاحظ: أن هذه الرواية، و كذلك رواية جعل ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن، تظهر: أن سعد بن معاذ و عمر بن الخطاب، يعتقدان أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتصرف أحيانا انطلاقا من هدى الوحي، و وفق التدبير و التسديد الإلهي، و يتصرف أحيانا أخرى إنطلاقا من رأيه الشخصي، و وفقا لهواه الذي قد يصيب و قد يخطئ. و هذا بالذات هو ما عبر عنه عمر بن الخطاب هنا.

ثم أظهرت هذه الرواية و تلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعترف هو نفسه بهذا الأمر و قرره بصراحة و وضوح.

مع أن نبينا الأكرم أجل من أن يتصرف أو يتكلم بوحي من الهوى و بغير إذن من اللّه سبحانه. و لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق و الصدق، و الهدى، و لا شيء غير ذلك.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 486 و 487 و المصنف ج 5 ص 368 و 369 و كنز العمال ج 10 ص 292 و 293 عن ابن جرير.

و ملاحظة أخرى نسجلها على هذه الرواية و هي: أن نعيم بن مسعود قد أخبر عيينة بن حصن و من معه من غطفان بمقالة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بالطريقة التي لا بد أن يعرفوا منها: أن نعيما هو الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما أرسلت به قريظة إليهم. و هو ينطوي على مخاطرة واضحة حين يكتشف عيينة و غطفان أن نعيما قد خانهم و أفشى سرهم، و لن يسكتوا عن هذا الأمر أبدا.

إلا أن يكون الرواي قد نقل أصل الحدث ذاهلا عن الصياغة الحقيقية التي أظهرها نعيم لقومه.

اللمحات الأخيرة:

1-قد يظهر من بعض النصوص المتقدمة: أن نعيم بن مسعود كان يتجسس للمشركين. و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بأمره، فاختاره «صلى اللّه عليه و آله» ليلقي إليه قوله ذاك الذي انتهى بتخذيل الأحزاب، و شكهم ببعضهم البعض.

2-ثم إن لنا تحفظا آخر هنا: و هو أن تسليم سبعين رهينة من أشراف قريش و غطفان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليقتلهم، إنما يعني أن يستقل اليهود من بني قريظة بعداوة الأحزاب و كل من له بهم صلة أو هوى في المنطقة بأسرها، و لا طاقة لليهود بهؤلاء جميعا. بل إن ذلك يحمل معه أخطار إبادتهم عن بكرة أبيهم. فكيف يمكن أن يصدق المشركون أن يقدم اليهود على أمر كهذا؟ ! .

و هذا يعني: أن ما ذكرته النصوص الأخرى المتقدمة أقرب إلى الصواب.

و أولى بالاعتبار.

3-و قد تقدم في الجزء السابق: أن نعيم بن مسعود و حسان بن ثابت قد أظهرا تعاطفا واضحا مع بني النضير حينما أجلاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتصدى لهما أبو عبس ورد عليهم بقوة (1)، فراجع.

و قد يستفيد البعض من ذلك: أن نعيم بن مسعود كان حينئذ مسلما.

فما معنى قولهم هنا: إنه قد أسلم في غزوة الخندق؟ ! .

التبرير بلا مبرر:

و يقول البعض: «كان لوحدة الصف الإسلامي، و انضباط المسلمين و وقوفهم صفا واحدا خلف قائدهم أثر كبير في تطور الموقف و نتائجه، سيما و أن خصومهم كانوا على نقيض ذلك. و هذا ما سهل كثيرا مهمة الدبلوماسية الإسلامية، التي اعتمدت اعتمادا رئيسيا على هذه الناحية، فنجحت في تفريق صفوف الأحزاب، و تشتيت شملهم» (2).

و نقول: إن هذا الكاتب قد نسي: المتخاذلين و المنافقين، الذين كانوا يتسللون لواذا، و يتركون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحتجون لانسحابهم من المعركة بحجج واهية. و كان لهم دور رئيس في تخذيل الناس، و بث الرعب و الخوف في نفوس الكثيرين منهم.

و نسي أيضا: تخاذلهم عن عمرو بن عبدود و رفاقه، و هم أقل عددا من


1) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 375.

2) الرسول العربي و فن الحرب ص 256.

أصابع اليد الواحدة.

نعم. . . لقد نسي ذلك، و جاء ليدعي أن الصف الإسلامي كان على غاية من القوة و التماسك خلف قائده. مع أنهم يذكرون-كما تقدم و سيأتي إن شاء اللّه-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بقي في ثلاث مئة من أصحابه.

بل ذكرت بعض النصوص: أنه لم يبق معه سوى اثني عشر رجلا فقط.

كما أن هذا الكاتب لم يعرف: أن نعيم بن مسعود لم يكن هو بطل القصة. بل كان المحرك و المحور الأساس فيها هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه حسبما أوضحناه آنفا.

الشائعات و الحرب النفسية:

قد روي عن علي «عليه السلام» ، أنه قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول يوم الخندق: الحرب خدعة، و يقول: تكلموا بما أردتم (1).

و قد اتضح مما تقدم أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعمل على إيقاع الشك و الريب فيما بين الأحزاب بالطريقة الإعلامية الذكية و الواعية، حتى تحقق له «صلى اللّه عليه و آله» ما أراد، و استطاع من خلال ذلك أن يفشل كل مخططاتهم، و يبطل كل ما بذلوه من جهد وكيد.

و قد تجلت لنا من خلال ذلك أهمية الإعلام الحربي الموجه، و أنه قد يهزم الجيوش، و يثل العروش، إذا كان هادفا و واعيا و ذكيا.


1) وسائل الشيعة ج 11 ص 102 و في هامشه عن التهذيب ج 2 ص 53.

الدعاء و الابتهال:

لقد دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الأحزاب، فاستجاب اللّه تعالى له.

يقول المؤرخون و المحدثون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أتى مسجد الأحزاب يوم الإثنين، و الثلاثاء، و الأربعاء؛ فدعا عليهم يوم الأربعاء بين الصلاتين، قال جابر: فعرفنا البشر في وجهه (1).

و في نص آخر: انتظر «صلى اللّه عليه و آله» حتى زالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، و اسألوا اللّه العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، و اعلموا: أن الجنة تحت ظلال السيوف (2).

ثم قال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، و انصرنا عليهم و زلزلهم (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 540 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 490 و 491 و إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 100 و الكافي (ط دار الاضواء) ج 8 ص 233 و البحار ج 20 ص 268 و 269 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و المغازي للواقدي ج 2 ص 487 و السيرة الحلبية ج 2 ص 324 و فيه: «الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء محمولة على آخر أربعاء في الشهر» .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 540 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و السيرة الحلبية ج 2 ص 323.

3) راجع المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 541 و البداية و النهاية ج 4 ص 111 عن الصحيحين، و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و السيرة الحلبية ج 2 ص 323 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 109 و 110(ط مؤسسة آل البيت) ، و الجعفريات ص 218 و تيسير المطالب ص 246

و عن ابن المسيب: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما اشتد عليهم الحصار قال: «اللهم إني أنشدك عهدك و وعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد» (1).

و عند الراوندي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» صعد مسجد الفتح، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض بعدها، فبعث اللّه ريحا قلعت خيم المشركين الخ. .

إلى أن قال: ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره، فصاح بحذيفة بن اليمان، و كان قد ناداه قريبا ثلاثا الخ. .

ثم ذكر إرساله لكشف خبرهم (2).

و قد ذكرت أدعية أخرى عديدة له «صلى اللّه عليه و آله» في يوم

(3) و بحار الأنوار ج 20 ص 272 و بهجة المحافل ج 1 ص 268 و صحيح مسلم ج 5 ص 143. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 250 و المغازي للواقدي ج 2 ص 487 و تاريخ الخميس ج 1 ص 490، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 456 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 و كنز العمال ج 10 ص 285.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 541 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 403 و 404 و أنساب الأشراف ج 1 ص 345 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 200 و المغازي للواقدي ج 2 ص 477 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 367.

2) الخرائج و الجرائح ج 1 156 و البحار ج 20 ص 248 و راجع: ص 230 و تفسير القمي ج 2 ص 186 و غير ذلك.

الأحزاب فلتراجع في مصادرها (1).

و لعله «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا بذلك كله في مواقف مختلفة.

و آخر ما نذكره نحن هنا: ما عن الخدري قال: قلنا: يا رسول اللّه، هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر.

قال: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، و آمن روعاتنا.

قال: فصرف اللّه تعالى ذلك (2).

و نقول: إن لنا هنا وقفات: إحداها: أن رواية عبد اللّه بن أبي أوفى المتقدمة موضع ريب و شك، لأن المسلمين لم يتمنوا لقاء العدو آنئذ، بل كان الحال يزداد شدة و صعوبة عليهم يوما بعد يوم. و كان الخوف مسيطرا على الكثيرين، فإن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال كلاما من هذا النوع، فلا بد أن يكون قد قاله في مناسبة أخرى، غير مناسبة الخندق.

أضف إلى ذلك: أننا نستبعد كثيرا: أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع بحار الأنوار ج 91 ص 212 و 213 و مهج الدعوات ص 70 و 71 و الوسائل ج 10 ص 276 و 277.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 541 و البداية و النهاية ج 4 ص 111 عن أحمد، و ابن أبي حاتم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 491 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 213 و السيرة الحلبية ج 2 ص 323 و فتح الباري ج 7 ص 309.

كلاما من هذا النوع، و ذلك لما يحمل في طياته من تضعيف و تخذيل لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليقدم عليه في حالات الحرب.

الثانية: إننا نجد النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يلتجئ للصلاة و للدعاء، و يوجه الناس إلى اللّه سبحانه في هذه الظروف الحرجة، التي يكون فيها الإنسان أكثر من أي وقت مضى مؤهلا للتفاعل مع الحالات الروحية.

يساعد على ذلك أنه في هذه الظروف بالذات تكون نظرته إلى الأمور واقعية و سليمة، لا تشوبها نوازع نفسية، و لا أهواء و لا غيرها مما من شأنه أن يضخم الأمور له، أو يمنعه من رؤيتها على حقيقتها.

و ذلك لأنه حين تصبح القضية لها مساس بمصيره و بحياته، فإنه لا بد له من أن يحدق بها، و يكشف كل خباياها و خفاياها، و تتبلور فيه حساسية خاصة تجاه أية بادرة يلاحظها، إذا كانت تصب في نفس الاتجاه الذي يسير فيه، أو تؤثر على الواقع الذي يتعامل معه، سلبا كان ذلك التأثير أو إيجابا.

و إذا كان ثمة ارتباط في هذه الناحية بالذات بالغيب، و باللّه سبحانه على الخصوص، فإن التأثير يصبح أكثر عمقا و أصالة و شمولية، لأنه يرتكز على الناحية العقيدية و الإيمانية و الشعورية و مداها، قبل أن يدخل في الحسابات المادية و في نطاقها.

فإذا كانت الناحية الإيمانية تقوم على أساس فكري راسخ و تستند إلى القناعة من خلال الدليل الصحيح و القاطع، فإنها تستمد حينئذ من اللامحدود، و تستند إلى المطلق، الذي يملك القدرة على استيعاب المحدود، مهما كانت قوته، و مهما اشتد و تعاظم خطره.

الثالثة: من الواضح أن التربية الروحية بحاجة إلى القول و إلى العمل، فإن ذلك يفيد في نيل درجات القرب، و يؤثر أيضا في التصفية و التزكية، بما توحي به الكلمة من معان، و تنشره من ظلال روحية، و تثيره من نسمات إيمانية أنيسة و دافئة.

كما أن العمل العبادي بما يمثله من تجسيد للحالة الروحية و النفسية يستطيع أن يرسخ الوعي في المشاعر و في الخواطر، فتثير لديه وعيا جديدا، و أملا وليدا.

الريح و الملائكة:

قد عرفنا فيما تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا على الأحزاب، في مسجد الأحزاب، يوم الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء.

1-قالوا: فلما كان ليلة السبت بعث اللّه الريح على الأحزاب، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله، و لا يقر لهم قدر و لا بناء.

و قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل. و كذلك فعل ليلة قتل كعب بن الأشرف، و كان إذا حزبه أمر أكثر من الصلاة (1)، و كان ذلك في أيام شاتية (2)، و برد شديد (3).


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 238 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 488 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 و حبيب السير ج 1 ص 364.

2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135.

3) الجامع للقيرواني ص 281.

و قال البعض: أرسل اللّه تعالى الريح، فهتكت القباب، و كفأت القدور، و دفنت الرجل، و قطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، و أنزل اللّه الخ. .» (1).

و كانت الريح التي أرسلها اللّه سبحانه عليهم هي ريح الصبا، فأكفأت قدورهم، و طرحت آنيتهم، و نزعت فساطيطهم (2).

و في نص آخر: بعث اللّه عليهم ريحا و ظلمة، فانصرفوا هاربين لا يلوون على شيء، حتى ركب أبو سفيان ناقته و هي معقولة. فلما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، قال: عوجل الشيخ (3).

و يقول نص آخر: «كان اللّه عز و جل قبل رحيلهم قد بعث عليهم بالريح بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق اللّه لهم بيتا يقوم، و لا رمحا، حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم و لا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا (4)و الريح أشد ما كانت، معها جنود اللّه لا ترى، كما قال اللّه عز و جل الخ. . (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 545 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 326 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و 12.

2) راجع: البحار ج 20 ص 192 عن مجمع البيان ج 8 ص 339 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و تاريخ الخميس ج 1 ص 491 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و راجع: الخرائج و الجرائح (منشورات مصطفوي) ص 152 و البحار. ج 20 ص 249.

4) أقشعوا: تفرقوا.

5) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406.

و لكن هذا النص الأخير: لا ينسجم مع ما تقدم، و ما سيأتي في حديث حذيفة أيضا: من أن إرسال الريح عليهم إنما كان بعد دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، و ذلك بعد قتل عمرو بن عبدود، و أن ذلك لم يدم إلا مدة يسيرة انتهت بفرارهم. بل لقد أخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الأحزاب بالريح، كما صرحت به النصوص.

كما أننا لا نرى مبررا لأن يصمدوا أمام هذه الريح العاتية هذه المدة الطويلة.

و النصوص التاريخية حول ما صنعته الريح بهم كثيرة، و سيأتي في حديث حذيفة المزيد.

أما بالنسبة: لإرسال الملائكة، فإن النصوص فيه أيضا كثيرة.

و يذكر المفسرون: أن آية قرآنية قد ذكرت إرسال الريح و الملائكة على الأحزاب، و هي قوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جٰاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (1).

و يظهر من بعض النصوص: أن ما فعلته الريح هو نفس ما فعلته الملائكة، و أن حركة الريح هي حركة الملائكة بالذات، فهو يقول:

و كثر يومئذ تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، و كانوا ألفا. و لم تقاتل يومئذ، و سمعوا قعقة السلاح، و لكن قلعت الأوتاد، و قطعت أطناب الفساطيط، و أطفأت النيران، و أكفأت القدور، و جالت الخيل بعضها في


1) الآية 9 من سورة الأحزاب.

بعض، و قذف اللّه في قلوبهم الرعب، فارتحلوا، و تركوا ما استثقلوه من متاعهم (1).

1-و قيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، بل كانوا يشجعون المؤمنين، و يجبنون الكافرين (2).

2-في رواية: أن الملائكة قطعت أوتاد الخيام، و أطفات نيرانهم، و رأى الجيش أنه لا خلاص لهم إلا بالفرار (3).

3-قال البعض: و كثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاة النجاة، أتيتم (4)، لما بعث اللّه عليهم من الرعب.

4-قال البلاذري: «و غشيتهم الملائكة تطمس أبصارهم» (5).

5-قيل إنما بعث اللّه الملائكة تزجر خيل العدو و إبلهم، فقطعوا مدة ثلاثة أيام في يوم واحد فارين منهزمين (6).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 491 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 عن ابن ظفر في الينبوع، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و المواهب اللدنية ج 1 ص 114 و راجع: سعد السعود ص 138.

2) مجمع البيان ج 8 ص 339 و البحار ج 20 ص 192 و تاريخ الخميس ج 1 ص 491.

3) حبيب السير ج 1 ص 364.

4) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 296 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 546 و لم يذكر الملائكة. و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و سعد السعود ص 138.

5) أنساب الأشراف ص 345 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 546.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 546.

6-جاءت الملائكة، فقالت: يا رسول اللّه، إن اللّه قد أمرنا بالطاعة لك، فمرنا بما شئت.

فقال: زعزعي المشركين و أرعبيهم، و كوني (و كونوا) من ورائهم. . . أي فهي قد نفثت الرعب في قلوبهم (1).

7-و قالوا: إن الملائكة لم تقاتل يومئذ (2).

مهمة حذيفة بن اليمان:

و بعد أن بقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» في اثني عشر رجلا (3)-أو في ثلاث مئة رجل-كما في روايات أخرى عن حذيفة-يحدثنا حذيفة عن تلك الليلة التي قام الرسول فيها على التل، الذي عليه مسجد الفتح-في ليلة ظلماء ذات قرة (4).

و كان المسلمون صافين قعودا، و الأحزاب فوقهم، و قريظة أسفل منهم، يخافونهم على ذراريهم. و نحن نلخص كلامه هنا، فقد قال:


1) راجع: الخرائج و الجرائح ج 1 ص 156 و 157 و البحار ج 20 ص 248 و راجع ص 230 و تفسير القمي ج 2 ص 186 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و السيرة الحليبة ج 2 ص 10 و 326.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 545 عن البيهقي، و السيرة الحلبية ج 2 ص 326 و راجع السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10.

3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 31 و تلخيصه للذهبي بهامشه.

4) إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 101 و الكافي ج 8 ص 278 و البحار ج 20 ص 268 و راجع ص 230 و تفسير القمي ج 2 ص 186.

ما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، و لا أشد ريحا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق و هي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون رسول اللّه، و يقولون: إِنَّ بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ وَ مٰا هِيَ بِعَوْرَةٍ (1). فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون، و نحن ثلاث مئة، أو نحو ذلك.

فطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأتيه أحدهم بخبر القوم، ثلاث مرات، فلم يجبه أحد من شدة الجوع و القر و الخوف، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، ابعث حذيفة.

فلما كلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» حذيفة تقاصر إلى الأرض، كراهية أن يقوم، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بالقيام، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم.

و في نص آخر: إن اللّه قد أخبرني: أنه قد أرسل الرياح على قريش فهزمهم.

فشكى إليه البرد، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : لا بأس عليك من حر و لا برد حتى ترجع إلي.

فذكر له أنه يخاف الأسر و التمثيل به فقال: إنك لن تؤسر، فخرج حذيفة، فدعا له النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فذهب الفزع، و البرد عنه.

قال حذيفة: فمضيت كأنما أمشي في حمام (2). فلما وليت دعاني، فقال: يا


1) الآية 13 من سورة الأحزاب.

2) في تفسير القمي ج 2 ص 187 و البحار ج 20 ص 231: أنه بعد أن اجتاز الخندق شعر كأنه يمشي في حمام. و راجع: الخرائج و الجرائح ج 1 ص 157.

حذيفة، لا تحدثن في شيء حتى تأتيني.

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: أئت قريشا، فقل: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا: أين قريش؟ أين قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ فيقدموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم.

ثم ائت بني كنانة، فقل: «و علمه ما يشبه الكلام السابق لقريش، و كذا الحال بالنسبة لقيس» .

فذهب حذيفة فلما دنا منهم رأى أدهم ضخما عند نار توقد، و حوله عصبة، و قد تفرق الأحزاب عنه، و هو يقول: الرحيل الرحيل.

و لم يكن حذيفة يعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزع سهما ليرميه. فذكر وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، فأمسك.

قال: فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. فضربت بيدي على يد الذي عن يمني، فأخذت بيده، فقلت: من أنت؟ !

قال: معاوية بن أبي سفيان. ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي، فقلت: من أنت؟

قال: عمرو بن العاص.

و في نص آخر: سهيل بن عمرو.

و في آخر: سبحان اللّه أما تعرفني؟ ! أنا فلان بن فلان، فإذا رجل من هوازن.

و عند الراوندي: خالد بن الوليد. فعلت ذلك خشية أن يفطن بي،

فبدرتهم بالمسألة.

