ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
بسم اللّه الرحمن الرحيم
و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و نبرأ من أعدائهم و مخالفيهم إلى يوم الدين.
و بعد. . فهذه هي الطبعة الرابعة لكتاب: «الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله» . نقدمها إلى القراء الكرام، بعد بدء صدور هذا الكتاب بحوالي ثلاثة عشر عاما خلت.
1-إن هذه الطبعة تأتي بعد حصول هذا الكتاب على جائزة الجمهورية الإسلامية في إيران لعام 1413 ه. ق. باعتباره الكتاب الأول في مجال كتابة السيرة النبوية المباركة.
و طبيعي أن يثير هذا الأمر شعورا لدى الكثيرين بضرورة نشر هذا الكتاب بصورة أتم و أفضل، و على نطاق أوسع و أشمل.
كما إنه يمنحهم مبررا لتأكيد إصرارهم على مؤلفه لمتابعة جهوده التحقيقية، في نطاق السيرة النبوية المباركة، لسد الفراغ الموجود في هذا المجال.
ثم هو يذكي شعورا لدى مؤلفه، بأن جهده الذي يبذله لن يكون بدون جدوى، بل ربما يكون ضروريا و لازما، الأمر الذي يمنحه فرصة للتفكير في الرجوع عن قراره السابق بعدم الاستمرار في كتابة فصول هذا الكتاب، بسبب ما يواجهه من صعوبات، و ما يتحمله من مشاق في هذا السبيل.
2-إن هذه الطبعة تمتاز عن سابقاتها، بأنها قد جاءت أكثر دقة و صفاء، و صحة و نقاء منها، حيث قد أعيد النظر في كثير من النقاط التي كان هذا الكتاب قد أثارها، و حصلت فيها تصحيحات و إضافات، و تغييرات كثيرة، إما تأييدا و تأكيدا، أو تنقيحا و تصحيحا.
كما و حصلت إضافات كثيرة في هوامش الكتاب، بالإضافة إلى بعض التصحيحات فيها.
و قد كانت هذه التغييرات و الإضافات من الكثرة، بحيث أصبحت أجزاء الكتاب أكثر مما كانت عليه في طبعاته السابقة.
3-لقد أعدنا النظر في تمهيد الكتاب، و توسعنا في مطالبه، إلى حد أنها أصبحت تشكل واحدا من أجزاء الكتاب المستقلة، فاعتبرناه مدخلا لدراسة السيرة النبوية المباركة، و كان هو أول أجزائها في هذه الطبعة، و أصبح الجزء الأول هو الثاني و الثاني هو الثالث، و هكذا. .
و لم نكن لنصنع ذلك لو لا أننا رأينا: أن من المهم جدا تعريف القارئ و الباحث على قضايا و سياسات كانت و لا تزال تخفى تارة و تظهر أخرى، و لم تستطع حتى الآن أن تحتل مكانتها الحقيقية في التكوين الفكري في المجال الثقافي العام.
لقد كنت أتمنى لو تسنح لي الفرصة لإعادة كتابة هذا الكتاب، و صياغته من جديد؛ لإصلاح تعابيره و تراكيبه، و إعادة النظر في تبويبه و ترتيبه و قد تنشأ عن ذلك إضافات كثيرة، و تصحيحات هنا و هناك كبيرة أو صغيرة.
و لكن الفرصة-للأسف-كانت و لا تزال محدودة، بل هي مفقودة من الأساس.
حتى إنني لا أبعد إذا قلت بمرارة: إن معظم ما أكتبه يقدم إلى الطبع و هو في مسودته الأولى، فلا غرو إذا ظهرت فيه أحيانا أغلاط كثيرة، و فجوات كبيرة.
و لكننا عملا بقاعدة: «ما لا يدرك كله، لا يترك كله» نقبل بتحمل وزر ذلك على أمل أن يأتي الآخرون، و يقوموا بدورهم في تنقيح هذه البحوث و التوسع فيها، و عرضها بالشكل اللائق و المقبول.
فها أنا أقدم هذا الكتاب إلى القراء الكرام بانتظار توفر الوقت، و صحة العزم، و بذل الجهد في التنقيح و التصحيح، أو إكمال الطريق، رغم ما فيها من أشواك و أدغال، و من مصاعب و مشقات و أهوال.
و أخيرا و ليس آخرا. . نسأل اللّه سبحانه أن ينفع بما كتبت، و يجعله خالصا لوجهه الكريم، و منه تعالى نستمد العون و القوة، و نسأله التأييد و التسديد. و الحمد للّه، و الصلاة و السلام على عباده الذين اصطفى محمد و آله الطاهرين.
22/2/1414 ه. ق.
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
يرجى ملاحظة ما يلي: 1-هناك مصادر كثيرة اعتمدنا عليها من طبعات مختلفة و لم يتيسر لنا التنبيه على ذلك في مواردها المختلفة.
2-هناك طبعات لم نشر إليها في الفهرس الموضوع في آخر الكتاب، لعدم إمكان الوصول إليها حين إعداده. .
3-اعتمدنا في هذه الطبعة عبارة «صلى اللّه عليه و آله» في جميع الكتاب، حتى في الموارد التي ليس فيها إضافة «الآل» في المصدر الأساس، فليلاحظ ذلك.
4-هناك بعض المواضع جرى فيها الكثير من التعديل، و الإضافة، و الحذف، مثل موضوع إيمان أبي طالب و غيره.
تقديم (1)
إن حياة المجتمعات ليست أحداثا متباينة و منفصلة عن بعضها البعض، و إنما هي استمرار، يضع الماضي كل ما حصل عليه من عمله الدائب، و جهاده المستمر في صميم هذا الحاضر، ليستمد منه الكثير من عناصر قوته و حركته، و وسائل تطوره، ثم تقدمه بخطى ثابتة و مطمئنة نحو المستقبل الذي يطمح له، و يصبو إليه.
فمن الطبيعي إذن، أن نجد لكثير من الأحداث التاريخية، حتى تلك التي توغلت في أعماق التاريخ، حتى لا يكاد يظهر لنا منها شيء-نجد لها-آثارا بارزة، حتى في واقع حياتنا اليومية الحاضرة، بل تظهر آثارها في حياة الشعوب، و في تصرفاتها، بل و في مفاهيمها و عواطفها، فضلا عن تأثيرها على الحالة الدينية، و الأدبية، و العلمية، و السياسية و الاقتصادية، و العلاقات الاجتماعية، و غير ذلك.
و إن كان تأثير هذه الأحداث يختلف شمولا و عمقا من أمة لأخرى،
1) هذا التقديم عبارة عن ملامح من تقديم كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام» ، و نوردها هنا لصلتها المباشرة بموضوع بحثنا هذا، و حتى لا نضطر إلى إحالة القارئ على ذلك الكتاب.
و من شعب لآخر أيضا.
أما مهمة التاريخ، فهي أن يعكس بدقة و أمانة حياة الأمة في الماضي، و ما مرت به من أوضاع و أحوال، و ما تعرضت له من هزات فكرية، و أزمات اقتصادية و اجتماعية و غيرها.
و هذا يؤكد لنا أهمية التاريخ، و يبرز مدى تأثيره في الحياة، و يعرفنا سر اهتمام الأمم على اختلافها به تدوينا، و درسا، و بحثا، و تمحيصا، و تعليلا. فهي تريد أن تتعرف من خلال ذلك على بعض الملامح الخفية لواقعها الذي تعيشه.
و لتستفيد منه كلبنة قوية و صلبة لمستقبلها الذي تقدم عليه، و لتكتشف منه أيضا بعضا من عوامل رقيها و انحطاطها، ليكون ذلك معينا لها على بناء نفسها بناء قويا و سليما، و الإعداد لمستقبلها على أسس متينة و قوية و راسخة.
و نحن أمة تريد أن تحيا الحياة بكل قوتها و حيويتها، و فاعليتها، و لكننا في الوقت الذي نملك فيه أغنى تاريخ عرفته أمة، لا نملك من كتب التاريخ و التراث ما نستطيع أن نعوّل عليه في إعطاء صورة كاملة و شاملة و دقيقة عن كل ما سلف من أحداث؛ لأن أكثر ما كتب منه تتحكم فيه النظرة الضيقة، و يهيمن عليه التعصب و الهوى المذهبي، و يسير في اتجاه التزلف للحكام.
و أقصد ب «النظرة الضيقة» عملية ملاحظة الحدث منفصلا عن جذوره و أسبابه، ثم عن نتائجه و آثاره.
إن ما لدينا هو-في الأكثر-تاريخ الحكام و السلاطين، و حتى تاريخ الحكام هذا، فإنه قد جاء مشوّها و ممسوخا، و لا يستطيع أن يعكس بأمانة وحيدة الصورة الحقيقية لحياتهم و لتصرفاتهم و مواقفهم؛ لأن المؤرخ كان لا يسجل إلا ما يتوافق مع هوى الحاكم، و ينسجم مع ميوله، و يخدم مصالحه، مهما كان ذلك مخالفا للواقع، و لما يعتقده المؤرخ نفسه و يميل إليه.
و من هنا، فإننا لا نفاجأ إذا رأينا المؤرخ يهتم بأمور تافهة و حقيرة، فيسهب القول في وصف مجلس شراب، أو منادمة لأمير أو حاكم، أو يختلق أحداثا، أو شخصيات لا وجود لها، ثم يهمل أحداثا خطيرة، أو يتجاهل شخصيات لها مكانتها و أثرها العميق في التاريخ، و في الأمة، أو يشوه أمورا صدرت من الحاكم نفسه، أو من غيره، أو يحيطها-لسبب أو لآخر- بالكتمان، و يثير حولها هالة من الإبهام و الغموض.
إذن، فلا بد لمن يريد دراسة التاريخ و الاستفادة من الكتب التاريخية و التراثية، من أن يقرأها بحذر و وعي، و بدقة و تأمل، حتى لا يقع في فخ التضليل و التجهيل.
فلا بد له من أن يفتح عينيه و قلبه على كل كلمة تمر به، و يحاول قدر المستطاع أن يستنطقها، و يستخلص منها ما ينسجم مع الواقع، مما تؤيده الدلائل و الشواهد المتضافرة، و يرفض أو يتوقف في كل ما تلاعبت به
الأهواء، و أثرت عليه الميول و العصبيات.
و ليس ذلك بالأمر اليسير و السهل، و لا سيما فيما يرتبط بتاريخ الإسلام الأول الذي هبت عليه رياح الأهواء الرخيصة و العصبيات الظالمة، و عبثت به أيدي الحاقدين، و ابتزت منه رواءه و صفاءه إلى حد كبير و خطير.
و نحن بدورنا في كتابنا هذا سوف نحاول استخلاص صورة نقية و واضحة قدر الإمكان عن تاريخ نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و لسوف ينصبّ اهتمامنا بصورة أكثر و أوفر على إبعاد كل ذلك الجانب المريض من النصوص، المجعولة تاريخا، مع أن الكثير منها لا يعدو أن يكون أوهاما و خيالات، ابتدعها المحدثون المغرضون و القصاصون الأفاكون، و أصحاب الأهواء و المتزلفون.
نقول ما تقدم بالرغم من أننا قد قلنا آنفا: إننا على قناعة من أن تاريخ الإسلام المدوّن-على ما فيه من هنات و نقص-أغنى تاريخ مكتوب لأية أمة من الأمم، و هو يمتاز عن كل ما عداه بدقته و شموله، حتى إنك لتجده كثيرا ما يسجل لك الحركات، و اللفتات، و اللمحات، فضلا عن الكلمات و المواقف و الحوادث، بدقة متناهية و استيعاب لا نظير له.
أضف إلى ذلك: أنه يملك من الآيات القرآنية، ثم من النصوص الصحيحة و الصريحة الشيء الكثير، مما لا تجده في أي تاريخ آخر على الإطلاق.
هذا إن لم نقل إن هذا الأمر من مختصات تاريخ الإسلام، إذا تأكدنا أنه ليس بإمكان أي تاريخ أن يثبت من مقولاته إلا النزر اليسير، و لا سيما في جزئيات الأمور، و في التفاصيل و الخصوصيات.
و ميزة أخرى يمتاز بها تاريخ الإسلام، و هي أنه يمتلك قواعد و منطلقات تستطيع أن توفر للباحث السبل المأمونة، التي يستطيع من خلال سلوكها أن يصل إلى الحقائق التي يريدها، دقت، أو جلت.
و لسوف يأتي الحديث عن بعض من ذلك في بعض فصول ما اصطلحنا عليه أنه «المدخل لدراسة السيرة النبوية الشريفة» .
و واضح: أن البداية الطبيعية لتاريخ الإسلام، و أعظم و أهم ما فيه هو سيرة سيد المرسلين محمد «صلى اللّه عليه و آله الطاهرين» .
فلا بد من البدء بها، و لو ببحث قضايا و أحداث رئيسة فيها، ليكون ذلك بمثابة خطوة أولى على طريق التصدي لبحوث مستوعبة و شاملة، من قبل المتخصصين و الباحثين، من ذوي الكفاءات و الهمم العالية.
و لكن ذلك يحتاج إلى تقديم مدخل، من شأنه أن يعطي انطباعا عاما عن أجواء و مناخات البحث، فإلى هذا المدخل الذي يشتمل على عدة فصول. .
و اللّه هو الموفق و المسدد، و هو المستعان، و عليه التكلان.
الباب الأول: تدوين التاريخ بين الدوافع و الأهداف
الباب الثاني: تدوين التاريخ. . الآثار و النتائج
الفصل الأول: صفات النبي صلّى اللّه عليه و آله
الفصل الثاني: سياسات تستهدف الجذور
الفصل الثالث: أين. . و ما هو البديل؟
الفصل الرابع: القصاصون يثقفون الناس رسميا
المفروض بالنبي-أي نبي كان-أن يمثل النموذج الفذ الذي يريده اللّه تعالى على الأرض و هو الإنسان، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
فهو رجل الفضل، و العقل، و الكمال، و مثال الحكمة، و الوقار و الجلال. عالم، حكيم، تقي، شجاع، حازم، إلى غير ذلك من صفات إنسانية فاضلة، و كمالات رفيعة. لا ترى في أعماله أي خلل أو ضعف، أو ضعة، و لا في تصرفاته أي تشتت أو تناقض.
و بكلمة: إنه الرجل المعصوم من الخطأ، المبرأ من الزلل، أكمل الخلق و أفضلهم؛ و لأجل ذلك جعل اللّه تعالى نبينا محمدا «صلى اللّه عليه و آله» أسوة لبني الإنسان مدى الدهر، و فرض عليهم أن يقتدوا به في كل شيء حتى في جزئيات أفعالهم، فقال تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).
و لكننا لو راجعنا الروايات التي يدّعى: أنها تسجل لنا تاريخ نبي الإسلام «صلى اللّه عليه و آله» .
1) الآية 21 من سورة الأحزاب.
لوجدنا هذا النبي-الذي اصطفاه اللّه، و اختاره من بين جميع خلقه، و وصفه جل و علا في القرآن الكريم بأنه لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (1)و الذي هو أشرف الأنبياء و المرسلين، و أعظم و أكمل رجل وجد على وجه الأرض، و هو عقل الكل، و مدبر الكل، و إمام الكل-لوجدناه رجلا عاجزا، و متناقضا، يتصرف كطفل، و يتكلم كجاهل، يرضى فيكون رضاه ميوعة و سخفا، و يغضب فيكون غضبه عجزا و اضطرابا، يحتاج دائما إلى من يعلمه، و يدبر أموره، و يأخذ بيده، و يشرف على شؤونه، و يحل له مشاكله. الكل أعرف، و أقوى، و أعقل منه، كما أثبتته الوقائع المختلفة المزعومة تاريخا و سيرة لحياته «صلى اللّه عليه و آله» .
و بماذا؟ و كيف نفسر حمل هذا النبي زوجته على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان و خده على خدها؟ ! أو أنها وضعت ذقنها على يده، و صارت تنظر إلى لعب السودان يوم عاشوراء؟ ! (2).
1) الآية 4 من سورة القلم. يحتمل بعض العلماء أن يكون المراد بالخلق: الدين، أو العادة و السنة العظيمة، و لكنه خلاف المتبادر من هذه العبارة و صرف المعنى إليه يحتاج إلى قرينة كما هو معلوم.
2) راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 111 و ج 2 ص 100 و 172، و راجع: مسند أحمد ج 6 ص 56 و 57 و 83 و 85 و 166 و 186 و 242 و 247 و 270 و راجع: سنن النسائي ج 3 ص 197 و 195 و صحيح مسلم ج 3 ص 21 و 22 و راجع: تاريخ عمر بن الخطاب ص 35 و إحياء علوم الدين ج 2 ص 44 و راجع هوامشه، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 121 و 122 و الرياض النضرة ج 2 ص 300 و الفتوحات الإسلامية لدحلان: ج 2 ص 463.
ثم هو يترك جيشه لينفرد بزوجته عائشة، ليسابقها في قلب الصحراء أكثر من مرة، و في أكثر من مناسبة، فتسبقه مرة، و يسبقها أخرى، فيقول لها: هذه بتلك (1).
أضف إلى ذلك: أنه يهوى زوجة ابنه بالتبني، بعد أن رآها في حالة مثيرة (2)إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة جدا التي تتحدث عن تفاصيل في حياته الزوجية، مما نربأ نحن بأنفسنا عن التفوه به، و ذكره، فكيف بممارسته و فعله! !
1) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 176 و 177 و سنن أبي داود ج 3 ص 29 و 30 و المغازي للواقدي ج 2 ص 427 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 636 و إحياء علوم الدين ج 2 ص 44 و مسند أحمد ج 6 ص 264 و 182 و 39 و 129 و 261 و 280، و السيرة الحلبية ج 2 ص 290 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 315 و حياة الصحابة ج 2 ص 634 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 146 عن المواهب و تلبيس إبليس، و أحمد و النسائي.
2) الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 190 و تاريخ الخميس ج 1 ص 501 و تفسير البرهان ج 3 ص 325 و 326، و مجمع البيان ج 8 ص 359 و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 396 و تفسير القمي ج 2 ص 172-173 و السيرة الحلبية ج 2 ص 214 و تفسير غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 21 ص 12 و 13 و الدر المنثور ج 4 ص 202 و فتح القدير ج 4 ص 284 و 286 و الكشاف ج 3 ص 540 و 541 و الطبقات لابن سعد ط صادر ج 8 ص 101 و مجمع الزوائد ج 9 ص 247 و لباب التأويل للخازن ج 3 ص 468 و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 3 ص 468 و التبيان ج 3 ص 312 و نور الثقلين ج 4 ص 280 و 281- 282 و جامع البيان ج 21 ص 10-11.
و بماذا و كيف نفسر أيضا: أن يرى هذا النبي الرأي، فتنزل الآيات القرآنية مفندة لرأيه، و مصوبة لرأي غيره، فيقعد ليبكي و ينوح على ما فرط منه؟ ! ! (1).
و كيف نفسر أيضا ما يروونه عنه، من أنه مر على سباطة (2)قوم، فيبول و هو قائم؟ (3)ثم يكون له شيطان يعتريه-كما هو لغيره من الناس-و كان يأتيه في صورة جبرئيل، و قد أعانه اللّه على شيطانه هذا فأسلم (4). و أن شيطانه خير الشياطين؟ (5).
ثم شربه للنبيذ و الفضيخ؟ (6).
1) ستأتي مصادر ذلك في غزوة بدر، فصل الغنائم و الأسرى، حين الحديث حول موضوع: لو نزل العذاب ما نجا إلا ابن الخطاب.
2) السباطو: المزبلة.
3) راجع: المصنف ج 1 ص 193 و صحيح البخاري ج 1 ص 34 و 35 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 111 و 112 و سنن الدارمي ج 1 ص 171 و مسند أحمد ج 4 ص 246 و ج 5 ص 402 و 382 و 394 و المعجم الصغير ج 1 ص 229 و ج 2 ص 266.
4) كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 146 و راجع: مشكل الآثار ج 1 ص 30 و 3 و المواهب اللدنية ج 1 ص 202 و المعجم الصغير ج 1 ص 71 و مجمع الزوائد ج 8 ص 269 و 225 و راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169 و حياة الصحابة ج 2 ص 712 عن مسلم.
5) اللآلئ المصنوعة ج 1 ص 360.
6) (الفضيخ: عصير العنب و كذلك هو شراب يتخذ من التمر من غير أن تمسه النار) راجع: مسند أبي يعلى ج 4 ص 418 و نقله في هامشه عن مصادر كثيرة و مسند أحمد ج 2 ص 106 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 102 عن مسلم و وفاء الوفاء ج 3 ص 822 عن أحمد و أبي يعلى و راجع: صحيح مسلم ج 6 ص 105 و سنن النسائي ج 8 ص 333 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1126 و سنن أبي داود ج 2 ص 213 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 226 و تيسير الوصول ج 1 ص 275، و مجمع الزوائد ج 5 ص 64 و 66 و 67 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 44 و البداية و النهاية ج 5 ص 331.
و كونه أحق بالشك من إبراهيم «عليه السلام» ؟(1).
ثم إنه ينسى ما هو من مهماته و شؤونه، مثل ليلة القدر، و حين يعجز عن تذكرها يأمر الناس بأن يلتمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك(2).
كما أنه لا يحفظ سورة الروم جيدا(3).
و ينسى أيضا أنه جنب(4)إلى غير ذلك مما لا يمكن تتبعه و لا الإحاطة به لكثرته، مما يزيد في قبحه أضعافا على ما ذكرناه، مما زخرت به المجاميع الحديثية و التاريخية لدى بعض المذاهب الإسلامية المنتشرة في طول البلاد و عرضها.
1) صحيح البخاري ج 3 ص 71 و مسند الإمام أحمد ج 1 ص 326 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1335 و تأويل مختلف الحديث ص 97 و صحيح مسلم ج 7 ص 98 و الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 79 و ج 2 ص 91.
2) كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 485 و 484 و مجمع الزوائد ج 3 ص 176 و 175 و ج 7 ص 348.
3) الدر المنثور ج 5 ص 150 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و ابن قانع، و راجع: مناهل العرفان ج 1 ص 360 عن البخاري، و مسلم. و راجع: حول نسيانه «صلى اللّه عليه و آله» بعض الآيات في كنز العمال ج 1 ص 538.
4) المعجم الصغير ج 2 ص 16. و راجع: ج 1 ص 130 حول نسيانه بعض الأسماء.
نعم. . هكذا تشاء الروايات-و كثير منها مدون في الكتب التي يدعي البعض: أنها أصح شيء بعد القرآن-أن تصور لنا أعظم رجل، و أكرم و أفضل نبي على وجه الأرض! !
و هذه هي الصورة التي يستطيع أن يستخلصها من يراجع هذا الركام الهائل من المجعولات، إذا كان خالي الذهن من الضوابط و المعايير الحقيقية، و المنطلقات الأساسية، التي لا بد من التوفر عليها في دراسة التاريخ. و كذلك إذا كان لا يعرف شيئا مما يجب أن يتوفر في الشخصية التي يفترض أن تمثل النموذج الفذ لإرادة اللّه تعالى على الأرض.
و كذلك إذا كان خالي النفس عن تقديس النص تقديسا ساذجا و عشوائيا.
هذا التقديس الذي ربما يرفع هذه المنقولات عن مستواها الحقيقي، و يمنع-و لو جزئيا-من تقييمها تقييما واقعيا و سليما، يعطيها حجمها الطبيعي في ميزان الاعتبار و الواقع.
و ما هو المبرر لتقديس كهذا ما دام لم يثبت بعد أن هذا هو كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو موقفه، أو من صفاته و شؤونه، و ما إلى ذلك؟ ! . إن إعطاء هذه الصورة عن نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو القدوة و الأسوة، لهو الخيانة العظمى للتاريخ، و للأمة، و للإنسانية جمعاء، و لا زلنا نتجرع غصص هذه الخيانة، و نهيم في ظلماتها.
و أما لماذا كل هذا الافتراء على الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فنعتقد: أن الأمر لم يكن عفويا، بل كانت ثمة خطة مرسومة تهدف إلى
طمس معالم الشخصية النبوية، و التعتيم على خصائصها الرسالية الفذة، ليكون ذلك مقدمة لهدم الإسلام من الأساس، خصوصا من قبل الحكم الأموي البغيض و أعوانه.
و نذكر هنا: بعض الأمثلة التي تظهر بعض فصول هذه الخطة التي تستهدف الإسلام و رموزه، و شخصية النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بالذات، و هي التالية:
1-إنهم يذكرون عن زيد بن علي بن الحسين «عليهما السلام» ، أنه قال: إنه شهد هشام بن عبد الملك، و النبي يسبّ عنده؛ فلم ينكر ذلك هشام، و لم يغيره (1).
2-ذكروا في ترجمة خالد بن سلمة المخزومي المعروف ب «الفأفاء» : أنه كان مرجيا، و يبغض عليا، و أنه كان ينشد بني مروان الأشعار التي هجي بها المصطفى «صلى اللّه عليه و آله» .
و خالد هذا يروي عنه أصحاب الصحاح الست ما عدا البخاري! ! (2).
3-إن عمرو بن العاص لم يرض بضرب نصراني يشتم النبي الأعظم
«صلى اللّه عليه و آله» (1).
4-و قد ذكر الكميت: أنه كان إذا مدح النبي «صلى اللّه عليه و آله» اعترض عليه جماعة، و لم يرضوا بذلك، فهو يقول:
إلى السراج المنير أحمد لا يع *** دلني عنه رغبة، و لا رهب
عنه إلى غيره، و لو رفع النا *** س إليّ العيون، و ارتقبوا
و قيل: أفرطت بل قصدت و لو *** عنفني القائلون، أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت الأر *** ض، و إن عاب قولي العيب
لجّ بتفضيلك اللسان و لو *** أكثر فيك الضجاج و اللجب
و لعل الكميت رحمه اللّه قد أحس أن وراء هذه السياسة أمرا عظيما، حيث يقول:
رضوا بخلاف المهتدين و فيهممخبّأة أخرى تصان و تحجب
و لا يمكن تفسير «المخبأة» التي تصان و تحجب بأنها تفضيل الخليفة على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأن ذلك لم يكن مخبأ، بل صرح به ولاة و أعوان الأمويين، كالحجاج بن يوسف، و خالد القسري، كما سنرى.
فلا بد أن تكون هذه «المخبأة» هي طمس دين اللّه، و إزالة معالمه، و تشويه الصورة الحقيقية لنبي الرحمة «صلى اللّه عليه و آله» ، و إزالة معالم الشخصية النبوية بصورة نهائية من أذهان الناس.
1) الاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 193 و الإصابة ج 3 ص 195 عن البخاري في تاريخه.
5-حدّث مطرّف بن المغيرة: أن معاوية قال للمغيرة في سياق حديث ذكر فيه معاوية ملك أبي بكر، و عمر، و عثمان، و أنهم هلكوا فهلك ذكرهم:
«و إن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك؟ ! لا و اللّه، إلا دفنا دفنا» (1).
و يقال: إن هذه القضية بالذات هي السبب في إقدام المأمون في سنة 212 ه. على النداء بلعن معاوية، لولا أنهم أقنعوه بالعدول عن ذلك (2)فراجع.
و نقول:
إن المغيرة الذي ضرب الزهراء حتى أدماها، كما عن الإمام الحسن «عليه السلام» لم يكن ذلك الرجل الذي يرجع إلى دين، أو يهمه أمر ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن حال المغيرة في قلة الدين و مجانبة الحق معلوم (3).
و لكن «ويل لمن كفّره نمرود» ، فإن المغيرة الرجل الداهية لم يستطع تحمل جهر معاوية بهذا الأمر، و رأى فيه مجازفة خطيرة، تجر معاوية، و كل من يسير في ركابه إلى أخطار جسام، لا يمكن التكهن بعواقبها، فأحب
المغيرة أن ينسحب بنفسه ليسلم بجلده، لو كان ثمة ما يخاف منه، أو لعله أحس في ولده «مطرّف» بعض الإيمان فاتقاه، و ذكر له هذا الأمر بصورة تشنيعية ظاهرة.
و خلاصة الأمر: أن المغيرة إنما يهتم بمصلحته الشخصية بالدرجة الأولى، لا بمصلحة معاوية.
و قد يكون أحس من معاوية: أنه يريد عزله، و تولية غيره، أو أنه كانت في نفسه موجدة عليه، بسبب عزله إياه، فذكر عنه ما كان أسره إليه، أو أن ذلك قد كان منه قبل أن يوليه معاوية الكوفة! !
6-روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب «أخبار الملوك» : أن معاوية سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول اللّه» فقال:
«للّه أبوك يابن عبد اللّه، لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين» (1).
فهذا النص يؤيد النص السابق، و يوضح لنا مدى تبرم معاوية بهذا الأمر، و أنه يعتبر ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الأذان إنما هو من صنيع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.
أما أن يكون ذلك بوحي من اللّه فذلك آخر ما يفكر أو يعترف به معاوية.
7-ثم هناك محاولاتهم الجادة للمنع من التسمي باسم رسول اللّه «صلى اللّه
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 101.
عليه و آله» ، و قد نجحوا في ذلك بعض الشيء كما يعلم بالمراجعة (1).
8-يقول العنزي «سمعت أبا برزة و قد خرج من عند عبيد اللّه بن زياد، و هو مغضب فقال:
ما كنت أظن أن أعيش حتى أخلف في قوم يعيروني بصحبة محمد «صلى اللّه عليه و آله» .
قالوا: إن محمديّكم هذا الدحداح الخ. .» (2).
9-و قد رأى مروان أبا أيوب الأنصاري واضعا وجهه على قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: أتدري ما تصنع؟ !
فقال أبو أيوب: نعم، جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم آت الحجر (3).
و ها نحن نجد نفس هذا الاتجاه الأموي يتبلور بصورة أصرح و أقبح في نهج بعض الفرق التي تدعي لنفسها قيمومة على الإسلام و على مقدساته و رموزه، حيث إنها ما فتئت تعمل على المنع من التبرك بآثار النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تجهد في طمس كل الآثار و المعالم الإسلامية،
و إزالتها بطريقة أو بأخرى، و بمبرر مهما كان سخيفا، و بلا مبرر.
و تحكم بالكفر على هذا الفريق، و بالشرك على ذاك، لا لشيء إلا لأنهم لا يوافقونهم في المعتقد، و في الرأي. و أمر هذه الفرقة أشهر من أن يذكر.
أما قيمة سنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لديهم فيوضحها:
1-أنه حينما أنكر أبو الدرداء على معاوية أكله الربا، أو شربه بآنية الذهب و الفضة، و احتج عليه بقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أجابه معاوية بقوله: أما أنا فلا أرى به بأسا.
فأخذ أبو الدرداء على نفسه أن لا يساكن معاوية في أرض هو فيها.
و كان ذلك في زمن عمر بن الخطاب، فلما بلغه ذلك لم يزد على أن أرسل إلى معاوية ينهاه عن فعل ذلك، و لكنه لم يعنفه على ما صدر منه، و لا عاقبه، و لا عزله عن عمله (1).
و بالمناسبة فإننا نشير هنا إلى أن أبا الدرداء لم يلتزم بما قطعه على نفسه، حيث إنه قد ساكن معاوية بعد ذلك، و صار من أعوانه لما تسلط على الناس، و ابتزهم أمرهم.
1) موطأ مالك ج 2 ص 135-136(المطبوع مع تنوير الحوالك) و سنن البيهقي ج 5 ص 280 و راجع ص 278 و 277. و راجع: المصادر التالية: شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 130 و سنن النسائي ج 1 ص 279 و 277 و اختلاف الحديث للشافعي (مطبوع بهامش الأمم) ج 7 ص 23 و مسند أحمد ج 5 ص 319 و صحيح مسلم ج 5 ص 43 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 350.
2-و كان عثمان قد أحدث الصلاة: في منى أربعا، و لم يقصرها كما كان يفعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاعتل عثمان مرة، فطلبوا من علي «عليه السلام» أن يصلي بالناس، فقال «عليه السلام» : إن شئتم صليت لكم صلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يعني ركعتين.
قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين-يعنون عثمان-أربعا. فأبى (1).
3-و قال البعض عن الشافعية: و العجب، منهم من يستجيز مخالفة الشافعي لنص له آخر، في مسألة بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لأجل نص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و ما ذلك إلا لأن شأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لدى هؤلاء في المستوى اللائق به، كما هو ظاهر.
يقول أبو زهرة: «وجدنا مالكا يأخذ بفتواهم (أي الصحابة) على أنها من السنة، و يوازن بينها و بين الأخبار المروية إن تعارض الخبر مع فتوى صحابي و هذا ينسحب على كل حديث عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى و لو كان صحيحا» (3).
و إجراء حكم المتعارضين من قبل مالك بين فتوى الصحابي، و بين الحديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي دفع الشوكاني إلى مهاجمة كل من يعتبر أقوال الصحابة حجة كقول النبي «صلى اللّه عليه
و آله» ، فراجع ما قاله في هذا المورد إن شئت (1).
و قد ذكرنا في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام» ، طائفة من النصوص الدالة على أنهم يرون للصحابة حق التشريع.
و يرى بعض الصحابة أن هذا حق لهم (2).
و سيأتي بعض من ذلك في فصل: معايير لحفظ الانحراف.
و قد رأينا قريشا، رغم تظاهرها بالإسلام، لم تزل تكن الحقد و البغض لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ باستثناء أفراد قليلين منهم.
و قد ظهر ذلك جليا واضحا حينما حاول «صلى اللّه عليه و آله» أن ينصّب عليا إماما في حجة الوداع، في منى أو في عرفات.
و قد روي بأسانيد صحيحة: أن الناس قد تركوه بسبب ذلك، و صارحهم بقوله: ما بال شق الشجرة التي تلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبغض إليكم من الشق الآخر (3).
1) ابن حنبل لأبي زهرة ص 254-255 عن إرشاد الفحول للشوكاني ص 214.
2) راجع: الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» ص 86-90.
3) راجع على سبيل المثال: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 444 و مسند أحمد ج 4 ص 16 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 50-52 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 4 ص 206 و مجمع الزوائد ج 10 ص 408 عن أحمد عن ابن ماجة بعضه، و كنز العمال ج 10 ص 305 عن الدارمي، و ابن خزيمة، و ابن حبان، و مسند الطيالسي ص 182 و حياة الصحابة ج 3 ص 9 عن أحمد.
و قد حصل ذلك و النبي «صلى اللّه عليه و آله» راجع من مكة إلى المدينة؛ فراجع ذلك في كتابنا: «الغدير و المعارضون» إن شئت.
و كان من سياسات الأمويين تفضيل الخليفة الأموي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يقول الجاحظ:
1- «فاحسب أن تحويل القبلة كان غلطا، و هدم البيت كان تأويلا، و احسب ما روي من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون: أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم» (1).
2-و يقول أيضا عن بني هاشم: «و لم يجعلوا الرسول دون الخليفة» (2). أي كما فعله الأمويون.
3-قال الجاحظ: خطب الحجاج بالكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة، فقال: تبا لهم، إنما يطوفون بأعواد ورمّة بالية. هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟
ألا يعلمون: أن خليفة المرء خير من رسوله؟ .
يقول المبرّد: إن ذلك مما كفّرت به الفقهاء الحجاج.
و أنه إنما قال ذلك و الناس يطوفون بالقبر. و هذه القضية معروفة و مشهورة (3).
1) رسائل الجاحظ ج 2 ص 16.
2) آثار الجاحظ ص 205.
3) راجع: النصائح الكافية ص 81 عن الجاحظ، و الكامل في الأدب ج 1 ص 222 ط النهضة بمصر، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 242 و البداية و النهاية ج 9 ص 131 و سنن أبي داود ج 4 ص 209 و العقد الفريد ج 5 ص 51 و الاشتقاق ص 188 و وفيات الأعيان ج 2 ص 7 و الإلمام ج 4 ص 313-314 و فيه أن ذلك هو سبب خروجهم مع ابن الأشعث، و راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72 و بهج الصباغة ج 5 ص 291 و 319 و 338 عن العقد الفريد، و عن كتاب افتراق بني هاشم و عبد شمس للجاحظ.
4-و كتب الحجاج إلى عبد الملك: «إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، و كذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين» (1).
5-قال خالد بن عبد اللّه القسري، و ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أيهما أكرم رسول الرجل في حاجته، أو خليفته في أهله، يعرّض: أن هشاما خير من النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
6-و يقول خالد القسري أيضا: و اللّه لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه «عليهم السلام» (3).
7-و زعم خالد القسري أيضا: أن عبد اللّه بن صيفي سأل هشاما، فقال: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك و آثر عندك، أم رسولك؟ !
قال هشام: بل خليفتي في أهلي.
قال: فأنت خليفة اللّه في أرضه و خلقه، و محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم؟ فأنت أكرم على اللّه منه.
فلم ينكر هذه المقالة من عبد اللّه بن صيفي، و هي تضارع الكفر. انتهى كلام خالد (1).
8-و قد ادعى الحجاج: «أن خبر السماء لم ينقطع عن الخليفة الأموي» (2).
و كان الحجاج يرى: أن عبد الملك بن مروان معصوم (3)، بل كان يرى نفسه: أنه لا يعمل إلا بوحي من السماء و ذلك حينما أخبروه: أن أم أيمن تبكي لانقطاع الوحي بموت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).
و لا عجب بعد هذا إذا عرفنا أن البعض يقول: إن من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام (5).
و الذي يلفت نظرنا هنا: أننا نجد الوهابيين ينفذون السياسات الأموية
هذه بأمانة و دقة حتى إن زعيمهم محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إنه طارش» .
و بعض أتباعه يقول بحضرته، أو يبلغه فيرضى: عصاي هذه خير من محمد، لأنه ينتفع بها في قتل الحية و العقرب، و نحوها، و محمد قد مات، و لم يبق فيه نفع، و إنما هو طارش (1).
أما بالنسبة إلى رأيهم في الكعبة، و زمزم، و مقام إبراهيم و غيرها من المقدسات، فذلك أوضح من الشمس و أبين من الأمس، و يتضح ذلك من النصوص التالية:
1-كان خالد القسري قد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي بمكة، فأعظم الناس ذلك و أنكروه، فخطب، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدو أمير المؤمنين و من حاربه.
و اللّه، لو أمرني أمير المؤمنين أن أنقض هذه الكعبة حجرا حجرا لنقضتها.
و اللّه، لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه «عليهم السلام» (2).
2-قال المدائني: كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين لنقضت
الكعبة حجرا حجرا، و نقلتها إلى الشام (1).
3-و أعظم من ذلك و أشد خطرا، و أعظم جرأة على اللّه عز و جل: أن الحجاج لم يكتف في حربه لابن الزبير برمي الكعبة بأحجار المنجنيق، حتى رماها-و العياذ باللّه-بالعذرة أيضا لعنه اللّه و أخزاه (2).
4-كما أن الوليد بن يزيد الأموي قد أنفذ مجوسيا ليبني على الكعبة مشربة للخمر.
كما و ذهب في عهد هشام إلى مكة و معه خمر، و قبة ديباج على قدر الكعبة، و أراد أن ينصب القبة على الكعبة، و يجلس فيها، فخوفه أصحابه من ثورة الناس، حتى امتنع (3).
5-و تقدم قول الجاحظ: أن هاشما تفخر على بني أمية بأنهم لم يهدموا الكعبة (4).
و أنهم: «أعادوا على بيت اللّه بالهدم، و على حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، و استباحوا الحرمة. . الخ. .» (5).
و قد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن مغيرة، عن أبيه، قال: رأيت
الحجاج أراد أن يضع رجله على المقام-مقام إبراهيم-فيزجره عن ذلك محمد بن الحنفية، و ينهاه عن ذلك.
أضاف الزمخشري: أن ابن الحنفية قال: «و اللّه، لقد كنت عزمت إن أرادني أن أجتذب عنقه فأقطعها» (1).
قال الأصمعي: قال أبو عاصم النبيل: ساق خالد (أي القسري) ماء إلى الكعبة؛ فنصب طستا إلى جانب زمزم، ثم خطب، فقال: قد جئتكم بماء العادية، و هو لا يشبه أم الخنافس، يعني زمزم (2).
و قال خالد القسري لعامله ابن أمّي: أيما أعظم، ركيّتنا أم زمزم؟
فقال له: أيها الأمير، من يجعل الماء العذب النقاح مثل الملح الأجاج؟ !
و كان يسمي زمزم: أم الجعلان (3).
و قال أبو عبيدة: خطب خالد (أي القسري) يوما، فقال: إن إبراهيم خليل اللّه استسقى ماء فسقاه اللّه ملحا أجاجا.
و إن أمير المؤمنين استسقى اللّه ماء فسقاه عذبا نقاخا (4).
و يذكر المؤرخون أنه: حين استولى ابن الزبير على مكة و الحجاز بادر عبد الملك بن مروان إلى: «منع الناس من الحج، فضج الناس، فبنى القبة على الصخرة، و الجامع الأقصى؛ ليشغلهم بذلك عن الحج، و يستعطف قلوبهم، و كانوا يقفون عند الصخرة، و يطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، و ينحرون يوم العيد، و يحلقون رؤوسهم» (1).
و قد قال عبد الملك عن الصخرة: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله (2).
و كان ابن مسعود، و عائشة، و عروة بن الزبير، و ابن الحنفية، و ابن عمر، ينكرون ما يقوله أهل الشام عن الصخرة، من أن اللّه وضع قدمه عليها (3).
فذكر ابن مسعود هنا و هو إنما توفي في خلافة عثمان، يشير إلى أن أهل الشام الذين رباهم معاوية، كانوا يقولون بهذه المقالة في وقت متقدم جدا، حتى اضطر هؤلاء الأعلام إلى الإعلان عن إنكارهم لهذا الأمر، بما فيهم ابن مسعود.
و قد اعترف البعض ببناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة، لكنه زعم: أن ذلك قد كان لأجل أنه رأى عظم قبة القمامة و هيئتها، فخشي أن تعظم في قلوب المسلمين (1).
و لكنه كما ترى تأويل بارد، و تخيل فاسد، إذ لما ذا اختار قبلة اليهود لإزالة ذلك من قلوب المسلمين؟ !
و لماذا لا يختص ذلك ببيت المقدس دون سواه؟
و لماذا منع الناس من الحج إلى الكعبة؟
و لماذا الطواف، و النحر، و الحلق، و الوقوف، الخ؟ !
ثم لماذا تحويل القبلة عن الكعبة إلى بيت المقدس على الظاهر، كما سنرى؟ ! و لماذا؟ و لماذا؟
ثم إنهم قد حولوا قبلة المسلمين، كما ينص عليه الجاحظ.
و الظاهر هو: أنهم قد حولوها إلى بيت المقدس تجاه الصخرة، التي هي قبلة اليهود، كما ربما يقتضيه ما تقدم.
قال الجاحظ: «. . حتى قام عبد الملك بن مروان، و ابنه الوليد، و عاملهما الحجاج، و مولاهما يزيد بن أبي مسلم، فأعادوا على البيت بالهدم، و على حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، و استباحوا الحرمة، و حولوا قبلة واسط» .
1) أحسن التقاسيم ص 159.
إلى أن قال: «. . فاحسب: أن تحويل القبلة كان غلطا، و هدم البيت كان تأويلا، و احسب ما رووا من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون. . الخ» . . (1).
و يقول الجاحظ أيضا: «و تفخر هاشم بأنهم لم يهدموا الكعبة، و لم يحولوا القبلة، و لم يجعلوا. . الخ. .» (2).
و مما يدل على تحويل قبلة واسط أيضا: أن أسد بن عمرو بن جاني، قاضي واسط، «قد رأى قبلة واسط رديئة، فتحرف فيها، فاتهم بالرفض» (3)، فأخبرهم أنه رجل مرسل من قبل الحكام ليتولى قضاء بلدهم.
و نقول:
أولا: إن الظاهر هو أن تحويل القبلة كان إلى صخرة بيت المقدس، التي جعل الحج أولا إليها، بعد أن منع الحج إلى مكة و الكعبة. كما تقدم.
بل لقد ادّعى البعض: أن القبلة أساسا قد كانت قبل الهجرة إلى الصخرة (4).
و ثانيا: إنه يظهر من قصة قاضي واسط: أن غير الشيعة قد قبلوا بالأمر الواقع، و جروا على ما يريده الحكام، و الشيعة وحدهم هم الذين رفضوا
ذلك، حتى أصبح تحري القبلة مساوقا للاتهام بالرفض.
و ثالثا: لعل تحويل القبلة إلى بيت المقدس يفسر لنا ما ورد من استحباب التياسر لأهل العراق خاصة، و هم الذين كان الحجاج يحكمهم من قبل بني أمية. أي ليكونوا أقرب إلى الكعبة حينئذ.
غير أن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» لم يتمكنوا من الجهر و التصريح بهذا الأمر، فأشاروا إليهم باستحباب التياسر، ثم لما كانوا يسألونهم عن السبب في ذلك تراهم يبررونه بما يبعد الشبهات عنهم (1).
و لكن ذلك، فيما يظهر لم يدم طويلا، فقد التفت خصوم الشيعة إلى ذلك، و لذا تراهم يتهمون كل من يتحرى القبلة بالرفض، كما تقدم.
يقول البعض: إن السر في استحباب التياسر هو أن علامات القبلة لأهل العراق لم تكن كافية لتعيينها بدقة، بحيث تجعل التوجه إلى سمت شخص الكعبة، فكان استحباب التياسر مكملا لتلك العلامات.
و لكن هذا مرفوض، و لا يمكن قبوله، إذ إنه لو صح هذا لوجب الحكم بوجوب التياسر لا استحبابه.
و قال بعض آخر: إن السر في ذلك هو أن سعة الحرم من أحد جوانبه أزيد من الجوانب الأخرى.
و نقول:
1) راجع: وسائل الشيعة كتاب الصلاة، أبواب القبلة.
أولا: إنه إذا كان اللازم هو التوجه إلى شخص الكعبة، فإن سعة الحرم و ضيقه لا أثر له في شيء من ذلك.
ثانيا: ولو سلمنا: أن المطلوب هو التوجه إلى الحرم، فإن سعته من أحد الجوانب ليست بمقدار يستحب معه التياسر الموجب للابتعاد عنه مئات الأميال أو أكثر أو أقل.
و بالمناسبة فها هو الخلف العباسي يقتدي بذلك السلف الأموي، فإن الخليفة المتوكل، الذي استحق من البعض لقب «محي السنة» قد اقتدى بسلفه الأموي، فبنى في سامراء كعبة، و جعل طوافا، و اتخذ منى و عرفات، حتى يحج إليها أمراء جيشه، و لا يفارقوه (1).
عن سلمة بن كهيل قال: «اختلفت أنا و ذر المرهبي (من عباد أهل الكوفة، و من رجال الصحاح الست) في الحجاج، فقال: مؤمن، و قلت: كافر.
قال الحاكم: و بيان حجته ما أطلق فيه مجاهد بن جبير فيما حدثناه من طريق أبي سهل أحمد القطان، عن الأعمش قال: و اللّه، لقد سمعت الحجاج بن يوسف يقول: يا عجبا من عبد هذيل (يعني عبد اللّه بن مسعود) يزعم
1) راجع: أحسن التقاسيم ص 122-123 و لكن يحتمل أن يكون المقصود هو المعتصم العباسي، فإن في عبارة المقدسي بعضا من الإبهام. و سواء كان المتوكل هو الذي فعل ذلك أو المعتصم، فإن النتيجة واحدة.
أنه يقرأ قرآنا (أو قال: يزعم أن قرآنه) من عند اللّه.
و اللّه، ما هو إلا رجز من رجز الأعراب، و اللّه لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه» .
و زاد ابن عساكر و غيره: «و لأخلين منها (أي من قراءة ابن مسعود) المصحف و لو بضلع خنزير، أو لأحكنها من المصحف، و لو بضلع خنزير» .
و قد استفظع ابن كثير هذا الكلام من الحجاج، فراجع البداية و النهاية (1).
و يذكر المؤرخون: أن الخليفة الأموي الوليد بن يزيد لعنه اللّه، قرأ ذات يوم: وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ، مِنْ وَرٰائِهِ جَهَنَّمُ. . (2)، فرمى المصحف بالنشاب، و هو يقول:
تهددني بجبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر *** فقل يا رب خرّقني الوليد (3)
1) البداية و النهاية ج 9 ص 128 عن أبي داود و ابن أبي خيثمة و مستدرك الحاكم ج 3 ص 656 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الجلد و الصفحة و تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72 و الغدير ج 10 ص 51 عنهما، و راجع: بهج الصباغة ج 5 ص 317.
2) الآيتان 15 و 16 من سورة إبراهيم.
3) راجع: بهج الصباغة ج 5 ص 339 و ج 3 ص 193 و الحور العين ص 190 و مروج الذهب ج 3 ص 226، و الأغاني ط دار إحياء التراث ج 7 ص 49.
و لا نجازف إذا قلنا: إنه في عهد الخلفاء الذين سبقوا خلافة علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قد كانت السيطرة و الهيمنة لتلك الفئة التي لم تكن تقيم للدين وزنا.
