الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 4

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الجزء الرابع

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

تتمة القسم الثالث: من البعثة حتي الهجرة

تتمة الباب الثانى: حتى وفاة أبي طالب عليه السّلام

الفصل السابع: أبو طالب عليه السّلام

اشاره

البحث الأول: أبو طالب عليه السّلام مؤمن قريش
إيمان أبي طالب عليه السّلام عند أهل البيت عليهم السّلام:

لا بد لنا هنا من الحديث بإيجاز عن موضوع ما زال بين أخذ ورد بين المسلمين ألا و هو إيمان أبي طالب «رحمه اللّه» ، فمن مؤيد، و من منكر.

فأما أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، فإنهم مجمعون على إيمانه و إسلامه «عليه السلام» (1)، بل في بعض الأحاديث عنهم «عليهم السلام» : أنه من الأوصياء (2)، و أن نوره يطغى في يوم القيامة على كل نور، ما عدا نور النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأئمة «عليهم السلام» ، و السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» (3).


1) روضة الواعظين ص 138، و أوائل المقالات ص 13 و الطرائف لابن طاووس ص 298 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 165، و البحار ج 35 ص 138 و الغدير ج 7 ص 384 عنهم، و عن: التبيان ج 2 ص 398، و كتاب الحجة لابن معد ص 13، و مجمع البيان ج 2 ص 287.

2) الغدير ج 7 ص 389.

3) الغدير ج 7 ص 387 و كنز الفوائد للكراجكي ص 80 و أمالي الطوسي ص 305 و 702 ط مؤسسة البعثة و الإحتجاج (ط مطبعة النعمان) ج 1 ص 341 و البحار-

أهل البيت عليهم السّلام أدرى:

و الأحاديث الدالة على إيمانه، و الواردة عن أهل بيت العصمة «عليهم السلام» لا تنحصر بما ذكرناه في هذه الدراسة، و قد جمعها العلماء في كتب مفردة (1).

و قد ذكر العلامة المجلسي في كتابه العظيم «بحار الأنوار» و الطبسي في كتاب «منية الراغب» و كذلك الخنيزي في كتاب «أبو طالب مؤمن قريش» و صاحب كتاب: «مواهب الواهب» و غيرهم الشيء الكثير جدا مما يدل على إيمانه صلوات اللّه و سلامه عليه. .

و نحن سوف نقتصر في هذا المعرض على أقل القليل من ذلك و نحيل من أراد التوسع إلى كتاب البحار الآنف الذكر، و إلى غيره. .

غير أننا نقول هنا: إن هذه الأخبار هي من الكثرة و الصراحة بحيث تعطي الانطباع الحاسم عما لأبي طالب من شأن عظيم، و مقام كريم عند اللّه تعالى.

و واضح: أن أهل البيت أدرى بما فيه من كل أحد.

يقول ابن الأثير: «و ما أسلم من أعمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير

(3) -ج 35 ص 69 و 110 و بشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 312 و كشف الغمة للإربلي (ط دار الأضواء) ج 2 ص 42 و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 174.


1) و من هذه الكتب كتاب: منية الراغب في إيمان أبي طالب للشيخ الطبسي و مواهب الراهب في إيمان أبي طالب، و غير ذلك.

حمزة و العباس، و أبي طالب عند أهل البيت» (1).

تأليف في إيمان أبي طالب عليه السّلام:

و عدا عن ذلك، فما أكثر الأدلة الدالة على إيمانه، و قد ألف في إثبات إيمانه الكثير من الكتب من السنة و الشيعة على حد سواء.

و قد أنهاها بعضهم إلى ثلاثين كتابا، و منها كتاب: «أبو طالب مؤمن قريش» للأستاذ عبد اللّه الخنيزي، الذي كاد أن يدفع مؤلفه حياته ثمنا له، حين حاول الوهابيون اتخاذ ذلك ذريعة للتخلص منه، فتداركه اللّه برحمته، و تخلص من شرهم.

هذا عدا عن البحوث المستفيضة المبثوثة في ثنايا الكتب و الموسوعات، و نخص بالذكر هنا ما جاء في كتاب الغدير للعلامة الأميني قدس سره. . (2).

و قد نقل العلامة الأميني عن جماعة من أهل السنة: أنهم ذهبوا إلى ذلك أيضا، و كتبوا الكتب و البحوث في إثبات ذلك، كالبرزنجي في أسنى المطالب (3)و الأجهوري، و الإسكافي، و أبي القاسم البلخي، و ابن وحشي في شرحه لكتاب: شهاب الأخبار، و التلمساني في حاشية الشفاء، و الشعراني، و سبط ابن الجوزي، و القرطبي، و السبكي، و أبي طاهر، و السيوطي، و غيرهم.

بل لقد حكم عدد منهم-كابن وحشي و الأجهوري، و التلمساني-بأن


1) البحار ج 35 ص 139 و الغدير ج 7 ص 369.

2) الغدير ج 7 و ج 8.

3) الغدير ج 7 ص 6 و 10.

من أبغض أبا طالب فقد كفر، أو من يذكره بمكروه فهو كافر (1).

من أدلة إيمان أبي طالب عليه السّلام:

و نحن نذكر فيما يلي طرفا من الأدلة على إيمان أبي طالب، فنقول:

أهل البيت عليهم السّلام أعرف:

و قد تقدم بعض ما روي عن الأئمة «عليهم السلام» ، و النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» مما يدل على إيمانه، و قد قلنا:

إن أهل البيت أدرى بما فيه، و أعرف بأمر كهذا من كل أحد.

التضحيات و المواقف:

و يدل على ذلك أيضا: ما تقدم من مناصرته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحمله المشاق و الصعاب العظيمة، و تضحيته بمكانته في قومه، و حتى بولده، و توطينه نفسه على خوض حرب طاحنة تأكل الأخضر و اليابس في سبيل هذا الدين. .

و لو كان كافرا؛ فلماذا يتحمل كل ذلك؟ !

و لماذا لم نسمع عنه و لو كلمة عتاب أو تذمر مما جرّه عليه النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

و احتمال: أن يكون قد طمع بمقام دنيوي أعظم.

يرده: أن الطامع إنما يسعى للحفاظ على حياته لينال ما طمع به، أما أبو طالب فكان على استعداد لأن يقتل هو و جميع أولاده، و عشيرته في سبيل هذا الدين.


1) راجع: الغدير ج 7 ص 382 و 383 و غير ذلك.

تشنيع الأعداء:

و قد استدل سبط ابن الجوزي على إيمانه بأنه لو كان أبو الإمام علي «عليه السلام» كافرا لكان شنع عليه معاوية و حزبه، و الزبيريون و أعوانهم، و سائر أعدائه «عليه السلام» ، مع أنه «عليه السلام» كان يذمهم، و يزري عليهم بكفر الآباء و الأمهات، و رذالة النسب (1).

أشعاره الصريحة بالإيمان:

أما تصريحاته و أقواله الكثيرة جدا؛ فإنها كلها ناطقة بإيمانه و إسلامه.

و يمكننا أن ندّعي: أن هذه التصريحات قد جاءت بعد قضية إسلام حمزة، أو بعد الهجرة إلى الحبشة.

أما قبل ذلك فكان «عليه السلام» يعمل بالتقية أمام قريش على الخصوص.

و يكفي أن نذكر نموذجا من أشعاره التي عبر عنها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: إن كل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، من حيث مجموعها (2).

فمن الشواهد على توحيده، قوله:

مليك الناس ليس له شريكهو الوهاب، و المبدي المعيد

و من تحت السماء له بحقو من فوق السماء له عبيد


1) راجع: أبو طالب مؤمن قريش (ط سنة 1398 ه.) ص 272 و 273 عن تذكرة الخواص.

2) شرح النهج ج 14 ص 78 و البحار ج 35 ص 165.

و من الشواهد على إيمانه بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، نذكر:

1-ألم تعلموا: أنا وجدنا محمدانبيا كموسى خط في أول الكتب

2-نبي أتاه الوحي من عند ربهو من قال: لا، يقرع بها سن نادم

3-يا شاهد اللّه علي فاشهدإني على دين النبي أحمد

4-أنت الرسول رسول اللّه نعلمهعليك نزل من ذي العزة الكتب

5-أنت النبي محمدقرم أغر مسوّد

6-أو تؤمنوا بكتاب منزل عجبعلى نبي كموسى أو كذي النون

7-و ظلم نبي جاء يدعو إلى الهدىو أمر أتى من عند ذي العرش قيم

8-لقد أكرم اللّه النبي محمدافأكرم خلق اللّه في الناس أحمد

9-و خير بني هاشم أحمدرسول الإله على فترة (1)

10-و اللّه لا أخذل النبي و لايخذله من بني ذو حسب

11-و قال «رحمه اللّه» يخاطب ملك الحبشة، و يدعوه إلى الإسلام:

أتعلم ملك الحبش أن محمدا نبياكموسى و المسيح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا بهفكل بأمر اللّه يهدي و يعصم

و إنكم تتلونه في كتابكمبصدق حديث لا حديث الترجم

فلا تجعلوا للّه ندا فأسلموافإن طريق الحق ليس بمظلم


1) و قيل: إن قائل هذا البيت هو طالب بن أبي طالب، راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 78، إلا أن يقال: إنه قاله على سبيل التمثل بشعر أبيه (رحمه اللّه) .

12-و قال مخاطبا أخاه حمزة «رحمه اللّه» :

فصبرا أبا يعلى على دين أحمدو كن مظهرا للدين وفقت صابرا

و حط من أتى بالحق من عند ربهبصدق و عزم لا تكن حمز كافرا

فقد سرني أن قلت: إنك مؤمنفكن لرسول اللّه في اللّه ناصرا

و باد قريشا في الذي قد أتيتهجهارا، و قل: ما كان أحمد ساحرا

13-نصرت الرسول رسول المليكببيض تلالا كلمع البروق

أذب و أحمى رسول الإلهحماية حام عليه شفيق

14-لقد علموا: أن ابننا لا مكذبلدينا و لا نعبأ بقول الأباطل

15-أقيم على نصر النبي محمدأقاتل عنه بالقنا و القنابل

16-أنت ابن آمنة النبي محمدعندي بمثل منازل الأولاد

17-ألا إن أحمد قد جاءهمبحق و لم يأتهم بالكذب

18-أوصي بنصر نبي الخير مشهدهعليا ابني و شيخ القوم عباسا

19-و دعوتني و علمت أنك صادقو لقد صدقت و كنت ثم أمينا

و لقد علمت بأن دين محمد منخير أديان البرية دينا

و أشعار أبي طالب «عليه السلام» الناطقة بإيمانه كثيرة، و قد اقتصرنا منها على هذا القدر؛ لنفسح المجال لذكر لمحة عن سائر ما قيل، و يقال في هذا الموضوع.

مدائح أبي طالب عليه السّلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

قال المعتزلي: «قلت: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق «رحمه اللّه»

يقول: لو لا خاصة النبوة و سرها لما كان مثل أبي طالب، و هو شيخ قريش، و رئيسها، و ذو شرفها، يمدح ابن أخيه محمدا و هو شاب قد ربي في حجره، و هو يتيمه و مكفوله، و جار مجرى أولاده بمثل قوله:

و تلقوا ربيع الأبطحين محمداعلى ربوة في رأس عنقاء عيطل

و تأوي إليه هاشم إن هاشماعرانين كعب آخر بعد أول

و مثل قوله:

و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل

يطيف به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في نعمة و فواضل

فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع و الذنابى من الناس، و إنما هو من مديح الملوك و العظماء.

فإذا تصورت: أنه شعر أبي طالب، ذاك الشيخ المبجل العظيم في النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره غلاما، و على عاتقه طفلا، و بين يديه شابا، يأكل من زاده، و يأوي إلى داره، علمت موضع خاصية النبوة و سرها، و أن أمره كان عظيما» (1).

كما أن قصيدته اللامية تلك التي يقول فيها:

و أبيض يستسقى. . الخ. .. . . .


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 63 و ماذا في التاريخ ج 3 ص 196 و 197 عنه.

و هي طويلة، و كان بنو هاشم يعلمونها أطفالهم (1)، فيها الكثير مما يدل على إيمانه العميق الصادق، و قد ذكرها ابن هشام و ابن كثير، و غيرهما.

و هي ظاهرة الدلالة على عظمة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في نفس أبي طالب «عليه السلام» ، و هي عظمة أوجبت خضوع قلبه له «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعامله معه تعامل التابع، المؤمن المصدق، و المسرور بهذا الإيمان، و المبتهج بذلك التصديق، و الملتذ بذلك الانقياد.

النار محرمة على أبي طالب عليه السّلام:

و مما يدل على إيمانه ما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أن اللّه عز و جل قال له على لسان جبرائيل: حرمت النار على صلب أنزلك، و بطن حملك، و حجر كفلك.

أما الصلب فعبد اللّه، و أما البطن فآمنة، و أما الحجر فعمه، يعني أبا طالب «عليه السلام» ، و فاطمة بنت أسد، و بمعناه غيره مع اختلاف يسير (2).

النبي صلّى اللّه عليه و آله يحب عقيلا حبين:

و مما يدل دلالة واضحة على إيمانه: حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إياه، حتى لقد روي عن ابن عباس؛ قال: قال علي «عليه السلام» للنبي


1) مقاتل الطالبيين ص 396.

2) أصول الكافي ج 1 ص 371 و البحار ج 35 ص 109 و التعظيم و المنة للسيوطي ص 27 و راجع: روضة الواعظين ص 139 و شرح النهج ج 14 ص 67 و الغدير ج 7 ص 378 عنهم، و عن: كتاب الحجة لابن معد ص 8، و تفسير أبي الفتوح ج 4 ص 210.

«صلى اللّه عليه و آله» : إنك لتحب عقيلا.

قال: إي و اللّه إني لأحبه حبين، حبا له، و حبا لحب أبي طالب له، و إن ولده لمقتول في محبة ولدك. . الخ. . (1).

و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يحب أعداء اللّه سبحانه، و لا يحب إلا من يحبه اللّه.

كان على دين اللّه:

و كان الإمام علي «عليه السلام» يعجبه أن يروى شعر أبي طالب «عليه السلام» ، و أن يدوّن، و قال: تعلموه، و علموه أولادكم، فإنه كان على دين اللّه، و فيه علم كثير (2).

المسلم المؤمن:

و عن أبي بصير عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، قال: مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلما مؤمنا (3).


1) البحار ج 22 ص 288 و ج 44 ص 288 و العوالم للبحراني ص 349 و معجم رجال الحديث للخوئي ج 19 ص 166 عن أمالي الصدوق و قاموس الرجال ج 6 ص 322 عن أمالي الصدوق أيضا.

2) راجع: البحار ج 35 ص 115 و الغدير ج 7 ص 394 و الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي ج 1 ص 109.

3) البحار ج 35 ص 116 و أبو طالب حامي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لنجم الدين العسكري ص 191 و الغدير ج 7 ص 390.

خلاصة جامعة:

و بعد كل ما تقدم نقول: إن إسلام أي شخص أو عدمه، إنما يستفاد من أمور أربعة:

1-من مواقفه العملية، و معلوم أن مواقف أبي طالب «عليه السلام» ، قد بلغت الغاية التي ما بعدها غاية في الوضوح و الدلالة على إخلاصه و تفانيه في الدفاع عن هذا الدين.

2-من إقراراته اللسانية بالشهادتين، و قد تقدم قدر كبير من ذلك في شعره و في غيره في المناسبات المختلفة.

3-من موقف نبي الإسلام و رائد الحق الذي لا ينطق عن الهوى، و الموقف الرضي هذا أيضا ثابت منه «صلى اللّه عليه و آله» تجاه أبي طالب «عليه السلام» على أكمل وجه.

4-من إخبار المطلعين على أحواله عن قرب، و عن حس، كأهل بيته، و من يعيشون معه.

و قد قلنا: إنهم مجمعون على ذلك.

بل إن نفس القائلين بكفره لما لم يستطيعوا إنكار مواقفه العملية، و لا الطعن بتصريحاته اللسانية، حاولوا: أن يخدعوا العامة بكلام مبهم، لا معنى له؛ فقالوا: «إنه لم يكن منقادا» ! ! (1).

كل ذلك رجما بالغيب، و افتراء على الحق و الحقيقة، من أجل تصحيح ما رووه عن المغيرة بن شعبة و أمثاله من أعداء آل أبي طالب «عليه السلام» ،


1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 44 و 47، و الإصابة ج 4 ص 116 و 119.

كما سنشير إليه حين ذكر أدلتهم الواهية إن شاء اللّه تعالى.

رواياتهم تدل أيضا على إيمانه:

و من أجل أن نوفي أبا طالب «عليه السلام» بعض حقه، نذكر بعض ما يدل على إيمانه من الروايات التي رويت في مصادر غير الشيعة عموما و نترك سائره، و هو يعد بالعشرات، لأن المقام لا يتسع لأكثر من أمثلة قليلة معدودة، نجملها في العناوين التالية:

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرجو الخير لأبي طالب عليه السّلام:

قال العياض: يا رسول اللّه، ما ترجو لأبي طالب؛ قال: كل الخير أرجوه من ربي (1).

أبو بكر فرح بإسلام أبي طالب عليه السّلام:

جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقوده، و هو شيخ أعمى، يوم فتح مكة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه؟ !

قال: أردت أن يؤجره اللّه، لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحا مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك الخ (2).


1) الأذكياء ص 128 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، و طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 قسم 1 ص 79، و البحار ج 35 ص 151 و 109.

2) مجمع الزوائد ج 6 ص 174 عن الطبراني و البزار، و حياة الصحابة ج 2 ص 344 عن المجمع، و الإصابة ج 4 ص 116 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 69.

و العلامة الأميني في الغدير، لا يوافق على أن يكون الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأبي بكر: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه.

و نحن نوافقه على ذلك أيضا، فإن الشيوخ الذين أسلموا على يديه «صلى اللّه عليه و آله» كثيرون، و كان إسلام كثير منهم أصح من إسلام أبي قحافة.

و ربما تكون هذه العبارة زيادة من بعض المتزلفين، كما عودونا في أمثال هذه المناسبات.

التشهد قبل الموت:

قال المعتزلي: «روي بأسانيد كثيرة، بعضها عن العباس بن عبد المطلب، و بعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه» (1).

و تقدم في شعره تصريحات كثيرة بذلك أيضا.

استغفار النبي صلّى اللّه عليه و آله له:

و في المدينة حينما استسقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهلها، فجاءهم الغيث، ذكر «صلى اللّه عليه و آله» أبا طالب «عليه السلام» ، و قال «صلى اللّه


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 71، و راجع: الغدير ج 7 ص 369 عن البداية و النهاية ج 3 ص 123، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 87 و الإصابة ج 4 ص 116، و عيون الأثر ج 1 ص 131، و المواهب اللدنية ج 10 ص 71 و السيرة الحلبية ج 1 ص 372 و السيرة النبوية لدحلان بهامشها ج 1 ص 89، و أسنى المطالب ص 20 و دلائل النبوة للبيهقي، و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 120 و كشف الغمة للشعراني ج 2 ص 144.

عليه و آله» :

للّه در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عينه، من ينشدنا قوله. . فأنشده الإمام علي «عليه السلام» من قصيدته أبياتا فيها قوله:

و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل

و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستغفر لأبي طالب «عليه السلام» على المنبر (1).

تشييع جنازته و مراسم دفنه:

و لما مات أبو طالب «عليه السلام» تبع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جنازته، مع أنهم يروون أن ثمة نهيا عن المشي في جنازة المشرك.

كما أنهم يروون أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر الإمام عليا «عليه السلام» بأن يغسله و يكفنه و يواريه (2).


1) راجع: عيون الأنباء ص 705 و شيخ الأبطح ص 55 و 56 عن شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 316.

2) راجع في كل ذلك: تذكرة الخواص ص 8 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 81، و السيرة الحلبية ج 1 ص 147 و المصنف ج 6 ص 38، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 87، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35، و طبقات ابن سعد ج 1 ص 78 و تاريخ بغداد للخطيب ج 3 ص 126، و ج 13 ص 196 و البداية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 125، و الطرائف لابن طاووس ص 305 عن الحنبلي في نهاية الطلب و البحار ج 35 ص 151 و التعظيم المنة ص 7 و لسان الميزان ج 1 ص 41، و الإصابة ج 4 ص 116، و الغدير ج 7 ص 372 و 374 و 375 عمن ذكر، و عن شرح شواهد المغني للسيوطي ص 136، و أعلام النبوة للماوردي ص 77، و بدايع الصنايع-

و حين التشييع اعترض النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» نعشه، و قال برقة و حزن و كآبة: وصلت رحما، و جزيت خيرا يا عم، فلقد ربيت و كفلت صغيرا، و نصرت و آزرت كبيرا (1).

لماذا لم يأمر بالصلاة عليه؟ :

و إنما لم يأمر عليا «عليه السلام» بالصلاة عليه، لأن صلاة الجنازة لم تكن فرضت بعد.

و لأجل ذلك قالوا: إن خديجة لم يصل عليها النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» حينما توفيت، مع أنها سيدة نساء العالمين.

و قد فصلت ذلك: الرواية التي رواها علي بن ميثم، عن أبيه عن جده: أنه سمع عليا «عليه السلام» يقول: تبع أبو طالب عبد المطلب في كل أحواله حتى خرج من الدنيا و هو على ملته، و أوصاني أن أدفنه في قبره، فأخبرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فقال: اذهب فواره، و انفذ لما أمرك به.

فغسلته، و كفنته، و حملته إلى الجحون، و نبشت قبر عبد المطلب، فرفعت الصفيح عن لحده، فإذا هو موجه إلى القبلة، فحمدت اللّه تعالى على ذلك،

(2) -ج 1 ص 283، و عمدة القاري ج 3 ص 435، و أسنى المطالب ص 15 و 21 و 35 و طلبة الطالب ص 43، و دلائل النبوة للبيهقي و البرزنجي، و ابن خزيمة، و أبي داود، و ابن عساكر.


1) راجع: البحار ج 35 ص 125 و 163، و راجع شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 76 و الإصابة (ط مصر سنة 1325 ه) ج 7 ص 113 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 2 ص 557 و الغدير ج 7 ص 386 و الدرجات الرفيعة لابن معصوم ص 62.

و وجهت الشيخ، و أطبقت الصفيح عليهما، فأنا وصي الأوصياء و ورثت خير الأنبياء.

قال ميثم: و اللّه ما عبد علي، و لا عبد أحد من آبائه غير اللّه تعالى، إلى أن توفاهم اللّه تعالى (1).

رثاء علي عليه السّلام لأبيه:

و قد رثاه ولده الإمام علي «عليه السلام» حينما توفي بقوله:

أبا طالب عصمة المستجيرو غيث المحول و نور الظلم

لقد هدّ فقدك أهل الحفاظفصلى عليك ولي النعم

و لقاك ربك رضوانهفقد كنت للطهر من خير عم (2)

و لا أبو سفيان كأبي طالب عليه السّلام:

و كتب أمير المؤمنين «عليه السلام» رسالة مطولة لمعاوية جاء فيها:

«ليس أمية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا المهاجر كالطليق، و لا الصريح كاللصيق» (3).


1) سفينة البحار ج 5 ص 321.

2) تذكرة الخواص ص 9.

3) صفين لنصر بن مزاحم ص 471 و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 260، و نهج البلاغة الذي بهامشه شرح الشيخ محمد عبده ج 3 ص 18 الكتاب رقم 17 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 117 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 118، و الغدير ج 3 ص 254 عنهم، و عن: ربيع الأبرار للزمخشري باب 66، و عن مروج الذهب ج 2 ص 62. و راجع أيضا: مناقب الخوارزمي الحنفي ص 180.

فإذا كان أبو طالب «عليه السلام» كافرا و أبو سفيان مسلما، فكيف يفضل الكافر على المسلم، ثم لا يرد عليه ذلك معاوية بن أبي سفيان؟ .

و لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما؛ فإن أبا سفيان هو الذي قال: «إنه لا يدري ما جنة و لا نار» كما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم في أواخر غزوة أحد (1).

و يلاحظ هنا أيضا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يشير في كلامه الآنف الذكر إلى عدم صفاء نسب معاوية، و لهذا البحث مجال آخر.

أبو طالب عليه السّلام الداعية إلى الإسلام:

كما أن أبا طالب «عليه السلام» الذي يدعو ملك الحبشة إلى الإسلام، هو الذي دعا ولده جعفر إلى ذلك، و أمره بأن يصل جناح ابن عمه في الصلاة (2).

و هو أيضا الذي دعا زوجته فاطمة بنت أسد إلى الإسلام (3).

و أمر حمزة بالثبات على هذا الدين، و أظهر سروره بإسلامه و مدحه على ذلك. و كذلك الحال بالنسبة لولده أمير المؤمنين «عليه السلام» .


1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ج 7 ص 284.

2) راجع: الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 154، و روضة الواعظين ص 140 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 269 و السيرة الحلبية ج 1 ص 269 و أسنى المطالب ص 17 و الإصابة ج 4 ص 116 و أسد الغابة ج 1 ص 287 و الغدير ج 7 ص 357.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 272.

الاعتراف بممارسة التقية:

و قد صرح أبو طالب «عليه السلام» في وصيته بأنه كان قد اتخذ سبيل التقية في شأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قريش، و أن ما جاء به الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد قبله الجنان و أنكره اللسان؛ مخافة الشنآن، و أوصى قريشا بقبول دعوة الرسول، و متابعته على أمره، ففي ذلك الرشاد و السعادة (1).

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من أبي طالب عليه السّلام:

ثم هناك ترحم النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» عليه، و استغفاره له باستمرار، و جزعه عليه عند موته (2).

و لا يصح الترحم إلا على المسلم، و لأجل ذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» لسفانة بنت حاتم الطائي: لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه (3).


1) الروض الأنف ج 2 ص 171 و ثمرات الأوراق ص 94 و تاريخ الخميس ج 1 ص 301 و 302 و السيرة الحلبية ج 1 ص 352 و البحار ج 35 ص 107 و الغدير ج 7 ص 366 عن مصادر أخرى.

2) تذكرة الخواص ص 8.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 205 و كنز العمال ج 3 ص 664 و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 11 ص 359 و ج 69 ص 203 و البداية و النهاية ج 5 ص 80 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 132 و سبل الهدى و الرشاد للشامي ج 6 ص 377 و شجرة طوبى ج 2 ص 400.

أنا على دين أبي طالب عليه السّلام:

و حمل محمد بن الحنفية يوم الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه (1).

شفاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله له:

و ورد عنه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا قوله: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي، و أمي، و عمي أبي طالب، و أخ لي كان في الجاهلية (2).

فإن الشفاعة لا تحل لمشرك، كما سيأتي.

إقراره على زواجه بمسلمة:

و سئل الإمام السجاد «عليه السلام» عن إيمان أبي طالب «عليه السلام» ، فقال: و اعجبا، إن اللّه نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر؛ و قد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، و لم تزل تحت أبي طالب حتى مات (3).


1) طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 5 ص 67.

2) ذخائر العقبى ص 7 عن تمام الرازي في فوائده، و الدرج المنيفة للسيوطي ص 8 و مسالك الحنفا ص 14 عن أبي نعيم و غيره و ذكر أن الحاكم صححه، و تفسير القمي ج 1 ص 380 و تفسير البرهان ج 2 ص 358 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35 و تاريخ الخميس ج 1 ص 232.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، و الغدير ج 7 ص 381 و 389 عنه و عن: كتاب الحجة ص 24، و الدرجات الرفيعة، و ضياء العالمين، و ادّعي تواتر هذا الحديث عندنا.

و نزول آية النهي عن الإمساك بعصم الكوافر في المدينة لا يوجب بطلان هذه الرواية، لإمكان أن يكون النهي عن ذلك نهيا قوليا على لسانه «صلى اللّه عليه و آله» ، قبل نزول القرآن.

و عدم خضوع بعض المسلمين لذلك حينئذ ربما كان لظروف معينة فرضت عليهم ذلك.

من لم يقر بإيمان أبي طالب عليه السّلام:

و أخيرا، فقد كتب بعضهم يسأل الإمام علي بن موسى الرضا «عليه السلام» عن إسلام أبي طالب «عليه السلام» ، فإنه قد شك في ذلك، فكتب «عليه السلام» إليه: وَ مَنْ يُشٰاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ (1).

و بعدها: إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار (2).

دفاع النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أبي طالب عليه السّلام:

و سيأتي في غزوة بدر: أن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل من شهيد بدر عبيدة بن الحارث أن يعرض بعمه أبي طالب «عليه السلام» ، و لو بمثل أن يقول: إني أولى بما قال منه.


1) الآية 115 من سورة النساء.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68 و الغدير ج 7 ص 381 و 394 عن الكراجكي ص 80، و كتاب الحجة لابن معد ص 16، و الدرجات الرفيعة و البحار و ضياء العالمين.

بعد قتل الفرسان الثلاثة:

و في بدر العظمى، و بعد قتل عتبة و شيبة و الوليد، و قطع رجل عبيدة بن الحارث، حمل حمزة و الإمام علي «عليهما السلام» عبيدة بن الحارث من المعركة، و أتيا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ألقياه بين يديه، و إن مخ ساقه ليسيل، فاستعبر، و قال: يا رسول اللّه، ألست شهيدا؟ !

قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى أنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هكذا كان) .

فقال عبيدة: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه، قال: و أي أعمامي تعني؟

قال: أبو طالب، حيث يقول:

كذبتم و بيت اللّه يبزى محمدو لما نطا عن دونه و نناضل

و نسلمه حتى نصرع دونهو نذهل عن أبنائنا و الحلائل

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله، و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة؟ ! .

قال: يا رسول اللّه، أسخطت علي في هذه الحالة؟

قال: ما سخطت عليك، و لكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك (1).


1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 265، و البحار ج 19 ص 255، و في شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 80: أن رسول اللّه استغفر له و لأبي طالب يومئذ. و الغدير ج 7 ص 316. و في نسب قريش لمصعب ص 94: أن عبيدة قال: «يا رسول اللّه ليت أبا طالب حيا حتى يرى مصداق قوله إلخ» . و ربما يقال: إن هذا هو الأنسب بأدب عبيدة و إخلاصه، و لكن لا، فإن قوله الآنف لا يضر في أدبه و لا في إخلاصه، حيث يرى نفسه قد ضحى بنفسه في سبيل الدين، فلا مانع من أن يقول ذلك.

و بلغ عبيدة مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» الصفراء، فمات، فدفن بها. . و قد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الأخير منها.

قالوا: و نزل في هؤلاء الستة قوله تعالى: هٰذٰانِ خَصْمٰانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ (1).

و في البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم (2).

و نزل في علي، و حمزة، و عبيدة أيضا قوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ (3).


1) الآية 19 من سورة الحج.

2) البخاري (ط الميمنية) ج 3 ص 4، و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 118 عن مسلم، من دون قسم أبي ذر، و المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 2 ص 386، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه، و الغدير ج 7 ص 202 عن: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 212، و تفسير ابن جزي ج 3 ص 38، و تفسير الخازن ج 3 ص 698، و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 2 ص 25 و 26، و صحيح مسلم ج 2 ص 550، و بهذا قال ابن عباس، و ابن خثيم، و قيس بن عباد، و الثوري، و الأعمش، و سعيد بن جبير، و عطاء.

3) الآية 23 من سورة الأحزاب، الصواعق المحرقة ص 80.

و قيل: نزلت في علي وحده (1).

و ثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين «عليه السلام» (2)فراجع.

غضب النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لأبي طالب عليه السّلام:

و نقول:

إنه إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يغضب لذكر عمه، و لو بهذا النحو من التعريض المهذب، و المحدود، فماذا سيكون موقفه ممن يرمي أبا طالب «عليه السلام» بالشرك و الكفر، و يعتبره مستحقا للعذاب الأليم في نار اللّه المؤصدة؟ ! و في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه؟ !

فهل تراه سوف يكون مسرورا و مرتاحا لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا السياسة، و ما أدراك ما السياسة؟ !

وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ :

ثم إننا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر و لا لفاسق عندي نعمة» (3).

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رد هدية حكيم بن حزام؛ لأنه كان مشركا، قال عبيد اللّه:


1) مناقب الخوارزمي ص 188، و الكفاية للخطيب ص 122.

2) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 118 و غيره.

3) راجع أبو طالب مؤمن قريش للخنيزي.

حسبت أنه قال: إنا لا نقبل من المشركين شيئا، و لكن إن شئت أخذناها بالثمن (1).

ورد أيضا هدية عامر بن الطفيل، لأنه لم يكن قد أسلم بعد.

ورد أيضا هدية ملاعب الأسنة، و قال: لا أقبل هدية مشرك (2).

عن عياض المجاشعي: أنه أهدى إلى النبي هدية فأبى قبولها، و قال: إني نهيت عن زبد المشركين (3).

و لم يكن ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» إلا لأن قبولها يوجب احتراما و مودة من المهدى إليه بالنسبة لمن أهدى.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 484 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و صححاه. و حياة الصحابة ج 2 ص 258 و 259 و 260 عن كنز العمال و عن مجمع الزوائد ج 8 ص 278 و كنز العمال ج 6 ص 57 و 59 عن أحمد و الطبراني، و الحاكم و سعيد بن منصور، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 86 و يلاحظ هنا: أنه (صلى اللّه عليه و آله) حين الهجرة لا يقبل ناقة أبي بكر إلا بالثمن.

2) كنز العمال (طبعة أولى) ج 3 ص 177 عن ابن عساكر و (ط ثانية) ج 6 ص 57 عن الطبراني و المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 446 و 447 و في الهامش عن مغازي ابن عقمة و مجمع البيان المجلد الأول ص 535.

3) كنز العمال ج 6 ص 57 و 59 عن أبي داود و الترمذي و صححه و أحمد و الطيالسي و البيهقي، و راجع ما عن عمران بن حصين في الكنز نفس المجلد و الصفحة و المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 447 و في الهامش عن أبي داود و أحمد و عن الترمذي ج 2 ص 389، و راجع الوسائل ج 12 ص 216 عن الكافي و المعجم الصغير ج 1 ص 9.

ملاحظة: معالجة رواية الكشي:

إلا أن الكشي ذكر رواية تقول: «إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد هدية على يهودي و لا نصراني» (1).

و هذا إن صح فهو يشير إلى الفرق بين هدية الكتابي و هدية المشرك، فكان «صلى اللّه عليه و آله» يرد هدية الثاني، دون الأول، و ذلك يدل على عدم صحة قوله لهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» في هدنة الحديبية قد استهدى أبا سفيان أدما (2).


1) اختيار معرفة الرجال للكشي (ط جامعة طهران) ص 610 و البحار ج 50 ص 107 و الوسائل ج 12 ص 217.

2) راجع التراتيب الإدارية ج 1 ص 198 عن الإستيعاب.

البحث الثاني: أبو طالب عليه السّلام المظلوم المفترى عليه
الأدلة الواهية:
اشارة

لقد حاول الذين يشتهون إثبات كفر أبي طالب «عليه السلام» أن يتشبثوا بطحالب واهية زعموا: أنها أدلة، نشير ههنا إليها، فنقول:

1-حديث الضحضاح:

عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد ذكر عنده عمه، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح (1)من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه.

و حسب نص آخر: أن العباس قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما أغنيت عن عمك؟ ! فو اللّه كان يحوطك و يغضب لك! ! .

قال: هو في ضحضاح من نار، و لو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (2).


1) الضحضاح: القلقل، و هنا المكان القليل العمق من النار.

2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 209، و ج 4 ص 54، و المصنف ج 6 ص 41، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 29 و 30. و صحيح مسلم، كتاب الإيمان، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 79، و مسند أحمد ج 1-

و نقول:

أولا: لقد ناقش كل من الأميني و الخنيزي جميع أسانيد هذه الرواية، و بيّنا و هنها و ضعفها، و تناقض نصوصها العجيب، إلى حد أن بعض الروايات تجزم بأنه قد جعل في ضحضاح من نار، و أن الشفاعة قد نفعته فعلا.

لكن بعضها الآخر يقول: لعله تنفعه شفاعتي، فيجعل في ضحضاح يوم القيامة.

و نحن نحيل القارئ الذي يرغب في التوسع إلى ما ذكره الأميني و الخنيزي في كتابيهما حول هذا الموضوع (1).

ثانيا: إنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد نفع أبا طالب «عليه السلام» ، و أخرجه من الدرك الأسفل إلى الضحضاح؛ فلماذا لا يتمم معروفه هذا، و يخرجه من هذا الضحضاح أيضا؟ ! .

ثالثا: لقد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من أبي طالب حين حضرته الوفاة: أن يقول كلمة لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه؛ ليستحل له بها الشفاعة يوم القيامة، فلم يعطه إياها.

فهذا يدل على أنه قد أناط «صلى اللّه عليه و آله» مطلق الشفاعة بكلمة

(2) -ص 256 و 207، و البداية و النهاية ج 3 ص 125، و الغدير ج 8 ص 23 عن بعضهم، و عن عيون الأثر ج 1 ص 132، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 66.


1) راجع: الغدير ج 8 ص 23 و 24 و أبو طالب مؤمن قريش.

لا إله إلا اللّه (1).

فلماذا استحل هذه الشفاعة، مع أنه لم يعطه الكلمة التي توجب حليتها؟ ! .

رابعا: إنهم يروون: أن الشفاعة لا تحل لمشرك، فلماذا حلت لهذا المشرك بالذات، بحيث أخرجته من الدرك الأسفل إلى الضحضاح؟ (2).

خامسا: قال المعتزلي: إن الإمامية و الزيدية «قالوا: و أما حديث الضحضاح، فإنما يرويه الناس كلهم عن رجل واحد، و هو المغيرة بن شعبة، و بغضه لبني هاشم، و علي «عليه السلام» بالخصوص مشهور و معلوم، و قصته و فسقه غير خاف» (3).

غير أننا نقول: إنه يمكن المناقشة في ذلك بأنهم قد رووا ذلك عن غير المغيرة أيضا، فراجع البخاري و غيره.

فلعل رواية غير المغيرة قد حدثت في وقت متأخر بهدف تكذيب الشيعة، و نقض استدلالهم، فتلقفها البخاري.


1) الترغيب و الترهيب ج 4 ص 433 عن أحمد بسندين صحيحين، و عن البزار، و الطبري بأسانيد أحدها جيد و ابن حبان في صحيحه و راجع: الغدير ج 8 ص 8 فما بعدها.

2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 336، و تلخيصه للذهبي و صححاه و المواهب اللدنية ج 1 ص 71 و الغدير ج 8 ص 24 عنهما و عن كنز العمال ج 7 ص 128، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 1 ص 291 و كشف الغمة للشعراني ج 2 ص 124، و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 120.

3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 70 و البحار ج 35 ص 112.

و ذلك لأن من غير المعقول أن يورد الشيعة على غيرهم بذلك إن لم يكن له واقع. .

و قد سكت المعتزلي عن هذا الرد، و عن جوابه، و كأنه يحتمل ما احتملناه، و لو وسعه التأكيد على الرد لفعل.

سادسا: سئل الإمام الباقر «عليه السلام» عما يقوله الناس: إن أبا طالب في ضحضاح من نار؟

فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان، و إيمان هذا الخلق في كفة أخرى لرجح إيمانه.

ثم قال: ألم تعلموا: أن أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» كان يأمر أن يحج عن عبد اللّه، و ابنه، و أبي طالب في حياته، ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم (1)؟ !

سابعا: سئل الإمام علي «عليه السلام» في رحبة الكوفة عن كون أبيه معذبا في النار أو لا، فقال للسائل: مه، فض اللّه فاك! ! و الذي بعث محمدا بالحق نبيا، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه اللّه فيهم. أبي معذب في النار، و ابنه قسيم الجنة و النار؟ ! (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، و الدرجات الرفيعة ص 49، و البحار ج 35 ص 112 و الغدير ج 8 ص 380-390 عنهما و عن كتاب الحجة لابن معد ص 18 من طريق شيخ الطائفة عن الصدوق، و الفتوني في ضياء العالمين.

2) البحار ج 25 ص 69 و ج 35 ص 110 و الإحتجاج (ط مطبعة النعمان) ج 1 ص 341 و كنز الفوائد للكراجكي (ط حجرية) ص 80 و كشف الغمة للإربلي (ط دار الأضواء) ج 2 ص 42 و الغدير ج 7 ص 387.

ثامنا: روى عبد العظيم بن عبد اللّه العلوي: أنه كان مريضا، فكتب إلى أبي الحسن الرضا «عليه السلام» : عرفني يابن رسول اللّه عن الخبر المروي: أن أبا طالب في ضحضاح من نار، يغلي منه دماغه.

فكتب إليه الرضا «عليه السلام» : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أما بعد، إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار (1).

تاسعا: بالإسناد إلى الكراجكي، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟ !

قلت: جعلت فداك، يقولون هو في ضحضاح من نار، و في رجليه نعلان من نار، تغلي منها أم رأسه.

فقال «عليه السلام» : كذب أعداء اللّه، إن أبا طالب من رفقاء النبيين، و الصديقين، و الشهداء و الصالحين، و حسن أولئك رفيقا (2).

و في رواية أخرى عنه «عليه السلام» : كذبوا، و اللّه إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان، و إيمان هذا الخلق في كفة ميزان، لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم (3).


1) البحار ج 35 ص 111 و إيمان أبي طالب للمفيد ص 4 و سفينة البحار ج 5 ص 315 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 447 و 558 و راجع الغدير ج 7 ص 395.

2) البحار ج 35 ص 111 و كنز الفوائد للكراجكي ص 80 و الغدير ج 7 ص 393.

3) البحار ج 35 ص 112 و إيمان أبي طالب للمفيد ص 4 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 69 و مدينة المعاجز ج 7 ص 535 و الغدير ج 7 ص 390 و سفينة البحار ج 5 ص 316.

2-إرث عقيل لأبي طالب عليه السّلام:

و استدلوا: بأن ولده عقيل هو الذي ورثه، و لم يرثه الإمام علي و جعفر «عليهما السلام» ، لأنه كان مشركا، و هما مسلمان.

فهما من ملتين مختلفتين، و أهل ملتين لا يتوارثان (1).

و لكن ذلك لا يصح أيضا.

فأولا: من أين ثبت لهؤلاء أن الإمام عليا و جعفر «عليهما السلام» لم يرثاه.

ثانيا: إن قوله أهل ملتين لا يتوارثان.

نقول بموجبه؛ لأن التوارث تفاعل، و لا تفاعل عندنا في ميراثهما، و اللفظ يستدعي الطرفين، كالتضارب، فإنه لا يكون إلا من اثنين، و لأجل ذلك نقول: إن الصحيح هو مذهب أهل البيت «عليهم السلام» ، من أن المسلم يرث الكافر، و لا يرث الكافر المسلم (2). فالإرث إذا من طرف واحد، لا من طرفين! .

ثالثا: لقد روي عن عمر قوله: «أهل الشرك نرثهم و لا يرثونا» (3).

و قد حكم كثير من العلماء بأن ميراث المرتد للمسلمين لا يصح؛ و قالوا: نرثهم و لا يرثونا (4).


1) المصنف ج 6 ص 15، و ج 10 ص 344، و في هامشه أي هامش السادس عن البخاري ج 3 ص 293، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 79.

2) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 69.

3) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 339 و ج 6 ص 106.

4) المصنف لعبد الرزاق ج 6 ص 105 و 106 و 107 و ج 10 ص 338 حتى ص 341.

رابعا: إنهم يقولون: إن الميراث في وقت موت أبي طالب لم يكن قد فرض بعد، و إنما كان الأمر بالوصية؛ فلعل أبا طالب قد أوصى بماله لعقيل محبة له، أو لما يراه من فقره و خصاصته، فأنفذ أولاده وصيته.

أو أن عليا و جعفر قد تركا لأخيهما نصيبهما من الإرث على سبيل الإيثار له، لما يرونه من حاجته، و ضيق ذات يده.

بل قد يكون أبو طالب قد تنازل عن ماله لعقيل في حال حياته، فلم يبق شيء لكي يرثه علي و جعفر بعد وفاته صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين (1).

3-آية: وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ:

لقد ذكروا: أن آية: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ. . (2). . قد نزلت في أبي طالب «عليه السلام» ، الذي كان ينهى الناس عن أذى الرسول، و ينأى عن أن يدخل في الإسلام (3).

و نقول:


1) راجع: أسنى المطالب ص 62.

2) الآية 26 من سورة الأنعام.

3) الإصابة ج 4 ص 115، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 127، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 78، و بهجة المحافل ج 1 ص 116 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 26 و الغدير ج 8 ص 3 عنهم و عن: تفسير الخازن ج 2 ص 11، و تفسير ابن جزي ج 2 ص 6، و عن الطبري و الكشاف، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 340 و 341.

أولا: لقد تحدث الأستاذ الخنيزي حول أسانيد هذه الرواية بما فيه الكفاية (1)فليراجعه من أراد.

ثانيا: إن هذه الآية لا تنطبق على أبي طالب «عليه السلام» بأي وجه؛ لأن اللّه تعالى يقول قبلها:

وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاٰ يُؤْمِنُوا بِهٰا حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُكَ يُجٰادِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ، وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّٰ أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَشْعُرُونَ (2).

فضمائر الجمع، و هي كلمة: «هم» ، و فاعل «ينهون» و «ينأون» ترجع كلها إلى من ذكرهم اللّه في تلك الآية، و هم المشركون، الذين إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، و يجادلون الرسول في هذه الآيات، و يصفونها من عنادهم بأنها أساطير الأولين.

و لا يقف عنادهم عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى أنهم: ينهون الناس عن الاستماع إلى النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أنهم هم أنفسهم يبتعدون عنه.

و هذه الصفات كلها لا تنطبق على أبي طالب «عليه السلام» ، الذي لم نجد منه إلا التشجيع على اتباع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و النصرة له باليد و اللسان. و قد حض أشخاصا بأعيانهم على أن يدخلوا في هذا الدين، و أن يصبروا عليه، كما كان الحال بالنسبة لزوجته، و حمزة، و جعفر، و علي،


1) أبو طالب مؤمن قريش ص 305 و 306.

2) الآيتان 25 و 26 من سورة الأنعام.

و ملك الحبشة، حسبما تقدم.

كما أن المفسرين قد فهموا من الآية عمومها لجميع الكفار، و أن معناها: ينهون عن استماع القرآن، و اتباع الرسول، و يتباعدون عنه.

و هذا هو المروي عن ابن عباس، و الحسن، و قتادة، و أبي معاذ، و الضحاك، و ابن الحنفية، و السدي، و مجاهد، و الجبائي، و ابن جبير (1).

ثالثا: و يقول الأميني «رحمه اللّه» : إن هذه الرواية تقول: إن آية سورة الأنعام: و هي قوله تعالى: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. . قد نزلت حين وفاة أبي طالب «عليه السلام» .

مع أن ثمة رواية أخرى تقول: إن آية سورة القصص، و هي قوله: إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. . (2)قد نزلت حين وفاته أيضا.

مع أن سورة القصص قد نزلت قبل الأنعام-التي نزلت جملة واحدة- (3)بخمس سور.


1) راجع: مجمع البيان ج 3 ص 278، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 127 و الغدير ج 8 ص 3، و الدر المنثور ج 3 ص 8 و 9 كلهم-كلا أو بعضا-عن القرطبي، و الطبري، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن أبي شيبة و ابن مردويه و عبد بن حميد، و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 406.

2) الآية 56 من سورة القصص.

3) الدر المنثور ج 2 ص 3، و فتح القدير ج 2 ص 96 و 97، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 122 و الغدير ج 8 ص 5 عنهم و عن تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 382 و 383 كلهم عن: أبي عبيد، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و النحاس.

و هذا يدل: على أن سورة الأنعام قد نزلت بعد وفاة أبي طالب «عليه السلام» بمدة، فما معنى قولهم: إنها نزلت حين وفاة أبي طالب «عليه السلام» أعني السنة العاشرة من البعثة؟ !

بل إن البعض قد ذكر: أن سورة القصص هي من آخر ما نزل من القرآن في المدينة (و لعله استند في ذلك إلى بعض ما ورد في شأن نزول بعض آياتها) فإذا تم هذا، فإن نزولها في أبي طالب «عليه السلام» يصبح غير مقبول أيضا، لأن أبا طالب «عليه السلام» مات في عنفوان الإسلام، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة (1).

رابعا: إنهم يقولون: إن سورة الأنعام قد نزلت دفعة واحدة و كانت أسماء بنت يزيد الأنصارية ممسكة بزمام ناقته «صلى اللّه عليه و آله» (2)و ذلك إنما كان بعد بيعة العقبة، التي كانت بعد وفاة أبي طالب «عليه السلام» ، بمدة طويلة.


1) راجع: البحار ج 35 ص 152.

2) الدر المنثور ج 3 ص 2 عن الطبراني، و ابن مردويه. و قد ذكر في الدر المنثور ج 3 ص 2 و 3 نزولها جملة واحدة في مكة، أو باستثناء آية أو آيتين ليست الآية المذكورة واحدة منها، و قد قال: إن ذلك رواه عشرات الحفاظ، مثل البيهقي في شعب الإيمان، و الخطيب في تاريخه، و أبي الشيخ، و ابن المنذر، و النحاس في ناسخه، و عبد الرزاق، و الفريابي، و عبد بن حميد، و إسحق بن راهويه، و الكلبي، و أبي عبيد، و الطبراني، و ابن الضريس، و ابن مردويه، و السلفي في الطيورات، و الإسماعيلي، و الحاكم و صححه، و راجع: الإتقان ج 1 ص 37 و السيرة الحلبية ج 1 ص 260.

4-آية النهي عن الاستغفار للمشرك:
اشارة

روى البخاري و مسلم، و غيرهما: عن ابن المسيب، عن أبيه، ما ملخصه: أن النبي محمدا «صلى اللّه عليه و آله» طلب من أبي طالب «عليه السلام» حين وفاته أن يقول كلمة: لا إله إلا اللّه، ليحاج بها له عند اللّه.

فقال له أبو جهل، و عبد اللّه بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ !

فلم يزل الرسول يعرضها عليه، و يقولان له ذلك، حتى قال أبو طالب آخر كلمة: على ملة عبد المطلب، و أبى أن يقول: لا إله إلا اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : و اللّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك.

فأنزل اللّه: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ اَلْجَحِيمِ (1).

و نقول: إننا لا نريد أن نناقش في أسانيد هذه الرواية (2)المقطوعة، و لا أن نفيض في إيراد الدلائل و الشواهد على أن ابن المسيب، فضلا عن غيره، متهم في ما يرويه مما له ارتباط بالإمام علي «عليه السلام» ، كما نص عليه البعض (3).


1) الآية 113 من سورة التوبة.

2) راجع في ذلك: أبو طالب مؤمن قريش 313-345 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 25 و 26 و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 342 و 343.

3) الغارات للثقفي ج 2 ص 569.

و لكننا نشير فقط إلى ما يلي:

أولا: إن آية النهي عن الاستغفار للمشرك قد وردت في سورة التوبة، و لا ريب في كونها من أواخر ما نزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة، بل لقد ادّعى البعض أنها آخر ما نزل (1).

و لا يعقل أن تكون هذه الآية قد بقيت أكثر من عشر سنوات معلقة في الهواء، و القرآن ينزل، حتى إذا نزلت سورة التوبة، أضيفت إليها، لأن الآيات التي كانت تلحق بالسور-لو صح أنها كانت تلحق بها بعد أن لم تكن منها-فإنما تلحق بما نزل سابقا عليها، و كان ذلك في الأكثر في السور الطوال، التي كانت تنزل أجزاء متتابعة دون سائر السور التي كانت تنزل دفعة واحدة.

فلا بد إذا من أن نقول: إن النهي عن الاستغفار إنما حصل بعد نزول سورة التوبة، فكيف بقي «صلى اللّه عليه و آله» يستغفر لأبي طالب «عليه السلام» طيلة هذه المدة، و يترحم عليه؟ !

ثانيا: إن الاستغفار للمشرك، و الترحم عليه من أظهر مصاديق المودة للكافر، و قد نهى اللّه عن مودتهم في آيات كثيرة، نزلت قبل سورة التوبة، كما في قوله تعالى: لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ


1) الغدير ج 8 ص 10 و أبو طالب مؤمن قريش ص 341 عن: البخاري، و الكشاف، و البيضاوي، و تفسير ابن كثير و الإتقان، و ابن أبي شيبة و النسائي و ابن الضرير، و ابن المنذر، و النحاس، و أبي الشيخ، و ابن مردويه.

وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (1).

و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ (2).

و قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً (3).

و قوله تعالى: لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ (4)إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

ثالثا: قال تعالى: في سورة المنافقين، التي نزلت في غزوة بني المصطلق، سنة ست على ما هو المشهور، و نزلت قبل سورة التوبة على كل حال:

سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (5).

فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف أن اللّه لن يغفر للمنافق سواء استغفر له أم لا. . و المنافق هو من يبطن الكفر و يظهر الإيمان، فإنه


1) الآية 22 من سورة المجادلة، و قد نزلت قبل التوبة بسبع سور كما في الإتقان ج 1 ص 11 و في تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 329، و فتح القدير ج 5 ص 186 و الغدير ج 8 ص 10 عنهم و عن تفسير الآلوسي ج 28 ص 37 و أخرجه ابن أبي حاتم، و الطبراني و الحاكم و البيهقي و أبو نعيم: أنها نزلت في بدر أو في أحد.

2) الآية 144 من سورة النساء.

3) الآية 139 من سورة النساء.

4) الآية 28 من سورة آل عمران.

5) الآية 6 من سورة المنافقون.

يعرف أيضا: أن اللّه لا يغفر لمن كان يبطن الشرك، و يظهره، و يأبى عن أن يعترف بإسلام أو بإيمان. .

فلماذا يتعب نفسه في أمر يعرف أنه لا نتيجة له؟

فإن ذلك أمر لا يقره العقلاء، و لا يقدمون عليه.

رابعا: ذكر الشريف النسابة العلوي، المعروف بالموضح، بأسناده:

أن أبا طالب لما مات لم تكن الصلاة على الموتى، فما صلى النبي عليه، و لا على خديجة، و إنما اجتازت جنازة أبي طالب، و علي و جعفر (1)و حمزة جلوس، فقاموا، و شيعوا جنازته، و استغفروا له.

فقال قوم: نحن نستغفر لموتانا و أقاربنا المشركين أيضا-ظنا منهم أن أبا طالب مات مشركا؛ لأنه كان يكتم إيمانه-فنفى اللّه عن أبي طالب الشرك، و نزه نبيه، و الثلاثة المذكورين رحمهم اللّه عن الخطأ في قوله: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ (2).

فمن قال بكفر أبي طالب «عليه السلام» فقد حكم على النبي بالخطأ، و اللّه تعالى قد نزهه عنه في أقواله و أفعاله الخ. . (3).

خامسا: لقد روي بسند صحيح-كما يقول الأميني-عن علي: أنه سمع رجلا يستغفر لأبويه، و هما مشركان؛ فذكر الإمام علي «عليه السلام» ذلك


1) لقد كان جعفر بالحبشة، فإما أن يكون قد جاء في زيارة قصيرة ثم رجع. و إما أن يكون الراوي قد ذكره من عند نفسه سهوا أو عمدا.

2) الآية 113 من سورة التوبة.

3) الغدير ج 7 ص 399 عن كتاب الحجة لابن معد ص 68.

للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلت آية النهي عن الاستغفار للمشركين (1).

و في أخرى: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا؟ فنزلت (2).

و أما القول: بأنها نزلت حينما استأذن «صلى اللّه عليه و آله» اللّه في الاستغفار لأمه فلم يأذن له، و نزلت الآية، فسأله أن يزور قبرها، فأذن له (3).

فهو لا يصح: حيث تقدم في بحث إيمان آباء النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن أم النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت مؤمنة موحدة.

و على هذا فإن الجزم بأن الآية المذكورة قد نزلت في أبي طالب يصبح في غير محله، خصوصا إذا أضيف إليه ما قدمناه من شواهد و أدلة على إيمان


1) الغدير ج 8 ص 12، و غيره عن: الطيالسي، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و الترمذي، و النسائي، و أبي يعلى، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و الحاكم و صححه، و البيهقي في شعب الإيمان، و الضياء في المختارة، و الإتقان، و أسباب النزول، و تفسير ابن كثير، و الكشاف، و أعيان الشيعة، و أسنى المطالب ص 18، و أبو طالب مؤمن قريش، و شيخ الأبطح و مسند أحمد ج 1 ص 130 و 131.

2) مجمع البيان ج 5 ص 76 عن الحسن، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 393، و أبو طالب مؤمن قريش ص 348، عنهما و عن الأعيان ج 39 ص 158 و 159 عن ابن عباس و الحسن، و الكشاف ج 2 ص 246.

3) جامع البيان للطبري ج 11 ص 31، و الدر المنثور ج 3 ص 283، و إرشاد الساري ج 7 ص 282 و 158 عن مسلم في صحيحه، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 394 و أحمد في مسنده، و أبو داود في سننه، و النسائي، و ابن ماجة، و الحاكم، و البيهقي، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه و الكشاف ج 2 ص 49، و أبو طالب مؤمن قريش ص 349.

شيخ الأبطح، و أضيف إليه أيضا أن الآية بصدد نهي طائفة من المؤمنين عن الاستغفار لأقاربهم من أهل الشرك، و يكون ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في جملتهم من أجل طمأنتهم، و تأنيسهم، و الرفق بهم، و المداراة لهم، لا لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يفعل كفعلهم، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليقدم على أمر حتى يعرف رضا اللّه به، و يستأذنه سبحانه و تعالى فيه.

ملاحظة:

قد أثبتنا في كتابنا هذا إيمان آبائه «صلى اللّه عليه و آله» إلى آدم و كانت أمه «صلى اللّه عليه و آله» موحدة، بل إن الروايات التي تحدثت عن أنه لا يريد أن تكون لكافر أو مشرك عنده نعمة تجزى تدل على ذلك أيضا.

فإن تربية أبي طالب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» من النعم، و الأيادي عنده، التي تستوجب منه الشكر و الجزاء.

و هذا ما يجعلنا نعتقد: أن الرواية الأخيرة التي ذكرت كفر والدة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعيدة عن الصحة أيضا.

سادسا: إن آية النهي عن الاستغفار للمشركين قد جاءت عامة و لا يظهر منها أنها تتحدث عن أمر قد حصل أصلا، و لو سلمنا: أنها تشير إلى واقعة من نوع ما، فلا يمكن أن تكون هي استغفار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأمه، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يفعل إلا ما يعلم أنه مرضي للّه تعالى، و لا يقدم على أي فعل من تلقاء نفسه.

على أنه لا بد من الإجابة على السؤال عن السبب الذي جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ينسى الاستغفار لأمه إلى آخر أيام حياته؟

سابعا: إن قول أبي طالب: بل على دين عبد المطلب، هو من أدلة إيمانه، لا من أدلة كفره؛ إذ إن عبد المطلب لم يكن كافرا و لا مشركا، بل كان مؤمنا على دين الحنيفية.

و قد صرح المسعودي في بعض كتبه أيضا بأنه قد مات مسلما (1).

فقول أبي طالب «عليه السلام» : بل على ملة عبد المطلب، قد جاء على سبيل التورية، حيث إنه بذلك يكون قد أثبت إيمانه، و أقر به من جهة، ثم يكون قد عمّى الأمر على فراعنة قريش، لمصالح يراها، لا بد له من ملاحظتها في تلك الفترة، من جهة أخرى.

5- إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ:

و يقولون: إن اللّه تعالى قد أنزل في أبي طالب «عليه السلام» : إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ (2)، حيث ادّعى الزجّاج إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب «عليه السلام» (3).

و نقول في الجواب: أولا: قد تقدم: النهي عن موادة من حاد اللّه، و عن اتخاذ الكافرين أولياء.

ثانيا: قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا اللّه، و تعامل مع


1) الروض الأنف ج 2 ص 170 و 171.

2) الآية 56 من سورة القصص، و الرواية في صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 111، و غير ذلك.

3) راجع: شيخ الأبطح ص 82.

الناس كلهم على قاعدة: أن لا يجعل لكافر و لا لمشرك نعمة عنده.

ثالثا: إن آية: إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ يقال: إنها نزلت يوم أحد، حينما كسرت رباعيته، و شج وجهه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فأنزل اللّه: إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الخ. . (1).

و قيل: إنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، الذي كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يرغب في إسلامه، بل لقد ادعي الإجماع على ذلك (2).