ثم تلبثت فيهم هنيهة، و أتيت بني كنانة و قيسا، و قلت ما أمرني به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم دخلت في العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر. و نادى عامر بن علقمة: يا بني عامر، إن الريح قاتلي و أنا على ظهر، و أخذتهم ريح شديدة. و صاح بأصحابه.

فلما رأى ذلك أصحابه جعلوا يقولون: يا بني عامر، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم.

و إذا الريح في عسكر المشركين ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو اللّه إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، و فرشهم، و الريح تضربها، فلما دنا الصبح نادوا أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟ .

فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة.

فقالوا: أين كنانة؟ .

فقالوا: أيهات هذا الذي أتينا به البارحة.

أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ .

فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة.

فلما رأى ذلك أبو سفيان، أمرهم بأن يتحملوا، فتحملوا، و إن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم. حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول فجعل يستحثه و لا يستطيع أن يقوم حتى حل بعد.

فعاد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما انتصف به الطريق التقى بعشرين فارسا، أو بفارسين فقط، فقالا: أخبر صاحبك: أن اللّه تعالى كفاه

القوم بالجنود و الريح.

فرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فوجده يصلي، و عاد إليه البرد و القر، فسدل عليه فضل شملته فنام، ثم أخبره: أنه تركهم يرحلون.

و ذكر ابن سعد: أن عمرو بن العاص و خالد بن الواليد أقاما في ماءتي فارس ساقة للعسكر، وردءا لهم، مخافة الطلب (1).

نص آخر لقضية حذيفة:

إننا نذكر نصا مختصرا آخر لقضية حذيفة، ثم نحيل القارئ إلى المصادر التي ذكرت هذه القضية بتفصيل أو بإجمال ليراجعها من أراد الاستقصاء و المقارنة.

فنقول: بعد أن ذكر المؤرخون ما قام به نعيم بن مسعود من كيد بين قريظة، و قريش و غطفان-و إن كنا نحن قد سجلنا فيما سبق تحفظات قوية عليه- قالوا:

«و تخاذل القوم، و اتهم بعضهم بعضا، و ذلك في زمن شات، و ليال باردة كثيرة الرياح، تطرح أبنيتهم، و تكفأ قدورهم. و ضاق ذرع القوم، و بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اختلاف القوم، و ما هم فيه من


1) راجع هذا النص الذي حاولنا تلخيصه في: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 547- 549 عن الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البيهقي، و أبي نعيم في دلائلهما، و مسلم، و ابن عساكر، و ابن إسحاق، و ستأتي بقية المصادر في الهامش الذي بعد التالي، و كنز العمال ج 10 ص 282 و 283.

الجهد، فدعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا.

قال حذيفة: فذهبت فرأيت من الرياح أمرا هائلا، لا يقر لهم نارا و لا بناء.

فقام أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ جليسه.

قال: فبادرت و أخذت بيد الرجل الذي إلى جانبي، فقلت: من أنت؟ !

قال: أنا فلان بن فلان.

ثم قال أبو سفيان: إنكم يا قوم ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع و الخف، و أخلفتنا بنو قريظة، و بلغنا عنهم ما نكره، و لقينا من الجهد و الشدة، و هذه الريح ما ترون، فارتحلوا، فإني مرتحل (1).

ثم قام إلى جمله، و قام الناس معه.

في نص آخر: «قام إلى جمله و هو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم» .

و سمعت غطفان بما فعلت قريش، فانصرفوا إلى بلادهم.

و تفرق ذلك الجمع من غير قتال، إلا ما كان من عدة يسيرة، اتفقوا على الهجوم الخ. .

ثم ذكر قتل علي «عليه السلام» لعمرو. . . ثم قال: و انتقض ذلك الجمع و التدبير كله (2).


1) و في نص آخر أنه قال: «إن كنا نقاتل أهل الأرض فنحن بالقدرة عليه، و إن كنا نقاتل أهل السماء كما يقول محمد، فلا طاقة لنا بأهل السماء الخ. .» الخرائج و الجرائح ص 157 و البحار ج 2 ص 248 عنه.

2) تجارب الأمم ج 2 ص 152 و 153. و حديث حذيفة هذا موجود بإيجاز أو بتفصيل في المصادر التالية: إمتاع الأسماع ج 1 ص 239 و الكامل في التاريخ ج 2

و ذكرت المصادر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نادى حذيفة مرتين، فلم يجبه، و أجابه في الثالثة.

فقال له: تسمع صوتي و لا تجيبني؟ ! فاعتذر عن عدم إجابته بالخوف و البرد و الجوع (1).


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 187 و البحار ج 20 ص 230 و الخرايج و الجرائح ج 1 ص 157 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 226 و المغازي للواقدي ج 2 ص 489 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و 11 و لم تصرح المصادر الثلاثة الأخيرة بأنه «صلى اللّه عليه و آله» ناداه باسمه ثلاث مرات، و كذا في المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 148 و 149 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 244 و البداية و النهاية ج 4 ص 133 و 144 و راجع: مجمع البيان ج 8 ص 244 و 245 و تاريخ الخميس 1 ص 491 و البحار ج 20 ص 208 و 209 و عيون الأثر ج 2 ص 65 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 174 و 175 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 242 و 243 و 249 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 217-219.

و ثمة نص آخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يبعث رجلا من أصحابه يعبر الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رجلا فطلب منه ذلك فاعتل، فتركه، و أتى آخر، فاعتل أيضا فتركه، و حذيفة يسمع، و لكنه صامت لا يتكلم، فأتاه «صلى اللّه عليه و آله» و هو لا يدري من هو، فسأله إن كان قد سمع ما جرى، فأجاب بالإيجاب، ثم اعتذر عن عدم مبادرته لإجابة طلبه «صلى اللّه عليه و آله» بالجوع و الضر. ثم أمره «صلى اللّه عليه و آله» بالذهاب الخ. . (1).

و نقول: إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة قضية حذيفة بما لها من خصوصيات و تفاصيل مذكورة آنفا، و إن كنا لا نمنع من أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسله لكشف خبر الأحزاب، فعاد إليه فأخبره بأنهم بدأوا بالرحيل. . .

و شكنا فيما عدا ذلك من تفاصيل و أحداث مزعومة، يستند إلى عدة أمور، نذكر منها:


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406 و 407.

أولا: أننا نجد حذيفة يذكر أنه رأى أبا سفيان في ضوء النار الموقدة، و هو يستدفئ بها مع أصحابه، و أراد أن يرميه بسهم، لولا أنه ذكر وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و قد رآه رجلا ضخما أدهم. . . فكان من الوضوح له أنه استطاع أن يميز لونه، و يعرف أنه أدهم.

و لكنه يأتي و يجلس بين نفس تلك العصبة التي حول أبي سفيان. و لا يستطيع أن يراه أحد من تلك العصبة، و لا أحس به، رغم وجود النار و النور. و رغم إحساس أبي سفيان بأن رجلا غريبا دخل بينهم. و إذا كانت الظلمة شديدة إلى هذا الحد، فكيف استطاع حذيفة أن يجد مكانه بينهم دون أن يصطدم و لو جزئيا بواحد منهم؟ ! .

و كيف استطاع حذيفة أن يرى العصبة و أبا سفيان، و يرى تفرق الأحزاب عنه، ثم لا يراه أحد، و لا يحس به أي منهم على الإطلاق؟ .

ثانيا: إذا كان أبو سفيان حين ورود حذيفة ينادي: الرحيل الرحيل، و كذلك كان عامر بن علقمة بن علاثة ينادي الرحيل الرحيل، لا مقام لكم، فما معنى أن يقوم حذيفة بدوره في تخذيلهم، وفق ما علمه الرسول إياه؟

ثالثا: هناك اختلاف في نصوص الرواية. و نذكر تناقضا صريحا واحدا هنا و هو واقع في الرواية التي ذكرناها أولا نفسها، فهي تقول: إن الريح كانت في عسكر المشركين، ما تجاوز عسكرهم شبرا. مع أنه قد جاء في بداية الرواية نفسها قوله: «ما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، و لا أشد ريحا منها، في أصوات ريحها مثل الصواعق، فجعل المنافقون يستأذنون الخ. .» .

رابعا: تقول الرواية التي ذكرناها أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله»

قد أمر حذيفة بأن يأتي قريشا فيقول: يا معشر قريش، إنما يريد الناس الخ. . ثم يأتي كنانة فيقول كذا و كذا، ثم يأتي قيسا فيقول كذا و كذا. . .

و هذا لا ينسجم مع عنصر السرية الذي كان مطلوبا لحذيفة في ظروف كهذه. كما لا ينسجم مع ما جرى بينه و بين جليسيه حين طلب أبو سفيان أن يعرف كل منهم جليسه.

و خامسا: ألف: إن بعض المصادر ذكرت: أنه لما سأل حذيفة جليسه عن اسمه. قال: سبحان اللّه، أما تعرفني؟ ! أنا فلان بن فلان، فإذا رجل من هوازن.

فما معنى تعجب هذا الرجل؟ فهل رأى حذيفة وجهه في ذلك الظلام الدامس و لم يعرفه، فأثار ذلك تعجبه؟ ! .

ب: كما أننا نعرف أن حذيفة قد حضر حرب أحد، و كان أبو سفيان قائد جيش المشركين في أحد، فهل لم يكن قد رآه آنئذ، ليقول هنا: إنه لم يكن يعرف أبا سفيان حتى ذلك الوقت؟ ! .

و حين رآه واقفا يوقد النار و يستدفئ بها كيف عرف أنه أبو سفيان؟ فلعله رجل آخر من هذا الجيش الكثيف.

ج: تذكر رواية الراوندي: أن حذيفة قال: «فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان، و عنده جماعة من وجوه قريش، و بين أيديهم نار تشتعل مرة، و تخبو أخرى، فانسللت فجلست بينهم» (1).

و السؤال هو: لماذا لم يجد إلا خيمة أبي سفيان، فهل استعصت هذه


1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 157 و البحار ج 20 ص 248 عنه.

الخيمة فقط على الريح التي أرسلها اللّه سبحانه عليهم؟ ! و دمرت خيام جيش يعد بالألوف؟ !

و سادسا: إن البعض قد أورد ما يشبه هذه الرواية، لكنه يجعل بطلها الزبير بن العوام، فهو يقول:

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ ! .

فقال الزبير: أنا.

ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ ! .

فقال الزبير: أنا.

ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟

فقال الزبير: أنا.

ثم قال: إن لكل نبي حواريا، و إن حواري الزبير (1).

و نقول: إذا كان هذا صحيحا فلماذا ترك الزبير، و لم يرسله. و أرسل حذيفة؟ ! .

فأجاب البعض: بأن حذيفة إنما ذهب ليأتيه بخبر المشركين.


1) حدائق الأنوار ج 2 ص 590 و 591 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 148 و عيون الأثر ج 2 ص 65 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 431 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 247 و السيرة الحلبية ج 2 ص 326 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 270 عن البخاري و مسلم، و سنن الترمذي، و ابن ماجة، و في الأخير عن علي.

أما الزبير فقد كشف خبر بني قريظة (1).

و لكنه كلام لا يصح: لأن ابن الديبع قد صرح بأن الزبير هو الذي سمع أبا سفيان ينادي، و يأمرهم بسؤال جلسائهم عن أنفسهم.

قال الزبير: فبدأت بجليسي و قلت: من أنت؟ (2).

و قد حاول دحلان أن يجيب عن ذلك التساؤل بطريقة أخرى، فقال: «فدعا حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنهما و أرسله كما سيأتي، و لم يرسل الزبير (رض) مع سؤاله ذلك ثلاثا؛ لأن له حدة و شدة، لا يملك معها نفسه أن يحدث بالقوم شيئا مما نهى عنه حذيفة فيما يأتي، فاختار إرسال حذيفة ذلك. هذا هو التحقيق عند أئمة السير. و هو أن المرسل إنما هو حذيفة (رض) . و نسب بعضهم الإرسال إلى الزبير، و هو اشتباه. و إنما إرسال الزبير (رض) في كشف خبر بني قريظة لما نقضوا العهد» (3)انتهى.

و نقول: قد تقدم: أن إرسال الزبير إلى بني قريظة لا يصح أيضا، فراجع.

و أما أنه «صلى اللّه عليه و آله» عدل عن الزبير إلى حذيفة لأجل حدة كانت في الزبير، فإنما هو على فرض تسليم أصل القصة. و هي مردودة جملة و تفصيلا؛ لأن حذيفة يصرح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» ناداهم ثلاثا فلم يجب منهم أحد، و هذا يكذب أن يكون الزبير قد أجاب ثلاث مرات.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و 563 و المواهب اللدنية ج 1 ص 113 و فتح الباري ج 7 ص 312.

2) حدائق الأنوار ج 2 ص 590 و 591.

3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328.

حقيقة القضية:

و نعتقد: أن ما يذكر للزبير هنا إنما هو من مجعولات محبيه، لينال و ساما عن غير جدارة و لا استحقاق.

أما حذيفة، فقد يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسله لكشف خبر المشركين، فراقبهم عن بعد، أو عن قرب، و سمع بعض أقوالهم، ثم زاد الرواة على ذلك ما شاؤوا حتى أخرجوا القضية عن حدود المعقول و المقبول.

رسالة أبي سفيان للنبي صلى اللّه عليه و آله قبل الرحيل:

و كتب أبو سفيان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» رسالة يقول فيها: لقد سرت إليك في جمعنا. و إنا نريد ألا نعود إليك أبدا حتى نستأصلك، فرأيتك قد كرهت لقاءنا و جعلت مضايق و خنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ .

فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد، تبقر فيه النساء.

و بعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشمي؛ فقرأه له أبي بن كعب؛ فكتب إليه «صلى اللّه عليه و آله» :

أما بعد، فقديما غرك باللّه الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، و أنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر اللّه يحول بينك و بينه، و يجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات و العزى.

و أما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق، فإن اللّه تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به و غيظ أصحابك، و ليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، و ليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات و العزى، و أساف، و نائلة،

و هبل حتى أذكرك ذلك (1).

ثمة نص آخر لكتاب كتبه أبو سفيان، فليراجع (2).

الرحيل الذليل:

و ذكر الواقدي: أن أبا سفيان جلس على بعيره و هو معقول، ثم ضربه، فوثب على ثلاث قوائم، فما أطلق عقاله إلا بعد ما قام.

فناداه عكرمة: إنك رأس القوم و قائدهم، تقشع؟ و تترك الناس؟ .

فاستحيا، فأناخ جمله و نزل عنه، و أخذ بزمامه و هو يقوده، و قالوا: ارحلوا.

قال: فجعل الناس يرتحلون و هو قائم حتى خف العسكر.

ثم قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، لا بدلي و لك أن نقيم في جريدة (3)من خيل بإزاء محمد و أصحابه، فإنا لا نأمن أن نطلب حتى ينفذ العسكر.

فقال عمرو: أنا أقيم.

و قال لخالد بن الوليد: ما ترى يا أبا سلمان؟ .

فقال: أنا أيضا أقيم.

فأقام عمرو و خالد في ماءتي فارس و سار العسكر إلا هذه الجريدة على متون الخيل.


1) المغازي ج 2 ص 492 و الإمتاع ج 1 ص 240 و خاتم النبيين ج 2 ص 942 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و أنساب الأشراف ج 1 ص 344 و النزاع و التخاصم ص 17 و 18 و الغدير ج 3 ص 252 عنه.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 493 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331.

3) الجريدة: جماعة الخيل.

و أقامت الخيل حتى السحر، ثم مضوا فلحقوا الأثقال و العسكر مع ارتفاع النهار بملل.

و لما ارتحلت غطفان وقف مسعود بن رخيلة في خيل من أصحابه، و وقف الحارث بن عوف في خيل من أصحابه، و وقف فرسان من بني سليم في أصحابهم، ثم تحملوا في طريق واحدة، و كرهوا أن يتفرقوا حتى أتوا على المراض (موضع على ستة و ثلاثين ميلا من المدينة) ثم تفرقوا إلى محالهم (1).

لكن الراوندي يقول: إن أبا سفيان قال لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع إلي الناس، ليلحق بعضهم ببعض، فأكون على الساقة، و إما أن أتقدم أنا و تكون على الساقة.

قال: بل أتقدم أنا و تتأخر أنت.

فقاموا جميعا، فتقدموا، و تأخر أبو سفيان فخرج من الخيمة، و أنا اختفيت في ظلها، فركب راحلته و هي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال، فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت الخ. . (2).

فالرواية المتقدمة تقول: إن خالدا قد بقي هو و عمرو بن العاص في جريدة من مائتي فارس، و هذه تقول: إن خالدا تقدم على أبي سفيان، و ابن العاص حيث بقي أبو سفيان على ساقة العسكر، و ابن العاص في الجريدة،


1) المغازي ج 2 ص 490 و أشار إلى ذلك في عيون الأثر ج 2 ص 66، و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 11 و 12 و السيرة الحلبية ج 2 ص 327 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 239.

2) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 157 و البحار ج 20 ص 248 عنه.

التي تأخرت.

و مهما يكن من أمر: فقد روي عن قتادة: أن سيد كل حي كان يقول: يا بني فلان هلم إلي، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاة، النجاة أتيتم. لما بعث اللّه عليهم من الرعب، و تركوا ما استثقلوه من متاعهم (1).

و يقول البلاذري: بعد أن ذكر: أن اللّه سبحانه قد أرسل عليهم ريحا صفراء، فملأت عيونهم فداخلهم الفشل و الوهن، و انهزم المشركون و انصرفوا إلى معسكرهم، و دامت عليهم الريح. .

و قالت غطفان و سليم: «و اللّه، لمحمد أحب إلينا، و أولى بنا من يهود، فما بالنا نؤذيه و أنفسنا، و كانت تلك السنة مجدبة، فجهدوا، و أضر مقامهم بكراعهم، فانصرفوا، و انصرف الناس» (2).

وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ (بعلي) عليه السلام:

إن ملاحظة معظم المؤخرين تعطينا: 1-إن ما فعله نعيم بن مسعود-حسب زعمهم-من الفتنة بين بني قريظة و المشركين، ثم إرسال الريح عليهم-كان هو السبب في هزيمة الأحزاب (3).


1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 269 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 546 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 345.

3) راجع: على سبيل المثال: فتح الباري ج 7 ص 302.

2-و بعضهم يرى: أن السبب هو الريح فقط، أو الريح و الجنود (1).

3-و البعض يرى: أن ما فعله نعيم هو السبب (2).

بل يقول البعض: إن دور الريح و الملائكة كان صوريا. و السبب الحقيقي هو الفرقة التي بثها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين صفوف المهاجمين، فأصبح بعضهم لا يأمن بعضا قبل المعركة، فكيف يأمنه إذا حمي الوطيس و احمرت الحدق؟ ! .

و لذلك ما إن هبت عليهم الرياح التي أرسلها اللّه حتى اتخذوها ذريعة للانسحاب من ميدان القتال يحملون في قلوبهم الضغائن على بعضهم (3).

و هو كلام عجيب لما فيه من الجرأة و الوقاحة على نفي كلام القرآن، الذي يصرح بالدور القوي للملائكة و للريح في حسم الموقف، كما تقدم في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جٰاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (4).

فهل يرى هذا الكاتب أن ما أرسله اللّه سبحانه لم يكن له أي أثر أو دور إلا أنه اتخذ ذريعة للفرار من قبل المشركين؟ ! .

و قد ورد أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: «لا إله إلا اللّه وحده، أعز


1) راجع: سيرة مغلطاي ص 56 و الدر المنثور ج 5 ص 192 عن ابن أبي حاتم و ابن جرير عن السدي و قتادة.

2) الدر المنثور ج 2 ص 195 عن ابن سعد بن المسيب.

3) التفسير السياسي للسيرة ص 262 و 263.

4) الآية 9 من سورة الأحزاب.

جنده، و نصر عبده، و غلب (أو و هزم) الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» (1).

و نقول: إن النصوص المختلفة تلمح و تصرح: بأن هزيمة الأحزاب كانت لأسباب ثلاثة:

الأول: و هن أمر المشركين بسبب تضعضع ثقتهم ببعضهم البعض، مع طول الحصار، ثم مع ما واجهوه من مصاعب فيما يرتبط بالناحية المعيشية لهم و لكراعهم.