و أصبح الجو العام هو جو الاستهزاء و السخرية بالدين و بالمتدينين، مع عدم اهتمام ظاهر من السلطات بردع هذا الفريق من الناس، و مكافحتهم لأسباب مختلفة.
و كشاهد على ذلك نذكر: أن حذيفة بن اليمان، يقول: «ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا» (1).
مع أن حذيفة كان صحابيا جليلا، و كان من كبار القواد الذين كان لهم دور هام في فتوحات بلاد فارس، و قد توفي في أوائل خلافة الإمام علي، أمير المؤمنين «عليه السلام» ، أي بعد البيعة له «عليه السلام» بالخلافة بأربعين يوما على ما قيل.
فإذا كان أمثال حذيفة لا يستطيعون الإعلان بصلاتهم، فما ظنك بالأعم الأغلب من الناس الذين لم يكن لهم مقام و لا مكانة حذيفة و نفوذه؟ ! .
و يذكر ابن شبّة: «أن شريح بن الحارث النميري، الذي كان عامل
1) صحيح مسلم ج 1 ص 91 و صحيح البخاري ج 2 ص 116.
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومه، ثم عامل أبي بكر، فلما قام عمر (رض) أتاه بكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذه و وضعه تحت قدمه، و قال: لا، ما هو إلا ملك، انصرف» (1).
و آخر نص نذكره في هذا السياق: هو ما ذكره الزمخشري، من أن أمويا و أنصاريا تفاخرا؛ فذكر له الأموي الأمويين الذين توفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هم عمال له.
فقال الأنصاري: صدقت، و لكنهم حالفوا أهل الردة على هدم الإسلام.
فكأنما ألقمه حجرا (2).
كان ما تقدم من النصوص غيضا من فيض، مما يدل على رأي و اعتقاد و سياسة الحكام تجاه الإسلام، و رموزه، و مقدساته. و تجاه الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و لكنه ليس هو كل شيء، فثمة نصوص بالغة الكثرة تدل على ذلك أو تشير إليه.
و حيث إن استيعابها خارج عن حدود الطاقة، فإننا نكتفي بما أوردناه
لننتقل في بحثنا إلى ما يزيد الحقيقة وضوحا، و يستكمل ملامح الصورة التي أريد طمسها، بطريقة أو بأخرى، و لسبب أو لآخر.
فنقول:
و أما لماذا يحاولون النيل من المقدسات الإسلامية، و بالأخص من شخصية الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و الحط من كرامته، فلعل ذلك يعود إلى الأمور التالية:
1-الكيد السياسي الأموي ضد الهاشميين، خصومهم قديما و حديثا، بما فيهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و الذي أصبح هو مصدر العزة و الشرف و المجد لكل أحد، و لا سيما الهاشميين.
2-تبرير كل انحرافات و تفاهات الهيئة الحاكمة، و التقليل من بشاعة ما يرتكبونه من موبقات في أعين الناس.
على اعتبار: أنه ليس ثمة فواصل كبيرة بين مواقف و تصرفات هؤلاء، و بين تصرفات و مواقف الرجل الأول و المثال، فهي و إن اختلفت كمية و شكلا، و لكنها لا تختلف مضمونا و هدفا.
3-إرادة دفن هذا الدين، و القضاء عليه نهائيا، ما دام أنه يضر بمصالحهم، و يقف في وجه شهواتهم، و أهوائهم و مآربهم، إلا في الحدود التي لا تضر في ذلك كله، بل تبرره و تقويه، و ترفده و تنمّيه.
4-الحصول على بعض ما يرضي غرورهم، و يؤكد شوكتهم و عزتهم، و يظهر قوتهم و جبروتهم.
5-عدم وجود قناعة كافية لدى الكثيرين منهم بأن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» نبي مرسل حقا، و قد صرح بذلك أمير المؤمنين «عليه السلام» في بعض كلامه، حيث يقول:
«. . إن العرب كرهت أمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» و حسدته على ما آتاه اللّه من فضله، و استطالت أيامه حتى قذفت زوجته، و نفرت به ناقته، مع عظيم إحسانه إليها، و جسيم مننه عندها، و أجمعت مذ كان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته، و لو لا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، و سلّما إلى العز و الإمرة، لما عبدت اللّه بعد موته يوما واحدا، و لارتدت في حافرتها، و عاد قارحها جذعا، و بازلها بكرا، ثم فتح اللّه عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، و تمولت بعد الجهد و المخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجا، و ثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا. .» (1).
و هو أيضا ما عبر عنه يزيد الفجور و الخمور صراحة بقوله، حين تمثل بشعر ابن الزبعرى:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحي نزل
و قد غنّى ابن عائشة هذه الأبيات أمام الوليد، فقال له:
أحسنت و اللّه، إني لعلى دين ابن الزبعرى يوم قال هذا الشعر (2).
و قال الوليد بن يزيد:
تلعّب بالخلافة هاشمي *** بلا وحي أتاه و لا كتاب
فقل للّه يمنعني طعامي *** و قل للّه يمنعني شرابي (1)
و قال بعد أن ذكر الخمر:
فلقد أيقنت أني *** غير مخلوق لنار
سأروض الناس حتى *** يركبوا (. . .) (2)الحمار
ذروا من يطلب الج *** نة يسعى لتبار (3)
6-هذا كله، بالإضافة إلى حقد دفين على الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و بغض حقيقي له، بسبب ما فعله بآبائهم، و إخوانهم، و عشائرهم، الذين حاربوا الإسلام و كادوه بكل ما قدروا عليه.
و قد ظهر ذلك منهم بصورة واضحة حينما أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يصرح بإمامة أخيه، و وصيه، و ابن عمه علي «عليه السلام» ، و يأخذ البيعة له منهم، فقال لهم «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ:
«ما بال شق الشجرة التي تلي رسول اللّه أبغض إليكم من الشق الآخر» . حسبما قدمناه عن قريب في الصفحة 34 من هذا الكتاب.
1) الحور العين ص 190 و مروج الذهب ج 3 ص 216 و بهج الصباغة ج 5 ص 339 و ج 3 ص 194 و البيت الثاني مقتبس من بيت قاله أبو بكر بن أبي قحافة، و ستأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه في فصل ما بين بدر و أحد.
2) هناك كلمة يقبح التصريح بها، و هي اسم ذكر الرجل.
3) الحور العين ص 190-191 و الأغاني ط دار إحياء التراث ج 7 ص 46.
إن من المقبول و المسلم به لدى الجميع، نظريا على الأقل: أن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ و فعله، و تقريره حجة، و دليل على الحكم الشرعي، و قد قال تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).
و قال: وَ مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2).
و ذلك يعني: أنه لا بد من تتبع أقواله، و أفعاله و مواقفه «صلى اللّه عليه و آله» ، لمعرفة ما يتوجب على المكلفين معرفته في نطاق التزامهم بالحكم الشرعي، و التأسي بالرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
كما أن ذلك يعني: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معصوم في كل قول أو فعل، أو موقف يصدر عنه، و لا تختص عصمته بمقام التبليغ القولي للأحكام، كما ربما يوهمه بعض ما يزعمونه في هذا المقام.
و لأجل ذلك فإن من المفترض أن يتناقل الناس كل ما يصدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قول و فعل عبر الأجيال، و أن يدونوه و يحفظوه،
و أن يجمعوه و يفسروه، لا سيما و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد ذكر: أنه قد أوتي القرآن و مثله معه.
و كان جبرائيل «عليه السلام» ينزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيعلمه السنة كما يعلمه القرآن (1).
و لا نرى أننا بحاجة إلى ذكر ما يدل على ذلك، فإنه بحمد اللّه أكثر من أن يحاط به.
هذا، و قد حث «صلى اللّه عليه و آله» على كتابة و رواية ما يصدر عنه من علوم و معارف، و قد وصل إلينا من ذلك الشيء الكثير، مما هو مبثوث في عشرات المصادر و المراجع (2).
1) راجع الزهد و الرقائق (قسم ما رواه نعم بن حماد) ص 23 و الكفاية في علم الرواية ص 12.
2) راجع على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: جامع بيان العلم ج 1 ص 76 و 34 و 85 و 84 و 72 و ج 2 ص 34 و كشف الأستار ج 1 ص 109 و تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص 44 و الغدير ج 8 ص 154 و تحفة الأحوذي (المقدمة) ج 1 ص 34 و 35 و مروج الذهب ج 2 ص 294 و البحار ج 2 ص 144 و 152 و 47 و ج 71 ص 139 و 130 و البداية و النهاية ج 1 ص 6 و ج 5 ص 194 و تقييد العلم ص 65-70 و 72 و 85 و 86 و 88 و 89 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 653 و لسان الميزان ج 2 ص 298 و ج 4 ص 21 و ج 1 ص 172-173 و وفاء الوفاء ج 2 ص 487 و مسند أحمد ج 1 ص 100 و 238 و ج 2 ص 248-249 و 403 و 162 و 192 و 215 و ج 4 ص 334 و ج 5 ص 183 و المعجم الصغير ج 1 ص 162و 114 و الاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 106 و فتح الباري ج 1 ص 184 و 182 و 199 و 203 و 246 و 247 و العقد الفريد ج 2 ص 219 و البيان و التبيين ج 2 ص 38 و سنن الدارمي ج 1 ص 125-127 و ذكر أخبار أصبهان ج 2 ص 228 و حسن التنبيه ص 194 و مجمع الزوائد ج 1 ص 151 و 152 و 139 و المنار ج 1 ص 763 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 244-249 و 250 و 199 و 225 و 223 و 227 و 316 و 317 و الثقات ج 1 ص 10 و تدريب الراوي ج 2 ص 66 و الأدب المفرد ص 129 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 254 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 42 و تأويل مختلف الحديث ص 93 و أدب الإملاء و الاستملاء ص 5 و المعارف ص 200 و كنز العمال ج 10 ص 157 و من ص 75 حتى ص 195 و ج 4 ص 100 و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 145 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 318-320 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 83 و تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 377 و حياة الصحابة ج 3 ص 268 و 273 و 442 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 37 و عن البخاري ج 1 ص 148 و الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص 132 و 133 و علوم الحديث لأبي الصلاح ص 161 و شرف أصحاب الحديث ص 35 و 14-23 و 31 و 80 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 219 و 220 و صحيح البخاري ج 1 ص 15 و 18 و 20 و 21 ط سنة 1309.
و قد كتب الصحابة، و كتب غيرهم، ممن عاش في القرن الأول الهجري الكثير الكثير عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانوا يأمرون و يحثون غيرهم على الكتابة أيضا، و كان كثير منهم يملك صحفا و كتبا يجمع فيها طائفة من
أحاديث الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و سننه (1).
1) إن كل ما تقدم يمكن مراجعته في عدد من المصادر التي ذكرناها في الهامش المتقدم، و نزيد على ذلك ما يلي: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 222-229 عن مصادر كثيرة موردا فهرسا للصحف و الكتب للصحابة و التابعين، و راجع: الجامع الصحيح للترمذي، كتاب الأحكام باب اليمين مع الشاهد و علوم الحديث و مصطلحه ص 22 و 23 و جامع العلم ج 1 ص 84 و 75 و ج 2 ص 34 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 23 و 42 و 123 و المحجة البيضاء ج 5 ص 302 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 183 و 425 و 259 و ج 8 ص 41 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 246 و 247 و 319 و 258 و 259 و 254 و 256 و 260-262 و 277 و 312 و أدب الإملاء و الاستملاء ص 12-18 و إحياء علوم الدين ج 3 ص 171 و العلل و معرفة الرجال ج 1 ص 104 و مجمع الزوائد ج 1 ص 151 و 152 و السنن الكبرى ج 10 ص 324 و ج 4 ص 85-90 و مشكل الآثار ج 1 ص 40 و 41 و الغدير ج 8 ص 156 و البحار ج 12 ص 152 و سنن الدارمي ج 1 ص 128 و 127 و 124 و المعرفة و التاريخ ج 2 ص 279 و 142 و 143 و 661 و ربيع الأبرار ج 3 ص 236 و تأويل مختلف الحديث ص 286 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 599 و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 3 ص 179 و لسان الميزان ج 6 ص 22 و الكفاية في علم الرواية ص 82 و علوم الحديث ص 13 و 14 و 25-22 و تقييد العلم ص 96 و 60-63 و 90 و 92 و 136 و 39 و 72-89 و 91 و 93-115 و شرف أصحاب الحديث ص 97 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 236 و ج 7 ص 180 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 390-398 و الطبقات الكبرى ج 5 ص 371 و 367 و 179 و ج 2 ص 371 و ج 6 ص 220 ط صادر. و في ط ليدن ج 4 قسم 2 ص 8 و 9 و ج 7 ص 14 و ط مؤسسة دار التحرير للطباعة و النشر ج 6 ص 179 و 174 و الأسماء و الصفات ص 30 و أضواء على السنة المحمدية ص 50 و صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ج 4 ص 124 و 121 و ج 1 ص 21 و الزهد و الرقائق ص 351 و 549 و فيه في جزء نعيم بن حماد ص 117 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 318-320 و تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 178 و ج 5 ص 451 و 452 و كنز العمال ج 10 ص 145 و 178 و 189 و الضعفاء الكبير ج 3 ص 83 و 314 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 10 و علوم الحديث لابن الصلاح ص 161 و اختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث) ص 132 و 133 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 390 و عن تاريخ المذاهب الفقهية ص 24 و عن السير الحثيث ص 9.
و قد سافر كثير منهم و من التابعين إلى الأقطار المختلفة في طلب حديث الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و حتى الخليفة أبو بكر، فإنه قد كتب عن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» خمس مئة حديث، لكنه عاد فمحاها فور وفاته «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و قد كان الصحابة يعقدون حلقات المذاكرة لحديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، و قد يصل عدد بعض الحلقات إلى أكثر من
1) راجع: الرحلة في طلب الحديث ص 110 و ما بعدها إلى آخر الكتاب و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 208-210 عن العديد من المصادر و حياة الصحابة ج 3 ص 223 حتى ص 226 عن العديد من المصادر.
2) راجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 و كنز العمال ج 10 ص 174 عن مسند الصديق لعماد الدين ابن كثير، عن الحاكم. و راجع: النص و الاجتهاد ص 151 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 61 الطبعة الأولى و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 221.
ثلاثين رجلا، و ذلك في أول إمرة عمر بن الخطاب (1).
بل إن عمر بن الخطاب نفسه قد كتب-فيما يروى عنه-لعتبة بن فرقد بعض السنن (2)، و وجد في قائم سيفه صحيفة فيها صدقة السوائم (3).
و إن كنا نعتقد: أن هذا النص يهدف إلى مساواته برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قد رووا: أنه قد وجد في قائم سيف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صحيفة مشابهة (4).
أما أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، الذي لم يكن يفارق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سفر و لا حضر، إلا في غزوة تبوك، فقد كان مهتما برواية و تدوين حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اهتماما بالغا حتى لقد قيل له:
ما بالك أكثر أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حديثا؟ !
فقال: كنت إذا سألته أنبأني، و إذا سكت ابتدأني (5).
و قد كتب عليه الصلاة و السلام عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتبا
كثيرة، و قد توارثها عنه الأئمة من ولده (1).
و قد واصل هؤلاء الأئمة الأطهار التشجيع على التزاور، و تذاكر الحديث حتى لا يندرس، و حثوا على كتابة العلم و تناقله، و حفظه في موارد كثيرة (2).
1) لقد ذكر العلامة الأحمدي في كتابه مكاتيب الرسول ج 2 ص 71-89 طائفة من المصادر لذلك لكنه قد أضاف عشرات النصوص و المصادر الأخرى، التي سوف يجدها القارئ في الطبعة الثانية لكتابه المذكور. و يمكن مراجعة: الوسائل، كتاب القضاء، و كتاب الحدود، و الكافي ج 7 ص 77 و 94 و 98 و ج 2 ص 66 و كنز العمال ج 1 ص 337 و رجال النجاشي ص 255 و أدب الإملاء و الاستملاء ص 12 و حياة الصحابة ج 3 ص 521-522 و مسند أحمد ج 1 ص 116 و الغدير ج 8 ص 168 و المراجعات ط الأعلمي ص 305 و 306 و ربيع الأبرار ج 3 ص 294 و البحار ج 72 ص 274 و راجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ج 1 ص 20-21 و البداية و النهاية ج 5 ص 251 و راجع: طبقات ابن سعد ج 5 ص 77 و علوم الحديث لابن الصلاح ص 161 و الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (متنا و هامشا) ص 132 و تقييد العلم ص 88 و 89 و الرحلة في طلب الحديث ص 130.
2) راجع: بحار الأنوار ج 2 ص 152 و 153 و 50 و سنن الدارمي ج 1 ص 130 و علل الحديث ج 2 ص 438 و تقييد العلم ص 89-91 و 104 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 222 و 223 و 246 و 247 و 257 و 259 و ربيع الأبرار ج 3 ص 326 و 294 و جامع بيان العلم ج 1 ص 99 و ترجمة الإمام الحسن «عليه السلام» من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص 67 و روضات الجنات ج 8 ص 169 و معادن الجواهر ج 1 ص 3 و طبقات ابن سعد ج 6 ص 116 و تاريخ بغداد ج 8 ص 357 و نور الأبصار ص 122 و العلل و معرفة الرجال ج 1 ص 412 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 و شرف أصحاب الحديث ص 69 و 80 و 94.
حتى إن الزهري-و كان قد ترك الحديث-لما سمع من الحسن بن عمارة قولا لعلي «عليه السلام» يحث فيه على نشر العلم، عاد فحدث الحسن بن عمارة في مجلسه ذاك أربعين حديثا (1).
و عن علي «عليه السلام» : قيدوا العلم، قيدوا العلم. مرتين (2).
و عنه «عليه السلام» : قيدوا العلم بالكتاب (3).
أما شيعة علي و أهل بيته، فأمرهم بالإلتزام بتدوين العلم و نشره أوضح من الشمس، و أبين من الأمس، و لا نرى أننا بحاجة إلى إثبات ذلك (4).
لقد كان علي «عليه السلام» أعلم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان باب مدينة علمه، و كان أكثر أصحابه «صلى اللّه عليه و آله»
1) الأذكياء ص 101.
2) تقييد العلم ص 89.
3) تقييد العلم ص 90.
4) راجع على سبيل المثال لا الحصر: رجال النجاشي ص 3 و 4 و الطبقات الكبرى ج 6 ص 220 و ج 5 ص 77 و ج 2 قسم 2 ص 123 و ج 7 قسم 1 ص 14 و تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص 280، و المراجعات ط الأعلمي ص 306 و راجع: الضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 29 و 96 و 224 و أحوال الرجال ص 116 و 192 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 78 و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 234 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 259 و 324-325 و الإصابة ج 1 ص 213 و الغدير ج 9 ص 130 و راجع: شرف أصحاب الحديث ص 95.
حديثا عنه، و قد كتب عنه العديد من الكتب، و و الخ. .
و لكننا إذا راجعنا ما رووه عنه في كتبهم، فإننا لا نجد إلا أقل القليل، بل إننا نجد لأبي هريرة الذي لم يلتق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا أشهرا يسيرة أضعاف ما روى هؤلاء عن أمير المؤمنين «عليه السلام» .
و يكفي أن نذكر قول أبي رية رحمه اللّه هنا: أن ما روي عن علي «عليه السلام» هو مئة و ثمانية و خمسون حديثا، و روي عن أبي بكر مئة و ثمانية و أربعون حديثا.
أما ما روي عن أبي هريرة فهو 5374 حديثا (1)فتبارك اللّه أحسن الخالقين! !
و نجد في مقابل ذلك كله تيارا قويا كان و لا يزال يرفض الحديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سواء على مستوى الرواية له، أو كتابته، أو العمل به.
و يمكن الحديث عن هذا الاتجاه في مرحلتين، ربما يقال: إنهما تختلفان من حيث الدوافع و الأهداف، و إن كانتا تلتقيان من حيث الآثار و النتائج.
الأولى: في زمن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .
و الثانية: بعد وفاته عليه و على آله الصلاة و السلام.
و نحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، مع رعاية جانب الاختصار،
1) راجع: أضواء على السنة المحمدية ص 224 و 225.
و الإحالة على المراجع و المصادر مهما أمكن.
فنقول:
لقد ظهرت ملامح الاتجاه الرافض للحديث عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و لكتابته لدى قسم من المسلمين، لا جميعهم، و يمكن أن نقول: إنهم قريش على وجه الخصوص، و معها من لف لفها، ممن يرى رأيها، و يتعامل معها، و يرى مصالحه مرتبطة بصورة أو بأخرى بمصالحها.
و قد كانت حجة قريش لاعتراضها على من كان يكتب كلامه «صلى اللّه عليه و آله» هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بشر يرضى و يغضب.
فقد يتكلم و الحالة هذه بما لا يتفق مع الحق و الواقع.
و قد شكا البعض قريشا لأجل ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بأن يكتب كل ما يتفوه به عليه الصلاة و السلام؛ فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا ما هو حق و صدق (1).
1) راجع: تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص 44، و تقييد العلم ص 80 و انظر ص 74 و 77 و 78 و 79 و 82 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 35(من المقدمة) و سنن الدارمي ج 1 ص 125 و سنن أبي داود ج 3 ص 318 و مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 162 و 192، و نقله في هامش تقييد العلم ص 81 عن المصادر التالية: المحدث الفاضل ج 4 ص 2 و عن الإلماع ص 26 و عن جامع بيان العلم ج 1 ص 71 و عن معالم سنن أبي داود ج 4 ص 184 و تيسير الوصول ج 3 ص 176 و حسن التنبيه ص 93 و راجع: المستدرك ج 1 ص 104 و 105 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 218.
و لعل دوافع هؤلاء إلى اتخاذ هذا الموقف هي: 1-إن الكثيرين منهم كانوا موتورين و حاقدين على الإسلام، و على نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و على المسلمين.
و إن كانوا يتظاهرون بخلاف ما تنطوي عليه نفوسهم، و جوانحهم، بعد أن اتضح لهم: أنه لا يسعهم إلا التسليم للأمر الواقع، و كذلك فعلوا ريثما تسنح لهم الفرصة للوثبة، و تسديد الضربة-كما قال أبو سفيان: و الآن لو كان لي رجال-.
2-الحسد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ما آتاه اللّه من فضله، و عدم رغبتهم في أن يروا الناس يتأسون بنبيهم، و يطبقون أعمالهم و سلوكهم على أعماله «صلى اللّه عليه و آله» و سلوكه، و لا يريدون أن يتناقل الناس سيرته، و أقواله، و مواقفه «صلى اللّه عليه و آله» .
3-ضعف الاعتقاد لدى الكثيرين منهم، و لا سيما من أسلم لتوه بنبوّة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يرون في ذلك أية فائدة أو عائدة.
أما بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، و تسلّم قريش لأزمة الحكم و السلطان، فقد رأت أن مصلحتها تكمن في المنع من رواية حديث الرسول، و من كتابته، و من العمل به. بل و جمع كل ما كتب في عهده «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم إحراقه بالنار. و هكذا كان.
و قد تابعت سياساتها هذه بقوة و بحزم كما سنرى.
و أما عن دوافع هذه السياسة و أهدافها، ثم ما نجم عن ذلك من آثار و نتائج فذلك ما سوف نفصّله في فصل مستقل يأتي إن شاء اللّه تعالى، بعد إلقاء نظرة موضحة على المسار العام لهذه السياسة.
و غني عن البيان هنا: أن أول مواجهة مباشرة و صريحة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الخصوص، و منعه هو شخصيا من كتابة ما يريد، هي ما جرى في مرض موته «صلى اللّه عليه و آله» ، فيما عرف ب «رزية يوم الخميس» ، حينما أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يكتب كتابا للأمة لكي لا تضل بعده، فصدرت من بعض الحاضرين كلمات غير لائقة في حق النبي الأقدس «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم جاء الرفض القاطع و الجازم لكل ما يكتب في كلمة عمر الشهيرة له «صلى اللّه عليه و آله» : «حسبنا كتاب اللّه» .
ثم كثر التنازع و اللغط من الحاضرين، فأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بالقيام عنه، و القضية معروفة و مشهورة، و قد وردت بها صحاح الأخبار و الآثار (1)كما تنبأ «صلى اللّه عليه و آله» ، كما سيأتي في آخر هذا الجزء إن شاء اللّه تعالى.
1) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 22 و صحيح مسلم ج 5 ص 76 و مسند أحمد ج 6 ص 47 و 106 و 116 و ج 1 ص 90 و 22 و 29 و 32 و 336 و 335 و ج 3 ص 346 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 451 و المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج 5 ص 438 و 439 و راجع المصادر التي في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد الطبعة الأولى ص 80.
ثم أحرق أبو بكر خمس مئة حديث، حسبما أسلفنا، فكان هو الواضع الأول لركيزة سياسة إحراق حديث النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب، فكان التحرك في هذا الاتجاه أكثر دقة، كما كان أكثر شمولية و استقصاء، حتى ليخيل إليك: أن هذا الأمر هو أعظم ما كان يشغل بال الخليفة، و يقض مضجعه، فكان يتابع هذا الأمر، و يحث عليه ثم يراقب و يعاقب و يتخذ القرارات و الإجراءات بصورة ظاهرة و مستمرة و دؤوبة.
و قد أرسل بأوامره القاضية بإقلال الحديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأن لا يكون هذا الحديث ظاهرا، و بتجريد القرآن عن الحديث، أرسل بها إلى جميع الأقطار و الأمصار.
و كان يوصي بذلك ولاته، و بعوثه و جيوشه. و لم يزل يشيعهم بهذه الوصايا (1).
1) راجع: البرهان في علوم القرآن للزركشي ج 1 ص 480 و غريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 49 و حياة الشعر في الكوفة ص 253 و الغدير ج 6 ص 294 و 263 و الأم ج 7 ص 308 و فيه قال قرظة لا أحدّث حديثا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبدا و راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 85 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 16 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 102 و جامع بيان العلم ج 2 ص 120 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 3 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 120 و كنز العمال ج 2 ص 83 و الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» ص 78 و 79 و شرف أصحاب الحديث ص 90 و 91 و 88 و حياة الصحابة ج 3 ص 257 و 258 و طبقات ابن سعد ج 6 ص 7.
و قد كانت سياساته في هذا المجال دقيقة و مدروسة، و تصعيدية، فهو يطلب ذلك و يوصي به باستمرار، فإذا روى أحد حديثا طالبه بالبينة و الشهود، كما فعل مع أبيّ بن كعب و أبي موسى، و إن لم يكن لديه بينة عاقبه و نكّل به.
فإذا وجد أحدا يصر على رواية الحديث هدّده بالطرد و النفي إن لم ينفع معه التهديد و الضرب (1).
و في خطوة تصعيدية حاسمة و حازمة يطلب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من الصحابة أن يأتوه بما كانوا قد كتبوه عن النبي «صلى اللّه عليه
1) الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» للمؤلف. و راجع: أضواء على السنة المحمدية و شيخ المضيرة، و السنة قبل التدوين، و أبو هريرة للسيد عبد الحسين شرف الدين رحمه اللّه، و راجع: بحوث مع أهل السنة و السلفية، و أي كتاب يبحث حول أبي هريرة أو يترجم له. و راجع أيضا: الكنى و الألقاب ج 1 ص 180 و قواعد في علوم الحديث ص 454 و شرف أصحاب الحديث ص 92 و 93 و 123 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 88 و المجروحون ج 1 ص 12 و حديث طلب البينة من المغيرة أو أبي موسى الأشعري موجود في كتاب الاستئذان في مختلف كتب الحديث تقريبا فلا حاجة إلى تعداد مصادره.
و آله» ، بحجة أنه يريد جمع الحديث النبوي، و كتابته، حتى لا يندرس.
فبقي شهرا و هو يجمع مكتوبات الصحابة، ثم قام بإحراق ما اجتمع لديه محتجا لعمله هذا بقوله: «مثناة كمثناة أهل الكتاب» ؟ !
و الظاهر أن الصحيح: «مشناة كمشناة أهل الكتاب» (1)و قد اشتبه ذلك على النساخ لعدم النقط في السابق، و تقارب رسم الكلمتين.
و في نص آخر أنه قال: «ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها، و تركوا كتاب اللّه. و إني-و اللّه-لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبدا» .
أو قال: «لا كتاب مع كتاب اللّه» .
و كتب إلى الأمصار: «من كان عنده شيء منها فليمحه» .
و مهما يكن من أمر: فلقد بلغ من تشدد الخليفة في هذا الأمر: أنهم يذكرون في ترجمة أبي هريرة: أنهم ما كانوا يستطيعون أن يقولوا: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : حتى قبض عمر (2).
1) المشناة: روايات شفوية، دونها اليهود، ثم شرحها علماؤهم. فسمي الشرح جمارا، ثم جمعوا بين الكتابين، فسمي مجموع الكتابين: «الأصل و الشرح» ، و هما: المشناة و جمارا ب «التلمود» .
2) راجع ما تقدم، كلا أو بعضا في المصادر التالية: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 601 و 602 و مختصر جامع بيان العلم ص 33 و جامع بيان العلم ج 1 ص 77، و تقييد العلم للخطيب ص 49-53 و إحراقه للحديث ص 52 و كتابته إلى الأمصار في ص 53 و الطبقات الكبرى ط صادر ج 5 ص 188 و ج 6 ص 7 و ج 3 ص 287 و تدريب الراوي ج 2 ص 67 عن البيهقي و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 2 و 7 و 8، و غريب الحديث ج 4 ص 49 لابن سلام. و البداية و النهاية ج 8 ص 107 و الغدير ج 6 ص 295 و غير ذلك من صفحات هذا الجزء و تاريخ الخلفاء ص 138 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 102 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الجزء و الصفحة، و سنن الدارمي ج 1 ص 85 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 257-258 و حياة الصحابة ج 3 ص 257 و 258 و الضعفاء الكبير ج 1 ص 9 و 10 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 183 و 179 و 180 عن ابن عبد البر، و أبي خيثمة، و ابن عساكر، و ابن سعد. و سنن ابن ماجة ج 1 ص 12 و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 369 عن البخاري في كتاب البيوع و راجع: فقه السيرة للغزالي ص 40 و 41 عن البخاري و مسلم، و عن أبي داود، و الاستيعاب. و التراتيب الإدارية ج 2 ص 248 و أضواء على السنة المحمدية و «الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام» ص 78 و 79 عن مصادر كثيرة. و حيث إن مصادر ذلك كثيرة جدا فإننا نكتفي بما ذكرناه و راجع أيضا جميع المصادر التي تقدمت و ستأتي في هذا الفصل، فإن فيها ما يدل على ذلك بطريقة أو بأخرى.
و بكلمة موجزة: إن سياسة عمر القاضية بالمنع من رواية الحديث و من تدوينه تعتبر من البديهيات التاريخية و من الواضحات، فلا حاجة إلى ذكر النصوص، و الإكثار من الشواهد.
بل قيل: إنه (يعني عمر) ضرب من نسخ كتب دانيال، و أمره بمحوها (1)، و ضرب الذي جاءه بكتاب وجده في المدائن حينما فتحوها (2).
و أما بالنسبة لأمره عمرو بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية (1)و إتلاف كتب كثيرة وجدوها في بلاد فارس (2).
فقد شكك فيه الشهيد العلامة المطهري (3)، و إن كنا لا نوافقه على كثير مما قاله في هذا المجال. و لبحث ذلك مجال آخر.
و بالمناسبة فإننا نشير إلى جريمة نكراء ارتكبها الصليبيون الحاقدون ضد التراث العلمي للبشرية، حيث يذكر موندي في تاريخه: أن ما أحرقه الأسبان من كتب قرطبة قد بلغ مليونا و خمسين ألف مجلد، عدا عما أتلفوه مما عثروا عليه في أقاليم الأندلس (4).
1) تاريخ الحكماء ص 354-356 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 46 و 48 و 49 عن تاريخ مختصر الدول ط اكسفورد ط سنة 1663 لكن حذف ذلك من الطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1958 م مع تصريحهم في المقدمة بأنهم قد أكملوا ما نقص من طبعة أكسفورد بما حصلوا عليه من نسخ أخرى. و راجع كتابنا: دراسة و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 22. و الغدير ج 6 ص 298 عن القفطي، و زيدان و عن الوفاء و الاعتبار ص 28.
2) و راجع: المقدمة لابن خلدون ص 480 و 38 و راجع: كشف الظنون ج 1 ص 33. و الغدير ج 6 ص 298 عن المصادر التالية: كشف الظنون ج 1 ص 25 و 446 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 107 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 122 و كنز العمال ج 1 ص 95.
3) كتابسوزي إسكندرية و إيران. و خدمات متقابل إسلام و إيران.
4) راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 453-454.
أما ويلس، فيرى: أنهم قد أحرقوا مليون و خمسة آلاف مجلد فقط.
و في وفيات الأسلاف: أن أسقف طليطلة قد أحرق من الكتب الإسلامية ما ينوف على ثمانين ألف كتاب.
و أن الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة قد أحرقوا من الكتب النفيسة ما يتجاوز مليون كتاب (1).
«و قال بعض المؤرخين المصريين: إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر مما أحرقه الصليبيون، و التتر، و الإسبان» (2).
و لما فتح الإفرنج طرابلس في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر الكونت برترام سنت جيل، و يقال: إنها كانت تحتوي على ثلاثة ملايين مجلد (3).
و أضاف جرجي زيدان: و فعل الأسبان نحو ذلك بمكتبات الأندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر (4).
و مهما يكن من أمر فإننا نلاحظ هنا: أن الكلمات التي استخدمها عمر بن الخطاب كمبرر أمام الناس لتنفيذ نواياه تجاه حديث رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» ، مثل قوله: من كان عنده شيء منها فليمحه، قد أصبحت بعين ألفاظها تقريبا، و بنفس صياغتها حديثا ينسب إلى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع و قارن (1).
و هكذا بالنسبة لاستدلاله على صحة ما أقدم عليه بأن الأمم السالفة قد ضلت بسبب عكوفها على أقوال علمائها و تركها كتاب اللّه (يعني التوراة) ! ! فإنه قد أصبح هو الآخر حديثا، يروى عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يقول أبو هريرة: فجمعناها في صعيد واحد، فألقيناها في النار (2).
و راجع أيضا: ما رووه عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في هذا المجال (3).
و قد نسي هؤلاء الوضاعون الأغبياء: أن وجود حديث من هذا القبيل
1) راجع و قارن مع كلمات عمر المتقدمة ما رووه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مجمع الزوائد ج 1 ص 150 و 151 و مسند أحمد ج 3 ص 12 و 21 و 39 و 56 و ج 5 ص 82 و تأويل مختلف الحديث ص 286 و الأسرار المرفوعة ص 9 و مناهل العرفان ج 1 ص 361 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 248 و البداية و النهاية ج 2 ص 132 و علوم الحديث لابن الصلاح ص 160 و الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث (متنا و هامشا) ص 132 و تقييد العلم ص 29-34 و 93 و صحيح مسلم ج 8 ص 229 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 218، و راجع أيضا جميع ما قدمناه من مصادر في الصفحات السابقة.
2) تقييد العلم ص 34 و راجع ص 33.
3) جامع بيان العلم ج 1 ص 76.
عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يسد الطريق على عمر بن الخطاب للتفكير في كتابة السنن، و تجد الكثيرين يعترضون عليه حينما طلب منهم أن يأتوه بما كتبوه: بأن هذا يخالف أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمحو ما كتب.
كما أن حديثا كهذا يجعل وجود حديث مكتوب عند الصحابة أمرا متعذرا، إلا إذا فرض أنهم أو كثير منهم لا يأبهون لأوامر النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا لنواهيه.
أو يكون المقصود هو إظهار المنافقين الذين خالفوا أوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الأمر.
و إذا كان المنافقون هم أهل تلك الأحاديث المجموعة، فإن حديثهم لا قيمة له.
كما أن المنافقين لابد أن يلتفتوا إلى وجه الخدعة لهم، و لسوف لن يقروا على أنفسهم بأمر فيه إدانة و إهانة لهم.
و نسجل هنا: أننا نجد: أن استدلال الخليفة الثاني لصحة ما أقدم أو يريد أن يقدم عليه، من المنع من كتابة و رواية حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما تقدم ذكره، قد صار هو الاستدلال التقليدي لكل الذين جاؤوا بعد عمر، و حرصوا على العمل بسنته، و تنفيذ سياساته، فراجع النصوص التاريخية المختلفة فيما يرتبط بهذه الناحية (1).
1) راجع على سبيل المثال: تقييد العلم ص 53-57 و راجع ص 61.
و لم يقتصر الأمر على المنع من رواية و كتابة حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل تعداه إلى ما هو أهم و أكثر، و أدهى و أمر، و هو المنع عن العمل و الجري على السنة النبوية الشريفة، حيث رأينا أن الخليفة يضرب الناس إذا رآهم يصلون بعد العصر (1).
و لما ضرب زيد بن خالد الجهني لأجل ذلك، و قال له زيد: إنه لا يدعهما بعد إذ رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصليهما، قال له عمر: «لو لا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما» (2).
كما أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي ركعهما.
فقيل له: ما هذا؟
فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما (3).
1) راجع: المصنف للصنعاني ج 2 ص 429 و 430 و 432 و 433 و راجع سائر المجاميع الحديثية و الروائية لأهل السنة و الجماعة.
2) المصنف للصنعاني ج 2 ص 432 و مجمع الزوائد ج 2 ص 223 عن أحمد و الطبراني، و عن كنز العمال ج 4 الحديث رقم 4123 و 4784 و راجع مسند أحمد ج 4 ص 115.
3) المصنف ج 2 ص 433 و في هامشه عن كنز العمال و عن محمد بن نصر في قيام الليل.
فإذا كان مثل أبي أيوب لا يجرؤ على العمل بما سنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فما ظنك بغيره من الناس العاديين، الذين ليس لهم ما لأبي أيوب من احترام و تقدير و مكانة لدى صحابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
كما أننا لم نفهم ما هو المحذور في أن يصلي الناس حتى الليل! ! حتى جاز لعمر ضرب الناس لأجل ذلك! ! و أخيرا. . فقد روي: أن عمر قد هم أن يمنع الناس عن كثرة الطواف.
و قال: «خشيت أن يأنس الناس هذا البيت، فتزول هيبته من صدورهم» (1).
أضف إلى ما تقدم: أن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان يقول: «ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا» (2).
و حذيفة إنما توفي في أوائل خلافة علي «عليه السلام» ، بعد البيعة له «عليه السلام» بأربعين يوما، على ما قيل.
و هو من القادة الكبار، الذين كان الحكام يعتمدون عليهم في فتوحاتهم قبل علي «عليه السلام» ، و كانت له مكانته المرموقة و دوره الكبير فيما بين الشخصيات الفاعلة في النظام القائم.
فقوله المتقدم يدل على أن الأجواء العامة كانت ضد المؤمنين، و أن السيطرة كانت لأناس لا يهمهم أمر الدين في شيء، بل كان المؤمنون يتعرضون للسخرية و الاستهزاء، تماما كما هو الحال بالنسبة لطغيان الفساق
و الفجار في بعض البلاد الإسلامية اليوم، مع عدم ظهور اهتمام من الحكام بردعهم و مكافحتهم، لأسباب مختلفة.
و في هذا الاتجاه بالذات: يقدم الخليفة الثاني على خطوة أخرى أيضا، و هي: أنه جمع الصحابة من الآفاق، و طالبهم بما أفشوه من حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أمرهم بالمقام عنده، و أن لا يفارقوه ما عاش، و منعهم من مغادرة المدينة، فبقوا فيها إلى أن مات (1).
و قد أضاف سببا آخر إلى إفشائهم حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) حياة الصحابة ج 3 ص 272 و 273 و ج 2 ص 40 و 41. و يمكن الاستفادة في هذا الأمر من المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 426 حوادث سنة 35 ه. و مروج الذهب ج 2 ص 321 و 322 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 120 و ج 1 ص 110 و كنز العمال ج 10 ص 180 عن ابن عساكر، و ابن صاعد، و الدارمي، و ابن عبد البر و غيرهم. و المجروحون ج 1 ص 35 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 7 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 و شرف أصحاب الحديث ص 87 و مجمع الزوائد ج 1 ص 149 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 239 ط صادر و ط ليدن ج 4 ص 135 و ج 2 قسم 2 ص 100 و 112 و حياة الشعر في الكوفة ص 161 و الفتنة الكبرى (عثمان) ص 17 و 46 و 77 و سيرة الأئمة الاثني عشر ج 1 ص 317 و 334 و 365 و التاريخ الإسلامي و المذهب المادي في التفسير ص 208 و 209 و الغدير ج 6 ص 294-295 عن بعض من تقدم، و عن: المعتصر ج 1 ص 459. و نقل ذلك أيضا عن المحدث الفاضل ص 133 و عن الموضوعات ج 1 ص 94.
و آله» ، فذكر أنه إنما يمنعهم من المشاركة في الغزو حتى لا يفسدوا عليه أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» (1).
نعم. . لقد رووا عن الخليفة أنه فعل ذلك، رغم أنه هو نفسه يقول للناس-كما قيل-إنه إنما يرسل إليهم العمال ليعلموهم دينهم و سنتهم (2).
و لم يقتصر الأمر في المنع عن الحديث رواية و كتابة الخ. . على زمان أبي بكر و عمر، فإن الذين جاؤوا بعدهما من خلفاء بني أمية، إبتداء من عثمان، ثم معاوية، فمن تلاه من الخلفاء: قد اتبعوا نفس الطريقة، و ساروا على نفس النهج، في المنع عن الحديث إلا حديثا كان على عهد عمر (3).
و أصبحت كتابة الحديث عيبا عند الناس، كما عن أبي المليح (4).
1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 120 و أنوار الهداية ص 124 و حياة الصحابة ج 2 ص 40 و 41 عن كنز العمال ج 7 ص 139 و عن الطبري ج 5 ص 134.
2) حياة الصحابة ج 3 ص 485 عن مجمع الزوائد ج 5 ص 211 و عن مستدرك الحاكم ج 4 ص 439 و عن كنز العمال ج 8 ص 209 و عن أحمد، و ابن سعد، و مسدد، و ابن خزيمة، و البيهقي و غيرهم.
3) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 قسم 1 ص 206 و ج 2 ص 336 و مسند أحمد ج 4 ص 99 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 7 و كنز العمال ج 10 ص 179 و 182 عن ابن عساكر، و ابن سعد و أضواء على السنة المحمدية ص 47 عن جامع بيان العلم ج 1 ص 64 و 65 و راجع: الغدير ج 10 ص 351 و شرف أصحاب الحديث ص 1.
4) راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 249.
بل لقد رووا عن ابن الحنفية أنه قال: «إياكم و هذه الأحاديث، فإنها عيب عليكم، و عليكم بكتاب اللّه إلخ. .» (1).
و لكن و رغم توصية ابن الحنفية الآنفة بكتاب اللّه و قبل و فوق ذلك وصايا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الوصي «عليه السلام» به أيضا، و رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلّم أصحابه الآيات من القرآن، و يوقفهم على ما فيها من علم و عمل، و ما فيها من حلال و حرام، و ما ينبغي أن يقف عنده (2).
ثم ما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال: تعلموا القرآن، و التمسوا غرائبه. و غرائبه فرائضه، و فرائضه حدوده، و حدوده حلال و حرام، و محكم و متشابه الخ. . (3).
و ما روي عن عمر أنه قال حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» : حسبنا كتاب اللّه-كما تقدم-ثم مبادرته حين توليه الخلافة إلى المنع من تدوين الحديث و روايته، و الخ. .
نعم. . رغم ذلك كله، فإننا لا نجد لدى رواد هذه السياسة كبير اهتمام بالقرآن، و تعليمه، و تفسيره للناس، بل نجد عكس ذلك تماما، فإن عمر بن
الخطاب نفسه كان يمنع الناس من السؤال عن معاني القرآن، و يضرب و يعاقب من يسأل عن شيء منه، و ما فعله بصبيغ شاهد على ذلك حيث ضربه ماءة ثم ماءة حتى اضطربت الدماء في ظهره و في رأسه، و منع الناس من الكلام معه، و من مجالسته، فمكث حولا على ذلك حتى أصابه الجهد، و لم يزل وضيعا في قومه حتى هلك، و كان سيد قومه (1).
و قد بقي ابن عباس سنة كاملة أو سنتين لا يجرؤ على سؤال عمر عن آية في كتاب اللّه (2)، رغم ما كان له من المكانة عنده.
بل إن عمر كان لا يرغب في كثرة القراء للقرآن أيضا، فقد كتب إليه أبو موسى بعدة ناس قرأوا القرآن، فحمد اللّه عمر.
1) راجع في ذلك و غيره: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 146-148 و راجع: كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 70 و مجمع الزوائد ج 8 ص 113 و حياة الصحابة ج 3 ص 258 و 259 و الغدير ج 6 ص 290-293 عن المصادر التالية: إحياء علوم الدين ج 1 ص 30 و سنن الدارمي ج 1 ص 54 و 55 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 384 و تفسير ابن كثير ج 4 ص 232 و الإتقان ج 2 ص 5 و كنز العمال ج 1 ص 228 و 229 عن نصر المقدسي، و الأصبهاني، و ابن الأنباري، و اللالكائي و غيرهم. و الدر المنثور ج 6 ص 111 و 321 و فتح الباري ج 8 ص 17 و ج 13 ص 230 و الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 445.
2) راجع: البخاري ط سنة 1309 ه. ج 3 ص 133 في موضعين و التراتيب الإدارية ج 2 ص 377 و تاريخ عمر ص 157 و الغدير ج 6 ص 292 و 293 عن كتاب العلم لأبي عمر ص 56.
ثم كتب إليه في العام القابل بعدة هي أكثر من العدة الأولى، ثم كتب إليه في العام الثالث.
فكتب إليه عمر يحمد اللّه على ذلك، و قال: إن بني إسرائيل إنما هلكت حينما كثرت قراؤهم (1).
و نلاحظ: أن هذه العبارة الأخيرة هي من سنخ استدلاله للمنع من كتابة الحديث! ! فاقرأ، و اعجب بعد هذا ما بدا لك! !
هذا. . و من المفارقات هنا: أن نرى هذا الخليفة بالذات يسمح لكعب الأحبار أن يقرأ التوراة آناء الليل و أطراف النهار، كما سنرى! !
و قد كان للاهتمام الذي أولاه الحكام للمنع من رواية الحديث و كتابته، و ما لمسه الناس من جدية و إصرار في تنفيذ هذه السياسة، و متابعة فصولها بدقة و حزم من قبل شخص الخليفة الثاني، الذي كان قوله و رأيه في العرب نافذا و مقبولا، قد كان لذلك تأثيرات سريعة و حاسمة على صعيد الالتزام التام بالتعليمات الصادرة لهم في هذا الخصوص؛ فهذا أبو موسى الأشعري (و كذلك أنس بن مالك (2)) بمجرد أن أحس أن عمر يفكر في أمر ما في هذا الاتجاه، يمسك عن الحديث حتى يعلم ما أحدثه عمر.
و لنا أن نظن ظنا قويا: أنهما كانا على علم مسبق بما كان الخليفة قد عقد العزم عليه في هذا الصدد، و أراد ترويض الناس على قبول ذلك، و الالتزام به.
بل لقد بلغ بهم التحاشي عن حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حدا مثيرا للدهشة، حتى إن عبد اللّه بن مسعود-و هو الصحابي المعروف-كانت تأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشيء (1).
بل لقد قال عمرو بن ميمون: «صحبت عبد اللّه بن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة» ثم ذكر الحديث الذي رواه (2).
و يقول الشعبي: «قعدت مع ابن عمر سنتين، أو سنة و نصفا، فما سمعته يحدث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا حديثا.
أو قال: جالست ابن عمر سنتين فما سمعته يحدث عن رسول اللّه شيئا (3).
و كان زيد بن أرقم إذا طلبوا منه أن يحدثهم يزعم أنه كبر و نسي (4).
و قال عمرو بن ميمون الأودي: «كنّا جلوسا بالكوفة، فجاء رجل و معه كتاب، فقلنا: ما هذا؟
قال: كتاب دانيال.
1) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 405 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 156 ط صادر و في ط ليدن ج 3 قسم 1 ص 110-111 و المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 314 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الصفحة، و حياة الصحابة ج 3 ص 271 و حياة الشعر في الكوفة ص 253.
2) أصول السرخسي ج 1 ص 342.
3) راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 84 و مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 157 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 15 و حياة الصحابة ج 3 ص 271 و الغدير للعلامة الأميني ج 10 ص 65 و ج 6 ص 294.
4) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 370 و 371 و 372.
فلو لا أن الناس تحاجزوا عنه لقتل.
و قالوا: كتاب سوى القرآن؟ !» (1).
و كيف لا يقتله الناس، و هو قد خالف سنة عمر في حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تجاوز سياساته تجاهه؟ !