رابعا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحب إيمان أبي طالب «عليه السلام» ، فاللّه يحب ذلك أيضا، لأن الرسول لا يحب إلا ما أحب اللّه.

و قولهم: كان «صلى اللّه عليه و آله» يكره إيمان وحشي، ثم آمن، لا يصح، لأنهما لو لم يتوافقا فإنه يدخل في دائرة التضاد بين الرسول و بين مرسله، لأن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يكره إيمان شخص و مرسله يحب إيمان ذلك الشخص نفسه. . و إذا توافقا، بأن كان اللّه و رسوله يكرهان إيمان ذلك الشخص، فإن السؤال هو: كيف يمكن أن يكره اللّه و رسوله إيمان أحد؟ ! (3).

خامسا: إن قوله تعالى: إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لا يمنع من إيمان


1) راجع التراتيب الإدارية ج 1 ص 198 عن الإستيعاب، و أبو طالب مؤمن قريش ص 368 عن أعيان الشيعة ج 39 ص 259 و الحجة ص 39.

2) أبو طالب مؤمن قريش ص 369 و شيخ الأبطح ص 82 عن أسباب النزول لابن رشادة الواعظي الواسطي، و راجع: البحار ج 35 ص 151 و فيه: الحارث بن نعمان بن عبد مناف.

3) راجع هامش أنساب الأشراف ج 2 ص 28 عن الدكتور زرزور في مقدمته على تفسير الحاكم الجشمي.

أبي طالب «عليه السلام» ، فإن اللّه قد شاء الهداية لأبي طالب «عليه السلام» أيضا كما دلت عليه النصوص.

و الآية إنما تريد تعليم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن محبته لهداية شخص غير كافية، بل لا بد معها من مشيئة اللّه سبحانه.

و أما دعوى إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب «عليه السلام» ، فيكذبها: أن الأئمة «عليهم السلام» و شيعتهم، و أكثر الزيدية، و كثير من علماء السنة يثبتون إيمان أبي طالب «عليه السلام» ، و تآليفهم في هذا الصدد كثيرة و شهيرة. .

6- وَ لاٰ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحٰابِ اَلْجَحِيمِ:

زعموا: أن قوله تعالى: إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لاٰ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحٰابِ اَلْجَحِيمِ (1). . قد نزلت في أبي طالب «عليه السلام» .

و نقول: إن سياق الآيات قبلها و بعدها يعطي أن الآية إنما نزلت في اليهود. . و هذا كاف في رد هذه المزعمة.

و قد قال النقدي في كتابه مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: و أما ما قيل من أن قوله تعالى: إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لاٰ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحٰابِ اَلْجَحِيمِ نزلت في أبي طالب فقد قال ابن دحلان: هو ضعيف جدا كالقول بأنها نزلت في أبوي النبي صلى اللّه عليه (و آله)و سلم فإن ذلك ضعيف أيضا، بل قيل: إن ذلك باطل لا أصل له و الآية إنما نزلت في اليهود.


1) الآية 119 من سورة البقرة.

قال أبو حيان في البحر: و سوابق الآيات و لواحقها تدل على ذلك الخ. . (1).

7-الذي ينجي من الوسوسة:

زعموا: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر، حول ما ينجي من الوسوسة: «ينجيكم من ذلك: أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت؛ فلم يفعل.

يعني شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه» (2).

و في رواية عن عمر: إن كلمة التقوى التي ألاص (3)عليها نبي اللّه عمه أبا طالب عند الموت: شهادة الخ. . (4).

و نقول: إنه فضلا عن سقوط الرواية من ناحية السند، نلاحظ:

أولا: إن من الواضح: أن الذين يسألونه «صلى اللّه عليه و آله» عما ينجي من الوسوسة كانوا يقولون تلك الكلمة، و يشهدون الشهادتين، و لكنهم كانوا-مع ذلك-مبتلين بالوسوسة، فكيف يأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بقولها للنجاة من ذلك؟ ! .


1) مواهب الواهب في فضائل أبي طالب للنقدي ص 130 ط حجرية النجف الأشرف سنة 1341 ه.

2) حياة الصحابة ج 2 ص 140 و 545 و كنز العمال ج 1 ص 259 و 260 و 261 عن أبي يعلى و البوصيري في زوائده، و عن طبقات ابن سعد ج 2 ص 312.

3) الأص فلانا على الشيء: أداره عليه و أراده منه.

4) مجمع الزوائد ج 1 ص 15، و كنز العمال ج 1 ص 262 و 263 عن أبي يعلى، و ابن خزيمة، و ابن حبان و البيهقي و غيرهم كثير جدا.

إلا أن يقال: إن المراد هو: كثرة التلفظ بها و تكرارها.

غير أننا نقول: إن إرادة هذا المعنى بعيدة عن مساق الرواية، فإن ما طلبه من أبي طالب-لو صحت الرواية-هو مجرد التلفظ بالشهادتين. .

ثانيا: إن نفس هذه الرواية مروية بسند صحيح، و تفيد:

أن الخلاف كان بين سعد و عثمان، و أن الذي حكم بينهما هو عمر بن الخطاب، و ذكر: دعوة ذي النون: لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ (1). و لم يذكر أبا طالب «عليه السلام» (2).

أبو بكر حين أسلم أبوه:

و زعموا أيضا: أنه لما مد أبو قحافة يده ليسلم، بكى أبو بكر، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : ما يبكيك؟ !

قال: لأن تكون يد عمك مكان يده، و يسلم، و يقر اللّه به عينك أحب إلي من أن يكون (3).


1) الآية 87 من سورة الأنبياء.

2) مجمع الزوائد ج 7 ص 68 عن أحمد و رجاله رجال الصحيح، باستثناء إبراهيم بن محمد بن سعد و هو ثقة، و حياة الصحابة عنه و عن الترمذي و عن كنز العمال ج 1 ص 298 عن أبي يعلى و الطبراني-و صحّح.

3) الإصابة ج 4 ص 116 و الحاكم و صححه على شرط الشيخين، و عن عمر بن شبة و أبي يعلى، و أبي بشر سفويه في فوائده، و نصب الراية ج 6 ص 281 و 282 عن عدد من المصادر في هامشه، و المصنف ج 6 ص 39، و في هامشه عن ابن أبي شيبة ج 4 ص 142 و 95، و مسند أحمد ج 1 ص 131.

و نقول: أولا: قد تقدمت هذه الرواية بنحو يدل على إيمان أبي طالب «عليه السلام» عن عدد من المصادر، فلا نعيد. و تلك الرواية هي التي تنسجم مع هذا الحشد الهائل من دلائل إيمانه صلوات اللّه و سلامه عليه.

ثانيا: قد جاء أنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر بإسلامه، حتى بشره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك (1)فكيف يكون أبو بكر قد قال ذلك حين مد أبو قحافة يده؟ ! .

أبو طالب عليه السّلام الشيخ المهتدي:

و زعموا أيضا: أنه لما توفي أبو طالب، جاء علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي.

بل في رواية: أن الإمام عليا «عليه السلام» رفض ما أمره به النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تغسيله، و دفنه، فأمر أن يتولى ذلك غيره (2).

و نقول: أولا: قد روى أحمد في مسنده هذه الرواية، و فيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة «الضال» (3).


1) المحاسن و المساوئ ج 1 ص 57.

2) المصنف ج 6 ص 39 و راجع كنز العمال ج 17 ص 32 و 33 و نصب الراية ج 2 ص 281 و 282 و في هامشه عن عدد من المصادر.

3) مسند الإمام أحمد ج 1 ص 129 و 130 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 24 و فيه: أنه أمره هو فواراه.

ثانيا: إن نفس أن يخاطب علي «عليه السلام» رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الطريقة: «إن عمك الشيخ الضال. . الخ. .» لهو أمر لا ينسجم مع أدب الخطاب مع الرسول، في الوقت الذي كان يمكن له يقول: إن أبي الشيخ الضال قد توفي.

و لا يمكن أن يحتمل أحد أن يصدر من علي «عليه السلام» ما ينافي الآداب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو مع غيره.

ثالثا: لو لم يكن مؤمنا فلماذا يأمره بتغسيله؟ . فهل يغسل الكافر؟ !

رابعا: كيف يتناسب هذا مع كونه «صلى اللّه عليه و آله» قد حزن، و ترحم عليه، و دعا له، و عارض جنازته، و مشى فيها، و غير ذلك مما تقدم، مع أنهم يروون: أنه لا يجوز المشي في جنازة المشرك؟ ! (1).

خامسا: ماذا يصنع هؤلاء بما ورد في كثير من المصادر، من أن الإمام عليا «عليه السلام» هو الذي تولى تغسيل أبي طالب و دفنه، و اغتسل بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب على من مس أي ميت مسلم (2).

هل صلى أبو طالب عليه السّلام؟ :

قالوا: إنه لم ينقل عن أحد: أن أبا طالب «عليه السلام» قد صلى، و بالصلاة يمتاز المؤمن عن الكافر (3).


1) قد تقدمت بعض مصادر ذلك في أوائل هذا البحث، و عن عدم جواز المشي في جنازة المشرك، راجع كتب الحديث كسنن البيهقي و غيره.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 301.

3) راجع: شيخ الأبطح.

و نقول في الجواب: أولا: إنه لم ينقل أيضا عن كثير من الصحابة أنهم قد صلوا. . فهل يمكن الحكم عليهم بأنهم لم يسلموا؟ ! فإن عدم نقل ذلك لا يعني عدم حدوثه.

ثانيا: إنه إذا كان مثل أبي طالب «عليه السلام» كمثل مؤمن آل فرعون، الذي كان يكتم إيمانه، فعلينا أن لا نتوقع مجاهرة أبي طالب «عليه السلام» بالصلاة، أو بغيرها من الشعائر الدينية أمام الملأ، فإن ذلك لا يتلاءم مع كتمان الإيمان.

أبو طالب عليه السّلام خير الأخيار:

و زعموا: أن محمد بن عبد اللّه بن الحسن قد كتب إلى المنصور يقول مفتخرا: أنا ابن خير الأخيار، و أنا ابن شر الأشرار.

و هذه الرسالة هي التي أوجبت توقف ابن أبي الحديد المعتزلي في إيمان أبي طالب «عليه السلام» ، كما زعم في شرحه لنهج البلاغة (1).

و نقول: أولا: إن أبا طالب «عليه السلام» لم يكن شر الأشرار، إذ إنه «عليه السلام» لم يكن أشر من أبي لهب و لا من أبي جهل، و لا من ابن ملجم، و لا من الشمر، و لا. . و لا. .

فهذا كذب صريح، هل يمكن صدوره من مدّعي المهدية. . الذي


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 82.

يطالب الناس بالبيعة له؟ !

ثانيا: ما معنى أن يفتخر إنسان بأنه ابن شر الأشرار؟ ! فهل في هذا مفخرة لأحد؟

ثالثا: إنه ليس في الرواية ما يدل على أن المقصود بهذا الكلام هو أبو طالب «عليه السلام» ، إذ لعل المقصود به طلحة بن عبيد اللّه، الذي هو أبو أم إسحق، جدة محمد بن عبد اللّه بن الحسن، أو لعله يقصد زمعة بن الأسود، أو عبد العزى؟ ! أو غير هؤلاء من آبائه. .

رابعا: لماذا أخذ المعتزلي بشهادة محمد بن عبد اللّه بن الحسن، الذي قتل في أواسط القرن الثاني للهجرة، و لم يأخذ بشهادة الإمام علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في حق أبيه، و هو القائل: و الذي بعث محمدا بالحق نبيا، إن أبي لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه اللّه، بالإضافة إلى كثير من النصوص الأخرى التي سلفت عنه «عليه السلام» في حقه؟

هذا فضلا عن شهادات الإمام السجاد، و الباقر، و الصادق «عليهم السلام» .

ألم يكن عهد هؤلاء الأطهار «عليهم السلام» بأبي طالب «عليه السلام» أقرب من عهد محمد بن عبد اللّه بن الحسن؟ ! . .

خطابيات و أرجاز المديني:

و بعد ما تقدم، فإنه إذا كان أبو طالب «عليه السلام» مسلما مصدقا؛ فلا يصغى لأرجاز و خطابيات أمثال المديني، التي لا توافق العقل و الدين مهما حاول أن يتظاهر هو بالصلاح، أو أن يسطر التملقات الباردة، مثل أن يقول:

«وددت أن أبا طالب كان أسلم، فسر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أني كافر» ! ! (1).


1) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 263.

البحث الثالث: مؤمن آل فرعون سرية إيمان أبي طالب عليه السّلام:
اشارة

إننا إذا تتبعنا سير الدعوة، و مواقف أبي طالب «عليه السلام» فإننا نجد: أنه كان بادئ ذي بدء يكتم إيمانه، تماما كمؤمن آل فرعون، و الظاهر أنه قد استمر يظهر ذلك تارة، و يخفيه أخرى إلى أن حصر الهاشميون في الشعب، فصار يكثر من إظهار ذلك و إعلانه.

و قد ورد عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله:

«إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان، و أظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرتين» (1).

و عن الشعبي، يرفعه، عن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال:

كان و اللّه أبو طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف مؤمنا مسلما، يكتم


1) أمالي الصدوق ص 551، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 70، و أصول الكافي ج 1 ص 373، و روضة الواعظين ص 139، و البحار ج 35 ص 72 و 111 و الغدير ج 7 ص 380-390 عنهم و عن: الحجة لابن معد ص 17 و 115 و تفسير أبي الفتوح ج 4 ص 212، و الدرجات الرفيعة، و ضياء العالمين.

إيمانه؛ مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش.

و كذا عن ابن عباس (1).

و قد تقدم: أن محمد بن الحنفية حمل في حرب الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه (2).

و ثمة أحاديث أخرى عديدة بهذا المعنى لا مجال لذكرها (3).

لا بد من كتمان الإيمان:

و نستطيع أن نقول: إن سرية إيمان أبي طالب «عليه السلام» كانت ضرورة لا بد منها؛ لأن الدعوة كانت بحاجة إلى شخصية اجتماعية قوية تدعمها، و تحافظ على قائدها، شرط أن لا تكون طرفا في النزاع.

فتتكلم من مركز القوة لتتمكن الدعوة من الحركة، مع عدم مواجهة ضغط كبير يشل حركتها، و يحد من فاعليتها.

قال ابن كثير و غيره: «إذ لو كان أسلم أبو طالب-و نحن نقول لابن كثير: إنه قد أسلم، و لكنه كتم إيمانه و إسلامه مدة-لما كان له عند مشركي قريش و جاهة، و لا كلمة، و لا


1) الغدير ج 7 ص 388 عن كتاب الحجة ص 24 و 94 و 115. و راجع أمالي الصدوق ص 550.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 67.

3) راجع الغدير ج 7 ص 338-390 عن: الفصول المختارة ص 80 و إكمال الدين ص 103، و كتاب الحجة لابن معد عن أبي الفرج الأصفهاني.

كانوا يهابونه و يحترمونه، و لاجترؤوا عليه، و لمدوا أيديهم و ألسنتهم بالسوء إليه» (1).

مفارقات محيّرة:

و كيف يحكمون لزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب، و لولده سعيد بن زيد، و لورقة بن نوفل، و قس بن ساعدة، و لأبي سفيان الذي ما فتئ كهفا للمنافقين، و الذي ذكرنا لمحة عن تصريحاته و مواقفه في أواخر غزوة أحد في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

نعم، كيف يحكمون لهؤلاء بالإسلام؟ ! بل يروون عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قال عن أمية بن أبي الصلت: أنه كاد أن يسلم في شعره (2).

و يقول الشافعي عن صفوان بن أمية: «و كان كأنه لا يشك في إسلامه» ، لأنه حين سمع يوم حنين قائلا يقول: غلبت هوازن، و قتل محمد، قال له:

«بفيك الحجر، فو اللّه، لرب قريش أحب إلي من رب هوازن» .

نعم، كيف يحكمون لكل هؤلاء بالإسلام، أو بالاقتراب منه، و هم لم يدركوا الإسلام، أو أدركوه و لم يسلموا، أو أظهروا الإسلام، و أبطنوا الكفر؟

ثم يحكمون بالكفر على أبي طالب «عليه السلام» ، الذي ما فتئ في


1) البداية و النهاية ج 3 ص 41، و راجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 46.

2) صحيح مسلم ج 7 ص 48 و 49، و الأغاني (ط ساسي) ج 3 ص 190، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 213.

الفترة الأخيرة، ربما بعد الهجرة إلى الحبشة يؤكد و يصرح عشرات المرات في أقواله و في أفعاله، و يعلن بالشهادة للّه بالوحدانية، و لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة و الرسالة؟ ! .

ذنب أبي طالب عليه السّلام الذي لا يغفر:

و لكننا رغم كل ذلك نقول: إنه يؤخذ على أبي طالب «عليه السلام» شيء واحد، هو من أكبر الذنوب، و أعظم السيّئات و العيوب، التي يستحق من يتلبس بها-شاء أم أبى-الحساب العسير، و لا بد أن يحرم لأجلها من كل امتياز، و يسلب منه كل وسام.

و هذا الذنب العظيم و الجسيم هو أنه كان أبا لذلك الرجل الذي تكرهه قريش، و يبغضه الحكام، و يشنؤه أهل الباطل. . و كانوا و ما زالوا يتمنون له كل سوء، و كل ما يسوء، و قد قطعوا رحمه، و جهدوا للحط من شأنه، و صغّروا عظيم منزلته، لا لشيء سوى أنه كان قد قتل آباءهم و إخوانهم على الشرك و الكفر، و هو يدافع عن دين اللّه سبحانه، و يجاهد في سبيل اللّه، بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هذا الرجل هو-بصراحة-ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و زوج ابنته، و أبو سبطيه، و هو المسمى ب «علي» أمير البررة، و قاتل الكفرة الفجرة، الذي كان مدينة علم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان الولي و الوصي صلوات اللّه و سلامه عليه و على أبيه، و على الأئمة الأطهار من بنيه.

فكان لا بد-بنظرهم-من نسبة كل عظيمة إليه، و إلى أبيه أبي طالب

«عليه السلام» ، و وضع الأحاديث المكذوبة في حقهما، و تزوير تاريخهما، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

فحفلت مجاميعهم الحديثية و التاريخية بألوان من الدجل و التزوير، و أفانين من الكذب و البهتان، و الأفائك و الأباطيل، حتى لقد نسبوا إلى أبي طالب «عليه السلام» الكفر-و العياذ باللّه-و لو كان ثمة شيء أعظم من الكفر لنسبوه إليه، و وصموه به، كيدا منهم لعلي، و سعيا منهم للنيل من مقامه، و هو الذي كان و لا يزال الشوكة الجارحة في أعين الأمويين، و الزبيريين، و جميع الحاقدين على الحق و أهله، فظهرت منهم أنواع من الافتراءات عليه، و على أخيه جعفر، و أبيه أبي طالب، و على كل شيعتهم و محبيهم، و المدافعين عنهم.

و حين بدا لهم أن ذلك لا يشفي صدورهم شفعوه بنوع آخر من الكيد و التجني، حين سعوا إلى إطراء أعدائه، أعداء اللّه و رسوله، و أعداء الحق، فنسبوا فضائل أولياء اللّه إلى أعداء اللّه، حتى إنك لا تكاد تجد فضيلة ثبتت لعلي «عليه السلام» بسند صحيح عند مختلف الفرق الإسلامية، إلا و لها نظير في مخالفيه، و مناوئيه، و المعتدين عليه، و لكنها-في الأكثر و للّه الحمد- قد جاءت بأسانيد ضعيفة و موهونة، حتى عند واضعيها. .

هذا، و يلاحظ: أن هذه الأفائك الظالمة في حق أبي طالب «عليه السلام» قد ظهرت بعد عشرات السنين من وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كان المدافع الأول عن أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه، كما يظهر من كثير من المواقف له «صلى اللّه عليه و آله» ، حدثنا عنها التاريخ، و حفظتها لنا كتب الحديث و الرواية، رغم ما بذله الحاقدون من جهود لطمسها، و طمس سواها

من الحقائق الناصعة، و الشواهد و البراهين الساطعة.

و لو أن أبا طالب «رحمه اللّه» كان أبا لمعاوية مثلا، أو لمروان، أو لأي من الذين تصدوا للحكم من المناوئين و المنحرفين عن أهل البيت «عليهم السلام» ، و عن خطهم و منهجهم، لرأيت ثم رأيت من آيات الثناء عليه ما يتلى آناء الليل، و أطراف النهار، و لوجدت الأوسمة تلاحقه، و تنهال عليه من كل حدب و صوب، و بلا كتاب و لا حساب، و لألفيت الذين ينبزونه بتلكم الأكاذيب و الأباطيل، و يرمونه بالبهتان، هم أنفسهم حملة رايات التعظيم و التبجيل، و التكبير و التهليل له «رحمه اللّه» .

و لوجدت من الأحاديث في فضائله و مناقبه و ما له من كرامات و شفاعات إن دنيا، و إن آخرة، ما يفوق حد الحصر، و ما يزيد و يتضاعف باطراد في كل عصر و مصر. .

و لربما تجد من يدّعي: أن أبا طالب «عليه السلام» قد آمن بالنبي حتى قبل أن يبعث «صلى اللّه عليه و آله» ، كما ادّعوه لبعض من يوالونهم و يحبونهم! !

و لعل بعضهم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول فيه كما قالوه في بعض أسلافهم: لو لم أبعث فيكم لبعث فلان! ! أو ما شاكل ذلك.

هذا إن لم يدّعوا له مقام النبوة، أو ما هو أعظم من ذلك كما ادّعوا ذلك ليزيد لعنه اللّه، قاتل الإمام الحسين «عليه السلام» ، و هادم الكعبة.

و لكننا نقول: إن أبا طالب «عليه السلام» قد كان محظوظا جدا، حيث لم يكن قريبا لهؤلاء، و لا لمن يتولاه هؤلاء، فنجا من أن تنسب إليه فضائل مكذوبة، و من أن يعطى أوسمة لا حقيقة لها، إذ يكفي هذا الرجل من الفضائل

و الأوسمة ما كان قد ناله عن جدارة و استحقاق بجهاده، و بإخلاصه، و بعمله الصالح الذي نال به رضا اللّه سبحانه، و ذلك هو الفضل العظيم، و الحظ الأسعد، و المقام الأمجد.

مفارقات. . ذات دلالة:

و الغريب في الأمر: أن من هؤلاء القوم، من يرى أن قاتل عمار بن ياسر من أهل الجنة، و أن ابن ملجم مجتهد في قتله الإمام عليا «عليه السلام» ، ثم هم يدافعون عن يزيد بن معاوية لعنه اللّه، و يعتبرونه من أهل الجنة، بل ادّعى له بعضهم النبوة قبحهم اللّه و إياه.

كما أن البعض كابن عربي يرى: أن فرعون مؤمن، و أن عبدة العجل موحدون مؤمنون، إلى غير ذلك من ترهات و أباطيل و أضاليل.

هذا عدا عن أنهم قالوا: إن حاتم الطائي يدخل النار لكنه لا يعذب بها لجوده، و أن كسرى لا يعذب لعدله، و أن أبا سفيان، أبا معاوية الذي يقول لعثمان حينما صارت إليه الخلافة:

قد صارت إليك بعد تيم و عدي، فأدرها كالكرة، و اجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، و لا أدري ما جنة و لا نار (1).

إن أبا سفيان هذا، مؤمن تقي عادل، معصوم، و أبو طالب «عليه السلام» -أو فقل: أبو الإمام علي «عليه السلام» -كافر مشرك، و في ضحضاح من نار، يبلغ كعبه، و يغلي منه دماغه! !

نعم. . ما عشت أراك الدهر عجبا! ! .


1) النزاع و التخاصم ص 20 و الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج 7 ص 284.

حال أبي طالب عليه السّلام حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و بعد. . فإن حال أبي طالب «عليه السلام» مع الأمويين و أشياعهم، و من افترى عليه بغضا منه بولده علي «عليه السلام» . . يشبه إلى حد كبير حال النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع المشركين، الذين حكى القرآن حالهم بقوله:

وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهٰارَ خِلاٰلَهٰا تَفْجِيراً، أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقىٰ فِي اَلسَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً (1).

إن مبغضي أبي طالب يقولون: لن نقر بإيمان هذا الرجل، و لو تضافرت على ذلك كل الأدلة و الشواهد، و حتى لو نص اللّه و رسوله عليه.

فبئس الخلف من الأمويين و أشياعهم، و من الزبيريين و أتباعهم، و من كل شانئ لعلي، و مصغر لشأنه، لبئس السلف من طواغيت الجاهلية و عتاتها، و من قتلة الأنبياء و فراعنة الأرض، و جبابرتها.

أبو لهب و نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

ثم إننا نشير أيضا هنا إلى أنهم يذكرون: أنه بعد أن توفي أبو طالب «عليه السلام» أعلن أبو لهب استعداده لنصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فاحتالت قريش، فأخبرته أنه يقول: إن أباك عبد المطلب في النار، فسأله عن ذلك، فأخبره بما طابق ما أخبروه به؛ فتخلى عن نصرته، و انقلب


1) الآيات 90-93 من سورة الإسراء.

ليكون عدوا له ما عاش (1).

و نقول: إننا لا نشك في كذب هذه القضية.

أولا: كيف لم يعلم أبو لهب طيلة عشر سنين من عدائه للنبي، و محاربته له: أن هذا هو رأيه «صلى اللّه عليه و آله» و رأي الإسلام في كل من يموت مشركا باللّه تعالى؟ ! و على أي شيء كان يحاربه طيلة هذه المدة إذن؟ ! .

بل إن أبا لهب كان من أهم الشخصيات القوية التي كانت تدير حركة الصراع ضد الإسلام العظيم، و نبيه الكريم، فكيف يمكن أن يجهل حملة لواء الشرك هذا الأمر، و يعرفه غيرهم؟ !

ثانيا: لماذا عاداه في حياة أبي طالب «عليه السلام» ، ثم عاد إلى حمايته و نصرته بعد وفاته؟ ! .

أو لماذا لم يفعل أبو لهب مثل فعل أبي طالب «عليه السلام» ؟ !

ثالثا: قد أسلفنا أن عبد المطلب لم يكن مشركا، بل كان على دين الحنيفية مؤمنا صادق الإيمان.

سر افتعال الرواية:

و لعل سر افتعال هذه الرواية هنا هو إظهار: أن حماية أبي طالب «عليه السلام» للرسول قد كانت بدافع العصبية و الحمية القبلية، أو الحب الطبيعي.


1) راجع على سبيل المثال: البداية و النهاية ج 3 ص 134 عن ابن الجوزي و تاريخ الخميس ج 1 ص 302.

و لكن أين كانت حمية و عصبية أبي لهب قبل هذا الوقت، و أين كان حبه الطبيعي لابن أخيه؟

و لا سيما حينما حصرت قريش الهاشميين في الشعب، و كادوا يهلكون جوعا؟ ! .

و أين ذهبت حميته بعد ذلك؟

و هو الذي كان يتتبع النبي محمدا «صلى اللّه عليه و آله» من مكان إلى مكان يؤذيه، و يصد الناس عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

الباب الثالث: من وفاة أبي طالب عليه السّلام حتى الهجرة إلى المدينة

اشارة

الفصل الأول: الهجرة إلي الطائف الفصل الثاني: حتى بيعة العقبة الفصل الثالث: بيعة العقبة

الفصل الأول: الهجرة إلى الطائف

اشارة

لا بد من تحرك جديد:

لقد فقد النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بوفاة أبي طالب نصيرا قويا، دافع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن دعوته الإلهية، بيده و لسانه، و شعره، و ولده، و عشيرته، و كل مواهبه و طاقاته، و ضحى من أجله بمركزه و ماله و علاقاته الاجتماعية-كما قدمنا-فاعتقدت قريش أنه «صلى اللّه عليه و آله» سيضعف عزمه عن مواصلة جهوده، بعد أن مات ناصره، فنالته بعد وفاة شيخ الأبطح بأنواع الأذى، مما عجزت عنه في حياة عمه العظيم، و وجدت الفرصة للتنفيس عن حقدها، و صب جام غضبها على ذلك الذي ترى فيه سببا لكل مشاكلها و متاعبها.

و رأى «صلى اللّه عليه و آله» أن الدعوة الإسلامية تتعرض لضغوط قوية تمنع من انتشارها، و من دخول الآخرين فيها، ما داموا لا يرون في ذلك الدخول إلا العذاب و النكال، و إلا الذل و المهانة.

بل يمكن أن يتعرض ما حصل عليه، و جاهد من أجله و في سبيله لأخطار بما لا يكون في وسعه مواجهتها و تجاوزها بنجاح تام.

و من هنا فقد كان لا بد من تحرك جديد، يعطي للدعوة دفعة جديدة، و يجعلها أكثر حيوية، و أكثر قدرة على مواجهة الأخطار المحتملة و إذا كان

بقاؤه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة-إن لم يكن فيه خطر على الدعوة-معناه جمودها، و تحجيمها، و شل حركتها، فإن من الطبيعي أن يبحث عن مكان آخر تتوفر فيه له حرية الحركة، و الدعوة إلى اللّه، بعيدا عن أذايا قريش و مكائدها، و يتوفر فيه متنفس لهؤلاء المسلمين الذين تنالهم قريش بمختلف أنواع العذاب و التنكيل، قبل أن يتطرق اليأس إلى نفوسهم، و ينهاروا أمام تلك الضغوط التي يتعرضون لها باستمرار.

فكان كل ذلك و سواه دافعا إلى الهجرة إلى الطائف.

الهجرة إلى الطائف في كلمات المؤرخين:

فبعد أن أذن اللّه له «صلى اللّه عليه و آله» بالخروج من مكة إذ قد مات ناصره؛ خرج إلى الطائف، و معه علي «عليه السلام» (1)-أو زيد بن حارثة أو هما معا (2)على اختلاف النقل-و ذلك لليال بقين من شوال سنة عشر.

فأقام في الطائف عشرة أيام، و قيل: شهرا، لا يدع من أشرافهم أحدا إلا جاءه، و كلمه، فلم يجيبوه، و خافوا على أحداثهم؛ فطلبوا منه أن يخرج عنهم، و أغروا به سفهاءهم؛ فجلسوا له في الطريق صفين، يرمونه بالحجارة، و علي «عليه السلام» يدافع عنه، حتى شج في رأسه، أو أن الذي شج في رأسه هو زيد بن حارثة.


1) سيرة المصطفى ص 221 و 222 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 97 عن الشيعة.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 127 عن المدائني و سيرة المصطفى ص 221 و 222.

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» التجأ إلى بستان لعتبة و شيبة ابني ربيعة، و جلس في أحد جوانبه، فتحركت عاطفة ابني ربيعة، و هما يريان ما به من الجهد، فأرسلا إليه غلامهما عداسا-و هو نصراني من أهل نينوى- بعنب، فوضعه بين يديه، فمد إليه يده، و قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فتعجب عداس من أن يكون بهذا البلد أحد يذكر اللّه، و جرت بينهما مكالمة انتهت بإسلام عداس.

فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك.

ثم انصرف «صلى اللّه عليه و آله» راجعا إلى مكة، فاستعد أعداؤه للقائه بأنواع من الأذى لم يعرفها من قبل.

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مصمما على مواجهة كل الاحتمالات؛ حيث قال لرفيقه علي «عليه السلام» ، أو زيد: إن اللّه جاعل لما ترى فرجا و مخرجا، و إن اللّه ناصر دينه، و مظهر نبيه.

فطلب من الأخنس بن شريق أن يجيره ليتمكن من دخول مكة، فرفض على اعتبار أنه حليف، و الحليف لا يجير على الصميم (1).

ثم طلب من سهيل بن عمرو أن يجيره، فرفض أيضا، لأنه من بني عامر فلا يجير على بني كعب، فدخل مكة بجوار المطعم بن عدي، الذي تجهز و من معه بالسلاح لحمايته؛ فأمضت قريش جواره.

و يقول البعض: إنه رد عليه جواره من أول يوم وصوله، و قال


1) قد تقدمت مصادر ذلك حين الكلام على هجرة أبي بكر، ثم دخوله مكة بجوار ابن الدغنة.

آخرون: بل استمر في جواره مدة.

هكذا باختصار يروي المؤرخون قضية الهجرة إلى الطائف، ثم العودة منها.

هجرات أخرى له صلّى اللّه عليه و آله:
اشارة

و يقولون أيضا: إنه بعد وفاة عمه خرج إلى بني صعصعة، و معه علي؛ فلم يجبيبوه، و غاب عن مكة عشرة أيام، و هاجر أيضا مع علي و أبي بكر إلى بني شيبان، و غاب ثلاثة عشر يوما، فلم يجد عندهم نصرة (1).

و لا بد لنا هنا من وقفات لبيان بعض الأمور التي ترتبط بما تقدم، و نراها هامة، إلى حد ما، و هي التالية:

1-ما ذكر عن عداس:

إننا نشك فيما ذكر من دور عداس، و أكله «صلى اللّه عليه و آله» العنب المهدى إليه، و ذلك لما يلي:

أولا: ما تقدم في الفصل السابق من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقبل هدية مشرك، و لا يرضى بأن يكون له أي فضل أو نعمة عليه، يستحق بها المكافأة.

فكيف قبل هدية ابني ربيعة المشركين، و رضي بأن يكون لهما فضل عليه؟ !

إلا أن يقال: إنما قبل هدية عداس، و لعله لم يكن يعلم أن ابني ربيعة


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 126.

هما اللذان أرسلاه.

ثانيا: إن هذه الرواية تنص على أن عداسا قد أسلم، مع أن البعض ينص على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عاد من الطائف محزونا، لم يستجب له رجل و لا امرأة (1).

إلا أن يقال: إن المراد: أنه لم يستجب له أحد من الأحرار، أو لم يستجب له أحد من أهل نفس البلد، و عداس من أهل نينوى.

ثالثا: كان قد مضى على دعوة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الناس إلى الإسلام حوالي عشر سنوات، و كانت شهرة دعوته قد تجاوزت مكة إلى غيرها من الأقطار و الأمصار.

و أصبح ذكره و ذكر ما جاء به على كل شفة و لسان.

كما أنه قد مضى على وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الطائف نفسها عشرة أيام، أو شهر و هو يدعو الناس إلى اللّه، لا يفتر و لا يمل فكيف إذا يتعجب عداس من ذكر اللّه في ذلك البلد؟ ! .

فهل من المعقول: أن يكون عداس لم يسمع بذكره «صلى اللّه عليه و آله» و لا بدعوته هذه المدة كلها، سواء مدة وجوده في الطائف، أو مدة دعوته إلى اللّه في المنطقة؟ ! .

و قد قدمنا بعض الكلام عن عداس في مناقشتنا لروايات بدء الوحي فلا نعيد.


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 القسم الأول ص 142.

2-دخوله صلّى اللّه عليه و آله مكة بجوار:

و تقدم: أن الأخنس بن شريق، و سهيل بن عمرو لم يقبلا أن يجيرا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليدخل مكة، و احتج الأخنس بأنه حليف، و الحليف لا يجير على الصميم.

فدخل «صلى اللّه عليه و آله» بجوار المطعم بن عدي، و نحن نشك في ذلك أيضا.

أولا: قد قدمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقبل أن يكون لمشرك عنده يد يستحق الشكر عليها، و هذه يد و لا شك.

ثانيا: كيف لم يعلم النبي الذي بلغ من العمر حوالي خمسين عاما، و يعيش بين العرب، كيف لم يعلم طيلة هذه المدة: أنه ليس للحليف أن يجير على الصميم عندهم؟ ! !

و أن بني عامر لا تجير على بني كعب؟ !

ثالثا: أليس هذا يعتبر ركونا للظالمين، و لغير أهل دينه؟ و اللّه تعالى يقول: وَ لاٰ تُؤْمِنُوا إِلاّٰ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (1).

و يقول: وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ (2).

إلا أن يجاب عن هذا: بالنفي، فإن هذا المقدار من الركون ليس بمقصود في الآية.

رابعا: إننا نجد عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد بن المغيرة، رغبة منه


1) الآية 73 من سورة آل عمران.

2) الآية 113 من سورة هود.

في مواساة أصحابه؛ فهل يعقل أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» أقل من ابن مظعون في ذلك؟ ! و لا يستطيع الصبر على تحمل المشاق و الأذى الذي استعدت قريش لتناله به؟ إن ذلك لعجيب حقا! ! .

ثم لماذا لم يخف من الأذى حين رد على المطعم جواره، لا سيما إذا كان قد رده عليه من أول يوم؟ ! .

و أما أنه كان يخشى على نفسه القتل فلذلك طلب الجوار؛ فجوابه أنه كان يعلم: أن قريشا لا تستطيع ذلك.

و أنها تعرف: أنه في غير صالحها في تلك الظروف، و بالأخص إذا كان ذلك علنا، ثم أين كان عنه الهاشميون في تلك الساعة؟

و لماذا لا يحمون كبيرهم و سيدهم حتى يحتاج إلى جوار الآخرين؟ !

و أين كان عنه أسد اللّه و أسد رسوله، الذي فعل بأبي جهل ما فعل كما تقدمت الإشارة إليه؟ ! .

3-إسلام نفر من الجن:

و يذكر هنا: أنه و هو «صلى اللّه عليه و آله» منصرف من الطائف إلى مكة، التقى ببعض الجن، فقرأ عليهم القرآن فآمنوا به، و رجعوا إلى قومهم، مبشرين و منذرين، فقص اللّه خبرهم في سورة الجن، فقال: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ (1).

و لكن الظاهر: أن قضية الجن قد كانت في أوائل البعثة؛ حيث إن


1) الآيتان 1 و 2 من سورة الجن.

الرواية تذكر: أنه لما بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» حيل بين الجن و بين استراق السمع في السماء، و أرسلت عليهم الشهب، ففهموا: أن ذلك إنما هو لحدث جرى في الأرض فعادوا إليها، و بحثوا عن الأمر، فوجدوا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث، فاستمعوا القرآن و آمنوا، فنزلت الآية (1).

و في رواية أخرى: أن إبليس أرسل جنوده ليكشفوا له الأمر، فعادوا إليه بنبأ بعثته «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و إلى ما ذكرناه من كون ذلك في أوائل البعثة ذهب ابن كثير أيضا (3).

و يدل على ذلك أيضا: أن عددا من الروايات تذكر: أن ابن مسعود كان معه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الجن (4).

و ابن مسعود من المهاجرين إلى الحبشة، فلا بد أن تكون القضية قد حدثت قبل هجرته إليها، أي قبل الخامسة من البعثة.


1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 270 و 275، عن: البخاري، و مسلم، و عبد بن حميد، و أحمد، و الترمذي و النسائي، و الحاكم، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و البيهقي معا في الدلائل و غير ذلك. و تاريخ الخميس ج 1 ص 303 و 304 و يقال: إن آيات سورة الأحقاف قد نزلت حين رجوعه من الطائف بهذه المناسبة. و لكن يدفع ذلك ما في الدر المنثور ج 6 ص 45 عن مسلم، و أحمد، و الترمذي، و عبد بن حميد و غيرهم.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 304.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 303 عن المواهب اللدنية.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 304.

4-الطائف و علاقاتها بمن حولها:

إن أهل الطائف كانوا مرتبطين اقتصاديا بأهل مكة و من حولهم، لأنهم كانوا يصدرون الفاكهة التي هي عمدة محاصيلهم إلى مكة و غيرها من الأطراف المحيطة بهم.

فهم يرون مصيرهم مرتبطا اقتصاديا و اجتماعيا بغيرهم، و هم بحاجة إلى التقرب و التزلف إلى هؤلاء، و استجلاب محبتهم و رضاهم، حتى لا يتعرضوا للضغط الاجتماعي، أو إلى حصار اقتصادي-كما جرى لبني هاشم-من قبل من يحيط بهم، لا سيما من المكيين، حيث السوق الرئيس لمنتجاتهم.

ثم إنه قد كان لهم صنم يقال له اللات-و كان له سدنة، و يزوره العرب (1)إذ كانت لهم مكانة دينية أيضا بين العرب-يهتمون جدا بالمحافظة عليه.

و من هذا و ذاك، نعرف السر في أنهم كانوا أشداء في مواجهة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حريصين على إخراجه من بينهم بسرعة.

و يشار هنا: إلى أن أهل الطائف الذين قتلوا عروة بن مسعود الداعي إلى الإسلام قد تأخر إسلامهم إلى أواخر حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» فوفدوا عليه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة تسع، سنة الوفود و لم يؤمنوا إلا بعد أن أدركوا: أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فلا يخرج لهم


1) الأصنام للكلبي ص 16، و السيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش الحلبية ج 3 ص 11 و تاريخ الخميس ج 2 ص 135.

مال إلا نهب، و لا إنسان إلا أخذ؛ فلما رأوا عجزهم اجتمعوا و أرسلوا الخ. . (1).

5-الإسلام دين الفطرة:

إننا نلاحظ، أن أهل الطائف قد خافوا على أحداثهم من دعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم بينهم سوى فترة قصيرة جدا.

الأمر الذي يؤكد على أن الإسلام كان يجد سبيله بيسر و سهولة إلى العقول الصافية و النفوس البريئة و ينسجم مع الفطرة السليمة، التي لم تتلوث بعد بالمفاهيم المنحرفة، و لم تطغ عليها عوامل المصالح الشخصية، و العواطف القبلية، و غير ذلك.

و كيف لا يجد سبيله إليها بيسر، و هو الدين القائم على الدليل و البرهان العقلي، و المنسجم مع الفطرة، و هو دين الضمير و الوجدان الحي.

و من هنا، فإننا نلاحظ: أنهم لم يمكنهم الرد عليه و مناقشته، بل طلبوا منه أن يخرج من بينهم، و حاولوا أن يشوهوا صورته في أذهان أولئك الذين استمعوا إليه-و في أذهان الصغار الذين أغروهم به «صلى اللّه عليه و آله» و الذين يمكن أن تؤثر فيهم دعوته-بما استعملوه ضده من أساليب غير منطقية، و إنما تتميز بالإهانة و الأذى، ثم السخرية و الاستهزاء الجارح و المهين.


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 283 و راجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 9 مطبوع بهامش الحلبية و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 183 و تاريخ الخميس ج 2 ص 135.

6-هل كانت هذه سفرة فاشلة؟ ! .

و لربما يتساءل البعض: عن الفائدة لهذه الرحلة الفاشلة؟ و في جوابه نقول: إن هذه الرحلة لم تكن فاشلة، كما ربما يتصور البعض، فإن من الطبيعي أن تترك هذه الحادثة آثارا إيجابية من نوع ما في أذهان من التقى بهم، و كلمهم، و أن تثمر فيما بعد ثمارها المطلوبة و المرجوة منها، حيث قد أثرت بشكل واضح في تهيئة الجو لإيمان ثقيف فيما بعد ذلك عندما قويت شوكة الإسلام، و لم تعد تخشى الضغوط الاقتصادية و الاجتماعية عليها ممن حولها، و لا سيما من قريش بل أصبح الضغط من جانب المسلمين؛ لأن القبائل كانت تفد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فتعلن عن إسلامها، و يكتب لها كتابا، و يشترط قطع العلاقات مع المشركين فأخافهم ذلك و أرعبهم.

و قد كانت قريش تشيع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه مجنون أو ساحر، أو كاهن إلخ، فها هو «صلى اللّه عليه و آله» يتصل بالناس مباشرة، و يلمسون بأنفسهم حقيقة الأمر، و يتعرفون عن قرب على شخصيته و خصائصه، بحيث تسقط كل الإشاعات الكاذبة و المغرضة؛ و ليصير الإيمان به و برسالته و بنبوته أسهل و أيسر، و ليصبح أكثر قوة و عمقا و رسوخا.

الفصل الثاني: حتى بيعة العقبة

اشارة

المجاعة:

ثم هاجت الأزمة، و هي الجوع في قريش و أهل مكة-و كان ذلك بدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي دعا عليهم-حتى أكلوا العلهز (1)، و القد، و حتى أحرقوا العظام فأكلوها و أكلوا الكلاب الميتة، و الجيف، و نبشوا القبور، و أكلت المرأة طفلها. . و حتى كان الرجل يرى بينه و بين السماء كهيئة الدخان؛ فشغل ذلك الناس بأنفسهم و بمشاكلهم، فأتيحت الفرصة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» -و لو لفترة قصيرة-ليتحرك في سبيل دينه و رسالته داعيا إلى اللّه، و مجاهدا في سبيله.

فلما دخلت سنة إحدى عشرة من البعثة، جاء أبو سفيان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا محمد، جئت بصلة الرحم، و قومك قد هلكوا جوعا، فادع اللّه لهم، فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم؛ فكشف عنهم، يقول اللّه عز و جل: إِنّٰا كٰاشِفُوا اَلْعَذٰابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عٰائِدُونَ (2).

فإن الظاهر هو أن هذه الآية قد جاءت جوابا لقولهم: ربنا اكشف عنا


1) العلهز: دم يابس يدق به أو بار الإبل في المجاعات و يؤكل.

2) الآية 15 من سورة الدخان، راجع: البدء و التاريخ ج 4 ص 157، و تفسير البرهان ج 4 ص 160 عن المناقب لابن شهر آشوب.

العذاب إنا مؤمنون. ثم تحدث عنهم تعالى بأسلوب الغائب مشيرا إلى ما صدر منهم سابقا مما يدل على عدم وثوقه في وعدهم، ثم عاد إلى خطابهم بالآية الآنفة الذكر، متوعدا إياهم بالعذاب الأليم في الآخرة في صورة عودتهم إلى العناد.

و نشير هنا: إلى أن رجوع أبي سفيان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليؤكد على أن المشركين كانوا يعرفون أن ما جاء به «صلى اللّه عليه و آله» هو الحق، و لكنهم جحدوا ذلك استكبارا و عتوا، و علوا، و حفاظا على الامتيازات الظالمة التي جعلوها لأنفسهم.

و من الجهة الثانية، فإننا نجده «صلى اللّه عليه و آله» يستجيب لطلب أبي سفيان، و لكن ليس فقط لأجل ما ذكره من لزوم صلة الرحم؛ لأن الإسلام هو الصلة الحقيقية بين أبناء البشر جميعا، و على أساسه تكون الأخوة بينهم.

و إنما يستجيب له ليعطيه دليلا جديدا على أحقية ما جاء به، و ليقيم الحجة عليه، و على كل من يرى رأيه؛ ليهلك من هلك عن بينة، و يحيا من حي عن بينة، و ليمنح الفرصة للذين يعيشون بعيدا عن الأضواء، و ليس لهم مصالح دنيوية كبيرة، ليفكروا بموضوعية و تجرد؛ بعيدا عن الأجواء المصطنعة.

عرض الإسلام على القبائل:

لقد كان النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يغتنم الفرصة في مواسم الحج؛ فيعرض على القبائل، قبيلة قبيلة، أن تعتنق الإسلام، و تعمل على نشره و تأييده، و حمايته و نصرته، بل كان لا يسمع بقادم إلى مكة، له اسم و شرف، إلا تصدى له، و دعاه إلى الإسلام.

و لكن عمه أبا لهب كان يتبعه أنى توجه، و يعقب على كلامه، و يطلب منهم أن لا يقبلوا منه و لا يطيعوه في شيء.

هذا بالإضافة إلى اتهامه بالجنون، و السحر و الكهانة، و الشعر، و غير ذلك.

و كان الناس في الغالب يسمعون من قريش، إما خشية من سلطانها و نفوذها، و إما حفاظا على مصالحهم الاقتصادية في مكة، لا سيما في مواسم الحج، و عكاظ.

كما أن تصدي أبي لهب عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالذات لإفساد الأمر عليه «صلى اللّه عليه و آله» كان أبعد تأثيرا في ذلك، على اعتبار: أنه عمه، و أعرف الناس به.

و لقد أفادت تحركات النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه، حيث إنهم بعد أن ذهبت شوكة قريش، و خمد عنفوانها، و أصيب نفوذها بنكسة قوية بسبب ظهور دعوته و انتشار دينه «صلى اللّه عليه و آله» ، و توالي انتصاراته عليها، و لا سيما بعد فتح مكة.

بدأت وفادات العرب تترى إلى المدينة، بعد أن أمنوا غائلة عداء قريش، ليعلنوا عن ولائهم و مساندتهم، لأن دعايات قريش و إشاعاتها الكاذبة قد ذهب أثرها، و بطل مفعولها، لأنهم قد رأوا هذا النبي عن قرب، و عرفوا فيه رجاحة العقل، و استقامة الطريقة، منذ اجتمعوا به في تلك المواسم، و عرض دعوته عليهم.

و قد صرح المؤرخون بأن العرب كانوا ينتظرون بإسلامهم قريشا و كانوا إمام الناس، و أهل الحرم، و صريح ولد إسماعيل لا تنكر العرب ذلك.

فلما فتحت مكة و استسلمت قريش عرفت العرب أنها لا طاقة لها بحرب رسول اللّه و لا عداوته، فدخلوا في الدين أفواجا (1).

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» حينما كان يعرض دعوته على القبائل كانوا يردون عليه أقبح الرد، و يقولون: أسرتك و عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك (2).

و هذا يدل على أن الخوف من قريش لم يكن هو الدافع الوحيد للامتناع عن الدخول في الإسلام، لا سيما و أن الكثيرين من العرب كانوا بعيدين عن مكة، و لا يخشون سطوتها.

و نقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها، و هي أن تحرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عرض دين اللّه على القبائل، و هجراته المتعددة في سبيله ليعتبر إدانة للمنطق القائل: إن على صاحب الدعوة: أن يجلس في بيته، و لا يتحرك، و على الناس أن يقصدوه و يسألوه عما يهمهم، و يحتاجون إليه.

بنو عامر بن صعصعة، و نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:
اشارة

و نشير هنا إلى واقعة هامة، حدثت في خلال عرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعوته على القبائل، و هي:

أن رسول «صلى اللّه عليه و آله» قد أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى اللّه، و عرض عليهم دعوته فقال لهم رجل منهم، اسمه: «بيحرة بن فراس» : و اللّه، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب.


1) راجع الكامل في التاريخ ج 2 ص 286 و 287.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 3.

ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟

قال: الأمر للّه، يضعه حيث يشاء.

فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا؟ ! لا حاجة لنا بأمرك.

فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجع بنو عامر إلى شيخ لهم؛ فسألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه، و نقوم معه، و نخرج به إلى بلادنا.

فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ و الذي نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، و إنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم! (1).

و مثل ذلك جرى له «صلى اللّه عليه و آله» مع قبيلة كندة، كما ذكره أبو نعيم في دلائل النبوة (2).

و نحن نسجل هنا ما يلي:


1) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 66، و الثقات لابن حبان ج 1 ص 89-91، و بهجة المحافل ج 1 ص 128، و حياة محمد لهيكل ص 152 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 147، و السيرة الحلبية ج 2 ص 3، و الروض الأنف ج 1 ص 180، و البداية و النهاية ج 3 ص 139 و 140، و عن دلائل النبوة لأبي نعيم ص 100 و حياة الصحابة ج 1 ص 78 و 79.

2) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 140.

1-الأمر للّه:

لقد نصت الرواية على أن الأمر للّه يضعه حيث يشاء، و نستفيد من ذلك:

أ-إن الرسول لم يعط هؤلاء وعدا بما طلبوه منه، من جعل الأمر لهم بعده، بل أجابهم بأن الأمر للّه، يضعه حيث يشاء أي أنه لا يمكن أن يعد بما لا يعلم قدرته على الوفاء به، تماما على العكس من السياسيين الذين عرفناهم في عصرنا الحاضر، و على مر العصور الذين لا يتورعون عن إغداق الوعود المعسولة على الناس، حتى إذا وصلوا إلى غايتهم، و جلسوا على كرسي الزعامة فإنهم ينسون كل ما قالوه، و ما وعدوا به.

و لكن نبي الإسلام الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» رغم أنه كان بأمس الحاجة إلى من يمد له يد العون لا سيما من قبيلة كبيرة تملك من العدد و العدة ما يمكنها من حمايته، و الرد عنه، إلا أنه يرفض أن يعد بما لا يملك الوفاء به، حتى و لو كان هذا الوعد يجر عليه الربح الكثير فعلا.

ب-إن جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بقوله: «الأمر للّه يضعه حيث يشاء» يؤيد ما يذهب إليه أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم، من أن خلافة النبوة ليست من المناصب التي يرجع البت فيها إلى الناس، بل هي منصب إلهي، و الأمر للّه فيها، يضعه حيث يشاء.

2-سمو الهدف، و النظرة الضيقة:

و إن عرض هذه القبيلة مساعدتها على النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بهذا النحو، إنما يدل على أنها لا تريد في مساعدتها له وجه اللّه

سبحانه، و لا تنطلق في موقفها ذاك من قاعدة إيمانية قوية، و قناعة عقائدية راسخة، و لا طمعا بثواب اللّه، و لا خوفا من عقابه.

و إنما تنطلق في ذلك من نظرة ضيقة، مصلحية تجارية بالدرجة الأولى، و تريد من نصرها له أن تأكل به العرب، و تحصل على المجد و السلطان.

و من الواضح-بناء على هذا-أن نصرها له لسوف ينتهي عندما تجد: أن مصلحتها قد انتهت، و حصلت على كل ما تريد، أو حينما ترى: أن تجارتها الدنيوية قد خسرت، بل لربما تنقلب عليه إذا رأت فيه عائقا يمنعها من تحقيق أهدافها، أو الاحتفاظ بالامتيازات الظالمة التي تفرضها لنفسها.

و هكذا يتضح: أن الاعتماد على من يفكر بعقلية كهذه، و يتعامل من منطلق كهذا ليس إلا اعتمادا على سراب، إن لم يجر على من يعتمد عليه البلاء و العذاب.

3-الدين و السياسة:

و قد لاحظ بعض المحققين هنا: أن هذا العربي، و هو من بني عامر بن صعصعة، لما أخبروه بما يدعو إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و نقلوا إليه ما جرى لهم معه قد أدرك: أن هذا الدين ليس مجرد ترهب في الصوامع، و صلاة، و دعاء، و أوراد، و أذكار، بل هو دين يشتمل على التدبير و السياسة، و الحكم، و لأجل هذا قال: «لو أني أخذت هذا الفتى (يعني محمدا بما له من الدعوة الشاملة) لأكلت به العرب» .

و لقد سبقه إلى إدراك هذه الحقيقة شيخ الأنصار أسعد بن زرارة، لما قدم إلى مكة، و عرض عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يدعو إليه، فرأى: أن فيه و في دعوته ما يصلح مجتمعه، و يعالج مشاكلهم المستعصية بينهم

و بين إخوانهم من الأوس، و على هذا كانت الهجرة (1).

و قد أدرك ذلك أيضا نفس أولئك الذين اشترطوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكون لهم الأمر من بعده، فرفض «صلى اللّه عليه و آله» طلبهم.

و سيأتي ذلك عن عامر بن الطفيل، في غزوة بئر معونة، فما أبعد ما بين فهم هؤلاء للإسلام، و لدعوة القرآن، حتى إن هذا الفهم هو الذي مهد لإسلام الأنصار، ثم الهجرة، و كذلك لبيعتهم (بيعة العقبة الأولى و الثانية) ، و اختيار النقباء و الكفلاء على المبايعين و بين ذلك الذي يعتبر الدين منفصلا عن السياسة، و أن السياسة أمر غريب عن الدين، فإن ذلك و لا شك من إلقاءات الاستعمار، و من الفكر المسيحي الغريب المستورد، كما هو ظاهر.

4-نتائج عرضه صلّى اللّه عليه و آله دعوته على القبائل:

و يمكننا أن نستفيد مما تقدم: 1-ما تقدمت الإشارة إليه، من أن مقابلة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» للناس، و التحدث معهم مباشرة كان من شأنه: أن يعطي الناس الانطباع الحقيقي عن شخصية الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و حقيقة ما جاء به، و يدفع كل الدعايات و الإشاعات الكاذبة، و المغرضة، التي كانت تبثها قريش و أعوانها، ككونه ساحرا، أو كاهنا، أو شاعرا، أو مجنونا، أو غير ذلك من ترهات.

2-إن ما جرى في قضية بني عامر ليدل دلالة واضحة: على أن عرضه


1) راجع: البحار ج 19 ص 9 و إعلام الورى ص 57 عن القمي.

«صلى اللّه عليه و آله» دعوته على القبائل، قد أسهم في الدعاية لهذا الدين، و نشر صيته في مختلف الأنحاء، و الأرجاء، فقد كان من الطبيعي أن يتحدث الناس، إذا رجعوا إلى بلادهم بما رأوه و سمعوه في سفرهم ذاك و لم يكن ثمة خبر أكثر إثارة لهم من خبر ظهور هذا الدين الجديد، و في مكة بالذات.

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بسودة و عائشة:
اشارة

و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بسودة بنت زمعة، و عقد على عائشة بنت أبي بكر و كان ذلك بعد عشر سنوات من البعثة.

و لا نجد لسودة دورا هاما في التاريخ، و لا في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو بعده و كل الاهتمامات مركزة على عائشة، حتى لقد حكموا باستحباب العقد في شوال، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج عائشة في شوال! ! (1)مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه تزوج غيرها في أشهر أخرى! ! .

و على كل حال، فإننا لن نستطيع أن نلمّ في هذه العجالة بجميع ما قيل، أو يقال حولها؛ فإن ذلك متعسر، بل متعذر و لذلك فنحن نكتفي بذكر أمرين لهما صلة بموضوع زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بها، و لربما تأتي إن شاء اللّه بحوث أخرى لجوانب أخرى مما يرتبط بها.

و هذان الأمران هما: سن عائشة و جمالها و حظوتها عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» فنقول:


1) نزهة المجالس ج 2 ص 137.

1-سن عائشة:
اشارة

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد على عائشة، و هي بنت ست سنين، أو سبع، ثم انتقلت إلى بيته بعد هجرته إلى المدينة، و هي بنت تسع. و هذا هو المروي عنها (1).

و نحن نقول: إن ذلك غير صحيح، و أن عمرها كان أزيد من ذلك بكثير، و نستند في ذلك إلى ما يلي:

أولا: إن ابن إسحاق قد عد عائشة في جملة من أسلم أول البعثة، قال: و هي يومئذ صغيرة، و أنها أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا فقط (2).

فلو جعلنا عمرها حين البعثة سبع سنين مثلا فإن عمرها حين العقد عليها كان 17 سنة، و حين الهجرة 20 سنة.

و يؤيد ذلك: أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا أكثر من ثمانين، و قد بقي جماعة لم يهاجروا، و الهجرة إلى الحبشة كانت بعد خمس سنوات من البعثة. . فيكون إسلام عائشة التي أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا بعد البعثة


1) راجع فيما ذكرناه: طبقات ابن سعد ج 8 ص 39، و الإصابة ج 4 ص 359، و تاريخ الطبري ج 2 ص 413 و تهذيب التهذيب ج 12، و أسد الغابة ج 5 و غير ذلك و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 190 لكنه ناقض نفسه ص 191 فقال: إنها توفيت سنة 57 ه. و عمرها 64 سنة، و هذا يعني أنها كان عمرها حين الهجرة سبع سنوات فقط.

2) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 271، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 351 و 329 عن ابن أبي خيثمة في تاريخه عن ابن إسحاق، و البدء و التاريخ ج 4 ص 146.

بوقت يسير.

و مما يزيد الأمر وضوحا أنهم يقولون: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما أسلم أبي جاء إلى منزله، فما قام حتى أسلمنا، و أسلمت عائشة و هي صغيرة (1).

و قالوا أيضا: إن أسماء أسلمت بعد سبعة عشر إنسانا (2).

و قد ماتت سنة 73 (3).


1) كنز الفوائد للكراجكي ص 124.

2) عمدة القاري ج 2 ص 93 و الإكمال للخطيب التبريزي ص 148 و أسد الغابة ج 5 ص 392 و عن الإصابة ج 8 ص 12-13 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1783 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 348 و تهذيب الكمال ج 35 ص 124 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 203 و خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي الأنصاري اليمني ص 488 و مرقاة المفاتيح ج 1 ص 331 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 597.

3) إسعاف المبطأ برجال الموطأ للسيوطي ص 27 و عمدة القاري ج 2 ص 93 و ج 5 ص 298 و المعجم الكبير ج 24 ص 77 و فيض القدير للمناوي ج 1 ص 102 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 8 و 9 و 10 و 29 و 30 و سبل السلام للكحلاني ج 1 ص 39 و الإكمال للخطيب التبريزي ص 148 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 295 و ج 3 ص 379 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 15 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 249 و 255 و تاريخ خليفة بن خياط ص 269 و المسانيد لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 156 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 228 و (ط دار الجيل) ص 1782 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 355 و تقريب التهذيب ج 2 ص 628 و مستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج 8 ص 546 و أسد الغابة-

و قد بلغت أو جازوت المائة (1).