و ذلك لأن خروجهم إلى حرب النبي بعد انقضاء زمن الحصاد، و في سنة مجدبة، قد تسبب بنكسة قوية. و هو يدل على أنهم لم يدرسوا الموقف من جميع جوانبه، و لعل ذلك لأجل أنهم كانوا مطمئنين إلى أنهم سيحسمون الموقف لصالحهم في فترة و جيزة ففاجأهم الرسول بخطته الحربية التي كانت قاصمة الظهر بالنسبة إليهم.

الثاني: ما أرسله اللّه سبحانه عليهم من الريح و الجنود التي لا ترى، فإن الآية و إن لم تصرح بأن هزيمتهم كانت بسبب ذلك إلا أن عدم التصريح هذا لأن ذلك لم يكن هو تمام السبب في الهزيمة، بل كان من المؤثرات فيها.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550 عن البخاري و البداية و النهاية ج 4 ص 111 و 115 عن الصحيحين و مجمع البيان ج 8 ص 245 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 250 و عن مسلم كتاب الذكر ج 8 ص 83 و البحار ج 20 ص 209 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 456 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و بهجة المحافل ج 1 ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 و 221 و عن فتح الباري ج 7 ص 406.

الثالث: ما قذفه في قلوبهم من الرعب، بسبب قتل فرسانهم و كبش كتيبتهم، حتى يئسوا من أن يلجوا الخندق مرة أخرى.

قال ابن العبري: «و بقوا بضعة و عشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز، فسعى نحوه علي بن أبي طالب، فقتله و قتل بعده صاحبا له، و كان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب، على كثرة عددهم، و وفرة عددهم» (1).

ب: و قال المعتزلي: «الذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب، لأنه قتل شجاعهم و فارسهم عمروا لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك هاربين مفلولين، من غير حرب سوى قتل فارسهم» (2).

ج: و قال الشيخ المفيد: «فتوجه العتب إليهم، و التوبيخ و التقريع، و الخطاب. و لم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، إذ كان الفتح له، و على يديه. و كان قتله عمروا و نوفل بن عبد اللّه سبب هزيمة المشركين» (3).

د: و يقولون أيضا: «وفر عكرمة، و هبيرة، و مرداس، و ضرار، حتى انتهوا إلى جيشهم، فأخبروهم قتل عمرو و نوفل، فتوهن من ذلك قريش، و خاف أبو سفيان. و كادت أن تهرب فزارة، و تفرقت غطفان» (4).

ه: تقدم عن علي عليه الصلاة و السلام أنه قال عن قتله لعمرو بن


1) تاريخ مختصر الدول ص 95.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 5 ص 7.

3) الإرشاد ص 62 و البحار ج 20 ص 258.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 عن روضة الأحباب.

عبدود يوم الأحزاب: «فهزم اللّه قريشا و العرب بذلك، و بما كان مني فيهم من النكاية» (1).

و: ثم هناك ما روي عن ابن مسعود: من أنه كان يقرأ-على سبيل التفسير و البيان طبعا- وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ بعلي (2).

فكلمة: بعلي ليست من القرآن، و إنما هي زيادة تفسيرية للآية، للتأكيد على نزولها في أمير المؤمنين «عليه السلام» .

و ما أكثر القراءات التفسيرية هذه، فراجع كتابنا: «حقائق هامة حول القرآن الكريم» .


1) الخصال للشيخ الصدوق ج 2 ص 369 و البحار ج 20 ص 244.

2) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 192 عن ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر و ينابيع المودة ص 94 و 96 و 137 عن المناقب و أبي نعيم و ميزان الاعتدال ج 2 ص 380 و مناقب آل طالب ج 3 ص 134 و الإرشاد للمفيد ص 62 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 206 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 323 و البحر المحيط ج 7 ص 224 و روح المعاني ج 21 ص 175 و كفاية الطالب ص 234 و مجمع البيان ج 8 ص 350 و 334 و البحار ج 20 ص 196 و 205 و 259 و ج 41 ص 88 و شواهد التنزيل (ط وزارة الثقافة و الإرشاد الايرانية) ص 7 و 8 و 9 ج 2 و نهج الحق ص 199 و ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ج 2 ص 420. و ملحقات إحقاق الحق للمرعشي النجفي ج 3 ص 376-380 و ج 14 ص 327-329 و ج 20 عن مصادر تقدمت و عن المصادر التالية: معارج النبوة للكاشفي ج 1 ص 163 و مناقب مرتضوي ص 55 و مفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ص 41 و تجهيز الجيش ص 81(مخطوط) و در بحر المناقب (مخطوط) ص 85 و أرجح المطالب ص 75 و 186.

ز: عن ابن عباس: كفاهم اللّه القتال يوم الخندق، بعلي بن أبي طالب، حين قتل عمرو بن عبدود (1).

و ذكر القمي أيضا: نزول الآية في علي فراجع (2). و كذا روي عن الإمام الصادق (3).

ح: تقدم في الفصل السابق قول الحافظ يحيى بن آدم، أو جابر بن عبد اللّه الأنصاري: ما شبهت قتل علي عمروا إلا بقوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ قَتَلَ دٰاوُدُ جٰالُوتَ (4).

ط: قال الشيخ المفيد: «و قال رسول اللّه بعد قتله هؤلاء النفر (يعني: عمروا و أصحابه) : الآن نغزوهم و لا يغزوننا» (5).

و عند المعتزلي الشافعي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال عند قتل عمرو: «ذهبت ريحهم، و لا يغزوننا بعد اليوم، و نحن نغزوهم إن شاء اللّه» (6).

أشجع الأمة:

قال المحقق التستري: تدل الآية بناء على قراءة ابن مسعود: «على كون


1) شواهد التنزيل (ط وزارة الثقافة و الإرشاد الإيرانية) ج 2 ص 10 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 284 عن الإسكافي.

2) تفسير القمي ج 2 ص 189 و البحار ج 20 ص 233.

3) ينابيع المودة ص 96 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 134 و البحار ج 41 ص 88.

4) الآية 251 من سورة البقرة.

5) الإرشاد ص 62 و البحار ج 20 ص 258.

6) شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 19 ص 62 و البحار ج 20 ص 273 عنه.

علي أشجع من كل الأمة، و أنه تعالى به «عليه السلام» كفى شر العدو عنهم يوم الأحزاب، فيكون أفضل منهم، وَ فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (1)» (2).

و قال المظفر: «. . فمنه حياة الإسلام و المسلمين، و لولا أن يكفيهم اللّه تعالى القتال بعلي لا ندرست معالم الإسلام، لضعف المسلمين ذلك اليوم، و ظهور الوهن عليهم الخ. .» (3).

مفارقة في الموقف:

و قد ذكرت إحدى الروايات: أن هند بنت عمرو بن حزام، حين قتل زوجها عمرو بن الجموح و أخوها عبد اللّه، و ابنها في حرب أحد، قالت لعائشة:

أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فصالح، و كل مصيبة بعده جلل. و اتخذ اللّه من المؤمنين شهداء وَ رَدَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنٰالُوا خَيْراً وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (4).

قال المعتزلي: قلت: هكذا وردت الرواية. و عندي أنها لم تقل كل ذلك. و لعلها قالت: وَ رَدَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لا غير. و إلا فكيف يواطئ كلامها آية من كلام اللّه تعالى، أنزلت بعد الخندق. و الخندق بعد أحد. هذا


1) الآية 95 من سورة النساء.

2) إحقاق الحق ج 3 ص 381.

3) دلائل الصدق ج 2 ص 175.

4) الآية 25 من سورة الأحزاب.

من البعيد جدا (1).

و نقول: إننا نوافق المعتزلي على ما قاله.

و لكننا نقول له: كيف صار هذا من البعيد جدا، و لم تكن موافقات عمر للقرآن (1)على اختلافها و تنوعها، من البعيد جدا أيضا؟ ! .

أم أن عبقرية عمر ليست لغيره من البشر، حتى الأنبياء و أوصيائهم، فضلا عن النساء؟ أم أن حق التأليف القرآني محفوظ لعمر بن الخطاب بالإشتراك مع العزة الإلهية؟ ! تعالى اللّه عما يقول الجاهلون و الوضاعون لفضائل عمر علوا كبيرا.

الآن نغزوهم، و لا يغزوننا:

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال يوم الأحزاب، حين أجلاهم اللّه سبحانه: الآن نغزوهم و لا يغزوننا، نحن نسير إليهم.

أو قال: لن تغزوكم قريش بعد عامهم (أو عامكم) هذا، أو نحو ذلك (2). فلم تغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق (3).


1) راجع على سبيل المثال: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 32-34 و الغدير للعلامة الأميني ج 5 ص 43-65.

2) راجع المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 549 عن أحمد، و البخاري، و البزار، و البيهقي، و أبي نعيم، و فتح الباري ج 7 ص 312 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 394، و 457 و 458 و السيرة النبوية

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 14 ص 262.

متى قال النبي صلى اللّه عليه و آله كلمته؟ !

و قد صرح المفيد و المعتزلي: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك حين قتل عمرو و أصحابه. لكن المؤرخين الآخرين يذكرون ذلك بعد جلاء الأحزاب.

و الظاهر هو: أنه لا فرق بين القولين، لأن جلاء الأحزاب كان في اليوم الثاني، أو الثالث من قتل الفرسان. فلم يكن هناك فاصل زماني يعتد به. و لا حدثت بعد قتلهم أحداث متميزة و مهمة سوى ما أرسله اللّه سبحانه

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 549 و البداية و النهاية ج 4 ص 115 و مجمع البيان ج 2 ص 345 و البحار ج 20 ص 209 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 458 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 266 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 221 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 207 و البحر المحيط ج 7 ص 224.

(3) -لابن دحلان ج 2 ص 12 و وفاء الوفاء ج 1 ص 305 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 251 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و البحار ج 20 ص 258 و 273 و 209 و الإرشاد للمفيد ص 62 و نهاية الأرب ج 17 ص 178 و عيون الأثر ج 2 ص 66 و راجع ص 76 و حدائق الأنوار ج 2 ص 592 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 184 و البداية و النهاية ج 4 ص 115 عن ابن إسحاق و مجمع البيان ج 8 ص 344 و بهجة المحافل ج 1 ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 221 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492.

على الأحزاب من الريح.

و لعل البعض: قد حاول تعمية الأمر هنا، لأجل أن يقلل من أهمية الإنجاز الكبير الذي حققة علي «عليه السلام» ، الذي ابتلي بأناس لا يزالون يحاولون إنكار فضائله، و إطفاء نور جهاده الرسالي الرائد.

لماذا لن تغزوهم قريش بعد اليوم؟ !

لقد أشاع المشركون بعد حرب أحد: أن المسلمين قد هزموا، و تكبدوا خسائر فادحة، رغم أن نهايات حرب أحد كانت كبداياتها قد أرعبت جيش الشرك، و هزمته روحيا و عسكريا، و إن كانت قد حصلت نكسة في أواسط المعركة، تكبد المسلمون بسببها خسارة كبيرة.

و لكنهم بفضل جهاد علي «عليه السلام» ، ثم عودة الخلص من المسلمين للقتال قد استعادوا زمام المبادرة، و انتهت الحرب بهزيمة المشركين و كسر عنفوانهم، و تكبدوا هم أيضا خسائر كبيرة على مستوى القيادات و غيرها.

و لكن الخسارة التي مني بها المسلمون كانت أكبر-كما قلنا-فكان أن أشاع المشركون أنهم قد انتصروا في حرب أحد، كمحاولة دعائية فارغة لرد الإعتبار.

ثم حزبوا الأحزاب، و جمعوا الجموع، و اتفقوا مع يهود بني قريظة، فانتعشت آمالهم من جديد، و بدا واضحا لهم: أن أمر المسلمين قد انتهى، و أصبحت المسألة مسألة وقت لا أكثر و لا أقل.

و قد كانت المشاركة الشاملة للقبائل الفاعلة في المنطقة تطمئن زعماء قريش، الذين حشدوا كل ما لديهم من قوى بشرية و مادية لحسم هذا

الأمر، و التخلص من هذا الكابوس الجاثم على صدورهم.

و لكن وجود الخندق، و حسن إدارة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لأمر الحرب معهم، قد هيأ للمسلمين فرصة للمطاولة في أمر الحرب، حتى مل الأحزاب طول الحصار، و أصبحوا يواجهون مشكلات على مستوى التموين و غيره.

ثم ظهرت خلافات زعزعت الثقة فيما بين الفرقاء المؤتلفين، حيث فسد الأمر بينهم و بين بني قريظة و كان الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» السبب في ظهورها، حسبما أوضحناه.

ثم كان قتل علي «عليه السلام» لعمرو، فارس الأحزاب و كبش كتيبتهم، و لمن معه، و فرار الباقين، هو الضربة القاصمة لهم، و المرعبة لقلوبهم.

و جاءت الريح لتثير في نفوسهم المزيد من الخوف و الرهبة، و الإحساس بالوحشة و الوحدة. حيث يجد كل منهم نفسه مسؤولا عن حفظ نفسه في مواجهة طغيان هذه الريح. و لا أحد يستطيع مساعدته و الدفع عنه.

فآثروا الفرار على القرار، خوفا من أن يبطش بهم سيف الإسلام من جديد، دون أن يتمكنوا من لم شعثهم، و تسوية صفوفهم. بل و حتى دون أن يتمكنوا من رؤية ما حولهم، لأنهم أصبحوا في ظلمة شديدة، و حالة مزرية إلى أبعد الحدود.

فكانت الهزيمة، و كان الخزي و العار لهم، دون أن يتمكنوا من تحقيق أي شيء سوى أنهم قتلوا أفرادا قليلين، قد لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة و قد خسروا في المقابل ما يعادل نفس هذا العدد، إلا أن من بينهم فارس قريش و العرب عمرو بن عبدود العامري لعنه اللّه.

فإذا كان هذا أكبر حشد يمكن لقوى الشرك و الكفر في المنطقة كلها أن تقوم به، و قد طار صيت هذا الحشد في مختلف البلاد، و شدت إليه الأنظار، و انتظر الناس أخباره في الليل و النهار، و توقعت القبائل نتائجه في مختلف أرجاء الجزيرة العربية بفارغ الصبر لا سيما و أن الهدف الذي أعلنوه لهذه الحرب، هو استئصال محمد و من معه، حسبما تقدم (1).

فإن النتائج التي قدمها هذا الحشد كله، قد جاءت بمثابة زلزال هز المنطقة من الأعماق، وبث روح الفشل و الوهن في كل قلب، و زرع الخوف و الرعب في كل بيت.

و حدثت الهزيمة الساحقة و الماحقة لكل عنفوان الشرك، و جبروت الكفر حيث فهم الجميع أن أقصى ما يمكن لهم أن يفعلوه ضد الإسلام و نبي الإسلام قد فعلته قريش و الأحزاب و لم ينته إلى نتيجة.

و كانت النتيجة كذلك هي أن قريشا قد فقدت الكثير من نفوذها و مكانتها، و لم تعد الكثير من القبائل تجد نفسها ملزمة بالخط أو الموقف الذي تريد قريش إلزامها به.

و لم يعد بالإمكان إقناع الكثير من القبائل بالمخاطرة بمستقبلها، و الدخول في حرب جديدة مع الإسلام و مع المسلمين.

أضف إلى ذلك: أنه لم يعد بالإمكان تحصيل درجة كافية من الوثوق


1) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و خاتم النبيين ج 2 ص 942 و المغازي للواقدي ج 2 و بقية المصادر-و هي كثيرة جدا-تجدها في فصل: الأحزاب إلى المدينة، و في فصل: غدر بني قريظة.

بالآخرين، الذين لا بد من ضمان مشاركتهم الفاعلة حتى النهاية. بعدما أثبتت التجربة مع بني قريظة، بل و فيما بين فئات المشركين أنفسهم، أن الرهان على ذلك رهان فاشل، بل هو رهان على يباب و سراب.

و هكذا فإن القبائل التي باتت على يقين من عجزها عن مواجهة الإسلام تسير باتجاه ترميم علاقاتها، و تحسينها مع التيار الإسلامي الجديد، الذي لا يزال يتنامى و يتعاظم في المنطقة بصورة مطردة.

و ظهر مصداق قوله «صلى اللّه عليه و آله» : الآن نغزوهم و لا يغزوننا أو ما هو قريب من هذا.

و أصبح زمام المبادرة العسكرية على الخصوص بيد المسلمين، منذ هزيمة الأحزاب و اليهود في حرب الخندق.

. . وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (1).

غلط حسابات المعتزلي:

و قد ادّعى المعتزلي: أن النبي «انتصر يوم بدر، و انتصر المشركون عليه يوم أحد و كان يوم الخندق كفافا، خرج هو و هم سواء لا عليه و لا له، لأنهم قتلوا رئيس الأوس، و هو سعد بن عبادة، و قتل منهم فارس قريش، و هو عمرو بن عبدود، و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك التي كانت» (2).

و قد اشتبه الأمر على المعتزلي في موضعين:

أحدهما: قوله: إن المشركين انتصروا على النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الآية 25 من سورة الأحزاب.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 220.

يوم أحد.

و قد بينا في غزوة أحد: أن النصر فيها كان للمسلمين، و أن المشركين قد فروا من ساحة الحرب، خوفا من أن ينال المسلمون منهم بصورة أشد و أعنف.

نعم. . قد حصلت نكسة للمسلمين في وسط المعركة، ثم تجاوزوها بفضل جهاد علي، و قتله العديد من قادة كتائب المشركين، فراجع.

الثاني: دعواه: أنه يوم الأحزاب لم يكن النصر لأحد، مع أن النصر فيها كان للمسلمين، و ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان. و قد أوضحنا ذلك فيما تقدم من نصوص و بحوث.

إلا أن يكون محط نظر المعتزلي هو عدد القتلى الذين سقطوا من الفريقين في هذه المعارك.

و لكن من الواضح: أن تعبيره بالنصر و الهزيمة-و الحالة هذه-يصبح بلا مبرر.

الشهداء و القتلى:
1-الشهداء من المسلمين:

قال مالك: لم يستشهد يوم الخندق إلا أربعة، أو خمسة (1).

و قال أبو زهرة: خمسة (2).


1) الوفاء ج 1 ص 304 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 عن الوفاء و الجامع للقيرواني ص 281.

2) خاتم النبيين ج 2 ص 938.

و قيل: كان الشهداء ستة، منهم سعد بن معاذ.

و زاد الكازروني: أنهم من الأنصار (1).

و قال البعض: استشهد سعد في سبعة من الأنصار (2).

و قال البعض: قتل من المسلمين ثمانية، مضيفا الرجلين اللذين قيل: إنهما كانا طليعة للمسلمين فقتلا (3). و قد تقدم عدم صحة ذلك.

و حسب بعض المصادر، فالشهداء هم: ثلاثة من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، رمي بسهم، و أنس بن أوس، قتله خالد بن الوليد، و عبد اللّه بن سعد، رماه رجل من بني عويف فقتله.

و اثنان من بني جشم، هم: الطفيل بن النعمان، قتله وحشي، و ابن عتمة، قتله هبيرة بن أبي وهب.


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و راجع: البداء و التاريخ ج 4 ص 220 و مختصر التاريخ ص 43 و الوفاء ص 694 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 240 و 241، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 272 و حبيب السير ج 1 ص 364 و وفاء الوفاء ج 1 ص 304 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550 و 551 و المغازي للواقدي ج 2 ص 495 و 496 و عيون الأثر ج 2 ص 67 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 و 265 و البداية و النهاية ج 4 ص 115 و 116 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 252 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 و نهاية الأرب ج 17 ص 178 و 179 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 206 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

2) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32.

3) الرسول العربي و فن الحرب.

و واحد من بني النجار (أو دينار) هو كعب بن زيد، أصابه سهم غرب فقتله، و قيل: قتله ضرار بن الخطاب.

و زاد الدمياطي في الشهداء من المسلمين: قيس بن زيد بن عامر، و عبد اللّه بن أبي خالد، و أبا سنان بن صيفي بن صخر، ذكر الحافظ في الكنى: أنه شهد بدرا، و استشهد في الخندق (1).

2-القتلى من المشركين:

و قتل من المشركين ثمانية (2).

و قيل: ثلاثة (3).