فإنه و لا شك قد ارتكب جريمة نكراء! ! و جاء ببدعة صلعاء! ! .
ثم إننا لا ندري ماذا كان يوجد في ذلك الكتاب المنسوب إلى دانيال النبي «عليه السلام» .
و لعل الذين اعترضوا على هذا الكتاب كانوا لا يعرفون شيئا عن مضمون ذلك أيضا.
هذا، و قد استمر المنع من رواية الحديث و تدوينه ساري المفعول- بصورة أو بأخرى-إلى زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي تولى الخلافة في مطلع القرن الثاني (في صفر سنة 99 ه) لفترة و جيزة انتهت بموته في رجب سنة 101 ه. فقد أظهر عمر بن عبد العزيز هذا رغبة في جمع الحديث، فأمر محمد بن عمرو بن حزم بأن يكتب له حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن (2).
و مراده بالسنة الماضية هي سنة أبي بكر، و عمر، و عثمان، كما سنشير إليه.
و إنما أراد حديث عمر لأجل الوصول إلى حديث عائشة كما هو معلوم، و لا ندري: إن كان طلب الخليفة هذا قد نفذ أو لا.
و لكن الزهري المتوفى سنة 124 ه. قد كتب له طائفة من الروايات، فأرسل إلى كل بلد دفترا من دفاتره التي كتبها له.
و قد كانت هذه المحاولة أيضا ضعيفة و محدودة جدا (1)و لا تستطيع أن تعيد لحديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دوره و حيويته في الناس كما هو واضح.
و رووا أيضا: أن أبا الزناد كتب سنن الحج لهشام بن عبد الملك، و ذلك في سنة 106 ه. (2)لكن ليس ثمة ما يدل على أن ذلك قد وصل إلى أيدي الناس، و تداولوه.
بل إن ما كتبه الزهري لم نجد له أثرا ملموسا فيما بين أيدينا من تراث
1) راجع: السنة قبل التدوين ص 364 و 332 و جامع بيان العلم ج 1 ص 76 و 91 و 50 و 88 و 92 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 447 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 337 و سنن الدارمي ج 1 ص 126 و حلية الأولياء ج 3 ص 363 و تدريب الراوي ج 1 ص 90 و ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 312 و تاريخ الخلفاء ص 261 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 169 و 170 و 203 و تحفة الأحوذي (المقدمة) ج 1 ص 33 و 40. و راجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ج 1 ص 19 و الخطط للمقريزي ج 2 ص 333 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 226 و 227.
2) الكنى و الألقاب ج 1 ص 80 و الكامل في التاريخ ج 5 ص 130.
مكتوب ليمكننا تقييمه و الحكم عليه.
و مهما يكن من أمر، فإن من المؤكد: أن مفعول المنع من تدوين الحديث قد انتهى في أواسط القرن الثاني، و أن الحركة الواسعة لتدوين الحديث قد بدأت في أواسط القرن الثاني للهجرة، على يد ابن جريج، و مالك بن أنس، و الربيع بن صبيح، و الثوري، و الأوزاعي، و غيرهم (1).
و أما البدايات الضعيفة و المحدودة لكتابة الحديث، فقد حصلت قبل ذلك، لكنها كانت محكومة للظروف العامة، و الخوف من التعرض إلى الأذى بسبب ذلك.
و لم يصل إلينا و لا إلى الناس من ذلك إلا النزر القليل، الذي لا يسمن و لا يغني من جوع.
1) راجع: بحوث في تاريخ السنة المشرفة. و السنة قبل التدوين ص 337. و راجع: الجرح و التعديل ج 1 ص 184 و تدريب الراوي ج 1 ص 189 و الخطط للمقريزي ج 2 ص 333 و تاريخ الخلفاء ص 261 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 170 و 169 و 160 و 191 و 203 و فتح الباري (المقدمة) ص 4 و 5 و كشف الظنون ج 1 ص 237 و النجوم الزاهرة ج 1 ص 351 و تحفة الأحوذي المقدمة ج 1 ص 25 و 26 و 28 ففي كل ذلك و في غيره تجد ما يفيد في هذا المجال.
و بعد ما تقدم، فقد كان لابد للناس، الذين يدينون بهذا الدين، و يريدون أن يطبّقوا أحكامه و شرائعه على حركاتهم و سلوكهم و مواقفهم-لا بد لهم-من مرجع يرجعون إليه، ليفتيهم في أمور دينهم، و يبيّن لهم أحكامه، من دون أن يتعرض لرواية عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا من قريب، و لا من بعيد.
و بديهي، أنه لا يمكن السماح لكل الناس بالتصدي للفتوى؛ لأن ذلك يحمل معه مخاطر كبيرة و خطيرة، و يجعل السلطة في مواجهة مشاكل صعبة، و يضعها أمام إحراجات لا طاقة لها بها. و ذلك حينما تتعارض فتاواهم و تتناقض.
أو حينما تصدر عن بعض الناس فتاوى قد يعتبرها الحكام و من يدور في فلكهم مضرة في مصالحهم في الحكم، أو في غيره.
و هذا الأمر يحمل معه أجواء الاستدلال و الاحتجاج، و التأييد و الرد، ثم الإدانة، و تسفيه الآراء.
و معنى ذلك هو: العودة إلى طرح النصوص القرآنية، و الكلمات و المواقف النبوية، كوسائل إقناع و احتجاج، فيكون ما فروا منه قد عادوا فوقعوا فيه.
مع ما في ذلك من إضعاف لمواقع و لرموز لا تريد لها السلطة أن تضعف بأية صورة كانت.
و يأتي إضعافها و ضعفها باتضاح أنها في درجة أدنى من حيث المعرفة و العلم بالقرآن و السنة، و أحكام الدين، و تعاليم الشريعة.
ثم هو يتسبب بالإحساس بالغبن، و بالمظلومية بالنسبة لأولئك الذين يملكون المؤهلات الحقيقية للفتوى، حين يكون التعامل معهم، و الموقف منهم، و من كل ما يقدمونه من علم صحيح و نافع لا يختلف عن الموقف مما يقدمه أولئك الجهلة الأغبياء، الذين لا يملكون من التقوى ما يمنعهم عن الإفتاء بغير علم و لا هدى، و لا كتاب منير.
أضف إلى ذلك: أن هذا من شأنه أن يضعف الثقة بالسلطة، التي انتهجت هذه السياسة، و شجعت هذا الاتجاه.
هذا كله، عدا عن أن الحكم يريد أن يتبنى اتجاها فكريا خاصا و متميزا، يخدم أهدافه الخاصة و العامة.
و يريد أن يزرع في الناس مفاهيم، و يحملهم على اعتقادات، و يلزمهم بأحكام لا يدع لهم مناصا من الالتزام بها، و الجري عليها و تبنيها، في مختلف الظروف و الأحوال.
و لن يكون ذلك ميسورا له في ظل هذه الحرية في الفتوى، و في الاستدلال عليها.
و لأجل ذلك، فقد كان من الطبيعي أن لا يسمحوا بالفتوى إلا لنوعين
من الناس.
الأول: الأمراء، و ذلك في الأمور الحساسة، فيما يبدو.
الثاني: أشخاص بأعيانهم، يمكنهم تسويق فكر السلطة، بصورة أو بأخرى.
و لأجل توضيح ذلك فإننا نشير إلى كلا النوعين باختصار، فنقول:
أما بالنسبة للأمراء؛ فإننا نقرأ في التاريخ: أن عمر بن الخطاب قد أنكر على بعضهم بقوله: «كيف تفتي الناس، و لست بأمير؟ ! ولي حارها من ولي قارها» (1).
و كان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى قال: إذهب إلى هذا الأمير، الذي تقلد أمور الناس، و وضعها في عنقه (2).
و قد امتنع ابن عمر عن إفتاء سعيد بن جبير، و قال: يقول في
1) راجع: جامع بيان العلم ج 2 ص 175 و 203 و 194 و 174 و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 4 ص 62 و سنن الدارمي ج 1 ص 61 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 179 و 258 و المصنف للصنعاني ج 8 ص 301 و ج 11 ص 328 و راجع ص 231 و أخبار القضاة لوكيع ج 1 ص 83 و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 54 و راجع: حياة الصحابة ج 3 ص 286 و كنز العمال ج 1 ص 185 و راجع ص 189 عن عبد الرزاق، و ابن عساكر، و ابن عبد البر، و الدينوري في المجالسة.
2) التراتيب الإدارية ج 2 ص 367.
ذلك الأمراء (1).
و قد أطلقوا على الفتوى اسم «صوافي الأمراء» .
فعن المسيب بن رافع قال: كان إذا ورد الشيء من القضاء، و ليس في الكتاب، و لا في السنة، سمي «صوافي الأمراء» ، فدفع إليهم الخ. .
و روى هشام بن عروة عن أبيه: أنه ربما سئل عن الشيء فيقول: هذا من خالص السلطان.
و عن ابن هرمز: أدركت أهل المدينة، و ما فيها الكتاب و السنة. و الأمر ينزل، فينظر فيه السلطان (2).
و زيد بن ثابت يكتب لمعاوية في الجد: ذلك مما لم يكن يقضي فيه إلا الأمراء (3).
و أما بالنسبة للأشخاص المسموح لهم بالفتوى: فإنما سمحوا بالفتوى بل و بالرواية أيضا لأشخاص رأوا: أن لديهم من المؤهلات ما يكفي للاعتماد عليهم، و يطمئن لالتزامهم بالخط المعين، و المرسوم، بصورة مقبولة و معقولة.
أما من وجدوه غير قادر على ذلك، فقد استبعدوه، حتى و إن كان منسجما معهم في خطه السياسي، أو في طريقة تفكيره، و أسلوب حياته.
و نذكر من هؤلاء:
فإننا نجد مروان بن الحكم يحاول التأكيد على الدور الأساس لأم المؤمنين عائشة في هذا المجال، فهو يقول: «كيف يسأل أحد و فينا أزواج نبينا و أمهاتنا» (1).
و إنما قلنا: إنه يقصد خصوص عائشة في كلامه هذا، لأنها هي التي كانت تتصدى للرواية و الفتوى من بين أمهات المؤمنين بصورة رئيسية، و هي بنت الخليفة الأول أبي بكر، و مدللة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، و لم يعرف عن أي من نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» سواها: أنهن تصدين للرواية و الفتوى إلا في حالات قليلة جدا، و كانت أم سلمة تتصدى لرواية شيء عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعجب أمثال مروان، و لا كان يروق لهم كثيرا.
و قد كانت عائشة تفتي على عهد عمر، و عثمان، و إلى أن ماتت.
و كان هذان الخليفتان يرسلان إليها فيسألانها عن السنن (2).
و في نص آخر: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، و عمر، و عثمان، و هلم جرا، إلى أن ماتت (3).
و نجد من بعض الطموحين من الشباب الذين تهتم السلطة بإعطائهم دورا من نوع ما، تشكيكا بل و رفضا لما تدعيه عائشة و محبوها من علم و اطلاع كامل على أحوال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أوضاعه، فهذا زيد بن ثابت يقول: «نحن أعلم برسول اللّه من عائشة» (1).
كما أن عائشة نفسها كانت لا ترتاح إذا رأت للآخرين دورا فاعلا في نطاق الفتوى و الرواية، و لعل هذا هو ما يفسر لنا شكواها لابن أختها عروة بن الزبير من أبي هريرة الذي كان يحاول إثارتها بجلوسه إلى جانب حجرتها ليحدث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قالت عائشة لعروة: ألا يعجبك أبو هريرة؟ ! جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يسمعني ذلك! ! و كنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، لو جلس حتى أقضي سبحتي لرددت عليه الخ. . (2).
و ممن كان يسمح له بالفتوى أيضا: زيد بن ثابت، و كان مترئسا بالمدينة في
1) مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 185.
2) مسند أحمد ج 6 ص 157 و راجع: صحيح مسلم ج 8 ص 229 و فتح الباري ج 7 ص 390 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 607 عن مسلم و عن أبي داود رقم 3655 و اختصره الترمذي برقم 3643 و عن البخاري في المناقب ج 6 ص 422 و السنة قبل التدوين ص 462 عن الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص 135 و حياة الصحابة ج 2 ص 705 عن البخاري، و أحمد، و أبي داود.
القضاء، و الفتوى، و القراءة، و الفرائض في عهد عمر، و عثمان (1)و نرى أن ذلك يرجع إلى موقفه السلبي من علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، ثم إلى دوره في تقوية سلطان الحكم القائم، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب، حين الحديث عن تعلم زيد للغة العبرانية، بعد الحديث عن غزوة حمراء الأسد.
كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر، و عمر، و عثمان بما سمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و موقف ابن عوف من علي في قضية الشورى، و صرفه الأمر عن علي «عليه السلام» إلى عثمان بطريقة ذكية و مدروسة، معروف، و لا يحتاج إلى مزيد بيان.
و كان أبو موسى الأشعري-كما يقولون-لا يزال يفتي بما أمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في زمن أبي بكر، ثم في زمن عمر، فبينما هو قائم عند الحجر يفتي الناس بما أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ إذ جاءه رجل فسارّه: أن لا تعجل بفتياك، فإن أمير المؤمنين قد أحدث في المناسك شيئا.
فطلب أبو موسى حينئذ من الناس: أن يأتموا بعمر، و يتركوا ما كان يفتيهم به. ثم سأل الخليفة عن الأمر؛ فحققه له (3).
فأبو موسى إذن، كان يرى: أن سنة عمر مقدمة على ما سنه اللّه و رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى! ! .
و لعله يستند في ذلك إلى ما رووه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر! ! .
أو أنه قال: إنه ما أبطأ عنه «صلى اللّه عليه و آله» الوحي إلا ظن أنه نزل في آل الخطاب! ! .
من قبيل رواية: لو كان اللّه باعثا نبيا بعدي لبعث عمر بن الخطاب (1).
و رواية: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر (2).
و رواية: لو لم أبعث لبعثت يا عمر (3).
و رواية: لو كان نبي بعدي لكان عمر بن الخطاب (4).
1) مجمع الزوائد ج 9 ص 68 و شرح نهج البلاغة ج 12 ص 178 و كشف الخفاء ج 2 ص 154 و 165.
2) المعيار و الموازنة ص 222 و شرح نهج البلاغة ج 12 ص 178 و كنز العمال ج 11 ص 581 و تذكرة الموضوعات ص 94 و فيض القدير ج 5 ص 414.
3) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 178 و كشف الخفاء ج 2 ص 164 و تذكرة الموضوعات ص 94.
4) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 178 و كشف الخفاء ج 2 ص 154 و مسند أحمد ج 4 ص 154 و مجمع الزوائد ج 9 ص 68 و فتح الباري ج 7 ص 41 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 119 و المعجم الكبير ج 17 ص 180 و 298 و الجامع الصغير ج 2 ص 435 و كنز العمال ج 11 ص 578 و تذكرة الموضوعات ص 94 و فيض القدير ج 5 ص 414 و كشف الخفاء ج 2 ص 154 و 157 و 158.
و رواية: قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر (1).
و غير ذلك مما اختلقته يد السياسة، و زينه لهم الحب الأعمى (2).
قال أبو هريرة: «بلغ عمر حديثي، فأرسل إليّ، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بيت فلان؟
قال: قلت: نعم، و قد علمت لم تسألني عن ذلك! ! .
قال: و لم سألتك؟
قلت: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال يومئذ: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
قال: أما إذن، فاذهب فحدث» (3).
و من المعلوم: أن عمر كان قد منع أبا هريرة من التحديث (4)، و لكنه لما بلغه حديثه، و أعجبه أرسل إليه، و أبلغه سماحه له برواية الحديث، كما ترى! ! .
و لا بد لنا من أن نتساءل عن تلك الخصوصيات التي لو اشتمل عليها
1) مسند ابن راهويه ج 2 ص 479 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 317 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 125 و شرح نهج البلاغة ج 12 ص 178.
2) راجع: كتاب الغدير للعلامة الأميني رحمه اللّه.
3) البداية و النهاية ج 8 ص 107 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 603 و السنة قبل التدوين ص 458.
4) راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 600-601 و 602-603 و البداية و النهاية ج 8 ص 106.
الحديث لأعجب الخليفة، و يكافئ من يأتي بها بالسماح بما هو ممنوع على من سواه، من جلة أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! !
و قد بذلت محاولة لفرض الرأي في مجال الفتوى و العمل بالسنة على علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فوجدوا منه الموقف الحازم، و الحاسم؛ فكان التراجع منهم و الاعتذار.
فقد روى العياشي عن عبد اللّه بن علي الحلبي، عن أبي جعفر، و أبي عبد اللّه «عليهما السلام» ، قال: حج عمر أول سنة حج، و هو خليفة، فحج تلك السنة المهاجرون و الأنصار و كان علي قد حج في تلك السنة بالحسن و الحسين «عليهما السلام» ، و بعبد اللّه بن جعفر، قال: فلما أحرم عبد اللّه لبس إزارا و رداء ممشقين-مصبوغين بطين المشق-ثم أتى، فنظر إليه عمر و هو يلبي و عليه الإزار و الرداء، و هو يسير إلى جنب علي «عليه السلام» ، فقال عمر من خلفهم: ما هذه البدعة التي في الحرم؟
فالتفت إليه علي «عليه السلام» ، فقال له: يا عمر، لا ينبغي لأحد أن يعلمنا السنة!
فقال عمر: صدقت يا أبا الحسن. لا و اللّه، ما علمت أنكم هم (1).
و إذا استثنينا الفترة التي تولى فيها أمير المؤمنين «عليه السلام» شؤون
1) تفسير العياشي ج 2 ص 38 و البحار ج 96 ص 142 و تفسير البرهان ج 2 ص 49.
المسلمين، فإن الذين تصدوا للفتوى بعد ذلك العهد ما كانوا من الشخصيات الطليعية في المجتمع الإسلامي، بل إن بعضهم لا يعد حتى من أهل الدرجة الثانية أو الثالثة.
و بعض هؤلاء أو كلهم لم يكن يسمح لهم بالفتوى في عهد الخلفاء الثلاثة: أبي بكر، و عمر، و عثمان.
يقول زياد بن ميناء: «. . كان ابن عباس، و ابن عمر، و أبو سعيد الخدري، و أبو هريرة، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و جابر بن عبد اللّه، و رافع بن خديج، و سلمة بن الأكوع، و أبو واقد الليثي، و عبد اللّه بن بحينة، مع أشباه لهم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفتون بالمدينة، و يحدثون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا.
و الذين صارت إليهم الفتوى منهم: ابن عباس، و ابن عمر، و أبو هريرة، و جابر بن عبد اللّه» (1).
و لا بد لنا هنا من تسجيل تحفظ على ما ذكره زياد بن ميناء بالنسبة لكل من عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص.
فأما بالنسبة إلى ابن عمر فقد رووا: أن معاوية قال له: «لئن بلغني أنك
1) حياة الصحابة ج 3 ص 288 عن الطبقات الكبرى ج 4 ص 187 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 606-607 و في هامشه أشار إلى طبقات ابن سعد ج 2 ص 372.
تحدث لأضربن عنقك» (1).
و أما بالنسبة لعبد اللّه بن عمرو بن العاص؛ فإنما كان يسمح له بالرواية و الفتوى قبل حرب صفين-على ما يظهر-ثم منعه معاوية من الرواية بعدها.
و قد استمر هذا المنع إلى عهد يزيد بن معاوية أيضا (2).
أما عن أسباب منعهما من الرواية فإننا نقول: أما عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فإنه كان يروي أحاديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في معاوية، كقوله «صلى اللّه عليه و آله» عنه: لا أشبع اللّه بطنه.
و قوله «صلى اللّه عليه و آله» عنه و عن أبيه و أخيه: اللهم العن القائد، و السائق، و الراكب.
و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت و هو على غير سنتي. فطلع معاوية.
و أن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون.
و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : يموت معاوية على غير الإسلام (3).
1) صفين للمنقري ص 220 و راجع: قاموس الرجال ج 9 ص 17 و الغدير ج 10 ص 352.
2) راجع: مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 167 و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير و الحديث ص 151 و الغدير ج 10 ص 352.
3) راجع ما تقدم في: صفين للمنقري ص 217-220 و في قاموس الرجال، ترجمة معاوية، و راجع الغدير للعلامة الأميني، و غير ذلك.
و أما عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فإنه قد أحرج معاوية في صفين بحديث قتل الفئة الباغية لعمار.
و بحديث: إنه سيكون ملك من قحطان.
فقال معاوية لأبيه، عمرو: ألا تغني عنا مجنونك؟ (1).
و من الشواهد على أن الحكام كانوا يواجهون كل من روى حديثا يضر بحكومتهم و سياساتهم بصرامة و قسوة ما ذكروه عن الخليفة المهدي العباسي، من أنه أمر بقتل رجل لروايته حديثا رأى المهدي أنه يضر في حكمه و سلطانه، ثم لما عرف أن ذلك الراوي إنما يرويه عن الأعمش، قال: «ويلي عليه، لو عرفت مكان قبره لأخرجته، فأحرقته بالنار» (2).
و سأل سعيد بن سفيان القاري عثمان بن عفان عن مسألة، فقال: فهل سألت أحدا قبلي؟ !
فقلت: لا.
1) راجع: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 312-313 و راجع: 317 و الجزء الأول (قسم سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ص 168 و راجع ص 169 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 253 ط صادر و نقله المحمودي في تعليقاته على أنساب الأشراف عن ابن أبي شيبة. و راجع: تذكرة الخواص ص 93 و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 268. و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 41 ط دار المعارف. و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 150.
2) روضة العقلاء لابن حبان ص 159.
قال: لئن استفتيت أحدا قبلي، فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربت عنقه إلخ. . (1).
أضف إلى ما تقدم: أن معاوية الذي كان يتعامل بالربا، قد حاول أن يمنع عبادة بن الصامت من رواية حديث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حول تحريم الربا، فلم يفلح (2).
كما أنهم قد منعوا أبا ذر من الفتيا-منعه عثمان-فلم يمتنع (3)، فواجهوه بأنواع كثيرة من الأذى، و المحن و البلايا، حتى مات غريبا مظلوما في الربذة، منفاه (4).
و قد تقدم عن قريب أن أبا موسى الأشعري يطلب من الناس أن يتركوا ما كان يحدثهم به مما سمعه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يأخذوا بما أحدثه لهم عمر. فراجع.
إن الحكام إنما كانوا يسمحون بالفتوى لأشخاص بأعيانهم، و يمنعون
1) تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 54 و حياة الصحابة ج 2 ص 390-391 عنه.
2) تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 215 و الغدير ج 10 ص 185 عنه و في الغدير نصوص أخرى للقضية عن موطأ مالك، و صحيح مسلم و سنن البيهقي و الجامع لأحكام القرآن، و شرح النهج للمعتزلي و سنن النسائي، و اختلاف الحديث للشافعي، و مسند أحمد و غير ذلك فليراجعه طالب ذلك.
3) راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 160 و صحيح البخاري ج 1 ص 15-ط سنة 1309.
4) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 111-141.
من عداهم من ذلك، إلا إذا اطمأنوا إلى أنه من مستوى يؤهله لأن ينسجم في ما يفتي به ويرويه مع مقاصد الحكم و أهدافه. كما كان الحال بالنسبة لأبي هريرة. و حتى لو سمحوا للبعض بممارسة دوره الفتوائي، فإن ذلك يبقى مرهونا بهذا الانسجام، فإذا ما أخل به أحيانا، و لو عن غير قصد، فإنه يمنع من الحديث، و لو بلغ إلى درجة الإضرار فإنه يهدد بالقتل، و الضرب، بل و ينفى إلى أبغض البلاد إليه. كما كان الحال بالنسبة لعبد اللّه بن عمرو بن العاص، و ابن عمر، و أبي ذر، حسبما ألمحنا إليه.
ثم إن الحكام قد رأوا: أن كل ذلك لا يكفي لإشباع رغبة الناس في التعرف على الدين، و على عقائده و مفاهيمه، و أحكامه.
و لسوف تبقى لدى الناس الرغبة و الاهتمام بنيل معارفه و التعرف على ما فيه من شرائع و أحكام، و من سيرة و تاريخ، و عقائد و سياسات و غيرها.
و قد أصبح الاهتمام بذلك محسوسا و ملموسا، فلابد من معالجة الأمر، بحكمة و روية و حنكة.
و قد كان من الواضح: أن مجرد إعطاء الفتاوى لا يكفي، فقد كان ثمة حاجة إلى تثقيف الناس في مجالات و شؤون و مناحي مختلفة: تاريخية، و سياسية، و تربوية، و عقيدية و غيرها.
فاتجهوا إلى اعتماد أساليب أخرى، رأوا أنها قادرة على حل هذا المشكل، و تساعدهم على الخروج من هذا المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه.
و نذكر هنا بعضا من مفردات هذه الأساليب التي اعتمدوها لسد الخلل و رأب الصدع، فنقول:
إن من الواضح: أن الشعر العربي له تأثير السحر على روح و عقل و عواطف الإنسان العربي، الذي ينجذب إليه، و يقبل بكل مشاعره و أحاسيسه عليه.
و من الواضح: أن هذا الأمر أيضا يجعل الشعر قادرا على القيام بدور فاعل و قوي في مجال الاستئثار بقسط من الاهتمام لدى فريق كبير من الناس.
فلماذا إذن لا يعطى للشعر هذا الدور، ليخفف من الأعباء التي أصبحت ترهق كاهل الحكم في هذا الاتجاه؟ !
و لأجل ذلك نجد: أن المبادرة لتنشيط الاتجاه الأدبي، و الاهتمام بالشعر، قد جاءت من قبل نفس الخليفة الذي تبنى السياسات التي أشرنا إليها تجاه الحديث و القرآن، و نفذها بدقة، و رسّخها بحزم، و حافظ عليها بقوة.
فأمر بكتابة الشعر، و الاحتفاظ به، فدونوا ذلك عندهم، و كانت الأنصار تجدده إذا خافت بلاه (1).
بل لقد روى لنا مالك في موطئه، في أواخر كتاب الصلاة: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد، تسمى «البطيحاء» و قال: «من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة» (2).
و حاول أن يكتب شعر الشعراء، فكتب إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة،
يطلب منه أن يجمع الشعراء، و يستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية، و الإسلام، و يكتب بذلك إليه (1).
و قال عمر بن الخطاب أيضا: تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى، و مساوئ تتقى (2).
ثم أكدت ذلك عائشة أم المؤمنين، حيث قالت: «عليكم بالشعر، فإنه يعرب ألسنتكم» (3).
و لسنا ندري إن كانت ترى: أن القرآن وحده لم يكن يكفي لإعراب ألسنتهم؟
أو أن عمر كان يرى: أن ما في القرآن لا يكفي الناس فيما يبتغونه من محاسن.
و رغم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال عن علم الأنساب -حسبما روي عنه-: «إنه علم لا يضر من جهله، و لا ينفع من علمه» ، و كذا روي عنه بالنسبة لعلم العربية، و الأشعار، و أيام الناس (4).
إننا رغم ذلك نجد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد رتب إعطاء الجند على أساس قبلي، يرتكز على ملاحظة أنساب الناس، و انتماءاتهم العرقية (1).
ثم هو يخطط البصرة و الكوفة على أساس قبلي أيضا.
و كان يحث على تعلم الأنساب، مضمنا كلامه ما يتوافق مع التوجهات المقبولة و المعقولة، فيقول: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (2).
و الملفت للنظر هنا: أن هذه العبارة نفسها قد نسبت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
و ربما يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك، فاستعان عمر بن الخطاب بهذا القول لتنفيذ سياساته في التمييز العنصري، و إجرائها، و لم يعد الأمر يقتصر على صلة الرحم، كما هو المفروض.
و مهما يكن من أمر، فإن معاوية أيضا قد اختار دغفل بن حنظلة السدوسي، ليعلم ولده يزيد (لعنه اللّه) علم الأنساب (4)لا علم الفقه، و لا القرآن، و لا أحكام الدين.
أما الهدف من نسبة كلمة عمر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فربما
يكون هو إعطاؤها حيوية و فاعلية، لتجد طريقها إلى وعي الناس، و إلى حياتهم العملية بيسر و سهولة.
و قد دافع البعض عن سياسة عمر في توجيه الناس نحو تعلم الأنساب، معتبرا أنه لا بد من معرفة نسب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قريش، لأن الخلافة لا تجوز إلا في قريش، و إلا لادّعاها من لا تحل له، هذا بالإضافة إلى ما يترتب على ذلك من أحكام الزواج و المواريث (1).
هكذا يتمكن هؤلاء الذين لم يقفوا على حقيقة و أبعاد و أسرار سياسة الخليفة، أو أنهم يتجاهلونها عن سابق عمد و إصرار-هكذا يتمكنون من اختلاق الأعذار، التي ربما لا يتمكن الكثير من السذج و البسطاء من اكتشاف خطلها و زيفها في الوقت المناسب! !
على أننا لا نجد أنفسنا مبالغين إذا قلنا: إن أمثال هؤلاء المتمحلين لمثل هذه الأعذار الواهية إنما يريدون إصابة عصفورين بحجر واحد.
فهم في نفس الوقت الذي يبعدون فيه أذهان الناس عن معرفة الحقيقة التي يخشون من ظهورها للناس، فيما يرتبط بسياسات حكام يحترمونهم، يستهدفون طمس حديث و سنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بالإضافة إلى سياسات لهم تجاه القرآن أيضا.
فإنهم يكونون قد أعطوا أمورا ثبت زيفها و خطلها صفة الواقعية، بحيث تبدو كأنها من الأمور المسلمة، التي لا مجال للشك و الشبهة فيها.
1) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 167.
و ذلك حينما يفترضون أن أمر الإمامة لم يحسم، و أنه ليس موقوفا على النص، و إنما هي شائعة في جميع بطون قريش.
و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعيّن الإمام و الخليفة بعده، باسمه و صفته، و حسبه و نسبه، و لم يبايعه المسلمون في غدير خم، و ليس ثمة تعدّ على أحد في هذا الأمر، و لا اغتصاب لحق قرره اللّه و رسوله في موارد و مناسبات كثيرة، و بطرق و أساليب مختلفة و متنوعة.
فلا بد من تعلم الأنساب، حتى إذا اغتصب أمر هذه الأمة، و تغلب متغلب فلا بد من متابعته و إطاعته، بعد التحقق من نسبه القرشي، مهما كان جبارا و عاتيا، و ظالما و جانيا. .
هكذا زينت لهم شياطينهم، و ابتكرته لهم نفوسهم الماكرة، و أهواؤهم الداعرة، و سيلقون غدا جزاءهم الأوفى يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم.
أما البديل الذي كان أكثر نجاحا في تحقيق ما يصبو إليه الحكام، فقد كان هو: «علوم أهل الكتاب» .
و حيث إن هذا البديل قد كان أبعد أثرا، و أكثر انتشارا، فلا بد لنا من أن نورد بعض التفصيلات التي ربما تكون ضرورية لتكوين نظرة واقعية عن حقيقة ما جرى.
فنقول:
إننا كتمهيد لما نريد أن نقوله نذكر: أن العرب قبل الإسلام كانوا صفر اليدين من العلوم و المعارف، كما هو ظاهر لا يخفى، و سيأتي التصريح به من أمير المؤمنين «عليه السلام» و من غيره.
و كانوا يعتمدون في معارفهم و لا سيما فيما يرتبط بالنبوات، و الأنبياء و تواريخهم، و تواريخ الأمم، على أهل الكتاب بصورة رئيسية، و كانوا مبهورين بالأحبار و الرهبان بصورة قوية و ظاهرة، و يعتبرونهم أهم مصدر للمعرفة لهم.
بل هم ينظرون إليهم نظر التلميذ إلى معلمه بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
و قد رأينا: أن قريشا ترسل رسولا إلى أحبار يهود المدينة، للسؤال عن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، باعتبار أنهم أهل الكتاب الأول، و عندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش (1).
و يقول ابن عباس: «إنما كان هذا الحي من الأنصار-و هم أهل وثن- مع هذا الحي من يهود-و هم أهل كتاب-و كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم؛ فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم» (2).
و سيأتي: أنهم كانوا يستشيرون أهل الكتاب في أمر الدخول في الإسلام، و يعملون بمشورتهم أيضا.
و قد حاول القرآن و نبي الإسلام تخليص العرب من هيمنة أهل الكتاب، بالاستناد إلى ما من شأنه أن يزعزع الثقة بما يقدمونه من معلومات، على اعتبار أنها لا تستند إلى أساس، بل هي محض افتراءات و مختلقات من عند أنفسهم. و هذا الأمر وحده يكفي لعدم الثقة بهم، و بكل ما يأتون به.
فقد قال تعالى عنهم: إنهم يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ (1).
و إنهم: يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً (2).
و إنهم رغم أنهم يعرفون النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما يعرفون أبناءهم، و يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، فإنهم ينكرون ذلك بالكلية، و ذلك حسدا من عند أنفسهم. كما يستفاد من بعض الآيات القرآنية الشريفة.
و قد تحدث اللّه سبحانه عن صفات اليهود، و مكرهم و غشهم، و غير ذلك. . ما من شأنه تقويض الثقة بهم، في كثير من الآيات و المواضع
القرآنية. و استقصاء ذلك يحتاج إلى توفر تام، و جهد مستقل.
و من جانب آخر، فإننا نجد إصرارا أكيدا من الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» على إبعاد أصحابه عن الأخذ من أهل الكتاب، و عن سؤالهم عن شيء من أمور الدين. فنهى «صلى اللّه عليه و آله» عن قراءة كتب أهل الكتاب (1).
و قال لأصحابه: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم، و قد أضلوا أنفسهم (2).
و قد اتضح لكل أحد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب مخالفتهم في كثير من الأشياء (3)، حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه (4).
1) أسد الغابة ج 1 ص 235.
2) المصنف للصنعاني ج 10 ص 312 و ج 6 ص 110 و في 112 عن ابن مسعود و كذا في ج 1 ص 213 و كشف الأستار ج 1 ص 79 و مجمع الزوائد ج 1 ص 174 و 173. و راجع: غريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 48 و فتح الباري ج 13 ص 281 عن احمد و البزار و ابن أبي شيبة و حول كراهة النبي لهم أن يسألوا أهل الكتاب راجع: الإسرائيليات في كتب التفسير ص 86 و كنز العمال ج 1 ص 342 و 442.
3) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 195 في موضعين، و المصنف للصنعاني ج 11 ص 154 و ستأتي بقية المصادر في الجزء الخامس من هذا الكتاب حين الحديث حول صيام يوم عاشوراء.
4) سنن أبي داود ج 2 ص 250 و السيرة الحلبية ج 2 ص 15 و مسند أبي عوانة ج 1 ص 312 و المدخل لابن الحاج ج 2 ص 48.
و قد استأذن عبد اللّه بن سلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يقيم على السبت، و أن يقرأ من التوراة في صلاته، فلم يأذن له (1).
و سيأتي أنه لم يطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك أيضا.
و قد كان من المفروض: أن يستجيب المسلمون لإرادة اللّه و رسوله هذه، لا سيما مع التعليل و التوضيح الذي يذكره القرآن و نبي الإسلام لهذا المنع، كقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لن يهدوكم، و قد أضلوا أنفسهم» .
أو قوله: «إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه» و غير ذلك.
و لكن الأمر الذي يثير عجبنا هو أننا نجد: أن بعض مشاهير الصحابة يستمر على التعلم من أهل الكتاب.
و كان بعضهم-كالخليفة الثاني عمر بن الخطاب-يقصدهم إلى مدارسهم في المدينة، و تسمى «ماسكة» .
و كان هو أكثر الصحابة إتيانا لهم. و زعموا أنهم يحبونه لأجل ذلك (2).
1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 230.
2) راجع حول ذلك: جامع بيان العلم ج 2 ص 123-124 و كنز العمال عن كلامه و عن الشعبي و عن قتادة و السدي ج 2 ص 228 و الدر المنثور ج 1 ص 90 عن ابن جرير، و مصنف ابن أبي شيبة، و مسند إسحاق بن راهويه، و ابن أبي حاتم. و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 107 و 108. و كون اسم مدارس اليهود (فاشلة) مذكور في مصادر أخرى.
و قد جاء عمر بن الخطاب إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بترجمة للتوراة، و جعل يتلوها على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و وجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتمعّر-أي يتقبّض-و قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
«أمتهوّكون أنتم؟ ! لقد جئتكم بها نقية بيضاء، و اللّه، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (1).
1) للحديث ألفاظ مختلفة و له مصادر كثيرة، فراجع على سبيل المثال: المصنف للصنعاني ج 10 ص 113 و ج 6 ص 112 و ج 11 ص 111 و تقييد العلم ص 52 و في هامشه عن مصادر أخرى و جامع بيان العلم ج 2 ص 52-53 و راجع ص 50 و الفائق ج 4 ص 116 و مسند أحمد ج 3 ص 387 و 470-471 و ج 4 ص 266 و غريب الحديث ج 4 ص 48-49 و ج 3 ص 28 و 29 و البداية و النهاية ج 2 ص 133 و قال: تفرد به أحمد و إسناده على شرط مسلم و لسان الميزان ج 2 ص 408 و كنز العمال ج 1 ص 233 و 234 عن عدة مصادر و البحار ج 73 ص 347 و ج 2 ص 99 ط مؤسسة الوفاء، و الدعوات للراوندي ص 170 و أسد الغابة ج 3 ص 126-127 و ج 1 ص 235 و النهاية في اللغة ج 5 ص 282 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 666 و مجمع الزوائد ج 1 ص 182 و 174 و 173 و سنن الدارمي ج 1 ص 115 و 116 و المقدمة لابن خلدون ص 436 و الضعفاء الكبير ج 2 ص 21 و صفة الصفوة ج 1 ص 184 و اليهود و اليهودية ص 14 و السيرة الحلبية ج 1 ص 230 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 229 و راجع: كشف الأستار ج 1 ص 79 و فتح الباري ج 13 ص 281 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و البزار و الإسرائيليات في كتب التفسير ص 86 و أضواء على السنة المحمدية ص 162 و القصاص و المذكرين ص 10 و أصول السرخسي ج 2 ص 152.
و هكذا فعلت حفصة-حسبما يروى-مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هكذا أيضا كان موقفه «صلى اللّه عليه و آله» منها (1).
و لم يكتف «صلى اللّه عليه و آله» بالقول و بالتغيظ على من يأخذ من أهل الكتاب، بل باشر إتلاف ما كتبوه عنهم بنفسه.
فقد روي أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء كتبه عن أحد اليهود، فجعل «صلى اللّه عليه و آله» يتتبعه رسما رسما، يمحوه بريقه، و هو يقول: «لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا و تهوكوا، حتى محا آخره حرفا حرفا» (2).
و لكن ما يؤسف له هو أنه رغم صراحة القرآن، و رغم جهود النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمنع الناس من الأخذ من أهل الكتاب، فقد استمر كثيرون على الأخذ عنهم.
و التلمّذ على أيدي من أظهر الإسلام منهم، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.
و قد شجعتهم السلطات على رواية أساطيرهم بأساليب و طرق مختلفة. كما سنرى.
و بعد ما تقدم نقول:
إنهم حين منعوا الناس من السؤال عن معاني القرآن، و رواية حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كتابته، و واجهتهم مشكلة إيجاد البديل، و رأوا: أن الحل الأفضل هو توجيه الناس إلى ما عند أهل الكتاب، فإن ذلك ينسجم مع الخلفيات التي كانت لدى الكثيرين، و يدفع الآخرين للتعرف على ما عند هؤلاء الناس من عجائب و غرائب، ثم هو يخفف من حدة الضغوطات التي يتعرضون لها فيما يرتبط باهتمام الناس بالمعارف الدينية.
و تبقى مشكلة الفتوى، و هي مشكلة سهلة الحل، و قد وجدوا لها التدبير المناسب و المعقول بنظرهم، كما سنرى. أما كيف وجهوا الناس نحو علوم أهل الكتاب، فذلك هو الأمر المهم و الحساس، الذي لا بد لنا هنا من الإشارة إلى بعض فصوله و شواهده، فنقول:
لقد كان لا بد لهم بادئ ذي بدء من إعطاء رواية الإسرائيليات جوازا شرعيا، مستندا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليقبله الناس، و ليكون حجة على من يريد أن يعترض، فكان أن أصدروا مرسوما عاما، منسوبا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» . كما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و أبو هريرة، و أبو سعيد الخدري (1).
1) راجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ج 2 ص 165 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 109 و 110 و ج 10 ص 310 و 311 و 312 هوامشه و الجامع الصحيح ج 5 ص 40 و سنن أبي داود ج 3 ص 322 و سنن الدارمي ج 1 ص 136 و مسند أحمد ج 3 ص 46 و 13 و 56 و ج 2 ص 214 و 159 و 202 و 474 و 502 و مشكل الآثار ج 1 ص 40 و 41 و ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 149 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 109 و الأسرار المرفوعة ص 9 و المجروحون ج 1 ص 6 و مجمع الزوائد ج 1 ص 151 و المعجم الصغير ج 1 ص 166 و كنز العمال ج 10 ص 129 و 135 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 224 و 225 و 226 و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 90 و 91 و 92 و 100 و 103 و 105 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 4 و 221 و البداية و النهاية ج 1 ص 6 و ج 2 ص 132 و 133 و تقييد العلم ص 30 و 31 و 34 و شرف أصحاب الحديث ص 15 و 14.
و بذلك يكونون قد سمحوا لأهل الكتاب بأن ينشروا أساطيرهم، و يشيعوا أباطيلهم، و ذلك بصورة شرعية، و رسمية، و لا يمكن الاعتراض عليها، لا سيما و أنهم قد دعموا ذلك بمزاعم أخرى من قبيل ما زعموه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يحدثهم عن بني إسرائيل عامة ليله، حتى يصبح (1).
و قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عبد اللّه بن سلام بقراءة القرآن و التوراة، هذا ليلة، و هذا ليلة (2).4.
و الظاهر هو أن حديث: حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، ليس كذبا كله، بل هو-فيما نظن-تحريف للكلمة المأثورة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : حدثوا عني و لا حرج، و من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. حسبما رواه أبو هريرة! ! و أبو سعيد الخدري، و أنس. . (1).
و الأولان بالإضافة إلى ابن عمرو بن العاص هم الذين ينسب إليهم ذلك الحديث المحرف.
إلا أن يكون المراد من الحديث: حدثوا بما حدثتكم به من مخازي و انحرافات بني إسرائيل و لا حرج، و يكون هؤلاء الناس قد أساؤوا فهم هذا الحديث، و استفادوا منه لتنفيذ سياساتهم و مآربهم.
و بعد هذا التمهيد، فقد كان من الطبيعي أن نتوقع منهم التقدم خطوة أخرى باتجاه إعطاء امتيازات لأهل الكتاب، فقد سمح الخليفة الثاني لكعب الأحبار بأن يقرأ التوراة آناء الليل و النهار (2).
1) كنز العمال ج 10 ص 128 و 135 و 136 عن أحمد و مسلم، و أبي داود، و ابن عساكر، و صحيح مسلم ج 8 ص 229 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 260 و تقييد العلم ص 31 و 33 و 34 و 35 و 78.
2) راجع: غريب الحديث ج 4 ص 262 و جامع بيان العلم ج 2 ص 53 و الفصل في الملل و الأهواء و النحل ج 1 ص 217 و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 96 و الفائق للزمخشري ج 2 ص 236.
و نريد أن نفترض مسبقا، و قبل الدخول في تفاصيل القضايا:
أن حديث: «حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» ، قد قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حقيقة، و بلا ريب.
و لكن هذا الافتراض لا يجدي، و لا يثبت به الرخصة بالأخذ عن أهل الكتاب، و الركون إليهم، و رواية أباطيلهم، و أساطيرهم.
إذ إن هذا التعبير إنما يفيد جواز نقل ما وصل إليهم من أخبار بني إسرائيل الثابتة و المعلوم صحتها، مما أخبرهم اللّه و نبيه به.
حيث كانوا يتوهمون عدم جواز روايتها و تداولها، فورد الترخيص لهم بذلك. لا أن يأخذوا عن علماء أهل الكتاب ما يصدرونه لهم من غث و سمين، و صحيح و سقيم.
و مهما يكن من أمر، فإن الناس كانوا يأخذون من كعب الأحبار، الذي كان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية (1)و عن وهب بن منبه، و عبد اللّه بن سلام، و غيرهم من علماء و أحبار أهل الكتاب، الذين أظهروا الإسلام.
قال الكتاني: «و أخذ كثير من علية الصحابة عن كعب الحبر معروف» (2).
و لكي لا نكون قد أهملنا الإشارة إلى بعض هؤلاء الذين أخذوا عن أهل الكتاب، فإننا نكتفي بتقديم نموذج بسيط جدا من أسماء هؤلاء، مع إلماحة في الهامش إلى نموذج من المصادر أيضا، التي نجد فيها ما يؤيد أخذ من ذكرنا أسماءهم عن علماء اليهود و النصارى.
فراجع ما يؤثر في هذا المجال عن: أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، و أبي هريرة، و عمر بن الخطاب، و ابنه عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عطاء بن يسار، و عوف بن مالك، و سعيد بن المسيب، و زرارة بن أوفى، و روح بن زنباغ، و عطاء بن يزيد، و شهر بن حوشب، و عبد اللّه بن وهب، و عبد اللّه بن مغفل، و عبد اللّه بن الحرث، و أنس، و عبد اللّه بن حنظلة، و أبي الدرداء، و مقاتل بن سليمان، بل لقد نسب ذلك إلى ابن عباس أيضا (1).
1) راجع في ذلك كلا أو بعضا: الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 110 و 117 و 160 و 161 و 126 و 154 و 168 و فجر الإسلام ص 201 و 160 و أضواء على السنة المحمدية ص 110 و 125-126 و 172 و 173، و دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 20 و ج 11 ص 582-583 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 17 و تهذيب التهذيب ج 8 ص 439 و ج 1 ص 511-512 و جامع البيان ج 17 ص 10 و مجلة المنار، الجزء الأول، المجلد 26 ص 615 و 783، و الموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 131-132 و منحة المعبود ج 1 ص 140 و الزهد و الرقائق ص 434 و 534 و ربيع الأبرار ج 1 ص 559 و السيرة الحلبية ج 1 ص 217 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 326 و 327 و اختصار علوم الحديث (مع الباعث الحثيث) ص 196 و ميزان الاعتدال ج 4 ص 173 ترجمة مقاتل.
هذا إلى جانب عشرات بل مئات آخرين، فراجع تراجم علماء أهل الكتاب، و انظر من روى عنهم ليتضح لك ذلك بصورة جلية (1).
و قد كان بعض الصحابة المتأثرون بأهل الكتاب يوصون بأخذ العلم عنهم.
فقد روي: أنه حينما حضرت معاذا الوفاة أوصاهم: أن يلتمسوا العلم عند أربعة و هم: سلمان، و ابن مسعود، و أبو الدرداء، و عبد اللّه بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم (2).
و أوضح من ذلك و أصرح: ما روي من أن رجلا سأل ابن عمر عن مسألة، و عنده رجل من اليهود، يقال له: يوسف، فقال: سل يوسف، فإن اللّه يقول: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ (3).
و في سياق الحديث عن الأخذ عن أهل الكتاب بعد أن ترخص الناس بذلك، و بدأ أحبارهم و علماؤهم في نشر أساطيرهم بجد و نشاط، نلاحظ: أن بعض الصحابة يكاد يكون متخصصا في النقل عنهم، و في نشر أباطيلهم و أساطيرهم.
فها نحن نجد: أن كل من يتحدث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص لا بد أن يضع في حسابه: أن يذكر الزاملتين اللتين يدعي ابن عمرو: أنه قد وجدهما في حرب اليرموك مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث عنهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات (1).
و قد قرر بعض المؤلفين (2): أن ابن عمرو إنما اعتمد في الرخصة بذلك على ذلك المرسوم العام، الذي أشرنا إليه فيما سبق، و هو: حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج.
مع أنه قد تقدم: أن الحديث-لو صح-فالمقصود به رواية الحديث الثابت صحته، و المأخوذ من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا من علماء بني إسرائيل. بالإضافة إلى احتمال آخر ذكرناه هناك.
إن من يراجع كتب تراجم الصحابة و التابعين يجد الكثير من الروايات رواها رواتها عن خصوص كعب الأحبار، و لو بالواسطة، الأمر الذي يشير إلى كثرة تلامذة هذا الرجل، و شدة اهتمام فريق من الناس بالأخذ عنه.
و لعل سبب ذلك، هو تلك الثقة الكبيرة التي أولاه إياها الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، كما يعلم من مراجعة كتب الحديث و التاريخ و التراجم.
و قد قرضه الخليفة أكثر من مرة، و من ذلك أنه حينما تزلف له كعب بما راق له، قال: « وَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (1)» (2).
ثم جاء معاوية بن أبي سفيان ليظهر المزيد من الاهتمام بكعب، و ليمنحه المزيد من الأوسمة، و كلماته فيه و تقريظاته له معروفة و مشهورة (3).
