ghaemiyeh.com
شماره بازيابي : ۶-۲۱۸۴۲
سرشناسه : صاحب جواهر، محمدحسن بن باقر۱۲۰۰؟ - ۱۲۶۶ق.
عنوان و نام پديدآور : جوااهرالكلام[چاپ سنگي]/محمدحسن نجفي [صاحب جواهر]؛نويسنده متن:علامه حلي؛كاتب:ابوالقاسم خوانساري؛مصحح:موسي طهراني
وضعيت نشر : [بيجا: بينا]:، ۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري : [۵۱۸ص.]،ج۱؛قطع:۲۳×۳۷سم
يادداشت : زبان:عربي
آغاز، انجام، انجامه : آغاز:بسمله... الحمدلله الذي ختم الشرايع باسمهما طريقة و اوضحها حقيقة و اظهرها برهانا ... و بعد فيقول العبد القاصر العاثر محمد حسن بن المرحوم باقر احسن الله اليهما ...
انجام:... الاصحاب الثاني و الله اعلم الحمدلله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا علي ما انعم و وفق لاتمام مباحث الطهارة.
انجامه:المكرم من سنة۱۲۷۴ق.و انا الفقير الي الله الغني ابن اسدالله ابوالقاسم خوانساري.
يادداشت استنساخ : تاريخ كتابت:۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري اثر : نوع و درجه خط:نسخ
نوع و تز ئينات جلد:جلد مقوايي،روكش تيماج قهوه اي،عطف و لچكي ها گالينگور مشكي الحاقي.
خصوصيات نسخه موجود : حواشي اوراق:تصحيحاتي اندك با نشان«صح» و توضيحاتي اندك با نشان«منه»
يادداشت تملك و سجع مهر : يادداشت هاي تملك:يادداشتي با خط تحريري و با مركب مشكي " بسم الله الرحمن الرحيم و قد انتقل ذلك الكتاب مع مجلداته الاخر التي كانت عباره عن ست المجلدات مطبوعه بطبع حاجي موسي ره الي ملكي و هو مالك الملك و الرقاب من البايع المحترم الحاج شمس صاحب المكتبه في شارع ناصر خسرو و قرينا من شمس العملاره من العاصمه تهران صانها ... من الحدثان علي المبلغ الف و خمس مائه تومانا المقابل ۱۵۰۰ريالا و وقع هذا الانتقال في يوم الخامس المطباق با يوم الثاني من شهر جماديا لاولي من سنه اربع مائه بعد الالف من الهجره النبويه المصادف ۲۹/۱۲/۱۳۵۸ و انا الاحقر حسين الصالحي ... النجفي و التهراني المسكن" ( ظهريه صفحه اول)
توضيحات نسخه : نسخه بررسي شد.
نمايه ها، چكيده ها و منابع اثر : منابع ديده شده: ريحانة الادب (۳: ۳۵۸) ، ملي (۲: ۲۷۷) ، ذريعه (۵۹: ۲۴)
معرفي چاپ سنگي : جواهر الكلام كتابي مشروح و استدلالي در فقه شيعه قرن سيزدهم هجري و به زبان عربي است اين كتاب شرح مبسوط كتاب شرايع الاسلام (علامه حلي) است و جامعترين كتاب در موضوع فقه و استنباط و احكام است و همه ابواب فقه را در بر ميگيرد.نسخه حاضر مشتمل بر كتاب الطهاة است،و عناوين مطالب در حاشيه آمده است.
عنوانهاي گونه گون ديگر : جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام.
موضوع : محقق حلي،جعفر بن حسن۶۰۲-۶۷۶ق.-شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام--نقد وتفسير
فقه جعفري -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : محقق حلي،جعفر بن حسن،۶۰۲-۶۷۶ق.شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام.شرح
خوانساري،ابوالقاسم،قرن ۱۳ق.كاتب
طهراني،موسي،قرن ۱۳ق.مصحح
حسيني،فروشنده
ج7،
ج7،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين الغر الميامين، الذين بهم أرجو من ربي الكريم الرحمن الرحيم العليم الحكيم الإعانة على إتمام كتاب أحكام الصلاة التي تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ(1)و
بها تطفأ النيران(2)
و
قربان كل تقي(3)
و
معراج كل مؤمن نقي،
و تغسل الذنوب كما يغسل النهر الجاري درن الجسد، و تكرارها كل يوم خمسا كتكراره(4)و أوصى الله بها المسيح ما دام حيا(5)و غيره من الرسل(6)بل هي أصل الإسلام(7)و خير العمل(8)و خير موضوع(9)و الميزان و المعيار
1) 1 سورة العنكبوت- الآية 44.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 12- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
5) 5 سورة مريم- الآية 32.
6) 6 فروع الكافي ج 2 ص 214 المطبوعة بطهران عام 1377- باب حج الأنبياء عليهم السلام الحديث 7 من كتاب الحج.
7) 7 الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 3.
8) 8 تحف العقول ص 198 المطبوعة بطهران عام 1376.
9) 9 الوسائل- الباب- 42- من أبواب أحكام المساجد- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
لسائر أعمال الأنام، فمن وفى بها استوفى أجر الجميع و قبلت منه كلها(1)فهي حينئذ للأعمال بل للدين كالعمود للفسطاط(2)و لذا كانت أول ما يحاسب به العبد و ينظر فيه من عمله، فإذا قبلت منه نظر في سائر عمله و قبل منه، و إذا ردت لم ينظر في باقي عمله و رد عليه(3)فلا غرو لو سمي تاركها من الكافرين، بل هو كذلك لو كان الداعي له الاستخفاف بالدين(4)و هي التي لم يعرف الصادق (عليه السلام) شيئا مما يتقرب به و يحبه الله تعالى بعد المعرفة أفضل منها(5)بل
قال (عليه السلام): «هذه الصلوات الخمس المفروضات من أقامهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخل به الجنة، و من لم يصلهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهن فذلك لله، إن شاء غفر له و إن شاء عذبه»(6)
و صلاة فريضة خير من عشرين حجة، كل حجة خير من بيت مملو ذهبا يتصدق منه حتى يفنى(7)بل صلاة فريضة أفضل من ألف حجة كل حجة أفضل من الدنيا و ما فيها(8)و ان طاعة الله خدمته في الأرض، و ليس شيء من خدمته يعدل الصلاة، فمن ثمة نادت الملائكة زكريا وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ(9)و إذا قام المصلي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض، و حفت به الملائكة، و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل(10)إلى غير ذلك مما
1) 1 الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
2) 2 الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.
3) 3 الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة مع اختلاف في اللفظ.
7) 7 الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
8) 8 الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
9) 9 الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.
10) 10 الوسائل- الباب- 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
ج7،
ورد فيها مما لا يحصى عدده، كخبر الشامة(1)و غيره.
مع أن في الاعتبار ما يغني عن الآثار، إذ قد جمعت ما لا يجمعه غيرها من العبادات من عبادة اللسان و الجنان بالقراءة و الذكر و الاستكانة و الشكر و الدعاء الذي ما يعبأ الله بالعباد لولاه، و ظهور أثر العبودية للمعبود بالركوع و السجود و جعل أعلى موضع و أشرفه على أدنى موضع و أخفضه، و قد
كتب الرضا (عليه السلام) إلى محمد ابن سنان(2)فيما كتب من جواب مسائله «إن علة الصلاة أنها إقرار بالربوبية لله عز و جل، و خلع الأنداد، و قيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل و المسكنة و الخضوع و الاعتراف و الطلب للإقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض كل يوم إعظاما لله عز و جل، و أن يكون ذاكرا غير ناس و لا بطرا على ذكر الله عز و جل بالليل و النهار لئلا ينسى العبد سيده و مدبره و خالقه فيبطر و يطغى، و يكون في ذكره لربه عز و جل و قيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي و مانعا له من أنواع الفساد»
و غير ذلك مما لا يخفى على من لاحظ أسرار الصلاة.
و لا يختص هذا الفضل بخصوص الفرائض الخمس من الصلوات و إن اختصت بعض الأخبار(3)بها، بل قد يقال بانصراف ما كان موضوعه لفظ الصلاة إليها، لأنها هي المعهودة المستعملة التي لم يسأل العبد بعد أدائها عن غيرها(4)إلا أن التأمل فيما ورد عنهم (عليهم السلام) بل هو صريح البعض يقضي بعدم الفرق بين الفرض و النفل في هذا الفضل، و انهما جميعا خير العمل.
كما أنه لا يشكل فضل الصلاة على الحج المشتمل على الصلاة و غيرها بعد ظهور هذه العبارة كنظائرها في إرادة باقي أجزاء الحج غيرها، إذ لكل جزء منه فضل مستقل
ج7،
و إن كان هو جزء، أو يراد بالصلاة المفضلة عليه إحدى الفرائض الخمس، أو غير ذلك.