و قيل: أربعة جميعهم من قريش (4). و قد سمعت بعض المصادر القتلى.

و القتلى الثلاثة من المشركين هم: منبه بن عثمان (أو عثمان بن أمية بن منبه) أصابه سهم فمات بمكة. و نوفل بن عبد اللّه، و عمرو بن عبدود (5)،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 551 و عيون الأثر ج 2 ص 67 و 68 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.

3) راجع المصادر التي تقدمت للقول بأن شهداء المسلمين ستة.

4) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و الرسول العربي و فن الحرب ص 254 و روح المعاني ج 21 ص 175.

5) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 240 و 241 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550 و 551 و المغازي للواقدي ج 2 ص 495 و 496 و عيون الأثر ج 2 ص 67 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 و 265 و البداية و النهاية ج 4 ص 115 و 116 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 و تاريخ الإسلام للذهبي

و عبيد بن السباق (1). فليتأمل في هذا الأخير و ليراجع كلام ابن إسحاق.

و تقدم: أن حسل بن عمرو بن عبدود قد قتل هو الآخر مع أبيه. فراجع الفصل السابق.

و قال ابن شهر آشوب: إن عليا «عليه السلام» قتل يوم الأحزاب: عمرو بن عبدود و ولده، و نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة، و منبه بن عثمان العبدري، و هبيرة بن أبي هبيرة المخزومي (2).

العودة إلى المدينة:

قالوا: «و أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخندق، و ليس بحضرته أحد من عساكر المشركين، قد هربوا و انقشعوا إلى بلادهم.

فأذن للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم. فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك.

فكره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن تعلم بنو قريظة حب رجعتهم إلى منازلهم، فأمر بردهم، فبعث من ينادي في أثرهم، فما رجع منهم رجل

(5) -(المغازي) ص 252 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و نهاية الأرب ج 17 ص 178 و 179 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 206 و حبيب السير ج 1 ص 364 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و البحر المحيط ج 7 ص 224 و روح المعاني ج 21 ص 175.


1) البحر المحيط ج 7 ص 224.

2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 83.

واحد» (1).

زاد في نص آخر قوله: «من القر و الجوع، قالا: و كره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرعتهم، و كره أن يكون لقريش عيون.

قال جابر: فرجعت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلقيته في بني حرام منصرفا، فأخبرته، فضحك «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و يقول القمي عن الأحزاب: «ففروا منهزمين، فلما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه: لا تبرحوا.

فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة، و بقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر يسير» (3).

و يقول الراوندي: «إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى بالناس الفجر، و نادى مناديه: لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس.

فما أصبح إلا و قد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا.

فلما طلعت الشمس انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من كان معه، فلما دخل منزله الخ. .» (4).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550 و المغازي ج 2 ص 491. و في إمتاع الأسماع ج 1 ص 239 اكتفى بالقول: «و أصبح «صلى اللّه عليه و آله» ، فأذن للمسلمين بالانصراف، فلحقوا بمنازلهم» .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550 عن الطبراني، و الواقدي. و المغازي للواقدي ج 2 ص 492.

3) تفسير القمي ج 2 ص 187 و البحار ج 20 ص 231.

4) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 158 و البحار ج 20 ص 248 عنه.

و كان انصرافه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة الخندق لسبع ليال بقين من ذي القعدة (1).

و كان المنافقون بناحية المدينة يتحدثون بنبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و يقولون: ما هلكوا بعد؟ ! .

و لم يعلموا بذهاب الأحزاب، و سرهم أن جاءهم الأحزاب، و هم بادون في الأعراب (2).

عثمان و بنت النبي صلى اللّه عليه و آله في الخندق:

و قد روى قطب الدين الراوندي: قصة المغيرة بن أبي العاص في غزوة الخندق و ملخص ما هو محط نظرنا منها:

أن المغيرة بن أبي العاص ادّعى: أنه رمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكسر رباعيته، و شق شفتيه و كذب، و ادّعى أنه قتل حمزة و كذب.

فلما كان يوم الخندق ضرب اللّه على أذنيه، فنام و لم يستيقظ حتى أصبح، فخشي أن يجيء الطلب فيأخذوه، و جاء إلى منزل عثمان، و تسمى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل و الغنم و السمن؛ فأدخله عثمان منزله، فلما علمت امرأة عثمان ما صنع بأبيها و عمها صاحت، فأسكتها عثمان.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 492 و عيون الأثر ج 2 ص 66 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 178 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و فتح الباري ج 7 ص 311.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 550.

ثم خرج إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلب منه الأمان للمغيرة ثلاث مرات، و النبي يحول وجهه عنه حتى آمنه في الثالثة، و أجله ثلاثا، و لعن من أعطاه راحلة، أو رحلا، أو قتبا، أو سقاء، أو قربة، أو إداوة، أو خفا، أو نعلا، أو زادا أو ماء؛ فأعطاه عثمان هذه الأشياء.

و لم يوفق للخروج من محيط المدينة فأعلم جبرئيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمكانه، فأرسل زيد بن حارثة و الزبير، فقتله زيد لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد آخى بين زيد و حمزة.

فرجع عثمان إلى امرأته، و اتهمها بأنها كانت قد أخبرت أباها بمكان عمه، فحلفت له باللّه ما فعلت، فضربها بخشبة القتب ضربا مبرحا كان سبب وفاتها في اليوم الثاني، و قد منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان- الذي كان قد ألم بجاريته ليلة وفاتها-من حضور جنازتها (1).

و لكن قد تقدم بعد غزوة حمراء الأسد: أن هذه القضية قد حصلت بعد واقعة أحد. و ربما تكون رواية الراوندي أقرب و اللّه هو العالم.


1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 94-96 و البحار ج 22 ص 158. و قال في هامش الخرائج: و رواه: بنحو آخر في الكافي ج 3 ص 251 و التهذيب ج 3 ص 333 و أخرجه في الوسائل ج 2 ص 818.

الباب الثالث: غزوة بنى قريظة

اشارة

الفصل الأول: المسير إلي حصون قريظة

الفصل الثاني: حصار و إنهيار

الفصل الثالث: فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة

الفصل الرابع: حكم اللّه من فوق سبعة أرقعة

الفصل الخامس: القتلى و الشهداء

الفصل السادس: الغنائم و الأسرى ملحق: بلوغ المرأة

الفصل السابع: بعد العاصفة

آيات في غزوة بني قريظة:

قيل: إن بعض الآيات قد نزلت في غزوة بني قريظة و هي: قوله تعالى: اَلَّذِينَ عٰاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَ هُمْ لاٰ يَتَّقُونَ، فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْخٰائِنِينَ (1).

و قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظٰاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مِنْ صَيٰاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (2).

صدق اللّه العلي العظيم.


1) الآيات 56-58 من سورة الأنفال.

2) الآيتان 26 و 27 من سورة الأحزاب.

خلاصات عن غزوة بني قريظة:

و نقدم هنا خلاصة عن غزوة بني قريظة، إذ بدون ذلك فسيكون من الصعب لملمة خيوطها من ثنايا ما قمنا به من بحوث موسعة نسبيا، فرضتها علينا التزاماتنا التي أخذنا على عاتقنا مراعاتها في هذا الكتاب.

و لسوف تكون هذه الخلاصة بمثابة عناوين عامة، و كليات لن يغني الاطلاع عليها عن الاطلاع على التفاصيل، و المناقشات، و الاستفادات، و التحليلات التي رأينا من المناسب التعرض لها، حسبما اقتضاه الحال، و سمحت به المناسبة.

و ما نريد أن نلمح إليه هنا هو ما يلي: إنه قد تقدم: أنه كان بين بني قريظة و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد فنقضوه، فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سعد بن معاذ و آخرين إليهم، لاستطلاع الأمر، فحاول سعد إقناعهم بالتخلي عن فكرة نقض العهد، فسمع منهم ما يكره، و لم يزدهم ذلك إلا استكبارا و إصرارا.

فلما انقضى شأن الأحزاب في الخندق، بالهزيمة الذليلة، بعد قتل فارسهم عمرو بن عبدود، و من عبر الخندق معه، عاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون إلى المدينة، فجاءه جبرئيل فورا، و أمره بالمسير إلى بني قريظة.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» -على ما هو الأظهر-حينئذ في بيت فاطمة «عليها السلام» فدعا «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» ، و أمره بالتقدم إلى بني قريظة في مجموعة من المسلمين، ففعل.

ثم أمر «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين بأن لا يصلوا العصر، أو الظهر- على ما هو الأرجح-إلا في بني قريظة.

و سار «صلى اللّه عليه و آله» على حمار عري، يقال له: يعفور، حتى نزل على بئر لبني قريظة، يقال له: بئر «أنا» بأسفل حرة بني قريظة، و تلاحق به الناس.

و جاء المسلمون أرسالا، و وصل بعضهم بعد العشاء الآخرة، و منهم من لم يكن قد صلى الظهر أو العصر بعد.

و حاصر المسلمون بني قريظة أشد الحصر-و دعاهم «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر إلى الإسلام، فأبوا-و استمر الحصار أياما قيل: عشرة أيام، و قيل أكثر من ذلك، و تصاعدت الأقوال إلى شهر.

و أرسل «صلى اللّه عليه و آله» إليهم أكابر أصحابه، فهزموهم، فبعث عليا «عليه السلام» فكان الفتح على يديه، و كلموا رسول اللّه بالنزول على ما نزلت عليه بنو النضير، فأبى عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و أسلم ثعلبة، و أسيد إبنا سعية، و كذلك أسد بن عبيد، و انضموا إلى صفوف المسلمين.

و استشار بنو قريظة أبا لبابة في النزول على حكم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأشار إليهم بيده إلى حلقه: إنه الذبح.

فنزلوا على حكم سعد بن معاذ.

و زعموا: أن أبا لبابة قد تاب من ذنبه هذا، و ربط نفسه إلى سارية في المسجد حتى أنزل اللّه توبته، فحله رسول اللّه بيده، و لم يثبت لنا صحة ذلك، كما سنرى.

و حين نزلوا على حكم سعد، أمر بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكتفوا، و جعلوا ناحية، و جعل النساء و الذرية ناحية.

و جاؤوا بالأسرى إلى المدينة، و جعلوهم في دار أسامة بن زيد، و دار بنت الحارث. . . و جعل السلاح و الأمتعة في دار بنت الحارث أيضا.

و كان عدد السبي من الذراري و النساء سبع مائة و خمسين، و قيل: كانوا تسع مائة، و قيل: كانوا ألفا.

و كان سعد يداوى من جرحه في خيمة رفيدة أو كعيبة، فجاؤوا به، و كلمه بعض الناس من الأوس في أمر العفو عن بني قريظة، فلم يجبهم. ثم أصدر حكمه بقتل من حزّب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منهم.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة (1).

فقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أنبت ممن حزّب عليه من بني قريظة، و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بأخدود فخدّت، فضربت أعناقهم فيها، ثم رد عليهم التراب.

و كان علي «عليه السلام» هو الذي قتلهم مع رؤسائهم.

و قيل: إن الزبير قد شاركه أيضا. و لا مجال لتأكيد ذلك.


1) الرقعة: السماء عموما.

و قيل أيضا: إن الأوس قد شاركوا في عملية القتل هذه.

و قيل: إن نباتة النضيرية، و أرفة بنت عارضة كانتا من جملة القتلى. و أسلم بعضهم، مثل رفاعة بن سموأل، فلم يقتل.

و قد اختلفت كلمات المؤرخين في عدد من قتل منهم، فبلغت ثلاثة عشرة قولا، تتراوح ما بين الثلاث مائة رجل، و الألف.

و يظهر من النصوص: أن بني قريظة لم يقتلوا كلهم، بل قتل منهم خصوص من حزّب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين.

أما من استشهد من المسلمين، فلعله لا يزيد على رجلين أو ثلاثة.

ثم جمعت أمتعتهم، و أخرج الخمس منها، ثم قسمت للفارس سهمان، و للراجل سهم واحد، و كانت خيل المسلمين ستة و ثلاثين فرسا، أو ثمانية و ثلاثين.

أما السبي فبيع في من يزيد، ثم قسم ثمنه في المسلمين المشاركين في هذه الغزوة.

و بعث «صلى اللّه عليه و آله» ببعض السبي إلى نجد، أو الشام فبيع هناك، و اشتري بثمنه سلاح و خيل، و قسم «صلى اللّه عليه و آله» ذلك بين المسلمين.

و بعد أن انتهى أمر بني قريظة، انفجر جرح سعد بن معاذ، و دام نزفه حتى مات «رحمه اللّه» شهيدا، فكرمه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مزيد تكريم، و حزن عليه، و بكاه أبو بكر و عمر، و رثاه حسان بن ثابت.

الفصل الأول: المسير إلى حصون قريظة

اشارة

بداية:

لقد انتهت حرب الأحزاب «الخندق» التي كان المسلمون فيها يعانون من الجوع، و السهر، و الخوف، و الإشفاق من مهاجمة ذراريهم و نسائهم من قبل أعدائهم.

و كان من الطبيعي أن يتنفسوا الصعداء حين رأوا عدوهم يغادر أرضهم خائبا، خائفا، خاسئا، و كانوا يتمنون أن يصلوا إلى أهلهم، و ذويهم، و بيوتهم، ليرتاحوا من ذلك العناء الطويل.

و لكن هل يمكن لهم أن يطمئنوا على مصيرهم و مستقبلهم و إلى جوارهم أولئك الذين حزبوا الأحزاب، و رموهم بذلك البلاء العظيم، الذي كاد أن يقضي على الإسلام و المسلمين و يستأصل شأفتهم؟

و من جهة ثانية: ما هو الموقف الذي يمكن أن يتخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بني قريظة الذين كانوا السبب في كل ما حصل؟

«و لو افترضنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جدد العهد معهم في تلك الفترة فما الذي يمنعهم من نقضه و الخروج عليه مرة ثانية كما فعلوا بالأمس؟ في حين أنهم لم يجدوا منه إلا الصدق و الوفاء كما اعترف بذلك

زعيمهم حينما دعاه حيي بن أخطب للاشتراك مع الغزاة» (1).

لقد كان منطق الحرب، و منطق الحذر يدعو إلى مهاجمتهم، لأنهم العدو القريب، الذي يتربص الدوائر بالإسلام و بالمسلمين و حربهم امتداد لحرب الأحزاب. . . و أحد فصولها، التي لا بد من إنجازها.

و يبقى أن نشير إلى: أن لا مجال لاحتمال أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين رأى سرعة أصحابه للعودة إلى المدينة، قد فكر في أن يعطيهم فرصة للراحة فإنه لا مبرر لاحتمال كهذا وفق أي تقييم لما حدث و يحدث، فهذا الأمر الإلهي قد جاء ليظهر أن اللّه سبحانه يأبى أن يمهل الغدرة الفجرة، فربما يجدون أكثر من وسيلة للتملص و التخلص أو حتى لفرار البعض منهم. . . من مواجهة الجزاء العادل لما اقترفته أيديهم.

و قد كان حيي بن أخطب و كعب بن أسد يتوقعان هذه الحرب و قد أخذ كعب بن أسد العهد على حيي أن يدخل معهم في حصنهم و يصيبه ما أصابهم إن رجعت قريش و غطفان. و ذلك بعد أن دفع حيي كعبا إلى نقض عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

متى كانت غزوة بني قريظة:

قد تقدم الحديث عن تاريخ غزوة قريظة و الخندق.

و قد رجحنا أنهما كانتا في السنة الرابعة للهجرة بل قال ابن حزم: «فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة متصلا بأول ذي الحجة في السنة


1) سيرة المصطفى ص 511.

الرابعة من الهجرة» (1).

و نحن نكتفي بما ذكرناه في ذلك الموضع فليراجعه من أراد.

من هم بنو قريظة؟ !

قريظة: «فخذ من جذام إخوة النضير.

و يقال: إن تهودهم كان في أيام عاديا أي السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له: «قريظة» ، فنسبوا إليه.

و قد قيل: إن قريظة اسم جدهم» (2).

«و ذكر عبد الملك بن يوسف في كتاب الأنواء: أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي اللّه «عليه السلام» . و هو بمحتمل (كذا) فإن شعيبا كان من قبيلة جذام، القبيلة المشهورة. و هو بعيد جدا» (3).

و لا يهمنا هنا تحقيق ذلك، و لا تتبع مصادره.

نقض قريظة للعهد:

و قد تقدم: أنه كان بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلح فنقضوه، و مالوا مع قريش. فوجه إليهم سعد بن معاذ، و آخرين، فذكروهم العهد، فأساؤوا الإجابة.

و يقول البعض: إن قوله تعالى: اَلَّذِينَ عٰاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ


1) جوامع السيرة النبوية ص 156.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33.

3) فتح الباري ج 7 ص 313 و وفاء الوفاء ج 1 ص 162.

عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَ هُمْ لاٰ يَتَّقُونَ، فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْخٰائِنِينَ (1)قد نزل في شأن بني قريظة، كما قاله مجاهد؛ فإنهم كانوا قد عاهدوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على أن لا يضروا به، و لا يمالئوا عليه عدوا، ثم مالؤوا عليه الأحزاب يوم الخندق، و أعانوهم عليه بالسلاح، «و عاهدوا مرة بعد أخرى، فنقضوا» (2).

و لم نجد فيما بأيدينا من نصوص تاريخية ما يدل على تكرر نقض العهد من بني قريظة، إلا ما رواه البخاري عن ابن عمر، قال: «حاربت النضير و قريظة، فأجلى بني النضير، و أقر قريظة، و من عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، و قسم نساءهم، و أموالهم و أولادهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمنهم و أسلموا، و أجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، و هم رهط عبد اللّه بن سلام، و يهود بني حارثة، و كل يهودي بالمدينة.

و رواه أبو داود بنحوه، إلا أنه قال: حتى حاربت قريظة بعد ذلك، يعني بعد محاربتهم الأولى و تقريرهم.

و يؤخذ من ذلك: أن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان


1) الآيات 56-58 من سورة الأنفال.

2) مجمع البيان ج 4 ص 552 و البحار ج 20 ص 191 و راجع: الدر المنثور ج 3 ص 191 عن ابن أبي شيبة و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ عن مجاهد باستثناء العبارة الأخيرة.

بعد قتل بني قريظة» (1).

و روي عن الزهري و مجاهد أن قوله تعالى: وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ. . قد نزل في بني قريظة (2).

و روي أيضا: أنها نزلت في بني قينقاع (3).

و نقول: إن الآية لا تنطبق على بني قريظة، لأنهم قد نقضوا العهد، و خانوا بالفعل، و الآية إنما تتحدث عن خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خيانة قوم ما.

و أما انطباقها على بني قينقاع فقد يكون له وجه، إذ إن ما فعلوه لا يصل إلى درجة ما فعله بنو قريظة، و لأجل ذلك جاء عقابهم أخف من عقاب أولئك.

على أننا نقول: إن الآية الكريمة و إن كانت قد نزلت في هذه المناسبة إلا أنها أرادت أن تعطي قاعدة عامة صالحة للانطباق في كل زمان.

آية نزلت في بني قريظة:

و قد روي عن مجاهد: أن قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظٰاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مِنْ صَيٰاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلىٰ


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 309.

2) الدر المنثور ج 3 ص 191 عن أبي الشيخ عن الزهري، و عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن مجاهد. و أنساب الأشراف ج 1 ص 348 و راجع ص 309 عن الزهري.

3) أنساب الأشراف ج 1 ص 348 و راجع ص 309.

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (1)نزل في بني قريظة (2).

و كذا روي عن قتادة (3)و سعيد بن جبير (4).

و يؤيد ذلك بل يدل عليه: أن الضمير في «ظاهروهم» يعود إلى الذين كفروا في الآية السابقة، الذين هم الأحزاب، و الذين ظاهروا الأحزاب، و أنزلهم اللّه من صياصيهم، و قتل المسلمون فريقا منهم و أسروا فريقا، و هم بنو قريظة بالذات.

رؤيا كرؤيا عاتكة في بدر:

قالوا: لما انصرف المشركون من الخندق، خافت بنو قريظة خوفا شديدا، و قالوا: محمد يزحف إلينا. و كانت امرأة نباش بن قيس قد رأت (5)-و المسلمون في حصار الخندق-الخندق ليس به أحد. و أن الناس تحولوا إليهم في حصونهم، فذبحوهم ذبح الغنم.

