الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 5

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الخامس

تتمة القسم الرابع: من الهجرة إلى بدر

تتمة الباب الاول: في المدينة و قضايا أخرى

الفصل الثانى: قضايا و احداث غير عسكرية

عودة بعض المهاجرين من الحبشة:

و بلغ المسلمين في الحبشة نبأ هجرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة و ثلاثون رجلا، و ثماني نسوة، فمات منهم رجلان في مكة، و حبس سبعة، و انتهى بقيتهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة، و شهد بدرا منهم أربعة و عشرون (1).

و استمروا يخرجون إليه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة (2)إلى أن قدم جعفر «عليه السلام» مع الجماعة الباقية في سنة سبع، حين فتح خيبر، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و هؤلاء الثلاثون المشار إليهم هنا، هم غير الذين عادوا إلى مكة في السنة الخامسة من البعثة، قبل الهجرة إلى المدينة بثماني سنوات.

و أما السبب في مرور هم على مكة، مع أنها البلد الذي فروا منه، فهو أن طريقهم إلى المدينة كان يمر بقرب مكة، على ما يظهر.

و يدل على ذلك ما ورد عن الصنعاني حيث قال: «فلما قاتل رسول اللّه


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 139.

2) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 139، و زاد المعاد ج 1 ص 25، و ج 2 ص 24 و 45، و البدء و التاريخ ج 4 ص 152، و فتح الباري ج 7 ص 145.

«صلى اللّه عليه و آله» كفار قريش، حالت بين مهاجرة أرض الحبشة، و بين القدوم على رسول اللّه، حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق» (1)انتهى.

لكن قوله: «زمن الخندق» لا يمكن تأكيده و لعله تصحيف خيبر، و بالنسبة لهؤلاء الذين نحن بصدد الحديث عنهم، فإن المعروف هو ما ذكرناه، و لعل عددا منهم قد دخل مكة، سرا أو جهرا، بهدف الحصول على أموالهم التي كانت في مكة، و تجديد العهد بأهلهم و ذويهم، و بالبيت العتيق، ثم يسافرون إلى المدينة.

و لكن قريشا واجهتهم بالعنف و القسوة، و لم ترع لهم حرمة، و لا غربة، و لا قرابة.

و واضح: أن وصول هذه الثلة من مهاجري الحبشة إلى المدينة، كان بعد عدة أشهر من وصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، إذ أن وصول نبأ هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، ثم هجرتهم إلى مكة، و تصفية بعضهم علاقاتهم بها، ثم ما جرى لهم مع قريش، ثم سيرهم إلى المدينة، يحتاج إلى وقت طويل.

حتى إن البعض يذكر: أن ابن مسعود قد كان من جملة الثلاثين العائدين إلى مكة، فالمدينة، فوصل إلى المدينة حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى بدر (2).


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 367.

2) فتح الباري ج 7 ص 145.

عائشة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و في السنة الأولى من الهجرة، و قيل في التي بعدها، انتقلت عائشة إلى بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك في شهر شوال.

و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتزوج بكرا غيرها، و لكننا لا نطمئن إلى صحة ذلك، لأمور:

أولا: لما تقدم حين الكلام على زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بخديجة حيث قلنا: إن زواج خديجة برجل آخر سوى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر مشكوك فيه إلى حد كبير، و لربما نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثانيا: سيأتي في هذا الكتاب ما يدل على أن عائشة كانت متزوجة برجل آخر غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان لها منه ولد.

مراسم الزفاف:

و لا نعرف لما ذا كان زفاف عائشة غير ذي أهمية لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

فقد روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما أولم على عائشة بشيء-رغم توقع الناس منه ذلك و قدرته عليه في تلك الفترة-غير أن قدحا من لبن أهدي إليه من بيت سعد بن عبادة، فشرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعضه، و شربت عائشة منه! ! (1). و لا يصح أن يعد ذلك وليمة عرس لها؛ إذ من الطبيعي أن لا يغفل النبي عن عرض الطعام على جليسه، فضلا عن زوجته.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 358، و السيرة الحلبية ج 2 ص 121.

استدلال طريف:

و قد كانت عائشة تستدل على حظوتها عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه قد تزوجها في شوال، فتقول:

تزوجني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شوال، فأي نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت أحظى عنده مني؟ (1)و هو استدلال طريف حقا، فمتى كان لشوال هذه الفضيلة العظيمة التي تدل على الحظوة؟ !

أضف إلى ذلك: أن خديجة، و أم سلمة، و سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» قد كن أحظى عنده منها، و لذا فقد كانت تحسدهن، و تؤذيهن، و تسيء إليهن كثيرا، حتى أمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و قد تقدم بعض ما يدل على ذلك حين الكلام عن العقد على عائشة قبل الهجرة.

و أطرف من ذلك: أننا نجد البعض يحكم باستحباب العقد في شوال (2).

و يبدو أن حبهم لعائشة، و تقديرهم لرغباتها، و هي التي كانت الساعد الأيمن للهيئة الحاكمة بعد النبي، و التي حاربت عليا الشوكة الجارحة في أعينهم، الذي لم تكن تقدر أن تذكره بخير أبدا (3)-إن ذلك هو الذي دفعهم إلى وضع هذا التشريع-مع أنهم يروون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بجويرية، و بحفصة في شعبان، و بزينب بنت خزيمة في شهر رمضان،


1) تاريخ الطبري ط الإستقامة ج 2 ص 118، و السيرة الحلبية ج 2 ص 120، و تاريخ الخميس ج 1 ص 358.

2) راجع: نزهة المجالس للصفوري الشافعي ج 2 ص 137.

3) فتح الباري ج 2 ص 131، و مسند أحمد ج 6 ص 228، و الندير ج 9 ص 324.

و بزينب بنت جحش في ذي القعدة كما يقال، فالنبي إذا، قد ترك هذا المستحب، و لم يفعله إلا بالنسبة لعائشة وحدها، و وحدها فقط! ! إن ذلك عجيب حقا و أي عجيب! ! .

فاتحة عهد جديد:

و على كل حال، فإن بدخول عائشة إلى بيت النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد بدأت في هذا البيت، الذي كان مثالا للهدوء و السكينة، و الجلال-حتى عهد قريب-تحولات و تغيرات ذات طابع معين، حينما صار مجالا لكثير من التناقضات، التي كانت مصدرا لهمّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» و غمه أحيانا كثيرة، و كانت عائشة هي السبب المباشر و المحرك في القسم الأعظم منها.

و لا نقول ذلك من عند أنفسنا، و إنما نستند في ذلك إلى ما أثبته التاريخ و الحديث المتواتر عنها، بل إنها هي نفسها تصرح: بأنها كانت السبب في كل ما كان يجري في بيته «صلى اللّه عليه و آله» من مشاحنات و تناقضات كما جاء في بعض المصادر، على ما ذكره لي بعض المحققين.

آية الصلح بين المؤمنين:

و يذكر البعض: من الحوادث التي كانت قبل غزوة بدر (1): أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ذهب ليعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج، و ذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبي بن سلول؛ فمر «صلى اللّه عليه


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

و آله» -و هو على حماره-بمجلس ابن أبي، و في المجلس أخلاط من المسلمين، و المشركين، و اليهود، و فيهم عبد اللّه بن رواحة؛ فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبي أنفه بردائه، و قال: لا تغبروا علينا.

فنزل إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعاهم إلى اللّه؛ فقال له ابن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا؛ فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك؛ فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال ابن رواحة: بلى يا رسول اللّه فاغشانا، فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون و المشركون، حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخفضهم حتى سكنوا.

ثم دخل على سعد بن عبادة، فحدثه بما جرى، فطلب منه سعد أن يصفح عن ابن أبي؛ لأنهم كانوا على و شك أن يتوجوه قبل قدومه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما قدم انصرفوا عن ذلك.

و في رواية أخرى: إنه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب و معه المسلمون إلى ابن أبي تألفا لقومه، فلما أتاه قال له: إليك عني، و اللّه لقد آذاني ريح حمارك.

فقال أحد الأنصار: و اللّه لحمار رسول اللّه أطيب ريحا منك، فتعصب لابن أبي رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد و النعال؛ فنزل قوله تعالى: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا. . (1).


1) الآية 9 من سورة الحجرات، السيرة الحلبية ج 2 ص 63 و 64، و الدر المنثور ج 6 ص 90، عن مسلم، و البخاري، و أحمد، و البيهقي في سننه، و ابن مردويه، و ابن جرير، و ابن المنذر، و حياة الصحابة ج 2 ص 578 و 579 و 560، عن البخاري ج 1 ص 370 و ج 3 ص 845.

و في مجمع البيان: أن الذي قال لابن أبي ذلك، هو عبد اللّه بن رواحة، و أن التضارب كان بين رهط ابن رواحة من الأوس، و رهط ابن أبي من الخزرج، و لكن لا تخلو كلتا الروايتين من الإشكال.

فأولا: إن آية الصلح بين المؤمنين لا يمكن أن تنطبق على الرواية الأولى؛ فإن النزاع فيها كان بين المشركين و المسلمين، و ليس بين طائفتين من المؤمنين.

بل لم يظهر من الرواية الثانية كون النزاع كان بين طائفتين من المؤمنين، فإذا جعلنا الروايتين رواية واحدة؛ لتقارب سياقهما و مضمونهما، لم يمكن الاطمئنان إلى صحة كون الآية قد نزلت بهذه المناسبة.

و ثانيا: إن الآية موجودة في سورة الحجرات، و هي قد نزلت بعد سنوات من الهجرة، لأنها نزلت بعد المجادلة و الأحزاب، التي نزلت في مناسبة الخندق و غيرهما.

و تقدم قولهم: إن هذه القضية قد حصلت قبل بدر.

هذا كله عدا عن التنافي بين مضمون كل من الروايتين كما هو ظاهر. و لكن ذلك لا يعني أن الرواية مختلقة من الأساس؛ فلربما تكون قد حصلت بعد سنوات من الهجرة، بعد نزول سورة الحجرات، و بعد إظهار ابن أبي للإسلام؛ و يكون النزاع قد حصل بين طائفتين من المؤمنين، و بذلك تكون الرواية الثانية هي الأرجح.

إسلام سلمان المحمدي:

و في السنة الأولى من الهجرة، و يقال: في جمادى الأولى منها (1)كان إسلام سلمان المحمدي، المعروف بسلمان الفارسي، حشرنا اللّه معه و في زمرته، و الذي قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» و غير واحد من الأئمة عنه: سلمان منا أهل البيت (2).

و كان سلمان قد هاجر من بلاده في طلب الدين الحق، و تعرض في هجرته تلك إلى المصائب و المصاعب، حتى ابتلي بالرق، و أعتق على يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و ملخص ذلك-على ما ذكره الصنعاني: أنه كان في بلده راهب، فأخذ عنه بعض التعاليم، و علم أهله بالأمر فأخرجوا الراهب من البلد، فخرج معه بالسر عن أهله، فجاء الموصل، فوجد أربعين راهبا، و بعد أشهر ذهب مع أحدهم إلى بيت المقدس، و رأى عبادة الراهب و اجتهاده، ثم ضاع عنه، فسأل عنه ركبا من الأنصار، فقالوا:

هذا عبد آبق، فأخذوه إلى المدينة، و جعلوه في حائط لهم، و كان الراهب قد أخبره أن نبيا من العرب سيخرج، لا يأكل الصدقة و يأكل الهدية، و بين كتفيه خاتم النبوة، و أمره باتباعه (3).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 351.

2) راجع: قاموس الرجال ج 4 ترجمة سلمان الفارسي.

3) المصنف للصنعاني ج 8 ص 418. و تفصيل ما لاقاه سلمان من المتاعب و المصاعب في أسفاره تلك يطلب من كتب الحديث، و التاريخ، و التراجم.

و في المدينة-و بالذات في قباء كما يقولون-التقى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقدم إليه رطبا على أنها صدقة، فأبى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأكل منها، و أمر أصحابه فأكلوا، وعدها سلمان واحدة.

ثم التقى به في المدينة، فقدم إليه رطبا على أنها هدية، فقبلها و أكل منها، فعدها سلمان ثانية.

ثم التقى به في بقيع الغرقد و هو في تشييع جنازة بعض أصحابه، فسلم عليه، ثم استدار خلفه، فكشف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ظهره، فرأى خاتم النبوة، فانكب عليه يقبله و يبكي، ثم أسلم و أخبره بقصته، و بعد ذلك كاتب سيده، و استمر يعمل من أجل أداء مال الكتابة، و أعانه النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك.

و كان أول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها من المشاهد. و قال ابن عبد البر: إن أول ما شهده بدر؛ و هو المناسب لمعونة النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، فراجع في سيرة سلمان و فضائله كتب الحديث و التراجم (1)بالإضافة إلى ما كتبناه عنه في كتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي» .

ملاحظة:

و يلاحظ هنا: أن سلمان لم يسلم بدافع عاطفي، أو مصلحي؛ و لم يسلم أيضا استجابة لضغوط أو لجو معين، و إنما دخل في الإسلام عن قناعة فكرية خالصة، و بعد أن سعى من أجل الوصول إلى الدين الحق، و لاقى


1) مثل: قاموس الرجال ج 4، و الإصابة ج 2 ص 62 و الإستيعاب، و غير ذلك.

المصاعب و المتاعب الطويلة في سبيل ذلك، و ذلك يؤيد فطرية هذا الدين، و كونه ينسجم مع أحكام العقل، و مقتضيات الفطرة السليمة، و قد أشرنا إلى ذلك أيضا حين الكلام عن إسلام أبي ذر، فليراجع.

بئر رومة في صدقات عثمان:

و قد ذكروا في جملة فضائل عثمان: أنه لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، و ليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، قال: من يشتري بئر رومة من خالص ماله؛ فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟ .

فاشتراها عثمان من صلب ماله، و جعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين، ثم لما حصر عثمان منعوه من الشرب منها حتى شرب ماء البحر.

و للروايات نصوص مختلفة جدا كما سنرى، و سنشير إلى بعض مصادرها فيما يأتي.

و نحن نشك في صحتها، و ذلك استنادا إلى ما يلي: أولا: تناقض نصوصها الشديد جدا، حتى إنك لا تجد نصا إلا و يوجد ما ينافيه و يناقضه، و نذكر على سبيل المثال:

أنهم يروون: أن عثمان قد ناشد الصحابة بقضية بئر رومة، و ذلك حين الثورة عليه.

فرواية تقول: إنه اطلع عليهم من داره و هو محصور فناشدهم.

و أخرى تقول: إنه ناشدهم في المسجد.

و رواية تقول: إنه اشترى نصفها بمائة بكرة، و النصف الآخر بشيء يسير.

و أخرى تقول: إنه اشتراها بأربعين ألفا.

و ثالثة: بخمس و ثلاثين.

و رابعة: إنه اشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، و النصف الآخر بثمانية آلاف.

و رواية تقول: إن هذه البئر كانت ليهودي لا يسقي أحدا منها قطرة إلا بثمن.

و أخرى: إنها كانت لرجل من مزينة.

و ثالثة: لرجل من بني غفار.

و رواية تقول: إنه اشترى البئر.

و أخرى تقول: إنه حفرها.

و الجمع بأنه اشتراها، ثم احتاجت إلى الحفر (1)لا يصح، لأنهم يقولون: إن عثمان قال ذلك حين المناشدة، و المناشدة كانت واحدة و لم تتكرر.

و رواية تقول: إنها كانت عينا (أي فيها نبع و سيلان على وجه الأرض) .

و أخرى تقول: كانت بئرا.

و رواية تقول: إنه اشتراها عند مقدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين المدينة.

و أخرى تقول: إنه اشتراها و هو خليفة.

و رواية تقول: إن النبي طلب منه ذلك.


1) هذا الجمع ذكره السمهودي في وفاء الوفاء ج 3 ص 970.

و أخرى تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» ناشد المسلمين من يشتريها منهم. و ثالثة تقول: إن غفاريا أبى بيعها للنبي بعينين في الجنة! ! فبلغ ذلك عثمان فاشتراها منه بخمسة و ثلاثين ألفا (1).

و ثمة تناقضات كثيرة أخرى لا مجال لذكرها؛ فمن أراد المزيد فليراجع و ليقارن.

ثانيا: إن ما ورد في الرواية-كما عند النسائي و أحمد و الترمذي-من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم المدينة و ليس بها ماء يستعذب، لا يصح بوجه، فقد كان في المدينة آبار كثيرة عذبة، و قد استمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الاستقاء و الشرب منها إلى آخر حياته، و منها بئر السقيا، و بئر بضاعة، و بئر جاسوم، و بئر دار أنس التي تفل فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها (2)، و غير ذلك من آبار كثيرة لا مجال


1) راجع في الروايات و قارن بينها: وفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 697-971، و سنن النسائي ج 6 ص 235 و 236 و 234، و منتخب كنز العمال ج 5 ص 11، و حياة الصحابة ج 2 ص 89 عن الطبراني و ابن عساكر، و مسند أحمد ج 1 ص 75 و 70، و السيرة الحلبية ج 2 ص 75، و روي ذلك أيضا عن البغوي، و ابن زبالة و ابن شبة، و الترمذي ص 627، و ابن عبد البر، و الحازمي، و ابن حبان، و ابن خزيمة. و راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 58، و البخاري هامش الفتح ج 5 ص 305، و فتح الباري ج 5 ص 305 و 306، و سنن البيهقي ج 6 ص 167 و 168، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 95.

2) راجع وفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 972 و 956 و 958 و 959 و 951.

لذكرها (1).

ثالثا: لو صح حديث بئر رومة؛ فلا بد إذا من الإجابة على التساؤلات في المجالات التالية:

أ-إنه إذا كان عثمان قد قدم من الحبشة جديدا، و لم يكن له مال؛ فمن أين جاء عثمان بالأربعين، أو الخمسة و الثلاثين، أو العشرين ألفا من الدراهم، أو المئة بكرة؟ ! و متى و كيف اكتسب هذا المال؟ ! .

ب-لماذا لا يعين المسلمين في حرب بدر بشيء من تلك المبالغ الهائلة من الدراهم؟ أو بشيء من تلك البكرات التي أخرج منها مئة من صلب ماله، حسبما تنص عليه الرواية؟ ! . مع أن المسلمين كانوا في بدر بأمس الحاجة إلى أقل القليل من ذلك، و كان الاثنان و الثلاثة منهم يعتقبون البعير الواحد، و مع أنه لم يكن معهم إلا فرس واحد، و لم يكن معهم إلا ستة أدرع و ثمانية سيوف، و الباقون يقاتلون بالعصي و جريد النخل، كما سيأتي بيانه مع مصادره.

أم يعقل أن يكون قد بذل كل ما لديه في بئر رومة حتى أصبح صفر اليدين؟ ! .

أو لماذا لا يطعم المسلمين، و يسد حاجاتهم، و يكفيهم معونة الأنصار؟ ! و لما ذا لا يعين النبي نفسه بشيء من ماله، و قد كان يعاني أشد الصعوبات، و لم يتسع الحال عليه و عليهم إلا بعد سنوات من الهجرة؟ !

ج-و تقول روايات المناشدة: إنهم قد منعوه من الشرب منها حتى


1) راجع: المصدر السابق، فصل آبار المدينة.

اضطر إلى الشرب من ماء البحر، و هذا عجيب حقا! ! فإنه إذا كان يستطيع الحصول على الماء فلما ذا لا يشرب من غيرها من العيون العذبة التي كانت في المدينة و التي تعد بالعشرات؟ ! .

كما أن من كان يمنعه من شرب الماء، فإنه لم يكن ليسمح بدخول أي ماء كان إليه، و من أي مصدر كان.

و يقولون: إن عمارا أراد أن يدخل إليه روايا ماء؛ فمنعه طلحة (1)و لم يستطع الحصول على الماء إلا من قبل علي الذي أرسل إليه الماء مع أولاده، و عرضهم للأخطار الجسيمة، كما هو معلوم.

و هل يمكن أن نصدق أنه شرب من ماء البحر حقا؛ مع أن البحر يبعد مسافة كبيرة جدا عن المدينة، أم أن ذلك كناية عن شربه للمياه غير العذبة و المالحة؟ !

د-و إذا كان عثمان قد بذل هذا المال حقا، فلما ذا لم تنزل فيه و لو آية واحدة تمدح فعله، و تثني عليه؟ ! و كيف استحق علي أن تنزل فيه آيات حينما تصدق بثلاثة أقراص من شعير، و حينما تصدق بخاتمه، و حينما تصدق بأربعة دراهم، و حين قضية النجوى؟ ! و هذا عثمان يبذل عشرات الآلاف، و مئة بكرة من الإبل، و لا يذكره اللّه بشيء، و لا يشير له بكلمة و لا بحرف؟ ! بل إن الرواية التي تنقل هذه الفضيلة الكبرى عنه نراها متناقضة متهافتة، لا تقوى و لا تثبت أمام النقد العلمي الحر و الصريح.

و بعد. . لما ذا امتنع-كغيره-عن التصدق بدرهم في آية النجوى، حتى


1) وفاء الوفاء ج 3 ص 945.

نزل القرآن يلوم الصحابة و هو معهم على إشفاقهم: أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة؟ ! ! .

بئر أريس:

و أخيرا: فلسنا ندري لما ذا اختصت بئر رومة بهذا التعظيم و التبجيل، دون بئر أريس، مع أنها أيضا-كما يدّعون! ! -قد اشتراها عثمان؛ و قد اشتراها أيضا من يهودي، و كذلك هو قد تصدق بها! ! (1)بارك اللّه في آبار عثمان، و ليمت اليهود بغيظهم، فإنهم يملكون الآبار، و يشتريها منهم عثمان، و يتصدق بها، و ينال الأوسمة، و يحصل على الفضائل و الكرامات! ! .

حقيقة القضية:

و بعد كل ما تقدم، فإن الظاهر: أن الصحيح في القضية هو ما رواه ابن شبة: «عن عدي بن ثابت، قال: أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها: رومة؛ فذكرت لعثمان بن عفان، و هو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألفا من مال المسلمين، و تصدق بها عليهم» (2).

و قد ضعف السمهودي الرواية بأن في سندها متروكا، و رواها الزبير بن بكار في عتيقه، وردها بقوله: و ليس هذا بشيء، و ثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله، و تصدق بها على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) وفاء الوفاء ج 3 ص 945.

2) وفاء الوفاء ج 3 ص 967 عن ابن شبة، و روى ذلك الزبير بن بكار أيضا.

3) المصدر السابق.

و نقول نحن: لقد ثبت عدم صحة تلك الروايات التي أشار إليها الزبير بن بكار بأي وجه، و لا سيما مع تناقضها، و مع ما تقدم من الإيراد عليها و من وجوه الإشكال فيها، مما لا دافع له.

هذا، عدا عما في أسانيدها من نقاش كبير و كثير، فوجود المتروك في سند هذه الرواية لا يضر، ما دامت منسجمة مع الواقع التاريخي، و مع الظروف التي كانت قائمة آنذاك.

و ما دام لا يمكن أن يصح غيرها، فالظاهر: أنها قد حرفت و حورت ليمكن الاستفادة منها في إثبات فضيلة لعثمان لا يمكن أن تثبت له بدون هذا التحوير و التزوير.

و لكننا لم نفهم قوله: «ابتاعها بثلاثين ألفا من مال المسلمين، و تصدق بها عليهم» ؛ فإنها إذا كانت من مالهم، فما معنى الصدقة بها عليهم؟

إلا أن يقال: إن عثمان و الهيئة الحاكمة كانوا يرون أنهم يملكون بيوت الأموال حقا، و قد ذكرنا بعض الشواهد و الدلائل على نظرتهم هذه في مورد آخر، فراجع (1).

تأبير النخل:

و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم المدينة مر بقوم يؤبرون النخل، أي يلقحونه-أو سمع ضجتهم-فقال: لو لم تفعلوا لصلح، فتركوا


1) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام، بحث (أبو ذر إشتراكي أم شيوعي، أم مسلم) .

تلقيحه، فخرج شيصا (1)، فمر بهم (أو قيل له) فقال: ما لنخلكم؟

قالوا: قلت: كذا و كذا.

قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم، أو قال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، و لكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على اللّه عز و جل (2).

و نحن نشك في صحة ذلك، إذ مضافا إلى الاختلاف الظاهر في نصوص الرواية، كما يظهر بالمراجعة و المقارنة، لا بد أن نسأل:

لما ذا يتدخل النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» فيما لا يعنيه، و ما ليس من اختصاصه؟ !

ألا يعلم: أن الناس يهتمون بكل كلمة تصدر منه، و يرتبون الأثر عليها، و يلتزمون بها؟ ! .

و لما ذا يعرض الناس إلى هذا الضرر الجسيم؟ ! .

و من هو المسؤول عن هذه الأضرار التي سببتها مشورته تلك؟ ! . ثم إنه كيف يقول ذلك لهم، و هو الذي أمر عبداللّه بن عمرو بن العاص بأن يكتب عنه كل ما يسمع؛ فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق؟ ! .


1) الشيص هو: رديء التمر، و هو الذي لا يشتد نواه.

2) راجع: صحيح مسلم ج 7 ص 95، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 825، كتاب الرهون باب 15، و مسند أحمد ج 6 ص 123 و ج 3 ص 152، و البرصان و العرجان ص 254، و مشكل الآثار ج 2 ص 294، و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 112، و مسند أبي يعلى ج 6 ص 238 و 198، و صحيح ابن حبان ط مؤسسة الرسالة ج 1 ص 201.

و قد قدمنا الرواية مع مصادرها في الجزء الأول فلتراجع هناك.

و أيضا: لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعيش في قلب المنطقة العربية، و قد جاوز الثلاث و خمسين سنة؛ فهل يمكن أن نصدق أنه لم يكن يعرف تأبير النخل و فائدته، و أن النخل لا ينتج بدونه؟

و كيف لم يسمع طيلة عمره المديد شيئا عن ذلك، و هو يعيش بينهم و معهم؟ أو على الأقل بالقرب منهم؟ ! .

و أخيرا: هل صحيح: أنه ليس على الناس أن يطيعوه في أمور دنياهم؟ ! و أنه إنما كان يقول برأيه فيها؟ ! .

و هل صحيح: أن الإسلام يفصل بين الدين و الدنيا؟ و أن مصب اهتماماته هو ما عدا أمور دنياهم؟ !

أليس هذا بهتانا على الإسلام و افتراء عليه؟ ! ! ألا يتنافى ذلك مع القرآن و السنة، و مع الإسلام بمجموعه؟ ! .

الباب الثاني: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة

اشارة

الفصل الأول: التاريخ الهجري أولا الفصل الثاني: بناء مسجد المدينة الفصل الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار الفصل الرابع: أسس العلاقات في المجتمع الجديد

بداية:

فور وصوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، باشر بالقيام بأعمال تأسيسية، ترتبط بمستقبل الدعوة الإسلامية، و هي كثيرة و متنوعة، و لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:

1-صلاة الجمعة. 2-تأسيس مسجد قباء، و قد تحدثنا عنهما فيما سبق. 3-بناء المسجد في المدينة، و لسوف نتحدث عنه في فصل مستقل. 4-وضع التاريخ الهجري، و قد خصصنا له فصلا مستقلا أيضا. 5-المؤاخاة. 6-تحديد نوع و مستقبل العلاقات بين المسلمين، و بينهم و بين غيرهم. 7-موادعة اليهود الذين يعيشون في المنطقة. و هذه الأشياء الأخيرة أيضا قد تحدثنا عنها في فصل على حدة و نبدأ بالحديث عن التاريخ الهجري، فنقول:

الفصل الأول: التاريخ الهجري أولا

اشارة

التاريخ الهجري:

إن ضبط الأحداث، و المعاملات، و غير ذلك من الشؤون لهو من الأمور التي لا بد منها في قيام أية حضارة تريد أن تهيمن على شعب أو أمة، و تقود مسيرتها نحو الأهداف التي تتوخاها.

فكيف إذا كانت هذه الحضارة تحظى بالرعاية الإلهية، و برضى الباري جل و علا، و تريد أن تهيمن على مسيرة الإنسانية جمعاء في مختلف الأحوال و الشؤون، و على مر الأحقاب و القرون؟ .

و من هنا: فإنه يصبح من البديهي أن يكون من جملة المبادرات الأولى لنبي الإسلام هو وضع التاريخ، تماما كما كان من أولى اهتماماته بناء المسجد كما سنرى إن شاء اللّه تعالى. .

و لكن ما يؤسف له هو أن ثمة يدا تحاول-أو فقل قد حاولت-التعتيم على هذا الحدث الهام، فكان لا بد من بحث هذا الحدث، في الناحية التاريخية، و لسوف يثبت لنا الدليل العلمي بصورة قاطعة أن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي وضع هذا التاريخ، و أرخ به في أكثر من مرة، و أكثر من مناسبة.

فإلى ما يلي من مطالب لنعرف:

من هو أول من أرخ بالهجرة النبوية؟ .

فنقول: يقول المؤرخون: إن أول من أرخ بالهجرة النبوية، هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، و أكثرهم يذكر: أن اختياره الهجرة مبدأ للتاريخ كان بإشارة علي بن أبي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه (1).

و بعض منهم يقول: إن المشير عليه بذلك ليس عليا فقط، بل معه بعض الصحابة أيضا (2).

و ثالث يروي: إشارة بعض الصحابة على عمر بذلك، و لكنه لا يصرح بإسم المشير (3).


1) راجع: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 76، و الكامل لابن الأثير ط صادر ج 2 ص 526، و تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 145، و التنبيه و الإشراف ص 252، و محاضرة الأوائل ص 28، و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 23، و فتح الباري ج 7 ص 209، و تاريخ الخلفاء ص 132 و 136 و 23 و ص 138 عن البخاري في تاريخه، و البحار ج 58 ص 350-351 بعد تصحيح أرقام صفحاته و ج 40 ص 218، و سفينة البحار ج 2 ص 641، و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 144، عن الطبري و مجاهد في تاريخيهما، و الإعلان بالتوبيخ ص 80 و 81 و علي و الخلفاء ص 139-141، إحقاق الحق ج 8 ص 220 عن الوسائل للسيوطي ص 129، و محاضرة الأوائل ص 28، و سيأتي جانب من المصادر لذلك فيما يأتي.

2) البداية و النهاية ج 7 ص 74 و الوزراء و الكتاب ص 20، و مآثر الإنافة ج 3 ص 336.

3) صبح الأعشى ج 6 ص 241 و مآثر الإنافة ج 3 ص 36 و فتح الباري ج 7 ص 209، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 10 ط صادر.

و بعض رابع: يسكت عن ذكر الإشارة، و يكتفي بذكر: أنه أول من أرخ بالهجرة (1).

الحكاية كما يرويها المؤرخون:

و يحكون السبب في وضع التاريخ على أنحاء مختلفة، و نختار هنا النمق الذي ذكره ابن كثير، و قد وضعناه بين قوسين، و أشرنا خلاله إلى مصادر بعض التوضيحات، فنقول:

قال ابن كثير: «قال الواقدي: و في ربيع الأول من هذه السنة-أعني سنة ست عشرة أو سبع عشرة أو ثماني عشرة (2)-كتب عمر بن الخطاب التاريخ، و هو أول من كتبه.

قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، و ذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين، يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن


1) الإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 460، و المحاسن و المساوي ج 2 ص 68، و تاريخ الخميس ج 1 ص 338 و ج 2 ص 241، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 440 و مآثر الإنافة ج 1 ص 92 و تحفة الناظرين للشرقاوي هامش فتوح الشام ج 2 ص 62، و صفة الصفوة ج 1 ص 276 و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 202، و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 145، و الأوائل للعسكري ج 1 ص 223، و تاريخ الطبري ج 3 ص 277، و محاضرات الراغب ج 1 ص 105، و الأنس الجليل ج 1 ص 188، و الأعلاق النفيسة ص 199، و البحار ج 58 ص 349 و 350، و راجع: الإعلان بالتوبيخ ص 79 و نفس الرحمن ص 44.

2) الوزراء و الكتاب ص 20، و البداية و النهاية ج 3 ص 206 و 207.

هذه السنة، أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ .

ثم جمع الناس (أي أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله») فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون به حلول ديونهم، فيقال: إنهم أراد بعضهم (الهرمزان) (1): أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك.

و منهم من قال (و هم بعض مسلمي اليهود) (2): أرخوا بتاريخ الروم، من زمان إسكندر، فكرهوا ذلك لطوله أيضا.

و قال قائلون: أرخوا من مولد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قال آخرون: من مبعثه، و أشار علي بن أبي طالب «عليه السلام» و آخرون:

«أن يؤرخ من هجرته إلى المدينة، لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد، و المبعث، فاستحسن عمر ذلك و الصحابة، فأمر عمر: أن يؤرخ من


1) صبح الأعشى ج 6 ص 241 عن تاريخ أبي الفداء، و قد ذكر: أن عمر قد أرسل إليه فاستشاره، و ليراجع أيضا: البحار ج 58 ص 349 و 350 بعد تصحيح أرقام صفحاته، و سفينة البحار ج 2 ص 641، و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 145 و الأنس الجليل في أخبار القدس و الخليل ج 1 ص 187 و الخطط للمقريزي ج 1 ص 284 و فيه: أن عمر استدعاه.

2) الإعلان بالتوبيخ ص 81، و البحار ج 58 ص 350 و في نزهة الجليس ج 1 ص 22 عن تاريخ ابن عساكر: أن النصارى كانوا يؤرخون بتاريخ الإسكندر. أقول: فأين كان التاريخ الميلادي إذا؟ و متى ظهر؟ الجواب: إنه ظهر في هذه القرون الأخيرة كما سيأتي.

هجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و روي عن سعيد بن المسيب: أنه قال: «جمع عمر الناس فسألهم: من أي يوم يكتب التاريخ؟

فقال علي بن أبي طالب «عليه السلام» : من يوم هاجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ترك أرض الشرك، ففعله عمر رضي اللّه عنه.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الأسناد، و لم يخرجاه» (2).


1) راجع جميع ما تقدم في البداية و النهاية ج 7 ص 73 و 74 و ليراجع أيضا ج 3 ص 306، و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 75 و 76، و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 22 و 23، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 74، و علي و الخلفاء ص 240 عنه ملخصا، و ليراجع أيضا: الإعلان بالتوبيخ ص 79 و 80 و 81، و منتخب كنز العمال، هامش مسند أحمد ج 4 ص 67، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 10 ط صادر، و كنز العمال ج 10 ص 195 عن المستدرك، و عن البخاري في الأدب، و راجع ص 193 عن ابن أبي خيثمة، و ذكر في البحار ج 58 ص 349 بعد تصحيح أرقام صفحاته، و نزهة الجليس ج 1 ص 21، و الطبري ط دار المعارف بمصر ج 2 ص 388، و الوزراء و الكتاب ص 20، و فتح الباري ج 7 ص 209، و صبح الأعشى ج 6 ص 241 عن ابن حاجب النعمان في ذخيرة الكتاب: أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا من قبلك كتب لا نعرف نعمل فيها قد قرأنا صكا محله شعبان فما ندري أي الشعبانين هو: الماضي؟ أو الآتي؟ فجمع الصحابة الخ ما في المتن. و ليراجع أيضا: الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 223، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 10.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، و تلخيص المستدرك للذهبي هامش الصفحة ذاتها و صححه أيضا، و الإعلان بالتوبيخ ص 80، و فتح الباري ج 7 ص 209، -

و قال اليعقوبي في حوادث سنة 16 ه: «و فيها أرخ الكتب، و أراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: من المبعث، فأشار عليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» : أن يكتبه من الهجرة» (1).

إلى غير ذلك من النصوص، التي تؤكد على أن عمر هو أول من وضع التاريخ الهجري الإسلامي.

الرأي الأمثل:

و لكننا بدورنا نشك كثيرا في صحة هذا القول، و نعتقد أن التاريخ الهجري قد وضع من زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أرخ به النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه أكثر من مرة، و في أكثر من مناسبة.

و ما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة شهر محرم بدلا من ربيع الأول كما أشار إليه الصاحب بن عباد (2).

و قد اختلفوا في ذلك أيضا، فقال بعضهم: إنهم جعلوا مبدأ السنة

(2) -و الطبري ط المعارف ج 2 ص 391، و ج 3 ص 144، و تاريخ عمر بن الخطاب ص 76، و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 23، و منتخب كنز العمال هامش المسند ج 4 ص 67، و علي و الخلفاء ص 239 و 240، و كنز العمال ج 10 ص 193 و 192، و إحقاق الحق ج 8 ص 219 عن ابن عساكر، و المقريزي في كتاب الخطط و الآثار ج 1 ص 284، و الشماريخ للسيوطي ص 4 ط ليدن، و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 9، و الكامل ج 1 ص 10 ط صادر.


1) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 145.

2) عنوان المعارف و ذكر الخلائف ص 11.

الهجرية محرم السنة الأولى، و هو ما ذهب إليه الجمهور، و بعضهم إلى أنهم جعلوا محرم السنة الثانية مبدأ للسنة الهجرية، و ألغوا ما قبله، و هو ما حكاه البيهقي، و به قال يعقوب بن سفيان الفسوى، فراجع (1).

من المشير بمحرم؟ ! :

أما من الذي أشار بمحرم بدلا من ربيع الأول، فقد اختلفت الروايات في ذلك أيضا فيقال: إن ذلك كان بإشارة عثمان بن عفان (2).

و قيل: بل ذلك هو رأي عمر نفسه (3).

و بعضهم قال: إن عبد الرحمن بن عوف قد أشار بشهر رجب، فأشار علي «عليه السلام» في مقابل ذلك بشهر محرم، فقبل منه (4).

و يقول آخرون: إن عمر ابتدأ من المحرم، بعد إشارة علي «عليه السلام» و عثمان بذلك (5).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 94.

2) نزهة الجليس ج 1 ص 21، و فتح الباري ج 7 ص 209، و الإعلان بالتوبيخ ص 80، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 67، و الشماريخ ص 10 ط سنة 1971، و كنز العمال ج 17 ص 145 عن ابن عساكر و ج 10 ص 193 عن أبي خيثمة في تاريخه.

3) الإعلان بالتوبيخ ص 79، و ليراجع الوزراء و الكتاب ص 20، و فتح الباري ج 7 ص 209، و مآثر الانافة ج 3 ص 337.

4) الإعلان بالتوبيخ ص 81 ط القاهرة. و قال ص 82: إن الديلمي في الفردوس، و ولده قد رويا ذلك عن علي، و إحقاق الحق ج 8 ص 220 عن الإعلان.

5) تاريخ الخميس ج 1 ص 338، و وفاء الوفاء ج 1 ص 248.

و فريق آخر يقول: فاستفدنا من مجموع هذه الآثار: أن الذي أشار بالمحرم عمر، و عثمان، و علي «عليه السلام» (1).

و يفهم من كلام العسكري: أن عمر هو الذي ارتأى جعل محرم أول السنة، لتكون الأشهر الحرم في سنة واحدة (2).

و لكننا نستبعد كثيرا: أن يكون علي «عليه السلام» قد أشار بترك ربيع الأول، و الأخذ بشهر محرم، الذي كان أول السنة عند العرب (3)بل نكاد نجزم بخلافه، و أنه «عليه السلام» كان مصرا على شهر ربيع الأول مدة حياته صلوات اللّه و سلامه عليه.

و لم يكن ذلك رأيه وحده، بل كان رأي جمع كبير من المسلمين الأبرار، و الصحابة الأخيار، و نستند في ذلك إلى النقاط التالية، فإنها تدل بمجموعها على ذلك:

1-قد تقدم أنه «عليه السلام» قد أشار عليهم بأن يكتبوا التاريخ من «يوم هاجر» ، أو من «يوم ترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرض الشرك» كما هو صريح رواية ابن المسيب المتقدمة، و إنما كان ذلك في شهر ربيع الأول كما هو معلوم.

2-لقد جاء فيما كتبه علي «عليه السلام» على عهد أهل نجران العبارة


1) الإعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 80، و إرشاد الساري ج 6 ص 234، و فتح الباري ج 7 ص 209-210.

2) الأوائل ج 1 ص 223.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 207، و البحار ج 58.

التالية: «و كتب عبد اللّه» (1)بن أبي رافع، لعشر خلون من جمادى الآخرة، سنة سبع و ثلاثين، منذ ولج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة» (2)، و إنما ولجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شهر ربيع الأول كما هو واضح، هذا بالنسبة لعلي «عليه السلام» .

و أما بالنسبة لسائر الصحابة، فنذكر:

1-أن مالك بن أنس على ما حكاه السهيلي، و غيره، يقول: «أول السنة الإسلامية ربيع الأول، لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

2-و نقل عن الأصمعي قوله: إنهم «إنما أرخوا من ربيع الأول شهر الهجرة» (4)و كذا عن الزهري.

3-و قال الجهشياري: «روي في خبر شاذ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما ورد المدينة مهاجرا من مكة يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة من حين نبئ، أمر بالتاريخ» (5).

و سيأتي قوله «صلى اللّه عليه و آله» : يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري، و ثمة روايات أخرى قريبة من هذا المضمون تدل على أن رأس السنة الهجرية قد كان شهر ربيع الأول، لأن الحسين إنما قتل سنة إحدى


1) الظاهر أنه: عبيد اللّه.

2) الخراج لأبي يوسف ص 81، و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 82 رقم 53 عنه.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 207، و أشار إليه أيضا في ج 4 ص 94.

4) البداية و النهاية ج 3 ص 207، و أشار إليه أيضا في ج 4 ص 94.

5) الوزراء و الكتاب ص 20.

و ستين على تقدير كون أول السنة هو محرم، و هو في أواخر سنة ستين على تقدير كون أول السنة هو ربيع الأول.

4-و سيأتي أيضا: أن الصاحب بن عباد و غيره يقولون: إن أول السنة كان ربيع الأول، ثم رد إلى محرم.

5-عن سهل بن سعد قال: أخطأ الناس في العدد، ما عدوا من مبعثه، و لا من وفاته، إنما عدوا من مقدمه المدينة (1).

6-و كان الصحابة-و تبعهم المؤرخون كما سيأتي-يعدون بالأشهر من مهاجره «صلى اللّه عليه و آله» الذي هو شهر ربيع الأول، إلى أواسط السنة الخامسة للهجرة.

فما تقدم يدل على أن عليا «عليه السلام» ليس فقط لم يشر على عمر بشهر محرم، بل كان من المصرين على أن يبقى أول السنة هو شهر ربيع الأول، الذي خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مكة، أو من الغار، أو ولج المدينة في أول يوم منه، شأنه صلوات اللّه و سلامه عليه شأن كثيرين ممن لم يرضوا بمثل هذا التغيير، لكنهم غلبوا على أمرهم.

و لا يفوتنا أخيرا التنبيه: على أن جعل علي «عليه السلام» اليوم الذي ولج فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة مبدأ للتاريخ، ربما يؤيد قول من قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» دخلها في أول يوم من ربيع الأول.

و سيأتي بعض الكلام أيضا في ذلك، و إن لم يكن هو محط نظرنا في هذا البحث.


1) الخطط للمقريزي ج 1 ص 184.

فإن ما يهمنا هنا: هو البحث عن أول من أرخ بالسنة الهجرية، و قد قلنا: إننا نعتقد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أول من أرخ بالهجرة.

الموافقون على هذا الرأي:

و إننا و إن كنا لا نرى كثيرين يوافقوننا على هذا الرأي، و نرى بعضهم يتردد في إصدار حكم جازم في ذلك، و بعضهم ربما يظهر منه الميل إلى الرأي الشائع، إلا أن مرد ذلك كله إلى عدم اطلاعهم على النصوص الكافية للجزم بالأمر، و تكوين قناعة تقاوم ما يرونه قد اشتهر و ذاع على ألسنة الرواة و المؤرخين.

و مهما يكن من أمر، فنذكر ممن وافقنا على ما نذهب إليه: السيد عباس المكي في نزهة الجليس، كما سيأتي، و نقله السيوطي عن ابن القماح، عن ابن الصلاح، عن أبي مجمش الزيادي، كما سيأتي أيضا، أما صاحب المواهب فقد قال: «و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بالتاريخ، و كتب من حين الهجرة.

قال الزرقاني: رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري مفصلا، و المشهور خلافه، و أن ذلك في زمان عمر، كما قال الحافظ» (1).

و نقل ذلك عن الأصعمى و غيره أيضا كما سيأتي.

و قال الصاحب بن عباد: «و دخل المدينة يوم الإثنين لاثني عشرة خلت من ربيع الأول، و كان التاريخ من ذلك، ثم رد إلى المحرم» (2).


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 181، و ليراجع المواهب اللدنية ج 1 ص 67.

2) عنوان المعارف و ذكر الخلائف ص 11.

و قال ابن عساكر: «و هذا أصوب» ثم أيده السيوطي ببعض ما يأتي (1). و قال السيد علي خان، بعد ذكره عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسلمان الفارسي، الآتي:

يستفاد من هذا العهد: أن التاريخ كان من زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو خلاف المشهور من أن التاريخ بالهجرة إنما وضعه عمر بن الخطاب في أيام خلافته» (2).

و قال القسطلاني: «و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بالتاريخ فكتب من حين الهجرة، و قيل إن عمر أول من أرخ و جعله من المحرم» (3).

و قال مغلطاي: «و أمر عليه الصلاة و السلام بالتاريخ، فكتب من حين الهجرة.

قال ابن الجزار: و يعرف بعام الأذن، و قيل إن عمر «رض» أول من أرخ و جعله من المحرم» (4).

هذا و قد سميت كل سنة من السنين العشر باسم خاص، و العام الأول أطلق عليه: عام الأذن (5)فراجع.

قال ابن شهر آشوب: «قال الطبري و مجاهد في تاريخيهما: جمع عمر بن الخطاب الناس يسألهم من أي يوم نكتب؟


1) الشماريخ في علم التاريخ للسيوطي ج 10 ط سنة 1971.

2) الدرجات الرفيعة ص 207.

3) المواهب اللدنية ج 1 ص 67.

4) سيرة مغلطاي ص 35-36.

5) نفس الرحمن ص 44، و راجع: الإعلان بالتوبيخ ص 82.

فقال علي «عليه السلام» : من يوم هاجر رسول اللّه و نزل المدينة، و (ترك ظ) أرض أهل الشرك.

فكأنه أشار: أن لا تبتدعوا بدعة، و تؤرخوا كما كانوا يكتبون في زمان رسول اللّه؛ لأنه قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة في شهر ربيع الأول أمر بالتاريخ، فكانوا يؤرخون بالشهر و الشهرين من مقدمه إلى أن تمت له سنة، ذكره التاريخي عن ابن شهاب» (1).

كما أن المجلسي «رحمه اللّه» قد قال بهذا القول، و رأى: «أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرائيل «عليه السلام» و مستند إلى الوحي السماوي، و منسوب إلى الخبر النبوي» (2).

كلام السهيلي:

أما السهيلي: فهو يصر على أن التاريخ الهجري قد نزل به القرآن، و يقول ما ملخصه:

إن اتفاق الصحابة على جعل الهجرة مبدأ للتاريخ، إن كان مستندا إلى استفادتهم ذلك من القرآن، فنعم الاستفادة هي، و ذلك هو الظن بهم، و إن كان اجتهادا و رأيا منهم، فهو أيضا نعم الاجتهاد و الرأي، أشار القرآن إلى صحته من قبل أن يفعلوا.

فإن قوله تعالى: لاٰ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ


1) المناقب ج 2 ص 144، و راجع: البحار ج 40 ص 218، و راجع: علي و الخلفاء ص 241.

2) راجع: البحار (ط مؤسسة الوفاء) ج 55 ص 351.

أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. . (1).

قد علم: أنه ليس المقصود منه: أول الأيام كلها؛ كما أنه لا يوجد لفظ ظاهر، أضيف إليه لفظ: يوم، فتعين إضافته إلى مضمر، و لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم، إلا بالإضافة إلى عام، أو شهر، أو تاريخ معلوم.

و لا قرينة هنا، لا حالية و لا مقالية، تدل إلا على تقدير: «من أول يوم حلول النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة» ، و هو أول يوم من التاريخ.

و قول بعض النحاة: لا بد من تقدير: «من تأسيس أول يوم» ، لأن (من) لا تدخل على الزمان، لا يصح، لأنه حتى على هذا لا بد من تقدير الزمان أيضا، فيقال: «من وقت تأسيس» ، فإضمار كلمة تأسيس لا يفيد شيئا، هذا بالإضافة إلى أن كلمة (من) تدخل على الزمان، و على غيره، قال تعالى: مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ . انتهى كلام السهيلي ملخصا (2).

و قال الكتاني ما ملخصه: و قد عقب الحافظ في فتح الباري على كلام السهيلي هذا بقوله: كذا قال، و المتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه المدينة (3).

لكن ابن منير يرى: أن كلام السهيلي هذا تكلف و تعسف، و خروج عن تقدير الأقدمين الذين قدروه: «من تأسيس أول يوم» أي من أول يوم


1) الآية 108 من سورة التوبة.

2) الروض الأنف ج 2 ص 246 ط سنة 1972، و إرشاد الساري ج 6 ص 234 عنه، و فتح الباري ج 7 ص 208-209 عنه أيضا، و وفاء الوفاء ج 1 ص 248، و أشار إليه في البداية و النهاية ج 3 ص 207.

3) ليراجع فتح الباري ج 7 ص 209.

وقع فيه التأسيس، و هذا ما تقتضيه العربية، و تشهد له القواعد.

قال الكتاني: قلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، فتأمله بإنصاف ترى أنه الحق، و لذا اقتصر عليه معجبا به شهاب الدين الخفاجي، في عناية القاضي، و كفاية القاضي، إلى آخر كلامه (1).

و قال ياقوت الحموي: «إن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دار هجرته، و هو أول التاريخ للهجرة المباركة، و لعلم اللّه تعالى بأن ذلك اليوم سيكون أول يوم من التاريخ سماه أول يوم أرخ فيه، في قول بعض الفضلاء.

و قد قال بعضهم: إن ههنا حذف مضاف، تقديره: تأسيس أول يوم، و الأول أحسن» (2).

هذا، و يلاحظ: أنه نقل عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة نفس ما تقدم عن السهيلي فراجع (3).

و إذا صح كلام هؤلاء، فمن المناسب أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قبل كل أحد إلى العمل بمقتضى الآية، و هو ما حصل فعلا، كما سنرى.

و إذا قيل: ما ذكره هؤلاء-السهيلي و غيره-بعيد في بادئ الرأي.

فإننا نقول: هو على الأقل من المحتملات في معنى الآية الشريفة، و إن لم


1) التراتيب الإدارية المسمى ب: نظام الحكومة النبوية ج 1 ص 181-182.

2) معجم البلدان ج 5 ص 124.

3) تنوير المقباس هامش الدر المنثور ج 2 ص 224.

يكن متعينا، و نحن إنما ذكرناه استئناسا به و تأييدا، لا لنستدل به، و نستند إليه.

ما نستند إليه:

أما ما نستند إليه في اعتقادنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أول من أرخ بالهجرة، فهو الأمور التالية:

1-ما روي عن الزهري: من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم المدينة مهاجرا أمر بالتاريخ، فكتب في ربيع الأول (1).

و في رواية أخرى عن الزهري قال: التاريخ من يوم قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مهاجرا (2).

قال القلقشندي: «و على هذا يكون ابتداء التاريخ عام الهجرة» (3)


1) فتح الباري ج 7 ص 208، و إرشاد الساري ج 6 ص 233، و التنبيه و الإشراف ص 252، و تاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 388، و نزهة الجليس ج 1 ص 21، و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 142، و البحار ج 40 ص 218 عنه، و علي و الخلفاء ص 241 عن البحار، و صبح الأعشى ج 6 ص 240، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 180، و حكاه الأخيران عن النحاس في صناعة الكتاب، و تاريخ الخميس ج 1 ص 338، و الشماريخ في علم التاريخ ص 10 ط سنة 1971 عن ابن عساكر عن يعقوب بن سفيان، و وفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 248، و المواهب و الزرقاني و غيرهم حكوه عن الحاكم في الأكليل مفصلا، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 10 ط صادر، و في المواهب اللدنية ج 1 ص 67: ذكر ذلك من دون أن ينسبه إلى الزهري و راجع الإعلان بالتوبيخ ص 78.

2) الشماريخ في علم التاريخ ص 10.

3) صبح الأعشى ج 6 ص 240.

و تقدمت و ستأتي كلمات غيره في ذلك.

و لكن البعض قد وصف هذا الحديث بأنه: خبر معضل، و المشهور خلافه (1)، و لعله هو الذي وصفه الجهشياري بأنه خبر شاذ (2)، و يقرب منه كلام غيره (3).

أما المسعودي فقد أورد عليه: بأنه خبر مجتنب من حيث الآحاد، و مرسل من عند من لا يرى قبول المراسيل، و إن ما حكاه أولا من أن عمر هو الذي أرخ بالهجرة، بإشارة علي «عليه السلام» هو المتفق عليه، إذ كان ليس في هذا الخبر وقت معلوم أرخ به، و نقل كيفية ذلك (4).

لكن إيراد المسعودي و غيره لا يرد على خبر الزهري، لأن إرساله-لو سلم-و كونه خبر واحد لا يصحح اجتنابه، بل لا بد من الأخذ به، حتى ممن لا يرى قبول المراسيل، و ذلك لوجود روايات و أدلة أخرى في المقام تدل على ذلك، كما سنرى (5).


1) فتح الباري ج 7 ص 208، و إرشاد الساري ج 6 ص 233 عنه، و وفاء الوفاء ج 1 ص 248.

2) الوزراء و الكتاب ص 25.

3) الإعلان بالتوبيخ ص 78، و تاريخ الخميس ج 1 ص 338.

4) التنبيه و الإشراف ص 252.

5) و للزهري رواية أخرى تدل على أن التاريخ كان من زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ففي تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 21: أن الزهري قال: (إن قريشا كانوا يعدون بين الفيل و الفجار أربعين سنة، و كانوا يعدون بين الفجار و بين وفاة هشام بن المغيرة ست سنين، و بين وفاته و بين بنيان الكعبة تسع سنين، و بينهما-

2-ما رواه الحاكم و صححه، عن عبد اللّه بن عباس، أنه قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، و فيها ولد عبد اللّه بن الزبير (1).

3-قال السخاوي: «و أما أول من أرخ التاريخ، فاختلف فيه، فروى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أنس، قال: كان التاريخ من مقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، و كذا قال الأصمعي: إنما أرخوا من ربيع

(5) -و بين أن خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة خمس عشرة سنة، منها خمس سنين قبل أن يوحى إليه ثم كان العدد (يعني: بعد التاريخ) فيظهر من هذه العبارة الأخيرة: أنهم أعرضوا عن السابق و بدأوا يؤرخون بالهجرة، لكن يبقى في الرواية إشكال، و هو أن المعروف: هو أن بين الفيل و الفجار عشرين سنة لا أربعين كما صرح به الطبري ج 2، و البداية و النهاية ج 2 ص 261، و تاريخ الخميس ج 1 ص 196، و ابن الأثير و المسعودي، لكن قول الزهري: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة، كما نقله عنه في البداية و النهاية ج 2 ص 262، يدل على أن الزهري قد تفرد بالقول بأن بين الفجار و الفيل أربعين سنة مخالفا بذلك المعروف و المشهور، لكن كل ذلك لا يضر في دلالة كلامه على ما نقول كما لا يخفى.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 13 و 14 و صححه على شرط مسلم و تلخيص المستدرك للذهبي هامش نفس الصفحة، و مجمع الزوائد ج 1 ص 196 عن الطبراني في الكبير، و الإعلان بالتوبيخ ص 80، و في ص 81 رواية أخرى عنه تشير إلى ذلك أيضا، و الطبري ج 2 ص 389-390 بسندين، و ج 3 ص 144، و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 9، و الشماريخ ص 10 عن البخاري في التاريخ الصغير، و الخطط للمقريزي ج 1 ص 284.

الأول شهر الهجرة» (1)، ثم ذكر رواية الزهري المتقدمة.

و ذلك يدل على أن واضع التاريخ ليس هو عمر؛ لأن عمر قد أرخ من المحرم كما تقدم.

ثم أورد السخاوي على ذلك بمخالفته للصحيح و المشهور: من أن الأمر به كان في زمن عمر، و أن أول السنة ليس شهر ربيع الأول، و إنما شهر محرم.

و لكن إيراده غير وارد، لأن مجرد كون ذلك خلاف المحفوظ و المشهور لا يوجب فساده، بل لا بد من الأخذ به، و العدول عن المحفوظ و المشهور، حين يقوم الدليل القاطع على خلافه.

و لسوف نرى: أن لدينا بالإضافة إلى ما ذكرنا ما يزيل أي شك، أو ريب في ذلك.

4-إن المؤرخين يقولون: إن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، قد هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول، و يرى الزهري و غيره: أنه وصلها في أول يوم منه، و جزم ابن إسحاق و الكلبي بأنه إنما خرج من مكة في اليوم الأول منه.

و بعضهم يرى: أنه خرج من الغار في أوله (2).

و يمكن تأييد دخوله للمدينة في أول ربيع الأول بما تقدم من كتابة علي


1) الإعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 78.

2) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 324 و 325، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 29، و الروض الأنف ج 2 ص 245، و كذلك لا بأس بمراجعة دلائل النبوة ج 2 ص 226، و المواهب ج 1 ص 67.

«عليه السلام» في كتابه: «منذ ولج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة» ، و لكن هناك ما يؤيد الرأي الآخر أيضا، و هو إشارته «عليه السلام» بأن يجعل مبدأ التاريخ: منذ ترك الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أرض الشرك أو منذ هاجر، إلا أن يدعى الإجمال في هذه الفقرة، لأنهم كانوا في صدد تعيين السنة التي يبدأون بها، فلا تصادم ظهور الفقرة الأولى فيما قلناه.

المهم في الأمر هنا: أن الهجرة كانت في أول ربيع الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك ما تقدم عن مالك، و الأصمعي، و كذلك ما رواه الزهري و استظهرناه من علي «عليه السلام» : من أن أول السنة الإسلامية كان ربيع الأول؛ فإننا سوف نطمئن إلى أن التاريخ كان قد وضع قبل زمان عمر، الذي جعل أول السنة شهر محرم، بدلا من ربيع الأول.

فهذا التغيير من عمر يدل على أنه ليس هو أول من وضع التاريخ الهجري.

و يؤيد ذلك: أن بعض الصحابة كانوا يعدون بالأشهر من مهاجره «صلى اللّه عليه و آله» الذي هو شهر ربيع الأول إلى أواسط السنة الخامسة.

فأبو سعيد الخدري يقول: إن فرض رمضان، كان بعد ما صرفت القبلة في شعبان بشهر على رأس ثمانية عشر شهرا (1).

و يتحدث عبداللّه بن أنيس عن سريته إلى سفيان بن خالد، فيقول: «خرجت من المدينة يوم الإثنين، لخمس خلون من المحرم، على رأس أربعة


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 368.

و خمسين شهرا (1).

و محمد بن مسلمة أيضا يقول عن غزوة القرطاء: «خرجت في عشر ليال خلون من المحرم، فغبت تسع عشرة، و قدمت لليلة بقيت من المحرم، على رأس خمسة و خمسين شهرا» (2).

و بعد هذا يبدأ العد بالسنين، كما يظهر من قول سلمة بن الأكوع، و خالد بن الوليد، و غيرهما (3).

لقد كانت تلك هي طريقة الصحابة، و على ذلك جرى ديدنهم، و تبعهم المؤرخون على ذلك أيضا، فأرخوا بالأشهر إلى أواسط السنة الخامسة، بل إلى آخرها، و منها يبدأون بذكر السنين (4).

و ذلك يدل: على أن التاريخ كان قد وضع من أول سني الهجرة، و إلا فلا معنى لأن يسأل صحابي عن واقعة حدثت له في سنة خمس، فيعدل عن ذكر السنة، و يشرع في إجراء حساب، و يقوم بعملية عد تحتاج إلى تفكير و تأمل، و بعد مدة من التأمل و التفكير يعطى الجواب! !

إلا أن يكون ذلك محفوظا لديه، و جرى ديدنه و طريقته عليه مدة من


1) مغازي الواقدي ج 2 ص 531-534 على الترتيب.

2) مغازي الواقدي ج 2 ص 531-534 على الترتيب.

3) راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 537، و صفة الصفوة ج 1 ص 652.

4) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 في غزواته «صلى اللّه عليه و آله» لا سيما ص 56 منه في غزوة بواط، و مغازي الواقدي ص 9 و 11 و 363، و الوفاء بأخبار المصطفى ج 2 ص 673 و 674 و 675، و البداية و النهاية ج 4 ص 61، و تاريخ الخميس و غير ذلك.

الزمان، حتى انغرس في ذهنه، و حفظه و وعاه.

كما أن ذلك يعبر عن مدى اهتمام الصحابة في المحافظة على جعل ربيع الأول مبدأ للتاريخ، و إن كانوا قد غلبوا على ذلك فيما بعد.

5-إن بين أيدينا نصا لعهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسلمان الفارسي مؤرخا بسنة تسع للهجرة.

قال أبو نعيم: عن «الحسن بن إبراهيم بن إسحاق البرجي المستملي، و أخبرنيه عنه محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، قال: سمعته يقول:

سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي يقول: رأيت هذا السجل بشيراز، بيد سبط لغسان بن زاذان بن شاذويه بن ماه بنداذ، أخي سلمان.

و هذا العهد بخط علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، مختوم بخاتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فنسخ منه ما صورته:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول اللّه، سأله سلمان، وصية بأخيه ماه بنداذ، و أهل بيته، و عقبه.

ثم ساق أبو نعيم الكتاب إلى أن قال في آخره: و كتب علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رجب، سنة تسع من الهجرة، و حضر أبوبكر، و عمر، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و عبد الرحمن، و سعد، و سعيد، و سلمان، و أبو ذر، و عمار، و عيينة، و صهيب، و بلال، و المقداد، و جماعة آخرون من المؤمنين.

و ذكر أيضا أبو محمد بن حيان، عن بعض من عني بهذا الشأن: «أن رهطا من ولد أخي سلمان بشيراز، زعيمهم رجل يقال له: غسان بن زاذان،

معهم هذا الكتاب، بخط علي بن أبي طالب، بيد غسان، مكتوب في أديم أبيض، مختوم بخاتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و خاتم أبي بكر و علي «رضي اللّه عنهما» ، على هذا العهد حرفا بحرف، إلا أنه قال: و كتب علي بن أبي طالب، و لم يذكر عيينة مع الجماعة» (1).

و أورد عليه البعض: بانقطاع سنده و ركاكة لفظه، و بأن أول من أرخ بالهجرة هو عمر (2).

و نقول: إن انقطاع سنده لا يضر ما دام معتضدا بغيره من النصوص و الشواهد التي تقدمت و ستأتي.

و أما ركاكة لفظه، فهي دعوى غير ظاهرة.

و أما بالنسبة لكون عمر هو أول من أرخ بالهجرة، فهو أول الكلام.

6-كتاب مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل اليهودي، و قد جاء في آخره قوله: «و كتب علي بن أبي طالب الإثنين في جمادى الأولى، مهاجر محمد بن عبداللّه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) ذكر أخبار أصفهان لأبي نعيم ج 1 ص 52 و 53، و الدرجات الرفيعة ص 206 و 207، و طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 231،234 و نفس الرحمن ص 44 عن تاريخ گزيدة.

2) راجع تعليقات البلوشي على طبقات المحدثين ج 1 ص 234.

3) راجع ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 52، و طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 226 و 227، و تاريخ بغداد ج 1 ص 170، و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199، و نفس الرحمن في فضائل سلمان ص 20 و 21 عن تاريخ گزيدة و مجموعة الوثائق-

و قد شكك بعض العلماء في هذا الكتاب، و ناقش فيه، و قد ذكرنا كلماتهم و أجبنا عنها في كتابنا سلمان الفارسي في مواجهة التحدي ص 25- 30 فليراجعه من أراد.

7-قد أورد البلاذري نصا للكتاب الذي كتبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليهود بلدة «مقنا، و بني حبيبة. و قد صالحهم فيه على ربع عروكهم (خشب يصطاد عليه) ، و غزولهم، و ربع كراعهم، و حلقتهم، و على ربع ثمارهم» .

قال البلاذري: «و أخبرني بعض أهل مصر: أنه رأى بعينه في جلد أحمر، دارس الخط، فنسخه، و أملى علي فنسخته:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى بني حبيبة، و أهل مقنا: سلم أنتم، فإنه أنزل علي: أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فإنكم آمنون، و لكم ذمة اللّه و ذمة رسوله» .

ثم ساق البلاذري الكتاب إلى أن قال في آخره: «و ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم، أو من أهل بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كتب علي بن أبوطالب «عليه السلام» في سنة تسع» (1).

(3) -السياسية ص 328 عن الخطيب و أبي نعيم، و عن جامع الآثار في مولد المختار، لشمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 209، و الرحلة في طلب الحديث (مقدمة نور الدين عتر) ص 53.


1) فتوح البلدان للبلاذري ص 67 ط سنة 1318 ه. و لا بد من التأمل في تخصيصه الولاية بأهل بيته، و ليس ذلك إلا دليلا واضحا على أن خراج هذه البلدة و هي التي أخذت صلحا دون أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و هو المسمى بالفيء الذي هو للّه و لرسوله قد أعطاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل بيته «عليهم السلام» ، و هي تدل أيضا على أن آل الرسول (صلى اللّه عليه و آله) هم أولو الأمر للمسلمين و أهل الذمة على حد سواء.

و قد أورد المعلق على فتوح البلدان، محمد بن أحمد بن عساكر على هذه الرسالة بإيرادين:

أحدهما: أن عليا الذي اخترع علم النحو، حتى لا يختلط بكلام النبط، لا يمكن أن يصدر منه اللحن و يقول: (علي بن أبو طالب) برفع كلمة أبو.

الثاني: أن صلح النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مقنا، كان في غزوة تبوك على ما هو مذكور في كتاب البلاذري، و لا خلاف في أن عليا لم يكن فيها، فكيف يكون علي «عليه السلام» هو كاتب هذا الكتاب (1)؟

و نحن نكتفي في الإجابة على هذين الإيرادين بما ذكره العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي، حيث قال ما ملخصه مع إضافات و زيادات في النصوص و غيرها، قد اقتضاها المقام.

أما الجواب عن الأول: فقد ذكر الملا علي القاري في شرحه لشفاء القاضي عياض، نقلا عن نوادر أبي زيد الأصمعي عن يحيى بن عمر: أن قريشا كانت لا تغير الأب في الكنية، بل تجعله مرفوعا أبدا: رفعا، و نصبا، و جرا.

و في نهاية ابن الأثير، في لفظ (أبي) و شرح القاري لشفاء عياض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى المهاجر بن أمية: (المهاجر بن أبو أمية) ، ثم قالا: و لما كان أبو أمية مشتهرا بالكنية و لم يكن له اسم معروف غيره،


1) هامش ص 67 من فتوح البلدان للبلاذري.

تركه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مثل القاري لذلك، فقال: (كما يقال: علي بن أبو طالب) .

و نضيف هنا قول الزمخشري: «و كتب لوائل بن حجر: من محمد رسول اللّه إلى المهاجر بن أبو أمية؛ إن وائلا. .

إلى أن قال الزمخشري: أبو أمية ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع، لأنه اشتهر بذلك، و عرف، فجرى مجرى المثل الذي لا يغير، و كذلك قولهم: علي بن أبو طالب و معاوية بن أبو سفيان» انتهى (1).

و قال العلامة الأحمدي أيضا: و في مجموعة الوثائق السياسية عن الصفدي: أن بعضهم يكتب: علي بن أبو طالب بالواو، و يلفظ: أبي، بالياء، و بعد أن نقل في المجموعة عن التراتيب الإدارية، ما تقدم عن نوادر الأصمعي قال: و فوق ذلك كله: إني لما كنت في المدينة، في شهر محرم سنة 1358، وجدت في الكتابة القديمة التي في جنوب سلع: (أنا علي بن أبو طالب) .

و قد تكون هذه الكتابة بخط علي «عليه السلام» .

و قال في مجموعة الوثائق أيضا: إنه وجد كلمة: (علي بن أبو طالب) بالواو، في أربعة مواضع في الكتب المقروة عن الشيوخ.

و نزيد هنا قول العسقلاني: «قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه (يعني أبا طالب) كنيته» (2).


1) الفائق ج 1 ص 14.

2) الإصابة ج 4 ص 115.

و قال مغلطاي: «و قيل: اسمه كنيته فيما ذكر الحاكم، و فيه نظر» (1).

و ذكر المسعودي (2): أنه قد تنوزع في اسم أبي طالب، فمنهم من رأى أن كنيته اسمه، و أن عليا «عليه السلام» قد كتب ليهود خيبر، بإملاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» : (و كتب علي بن أبي طالب) ، فإسقاط الألف من كلمة: ابن، يدل على أنه واقع بين علمين، لا بين علم و كنية.

و قال البلاذري: و قال يحيى بن آدم: و قد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين، كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة، و في أسفله: (و كتب علي بن أبو طالب) ، و لا أدري ما أقول فيه (3).

و في كتابه بين ربيعة و اليمن نراه قد كتب في آخره-و هي الرواية المشهورة-: (كتب علي بن أبو طالب) (4).

و قال ابن عنبة: عن محمد بن إبراهيم النسابة: أنه رأى خط أمير المؤمنين في آخره: (و كتب علي بن أبو طالب) . و قال: إنه كان في المشهد الغروي الشريف مصحف بخط علي «عليه السلام» ، احترق حين احترق المشهد سنة 755 ه. يقال: إنه كان في آخره: و كتب علي بن أبو طالب.

ثم ذكر: أن الواو مشتبهة بالياء لتقاربهما في الخط الكوفي، و أن الصحيح هو (علي بن أبي طالب) حسبما نقله له جده و غيره (5).


1) سيرة مغلطاي ص 10.

2) مروج الذهب (ط بيروت) ج 2 ص 109.

3) فتوح البلدان ص 72.

4) شرح النهج لابن ميثم البحراني ج 5 ص 321.

5) عمدة الطالب (ط النجف) ص 20 و 21.

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه.

و نستطيع أن نستخلص مما تقدم: أن وجود كلمة: (أبو) لا يضر، و لا يوجب إشكالا في الرواية، و لا سيما إذا لا حظنا ما نقلوه من لغة قريش المتقدمة، و من ثم، فإننا لا نحتاج إلى تأويل عمدة الطالب، أو غيره.

و أما الجواب عن الإيراد الثاني: فيقول العلامة الأحمدي: إنه لا صراحة في كلام البلاذري، و لا دلالة له على أن هذا الكتاب قد كتب في تبوك، كما أن الكتاب نفسه ليس فيه ما يدل على ذلك، بل فيه ما يدل على وفادة جماعة منهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أنهم سوف يرجعون إلى بلدتهم، فلعل وفادتهم إليه كانت إلى المدينة لغرض تجاري، أو لأجل الحصول على هذا الكتاب، أو غير ذلك، فكتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم هذا الكتاب.

و يلاحظ هنا: أن عددا من المصادر يكتفي بالإشارة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لأهل مقنا كتابا في سنة تسع (1).

هذا ما ذكره العلامة الأحمدي بزيادات و تصرف و تلخيص، و هو كاف


1) راجع: مكاتيب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ج 1 ص 288-289-290. و لمعاهدة مقنا نص آخر مؤرخ بسنة خمس للهجرة بخط علي «عليه السلام» ، و لكنه لا يخلو من بعض الإشكالات التاريخية، و إن كان يمكن الإجابة عنها كلا أو بعضا فراجع: مكاتيب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ج 1 ص 293-294 و هناك عهد للنصارى مؤرخ في الثانية للهجرة، بخطه أيضا «عليه السلام» ، و عهد آخر لهم مؤرخ في السنة الرابعة يقال: إنه بخط معاوية، و كلا العهدين محل إشكال لا سيما الثاني منهما، لأن معاوية لم يسلم إلا عام الفتح، فراجع: مكاتيب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أيضا ج 2 ص 637 و 634 و غير ذلك.

و واف في دفع الإيراد على هذا الكتاب.

8-كتاب صلح خالد بن الوليد لأهل دمشق قال ابن سلام: «حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي عن ابن سراقة: أن خالد بن الوليد كتب لأهل دمشق:

«هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق: أني قد أمنتهم على دمائهم، و أموالهم، و كنائسهم، قال أبو عبيد: ذكر كلاما فيه لا أحفظه، و في آخره: شهد أبو عبيدة الجراح، و شرحبيل بن حسنة، و قضاعي بن عامر، و كتب سنة ثلاث عشرة» (1).

و احتمال أن تكون العبارة الأخيرة ليست من أصل الكتاب، و إنما هي من تعابير المؤرخين أو الرواة.

يدفعه: أن ذلك خلاف ظاهر العبارة.

أضف إلى ذلك: أنه قد روي عن الواقدي: أن خالدا لم يؤرخ الكتاب و لكن لما أراد المسلمون النهوض إلى اليرموك، جدد خالد للنصارى كتاب الصلح و أثبت فيه شهادة أبي عبيدة و شرحبيل و يزيد بن أبي سفيان، و أرخه بسنة خمس عشرة في ربيع الآخر (2).

و أضاف ابن كثير إلى الشهود: عمرو بن العاص.

و لا يمنع أن يكون هذا كتاب آخر كتبه لهم فيما يتعلق بكنائسهم حين


1) الأموال ص 297، و ذكره البلاذري في فتوح بلدانه ص 128 بدون تاريخ مع بعض اختلاف.

2) راجع: فتوح البلدان ص 130.

نهوضه إلى اليرموك، كما ربما يستظهر من عبارة ابن كثير فراجع (1).

و حتى لو كان تاريخ الكتاب هو سنة 15، فإن ذلك لا يضر في دلالته على المطلوب لأن من المتفق عليه أن قضية عمر كانت بعد ذلك، أي في سنة 16 ه. أو 17 ه.

و لا أحد يدّعي إطلاقا: أن وضعه للتاريخ قبل ذلك، و لا سيما بملاحظة: أن فتح دمشق كان أول خلافة عمر، بل قبل أن يصل إلى جند المسلمين في الشام خبر وفاة أبي بكر و تولي عمر.

نقول هذا على الرغم من أننا نرى: أن كلمات أهل المغازي قد اختلفت في وقت فتح دمشق: هل كان في سنة 13 ه أو في سنة 14 ه، و في أن من صالح أهلها: هل هو أبو عبيدة، أم خالد بن الوليد، و كذلك في أن أيهما كان الأمير على جند المسلمين في الشام؟ .

و ذلك لأن لدينا ما يشبه اليقين بأن فتح دمشق كان قبل وصول الخبر بوفاة أبي بكر في سنة 13 ه، أو على الأقل قبل إظهار أبي عبيدة للخبر، و أن الذي صالحهم هو خالد بن الوليد، الذي كان أميرا على الجند آنئذ.

فقد نصّ أبو عبيدة، و ابن قتيبة، و الواقدي، و البلاذري (2)، و كثيرون غيرهم: على أن المصالحة كانت على يد خالد، مما يعني أنه هو الذي كان أمير الجيش إلى حين الصلح.


1) البداية و النهاية ج 7 ص 21.

2) المعارف لابن قتيبة (ط سنة 1390 ه بيروت) ص 79، و فتوح الشام ج 1 ص 58 -59، و فتوح البلدان ص 128-131 و غير ذلك.

بل يذكر لنا الواقدي: مشادة عنيفة، حصلت بين أبي عبيدة و خالد، بسبب صلح خالد لهم، تظهر لنا بوضوح مدى عناد خالد في موقفه، و ضعف أبي عبيدة معه (1)الأمر الذي ينسجم كثيرا مع ما نذهب إليه، من أن قيادة الجيش كانت لخالد آنذاك.

يضاف إلى ما تقدم: أن البلاذري و غيره قد ذكروا: أن أبا عبيدة كان على الباب الشرقي، فدخلها عنوة، فجاء أهل المدينة إلى خالد، فصالحوه، و كتب لهم كتابا، و فتحوا له الباب، ثم نقل البلاذري قول أبي مخنف، الذي يعكس القضية، ثم قال: و الأول أثبت (2).

و يدل على أن ذلك هو الأثبت: أن أكثر المؤرخين يذكرون أن خالدا كان هو المصالح لأهل دمشق، و من ثم كان هو أمير الجيش.

و تلك الرسالة المذكورة في أول هذا الكلام و نصوص أخرى، تدل دلالة قاطعة على ذلك أيضا.

و أما عزل خالد، فقد جاءهم و هم محاصرون لدمشق، فكتمه عنه أبو عبيدة نحو عشرين ليلة، حتى فتحت دمشق، حتى لا يوهن أمر خالد، و هم بإزاء العدو (3).

و قال الواقدي: إن فتحها كان في ليلة وفاة أبي بكر (4).


1) فتوح الشام ج 1 ص 58-60.

2) فتوح البلدان ص 129، و ليراجع أيضا: البداية و النهاية ج 7 ص 21 و نقله عن آخرين.

3) البداية و النهاية ج 7 ص 23، و فتوح البلدان ص 127-129.

4) فتوح الشام ج 1 ص 58 و 59.

و قال زيني دحلان: «و قيل: إنما جاء خبر وفاة أبي بكر، بعد فتح دمشق في سنة ثلاث عشرة، و أن وفاة أبي بكر (رض) كانت في الليلة التي دخلوا فيها دمشق، و كان ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، و القائلون بأن خبر وفاته إنما جاء بعد فتح دمشق هم القائلون بأن وقعة اليرموك كانت بعد فتح دمشق، و أنها سنة خمس عشرة» (1).

و قال ابن كثير: «ظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي: أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، و لكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة» (2).

و عن عبد الرحمن بن جبير: أن أبا عبيدة نفسه قد ذهب ليبشر أبا بكر بفتح دمشق، فوجده قد توفي و أمره عمر على الناس، فلما عاد إلى دمشق قالوا: «مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا» (3).

و على كل حال، فإن كتاب الصلح المتقدم، و سائر ما قدمناه يشهد: بأن خالدا هو الذي صالح أهل الشام وفاقا لأكثر المؤرخين.

و قد قلنا: إنه حتى لو كان الكتاب مؤرخا بسنة 15، أو كان ذلك كتابا آخر، فإنه أيضا يدل دلالة واضحة على أن التاريخ كان قد وضع قبل خلافة عمر.

و أما لماذا يعدل الرواة و المؤرخون عن الحقيقة، ألا و هي مصالحة خالد


1) الفتوحات الإسلامية ج 1 ص 47.

2) البداية و النهاية ج 7 ص 22.

3) البداية و النهاية ج 1 ص 24.

لأهل الشام قبل وفاة أبي بكر، فلعل تقارب الأحداث و تتابعها قد أوقعهم في الخلط و الاشتباه، و لعله حين نريد أن نحسن الظن بهم-و هم أهل و محل لذلك! ! -قد كان لتعمد إظهار: أن عهد عمر كان عهد الفتوحات العظيمة، و التوسع الكبير، و لا بد أن يكون فتح الشام، و هي هامة جدا، في عهده هو لا في عهد أبي بكر.

و أيضا فثمة اهتمام خاص ظاهر للعيان بإثبات شجاعة خالد و إظهار قوته، و بطولاته في مواقفه، و أنه-دون كل أحد-رجل السيف و السنان، فلا بد أن يكون قد فتحها عنوة، و أن يكون الذي صالح أهلها غيره! ! و لو كان ذلك عن طريق الكذب و الدجل و التزوير.

و أما أن أي ذلك الذي ذكرناه هو السبب الحقيقي في العدول عن الحقيقة، فلست أدري، و لعل القارئ الفطن الذكي يدري.

9-و نقل السيوطي عن مجموعة بخط ابن القماح ذكر فيها: أن ابن الصلاح قال: «ذكر أبو طاهر، محمد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران و أمر عليا أن يكتب فيه: أنه كتب لخمس من الهجرة.

قال: فالمؤرخ بهذا إذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عمر تبعه في ذلك» (1).

و قال السيد عباس المكي: «التاريخ سنة ماضية، و طريقة راضية، أمر


1) راجع: الشماريخ في علم التاريخ للسيوطي ص 10، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 181 عنه.

بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين كتب إلى نصارى نجران، فأمر عليا «رضي اللّه عنه» : أن يكتب فيه: (كتب لخمس من الهجرة)» (1)، ثم نقل رواية ابن شهاب المتقدمة.

و قال السخاوي: «فإن ثبت، فيكون عمر متبعا، لا مبتكرا» (2).

و قال السيوطي أيضا: «و قد يقال: هذا صريح في أنه يقال: أرخ سنة خمس.

و الحديث الأول (يعني رواية الزهري المتقدمة) فيه: أنه أرخ يوم قدوم المدينة.

و يجاب: بأنه لا منافاة، فإن الظرف و هو قوله: «يوم قدم المدينة» ليس متعلقا بالفعل و هو أمر، بل بالمصدر و هو (التاريخ) ، أي أمر بأن يؤرخ بذلك اليوم، لا أن الأمر كان في ذلك اليوم» (3)، هذا كلام السيوطي.

و لكن ثمة جواب أوضح و أظهر، و هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بالتاريخ من أول قدومه، و جعل مبدأه أول ربيع الأول؛ و استعمله النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه حين كتب لنصارى نجران في سنة خمس.

10-خبر الصحيفة السجادية الذي يظهر منه: أن جعل هجرة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» مبدأ للتاريخ كان مرتبطا بالمبدأ الأعلى جل و علا، حيث جاء في الخبر: أن جبرائيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى


1) نزهة الجليس ج 1 ص 21.

2) التراتيب الإدارية ج 1 ص 181.

3) الشماريخ ص 10.

اللّه عليه و آله» : «تدور رحى الإسلام من مهاجرك؛ فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمس و ثلاثين من مهاجرك، فتلبث بذلك خمسا» (1).

11-و عن أم سلمة قالت: «قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقتل حسين بن علي على رأس ستين من مهاجري» (2).

12-و عن أنس قال: «حدثنا أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا تأتي مئة سنة من الهجرة و منكم عين


1) البحار ج 58 ص 351 بعد تصحيح أرقام صفحاته، و سفينة البحار ج 2 ص 641، و الصحيفة السجادية ص 10، و قد روي هذا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بطرق أخرى ذكرها في البداية و النهاية ج 6 ص 206-207، و ج 7 ص 219 و ص 275-276 عن أحمد و أبي داود و ابن داود، و لكن باختلاف و تصرف و حذف فراجع، و راجع: سنن أبي داود نشر دار الكتاب العربي ج 4 ص 159-160 و غير ذلك.

2) مجمع الزوائد ج 9 ص 190 عن الطبري، و لم يطعن في سنده إلا في سعد بن طريف و ليس ذلك إلا لتشيعه حسبما صرحوا به، و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 185 و في هوامشه عن مصادر أخرى، و تاريخ بغداد ج 1 ص 142، و الإلمام ج 5 ص 299، و كنز العمال ج 13 ص 113 ط حيدرآباد، و ميزان الإعتدال ج 1 ص 212 عن الطبراني، و الخطيب، و ابن عساكر، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 5 ص 111، و مقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 161، و إحقاق الحق ج 11 ص 354 عن بعض ما تقدم، و عن مفتاح النجا ص 136 مخطوط، و عن المعجم الكبير للطبراني.

تطرف» (1).

13-و قد ذكر البعض نصا للكتاب الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة، و جاء في آخره: «و إن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة، و كتب في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة» (2).

و من المعلوم: أن فتح الحيرة على يد خالد كان في زمن أبي بكر، و ذلك معناه أن التاريخ كان قد وضع و استعمل قبل خلافة عمر، فكيف يكون عمر هو واضع التاريخ في سنة ست عشرة؟ و قد يمكن تأييد ذلك بما تقدم عن السهيلي و ابن عباس، و غير ذلك مما لا مجال لذكره.

هذا، و احتمال أن تكون العبارة الأخيرة من كلام الرواة أو المؤرخين ليس له ما يؤيده، كما ألمحنا.

14-ما رواه الحافظ عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة الخ. .» (3).

15-ما رواه عبد الرزاق أيضا عن ابن مسعود قال: «إذا كانت سنة خمس و ثلاثين حدث أمر عظيم، فإن تهلكوا فبالحرا، و إن تنجوا فعسى. و إذا كانت سبعين رأيتم ما تنكرون» (4).


1) مجمع الزوائد ج 1 ص 197 عن أبي يعلى، و له ألفاظ و طرق عديدة كثيرة أخرى لكن بلا ذكر كلمة: من الهجرة.

2) هي الدكتورة سعاد ماهر محمد، في كتابها: مشهد الإمام علي في النجف الأشرف ص 104-105.

3) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 373 و 375.

4) تطهير الجنان و اللسان ص 66 سنة 1375، و كنز العمال ج 11 ص 113 عن أحمد و غيره.

فإن ابن مسعود و أبا هريرة إنما علما ذلك عن طريق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأنه تنبؤ بالغيب، و هذا يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو واضع التاريخ الهجري.

16-و في حديث رواته ثقات: «نعوذ باللّه من رأس الستين و في رواية: من سنة ستين، و من إمارة الصبيان» (1).

و عن أبي هريرة أنه قال: اللهم لا تدركني سنة ستين و لا إمارة الصبيان (2).

17-عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر «رض» مرفوعا: «إذا كان على رأس السبعين و مئة فالرباط بجدة من أفضل ما يكون من الرباط» (3).

عود على بدء:

و بعد كل ما قدمناه، يتضح: أن ما اشتهر بين الناس من أن واضع التاريخ الهجري الإسلامي هو عمر بن الخطاب، مما لا يمكن القبول به و لا المساعدة عليه؛ و أن ما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة الهجرية شهر محرم، بدلا من ربيع الأول، إما باقتراح من عمر نفسه، أو بإشارة من عثمان، و محرم-كما هو معلوم-كان مبدأ السنة في الجاهلية! ! (4).

و ليس من البعيد: أن يكون التاريخ الهجري الذي وضعه النبي «صلى


1) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 373 و 375.

2) الإتحاف بحب الأشراف ص 65 عن ابن أبي شيبة و غيره.

3) لسان الميزان ج 2 ص 79.

4) البداية و النهاية ج 3 ص 206 و 207، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 288 و 289.

اللّه عليه و آله» ، و أرخ به أكثر من مرة، لم يكن قد اشتهر بين الناس، بسبب قلة احتياجهم للتاريخ في تلك الفترة، فجمع عمر الصحابة ليتفقوا على تاريخ، حسبما تقدم بيانه (1).

و لكننا رأينا في الاجتماع دعوات مغرضة لتناسي ذلك التاريخ الذي أمر به و وضعه الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، فهذا يشير بتاريخ الروم؛ و بعض مسلمي اليهود يشير بالتاريخ الذي يرجع إلى زمان الإسكندر و الهرمزان، يستشيره عمر-مع أن عمر كان يكره الفرس كراهية شديدة-فيشير عليه بتاريخ الفرس، كلما هلك ملك أرخوا من ولاية الذي بعده.

و رابع: يشير بجعل مبدأ التاريخ مولد النبي «صلى اللّه عليه و آله» -عام الفيل-الذي كان العرب يؤرخون به في جاهليتهم المتأخرة، و هكذا، «و كثر منهم القول و طال الخطب في تواريخ الأعاجم و غيرها» على حد تعبير المسعودي (2).

و لكن عليا «عليه السلام» حافظ الدين و رائد الحق، قد أعلن في الوقت المناسب: التاريخ الهجري الذي وضعه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أرخ به هو نفسه في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» العديد من الكتب و المعاهدات.


1) احتمل ذلك العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني في مقال له نشرته مجلة الهادي في سنتها الأولى عدد 4 ص 48.

2) التنبيه و الإشراف ص 252.

فلم يكن ثمة بد من قبول رأيه و الإذعان لمشورته، لأنها حق، و الحق يعلو و لا يعلى عليه.

و اتخاذه الهجرة مبدأ للتاريخ دون يوم ولادته و وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما هو لأهمية الهجرة من دار الشرك؛ حيث الذل و الهوان إلى دار الإسلام حيث العزة و الكرامة، فهي مهمة جدا في صنع التاريخ و الإنسانية، كما أنه يكون بذلك «صلى اللّه عليه و آله» قد أبعد كل المواقف المخزية، و الأحداث التي تختص بالطواغيت و الظلام عن أن تجعل مبدأ للتاريخ، و عن أن تصبح في جملة الرواسب و المرتكزات، التي يعتادها الإنسان و يألفها، و تستقر في وعي الناس كجزء من التراث، و الثقافة، و الحياة.

و التاريخ المسيحي إذا لماذا؟ :

و بعد. . . فإننا نسجل هنا بكل أسف و أسى حقيقة: أن الغربيين و غير المسلمين يحافظون على تراثهم و على خصائصهم، مهما كانت تافهة و حقيرة، و غير ذات أهمية، و لا يتنازلون عنها في أي من الظروف و الأحوال، بل هم يطمحون إلى بثها و ترسيخها لدى غيرهم من الجماعات و الأمم، و لو على حساب تدمير تاريخ و تراث تلك الجماعات؛ فنجد أنهم عند ما يكتبون عن الشؤون و التواريخ الإسلامية يصرون على تحوير التاريخ الهجري، الذي ضبطت به الحوادث إلى الميلادي الشمسي، مهما كان ذلك موجبا لضياع كثير من الحقائق، و الغلط و الخلط فيها نتيجة للاختلاف فيما بين التاريخين.

أما نحن: فإننا نتنازل عن كثير من الأشياء التي قد يكون الكثير منها رئيسيا و أساسيا، بدعوى التقدمية و الرقي، و غير ذلك من ألفاظ خلابة،

و شعارات براقة، تخفي وراءها الكثير الكثير من المهالك و الأخطار، بل لقد تخلت بعض البلاد الإسلامية حتى عن الخط العربي، و استبدلته بالخط اللاتيني، بالإضافة إلى تخليهم عن كثير من شؤونهم الحياتية حتى زيهم و لباسهم، و حتى طريقة عيشهم أيضا.

و هكذا كان حالنا بالنسبة للتاريخ الهجري، حيث قد تخلينا عنه، و بكل يسر و سهولة رغم أنه من موجبات عزتنا، و عليه يقوم تاريخنا و تراثنا، فاستبدلناه بالتاريخ المسيحي الشمسي، المستحدث بعد ظهور الإسلام ببرهة طويلة، لأن النصارى كانوا يؤرخون برفع المسيح «عليه السلام» (1)، لا بميلاده، و على حسب نص آخر: إنهم كانوا يؤرخون بعهد الإسكندر ذي القرنين (2)، حتى إن ابن العبرى، و هو من اليعاقبة المسيحيين، و قد بلغ إلى درجة تعادل درجة الكاردينال، و توفي سنة 685 ه. لم يؤرخ في كتابه بتاريخ المسيح أصلا، بل اعتمد تاريخ الإسكندر في مواضع عديدة في كتابه فراجع.

فلو كان تاريخ المسيح شائعا أو معروفا في عصره لم يعدل عنه. و يظهر من كلام السخاوي المتقدم، و المتوفى سنة 902 ه أن التاريخ بميلاد المسيح لم يكن متداولا إلى أوائل القرن العاشر الهجري.

و ها نحن نرى العديد من الدول التي تطلق على نفسها اسم الإسلام،


1) الإعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 83.

2) نزهة الجليس ج 1 ص 22، و راجع: كنز العمال ج 10 ص 195 عن المستدرك، و عن البخاري في الأدب.

قد اتخذت هذا التاريخ المسيحي، لا الفارسي و لا الرومي اللذين سبق أن اقترحا على الصحابة في الصدر الأول.

نعم، لقد اعتمدوا التاريخ المسيحي، بدعوى الحضارة و التقدمية، و ما إلى ذلك من شعارات، و تركوا ما هو مصدر عزتهم، و ما عليه يقوم تاريخهم و تراثهم، كما تنازلوا عن الكثير الكثير مما هو أعظم و أهم، و التنازل عنه أخطر، و أدهى.

ملاحظة: قيل لأبي عبد اللّه «عليه السلام» فيما روي: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة و عشرين من كانون؟

فقال: كذبوا، بل في النصف من حزيران، و يستوي الليل و النهار في النصف من آذار (1).

و الملاحظ: أن الآية قد صرحت بوجود الرطب في وقت ميلاد عيسى «عليه السلام» قال تعالى: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (2)، إلا أن يدعى: أن وجود الرطب كان على سبيل الإعجاز.

و من جهة أخرى نقول: إن مريم قد انتبذت من أهلها مكانا قصيا و شرقيا أيضا، و كان في مكان الولادة نخل و رطب. .

و هذا يشير إلى صحة الروايات التي تقول: أنها ولدت عيسى في مسجد


1) البحار ج 75 ص 36، و تحف العقول، و مختصر التاريخ لابن الكازروني ص 67 و مروج الذهب ج 2 ص 179 و 180.

2) الآية 25 من سورة مريم.

براثا في بغداد فراجع. .

دعوة مخلصة:

فنحن ندعو الأمم الإسلامية إلى اعتماد التاريخ الهجري القمري في تقاويمهم و تواريخهم، لأن ذلك يصل ماضيهم بحاضرهم، و يذكرهم بسر مجدهم و عزتهم، و هو هذا الدين الذي اختاره اللّه لهم و للإنسانية جمعاء.

مضافا إلى أنه لو كان المفروض جعل أعظم الحوادث مبدأ للتاريخ، فأي حادثة أعظم من ظهور نبي الإسلام، و ما تلا ذلك من الحوادث العظام؟ .

قال العلامة المجلسي: «و العلة الواقعية في ذلك، يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدأ ظهور غلبة الإسلام و المسلمين، و مفتتح ظهور شرائع الدين، و تخلص المؤمنين من أسر المشركين، و سائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين» (1).

نقول ذلك للأمم الإسلامية جمعاء و للعرب على الخصوص، فإننا حتى لو تنزلنا عن ذلك من حيث الدين، فإن عليهم أن يلتزموا به بما أنهم عرب، و أذكرهم هنا بالكلمة القوية التي أطلقها الحسين سيد الشهداء «عليه السلام» حينما قال: «إن لم يكن لكم دين، و كنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، و ارجعوا إلى أحسابكم، إن كنتم عربا كما تزعمون» (2).


1) البحار ج 58 ص 351.

2) اللهوف ص 50، و مقتل الحسين للمقرم ص 335 عنه.

نسأل اللّه أن يعيد إليهم صوابهم، و يجعلهم يسترشدون بعقولهم و ضمائرهم.

و إذا كانوا يقلدون غيرهم في كل شيء تحت ظل مثل تلكم الشعارات، فليقلدوهم في هذه النقطة أيضا، أي في عدم التنازل عن الخصائص الخيرة، و التراث العظيم، ثم الاستجداء من الآخرين و الأخذ منهم ما قد يكون -بل هو كائن فعلا-ضرره أكثر من نفعه.

قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي (1).


1) الآية 108 من سورة يوسف.

الفصل الثاني: بناء مسجد المدينة

اشارة

بناء المسجد:
اشارة

و اشترى النبي «صلى اللّه عليه و آله» -أو وهب له-موضع المسجد، الذي يقال: إنه كان مربدا (1)ليتيمين من الخزرج، كانا في حجر أسعد بن زرارة، أو غيره اشتراه-على ما قيل-بعشرة دنانير.

فأسس «صلى اللّه عليه و آله» المسجد في ذلك الموضع، و نقلوا إليه الحجارة من منطقة الحرة، و شارك «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه في نقلها، الأمر الذي دفع الصحابة إلى الدأب في العمل، و الجد فيه، حتى قال قائلهم:

لئن قعدنا و النبي يعمللذاك منا العمل المضلل

و ارتجز المسلمون و هم يبنونه يقولون:

اللهم إن الأجر أجر الآخرةفارحم الأنصار و المهاجرة

أو نحو ذلك (2).

و سيأتي: أن هذين البيتين أنشدهما المسلمون و هم يحفرون الخندق. و لا مانع من تعدد الواقعة إذا تشابهت الحالات و الدواعي.


1) المربد: محبس الإبل أو مكان تجمع التمر أو المكان الخالي خلف البيوت.

2) راجع ما تقدم في السيرة الحلبية ج 2 ص 67 و 71 و 64 و 65.

و جعل طوله مئة ذراع في مثلها، أو قريبا من ذلك، و قيل: جعله سبعين في ستين.

و نحتمل أن يكون كلاهما صحيحا، و أنه جعله في البناء الأول سبعين في ستين، ثم وسعه في البناء الثاني (1).

و ابتنى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مساكنه، و ابتنى أصحابه مساكنهم حول المسجد، و كل قد شرع له إلى المسجد بابا، و قد سدت الأبواب كلها فيما بعد سوى باب أمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما سيأتي.

و قبل أن نمضي في الحديث، لا بد من الالتفات إلى بعض ما يقال هنا، من أجل تقييمه، و بيان وجه الحق فيه و ذلك حسبما يلي:

أ-أبوبكر و العشرة دنانير:

إنهم يقولون: إن أبابكر هو الذي دفع العشرة دنانير، ثمن المربد (2).

و نحن نشك في ذلك. أولا: لأن أبابكر لم يكن له القدرة المالية على ذلك، و لو كانت، فنحن نشك في إقدامه على هذا الأمر، و ذلك استنادا إلى ما قدمناه في حديث الغار.

ثانيا: لو سلمنا و قبلنا: أنه كان قادرا، فإننا نجد في المقابل رواية تقول: إن أسعد بن زرارة قد عوض اليتيمين نخلا له في بني بياضة، و فى أخرى:


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 340 فما بعدها، و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 365 و 366، و راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 77.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 65.

أرضاهما أبو أيوب، و في ثالثه: معاذ بن عفراء (1).

و احتمل البعض: أن يكون أبو بكر قد دفع الثمن، و أعطى الباقون زيادة عليه برا وصلة (2).

و لكن ذلك ليس بأولى من العكس، أضف إلى ذلك أنه لا ينسجم مع التعبير بكلمة: «عوضهما» فإنه ظاهر في كونه ثمنا و عوضا، لا برا وصلة.

ثالثا: قد روى البخاري و غيره: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا و اللّه، لا نطلب ثمنه إلا من اللّه (3).

ب-أحجار الخلافة:
اشارة

و قد روى الحاكم، عن عائشة، قالت: أول حجر حمله النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبناء المسجد، ثم حمل أبوبكر حجرا آخر، (ثم حمل عمر) (4)، ثم حمل عثمان حجرا آخر.

فقلت: يا رسول اللّه، ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ .


1) البداية و النهاية ج 3 ص 215، و وفاء الوفاء ج 1 ص 323 و 324 عن ابن حجر، و السيرة الحلبية ج 2 ص 65.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 65، و وفاء الوفاء ج 1 ص 323 و 324.

3) صحيح البخاري (ط الميمنية) ج 1 ص 57، و تاريخ الطبري (ط الاستقامة) ج 2 ص 116، و الكامل لابن الأثير (ط صادر) ج 2 ص 110، و وفاء الوفاء ج 1 ص 323، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 77.

4) الزيادة من تلخيص المستدرك.

فقال: يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه (1).

و لكن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، فعدا عن تناقض و اختلاف نصوصها كما لا يخفى على من راجعها في المصادر المختلفة و قارن بينها، فإننا نذكر:

أولا: قال الذهبي، بعد أن ضعف سند الحديث: «لو صح هذا لكان نصا في خلافة الثلاثة، و لا يصح بوجه، فإن عائشة لم تكن يومئذ دخل بها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي محجوبة صغيرة، فقولها هذا يدل على بطلان الحديث» (2).

و لنا تحفظ على قوله: إنها كانت صغيرة، ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب.

و قال ابن كثير: «هذا الحديث بهذا السياق غريب جدا» (3).

ثانيا: و في مقام الإشكال على حديث سفينة: في أحجار الخلافة المتقدم (4)قال البخاري في تاريخه: «ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور لأن عمر


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 96 و 97 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 332 و 333 و 351 و راجع ص 251، و البداية و النهاية ج 3 ص 218، و ج 6 ص 204 مصرحا بأن ذلك كان في مسجد المدينة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 56 و 66، و تاريخ الخميس ج 1 ص 344 و 343، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 272.

2) تلخيص المستدرك للذهبي، المطبوع بهامش مستدرك الحاكم ج 3 ص 97.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 218.

4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 13.

و عثمان، و علي (كذا) قالوا: لم يستخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

لقد قالت عائشة: «لو كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستخلفا لاستخلف أبابكر و عمر» و صححه الحاكم و الذهبي (2).

يريد البخاري: أن هذا الحديث يخالف عقيدة أهل السنة في كون النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ينص، و لم يستخلف، و بهذا يصححون خلافة أبي بكر التي جاءت بطريقة غير طبيعية و لا مألوفة.

و قد ذكر العلامة الأميني (3): طائفة كبيرة من كلماتهم الدالة على أن الخلافة انتخابية، فهذه الرواية تكون كاذبة على مذهبهم، و هي كاذبة واقعا أيضا، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما نص على أمير المؤمنين علي «عليه السلام» خليفة بعده، و النصوص الدالة على ذلك لا تكاد تحصى، و قد استدل بذلك أمير المؤمنين و صحبه، و أهل بيته و ولده، و شيعته من الصحابة و التابعين، و من بعدهم، و إلى يومنا هذا، و لا يكاد يخلو كتاب من تلك النصوص المتضافرة و المتواترة، جملة و آحادا (4).

ثالثا: إن هذه الرواية تذكر عثمان في جملة الواضعين للأحجار الأولى، ولكن عثمان-كما يقولون-كان حينئذ في الحبشة، كما أشار إليه السمهودي و لم يكن حاضرا في المدينة، و لأجل ذلك حذف السهيلي عثمان من الرواية (5).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 66.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 78.

3) راجع: الغدير ج 5 ص 357-375.

4) راجع على سبيل المثال: الغدير ج 1 ص 195-213.

5) راجع وفاء الوفاء ج 1 ص 252.

تحريف في مستدرك الحاكم:

و لعل هذا هو السر في حذفها تبرعا من نص الحاكم، حين طبع كتابه، لأن الذهبي ذكرها في تلخيصه، و هذا يعد من التحريف الذي هو خيانة حقيقية للدين و للأمة و للأجيال.

و الخلاصة: أن عثمان و إن قدم مكة حين بلغهم إسلام أهل مكة، لكنهم لما تبين لهم خلاف ذلك، رجع عدة منهم و بقي عدة، و يبدو أن عثمان قد كان من جملة من رجع كما يدل عليه قولهم: إن عثمان قد هاجر الهجرتين إلى الحبشة (1).

و ذكر العسقلاني: أنه بعد أن سمع المسلمون الذين في الحبشة بهجرته «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، عاد منهم ثلاثون إلى مكة و منهم ابن مسعود، الذي وصل المدينة في حين كان «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى بدر. . (2).

و لكن لا ندري كيف يصح كلام العسقلاني هذا؛ إذ ما هو السبب في عودتهم إلى مكة، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تركها إلى المدينة! ! إلا أن يكون هو إرادة الحصول على أموالهم، و هو بعيد.

ج: عثمان و عمار:

و يقولون: «كان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا، و كان يحمل اللبنة،


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 138، و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 185، و في البدء و التاريخ ج 5 ص 17: أن رقية زوجة عثمان أسقطت علقة في السفينة في هجرتها الأولى إلى الحبشة.

2) فتح الباري ج 7 ص 145.

فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، و نظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب، فأنشأ يقول:

لا يستوى من يعمر المساجدايدأب فيها قائما و قاعدا

و من يرى عن التراب حائدا

فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها، و هو لا يدري من يعني بها، فمر بعثمان، فقال: يا ابن سمية، بمن تعرض-و معه جريدة-فقال: لتكفن، أو لأعترضن وجهك، فسمعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو جالس في ظل بيت أم سلمة-و في رواية: في ظل بيته-فغضب «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني و أنفي، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ، و وضع يده بين عينيه.

فكف الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمار: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد غضب فيك، و نخاف أن ينزل فينا القرآن.

فقال: أنا أرضيه كما غضب. فقال: يا رسول اللّه، ما لي و لأصحابك؟ قال: ما لك و لهم. قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة، و يحملون على اللبنتين و الثلاث. فأخذ بيده، فطاف في المسجد، و جعل يمسح و فرته من التراب. و يقول: يا ابن سمية، لا يقتلك أصحابي، و لكن تقتلك الفئة الباغية» (1).


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 142، تاريخ الخميس ج 1 ص 345، و الأعلاق النفيسة، و وفاء الوفاء ج 1 ص 329، و السيرة الحلبية ج 2 ص 72، و قد ذكره في الغدير ج 9 ص 21 و 22 و 27 عن مصادر كثيرة جدا، لكنه أخذ منه بعض فقراته، فلا بد من مراجعة تلك المصادر الكثيرة لمن أراد المزيد من التحقيق.

و هكذا نجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستفيد حتى من حالة المزاح التي يريد أن يثيرها عمار، في متابعة شؤون الدعوة، و في تحصين المسلمين من الانخداع بأولئك الذين يظهرون الدين و التدين، و هم إنما يعملون من أجل تحقيق أهدافهم، و في سبيل مصالحهم، فعلى الناس في المستقبل أن يلتفتوا لهذه الحقيقة، كما أن هذه الإشارة منه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قتلة عمار الذي سيقتله ابن عم عثمان (معاوية) بحجة الطلب بدم عثمان نفسه الذي له هذا الموقف الخشن من عمار، لا يخلو من طرافة، و هو أمر يدعو إلى التأمل و التدبر حقا.

ألم يكن عثمان في الحبشة؟ !

و نعود إلى سياق الحديث فنقول: و لكن أليس قد قدمنا: أن عثمان لم يكن حاضرا حين بناء المسجد، و إنما كان في الحبشة؟ !

و لعله لأجل هذا استبدل العسقلاني، و الحلبي عثمان بن عفان بعثمان بن مظعون (1).

و قبل أن نجيب عن ذلك: نشير إلى ما تقدم من أنه لا مورد لهذا الكلام لو قلنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بقي عند أبي أيوب سنة أو سبعة أشهر، لأنه كان مشغولا ببناء المسجد و بيوته، إذ من الممكن أن يصل الخبر إلى


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 71، و هامش السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 142 عن المواهب اللدنية.

المهاجرين في الحبشة، و يأتون إلى المدينة خلال هذه المدة، و منهم عثمان، فيكون عثمان قد شارك في البناء، و جرى ما جرى، و إن لم يشارك في التأسيس، و وضع أحجار الخلافة! ! .

و لكننا على أي حال، قد استبعدنا بقاء المسلمين هذه المدة الطويلة في بناء مسجده «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم يعدون بالعشرات، و قد بايعه منهم في العقبة أكثر من ثمانين من المدنيين.

و الجواب الصحيح هنا هو: أن الظاهر هو أن قضية عثمان و عمار قد وقعت حين البناء الثاني للمسجد، و ذلك بعد عام خيبر، أي في السنة السابعة للهجرة (1).

و يدل على ذلك: أولا: ما رواه البيهقي في الدلائل قال: لما قتل عمار قال عبداللّه بن عمرو بن العاص لأبيه: قد قتلنا هذا الرجل، و قد قال رسول اللّه فيه ما قال! قال: أي رجل؟

قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، فكنا نحمل لبنة لبنة، و عمار يحمل لبنتين، فمر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: تحمل لبنتين و أنت ترحض؟ أما إنك ستقتلك الفئة الباغية، و أنت من أهل الجنة، فدخل عمرو إلى معاوية الخ. . (2).


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 338.

2) تذكرة الخواص ص 93 عن ابن سعد في الطبقات، و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 119 و 130، و الثقات لابن حبان ج 2 ص 291، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 313 و 317، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 180-

قال السمهودي بعد ذكر هذه الرواية: «قلت: و هو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد، لأن إسلام عمرو كان في الخامسة» (1).

و روى عبد الرزاق و غيره: أن عمرو بن العاص دخل على معاوية، و أخبره: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول لعمار: تقتله الفئة الباغية (2).

و دخل رجلان على معاوية يختصمان برأس عمار، فقال لهما عبداللّه بن عمرو بن العاص: لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: تقتل عمار الفئة الباغية.

فقال معاوية لعمرو: ألا تغني عنا مجنونك هذا؟ (3).

و معلوم: أنها قضية واحدة في مناسبة واحدة.

ثانيا: لقد ورد في الرواية نفسها ما يدل على أنها قد كانت في البناء الثاني، و ذلك لأنها ذكرت: أنه كان يستظل ببيت أم سلمة، و معلوم أنه

(2) -و 181، و نقل عن مصنف ابن أبي شيبة و مسند أحمد ج 2 ص 164، و راجع هامش ص 313 من أنساب الأشراف ج 2 بتحقيق المحمودي، و مناقب الخوارزمي ص 160، و وفاء الوفاء ج 1 ص 231 و 232.


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 331 و 332.

2) المصنف ج 11 ص 240، و ليراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 297، و ج 7 ص 242 عن أحمد في المسند و الطبراني.

3) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 313، و مسند أحمد في مسند عبداللّه بن عمرو، و في هامش الأنساب عن مصنف ابن أبي شيبة، و عن فتح الباري، و عن مصادر كثيرة.

«صلى اللّه عليه و آله» قد بنى المسجد أولا، ثم بنى بيوته (1)، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يبني بيوته بالتدريج عند الحاجة إليها، و أول ما بنى بيت سودة و عائشة (2)، فلا ريب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بنى بيت أم سلمة بعد بنائه المسجد بمدة طويلة، و ذلك بعد موت أبي سلمة كما سيأتي.

سر انتصار النبي صلى اللّه عليه و آله لعمار:

و يلاحظ هنا: أن المسلمين قد كانوا على درجة من الوعي، بحيث كانوا يدركون: أن عملهم هذا ليس لأجل الدنيا، و إنما هو للآخرة، و أن الآخرة هي التي يجب أن يكون لها المقام الأول و الأخير في تفكيرهم، و أعمالهم و مواقفهم، فإن العيش الحقيقي هو عيش الآخرة، بل لا عيش سواه، و الخسران المبين هو الخسران فيها.

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرةاللهم ارحم الأنصار و المهاجرة

و كان انتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمار، الذي ملئ إيمانا إلى مشاشه-كما جاءت به الرواية عنه «صلى اللّه عليه و آله» (3)-و عذب في سبيل


1) زاد المعاد ج 1 ص 25 و السيرة الحلبية ج 2 ص 87.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 346، و وفاء الوفاء ج 2 ص 458 و 462: استظهر الشمس الذهبي أنه بنى أولا بيت سودة، ثم لما احتاج إلى منزل عائشة بناه، و هكذا سائر بيوته «صلى اللّه عليه و آله» بناها في أوقات مختلفة.

3) البداية و النهاية ج 7 ص 312، و سنن النسائي ج 8 ص 111، و الإصابة ج 2 ص 512، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 409، و حلية الأولياء ج 1 ص 139، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 52، و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 478.

اللّه، و لم يزل و لا يزال يعمل من أجل دينه و عقيدته بإخلاص و وعي، كان انتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» له من هذا المنطلق بالذات، حينما تهدده بعض من كان يدل عمله و تصرفاته، و تجافيه عن الغبار و التراب على أنه ليس بالمستوى المطلوب، بل ربما كان للدنيا بالنسبة إليه المقام الأول، كما ربما يستفاد من أفعاله اللاحقة، فانتصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمار، ليدل على أنه منسجم مع جهاده، و مع وعيه و إخلاصه لدينه و عقيدته.

هذا، و لا بد من التنبيه أخيرا، إلى أن عثمان قد حاول تعيير و تحقير عمار بنسبته إلى أمه، حيث قال له: «يا ابن سمية بمن تعرض؟ الخ. .» مع أن أم عمار كانت أول شهيد في الإسلام، حيث قتلت بفعل التعذيب من أجل دينها و عقيدتها.

و قد أشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» في انتصاره لعمار و محاماته عنه إلى المقام الشامخ لأمه الصابرة المجاهدة سمية «رحمها اللّه» فينسبه إليها، و يقول: «يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي الخ. .» .

لماذا المسجد أولا:

إن من الملاحظ: أن أول عمل بدأ به «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة هو بناء المسجد، و هو عمل له دلالته و أهميته البالغة.

و ذلك لأن المسلمين كانوا فئتين: مهاجرين و أنصارا، و تختلف ظروف كل من الفئتين، و أوضاعها النفسية، و المعنوية، و المعيشية، و غير ذلك عن الفئة الأخرى.

و المهاجرون أيضا كانوا من قبائل شتى، و مستويات مختلفة: فكريا،

و اجتماعيا، ماديا، و معنويا، كما و يختلفون في طموحاتهم، و تطلعاتهم، و في مشاعرهم، و في علاقاتهم، ثم في نظرة الناس إليهم، و مواقفهم منهم، و تعاملهم معهم، إلى غير ذلك من وجوه التباين و الاختلاف، و قد ترك الجميع أوطانهم و أصبحوا بلا أموال، و بلا مسكن، إلى غير ذلك مما هو معلوم، و كذلك الأنصار؛ فإنهم أيضا كانوا فئتين متنافستين، لم تزل الحرب بينهما قائمة على ساق و قدم إلى عهد قريب.

و قد أراد الإسلام أن ينصهر الجميع في بوتقة الإسلام ليصبحوا كالجسد الواحد، في توادهم و في تراحمهم و تعاونهم، و غير ذلك، و أن تتوحد جهودهم و أهدافهم، و حركتهم، و مواقفهم، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إعداد و تربية نفسية، و خلقية، و فكرية لكل هذه الفئات، لتستطيع أن تتعايش مع بعضها البعض، و لتكون في مستوى المسؤولية، التي يؤهلها لها في عملية بناء للمجتمع المتكافل المتماسك الذي هو نواة الأمة الواحدة التي لها رب واحد و هدف واحد، و مصير واحد.

و ليصبح هذا المجتمع قادرا على تحمل مسؤولية حماية الرسالة، و الدفاع عنها، حينما يفرض عليه أن يواجه تحدي اليهود في المدينة، و العرب و المشركين، بل و العالم بأسره، لا بد أن تنصهر كل الطاقات و القدرات الفكرية و المادية و غيرها لهذا المجتمع في سبيل خدمة الهدف: الرسالة فقط.

و المسجد هو الذي يمكن فيه تحقيق كل ذلك، إذ لم يكن مجرد محل للعبادة فقط و لا غير، بل كان هو الوسيلة الفضلى للتثقيف الفكري، إن لم نقل: إنه لا يزال حتى الآن أفضل وسيلة لوحدة الثقافة و الفكر و الرأي، حينما يفترض فيها أن تكون من مصدر واحد، و تخدم هدفا واحدا في جميع

مراحل الحياة، مع الشعور بالقدسية، و الارتباط باللّه تعالى.

و هكذا فإن ذلك من شأنه أن يبعد المجتمع المسلم عن الصراعات الفكرية، التي تنشأ عن عدم وجود وحدة موضوعية للثقافة التي يتلقاها أفراده كل على حدة، فتتخالف المفاهيم و الأفكار و المستويات، و تزيد الفجوات اتساعا باستمرار، حتى يظهر نتيجة لذلك عدم الانسجام في وضوح الهدف، و في المشاعر، و في الاندفاع نحوه، مما يؤثر تأثيرا كبيرا على مسيرة الوصول إليه، و الحصول عليه.

و بهذا يتضح: أن المدرسة التي نعرفها اليوم إذا كانت لا تعطي إلا المفاهيم الجافة، و الأفكار البعيدة عن واقع الإنسان، و التي لا تنسجم مع احتياجاته، و لا مع تكوينه النفسي و الفكري و غير ذلك، بالإضافة إلى عدم الشعور فيها باللّه سبحانه و تعالى، أو الخضوع له، فإن هذه المدرسة لن تكون هي الوسيلة المنشودة، بل يكون المسجد هو الأفضل و الأمثل حسبما أوضحناه، لا سيما و أنها لن تكون قادرة على ملء الفراغ العقائدي و الفكري له، حيث يبقى عرضة للتيارات و الأهواء، و في متناول أيدي المتاجرين بالشعوب عن طريق وسائل الإعلام الهدامة التي يملكونها.

و أما استعمال وسائل الإعلام في عملية الإعداد و التربية، فإنها بالإضافة إلى ما تقدم، تجعل الإنسان إنطوائيا و محدودا يفكر تفكيرا شخصيا بشكل عام، و تقلل فيه إحساسه بالحاجة إلى الآخرين، و إلى الارتباط بهم، و لا تسهل عليه محبتهم و مودتهم.

و خلاصة الأمر: أن العمل الاجتماعي عبادة، و الجهاد عبادة، و العمل السياسي حتى استقبال الوفود، و تدبير أمور المسلمين عبادة أيضا.

و هكذا يقال في علاقات المؤمنين بعضهم ببعض، و تزاورهم و حضورهم مجلس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و تعلمهم الأحكام، فإن كل ذلك و سواه عبادة أيضا.

و المسجد هو أجلى و أفضل موضع تتجلى فيه هذه العبادة، كما أن المسجد هو الوسيلة الفضلى للتثقيف، و للتربية النفسية، و الخلقية، و العقائدية.

و هو من الجهة الأخرى وسيلة لشيوع الصداقات، و بث روح المحبة و المودة بين المسلمين، فإنه حينما يلتقي المسلمون ببعضهم البعض عدة مرات يوميا في جو من الشعور-عملا-بالمساواة و العدل، و حينما تتساقط كل فوارق الجاه و المال، و غيرها، و يبتعد شبح الأنانية و الغرور عن أفق هذا الإنسان، فإنه لا بد أن تترسخ حينئذ فيما بين أفراد هذا المجتمع أواصر المحبة و التآخي و التآلف، و يشعر كل من أفراده بأنه في مجتمع يبادله الحب و الحنان، و أن له إخوانا يهتمون به، و يعيشون قضاياه و مشاكله، و يمكنه أن يستند إليهم، و يعتمد عليهم، الأمر الذي يجعل هذا المسلم يثق بنفسه و بدينه، و بأمته، و ليكون المثال الحي للمؤمن الصادق الواعي و الواثق، و لتكون الأمة من ثم خير أمة أخرجت للناس.

ثم إن المسجد يساعد على تبسيط العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، و يقلل من مشاكل التعامل الرسمي، و التكلفات البغيضة، التي توحي بوجود فوارق و مميزات، بل و حدود تفصل هذا عن ذاك، و بالعكس.

و بعد. . فإن اهتمام الإسلام بالمسجد و تأسيسه، حتى إن ذلك كان أول أعماله «صلى اللّه عليه و آله» في قباء، ثم في المدينة، ليدلنا دلالة واضحة على

أنه يريد منا أن نتعامل مع هذه الدنيا، و نستفيد منها من منطلق ديني، فإنما هي مزرعة الآخرة، فلا بد أن تقاد قيادة إلهية و يستفاد منها من خلال الارتباط به تعالى.

و بعد ما تقدم، فإننا نعرف: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أسس المسجد ليكون بمثابة مركز للقيادة و الريادة، ففيه كان «صلى اللّه عليه و آله» يستقبل الوفود، و يبت في أمور الحرب و السلم، و يفصل الخصومات، و فيه كان يتم البحث عن كل ما يهم الدولة و شؤونها، و الناس، و معاملاتهم و ارتباطاتهم، و ليهب المسجد الناس نفحة روحية، و ارتباطا باللّه جل و علا، و ببعضهم البعض في كل مجالات الحياة، و منطلقاتها، بعيدا عن النوازع الذاتية، و عن الحساسيات القبلية و العرقية، و عن تأثيرات الفوارق الإجتماعية، و فيه كان يجد الضعيف قوته، و المهموم المغموم سلوته، و الذي لا عشيرة له ينسى بل يجد فيه عشيرته، و المحروم من العطف و الحنان يجد فيه من ذلك بغيته.

و الخلاصة: لقد كان المسجد موضع عبادة و تعلم و تفهم لما يفيد في أمور الدين و الدنيا، و تربية نفسية و خلقية، و محلا للبحث في كل المشاكل التي تهم الفرد و المجتمع، و مكانا مناسبا للتعارف و التآلف بين المسلمين. . إلى غير ذلك مما تقدم.

مشاركة النساء في بناء المسجد:

و بعد. . فقد ورد في بعض النصوص: أن النساء قد شاركن في بناء

المسجد، فكن يحملن الحجارة لبناء المسجد ليلا، و الرجال نهارا (1).