و كيف كان فالمشهور في كتب الفقه أن الصلاة لغة الدعاء، و لعل منه قول الأعشى:
تقول بنتي و قد قيضت مرتحلايا رب جنب أبي الأوصاب و الوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضينوما فان لجنب المرء مضطجعا
بل في روض الجنان أنها كذلك من الله عز و جل و غيره ردا على من قال:
إنها منه بمعنى الرحمة و من الملائكة الاستغفار، و من الناس الدعاء، معللا له بأن ارتكاب كونها في ذلك و نحوه مجازا خير من جعلها مشتركة، و بأن ظاهر العطف في قوله تعالى(1):
«عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» يقتضي المغايرة، و فيه أن الخيرية تجدي مع الشك، و هو هنا ممنوع، إذ لو سلم عدم القطع من تصريح البعض به- بل قد يظهر من المحكي عن المحقق الثاني نسبته إلى الجميع أو الأكثر، و من كثرة استعمال لفظ الصلاة في ذلك على وجه يبعد أن يكون مجازا، خصوصا في مثل قوله: اللهم صل على محمد و آله و نحوه و غير ذلك بوضعها لذلك- فلا أقل من الظن، و هو كاف في الموضوعات، نعم الظاهر أن الثاني من الثالث، إذ الاستغفار نوع من الدعاء، و أما الآية فهي مشتركة الإلزام، إذ هو لا ينكر أنها منه تعالى بمعنى الرحمة إنما يمنع انه حقيقة، و لذا أجاب عن الآية بعد ذلك بإنكار اقتضاء العطف المغايرة ناقلا له عن مغني ابن هشام مستشهدا له بهذه الآية و غيرها، و فيه أنه لا ريب في ظهور العطف بذلك إلا مع القرينة، و لعل الآية منه، لا أن أصل العطف لا ظهور له بذلك، فتأمل.
و ربما قيل: إنها لغة المتابعة أيضا، و حسن الثناء من الله تعالى على رسوله (ص) و فيه أن الثاني مجاز قطعا بناء على أنها في الرحمة حقيقة، و لعل من ذكره أراد إبدال الرحمة به، و في النهاية قيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، و لعل منه الصلوات لله في تشهد الناس.
1) 1 سورة البقرة- الآية 152.
ج7،
و عن بعضهم أنها بمعنى السبحة أي التنزيه، و لذا سميت به في قوله تعالى:
«فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ»(1)«وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ»*(2)إلى آخره.
لكن الغالب إطلاق السبحة على النافلة في النصوص(3).
و قد يقال بملاحظة استعمالها في بيت الأعشى، و قوله تعالى «عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ»(4)و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً»(5)و «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ»(6)و «اللهم صل على محمد و آله» و نحو ذلك مع أصالة عدم الاشتراك و ظهور اتحاد المراد منها في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إنها بمعنى أعم من الدعاء ينطبق عليها جميعها، كمطلق طلب الخير و إرادته مثلا، و إن كان هو بالنسبة إلى الله عين الفعل، لعدم تخلفه عن الإرادة، فالمراد حينئذ من الآية «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» يريدون الخير من الرحمة و البركة و الشفاعة و التعظيم و غيرها لمحمد (صلى الله عليه و آله)، فيا أيها الذين آمنوا أنتم أيضا أريدوا به كذلك كما يريد الله له، و كذا المراد من قوله: «اللهم صل على» إلى آخره، بل و قوله تعالى «عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» لما عرفت أن إرادته لا بد من أن تكون سببا لوقوع المراد من البركة و نحوها، بل و كذا بيت الأعشى و غيره مما ينطبق عليها جميعها، لكن روى الصدوق في المحكي عن
معاني الأخبار مسندا إلى أبي حمزة(7)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إلى آخره فقال: الصلاة من الله عز و جل
1) 1 سورة الروم- الآية 16.
2) 2 سورة طه- الآية 130 و سورة المؤمن- الآية 57 و سورة ق- الآية 38 و سورة الطور الآية 48.
3) 3 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
4) 4 سورة البقرة- الآية 152.
5) 5 سورة الأحزاب- الآية 56.
6) 6 سورة الأحزاب- الآية 56.
7) 7 الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذكر- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
رحمة، و من الملائكة تزكية، و من الناس دعاء- إلى ان قال-: فقلت له: كيف نصلي على محمد و آله؟ قال (عليه السلام): تقولون صلوات الله و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله و جميع خلقه على محمد و آل محمد، و السلام عليه و عليهم و رحمة الله و بركاته، قلت: فما ثواب من صلى بهذه الصلوات؟ قال: الخروج من الذنوب و الله كهيئة يوم ولدته أمه»
و في
خبر كعب بن عجرة(1)المروي عن المجالس و الأمالي «قلت:
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال:
قولوا: اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»
و هما معا كما ترى يمكن عدم منافاتهما لما ذكرنا، و لقد عثرت بعد ذلك على كلام للفاضل المتبحر ابن هشام في المغني يقرب مما قلناه، بل هو هو، حيث إنه بعد أن حكى عن بعضهم أن الصلاة المقدرة في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إلى آخره بمعنى الرحمة، و الموجودة بمعنى الاستغفار، قال: «قلت: الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد، و هو العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة، و إلى الملائكة الاستغفار، و إلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض».
و أما قول الجماعة فبعيد من جهات، إحداها اقتضاؤه الاشتراك، و الأصل عدمه، لما فيه من الالتباس، حتى أن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون متى عارضه غيره مما يخالف الأصل كالمجاز قدم عليه. الثانية أنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الاسناد حقيقيا. الثالثة أن الرحمة فعلها متعد و الصلاة فعلها قاصر، و لا يحسن تفسير القاصر بالمتعدي، الرابعة أنه لو قيل مكان صلى عليه دعا عليه انعكس المعنى، و حق المترادفين صحة حلول كل منهما محل الآخر، فتأمل.
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذكر- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
و اما شرعا فقد ذكروا لها تعريفات متعددة لا فائدة في التعرض لها، و لقد أجاد في المدارك حيث قال: «هي أشهر من أن يتوقف معناها على التعريف اللفظي، و هو كذلك، على أنه لا يكاد يسلم شيء منها عن نقض في طرده أو عكسه أو اشتماله على ما يخرجه عن قياس التعاريف، بل لعل ذلك كالمتعسر باعتبار اختلاف أحوالها بالنسبة للمختار و المضطر و الصحيح و السقيم، فتارة تكون أقوالا محضة، و أخرى أفعالا كذلك، و أخرى تجمعهما، و لكل من الأحوال الثلاثة أحوال أيضا، و إن أبيت إلا التعريف فالأولى تعريفها بأنها العبادة التي اعتبر الشارع في افتتاحها التكبير أو بدله، و اختتامها التسليم أو بدله، و ان كنت لا أضمن عدم ورود شيء عليه، و على كل حال فهي بهذا المعنى أمر شرعي لا مدخلية للغة فيه، و أنى و أهل اللغة و هذا المعنى، إنما البحث في أنها حقيقة شرعية أو مجاز، و قد فرغنا من ذلك في الأصول، و ذكرنا أن الحق الأول، و ذكر بعض أهل اللغة لهذا المعنى في سلك ما ذكر من المعاني لهذا اللفظ لا يقتضي الوضع له لغة بعد أن جرت عادتهم أو الأكثر منهم على عدم الاقتصار على ذكر الحقائق اللغوية، بل يذكرون كلما يستعمل فيه اللفظ و ان كان مجازا، على أن من المحتمل كون ذكرهم لهذا المعنى و ان كان هو حقيقة شرعية باعتبار أن أهل الشرع من أهل اللغة أيضا و من العرب الفصحاء، و حينئذ تندرج بهذا الاعتبار في الحقائق اللغوية، إذ جعل خصوص الوضع عندهم حقيقة شرعية انما هو مجرد اصطلاح حادث لا يجب جريان كتب اللغة عليه، خصوصا إذا قلنا: إن لفظ الصلاة و الحج و نحوهما موضوعة لمعان شرعية قبل زمن شرعنا، ضرورة وجود الصلاة و الحج و غيرهما عند اليهود و النصارى و غيرهما من كفار العرب على وجه يسمونه بهذه الأسماء في لغة العرب، كما أنه يسمونه بغيرها بالفارسية و نحوها، فهي حقائق في عباداتهم قبل زمن
ج7،
الرسول (صلى الله عليه و آله)، و هو انما غير بعض أجزاء عباداتهم أو أكثرها، و ذلك لا يقتضي تغير الاستعمال بحسب الحقيقة كما هو الشأن في المعاملات» و كأنه مال إلى ذلك الأستاذ الأكبر فيما حكي من حاشيته على المدارك، و فيه- بعد تسليم قدم تسمية تلك العبادات بهذه الأسماء منهم و أن لهم عبادات معتبرة لا أنها مكاء و تصدية- أنه لا يخفى على المطلع عليهما كمال التباين بينهما بحيث يقطع بعدم إرادة المعنى القديم منها في هذا الاستعمال، و بنقلها من ذلك المعنى إلى معنى جديد و إن اشتركا في أنهما عبادة، كما هو واضح، كوضوح المناسبة بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي بناء على أنه الدعاء، أو ما ذكرناه من طلب الخير و إرادته و ان لم يكن بعنوان الدعاء، لاشتماله على كل منهما، و لو قيل انه منقول منها بمعنى المتابعة اختصت المناسبة حينئذ ببعض أفرادها إلا أن يلاحظ أو يراد تتابع الأجزاء، و هو كما ترى.