فذكرت ذلك لزوجها، فذكره للزبير بن باطا، فقال الزبير: ما لها، لا نامت عينها؟ تولي قريش، و يحصرنا محمد، و التوراة؟ و لما بعد الحصار أشد منه (6).


1) الآيتان 26 و 27 من سورة الأحزاب.

2) الدر المنثور ج 5 ص 192 عن الفريابي، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و أنساب الأشراف ج 1 ص 348.

3) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم.

4) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن سعد.

5) أي رأت في منامها.

6) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 496-497.

تعبير الرؤيا:

و نريد أن نسجل هنا: 1-أن الإنسان يهتم كثيرا بكل ما يمس مصيره و مستقبله و يتحرك حتى على أساس التخيل و التوهم لمواجهة أي احتمال قادم إليه من المجهول. فنجده يلتجئ حتى لقارئة البخت التي يعلم أنها تكذب عليه، فإذا تكلمت بكلمات عامة و غائمة، تقولها عادة لكل إنسان، فإنه يتلقفها بلهفة، و بحساسية و شفافية متناهية، و يبدأ بتطبيقها على حاله و أحواله.

فإذا قالت له مثلا: ستأتيك رسالة من صديق، تخيل أن فلانا الغائب هو الذي سيرسل إليه تلك الرسالة.

ثم إذا قالت له: هناك من يحسدك أو يكرهك، و هو أمر قد يحدث لكل إنسان، فإنه يطبق ذلك على فلان أو فلان، و تضطرب الانفعالات في نفسه تجاهه، و هكذا. .

أما إذا كان الذي يأتيه من المجهول، و يلامس مستقبله و حياته و مصيره له درجة من الواقعية مهما كانت هزيلة و ضئيلة، فإن إحساسه بالخطر سوف يتعاظم إلى درجة كبيرة و خطيرة. و لسوف يؤثر على توازنه في حركته و في مواقفه، بل و قد يفقده ثقته بكثير من خططه المستقبلية، و يفسدها عليه.

و من الواضح: أن المنامات و الرؤى قد أثبتت لها التجربة درجة من الواقعية، و لكنها درجة ضعيفة و خفيفة، و لكن هذا الإنسان يتعامل معها بجدية و باهتمام أكبر و أكثر مما تفرضه واقعيتها تلك.

و الذي يدل على واقعية الرؤيا، و أن لها تعبيرا، ما ذكره اللّه تعالى في سورة يوسف، و أن يوسف «عليه السلام» قد عبر الرؤيا لصاحبي السجن،

ثم لملك مصر، و صدقت الرؤيا، و صدق يوسف «عليه السلام» هذا بالإضافة إلى رؤيا إبراهيم «عليه السلام» في قضية ذبح ولده إسماعيل «عليه السلام» .

2-إنه لا شك في أن للأحلام من حيث مناشئها حتى الكاذبة منها صلة بالواقع، بنحو أو بآخر. فالكاذبة لها صلة بالحالة النفسية و الجسدية للشخص، فقد تنشأ عن تأثير بعض المآكل أو المشاهدات، أو أي شيء يواجهه الشخص في حال يقظته مما كان له أثر في النفس أو اختزنته ذاكرته، أو ما إلى ذلك.

و للصادقة صلة من نوع ما بالقوى الظاهرة و الخفية و النواميس الطبيعية المهيمنة التي تؤثر في مسيرة الحياة، إيجابا أو سلبا. و ليس بمقدورنا تحديد حقيقة تلك لقوى و لا تحديد نوع تلك النواميس، كما أننا لا نستطيع تحديد أبعاد، و مدى، و كيفية ذلك التأثير الذي يربط بين عالم الرؤيا، و عالم الواقع الخارجي الكوني و قواه و نواميسه.

و الذي يزيد في حيرتنا هو ما نجده من تأثير حقيقي لتعبير الرؤيا في الواقع الخارجي، و توجيهه باتجاه معين، لينتج واقعا محسوسا يختلف عن واقع محسوس آخر، و أثر تعبير الرؤيا في إبعاد ذاك، ثم في حلول هذا مكانه.

فما هو نوع هذا التأثير، و مداه؟ ! و ما هي مقتضياته؟ ! و كيف تم ذلك؟ و لماذا؟ !

كل ذلك و سواه لا يزال مجهولا لدينا، و ربما يبقى كذلك مجهولا، و المشيئة في ذلك كله إلى اللّه سبحانه.

3-و واضح أن رؤيا هذه المرأة القريظية، قد جاءت لتقدم إنذارا لأولئك

الذين اعتادوا على نقض العهود و المواثيق، و لتريهم مصيرهم الذي ينتظرهم. و هي من الرؤى الصادقة، تماما كرؤيا عاتكة التي حصلت لها قبل حرب بدر، فإنها هي الأخرى قد جاءت إنذارا لأهل مكة المشركين، و إقامة للحجة عليهم، بطريقة تلامس الوجدان الإنساني، و تثير ضميره، و تهزه روحيا من الأعماق.

تزوير التاريخ:

يقول بعض المستشرقين عن قبيلة قريظة: «ظلت هذه القبيلة على الحياد فيما يتعلق بالعمل العسكري، و لكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد، و لو أنها وثقت من قريش و حلفائهم من البدو لانقلبت على محمد.

و قد هاجم محمد قريظة، بعد أن تخلص من أعدائه، ليظهر أن الدولة الإسلامية الفتية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه.

و انسحبت قريظة إلى أطمها، و لم ترد على الهجوم بحماس، ثم أرسلت تطلب الاستسلام بنفس الشروط التي استسلم بها بنو النضير، فأجيبت: أن عليها أن تستسلم بدون قيد أو شرط.

فطلب اليهود استشاره أبي لبابة، فلبى نداءهم.

أما ما جرى بينهما، فلا يزال سرا الخ. . .» (1).

و نقول:

إننا نسجل على هذا الكلام النقاط التالية:

1-إنه يظهر: أن هذا الكاتب يريد تخفيف ذنب بني قريظة، و إبهام


1) محمد في المدينة، لمونتجمري وات ص 326.

حقيقة تصرفاتهم، و ما صدر منهم، بهدف إظهار أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ظلمهم و اعتدى عليهم، و عاقبهم عقوبة لا يستحقونها.

فهو يوحي: أن قريظة لم تنقلب على محمد، لأنها لم تثق بقريش و حلفائها! !

و هو يدّعي: أنها لم ترد على الهجوم بحماس! ! و انسحبت إلى أطمها.

و يدّعي أيضا: أن موقف قريظة لم يزد على أن كان موقفا مشبوها. و قد هاجمها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليظهر أن الدولة الإسلامية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه! ! و قريظة بزعمه قد عرضت الاستسلام بشروط قبلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بني النضير، لكنه رفضها من بني قريظة! ! بل كان «صلى اللّه عليه و آله» -على حد زعمه-يريد أن تستسلم قريظة دون قيد أو شرط مع ما يتضمنه ذلك من معاني التحدي و العنفوان الإسلامي مع الإمعان في إذلال قريظة و تحقيرها.

و هو يدّعي كذلك سرّية ما جرى بين أبي لبابة و بني قريظة. ربما ليضفي-هذا القائل-المزيد من الغموض على حقيقة ما صدر من يهود قريظة، لأنه لا يصرح بتلاومهم على ما صدر منهم، و لا يصرح بمعرفتهم بحقيقة الحكم الذي سيصدر في حقهم-ليظهر أنهم قد أخذوا على حين غرة منهم-لا ينتج ذلك أنهم قد أخذوا خداعا و غدرا.

2-لقد ادّعى ذلك المستشرق: أن ما صدر هو مجرد مفاوضات مع أعداء محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، لم تنته إلى اتفاق، و بقيت قريظة على ولائها، و لم تنقلب على محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

متناسيا حقيقة: أنهم نقضوا العهد، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إليهم سعد بن معاذ، و آخرين ليقنعوهم بالعودة عن موقفهم،

فرفضوا العودة عن نقض العهد، و أسمعوهم ما يكرهون.

و تناسى أيضا: أنهم كانوا قد أرسلوا من تحرش بالنساء المسلمات في أطمهم، و قتلت صفية «رحمها اللّه» واحدا منهم.

ثم تناسى أنهم أرسلوا إلى قريش بأحمال الطعام، فاستولى المسلمون على القافلة، و جرى لهم معها قتال، و كان هناك جرحى، و تناسى و تناسى. . إلى آخر ما هنالك من حقائق دامغة.

3-قد زعم هذا القائل: أن قريظة انسحبت إلى أطمها، و لم ترد على الهجوم بحماس، مع أن بعض النصوص التاريخية تقول: إنهم قد ناجزوا المسلمين خارج حصونهم و ألحقوا بهم بعض الهزائم، كما سيأتي، فما معنى قوله: أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس؟ !

إننا لا ندري: من أين استنتج حقيقة أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس؟ و هم قد قاتلوا المسلمين بإصرار خارج حصونهم، ثم تحصنوا في داخلها مدة طويلة-سيأتي أنها استمرت أياما كثيرة تراوحت الأقوال فيها ما بين عشرة أيام إلى شهر-و لم يفكروا بالاستسلام إلا بعد أن سمعوا عليا «عليه السلام» يقسم على أنه لن يرجع عنهم حتى يفتح اللّه عليه.

4-قوله: إن ما جرى بينهم و بين أبي لبابة قد بقي سرا، غير صحيح فقد ذكرنا موجزا عما جرى بينهم و بين أبي لبابة سيأتي في موضعه من هذا الجزء فراجع.

جبريل يأمر بالمسير إلى بني قريظة:

و تحدّثنا الروايات في مختلف المصادر التاريخية: أن النبي «صلى اللّه عليه

و آله» سار إلى بني قريظة عند منصرفه من الخندق، و ذلك يوم الأربعاء (كما ذكره الواقدي و غيره) لسبع بقين من ذي القعدة، و كانوا على بعد يوم من المدينة.

و أضاف الواقدي: أنه انصرف عنهم لسبع خلون من ذي الحجة (1).

و لما انصرف «صلى اللّه عليه و آله» من الخندق، و دخل المدينة، و وضع السلاح جاءه جبرئيل «عليه السلام» بأمر اللّه سبحانه في شأنهم بعد صلاة الظهر، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، كما ذكره البخاري و غيره (2).

و عن ابن إسحاق: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بلالا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (3). لكن ذكر مسلم


1) راجع المصادر التالية: التنبيه و الإشراف ص 217 و المغازي للواقدي ج 2 ص 496 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و عمدة القاري ج 17 ص 188.

2) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و وفاء الوفاء ص 695 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و الثقات ج 1 ص 274 و جوامع السيرة النبوية ص 152 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244 و 245 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و وفاء الوفاء ج 1 ص 305 و الإكتفاء ج 2 ص 176 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224، و المغازي للذهبي ص 253 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 و 7.

3) فتح الباري ج 7 ص 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9.

و آخرون أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يصلين أحد الظهر (1).

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث يومئذ مناديا ينادي: «يا خيل اللّه اركبي» (2).

في بيت عائشة أم في بيت فاطمة عليها السّلام؟ !

و لتفصيل القول فيما تقدم نقول: قد ذكر المؤرخون: أن جبرئيل جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في بيت عائشة فغسل رأسه، و اغتسل، و دعا بالمجمرة ليجمر، و قد صلى الظهر، فأتاه جبرئيل على بغلة. . على ثناياه النقع، فوقف عند موضع الجنائز، فنادى: عذيرك من محارب.

فخرج «صلى اللّه عليه و آله» فزعا.

فقال له جبرئيل: ألا أراك وضعت اللامة، و لم تضعها الملائكة بعد. لقد طردناهم إلى حمراء الأسد. إن اللّه يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم


1) راجع في ذلك: إرشاد الساري ج 6 ص 328 و 329 و عمدة القاري ج 17 ص 189 و 190 و فتح الباري ج 7 ص 313 و 314 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34 و 35 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 8 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 242.

2) عيون الأثر ج 2 ص 68 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

فمزلزل بهم حصونهم، فدعا «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» الخ. . (1).

و يقول نص آخر عن عائشة: سلّم علينا رجل، و نحن في البيت، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فزعا. فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي.

فقال: هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة.

قالت: فكأني برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمسح الغبار عن وجه جبرئيل «عليه السلام» (2).

أو قالت: بينا هو عندي إذ دق الباب (أو: سمع صوت رجل) فارتاع لذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وثب وثبة منكرة، و خرج، و خرجت في أثره، فإذا رجل على دابة، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» متكي على معرفة الدابة يكلمه فرجعت. . فسألته عن ذلك الرجل، فأخبرها أنه جبرئيل (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و راجع: طبقات ابن سعد (ط دار الأضواء) ج 2 ص 74 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و 332 و 333.

2) راجع: عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 318 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و تاريخ الإسلام (المغازي ص 254) .

3) راجع: عيون الأثر ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 عن البيهقي و دلائل النبوة للأصبهاني ص 437 و مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 8 و 10 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225 و 226.

و نحن نرتاب في صحة هذه الروايات و أضرابها، و ذلك لما يلي: أولا: هي مضطربة و متنافرة إلى حد كبيرة و نشير إلى موردين فقط من موارد التنافر و الاختلاف هما:

1-أن عائشة تذكر: أنها خرجت في أثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فرأته «صلى اللّه عليه و آله» متكئا على معرفة دابة جبريل، فرجعت، فلما دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» سألته عنه، فأخبرها.

لكن في رواية أخرى تقول عائشة: كأني أنظر إلى جبريل من خلل الباب، قد عصب رأسه العنان (الغبار) (1).

و في نص ثالث: كأني أنظر إلى رسول اللّه يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية الكلبي يا رسول اللّه؟ !

فقال: هذا جبرئيل (2).

2-كان في بيت عائشة ساعتئذ، و هي تغسل رأسه و قد غسلت شقه، فجاءه جبريل (3).

مع أن ما تقدم آنفا يقول: فغسل رأسه و اغتسل، و دعا بالمجمر ليجمر، و قد صلى الظهر، فأتاه جبرئيل.


1) الوفا ص 694 و 697 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و 118 و 123 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و فتح الباري ج 7 ص 318 و راجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 171 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347.

2) سيرة ابن إسحاق ص 397.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و راجع: ابن سعد ج 2 ص 75 و 76 و فيه: أنه نادى في الناس: أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل فأتاهم عند الحصن.

و في نص ثالث: أنه وضع لامته و اغتسل و استجمر (1).

ثانيا: قد ذكرت عائشة: أنها رأت جبرئيل من خلل الباب قد عصب رأسه العنان.

و سيأتي: أن كثيرين من الصحابة قد رأوه، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرههم أنه جبرئيل.

و لكن قد روي في المقابل: أن الذي يرى جبرئيل «عليه السلام» يبتلى بالعمى فما رآه أحد إلا طمست عيناه.

فلماذا لم تبتل عائشة، و لا أحد من الصحابة بالعمى بسبب رؤيتهم جبرئيل؟ !

و ستأتي الأحاديث الدالة على ذلك عن قريب.

ثالثا: ذكرت الروايات المتقدمة أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حين جاءه جبريل في بيت عائشة، مع أن ثمة روايات أخرى تخالفها في ذلك، فلاحظ ما يلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حين جاءه جبرئيل في بيت زينب بنت جحش و هي تغسل رأسه.

و في الدر المنثور: يغسل رأسه، و قد غسلت شقه إذ جاء جبرئيل فقال: الخ. . (2).


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 عن الطبراني و سبل الهدي و الرشاد ج 5 ص 8 و 9.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331 و الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن قتادة.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كان في بيت أم سلمة (1).

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حينئذ في بيت فاطمة «عليها السلام» ، فقد قال الديار بكري: «و في رواية في بيت فاطمة» (2).

قال الزهري و عروة: «لما دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، و جعلت فاطمة تغسل رأسه، إذ قال له جبرئيل: رحمك ربك، وضعت السلاح، و لم يضعه أهل السماء؟ ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء» (3).

و في نص آخر: «فضربت فاطمة ابنته غسولا، فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبرئيل على بغلة، معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق، معلق عليها الدر و الياقوت، عليه الغبار (4)ثم يذكر سائر ما تقدم في النص السابق.

و يؤيد هذا القول الأخير: ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا سافر كان آخر عهده ببيت فاطمة، و إذا عاد من سفر، فإن أول ما يبدأ به هو بيت فاطمة «عليها السلام» (5).


1) راجع: زاد المعاد لابن القيم 2 ص 119.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251.

4) إعلام الورى (ط سنة 1390 ه. ق) ص 93 و البحار ج 20 ص 272 و 273 عنه.

5) إحقاق الحق ج 10 ص 229 و 238 و ج 19 ص 105 و 107 عن الإستيعاب و مصادر كثيرة أخرى، و مستدرك الحاكم ج 1 ص 448 و ج 3 ص 155 و 156 و حلية الأولياء ج 2 ص 30 و ج 6 ص 123 و مقتل الحسين للخوارزمي ص 63 و 56 و ذخائر العقبى ص 37 و الجامع الصغير ج 2 ص 294 و ينابيع المودة ص 198 و إسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 189 و 190 و وفاء الوفاء ج 1

و المفروض: أن هذا الأمر قد كان فور عودته من حرب الخندق.

إلا أن يقال: إنه قد مرت فترة كبيرة تكفي لزيارة ابنته فاطمة، ثم انتقاله إلى بيت إحدى زوجاته: أم سلمة، أو زينب، أو عائشة. و هذا ما دعانا إلى اعتبار ذلك القول مؤيدا لا دليلا. .

و نأمل أن لا يخفى على القارئ الكريم: أنه قد كان ثمة من يهتم بالتركيز على نقل خصوص ما يرتبط بعائشة، خصوصا إذا دخلت روايتها، أو روايتهم سيرة ابن إسحاق، أو ابن عقبة، أو الواقدي، أو الصحيحين، ثم يأتي الآخرون، و يقتصرون على نقل ما يجدونه في هذه الكتب، التي تهتم بمنقولات عائشة، و ابن أختها عروة بن الزبير، و أضرابهما.

فيخيل-بعد هذا-للناظر في كتب التاريخ: أن القضية من المسلمات التاريخية، و أن ما عداها شاذ، لا يلتفت إليه.

و هذا الأمر: ينسحب على كثير من القضايا التي حفلت بها كتب التاريخ، و تناقلتها على أوسع نطاق. فإذا راجعت و قارنت، و تتبعت المصادر، فستجد أنها تنتهي إلى مصدر واحد تقريبا في أكثر الأحيان.

(5) -ص 331 و أعلام النساء ج 3 ص 1217 و سنن البيهقي ج 1 ص 26 و نظم درر السمطين ص 177 و تلخيص المستدرك للذهبي ج 3 ص 156 و كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 145 و مسند أحمد ج 5 ص 275 و مختصر سنن أبي داود ج 6 ص 108 و أهل البيت لتوفيق أبي علم ص 120. و عن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع. و راجع: عوالم العلوم ج 11 ص 313 و البحار ج 43 ص 83 و ج 88 ص 93.

غارات و استلاب:

و نلاحظ هنا: أن سياسة القرصنة، و سرقة المواقف، و اقتناص الفضائل، كانت هي المهيمنة على ذهنيات ذلك الفريق، الذي يريد أن يصنع لنفسه و لفريقه تاريخا، و لو بقيمة أن يفرغ التاريخ الحقيقي من محتواه، و أن يقلب الكثير من الأمور رأسا على عقب، لتصب في اتجاه خاص به، رسمه لنفسه، فباع و اشترى، و استولى و استلب، و وهب حسبما رآه ضروريا و مناسبا لذلك الاتجاه.

و هذا الكتاب قد حفل بنماذج كثيرة لهذا الاتجاه يصعب إحصاؤها، و ما فاته مما لم يدخل في نطاق اهتماماته لأكثر من سبب، أكثر من ذلك بأضعاف كثيرة.

و قد نشير إن شاء اللّه في أواخر هذا الكتاب إلى بعض النماذج التي تتناسب مع ما أشرنا إليه في عنوان هذه الفقرة، التي نحن بصدد استكمال الحديث فيها، و هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي دفن في بيت فاطمة «عليها السلام» قد نقلته رواياتهم إلى بيت عائشة، و دفنته هناك.