و نشير هنا إلى أمرين: أحدهما: إن مشاركة المرأة في أمر كهذا، له مساس بالحالة السياسية و الاجتماعية و العبادية، يعتبر أمرا مهما جدا، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المرأة لم يكن لها أي دور في الحياة و كان العربي يحتقرها، و يمارس ضدها أبشع أنواع المعاملة، كما تقدمت الإلماحة إلى ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

الثاني: إن هذه المشاركة قد روعي فيها عنصر الحفاظ على الجو الخاص بالمرأة، بعيدا عن أجواء الإثارة التي لا بد و أن تترك آثارها السلبية على المجتمع، نتيجة للاختلاط، و عدم التحفظ، الذي ينشأ عن عملهن نهارا في مرأى و مسمع من الرجال الأجانب.

مشاركة النبي صلى اللّه عليه و آله في بناء المسجد:

و لقد كان المسلمون قادرين على القيام بمهمة بناء المسجد، و لم تكن ثمة حاجة مادية لمشاركته «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» قد آثر المشاركة في عملية البناء، الأمر الذي أثار الحماس لدى المسلمين، فاندفعوا يعملون بجد و نشاط، و كان نشيدهم:

لئن قعدنا و النبي يعمللذاك منّا العمل المضلل

كما أن هذه المشاركة قد أعطت قيمة خاصة للعمل، و عبرت عن مدى ارتباط النبي «صلى اللّه عليه و آله» به و حبه له، و فوق ذلك، فإنه قد بين بذلك


1) راجع: كشف الأستار عن زوائد البزار ج 1 ص 206 و 222 و 249 و مجمع الزوائد.

الخط العام لشخصية القائد في الإسلام، و أنه يجب أن يكون شعوره بالمسؤولية تجاه العمل يتعدى حدود إصدار الأوامر إلى الآخرين، و لا سيما إذا كان ذلك يرتبط بالهدف الأقصى، و المصلحة العليا للإسلام و للمسلمين.

ثم إنه كان يريد أن يكون ذلك الإنسان المتواضع المحبب للناس، الألوف لهم، و يكون معهم كأحدهم، فلا يستعلي عليهم، و لا يحتجب عنهم، و ليكون ذلك هو الدرس العملي لمن يعاصره «صلى اللّه عليه و آله» من أصحاب النفوذ، و تأديبا لمن يأتي بعده من حكام و خلفاء و غيرهم.

جماعة خاصة بالنساء:

و يقولون: إنه كان للنساء جماعة خاصة بهن، فكان الرجال يصلون في المسجد و النساء يصلين في رحبة المسجد بإمامة سليمان بن أبي حثمة، و حين تسلم عثمان الخلافة جمع بين الرجال و النساء (1).

و الظاهر: أن الفصل بين النساء و الرجال قد جاء بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصل هذا الفصل قد كان في زمن عمر بن الخطاب، و في صلاة التراويح التي ابتدعها (2)ثم عاد عثمان فجمع بين النساء و الرجال.

فلما كانت خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام» عاد ففصل بين الرجال و النساء، و صار يصلي بالنساء رجل اسمه عرفجة (3).

و لكن هناك إشكال في هذه الروايات و هو أنها تذكر: أن عليا «عليه


1) حياة الصحابة ج 2 ص 171 و طبقات ابن سعد ج 5 ص 26.

2) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 73 عن الطبقات.

3) حياة الصحابة ج 3 ص 171 عن كنز العمال ج 4 ص 282 عن البيهقي.

السلام» قد فعل ذلك في قيام شهر رمضان، أي في الصلاة المعروفة بصلاة التراويح.

و من المعلوم: أن عليا «عليه السلام» كان يعتبر ذلك بدعة، و كان يمنع عنه (1)فكيف يفعله؟

فالصحيح هو: أن ما فعله «عليه السلام» إنما كان في الصلوات اليومية لا في صلاة التراويح.

كانت تلك بعض المعاني التي نستفيدها من عملية بناء المسجد، و لربما نجد الفرصة للتحدث عن ذلك في فرصة أخرى إن شاء اللّه تعالى.


1) دلائل الصدق ج 3 القسم الثاني ص 79، و لكنهم لم يستجيبوا لمنعه «عليه السلام» .

الفصل الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار

اشارة

المؤاخاة:

و بعد خمسة أو ثمانية أشهر أو أقل، أو أكثر (1)من مقدمه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، آخى بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار.

و زاد ابن سعد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» آخى في نفس الوقت بين المهاجرين و المهاجرين (2).

آخى بينهم على الحق و المواساة (و قيل: و التوارث) فنزلت سورة الأنفال التي تجعل الإرث لأولي الأرحام قبل أن يموت أحد من المتآخيين (3)لأن أول من مات من المهاجرين-كما يقولون-هو عثمان بن


1) راجع البحار ج 19 ص 122، و هامش ص 130 عن مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 152، و عن المقريزي، عن المنتقى في مولود المصطفى، و المواهب اللدنية ج 2 ص 71، و تاريخ الخميس ج 1 ص 35، عن أسد الغابة، و وفاء الوفاء ج 1 ص 267، و فتح الباري ج 7 ص 210، و السيرة الحلبية ج 2 ص 92.

2) طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 قسم 2 ص 1.

3) راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي «رحمه اللّه» ج 19 هامش ص 130، و السيرة الحلبية ج 2 ص 92 و 93.

مظعون، مات بعد بدر (1).

المؤاخاة على التوارث موضع شك:

و نحن نشك في أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد آخى بينهم على التوارث:

أولا: لأن رفع هذا الحكم إن كان نسخا، فلا معنى للنسخ قبل حضور وقت العمل، كما أنه يلزم أن يكون تشريع التوارث للمتآخيين عبثا، و بلا فائدة.

إلا أن يقال: إن نفس جعل الحكم، و أن يعيش المسلمون هذه الأجواء الأخوية، و الشديدة التلاحم إلى هذا الحد، كان ضروريا في تلك الفترة من الزمن.

و لكن الذي تطمئن إليه النفس هو أن نفس المسلمين، أو بعضهم، هم الذين تخيلوا أن هذه الأخوة ربما تمتد إلى حد توريث بعضهم من بعض.

ثانيا: لماذا لم يورث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ممن استشهدوا في بدر من المهاجرين أو الأنصار، مع أن ذلك قد كان قبل نزول آية وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ. . (2)؟ حيث إن قولهم: إنه لم يمت أحد من المؤمنين قبل عثمان بن مظعون، الذي مات بعد بدر، لا يصح، إذ قد استشهد في بدر نفسها عدد منهم، نعم يمكن أن يكون عثمان بن مظعون أول مسلم مات حتف أنفه، أو لعله أول مسلم مات من المهاجرين.


1) الإصابة ج 2 ص 464، و الكامل لابن الأثير (ط صادر) ج 2 ص 141.

2) الآية 75 من سورة الأنفال.

ثالثا: إن كون عثمان بن مظعون مات بعد نزول الآية الرافعة للحكم السابق غير معلوم، و إنما ذلك محض اجتهاد من المؤرخين و المؤلفين.

عدد الذين كانت المؤاخاة بينهم:

و يقولون: كان المسلمون حين المؤاخاة تسعين رجلا، منهم خمسة و أربعون رجلا من الأنصار، و مثلهم من المهاجرين، و يدعي ابن الجوزي: أنه أحصاهم فكانوا جميعا ستة و ثمانين رجلا.

و قيل: مئة رجل (1). و لربما يكون هذا هو العدد الذي وقعت المؤاخاة بين أفراده حسبما توفر من عدد المهاجرين، لا أن عدد المسلمين كان هو ذلك؛ و إلا فإنها تكون صدفة نادرة أن يكون عدد من أسلم من المهاجرين مساويا لعدد من أسلم من الأنصار بلا زيادة و لا نقيصة! !

و مهما يكن من أمر: فإن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» استمر يجدد المؤاخاة، بحسب من يدخل في الإسلام، أو يحضر إلى المدينة من المسلمين (2)و يدل على ذلك، أنهم يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد آخى بين أبي ذر و المنذر بن عمرو أو سلمان الفارسي، و أبو ذر إنما قدم المدينة بعد أحد، كما أنه قد آخى بين الزبير و ابن مسعود، و قد وصل ابن مسعود إلى المدينة


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 1، و المواهب اللدنية ج 1 ص 71، و فتح الباري ج 7 ص 210، و السيرة الحلبية ج 2 ص 90، و البحار ج 19 ص 130 عن المنتقى، و المقريزي.

2) فتح الباري ج 7 ص 211.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى بدر (1).

و لكن، ربما يشكل على العدد المذكور في قضية المؤاخاة: بأن المسلمين كانوا أكثر من ذلك بكثير، فقد بايعه من أهل المدينة في العقبة الثانية أكثر من ثمانين، كما أنه جهز جيشا بعد عشرة أو ثلاثة عشر شهرا إلى بدر قوامه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا.

و يمكن الجواب: أولا: بما ذكره البعض من أن المؤاخاة كانت بين مئة و خمسين من الأنصار، و مئة و خمسين من المهاجرين (2).

ثانيا: لو قلنا بعدم صحة ذلك؛ لأن الذين خرجوا من المهاجرين إلى بدر كانوا ما بين الستين و الثمانين-على اختلاف النقل-فإننا نقول: إن المذكور في النص هو العدد المهاجري الذي وقعت المؤاخاة بينه و بين نظيره من الأنصار، و قد كان الأنصار أكثر بكثير من المهاجرين، و المهاجرون هم الذين كانوا خمسة و أربعين، على ما يظهر، فكانت المؤاخاة بين هؤلاء و بين مثلهم من الأنصار، ثم استمرت المؤاخاة كلما ازداد عدد المهاجرين، حتى بلغوا مئة و خمسين رجلا، كما في النص الآنف الذكر.

و ذلك لا يعني أن يبقى الآخرون من مسلمي الأنصار من دون مؤاخاة فيما بينهم.


1) فتح الباري ج 7 ص 145.

2) راجع: البحار ج 19 ص 130.

المؤاخاة بين كل و نظيره:

و لقد كان «صلى اللّه عليه و آله» يؤاخي بين الرجل و نظيره، كما يظهر من ملاحظة المؤاخاة قبل الهجرة، و بعدها، فقد آخى قبل الهجرة-على الظاهر-بين أبي بكر و عمر، و بين طلحة و الزبير، و بين عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و بين نفسه و علي (1).

و لكن ابن حبان يذكر: أن ذلك كان في المؤاخاة الثانية في المدينة، و زاد فيهم: سعد بن أبي و قاص، و عمار بن ياسر (2)و هؤلاء كلهم من المهاجرين.

و في المدينة آخى بين أبي بكر و خارجة بن زهير، و بين عمر و عتبان بن مالك، و هكذا. . ثم أخذ بيد علي فقال: هذا أخي. . ؟ و آخى أيضا بين حمزة و زيد بن حارثة، و بين جعفر بن أبي طالب و معاذ بن جبل.

قد أورد على هذا الأخير بأن جعفر كان حينئذ في الحبشة (3).

و الجواب عنه: هو ما تقدم، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استمر يؤاخي بين المسلمين كلما قدم المدينة منهم أحد.

و قد أجاب البعض: بأنه أرصده لأخوته حين يقدم (4). فيرد سؤال: ما هو السبب في تخصيص جعفر بهذا الأمر؟ !


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، و وفاء الوفاء ج 1 ص 267 و 268، و السيرة الحلبية ج 2 ص 20، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، و فتح الباري ج 7 ص 211، و الإستيعاب.

2) الثقات ج 1 ص 138-142.

3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 151، و السيرة الحلبية، و غير ذلك.

4) البداية و النهاية ج 3 ص 227، و السيرة الحلبية ج 2 ص 91.

إلا أن يقال: إن المقصود هو إظهار الاهتمام بشأن جعفر، و التنبيه على فضله.

مؤاخاة النبي صلى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:

و روى أحمد بن حنبل و غيره: أنه «صلى اللّه عليه و آله» آخى بين الناس، و ترك عليا حتى الأخير، حتى لا يرى له أخا؛ فقال: يا رسول اللّه، آخيت بين أصحابك و تركتني؟

فقال: إنما تركتك لنفسي، أنت أخي، و أنا أخوك، فإن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله و أخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب، و الذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، و أنت أخي و وارثي (1).

و من طريف الأمر: أنه «عليه السلام» قد قال هذه الكلمة بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنا عبد اللّه و أخو رسوله، و ذلك في خضم الأحداث التي انتهت بغصب الخلافة من وارث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكذبوه؟ !

و قالوا له: أما عبداللّه فنعم، و أما أخو رسوله فلا (2)، فاعجب بعد هذا


1) راجع: نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ص 267، و ينابيع المودة ص 56، و تذكرة الخواص ص 23 عن أحمد في الفضائل، و صححه، و ابن الجوزي، و نقل عن كنز العمال ج 6 ص 390، و الرياض النضرة ج 2 ص 209، و تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 21، و كفاية الشنقيطي ص 35 و 44 و الثقات ج 1 ص 141 و 142.

2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 13، و أعلام النساء ج 4 ص 115، و تفسير البرهان ج 2 ص 93.

ما بدا لك! !

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : و أنت أخي و وارثي يطرح علينا سؤالا، و هو أنه إذا كان المراد: أنه وارث لعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون غيره، فمن أولى بمقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» منه؟ !

و إن كان المراد: أنه وارثه بقول مطلق، حتى المال، فيرد عليه: أن المال كان حقا لفاطمة «عليها السلام» (1)، و قد استولى الذين جاؤوا بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على أموالها، و منها فدك و غيرها كما سنذكره حين الكلام حول غزوة بني النضير في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

و مهما يكن من أمر، فإن التأمل في عملية المؤاخاة يعطينا: أنه قد لوحظ فيها المسانخة بين الأشخاص، و تشابه و تلاؤم نفسياتهم، و إلى ذلك أشار الأزري رحمه اللّه حينما قال مخاطبا عليا «عليه السلام» :

لك ذات كذاته حيث لو لاأنها مثلها لما آخاها

تواتر حديث المؤاخاة:

و على كل حال، فإن حديث المؤاخاة متواتر لا يمكن إنكاره، و لا التشكيك فيه، و لا سيما مؤاخاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، سواء في المؤاخاة الأولى في مكة، أم في الثانية في المدينة، و هو


1) راجع: الكافي ج 1 ص 458 بتحقيق الغفاري، و البحار (ط حجرية) ج 8 ص 231 و (ط جديدة) ج 100 ص 197، و كشف الغمة ج 2 ص 132، و الأمالي للطوسي ج 1 ص 108، و العوالم ج 11 ص 518، و الأمالي للمفيد (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 283، و راجع: مرآة العقول ج 5 ص 331، و غير ذلك.

مروي عن عشرات من الصحابة و التابعين كما يتضح للمراجع (1).

و قد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : إذا


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 353، و وفاء الوفاء ج 1 ص 267 و 268، و ينابيع المودة ص 56 و 57 عن مسند أحمد، و تذكرة الخواص ص 22-24، و حكي عن الترمذي أنه صححه، و السيرة الحلبية ج 2 ص 20 و 90، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، و الثقات لابن حبان ج 1 ص 138، و فرائد السمطين ج 1 الباب العشرون، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 22 و 29، و البداية و النهاية ج 3 ص 226 و ج 7 ص 35، و تاريخ الخلفاء ص 170، و دلائل الصدق ج 2 ص 268 -270 عن كنز العمال، و عن البيهقي في سننه، و الضياء في المختارة، و عبد اللّه بن أحمد في زيادات المسند ثمانية أحاديث، و أبيه في المسند و في الفضائل، و أبي يعلى و الطبراني، و ابن عدي، و الجمع بين الصحاح الستة، و أخرج الخوارزمي اثني عشر حديثا، و ابن المغازلي ثمانية أحاديث، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 150، و الغدير ج 3 ص 112 حتى ص 125 عن بعض من تقدم و عن المصادر التالية: جامع الترمذي ج 2 ص 13، و مصابيح البغوي ج 2 ص 199، و الإستيعاب ج 2 ص 460، ترجمة أمير المؤمنين، و عد حديث المؤاخاة من الآثار الثابتة، و تيسير الوصول ج 3 ص 271، و مشكاة المصابيح هامش المرقاة ج 5 ص 569، و المرقاة ص 73-75، و الإصابة ج 2 ص 507، و المواقف ج 3 ص 276، و شرح المواهب ج 1 ص 373، و طبقات الشعراني ج 2 ص 55، و تاريخ القرماني هامش الكامل ج 1 ص 216، و سيرة دحلان هامش الحلبية ج 1 ص 325، و كفاية الشنقيطي ص 34، و الإمام علي تأليف محمد رضا ص 21، و الإمام علي لعبد الفتاح عبد المقصود ص 73، و الفتاوى الحديثية ص 42، و شرح النهج ج 2 ص 62، و صححه و عده مما استفاض من الروايات، و كنز العمال ج 6 ص 294 و 299 و 390 و 399 و 400 و 54.

كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش، نعم الأب أبوك إبراهيم، و نعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب (1).

و عليه فلا يصغى لدعوى أن النبي قد آخى بين علي و عثمان (2)، أو بين نفسه «صلى اللّه عليه و آله» و عثمان؛ فإن ذلك لا ريب في بطلانه (3)فإن المقصود من ذلك هو الرفع من شأن عثمان، و تكذيب فضيلة لعلي «عليه السلام» ، بل و جعل عثمان و علي «عليه السلام» في مستوى واحد، و كيف؟ ! و أنى؟ !

تكنية علي عليه السّلام بأبي تراب:

و يذكر البعض هنا: أن عليا «عليه السلام» لما رأى أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤاخ بينه و بين أحد، خرج كئيبا إلى المسجد، فنام على التراب؛ فجاءه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل ينفض التراب عن ظهره، و يقول: قم يا أبا تراب، ثم آخى بينه و بين نفسه (4).


1) ربيع الأبرار ج 1 ص 807 و 808.

2) تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 397، و الغدير ج 9 ص 94 و 95 و 318 عن الرياض النضرة ج 1 ص 17 و عن الطبري ج 6 ص 154، و عن كامل ابن الأثير ج 3 ص 70، و عن المعتزلي ج 1 ص 165، و لكنه في ج 2 ص 506 ذكر نفس الحديث عن الطبري من دون ذكر الموأخاة! ! ! .

3) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 3 ص 47، و الغدير ج 9 ص 16 عنه.

4) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 22، و مجمع الزوائد ج 9 ص 111 عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و مناقب الخوارزمي ص 7، و كفاية الطالب ص 193 عن ابن عساكر.

و لكن الظاهر هو أن هذه التسمية قد كانت في مناسبة أخرى غير هذه، و لسوف نتعرض لها حين الحديث عن السرايا في الآتي القريب إن شاء اللّه تعالى.

مع المنكرين لمؤاخاة النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام

. و بعد كل تلك المصادر المتقدمة، و التي هي غيض من فيض، نجد ابن حزم و ابن كثير ينكران صحة سند حديث المؤاخاة (1)، و أنكره أيضا ابن تيمية، و اعتبره باطلا، موضوعا، بحجة أن المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار إنما كانت لإرفاق بعضهم ببعض، و لتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأحد منهم، و لا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري (2).

و نقول:

إن إنكار سند حديث مؤاخاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» لا معنى له، بعد أن صححه كثير من الأعلام، و بعد أن تواتر في كتب سائر المسلمين عن عشرات الصحابة و التابعين و غيرهم، و لا سيما إذا كان هذا الإنكار من الأبناء الثلاثة: كثير، و حزم، و تيمية، المعروفين بالنصب، و التعصب ضد فضائل علي، و أهل بيته الطاهرين «عليهم السلام» .


1) راجع: البداية و النهاية ج 7 ص 223 و 336.

2) راجع: منهاج السنة ج 2 ص 119، و البداية و النهاية ج 3 ص 227، و فتح الباري ج 7 ص 211، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، و السيرة الحلبية ج 2 ص 20، و دلائل الصدق ج 2 ص 272.

و أما ما ذكره ابن تيمية تعليلا لإنكاره، فنحن نذكر:

أولا: ما أجاب به غير واحد: «من أن هذا رد للنص بالقياس، و غفلة عن حقيقة الحكمة في ذلك.

و بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال و العشيرة، و الارتفاق ممكن، فآخى بينهم ليعين بعضهم بعضا، ثم طبقوا هذا الاحتمال على علي «عليه السلام» و النبي، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقوم بأمر علي «عليه السلام» قبل البعثة» (1).

فمرادهم أن التآلف و المحبة مطلوبان أيضا بين المهاجرين؛ لأنهم كانوا من فئات مختلفة، و مستويات متفاوتة: عقائديا و فكريا، و اجتماعيا إلخ. .

بل لقد صرح نص المؤاخاة بأنها كانت على الحق و المواساة، و يحتاج المهاجرون إلى أن يواسي بعضهم بعضا.

كما أنه قد هاجر من قبيلة رجل واحد، و من أخرى عشرة مثلا، فالواحد يحتاج إلى العشرة في معونتهم و رعايتهم، ثم إنهم يدعون: أن بعض المهاجرين قد حمل ماله معه؛ فيمكن أن يعين بعضهم بعضا حتى بالمال إن صحت دعواهم تلك.

و لكننا لا نوافق على قولهم الأخير بالنسبة لعلي «عليه السلام» و النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن عليا «عليه السلام» قد بلغ منزلة يستطيع معها


1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 268، و فتح الباري ج 7 ص 211، و السيرة الحلبية ج 2 ص 20، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، و الغدير ج 3 ص 174- 175 عن الفتح و عن الزرقاني في المواهب ج 1 ص 373.

أن يعول نفسه بالعمل، و الحصول على ما يحتاج إليه، أو بالزراعة، أو التجارة بل و الغنائم أيضا.

و إنما الغرض من مؤاخاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» له، هو تعريف الناس بمنزلته، و إظهار فضله على غيره، لأنه كان يؤاخي بين الرجل و نظيره، كما يظهر من دراسة عملية المؤاخاة نفسها، لأن ذلك أقرب إلى التعاضد و التعاون، و أوجب للتآلف و المحبة (1).

ثانيا: قد أخرج الحاكم، و ابن عبد البر، بسند حسن: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» آخى بين الزبير و ابن مسعود، و هما من المهاجرين، و أخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني.

و يصرح ابن تيمية: بأن «أحاديث المختارة أصح و أقوى من أحاديث المستدرك» (2).

و لكن لا بد أن يكون ذلك بعد قدوم ابن مسعود إلى المدينة، لأنه كان من مهاجري الحبشة، و إنما قدم المدينة بعد قضية المؤاخاة العامة، و ذلك حين كان «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى بدر (3).

و آخى أيضا-على ما ذكره البعض-بعد الهجرة بين أبي بكر و عمر، و عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة و الزبير، و سعد بن أبي وقاص


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 272 و 273.

2) فتح الباري، و وفاء الوفاء ج 1 ص 268، و الغدير ج 3 ص 174 و 175 عن الفتح، و عن شرح المواهب للزرقاني ج 1 ص 373.

3) فتح الباري ج 7 ص 145.

و عمار بن ياسر، و بينه «صلى اللّه عليه و آله» و بين علي «عليه السلام» (1).

كما و ثبتت أيضا مؤاخاة زيد بن حارثة لحمزة، و هما مهاجريان، و لذا- يقولون-إنه قد تنازع زيد و علي و جعفر في ابنة حمزة، و كانت حجة زيد: أنها ابنة أخيه (2).

و نحن نشك في هذه القضية، لأن جعفر لم يكن حين قتل حمزة حاضرا، فما معنى أن تبقى ابنة حمزة عدة سنوات بلا كفيل، و إن كانت عند علي فلما ذا لم ينازعه زيد؟ و إن كان العكس فلما ذا لم ينازعه علي «عليه السلام» ؟

و مهما يكن من أمر فإن قضية الخلاف حول من يكفل ابنة حمزة تحتاج إلى تحقيق و تمحيص، نسال اللّه أن يوفقنا لذلك في فرصة أخرى إن شاء اللّه تعالى.

مع قضية المؤاخاة:
ألف: البديل الأنسب:

إن من الواضح: أن هؤلاء الذين أسلموا قد انفصلوا عن قومهم، و عن إخوانهم، و عن عشائرهم بصورة حقيقية و عميقة، و قد واجههم حتى


1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 138-142 و راجع: الغدير ج 10 ص 103-107 فإنه ذكره عن غير واحد، و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، و وفاء الوفاء ج 1 ص 268، و السيرة الحلبية ج 2 ص 20، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، و فتح الباري ج 7 ص 211، و الإستيعاب و ذكر عثمان، و قد كان في الحبشة، و كذا عبد الرحمن بن عوف، يؤيد: أن ذلك كان في المؤاخاة الثانية بعد الهجرة إلى المدينة.

2) صحيح البخاري ج 3 ص 37 ط الميمنية، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 120، و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، و غير ذلك من المصادر.

أحب الناس إليهم بأنواع التحدي و الأذى؛ فأصبحوا و قد انقطعت علائقهم بذوي رحمهم و صاروا كأنهم لا عصبة لهم، و قد يشعر بعضهم أنه قد أصبح وحيدا فريدا، و بلا نصير و لا عشيرة، فجاءت الأخوة الإسلامية لتسد هذا الفراغ بالنسبة إليهم، و لتبعد عنهم الشعور بالوحدة، و تبعث في نفوسهم الأمل و الثقة بالمستقبل، و قد بلغ عمق تأثير هذه المؤاخاة فيهم أن توهموا: عموم المنزلة حتى في الارث كما ألمحنا إليه.

ب: السمو بالعلاقات الإنسانية:

لقد أريد للمسلمين المؤمنين أن يكونوا إخوة، و ذلك بهدف السمو بعلاقات هذا الإنسان عن المستوى المصلحي و جعلها علاقة إلهية خالصة تصل إلى درجة الأخوة، و ليكون أثرها في التعامل بين المسلمين أكثر طبيعية و انسجاما، و بعيدا عن النوازع النفسية، التي ربما توحي للأخوين المتعاونين بأمور من شأنها أن تعقد العلاقات بينهما و لو نفسيا على أقل تقدير.

و رغم أن الإسلام قد قرر ذلك، و أكد على أن المؤمن أخو المؤمن أحب أم كره، و حمله مسؤولية العمل بمقتضيات هذه الأخوة، إلا أنه قد كان ثمة حاجة إلى إظهار ذلك عمليا، بهدف توثيق عرى المحبة و ترسيخ أواصر الصداقة و المودة كما هو معلوم، و ليكون الهدف السامي قد انطلق من العمل السامي أيضا.

ج: دور المؤاخاة في بناء المجتمع الجديد:
اشارة

لقد كان الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بصدد بناء مجتمع جديد، يكون المثل الأعلى للصلاح و الفلاح، قادرا على القيام بأعباء الدعوة

إلى اللّه، و نصرة دينه، في أي من الظروف و الأحوال.

و قد تقدمت-عند البحث عن عملية بناء المسجد-الإشارة إلى واقع وجود الفوارق الكبيرة بين المهاجرين أنفسهم، و الأنصار أنفسهم، و المهاجرين و الأنصار معا-الفوارق-الاجتماعية، و القبلية، و الثقافية، و النفسية، و العاطفية، و حتى العمق العقيدي و مستوى الالتزام، فضلا عما سوى ذلك، هذا بالإضافة إلى الظروف النفسية و المعيشية التي كان يعاني منها المهاجرون بالخصوص.

و مع ملاحظة حجم التحدي، الذي كان يواجه هذا المجتمع الناشئ الجديد، سواء في الداخل: من الخلافات بين الأوس و الخزرج، الذين كان الكثيرون منهم لا يزالون على شركهم، ثم من المنافقين، و من يهود المدينة.

و من الخارج: من اليهود، و المشركين في جزيرة العرب، بل و العالم بأسره. و مع الأخذ بنظر الاعتبار عظم المسؤولية التي يتحملها هذا المجتمع في صراعه من أجل إقامة هذا الدين الجديد و الدفاع عنه.

مع ملاحظة كل ذلك، و حيث أصبح من المفترض بهذا المجتمع أن يكون بمثابة كتلة واحدة متعاضدة، و مترابطة، بعد أن كانوا أحزابا و جماعات و أفرادا فكان لا بد من إيجاد روابط وثيقة تشد هذا المجتمع بعضه إلى بعض، و بناء عواطف راسخة، قائمة على أساس عقيدي، تمنع من الإهمال و من الحيف على أي فرد من أفراد هذا المجتمع الجديد بحيث يكون الكل مشمولين بالرعاية التامة، التي تجعلهم يعيشون الحب و الحنان بأسمى و أجل معانيه، كما أنها تمنع من ظهور تلك الرواسب النفسية، و العقد التاريخية-بل و تقضي عليها تدريجا-بين أفراد هذا المجتمع، الذي أصبح

أفراده مأخوذين بالتعامل مع بعضهم البعض، الأمر الذي يجعل خطر ظهورها-لأتفه الأسباب-أشد، و تدميرها أعظم و أوسع.

و كانت تلك الرابطة الوثيقة هي: «المؤاخاة» التي روعيت فيها الدقة، إلى الحد الذي يضمن معه أن يحفظ في هذا المجتمع الجديد معها التماسك و التعاضد إلى أبعد مدى ممكن و أقصى غاية تستطاع؛ لا سيما و أنه كان يؤاخي بين الرجل و نظيره، كما أشرنا إليه.

و سر ذلك يرجع إلى أن هذه المؤاخاة قد أقيمت على أساسين اثنين:

الأول: الحق:

فالحق هو القاسم المشترك بين الجميع، عليه يبنون علاقاتهم، و هو الذي يحكم تعاملهم مع بعضهم البعض في مختلف مجالات الحياة.

نعم، الحق هو الأساس، و ليس الشعور الشخصي النفسي، و لا المصلحة الشخصية أو القبلية، أو الحزبية! !

و بديهي: أن الحق إذا جاء عن طريق الأخوة و الحنان و العطف، فإن ذلك يكون ضمانة لبقائه و استمراره، و التعلق به، و الدفاع عنه.

أما إذا فرض هذا الحق فرضا عن طريق القوة و السلطة، فبمجرد أن تغيب السلطة، و القوة، فلنا أن نتوقع غياب الحق، لأن ضمانة بقائه ذهبت، فأي مبرر يبقى لوجوده، و بقائه؟ ! .

بل ربما يكون وجوده و بقاؤه مثارا للأحقاد و الإحن التي ربما يتولد عنها الظلم و الطغيان في أبشع صوره و أخزاها، و أسوأ حالاته و أقصاها.

الثاني: المؤاساة:

فهذه الأخوة إذا، ليست مجرد توهج عاطفة، أو شعور نفسي، و إنما هي أخوة مسؤولة و منتجة، تترتب عليها آثار عملية بالفعل، يحس الإنسان فعلا بجدواها و بفعاليتها، تماما كالأخوة التي في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (1).

حيث جعل مسؤولية الصلح بين المؤمنين متفرعة و ناشئة عن الأخوة الإيمانية. و إذا كانت أخوة خيرة و منتجة، فمن الطبيعي أن تبقى، و أن تستمر، و من الطبيعي أيضا أن يستمر الاحتفاظ بها، و الحافظ عليها إلى أبعد مدى ممكن. و قد كانت لهذه المؤاخاة نتائج هامة في تاريخ النضال و الجهاد.

و قد امتن اللّه على نبيه في بدر بقوله: وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اَللّٰهُ هُوَ اَلَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (2).

خلة أبي بكر:

و يروون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا (3).


1) الآية 10 من سورة الحجرات.

2) الآيتان 62 و 63 من سورة الأنفال.

3) مصنف عبد الرزاق ج 10 عن ابن الزبير، و في هامشه عن سعيد بن منصور، و الغدير ج 9 ص 347 عن صحيح البخاري ج 5 ص 243 باب المناقب، و باب الهجرة ج 6 ص 44، و الطب النبوي لابن القيم ص 207.

و لكن كيف يصح هذا و هم يروون:

1-إن خليلي من أمتي أبوبكر (1). 2-و يروون: لكل نبي خليل، و خليلي سعد بن معاذ (2)أو عثمان بن عفان (3).

و الحقيقة هي: أن حديث خلة عثمان قد وضعه إسحاق بن نجيح الملطي (4)، و حديث خلة أبي بكر موضوع في مقابل حديث إخاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، كما نص عليه المعتزلي (5).

مؤاخاة سلمان مع من؟ ! :

و بعد فإنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد آخى بين سلمان و بين أبي الدرداء (6).


1) إرشاد الساري ج 6 ص 83 و 84، و الغدير عنه و عن كنز العمال ج 6 ص 138 و 140، و الرياض النضرة ج 1 ص 83.

2) الغدير ج 9 ص 347 عن كنز العمال ج 6 ص 83، و منتخب كنز العمال هامش المسند ج 5 ص 231.

3) تاريخ بغداد للخطيب ج 6 ص 321، و الغدير ج 9 ص 346 و 347.

4) راجع: الغدير ج 9 ص 347.

5) شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 49.

6) الإصابة ج 2 ص 62، و الإستيعاب بهامشه ج 2 ص 60 و ج 4 ص 59، و الغدير ج 10 ص 103 و 104 و ج 3 ص 174 و قد ناقش في هذه الرواية، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 152، و أسد الغابة ج 2 ص 330 و 331، و طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 4 قسم 1 ص 60، و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 203، و شرح النهج-

و في نص آخر: إنه آخى بينه و بين حذيفة (1).

و في رواية ثالثه: إنه «صلى اللّه عليه و آله» آخى بينه و بين المقداد (2).

إنكار حديث المؤاخاة، و الإجابة عن ذلك:

أما ابن سعد، فقد قال: «أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه، عن الزهري:

أنهما كانا ينكران كل مؤاخاة كانت بعد بدر، و يقولان: قطعت بدر المواريث.

و سلمان يومئذ في رق و إنما عتق بعد ذلك، و أول غزوة غزاها: الخندق، سنة خمس من الهجرة» (3).

و لأجل ذلك: فقد عبر البلاذري هنا بقوله: «. . و قوم يقولون: آخى بين أبي الدرداء، و سلمان.

و إنما أسلم سلمان فيما بين أحد و الخندق. قال الواقدي: و العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، و يقولون: قطعت

(6) -للمعتزلي ج 18 ص 37، و تهذيب الأسماء ج 1 ص 227، و قاموس الرجال ج 7 ص 256، و نفس الرحمن ص 91 و 85 عن أبي عمر، و عن المناقب للخوارزمي، الفصل 14 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 138.


1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 4 قسم 1 ص 60.

2) نفس الرحمن ص 85 عن الحسين بن حمدان.

3) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 4 قسم 1 ص 65.

بدر المواريث» (1).

و قال ابن أبي الحديد: «قال أبو عمر: آخى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينه و بين أبي الدرداء، لما آخى بين المسلمين، و لا يخفى ضعفه و غرابته» (2).

و نقول:

إن لنا على ما تقدم ملاحظات نجملها فيما يلي:

أولا: قولهم: إن المؤاخاة قد انقطعت بعد بدر، لا يصح، كما تقدم، فلا داعي لاستغراب هؤلاء و لا لإنكار ذلك.

ثانيا: قولهم: إن انقطاع المؤاخاة بعد بدر يلزمه عدم صحة مؤاخاة سلمان مع أحد من الناس، لا يصح كذلك؛ إذ لماذا لا يؤاخي قبل بدر بين سلمان و إن كان عبدا، و بين رجل آخر حر؟ ! . هذا بالإضافة إلى ما سيأتي من أن سلمان قد أسلم و تحرر في أول سني الهجرة.

ثالثا: دعوى البلاذري: أن سلمان قد أسلم بين أحد و الخندق، لا تصح أيضا، لأنه إنما أسلم في أول الهجرة كما قلنا.

نعم. . هم يقولون: إن تحرره قد كان قبل الخندق.

فإذا كان مسلما حين المؤاخاة، فيمكن أن يؤاخي بينه و بين أحد المسلمين، و لو كان الطرف الآخر حرا؛ لعدم الفرق بين الحر و العبد، في الإيمان و الإنسانية، و غير ذلك، بنظر الإسلام. .


1) أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ج 1 ص 271.

2) نفس الرحمن ص 85 عنه.

هذا. . لو سلم أنه كان لا يزال عبدا. .

رابعا: إن الذي انقطع بعد بدر إنما هو التوارث بين الإخوة، و ليس نفس المؤاخاة. .

مع أننا نقول أيضا: إن التوارث لم يكن موجودا حتى قبل ذلك، و لعل بعض المسلمين قد توهم التوارث بين المتآخيين، فجاء الردع عنه، و تصحيح اشتباهه في ذلك، فصادف ذلك زمان حرب بدر. .

فنشأ عن ذلك توهمان آخران: هما: أن التوارث كان ثابتا. . و أن المؤاخاة تنقطع بانقطاع التوارث، و كلاهما باطل، و لا يصح. .

خامسا: قولهم: إن المؤاخاة قد كانت بين سلمان و بين أبي الدرداء يقابله:

1-ما روي عن إمامنا السجاد «عليه السلام» ، أنه قال: «لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق» (1).

2-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، أنه قال: «آخى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين سلمان و أبي ذر، و اشترط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان» (2).

3-إننا نعتقد: أن مؤاخاة سلمان مع أبي ذر هي الأصح، و الأوفق بما


1) بصائر الدرجات ص 25، و الكافي ج 1 ص 331، و الغدير ج 7 ص 35 عنهما، و اختيار معرفة الرجال ص 17، و البحار ج 22 ص 343، و مصابيح الأنوار ج 1 ص 348، و قاموس الرجال ج 4 ص 418 و 419 و الظاهر: أن الرواية معتبرة.

2) الكافي ج 8 ص 162، و البحار ج 22 ص 345 عنه، و نفس الرحمن ص 91.

يذكرونه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يؤاخي بين كل رجل و نظيره كما تقدم.

و كان أبو ذر أكثر مشاكلة لسلمان من أبي الدرداء له؛ فإن سلمان يؤكد على أنه لا بد من الوقوف إلى جانب القرآن، إذا اقتتل القرآن و السلطان، كما أن أبا ذر قد كان له موقف عنيف من السلطة، حينما وجد أنها تسير في خط انحرافي خطير، فكان أن اتخذ جانب الحق، و أعلن إدانته للانحراف بصورة قاطعة، كما أنه هو و سلمان قد كان لهما موقف منسجم من أحداث السقيفة و نتائجها. . (1).

أما أبو الدرداء. فقد أصبح من وعاظ السلاطين، و أعوان الحكام المتسلطين، حتى لنجد معاوية-كرد للجميل-يهتم بمدحه و تقريظه و الثناء عليه (2).

كما أن أبا الدرداء-حسبما تقدم-يكتب لسلمان يدعوه إلى الأرض المقدسة، و هي الشام بزعمه، و ليس مكة، و المدينة! فاقرأ و اعجب؛ فإنك ما عشت أراك الدهر عجبا.

و يكفي أن نذكر: أن يزيد بن معاوية قد مدح أبا الدرداء، و أثنى عليه (3)، كما أن معاوية قد ولاه دمشق (4).


1) راجع كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

2) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 قسم 2 ص 115.

3) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 25.

4) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 17 و ج 4 ص 60، و الإصابة ج 3 ص 46، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 426 و 427.

بالإضافة إلى أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -حسبما يروى-قد ذم أبا الدرداء، و قال له: إن فيك جاهلية.

قال: جاهلية كفر، أم جاهلية إسلام؟ قال: جاهلية كفر (1).

4-و إذا كان سلمان قد أسلم في أول سني الهجرة، كما سيأتي الحديث عنه في فصل مستقل، و إذا كان أبو الدرداء قد تأخر إسلامه إلى ما بعد أحد (2). . فلما ذا ترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» سلمان من دون أن يؤاخي بينه و بين أحد من الناس، في هذه المدة الطويلة كلها؟ ! .

5-و إذا أخذنا بقول الواقدي: «إن العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، و يقولون: قطعت بدر المواريث» (3).

فإن النتيجة تكون: أن العلماء ينكرون المؤاخاة بين سلمان و أبي الدرداء، لأن أبا الدرداء قد تأخر إسلامه عن بدر كثيرا. .

6-و أخيرا. . فقد جاء في بعض النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد آخى بين أبي الدرداء و عوف بن مالك الأشجعي (4)، و لعل هذا هو الأصح و الأولى بالقبول. .

و قد روى الكليني عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: آخى رسول


1) الكشاف ج 3 ص 537، و قاموس الرجال ج 10 ص 69 عنه.

2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 16، و راجع ج 4 ص 60.

3) قاموس الرجال ج 7 ص 256، و ج 10 ص 69 و أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ج 1 ص 271، و راجع: طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 60.

4) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 22.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين سلمان و أبي ذر، و اشترط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان (1).

و واضح أن ذلك يعني: أن طاعة أبي ذر لسلمان لم تكن: إلا لأنها توصل إلى الحق، و تؤدي إلى الاحتفاظ به، و الحفاظ عليه، و لأنه يمثل الوعي الرسالي الرائد في أعلى مستوياته، و يدعم هذا الوعي و يحميه، و يرفده إيمان ثر، و عقيدة راسخة، توجه الفكر و الرأي و الوعي، و كل الحركات نحو الهدف الأسمى، و المبدأ الأعلى، لتعيش في ظلاله، و تفنى كلها فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

فإن الإيمان عشر درجات، و سلمان كان في العاشرة، و أبو ذر في التاسعة، و المقداد في الثامنة (2).

و إن إطاعة أبي ذر لسلمان لتعطينا: أن الميزان و المقياس في الطاعة ليس إلا ذلك الذي أشرنا إليه، و اعتبره القرآن وسيلة لنيل التقوى و اليقين: حين قال تعالى:

هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ (3). و إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ (4). و إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (5).


1) روضة الكافي ص 162.

2) قاموس الرجال ج 4 ص 423 عن الخصال للصدوق.

3) الآية 9 من سورة الزمر.

4) الآية 28 من سورة فاطر.

5) الآية 13 من سورة الحجرات.

إذن، فليس للعرق، و لا للون، و لا للجاه، و لا للمال، و لا غير ذلك-أي دور في التفاضل و إعطاء الامتيازات-من أي نوع كانت و لأي كان، و إنما الميزان و المقياس في كل ذلك هو التقوى و التقوى فقط، التي يدعمها الإيمان الراسخ، و الفكر النير، و الوعي الرسالي الرائد، و لأجل ذلك كان على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان، الذي بلغ من العلم و المعرفة بحيث لو اطلع أبو ذر على ما في قلب سلمان لقتله (1).

و عن الفضل: ما نشأ في الإسلام رجل من الناس كافة كان أفقه من سلمان الفارسي (2).

و لأجل ذلك بالذات: كان لا بد من إطاعة أئمة الهدى، الذين هم القمة في العلم و المعرفة، و من ثم في التقوى، دون غيرهم من المتغلبين الجهلة و الطواغيت و الجبارين.


1) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 418 و غيرها.

2) المصدر السابق.

الفصل الرابع: أسس العلاقات في المجتمع الجديد

اشارة

أسس العلاقات:

و يذكر المؤرخون: أنه بعد مدة و جيزة من قدومه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، و على رأي البعض: بعد خمسة أشهر (1)كتب «صلى اللّه عليه و آله» كتابا أو وثيقة بينه و بين اليهود، أقرهم فيها على دينهم و أموالهم، و اشترط عليهم: أن لا يعينوا عليه أحدا، و إن دهم أمر فعليهم النصر، كما أن على المسلمين ذلك في المقابل.

و لكن سرعان ما نقض اليهود العهد، و عادوا إلى المكر و الغدر، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

و يلاحظ: أن الوثيقة المشار إليها لم تقتصر على تنظيم علاقات المسلمين مع غيرهم، و إنما تعرض جانب كبير-بل هو الجانب الأكبر-منها إلى تقرير قواعد كلية، و أسس عملية للعلاقات بين المسلمين أنفسهم، كان لا بد منها لتلافي الأخطاء المحتملة قبل أن تقع.

فهذه الوثيقة بمثابة دستور عمل، يتضمن أسس العلاقات في الدولة الناشئة، سواء في الداخل أم في الخارج.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 353.

و هذه الوثيقة هي بحق من أهم الوثائق القانونية، التي لا بد أن يدرسها علماء القانون و التشريع بدقة متناهية، لاستخلاص الدلائل و الأحكام منها، و أيضا لمعرفة الغايات التي يرمي إليها الإسلام، و الضوابط التي يرتضيها، و مقارنتها بغيرها مما يتهالك المستضعفون-فكريا-من هذه الأمة عليه، من القوانين القاصرة عن تلبية الحاجات الفطرية و غيرها للإنسان. و إليك نص الوثيقة كما هو:

نص الوثيقة:

قال ابن إسحاق: و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا بين المهاجرين و الأنصار، وادع فيه يهود و عاهدهم، و أقرهم على دينهم و أموالهم، و شرط لهم، و اشترط عليهم.

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب، و من تبعهم؛ فلحق بهم، و جاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (1)يتعاقلون بينهم، و هم يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المؤمنين، و بنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.


1) الربعة: الحال التي جاء الإسلام و هم عليها. و العاني: الأسير. و المعاقل: الديات.

و بنو الحارث على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو النبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، و كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و بنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

و إن المؤمنين لا يتركون مفرحا (1)بينهم، أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

و إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (2)ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين.

و إن أيديهم عليه جميعا، و لو كان ولد أحدهم. و لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، و لا ينصر كافرا على مؤمن.


1) المفرح: المثقل بالدين و الكثير العيال.

2) الدسيعة: العظيمة.

و إن ذمة اللّه واحدة، يجير عليهم أدناهم. و إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. و إن من تبعنا من يهود؛ فإن له النصر و الأسوة، غير مظلومين، و لا متناصرين عليهم.

و إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلا على سواء و عدل بينهم، و إن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، و إن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل اللّه.

و إن المؤمنين المتقين على أحسن هدى و أقومه. و إنه لا يجير مشرك مالا لقريش، و لا نفسا، و لا يحول دونه على مؤمن. و إنه من اعتبط (1)مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، و إن المؤمنين عليه كافة، و لا يحل لهم إلا قيام عليه.

و إنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، و آمن باللّه و اليوم الآخر: أن ينصر محدثا، و لا يؤويه، و إن من نصره أو آواه؛ فإن عليه لعنة اللّه و غضبه يوم القيامة، و لا يؤخذ منه صرف و لا عدل.

و إنكم مهما اختلفتم في شيء؛ فإن مرده إلى اللّه عز و جل، و إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. و إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، و للمسلمين دينهم،


1) اعتبطه: قتله بلا جناية منه توجب قتله.

مواليهم و أنفسهم إلا من ظلم و أثم؛ فإنه لا يوتغ (1)إلا نفسه، و أهل بيته.

و إن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بن عوف.

و إن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.

و إن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.

و إن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.

و إن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم و أثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، و أهل بيته.

و إن جفنة-بطن من ثعلبة-كأنفسهم.

و إن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، و إن البر دون الإثم.

و إن موالي ثعلبة كأنفسهم.

و إن بطانة (2)يهود كأنفسهم.

و إنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

و إنه لا ينحجز على ثار جرح، و إنه من فتك فبنفسه فتك، و أهل بيته، إلا من ظلم، و إن اللّه على أبر هذا (3).

و إن على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم.

و إن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.

و إن بينهم النصح و النصيحة و البر دون الإثم.


1) يوتغ: يهلك.

2) بطانة الرجل: خاصته و أهل بيته.

3) أي على الرضا به.

و إنه لم يأثم امرؤ بحليفه، و إن النصر للمظلوم. و إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

و إن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

و إن الجار كالنفس، غير مضار و لا آثم، و إنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

و إن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى اللّه عز و جل، و إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن اللّه على أتقى ما في هذا الصحيفة و أبره.

و إنه لا تجار قريش، و لا من نصرها، و إن بينهم النصر على من دهم يثرب، و إذا دعوا (1)إلى صلح يصالحونه و يلبسونه، فإنهم يصالحونه و يلبسونه، و إنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم (2)، من جانبهم الذي قبلهم.

و إن يهود الأوس، مواليهم و أنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة.

و إن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، و إن اللّه على أصدق ما في هذه الصحيفة و أبره، و إنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم و آثم.

و إنه من خرج آمن، و من قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم و أثم.


1) في رواية أبي عبيد في الأموال: و إذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم، فإنهم يصالحونه و إن دعونا إلى مثل ذلك، فإن لهم ما على المؤمنين إلا من حارب الدين.

2) في الأموال: و على كل أناس حصتهم من النفقة.

و إن اللّه جار لمن بر و اتقى، و محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (تمت الوثيقة)» (1).

كانت تلك هي الوثيقة الهامة التي لم يهتم بشأنها المؤرخون، و أهمل دراستها و تمحيصها الكتاب و الباحثون، نوجه إليها أنظار الطامحين إلى البحث و التدقيق و التمحيص، و نأمل أن تحظى منهم بما يليق بها من اهتمام و اللّه هو الموفق و المسدد.

و نحن بدورنا نسجل هنا بعض النقاط، على أمل التوفيق لدراسة هذه الوثيقة بصورة أعمق و أدق و أشمل، فنقول:

وثيقة أم وثائق؟ ! :

قد أورد المؤرخون هذه الوثيقة بعنوان أنها عقد ينظم العلاقة فيما بين المهاجرين و الأنصار من جهة، و بينهم و بين اليهود من جهة أخرى.

و قد حاول البعض أن يدّعي: أنها ليست وثيقة واحدة، و إنما هي عبارة عن سلسلة وثائق و معاهدات منفصلة، و قد ضم بعضها إلى بعض، و إن ذلك جرى على مرحلتين:

إحداهما: تم بموجبها توحيد و تجميع العناصر المختلفة من القبائل العربية تحت قيادة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة.

الثانية: قد استغلت قوة هذا التجمع القبلي و تكاتفه للضغط على يهود


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 147-150، و البداية و النهاية ج 3 ص 224-226، و الأموال ص 202-207، و مجموعة الوثائق السياسية و أشار إليه في مسند أحمد ج 1 ص 271، و أشار إليه أيضا في مسند أبي يعلى ج 4 ص 366 و 367.

المدينة لكسب تعاونهم في مواجهة أي ضغط خارجي.

و ليس من الضروري أن يكون قد تم تنظيم الاتفاقيات في لحظة واحدة، فقد كانت هناك أطوار مختلفة في المرحلتين، اقتضت إضافة مواد و فقرات باستمرار، حسب الظروف الطارئة، و الأحداث المستجدة، التي تستلزم تجديد الالتزامات؛ و فرض الشروط لمجابهتها، فتكتب المواد، و تضاف الفقرات، التي تحمل آثار ذلك التطور في العلاقات فيما بين عناصر الأمة في المدينة.

أما دليلهم على هذا الذي ذكروه، فهو تكرر بعض الفقرات في الوثيقة، حيث لوحظ:

أن هذه الفقرات تنص على التزامات و شروط واحدة، كالعبارتين اللتين تنصان على أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، و كالعبارتين اللتين تنصان على رد أي خلاف ينجم بين المتعاهدين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كذلك التكرار الحاصل لعبارة: إن البر دون الإثم. و عبارة: كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين، حيث تكررت بالنسبة لعدد من قبائل الأوس و الخزرج (1).

و نقول:

إن من الواضح: أن هذا الدليل لا يكفي لإثبات ما زعموه، فإن هذا التكرار قد جاء ليؤكد و يثبت هذا الأمر بالنسبة إلى كل قبيلة على حدة،


1) راجع في الذي ذكرناه كتاب نشأة الدولة الإسلامية ص 25-27.

حيث يطلب في المواثيق و المعاهدات التنصيص، و الدقة و الصراحة، حتى لا يبقى عذر لمعتذر، و لا حيلة لمتطلب حيلة، و يكون التصريح بذلك بالنسبة لكل طائفة و فئة، و قبيلة، قد أريد به أن تعرف تلك الفئة أو القبيلة بصراحة و دقة كل ما تطلبه هي، و كل ما يطلب منها.

فهذه المعاهدة هي مجموعة التزامات تصدر من كل قبيلة تجاه غيرها من الفئات أو القبائل، أو تجاه عناصر القبيلة أنفسهم، فلا بد من التنصيص على هذه الالتزامات.

و على هذا يصبح للمعاهدة الواحدة خصوصية المعاهدات المتعددة أيضا.

و أما بالنسبة لليهود المقصودين في هذه الوثيقة، فإن من الجلي: أن المقصود بهم ليس اليهود الذين هم من أصل إسرائيل، و هم: قينقاع، و النضير، و قريظة.

بل المقصود اليهود الذين هم من قبائل الأنصار، فقد كان ثمة جماعة من قبائل الأنصار قد تهودوا، و قد جاء ذكرهم في الوثيقة منسوبين إلى قبائلهم.

و قد قال ابن واضح: «و تهود قوم من الأوس و الخزرج، بعد خروجهم من اليمن، لمجاورتهم يهود خيبر، و قريظة، و النضير، و تهود قوم من بني الحارث بن كعب، و قوم من غسان، و قوم من جذام» (1).

كما أن بعض الروايات تذكر: جماعة من أولاد الأنصار قد تهودوا


1) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 257.

بسبب: أن المرأة من الأنصار كانت إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، و أنزل اللّه: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ ، قالوا: هي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام (1).

ملاحظات سريعة على الوثيقة:

و مهما يكن من أمر: فإن هذه الوثيقة، أو الوثائق، قد تضمنت أمورا كثيرة هامة، و أساسية في مجال بناء العلاقات في هذا المجتمع الجديد.

و كمثال على ذلك نشير هنا إلى ما يلي:

1-إنها قد قررت: أن المسلمين أمة واحدة، رغم اختلاف قبائلهم و انتماءاتهم، و تفاوت مستوياتهم، و حجم و نوع طموحاتهم، و رغم اختلاف حالاتهم المعيشية، و الاجتماعية، و غير ذلك.

و لهذا القرار أبعاده السياسية، و له آثاره الحقوقية، و غيرها. ثم له آثار و انعكاسات على التكوين السياسي، و الاجتماعي، و على الحالة النفسية، و العاطفية، و الفكرية، و المعيشية، و الحياتية بصورة عامة.


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 267، و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 عن أبي داود، و لباب التأويل ج 1 ص 185، و فتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه، و البيهقي في السنن، و الضياء في المختارة؛ و الدر المنثور ج 1 ص 328 عنهم و عن ابن مندة في غرائب شعبة، و عن النحاس في ناسخه، و عبد بن حميد، و سعيد بن منصور.

و لسنا هنا بصدد الخوض في تفاصيلها و جزئياتها. 2-قد تضمنت إقرار المهاجرين من قريش على عاداتهم و سننهم في الديات و الدماء.

و يقولون: إن ذلك قد نسخ فيما بعد، و إن كنا نرى: أن النسخ لم يطل هذه الموارد، و هي مما كان قد قرره عبد المطلب، أو مما كان وصل إليهم أو بلغهم من دين الحنيفية.

و لهذا انحصر الاستثناء فيها، و لم يشمل الحالات التجارية، أو الأحوال الشخصية مثلا.

و حتى لو كان ثمة بعض الموارد التي لم تكن كذلك، فإن بالإمكان أن يستفاد منها موضوع التدرج في مجال تشريع الأحكام، وفق الحالات و المعطيات القائمة في الواقع المعاش.

3-إن مسؤولية المهاجرين عن فداء أسراهم، ثم مسؤولية جميع القبائل عن فداء أسراها أيضا بالقسط و المعروف، إنما تعني أن تعيش كل قبيلة حالة التكافل، و الإحساس الجماعي، بالإضافة إلى أن ذلك يضمن نوعا من الترابط بين هؤلاء الناس، و الذب عن بعضهم، و المعونة في مواقع الخطر و في ساحات النزال.

أضف إلى ذلك: أن شعور المحارب بأن هناك من يهتم بأمره، و من هو ملزم ببذل المال لإطلاق سراحه في صورة وقوعه في الأسر، لسوف يزيده نشاطا، وثقة بنفسه، و إقداما في منازلة العدو.

هذا كله: عدا أن العبء الاقتصادي إذا تحملته الجماعة الكثيرة، فإنه يصبح أخف و أيسر، و أبعد عن الإضرار بحال الناس الذين هم في متن المشكلة.

و يلاحظ هنا: التعبير بكلمة القسط و المعروف، فإن كلمة القسط تدل على رفض أي حيف أو تجن في مجال تعديل و توزيع الحصص على أفراد القبيلة.

أما كلمة المعروف، فإنها تدل على ما هو أبعد من ذلك، حيث لا حظت أنه لا بد من التزام سبيل المعروف في مجال تطبيق القرار، أو الحكم الشرعي الذي يمس الآخرين، و يعنيهم في شؤونهم المالية، أو غيرها؛ فلا يجوز الشذوذ عن هذا السبيل بحجة التمسك بحرفية الأوامر الصادرة، أو القانون الساري.

4-لقد قررت الوثيقة أيضا: أن من كان عليه دين، و لم يكن له عشيرة تعينه في فداء أسيره، فعلى المسلمين إعانته في فداء ذلك الأسير.

و هذا قرار يهدف إلى سد الثغرة الحاصلة من تشريع الفداء على القبائل حسبما تقدم، و لا يفوتنا هنا التنبيه إلى أن الفقرتين المتقدمتين قد عالجتا المشكلة في وقت لم يكن ثمة بيت مال للمسلمين يمكن الاعتماد عليه في حالات كهذه، حيث كان ذلك في وقت لم يكن المسلمون قادرين فيه حتى على سد احتياجاتهم الشخصية فضلا عن غيرها، مع عدم وجود موارد أخرى يمكن الاستفادة منها في هذا المجال.

5-و جاء في الوثيقة أيضا: أن مسؤولية دفع الظلم تقع على عاتق الجميع، و لا تختص بمن وقع عليه الظلم.

و لعل هذا من أهم القرارات التي تضمنتها الوثيقة، سواء من حيث آثار قرار كهذا على البنية الاجتماعية، ثم علاقة ذلك بالقرار و الموقف السياسي، و تعاطي الحكام مع مسألة الظلم، و تفاعلهم معها، ثم مع المردود

الإيجابي أو السلبي لقرار يجعل مقاومة الظلم مسؤولية اجتماعية، لا تنحصر بالحاكم، و إن كانت قد تمس حاكميته و موقعه بصورة أو بأخرى في أحيان كثيرة.

أما التأثير الروحي أو النفسي أو غير ذلك لقرار كهذا على الأمة، فهو أيضا كبير و خطير و لا مجال للدخول في التفاصيل، فإن ذلك يحتاج إلى دراسة مستوعبة لطبيعة التشريع الإسلامي، و أسسه و منطلقاته بصورة أدق و أعمق.

6-و هناك القرار الذي ينص على عدم قود المسلم بالكافر، و في هذا تأكيد على أن شرف الإنسان إنما هو بالإسلام.

و ذلك إنما ينطلق من مقولة: أن القيم و المثل التي يؤمن بها الفرد أو المجتمع، هي التي تمنحه القيمة، أو تسلبها عنه، فإذا كان الإنسان المسلم هو الذي يحمل في داخله من تلك القيم، ما تسمو به نفسه، و يؤكد و يعمق فيه إنسانيته، بما لها من معان سامية و نبيلة، ثم هو يمارس إنسانيته هذه على صعيد الواقع و الحركة، فإنه لا يمكن أن يقاس به من لا يمارس إنسانيته، أو لا يحمل في داخله منها إلا القليل أو لا يحمل شيئا من معانيها النبيلة على الإطلاق.

هذا فضلا عما إذا كان لا يعترف بها و لا يوليها أية قيمة، فضلا عن أن يدافع عنها، و يضحي في سبيلها بالغالي و بالنفيس إن اقتضى الأمر ذلك.

7-قد ذكرت الوثيقة: أنه يجير على المسلمين أدناهم، و لا يجير كافر على مسلم.

و هذا يؤكد ما ذكرناه آنفا، فالإسلام لا يرى الشرف بالمال، و لا

بالقبيلة، و لا بغير ذلك من أمور، و إنما إنسانيته هي التي تعطيه القيمة.

و نزيد هنا: أن قرارا كهذا يرسخ الشعور بالمساواة فيما بين المسلمين؛ فلا يمتاز غني على فقير، و لا قوي على ضعيف ما دام الجميع قد حملوا في داخلهم معين القيم، و المثل، و ما عليهم بعد ذلك إلا الاستفادة من هذا المعين الثر لينشر الخير و الصلاح و الفضل و التقى في جميع ربوع حياتهم، و في مختلف شؤونها.