و أبعد منه ما قيل عن الجمهرة عن بعضهم ان اشتقاقها من رفع الصلاة في السجود، و هو العظم الذي عليه الأليتان، فهي فعلة من بنات الواو، و ان كان ربما يؤيده تعارف كتابتها به، إلا أنه قد يقال كما عن البيضاوي كتبت بالواو على لفظ المفخم أي من يميل الألف إلى مخرج الواو، و مثله في البعد ما عن الجمهرة عن ذلك البعض ان اشتقاقها من صليت العود بالنار أي لينته، لأن المصلي يلين قلبه و أعضائه مخشوعة من بنات الياء، بل في الذكرى نسبة ذلك و سابقه إلى أهل اللغة، قال جعلوها فعلة من صلى أي حرك صلاته، لأن المصلي يفعل ذلك، أو من صليت العود أي لينته، و لا يخفى عليك ما فيه، و أنا في غنية عنه، و ما أبعد ما بين هذين الأخيرين و بين القول بأن المراد منها في الاستعمال الشرعي الدعاء، و ان ما عداه كله واجبات أخر، فهي كالمعاملة، و لا ريب في ضعفه بل بطلانه.
نعم يمكن دعوى ذلك في صلاة الأموات، فتكون حينئذ حقيقة لغوية مجازا
ج7،
شرعيا كما هو المشهور على ما في الروض، و ربما قيل بأنها مجاز لغوي أيضا نظرا إلى إرادة خصوص دعاء على خصوص حال منها، بل و غير الدعاء من التكبير و نحوه، كما انه ربما قيل بأنها حقيقة شرعية، و لعله ظاهر المصنف و غيره ممن ذكرها في التعداد، إذ احتمال ذكرهم الأعم من الحقيقة و المجاز كوضوء الحائض و نحوه في الوضوء بعيد، و يؤيده- مع عدم صحة السلب، و قيل من دلالة بعض النصوص (1)- انها كذلك قطعا في عرف المتشرعة، و هو عنوان الحقيقة الشرعية، و تبادر ذات الأركان من الإطلاق كما في المدارك لا ينافيها، إذ لعله لأنه أظهر الفردين و أكثرهما استعمالا، كما أن كون معظم صلاة الجنازة الدعاء لا يقتضي البقاء على الحقيقة اللغوية بعد أن علم أن إطلاق لفظ الصلاة عليه ليس للدعاء، بل لا ريب في ملاحظة الخصوصية و باقي الأحوال أيضا، و لذا لا يطلق في العرف لفظ الصلاة على غيره من الدعاء، كما انه لا يطلق على هذا الحال المخصوص غير لفظ الصلاة، و نفي الصلاة بنفي الطهارة و الفاتحة اللتين لا يجبان فيها قطعا يراد منه بالنسبة إلى ما اعتبر فيها ذلك كاليومية، لا نفي مطلق مسمى الصلاة، كالوصف بالتحليل بالتسليم، بل و كذا
الصحيح(2)«عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء، فقال: نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك على غير وضوء»
يراد منه أنها صلاة لكن ليست تلك الصلاة التي يعتبر فيها ذلك، بل هي شيء آخر سماه الشارع صلاة، و من ذلك تعرف ما في استدلال بعضهم على خروجها عن الصلاة بالنصوص(3)ضرورة إرادة نفي مسمى صلاة خاص منها لا مطلقا، فتأمل جيدا.
ج7،
و كيف كان ف العلم بها أي الصلاة يستدعي بيان أربعة أركان
الركن الأول في المقدمات بفتح الدال و كسرها، و هي ما تتقدم على الماهية، إما لتوقف تصورها كذكر أقسامها و كمياتها، أو لاشتراطها بها، أو لكونها من المكملات السابقة عليها، و هي سبع:
الاولى في أعداد الصلوات
و المفروض منها و لو بسبب من المكلف تسعة حصرا استقرائيا من الأدلة التي تمر عليك في محالها إن شاء الله صلاة اليوم و الليلة و الجمعة و العيدين و الكسوف الشامل للخسوف و الزلزلة و الآيات و الطواف الواجب و الأموات و ما يلتزمه الإنسان بنذر و شبهه كالعهد و اليمين و الإجارة على غير القضاء و نحوها، و ربما عدت سبعة بإدراج الزلزلة و الكسوف في الآيات كادراج القضاء حتى من الولي بل ربما قيل و المستأجر عليه و المتبرع به و صلاة الاحتياط في اليوم و الليلة، أو الأخير في شبه النذر، لأن الشك أيضا من الملزمات، بل ربما قيل هو و القضاء، و الإدراج الأول أجود، و ربما عدت ستة بناء على خروج صلاة الأموات عن حقيقة الصلاة، بل قد يقال ينبغي عدها حينئذ خمسة بإدراج الجمعة في اليومية، بل أربعة اقتصارا على الفرائض الأصلية، و الأمر سهل بعد الاتفاق منا على أن ما عدا ذلك مسنون و هو كثير كما تعرفه فيما يأتي إن شاء الله، بل و من غيرنا كما حكاه غير و احد عدا ما يحكى عن أبي حنيفة من وجوب الوتر، و لا ريب في ضعفه، و إن
ورد(1)
«و المغرب وتر النهار»
كما في التهذيب و هو الصحيح.
عن الباقر (عليه السلام) «الوتر1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4 هكذا في النسخة الأصلية لكن في الوسائل
ج7،
في كتاب علي واجب، و هو وتر الليل و المغرب و وتر النهار»
لكنه محمول على التقية أو التأكيد أو بالنسبة للنبي (صلى الله عليه و آله)، كما في
خبر الساباطي(1)قال:
«كنا جلوسا عند الصادق (عليه السلام) بمنى فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟
فقال: فريضة، قال: ففزعنا و فزع الرجل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما أعني صلاة الليل على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، إن الله يقول «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ» أو غير ذلك، و عن حماد بن زيد قلت لأبي حنيفة: «كم الصلوات؟
فقال: خمس، فقلت: فالوتر فقال: فرض، قالت: لا أدري تغلط في الجملة أو التفصيل»
لكن الانصاف كما عن المنتهى أن هذه السخرية غير لائقة بأبي حنيفة، نعم قيل بناء عليه ينبغي أن لا تكون وسطى في الصلوات، لأن اليومية حينئذ تكون ستة، مع أنه يمكن أن يعتبر الوسط بحيث لا ينافي أنها ستة. ثم من المعلوم أن المراد المفروض بالأصل في الجملة، و إلا فقد يتفق الندب له عارضا كالعيدين، أو الحرمة كالجمعة على قول، و التخيير على آخر، أو يكون بعض أفراده مندوبا كإعادة الفريضة، خصوصا الكسوف، و الصلاة على من لم يبلغ الست، و نحو ذلك.
و أما تفصيل هذه الفرائض ف صلاة اليوم و الليلة خمس الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، و قد كانت في الأصل خمسين، إلا أنه (صلى الله عليه و آله) طلب من ربه التخفيف عن أمته حتى أنهاها إلى الخمس كما دل عليه بعض الأخبار(2)و لم يخففها إما لحيائه بعد من المراجعة لربه، أو لأنه أراد بلوغ الخمسين أيضا باعتبار أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، و لا خلاف في وجوبها فيهما، بل هي من ضروريات الدين المستغنية عن الاستدلال بالكتاب المبين، و إجماع المسلمين، و المتواتر من سنة
ج7،
سيد المرسلين و الأئمة المهديين (ص) و كذا من ضرورياته أيضا أن الخمس هي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث ركعات، و كل واحدة من البواقي أربع و كانت في الأصل عشر ركعات، في كل وقت ركعتان، إلا أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أضاف إليها سبعة، فصارت سبع عشرة ركعة كما دلت عليه بعض النصوص(1)بل و من ضروريات مذهبنا أو كضرورياته أنه يسقط من كل رباعية في السفر ركعتان، و هما الأخيرتان اللتان زادهما رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مثله الخوف على ما ستعرف إن شاء الله تعالى.