كما أن السيدة خديجة التي تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكرا لا يتجاوز عمرها الخمس و عشرين سنة، قد جعلتها رواياتهم زوجة لأكثر من أعرابي، و نسبوا لها بنات زعموا أنها ولدتهن.

ثم إنهم عمدوا إلى عائشة، التي كانت كبيرة السن و قد تزوجت قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ولدت ولدا اسمه عبد اللّه، فجعلتها رواياتهم بكرا تزوجها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عمر الست سنين.

و في مورد ثالث: قلبت رواياتهم الإفك الذي كان على ماريا و نزلت في تبرئتها آيات مباركات، ليصبح هذا الإفك على عائشة، و تصبح الآيات

نازلة في حقها.

و على هذه فقس ما سواها.

و سيأتي الملحق الذي أشرنا إليه عقيب هذا الفصل فانتظر.

المسلمون يرون جبرئيل؟ !

و يقول المؤرخون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرج إلى بني قريظة فلما بلغ الصورين (1)(هو موضع قرب المدينة) قال: هل مر بكم أحد.

قالوا: نعم، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ذاك جبرئيل (2).

و في نص آخر: خرج «صلى اللّه عليه و آله» فمر على مجلس من مجالس الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لهم: هل مر بكم الفارس آنفا؟ ثم أخبرهم أنه جبرئيل و ليس دحية.

زاد في نص آخر قوله: أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، و يقذف في قلوبهم الرعب (3).


1) قال الشامي: الصوران: اسم للنخل المجتمع الصغار. موضع في أقصى بقيع الغرقد مما يلي بني قريظة. سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 38.

2) الثقات ج 1 ص 274 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 69. و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247.

3) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 14 و 9 و 11 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 210 عنه و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1

بل جاء في بعض الروايات ما يلي: «و تخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم لحقهم، فجعل كلما مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأحد، فقال: هل مر بكم الفارس؟ ! .

فقالوا: مر بنا دحية بن خليفة، و كان جبرئيل يشبه به» (1).

و يقول نص آخر: «فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاستقبله حارثة بن نعمان.

فقال له: ما الخبر يا حارثة؟

قال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.

فقال: ذاك جبرئيل» (2).

غير أن نصا آخر يذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مر بنفر من بني النجار بالصورين، فيهم حارثة بن النعمان، قد صفوا عليهم السلاح، فقال: هل مر بكم أحد؟ !

قالوا: نعم، دحية الكلبي. .

إلى أن قال: فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا و صففنا.

(3) -ص 251 و البداية و النهاية ج 4 ص 118 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و السيرة الحلبية 2 ص 332 و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و الإكتفاء ج 2 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237 و 226 و 227 و 228 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 254-255.


1) تفسير فرات (ط سنة 1460 ه. ق)174 و البحار ج 20 ص 266 عنه.

2) تفسير القمي ج 2 ص 189 و 190 و البحار ج 20 ص 233 و 234.

و قال لنا: هذا رسول اللّه يطلع عليكم الآن.

قال حارثة بن النعمان: فكنا صفين.

فقال لنا رسول اللّه: ذلك جبريل «بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم، و يقذف الرعب في قلوبهم» .

فكان حارثة بن النعمان يقول: رأيت جبريل من الدهر مرتين: يوم الصورين، و يوم موضع الجنائز، حين رجعنا من حنين (1).

و نقول: إن الروايات المتقدمة تفيد: أن الكثير من المسلمين خصوصا من بني النجار و كذلك حارثة بن النعمان قد رأوا جبريل، إما و هو ينادي في الناس، يأمرهم بالمسير إلى بني قريظة، أو حينما مرّ على مجالسهم، و طلب منهم أن يلبسوا السلاح لأجل ذلك.

قال ابن حزم: «رأى قوم من المسلمين يومئذ جبرئيل في صورة دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيفة، ثم مر عليهم دحية» (2).

مع أنهم يروون: أن من يرى جبرئيل يصاب بالعمى، إذا لم يكن نبيّا.

و نذكر من هذه الروايات ما يلي: 1-روي: أنه رأى ابن عباس رجلا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 498 و 499 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 11 و لم يذكر قول حارثة الأخير، و كذا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

2) جوامع السيرة النبوية ص 152 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 123.

فلم يعرفه، فسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : رأيته؟ !

قال: نعم.

قال: ذلك جبرئيل. أما إنك ستفقد بصرك. فعمي بعد ذلك في آخر عمره (1).

2-و روي أيضا: أن ابن عباس جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عنده رجل، قال: فقمت خلفه. فلما قام الرجل التفت إلي، فقال: يا حبيبي، متى جئت؟ .

قلت: منذ ساعة.

قال: منذ ساعة؟ !

قال: فرأيت عندي أحدا؟ !

قلت: نعم، الرجل.

قال: ذاك جبرئيل. أما إنه ما رآه أحد إلا ذهب بصره، إلا أن يكون نبيا. و أنا أسأل اللّه أن يجعل ذلك في آخر عمرك. اللهم فقهه في الدين، و علمه التأويل، و اجعله من أهل الإيمان (2).

3-و روي: أن ابن عباس قال في عماه بسبب رؤية جبرئيل، و إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بذلك:

إن يأخذ اللّه من عينيّ نورهماففي لساني و قلبي منهما نور


1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 356 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه و راجع: المعجم الكبير 10 ص 292 و مجمع الزوائد ج 9 ص 276 عنه و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 299.

2) تاريخ بغداد ج 14 ص 435 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه.

قلبي ذكي و عقلي غير ذي دخلو في فمي صارم كالسيف مأثور (1)

4-و في رواية أخرى: أن العباس أرسل ولده عبد اللّه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حاجة، فوجد عنده رجلا، فرجع و لم يكلمه، فلقي العباس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، فذكر ذلك له: فقال «صلى اللّه عليه و آله» : يا عم، تدري من ذاك الرجل؟ !

قال: لا.

قال: ذاك جبريل لقيني. لن يموت ولدك حتى يذهب بصره، و يؤتى علما (2).

توضيح لا بد منه:

إننا أردنا بما تقدم: تسجيل تحفظ على ما يذكرونه من رؤية الناس لجبرئيل. . لكن هذا التحفظ لا يعني أن يكون جبرئيل لم يقم بأي عمل في غزوة بني قريظة، إذ من الجائز أن يكون «عليه السلام» قد نادى في الناس، و سمعوا صوته، و يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أخبرهم بأن هذا هو صوت جبرئيل، و ذلك كما حصل في أحد حين نادى:

لا فتى إلا عليلا سيف إلا ذو الفقار

جبرئيل عليه السلام و النبي صلى اللّه عليه و آله:

و مهما يكن من أمر: فإن جبرئيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 356 و قاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه.

2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 و مجمع الزوائد ج 9 ص 277 و قال: رواه الطبراني بأسانيد و رجاله ثقات.

عليه و آله» عن الأحزاب: ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1).

أو قال له: لقد طردناهم إلى حمراء الأسد (2).

ثم أمره بالمسير إلى بني قريظة، و في بعض النصوص أنه قال له: إن اللّه يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم (3).


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و إعلام الورى ص 93(ط سنة 1390) و البحار ج 20 ص 272-273 و تاريخ الخميس ج 1 ص 492.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 4 و 9 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و تفسير فرات (ط سنة 1410 ه. ق) ص 174 و البحار ج 20 ص 266.

3) سيرة مغلطاي ص 56 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 و 228 و 235 و 237 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 12 و البداية و النهاية ج 4 ص 16 و راجع: ص 123 و الوفا ص 694. و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و السيرة الحلبية ج 2 ص 331-333 و الإكتفاء ج 2 ص 176 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و مسند أحمد ج 6 ص 141 و 142 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و مجمع الزوائد ج 6 ص 136 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 255 و وفاء الوفاء ج 1 ص 305 و 306 و حدائق الأنوار ج 2 ص 594 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244 و عيون الأثر ج 2 ص 68 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و 23 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و 242 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10.

و في نص آخر أنه قال: و اللّه لأدقنهم دق البيضة على الصخرة (1).

أو قال له: «اخرج و قد أمرت بقتالهم، و إني غاد بمن معي فنزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا، فأعطى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» الراية، و خرج في إثر جبرئيل، و تخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم لحقهم، فجعل كلما مر الخ. .» (2).

و يقول نص آخر: فجاء جبرئيل و من معه من الملائكة، فقال: يا رسول اللّه، انهض إلى بني قريظة، فقال: إن في أصحابي جهدا (فلو أنظرتهم أياما) .

قال: إنهض إليهم، لأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم، ثم لأضعضعنهم (3).

قال: فأدبر جبريل و من معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار (4)و هم جيران المسجد (5).


1) إعلام الورى ص 93(ط سنة 1390 ه. ق) و البحار ج 20 ص 272 و 273.

2) تفسير فرات (ط سنة 1410 ه. ق) ص 174 و البحار ج 20 ص 266 عنه.

3) راجع: طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 77 و فتح الباري ج 7 ص 313 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

4) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق، و راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 22 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 56 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 وفاء الوفاء ج 1 ص 306 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 437 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 253 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224.

5) مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 123.

و في نص آخر: أن جبرئيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إني قد قلعت أوتادهم، و فتحت أبوابهم، و تركتهم في زلزال و بلبال (1).

النبي صلى اللّه عليه و آله يندب الناس إلى بني قريظة:

قال الطبرسي: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة. .

فقام علي «عليه السلام» ، و معه المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد. و جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يسرب إليه الرجال، فما صلى العصر إلا بعد العشاء (2).

و عند ابن شهر آشوب: «قدم عليا «عليه السلام» و قال: سر على بركة اللّه، فإن اللّه قد وعدكم أرضهم و ديارهم. و معه المهاجرون، و بنو النجار، و بنو الأشهل، و جعل يسرب إليه الرجال.

فلما رأواه قالوا: أقبل إليكم قاتل عمرو. فقال علي «عليه السلام» : الحمد للّه الذي أظهر الإسلام، و قمع الشرك» (3).

و عن عائشة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث بلالا، فأذن في الناس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة.

و لبس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» السلاح، و المغفر، و الدرع،


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

2) إعلام الورى (ط سنة 1390 ه. ق) ص 93 و بحار الأنوار ج 20 ص 272 و 273 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251.

و البيضة، و أخذ قناة بيده، و تقلد الترس، و ركب فرسه (اللحيف) ، وحف به أصحابه، و تلبسوا السلاح، و ركبوا الخيل (1).

و في نص آخر يقول: لبس «صلى اللّه عليه و آله» لامته، و بيضته، و شد السيف في وسطه، و ألقى الترس من وراء كتفه، و أخذ رمحه، و ركب فرسه، و اسمه لحيف، و اجتنب فرسين (2).

و لم يتخلف عنه من المهاجرين أحد، و أفاء عامة الأنصار (3).

و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم (4)أو أبا رهم الغفاري، كلثوم بن


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و 498 و 499. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8-11 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و 242 و راجع أيضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و 333 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

4) الوفا ص 695 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق ص 31 و نور اليقين ص 166 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 68 عنه و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 و البداية و النهاية ج 4 ص 116 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

الحصين (1).

و نحن نشير هنا إلى الأمور التالية:
الأول: قدّم راية المهاجرين:

تقدم أن النص المنقول عن الطبرسي يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة. فقام علي «عليه السلام» و معه المهاجرون و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، الخ. . و أن عامة الأنصار كانوا معه أيضا.

و نحن نشير هنا إلى ما يلي: ألف: قد يدور بخلد البعض أن هذا النص يهدف إلى الإيحاء بأن عليا كان في هذه الغزوة يحمل راية المهاجرين فقط، لا راية الجيش كله. .

و نقول: إن هذا لا يمنع من أن يكون لواء الجيش كله و رايته مع علي، بالإضافة إلى راية المهاجرين التي أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إياها أولا. .

و مما يؤكد ذلك: أن نفس الطبرسي قد صرح بأن الذين قاموا مع علي حين أعطاه راية المهاجرين هم المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، و جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسرب. .

و سيأتي ما يؤكد: أن راية الجيش و لواءه كان في بني قريظة مع علي «عليه السلام» .


1) التنبيه و الإشراف ص 217.

و لعل سر تصريح النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر براية المهاجرين. . ثم ألحقها «صلى اللّه عليه و آله» براية الجيش كله هو ما يلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد أن يفهم بني قريظة: أنهم إذا كانوا قد نقضوا عهده من أجل أن ينصروا أهل مكة في صراعهم معه، فإن هؤلاء أيضا من أهل مكة، و قد جاؤوا لحربهم و قتالهم، و على رأسهم ابن شيخ الأبطح علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

2-إنه إذا كان فريق من قبيلة الأوس يشعر بأن لبني قريظة معه علاقة من نوع ما، و لا بد من التعامل على أساس حفظ هذه العلاقة، و حفظ ما يترتب عليها من التزامات، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف لن يواجههم بما يعتبرونه تفريطا بالتزاماتهم تلك، أو عدم احترام لها، أو قلة وفاء بها، إلا بعد أن تتكون لديهم هم أنفسهم القناعة الكاملة، بما يريد لهم أن يلتزموا بموقف محدد تجاهه.

و لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن هذا قد كان من أسباب بدئه بالمهاجرين في هذه الغزوة بإعطاء رايتهم لعلي «عليه السلام» ، كما أنه كان أيضا من أسباب تقديم النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهل بيته في الحروب، بالإضافة إلى أسباب أخرى ليس هنا محل التعرض لها.

كما أن هذا بالذات هو سبب إرسال سرايا المهاجرين في بداية الهجرة. حتى اقتنع الأنصار بأن مشاركتهم الحربية ليس فيها أي مساس بالتزاماتهم، و لا بما عقدوه مع الآخرين من عهود و عقود، كما أنه يعتبر من صميم التزاماتهم تجاه الإسلام و نبي الإسلام.

ب: قد تقدم مبادرة بني عبد الأشهل، و بني النجار كلهم، ثم لحوق

عامة الأنصار بهم، حيث كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يسربهم إلى علي «عليه السلام» . و ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على مزيد من الوعي، و الإخلاص، و الإحساس بالمسؤولية لدى الأنصار بصورة عامة.

الثاني: حمراء الأسد أو الروحاء:

و قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة أيضا: أن جبرئيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1).

و نحن نشك في صحة ذلك: لأن جبرئيل قد جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ظهر اليوم الذي فر المشركون في ليلته، أو بعد الظهر بقليل. أي بعد فرار المشركين بنصف يوم أو أكثر بقليل، و لا يمكن للمشركين أن يقطعوا المسافة التي بين المدينة و بين الروحاء بهذه المدة القصيرة.

و ذلك لأن الروحاء كانت على بعد ليلتين من المدينة (2)، بينهما أحد و أربعون أو اثنان و أربعون ميلا (3).

و قيل: ستة و ثلاثون (4).


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و إعلام الورى (ط سنة 1390 ه) ص 93 و البحار ج 20 ص 272 و 273.

2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

4) راجع: معجم البلدان ج 3 ص 87 و فيه: يوما، و هو خطأ، و الصحيح ميلا. و مراصد الإطلاع ج 2 ص 637 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1222 و عن صحيح البخاري كتاب البيوع، باب 111 و عن صحيح مسلم كتاب الصلاة ح 15.

و قيل: نحو أربعين (1).

و قيل: ثلاثون (2).

و قيل: أربعة برد (3).

فالصحيح هو تلك الرواية التي تقول: إن الملائكة طردت المشركين حتى بلغوا حمراء الأسد (4)، التي تبعد عن المدينة ثمانية أميال (5).

الثالث: على حمار، أم على فرس؟ !

قد ذكر فيما سبق: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ركب فرسه، و كان له «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أفراس كانت معه.

مع أنه قد روي عن أبي رافع: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غدا إلى بني قريظة على حمار عري، يقال له: يعفور.

زاد في بعض المصادر قوله: و الناس حوله.


1) مراصد الإطلاع ج 2 ص 637 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1222 و معجم البلدان ج 3 ص 87(ط دار الكتب العلمية) و فيه: يوما و هو خطأ، و الصحيح: ميلا.

2) المصادر المتقدمة.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 24 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 9 و تفسير فرات (ط سنة 1410 ه. ق) ص 174 و بحار الأنوار ج 20 ص 266 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254.

5) معجم البلدان ج 2 ص 346 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1196 و مراصد الإطلاع ج 1 ص 424.

و عند ابن سعد: و الناس يمشون (1).

و في شمائل الترمذي: كان «صلى اللّه عليه و آله» يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف ليف (2).

و قال اليعقوبي: و ركب حمارا له (3).

الرابع: من الذي نادى في الناس: علي أم بلال؟ !

و ذكر نص آخر، ذكرناه فيما تقدم أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث بلالا، فأذن في الناس أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة.

بينما نجد نصا آخر يقول: إن قتادة بن النعمان أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن دحية ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ذاك جبرئيل، ادع لي عليا.

فجاء علي، فقال له: ناد في الناس ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فجاء أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فنادى فيهم، فخرج الناس، فبادروا إلى بني قريظة.

و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي بن أبي طالب بين يديه


1) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، و إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 11 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 76 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

مع الراية العظمى الخ. . (1).

و إذا كنا نعلم: أن السياسة كانت تتجه إلى إعطاء كل الأدوار إلى الآخرين و تجاهل، بل و تزوير التاريخ، لإبعاد علي «عليه السلام» عن الواجهة إلى درجة تجعل البعض يتخيل أنه لم يكن قد ولد بعد.

فإننا ندرك السبب: في أنهم يذكرون نصف هذا النص و يرددونه في كتبهم و صحاحهم، و يتجاهلون النصف الآخر، إلى درجة التجرؤ على استبدال علي «عليه السلام» ببلال. كما تقدم.

فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا.

الخامس: رواية لا تصح:

و عن الزهري، عن ابن المسيب، بعد أن تحدث عن هزيمة الأحزاب، قال: «فندب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في طلبهم. فطلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد، قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لامته، و اغتسل، و استجمر، فنادى النبي «صلى اللّه عليه و آله» جبرئيل: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللامة، و لم نضعها نحن! !

فقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» فزعا، فقال لأصحابه: عزمت عليكم ألا تصلّوا العصر حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوها الخ. .» (2).

و نقول:


1) تفسير القمي ج 2 ص 189 و 190 و البحار ج 20 ص 233 و 234.

2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 و راجع: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 و أشار إليه في مجمع الزوائد ج 6 ص 140 عن الطبراني.

أولا: لا ندري لماذا قام النبي «صلى اللّه عليه و آله» فزعا. مع أن المقام مقام طمأنينة مع وجود العنايات الربانية، و التسديد و التوجيه الإلهي، الذي يظهر جليا بمشاركة جبرئيل و الملائكة في هذه الحرب؟ ! .

إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خشي من أن يكون قد ارتكب شيئا من التقصير في مطاردة أعداء اللّه، و القضاء على مصدر الشر و الانحراف و حاشاه أن يقصر! !

ثانيا: إن معظم المسلمين حين جلاء الأحزاب قد تنفسوا الصعداء، و بادروا إلى التوجه نحو المدينة، مخالفين بذلك أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . كما قدمناه سابقا.

فما معنى القول: إنهم طلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد؟ !

ثالثا: قد تقدم آنفا: أن جبرئيل و الملائكة «عليهم السلام» هم الذين طاردوا المشركين إلى حمراء الأسد و الروحاء (1). و لعل الأمر قد اشتبه على ابن المسيب بين غزوة الأحزاب و غزوة أحد، فإن المسلمين إنما طاردوا المشركين إلى حمراء الأسد في غزوة أحد لا الأحزاب.

السادس: لماذا لم يعنف صلى اللّه عليه و آله تاركي الصلاة؟ :

قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن المسلمين اجتمعوا عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» عشاء، فمنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة، و منهم من قد صلى، فذكروا ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما عاب أحدا


1) راجع الهوامش التي تقدمت تحت عنوان: جبرئيل و النبي، و تحت عنوان: في بيت عائشة أم في بيت فاطمة؟ ! ، و تحت عنوان: حمراء الأسد أو الروحاء؟ !