8-و قد تقرر أيضا: أن لا ينصر المسلمون من أحدث و ابتدع، بل يجب عليهم مقاومته و التصدي له و لبدعته بكل صلابة و حزم.

و في هذا تتجلى الأهمية البالغة التي يوليها الإسلام للسلامة الفكرية، و يؤكد أهمية الصيانة في المجال الثقافي و العقيدي و الفكري.

ثم هو يعطي للجماعة أو فقل للأمة دورا في تحقيق هذه الصيانة، و يؤكد على دور الناس جماعات و أفرادا في التصدي للانحراف و مقاومته، قبل أن تعصف بهم رياحه أو يجرفهم تياره، حيث إنه يستهدفهم أفرادا أولا، ليعبث بقدراتهم جماعات، ثم يسخرهم و يستغل كل طاقاتهم في ترسيخ دعائمه، و تثبيت عزائمه، و ليكونوا من ثم اليد التي يبطش بها، و المعول الذي يهدم به كل فضيلة و يشيع كل رذيلة.

9-في هذه الوثيقة أيضا تكريس للسلطة الإسلامية و اعتراف مسجل بها من قبل ألد أعدائها و هم اليهود-أعني الذين تهودوا من الأنصار و قد كان اليهود يعتبرون أنفسهم وحدهم دون كل من عداهم، أصحاب كل الامتيازات، و إن كل قرار يجب أن يكون صادرا عنهم، و منهم، و إليهم، فهم الحكام على الناس، و الناس كلهم يجب أن يكونوا تحت سلطتهم، و قد

خلقوا ليكونوا لهم خدما كما يزعمون.

فقد قررت الوثيقة: أن لا يخرج أحد من اليهود إلا بإذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن الحاكمية إنما هي لدين اللّه و لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا لأحد سواه.

و لعل هذا القرار قد اتخذ أيضا من أجل أن لا يفسح المجال أمام اليهود لممارسة دور الإفساد و الجاسوسية من الداخل لصالح الأعداء المتربصين بالإسلام و بالمسلمين شرا من الخارج، و من أجل أن يؤكد لكل الناس الذين يعيشون معهم و حولهم: أن ثمة قوة لا بد من الاعتراف بها، و التعامل معها بواقعية و موضوعية و صدق.

10-و قد أكد ما ذكرناه آنفا و عمّقه ذلك القرار الذي اعترف به اليهود و سجلوه على أنفسهم، و الذي ينص على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو المرجع الذي يتولى حل المشكلات، التي تنشأ فيما بينهم و بين المسلمين.

و لسنا بحاجة إلى التذكير بما لهذه المادة من مدلول سياسي، و من أثر نفسي و اجتماعي عليهم و على غيرهم ممن يعيشون في المدينة، و كذا ما لهذا القرار من أثر كذلك على المنطقة بأسرها.

هذا، و قد حفظ بذلك المضمون العقائدي، و روعيت فيه الجهات الفقهية، كما يظهر بأدنى تأمل في ذلك، و يمكن بحث هذه النقطة بصورة مستقلة في مجال آخر.

11-هذا كله، عدا عن أن هذه الوثيقة قد ضمنت لمن تهود من الأنصار حقوقهم العامة، و ذلك من قبيل حق «الأمن» و «الحرية» بشرط ألا يفسدوا.

و هذان الحقان و لا سيما حق الحرية، يؤكدان على أن الإسلام لا يخشى شيئا إذا كان منطلقا من الواقع و قائما على أساس الحق و الصدق، و لكنه يخشى من الإفساد، و من الإفساد فقط.

و هذا يصب في اتجاه الإسلام إلى التأكيد على المعرفة، و الدعوة إلى العلم، لأنه يرى أنه أول من يستفيد من العلم و من المعرفة، و من إطلاق الحريات، في خط البناء، لا في خط الهدم و الافساد.

12-ثم تضمنت الوثيقة: اعترافا من المنافقين و المشركين، و من اليهود أيضا بأن المؤمنين على أحسن هدى و أقومه، مع أن ما كان يشيعه هؤلاء الأعداء إنما هو: أن هذا النبي قد جاء ليفرق جماعاتهم، و يسفه أحلامهم، و. . و. . الخ. . كما ذكره عمرو بن العاص للنجاشي ملك الحبشة.

13-و جاء فيها أيضا قرار بإلغاء القبيلة التي توجب على القبيلة الانتصار لأبنائها، حتى و لو كانوا المعتدين على غيرهم، و الظالمين لهم.

حيث تقرر أن على جميع المؤمنين أن يلاحقوا القاتل، من كان، و مهما كان. كما أن ذلك إنما يعني إلغاء سائر الاعتبارات التي تؤثر في هذا المجال، من قبيل الرئاسات، و الزعامات، أو نوع القبيلة، التي يكون المجرم منها، كما كان الحال فيما بين بني قريظة و بني النضير، حيث كان الامتياز في ذلك لبني النضير على بني قريظة.

14-ثم إن هذه الوثيقة قد أعطت للمسلمين الحق في التصدي لأخذ أموال قريش (و ليس المشركين) ؛ لأن قريشا هي التي سلبتهم أموالهم، و أخرجتهم من ديارهم، ليكون ذلك عوضا عما أخذ منهم.

و قد اعترف لهم بهذا الحق حتى المشركون، الذين هم طرف في هذه

المعاهدة، الأمر الذي جعل المشركين يشعرون: أنهم غير معنيين بما تتعرض له قريش في هذا السياق، و جعل القضية تصب في الاتجاه الآخر بالنسبة إليهم، ثم هو قد أعطى الجانب الإنساني قيمة و فاعلية في ضمير و وجدان الناس، الذين فقدوا إحساسهم بهذه القيمة أو كادوا.

15-و نلاحظ: أن هذه الوثيقة قد اعتمدت التعبير ب «المؤمنين» بدل «المسلمين» .

و لهذا دلالاته على صعيد التعامل، كما أن له إيحاءاته بالنسبة للمخلصين، ليزدادوا خلوصا و إخلاصا أو بالنسبة للمنافقين الذين يخادعون اللّه و الذين آمنوا، و ما يخدعون إلا أنفسهم، كما أن له تأثيراته السياسية في مجال التمايز بين الفرق، كي لا يكون ذلك من منطلق التعصب للدين و المذهب.

16-و في الوثيقة أيضا: إظهار شرف الإيمان الذي أعطيت الامتيازات على أساسه، و اعتبار الكفر في درجة منحطة حينما قال: «أن لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، و لا ينصر كافرا على مؤمن» .

17-هذا إلى جانب التمايز الواضح فيما بين معسكري الكفر و الإيمان، و تكريس حالته.

18-و يلاحظ: أن الوثيقة قد نصت على أن كل من يعترف بما في هذه الصحيفة لا يحق له نصر محدث، و لا إيواؤه، و هذا من شأنه أن يشيع الأمن العام، و يجعل الناس يطمئنون نوعا ما، و يخفف من الخوف الذي كان سائدا بين الأوس و الخزرج، كما أن فيه إنذارا مبطنا للآخرين من اليهود و المشركين الذين يعيشون مع المسلمين في بلد واحد.

19-كما أن إظهار المسلمين أمام أعدائهم على أنهم قوة واحدة و متماسكة و متناصرة، له أثر كبير في تكريس الهيبة لهم في النفوس، و إبعاد الأطماع في أن ينفذ نافذ إلى المسلمين من خلال التلاعب بالعواطف القبيلة أو سواها.

20-و يلاحظ أخيرا: أن الوثيقة لم تعط للمشركين حقوقا، و لكنها فرضت عليهم قيودا، فليس للمشرك أن يجير مالا لقريش، و لا نفسا، و لا يحول دونه على مؤمن.

هذا ما أحببنا الإلماح إليه في هذه العجالة، و ثمة أمور كثيرة أخرى نأمل أن نوفق لدراستها في فرصة أخرى.

موادعة اليهود:

و جاءت يهود قريظة، و النضير، و قينقاع، و طلبوا الهدنة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكتب لهم بذلك، على أن لا يعينوا عليه أحدا، و لا يتعرضوا لأحد من أصحابه بلسان، و لا يد، و لا بسلاح، و لا بكراع، في السر، و لا في العلانية، لا بليل و لا بنهار، فإن فعلوا فرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حل من سفك دمائهم، و سبي ذراريهم و نسائهم، و أخذ أموالهم، و كتب لكل قبيلة كتابا على حدة (1).

و لكن اليهود عادوا بعد ذلك إلى الغدر و المكر، كما سيأتي إن شاء اللّه، مع علمهم بأنه النبي الحق، كما تدل عليه تصريحاتهم المختلفة.


1) إعلام الورى ص 69، و البحار ج 19 ص 110 و 111 عنه، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 175.

الباب الثالث: تشريعات و أحكام

اشارة

الفصل الأول: الأذان الفصل الثاني: تشريع بعض العبادات الفصل الثالث: الجهاد في الإسلام الفصل الرابع: سرايا و غزوات قبل بدر

الفصل الأول: الأذان

اشارة

تشريع الأذان:

و يذكرون هنا: أن الأذان قد شرع في السنة الأولى من الهجرة، و قيل: في الثانية، و لا يهمنا تحقيق ذلك كثيرا.

أما كيفية تشريعه فتحكى على النحو التالي: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اهتم للصلاة، كيف يجمع الناس لها.

فقيل له: انصب راية؛ فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له القبع-يعني الشبور، شبور اليهود-فلم يعجبه ذلك.

و قال: هو من أمر اليهود، فذكروا له الناقوس. فقال: هو من أمر النصارى. و كأنه كرهه أولا، ثم أمر به، فعمل من خشب.

فانصرف عبداللّه بن زيد، و هو مهتم لهمّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأري الأذان في منامه.

قال: فغدا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره فقال له: يا رسول اللّه، إني لبين نائم و يقظان إذ أتاني آت، فأراني الأذان.

قال: و كان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك؛ فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: ما منعك أن تخبرني؟

قال: سبقني عبداللّه بن زيد، فاستحييت، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبداللّه بن زيد، فافعله.

قال: فأذن بلال (الحديث) . كان هذا أحد نصوص رواية كيفية تشريع الأذان، و للرواية نصوص كثيرة و مختلفة جدا، فراجع (1).

مناقشة روايات الأذان:

و نحن نعتقد عدم صحة ذلك؛ و ذلك استنادا إلى ما يلي: أولا: تناقض الروايات الشديد، كما يظهر بالمراجعة و المقارنة و ذلك


1) راجع في نصوص الحديث المختلفة المصادر التالية: سنن أبي داود ج 1 ص 335- 338، و المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 455-465، و السيرة الحلبية ج 2 ص 93- 97، و تاريخ الخميس ج 1 ص 359، و الموطأ ج 1 و شرحه للزرقاني ج 1 ص 120 -125، و الجامع الصحيح للترمذي ج 1 ص 358-361، و مسند أحمد ج 4 ص 42، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 124، و سنن البيهقي ج 1 ص 390 و 391، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 154 و 155 و 125، و نصب الراية ج 1 ص 259- 261، و فتح الباري ج 2 ص 63-66، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 8، و البداية و النهاية ج 3 ص 232 و 233، و المواهب اللدنية ج 1 ص 71، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 3 ص 273 و 275، و تبيين الحقائق للزيلعي ج 1 ص 90، و الروض الأنف ج 2 ص 285 و 286، و حياة الصحابة ج 3 ص 131 عن كنز العمال ج 4 ص 263 و 246، و نقل أيضا عن أبي الشيخ، و ابن حبان، و ابن خزيمة، و سنن الدارقطني ج 1 ص 241 و 242 و 245. و غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال لتتبعها و استقصائها.

يوهن الرواية، و يثير حولها أكثر من سؤال فمثلا:

الرواية المتقدمة تذكر أن ابن زيد رأى الأذان بين المنام و اليقظة. و أخرى تقول: رآه في المنام. و ثالثة تقول: إن ابن زيد قال: «لو لا أن يقول الناس لقلت: إني كنت يقظان غير نائم» .

و رواية تقول: إن ابن زيد رآه، فأخبر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و أخرى تقول: إن جبرائيل أذن في سماء الدنيا؛ فسمعه عمر و بلال، فسبق عمر بلالا، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر.

و رواية تقول: إن ابن زيد رآه. و أخرى تقول: إن سبعة من الأنصار رأوه، و قيل: أربعة عشر، و رواية تزيد عبد اللّه بن أبي بكر.

و رواية تقول: إن بلالا كان يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، حي على الصلاة، فقال له عمر: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبلال: قل كما قال عمر.

و رواية تفرد فصول الإقامه، و رواية تثنيها. إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي لا مجال لذكرها، فراجع المصادر و قارن بين الروايات إن شئت.

ثانيا: إن دعوى سماع عمر و بلال لجبرائيل، أو رؤية ابن زيد للأذان في اليقظة، لا يمكن قبولها؛ لأن معنى ذلك هو أن يكون هؤلاء من الأنبياء، لأنهم قد أخذوا من جبرائيل و سمعوا منه أمرا تشريعيا توقيفيا، و هو من

مختصات الأنبياء «عليهم السلام» .

و لا يرد على ذلك: أن فاطمة «عليها السلام» كانت تسمع ما سجلته في مصحفها من جبرائيل مباشرة، لأننا نجيب بأن مصحف فاطمة لم يتضمن تشريعات اختصها جبرائيل بها، و تلقتها الأمة منها. . بل كان يخبرها بما يجري على ذريتها من بعدها و بغير ذلك من حقائق يعرفها مما لا يرتبط بالتشريع. .

أما بالنسبة لرواية الرؤية في المنام، فقد قال العسقلاني:

«و قد استشكل في إثبات حكم الأذان برؤيا عبد اللّه بن زيد، لأن رؤيا غير الأنبياء لا يبنى عليها حكم شرعي، أجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك» ! ؟ (1).

و لكنه جواب بارد: فإن مجرد الاحتمال لا يجدي، مع كون الرواية المعتمدة عندهم لم تذكر ذلك، و لم تشر إليه، بل اكتفت بمجرد أمره «صلى اللّه عليه و آله» بلالا بالتعلم من ابن زيد.

ثم لماذا لم ينزل الوحي عليه «صلى اللّه عليه و آله» من أول الأمر، و حينما كان متحيرا في أمره، مهموما مغموما لا يدري ما يفعل؟ ! .

و يبقى سؤال: لم اختص الأذان بأن شرع بهذه الكيفية، دون سائر الأحكام؟ !

و أجاب السهيلي: بأن في الأذان تنويها بشأنه، و رفعا لذكره، فلأن يكون


1) فتح الباري ج 2 ص 62.

على لسان غيره أنوه و أفخم لشأنه (1).

و لكنه جواب بارد أيضا-و إن استحسنه العسقلاني و غيره-لأنه لو صح؛ لوجب أن يكون تشريع الصلاة و الزيارات و الأدعية، بل و كذا إيجاب الشهادتين، و غير ذلك أيضا على لسان غيره، لأنها كلها فيها تنويه بذكره، و تفخيم لأمره، و كذا بالنسبة للآيات القرآنية التي تمتدحه «صلى اللّه عليه و آله» و تثني عليه كقوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ، و غير ذلك.

و بعد كل ما تقدم فإننا نقول: إن حكم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعمل برؤيا ابن زيد، يكون من النطق عن الهوى، و عدم الاستناد إلى الوحي، و هو ينافي قوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ .

و مشورة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه في أمر ديني مستحيلة؛ لأنه مستغن عنهم بالوحي، نعم هو كان يستشيرهم في أمور دنيوية، يطلب منهم هم القيام بها، لأسباب ستأتي إن شاء اللّه في غزوتي بدر و أحد.

ثالثا: كيف كره «صلى اللّه عليه و آله» موافقة اليهود و النصارى، ثم عاد فرضي بها، فهل كان ذلك قبيحا ثم صار حسنا؟ ! .

أم أنه كان مضطرا إلى موافقتهم؛ حيث سدت السبل في وجهه؟ ! و لم لا يجعل مناديا ينادي الناس للصلاة، كما كانوا يفعلون حينما كانوا ينادون: بالصلاة جامعة، في كل مناسبة اقتضت ذلك؟

و لماذا يهتم رسول اللّه و عبد اللّه بن زيد و قد انحل المشكل برضاه «صلى


1) الروض الأنف ج 2 ص 285.

اللّه عليه و آله» بصنع الناقوس؛ و لم يبق ما يستدعي ذلك؟ .

و الأهم من ذلك: أنهم يروون-و إن كنا نحن لا نصدق بل و نجزم بكذب ذلك-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم ينزل فيه وحي (1).

فلما ذا كره ذلك هنا، و اهتم و اغتم لأجله؟ ! . فما هذا التناقض القبيح فيما ينسبونه إلى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

رابعا:

1-عن الصباح المزني، و سدير الصيرفي، و محمد بن النعمان الأحول، و عمر بن أذينة، أنهم حضروا عند أبي عبد اللّه «عليه السلام» فقال: يا عمر بن أذينة ما ترى هذه الناصبة في أذانهم و صلاتهم؟

فقال: جعلت فداك، إنهم يقولون: إن أبي بن كعب الأنصاري رآه في النوم. فقال «عليه السلام» : كذبوا و اللّه، إن دين اللّه تعالى أعز من أن يرى في النوم.

و على حسب نص آخر إنه «عليه السلام» قال: ينزل الوحي به على نبيكم فتزعمون: أنه أخذه عن عبداللّه بن زيد؟ ! (2).

2-عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية:


1) لسوف تأتي الإشارة إلى ذلك حين الكلام على صوم يوم عاشوراء إن شاء اللّه تعالى.

2) البحار ج 18 ص 354 عن علل الشرائع ص 112 و 113، و النص و الاجتهاد ص 205 عن الشهيد في الذكرى، و وسائل الشيعة ج 4 ص 612 و 613.

إنا لنتحدث: أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.

قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعا شديدا و قال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرايع الإسلام، و معالم دينكم؛ فزعمتم: أنه من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، تحتمل الصدق و الكذب، و قد تكون أضغاث أحلام؟ ! .

قال: فقلت: هذا الحديث قد استفاض في الناس؟ ! . قال: هذا و اللّه هو الباطل، ثم قال: و إنما أخبرني أبي: أن جبرائيل «عليه السلام» أذن في بيت المقدس ليلة الإسراء و أقام، ثم أعاد جبرائيل الأذان لما عرج بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى السماء (1).

3-و الإمام الحسن «عليه السلام» قد أنكر ذلك أيضا، حيث تذاكروا عنده الأذان، و ذكروا رؤيا ابن زيد، فقال: إن شأن الأذان أعظم من ذلك، أذن جبرائيل في السماء مثنى مثنى، و علمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أقام مرة مرة، فعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

4-عن الحسين بن علي «عليهما السلام» أنه سئل عن الأذان و ما يقول الناس، فقال: «الوحي ينزل على نبيكم و تزعمون: أنه أخذ الأذان عن عبد اللّه بن زيد؟ ! بل سمعت أبي علي بن أبي طالب «عليه السلام» يقول:


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 96، و النص و الاجتهاد ص 205 و كتاب العلوم (أمالي أحمد بن عيسى بن زيد) ج 1 ص 90.

2) النص و الاجتهاد ص 255 عن مشكل الآثار، و ابن مردويه، و عن كنز العمال ج 6 ص 277 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 171.

أهبط اللّه ملكا حين عرج برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأذن مثنى مثنى، و أقام مثنى مثنى، ثم قال له جبرائيل: يا محمد، هكذا أذان الصلاة» (1).

و لكن كون الإقامة مرة مرة، مخالف لما هو ثابت قطعا عن أهل البيت «عليهم السلام» ، فإنه لا يرتاب أحد أنهم يروون و يرون أنها مثنى مثنى، و ذلك هو مذهب كثير من الصحابة، و التابعين، و فقهاء الإسلام.

و جعلها مرة مرة إنما كان على يد الأمراء، فإن ذلك أمر استخفته الأمراء على حد تعبيرهم (2)، و إلا فإن الإقامة مرتين مرتين.

خامسا: عن عبد اللّه بن زيد نفسه قال: سمعت أذان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكان أذانه و إقامته مثنى مثنى (3).

فلو كان هو الذي أري الأذان، فلا بد أن يكون أعرف الناس به من كل أحد، فلماذا يرويه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

سادسا: حكى الداودي، عن ابن إسحاق: أن جبرائيل أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأذان قبل أن يراه عبداللّه بن زيد و عمر بثمانية أيام.

و يؤيد ذلك ما رووه أيضا: من أن عمر قد ذهب ليشتري ناقوسا، فأخبر: أن ابن زيد قد أري الأذان في المنام؛ فرجع ليخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: «سبقك بذلك الوحي» (4).


1) راجع ما تقدم و ما سيأتي.

2) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 463، و سنن البيهقي ج 1 ص 425.

3) مسند أبي عوانة ج 1 ص 331، و راجع سنن الدارقطني ج 1 ص 241.

4) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 456، تاريخ الخميس ج 1 ص 360، و ليراجع: البداية و النهاية ج 3 ص 233، و السيرة الحلبية ج 2 ص 96 و 97.

سابعا: إننا نرجح أن تشريع الأذان كان في مكة قبل الهجرة، و ذلك لما تقدم عن ابن الحنفية، و لما يلي:

1-عن زيد بن علي، عن آبائه «عليهم السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علم الأذان ليلة أسري به، و فرضت عليه الصلاة.

و كذا روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و عن ابن عمر، و الإمام الباقر «عليه السلام» ، و عائشة (1).

و قد جاء بسند صحيح عن الإمام الباقر «عليه السلام» ما هو قريب من ذلك (2).

2-عن أنس: إن جبرائيل أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأذان حين فرضت الصلاة (3)، و الصلاة إنما فرضت في مكة، كما هو معلوم.


1) منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 3 ص 273 عن الطبراني في الأوسط، و السيرة الحلبية ج 1 ص 373 و ج 2 ص 93 و 95، و مجمع الزوائد ج 1 ص 329 و 328 و نصب الراية ج 1 ص 262 و 260، و المواهب اللدنية ج 1 ص 71 و 72، و فتح الباري ج 2 ص 63، و الدر المنثور ج 4 ص 154 عن البزار، و ابن مردويه، و الطبراني، و أبي نعيم في دلائل النبوة، و الروض الأنف ج 2 ص 285-286، و البداية و النهاية ج 3 ص 233، و حاشية تبيين الحقائق، و البزار، و نقله في النص و الاجتهاد ص 205 عن مشكل الآثار، و عن الشهيد في الذكرى، و كنز العمال ج 14 ص 4 عن ابن مردويه، و قصار الجمل ج 1 ص 13، و الوسائل ج 4 ص 660 و الكافي ج 3 ص 302.

2) الكافي ج 3 ص 302.

3) المواهب اللدنية ج 1 ص 72، و فتح الباري ج 2 ص 63.

و صحح السهيلي مفاد الرواية المروية عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، الدالة على تشريع الأذان حين الإسراء، و التي أشرنا إليها فيما سبق.

و لكنهم أوردوا عليه بأن في سندها زياد بن المنذر، و فيه شيعية (1)، و بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأمر بالأذان حين الهجرة (2).

و لكن إيرادهم الأول كما ترى، و إيرادهم الثاني أيضا لا واقع له، فإن هذا هو محل النزاع.

و بالمناسبة نذكر: أنه قد ورد: أن جبرائيل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة (3).

و بعد ما تقدم: فإننا نعرف عدم صحة ما رووا عن ابن عباس، من أن فرض الأذان كان مع نزول آية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ. . (4). ليكون الأذان قد شرع حين نزول سورة الجمعة، بعد السنة السابعة للهجرة و بعد وفاة عبد اللّه بن زيد، الذي قتل في أحد، أو بعدها بقليل.

و لذلك قال الحاكم: «و إنما ترك الشيخان حديث عبد اللّه بن زيد في الأذان و الرؤيا، التي قصها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا


1) نصب الراية ج 1 ص 261.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 233، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 171، و نصب الراية ج 1 ص 261، و سكت عنه الحاكم، لكن الذهبي طعن في نوح بن دراج، و لعله لأجل أنه كان يتشيع، كما هو دأبهم.

3) فتح الباري ج 2 ص 64، و السيرة الحلبية ج 2 ص 93.

4) فتح الباري ج 2 ص 62، و الدر المنثور ج 6 ص 218 عن أبي الشيخ.

الإسناد، لتقدم موت عبد اللّه بن زيد، فقد قيل: إنه استشهد بأحد، و قيل: بعد ذلك بيسير» (1).

و لكن عبارة الدر المنثور هكذا: «الأذان نزل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع فرض الصلاة: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ. . ، فيحتمل أن يكون مقصوده هو أن الأذان قد شرع في مكة مع فرض الصلاة، ثم استشهد بالآية للإشارة إلى أن اللّه قد أومأ إلى الأذان في القرآن أيضا؛ فإذا صح هذا فإن هذه الرواية لا تعارض ما تقدم.

ثامنا: عن عائشة، و عكرمة، و قيس بن أبي حازم، و غيرهم، في قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اَللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً : ركعتان فيما بين الأذان و الإقامة (2).

و واضح: أن هذه الآية قد وردت في سورة فصلت، و هي مكية، فيدل على أن الأذان و الإقامة قد شرعا في مكة، و جاءت الآية لتبين حكما متعلقا بهما.

و دعوى: أن الآية مما تأخر حكمه عن نزوله، لا شاهد لها إلا رواية ابن زيد المتقدمة، و قد تقدم أنها لا تصلح للإعتماد عليها، بل الدليل قائم على كذبها.

تاسعا: لقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ أنه في


1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 348.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 93، و الدر المنثور ج 5 ص 364 عن عبد بن حميد، و الخطيب في تاريخه، و سعيد بن منصور، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر.

الأذان (1).

و روى عدد منهم ذلك عن ابن عباس و مجاهد (2). و هذه الآية في سورة الانشراح، و هي مكية أيضا.

الكلمة الأخيرة:

و أخيرا. . فقد ورد بالسند الصحيح عن أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» ، و قال: لما هبط جبرائيل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأذان، أذن جبرائيل و أقام.

و عندها أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» أن يدعو له بلالا فدعاه، فعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأذان، و أمره به (3).

و هذه الرواية لا تعارض ما سبق؛ إذ من الممكن أن يكون جبرائيل قد نزل بالأذان في مكة، كما أن الأذان الذي شرع حين الإسراء لعله الأذان الذي يمارسه كل فرد فرد، و أما أذان الإعلام فهو الذي نزل به جبرائيل


1) الكشاف (ط دار الفكر) ج 4 ص 266، و جوامع الجامع ص 545، و البحر المحيط ج 8 ص 488، و مجمع البيان ج 10 ص 508، و التفسير الكبير ج 32 ص 5، و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 4 ص 389.

2) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 525، و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 106، و لباب التأويل ج 4 ص 389.

3) الوسائل ج 1 ص 326، و الكافي ج 3 ص 302، و النص و الاجتهاد ص 205، و نقله الصدوق و الشيخ رحمهما اللّه تعالى.

و علمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا و أمره به.

و بالنسبة لما جرى بالمدينة؛ فلعل الأقرب هو الرواية التي تقول: إنه حين قدم المسلمون المدينة، كانوا يجتمعون يتحينون الصلاة، و ليس ينادى بها، و كلموه يوما في ذلك، فقال بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، و قال بعضهم: بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر «رض» : ألا تبعثوا رجالا ينادون بالصلاة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قم يا بلال فأذن» (1). فهذه الرواية الأخيرة تفيد: أن المسلمين هم الذين اختلفوا فيما بينهم، و اقترحوا بعض الوسائل على بعضهم البعض؛ فحسم «صلى اللّه عليه و آله» النزاع بأمره بلالا بالأذان، فيظهر منه أن الأذان كان قد شرع قبل ذلك، حين الإسراء مثلا، و لكن هؤلاء المسلمين إما لم يطّلعوا على ذلك، لأنهم أسلموا حديثا، أو أنهم أو بعضهم قد عرفوا بالأمر لكن لم يعجبهم ذلك، فأحبوا التغيير.

هذا. . و قد بحث الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» هذا الموضوع؛ فليراجعه من أراد (2).

حي على خير العمل في الأذان:

و من الأمور التي وقع الخلاف فيها بين المسلمين، بين مثبت و ناف، هو قول: «حي على خير العمل» في الأذان مرتين، بعد قول: «حي على الفلاح» .


1) سنن الدار قطني ج 1 ص 237.

2) النص و الإجتهاد ص 197-205.

فذهبت طائفة تبعا لأئمتهم إلى أن هذه الفقرة «حي على خير العمل» لا يصح ذكرها في الأذان، و هؤلاء هم جمهور أهل السنة و الجماعة، و عبر بعضهم بلفظ: يكره، معللا ذلك بأنه لم يثبت ذلك عن النبي، و الزيادة في الأذان مكروهة (1).

و قال القاسم بن محمد بن علي نقلا عن توضيح المسائل لعماد الدين يحيى بن محمد بن حسن بن حميد المقري: «قد ذكر الروياني: أن للشافعي قولا مشهورا بالقول به.

و قد قال كثير من علماء المالكية و غيرهم من الحنفية و الشافعية: أنه كان حي على خير العمل من ألفاظ الأذان.

قال الزركشي في كتابه المسمى بالبحر ما لفظه: و منها ما الخلاف فيه موجود في المدينة كوجوده في غيرها، و كان ابن عمر، و هو عميد أهل المدينة، يرى إفراد الأذان، و يقول فيه: «حي على خير العمل» إلى أن قال المقري: «فصح ما رواه الروياني: أن للشافعي قولا مشهورا في إثبات حي على خير العمل» (2).

و ذهب أهل البيت و شيعتهم إلى أن هذه الفقرة جزء من الأذان و الإقامة، لا يصحان بدونها، و هذا الحكم إجماعي عندهم (3)و نسبه الشوكاني إلى «العترة» (4)و قال: «نسبه المهدي في البحر إلى أحد قولي


1) سنن البيهقي ج 1 ص 425، و البحر الرائق ج 1 ص 275 عن شرح المهذب.

2) الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 307.

3) الانتصار للسيد المرتضى ص 39.

4) نيل الأوطار ج 2 ص 18.

الشافعي» (1).

قال الشوكاني: «و هو خلاف ما في كتب الشافعية» (2).

و يستدل شيعة أهل البيت على أن كلمة: حي على خير العمل ثابتة في الأذان بالإجماع، و بالروايات الكثيرة و المتواترة عن أهل بيت النبوة «عليهم السلام» في ذلك، كرواية أبي الربيع، و زرارة، و الفضيل بن يسار، و محمد بن مهران عن أبي جعفر «عليه السلام» .

و رواية فقه الرضا عن الرضا «عليه السلام» .

و رواية ابن سنان، و معلى بن خنيس، و أبي بكر الحضرمي، و كليب الأسدي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» .

و رواية أبي بصير عن أحدهما.

و رواية محمد بن أبي‌عمير عن أبي‌الحسن.

و رواية علي، و محمد بن الحنفية عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و رواية عكرمة عن ابن عباس (3).

و نحن إزاء هذا الاختلاف؛ لا نجد مناصا من الأخذ بمذهب أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، و لا نستند في ذلك فقط إلى الإجماع المذكور، و لا إلى خصوص ما ورد عن أهل البيت الذين هم أحد الثقلين،


1) نيل الأوطار ج 2 ص 18 و 19، و البحر الزخار ج 2 ص 191 و فيه: أخير بدل أحد، و كذا في الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 307 و 308.

2) نيل الأوطار ج 2 ص 19.

3) راجع: الوسائل و جامع أحاديث الشيعة و البحار، و مستدرك الوسائل أبواب الأذان.

و الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا.

و إنما إلى العديد من الأدلة و الشواهد الأخرى التي نجدها عند غيرهم أيضا.

فقد روي ذلك-و بعضه بالأسانيد الصحيحة-عن كل من:

1-عبداللّه بن عمر.

2-الإمام علي بن الحسين، زين العابدين «عليه السلام» .

3-سهل بن حنيف.

4-بلال.

5-علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

6-أبي محذورة.

7-ابن أبي محذورة.

8-زيد بن أرقم.

9-الباقر «عليه السلام» .

10-الصادق «عليه السلام» .

11-الإمام الحسن بن علي «عليه السلام» .

12-الإمام الحسين «عليه السلام» .

و غيرهم كثير.

فأما ما روي عن عبداللّه بن عمر، فقد رواه:

1-مالك بن أنس، عن نافع، قال: كان ابن عمر أحيانا إذا قال: حي

على الفلاح، قال على إثرها: حي على خير العمل (1).

2-عن الليث بن سعد، عن نافع قال: كان ابن عمر لا يؤذن في سفره، و كان يقول: حي على الفلاح، و أحيانا يقول: حي على خير العمل (2).

3-و عن الليث بن سعد عن نافع، قال: كان ابن عمر ربما زاد في أذانه: حي على خير العمل.

و رواه أنس بن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (3). و رواه أيضا: عطاء، عن ابن عمر (4).

4-عن محمد بن سيرين عن ابن عمر: أنه كان يقول ذلك في أذانه (5).

5-و كذلك رواه نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر، و قال: في السفر (6).

6-عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقيم الصلاة في السفر، يقولها مرتين أو ثلاثا، يقول: حي على الصلاة، حي على


1) سنن البيهقي ج 1 ص 424، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 297 و 308 و 312.

2) سنن البيهقي ج 1 ص 424، و راجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19.

3) راجع: سنن البيهقي ج 1 ص 424، و راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي للعرفي ص 38 عن شرح التجريد. و قد رواه ابن أبي شيبة و نقله في الشفاء كما ورد في جواهر الأخبار و الآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي ج 2 ص 192، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 308.

4) الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 299 و راجع ص 310.

5) سنن البيهقي ج 1 ص 425، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 308 عنه.

6) المصدران السابقان.

الصلاة، حي على خير العمل (1).

7-عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل: أن ابن عمر كان إذا قال في الأذان: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ثم يقول: اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه (2).

و رواه ابن أبي شيبة (3)من طريق ابن عجلان، و عبيد اللّه، عن نافع؛ عن ابن عمر.

8-عن زيد بن محمد، عن نافع؛ أن ابن عمر كان إذا أذن قال: حي على خير العمل (4).

و ذكر صاحب الاعتصام رواية ابن عون عن نافع، و ابن جريج عن نافع، و عثمان بن مقسم عن نافع، و عبد اللّه بن عمر عن نافع، و جويرية بن أسماء عن نافع (5)فراجع.

و نقل رواية ذلك عن ابن عمر الحلبي الشافعي و غيره أيضا، فراجع (6).

و قال ابن حزم: «و لقد كان يلزم يقول بمثل هذا عن الصاحب؛ مثل


1) مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 464.

2) سنن البيهقي ج 1 ص 465، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 299.

3) عن مصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 145، و هامش مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 460 عنه، و راجع: الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 296.

4) الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 295.

5) الإعتصام ج 1 ص 296-299.

6) السيرة الحلبية ج 2 ص 98، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 311 و 312 عن ابن حزم في كتاب الإجماع.

هذا لا يقال بالرأي: أن يأخذ بقول ابن عمر هذا؛ فهو عنه ثابت بأصح إسناد» (1).

و أما ما ورد عن علي بن الحسين «عليه السلام» :

9-فعن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن الحسين كان يقول في أذانه، إذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، و يقول: هو الأذان الأول (2).

و ليس يجوز أن يحمل قوله هو الأذان الأول إلا على أنه أذان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

10-و نقل ذلك عن علي بن الحسين، الحلبي الشافعي، و ابن حزم الظاهري و غيرهما كما سيأتي.

و أما سهل بن حنيف فقد: 11-روى البيهقي: أن ذكر حي على خير العمل في الأذان قد روي عن أبي أمامة: سهل بن حنيف (4).

12-و نقل ابن الوزير، عن المحب الطبري الشافعي في كتابه إحكام


1) المحلى ج 3 ص 160 و 161.

2) سنن البيهقي ج 1 ص 425، و دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي ص 38 عن مصنف ابن أبي شيبة؛ و جواهر الأخبار و الآثار ج 2 ص 192، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 299 و 308 و 310، و نيل الأوطار ج 2 ص 19، و راجع: كتاب العلوم ج 1 ص 92.

3) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي ص 38.

4) سنن البيهقي ج 1 ص 425.

الأحكام، ما لفظه: «ذكر الحيعلة، بحي على خير العمل، عن صدقة بن يسار، عن أبي أمامة سهل بن حنيف: أنه كان إذا أذن قال: حي على خير العمل. أخرجه سعيد بن منصور» (1).

و عن بلال أيضا: 13-عن عبداللّه بن محمد بن عمار، عن عمار و عمر ابني حفص بن عمر، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أنه كان ينادي بالصبح، و يقول: حي على خير العمل، فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل مكانها: الصلاة خير من النوم، و ترك حي على خير العمل (2).

أما ذيل الرواية فالظاهر أنه من زيادات الرواة؛ لأن عبارة: «الصلاة خير من النوم» قد أضيفت إلى الأذان بعد زمان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات من قبل عمر بن الخطاب، كما صرحت به العديد من الروايات (3).


1) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي ص 38. و راجع: الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 309، و راجع: ص 311.

2) مجمع الزوائد ج 1 ص 330 عن الطبراني في الكبير، و مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 460، و سنن البيهقي ج 1 ص 425، و كنز العمال ج 4 رقم 5504، و منتخب الكنز هامش المسند ج 3 ص 276 عن أبي الشيخ في كتاب الأذان، و دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 99.

3) راجع: موطأ مالك ج 1 ص 93، و سنن الدارقطني، و مصنف عبد الرزاق ج 1 رقم 1827 و 1829 و 1832 ص 474 و 475، و كنز العمال ج 4 رقم 5567 و 5568، و منتخبه هامش المسند ج 3 ص 278، و فيه: أنه قال إنها بدعة، و الترمذي و أبي داود، و غير ذلك.

14-كان بلال يؤذن بالصبح، فيقول: حي على خير العمل (1). يضاف إلى كل ذلك:

15-قول القوشجي و غيره: إن عمر خطب الناس، و قال: أيها الناس، ثلاث كن على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنا أنهى عنهن، و أحرمهن، و أعاقب عليهن، و هي: متعة النساء، و متعة الحج، و حي على خير العمل (2).

و قد اعتذر القوشجي متكلم الأشاعرة عن ذلك بقوله: «إن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع» (3).

و هذا اعتذار غير وجيه، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا و حي يوحى، كما صرحت به الآيات.

و وجه العذر الحق عنه هو: أن الخليفة الثاني قد رأى-في نظره-: أن الناس إذا سمعوا: أن الصلاة هي خير العمل، فإنهم سوف يتكلون على الصلاة و يتركون الجهاد، كما سيصرح به الخليفة نفسه فيما يأتي.


1) منتخب كنز العمال هامش المسند ج 3 ص 276، و دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 99 عن كنز العمال ج 4 ص 266.

2) شرح التجريد للقوشجي مبحث الإمامة ص 484، و كنز العرفان ج 2 ص 158 عن الطبري في المستنير، و الغدير ج 6 ص 213 و قال: أخرجه الطبري في المستبين عن عمر، و حكاه عن الطبري الشيخ علي البياضي في كتابه: الصراط المستقيم و جواهر الأخبار و الآثار ج 2 ص 192 عن التفتازاني في حاشيته على شرح العضد.

3) شرح التجريد للقوشجي ص 484.

و معنى ذلك هو: أن هذا كان منه نهيا مصلحيا وقتيا، و لم يكن نهيا تشريعيا تحريميا، حيث إنه كان يعلم: أنه ليس له حق التشريع.

16-و قال الحلبي: «و نقل عن ابن عمر، و عن علي بن الحسين «رض» : أنهما كانا يقولان في أذانيهما، بعد حي على الفلاح: حي على خير العمل» (1).

17-و قال علاء الدين الحنفي، في كتاب التلويح في شرح الجامع الصحيح: «و أما حي على خير العمل، فذكر ابن حزم: أنه صح عن ابن عمر، و أبي أمامة بن سهل بن حنيف (2): أنهم كانوا يقولون في أذانهم: حي على خير العمل» (3).

و أضاف صاحب التلويح على هذا قوله: «و كان علي بن الحسين يفعله» (4).

18-و قال السيد المرتضى: «و قد روت العامة: أن ذلك مما كان يقال في بعض أيام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما ادعي: أن ذلك نسخ و رفع، و على من ادعى النسخ الدلالة، و ما يجدها» (5).


1) السيرة الحلبية ط سنة 1382، باب الأذان ج 2 ص 98.

2) كذا في الأصل و الصحيح: أبو أمامة، سهل بن حنيف.

3) المحلى ج 3 ص 160، و راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي للعرفي ص 38، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 311.

4) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي للعرفي ص 38 و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 311.

5) الانتصار ص 39.

19-و عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن حماد، عن أبيه، عن جده، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حديث المعراج، قال: ثم قام جبرائيل فوضع سبابته اليمنى في أذنه، فأذن مثنى مثنى يقول في آخرها: حي على خير العمل، مثنى مثنى (1).

20-و كان ابن النباح يقول في أذانه: حي على خير العمل (2).

و قال القاسم بن محمد: «ذكر في كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل؛ لأنه اتفق على الأذان به يوم الخندق؛ و لأنه دعاء إلى الصلاة، و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» : خير أعمالكم الصلاة، و قد اتفق أيضا على أن ابن عمر و الحسن و الحسين «عليهما السلام» و بلالا، و جماعة من الصحابة، أذنوا به» حكاه في شرح الموطأ و غيره من كتبهم.

قال صاحب فتوح مكة و هو من مشايخ الصوفية: «أجمع أهل المذاهب على التعصب في ترك الأذان بحي على خير العمل، إنتهى إلى قوله: و قد ذكر السيد العلامة عز الدين أبو إبراهيم، محمد بن إبراهيم ما لفظه: «بحثت عن هذين الإسنادين في حي على خير العمل، فوجدتهما صحيحين إلى ابن عمر، و إلى زين العابدين» (3).

و روى الإمام السروجي في شرح الهداية للحنفية؛ أحاديث حي على


1) سعد السعود ص 100، و البحار ج 4 ص 107، و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 221.

2) راجع: الوسائل، و جامع أحاديث الشيعة، و قاموس الرجال.

3) الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 310، و راجع ص 312.

خير العمل بطرق كثيرة (1).

21-روي عن علي «عليه السلام» ، أنه قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إعلموا: أن خير أعمالكم الصلاة، و أمر بلالا أن يؤذن: حي على خير العمل، حكاه في الشفاء (2).

22-روى محمد بن منصور في كتابه الجامع، بإسناده عن رجال مرضيين، عن أبي محذورة، أحد مؤذني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال: أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أقول في الأذان: حي على خير العمل (3).

23-روى عن محمد بن منصور: أن «أبا» القاسم «عليه السلام» أمره أن يؤذن، و يذكر ذلك (يعني: حي على خير العمل) في أذانه قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر به، هكذا في الشفاء (4).

24-عن أبي بكر أحمد بن محمد السري: أنه سمع موسى بن هارون، عن الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة، قال: كنت غلاما، فقال لي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : اجعل في


1) المصدر السابق ج 1 ص 311.

2) جواهر الأخبار و الآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار ج 2 ص 191، و الإمام الصادق «عليه السلام» و المذاهب الأربعة ج 5 ص 284، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 309.

3) البحر الزخار ج 2 ص 192، و جواهر الأخبار و الآثار هامش نفس الصفحة، و كتاب العلوم ج 1 ص 92.

4) جواهر الأخبار و الآثار ج 2 ص 191.

آخر أذانك: حي على خير العمل (1).

25-و في الشفاء، عن هذيل بن بلال المدائني، قال: سمعت ابن أبي محذورة يقول: حي على الفلاح، حي على خير العمل (2).

26-عن زيد بن أرقم: أنه أذن في حي على خير العمل (3).

27-و قال الشوكاني نقلا عن كتاب الأحكام: و قد صح لنا: أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤذن بها، و لم تطرح إلا في زمن عمر (4).

28-و هكذا قال الحسن بن يحيى، روى ذلك عنه في جامع آل محمد (5).

و به قال محمد: سألت أحمد بن عيسى، قلت: تقول إذا أذنت: حي على خير العمل، حي على خير العمل؟ !

قال: نعم. قلت: في الأذان و الإقامة؟ قال: نعم، و لكني أخفيها. و به قال: حدثني محمد بن جميل، عن نصر بن مزاحم، عن أبي الجارود، و عن أبي جعفر: أنه كان يقول: حي على خير العمل، في الأذان و الإقامة.


1) ميزان الإعتدال للذهبي ج 1 ص 139، و لسان الميزان للعسقلاني ج 1 ص 268.

2) المصدران السابقان ص 192، و جواهر الأخبار و البحر الزخار.

3) الإمام الصادق «عليه السلام» و المذاهب الأربعة ج 5 ص 283. و راجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19 عن المحب الطبري في أحكامه.

4) نيل الأوطار ج 2 ص 19.

5) المصدر السابق.

و عن أبي الجارود، عن حسان، قال: أذنت ليحيى بن زيد بخراسان، فأمرني أن أقول: حي على خير العمل، حي على خير العمل (1).

29-روينا عن علي بن الحسين «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول، فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، قال: لا حول و لا قوة إلا باللّه الخ. . (2).

30-عن محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين «عليهما السلام» : أنه كان إذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل (3).

31-قال الزركشي في البحر المحيط: و منها ما الخلاف فيه موجود، كوجوده في غيرها، و كان ابن عمر، و هو عميد أهل المدينة، يرى إفراد الأذان و القول فيه: حي على خير العمل (4).

32-و في كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل (5).

33-و روي عن علي «عليه السلام» ، أنه كان يقول: حي على خير العمل، و به أخذت الشيعة (6).


1) كتاب العلوم المعروف بأمالي أحمد بن عيسى ج 1 ص 92.

2) دعائم الإسلام ج 1 ص 145، و البحار ج 84 ص 179 عنه.

3) جواهر الأخبار و الآثار للصعدي ج 2 ص 192.

4) الروض النضير ج 1 ص 542. و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 357.

5) نفس المصدر.

6) الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 308.

34-و في الروض النضير: و قد قال كثير من علماء المالكية، و غيرهم من الحنفية و الشافعية: أنه كان «حي على خير العمل» من ألفاظ الأذان (1).

إشكالات غير واردة:

1-و أما دعوى: أن عدم ورود ذلك في الصحيحين و غيرهما من دواوين الحديث يدل على عدم اعتباره في الأذان، و حتى لو صح ما روي من أنه الأذان الأول، فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره منها (2)، فلا تصح:

أولا: لأن الصحيحين لم يجمعا جميع الأحاديث التي تدل على الأحكام.

ثانيا: لو كان منسوخا لعلم بذلك ابن عمر، و زين العابدين، و زيد بن أرقم، و غيرهم، فلماذا استمروا على ذلك حتى بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ .

ثالثا: قد صرحت بعض الروايات التي ذكرناها في هذا البحث، أن أول من ألغى هذه العبارة من الأذان هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لمصلحة تخيل أنها تقتضي ذلك، فبعد انتفاء تلك المصلحة-لو سلم صحة الاستناد إليها و الاعتماد عليها-لا يبقى مبرر للاستمرار على ترك ما شرعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك.

و لعل التزام عدد من الصحابة و التابعين و غيرهم و أهل البيت


1) الروض النضير ج 1 ص 542.

2) راجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19.

و شيعتهم بهذه الفقرة، يشير إلى أنهم لم يوافقوا عمر على ما ذهب إليه من الاجتهاد و لم يقبلوه منه.

2-و بعد هذا، فلا يصح قول البعض: إن ذلك مكروه؛ لأنه لم يثبت عن النبي (1).

فقد عرفت أنه قد وردت الروايات الصحيحة عمن ذكرنا، أنهم كانوا يقولونها، و أنه مذهب أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، الذين هم أحد الثقلين.

و قد بقي قول حي على خير العمل شعار العلويين، و أهل البيت و شيعتهم على مدى الأعصار، حتى إن ابتداء ثورة الحسين بن علي صاحب فخ، كان لأجل ذلك، و لتلاحظ النصوص التالية:

حي على خير العمل موقف و شعار:

أ-صعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، عند موضع الجنائز، فقال للمؤذن:

«أذن بحي على خير العمل، فلما نظر إلى السيف بيده أذن بها، و سمع العمري (يعني والي المدينة من قبل المنصور) فأحس بالشر، و دهش، و صاح: أغلقوا البغلة-الباب-و أطعموني حبتي-ماء» (2).


1) البحر الرائق ج 1 ص 275 عن شرح المهذب، و سنن البيهقي ج 1 ص 425.

2) مقاتل الطالبيين ص 446.

ب-و ذكر التنوخي: أن أبا الفرج أخبره: أنه سمعهم في زمانه يقولون في أذانهم بالقطيعة: حي على خير العمل (1).

ج-و قال ابن كثير في حوادث سنة 443 عن الروافض: «و أذنوا بحي على خير العمل» (2).

د-و قال الحلبي: «و ذكر بعضهم: أن في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول، بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، فلما كانت السلجوقية، منعوا المؤذنين من ذلك، و أمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك: الصلاة خير من النوم، مرتين، و ذلك في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة» (3).

ه-و تحدث ابن فرحون: أنه كان ثمة مقصورة قد زيدت على الحجرة النبوية الشريفة، عملت وقاية من الشمس إذا غربت قال: «و كانت بدعة و ضلالة تصلي فيها الشيعة» . .

إلى أن قال: «و لقد كنت أسمع بعض من يقف على بابها، و يؤذن بأعلى صوته: حي على خير العمل، و كانت مواطن تدريسهم، و خلوة علمائهم، حتى قيض اللّه لها من سعى فيها، فأصبحت ليلة منخلعة أبوابها الخ. .» (4).

و-و قال ابن قاسم النويري الإسكندراني: «فحين وصل المعز إلى مصر، أمر بأن يؤذن على جامع عمرو بن العاص، و جامع ابن طولون بحي


1) نشوار المحاضرات ج 2 ص 133.

2) راجع: البداية و النهاية ج 12 ص 63.

3) السيرة الحلبية ط سنة 1382 باب الأذان ج 2 ص 105، و راجع: البداية و النهاية ج 12 ص 68، حوادث سنة 448 ه.

4) وفاء الوفاء ج 2 ص 612.

على خير العمل؛ فاستدام ذلك في الأذان، إلى حين انقضاء دولة العبيديين في سنة سبع و ستين و خمسمائة، فانقرض حينئذ ذكر حي على خير العمل بانقراض دولتهم. أبطل ذلك السلطان صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب» (1).

ز-و في سنة 350 ه أعلن المؤذنون بحي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز (2)، و في نفس السنة أيضا قدم البساسيري إلى بغداد، و زيد في الأذان حي على خير العمل (3).

ح-و قال: «إن العبيديين الزاعمين أنهم فاطميون، كانوا شيعة، يقولون في أذانهم بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، يقولونها مرتين كما تقولها الزيدية في أذانهم بمكة و المدينة في غير أيام الحج، و كذلك بصعدة أيضا و غيرها من أرض اليمن» (4).

ط-و قال ابن كثير، و هو يتحدث عن شروط الشيعة على والي حلب لإعانتهم إياه على صلاح الدين:

«إن الروافض شرطوا عليه إعادة حي على خير العمل في الأذان، و أن ينادى في جميع الجوامع و الأسواق، و يستخلص لهم الجامع وحدهم،


1) الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام ج 4 ص 24 و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة 381 ه. ص 32، و تاريخ الخلفاء ص 402.

2) تاريخ الإسلام حوادث سنة 350 ص 48، و البداية و النهاية ج 11 ص 270 و راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 408 و مآثر الإنافة ج 1 ص 307.

3) تاريخ الخلفاء ص 418.

4) الإلمام ج 4 ص 32، و ليراجع ص 40 و 41 منه.

و ينادى بأسامي الأئمة الاثني عشر سلام اللّه عليهم، و يكبر على الجنائز خمس تكبيرات، و أن يفوض أمر العقود و الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، مقتدى شيعة حلب، فقبل الوالي ذلك كله» (1).

سبب حذف هذه العبارة:

و أما لما ذا حذفت هذه العبارة من الأذان؟ ! فقد صرح الخليفة الثاني نفسه بسر ذلك، فقد قال ابن شاذان، مخاطبا أهل السنة و الجماعة:

35- «و رويتم عن أبي يوسف القاضي، رواه محمد بن الحسن، و أصحابه، و عن أبي حنيفة، قالوا: كان الأذان على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على عهد أبي بكر، و صدرا من خلافة عمر ينادى فيه: حي على خير العمل.

فقال عمر بن الخطاب: إني أخاف أن يتكل الناس على الصلاة، إذا قيل: حي على خير العمل، و يدعوا الجهاد، فأمر أن يطرح من الأذان: حي على خير العمل» (2).

و روي مثل ذلك عن:

36-أبي عبد اللّه الصادق.

37-و أبي جعفر الباقر.


1) الكنى و الألقاب ج 2 ص 189 و البداية و النهاية ج 12 ص 289.

2) الإيضاح لابن شاذان ص 201 و 202، و راجع: الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 296 و 299 و 304 و 305 و 306 و 307، و كتاب العلوم ج 1 ص 92.

38-و ابن عباس (1).

كلمة حول هذا الرأي:

و نحن و إن كنا نرى: أن أمر الجهاد في زمن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان أعظم و أشد، و الناس إليه أحوج منهم على عهد عمر، و لم يحذف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه العبارة من الأذان مما يعني: أننا نستطيع أن نجزم بأن اجتهاد الخليفة الثاني لم يكن على درجة مقبولة من القوة و الكفاية، حيث لم تلحظ فيه جميع جوانب و خلفيات هذه القضية بالشكل الكافي و المقبول.

إلا أن تعليل عمر الآنف الذكر، يدل على أن ترك هذه الفقرة من الأذان إنما كان لأسباب وقتية و آنية اقتضت ذلك بنظره، و ربما لم يكن يفكر في استبعاد هذه الفقرة من الأذان إلى الا بد، و إنما فقط إلى فترة محدودة، رآها تتطلب هذا الإجراء.

و إذا كان ذلك هو ما حدث بالفعل، فإننا لا نستطيع أن نفهم المبرر


1) راجع: دعائم الإسلام ج 1 ص 142، و البحار ج 84 ص 156 و 130، و علل الشرايع ج 2 ص 56، و البحر الزخار، و جواهر الأخبار و الآثار بهامشه كلاهما ج 2 ص 192، و دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الإسلامي لمحمد سعيد العرفي ص 38 عن سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح العضد، على مختصر الأصول لابن الحاجب، و عن: الروض النضير ج 2 ص 42، و نقله في الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 1 ص 310 عن التفتازاني في حاشيته على شرح العضد أيضا.

للاستمرار على ترك هذه الفقرة في هذا الزمان الذي لم يعد فيه ذلك المبرر قائما.

و لماذا لا نعود جميعا إلى سنة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و أهل بيته الطاهرين؟ ! .

و حتى لو كان عمر قد أراد-كما فعله في موارد مشابهة-أن يستبعد ذلك من الأذان مطلقا و أن يسقطه من التشريع الإسلامي، فإن المعيار هو قول اللّه و رسوله لا قول عمر، و ذلك أمر واضح و لا يحتاج إلى مزيد بيان.

الفصل الثاني: تشريع بعض العبادات

اشارة

الزيادة في الصلاة:

و قد ورد في بعض الروايات المعتبرة (1): أن الصلاة كانت في أول الأمر ركعتين ركعتين، فرضها اللّه تعالى على العباد مباشرة، و فوض لرسوله زيادة معينة يزيدها عليها في الوقت المناسب، من دون حاجة إلى وحي جديد، فزاد «صلى اللّه عليه و آله» في المغرب ركعة واحدة، و في الظهر و العصر و العشاء ركعتين ركعتين.

و قيل: إن هذه الزيادة كانت في السنة الأولى من الهجرة، و قيل: بعد ولادة الحسنين «عليهما السلام» .

و قد يقال: أن الأول هو الأصح، لورود ذلك في حديث تحويل القبلة- الذي سيأتي الكلام فيه هو و فرض الزكاة بعد بدر-و ذلك كان قبل ولادتهما «عليهما السلام» .

إلا أن يقال: إن هذه الرواية موضع شك، فقد تعودنا من هؤلاء الناس التلاعب في النصوص و الآثار إذا كانت تثبت فضلا و كرامة لعلي و أهل بيته «عليهم السلام» .


1) الوسائل ج 3 في أبواب إعداد الفرائض و نوافلها، باب عدد الفرائض اليومية، و جملة من أحكامها.

و على كل حال، فإن هذه الزيادة غير مستهجنة، فإن تشريع الأحكام كان تدريجيا؛ و على الأخص تلك الأحكام التي ربما يصعب الالتزام بها على العربي؛ لمخالفتها لما اعتاد عليه، و ركن و سكن إليه.

قول آخر في فرض الصلاة:

و بعد ما تقدم: فهناك روايات يظهر منها: أن الصلاة قد فرضت تامة من أول الأمر، أو على الأقل كانت تامة في مكة فقد قالوا:

1-كان أول صلاة صلاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الظهر، فأتاه جبرائيل فقال: إِنّٰا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ، وَ إِنّٰا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ (1).

قال: فقام جبرائيل بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلفه، ثم الناس خلف رسول اللّه، و النساء خلف الرجال، قال: فصلى بهم الظهر أربعا، حتى إذا كان العصر، قام جبرائيل ففعل مثلها، ثم تذكر الرواية صلاة المغرب ثلاثا و العشاء أربعا (2).

و واضح: أن سورة الصافات مكية، فالرواية تدل على أن الصلاة فرضت تماما في مكة.

2-و عن نافع بن جبير، و غيره: لما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة أسري به فيها، لم يرعه إلا جبرائيل يتدلى حين زاغت الشمس، ثم


1) الآية 165 من سورة الصافات.

2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 1 ص 453، و سنن البيهقي ج 1 ص 262، و عن أبي داود في مراسيله، و الدر المنثور ج 5 ص 293.

تذكر الرواية أنه صلى بهم الظهر أربعا، و العصر كذلك الخ. . (1).

3-و عن الحسن البصري: إن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعا (2).

و لكننا لا نستطيع قبول ذلك، لوجود الروايات الثابتة و الصحيحة عند الشيعة، و عند غيرهم، الدالة على أن صلاة الحضر قد فرضت أولا ركعتين، ثم زيد فيها.

إلا أن يكون المراد: أن الصلاة أبلغت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولا كاملة، و لكن المصلحة كانت تلزم أولا بركعتين، ثم صارت تلزم بالكل، و فوض إلى النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» أمر تبليغ ذلك في الوقت المناسب.

و لذلك فقد اعتبرت الركعتان الأوليان فريضة، أي ما فرض من اللّه مباشرة على العبد، و الباقي سنة، و هو ما أبلغ حكمه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ليبلغه في صورة تحقق موضوعه، و هو المصلحة المقتضية له.

فرض الزكاة:

و يقولون: إن فرض زكاة الأموال كان بعد بدر في السنة الثانية، و ذلك بعد فرض زكاة الفطر.

و قيل: بل فرضت الزكاة في السنة الثالثة.


1) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 1 ص 455، و في هامشه عن أبي داود.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 331، و تفسير الطبري في سورة النساء الآية 101.

و قيل: في الرابعة (1).

و لكن الصحيح: هو ما ذهب إليه البعض (2)من أن فرض الزكاة كان في مكة.

و ذلك بدليل:

1-إن عدة آيات قرآنية نزلت في مكة تأمر بإيتاء الزكاة، و نذكر من ذلك: قوله تعالى: فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ. . و هي في سورة مكية (3).

و قوله: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ و هي مكية (4).

و قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ و هي مكية (5).

و قوله تعالى: اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ و هي مكية أيضا (6). و لتراجع سورة الروم المكية الآية 39.

ثم إن اللّه تعالى قال: عن إسحاق، و يعقوب، و لوط، و إبراهيم «عليهم السلام» : وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرٰاتِ وَ إِقٰامَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءَ اَلزَّكٰاةِ (7).

و قد حكى اللّه سبحانه على لسان عيسى قوله: وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلاٰةِ


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 407، و السيرة الحلبية ج 1 ص 339، و غير ذلك.

2) وفاء الوفاء ج 1 ص 277.

3) الآية 156 من سورة الأعراف.

4) الآية 4 من سورة المؤمنون.