و أهم الخمس و آكدها بنص الكتاب(2)فضلا عن غيره الوسطى، و هي الظهر، للصحيح(3)عن الباقر (عليه السلام) و إن كانت هي أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) لكن لأن وقتها وسط النهار، أو لأنها متوسطة بين صلاتي نهار الغداة و العصر، أو لأنها وسط بين نافلتين متساويتين، و لما عن الشيخ من الإجماع عليه، و
المروي عن زيد بن ثابت(4)انه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي الظهر بالهاجرة، و لم يكن صلاة أشد على الصحابة منها، فنزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى»
خلافا لما عن المرتضى من أنها العصر مدعيا الإجماع أيضا عليه
للمرسل(5)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»
و
المرسل عن الحسن بن أمير المؤمنين (عليهما السلام)(6)عن النبي (صلى الله
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 14.
2) 2 سورة البقرة- الآية 239.
3) 3 الوسائل- الباب- 5- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
4) 4 سنن أبي داود ج 1 ص 167- الرقم 411.
5) 5 المستدرك- الباب- 5- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 11.
6) 6 الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.
ج7،
عليه و آله) إلى أن قال: «فهي من أحب الصلوات لله عز و جل، و أوصاني بحفظها من بين الصلوات»
و لأنها وسط بين صلاتي نهار و صلاتي ليل، و لبعض الأخبار العامية(1)و لا ريب أن الأول أقوى، لصحة روايته، و قوة اعتباره، قيل و هنا أقوال أخر كأنها للعامة، منها أنها الصبح، لتوسطها بين صلاتي الليل و صلاتي النهار، و بين الضياء و الظلام، و لأنها لا تجمع مع أخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين، و لمزيد فضلها بحضور ملائكة الليل و النهار، كما قال الله تعالى(2)«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» و لما فيها من المشقة التي تناسب الأمر بالمحافظة عليها، لأنها مظنة التضييع بسبب البرد في الشتاء، و طيب النوم في الصيف مع فتور الأعضاء و كثرة النعاس و شدة الغفلة و محبة الاستراحة، و منها أنها المغرب، لتوسطها بين بياض النهار و سواد الليل، و أزيد من ركعتين و أقل من أربع، فهي متوسطة بين رباعي و ثنائي، و لا تنقص في السفر مع زيادتها على الركعتين، فناسب التأكيد بالأمر بالمحافظة عليها، و لأن الظهر هي الأولى، إذ قد وجبت أولا فيكون المغرب هي الوسطى، و منها أنها العشاء، لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقتصران: الصبح و المغرب، أو بين ليله و نهاره، و لأنها أثقل صلاة على المنافقين، و قيل هي مخفية مثل ليلة القدر، و عن بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة في يومها، و الظهر في غيرها و أنت خبير أن ذلك كله اعتبارات و استحسانات و تهجسات لا يجوز أن تكون مدركا لحكم شرعي، إنما الواجب الرجوع في ذلك إلى مهابط الوحي و خزان العلم و معادن السر، و قد عرفته، و الله أعلم.
و أما نوافلها أي الفرائض في الحضر ف أربع و ثلاثون ركعة على الأشهر نصا و فتوى، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل في فوائد الشرائع أنه
ج7،
المعروف في المذهب، بل في المختلف و الذكرى و المدارك لا نعلم فيه مخالفا، كالدروس عليه فتوى الأصحاب، و نحوه كاشف الرموز لكن بتغيير الفتوى بالعمل، بل عن الخلاف و الانتصار و المهذب و غاية المرام و مجمع البرهان الإجماع عليه، و تفصيلها أمام الظهر ثمان، و قبل العصر مثلها، و بعد المغرب أربع، و عقيب العشاء ركعتان من جلوس تعدان بركعة، و إحدى عشر صلاة الليل مع ركعتي الشفع و الوتر، و ركعتان للفجر فيكون حينئذ مجموع الفريضة و النافلة إحدى و خمسين ركعة، و يدل عليه- مضافا إلى ما عرفت-
الصحيح(1)عن الصادق (عليه السلام) «الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة، و النافلة أربع و ثلاثون ركعة»
و
خبر البزنطي(2)«قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلي أربعا و أربعين ركعة، و بعضهم يصلي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو؟ حتى أعمل بمثله، فقال: أصلي واحدة و خمسين ركعة، ثم قال: أمسك و أعقد بيده الزوال ثمانية، و أربعا بعد الظهر، و أربعا قبل العصر، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين قبل عشاء الآخرة، و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام، و ثمان صلاة الليل، و الوتر ثلاثا، و ركعتي الفجر، و الفرائض سبع عشرة ركعة، فذلك إحدى و خمسون ركعة»
و نحوهما صحيح إسماعيل(3)عن الرضا (عليه السلام)، بل و مرفوع ابن أبي قرة(4)المشتمل على ذكر الوجه للواحدة و الخمسين، و
الصحيح أيضا(5)عن الفضيل و البقباق و بكير، قالوا: «سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي من التطوع مثلي الفريضة، و يصوم من التطوع مثلي الفريضة».
ج7،
و على هذه استقر عمل الأصحاب كما اعترف به غير واحد، فلا يصغى حينئذ بعد ذلك إلى ما عارضها و ان صح سنده مما دل(1)على أن النافلة ثلاثة و ثلاثون ركعة بإسقاط الوتيرة، و ان كان يشهد له أيضا
الأخبار(2)المستفيضة «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان لا يصلي بعد العشاء شيئا حتى ينتصف الليل»
أو ما دل(3)على أنها تسعة و عشرون بإسقاط أربعة من نافلة العصر معها، و ان كان عليه ينطبق
خبر يحيى ابن حبيب(4)«سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى من الصلاة، قال: ستة و أربعون ركعة فرائضه و نوافله، قلت: هذه رواية زرارة قال: أو ترى أحدا كان أصدع بالحق منه»
أو سبعة و عشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب معها(5)أيضا، و إن كان عليه ينطبق أيضا
صحيح ابن سنان(6)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تصل أقل من أربع و أربعين ركعة، قال: و رأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات»
خصوصا.
لكن قد أجاب في المدارك و الذخيرة و الرياض و غيرها عنها جميعها بأنه ليس في شيء منها عدم استحباب الزائد كي تحصل المنافاة، بل أقصاه تأكد استحباب ذلك فلا ينافي استحباب الأكثر حينئذ، قال الأول: و ربما كان في
قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان: «لا تصل أقل»
إلى آخره إشعار بذلك، و لا بأس به لو أن الأخبار كلها كما ذكر، لكنه ليس كذلك، إذ منها خبر يحيى بن حبيب المتقدم، و منها
خبر
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 4 و الباب 53 الحديث 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض.
4) 4 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
ج7،
ابن أبي عمير(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنة، فقال: تمام الخمسين»
و منها
خبر عمر بن حريث(2)الذي سأل فيه الصادق (عليه السلام) «عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) فذكرها له بإسقاط الوتيرة، فقال له:
جعلت فداك فان كنت أقوى على أكثر من هذا يعذبني الله على كثرة الصلاة، فقال:
لا، و لكن يعذب على ترك السنة»
إذ لا ريب في دلالته على نفي الزيادة، خصوصا و قد
روى الصدوق عن الصيقل(3)عن الصادق (عليه السلام) «اني لأمقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيقول أزيد كأنه يرى أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قصر في شيء»
الحديث. و منها
صحيح زرارة(4)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال: ثمان ركعات الزوال، و ركعتان بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و ثلاثة عشر ركعة من آخر الليل، منها الوتر و ركعتا الفجر، قلت: فهذا جميع ما جرت به السنة، قال: نعم، فقال أبو الخطاب: أ فرأيت إن قوي فزاد؟ قال: فجلس و كان متكئا فقال: إن قويت فصلهما كما كانت تصلي، إذ كما ليست في ساعة من النهار فليست في ساعة من الليل، إن الله عز و جل يقول وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ(5)»
إلى غير ذلك.
فالأولى حمل بعضها على ما ذكر، و بعضها على إرادة عدم صلاة الوتيرة محتسبا لها من صلاة الليل، كما يومي اليه
حسن الحلبي(6)«سألت الصادق (عليه السلام)
ج7،
هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شيء؟ قال: لا غير أني أصلي بعدها ركعتين، و لست أحسبهما من صلاة الليل».
بل قيل و من الرواتب، لأن الظاهر أن فعلها لأجل إتمام كون النافلة ضعف الفريضة، كما يومي اليه
خبر سليمان بن خالد(1)عن الصادق (عليه السلام) «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة، تقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا، و القيام أفضل، و لا تعدهما من الخمسين، و ثمان ركعات من آخر الليل تقرأ في صلاة الليل بقل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون في الركعتين الأولتين، و تقرأ في سائرها ما أحببت من القرآن، ثم الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعا قل هو الله أحد، و تفصل بينهن بتسليم، ثم الركعتان اللتان قبل الفجر تقرأ في الأولى منهما قل يا أيها الكافرون، و في الثانية قل هو الله أحد»
و منه يستفاد استحباب قراءة مائة آية فيهما، و
في الذكرى «انه روى ابن أبي عمير(2)عن الصادق (عليه السلام) انه كان يقرأ فيهما الواقعة و التوحيد»
انتهى.