و إن حاول بعضهم أن يجتهدوا و يقول غير ذلك (2).

كما أنهم قد صرحوا: بأن أسماء ولدت قبل البعثة بسبع و عشرين

(3) -ج 5 ص 393 و تهذيب الكمال ج 35 ص 125 و شرح الزرقاني ج 1 ص 174 و خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، و الوافي بالوفيات ج 9 ص 36 و مرقاة المفاتيح ج 1 ص 331 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 597 و راجع: البداية و النهاية ج 8 ص 381 و الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 2 ص 502.


1) إسعاف المبطأ برجال الموطأ ص 127 و مجمع الزوائد ج 9 ص 260 و ج 7 ص 254 و عمدة القاري ج 2 ص 93 و ج 5 ص 298 و المعجم الكبير ج 24 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق 69 ص 9 و 10 و 27 و 28 و سبل السلام للكحلاني ج 1 ص 39 و الإكمال للخطيب التبريزي ص 148 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 379 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 355 و البداية و النهاية ج 5 ص 381 و ذيل المذيل لتاريخ الطبري ص 108 و المسانيد لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 156 و الإصابة ج 4 ص 224 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 551 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1783 و تقريب التهذيب ج 2 ص 628 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 348 و التنبيه و الإشراف ص 271 و وفيات الأعيان ج 3 ص 69 و 75 و أسد الغابة ج 5 ص 393 و تهذيب الكمال ج 35 ص 125 و شجرة طوبى ج 1 ص 124 و الإمامة و السياسة ج 2 ص 24 و 39 و شرح الزرقاني ج 1 ص 174 و الوافي بالوفيات ج 9 ص 36 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 597 و الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 2 ص 502 و شجرة طوبى ج 1 ص 124.

2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 380 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 354.

سنة (1).

أو قبل مبعثه بسبع عشرة سنة (2).

و كانت أكبر من أختها عائشة بعشر سنوات (3).

و حين ولدت كان عمر أبيها إحدى و عشرين سنة (4).

فتكون النتيجة هي: أن عمر عائشة حين البعثة حوالي أربع سنوات، إذ المفروض-حسب قولهم-: أنها ولدت قبل الهجرة بسبع عشرة سنة.

غير أننا نقول:


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 260 و عمدة القاري ج 2 ص 93 و المعجم الكبير ج 24 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق 69 ص 9 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 593 و 597 و 598 و أسد الغابة ج 5 ص 392 و المسانيد لمحمد حياة الأنصاري ج 2 ص 156 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 14.

2) المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 9.

3) الإستيعاب ج 2 ص 616 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 8 و 9 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 593 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 204 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 295 و ج 3 ص 380 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 82 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 398 و سبل السلام للكحلاني ج 1 ص 39 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 148 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 354 و البداية و النهاية ج 8 ص 381 و 346 و مرقاة المفاتيح ج 1 ص 731 و راجع: أسد الغابة ج 5 ص 392.

4) مجمع الزوائد ج 9 ص 260 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 9 و 10 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 289 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 597 و 598 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 77 و أسد الغابة ج 5 ص 392.

بل كانت أكبر من ذلك أيضا، إذ قد دلت الروايات على أن إسلام أسماء كان يوم إسلام أبيها، بعد سبعة عشر إنسانا، ثم أسلمت عائشة بعدها مباشرة، لأن إسلامها كان بعد ثمانية عشر إنسانا-كما قلنا أيضا.

فإذا كانوا يدّعون أن أبا بكر كان أول من أسلم، فتكون النتيجة هي أن عائشة قد أسلمت في أول أو ثاني يوم من البعثة.

و معنى ذلك: أن ولادتها قد كانت قبل البعثة بسنوات كبرت فيها عائشة، و أصبحت مميزة و عاقلة، و يقبل منها الإسلام. . و تدخل في لائحة المسلمين الأوائل لتأخذ موقعها التاريخي الذي يريدونه لها.

ثانيا: و في مقام رفع التنافي بين قوله «صلى اللّه عليه و آله» لفاطمة: إنها سيدة نساء العالمين، و بين ما نسب إليه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه لم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، و آسية امرأة فرعون، و أن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (1).

يقول الطحاوي: «قد يحتمل أن يكون ما في هذا الحديث قبل بلوغ فاطمة، و استحقاقها الرتبة التي ذكرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لها، إلى أن قال: و إن كل فضل ذكر لغير فاطمة، مما قد يحتمل أن تكون فضلت به فاطمة، محتملا لأن يكون و هي حينئذ صغيرة، ثم بلغت بعد ذلك إلخ» (2).

لقد قال الطحاوي هذا، بعد أن جزم قبل ذلك بقليل، بأن فاطمة


1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 137.

2) مشكل الآثار ج 1 ص 52.

صلوات اللّه و سلامه عليها كان عمرها حين توفيت خمسا و عشرين سنة (1).

و هذا يعني أنها قد ولدت قبل البعثة بسنتين، و الفرض: أن فاطمة كانت صغيرة حينما كانت عائشة بالغة مبلغ النساء.

ثالثا: يذكر ابن قتيبة أن عائشة قد توفيت سنة 58-و عند غيره سنة 57 ه-و قد قاربت السبعين (2)و لضم ذلك إلى ما يقوله البعض من أن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بثلاث، أو بأربع، أو بخمس سنين ثم ما روي عن عائشة من قولها: تزوجني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا بنت تسع سنين (3).

و لعل هذه الرواية هي الأقرب بقرينة ما قدمناه، و لكثرة الخلط بين كلمتي «سبع» و «تسع» بسبب عدم نقط الكلمات في السابق. بل إن هذا الرقم أيضا مشكوك فيه لما تقدم، و لأن المرأة تميل إلى تقليل مقدار عمرها عادة.

فكلام ابن قتيبة و الذي بعده يدل على أنها قد ولدت إما سنة البعثة أو


1) مشكل الآثار ج 1 ص 47. و قد حمل بعض العلماء حديث فضل عائشة كفضل الثريد إلخ. . على المزاح منه «صلى اللّه عليه و آله» معها؛ لأن جوها لا ينسجم مع جو التفضيل كما في قوله «صلى اللّه عليه و آله» : فاطمة سيدة نساء العالمين، و لم يكمل من النساء إلا مريم و آسية إلخ. . و لا سيما بملاحظة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن من المهتمين بأمور الأطعمة و اللذيذ منها ليأتي بها كمثال على تفضيل في أمر حساس كهذا.

2) المعارف لابن قتيبة (ط سنة 1390 ه) ص 59.

3) راجع: حديث الإفك ص 93 و الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.

قبلها، و هذا الثاني هو الأرجح لما قدمناه. في المستند الأول و الثاني.

إذن، فيكون عمر عائشة حين عقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليها في سنة عشر من البعثة أكثر من ست سنين بكثير، أي ما بين ثلاث عشرة إلى سبع عشرة سنة.

من طرائف الروايات الموضوعة:

و من الموضوعات الغريبة في هذا المجال، ما جاء عن أبي هريرة: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما دخل المدينة، و استوطنها طلب التزويج؛ فقال لهم: أنكحوني؟ ! فأتاه جبرائيل بخرقة من الجنة فيها صورة لم ير الراؤون أحسن منها، و أبلغه أمر اللّه له: أن يتزوج على تلك الصورة.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبرائيل؟

فقال له: إن اللّه يقول لك: تزوج بنت أبي بكر الصديق، فمضى رسول اللّه إلى منزل أبي بكر، فقرع الباب، ثم قال: يا أبا بكر، إن اللّه أمرني أن أصاهرك، فعرض عليه بناته الثلاث فقال: إن اللّه أمرني أن أتزوج هذه الجارية و هي عائشة، فتزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1). انتهى باختصار.

و عدا عما في سند هذه الرواية، فإننا نقول:


1) تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 194، و ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 44، و قد كذبا (الخطيب و الذهبي) هذا الحديث الذي جميع رجال أسناده ثقات باستثناء محمد بن الحسن الدّعّاء الأصم، و راجع: الغدير ج 5 ص 321.

أولا: لم نفهم كيف يتصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» تصرفا لا يصدر عن العقلاء الذين يحترمون أنفسهم، فيطلب التزويج من الناس، و يقول لهم: أنكحوني! ! . إلا أن يكون صبيا صغيرا، لا حياء عنده، و لا عقل لديه! !

و الغريب في الأمر: أنه لم يبادر أحد لإجابة طلبه هذا، بل عاملوه بالجفاء، و أهملوا تنفيذ طلبه، حتى جاء جبرائيل «عليه السلام» فتولى حل مشكلته.

ثانيا: هل صحيح: أن عائشة كانت من الحسن بهذه المثابة: حتى إن صورتها لم ير الراؤون أحسن منها؟ ! !

لعل في ما سيأتي مقنعا و كفاية لمن أراد الرشد، و الحق، و الهداية.

ثالثا: لقد تزوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» عائشة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، و لم يتزوجها في المدينة، و إجماع المؤرخين على ذلك ظاهر للعيان.

رابعا: لم نعرف البنات الثلاث اللواتي عرضهن أبو بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأسماء كانت تحت الزبير، و قدمت المدينة و هي حامل بولدها عبد اللّه و عائشة قد تزوجت النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة و أم كلثوم قد ولدت بعد وفاة أبي بكر (1)، و لم يولد له غيرهن.

و أخيرا، فإن لقب (الصديق) قد جاء إلى أبي بكر بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» من محبي الخليفة الأول، كما ربما نشير إليه حين الكلام على قضية الغار إن شاء اللّه تعالى.


1) راجع: نسب قريش لمصعب الزبيري ص 275-278 لتعرف من ولدهم أبو بكر.

2-جمال عائشة و حظوتها:

و نسجل هنا: أن أكثر، إن لم يكن كل ما يقال عن جمال عائشة، و عن حظوتها، و حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها، إنما هو مروي عنها نفسها، أو عن ابن أختها عروة، و نحن نقطع بعدم صحة ذلك كله من الأساس.

أولا: لماذا لم يرو ذلك كله إلا من طريق عائشة، أو عروة ابن أختها كما يظهر من تتبع الروايات؟ ! .

ثانيا: إن ابن عباس يواجهها بعد حرب الجمل بحقيقة: أنها لم تكن أحسن نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» وجها، و لا بأكرمهن حسبا (1).

كما أن عمر إنما يصف زينب بالحسن، دون عائشة؛ فإنه لم يشر إليها في قليل و لا كثير؛ كما سيأتي.

ثالثا: قال علي فكري: «و ما رواه ابن بكار: من أن الضحاك بن أبي سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا؛ فلما بايعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» «قال: إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء (يريد عائشة، و ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب) ؛ أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ و عائشة جالسة تسمع؛ فقالت: أهي أحسن أم أنت؟

فقال: بل أنا أحسن و أكرم.

فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من سؤالها إياه «لأنه كان دميما قبيح الوجه» (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 337 ط الهند.

2) السمير المهذب ج 2 ص 8-9.

رابعا: قال عباد بن العوام لسهيل بن ذكوان: صف لي عائشة. قال: كانت أدماء.

و قال يحيى: قلنا لسهيل بن ذكوان: رأيت عائشة؟ قال: نعم.

قيل: صفها.

قال: كانت سوداء (1).

إذا، فما يقال عنها أنها كانت شقراء، ثم الاستشهاد على ذلك بقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لها: «يا حميراء» . . يصبح موضع شك و ريب كبير.

و لعل قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها ذلك قد جاء على سبيل التلطف و الرفق بها.

أو لعله إشارة إلى قول العرب: شر النساء الحميراء المحياض (2)فقال لها «صلى اللّه عليه و آله» ذلك على سبيل المداعبة و التلطف و المزاح.

و خامسا: إن من يتتبع سيرة زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجد: أن عائشة هي التي كانت تحسد و تغار من كل زوجة و سرّيّة له «صلى اللّه عليه و آله» .

و يدرك بما لا مجال معه للشك: أن أكثرهن-إن لم يكن كلهن-كن أكثر حظوة لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها.

إن لم نقل أنهن أجمل و أضوء منها أيضا؛ فإن من الطبيعي أن نجد


1) الضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 155.

2) ربيع الأبرار ج 4 ص 280 و روض الأخيار ص 130.

الدميم هو الذي يحسد على الجمال و يغار، أما الجميل فليس من الطبيعي أن يحسد الدميم، و أن يغار منه.

كما أنه ليس من الطبيعي أن يكون الميل لغير ذات الجمال أكثر منه للجميلة الوضيئة، و قد ذكر في حديث الإفك على لسان أم المؤمنين عائشة قولها: «فو اللّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، و لها ضرائر إلا كثرن عليها» .

و لو صدقنا: أنها كانت هي ذات الحظوة لدى الرسول، و أنه كان يحبها أكثر من غيرها، فلماذا هذه الغيرة، و هذا الحسد منها لهن؟

فإن الحسد لا بد أن يكون على شيء يفقده الحاسد، و يتمنى زواله عن المحسود، و انتقاله إليه، و إليك بعض موارد غيرة و حسد عائشة لضرائرها.

3-حسد و غيرة عائشة:
أ-خديجة عليها السّلام:

عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة كما غرت على خديجة، و ما بي أن أكون أدركتها. و لكن لكثرة ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إياها، و إن كان ليذبح الشاة؛ فيتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن (1).


1) صحيح البخاري ج 9 ص 292، و ج 5 ص 48، و ج 7 ص 47، و ج 8 ص 10، و صحيح مسلم ج 7 ص 134 و 133، و أسد الغابة ج 5 ص 438، و المصنف ج 7 ص 493، و الاستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 286، و صفة الصفوة ج 2 ص 8، عن البخاري، و مسلم، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 153، و البداية و النهاية ج 3 ص 128.

و للحديث عبارات و أسانيد مختلفة لا مجال لها الآن.

و قد ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» خديجة يوما، فغارت أم المؤمنين، فقالت: هل كانت إلا عجوزا أبدلك اللّه خيرا منها؟

و في لفظ مسلم: «و ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، أبدلك اللّه خيرا منها» ؟ فغضب «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى اهتز مقدم شعره، ثم قال: لا و اللّه، ما أبدلني اللّه خيرا منها الخ. . الرواية (1).

و قال العسقلاني و القسطلاني: «و أن عائشة كانت تغار من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لكن كانت تغار من خديجة أكثر» (2).

و لعمري، لقد كان هذا بعد الوفاة، فكيف لو كانت خديجة على قيد الحياة؟ ! و إذا كانت غيرة أم المؤمنين قد بلغت الأموات، فما حالها مع الأحياء، و كيف كانت معاملتها لهن؟ ! .

ب-زينب بنت جحش.

لقد اعترفت عائشة في حديث الإفك بأن زينب هي التي كانت


1) صحيح مسلم ج 7 ص 134، لكنه لم يذكر جوابه «صلى اللّه عليه و آله» و أسد الغابة ج 5 ص 557 و 558 و 438 و الإصابة ج 4 ص 283، و الاستيعاب هامشها ج 4 ص 286 و 287، و صفة الصفوة ج 2 ص 8، و مسند أحمد ج 6 ص 117، و ليراجع البخاري (ط سنة 1309 ه) ج 2 ص 202 و البداية و النهاية ج 3 ص 128 و إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 96.

2) فتح الباري ج 7 ص 102، و إرشاد الساري ج 6 ص 166 و ج 8 ص 113.

تساميها من أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و اعترفت عائشة أيضا: أنها قد أخذها ما قرب و ما بعد، حينما أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتزوج زينب، لما كان يبلغهم من جمالها (1).

و ما فعلته عائشة و حفصة مع زينب، في قضية المغافير مشهور و مسطور، حتى ليقولون: إن هذا هو سبب نزول آية التحريم (2)، و إن كنا نعتقد أنها نزلت في غير هذه القضية.

و اعترف عمر بن الخطاب بجمال زينب عندما قال لابنته: ليس لك حظوة عائشة، و لا حسن زينب (3).

فلو كانت عائشة موصوفة بالحسن لقدمها على زينب في هذا الأمر.

أما الفقرة الأولى فنحن نشك في صحتها، و نعتقد أنها سياسة من عمر تجاه أم المؤمنين، أو من تزيّد (4)الرواة لحاجة في النفس، و ذلك لما تقدم و سيأتي.

و مهما يكن من أمر، فإن أم سلمة تذكر: أن زينب كانت معجبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يستكثر منها (5).


1) الإصابة ج 4 ص 314، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 72، و الدر المنثور ج 5 ص 202 عن ابن سعد، و الحاكم.

2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 76، و حياة الصحابة ج 2 ص 761 عن البخاري و مسلم.

3) طبقات ابن سعد ج 8 ص 137،138.

4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 73، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 347.

5) المواهب اللدنية ج 1 ص 205 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362.

ج-أم سلمة:

كانت أم سلمة «رحمها اللّه تعالى» من أجمل الناس (1).

و عن الإمام الباقر: أنها أجمل نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و يذكرون أن قصة المغافير من عائشة و حفصة كانت معها (2).

كما أن عائشة قد اعترفت بأن أم سلمة و زينب كانتا أحب نسائه «صلى اللّه عليه و آله» إليه بعدها (3).

تقول عائشة: «و لما تزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أم سلمة حزنت حزنا شديدا، لما ذكر لنا من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها؛ فرأيت و اللّه أضعاف ما وصفت إلخ» (4).

و قال ابن حجر: «كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، و العقل البالغ. . إلخ» (5).

د-صفية بنت حيي بن أخطب:

قالت أم سنان الأسلمية: «كانت من أضوأ ما يكون من النساء» (6).

و لما قدمت المدينة جئن نساء الأنصار ينظرن إلى جمالها، و عائشة متنقبة معهن.


1) راجع طبقات ابن سعد ج 8 ص 122، و الدر المنثور ج 6 ص 239.

2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 81.

3) الإصابة ج 4 ص 459، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 66.

4) الإصابة ج 4 ص 459.

5) الإصابة ج 4 ص 347، و ص 463 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 87.

6) الإصابة ج 4 ص 347، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 90. .

فلما سألها رسول اللّه: كيف رأيت يا عائشة؟

قالت: رأيت يهودية.

فنهاها «صلى اللّه عليه و آله» عن قولها ذاك (1).

و عندما وقعت في السبي جعلوا يمدحونها، و يقولون: رأينا في السبي امرأة ما رأينا ضربها (2).

و لما أرسلت صفية قصعة فيها طعام إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في بيت عائشة أخذتها رعدة حتى استقلها أفكل، و ضربت القصعة، فرمت بها الخ. . (3).

و قد أكد لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنها خير من حفصة و عائشة (4).

ه-جويرية بنت الحارث:

تقول عائشة إنها كانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه؛ فأتت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تستعينه في كتابتها.

قالت عائشة: فو اللّه ما هي إلا أن رأيتها، فكرهتها، و قلت: يرى منها


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 88.

2) مسند أحمد ص 277 ج 6، و البخاري باب الغيرة، أواخر كتاب النكاح، لكنه لم يصرح باسم عائشة! ! ! .

3) أسد الغابة ج 5 ص 491.

4) الإصابة ج 4 ص 265، و الاستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 259، و صفة الصفوة ج 2 ص 50.

ما قد رأيت، فلما دخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . (1).

و-مارية القبطية:

قالت عائشة: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، و ذلك أنها كانت جميلة جعدة، فاعجب بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كان أنزلها أول ما قدمت في بيت لحارثة بن النعمان؛ فكانت جارتنا؛ فكان عامة الليل و النهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت، فحوّلها إلى العالية، و كان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا (2).

و عن جعفر «عليه السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حجب مارية «و كانت ثقلت على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و غرن عليها، و لا مثل عائشة» (3).

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعجب بمارية، «و كانت مارية بيضاء جعدة، جميلة» (4). و كانت حسنة الدين (5).


1) الإصابة ج 4 ص 405، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 153، و لتراجع: البداية و النهاية ج 3 ص 303 و 304 و وفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 826.

2) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86 و السيرة الحلبية ج 3 ص 309.

3) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86، و الإصابة ج 4 ص 405.

4) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 355، و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86 و البداية و النهاية ج 3 ص 303.

5) ذخائر العقبى ص 54 و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 42، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 153.

و تنافست الأنصار فيمن يرضع إبراهيم، و أحبوا أن يفرغوا مارية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لما يعلمون من هواه فيها (1).

و لعل مما زاد في غيرة عائشة قضية ولادة إبراهيم منها، حتى تجرأت على نفي شبهه برسول اللّه، رغم تأكيد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها على ذلك (2)و حتى كان ما كان من نزول آية التحريم، كما عن السيوطي و غيره.

ز-سودة بنت زمعة:

كانت عائشة تقول: ما من الناس امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة، إلا أنها امرأة فيها حسد (3).

و ليراجع ما فعلته حفصة بسودة، و ضحكها هي و عائشة عليها (4).

ح-أسماء بنت النعمان:

كانت أجمل أهل زمانها و أشبّه، و قد حسدنها نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و خدعنها، و كانت الخديعة لها من عائشة و حفصة معا، حتى قالت


1) طبقات ابن سعد ج 1 ص 88 و الدر المنثور ج 6 ص 240 عن ابن مردويه و البداية و النهاية ج 3 ص 305 و قاموس الرجال ج 11 ص 305 عن البلاذري. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 39 و تلخيصه للذهبي بهامشه و تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج 2 ص 87.

2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 37، و البداية و النهاية ج 8 ص 70.

3) حياة الصحابة ج 2 ص 560 و مجمع الزوائد ج 4 ص 316.

4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 104 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 415،416 دون تصريح باسم من خدعها.

للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أعوذ باللّه منك، فطلقها (1).

ط-مليكة بنت كعب:

كانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة، فقالت لها: أما تستحيين أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فطلقها (2).

ي-أم شريك:

وهبت نفسها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقبلها «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها اللّه مؤمنة؛ فقال: وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ (3)، فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن اللّه ليسرع لك في هواك (4).

ك-شراف بنت خليفة:

خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امرأة من كلب؛ فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت، ثم رجعت، فقال لها رسول اللّه: ما رأيت؟

فقالت: ما رأيت طائلا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لقد رأيت طائلا، لقد رأيت


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 106، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 416.

2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 112.

3) الآية 50 من سورة الأحزاب.

4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 115.

خالا بخدها، اقشعرت كل شعرة منك.

فقالت: يا رسول اللّه، ما دونك سر (2) .

ل-حفصة بنت عمر:

بل إن عائشة كانت تغار حتى من رفيقتها حفصة، و يقال: إن قضية المغافير كانت لها معها (1).

نهاية المطاف:

هذه كانت حالة عائشة مع زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أكثر هذه المشاكل كانت فيما يبدو بسبب غيرتها منهن، لجمالهن البارع، و حسنهن الرائع كما قدمنا، و لم نجد لأي من زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» معشار ما وجدناه لعائشة من المشاكل و التجاوزات-اللهم إلا رواية أو روايتان مرويتان عن عائشة نفسها! ! فهذا السيل العارم منها-خاصة- دون غيرها منهن، يكشف عن أن ثمة ما يبرز منها و هو أنها تحس بالنقص في نفسها تجاههن من حيث الجمال على الأقل.

و هكذا، تسقط جميع الادعاءات و الروايات التي عن عروة و غيره و عنها، و التي تدعي حظوتها و مكانتها لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو على الأقل تصير محل شك و ريب.

و أما ما يقال في حديث الإفك فإنه أيضا باطل و قد فصلنا القول في ذلك في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.


1) راجع: حياة الصحابة ج 2 ص 762 عن البخاري و مسلم و عن تفسير ابن كثير ج 4 ص 387 و عن جمع الفوائد ج 1 ص 229 و عن طبقات ابن سعد ج 8 ص 85.

و ملاحظة أخيرة نسجلها هنا، و هي: أننا نجد عائشة تكثر من أحاديث تقبيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و مباشرته لها و هي حائض و اغتسالها و إياه من إناء واحد، و غير ذلك من الأحاديث التي تتخذ طابع الجنس، و الإغراء، و اللذة.

و لا نجد من ذلك الشيء الكثير عند غيرها من نسائه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لعل ذلك يرجع إلى أنه لم يكن ثمة ما يربطها برسول اللّه بصورة قوية، حيث لم يكن لها ولد منه «صلى اللّه عليه و آله» و ليس لديها من المستوى الفكري و الثقافي و العملي ما يصلح أن يكون نقطة اشتراك و يجعل لها به ارتباطا خاصا و وثيقا خصوصا و أن اهتماماتها ليس من جنس اهتماماته و تطلعاتها لا تلتقي مع تطلعاته «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن حاولت أن تتعاطى مع الأمور على أساس أن تعطي نفسها الدور الريادي في مختلف المجالات من موقع الطموح العارم، للحصول على الامتيازات و المغانم، دون أن يكون لديها أي حرج يرفد هذا التوجه بالادعاءات العريضة، و الاندفعات الحماسية في أكثر من اتجاه.

و ماذا بعد؟ !

هذا و إننا لا نجد مبررا لتحمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من عائشة جرأتها، و تجاوزاتها المتكررة و إيذاءها له في أخيه علي، و في زوجاته، إلا أنه لم يكن يستطيع أن يتخذ القرار النهائي بالنسبة إليها، لأن السياسة كانت تقضي عليه بتحمل كل هذه المشاق.

و يدلنا على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كان يتعامل مع زوجاته من موقعه السياسي الحرج، لا من جو بيت الزوجية:

قول عمر لحفصة-عندما تظاهرت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع عائشة و اعتزلهن-: و اللّه، لقد علمت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يحبك، و لو لا أنا لطلقك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

هذا، و لم يكن ثمة من يستطيع الجهر بالحقيقة، و إظهار الواقع، لأن الجهاز الحاكم كله كان يمسك بركاب عائشة، و يعلي قدرها، و يرفع من شأنها؛ لأنه كان يستفيد منها أعظم الفوائد، و أسناها.

و كان ثمة خطة مرسومة لإظهار عظيم منزلتها، و إغداق الأوسمة عليها بثمن، أو بغير ثمن! !

و كانت هي تستغل موقعها كزوجة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كأم للمؤمنين إلى أقصى الدرجات، كما أنها كانت تستفيد من حاجة الهيئة الحاكمة إليها، و كل ذلك يفسر لنا السر في أنها كانت توحي للناس بانها أقرب زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه، و آثرهن لديه؛ لجمالها، و لكونه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها بكرا حسب دعواها.

و كأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يهتم للبكارة و للجمال (مع نقاش لنا في ذلك) .

و لا ندري ما هو السر في تواضع أم المؤمنين إلى هذا الحد؟ حتى إنها لم تر في نفسها المؤهلات لأن تعتز بالدين، و بالمعاني الإنسانية النبيلة أو لعلها كانت ترى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينطلق في حبه و بغضه من


1) صحيح مسلم ج 4 ص 189. و لسوف يأتي مزيد توضيح لذلك في البحث عن سبب كثرة زوجاته قبل واقعة أحد في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

الدين و الأخلاق، و إنما من الشهوة، فصورته للمسلمين على أنه رجل شهواني لا أكثر.

دخول الإسلام إلى المدينة:
اشارة

و ثمة خلاف بين المؤرخين في من؟ و متى؟ و كيفية إسلام أول دفعة من أهل المدينة.

و لكننا نستطيع أن نؤكد على أن الإسلام قد دخل المدينة على مراحل. فأسلم أولا: أسعد بن زرارة و ذكوان بن عبد القيس، حينما كان المسلمون محصورين في الشعب، ثم أسلم خمسة، أو ثمانية، أو ستة نفر بعد ذلك، ثم كانت بيعة العقبة الأولى، ثم كانت بيعة العقبة الثانية، و هذا هو ما يظهر من مغلطاي (1)و غيره.

و لذلك فهم يقولون: إن أسعد بن زرارة، و ذكوان بن عبد القيس الخزرجيين قدما مكة في أحد المواسم، حينما كانت قريش تحاصر الهاشميين في الشعب (شعب أبي طالب) ، بهدف طلب الحلف من عتبة بن ربيعة على الأوس.

فرفض عتبة ذلك، و قال: بعدت دارنا عن داركم، و لنا شغل لا نتفرغ لشيء.

فسأله عن هذا الشغل؛ فأخبره بخروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيهم، و أنه أفسد شبابهم، و فرق جماعتهم ثم حذره من الاتصال به، فإنه ساحر يسحره بكلامه.

و أمره إذا أراد الطواف أن يضع القطن في أذنيه، حتى لا يسمع ما


1) راجع سيرة مغلطاي ص 29.

يقوله النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كان آنئذ يجلس في الحجر مع طائفة من بني هاشم.

و كانوا قد خرجوا من شعبهم ليشهدوا الموسم، و جاء أسعد للطواف، و رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» جالسا في الحجر، فقال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أن يكون هذا الحديث في مكة فلا أتعرفه، حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثم أخذ القطن من أذنيه فرمى به، و جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلم عليه، و كلمه؛ فعرض عليه «صلى اللّه عليه و آله» ما جاء به فأسلم، و أسلم بعده ذكوان.

و في رواية: أنه لما التقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأسعد بن زرارة و ذكوان، قال أسعد للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي، أنا من أهل يثرب، من الخزرج، و بيننا و بين أخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك، و لا أجد أعز منك، و معي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم اللّه لنا أمرنا فيك.

و اللّه يا رسول اللّه، لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، و يبشروننا بمخرجك، و يخبروننا بصفتك، و أرجو أن يكون دارنا دار هجرتك عندنا، فقد أعلمنا اليهود ذلك؛ فالحمد للّه الذي ساقني إليك، و اللّه ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، و قد آتانا اللّه بأفضل مما أتيت له.

ثم أقبل ذكوان، فقال له أسعد: هذا رسول اللّه الذي كانت اليهود تبشرنا به، و تخبرنا بصفته؛ فهلم فأسلم؛ فأسلم ذكوان إلخ (1).


1) البحار ج 19 ص 9 و إعلام الورى ص 57 عن علي بن إبراهيم.

ثم في سنة إحدى عشرة من النبوة خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الموسم، يعرض على القبائل دعوته، و يطلب منهم نصرته؛ فالتقى على العقبة برهط من الخزرج؛ فدعاهم إلى اللّه و الإسلام، و قرأ عليهم القرآن فآمنوا به، و كانوا ستة نفر، و هم: أسعد بن زرارة، و جابر بن عبد اللّه بن رئاب، و عوف بن الحارث و رافع بن مالك، و عقبة و قطبة ابنا عامر.

و قيل: ثمانية نفر و قيل غير ذلك (و ثمة اختلاف في أسمائهم، و ذكر أشخاص آخرون مكان بعض من قدمنا أسماءهم، و لا مجال لتحقيق ذلك) .

و رجع أولئك النفر إلى قومهم في المدينة، فذكروا لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعوهم إلى الإسلام.

ثم كانت بيعة العقبة الأولى في سنة اثنتي عشرة من البعثة أي قبل الهجرة بسنة (1).

و لعل أسعد بن زرارة كان قد كتم إسلامه هو و ذكوان، حتى كان لقاء هؤلاء الستة أو الثمانية معه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة بسنة فاعلنوا ذلك و نحن قبل أن نمضي في الحديث نشير إلى ما يلي:

1-إخبارات أهل الكتاب:

يفهم مما تقدم: أن أهل المدينة كانوا يسمعون من اليهود خبر ظهور النبي عن قريب، و أن ذلك قد جعلهم مهيئين نفسيا لقبول الدين الذي جاء به هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» .


1) البحار ج 19 ص 9 و إعلام الورى ص 57 عن علي بن إبراهيم.

2-المشاكل بين الأوس و الخزرج:

لقد كانت ثمة حروب هائلة بين الأوس و الخزرج، كانت آخرها وقعة بعاث التي انتصرت فيها قبيلة الأوس، حينما كان الهاشميون و النبي «صلى اللّه عليه و آله» محصورين في شعب أبي طالب.

و كانت الحالة بين القبيلتين صعبة للغاية، حتى ليذكرون: أنهم ما كانوا يضعون السلاح لا في الليل و لا في النهار (1)مما يعني أنهم يعانون من أقسى الحالات التي يمكن أن يواجهها من يملك إمكانات معيشية محدودة مثلهم.

و حتى لقد كان واضحا: أنهم كانوا يتطلعون بشوق إلى الخروج من هذه الحالة المأساة.

و يأملون في وصل الحبال المقطوعة فيما بينهم، كما عبر عنه أسعد بن زرارة، الذي كان يعمل من أجل عقد حلف مع عتبة بن ربيعة ضد الأوس.

فأهل المدينة إذا قد ذاقوا مرارة الانحراف و الظلم، و هم يريدون المنقذ الحقيقي لهم، و قد وجدوه في نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» الذي جاءهم بتعاليم الشريعة السهلة السمحاء.

و لذلك فقد قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نرجع إلى قومنا، و نخبرهم بالذي كلمتنا به، فما أرغبنا فيك.

إنا قد تركنا قومنا على خلاف فيما بينهم، لا نعلم حيا من العرب بينهم من العداوة ما بينهم، و سنرجع إليهم بالذي سمعنا منك، لعل اللّه يقبل


1) البحار ج 19 ص 8 و 9 و 10 و إعلام الورى ص 55.

بقلوبهم، و يصلح بك ذات بينهم، و يؤلف بين قلوبهم» (1).

3-تعاليم الشريعة السمحاء:

إن تعاليم الإسلام لهي التعاليم الموافقة للفطرة السليمة، و بلا تعقيد أو إبهام فيها، فهي بسيطة و سهلة، لا يحتاج إدراك حقانيتها إلى تفكير عميق، أو إجهاد في فهم مراميها، و التكهن بنتائجها.

و لذلك نجد أهل المدينة يدركون بسرعة قدرة هذه الدعوة على حل مشاكلهم، فيسارعون إلى قبولها، بمجرد سماعهم لأهدافها، و مبادئها.

و من الواضح: أن أهل المدينة كانوا لا يعانون من ظروف أهل مكة، الذين يحاربون الإسلام لأنهم رأوا فيه خطرا على مصالحهم الشخصية، و امتيازاتهم الظالمة التي فرضوها لأنفسهم، و أهوائهم و انحرافاتهم، كما أوضحناه في غير موضع.

إن أهل المدينة بالإضافة إلى إخبارات اليهود لهم، قد رأوا منذ اللحظات الأولى في الإسلام و تعاليمه المنقذ لهم، و المخرج من الظلمات إلى النور، و من الموت إلى الحياة، و رأوا فيه الموافقة للفطرة و العقل السليم، سواء على صعيد العقائد أو التشريع، أو على صعيد اتخاذ القرار الاجتماعي و السياسي، فقد سألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عما يدعو إليه، فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و أدعوكم إلى: أَلاّٰ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ لاٰ تَقْتُلُوا أَوْلاٰدَكُمْ مِنْ إِمْلاٰقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّٰاهُمْ وَ لاٰ تَقْرَبُوا اَلْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ لاٰ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ،


1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 90 و 91.

وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ اَلْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ لاٰ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ أَوْفُوا ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1).

و لأجل ذلك اعتقدوا بهذه الدعوة، و حاربوا قريشا و العرب من أجلها و في سبيلها.

4-المدنيون و المكيون:

إن الوثنية التي كان أهل المدينة يدينون بها لم تستطع أن تحل مشاكلهم الداخلية، على اختلافها، و لا حتى أن تخفف من حدتها.

كما أنها لم تكن تجلب لهم امتيازات اجتماعية، و لا اقتصادية و لا غيرها، و لذلك فقد ضعفت و وهنت، و زاد في ضعفها و وهنها مخالفتها للفطرة السليمة، و العقل القويم.

ثم جاءت إخبارات اليهود لهم بقرب ظهور نبي يخبر عن اللّه لتزيد من ذلك الضعف و الوهن إلى حد بعيد.

و هذا تماما على عكس الحال في مشركي مكة؛ فإنهم كانوا يستفيدون من وثنيتهم اجتماعيا و اقتصاديا.

و جعلوا من أنفسهم محورا تلتقي عليه سائر الفئات و القبائل في المنطقة، و كرسوا لأنفسهم الكثير من الامتيازات الظالمة، و لم يكونوا على استعداد للتخلي عن هذه الامتيازات من أجل خدمة الحق و الإنسان، بل كانوا يضحون بالإنسان و الحق في سبيل امتيازاتهم، و انحرافاتهم، و مصالحهم تلك.


1) الآيتان 52 و 53 من سورة الأنعام.

هذا، و لا بد من ملاحظة ما قدمناه حين الكلام على العوامل التي ساعدت على انتصار الإسلام و انتشاره، لنجد:

أن شخصية الرسول العظيمة، و أخلاقه الكريمة، و كونه من أرفع بيت في قريش و العرب-و يضيف البعض: رابطة القربى، التي كانت تربطه ببني النجار الخزرجيين، عن طريق آمنة بنت وهب- (1).

كل ذلك و سواه مما تقدم قد أسهم في إقبال أهل المدينة على الإسلام، و تقبل دعوته، و التضحية في سبيله.


1) و لكنه تعليل لا شاهد له، ما دام أن مجرد وجود رابطة كذلك لا توجب ما ذكر.

الفصل الثالث: بيعة العقبة

اشارة

بيعة العقبة الأولى:

يقول المؤرخون: إنه حينما عاد أولئك النفر المدنيون الذين أسلموا إلى المدينة ذكروا لأهلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا و فيها ذكر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

حتى إذا كان العام المقبل أي في السنة الثانية عشرة من البعثة، وافى الموسم اثنا عشر رجلا اثنان منهم أوسيان، و الباقون من الخزرج، فالتقوا مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في العقبة، و بايعوه على بيعة النساء، أي البيعة التي لا تشتمل على حرب، أي:

«على أن لا يشركوا باللّه شيئا، و لا يسرقون، و لا يزنون، و لا يقتلون أولادهم، و لا يأتون ببهتان يفترونه من بين أيديهم و أرجلهم، و لا يعصونه في معروف، فإن وفوا فلهم الجنة و إن غشوا من ذلك شيئا فأمرهم إلى اللّه عز و جل، إن شاء عذب، و إن شاء غفر» .

و لما رجعوا إلى المدينة أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهم مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن، و يعلمهم الإسلام، و يفقههم في الدين، فكان

يسمى المقري، و ألحقه بابن أم مكتوم (1)كما قيل.

و أقام مصعب أول صلاة جمعة في المدينة! ! . و قد نجح مصعب، و من معه ممن أسلم في الدعوة إلى اللّه تعالى، و أسلم سعد بن معاذ، الذي كان السبب في إسلام قومه بني عمير بن عبد الأشهل، حيث إنه حين أسلم على يد مصعب رجع إلى قومه، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعرفون أمري فيكم؟

قالوا: سيدنا و أفضلنا رأيا، و أيمننا نفسا و أمرا.

قال: فإن كلام رجالكم و نسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا باللّه و رسوله.

قال: فو اللّه، ما أمسى في دار قبيلة بني عبد الأشهل رجل و لا امرأة إلا مسلما، أو مسلمة (2)، فأسلموا كلهم في يوم واحد، (إلا عمرو بن ثابت، فإنه تأخر إسلامه إلى أحد، فأسلم، ثم استشهد قبل أن يسجد للّه سجدة واحدة، كما قيل) .

و أقام مصعب بن عمير يدعو الناس إلى الإسلام، حتى أسلم الرجال و النساء من الأنصار باستثناء جماعة من الأوس، اتبعوا في ذلك أحد


1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 151 و 152 و السيرة الحلبية ج 2 ص 9 و فيه أن الواقدي ذكر أن ابن أم مكتوم إنما قدم المدينة بعد بدر بقليل، و في كلام ابن قتيبة أنه قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين. ثم جمع الحلبي بين الأقوال باحتمال: أن يكون قد علّم أهل المدينة ثم عاد إلى مكة، ثم عاد فهاجر بعد بدر. . و هو احتمال وجيه لا بأس به.

2) راجع ما تقدم: في سيرة ابن هشام ج 2 ص 79-80 و السيرة الحلبية ج 2 ص 14 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 90 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 184.

زعمائهم، الذي تأخر إسلامه إلى ما بعد هجرة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لنا هنا وقفات، فلنقف أولا مع:

دعوة سعد بن معاذ قومه:

إن الدعوة إلى اللّه ليست مختصة بالأنبياء و الأوصياء بل هي شاملة لكل مكلف بحسب ما يملك من طاقات و قدرات.

و هي من الأمور التي يلزم بها العقل الفطري السليم، و يوجبها على كل إنسان، و لا تحتاج إلى جعل شرعي؛ فإن العقل يدرك أن في ارتكاب المنكرات، و ترك الواجبات، و الانحراف في الفكر و العقيدة و السلوك ضررا جسيما على المجتمعات و على الأجيال و لذلك فهو يحكم بلزوم الدعوة إلى الالتزام بالخط الفكري الصحيح، و ترك المنكر، و فعل المعروف.

و هذا هو-بالذات-ما يفسر لنا اندفاع سعد بن معاذ في الدعوة إلى اللّه تعالى، حتى إنه على استعداد لقطع كل علاقة مع قومه إذا كانوا ضالين منحرفين.

و إن عظمة هذا الموقف لتتضح أكثر إذا عرفنا مدى ارتباط سعادة و مصير الإنسان العربي في تلك الفترة بقبيلته و مدى ارتباطه بها فهو حين يضحي بعلاقاته القبلية، فإنه يكون قد ضحى بأمر عظيم و أساسي في حياته و في مصيره، و مستقبله، في سبيل دينه.

و قد جاء القرآن مؤيدا لحكم العقل و الفطرة هذا؛ ففرض على كل من


1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 184 و راجع تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 90 و السيرة لابن هشام ج 2 ص 79-80 و السيرة الحلبية ج 2 ص 14.

كان له بصيرة في أمر الدين أن يدعو إلى اللّه، قال تعالى: قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي (1).

كما أننا لا بد أن نشير أيضا: إلى أن من عرف الحق، و ذاق حلاوة الإيمان، فإنه لا يملك نفسه من الاندفاع في محاولة لجلب الآخرين نحو هذا الحق، و جعلهم يؤمنون به، و يستفيدون منه، و يلتذون به و يشعرون بحلاوته.

و لذلك نجد الإمام علي بن الحسين «عليه السلام» ، الذي كان يخشى على شيعته، الذين هم الصفوة في الأمة الإسلامية، و الذين كانوا يتعرضون لمختلف أنواع الاضطهاد، و البلايا في الدولة الأموية، و بعدها في الدولة العباسية كان يظهر تذمره من عدم مراعاة الشيعة للظروف و المناسبات، و هو يرى حدة اندفاعهم نحو إظهار أمرهم، بسبب شعورهم بحلاوة الإيمان، و ضرورة إبلاغ كلمة الحق، قال الإمام السجاد «عليه السلام» : «وددت أني افتديت خصلتين في الشيعة ببعض لحم ساعديّ: النزق و قلة الكتمان» (2).

أضف إلى ذلك: أن التراحم فيما بين المؤمنين، و الشدة على الكافرين يصبح أمرا طبيعيا، كما قال تعالى: أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ (3).


1) الآية 108 من سورة يوسف.

2) سفينة البحار ج 1 ص 733 و البحار ج 75 ص 69 و 72 عن الخصال ج 1 ص 24 و الكافي ج 2 ص 221.

3) الآية 29 من سورة الحج.

البيعة:

و نجد: أن نص البيعة قد تضمن الخطوط العريضة، و أهم المبادئ التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، و هي تتضمن جانبا عقائديا، و آخر عمليا، و قد حملهم «صلى اللّه عليه و آله» مسؤوليات معينة في علاقاتهم مع بعضهم بعضا.

و جعل التزامهم هذا قائما على إعطاء تعهد من قبلهم، يرون مخالفته تتنافى مع شرف الكلمة و قدسيتها؛ و ذلك تحت عنوان: «البيعة» التي تعني إعطاء كلمة الشرف بالالتزام بتلك المبادئ.

و لكنه لم يقرر عقابا عنيفا لمن ينقض هذا العهد، و يتجاوز و يغش فيه؛ فإن الوقت حينئذ لم يكن مناسبا لقرار كهذا.

بل أوكل ذلك إلى الوجدان و الضمير الشخصي لكل منهم، مع ربطه بالمبدأ العقيدي، و مع إعطاء الفرصة له للعودة لإصلاح الخطأ إن كان؛ حيث أبقى الأمل حيا لدى ذلك الذي يمكن أن يغش، و أوكل أمره إلى اللّه، إن شاء عذب، و إن شاء غفر.

صلاة الجمعة:

و قد تقدم في الحديث: أن مصعب بن عمير قد جمع بالمسلمين في المدينة قبل الهجرة. (1)

و ربما يشكل على ذلك: بأن سورة الجمعة قد نزلت بعد هجرته «صلى


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 9 و التعليق المغني (مطبوع بهامش سنن الدار قطني) ج 2 ص 5 عن الطبراني في الكبير و الأوسط.

اللّه عليه و آله» إلى المدينة؛ فكيف صلى مصعب الجمعة قبل تشريعها؟

و الجواب: أننا لو سلمنا أن المراد بجمع، صلى الجمعة.

إذ من المحتمل: أن يكون المراد صلى جماعة-لو سلمنا ذلك-فإن قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ ليس المقصود به تشريع إقامة الجمعة، و إنما هو يوجب السعي إلى الجمعة التي تقام، فلعل وجوب إقامتها كان قبل ذلك قد جاء على لسانه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، و لكن لم يكن يمكن إقامتها، أو كان يقيمها سرا و لم يصل ذلك إلينا.

و يؤيد ذلك قوله تعالى: وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجٰارَةِ (1)فإن ذلك يشير إلى أن الجمعة كانت قد شرعت قبل ذلك، و أن هذا كان سلوكهم معه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يؤيد ذلك: ما أخرجه الدارقطني، عن ابن عباس، قال: أذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الجمعة قبل أن يهاجر، و لم يستطع أن يجمع بمكة؛ فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم و أبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى اللّه بركعتين.

قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة،


1) الآية 11 من سورة الجمعة.

فجمع بعد الزوال من الظهر، و أظهر ذلك (1).

و ثمة روايات تفيد: أن أول من جمع بهم هو أسعد بن زرارة (2)و سيأتي بعض الكلام أيضا حول صلاة الجمعة في آخر هذا الجزء إن شاء اللّه تعالى.

بيعة العقبة الثانية:

و عاد مصعب بن عمير من المدينة إلى مكة، فعرض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» نتائج عمله؛ فسر بذلك نبي الإسلام سرورا عظيما (3).

و في موسم حج السنة الثالثة عشرة من البعثة أتى من أهل المدينة جماعة كبيرة بقصد الحج، ربما تقدر عدتهم بخمس مئة (4)، فيهم المشركون، و فيهم المسلمون المستخفون من حجاج المشركين من قومهم، تقية منهم.

و التقى بعض مسلميهم بالرسول «صلى اللّه عليه و آله» و وعدهم اللقاء في العقبة في أواسط أيام التشريق ليلا، إذا هدأت الرجل، و أمرهم أن لا ينبهوا نائما، و لا ينتظروا غايبا.


1) الدر المنثور ج 6 ص 218 عن الدارقطني. و السيرة الحلبية: ج 2 ص 12.

2) الدر المنثور ج 6 ص 218 عن أبي داود، و ابن ماجة و ابن حبان، و البيهقي، و عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر و وفاء الوفاء ج 1 ص 226، و السيرة الحلبية ج 2 ص 59 و ص 9 و سنن الدارقطني ج 2 ص 5 و 6 و في التعليق المغني على الدار قطني (مطبوع بهامش السنن) ص 5 قال: الحديث أخرجه أبو داود، و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و قال صحيح على شرط مسلم و البيهقي في سننه.

3) و في البحار ج 19 ص 12: أن مصعبا قد كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك و كذا في إعلام الورى ص 59.

4) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 149.

و يلاحظ هنا: ما لهذا التوقيت من أهمية، فلو انكشف أمرهم، فسيكون ذلك بعد تمام حجهم، و مفارقتهم للبلد، و لا يبقى من ثم مجال للضغط عليهم بشكل فعال.

و يلاحظ كذلك: أمره «صلى اللّه عليه و آله» لهم بأن لا ينبهوا نائما، و لا ينتظروا غائبا، و ذلك كي لا ينكشف أمرهم إذا لاحظ غيرهم عدم طبيعية تصرفاتهم.

و في تلك الليلة بالذات ناموا مع قومهم في رحالهم، حتى إذا مضى ثلث الليل بدؤوا يتسللون إلى مكان الموعد، واحدا بعد الآخر، و لا يشعر بهم أحد حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، و هم سبعون أو ثلاثة و سبعون رجلا، و امرأتان.

و التقوا بالرسول «صلى اللّه عليه و آله» هناك في الدار التي كان «صلى اللّه عليه و آله» نازلا فيها، و هي دار عبد المطلب، و كان معه حمزة و علي، و العباس (1).

و بايعوه على أن يمنعوه و أهله مما يمنعون منه أنفسهم، و أهليهم و أولادهم، و أن يؤووهم، و ينصروهم، و على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل، و النفقة في العسر و اليسر، و على الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر و أن يقولوا في اللّه، و لا يخافوا لومة لائم، و تدين لهم العجم،


1) إعلام الورى ص 59، و تفسير القمي ج 1 ص 273، و البحار ج 19 ص 12-13 و 47 عنهما، و عن قصص الأنبياء، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 16، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 152.

و يكونون ملوكا، و عند آخرين-و النص لمالك-عن عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على السمع و الطاعة، في العسر و اليسر، و المنشط و المكره، و أن لا ننازع الأمر أهله و أن نقول (أو نقوم) بالحق حيثما كنا، لا نخاف في اللّه لومة لائم» (1).

قال السيوطي: «يريد الملك و الإمارة» (2).

و قد أدرك العباس بن نضلة خطورة الموقف، و لا سيما من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «و تدين لكم العجم، و تكونون ملوكا» ، و أنهم مقدمون على مواجهة و مقاومة، ليس فقط مشركي مكة أو الجزيرة العربية، و إنما العالم بأسره، فأحب أن يستوثق من الأمر، و يفتح عيون المبايعين ليكونوا على بصيرة من أمرهم، حتى لا يقولوا في يوم ما: لو كنا نعلم أن الأمر ينتهي إلى هذا لم نقدم.

فقال لهم: يا معشر الأوس و الخزرج، تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنما تقدمون على حرب الأحمر و الأبيض، و على حرب ملوك الدنيا؛ فإن علمتم أنه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه و تركتموه، فلا تغروه فإن رسول اللّه، و إن كان قومه خالفوه، فهو في عز و منعة.


1) الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ج 2 ص 4 و راجع سير أعلام النبلاء ج 2 ص 7 و مسند أحمد ج 5 ص 314 و 316 و سنن النسائي ج 7 ص 138 و 139 و صحيح البخاري ج 4 ص 156 و البداية و النهاية ج 3 ص 164 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 97 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 452 ط دار الكتب العلمية و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 204 و صحيح مسلم ج 6 ص 16 و 17.

2) تنوير الحوالك: ج 2 ص 4.

فقال عبد اللّه بن حزام، والد جابر، و أسعد بن زرارة، و أبو الهيثم بن التيهان: مالك و للكلام؟ !

يا رسول اللّه، بل دمنا بدمك، و أنفسنا بنفسك، فاشترط لنفسك، و لربك ما شئت (1).

و يذكر أيضا: أن أسعد بن زرارة قد قال في بيعة العقبة: يا رسول اللّه، إن لكل دعوة سبيلا، إن لين، و إن شدة، و قد دعوت اليوم إلى دعوة متجهمة للناس، متوعرة عليهم: دعوتنا إلى ترك ديننا و اتباعك على دينك، و تلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك.

و دعوتنا إلى قطع ما بيننا و بين الناس من الجوار و الأرحام، القريب و البعيد، و تلك رتبة صعبة؛ فأجبناك إلى ذلك.

و دعوتنا، و نحن جماعة في دار عز و منعة، لا يطمع فيها أحد: أن يرأس علينا رجل من غيرنا، أفرده قومه، و أسلمه أعمامه، و تلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك الخ. . (2).

و يذكر المؤرخون هنا أيضا: أن العباس بن عبد المطلب قد حضر بيعة العقبة و أنه أراد أن يستوثق لابن أخيه فبدأ هو الكلام، فقال: يا معشر


1) راجع ما تقدم في البحار ج 19 ص 12 و 13 عن إعلام الورى، و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 450 ط دار الكتب العلمية و تاريخ الخميس ج 1 ص 318 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 88 و البداية و النهاية ج 3 ص 162 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 201 و السيرة الحلبية ج 2 ص 17.

2) حياة الصحابة: ج 1 ص 88 و دلائل النبوة لأبي نعيم: ص 105.

الخزرج، إن محمدا منا حيث قد علمتم، و قد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا، فهو في عز من قومه، و منعة في بلده، و قد أبى إلا الانحياز إليكم، و اللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، و مانعوه ممن خالفه، فأنتم و ما تحملتم من ذلك، و إن كنتم ترون أنكم مسلموه و خاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز و منعة من قومه و بلده.

و في رواية، أنه قال لهم: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة و جلد، و بصر في الحرب، و استقلال بعداوة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة فروا رأيكم، و ائتمروا بينكم إلخ. .

و بعد أن استمع إلى إجابتهم، طلب «صلى اللّه عليه و آله» منهم: أن يخرجوا له اثني عشر نقبيا، أي كفيلا يكفل قومه، فأخرجوا له تسعة من الخزرج، و ثلاثة من الأوس؛ فكانوا نقباء و كفلاء قومهم، و عرفت قريش بالاجتماع؛ فهاجت، و أقبلوا بالسلاح، و سمع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» النداء؛ فأمر الأنصار بالتفرق، فقالوا: يا رسول اللّه، إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا، فعلنا.

فقال: لم أؤمر بذلك، و لم يأذن اللّه لي في محاربتهم، فقالوا: يا رسول اللّه، فتخرج معنا؟

قال: أنتظر أمر اللّه. .

فجاءت قريش على بكرة أبيها، قد حملوا السلاح، و خرج حمزة، و معه السيف، هو و علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟ .

فعمل حمزة بالتقية من أجل الحفاظ على النبي «صلى اللّه عليه و آله»

و المسلمين و الإسلام، فقال: ما اجتمعنا، و ما ههنا أحد، و اللّه لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي، فرجعوا، و غدوا إلى عبد اللّه بن أبي، فقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا، و اللّه، ما من حي أبغض من أن ينشب الحرب بيننا و بينه منكم.

فحلف لهم عبد اللّه: أنهم لم يفعلوا، و لا علم له بذلك، و أنهم لم يطلعوه على أمرهم؛ و تفرقت الأنصار، و رجع رسول اللّه إلى مكة.

و لكن قريشا قد تأكدت بعد ذلك من صحة الخبر؛ فخرجت في طلب الأنصار؛ فأدركوا سعد بن عبادة، و المنذر بن عمير، فأما المنذر فأعجزهم.

و أما سعد فأخذوه، و عذبوه.

فبلغ خبره جبير بن مطعم، و الحارث بن حرب بن أمية، فأتياه و خلصاه؛ لأنه كان يجير لهما تجارتهما، و يمنع الناس من التعدي عليها (1).

و لنا قبل المضي في الحديث ههنا و قفات.

فنشير أولا: إلى دور العباس في بيعة العقبة: تذكر بعض الروايات: أن العباس كان في بيعة العقبة مع النبي، و لم


1) راجع فيما تقدم أي كتاب تاريخي أو حديثي شئت مثل: البحار ج 19 ص 12 و 13 و إعلام الورى ص 57 و تفسير القمي ج 1 ص 272 و 273 و تاريخ الخميس ج 1 ص 318 و 319 و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 450 و البداية و النهاية ج 3 ص 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 193 و 210 و السيرة الحلبية ج 2 ص 17 و ما قبلها و ما بعدها و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 88 و قبلها و بعدها، و غير ذلك كثير.

يكن أحد غيره معه، و يقولون: إنه و إن كان حينئذ مشركا، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، و يتوثق له. و قد قدمنا ما ينسب إليه من قول في هذه المناسبة.

و لكننا نشك في صحة ذلك.

أولا: إن في الكلام المنسوب إلى العباس تخذيلا واضحا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس توثيقا لأمره كما يقولون، و لا سيما قوله: «و استقلال بعداوة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة إلخ» إلا أن يقال: إن هذا الكلام من العباس، إنما هو لبيان الحقيقة، ليكون الأنصار على بصيرة من أمرهم، حتى لا يكون منهم أي تعلل في المستقبل.

ثانيا: إن في كلامه ما يخالف الحقيقة، و لا سيما قوله: «قد أبى محمد الناس كلهم غيركم» ؛ فإن معناه: أن الناس كلهم غير الأنصار قد وافقوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قبلوا مناصرته، و لكنه هو رفضهم.

مع أن الأمر على عكس ذلك تماما، باستثناء قبيلة شيبان بن ثعلبة التي رضيت بحمايته مما يلي مياه العرب، دون ما يلي مياه كسرى (1)و قبيلة شيبان ليست هي «الناس كلهم» .

و احتمال إرادة خصوص عشيرته لا يتلاءم مع التعبير ب «الناس كلهم» .

و احتمال أن تكون العبارة: «أبى محمدا الناس» ليس له ما يؤيده، لأن النص الموجود بين أيدينا خلافه.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 5 و 16 و راجع السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 168.

ثالثا: إن موضوع الهجرة إلى المدينة لم يكن قد طرح بعد، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أري دار هجرتهم و لا أخبرهم برؤياه تلك، فمن أين علم العباس أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف يهاجر إلى المدينة؟

فهل نزل عليه الوحي في ذلك؟ !

لست أدري! ! و لكننا نقرأ في كلامه قوله: «و قد أبى إلا الانحياز لكم، و اللحوق بكم.

إلى أن قال: و إن كنتم ترون أنكم مسلموه و خاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه إلخ. .» . إلا أن يكونوا قد طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يخرج إليهم، فظهر منه «صلى اللّه عليه و آله» الميل إلى إجابة طلبهم، و إن كان قد جاء ذلك بصيغة: لم أؤمر بذلك، أي بالهجرة، و لكنه احتمال بعيد و لا شاهد له.

رابعا: إن ما ينسب إلى العباس لا يصدر إلا عن مسلم مؤمن تام الإيمان.

و لم يكن العباس قد أسلم بعد بل بقي على شركه إلى وقعة بدر، و خرج لحرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها مكرها، و أسلم كما سيأتي، بل سوف يأتي أنه لم يسلم إلى فتح مكة.

إلا أن يكون قد قال ذلك محاماة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بدافع الحمية و العصبية، و لكننا لم نر لهذه الحمية كبير أثر في مواقف العباس قبل و بعد ذلك، و هذا أمر يثير العجب حقا.

و الذي نرجحه: هو أن الذي كان حاضرا و تكلم بكلام يهدف منه إلى

شد العقدة له «صلى اللّه عليه و آله» هو العباس بن نضلة الأنصاري (1)و ليس العباس بن عبد المطلب.

و لذا يلاحظ مدى التشابه بين كلاميهما المنقول و المنسوب إليهما، فلعل الأمر قد اشتبه على الراوي بين العباسين؛ لتشابه الاسمين، أو لعل العباسيين أرادوا إثبات فضيلة جليلة لجدهم، بهدف الحصول على مكاسب من نوع معين، و لعل، و لعل.

أبو بكر في العقبة:

و تذكر بعض الروايات الشاذة: أن أبا بكر قد حضر العقبة، و قد جعله العباس على فم الشعب.

و نحن لا نطيل في بيان بطلان هذا، بعد أن كانت سائر الروايات تنص على أنه لم يكن إلا حمزة، و علي، و العباس.

مع الشك في هذا الأخير أيضا، و أن حمزة و عليا قد خرجا إلى فم الشعب حينما علمت قريش بالأمر، و هاجت بالسلاح و ذلك في أواخر لحظات الاجتماع، حسبما تقدم.

حمزة و علي عليهما السّلام في العقبة:

إن كون الاجتماع في دار عبد المطلب ليقرب صحة ما ورد من أن حمزة و عليا قد حضرا بيعة العقبة، خصوصا و أنه كان ثمة حاجة إليهما، ليقفا ذلك الموقف البطولي الرائع في وجه قريش و خيلائها و جبروتها؛ ليمنعاها


1) الإصابة: ج 2 ص 271، و البحار: ج 19، و السيرة الحلبية: ج 2 ص 17، و السيرة النبوية لدحلان: ج 1 ص 153.