هذا بالإضافة إلى تأثير ذلك المرسوم العام في ترغيب الناس بما عند أهل الكتاب، حسبما تقدم.
و قد أفاد كعب من هذه التقريظات، و استخدمها في جلب المزيد من التلامذة إلى حظيرته، و بدأ ينشر على تلامذته ما شاءت له قريحته، و دعته إليه أهدافه. و ترخص الناس في الرواية عنه، حتى كان أبو هريرة يروي عن كعب، كما يروي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد روى حديثا في خلق السماوات و الأرض حكموا عليه بأن أبا هريرة إنما تلقاه عن كعب (4).
و يقول بشير بن سعد-كما روي عنه-: اتقوا اللّه و تحفظوا من الحديث، فو اللّه، لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول اللّه، و يحدثنا عن كعب، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللّه عن
كعب، و يجعل حديث كعب عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
فترى: أن أبا هريرة يجعل حديثه عن كعب، إلى جانب حديثه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لا يجد غضاضة في أن يحدث في مجالسه عنهما معا! !
و هذا ربما يكون السبب في صدور الإجازة له بالتحديث بعد أن كان ممنوعا من ذلك.
و سرعان ما أصبح كعب الأحبار شخصية مرموقة، يحتكم إليها حتى خليفة المسلمين، ليجد عندها الجواب الكافي و الشافي، و الحكم العادل و الفاصل.
فقد روى المفسرون: أن خلافا وقع بين معاوية و ابن عباس في قراءة جملة: «عين حمئة» . كما يقول ابن عباس. أو: «حامية» كما يقول معاوية: فاتفقا على تحكيم كعب الأحبار؛ فسألاه: كيف تجد الشمس في التوراة؟ !
فقال: في طينة سوداء.
فوافق جوابه كلام ابن عباس (2).
و لا ندري كيف صار كلام كعب دليلا على صحة الآية القرآنية بهذا النحو أو بذاك؟ .
و من الذي قال: إن كعب الأحبار لم يكن مسبوق الذهن بالآية القرآنية، فجاء بنص ينسجم معها حذرا من المواجهة مع صحابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لو أنه جاء بما يخالف القرآن.
و يلاحظ: أن معاوية-كما ذكرته رواية في الدر المنثور-قد أرسل أولا إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فوافق معاوية. ثم سأل كعب الأحبار، فأجابه بما وافق ابن عباس (1).
و في نص آخر: أن المخالفة كانت بين ابن عباس، و عمرو بن العاص (2).
مع أن ابن عمرو يأخذ من كتب أهل الكتاب، كما كان يأخذ كعب.
و قد بلغ مقام كعب عند معاوية مبلغا عظيما، جعله يصر عليه هو شخصيا بأن يتولى مهمة القصص، كما أسلفنا.
بل لقد صار هذا الرجل من مواضع البركة لهم، حتى ليقول الكتاني: «تغالي معاوية في بردة كعب معروف» (3).
و قد كان كعب يعرف كيف يهيمن على عقول الناس، و ينال ثقتهم، و يكتسب تأييدهم.
و كان أيضا من أعرف الناس بمفاتيح قلوبهم، و كيف؟ و متى؟ و بأية صورة يوزع الرشاوى على أتباعه، و المعجبين به، ليحتفظ بولائهم، و حبهم، و ثقتهم إلى أبعد مدى.
و قد تحدثنا عن بعض من ذلك فيما سبق، حين الحديث عن كيد و تهويلات أهل الكتاب.
و نشير هنا إلى بعض آخر من ذلك أيضا، فنقول:
لقد كان كعب الأحبار على علم بالتوجهات العامة لسياسات الحكم تجاه علي «عليه السلام» و أهل بيته، و لم يكن ليخفى عليه: أن ثمة خطة لإبعادهم عن الخلافة و إبعادها عنهم بمختلف الأساليب.
و على هذا الأساس نلاحظ: أنه حين استشار عمر كعبا في أمر الخلافة، و طرح له أسماء المرشحين لها، فلما انتهى إلى اسم علي «عليه السلام» نرى كعبا يرفض أن يكون لعلي «عليه السلام» نصيب فيها، بشدة و قوة (1).
و ما ذلك إلا لأنه كان على علم بالسياسات الخفية في هذا الاتجاه، و كان يعلم أيضا: أن رفضه هذا كان يروق للخليفة، و ينسجم مع تطلعاته
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 81.
و تدبيراته، و طموحاته المستقبلية.
و بالنسبة لعمر نفسه، فإننا نجد أهل الكتاب يتزلفون له بطريقة أخرى أيضا، و ذلك حينما منحوه لقب «الفاروق» الذي كان يعجبه و يروق له.
يقول النص التاريخي: «بلغنا: أن أهل الكتاب أول من قال لعمر: «الفاروق» .
و كان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم.
و لم يبلغنا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكر من ذلك شيئا» (1).
و ربما يظهر من رواية الطبري: أن الذي سماه بذلك هو كعب الأحبار نفسه (2).
و واضح: أن منح هذا اللقب للخليفة قد يكون رشوة، و قد يكون مكافأة له على إفساحه المجال لأهل الكتاب لنشر ترهاتهم و أباطيلهم في المسلمين بعد أن حرم المسلمون من حديث نبيّهم رواية و كتابة، و من قرآنهم أيضا، حسبما ألمحنا إليه.
و مما يدخل في هذا السياق ما قاله كعب الأحبار، و هو يقرّض أبا هريرة: «ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة» (1).
و لا ندري من أين حصل أبو هريرة على علوم التوراة، و كيف عرف ما فيها دون أن يقرأها.
و هل يمكن أن يوجد شخص غير هذا الرجل يستطيع أن ينال علم شيء دون أن يطلع عليه، و يعرف ما فيه؟ ! .
قالوا: كان ابن عباس يقرأ: «في عين حمئة» فقال كعب: ما سمعت أحدا يقرؤها كما هي في كتاب اللّه غير ابن عباس؛ فإننا نجدها في التوراة: في حمئة سوداء (2).
و قد تقدم ما يدل على أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قد ذكر: أنه يوجد في التوراة نص آخر يختلف عما ذكره كعب الأحبار، فراجع ما ذكرناه تحت عنوان: «كعب الأحبار حكما» .
و مهما يكن من أمر فإننا نقول: إن كعبا يريد بكلامه هذا مع ابن عباس: أن يرمي عصفورين بحجر واحد.
فهو من جهة يقدم رشوة إلى ابن عباس، ليكتسب حبه و ثقته، و إعجابه
برجل عنده علم التوراة.
و من جهة ثانية يكون قد كرس في أذهان الناس: أن هذه التوراة التي بين أيديهم هي الكتاب المنزل على موسى، و ليست محرفة، كما يزعمون، و على هذا الأساس، فلا بد من تعظيمها، و الاستفادة مما فيها من علوم، و معارف.
و أما عن تقريظات كعب لعبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقد روي عن عبد اللّه بن السلماني قوله: «التقى كعب الأحبار، و عبد اللّه بن عمرو.
فقال كعب: أتطّيّر؟ !
قال: نعم.
قال: فما تقول؟ !
قال: أقول: اللهم لا طير إلا طيرك، و لا خير إلا خيرك، و لا رب غيرك، و لا حول و لا قوة إلا بك.
فقال: أنت أفقه العرب؛ إنها لمكتوبة في التوراة كما قلت» (1).
و حسبنا ما ذكرناه، فإن المقصود هو الإلماح و الإشارة لا الاستقصاء.
و إذا رجعنا إلى كتب التاريخ و الحديث فسوف نجد: أن علماء أهل الكتاب كانوا يمارسون على الناس طريقة الإرهاب
1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 268 ط صادر.
الفكري، حيث يظهرون لهم: أنهم يعرفون كل شيء، لأن التوراة مكتوب فيها كل شيء، حتى الأرض شبرا شبرا.
قال كعب الأحبار لقيس بن خرشة لاعتراضه عليه، حين أخبره بما يجري على أرض صفين: «ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة، الذي أنزل اللّه على موسى، ما يكون عليه، و ما يخرج منه إلى يوم القيامة» (1).
و في نص آخر قال: «ما من شيء إلا و هو مكتوب في التوراة» (2).
و نقول:
إن التوراة التي تحوي كل هذه التفاصيل لا بد أن تكون مئات بل آلاف المجلدات.
و لو صح أن توراة موسى كان فيها كل ذلك، فمن الذي يضمن أن تكون التوراة الحاضرة هي نفس تلك؟
و نحن نرى: أنها تفقد كل ذلك الذي يدّعون أنه يوجد فيها.
و مهما يكن من أمر، فقد أنشد الحطيئة بيتا من الشعر، فادّعى كعب الأحبار فورا: أنه مكتوب في التوراة (3).
و دعوى كعب وجود كثير مما يتفق أمامه: أنه مذكور في التوراة بهدف كسب ثقة الناس بعلمه و بمعارفه، و رفع شأن التوراة في أعينهم، كثير لا
مجال لتتبعه هنا (1).
و من أساليبهم التي ترمي إلى جعل الناس يقدسون توراتهم المحرفة التي يتداولونها، ما زعموه من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قام للتوراة (2).
ثم جاء الحكم بحرمة مس التوراة و الإنجيل للجنب (3).
و كان أبو الجلد الجوني يقرأ القرآن كل سبعة، و يختم التوراة في ستة أيام نظرا؛ فإذا كان يوم ختمها حشد إلى ذلك ناسا.
و كان يقول: كان يقال: تنزل عند ختمها الرحمة (4).
كما أن وهب بن منبه قد أجاز النظر في التوراة و كتابتها (5).
و كانوا يستشهدون لبعض القضايا التاريخية بأنها قد وردت في التوراة،
1) راجع على سبيل المثال: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 246 و بهجة المجالس ج 1 ص 368. و الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير و الحديث ص 95 عن مسند أحمد.
2) راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 230 عن شرح المنهاج لابن حجر الهيثمي و غيره.
3) التراتيب الإدارية ج 2 ص 231.
4) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 161 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 228- 229.
5) التراتيب الإدارية ج 2 ص 288 عن ابن حجر.
و من أمثلة ذلك: أن ابن دحية قد كذّب الرواية التي تقول:
إن هارون مدفون في أحد؛ لأنه قدم هو و أخوه موسى إلى الحج أو العمرة، فمات هناك، فواراه أخوه موسى فيه.
قال ابن دحية: «هذا باطل بيقين، و إن نص التوراة: أنه دفن بجبل من جبال بعض مدن الشام» (1).
و تشير النصوص التي بين أيدينا: «إلى أن الذين أسلموا من أهل الكتاب قد استمروا على تعظيم توراتهم و على العمل ببعض ما فيها-كما ذكره المفسرون لآية يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً (2)» (3).
و قد روي: أن عبد اللّه بن سلام، و ثعلبة، و ابن يامين، و أسد، و أسيد بني كعب، و سعيد بن عمرو، و قيس بن زيد، و كلهم من اليهود جاؤوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا:
يا رسول اللّه، يوم السبت كنا نعظمه، فدعنا فلنسبت فيه، و إن التوراة كتاب اللّه، فدعنا فلنقم بها بالليل.
فنزلت الآية (4): يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً .
و في نص آخر: «أن ابن سلام و غيره ممن أسلم من اليهود استمروا على
تعظيم السبت، و كراهة أكل لحم الإبل، و شرب لبانها؛ فأنكر ذلك عليهم المسلمون.
فقالوا: «إن التوراة كتاب اللّه، فنعمل به أيضا، فأنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً (1)» (2).
و تقدم: أن الخليفة الثاني قد سمح لكعب الأحبار بأن يقرأ التوراة آناء الليل و أطراف النهار.
إنه لا ريب في أن القصص حينما يكون حقا، و في خدمة الحق، و وسيلة لتوعية الناس، و تعريفهم بواجباتهم، فإنه يكون حينئذ محبوبا و مطلوبا للّه تعالى، و قد قال عز من قائل:
إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (1).
و حينما طلب الصحابة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقص عليهم، نزل قوله تعالى:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ هٰذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغٰافِلِينَ (2).
و روي أن سعد الإسكاف قال لأبي جعفر: إني أجلس فأقص؛ و أذكر حقكم و فضلكم!
قال: وددت أن على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك (1).
و كان أبان بن تغلب «قاص الشيعة» (2).
و كان عدي بن ثابت الكوفى المتوفي سنة 116 ه. إمام مسجد الشيعة و قاصهم (3).
هذا هو رأي الإسلام، و صريح القرآن، و نهج أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة و موقفهم.
و لكن الأمر بالنسبة لسياسات الآخرين و أهدافهم من هذا الأمر، لم يكن بهذه البساطة، بل هو يختلف تماما مع هذا الذي ذكرناه بصورة حقيقية و أساسية، و لتوضيح ذلك نقول:
سبق أن قلنا: إنه قد كان لا بد للحكم من إشغال العامة، و ملء الفراغ الروحي و النفسي الذي نشأ عن إبعاد العلماء الحقيقيين عن التعاطي مع الناس، و تثقيفهم و تربيتهم.
و بعد أن استقر الرأي على إعطاء دور رائد لأهل الكتاب في هذا
المجال، فقد اتجه الحكام نحو استحداث طريقة جديدة، من شأنها أن تشغل الناس، و تملأ فراغهم، و توجد حالة من الطمأنينة لديهم، مع ما تقدمه لهم من لذة موهومة، و لكنها محببة.
مع الاطمئنان إلى أن هذه الطريقة لا تؤدي إلى إحراج الحكام في شيء، بطرح أي من الأمور الحساسة، التي لا يريدون التعرض لها، أو المساس بها.
و هذه الطريقة هي السماح بالقصص لمسلمة أهل الكتاب، من الأحبار و الرهبان، حيث ينشرون في الناس ما شاؤوا من أساطير و ترهات، و يذهبون بأوهام الناس و خيالاتهم في آفاق الخواء و الهباء، ثم يقذفون بها في أقبية الأحلام الصفيقة، أو في أغوار النسيان العميقة و السحيقة.
و أهل الكتاب هم أجدر و أبرع من تصدى لهذا الأمر، و أولى من حقق الغاية المنشودة؛ لأن العرب كانوا إلى عهد قريب يحترمونهم، و يثقون بهم و بعلمهم، و لم يتسنّ للإسلام-رغم ما قام به من جهود-أن ينتزع هذه النظرة التي لا تستند إلى أساس موضوعي من النفوس المريضة أو الضعيفة.
و قد قام أحبار أهل الكتاب بالمهمة التي أوكلت إليهم خير قيام، و حققوا كل أهداف الحكم و الحاكمين، و أهدافا أخرى كانوا هم أنفسهم يسعون إليها، و يعملون ليل نهار في سبيل الوصول و الحصول عليها.
و إذا كانوا في السابق يعملون في السر و الخفاء، فها هم اليوم يمارسون نشاطهم جهرا و بطلب من الحكم القائم بالذات.
و قد مارسوا نشاطهم و دورهم هذا في ظل قرار رسمي حكومي، يقضي باحتلال أهل الكتاب للمساجد، و أولها مسجد الرسول الأعظم
«صلى اللّه عليه و آله» في المدينة (1)، ليشغلوا الناس بما يقصّونه عليهم من حكايا بني إسرائيل، و أي شيء آخر يروق لهم، و يخدم الأهداف التي يعملون من أجلها و في سبيلها.
و كان تميم الداري، الذي هو في نظر عمر بن الخطاب خير أهل المدينة (2)قد طلب من الخليفة الثاني أن يقص، فسمح له، فكان يقص في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل جمعة، فاستزاده يوما آخر فزاده.
فلما تولى عثمان زاده يوما آخر أيضا (3).
1) إنها لمفارقة عجيبة في التناقض بين سلوك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين سلوك من يدّعون خلافته، فالنبي الذي سعى لطرد اليهود من الجزيرة العربية، إذ بهم بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» يحتلون مكانه بدعوة من الحكام الذين يحكمون باسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
2) الإصابة ج 1 ص 215.
3) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 219 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 11 و 12 و راجع ص 10 و 15 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 446 و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 360. و راجع: الخطط للمقريزي ج 2 ص 253. و حول أن عمر قد أمر تميما الداري بأن يقص، و أنه أول من قص راجع: الزهد و الرقائق ص 508 و صفة الصفوة ج 1 ص 737 و أسد الغابة ج 1 ص 215 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 138 و مسند أحمد ج 3 ص 449 و مجمع الزوائد ج 1 ص 190 و الإصابة ج 1 ص 183 و 184 و 186 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 378 و 379، و فيه: أنه تعلم ذلك من اليهود و النصارى، و أرجع في الهامش إلى طبقات ابن سعد ج 1 ص 75. و راجع: الإسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 161 و كنز العمال ج 10 ص 171 و 172 عن المروزي في العلم و عن أبي نعيم، و عن العسكري في المواعظ و التراتيب الإدارية ج 2 ص 338 و القصاص و المذكرين ص 20 و 21 و 29 و عن الضوء الساري للمقريزي ص 129 و مختصر تاريخ دمشق ج 5 ص 321.
و كان عمر بن الخطاب يجلس إليه بنفسه، و يستمع إلى قصصه (1).
و يقول البعض: إن تميما إنما أخذ ذلك من اليهود و النصارى (2)مع أن تميما كان في بادئ الأمر نصرانيا! !
و قيل: إن أول من قص هو عبيد بن عمير. و ذلك على عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (3).
و كان معاوية إذا صلى الفجر يجلس إلى القاص، حتى يفرغ من قصصه (4).
كما أن عمر بن عبد العزيز كان يجلس و يستمع إلى القصاص (5).
و كان محمد بن قيس قاصا لعمر بن عبد العزيز بالمدينة (6).
1) راجع: الزهد و الرقائق ص 508 و القصاص و المذكرين ص 29.
2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 378 و 379.
3) راجع: سائر المصادر المتقدمة، و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 13 و كنز العمال ج 10 ص 171 عن ابن سعد، و عن العسكري في المواعظ، و القصاص و المذكرين ص 22.
4) التراتيب الإدارية ج 2 ص 348 عن مروج الذهب ج 2 ص 52.
5) القصاص و المذكرين ص 33.
6) راجع: الجرح و التعديل ج 8 ص 63 و التاريخ الكبير ج 1 ص 212 و تاريخ ابن معين ص 166 و راجع: الحوادث و البدع ص 103 عن المدونة الكبرى، كتاب الوضوء.
و كان الناس يفخرون بفقيههم و قاصهم: ابن عباس، و عبيد بن عمير (1).
و ما دام أن القصاصين صاروا مصدر فخر للأمة، فمن الطبيعي: أن نرى كثيرين من الأعيان و المعروفين قد تصدوا للقصص أيضا، فعدا عن تصدي مثل: كعب الأحبار، الذي كان يقص في عهد معاوية بأمر منه (2).
و كان عمر أيضا يستدعي من كعب الموعظة (3)، و هذا اصطلاح يقصد به القصص، كما يظهر من كتاب: القصاص و المذكرين، لابن الجوزي. و كان تبيع بن عامر، و هو ابن زوجة كعب و ربيبه يقص (4).
نعم، عدا عمن ذكرنا، فقد كان أبو هريرة يقص، و كذا الأسود بن سريع، و محمد بن كعب القرظي، و قتادة، و عطاء، و سعيد بن جبير، و ثابت البناني، و عمر بن ذر، و أبو وائل، و الحسن البصري، و غيرهم (5).
فراجع المؤلفات التي تعالج موضوع القصص، و القصاصين، ككتاب: القصاص و المذكرين، و تلبيس إبليس، و قوت القلوب، و غير ذلك لتطلع على
1) القصاص و المذكرين ص 46-47 و راجع: المعرفة و التاريخ ج 2 ص 33 و الطبقات الكبرى ج 5 ص 445.
2) القصاص و المذكرين ص 25 و راجع: ربيع الأبرار ص 588 و تاريخ المدينة ج 1 ص 8 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 336 عن أحمد، و حسّن الهيثمي إسناده.
3) القصاص و المذكرين ص 30.
4) تهذيب الكمال ج 4 ص 314.
5) راجع: القصاص و المذكرين ص 44 و 45 و 50 و 58 و 62 و 32. و راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 220 و المعرفة و التاريخ ج 1 ص 391 و مسند أحمد ج 3 ص 451 و متمم طبقات ابن سعد ص 136.
أسماء كثيرين ممن كانوا يمارسون القصص في الصدر الأول.
و حتى النساء، فإنهن قد مارسن مهنة القصص، فقد روى ابن سعد: أن أم الحسن البصري كانت تقص على النساء أيضا (1).
و كان الحكام يهتمون بأمر القصاصين بصورة واضحة، و قد تجلى هذا الاهتمام في جهات عديدة:
1-فقد تقدم: أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان يجلس إلى القصاصين، و يستمع إليهم، و كذلك معاوية، و عمر بن عبد العزيز.
2-و قد جعلوا للقصاصين جعلا (أي أجرا) على عملهم (2).
و كان عمر بن عبد العزيز-حسبما يقولون-يعطي القاص الذي رتبه للقيام بهذه المهمة دينارين شهريا، فلما ولي هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير (3).
3-كان منصب القصاص منصبا رسميا يتدخل فيه الخليفة بنفسه، نصبا و عزلا، كما تقدم عن عمر، و معاوية، و عمر بن عبد العزيز. و سيأتي ما يدل على ذلك أيضا عن عوف بن مالك، و عبادة بن الصامت، حيث قالا:
لا يقص إلا أمير، أو مأمور الخ.
و يدل عليه أيضا كلام غضيف بن الحارث مع عبد الملك بن مروان (1)، فراجع.
و قد ذكر المقريزي طائفة ممن تولوا منصب (قصاص) في القرون الأولى على التعاقب، فليراجعه من أراد ذلك (2).
أما من كان يقص بدون إذن من الحاكم، فقد كان يعرض نفسه للمؤاخذة من قبل الحكام (3).
و لعل القاص الذي ينصبه الحاكم هو الذي كان يقال له: «قاص الجماعة» (4).
و يشير إلى ذلك: أن أبا الهيثم كان قاص الجماعة في عهد بني أمية، فلما جاء بنو العباس عزلوه، فاعترض على ذلك و استنكره (5).
4-إن الخلفاء كما أنهم كانوا يجعلون للجماعة قاصا، فإنهم كانوا يجعلون للجند قاصا أيضا، لأجل تحريكهم، و بعث الحماس فيهم، (6)
1) راجع تاريخ المدينة ج 1 ص 10 و مجمع الزوائد ج 1 ص 188.
2) راجع: الخطط و الآثار ج 2 ص 254.
3) راجع: أنساب الأشراف ج 4 قسم 1 ص 34-35.
4) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 220 و تاريخ المدينة ج 1 ص 16 و 14.
5) راجع المعرفة و التاريخ ج 2 ص 436.
6) راجع: تمدن إسلام و عرب در قرن چهارم هجري ج 2 ص 80 و 85 و الجرح و التعديل ج 6 ص 163.
و توجيههم سياسيا، حسبما يتوافق مع أهداف الحاكم و طموحاته.
و قد صرح الحسن بن عبد اللّه: أن الملك هو الذي يتولى منصب قاص الجند (1).
5-لقد كان الخليفة يتدخل حتى في كيفية و نوع و مقدار العمل الذي يسمح به للقاص، و تقدم أن عمر و عثمان قد عينا لتميم الداري الوقت و المدة و المكان.
كما أن عمر بن عبد العزيز-الذي تلمّذ على يدي مسلم بن جندب القاص- (2)قد كتب إلى صاحب الحجاز: أن مر قاصك: أن يقص على كل ثلاثة أيام مرة. أو قال: قاصكم (3).
6-لقد كان الأمراء أنفسهم يمارسون عمل القصص، حتى قيل-بل لقد جعلوا ذلك رواية عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما عن عبادة بن الصامت، و عوف بن مالك:
«لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال. أو قال: أو متكلف» (4).
1) راجع: الجيش و القتال في صدر الإسلام ص 135.
2) راجع: التاريخ الكبير ج 3 ص 354 و المعرفة و التاريخ ج 1 ص 596.
3) القصاص و المذكرين ص 28. لعل الصحيح: أخبار القصاص و المذكرين.
4) راجع: قوت القلوب ج 2 ص 302 و 303 و كنز العمال ج 10 ص 124 عن الطبراني و المعجم الصغير ج 1 ص 216 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 8 و 9 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 336 عن أحمد، و أبي داود، و الطبراني في الكبير و الأوسط، و الهيثمي. و القصاص و المذكرين ص 25 و 28 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1235 و مسند أحمد ج 4 ص 233 و ج 6 ص 29 و ربيع الأبرار ج 3 ص 588 و سنن الدارمي ج 2 ص 319 و مختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 240 و ج 10 ص 338 و 339. و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 190 و النهاية في اللغة ج 4 ص 70 و لسان العرب ج 7 ص 74 و 75 و عن تحذير الخواص ص 59. و الحوادث و البدع للطرطوشي ص 101 ط تونس سنة 1959.
و غني عن القول هنا:
أن القصاصين قد قاموا بدور فاعل في تثبيت دعائم الحكومات الظالمة، و أصبحوا أبواقا لها للدعاية و الإعلام، يشيعون في الناس ما يريد الحكام إشاعته، مما يخدم مصالحهم، و يوصلهم إلى أهدافهم.
1-أن معاوية حين جاء لحرب الإمام الحسن «عليه السلام» في العراق، استصحب معه القصاص؛ فكانوا يقصون في كل يوم، يحضون أهل الشام عند وقت كل صلاة؛ فقال بعض شعرائهم:
من جسر منبج أضحى غب عاشرةفي نخل مسكن تتلى حوله السور (1)
2-و يقولون أيضا: إن معاوية حينما بلغه:
أن عليا «عليه السلام» قنت فدعا على أهل حربه، أمر القاص الذي
1) تاريخ بغداد ج 1 ص 208 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 146 و في هامشه عن ابن عساكر.
يقص بعد الصبح و بعد المغرب: أن يدعو له و لأهل الشام (1).
3-و كان عبد الملك شكا إلى العلماء! ! ما انتشر عليه من أمر رعيته، و تخوفه من كل وجه، فأشار عليه أبو حبيب الحمصي القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى.
فكان عبد الملك يدعو و يرفع يديه، و كتب بذلك إلى القصاص؛ فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة و العشي (2).
4-و كان محمد بن واسع الأزدي من جملة القصاص و الوعاظ في جيش قتيبة بن مسلم في خراسان، و كان يقول قتيبة في حقه: إنه بالنسبة إليه أفضل من ألف سيف و رمح. فراجع (3).
5-قال عبد الملك بن مروان لغضيف بن الحارث: «إنا قد أجمعنا الناس على أمرين: قال: و ما هما؟
قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، و القصص بعد الصبح و العصر الخ» (4).
6-كما أن القصاصين قد قاموا بدور مهم في إحداث الفتنة بين السنة و الشيعة في بغداد، في زمن عضد الدولة، فمنعهم من القصص. و ذلك في
سنة 367 ه (1).
و كذلك جرى في سنة 398 ه. ق.
ثم سمحوا لهم بمزاولة أعمالهم بشرط تركهم التعرض للفتن (2).
كان القصاصون جريئين على اللّه و رسوله، فلم يكونوا يتورعون عن وضع الحديث، حتى لقد قال ابن حبان:
«كانوا إذا حلوا بمساجد الجماعات، و محافل القبائل مع العوام و الرعاع أكثر جسارة في الوضع» (3). أي في وضع الحديث على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد حدّث ابن عون، فقال: «أدركت المسجد، مسجد البصرة، و ما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة واحدة تنسب إلى مسلم بن يسار، و سائر المسجد قصاص» (4).
1) راجع: البداية و النهاية ج 11 ص 289 و طبقات الحنابلة ج 1 ص 158 و المنتظم ج 7 ص 88 و سير أعلام النبلاء ج 16 ص 509 و تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 350-380 ه) ص 153.
2) راجع: المنتظم ج 7 ص 337 و 338 و تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 380-400 ه) ص 337-338 و شذرات الذهب 149 و 150 و بقية المصادر في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد ص 24 و 25 الطبعة الأولى.
3) عن المجروحين ج 2 ص 30، أ.
4) القصاص و المذكرين ص 16.
و دعا عطاء بن أبي رباح بخمسة قصاص، فقال: قصوا في المسجد الحرام.
قال: و هو جالس إلى أسطوانة.
قال: فكان خامسهم عمر بن ذر (1)و أما سيطرتهم على عقول الناس، فذلك أوضح من الشمس، و أبين من الأمس، و يوضح ذلك كثير من الحالات و القضايا التي حصلت لبعض المعروفين، الذين كانوا يرفضون طريقتهم، و ينظرون إليهم بعين الريب و الشنآن.
و لكن كانت كلماتهم تجذبهم، و أحاديثهم تسحرهم، رغم علمهم بكونها موضوعة و مكذوبة.
و من غريب ما يذكر هنا: أن أم الإمام أبي حنيفة لا تقبل بفتوى ولدها، و لكنها ترضى بقول قاص يقال له: زرعة (2).
كما أن أحد الكبار المعروفين يحتج لبعض الأمور بقول أحد القصاصين من مسلمة أهل الكتاب، و هو تميم الداري (3).
و حين حاول الشعبي أن ينكر على أحد القصاصين في بلاد الشام ما يأتي به من ترهات، قامت عليه العامة تضربه، و لم يتركه أتباع ذلك القاص، حتى قال برأي شيخهم نجاة بنفسه (4).
بل لقد بلغ الاحترام و التقديس لمجلس القصص و القصاصين أن تخيل البعض:
أن الكلام أثناء القصص لا يجوز، كما لا يجوز الكلام في خطبة الجمعة، حتى أعلمه عطاء: أن الكلام أثناء القصص لا يضر (1).
و قال مالك: «. . و ليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب» (2).
إنه و إن كان كثير من الأعيان و المعروفين كانوا يحضرون مجالس القصاصين، و يستمعون إليهم (3)، و قد استمر ذلك إلى وقت متأخر نسبيا، إلا أن أمرهم قد افتضح، و ظهر لأكثر الناس ما كان خافيا.
و بدأ الناس يجهرون بالحقيقة، و يصرحون بها، و نحن نذكر هنا بعضا من ذلك ليتضح الأمر، و يسفر الصبح لذي عينين، فنقول:
1-قال أبو قلابة: «ما أمات العلم إلا القصاص، يجلس الرجل إلى القاص السنة فلا يتعلم منه شيئا» (4).
و قريب من ذلك ما عن أيوب السختياني (1).
2-لقد ذكر أحد الصحابة لواحد من القصاصين: أن ظهور القصاص كان هو السبب في ترك الناس لسنة نبيهم، و قطع أرحامهم (2).
3-عن أحمد بن حنبل: أكذب الناس السؤال، و القصاص (3).
4-و قال محمد بن كثير عن القصاص: أكذب الخلق على أنبيائه (4).
5-و صرح البعض: أن السبب في انتشار الإسرائيليات في كتب التاريخ و التفسير هم القصاصون (5).
6-و قال إبراهيم الحربي: «الحمد للّه الذي لم يجعلنا ممن يذهب إلى قاص، و لا إلى بيعة، و لا إلى كنيسة» (6).
7-و قال ابن قتيبة: «إن القصاص على قديم الزمان كانوا يميلون وجوه العامة إليهم، و يستدرون ما عندهم بالمناكير، و الغريب، و الأكاذيب من الحديث» (7).
1) السنة قبل التدوين ص 213 عن الجامع لآداب الراوي و أخلاق السامع ص 147.
2) راجع: مختصر تاريخ دمشق ج 10 ص 202 و مجمع الزوائد ج 1 ص 189 و غير ذلك.
3) القصاص و المذكرين ص 83 و راجع: طبقات الحنابلة ج 1 ص 253 و عن قوت القلوب ج 2 ص 308. و الحوادث و البدع ص 102.
4) القصاص و المذكرين ص 84 و راجع: تحذير الخواص ص 80.
5) تاريخ المذاهب الإسلامية ج 1 ص 15.
6) القصاص و المذكرين ص 109.
7) تأويل مختلف الحديث ص 355-357.
8-و يقول آخر: «كانوا يضعون الأحاديث في قصصهم قصدا للتكسب و الارتزاق، و تقربا للعامة بغرائب الروايات، و لهم في هذا غرائب و عجائب، و صفاقة وجد لا توصف» (1).
9-و عن أيوب: ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصاص (2).
10-و لما قص إبراهيم الحربي أخرجه أبوه (3).
و لا يقتصر الأمر على ما ذكر، فإنهم يقولون عن القصاصين أيضا:
1-ما هم إلا غوغاء يستأكلون أموال الناس بالكلام (4).
2-إنهم لا يحفظون الحديث (5).
3-إنهم ينسبون ما يسمعونه من الناس إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخلطون الأحاديث بعضها ببعض، و يتصنعون البكاء، و الرعدة. و منهم من يصفر وجهه ببعض الأدوية، و بعضهم يمسك معه ما إذا شمه سال دمعه، و يتظاهرون بالصعقة، و يعملون على استمالة النساء، و غير ذلك (6).
4-و قد أحدثوا وضع الأخبار (1).
5-و عامة ما يحدث به القصاص كذب (2).
و حسبك من جرائمهم على الحق و على الدين:
1-أن قصة الغرانيق من صنعهم (3).
2-و منهم من روى: أن يوسف حل تكته، فلاح له أبوه (4).
3-و أن قصة داود و أوريا من وضعهم (5).
4-و أن قراءة القرآن بالإلحان قد جاءت من قبلهم (6).
5-و وضع بعضهم في ساعة واحدة أحاديث كثيرة حول فضل صيام يوم عاشوراء، حسب اعترافه (7).
إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه.
أما بالنسبة لموقف علي «عليه السلام» المتشدد جدا من القصاصين، الذين كان منهم شخصيات مشهورة، و ذات قيمة لدى بعض الفئات،
فلسوف يأتي الحديث عنه إن شاء اللّه في فصل: «لا بد من إمام» .
و نكتفي هنا بالإشارة إلى موقف السائرين على نهج أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و ذلك في الفقرة التالية.
إننا إنصافا للحقيقة و للتاريخ نسجل: أن المواقف السلبية من القصاصين لمن عدا شيعة أهل البيت «عليهم السلام» قد جاءت متأخرة نسبيا عن موقف أتباع مدرسة أهل البيت «عليهم السلام» ، الذين كانوا يسجلون إنكارهم و إدانتهم لهذا الاتجاه في صور و مستويات مختلفة.
و قد تجد ذلك قد ورد على صورة نصائح ربما جاءت خافتة إلى حد ما، و ذلك انسجاما مع مقتضيات الواقع الذي كان يفرض قدرا من التحاشي عن الجهر بما يخالف سياسات الحكم، و لو بهذا المستوى الضعيف و الضئيل.
و لا نريد هنا أن نسبر أغوار التاريخ لنلتقط الدلائل و الشواهد الكثيرة و الغزيرة من هنا و هناك، بل نكتفي بذكر نماذج تشير إلى ذلك، و هي التالية:
1-روى مسلم بسنده عن عاصم قال: «كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي-و نحن غلمة أيفاع-فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص، و إياكم و شقيقا. و كان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، و ليس بأبي وائل» (1).
1) صحيح مسلم ج 1 ص 15 و القصاص و المذكرين ص 107.
2-عن عبد اللّه بن خباب بن الأرت قال: مر بي أبي، و أنا عند رجل يقص، فلم يقل لي شيئا حتى أتيت البيت. فاتزر، و أخذ السوط يضربني، حتى حجره الزنو، و هو يقول: أمع العمالقة؟ ! أمع العمالقة؟ ! ثلاثا. إن هذا قرن قد طلع، إن هذا قرن قد طلع، يقولها ثلاثا (1).
3-بل إن ابن مسعود الذي يقال: إنه يميل إلى علي «عليه السلام» ، رغم أننا نجد: أنه كان يتأثر خطى عمر بن الخطاب بصورة ملفتة و واضحة، قد سجل أيضا إدانته للقصاص من أهل الكتاب (2)، فما ظنك بغيره من أهل العلم و المعرفة بالدين؟ !
4-و تقدم قول أبي قلابة: ما أمات العلم إلا القصاص، و إن الرجل يجلس إلى القاص السنة، فلا يتعلم منه شيئا.
5-و تقدم أيضا قول أحد الصحابة: إن القصاص هم السبب في ترك الناس لسنة نبيهم، و قطيعة أرحامهم. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه.
الفصل الأول: بين الدوافع و الأهداف و الآثار و النتائج
الفصل الثاني: لا بد من إمام
الفصل الثالث: إجراءات و ضوابط مشبوهة
الفصل الرابع: الضوابط العلمية للمبنى العلمي
و قد استمر المنع من كتابة الحديث و روايته عشرات السنين، و أصبح التحاشي عنه هو الصفة المميزة لعلماء الأمة و طليعتها المثقفة.
بل لقد صارت كتابة الحديث عيبا أيضا، حتى في أوائل عهد بني مروان (1).
و مضت السنون و الأحقاب، و مات الصحابة الأخيار، بل أوشك التابعون على الانقراض أيضا.
و نشأت أجيال و أجيال لم تسمع أحدا يذكر شيئا عن نبيها، و لا عن مواقفه، و تعاليمه، و سيرته و مفاهيمه.
و تربت هذه الأجيال على النهج الفكري الذي أراده لها الحكام و المتسلطون، و الموتورون و الحاقدون، و تلامذة أهل الكتاب، المعجبون بهم. و ذهب الدين و تلاشى، حتى لم يبق من الإسلام إلا اسمه، و من الدين
1) راجع: تقييد العلم ص 114 و 110 و راجع سنن الدارمي ج 1 ص 126 و عن المحدث الفاضل ج 4 ص 23 و جامع بيان العلم ج 1 ص 73. كان حكم بني مروان بعد حكم آل أبي سفيان، الذي انتهى بمعاوية بن يزيد.
إلا رسمه، حسبما روي عن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة و السلام (1)، الذي لم يعش إلا إلى سنة أربعين من الهجرة.
ثم ازداد البلاء بعد ذلك، و برح الخفاء إلى حد الفضيحة، فاضطر عمر بن عبد العزيز إلى القيام بعمل رمزي ضعيف و ضئيل، لم يكن له أي أثر يذكر على الصعيد العملي، على مستوى الأجيال و الأمة.
ثم بدأت الحركة الحقيقية باتجاه التدوين في أواسط القرن الثاني للهجرة، حسبما تقدم توضيحه.
و خلاصة الأمر: أن الحال قد تردت خلال أقل من ثلاثين سنة من وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ذلك الحد الذي أشار إليه سيد الوصيين «عليه السلام» .
و طمست معظم معالم الدين، و محقت أحكام الشريعة، كما أكدته نصوص كثيرة (2).
و كان ذلك في حين أن الصحابة و علماءهم كانوا لا يزالون على قيد الحياة، و كان الناس ينقادون إلى الدين و أحكامه، و يطيعون رموزه و أعلامه.
فكيف ترى أصبحت الحال بعد أن فتحت الفتوح، و مصّرت
الأمصار، و دخلت أقطار كثيرة أو أظهرت الدخول في الإسلام، تحت وطأة الفتوحات، التي قامت بها السلطة الحاكمة آنذاك؟
و كان أن تضخمت الحالة السكانية، و اتسعت رقعة العالم الإسلامي، في فترة قصيرة جدا، و بسرعة هائلة.
لقد كان من الطبيعي: أن يأخذ هؤلاء الوافدون جديدا على الإسلام ثقافتهم الدينية من الناس الذين التقوا بهم، و عاشوا معهم، أو تحت سلطتهم و هيمنتهم.
فإذا كان هؤلاء ضائعين، جاهلين بأحكام الشريعة، و بحقائق الدين، فما ظنك بالتابعين لهم و الآخذين عنهم؟ فإنهم سوف لا يأخذون عنهم إلا ثمرات ذلك الجهل، و آثار ذلك الضياع.
و من الشواهد على هول ما حدث: أننا نقرأ عن عدد من الصحابة و غيرهم: أنهم قد تنبهوا للمأساة، و عبروا عنها بأنحاء مختلفة.
و نذكر من ذلك هنا النصوص التالية: 1-قد تقدم قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : لم يبق من الإسلام إلا اسمه، و من الدين إلا رسمه.
2-روى الإمام مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: «ما أعرف شيئا مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة» (1).
1) الموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 93 و جامع بيان العلم ج 2 ص 244.
قال الزرقاني، و الباجي: «يريد الصحابة، و أن الأذان باق على ما كان عليه، و لم يدخله تغيير، و لا تبديل، بخلاف الصلاة، فقد أخرت عن أوقاتها، و سائر الأفعال دخلها التغيير الخ. .» (1).
3-أخرج الشافعي من طريق وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: «كل سنن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد غيرت، حتى الصلاة» (2).
4-يقول الزهري: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق، و هو وحده يبكي، قلت: ما يبكيك؟ !
قال: «لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، و قد ضيعت» (3).
5-و قال الحسن البصري: «لو خرج عليكم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما عرفوا منكم إلا قبلتكم» (4).
و نقول: حتى القبلة قد غيرت، و جعلوها إلى بيت المقدس، حيث الصخرة قبلة اليهود، كما تقدم في الفصل الأول من هذا الكتاب.
6-و قال أبو الدرداء: «و اللّه لا أعرف فيهم من أمر محمد «صلى اللّه
1) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 221 و تنوير الحوالك ج 1 ص 93-94 عن الباجي.
2) كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 208 و الغدير ج 8 ص 166 عنه.
3) جامع بيان العلم ج 2 ص 244 و راجع المصادر التالية: ضحى الإسلام ج 1 ص 365 و الجامع الصحيح ج 4 ص 632 و الزهد و الرقائق ص 31 و في هامشه عن طبقات ابن سعد ترجمة أنس، و عن الترمذي، و عن البخاري ج 1 ص 141.
4) جامع بيان العلم ج 2 ص 244.
عليه و آله» شيئا إلا أنهم يصلون جميعا» (1).
7-و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص؛ أنه قال: «لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية، لأتيا الناس اليوم و لا يعرفان شيئا مما كانا عليه» (2).
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» -و قد ذكرت هذه الأهواء عنده- فقال: «لا و اللّه، ما هم على شيء مما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا استقبال الكعبة فقط» (3).
8-و حينما صلى عمران بن حصين خلف علي «عليه السلام» أخذ بيد مطرف بن عبد اللّه، و قال: لقد صلى صلاة محمد، و لقد ذكرني صلاة محمد.
و كذلك قال أبو موسى حينما صلى خلف علي «عليه السلام» (4).
1) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 244.
2) الزهد و الرقائق ص 61.
3) البحار ج 68 ص 91 و قصار الجمل ج 1 ص 366.
4) راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 180 ط الأعلمي و سنن البيهقي ج 2 ص 68 و كنز العمال ج 8 ص 143 عن عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و المصنف للصنعاني ج 2 ص 63 و مسند أبي عوانة ج 2 ص 105 و مسند أحمد ج 4 ص 428 و 429 و 441 و 444 و 400 و 415 و 392 في موضعين و 432 و الغدير ج 10 ص 202 و 203 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 260 و البحر الزخار ج 2 ص 254. و عن المصادر التالية: صحيح البخاري ج 2 ص 209 و صحيح مسلم ج 1 ص 295 و سنن النسائي ج 1 ص 164 و سنن أبي داود ج 5 ص 84 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 296 و فتح الباري ج 2 ص 209 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 241.
9-و أخيرا، فقد ذكروا: أن الناس و الهاشميين في زمن السجاد «عليه السلام» إلى أن مضت سبع سنين من إمامة الباقر «عليه السلام» كانوا لا يعرفون كيف يصلون، و لا كيف يحجون (1).
فإذا كانت الصلاة التي هي عمود الدين، و الركن الأعظم في الإسلام، و يؤديها كل مسلم خمس مرات يوميا، كان لا يعرف حدودها و أحكامها حتى بعض من هم أقرب الناس إلى مهبط الوحي و التنزيل، الذين يفترض فيهم أن يكونوا أعرف من كل أحد بالشريعة و أحكام الدين! ، فكيف تكون حالة غيرهم من أبناء الأمة، الذين هم أبعد عن مصدر العلم و المعرفة، و ما هو مدى اطلاعهم على أحكام الشريعة يا ترى؟ ! .
و إذا كانت أوضح الواضحات قد أصبحت مجهولة إلى هذا الحد، فما هو مدى معرفة الناس، و بالأخص البعيدين منهم عن مصدر العلم و المعرفة، بالأحكام الأخرى، التي يقل الابتلاء بها، و التعرض لها، و السؤال عنها؟ !
و قد يظن القارئ: أننا نبالغ في تصويرنا لحقيقة ما تمخضت عنه تلك السياسة الخبيثة تجاه حديث الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و تجاه القرآن و الإسلام.
و قد يظن مثل ذلك بالنسبة للأقوال الآنفة الذكر التي تقرر: أنه لم يبق
1) كشف القناع عن حجية الإجماع ص 67.
من الإسلام إلا اسمه، و من الدين إلا رسمه.
أو لم يبق إلا الأذان بالصلاة، أو أن صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصبحت منسية حتى من قبل صحابته «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى ذكرهم بها علي أمير المؤمنين «عليه السلام» . . إلى آخر ما قدمناه.
و لكننا نأسف حين نقول للقارئ: إن هذه هي الحقيقة، كل الحقيقة، و ليس فيها أي مبالغة، أو تضخيم.
و من أجل التأكيد على ما سبق نورد للقارئ بعض الشواهد و الوقائع لتكون دليلا ملموسا على ما نقول، مع التزامنا القوي في أن لا نذكر شيئا من تلك الشواهد الكثيرة و المتضافرة على جهل الخلفاء-باستثناء علي «عليه السلام» -بأحكام شرعية هي من أبده البديهيات، و أوضح الواضحات؛ لأننا نخاف أن توجه إلينا أصابع الاتهام بالتعصب على هذا أو ذاك، و بإرادة تسجيل إدانة لهم من موقع التحامل المذهبي عليهم.
مع أننا نطمئن القارئ الكريم بأن العلامة الأميني رحمه اللّه، قد أغنانا في كتابه القيم «الغدير» عن ذلك، لأنه حشد فيه من الوقائع و الشواهد على ذلك الشيء الكثير، و الكثير جدا، عن مصادر بالغة الكثرة و الوثاقة لدى من يتولونهم، و يدافعون عنهم بكل حيلة و وسيلة.
و الشواهد التي نريد أن نوردها هنا، و تصل إلى حد الفضيحة، هي التالية:
1-يقول ابن عباس لأهل البصرة، و هو على المنبر: أخرجوا صدقة صومكم. فلم يفهم الناس مراده؛ فطلب أن يقوم من كان من أهل المدينة حاضرا بتوضيح
ذلك للناس؛ «فإنهم لا يعلمون من زكاة الفطرة الواجبة شيئا» (1).
كان هذا هو حال البصرة، التي مصّرت في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فإن أهلها لا يفهمون حتى لغة الشريعة، و لم يعرفوا عن زكاة الفطرة شيئا، رغم أن من المفروض أن يكون ذلك من البديهيات، فما ظنك بعد هذا بأولئك الذين تفتح بلادهم، و يعلنون إسلامهم، و هم عشرات الألوف، و ليس لديهم من يعلمهم، و لا من يدلهم و يرشدهم؟
و قد كانت لا تزال تضاف إلى الممالك الإسلامية مناطق واسعة، و بلاد شاسعة، مملوءة بالسكان، دون أن يتصدى لتعليمهم و تثقيفهم أحد من الناس.
2-و قد كان جيش بأكمله من هؤلاء الفاتحين للبلاد، و المفترض أنهم هم حملة الإسلام إلى سائر الأمم التي تخضع لهم، و تقبل ببسط سلطتهم- إن هذا الجيش-لم يكن فيه أحد يعرف: أن الوضوء على من أحدث، حتى بعث قائدهم، أبو موسى الأشعري من ينادي فيهم بذلك (2).
مع أن أمر الوضوء من أوضح الواضحات، و يمارسه كل أحد كل يوم عدة مرات.
فإذا كان هؤلاء يجهلون ذلك، فما ظنك بالناس الذين يفترض فيهم أن يأخذوا أحكام دينهم و عباداتهم من هؤلاء الجهلة بالذات، و هم المعلمون و الأساتذة، و المربون لهم؟ ! ! .
3-لقد أشار الخليفة الثاني إلى أن الناس كانوا يعرفون جهل كبار الصحابة بأحكام الربا، فهو يقول:
«إنكم تزعمون: أنّا لا نعلم أحكام الربا. و لأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر، و كورها» (1).
4-كما أن ابن مسعود لم يكن يدري: أن صرف الفضة بالفضة لا يصلح إلا مثلا بمثل (2).
5-و أنكر معاوية أيضا: أن يكون ذلك من الربا (3).