أو على ما في
خبر أبي بصير(3)المروي عن العلل عن الصادق (عليه السلام) «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر، قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة قال: نعم، إنهما بركعة، فمن صلاهما ثم حدث به حدث مات على وتر، فان لم يحدث به حدث الموت يصلي الوتر في آخر الليل، فقلت: هل صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) هاتين؟ قال: لا، قلت: و لم؟ قال: لأن رسول الله
ج7،
(صلى الله عليه و آله) كان يأتيه الوحي و كان يعلم أنه هل يموت أم لا؟ و غيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلهما و أمر بهما».
أو على إرادة الفريضة و النافلة من العشاء و العتمة التي كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يصل بعدها شيئا حتى ينتصف الليل.
أو على التعريض بما تصنعه العامة من صلاة وتر غير الوتيرة بعد العشاء، فان استيقظوا آخر الليل أعادوه، فيكون وتران في ليلة، و إلا اكتفوا بذلك، و طرح ما لا يقبل شيئا من ذلك، أو غيره، و لا بأس به بعد أن اعترف غير واحد بعدم العمل بشيء منها، و معارضتها بما سمعت، و بخصوص ما دل على كل واحد مما نفته من الوتيرة و غيرها مما سيمر عليك بعضه إن شاء الله، بل ورد(1)في أخبار نوافل شهر رمضان أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي الوتيرة من جلوس فلاحظ هناك، و كذا يطرح ما دل(2)على الصلاة أربعا بعد العتمة، أو يراد غير الرواتب منه، أو قضائها.
ثم ان ظاهر المصنف كغيره من الأصحاب أن الثمان الأولى نافلة الظهر، و الثمانية الثانية نافلة العصر، بل في المدارك و الذخيرة أنه المشهور بين الأصحاب، بل عن المهذب البارع أن عليه عمل الطائفة، بل عن أمالي الصدوق أن من دين الإمامية الإقرار بأن نافلة العصر ثمان ركعات قبلها، و قد يشهد له تتبع كلمات الأصحاب في المقام و المواقيت و غيرهما، حيث أضافوهما إلى الفريضة حتى عند التعرض لسقوطهما قالوا مثلا تسقط نوافل الظهرين، بل قيل: إن بعض العبارات التي تحتمل أنها نوافل للأوقات كالمقنعة و الخلاف و النهاية و المبسوط و جمل السيد و الوسيلة و الغنية و السرائر و غيرها حيث قيل فيها ثمان قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و نحو ذلك مما لا ظهور فيه بكونها
ج7،
نوافل للفرائض كالنصوص قد أضيفت فيها إليها في مواضع عديدة غير هذا الموضع، و لعله لم يلحظها الشهيد في الذكرى، و لذا قال: إن معظم الأخبار و المصنفات خالية عن التعيين للعصر و غيرها، و تبعه على ذلك بالنسبة للأخبار غيره كسيِّد المدارك و فاضل الذخيرة، و الظاهر أن الأمر كما ذكروه، إذ لم نقف على خبر صريح في كونها نوافل للفرائض، بل و لا مضافة إليها إلا ما ستسمعه من بعض النصوص التي تمر عليك في سقوط النافلة في السفر، بل ربما كان بعض النصوص(1)ظاهرا في أن الثمان الأولى نافلة للزوال نفسه، كما يومي اليه إضافتها اليه و غيرها، بل قد يظهر من مرفوع ابن أبي قرة(2)أن جميع النوافل للأوقات كالفرائض، و أصرح خبر ادعي دلالته ما رواه
الصدوق في العلل عن عبد الله بن سنان(3)«سأل الصادق (عليه السلام) لأي علة أوجب رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلاة الزوال ثمان قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، فقال (عليه السلام): لتأكيد الفريضة، لأن الناس لو لم يكن إلا أربع ركعات الظهر لكانوا مستخفين حتى كان يفوتهم الوقت، فلما كان شيء غير الفريضة أسرعوا إلى ذلك لكثرته، و كذلك الذي قبل العصر ليسرعوا إلى ذلك لكثرته»
و هو كما ترى لا صراحة فيه بل و لا ظهور، نعم قيل في العيون خبر كعبارة الأمالي و لم نقف على متنه، لكن لعل فيما سمعت من الإجماع المحكي المتقدم كفاية، خصوصا بعد شهادة التتبع له، إذ لم يحك عن أحد الخلاف في ذلك سوى ما يحكى عن ظاهر هداية الصدوق من جعل الست عشر نافلة الظهر، و هو منه عجيب بعد نقله الإجماع المزبور، و لعله هو الذي أراده الراوندي فيما حكي عنه من نسبة جعل الست عشر للظهر إلى بعض الأصحاب، و سوى ما يحكى عن ظاهر الإسكافي من جعل ركعتين خاصة من الثمانية الثانية للعصر،
ج7،
و لعله لخبر سليمان بن خالد المتقدم(1)إلا أنه كما ترى لا دلالة فيه على ذلك، إذ القبلية كالبعدية لا يقتضي كون النافلة للفريضة، و ان كان الإنصاف أنها لا تخلو من نوع إشعار.
و كأنه لا ثمرة معتد بها في هذا البحث بعد ان لم نعتبر في النية التعرض للفرض و غيره، بل يكفي مجرد قصد القربة بالامتثال للأمر المعلوم تحققه على كل حال، بل الظاهر عدم الفساد لو نوى المكلف الفرض جهلا منه، ضرورة تشخصها لديه بغير ذلك. و ربما قيل تظهر الثمرة في اعتبار إيقاع الست مثلا قبل القدمين أو المثل ان جعلناها للظهر، و فيه أنه لا مدخلية لذلك بعد أن عين الشارع وقتها كما تسمعه إن شاء الله في المواقيت، نعم قد يقال بظهور الثمرة فيما لو نذر مثلا نافلة العصر مثلا غافلا، أو أناطه بما هو الواقع، و الأمر فيها سهل، فتأمل جيدا.
و كذا الكلام في نافلة المغرب و العشاء و الصبح، بل في خبر البزنطي السابق(2)ما قد يشعر بأن الركعتين من أربعة المغرب نافلة للعشاء، و ان الأربعة من ثمانية العصر للظهر، بل في بعض النصوص(3)ما يشعر بأن ليس شيء من أربعة المغرب نافلة لإحدى الصلاتين، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فعل ركعتين منهما لما بشر بالحسن (عليه السلام)، و ركعتين لما بشر بالحسين (عليه السلام) شكرا لله تعالى، و بالجملة الحق انه لا صراحة في أكثر النصوص بنفسها في شيء من ذلك، نعم قد يجعل ما سمعته من الإجماع قرينة على إرادته من بعض النصوص، خصوصا ما أضيف فيها إلى الأوقات على إرادة صلاة الوقت، فركعتا الفجر بمعنى ركعتا صلاة الفجر، و على هذا القياس، كما أنه
قد يظهر ذلك أيضا أي كون النوافل للفرائض مما استفاضت به الأخبار من أن مشروعية النوافل لتكميل ما ينقص من الفرائض بسبب عدم الإقبال و نحوه،
ج7،
ك
صحيح ابن مسلم(1)عن أبى جعفر (عليه السلام) «ان العبد ليرفع له من صلاته ثلثها أو نصفها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل منها بقلبه، و انما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة»
و
صحيحه الآخر(2)قلت للصادق (عليه السلام):
«إن عمار الساباطي روى عنك رواية، قال: و ما هي؟ قالت: روى ان السنة فريضة، قال: أين يذهب؟ أين يذهب؟ ليس هكذا حدثته، انما قلت له: من صلى فأقبل على صلاته لم يحدث نفسه فيها أو لم يسه فيها أقبل الله عليه ما أقبل عليها، فربما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها أو خمسها، و انما أمروا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة»
و
خبر أبي حمزة الثمالي(3)«رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) يصلي فسقط رداؤه عن منكبيه، قال: فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألته عن ذلك قال: ويحك أ تدري بين يدي من كنت، ان العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل منها، فقلت: جعلت فداك هلكنا، فقال: إن الله ليتم ذلك بالنوافل»
و أصرح من ذلك كله و إن لم يكن وافيا بتمام المطلوب
خبر عمار(4)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لكل صلاة مكتوبة ركعتان نافلة إلا العصر، فإنه يقدم نافلتها، و هي الركعتان التي تمت بهما الثمان بعد الظهر»
الحديث. و كذلك يظهر أيضا من النصوص(5)الدالة على سقوطها في السفر تبعا للقصر في الفريضة، فلاحظ، بل في بعضها(6)إضافة بعضها إلى الفرائض، بل قد يفهم منها إضافة الجميع كما سيمر عليك بعضها، و من الغريب ما يظهر من المصنف من جعل صلاة الليل من نوافل الفرائض أيضا، مع أنه لا ريب في استقلالها و عدم مدخليتها
1) 1 الوسائل- الباب- 17- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 17- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 5- من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض.