منهم، و في بعض النصوص: أن صلاة العصر حانت و هم في الطريق فذكروا الصلاة، فاحتج الذين لم يصلوا بقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم: لا يصلين أحد العصر، أو الظهر إلا في بني قريظة (1).

و قد اختلفت الكلمات في توجيه ذلك، و نحن نجمل أولا ما ذكروا، ثم نشير إلى بعض النقاط التي تفيد في تأييد أو تفنيد ذلك، فنقول:

1-قد ذكر البعض: أن عدم تعنيفه «صلى اللّه عليه و آله» لأولئك الذين تركوا صلاة العصر إنما هو لأنهم أدركوا أن قيام الدولة الإسلامية، و العمل له ألزم من الصلاة، مع ما لها من مكانة في الإسلام، لأنها إن


1) راجع فيما تقدم: المغازي للواقدي ج 2 ص 500 و جوامع السيرة النبوية ص 152 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و 114 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و ص 246 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 76 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و 14 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 و 245 و صحيح البخاري ج 3 ص 22 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 210 عنه، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225-228 و البداية و النهاية ج 4 ص 117 و 119 و الروض الأنف ج 3 ص 281 و حدائق الأنوار ج 2 ص 594 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و مجمع الزوائد ج 6 ص 140 و بهجة المحافل ج 1 ص 272 و 273 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 253 و 254 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 10 و 33-35 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 173 و صحيح مسلم ج 5 ص 162 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6-8 و 12 و الإكتفاء ج 2 ص 177 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و الثقات ج 1 ص 274 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و فتح الباري ج 7 ص 314.

أقيمت دولة الإسلام أقيمت الصلاة، و سائر تعاليم الإسلام (1).

و نقول:

إن هذا الكلام لا يصح، و ذلك لما يلي:

أولا: إنه حين لم يعب أحدا منهم، فإما أن يكون الفريقان معا على صواب، و هذا غير معقول، أو يكون أحدهما مصيبا و الآخر مخطئا. فاللازم في هذه الحالة هو تعليم المخطئ و إرشاده إلى الخطأ الذي وقع فيه.

ثانيا: لو صح هذا الكلام، لكان بوسع كل من يسعى لإقامة دولة إسلامية أن يترك الصلاة ما دام يعمل في هذا السبيل.

بل كان له أن يترك سائر شعائر الإسلام، و أحكامه، إذا جاز له ترك عمود الدين، للعلم القطعي بعدم وجود خصوصية للصلاة في هذا المورد. .

2-و ذكر البعض توجيها آخر لما ذكروا من عدم تعنيف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمن صلى، و لمن ترك الصلاة.

فادّعى: أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، و امتثال الأمر في المحافظة على الوقت، و إنما لم يعنف «صلى اللّه عليه و آله» الذين أخروها: لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، و لأنهم اجتهدوا فأخروا امتثالا للأمر، لكنهم لم يصلوا إلى أن يكونوا في أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى (2).

و عبارة البعض هنا تقول: «إن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن


1) التفسير السياسي للسيرة ص 279 و 280.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494.

الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة، المبادرة بالذهاب إليهم، و أن لا يشتغل عنه بشيء لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه، من حيث أنه تأخير.

فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى، لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت. و أخذ آخرون بظاهر اللفظ و حقيقته، فأخروها. و لم يعنف النبي «صلى اللّه عليه و آله» واحدا من الفريقين لأنهم مجتهدون (1).

و نقول تعليقا على ذلك: إننا نرى: أن سبب عدم عيب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ترك صلاته ليس هو ما ذكره هؤلاء و لا يمكن استفادة ضابطة و لا تأسيس أي من القواعد التي استفادوها، و أسسوا و بنوا عليها، استنادا إلى فهمهم المنقول عنهم آنفا، لأنه فهم خاطئ، و لا مبرر له.

بل السبب: في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما عاب، و لا عنف، و لا لام أحدا منهم على ذلك هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عذرهم بفهمهم الخاطئ لمرمى كلامه، رغم وضوحه و ظهوره.

و ذلك إن دل على شيء: فإنه ليس فقط لا يدل على اجتهادهم المدّعى، بل هو يدل على تدن خطير في مستوى تفكيرهم، إلى درجة يلحقهم بالقاصرين، الذين يعذرون فيما يأتونه و يرتكبونه عن جهل و قصور.

فقد كان من الواضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين أمرهم بالمسير إلى


1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98.

بني قريظة على النحو المتقدم، إنما أراد منهم الإسراع في ذلك إلى درجة أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد منهم أن يصلوا إليها حينما يحين وقت صلاة العصر، أو قبل ذلك.

و هذا بالذات هو الذي فهمه الذين صلوا في الطريق، كما ذكره البعض (1). لا أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يسقط عنهم الصلاة في خارج منطقة بني قريظة.

و الذين صلوا في الطريق كانوا-فيما يظهر-هم الفئة الأكثر وعيا، و تفهما للكلام في مداليله اللغوية و العرفية.

3-أما ابن حزم فقد قال: «أما التعنيف، فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية، و هو يعلم أنها معصية، و أما من تأول للخير، فهو-و إن لم يصادف الحق-غير معنف. و علم اللّه أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة، و لو بعد أيام.

و لا فرق بين نقله «صلى اللّه عليه و آله» صلاة في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، و بين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، و صلاة العصر من يوم عرفة إلى وقت الظهر. و الطاعة في ذلك واجبة (2).


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 227 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و 34 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و فتح الباري ج 7 ص 315 و أول ص 316.

2) جوامع السيرة النبوية ص 152 و 153 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 118.

و نقول:

لقد غلط ابن حزم هنا غلطا فاحشا، و ذلك لما يلي:

أولا: اعتبر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نقل صلاة العصر إلى بني قريظة، بحيث لو لم يذهبوا إلى بني قريظة إلا بعد أيام لتركوا صلاة العصر في كل تلك الأيام، و لو كان ابن حزم معهم لفعل مثل فعلهم أيضا.

مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ينقل الصلاة، بل أمرهم بالإسراع في الحضور إلى بني قريظة، بهذا الأسلوب، بحيث لو تأخر بعضهم عمدا، أو انصرف عن الذهاب عصيانا، أو لعذر فإن صلاة العصر لا تسقط عنه، بل تبقى واجبة عليه، و عليه أن يصليها في مكانه أينما كان. و لو أن ابن حزم فعل غير هذا لكان هو الآخر مخطئا، كما أخطأ ذلك الفريق من الصحابة في تركهم الصلاة في وقتها.

ثانيا: لقد ناقض ابن حزم نفسه حين أشار إلى أن الذين أخروا صلاتهم، قد تأولوا قصدا للخير، و إن لم يصادفوا الحق. ثم اعتبر-من جهة أخرى-أن صلاة العصر لم تكن واجبة عليهم إلا في بني قريظة.

ثالثا: لماذا التزم ابن حزم باختصاص هذا الحكم بصلاة العصر، أو الظهر، و لا يتعداها إلى غيرها، مع أن ما ذكره من التعليل بالتأول قصدا للخير يقتضى تعميم ذلك؟ كما أن تصريحه بنقل الصلاة إلى بني قريظة يجعل الحكم مختصا بصلاة العصر في ذلك اليوم فقط!

رابعا: قد ادّعى: أن صلاة المغرب قد نقلت ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، و أن صلاة العصر قد نقلت يوم عرفة إلى وقت الظهر. و أن صلاة العصر قد نقلت يوم بني قريظة إلى بني قريظة. مع أن وقت المغرب مستمر إلى ما قبل

منتصف الليل بقليل، و تختص هي في أول المغرب بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها و بين العشاء إلى ما قبل منتصف الليل بمقدار أربع ركعات و هو يختص بالعشاء.

كما أن الظهر تختص في أول الزوال بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها و بين العصر إلى ما قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات التي هي خاصة بالعصر.

غير أن وقت فضيلة الظهر و زيادة المثوبة عليها يمتد إلى حين يصير ظل كل شاخص مثله، و وقت فضيلة العصر و زيادة المثوبة عليها تمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.

و يؤيد ذلك، بل يدل عليه قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (1).

فإنه تعالى لم يذكر في كتابه الكريم إلا ثلاثة أوقات للصلاة، و لا ينطبق ذلك إلا على التقدير الذي ذكرناه آنفا.

خامسا: إن كلام ابن حزم لو سلمناه، فإنما يصح لو كانت قد فاتتهم صلاة العصر فقط، أما لو كان الفائت هو صلاتي الظهر و العصر معا، كما في بعض الروايات و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لهم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فلا يستطيع ابن حزم أن يثبت نقل كلا الصلاتين إلى بني قريظة؛ لأن المذكور في كلامه «صلى اللّه عليه و آله» هو إحداهما أما الأخرى و هي العصر، فإنه لم يصرح بنقلها، فكيف تركوها؟


1) الآية 78 من سورة الإسراء.

و النصوص التي هي محط نظرنا هي التالية: في البخاري-في جميع الروايات-: لا يصلين أحد العصر، و في مسلم: الظهر، مع اتفاقهما على روايتهما عن شيخ واحد، بإسناد واحد (1).

و وافق البخاري أبو نعيم، و أصحاب المغازي، و الطبراني، و البيهقي في دلائله (2)و الإسماعيلي.

و وافق مسلما: أبو يعلى، و ابن سعد (3)، و أبو عوانة (4)، و ابن حبان (5)

و قد جمع البعض بينهما باحتمال أن يكون بعضهم كان قد صلى الظهر قبل الأمر بالذهاب و بعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر، و لمن صلاها: لا يصلين أحد العصر.

أو أن طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، و للتي بعدها: العصر.

قال ابن حجر: و كلاهما جمع لا بأس به.

لكن يبعده اتحاد المخرج؛ لأنه عند الشيخين بإسناد واحد، من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال أسناده قد حدث به على الوجهين، إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، و لم يوجد ذلك.


1) راجع: هامش كتاب الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 321.

2) راجع: كتاب الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 8.

3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 76.

4) مسند أبي عوانة ج 4 ص 173.

5) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 320 و 321.

و قيل: في وجه الجمع أيضا: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قال لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبا: لا يصلين أحد الظهر.

و قال لغيرهم: لا يصلين أحد العصر (1).

هذا كله: مع العلم بأن المسافة إلى بني قريظة لم تكن بعيدة، بل كانت لا تحتاج إلى أكثر من ساعتين من نهار، كما سنرى.

إستفادات و دلالات:

قد ذكروا: أنه يستفاد من هذا التشريع-أعني جواز ترك الصلاة استنادا إلى اجتهاد أو فهم مشابه-الأمور التالية:

1-إنه لا إثم في الخطأ، كما قال «صلى اللّه عليه و آله» : رفع عن أمتي الخطأ و النسيان (2).

2-إن هذا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير (3).

3-إن هذا منه «صلى اللّه عليه و آله» تقرير لمبدأ الاجتهاد في استنباط


1) راجع المصادر التالية: إرشاد الساري ج 6 ص 328 و 329 و عمدة القاري ج 17 ص 189 و 190 و فتح الباري ج 7 ص 313 و 314 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33 و 34 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و السيرة الحلبية ج 2 ص 332.

2) خاتم النبيين ج 2 ص 951 و فتح الباري ج 7 ص 315 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34.

3) خاتم النبيين ج 2 ص 351.

الأحكام الشرعية.

4-إن المتخالفين في الاجتهاد معذوران، و مثابان، سواء قلنا: «إن المصيب واحد، أو متعدد» (1).

5-إن استئصال الخلاف في مسائل الفروع، التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم.

حكمة ذلك كله: هو أن تكون الاجتهادات المختلفة وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا، ليمكن للمسلمين أن يأخذوا بأيها شاؤوا حسب ظروفهم و مصالحهم. و هذا من مظاهر رحمة اللّه لهم (2).

6-في هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. و في حكم داود و سليمان في الحرث أصل لهذا الأصل أيضا.

و لا يستحيل أن يكون الشيء صوابا في حق إنسان، و خطأ في حق غيره. فيكون من اجتهد في مسألة، فأداه اجتهاده إلى التحليل مصيبا في استحلاله، و آخر اجتهد فأداه اجتهاده و نظره إلى التحريم مصيبا في تحريمه.

و إنما المحال: أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين، في حق شخص واحد» (3).

و قال ابن الديبع: «و في ذلك فسحة للمجتهدين رضي اللّه عنهم، و أن كل مجتهد مصيب، أي في الفروع، إذا لم يخص واحدا من الفريقين بصواب


1) فقه السيرة للبوطي ص 307 و 308.

2) المصدر السابق.

3) الروض الأنف ج 3 ص 281 و فتح الباري ج 7 ص 315 و راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 334.

ما ذهب إليه» (1).

7- «فيه دلالة لمن يقول بالمفهوم.

8-و القياس.

9-و مراعاة المعنى.

10-و لمن يقول بالظاهر أيضا» (2).

11-و فيه أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل وسعه في الاجتهاد (3).

و نقول: أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما ترك تعنيف كلا الطائفتين و مجرد ترك التعنيف لا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين.

و لا على التصويب لكلا الفريقين، و لا على كون المجتهد لا يعنف، و إن أخطأ، إذا بذل وسعه في الاجتهاد (4). كما أنه لا يدل على وجود مجتهدين في البين؟ ؟

و لا على كون المتخالفين في الاجتهاد معذورين و مثابين.

و لا على القياس أو المفهوم، أو مراعاة المعنى. .


1) حدائق الأنوار ج 2 ص 595 و راجع: شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98.

2) النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98.

3) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 315.

4) راجع: شرح النووي على صحيح مسلم ج 2 ص 98 و فتح الباري ج 7 ص 315.

و لا، و لا. . .

بل هو يدل فقط: على عدم توجه العقاب على كلا الفريقين.

ثانيا: بالنسبة للتصويب نقول: ألف: قد قلنا: إن هذه الحادثة لا تدل على وجود مجتهدين، لا بين الذين تركوا صلاة العصر، و لا بين الذين صلوها.

ب: لو سلم وجود مجتهدين، و أن ما جرى قد نشأ عن اجتهاد من كلا الفريقين، فلا يدل موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على التصويب، بل على مجرد المعذورية في صورة الخطأ، أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عذرهم بفهمهم الخاطئ، و ليس المورد من موارد الاجتهاد، فضلا عن كونه صوابا أو خطأ.

ج: إن نظرية التصويب باطلة عقلا، فلا بد من التأمل في صحة أو في دلالة ما ظاهره ذلك، إذ لا يمكن أن يخالف الشرع العقل في أحكامه الصريحة.

د: قد عبر البعض عن هذا التصويب، بأن يتمكن المسلمون أن يأخذوا بأيهما شاؤوا، تبعا لحاجاتهم، و ظروفهم و مصالحهم.

و هذا يعني: أن تكون الأحكام تابعة لأهواء الناس و مصالحهم، و هل هذا إلا تشريع التلاعب بالدين و أحكامه؟ و القضاء على رموزه و أعلامه؟ !

ثالثا: بالنسبة لجواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير نقول: ألف: إن هذا الكلام لم يظهر له معنى، إذا كان التأخير عن خطأ، كما صرح به هذا القائل نفسه، فإن المخطئ معذور في خطئه إن كان عن قصور، لا أنه يثبت له حكم شرعي في المورد الذي أخطأ فيه هو الجواز، أو غيره من الأحكام.

ب: لا ندري ما معنى جواز التأخير بنية الأداء، بعد فوت الوقت. فإن الفوات قد تحقق بعد غروب الشمس، فما معنى نية الأداء لصلاة العصر في خارج وقتها؟ !

رابعا: إن إثبات الاجتهاد لجميع أولئك الناس، الذين كان فيهم العالم و الجاهل و الكبير و الصغير، و لو في أوائل بلوغه، و العالم و الفلاح و الخ. . دونه خرط القتاد.

خامسا: إن المسافة بين المدينة و بين بني قريظة قريبة جدا، لا تحتاج إلى أكثر من ساعة أو ساعتين على أبعد تقدير لقطعها.

و المفروض: أن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للمسلمين بالمسير قد كان قبل صلاة العصر، بل و ربما قبل الظهر، فتأخر البعض في الوصول إلى بني قريظة إلى ما بعد العشاء الآخرة ليس له ما يبرره إلا تباطؤ هذا البعض في تنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و يؤكد هذا: أن قسما من الناس قد صلوا العصر في بني قريظة، و لم يقع منهم أي تأخير. و عدم صلاة ذلك الفريق الآخر-حتى لو سلمنا أنهم قد فهموا الحكم الشرعي بصورة خاطئة، أو أنهم لم يفهموا حقيقة مغزى كلامه «صلى اللّه عليه و آله» -.

نعم، إن عدم صلاتهم لا مبرر له إلا التباطؤ و عدم الاهتمام بتنفيذ مراداته «صلى اللّه عليه و آله» و تحقيق مقاصده. .

أمران يحسن إيضاحهما:
اشارة

أحدهما: أننا نرجح رواية: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، على

رواية العصر. و ذلك لعدة أسباب. .

الثاني: بيان المسافة بين المدينة و قريظة، و أنها لا تستغرق أكثر من ساعتين على أبعد تقدير، و قد تباطأوا أو تواطأوا على التسويف في تنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و نحن نوضح هذين الأمرين، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، فنقول:

1-لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة:

أما بالنسبة لترجيح رواية: لا تصلوا الظهر، فقد تقدم منا: أن جبرئيل قد جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن على ثناياه لنقع الغبار، و أخبره: أن الملائكة لم يضعوا السلاح، بل ما زالوا يتعقبون المشركين إلى حمراء الأسد التي كانت تبعد عن المدينة ثمانية أميال فقط، و لا يحتاج الوصول إليها و الرجوع منها إلى أكثر من ساعات قليلة لا تصل إلى ربع أو ثلث يوم.

مع أنه: كان قد مضى على انهزام الأحزاب حوالي نصف يوم.

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى أمر الناس بالمسير إلى بني قريظة بمجرد سماعه ذلك من جبرئيل، فإن معنى ذلك هو أنه قد طلب ذلك من الناس في وقت الضحى، و قبل صلاة الظهر بساعات يمكن فيها الوصول إلى بني قريظة قبل حلول وقت الظهر. و ذلك واضح.

2-المسير إلى قريظة في نحو ساعتين:
اشارة

و أما بالنسبة إلى الأمر الثاني: و هو أن الوصول إلى بني قريظة لا يحتاج إلى وقت طويل نقول:

إن ذلك يتضح إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما يلي:

ألف: بنو قريظة في عوالي المدينة:

إن منازل بني قريظة كانت بالعالية (عالية المدينة) على وادي مهزور (1)حيث يقع مسجد بني قريظة الذي هو بالعوالي على باب حديقة تعرف بحاجزة-شرقي مسجد الشمس-(أعني مسجد الفضيخ) ، الذي يقع هو الآخر شرقي مسجد قباء (2)في الحرة الشرقية المعروفة بحرة و اقم، و تسمى حرة بني قريظة أيضا، لأنهم كانوا بطرفها القبلي (3).

ب: كم يستغرق المسير إلى العوالي:

قد وردت روايات تفيد: أن الذهاب إلى العوالي لا يستغرق وقتا كبيرا.

فقد ذكرت نصوص: أن البعض كان يسير من مسجد المدينة بعد صلاة العصر، فيصل إلى العوالي، و الشمس بيضاء حية، نقية، مرتفعة.

و قد حددت نفس هذه النصوص المسافة التي كان يقطعها بميلين، و ثلاثة، و أربعة، و ستة. و سيأتي تفسير هذا الاختلاف، و النصوص هي التالية:

1-روي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي العصر، و الشمس (بيضاء) مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيها،


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 161 و ج 3 ص 1076 و راجع: معجم البلدان (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 346 و ج 5 ص 234 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 287.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 823 و 824 و 821 و مرآة الحرمين ج 1 ص 419.

3) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1188.

و الشمس مرتفعة (1).

و في البخاري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه كان يذهب بعد صلاة العصر إلى العوالي فيأتيها و الشمس مرتفعة (2).

و بعض المصادر ذكرت النص المتقدم، و لم تذكر عبارة: فيأتي العوالي، أو فيأتيها (3). و عدم ذكر ذلك لا يضر في المقصود، لأنه إنما يتحدث عن التبكير في صلاة العصر، و لا يتم ذلك إلا إذا قدر الوصول إليها قبل المغرب، كما هو ظاهر.