من دخول الشعب، و يعطيا الفرصة للمجتمعين للتفرق (1).

حتى إذا دخلت قريش الشعب لم تجد أحدا؛ فترفع الأمر إلى ابن أبي؛ فينكر ذلك.

و لو لا موقفهما ذاك لكانت قد جرت الأمور على غير ذلك النهج، و لوقع المسلمون في مأزق حرج و خطير جدا.

و الغريب في الأمر: أننا نجد عددا من الروايات لا تذكر حضور أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و أسد اللّه و أسد رسوله، مع أنها هي نفسها تذكر قضية تجمهر و هياج قريش، و غضبها من الاجتماع! !

و إن كانت تسكت عن هجومها على الشعب، و دفع حمزة و علي لها، بل تكتفي بذكر لقائها مع ابن أبي، ثم تتبعها للمسلمين، و ظفرها بابن عبادة إلى آخر ما تقدم، و قد فات هؤلاء: أن قريشا التي عرفت بالاجتماع بعد انفضاضه فغضبت، و هاجت، ثم اتصلت بابن أبي، فأنكر ذلك، ثم بعد انصراف الحاج لحقت بالمسلمين، و آذت سعد بن عبادة إلخ، لا يمكن أن تسكت عن الهجوم على محل الاجتماع، و أخذ الأنصار و النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالجرم المشهود، و تكون حينئذ معذورة أمام من تريد الاعتذار منهم، فلماذا سكتت هنا، و غضبت و تصرفت بعنف هناك؟

و على كل حال، فقد عودنا هؤلاء أن نرى منهم كثيرا من أمثال هذه


1) و يحتمل البعض: أن بعض سفهاء قريش-و ليس كل قريش-قد حاولوا دخول الشعب فصدهم علي و حمزة و لكننا نقول لا مانع من تجمهر قريش. . و لكن عليا و حمزة أعاقا وصولها إلى مكان الاجتماع إلى حين تفرق المجتمعين.

الخيانات للحق و للدين؛ لأهداف دنيوية رخيصة، و صدق المثل الذي يقول: «لأمر ما جدع قصير أنفه» .

و لعلك تقول: كيف يمكن لرجلين: أن يقفا في وجه قريش و يرداها على أعقابها؟ ! و هي في إبان غضبها، و أعلى درجات تحمسها.

و الجواب: أن الرجل الواحد أيضا كان يكفي لرد كيد قريش، و ذلك لأن هذا الرجل أو هذين الرجلين يقف أو يقفان على فم الشعب، حيث لا يمكن أن يعبر إلا أفراد أو جماعات صغيرة يمكن ردها على أعقابها برد الفئة الأولى منها.

و قد كان يقال: إن عمرو بن عبد ود-الذي قتله أمير المؤمنين «عليه السلام» -يعد بألف فارس، و ذلك لأنه وقف على فم الوادي، و منع ألف فارس من ورودها، و لم يمكن دخول الألف إلا متفرقين بسبب ضيق المكان.

سرية الاجتماع، و التقية.

إن المحافظة على سرية الاجتماع، التي بلغت الحد الذي لم يستطع حتى من كانوا ينامون مع المسلمين: أن يشعروا بشيء، و لا عرفوا بغيبة رفقائهم، و كذلك الحال في موعد الاجتماع و مكانه، و الطريقة التي تم بها، رغم ضخامته، و اتساع نطاقه-إن كل ذلك-ليعتبر مثلا رائعا، و دليلا قويا على مدى وعي أولئك المسلمين و يقظتهم، و حسن تدبيرهم.

كما أنه برهان آخر على أن اللجوء إلى عنصر السرية لا يعتبر تخاذلا، إذا كان المسلمون لا يملكون مقومات الدفاع عن أنفسهم في مقابل قوى الظلم و الطغيان.

و هو دليل آخر على أن التقية التي يقول بها الشيعة و أهل البيت، و نزل بها القرآن و تحكم بها الفطرة و العقل السليم هي الأسلوب الصحيح في التعامل مع الواقع بمرونة، و وعي، حينما يكون الباطل هو القوي ماديا و لا يملك أهل الحق ما يدفع عنهم أو يمنع.

و قد تحدثنا عن موضوع التقية فيما سبق فلا نعيد.

شروط البيعة:

و نجد هنا: أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم بما سوف يعترض طريقهم من مشاكل و صعوبات في سبيل نشر الدعوة، و الدفاع عنها، ليكونوا على علم مسبق بذلك، و على بصيرة من أمرهم، و من دون أي إبهام أو غموض، حتى لا يترك لهم في المستقبل مجالا للاعتذار بأنهم ما كانوا يعرفون: أن الأمر سوف ينتهي بهم إلى ما انتهى إليه من مصاعب و متاعب.

بل هو لا يريد أن يشعروا في أنفسهم بالغبن، أو حتى أن يمر ذلك في وهمهم و خيالهم على الإطلاق.

و هو بذلك يدلل لكل أحد على أنه لا يريد أن يخدع أحدا بالوعود الخلابة، و لا أن يجعلهم يعيشون الآمال و الأحلام الفارغة لأن الوسيلة عنده جزء من الهدف، رغم أنه في أمس الحاجة إلى نصرتهم، بل هو لم يجد طيلة فترة دعوته غيرهم.

لماذا النقباء؟ !

و إن من طبيعة العربي الالتزام بالعهد، و الوفاء بالذمار و تعتبر كل

قبيلة: أنها مسؤولة عن الوفاء بما يلتزم به أحد أفرادها، أو حلفائها عليها.

و عند ما بايع الأنصار النبي على الإيمان و النصرة-حسبما تقدم-أراد أن يلزمهم ذلك بشكل محدد، بحيث يستطيع أن يجد في المستقبل من يطالبه بالوفاء بالالتزامات و العهود، و كان أولئك النقباءهم الذين يتحملون مسؤولية الوفاء بتلك الالتزامات.

و هم الذين يمكن مطالبتهم بذلك، لأنهم هم الكفلاء لقومهم، برضى منهم و من قومهم على حد سواء.

أما إذا ترك الأمور في مجاريها العامة، فلربما يمكن لكل فرد أن يتملص و يتخلص من التزاماته، و يلقي التبعة على غيره، و يعتبر أن ذلك غير مطلوب منه، و لا يمكن بحسب تصوره أن يكون هو كفرد مسؤولا عنه، و أما بعد أن التزم ذلك أفراد معينون، كل واحد منهم من قبيلة.

فإن المسؤولية قد أصبحت محدودة، و يمكن مطالبتهم بالوفاء بالتزاماتهم، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، لا سيما في مواقف الحرب و الدفاع.

و بذلك تبتعد القضية عن الأهواء الشخصية، و الأهم من ذلك عن الفوضى في المواقف العامة، و تدخل مراحل التنظيم و البناء الاجتماعي على مستوى الفرد و الجماعة.

المشركون في مواجهة الأمر:

يلاحظ: أن المشركين قد اهتموا لأمر هذه البيعة جدا، حتى إنهم تهددوا أهل المدينة بالحرب، مستغلين بذلك ضعف المجتمع المدني، و تفككه بسبب الحروب الداخلية بين الأوس و الخزرج.

نعم، إنهم يهددونهم بالحرب، رغم أن حربا كهذه لسوف تجر عليهم أخطارا جسيمة من وجهة نظر اقتصادية، لأن قوافلهم إلى الشام، محل تجارتهم المفضل، كان طريقها على المدينة.

مما يعني: أن المشركين كانوا يرون في هذه البيعة خطورة قصوى، تجعلهم يضطرون إلى التضحية بعلاقاتهم الحسنة مع كل من يتقبل هذه الدعوة و يناصرها، حتى و لو كانوا أهل المدينة، الذين كانوا يكرهون جدا أن تنشب الحرب فيما بينهم و بينهم، كما تقدم قولهم ذلك لابن أبي.

كما أن ذلك يدلنا على مدى ما كان يتعرض له المسلمون في مكة من ظلم و اضطهاد.

منازعة الأمر أهله:

قد تقدم أن من جملة ما اشترطه الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على أهل المدينة في ضمن نص البيعة، هو أن لا ينازعوا الأمر أهله.

و إن اشتراط ذلك في نص بيعة حساسة جدا في تاريخ الإسلام، و يتقرر مصير الإسلام على نجاحها و عدمه، و تعريض هذه البيعة لخطر الرفض و الانفصام، فيما لو رفضوا الالتزام بذلك-كما كان الحال بالنسبة لبني عامر، حسبما تقدم-إن ذلك لمما يدل على أن هذا الأمر كان له أهمية قصوى بالنسبة للرسول «صلى اللّه عليه و آله» الذي كان رأيه يمثل رأي الإسلام الواقعي.

و يوضح أنه لن يتنازل عنه و لو تعرض لأعظم الأخطار، مما يعني: أن هذا الأمر ليس له، و إنما هو للّه يضعه حيث يشاء، و أن هذا هو الأمر الذي إذا لم يبلّغه فما بلغ رسالة ربه سبحانه و تعالى.

و يمكن أن نفهم من ذلك أيضا: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كان من أول الأمر يمهد السبيل لجهة معينة و إلا، فكيف ينهى الناس عن منازعة الأمر أولئك الأهل المخصوصين و المؤهلين للملك و الخلافة، ثم ينسى أن يعيّن شخص ذلك الخليفة منهم و ليعطف ذلك على ما تقدم من تعيينه ذلك الشخص حين إنذار عشيرته الأقربين؟ ! .

ثم على ما يأتي بعد من مواقف و تصريحات و كنايات له «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا سيما في قضية الغدير.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يؤمر بالحرب بعد:

كما أننا نجده «صلى اللّه عليه و آله» لا يأذن للمجتمعين في العقبة بأن يميلوا على قريش بأسيافهم؛ لأن معنى ذلك هو القضاء على هذا الدين، و على حماته الأبرار، و لا سيما مع قلتهم، و كونهم في الموسم، الذي تجتمع فيه الناس من كل حدب و صوب، و كلهم على نهج و طريقة و مذاق قريش، و يدورون في فلكها دينيا و عقائديا و فكريا، و حتى مصلحيا أيضا.

و لن تكون هناك أية فرصة لانتصار الأنصار على عدوهم في بلاده، و قريش التي ترى في المدينة أهمية خاصة لأنها على طريق قوافلها إلى الشام -و لأجل ذلك أطلقت سعد بن عبادة-، لن تسكت على موقف الأنصار هذا.

و يكون لها كل الحق أمام أهل الموسم، و حتى أمام المدنيين المشركين في أن تضربهم الضربة القاصمة و القاضية، لأنهم في موقف المعتدي، و على قريش أن ترد هذا الاعتداء بالكيفية و بالحجم الذي تراه مناسبا.

الباب الرابع: من مكة إلى المدينة

اشارة

الفصل الأول: إبتداء الهجرة إلي المدينة الفصل الثاني: هجرة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله الفصل الثالث: إلي قباء الفصل الرابع: حتى المدينة

الفصل الأول: ابتداء الهجرة إلى المدينة

اشارة

حب الوطن من الإيمان:

لقد ورد عنهم «عليهم السلام» أن «حب الوطن من الإيمان» (1)و إننا بغض النظر عن سند هذا الحديث.

لربما يصعب علينا-لأول وهلة-تصور معنى سليم و مقبول لهذه الكلمة؛ إذ لماذا يكون حب الوطن من الإيمان؟ !

و هل يمكن أن يكون لهذا التراب بما هو تراب، ولد الإنسان عليه، و عاش في أجوائه، مهما كان وضعه الجغرافي سيئا، قيمة و احترام إلى حد أن يعتبر حبه من الإيمان؟ و بسوى هذا الحب، فإن الإيمان يكون ناقصا، و ليس فيه تلك الفاعلية المتوخاة؟ .

و إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال، نقول: إن هذا الحب الذي يهتم به الإسلام لا يمكن أن يكون حبا عشوائيا، لا هدف له، و لا فائدة منه، و لا في خط مخالف للإسلام.

و إنما هو حب منسجم مع أهداف الإسلام العليا، و من منطلق إيماني واقعي إلهي، فإنه «من الإيمان» .


1) سفينة البحار ج 2 ص 668.

كما أن الوطن الذي يعتبر الإسلام حبه من الإيمان، ليس هو محل ولادة الإنسان، و إنما هو الوطن الإسلامي الكبير، الذي يعتبر الحفاظ عليه حفاظا على الدين و الإنسانية، لأن به يعز الدين، و تعلو كلمة اللّه، و هو قوة للإسلام، لأنه محل استقرار و هدوء، و موضع بناء القوة فكريا و روحيا و ماديا، ثم الحركة على صعيد التنفيذ للانتقال إلى الوضع الأفضل و الأمثل.

أما حيث الغربة و عدم الاستقرار، فهناك الضياع، و هدر الطاقات، و حيث لا يجد الإنسان الفرصة للتأمل و التفكير في واقعه، و لا في مستقبله، و لو أنه استطاع ذلك، فلسوف لا يستطيع تنفيذ قراراته، لعدم المركزية التي تمنحه الحركة المنظمة، و الثابتة، ثم التركيز و الاستمرار.

نعم، إن الوطن ليس إلا وسيلة للدفاع عن الدين و الحق، و للوصول إلى الأهداف الخيّرة و النبيلة، فالدين و الإنسان هو الأصل، و الوطن و غيره لا بد أن يكون في خدمة هذا الدين، و من أجل ذلك الإنسان.

فمن يحافظ على وطنه، و يحبه بدافع الحفاظ على الإسلام و حبه، فإن حفاظه و حبه هذا يكون من الإيمان.

و أما إذا كان الوطن وطن الشرك و الكفر و الانحراف، و الانحطاط بإنسانية الإنسان:

فإن الحفاظ على وطن كهذا و حبه يكون حفاظا على الشرك و تقوية له، كما أن حبه هذا يكون من الكفر و الشرك، لا من الإيمان و الإسلام.

و من أجل ذلك فقد حكم الإسلام و القرآن على من كان في بلاد الشرك، و كان بقاؤه فيها موجبا لضعف دينه و إيمانه: أن يهاجر منها إلى بلاد الإيمان و الإسلام، إلى حيث يستطيع أن يحتفظ بدينه قويا فاعلا، و بإنسانية

خلاقة نبيلة، قال تعالى:

إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً (1).

بل إن محل ولادة الإنسان إذا كان يحارب الدين الحق، و يسعى في إطفاء نور اللّه، فإنه يجب تدميره على كل أحد حتى على نفس هذا الذي ولد و عاش فيه (2).

و من هنا نعرف: أن هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه من مكة إلى المدينة كانت هجرة طبيعية و منسجمة مع مقتضيات الفطرة و العقل السليم و الفكر الصحيح، الذي يلاحظ سمو الهدف و نبل الغاية، و يقيم كل شيء انطلاقا من ذلك الهدف، و على طريق الوصول و الحصول على تلك الغاية.

و ليكن هذا تمهيدا للحديث عن ظروف الهجرة و عواملها و أحداثها، في حدود ما يتناسب مع هذا الكتاب، فنقول:


1) الآية 97 من سورة النساء.

2) و يرى العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي: أن معنى حب الوطن من الإيمان: أن من يحب وطنه فإنه يسعى إلى تنقيته من الانحرافات، و حل مشاكله، و هداية مجتمعه إلى طريق الحق و الإيمان و الإسلام، لأن الإيمان هو الذي يدفعه إلى ذلك، كما هو معلوم.

دوافع الهجرة من مكة إلى المدينة:

إننا بالنسبة لدوافع الهجرة من مكة إلى المدينة يمكننا الإشارة إلى ما يلي: أولا: إن مكة لم تعد أرضا صالحة للدعوة، فقد حصل النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها على أقصى ما يمكن الحصول عليه، و لم يبق بعد أي أمل في دخول فئات جديدة في الدين الجديد، في المستقبل القريب على الأقل.

و قد كان ثمة مبرر لتحمل الأذى و المصاعب، حينما كان يؤمل أن تدخل في الإسلام جماعات تقويه، و تشد من أزره.

أما بعد أن أعطت مكة كل ما لديها فأخرجت جماعات من شبان المؤمنين، و من المستضعفين، و لم يبق فيها إلا ما يوجب الصد عن سبيل اللّه، و يضع الحواجز و العراقيل الكثيرة أمام تقدم هذا الدين، و يمنع من انتشاره و اتساعه؛ فإن البقاء في مكة ليس فقط لا مبرر له، بل هو خيانة للدعوة الإسلامية، و مساعدة على حربها، و القضاء عليها، و لا سيما بعد أن جندت قريش كل طاقاتها للصد عن سبيل اللّه، و إطفاء نوره، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره و لو كره المشركون.

نعم، لقد كان لا بد من الانتقال إلى مركز آخر، تضمن الدعوة فيه لنفسها حرية الحركة، في القول و العمل، بهدوء بال، و اطمئنان خاطر، بعيدا عن ضغوط المشركين، و في منأى عن مناطق سيطرتهم و نفوذهم.

و قد رأينا: أنهم كانوا يلاحقون تحركات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يرصدونها بدقة، و يتهددون، بل و يعذّبون كل من يدخل في هذا الدين الجديد، و يخيفون كل من يحتمل دخولهم فيه.

ثانيا: إن الإسلام و ممثله و داعيته الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله»

لا يمكن له أن يقتنع بهذا النصيب المحدود من التقدم، لأن دينه دين البشرية جمعاء: وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ كَافَّةً لِلنّٰاسِ (1).

و ما حصل عليه حتى الآن لا يمكّنه من تطبيق تشريعات الإسلام كافة، و تحقيق كامل أهدافه، و لا سيما بالنسبة إلى ذلك الجانب، الذي يعالج مشاكل الناس الاجتماعية و غيرها، مما يحتاج إلى القوة و المنعة في مجال فرض القانون و النظام.

و من الناحية الأخرى: إنه إذا كان بنو عبد المطلب و الهاشميون قد استطاعوا أن يؤمنوا الحماية لشخص الرسول من اعتداءات الآخرين على شخصه الكريم، فإنهم لم و لن يستطيعوا أن يؤمنوا له القدرة على حماية أصحابه، الذين دخلوا في هذا الدين، و قبلوا رسالة السماء.

فضلا عن أن يتمكنوا من تأمين الحد الأدنى من الحماية له، فيما لو أراد أن يتوسع في نشر رسالة الإسلام، و فرض هيمنة هذا الدين و سلطانه، إذا احتاج الأمر إلى ذلك.

و أما بعد وفاة أبي طالب «رحمه اللّه» فإن الأمور قد تطورت بشكل مخيف، حتى بالنسبة إلى شخص النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، كما رأينا و سنرى.

ثالثا: و لقد صمد أولئك الذين أسلموا سنوات طويلة في مواجهة التعذيب و الظلم و الاضطهاد، حتى لقد فر قسم منهم بدينه إلى بلاد الغربة، و بقي الباقون يواجهون محاولات فتنتهم عن دينهم، بمختلف وسائل القهر


1) الآية 28 من سورة سبأ.

تارة، و بأساليب متنوعة من الإغراء أخرى.

و إذا استثنينا أشخاصا معدودين، كحمزة أسد اللّه و أسد رسوله، و بعض من كانت لهم عشائر تمنعهم (1)، فإن بقية المسلمين كانوا غالبا من ضعفاء الناس، الذين لا يستطيعون حيلة، و لا يجدون سبيلا إلا الصبر، و تحمل الأذى.

و إذا فرض عليهم أن يستمروا في مواجهة هذه الآلام و المشاق، دونما أمل أو رجاء؛ فمهما كانت قناعتهم بهذا الدين قوية و راسخة؛ فإن من الطبيعي-و الحالة هذه-أن يتطرق اليأس إلى نفوسهم، ثم الهروب و الملل من حياة كهذه.

و قد تستميلهم بعض الإغراءات العاجلة، فيهلكون و يهلكون؛ فإنه ليس بمقدورهم أن يقضوا حياتهم بالآلام و المتاعب.

بل إن بعضهم-كما سيأتي-يهم بالعودة إلى الشرك، و يتطلب السبل لمصالحة مشركي مكة، حينما أشيع في غزوة أحد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سلم قد قتل. و قد نزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ (2).


1) و حتى هؤلاء فإنهم لم يسلموا من الاضطهاد النفسي و المقت الاجتماعي المر، و لربما يكون ذلك بالنسبة لبعضهم أشد من التعذيب الجسدي، تبعا لنسبة الوعي و الشعور المرهف الذي كان يمتاز به بعضهم على غيره.

2) الآية 144 من سورة آل عمران.

رابعا: لقد رأت قريش أخيرا: أنها قد اهتدت للطريقة التي تستطيع بواسطتها أن تقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، دون أن تكون مسؤولة أمام الهاشميين بشكل محدد، أو بالأحرى دون أن يستطيع الهاشميون أن يطالبوا بدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك بأن يقتله عشرة، كل واحد منهم من قبيلة، فيضيع دمه في القبائل، و لا يستطيع الهاشميون مقاومتها جميعا؛ لأنهم إما أن يقاتلوا القبائل كلها، و تكون الدائرة عليهم، و إما أن يقبلوا بالدية، و هو الأرجح.

و إذا قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن القضاء على غيره من أتباعه يكون أسهل و أيسر، و لا يشكّل لقريش مشكلة ذات شأن.

بل و حتى لو تركوهم على ما هم عليه، فإن أمرهم لسوف يصير إلى التلاشي و الاضمحلال.

هكذا كانت تفكر قريش و تخطط، و هو تفكير محكوم بالعصبية القبلية، و لكنه ذكي جدا.

و بالإمكان تحقيق الأهداف الشريرة تجاه الرسول و الرسالة من خلاله.

و لكن عناية اللّه سبحانه و إن كانت تشمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ترعاه، إلا أن من الواضح: أن إقدام قريش على تنفيذ مخططاتها-فشلت أو نجحت-لسوف يعرض علاقاتها مع الهاشميين لنكسة خطيرة، و لسوف تزيد مضاعفاتها بشكل مخيف ببقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة.

كما أن سنة اللّه قد جرت على أن لا يحول بين أحد و بين تنفيذ إرادته، بشكل قهري و قسري، إلا بنحو من العنايات و الألطاف التي تشمل ذلك النبي الذي يكون حفظه ضروريا لحفظ الدين و الإنسان.

فإرادة الإنسان حرة طليقة، و لكن اللّه يسدد و يلهم و يؤيد من تستهدفه تلك الإرادة بالشر و الأذى.

و بعد كل ما تقدم يتضح: أنه كان لا بد للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لمن معه من المسلمين من الخروج من مكة إلى مكان أمن و سلام لا يشعرون فيه بأي ضغط، يملكون فيه حرية الحركة، و حرية الكلمة، و حرية التخطيط لبناء مجتمع إسلامي يكون فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» قادرا على القيام بنشر دعوته، و إبلاغ رسالته، على النحو الأفضل و الأكمل.

سر اختيار المدينة:

و أما عن سر اختيار النبي «صلى اللّه عليه و آله» -الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى-للمدينة بالذات دارا لهجرته، و منطلقا لدعوته، دون غيرها كالحبشة مثلا؛ فذلك يرجع إلى عدة عوامل، نذكر منها ما يلي:

1-إن مكة كانت-كما قدمنا-تتمتع بمكانة خاصة في نفوس الناس، و بدون السيطرة عليها، و القضاء على نفوذها الوثني، و استبداله بالنفوذ الإسلامي؛ فإن الدعوة تعتبر فاشلة، و كل الجهود تبقى بدون جدوى؛ فإن الدعوة كانت بحاجة إلى مكة، بنفس القدر الذي كانت مكة بحاجة فيه إلى الدعوة.

فلا بد من اختيار مكان قريب منها، يمكن أن يمارس منه عليها رقابة، و نوعا من الضغط السياسي و الاقتصادي، و حتى العسكري إن لزم الأمر في الوقت المناسب، حينما لا بد له من أن يفرض سلطته عليها.

و المدينة، هي ذلك الموقع الذي تتوفر فيه مقومات هذا الضغط، فهي تستطيع مضايقة مكة اقتصاديا؛ لوقوعها على طريق القوافل التجارية المكية، و قريش تعيش على التجارة بالدرجة الأولى.

كما أن ذلك يهيئ للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الفرصة لعرض دعوته على القوافل التي تتجه من بلاد الشام و الأردن و فلسطين و غيرها إلى مكة، و التمهيد لإفشال كثير من الدعايات التي يمكن للمكيين أن يطلقوها ضد الإسلام و أهله.

و قد تقدم قول المشركين لعبد اللّه بن أبي، حين بيعة العقبة: «ما من حي أبغض من أن تنشب الحرب بيننا و بينه منكم» .

و تقدم أيضا: أنهم لما أخذوا سعد بن عبادة بعد بيعة العقبة و عذبوه، جاء الحارث بن حرب و جبير بن مطعم و خلصاه، لأنه كان يجير لهما تجارتهما.

و إذا كانت قريش قد لقيت من أبي ذر ما لقيت، حين أخذ عليها طريق تجارتها، فإن ما سوف تلقاه من أهل المدينة سيكون أشد، و أعظم خطرا، و أبعد أثرا، و لا سيما إذا عقد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» تحالفات مع سائر القبائل المقيمة في المنطقة، كما حصل بالفعل، و كانت المعاهدة بصورة تجعلهم مضطرين لقطع علاقاتهم بالمشركين (1).

2-لقد عرفنا مما تقدم: أن الهجرة إلى المدينة هي الحل المفروض، الذي لا خيار معه؛ و ذلك لأن الهجرة إلى الطائف لم تكن بالتي تجدي نفعا، بعد أن رأينا: أن أهلها رفضوا الاستجابة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما هاجر إليهم، لأنهم يرون: أن مكة هي التي تستطيع أن تضايقهم اقتصاديا،


1) راجع: وثيقة المدينة الآتية في الجزء التالي من هذا الكتاب؛ آخر فصل: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة. فقد جاء فيها ما يلي: «و أنه لا يجير مشرك مالا لقريش، و لا نفسا، و لا يحول دونه على مؤمن» . و راجع: نشأة الدولة الإسلامية: ص 289-295.

و هم إليها أحوج منها إليهم.

و لأجل ذلك فإنهم لا يستطيعون في المستقبل المنظور على الأقل إلا أن يدوروا سياسيا في فلكها، و أن يخضعوا لسيطرتها.

و أما سائر قبائل العرب؛ فلا يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك، و قد جرب أن يعرف مدى استعدادهم لقبول دعوته، و الدفاع عنها؛ فوجد ما لا ينقع غلة، و لا يبل صدى، إن لم نقل إنه وجد ما يزيد الطين بلة، و الأمر خطورة.

و أما اليمن، و فارس، و الروم، و بلاد الشام و غيرها؛ فقد كانت خاضعة لسلطة الدولتين العظميين، اللتين لن يكون نصيب الرسول و الرسالة منهما سوى المتاعب و الأخطار الجسيمة.

و قد تكلمنا عن شيء من ذلك عند الحديث عن عوامل انتصار الإسلام و انتشاره في أواخر الباب الأول من هذا الكتاب.

و لسوف نرى أن كسرى قد حاول أن يقوم بعملية خطيرة تجاه الرسول و رسالته حينما أرسل إليه «صلى اللّه عليه و آله» يدعوه إلى الإسلام.

و أما الحبشة فهي بحكم موقعها الجغرافي مفصولة عن مكة، كما أنها بحكم واقعها الاجتماعي، و السياسي، و البشري، و العنصري، و بحكم كونها بلدا أفريقيا، فإنها ليست بلدا قادرا على أن يقود عملية التغيير العالمية الشاملة، لا اقتصاديا، و لا سياسيا، و لا عسكريا، و لا حتى فكريا، و اجتماعيا.

أضف إلى ذلك: أن مهاجمة مكة بجيش من الحبشة لسوف يدفع العرب كافة إلى الوقوف إلى جانب قريش ضده، بخلاف ما لو كانت عملية التغيير منطلقة من الداخل حينما يؤمن بدعوته الفقراء، و المستضعفون،

و يواجه هؤلاء الملأ و المستكبرين من قومهم بالذات.

و هكذا يتضح: أنه ليس ثمة إلا المدينة، و المدينة فقط، موقعا مناسبا للهجرة فكانت الهجرة إليها.

3-و من الجهة الأخرى، فإن المدينة كانت أغنى من مكة زراعيا، أي أنها لو فرض عليها أن تتعرض لضغط تجاري من نوع ما-مع أنه ليس باستطاعة مكة أن تفعل شيئا من ذلك-فإنها تستطيع أن تقاوم هذا الضغط، و تحتفظ لنفسها بنوع من الحياة، و لو بصعوبة ما، من دون أن تستسلم لإرادة الآخرين، و تنساق وراء رغباتهم، كما كان الحال بالنسبة لغيرها.

هذا عدا عن أن الدعوة التي تحتاج إلى نشاط واسع، و جهد شامل، لأنها تريد أن تقود عملية التغيير الشامل على مستوى عالمي-هذه الدعوة- تحتاج إلى استقرار اقتصادي داخلي، يستطيع أن يوفر الفرصة لحملة هذه الرسالة للحركة في سبيل نشر دينهم، و بث رسالتهم.

4-و إذا كان الحج من أهم تشريعات الإسلام؛ فما دامت مكة في أيدي الوثنيين؛ فإنه سوف يفقد أثره و فعاليته في مجال التربية السياسية، و الاجتماعية، و في غير ذلك من مجالات، و أيضا، فما دامت مكة في أيدي الوثنيين، فلسوف يبقى لهم نفوذ واسع في القبائل العربية، و قدسية من نوع ما في نفوسهم.

فلا بد إذا من إخراجها من أيديهم؛ لينتهي ما لهم من رصيد معنوي في نفوس الناس، و لتنفتح القلوب بكل ما لديها على الدين الجديد، و ليتمكن المسلم من أن يؤدي إحدى أعظم شعائره-الحج-بحرية تامة، دونما رادع أو زاجر.

و يدل على ذلك، ما يرويه الطبراني و غيره: أنه لما عرض النبي الإسلام على ذي الجوشن الضبابي، أبى أن يدخل فيه إلا أن يرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد غلب على الكعبة.

و في رواية أخرى، أنه قال له: «رأيت قومك قد كذبوك، و أخرجوك، و قاتلوك، فانظر ماذا تصنع؛ فإن ظهرت عليهم آمنت بك، و اتبعتك، و إن ظهروا عليك لم أتبعك» (1).

و بعد هذا، فإن أقرب المواقع إلى مكة هو المدينة، و هي التي تملك إلى جانب قوتها الاقتصادية كثافة سكانية جيدة، تستطيع أن تقوم بالمهمة التي توكل إليها تجاه مكة على أكمل وجه، و لا توجد هذه الميزة في أي من المناطق القريبة إلى مكة.

و نلاحظ: أن إيجاب الهجرة على من يسلم، قد جعل المدينة-بعد هجرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إليها-في حالة نمو سكاني مستمر، يؤهلها لتحمل مسؤولية بناء دولة، و حماية منجزاتها على المدى المنظور.

5-إن أهل المدينة كانوا في الأصل من مهاجري اليمن، التي كانت تمتلك شيئا من الحضارة البدائية في قديم الزمان، فهم ليسوا أعرابا؛ لتكون قلوبهم ممعنة في القسوة.

و لا كان ثمة زعامات و مصالح خطيرة لهم في المنطقة، كما كان الحال بالنسبة لقريش، و لا كانوا يعيشون في تلك الأجواء النفسية المعينة، كما


1) مجمع الزوائد ج 6 ص 68، و قال: «رواه عبد اللّه بن أحمد، و أبوه، و لم يسق المتن، و الطبراني و رجالهما رجال الصحيح، و روى أبو داود بعضه» انتهى.

كانت تعيش قريش؛ نتيجة لموقعها النسبي في العدنانية، و لموقعها في زعامة مكة، و حجابة البيت.

ثم هناك التنافس الظاهر بين العدنانية و القحطانية، حيث لا يسع القحطانيين، حتى و لو لم تكن ثمة دوافع دينية و عقيدية: أن يسلّموا النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أعدائه.

و يشهد لهذا: أننا نجد بقايا هذا التنافي حتى إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فنجد أن عمر بن الخطاب قد فضل العدنانية على القحطانية في العطاء، الأمر الذي مهد السبيل أمام الأمويين لاستغلال هذه الروح و إشعال الفتن بين اليمانية و القيسية، إبان حكمهم البغيض.

بينما نجد أمير المؤمنين «عليه السلام» لم يكن يرى لبني إسماعيل على بني إسحاق فضلا. (و لهذا البحث مجال آخر) .

6-ثم إن أهل المدينة قد ذاقوا مرارة الانحراف كأشد ما يكون، و قد أنهكتهم الحروب و أكلتهم، و يعيشون في رعب دائم و خوف مستمر، حتى إنهم ما كانوا يضعون السلاح لا في الليل و لا بالنهار (1).

و تقدم: أن الخزرج ذهبوا إلى مكة يطلبون الحلف من القرشيين فلم تلب قريش طلبهم.

و كانوا يتمنون من كل قلوبهم: أن يجدوا مخرجا من المأزق الذي يرون أنفسهم فيه، حتى إن أسعد بن زرارة لا يخفي لهفته على هذا الأمر؛ حيث قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما دعاه إلى الإسلام: «إنا من أهل يثرب


1) البحار: ج 19 ص 8 و 9 و 10، و أعلام الورى: ص 55.

من الخزرج، و بيننا و بين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك، و لا أحد أعز منك الخ. .» (1).

ثم و بعد أن دخل الإسلام إلى المدينة، فقد كان لا بد أيضا من الحفاظ على المسلمين فيها، و شد أزرهم، حتى يمكن لهم الاستمرار في نصرة هذا الدين، و إعلاء كلمة اللّه.

7-لقد كانت بشائر اليهود بقرب ظهور نبي في المنطقة قد جعلت الكل مستعدين لقبول هذا الدين.

و لكنهم يحتاجون إلى مناسبات دافعة، إلى ظروف مشجعة؛ فلماذا يهملهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يهيئ لهم الفرصة لذلك؟ ! .

8-هذا كله، عدا عن أن أهل المدينة أنفسهم قد طلبوا ذلك من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و بايعوه بيعة العقبة، و وعدوه النصر، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما يتصرف وفق الإرادة الإلهية التي لا تغيب عنها تلك المصالح و سواها.

فاللّه هو الذي يرعاه و يسدده، صلى اللّه عليه و على آله الطاهرين، هذا ما رأينا الإشارة إليه في هذا الصدد.

المؤاخاة بين المهاجرين:

و كتمهيد لعملية الهجرة، حيث يفترض أن يواجه المسلمون الكثير من المصاعب، التي تحتاج إلى التعاون و التعاضد بأعلى مراتبه، كانت عملية المؤاخاة التي أريد بها السمو بعلاقات هذا الإنسان عن المستوى المصلحي،


1) البحار: ج 19، و إعلام الورى: ص 57.

و جعلها علاقة إلهية تصل إلى درجة الأخوة؛ ليكون أثرها في التعامل بين المسلمين أكثر طبيعية، و انسجاما، و بعيدا عن النوازع النفسية التي ربما توحي للمعين و المعان بأمور من شأنها أن تعقد العلاقات بينهما نفسيا على الأقل.

و قد رأينا: أن البعض يتوهم ترتب التوارث على هذه المؤاخاة دون الرحم، و ذلك يدل على عمق تأثير هذا الحدث في المسلمين؛ في روحياتهم و في علاقاتهم على حد سواء.

و على كل حال، فلقد آخى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة فيما بين المهاجرين، على الحق و المواساة؛ فآخى بين أبي بكر و عمر، و بين حمزة و زيد بن حارثة، و بين عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و بين الزبير و ابن مسعود و بين عبادة بن الحارث و بلال، و بين مصعب بن عمير و سعد بن أبي وقاص، و بين أبي عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة، و بين سعيد بن زيد و طلحة، و بين علي «عليه السلام» و نفسه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: أما ترضى أن أكون أخاك؟ .

قال: بلى يا رسول اللّه رضيت.

قال: فأنت أخي في الدنيا و الآخرة (1).

و سيأتي إن شاء اللّه في الجزء الرابع من هذا الكتاب: أن النبي «صلى اللّه


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 20 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155 عن الإستيعاب. و راجع ايضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 353 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 14 و تلخيصه للذهبي.

عليه و آله» قد آخى بين المهاجرين و الأنصار بعد الهجرة.

و لسوف نذكر طائفة من مصادر حديث المؤاخاة هناك إن شاء اللّه و نذكر إنكار ابن تيمية و غيره لحديث مؤاخاة مهاجري لمهاجري، و جوابه، ثم نعلق على حديث المؤاخاة بما نراه مناسبا؛ فإلى هناك.

إبتداء هجرة المسلمين إلى المدينة:

و يقول المؤرخون: إن بيعة العقبة الثانية قد كانت قبل هجرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة بثلاثة أشهر.

و يقولون أيضا: إنه بعد أن عقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيعة العقبة الأولى-على الظاهر-مع أهل المدينة و لم يقدر أصحابه أن يقيموا بمكة بسبب إيذاء المشركين، و لم يصبروا على جفوتهم، رخص لهم «صلى اللّه عليه و آله» بالهجرة إلى المدينة.

و بقي «صلى اللّه عليه و آله» بمكة ينتظر أن يؤذن له.

فخرجوا أرسالا، حتى أذن اللّه سبحانه لنبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بالهجرة، كما سيأتي.

المثل الأعلى:

و جدير بالتسجيل هنا: أن نرى المسلم الحقيقي يضحي بوطنه الذي نشأ و عاش فيه، و بكل ما يملك من متاع الحياة الدنيا، و بعلاقاته الاجتماعية، و روابطه النسبية و يقدم على معاداة الناس كلهم، حتى آبائه، و إخوانه و أبنائه.

و يخرج من بلده و مسقط رأسه ليواجه مستقبلا يعرف أنه مليء

بالأحداث و الأخطار، كل ذلك في سبيل هدفه و دينه و عقيدته.

و هو أروع مثل نستفيده من عملية الهجرة، سواء في ذلك الهجرة إلى المدينة، أو الهجرة إلى الحبشة.

هجرة عمر بن الخطاب:

و مما يلفت النظر هنا ما يقال عن كيفية هجرة عمر بن الخطاب، حيث يروون عن علي «عليه السلام» أنه قال: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد بسيفه، و تنكب قوسه، و انتضى في يديه أسهما، و اختصر عنزته، و مضى قبل الكعبة، و الملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة؛ فقال: شاهت الوجوه، لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس، فمن أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي.

قال علي رضي اللّه عنه: فما تبعه أحد، ثم مضى لوجهه (1).

و نحن نقطع بعدم صحة هذا الكلام، لأن عمر لم يكن يملك مثل هذه الشجاعة، و ذلك:

أولا: لما تقدم في حديث إسلامه عن البخاري و غيره، من أنه حين أسلم اختبأ في داره خائفا، حتى جاءه العاص بن وائل، فأجاره، فخرج حينئذ.


1) منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 387 عن ابن عساكر، و السيرة الحلبية ج 2 ص 21 و 22، و أشار إلى ذلك في نور الأبصار ص 15. و كنز العمال ج 14 ص 221 و 222 عن ابن عساكر.

و في بدر تكلم و أساء الكلام، حيث كان يجبّن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين.

ثانيا: إن مواقفه الحربية كانت عموما غير مشجعة لنا على تصديق مثل هذا الكلام فلقد فر في أحد، و فر في حنين، رغم أنه يرى الخطر يتهدد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» فلا يلتفت إليه، و لا يفكر إلا في الحفاظ على نفسه.

و أما فراره في خيبر فهو أعجب و أعجب حيث إنه كان معه من يدافع و يحامي عنه.

أما في واقعة الخندق ففر فيها أيضا كما أنه لم يجرؤ على الخروج إلى عمرو بن عبد ود.

و حينما أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» سيفا في أحد، و قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ ! فطلبه أبو بكر و عمر، فلم يعطهما إياه. و أعطاه أبا دجانة. إلى غير ذلك مما لا مجال له هنا، و لسوف نشير إليه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى حين الكلام عن الغزوات المشار إليها.

و الغريب في الأمر: أننا لم نر و لم نسمع: أن عمر، و أبا بكر، و عثمان قد قتل واحد منهم أحدا، أو بارز إنسانا، و ما ذكر من ذلك قد ثبت عدم صحته.

كما أنه لم يجرح أي من هؤلاء و لا دميت له يد و لا رجل في سبيل اللّه، مع أن أعاظم صحابته «صلى اللّه عليه و آله» قد أصيبوا في اللّه و ضحوا في سبيله، الأمر الذي يشير إلى أن هؤلاء كانوا شجعانا في الرخاء، غير شجعان عند اللقاء.

ثالثا: لقد أشرنا فيما سبق إلى أنه لم يجرؤ على أن يأخذ رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» للمكيين في عام الحديبية، بحجة: أن بني عدي لا ينصرونه إن أوذي! !

فمن كانت هذه فعاله في تلك المواقع الصعبة هل يحتاج إلى بني عدي، أو إلى غيرهم؟ ! .

رابعا: قال أبو سفيان في فتح مكة للعباس، حينما كانا يستعرضان الألوية، فمر عمر و له زجل: «يا أبا الفضل، من هذا المتكلم؟ ! قال: عمر بن الخطاب.

قال: لقد أمر أمر بني عدي بعد-و اللّه-قلة و ذلة.

فقال العباس: يا أبا سفيان إن اللّه يرفع من يشاء بما يشاء، و إن عمر ممن رفعه الإسلام (1).

خامسا: إنهم متفقون على أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كان أشجع البشر دون استثناء، بل سيأتي أن بعضهم يحاول ادعاء أشجعية أبي بكر على سائر الصحابة-و إن كان سيأتي أن العكس هو الصحيح- و نحن نرى في حديث الهجرة أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يختفي في الغار، حذرا من المشركين، كما أن أبا بكر يخاف و يبكي، رغم كونه مع النبي الأعظم، الذي يتولى اللّه رعايته و حمايته، و ظهرت له آنئذ الكثير من المعجزات الدالة على ذلك.


1) مغازي الواقدي ج 2 ص 821 و عن كنز العمال ج 5 ص 295 عن ابن عساكر من طريق الواقدي.

و قد ذكر اللّه خوف و حزن أبي بكر في القرآن، فكيف يخاف أبو بكر و يحزن مع أنه إلى جانب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي يتولى اللّه حمايته و رعايته، مع ادعاء محبي أبي بكر أنه أشجع الصحابة بعد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» -نعم كيف يخاف أبو بكر و لا يخاف عمر؟ !

و لماذا يعمل الرسول بالحزم، و يراعي جانب الحذر من قريش، و لا يفعل ذلك عمر بن الخطاب؟ !

و لماذا لم يحم عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى يخرجه من مكة إلى المدينة؟ ! .

و لماذا يرضى عمر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتحمل كل هذه الصعاب و المشاق، حتى يتمكن من التخلص من الورطة التي هو فيها؟ !

بل إذا كان لعمر هذه الشجاعة و الشدة؛ فلماذا يضطر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الهجرة؟ فليحمه هذا البطل الشجاع، و ليرد عنه بعض ما كانت قريش تؤذيه به؟

مع أنه تقدم: أنه حينما أسلم لم يستطع أن يحمي نفسه حتى أجاره خاله، من مواصلة إلحاق الأذى به.

ثم إننا لا ندري لماذا لم يحدثنا التاريخ عن موقف مماثل لحمزة بن عبد المطلب، أسد اللّه و أسد رسوله، الذي شج رأس أبي جهل شجة منكرة، و عز المسلمون بإسلامه؟ ! .

و لماذا يترك النبي و الهاشميين محصورين في الشعب، يكادون يهلكون جوعا، و لا يجرؤ أحد على أن يوصل لهم شيئا من طعام؟ ! .

لأن عمر عند هؤلاء قد أسلم قبل الحصر في الشعب، و إن كنا أثبتنا في

ما تقدم بشكل قاطع: أنه قد أسلم قبل الهجرة بقليل. إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لن تجد لها عند هؤلاء الجواب المقنع و المفيد.

ما هي الحقيقة إذا؟ !

و لكن الحقيقة هي: أن هذا التهديد و الوعيد إنما كان من أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، حينما هاجر، و لحقه سبعة من المشركين في ضجنان و سيأتي تفصيل القضية حين الكلام على هجرة أمير المؤمنين علي «عليه السلام» بعد هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن أعداء علي «عليه السلام» لم يستطيعوا أن يتحملوا أن يروا هذه الكرامة له، و لا سيما بعد ما أثبت صحتها بمبيته على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الهجرة.

و كما كان يبيت على فراش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مدة ثلاث سنين، يقيه بنفسه حينما كانوا محاصرين في شعب أبي طالب «رحمه اللّه» .

فلما لم يكن إلى إنكارهم مبيته على الفراش سبيل أغاروا على فضيلته الأخرى-كعادتهم-فاستولوا عليها، و نسبوها إلى غيره-و عظموا من شأن أبي بكر في الغار-كما سيأتي حين الكلام على الهجرة إن شاء اللّه تعالى.

بل إنهم لم يرضوا إلا أن تكون فضيلة عمر على لسان عليّ نفسه، كما عودونا في مناسبات كهذه، فإن ذلك أوقع في النفس، و أبعد عن الشبهة، و أدعى إلى القبول. و لكن اللّه تعالى يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ (1)، و هكذا كان.


1) الآية 18 من سورة الأنبياء.

ماذا عن الهجرة إلى المدينة؟

لقد أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالهجرة إلى المدينة، تمهيدا لخروجه هو «صلى اللّه عليه و آله» إليها أيضا، و قال لهم: إن اللّه عز و جل قد جعل لكم إخوانا و دارا تأمنون بها، فهاجر إليها المسلمون، بعضهم سرا، و بعضهم علانية، مضحين بوطنهم، و بعلاقاتهم، و كثير منهم بثرواتهم، و مكانتهم الاجتماعية و كل شيء؛ في سبيل دينهم، و عقيدتهم.

و هذا معناه: أن الدين و العقيدة فوق و أغلى من كل شيء؛ فالوطن، و المال، و الجاه، و كل شيء لا قيمة له، إذا كان الدين مهددا بالخطر؛ لأن الحفاظ على الدين الصحيح، معناه الحفاظ على الوطن و المال و كل شيء، و بدونه يكون كل شيء في معرض الزوال، إن لم يكن عبئا، أو فقل: خطرا يتهدد هذا الإنسان في كثير من الظروف و الأحوال.

قريش و الهجرة:

و قد قدمنا بعض الكلام حول الهجرة، و موقف قريش منها حين الكلام على هجرة الحبشة فلا نعيد، و إذا كانت قريش قد قاومت الهجرة إلى الحبشة بذلك الشكل القوي، حتى لقد حاولت استرجاع المسلمين من أرض الحبشة، فماذا عساها يكون موقفها من الهجرة إلى المدينة، و التي ترى فيها أعظم الخطر على مصالحها، و على وجودها و مستقبلها؟ ! .

لقد حاولت أن تمنع المسلمين من الهجرة بمختلف الوسائل، فكانت تحبس من تظفر به منهم، و تفتنه عن دينه، و تمارس ضده مختلف أساليب القهر و القسوة، فلم تنجح و لم تفلح و هي من الجهة الأخرى ترى نفسها عاجزة عن التصفية الجسدية لأكثر المسلمين؛ لأن المهاجرين كانوا-عموما-من القبائل

المكية، و ليس قتل أي منهم إلا سببا في إثارة حرب أهلية بين المشركين أنفسهم، و هذا و لا شك ليس في مصلحة قريش في أي حال.

و يشهد لما ذكرناه ما حصل لأبي سلمة حينما خرج بزوجته و ولده، فقام إليه رجال من بني المغيرة فأخذوا زوجته منه؛ لأنها منهم، فثار بنو عبد الأسد، قبيلة الزوج؛ فانتزعوا سلمة من أمه (1).

و أدركت قريش: أن هذه الهجرة الواسعة سوف تعقبها هجرة الرسول الأعظم نفسه؛ ليمارس بحرية تامة عملية الريادة، و القيادة، و الهداية بشكل أوسع و أعمق.

و لسوف يحميه المدنيون بكل ما لديهم، فلم يكن لديها همّ إلا المنع من تحقق ذلك بأي وسيلة تقدر عليها، أو حيلة تهتدي إليها.


1) البداية ج 3 ص 169 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 215 و 216.

الفصل الثاني: هجرة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

المؤامرة:

و اجتمع أشراف قريش في دار الندوة، و لم يتخلف منهم أحد: من بني عبد شمس، و نوفل، و عبد الدار، و جمح، و سهم، و أسد، و مخزوم و غيرهم، و شرطوا: أن لا يدخل معهم تهامي، لأن هواهم كان مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» (1).

كما أنهم قد حرصوا: على أن لا يكون عليهم من الهاشميين، أو من يتصل بهم عين أو رقيب (2).

و تذكر الروايات: أن إبليس قد دخل معهم بصفة شيخ نجدي (3)، و تشاوروا فيما بينهم ما يصنعون بمحمد؟ فذكروا الحبس في الحديد، فرأوا أن من الممكن أن يتصل بأنصاره، و يطلقوا سراحه، و ذكروا النفي إلى بعض البلاد فرأوا أن ذلك يمكن الرسول من نشر دينه، فاستقر رأيهم أخيرا على اقتراح أبي جهل، أو إبليس بأن يأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا قويا، حسيبا


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 321 و السيرة الحلبية ج 2 ص 25، و راجع نور الأبصار ص 15.

2) راجع المصادر السابقة.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 3 ص 175 و تاريخ الخميس ج 1 ص 321 و 322.

في قومه، نسيبا، وسطا، و يعطى كل منهم سيفا صارما، و يدخلوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأسيافهم؛ فيضربونه ضربة رجل واحد، فيقتلونه و يتفرق دمه في القبائل، لأن بني عبد مناف لا يقدرون على حرب قومهم جميعا، فيضطرون إلى القبول بالدية، فيعطونهم إياها، و ينتهي الأمر.

و من الواضح: أنه حين يكون القاتل واحدا و من قبيلة بعينها، فإنه حتى لو أرادت بعض القبائل أن تتحالف مع قبيلة القاتل ضد الهاشميين، فسوف يجد بنو هاشم أيضا من القبائل الأخرى من يتحالف معهم، كما كان الحال بالنسبة لحلف المطيبين، مقابل حلف لعقة الدم.

لا سيما أن المواصفات المتقدمة التي اعتبروها في الرجال العشرة، إنما هي من أجل أن لا تفكر أية قبيلة في تسليم صاحبها، لأنها لو سلمته فسوف يصبح الهاشميون أكثر قدرة على ضرب قريش، مهما كانت الضربة محدودة.

كما أن هذه المواصفات التي ذكرت للقتلة، تجعل الذين يقدمون على اقتراف تلك الجريمة أكثر ثقة و إقداما على هذا الأمر الخطير، الذي لا يجوز التردد و لا الضعف و الوهن فيه.

و على كل حال، فقد أخبر اللّه تعالى نبيه بهذه المؤامرة عن طريق الوحي، و نزل قوله تعالى: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ (1).

و المكر الإلهي هنا: هو التدبير السري لإفشال عمل يعزم عليه الغير.


1) الآية 30 من سورة الأنفال.

مبيت علي عليه السّلام، و هجرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و يقول المؤرخون: إن أولئك القوم الذين انتدبتهم قريش، اجتمعوا على باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، -و هو باب عبد المطلب على ما في بعض الروايات (1)-يرصدونه، يريدون بياته.

و فيهم: الحكم بن أبي العاص، و عقبة بن أبي معيط، و النضر بن الحارث، و أمية بن خلف و زمعة بن الأسود و أبو لهب و أبو جهل و أبو الغيطلة و طعمة بن عدي، و أبي بن خلف، و خالد بن الوليد، و عتبة، و شيبة، و حكيم بن حزام، و نبيه، و منبه ابنا الحجاج (2).

لقد اختارت قريش من قبائلها العشر، أو الخمس عشرة، عشرة أو خمسة عشر رجلا، بل أكثر، على اختلاف النقل، ليقتلوا النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بضربة واحدة بسيوفهم، بل قيل: إنهم كانوا مئة رجل (3).

و نحن نستبعد هذا العدد الأخير، و ذلك لمخالفته لسائر الروايات الأخرى، مع أن ما ذكرته الرواية من أن عدد القبائل كان مئة قبيلة، لا نجد له ما يؤيده. و احتمال أن يكون قد خرج من كل قبيلة أكثر من واحد ينافيه التصريح بأن الخارجين كانوا واحدا من كل قبيلة.

و مهما يكن من أمر فإن المتآمرين تهيأوا و اجتمعوا، فأخبر اللّه تعالى نبيه


1) البحار ج 19 ص 73 عن الخرائج و الجرائح.

2) لقد وردت أسماء هؤلاء كلا أو بعضا في روايات مختلفة، في السيرة الحلبية ج 2 و البحار ج 19 ص 72 و 31 و مجمع البيان.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و نور الأبصار ص 15.

«صلى اللّه عليه و آله» بمكرهم.

فأمر «صلى اللّه عليه و آله» أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» بالمبيت على فراشه، بعد أن أخبره بمكر قريش، فقال علي «عليه السلام» : أ و تسلم بمبيتي هناك يا نبي اللّه؟

قال: نعم.

فتبسم علي «عليه السلام» ضاحكا و أهوى إلى الأرض ساجدا، شكرا للّه، فنام على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اشتمل ببرده «صلى اللّه عليه و آله» الحضرمي.

ثم خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في فحمة العشاء، و الرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون.

خرج «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يقرأ هذه الآية: وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ (1).

و كان بيده «صلى اللّه عليه و آله» قبضة من تراب، فرمى بها في رؤوسهم، و مر من بينهم، فما شعروا به، و أخذ طريقه إلى غار ثور.

و لعل هذه القبضة من تراب قد أشغلتهم بأنفسهم، و صرفت قلوبهم عن التدقيق في رصد موضوع خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا سيما مع وجود ظلمة قوية، فإنهم كانوا في فحمة العشاء، و تحتاج الرؤية فيها إلى المزيد من التنبّه إلى إحداد النظر في نقطة بعينها. .

و على كل حال، فإن الرواة قد زعموا: أن أبا بكر جاء و أمير المؤمنين


1) الآية 9 من سورة يس.

علي «عليه السلام» نائم، فقال: يا نبي اللّه، و أبو بكر يحسبه أنه نبي اللّه قال: فقال له علي: إن نبي اللّه، قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه، فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار (1).

و لعل الصحيح هو الرواية التي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد لقي أبا بكر في الطريق، و كان أبو بكر قد خرج ليتنسم الأخبار، و ربما يكون استصحبه معه، لكي لا يسأله سائل إن كان قد رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقر لهم بأنه رآه، ثم يدلهم على الطريق التي سلكها خوفا من أن يتعرض لأذاهم، أو خطأ، أو لأي داع آخر.


1) راجع في الفقرات الأخيرة: مناقب الخوارزمي الحنفي ص 73 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 133 و تلخيصه للذهبي بهامشه و صححاه، و مسند أحمد ج 1 ص 321، و تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 34، و شواهد التنزيل ج 1 ص 99 و 100 و 101، و تاريخ الطبري ج 2 ص 100، و تفسير البرهان ج 1 ص 207، و الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 30 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ط النجف ص 63، و السيرة الحلبية ج 2 ص 35، و مجمع الزوائد ج 9 ص 120 عن أحمد و رجاله رجال الصحيح غير واحد و هو ثقة، و عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و البحار ج 19 ص 78 و 93 عن الطبري و أحمد، و العياشي، و كفاية الطالب، و فضائل الخمسة ج 1 ص 231، و ذخائر العقبى ص 87، و كفاية الطالب ص 242. و قال: إن ابن عساكر ذكره في الأربعين الطوال، و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 186 و 190، و نقله المحمودي في هامشه عن: الفضائل لأحمد بن حنبل، حديث 291 و عن غاية المرام ص 66، عن الطبراني ج 3 في الورق 168/ب و في هامش كفاية الطالب عن: الرياض النضرة ج 2 ص 203. و أما الفقرات الأخرى فهي موجودة في مختلف كتب الحديث و التاريخ.

نقول هذا: إذ لا موجب لترجيح تلك الرواية على هذه، و لأننا لم نجد، ما يدل على علم علي «عليه السلام» بالمكان و الجهة التي توجه إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس ثمة ما يؤيد احتمال أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبره بشيء من ذلك.

على أن السؤال الأهم هو: كيف دخل أبو بكر إلى علي «عليه السلام» ؟ !

و من أين؟ !

و كيف لم يره خمسة عشر رجلا يرصدون البيت و قد طافوا بالدار؟ !

و إذا كانوا يرصدون، و ينظرون من خلل الباب إلى النائم، و رأوه كيف يتضور و هم يرمونه ببعض الحصى، فكيف لم يروا أبا بكر حين دخل إليه؟ !

و إذا كانوا قد رأوه، فهل سمعوا كلامه؟ !

و إذا كانوا قد سمعوه، و هم قريبون منه إلى حد أنهم يرمونه بالحصى، فلماذا لم يلحقوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» كما لحق به أبو بكر؟ !

و حين دخل أبو بكر هل كشف له عليّ «عليه السلام» رأسه، أم بقي مغطى، و إذا كان قد كشفه فهل رآه المشركون أم لا؟

و لماذا لم يروه؟ ! و إذا كانوا قد رأوه، فلماذا انتظروا إلى الصباح؟ !

و إذا كانوا قد سمعوا صوت عليّ و رأوه فكيف لم يعرفوه، و لم يميزوا بين الرجلين و لا بين الصوتين؟ !

و كيف رأوا تضوره و لم يروا شخصه. . و بعد الاجتماع بين أبي بكر و عليّ «عليه السلام» من أين خرج أبو بكر، و هل رأوه حين خرج أم لم يروه؟ !

إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لن تجد الجواب المقنع و المقبول.

و على كل حال، فقد روى الشيخ الطوسي: «أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر أبا بكر، و هند بن أبي هالة: أن ينتظرا في طريقه إلى الغار بمكان عينه لهما» (1).

و ذكر الراوندي: «أنه مشى و هم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس من خبره، و قد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم، فأخرجه معه إلى الغار» (2).

و إذا صح هذا؛ فيرد سؤال: كيف لم يخبر أبو بكر النبي بأمرهم؟ ! إلا أن يقال: إنه إنما جاء ليخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك.

و لكن الأهم من ذلك: كيف أطلعت قريش أبا بكر على تدبيرها مع حرصها الشديد على التكتم فيه، عن كل من له بالنبي أدنى صلة كما تقدم تصريح الديار بكري و غيره بذلك؟

قالوا: و جعل المشركون يرمون عليا «عليه السلام» بالحجارة، كما كانوا يرمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يتضور (أي يتلوى و يتقلب) ، و قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، فهجموا عليه، فلما بصر بهم عليّ «عليه السلام» قد انتضوا السيوف، و أقبلوا عليه، يقدمهم خالد بن الوليد، و ثب له عليّ «عليه السلام» ، فختله، و همز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر، و يرغو رغاء الجمل، و أخذ من يده السيف، و شد عليهم بسيف خالد، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى خارج الدار، و تبصروه، فإذا علي.


1) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 81 و البحار ج 19 ص 61.

2) راجع: البحار ج 19 ص 73 عن الخرائج و الجرائح.

قالوا: و إنك لعلي؟

قال: أنا علي.

قالوا: فإنا لم نردك؛ فما فعل صاحبك؟

قال: لا علم لي به (1).

فكان من الطبيعي أن يتراجعوا عنه، و أن يسرعوا إلى قومهم لإخبارهم بما جرى ليتدبروا الأمر قبل فوات الأوان.

و هكذا كان فقد هبت قريش لتدارك الموقف.

قريش في طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله:

فأذكت قريش العيون، و ركبوا في طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الصعب و الذلول، و اقتفوا أثره، حتى وصل القائف (2)إلى نقطة لحوق أبي بكر به، فأخبرهم أن من يطلبونه صار معه هنا رجل آخر.

و استمروا يقتفون الأثر حتى وصلوا إلى باب الغار، الذي كان مغطى بأغصان الشجرة. . فصرفهم اللّه عنه؛ حيث كانت العنكبوت قد نسجت على باب الغار، و باضت في مدخله حمامة وحشية، كما يذكرون، و غير ذلك فاستدلوا من ذلك على أن الغار مهجور، لم يدخله أحد، و إلا لتخّرق النسج، و تكسّر البيض، و لم تستقر الحمامة الوحشية على بابه (3).


1) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 82 و 83.

2) القائف: الذي يتتبع الآثار.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 328 و السيرة الحلبية ج 2 ص 37 و البداية و النهاية ج 3 ص 181 و 182.