و نقول: إنه إذا كان الصحابة، حتى الخليفة الثاني و معاوية، و حتى ابن مسعود المشهور بعلمه و فضله، لا يدرون ذلك، فما حال غيرهم من سائر الناس، فضلا عن أولئك الذين لم يروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا عاشوا معه، بل سمعوا باسمه، لا أكثر و لا أقل؟ ! .
6-لقد شكا أهل الكوفة إلى عمر، سعد بن أبي وقاص: أنه لا يحسن يصلي (4).
7-إن ابن عمر لا يحسن أن يطلق امرأته، حيث طلقها ثلاثا في طهر كان واقعها فيه، فاستحمقوه لأجل ذلك (1).
8-إن ابن مسعود قد أفتى رجلا في الكوفة بجواز أن يتزوج أم زوجته التي طلقها قبل الدخول، ففعل ذلك، و بعد أن ولدت له أم زوجته ثلاثة أولاد، و عاد ابن مسعود إلى المدينة، و سأل عن هذه المسألة، فأخبروه بعدم جواز ذلك، فعاد إلى الكوفة، و أمر ذلك الرجل بفراق تلك المرأة، بعد كل ما حصل (2).
كما أن مسروقا و معاوية كانا لا يعرفان حكم هذه المسألة أيضا (3).
9-إنهم إنما كانوا يعرفون قراءة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في صلاته؛ باضطراب لحيته (4).
1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 181 و راجع ص 179 و 182 و الغدير ج 10 ص 39 و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 51 و 61 و 64 و 74 و 80 و 128 و 145 و عن صحيح البخاري ج 8 ص 76 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 34 و عن الكامل في التاريخ ج 3 ص 27 و عن الصواعق المحرقة ص 62 و عن فتح الباري ج 7 ص 54 و صححه كل ذلك في الغدير.
2) راجع: المصنف للصنعاني ج 6 ص 273 و 274 و السنن الكبرى ج 7 ص 159.
3) راجع: المصنف ج 6 ص 274 و 275.
4) صحيح البخاري ج 1 ص 90 و 93 ط سنة 1309 ه. و مسند أحمد ج 5 ص 109 و 112، و السنن الكبرى ج 2 ص 37 و 54 عن الصحيحين، و البحر الزخار ج 2 ص 247 و جواهر الأخبار و الآثار (مطبوع بهامش البحر الزخار) ج 2 ص 247 عن أبي داود و الترمذي، و الانتصار، و النسائي، و البخاري.
10-لقد أفتى عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن عمرو (1): أن ماء البحر لا يجزي من وضوء و لا جنابة.
و قريب من هذا روي عن سعيد بن المسيب (2)و روي مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا (3).
هذا، و قد ذكر لنا الزبير بن بكار و غيره نموذجا مخجلا، يضحك حتى الثكلى من خطب عدد من سادة القبائل (4)، ممن كان الخلفاء يولونهم أمور الناس في عنفوان الدولة الأموية. و هي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الانحطاط الفكري الذي كان يهيمن على طبقة الرؤساء و أصحاب النفوذ آنئذ، فكيف يمكننا أن نتصور حالة سائر الناس ممن كانوا لا يملكون إمكانيات حتى الحصول على لقمة العيش، و الاحتفاظ برمق الحياة؟
قال الزبير بن بكار: «شكا عبد اللّه بن عامر إلى زياد بن أبيه-و هو كاتبه
1) راجع: المصنف للصنعاني ج 1 ص 93 و المغنى لابن قدامة ج 1 ص 8 و الشرح الكبير بهامشه ج 1 ص 7 و راجع: تحفة الأحوذي ج 1 ص 231 ط دار الفكر، و الخلاف ط جماعة المدرسين ج 1 ص 51 و المحلى ج 1 ص 221 و نيل الأوطار ج 1 ص 20 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 53 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 88.
2) راجع: الخلاف ج 1 ص 51 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 231 و نيل الأوطار ج 1 ص 20.
3) نيل الأوطار ج 1 ص 20 و المحلى ج 1 ص 221 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 231.
4) الموفقيات ص 203-205 و راجع: جمهرة خطب العرب ج 3 ص 355.
على العراق-الحصر على المنبر، فقال: أما إنك لو سمعت كلام غيرك في ذلك الموقف استكثرت ما يكون منك.
قال: فكيف أسمع ذاك. ؟ !
قال: رح يوم الجمعة و كن من المقصورة بالقرب حتى أسمعك خطب الناس.
فلما كان يوم الجمعة قال زياد: إن الأمير سهر البارحة فليس يمكنه الخروج إلى الصلاة.
و التفت إلى رجل من سادة بني تميم، فقال له: قم فاخطب، و صلّ بالناس.
فلما أوفى على ذروة المنبر قال: الحمد للّه الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أشهر.
قالوا: قبحك اللّه، جل ثناؤه يقول: في ستة أيام.
و تقول أنت: في ستة أشهر.
فنزل و التفت إلى شريف لربيعة، فقال له: قم فاخطب.
فلما ارتقى المنبر ضرب بطرفه، فوقع على جار له كان يخاصمه في حد بينهما.
فقال: الحمد للّه. و ارتج عليه.
فقال لجاره: أما بعد فإن نزلت إليك يا أصلع لأفعلن بك، و لأفعلن.
فأنزلوه. فالتفت إلى رئيس من رؤساء الأزد، فقال له: انهض فأقم للناس صلاتهم، فلما تسنم المنبر قال: الحمد للّه، و لم يدر ما يقول بعد ذلك،
فقال: أيها الناس، قد و اللّه هممت أن لا أحضر اليوم، فقالت لي امرأتي: أنشدتك باللّه إن تركت فضل الصلاة في المسجد يوم الجمعة، فأطعتها، فوقفت هذا الموقف الذي ترون. فاشهدوا جميعا أنها طالق.
فأنزلوه إنزالا عنيفا. و أرسل زياد إلى عبد اللّه بن عامر، أنه ليس أحد يقيم صلاتهم، و لا بد أن تحمل على نفسك. فخرج فخطب فتبين فضله في الناس على سائر الناس (1).
أما بالنسبة إلى حجم التركة التي ورثها الناس عن سلفهم الصالح (على حد تعبيرهم) فقد ادعوا: أنه قد وصل إليهم من حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -من غير طريق أهل البيت «عليهم السلام» -نزر قليل، لا يتناسب مع الحاجات التي تواجه الناس، و لا تتوافق مع هذا التراث الضخم جدا، الذي سطره علماؤهم عبر القرون المتمادية، فهم يقولون:
1-إن حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» أربعة آلاف حديث (2).
2-عن أحمد بن حنبل: «الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ينبغي أن تكون ألفا و ماءتين» (3).
3-لكن نصا آخر يقول: إنه لم يصل إلى الأمة سوى خمس مئة حديث في أصول الأحكام، و مثلها في أصول السنة (1).
ثم إنهم يقولون: إن هذا الواصل لم يصح منه عندهم إلا أقل القليل، حيث قد بلغت رواية أبي حنيفة سبعة عشر حديثا فقط.
أما مالك، فإنما صح عنده ما في كتاب الموطأ، «و غايتها ثلاث مئة حديث، أو نحوها» (2).
فمن أين إذن جاءت هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث التي وصفوها بالثبوت و الصحة، فملأت صحيحي البخاري و مسلم، و مستدرك الحاكم، و باقي الصحاح الست، و صحيح ابن حبان، و صحيح أبي عوانة. و غير ذلك كثير؟
هذا فضلا عن غيرها من مئات الألوف بل الملايين من الأحاديث التي يزعم حفاظ الحديث أنها عندهم.
بل إن أحمد بن حنبل الذي يقول ما قدمناه هو نفسه قد ألف المسند الذي يضم أربعين ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة (3).
و يزعمون: أنه ليس فيه حديث موضوع عدا ثلاثة أو أربعة أحاديث تكلموا فيها. بل لا يتأتى الحكم بكون واحد منها موضوعا إلا الفرد النادر،
مع الاهتمام القوي في دفع ذلك (1).
نعم، من أين جاءت هذه الأحاديث و الروايات، إن ذلك لمريب حقا، و إنه أيضا لغريب و عجيب! !
قد ظهر مما تقدم: أن الأحاديث التي كان قد بلغ تداولها إلى درجة الصفر أو كاد، قد بدأت بعد السماح للناس بالرواية، بعد عشرات السنين تظهر عليها أعراض التضخم المطرد بصورة غير طبيعية، و بدون أية ضابطة أو رابطة، إذ إن مراجعة جامعة لكتب تراجم الحفاظ و أهل الحديث، و من يسمونهم بالفقهاء مثل تذكرة الحفاظ للذهبي (2)و غيره تعطينا أمرين:
أحدهما: أنها تعظم و تفخم و تخلع مختلف الألفاظ الدالة على الحفظ و العلم، و التبحر على أشخاص كثيرين، بل تصف بعضهم بأنه وحيد في مصره أو في عصره.
ثم يظهر: أنه إنما كان يحفظ ثلاث مئة حديث، أو لم يثبت لديه سوى سبعة عشر حديثا، أو لا يعرف أنه يحرم الزواج بأم الزوجة، أو ما إلى ذلك مما ألمحنا إليه.
الثاني: إن ملاحظة طبقات الحفاظ تعطينا تدرجا ملفتا للنظر في حجم الأحاديث، فنجد أن طبقة كبيرة في الصدر الأول يوصف الحفاظ منها بأن عنده ثلاثون أو ستون حديثا، أو مئة أو عشرة أحاديث، أو مئتا حديث، و نحو ذلك.
ثم إذا تقدم الزمان قليلا، يترقى العدد ليتراوح بين الألف و الألفين و الثلاثة و الخمسة، و نحو ذلك. ثم في فترة لاحقة يترقى العدد إلى بضع عشرات: عشرين ألفا، ثلاثين. . و هكذا.
ثم تأتي فترة فتصل فيها الأعداد إلى مئة ألف أو مئتين أو ثلاث مئة،
ثم يقفز العدد إلى الست و السبع مئة، و إلى المليون حديث، و أكثر من ذلك حتى ليفوز بعضهم مثل شعبة بلقب أمير المؤمنين في الحديث (1).
و لا ننسى هنا: أن نستشهد لهذا الذي ذكرناه بالمفارقة التالية:
في حين نجد: أن القاضي عبد الجبار يصرح: بأن أحاديث التجسيم و التشبيه من أخبار الآحاد (2).
و أن أحمد بن حنبل قد قال: إن بعض أهل الحديث أخبره: أن يحيى بن صالح (المتوفى سنة 222 ه.) (3)قال: «لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث، يعني هذه التي في الرؤية» .
ثم قال أحمد: «كأنه نزع إلى رأي جهم» (1).
فيحيى بن صالح الذي يروي له البخاري، و أصحاب الصحاح الست سوى النسائي (2)يريد أن يقول: إن الاعتقاد برؤية اللّه قائم على عشرة أحاديث فقط.
بل صرح بعضهم: بأن أخبار الرؤية لا تزيد على ثمانية أحاديث (3).
و لكننا بعد حوالي نصف قرن من الزمن نجد ابن خزيمة الذي يصفونه بأنه «إمام الأئمة» يؤلف كتابا بعنوان «التوحيد و إثبات صفات الرب» يبلغ عدد صفحاته حوالي أربع مئة صفحة، قد شحنه بأحاديث التجسيم، و أحاديث الرؤية من أوله إلى آخره، و فيه الكثير مما يدل على أن للّه تعالى يدا، و رجلا، و عينا، و إصبعا، و ساقا و. . و. . الخ. . تعالى اللّه عما يقوله الجاهلون و المبطلون علوا كبيرا.
فمن أين جاءت هذه الأحاديث؟
و كيف و متى لفقت و اخترعت؟ !
لا ندري، غير أننا وجدنا الإمام الشافعي ينقل عن القاضي أبي يوسف، الذي عاش في أواخر القرن الثاني قوله: «و الرواية تزداد كثرة،
و يخرج منها ما لا يعرف، و لا يعرفه أهل الفقه، و لا يوافق الكتاب و لا السنة» (1).
و ذلك يفسر لنا العديد من الظواهر الأخرى الملفتة للنظر، مما سنشير إلى بعض منه فيما يلي من مطالب.
و بعد ما تقدم، فإننا سوف لن نفاجأ إذا سمعناهم يحكمون على 12 أو 14 أو 35 ألف حديث، بل على مئات الألوف من الأحاديث بالكذب و الوضع و الاختلاق؛ و كثير من هذا المختلق و الموضوع قد جاء لأهداف مختلفة، و منها: لإرضاء الملوك و تأييد سلطانهم، و تحقيق أهدافهم و مآربهم (2).
و قد ذكر العلامة الأميني في كتابه الغدير ج 5 ص 288-290 قائمة بالموضوعات بلغت 408684 حديثا فراجع.
و حتى تلك الأحاديث التي سكتوا عنها أو حكموا بصحتها، و هي
1) الأم للشافعي ج 7 ص 308.
2) راجع: على سبيل المثال التراتيب الإدارية ج 2 ص 208 و الكفاية في علم الرواية ص 431 و راجع: المجروحون ج 1 ص 156 و 185 و 155 و 142 و 96 و 63 و ص 65 حول وضع الحديث للملوك. و راجع: الباعث الحثيث ص 84 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 32 و 33 و لسان الميزان ج 3 ص 405 و ج 5 ص 228 و الفوائد المجموعة ص 426 و 427 و أي كتاب يتحدث عن الموضوعات في الأخبار و الآثار مثل اللآلئ المصنوعة للسيوطي، و الأسرار المرفوعة للشوكاني و الموضوعات للفتني، و غير ذلك.
تعد بعشرات الألوف و الملايين (1)، و قد زخرت بها كتب صحاحهم و مجاميعهم الحديثية، فإنها تصبح موضع شك و ريب، بل إننا لنطمئن لعدم صحة الكثير منها، من الأساس.
و بعد، فإذا كان كبار الصحابة، و ابن مسعود لا يعرفون أحكام الربا، و ابن عمر لا يعرف كيف يطلق امرأته، و جيش بأكمله لا يعرف أن الوضوء على من أحدث إلى آخر ما تقدم.
فإن من الطبيعي: أن يرى الناس في من يدعي أنه يحفظ ثلاثين أو أربعين حديثا، أو مئة أو ماءتي حديث، أو عرف بعض الأحكام عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه أعلم العلماء، و أفقه الفقهاء في عصره، أو في مصره، أو بلده.
و أن يصبح هو الملاذ و المرجع و الموئل لهم فيما ينوبهم من أمور دينهم. و يتلمّذون عليه، و يأخذون عنه أحكامهم، و شريعة نبيهم، كما يظهر جليا من مراجعة كتب التراجم و الرجال، التي تمثل التيار العام لبعض الفئات، التي كانت تنسجم مع سياسات الحكام، و ترتبط بها بنحو أو بآخر.
و من جهة أخرى؛ فإن هذا العالم الجليل! ! إذا وجد نفسه في موقع
1) راجع على سبيل المثال: التراتيب الإدارية ج 2 ص 202-208 و 407 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 414 و لسان الميزان ج 3 ص 405 و تذكرة الحفاظ ج 2 ص 641 و 430 و ج 1 ص 254 و 276 و هذا الكتاب مملوء بهذه الأرقام العالية و المخيفة، فليراجعه طالب ذلك.
كهذا، و واجه الواقع، و احتاج إلى المزيد مما ليس عنده منه أثارة من علم، فلسوف يبحث عما يلبي له حاجته، و يوصله إلى بغيته، و أين؟ و أنى له أن يجد ذلك؟ إلا عند أناس، أخذ على نفسه (أو أخذ الحكام عليه و على الناس) : أن لا يتصلوا بهم، و لا يأخذوا شيئا عنهم، و هم أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة عليهم الصلاة و السلام.
فلا غرو بعد هذا إذا رأينا هذا الرجل الجليل يبادر إلى ما هو أسهل و أيسر، فيضيف من عند نفسه، و على حسابه الخاص ما شاءت له قريحته، و سمحت له به همته، حيث لا رقيب عليه و لا حسيب، و لا مانع من ضمير، و لا رادع من وجدان.
أما بالنسبة إلى فقه الفقهاء، و مذاهب العلماء، فقد أصبح من المفهوم:
أن وراء الأكمة ما وراءها، حين نرى أن فقه أبي حنيفة، و مالك، و الشافعي، و غيرهم يتسع و يتضخم، و يزيد و يتورم، حتى تضيق عنه المجلدات الكثيرة و آلاف الصفحات، مع ما نراه من استنادهم إلى المئات و الألوف من الروايات التي كانت تلك حالها، و ذاك مآلها! !
فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا! !
أما ما يستندون إليه، و يعتمدون عليه في غير الفقه، فذلك حدّث عنه و لا حرج؛ و هو يصل إلى الألوف الكثيرة، كما يظهر من تتبع مختلف المواضع و المواقع.
و من الطريف أن نذكر هنا:
أنهم في حين يعترفون بأنهم قد وضعوا أحاديث في فضائل أبي بكر، و عمر، و عثمان، ردا على من ينتقص منهم (1).
و يعترفون أيضا: بأنه عند ما كثر سب الصحابة (و هو أمر لم يحصل، و ما حصل هو مجرد التعريف ببعض ما ارتكبه أشخاص منهم، تحبهم الهيئة الحاكمة، أو ممن كانوا أحد أركانها، ردا على الغلو الحاصل فيهم، حتى لتعتبر أقوالهم سنة، و ما إلى ذلك) فقد وضعت أحاديث في فضل الصحابة جميعا، أو في فضل جمع منهم (2).
إنهم مع أنهم يعترفون بهذا، لكنهم يتهمون بعض الشيعة بوضع أحاديث في فضل علي، و الطعن في معاوية (3).
مع أن عليا في غنى عن ذلك، و لا يمكن لأحد أن يضع أكثر مما قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حقه، مما ثبت بالآثار الصحيحة و المتواترة، و التي تفوق حد الإحصاء.
كما أنه يكفي معاوية التعريف بما ثبتت روايته عن رسول اللّه «صلى اللّه
1) راجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 286 و 315-316 و 417 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه و عن تنزيه الشريعة ج 1 ص 372 و ج 2 ص 4.
2) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 428 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه.
3) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 323 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه و عن ابن تيمية في المنتقى من منهاج الاعتدال ص 313.
عليه و آله» في حقه مما لا يجهله أحد، حتى إن النسائي قد نال شرف الشهادة حينما أظهر حديثا واحدا منها (1)، فكيف لو أراد إظهار كل ما يعرفه، مما رواه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حقه؟ !
و قد كان العراق موطنا لعلي «عليه السلام» مدة خلافته، و قد ناصر العراقيون عليا، و رأوا و رووا بعض فضائله «عليه السلام» .
و قاتلوا الناكثين و المارقين و القاسطين معه، فعاداهم الناس، و اتهموهم بالكذب و الوضع لأجل ذلك، و فرضوا عليهم حصارا ثقافيا و إعلاميا.
و لعل أول من بادر إلى اتهامهم بذلك هو أم المؤمنين عائشة (2)التي لقيت على أيديهم في حرب الجمل شر هزيمة.
و اتهمهم بذلك أيضا عبد اللّه بن عمرو بن العاص الذي لقي منهم الأمرين في حرب صفين (3).
1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 121 و راجع: وفيات الأعيان ج 1 ص 77 ط بيروت و البداية و النهاية ج 11 ص 124 و مرآة الجنان ج 2 ص 241 و تذكرة الحفاظ ج 2 ص 700 و راجع ص 699 و شذرات الذهب ج 2 ص 240 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 14 ص 132 و تهذيب الكمال ج 1 ص 339 و تهذيب التهذيب ج 1 ص 38 و المنتظم ج 6 ص 131.
2) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 24 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 70.
3) الطبقات الكبرى لابن سعد ط صادر ج 4 ص 267.
و كذلك الزهري (1)الذي كان له وجاهة و مكانة خاصة في البلاط الأموي (2).
أما مالك، الذي لم يرو عن أحد من الكوفيين، سوى عبد اللّه بن إدريس، الذي كان على مذهبه، فقد رأى: أن أحاديث أهل العراق، تنزل منزلة أحاديث أهل الكتاب، أي فلا تصدق و لا تكذب (3).
و كان يقول: لم يرو أولونا عن أوليهم، كذلك لا يروي آخرونا عن آخريهم (4).
و قد كانت هذه السياسة سياسة أموية و شامية، ضد علي «عليه السلام» ، منطلقها التعصب و التجني، و ليس تحري الحق، و التزام جانبه.
و قد قالوا عن الجوزجاني: إنه في كتابه في الرجال «يتشدد في جرح الكوفيين من أصحاب علي، من أجل المذهب» ، لذلك قال ابن حجر:
«لا عبرة بحطه على الكوفيين» (1).
و قال الأوزاعي: «كانت الخلفاء بالشام، فإذا كانت الحادثة سألوا عنها علماء أهل الشام، و أهل المدينة، و كانت أحاديث العراق لا تجاوز جدر بيوتهم، فمتى كان علماء أهل الشام يحملون عن خوارج أهل العراق؟ !» (2).
و يقول ابن المبارك: «ما دخلت الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة» (3).
بل إن ذلك قد انعكس حتى على علوم العربية، مثل علم النحو و غيره؛ حيث نجد اهتماما ظاهرا بتكريس نحو البصريين، و استبعاد نحو الكوفيين، مهما عاضدته الدلائل و الشواهد، فراجع و لاحظ. و لهذا البحث مجال آخر.
على أن كل تلك الجهود، و إن تركت بعض الأثر بصورة عامة، و لكنها لم تؤت كل ثمارها المرجوة، فقد فرض الفقه و الحديث العراقي نفسه على الساحة، و لا يمكنهم الاستغناء عنه بالكلية، فقبلوه على مضض و كره
منهم، حتى ليقول ابن المديني:
«لو تركت أهل البصرة لحال القدر، و تركت أهل الكوفة لذلك الرأي (يعني التشيع) خربت الكتب» (1).
و قال محمد بن يعقوب: «إن كتاب أستاذه (يعني صحيح مسلم) ملآن من حديث الشيعة» (2).
و قد روى البخاري نفسه عن طائفة كبيرة ممن ينسبون إلى التشيع من العراقيين و غيرهم (3).
و لمزيد من التأييد و التأكيد على ما نريد أن نقوله، نعود إلى التذكير ببعض النقاط المفيدة في إيضاح المطلوب، فنقول:
لقد كانت كل تلك السياسات التي تحدثنا عنها تنفذ في حين: أن الناس لم يكونوا قادرين على تمييز الغث من السمين، و الصحيح من السقيم، لأنهم كانوا قد فقدوا المعايير و الضوابط المعقولة و المقبولة، التي تمكنهم من ممارسة دور الرقابة الدقيقة و المسؤولة على ما يزعم أنه شريعة و دين، و أحكام و إسلام.
و بما أن الناس كانوا يريدون معرفة شيء عن دينهم، و يحبون قرآنهم، و إسلامهم، و نبيهم.
و بما أنه لم يعد ثمة من يستطيع أن يعارض أو أن يعترض، فقد راجت بضائع الكذابين و الوضاعين، و قامت سوقهم على قدم و ساق.
و تمكنوا من إشاعة أباطيلهم، و ترهاتهم، و أضاليلهم.
و لم يكن كثير من الناس يملكون القدرة على تمييز الصحيح من السقيم، و الحق من الباطل، و الأصيل من الدخيل.
و كان أهل الكتاب في طليعة المستفيدين من هذه الأجواء، حسبما أوضحناه.
حيث إن ذلك قد سهّل على الذين أظهروا الإسلام منهم: أن ينشروا أباطيلهم و ترهاتهم، بعد أن خلت لهم الساحة، و أصبحوا هم مصدر العلم و المعارف الدينية، و الثقافة لأكثر الناس، خصوصا مع ما كانوا ينعمون به من حماية و تأييد من قبل الحكام آنئذ.
إنما أصبح ذلك ممكنا بعد أن تمكن الحكام من فرض ظروف منعت الصفوة من أهل البيت «عليهم السلام» ، و شيعتهم الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم من ممارسة دورهم في التصحيح و التنقيح، و التقليم و التطعيم، و فضح زيف المزيفين، و دفع كيد الخائنين.
و حرص أكثر الناس و لا سيما الحاقدون و المتزلفون، و ضعفاء النفوس، على الابتعاد عنهم «عليهم السلام» ، و لا سيما بعد استشهاد سيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين «عليه السلام» ، و صحبه الأخيار، و أهل بيته الأطهار في كربلاء الفداء.
و قد أشار الإمام السجاد إلى ذلك، فقال: «اللهم إن هذا المقام لخلفائك و أصفيائك، و مواضع أمنائك. في الدرجة الرفيعة، التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها حتى عاد صفوتك، و خلفاؤك مغلوبين، مقهورين، مبتزين. يرون حكمك مبدلا، و كتابك منبوذا، و فرائضك محرفة عن جهات أشراعك، و سنن نبيك متروكة الخ. .» (1).
و الملفت للنظر هنا: أنه «عليه السلام» يقرر هذه الحقيقة و يعلنها في صيغة دعاء، في خصوص يوم عرفة في موسم الحج، حيث يجتمع الناس من مختلف الأقطار و الأمصار، ليستفيدوا من هذه الشعيرة العظيمة، و يعودوا إلى بلادهم بمزيد من الطهر، و الصفاء، و الإخلاص، و الوعي لدينهم، و لعقيدتهم.
ثم تكون هذه الفقرات جزءا من دعاء يدعو به المسلمون كل يوم جمعة في طول البلاد الإسلامية و عرضها و باستمرار، ليسهم ذلك في المزيد من إيجاد حالة الوعي الرسالي، و ليكون من ثم واحدا من مسؤولياتهم الإيمانية، و العقيدية.
و قد تعودنا من الإمام السجاد «عليه السلام» هذا الأسلوب الفذ في أكثر من مجال من مجالات الفكر، و العقيدة، و السلوك، كما يتضح ذلك
1) الصحيفة السجادية، دعاء 48. و هو الدعاء الخاص بيوم الجمعة و عرفة.
بالمراجعة إلى الصحيفة السجادية، و غيرها من الأدعية المنقولة عنه صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطيبين الطاهرين.
و غني عن القول: إن استبعاد حديث الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أوقع السلطات الحاكمة في مأزق حقيقي على صعيد الفتوى، و إصدار الأحكام، و لذلك كان أول من بادر إلى العمل بالرأي و القياس هم الحكام أنفسهم، الذين كانوا يصرون على استبعاد أهل البيت «عليهم السلام» -قدر الامكان-عن دائرة الفتوى، و عن بث العلوم و المعارف الصحيحة، و الصافية في الناس.
ثم تبعهم رعيل كبير ممن تسمى بالفقهاء و المحدثين، الذين كان الكثيرون منهم من طلاب اللبانات، و من المتزلفين إلى الحكام، و من وعاظ السلاطين. فطغت مدرسة الرأي، و انتشر العمل بالاستحسان و بالقياس (1)«حتى استحالت الشريعة، و صار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة» (2)كما قاله المعتزلي الشافعي.
و سيأتي (3): أن أبا بكر كان أول من عمل برأيه، حينما لا يكون لديه نص عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما زعموا.
ثم جاء عمر بن الخطاب، فأكد ذلك، و رسخه، قولا و عملا.
و ستأتي بعض أقواله و رسائله إلى أبي موسى الأشعري (1)، و شريح القاضي، التي يأمر فيها بالعمل بالرأي و القياس في رقم 28 من هذا الفصل.
مع أنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب هو الذي انتقد القائلين بالرأي، و روى عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «إن أصحاب الرأي أعداء السنن، تفلتت منهم أن يعوها، و أعيتهم أن يحفظوها، و سلبوا أن يقولوا: لا نعلم؛ فعارضوا السنن برأيهم» (2).
و لعل ذلك قد كان منه قبل أن يواجه المشكلة، و يحتاج إلى العمل بآرائه، أي قبل أن يتشدد في المنع من رواية حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كتابته، و قبل أن يمنع الصحابة من الفتوى و يحصر حق الفتوى بالأمير، أو من يختاره الأمير.
و ربما يكون ذلك منه مختصا بأولئك الذين يفتون الناس بآرائهم، دون إجازة من الحاكم أو الأمير.
و لعل التوجيه الأول هو الأنسب بسياق كلامه، حيث ينسبهم إلى الجهل بالسنن، فعارضوا السنن بآرائهم.
إلا أن يدّعى: أنه يريد أن غير الأمراء لم يكن لديهم علم بالسنن،
و العلم بها محصور بالأمراء. و هذا كلام لا يمكن قبوله، و لا الموافقة عليه، لمخالفته الظاهرة للبداهة و للواقع.
و قد أوضح لنا الإمام الصادق «عليه السلام» -فيما روي عنه-سبب لجوئهم إلى الرأي، و القياس في دين اللّه، ثم ما نشأ عن ذلك.
و هي شهادة ممن كان حاضرا و ناظرا، و قد شاهد و عاين، و خبر الأمور، و وقف على أغوارها، و استكنه أسرارها، فهو يقول:
«يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء علماء، قد أثبتوا جميع الفقه و الدين، مما يحتاج إليه الأمة! ! و ليس كل علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علموه، و لا صار إليهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا عرفوه. و ذلك أن الشيء من الحلال، و الحرام، و الأحكام، يرد عليهم؛ فيسألون عنه، و لا يكون عندهم فيه أثر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و يستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، و يكرهون أن يسألوا فلا يجيبون؛ فيطلب الناس العلم من معدنه. فلذلك استعملوا الرأي، و القياس في دين اللّه، و تركوا الآثار و دانوا بالبدع الخ. .» (1).
قد قدمنا فيما سبق إيضاحات حول سياسات الحكام تجاه حديث الرسول، رواية و كتابة، و تجاه السؤال عن معاني القرآن و غير ذلك.
1) وسائل الشيعة ج 18 ص 40 و تفسير العياشي ج 2 ص 331.
و بقي أن نشير إلى دوافع هذه السياسة و أهدافها، فنحن نجمل ذلك على النحو التالي:
لقد كان الخليفة الإسلامي-بنظر الناس-يحتل مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و ذلك يعني:
أنه لا بد أن يقوم بنفس المهام، و يتحمل نفس المسؤوليات التي للرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
فهو القاضي، و الحاكم، و المربي، و القائد العسكري، و المفتي، و العالم، و والخ. .
و قد كان الناس يرون: أن لهم الحق في توجيه أي نقد له، و مطالبته بأية مخالفة تصدر منه، و أي خطأ يقع فيه.
و إذا رجعنا إلى أولئك الذين تسلموا زمام الحكم فور وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإننا نجد:
أنهم ليسوا في مستوى توقعات الناس، لا سيما و أن التناقضات في فتاواهم و أعمالهم مع ما سمعه الصحابة و رأوه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرفوه من مواقفه، كانت كثيرة و خطيرة.
هذا كله عدا عن مخالفاتهم لكثير من النصوص القرآنية، و أخطائهم، أو عدم اطلاعهم على تفسير كثير من آياته.
بالإضافة إلى تناقضهم في الأحكام و الفتاوى باستمرار.
و قد اعترفوا هم أنفسهم بالحقيقة، و قرروها في مناسبات عدة، حتى
و هم يواجهون بعض الاعتراضات من قبل النساء على بعض مخالفاتهم حيث ظهر أنهم لا يملكون الكثير من المعرفة بالأحكام الشرعية، و الدينية، التي يحتاجها الناس في معاملاتهم و شؤونهم.
بل إن الخليفة الثاني قد سجل كلمة طارت في الآفاق، و أصبحت لها شهرة متميزة، و ذلك حينما طالب أبا موسى الأشعري ببينة على حديث رواه، و إلا فلسوف ينزل به العقاب.
ثم اتضح صحة الحديث، فقال عمر بن الخطاب في هذه المناسبة: إنه ألهاه الصفق بالأسواق (1)عن الحضور عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسماع حديثه، و الاستفادة منه.
و هو الذي يقول أيضا: كل الناس أفقه من عمر، حتى ربات الحجال في خدورهن.
و قال عشرات المرات: لولا علي لهلك عمر. و نحو ذلك (2).
1) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 172 و ج 2 ص 4 و 9 و مسند أحمد ج 4 ص 400 و سنن أبي داود ج 4 ص 346 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 7 و 4 و 25 و حياة الصحابة ج 2 ص 569 و الغدير ج 6 ص 158 عن البخاري، و أبي داود و عن مسلم ج 2 ص 234 و عن مسند أحمد ج 3 ص 19 و عن سنن الدارمي ج 2 ص 274 و عن مشكل الآثار ج 1 ص 499. و حول تنكيل عمر بمن لا يأتي على الحديث ببينة راجع: حياة الصحابة ج 3 ص 360، عن كنز العمال ج 7 ص 34 و غيره.
2) راجع: الغدير للعلامة الأميني رحمه اللّه تجد تفصيل هذه النصوص، و طائفة كبيرة من مصادرها.
و مهما يكن من أمر، فقد كثرت الاعتراضات، و ظهر القصور جليا واضحا في نطاق تطبيق الرواية، و الفتوى، و القضاء، و الموقف السياسي، و غير ذلك، على النص القرآني، و السنة النبوية بصورة عامة.
و قد بدا واضحا: أن استمرار الوضع على هذا المنوال لسوف يضعف موقع الحاكم، و سيهتز و يتزعزع، و لن تبقى له تلك المصداقية و الفاعلية، و لا الهيمنة القوية التي يتوخاها.
و من جهة أخرى، فقد كانت هناك تصريحات كثيرة للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و مواقف حاسمة و حساسة تجاه بعض القضايا و بعض الناس، إيجابية هنا، و سلبية هناك.
كان إظهارها و شيوعها بين الناس لا يخدم مصلحة الحكام، بل هو يضرهم و يجرحهم بصورة كبيرة و خطيرة، فلا بد من معالجة هذا الأمر و تلافي سلبياته، فكان انتهاج هذه السياسة مفيدا جدا لهم في ذلك.
و إليك تفصيل ذلك: إن مما يدل أو يشير إلى أنه قد كان ثمة مواقف للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و نصوص لم يكن إظهارها في مصلحة الحاكم، فكان لا بد من التعتيم عليها، و طمسها، قول ابن أبي الحديد المعتزلي:
«قد أطبقت الصحابة إطباقا واحدا على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك» (1).
1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 83.
و واضح: أن مراده من الصحابة المجمعين من عدا عليا «عليه السلام» ، لأن المعتزلي نفسه يقول: «إنما قال أعداؤه: لا رأي له؛ لأنه كان متعبدا بالشريعة، لا يرى خلافها» .
إلى أن قال: «و غيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه، و يستوفقه، سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يكن. و لا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، و لا يقف مع ضوابط و قيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله إلى الانتظام أقرب» (1).
و قد قال عثمان للناس على المنبر: «أيها الناس، إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كراهة تفرقكم عني، ثم بدا لي الخ. .» (2).
و هناك مواقف إيجابية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تجاه بعض المخلصين من صحابته، الذين كانوا يملكون مؤهلات نادرة، و ميزات فريدة، تجعل لهم الحق دون كل من عداهم بالتصدي لإمامة الأمة، و قيادتها. و أعني به عليا أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام.
و قد ركزت كلمات و مواقف الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على إظهار تلك الميزات الفريدة بالذات، سواء منها ما يرتبط بفضائله «عليه السلام» الذاتية، أو فيما يرتبط بما له من جهاد و سوابق.
ثم أوضحت تلك المواقف النبوية، و النصوص عنه «صلى اللّه عليه
و آله» بالاستناد إلى ذلك: أن الإمامة و قيادة الأمة إنما هي حق له، و للأئمة من ولده «عليهم السلام» ، دون كل أحد سواهم.
و ذلك من شأنه: أن يضع الهيئة التي تصدت للحكم بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمام إحراجات كبيرة في مسألة مصيرية، و خطيرة و حساسة، بل و في منتهى الحساسية، و يضع علامات استفهام واضحة على مجمل الوضع القائم آنذاك، و مدى شرعيته.
فكان لا بد من محاربة هذا النوع من النصوص، و التعتيم على تلكم المواقف، تلافيا لما هو أعظم و أدهى.
فعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، قال: «جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت-بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» - فاستأذنا على عبد اللّه (1)، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.
قال: فدعا الجارية، ثم دعا بطست فيه ماء.
فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، انظر فيها؛ فإن فيها أحاديث حسانا!
قال: فجعل يميثها فيها و هو يقول:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ هٰذَا اَلْقُرْآنَ (2)، القلوب أوعية؛ فاشغلوها بالقرآن، و لا تشغلوها بما سواه» (3).
و يذكرون: أن ابن عباس أتي أيضا بكتاب فيه قضاء علي «عليه السلام» ، فمحاه إلا قدر ذراع (1).
و إن كنا نشك في صحة ذلك، و نرى، أن ابن مسعود هو الذي فعل ذلك، و سيأتي في مواضع من هذا الكتاب بعض النماذج للحرب الإعلامية التي كانت تمارس ضد علي و أهل بيته «عليهم السلام» و شيعته الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم.
و هناك أقوال صحيحة، و مواقف صريحة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبين انحراف و زيف كثير من الشخصيات و الرموز التي كانت تدعم الحكم الجديد، و تشد من أزره، و تعمل على بسط سلطته، و ترسيخ نفوذه، بل فيهم بعض من أصبح جزءا من تكوينه و هيكليته، و من ركائزه و دعائمه، الأمر الذي جعل الحكم الجديد يرى نفسه مسؤولا عن الحفاظ على سمعة هؤلاء الناس، و رفعة شأنهم، و بسط نفوذهم، و إظهارهم على أنهم شخصيات على درجة من الفضل و النبل، و لهم من المواقف المشرفة، و من الكرامات ما ليس لغيرهم، بل لا بد أن يظهروا للناس-و لو عن طريق الاختلاق، و التحريف، و التزوير-أن هؤلاء الناس هم الذين شيّدوا أركان الدين، و ضحّوا و جاهدوا حتى قام عموده، و اشتد عوده.
أما أقوال النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» في حقهم، و مواقفه «صلى اللّه عليه و آله» تجاههم، فلا ضير في أن تكتم و تنستر، ثم تتلاشى و تندثر، بل لا بد لها من ذلك، و حيث لا يمكن ذلك، فلا أقل من التأويل و التبديل، و التحريف
1) صحيح مسلم ج 1 ص 11.
و التزييف، أو اختلاق ما يناقض و يعارض. و ذلك هو أضعف الإيمان.
و قد روى أحمد بن حنبل: أنه كان بين حذيفة و سلمان شيء؛ فسأله أبو قرة الكندي عن ذلك، فقال: «إن حذيفة كان يحدث بأشياء يقولها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -في غضبه (1)-لأقوام، فأسأل عنها، فأقول:
حذيفة أعلم بما يقول، و أكره أن يكون ضغائن بين أقوام، فأتى حذيفة، فقيل له: إن سلمان لا يصدقك و لا يكذبك بما تقول.
فجاءني حذيفة فقال: يا سلمان ابن أم سلمان.
قلت: يا حذيفة ابن أم حذيفة، لتنتهين، أو لأكتبن إلى عمر، فلما خوفته بعمر تركني الخ. . (2).
إذن، فقد كان حذيفة يحدث الناس بما كان يوقع سلمان الذي كان أميرا على المدائن من قبل عمر في حرج شديد فكان لا بد لسلمان من أن يوقف حذيفة عن الإستمرار في ذلك، فاستفاد من هذه الوسيلة لتحقيق هذا الهدف.
و بعبارة أخرى: إن السياسة كانت قد فرضت حظرا على تناقل بعض ما يتعلق بأحوال الأشخاص.
و قد كان حذيفة بنقله تلك الأمور قد أحرج سلمان، فلما هدده بالكتابة إلى الخليفة كف عن ذلك، غير أنه قد وردت في آخر الحديث زيادة نحسب
أنها لم ترد على لسان سلمان، و هي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أيما مؤمن لعنته لعنة، أو سببته سبة، في غير كنهه، فاجعلها عليه صلاة» (1).
فإن ذلك لا شك في كونه من الأكاذيب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على سلمان، فراجع ما ذكرناه في غزوة أحد من هذا الكتاب، ثم ما سنذكره حول موضوع السب و اللعن أيضا.
هناك فرقتان من اليهود:
إحداهما: «فقهاء الفريسيين» ، و هم يؤمنون بكتابة العلم و تدوينه.
و يكتبون كلام علمائهم و أحبارهم. كما هو الحال بالنسبة إلى التلمود، الذي له أهمية كبيرة عند معظم اليهود، بل إن أهميته لدى بعض فرقهم لتزيد على أهمية العهد القديم نفسه (2).
الثانية: فرقة يقال لها: «القراء» ، و هم الذين كثروا و نشطوا بعد ضعف أمر الفريسيين، و هم يقولون بعدم جواز كتابة شيء غير التوراة (3).
و قد صرح البعض: بأن فرقة الصدوقيين لا تعترف إلا بالعهد القديم، و ترفض الأخذ بالأحاديث الشفوية المنسوبة إلى موسى «عليه السلام» (4).
بل لقد جاء في التلمود نفسه: «إن الأمور التي تروى مشافهة ليس لك الحق في إثباتها بالكتابة» (1).
و قد علق على ذلك بعض العلماء بقوله: «من العجيب: أن اليهود كتبوا التلمود و المشناة حتى هذا النهي. و أهل الحديث من المسلمين كتبوا الأحاديث حتى الحديث المكذوب: لا تكتبوا عني. . الخ» (2).
غير أننا نقول: إن المقصود هو المنع من الروايات الشفوية عن الأنبياء، أما أقوال العلماء فهي الشريعة، تماما كما يقول البعض الآن: إن آراء الصحابة شريعة و سنة.
و الذي يظهر لنا هو: أن كعب الأحبار قد كان من الفرقة التي لا تجيز كتابة غير التوراة.
و يشير إلى ذلك: أنه حينما سأله الخليفة الثاني عن الشعر، أجابه كعب واصفا العرب بقوله: «أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم، ينطقون بالحكمة» (3).
1) الفكر الديني الإسرائيلي للدكتور ظاظا ص 79 عن التلمود: حيطين 60 ب-تمور.
2) بحوث مع أهل السنة و السلفية هامش ص 97.
3) راجع: العمدة لابن رشيق ج 1 ص 25 و قد صرح بذلك كعب في حديث آخر في الدر المنثور ج 3 ص 125 ثم روى ذلك أبو هريرة و قتادة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فراجع الدر المنثور ج 3 ص 124 و 123 و 122، و قد استدل البعض بهذا الحديث على حفظ القرآن عن ظهر قلب، فراجع مناهل العرفان ج 1 ص 235 و النشر في القراءات العشر ج 1 ص 6، و في ربيع الأبرار ج 2 ص 150 ذكر هذا الحديث عن التوراة على لسان راهب آخر فراجع.
و قد روى مثل ذلك وهب بن منبه أيضا-الذي كان أيضا في الأساس من أهل الكتاب-فقد جاء في رواية مطولة له قوله: «يا رب، إني أجد في التوراة قوما أناجيلهم في صدورهم، يقرؤونها، و كان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظرا، و لا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد» (1).
فلعل كعب الأحبار، و غيره ممن كان مقربا من السلطة قد استفاد من حسن الظن به من قبل الصحابة و الحكام، فألقى هذا الأمر إليهم، و هم غافلون، فوافق قبولا منهم، بسبب ما كانوا يعانونه من مشكلات ألمحنا إليها آنفا.
و مما يشير إلى أن السلطة كانت تختزن في وعيها شيئا من ذلك هو التعليل الذي جاؤوا به حينما أرادوا إحراق ما جمعوه من أحاديث كتبها الصحابة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث ذكروا: أن سبب إقدامهم على هذا الأمر هو الالتفات إلى أن أمما كانوا قبلهم كان بينهم كتاب اللّه، فلما كتبوا أقوال علمائهم أكبوا عليها، و تركوا كتاب اللّه (فراجع ما تقدم) .
و الملفت للنظر هنا: أن يتخيل هؤلاء المساواة فيما بين أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي لا ينطق عن الهوى، و بين أقوال علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل عن عمد و إصرار في كثير من الأحيان، إن لم يكن في أكثرها.
1) راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 62 و نزهة المجالس ج 2 ص 199.
هذا، و لا بد من الإشارة هنا: إلى أن السياسة التي انتهجت تجاه حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كانت سببا مهما لما حاق بالإسلام من بلاء، على صعيد تجهيل الناس به، و التلاعب بالدين، و تغيير أحكام الشريعة.
و لكن ذلك ليس هو كل شيء في هذا المجال، بل إن ثمة سببا آخر كان له دوره و تأثيره في ذلك، و هو: بغض علي «عليه السلام» ، و الإصرار على مخالفته في كل شيء.
قال ابن عباس: «اللهم العنهم، قد تركوا السنة من بغض علي» (1).
قال السندي: «أي و هو كان يتقيد بها» (2).
و قال النيسابوري حول السبب في تركهم الجهر بالبسملة في الصلاة: «و أيضا، ففيه تهمة أخرى، و هي: أن عليا رضي اللّه عنه كان يبالغ في الجهر بالتسمية؛ فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع عن الجهر، سعيا في إبطال آثار علي» (3).
و رغم اعتراف الحجاج بأن أمير المؤمنين «عليه السلام» المرء الذي لا يرغب عن قوله، فإنه يصر على مخالفته، و العمل برأي عثمان! ! (4).
و قد عاش الحسنان «عليهما السلام» في الناس دهرا طويلا، و هما إمامان قاما أو قعدا، لكن ما روي عنهما في أحكام الشريعة قليل جدا لا يكاد يذكر.
و لا يمكن أن يصغي إلى ما اعتذر به ابن شهر آشوب هنا، حيث قال: «و أما من قل منهم الروايات، مثل الحسن و الحسين، فلقلة أيامهما» (1).
و الصحيح هو أن الناس أهملوا أقوالهم، و لم يهتموا بنقل شيء عنهم، بغضا منهم لهم، أو خوفا من معاقبة الحكام.
1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 274.
و لسنا بعد ذلك كله بحاجة إلى التأكيد على أنه كان لا بد لهذا الدين من رائد و حافظ، و إمام يحفظ له مسيرته، و ينشر تعاليمه، و يربي الناس تربية إلهية صالحة و قويمة. و يكون هو الضمانة الحقيقية له على مر العصور، و كر الأيام و الدهور.
و قد كان أئمة أهل البيت الأطهار «عليهم السلام» هم هذه الضمانة، التي بها حفظ الدين و أحكامه، و بهم سلمت رسومه و أعلامه. و كيف لا، و هم سفينة نوح، و أحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما، و اهتدى بهديهما.
و هذا ما يفسر لنا ما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» في قوله للحكم بن عيينة (عتيبة) ، و سلمة بن كهيل: شرّقا و غرّبا، فلا تجدان علما صحيحا إلا شيئا خرج من عندنا (1).
و يقول «عليه السلام» عن الحسن البصري: «فليذهب الحسن يمينا و شمالا؛ فو اللّه، ما يوجد العلم إلا ههنا» (2).
و عنه «عليه السلام» : فليذهب الناس حيث شاؤوا، فو اللّه ليس الأمر إلا ههنا، و أشار إلى بيته» (1).
و عنه «عليه السلام» أيضا: كل شيء لم يخرج من هذا البيت فهو و بال (2).
لا أعتقد: أننا بحاجة إلى التذكير بموقف الأئمة من رواية الحديث و كتابته، فإن ذلك أوضح من الشمس، و أبين من الأمس.
فعلي «عليه السلام» هو الذي رفع الحظر عن رواية حديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3)و هو الذي يقول: تزاوروا، و أكثروا مذاكرة الحديث، فإن لم تفعلوا يندرس الحديث (4).
و هو الذي يقول: «قيدوا العلم، قيدوا العلم» ، مرتين. و نحوه غيره (5).
و قد قال «عليه السلام» : «من يشتري مني علما بدرهم؟ .
قال الحارث الأعور: فذهبت، فاشتريت صحفا بدرهم، ثم جئت بها» .
1) الكافي ج 1 ص 399 و بصائر الدرجات ص 12.
2) الاختصاص ص 31.
3) راجع: سر گذشت حديث (فارسي) هامش ص 28 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 171 و 172 و 122.
4) معرفة علوم الحديث ص 60 و كنز العمال ج 10 ص 189.
5) تقييد العلم ص 89 و 90 و في هامشه قال: «و في حض علي «عليه السلام» على الكتابة انظر معادن الجوهر للأمين العاملي 1،3» .
قال الراوي: «فكتب له علما كثيرا» (1).
و عنه «عليه السلام» : «إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بأسناده، فإن يك حقا كنتم شركاء في الأجر، و إن يك باطلا كان وزره عليه» (2).
و مثل ذلك كثير عنه «عليه السلام» (3).
كما أن الإمام الحسن «عليه السلام» دعا بنيه، و بني أخيه، فقال: «يا بنّي، و بني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين؛ فتعلموا العلم؛ فمن لم يستطع منكم أن يرويه؛ فليكتبه، و ليضعه في بيته» (4).