6) 6 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
ج7،
بها، لكن لعل مراده بقوله: «و نوافلها» لما عدا صلاة الليل منها.
ثم لا ريب في تأكد هذه النوافل من بين الصلوات حتى ورد(1)في بعضها كصلاة الليل و الوتر انها واجبة، و
قال سعد بن أبي عمرو الجلاب(2)للصادق (عليه السلام): «ركعتا الفجر تفوتني أ فأصليهما؟ قال: نعم، قلت: لم أ فريضة؟ قال:
فقال: رسول الله (صلى الله عليه و آله) سنهما، فما سن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فهو فرض»
إلى غير ذلك مما يراد منه تأكد الاستحباب.
و أما تفاوت الفضل بينها فعن ابن بابويه «ان ركعتي الفجر أفضلها، ثم ركعة الوتر، ثم ركعتا الزوال، ثم نافلة المغرب، ثم تمام صلاة الليل، ثم تمام نوافل النهار» و لم نقف له على دليل في هذا الترتيب، و عن ابن أبي عقيل «ان الصلاة التي تكون بالليل أوكد النوافل لا رخصة في تركها في سفر و لا حضر» و عن الخلاف «ان ركعتي الفجر أفضل من الوتر بإجماعنا» و الأولى ترك البحث عن ذلك، إذ النصوص في فضل كل منها وافية، و لكل خصوصية لا تدرك بغيرها كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد في كل منها، خصوصا نافلة الزوال التي هي صلاة الأوابين(3)و نافلة المغرب التي لا ينبغي أن يتركها الإنسان و لو طلبته الخيل(4)و صلاة الليل التي ورد فيها ما ورد حتى أوصى بها النبي (صلى الله عليه و آله) عليا ثلاثا(5)كالزوال(6)بل قيل: إن الأخبار في
1) 1 الوسائل- الباب- 39- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 15.
2) 2 الوسائل- الباب- 33- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4 لكن في الوسائل و التهذيب« الجلاب» و هو الصحيح.
3) 3 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
5) 5 الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.
6) 6 الوسائل- الباب- 28- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
ج7،
فضل صلاة الليل و التأكيد على فعلها أكثر من غيرها، فالقول بأفضليتها بالنسبة إلى غيرها غير بعيد، و هو جيد، بل جزم به في المدارك، ثم جعل بعدها نافلة الزوال للوصية بها ثلاثا أيضا، ثم نافلة المغرب للنهي عن تركها سفرا و حضرا، ثم ركعتي الفجر، لأنه يشهدها ملائكة الليل و النهار، و قد عرفت التحقيق. نعم قد يقال بمرجوحية الوتيرة بالنسبة إلى الجميع، و بعدها نافلة العصر، مع أنه لا يخلو من نظر، لتظافر النصوص(1)بالنهي عن المبيت على غير وتر، و ان من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا على وتر، و ان المراد به الوتيرة كما يدل عليه غير واحد من النصوص، منها
خبر المفضل(2)
«و لو مت مت على وتر».
عن الصادق (عليه السلام) «قلت: أصلي العشاء الآخرة، فإذا صليت صليت ركعتين من جلوس، فقال: أما انها واحدة، و لو بت بت على وتر»و غيره من النصوص.
و على كل حال فلا ينبغي الكلام بين أربع ركعات المغرب، ل
خبر أبي الفوارس(3)«نهاني أبو عبد الله (عليه السلام) أن أتكلم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب»
و في المدارك أن ذلك يقتضي كراهة الكلام بين المغرب و نافلتها بطريق أولى، و فيه منع واضح.
نعم يستحب عدم الكلام بينهما ل
خبر أبي العلاء الخفاف(4)عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «من صلى المغرب ثم عقب و لم يتكلم حتى صلى ركعتين كتبتا له في عليين، فان صلى أربعا كتبت له حجة مبرورة».
ج7،
و قد يستفاد منه مع ذلك استحباب التعقيب قبل النافلة، لكن عن مقنعة المفيد العكس، و لم نقف له على دليل عد
المرسل(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه لما بشر بالحسن (عليه السلام) صلى ركعتين بعد المغرب شكرا، فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين، و لم يعقب حتى فرغ»
و في ترجيحه على غيره- مع إرساله، و عدم معلومية استمرار ذلك منه (ص) بل لعله في خصوص ذلك الوقت مبادرة للشكر- نظر و تردد، خصوصا ما ورد(2)في التسبيح مما اشتمل على الأمر به قبل أن يثني المصلي رجليه، و لذا قال في الذكرى كما عن المقنعة و التهذيب في أحد النقلين:
«الأفضل المبادرة بالنافلة قبل كل شيء سوى التسبيح» مستدلا عليه بأن النبي (صلى الله عليه و آله) فعلها كذلك، ثم ذكر المرسل السابق، و لا يخفى عدم دلالته على ما استثناه، نعم يدل عليه
خبر رجاء بن أبي الضحاك(3)المروي عن العيون المشتمل على عمل الامام الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان قال فيه: «فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله، ثم سجد سجدة الشكر، ثم رفع رأسه و لم يتكلم حتى يقوم، فيصلي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، و كان يقرأ في الأولى من هذه الأربع الحمد و قل يا أيها الكافرون و في الثانية قل هو الله أحد، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله، ثم يفطر»
فيراد حينئذ من نفي التعقيب في الخبر السابق نفي التمام لا أصل التعقيب، كما يومي اليه زيادة على ما عرفته
المرسل(4)عن إرشاد القلوب «ان أبا جعفر (عليه السلام) لما
ج7،
خرج بزوجته أم الفضل من عند المأمون و وصل شارع الكوفة انتهى إلى دار المسيب عند غروب الشمس دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل، فدعا بكوز فتوضأ في وسطها، و قام فصلى بالناس صلاة المغرب- إلى أن قال-: فلما سلم جلس هنيئة و قام من غير أن يعقب تعقيبا تاما فصلى النوافل الأربع و عقب بعدها و سجد سجدتي الشكر، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس حملت حملا حسنا فأكلوا منها، فوجدوا نبقا لا عجم له حلوا»
الخبر.
و يستحب أن يقول في آخر سجدة من نافلة المغرب كل ليلة خصوصا ليلة الجمعة ما رواه
عبد الله بن سنان(1)عن الصادق (عليه السلام) «اللهم إني أسألك بوجهك الكريم و اسمك العظيم أن تصلي على محمد و آل محمد. و أن تغفر لي ذنبي العظيم سبع مرات، قال: من قالها: انصرف و قد غفر له»
و في الذكرى أن محل هذا الدعاء السجدة الواقعة بعد السبع، و هو كما ترى، و كان مراده سجدة الشكر، لأن الظاهر تأخرها عن السبعة، كما عن المشهور التصريح به، ل
خبر حفص الجوهري(2)قال: «صلى بنا أبو الحسن (عليه السلام) صلاة المغرب فسجد سجدتي الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة، فقال: ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السبعة»
و مرسل رجاء السابق، لكن
روى جهم بن أبي جهم(3)قال: «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) و قد سجد بعد الثلاث ركعات من المغرب فقلت له: جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث، فقال: و رأيتني قلت: نعم، قال: فلا تدعها، فان الدعاء فيها مستجاب»
و له استحسن في الذكرى كلا من التقديم و التأخير، لكن لا ريب أن الثاني أولى لفتوى المشهور، و دلالة الأول على نفي الثاني،
ج7،
و احتمال الخبر المزبور سجدة مطلقة لا سجدة الشكر كما اعترف به في الذكرى و ان استبعده، نعم خبر ابن أبي الضحاك السابق صريح في أن الواقعة بعد الثلاث سجدة الشكر، إلا أنه و مع ذلك فتأخرها أولى، هذا.
و قد يوهم ظاهر المتن كغيره من العبارات بل و بعض الأخبار(1)تعين الجلوس في الوتيرة، و قد أشبعنا الكلام في ذلك، و في جواز الجلوس و نحوه في مطلق النافلة عند تعرض المصنف له في البحث عن الصلوات المسنونة، من أراده فليلاحظه هناك.