الراحلتان بالثمن:

و أمهل أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الليلة القادمة؛ فانطلق تحت جنح الظلام، هو و هند بن أبي هالة، حتى دخلا الغار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر الرسول هندا أن يبتاع له و لصاحبه بعيرين.

فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي و لك يا نبي اللّه راحلتين تر تحلهما إلى يثرب.

فقال: إني لا آخذهما، و لا أحدهما إلا بالثمن.

قال: فهي لك بذلك.

فأمر عليا «عليه السلام» فأقبضه الثمن (1).

أداء الأمانات:

ثم أوصاه بحفظ ذمته، و أداء أماناته، و كانت قريش و من يقدم مكة من العرب في الموسم يستودعون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يستحفظونه أموالهم و أمتعتهم، و أمره أن ينادي صارخا بالأبطح غدوة و عشيا: «من كان له قبل محمد أمانة، فليأت، فلنؤد إليه أمانته» .

و قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي حينئذ، أي بعد أن ذهب الطلب عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه، حتى تقدم علي؛ فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، ثم إني مستخلفك على فاطمة


1) البحار ج 19 ص 62 و أمالي الطوسي ج 2 ص 83 و عدم قبوله «صلى اللّه عليه و آله» الراحلتين من أبي بكر إلا بالثمن لا يكاد يخلو منه كتاب يؤرخ للسيرة النبوية الشريفة و راجع وفاء الوفاء ج 1 ص 237.

ابنتي، و مستخلف ربي عليكما، و مستحفظه فيكما.

نفقات الهجرة:

فأمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» أن يبتاع رواحل له و للفواطم، و من أزمع الهجرة معه من بني هاشم.

قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد اللّه (يعني ابن أبي رافع) : أو كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يجد ما ينفقه هكذا؟ .

فقال: إني سألت أبي عما سألتني عنه-و كان يحدث لي هذا الحديث- فقال: و أين يذهب بك عن مال خديجة «عليها السلام» ؟ .

قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفك من مالها الغارم و العاني، و يحمل الكل، و يعطي في النائبة، و يرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، و يحمل من أراد منهم الهجرة (1).

و بعد أن أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الغار ثلاثا، إنطلق يؤم المدينة (2).


1) و لكن نفس هذا النص يرويه أصحاب الأهواء و التعصبات، و يبدلون فيه كلمة (خديجة) بكلمة (أبي بكر) ليثبتوا له فضيلة لا تؤيدها أي من النصوص و الوقائع بل هي على خلافها أدل كما أثبتناه.

2) أمالي الطوسي ج 2 ص 81 و 82 و البحار ج 19 ص 61 و 62.

شعر علي عليه السّلام بمناسبة المبيت:

و قال أمير المؤمنين «عليه السلام» يذكر مبيته على الفراش، و مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

وقيت بنفسي خير من وطا الحصاو من طاف بالبيت العتيق و بالحجر

محمد لما خاف أن يمكروا بهفوقاه ربي ذو الجلال من المكر

و بت أراعيهم متى ينشروننيو قد وطنت نفسي على القتل و الأسر

و بات رسول اللّه في الغار آمناهناك و في حفظ الإله و في ستر

أقام ثلاثا، ثم زمت قلائصقلائص يفرين الحصا أيما يفري

كل ما تقدم يذكره المؤرخون و أهل الحديث في كتبهم و مؤلفاتهم فليراجعها من أراد.

و لسوف يأتي إن شاء اللّه بعض الكلام حول سفره، و وروده قباء، و غير ذلك بعد الكلام على بعض الأمور التي ترتبط بما تقدم؛ فنحن نسجل هنا الأمور التالية:

المثل الأعلى للتضحية:

يقول بعضهم: «و هنا تبدأ قصة من أروع ما عرفه تاريخ الفداء و التضحية، فالشجعان و الأبطال يثبتون في المعارك في وجه أعدائهم، يدافعون بما لديهم من سلاح و عتاد مع أنصارهم و أعوانهم، و قد تضطرهم المعارك إلى أن يثبتوا في مقابل العدو، لا منفردين.

أما أن يخرج الإنسان إلى الموت طائعا مطمئنا بدون سلاح و لا عتاد،

و كأنه يخرج ليعانق غادة حسناء، فينام على فراش تحف به المخاطر و الأهوال، أعزل من كل شيء إلا من إيمانه، و ثقته بربه، و حرصه على سلامة القائد، كما حدث لعلي «عليه السلام» ، حينما عرض عليه ابن عمه محمد «صلى اللّه عليه و آله» أمر المبيت على فراشه؛ ليتمكن هو من الفرار، و التخلص من مؤامرة قريش؛ فهذا ما لم يحدث في تاريخ البطولات، و ما لم يعرف من أحد في تاريخ المغامرات، في سبيل المبدأ و العقيدة» .

و يقول: «و لم يكن مبيت عليّ ليلة الهجرة هي المرة الأولى؛ فلقد كان أبو طالب في أيام الحصار في الشعب ينيم عليا على فراش النبي، حتى إذا حصلت حادثة اغتيال، كان في عليّ دون النبي، و لم يكن ليمانع في ذلك أبدا بل كان يقدم عليه برضا نفس، و طيبة خاطر» (1).

و نقول: إننا لا نوافق على هذا التعبير الجاف الذي يقول: «ليتمكن هو من الفرار. .» فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يفر، و لكنه يهاجر لجمع القوى، و يعود ظافرا فاتحا بعد ثمان سنوات. .

المبيت، و الخلافة:

و الغريب هنا: أن نجد أحد من عرف بنصبه، و بالعداء لشيعة عليّ «عليه السلام» أو محبيه، يضطر لأن يعترف بأن قضية مبيته «عليه السلام» على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الهجرة، من الإشارات الواضحة إلى خلافته، فيقول:

«هذا الذي كان من عليّ في ليلة الهجرة، إذا نظر إليه في مجرى الأحداث


1) راجع: سيرة المصطفى ص 250 و 252.

التي عرضت للإمام عليّ في حياته بعد تلك الليلة؛ فإنه يرفع لعيني الناظر إمارات واضحة، و إشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن عارضا بالإضافة إلى عليّ، بل هو عن حكمة لها آثارها و معقباتها، فلنا أن نسأل:

أكان لإلباس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول و بين علي أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما؟ .

و هل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان عليا (كذا) هو الشخصية المهيأة لأن تخلف، و تمثل شخصه، و تقوم مقامه؟ . و أحسب أن أحدا قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه، و لم يقف عنده و قفتنا تلك حتى شيعة علي» (1).

قريش و علي عليه السّلام:

1-و نشير هنا: إلى أن الملاحظ: أن قريشا لم تصر على أمير المؤمنين في استنطاقها له عن مكان ابن عمه.

و ما ذلك إلا لأنهم قد علموا: أنهم إنما يحاولون عبثا، و يطلبون مستحيلا، فإن من كان يحمل مثل هذا الإخلاص، و مثل هذه التضحية النادرة في التاريخ لن يفشي لهم سرا قد ضحى بنفسه في سبيل كتمانه، لذلك نراهم قد أطلقوه و انصرفوا عنه يائسين (2).


1) علي بن أبي طالب، لعبد الكريم الخطيب 105 و 106.

2) راجع حياة أمير المومنين ص 105 و 106.

2-لقد كان علي في موقفه تجاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» مثلا أعلى للإنسانية الكاملة، فقد عرف الناس معنى الإخلاص، و ماهية التضحية، و حقيقة الإيمان.

حيث إنه يرى نفسه مقتولا على كل حال، إما لظن المشركين أنه رسول اللّه، فيخبطوه بأسيافهم ضربة رجل واحد، و إما انتقاما منه، حيث كان سببا لخلاص من سفه أحلامهم، و عاب آلهتهم، و فرق جماعتهم، و هم يعرفون أيضا حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» له و منزلته منه، فإذا قتلوه فإنما يقتلون أخاه و ابن عمه، و الرجل المخلص الذي يفديه بنفسه (1).

و أما انصرافهم عنه، بعد ظهور الأمر، فهو إما خوفا منه، بعد أن رأوا ما فعله بخالد، و إما من أجل توفير الفرصة للبحث عن غريمهم الأصلي و الأهم بالنسبة إليهم.

بقي هنا سؤال: و هو أنه إذا كان علي «عليه السلام» يعلم بأن حديث الدار يدل على أنه «عليه السلام» لن يقتل في هذه الحادثة، بل هو سوف يعيش إلى ما بعد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ليكون وصيه و خليفته من بعده، فلا تبقى له فضيلة في مبيته على فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الهجرة.

و الجواب: أولا: إن ذلك لا يمنع من حصول البداء في هذا الأمر حسبما أشرنا إليه في أوائل هذا الكتاب.


1) المصدر السابق ص 107 و 108.

ثانيا: إن ذلك لا يمنع من تعرضه «عليه السلام» للجراح و قطع الأعضاء و الأسر و التعذيب البالغ.

و هو أمر يتجنبه و يخشاه الناس و سيأتي بعد صفحات ما يؤيد الجواب الأول و أنه «عليه السلام» قد كان موطنا نفسه على القتل و الأسر و معنى ذلك هو أنه كان لا يقطع بالبقاء إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأجل إمكانية حصول البداء في هذا الأمر لما قلنا.

قريش و المبيت:

و يقول البعض أيضا: «إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة في تحديه لقريش هذا التحدي السافر، و في استخفافه بها، و قيامه بينها ثلاثة أيام يغدو و يروح إن ذلك لا تنساه قريش لعلي أبدا.

و لو لا أنها وجدت في قتله يومئذ إثارة فتنة تمزق وحدتها، و تشتت شملها، دون أن يكون في ذلك ما يبلغ بها غايتها في محمد «صلى اللّه عليه و آله» -لو لا ذلك-لقتلته، و شفت ما بصدرها منه، و لكنها تركته، و انتظرت الأيام لتسوي حسابها معه» (1).

و لقد كان حسابا عسيرا حقا، و لا سيما بعد أن أضاف إلى ذلك: أنه قتل رجالها، و جندل صناديدها، و بقي اليد الطولى لابن عمه يضرب بها هنا و هناك كل متكبر جبار، أين و أنى شاء.

و قد بدأ هذا الحساب العسير فور استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» ، و حتى قبل أن يغسل و يكفن و يدفن.


1) علي بن أبي طالب لعبد الكريم الخطيب ص 106.

مقايسة:

قلنا: إن مبيت أمير المؤمنين «عليه السلام» هذا قد ضيع الفرصة على قريش، و أفشل ما كانت دبرته في النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان أيضا سببا لتمكين الدين، و إعلاء كلمة الحق.

و أما أن يقاس ذلك بقضية ذبح إسماعيل، فلا يصح ذلك، لان إسماعيل قد استسلم لوالد شفيق رحيم، يجد في عطفه و حنانه ما يسليه عما ينزل به، و لا يجد منه أيا من أنحاء التنكيل، و القسوة و الخشونة.

أما علي «عليه السلام» ، فإنما استسلم لعدوه الذي لا يرحمه، و من لا يشفي غليله إلا سفك دمه، و صب أقسى أنواع العذاب و التنكيل عليه، مع شماتة قاتلة، و حقد هائل.

و قد تكلم الإسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ حول هذه القضية فراجعه (1)، و لو أردنا استقصاء الكلام حول هذه النقطة لطال بنا المقام.

إرادة اللّه:

لقد كان من الممكن أن ينصر اللّه رسوله من دون أن يضطر إلى اللجوء إلى الغار، و إلى مبيت علي «عليه السلام» على فراشه، و ذلك عن طريق آيات باهرة، و عنايات و معجزات قاهرة.

و قد ظهر أنه قادر على ذلك من خلال ما صنعه لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» من نسج العنكبوت، و من إنبات الشجر على باب الغار، ثم تردد الحمامة الوحشية على مكان قريب تنفر منه بحسب العادة.


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 و العثمانية للجاحظ في أواخرها.

و لكن لا، فقد شاءت العناية الإلهية أن تسير الأمور على سجيتها، و على وفق أسبابها الطبيعية، مع تسديدات و عنايات تشمل الأمور الخارجة عن حدود الطاقة، و ليكون ذلك مثلا لنا جميعا و درسا مؤثرا في الجد و العمل في سبيل الدين و العقيدة، فليس لنا أن ننتظر المعجزة من السماء، فاللّه لم يخطط لنبيه على أساس المعجزة و الكرامة و حسب، و لا تكرم عليه بها إلا بعد أن رأى منه الاستعداد و التضحية و المبادرة إليها، فاستحق اللطف الإلهي، و تحقق مصداق قوله تعالى: وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ (1)و إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ (2).

و أما السبب في أنه تعالى لم يخطط لنبيه على أساس التدخل المباشر، و الإعجاز: هو أنه حين يرتبط الأمر بحرية اختيار الناس لأعمالهم فلا بد من الحذر من أن يفهم الأمر بطريقة خاطئة، و هو أنهم مسلوبو الاختيار، و أن لا قدرة لهم على التصرف؛ و لأجل ذلك فإن التدخل الإلهي يقتصر على ما يكون من خارج دائرة اختيارهم، فهم قد فعلوا كل ما خطر في بالهم، فلم يمنع أعينهم من النظر و الرؤية، و لا أصم آذانهم عن السمع، و لا منع لسانهم من الحركة، و التفاهم، و لا شل حركة أيديهم عن حمل السلاح، و لا أقعدهم عن المشي في أي اتجاه أحبوا.

بل تصرف خارج دائرة اختيارهم، فخلق الشجرة التي تحتاج في الحالات الطبيعية إلى سنوات، و نسجت العنكبوت-التي يستغرق نسجها


1) الآية 40 من سورة الحج.

2) الآية 7 من سورة محمد.

إلى شهور-في وقت يسير. . تماما كما تدخل في قضية حرق النبي إبراهيم «عليه السلام» في خارج دائرة الاختيار، فقال للنار: يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً بعد أن فعل الناس كل ما راق لهم فجمعوا الحطب و جاؤوا بالمنجنيق، و أضرموا النار و. . الخ. .

لماذا التدخل الإلهي؟ !

و الذي نلاحظه: أن اللّه تعالى قد تدخل لحفظ نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بطريقة تحفظ للناس اختيارهم و إطلاق إرادتهم، غير أن السؤال عن السبب في هذا التدخل الذي يأتي على درجة من الندرة في حياة الأنبياء، فقد رأينا بني إسرائيل يقتلون الأنبياء، و لا يتدخل اللّه لمنعهم من ذلك.

و نقول في الجواب: إن تكرر هذا التدخل من شأنه أن يعطي الانطباع بأن لا قيمة لجهد و جهاد أهل الإيمان لحفظ الدعوة، و الدفاع عن رمزها. .

و هذا ما يؤدي إلى الخمول و التخاذل و إهمال الواجب، و طمع أهل الباطل بأهل الحق، و إعطائهم الفرصة للعبث و إثارة المتاعب أمامهم. .

مع ملاحظة: أن هذا التدخل قد انحصر في حالة واحدة هي حين يكون الخطر يتهدد الرمز الأعظم الذي يكون إسقاطه إسقاطا للمشروع الإلهي كله. . مثل إبراهيم «عليه السلام» و نبينا الأعظم محمد «صلى اللّه عليه و آله» . . دون غيرهما من الأنبياء «عليهم السلام» .

فكان لا بد من التدخل الإلهي؛ لأن القضية لا تختص بقوم دون قوم، بل الخسارة تكون للبشرية جمعاء. .

و لا يمكن التفريط في أمر كهذا لمنافاته اللطف الإلهي الذي يفرض إقامة الحجة على جميع البشر، و الرحمة لهم، بحفظ باب الهداية مفتوحا

أمامهم، و إقامة الحجة، و توفير البيانات و الحجج لهم.

و هذا حق محفوظ لهم، و لا يمكن حرمانهم من ذلك.

و لعلك تقول: ألا تعد غيبة الإمام «عليه السلام» حرمانا للبشر من حق لهم، بسبب تفريط جماعة صغيرة من الناس حين استشهاد أبيه الإمام الحسن العسكري صلوات اللّه و سلامه عليه. .

فالجواب: أن غيبة الإمام و إن كانت في البداية بسبب فعل مجموعة من الناس في وقت بعينه لكن استمرار موجبات هذه الغيبة إنما هو بفعل نفس الناس الموجودين في كل عصر، لأن بإمكانهم إزالة هذه الموجبات، و فسح المجال أمام إشراقة شمس ظهوره عجل اللّه تعالى فرجه الشريف.

بين النظرة المصلحية و الواقع:

و لقد وقع المشركون في تناقض عجيب، فهم في نفس الوقت الذي يصرون فيه على تكذيب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الافتراء عليه، حتى إنهم كانوا يقولون عنه: إنه مجنون، ساحر، شاعر، كاهن، الخ. . نراهم يأتمنونه على أموالهم و ودائعهم إلى الحد الذي يحتاج معه إلى أن يترك ابن عمه ينادي في الناس ثلاثة أيام؛ ليأتوا إليه و يأخذوا ودائعهم، و هل يؤمّن المجنون، و الكذاب، و الكاهن، و العدو؟ ! .

فإن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن عدم إيمان المشركين بما يدعوهم إليه ليس إلا استكبارا و عنادا، لا عن قناعة بعدم صحة ما جاءهم به، و قد قال تعالى: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ (1).


1) الآية 14 من سورة النمل.

أي أنهم كانوا يجحدون بما جاءهم به، إما زعما منهم أن في ذلك حفاظا على مصالحهم الشخصية و مستقبلهم، و إما تقليدا أعمى للضالين من آبائهم و أجدادهم، و إما حفاظا على امتيازاتهم، أو حسدا، أو غير ذلك.

و إن إبقاء علي «عليه السلام» في مكة ليؤدي للناس أماناتهم و ودائعهم، في ظروف حساسة و خطيرة جدا كهذه الظروف، لهو من أروع الأمثلة للإنسان الكامل، الذي يلتزم بمبادئه، و يحترم قناعاته، و لا يحيد عما رسمه اللّه له قيد شعرة، و لا يبحث عن المعذرات و الفرص، و إنما هو يعيش من أجل مبادئه العليا، و تحقيق أهدافها، و لا يعتبر المبدأ وسيلة لتحقيق مآربه و أهدافه.

نعم، لقد كان «صلى اللّه عليه و آله» أمينا عندهم، و سموه ب «الأمين» .

و كان ذلك من أبرز صفاته الشخصية حتى قبل نبوته، و ها هو يؤدي إليهم أماناتهم، مع أنهم يريدون نفسه و دمه، و محو كل آثاره من الوجود، و تشويه كل ما يرتبط به.

و لكن ذلك لا يحول بينه و بين أن يهتم بأمانات الناس، برهم و فاجرهم، و قد كان له كل العذر لو أنه لم يردها عليهم.

و بالمناسبة فإننا نعطي بعض المحققين الحق في أن يتعجب أو يستغرب، كيف لا يرى أحاديث عامة أهل السنة تهتم بهذه الصفة العظيمة، صفة الأمانة التي هي أساس إنسانية الإنسان؟

و لكن لا عجب من ذلك و لا غرابة فيه؛ فإن أحاديث «الحكمة» قد محيت أيضا و ذهبت منذ استشهد «صلى اللّه عليه و آله» بعناية و تعمد تام من قبل الخلفاء الحكام، و إلا فأين هذا الأمر الذي يخبر اللّه في أكثر من سبع آيات: أنه كان من جملة مهمات و وظائف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أيام

رسالته: وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ (1).

فقد عرفنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علم الناس الكتاب، و قد بقي هذا الكتاب بحفظ من اللّه: إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ (2).

و لكن أين هي تلك الحكمة التي علمها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأمته، و نحن نرى: أنه لم يبق منها عند علماء الإسلام و من يهتم بالأحاديث سوى نحو من خمس مئة حديث في أصول الأحكام و مثلها في أصول السنن (3)و هل كان من بينها شيء في الحكمة يا ترى؟ .

نعم، نحن نجد في أحاديث الأئمة الأطهار عليهم الصلاة و السلام الكثير من الحكمة، و من بينها الكثير من الأحاديث في الأمانة و الصدق الذي هو شعبة منها، و قد جعلوها محورا للأخلاق العملية، و اهتموا بها بصورة عجيبة و ظاهرة.

الأرض و المبدأ:

لقد رأينا: أن الأرض ليست هدفا في نظر الإسلام، و إنما الهدف هو الإسلام نفسه، فإن المقام في الأرض و الاحتفاظ بها، إذا كان معناه الذل و القهر، و الحرمان، و عدم تحقيق الأهداف الدينية السامية الكبرى، التي تكون بها سعادة الإنسان، فيجب ترك هذه الأرض و التخلي عنها إلى غيرها، من أجل الصلاح و الإصلاح، و بناء المستقبل، و الحصول على السعادة و الكرامة الحقيقية.


1) الآية 164 من سورة آل عمران.

2) الآية 9 من سورة الحجر.

3) مناقب الشافعي ج 1 ص 419 و عن الوحي المحمدي ص 243.

فالإنسان أولا، و كل ما عداه فإنما هو من أجله، و في خدمته.

و من معطيات الهجرة أيضا:

و بعد هذا، فإن قضية الهجرة تعطينا: وجوب نصر المسلمين بعضهم بعضا حيث رأينا أن المهاجرين قد استعانوا بإخوانهم الأنصار فأعانوهم و نصروهم على أعدائهم.

كما أنها تعطينا وجوب أن يكون المسلمون يدا واحدة على من سواهم، من دون أن يكون للروابط القبلية أي تأثير في ذلك، و وجوب أن يكون المنطلق لهم في تعاونهم و توادهم، و تراحمهم، و التأسي في المعاش فيما بينهم، هو الدين و العقيدة، لا الروابط القبلية، أو المصلحية، أو غير ذلك.

ثم هي تعطينا حسن التدبير، و دقة التخطيط الذي اتبعه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الظروف الحرجة و العصيبة، فإن مبيت أمير المؤمنين «عليه السلام» هو الذي جعل قريشا تطمئن إلى وجوده «صلى اللّه عليه و آله» على فراشه، حينما جاء من أخبر المحيطين بالبيت بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرج و انطلق لحاجته (1).

أبو طالب عليه السّلام في حديث الغار:

و قد جاء في بعض الروايات: أن أبا طالب «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما ائتمروا به: هل تدري ما ائتمروا بك؟

قال: يريدون أن يسجنوني، أو يقتلوني، أو يخرجوني.


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 100.

قال: من حدثك بهذا؟

قال: ربي.

قال: نعم الرب ربك الخ. . (1).

و نقول: إن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، لأن ائتمارهم به «صلى اللّه عليه و آله» قد كان بعد بيعة العقبة الثانية، و قبل الهجرة بقليل، أي في السنة الثالثة عشرة بعد البعثة، و أبو طالب قد توفي في السنة العاشرة من البعثة، أي بعد خروج المسلمين من الشعب.

إلا أن يقال: إن من الممكن أن يكونوا قد ائتمروا أن يفعلوا به ذلك أكثر من مرة، فأخبر اللّه تعالى نبيه بذلك، ثم عزموا على تنفيذ مؤامرتهم في وقت متأخر، و لعل الرواية المذكورة آنفا تؤيد ذلك.

مع آية الغار:

قال تعالى: إِلاّٰ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللّٰهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثٰانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي اَلْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا فَأَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلىٰ وَ كَلِمَةُ اَللّٰهِ هِيَ اَلْعُلْيٰا وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (2).

ربما يقال: إن هذه الآية تدل على فضل أبي بكر، لأمور:

منها: أنه عبر عن أبي بكر بأنه ثاني اثنين، بدعوى أنه أحد اثنين في الفضل، و لا فضل أعظم من كون أبي بكر قرينا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» .


1) الدر المنثور ج 3 ص 279 عن سنيد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ.

2) الآية 40 من سورة التوبة.

و منها: أنه جعل صاحبا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الصحبة في هذا المقام العظيم منزلة عظمى.

و منها: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا أي أنه معهما بلحاظ نصرته و رعايته، و من كان شريكا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في نصرة اللّه له، كان من أعظم الناس.

و منها: قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ فإن السكينة قد أنزلت على أبي بكر؛ لأنه هو المحتاج إليها، لما تداخله من الحزن، دون النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لأنه عالم بأنه محروس من اللّه سبحانه و تعالى (1).

و لكن ذلك كله لا يصح، و ذلك لما يلي: 1-إن عائشة تقول: ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن، غير أن اللّه أنزل عذري (2)و حتى عذرها هذا قد ثبت أنه لا يمكن أن يكون قد نزل فيها، كما أثبتناه في كتابنا حديث الإفك.

2-أما كونه ثاني اثنين، فليس فيه إلا الإخبار عن العدد، و هو لا يدل على الفضل، إذ قد يكون الثاني صبيا، أو جاهلا، أو مؤمنا، أو فاسقا الخ. .

و الفضيلة في القرآن منحصرة بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (3)، لا بالثانوية.


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 404 و 405.

2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 121، و تفسير ابن كثير ج 4 ص 159، و فتح القدير ج 4 ص 21، و الدر المنثور ج 6 ص 41 و راجع الغدير ج 8 ص 247.

3) الآية 13 من سورة الحجرات.

و يزيد العلامة المظفر: أنه لو كان المراد الإثنينية في الفضل و الشرف، لكان أبو بكر أفضل لأنه هو الأول، و النبي هو الثاني بمقتضى الآية! ! (1).

3-من الواضح: أن الهدف في الآية هو الإشارة إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» كان في موقف حرج، و لا من يرد عنه أو يدفع، أما رفيقه فليس فقط لا يرد عنه، و إنما هو يمثل عبئا ثقيلا عليه، بحزنه و خوفه و رعبه، فبدل أن يخفف عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يشد من أزره، يحتاج هو إلى أن يخفف نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه، و يسليه! ! أو على الأقل لم يكن له أي أثر في الدفاع عن الرسول، و التخفيف من المشقات التي يتحملها، إلا أنه قد زاد العدد، و صار العدد بوجوده اثنين.

4-أما جعله صاحبا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو أيضا لا فضيلة فيه؛ لأن الصحبة لا تدل على أكثر من المرافقة و الاجتماع في مكان واحد، و هو قد يكون بين العالم و غيره، و الكبير و الصغير، و بين المؤمن و غيره، قال تعالى: وَ مٰا صٰاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (2)، و قال: قٰالَ لَهُ صٰاحِبُهُ وَ هُوَ يُحٰاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ (3).

فالصحبة من حيث هي لا فضل فيها.

5-أما قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا؛ فقد جاء على سبيل الإخبار لأبي بكر؛ و التذكير له بأن اللّه تعالى سوف يحفظهم عن أعين المشركين، و ليس في


1) دلائل الصدق ج 2 ص 404.

2) الآية 22 من سورة التكوير.

3) الآية 37 من سورة الكهف.

ذلك فضيلة له، بل فيه إخبار بأن اللّه ينجيهم من أيدي أعدائهم، و لسوف ينجي اللّه أبا بكر مقدمة لنجاة نبيه، ما دام أن هذا متوقف على ذاك.

و هذا نظير ما أشارت إليه الآية الكريمة التي تقول: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ (1)إذن، فنجاة المشركين من العذاب لأجل النبي، أو لأجل وجود مؤمن مقيم فيما بينهم لا يوجب فضلا للمشركين.

6-إن هذا الحزن قد صدر منه-كما يقول المؤرخون-بعد ما رأى من الآيات الباهرة و المعجزات الظاهرة، التي توجب اليقين بأن اللّه يرد عن نبيه، و يحفظه من أعدائه.

فهو قد عرف بخروجه من بين القوم، و هم لا يرونه، و رأى نسج العنكبوت على باب الغار، و رأى الحمامة تبيض، و تقف على باب الغار، و غير ذلك، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخبر المسلمين بأنه ستفتح على يديه كنوز كسرى و قيصر، و أن اللّه سيظهر دينه، و ينصر نبيه، فحزن أبي بكر في مقام كهذا لا يمكن أن يكون على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه قد عرف بعد رؤيته لتلك الآيات أن اللّه سبحانه حافظ لنبيه، فإن كان بعد كل هذا غير مصدق بحفظ اللّه لنبيه غير واثق بنصرته له مع رؤيته لكل هذه الآيات فسيكون أمره مريبا، و في غاية الغرابة، و يكون حزنه معصية يجب أن يردع عنها و يمنع منها، و النهي عنها مولوي، و هو يكشف عن عدم رسوخ قدم له في معرفة جلال و عظمة اللّه، و لا نقول أكثر من ذلك.

و إن كان أبو بكر على يقين من نصرة اللّه لنبيه، لكنه حزن على نفسه،


1) الآية 33 من سورة الأنفال.

خوفا من أن يلحق به أذى من قبل قريش فإنه يحتاج في هذه الحال إلى التطمين، الذي أكد له أن اللّه تعالى عارف بحاله و بمطالبه الشخصية، و هو مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في مكان واحد، و يحتاج حفظ الرسول إلى حفظ من يكون معه، لأن التدخل الإلهي فيما يرتبط بإبعاد المشركين عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإيجاد الشجرة، و نسج العنكبوت إنما يسير من ناحية المشركين، وفقا للسنن الطبيعية، و لا يمكن وفقا لهذه السنن أن يفسح المجال للمشركين لرؤية أبي بكر إلا إذا رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جانبه.

و في هذا تفريط بالرسول و إفساد للخطة الإلهية، فظهر أن حفظ الرسول يستلزم حفظ من اجتمع معه في المكان أيضا.

لأن إفساح المجال للمشركين لرؤية أبي بكر سوف يمكنهم من رؤية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلا إذا طمس على أعينهم بتدخل إلهي مباشر و في هذا ظلم لهم لما فيه من سلب لاختيارهم.

و أخيرا. . فإننا نذكر القارئ بالفرق بين من يحزن خوفا على نفسه، و بين من يضحي بنفسه من أجل نجاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا يسأل عما سوف يصيبه إذا كتب اللّه لنبيه النجاة. . حتى استحق أن يباهي اللّه به ملائكته و أن ينزل فيه آية قرآنية تبين كيف باع نفسه للّه، و هو قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ (1).

و قد قيل: إن أبا بكر قال: يا رسول اللّه، إن حزني على أخيك علي بن أبي


1) الآية 207 من سورة البقرة.

طالب ما كان منه، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا (1).

7-أما قولهم إن النصر كان من اللّه لهما معا، فهو شريك للنبي في نصرة اللّه لهما، و هذا فضل عظيم.

فهو أيضا باطل، و يدفعه صريح الآية، فإنها قد خصت نصر اللّه تعالى- و لعله بمعنى أنه تعالى نجى نبيه من الكفار-بالرسول، قال تعالى: إِلاّٰ تَنْصُرُوهُ (الضمير يرجع إلى النبي «صلى الله عليه و آله») فَقَدْ نَصَرَهُ اَللّٰهُ إِذْ أَخْرَجَهُ. . . فالنصر إذن ثابت لخصوص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبو بكر تابع محض، و التبعية في النصرة إنما هي لأجل اجتماعهما في مكان واحد، و ذلك لا يدل على فضل لأبي بكر (2).

أو فقل: إن حفظه لأبي بكر إنما هو مقدمة لحفظ شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما قلنا.

8-و أما قضية السكينة، فلا يصح قولهم: إنها نزلت على أبي بكر، بل هي نازلة على خصوص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن الضمائر المتأخرة و المتقدمة في الآية كلها ترجع إليه «صلى اللّه عليه و آله» بلا خلاف، و ذلك في الكلمات التالية: تنصروه، نصره، يقول، أخرجه، لصاحبه، أيده، فرجوع ضمير في وسطها إلى غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون خلاف الظاهر، و يحتاج إلى قرينة قاطعة.

و يلاحظ هنا: أن ثمة تجاهلا ظاهرا لأبي بكر في هذه الآيات المباركة،


1) راجع ما تقدم في كنز الفوائد للكراجكي ص 204 و 205.

2) دلائل الصدق ج 2 ص 405.

يوحي بما ربما لا يروق للكثيرين أن يفكروا به.

كلام الجاحظ، و ما فيه:

و ناقش الجاحظ (1)و غيره فقالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى السكينة لتنزل عليه، و كأنه يريد أن يجعل من ذلك قرينة لصرف اللفظ عن ظاهره.

و لكنه كلام باطل.

أولا: قال تعالى في سورة التوبة في الآية 26 عن قضية حنين: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ . و قال في سورة الفتح في الآية 26: فَأَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ .

فهاتان الآيتان: تدلان على نزول السكينة عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا يصح ما ذكره الجاحظ.

و من جهة ثانية نرى: أنه تعالى قد ذكر نزول السكينة على المؤمنين فقال: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً. . (2).

و قال: فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (3).

و هنا قد يتساءل البعض عن سر إخراج أبي بكر من السكينة، و لم حرم منها هنا، مع أن اللّه قد أنزلها على النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا و عليه و على المؤمنين في غير هذا الموضع؟ ! !


1) العثمانية ص 107.

2) الآية 4 من سورة الفتح.

3) الآية 18 من سورة الفتح.

و أقول: لربما يمكن الجواب: بأن إنزالها على الرسول هنا يكفي؛ لأن في نجاته نجاة لصاحبه، و في خلاصه خلاصه.

و لكنه جواب متهالك، لأن السكينة إنما توجب اطمينان القلب، و ذهاب القلق، و هو أمر آخر غير النجاة و الخلاص.

فيبقى السؤال الآنف بانتظار الجواب. ثانيا: إن السكينة هي: نعمة من اللّه تعالى: و لا يجب في نزول النعمة الاتصاف بما يضادها، و لذلك تنزل الرحمة بعد الرحمة، و قد يكون نزول السكينة يهدف إلى زيادة الإيمان قال تعالى مشيرا إلى ذلك: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً. . .

ثالثا: من أين علموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى السكينة مع عدم وجود ما يدل عليه في الآية، فلتكن كآية حنين بمعنى أن هذه السكينة بمثابة الإعلام بأن مرحلة الخطر القصوى قد انتهت؟ !

و لماذا لا يظن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن حزن أبي بكر، و رعبه و خوفه، و بكاءه، قد كان لمشاكل أخرى و هو «صلى اللّه عليه و آله» و إن كان يعلم: أنه سوف ينجو منها في النهاية، إلا أنها تشكل على الأقل عراقيل و موانع، تؤخر وصوله إلى هدفه الأقصى و البعيد.

رابعا: يرى العلامة الطباطبائي: أن الآية مسوقة لبيان نصر اللّه تعالى لنبيه، حيث لم يكن معه أحد يتمكن من نصرته، و من هذا النصر إنزال السكينة عليه، و تقويته بالجنود، و يدل على ذلك تكرار كلمة «إذ» ثلاث مرات، كل منها بيان لما قبله بوجه، فتارة لبيان وقت النصر، و أخرى لبيان حالته «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثالثة لبيان وقت هذه الحالة؛ فالتأييد بالجنود

كان لمن نزلت السكينة عليه (1).

و يقول بعض الأعلام (2): «إن أبا بكر لما لم يستجب لطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أن لا يحزن و لا يخاف، فإن السكينة نزلت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بقي أبو بكر على عدم سكينته، الأمر الذي يدل على أن أبا بكر لم يكن مؤهلا لهذا التفضل و التكرم من اللّه تعالى» .

ماذا يقول المفيد هنا، و بماذا يجيبون؟ !

و يقول المفيد، و غيره: إن حزن أبي بكر إن كان طاعة للّه؛ فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينهى عن الطاعة؛ فلم يبق إلا أنه معصية (3).

و أجاب الحلبي و غيره: بأن اللّه خاطب نبيه بقوله: وَ لاٰ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ فنهي اللّه لنبيه لم يكن إلا تأنيسا و تبشيرا له، و كذلك نهي النبي لأبي بكر (4).

و نحن نرى أن جواب الحلبي هذا في غير محله، و ذلك: لأن حزن أبي بكر، و شكه في نصر اللّه، الذي يشير إليه قوله «صلى اللّه عليه و آله» له: إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا كان مما لا يجمل و لا يحسن؛ إذ كان عليه أن يثق بنصر اللّه سبحانه و تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد ما رأى المعجزات الظاهرة، و الآيات الباهرة، الدالة على أن اللّه تعالى سوف ينجي


1) راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 280 ط بيروت.

2) هو العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» .

3) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 119 و كنز الفوائد للكراجكي ص 203.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 38.

نبيه من كيد المشركين.

و عليه فلا يمكن أن تكون الآية واردة في مقام مدحه و تقريظه، و لا بد من حمل النهي على ما هو ظاهر فيه، و لا يصرف عن ظاهره إلا بقرينة، بل ما ذكرناه يكون قرينة على تعين هذا الظاهر.

و لا يقاس حزن أبي بكر بحزن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المشار إليه بقوله تعالى: وَ لاٰ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ و غيرها، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يحزن من أجل ما يراه من العوائق أمام دعوته، و الموانع التي تعترض طريق انتشار و انتصار دينه، لما يراه من استكبار قومه، و مقامهم على الكفر و الطغيان.

فالنهي له «صلى اللّه عليه و آله» في الآية المتقدمة، و لموسى «عليه السلام» في آية أخرى، ليس نهي تحريم، و إنما هو تأنيس و تبشير بالنصر السريع لدينه، و للتنبيه على عدم الاعتناء بقولهم، و عدم استحقاقهم للحزن و الأسف.

فحزن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا يدل على عمق إيمانه، و فنائه في ذات اللّه تعالى، و هو لا يقاس بحزن من يحزن من أجل نفسه، و من أجل نفسه فقط.

و الآيات صريحة فيما نقول: فنجد آية تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحزن لمسارعة قومه في الكفر: وَ لاٰ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ. . (1)

و وَ مَنْ كَفَرَ فَلاٰ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ (2)و أخرى تقول إنه يحزن لما بدا له من تكذيبهم


1) الآية 176 من سورة آل عمران، و الآية 41 من سورة المائدة.

2) الآية 23 من سورة لقمان.

إياه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ. . (1).

و ثالثة تقول: إنه كان يحزن لاتخاذهم آلهة من دون اللّه فَلاٰ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّٰا نَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ وَ مٰا يُعْلِنُونَ (2). و هكذا سائر الآيات، كما لا يخفى على من لاحظها.

فالآيات على حد قوله تعالى: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (3)فهو حزن حسن منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يدل على كمال صفاته، و سجاحة (4)أخلاقه، صلوات اللّه عليه و آله الطاهرين.

أضف إلى كل ما تقدم: أننا لو لم نعرف واقع حزن أبي بكر، فإننا لا يمكن أن نقيسه على حزن النبي المعصوم، بل علينا أن نأخذ بظاهر النهي، و هو التحريم، و لا يعدل عن ظاهره إلا بدليل.

سؤال يحتاج إلى جواب:

و إذا كان أبو بكر يحزن مع ما يرى من الآيات و المعجزات، و لا يصبر لينال أجر الصابرين الموقنين، فكيف تكون حالته لو أراد أن ينام في مكان أمير المؤمنين علي «عليه السلام» في تلك الليلة المهولة؟ ! و هل من الممكن أن لا يضعف و ينهار أمام كيد قريش، و يستسلم لجبروتها في اللحظات العسيرة، و لتنقلب من ثم مجريات الأمور رأسا على عقب؟ .


1) الآية 33 من سورة الأنعام.

2) الآية 76 من سورة يس.

3) الآية 8 من سورة فاطر.

4) السجاحة: السهولة و اللين و الإعتدال.

هذا السؤال يطرح نفسه، و ربما لا، و لن يجد الجواب الكافي و الشافي في المستقبل القريب على الأقل.

سؤال آخر: و هو أنه هل يمكن أن نصدق بعد هذا ما يدعى من أشجعية أبي بكر بالنسبة لسائر الصحابة؟ !

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى حين الكلام على غزوة بدر، بعض ما يرتبط بهذا السؤال الثاني، فإلى هناك.

تحير أبي بكر في حراسته للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

و يقولون: إن أبا بكر كان في الطريق إلى الغار، تارة يمشي أمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخرى خلفه، و ثالثة عن يمينه، و رابعة عن يساره؛ فسأله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فقال: يا رسول اللّه، أذكر الرصد فأكون أمامك، و أذكر الطلب فأكون خلفك، و مرة عن يمينك، و مرة عن يسارك، لا آمن عليك (1).

و هذا كلام لا يصح.

أولا: لأن حزنه في الغار، و خوفه و هو يرى الآيات و المعجزات التي يذكرها نفس هؤلاء الراوين لهذه الرواية قد زاد في كدر النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لقد احتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن ينزل اللّه سكينته عليه.

ثانيا: عدا عن ذلك فإنه لا معنى لتخوف الرصد، فقد كانت قريش مطمئنة إلى أنها تحاصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحيط به، و أنه لن تكون


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 326، و السيرة الحلبية ج 2 ص 34.

له نجاة من مكرها و كيدها، ثم هل كان لديه سلاح يدفع به عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو عن نفسه؟ ! .

ثالثا: أضف إلى ذلك كله: فراره في أحد، و حنين، و خيبر، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى، و لم يؤثر عنه فيما سوى ذلك أي موقف شجاع يذكر، و قد يكون للقصة أصل إذا كان يفعل ذلك من جهة خوفه على نفسه، فكان يبحث عن موقع يشعر فيه بالأمن فلا يجده! ! ثم حرفت و حورت حتى صارت كما ترى، فتبارك اللّه أحسن الخالقين! !

التأكيد على موقف أبي بكر.

و إننا نكاد نطمئن إلى أن الهدف من هذا و سواه هو تعويض أبي بكر عما فقده، في مقابل مبيت علي «عليه السلام» على فراش النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث باهى اللّه به ملائكته، و هو مقام ناله علي «عليه السلام» بجهاده و صبره، و إخلاصه.

من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه؟ !

قد ورد: أن اللّه تعالى أوحى إلى جبرائيل و ميكائيل: إني آخيت بينكما، و جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة.

فأوحى اللّه إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه و بين محمد «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فبات على فراشه يفديه بنفسه، و يؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوه.

فنزلا، فكان جبرائيل عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه، و جبرائيل

ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللّه به الملائكة؟

فأنزل اللّه عز و جل: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ (1).


1) الآية 207 من سورة البقرة. و الرواية في: أسد الغابة ج 4 ص 25، و المستجاد للتنوخي ص 10، و ثمرات الأوراق ص 303، و تفسير البرهان ج 1 ص 207، و إحياء العلوم ج 3 ص 258، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 39، و كفاية الطالب ص 239، و شواهد التنزيل ج 1 ص 97، و نور الأبصار ص 86، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، و تذكرة الخواص ص 35 عن الثعلبي، و تاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 326، و البحار ج 19 ص 39 و 64 و 80 عن الثعلبي في كنز الفوائد و عن الفضائل لأحمد ص 124 و 125، و عن الروضة ص 119. و هي أيضا في: المناقب للخوارزمي ص 74 و ينابيع المودة ص 92 عن ابن عقبة في ملحمته و قال في حبيب السير ج 2 ص 11: إن ذلك مذكور في كثير من كتب السير و التاريخ. و الرواية في تاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 458 و التفسير الكبير ج 5 ص 204 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 21 و السيرة الحلبية ج 3 ص 168، و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 159 و فرائد السمطين ج 1 ص 330 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 4 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس الصفحة، و مسند أحمد ج 1 ص 331 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» ، من تاريخ دمشق تحقيق المحمودي ج 1 ص 137 و 138، و المناقب للخوارزمي ص 74 و دلائل الصدق ج 2 ص 81 و 82 و الأمالي للطوسي ج 2 ص 84 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 310 و راجع ص 178 و 82. و راجع الإرشاد للمفيد ص 31 و روضة الواعظين ص 107 و خصائص الوحي المبين ص 94 و 93 و راجع ص 91 و العمدة لابن البطريق ص 240 و راجع ص 238 و رواه في: غرائب القرآن للنيسابوري بهامش جامع البيان ج 2 ص 291 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 60 و نقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل ج 1 ص 97 عن غاية المرام ص 346 باب 45 و عن تفسير أبي الفتوح الرازي ج 2 ص 152 و نقله المرعشي في ملحقات إحقاق الحق و التعليقات عليه ج 3 ص 24-34 و ج 8 ص 339 و ج 6 ص 479 و 481 و ج 20 ص 109-114 و ج 14 ص 116 عن عدد ممن قدمنا. و عن المصادر التالية: اللوامع ج 2 ص 376 و 375 و 377 عن المجمع و المباني، و عن أبي نعيم و الثعلبي و غيرهم و عن البحر المحيط ج 2 ص 118 و عن معارج النبوة ج 1 ص 4 و عن مدارج النبوة ص 79 و عن مناقب المرتضوي ص 33، و عن روح المعاني ج 2 ص 73 عن الإمامية و بعض من غيرهم و عن مرآة المؤمنين ص 45 و عن تلخيص المتشابه في الرسم، للخطيب البغدادي ج 1 ص 414 و عن إمتاع الأسماع ص 38، و عن مقاصد الطالب ص 7 و عن وسيلة النجاة ص 78 و عن المنتقى للكازروني ص 79 مخطوط. و عن روض الأزهر ص 371 و عن أرجح المطالب ص 70 و 507 و 407 و عن إتحاف السادة المتقين ج 8 ص 202 و عن مفتاح النجا في مناقب آل العبا: ص 23 مخطوط و عن روض الأحباب للهروي ص 185 و عن تفسير الثعلبي و عن السيرة المحمدية للكازروني مخطوط و عن مكاشفة القلوب ص 42 و عن توضيح الدلائل ص 154 مخطوط و عن الكوكب المضي ص 45 مخطوط و عن غاية المرام في رجال البخاري سيد الأنام ص 71 مخطوط و عن الكشف و البيان و عن المختار في مناقب الأخيار ص 4 مخطوط و عن مناهج الفاضلين للحمويني مخطوط. و قال ابن شهر آشوب: إن هذا الحديث قد رواه الثعلبي، و ابن عاقب في ملحمته و أبو السعادات في فضائل العشرة، و الغزالي في الإحياء، و في كيمياء السعادة عن عمار، و ابن بابويه، و ابن شاذان و الكليني، و الطوسي، و ابن عقدة، و البرقي، و ابن فياض، و العبدلي، و الصفواني و الثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس، و أبي رافع و هند بن أبي هالة. و الغدير ج 2 ص 48 عن بعض من تقدم، و عن: نزهة المجالس ج 2 ص 209 عن السلفي، و نقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل عن بعض من تقدم و عن أبي الفتوح الرازي ج 2 ص 152 و غاية المرام باب 45 ص 346. و أشار إليه مغلطاي في سيرته 31، و المستطرف، و كنوز الحقائق ص 31. و راجع دلائل الصدق ج 2 ص 81 و 82.

قال الإسكافي: «و قد روى المفسرون كلهم: أن قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ. . نزلت في علي «عليه السلام» ليلة المبيت على الفراش» (1).

كذبة مفضوحة:

و بما ذكرناه من المصادر لنزول آية الشراء في علي «عليه السلام» ، و بما ذكره الإسكافي أيضا يظهر كذب ما ذكره فضل بن روزبهان، من أن أكثر المفسرين يقولون: إن الآية قد نزلت في الزبير و المقداد، حيث أرسلهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة لينز لا خبيب بن عدي عن الخشبة التي صلب عليها، و كان حول خشبته أربعون من المشركين، فخاطرا بنفسيهما حتى أنزلاه، فأنزل اللّه الآية (2).

و يذكر المظفر: أن المفسرين لم يذكروا ذلك، حتى السيوطي، و الرازي، و الكشاف، مع أن الرازي قد جمع في تفسيره كل أقوالهم، و السيوطي جمع


1) راجع: شرح النهج ج 13 ص 262.

2) سيأتي ذلك مع مصادره و مع ما فيه من وجوه ضعف في هذا الكتاب في فصل: جثة خبيب.

عامة رواياتهم.

و ذكر في الإستيعاب في ترجمة خبيب: أن الذي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإنزاله هو عمرو بن أمية الضمري (1).

و سيأتي: عدم صحة ذلك في الجزء السادس من هذا الكتاب.

و ابن تيمية ماذا يقول؟ !

و قد أنكر «ابن تيمية» على عادته في إنكار فضائل أمير المؤمنين علي «عليه السلام» و قال: «كذب باتفاق أهل العلم بالحديث و السير.

و أيضا قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له: لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فلم يكن فيه فداء بالنفس، و لا إيثار بالحياة، و الآية المذكورة في سورة البقرة، و هي مدنية باتفاق.

و قد قيل: إنها نزلت في صهيب «رضي اللّه عنه» لما هاجر» (2).

و نقول: 1-إن كانت الآية مدنية بالنسبة إلى علي «عليه السلام» ، فهي أيضا مدنية بالنسبة إلى صهيب، فما يقال هناك يقال هنا.

2-لقد أجاب الإسكافي المعتزلي على دعوى الجاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : لن يصل إليك شيء تكرهه! فقال: «هذا هو الكذب الصراح، و الإدخال في الرواية ما ليس منها، و المعروف


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 82.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 27.

المنقول أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: «فاضطجع في مضجعي، و تغش ببردي الحضرمي، فإن القوم سيفقدونني، و لا يشهدون مضجعي، فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك، حتى يصبحوا، فإذا أصبحت فاغد في أمانتي» .

و لم ينقل ما ذكره الجاحظ، و إنما ولده أبو بكر الأصم، و أخذه الجاحظ، و لا أصل له.

و لو كان هذا صحيحا لم يصل إليه منهم مكروه، و قد وقع الاتفاق على أنه ضرب، و رمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو، حتى تضور، و أنهم قالوا له: رأينا تضورك الخ. .» (1).

هذا و قد تقدم في أوائل هذا الفصل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما قال لعلي «عليه السلام» : إنه لا يصل إليه شيء يكرهه، بعد مبيته على الفراش، و ذلك حينما التقى معه في الغار، و أمره برد و دائعه، و أن ينادي في مكة بذلك، و طمأنه إلى أن نداءه هذا لن يتسبب له بمتاعب و صعوبات و ليس المقصود: أنه لن يناله مكروه من أي مشرك في جميع الأحوال و الأزمان.

3-و يدل على أنه كان موطنا نفسه على القتل ما يلي:

أ-إنه لو صح ما ذكره ابن تيمية لم يكن معنى للافتخار بموقفه ذاك؛ فقد روي أن عائشة فخرت بأبيها، و مكانه في الغار مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال عبد اللّه بن شداد بن الهاد: و أين أنت من علي بن أبي طالب، حيث نام في مكانه، و هو يرى أنه يقتل؟ فسكتت، و لم تحر جوابا (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 263.

2) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 62، و البحار ج 19 ص 56 عنه.

ب-و عن أنس: أنه «عليه السلام» كان موطنا نفسه على القتل (1).

ج-إن عليا «عليه السلام» نفسه قد أكد على هذا، و دفع كل شبهة فيه، حينما قال شعره المتقدم:

وقيت نفسي خير من وطأ الثرى. . . . .

إلى أن قال:

و بت أراعيهم متى يثبتوننيو قد وطنت نفسي على القتل و الأسر

و بات رسول اللّه في الغار آمناهناك و في حفظ الإله و في ستر (2)

د-و عنه «عليه السلام» : «و أمرني أن أضطجع في مضجعه، و أقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له، مسرورا لنفسي بأن أقتل دونه، فمضى «صلى اللّه عليه و آله» لوجهه، و اضطجعت في مضجعه، و أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما استوى بي و بهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي؛ فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه اللّه و الناس.


1) المصدران السابقان.

2) نور الأبصار ص 86، و شواهد التنزيل ج 1 ص 102، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 4 و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، و أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83، و تذكرة الخواص ص 35، و فرائد السمطين ج 1 ص 330، و مناقب الخوارزمي ص 74 و 75، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، و البحار ج 19 ص 63، و تاريخ الخميس ج 1 ص 325. و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) و المصادر لهذا الشعر كثيرة جدا لا مجال لتتبعها.

ثم أقبل على أصحابه، فقال: أليس كذلك، قالوا: بلى يا أمير المؤمنين» (1).

و قيل إنهم ضربوا عليا، و حبسوه ساعة، ثم تركوه (2).

ملاحظة: يمكن أن يفهم مما تقدم: أن الحديث الذي يقول: إنه «عليه السلام» قد حاربهم بسيف خالد موضع شك و ريب، لأنه إنما حاربهم بسيفه هو لا بسيف خالد.

إلا أن يقال: أن نسبته إليه لا تدل على ملكيته له.

و قد يكون حاربهم بسيفه أولا، ثم سيف خالد ثانيا بعد أن أخذه منه و إن كان هذا الاحتمال ضعيفا.

4-و بعد، فإن قيمته «عليه السلام» إنما هي قائمة في عمق ذاته، من حيث صفاء جوهره، و كامنة في عمق ذاته، تماما كما هي قيمة الذهب و الجوهر، و الألماس بالقياس إلى الحديد و النحاس، فإنك تستخدم الحديد، و تستفيد منه ليل نهار، أما الجوهر و الألماس، فإنه يحتفظ بقيمته العالية رغم أنه في أعماق الخزائن، و قد يستفاد منه في شيء من الأعمال إلا ما شذ و ندر، و هو في معرض المدح و الثناء، و لا يلتفت إليه.

و لأجل ذلك نقول: إن نزول الآية لتعظيم أمير المؤمنين «عليه السلام» يكون أمرا عاديا و صحيحا، حتى لو لم يكن علي حاضرا في واقعة ليلة الهجرة، لأن عليا يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه دون كل أحد سواه.


1) البحار ج 19 ص 45 عن: الخصال ج 2 ص 14 و 15.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 325.

5-و أما دعوى ابن تيمية: أن حديث حراسة جبرائيل و ميكائيل له «عليه السلام» ، و نزول الآية فيه، كذب باتفاق أهل العلم بالحديث و السير.

فلا تصح أصلا، فإننا لم نجد أحدا منهم صرح بكذب هذه الرواية سواه، فهو يدعي عليهم ما لا يعرفون، و ينسب إليهم ما هم منه بريئون.

بل عرفت تصحيح الحاكم و الذهبي لهذا الحديث، و تقدم أيضا طائفة كبيرة من الذين رووه من كبار العلماء و الحفاظ، من دون غمز فيه أو لمز.

إلا أن يكون شيطان ابن تيمية قد أوحى إليه بأن ينسب إليهم ما هم منه براء.

6-و أجاب الحلبي عن كلام ابن تيمية بقوله: «. . لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي ما ذكر؛ أي لن يصل إليك شيء تكرهه و عليه فيكون فداؤه للنبي بنفسه واضحا.

و لا مانع من تكرار نزول الآية في حق علي، و في حق صهيب. و حينئذ يكون «شرى» في حق علي «رضي اللّه عنه» بمعنى باع، أي باع نفسه بحياة المصطفى، و في حق صهيب بمعنى اشترى، أي اشترى نفسه بماله.

و نزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية؛ لأن الحكم يكون للغالب» (1). انتهى.

و لكن بعض ما أجاب به الحلبي محل نظر؛ فإن استعمال شرى بمعنى باع تارة و بمعنى اشترى أخرى محل نظر؛ لأنه يلزم منه استعمال المشترك في أكثر من معنى، و قد منعه طائفة من العلماء.

و إن كنا نحن نرى: أنه لا مانع من ذلك؛ إلا ما كان من قبيل


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 27.

الاستعمال في المعنى الحقيقي و المجازي معا، و شاهدنا على ذلك صحة التورية و شيوعها في كلام العرب، فإذا لم نجز استعمال المشترك في معنيين لم يصح كلام الحلبي حتى و إن كانت الآية قد نزلت مرتين لأن محل الكلام إنما هو في قراءتنا نحن للآية، و كيفية فهمنا لها.

هذا عدا عن أن صهيبا لا خصوصية له في بذله ماله، فإن كثيرا من المهاجرين قد تخلوا عن أموالهم للمشركين و هاجروا فرارا بدينهم.

و عن قضية صهيب نقول:

لقد رووا: أنه لما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخروج إلى الغار أرسل أبا بكر مرتين أو ثلاثا إلى صهيب فوجده يصلي، فكره أن يقطع صلاته، و بعد أن جرى ما جرى عاد صهيب إلى بيت أبي بكر، فسأل عن أخويه: النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبي بكر، فأخبروه بما جرى، فأراد الهجرة وحده، و لكن المشركين لم يمكنوه من ذلك حتى بذل لهم ماله؛ فلما اجتمع مع النبي في قباء قال «صلى اللّه عليه و آله» : ربح صهيب ربح صهيب، أو ربح البيع، فأنزل اللّه: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ. . (1).

و ألفاظ الرواية مختلفة كما يعلم بمراجعة الدر المنثور للسيوطي و غيره. . و يكفي أن نذكر أن بعضها يذكر: أن الآية نزلت لما أخذ المشركون


1) الآية 202 من سورة البقرة، الإصابة: ج 2 في ترجمة صهيب، و السيرة الحلبية ج 2 ص 23 و 24 و الدر المنثور ج 1 ص 204 عن ابن سعد، و ابن أبي أسامة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و أبي نعيم في الحلية، و ابن عساكر و ابن جرير و الطبراني و الحاكم و البيهقي في الدلائل و ابن أبي خيثمة و في النصوص اختلاف.

صهيبا ليعذبوه، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضر، أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي و تدعوني و ديني؟ ففعلوا (1).

و رواية أخرى تذكر القضية بنحو يشبه ما جرى لأمير المؤمنين حين هجرته، و تهديده إياهم و رجوعهم عنه؛ فراجع (2).

و لكنها قصة لا تصح:

أولا: لأن إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر إلى صهيب ثلاث مرات في ظرف كهذا غير معقول، لا سيما و هم يدّعون: أن قريشا كانت تطلب أبا بكر كما تطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعلت مئة ناقة لمن يأتي به (3)، و إن كنا نعتقد بعدم صحة ذلك كما سنرى، و لكن قريشا و لا شك إنما كانت تهتم في أن تستدل على النبي من خلال أبي بكر.

أضف إلى ما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يخبر أحدا بهجرته تلك الليلة، بل يروون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما صادف أبا بكر و هو في طريقه إلى الغار.

ثانيا: إن كلامه معه و هو في الصلاة، و إخباره بالأمر، لا يوجب قطع صلاة صهيب، إذ باستطاعته أن يلقي إليه الكلام و يرجع دون أن يقطع عليه صلاته كما أنه يمكن أن ينتظره دقيقة أو دقيقتين حتى يفرغ من صلاته،


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 168.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 168.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 و السيرة الحلبية ج 2 ص 39 و البداية و النهاية ج 3 ص 182 و إرشاد الساري ج 6 ص 218.

فيخبره بما يريد، و يمكن أيضا أن يوصي أهل بيته أن يبلغوه الرسالة التي يريد إبلاغها إلا إذا كان لم يثق بهم.

إلا أن يدّعى: أن أبا بكر كان بحيث لا يدري كيف يتصرف، أو أنه كان يرى حرمة إلقاء الكلام ليسمعه المصلي، و كلاهما غير محتمل في حقه، أو لا يرضى محبوه بنسبته إليه على الأقل، و باقي الفروض الآنفة تبقى على حالها. هذا بالإضافة إلى هذه الصدفة النادرة فإنه يأتيه مرتين أو ثلاثا، و هو لا يزال يصلي! ! .

ثالثا: لماذا يهتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصهيب خاصة، و يترك من سواه من ضعفاء المؤمنين، الذين كانت قريش تمارس ضدهم أقسى أنواع التعذيب و الأذى؛ فلا يرسل إليهم، و لو مرة واحدة، و لا نقول ثلاث مرات؛ و هل هذا ينسجم مع ما نعرفه من عدل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عطفه الشديد على أمته؟ .

إلا أن يقال: لعل غير صهيب كان مراقبا من قبل المشركين، أو أن صهيبا كان أشد بلاء من غيره، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا دليل عليها، و لا شاهد لها.

رابعا: إننا نجد بعض الروايات تقول: إن أبا بكر-و ليس النبي «صلى اللّه عليه و آله» -هو الذي قال لصهيب: ربح البيع يا صهيب و ذلك في قضية أخرى لا ربط لها بحديث الغار (1)و البعض يذكر القضية، و لكنه لا


1) راجع: صفين للمنقري ص 325. و مجمع البيان ج 6 ص 361، و البحار ج 19 ص 35 عنه، و السيرة الحلبية ج 2 ص 24.

يذكر نزول الآية فيه (1).

خامسا: إن الآية إنما تتمدح من يبذل نفسه في مرضاة اللّه، لا أنه يبذل المال في مرضاته، و رواية صهيب ناظرة إلى الثاني لا الأول.