5) الآية 3 من سورة النحل و الآية 4 من سورة لقمان.

6) الآية 7 من سورة فصلت.

7) الآية 73 من سورة الأنبياء.

وَ اَلزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا (1).

و قال تعالى عن إسماعيل: وَ كٰانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاٰةِ وَ اَلزَّكٰاةِ (2).

و كل ما تقدم إنما ورد في سور مكية. و في الآيات الأخيرة دلالة على تشريع الزكاة في الأمم السالفة أيضا، و قد علمنا: أنها لم تنسخ.

2-و روي عن أبي طالب: أنه حدث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن ربه أرسله بصلة الأرحام، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة (3).

3-عن جرير بن عبد اللّه البجلي، قال: لما بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» أتيته لأبايعه فقال: لأي شيء جئت يا جرير؟

قلت: جئت لأسلم على يديك، فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و تقيم الصلاة المكتوبة، و تؤتي الزكاة المفروضة (4).

4-و قد روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، و أبي بصير، و بريد، و فضيل، كلهم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه «عليهما السلام» ، قال: فرض اللّه الزكاة مع الصلاة (5).


1) الآية 31 من سورة مريم.

2) هذه الآية و التي سبقتها هي الآية 31 و 55 من سورة مريم.

3) الإصابة ج 4 ص 119، و البحار ج 35 ص 151، و الطرائف ص 304، و الغدير ج 7 ص 368 عن نهاية الطلب للشيخ إبراهيم الحنبلي.

4) تدريب الراوي ج 2 ص 212 عن الطبراني في الأوسط، و ذكر الشطر الأول من الحديث في الإصابة ج 1 ص 232.

5) الوسائل ج 4 ص 5، و فروع الكافي ج 3 ص 498.

و سند هذه الرواية جيد، كما ترى.

5-و يؤيد ذلك أيضا: أن جعفر بن أبي طالب قد ذكر الزكاة لملك الحبشة، على أنها مما أمرهم اللّه به (1).

رواية تعارض ما سبق:

و لكن ربما ينافي ما قدمناه، ما جاء في رواية صحيحة السند: أنه لما أنزلت آية الزكاة، التي في سورة التوبة، و هي مدنية، و من أواخر ما نزل، أمر «صلى اللّه عليه و آله» مناديه في الناس: إن اللّه فرض عليكم الزكاة، و بعد أن حال الحول أمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون، زكوا أموالكم تقبل صلاتكم، قال: ثم وجه عمال الصدقة و عمال الطسوق (2).

و لكن هناك عشرات الآيات التي نزلت قبل سورة التوبة، و التي ربما تصل إلى ثلاثين آية، كلها تدل على فرض الزكاة، و حملها كلها على الاستحباب، أو على خصوص زكاة الفطرة بعيد جدا.

فلا بد من حمل هذه الرواية على أن الزكاة، و إن كانت قد شرعت قبل هذا الوقت، إلا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يضع الجباة لها إلا بعد


1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 65، و حلية الأولياء ج 1 ص 114 و 116 عن ابن إسحاق، و البداية و النهاية ج 3 ص 70 و 74 و 69، و تاريخ الخميس ج 1 ص 290، و سنن البيهقي ج 9 ص 144، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 360، و مجمع الزوائد ج 6 ص 27 و 24 عن الطبراني و أحمد، و رجاله رجال الصحيح، و حياة الصحابة ج 1 ص 354 و 357، عن بعض من تقدم، و عن فتح الباري ج 7 ص 30 و حسن إسناده.

2) راجع: الكافي ج 3 ص 497، و تفسير البرهان ج 2 ص 156.

نزول هذه الآية، و يمكن أن يكون إيجابها قد حصل في مكة، و لكن فرض أخذها، و الإلزام بدفعها قد كان في المدينة.

فرض زكاة الفطرة:

و إذا كانت زكاة الفطرة فرضت قبل زكاة الأموال، فتكون هي أيضا قد فرضت في مكة، و يدل على ذلك بالإضافة إلى ما تقدم:

ما ورد في سفر السعادة من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يرسل مناديا ينادي في الأسواق، و المحلات، و الأزقة في مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم و مسلمة (1).

و إن كنا نستبعد ذلك، بسبب حساسية الوضع فيما بين المسلمين و المشركين آنئذ.

فرض الصيام:

و يقولون: إن صيام شهر رمضان المبارك قد فرض في المدينة في السنة الثانية (2)، حين نزول قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . إلى قوله: شَهْرُ رَمَضٰانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ اَلْهُدىٰ وَ اَلْفُرْقٰانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. . (3).

و كان الناس قبل فرض صوم شهر رمضان يصومون أياما، كما ذكره


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 136.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 254.

3) الآيات 183 إلى 185 من سورة البقرة.

القمي (1).

و ذكر الحلبي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل فرض شهر رمضان يصوم هو و أصحابه ثلاثة أيام، و هي الأيام البيض من كل شهر (2).

و مما يدل على فرض الصيام في مكة، كلام جعفر بن أبي طالب رحمه اللّه المتقدم مع ملك الحبشة، و فيه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بالصلاة و الزكاة، و الصيام.

مناقشة وردها:

لكن البعض قد سجل تحفظا هنا، فقال: إنه يغلب على ظنه أن تكون قصة جعفر و ملك الحبشة موضوعة؛ بدليل ذكر الصيام فيها، و هو لم يشرع إلا بعد الهجرة إلى الحبشة (3).

و لكن هذا التحفظ لا اعتبار به؛ إذ لما ذا لا يكون نفس كلام جعفر هذا دليلا على تشريع الصيام في مكة؟ ! .

يضاف إليه قولا القمي و الحلبي المتقدمان: إلا أن يكون مراده بتحفظه المسجل خصوص صيام شهر رمضان، فلا مجال حينئذ للاعتراض عليه بكلام الحلبي و القمي رحمه اللّه.

لكن مما يدل على أن شهر رمضان قد فرض في مكة: أنه لما أسلم عمرو


1) تفسير القمي ج 1 ص 65.

2) فجر الإسلام ص 76.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 132 و 136، تفسير ابن كثير ج 1 ص 213 و راجع ص 214.

بن مرة الجهني، و أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى قومه، قال لهم:

«إني رسول من رسول اللّه إليكم: أدعوكم إلى الجنة، و أحذركم من النار، و آمركم بحقن الدماء، و صلة الأرحام، و عبادة اللّه، و رفض الأصنام، و حج البيت، و صيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة» و كان ذلك في أول بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

هذا، و لا بد من الإشارة هنا إلى أن الصوم كان مشرعا في الأمم السالفة، فقد قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ (2).

و المراد بالأيام المعدودات هو شهر رمضان المبارك، كما فسرتها الآية نفسها.

صيام يوم عاشوراء:

و يذكرون هنا أيضا: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» حينما قدم المدينة، وجد يهود المدينة يصومون يوم عاشوراء، و هو العاشر من المحرم (3)فسألهم عن ذلك، فقالوا-على ما في الصحيحين-و غيرهما: «هذا يوم عظيم، أنجى اللّه فيه موسى و قومه، و غرق فرعون و قومه.


1) البداية و النهاية ج 2 ص 252 عن أبي نعيم، و مجمع الزوائد ج 8 ص 244 عن الطبراني، و حياة الصحابة ج 1 ص 191 عنهما، و عن كنز العمال ج 7 ص 64 عن الروياني، و ابن عساكر.

2) الآية 183 من سورة البقرة.

3) أسد الغابة ج 5 ص 507.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : فأنا أولى بموسى، و أحق بصيامه منكم، فصامه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمر بصيامه» (1).

و كان ذلك قبل أن يفرض صوم شهر رمضان. و في الصحيحين و غيرهما أيضا: عن عائشة، و غيرها: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، و أمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، و من شاء تركه» (2).

و يذكر مسلم و غيره: أن صيامه «صلى اللّه عليه و آله» ليوم عاشوراء كان قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بسنة (3).

كذب تلك الروايات:

و نحن نعتقد و نجزم: بأن ذلك كله من نسج الخيال.

فبعد غض النظر عن:


1) المصنف ج 4 ص 289 و 290، و البخاري ط الميمنية ج 1 ص 244، و صحيح مسلم ط صبيح بمصر ج 3 ص 150، و السيرة الحلبية ج 2 ص 132 و 133، و تاريخ الخميس ج 1 ص 360، و البداية و النهاية ج 1 ص 274 و ج 3 ص 355، و راجع: تفسير ابن كثير ج 1 في آيات صيام شهر رمضان في سورة البقرة، و مشكل الآثار ج 3 ص 85-90، و زاد المعاد ج 1 ص 164 و 165.

2) المصادر المتقدمة، و الموطأ ج 1 ص 279، و البخاري ط مشكول ج 5 ص 51، و مشكل الآثار ج 3 ص 86 و 87، و زاد المعاد ج 1 ص 164 و 165.

3) صحيح مسلم ج 3 ص 151.

1-المناقشة في أسانيد تلك الروايات، و كون أكثر رواتها محل تهمة و ريب، كما أن فيهم من لم يأت إلى المدينة إلا بعد عدة سنين من الهجرة كأبي موسى الأشعري، و فيهم من كان حين الهجرة طفلا صغيرا كابن الزبير، فضلا عن شهوده لما قبلها، و فيهم من لم يسلم إلا بعد سنوات من الهجرة كمعاوية.

2-و عن تناقضها فيما بينها، يكفي أن نذكر: أن رواية تقول: إنه صام يوم عاشوراء في المدينة، متابعة لليهود، و لم يكن يعلم به.

و أخرى تقول: إنه كان يصومه هو و المشركون في الجاهلية. و ثالثة: إنه ترك يوم عاشوراء بعد فرض شهر رمضان. و أخرى: إنه لما صامه قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود، فوعد أن يصوم اليوم التاسع في العام المقبل؛ فلم يأت العام المقبل حتى توفي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و رواية أخرى عن معاوية، الذي لم يسلم إلا عام الفتح، تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأمر أصحابه بصيام عاشوراء، بل قال لهم: لم يكتب اللّه عليكم صيامه، و أنا صائم، فمن شاء فليصم و من شاء فليفطر.

إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تظهر بالتتبع و المقارنة. و قد ذكر شطرا منها ابن القيم. فراجع (2).

فنحن بعد غض النظر عن ذلك، نشير إلى ما يلي:


1) صحيح مسلم ج 3 ص 151، و راجع المصادر المتقدمة.

2) راجع: زاد المعاد ج 1 ص 164 و 165.

أولا: إن الرواية الأولى تفيد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يجهل بسنة أخيه موسى، و أنه تعلمها و استفادها من اليهود، و قلدهم فيها، و لا ضير عند هؤلاء في ذلك، فإنهم يروون-و نحن نستغفر اللّه من ذلك-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يؤمر به (1).

ثم يروون عنه «صلى اللّه عليه و آله» ما يناقض ذلك-و كذلك هو يناقض نفسه دائما عندهم، حتى في هذا المورد-فهو الذي يكره في الأذان بوق اليهود و ناقوس النصارى، و يخالفهم في معاملة الحائض، و يأمر بصبغ الشعر، مخالفة لليهود و النصارى، و ينهى عن تقليدهم في الإسلام (2).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يصوم يوم السبت و الأحد كثيرا، يقصد بذلك مخالفة اليهود و النصارى (3).

بل لقد بلغ في مخالفته لهم حدا جعل اليهود يقولون: «ما يريد هذا


1) صحيح البخاري ط الميمنية ج 4 ص 67 باب فرق الشعر في اللباس، و السيرة الحلبية ج 2 ص 132، و زاد المعاد ج 1 ص 165.

2) راجع في ذلك كله مفتاح كنوز السنة فقد نقل ذلك عن البخاري كتاب 60 و 77 باب 50 و 67، و صحيح مسلم كتاب 3 حديث 16، و كتاب 37 باب 8، و الترمذي كتاب 44 حديث 24، و كتاب 22 باب 10، و كتاب 40 باب 7، و النسائي كتاب 3 و 48 و 83 على الترتيب، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة المختلفة فراجع: مفتاح كنوز السنة و غيره. و راجع: مسند أبي يعلى ج 10 ص 398 و 399 و 366 و في هامشه عن مصادر كثيرة.

3) زاد المعاد ج 1 ص 168 عن مسند أحمد، و النسائي.

الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه» (1).

و قال ابن الحاج: «و قد كان عليه الصلاة و السلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم، حتى قالت اليهود: إن محمدا يريد أن لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه» .

و قد ورد في الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» (2).

ثانيا: إن إطلاق كلمة عاشوراء على العاشر من محرم إنما حصل بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» ، و أهل بيته و صحبه صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، ثم إقامة المآتم لهذه المناسبة من قبل أئمة أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم رضوان اللّه تعالى عليهم، و لم يكن معروفا قبل ذلك على الإطلاق، و قد نص أهل اللغة على ذلك، فقد قال ابن الأثير،» هو اسم إسلامي» (3).

و قال ابن دريد: إنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية (4).

ثالثا: إننا لم نجد في شريعة اليهود صوم يوم عاشوراء، و لا هم يصومونه الآن، و لا رأيناهم يعتبرونه عيدا أو مناسبة لهم (5).

رابعا: قد تقدم: أن صوم شهر رمضان قد فرض في مكة قبل الهجرة، فراجع.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 115، و سنن أبي داود ج 2 ص 250، و مسند أبي عوانة ج 1 ص 312.

2) المدخل لابن الحاج ج 2 ص 48.

3) المصدر السابق.

4) نهاية ابن الأثير ج 3 ص 240.

5) الجمهرة في لغة العرب ج 4 ص 212.

و بعد كل ما تقدم، و ثبوت كذب هذه الأحاديث؛ فلا يبقى مجال لجعل عدول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن صوم يوم عاشوراء من أسباب حقد اليهود على المسلمين، كما زعمه البعض (1).

في فضائل يوم عاشوراء أيضا:

و على كل حال، فإننا نجدهم يذكرون في فضل عاشوراء في أول شهر محرم؛ روايات أخرى أغرب و أعجب، حتى إن من يقرؤها يخرج بانطباع: أنه لا أفضل من ذلك اليوم على الإطلاق-حتى و لا ليلة القدر-ففيه كانت أهم الأحداث التي لا يمكن أن ينساها التاريخ البشري أو يتجاهلها، حتى ولادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هجرته، اللتين هما في ربيع الأول بالاتفاق! ! (2).

و فيه أغرق اللّه فرعون، و نجا موسى و قومه، و استوت سفينة نوح على الجودي، و تاب اللّه على آدم الخ. . (3).

أيوم عزاء أم يوم عيد؟ ! :

و يقول أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية، بعد ذكر ما جرى على الحسين «عليه السلام» في يوم عاشوراء:


1) راجع: مقال حسن السقاف في مجلة الهادي سنة 7 عدد 2 ص 36.

2) اليهود في القرآن ص 20 و 26.

3) راجع في بعض هذه الفضائل: تاريخ الخميس ج 1 ص 360 و 361، و السيرة الحلبية ج 2 ص 133 و 134، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 108-116 و غير ذلك.

«فأما بنو أمية، فقد لبسوا فيه ما تجدد، و تزينوا، و اكتحلوا، و عيدوا، و أقاموا الولائم، و الضيافات، و أطعموا الحلاوات و الطيبات، و جرى الرسم في العامة على ذلك أيام ملكهم، و بقي فيهم بعد زواله عنهم، و أما الشيعة، فإنهم ينوحون، و يبكون، أسفا لقتل سيد الشهداء فيه الخ. .» (1).

و يقول المقريزي-بعد أن ذكر: أن العلويين المصريين كانوا يتخذون يوم عاشوراء يوم حزن، تتعطل فيه الأسواق-:

«فلما زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، و ينبسطون في المطاعم، و يتخذون الأواني الجديدة، و يكتحلون، و يدخلون الحمام جريا على عادة أهل الشام، التي سنها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان؛ ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه؛ الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء و حزن على الحسين بن علي «عليه السلام» ؛ لأنه قتل فيه» .

قال: «و قد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ عاشوراء يوم سرور و تبسط» (2).

و في زيارة عاشوراء المروية عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، قال:


1) تقدمت بعض المصادر لذلك قبل حوالي ثلاث صفحات، و راجع: عجائب المخلوقات، مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 114.

2) الكنى و الألقاب ج 1 ص 431، و راجع: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 137 عن الآثار الباقية ط أورپا ص 329، و راجع: عجائب المخلوقات، مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 115، و نظم درر السمطين ص 230.

«اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية، و ابن آكلة الأكباد» (1).

ثم وضعوا على لسان ابن عباس في قوله تعالى: قٰالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ (2)قال: يوم عاشوراء (3).

وضع الأحاديث:

و قد وجد أعداء أمير المؤمنين و ولده «عليهم السلام» ، و شيعته «رض» -وجدوا-من بين أولئك الذين باعوا آخرتهم بدنياهم من يضع لهم الأحاديث على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في فضل هذا اليوم، و استحباب إظهار الزينة، و الخضاب، و السرور، و التوسعة على العيال، و لبس الجديد فيه، و صومه، و طبخ الحبوب، و الأطعمة، و الاغتسال، و التطيب، و الاكتحال؛ إلى غير ذلك من مظهرات النصب و العداء لأهل البيت «عليهم السلام» (4).

و لكن الذي يهون الخطب: أن العلماء و النقاد، حتى المنحرفين عن أهل البيت «عليهم السلام» -كابن تيمية و أضرابه-قد حكموا على هذه الأحاديث، إلا ما شذ منها بالوضع و الاختلاق من قبل الكذابين أخزاهم


1) الخطط و الآثار للمقريزي ج 1 ص 490، و راجع: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 138 عنه.

2) الآية 59 من سورة طه.

3) مصابيح الجنان ص 291.

4) تاريخ واسط ص 78.

اللّه تعالى (1).

لكن الجرح الذي لا يندمل، و الخزي الذي لا يمحى: تلك الفتاوى التي طلع البعض بها علينا، و التي تقول بحرمة لعن يزيد، و عدم جواز تكفيره (2)مهما كانت الشواهد و الدلائل متضافرة على ذلك.

ثم تحريمهم رواية مقتل الحسين «عليه السلام» (3)و تحريمهم التحزن و التفجع في يوم عاشوراء (4).

و سيعلم الذين ظلموا حق آل محمد، و فرحوا في يوم حزنهم، أي منقلب ينقلبون.


1) راجع: عجائب المخلوقات (مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 115 و 14) و السيرة الحلبية ج 2 ص 134، و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 246، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 108 و 116، و نظم درر السمطين ص 230 و اقتضاء الصراط المستقيم ص 300، و تذكرة الموضوعات ص 118، و الدر المنثور ج 4 ص 303، و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 138، و الصواعق المحرقة ص 182، و المدخل لابن الحاج ج 1 ص 289.

2) راجع في ذلك: تذكرة الموضوعات للفتني ص 118، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 108-116، و السيرة الحلبية ج 2 ص 134، و اقتضاء الصراط المستقيم ص 301، و راجع: الصواعق المحرقة ص 181 و 182، و نظم درر السمطين ص 228-230، و راجع: المدخل لابن الحاج ج 1 ص 291 و 290.

3) راجع: الصواعق المحرقة ص 221، و إحياء علوم الدين ج 3 ص 125، و العواصم من القواصم و هوامشه، و الإتحاف بحب الأشراف ص 62 و 68.

4) الصواعق المحرقة ص 221.

أساليب مقاومة عاشوراء:

لقد بقيت عاشوراء الشوكة الجارحة في أعين أعداء أهل البيت «عليهم السلام» ، فحاولوا مقاومتها بكل ما لديهم، فعدا عما قدمناه، نشير إلى ما يلي:

1-قال ابن العماد: «تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم بعمل عاشوراء باللطم، و العويل، و الزينة، و شعار الأعياد يوم الغدير؛ فعمدت غالية السنة و أحدثوا في مقابلة يوم الغدير» . .

إلى أن قال: «و جعلوا بإزاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام يوم مصعب بن الزبير، و زاروا قبره يومئذ بمسكن، و بكوا عليه، و نظروه بالحسين؛ لكونه صبر و قاتل حتى قتل؛ لأن أباه ابن عمة النبي الخ. .» (1).

و لكن، هيهات أن يكون مصعب، عبد الدنيا، و طالب السلطان، و المناوئ لأهل البيت «عليهم السلام» ، كأبي الشهداء، ريحانة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سيد شباب أهل الجنة، و إمام الأمة، طالب الحق، و ناصر الدين، الإمام الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه.

و لكنها الأحقاد الدفينة و الإحن القديمة، و النصب لأهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، الذين أمر اللّه تعالى بمودتهم: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ (2).


1) اقتضاء الصراط المستقيم ص 299 و 300، و نظم درر السمطين ص 228.

2) شذرات الذهب ج 3 ص 130 عن العبر، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 ص 95 عنه، و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 145، و المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 206.

2-قال ابن كثير في حوادث سنة 363: «فيها، في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، و وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة و الرافضة، و كلا الفريقين قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، و ذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة و سموها عائشة، و تسمى بعضهم بطلحة، و بعضهم بالزبير، و قالوا: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير» (1).

و لكن هذا القائل قد تجنى على الرافضة، حين ساواهم بالنواصب، أعداء أهل البيت، و شيعتهم، فإن فعل الشيعة الروافض هو عين الدين و العقل، و فعل غيرهم هو الدال على عدم العقل و الدين.

3-إستعمال القوة و العنف، فإنك تجد في كتب التاريخ، في تاريخ مستهل كل عام قولهم: و في هذا اليوم (أي عاشوراء) اقتتلت الروافض و السنة: فراجع المنتظم لابن الجوزي و غيره (2).

و لعل أعظم محنة، و أشدها نكاية وقعة الكرخ ببغداد، التي أحرق النواصب فيها دور شيعة أهل البيت، و قتلوا ألوف الرجال و الأطفال (3).

و قد ذكرنا طائفة من النصوص حول هذا الموضوع في كتابنا: «صراع الحرية في عصر المفيد» ، فليراجعه من أراد.

و يذكر هنا: أنه في سنة 437 ه. وقع بين الشيعة و السنة في بغداد في


1) الآية 23 من سورة الشورى.

2) البداية و النهاية ج 11 ص 275، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 ص 94، و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 144 و 145.

3) بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 145.

يوم عاشوراء سوء، «ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، و إحراق الكنيسة العتيقة التي لهم» (1).

و في حوادث سنة 442: «اصطلح الروافض و السنة ببغداد، و ذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي و مشهد الحسين، و ترضوا في الكرخ على الصحابة، و ترحموا عليهم» (2).

و نكتفي هنا بهذا القدر، فإننا لسنا بصدد استقصاء ذلك و تتبعه.


1) البداية و النهاية ج 11 ص 275.

2) البداية و النهاية ج 12 ص 54.

الفصل الثالث: الجهاد في الإسلام

اشارة

الإسلام و السيف! !
اشارة

لقد اهتم المبشرون الحاقدون على الإسلام بإظهار الإسلام على أنه دين السيف و القهر و التسلط، حتى لقد وضعوا في بعض كتبهم كاريكاتورا يمثل النبي «صلى اللّه عليه و آله» حاملا القرآن في يد، و السيف في يد، و أشخاصا يقفون فوق رأسه، و كتبوا عبارة تقول: «آمنوا بالقرآن و إلا ضربت رقابكم بالسيف» .

فهم يريدون أن يقولوا: إن الإسلام الذي يقول: اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ ليس صادقا في ذلك، و إنما هو يقول: ادع إلى سبيل ربك بالسيف.

و قد يقال: إن مما ساعد على ذلك: أن المسلمين أنفسهم قد اعتادوا ترديد عبارة: «إن الإسلام قام بمال خديجة و بسيف علي «عليه السلام» (1)، مع الاقتصار على حرفية هذه العبارة و عدم تعمقهم في مدلولها.

بل إن بعض القصاصين الأقدمين، قد ساعد على ذلك كما يظهر من


1) جاء ما تقدم في مقال للمفكر و الفيلسوف الإسلامي الكبير، المرحوم الشهيد الشيخ مرتضى المطهري، نشرته جريدة: (جمهوري إسلامي) الفارسية بتاريخ 10 جمادى الثانية سنة 1400 رقم 261.

ملاحظة كتاب «فتوح الشام» ، المنسوب للواقدي، حيث لا تكاد تخلو منه صفحة من بطولات خارقة، و أحداث مدمرة، من أجل جلب انتباه العوام، و إظهار عظمة الأمويين و قدرتهم، و تسجيل بطولات خيالية لبعض الشخصيات التي يرغب الحكام في رفعة شأنها، تضليلا للناس عن حقيقة مواقف و بطولات علي «عليه السلام» ، إلى غير ذلك من أهداف ليس هنا محل بحثها.

فكان من نتيجة هذه الأكاذيب أن أظهروا الإسلام بصورة التيار المدمر، و على أنه دين القتل و الخراب، حتى لقد أشكل الأمر حتى على كثير من المسلمين أنفسهم، و ذهبوا يمينا و شمالا في محاولات الإجابة على ذلك، حسبما رأوه مناسبا، و بالطريقة التي جادت بها قرائحهم.

و هذا الأمر، و إن كان ارتباطه بالتاريخ ضعيفا نسبيا، بحيث لا مجال للتوسع فيه بالشكل الذي يرضي وجداننا، و لكننا مع ذلك لا بد أن نشير و لو بشكل خاطف و سريع إلى ما نراه و نعتقده في هذا المجال فنقول:

1-الحرب في الإسلام و في غيره:
اشارة

ستأتي في فصل سرايا و غزوات قبل بدر لمحة سريعة جدا عن توصيات النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجيوشه، فلا بد من الإلمام بها و قراءتها بدقة و وعي، و من أراد المزيد فعليه بمراجعة البحار و الكافي، و غير ذلك من كتب الحديث و التاريخ.

كما أنه لا ينبغي الغفلة عن المراجعة الشاملة للحديث و التاريخ للتعرف على طبيعة المعاملة المثالية للأسرى من قبل المسلمين، كما سنلمح

إليه في غزوة بدر إن شاء اللّه تعالى، و كما فصله العلامة الأحمدي في كتابه: «الأسير في الإسلام» .

و يقابل ذلك:

أ-ما ورد في الانجيل: «لا تظنوا: أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما على الأرض بل سيفا» (1).

ب-و في التوراة: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابت إلى الصلح، و فتحت لك؛ فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، و يستعبد، و إن لم تسالمك بل عملت معك حربا، فحاصرها؛ و إذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف.

و أما النساء و الأطفال، و البهائم، و كل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، و تأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك.

هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا.

و أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا، فلا تستبقي منها نسمة ما» (2).

ج-و في التوراة أيضا: «فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، و تحرقها بكل ما فيها، مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى


1) إنجيل متى، الإصحاح 20 الفقرة 34.

2) سفر التثنية الإصحاح 20 فقرة 10-17.

ساحتها، و تحرق بالنار المدينة، و كل أمتعتك كاملة للرب إلهك، فتكون تلا إلى الا بد» (1).

و ثمة نصوص كثيرة أخرى في هذا المجال لا مجال لتتبعها (2).

إشارة:

و أما إدانة الإسلام من خلال ما كان يفعله الأمويون و العباسيون و غيرهم، و ما قتلوه في حروبهم، و ارتكبوه مع خصومهم؛ فهو تجن ظاهر على الإسلام، إذ لا يتحمل الإسلام المسؤولية عن أفعال المنحرفين عنه، فإن تصرفات المنحرفين شيء، و الإسلام شيء آخر.

2-حيث لا بد من الحرب:

إننا إذا أردنا دراسة الحروب التي خاضها الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ضد المشركين، فإننا نستطيع أن نجمل الكلام فيها على النحو التالي:

أ-إن شخصية الإنسان و ملكاته، و سجاياه، و مختلف جهات تكوينه النفسي، و الفكري، و العاطفي و غير ذلك-تتكون عادة في الأكثر بعد غض النظر عن عامل الوراثة و غيره من العوامل-من المحيط الذي يعيش فيه،


1) سفر التثنية الإصحاح 13 فقرة 15.

2) راجع سفر التثنية، الإصحاح 7 فقرة 1 و 2 و سفر صموئيل الأول، الإصحاح 15، و رسالة بولس إلى العبرانيين، الإصحاح 11 فقرة 32 فما بعدها، و أنيس الأعلام ج 5 ص 302-316 و غير ذلك.

و من الأفكار التي يتلقاها عن طريق والديه، و معلمه، و صديقه الخ. . بما في ذلك المفاهيم و القيم الدينية.

فقد ينشأ خوارا جبانا إذا كان الذين أشرفوا على تربيته يستعملون معه أسلوب الإرعاب و التخويف، و قد ينشأ شجاعا مقداما، إذا كان التعامل معه على خلاف ذلك.

كما أن من يلقى حنانا و عناية فائقة في صغره، يكون في تكوينه النفسي مختلفا تماما عن ذلك الذي يواجه بالجفاء و القسوة، حتى و لو عاشا في بيت واحد، و كانا أخوين توأمين.

بل و أكثر من ذلك، فإن هذه الصور الذهنية التي يتلقاها الإنسان عن طريق الحواس، تمثل مصدرا هاما من مصادر المعرفة له، فلو فرضنا توأمين يعيشان معا و يتلقيان نفس المعاملة، و لنفرض أن هذا التوافق مستمر في مجال التعليم، و التربية، و الظروف المعيشية و غير ذلك، فإننا مع ذلك لسوف نجدهما مختلفين بوضوح في أفكارهما، و نفسيتيهما، و عواطفهما و غير ذلك، و ذلك بسبب اختلاف الصور التي تلقاها ذهنهما، و كونت عناصر التفكير لديهما، و أثرت بشكل أو بآخر في انفعالاتهما المختلفة.

فحتى و هما يجلسان في غرفة واحدة، أو يسيران معا في الشارع، أو يكونان في المدرسة، فإن ذهن الواحد منهما يستقبل صورة تختلف-و لو جزئيا-عن تلك التي يستقبلها ذهن الآخر، بسبب أن كل واحد منهما ينظر إلى نقطة تختلف عن تلك التي ينظر إليها الآخر، و كذلك الحال بالنسبة للأصوات، و المشمومات، و غير ذلك.

فهذه الصورة لا بد أن تشغل حيزا و تؤثر أثرا، و تغير من اتجاه

الحركات الفكرية لديه، فتعينه تارة، و تقف في وجهه أخرى.

و لسوف يكون لاختلاف تلك الصور أثر في النتائج التي سوف يتوصلان إليها.

و لسوف تترك آثارا مختلفة في نفسية و سلوك و عواطف كل منهما حسبما أشرنا إليه.

و هذا يعرفنا إلى أي حد يتأثر الناس بعضهم ببعض في السلوك، و الأفكار، و الانفعالات، و الأخلاق، و غير ذلك، حتى إنك لتحس بالفرق في نفسك، و في مشاعرك، لو وقفت على بائع عبوس فظ غليظ، ثم وقفت على آخر مهذب، يواجهك بابتسامته الرقيقة، و يخاطبك بكلمات عذبة و مهذبة، و هذا و لا شك لسوف يترك أثرا على نفسك، ثم على تصرفاتك مع أطفالك و أصدقائك و غيرهم.

و عليه: فإذا كان الفكر شديد الحساسية إلى حد أن يتقرر معه اتجاه الإنسان، و يؤثر في شخصيته بشكل عام، فإن أي انحراف يظهر في المجتمع، مهما كان على نطاق ضيق و محدود، سوف لا يقتصر أثره على مرتكبه، و إنما يتعداه-و لو بشكل جزئي و محدود-إلى كل الآخرين ممن يعاشره و يراه، أو يرتبط به، من قريب أو من بعيد، ثم هو يتعداهم إلى غيرهم، و هكذا.

و من هنا: فإننا نجد الإسلام يحارب المنكر حتى إعلاميا بكل قوة، فيمنع حتى من غيبة غير المتجاهر بالمنكر كي لا يعتاد الناس على سماع خبر المنكر و الانحراف، و تأنس أذهانهم به، و بعد ذلك يسهل عليهم ارتكابه و ممارسته، و لا يريد أن تمر حتى صورة المنكر في أذهانهم كي لا تترك أثرا

يرغب الإسلام في الابتعاد عنه، فضلا عن ممارسة المنكر نفسه.

و ليتأمل قليلا في إطلاق لفظ المنكر على مثل هذه الأمور الضارة، فإن الإسلام يريد للناس أن ينكروها، و أن لا يعرفوها، كما أنه حين يمنع من غيبة غير المتجاهر، فلأنه يريد أن يمنح ذلك المرتكب للمنكر فرصة للتخلي عن سيئته تلك، و يهيء له الجو الإجتماعي المناسب لنمو شخصيته، و الاحتفاظ بعزته و كرامته، إلى غير ذلك مما لسنا بصدد بيانه فعلا.

و بعد ما تقدم: فإنه إذا كان ضرر الانحراف لا يقتصر على نفس من يمارسه، بل يتعداه إلى غيره، فإنه يكون من حق ذلك الغير أن يدفع ذلك الضرر عن نفسه، و هذا ما يحكم به العقل و الفطرة، حتى و لو لم يكن ثمة شرع أصلا، و لكن الشرع لم يكتف بالاعتراف بحق الدفاع عن النفس هذا، بل زاد على ذلك؛ فأوجبه عليه، حين حكم بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل أحد.

و ذلك من أجل الحفاظ عليهم أولا، و حتى لا يتسرب ذلك الانحراف منهم إلى غيرهم ثانيا (1).


1) و إنما كان لمرتكب المنكر عقاب واحد و لم يعاقب عقابين: أحدهما على المنكر، و الآخر على تسببه بالإضرار بالغير، من جهة أنه لم يسلب الآخرين عنصر الاختيار الذي لديهم، كما أنه لم يقصد هو ذلك، فيكون فعله من ممهدات وقوع الغير في المعصية، و ليس الجزء الأخير للعلة، و بإدخال عنصر القصد في المعصية و في استحقاق العقوبة و عدمه، يعرف الفرق بين ما نحن بصدده، و بين قولهم: من سن سنة حسنة، فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من سن سنة سيئة، فعليه وزرها و وزر من عمل بها.

و كل ما قدمناه يوضح لنا السر في أن المؤمنين-بنظر الإسلام-كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى.

و على هذا: فليس من حق من تنهاه عن المنكر، أو تأمره بالمعروف أن يقول لك: و ماذا يعنيك؟ . أو: أنا حر، أو ما شاكل.

إذ إن الأمر يعنيك حقا و هو ليس حرا إلا بمقدار لا يعتدي فيه على غيره، بأي نحو من أنحاء الاعتداء، و لا يضر بحريته. و الانحراف هو أخطر أشكال الاعتداء و أبشع أنواعه.

و واضح: أنه في مقام دفع أخطار الانحراف، و القضاء على المنكر، لا بد من مراعاة مقدار الضرورة، فلو أساء ولدك نهيته أولا، و بينت له خطأه، ثم لمته، ثم تهددته، ثم ضربته، ثم طردته الخ. . كل ذلك بحكم الشرع و العقل و قضاء الفطرة.

و إذا مرض أحد أعضاء الإنسان، فإنه يعالجه بالدواء، ثم بالعملية الجراحية، و لربما تصل النوبة إلى قطعه، إذا كان مرضه خبيثا و خطيرا؛ حيث إنه بالإضافة إلى أنه أصبح يشكل عبئا ثقيلا على سائر الأعضاء، حيث يفترض فيها أن تقوم بمهماتها و مهماته قد صار يشكل خطرا عليها نفسها، هذا عدا عن أنه يؤثر فيها ألما و ضعفا و وهنا، و يمنعها من القيام بوظائفها على النحو الأكمل و الأفضل.

و على هذا: فلو لم يقطع الطبيب هذا العضو، فإنه يكون قد أضر بهذا الإنسان و خانه.

و حين يعتبر الإسلام، و العقل، و الفطرة، المسلمين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى، بل إن الإنسانية

جمعاء أيضا كذلك، فإن المنحرف عقائديا، و سلوكيا، و أخلاقيا، لا بد من استئصال انحرافه أولا، بالدعوة بالحكمة، و الموعظة الحسنة، ثم بالإنذار، ثم بالشدة و العنف، حتى إذا أفلست كل تلكم الوسائل، فإن آخر الدواء الكي، و حيث يكون الداء خطيرا و خبيثا، فإنه لا بد من الاستئصال أيضا، و يكون عدم قطع هذا العضو الفاسد و المفسد خيانة للأمة، و للأجيال، و للإنسانية جمعاء.

بل إن خطر الانحراف الديني و العقائدي يفوق خطر المرض الجسدي؛ فإن مرض الجسد ربما لا يتعداه إلا في نطاق محدود جدا، أما المرض العقائدي والديني و الفكري، و الانحراف الأخلاقي، فقد يتسبب في تدمير الجسد، و المال، و الجاه، و الإنسان، و القيم الأخلاقية، و الإنسانية، و المجتمع بأسره، و يؤثر على الأجيال الآتية أيضا؛ و ذلك عندما لا تبقى لدى ذلك الإنسان المنحرف أية روادع تمنعه من ارتكاب أية جريمة، و المبادرة إلى كل عظيمة، حينما يكون المقياس عنده، و المنطلق له هو مصالحه الشخصية، و لذاته الفردية، و لا شيء سواها؛ فلا يهتم لرضا اللّه، و لا لمصلحة الأمة، و لا لأحكام الشرع و الدين، و لا حتى للعقل و المنطق.

و هكذا: فإن الجهاد من أجل منع الانحراف و منع وقوع الكارثة، يكون من الأحكام العقلية و الفطرية، فضلا عن الشرع و الدين.

و بعد كل ما تقدم: فإننا نستطيع أن نقول بكل جرأة: إن الإسلام لو لم يستعمل السيف، لم يكن دين الحق و العدل، و لا دين الفطرة و العقل، و لكان خائنا للمجتمع، بل و للإنسانية جمعاء على مدى التاريخ.

كما أننا نعلم: أن السياسة القائمة على أساس الفكر و القوة المدافعة

عنه، هي من صميم الإسلام الذي هو لإقامة العدل، و رفع الظلم، قال تعالى:

لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (1).

و إلا فإن دينا يتخذ الخيانة ديدنا، و تجاهل مصالح الأجيال طريقة، و يكون فيه هذا الخلل الكبير في تشريعاته، لن يكون المجتمع و الإنسانية بحاجة إليه، و لا معنى للتضحية في سبيله و الحفاظ عليه، و لا للعمل من أجل رفع شأنه، و إعلاء كلمته.

و من هنا: فقد كان الجهاد بابا من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه، و هو لباس التقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنته الوثيقة. . إلى آخر كلام أمير المؤمنين «عليه السلام» (2).

هذا كله من وجهة نظر فكرية. أما حقيقة ما جرى تاريخيا في عهد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» فستأتي الإشارة إليه، و سيتم التعرف من خلال البحث و التمحيص عليه، إن شاء اللّه تعالى.

ب-لقد كان لا بد للمسلمين من الاستفادة من حق الدفاع عن النفس في مقابل المكيين، الذين كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم، و يصدون عن سبيل اللّه،


1) الآية 25 من سورة الحديد.

2) راجع: خطبة الجهاد في نهج البلاغة (شرح محمد عبده) ج 1 ص 63.

و من حق كل أحد: أن يقاتل من أجل أن يمتلك حرية الرأي، و الفكر، و العقيدة، و حرية الدعوة إلى اللّه، و لا سيما حين يكون الطرف الآخر مصرا على استعمال العنف، و ليس المنطق و الحجة ضده، و ضد ما يدعو إليه.

فالإسلام لا يريد أن يجبر أحدا على الدخول فيه، و إنما يريد أن يحصل على الحرية في الرأي و في الاعتقاد، و في الموقف، و حتى حين ينتصر على أعدائه، فإنه يضع أمام من ينتصر عليهم عدة خيارات، ليس اعتناق الإسلام إلا واحدا منها، و كان من يعتنق الإسلام يعتنقه بملء رغبته، و حريته، و إرادته، و من دون أي ضغط حتى إعلامي من قبل المسلمين، و لقد اعتنقت كثير من البلدان الإسلام بمجرد اطلاعها عليه، من دون انتظار الفتح الإسلامي.

و لكن ذلك لا يعني أن يقف الإسلام و المسلمون مكتوفي الأيدي أمام كل اضطهاد، أو اعتداء، أو ظلم يمارس ضدهم، و أن يخضعوا للضغوط و لإرادات الآخرين، التي لن ترضى إلا بالقضاء عليه و عليهم نهائيا.

كما أن ذلك لا يعني أن لا يعد المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة، و من رباط الخيل يرهبون به عدو اللّه و عدوهم، لأن الإسلام الذي يدعون إليه، و يطالبون بحرية التفكير و النظر فيه، ليس مجرد طقوس فردية، و تزكية نفسية، و إنما هو نظام عام شامل يريد أن يقود عملية تغيير شاملة على مستوى العالم بأسره، الأمر الذي يحتم أن تتوفر الحماية الكاملة لهذا الإسلام، الذي لا بد أن يصطدم بأصحاب الأطماع، و الأهواء، و بالجبارين الذين يحكمون الناس بوحي من مصالحهم و رغباتهم.

نعم. . لا بد من الحماية الكافية و لا بد من استعمال أسلوب العنف إذا

لم يمكن تأمين حرية الفكر، و الرأي، و العقيدة إلا بذلك، و ليوجد من ثم الجو و المناخ المناسب لتطبيق الجانب التشريعي للإسلام.

و حتى لا يتحول الإسلام إلى إسلام حكام يخضع لرغباتهم، و يتطور حسب مصالحهم، و أهوائهم-كما كان الحال بالنسبة لبعض الفرق و المذاهب التي ابتليت بهذا الداء الوبيل-و أيضا حتى لا يتحول جانب عظيم و رئيس في هذا التشريع، ليكون مجرد فكر ميت، يوضع في المتاحف، و يكون الجانب الحي هو خصوص الجانب الفردي، الذي لا يتصل بالحياة الاجتماعية، و لا يتفاعل معها، لا من قريب و لا من بعيد.

و إذا توفرت حرية الفكر و الرأي و العقيدة، فإن ذلك سوف يشجع الآخرين على الدخول في هذا الدين، آمنين من العذاب و الأذى، و من مختلف أنواع الضغوط، و من الفتنة التي هي أكبر من القتل بنظر الإسلام.

فالمسلمون إذا قاتلوا، فإنما يقاتلون انطلاقا من حقهم الذي جعله اللّه لهم، و من أجل ذلك الحق في سبيله، و طلبا له، على حد تعبير الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى و كما قرره اللّه تعالى حيث يقول:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّٰ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ. . (1).

فالأذان بالقتال للمسلمين إنما هو في صورة كون غيرهم قد بدأهم به، بالإضافة إلى كونهم قد أخرجوا من ديارهم.

ج-و بعد كل ما تقدم، فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون


1) الآيتان 39 و 40 من سورة الحج.

ملتزمين بعرض خيارات منصفة على الطرف الآخر، حتى ليعترف بعض المشركين بأن الإصرار على الحرب بعد هذه العروض يكون ظلما و بغيا، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى و لكن الباقين لا يقبلون بالعرض لأنهم كانوا مصممين على الحرب، منذ قتل ابن الحضرمي في سرية ابن جحش (1).

مع أنه قد كان بإمكانهم تلافي قضية ابن الحضرمي، إما بالثأر على نطاق أضيق، أو بقبول الدية، و كلاهما عن خلق العرب ليس ببعيد.

د-مناهضة ناقضي العهود، و إيقافهم عند حدهم، كما كان الحال بالنسبة لليهود، ثم بالنسبة لمشركي مكة، الذين نقضوا عهد الحديبية.

ه-الدفاع عن النفس في وجه الغزاة و المهاجمين، و ملاحقة من قام بالغارة منهم على المدينة.

و أخيرا، فإننا نلاحظ: أن المشركين قد استمروا يغزون المسلمين، و المسلمون يدافعون عن أنفسهم إلى ما قبل صلح الحديبية، حيث يروي البخاري و غيره أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال بعد منصرفه من بني قريظة: الآن نغزوهم و لا يغزوننا.

و سيأتي ذلك إن شاء اللّه.

هل الإسلام قام بالسيف؟ !

يتضح لنا من جميع ما تقدم: أنه ليس معنى قيام الإسلام بسيف علي «عليه السلام» : أنه «عليه السلام» كان يجعل السيف فوق رأس الإنسان،


1) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 131، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 116.

و يقول له: إما أن تسلم و إما أن تقتل.

و إنما معنى ذلك: أن سيف علي «عليه السلام» كان أبعد أثرا في الدفاع عن الإسلام، و صد اعتداءات المعتدين، و تأمين حرية الفكر و العقيدة، و الرأي، حسبما قدمناه.

و لأجل أن حروب الإسلام كانت تهدف للحافظ على الإنسان، و الدفاع عن النفس، و تأمين الحرية الفكرية، نلاحظ:

أنه يقتصر في حروبه على أقل قدر ممكن ترتفع به الضرورة، كما أنه يلتزم بضبط النفس الكامل و الواعي، حتى في أحلك اللحظات، و أخطرها.

و لذا لم يستطع الباحثون إيصال عدد القتلى في حروب النبي «صلى اللّه عليه و آله» طيلة عشر سنين، و التي تعد بعشرات الحروب و السرايا إلى الألف قتيل (1).

رغم أن هذه الحروب كانت تتجه نحو تهيئة الجو لبسط النفوذ الإسلامي على مختلف أرجاء الجزيرة العربية، و يتعداها إلى غيرها مما حولها.

هذا ما أحببنا الإشارة إليه فعلا، و الكلام حول هذا الموضوع طويل و متشعب، لا بد فيه من التوفر على دراسة النصوص القرآنية، و كلمات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة «عليهم السلام» و مواقفهم و ممارساتهم الجهادية بدقة و وعي.


1) راجع مقالا حول هذا الموضوع للسيد هادي الخسرو شاهي في كتاب سيماي إسلام (فارسي) .

الفصل الرابع: سرايا و غزوات قبل بدر

اشارة

غزواته صلى اللّه عليه و آله و سراياه:

هنا يبدأ المؤرخون بذكر غزواته و سراياه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقصدون ب «الغزوة» : الجيش الذي يخرج فيه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، و ب «السرية» : البعث الذي لا يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه.

و قد اختلفت كلماتهم في عدد غزواته و سراياه اختلافا كثيرا، و لا نرى حاجة لإطالة الكلام في تحقيق ذلك.

و نكتفي هنا بالحديث عما هو أهم، و نفعه أعم، و قبل ذلك نشير إلى أمرين؛ هما:

الأول: الفرار من الزحف:

حيث يذكر العلماء هنا: أنه لم يكن يجوز في أول الأمر فرار واحد من المسلمين من عشرة من المشركين (1).

ثم جاء التخفيف من قبل اللّه عن المسلمين؛ ليختص بفرار واحد في مقابل اثنين؛ و ذلك في قوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى اَلْقِتٰالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ


1) الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 44، و جامع البيان ج 10 ص 27، و تفسير المنار ج 10 ص 77.

صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَفْقَهُونَ، اَلْآنَ خَفَّفَ اَللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ (1).

و لسوف يأتي المزيد من الكلام حول هذا الموضوع في غزوة بدر، في آخر فصل نتائج الحرب إن شاء اللّه.

الثاني: وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» للسرايا:

و يلاحظ هنا:

أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم، فأجلسهم بين يديه، ثم يقول:

«سيروا باسم اللّه، و باللّه، و في سبيل اللّه، و على ملة رسول اللّه، و لا تغلوا و لا تمثلوا، و لا تغدروا، و لا تقتلوا شيخا فانيا، و لا صبيا، و لا امرأة، و لا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها، و أيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جار، حتى يسمع كلام اللّه؛ فإن تبعكم، فأخوكم في الدين، و إن أبى فأبلغوه مأمنه، و استعينوا باللّه عليه الخ. .» (2)، و هي وصية طويلة، و له وصايا أخرى لبعوثه فلتراجع في مصادرها (3).


1) الآيتان 65 و 66 من سورة الأنفال.

2) الكافي ج 1 ص 334 و 335، و البحار ج 19 ص 177-179، و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 300 و غيره، و التهذيب للطوسي ج 6 ص 138 و 139، و الأموال ص 35.

3) النظم الإسلامية لصبحي الصالح ص 514.

و قد روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما بيّت عدوا قط (1)و كان «صلى اللّه عليه و آله» إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار (2).

ما نتعرض له في هذا الكتاب:
اشارة

إننا لا نستطيع في كتابنا هذا أن نستوعب الحديث حول الغزوات و السرايا بجميع تفاصيلها، و لأجل ذلك سوف نكتفي بذكر الغزوات التي كان فيها قتال مع الإشارة الخفيفة إلى غيرها من غزوات و سرايا، إلا إذا وجدنا ما يقتضي التريث و تسليط الأضواء بصورة لا يمكن تجاوزها.

أما في هذا الفصل فنحن نكتفي بالتنويه بالسرايا التالية:

السرايا الأولى:
اشارة

يذكر المؤرخون، أنه: 1-بعد سبعة أشهر من مقدمه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة-و قيل غير ذلك-عقد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لحمزة بن عبد المطلب على ثلاثين من المهاجرين، (قيل: و من الأنصار، لكنه غير معتمد، لأنه لم يبعث أحدا من الأنصار قبل بدر، كما ذكروا) (3)ليلقوا أبا جهل؛ فلقوه، و هو في ثلاثمائة


1) التهذيب للطوسي ج 6 ص 174، و الكافي ج 1 ص 334 و 335، و البحار ج 19 ص 177-179.

2) التراتيب الإدارية ج 2 ص 22، و الجامع الصحيح ج 3 ص 517.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 356، و السيرة الحلبية ج 3 ص 152، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 245.

من المشركين، لكن مجدي بن عمرو الجهني الذي كان موادعا للفريقين، حجز بينهما، و انصرفوا من غير قتال.

2-و على رأس ثمانية أشهر من مهاجره الشريف، عقد لعبيدة بن الحارث بن المطلب على ستين رجلا؛ ليلقوا أبا سفيان في بطن رابغ، و كان في ماءتين.

و في هذه السرية فر المقداد و عتبة بن غزوان إلى المسلمين (1).

3-و بعد ذلك كانت سرية سعد بن أبي و قاص على فريق من المهاجرين أيضا؛ ليعترضوا عيرا لقريش، فسبقتهم.

و قيل: كان ذلك بعد بدر (2).

4-ثم كانت غزوة الأبواء بعد مقدمه «صلى اللّه عليه و آله» بسنة أو أكثر، أو أقل، خرج فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه يريد قريشا، و بني مرة بن بكر، فتلقاه سيد بني مرة بالأبواء، فصالحه، ثم رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة (3).

5-و بعدها كانت غزوة بواط، جبل لجهينة، قرب المدينة خرج «صلى اللّه عليه و آله» في ماءتين من المهاجرين أيضا يعترض عير بني ضمرة؛ فبلغ


1) السيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش السيرة الحلبية ج 1 ص 360 و 359، و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 359.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 359.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 363، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 241، و السيرة النبوية لدحلان بهامش الحلبية ج 1 ص 361.

بواطا و رجع، و لم يلق كيدا (1).

مع تحفظنا على ما يقال من عدد المهاجرين في هذه السرية.

6-و بعدها بأيام قلائل كانت غزوة العشيرة، و وادع فيها بني مدلج، و حلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، و لم يلق كيدا، و فيها كني علي «عليه السلام» بأبي تراب، كما سنرى (2).

7-سرية عبد اللّه بن جحش إلى بطن نخلة: ثم كانت سرية ابن جحش في رجب أو في جمادى الثانية من السنة الثانية، في ثمانية، أو اثني عشر رجلا من المهاجرين.

فقد كتب له النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كتابا، و أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين (و لعله لأجل أن لا يطلع على مضمونه أعداء المسلمين من اليهود و المشركين فتتسرب الأخبار إلى أعدائه) فلما سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه بعد البسملة:

«أما بعد، فسر على بركة اللّه بمن تبعك من أصحابك، حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش-و في رواية: قريشا-حتى تأتينا منها بخبر» .

و أخبر أصحابه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمره أن لا يستكره أحدا ممن كان معه، و خيرهم بين الكون معه، و بين الرجوع؛


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 363، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 361، و السيرة الحلبية ج 2 ص 126، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 249.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 1 ص 361 و السيرة الحلبية ج 2 ص 126 و سيرة ابن هشام ج 2 ص 249.

فمضوا معه جميعا، فأقام هناك فمرت بهم عير لقريش، فتجرأ المسلمون عليهم، فقتلوا منهم رجلا، و أسروا اثنين، و أخذوا ما معهم، و كان ذلك في أول يوم من رجب أو آخر يوم منه على اختلاف النقل.

فلما قدموا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أوقف العير و الأسيرين، و أبى أن يأخذ منها شيئا، و لكن أباهلال العسكري يقول: «ورد عبد اللّه بن الجحش بالخمس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قسم الباقي بين أصحابه، فكان أول خمس خمسه» (1)، و عنفهم إخوانهم من المسلمين.

و قالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، و سفكوا فيه الدماء، و أخذوا فيه الأموال، و أسروا فيه الرجال، و عيروا المسلمين بذلك، و كتبوا فيه، و تحرك اليهود أيضا، ليزيدوا الطين بلة؛ فلما أكثروا نزل قوله تعالى،


1) الأوائل ج 1 ص 176، و السيرة الحلبية ج 3 ص 157، و الإستيعاب ترجمة عبد اللّه بن جحش، و راجع أيضا: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 و 253، و المغازي للواقدي ج 1 ص 13، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 10 ط سنة 1405 ه. و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 410-413، و السنن الكبرى ج 9 ص 12، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 307 و 308، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 29، و أسباب النزول ص 36، و البحار ج 20 ص 189 و 190 و راجع: رجال المامقاني ج 2 ص 173، و قصص الأنبياء للراوندي ص 339، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 366، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 113، و تاريخ الخميس ج 1 ص 365، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 69، و الدر المنثور للسيوطي ج 1 ص 251، و مجمع الزوائد ج 6 ص 198، و السيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 1 ص 362، و غير ذلك.

مبينا عذر المهاجرين فيما أقدموا عليه:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ قُلْ قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ إِخْرٰاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ. . (1).

و قيل: نزلت الآية حينما جاء مشركو مكة، و سألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك على جهة العيب و الانتقاص، ففرج اللّه بذلك عن المسلمين، و بعثت قريش بفداء الأسيرين، فأفداهما «صلى اللّه عليه و آله» (2).

8-ثم كانت غزوة بدر الأولى بعد غزوة العشيرة بأيام، حيث أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في طلبه، حتى بلغ وادي سفوان من جهة بدر، وفاته كرز، فرجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة (3).

هذا و لا بد أن نبحث هنا عدة أمور هامة، نرى أنها ترتبط بما تقدم. و هي على النحو التالي:

1-تكنية علي بأبي تراب:
اشارة

في غزوة العشيرة كنى النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» ب: «أبي تراب» و كانت أحب كناه إليه، و لكن الأمويين


1) الآية 217 من سورة البقرة.

2) راجع ذلك في: تاريخ الخميس ج 1 ص 366، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 1 ص 363، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 254 و 255.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 128، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 251.

كانوا يعيرونه بها.

و ملخص القضية: كما يرويها لنا عمار بن ياسر: أنه بعد أن نزل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و من معه في موضع هناك، ذهب عمار و علي «عليه السلام» لينظرا إلى عمل بعض بني مدلج، كانوا يعملون في عين لهم و نخل؛ فغشيهما النوم، فانطلقا حتى اضطجعا على صور من النخل، و في دقعاء من التراب.

قال عمار: فواللّه ما أهبنا إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحركنا برجله، و قد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها؛ فيومئذ قال رسول اللّه عليه الصلاة و السلام لعلي بن أبي طالب: ما لك يا أبا تراب، لما يرى عليه من التراب، الحديث (1).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 247، و الآحاد و المثاني مخطوط في كوبرلي رقم 235، و صحيح ابن حبان مخطوط، و البحار ج 19 ص 188، و مسند أحمد ج 4 ص 263 و 264، و تاريخ الطبري ج 2 ص 123 و 124، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 12 ط صادر، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 249 و 250، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 140، و كنز العمال ج 15 ص 123 و 124 عن المصنف، و البغوي، و الطبراني في الكبير، و ابن مردويه، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و ابن النجار، و غيرهم، و عن ابن عساكر، و شواهد التنزيل ج 2 ص 342، و مجمع الزوائد ج 9 ص 136 و 100 عن الطبراني في الأوسط و الكبير، و البزار و أحمد، و وثق رجال عدد منهم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 364، و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 86 بتحقيق المحمودي، و أنساب الأشراف ج 2 ص 90، و السيرة الحلبية ج 2 ص 126، و طبقات ابن سعد، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 363، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 303، و نقل أيضا عن كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل رقم 295، و الغدير ج 6 ص 334، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 1 ص 226، و الإمتاع للمقريزي ص 55، و على كل حال، فإن من يراجع غزوة العشيرة في كتب التاريخ و الحديث، يجد هذا الحديث مثبتا في أكثر تلك المصادر.

لكن ما تضمنته هذه الرواية من تحريك النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمار و علي «عليه السلام» برجله لا يمكن أن يصح؛ لأنه ينافي أخلاق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

فلا بد من طرح هذه الفقرة من الرواية، و أما ما عداها فلا ضير بالأخذ به. و قد تقدمت الإشارة إلى رواية تكنيته «عليه السلام» بأبي تراب حين الحديث عن المؤاخاة أيضا، فراجع.

و قد أحسن عبد الباقي العمري حيث يقول مشيرا إلى هذه القضية:

يا أبا الأوصياء أنت لطهصهره، و ابن عمه، و أخوه

إن للّه في معانيك سراأكثر العالمين ما علموه

أنت ثاني الآباء في منتهىالدور و آباؤه تعد بنوه

التزوير و الافتراء:

و لكنهم يقولون هنا: إنه «عليه السلام» كان إذا عتب على فاطمة، وضع على رأسه التراب؛ فإذا رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عرف ذلك، و خاطبه بهذا الخطاب (1).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 127، و أنساب الأشراف ج 2 ص 90.

و يقولون أيضا: إنه «عليه السلام» غاضب فاطمة «عليها السلام» ، و خرج إلى المسجد و نام على التراب، فعرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، فبحث عنه فوجده، فخاطبه بهذا الخطاب (1).

و يزيدون على ذلك قولهم: كان في علي على فاطمة شدة فقالت: و اللّه لأشكونك إلى رسول اللّه، فانطلقت، و انطلق علي بأثرها، فشكت إلى رسول اللّه غلظ علي و شدته عليها.

فقال: يا بنية اسمعي و استمعي، و اعقلي: إنه لا إمرة لامرأة لا تأتي هوى زوجها، و هو ساكت.

قال علي «عليه السلام» : فكففت عما كنت أصنع و قلت: و اللّه، لا آتي شيئا تكرهينه أبدا (2).

و قصة أخرى، تقول: كان بين علي و فاطمة كلام، فدخل رسول اللّه، فألقى له مثالا فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة؛ فاضطجعت من جانب، و جاء علي و اضطجع من جانب، فأخذ رسول اللّه بيد علي فوضعها على سرته، و أخذ بيد فاطمة فوضعها على سرته، و لم يزل حتى أصلح بينهما (3).

و يقولون أيضا: إنه حين المؤاخاة لم يؤاخ النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) البداية و النهاية ج 3 ص 347، و الغدير ج 6 ص 336 عن سيرة ابن هشام ج 2 ص 237، و عمدة القاري ج 7 ص 630، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 363 عن صحيح البخاري، و المناقب للخوارزمي ص 7، و أنساب الأشراف ج 2 ص 90، و معرفة علوم الحديث للحاكم ص 211.

2) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 8 ص 16.

3) المصدر السابق.

بينه و بين أحد، فاشتد عليه ذلك، و خرج إلى المسجد، و نام على التراب، فلحقه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لقبه بهذا اللقب.

و لكن كل ذلك لا يصح: فعدا عن أننا لم نفهم سر هذا التصرف الذي انتهجه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يزعمون للصلح بين الزوجين، حيث اضطجع، و وضع يديهما على سرته! ! كما لم نفهم السبب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أنحى باللائمة على بنته بدلا من أن يدافع عنها أمام من يظلمها.