و كذا ظاهره خروج ركعتي الفجر عن صلاة الليل، بل قد يظهر منه أن صلاة الليل الثمان خاصة، بل الغالب في الأخبار و كلام الأصحاب إطلاقها على الثمانية أو الأحد عشر ركعة غير ركعتي الفجر، بل الأول هو معقد ما حكي من إجماع الخلاف و كشف اللثام و شرح المفاتيح و ظاهر الغنية و غيره، فضلا عن الشهرة في التذكرة، و نفي علم الخلاف في الذكرى، و إن كان الظاهر أن ذلك منهم في مساق بيان عدم زيادة نافلة الليل على ذلك، أو نقصانه مع ذكرهم بعد ذلك الشفع و الوتر و ركعتي الفجر، فتأمل.
لكن على كل حال قيل قد تطلق صلاة الليل كما في الصحيح و غيره(2)على الثلاثة عشر ركعة بدخول ركعتي الفجر المسماتين بالدساستين، ل
قولهم (عليهم السلام)(3): «دس بهما في صلاة الليل دسا»
و الأمر سهل بعد معلومية استحباب الجميع، و إن اختصت كثير من الأخبار المرغبة بصلاة الليل مثلا، لكن قد سمعت فيما سبق الإجماع عن خلاف الشيخ على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، و هو المحكي
ج7،
عن تصريح ابن بابويه و غيره، و هما المعنيان بقوله تعالى(1)«وَ إِدْبارَ النُّجُومِ» في الصحيحين(2)و المشهودتان لملائكة الليل و النهار كما في الخبر(3)و عن
النبي (صلى الله عليه و آله) «صلوهما و لو طردتكم الخيل»(4)
و
«انهما خير من الدنيا و ما فيها»(5)
و
روي «انه (صلى الله عليه و آله) لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه عليهما»(6)
و الوتر كما قيل أفضل من باقي صلاة الليل للاكتفاء به مع ركعتي الفجر، كما في
خبر معاوية بن وهب(7)عن الصادق (عليه السلام) «أ ما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلي ركعتي الفجر فيكتب له صلاة الليل»
و ل
قول الصادق (عليه السلام)(8): «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر»
ففضلها حينئذ على العكس من ترتيب فعلها، فلا يتوهم حينئذ من إطلاق صلاة الليل على الأحد عشر أو الثمانية اختصاصها بما ورد فيها مما تواترت به النصوص من فضل الصلاة الليل، و شدة طلبها، و الحث عليها، و الوصية بها، فضلا عن إجماع المسلمين، و ما دل عليه القرآن المبين، بل في الاعتبار بعد التأمل و التدبر ما يشهد لما في الآثار كما هو واضح لأولي الأبصار وضوح الشمس في رابعة النهار، نعم ركعتا الفجر مستقلة في الطلب لا يتوقف استحباب فعلها على فعل باقي صلاة الليل، بل الظاهر كون صلاة الوتر كذلك، كما
1) 1 سورة الطور- الآية 49.
2) 2 الوسائل- الباب- 33- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2 و 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد- الفرائض- الحديث 19.
4) 4 سنن أبي داود ج 2 ص 28 الرقم 1258.
5) 5 صحيح مسلم ج 2 ص 160.
6) 6 سنن أبى داود ج 2- ص 26- الرقم 1254.
7) 7 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
ج7،
يشهد له بعض النصوص(1)مع الأصل، بل لا يبعد ذلك في الثمانية و أبعاضها و بعض الوتر، وفاقا للعلامة الطباطبائي للأصل، و لتحقق الفصل المقتضي للتعدد، و لعدم وجوب إكمال النافلة بالشروع، و لأنها شرعت لتكميل الفرائض، فيكون لكل بعض قسط منه، فيصح الإتيان به وحده، و لذا أجاز الإتيان بنافلة النهار بدون الليل و بالعكس، و بنافلة كل من الصلوات الخمس مع ترك الباقي، و إن ذكر الجميع بعدد واحد في النص و الفتوى، إذ المنساق منه إلى الذهن عدم اشتراط الهيئة الاجتماعية في الصحة، كما يومي اليه الزيادة و النقصان في النصوص السابقة.
و من هنا تعرف البحث حينئذ في تبعيض صلاة الزوال و العصر و المغرب، إذ الجميع من واد واحد، و الاشكال بأن صلاة الليل مثلا عبادة واحدة فلا تتبعض سار في الكل، و دفعه بمنع الاتحاد الذي يمتنع معه التبعيض متجه في الجميع، و الجمع بالعدد كالثمان و الأربع مثلا هنا لا يقتضيه، فتأمل.
و تمام الكلام في صلاة الليل و في الأدعية و الآداب المتقدمة عليها و في أثنائها و بعدها و غير ذلك يطلب من الكتب المعدة لمثل ذلك، إلا أنه ينبغي أن لا نخلي كتابنا هذا من جملة منه، فنقول:
قال الباقر (عليه السلام) في الصحيح(2)«إذا قمت بالليل من منامك فقل: الحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده و أعبده، فإذا سمعت صوت الديوك فقال: سبوح قدوس رب الملائكة و الروح، سبقت رحمتك غضبك، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و ارحمني، انه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإذا قمت فانظر في آفاق السماء و قال: اللهم انه لا يوارى عنك ليل ساج، و لا سماء ذات أبراج، و لا أرض ذات مهاد، و لا ظلمات بعضها فوق بعض،
ج7،
و لا بحر لجي، تدلج بين يدي المدلج من خلقك، تعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور، غارت النجوم و نامت العيون، و أنت الحي القيوم، لا تأخذك سنة و لا نوم، سبحان رب العالمين، و إله المسلمين، و الحمد لله رب العالمين، ثم اقرأ خمس آيات من آخر آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ- إلى قوله- إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» ثم استك و توضأ، فإذا وضعت يدك في الماء فقال: بسم الله و بالله، اللهم اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقال: الحمد لله رب العالمين، فإذا قمت إلى صلاتك فقل:
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله و بالله و من الله و إلى الله و ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله، اللهم اجعلني من زوارك، و عمار مساجدك، و افتح لي باب توبتك، و أغلق عني باب معصيتك و كل معصية، الحمد لله الذي جعلني ممن يناجيه، اللهم أقبل علي بوجهك، جل ثناؤك، ثم افتتح الصلاة بالتكبير»
الحديث.
و يستحب أن يصلي أمام صلاة الليل ركعتين خفيفتين يقرأ في أولهما بقل هو الله أحد، و في ثانيهما قل يا أيها الكافرون، و يسميان بصلاة الورد و الافتتاح، و
عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1)انه كان يدعو بعدهما بالدعاء الذي أوله «اللهم إليك حنت قلوب المخبتين»
إلى آخره. و هو دعاء عجيب، و روى الشيخ(2)في المصباح عن علي بن الحسين (عليهما السلام) غيره، كما انه روى عنه (ع)(3)دعاء آخر أيضا في أثنائهما.
و يستحب أيضا أن يتوجه فيهما بالتكبيرات السبعة، و الأدعية الثلاثة، لأنها إحدى الصلوات الست أو السبعة بزيادة الوتيرة التي ينبغي فعل ذلك فيها، بل ربما قيل إن المشهور استحباب التوجه في كل فرض و نفل، نعم يتأكد في أول صلاة الليل
ج7،
و مفردة الوتر، و لا بأس به لظاهر النصوص(1)و شذ المرتضى في قصره ذلك على الفرائض فيما حكي عن محمدياته، كظاهر خلاف الشيخ، مع أن الموجود فيما حضرني من نسخته استحباب التوجه في الفرائض، و في سبعة مواضع من النافلة، بل ظاهره الإجماع فيها عليه، و كيفية التكبيرات و الدعاء بينها معلوم في محله، و الظاهر أن دعاء التوجه الذي هو أحد الثلاثة يكون بعد السبعة لا بينها، و إن أوهمته بعض العبارات، و لا بأس في قراءة
«يا محسن قد أتاك المسيء»
بعد السادسة و الخامسة، بل في مصابيح الطباطبائي الظاهر أن محله بعد الإقامة قبل التكبيرات، و الأمر سهل بعد الاكتفاء بنية القربة المطلقة، و يجوز الولاء في التكبيرات من غير دعاء، و القطع على الوتر من الواحدة إلى السبع، بل و على الشفع مع الإتيان بالأدعية ولاء، و بالأولين و لو مع التفريق و ان لم يكمل السبع، بل و غير ذلك لكن مع نية القربة المطلقة، و في المصابيح أن فيه وجهين، و لعله يريد مع ملاحظة نية الخصوصية، و الله أعلم.
و أما يقرأ في صلاة الليل فستعرف الكلام فيه عند تعرض المصنف له في بحث القراءة، كما أنك تعرف البحث في وقتها إن شاء الله كذلك، بل و البحث في الوتر انه الثلاث أو الواحدة، و في الفصل و الوصل.