2-عن أنس: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دار أبو لبابة بن عبد المنذر، و أهله بقباء، و أبو عبيس بن خير، و مسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العصر، ثم يأتيان قومهما، و ما صلوا لتعجيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) راجع: صحيح مسلم ج 2 ص 109 و سنن الدارقطني ج 1 ص 253 و صحيح البخاري ج 1 ص 69 و ج 4 ص 170 و سنن الدارمي ج 1 ص 274 و السنن الكبرى ج 1 ص 440 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 493 و 496.

2) صحيح البخاري ج 4 ص 170.

3) سنن أبي داود ج 1 ص 111 و مختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 و مسند أحمد ج 3 ص 161 و 217 و سنن النسائي ج 1 ص 253 و مسند أبي عوانة ج 1 ص 351 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 223 و المصنف للصنعاني ج 1 ص 547 و كنز العمال ج 8 ص 27 عنه و عن ابن أبي شيبة. و السنن الكبرى ج 1 ص 440 و نصب الراية ج 1 ص 246 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 190 و التمهيد ج 6 ص 179.

و آله» بها (1).

و يلاحظ: أن أبا لبابة إنما كان يسكن في منطقة بني قريظة، الذين كانت منازلهم بالقرب من قباء و قباء من العوالي (2). و لم يكن يسكن في قباء نفسها، كما يظهر من الرواية الآنفة الذكر.

و يدل على ذلك: ما سيأتي من أنه تعهد بأن يهجر دار قومه التي أصاب فيها الذنب و دار قومه هي دار بني قريظة (3)، «لأن ماله و ولده، و عياله كانت في بني قريظة» (4).

و قد ذكر المؤرخون: أن أبا لبابة كان مناصحا لهم.

و مهما يكن من أمر: فإن هذا يدل على أن بني قريظة كانوا يسكنون في أدنى العالية، أي قرب منازل بني عمرو بن عوف.

و لسوف يأتي تحديد العالية، قربا و بعدا، بعد قليل.


1) سنن الدارقطني ج 1 ص 254 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 189 و 190 و شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35.

2) راجع: إرشاد الساري ج 1 ص 494 و شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35.

3) عيون الأثر ج 2 ص 70 و 71 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 179 و المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 246 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 18 و 19 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و راجع: قاموس الرجال ج 2 ص 211.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495.

3-روي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي العصر، و الشمس بيضاء، نقية مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة، ستة أميال، قبل غروب الشمس (1).

4-سأل ثابت بن عبيد أنسا عن وقت العصر، فقال: وقتها أن تسير ستة أميال إلى أن تغرب الشمس (2).

5-عن أبي أروى: كنت أصلي مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة بالمدينة، ثم آتي ذا الحليفة، قبل أن تغيب الشمس، و هي على قدر فرسخين

و في نص آخر: ستة أميال (3). و الفرسخان عبارة عن ستة أميال، لأن الميل ثلث فرسخ (4).

قال الطحاوي: «قد يجوز أن يكون ذلك سيرا على الأقدام، و قد يجوز أن يكون سيرا على الإبل و الدواب، فنظرنا في ذلك، فإذا. . قال حدثنا أبو أروى، قال: كنت أصلي العصر مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أمشي إلى ذي الحليفة، فآتيهم قبل أن تغيب الشمس، ففي هذا الحديث: أنه كان يأتيها ماشيا» (5).


1) سنن الدارقطني ج 1 ص 252 و السنن الكبرى ج 1 ص 441.

2) التمهيد ج 1 ص 298.

3) راجع: تحفة الأحوذي ج 1 ص 493 عن البزار، و أحمد، و الطبراني في الكبير، و التمهيد ج 6 ص 181 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 191.

4) عمدة القاري ج 25 ص 57 و 37 و إرشاد الساري ج 10 ص 333.

5) راجع: شرح معاني الآثار ج 1 ص 191.

ج: ما المراد بكون الشمس حية؟ :

قد تقدم: التعبير بكون الشمس حية.

و حياتها: أن تجد حرها كما عن خيثمة و الخطابي (1).

و قيل: حياتها وجود ضوئها، و صفاء لونها، قبل أن يصفر و يتغير (2).

و قال الزين ابن المنير: حياتها: قوة أثرها: حرارة، و لونا، و شعاعا، و إنارة، و ذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء (3).

د: بعد العوالي عن مسجد النبي صلى اللّه عليه و آله:

و حين ذكر الحديث: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي العصر، ثم يذهب هو أو غيره إلى العوالي فيأتيها و الشمس مرتفعة، ألحق في نهاية هذا الحديث نفسه تحديدا لبعد العوالي عن المسجد النبوي، فقال: و العوالي من المدينة على ستة أميال (4).


1) راجع: سنن أبي داود ج 1 ص 111 و مختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 و التمهيد ج 1 ص 300 و فتح الباري ج 2 ص 22 و نيل الأوطار ج 1 ص 391 و التعليق المغني على سنن الدارقطني ج 1 ص 253 و السنن الكبرى ج 1 ص 441 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122.

2) زهر الربى على المجتبى ج 1 ص 253 و 254 و عون المعبود ج 2 ص 77 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122 و إرشاد الساري ج 1 ص 493.

3) راجع: فتح الباري ج 2 ص 22.

4) سنن الدارقطني ج 1 ص 253 و إرشاد الساري ج 1 ص 493 عنه، و كذا في عمدة القاري ج 5 ص 37 و فتح الباري ج 2 ص 23.

و في نص آخر: و بعض (و بعد) العوالي من المدينة على أربعة أميال و نحوه (1).

و عند السمهودي: «المعروف: أن ما كان في جهة القبلة فأكثر من المسجد النبوي فهو عالية» .

و يدل على ذلك: أن السنح، و هو منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة، و بينه و بين مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ميل (2).

و بعض المصادر تقول: و العوالي على ميلين، أو ثلاثة من المدينة، و أحسبه قال: أو أربعة (3).

و في بعضها: على ميلين أو ثلاثة (4).

أو: على أربعة أميال، أو ثلاثة (5).


1) صحيح البخاري ج 1 ص 69 و السنن الكبرى ج 1 ص 440 و تحفة الأحوذي ص 493 و 496 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1261 و نيل الأوطار ج 1 ص 391 و المنتقى لابن تيمية ج 1 ص 210.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1261.

3) سنن أبي داود ج 1 ص 111 و مختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 و مسند أحمد ج 3 ص 161 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 547 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1261 و السنن الكبرى ج 1 ص 440 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 190 و نصب الراية ج 1 ص 246.

4) عمدة القاري ج 5 ص 37 و شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35 و فتح الباري ج 2 ص 23.

5) السنن الكبرى ج 1 ص 440 و عمدة القاري ج 5 ص 37 عنه و صحيح البخاري ج 4 ص 170 و فتح الباري ج 2 ص 23 و وفاء الوفاء ج 1261.

قال عياض: هذا حد أدناها، و أبعدها ثمانية أميال، و به جزم ابن عبد البر، و صاحب النهاية (1).

و في العتيبة، أو المدونة، عن مالك: أقصى العالية ثلاثة أميال، يعني من المسجد النبوي (2).

قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، و إلا، فأبعدها ثمانية أميال (3)، أو عشرة (4).

أما السمهودي فقال: «طريق الجمع: إن أدنى العوالي من المدينة على ميل، أو ميلين. و أقصاها عمارة على ثلاثة أو أربعة أميال، و أقصاها مطلقا ثمانية أميال» (5).

و اعتبر البعض: أن أقرب العوالي ميلان، و أبعدها ستة (6).

و عند النووي و الشوكاني: «العوالي هي القرى حول المدينة، أبعدها على ثمانية أميال من المدينة، و أقربها ميلان، و بعضها ثلاثة أميال» (7).


1) إرشاد الساري ج 1 ص 493.

2) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1261 و قال: و ذكره ابن حزم أيضا، و نقله الحافظ ابن حجر عن أبي عبيد، و عمدة القاري ج 5 ص 37 و فتح الباري ج 2 ص 23.

3) إرشاد الساري ج 1 ص 493 و عمدة القاري ج 5 ص 37 و فتح الباري ج 2 ص 23 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1261.

4) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35.

5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1262.

6) إرشاد الساري ج 1 ص 493.

7) شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122 و نيل الأوطار ج 1 ص 391 و راجع: الإستذكار ج 1 ص 344.

و قيل: أقرب العوالي من المدينة ميلان أو ثلاثة (1)، و منها ما يكون على ثمانية أميال أو عشرة (2).

عذر أقبح من ذنب:

و من الغريب و العجيب-و ما عشت أراك الدهر عجبا-قول العسقلاني هنا:

«أما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق، و كان ذلك قبل صلاة الخوف فليس بواضح؛ لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان، و ذلك بيّن في قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعمر، لما قال له: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: و اللّه ما صليتها، لأنه لو كان ذاكرا لها لبادر إليها كما صنع عمر، انتهى» (3).

و هكذا، فإن نتيجة كلام العسقلاني هي: أن عمر كان أذكر للصلاة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! و أكثر اهتماما بشأنها. و لم ينسها عمر (رغم انشغاله الشديد بأمر الحرب في الخندق حتى لقد حقق أعظم الإنتصارات فيها! ! و قتل أعظم فرسانها! ! و هزم الأحزاب، و فرق جمعهم


1) الجوهر النقي (مطبوع بهامش سنن البيهقي) ج 1 ص 441 و التمهيد ج 6 ص 178 و راجع: شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1261 و قال: ذكره ابن حزم أيضا و نقله ابن حجر عن أبي عبيد.

2) التمهيد ج 6 ص 178 و شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35.

3) فتح الباري ج 7 ص 316.

بسبب ضربته الكبرى، التي تعدل عبادة الثقلين (1)، أو انشغاله بالهزيمة و الاختباء في الحديقة هو و طلحة و آخرون، حتى فضحت أمرهم عائشة) .

أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي لم يقم بأي شيء من ذلك: فقد نسي صلاته و ذلك يعني-كما يريد هؤلاء أن يقولوا-: أن الصلاة كانت لا تمثل لدى هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» شيئا ذا أهمية رغم كونه نبي هذه الأمة و هو الأسوة و القدوة.

نعم. . هذا ما يوحي به كلام العسقلاني الذي لم يعجبه نسبة تأخير الصلاة عمدا لبعض الصحابة، الذي قد يظهر أن بعضهم لا يجوز-بنظره- نسبة أي قصور أو تقصير إليه، بل لا بد من الاهتمام به و الحفاظ عليه أكثر من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و حتى على حساب عصمته و نبوّته.

و الملفت هنا: أن مسلما يروي في صحيحه هذه القضية بصورة ليس فيها ذلك، فيقول:

«عن عبد اللّه قال: حبس المشركون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللّه أجوافهم و قبورهم نارا الخ. .» (2).


1) هذا الكلام قد جاء على سبيل التعجب و الحقيقة هي أن عليا «عليه السلام» هو الذي فعل ذلك كله.

2) صحيح مسلم ج 2 ص 122 و مسند أبي عوانة ج 1 ص 356 و المنتقى لابن تيمية ج 1 ص 213 عن أحمد و مسلم و ابن ماجة.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل السابع: معنويات الجيشين، و الرعب و الخوف أيام الحصار 5-26

الفصل الثامن: عقد عيينة مكذوب 27-48

الباب الثاني: معركة الخندق

الفصل الأول: الحصار و القتال 51-111

الفصل الثاني: ضربة علي عليه السلام يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين 113-192

الفصل الثالث: كيف انتهت حرب الخندق 193-254

الباب الثالث: غزوة بني قريظة

الفصل الأول: المسير إلى حصون قريظة 263-322

الفهارس 323-336

2-الفهرس التفصيلي

الفصل السابع معنويات الجيشين، و الرعب و الخوف أيام الحصار

الحالة المعنوية لجيش الأحزاب:7

المسلمون في مواجهة الأحزاب:8

الحالة العامة:8

يقين أهل الإيمان:9

حالة المنافقين:10

النصوص التاريخية:11

مواقف المنافقين:14

من الذي قال: بيوتنا عورة؟ !17

من بقي مع النبي صلى اللّه عليه و آله في المواجهة؟ !19

الحارث بن عوف:20

رهبة الليل:20

خوف الرسول صلى اللّه عليه و آله:20

إتهام أحد البدريين بالنفاق:21

هيكل يخطئ في تصويراته و تصوراته:22

الفصل الثامن: عقد عيينة. . مكذوب

العقد المزعوم مع عيينة بن حصن:29

نقاط ضعف في هذا الإتفاق:33

1-التناقض و الاختلاف:33

2-الحارث بن عوف:34

3-سعد بن الربيع:34

4-استشارة السعود، و إعطاء الدنية:34

5-المراوضة و كتابة الصلح:35

6-العجز و الفشل:36

7-رأي النبي صلى اللّه عليه و آله و رأي غيره:36

8-اتهام النبي صلى اللّه عليه و آله:37

9-فصلب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:37

10-الاحتفاظ بسرية هذا العقد:38

11-أدب عيينة، و غيرة ابن حضير:38

12-فأسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:39

المساس بشرف الإسلام:40

إستفادات و توجيهات:40

مناقشة سريعة:44

المشورة و قيمة رأي النبي صلى اللّه عليه و آله:46

الصحيح و المقبول في هذه القضية:47

الباب الثاني: معركة الخندق الفصل الأول: الحصار و القتال

بداية الحديث:53

مدة الحصار:53

الحراسة:57

وقفات مع ما تقدم:61

فضائل موهومة لسعد و لعائشة:66

نساء النبي صلى اللّه عليه و آله في غزوة الخندق:68

المواجهة بين الفريقين:69

القتال بين المسلمين و المشركين:69

ملاحظة:72

كلام العلامة الحسني رحمه اللّه:73

روايات مشبوهة:73

دعوى قتل طليعة للنبي صلى اللّه عليه و آله:76

حديث أم سلمة:77

حديث آخر ينسب لأم سلمة:79

إصابة سعد بن معاذ بسهم:81

حديث عائشة حول سعد:83

الاختلاف في من قتل سعد بن معاذ:85

سعد في خيمة رفيدة:85

إصابة أبي بن كعب في أكحله:86

هل فر عمر و طلحة في غزوة الخندق؟86

من بطولات سعد بن أبي وقاص:89

بطولات وهمية للزبير:90

قدامة بن مظعون في حرب الخندق:91

القتال بين المسلمين و بين بني قريظة:93

ألف: التفكير بمباغتة المدينة:93

ب: قصة خوات بن جبير و اليهودي:95

ج: تحركات، و تحرشات:96

د: قتل مغامر:97

صفية و حسان بن ثابت و اليهودي:98

ألف: جبن حسان:100

ب: قصة حسان في الخندق أم في أحد؟ !102

ج: تأثير هذه القضية على اليهود:103

د: ربط السيف على الذراع و تناقض الرواية:105

غنيمة المسلمين من المشركين:105

الجن الذين في المدينة:106

إشتباك مع الإخوة:107

لعن اللّه الراكب، و القائد، و السائق:108

آية قرانية في خوات بن جبير:108

الفصل الثاني: ضربة علي عليه السلام يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين

عبور الخندق:113

وصفهم لعمرو:115

المواجهة بين عمرو و المسلمين 117

رواية مشكوكة:117

أخذ الثغرة على عمرو و أصحابه:118

طلب البراز، و خروج علي عليه السلام لعمرو:119

برز الإسلام كله إلى الشرك كله:123

الخصال الثلاث و قتل عمرو:127

نص الحسكاني:131

نصوص أخرى:133

يقول أهلكت مالا لبدا:137

لماذا طلب عمرو من علي أن يرجع؟ !137

علي عليه السلام غلام حدث؟ ! و شيخا قريش:138

جرح علي عليه السلام:139

الكبرياء و الغطرسة:139

إنه عمرو:140

الخصال الثلاث:142

قطع رجل عمرو:144

علي عليه السلام و درع عمرو:144

قتله في اللّه:147

الوسام الإلهي:148

تمحلات و تعصبات ابن تيمية:149

شهادة حذيفة:151

شهادات، و مواقف أخرى:152

شهادة أبي الهذيل و المعتزلي 152

لا نأكل ثمن الموتى:154

فرح الملائكة بقتل عمرو:155

أين المقداد و عمار؟ !155

قتل عمرو هزم بني قريظة و الأحزاب:157

الخوارج و حديث قتل عمرو:158

متى قتل عمرو؟ :159

قتل حسل بن عمرو بن عبدود:160

قتل نوفل بن عبد اللّه:160

إنما هي جيفة حمار:164

الزبير و هبيرة بن وهب:166

واحدي يا رسول اللّه:168

عمر و ضرار بن الخطاب:169

عمر ليس أخا ضرار:171

الآن نغزوهم و لا يغزوننا:172

الأشعار في غزوة الخندق 172

المكر المفضوح:179

تعصب يثير الغثيان:180

من تشكيكات الجاحظ و تعصباته:181

المعركة، التي لا حقيقة لها:183

إستفادات غير موفقة:188

الصحيح في القضية:190

السر و السبب:191

الفصل الثالث: كيف انتهت حرب الخندق

ما فعله نعيم بن مسعود:195

اللمحات الأخيرة:208

التبرير بلا مبرر:209

الشائعات و الحرب النفسية:210

الدعاء و الابتهال:211

الريح و الملائكة:215

مهمة حذيفة بن اليمان:219

نص آخر لقضية حذيفة:223

حقيقة القضية:231

رسالة أبي سفيان للنبي صلى اللّه عليه و آله قبل الرحيل:231

الرحيل الذليل:232

و كفى اللّه المؤمنين القتال (بعلي) عليه السلام:234

أشجع الأمة:239

مفارقة في الموقف:240

الآن نغزوهم، و لا يغزوننا:241

متى قال النبي صلى اللّه عليه و آله كلمته؟ !242

لماذا لن تغزوهم قريش بعد اليوم؟ !243

غلط حسابات المعتزلي:246

الشهداء و القتلى:247

1-الشهداء من المسلمين:247

2-القتلى من المشركين:249

العودة إلى المدينة:250

عثمان و بنت النبي صلى اللّه عليه و آله في الخندق:252

الباب الثالث: غزوة بني قريظة

آيات في غزوة بني قريظة:257

خلاصات عن غزوة بني قريظة:259

الفصل الأول: المسير إلى حصون قريظة

بداية:265

متى كانت غزوة بني قريظة:266

من هم بنو قريظة؟ !267

نقض قريظة للعهد:267

آية نزلت في بني قريظة:269

رؤيا كرؤيا عاتكة في بدر:270

تعبير الرؤيا:271

تزوير التاريخ:273

جبريل يأمر بالمسير إلى بني قريظة:275

في بيت عائشة أم في بيت فاطمة عليها السّلام؟ !277

غارات و استلاب:283

المسلمون يرون جبرئيل؟ !284

توضيح لا بد منه 288

جبرئيل عليه السلام و النبي صلى اللّه عليه و آله 288

النبي صلى اللّه عليه و آله يندب الناس إلى بني قريظة 291

و نحن نشير هنا إلى الأمور التالية 293

الأول: قدّم راية المهاجرين 293

الثاني: حمراء الأسد أو الروحاء 295

الثالث: على حمار، أم على فرس؟ ! 296

الرابع: من الذي نادى في الناس: علي أم بلال؟ ! 297

الخامس: رواية لا تصح 298

السادس: لماذا لم يعنف صلى اللّه عليه و آله تاركي الصلاة؟ 299

إن هذا الكلام لا يصح، و ذلك لما يلي 301

لقد غلط ابن حزم هنا غلطا فاحشا، و ذلك لما يلي 304

إستفادات و دلالات 307

أمران يحسن إيضاحهما 311

1-لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة 312

2-المسير إلى قريظة في نحو ساعتين 312

ألف: بنو قريظة في عوالي المدينة 313

ب: كم يستغرق المسير إلى العوالي 313

ج: ما المراد بكون الشمس حية؟ 317

د: بعد العوالي عن مسجد النبي صلى اللّه عليه و آله 317

عذر أقبح من ذنب 320

الفهارس 323

1-الفهرس الإجمالي 325

2-الفهرس التفصيلي 327