عدا عن ذلك، فإننا نسجل ما يلي:

1-إن فاطمة أجل من أن تغضب عليا «عليه السلام» ، و أتقى و أرفع من ذلك، و هي الصديقة الطاهرة التي أذهب اللّه عنها الرجس و طهرها تطهيرا، بنص الكتاب العزيز.

كما أن عليا أجل و أتقى و أرفع من أن يغضب فاطمة «عليها السلام» و سيرته و تطهير اللّه له من الرجس، و من كل مشين، بنص كتابه العزيز أدل دليل على ذلك.

2-لقد قال علي «عليه السلام» و كأنه يتنبأ بما سوف يفتريه عليه الحاقدون: «فو اللّه ما أغضبتها، و لا أكرهتها على أمر، حتى قبضها اللّه عز و جل، و لا أغضبتني، و لا عصت لي أمرا، و لقد كنت أنظر إليها؛ فتنكشف عني الهموم و الأحزان» (1).


1) مناقب الخوارزمي ص 256، و كشف الغمة ج 1 ص 363، البحار ج 43 ص 134.

3-إن وضعه التراب على رأسه كلما غاضبها لا يصدر من رجل عاقل، حكيم لبيب، له علم و دراية أمير المؤمنين «عليه السلام» ، لأنه أشبه بلعب الأطفال.

4-إن أمير المؤمنين «عليه السلام» الذي هو قسيم الجنة و النار، لم يكن ليؤذي اللّه تعالى و النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأن جزاء من يؤذي اللّه و رسوله ليس هو الجنة قطعا.

و قد قال النبي: إن من آذى فاطمة «عليها السلام» فقد آذاه، أو من أغضبها فقد أغضبه (1).

و قال: إن اللّه ليغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها (2).


1) البخاري ط مشكول ج 5 ص 36، و البحار ج 28 ص 76، و راجع: إحقاق الحق ج 10 ص 190، و حلية الأولياء ج 2 ص 40، و ينابيع المودة ص 360،171، 173، و السنن الكبرى ج 10 ص 201 و 64، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 159، و تلخيصه بهامشه، و أعلام النساء ج 4 ص 125، و كنز العمال ج 13 ص 93، و الإصابة ج 4 ص 378، و تهذيب التهذيب ج 12 ص 441، و ثمة مصادر أخرى ذكرت ذلك تعقيبا على قصة مكذوبة هي قصة خطبة علي «عليه السلام» لبنت أبي جهل فراجع: ذخائر العقبى ص 37 و 38، و كفاية الطالب ص 365، و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 53، و نظم درر السمطين ص 176، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 10، و الخصائص للنسائي ص 120، و صفة الصفوة ج 2 ص 13، و الجامع الصحيح ج 5 ص 698، و مسند أحمد ج 4 ص 328 و البداية و النهاية ج 6 ص 333 و الصواعق المحرقة ص 188.

2) راجع: فرائد السمطين ج 2 ص 46، و مجمع الزوائد ج 9 ص 203، و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 52، و كفاية الطالب ص 364، و ذخائر العقبى ص 39، -

5-لقد قالت فاطمة لعلي «عليه السلام» : أما عهدتني كاذبة، و لا خائنة، و لا خالفتك منذ عاشرتني، «فصدقها» «عليه السلام» ، في ذلك (1).

6-إن عليا لم يكن ليغضب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعتب عليه، و هو يعلم أنه لا يأتي بعمل من عند نفسه، كما أن سيرته «عليه السلام» مع النبي لتؤكد على أنه كان يلتزم حرفيا بكل ما يصدر عنه، حتى إنه حينما أمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يسير لفتح خيبر و لا يلتفت، مشى «عليه السلام» ما شاء اللّه، ثم وقف، فلم يلتفت و قال: يا رسول اللّه الخ. . (2).

7-أضف إلى ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما كان يستشير أصحابه في الموارد المختلفة، في بدر و أحد و غيرهما، كان أصحابه يتكلمون

(2) -و أسد الغابة ج 5 ص 522، و تهذيب التهذيب ج 12 ص 442، و ينابيع المودة ص 173 و 174 و 179 و 198، و نظم درر السمطين ص 177، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 154 و 158، و تلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، و كنز العمال ج 13 ص 96، و ج 6 ص 219، و ج 7 ص 111 و الغدير ج 7 ص 231-236، و إحقاق الحق ج 10 ص 116، و راجع: السنن الكبرى ج 7 ص 64، و الصواعق المحرقة ص 186، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 132.


1) روضة الواعظين ص 151.

2) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 93، و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 159، و صحيح ابن حبان ترجمة علي (مخطوط في مكتبة قبوسراي في استانبول) ، و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 200، و الغدير ج 10 ص 202.

بما شاءوا، و لم يكن علي «عليه السلام» يبدي رأيا، و لا يقدم بين يدي اللّه و رسوله بشيء أصلا، إلا ما روي في شأن الإفك على مارية، حيث أشار «عليه السلام» بطلاق عائشة ليكون ذلك بمثابة إنذار لها؛ لترتدع عن مواقفها و أعمالها، و تكف عن أذى رسول اللّه و أزواجه.

8-و أخيرا. . لماذا يغضب و يعتب؟ أليس قد آخاه بنفسه قبل الهجرة؟ ! . ثم هو لم يزل يؤكد على أخوته له، كلما اقتضت المناسبة ذلك.

و على كل حال، فنحن لن نكذب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و القرآن، و نصدق هؤلاء، فنحن نذر هذه الترهات لهم، تدغدغ أحلامهم، و ترضي حقدهم على علي و أهل البيت صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

لماذا الوضع و الاختلاق؟ ! :

و لعل سر وضع هذه الترهات هو: 1-إنهم يريدون أن يظهروا أنه قد كان في بيت علي «عليه السلام» من التناقضات و المخالفات مثل ذلك الذي كان في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، مما كانت تصنعه بعض زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» و ليمكن- من ثم-أن يقال: إن ذلك أمر طبيعي، و مألوف، و هو من مقتضيات الحياة الزوجية؛ فلا غضاضة فيه على أحد، و لا موجب للطعن و الإشكال على أي كان، فزوجة النبي تتصرف كما كانت تتصرف بنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و كما كانت عائشة تغضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن فاطمة كانت تغضب عليا، و كانت خشنة معه.

2-و من الجهة الثانية فكما أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» من أغضبها (أي فاطمة) فقد أغضبني، ينطبق على فلان و فلان، فإنه ينطبق على علي نفسه، إذا فكما أغضب أبوبكر فاطمة فقد أغضبها علي أيضا، و تكون واحدة بواحدة، فلا يكون ذلك موجبا للإشكال على أولئك دونه «عليه السلام» .

3-بل إنهم يريدون بذلك أن يظهروا عليا «عليه السلام» بصورة الرجل الذي لم يكن مرضيا من فاطمة، و قد تزوجته بدون رضى منها.

و لعل قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتزويجه قد كان لأجل دفع غائلته و شره، و بذلك يسلبون عنه فضيلة الصهر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» .

قيمة هذه الكنية:

لقد علل ابن عباس تسمية علي «عليه السلام» بأبي تراب، بأنه «عليه السلام» صاحب الأرض، و حجة اللّه على أهلها بعده، و به بقاؤها، و إليه سكونها، و لقد سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إنه إذا كان يوم القيامة، و رأى الكافر ما أعد اللّه لشيعة علي من الثواب و الزلفى و الكرامة، قال: يا ليتني كنت ترابا، أي يا ليتني كنت من شيعة علي (1).

يضاف إلى ذلك: أن الإمام عليا «عليه السلام» الذي كان يعتز بهذه الكنية، كان لا يعتبر الدنيا هدفا له، يعيش من أجله و في سبيله، و إنما


1) سفينة البحار ج 1 ص 121.

يعتبرها وسيلة إلى هدفه الأسمى، و غايته الفضلى، و إذا رأى نفسه يتصرف منسجما مع هدفه، و مع نظرته؛ فإنه سوف يرتاح، و ينشرح لذلك، فكانت هذه الكنية من النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بمثابة إعلام له: بأنه سوف يبقى في مواقفه و تصرفاته محتفظا بالخط المنسجم مع أهدافه، و أنه لسوف يبقى مستمرا في وضعه للدنيا في موضعها الذي يليق بها، و لن تغره بزبارجها و بهارجها، و لن يبتلي بالتناقض بين مواقفه و تصرفاته، و بين ما يدعي أنه هدف له، فمن أجل ذلك كانت هذه الكنية أحب كناه إليه «عليه السلام» .

و أما الأمويون، الذين كانوا يعيرونه «عليه السلام» بها، فقد كان موقفهم أيضا منسجما مع نظرتهم و مع ما يعتبرونه من القيم لهم، فإن غايتهم و هدفهم هو الدنيا، و على أساس وجدانها و فقدانها يقيّمون الأشخاص و المواقف، فيحترمون أو يحتقرون.

و إذا كان علي أبا تراب، و لا يهتم بالدنيا، و لا يسعى لأن ينال منها إلا ما يحفظ له خيط حياته، انطلاقا من الواجب الشرعي، و يبلغه إلى أهدافه التي رسمها اللّه سبحانه له، فإن بني أمية سوف يرونه فاقدا للعنصر الأهم الذي يكون به المجد الباذخ، و الكرامة و السؤدد بنظرهم، و يصبح من الطبيعي أن يعيروه بكنية من هذا القبيل، فإن ذلك هو الذي ينسجم كل الانسجام مع غاياتهم و نظرتهم تلك التي تخالف الدين و القرآن، و لا تنسجم مع الفطرة السليمة و المستقيمة.

2-لماذا السرايا؟ !
اشارة

لقد عرفنا فيما سبق أن بعض تلك السرايا كان هدفه الاستطلاع، و مراقبة تحركات قريش في المنطقة.

و بعض آخر كان هدفه تعقب المغيرين على سرح المدينة، كتعقبهم لكرز بن جابر.

و عرفنا أيضا: أن تلك السرايا، التي لم يلق المسلمون فيها كيدا، قد جرأت المسلمين، و أعادت لهم الثقة بأنفسهم، و أعدتهم ليواجهوا-على قلة العدد و العدة-ألف فارس من قريش، و هي في أوج خيلائها و عزتها، و لم يعد ذلك مفاجأة للمسلمين، و لا مرهبا لهم.

و لكننا مع ذلك نرى أن علينا أن لا نقنع بما ذكر؛ و أن علينا أن نعيد النظر بدءا و عودا لنعرف الجديد مما كانت تهدف إليه تلك السرايا التي كان الهدف المعلن لها هو اعتراض عير قريش، و الذي يلفت نظرنا هنا هو الأمران التاليان:

الأول: الموادعات و التحالفات:

فقد نتج عن تلك السرايا مهادنات و موادعات، و تحالفات على النصر ضد العدو، بين المسلمين و بين كثير من القبائل المتواجدة في المنطقة، حينما شعرت تلك القبائل بقوة المسلمين، و قدرتهم على التحرك، و بتصميمهم على مواجهة حتى قريش بالحرب.

و من الطبيعي أن ينتج عن هذه المعاهدات و التحالفات تخوف و رعب في قلوب سائر القبائل القريبة من المدينة، بحيث لا بد لتلك القبائل من

التفكير مليا قبل أن تقدم على أي عمل ضد المدينة مباشرة، أو بواسطة التحالف مع أعداء المسلمين.

و ذلك لأنها ترى بالفعل: أن ثمة قوة ضاربة، لا بد من صياغة التعامل معها بحيث لا يضر بمستقبل مصالحها في المنطقة.

و بهذا يتحقق للمدينة نوع من الشعور بالأمن و الاستقرار، و يمكن المسلمين-من ثم-من أن يتحركوا بحرية أكثر، في مواجهاتهم لقريش، و مناهضاتهم لها، و هو ما ظهر في حرب بدر، و بعدها.

كما أن هذه الموادعات و التحالفات كانت بمثابة صدمات نفسية، بل هي صفعات مؤلمة لقريش، التي ترى الآن كيف أن المسلمين قد أصبحوا قوة يرهب جانبها، و يسعى الكثيرون إلى عقد التحالفات الدفاعية معها، و على الأخص من القبائل التي تقع على طريق تجارة مكة، و كانت تعتبرها قريش سندا و عونا لها، كلما أهمها أمر، أو تعرضت لخطر.

أضف إلى ذلك كله، أنه لم يعد باستطاعة قريش أن تعقد تحالفات مع تلكم القبائل القريبة من المدينة، و تتخذ منها قوة ضاغطة على المدينة، و وسيلة لمضايقتها.

الثاني: مضايقة قريش:

إن هذه السرايا كانت تهدف إلى الضغط على قريش اقتصاديا، و كذلك نفسيا أيضا، و تعريفها: أن المسلمين سوف لن يتركوها حرة في المنطقة، ما دامت قد شردتهم، و آذتهم و سلبتهم أموالهم، و قتلت منهم.

و قد شرط النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المشركين في وثيقة العهد

المتقدمة، أن يقطعوا صلاتهم بالمشركين الآخرين.

و يلاحظ: أنه لم يكن ثمة إصرار على قتال قريش، و مناجزتها الحرب، و لذلك قبل حمزة بوساطة الجهني، و تقدم أن عبيدة بن الحارث لم يتعقب القافلة التي تجاوزته.

كما أن ثمة ثلاث خرجات أخرى تمر عير قريش فيها بسلام، و لم يصل إليها المسلمون في الوقت المناسب، بل و حتى في وقعة بدر نفسها لم يفز المسلمون بعير قريش، و إنما كانت قريش هي التي تصدت لقتال المسلمين كما سنرى إن شاء اللّه تعالى.

و هذا يعزز الاستنتاج القائل: إن المقصود من تلك السرايا هو تعريف قريش: أنها لم تعد تملك حرية الحركة في المنطقة، و لا هي سيدة الموقف، و لا تستطيع بعد الآن أن تأمن على قوافلها التجارية إلى الشام، إلا بالعودة إلى منطق التعقل، و الروية، و الحكمة، و التخلي عن منطق الظلم و الغطرسة و التجبر، و أن عليها مراجعة حساباتها، لتقتنع بأنه إذا كان حسم الموقف عسكريا صعبا جدا بالنسبة إليها، فما عليها إلا أن ترضخ للأمر الواقع، و تعترف بما لا بد لها من الاعتراف به، إن عاجلا، و إن آجلا.

و إلا، فلتأذن بحرب من اللّه و رسوله لا تنتهي إلا بتدمير عنفوانها، و تحطيم كبريائها، و هكذا كان.

و إنما اكتفى المسلمون بالتعرض إلى قوافل قريش، دون أن يصروا على أخذها، و مصادرتها، و إن كان من حقهم ذلك، لأنه قصاص عادل لقريش، التي بدأت بالعدوان، و تمادت في الظلم و الطغيان، و لا مانع من ممارسة هذا الحق إذا لم يكلف ذلك المسلمين غاليا-إنما اكتفى المسلمون بذلك-من

أجل أن يبقوا الباب مفتوحا أمام قريش، و يعطوها الفرصة للتأمل و التدبر في الأمر.

و أما ما ذكره البعض من أن المقصود من تلك السرايا لم يكن هو الحرب، بدليل قلة عدد المقاتلين المسلمين المرسلين.

فلا نراه مقنعا و لا كافيا في فهم حقيقة الدوافع لإرسال تلك السرايا؛ لأن الإغارة على قافلة تجارية لم يكن يحتاج إلى عدد كبير من المقاتلين.

و يكفي أن نذكر هنا: أن أكبر قافلة تجارية ترسلها قريش بعد تحرشات المسلمين بتجاراتها (و ذلك يدفعها طبعا لزيادة عدد المحافظين عليها) ، هي القافلة التي سببت حرب بدر، و كانت بقيادة أبي سفيان، و هي لم يكن معها إلا بضعة و عشرون رجلا فقط، مع أن فيها أكثر من ألفي بعير، و فيها أموال قريش.

3-وصاياه صلّى اللّه عليه و آله لبعوثه:

و أما ما تقدم مما كان يوصي به البعوث و السرايا، فإنه يؤكد على أن هذا النبي لم يبعث إلا ليعمر الأرض، و ليقطع دابر الفساد فيها؛ و ليس جهاده للمنحرفين و الظالمين إلا من هذا المنطلق، و في هذا السبيل، على اعتبار أن: آخر الدواء الكي.

و عليه فكل تصرف لا يأخذ بنظر الاعتبار ذلك الهدف؛ فهو مرفوض عنده حتى و إن كان من أصحابه، و من أقرب الناس إليه.

و إن وصاياه «صلى اللّه عليه و آله» تلك تحتاج إلى دراسة معمقة، للتعرف على الكثير من الحقائق التي يهم الإنسان المنصف ذا الضمير الحي،

و الوجدان المتيقظ، أن يتعرف عليها، و يستفيد منها منهاجا و نبراسا له في سلوكه، و أعماله، و مواقفه.

و قد سار علي «عليه السلام» في وصاياه لجيوشه على هذا النهج أيضا فليراجع (1).

4-لماذا المهاجرون فقط؟ !
اشارة

و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل بدر لا يخرج في غزواته، و لا يرسل في سراياه إلا المهاجرين.

و هنا يرد سؤال: لماذا يتعمد النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؟ و ما هي الحكمة فيه؟ ! .

لربما يقال في مقام الإجابة على ذلك: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يفهم الأنصار: أنه مصمم على الوصول إلى أهدافه، و لو لم يعاونوه؛ فلا يجب أن يظنوا: أنه يريد أن يجعلهم وسيلة لمآربه و غاياته، مع احتفاظه بأصحابه المهاجرين؛ الأمر الذي يولّد عند الأنصار الشعور بالمظلومية و الغبن.

و لكننا نرى أنه لا بد من نظرة أعمق إلى هذا الأمر، و ذلك يحتم علينا أن لا نقنع بهذه الإجابة، و لذا فنحن نجمل ملاحظاتنا هنا على النحو التالي:


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 182 و 183 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 23 و الفتوح لابن أكتم ج 3 ص 45 و 135 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 262 و 240 و 302 و 331 و 479.

أ-على الأنصار نصره صلّى اللّه عليه و آله في دارهم:

إنه يبدو أن الأنصار كانوا يرون: أن عليهم نصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دارهم، إن دهمه أمر، فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم.

أما إذا كان هو نفسه المهاجم لغيره، أو كانت الحرب في غير بلدهم، فلا نصرة له عليهم، و ذلك هو ظاهر ماتم الاتفاق عليه في بيعة العقبة، كما تقدم.

و يدل على ذلك: أن المؤرخين يصرحون في غزوة بدر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» : «كان يخشى ألا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا ممن دهمه في المدينة، و ليس عليهم أن يسير بهم» .

و سيأتي ذلك حين الحديث عن غزوة بدر في الفصل الأول إن شاء اللّه تعالى.

ب-مسألة الحرب و السلم:

إن مسألة الحرب ليست سهلة بالنسبة إلى المدنيين، و قد كانوا يدركون أنهم هم الذين سوف يتحملون مسؤولياتها، و يضحون فيها بأموالهم و أنفسهم، و هم الذين سوف يواجهون نتائجها و عواقبها على صعيد علاقاتهم، و روابطهم الاجتماعية و الاقتصادية، و حالتهم السياسية و غيرها، و هي أخطر و أهم مسألة لدى الإنسان العربي، لأنها مسالة الدم و الثأر، و الموت و الحياة، و السعادة و الشقاء.

إذا. . فلا بد فيها من توفر القناعات الكاملة بها من قبلهم أنفسهم، و لا بد أن يقرروا هم الدخول فيها و عدمه.

و أما إذا فرضت عليهم فرضا، فلربما يؤدي دخولهم فيها إلى نتائج عكسية، و ربما خطيرة جدا، تجر على المسلمين، و على مستقبل الإسلام الكثير من الرزايا و البلايا، التي قد تعسر معالجتها، و الخروج منها على النحو المرضي و المشرف، و المنسجم مع الهدف الأسمى، و الغاية الفضلى.

و هذا هو السر في استشارته «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في الحرب و شؤونها في بدر و في أحد، كما سنشير إليه ثمة إن شاء اللّه تعالى.

ج-ظروف الأنصار الخاصة:

و إذا كان الأنصار في بلدهم، و يعيشون حياة الأمن و الدعة-على صعيد علاقاتهم بمن يحيط بهم طبعا-و يشرفون على زراعتهم، و أمور معاشهم، و يستفيدون من أرضهم؛ فإن ذلك يجعلهم أكثر تعلقا بالحياة، و حبا لها، و لا بد من توفر دافع نفسي أقوى يسهل عليهم الخروج إلى جو آخر، فيه الكثير من المشاكل و الأخطار الجسام، إن حاضرا، و إن مستقبلا.

و أيضا: إذا كان الأنصار سوف يحاربون قريشا، أعظم قبائل العرب خطرا و نفوذا، و حتى قدسية، فإن عليهم أن يعدوا إلى العشرة قبل أن يقدموا على أي إجراء من شأنه أن يعرض علاقتهم بمكة إلى الخطر، و لا سيما إذا كان من الممكن أن يجر ذلك عليهم خطر عداء العرب قاطبة، فضلا عن غيرهم، و على الأخص إذا كان المدنيون في موقع المعتدي في نظر الناس.

و هذا هو ما حدث بالفعل، فإن التاريخ يحدثنا: «عن أبي بن كعب قال: لما قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه إلى المدينة و آوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح و لا

يصبحون إلا فيه» (1).

فأذن اللّه تعالى لهم بالقتال دفاعا عن أنفسهم، و لرد كيد أعدائهم، كما قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (2).

أما ظروف المهاجرين، فكانت مختلفة تماما عن ظروف الأنصار من هذه الجهة؛ لأن اتخاذهم قرار الحرب ضد قريش كان أسهل و أيسر، لأن وقوفهم ضدها له مبرراته النفسية و الاجتماعية كاملة، فإن الكل يعلم: أنها كانت تلك القوة الغاشمة التي أهانتهم، و عذبتهم و أخرجتهم من ديارهم، و سلبتهم أموالهم، و لأن المهاجرين الذين كانوا مشردين، مقهورين، كانوا يشعرون بظلم قريش و خروجها على كل النواميس الأخلاقية و الأعراف الاجتماعية، و الأحكام العقلية و الدينية و الفطرية. فاندفاعهم إلى محاربتها، و الوقوف في وجهها يكون أعظم و أشد.

كما أن تحريكهم إلى مضايقة قوافلها، التي تمثل إغراء لهؤلاء الذين فقدوا أموالهم، و كل ما لديهم على أيدي أصحاب هذه القوافل نفسها، يكون أسهل و أيسر.

و خلاصة الأمر: لا يمكن أن ينظر إلى وقوفهم في وجه قريش على أنه تجن و اعتداء عليها، بل هي حرب محقة و عادلة لمن هذه معاملتهم، و تلك


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 123، و راجع: البحار ج 19 ص 8، و إعلام الورى ص 55، و منتخب كنز العمال ج 1 ص 465 بهامش مسند أحمد عن البيهقي في الدلائل، و ابن مردويه، و ابن المنذر، و عن كنز العمال ج 1 ص 295 عن هؤلاء و عن الطبراني، و الحاكم، و سعيد بن منصور، و عن روح المعاني ج 6 ص 98.

2) الآية 39 من سورة الحج.

هي حالتهم و سلوكهم، و مع من؟ ! . مع أحب الناس و أقربهم نسبا إليهم، فكيف تكون الحال لو كان الأمر مع غيرهم ممن لا تربطهم بهم رابطة قربى، و لا وشائج رحم؟ ! .

د-الحالة النفسية للمهاجرين:

و بعد ما تقدم، فقد كان اتخاذ المهاجرين قرار الحرب أيسر من اتخاذ الأنصار قرارا كهذا، حيث لا يعتبر ذلك اعتداء، بقدر ما هو رد للاعتداء، فهو إذا قرار له مبرراته السياسية و الاجتماعية و النفسية، و كان لا بد من حصول هذا الأمر، حيث يوجد المناخ العام الملائم حينئذ لدخول الأنصار للحرب ليكونوا الدرع الواقي، و السيف القاطع.

فبدأ المهاجرون في تحركاتهم، و قد أعطتهم هذه التحركات التدريجية، و هم الغرباء عن المنطقة فرصة للتعرف عليها جغرافيا، ولو بشكل محدود؛ فقد كان المهاجرون المصدومون نفسيا، يشعرون بالغربة عن المنطقة، فهم بحاجة إلى حركة تعيد لهم الثقة بأنفسهم، و ترفع معنوياتهم، و تركز فيهم الشعور بالقوة، و بالاستقلالية و الحرية، فأعطتهم هذه التحركات شعورا بأن باستطاعتهم-الآن-مضايقة قريش، و الضغط عليها، و أنهم يملكون أنفسهم بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

و قد عزز ذلك فيهم موادعات رسول اللّه لكثير من القبائل التي كانت تعيش في المنطقة، أما الأنصار فقد كانوا في غنى عن كل ذلك بملاحظة ظروفهم و أحوالهم.

يضاف إلى ذلك: أنه إذا كان بين هؤلاء المهاجرين من أثرت فيه المحنة

و زعزعت يقينه الصدمة، فإن تكليفه بالقيام بأعمال و تقديم تضحيات في سبيل هذا الدين، لسوف يحصنه من الوقوع-بسبب ضعف نفسه-بين براثن الشيطان.

فإنه إذا رأى نفسه يعمل في سبيل هذا الدين، و هذه العقيدة، و يضحي من أجلها و في سبيلها، و أن عمله هذا يؤثر و ينتج و يتقدم من حسن إلى أحسن، فسوف يعود إليه ثباته، و تطمئن نفسه، و يصير تأثير المحنة عليه أقل، و التفاعل معها أندر.

و سوف يصبح تعلقه بما ضحى من أجله، و تعب و شقي في سبيله، أشد و أوثق، و تنفذ بصيرته في الدين و في الإسلام بشكل أعظم و أعمق.

ه-العربي و قضية الدم:

و لقد كان العربي لا يغفر قضية الدم، و لا يتجاوزها، و على أساس الثأر للدم يتقرر مصير العلاقات بين القبائل و الفئات سياسيا، و اقتصاديا، و اجتماعيا، و غير ذلك، و لربما يستمر العداء الثأري بين القبائل أجيالا عديدة.

و إذا كان لا بد من قيام مجتمع إسلامي متكافل، متماسك كالجسد الواحد، فلا بد من حصر قضايا الدم و الثأر في أضيق دائرة ممكنة، تفاديا للأحقاد التي تتأصل في النفوس، و يظهر أثرها و لو بعد أجيال، و عشرات، بل مئات السنين.

و لذا نلاحظ: أن حرب بدر رغم أن الكثرة فيها كانت للأنصار بنسبة واحد إلى أربعة أو خمسة من المهاجرين، إلا أن أكثر قتلى المشركين كانت نهايتهم على يد علي «عليه السلام» و حمزة، و هما من المهاجرين القرشيين، كما

سنرى إن شاء اللّه تعالى.

و لأجل هذا بعينه، ثم من أجل تقليل القتلى ما أمكن، نجد أمير المؤمنين «عليه السلام» يقول للأزد في صفين: أكفوني الأزد، و الخثعم: أكفوني خثعما، و أمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا قبيلة ليس منهم بالشام أحد مثل بجيلة، لم يكن بالشام منهم إلا عدد يسير؛ فصرفهم إلى لخم (1).

و كذلك جرى أيضا في حرب الجمل (2).

و قد خرج صائح في حرب الجمل من قبل علي «عليه السلام» يحذر جيش عائشة من الأشتر، و جندب بن زهير (3).

ثم هو يرسل مصحفا إليهم يدعوهم إلى ما فيه، فيقتلون الرجل الحامل له.

هذا بالإضافة إلى المحاولات المتكررة التي بذلها لإقناع طلحة و الزبير و عائشة بالتخلي عن قرار الحرب، ثم هو يعلن انتهاء الحرب بمجرد عقر جمل عائشة، و يظهر أسفه على من قتل.

و أما في صفين، فكم حاول إقناع معاوية و من معه بالكف عن غيهم،


1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 229، و راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 305، و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 141، و راجع: ج 2 ص 299، و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 9 و فيه: أن عليا «عليه السلام» سأل أولا عن قبائل الشام، فلما أخبروه اتخذ قراره ذاك.

2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 299.

3) لباب الآداب ص 187، و الإصابة ج 1 ص 248، و الجمل للمفيد ص 194.

و القبول بحكم اللّه سبحانه، و قد استمرت محاولاته تلك و طالت أسابيع كثيرة. و ما ذلك إلا لأن عليا لا يريد أن يقتل الناس، و إنما يريد قمع الفتنة، و إقامة الدين الذى تحيا به الأمم، بأقل قدر ممكن من الخسائر.

شاهدنا على ذلك أنه عندما أمر المختار إبراهيم بن الأشتر أن يسير إما إلى مضر، أو إلى أهل اليمن، عاد فرجح له أن يسير إلى مضر.

قال الطبري: «فنظر المختار-و كان ذا رأي-فكره أن يسير إلى قومه، فلا يبالغ في قتالهم، فقال: سر إلى مضر بالكناسة الخ. .» (1).

خلاصة الأمر: أنه إذا كانت الحرب بين أفراد أو فئات القبيلة الواحدة؛ فلربما تكون أقل ضراوة من جهة، و لأن العاطفة النسبية، و القربى القبلية تسهل على الناس تناسي الأحقاد و تجاوزها، حيث يتهيأ الجو للعودة إلى الحياة الهادئة، و المحبة و التصافي بسرعة من جهة أخرى.

و الشاهد على صحة ما نقول: أن قريشا ليس فقط كانت تحقد على بني هاشم بسبب نكاية علي «عليه السلام» فيها، حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يبكي على ما سيحل بأهل بيته بعده، نتيجة لتلك الأحقاد (2).

كما أن قريشا لن تنسى-رغم طول العهد-جراحاتها من الأنصار


1) تاريخ الطبري ط مطبعة الاستقامة ج 4 ص 521.

2) راجع: الأمالي للصدوق ص 102 و فرائد السمطين ج 2 ص 36 و راجع: البحار ج 28 ص 37 و 38 و 41 و 51 و 81 و ج 43 ص 172 و 156 و العوالم ص 216 و 217 و 218 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 36 و أنساب الأشراف للبلاذري و مسند أبي يعلى ج 1 ص 427 و مجمع الزوائد ج 9 ص 118 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 139 و المطالب العالية ج 4 ص 61 ط دار المعرفة.

أيضا، و لم تأل وسعا و لم تدخر جهدا في الثأر لنفسها كما سنرى في الفقرات التالية.

هذا كله عدا عما في هذا من الامتحان لهم، فإن القبول بقتل الأقارب يحتاج إلى إيمان عميق، و إخلاص تام، و قد امتحن اللّه سبحانه بني إسرائيل بذلك أيضا، بل لقد امتحن اللّه تعالى نبيه إبراهيم بما يشبه هذا في ولده إسماعيل، حسبما قدمنا.

و-قريش و الأنصار:

و أول ما يطالعنا في مجال استكشاف مشاعر قريش، و نواياها تجاه الأنصار، ما قاله أبو سفيان بعد حرب بدر:

آليت، لا أقرب النساءو لا يمس رأسي و جلدي الغسل

حتى تبيروا قبائل الأوسو الخزرج، إن الفؤاد يشتعل

و قد كان الأنصار أنفسهم يشعرون بهذا الأمر، فإنهم عندما مات النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانوا يبكون؛ لأنهم لا يدرون ما يلقون من الناس بعده «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لم تكن مبادرتهم إلى محاولة مبايعة سعد بن عبادة إلا انطلاقا من هذا الشعور، الذي عبر عنه الحباب بن المنذر بقوله يوم السقيفة: «و لكنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم و آباءهم، و إخوانهم» (2).


1) مسند أحمد ج 6 ص 339، و مجمع الزوائد ج 9 ص 34 عنه.

2) حياة الصحابة ج 1 ص 420.

و قد بين أمير المؤمنين «عليه السلام» دوافع سعد بن عبادة إلى طلب البيعة له، فكتب «عليه السلام» إلى أصحابه يقول:

«و لقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس، إني و اللّه ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، و لا أبايعكم حتى يبايع علي. و لعلي، لا أفعل و إن بايع الخ. .» .

و في مورد آخر من نفس الرسالة: يقول: «إن الأنصار قالوا: أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيره الخ. .» (1).

فذلك يوضح: أن الأنصار بادروا إلى ذلك بعد أن عرفوا أن العرب و قريشا لن تمكن عليا «عليه السلام» من الوصول إلى الحكم، و قد تأكد لديهم ذلك حينما شهدوا كيف منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن كتابة «الكتاب» ، بذلك الأسلوب الجاف و المهين و القاسي، ثم تأخير بعث جيش أسامة، و غير ذلك من قرائن و أحوال لا تخفى.

و بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حاق بالأنصار البلاء، و حلت بهم الرزايا، و استأثر المهاجرون بكل الامتيازات، و كان في ذلك تصديق لما أخبرهم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أنهم سيلقون بعده إثرة، ثم أمرهم بالصبر حتى يلقوه على الحوض (2).

و مما يدل على ما ذكرناه:


1) معادن الحكمة ص 154 و 153 و راجع تعليقات العلامة الأحمدي على معادن الحكمة ص 470-473 لتقف على مصادر كثيرة.

2) راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 411-414 و 409.

1-أن محمد بن مسلمة حين رأى القرشيين و هم يرفلون بالحلل، أعلن بالتكبير في المسجد، فطالبه بذلك عمر، فأخبره بما رأى من الأثرة، ثم قال: أستغفر اللّه، و لا أعود (1).

و يلاحظ هنا: أن محمد بن مسلمة كان من المقربين للهيئة الحاكمة، و من أعوانها الأوفياء الذين كانت تطمئن إليهم، و تعتمد عليهم.

2-لقد هم عمر في أواخر خلافته: أن يأخذ فضول أموال الأغنياء و يقسمها بين فقراء المهاجرين (2).

3-و كان عمر يركب كل جمعة ركبتين: أحدهما: ينظر في أموال يتامى أبناء المهاجرين.

و الثانية: ينظر أرقاء الناس ما يبلغ منهم (3).

4-و نجد عمر بن الخطاب يمتنع عن قضاء حاجة للأنصار كانوا قد جاؤوه من أجلها، حتى توسط ابن عباس لهم عنده (4).

5-لم يكن يبر الأنصار أحد إلا بنو هاشم كما قال البعض. و قد اشتد البلاء بعد ذلك العهد على الأنصار، حتى لقد ورد:

6-أن يزيد لعنه اللّه طلب من كعب بن جعيل أن يهجو الأنصار، فقال له كعب: أرادي أنت إلى الشرك؟ ! . أهجو قوما نصروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و آووه؟ ثم دلّه على الأخطل النصراني، الذي قال فيهم:


1) حياة الصحابة ج 1 ص 413، عن كنز العمال ج 1 ص 329 عن ابن عساكر.

2) راجع أواخر مقالنا: أبوذر في كتابنا دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام.

3) المصنف ج 2 ص 349 و في هامشه عن مالك ج 1 ص 69 مختصرا.

4) راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 414 و 415 و 416.

ذهبت قريش بالسماحة و الندىو اللؤم تحت عمائم الأنصار(1)7-ثم توج يزيد لعنه اللّه جناياته و مخازيه بوقعة الحرة، التي أذل فيها عزيز الأنصار، و هتك فيها حرماتهم، و أباح أعراضهم، و قتل رجالهم، و لم تزل و لا تزال و صمة عار على جبين الحكم الأموي، تؤذن بالخزي و العار لذلك الحكم البغيض، و لكل من يسير على نهجه، و ينسج على منواله.

ز-تزوير التاريخ:

«قال المدائني في خبره: و أخبرني ابن شهاب، قال: قال لي خالد بن عبد اللّه القسري: اكتب لي النسب؛ فبدأت بنسب مضر، و ما أتممته فقال: اقطعه، اقطعه، قطعه اللّه مع أصولهم، و اكتب لي السيرة.

فقلت له: فإنه يمر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، فأذكره؟

فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم» (2).

لعن اللّه خالدا و من ولاه، و قبحهم، و صلوات اللّه على أمير المؤمنين. و حينما وصل كتاب علي «عليه السلام» ، الذي يذكر فيه ما له من مناقب و فضائل إلى معاوية، قال معاوية: «اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام، فيميلوا إلى ابن أبي طالب» (3).

و قد كتب هشام بن عبد الملك إلى الأعمش يطلب منه أن يكتب له


1) الشعر و الشعراء لابن قتيبة ص 302.

2) الأغاني ج 19 ص 59.

3) معجم الأدباء ج 5 ص 266.

فضائل عثمان، و مساوئ علي «عليه السلام» فرفض (1).

و يقول الشعبي: «لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا، أو يملأوا لي بيتا ذهبا، على أن أكذب لهم على علي رضوان اللّه عليه لفعلوا» (2).

و قال أبو أحمد العسكري: «يقال: إن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثا (أي غير حديث الكساء) و اللّه أعلم، و كذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثا واحدا، كانا يخافان بني أمية» (3).

و حسبك دليلا على تزوير التاريخ: أن المؤرخين يذكرون: أنه قد كان مع علي «عليه السلام» سبعمائة من المهاجرين و الأنصار، و سبعون بدريا أو ثمانون، و ماءتان من أهل بيعة الشجرة (4).

و لكن أعداء علي و مزوري التاريخ قد بلغت بهم الوقاحة حدا-كما عن الشعبي-: أن قالوا: من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر إلا أربعة، فكذبه، كان علي و عمار في ناحية، و طلحة و الزبير في ناحية (5).

و قد ذكر الإسكافي: «أن معاوية وضع قوما من الصحابة، و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام» تقتضي الطعن فيه


1) راجع: شذرات الذهب ج 1 ص 221.

2) تاريخ واسط ص 173.

3) أسد الغابة ج 2 ص 20.

4) المعيار و الموازنة ص 22. مستدرك الحاكم ج 3 ص 104 و الغدير ج 10 ص 163 عن صفين و 268 و 266 و عن شرح النهج ج 1 ص 483 و جمهرة خطب العرب ج 1 ص 179 و 183.

5) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 328.

و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير» (1).

و قد استطاع معاوية أن يزين لأهل الشام أن عليا و أصحابه لا يصلون (2).

و هكذا جرى أيضا للأنصار، قال الزبير بن بكار ما ملخصه: إن سليمان بن عبد الملك قدم حاجا، و هو ولي عهد؛ فمر بالمدينة، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و مغازيه، فقال له أبان: هي عندي، قد أخذتها مصححة ممن أثق به، فأمر بنسخها فنسخت له، فلما صارت إليه نظر؛ فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، و ذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنت أرى لهؤلاء هذا الفضل، فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا (3)عليهم، و إما أن يكونوا ليس هكذا.

فقال أبان بن عثمان: أيها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه، لأن نقول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.

قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحرق.

فلما رجع، و أخبر أباه، قال عبد الملك: و ما حاجتك أن تقدم بكتاب


1) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64.

2) الغدير ج 9 ص 122 عن صفين للمنقري ص 402 و عن تاريخ الطبري ج 6 ص 23 و عن شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 278 و عن الكامل في التاريخ ج 3 ص 135.

3) غمص على فلان: كذب عليه، و غمص على فلان كلامه: أي عابه عليه.

ليس لنا فيه فضل؟ تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها؟ !

فأخبره بتحريق ما كان نسخ، فصوب رأيه، و كان عبد الملك يثقل عليه ذلك. و بعد أن ذكر الراوي: أن سليمان أخبر قبيصة بن ذؤيب بما جرى، و جواب قبيصة له، قال:

فقال سليمان: يا أبا إسحاق، ألا تخبرني هذا البغض من أمير المؤمنين و أهل بيته لهذا الحي من الأنصار، و حرمانهم إياهم، لم كان؟ ! .

فقال: يا ابن أخي، أول من أحدث ذلك معاوية بن أبي سفيان، ثم أحدثه أبو عبد الملك، ثم أحدثه أبوك.

فقال: علام ذلك؟ !

قال: فو اللّه ما أريد إلا لأعلمه و أعرفه.

فقال: لأنهم قتلوا قوما من قومهم، و ما كان من خذلانهم عثمان «رض» ، فحقدوه عليهم، و حنقوه، و توارثوه، و كنت أحسب لأمير المؤمنين أن يكون على غير ذلك لهم، و أن أخرج من مالي فكلمه.

فقال سليمان: أفعل و اللّه، فكلمه، و قبيصة حاضر، فأخبره قبيصة بما كان من محاورتهم.

فقال عبد الملك: و اللّه ما أقدر على غير ذلك، فدعونا من ذكرهم، فأسكت القوم (1).

و لكن ما ذكره قبيصة من أن أول من حرمهم هو معاوية في غير محله، فقد بدأ حرمانهم من زمن عمر بن الخطاب كما يظهر مما تقدم، بل و من زمن


1) أخبار الموفقيات ص 332-334.

أبي بكر، و ليس تحقيق ذلك محط نظرنا الآن.

و على كل حال، فقد قال رجل من الأنصار:

ويل أمها أمة لو أن قائدهايتلو الكتاب، و يخشى العار و النارا

أما قريش فلم نسمع بمثلهمغدرا و أقبح في الإسلام آثارا

ضلوا سوى عصبة حاطوا نبيهمبالعرف عرفا و بالإنكار إنكارا(1)و قال بعض الأنصار أيضا:

دعاها إلى حرماننا و جفائناتذكر قتلى في القليب تكبكبوا

فإن يغضب الأبناء من قتل من مضىفو اللّه ما جئنا قبيحا فتعتبوا(2)و يقول آخر:

و خبرتمونا: أنما الأمر بينناخلاف رسول اللّه يوم التشاجر

فهلا وزيرا واحدا تحسبونهإذا ما عددنا منكم ألف آمر(3)

ح: تأكيد النبي صلّى اللّه عليه و آله على بر الأنصار:

و لم يكن بغض الأمويين و قريش للأنصار فقط لأجل الدماء و الترات، و إنما لأنهم نصروا اللّه و رسوله، و محق اللّه الشرك، و ذل المشركون بمساعدة منهم.

بل إن بغضهم لهم إنما كان انطلاقا من بغضهم للإسلام. و لربما يكون هذا هو السر في تأكيدات النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الحور العين ص 215.

2) الحور العين ص 215 للأمير نشوان الحميري.

3) المصدر السابق.

المتكررة على لزوم حب الأنصار، و احترامهم و تقديرهم.

فنراه «صلى اللّه عليه و آله» يعتبر حب الأنصار إيمانا و بغضهم نفاقا (1). و قال: من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، و من أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم (2).

و بذلك يكون قد حفظ لهم هذا الجهاد الخالص في سبيل اللّه، و دفاعهم عن هذا الدين، و لأنهم آووا و نصروا و بذلوا كل غال و نفيس؛ فجزاهم اللّه عن الإسلام و عن المسلمين خير جزاء و أوفاه.

كما أننا يجب أن لا ننسى التزام الأنصار في الأكثر بخط أهل البيت «عليهم السلام» ، و تعظيمهم لحق أمير المؤمنين «عليه السلام» و نصرتهم له في الجمل و صفين و النهروان، على خلاف كثير من المهاجرين.

و مما يدل على مكانة علي «عليه السلام» لدى الأنصار ما رواه الزبير بن بكار عن عمرو بن العاص حينما تكلم في المسجد كلاما قاسيا ضد الأنصار،


1) مسند أحمد ج 5 ص 285 و ج 6 ص 7 و ج 4 ص 283 و 292 و ج 3 ص 130 و 249 و راجع حول فضل الأنصار مسند أحمد ج 4 ص 70 و ج 6 ص 382 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 191 و 285 و 286 و منحة المعبود ج 2 ص 137 و 138 و صحيح مسلم ج 1 ص 60 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 140 و 57 و 58 و صحيح البخاري ج 2 ص 198 و 199 و مجمع الزوائد ج 10 ص 39 و 40.

2) راجع مجمع الزوائد ج 9 ص 376 عن الطبراني في الصغير و الكبير، و البداية و النهاية ج 3 ص 203، و فتح الباري ج 1 ص 59،60 و ليراجع باب حب الأنصار في مجمع الزوائد ج 10 ص 28-42 و سائر كتب الحديث فإن كثيرا منها قد عقدت فصلا لفضائل الأنصار.

لأجل محاولتهم البيعة لسعد بن عبادة، قال الزبير: «ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، و ندم على قوله للخؤولة التي بين ولد عبد المطلب و بين الأنصار، و لأن الأنصار كانت تعظم عليا و تهتف باسمه حينئذ» .

ثم تذكر الرواية كيف أن عليا «عليه السلام» جاء إلى المسجد و دافع عن الأنصار، و القصة طويلة (1).

و التزام الهاشميين ببرهم، تنفيذا لوصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم قولهم يوم السقيفة-بعد أن فشلت محاولة البيعة لسعد بن عبادة-: «لا نبايع إلا عليا» (2).

و علي «عليه السلام» هو قاتل صناديد قريش و جبابرتها كما هو معلوم ربما يكون كل ذلك، و معه عمق إيمانهم، و التزامهم القوي بالدين، و التفقه فيه حتى من نسائهم، هو السبب في ذلك.

بقي أن نذكر: أن علم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كان عند الأنصار، كما قالوا (3).

و عن نساء الأنصار قالت عائشة: «إن لنساء قريش لفضلا، و إني و اللّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، و لا أشد تصديقا لكتاب اللّه، و لا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور، و ليضربن بخمرهن. .» (4).


1) الموفقيات ص 595 و 596 و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 33.

2) تاريخ ابن الأثير ج 2 ص 325.

3) التراتيب الإدارية ج 2 ص 325.

4) الدر المنثور ج 5 ص 42 عن ابن أبي حاتم، و أبي داود، و ابن مردويه، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 284 و راجع: مسند أبي عوانة ج 1 ص 317 و حياة الصحابة ج 3 ص 87.

و عنها أيضا قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (1).

ط-لا غنى في الحرب عن الأنصار:

و لكن كل ما قدمناه لا يعني: أن لا يشترك الأنصار في حرب أبدا؛ فإن قضية الإسلام، التي هي قضية الأمم و الإنسانية جمعاء على مدى التاريخ، تفوق في أهميتها و خطرها أهمية و خطر ما سيواجهه الأنصار من قريش فيما بعد، و على الأخص إذا كان الإسلام قد وضع الضمانات اللازمة لتفادي أي رد فعل من هذا النوع.

و إنما حدث ما حدث بسبب عدم رعاية الأمة لقوانين الإسلام، و عدم أخذها تلك الضمانات بنظر الاعتبار.

نعم. . لم يكن ثمة محيص عن اشتراك الأنصار في الحرب، كما أنه لم يكن مفر من العمل على تخفيف حدة حقد قريش، و الموتورين من قبل الإسلام؛ لتكون المشاكل المستقبلية، التي سوف يواجهها الأنصار أقل، و وقعها أخف نسبيا، و هكذا كان.

و سيأتي إن شاء اللّه بعض الكلام أيضا عن قريش و الأنصار في غزوة بدر العظمى، فلا بد من ملاحظة ذلك.


1) راجع صحيح البخاري ج 1 ص 24 و المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 314 و في الهامش عن البخاري و مسلم، و ابن أبي شيبة، و عن كنز العمال ج 5 رقم 3145، و عن اهتمام نساء الأنصار بالفقه راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 321.

القسم الخامس: حتى أحد

اشارة

الباب الأول: معركة بدر الباب الثاني: بحوث ليست غريبة عن السيرة الباب الثالث: ما بين أحد و بدر

الباب الأول: معركة بدر

اشارة

الفصل الأول: في أجواء القتال الفصل الثاني: نتائج الحرب الفصل الثالث: الغنائم و الأسرى الفصل الرابع: نهاية المطاف

الفصل الأول: في أجواء القتال

اشارة

محاولة قرشية فاشلة:

و بعد مضي مدة على وجود النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين في المدينة، كتب كفار قريش إلى عبد اللّه بن أبي بن سلول، و من كان يعبد الأوثان من الأوس و الخزرج، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ بالمدينة-قبل وقعة بدر-يقولون:

«إنكم آويتم صاحبنا، و إنكم أكثر أهل المدينة عددا، و إنا نقسم باللّه، لتقتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن (1)عليكم العرب، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، و نستبيح نساءكم» .

فلما بلغ ذلك ابن أبي و من معه من عبدة الأوثان تراسلوا؛ فاجتمعوا، و أجمعوا لقتال النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما بلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه لقيهم في جماعة، فقال:

«لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم. فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم و إخوانكم» .


1) الظاهر: أن الصحيح هو: لنستعينن.

فلما سمعوا ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» تفرقوا؛ فبلغ ذلك كفار قريش، و كانت وقعة بدر (1).

الإنتداب إلى بدر:

و في السنة الثانية، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك كانت حرب بدر العظمى بين المسلمين و مشركي مكة.

و ذلك أن العير التي طلبها المسلمون في غزوة العشيرة و أفلتت منهم إلى الشام، ظل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يترقبها، حتى علم بعودتها، و كانت بقيادة أبي سفيان، مع ثلاثين، أو أقل، أو أربعين، أو سبعين راكبا. و فيها أموال قريش؛ حتى قيل: إن فيها ما قيمته خمسون ألف دينار، في ذلك الوقت الذى كان فيه للمال قيمة كبيرة.

فندب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين للخروج إليها؛ فانتدب الناس؛ فخف بعضهم، و ثقل آخرون، و لعلهم تخوفوا من كرة قريش عليهم، حينما لا بد لها من محاولة الانتقام لهذا الإجراء الذي يستهدف مصالحها الحيوية.

يقول عدد من المؤرخين: «و أبطأ عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كثير من أصحابه، و كرهوا خروجه، و كان في ذلك كلام كثير و اختلاف. و تخلف بعضهم من أهل النيات و البصائر، لم يظنوا أن يكون قتال، إنما هو الخروج للغنيمة، و لو ظنوا أن يكون قتال ما تخلفوا» (2).


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 358 و 359.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 85 و مغازي الواقدي ج 1 ص 20 و 21 و البحار ج 19 ص 328 و السيرة الحلبية ج 2 ص 143.

و قال الواقدي: كره خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أقوام من أصحابه إلى بدر، قالوا: نحن قليل، و ما الخروج برأي، حتى كان في ذلك اختلاف كثير (1).

و قد حكى اللّه تعالى ذلك، فقال:

كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يُجٰادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (2).

نعم لقد كرهوا ذلك لعلمهم بأن قريشا لن تسكت على أمر خطير كهذا. و من هنا نعرف: أن قول بعضهم: إن من تخلف لم يكن يظن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يلقى حربا (3)في غير محله، بل هو محاولة إيجاد عذر للمتخلفين مهما كان فاشلا و غير معقول.

و إلا فالآية الكريمة خير دليل على عدم صحة هذا القول. و خرج المسلمون يريدون العير، و علم أبو سفيان بالأمر، فأرسل إلى قريش يستنفرهم لنجاة العير.

الذين يخشون الناس:

و يذكر هنا: أن عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و المقداد، و قدامة بن مظعون، كانوا يؤذون في مكة؛ فكانوا يستأذنون النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتال المشركين، فلا يأذن لهم، فلما أمروا بالقتال، و السير إلى


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 131.

2) الآيتان 5 و 6 من سورة الأنفال.

3) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 116.

بدر، شق على بعضهم؛ فنزل قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتُوا اَلزَّكٰاةَ فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتٰالُ إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنّٰاسَ كَخَشْيَةِ اَللّٰهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قٰالُوا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتٰالَ لَوْ لاٰ أَخَّرْتَنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتٰاعُ اَلدُّنْيٰا قَلِيلٌ وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقىٰ (1).

و نحن نقول: إن نفسية المقداد و مواقفه تأبى أن يكون ممن شق عليهم ذلك؛ بدليل موقفه العظيم الآتي بعد صفحات يسيرة إن شاء اللّه، حينما استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في حرب قريش.

أضف إلى ذلك: أن الآية تدل على أن هؤلاء قد خافوا و جبنوا عن القتال، و كانت خشيتهم و خوفهم من الناس أشد منها بالنسبة إلى اللّه سبحانه، و أن ذلك كان لأجل حب البقاء، و للتمتع بالدنيا.

و نحن نعلم: أن المقداد لم يكن جبانا قط، و لا كان من محبي البقاء في الدنيا على حساب الدين و الإسلام، و تلك هي حياته و سيرته خير شاهد على ما نقول.

كما أن الرواية و الآية تدلان على أن فريقا من أولئك المذكورين أولا قد شق ذلك عليهم، و ليس الكل.

و أما من عدا المقداد ممن ذكرت الرواية أسماءهم، فإن تعلقهم بالدنيا كما يظهر من سيرة حياتهم و مواقفهم المختلفة، يؤيد أن يكونوا ممن شق


1) البحار ج 19 ص 209 و مجمع البيان ج 3 ص 77 و الدر المنثور ج 2 ص 184 عن: النسائي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الحاكم، و صححه، و البيهقي في سننه، و عبد بن حميد، و ابن المنذر.

عليهم ذلك فعلا.

فأما عبد الرحمن بن عوف؛ فلا يشك في كونه من الذين قالوا ذلك كما يفهم من بعض النصوص (1)و لقد ترك هذا الرجل من المال ما هو معروف و مشهور، و قد جرى بين أبي ذر و عثمان و كعب الأحبار ما جرى بسبب ذلك (2)، و قد صرح بأنه أكثر قريش مالا (3).

و موقفه في يوم الشورى معروف أيضا، فإنه قد ضرب بكل الأوامر الإلهية و الوصايا النبوية في حق علي «عليه السلام» عرض الحائط، فلم يكن ليهتم كثيرا بأوامر اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» و ذلك رغبة منه في الدنيا و إيثارا لها.

و أما قدامة فقد حده عمر في الخمر، و تخلف عن بيعة علي «عليه السلام» (4). كل ذلك طلبا للدنيا، و انسياقا وراء الهوى.

و أما سعد، فقد أبى أن يبايع عليا «عليه السلام» ، و قعد عنه في حروبه،


1) يفهم ذلك من إطلاقات روايات الدر المنثور فراجع.

2) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 و مسند أحمد ج 1 ص 63 و راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 160 و الغدير ج 8 ص 351 و راجع: أنساب الأشراف ج 5 ص 52 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 54 و ج 8 ص 256 و تفسير الميزان ج 9 ص 251-258 و تاريخ الأمم و الملوك و غير ذلك.

3) راجع: كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 172 و مجمع الزوائد ج 9 ص 72.

4) راجع قاموس الرجال ج 7 ص 385 و عن كونه قد حد في الخمر راجع: الإصابة ج 3 ص 228-229 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 361 و أسد الغابة ج 4 ص 199 و شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 23.

و قطع «عليه السلام» عنه العطاء، و صارمه عمار، و أخذ بعض أموال بيت مال الكوفة (1). إلى غير ذلك مما يدل على تعلقه بالدنيا، و عدم اهتمامه بأوامر اللّه و رسوله.

فهؤلاء هم الذين يمكن أن يكونوا محط نظر الآية و الرواية، و إنما أخفى الرواة أسماءهم، و خلطوهم بغيرهم، لأن السياسة كانت ترغب في ذلك، كما هو معلوم.

رؤيا عاتكة:

و يقول المؤرخون: إن عاتكة بنت عبد المطلب كانت قد رأت في الرؤيا: أن رجلا أقبل على بعير له ينادي: يا آل غالب.

و في رواية: يا آل غدر، أغدوا إلى مصارعكم، ثم دهده حجرا من أبي قبيس؛ فما ترك دارا بمكة إلا أصابتها منه فلذة.

فأخبرت عاتكة العباس برؤياها، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال: هذه مصيبة تحدث في قريش.

أما أبو جهل، فقال: هذه نبية ثانية في بني عبد المطلب، و اللات و العزى، لننظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا، و إلا لنكتبن كتابا بيننا: إنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا، و نساء من بني هاشم.

فلما كان اليوم الثالث جاءهم النذير يناديهم: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة، اللطيمة (2).


1) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 312-315.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 143 و 144 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 136-

قريش تتجهز:

و ما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، و قالوا: من لم يخرج نهدم داره، فلم يتخلف رجل إلا أخرج مكانه رجلا (1).

و بعث أبو لهب العاصي بن هشام مكانه على أربعة آلاف درهم، كانت له عليه من مال المقامرة-على ما قيل- (2).

موقف أمية بن خلف:

و كان أمية بن خلف معرضا عن الخروج؛ لأن سعد بن معاذ كان قد قدم مكة معتمرا، فنزل على أمية، لصداقة بينهما، و خرج سعد ليطوف، و معه أمية، فلقيهما أبوجهل، فقال لسعد: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، و قد آويتم الصباة، و زعمتم أنكم تنصرونهم، و تعينونهم؟ ! أما و اللّه لو لا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما.(2)-و 137 و الروض الأنف ج 3 ص 43 و تاريخ الخميس ج 1 ص 369 عن ابن إسحاق و المغازي للواقدي ج 1 ص 29 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 259 و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 29 و 30 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 116 و 117 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 53 و البحار ج 19 ص 245 و البداية و النهاية ج 3 ص 357 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 382.


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 261.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 145 و أنساب الأشراف ج 1 ص 292 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 261 و تاريخ الخميس ج 1 ص 370 و المغازي للواقدي ج 1 ص 33 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 137 و البداية و النهاية ج 3 ص 258.

فقال له سعد-و قد رفع صوته-: أما و اللّه، لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة.

فاعترض أمية عليه لرفعه صوته على سيد أهل الوادي بزعمه.

فقال سعد: دعنا عنك، فو اللّه لقد سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إنهم قاتلوك.

فقال أمية: بمكة؟

قال سعد: لا أدري.

قال أمية: و اللّه ما كذب محمد.

و فزع فزعا شديدا (و قيل: أحدث في ثيابه فزعا) ، و عزم على ألا يخرج.

فلما كان يوم بدر أصر عليه أبو جهل ليخرج، حتى ليقال: إنه أرسل إليه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها بخور، حتى وضعها بين يديه، و قال: استجمر، فإنك من النساء. فتحمس حينئذ، و تهيأ للخروج، فنهته زوجته و قالت: «و اللّه، إن محمدا لا يكذب» . فأبى إلا المسير، فقتل في بدر (1).

مع قضية ابن خلف:

و لا بد لنا هنا من تسجيل النقاط التالية:

1-إن مما يلفت النظر هنا تهديد سعد لأبي جهل بقطع طريقه على المدينة، و اعتباره هذا الإجراء أشد على أبي جهل من منع المدنيين من


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 145، و راجع: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة بدر، و باب علامات النبوة و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 384 و 385 و رواه أحمد.

الوصول إلى مكة.

و ذلك أمر واضح؛ فإن الحياة الإقتصادية للمكيين قائمة على التجارة، و أهم المراكز التجارية لهم هو الشام. و إذا تعرضت مكة لضغط إقتصادي قوي، و أصبحت بحاجة إلى الآخرين؛ فإن ذلك سوف يؤثر على وضعها السياسي و الإجتماعي أيضا، حيث تفقد هيبتها، و أهميتها، و نفوذها في القبائل العربية.

و لماذا و على أي شيء كانت تحارب محمدا «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين؟ ! أليس لأجل النفوذ و الزعامة، التي تعتبرها فوق كل شيء، و أعز و أجل شيء؟ ! .

و قد تقدم بعض الكلام في هذا الموضوع حين الكلام عن الهجرة.

2-إننا نلاحظ: أن أمية بن خلف لم تكن مواقفه و تصرفاته محكومة لعقله، و لا نابعة من أعماق ضميره و وجدانه. فهو يقتنع بصدق محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، ولكنه لا يقعد عن حربه-حين يقعد-من أجل ذلك، و إنما خوفا على نفسه، و حفاظا عليها، كما أنه لا يحاربه حين يحاربه من أجل تبدل الرؤية لديه، و إنما بوحي من تحمسه الكاذب، و نخوته الجاهلية؛ فأورده ذلك المهالك في الدنيا و في الآخرة.

و قد حكى اللّه تعالى حالة أمثاله، بأجلى بيان، و أوجز عبارة، فقال: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ (1).


1) الآية 14 من سورة النمل.

3-في هذه القضية أيضا دلالة واضحة على المكانة السامية التي كانت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفوس الناس جميعا، و على أنهم يرونه صادقا فيما يخبر به حين يرجعون إلى ضميرهم و وجدانهم، و إلى ما في قرارة نفوسهم من قناعة واقعية إلى حد أنهم يقسمون على صدقه فيما يخبر به، و أنه لا يكذب. و لكنهم في نفس الوقت يشعرون أنهم بحاجة إلى إظهار العناد و التكذيب لمصالح دنيوية، و اعتبارات قبلية، أو غير ذلك.