و قد كتب علي «عليه السلام» عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتبا كثيرة، كما هو أشهر من أن يحتاج إلى تفصيل و بيان.
و قد حث الأئمة «عليهم السلام» شيعتهم على هذا الأمر، كما يظهر بأدني مراجعة لكتب حديثهم و روايتهم.
1) التراتيب الإدارية ج 2 ص 259 و طبقات ابن سعد ج 6 ص 116 و تاريخ بغداد ج 8 ص 357 و كنز العمال ج 10 ص 156 و تقييد العلم ص 90 و في هامشه عمن تقدم، و عن كتاب العلم لابن أبي خيثمة ص 10 و عن المحدث الفاضل ج 4 ص 3.
2) كنز العمال ج 10 ص 129 عن الحاكم، و أبي نعيم، و ابن عساكر.
3) راجع على سبيل المثال: كنز العمال ج 10 كتاب العلم.
4) تقييد العلم ص 91 و نور الأبصار ص 122 و كنز العمال ج 10 ص 153 و سنن الدارمي ج 1 ص 130 و جامع بيان العلم ج 1 ص 99 و العلل و معرفة الرجال ج 1 ص 412 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 246-247 عن ابن عساكر، و عن البيهقي في المدخل، و في هامش تقييد العلم عن بعض من تقدم، و عن: تاريخ بغداد ج 6 ص 399(و لم أجده) و عن ربيع الأبرار 12 عن علي «عليه السلام» .
بل إن الأئمة «عليهم السلام» كانوا يطّلعون على بعض الكتب التي كانت تؤلف في زمنهم، و يبدون ملاحظاتهم عليها.
و نرى أن ذكر الشواهد و المصادر لكل ذلك، مع هذه الكثرة الكاثرة فيها ليست في محلها، و هي تضييع للوقت و للجهد.
و قد واجه الأئمة «عليهم السلام» ترهات بنى إسرائيل، بالكلمة و بالموقف، بصرامة و بحزم.
و أعلنوا للملأ زيف تلك الأباطيل، و كذّبوا من جاؤوا بها بصراحة و وضوح في مناسبات كثيرة.
بل إن أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» ، لم يكتف بالتكذيب و التفنيد، و إنما هدد و توعد بالجلد أحيانا، كما حصل منه لمن يروي قصة أوريا، وفق زعم القصاصين، كما سيأتي.
و قد وصف «عليه السلام» كعب الأحبار، فقال: إنه لكذاب (1).
و كان كعب منحرفا عن علي عليه الصلاة و السلام (2).
هذا بالإضافة إلى أنه قد طرد القصاصين من المساجد، كما سنرى.
و قد كذب الإمام الباقر «عليه السلام» كعب الأحبار في بعض
أباطيله، كروايته: أن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل صباح (1).
و ذلك من أجل أن يتوصل إلى تبرير جعل الصخرة التي في بيت المقدس قبلة لأهل نحلته من اليهود، و أنها هي القبلة الأولى و الأعلى، بملاحظة أن الكعبة التي هي قبلة المسلمين تسجد للصخرة كل صباح.
هذا، و للإمام الصادق «عليه السلام» موقف يكذب فيه أباطيل أهل الكتاب أيضا (2).
كما أنه «عليه السلام» قد قال و هو يتحدث عن العلماء: «و من العلماء من يطلب أحاديث اليهود و النصارى ليغزر به علمه، و يكثر به حديثه، فذاك في الدرك الخامس من النار» (3).
و قد اقتدى الشيعة الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم بأئمتهم «عليهم السلام» ، في محاربة الفكر الإسرائيلي الدخيل، و تصدوا لرموزه، و للمروجين له
1) الكافي ج 4 ص 240 و البحار ج 46 ص 354، و يبدو أن كعبا قد استمر على تعظيم الصخرة، حتى إنه حينما كان مع عمر في بيت المقدس، و سأله عمر: أين يجعل المسجد و القبلة، قال: خلف الصخرة، فقال له عمر: ضاهيت اليهودية يا كعب. فراجع هذه القضية بنصوصها المتقاربة في: الأنس الجليل في أخبار القدس و الخليل ج 1 ص 256 و الأموال لأبي عبيد ص 225 و الإصابة ج 4 ص 105 و الأسرار المرفوعة ص 457.
2) البحار ج 71 ص 259 ط إيران و ج 46 ص 353-354 و سفينة البحار ج 2 ص 167، و الكافي ج 4 ص 239.
3) البحار ج 2 ص 108.
بحزم، و شجاعة، و صلابة، رغم ما كان يتمتع به أولئك الأفاكون من حصانة قوية من قبل الحكام على أعلى المستويات، لقد واجههم الشيعة، و تصدوا لهم، عملا بالتكليف الشرعي، الذي أكده ما روي عن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، من أنه قال:
«إن اللّه قضى بالجهاد على المؤمنين في الفتنة بعدي. .» .
إلى أن قال: «. . يجاهدون على الإحداث في الدين، إذا عملوا بالرأي في الدين، لا رأي في الدين الخ. .» (1).
و نذكر هنا بعض النماذج لمواقف أتباع مدرسة أهل البيت «عليهم السلام» ، و هي التالية:
1-لقد أعلن ابن عباس بالنكير على أولئك الذين يسألون أهل الكتاب، مع وجود كتاب اللّه بين ظهرانيهم (2).
2-و روي نظير ذلك عن ابن مسعود أيضا (3).
1) تفسير فرات ص 614 ط جديد.
2) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 193 و 173 و ج 2 ص 71 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 314 و ج 11 ص 110 و جامع بيان العلم ج 2 ص 51 و الفصل في الملل و الأهواء و النحل ج 1 ص 216 و البداية و النهاية ج 2 ص 134 و مجمع الزوائد ج 1 ص 192 و الدر المنثور ج 1 ص 83 عن البخاري، و عبد الرزاق، و ابن أبي حاتم، و البيهقي في شعب الإيمان.
3) راجع: المصنف للصنعاني ج 6 ص 112 و ج 11 ص 160 و ج 10 ص 313 و جامع بيان العلم و فضله ج 2 ص 50 و البداية و النهاية ج 2 ص 134 و فتح الباري ج 13 ص 281 و راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 122 و تقييد العلم ص 53 و 56.
3-و قد تصدى ابن عباس، و حذيفة بن اليمان لتكذيب كعب الأحبار صراحة في بعض الموارد (1).
4-أما أبو ذر ذلك الرجل الصابر المجاهد، فالكل يعلم موقفه من كعب الأحبار في مجلس الخليفة الثالث عثمان، حينما جاؤوا بتركة عبد الرحمن بن عوف، و تصدى كعب الأحبار لإصدار فتاواه في دين اللّه؛ فضربه أبو ذر رحمه اللّه بعصاه، و قال له: «يا ابن اليهودية، تعلمنا ديننا» ؟ !
أو «متى كانت الفتيا إليك يا ابن اليهودية؟ !» (2).
ثم كان جزاء هذا الصحابي الجليل هو النفي و التشريد، و مكابدة المحن و البلايا، حتى مات مظلوما غريبا في الربذة، منفاه (3).
أما موقف علي «عليه السلام» من القصاصين، فتوضحه النصوص التالية:
1) أضواء على السنة المحمدية ص 165 عن الكاف الشاف ص 139.
2) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 و مسند أحمد ج 1 ص 63 و راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 160 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 336 و ج 4 ص 284 و الغدير ج 8 ص 351 عنه. و راجع: أنساب الأشراف ج 5 ص 52 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 54 و ج 8 ص 256 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 67-69 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 232 و الأوائل ج 1 ص 279 و مجمع الزوائد ج 10 ص 239 و حياة الصحابة ج 2 ص 157 و 158 و 259 و عن كنز العمال ج 3 ص 310. و أشار إليه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ج 9 ص 258 و 251.
3) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 111-141.
1-عن الحارث، عن علي، أنه دخل المسجد، فإذا بصوت قاص، فلما رآه سكت، قال علي «عليه السلام» : من هذا؟ !
قال القاص: أنا.
فقال علي «عليه السلام» : أما أني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: سيكون بعدي قصاص لا ينظر اللّه إليهم (1).
2-عن سعيد بن أبي هند: أن عليا «عليه السلام» مر بقاص، فقال: ما يقول؟ !
قالوا: يقص!
قال: لا، و لكن يقول: إعرفوني (2).
3-عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال: مر علي بن أبي طالب «عليه السلام» برجل يقص، فقال: أعرفت الناسخ من المنسوخ؟
قال: لا.
قال: هلكت و أهلكت (3).
4-عن أبي يحيى، قال:
مر بي علي و أنا أقص؛ فقال: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟
قلت: لا.
قال: أنت أبو إعرفوني (1).
لم يقتصر موقف علي «عليه السلام» من القصاصين على الإدانة الكلامية، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك، فجاء متميزا و حاسما في الوقت نفسه، و قد تجلى ذلك في أنه «عليه السلام» قد استعمل في مواجهتهم الأساليب التالية:
1-تعريتهم أمام الناس، و تعريفهم بنواياهم، و ذلك ببيان حقيقة حبهم للظهور، كما تقدم.
2-تهجين عملهم عن طريق نشر أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيهم حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: سيكون بعدي قصاص لا ينظر اللّه إليهم.
3-إظهار جهلهم، و قلة معرفتهم، ثم ما يترتب على ذلك من هلاك لهم أنفسهم، ثم إهلاك للآخرين. و قد تقدمت الأمور الثلاثة الآنفة الذكر.
4-طردهم من المساجد.
5-ضربهم.
ألف: عن أبي البختري، قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا
1) كنز العمال ج 10 ص 171 عن المروزي في العلم. و راجع: ربيع الأبرار ج 3 ص 588.
رجل يخوّف، فقال: ما هذا؟
فقالوا: رجل يذكّر الناس.
فقال: ليس برجل يذكّر الناس، و لكنه يقول: أنا فلان بن فلان، إعرفوني.
فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ !
فقال: لا.
قال: فاخرج من مسجدنا، و لا تذكّر فيه (1).
و المذكر هو القاص في اصطلاحهم، كما يظهر من الكتب التي تتحدث عن القصاصين، فراجع تلبيس ابليس، و القصاص و المذكرين لابن الجوزي.
ب: و حين قدم البصرة طرد القصاصين من المسجد، حيث إنه لا ينبغي القصص في المسجد (2).
ج: عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، أنه قال: «إن أمير المؤمنين «عليه السلام» رأى قاصا في المسجد فضربه، و طرده» (3).
1) كنز العمال ج 10 ص 171 عن المروزي في العلم، و النحاس في ناسخه، و العسكري في المواعظ، و الدر المنثور ج 1 ص 106 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 62.
2) عن قوت القلوب ج 2 ص 302 و راجع: الحوادث و البدع ص 100.
3) الكافي ج 7 ص 263 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 10 ص 149 و الوسائل ج 12 ص 111 و ج 18 ص 578 و ج 3 ص 515 و ج 10 ص 468 و ج 11 ص 567 و ج 8 ص 14 و 82 و سفينة البحار ج 2 ص 433 و راجع: الصافي ج 4 ص 296 و مجمع البيان ج 8 ص 472 و تفسير البرهان ج 4 و راجع: الدر المنثور ج 1 ص 106.
6-التهديد بالضرب الوجيع، و بإقامة الحدود عليهم و يوضح ذلك:
ألف: ما روي، من أنه حينما بلغه «عليه السلام» ما يقوله القصاصون في قصة أوريا قال:
«من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص، جلدته ماءة و ستين جلدة، و ذلك حد الفرية على الأنبياء» (1).
ب: و سيأتي أنه «عليه السلام» قد امتحن أحد القصاصين، فأجابه، و لو أنه عجز عن الجواب لكان قد أوجعه ضربا (2)على حد تعبيره.
و لا يختلف موقف سائر الأئمة «عليهم السلام» عن موقف أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه من القصاصين، و يوضح ذلك النصوص التالية:
1-إن الإمام السجاد «عليه السلام» قد نهى الحسن البصري عن مزاولة عمل القصص. فاستجاب للنهي (3).
2-و في محاورة جرت بين الإمام الحسن «عليه السلام» و بين أحد القصاصين، نجد الإمام الحسن يكذب ذلك الرجل في دعواه كونه قصاصا تارة، و مذكرا أخرى؛ باعتبار أن هاتين الصفتين هما للنبي «صلى اللّه عليه
و آله» ، فلما سأله عن نفسه أي شيء هو؟ .
قال له «عليه السلام» : المتكلف من الرجال (1). أي الذي يتكلف أمرا ليس له.
3-و عن الإمام الباقر «عليه السلام» في تفسير قوله تعالى: وَ إِذٰا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا (2)أن منهم القصاص (3).
4-و ذكر للإمام الصادق «عليه السلام» : أن بعض القصاص يقول: هذا المجلس لا يشقى به جليس.
فقال «عليه السلام» : هيهات هيهات أخطأت استاهم الحفرة (4). أي أنهم أرادوا شيئا فوقعوا في غير ما أرادوا.
5-كما أنه «عليه السلام» قد لعنهم، و اعتبرهم يثيرون الناس ضدهم «عليهم السلام» .
ثم إنه «عليه السلام» قد حرم الاستماع إلى القصاصين.
هذا بالإضافة إلى أنه «عليه السلام» قد اعتبر أنهم هم الغاوون أتباع الشعراء، كما نصت عليه الآية الكريمة (5).
و مما تقدم نعرف: أن معرفة الناسخ من المنسوخ شرط في السماح للقصاص بأن يقص على الناس.
و ثمة شرط آخر: و هو أن يكون عارفا بالدين، واقفا على مراميه و أهدافه، كما يظهر من سؤال أمير المؤمنين للقاص الذي امتحنه، فأجاب، فسمح له بمواصلة عمله، و لو لا ذلك لكان «عليه السلام» قد أوجعه ضربا.
و لأجل أن البعض لم يكن يعرف الناسخ من المنسوخ، فإنه «عليه السلام» قد حكم عليه بأنه قد هلك و أهلك. و بيّن أن من لا يعرف ذلك و يتصدى لهذا العمل الخطير فإنه يكون طالبا للدنيا و للشهرة بين الناس.
أما حين يطمئن «عليه السلام» إلى أن القاص جامع للشروط المطلوبة، فإنه «عليه السلام» يسمح له بمزاولة عمله ذاك، فقد: «قال علي «عليه السلام» للقاص: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ !
قال: نعم.
قال: قال: قص» (1).
و معنى ذلك، هو أن القصاصين كانوا إلى جانب و عظهم الناس، يقومون بمهمات أخرى، و هي بيان الأحكام الشرعية، و تفسير القرآن، إلى جانب أمور تقدمت، و ستأتي الإشارات إليها في الموارد المختلفة.
و تقدم في فصل: «القصاصون يثقفون الناس رسميا» : أن الإمام الباقر «عليه السلام» قد قال لسعد الإسكاف: «وددت أن على كل ثلاثين ذراعا
1) القصاص و المذكرين ص 105.
قاصا مثلك» .
و أن أبان بن تغلب كان قاص الشيعة.
و أن عدي بن ثابت الكوفي كان إمام مسجد الشيعة و قاصهم.
ثم إننا قد رأينا أمير المؤمنين «عليه السلام» يجري امتحانا لأحد القصاصين، فلو لم ينجح في الامتحان لكان «عليه السلام» قد أوجعه ضربا.
فقد رووا: أنه «عليه السلام» انتهى إلى قاص يقص، فقال: تقص، و نحن حديثو عهد (برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») ؟ ! أما إني سائلك فإن تجيب فما سألتك و إلا أدبتك.
(و في نص آخر: أما إني أسألك عن مسألتين، فإن أصبت و إلا أوجعتك ضربا) .
فقال القاص: سل يا أمير المؤمنين عما شئت.
فقال: ما ثبات الإيمان و زواله؟
قال: ثبات الإيمان الورع، و زواله الطمع.
قال علي: فذلك فقص.
قيل: إن هذا القاص هو نوف البكالي (1).
1) البداية و النهاية ج 9 ص 31 و كنز العمال ج 10 ص 172 عن وكيع في الغرر، و القصاص و المذكرين ص 23.
و بعد، فإن التصدي للفكر الإسرائيلي، و إن أفلح في حفظ و صيانة الإسلام إلى حد بعيد، و لكن آثار هذا الحفظ إنما ظهرت، أو فقل:
قد اقتصرت على التيار الذي كان يقوده الأئمة «عليهم السلام» و شيعتهم، و من تخرج من مدرستهم، و اختار طريقتهم و نهجهم.
أما الآخرون؛ الذين كانوا في الخط الآخر، فقد استمروا في التحرك في دائرة السياسة المعلنة، و المصرح بها من قبل الحكام، فأخذوا عن أهل الكتاب الشيء الكثير مما هو محرف و مدسوس، و نفذوا و التزموا بالإسلام الذي راق للحكام، و روجوا له.
فكان أن شحنوا كتبهم و مجاميعهم الحديثية بالشيء الكثير من الفتاوى، و المعارف، و العقائد، و السياسات، و السير و التواريخ، التي تنسجم مع ما يريده أولئك الحكام، مما أتحفهم به أهل الكتاب، أو غيرهم من المرتزقة و المتزلفين.
نعم، لقد شحنوا بها كتبهم، و مجاميعهم، من دون أي تحقيق، أو تمحيص، إلا فيما يمس القشر، و لا يتعرض لما دونه في شيء؛ لأنها قد جاءت محكومة لضوابط و معايير من شأنها أن تكرس الإنحراف، و تقوي من تياره، و تعمق
جذوره، لأنها إنما وضعت لتأكيد تلك الأباطيل و الترهات و من خلالها، و من أجل حفظ الإنحراف و تكريسه لا لإزالته و التخلص منه.
أما المعايير الحقيقية و الضوابط الأصيلة، القادرة على كشف الزيف، و إحقاق الحق، فقد كانت مرفوضة من هؤلاء الناس جملة و تفصيلا، حتى إن ما ورد من الأمر بعرض الحديث على كتاب اللّه سبحانه قد رفض، و ضرب به عرض الجدار، بل قد اعتبروه من وضع الزنادقة، كما سيأتي في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.
و نحن من أجل جلاء الحقيقة، و التعريف بحقيقة المؤامرة، نذكر هنا نماذج يسيرة من ضوابط تهدف لحفظ الإنحراف، و معايير لتكريس الباطل و ترسيخه، بكل ما فيه من فتاوى باطلة، و روايات مختلقة، أو محرفة، و أساطير و ترهات عن أهل الكتاب و غيرهم.
بالإضافة إلى أساليب تبرير المواقف اللاإنسانية و اللاشرعية، التي صدرت و تصدر عمن يهمهم حفظهم، و الاحتفاظ بهم بأي ثمن كان، و النماذج التي نريد تقديمها إلى القارئ الكريم هي التالية:
لقد كان الكثيرون من الصحابة، ممن تهتم السلطة و بعض الفئات و الإتجاهات المذهبية و السياسية بإعطائهم دورا متميزا و أساسيا، سواء على الصعيد السياسي، أو العقيدي، أو في مجال الحديث، و الرواية، أو الفتيا، أو على صعيد المواقف، تأييدا و تأكيدا، أو غير ذلك.
مع أن أولئك الأشخاص لا يملكون تاريخا نظيفا و لا مشرفا، لا في حياتهم السلوكية من حيث الالتزام بأحكام الدين، و لا في مجال التحلي بمكارم الأخلاق، و حميد الخصال.
فكان أن عملوا من أجل تبرير انحرافاتهم و مخالفاتهم، و تبرئتهم مما ارتكبوه من جرائم، و موبقات، حتى ما هو مثل الزنى، و شرب الخمر، و قتل النفوس، و سرقة بيت مال المسلمين، و ما إلى ذلك، على اختراع إكسير يستطيع أن يحول تلك الجرائم و الموبقات، و المعاصي، إلى خيرات، و طاعات و مبرات، و حسنات، يستحقون عليها المثوبة، و ينالون بها رضا اللّه و الجنة.
أن الصحابة بساطهم مطوي، و إن جرى ما جرى، و إن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات (1).
و «الصحابة كلهم عدول، سواء منهم من لابس الفتن، و من لم يلابس» و ذلك بإجماع من يعتد به من الأمة (2).
1) أضواء على السنة المحمدية ص 342 عن الذهبي في رسالته التي ألفها في الرواة الثقات.
2) راجع: الكفاية في علم الرواية ص 46-49 و الباعث الحثيث ص 182 و 181 و تدريب الراوي ج 2 ص 214 و السنة قبل التدوين ص 394 و 403 و عنهم و عن فتح المغيث ج 4 ص 35. و راجع: علوم الحديث لابن الصلاح ص 264 و 265 و 268 و علوم الحديث لصبحي الصالح ص 353 الطبعة الثامنة و قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 202 و 203 و الإصابة ج 1 ص 9 و 10 و الإحكام في أصول الأحكام ج 2 ص 81 و 82 و فواتح الرحموت ج 2 ص 156 و إرشاد الفحول ص 70 و 69 و 64 و 65 و الخلاصة في علوم الحديث ص 124 و 94 و 67 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 608.
و عمدة مستندهم في ذلك آيات كريمة ورد فيها ثناء على الصحابة في ظاهر الأمر، مع أن الثناء ناظر إلى بعض منهم، و هم خصوص المتصفين بصفة الإيمان، مع مواصفات معينة أخرى أشارت إليها، أو صرحت بها تلك الآيات بالذات.
و قد تحدثنا عن ذلك باختصار في كتابنا: «صراع الحرية في عصر المفيد» ، فراجع.
أضف إلى ذلك: أن تلك الآيات لم تتناول الأفراد بالنصوصية، إنما غايتها عموم، يرد التخصيص عليه بحسب الموارد، مع أن دليل شمول الصحبة لمطلق من رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ركيك جدا (1).
لا أدري إن كان قولهم بعدالة كل صحابي، يشبه القول بعصمة الحاخامات لدى اليهود (2)، أو أنه مستوحى منهم، أم لا؟ .
و قد يكون من بين من يراد تبرير جرائمه و موبقاته، من كان حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» صغيرا جدا، أو لم ير النبي «صلى اللّه عليه و آله»
سوى مرة واحدة، في ساعة من نهار، و بصورة عابرة، فجاءت المعالجة من قبل من يهمهم أمر هؤلاء؛ فقررت: أن الصحابي هو كل من صحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنة أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه (1).
و عدوا من الصحابة صبيانا و أطفالا رأوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح، و في حجة الوداع، و غيرهما (2).
و حين يجدون: أن بعض من يعز عليهم من الصحابة يرتد عن الدين، و يحارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يعود فيظهر الإسلام، كطليحة بن خويلد، و بعضهم ارتد، و أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه، كما هو
1) راجع: الكتابة في علم الرواية ص 51 و راجع ص 50 و الباعث الحثيث ص 179 و 181(متنا و هامشا) و الإصابة ج 1 ص 5 و 7 و 4 و نهاية الوصول ج 3 ص 179 و إرشاد الفحول ص 70 و أضواء على السنة المحمدية ص 352 و تدريب الراوي ج 2 ص 208 و 209 و 215-216 و السنة قبل التدوين ص 387 و مقدمة في علوم الحديث لابن الصلاح ص 263 و الخلاصة في أصول الحديث للطيبي ص 124 و 125 و علوم الحديث لصبحي الصالح ص 352 ط 8. و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 188 و أسد الغابة ج 1 ص 13، و راجع: الأحكام في أصول الأحكام ج 2 ص 82 و فواتح الرحموت ج 2 ص 158 و سلم الوصول ج 3 ص 180 و عن فتح المغيث ج 4 ص 31 و 32 و عن تلقيح فهوم أهل الآثار ص 27 ب.
2) راجع: الباعث الحثيث ص 184 و السنة قبل التدوين ص 392 و معرفة علوم الحديث ص 24 و علوم الحديث لصبحي الصالح ص 356 و 357 ط 8 و راجع: سلم الوصول ج 3 ص 180.
الحال بالنسبة لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح.
و كذا الحال بالنسبة للأشعث بن قيس الذي ارتد عن الإسلام، ثم لما أسر، و أظهر التوبة في عهد أبي بكر أطلقه الخليفة، و زوجه أخته في نفس الساعة (1).
إنهم حين يجدون ذلك، يبادرون إلى ادعاء: أن الصحابي إذا ارتد ذهبت صحابيته، فإذا عاد إلى الإسلام عادت إليه صحابيته، من دون حاجة إلى أن يرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جديد (2)، أي و تعود إليه عدالته أيضا! !
لقد كان و لا يزال الجهر بما فعله بعض الصحابة محرجا، بل مخجلا لمن يعتقدون لزوم موالاتهم، و الارتباط بهم، و يوجب سلب ثقة الناس بأناس يراد لهم أن يثقوا بهم، بل يراد لهم أن يقدسوهم.
و لو فرض أنه يمكن إسكات بعض العوام، بواسطة إطلاق بعض الشعارات البراقة و الرنانة، أو بواسطة بعض الفتاوى المختلقة، أو بشيء من الترغيب أو الترهيب، فإن ذلك لا يتيسر بالنسبة لجميع الناس، فلا بد من اعتماد أسلوب آخر للخروج من المأزق.
فقالوا عن الصحابة: «الواجب علينا أن نكف عن ذكرهم إلا بخير» (1).
و قالوا: ينبغي للقاص «أن يترحم على الصحابة، و يأمر بالكف عما شجر بينهم، و يورد الأحاديث في فضائلهم» (2).
و قد أخذوا على أبي عمر بن عبد البر: أنه قد شان كتابه «الاستيعاب» بذكر ما شجر بين الصحابة (3).
و حيث لم ينفع الأمر بالسكوت عما شجر بين الصحابة، فقد لجأوا إلى أسلوب آخر للخروج من المأزق، و هو اتهام من ينتقد الصحابة بالزندقة، و الخروج من الدين، و الإلحاد.
قال أبو زرعة: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاعلم أنه زنديق، و ذلك أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عندنا حق، و القرآن حق، و ما جاء به حق.
و إنما أدى إلينا هذا القرآن و السنن أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب و السنة، و الجرح بهم أولى. و هم زنادقة» (1).
و قال السرخسي: «من طعن فيهم فهو ملحد، منابذ للإسلام، دواؤه السيف، إن لم يتب» (2).
و من الواضح: أن حملة الإسلام و تعاليمه إلى الأمم ليسوا هم الوليد بن عقبة و لا مروان بن الحكم، و لا ابن أبي سرح و نظراؤهم، و إنما هم علي «عليه السلام» و أهل البيت «عليهم السلام» و أبو ذر و سلمان و ابن مسعود، و أبي بن كعب و نظراؤهم من أعلام الأمة و علمائها. و ما كلام أبي زرعة و غيره هنا إلا مغالطة ظاهرة، لا تسمن و لا تغني من جوع.
أما بالنسبة إلى المعاصي التي ارتكبوها، و لا يمكن دعوى التأويل و الاجتهاد فيها، فقد جاء تبريرها بدعوى: أن الصحابي لا يفسق بما يفسق به غيره (3).
و إذا ارتكب الصحابي ما يوجب العقاب له أخرويا، مما توعد اللّه عباده عليه بالعقاب بالنار، و لم يمكن دفع ذلك عنه، لا بدعوى الاجتهاد،
و التأويل، و لا بغير ذلك.
فإن علاج ذلك هو بالقول: إن التوبة حتمية الوقوع ممن يعصي منهم (1).
و لبعض الشخصيات مزيد من الأهمية، فلا يمكن تركها تعصي اللّه ثم ننتظر إلى أن تصدر التوبة منها، و هي قد تتأخر بعض الوقت.
بل لا بد من مغفرة ذنوب هؤلاء فورا، ففتشوا عن تاريخ هؤلاء الأشخاص، فوجدوا أنهم ممن حضر بدرا-و إن لم يعلم عنه أنه قاتل- فجاءت المعالجة لتقدم معيارا جديدا يقول:
إن ما يقع من معاص لا يحتاج إلى التوبة، إذا كان مرتكب ذلك ممن شهد بدرا لأن أهل بدر مغفور لهم (2).
و كان لا بد من تبرير أخطاء وقع فيها بعض الصحابة، سواء في مواقفهم، أو في فتاواهم، حتى حارب بعضهم بعضا، و أزهقت أرواح كثيرة، و سفكت دماء غزيرة، و خرج بعضهم على إمام زمانه، و قاتلوه، كما جرى في الجمل، و صفين، و النهروان، فاخترعوا للصحابة مسألة الإجتهاد، فكلهم مجتهدون (3)، و لا اعتراض على المجتهد، بل هو إن أصاب فله
أجران، و إن أخطأ كان له أجر واحد.
و بهذا أدخلوا معاوية، و طلحة و الزبير الجنة، و منحوهم المزيد من الثواب على ما فعلوه و ما ارتكبوه من جرائم في حق الإمام و الأمة. و أصبح من حلل منهم الربا، و شرب الخمر مأجورا و مثابا، بل إن خالد بن الوليد، الذي قتل مالك بن نويرة بدون جرم، ثم نزا على زوجته في نفس الليلة مثاب و مأجور على ذلك أيضا.
و الخلاصة: أن المصيب منهم له أجران، كعلي «عليه السلام» و أصحابه. و المخطئ كمعاوية، و من معه لهم أجر واحد، بل كان ما فعلوه بالاجتهاد، و العمل به واجب، و لا تفسيق بواجب (1).
و بتعبير آخر: «إن جميع من اشترك في الفتنة من الصحابة عدول، لأنهم اجتهدوا في ذلك» (2).
و قال الكيا الطبري: «و أما ما وقع بينهم من الحروب و الفتن، فتلك أمور مبنية على الاجتهاد، و كل مجتهد مصيب، و المصيب واحد، و المخطئ معذور، بل مأجور» (3).
أننا نجد البعض لا تطاوعه نفسه على تخطئة الفئة الباغية على إمام زمانها، فيقول: إن عليا «عليه السلام» و أصحابه كانوا أقرب إلى الحق (1).
و كأنه يريد أن يوحي للقارئ بأن معاوية قريب أيضا لكن عليا أقرب، كما أنه بتعبيره هذا يكون قد تجنب التصريح بكون علي «عليه السلام» مع الحق، و الحق معه.
و لا نستغرب على هؤلاء مثل هذا البغي و الظلم، فإنما هي شنشنة أعرفها من أخزم.
و قال المقبلي، و نعم ما قال: «بعد أن تم لهم تعريف الصحبة، ذيلوها باطّراح ما وقع من مسمى الصحابي؛ فمنهم من يتستر بدعوى الإجتهاد، دعوى تكذبها الضرورة في كثيرة (كذا) من المواضع، و منهم من يطلق-و يا عجباه من قلة الحياء-في ادعائهم الاجتهاد لبسر بن أرطأة، الذي انفرد بأنواع الشر؛ لأنه مأمور المجتهد معاوية، ناصح الإسلام في سب علي بن أبي طالب و حزبه. و كذلك مروان، و الوليد الفاسق، و كذلك الإجتهاد الجامع للشروط في البيعة ليزيد، و من أشار بها، و سعى فيها، أو رضيها» (2).
و للعلامة أبي رية تعليقات هامة على كلام المقبلي هذا، يذكر فيها أفاعيل بعض الصحابة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمورا أخرى، فراجع.
كما أن ابن خلدون قد انتقد دعوى اجتهاد جميع الصحابة هذه؛ فقال:
«إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا، و لا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، و إنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه و منسوخه الخ. .» (1).
و قال مالك بن أنس: «سن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب اللّه عز و جل، و استكمال لطاعة اللّه، و قوة على دين اللّه، من عمل بها مهتد، و من استنصر بها منصور، و من خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، و ولاه اللّه ما تولى» (2).
و عن عمر بن الخطاب، أنه قال لشريح، حين ولاه القضاء: «فإن لم تعلم كل أقضية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاقض بما استبان لك من أمر الأئمة المهتدين» (3).
و قال الخطيب البغدادي، بالنسبة للأمور التي لم يسمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها شيء: إن كانوا قد قالوا رأيا و اجتهادا و لم يسمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه شيء فإجماع الأئمة (الأمة خ ل) على التحليل و التحريم يثبت به الحكم، كأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» (4).
و المراد بالأئمة المهتدين حسب الظاهر هم الخلفاء الثلاثة الأول، ما عدا عليا «عليه السلام» ، كما سنرى.
قد ألمحنا سابقا إلى قول الخطيب: إن كانوا قد قالوا رأيا و اجتهادا. . (1).
و ذكر المقريزي أيضا: أن أبا بكر كان يقضي بما كان عنده من الكتاب و السنة، فإن لم يكن عنده شيء، سأل من بحضرته من الأصحاب، فإن لم يكن عندهم شيء اجتهد في الحكم (2).
و ذكر بعض آخر: أن الصحابة كانوا يغيبون عن مجلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكانوا يجتهدون فيما لم يحضروه من الأحكام (3).
و مهما يكن من أمر: فقد ذهب الأكثرون إلى جواز الاجتهاد في عصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و وقوعه، و قد ذكروا في ذلك أقوالا كثيرة، و تفصيلات عديدة، فلتراجع في مظانها (4).
1) الكفاية في علم الرواية ص 421-422.
2) راجع: الخطط و الآثار ج 2 ص 332 و تاريخ حصر الاجتهاد ص 90-93 و راجع: الغدير ج 7 ص 119 عن سنن الدارمي ج 1 ص 58 و عن الصواعق المحرقة ص 10 و عن تاريخ الخلفاء ص 71 و عن أعلام الموقعين ص 19 و عن جامع بيان العلم ج 2 ص 51 و عن ابن سعد في الطبقات.
3) المصادر السابقة.
4) راجع: إرشاد الفحول ص 256 و 257.
و تجد من العلماء من يقول:
إن الصحابة «كانوا مخصوصين بجواز العمل و الفتوى بالرأي كرامة لهم، فيجوز لهم العمل بالرأي في موضع النص، و قد فعلوا ذلك في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم ينكر «صلى اللّه عليه و آله» ذلك عليهم، و هذا من الأمور الخاصة بهم دون غيرهم» (1).
و قد رأينا في أحيان كثيرة: أن بعض الصحابة يصرحون بأن ما يفتون به ما هو إلا رأي رأوه، و قد ظهر خطأ كثير منهم في فتاواه و آرائه هذه، و مخالفتها للنص القرآني، و لما ثبت بالأسانيد الصحيحة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فكان لا بد من علاج ذلك، و تلافي سلبياته، فجاءت النظرية الغريبة عن روح الإسلام لتقرر: أن للصحابة حق التشريع، و أن فتاواهم سنة، إلا ما أفتى به علي «عليه السلام» .
قال أبو زهرة: «وجدنا مالكا يأخذ بفتواهم على أنها من السنة» (2).
و قد رأينا أنهم يعقدون في كتب أصولهم بابا لكون قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي ملحق بالنسبة لغير الصحابي بالسنة.
و قيل: «إن ذلك خاص بقول الشيخين أبي بكر و عمر» (1).
و خطب عثمان حينما بويع فقال: إن لكم عليّ بعد كتاب اللّه عز و جل، و سنة نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا: «اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه و سننتم، و سن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ» (2).
و قال البعض: السنة هي: «ما سنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الصحابة بعده عندنا» (3).
و أمثال ذلك كثير، فراجع كتب أصول الفقه، و كتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» ص 86-90.
و نعود فنذكر بأن اليهود يقولون: إن أقوال الحاخامات كالشريعة (4).
قد تقدم: أنهم يعقدون بابا في كتب الأصول يذكرون فيه: أن قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي ملحق بالسنة، و قيل: إن ذلك خاص بقول الشيخين أبي بكر و عمر.
1) راجع على سبيل المثال: فواتح الرحموت ج 2 ص 186 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 366-367 و سلم الوصول في شرح نهاية السؤل ج 4 ص 410 و راجع نهاية السؤل ج 4 ص 410 و أصول السرخسي ج 2 ص 114-115.
2) حياة الصحابة ج 3 ص 505 عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 446.
3) أصول السرخسي ج 2 ص 113 و راجع: نهاية السؤل ج 4 ص 416.
4) مقارنة الأديان (اليهودية) ص 222 تأليف الدكتور أحمد شلبي.
و قال عمر بن عبد العزيز: «ألا إن ما سنه أبو بكر و عمر، فهو دين نأخذ به، و ندعو إليه» .
و زاد المتقي الهندي: «و ما سن سواهما فإنا نرجيه» (1).
و رووا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين» (2).
و بهذا استدل الشافعي على حجية قول أبي بكر و عمر (3).
مع أننا قد أشرنا إلى: أن هذا الحديث-لو صح-فالمقصود بالخلفاء الراشدين هم الأئمة الاثنا عشر «عليهم السلام» ، الذين ذكرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرات كثيرة، كما في صحاح مسلم و البخاري و أبي داود و غير ذلك (4).
و المقصود بسنة الخلفاء هو ما تلقوه عن رسول اللّه، و استفادوه من كتاب اللّه من أحكام و سنن و تشريعات.
و أما إخراج عثمان، فلعله لأجل تسهيل إخراج علي، و لعله لأجل
1) كنز العمال ج 1 ص 332 عن ابن عساكر، و كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 6 و النص له.
2) راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 4 و نهاية السؤل ج 3 ص 266 و 267 و سلم الوصول في شرح نهاية السؤل ج 4 ص 410 و أصول السرخسي ج 1 ص 116 و 114 و إرشاد الفحول ص 33 و الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 4 ص 204 و حياة الصحابة ج 1 ص 12 و عن كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 6.
3) راجع المصادر التي في الهامش السابق.
4) راجع كتابنا: الغدير و المعارضون ص 61-70.
ظهور عوار سلوكه، حتى إن الرعية لم تتحمل سياساته، فقتلته. .
و يقول عثمان: «إن السنة سنة رسول اللّه و سنة صاحبيه» (1).
و في قضية الشورى يعرض عبد الرحمن بن عوف على أمير المؤمنين علي «عليه السلام» : أن يبايعه على العمل بسنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سنة الشيخين: أبي بكر و عمر؛ فأبى «عليه السلام» ذلك، فحولت البيعة إلى عثمان (2).
و قد بلغ من تأثير الشيخين على الناس، و نفوذهما فيهم: أننا نجد ربيعة بن شداد لا يرضى بأن يبايع عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» على كتاب اللّه و سنة رسوله.
و قال: على سنة أبي بكر و عمر.
فقال له «عليه السلام» : «ويلك، لو أن أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنة رسوله لم يكونا على شيء» (3).
و هذا الكلام لا يعني أن الشيخين قد عملا بكتاب اللّه و سنة رسوله بل معناه تعليم ذلك الجاهل ما ينبغي أن يكون بديهيا عنده بغض النظر عن
1) سنن البيهقي ج 3 ص 144 و الغدير ج 8 ص 100 عنه و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 135. و راجع رواية صالح بن كيسان و الزهري في تقييد العلم ص 106 و 107 و في هامشه عن العديد من المصادر.
2) راجع قصة الشورى في أي كتاب تاريخي شئت. و راجع: أصول السرخسي ج 2 ص 114 و الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 4 ص 133.
3) بهج الصباغة ج 12 ص 203.
حقيقة سلوك الشيخين في هذا المجال. .
و مهما يكن من أمر فقد قال ابن تيمية: «فأحمد بن حنبل و كثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه، كما يتبعون عمر و عثمان فيما سناه، و آخرون من العلماء-كمالك و غيره-لا يتبعون عليا فيما سنه. و كلهم متفقون على اتباع عمر و عثمان فيما سناه» (1).
ثم لما مست الحاجة إلى فتاوى و تبريرات أخرى اقتضتها سياسات الحكام، و تصدى الحكام لسن بعض السنن، جاء المبرر الآخر المنسوب إلى ابن عباس، ليكون أكثر قبولا لدى أهل العلم، و إن كنا لا نوافق على نسبته له، ليقول:
«السنة سنتان: من نبي، أو من إمام عادل» (2).
و حين زاد تدخل الحكام في شرع اللّه، و في دينه، و اتسع نطاقه، و تعدى دائرة الخلفاء، و كان لا بد من تبرير ذلك أيضا، قالوا:
إنه بعد موت أبي بكر، و فتح سائر البلاد في عصر عمر، و بعده، تزايد تفرق الصحابة في البلاد. فكان أمير كل بلد يجتهد، لو لم يكن فيها صحابي (3).
و كأنهم يريدون بصياغة الأمور على هذا النحو الإيحاء بأن ذلك قد كان بسبب الضرورة، حيث لم يكن ثمة مخرج إلا ذلك، مع أن المخرج موجود، بمرأى منهم و مسمع و هو الأخذ بقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بالتمسك بالعترة.
فإنهم سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق، و هم أحد الثقلين، اللذين لن يضل من تمسك بهما.
قد عرفنا: أن بعض الصحابة يصدرون فتاوى لم يستندوا فيها إلى آية و لا إلى رواية، و إنما هو الرأي منهم، و هو قد يخطئ و يصيب، و صار يناقض بعضهم بعضا أحيانا، بل قد نجد التناقض في آراء الصحابي الواحد.
يقول البعض: إن الصحابة كانوا يغيبون عن مجلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكانوا يجتهدون فيما لم يحضروه من الأحكام، و لعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم و الإدراكات، و سائر القوى و الملكات، تختلف- طبعا-الآراء و الإجتهادات، ثم تزايدت تلك الإختلافات، بعد عصر الصحابة (1).
فكان لا بد من علاج هذه الحالة، و تلافي سلبياتها، فكان أن اخترعوا لنا دعوى: «أن قول الصحابي إن كان صادرا عن الرأي؛ فرأيهم أقوى من رأي غيرهم؛ لأنهم شاهدوا طريق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بيان
1) راجع: الخطط و الآثار للمقريزي ج 2 ص 332 و تاريخ حصر الإجتهاد ص 90 و 92.
أحكام الحوادث، و شاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، و المحال التي تتغير باعتبارها الأحكام. .» (1)ثم قرروا على هذا الأساس لزوم تقديم رأيهم على رأينا، لزيادة قوة في رأيهم.
و إذا خالفت فتوى الصحابي قولا صريحا، و حديثا صحيحا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فان مالك بن أنس يعاملهما معاملة المتعارضين.
قال أبو زهرة: «إن مالكا يوازن بينها و بين الأخبار المروية، إن تعارض الخبر مع فتوى صحابي.
و هذا ينسحب على كل حديث عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لو كان صحيحا» (2).
و نقل عن الشوكاني ما يقرب من ذلك أيضا (3).
و قال الأسنوي عن قول الصحابي: «فهل يخص به عموم كتاب أو سنة؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي، حكاه الماوردي» .
و «قال في جمع الجوامع: و في تخصيصه للعموم قولان.
قال الجلال: الجواز كغيره من الحجج. و المنع الخ. .» (4).
و قال ابن قيم الجوزية عن أحمد بن حنبل: «و كان تحريه لفتاوى الصحابة
كتحري أصحابه لفتاويه و نصوصه، بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل» برجال ثبت (1).
و قال التهانوي: «لا لوم على الحنفية إذا أخذوا في مسألة بقول ابن مسعود و فتواه، و تركوا الحديث المرفوع؛ لاعترافكم بأن فتوى الصحابي هو الحكم و هو الحجة، و إذا تعارض الحديثان يعمل بالترجيح؛ فإن رجح القياس أو مرجح آخر سواه قول الصحابي على الخبر المرفوع، فينبغي أن يجوز عندكم الأخذ بقول الصحابي» .
و لكنه عاد فقال: «إن غالب أقوال الصحابة و فتاواهم كان على سبيل التبليغ عن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو فعله أو أمره، و إذا كان كذلك فيجوز للمجتهد أن يرجح فتوى الصحابي على المرفوع الصريح أحيانا، إذا ترجح عنده كون فتوى الصحابي مبنية على جهة التبليغ دون الرأي» (2).
و لكن مراجعة فتاوى الصحابة توضح عدم صحة قوله: إنها كانت على سبيل التبليغ، لكنه أراد تخفيف قبح هذا العمل.
قال التهانوي: «عمل الصحابة أو صحابي بخلاف الحديث يوجب الطعن فيه، إذا كان الحديث ظاهرا عليهم أو عليه» (3).
و قال السرخسي: «أما ترك العمل بالحديث أصلا، فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث، حتى يخرج به عن أن يكون حجة» (1).
كثيرا ما نجد أنهم قد نسبوا إلى بعض الصحابة أمورا يدّعى أنهم شهدوها، أو سمعوها من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو من غيره، تهدف إلى تأييد اتجاه سياسي، أو مذهبي معين، ثم يظهر البحث العلمي أن أولئك الصحابة ما كانوا قد ولدوا في تلك الفترة، أو ما كانوا موجودين في بلد الحدث، أو حين صدور ذلك القول أو الفعل، فتأتي قاعدة جديدة لتحل المشكل، و تحسم الأمر لصالح ذلك الاتجاه السياسي أو المذهبي.
حيث تقرر كما ذكره جماعة: أن مرسلات الصحابة حجة.
ثم يحاولون تبرير هذه القاعدة بدعاوى لا تثبت أمام النقد العلمي الصحيح فيقولون:
لأن الظاهر: أن ذلك الصحابي قد سمع ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو من صحابي آخر سمعه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل لقد قبل بعضهم مراسيل التابعين، و تابعي التابعين أيضا (2).
و كان أحمد بن حنبل يقدم الموقوف عن الصحابة و التابعين على
المرسلات عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).
قد يقال: إن الاجتهاد معناه:
أن المجتهدين قد يصيبون في اجتهادهم، و قد يخطئون؛ فلا بد لنا نحن من معرفة الصواب من الخطأ في ذلك. فإن الاجتهاد إذا كان عذرا لهم إذا أخطأوا فليس عذرا لنا في متابعتهم على الخطأ، و لا سيما بعد ظهوره لنا.
فجاء العلاج ليقول: أما بالنسبة لفتاواهم في الأحكام، فإنهم مصيبون جميعا في اجتهادهم؛ فقد قال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية على قول البوصيري عن الصحابة: «كلهم في أحكامه ذو اجتهاد-أي صواب- و كلهم أكفاء» (2).
و أما بالنسبة لما جرى بين الصحابة من الفتن، فهو أيضا اجتهاد منهم؛ و قد يقال بصواب هذا الاجتهاد من الجميع أيضا، فقد قال الآمدي:
«و على هذا، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا، أو أن المصيب واحد، و الآخر مخطئ في اجتهاده، و على كلا التقديرين، فالشهادة و الرواية من الفريقين لا تكون مردودة، أما بتقدير الإصابة فظاهر، و أما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع» (3).
و عن العنبري في أشهر الروايتين عنه: «إنما أصوب كل مجتهد في الذين يجمعهم اللّه. و أما الكفرة فلا يصوبون» (1).
و قال الشوكاني: «ذهب جمع جم إلى أن كل قول من أقوال المجتهدين فيها (أي في المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها) حق و أن كل واحد منهم مصيب، و حكاه الماوردي و الروياني عن الأكثرين.
قال الماوردي: و هو قول أبي الحسن الأشعري و المعتزلة» .
إلى أن قال: «و قال جماعة منهم أبو يوسف:
إن كل مجتهد مصيب، و إن كان الحق مع واحد، و قد حكى بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي مثله» .
إلى أن قال: «فمن قال: كل مجتهد مصيب، و جعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ» (2).
«فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقا، و لا يلزم من كون الشيء حقا وجوب اتباعه؛ كما قالوا: إن كل مجتهد مصيب، و لا يجب على مجتهد آخر اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه» (3).
و قال الأسنوي حول الاجتهاد و في الواقعة التي لا نص عليها: فيها قولان:
«أحدهما: أنه ليس للّه تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين بل حكم اللّه تعالى فيها تابع لظن المجتهد.
و هؤلاء هم القائلون بأن كل مجتهد مصيب، و هم الأشعري، و القاضي، و جمهور المتكلمين من الأشاعرة و المعتزلة الخ» (1).
و نقل عن الأئمة الأربعة، و منهم الشافعي، التخطئة و التصويب فراجع (2).
لقد أظهرت الروايات التي زعموها تاريخا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجتهد و يخطئ في اجتهاده. و يجتهد عمر فيصيب، فتنزل الآيات لتصوّب رأي عمر و تخطّئ النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما زعموه في وقعة بدر الكبرى، في قضية فداء الأسرى (3)و آية الحجاب و غيرها.
و لأجل ذلك تجدهم يقرون بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخطئ في اجتهاده، و لكن لا يقرر على الخطأ (4).
1) نهاية السؤل ج 4 ص 560 و راجع ص 558 و راجع: الأحكام للآمدي ج 4 ص 159.
2) نهاية السؤل ج 4 ص 567.
3) سيأتي تفصيل ذلك، و بيان فساده حين الحديث حول غزوة بدر.
4) راجع: أصول السرخسي ج 2 ص 318 و ص 5 و 96 و 91 و إرشاد الفحول ص 35 و نهاية السؤل ج 4 ص 537 و الأحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 187 و اجتهاد الرسول ص 122-124 عن العديد من المصادر.