سادسا: قد قلنا آنفا: إن صهيبا لم يكن الوحيد الذي بذل ماله في سبيل دينه، فلماذا اختص هذا الوسام به دونهم؟

سابعا: إنهم يذكرون: أنه لم يتخلف مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا عليا و أبا بكر (2).

ثامنا: إن الرواية القائلة بأن صهيبا كان شيخا كبيرا لا يضر المشركين، أكان معهم أم مع غيرهم لا تصح؛ لأن صهيبا قد توفي سنة ثمان أو تسع و ثلاثين و عمره سبعون سنة (3)فعمره يكون حين الهجرة واحدا أو اثنين و ثلاثين سنة، فهو قد كان في عنفوان شبابه، لا كما تريد أن تدعيه هذه الرواية المفتعلة.

هذا كله، عدا عن تناقضات روايات صهيب.

و عدا عن أن عددا منها لا يذكر نزول الآية في حقه.

كما أنها عموما إما مروية عن صهيب نفسه، أو عن تابعي لم يدرك عهد النبي، كعكرمة، و ابن المسيب، و ابن جريج، و ليس هناك سوى رواية واحدة وردت عن ابن عباس الذي ولد قبل الهجرة بثلاث سنين فقط.


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 121.

2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 123، و سيرة مغلطاي ص 31.

3) الإصابة ج 2 ص 196.

و يجب أن يعلم: أن صهيبا كان من أعوان الهيئة الحاكمة بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ممن تخلف عن بيعة أمير المؤمنين، و كان يعادي أهل البيت «عليهم السلام» (1).

فلعل المقصود هو مكافأته على مواقفه تلك، بمنحه هذه الفضيلة الثابتة لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، فيكون هؤلاء قد أصابوا عصفورين بحجر واحد حينما يزين لهم شيطانهم أن عليا يخسر و خصومه يربحون.

6-بقي في كلام ابن تيمية المتقدم قوله: إن سورة البقرة مدنية، و لو صح نزولها في علي «عليه السلام» لكانت مكية.

و جوابه واضح: فإن نزول الآية لو سلم أنه كان في نفس ليلة المبيت، فمن الواضح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان حينئذ في الغار، و ليس معه سوى أبي بكر؛ فلم يكن ثمة مجال للإعلان بنزول الآية إلا بعد وصوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، و استقراره فيها، ثم إتاحة الفرصة له في الظرف المناسب لإظهار هذه الفضيلة العظيمة لابن عمه و وصيه.

فلا بأس أن تعد بهذا الاعتبار مدنية، و تجعل في سورة البقرة، التي كان نزولها في مطلع الهجرة، كما هو معلوم.

هذا بالإضافة إلى أن وجود آية مكية في سورة مدنية ليس بعزيز.

و أما ما ذكره الحلبي من تكرر نزول الآية فلا دليل عليه، بل الأدلة الآنفة تدفعه و تنافيه.


1) راجع ذلك و غيره في ترجمة صهيب في قاموس الرجال ج 5 ص 135-137.

تسمية أبي بكر بالصديق:

يرى البعض: أن اللّه تعالى قد سمى أبا بكر بالصديق في قضية الغار، كما في شواهد النبوة، حيث قد روي: أنه حين أذن اللّه تعالى لنبيه بالهجرة، قال لجبرائيل: من يهاجر معي؟

قال جبرائيل: أبو بكر الصديق (1).

و لكننا نشك في صحة ذلك: أولا: لتناقض الروايات في تسمية أبي بكر بالصديق، و سبب ذلك و زمانه؛ فمن قائل: إن ذلك كان في قضية الغار كما هنا.

و من قائل: إنه كان حينما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من رحلة الإسراء، و تصديق أبي بكر له في ذلك، و حين وصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقومه بيت المقدس (2).

و قول ثالث: إن ذلك كان حين بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث صدقه أبو بكر، فسمي الصديق (3).

و قول رابع: إن ذلك كان حين رحلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى السماء، حيث روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» قوله: لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبا محمد رسول اللّه أبو بكر


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 323 عن شواهد النبوة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 29.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 29 و ج 1 ص 273، و غير ذلك. و قد أشرنا إلى ذلك حين الكلام على الإسراء و المعراج، و ذكرنا بعض مصادره هناك، فراجع.

3) نفس المصدر السابق.

الصديق (1)فأي ذلك هو الصحيح؟ !

ثانيا: لدينا العديد من الروايات الصحيحة و الحسنة سندا، و المروية في عشرات المصادر، تنص على أن «الصديق» هو أمير المؤمنين «عليه السلام» ، دون أبي بكر، و نذكر منها:

1-عن علي «عليه السلام» ، بسند صحيح على شرط الشيخين، أنه قال: أنا عبد اللّه، و أخو رسوله، و أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتري، لقد صليت قبل الناس بسبع سنين (2).


1) كشف الأستار ج 3 ص 163 و مسند أحمد ج 4 ص 343 و مجمع الزوائد ج 9 ص 41 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 38 و الغدير ج 5 ص 326 و 303 عن تاريخ الخطيب.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 112 و تلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، و الأوائل ج 1 ص 195، و فرائد السمطين ج 1 ص 248، و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، و راجع ج 1 ص 30 و البداية و النهاية ج 3 ص 26، و الخصائص للنسائي ص 46 بسند رجاله ثقات، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 44، بسند صحيح، و تاريخ الطبري ج 2 ص 56، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 57، و ذخائر العقبي ص 60 عن الخلفي و الآحاد و المثاني (مخطوط في كوپرلي رقم 235) ، و معرفة الصحابة لأبي نعيم (مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 497) ج 1 و تذكرة الخواص ص 108 عن أحمد في المسند و في الفضائل و في هوامش ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، ج 1 ص 44 و 45 عن: مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 الورق 155/أو كنز العمال (ط 2) ج 15 ص 107 عن ابن أبي شيبة، و النسائي، و ابن أبي عاصم في السنة، و العقيلي و الحاكم و أبي نعيم و عن العقيلي في ضعفائه ج 6 الورق 139، و معرفة الصحابة لأبي نعيم ج 1-

و قال غير مرة: «أنا الصديق الأكبر، و الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر و صليت قبل صلاته» (1).

و الظاهر أن المراد: أنه «عليه السلام» كان يتعبد مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» على دين الحنيفية-حتى قبل بعثته-من حين تمييزه، إلى أن علم الدين، و نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ، بل و قبل ذلك أيضا. و بذلك يبطل قول ابن كثير: «كيف يتمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصور أصلا» (2).

2-و أخرج القرشي في شمس الأخبار رواية طويلة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن اللّه قد سمى عليا ب «الصديق الأكبر» في ليلة الإسراء (3).

3-عن ابن عباس، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، و حبيب النجار صاحب آل ياسين، و علي بن أبي طالب الثالث أفضلهم.

(2) -الورق 22/أ، و تهذيب الكمال للمزي ج 14 الورق 193/ب و عن تفسير الطبري، و عن أحمد في الفضائل الحديث 117 و رواه في ذيل إحقاق الحق ج 4 ص 369 عن ميزان الإعتدال ج 1 ص 417 و ج 2 ص 11 و 212، و الغدير ج 2 ص 314 عن كثير ممن تقدم و عن الرياض النضرة ص 155 و 158 و 127 و راجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 321.


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 22 و عن المعارف لابن قتيبة ص 167 و كلام الإسكافي في العثمانية ص 300.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 26.

3) الغدير ج 2 ص 313 و 314.

و قريب منه ما روي عن أبي ليلى الغفاري، بسند حسن، كما نص عليه السيوطي (1).

و كذا عن الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (2).

فحصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للصديقين بالثلاثة، ينافي تسمية أبي بكر ب «الصديق» على النحو المتقدم، و إلا كانوا أربعة، و لم يصح الحصر.

4-عن معاذة قالت: سمعت عليا، و هو يخطب على منبر البصرة،


1) الجامع الصغير ج 2 ص 50، عن أبي نعيم في معرفة الصحابة، و ابن النجار، و ابن عساكر، و الصواعق المحرقة ط المحمدية ص 123، و تاريخ بغداد ج 14 ص 155، و شواهد التنزيل ج 2 ص 224، و ذخائر العقبى ص 56، و فيض القدير ج 4 ص 137، و تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام علي «عليه السلام») بتحقيق المحمودي ج 2 ص 282 و ج 1 ص 80 و كفاية الطالب ص 123 و 187 و 124، و الدر المنثور ج 5 ص 262 عن تاريخ البخاري، و عن أبي داود، و أبي نعيم و الديلمي و ابن عساكر، و الرازي في تفسير سورة المؤمن، و مناقب الخوارزمي ص 219، و مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 246 و 247، و معرفة الصحابة لأبي نعيم مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 497 و نقله في هامش كفاية الطالب عن كنز العمال أيضا ج 6 ص 152 عن الطبراني و ابن مردويه و الرياض النضرة ج 2 ص 152 و بعض من تقدم، و نقله المحمودي في هامش ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 79 و 80 عن بعض من تقدم و عن: السيف اليماني المسلول ص 49 و الفتح الكبير ص 202 و غاية المرام ص 417 و 647 و مناقب علي من كتاب الفضائل لأحمد الحديث 194 و 239 و السلفي في مشيخة البغدادية، الورق 9/ب و 10/ب و الغدير ج 2 ص 312، عن بعض من تقدم، و هوامش شواهد التنزيل عن الروض النضير ج 5 ص 368.

2) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 219.

يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر (1).

و ظاهره: أنه في صدد نفي صديقية أبي بكر، التي شاعت بين الناس.

5-عن أبي ذر، و ابن عباس، قالا: سمعنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول لعلي: أنت الصديق الأكبر، و أنت الفاروق الذي يفرق بين الحق و الباطل (2)، و قريب منه عن أبي ليلى الغفاري.


1) ذخائر العقبى ص 56 عن ابن قتيبة، و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، و أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 146، و الآحاد و المثاني (مخطوط في كوپرلي رقم 235) ، و البداية و النهاية ج 7 ص 334، و المعارف لابن قتيبة ص 73 و 74، و الغدير ج 2 ص 314 عن بعض من تقدم و عن ابن أيوب و العقيلي، عن كنز العمال ج 6 ص 405 طبعة أولى، و ليراجع الغدير ج 3 ص 122 عن الإستيعاب ج 2 ص 460 و عن مطالب السؤل ص 19 و قال: كان يقولها في كثير الأوقات و الطبري ج 2 ص 312 و عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 و 157 و عن العقد الفريد ج 2 ص 275، و راجع في حديث ابن عباس و أبي ليلى الغفاري الإصابة ج 4 ص 171 و هامشها في الإستيعاب ج 4 ص 170 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 3 و 417.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، و فرائد السمطين ج 1 ص 140 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 76 و 77 و 78 بعدة أسانيد و في هامشه عن الإسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ المطبوع معها في مصر ص 290 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 324 و 325 و ملحقات إحقاق الحق ج 4 ص 29-31 و 34 و الغدير ج 2 ص 313 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 عن الحاكمي، و عن شمس الأخبار للقرشي ص 30، و عن المواقف ج 3 ص 276، و عن نزهة المجالس ج 2 ص 205 و عن الحمويني.

6-عن أبي ذر، و سلمان: إن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بيد علي، فقال: إن هذا أول من آمن بي، و هذا أول من يصافحني يوم القيامة، و هذا الصديق الأكبر، و هذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق و الباطل الخ (1).

7-و في خطبة طويلة لأم الخير بنت الحريش، أوردتها في صفين، و صفت فيها أمير المؤمنين «عليه السلام» ب «الصديق الأكبر» (2).

8-و قال محب الدين الطبري: «إن رسول اللّه سماه صديقا» (3).

9-و قال الخجندي: «و كان يلقب بيعسوب الأمة، و بالصديق الأكبر» (4).

10-و جاء في رواية أخرى: «فيجيبهم ملك من بطنان العرش: يا معشر الآدميين، ليس هذا ملكا مقربا، و لا نبيا مرسلا، و لا حامل عرش، هذا الصديق الأكبر علي بن أبي طالب الخ. .» (5).


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن الطبراني و البزار، و الغدير ج 2 ص 313 و ج 10 ص 49 عنه و عن: كفاية الطالب ص 187 من طريق ابن عساكر و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228 و عن إكمال كنز العمال ج 6 ص 156 عن البيهقي و ابن عدي عن حذيفة، و عن أبي ذر و سلمان و عن الإستيعاب ج 2 ص 657 و عن الإصابة ج 4 ص 171.

2) العقد الفريد ط دار الكتاب ج 2 ص 117، و بلاغات النساء ص 38، و الغدير ج 2 ص 313 عنهما و عن صبح الأعشى ج 1 ص 250 و نهاية الأرب ج 7 ص 241.

3) الغدير ج 2 ص 312 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 و غيرها.

4) نفس المصدر السابق.

5) كنز العمال ط 2 ج 15 ص 134.

11-إن آية: أُولٰئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ (1)نزلت في علي «عليه السلام» و كذا آية: وَ اَلَّذِي جٰاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ (2)، و آية: فَأُولٰئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ (3).

12-و في رواية عن أنس: «و أما علي فهو الصديق الأكبر الخ. .» (4). و ثمة روايات أخرى؛ فلتراجع في مصادرها (5).

و بعد ما تقدم نعرف: أن لقب «الصديق» خاص بالإمام علي «عليه السلام» ، و لا يمكن إثباته لغيره.

هذا و قد ذكر العلامة الأميني روايات تدل على أن الصديق هو أبو بكر، ثم فندها بما لا يدع مجالا للشك في كذبها و افتعالها؛ حيث حكم كبار النقاد و الحفاظ عليها بالوضع و الكذب من أمثال: الذهبي، و الخطيب، و ابن حبان، و السيوطي، و الفيروز آبادي، و العجلوني، و من أراد أن يقف


1) الآية 33 من سورة الزمر.

2) الآية 15 من سورة الحجرات.

3) الآية 69 من سورة النساء، راجع على سبيل المثال: شواهد التنزيل ج 1 ص 153 و 154 و 155 و ج 2 ص 120 و في هوامشه مصادر كثيرة، و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ج 2 ص 418، و هوامشه، و مناقب ابن المغازلي ص 269، و غاية المرام ص 414، و كفاية الطالب ص 333، و منهاج الكرامة للحلي، و دلائل الصدق للشيخ المظفر ج 2 ص 117 و الدر المنثور ج 5 ص 328، و عشرات المصادر الأخرى.

4) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 32.

5) راجع على سبيل المثال: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 322.

على ذلك، فعليه بالرجوع إلى كتاب الغدير؛ فإن فيه ما ينقع الغلة، و يزيح الشبهة.

متى كان وضع هذه الألقاب:

و الظاهر أن سرقة هذا اللقب، و غيره من الألقاب، قد حصلت في وقت متقدم، حتى اضطر الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الإعلان على منبر البصرة (1): أنه «عليه السلام» هو الصديق الأكبر، و ليس أبا بكر، و أن كل من يدعي هذا اللقب لنفسه فهو كذاب مفتر، و قد كرر «عليه السلام» ذلك كثيرا.

و لكن السياسة التي حكمت الأمة، و هيمنت على فكرها و اتجاهاتها استطاعت أن تحتفظ بهذه الألقاب لمن تريد الاحتفاظ لهم بها، و لم يكن ثمة أية قوة تستطيع أن ترد أو أن تمنع، أو حتى أن تعترض و لو بشكل سلمي بحت، لا سيما و أن وضع مثل هذه الأمور قد تم و حصل على أيدي علماء من وعاظ السلاطين.

الراحلتان:

و يقولون: إنه بعد أن بدأ المسلمون بالهجرة إلى المدينة، و أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر: أنه يرجو أن يؤذن له، حبس نفسه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اشترى راحلتين بثمانمائة درهم-و كان أبو بكر


1) راجع: الغدير ج 5 ص 327 و 328 و 321 و 334 و 35 و ج 7 ص 244 و 245.

رجلا ذا مال-و علفهما ورق السمر، أو الخبط أربعة أشهر (1)، أو ستة أشهر (2)، على اختلاف النقل.

و لما أراد «صلى اللّه عليه و آله» الهجرة عرض أبو بكر الراحلتين على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فأبى أن يقبلهما إلا بثمن.

و إذا أغمضنا النظر عما يظهر من النص السابق من أن الهدف هو إظهار أبي بكر على أنه متفضل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإننا نقول: إن ذلك لا يصح، و ذلك لما يلي:

1-إن علفه للراحلتين أربعة أشهر أو ستة غير معقول؛ لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أصحابه بالهجرة قبل هجرته هو «صلى اللّه عليه و آله» بثلاثة أشهر فقط، بل يقول البعض: إن ذلك كان قبل هجرته بشهرين و نصف على التحرير (3).

بل يقول البعض إن بيعة العقبة قد كانت قبل الهجرة بشهرين و ليال (4).

و قد أمر «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالهجرة بعد بيعة العقبة، كما هو


1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 237، و الثقات لابن حبان ج 1 ص 117 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 387 و غير ذلك كثير، و عن كون أبي بكر رجلا ذا مال راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 128.

2) نور الأبصار ص 16 عن: الجمل على الهمزية، و عن كنز العمال ج 8 ص 334 عن البغوي بسند حسن عن عائشة.

3) فتح الباري ج 7 ص 183 و 177 و السيرة الحلبية ج 2 ص 25 و 55 عنه.

4) سيرة مغلطاي ص 32 و فتح الباري ج 7 ص 177 و راجع الثقات لابن حبان ج 1 ص 113 و غير ذلك.

معلوم؛ فكيف يكون أبو بكر قد علف الراحلتين أربعة، أو ستة أشهر، بعد أمره «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه بالهجرة؟ ! .

و أما تخيل أن يكون أبو بكر قد عرف بنية النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا المجال، قبل أن يصدر منه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر بالهجرة فليس له ما يؤيده لا من عقل و لا من نقل، سوى هذا النص الذي هو موضع البحث.

بالإضافة إلى أن الاذن بالهجرة إنما كان بعد بيعة العقبة كما تقدم.

2-إن ثمة نصا يقول: إن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد اشترى للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا من الإبل، و استأجر الأريقط بن عبد اللّه، و أرسل الإبل معه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الخروج من الغار (1).

فلعله اشترى الإبل من أبي بكر، و استلمها و أرسلها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع الأريقط.

ما هي الحقيقة؟ !

و الحقيقة هي: أنهم لما رأوا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل الراحلتين من أبي بكر إلا بالثمن، و رأوا في ذلك تضعيفا للخليفة الأول، و في مقابل ذلك هم يرون: أن عليا يبذل نفسه في سبيل اللّه، و تنزل في حقه الآيات، عوضوا أبا بكر عن ذلك بأنه قد علف الراحلتين هذه المدة الطويلة.

و بعد ما تقدم نقول: إن شراء الرسول للراحلتين، أو شراء أمير المؤمنين


1) ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138 و الدر المنثور، و تيسير المطالب ص 75 لكن فيه: أنه قد استأجر الرواحل الثلاث.

للرواحل يبين: أن أبا بكر قد هاجر على نفقة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس على نفقة نفسه.

الخروج من خوخة أبي بكر للهجرة:

و يقولون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرج إلى الغار من خوخة لبيت أبي بكر (1).

و عند البخاري: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب إلى أبي بكر ظهرا، و من ثم ذهبا إلى الغار (2).

و نقول: 1-لقد كذب الحلبي ذلك، و قال: «و الأصح: إنما كان خروجه من بيت نفسه» (3).

2-تقدم في أوائل هذا الفصل: أن أبا بكر جاء إلى بيت النبي فوجد عليا نائما مكانه؛ فأخبره علي «عليه السلام» بذهاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» نحو بئر ميمون؛ فلحقه في الطريق: فكيف يكون قد خرج إلى الغار من خوخة أبي بكر؟ ! و كيف يكون قد خرج إلى الغار ظهرا؟ .

3-إن سائر الروايات نص على أن المشركين قد جلسوا على باب النبي


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 324 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 103 و السيرة الحلبية ج 2 ص 34 و البداية و النهاية ج 3 ص 178.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 153 و البداية و النهاية ج 3 ص 178 و تاريخ الخميس ج 1 ص 323 و السيرة الحلبية ج 2 ص 30 و البخاري كما في إرشاد الساري ج 6 ص 17.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 34 عن سبط ابن الجوزي.

«صلى اللّه عليه و آله» إلى الصباح، فخرج من بينهم في فحمة العشاء، و بقي علي «عليه السلام» نائما مكانه، و هذا يكذب أنه قد خرج ظهرا.

4-كيف يكون قد خرج من بيت أبي بكر، مع أنهم يقولون: إن القائف كان يقص أثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى بلغ مكانا؛ فقال: هنا صار مع محمد آخر.

بل البعض يصرح: أنهم قد عرفوا أنها قدم ابن أبي قحافة (1). و استمروا على ذلك حتى بلغوا إلى فم الغار، و بذلك كله يعلم أيضا عدم صحة ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» مشى ليلته على أطراف أصابعه؛ لئلا يظهر أثر رجليه حتى حفيت رجلاه، (كأن المسافة بعيدة إلى هذا الحد! !) ، فحمله أبو بكر على كاهله، حتى أتى على فم الغار، فأنزله.

و في رواية: أنه ذهب إلى الغار راكبا ناقته الجدعاء ابتداء من منزل أبي بكر (2).

و لا ندري من الذي أرجع الناقة إلى موضعها الأول، فإن وجودها على مدخل الغار لن يكون في صالحهم، إلا أن يكون قد خبأها في مكان ما، و لكن أين يمكن أن تخبأ الناقة يا ترى؟ !


1) البحار ج 19 ص 74 و عن الخرايج و الجرائح و ليراجع ص 77 و 51 و ليراجع أيضا إعلام الورى ص 63، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 128، و تفسير القمي ج 1 ص 276.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 34-38 و راجع، تاريخ الخميس ج 1 ص 328. و الدر المنثور.

قريش في طلب أبي بكر:

يقولون: إن قريشا قد بذلت في النبي «صلى اللّه عليه و آله» مئة بعير، و في أبي بكر مثلها (1)ذكر ذلك الجاحظ و غيره.

و أجاب الإسكافي المعتزلي فقال: «. . فما بالها بذلت في أبي بكر مئة بعير أخرى؟ و قد كان رد الجوار، و بقي بينهم فردا لا ناصر له، و لا دافع عنده، يصنعون به ما يريدون، إما أن يكونوا أجهل البرية كلها، أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض، و أوقحه وجها.

و هذا مما لم يذكر في سيرة، و لا روي في أثر، و لا سمع به بشر، و لا سبق الجاحظ به أحد» (2).

و نزيد نحن هنا: إنه إذا كانت قبيلته قد منعته أولا كما يقولون، فلماذا تخلت عنه الآن؟ و إذا كان أبو بكر من أذل بيت في قريش، كما سبق بيانه حين الكلام على هجرته إلى الحبشة؛ تحت عنوان: هل كان أبو بكر رئيسا، فلماذا تبذل فيه قريش مئة بعير، كما تبذل في النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه؟ .

و لماذا لم تضع عليه الأرصاد و العيون، و لم ترسل إليه فتبيته، كما أرادت أن تبيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟

و لماذا تبذل في أبي بكر هذا المقدار، مع أن الذي فوت عليها ظفرها


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 و البداية و النهاية ج 3 ص 182 و السيرة الحلبية ج 2 ص 39.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 269.

بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» -و هو عليّ-آمن فيما بينهم يغدو و يروح، و لا من يعترض و لا من يتكلم؟

و لكن الحقيقة هي: أن الهدف من ذلك هو الارتفاع بأبي بكر ليساوي الرسول الأعظم منزلة و خطرا، فضلا عن أن يذهب بكل آثار مبيت أمير المؤمنين على الفراش، حتى لا يلتفت إليه و لا يهتم به أحد في قبال عظمة و خطر أبي بكر! ! .

الانتظار إلى الصباح:

و أما لماذا انتظر المشركون إلى الصباح في ليلة الغار؟ .

فقيل: إنهم أرادوا أن يقتحموا عليه الجدار، فصاحت امرأة من الدار؛ فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب: أن يتحدث عنا: أنا تسورنا الحيطان على بنات العم (1).

و قيل: إن أبا لهب لم يرض بقتله «صلى اللّه عليه و آله» ليلا؛ لما فيه من الخطر على النساء و الأطفال (2). . و لعله للأمرين معا، و لعله ليشاهد الناس قتله من قبل جميع القبائل، ليكون ذلك حجة على بني هاشم، فلا يتم لهم الطلب بثأره! (3).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 28، و الروض الأنف ج 2 ص 229 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 127، أنظر الهامش، و تاريخ الهجرة النبوية للببلاوي ص 116.

2) البحار ج 19 ص 50.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 28 و 26.

شراء أبي بكر للموالي! ! و نفقاته! !
اشارة

و يقولون: إنه لما خرج أبو بكر احتمل معه ماله كله، و هو خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فدخل أبو قحافة على أهل بيت ولده، و قد ذهب بصره، فقال: و اللّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.

قالت أسماء: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا.

فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت، الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال.

قالت: فوضع يده عليه.

فقال: «لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، و في هذا بلاغ لكم» ، و لا و اللّه ما ترك لنا شيئا، و لكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك (1).

و يذكرون أيضا: أن عامر بن فهيرة كان يعذب في اللّه، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، فكان يروح عليهما-و هما في الغار-بمنحة غنم من غنم أبي بكر، فكان يرعاها؛ فيمر عليهما في المساء ليحلب لهما، و كانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام (2).


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 133 و كنز العمال ج 22 ص 209، و البداية و النهاية ج 3 ص 179، و الأذكياء لابن الجوزي ص 219، و حياة الصحابة ج 2 ص 173 و 174، و مجمع الزوائد ج 6 ص 59 عن الطبري، و أحمد و رجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، و قد صرح بالسماع.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 و السيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 87 و ستأتي مصادر أخرى لذلك.

و عن عائشة: أنفق أبو بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أربعين ألف درهم.

و في لفظ: دينار (1).

و يروون أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ما من أحد أمنّ عليّ في صحبته، و ذات يده من أبي بكر، و ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر، و قال: هل أنا و مالي إلا لك يا رسول اللّه؟ (2).

أو قال: ليس أحد أمنّ عليّ في أهل و مال من أبي بكر.

و في رواية أخرى: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته و ماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن خلة الإسلام و مودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر (3).

و عن عائشة في حديث الغار: فجهزناهما أحث الجهاز، و صنعنا لهما سفرة في جراب-يقول الواقدي: كان في السفرة شاة مطبوخة-فقطعت أسماء بنت أبي بكر نطاقها قطعتين، فشدت فم الجراب بواحدة، و فم قربة الماء في الأخرى، فسميت: ذات النطاقين (4).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 326 و السيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 87 و ستأتي مصادر أخرى لذلك إن شاء اللّه.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 32، و راجع لسان الميزان ج 2 ص 23 و غيره.

3) راجع: صحيح البخاري كما في إرشاد الساري ج 6 ص 214 و 215 مع اختلاف يسير و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 608 و 609 و المصادر الآتية قبل الحديث عن عامر بن فهيرة.

4) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 33 و تاريخ الخميس ج 1 ص 323 و 330 و ستأتي مصادر أخرى إن شاء اللّه تعالى.

و في الترمذي: عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال: إن أبا بكر زوجه ابنته، و حمله إلى دار الهجرة، و صحبه في الغار.

و في رواية: ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا، اللّه يكافئه بها يوم القيامة (1).

و نحن نقول: إن كل ذلك محل شك و ريب، بل هو لا يصح إطلاقا، و ذلك لما يلي:

1-عامر بن فهيرة:

أما كون عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر، فقد تقدم كلام ابن إسحاق، و الواقدي، و الإسكافي و غيرهم فيه، حيث قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي اشتراه و أعتقه، و ليس أبا بكر.

2-أبو قحافة الأعمى:

و أما رواية: أن أسماء قد وضعت الأحجار في المكان الذي كان أبوها يضع فيه ماله، ليتلمسها أبو قحافة الأعمى ليطمئن و يسكن فيكذبها:


1) راجع: في كل ما تقدم من أول العنوان إلى هنا: تاريخ الخميس ج 1 ص 330- 323، و السيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 33 و 40 و 39 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 609 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2، و صحيح البخاري باب الهجرة، و فتح الباري ج 7 و صحيح مسلم، و صحيح الترمذي، و الدر المنثور، و الفصول المهمة لابن الصباغ، و السيرة النبوية لابن كثير و لسان الميزان ج 2 ص 23 و البداية و النهاية ج 5 ص 229 و مجمع الزوائد ج 9 ص 42 عن الطبراني و الغدير، و غير ذلك كثير لا مجال لتتبعه.

أ-قال الفاكهي بن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال عبد اللّه: لما خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الغار، ذهبت أستخرج و أنظر هل أحد يخبرني عنه، فأتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج عليّ و معه هراوة، فلما رآني اشتد نحوي، و هو يقول: هذا من الصباة الذين أفسدوا علي ابني (1).

فهذه الرواية توضح أن أبا قحافة لم يكن حينئذ قد عمي بعد، و سندها معتبر عندهم.

ب: لم نفهم لماذا لم يترك أبو بكر لأهل بيته شيئا؟ و ما هذا الجفاء منه لهم؟ !

و من أين علم أبو قحافة الضرير بأنه قد حمل ماله معه حتى قال لهم: إنه قد فجعهم بنفسه و ماله؟ !

ج: و لماذا هذا الدور لأسماء؟

ألم تكن زوجة للزبير حينئذ، و ألم تهاجر معه إلى المدينة قبل ذلك، حيث لم يبق من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، في مكة سوى علي و أبي بكر، و من يفتن و يعذب؟ !

و أين كانت زوجات أبي بكر عن ذلك كله؟ !

3-مع أدوار لأسماء أيضا و غيرها

و أما بالنسبة لما زعموه من أن أسماء كانت إذا أمست تذهب بالطعام


1) الإصابة ج 2 ص 460 و 461 و هذه الرواية تدل على أن أبا قحافة يرى أن ابنه أبا بكر قد صار من الصباة و أنه قد أسلم بعد جماعة عبد اللّه منهم، و هذا ينافي ما تقدم من أنه كان أول من أسلم.

إليهما إلى الغار، و أنها هي التي هيأت الزاد لهما حين سفرهما إلى المدينة، و أنها هي التى أرسلت إليه الراحلتين، و أن تسميتها بذات النطاقين قد كان في هذه المناسبة. .

فيرد عليه:

أولا: إنهم يقولون في مقابل ذلك: إنه بعد غياب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبي بكر مضت ثلاث ليال و لا يدرون أين توجه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى علموا ذلك من هاتف الجن في أبيات أنشدها.

و القول: إن المراد: بعد ثلاثة أيام من خروجه من الغار، إذ قد صرحوا بأنهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار (1)هكذا ذكر الحلبي الشافعي و العهدة في ذلك عليه.

و يقول مغلطاي: «و لم يعلم بخروجه عليه الصلاة و السلام إلا علي و أبي (كذا) بكر رضي اللّه عنه؛ فدخلا غارا بثور الخ. .» (2).

ثانيا: لقد ورد: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» هو الذي كان يأتي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالطعام و الشراب إلى الغار (3).

بل لقد ورد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إلى علي ليرسل


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 51.

2) سيرة مغلطاي ص 32.

3) تاريخ دمشق، ترجمة الإمام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138، و إعلام الورى ص 190، و البحار ج 19 ص 84 عنه و تيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ص 75.

إليه بزاد و راحلة ففعل، و أرسل ذلك إليه.

و أرسل أبو بكر لابنته، فأرسلت إليه بزاد و راحلتين، أي له و لعامر بن فهيرة كما في الرواية، و لعلها هي التي اشتراها منه علي أيضا (1).

و قد احتج «عليه السلام» بذلك يوم الشورى، فقال: نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول اللّه الطعام و هو في الغار، و يخبره الأخبار غيري؟

قالوا: لا (2).

و بهذا يعلم أيضا عدم صحة ما قيل من أن عبد اللّه بن أبي بكر كان هو الذي يأتيهما بالأخبار من مكة إلى الغار (3)، و عدم صحة ما قيل عن وجود غنم لأبي بكر، كان يأتي بها عامر بن فهيرة إلى الغار؛ فيشرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر من لبنها.

ثالثا: و أما حديث النطاق و النطاقين، فبالإضافة إلى تناقض رواياته (4)نجد: أن المقدسي بعد أن ذكر القول الأول قال: «و يقال: لما نزلت آية الخمار


1) إعلام الورى ص 63، و البحار ج 19 ص 70 و 75 عنه و عن الخرائج و عن قصص الأنبياء.

2) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 204.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 39، و سيرة ابن هشام، و كنز العمال ج 22 ص 210 عن البغوي و ابن كثير.

4) راجع لبعض موارد التناقض لا كلها: الإصابة ج 4 ص 230، و الإستيعاب بهامشها ج 4 ص 233.

ضربت يدها إلى نطاقها، فشقته نصفين، و اختمرت بنصفه» (1).

و يقولون أيضا: إنها قالت للحجاج: «كان لي نطاق أغطي به طعام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من النحل، و نطاق لا بد للنساء منه» (2).

4-حديث سد الأبواب، و خلة أبي بكر:

و أما حديث باب و خلة أبي بكر، و هو قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فلا نريد التوسع في الكلام عليه بل نكتفي بما ذكره المعتزلي هنا، فإنه قال:

«إن البكرية قد وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: لو كنت متخذا خليلا، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، و نحو سد الأبواب، فإنه لعليّ «عليه السلام» ، فقلبته البكرية إلى أبي بكر الخ. .» (3).

و مع ذلك فيعارض هذا الحديث ما رووه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ أبا بكر خليلا بالفعل (4).

فأيهما نصدق يا ترى؟ ! .

هذا، و سوف نتكلم عن حديث سد الأبواب في هذا الكتاب في فصل قضايا و أحداث في المجال العام، و عن حديث الخلة حين الكلام على


1) البدء و التاريخ ج 5 ص 78.

2) الإصابة ج 4 ص 230، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 233.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 49، و راجع الغدير ج 5 ص 311.

4) الرياض النضرة ج 1 ص 126، و إرشاد الساري ج 6 ص 86 عن الحافظ السكري و الغدير ج 8 ص 34 عنهما و عن كنز العمال ج 6 ص 138 و 140 عن الطبراني و أبي نعيم.

حديث المؤاخاة الآتي إن شاء اللّه تعالى فإلى هناك.

5-ثروة أبي بكر:

و أما عن ثروة أبي بكر، و أنه قد أنفق أربعين ألف درهم، أو دينار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و غير ذلك مما يذكرونه، فنقول:

إننا بالإضافة إلى ما قدمناه من عدم صحة ما جرى بين أسماء و أبي قحافة حين الهجرة و غير ذلك من أمور أشرنا إليها آنفا نسجل هنا ما يلي:

أولا: إن حديث: إن أمنّ الناس علي في صحبته و ماله أبو بكر، و أنه لم يكافئه على اليد التي له عليه، و اللّه هو الذي يكافئه عليها، لا يصح، و ذلك بملاحظة ما يلي:

أ-بماذا كافأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا طالب و خديجة على تضحياتهما، و نفقاتهما، و ما قدماه في سبيل الدين و الإسلام، و على مواساتهما بالنفس و المال و الولد؟ !

ألم يكن ما أنفقاه و قدماه للإسلام أعظم مما قدمه و أنفقه أي إنسان آخر في سبيل الإسلام؟ . .

ثم كانت خدمات علي «عليه السلام» الجلى لهذا الدين، و التي لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد معاند.

ب-و حديث المنة على الرسول عجيب، فإنه لم يكن في مكة بحاجة إلى أحد؛ إذ قد كانت عنده أموال خديجة، و حتى أموال أبي طالب (1)و كان ينفق


1) قد تقدم في أول البحث: أن أبا طالب كان ينفق في الشعب على الهاشميين من أمواله. و أما أموال خديجة، فأمرها أشهر و أعرف. و قد تقدم كلام ابن أبي رافع حولها.

منها على المسلمين إلى حين الهجرة، و كان ينفق على علي «عليه السلام» في بدء أمره، تخفيفا على أبي طالب كما يدعون.

و قد عير عمر أسماء بنت عميس: بأن له هجرة و لا هجرة لها، فقالت له: «كنتم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطعم جائعكم، و يعظ جاهلكم» ، ثم اشتكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرها: «أن للمهاجرين إلى الحبشة هجرتين و لأولئك هجرة واحدة» (1).

ج-و يكفي أن نذكر هنا أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل منه البعير أو البعيرين حين هجرته إلا بالثمن، الذي نقده إياه فورا و هو «صلى اللّه عليه و آله» في أحرج الأوقات.

و إذا صح حديث رد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هبة أبي بكر هذه و هو مما استفاض نقله، فإنه يأتي على كل ما يروونه في إنفاق المال من قبل أبي بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

د-هذا كله عدا عن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يجهز في مكة جيشا، و لا أسعر حربا؛ ليحتاج إلى النفقة الواسعة في تجهيز الجيوش، و إعداد الكراع (2)و السلاح.


1) راجع: الأوائل ج 1 ص 314، و البداية و النهاية ج 4 ص 205 عن البخاري، و صحيح البخاري ج 3 ص 35 ط سنة 1309 ه. و صحيح مسلم ج 7 ص 172، و كنز العمال ج 22 ص 206، عن أبي نعيم و الطيالسي، و ليراجع فتح الباري ج 7 ص 372، و مسند أحمد ج 4 ص 395 و 412. و حياة الصحابة ج 1 ص 361.

2) الكراع: اسم يطلق على الخيل و البغال و الحمير.

كما أنه لم يكن يتفكه و يتنعم بإنفاق الأموال.

و أما بعد الهجرة إلى المدينة، فإن أبا بكر قد ضن بماله، الذي كان خمسة أو ستة آلاف درهم-كما يقولون-عن كل أحد، حتى عن ابنته أسماء التي كانت في أقسى حالات الفقر و الجهد، حينما قدمت المدينة، حتى لقد كانت تخدم البيت، و تسوس الفرس و تدق النوى لناضحه، و تعلفه، و تستقي الماء، و تنقل النوى على رأسها من بعد ثلثي فرسخ، حتى أرسل إليها أبوها خادما كفتها سياسة الفرس، كما ادّعت (1).

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مر في سنوات ضيق شديدة و صعبة، و لا سيما قبل خيبر، حتى لقد كان ربما يبقى اليومين أو الثلاثة بلا طعام، حتى يشد على بطنه الحجر (2)و كان الأنصار يتعاهدونه بجفان الطعام، فأين كانت عنه أموال أبي بكر و آلاف دراهمه، التي بقيت إلى تبوك، حيث يدّعون: أنه جاء بجميع ماله، و هو أربعة آلاف درهم حينئذ؟ ! (3).

هذا كله: لو كان مرادهم المنة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالإنفاق عليه.

ثانيا: إن كان المراد المن على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالإنفاق في سبيل


1) راجع: حديث الإفك ص 152 و راجع: عنوان «لا مال لأبي بكر لينفق على أحد» في الجزء الثالث عشر و في الجزء الثاني عشر الطبعة الرابعة.

2) و قد وصفت عائشة حالته هو و أهل بيته بما يقرح القلوب، فراجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 120 و ليراجع من ص 112 حتى ص 120.

3) حياة الصحابة ج 1 ص 429 عن ابن عساكر ج 1 ص 110.

اللّه سبحانه، فهو أيضا لا يصح، إذ لم نجد في التاريخ ما يدل على ذلك.

بل لقد وجدنا ما يدل على خلافه، فإن أبا بكر قد ضن بماله إلى حد أنه لم يتصدق و لو بدر همين في قصة النجوى، و لم يفعل ذلك سوى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، حتى أنزل اللّه تعالى قرآنا يؤنب فيه الصحابة و يلومهم على ذلك ثم تاب عليهم، قال تعالى: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقٰاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَيْكُمْ. . الآية» (1).

و لو أن أبا بكر تصدق بدرهمين لم يكن ممن توجه إليهم هذا العتاب منه تعالى.

ثالثا: و الأهم من ذلك: أنه لا معنى لأن يكون الإنفاق لوجه اللّه، ثم يمن المنفق على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أخبر «صلى اللّه عليه و آله» عنه كما تزعم الرواية، بل المنة للّه و لرسوله عليه في ذلك.

و قد نهى اللّه عن المن، فقال: لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ. . (2)، و قال: وَ لاٰ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (3).

و لذلك فإننا لا يمكننا أن نقبل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يمدح هذا المنّان عليه (أي على المن) و يقرضه لأجله و لا سيما و هو أمنّ الناس عليه في صحبته و ماله.


1) الآية 13 من سورة المجادلة، و راجع دلائل الصدق ج 2 ص 120، و الأوائل ج 1 ص 297، و هامش تلخيص الشافي ج 3 ص 235 و 37، عن العديد من المصادر.

2) الآية 264 من سورة البقرة.

3) الآية 6 من سورة المدثر.

إشارة عامة:

و لذلك فإن بالإمكان الاستنتاج من ذلك: أن الظاهر: هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن لم يستطع إقناع أبي بكر بالكف عن المن عليه بأنه قد ترك أمواله و داره في مكة، و أنه رافقه إلى الغار، و تحمل الأخطار، و حزن و جزع خوفا من الأعداء، بعد أن لم يستطع إقناعه بذلك اضطر «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يخبر الناس بحالة أبي بكر هذه، علّه يكف عن بعض ما كان يفعل، و ذلك كأسلوب اضطراري أخير من أساليب التربية و التوجيه، لا سيما و أن ما يمن به عليه لم يكن أبو بكر متفردا به؛ فإن الكل كان قد هاجر و ترك ماله، و أرضه و وطنه، و الكل قد تحمل الأخطار و المتاعب، و كثير منهم تعرض إلى أقسى أنواع التعذيب و التنكيل.

و عن مقامه معه في الغار، فإن الخطر على أمير المؤمنين كان أعظم من الخطر على أبي بكر؛ فلماذا إذن هذا المن منه، حتى عده النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمنّ الناس عليه؟ ! .

رابعا: و إذا كان أبو بكر-كما يقول الطوسي و المفيد-في أول أمره معلما للأولاد، ثم صار خياطا، و لم يكن قسمه إلا كواحد من المسلمين، و لذا احتاج إلى مواساة الأنصار له.

و كان أبوه صيادا، ثم صار ينش الذباب، و ينادي على مائدة ابن جدعان بشبع بطنه، و ستر عورته (1).


1) تلخيص الشافي ج 3 ص 238، و دلائل الصدق ج 2 ص 130، و الإفصاح ص 135 و راجع الغدير ج 8 ص 51. و يشك المحقق السيد مهدي الروحاني في كون أبي بكر كان معلما، على اعتبار أن جمع الأطفال في المكتب و تعليمهم أمر مستحدث، و لم يكن معهودا في مكة في الجاهلية و يتساءل عن تلامذة أبي بكر من هم، و لماذا لم يوجد في مكة سوى عدد ضئيل ممن كان يعرف القراءة و الكتابة كما مر في أول الكتاب. بل لقد ذكر جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن: أنه لم يكن في مكة حين بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوى سبعة أشخاص يعرفون الكتابة.

فإن من الطبيعي أن لا تكون لأبي بكر ثروة من هذا القبيل لا خمسة آلاف، و لا ستة آلاف، فضلا عن أربعين ألف درهم أو دينار؛ لأن مثل هذه الثروات إنما تجتمع لدى الإنسان من التجارة، أو الزراعة، لا من قبيل صناعات أبي بكر؛ فكيف يقولون إذا: إنه كان سيدا من سادات قريش، و من ذوي المال و الثروة و الجاه فيها؟ !

و لماذا يترك أباه عند ابن جدعان، و هو بهذه الحالة فضلا عن ابنته أسماء؟ ! .

و إذا كانت ثروة أبي بكر في تلك الفترة في أربعة آلاف بل أكثر، كما تقدم حين الكلام حول عتق بلال؛ فإنه لا بد أن يكون أثرى رجل في مكة في تلك الفترة، إذ قد ورد أنه بعد أن انتشر الإسلام، و فتحت البلاد جاء أنس بن مالك بمال إلى عمر بعد موت أبي بكر، فبايع عمر، ثم أخبره بأنه قد جاء بأربعة آلاف و أعطاه إياها، قال أنس: «فكنت أكثر أهل المدينة مالا» (1).

خامسا: إن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما تصدق بمال قليل جدا- كما في إطعامه المسكين، و اليتيم، و الأسير-قد نزلت فيه آية قرآنية و هي قوله5.


1) كنز العمال ج 5 ص 405 عن ابن سعد، و حياة الصحابة ج 2 ص 235.

تعالى: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً، إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ. . الآية (1).

و حينما تصدق بخاتمه نزل فيه قوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (2).


1) الآية 8 من سورة الإنسان، و الحديث موجود في المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 189-195، و الرياض النضرة ج 3 ص 208 و 209 و التفسير الكبير ج 30 ص 234 و 244 عن الواحدي، و الزمخشري، و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 29 ص 112 و 113 و الكشاف ج 4 ص 670 و نوادر الأصول ص 64 و 65 و الجامع لأحكام القرآن ج 19 ص 131 عن النقاش، و الثعلبي، و القشيري، و غير واحد من المفسرين، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 372-374 و مدارك التنزيل للنسفي (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 4 ص 339 و كشف الغمة ج 1 ص 169 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 469-477 عن أمالي الصدوق، و القمي، و الطبرسي، و ابن شهر آشوب و تأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 749-752 و تفسير فرات ص 521-528 و ذخائر العقبى ص 89 و تفسير القمي ج 2 ص 398 و 399 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 412 و وسائل الشيعة ج 16 ص 190، و فرائد السمطين ج 2 ص 54-56 و مجمع البيان ج 10 ص 404 و 405 و المناقب لابن المغازلي ص 273 و الإصابة ج 4 ص 378 و ينابيع المودة ص 93 و 94 و روضة الواعظين ص 160-163 و نزهة المجالس ج 1 ص 213 و ربيع الأبرار ج 2 ص 147 و 248 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21، و أسد الغابة ج 5 ص 530 و 531 و البحار ج 35 ص 237 حتى 254 و إحقاق الحق ج 9 ص 110- 123 و ج 3 ص 157-170 عن مصادر كثيرة.

2) الآية 55 من سورة المائدة، و الحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 649 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 93 عن الطبراني، و ابن جرير، و أسباب النزول ص 113 و تفسير المنار ج 6 ص 442، و قال: رووا من عدة طرق و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 533-337 عن الكافي، و الإحتجاج، و الخصال، و القمي، و أمالي الصدوق، و جامع البيان ج 6 ص 186، و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 6 ص 167 و التفسير الكبير ج 12 ص 26 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 71 و الدر المنثور ج 2 ص 293 و 294 عن أبي الشيخ و ابن مردويه، و الطبراني، و ابن أبي حاتم، و ابن عساكر، و ابن جرير، و أبي نعيم، و غيرهم، و فتح القدير ج 2 ص 53 عن الخطيب في المتفق و المفترق، و راجع ما عن: عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و غيرهم ممن تقدم ذكره. و لباب التأويل للخازن ج 1 ص 475 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 221 و الكافي ج 1 ص 228 و شواهد التنزيل ج 1 ص 173-184 و الخصال ج 2 ص 580 و كفاية الطالب ص 229 و كنز العمال ج 15 ص 146 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 108 و مجمع الزوائد ج 7 ص 17 و معرفة علوم الحديث ص 102 و تذكرة الخواص ص 15 و المناقب للخوارزمي ص 186 و 187 و نظم درر السمطين ص 86 و 87 و الرياض النضرة ج 3 ص 208 و ذخائر العقبى ص 102 عن الواقدي، و أبي الفرج ابن الجوزي، و البداية و النهاية ج 7 ص 358 و نور الأبصار ص 77 و فرائد السمطين ج 1 ص 188 و تأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 151- 154 و البحار ج 35 ص 183-203 عن مصادر كثيرة و ربيع الأبرار ج 2 ص 148 و المناقب لابن المغازلي ص 312 و 313 و روضة الواعظين ص 92 و العمدة لابن بطريق ص 119-125 و إثبات الهداة ج 2 ص 47 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 2-10 و كشف الغمة ج 1 ص 166 و 167 و الأمالي للصدوق ص 109 و 110، و وسائل الشيعة ج 6 ص 334 و 335 و سعد السعود ص 96 و البرهان (تفسير) ج 1 ص 480-485 و مجمع البيان ج 3 ص 310- 312 و إحقاق الحق ج 20 ص 3-22 و راجع ج 3 ص 502-511 و ج 2 ص 399-408 عن مصادر كثيرة.

و حينما تصدق بدرهم سرا و آخر جهرا، و ثالث ليلا، و رابع نهارا، نزل فيه قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ (1).

كما أنه لم يعمل بآية النجوى سوى علي «عليه السلام» (2).


1) الآية 274 من سورة البقرة، و الحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 319 و تفسير المنار ج 3 ص 92 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و غيرهما و التفسير الكبير ج 7 ص 83 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 347 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 326 عن ابن جرير، و ابن مردويه و ابن أبي حاتم و فتح القدير ج 1 ص 294 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن عساكر و غيرهم و الدر المنثور ج 1 ص 363 و لباب النقول ص 50 ط دار إحياء العلوم، و أسباب النزول ص 50 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 341 عن العياشي و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 و نظم درر السمطين ص 90 و ذخائر العقبى ص 88 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 412 و المناقب لابن المغازلي ص 280 و ينابيع المودة ص 92، و روضة الواعظين ص 383 و 105 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21.

2) راجع المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 196 و الرياض النضرة ج 3 ص 180 و الصواعق المحرقة ص 129 عن الواقدي، و نظم درر السمطين ص 90 و 91 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 327 و 326 و جامع البيان ج 28 ص 14 و 15 و غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 24 و 25 و كفاية الطالب ص 136 و 137 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 482 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) ج 2 ص 482 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 264 و 265 و تأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 673-675 و لباب التأويل ج 4 ص 224 و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 224 و أسباب النزول ص 235 و شواهد التنزيل ج 2 ص 231-240 و الدر المنثور ج 6 ص 185-

و أبو بكر ينفق ماله كله، أربعين ألف درهم أو دينار و تكون له يد عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، اللّه يكافئه عليها، و ما نفع النبي «صلى اللّه عليه و آله» مال كما نفعه مال أبي بكر، ثم لا يذكر اللّه من ذلك شيئا، و لا يحدثنا التاريخ و لا الحديث عن مورد واحد من ذلك بالتحديد؛ بحيث يمكن إثباته؟

أم أن المحدثين و المؤرخين و هم في الأكثر شيعة لأبي بكر، قد تجاهلوا عمدا فضائل أبي بكر، التي تصب في هذا الاتجاه؟

و لماذا إذن لم يتجاهلوا ما لعلي «عليه السلام» في ذلك أيضا؟ ! .

أم أن أبا بكر قد ظلم و تجنى عليه الحكام و الملوك، و أتباعهم، و المزيفون من العلماء، كما تجنوا على أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ؟ ! فمنعوا الناس من ذكر فضائله و روايتها.

و غاية ما ذكروه لأبي بكر هنا عتقه الرقاب من الضعفاء و المعذبين في مكة، و لكن قد تقدم أن إثبات ذلك غير ممكن، و قد أنكره الإسكافي المعتزلي عليه، و قال: إن ثمنها في ذلك العصر لا يبلغ مئة درهم، لو فرض صحة الرواية.

(2) -عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و الحاكم و صححه، و سعيد بن منصور، و ابن راهويه، و فتح القدير ج 5 ص 191 و التفسير الكبير ج 29 ص 271 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 302 و الكشاف ج 4 ص 494 و كشف الغمة ج 1 ص 168 و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 129 و 140 و ج 14 ص 200 و 217 و ج 20 ص 181 و 192 عن بعض من تقدم، و عن مصادر كثيرة أخرى، و إعلام الورى ص 188.

أم أن عدالة اللّه تعالى قد اقتضت ذكر نفقات أمير المؤمنين علي «عليه السلام» -على قلتها-في القرآن، و على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إهمال نفقات أبي بكر، التي تبلغ الآلاف الكثيرة؟ !

و هل هذا عدل؟ ! تعالى اللّه الملك الحق العدل المبين، الذي لا تظلم عنده نفس بمثقال ذرة فما فوقها.

أم يصح أن يقال: إن نفقات أبي بكر لم تكن خالصة لوجه اللّه تعالى، و إنما جرت على وفق سجيته و طبعه في الكرم و الجود؟ ! و كان ذلك هو سر إهمال اللّه لها؟ فلماذا لا يمدح اللّه هذه السجية؟

و إذا كان لا فضل فيها؛ فلماذا يقول الرسول: إن اللّه سوف يكافئه عليها؟ ! و لماذا؟ و لماذا؟ ! إلى آخر ما هنالك من الأسئلة التي لن تجد لها جوابا مقنعا و مفيدا و مقبولا.

و بعد ما تقدم: فإن الحديث عن ثروة أبي بكر منقول-كما يقول الشيخ المفيد-عن خصوص ابنة أبي بكر عائشة، و في طريقه من هم من أمثال الشعبي المعروفين بالعصبية، و التقرب إلى بني أمية بالكذب، و التخرص، و البهتان (1).

اللصوص المهرة:

و بعد، فإن مما يضحك الثكلى ما ذكره البعض، من أن اللصوص أخذوا لأبي بكر أربع مئة بعير، و أربعين عبدا، فدخل عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرآه حزينا، فسأله، فأخبره، فقال: ظننت أنه فاتتك تكبيرة


1) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 131-133.

الإحرام الخ. . (1).

و لست أدري كيف استطاع اللصوص إخفاء هذه الكمية الهائلة من العبيد و الجمال؟ ! و أين ذهبوا بها؟ و كيف لم يهرب واحد من العبيد ليخبر أبا بكر بالأمر.

و كيف لم يستيقظ أحد من أهل مكة و المدينة على أصوات حركة أكبر قافلة عرفها تاريخ ذلك الزمان؟ !

و لا أدري أيضا. . من أين حصل أبو بكر على هذه الثروة الهائلة؟ و كيف لم يشتهر في جميع الأقطار و الآفاق على أنه أكبر متمول في الجزيرة العربية؟ و لا ندري أخيرا هل استطاع أبو بكر استرداد ما سرق منه أم لا؟ ! .

كلمة أخيرة حول ما يقال عن ثروة أبي بكر:

و نعتقد: أن ما يقال عن ثروة لأبي بكر، أنه أنفقها على النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كان نتيجة ردة الفعل العنيفة من قبل أنصار الخليفة الأول، حينما رأوا أنه «صلى اللّه عليه و آله» يأبى أخذ الراحلة منه إلا بالثمن (2)و يرون في مقابل ذلك الآيات النازلة في علي «عليه السلام» ، و نفقاته و تضحياته ليلة المبيت و غيرها.


1) نزهة المجالس ج 1 ص 116.

2) صحيح البخاري ط مشكول ج 5 ص 75 و تاريخ الطبري ج 2 ص 104، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 131 و طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 153 و البداية و النهاية ج 3 ص 184-188، و مسند أحمد ج 5 ص 245، و الكامل لابن الأثير، و غير ذلك كثير، و السيرة الحلبية ج 2 ص 32.

فكان لا بد أن يتحركوا لإثبات فضائل لأبي بكر، و تضحيات له جسام.

ثم يوجهون قضية الراحلة بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن تكون هجرته للّه تعالى: بنفسه و ماله (1).

و لكنهم يعودون فينسون هذا التوجيه حينما يذكرون الأمور التي تقدمت الإشارة إليها مثل جراب الزاد و الشاة المطبوخة، و منحة الغنم حين الهجرة و غير ذلك، و يغفلون عن التناقض الظاهر بين كونه أراد الهجرة بنفسه و ماله و بين إنفاقاته الكبيرة من مال أبي بكر و زاده و منحته و. . و. . الخ. .

و لا بأس بالتناقض في أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أفعاله، ما دام أنه لم تنقض فضيلة لأبي بكر، و لم يحرم منها! ! .

التزوير، و التحوير:

و لكن الصحيح هو: أن ما قاله «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان بالنسبة لأموال خديجة: «ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال خديجة» -كما تقدم- و قد حور لصالح أبي بكر، و صيغ بصيغ مختلفة.

و العبارات التي تصب في مجرى واحد، و تشير إلى هدف فارد، و هو إثبات فضيلة لأبي بكر و أبي بكر فقط كثيرة شأنها شأن كثير من الأحاديث التي أشار إليها المعتزلي في شرحه للنهج، و ذكر أنها من وضع البكرية في مقابل فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كما يظهر لكل أحد بالتتبع و المقارنة.


1) فتح الباري ج 7 باب الهجرة، ص 183 و السيرة الحلبية ج 2 ص 32.

تجلي اللّه لأبي بكر:

عن أنس: لما خرج «صلى اللّه عليه و آله» من الغار أخذ أبو بكر بغرزه (1)فنظر «صلى اللّه عليه و آله» إلى وجهه، فقال: يا أبا بكر ألا أبشرك؟

قال: بلى فداك أبي و أمي.

قال: إن اللّه يتجلى يوم القيامة للخلائق عامة، و يتجلى لك خاصة (2).

و مع أننا لم ندر ما معنى هذا التجلي، إلا أن يكون على مذهب المجسمة الضالة، فإننا نجد: أن الفيروزآبادي قد عد هذا الحديث من أشهر الموضوعات في باب فضائل أبي بكر، و من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل، و حكم الخطيب بوضعه عند ذوي المعرفة بالنقل، و حكم أيضا بوضعه و بطلانه كل من: الذهبي، و العجلوني، و ابن عدي، و السيوطي، و العسقلاني، و القاري و غيرهم (3).

كلام هام حول الفضائل:

يقول المدائني: «كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي شهادة، و كتب إليهم:

أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، و محبيه، و أهل ولايته، الذين


1) الغرز: ركاب الرحل.

2) الغدير ج 5 ص 301 و 302 و المصادر الآتية في الهامش التالي و السيرة الحلبية ج 2 ص 41.

3) راجع: تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 288 و ج 12 ص 19، و كشف الخفاء ج 2 ص 419، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 148، و لسان الميزان ج 2 ص 64 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 21 و 232 و 269 و ج 3 ص 336 و الغدير ج 5 ص 302 عمن تقدم، و عن أسنى المطالب ص 63.

يروون فضائله و مناقبه، فأدنوا مجالسهم، و قربوهم، و أكرموهم، و اكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، و اسمه و اسم أبيه، و عشيرته ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات، و الكساء، و الحباء، و القطائع، و يفيضه في العرب منهم و الموالي.

فكثر ذلك في كل مصر، و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجد امرؤ من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه، و قربه، و شفعه، فلبثوا بذلك حينا.

ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد جهر و فشا في كل مصر، و كل وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، و الخلفاء الأولين، و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا و أتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، و أقر لعيني، و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته، و أشد عليهم من مناقب عثمان و فضله.

فقرئت كتبه على الناس، و رويت أحاديث كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر و ألقي إلى معلمي الكتاب، فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن، و حتى علموه بناتهم، و نساءهم، و خدمهم، و حشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة: أنه يحب عليا، و أهل بيته، فامحوه من الديوان، و أسقطوا عطاءه و رزقه.

و شفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا

به، و اهدموا داره، فلم يكن البلاء أشد و أكثر منه بالعراق، و لا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سره، و يخاف من خادمه و مملوكه، و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة: ليكتمن عليه.

فظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة، و الولاة، و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون، و المستضعفون، الذين يظهرون الخشوع و النسك، فيفتعلون الأحاديث حتى يحظوا بذلك عند ولاتهم، و يقربوا في مجالسهم، و يكسبوا به الأموال و الضياع، و المنازل حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان فقبلوها فرووها و هم يظنون أنها حق و لو علموا: أنها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها، فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي «عليه السلام» ، فازداد البلاء و الفتنة الخ» . . (1).

ما أنت إلا إصبع دميت:

و في رواية: إن أبا بكر صار يسد كل حجر و جده في الغار، فأصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن إصبعه و يقول:

ما أنت إلا اصبع دميتو في سبيل اللّه ما لقيت (2)


1) النصائح الكافية ص 72 و 73 عن المدائني، و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 44.

2) حلية الأولياء ج 1 ص 22، و البداية و النهاية ج 3 ص 180، و السيرة الحلبية ج 2 ص 35 و 36.

و هذا لا يصح؛ لأن هذا البيت هو لعبد اللّه بن رواحة، قاله في جملة أبيات له في غزوة مؤتة، و قد صدمت إصبعه فدميت (1).