رجوع طالب بن أبي طالب عن الحرب:

و خرج مع المشركين من بني هاشم: العباس، و عقيل، و نوفل بن الحارث، و طالب بن أبي طالب. فأما طالب فخرج مكرها، فجعل يرتجز و يقول:

يا رب إما يغزون طالبفي مقنب من هذه المقانب

فليكن المسلوب غير السالبو ليكن المغلوب غير الغالب

فجرت بينه و بين القرشيين ملاحاة و قالوا: و اللّه، لقد عرفنا أن هواكم مع محمد؛ فرجع طالب فيمن رجع إلى مكة، و لم يوجد في القتلى، و لا في الأسرى، و لا فيمن رجع إلى مكة (1).

و ادّعى البعض: أنه مات كافرا في غزوة بدر حين وجهه المشركون إلى


1) راجع: البحار ج 19 ص 294 و 295، و روضة الكافي ص 375، و تاريخ الطبري ج 2 ص 144، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 121، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 271، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375 و راجع البداية و النهاية ج 3 ص 266 و أنساب الأشراف ج 2 ص 42 و فيه أنه حضر بدرا مع المشركين.

حرب المسلمين (1).

هكذا قالوا. . و نحن نقول:

ألف-كيف لم يوجد فيمن رجع إلى مكة، و ابن هشام يذكر له قصيدة يمدح فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبكي أهل القليب-على حد تعبير ابن هشام-و يطلب في شعره من بني عبد شمس و نوفل أن لا يثيروا مع الهاشميين حربا تجر المصائب و البلايا، و الاهوال، و فيها يقول:

فما إن جنينا في قريش عظيمةسوى أن حمينا خير من وطأ التربا

أخا ثقة في النائبات مرزّأكريما ثناه، لا بخيلا و لا ذربا

يطيف به العافون يغشون بابهيؤمّون نهرا لا نزورا و لا ضربا

فو اللّه لا تنفك عيني حزينةتململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا(2)و هذا يدل على أنه قد عاش إلى ما بعد وقعة بدر. و أما بكاؤه أهل القليب، فالظاهر أنه كان مجاراة لقريش، كما يدل عليه مدحه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلبه من بني عبد شمس و نوفل أن لا يحاربوا الهاشميين و إلا، فكيف نفسر شعره المتقدم:

و ليكن المسلوب غير السالبو ليكن المغلوب غير الغالب

ب-لقد ورد في رواية مرسلة عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 163.

2) سيرة ابن هشام ج 3 ص 27 و 28 و البداية و النهاية ج 3 ص 340.

طالبا قد أسلم (1).

و روي أنه هو القائل:

و خير بني هاشم أحمدرسول الإله على فترة(2)و ليس من البعيد: أن تكون قريش قد دبرت أمر التخلص من طالب انتقاما لنفسها، لما جرى عليها من علي في بدر و غيرها.

المكرهون و الراجعون:

و حينما خالف أبو سفيان في الطريق، و نجا بالعير، أرسل يطلب من قريش الرجوع، فأبى أبو جهل، إلا أن يرد بدرا، و يقيم ثلاثة أيام، و يأكل، و يشرب الخمور، حتى تسمع العرب بمسيرهم و جمعهم؛ فيهابونهم أبدا.

و لكن الأخنس بن شريق رجع ببني زهرة، و لم يشهدوا الحرب. و قيل: شهدها رجلان منهم قتلا في بدر.

بل قال التلمساني في حاشية الشفاء: إن الأخنس نفسه قد قتل في بدر، و قيل مات في خلافة عمر.

و يذكرون: أن سبب رجوع الأخنس ببني زهرة هو أنه سأل أبا سفيان سرا: إن كان محمد يكذب، فقال له: ما كذب قط، كنا نسميه الأمين، و لكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية و الرفادة لها و المشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء يكون لنا، فانخنس الأخنس، و رجع ببني زهرة (3).


1) البحار ج 19 ص 294.

2) شرح النهج ج 14 ص 78.

3) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 153.

و كذلك لم يشهد بدرا من بني عدي أحد. و أراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، و قال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع (1).

موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من المكرهين و الراجعين:

فلأجل ما تقدم، و لأجل موقف الهاشميين من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و حمايتهم لهم في مكة، نهى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل من خرج من بني هاشم، و نهى أيضا عن قتل أبي البخترى، الوليد بن هشام، لأنه كان يكف الناس عنه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة، و كان لا يؤذيه، و هو ممن قام في نقض صحيفة المقاطعة. و لكنه حين أبى أن يستأسر في بدر إلا مع زميل له، قتل هو و إياه.

و كذلك فقد نهى «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل الحارث بن نوفل؛ لكراهة الخروج أيضا فقتله من لم يعرفه. و كذلك جرى لزمعة بن الأسود.

نظرة في موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من هؤلاء:

و في مجال الاستفادة مما تقدم نسجل النقاط التالية: 1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن-كما قدمنا، و كما يشعر به موقفه المسجل من هؤلاء-يهدف من الحرب إلى التغلب، و الحصول على الملك و السلطان، و لا هو يرغب في سفك الدماء، و لا كان يعجبه أن يرى


1) راجع في ما تقدم السيرة لابن هشام ج 2 ص 271 و السيرة الحلبية ج 2 ص 154. و ج 1 ص 291 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 31 و 33.

جثث القتلى و يسمع أنين الثكالى؛ بل كان له هدف أسمى و غاية فضلى، ترجع بالنفع العميم على الأمة، و على الأجيال، و يريد الوصول إليها بأقل عدد ممكن من الضحايا.

2-كما أنه كان يقدر مواقف الناس، التي تعبر عن حسن خلق، و سجية و شهامة، و أريحية فيهم، مهما كانت هويتهم و انتماؤهم، و أيا كان موقفهم، لأنه هو الإنسان الكامل و رسول الإنسانية، فهو الذي يستطيع أن يدرك تلك الصفات و السجايا، و يقدرها أكثر من أي إنسان آخر.

و من هنا، فقد كان موقفه واحدا من جميع أولئك الذين أحسنوا السيرة و التصرف-ولو مرة-و كذا كان موقفه من الذين أكرهوا على الخروج.

و لم يكن ليختص بموقفه هذا أقاربه و أهل عشيرته، فإنه لم يكن يتأثر في مواقفه بعواطف نسبية، بل ليس من مصلحته ذلك في مثل هذا الموقف من وجهة نظر المنطق، و التصرف العقلاني السليم.

3-و هو بالتالي يقدر، و يفهم الظروف الصعبة التي كان يعاني منها البعض، بحيث تفرض عليهم قريش موقفا لا ينسجم مع رغائبهم و قناعاتهم، أو على الأقل مع ميل و هوى نفوسهم، و إن كانوا مدينين من جهة أخرى، حيث كان بإمكانهم أن ينصروا الحق، و أن يقفوا موقفا عقلانيا سليما، كما فعل غيرهم ممن أسلموا، و عرضوا أنفسهم للرزايا و النكبات عن رضى و اختيار منهم حتى نصرهم اللّه تعالى و جعل كلمة الحق هي العليا.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يستشير في أمر الحرب:
اشارة

لما كان المسلمون قرب بدر، و عرفوا بجمع قريش، و مجيئها، خافوا

و جزعوا من ذلك؛ فاستشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في الحرب، أو طلب العير.

فقام أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه، إنها قريش و خيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، و ما ذلت منذ عزت. و لم تخرج على هيئة الحرب.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إجلس؛ فجلس؛ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أشيروا علي.

فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر. فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالجلوس، فجلس. و نسب الواقدي و الحلبي الكلام المتقدم لعمر، و قالا عن أبي بكر: إنه قال فأحسن (1).

ثم قام المقداد فقال: يا رسول اللّه، إنها قريش و خيلاؤها، و قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا: أن ما جئت به حق من عند اللّه، و اللّه لو أمرتنا: أن نخوض جمر الغضا (نوع من الشجر صلب) ، و شوك الهراس لخضناه معك، و لا نقول لك ما قالت بن إسرائيل لموسى: قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ (2).

و لكنا نقول: إذهب أنت و ربك؛ فقاتلا، إنا معكم مقاتلون. و اللّه لنقاتلن عن يمينك و شمالك، و من بين يديك، و لو خضت بحرا لخضناه


1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 48، و السيرة الحلبية ج 2 ص 150، و الدر المنثور ج 3 ص 166 عن دلائل النبوة للبيهقي، و البحار ج 19 ص 247، و تفسير القمي ج 1 ص 258.

2) الآية 24 من سورة المائدة.

معك، و لو ذهبت بنا برك الغماد لتبعناك (1).

فأشرق وجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعا له، و سر لذلك، و ضحك كما يذكره المؤرخون (2).

فيلاحظ: أن الكلام كله قد كان من المهاجرين، و قد ظهر منهم: أنهم لا يريدون حرب قريش، و هم يتفادون ذلك بأي ثمن كان، غير أن المقداد قد رد عليهم مقالتهم، و خالفهم في موقفهم. ثم توجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأنصار، حيث يقول النص التاريخي:

ثم قال: أشيروا علي-و إنما يريد الأنصار، لأن أكثر الناس منهم؛ و لأنه كان يخشى أن يكونوا يرون: أن عليهم نصرته في المدينة، إن دهمه عدو، لا في خارجها، فقام سعد بن معاذ-و قيل ابن عبادة و هو وهم؛ لأنه لم يشهد بدرا؛ لأنه كان قد لدغ، فلم يمكنه الخروج (3)-فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، كأنك أردتنا؟

فقال: نعم. فقال: فلعلك قد خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟ قال: نعم.


1) برك الغماد: يعني مدينة الحبشة كما في تاريخ الخميس ج 1 ص 373 و موضع من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر و هو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. راجع مغازي الواقدي ج 1 ص 48.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 373، و السيرة الحلبية ج 2 ص 150 عن الكشاف و مغازي الواقدي ج 1 ص 48.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 150.

قال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه؛ إنا قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند اللّه، فمرنا بما شئت.

إلى أن قال: و اللّه، لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، و لعل اللّه يريك ما تقر به عينك؛ فسر بنا على بركة اللّه.

فسر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمرهم بالمسير، و أخبرهم بأن اللّه تعالى قد وعده إحدى الطائفتين، و لن يخلف اللّه وعده، ثم قال: و اللّه، لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، و عتبة بن ربيعة، و شيبة الخ. .

و سار حتى نزل بدرا.

و يظهر من بعض النصوص: أن الصحابة كانوا-في أكثرهم-يميلون إلى طلب العير، و ترك النفير (1).

و قد ذكر اللّه تعالى ذلك في قرآنه المجيد، فهو يقول: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللّٰهُ إِحْدَى اَلطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذٰاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اَللّٰهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ يَقْطَعَ دٰابِرَ اَلْكٰافِرِينَ (2).

و قبل أن نمضي في الحديث نشير إلى الأمور التالية:

1-إستشارة النبي صلّى اللّه عليه و آله أصحابه:

لقد تحدثنا فيما سبق حينما تكلمنا عن سر إرسال المهاجرين في


1) الدر المنثور ج 3 ص 163 و 169 عن ابن جرير، و أبي الشيخ، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و الكشاف، و البيهقي، و عبد بن حميد و البداية و النهاية ج 3 ص 263.

2) الآية 7 من سورة الأنفال.

الغزوات، و لسوف نتحدث فيما يأتي في غزوة أحد في فصل: قبل نشوب الحرب إن شاء اللّه تعالى، عن موضوع استشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه بما فيه الكفاية.

و لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى أنه قد كان من الضروري أن يستشير «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه في حرب بدر التي كانت حربا مصيرية، سوف يتقرر على أساس نتائجها مصير الإيمان و الشرك في المنطقة في المستقبل المنظور على الأقل، بل و مطلقا كما أشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» في دعائه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» .

و واضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى رأيهم، و إنما هو يستشيرهم لأنهم هم الذين سوف يتحملون أعباء الحرب، و يعانون من نتائجها، على مختلف الأصعدة.

ثم إنه يستخرج بذلك دخائل نفوسهم، و يتميز المنافق من المؤمن، و الجبان من الشجاع، و الذي يفكر في مصلحة نفسه من الذي يفكر من منطلق التكليف الشرعي، و يعرف أيضا الذكي من الغبي، و العدو من الولي، و الضعيف من القوي إلى غير ذلك مما هو ظاهر لا يخفى.

و يدل على ما نقول: أن سعد بن معاذ يسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : نعم.

فهذا يدل على أن أمر الحرب مقضي و مأمور به من قبل اللّه تعالى؛ فليست استشارته «صلى اللّه عليه و آله» لهم إلا لما قلناه هنا، و قدمناه، و سيأتي في غزوة أحد.

2-حرب قريش هي الرأي:

و من الواضح: أن الرأي الحق هو حرب قريش، كما أراد اللّه و رسوله؛ و ذلك لأن الأمر يدور بين:

أن يرجع المسلمون دون أن يتعرضوا للعير، و لا لقريش، و في ذلك هزيمة روحية و نفسية واضحة للمسلمين، و إطماع لغيرهم بهم؛ من المشركين، و اليهود و المنافقين.

أو أن يطلبوا العير فيدركوها، فيأخذوها، بعد قتل أو أسر رجالها. و لن تسكت قريش على هذا الأمر، بل هي سوف تتعرض لحربهم على أوسع نطاق. و قد تتمكن من مهاجمة المدينة قبل رجوع المسلمين إليها، و تقوم بإنزال الضربة القاصمة بالمسلمين، فإن قريشا و هي بهذه العدة و العدد لن تسكت عن أمر كهذا، بل سوف تحاول رد هيبتها، و الثأر لكرامتها.

فلم يبق إلا خيار واحد، و هو أن يقفوا في وجه قريش بعد أن يعرضوا عليها عروضا مقبولة، و عادلة، و معقولة.

إذن، فحرب و قتال قريش هي الخيار الأفضل و الأمثل في ظروف كهذه، و لا سيما إذا طلبوا العير، و ربما يوجب ذلك أن يزيد الأمر تعقيدا و إشكالا بالنسبة إلى المسلمين بما لا قبل لهم به.

و تكون النتيجة هي أنه إذا أراد المسلمون العيش في عزة و منعة، و أن لا يطمع بهم من حولهم، و المشركون، و اليهود، و المنافقون، فلا بد من المبادرة للقتال، و ليس ثمة خيار آخر أمامهم.

3-التربية النفسية:

و في مجال آخر نشير إلى: ألف-لقد كان هدف المسلمين أولا هو الحصول على المال؛ فأراد اللّه و رسوله أن يرتفع بهم عن هذا الهدف الدنيوي إلى ما هو أغلى، و أعلى، و أسمى. و إلا فإن قريشا أيضا قد كانت تهدف من وراء جمعها الجموع، و إثارة الحرب إلى أهداف دنيوية، إقتصادية، و إجتماعية، و سياسية أيضا.

ب-لقد كان لحرب بدر أثرها في بث روح الاعتماد على النفس، و مواجهة المسؤوليات بصلابة و شجاعة، حيث لا بد من قتل فراعنة قريش، و إفناء صناديدها و أسرهم لِيَقْضِيَ اَللّٰهُ أَمْراً كٰانَ مَفْعُولاً (1)، ثم التهيؤ لحرب العرب و العجم بعد ذلك.

4-نظرة في الآراء حول الحرب:

و يلاحظ: أن أكثر المؤرخين قد حذفوا كلام عمر و أبي بكر هنا، و اكتفوا بقولهم: قام أبوبكر فأحسن، ثم قام عمر فأحسن، ثم قال المقداد كذا و كذا (2).

و ربما ينسبون إلى بعضهم كلاما آخر لا ربط له بسؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصلا.

و أما الفقرات التي نقلناها عنهما فلم تعجب الكثيرين من المؤرخين،


1) الآية 42 من سورة الأنفال.

2) راجع على سبيل المثال: البداية و النهاية ج 3 ص 262، و الثقات ج 1 ص 157.

فأضربوا عنها صفحا بالطريقة المشار إليها آنفا.

و لكن من الواضح: أن سرور النبي «صلى اللّه عليه و آله» بكلام المقداد، و دعاءه له يدل على أن كليهما (أعني أبابكر و عمر) لم يكن منسجما مع ما كان يهدف إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مشاورته لهم، بل كان مضادا لما كان يرمي إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لو كان كلامهما لائقا لذكره محبوهم من المؤرخين و الرواة و ما أكثرهم.

و أما مشورة المقداد، فكانت هي السليمة و المنسجمة مع المنطق، و مع الأهداف السامية التي كان يرمي إليها الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . و ذلك هو ما كان يتوقعه «صلى اللّه عليه و آله» و يرمي إلى الوصول إليه، و الحصول عليه. و لذلك فقد استحق المقداد مدح النبي «صلى اللّه عليه و آله» و دعاءه له.

بل لقد ورد: أنه حين بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إقبال أبي سفيان شاور أصحابه، فتكلم أبوبكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه (1).

فإعراضه «صلى اللّه عليه و آله» عنهما ليس إلا لتخذيلهما عن النفير إلى حرب قريش، و مدحهم لها بأنها: ما ذلت منذ عزت، و ما آمنت منذ كفرت الخ. . لا لأنه كان يريد من الأنصار أن يجيبوا و حسب. و إلا فلماذا سر من كلام المقداد، و دعا له، و هو من المهاجرين؟ !


1) صحيح مسلم باب غزوة بدر ج 5 ص 170، و مسند أحمد ج 3 ص 219 بطريقين، و عن الجمع بين الصحيحين، و البداية و النهاية ج 3 ص 263، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 394.

حتى لقد قال ابن مسعود عن موقف المقداد هذا: لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به (1).

و عن أبي أيوب، قال-في ضمن حديث له-: «فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من مال عظيم» فأنزل اللّه عز و جل على رسوله: كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ (2).

أضف إلى ذلك كله: أن كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عاما للجميع: للأنصار و المهاجرين على حد سواء، كما أن المهاجرين كانوا كالأنصار من حيث إنهم لم يبايعوه على الحرب.

5-سر سروره صلّى اللّه عليه و آله بكلام سعد و المقداد:

و إن التأمل في كلام سعد بن معاذ و المقداد يفيد: أنهما لم يشيرا عليه لا بالحرب، و لا بالسلام؛ بل ما زادا على أن أظهرا التسليم و الانقياد لأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و نواهيه، و ما يقضيه في الأمور. إنهما لم يبديا رأيا، و لا قدما بين يديه أمرا. و هذا هو منتهى الإيمان، و غاية الإخلاص و التسليم، و قمة الوعي لموقعهما، و وظائفهما، و ما ينبغي لهما.

فهما ما كانا يريان لنفسيهما قيمة في مقابل قضاء اللّه و رسوله على حد قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ


1) صحيح البخاري باب تستغيثون ربكم ج 3 ص 3 ط الميمنية، و البداية و النهاية ج 3 ص 262 و 263 و سنن النسائي.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 263 و 264 عن أبي حاتم و ابن مردويه.

لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (1).

و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (2). و لهذا الإيمان العميق، و التسليم المطلق، كان سرور رسول اللّه و استبشاره «سلام اللّه عليه و على آله الطاهرين» .

6-أين رأي علي عليه السّلام؟ !

و يلاحظ هنا: أننا لا نجد عليا في هذا المقام يبدي رأيا، و لا يبادر إلى موقف، أو مشورة، مع أنه رجل الحكمة، و معدن العلم؛ فما هو السر في ذلك يا ترى؟ !

و نقول في الجواب: إن موقف علي «عليه السلام» هو موقف نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و قد وصفه اللّه سبحانه و تعالى في آية المباهلة بأنه نفس النبي، فقال: فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ (3).

أضف إلى ذلك: أن عليا «عليه السلام» لم يكن ليتقدم بين يدي اللّه و رسوله في شيء و قد كان يرى أن من واجبه السكوت، و التسليم، و الرضا بما قضاه اللّه و رسوله، و لا يجد في نفسه أي حرج من ذلك.

الحباب ذو الرأي:

و يروون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل أدنى ماء ببدر؛ فأشار


1) الآية 36 من سورة الأحزاب.

2) الآية 1 من سورة الحجرات.

3) الآية 61 من سورة آل عمران.

عليه الحباب بن المنذر بأن ينزل أدنى ماء من القوم، ثم يصنع حوضا للماء، و يغور سائر القلب؛ فيشرب المسلمون، و لا يشرب المشركون. ففعل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، ثم صوب رأي الحباب.

فسمي الحباب حينئذ: «الحباب ذو الرأي» (1).

ولكن هذه الرواية لا تصح، و ذلك:

أولا: إنه قد دل الدليل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مصيب في كل ما يفعل و يرتتئي، و لا يصغى لما يقال من جواز الخطأ عليه في الأمور الدنيوية، فإنه مما يدفعه العقل و النقل. (و سيأتي البحث عن أن العصمة عن الخطأ و النسيان اختيارية عن قريب إن شاء اللّه تعالى) .

و ثانيا: إن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، و كانت أرضا لا بأس بها. و لا ماء بالعدوة الدنيا، و هي خبار (2)تسوخ فيها الأرجل (3).


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 272، و تاريخ الخميس ج 1 ص 376، و السيرة الحلبية ج 2 ص 155؛ و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 122، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 403 و 402، و البداية و النهاية ج 3 ص 267، و غير ذلك.

2) الخبار: ما لان من الأرض و استرخى.

3) راجع: فتح القدير ج 2 ص 291 عن الزجاجو 311، و الكشاف ج 2 ص 223 و 203، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 292 عن ابن عباس، و قتادة، و السدي، و الضحاك، و الدر المنثور ج 3 ص 171 عن ابن المنذر، و أبي الشيخ، و السيرة الحلبية ج 2 ص 154، و سيرة ابن كثير ج 2 ص 400 و عن الكشاف، و أنوار التنزيل، و المدارك، و غير ذلك.

و ثالثا: إن المشركين هم الذين سبقوا بالنزول في بدر كما سيأتي؛ و لا يعقل أن ينزلوا في مكان لا ماء فيه، و يتركوا الماء لغيرهم.

و رابعا: إن ابن إسحاق ينص على أن المشركين وردوا الحوض، فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يتعرضوهم (1). و قد فعل أمير المؤمنين علي «عليه السلام» في صفين مثل ذلك؛ حيث أباح الماء لأعدائه القاسطين، مع أنهم كانوا قد منعوه إياه أولا (2).

و من الواضح: أن منعهم من الماء لا ينسجم مع أخلاقيات و مبادئ الإسلام و نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

فالصحيح هو الرواية التي تقول: إن المسلمين لم يكونوا على الماء، فأرسل اللّه السماء عليهم ليلا حتى سال الوادي، فاتخذوا الحياض، و شربوا و سقوا الركائب، و اغتسلوا و ملأوا الأسقية (3)كما أشار إليه تعالى، حين قال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ اَلشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدٰامَ (4).

و ذلك هو سر بناء الحوض، و ليس ما ذكروه.


1) و راجع: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 123.

2) راجع كتابنا: الإسلام و مبدأ المقابلة بالمثل.

3) راجع: الكشاف ج 2 ص 203 و 204، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 292 غير أنه لم يذكر اتخاذ الحياض.

4) الآية 11 من سورة الأنفال.

عدة و عدد المسلمين و المشركين:

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرج في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، عدد أصحاب طالوت (و قيل: أكثر، و أقل) و الأول هو قول عامة السلف (1).

و كان معهم من الإبل سبعون بعيرا يتعاقبون عليها، الاثنان و الثلاثة؛ فكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» ، و مرثد بن أبي مرثد، و قيل: زيد بن حارثة، يعتقبون بعيرا.

و كان معه من الخيل: فرس للمقداد قطعا بإجماع المؤرخين.

قيل: فقط (2). و روي ذلك عن أمير المؤمنين «عليه السلام» (3). و قيل: و فرس للزبير، أو لمرثد، أو هما معا.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 149.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 371 عن الكشاف، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، و البحار ج 19 ص 323، و هو عن تفسير العياشي ج 2 ص 25 و 54، و حياة الصحابة ج 1 ص 493 عن الترغيب ج 1 ص 1316 عن ابن خزيمة. و راجع: المغازي للذهبي (تاريخ الإسلام) ص 56 و 59، و السيرة الحلبية ج 2 ص 149، و دلائل النبوة للبيهقي ط المكتبة العلمية ج 3 ص 38 و 39 و 49، و المغازي للواقدي ج 1 ص 27، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 35.

3) تاريخ الطبري ج 2 ص 135، و السيرة الحلبية ج 2 ص 149، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 388.

و معهم من السلاح ستة أدرع، و ثمانية سيوف (1).

و معه من المهاجرين، قيل: أربعة و ستون، و قيل: سبعون، و قيل: ستة و سبعون أو سبعة و سبعون، و قيل: ثمانون، و قيل: مئتان و سبعون من الأنصار، و بقيتهم من سائر الناس، و قيل غير ذلك (2).

و الذين من الخزرج كانوا مئة و سبعين. و في عدد الخزرج اختلاف أيضا. أما المشركون، فخرجوا و هم يشربون الخمور، و معهم القيان، يضربن بالدفوف، و قد أرجعوهن من الطريق.

و كان معهم سبعمائة بعير (3).

و من الخيل، قيل: أربعمائة (4)، و قيل: مئتان، و قيل: مئة فرس (5)، و قيل


1) راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، و البحار ج 19 ص 206، و مجمع البيان ج 2 ص 214، و حسب طبعة دار إحياء التراث المجلد الأول ص 415، و تاريخ الخميس ج 1 ص 371.

2) راجع: البحار ج 19 ص 323 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 40، و البداية و النهاية ج 3 ص 269، و السيرة الحلبية ج 2 ص 146، و حياة الصحابة ج 1 ص 603، و تاريخ الخميس ج 1 ص 371، و أنساب الأشراف ج 1 ص 290، و مجمع الزوائد ج 6 ص 93، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 118، و غير ذلك.

3) راجع ما تقدم في المصادر المتقدمة في الهوامش المختلفة.

4) تفسير القمي ج 1 ص 262.

5) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 187، و السيرة الحلبية ج 2 ص 146، و البحار ج 19 ص 244 و 206، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 118، و مجمع البيان، و غير ذلك، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387.

غير ذلك. و كلهم دارع. و مجموع الدار عين فيهم ستمائة (1).

و كان يتبرع بالإطعام رجل منهم كل يوم، فينحرون لهم تسعا، أو عشرا من الإبل، فكان المطعمون اثني عشر رجلا، منهم: عتبة، و شيبة، و العباس، و أبوجهل، و حكيم بن حزام؛ الذي أصبح فيما بعد من المؤلفة قلوبهم، كما هو معروف.

المشركون يدركون بغيهم و عدوانهم:

و التقى بعض المسلمين ببعض عبيد قريش على ماء بدر، فأخذوهم، و سألوهم عن العير، فأنكروا معرفتها، فضربوهم و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي، فانفتل من صلاته، و قال: إن صدقوكم ضربتموهم، و إن

كذبوكم تركتموهم؟

ثم سألهم عن عدة قريش، فقالوا: لا علم لهم بعددهم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كم ينحرون كل يوم من جزور؟

قالوا: تسعة إلى عشرة.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : القوم تسعمائة إلى ألف رجل (2)(و قيل:


1) التنبيه و الإشراف ص 204، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387.

2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 298 و 269، و المغازي للواقدي ج 1 ص 53، و البداية و النهاية ج 3 ص 263 و 264، و راجع: دلائل النبوة ج 2 ص 327 و 328، و السنن الكبرى ج 9 ص 147 و 148، و زاد المعاد ج 3 ص 175، و صحيح مسلم ج 5 ص 170، و كشف الأستار ج 2 ص 311، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 15، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 132-134 و 142 و السيرة الحلبية ج 2 ص 152.

أكثر، حتى لقد قال البعض: إنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل، و هو بعيد) .

فأمر بهم «صلى اللّه عليه و آله» ، فحسبوا، فعلم مشركو قريش، ففزعوا، و ندموا على مسيرهم، حيث إنهم بعد أن علموا بنجاة العير أصروا على المجيء إلى بدر لتهابهم العرب، كما تقدم.

و قد اعترف عتبة بن ربيعة، الذي كان ولده أبو حذيفة مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن مسيرهم بعد نجاة عيرهم كان بغيا منهم و عدوانا. و بذلت محاولة للاتفاق على الرجوع، لكن أبا جهل أبى ذلك، و قال:

«لا، و اللات و العزى، حتى نقحم عليهم بيثرب، و نأخذهم أسارى، فندخلهم مكة، و تتسامع العرب بذلك، و لا يقوم بيننا و بين متجرنا أحد نكرهه» (1).

و رجع بنو زهرة حينئذ بإشارة الأخنس بن شريق، كما تقدم.

مواقع الجيشين:

و سبق المشركون إلى بدر، فنزلوا في العدوة القصوى، في جانب الوادي مما يلي مكة، حيث الماء، و كانت العير خلف المشركين (2).

قال تعالى: وَ اَلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ (3). و محل نزولهم كان صلبا. و نزل المسلمون في العدوة الدنيا، أي جانب الوادي مما يلي المدينة، حيث لا ماء،


1) البحار ج 19 ص 250 عن تفسير القمي، و راجع مغازي الواقدي ج 1 ص 71.

2) لسوف يأتي: أن العير قد سلمت، لأن أبا سفيان قد سلك بها طريق البحر و ابتعد عن المدينة و عن مسير المسلمين.

3) الآية 42 من سورة الأنفال.

و حيث الأرض رخوة، لا تستقر عليها قدم؛ مما يعني أن منزل المسلمين كان من وجهة نظر عسكرية غير مناسب.

و لكن اللّه أيد عباده و نصرهم على عدوهم، و جاء المطر ليلا على المشركين، فأوحلت أرضهم، و على المسلمين؛ فلبدها، و جعلها صلبة، و جعلوا الماء في الحياض (1).

معنويات المسلمين و العنايات الربانية:

و لما بلغ المسلمين كثرة المشركين، خافوا، و تضرعوا إلى اللّه. و عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» : لما نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى كثرة المشركين، و قلة المسلمين، استقبل القبلة، و قال:

«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ؛ فنزلت الآية: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجٰابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَ مٰا جَعَلَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ بُشْرىٰ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ (2).

فالإمداد بالملائكة إذا، ليس إلا للتطمين، و إعطاء توهج روحي للمسلمين، الذين يحسون بالضعف، و يستغيثون ربهم، حسب مدلول الآية الشريفة.


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 271 و 272، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375، و تاريخ الأمم و الملوك ط الإستقامة ج 2 ص 144، و السيرة الحلبية ج 2 ص 154، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 122، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 35، و البداية و النهاية ج 3 ص 266.

2) الآيتان 9 و 10 من سورة الأنفال.

ثم ألقى اللّه النعاس على المسلمين؛ فناموا، و قد ذكر اللّه سبحانه ذلك، و إرسال المطر عليهم؛ فقال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ اَلشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدٰامَ (1).

نعم، لقد كان ذلك النعاس ضروريا لفئة تواجه هذا الخطر الهائل، و هي تدرك أنها لا تملك من الإمكانات المادية شيئا يذكر لدفعه.

نعم، لا بد من هذا النعاس؛ لئلا تستبد بهم الوساوس في هذا الليل البهيم، الذي تكبر فيه الأشياء و تتضخم، فكيف إذا كانت الاشياء كبيرة بطبيعتها؟

و قد كان هذا النعاس ضروريا أيضا ليحصل لهم الأمن و السكون: «أمنة» و لتقوى قلوبهم بالإيمان و السكينة، حتى لا يضعفوا عن مواجهة الخطر، و حتى يمكن لعقولهم و فكرهم أن يسيطر على طبيعة تصرفاتهم و مواقفهم، بدلا من الضعف و الانفعال، و التوتر. و بواسطة هذا النعاس و ذلك المطر يربط اللّه على قلوبهم، حيث يطمئنون إلى أن اللّه ناظر إليهم، و إلى أن ألطافه و عناياته متوجهة نحوهم، فلا يهتمون بعد ذلك بالحوادث الكاسرة، و لا تهمهم الجيوش بكثرتها الكاثرة.

و في مقابل ذلك، فقد ألقى اللّه تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب، و الخوف، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

و قد يقال: إن اللّه سبحانه قد أخبر في السور المكية، كسورة محمد «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذكره الذين تحزبوا ضد أنبيائهم، و ثمود، و فرعون، عن


1) الآية 11 من سورة الأنفال.

أن هناك حادثة شبيهة لما جرى لتلك الفئات، ستقع للمسلمين، فقال: جُنْدٌ مٰا هُنٰالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزٰابِ (1)، فكان ذلك وقعة بدر، كما قاله البعض.

أهداف الحرب:

و الملاحظة الهامة هنا هي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصرح بأن حرب بدر حرب مصيرية، و أن هدفه من هذه الحرب هو التمكين لعبادة اللّه تعالى، و ليس عبادة الذات، أو المال، أو الجنس، أو الجاه، أو السلطان، و لا غير ذلك، و لا سيما إذا شعرت قريش بالضيق و الذل و الضعف، عن طريق جعلها في معاناة إقتصادية و نفسية، حينما تدرك: أن طريق قوافلها إلى الشام و لبلدان أخرى أصبح مهددا، و هذا ما سوف يضعف من عزائم القرشيين، و يزلزل وجودهم، و يجعلهم في الموقف الأضعف.

أما هدف المشركين، فهم أنفسهم قد أفصحوا عنه، و هو أن تهابهم العرب، و أن لا يكون بينهم و بين متجرهم أحد يكرهونه.

و شتان ما بين الهدفين، و كذلك ما بين نتائج الحرب-كما سنرى- بالنسبة إلى الفريقين.

في المواجهة:

و لما أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبأ أصحابه. و كانت رايته


1) الآية 11 من سورة ص.

مع أمير المؤمنين «عليه السلام» (1).

و كان «عليه السلام» صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد (2)، و سنثبت ذلك في غزوة أحد إن شاء اللّه تعالى.

فما يقال: من أنه كان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر أكثر من لواء: مع مصعب بن عمير، أو الحباب بن المنذر، في غير محله، إلا أن يكون مرادهم: أن لواء المهاجرين كان مع مصعب، و لواء الأنصار كان مع الحباب، و نحو ذلك.

و أما تفريقهم بين الراية و اللواء في محاولة لرفع التنافي، فهو أيضا محاولة فاشلة؛ لأن كلا منهما قد ورد أنه كان مختصا بأمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما يتضح من مراجعة النصوص في المصادر المشار إليها في


1) مناقب الخوارزمي ص 102، و الآحاد و المثاني لابن أبي عاصم النبيل، مخطوط في مكتبة كوبرلي رقم 235، و مسند الكلابي في آخر مناقب ابن المغازلي ص 434، و مناقب ابن المغازلي نفسه ص 366، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 3 ص 33 و 34، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 11، و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مجمع الزوائد ج 9 ص 125. و نقل ذلك عن: شرح النهج للمعتزلي ط أولى ج 2 ص 102، و جمهرة الخطب ج 1 ص 428، و الأغاني ط دار الكتب ج 4 ص 175، و تاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 430.

2) ترجمة الإمام أمير المؤمنين من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 145، و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 14، و كفاية الطالب ص 336 عنه، و في هامشه عن: كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، و الرياض النضرة ج 2 ص 202، و قال: أخرجه نظام الملك في أماليه.

الهامش (1).

و سيأتي مزيد من التوضيح لذلك في واقعة أحد إن شاء اللّه تعالى.

أضف إلى ذلك: أن ابن سعد و ابن إسحاق قد ذكرا: أن الراية قد اتخذت بعد وقعة بدر، و بالذات في وقعة خيبر (2).

هذا لو سلم وجود اختلاف بين اللواء و الراية، و إلا فقد نص جماعة من أهل اللغة على ترادفهما (3).

هدوء ما قبل العاصفة:
اشارة

و بعد أن عبأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، قال لهم: غضوا أبصاركم، و لا تبدؤوهم بالقتال، و لا يتكلمن أحد (4).

و سكت المسلمون، و غضوا أبصارهم، امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأثر هذا الموقف في قريش بشكل واضح، حتى إن أحدهم حين جال بفرسه حول المسلمين؛ ليعرف إن كان لهم مدد، أو كمين، رجع للمشركين، و قال: «ما لهم كمين، و لا مدد. و لكن نواضح يثرب حملت الموت الناقع. أما ترونهم خرسا لا يتكلمون؟ يتلمظون تلمظ الأفاعي، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم؟ ! و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، و لا يقتلون حتى يقتل بعددهم» .


1) راجع المصادر في الهامشين السابقين.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 147.

3) المصدر السابق ص 147 و 148.

4) المصدر السابق.

فشتمه أبوجهل؛ لأنه رآه يجبن أصحابه.

و قال أبو جهل يشجع أصحابه مشيرا إلى قلة عدد المسلمين: «ما هم إلا أكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد» .

و أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المشركين يقول لهم: «معاشر قريش، إني أكره أن أبدأكم بقتال، فخلوني و العرب و ارجعوا؛ فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، و إن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري» .

و يقال: إن عتبة بن ربيعة رجح للمشركين قبول ذلك، فرماه أبوجهل بالجبن، و أنه انتفخ سحره (1)لما رأى محمدا و أصحابه، و أنه خاف على ابنه أبي حذيفة الذي هو مع محمد.

فلما بلغ عتبة قول أبي جهل، قال: سيعلم مصفر أسته (2)من انتفح سحره: أنا، أم هو؟ و تحمس لذلك، و لبس درعه، هو و أخوه شيبة و ولده الوليد و تقدموا يطلبون البراز.

و نحن هنا نشير إلى الأمور التالية:

ألف: سر رعب المشركين:

إن المشركين كانوا يدركون مدى تصميم المسلمين على الحرب، و أنهم


1) انتفاخ السحر: كناية عن الجبن. و السحر: الرئة.

2) و الظاهر أنه يرميه بالأبنة؛ فإن الأنصار كانوا يرمونه بذلك. راجع: مجمع الأمثال ج 1 ص 251 عند قولهم: أخنث من مصفر أسته، و البرصان و العرجان ص 102 و 103 متنا و هامشا، و الغدير ج 8 ص 251 عن صواعق ابن حجر ص 108 عن الدميري في حياة الحيوان، و راجع: الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة ج 1 ص 188.

على استعداد لأن يموتوا جميعا، بعد أن يقتلوا بعددهم على الأقل في سبيل دينهم و عقيدتهم.

و هذا من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب المشركين، الذين يقاتلون من أجل البقاء في هذه الدنيا، و التمتع بلذاتها و خيراتها حسب زعمهم.

و إذا كان المسلمون ساكتين واجمين، فإن ذلك يزيد الجو رهبة، و يؤكد و يزيد الخوف و الرعب في قلوب المشركين، الذين سوف تزيد حيرتهم حيث لا شيء يشير إلى طبيعة الحرب التي سوف يخوضونها، و مستواها، و الاتجاه و الطابع الذي سوف يعطونها إياه.

و أما قول أبي جهل عن المسلمين: ما هم إلا أكلة رأس الخ. . فهو لا يدل على عدم الرعب لدى المشركين، لأنه لم يقل ذلك إلا على سبيل التشجيع لأصحابه. و لا سيما بعد أن رأى ترددهم و جبنهم عن المواجهة.

أضف إلى ذلك: أننا لا بد أن نتذكر هنا: أنه تعالى في بعض مراحل المواجهة قد قلل المشركين في أعين المسلمين، و قلل المسلمين في أعين المشركين؛ ليقضي أمرا كان مفعولا، و لسوف يأتي الكلام في هذا في أواخر الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.

ب: نظرة في عروض النبي صلّى اللّه عليه و آله على المشركين:

لقد حاول النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكلم المشركين من الزاوية التي ينظرون منها، و تتلاءم و تنسجم مع فكرهم و منطقهم، و تتلاقى مع مصالحهم التي يدعون أنهم جاؤوا يحاربون من أجلها. و ذلك حينما قال لهم: «فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا» . فإن هذا ينسجم مع حبهم للرياسة

و الزعامة، الذي كان من القوة و الطغيان فيهم بحيث جعلهم يؤثرون تلك الرئاسات و الزعامات على كل علاقاتهم النسبية و القبلية، و يحاربون قومهم، و حتى آباءهم و أبناءهم في سبيلها.

ثم هو يقول لهم: «و إن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري» . و هذا ينسجم أيضا مع محبتهم للسلامة و الحياة، و مع مصالحهم الإقتصادية.

و ذلك يعوض ما يرونه في رجوعهم عن حربه من تنازل، و اعتراف بقوته و شوكته.

مع إمكان تلافيهم ذلك بإظهار بعض الأعذار التي تحفظ لهم ماء الوجه بحسب نظرهم.

و لكن طغيان قريش، و غطرستها يأبيان عليها الانصياع للمنطق الواعي، و الرأي السليم، فتصر على الحرب و القتال، و مواجهة نتائجها الساحقة لها و لكبريائها الزائف، و صلفها الأحمق و المقيت.

ج: النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يبدأ القتال:

ثم إننا نجد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبدأ القتال، و يأمر المسلمين أن لا يبدأوا به، و يحاول أن يعطي الطرف الآخر الفرصة، و يقدم له خيارات كلها فيها مخرج مشرف له؛ فإذا أبى ذلك، و طغى و بغى، و اعتدى على المسلمين، فإن من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم، و أن يردوا كيد المعتدي، من كان، و مهما كان.

و هكذا كان أمير المؤمنين «عليه السلام» مع أعدائه، سواء في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو بعد وفاته. ثم كان هو حال الحسين عليه

السلام مع جيش يزيد «لعنه اللّه» ، بل إن ذلك كان هو شعار شيعة أهل البيت رضوان اللّه تعالى عليهم، اقتداء بإمامهم، الذي يقتدي بالنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و لسوف تأتي الإشارة إلى ذلك حين الحديث حول خصائص الشيعة بعد الانتهاء من غزوة بدر مع أبحاث أخرى في فصل: «بحوث ليست غريبة عن السيرة» إن شاء اللّه تعالى. و قد تقدمت أيضا إشارة إلى ذلك.

النبي صلّى اللّه عليه و آله في العريش:

و يقولون: إنهم صنعوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عريشا من جريد النخل فكان فيه و أبوبكر معه، و ليس معه غيره.

و يدّعون أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وافق على أن يضعوا نجائب و ركائب مهيأة عنده، فإن انتصر فهو المطلوب و إن كانت الأخرى ركب النجائب، و لحق بمن وراءهم من الصحابة في المدينة (1).

و لكن ذلك لا يصح بأي وجه؛ فقد قال المعتزلي: «قلت: لأعجب من أمر العريش من أين كان لهم أو معهم من سعف النخل ما يبنون به عريشا، و ليس تلك الأرض-أعني أرض بدر-أرض نخل؟ و الذي كان معهم من سعف النخل، يجري مجرى السلاح يسير جدا.

قيل: إنه كان بأيدي سبعة منهم سعاف عوض السيوف، و الباقون


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 222 و 279، و مغازي الواقدي ج 1 ص 49 و 55، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 122، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 118، و السيرة الحلبية ج 2 ص 155 و 156 و 161 و غير ذلك من المصادر الكثيرة.

كانوا بالسيوف و السهام و القسي. هذا قول شاذ، و الصحيح أنه ما خلا أحد منهم عن سلاح. اللهم إلا أن يكون معهم سعفات يسيرة، و ظلل عليها بثوب أو ستر، و إلا فلا أرى لبناء عريش من جريد النخل هناك وجها» (1).

و نقول:

أولا: إن ما ذكره من وجود السلاح مع المهاجرين لا يمكن قبوله. فقد تقدمت النصوص التي تتحدث عن مستوى تسلحهم، و ليس فيها ما ذكره المعتزلي. و الظاهر هو أن عددا منهم كان مسلحا بالقسي، كما يدل عليه أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم برمي المشركين بالنبل إذا أكثبوهم. و لعل بعضهم كان معه رماح، و البعض الآخر عصي، و فريق كان لديه سيف، أو حربة، و فريق آخر كان معه سعف النخل، يدفع بها عن نفسه، و يهاجم العدو بها إن وجد فرصة لذلك.

و ثانيا: إن استدراكه الأخير في غير محله؛ فإن السعفات المظلل عليها بالثوب يقال لها: خيمة، و ليس عريشا، بل لا يقال لها خيمة أيضا، كما يرى البعض. كما أن ما ذكره من عدتهم و سيوفهم محط نظر يعرف مما تقدم.

و نضيف نحن هنا:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يفر من الزحف.

و ثانيا: قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» -و هو ما نقله مختلف المؤرخين-يكذب أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» أراد الفرار على نجائبه، لو ربح المشركون هذه الحرب. إذ إن اللّه تعالى


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 118.

لا يمكن أن يعبد في الأرض حتى و لو رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل المدينة؛ فكيف يقول ذلك ثم يقدم على تصرف كهذا؟ !

و ثالثا: لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خسر حرب بدر، فلن يتركه المشركون ينجو بنفسه منهم؛ و لن يعطوه الفرصة ليجمع لهم الجموع من جديد؟ ! . و لسوف لن يتركوا مهاجمة المدينة، و القضاء على مصدر متاعبهم فيها. و هم الآن بالقرب منها، و يعيشون نشوة النصر و الظفر، و معهم جيش على أحسن ما يرام في عدده و في عدته.

و رابعا: كيف يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ العريش مكانا له، و حرسه الحراس فيه، و هم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» رؤي يوم بدر في أثر المشركين مصلتا السيف، يتلو قوله تعالى: سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ (1).

و يقولون أيضا: إنه قد اشترك في حرب بدر بنفسه، و قاتل بنفسه قتالا شديدا (2).

و مما يدل على اشتراكه في الحرب أيضا، قولهم: كان ثمة يوم بدر رجال يقاتلون، واحد عن يمينه، و آخر عن شماله، و ثالث أمامه، و رابع خلفه (3).

و يروون عن علي «عليه السلام» أيضا قوله: لما كان يوم بدر اتقينا


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 172.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 123 و 167، لكنه حاول توجيه ذلك بما هو خلاف صريح الكلام، فقال: إن المراد بالجهاد: الدعاء! ! . كل ذلك من أجل أن يصح حديث العريش! ! .

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 78.

المشركين برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان أشد الناس بأسا، و ما كان أحد أقرب إلى المشركين منه (1).

إذن، فلا بد أن نسأل: أين كان أبو بكر آنئذ؟ أمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ساحة القتال؟ أم في العريش وحده، ليكون في موقع القائد و الرئيس كما يريد الجاحظ أن يدّعي حسبما سيأتي؟ و سوف تأتي بقية الحديث حول موضوع شجاعة أبي بكر، و حضوره في العريش في الفصل الذي يأتي بعد وقعة بدر إن شاء اللّه تعالى.

و خامسا: إنه إذا لم يكن معهم سوى فرس المقداد، فمن أين جاءت النجائب المعدة لفرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لماذا لم تشارك في الحرب، للدفاع عن الدين و عن المسلمين؟ ! .

إشارة:

و لو فرض صحة الحديث المتقدم المروي عن علي «عليه السلام» ، فلا بد أنه كان يتحدث عن غيره لا عن نفسه، لأن عليا لم يكن يخشى المشركين، و لم يكن ليحتاج إلى ملجأ يحميه منهم. كيف و هو الذي قتل أكثر من نصف قتلى المشركين في بدر؟ و شارك في النصف الآخر كما سنرى؟

و يكون قوله «عليه السلام» ذلك نظير أن يقول شخص مثلا: إننا في بلادنا نأكل كذا، أو نلبس أو نصنع الشيء الفلاني. مع أن هذا القائل لم يأكل، أو لم يلبس، أو لم يصنع ذلك الشيء شخصيا أبدا.


1) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 135، و السيرة الحلبية ج 2 ص 123، و البداية و النهاية ج 6 ص 37، و حياة الصحابة ج 2 ص 677 عن أحمد، و البيهقي.

المبارزة:

و كان أول من برز للقتال عتبة، و شيبة، و الوليد؛ فبرز إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا لهم: ارجعوا؛ فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش، فأرجعهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بدأ بأهل بيته؛ لأنه كره أن تكون البدأة بالأنصار (1)، و ندب عبيدة بن الحارث، و حمزة، و عليا، قائلا: «قم يا عبيدة، قم يا عم، قم يا علي، فاطلبوا بحقكم الذي جعله اللّه لكم إلخ. .» .

فسأل عتبة عنهم، فأخبروه عن أنفسهم، و سأل شيبة عن حمزة، فقال له: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد اللّه و أسد رسوله.

فقال شيبة: قد لقيت أسد الحلفاء، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد اللّه. فقتل علي «عليه السلام» الوليد، و جاء فوجد حمزة معتنقا شيبة، بعد أن تثلمت في أيديهما السيوف، فقال: يا عم طأطئ رأسك، و كان حمزة طويلا، فأدخل رأسه في صدر شيبة؛ فاعترضه علي بالسيف فطير نصفه (أي نصف رأسه) . و كان عتبة قد قطع رجل عبيدة، و فلق عبيدة هامته، فجاء علي فأجهز على عتبة أيضا.

فيكون أمير المؤمنين «عليه السلام» قد شرك في قتل الثلاثة (2).

و مما يدل على أنه شرك في قتلهم جميعا، ما ورد في كتاب «المقنع» من أن هندا قالت:


1) تفسير القمي ج 1 ص 264، و البحار ج 19 ص 313 و 253، و سعد السعود ص 102.

2) راجع: المناقب ج 3 ص 119 عن صاحب الأغاني و غيره. .

ما كان لي عن عتبة من صبرأبي، و عمي، و شقيق صدري

أخي الذي كان كضوء البدربهم كسرت يا علي ظهري (1)

و قال السيد الحميري رحمه اللّه في مدح أمير المؤمنين «عليه السلام» :

و له ببدر وقعة مشهورةكانت على أهل الشقاء دمارا

فأذاق شيبة و الوليد منيةإذ صبحاه جحفلا جرارا

و أذاق عتبة مثلها أهوى لهاعضبا صقيلا مرهفا بتارا (2)

و يدل على ذلك أيضا: ما أجاب به بعض بني عامر حسان بن ثابت على أبيات له، يقول ذلك البعض:

ببدر خرجتم للبراز فردكمشيوخ قريش جهرة و تأخروا

فلما أتاهم حمزة، و عبيدةو جاء علي بالمهند يخطر

فقالوا: نعم، أكفاء صدق، فأقبلواإليها سراعا إذ بغوا و تجبروا

فجال علي جولة هاشميةفدمرهم لما بغوا و تكبروا (3)

و قد كتب «عليه السلام» في رسالة له لمعاوية: «فأنا أبو الحسن حقا، قاتل جدك عتبة، و عمك شيبة، و خالك الوليد، و أخيك حنظلة، الذين سفك اللّه دماءهم على يدي في يوم بدر، و ذلك السيف معي، و بذلك


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 283، و العثمانية، قسم نقوض الإسكافي ص 432، و البحار ج 19 ص 292، و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 121.

2) ديوان السيد الحميري ص 215، و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 122.

3) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 119، و البحار ج 19 ص 291.

القلب ألقى عدوي» (1).

بعد قتل الفرسان الثلاثة:
اشارة

و حمل حمزة و علي «عليه السلام» عبيدة بن الحارث، و أتيا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستعبر؛ و قال: يا رسول اللّه، ألست شهيدا؟ !

قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى أنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هكذا كان) .

فقال عبيدة: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه، قال: و أي أعمامي تعني؟

قال: أبو طالب، حيث يقول:

كذبتم و بيت اللّه يبزى محمدو لما نطاعن دونه و نناضل

و نسلمه حتى نصرع دونهو نذهل عن أبنائنا و الحلائل

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله، و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة؟ ! .

قال: يا رسول اللّه، أسخطت علي في هذه الحالة؟ قال: ما سخطت عليك، و لكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 435، و نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 13، و الغدير ج 10 ص 151.

2) تفسير القمي ج 1 ص 265، و البحار ج 19 ص 255، و في شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 80: أن رسول اللّه استغفر له و لأبي طالب يومئذ. و الغدير ج 7 ص 316. و في نسب قريش لمصعب ص 94: أن عبيدة قال: «يا رسول اللّه ليت أبا طالب حيا-

و قد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الأخير منها. قالوا: و نزل في هؤلاء الستة قوله تعالى: هٰذٰانِ خَصْمٰانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ (1).

و في البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم (2).

و نزل في علي، و حمزة، و عبيدة أيضا قوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ (3).

و قيل: نزلت في علي وحده (4).

و ثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين «عليه

(2) -حتى يرى مصداق قوله الخ. .» . و ربما يقال: إن هذا هو الأنسب بأدب عبيدة و إخلاصه، و لكن لا؛ فإن قوله الآنف لا يضر في أدبه و لا في إخلاصه، حيث يرى نفسه قد ضحى بنفسه في سبيل الدين، فلا مانع من أن يقول ذلك.


1) الآية 19 من سورة الحج.

2) البخاري ط الميمنية ج 3 ص 4، و مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 118 عن مسلم، من دون قسم أبي ذر، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 386، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه، و الغدير ج 7 ص 202 عن: تفسير ابن كثير ج 3 ص 212، و تفسير ابن جزي ج 3 ص 38، و تفسير الخازن ج 3 ص 698، و تفسير القرطبي ج 2 ص 25- 26، و صحيح مسلم ج 2 ص 550، و طبقات ابن سعد ص 518، و بهذا قال ابن عباس، و ابن خثيم، و قيس بن عباد، و الثوري، و الأعمش، و سعيد بن جبير، و عطاء.

3) الصواعق المحرقة ص 80.

4) مناقب الخوارزمي ص 188، و الكفاية للخطيب ص 122.

السلام» (1)فراجع.

و بعد ما تقدم، فإننا نشير إلى الأمور التالية:

ألف: غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي طالب:

إنه إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يغضب لذكر عمه، و لو بهذا النحو المهذب، و المحدود، فكيف إذا يكون موقفه ممن يرمي أبا طالب بالشرك و الكفر، و يعتبره مستحقا للعذاب الأليم في نار اللّه المؤصدة؟ !

فهل تراه سوف يكون مسرورا و مرتاحا لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا السياسة، و ما أدراك ما السياسة؟ !

ب: بدء النبي صلّى اللّه عليه و آله بأهل بيته عليهم السّلام:

و قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرجع الثلاثة الذين هم من الأنصار، و أمر حمزة و عليا و عبيدة بن الحارث بالخروج إلى ساحة القتال أولا (2)و هم من أهل بيته، و قد قال علي «عليه السلام» عن النبي


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 118 و غيره.

2) و في أمالي المرتضى ج 1 ص 275، و إعلام الورى ص 308، و البحار ج 48 ص 144، و مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 316 أن الإمام الكاظم «عليه السلام» قال لنفيع الأنصاري: «. . و إن كنت تريد المفاخرة، فو اللّه ما رضوا مشركو قومي مسلمي قومك أكفاءهم حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش» . و أقول: لا منافاة بين الأمرين، فلعل المشركين لم يرضوا به، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرغب في البدأة بهم.

«صلى اللّه عليه و آله» :

«كان إذا حضر البأس، و دعيت نزال، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، و حمزة يوم أحد، و جعفر يوم مؤتة الخ. .» (1).

و نقول:

إنه حين يبدأ الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الحرب بأهل بيته فإنه يكون قد أثبت بالفعل لا بالقول فقط، للأنصار و للمهاجرين: أنه ليس فقط لا يريد أن يجعلهم وسيلة للوصول إلى أهدافه، و يدفع بهم الخطر عن نفسه و أهل بيته، و إنما ثمة هدف أسمى، لا بد أن يساهم الجميع في العمل من أجله و في سبيله. و هو «صلى اللّه عليه و آله» شريك لهم في كل شيء، في السراء و الضراء، و الشدة و الرخاء. و هو يضحي و يقدم قبل أن يطلب ذلك من غيره، بل هو يحاول أن يدفع عن غيره، و لو بأهل بيته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

و ذلك هو ما يجب أن يكون المثل الأعلى لكل صاحب هدف، و لكل سياسي و قائد. فإن عليه أن يقدم هو أولا التضحيات فإذا احتاج إلى معونة غيره، فإن طلبه منهم تكون له مبرراته، و يراه كل أحد: أنه صادق و محق في طلبه ذاك. و ليس له أبدا أن يجلس في برجه العاجي، ثم يصدر أوامره للآخرين، دون أن يرى نفسه مسؤولا عن التحرك في اتجاه الهدف إلا في


1) أنساب الأشراف ج 2 ص 81، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 77، و كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 90، و نهج البلاغة باب الكتب الكتاب التاسع، و العقد الفريد ج 4 ص 336، و مناقب الخوارزمي ص 176، و نهج البلاغة ج 3 ص 10 و 11.

حدود الكلام و إصدار الأوامر، فإن الكلام لن يكون كافيا في تحقيق الأثر المطلوب في مجال التحرك نحو الهدف، مهما كان ذلك الهدف مقدسا، و ساميا.

ج: سخرية شيبة:

لقد رأينا كيف أن شيبة يسخر من كون حمزة أسد اللّه و أسد رسوله، و يعتز بكونه أسد الحلفاء؛ مع أن مقتضى الإنصاف و الواقع هو عكس ذلك تماما، فقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأهداف الوضيعة، القائمة على أساس المنطق القبلي، و المنافع الخاصة، التي توخاها الحلفاء من حلفهم ثم هم يتوخونها من حرب بدر و غيرها. .

و كلنا يعلم، و هم يعلمون: أن هدف اللّه و رسوله، و أسد اللّه من التضحيات على وجه الأرض ليس إلا إسعاد البشرية، و نجاة الإنسانية إن دنيا و إن آخرة.

د: الحق الذي جعله اللّه للمسلمين:

ثم ما هو هذا الحق الذي أشار إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قوله لعلي «عليه السلام» ، و حمزة و عبيدة: «فاطلبوا بحقكم الذي جعله اللّه لكم» ؟ . أليس هو حق حرية الرأي و العقيدة، و حق الدفاع عن دين اللّه، و عن النفس، ورد البغي و العدوان؟ في مقابل القرشيين الذين عذبوهم، و أخرجوهم من ديارهم، و سلبوا أموالهم، بل و قتلوا منهم من قتلوا، و بغوا عليهم أقبح البغي؟ ! .

و خلاصة الأمر: أنهم يريدون أن يعيشوا أحرارا، و أن يدافعوا عن دين

اللّه في مقابل من يريد الاستمرار في الانحراف و التعدي. و للمظلوم حق في أن يطالب بإنصافه من ظالمه، و الباغي عليه، و لا سيما بعد أن عرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قريش تلك الخيارات المتقدم ذكرها، فلم ترعو عن غيها. بل أرادت إطفاء نور اللّه، و أصرت على حرب المسلمين و إذلالهم، قال تعالى:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّٰ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ (1).

المعركة في ضرامها:

و لما رأى أبو جهل مقتل عتبة و شيبة و الوليد، حاول إنقاذ الموقف؛ فقال: لا تعجلوا، و لا تبطروا، كما بطر ابنا ربيعة. عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، و عليكم بقريش، فخذوهم أخذا، حتى ندخلهم مكة؛ فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها.

و يذكر ابن عباس، في قوله تعالى: وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ (2): أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -بأمر من جبرائيل-قال لعلي «عليه السلام» : ناولني كفا من حصباء، فناوله كفا من حصباء (و في رواية: عليه تراب) فرمى به في وجوه القوم؛ فما بقي أحد إلا امتلأت عينه من الحصى.

و في رواية: و أفواههم، و مناخرهم، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم،


1) الآيتان 39 و 40 من سورة الحج.

2) الآية 17 من سورة الأنفال.

و يأسرونهم (1). فابن عباس إنما يطبق الآية على هذا العمل الإعجازي.

الملائكة في بدر:

و قد أمد اللّه المسلمين بالملائكة لتثبيت قلوبهم، و في كونهم حاربوا خلاف. و ظاهر القرآن ربما لا يساعد عليه حيث يقول تعالى: وَ مٰا جَعَلَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ بُشْرىٰ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ (2).

و لكن ثمة آية أخرى تشير إلى اشتراكهم بالقتال، و هي قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنٰاقِ وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنٰانٍ (3).