و لكن قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقرر على خطئه لا يتلاءم مع ما يروونه عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أخطاء في اجتهاده، مع عدم صدور رادع عنه، كما هو الحال في قصة تأبير النخل، حيث لم يرد ما يرفع خطأه، و وقع الناس نتيجة لذلك في الخسارة و الفشل (1)فراجع.
و أما بالنسبة لسهو النبي «صلى اللّه عليه و آله» و نسيانه، و اعترافه هو بذلك (2)، فذلك حدّث عنه و لا حرج.
و ستأتي قصة ذي الشمالين، و سهو النبي «صلى اللّه عليه و آله» في صلاته، بعد غزوة بدر إن شاء اللّه تعالى. فإذا جاز على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فإن أهدافا كثيرة يمكن تحقيقها عن هذا الطريق، و يمكن تصحيح روايات عديدة تخدم هوى سياسيا أو مذهبيا بعينه.
و إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يخطئ في اجتهاده، فإن الأمة معصومة عن الخطأ، بل سيأتي حين الحديث حول صحة ما في البخاري و مسلم:
أن ظن الأمة لا يخطئ أيضا، أي أنه إذا حصل إجماع بعد الخلاف؛ فإن ذلك يلغي أي تشكيك بصحة ما أجمعوا عليه، بل لا بد من الحكم بصحته
و صوابه، لأن الأمة معصومة (1).
و قد واجه القائلون بعصمة الأمة فكرة أن تكون الأمة أعلى رتبة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكيف وجب عليها طاعته و اتباعه؟ ! فأزعجهم ذلك، و حاولوا التخلص منها، فما أفلحوا في ذلك فراجع (2).
و قد يحتاج الحاكم أحيانا من أجل تثبيت سلطانه، و إحكام قبضته على مقدرات الشعوب إلى التصرف في بعض الشؤون العقائدية، أو الفقهية الثابتة، أو المفاهيم الدينية، فيواجه اعتراضا من علماء الأمة، و أهل الفضل و الدين.
فلا بد إذن من إيجاد تبرير لما يقدم عليه من تصرف، و من تغيير في الدين و أحكامه، و رسومه و أعلامه؛ فجاءت القاعدة لتقول: إنه إذا حصل ذلك، و استطاع أن يحصل على موافقة الناس في عصره،
1) راجع: تهذيب الأسماء ج 1 ص 42 و راجع: الإلمام ج 6 ص 123 و الباعث الحثيث ص 35 و شرح صحيح مسلم للنووي (مطبوع بهامش إرشاد الساري) ج 1 ص 28. و راجع: نهاية السؤل ج 3 ص 325 و سلم الوصول ج 3 ص 326 و علوم الحديث لابن الصلاح ص 24، و إرشاد الفحول ص 82 و 80 و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 4 ص 188 و 189.
2) راجع: الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 188. فقيه ما يستفاد منه ذلك، و ناقشه بما لا يجدي، و كذا في كتاب: اجتهاد الرسول ص 141 و 142 عن مصادر أخرى.
و إجماعهم، فإن هذا الإجماع يصبح تشريعا إلهيا، و لا مجال لنقضه، و لا لمعارضته، و الاعتراض عليه، إلا بتحصيل إجماع مثله و ذلك لأن الإجماع نبوة بعد نبوة (1).
و هو حجة قاطعة للعذر، متى انعقد، و في أي عصر كان (2).
و كنموذج من ذلك نشير إلى: أن هذا ما حدث بالفعل بالنسبة إلى الخلافة الإسلامية، فقد كان ثمة إجماع على اشتراط القرشية في خليفة المسلمين، حتى جاء السلطان سليم إلى مصر، و خلع الخليفة القرشي، و تسمى هو بالخليفة، و ألغى عمليا هذا الشرط، ثم أجمعت الأمة على إلغائه و لا تزال، و أصبح عدم القرشية من الدين، كما كانت القرشية من الدين في السابق.
و بعد، فإنه إذا كانت الأمة معصومة، و كان أفراد الصحابة مصيبين في اجتهاداتهم كلها و لا يخطئون، فإن ضابطة أخرى لا بد من مراعاتها، لأنها تنفع في حل مشكلات كثيرة تواجههم.
1) راجع: المنتظم ج 9 ص 210 و الإلمام ج 6 ص 123 و الإحكام في أصول الأحكام ج 1 ص 204 و 205 و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 27 عن المنتظم.
2) راجع: الإحكام في أصول الأحكام ج 1 ص 208 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 42 و النشر في القراءات العشر ج 1 ص 7 و 33 و 31. و أي كتاب أصولي، يبحث حول حجية الإجماع، وفق مذاق أهل السنة.
و هي قاعدة: ظن المعصوم عن الخطأ، لا يخطئ (1).
و سيأتي استدلالهم بهذه القاعدة في مورد حساس في هذا البحث بالذات.
و حين ظهر أن كثيرا من اجتهادات أئمة المذاهب تخالف النص الوارد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد أجازوا مخالفة نص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الالتزام بآراء أئمة مذاهبهم.
فقد قال البعض، و هو يتحدث عن الشافعية: و العجب منهم من يستجيز مخالفة الشافعي لنص له آخر في مسألة بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لأجل نص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و نقول: إن ملاحظة طريقتهم في التعامل مع الحديث، و مع فتاوى أئمتهم تعطينا:
أن ذلك لا ينحصر بالشافعي و أصحابه، بل هو ينسحب على غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى الأربعة، و غيرها أيضا.
و قد أحصى ابن القيم في أعلام الموقعين حوالي مئة حديث لم يأخذ بها مقلدة الفقهاء، حسبما يتضح من مراجعة الأحاديث المبثوثة في الكتب المعتبرة لدى أهل السنة.
و ذكر سبط ابن الجوزي جملة من أحاديث الصحيحين لا يأخذ بها الشافعية، لما ترجح عندهم مما يخالفها، ورد أبو حنيفة على رسول اللّه أربع مئة حديث أو أكثر.
و في رواية: وردّ مئتي حديث.
بل قال حماد بن سلمة: إن أبا حنيفة استقبل الآثار و السنن فردها برأيه (1).
ثم و من أجل سد النقص الناتج عن ابتعاد الناس عن حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ابتعادهم عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» ، فقد قرروا إجازة العمل بالقياس، و الرأي، و الاستحسان، و ما إلى ذلك.
و قد كتب الخليفة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري:
«فاعرف الأشباه و الأمثال، ثم قس الأمور بعضها ببعض، أقربها إلى اللّه، و أشبهها بالحق، فاتبعه، و اعمد إليه» (2).
و قال لشريح: «فإن لم تعلم كل ما قضت به الأئمة المهتدون، فاجتهد رأيك» .
أو قال: «و لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك» (1).
و قد عمل بالرأي كل من أبي بكر، (2)و ابن مسعود، و عثمان، و عمر (3)و غيرهم من الصحابة، فراجع.
و قد كان من نتيجة ذلك أن: «استحالت الشريعة و صار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة» على حد تعبير ابن أبي الحديد المعتزلي (4).
و قد أعلن الأئمة «عليهم السلام» رفضهم لهذا النهج، و أدانوه بشدة و إصرار، و رفضه غيرهم أيضا.
و قد قال الشعبي في إشارة إلى رفض العمل بالرأي:
ما حدثوك عن أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» فخذ به، و ما قالوا برأيهم، فبل عليه (5).
و قال ابن شبرمة: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي، فقال له جعفر:
«اتق اللّه، و لا تقس الدين برأيك، فإنا نقف غدا نحن و أنت، و من خلفنا بين يدي اللّه تعالى، فنقول: قال اللّه، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» ، و تقول أنت و أصحابك:
سمعنا و رأينا، فيفعل اللّه بنا و بكم ما يشاء (1).
و قد أراد العاملون بالقياس إضفاء هالة من القدسية على آرائهم، و تكريسها كمعيار عملي، و نهج فكري، ثابت و مقبول، فسمحوا بنسبة ما دل عليه القياس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قاله.
يقول البعض: «استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نسبة قولية.
فيقولون في ذلك: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كذا. .
و لهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، و لأنهم لا يقيمون لها سندا» (2).
و من أجل تكريس المذاهب الأربعة، و لكي لا يفكر أحد بالتعدي عنها، و تكون هي المعيار و الضابطة دون سواها؛ فقد قرروا:
أنه لا يحق لأحد أن يجتهد في هذه العصور المتأخرة إلا في حدود
المذهب الذي ينتسب إليه، أو في دائرة خصوص مذاهب الأئمة الأربعة، و وفق أصول محددة لا مجال للتعدي عنها.
ذكر ابن الصلاح: «أنه يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، و علم تقييد مطلقها، و تخصيص عامها، و نشرت فروعها؛ بخلاف مذهب غيرهم» (1).
و قال الشيخ محمد نجيب المطيعي: «قد بنى ابن الصلاح على ما قاله إمام الحرمين قوله بوجوب تقليد واحد من الأئمة الأربعة دون غيرهم. .
إلى أن قال: بل الحق: أنه إنما منع من تقليد غيرهم، لأنه لم تبق رواية مذاهبهم محفوظة. .
إلى أن قال: امتنع تقليد غير هؤلاء الأئمة الأربعة من الصحابة و غيرهم، لتعذر نقل حقيقة مذاهبهم، و عدم ثبوته حق الثبوت» (2).
و نقل محمد فريد وجدي عن بعضهم: أنه بعد الماءتين كان الواجب على كل من المقلدين و المجتهدين المنتسبين أن ينتموا لمذهب واحد معين من المجتهدين المستقلين.
و أما من نشأ من المسلمين بعد المئة الرابعة إلى زمن صاحب كتاب (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف) ، فهم إما عامي أو مجتهد منتسب، فيجب على العامي تقليد المجتهد المنتسب لا غير، لامتناع وجود المستقل
من هذا التاريخ حتى اليوم (1).
قال التهانوي الحنفي: «و من ترك هذا التقليد، و أنكر اتباع السلف، و جعل نفسه مجتهدا أو محدثا، و استشعر من نفسه أنه يصلح لاستنباط الأحكام، و أجوبة المسائل من القرآن و الحديث في هذا الزمان، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، أو كاد أن يخلع، فأيم اللّه لم نر طائفة يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية إلا هذه الطائفة المنكرة لتقليد السلف، الذامة لأهلها الخ. .» (2).
و قال المقريزي: «ولي بمصر القاهرة أربعة قضاة، و هم شافعي، و مالكي، و حنفي، و حنبلي؛ فاستمر ذلك من سنة خمس و ستين و ست مئة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، و عقيدة الأشعري، و عملت لأهلها المدارس، و الخوانك، و الزوايا، و الربط في سائر ممالك الإسلام، و عودي من تمذهب بغيرها، و أنكر عليه، و لم يول قاض، و لا قبلت شهادة أحد، و لا قدم للخطابة و الإمامة و التدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، و أفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب، و تحريم ما عداها، و العمل على هذا إلى اليوم» (3).
و قد ذكر ابن الفوطي ما يدل على أن رسم التمذهب بالمذاهب الأربعة في بغداد، و المنع من ذكر آراء غيرهم قد كان قبل هذا التاريخ بحوالي عشرين سنة أو أكثر، فراجع كلامه حول افتتاح المدرسة المستنصرية، ثم رسم تعليم المذاهب الأربعة فيها، و المنع مما عداها (1).
و قد كان ابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه. قد أفتى بحرمة الخروج على تقليد الأئمة الأربعة، مستدلا له بإجماع المحققين (2).
و نقل البعض: أن العباسيين في بغداد طلبوا من أهل المذاهب أموالا، فلم يستطع الشيعة تأمين المال المطلوب، لكن الحنفية، و المالكية، و الحنبلية، و الشافعية قد دفعوا المال المطلوب لأجل اتساع حالهم، و تيسر المال لديهم، و كان ذلك في زمن الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه. فآل ذلك إلى تكريس المذاهب في الأربعة، و اتفقوا على بطلان ما عداها، و جوزوا الاجتهاد في المذهب، و لم يجوزوا الاجتهاد عن المذهب (3).
و قد فصل ابن قيم الجوزية أقوال القائلين بانسداد باب الاجتهاد، و زمان ذلك الانسداد، و قولهم: لا يجوز الاختيار بعد الماءتين، و ناقش تلك الأقوال، فراجع (4).
و قد لاحظنا: أنهم، و هم يحكمون على من مارس الاجتهاد، و لم يقلد من يحبون، أو من استشعر من نفسه أنه يصلح لاستنباط الأحكام، بالمروق من الدين، و خلع ربقة الإسلام من عنقه، حسبما تقدم عن التهانوي، قد مهدوا لسد باب الاجتهاد، و لكن بذكاء حينما ناقشوا أولا مسألة خلو العصر من المجتهد، فلما جوزوه، انتقلوا إلى القول بأن الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم.
فقد «حكى الزركشي في البحر عن الأكثرين: أنه يجوز خلو العصر من المجتهد، و به جزم صاحب المحصول.
قال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم.
قال الزركشي: و لعله أخذه من كلام الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في الوسيط: قد خلا العصر من المجتهد المستقل» (1).
و قد ناقشهم الشوكاني، و أبطل هذا الزعم منهم، فراجع كلامه (2).
و يقول نص آخر: «قد استدل بما صرح به الإمام حجة الإسلام قدس سره، و الرافعي، و القفال بأنه وقع في زماننا هذا الخلو» (أي من المجتهد) .
إلى أن قال: «من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي، و اختتم الاجتهاد به. و عنوا الاجتهاد في المذهب» .
أما الاجتهاد المطلق، فقالوا: «اختتم بالأئمة الأربعة، حتى أوجبوا
تقليد واحد من هؤلاء على الأمة» (1).
و مهما يكن من أمر، فإن سد باب الاجتهاد إنما هو لدى فريق معين غير الشيعة، أما شيعة الأئمة الاثني عشر «عليهم السلام» ، و أتباعهم، فهم في غنى عن كل هذا، فهم يفتحون باب الاجتهاد على مصراعيه، و يمارسونه بصورة مطردة على مر التاريخ، و إلى يومنا هذا، و هذه نعمة كبرى، هي نعمة العلم و الفهم حباهم اللّه بها، و حرم الآخرون أنفسهم منها، و قديما قيل: على نفسها جنت براقش.
أما محمد فريد وجدي فقد اعتبر: أن السبب في دعوى انسداد باب الاجتهاد، هو ما طرأ على المسلمين من جمود اجتماعي، و قصور عن فهم أسرار الشريعة، فستروا ذلك بالدعوى المذكورة، و الحقيقة أنه مفتوح بنص الكتاب و السنة إلى يوم القيامة. (2)لكن ملاحظتنا التي نريد تسجيلها هنا هي:
أولا: لماذا قصرت أفهام المسلمين عن فهم أسرار الشريعة؟ !
و هل دعوى هذا القصور صحيحة من أساسها؟ !
ثانيا: ما فائدة فتح باب الاجتهاد، مع وجود ذلك القصور عن الفهم؟ !
و ماذا يفيد فتح باب لا يجرؤ أحد على الولوج فيه، أو لا يستطيع الولوج أصلا؟ ! .
و قد كنا نحب أن نعرف: إن كان ثمة ارتباط بين ما يقال عن سد باب الإجتهاد لدى هؤلاء، و بين ما يقوله الفريسيون من اليهود، من أنه لا اجتهاد (1).
أما بالنسبة لما تناقلوه على أنه حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد حاولوا إضفاء هالة من التقديس الأعمى عليه، و كأنه نفس كلامه الصادر عنه «صلى اللّه عليه و آله» مع أن أكثره محض اختلاق، و تزوير.
و قد قدست كتب بأكملها على هذا الأساس، فراجع ما يذكرونه عن صحيح البخاري، و موطأ مالك، و سنن أبي داود، و غير ذلك.
بل لقد حرصوا على المنع من مناقشة الحديث، حتى ولو خالف العقل، و الوجدان، و ضرورة العقل، و التاريخ القطعي؛ لأن السماح بالمناقشة فيه لسوف يبرر المناقشة ثم التشكيك في أمور هي أكثر أهمية و حساسية بالنسبة إليهم.
و قد تصدى الحكام لمواجهة ذلك بصورة قوية و صارمة و حازمة، لا سيما و أن ذلك قد مكنهم من توجيه الناس حيثما يريدون، و كيفما يشاؤون، من خلال حفنة من وعاظ السلاطين، لا يتورعون عن الإختلاق و الإفتراء، حتى على اللّه و رسوله، دونما مانع من دين، أو رادع من وجدان.
و قد روى بعض هؤلاء المرتزقة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» محاجة
1) راجع: مقارنة الأديان (اليهودية) ص 223.
جرت بين آدم و موسى «عليهما السلام» ؛ فحج آدم موسى! ! فاعترض البعض بأنه: متى اجتمع آدم و موسى؟ فتدخل الخليفة و دعا بالنطع و السيف ليقتل ذلك المعترض المستفهم، بحجة أنه زنديق يكذب بحديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! ! (1).
بل لقد كان الاتهام بالزندقة هو الوسيلة الميسورة للتخلص حتى ممن لا يرى الصلاة خلف الخليفة العاتي و المتجبر (2).
و قد يعترض البعض: بأن في البخاري، و مسلم، و غيرهما من كتب الصحاح أحاديث كثيرة تضمنت ما يخالف الحقائق الثابتة، و صريح العقل و الوجدان.
فجاء الرد: أن البخاري أجلّ كتب الإسلام و أفضلها بعد كتاب اللّه (3).
و ما قرئ في كربة إلا فرجت، و لا ركب به في مركب فغرقت. و يستسقى بقراءته الغمام، و أجمع على قبوله، و صحة ما فيه أهل الإسلام (4).
1) راجع: تاريخ بغداد ج 14 ص 7 و 8 و البداية و النهاية ج 10 ص 215 و البصائر و الذخائر ج 1 ص 81 و تاريخ الخلفاء ص 285.
2) البداية و النهاية ج 10 ص 153.
3) إرشاد الساري ج 1 ص 29.
4) إرشاد الساري ج 1 ص 29. و راجع: تدريب الراوي ج 1 ص 96 و فتح الباري (المقدمة) ص 11 و تذكرة السامع و المتكلم ص 127(هامش) عن مفتاح السعادة ص 127 و قال: إن السلف و الخلف قد أطبقوا على أنه أصح كتاب بعد كتاب اللّه تعالى.
و قال أبو نصر السجزى: «أجمع أهل العلم و الفقهاء، و غيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق: أن جميع ما في كتاب البخاري، مما روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صح عنه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قاله، لا شك فيه، لا يحنث، و المرأة بحالها في حبالته» (1).
و قالوا: أصح كتب بعد كتاب اللّه الصحيحان: البخاري، و مسلم (2).
بل قال البعض: «اتفق علماء الشرق و الغرب على أنه ليس بعد كتاب اللّه أصح من صحيحي البخاري و مسلم» (3).
و عن سنن أبي داود يقول ابن الأعرابي: «لو أن رجلا لم يكن معه من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللّه، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة» (4).
و لعلك تقول: إجماع الأمة على صحة ما في الصحيحين لا يمنع من كون بعض ما فيهما خطأ، لأن حجية الخبر و إن كانت قطعية، و لكن ذلك لا
1) علوم الحديث، لابن الصلاح ص 22.
2) راجع: فتح الباري (المقدمة) ص 8 و تدريب الراوي ج 1 ص 91 و علوم الحديث لابن الصلاح ص 14 و الخلاصة في أصول الحديث ص 36 و علوم الحديث و مصطلحه ص 396 و 399 و الغدير ج 9 ص 35 عن شرح صحيح مسلم للنووي.
3) عمدة القاري ج 1 ص 5.
4) راجع: تذكرة السامع و المتكلم (هامش) ص 128 عن تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 210.
يمنع من كون مضمونه مظنونا، لكنه من الظن الذي هو حجة، و الظن الحجة قد يخطئ الواقع أيضا.
فيأتيك الرد: «ظن المعصوم عن الخطأ لا يخطئ، و الأمة في إجماعها معصومة عن الخطأ» (1).
و حول تلقي الأمة للصحيحين بالقبول قال ابن كثير: «لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته، و وجب عليها العمل به، لا بد أن يكون صحيحا في نفس الأمر، و هذا جيد» (2).
و تسجل إدانة لكتب الصحاح خصوصا البخاري و مسلم، و هي روايتهم عن الخوارج، و المبتدعة، حتى إن البخاري و مسلما، و سائر أصحاب الصحاح قد رووا عن الخوارج و المبتدعة، مثل عمران بن حطان، و هو من أكبر الدعاة إلى البدعة (3)، فإنه مادح ابن ملجم على قتله وصي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» .
و رووا عن كثيرين آخرين من مبغضي علي «عليه السلام» و شانئيه، مثل:
بهز بن أسد، و عبد اللّه بن سالم، و حصين بن نمير، و عكرمة، و قيس بن أبي حازم، و الوليد بن كثير، و عروة بن الزبير، و إسحاق بن سويد، و حريز
بن عثمان، و أزهر بن عبيد اللّه، و زياد بن أبيه، و ميمون بن مهران، و أسد بن وداعة، و محمد بن هارون، و نعيم بن أبي هند، و دحيم، و عبد المغيث الحنبلي، و خالد بن مسلمة (1)و علي بن الجهم (2)، و محمد بن زياد، و عبد اللّه بن شقيق، و المغيرة بن عبد اللّه (3)، و عشرات غيرهم.
و كل هؤلاء، و من هو على شاكلتهم، قد حكموا لهم بالوثاقة، و رووا عنهم، و عظموهم، و وصفوهم بكل جميل، مع معروفيتهم بالنصب و البغض لعلي «عليه السلام» ، و آله الأطهار (4).
و من جهة ثانية، فقد روى أصحاب الصحاح أيضا لبعض الشيعة و الرافضة (5)و قد ذكر الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه طائفة كبيرة من الشيعة، أو المتهمين بالتشيع، ممن روى لهم أصحاب الصحاح، فراجع.
1) راجع في جميع ما تقدم: الغدير ج 5 ص 293-295 و ج 7 ص 273 و مقدمة فتح الباري ص 460 و 461 و الكفاية في علم الرواية ص 125.
2) راجع: البداية و النهاية ج 11 ص 4 و الغدير ج 5 ص 244.
3) راجع: الغدير ج 11 ص 87 و ج 3 ص 123 و ج 6 ص 143 و 144.
4) راجع: فتح الباري (المقدمة) ص 460 و 461 و تدريب الراوي ج 1 ص 328- 329.
5) راجع: مقدمة فتح الباري ص 460 و 461 و راجع: الكفاية في علم الرواية ص 125.
فروايتهم عن النواصب و الخوارج، و المبتدعة، و عن الشيعة، و الرافضة، تتناقض مع قولهم: إن الرواية عن كل هؤلاء لا تصح.
فهم يقولون:
عن ابن لهيعة: أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد توبته:
«إن هذه الأحاديث دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا» (1).
أو قال: «انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنّا كنا إذا تراءينا رأيا، جعلنا له حديثا» (2).
و يلاحظ هنا: أن نفس هذا النص مروي عن حماد بن سلمة، و لكن عن شيخ من الرافضة! ! (3).
و لما حدث إياس بن معاوية الأعمش بحديث عن بعض الحرورية،
1) لسان الميزان ج 1 ص 10 و 11 و الكفاية للخطيب ص 123 و 128 و آفة أصحاب الحديث ص 71 و 72 و اللآلي المصنوعة ج 2 ص 468 و راجع: العتب الجميل ص 122. و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 29 عن الأولين، و عن الموضوعات لابن الجوزي ص 38 و عن السنة و مكانتها في التشريع للسباعي ص 97.
2) اللآلي المصنوعة ج 2 ص 468.
3) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 11.
قال: «تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أدع بعرة، و لا خنفساء إلا حملتها؟ !» (1).
و قال الجوزجاني عن الخوارج، الذين تحركوا في الصدر الأول، بعد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : «نبذ الناس حديثهم اتهاما لهم» (2).
قد وردت أحاديث رواها أهل السنة أيضا تنهى عن الرواية عن أهل البدع (3)فلتراجع في مظانها.
إن أدنى مراجعة لكتب الرجال على مذاق أهل السنة تظهر: أن أكثر المجروحين عندهم إنما جرحوهم بالتشيع أو الرفض، و قد اعتبروا ذلك جريمة لا مجال للسكوت عليها، أو التساهل فيها (4).
و سئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم، و لا ترو عنهم، فإنهم يكذبون (5).
1) الكفاية في علم الرواية ص 403 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 29 عن المحدث الفاضل للرامهرمزي ج 1 ص 12.
2) أحوال الرجال ص 34.
3) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 10 و 12 و 7 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 3.
4) و راجع على سبيل المثال: السنة قبل التدوين ص 443 و 442 و الكفاية في علم الرواية ص 123 و 130 و 31.
5) لسان الميزان ج 1 ص 10 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 27-28 و مقدمة فتح الباري ص 431 و فتح الباري ج 2 ص 153 و قواعد في علوم الحديث ص 407 و 422.
و عن الشافعي: لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة (1).
و قال أبو عصمة لأبي حنيفة: «ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ ! قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و من أتى السلطان طائعا الخ. .» (2).
و عن شريك: إحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، و يتخذونه دينا (3).
و قال التهانوي: «نحن نعلم: أنهم كذبوا في كثير مما يروونه في فضائل أبي بكر، و عمر، و عثمان.
كما كذبوا في كثير مما يروونه في فضائل علي. و ليس في أهل الأهواء أكثر كذبا من الرافضة» (4).
و يقول هارون الرشيد: «طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، و طلبت الكلام و الشغب فوجدته في المعتزلة، و طلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، و طلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث» (5).
و عن يزيد بن هارون: يكتب عن كل صاحب بدعة، إذا لم يكن داعية
إلا الرافضة، فإنهم يكذبون (1).
كانت تلك بعض أقاويلهم حول هؤلاء و أولئك، و هي تناقض موقفهم منهم، و روايتهم عنهم، فكان علاجهم لهذا المشكل بتقديم عدة ضوابط، رأوا أنها تكفي لدفع الخطر، و تجنب الكثير من الضرر.
و نذكر من هذه المعالجات:
فكل ما فيه تأكيد على الحق، و إظهار له، فيما يرتبط بفضائل علي «عليه السلام» ، و كذا فيما يرتبط بما صدر من خصوم أهل البيت «عليهم السلام» من أفاعيل تدينهم، و تظهر بعض مساوئهم، فإنهم لا يقبلونه، و يتهمون الرافضة بالكذب فيه.
إنهم لا يقبلون منهم أي شيء فيه تأييد لمذهب الشيعة، و تفنيد لمذاهب غيرهم.
و من أجل استبعاد فقه، و رؤى، و معارف أهل البيت «عليهم السلام» الذين هم أحد الثقلين اللذين أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتمسك بهما إلى يوم القيامة، و هم سفينة نوح التي ينجو من ركبها.
و لكي تبقى الساحة مفتوحة أمام الآخرين ليأخذوا بفتاوى أناس عاشوا، أو فقل: ولدوا بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعشرات
1) لسان الميزان ج 1 ص 10 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 27 و 28.
السنين، ليسوا من أهل بيت النبوة، و لا من معدن الرسالة، و لا من مهبط الوحي و التنزيل.
نعم، من أجل ذلك، نجدهم يحاولون قطع الصلة بين الرافضة و بين الرسول بالكلية.
فقد قال التهانوي حول المعرفة بالإسناد: «لا ريب أن الرافضة أقل معرفة بهذا الباب، و ليس في أهل الأهواء و البدع أجهل منهم به؛ فإن سائر أهل الأهواء، كالمعتزلة و الخوارج يقصرون في معرفة هذا، لكن المعتزلة أعلم بكثير من الخوارج، و الخوارج أعلم بكثير من الرافضة، و الخوارج أصدق من الرافضة» .
إلى أن قال: «أهل البدع سلكوا طريقا أخرى ابتدعوها و اعتمدوها، و لا يذكرون الحديث بل و لا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد، لا للاعتماد.
و الرافضة أقل معرفة بل و عناية بهذا، إذ كانوا لا ينظرون في الأسناد، و لا في سائر الأدلة الشرعية و العقلية، هل توافق ذلك أو تخالفه. و لهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط.
بل كل إسناد متصل لهم؛ فلا بد أن يكون فيه من هو معروف بالكذب، أو كثرة الغلط، و هم في ذلك شبيه باليهود و النصارى، فإنه ليس لهم أسناد» .
و قال: و الأسناد من خصائص هذه الأمة، و هو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة، و الرافضة أقل عناية به، إذ كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم، و علامة كذبه أنه يخالف هواهم» (1).
1) قواعد في علوم الحديث ص 443 و 444.
و أما رواية الشيعي، و حتى الرافضي لما يؤيد مذهب أهل السنة، أو فقل ما لا يضر بنهجهم، و لا بمذهبهم، فهي مقبولة، بل يمكن أن يصبح الشيعي بل الرافضي من رواة الصحاح ألست أيضا، و بذلك يكون قد جاز القنطرة، كما سنرى.
و أما بالنسبة للخوارج و النواصب، و حتى الشيعي و الرافضي أحيانا حين يوافق هواهم، و يخدم اتجاههم بزعمهم، فقد قالوا:
إن صاحب البدعة إذا لم يكن داعية، أو كان و تاب، أو اعتضدت روايته بمتابع، فإن روايته تقبل، أما إذا كان داعية، فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته (1).
و قيل لا تقبل رواية غير الداعية أيضا (2).
1) علوم الحديث لابن الصلاح ص 104 و 103 و الباعث الحثيث ص 99 و إرشاد الفحول ص 51 و فتح الباري (المقدمة) ص 459 و 450 و معرفة علوم الحديث ص 135 و الخلاصة في أصول الحديث ص 95 و المجروحون ج 1 ص 168 و الكفاية في علم الرواية ص 121 و 123 و 126-128 و قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 230 و 231 و 402 و 207 و تقريب النووي و شرحه للسيوطي المسمى بتدريب الراوي ج 1 ص 325.
2) الخلاصة في أصول الحديث ص 95 و الكفاية في علم الرواية ص 120 و قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 227-230 و تقريب النووي و شرحه (تدريب الراوي) ج 1 ص 324 و بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 46 عنه و عن الكامل لابن عدي ج 1 ص 39: أو عن: المجروحون ج 2 ص 27 ب و عن المحدث الفاضل ج 1 ص 12.
و بما أن ما تقدم لا يكفي في علاج بعض جهات القضية، لا سيما و أنهم يردون روايات من يتهم بالتشيع، مع أن صحاحهم تروي عن الشيعة، فقد اتجهوا نحو الحديث عن حجم البدعة و مقدارها، فقالوا:
إن كانت البدعة صغرى، جازت الرواية عن صاحبها، و إن كانت كبرى لم تجز؛ فالبدعة الكبرى هي الرفض الكامل، و الصغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو و لا تحرق (1).
و بذلك يفسحون المجال أمام الرواية عن بعض علمائهم الذين ينسبون إليهم التشيع لمجرد:
أنه روى حديثا في فضل علي «عليه السلام» ، أو تكلم في معاوية، كالنسائي، و عبد الرزاق الصنعاني، و الحاكم النيسابوري، و أضرابهم.
و لكن تبقى مشكلة روايتهم عن بعض المبتدعة، الذين هم من أشد الدعاة إلى بدعتهم، مثل عمران بن حطان، و غيره من النواصب و الخوارج، فحلوها بطريقة جبرية، و قاطعة، حين قالوا: من روى له الشيخان، فقد جاز القنطرة (2).
و قال الذهبي في ترجمة يحيى بن معين: «و أما يحيى فقد جاز القنطرة (يعني برواية الشيخين له) فلا يلتفت إلى ما قيل فيه، بل قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي-يعني أنه في أعلى مراتب التعديل و التوثيق» (1).
و ذكر التهانوي: إن كل من حدث عنه البخاري فهو ثقة، سواء حدث عنه في الصحيح، أم في غيره، و كذا كل من ذكره البخاري في تواريخه، و لم يطعن فيه، فهو ثقة، و كذا كل من حدث عنه مسلم، و النسائي، و أبو داود، أو سكت عنه أبو داود فهو ثقة أيضا (2).
و بعد ما تقدم، فقد حلت مسألة لزوم قبول روايات بعض علماء أهل السنة الكبار، الذي اتهموا بالتشيع، بسبب روايتهم بعض فضائل علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، أو انتقدوا معاوية و أضرابه، و قبلت أيضا روايات بعض الشيعة أو الرافضة، التي جاءت منسجمة مع النهج الفكري الذي يلتزمه غير الشيعة أيضا، ثم قبلت أيضا روايات الصحاح؛ البخاري، و مسلم، و النسائي، و أبي داود، و لكن ذلك كله لا يكفي أيضا، بل لا بد من تصحيح رواية كل خارجي و ناصبي، مع أنهم يدّعون: أن هؤلاء أهل بدعة قد ترك أهل السنة حديثهم (3).
و مع أن فيهم من يدعو إلى بدعته، و من كان داعية إلى بدعته لا تقبل روايته (1).
و مع أنه قد تقدم: أن الخوارج معروفون بوضع الحديث، و قد ترك الناس الرواية عنهم في البداية لذلك.
فعالجوا هذا المشكل بدعوى: أن «الخوارج أعلم بكثير من الرافضة، و الخوارج أصدق من الرافضة، بل الخوارج لا نعلم عنهم أنهم يتعمدون الكذب، بل هم من أصدق الناس» (2).
و قال أبو داود: «ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج» (3).
و قال التهانوي: «الخوارج لا يكادون يكذبون، بل هم من أصدق الناس مع بدعتهم و ضلالهم» (4).
و قال ابن تيمية: «الخوارج مع مروقهم من الدين فهم أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم أصح الحديث» (5).
و علل بعضهم صدقهم بأنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة كافر (6).
و لا ندري كيف صح له هذا التعليل.
و هؤلاء الخوارج أنفسهم قد قتلوا عبد اللّه بن خباب، و ارتكبوا جرائم الزنى، و غيرها مما هو مسطور في تواريخهم؟ !
و حين طغت مدرسة أهل الحديث، و نشروا في الناس الكثير من الأمور التي يأباها العقل و الوجدان، و الفطرة، و تخالف القرآن.
مثل: نفي عصمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا في التبليغ، عقيدة الجبر، التجسيم و التشبيه، لزوم الخضوع للحاكم الظالم، و المنع من الاعتراض عليه، و غير ذلك من أمور أدخلوها في عقائد المسلمين، و في تاريخهم، و هي مأخوذة في الأكثر من أهل الكتاب.
ثم واجههم المعتزلة، و غيرهم، و لا سيما الشيعة بالأحاديث الصحيحة و الصريحة، التي رووها هم أنفسهم، فأحرجوهم في كثير من المواقع، و فندوا مزاعمهم و أقاويلهم، سواء بالنسبة لكثير من الجهات العقائدية، أم بالنسبة لبعض ما يزعمون أنه أحداث تاريخية، أو غيرها.
فإنهم التجأوا إلى أسلوب التجريح، و المقاطعة على الصعيد الفكري، و قرروا بالنسبة إلى الشيعة رد رواية كل من فيه رائحة التشيع.
و أما بالنسبة للمعتزلة الذين كانوا يتمتعون بالتأييد من قبل عدد من الحكام، فقد قرروا:
أنه إذا كان الراوي معتزليا، يناصب أهل الحديث العداء، فلا يسمع كلامه، و لا يعتد به، لأن كونه معتزليا، مخالفا لأهل الحديث، يوجب
ضعفه، و سقوط ما يأتي به! ! (1).
و من الذين يسمح لهم بالحديث على نطاق واسع عائشة أم المؤمنين، التي نشرت في الناس ألوف الأحاديث، التي تصب في اتجاه معين، لا يتلاءم كثيرا مع خط علي «عليه السلام» و أهل بيته.
إن لم نقل: إنه يؤيد الاتجاهات المخالفة له في كثير من الأحيان.
و منعا لأي ريب أو اعتراض، فقد جاءت الضابطة على صورة حديث منسوب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» (2).
و من المعلوم: أن أبا هريرة الدوسي يستأثر بأكبر رقم من الروايات التي ينسبها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث إن له منها، حسب إحصائية ذكرها العلامة أبو رية رحمه اللّه 5374 حديثا (3).
و نحن نجد الطعون تتوجه إلى هذا الرجل، أعني أبا هريرة من كل حدب و صوب، و قد ألفت في ذلك الكتب (4)، و كتبت البحوث.
بل إنك تجد في الطاعنين عليه من هو من كبار الصحابة أيضا؛ و قد قال
إبراهيم بن سيار النظام: أكذبوه: عمر، و عثمان، و علي، و عائشة (1).
ورد سعد على أبي هريرة مرة، فوقع بينهما كلام حتى ارتجت الأبواب بينهما (2).
و روي عن عمر بن الخطاب قوله: أكذب المحدثين أبو هريرة (3).
و قد ذكر الذهبي نصوصا عديدة تفيد: أنهم كانوا يتجنبون حديث أبي هريرة، و يتكلمون في إكثاره من الحديث (4).
و إن أدنى مراجعة لكتاب أبو هريرة شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية، و كذا كتاب أبو هريرة للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، تغنينا عن ذكر النصوص الكثيرة لذلك.
و بعد كل ما تقدم نقول: لقد رأوا: أن هذه الطعون التي تتوجه إلى أبي هريرة من كل حدب وصوب، قد تؤدي إلى إحداث خلل كبير في البنية الفكرية لتيار كبير من الناس، فلا بد إذن من مواجهة هذه الهجمة بهجمة مماثلة، و لا مانع من أجل تثبيت الأصول و القواعد من استعمال أسلوب التخويف، و التهويل، بل و السباب، ثم الاتهام بكل عظيمة، و إن لم ينفع ذلك كله في دفع غائلة تلك التجريحات و الطعون، فبالإمكان الالتجاء إلى أسلوب تحريض الحكام على أولئك الناس، إذا ما حاولوا التذكير بأقوال
السلف و مواقفهم من أبي هريرة راوية الإسلام.
و لعل خير ما يجسد هذا الاتجاه هي أقوال ابن خزيمة التي جمعت ذلك كله، حيث قرر:
أن من يطعن في أبي هريرة: إما معطل جهمي. . و إما خارجي يرى السيف على أمة محمد، و لا يرى طاعة خليفة، و لا إمام، أو قدري، أو جاهل (1).
هذا كله عدا عن رمي الطاعنين على أبي هريرة بالانحراف، و الضلال، و بكثير من أنحاء التوهين و التهجين، و الإخراج من الدين، كل ذلك إكراما لأبي هريرة، فلأجل عين ألف عين تكرم.
و من أجل مواجهة الحالة الناشئة من وجود أحاديث كثيرة، حتى في الصحيحين تخالف القرآن الكريم و تنافيه، الأمر الذي من شأنه أن يحرج القائلين بصحة كل ما في الصحيحين، و كذا ما جاء في غيرهما من أحاديث بأسانيد معتبرة و صحيحة، حسب تقديراتهم، من أجل ذلك، قرروا:
أن الحديث أصل قائم برأسه (2)و لا يعرض على الكتاب العزيز، و الأحاديث التي تلزم بعرض الحديث على القرآن هي من وضع الزنادقة، و السنة قاضية على الكتاب، و ليس الكتاب بقاض على السنة. (و سيأتي ذلك مع مصادره في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى) .
و لأجل هذا نجد: «أن كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة؛ لرده كثيرا من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع من الأحاديث، و معاني القرآن» (1).
أما ما نرى: أنه قد جاء موافقا لأهل الكتاب، فهو لا يعني-بالضرورة- أن أهل الكتاب قد تلاعبوا بهذا الدين، و أدخلوا فيه ترهاتهم.
و ذلك لوجود ضابطة مزعومة تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يؤمر به (2).
رغم أننا قد قدمنا: أن الأمر كان على عكس ذلك تماما، و لسوف يأتي في هذا الكتاب، حين الكلام حول صيام عاشوراء ما يثبت ذلك أيضا إن شاء اللّه تعالى.
أما بالنسبة للرواية عن بني إسرائيل، و إعطاء الفرصة لأهل الكتاب لبث سمومهم، و العبث بأفكار الناس، و تسريب عقائدهم، و أفكارهم، و حتى أحكامهم الفقهية إلى المسلمين، فليس الذنب في ذلك ذنبهم، و إنما كان ذلك انسجاما مع الضابطة المقررة، و امتثالا للمرسوم الذي يقول: «حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» .
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحدث عن بني إسرائيل عامة ليله حتى يصبح، كما زعموا، و كل ذلك قد تقدم.
و تواجههم أحكام شرعية مزعومة، و أقاويل عقائدية، و أحاديث و أوامر و أمور غير معقولة، و لا مستساغة، من قبيل ما ذهب إليه جمهور الأشاعرة من أن التكليف بغير المقدور و ما لا يطاق صحيح و جائز، بل جوز بعضهم التكليف بالمحال أيضا (1)، و استدلوا على ذلك بما لا مجال لذكره هنا (2)، و استدل البعض بروايات بدء نزول الوحي أيضا، كما سيأتي.
فمن أجل مواجهة الضجة التي ربما تثيرها أقاويل من هذا القبيل جاؤوا بضابطة عجيبة غريبة تقول:
إنه لا قبيح إلا ما قبحه الشرع، و لا حسن إلا ما حسنه الشرع. أما العقل فلا دور له في هذا الأمر، لا من قريب و لا من بعيد، و هذا ما ذهب إليه الأشعرية، و من وافقهم (3)و بذلك تنحل عندهم كثير من العقد العقائدية، و التاريخية، و الفقهية و غيرها، و لا نريد أن نناقش هذه المزعمة هنا، غير أننا نشير إلى أن الشوكاني-و هو من كبار علمائهم-قد اعتبر إنكار
إدراك العقل لكون الفعل حسنا، أو قبيحا مكابرة و مباهتة (1).
و قد قلنا في فصل سابق: إنهم من أجل تلافي الإعتراضات على بعض الفتاوى التي كانت تصدر من بعض الرموز الرئيسية، مما يخالفون فيها صريح النص القرآني أو النبوي، الأمر الذي قد يزعزع الثقة بهم، بالإضافة إلى سلبيات أخرى، إنهم من أجل تلافي ذلك، قرروا حصر الفتوى في القضايا السياسية و القضائية الهامة، بالأمراء، و سموها: صوافي الأمراء.
و أما سائر ما تبقى من أمور، فقد أوكلت إلى أناس بأعيانهم، و حظر على الآخرين-الذين لا يطمأنّ إلى ميلهم، أو أهليتهم في مجال تقوية الخط السياسي القائم-حظر عليهم أن يتصدوا للفتوى، أو للرواية، و قد قدمنا بعض ما يوضح ذلك فلا نعيد، ثم قرروا ضابطة أخرى و هي:
و كذا ضابطة:
إلى غير ذلك: من معايير زائفة، و ضوابط تهدف إلى حفظ الإنحراف و الإحتفاظ به، لا يتسع المقام لذكرها، و لا تسمح الفرصة بتقصيها. و لعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد و الهداية.
1) إرشاد الفحول ص 9.
الضوابط الصحيحة للبحث العلمي
و إذ قد اتضح لدينا: أنه قد كان ثمة خطة خبيثة، تستهدف النيل من شخصية النبي العظيم و الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و من المقدسات الإسلامية، و من كل رموز الإسلام و شعائره، و مبانيه و مآثره؛ فمن الضروري جدا-إذا أردنا تقييم النصوص الروائية و التاريخية النبوية، و كل قضايا الإسلام-أن نعتمد معايير و ضوابط قادرة على إعطائنا الصورة الحقيقية، و الأكثر نقاء و صفاء، ثم هي قادرة على إبعاد ذلك الجانب الموبوء و المريض، و المزيف عن دائرة اهتماماتنا، ثم عن محيطنا الفكري، و العملي بصورة كاملة و شاملة، فما هي تلك المعايير؟
و ما هي حقيقة هاتيك الضوابط؟ !
إننا من أجل الإجابة على هذا السؤال نقول بإيجاز و اختصار:
إن من الواضح: أن ما لدينا من علوم إسلامية، مثل علم الفقه و أصوله، و علوم القرآن، و الكلام، و الرجال، و التاريخ، و النحو و اللغة، و غير ذلك قد استفدنا في بعضه-جزئيا على الأقل-من إرشادات العقل و أحكامه، و من تتبع و دراسة اللغة العربية، من جهات و حيثيات مختلفة، إلا
أن معظم ذلك قد جاء من خلال الاستفادة من النص القرآني الكريم، و معرفة حقائقه و دقائقه، و سائر ما يرتبط به، ثم ما جاء على شكل روايات، نقلها لنا أناس عن غيرهم، و نقلها هؤلاء عن آخرين أيضا. .
و هكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو الإمام «عليه السلام» ، أو أي شخص آخر روى الحدث أو عاينه، أو صدر منه القول أو الموقف.
فإذا أردنا البحث في صحة أو فساد هذا المنقول، فلا بد لنا من امتلاك أدوات البحث، و استخدام وسائله.
و نريد أن نوضح هنا: أن وسائل و أدوات البحث العلمي لدى الواعين من أهل الإسلام، لا تختلف عنها لدى غيرهم من عقلاء البشر جميعا، فهم يعتمدون نفس المعايير و الضوابط التي يعتمدها سائر العقلاء و الحكماء من الناس، إذا أرادوا الوصول إلى ما هو حق و واقع و صحيح، و استبعاد ما هو مزيف، أو محرف، أو مصطنع.
و نحن لا بد لنا من أجل استيفاء البحث من الإشارة إلى بعض تلك الأدوات و الوسائل (1)، فنقول:
1) إن محط نظرنا في هذا الفصل و في سابقه، هو-في الأكثر-النصوص المرتبطة بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأئمة المعصومين «عليهم السلام» . و ما عدا ذلك من قضايا تاريخية فإنه لا يهمنا كثيرا الآن. و نشير هنا إلى أن من المعلوم: أن التاريخ و كل قضايا التراث قد كتبت-في الأكثر-بأيد غير أمينة، فلا يمكن المبادرة إلى عرضها على أنها تاريخ أو تشريع، أو غير ذلك إلا بعد دراستها بعمق، و تمحيصها بصورة كافية و وافية. و نحن نعترف في الوقت الحاضر أننا غير قادرين على القيام بمهمة كهذه.
قد قدمنا في الفصل السابق نماذج قليلة من معايير و ضوابط مزيفة تهدف إلى حفظ الإنحراف، و الإحتفاظ به، و ترسيخه، و تبريره و تقريره.
و نستطيع أن نستخلص منها مجموعة من القواعد و المنطلقات، أو فقل: المعايير و الأطر، التي لا بد من مراعاتها، و الإلتزام و التقيد بها في مجالات و مراحل البحث العلمي الموضوعي و النزيه، في النصوص المختلفة التي تحدثنا عن الدين، و العقيدة و الشريعة، و السيرة، و المواقف الجهادية و غيرها، خصوصا ما كان منها مرتبطا بأقوال و مواقف و أفعال النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأئمة الطاهرين من أهل بيته صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.
و النقاط التي ذكرناها في ذلك الفصل، و إن كنا لم نذكرها جميعها، و كانت كثيرة و متنوعة، إلا أننا نعيد التذكير ببعضها كنموذج يوضح ما نرمي إليه، فنقول:
1-ليس لأحد حق التشريع، و لا يؤخذ من أحد سوى اللّه و رسوله، ثم من أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأخذ الشريعة منهم، و هم أهل البيت الأطهار «عليهم السلام» ، الذين هم سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق و هوى، و هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما إلى يوم القيامة.
2-إنه لا سنة إلا سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سنة الخلفاء الراشدين، و هم خصوص الخلفاء الاثني عشر من أهل بيته الأطهار، الذين أخبر «صلى اللّه عليه و آله» عنهم-كما رواه البخاري، و مسلم، و أبو داود
و أحمد و غيرهم (1).
3-لا معصوم إلا الأنبياء، ثم الأئمة الاثنا عشر «عليهم السلام» ، و كل من عداهم يجوز عليه الخطأ، و السهو، و النسيان و غيره، و لا يصح قولهم: إن الأمة معصومة، فضلا عن عصمة أي كان من الناس.
4-لا نبوة لأحد بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كائنا من كان، فلا يقبل قولهم: الإجماع نبوة بعد نبوة.
5-إنه لا اجتهاد لأحد مع وجود الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
6-لا اجتهاد في مقابل النص عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» .
7-إن حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعارض بفتوى أو عمل صحابي أو غيره، بل قول الرسول هو المعيار و الميزان.
8-دعوى اجتهاد جميع الصحابة مردودة، بل فيهم العالم و الجاهل، و الذكي و الغبي و و الخ. . فلا تقبل دعوى اجتهاد واحد منهم إلا بشاهد و دليل.
9-إنه لا قيمة للرأي و لا للاستحسان، و لا للقياس في التشريع، فضلا عن تقديم أي من هذه الأمور على الآثار و السنن، فضلا عن صحة نسبة ما دل عليه القياس مثلا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
10-يجوز مخالفة كل أحد-حتى أئمة المذاهب-إذا وجد النص عن
1) راجع كتابنا: الغدير و المعارضون ص 61-70.
النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خلافه.
11-أئمة المذاهب كغيرهم من المجتهدين الآخرين، و يجوز لكل أحد أن يجتهد و يخالفهم، و لا يجب الوقوف عند آرائهم.
12-لا تقليد في الأمور الاعتقادية، و لا سيما الأمور الأساسية منها، و لا بد فيها من الدليل القاطع، و البرهان الساطع، و لا يكفي الظن و الحدس، بل لا بد من تحصيل اليقين.
13-ليس الصحابة كلهم عدولا و لا بررة أتقياء، بل فيهم الورع التقي، و غيره، و ما احتج به البعض لإثبات ذلك لا يكفي، و لا يصح (1).
14-ما يفسق به غير الصحابي يفسق به الصحابي، فلا يصغى لدعوى: أن الصحابي لا يفسق بما يفسق به غيره.
15-مرسلات الصحابة كمرسلات غيرهم، فدعوى حجيتها دون سواها لا تستند إلى دليل معقول، و لا مقبول.
16-إن القرآن وحده هو الكتاب الصحيح مئة بالمئة، و كل كتاب سواه قد يوجد فيه الصحيح و الضعيف، و المحرف، و المجعول.
17-لا تكفي صحة سند الرواية بأنها حقيقة واقعة، بل لا بد من ملاحظة سائر المعايير، ليمكن بعد ذلك كله إصدار الحكم عليها، نفيا أو إثباتا.
18-إننا لا نرى أية قدسية لأي كتاب، إلا بملاحظة ما تضمنه من
1) راجع: صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد ص 70-74 و دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 2 ص 253-271 طبع إيران.
حديث الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مع الالتفات إلى أنه ليس جميع ما في الكتاب كذلك، فقد يكون بعضه مزيفا و مختلقا، و بعضه محرفا أو مصحفا.
19-إذا كان ثمة حديث موافقا لما عند أهل الكتاب، فإنه يصبح مشكوكا فيه، و لا يصح قولهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم ينزل فيه شيء، بل عكس ذلك هو الصحيح.
20-دعواهم أن الخوارج صادقون فيما ينقلونه لا تصح، بل الصحيح هو عكس ذلك.
21-دعوى أن الشيعة و الروافض يكذبون غير صحيح، و الصحيح هو العكس.
22-دعوى أن من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ليس لها ما يبررها، بل هم كغيرهم من الرواة، فيهم الثقة، و غير الثقة.
23-الاعتزال و التشيع، و المخالفة لأهل الحديث لا يوجب رد رواية الراوي.
24-الحسن و القبح عقليان، و ليسا شرعيين.
25-النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يجتهد من عند نفسه.
و بعد ما تقدم نقول: إننا نضيف إلى ما تقدم طائفة من الضوابط التي لا يمكن تجاهلها لأي باحث في التراث الإسلامي؛ و هي التالية:
إن أول ما يطالعنا في الحديث المأثور، أو في النص المزبور هو سنده، الذي يتمثل بمجموعة أسماء تدل على الذين نقلوا الحديث أو الحدث،
لا حق عن سابق. و طبيعي أن يكون اهتمام الباحث بادئ ذي بدء منصبا على دراسة حال الناقلين للنص، لتحصيل درجة من الوثوق و الاعتماد، ليكون ذلك عذرا أمام اللّه لو كان خطأ، و ليكون حجة للّه تعالى عليه لو أصاب، و ليرضى بذلك الوجدان، و يطمئن القلب و الضمير له، لو أريد الإقدام و الإحجام على أساسه، حيث تكون ثمة حاجة إلى ذلك.
و واضح: أن من عرف عنه: أنه يكذب في خبره، أو لا يدقق و لا يحقق فيه، فلا يمكن الاعتماد على ما يخبر به إلا بعد تأكيد صحته من مصادر و جهات أخرى.
و كذا الحال بالنسبة لخبر من عرف عنه: أنه ينساق وراء هواه السياسي أو المذهبي، أو يستسلم لمشاعره العرقية، أو يتعصب لبلد، أو لطائفة أو غير ذلك، الأمر الذي يحتم علينا دراسة حالة الرواة لمعرفة ميولهم، و ارتباطاتهم السياسية و المصلحية و غيرها، على أن من الضروري الالتفات إلى أن ضعف سند الحديث، لا يعني بالضرورة أنه مكذوب و مجعول، بل ما يعنيه هو أن الخلل في السند قد أخل بدرجة الوثوق و الاعتماد على النص، فلا بد لتحصيل الوثوق به من طرق و وسائل أخرى.
و من جهة أخرى، إذا فرض: أن النص صادر عن رئيس الفصحاء و البلغاء؛ فلا بد من التأكد من سلامته في مبانيه اللغوية، و في أدائه على النهج العربي الصحيح، من حيث التركيب، و التزام قواعد الإعراب، و مراعاة ضوابط الفصاحة و البلاغة فيه، على نحو يليق بمن صدر عنه، و ينسجم مع لغته، و نهجه البياني.
و إذا كان النص يتعرض لبيان فكري، أو سلوكي، أو عقيدي، فلا بد أن لا يتعارض مع النهج الفكري، و العقيدي، و السلوكي الذي يلتزمه ذلك الذي أطلق النص، أو صدر عنه الموقف، ما دام أنه عاقل حكيم؛ فمن ينزه اللّه عن الجسمية مثلا، لا يمكن أن يصف اللّه بأن له أضراسا، و لهوات، و أصابع، و ساقا، و قدما، و غير ذلك على نحو الحقيقة، كما هو للإنسان و غيره من المخلوقات.
و إذا كان النص يحكي سلوكا لشخصية ما، فلا بد أن يكون بحيث يمكن أن يصدر ذلك الفعل أو الموقف من تلك الشخصية، من خلال ما عرف عنها من مميزات و خصائص، ثبتت بالدليل الصحيح و القطعي؛ فلا ينسب الجبن و العيّ مثلا لعلي بن أبي طالب، و الشح و البخل لحاتم الطائي، و الرذيلة و الفجور لأنبياء اللّه سبحانه و أصفيائه، و لأئمة الدين، و أولياء اللّه.
إذن، على الباحث في السيرة النبوية المباركة: أن يبادر إلى تحديد معالم الشخصية النبوية، و معرفة ما لها من مميزات و خصائص؛ فإذا ثبت لديه بالدليل: أن هذه الشخصية في أعلى درجات الحكمة، و العصمة، و الشجاعة، و الطهر، و الحلم، و الكرم، و الحزم، و العلم، و غير ذلك، متحليا بكل صفات النبل و الفضل، و جامعا لمختلف سمات الجلال و الجمال، و الكمال، و لسائر المزايا الإنسانية المثلى-إذا ثبت ذلك، فلا بد من جعل كل ذلك معيارا لأي نص يرد عليه، و يريد أن يسجل قولا، أو فعلا، أو موقفا له «صلى اللّه عليه و آله» .
فإذا جاء النص منسجما مع الوضع الطبيعي للشخصية النبوية المثلى، بما لها من خصائص فإنه يكون مقبولا، بعد توفر سائر شرائط القبول، و إلا فما علينا إذا رددناه جناح.
فالنص المقبول إذن هو ذلك الذي يسجل الحقيقة كل الحقيقة، دون أن يتأثر بالأهواء السياسية، و المصلحية، و لا بأي من العوامل العاطفية و غيرها، فكما أننا لا يمكن أن نقبل أن يكون مرجع ديني، معروف بالورع و التقوى، قد ألف أغنية أو لحنها، للمغنية الشهيرة فلانة، فكذلك لا يمكن أن نقبل بنسبة ما هو مثل ذلك أو أقبح و أشنع منه، إلى ساحة قدس الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و مما يفيد في استجلاء بعض نقاط الضعف في النصوص المنقولة، بل و في حصول اليقين بوجود تصرف سهوي أو عمدي فيها، هو وجود التناقض و التنافي فيما بينها؛ فإن ذلك يشير إلى وجود نص مجعول، أو تعرضه لتصرف فيه، أزاله عن وجهته الصحيحة، الأمر الذي يستدعي مزيدا من الانتباه، و بذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من السقيم، و الحقيقي من المزيف منها.
و مما يفيد في الاقتراب من واقع النص، مراقبته من حيث موافقته، أو مخالفته لما هو مشاهد محسوس، كما لو ادّعى النص: أن أقرب طريق من مكة إلى المدينة يمر عبر الأندلس، أو ادعى: أن مدينة مكة تقع في سنغافورة، أو ادعى أن الشمس تطلع كل يوم من المغرب، أو في وسط الليل، و ما إلى
ذلك، مما يدل على أنه نص مكذوب، أو محرف، لا مجال لقبوله، و لا يصلح للاعتماد عليه.
و من الواضح: أن هناك بديهيات و ضرورات عقلية ثابتة، لا يمكن الإخلال بها، لأن معنى ذلك هو الإخلال بكل شيء في هذه الحياة، فإذا جاء النص مخالفا لهذه الضرورات، فلا بد من رده و رفضه، و ذلك كما لو ادعى: أن الثلاثة زوج، أو أن الأربعة نصف الخمسة، أو أن الضدين قد اجتمعا، و ما إلى ذلك من أمور، فإن ذلك كله يكون دليلا على كذب ذلك النص و عدم صدوره من إنسان عاقل واع، فضلا عن أن يكون صادرا من نبي أو إمام معصوم.
و ذلك لأن الإسلام قد أكد على لسان نبيه، و نطق القرآن: أن العقل هو الميزان و المعيار، و قد اهتم بمخاطبته، و إثارته، و جعله الحكم الفصل في الأمور و القضايا، و نعى على كل من لا يهتدي بهداه، و لا يستضيء بنوره في موارد كثيرة و مختلفة.
و مما يلفت النظر هنا: أن هذه المخالفات للضرورات العقلية تكثر في الأمور العقائدية، و في بعض قضايا التاريخ و غيرها.
و من ذلك قولهم: إن اللّه عادل حكيم، و لكنه يجبر عباده على أفعالهم، ثم يثيبهم أو يعذبهم عليها.
و قولهم: إنه تعالى لا يحده مكان، و لا جهة، ثم يقولون: إن له ساقا، و قدما، و أصابع، و لهوات، و نواجذ، إلخ! ! و أمثال ذلك كثير و خطير؛ فراجع و لاحظ.
و لا يمكن أيضا قبول نص يخالف الحقائق العلمية الثابتة بالأدلة القطعية، كالنص الذي يقول: إن الأرض تقوم على قرن ثور.
و كذا لو جاء نص يقول: إن الأرض مسطحة، و ليست كروية.
و من ذلك ما لو خالف النص حقيقة ثبتت في علم الرياضيات، أو نحوه، فإنه يرفض و يرد، مهما كان سنده صحيحا، و حتى إعلائيا أيضا.
و أما إذا خالف نظرية قد شاعت و ذاعت، و لكنها لم تصل إلى درجة الثبوت القطعي، فإن ذلك لا يكون دليلا على ضعف النص المنقول، بل يكون وجود هذا النص، من أسباب و هن تلك النظرية، و تقليل احتمالات الوثوق بها، و الاعتماد عليها.
أما إذا حمل النص الذي هو مورد البحث تناقضا مع ما هو الثابت تاريخيا، بصورة قطعية، فإن ذلك يدعو إلى رفضه ورده أيضا، فإذا كان من الثابت أن الإسراء و المعراج قد حصلا قبل الهجرة، بل حصلا في السنوات الأولى من البعثة، و ثبت أن عائشة إنما انتقلت إلى بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد الهجرة؛ فلا يمكن-بعد هذا-تصديق النص الذي ينقل عن عائشة نفسها، أنها قالت: ما فقدت جسد رسول اللّه في تلك الليلة؛ يعني ليلة الإسراء و المعراج.
و يدخل في هذا أيضا ما لو ادّعى الراوي: أنه سمع أو رأى رجلا، قد مات قبل أن يولد ذلك الراوي، أو أنه قد ولد بعد وفاته.
و الأمثلة التي تدخل في هذا المجال و سابقه كثيرة جدا و متنوعة، كما يعلم بالمراجعة و المقارنة.
و إذا كان الكل يعلم: أن جميع ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما صدر عنه «صلى اللّه عليه و آله» و عن الأئمة «عليهم السلام» لا يخالف العقل، و لا يختلف معه، و لا يخالف قضاء الفطرة، و لا يشذ عنها.
فمعنى ذلك: أننا إذا رأينا نصا ينسب إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، أو إلى أحد الأئمة «عليهم السلام» ، مما يرفضه العقل، و تأباه الفطرة السليمة و المستقيمة، فإننا سوف نشك في صحة ذلك النص، حتى إذا لم نجد له تأويلا مقبولا، أو معقولا؛ فإننا لا نتردد في رده و رفضه من الأساس.
و من ذلك حكم العقل بوجوب أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإمام «عليه السلام» معصومين من الخطأ، مبرّأين من الزلل؛ فالنص الذي يريد أن ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الإمام «عليه السلام» خطأ أو زللا، لا نتردد في رفضه، و لا نشك في أنه من وضع أعداء الدين، و أصحاب الأهواء، فتصبح العصمة، و سائر أحكام العقل و الفطرة حول الذات الإلهية، و مواصفات الشخصية النبوية، و غير ذلك، معايير و ضوابط يعرف بها الصحيح من السقيم، و الحقيقي من المزيف، و السليم من المحرف.
و إذا استطاع الباحث أن يكتشف المناخات و الظروف، و أن يتعرف على الأجواء السياسية، أو الاجتماعية، و غيرها، وفق ما توفر لديه من
وسائل، و إمكانات، فإنه يستطيع أن يكتشف من خلال ذلك انسجام أو عدم انسجام كثير من النصوص مع الواقع الذي استطاع أن يتلمسه، و أن يطلع على خصائصه و مزاياه، و عناصره و خفاياه، و يصبح هذا الفهم أيضا أحد وسائل المعرفة التي يمكنه الاستفادة منها، و الاعتماد عليها، و الاستناد إليها في نطاق البحث العلمي و الموضوعي.
و إذا ثبت لأي من الناس: أن كتابا ما صحيح كله، و لا يتطرق إليه أي ريب أو شك، فإنه سوف يجعله معيارا لكل ما يرد عليه، فيقبل ما وافقه، و يرد ما خالفه، سواء أكان ذلك الكتاب يتحدث عن علم الكيمياء، أم الفيزياء، أم الرياضيات، أم علوم الدين و الشريعة، أم أي شيء آخر. .
و لا ريب في أن القرآن هو ذلك الكتاب الذي أحكمت آياته، و لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، فهو المعيار الأقوم، و هو الميزان الأعظم لا يرتاب في ذلك ذو مسكة، أو شعور قويم و سليم، و فضلا عن ذلك، فإن النصوص قد تواترت و تضافرت على الأمر بالعرض على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالفه فاتركوه.
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : ما لم يوافق كتاب اللّه فهو زخرف (1).
1) أصول الكافي ج 1 ص 55 و في الباب روايات كثيرة أخرى، فمن أرادها فليراجعها.
و من دعاء الإمام السجاد «عليه السلام» عند ختم القرآن: «و ميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، و نور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، و علم نجاة لا يضل من أمّ قصد سنّته» (1).
و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عن كتاب اللّه» (2)و مثل ذلك كثير عن أهل البيت «عليهم السلام» من طرق شيعتهم.
و أما ما رواه غيرهم في هذا المجال، فهو كثير أيضا، و نذكر من ذلك النصوص التالية:
1-روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال:
تكثر لكم الأحاديث بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه، فاقبلوه، و ما خالف فردوه (3).
2-عن ابن عباس: إذا سمعتموني أحدث عن رسول اللّه، فلم تجدوه
1) راجع: الصحيفة السجادية، الدعاء رقم 42.
2) الميزان في تفسير القرآن ج 3 ص 176 عن الكافي.
3) عن أصول الحنفية للشاشي ص 43 و راجع: كنز العمال ج 1 ص 176 عن ابن عمر عنه «صلى اللّه عليه و آله» . و ص 175 و 160 عن ثوبان عنه «صلى اللّه عليه و آله» . و النقل في الجميع عن الطبراني، و مجمع الزوائد ج 1 ص 170 عن ثوبان عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أصول السرخسي ج 1 ص 315 و ج 2 ص 68، مستدلا به على عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة و نهاية السؤل، تعليقات محمد بخيت المطيعي ج 3 ص 173.
في كتاب اللّه، أو حسنا عند الناس فاعلموا أني كذبت عليه (1).
3-و عن ابن مسعود: فانظروا ما واطأ كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه (2).
4-و عن أبي بكر في خطبة له: فإن كانت للباطل غزوة، و لأهل الحق جولة، يعفو لها الأثر، و تموت السنن، فالزموا المساجد، و استشيروا القرآن (3).
5-عن ابن أبي كريمة، عن جعفر، عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه خطب، فقال: إن الحديث سيفشو عليّ، فما أتاكم عني يوافق القرآن، فهو عني، و ما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني (4).
6-و عن علي «عليه السلام» : ستكون عني رواة يروون الحديث، فاعرضوه على القرآن، فإن وافق القرآن فخذوه، و إلا فدعوه (5).
7-و عن أبي هريرة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يقرب من ذلك أيضا فراجع (6).
1) سنن الدارمي ج 1 ص 146.
2) المصنف للصنعاني ج 6 ص 112 و راجع خطبة ابن مسعود في ج 11 ص 160 و جامع بيان العلم ج 2 ص 42 و حياة الصحابة ج 3 ص 191 عنه.
3) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 و البيان و التبيين ج 2 ص 44 و العقد الفريد ج 4 ص 60.
4) الأم ج 7 ص 308 و أضواء على السنة المحمدية ص 367.
5) كنز العمال ج 1 ص 176 عن ابن عساكر. و في تهذيب تاريخ دمشق حديث آخر عن علي «عليه السلام» حول عرض الحديث على القرآن.
6) الكفاية في علم الرواية ص 430.
8-و عن أبي بن كعب رحمه اللّه، فيما أوصى به رجلا: اتخذ كتاب اللّه إماما، و ارض به قاضيا و حكما الخ. . (1).
9-و عن معاذ: فاعرضوا على الكتاب كل الكلام، و لا تعرضوه على شيء من الكلام (2).
فما تقدم هو حكم النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و صحبه، حيث أوجبوا جعل القرآن حكما و مرجعا، و ميزانا، يميز به الحق من الباطل، و ذلك هو ما يحكم به العقل السليم، و الفطرة المستقيمة، بعد قيام الدليل القطعي على أن القرآن هو كتاب اللّه المنزل على نبيه المرسل.
و لكننا وجدنا في مقابل ذلك محاولات جادة و مصرة للمنع عن العمل بالقرآن، و عن الرجوع إليه، و عن اتخاذه حكما، و ميزانا و معيارا في كل الأمور، بل لقد منعوا حتى عن السؤال عن معانيه كما هو معلوم، بل لقد جعلوا الحديث المروي مقدما على كتاب اللّه، و حاكما عليه.
و قالوا: «السنة قاضية على الكتاب و ليس الكتاب بقاض على السنة» (3).
1) حلية الأولياء ج 1 ص 253 و حياة الصحابة ج 3 ص 576.
2) حياة الصحابة ج 3 ص 197 عن كنز العمال ج 8 ص 87 عن ابن عساكر.
3) تأويل مختلف الحديث ص 199 و سنن الدارمي ج 1 ص 145 و مقالات الإسلاميين ج 2 ص 324 و ج 1 ص 251 و جامع بيان العلم ج 2 ص 234 و 233 و عون المعبود ج 12 ص 356. و راجع: الكفاية للخطيب ص 14 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 107 و لسان الميزان ج 1 ص 194 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 26 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 38 و 39 و راجع: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج 2 ص 251 و نهاية السؤل للآسنوي ج 2 ص 579-580 و بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 67 و 68 عن بعض ما تقدم.
رغم أن الحديث المروي لم يثبت أنه من السنة. . و حتى مع ثبوت ذلك، فإن هذه القاعدة مرفوضة من الأساس.
و مما ذكروه في وجه ذلك ما قاله أبو بكر البيهقي: «و الحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل، و هو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن» (1).
و قال الخطابي عن حديث عرض الحديث على القرآن: «هذا حديث وضعته الزنادقة» (2).
و قال عبد الرحمن بن مهدي: «الزنادقة و الخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني ما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته، و إن خالف كتاب اللّه فلم أقله، و إنما أنا موافق كتاب اللّه، و به هداني اللّه.
و هذه الألفاظ لا تصح عنه «صلى اللّه عليه و آله» عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، و قد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم و قالوا:
نحن نعرض هذا الحديث على كتاب اللّه: قبل كل شيء، و نعتمد على ذلك؛
فلما عرضناه على كتاب اللّه، وجدناه مخالفا لكتاب اللّه؛ لأنّا لم نجد في كتاب اللّه: ألا يقبل من حديث رسول اللّه إلا ما وافق كتاب اللّه، بل وجدنا كتاب اللّه يطلق التأسي به، و الأمر بطاعته، و كذا المخالفة عن أمره جملة على كل حال» (1).
و قال أبو عمر: «قد أمر اللّه عز و جل بطاعته و اتباعه أمرا مطلقا مجملا، لم يقيّد بشيء، كما أمرنا باتباع كتاب اللّه، و لم يقل: وافق كتاب اللّه، كما قال بعض أهل الزيغ» (2).
و قال يحيى بن معين: عن حديث ثوبان عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الأمر بعرض الحديث على القرآن: «إنه موضوع، وضعته الزنادقة» .
و قال الأوزاعي: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب» .
و قال ابن عبد البر: «إنها تقضي عليه، و تبين المراد منه» .
و قال يحيى بن أبي كثير: «السنة قاضية على الكتاب» (3).
كان ما تقدم هو كل ما لدى هؤلاء من جهد لرد حديث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي وافقه أبو بكر، و ابن مسعود، و أبي بن كعب، و معاذ، و ابن عباس.
و رواه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» علي «عليه السلام» ، و أبو هريرة، و ثوبان، و جعفر، و ابن عمر، هذا عدا عما روي عن أئمة أهل البيت الأطهار صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.
و قد رأينا: كيف لم يتمكنوا من السيطرة على مشاعرهم و انفعالاتهم، و هم يبادرون إلى الحكم على الحديث بالوضع، ثم اكتشفوا الواضعين- بزعمهم-فكانوا هم الزنادقة و الخوارج.
و لا ندري متى عقد الخوارج و الزنادقة اجتماعهم الذي قرروا فيه وضع هذا الحديث و اختلاقه! ! كما أننا لا ندري أين تم هذا الاجتماع! ! و برئاسة من من الناس؟ .
و من الذي أخبر هؤلاء بما دار في ذلك الاجتماع، و بما تمخض عنه! ! كما أننا لم نستطع معرفة مبررات اتخاذهم قرارا كهذا.
و هل إن عرض الحديث على القرآن يفيد الزنادقة و الخوارج؟ ! و كيف؟ ! .
و هل إن عدم عرضه يضرهم؟ ! و كيف؟ !
و أيا كانت الإجابة على الأسئلة الآنفة الذكر؛ فإننا نقول:
إن ما ذكره هؤلاء على أنه مبرر لرد حديث عرض الحديث على القرآن، لا يصلح للتبرير، بل هو محض مغالطة ظاهرة البطلان، و ذلك لما يلي:
أولا: إن عدم وجدانكم الحكم في كتاب اللّه لا يعني بالضرورة أن يكون الحكم الذي تعرض الحديث له مخالفا للكتاب! فلعله يوافقه-ولو لعموماته-و أنتم لا تعلمون.
و لا ندري إن كنتم تعتقدون: أن كل الأحكام كلية و جزئية، في أدق
تفاصيلها يجب أن تذكر في القرآن صراحة و نصا! !
أو أنكم ترون لزوم ذكر نص الحديث في القرآن، ليصبح موافقا له! ! و إذا كنتم تعتقدون ذلك، فلا ندري كم سوف يكون حجم القرآن حينئذ؟ ! و هل يمكن لأحد حفظه؟ ! أو حتى الاستفادة منه؟ ! و كيف؟ ! (1).
ثانيا: إن هذا الحديث ناظر إلى قبول الموافق ورد المخالف، أما ما لا يوافق و لا يخالف، فهو باق تحت أدلة حجية الأخبار.
ثالثا: إن وجوب قبول الخبر إنما يثبت فيما تحقق أنه صدر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسماع منه، أو بالتواتر.
أما وجوب عرض الحديث على القرآن، فإنما هو في الحديث الذي يوجد ثمة شك و تردد في ثبوته عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ هو المراد من قوله: إذا روي لكم عني حديث (2)إلخ. .
و رابعا: يقول الشافعي، و أكثر أصحابه، و أكثر أهل الظاهر، و هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل: إن السنة لا تنسخ القرآن، و به قال الصيرفي، و الخفاف (3).
و روي عن عبد اللّه بن سيد المنع من ذلك عقلا.
1) لا بأس بمراجعة ما قاله السرخسي في هذا المقام. أصول السرخسي ج 1 ص 365.
2) سلم الوصول (مطبوع مع نهاية السؤل) ج 3 ص 174.
3) راجع: المستصفى للغزالي ج 1 ص 124 و فواتح الرحموت (مطبوع مع المستصفى) ج 2 ص 78 و إرشاد الفحول ص 191 و نهاية السؤل للآسنوي ج 2 ص 579- 580 متنا و هامشا. و راجع ج 4 ص 457 و أصول السرخسي ج 2 ص 67-69.
و قال أبو حامد و أبو إسحاق، و أبو الطيب الصعلوكي بالمنع سمعا.
و قيل: ليس يمتنع، لا عقلا و لا سمعا، لكنه لم يقع.
و قال السّبكي: إن قول الشافعي لا يدل على أكثر من هذا (1).
أما نسخ الكتاب بخبر الواحد، فهو لا يقع إجماعا.
إذن، فما معنى أن تكون السنة قاضية على الكتاب و ليس الكتاب بقاض على السنة؟ ! !
و قال الخطابي: و هو يتحدث حول ما ورد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال:
«لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما ندري، ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه» (2).
قال الخطابي: «في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض
1) راجع نهاية السؤل للآسنوي ج 2 ص 579-580 متنا و هامشا.
2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 24 و مصابيح السنة ج 1 ص 158 و 159 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 6 و 7 و مسند أحمد ج 6 ص 8 و ج 4 ص 131 و 132 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 108 و 109 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 37 و 38 و سنن الدارمي ج 1 ص 144 و سنن أبي داود ج 4 ص 200 و ج 3 ص 170 و الإملاء و الاستملاء ص 4 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 80 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 453 و الأم ج 7 ص 310، و الكفاية في علم الرواية ص 8-11.
على الكتاب، و أنه مهما ثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيء كان حجة بنفسه.
فأما ما رواه بعضهم، أنه قال: إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فخذوه، فإنه حديث باطل لا أصل له.
و قد حكى زكريا الساجي، عن يحيى بن معين، أنه قال: «هذا حديث وضعته الزنادقة» (1).
و نقول: أولا: إن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» إنما يستنكر رد ما علم أنه قوله و أمره، و لا يستنكر عرض الحديث المشتبه به على القرآن للتأكد من صدوره منه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: لقد جاء هذا الحديث ليخبر عما سوف يكون حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» و قد تحقق مصداق ما أخبر عنه، و ذلك حينما طلب «صلى اللّه عليه و آله» أن يأتوه بكتف و دواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا، فقال عمر بن الخطاب: «حسبنا كتاب اللّه» (2).
و هذا يعني: أن عمر بن الخطاب يرى: أن القرآن أصل برأسه، و أنه
1) عون المعبود في شرح سنن أبي داود ج 4 ص 356.
2) راجع: مسند أحمد ج 6 ص 47 و 116 و ج 1 ص 90 و 22 و 29 و 32 و 336 و 335 و ج 3 ص 346 و صحيح مسلم ج 5 ص 76 و صحيح البخاري ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 22 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 438 و 439 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 451. و راجع بقية المصادر في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد.
غني عن السنة، و هذا لا يتلاءم مع ما يدعيه هؤلاء.
و ثالثا: إننا لا ندري كيف نعمل مع هؤلاء؛ فهذا أبو بكر، و عمر، و عثمان، و معاوية و غيرهم من خلفاء الأمويين، و قريش بصورة عامة لا يرغبون في كتابة الحديث و لا في روايته عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل إنهم يمنعون من ذلك أشد المنع، و يعاقبون من خالف ذلك، ثم يجمعون ما كتبه الصحابة عنه «صلى اللّه عليه و آله» و يحرقونه.
و ذلك على أساس: أن كتاب اللّه كاف و واف، و على حد تعبير عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب اللّه، على أن هؤلاء الذين أصروا على الاكتفاء بكتاب اللّه سبحانه، تراهم قد منعوا من تفسيره، و من السؤال عن معانيه و مراميه (1).
ثم جاء أتباعهم ليقولوا لنا: القرآن غير كاف و لا واف، بل هو إلى السنة أحوج من السنة إليه، ثم يقولون: السنة قاضية على الكتاب، و ليس الكتاب بقاض على السنة. فأي ذلك هو الصحيح؟
و من هو المصيب؟
و من المخطئ يا ترى؟ !
فإن كان الكتاب أساسا، و كان كافيا و وافيا، فلما ذا المنع من السؤال عن معانيه، و مراميه؟ !
و كيف تكون السنة قاضية عليه؟ !
1) راجع: الغدير ج 6 ص 290-293 عن مصادر كثيرة، و كشف الأستار عن زوائد البزار ج 3 ص 70.
و إن كانت السنة مقدمة على الكتاب، فلماذا يمنع من الحديث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعاقب من حدث عنه؟ ! .
و إذا كان كذلك، فما معنى اجتهاد الصحابة، و اجتهاد غيرهم، و ما هي وسائل الإجتهاد التي يمكنهم من خلالها كشف الواقع، و الوصول إلى أحكام اللّه سبحانه ما دام أنه لا مجال للإستفادة من القرآن، و لا من السنة؟
و لا نبعد إذا قلنا: إنه ربما تكون السياسة التي كانت تقضي بالمنع
من السؤال عن معاني القرآن و مراميه قد تركت آثارا عميقة في الناس عبر التاريخ، حيث أصبح الإهتمام بالقرآن يقتصر في الأغلب على الأمور الشكلية فيه، كتحسين الصوت إلى حد التغني به، و الإهتمام بتعداد حروفه و آياته، و معرفة الحروف أو الكلمات الموجودة في هذه السورة، و المفقودة في تلك، و إجراء مقارنات و إحصاءات كثيرة و متنوعة في هذا الإتجاه، ثم جاء الإهتمام بالشكل، و الخط، و الورق، و كيفيات الكتابة، و بالحركات، و الإشكال، و النقوش، و ما إلى ذلك.
و كأن القرآن لم ينزل إلا من أجل أن يترنم به المقرئون، و يردده المرددون بالنغمات الحسان، و بأبدع الألحان. . و يصبح تحفة من التحف، و من الذخائر التي يتنافس أرباب المال، و رجال الأعمال على اقتنائها، ثم أصبح القرآن كتاب موت، لا كتاب حياة، يقرأ في الفواتح و على القبور، أو يعلق من أجل البركة على الجدران و الصدور.
و بعد هذا، فلا ندري أي فائدة تبقى لما اشتمل عليه القرآن من أوامر و زواجر، و قوانين، و تشريعات، سياسية، و اجتماعية، و فقهية، و غيرها؟ !
و إذا كان الأمر كذلك، لم يعد كتاب هداية، كما لا يبقى معنى للتدبر فيه، فلا معنى إذن لقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (1)، و قوله: يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (2)، و قوله: أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا ؟ ! (3).
و هل يبقى بعد هذا معنى لجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» القرآن أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما إلى يوم القيامة؟ !
و لماذا يكلف اللّه الناس بحفظ و تلاوة هذا القرآن، بما له من حجم كبير، ما دام أن لا ربط له بحياتهم، و دينهم، و معاشهم، و معادهم؟ !
و أخيرا. .
لما ذا يهتم العلماء و المفكرون بتفسير القرآن، و شرح ألفاظه، و بيان معانيه، و كشف مراميه؟ ! إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة، التي لن تجد لدى هؤلاء الجواب المقنع و المفيد و السديد.
قد ذكرنا في هذا الفصل بعض الثوابت التي لا بد من الإلزام و الالتزام بها في مجال البحث العلمي و الموضوعي، إذا أريد الوصول إلى نتائج معقولة، و مقبولة، و مرضية للوجدان العلمي و الإنساني.
و ليكن ما ذكرناه، و سواه مما لم نذكره مما يقره العقلاء و المنصفون على اختلاف مذاهبهم و مشاربهم، و اتجاهاتهم، هو المنطلق لنا في تعاملنا مع كل
ما يرتبط بقضايا الفكر، و العقيدة، و التراث، على كثرة ما فيه من تنوع و اختلاف و شمولية.
و بذلك يكون موقفنا قائما على أسس واقعية، و قويمة؛ فنرضي بذلك وجداننا، و نتقرب به إلى ربنا، و نؤكد به إنسانيتنا، بالإضافة إلى أننا نقدم به للأمة، و للأجيال، و للبشرية جمعاء، خدمات جلّى، و فوائد جساما، و لا يضيع اللّه أجر من أحسن عملا.
و نعود إلى التذكير، و التأكيد، على أن ما ذكرناه ليس هو كل شيء، فإن كل نص يحمل معه مفاتيح البحث فيه، و يشير إلى وسائل التعامل معه، و ذلك بملاحظة ما فيه من عناصر، و ما تتوفر فيه من خصوصيات، ربما لا تتوفر في نص آخر، بل ذاك يحمل معه عناصر أخرى و يحتاج إلى وسائل و أدوات من نوع آخر.
و بعد. . فإننا نستطيع بملاحظة تلك الأسس مجتمعة أن نعرف مدى قيمة تلك النصوص الكثيرة، التي تحاول أن تظهر نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بذلك المظهر الصبياني، العاجز و الجاهل، و المزري و المهين، و تعطى-على هذا الأساس-حجمها الطبيعي، و تجد مكانها الحقيقي، فيما بين النصوص المزيفة و المختلقة.
و لا تجد لها بعد هذا فرصة للتسلل-بطريقة أو بأخرى-إلى تاريخ و فقه، و عقائد المسلمين، بحيث تعطي انطباعا خاطئا، لا ينسجم مع روح الإسلام و مبادئه، و لا مع واقع المسلمين و تاريخ نبيهم الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و الأئمة الطاهرين، و سائر الشخصيات الإسلامية عبر التاريخ.
أن بإمكاننا أن نقدم للأمة التراث النقي الذي يكون-بحق-مصدر فخر و اعتزاز و إعجاب المسلمين جميعا، و للإنسان أينما وجد و لأي فئة انتمى، و لنستفيد-من ثم-الكثير الطيب الذي يساعد على اكتشاف عناصر الضعف و القوة في واقعنا الراهن، و الخطأ و الصواب في مواقفنا الحاضرة، من أجل البناء السليم و القوي للمستقبل المشرق الرغيد. إن شاء اللّه تعالى.
و في ختام هذا البحث لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر للذين يتحملون عناء قراءته، و يصبرون على ما يواجهونه من صعوبات فيه، سواء من الناحية الفنية، أو من حيث الإجمال في نصوصه، و الاختصار فيها، الذي يصل أحيانا إلى درجة الإخلال بإعطاء الصورة الواضحة التي يراد تقديمها لهم، و عرضها عليهم.
كما أنني أتقدم لهم بعذري، إذا كانوا يرون أنني قد اقتصدت في إيراد النصوص و الشواهد، و لم أتعمد استيعابها، و لا تكثيف مصادرها.
فإن المقصود من طرح هذا البحث هو مجرد تسجيل إثارات لموضوعات هامة و حساسة، قلما حظيت من الباحثين و المؤلفين بما تستحقه من بحث و تمحيص.
كما أنها لم تجد من يتوخى الصراحة و الوضوح في عرضها و هي الحقائق الخطيرة التي توفرت الدواعي، و لا تزال، على إخفائها، و إبعادها عن الأضواء، بل و طمسها و التخلص منها بصورة أو بأخرى.
ثم إنني اعتذر للقارئ إذا وجد في هذا البحث بعضا من الصراحة، التي قلما توجد في بحوث الآخرين التي تناولت هذا الموضوع بالذات،
و آمل أن يتسع صدره لذلك، بل و ينشرح و يبتهج له، و يكون لي من المشجعين، لا من المثبطين.
وفقنا اللّه لقول كلمة الحق و اعتماد الصراحة و الصدق. فإن أئمتنا الأطهار أول من علمنا ذلك.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
و الحمد للّه، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين.
لبنان-25/2/1414 ه. ق.
جعفر مرتضى العاملي
تقديم 5-14
القسم الأول: مدخل إلى دراسة السيرة
الباب الأول: تدوين التاريخ بين الدوافع و الأهداف
الفصل الأول: صفات النبي صلّى اللّه عليه و آله 19-52
الفصل الثاني: سياسات تستهدف الجذور 53-86
الفصل الثالث: أين؟ و ما هو البديل؟87-132
الفصل الرابع: القصاصون يثقفون الناس رسميا 133-154
الباب الثاني: تدوين التاريخ الآثار و النتائج
الفصل الأول: آثار و نتائج 157-200
الفصل الثاني: لا بد من إمام 201-216
الفصل الثالث: إجراءات و ضوابط مشبوهة 217-276
الفصل الرابع: الضوابط العلمية للمبنى العلمي 277-308
الفهارس 309-326
تقديم الكتاب 5
تنبيه:8
تقديم 9
بداية:9
مهمة التاريخ:10
و نحن هل نملك تاريخا؟ !10
دراسة التاريخ:11
ماذا نريد؟ !12
ميزات أساسية في تاريخ الإسلام المدوّن:12
البداية الطبيعية لتاريخ الإسلام:13
القسم الأول: مدخل إلى دراسة السيرة
الباب الأول: تدوين التاريخ بين الدوافع و الأهداف
الفصل الأول: صفات النبي صلّى اللّه عليه و آله
صفات النبي صلّى اللّه عليه و آله:21
أترى هذا هو الرسول؟ ! :21
الخطة الخبيثة:26
سياسات ضد نبي الإسلام صلّى اللّه عليه و آله:27
ما أشبه الليلة بالبارحة:31
سنة النبي صلّى اللّه عليه و آله أم سنة غيره؟ ! :32
بغض قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:34
الخليفة الأموي أفضل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:35
على خطى الحجاج:37
نظرة الأمويين إلى الحرم و الكعبة:38
مقام إبراهيم عليه السّلام:39
زمزم أم الخنافس:40
بين الخليفة الأموي و إبراهيم الخليل:40
الحج إلى صخرة بيت المقدس:41
تحويل القبلة:42
تأويلات سقيمة:44
كعبة المتوكل في سامراء:45
الحجاج و القرآن:45
خليفة أموي ينتقم من المصحف:46
لا يجرؤ الناس على الصلاة:47
ما هو إلا ملك! :47
التحالف على هدم الإسلام:48
غيض من فيض:48
الدوافع و الأهداف:49
الفصل الثاني: سياسات تستهدف الجذور
الأسوة و القدوة:55
الحث على كتابة الحديث:56
الصحابة و غيرهم يكتبون الحديث:57
عمر و أبو بكر كتبا الحديث:59
علي عليه السّلام و ولده و شيعته:60
ملاحظة هامة:62
في الاتجاه المضاد:63
المنع من الحديث في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله:64
دوافع هذه السياسة:65
المنع عن الحديث بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:65
أهداف هذه السياسة:66
البادرة الأولى: حسبنا كتاب اللّه:66
البادرة الثانية:67
ذروة هذه السياسة:67
إحراق حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:68
الصليبيون و التراث العلمي الإسلامي:71
حجة عمر تصبح حديثا نبويا! ! :72
التقليد و المحاكاة:74
المنع من العمل بالسنة أيضا:75
حبس كبار الصحابة في المدينة:77
الخلف عن السلف:78
لا قرآن، و لا سنة:79
قراءة القرآن أيضا مرفوضة:80
الدقة في التنفيذ:81
إلى متى؟ ! :83
الفصل الثالث: أين؟ . . و ما هو البديل؟ !
من الذي يفتي الناس؟ !89
حصر الفتوى في نوعين من الناس:90
أولا: الأمراء:91
ثانيا: المسموح لهم بالفتوى من غير الأمراء:92
1-عائشة:93
منافسون لعائشة:94
2-زيد بن ثابت:94
3-عبد الرحمن بن عوف:95
4-أبو موسى الأشعري:95
5-السماح لأبي هريرة بعد المنع:97
محاولة فاشلة لهم مع علي عليه السّلام:98
من له الفتوى بعد عهد الخلفاء الثلاثة:98
حظر الرواية على ابن عمر، و ابن عمرو:99
أسباب المنع:100
شواهد أخرى:101
لا بد من أساليب أخرى:103
تشجيع الشعر و الشعراء:104
تعلم الأنساب:105
أسرار الأعذار:107
البديل الأكثر نجاحا و الأمثل:108
نظرة العرب إلى أهل الكتاب:109
الإسلام يرفض هيمنة أهل الكتاب:110
مدارس «ماسكة» :112
الإصرار إلى حد الاغضاب:113
كل ذلك لم ينفع:114
عود على بدء:115
المرسوم العام:115
أصل الحديث:117
خطوة أخرى على الطريق:117
إفتراض لا يجدي:118
شيوع الأخذ عن أهل الكتاب:118
الإرجاعات الصريحة:120
زاملتا عبد اللّه بن عمرو بن العاص:120
لماذا كثرة تلامذة كعب الأحبار؟ !121
أبو هريرة يروي عن كعب:122
كعب الأحبار حكما:123
بردة كعب:124
رشوات كعب:125
ألف: كعب و خلافة علي عليه السّلام:125
ب: لقب الفاروق:126
ج: كعب يقرض أبا هريرة:127
د: محاولة رشوة ابن عباس:127
ه: كعب يقرّض ابن عمرو بن العاص:128
سحرة بني إسرائيل يركزون على التوراة:128
تعظيم و تقديس التوراة:130
إصرار مسلمة أهل الكتاب على العمل بالتوراة:131
الفصل الرابع: القصاصون يثقفون الناس رسميا
القصص الحق:135
الطريقة الذكية:136
إعطاء الشرعية:137
حتى النساء:141
اهتمام الحكام بالقصاصين:141
القصاصون في خدمة سياسيات الحكام:144
جرأة القصاصين و سيطرتهم:146
القصاصون على حقيقتهم:148
مع تفاصيل أخرى:150
موقف علي عليه السّلام من القصاصين:151
السائرون على نهج علي عليه السّلام:152
الباب الثاني: تدوين التاريخ. . الآثار و النتائج
الفصل الأول: بين الدوافع و الأهداف و الآثار و النتائج. .
آثار و نتائج:159
نصوص و شواهد:161
الهاشميون في زمن السجاد:164
لا مبالغة و لا تهويل:164
فضائح لا تطاق:165
و مما يضحك الثكلى:169
التركة الموروثة:171
نظرية التطور عند أهل الحديث:173
الوضع و الوضاعون:176
الحاجة أم الاختراع:177
الفقه و الفقهاء:178
يعترفون. . ثم يتهمون:179
التجني على العراقيين:180
السبب هو السياسة و الانحراف عن علي عليه السّلام:181
فشل المحاولات:182
خلاصات لا بد من قراءتها:183
لا معايير و لا ضوابط:183
إنفلات الزمام:184
أهل الكتاب يمارسون دورهم:184
إبعاد أهل البيت عليهم السّلام عن الساحة:184
الالتجاء المبكر إلى الرأي و القياس:186
أصدق الحديث:188
الدوافع و الأهداف:188
1-للخليفة مقام الرسول:189
2-إحراجات لا بد من الخروج منها:191
3-التأثر بأهل الكتاب:196
بغضهم لعلي عليه السّلام سبب آخر:199
الفصل الثاني: لا بد من إمام
ضرورة وجود الإمام:203
موقف الأئمة عليهم السّلام من رواية الحديث و كتابته:204
موقف الأئمة عليهم السّلام من الإسرائيليات و رواتها:206
الشيعة في مواجهة الفكر الإسرائيلي:207
علي عليه السّلام يواجه القصاصين بالحقيقة:209
علي عليه السّلام يضرب القصاصين و يطردهم:211
موقف سائر الأئمة عليهم السّلام من القصاصين:213
شرط الإجازة للقصاصين:215
إمتحان القصاصين:216
الفصل الثالث: اجراءات و ضوابط مشبوهة
معايير لحفظ الإنحراف:219
نماذج يسيرة:220
1-الصحابة كلهم عدول:220
لفت نظر:222
2-من هو الصحابي؟ :222
3-صحابية المرتد:223
4-السكوت عما شجر بين الصحابة:224
5-من ينتقد الصحابة زنديق:225
6-لا يفسق الصحابي بما يفسق به غيره:226
7-حتمية توبة الصحابي:226
8-ذنب البدري يقع مغفورا:227
9-الصحابة مجتهدون:227
10-إجماع الأئمة المهتدين:230
11-رأي الصحابي حيث لا نص:231
12-الاجتهاد في مقابل النص كرامة للصحابة:232
13-الصحابة يشرعون و فتاواهم سنة:232
لفت نظر:233
14-سنة الشيخين و الخلفاء سوى علي عليه السّلام:233
15-سنة كل إمام عادل:236
16-سنة و فتوى كل أمير:236
17-رأي الصحابي أقوى في رأي غيره:237
18-قول الصحابي يعارض الحديث الصحيح:238
19-عمل الصحابي يوجب ضعف الحديث:239
20-مراسيل الصحابة:240
21-تصويب الصحابة و غيرهم في اجتهاد الرأي:241
22-النبي صلّى اللّه عليه و آله يجتهد و يخطئ:243
23-سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله و نسيانه:244
24-عصمة الأمة عن الخطأ:244
25-الإجماع: نبوة بعد نبوة:245
26-ظن المعصوم لا يخطئ:246
27-اجتهاد الفقهاء يقدم على النص:247
28-القياس، و الرأي، و الاستحسان:248
29-ما دل عليه القياس ينسب للنبي صلّى اللّه عليه و آله:250
30-لا اجتهاد بعد اليوم:250
من ترك التقليد خرج من الإسلام:252
تكريس المذاهب بالأموال:253
التمهيد للتقليد:254
مع تبريرات وجدي:255
لا اجتهاد عند الفريسيين في اليهود:256
31-التقديس الأعمى حتى للحديث المكذوب:256
32-أصح الكتب بعد القرآن:257
33-هذا الإجماع ظن لا يخطئ:258
رواية الصحاح عن الخوارج و المبتدعة:259
الرواية عن الرافضة و الشيعة:260
التناقض في المواقف:261
ألف: الخوارج:261
ب: أهل البدع:262
ج: الشيعة و الرافضة:262
العلاج المتطور:264
34-ردّ روايات الشيعة في المطاعن و الفضائل:264
35-الرافضة لا إسناد لهم:264
36-رواية ما لا يضر:266
37-حديث الداعية إلى البدعة يرد:266
38-حجم البدعة:267
39-من روى له الشيخان، جاز القنطرة:267
40-الخوارج صادقون:268
41-الاعتزال، و العداء لأهل الحديث:270
42-خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء:271
43-أبو هريرة رواية الإسلام:271
44-لا يعرض الحديث على القرآن:273
45-موافقة أهل الكتاب:274
حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج:274
الحسن و القبح شرعيان لا عقليان:275
48-صوافي الأمراء:276
49-الفتوى لأشخاص بأعيانهم:276
50-المنع من الحديث، من روايته، و من كتابته:276
51-المنع من السؤال عن معاني القرآن:276
الفصل الرابع: الضوابط الصحيحة للبحث العلمي
لا بد من معايير و ضوابط:279
أدوات البحث الموضوعي و العلمي:279{
مما سبق:281
1-دراسة حال الناقلين:284
2-التزام النهج البياني الصحيح:285
3-الانسجام مع الأطروحة و النهج:286
4-الشخصية في خصائصها و مميزاتها:286
5-عدم التناقض بين النصوص:287
6-أن لا يخالف الواقع المحسوس:287
7-أن لا يخالف البديهيات:288
8-أن لا يخالف الحقائق الثابتة:289
9-الإمكانية التاريخية:289
10-موافقة الأحكام العقلية و الفطرية:290
11- الإنسجام مع الأجواء و المناخات 290
12- المعیار الأعظم و الأقوم 291
هل السنة قاضیة علی الکتاب؟ 294
الأدلة الواهیة 295
المناقشة 296
دلیل آخر علی عدم العرض علی القرآن!!299
ماذا جری للقرآن؟ 302
قبل الختام 303
خاتمة المطاف 304
کلمة أخیرة 307
الفهارس
الدلیل الإجمالی للکتاب 311
الدلیل التفصیلی للکتاب 313