و في الصحيحين: عن جندب بن سفيان: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك في بعض المشاهد، أو في الغار، حينما دميت إصبعه (2).

و ذكر آخرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال ذلك حينما لحقه أبو بكر، لظنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه بعض المشركين، فأسرع؛ فأصابه حجر، ففلق إبهامه (3).

و لعله «صلى اللّه عليه و آله» قد قرأ «دميت و لقيت» بفتح ياءيهما، و سكون تاءيهما حتى لا يكون شعرا، لأنه لا يقول الشعر و لا ينبغي له، كما ذكرته الآية الكريمة: وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ اَلشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ (4).

إلا أن يكون المراد بها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس بشاعر، لا أنه لا يتلفظ بالشعر، و لا يتمثل به.

و في بعض المصادر: أن قائله هو الوليد بن الوليد بن المغيرة، حين فر من المشركين حين هجرته، أو حينما ذهب ليخلص هشام بن العاص و عباس


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 69 و 36.

2) صحيح مسلم ج 5 ص 181 و 182، و صحيح البخاري ج 2 ص 89 الميمنية، و حياة الصحابة ج 1 ص 518.

3) راجع البحار ج 19 ص 93 عن مسند أحمد، و عن تاريخ الطبري ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 2 ص 36 عن ابن الجوزي.

4) الآية 69 من سورة يس.

بن ربيعة (1).

و قيل: إن أبا دجانة قال ذلك في غزوة أحد (2).

و لعل الجميع قد قالوا هذا البيت، لكن على سبيل التمثل به، و التمثل بالشعر شائع عند العرب، و هكذا يتضح أن هذا الشعر إن كان قد قيل في الغار، فإن قائله هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما في الصحيحين.

و قد نسب ذلك إلى أبي بكر تصنعا و تزلفا ليس إلا، و ذلك لا يسمن و لا يغني من جوع.

عمدة فضائل أبي بكر:

و مما يلفت النظر، و يقضي بالعجب: أن تكون صحبة أبي بكر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كونه معه في الغار، و كبر سنه، هما عمدة ما استدلوا به يوم السقيفة لأحقية أبي بكر بالخلافة دون غيره، فقد قال عمر يوم السقيفة: «من له مثل هذه الثلاث: ثٰانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي اَلْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا.

و قال: إن أولى الناس بأمر نبي اللّه ثاني اثنين إذ هما في الغار، و أبو بكر السباق المسن.

و قال يوم البيعة العامة: «إن أبا بكر رحمه اللّه صاحب رسول اللّه و ثاني


1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 324، و المصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 447، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 220.

2) البدء و التاريخ ج 4 ص 202.

اثنين، أولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه» (1).

و عن سلمان: «أصبتم ذا السن فيكم، و لكنكم أخطاتم أهل بيت نبيكم» .

و حينما طلب اليهود من أبي بكر أن يصف لهم صاحبه قال: «معشر اليهود، لقد كنت معه في الغار كإصبعي هاتين الخ. .» .

و عن عثمان: «إن أبا بكر الصديق (يبدو أن كلمة الصديق زيادة من الرواة لما تقدم) أحق الناس بها؛ إنه لصديق، و ثاني اثنين، و صاحب رسول اللّه» هكذا عن أبي عبيدة.

و عن علي، و الزبير: «الغار، و شرفه، و كبره، و صلاته بالناس» (2).


1) راجع هذه النصوص في: مجمع الزوائد ج 5 ص 182 عن الطبراني و رجاله ثقات و بعضه عن ابن ماجة، و سيرة ابن هشام ج 4 ص 311، و البداية و النهاية ج 5 ص 248 عن البخاري، و السيرة الحلبية ج 3 ص 359، و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 438، و الغدير ج 7 ص 92 عن بعض من تقدم و عن الرياض النضرة ج 1 ص 162-166.

2) راجع في ما تقدم كلا أو بعضا: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 66، و سنن البيهقي ج 8 ص 153، و ذكر ذلك في الغدير ج 5 ص 369 و ج 7 ص 92 و ج 10 ص 7 كلا أو بعضا عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 1 ص 35، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 128، و نهاية ابن الأثير ج 3 ص 247، و صفة الصفوة ج 1 ص 97، و السيرة الحلبية ج 3 ص 386، و الصواعق المحرقة ص 7، و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 131 و ج 2 ص 17، و الرياض النضرة ج 2 ص 195، و كنز العمال ج 3 ص 140 عن الأطرابلسي في فضائل الصحابة و نقل أيضا عن الكنز ج 3 ص 139 و 136 و 140 عن ابن أبي شيبة و ابن عساكر، و ابن شاهين، و ابن جرير، و ابن سعد، و أحمد، و رجاله رجال الصحيح.

و أخيرا: فقد قال العسقلاني عن قضية الغار: «هي أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون الخليفة بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لذلك قال عمر بن الخطاب: إن أبا بكر صاحب رسول اللّه، ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم» .

و إذا كانت أعظم فضائله التي استحق بها الخلافة، و إذا كانوا لم يتمكنوا من ذكر فضيلة أخرى له، مع أنهم في أحرج الأوقات، و في أمس الحاجة إلى التشبث بكل حشيش في مقابل الأنصار؛ فماذا عساهم أن يصنعوا في مقابل علي و فضائله العظمى التي هي كالنار على المنار و كالشمس في رابعة النهار؟

و هل يمكنهم أن يحتجوا بشيء ذي بال في مقابله؟ ! .

و هل يبقى أمامهم من مخرج سوى اللجوء إلى أساليب العنف و الإرهاب؟ ! و هكذا كان! ! .

و إذا أفقده البحث المنطقي و العلمي هذه الفضيلة، و بقي صفر اليدين، حتى لقد كان بلال يفضل عليه، حتى اضطر بلال-و لعله لدوافع لم يستطع التاريخ أن يفصح عنها-لأن يستنكر ذلك و يقول: كيف تفضلوني عليه، و أنا حسنة من حسناته؟ (1).

نعم، إذا أفقده النقد الموضوعي هذه الفضيلة، كما قد رأينا ذلك فيما تقدم، فما الذي يبقى أمام أبي بكر للحفاظ على ماء وجهه و منصبه؟ ! .

إننا نترك الجواب على ذلك للقارئ الفطن و المنصف.


1) الغدير ج 10 ص 13، و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 317.

عثمان حين قضية الغار:

و أخرج ابن مندة بسند واه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كنت أحمل الطعام إلى أبي، و هو مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغار، فاستأذنه عثمان في الهجرة، فأذن له في الهجرة إلى الحبشة (1).

و لكن من الواضح: أن عثمان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغار بثمان سنين؛ لأن هجرة الحبشة إنما كانت في السنة الخامسة من البعثة.

أضف إلى ذلك: أن كون أسماء هي التي كانت تحمل الطعام إلى الغار، لا يصح؛ فقد تقدم أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل أن يأخذ الناقة من أبي بكر إلا بالثمن حتى لا يكون لأحد منة عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

هذا كله عدا عما تقدم من عدم صحة قولهم: إن أسماء كانت تأتيهم بالطعام إلى الغار. . فإن عليا «عليه السلام» كان هو الذي يحمل الطعام إلى الغار؛ و ليس أسماء بنت أبي بكر.

و كون المراد غارا آخر، يحتاج إلى شاهد و دليل، و لم نجد في التاريخ ما يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل غارا آخر، و لبث فيه مع أبي بكر مدة.

يوم الغار، و يوم الغدير:

قال ابن العماد و غيره: «تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم بعمل عاشوراء، و باللطم و العويل، و ينصب القباب، و الزينة، و شعار الأعياد يوم الغدير؛ فعمدت غالية السنة و أحدثوا في مقابلة يوم الغدير، الغار، و جعلوه


1) كنز العمال ج 22 ص 208 عن ابن عساكر، و الإصابة ج 4 ص 304.

بعد ثمانية أيام من يوم الغدير، و هو السادس و العشرون من ذي الحجة، و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبا بكر اختفيا حينئذ في الغار.

و هذا جهل و غلط؛ فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر، و في أول شهر ربيع الأول الخ. .» (1).

و قد كان عليه أن يقول: «و هذا نصب و جهل، قد أعمى أبصارهم و بصائرهم» ، و هل ليوم الغار الذي أظهر فيه أبو بكر ضعفه، و شكه، و عرف كل أحد أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأخذ منه البعير إلا بالثمن، أن يكون كيوم الغدير، الذي جعل فيه أهل البيت أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما، و جعل علي «عليه السلام» فيه مولى للمؤمنين و إماما لهم بعد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى غير ذلك مما نقله جهابذة العلماء، و أعاظم الحفاظ؟ ! .

و لا بأس بمراجعة كتابنا: «صراع الحرية في عصر المفيد» ، ففيه تفصيلات حول هذا الموضوع.

و أخيرا فما أحرانا: أن نتمثل هنا بقول الشاعر:


1) شذرات الذهب ج 3 ص 130، و الإمام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1 ص 94 و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 145 و المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 206 و البداية و النهاية ج 11 ص 325 و الخطط المقريزية ج 1 ص 389 و الكامل في التاريخ ج 9 ص 155 و نهاية الأرب للنويري ج 1 ص 185 و ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ج 3 ص 339 و 340 و تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 381- 400) ص 25.

من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة

الكلمة الأخيرة في حديث الغار:

و حسبنا ما ذكرناه هنا حول الأكاذيب التي جادت بها قرائحهم، حول قضية الغار.

و قد يلاحظ القارئ: أننا لم نكثر المصادر للنصوص التي ذكرناها هنا، و عذرنا في ذلك هو أننا لم نر حاجة إلى ذلك، لأننا رأينا أنها متوفرة جدا في مختلف الكتب الحديثية و التاريخية، و لن يجد القارئ كبير عناء في البحث عنها، و استخراجها.

و لعل القارئ يجد في هذا الذي ذكرناه مقنعا و كفاية، و هو يكشف له زيف الكثير مما لم نذكره لوضوح كذبه و فساده، و قد آن الأوان للعودة إلى الحديث عن سائر أحداث السيرة العطرة للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

فإلى ما يلي من فصول. .

الفصل الثالث: إلى قباء

اشارة

في الطريق إلى المدينة:

عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة، و قد كانت قريش جعلت لمن أخذه مئة من الإبل، خرج سراقة بن جشعم فيمن يطلب، فلحق رسول اللّه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم اكفني سراقة بما شئت، فساخت قوائم فرسه، فثنى رجله ثم اشتد، فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادع اللّه أن يطلق الي فرسي، فلعمري، إن لم يصبكم خير مني لم يصبكم مني شر.

فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فأطلق اللّه عز و جل فرسه، فعاد في طلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما أطلقت قوائم فرسه في الثالثة، قال: يا محمد، هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه، و هذا سهم من كنانتي علامة، و أنا أرجع فأرد عنك الطلب.

فقال: لا حاجة لي فيما عندك.

و لعل رفض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما عرضه عليه سراقة قد كان من منطلق: أنه لا يريد أن يكون لمشرك يد عنده.

و قد تقدمت بعض النصوص الدالة على ذلك في فصل أبو طالب مؤمن قريش، و سيأتي في هذا الكتاب بعض من ذلك أيضا.

و سار «صلى اللّه عليه و آله» حتى بلغ خيمة أم معبد، فنزل بها، و طلبوا عندها قرى، فقالت: ما يحضرني شيء، فنظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى شاة في ناحية قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: أتأذنين في حلبها؟

قالت: نعم، و لا خير فيها.

فمسح يده على ظهرها، فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ضرعها، فأرخت ضرعا عجيبا، و درت لبنا كثيرا، فطلب «صلى اللّه عليه و آله» العس، و حلب لهم فشربوا جميعا حتى رووا.

ثم عرضت عليه أم معبد ولدها الذي كان كقطعة لحم، لا يتكلم، و لا يقوم، فأخذ تمرة فمضغها، و جعلها في فيه، فنهض في الحال، و مشى، و تكلم، و جعل نواها في الأرض فصار نخلة في الحال، و قد تهدل الرطب منها، و أشار إلى جوانبها فصار مراعي.

و رحل «صلى اللّه عليه و آله» فلما توفي «صلى اللّه عليه و آله» لم ترطب تلك النخلة، فلما قتل علي «عليه السلام» لم تخضر، فلما قتل الحسين «عليه السلام» سال منها الدم (1).

فلما عاد أبو معبد، و رأى ذلك سأل زوجته عن سببه قالت: مر بي رجل من قريش ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة (أو نخلة) و لم تزر به صحلة (أو صقلة) و سيم في عينيه دعج، و في أشفاره


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 335 عن ربيع الأبرار.

عطف، و في صوته صحل، و في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار و إن تكلم سما و علاه البهاء، أكمل الناس و أبهاهم من بعيد، و أحسنه و أعلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، و لا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين و هو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدرا.

إلى أن قالت: محفود محشود لا عابس و لا مفند. (و وصف أم معبد له «صلى اللّه عليه و آله» معروف و مشهور) .

فعرف أبو معبد أنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قصد بعد ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، فآمن هو و أهله (1).

الكرامات الباهرة بعد الظروف القاهرة:

و ليس ذلك كله بكثير على النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و كراماته الظاهرة، و معجزاته الباهرة، فهو أشرف الخلق و أكرمهم على اللّه من الأولين و الآخرين إلى يوم الدين.

و من الجهة الثانية: فإن حصول هذه الكرامات بعد مصاعب الهجرة مباشرة إنما يؤكد ما أشرنا إليه سابقا:

من أنه قد كان من الممكن أن تتم الهجرة بتدخل من العناية الإلهية،


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 334 و البحار ج 19 ص 41 و 42 و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 279 و السيرة الحلبية ج 2 ص 49 و 50 و غير ذلك من المصادر. و حديث أم معبد مشهور بين المؤرخين، و النص المذكور من أول العنوان إلى هنا هو للبحار ج 19 ص 75 و 76 عن الخرائج و الجرائح.

و لكن اللّه تعالى أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها و ليكون هذا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو الاسوة الحسنة، و القدوة لكل أحد، في مواجهة مشاكل الحياة، و تحمل أعباء الدعوة إلى اللّه بكل ما فيها من متاعب، و مصاعب و أزمات، فإن للأزمات التي يمر بها الإنسان دورا رئيسا في صنع خصائصه، و بلورتها، و تعريفه بنقاط الضعف التي يعاني منها و هي تبعث فيه حيوية و نشاطا، و تجعله جديا في مواقفه، فإنه إذا كان هدف اللّه سبحانه هو إعمار هذا الكون بالإنسان، فإن الإنسان الخامل الذي يعتمد على الخوارق و المعجزات لا يمكنه أن يقوم بمهمة الإعمار هذه.

و الخلاصة:

إن ذلك لمما يساعد على تربية الإنسان و تكامله في عملية إعداده ليكون عنصرا فاعلا و بانيا و مؤثرا، لا منفعلا و متاثرا و حسب، إلى غير ذلك مما يمكن استفادته من الأحداث الآنفة الذكر.

هجرة أمير المؤمنين عليه السّلام:

و استمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هجرته المباركة حتى قرب من المدينة، فنزل بادئ ذي بدء في قباء في بيت عمرو بن عوف، فأراده أبو بكر على دخول المدينة، و ألاصه فأبى، و قال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي و أخي، و ابنتي، يعني عليا و فاطمة «عليهما السلام» (1).


1) راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 35 من دون ذكر للاسم، و أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83، و إعلام الورى ص 66، و البحار ج 19 ص 64 و 106 و 115 و 116 و 75 و 76 و ج 22 ص 366 عن الخرائج و الجرايح.

فلما أمسى فارقه أبو بكر، و دخل المدينة، و نزل على بعض الأنصار، و بقي رسول اللّه بقباء، نازلا على كلثوم بن الهدم (1).

ثم كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أخيه علي «عليه السلام» كتابا يأمره بالمسير إليه و قلة التلوم، و أرسل الكتاب مع أبي واقد الليثي.

فلما أتاه كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» تهيأ للخروج و الهجرة، فأعلم من كان معه من ضعفاء المؤمنين، و أمرهم أن يتسللوا، و يتخفوا تحت جنح الليل إلى ذي طوى، و خرج «عليه السلام» بفاطمة بنت الرسول، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، و فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، و تبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبو واقد، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فأمره «عليه السلام» بالرفق فاعتذر بخوفه من الطلب.

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : إربع عليك، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لي: (أي حين سفره من الغار كما تقدم) يا علي أما إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه.

و أدركه الطلب قرب ضجنان، و هم سبع فوارس متلثمون، و ثامنهم مولى للحارث بن أمية، يدعى جناحا.

فأنزل علي «عليه السلام» النسوة، و أقبل على القوم منتضيا السيف، فأمروه بالرجوع، فقال: فإن لم أفعل؟

قالوا: لترجعن راغما، أو لنرجعن بأكثرك شعرا، و أهون بك من هالك.

و دنا الفوارس من المطايا ليثوروها، فحال علي «عليه السلام» بينهم


1) إعلام الورى ص 66، و البحار ج 19 ص 106 عنه.

و بينها فاهوى جناح بسيفه، فراغ علي «عليه السلام» عن ضربته، و تختله علي «عليه السلام» فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضيا فيه، حتى مس كاثبة فرسه، و شد عليهم بسيفه، و هو يقول:

خلوا سبيل الجاهد المجاهدآليت لا أعبد غير الواحد

فتصدع القوم عنه و قالوا: أغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب.

قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول اللّه بيثرب، فمن سره أن أفري لحمه، و أهريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني، ثم أقبل على صاحبيه، فقال لهما: أطلقا مطاياكما.

ثم سار ظاهرا حتى نزل بضجنان، فتلوم بها قدر يومه و ليلته، و لحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، و فيهم أم أيمن مولاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فعبدوا اللّه تلك الليلة قياما و قعودا و على جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلى بهم علي «عليه السلام» صلاة الفجر ثم سار بهم، فجعلوا يصنعون ذلك في كل منزل، حتى قدم المدينة، و قد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم.

اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً. .

إلى قوله: فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاٰ أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ. . (1).

و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» قدومه «عليه السلام» ، قال: ادعوا


1) الآيات 191-195 من سورة آل عمران.

لي عليا.

قيل: يا رسول اللّه، لا يقدر أن يمشي.

فأتاه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، فلما رآه اعتنقه، و بكى رحمة لما بقدميه من الورم، و كانتا تقطران دما.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : يا علي، أنت أول هذه الأمة إيمانا باللّه و رسوله، و أولهم هجرة إلى اللّه و رسوله، و آخرهم عهدا برسوله، لا يحبك و الذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن قلبه للإيمان و لا يبغضك إلا منافق أو كافر (1).

إذن، فالهجرة العلنية، و التهديد بالقتل لمن يعترض سبيل المهاجر قد كانا من علي «عليه السلام» ، و ليس من عمر بن الخطاب، و قد تقدم في فصل ابتداء الهجرة إلى المدينة بعض ما يدل على عدم صحة نسبة ذلك إلى عمر، و إنما نسبوا ما كان من أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى غيره، شأن الكثير من فضائله و مواقفه «عليه السلام» .

السياسة الحكيمة:

و بعد. . فإن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أننا نجد أمير المؤمنين عليا و كذلك أبناءه من بعده «عليهم السلام» يحاولون تفويت الفرصة على


1) راجع فيما ذكرناه: أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83-86، و البحار ج 19 ص 64 -67 و 85 و تفسير البرهان ج 1 ص 332 و 333 عن الشيباني في نهج البيان، و عن الاختصاص للشيخ المفيد، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 183 و 184، و إعلام الورى ص 190 و راجع: امتاع الاسماع للمقريزي ج 1 ص 48.

مزوري التاريخ من أعداء الدين و الحق و الإيمان، فقد روى عبد الواحد بن أبي عون:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حينما توفي أمر علي «عليه السلام» صائحا يصيح: «من كان له عند رسول اللّه عدة أو دين فليأتني» .

فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك، حتى توفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى توفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك، و انقطع ذلك بعده، رضوان اللّه تعالى عليهم و سلامه.

قال ابن عون: فلا يأتي أحد من خلق اللّه إلى علي بحق و لا باطل إلا أعطاه (1).

كتاب تبع الأول:

و يذكر البعض: أن تبعا الأول قد آمن بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل ولادته «صلى اللّه عليه و آله» بمئات السنين في قصة طويلة، نرغب عن ذكرها، لأننا لم نتأكد من صحتها، فمن أراد التحقيق حولها، فليراجعها في مصادرها (2).

أبو بكر شيخ يعرف:

قد جاء في بعض المرويات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أقبل إلى المدينة و كان أبو بكر رديف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبو بكر شيخ يعرف، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر،


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 89.

2) ثمرات الأوراق ص 290 و 291 عن القرطبي.

فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك؟

و في لفظ أحمد: من هذا الغلام بين يديك، فيقول: يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق و إنما يعني سبيل الخير.

و في التمهيد: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان رديف أبي بكر، فكان إذا قيل لأبي بكر: من هذا وراءك؟ الخ.

و صرح القسطلاني: بأن ذلك كان حين الانتقال من بني عمرو بن عوف، أي من قباء إلى المدينة.

و في نص آخر: أنه لما قدم «صلى اللّه عليه و آله» المدينة تلقاه المسلمون؛ فقام أبو بكر للناس، و جلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر شيخ، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاب، فكان من لم ير النبي يجيء أبا بكر زاعما أنه هو، فيعرفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى أصابت الشمس رسول اللّه، فجاء أبو بكر فظلل عليه بردائه، فعرفه الناس حينئذ (1).

و لكن ذلك لا يمكن أن يصح و ذلك للتالي: أولا: إن كون أبي بكر يعرف، و النبي لا يعرف، لا يمكن قبوله، فإن


1) راجع في ذلك كلا أو بعضا: إرشاد الساري ج 6 ص 214 و السيرة الحلبية ج 2 ص 41، و صحيح البخاري ط مشكول باب الهجرة ج 6 ص 53 و سيرة ابن هشام ج 2 ص 137، و مسند أحمد ج 3 ص 287، و المواهب اللدنية ج 1 ص 86، و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 202، و المعارف له ص 75 و الندير ج 7 ص 258 عن كثير ممن تقدم و عن الرياض النضرة ج 1 ص 78 و 79 و 80، و عن طبقات ابن سعد ج 2 ص 222.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرض دعوته على مختلف القبائل التي كانت تقدم مكة، طيلة سنوات عديدة و قد سار ذكره في الآفاق، و بايعه من أهل المدينة أكثر من ثمانين و رآه حوالي خمسمئة من أهل المدينة قدموا مكة، قبل ثلاثة أشهر فقط كما تقدم.

فكيف يكون أبو بكر يعرف، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرف؟ ! (1).

و من جهة أخرى: فلم يكن أحد يهتم بسفر أبي بكر أو يحس به و لا يجد أي من الناس دافعا للتعرف عليه.

هذا كله، عدا عن أن أبا بكر قد فارق الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حينما وصلا إلى قباء، و لم يبق معه إلى حين دخول المدينة.

و أما ما ذكر أخيرا: من أن من لم ير النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يجيء أبا بكر زاعما أنه هو فهو ينافي قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان شابا لا يعرف و أبو بكر شيخ يعرف.

ثانيا: لقد كان الناس من أهل المدينة ينتظرون قدومه «صلى اللّه عليه و آله» بفارغ الصبر، و قد استقبله منهم حين قدومه حوالي خمسمئة راكب (2)بظهر الحرة و كان النساء و الصبيان و الشبان و غيرهم يهزجون-كما قيل-:

طلع البدر علينامن ثنيات الوداع


1) راجع: الندير ج 7 ص 258.

2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 131، و دلائل النبوة ج 2 ص 233، و وفاء الوفاء ج 1 ص 255، عن التاريخ الصغير للبخاري، و السيرة الحلبية ج 2 ص 52، و السيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 1 ص 325، و تاريخ الخميس ج 1 ص 326.

وجب الشكر عليناما دعا للّه داع

أيها المبعوث فيناجئت بالأمر المطاع

و كان قد مكث في قباء أياما يستقبل الناس؛ فهل يمكن أن يكون متنكرا حين قدومه من قباء إلى المدينة، كما يقول القسطلاني؟ ! (1).

أو هل يمكن أن يكون قد دخل المدينة و لم يكن معه أحد من أهل قباء، و لا من أهل المدينة و أين كان عنه علي حينئذ؟ !

و ألم يكن أهل المدينة قد أتوا زرافات و وحدانا إلى قباء ليتشرفوا برؤيته؟ ! و لماذا لم يدل العارفون به أولئك الذين يشتبهون في أمره عليه؟ !

ثالثا: لقد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يكبر أبا بكر بسنتين و عدة أشهر؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» ولد عام الفيل، و أبو بكر استكمل بخلافته سن رسول للّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث توفي-كما يدعون- بسن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ثلاث و ستين سنة (2).

إذا فكيف يصح قولهم: إنه شيخ و النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاب؟


1) إرشاد الساري ج 6 ص 214.

2) المعارف لابن قتيبة ص 75، مدعيا الاتفاق على ذلك، و أسد الغابة ج 3 ص 223، و مرآة الجنان ج 1 ص 65 و 69 و مجمع الزوائد ج 9 ص 60 و الإصابة ج 2 ص 341-344، و الغدير ج 7 ص 271 عمن تقدم و عن المصادر الآتية: الكامل لابن الأثير ج 1 ص 185 و ج 2 ص 176، و عيون الأثر ج 1 ص 43 و السيرة الحلبية ج 3 ص 396 و الطبري ج 2 ص 125 و ج 4 ص 47 و الإستيعاب ج 1 ص 335، و قال: لا يختلفون أن سنه انتهى حين وفاته ثلاثا و ستين سنة، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 205.

و مما ذكرناه نعرف: عدم صحة ما روي عن يزيد بن الأصم-المتوفى بعد المئة عن 73 سنة-من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟

قال: لا، بل أنت أكبر مني و أكرم، و خير مني، و أنا أسن منك (1).

و أما الاعتذار عن ذلك: بأن الشيب كان في وجه أبي بكر و لحيته كثيرا بخلافه «صلى اللّه عليه و آله» (2)-أو أن أبا بكر كان تاجرا، يعرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام-فلا يصح؛ لأن الشيب و عدمه لا يخفي الشيخوخة و الشباب، حتى لقد ورد التعبير في بعض تلك المرويات ب «ما هذا الغلام بين يديك» ؟

فما معنى التعبير بالغلام عن رجل يزيد عمره على خمسين سنة؟

إلا أن يقال: الغلام يطلق على الشيخ و الشاب فهو من الأضداد.

و أيضا: فقد روي عن ابن عباس بسند صحيح: أن أبا بكر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه قد شبت؟ قال: شيبتني هود و الواقعة و الخ. .

و روى الحفاظ مثله عن ابن مسعود، و عن أبي جحيفة، قالوا: يا رسول اللّه، نراك قد شبت، قال: شيبتني هود و أخواتها (3).


1) الغدير ج 7 ص 270 عن الإستيعاب ج 2 ص 226، و الرياض النضرة ج 1 ص 127 و تاريخ الخلفاء ص 72 عن خليفة بن خياط، و أحمد بن حنبل و ابن عساكر.

2) فتح الباري ج 7 ص 195، و راجع الغدير ج 7 ص 260 و 261.

3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 343 و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة و اللمع لأبي نصر ص 280 و تفسير ابن كثير ج 2 ص 435، و الغدير ج 7 ص 261 عنهم و عن تفسير القرطبي ج 7 ص 1 و تفسير الخازن ج 2 ص 335 و عن جامع الحافظ الترمذي، و نوادر الأصول للحكيم الترمذي، و أبي يعلى، و الطبراني، و ابن أبى شيبة.

و إذا كانت السور المذكورة مكية كما هو معلوم، فيستفاد من ذلك: أن الشيب قد بان فيه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة على خلاف الطبيعة، و أسرع فيه، حتى صار الناس يسألونه عنه، و عما أثره (1)و لم يكن مجرد شعرات قليلة لا تلفت النظر، و لا يلتفت إليها.

و أما أن أبا بكر كان تاجرا يختلف إلى الشام، فقد تقدم: أنه كان في الجاهلية معلما للأولاد، و بعد ذلك صار خياطا، و كما كان أبو بكر يختلف إلى الشام، فقد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا يختلف إلى الشام، و كان التعرف عليه أدعى و أولى، بملاحظة ما كان له من الشرف و السؤدد في قريش و العرب، و كان له في أهل المدينة قرابة أيضا.

هذا، عدا عما أسلفناه من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرض دعوته على القبائل التي تقدم مكة لعدة سنوات.

و أيضا: فإن صفات النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تدل عليه، و قد و صفته أم معبد لزوجها فعرفه.

أما أبو بكر، فقد تقدمت صفته عن عائشة و غيرها في بعض الفصول.

و أخيرا: فإن ركوب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبي بكر على ناقة واحدة لم نجد له ما يبرره، بعد أن كان لدى كل منهما ناقة تخصه كما تقدم.

رأي العلامة الأميني:

و يرى الأميني «قدس سره» : أن قضية: أنت أكبر مني و أنا أسن منك تنقل عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع سعيد بن يربوع المخزومي، الذي


1) الغدير ج 7 ص 261.

توفي سنة أربع و خمسين عن مئة و عشرين سنة.

و يرى أيضا: أن حجة أبي بكر يوم السقيفة على مخالفيه قد كانت كبر سنه، فحاول محبوه تأييد هذه الدعوى بما ذكرنا من كونه أسن من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و النبي أكبر منه، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان شابا، بل غلاما، لا يعرف! ! و أبو بكر كان شيخا يعرف! ! (1).

النفاق في مكة:

و قبل أن نبدأ الحديث عما بعد الهجرة نرى أن من المناسب الإشارة إلى أمر يرتبط بالحياة المكية، و الحكم على بعض الظواهر فيها، مع ارتباط له وثيق أيضا بالحياة في المدينة بعد الهجرة، و هو موضوع:

هل كان يوجد فيمن أسلم قبل الهجرة من المكيين منافقون يبطنون خلاف ما يظهرون أم لم يكن؟ !

و هل كانت أجواء مكة صالحة لظهور أشخاص من هذا القبيل يعتنقون الإسلام و يبطنون الكفر، أم لا؟ ! .

يقول العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» ما مفاده: إنه ربما يقول البعض: لا، لم يكن في مكة منافقون، إذ لم يكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا للمسلمين قوة و لا نفوذ، يجعل الناس يهابونهم، و يتقونهم، أو يرجون منهم نفعا ماديا، أو معنويا من نوع ما، فلماذا إذا يتقربون لهم و يتزلفون؟ و لماذا يظهرون لهم الإسلام، مع انطوائهم على خلافه؟ .


1) الغدير ج 7 ص 271.

بل كان المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، معذبين؛ فالمناسب أن يتقي المتقي-رغبا أو رهبا-من صناديد قريش و عظمائها، لا منهم.

و أما في المدينة فقد قوي أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ظهر أمر المسلمين، و أصبحوا قوة يمكنها الدفع و المنع، و كان له «صلى اللّه عليه و آله» في كل بيت أتباع و أنصار يطيعون أوامره، و يفدونه بكل غال و نفيس، و القلة القليلة الباقية لم يكن يسعهم الإعلان بالخلاف؛ فداروا أمرهم بإظهار الإسلام، و إبطان الكفر-على أن يكيدوا و يمكروا بالمسلمين، كلما سنحت لهم الفرصة لذلك.

هكذا استدل البعض لإثبات عدم وجود منافقين بين المسلمين الأولين.

و لكنه كما ترى كلام لا يصح.

و ذلك لأن النفاق في مكة كانت له أسبابه، و مبرراته، و مناخاته، و نذكر هنا ما يلي:

أولا: إن أسباب النفاق لا تنحصر فيما ذكر، من الرغبة و الرهبة لذي الشوكة و منه، إذ أننا كثيرا ما نجد في المجتمعات فئات من الناس مستعدة لقبول أية دعوة، إذا كانت ذات شعارات طيبة، تنسجم مع أحلامهم و آمالهم، و تعدهم بتحقيق رغائبهم، و ما تصبو إليه نفوسهم، فيناصرونها، رغم أنهم في ظل أعتى القوى و أشدها طغيانا، و هم في غاية الضعف و الوهن يعرضون أنفسهم لكثير من الأخطار، و يحملون المشاق و المصاعب من أجلها و في سبيلها.

كل ذلك رجاء أن يوفقوا يوما ما لتحقيق أهدافهم، و الوصول إلى مآربهم، التي يحلمون بها، كالعلو في الأرض، و الحصول على الثروات،

و الجاه العريض، و غير ذلك.

إنهم يقدمون على كل هذا، مع أنهم ربما كانوا لا يؤمنون بتلك الدعوة إلا بمقدار إيمانهم بضرورة الحصول على تلك المآرب و الأهداف الآنفة الذكر.

و من الواضح: أن المنافق الطامع الذي من هذا القبيل يكون-فيما لو نجحت الدعوة-أشد خطرا على تلك الدعوة من أعتى أعدائها؛ لأنه إذا وجد أن الدعوة لا تستطيع أن تمنحه كل ما يريد-و لو لاقتضاء المصلحة لذلك-فإنه سوف يمكر و يغدر (1)، كما أنه يكون هو الأقدر على الانحراف بهذه الدعوة، و إخراجها عن نهجها القويم، و صراطها المستقيم إلى المتاهات التي يستطيع في ظلماتها و بهمها أن يحصل على ما يريد دون رادع أو وازع، و هو الذي يملك كل المبررات لذلك مهما كانت سقيمة و تافهة.

و أما إذا فشلت الدعوة: و كان قد أحكم أمره؛ فإنه يستطيع أن يقول لمن هم على شاكلته: إنا كنا معكم؛ إنما نحن مستهزئون.

فإنه إذا كان النفاق في المدينة قد كان في أكثره لدوافع أمنية، أو للحفاظ على المصالح و العلاقات المعينة، فإن النفاق المكي لسوف يكون أعظم خطرا، و أشد محنة و بلاء على الإسلام و المسلمين، حسبما أوضحنا آنفا.

و على هذا، فإن من القريب جدا. . أن يكون بعض من اتبع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة لم يكن مخلصا للدعوة، و إنما كان مخلصا لنفسه فقط، لا سيما إذا لاحظنا: أن دعوة الرسول قد كانت مقترنة من أول يوم بدئها


1) راجع: تفسير الميزان ج 19 ص 289.

بالوعود القاطعة بأن حامليها لسوف يكونون ملوك الأرض، و لسوف يملكون كنوز كسرى و قيصر (1)، فقد سأل عفيف الكندي العباس بن عبد المطلب عما يراه من صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي و خديجة «عليهما السلام» ، فقال له العباس:

هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، زعم أن اللّه أرسله، و أن كنوز كسرى و قيصر ستفتح على يديه، فكان عفيف يتحسر على أن لم يكن أسلم يومئذ، ليكون ثانيا لعلي «عليه السلام» في الإسلام (2).

و حينما سأله عمه أبو طالب عن سبب شكوى قومه منه، قال «صلى اللّه عليه و آله» : إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، و تؤدي إليهم بها العجم الجزية (3).

و ينقل عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال لبكر بن وائل، حينما كان يعرض دينه على القبائل: فتجعلون للّه عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، و تستنكحوا نساءهم، و تستعبدوا أبناءهم الخ. .

و قال قريبا من هذا لشيبان بن ثعلبة، و مثل ذلك قال أيضا حينما أنذر


1) أشار إلى هذا أيضا العلامة الطباطبائي في الميزان ج 19 ص 289.

2) ذخائر العقبي ص 59، و دلائل النبوة ج 1 ص 416، و لسان الميزان ج 1 ص 395 و عن أبي يعلى، و خصائص النسائي، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 57 ط صادر، و تاريخ الطبري ج 2 ص 57 و راجع حياة الصحابة ج 1 ص 33.

3) سنن البيهقي ج 9 ص 88 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 432، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه، و تفسير ابن كثير ج 4 ص 28، و حياة الصحابة ج 1 ص 33 عن الترمذي، و تفسير الطبري، و أحمد، و النسائي، و ابن أبي حاتم.

عشيرته الأقربين (1).

بل إن مما يوضح ذلك بشكل قاطع، ما قاله أحد بني عامر بن صعصعة لما جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرض عليهم قبول دعوته: «و اللّه لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب» ، و قد تقدم بعض المصادر لذلك.

ثم إنه إذا كان هذا النفاق يهدف إلى استخدام الدعوة لأهداف شخصية، فهو بالتالي مضطر إلى الحفاظ على هذه الدعوة بمقدار اضطراره إلى الحفاظ على مصالحه و أهدافه تلك، ما دام يرى أو يأمل منها أن تتمكن من تحقيق ما يتمناه، و توصله إلى أهدافه التي يرجوها.

و هكذا يتضح: أنه ليس من الضروري أن يكون المنافق مهتما بالكيد للدعوة التي لا يؤمن بها، و العمل على تحطيمها و إفسادها، بل ربما يكون حريصا عليها كل الحرص، يفديها بالمال و الجاه-لا بالنفس-إذا كان يأمل أن يحصل على ما هو أعلى و أغلى فيما بعد، و يمكن ملاحظة ذلك بسهولة في بعض مسلمي مكة، الذين كانوا يواكبون الدعوة و يعاونونها ما دام لم تصل النوبة إلى التضحية بالنفس و الموت، فإذا كان ذلك فإنهم يفرون، و ينهزمون، و يتركون النبي و شأنه، و قد رأينا ذلك في كثير من المواقف.

نعم، ربما يتمكن الدين تدريجيا من نفوس بعضهم، و تحصل لهم قناعة


1) راجع: الثقات ج 1 ص 88 و البداية و النهاية ج 3 ص 140 و راجع ص 142 و 145 عن دلائل النبوة لأبي نعيم و الحاكم و البيهقي و حياة الصحابة ج 1 ص 72 و 80 عن البداية و النهاية و عن كنز العمال ج 1 ص 277.

تدريجية به، و لسوف نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى، و لربما حين الكلام على غزوة أحد.

و خلاصة الأمر: أن الميزان لدى البعض هو أهدافه هو؛ فما دامت الدعوة في خدمتها فهو معها، و أما إذا وجد أنها سوف تكون عقبة في طريقها، و تشكل خطرا عليها فإنه لا يألو جهدا و لا يدع وسيلة في الكيد لها، و العمل على هدمها و تحطيمها.

ثانيا: ما أشار إليه العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» أيضا: أنه لا مانع من أن يسلم أحدهم في أول البعثة، ثم يعرض له ما يزلزل إيمانه، و يرتاب، و يرتد عن دينه، و لكنه يكتم ذلك، حفاظا على بعض المصالح الهامة بنظره كالخوف من شماتة أعدائه، أو حفاظا على بعض علاقاته القبلية، أو التجارية، أو للعصبية و الحمية، و غيرها مما يربطه بالمسلمين أو ببعضهم، أو للحفاظ على جاه من نوع معين، أو أي شيء آخر بالنسبة إليه (1).

و لربما يشهد لذلك: أننا قد رأينا البعض يعترف أنه كان كثيرا ما يشك في هذا الأمر، حتى اعترف في الحديبية أنه ارتاب ارتيابا لم يرتبه منذ أسلم (2)و في غزوة أحد، حينما سمعوا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل فروا من المعركة، و قال بعضهم: «نلقي إليهم بأيدينا، فإنهم قومنا و بنو عمنا» (3).


1) تفسير الميزان ج 19 ص 289.

2) مغازي الواقدي ج 2 ص 607.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 227، و بقية الكلام على هذا مع مصادره يأتي إن شاء اللّه تعالى في غزوة أحد.

ثالثا: و قد أشار العلامة الطباطبائي أيضا إلى بعض الآيات الدالة على وجود النفاق في مكة، و ذلك كقوله تعالى: وَ لِيَقُولَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اَللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً (1)حيث قد وردت هذه الآية في سورة المدثر و هي مكية، و كذا قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ فَإِذٰا أُوذِيَ فِي اَللّٰهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنّٰاسِ كَعَذٰابِ اَللّٰهِ وَ لَئِنْ جٰاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّٰا كُنّٰا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اَللّٰهُ بِأَعْلَمَ بِمٰا فِي صُدُورِ اَلْعٰالَمِينَ (2). فإن سورة العنكبوت مكية أيضا، و الآية مشتملة على حديث الإيذاء و الفتنة في اللّه، و ذلك إنما كان في مكة لا في المدينة، و قوله تعالى: وَ لَئِنْ جٰاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لا يدل على نزول الآية في المدينة لأن النصر له مصاديق و مراتب كثيرة.

و أضيف هنا: أن اللّه تعالى إنما يحكي حالة المنافقين المستقبلية بشكل عام.

ثم قال العلامة الطباطبائي: احتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقع بمكة بعد الهجرة، غير ضائر؛ فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة، و إن أوذوا بعدها (3).

ملاحظة هامة على ما تقدم:

هذا، و يلاحظ العلامة الطباطبائي أخيرا: أننا لم نزل نسمع ذكرا


1) الآية 31 من سورة المدثر.

2) الآية 10 من سورة العنكبوت.

3) راجع: تفسير الميزان ج 20 ص 90 و 91.

للمنافقين إلى حين وفاة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و قد تخلف عنه «صلى اللّه عليه و آله» في تبوك أكثر من ثمانين منهم، و انخذل ابن أبي في أحد في ثلاثمائة، ثم انقطعت أخبارهم عنا مباشرة، و لم نعد نسمع عن دسائسهم، و مكرهم، و مكائدهم للإسلام و للمسلمين شيئا، فهل انقلبوا بأجمعهم-بمجرد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» -عدولا أتقياء و أبرارا أوفياء؟ !

و إذا كان كذلك، فهل كان وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما بينهم مانعا لهم من الإيمان، و هو الذي أرسله اللّه رحمة للعالمين؟ ! نعوذ باللّه من التفوه بالعظائم، و بما يسخط الرب، أم أنهم ماتوا بأجمعهم، و هم يعدون بالمئات بمجرد موته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و كيف لم ينقل لنا التاريخ ذلك؟ !

أم أنهم وجدوا في الحكم الجديد ما يوافق هوى نفوسهم، و يتلاءم مع أهوائهم، و مصالحهم؟ ! أم ماذا؟ ! ما هي الحقيقة؟ !

لست أدري! و لعل الذكي يدري.

الفصل الرابع: حتى المدينة

اشارة

بداية:

و في المدينة بدأت عملية بناء المجتمع الإسلامي، و إرساء قواعد الدولة، و التخطيط لنشر الإسلام في مختلف أرجاء العالم، و انتقلت الدعوة من مرحلة بناء الفرد إلى مرحلة بناء المجتمع، و تطبيق الإسلام عقيدة و شريعة، و محو كل آثار الجاهلية في العالم أجمع.

و إذا أردنا أن نلم بكل الخطوات التي خطاها القائد الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في سبيل ذلك، فإننا لن نتمكن الآن من استقصاء ذلك و لسوف يصرفنا عن متابعة الأحداث الرئيسة في السيرة العطرة، و لذا فنحن نترك هذا المجال للآخرين، مكتفين بالتعرض إلى ما يهم الباحث التعرض له ابتداء، من دون تركيز على الجزئيات و التفاصيل إلا بالمقدار الذي نراه لازما و مقبولا، فنقول:

غناء أهل المدينة، و النبي صلّى اللّه عليه و آله يرقص بأكمامه:

و يذكرون: أن أهل المدينة ما فرحوا بشيء فرحهم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن عائشة:

لما وصل «صلى اللّه عليه و آله» المدينة صارت النساء و الولائد يقلن:

طلع البدر علينامن ثنيات الوداع

وجب الشكر عليناما دعا للّه داع

أيها المبعوث فيناجئت بالأمر المطاع

فعدل ذات اليمين، حتى نزل بقباء (1).

و في رواية: فجعل رسول اللّه يرقص بأكمامه (2).

و بعد أن مكث في قباء أياما، و توجه إلى داخل المدينة، خرجت نساء من بني النجار بالدفوف يقلن:

نحن نساء من بني النجاريا حبذا محمد من جار

فقال لهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أتحببنني، في رواية (أتحبوني) ؟

قلن: نعم، يا رسول اللّه.

فقال: و اللّه و أنا أحبكن، قالها ثلاثا (3).

قال الحلبي: «و هذا دليل واضح لسماع الغناء على الدف لغير العرس» (4).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 341 و 342 عن الرياض النضرة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 54، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 233، و وفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 244 و ج 4 ص 1172 و 1262 و فتح الباري ج 7 ص 204.

2) نهج الحق الموجود في دلائل الصدق ج 1 ص 389، و لم يعترض عليه فضل بن روزبهان، بل حاول توجيهه و تأويله.

3) وفاء الوفاء ج 1 ص 263، و فتح الباري ج 7 ص 204، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 234 و 235، و تاريخ الخميس ج 1 ص 341، و السيرة الحلبية ج 2 ص 61 و البداية و النهاية ج 3 ص 200.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 61.

و استدل ابن كثير برواية الصحيحين الآتية على جواز الغناء في الأعراس و لقدوم الغياب (1).

المناقشة:
اشارة

و لكن ذلك لا يصح لما يلي:

1-ثنية الوداع من جهة الشام:

إن ثنيات الوداع ليست من جهة مكة بل من جهة الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، و لا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام (2).

و ذكر السمهودي: أنه يوجد مسجد على يسار الداخل إلى المدينة المنورة من طريق الشام (3).

بل هو يقول: «و لم أر لثنية الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التي بجهة مكة» (4).

و الظاهر: أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، و أن ذلك عند القدوم من الهجرة (5).

و يدل على كون ثنية الوداع من جهة الشام، ما ورد في قدوم النبي


1) البداية و نهاية ج 1 ص 276.

2) زاد المعاد ج 3 ص 10 و راجع: وفاء الوفاء للسمهودي ج 4 ص 1170 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 130.

3) وفاء الوفاء ج 3 ص 845.

4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1172.

5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1172.

«صلى اللّه عليه و آله» و خروجه من و إلى تبوك و حين قدم من خيبر، و من الشام و إلى مؤتة، و غزوة العالية، و الغابة، و كذا ما ورد عنه في حديث السباق في أمد الخيل المضمرة (1).

و حاول السمهودي تصحيح ما تقدم: بأنهم قد ذكروا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مر بدور الأنصار، حين قدم المدينة من قباء، حتى مر بدور بني ساعدة و إنما هي في شامي المدينة، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية (2).

و هو كلام عجيب، فإن مروره في دور بني ساعدة لا يقتضي دخول المدينة من ناحيتهم، إذ يمكن أن يدخلها من جهة قباء، ثم تجول به ناقته في دور الأنصار، كما هو صريح ما ذكره، حتى تصل إلى دور بني ساعدة.

كما أن احتماله هذا يدفعه تصريحهم في رواية: طلع البدر علينا، بأنهم لا قوه بهذا الشعر، ثم عدل بهم ذات اليمين إلى قباء، كما تقدم، فإن هذا إنما يتناسب مع قدومه من مكة إلى المدينة، لا من قباء إلى المدينة، كما يقول السمهودي.

فالصحيح: هو أنهم قد لا قوه بهذا الشعر حينما قدم من تبوك لا من مكة كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى.


1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1168 و 1169 و 1172 و ج 3 ص 857 و 858 عن البخاري، و ابن أبي شيبة، و الطبراني في الأوسط، و أبي يعلى، و ابن حبان، و ابن إسحاق، و ابن سعد و البيهقي الخ. و راجع حياة الصحابة ج 1 ص 603 و 207 و السنن الكبرى ج 9 ص 175 و 85.

2) راجع وفاء الوفاء ج 4 ص 1170.

2-استدلال عجيب:

إن استدلال الحلبي بتلك الرواية على تجويز الغناء عجيب و غريب؛ فإن الرواية لا تتضمن إلا أنهم قد أنشدوا الشعر لمقدمه، و لم يكن يصاحب ذلك شيء من المحرمات، بل لم تذكر الرواية: أنه كان هناك ترجيع أم لا.

و إنشاد الشعر ليس بحرام، و لهذا قال بعضهم: «و تعلق أرباب الغناء الفسقة به (أي برواية: طلع البدر) كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسا على أكل العنب، و شرب العصير الذي لا يسكر، و نحو هذا من القياسات، التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا» (1).

و لو سلم حرمة سماع صوت الأجنبية، فلا دليل على أن ذلك كان قد شرع حينئذ، فإن كثيرا من الأحكام كانت تشرع تدريجا، كما قالوه في الخمر مثلا.

كما أنه لا دليل على وجود من يحرم سماع صوته في المنشدين.

و لو سلّم، فلعل لم يكن بالإمكان منعهم في ظرف كهذا، أو لا يمكن تبليغهم الحكم الشرعي حينئذ؛ فسكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنهم لعله لمصلحة اقتضت السكوت، و لا يدل ذلك على إمضائه لفعلهم ذاك.

3-ترقيص الأكمام:

و أما ترقيص أكمامه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو ينافي المروءة كما اعترف به فضل بن روزبهان (2).

و يقول العلامة المظفر «رحمة اللّه» : «إن هذا العمل سفه ظاهر، و خلاعة


1) زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 17 و 18.

2) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 393 على الترتيب.

بينة، و من أكبر النقص بالرئيس، و أعظم منافيات الحياء و المروءة في تلك الأوقات و أشد المباينات للرسالة لإرشاد الخلق بتهذيبهم عن السفه و النقائص، و تذكيرهم بمقربات الآخرة» (1).

هذا، مع غض النظر عن نواهيه «صلى اللّه عليه و آله» القاطعة عن كل لهو و غناء و رقص، و سنشير فيما يلي إلى بعض من ذلك إن شاء اللّه.

و بعد ما تقدم: فإننا نعرف ما في الاستدلال بالرواية الأخرى حول غناء نساء بني ساعدة، و ضربهم بالدفوف حين استقباله.

و لا بأس بعرض كل ما استدلوا به على حلية الغناء و الرقص، ثم مناقشته، ثم طرح القول الحق في المسألة مع بعض أدلته، فنقول:

أدلة حلية الغناء:

و قد استدل على حلية الغناء و الرقص، بالإضافة إلى ما تقدم ب:

1-قول الحلبي: «عن أبي بشير: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مر و أبا بكر بالحبشة، و هم يلعبون، و يرقصون، و يقولون: يا أيها الضيف المعرج طارقا.

إلى أن قال: و لم ينكر عليهم، و به استدل أئمتنا على جواز الرقص، حيث خلا عن التكسر؛ فقد صحت الأخبار، و تواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه «صلى اللّه عليه و آله» ، بالأصوات الطيبة، مع الدف و بغيره، و بذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف، و لو فيه جلاجل» (2).


1) نفس المصدر السابق.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 62.

2-عن بريدة: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بعض مغازيه؛ فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: إني كنت نذرت: إن ردك اللّه صالحا أن أضرب بين يديك بالدف و أتغنى، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن كنت نذرت فاضربي، و إلا فلا» ، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، و هي تضرب، ثم دخل علي و هي تضرب، ثم دخل عثمان و هي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت أستها، ثم قعدت عليها، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا و هي تضرب، ثم دخل أبو بكر و هي تضرب الخ. .» (1).

3-عن جابر، قال: دخل أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان يضرب بالدف عنده، فقعد و لم يزجر، لما رأى من رسول اللّه، فجاء عمر «رض» فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته كف عن ذلك.

فلما خرجا قالت عائشة: يا رسول اللّه، كان حلالا فلما دخل عمر صار حراما؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : يا عائشة، ليس كل الناس مرخى عليه (2).


1) أسد الغابة ج 4 ص 64، و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58، و مسند أحمد ج 5 ص 353 و 354 باختلاف و دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 291 عن الترمذي ج 2 ص 293 و صححه هو و البغوي في مصابيحه و ليراجع: الغدير ج 8 ص 64 و 65، و السيرة الحلبية ج 2 ص 62 و سنن البيهقي ج 10 ص 77 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 131.

2) نيل الأوطار ج 8 ص 271 و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 138، و الغدير ج 8 ص 64 و 65 عن مشكاة المصابيح ص 55 و بعض من تقدم.

4-روى البخاري و مسلم و غيرهما، عن عائشة: دخل علي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث-و عند مسلم: تغنيان و تضربان-فاضطجع على الفراش، و حول وجهه.

و دخل أبو بكر، فانتهرني و قال: مزمارة الشيطان عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فأقبل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: دعهما.

و في رواية لمسلم: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد (1).

و زاد في بعض النصوص-كما في البخاري-و ليستا بمغنيتين.

5-في رواية: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استدعى عائشة لترى حبشية ترقص، فجاءت فوضعت لحيها على منكب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعلت تنظر، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لها: أما شبعت؟ أما شبعت؟ أما شبعت؟ و هي تقول: لا، لتنظر منزلتها عنده؛ إذ طلع عمر، فارفض الناس عنها؛ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إني لأنظر شياطين الجن و الإنس قد فروا من عمر (2).


1) صحيح البخاري ج 1 ص 111 ط الميمنية، و صحيح مسلم ج 3 ص 22 ط مشكول، و السيرة الحلبية ج 2 ص 61-62 و هامش إرشاد الساري ج 4 ص 195 -197 و دلائل الصدق ج 1 ص 389 و سنن البيهقي ج 10 ص 224، و اللمع لأبي نصر ص 274، و البداية و النهاية ج 1 ص 276 و المدخل لابن الحاج ج 3 ص 109 و المصنف ج 11 ص 4 و راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 2 ص 412.

2) دلائل الصدق ج 1 ص 390، و التاج الجامع للأصول ج 3 ص 314، و الغدير ج 8 ص 65 عن صحيح الترمذي ج 2 ص 294، و صححه و عن مصابيح السنة ج 2-

6-عن ابن عباس: إن أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» جلسوا سماطين، و جارية معها مزهر تغنيهم و تقول:

هل علي و يحكمإن لهوت من حرج

فتبسم «صلى اللّه عليه و آله» و قال: لا حرج إن شاء اللّه تعالى (1).

7-عن الربيع بنت معوذ: أنها لما زفت إليه «صلى اللّه عليه و آله» دخل عليها، و جلس، و جويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائها في بدر، حتى قالت إحداهن: و فينا نبي يعلم ما في غد، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تقولي هكذا، و قولي ما كنت تقولين (2).

8-في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا و عنده جوار يغنين و يلعبن؛ فجاء عمر، فاستأذن؛ فأسكتهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى قضى حاجته و خرج، فسألته عن هذا الذي كلما دخل قال «صلى اللّه عليه و آله» : اسكتن، و كلما خرج قال «صلى اللّه عليه و آله» : عدن إلى الغناء، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل (3).

9-في رواية: أن امرأة دخلت على عائشة، فقال «صلى اللّه عليه و آله» :

(2) -ص 271، و عن مشكاة المصابيح ص 550 و عن الرياض النضرة ج 2 ص 208 و حياة الصحابة ج 2 ص 760 و 761 عن منتخب كنز العمال ج 4 ص 393 عن ابن عساكر و ابن عدي، و المشكاة ص 272. عن الشيخين.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 61 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 131 و 132 عن العقد الفريد و غيره. و تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 136.

2) البخاري بهامش فتح الباري ج 7 ص 244.

3) نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ج 1 ص 402 عن الغزالي.

يا عائشة أتعرفين هذه؟

قالت: لا يا نبي اللّه.

قال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟

قالت: نعم. فأعطاها طبقا فغنتها.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قد نفخ الشيطان في منخريها (1).

و عن ابن أبي أوفى: استأذن أبو بكر «رض» على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و جارية تضرب بالدف فدخل، ثم استأذن عمر «رض» فدخل، ثم استأذن عثمان «رض» فأمسكت.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن عثمان رجل حيي (2).

و يقول شاعر النيل-محمد حافظ إبراهيم-كما هو موجود في ديوانه، في مقام عده لفضائل الخليفة الثاني:

أخاف حتى الذراري في ملاعبهاو راع حتى الغواني في ملاهيها

أرأيت تلك التي للّه قد نذرتأنشودة لرسول اللّه تهديها

قالت: نذرت لئن عاد النبي لنامن غزوة لعلى دفي أغنيها

و يممت حضرة الهادي و قد ملأتأنوار طلعته أرجاء واديها

و استأذنت و مشت بالدف و اندفعتتشجي بألحانها ما شاء مشجيها

و المصطفى و أبو بكر بجانبهلا ينكران عليها ما أغانيها


1) مسند أحمد ج 3 ص 449.

2) مسند أحمد ج 4 ص 353 و 354.

حتى إذا لاح عن بعد لها عمرخارت قواها و كاد الخوف يرديها

و خبأت دفها في ثوبها فرقامنه و ودت كونّ الأرض تطويها

قد كان علم رسول اللّه يؤنسهافجاء بطش أبي حفص يخشيها

فقال مهبط وحي اللّه مبتسماو في ابتسامته معنى يواسيها

قد فر شيطانها لما رأى عمراإن الشياطين تخشى بأس مخزيها

كان ذلك هو عمدة ما استدل به القوم لحلية الغناء، و نحن نرى أنه كله لا يسمن و لا يغني من جوع و لتوضيح ذلك نقول:

نقض أدلة حلية الغناء:

و ما دمنا بصدد الحديث عما في تلك الروايات من الوهن و الضعف فإننا نرى لزاما علينا أن نغض النظر عن التكلم في أسانيدها؛ فإن ذلك حديث يطول و لربما يتخيل البعض: أنه ليس لأحد الحق في الخدشة فيما في الصحاح، و لا سيما صحيحي البخاري و مسلم، و بعض ما تقدم موجود فيهما.

و نحن و إن كنا نعتقد أن هذا خيال باطل، و قد تكلم فيه العلماء و فندوه بما لا مزيد عليه (1).

إلا أننا-مع ذلك-نغض الطرف هنا عن البحث في الأسانيد، استجابة لرغبة هؤلاء، و تجاوبا مع عاطفتهم، و نعطف النظر إلى البحث في المضمون. .

فنقول: أولا: إن نصوص بعض تلك الروايات متناقضة كثيرا، و لا سيما الرواية


1) راجع أضواء على السنة المحمدية، و العتب الجميل، و الغدير، و غير ذلك.

المتقدمة تحت رقم (2)و الرواية التي تحت رقم (4)التي عن الصحيحين و غيرهما.

ثانيا: إن الكثير من هذه الروايات تدل على حرمة الغناء، لا على حليته؛ فمثلا:

أ-قوله في الرواية رقم (2): «إن الشيطان ليخاف-أو ليفرق-منك يا عمر» يدل على الحرمة، إذ لو كان مباحا-و لا سيما إذا كان وفاء للنذر-لم يصح منه «صلى اللّه عليه و آله» تهجين عملها، و اعتباره من الشيطان.

ب-و الرواية رقم (3)تدل على ذلك بملاحظة اعتراض عائشة و جوابه «صلى اللّه عليه و آله» لها.

ج-في الرواية الرابعة اعتبر ذلك من مزامير الشيطان، و معنى ذلك: أنه حرام و مرجوح، فيرد سؤال: لماذا يرتكب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرا هذه صفته؟ ! .

أجاب ابن روزبهان: إنه فعله لضرورة التشريع.

و لكنه كلام لا يصح: إذ قد كان من الممكن الاكتفاء بالتشريع بالقول، فإنه أخف و أيسر.

و أيضا لو صح ذلك لاقتضى أن يفعل ذلك أمام عامة الناس، لا أن يجلس في بيته وحده و يستمع.

ثم كيف يتصور حلية ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان؟ ! .

د-و في الرواية الخامسة: قال «صلى اللّه عليه و آله» : إني لأنظر شياطين الجن و الإنس قد فروا من عمر، فإذا كان ذلك مجمعا للشياطين، فلا بد أن

يكون حراما لا حلالا.

ح-في الرواية الثامنة قال «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل» ، فما هو حلال أو مكروه لا يوصف بالباطل.

ط-في الرواية الأخيرة قال «صلى اللّه عليه و آله» عن المغنية: «قد نفخ الشيطان في منخريها» ، و هو يدل على الحرمة أيضا، حيث جعل الغناء من نفخ الشيطان، و لا ينفخ الشيطان ما هو حلال.

ثالثا: لا بد أن نسأل: ما هذا الشيطان الذي يخاف أو يفرق من عمر، و لا يخاف من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

و كيف ينعقد النذر لشيء يكون فيه شيطان يفرق من عمر؟ مع أنه يشترط في النذر كون متعلقه طاعة و راجحا، أو على الأقل أن لا يكون مرجوحا، كما لا يخفى على من راجع أبواب النذر في كتب الحديث، كالبيهقي، و الترمذي، و غير ذلك.