هذا إذا كان قوله تعالى: فَاضْرِبُوا. . خطابا للملائكة، كما لعله الظاهر، و إن كان خطابا للمقاتلين من الناس، فلا دلالة في الآية على ذلك أيضا.

و مهما يكن من أمر، فإن الملائكة كانوا يتشبهون بأمير المؤمنين علي «عليه السلام» (4).


1) البحار ج 19 ص 229 عن تفسير الثعلبي، و المناقب لابن شهر اشوب ج 1 ص 189، و ليراجع الحلبية ج 2 ص 167.

2) الآية 15 من سورة الأنفال.

3) الآية 12 من سورة الأنفال.

4) البحار ج 19 ص 285 عن المناقب. و يروي الآخرون: أنهم كانوا على هيئة الزبير الذي كان عليه عمامة صفراء فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر كما في المستدرك للحاكم ج 3 ص 361، و حياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه، و عن كنز العمال ص 268 عن الطبراني و ابن-

و لربما كانوا هم الوسيلة لتكثير المسلمين في أعين المشركين أثناء القتال، كما قال تعالى: وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ .

عائشة في حرب الجمل:

و بالمناسبة، فإن عائشة قالت في حرب الجمل: ناولوني كفا من تراب، فناولوها؛ فحثت في وجوه أصحاب أمير المؤمنين، و قالت: شاهت الوجوه- كما فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأهل بدر-فقال أمير المؤمنين: «و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان رمى، و ليعودن و بالك عليك إن شاء اللّه» (1).

كما أن عائشة قد نظرت إلى علي «عليه السلام» و هو يجول بين الصفوف في حرب الجمل، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر، أما و اللّه ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس (2).

و هكذا كان. . صدق أمير المؤمنين «صلوات اللّه و سلامه عليه» .

الخزي و الهزيمة:

و هزم اللّه المشركين شر هزيمة؛ و قتل أبو جهل. و كان رسول اللّه «صلى

(4) -عساكر، و مجمع الزوائد ج 6 ص 84، و لكن يعكر على هذا ما في دلائل النبوة لأبي نعيم ص 170، و حياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه من أن الملائكة كان عليهم يوم بدر عمائم بيض.


1) كتاب الجمل للشيخ المفيد ص 186، و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 257، و راجع الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 325.

2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 214.

اللّه عليه و آله» قد أوعده أن يقتله اللّه بأضعف أصحابه، بل أخبر «صلى اللّه عليه و آله» بكل ما جرى في بدر قبل وقوعه (1). فقتله رجل أنصاري، و احتز رأسه ابن مسعود.

و قيل: إنه وجده بآخر رمق، فأجهز عليه، و لكن الأقرب هو الأول، لأن سلبه أخذه غير ابن مسعود.

و كان أول من انهزم في بدر إبليس لعنه اللّه، فإنه كان قد تبدى للمشركين-كما جاء في الرواية-بصورة سراقة بن مالك المدلجي، من أشراف كنانة، حيث إن قريشا كانت قد خافت من بني بكر بن عبد مناف، لدم بينهم؛ فتبدى لهم إبليس بصورة سراقة، و أعطاهم جواره؛ فلما رأى ما جرى للمشركين، و رأى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه، فانهزم المشركون.

و قال المكيون: هزم سراقة؛ فقال سراقة: ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم؛ فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

و روي: أن أبا سفيان لما أبلغ العير إلى مكة رجع، و لحق بجيش قريش، فمضى معهم إلى بدر، فجرح يومئذ جراحات، و أفلت هاربا، و لحق بمكة راجلا (2).


1) البحار ج 19 ص 267 عن الاحتجاج، و التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ص 118 و 119.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 375.

الفصل الثاني: نتائج الحرب

اشارة

نتائج الحرب:

و قتل في بدر سبعون، و أسر مثلهم. و قيل: قتل خمسة و أربعون، و أسر مثلهم. و لعل منشأ هذا القول الأخير هو تسمية البعض لهذا المقدار من القتلى، أو أكثر؛ فتخيلوا: أن ذلك هو العدد النهائي، و لكن ذلك لا يدل إلا على أن من عرفه ذلك الناقل هو هؤلاء، لا على أن هؤلاء هم كل من قتل من المشركين.

و استشهد من المسلمين، قيل تسعة، و قيل أحد عشر، و قيل: أربعة عشر، ستة من المهاجرين، و ثمانية من الأنصار.

و لم يؤسر من المسلمين أحد، و غنموا من المشركين مئة و خمسين بعيرا، و عشرة أفراس، و عند ابن الأثير ثلاثين فرسا، و متاعا، و سلاحا، و أنطاعا، و ثيابا، و أدما كثيرا (1).

بطولات علي عليه السّلام:

و أكثر قتلى المشركين قتلوا على أيدي المهاجرين، و بالتحديد على يد


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 102 و 103، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 118، و السيرة الحلبية ج 2 ص 183.

أهل بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات على يد علي «عليه السلام» .

و قد سماه الكفار يوم بدر ب «الموت الأحمر» لعظم بلائه و نكايته (1)و كيف لا و نحن نرى الشعبي يقول: «كان علي أشجع الناس، تقر له بذلك العرب» (2).

و قد تقدم في الفصل السابق تحت عنوان: المبارزة، قول بعض بني عامر في جواب حسان، و قول هند في رثاء قتلاها.

و قال أسيد بن أبي إياس يحرض مشركي قريش على علي «عليه السلام» :

في كل مجمع غاية أخزاكمجذع أبر على المذاكي القرح

اللّه دركم ألمّا تنكرواقد ينكر الحر الكريم و يستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكمذبحا و قتلا قعصة لم يذبح

أعطوه خرجا و اتقوا تضريبهفعل الذليل و بيعة لم تربح

أين الكهول و أين كل دعامةفي المعضلات و أين زين الأبطح

أفناهم قعصا و ضربا يفتريبالسيف يعمل حده لم يصفح (3)


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 68.

2) نور القبس ص 249.

3) أسد الغابة ج 4 ص 20 و 21، و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 15، و إرشاد المفيد ص 47، و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 121، و البحار ج 19 ص 282، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 188، و تيسير المطالب ص 50. و الجذع: الأسد. و المذاكي: الخيل بعد مضي خمس سنين من عمرها، و ضربه فأقعصه: أي قتله مكانه. و لم يصفح: أي لم يضرب بصفح السيف.

و قال عبد اللّه بن رواحة:

ليهن عليا يوم بدر حضورهو مشهده بالخير ضربا مرعبلا

و كائن له من مشهد غير خامليظل له رأس الكمي مجدلا (1)

إلى آخر الأبيات.

و لماذا لا يسمى «عليه السلام» بالموت الأحمر؟ و هو الذي تقول في حقه بعض الروايات: إن جبرائيل قد نادى بين السماء و الأرض في بدر:

لا فتى إلا عليلا سيف إلا ذو الفقار

و يقال: إن هذه المناداة كانت في أحد. و ستأتي مع بعض الكلام حولها إن شاء اللّه.

و قد قتل «عليه السلام» من المشركين في بدر نصف السبعين، و شارك في قتل النصف الآخر (2).

و قد عد الشيخ المفيد ستة و ثلاثين بأسمائهم ممن قتلهم علي «عليه السلام» (3). و قال ابن إسحاق: أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي (4). و قال الطبرسي، و القمي: إنه قتل منهم سبعة و عشرين (5).


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 20، و البحار ج 19 ص 292، و المرعبل: المقطع.

2) راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج 2 ص 353. و لم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء.

3) الإرشاد ص 43 و 44، و البحار ج 19 ص 277 و 316 عنه، و إعلام الورى ص 77.

4) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 120، و البحار ج 19 ص 291.

5) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 271، و البحار ج 19 ص 240 عن مجمع البيان.

و قال أسامة بن منقذ: قتل أربعة و عشرين سوى من شارك فيهم (1).

و قال الشبلنجي: قال بعضهم: «إن أهل الغزوات أجمعت على أن جملة من قتل يوم بدر سبعون رجلا، قتل علي منهم أحدا و عشرين نسمة باتفاق الناقلين، و أربعة شاركه فيهم غيره، و ثمانية مختلف فيهم» (2).

و عد الواقدي اثنين و عشرين؛ ثمانية عشر منهم قتلهم علي، و أربعة مختلف فيهم (3).

و عد المعتزلي، و ابن هشام (مع التلفيق بينهما) تسعة و عشرين قتلهم علي، أو شرك في قتلهم من أصل اثنين و خمسين (4).

و هذا الاختلاف ليس ذا أهمية، فإن من يذكر هؤلاء أسماءهم إنما هم في حدود الخمسين، أو أقل، أو أكثر بقليل (5).

فنجد عليا قد قتل من هؤلاء نصفهم أو أزيد. و لو أنهم اهتدوا إلى أسماء الباقين، لارتقى عدد من قتلهم علي «عليه السلام» إلى نصف السبعين، أو زاد، عدا من شرك في قتلهم.

نعم هذه هي الحقيقة، و لكن المؤرخين، الذين جاؤوا بعد هؤلاء قد ذكروا من عدهم هؤلاء في ضمن الخمسين، و اعتبروهم جميع من قتل، مع


1) لباب الآداب ص 173.

2) نور الأبصار ص 86.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 147-152.

4) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 365-372، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 208-212.

5) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 212، و ابن هشام و الواقدي و غيرهم.

أنهم بعض من قتل.

و يلاحظ: أن البعض يعرف ممن قتلهم علي «عليه السلام» أشخاصا، لا يعرفهم البعض الآخر، و بالعكس. و ذلك أيضا يؤيد صحة ما ذكرناه و ذكره الشيخ المفيد و غيره و يؤكده.

و على كل حال، فقد كان ممن قتلهم أمير المؤمنين «عليه السلام» في بدر: طعيمة بن عدي، و أبو حذيفة بن أبي سفيان، و العاص بن سعيد بن العاص، الذي أحجم الناس عنه، و نوفل بن خويلد، و كان من شياطين قريش، و العاص بن هشام بن المغيرة (1).

رواية مكذوبة:

و زعم البعض أن عمر بن الخطاب هو الذي قتل العاص بن هشام بن المغيرة (2).

و يروون: أن عمر قد قال لسعيد بن العاص: إنه ما قتل أباه، و إنما قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة (3).

و هو كلام مشكوك فيه: فإن العاص هذا ليس خالا لعمر؛ لأن حنتمة


1) المنمق ص 456، و الأغاني ط ساسي ج 3 ص 100.

2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 368، و السيرة الحلبية ج 2 ص 145، و راجع نسب قريش لمصعب ص 301.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 92، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 289، و نسب قريش لمصعب ص 176، و البداية و النهاية ج 3 ص 290، و تاريخ الخميس ج 1 ص 381، و حياة الصحابة ج 2 ص 333، و الإصابة، و الإستيعاب.

لم تكن بنت هشام بن المغيرة، و إنما هي بنت هاشم بن المغيرة، و قد غلط العلماء من قال: إنها بنت هشام (1).

و قال ابن حزم: إن هاشما لم يعقب سوى حنتمة (2).

و قال ابن قتيبة: «و أم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، ابنة عم أبيه» (3).

بل لقد قيل: إن حنتمة هي بنت سعيد بن المغيرة (4).

و احتمال البعض أن يكون أراد: أنه قتل هذا الذي من قبيلة أمه، و يعد الناس كل أفراد قبيلة الأم أخوالا، كما قال الشاعر:

و لو أني بليت بهاشميخؤولته بني عبد المدان

هذا الاحتمال خلاف الظاهر المتبادر من كلمة «خالي» فإن إطلاق كلمة أخوال على القبيلة لا يلزم منه صحة أن يقول الشخص: فلان خالي، و هو ليس بخاله حقيقة، فيصح قولهم: بنو مخزوم أخوالنا، و لا يصح أن يقال: فلان المخزومي خالي، لأن هذا الثاني ينصرف إلى الخؤولة الحقيقية.

بل لقد أنكر البعض أن تكون حنتمة مخزومية أصلا، و قالوا: إن هاشما وجدها مرمية في الطريق، فأخذها، و رباها، ثم زوجها الخطاب، و إنما نسبت إلى هاشم بالتبني و التربية، كما هي عادة العرب (5).


1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 19.

2) جمهرة أنساب العرب ص 144.

3) الشعر و الشعراء ص 348.

4) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 20.

5) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 56.

ما هو الصحيح إذا؟ !

و لعل الأقرب إلى الاعتبار، و المنسجم مع الوقائع، و الأجواء السياسية، و الأحداث، هو الرواية التي ذكرها المعتزلي، و الشيخ المفيد، و ملخصها:

أن عثمان بن عفان، و سعيد بن العاص، حضرا عند عمر أيام خلافته؛ فصار عثمان إلى مجلسه الذي يشتهيه، و مال سعيد إلى ناحية، فنظر إليه عمر و قال: ما لي أراك معرضا؟

كأني قتلت أباك؟ إني لم أقتله، و لكن قتله أبو حسن.

و في رواية المفيد، أنه قال: فلما رأيت ذلك (يعني هياجه للحرب) هبته، و زغت عنه، فقال: إلى أين يا ابن الخطاب؟ و صمد له علي فتناوله، فو اللّه ما فارقت مكاني حتى قتله.

و كان علي «عليه السلام» حاضرا، فقال: اللهم غفرا، ذهب الشرك بما فيه، و محا الإسلام ما تقدم؛ فما لك تهيج الناس علي؟ !

فكف عمر.

فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب (1).

فهذه الرواية التي تتضمن نجاة عمر على يد علي «عليه السلام» ، ليس فيها: أنه قتل خاله العاص بن هشام، و الذي لم يكن خالا له-كما قلنا-أو على الأقل يشك كثيرا في هذه الخؤولة.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 144 و 145، و الإرشاد ص 46.

و في هذه الرواية دلالات أخرى لا تخفى، و لا سيما في كلام علي «عليه السلام» و سعيد، فليتأمل المتأمل في ذلك.

إشارة:

و يلاحظ: أن حرب بدر و أحد و غيرهما قد أثرت في قلوب القرشيين أثرا بعيدا حتى «قيل: كانت قريش و إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه.

و نظر إليه رجل، و قد شق العسكر، فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي» (1).

قتلى المشركين في القليب:

و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالقليب أن تعور، ثم أمر بالقتلى، فطرحوا فيها. ثم نادى أهل القليب رجلا رجلا: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؛ فإني قد وجدت ما وعد ربي حقا، بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني، و صدقني الناس، و أخرجتموني و آواني الناس، و قاتلتموني و نصرني الناس.

فقال عمر: يا رسول اللّه، أتنادي قوما قد ماتوا؟ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، و لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني (2).


1) محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ج 2 ص 138.

2) راجع: فتح الباري ج 7 ص 234 و 235، و صحيح البخاري هامش الفتح نفس الموضع، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 29، و تاريخ الخميس ج 1 ص 386، و السيرة الحلبية ج 2 ص 82، و حياة الصحابة ج 2 ص 333 و 334.

و قد أنكرت عائشة قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لقد سمعوا ما قلت.

و قالت: إنما قال: لقد علموا، و احتجت لذلك بقوله تعالى: إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ الآية.

و بقوله تعالى: وَ مٰا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ (1).

في البخاري عن قتادة: إن اللّه رد إليهم أرواحهم فسمعوا؛ و بهذا أجاب البيهقي (2).

و نقول: إنه لو ثبت ما ذكره قتادة و صح؛ فلا مانع من أن يكون معجزة لسيد المرسلين محمد «صلى اللّه عليه و آله الطاهرين» .

و أجاب الحلبي: بأنه لا مانع من إبقاء السمع على حقيقته، لأنه إذا قوي تعلق أرواحهم بأجسادهم أمكنهم أن يسمعوا بحاسة سمعهم، لبقاء محل تلك الحاسة.

و السماع المنفي في الآيتين هو السماع النافع، و قد أشار السيوطي إلى ذلك فقال:

سماع موتى كلام اللّه قاطبةجاءت به عندنا الآثار في الكتب

و آية النفي معناها سماع هدىلا يقبلون و لا يصغون للأدب

لأنه تعالى شبه الكفار الأحياء بالأموات في القبور في عدم انتفاعهم بالإسلام النافع (3).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 82، و ليراجع: مسند أحمد ج 2 ص 31 و 38، و غير ذلك.

2) راجع: البخاري باب غزوة بدر، و ليراجع: كلام المعتزلي في شرح النهج ج 14 ص 279.

3) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 82.

مهجع سيد الشهداء:

و يقولون: إن مهجعا (مولى لعمر) هو أول من خرج بعد أن اصطفت الصفوف، فقتل، فنقل بعض المشايخ: أنه أول من يدعى من شهداء هذه الأمة، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال يومئذ: مهجع سيد الشهداء (1). و لكن ذلك مشكوك فيه، إذ:

1-لماذا كان مهجع أول من يدعى من شهداء هذه الأمة، و لماذا لا يكون ياسر والد عمار أو أمه سمية أول من يدعى من شهداء هذه الأمة؟ ! و هما أول من استشهد، و كان ذلك قبل بدر بسنوات عديدة.

و لما ذا لا يكون عبيدة بن الحارث، الذي قتل في نفس واقعة بدر قبل مهجع، هو أول من يدعى منهم؟ ! .

2-قولهم: إنه أول من خرج بعد أن اصطفت الصفوف، لا يمكن قبوله. فإن أول من خرج من المسلمين هم: علي، و حمزة، و عبيدة بن الحارث بن المطلب.

3-و كيف يمكن الجمع بين كون مهجع هو سيد الشهداء، و بين روايتهم: أن حمزة هو سيد الشهداء (2)كما سيأتي في غزوة أحد إن شاء اللّه؟ .

و يقولون أيضا: إن عليا «عليه السلام» قد ذكر ذلك في شعره، فقال:


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 61، و راجع: المصنف ج 5 ص 351.

2) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 173، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 195 و 199، و تلخيص الذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) ، و مجمع الزوائد ج 9 ص 268، و حياة الصحابة ج 1 ص 571، و تاريخ الخميس ج 1 ص 164 و 165.

محمد النبي أخي و صهريو حمزة سيد الشهداء عمي (1)

و قال «عليه السلام» : «و منا سيد الشهداء حمزة» (2).

4-و كيف يجتمع قولهم: بأن أول قتيل من المسلمين هو مهجع، مع قولهم: إن أول قتيل من المسلمين هو عمير بن الحمام؟ ! (3).

و حاول الحلبي الجمع: بأن عميرا أول قتيل من الأنصار، و ذاك أول قتيل من المهاجرين.

ثم أجاب عن هذا: بأن أول قتيل من الأنصار هو حارثة بن قيس. ثم رده بأن حارثة كان أول قتيل بسهم لم يدر راميه (4).

و لكن من الواضح: أن ذلك ليس إلا تلاعبا بالألفاظ، فإنه إذا قيل: فلان أول قتيل من المسلمين، أو في بدر مثلا، لا ينظر في ذلك إلى آلة قتله، أو إلى بلده، أو نسبه. و إلا لقال: أول قتيل من المهاجرين مثلا، أو من الأنصار، أو بسهم، أو نحو ذلك، فإن هذا هو الأنسب و الأوفق بمراده.

و لو صح كلام الحلبي؛ فيرد سؤال، و هو: لماذا يطلق على مهجع دون غيره -مثل عمير بن الحمام أو عبيدة، أو حارثة بن قيس-لقب سيد الشهداء؟ !

و ما هو وجه اختصاصه بهذا اللقب دون هؤلاء؟ !


1) روضة الواعظين ص 87، و الصراط المستقيم للبياضي ج 1 ص 277، و كنز الفوائد ج 1 ص 266، و الغدير ج 6 ص 25-33 عن مصادر كثيرة جدا.

2) الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 273، و الإصابة ج 1 ص 354، و راجع: البحار ج 44 ص 140، و المسترشد ص 57.

3) الإصابة ج 3 ص 31، و السيرة الحلبية ج 2 ص 161.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 161.

فهل لأنه كان قد عانى في سبيل اللّه ما لم يعان غيره؟ ! أم لأنه كان يمتاز عنهم بفضائل أخلاقية و نفسانية؟ ! أم لأنه كان مولى لعمر بن الخطاب؟ ! و قد كان لا بد من أن تكون له فضيلة لم ينلها إلا سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و الحسين بن علي «عليه السلام» ؟ !

لا ندري و لعل الفطن الذكي يدري! !

ذو الشمالين:
اشارة

و استشهد في بدر ذو الشمالين (سمي بذلك لأنه كان يعمل بيديه جميعا) و اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان (1). و تذكر هنا قضية سهو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اعتراض ذي الشمالين عليه.

و حيث إن الكلام فيها يطول، فنحن نرجئ الكلام عنها إلى فصل: «بحوث ليست غريبة عن السيرة» فإلى هناك.

و قبل المضي في الحديث عن سائر ما يرتبط بواقعة بدر، نشير إلى الملاحظات التالية:

ألف: إهتمام علي عليه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بدر:

عن علي «عليه السلام» قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم


1) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 337، و الطبري في ذيل تاريخه ص 157، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 491، و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 394، و الإصابة ج 1 ص 486، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 119.

جئت مسرعا لأنظر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما فعل.

قال: فجئت، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد عليها. فرجعت إلى القتال. ثم جئت، و هو ساجد يقول ذلك أيضا. فذهبت إلى القتال. ثم جئت و هو ساجد يقول ذلك، حتى فتح اللّه عليه (1).

و لا يعني ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشارك في القتال في بدر أصلا، فلعله شارك فيه في مراحله الأولى، حيث لا بد من تشجيع المسلمين، و تقوية قلوبهم، حتى إذا تحقق له «صلى اللّه عليه و آله» هذا الهدف، انصرف إلى الابتهال و الدعاء. و يلاحظ هنا:

1-إن عليا «عليه السلام» يتعاهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» باستمرار، و لا يغفل عنه لحظة واحدة، حتى في هذا الموقف، الذي تبلغ فيه القلوب الحناجر، و تزيغ الأبصار.

كما و يلاحظ: أنه «عليه السلام» كان في سائر المواطن و الأحوال يتعاهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يأخذ على عاتقه عهدة حفظه و حراسته، فقد قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة، قال: سألت جعفر بن عبد اللّه بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب فقال: إن هذه المحرس كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 275 و 276 عن البيهقي و عن النسائي في اليوم و الليلة، و حياة الصحابة ج 1 ص 502 عنه و عن كنز العمال ج 5 ص 267 عن الحاكم، و البزار، و أبي يعلى و الفريابي.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 448.

و ذكر السمهودي هذه الأسطوان في كتابه باسم «أسطوان المحرس» (1).

2-يلاحظ: مدى اهتمام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في هذه اللحظات الحرجة بالدعاء، و الاتصال بالمبدأ الأعلى، مصدر القوة و الفتح و الظفر، يتصل به ليهب المسلمين اليقين، و الصبر، و ليشملهم بعناياته و ألطافه، فبدون ذلك لا يمكن النصر، و لا قيمة للظفر.

3-كما أننا نجد أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي كان أكثر الناس عناء في هذه الحرب، قد قتل نصف السبعين، و شارك في النصف الآخر، نجده يقول: «حتى فتح اللّه عليه» فهو ينسب الفتح و الظفر إلى النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يرى لنفسه، و لا لغيره أثرا يستحق الذكر في هذا المجال.

ب: الحرب مصيرية:

و واضح: أن كلا من الفريقين كان يعتبر أن هذه الحرب مصيرية بالنسبة إليه، فالمسلمون و على رأسهم الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» يعتبرون: أنهم لو غلبوا فلن يعبد اللّه في الأرض بعد. و المشركون أيضا يريدون أن يأخذوا المهاجرين أخذا، ليعرفوهم ضلالتهم؛ و أن يجزروا أهل يثرب جزرا، حتى لا يتجرؤوا على ممالأة عدو لهم أبدا، و كي لا يستطيع أحد أن يعترض طريق تجارتهم، و تهابهم العرب.

نعم هذا هو المهم لدى جماعة متهالكة على المال و الجاه و الدنيا. و لأجل


1) المصدر السابق.

ذلك بالذات آذوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من معه، و أخرجوهم، و حاربوهم، و هم أبناؤهم، و إخوانهم و آباؤهم، و ذوو قرابتهم.

فالدنيا بالنسبة إليهم هي كل شيء، و ليس قبلها و لا بعدها شيء. و هذا ما دفعهم لارتكاب تلك الجرائم و الموبقات تجاه ذويهم: فمارسوا ضدهم مختلف أنواع التعذيب، و السخرية، ثم أخذ الأموال، و الإخراج من الديار. ثم الحرب العوان لجز أصلهم و استئصال شأفتهم.

ج: الهزيمة، و عدم تكافؤ القوى، و الإمداد بالملائكة:

قد يحدث أن يغلب جيش قليل العدد نسبيا جيشا أكثر عددا، و ذلك حينما تكون ثمة امتيازات في هذه القلة تفقدها تلك الكثرة، كالتسلح، أو الانضباطية، أو البراعة، أو كونها تملك خطة حربية معينة.

و لكن الأمر كان بين المسلمين و المشركين بالعكس تماما؛ فالتجربة الحربية، و الكثرة، و السلاح، و العدة و غير ذلك قد كان في جانب المشركين، مع عدم وجود خطة حربية معينة، بحدودها و تفاصيلها لدى المسلمين. و إنما هم يواجهون حربا فرضها عليهم عدوهم في الزمان و المكان الذي أراد. مع وجود امتيازات لصالح المشركين حتى في هذه الناحية أيضا.

أما أسلوب الحرب، فلا جديد فيه، و إنما على كل من الفريقين أن يعتمد الأساليب المعروفة. و في قريش بعض مشاهير فرسان العرب، الذين امتازوا في الحروب التقليدية بخبرتهم، و بعد صيتهم.

و لكن النتائج التي تمخضت عنها هذه الحرب، لا تتلاءم مع تلك العدة و ذلك العدد، و لا مع الامتيازات التي كان يتمتع بها أحد الفريقين دون الآخر.

فقد كانت خسائر المشركين أضعاف خسائر المسلمين. إذ ما هو وجه النسبة بين ثمانية إلى أربعة عشر شهيدا من المسلمين، و بين سبعين قتيلا و سبعين أسيرا من المشركين؟ ! مع أن كل الامتيازات كانت في جانب هؤلاء على أولئك.

نعم، ما هو السر، و ما هو السبب يا ترى؟ ! . .

و الجواب: أن اللّه سبحانه قد قال في كتابه المجيد: إِذْ يُرِيكَهُمُ اَللّٰهُ فِي مَنٰامِكَ قَلِيلاً وَ لَوْ أَرٰاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنٰازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ، وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اَللّٰهُ أَمْراً كٰانَ مَفْعُولاً (1).

و قال تعالى: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ وَ قٰالَ لاٰ غٰالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلنّٰاسِ وَ إِنِّي جٰارٌ لَكُمْ (2).

و قال: كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ (3).

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نصرت بالرعب، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (4).


1) الآيتان 43 و 44 من سورة الأنفال.

2) الآية 48 من سورة الأنفال.

3) الآية 5 من سورة الأنفال.

4) سيرة ابن هشام ج 2 ص 233، و البخاري ج 1 ص 46 و 57، و ج 2 ص 107، و ج 4 ص 135 و 163، و سنن الدارمي ج 2 ص 224، و صحيح مسلم ج 2 ص 63-65، و الجامع الصحيح ج 4 ص 123، و كشف الأستار ج 1 ص 44، -

و نستنتج من ذلك: أنه قد كان ثمة ألطاف و عنايات، بل و خطة إلهية لإلقاء الحرب بين المسلمين، و المشركين، لتذهب هيبة قريش من نفوس الكثيرين ممن أسلموا، و إذا حارب المسلمون قريشا، فلسوف يكونون على حرب غيرها أجرأ و أقدر.

و هذه الخطة تتلخص في:

1-تقوية قلوب المسلمين بما في ذلك أسلوب التقليل و التكثير المشار إليه في الآيات الشريفة.

2-ما أمدهم اللّه به من الملائكة.

3-إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.

بيان ذلك: أن هدف كل من المتحاربين هو الذي يعين نتيجة الحرب، و مصيرها، على صعيد الخسائر المادية و البشرية، و حتى على صعيد التأثير في حركة التاريخ، من جميع الجهات، و على مختلف المستويات.

و قد بينا مرارا و تكرارا: أن هدف المشركين من الحرب هو الحصول على الحياة التي يريدون، و على الامتيازات التي يتوقعون أن يجدوا فيها ما يحقق آمالهم العراض بالرفاهية و الزعامة و السيادة.

و إذا كانوا يحاربون من أجل الحياة الدنيا؛ فكيف يمكن أن يضحوا بحياتهم؟ إن ذلك ليس إلا نقضا للغرض، و تضييعا للهدف.

(4) -و ج 3 ص 147، و سنن النسائي ج 1 ص 209 و 210، و ج 6 ص 3، و مسند أحمد ج 1 ص 98 و 301، و ج 2 ص 222 و 264 و 268 و 314 و 366 و 412 و 455 و 501 و ج 3 ص 304، و ج 4 ص 416، و ج 5 ص 145 و 148 و 162 و 248 و 256، و مجمع الزوائد ج 6 ص 65، و أمالي الطوسي ص 56.

و يدلنا على هذا المعنى، أنهم يذكرون: أنه لما رأى طليحة بن خويلد كثرة انهزام أصحابه قال: «و يحكم ما يهزمكم؟ ! قال رجل منهم: و أنا أحدثك ما يهزمنا: إنه ليس منا رجل إلا و هو يحب أن يموت صاحبه قبله، و إنا لنأتي قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه» (1).

و لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال: «لو كان ابن صفية يعلم: أنه على حق ما ولى الخ. .» (2).

و يقول حميد الطوسي أحد أكابر قواد المأمون: «إننا قد آيسنا من الآخرة و إنما هي الدنيا؛ فلا نحتمل و اللّه لأحد تنغيصها علينا» (3).

أما هدف المسلمين أو بالأحرى بعضهم، و هم الذين جزروا قريشا جزرا، كعلي و حمزة و أمثالها ممن كان لهم نكاية في العدو؛ فقد كان هو الفوز الأخروي، و يعتبرون أنهم إنما يقدمون على إحدى الحسنيين: النصر و هو فوز أخروي و دنيوي، أو الشهادة، و هي فوز أيضا حتى دنيويا.

و إذا كانوا يعدون الموت فوزا كالنصر العسكري، و إذا كانوا يعتبرون فرارهم خذلانا، و وبالا، و دمارا، و موتا لهم، بل و شرا من الموت، حتى و لو أدى إلى حفظ حياتهم، و كانت في المستوى الأعلى من الرفاهية و الراحة الجسدية و النعيم الدنيوي، لأنها سوف يعقبها الدمار في الآخرة و العذاب الأليم، إذا كانوا كذلك فإن حياتهم هذه تكون مرفوضة عندهم، و لا يريدونها؛ بل هم


1) سنن البيهقي ج 8 ص 176، و حياة الصحابة ج 3 ص 770 عنه.

2) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 241 و هذا يؤيد أنه قتل و هو منهزم كما يصرح به البعض.

3) نشوار المحاضرات ج 3 ص 100.

يكرهونها و يهربون منها أكثر مما يكره المشركون الموت، و يهربون منه و هو ما أشار إليه ذلك الرجل في جوابه لطليحة بن خويلد كما قد قدمنا.

و لما سمع عمير بن الحمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعد من يستشهد بالجنة، و بيد عمير تمرات يأكلهن، قال: بخ بخ، ما بيني و بين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، أو قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي، إنها لحياة طويلة. ثم رمى التمرات من يده، و قاتل حتى قتل (1).

و من هنا، فقد كان طعم الموت لدى أصحاب الحسين «عليه السلام» أحلى من العسل، بل و حتى الأمهات كن إذا علمن بأن ولدهن في الجنة لم يجدن ألم المصاب، بل و ربما فرحن لاستشهاد ابنائهن. فحين قتل حارثة بن سراقة بسهم غرب، قالت أمه: «يا رسول اللّه، أخبرني عن حارثة؛ فإن كان في الجنة صبرت، و إلا فليرين اللّه ما أصنع، يعني من النياح» .

و في رواية: و إن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء. و في رواية: لم أبك و لم أحزن، و إن يكن في النار بكيت ما عشت في الدنيا» .

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما أخبرها: أن ولدها في الجنان رجعت و هي تضحك، و تقول: بخ بخ يا حارث (2).


1) راجع: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 126، و تاريخ الخميس ج 1 ص 380، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 279، و البداية و النهاية ج 3 ص 277 عن مسلم و أحمد، و سنن البيهقي ج 9 ص 99، و مستدرك الحاكم مختصرا ج 3 ص 426، و حياة الصحابة ج 1 ص 424 عن بعض من تقدم.

2) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 208، و البداية و النهاية ج 3 ص 274 عن الشيخين، و سنن البيهقي ج 9 ص 167، و حياة الصحابة ج 2 ص 652-653-

كما أن عمير بن أبي وقاص الذي استشهد يوم بدر، حينما أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يخلفه بكى (1)، فأجازه، و أمثال ذلك كثير.

و تقول هند بنت عتبة لرملة بنت شيبة، و كانت من المهاجرات:

لحى الرحمن صابئة بوجو مكة، أو بأطراف الحجون

تدين لمعشر قتلوا أباهاأقتل أبيك جاءك باليقين (2)

و أمثال ذلك كثير، لا مجال لتتبعه و استقصائه.

و من كل ما قدمناه يتجلى مدى حرص هؤلاء على الموت أو النصر، و حرص أولئك على الحياة و السلامة، فالمسلمون يرون الموت انتقالا، و الشهادة عطاء. و أولئك يرون الموت خسرانا، و فناء، و دمارا.

و قد تحدث اللّه عن بني إسرائيل الذين يهتمون بالدنيا و ليس للآخرة مكان في تفكيرهم، و حتى في عقائدهم، فقال: قُلْ إِنْ كٰانَتْ لَكُمُ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ اَللّٰهِ خٰالِصَةً مِنْ دُونِ اَلنّٰاسِ فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ، وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ، وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ مٰا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ اَلْعَذٰابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَ اَللّٰهُ بَصِيرٌ بِمٰا يَعْمَلُونَ (3).

(2) -عنهم، و عن كنز العمال ج 5 ص 273 و 275، و ج 7 ص 76، و عن ابن سعد ج 3 ص 68.


1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 263، و الإصابة ج 3 ص 35 عن الحاكم و البغوي، و ابن سعد، و الواقدي.

2) نسب قريش لمصعب ص 156، و الإصابة ج 4 ص 307.

3) الآيات 94-96 من سورة البقرة.

و لذلك احتاجت الحرب إلى: أن يريهم اللّه بادئ الأمر المسلمين قليلا؛ ليتشجعوا على خوض غمار الحرب، براحة فكر، و لرفع مستوى احتمالات السلامة و البقاء. و لا أقل من أن يصمدوا و لا يفروا، ليقوم علي «عليه السلام» بإذلال فراعنة الشرك، و قتل أبطالهم، و أسر رجالهم؛ وفقا لما جاء عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء: كلما حشوا نارا للحرب أطفأها، و نجم قرن الضلال أو فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحده، مكدودا في ذات اللّه الخ. . (1).

ثم و بعد نشوب الحرب كان لا بد أن يروا المسلمين كثيرا؛ فأمد اللّه المسلمين بالملائكة، و كثرهم بهم، و أمرهم بالحرب و بضرب الأعناق، و ألقى في قلوب المشركين الرعب. و قد أخبر اللّه عن هذه المرحلة الأخيرة التي سوف تأتي بعد نشوب الحرب بقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنٰاقِ وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنٰانٍ (2).

و واضح: أن القضاء على الجبان الخائف مهما كان قويا أيسر، و أسهل من القضاء على الضعيف المقدام، الذي لا يبالي، أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.

و من هنا فقد كانت المعركة لصالح هؤلاء دون أولئك، الذين لا


1) بلاغات النساء ص 25 ط النهضة الحديثة، و أعلام النساء ج 4 ص 117.

2) الآية 12 من سورة الأنفال.

يمكنهم إلا أن يتجنبوا مواجهة الأبطال، و ملاقاة الرجال.

فالمسلمون و المشركون أنفسهم كانوا على المشركين. و هذا ما يفسر قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : «ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه» (1).

و كان لإمداد المسلمين بالملائكة ناحية أخرى لا بد من ملاحظتها، فإنه حين يكون من الممكن أن لا تكون درجة المعرفة و اليقين قد بلغت لدى بعض المسلمين مستوياتها العالية، و حين يكون احتمال الانهيار لدى البعض، أو على الأقل أن يضعفوا عن مواجهة هذه النازلة، موجودا، فإن اللّه يلطف بالمسلمين، و يمدهم بالملائكة، بشرى منه، و تثبيتا، و يقلل المشركين في أعينهم في بادئ الأمر، ليتشجعوا على حربهم. إلى غير ذلك من أسباب النصر التي تفضل عليهم بها.

و من هنا نعرف أيضا: لماذا كان القتلى في جانب المشركين أضعاف الشهداء في جانب المسلمين، و أسر من المشركين سبعون، و لم يؤسر من المسلمين أحد. و هذه النتائج لا تختص ببدر، و إنما تشمل كل المعارك التي كانت بين الإيمان و الكفر-و ما حديث كربلاء عن أذهاننا ببعيد.

د: حقد قريش على الأنصار:
اشارة

1-لقد اتضح من كلمات أبي جهل المتقدمة: أن قريشا كانت تتعمد إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف الأنصار، حتى لقد أمر أبو جهل أصحابه بأن يجزروا أهل يثرب جزرا. و لكن موقفهم بالنسبة


1) نهج البلاغة، الحكم رقم:318.

للقرشيين كان مختلفا، فقد طلب أبوجهل: أن يأخذوهم أخذا، ليدخلوهم مكة، و يعرفوهم ضلالتهم.

و لعل موقفهم هذا من القرشيين يرجع إلى رغبتهم في الحفاظ على علاقاتهم فيما بينهم، لأن كل قرشي من المسلمين له أقارب و عشيرة في مكة، و لن يرتاح هؤلاء لقتل أبنائهم، حتى و إن كانوا يخالفونهم في العقيدة و الرأي.

و هذا هو المنطق القبلي الذي كان يسيطر على عقليات المشركين، و يحكم تصرفاتهم و مواقفهم حتى في هذه الظروف الدقيقة و الحرجة بالذات.

و هو يريد في نفس الوقت أن يلقن الأنصار درسا، لكي لا يعودوا بعد الآن لمناصرة أعداء قريش، و مناوئيها. .

2-و حيث قد عرفنا: أن مراجل حقد قريش كانت في أشد الغليان على أهل يثرب، الذين آووا و نصروا، و قد عبر أبوجهل عن ذلك لسعد بن معاذ في فترة سابقة، و ها هو يعود فيأمر بجزر أهل يثرب جزرا.

فإننا نلاحظ: أن هذا الحقد قد استمر عشرات السنين، و قد أكده و زاده حدة: معارضة الأنصار في الخلافة في قصة السقيفة، ثم كونهم إلى علي «عليه السلام» أميل منهم إلى غيره. و قد ناصروه في حروبه، التي تزعمت قريش الجانب الآخر منها (1)حتى لقد قال معاوية في صفين لنعمان بن بشير، و مسلمة بن مخلد: «و لقد غمني ما لقيت من الأوس و الخزرج، واضعي سيوفهم على عواتقهم، يدعون إلى النزال، حتى لقد جبنوا من أصحابي


1) راجع: المصنف ج 5 ص 456 و 458 و غير ذلك.

الشجاع. و حتى و اللّه ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قيل: قتله الأنصار، أما و اللّه، لألقينهم بحدي و حديدي» (1). إلى آخر الكلام.

و يقول النعمان بن بشير، في كلام له مع الأنصار: «ثم لم ينزل خطب قط إلا هونتم عليه المصيبة» (2).

ثم كان موقف الأنصار تجاه شيخ بني أمية عثمان بن عفان، و مشاركتهم بشكل فعال في الثورة ضده، فزاد ذلك في حقد قريش عليهم و تمالئها ضدهم، حتى ليقول معاوية، و إن كان إظهار حزنه على عثمان إنما جاء لأهداف سياسية لا تخفى:

لا تحسبوا أنني أنسى مصيبتهو في البلاد من الأنصار من أحد (3)

و قد عمق معاوية هذا الحقد ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ثم جاء بعده يزيد فانتقم منهم في واقعة الحرة شر انتقام (4)، بعد أن قتل أهل بيت نبيهم في كربلاء.

و أخيرا، فقد روى أحمد حديث ابن عمر، الذي يقدم فيه أهل بدر من المهاجرين على أهل بدر من الأنصار (5).

و قد تقدم جانب مما يتعلق بهذا الموضوع في فصل: سرايا و غزوات قبل بدر، حين الكلام عن سر إرسال المهاجرين في السرايا في أول الأمر؛ فلا


1) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 84 و 85، و راجع ص 87 و 44.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 88.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 44.

4) راجع: وقعة الحرة في تاريخ الأمم و الملوك، و الكامل في التاريخ، و غير ذلك.

5) مناقب الإمام أحمد ص 235.

غنى لمن أراد استكمال هذا البحث عن مراجعة ذلك الموضع.

3-و من الجهة الثانية، فإن قريشا تريد أن تلقن الأنصار في حرب بدر درسا لن ينسوه، حتى لا يعودوا لمثلها من الممالأة لأعدائها، و يكفي الأنصار ذنبا بالنسبة لقريش أنهم مكنوا للمسلمين: أن يبلغوا هذا القدر من القدرة و الشوكة، حتى لقد طلب أبوجهل-الذي كان يثق أولا بالنصر-: أن لا يفلت من أيدي أهل مكة أحد من اليثربيين.

أضف إلى ذلك كله: أن أهل المدينة كانوا قحطانيين، أما أهل مكة فعدنانيون.

لماذا أهل البيت عليهم السّلام أولا؟ !

و لعل كل ما قدمناه آنفا و سواه هو السر في تقديمه «صلى اللّه عليه و آله» أهل بيته في الحرب؛ لتكون التضحيات منه، و في نفسه، و أهل بيته أولا. و لا ينسى التاريخ مواقف علي «عليه السلام» ، و لا بطولات حمزة و جعفر و سواهما ممن أخلص لهذا الدين من خيرة الصحابة، فكان هؤلاء أعني عليا، و أهل بيته «عليه السلام» هم الدرع الواقي، و بهم حفظ اللّه الدين، و خفف بذلك من حقد قريش الذين كانوا في الغالب أعداء لهذا الدين و أهله على الأنصار، و ذلك حفاظا على مستقبل الأنصار، لأن أحقاد قريش عليهم و على الإسلام قد تركت في المستقبل أثرها المرير و البغيض.

ه: بدر و أثرها على علي عليه السّلام و أهل بيته عليهم السّلام:

و يلاحظ هنا: أن أكثر قتلى المشركين كانت نهايتهم على أيدي المهاجرين، و لا سيما أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و عمه حمزة.

فقد قدمنا: أن عليا «عليه السلام» قد قتل نصف السبعين، و شارك في

النصف الآخر.

و من هنا نجد قريشا لم تستطع أن تحب عليا و أهل بيته، رغم أنها تتظاهر بالإسلام، و تحاول الحصول على الامتيازات عن طريقه، و رغم النصوص القرآنية و النبوية الآمرة بمحبتهم و مودتهم.

و قد أخرج الحاكم: أن العباس جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو مغضب، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما شأنك؟

فقال: يا رسول اللّه، ما لنا و لقريش؟ فقال: ما لك و لهم؟ قال: يلقى بعضهم بعضا بوجوه مشرقة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك. قال: فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى استدر عرق بين عينيه، فلما أسفر عنه، قال: و الذي نفس محمد بيده، لا يدخل قلب امرء الإيمان حتى يحبكم للّه و لرسوله إلخ (1).

و لقد شكى أمير المؤمنين «عليه السلام» من قريش: أنهم قطعوا رحمه و مالأوا عليه عدوه (2)-كما سنشير إليه في واقعة أحد إن شاء اللّه تعالى-.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 333 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و راجع مجمع الزوائد ج 9 ص 269، و حياة الصحابة ج 2 ص 487 و 488 عمن تقدم.

2) و إذ كانت الضربات متوجهة إلى القائد المعصوم؛ فإنه يستطيع أن يتحمل، و أن يصمد، و يواجهها بالحكمة و الروية و بما أوتيه من علم و عقل و صبر. أما غيره فلربما يصعب عليه تحمل الصعاب، أو اتخاذ الموقف المناسب لتجاوزها؛ و لأجل هذا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يؤثر أن يكون علي «عليه السلام» هو المتعرض لقريش دون غيره.

و عن ابن عباس: قال عثمان لعلي: «ما ذنبي إذا لم تحبك قريش، و قد قتلت منهم سبعين رجلا، كأن وجوههم سيوف (أو شنوف) الذهب» (1).

هذا و قد ظل الأحلاف يتحينون الفرص للأخذ بثارات بدر و أحد، و غيرهما. و قد فشلوا في حرب الجمل و صفين، إلى أن سنحت لهم الفرصة- بزعمهم-في واقعة كربلاء المشهورة، ثم ما أعقبها من ظلم و اضطهاد لأهل البيت و شيعتهم.

و نجد أن يزيد الطاغية لم يستطع أن يخفي دوافعه و كفره، و أنه يريد الثأر لأشياخه في بدر، فتمثل بأبيات ابن الزبعرى؛ و أضاف إليها إنكاره الوحي و النبوة فقال و هو ينكت ثنايا سيد شباب أهل الجنة بالقضيب:

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا و استهلوا فرحاثم قالوا: يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من أشياخهمو عدلناه ببدر فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء و لا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعل (2)

و ليراجع ما قاله قتادة لخالد القسري حول بدر (3). و قتادة من أكابر


1) معرفة الصحابة لأبي نعيم الورق 22 مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 1/497، و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 22.

2) مقتل الحسين للمقرم ص 449 و 450، و اللهوف ص 75 و 76.

3) البحار ج 19 ص 298 و 300، و روضة الكافي ص 111-113.

محدثي البصرة، و هو مشهور و معروف.

الشهداء من الأنصار:

و مع أن المهاجرين كانوا يمثلون خمس أو ربع الجيش الإسلامي في بدر، إلا أن الشهداء من المهاجرين كانوا بالنسبة إلى شهداء الأنصار بنسبة واحد إلى أقل من اثنين أو ثلاثة على اختلاف النقل، مع أن الأمر كان يجب أن يكون أكثر من ذلك بكثير إذا لو حظت الكمية العددية.

كلام للعلامة الطباطبائي رحمه اللّه حول آية التخفيف:

و للعلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» كلام هام يرتبط فيما نحن فيه، لا بأس بإيراد موجز عنه، و هو:

قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى اَلْقِتٰالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَفْقَهُونَ، اَلْآنَ خَفَّفَ اَللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ، مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1).

فعلل تعالى غلبة العشرين على المئتين بأن المئتين لا يفقهون، و العشرون يفقهون.

و ذلك لأن المؤمنين إنما يقدمون عن إيمان باللّه تعالى، و هذا الإيمان قوة


1) الآيات 65-67 من سورة الأنفال.

لا تدانيها قوة؛ لأنه قائم على الفقه الصحيح، الموجب لتحليهم بكل السجايا الفاضلة، كالشجاعة، و الشهامة، و الجرأة، و الاستقامة، و الوقار، و الطمأنينة، و الثقة به تعالى، و اليقين بأنه مقدم على إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، و بأن الموت ليس فناء كما يعتقد الكفار، و إنما هو السعادة، و الانتقال إلى دار البقاء.

أما الكفار: فيعتمدون على تسويل الشيطان، و هوى النفس. و لا تثبت النفس على هواها إلى حد تقبل الموت إلا فيما ندر.

ففقه المؤمنين، و معه العلم و الإيمان، هو السر في انتصارهم في بدر، و جهل الكفار و معه الكفر و الهوى هو الموجب لانهزامهم.

و أما بعد ذلك، و حيث زاد عدد المسلمين؛ فقد ضعفوا في القوة الروحية، بسبب قلة نسبة الفقه المشار إليه في الآية الأولى بقوله تعالى: ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَفْقَهُونَ (1)و قلة الصبر المشار إليه في الآية الثانية بقوله تعالى: وَ اَللّٰهُ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ (2).

و سبب هذا الضعف هو: أن كل جماعة أو فئة تسعى للوصول إلى هدف حيوي: دنيويا كان أو دينيا.

فإنها في بادئ الأمر تشعر بالموانع، و تواجه المحن التي ترى أنها تتهدد وجودها و بنيتها، فتستيقظ هممها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، و يهون عليها بذل أنفسها و أموالها في سبيله.


1) الآية 13 من سورة الحشر.

2) الآية 249 من سورة البقرة.

فإذا جاهدت و تقدمت نحو غاياتها، و صفا لها الجو بعض الصفاء، و كثر جمعها، فإنها تبدأ بالاستفادة من نتائج تضحياتها، و تتنعم و ترتاح و تطمئن لجني ثمرات ما بذلته و قدمته.

و تبدأ قواها الروحية المحركة بالخمود.

و واضح: أنه مهما قلت أفراد تلك الجماعة، أو ذلك المجتمع، فإنهم و لا شك يكونون متفاوتين في درجات إيمانهم بهدفهم، و في مستوى تفكيرهم و وعيهم، و في سجاياهم بشكل عام.

و كلما كثر أفرادها كلما زاد فيهم ضعفاء الإيمان و المنافقون، و الذين في قلوبهم مرض، و يتدنى مستوى القوى الروحية في متوسط الأفراد عموما.

و قد أثبتت التجربة أنه كلما قلت أفراد الجماعة، و قوي خصومها و منافسوها؛ و أحاطت بها المحن و الفتن، فإنها تكون أكثر نشاطا في العمل، و أحد في الأثر.

و كلما كثر أفرادها، فإنها تصير أكثر خمودا، و أقل تيقظا، و أسفه حلما.

و غزوات النبي «صلى اللّه عليه و آله» خير شاهد على ما نقول. فليقارن بين عدة و عدد، و ظروف، و حالة المسلمين في غزوة بدر، و بين عدتهم و عددهم، و ظروفهم في غيرها، و ليقارن بين نتائجها، و نتائج غيرها، كأحد، و الخندق، و خيبر، و حنين، و هي أقساها، حتى لقد قال تعالى:

وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ الآيات (1).


1) الآية 25 من سورة التوبة.

و هكذا يتضح مفاد الآيات التي نحن بصددها، و لربما تشير إلى ذلك أيضا الآية الثالثة المتقدمة، التي أشارت إلى أنهم رغبوا في الأسرى؛ لأنهم يريدون عرض الدنيا.

و إذا كانت الآيتان الأوليان متضمنتين لبيان طبع القوى الروحية في زمانين مختلفين، فلا مانع من نزول الآيتين دفعة واحدة، فإن وجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب نزول الآية المتضمنة لأحدهما في زمان و المتضمنة للآخر في زمان آخر إذا كان ذلك الحكم حكما طبعيا و ليس حكما تكليفيا.

ثم ذكر أيده اللّه: أن ظاهر التعليل في الآية الأولى بالفقه، و في الثانية بالصبر مع كون المقاتل مؤمنا في الآيتين، يدل على أن الصبر يرجح الواحد في قوة الروح على مثليه، و الفقه يرجحه على خمسة أمثاله، فإذا اجتمعا في واحد ترجح على عشرة أمثال نفسه (1)و الصبر لا يفارق الفقه، و إن جاز العكس (2).


1) قد يقال: إن مقتضى كلامه: أنهما لو اجتمعا رجح على سبعة أمثال نفسه. و نقول مقصوده رحمه اللّه أن الصبر يضاعف الخمسة التي نشأت عن الفقه. و هذا هو الأنسب و الأوفق بظاهر الآيتين، لأن بالفقه يحصل الصبر و سائر السجايا. و الصبر يرجحه على مثليه.

2) راجع: الميزان للعلامة الطباطبائي ج 9 ص 122-125.

الفهارس

1-الفهرس الإجمالي

ص: 356

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثاني: قضايا و أحداث غير عسكرية 5-24

الباب الثاني: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة

الفصل الأول: التاريخ الهجري أولا 29-74

الفصل الثاني: بناء مسجد المدينة 75-96

الفصل الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار 97-124

الفصل الرابع: أسس العلاقات في المجتمع الجديد 125-144

الباب الثالث: تشريعات و أحكام

الفصل الأول: الأذان 147-182

الفصل الثاني: تشريع بعض الأحكام 183-204

الفصل الثالث: الجهاد في الإسلام 205-220

الفصل الرابع: سرايا و غزوات قبل بدر 221-262

القسم الخامس: حتى أحد

الباب الأول: معركة بدر

الفصل الأول: في أجواء القتال 267-320

الفصل الثاني: نتائج الحرب 321-354

الفهارس 355-367

ص: 357

ص: 358

2-الفهرس التفصيلي

ص: 355

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثاني: قضايا و أحداث غير عسكرية

عودة بعض المهاجرين من الحبشة:7

عائشة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:9

مراسم الزفاف:9

استدلال طريف:10

فاتحة عهد جديد:11

آية الصلح بين المؤمنين:11

إسلام سلمان المحمدي:14

بئر رومة في صدقات عثمان:16

بئر أريس:21

حقيقة القضية:21

تأبير النخل:22

الباب الثاني: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة

بداية:27

الفصل الأول: التاريخ الهجري أولا

التاريخ الهجري:31

من هو أول من أرخ بالهجرة النبوية؟32

الحكاية كما يرويها المؤرخون:33

الرأي الأمثل:36

من المشير بمحرم؟ ! :37

الموافقون على هذا الرأي:41

كلام السهيلي:43

ما نستند إليه:46

عود على بدء:67

و التاريخ المسيحي إذا لماذا؟ :69

دعوة مخلصة:72

الفصل الثاني: بناء مسجد المدينة

بناء المسجد:77

أ-أبوبكر و العشرة دنانير:78

ب-أحجار الخلافة:79

تحريف في مستدرك الحاكم:82

ج: عثمان و عمار:82

ألم يكن عثمان في الحبشة؟ !84

سر انتصار النبي صلّى اللّه عليه و آله لعمار:87

لماذا المسجد أولا:88

مشاركة النساء في بناء المسجد:92

مشاركة النبي صلّى اللّه عليه و آله في بناء المسجد:93

جماعة خاصة بالنساء:94

الفصل الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار

المؤاخاة:99

المؤاخاة على التوارث موضع شك:100

عدد الذين كانت المؤاخاة بينهم:101

المؤاخاة بين كل و نظيره:103

مؤاخاة النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:104

تواتر حديث المؤاخاة:105

تكنية علي عليه السّلام بأبي تراب:107

مع المنكرين لمؤاخاة النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام 108

مع قضية المؤاخاة:111

ألف: البديل الأنسب:111

ب: السمو بالعلاقات الإنسانية:112

ج: دور المؤاخاة في بناء المجتمع الجديد:112

الأول: الحق:114

الثاني: المؤاساة:115

خلة أبي بكر:115

مؤاخاة سلمان مع من؟ ! :116

إنكار حديث المؤاخاة، و الإجابة عن ذلك:117

الفصل الرابع: أسس العلاقات في المجتمع الجديد

أسس العلاقات:127

نص الوثيقة:128

وثيقة أم وثائق؟ ! :133

ملاحظات سريعة على الوثيقة:136

موادعة اليهود:144

الباب الثالث: تشريعات و أحكام

الفصل الأول: الأذان

تشريع الأذان:149

مناقشة روايات الأذان:150

الكلمة الأخيرة:160

حي على خير العمل في الأذان:161

إشكالات غير واردة:175

حي على خير العمل موقف و شعار:176

سبب حذف هذه العبارة:179

كلمة حول هذا الرأي:180

الفصل الثاني: تشريع بعض العبادات

الزيادة في الصلاة:185

قول آخر في فرض الصلاة:186

فرض الزكاة:187

رواية تعارض ما سبق:190

فرض زكاة الفطرة:191

فرض الصيام:191

مناقشة وردها:192

صيام يوم عاشوراء:193

كذب تلك الروايات:194

في فضائل يوم عاشوراء أيضا:198

أيوم عزاء أم يوم عيد؟ ! :198

وضع الأحاديث:200

أساليب مقاومة عاشوراء:202

الفصل الثالث: الجهاد في الإسلام

الإسلام، و السيف! !207

1-الحرب في الإسلام و في غيره:208

إشارة:210

2-حيث لا بد من الحرب:210

هل الإسلام قام بالسيف؟ !219

الفصل الرابع: سرايا و غزوات قبل بدر

غزواته صلّى اللّه عليه و آله و سراياه:223

ما نتعرض له في هذا الكتاب:225

السرايا الأولى:225

1-تكنية علي بأبي تراب:229

التزوير و الافتراء:231

لماذا الوضع و الاختلاق؟ ! :236

قيمة هذه الكنية:237

2-لماذا السرايا؟ !239

الأول: الموادعات و التحالفات:239

الثاني: مضايقة قريش:240

3-وصاياه صلّى اللّه عليه و آله لبعوثه:242

4-لماذا المهاجرون فقط؟ !243

أ-على الأنصار نصره صلّى اللّه عليه و آله في دارهم:244

ب-مسألة الحرب و السلم:244

ج-ظروف الأنصار الخاصة:245

د-الحالة النفسية للمهاجرين:247

ه-العربي و قضية الدم:248

و-قريش، و الأنصار:251

ز-تزوير التاريخ:254

ح: تأكيد النبي صلّى اللّه عليه و آله على بر الأنصار:258

ط-لا غنى في الحرب عن الأنصار:261

القسم الخامس: حتى أحد

الباب الأول: معركة بدر الفصل الأول: في أجواء القتال

محاولة قرشية فاشلة:269

الإنتداب إلى بدر:270

الذين يخشون الناس:271

رؤيا عاتكة:274

قريش تتجهز:275

موقف أمية بن خلف:275

مع قضية ابن خلف:276

رجوع طالب بن أبي طالب عن الحرب:278

هكذا قالوا. . و نحن نقول:279

المكرهون و الراجعون:280

موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من المكرهين و الراجعين:281

نظرة في موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من هؤلاء:281

النبي صلّى اللّه عليه و آله يستشير في أمر الحرب:282

1-إستشارة النبي صلّى اللّه عليه و آله أصحابه:285

2-حرب قريش هو الرأي:287

3-التربية النفسية:288

4-نظرة في الآراء حول الحرب:288

5-سر سروره صلّى اللّه عليه و آله بكلام سعد و المقداد:290

6-أين رأي علي عليه السّلام؟ !291

الحباب ذو الرأي:291

عدة و عدد المسلمين و المشركين:294

المشركون يدركون بغيهم و عدوانهم:296

مواقع الجيشين:297

معنويات المسلمين و العنايات الربانية:298

أهداف الحرب:300

في المواجهة:300

هدوء ما قبل العاصفة:302

ألف: سر رعب المشركين:303

ب: نظرة في عروض النبي صلّى اللّه عليه و آله على المشركين:304

ج: النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يبدأ القتال:305

النبي صلّى اللّه عليه و آله في العريش:306

إشارة:309

المبارزة:310

بعد قتل الفرسان الثلاثة:312

ألف: غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي طالب:314

ب: بدء النبي صلّى اللّه عليه و آله بأهل بيته عليهم السّلام:314

ج: سخرية شيبة:316

د: الحق الذي جعله اللّه للمسلمين:316

المعركة في ضرامها:317

الملائكة في بدر:318

عائشة في حرب الجمل:319

الخزي و الهزيمة:319

الفصل الثاني: نتائج الحرب

نتائج الحرب:323

بطولات علي عليه السّلام:323

رواية مكذوبة:327

ما هو الصحيح إذا؟ !329

إشارة 330

قتلى المشركين في القليب 330

مهجع سيد الشهداء 332

ذو الشمالين 334

ألف: إهتمام علي عليه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بدر 334

ب: الحرب مصيرية 336

ج: الهزيمة، و عدم تكافؤ القوى، و الإمداد بالملائكة 337

د: حقد قريش على الأنصار 344

لماذا أهل البيت عليهم السّلام أولا؟ ! 347

ه: بدر و أثرها على علي عليه السّلام و أهل بيته عليهم السّلام 347

الشهداء من الأنصار 350

كلام للعلامة الطباطبائي رحمه اللّه حول آية التخفيف 350

الفهارس 355

1-الفهرس الإجمالي 355

2-الفهرس التفصيلي 355