و كيف يؤثر النبي «صلى اللّه عليه و آله» سماع الباطل، و لا يؤثره عمر؟ !

و كيف أصبح عمر هنا أشد التزاما من الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

و كيف تكون تلك القينة قد نفخ الشيطان في منخريها، ثم يعرض «صلى اللّه عليه و آله» على عائشة أن تسمع غناءها؟ و هل تصدر مثل هذه المتناقضات عن عاقل؟ فضلا عن نبي معصوم؟ ! .

و كيف يتستر هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بعض أعماله عن البعض، و يعتبر أن اطلاعه عليه هتك للستر المرخى، و موجب للحط من كرامته و شأنه، و لا يتستر بها عن البعض الآخر؟ !

ألا يدلنا ذلك: على أنها من الأعمال القبيحة، أو على الأقل غير اللائقة! ! . و أبو بكر نراه يزجر عن الغناء في رواية، و لكنه لا يزجر عنه في رواية أخرى، بل عمر هو الذي يزجر! ! .

رابعا: كيف يدعو «صلى اللّه عليه و آله» عائشة لتنظر إلى لعب السودان بالدرق و الحراب و خده على خدها، و هو يشجعهم بقوله: دونكم يا بني أرفدة؟ ! (1). أفلا ينافي ذلك ما هو معروف عنه «صلى اللّه عليه و آله» من الحياء؟ حتى لقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها كما ورد، و هل هذا يناسب من يعتبر الحياء من الإيمان، و من كان ضحكه التبسم؟ ! .

و هل ينسجم مع منعه لزوجتيه من النظر إلى الأعمى، و قال لهما: أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ ! (2).

خامسا: ما هي المناسبة بين الضرب بالدف، و بين رثاء قتلى بدر؟ و هل إن سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا الأمر كما في الرواية الأولى-لو صحت-يدل على رضاه به؟ ! و لا سيما إذا كان الأمر مما يحتاج إلى التدرج في المنع.

و من قال: إن هؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك كانوا يحترمون أوامره «صلى اللّه عليه و آله» ؟ بل لم يثبت كونهم من المسلمين.

سادسا: و أخيرا، إن لدينا روايات كثيرة جدا صريحة في حرمة الغناء، و هي متواترة بلا ريب، و نحن نكتفي منها بذكر ما يلي:


1) البخاري (ط الميمنية) ج 1 ص 111.

2) راجع: مسند أحمد ج 6 ص 296، و طبقات ابن سعد و مصابيح البغوي (ط دار المعرفة) ج 2 ص 408 و الجامع الصحيح ج 5 ص 102 و سنن أبي داود ج 4 ص 63 و 64.

أ-عنه «صلى اللّه عليه و آله» : ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخمر، و الحرير، و المعازف (1).

ب-عن أنس مرفوعا: صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما، صوت مزمار، ورنة شيطان عند نغمة مرح، ورنة عند مصيبة.

و في لفظ عبد الرحمن بن عوف: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو، و مزامير شيطان، و صوت عند مصيبة الخ. .

و مثل ذلك عن الحسن (2).

ج-عن عمر بن الخطاب: ثمن القينة سحت، و غناؤها حرام، و النظر إليها حرام، و ثمنها من ثمن الكلب، و ثمن الكلب سحت (3).

د-الدف حرام، و المعازف حرام، و الكوبة حرام، و المزمار حرام (4).


1) سنن البيهقي ج 10 ص 221 عن البخاري في الصحيح، و الغدير ج 18 ص 70 و عنه عن تفسير الآلوسي ج 21 ص 76، و قال: أخرجه أحمد، و ابن ماجة، و أبو نعيم، و أبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، و صححه جماعة آخرون.

2) راجع فيما تقدم: المصنف ج 11 ص 6 و نيل الأوطار ج 8 ص 268، و تفسير الشوكاني ج 4 ص 236 و الدر المنثور ج 5 ص 160 و الغدير ج 8 ص 69 عنهم ما عدا الأول و عن: كنز العمال ج 7 ص 333، و نقد العلم و العلماء لابن الجوزي ص 248، و تفسير القرطبي ج 14 ص 530.

3) نيل الأوطار ج 8 ص 264، و إرشاد الساري ج 9 ص 163 عن الطبراني و الغدير ج 8 ص 69 و 70 عنهما.

4) سنن البيهقي ج 10 ص 222.

ه-عن ابن عباس، و أنس، و أبي أمامة، مرفوعا: ليكونن في هذه الأمة خسف، و قذف، و مسخ، و ذلك إذا شربوا الخمور، و اتخذوا القينات، و ضربوا بالمعازف (1).

و-عن أنس، و أبي أمامة مرفوعا: بعثني اللّه رحمة للعالمين، و بعثني بمحق المعازف و المزامير، و أمر الجاهلية (2).

ز-عن أبي هريرة مرفوعا: يمسخ قوم في آخر الزمان قردة و خنازير، فسألوه «صلى اللّه عليه و آله» عن سر ذلك، فقال: اتخذوا المعازف، و الدفوف، و القينات، الخ. . و روى نحوه من طريق: عبد الرحمن بن سابط، و الغازي بن ربيعة و صالح بن خالد، و أنس بن أبي أمامة، و عمران بن حصين (3).

ح-أخرج الترمذي من حديث علي مرفوعا: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء (فذكر منها) : إذا اتخذت القينات و المعازف، و مثله عن أبي هريرة (4).


1) الدر المنثور ج 2 ص 324 و الغدير ج 8 ص 70 عنه و عن تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 و رواه الطبراني، و أحمد و ابن أبي الدنيا.

2) جامع بيان العلم ج 1 ص 153 و نيل الأوطار ج 8 ص 262 و الدر المنثور ج 2 ص 324 و الغدير ج 8 ص 70 و 71 عنهم.

3) الدر المنثور ج 2 ص 324، و اخرجه ابن أبي الدنيا، و ابن أبي شيبة، و ابن عدي، و الحاكم، و البيهقي، و أبو داود، و ابن ماجة و المدخل ج 3 ص 105 و الغدير ج 8 ص 71.

4) نيل الأوطار ج 8 ص 263 و المدخل ج 3 ص 105 و الغدير ج 8 ص 71 عنه و عن: نقد العلم و العلماء لابن الجوزي ص 249، و تفسير القرطبي ج 14 ص 53.

ط-عن صفوان بن أمية: كنا عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول اللّه، إن اللّه كتب علي شقوة، فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي؛ فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا آذن لك و لا كرامة و لا نعمة، كذبت أي عدو اللّه، لقد رزقك اللّه طيبا؛ فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقالة لضربتك ضربا و جيعا (1).

و علق الحلبي على هذه الرواية بقوله: «إلا أن يقال: إن هذا النهي-إن صح-محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، و هو مكروه تنزيها، و قوله: اخترت ما حرم اللّه عليك للمبالغة في التنفير عن ذلك» (2).

و لكن قد فات الحلبي: أنه إذا كان اتخاذه حرفة مكروها تنزيها؛ فلماذا يتهدده بالضرب الوجيع؟ ! . و لماذا يعتبره عدوا للّه تعالى؟ ! .

كما أن مقابلة ما حرم اللّه بالطيب دليل على أن المراد بما حرم اللّه هو الخبيث و هو المحرم بنص القرآن: قال تعالى: وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ» (3).

ي-عن أبي أمامة: لا تبيعوا القينات و لا تشروهن، و لا تعلموهن، و لا خير في تجارة فيهن، و ثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي. . .


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 63 عن ابن أبي شيبة.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 62.

3) الآية 157 من سورة الأعراف.

و في لفظ آخر: لا يحل تعليم المغنيات، و لا بيعهن، و أثمانهن حرام، و في مثل ذلك نزلت هذه الآية الخ. . (1).

ك-و عن عائشة مرفوعا: إن اللّه تعالى حرم القينة، و بيعها، و ثمنها، و تعليمها، و الاستماع إليها، ثم قرأ: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ (2).

ل-و سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ، فقال: هو و اللّه الغناء.

و في لفظ: هو و اللّه الغناء، و اللّه الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.

و عن جابر في الآية: هو الغناء و الاستماع له.

و فسر الآية بالغناء كل من: ابن عباس، و ابن عمر، و عكرمة، و سعيد بن جبير، و مجاهد، و مكحول، و عمرو بن شعيب، و ميمون بن مهران،


1) نيل الأوطار ج 8 ص 263، و تفسير الشوكاني ج 4 ص 234، و الدر المنثور ج 5 ص 159، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 442، و إرشاد الساري ج 9 ص 163 و المدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 و تفسير الطبري ج 21 ص 39 و الغدير ج 8 ص 67 عنهم و عن: تفسير القرطبي ج 14 ص 51 و نقد العلم و العلماء ص 247، و تفسير الخازن ج 3 ص 36 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 68 و الترمذي كتاب 12 باب 51، و نقلوا أن الحفاظ التالية أسماؤهم قد أخرجوه: سعيد بن منصور، و أحمد، و ابن ماجة، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و ابن أبي شيبة، و ابن مردويه، و الطبراني، و ابن أبي الدنيا.

2) الدر المنثور ج 4 ص 228 و الغدير ج 8 ص 67 عنه و عن تفسير الآلوسي ج 21 ص 68.

و قتادة، و النخعي، و عطاء، و علي بن بذيمة، و الحسن (1).

م-و في قوله تعالى لإبليس: وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (2)، قال ابن عباس، و مجاهد: إنه الغناء، و المزامير و اللهو (3).

ن-و قد عد الحسن البصري سيئات يزيد فقال: إنه سكير خمير، يلبس الحرير، و يضرب بالطنابير (4).

و كان من جملة ما نقمه أهل المدينة على يزيد: أنه يشرب الخمر، و يعزف


1) راجع سنن البيهقي ج 10 ص 122 و 223 و 225 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 411 و تفسير الطبري ج 21 ص 39 و 40 و المدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 441 و إرشاد الساري ج 9 ص 163 و الدر المنثور ج 5 ص 159 و 160 و فتح القدير ج 4 ص 34، و نيل الأوطار ج 8 ص 163 و الغدير ج 8 ص 68 عمن تقدم و عن تفسير القرطبي ج 14 ص 51-53 و نقد العلم و العلماء ص 246، و تفسير الخازن ج 3 ص 46 و بهامشه و تفسير النسفي ج 3 ص 460 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 67. و أخرجه ابن أبي الدنيا، و ابن أبي شيبة و ابن المنذر، و البيهقي في شعب الإيمان، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و الفريابي، و ابن عساكر.

2) الآية 64 من سورة الإسراء.

3) راجع: جامع البيان ج 15 ص 81 و (ط دار الفكر) ص 147 و زاد المسير ج 5 ص 48 و تفسير القرطبي ج 10 ص 288 و ج 14 ص 51 و الغدير ج 8 ص 69 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 49 و (ط دار المعرفة) ص 53 أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 266 و تفسير السمعاني ج 3 ص 258 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 484 و تفسير الأندلسي ج 3 ص 470.

4) الغدير ج 10 ص 225 عن تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 412 و تاريخ الطبري ج 6 ص 157 و تاريخ ابن الأثير ج 4 ص 209 و البداية و النهاية ج 8 ص 130 و محاضرات الراغب ج 2 ص 214 و النجوم الزاهرة ج 1 ص 141.

بالطنابير، و يضرب عنده القيان (1).

س-و عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ: سامدون: هو الغناء بلغة حمير (2).

ع-عن جابر، عنه «صلى اللّه عليه و آله» : «كان إبليس أول من ناح، و أول من غنى» (3).

ف-عن علي «عليه السلام» ، عنه «صلى اللّه عليه و آله» : «كسب المغني و المغنية حرام، و كسب الزانية سحت، و حق على اللّه أن لا يدخل الجنة لحما نبت من سحت» (4).

ص-عن علي «عليه السلام» : إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن ضرب الدف، و لعب الطبل، و صوت المزمار (5).

و حسبنا ما ذكرناه هنا، و من أراد المزيد، فليراجع المصادر المشار إليها في الهوامش (6).


1) الغدير ج 10 ص 255 عن تاريخ الطبري ج 7 ص 4 و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 45 و البداية و النهاية ج 8 ص 126 و فتح الباري ج 13 ص 59.

2) المدخل لابن الحاج ج 3 ص 104-107.

3) نفس المصدر السابق.

4) نفس المصدر السابق.

5) نفس المصدر السابق.

6) راجع: المدخل لابن الحاج ج 3 من ص 96-115، و تفسير الطبري ج 28 ص 48 و الزهد و الرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 12 و نيل الأوطار ج 8 ص 264 و 263، و سنن البيهقي ج 10 ص 222، و فتح القدير ج 4 ص 228-

أقوال العلماء في الغناء:

و قد ذكر في الغدير: أن إمام الحنفية قد حرم الغناء، و هو مذهب مشايخ أهل الكوفة: سفيان، و حماد، و إبراهيم، و الشعبي و عكرمة.

و نهى مالك عن الغناء، و اعتبره من العيوب التي ترد بها الجارية، و هو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده.

و نقل التحريم عن جماعة من الحنابلة، و عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: أنه سأل أباه عن الغناء، فقال: ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.

(6) -و ج 5 ص 115، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 96 و ج 4 ص 260، و الفائق للزمخشري ج 1 ص 305، و الدر المنثور ج 2 ص 317 و 324، و ج 5 ص 159، و الغدير ج 8 ص 64 فما بعدها عنهم و عن: القرطبي ج 7 ص 122 و ج 14 ص 53 و 54، و الكشاف ج 2 ص 211، و تفسير الآلوسي ج 7 ص 72 و ج 21 ص 68، و إرشاد الساري ج 9 ص 164، و بهجة النفوس لابن أبي حجرة ج 2 ص 74، و تاريخ البخاري ج 4 قسم 1 ص 234، و نقد العلم و العلماء ص 246 و 248، و نهاية ابن الأثير ج 2 ص 95 و تفسير الخازن ج 3 ص 460 و ج 4 ص 212 و النسفي بهامشه، ج 3 ص 460. و أخرجها سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و عبد الرزاق، و الفريابي، و أبو عبيد، و ابن أبي الدنيا، و ابن مردويه، و أبو الشيخ، و البزار، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و البيهقي. . و أما قول ابن الزبير: ما أعلم رجلا من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم، أو نحو ذلك المصنف ج 1 ص 5 و 6 و سنن البيهقي ج 10 ص 225، فإنما المقصود هو الترنم و التغني بإنشاد الشعر، و ليس الغناء، كما ذكره ابن الحاج ج 3 ص 98 و 109.

و عن أصحاب الشافعي العارفين بمذهبه القول بتحريمه كالمزني و غيره، و أنكروا على من نسب إليه حلّه، كالقاضي أبي الطيب، و له في ذم الغناء و المنع عنه كتاب مصنف و لأبي بكر الطرطوشي كتاب في الغناء، و أيضا حرمه الطبري، و الشيخ أبو إسحاق في التنبيه، و نص على حرمته المحاسبي، و النحاس، و القفال و نهى عنه القاسم بن محمد، و الضحاك، و الوليد بن يزيد، و عمر بن عبد العزيز، و غيرهم ممن لا يمكن حصرهم.

و نقل ابن الصلاح إجماع أهل الحل و العقد من المسلمين على تحريمه.

و ذكر الطبري إجماع أهل الأمصار على كراهته، و المنع عنه سوى إبراهيم بن سعد، و عبد اللّه العنبري (1).

الغناء عند أهل الكتاب:

و إذا كان الغناء أمرا غريبا عن الإسلام، فلا بد أن نتساءل من أين تسرب هذا الأمر إلى بعض المسلمين، حتى أصروا على حليته، و ممارسته و حتى أصبح من شعار الصوفية، كما هو معلوم؟ !

و الجواب: أن ذلك قد تسرب إليهم من أهل الكتاب.

فقد قال ابن كثير: و هو يتحدث عن مريم أخت عمران التي كانت في زمان موسى: «و ضربها بالدف في مثل هذا اليوم، الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد» (2)ثم


1) ذلك كله في كتاب: الغدير ج 8 ص 72-74 و المدخل لابن الحاج-ج 3 ص 96- 110، و في هذا الأخير زيادات هامة لم نذكرها روما للاختصار.

2) البداية و النهاية ج 1 ص 276.

يحكم ابن كثير بالجواز في الأعياد و عند قدوم الغياب، تماما على وفق ما استنبطه من رواية مريم! ! .

سر الوضع و الاختلاق:

و لربما يكون سر الإصرار على نسبة ذلك إلى نبي الأمة «صلى اللّه عليه و آله» و إلى الإسلام هو:

1-أننا نجد: أن عائشة و عمر بن الخطاب كانا يحبان الغناء و اللهو و يستمعان إليه.

أما بالنسبة لعائشة: «فقد روى البخاري و غيره: أنها كانت تشجع على ذلك، و تقول: «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو» (1).

كما و أنها قد أذنت لمغن (رجل! !) يغني لبعض الجواري اللواتي خفضن، و إن كانت قد عادت فأمرت بإخراجه (2).

و بالنسبة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فقد قال ابن منظور: «قد رخص عمر في غناء الأعراب» (3).

و استأذنه خوات بن جبير بأن يغني، فأذن له؛ فغنى، فقال عمر: أحسن


1) مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 465، و صحيح البخاري ط مشكول ج 9 ص 223 و 270 و حياة الصحابة ج 2 ص 761 عن المشكاة ص 272 عن الشيخين، و دلائل الصدق ج 1 ص 393.

2) سنن البيهقي ج 10 ص 224.

3) لسان العرب ج 15 ص 137 مادة: غنا.

خوات، أحسن خوات (1).

و سمع رباح بن المغترف يغني، فسأل عن ذلك، فأخبروه، فقال: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، و قريب من ذلك جرى له مع خوات أيضا (2).

و عن العلاء بن زياد: أن عمر كان في مسيره؛ فتغنى، فقال: هلا زجرتموني إذ لغوت؟ ! (3).

و قد عده الشوكاني و العيني: أنه ممن أباح الغناء هو و عثمان (4).

و قد استعاد غناء زيد بن سلم، و عاصم بن عمر، و أبدى رأيه فيه، كما ذكره ابن قتيبة فراجع (5).

فلعل جعل الإنكار على الجواري اللواتي كن يغنين في بيت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من قبل عمر بالذات في أكثر المرويات السابقة-لعله- يهدف إلى التشكيك في هذا الذي شاع عنه، أو للتخفيف من قبح نسبته إليه،


1) الغدير ج 8 ص 79 عن كنز العمال ج 7 ص 335.

2) نسب قريش لمصعب ص 448 و سنن البيهقي ج 10 ص 224 و الإصابة ج 2 ص 209 و الغدير ج 8 ص 79 عن البيهقي، و عن الإستيعاب ج 1 ص 86، و 170 و عن الإصابة ج 1 ص 502 و 457 و ج 8 ص 209 و عن كنز العمال ج 7 ص 335، و تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 35.

3) الغدير ج 8 ص 80 عن كنز العمال ج 7 ص 335.

4) نيل الأوطار ج 8 ص 266، و الغدير ج 7 ص 78 عنه و عن عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج 5 ص 160.

5) عيون الأخبار ج 1 ص 322.

حين يرى الناس أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يستمع الغناء، و يجعل مزامير الشيطان في بيته، و يؤثر سماع الباطل! ! فلا غضاضة بعد على غيره إن هو فعل شيئا من ذلك.

2-إن أكثر تلك المنقولات التي تريد إثبات حلّية الغناء تحاول التأكيد على دور عائشة، حتى إنها و هي تنظر إلى الحبشة كان «صلى اللّه عليه و آله» يقول لها: أما شبعت؟

فتقول: لا؛ لتنظر منزلتها عنده، و ذلك يوحي لنا بأن ثمة يدا تحاول إثبات فضيلة لأم المؤمنين، و الإشارة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يراعيها و يحبها.

ثم إن في الروايات إشارات واضحة إلى الاهتمام بإثبات فضائل لعمر، و أبي بكر، و عثمان، و إثبات مدى تمسكهم بالدين، و محاماتهم عنه، حتى و إن كان ذلك عن طريق النيل من كرامة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و الطعن في نزاهته و عصمته! ! .

3-إننا لا نريد أن نبرئ أيضا يد الأمويين و العباسيين من عملية الدس، و الوضع و الاختلاق على النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد كان ثمة من يهتم بإضفاء صفة الشرعية و القداسة على كل فعل من أفعالهم.

و يوضح ذلك: قصة المهدي مع غياث بن إبراهيم، حينما دخل عليه فوجده يلعب بالحمام، فروى له حديث:

لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر، و زاد فيه كلمة: «أو جناح» ، إرضاء لرغبة المهدي، فأمر له المهدي ببدرة، فلما خرج قال المهدي: أشهد

أن قفاك قفا كذاب (1).

و لا زلنا نقرأ في كتب التاريخ و الأدب العجائب و الغرائب حول اهتمام خلفاء بني أمية و بني العباس في أمر الغناء و اللهو.

و كانوا يعطون المغنين أعظم الجوائز، بالعشرات و بمئات الألوف (2)حتى لقد قال إسحاق الموصلي شيخ المغنين: «لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب و الفضة» (3).

نزول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قباء:

و يقول أهل الحديث و التاريخ: إنه بعد أن استقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الاستقبال الحافل عدل إلى قباء، و نزل في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم.

و في ذلك اليوم أصر عليه أبو بكر ليدخل المدينة، فرفض و أخبره: أنه لا يريم حتى يقدم عليه ابن عمه، و أخوه في اللّه، و أحب أهل بيته إليه، الذي وقاه بنفسه، على حد تعبيره «صلى اللّه عليه و آله» .


1) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للقاري ص 469، و اللآلي المصنوعة ج 2 ص 470، و راجع: الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 42، و لسان الميزان ج 4 ص 422، و ميزان الإعتدال ج 3 ص 338 و المجروحون ج 1 ص 66 و تاريخ الخلفاء ص 275 و المنار المنيف ص 107.

2) راجع: ربيع الأبرار ج 1 ص 675 ففيه أن الرشيد اعطى ابراهيم الموصلي مئة ألف لإحسانه في الغناء، و حسبك بعض ما أورده أبو الفرج في كتابه: الأغاني فراجعه.

3) راجع كتاب: حياة الإمام الرضا السياسية «عليه السلام» (للمؤلف) ص 118 عن الأغاني (ط دار الكتب بالقاهرة) ج 5 ص 163.

فغضب أبو بكر، و اشمأز، و فارق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و دخل المدينة في تلك الليلة، و بقي «صلى اللّه عليه و آله» ينتظر أمير المؤمنين «عليه السلام» حتى وافاه بالفواطم، و أم أيمن (1)في النصف من ربيع الأول (2). و نزل مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على كلثوم بن الهدم (3).

و يرى البعض: أن الذي قدم بالعيال هو زيد بن حارثة و أبو رافع، و رفع الحلبي التنافي باحتمال أن يكون الكتاب الذي أرسله إلى علي «عليه السلام» حين كان «صلى اللّه عليه و آله» في قباء كان معهما، ثم رافقا عليا في الطريق، و عادا معه (4).

فنسب البعض المجيء بالعيال إليهما، و تجاهل دور أمير المؤمنين «عليه السلام» الرائد، و موقفه في الدفاع عنهما لحاجة في نفسه قضاها.

تأسيس مسجد قباء:

و خلال إقامته «صلى اللّه عليه و آله» في قباء أسس مسجد قباء المعروف، و يبدو أن صاحب الفكرة، و المباشر أولا في وضع المسجد هو عمار بن ياسر (5).


1) راجع فيما ذكرناه كتاب: البحار ج 19 ص 106 و 115 و 116 و 75 و 76 و 64 عن روضة الكافي ص 340، و إعلام الورى ص 66 و الخرائج و الجرائح، و راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 35 و أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83.

2) راجع إمتاع الأسماع ص 48.

3) راجع البحار ج 19 و البداية و النهاية ج 3 ص 197.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 53.

5) وفاء الوفاء ج 1 ص 250، و السيرة الحلبية ج 2 ص 55. عن ابن هشام و غير ذلك.

و مسجد قباء هو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. . (1).

و لسوف نتحدث عن ذلك في غزوة تبوك، إن شاء اللّه تعالى.

أحجار الخلافة:

و تذكر هنا: رواية «أحجار الخلافة» المكذوبة، و يذكرونها أيضا حين تأسيس مسجد المدينة، و لذا فنحن نرجئ الحديث عنها إلى هناك.

أول مسجد في الإسلام:

و مسجد قباء هو أول مسجد بني في الإسلام، كما صرح به ابن الجوزي و غيره (2).

و قد تقدم حين الكلام على هجرة أبي بكر إلى الحبشة، و إرجاع ابن الدغنة له، عدم صحة قولهم: إن أبا بكر هو أول من بنى مسجدا في الإسلام، فراجع.

و يبدو أن بعض النساء قد شاركن في بناء مسجد قباء؛ فعن ابن أبي أوفى لما توفيت امرأته جعل يقول: احملوها و ارغبوا في حملها، فإنها كانت تحمل-و مواليها-بالليل حجارة المسجد الذي أسس على التقوى، و كنا نحمل بالنهار حجرين حجرين (3).


1) الآية 108 من سورة التوبة.

2) وفاء الوفاء ج 1 ص 250 و السيرة الحلبية ج 2 ص 55 و راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 76.

3) مجمع الزوائد ج 2 ص 10 عن البزار، و حياة الصحابة ج 3 ص 112 عنه.

و بعد. . فإن الظاهر: هو أن تأسيس مسجد قباء كان بعد قدوم أمير المؤمنين «عليه السلام» ؛ إذ قد ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أبا بكر بأن يركب الناقة، و يسير بها ليخط المسجد على ما تدور عليه؛ فلم تنبعث به، فأمر عمر فكذلك، فأمر عليا «عليه السلام» ، فانبعثت به؛ و دارت به، فأسس المسجد على حسب ما دارت عليه، و قال «صلى اللّه عليه و آله» : إنها مأمورة (1).

صلاة الجمعة في قباء:

و يذكرون هنا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى الجمعة في قباء، أو في طريقه منها إلى المدينة (2).

بل لقد قال بعضهم: «إن الجمعة قد فرضت في مكة، لكنهم لم يقيموها لعدم تمكنهم من ذلك» (3).

و لعل إلى هذا ينظر ابن غرس، حيث يقول: «إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط» (4).

بل ربما يشك في ذلك في المدينة أيضا، في هذا الوقت المبكر على اعتبار: أن سورة الجمعة قد نزلت بعد الهجرة بسنوات، بل هي من أواخر ما نزل


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 251، و تاريخ الخميس ج 1 ص 338 و راجع تاريخ جرجان 144 لكن في العبارة سقط.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 59 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 68.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 9 و 12 و 59.

4) الإتقان ج 1 ص 37، و السيرة الحلبية ج 2 ص 59.

من القرآن (1).

لكن من المعلوم: أن سورة الجمعة إنما تتحدث عن لزوم السعي إلى الجمعة التي تقام، و ليست ناظرة إلى أصل تشريع صلاة الجمعة، فلعلها كانت مشروعة قبل ذلك، و كانت تقام، لكن بعض المسلمين كان يتهاون بالسعي إليها فنزلت آيات سورة الجمعة لأجل ذلك.

و لعل هؤلاء المتهاونين هم الذين هددهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإحراق بيوتهم إن استمروا على مقاطعة صلاة الجمعة (2)فراجع كتب الحديث و التاريخ.

و أما الإشكال على ذلك بأن إقامتها في قباء معناه أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلاها في السفر.

فهو في غير محله، إذ من الممكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد نوى الإقامة في قباء إلى حين قدوم الإمام علي «عليه السلام» بالفواطم مع علمه بأن ذلك سيمتد إلى أكثر من عشرة أيام و قد ذكروا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أقام في قباء خمسة عشر يوما (3).

كما أن من الممكن أن تكون قباء في ذلك الزمان في محيط المدينة بحيث تعد من محلاتها، و من وصل إليها فكأنه وصل إلى المدينة، و لا يعد مسافرا بعد. و قد تقدم بعض الكلام عن صلاة الجمعة في فصل بيعة العقبة، فراجع.


1) الإتقان ج 1 ص 13 و 11.

2) سيأتي ذلك مع مصادره في غزوة بني النضير، في فصل: القرار و الحصار.

3) البحار ج 19 ص 106 عن إعلام الورى و السيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري و راجع ص 59 و عن مسلم: أنه أقام أربعة عشر يوما و قيل غير ذلك.

القسم الرابع: من الهجرة إلى بدر

اشارة

الباب الأول: في المدينة و قضايا أخرى الباب الثاني: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة الباب الثالث: تشريعات و أحكام

الباب الأول: في المدينة و قضايا أخرى

اشارة

الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة الفصل الثاني: قضايا و أحداث غير عسكرية

الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة

اشارة

ورود النبي صلّى اللّه عليه و آله المدينة:

بعد خمسة عشر يوما (1)من إقامته «صلى اللّه عليه و آله» في قباء، تحرك إلى داخل المدينة.

و قد اختلف المؤرخون في التاريخ الدقيق لخروجه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة و دخوله قباء ثم المدينة اختلافا كثيرا، مع اتفاقهم على أنه قد دخلها في أوائل ربيع الأول (2).

و قد حقق العلامة المجلسي: أن هجرته «صلى اللّه عليه و آله» كانت في يوم الإثنين، أول ربيع الأول، و وروده المدينة في يوم الجمعة الثاني عشر منه، كما ذهب إليه المفيد، و ادّعى البعض الإجماع عليه (3).

و تقول رواية: إنه «صلى اللّه عليه و آله» وصل قبل بزوغ الشمس، و كان هو و أبو بكر يلبسان ثيابا بيضا متشابهة، فكان يشتبه الأمر على


1) البحار ج 19 ص 106 عن إعلام الورى، و السيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري، و عن مسلم: أنه أقام 14 يوما، و قيل غير ذلك.

2) راجع: البحار ج 58 ص 366، و المواهب اللدنية ج 1 ص 67، و تاريخ الخميس ج 1 ص 337.

3) راجع أدلته في البحار ج 8 ص 366 و 367.

الناس، فيسلمون على أبي بكر، يظنونه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى بزغت الشمس، و أصابت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فظلل عليه أبو بكر، فعرفه الناس حينئذ (1).

و لكن هذه الرواية غير صحيحة قطعا، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وصل إلى المدينة في حر الظهيرة، كما نص عليه المؤرخون (2).

و لو قلت: لعل المراد أنه وصلها في طريقه من مكة، حيث عدل إلى قباء، حين الظهيرة، فإن الجواب هو:

1-إنه قد تقدم: أن أهل المدينة كانوا يأتون كل يوم أفواجا إلى قباء، فيسلمون عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كان معروفا عند أهل المدينة قبل قدومه إليها، فكيف يدعى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يشتبه على الناس بأبي بكر حتى ظلل أبو بكر عليه؟ !

و مع غض النظر عن ذلك، فإن شخصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تدل عليه، و كانت تختلف كثيرا عن شخصية أبي بكر، و قد وصفته أم


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 337. و ثمة ما يشير إلى ذلك في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 2 ص 52، دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 498 و 499، البداية و النهاية ج 3 ص 186 و راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 336 و 337، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137، و صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ج 2 ص 213، و السيرة الحلبية ج 2 ص 52.

معبد لزوجها حتى عرفه (1). و تقدمت صفة أبي بكر على لسان ابنته عائشة.

2-ثم إنه قد تقدم القول بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى الجمعة، و هو في طريقه إلى المدينة (2).

و هذا معناه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قدمها بعد الظهر بقليل، فإن المسافة بين قباء و المدينة ليست كبيرة، كما هو معلوم.

3-أضف إلى كل ما تقدم: أنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» أكبر من أبي بكر بسنتين، فما معنى قولهم لأبي بكر: من هذا الغلام بين يديك؟ ! (3)و هل يقال لمن بلغ ثلاثا و خمسين سنة: إنه غلام؟ !

إلا أن يجاب عن هذا: بأن الغلام قد يطلق على الكبير كما على الصغير على حد سواء.

و لكن يبقى سؤال: أنهم كانوا على علم بهجرته «صلى اللّه عليه و آله» فما معنى سؤال أبي بكر عنه، و قد تقدم أن المئات منهم قد خرجوا يستقبلونه؟

منزل النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة:

و في يوم الجمعة ركب «صلى اللّه عليه و آله» راحلته، و توجه إلى المدينة،


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 334 و 335، السيرة الحلبية ج 2 ص 49-55، دلائل النبوة ج 1 ص 279.

2) المواهب اللدنية ج 1 ص 67، سيرة ابن هشام ج 2 ص 139، تاريخ الخميس ج 1 ص 339 و البحار ج 8 ص 367، و دلائل النبوة ج 2 ص 500.

3) الغدير ج 7 ص 258، عن مصادر كثيرة، السيرة الحلبية ج 2 ص 41، مسند أحمد ج 3 ص 287.

و علي «عليه السلام» معه لا يفارقه، يمشي بمشيه، و لا يمر ببطن من بطون الأنصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول: خلوا سبيل الناقة، فإنها مأمورة.

فانطلقت به، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» واضع لها زمامها، حتى انتهت إلى موضع مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقفت هناك، و بركت، و وضعت جرانها على الأرض، و ذلك بالقرب من باب أبي أيوب الأنصاري، أفقر رجل بالمدينة (1).

فأدخل أبو أيوب-أو أمه-الرحل إلى منزلهم، و نزل «صلى اللّه عليه و آله» عنده، و علي «عليه السلام» معه، حتى بنى مسجده و منازله (2).

فقيل: مكث عند أبي أيوب سنة تقريبا.

و قيل: سبعة أشهر، و قيل: شهرا واحدا (3).

و نحن نستقرب هذا الأخير، إذ يبعد أن يستمر العمل في المسجد طيلة هذه المدة و الأنصار و المهاجرون يعملون في البناء بجد و اجتهاد، و هو «صلى اللّه عليه و آله» يعمل معهم.

أما سائر المهاجرين، فقد تنافس فيهم الأنصار، حتى افترقوا عليهم بالسهمان (4).


1) البحار ج 19 ص 121، و راجع: مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 185.

2) روضة الكافي ص 339 و 340، و البحار ج 19 ص 116 عنه.

3) البدء و التاريخ ج 4 ص 178، و وفاء الوفاء ج 1 ص 265، و السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

ابن سلام و الإسلام:

و يقول المؤرخون و أهل الحديث من غير مدرسة أهل البيت «عليهم السلام» : إن عبد اللّه بن سلام اليهودي لما سمع الضجة، حين قدوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، أسرع إليه، فلما رآه و سمع كلامه، عرف أن وجهه ليس بوجه كذاب (1).

و يقولون أيضا: إنه سأله حينئذ ثلاث مسائل لا يعلمها إلا نبي، فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» عنها، فأسلم، ثم طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يسأل اليهود عنه قبل أن يعلموا بإسلامه، فسألهم عنه، فقالوا: خيرنا و ابن خيرنا، و أفضلنا، و ابن أفضلنا، فلما علموا بإسلامه، قالوا: شرنا و ابن شرنا (2).

و يقولون أيضا: إن عبد اللّه بن سلام هذا هو الذي أنزل اللّه تعالى فيه: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ. . (3).


1) الإصابة ج 2 ص 320 عن أحمد و أصحاب السنن و الإستيعاب بهامشها ج 2 ص 382 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 13 و تلخيصه للذهبي نفس الصفحة.

2) البخاري هامش الفتح ج 7 ص 212 و 213 برواية ابن سلام نفسه، و الإصابة ج 2 ص 321، و الإستيعاب بهامشها ج 2 ص 382.

3) الآية 10 من سورة الإحقاف، أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 3 ص 176 صحيح البخاري هامش الفتح ج 7 ص 97 و الإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 383 عن بعض المفسرين، و الدر المنثور ج 4 ص 69 عن: أبي يعلى، و ابن جرير، و الحاكم، و النسائي، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و الترمذي، و ابن أبي حاتم، و عبد بن حميد، و ابن عساكر.

و نزل فيه أيضا: قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (1).

إلى غير ذلك مما يقولونه في هذا الرجل مما لا مجال لذكره هنا.

و نحن نسجل هنا النقاط التالية: أولا: إنه عدا عن التناقض الظاهر في الروايات التي تتحدث عن كيفية إسلام ابن سلام، كما لا يخفى على من راجعها، فإننا نجد البعض يقول: إنه قد «تأخر إسلامه إلى سنة ثمان، قال قيس بن الربيع، عن عاصم، عن الشعبي، قال: أسلم عبد اللّه بن سلام قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعامين» (2).

و قد ضعف العسقلاني هذه الرواية سندا بقيس بن الربيع، و غلطها (3).

و لكننا نقدر: أن مستنده في ذلك هو الروايات المتقدمة الدالة على أنه أسلم أول الهجرة.

و نحن لا نستطيع قبول ذلك منه، فإن الشعبي أقرب عهدا من العسقلاني، و قد عين لنا سنة إسلامه بشكل يدل على أنه لا يرسل الكلام على عواهنه.


1) الآية 43 من سورة الرعد، الإصابة ج 2 ص 321، و الإستيعاب بهامشه ج 2 ص 383، و الدر المنثور ج 4 ص 69 عن: ابن مردويه، و ابن جرير، و ابن أبي شيبة، و ابن سعد، و ابن المنذر.

2) الإصابة ج 2 ص 320.

3) الإصابة ج 2 ص 320 و فتح الباري ج 7 ص 97.

ثم إنه لو كانت لابن سلام كل تلك العظمة التي أشارت إليها روايات إسلامه و غيرها، فلماذا لم نسمع عنه في تلك السنين الطويلة منذ الهجرة، و إلى سنة ثمان أي قول أو رأي، أو موقف! ! مع أن التاريخ قد ذكر لنا كثيرا من مواقف صغار الصحابة ممن أسلم عام الفتح، بل و حتى الذين لم يروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا في طفولتهم، فكيف سكت عن هذا الرجل الخطير! ! برأيهم؟ ! .

أما تضعيف العسقلاني لقيس بن الربيع، فهو في غير محله، فإنه هو نفسه قد نقل توثيقه من قبل: عفان بن قيس، و الثوري، و شعبة، و أبي الوليد، و ابن عدي، و أثنى عليه يعقوب و عثمان ابنا أبي شيبة، و أبو حاتم، و شريك، و ابن حبان، و العجلي، و أبو حصين، و يحيى بن سعيد، و معاذ بن معاذ، و ابن عيينة، و أبو نعيم و غيرهم (1).

و لكن سر الطعن عليه من العسقلاني، أو من غيره، هو ما أشار إليه أحمد، حيث قال: «كان يتشيع، و يخطئ في الحديث» (2).

رغم أنهم يذكرون: أن عامة رواياته مستقيمة (3)و الذي يذكر هذا الطعن عليه بالتشيع هو أحمد بن حنبل، و ليس ذلك غريبا عنه، فإنه عاش في زمن المتوكل الناصبي، الذي فعل بابن السكيت ما فعل، حيث أمر بأن يسل لسانه من قفاه، ففعل به ذلك فمات، لأنه لم يرض بتفضيل و لديه على


1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 392-395.

2) تهذيب التهذيب ج 2 ص 394.

3) تهذيب التهذيب ترجمة قيس ج 8.

الحسنين «عليهما السلام» (1).

كما أنه قد أمر المغنين بأن يغنوا نكاية بولده المنتصر، الذي لم يرض بتنقصه لأمير المؤمنين علي «عليه السلام» :

غار الفتى لابن عمهرأس الفتى في حرّ أمه (2)

و قد ضرب رجلا ألف سوط، لأنه روى رواية واحدة في فضل علي «عليه السلام» .

و هو الذي حرث قبر الحسين «عليه السلام» و منع الناس من الوفود إلى زيارته (3).

نعم، هذه هي بعض أفاعيل المتوكل، و قد كان لأحمد بن حنبل عند المتوكل هذا منزلة عظيمة، حتى إنه يدفع إليه ولده المعتز و سائر أولاده و ولاة عهده ليقوم على تعليمهم (4).

قال ابن كثير: «و كان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد» (5).

فبماذا استحق أحمد عند هذا الرجل الطاغية هذه المنزلة العظمى يا


1) الكنى و الألقاب ج 1 ص 314 و 315 و راجع: وفيات الأعيان ج 6 ص 395 و 396 و 400 و 401 و تاريخ الخلفاء ص 348.

2) الكامل لابن الأثير ج 7 ص 55.

3) الكامل لابن الأثير ج 7 ص 55.

4) مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص 385 و 364، و أحمد بن حنبل و المحنة ص 190، و حلية الأولياء ج 9 ص 209.

5) البداية و النهاية ج 10 ص 316.

ترى؟ أما نصب الحنابلة فهو موضوع آخر لا مجال للتعرض له هنا (1).

و ثانيا: بالنسبة لآية: وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ، نشير إلى ما يلي: أ-لقد روي: أن هذه الآية قد نزلت في ميمون بن بنيامين، في قصة شبيهة بالقصة المنقولة عن ابن سلام تقريبا (2).

و روي عن الزهري، و مجاهد، و ابن عمر، و سعيد بن جبير، و عمر، و قتادة خلاف ذلك أيضا، فراجع (3).

ب-لقد ورد عن الشعبي، أنه قال: ما نزل في عبد اللّه أي ابن سلام شيء من القرآن (4).

ج-قال عكرمة: «و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله: ليس بعبد اللّه بن سلام، هذه الآية مكية.

فيقول: من آمن من بني إسرائيل، فهو كمن آمن بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أقسم مسروق على مثل ما جاء عن عكرمة.

و كذلك قال الشعبي أيضا.


1) للاطلاع على شطر من ذلك راجع كتاب: بحوث مع أهل السنة و السلفية.

2) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 40 عن عبد بن حميد، و فتح الباري ج 7 ص 98، و الإصابة ج 3 ص 471.

3) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن مصادر كثيرة، و راجع: مشكل الآثار ج 1 ص 137.

4) مشكل الآثار ج 1 ص 137، و فيه أن سعيد بن جبير قد وافق الشعبي في نفي نزول الآية في ابن سلام، و الدر المنثور ج 4 ص 69، و ج 6 ص 39/40 عن ابن المنذر، و دلائل الصدق ج 2 ص 135 عنه، و الميزان ج 11 ص 389.

و أنكر ذلك أيضا أبو عمر استنادا إلى نفس حجة عكرمة (1).

و جعل هذه الآية مدنية استنادا إلى رواية ابن سلام ليس له ما يبرره، بعد إنكار هؤلاء الذين هم أقرب إلى زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك و بعد ما تقدم عن الشعبي و غيره.

د-إن ظاهر الآية هو أنها خطاب للمشركين الذين استكبروا، مع كون بعض بني إسرائيل الذين يعتمدون على أقوالهم، قد آمن، و لا يناسب أن تكون خطابا لليهود، لأنهم هم أيضا من بني إسرائيل، إذ كان الأنسب أن يقول لهم: «منكم» .

و هذا يؤيد ما تقدم عن عكرمة، و الشعبي، و مسروق، و غيرهم.

ه-لقد صرح الطحاوي بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يصرح بنزولها في ابن سلام، و إنما مالك هو الذي استنبط ذلك (2).

و ثالثا: بالنسبة إلى قوله تعالى: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ، نقول: أ-قد تقدم أنه قد روي عن الزهري، و مجاهد، و سعيد بن جبير، و ابن عمر، و قتادة، و عمر ما يخالف هذا القول، الذي لم يرد إلا عن جندب، و كذا عن ابن عباس و مجاهد في إحدى الروايتين عنهما.

ب-قد تقدم عن الشعبي: أنه لم ينزل في ابن سلام شيء من القرآن.

ج-قد أنكر ذلك أيضا كل من عكرمة، و الحسن، و الشعبي، و محمد بن


1) الإستيعاب (هامش الإصابة) ج 2 ص 383، و فتح الباري ج 7 ص 98، و الدر المنثور ج 6 ص 39 عن ابن جرير، و عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر.

2) مشكل الآثار ج 1 ص 139.

سيرين، و سعيد بن جبير، استنادا إلى أن السورة مكية، و إسلام ابن سلام كان بعد (1).

د-إنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب قد أسلم بعد نزول هذه الآية؛ لأنه سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقرؤها مع آيات أخر في صلاته، فانتظر عمر حتى سلم، فأسرع في أثره و أسلم (2). و إنما أسلم عمر في مكة كما هو معلوم.

ه-هناك روايات متواترة تنص على أن المقصود ب مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ هو أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و أنه هو العالم بالتفسير و التأويل، و الناسخ و المنسوخ، و الحلال و الحرام.

و هذه الروايات مروية عن أبي سعيد الخدري، و ابن عباس، و محمد بن الحنفية، و الإمام محمد الباقر «عليه السلام» ، و السدي، و زيد بن علي رحمه اللّه، و الإمام موسى بن جعفر «عليه السلام» ، و أبي صالح (3).


1) مشكل الآثار ج 1 ص 137 و 138، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 383، و الدر المنثور ج 4 ص 69 عن النحاس في ناسخه، و سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و دلائل الصدق ج 2 ص 135 عن الدر المنثور، و غرائب القرآن للنيسابوري ج 13 ص 100(مطبوع بهامش جامع البيان) ، و الإتقان ج 1 ص 12، و إحقاق الحق ج 3 ص 280-284، و الجامع لأحكام القرآن ج 9 ص 336، و ينابيع المودة ص 104 و 103.

2) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر عن الزهري.

3) راجع: شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 308 و 310 و 307، و مناقب ابن المغازلي الحديث رقم 361، و الخصائص ص 26، و غاية المرام ص 357 و 360-

و من الطريف هنا ما جاء عن أبي صالح، في قوله عز و جل: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ، قال: رجل من قريش، هو علي و لكن لا نسميه (1).

لماذا لا تسميه أيها الرجل؟ و لماذا تكتم الحق، و أنت تعلم؟ أليس ذلك خوفا من الرمي بالتشيع، المساوي للرمي بالزندقة، ثم البلاء و الشقاء من أعداء علي و أهل بيته، الذين كانواهم أصحاب الملك و السلطان؟ ! حتى لقد قال الشاعر:

و متى تولى آل أحمد مسلمقتلوه أو وصموه بالإلحاد (2)

ملاحظتان:

الأولى: إننا لا نستبعد أن يكون معاوية و حزبه الذين كان ابن سلام يهتم في دعمهم و تأييد سلطانهم، قد كانوا وراء إعطاء هذه الفضيلة لعبد اللّه بن سلام.

و يدل على ذلك: ما روي عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: وَ مَنْ

(3) -و 104 عن تفسير الثعلبي و الحبري مخطوط، و دلائل الصدق ج 2 ص 135 عن ينابيع المودة ص 102-105 و نقل عن أبي نعيم، و راجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 362-365 و ج 3 ص 451 و 452 متنا و هامشا، و ج 3 ص 280-285 متنا و هامشا، و ج 20 ص 75-77 عن العديد من المصادر، و العمدة لابن بطريق ص 124، و الجامع لأحكام القرآن ج 9 ص 336.


1) شواهد التنزيل ج 1 ص 310. و إحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 364.

2) راجع كتاب: حياة الإمام الرضا السياسية للمؤلف، فصل سياسة العباسيين ضد العلويين، و رسالة الخوارزمي لأهل نيسابور في مجموعة رسائل الخوارزمي.

عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ: علي.

قال معاوية بن أبي سفيان: هو عبد اللّه بن سلام.

قال سعد: أنزل اللّه: إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ و أنزل: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ. فالهادي من الآية الأولى، و الشاهد من الآية الثانية، عليّ، لأنه نصّبه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الغدير، و قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، و قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» . فسكت معاوية، و لم يستطع أن يردها (1).

الثانية: إن مما يلفت النظر هنا: أن نجد هذا الذي تنسب إليه فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و يدعى زورا: أنه هو المعني بها-نجده-على الدوام من أعوان خصوم علي «عليه السلام» ، و من الممالئين لأعدائه، و لم يبايع له حينما بويع بالخلافة (2).

و لعل هذا هو السر في الاهتمام بشأنه، و إظهاره على أنه شخصية لها شأن و مقام، و قدم، بل و فضل، في إثبات صدق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صحة ما جاء به.

و يذكر أبو رية: أن ابن سلام هذا كان يدخل من إسرائيلياته في الإسلام (3).

و قد كان اليهود يبغضون جبرائيل «عليه السلام» ، و لعل هذا هو السر في أن عبد اللّه بن سلام يفسر اللهو في آية وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا.


1) ينابيع المودة ص 104 و كتاب سليم بن قيس.

2) راجع: بالنسبة لعدم بيعته لعلي «عليه السلام» : شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9.

3) راجع: شيخ المضيرة، و أضواء على السنة المحمدية.

فيقول: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، فقد ورد: أن جبرائيل كان يأتي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في صورة دحية هذا (1).

هذا، و يجب التذكير بأن بعض الخلفاء، و لا سيما عثمان، كانوا يستشيرونه في أمور هامة، فيشير عليهم بما يراه.

و قد دافع عن عثمان و هو محصور بلسانه و لكنه لم ينصره بيده (2)رغم وعده له بذلك.

و قد اعتبره المحاصرون لعثمان أنه لا يزال على يهوديته، فحاول أن ينفي ذلك عن نفسه (3).

بل كان هو و كعب الأحبار، و غيرهما من زعماء اليهود و النصارى، الذين أظهروا الإسلام، مصدرا للكثير من المواقف الخطيرة في الدولة الإسلامية، و كانا بمثابة مستشارين للهيئة الحاكمة في كثير من الشؤون.

و بعد. . فإننا نسأل اللّه أن يوفقنا لنشر كتاب يرتبط بأثر أهل الكتاب في السياسة و العقائد، و التفسير، و الحديث، و الفقه، و التاريخ، و غير ذلك.


1) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 190.

2) راجع أقواله في: المصنف للصنعاني ج 11 ص 444 و 445 و 446، و في هامشه عن ابن سعد في طبقاته ج 3 ص 83، و حياة الصحابة ج 3 ص 540، و مجمع الزوائد ج 9 ص 92 و 93 و راجع الإصابة ج 2 ص 321.

3) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 223 و 224.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي 2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل السابع: أبو طالب عليه السّلام 5-68

الباب الثالث: من وفاة أبي طالب عليه السّلام حتى الهجرة إلى المدينة

الفصل الأول: الهجرة إلى الطائف 71-84

الفصل الثاني: حتى بيعة العقبة 85-120

الفصل الثالث: بيعة العقبة 121-144

الباب الرابع: من مكة إلى المدينة

الفصل الأول: إبتداء الهجرة إلى المدينة 147-172

الفصل الثاني: هجرة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله 173-266

الفصل الثالث: إلى قباء 267-290

الفصل الرابع: حتى المدينة 291-322

القسم الرابع: من الهجرة إلى بدر الباب الأول: في المدينة و قضايا أخرى

الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة 327-342

الفهارس 343-358

2-الفهرس التفصيلي

الفصل السابع: أبو طالب عليه السّلام

البحث الأول: أبو طالب عليه السّلام مؤمن قريش

إيمان أبي طالب عليه السّلام عند أهل البيت عليهم السّلام:7

أهل البيت عليهم السّلام أدرى:8

تآليف في إيمان أبي طالب عليه السّلام:9

من أدلة إيمان أبي طالب عليه السّلام:10

أهل البيت عليهم السّلام أعرف:10

التضحيات و المواقف:10

تشنيع الأعداء:11

أشعاره الصريحة بالإيمان:11

مدائح أبي طالب عليه السّلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله:13

النار محرمة على أبي طالب عليه السّلام:15

النبي صلّى اللّه عليه و آله يحب عقيلا حبين:15

كان على دين اللّه:16

المسلم المؤمن:16

خلاصة جامعة:17

رواياتهم تدل أيضا على إيمانه:18

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرجو الخير لأبي طالب عليه السّلام:18

أبو بكر فرح بإسلام أبي طالب عليه السّلام:18

التشهد قبل الموت:19

استغفار النبي صلّى اللّه عليه و آله له:19

تشييع جنازته و مراسم دفنه:20

لماذا لم يأمر بالصلاة عليه؟ :21

رثاء علي عليه السّلام لأبيه:22

و لا أبو سفيان كأبي طالب عليه السّلام:22

أبو طالب عليه السّلام الداعية إلى الإسلام:23

الاعتراف بممارسة التقية:24

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من أبي طالب عليه السّلام:24

أنا على دين أبي طالب عليه السّلام:25

شفاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله له:25

إقراره على زواجه بمسلمة:25

من لم يقر بإيمان أبي طالب عليه السّلام:26

دفاع النبي صلّى اللّه عليه و آله عن أبي طالب عليه السّلام:26

بعد قتل الفرسان الثلاثة:27

غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأبي طالب عليه السّلام:29

و ما لأحد عنده من نعمة تجزى:29

ملاحظة: معالجة رواية الكشي:31

البحث الثاني: أبو طالب عليه السّلام المظلوم المفترى عليه

الأدلة الواهية:33

1-حديث الضحضاح:33

2-إرث عقيل لأبي طالب عليه السّلام:38

3-آية: وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ :39

4-آية النهي عن الاستغفار للمشرك:43

ملاحظة:48

5- إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ :49

6- وَ لاٰ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحٰابِ اَلْجَحِيمِ :51

7-الذي ينجي من الوسوسة:52

أبو بكر حين أسلم أبوه:53

أبو طالب عليه السّلام الشيخ المهتدي:54

هل صلى أبو طالب عليه السّلام؟ :55

أبو طالب عليه السّلام خير الأخيار:56

خطابيات و أرجاز المديني:57

البحث الثالث: مؤمن آل فرعون

سرية إيمان أبي طالب عليه السّلام:59

لا بد من كتمان الإيمان:60

مفارقات محيّرة:61

ذنب أبي طالب عليه السّلام الذي لا يغفر:62

مفارقات. . ذات دلالة:65

حال أبي طالب عليه السّلام حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:66

أبو لهب و نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:66

سر افتعال الرواية:67

الباب الثالث: من وفاة أبي طالب عليه السّلام حتى الهجرة إلى المدينة الفصل الأول: الهجرة إلى الطائف

لا بد من تحرك جديد:73

الهجرة إلى الطائف في كلمات المؤرخين:74

هجرات أخرى له صلّى اللّه عليه و آله:76

1-ما ذكر عن عداس:76

2-دخوله صلّى اللّه عليه و آله مكة بجوار:78

3-إسلام نفر من الجن:79

4-الطائف و علاقاتها بمن حولها:81

5-الإسلام دين الفطرة:82

6-هل كانت هذه سفرة فاشلة؟ !83

الفصل الثاني: حتى بيعة العقبة

المجاعة:87

عرض الإسلام على القبائل:88

بنو عامر بن صعصعة، و نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:90

1-الأمر للّه:92

2-سمو الهدف، و النظرة الضيقة:92

3-الدين، و السياسة:93

4-نتائج عرضه صلّى اللّه عليه و آله دعوته على القبائل:94

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بسودة و عائشة:95

1-سن عائشة:96

من طرائف الروايات الموضوعة:102

2-جمال عائشة و حظوتها:104

3-حسد و غيرة عائشة:106

أ-خديجة عليها السّلام:106

ب-زينب بنت جحش 107

ج-أم سلمة:109

د-صفية بنت حيي بن أخطب:109

ه-جويرية بنت الحارث:110

و-مارية القبطية:111

ز-سودة بنت زمعة:112

ح-أسماء بنت النعمان:112

ط-مليكة بنت كعب:113

ي-أم شريك:113

ك-شراف بنت خليفة:113

ل-حفصة بنت عمر:114

نهاية المطاف:114

و ماذا بعد؟ !115

دخول الإسلام إلى المدينة:117

1-إخبارات أهل الكتاب:119

2-المشاكل بين الأوس و الخزرج:120

3-تعاليم الشريعة السمحاء:121

4-المدنيون و المكيون:122

الفصل الثالث: بيعة العقبة

بيعة العقبة الأولى:127

دعوة سعد بن معاذ قومه:129

البيعة:131

صلاة الجمعة:131

بيعة العقبة الثانية:133

أبو بكر في العقبة:141

حمزة و علي عليهما السّلام في العقبة:141

سرية الاجتماع، و التقية:143

شروط البيعة:144

لماذا النقباء؟ !144

المشركون في مواجهة الأمر:145

منازعة الأمر أهله:146

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يؤمر بالحرب بعد:147

الباب الرابع: من مكة إلى المدينة الفصل الأول: إبتداء الهجرة إلى المدينة

حب الوطن من الإيمان:153

دوافع الهجرة من مكة إلى المدينة:156

سر اختيار المدينة:160

المؤاخاة بين المهاجرين:166

إبتداء هجرة المسلمين إلى المدينة:168

المثل الأعلى:168

هجرة عمر بن الخطاب:169

ما هي الحقيقة إذا؟ !173

ماذا عن الهجرة إلى المدينة؟174

قريش و الهجرة:174

الفصل الثاني: هجرة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله

المؤامرة:179

مبيت علي عليه السّلام، و هجرة النبي صلّى اللّه عليه و آله:181

قريش في طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله:186

الراحلتان بالثمن:187

أداء الأمانات:187

نفقات الهجرة:188

شعر علي عليه السّلام بمناسبة المبيت:189

المثل الأعلى للتضحية:189

المبيت، و الخلافة:190

قريش، و علي عليه السّلام:191

قريش و المبيت:193

مقايسة:194

إرادة اللّه:194

لماذا التدخل الإلهي؟ !196

بين النظرة المصلحية و الواقع:197

الأرض و المبدأ:199

و من معطيات الهجرة أيضا:200

أبو طالب عليه السّلام في حديث الغار:200

مع آية الغار:201

كلام الجاحظ، و ما فيه:207

ماذا يقول المفيد هنا، و بماذا يجيبون؟ !209

سؤال يحتاج إلى جواب:211

تحير أبي بكر في حراسته للنبي صلّى اللّه عليه و آله:212

التأكيد على موقف أبي بكر:213

من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه؟ !213

كذبة مفضوحة:216

و ابن تيمية ماذا يقول؟ !217

و عن قضية صهيب نقول:222

تسمية أبي بكر بالصديق:227

متى كان وضع هذه الألقاب:234

الراحلتان:234

ما هي الحقيقة؟ !236

الخروج من خوخة أبي بكر للهجرة:237

قريش في طلب أبي بكر:239

الانتظار إلى الصباح:240

شراء أبي بكر للموالي! ! و نفقاته! !241

1-عامر بن فهيرة:243

2-أبو قحافة الأعمى:243

3-مع أدوار لأسماء أيضا و غيرها:244

4-حديث سد الأبواب، و خلة أبي بكر:247

5-ثروة أبي بكر:248

إشارة عامة:252

اللصوص المهرة:258

كلمة أخيرة حول ما يقال عن ثروة أبي بكر:259

التزوير، و التحوير:260

تجلي اللّه لأبي بكر:261

كلام هام حول الفضائل:261

ما أنت إلا إصبع دميت:263

عمدة فضائل أبي بكر:265

عثمان حين قضية الغار:268

يوم الغار، و يوم الغدير:268

الكلمة الأخيرة في حديث الغار:270

الفصل الثالث: إلى قباء

في الطريق إلى المدينة:273

الكرامات الباهرة بعد الظروف القاهرة:275

و الخلاصة:276

هجرة أمير المؤمنين عليه السّلام:276

السياسة الحكيمة:279

كتاب تبع الأول:280

أبو بكر شيخ يعرف:280

رأي العلامة الأميني:285

النفاق في مكة:286

ملاحظة هامة على ما تقدم:292

الفصل الرابع: حتى المدينة

بداية:297

غناء أهل المدينة، و النبي صلّى اللّه عليه و آله يرقص بأكمامه:297

المناقشة:299

1-ثنية الوداع من جهة الشام:299

2-استدلال عجيب:301

3-ترقيص الأكمام:301

أدلة حلية الغناء:302

نقض أدلة حلية الغناء:303

أقوال العلماء في الغناء:313

الغناء عند أهل الكتاب 318

سر الوضع و الاختلاق 319

نزول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قباء 322

تأسيس مسجد قباء 323

أحجار الخلافة 324

أول مسجد في الإسلام 324

صلاة الجمعة في قباء 325

القسم الرابع: من الهجرة إلى بدر 327

الباب الأول: في المدينة و قضايا أخرى 329

الفصل الأول:النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة 331

ورود النبي صلّى اللّه عليه و آله المدينة 333

منزل النبي صلّى اللّه عليه و آله في المدينة 335

ابن سلام و الإسلام 337

ملاحظتان 344

الفهارس 347

1-الفهرس الإجمالي 349

2-الفهرس التفصيلي 351