ثم انه قد يستفاد من بعض النصوص كما عن الإسكافي التصريح به استحباب التفريق في صلاة الليل، كما كان يفرقها النبي (صلى الله عليه و آله) ففي
خبر معاوية بن وهب(2)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول و ذكر صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) قال: كان يأتي بطهور فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه، ثم ينام ما شاء الله، فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من آل عمران
ج7،
ثم يستن و يتطهر، ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال متى يرفع رأسه، و يسجد حتى يقال متى يرفع رأسه، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء، ثم يستن و يتطهر و يقوم إلى المسجد و يصلي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران، و يقلب بصره في السماء، ثم يستن و يتطهر و يقوم إلى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة»
و نحوه غيره(1)و ان لم يكن بتمام هذا التفريق، و احتمال اختصاص ذلك بالنبي (صلى الله عليه و آله) كما يلوح من الذكرى يدفعه أصالة الاشتراك، و الأمر بالتأسي، بل في
صحيح الحلبي(2)عن الصادق (عليه السلام) بعد ذكره التفريق عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»
مشيرا به إلى عدم الاختصاص، مضافا إلى ما في
صحيح زرارة(3)السابق «ان قويت فصلها كما كانت تصلي، إذ كما ليست في ساعة من ساعات النهار فليست في ساعة من ساعات الليل، إن الله عز و جل يقول وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ»
و
خبر ابن بكير(4)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «ما كان يحمد الرجل يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ثم ينام و يذهب»
إلى غير ذلك، و لا ينافيه ما دل(5)من الأخبار على جواز الصلاة دفعة واحدة في آخر الليل كما هو الغالب من أكثر الناس، إذ أقصاه الاذن في ذلك، و هو لا ينافي أفضلية التفريق، هذا.
1) 1 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث- 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 5 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث- 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
و لكن ستعرف فيما يأتي اتفاق كلمات الأصحاب على أفضلية فعلها في آخر الوقت على غيره، و تعرف أيضا تمام الكلام في هذه النصوص، و الله أعلم.
و يستحب أيضا الاستغفار في الوتر سبعين مرة، ينصب اليسرى و يعد باليمنى كما في النص(1)و ينبغي أن يكون استغفاره بأن يقول:
«أستغفر الله و أتوب إليه» كما فعله الصادق (عليه السلام)
و هل يعتبر فيه اللفظ الصريح، مثل أستغفره، و رب اغفر لي و غيرهما، لظاهر ذلك، لأنه المتبادر كالتسبيح و التحميد و التكبير التي معانيها ألفاظ مأخوذة منها، و
في الحسن(2)عن الصادق (عليه السلام) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يستغفر غداة كل يوم سبعين مرة، قلت: كيف كان يقول؟ قال: كان يقول: أستغفر الله سبعين مرة، و يقول: أتوب إلى الله أتوب إلى الله سبعين مرة»
هذا.
و لكن لا يخفى عليك عدم اعتبار العدد المخصوص و لا الكيفية و لا غيرها في وظيفة الاستغفار بالأسحار، بل و لا كونه في الوتر، لصدق الاسم و عموم اللفظ في الآية(3)و غيرها، فما ورد(4)من تفسير ذلك بالاستغفار سبعين مرة في صلاة الوتر محمول على الفرد الأكمل، و أما اعتبار المواظبة و الاستمرار فيه ففيه وجهان، من دلالة ظواهر الكتاب و السنة عليه، و من عدم تعقل الاشتراط بشرط لاحق لمشروط سابق، و الحق اعتبارهما في استحقاق مدح المستغفرين بالأسحار لا في استحباب الاستغفار في السحر، و إن كان الثاني من لوازم الأول، و عن
العياشي عن زرارة(5)قال أبو جعفر (عليه السلام): «من دام على صلاة الليل و الوتر و استغفر الله في كل وتر سبعين مرة و واظب
ج7،
على ذلك سنة كتب من المستغفرين بالأسحار»
و نحوه خبر أبي بصير(1)و صحيح عمر بن يزيد(2)في أن من واظب على ذلك في الوتر سنة كتب من المستغفرين بالأسحار، بل في المرسل(3)عن جنة الأمان أربعين ليلة، و الأولى في كيفية الاستغفار الإتيان باللفظ المأثور، و اتباع النقل الوارد فيه، إما في السحر كالاستغفار المنقول في صلاة الوتر و الوارد في تعقيب ركعتي الفجر، أو مطلقا نحو ما
روي في الصحيح(4)عن الصادق (عليه السلام) «من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار، فان قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاث مرات لم تكتب عليه»
و في
الخبر(5)عنه (عليه السلام) «ما من مؤمن يقارف في يومه و ليلته أربعين كبيرة فيقول و هو نادم: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم بديع السماوات و الأرض ذا الجلال و الإكرام، و أسأله أن يصلي على محمد و آل محمد، و أن يتوب علي» إلا غفرها الله عز و جل له، و لا خير فيمن يقارف في يومه و ليلته أكثر من ذلك».
و يستحب أن يقول في الوتر أيضا:
ما كان يقوله النبي (صلى الله عليه و آله)(6)«هذا مقام العائذ بك من النار سبع مرات»
و
علي بن الحسين (عليهما السلام)(7)«العفو العفو ثلاثمائة مرة»
و الدعاء فيه بالمأثور، قيل و لأربعين مؤمنا و أزيد قبل الدعاء لنفسه، بل قيل: و الأولى كونهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، و يزيد عليهم ما شاء، و لم نقف على خبر بالخصوص في الأخير، كما أن الذي عثرنا عليه مطلق استحباب الدعاء للأربعين قبل دعائه لنفسه كي يستجاب له
1) 1 المستدرك- الباب- 8- من أبواب القنوت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 المستدرك- الباب- 8- من أبواب القنوت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 85- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.
5) 5 الوسائل- الباب- 47- من أبواب جهاد النفس- الحديث 3 من كتاب الجهاد.
6) 6 الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
لا في خصوص الوتر، إلا أنه لما كان هذا لطلب العفو و الرحمة و غيرهما استحق ذكر كل ما له مدخلية في استجابة الدعاء، بل قد يقال إن اشتهار ذلك بين الأصحاب فتوى و عملا لا يكون إلا عن نص و إن لم يصل إلينا، و لعله للاستغناء بهذه الشهرة عنه كما هو الشأن في كل إجماع لا نص فيه، فالأمر سهل و إن لم نقف فيه على نص، نعم ورد(1)أنه يدعو فيه على من يشاء من أعدائه و يسميهم بأسمائهم، و أن يقول: إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر ما عن
أبي الحسن الأول (عليه السلام)(2): «هذا مقام من حسناته نعمة منك، و شكره ضعيف، و ذنبه عظيم، و ليس لذلك إلا رفقك و رحمتك، فإنك قلت في كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل صلواتك عليه و آله «كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»(3)طال هجوعي و قل قيامي، و هذا السحر و أنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يجد لنفسه ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا و لا نشورا، ثم يخر ساجدا»
و أن يقول إذا انصرف من الوتر أيضا ما
عن أبي جعفر (عليه السلام)(4)«سبحان ربي الملك القدوس العزيز الحكيم ثلاث مرات، ثم يقول:
يا حي يا قيوم يا بر يا رحيم يا غني يا كريم ارزقني من التجارة أعظمها فضلا، و أوسعها رزقا، و خيرها لي عاقبة، فإنه لا خير فيما لا عاقبة له»
و غير ذلك مما هو معلوم بملاحظة الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام).
و كذا
المدسوسة في صلاة الليل باضطجاعه على الجانب الأيمن، و يقرأ الخمس آيات من آخر آل عمران، و يدعو بالمأثور، أو بسجدة كما هو مقتضى الجمع بين النصوص، لكن في الذكرى قال الأصحاب:
ج7،
و يجوز بدل الضجعة السجدة و المشي و الكلام، إلا أن الضجعة أفضل، و هو متجه في غير السجدة، و
قال الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد(1): «ان خفت السهرة في التكأة فقد يجزيك أن تضع يدك على الأرض و لا تضطجع، و أومأ بأطراف أصابعه من كفه اليمنى فوضعها في الأرض قليلا».
و يستحب أيضا بينهما الصلاة على محمد و آله مائة مرة، و أن يقول: «سبحان ربي العظيم و بحمده أستغفر الله و أتوب إليه» مائة مرة، و قراءة الإخلاص أحد عشر مرة، فإن من قرأها كذلك لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب و إن رغم أنف الشيطان، و من قرأها أحد و عشرين بنى الله له بيتا في الجنة، و من قرأها أربعين غفر الله له و يكره النوم بين صلاة الليل و الفجر كما عن الشيخ و الفاضلين القطع بها، لخبر ابن بكير السابق(2)و ل
قول أبي الحسن الأخير (عليه السلام) في خبر المروزي(3)«إياك و النوم بين صلاة الليل و الفجر، و لكن ضجعة بلا نوم، فان صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته»
لكن الظاهر ان ذلك حيث يكون إتمامه صلاته قريبا من الفجر، أما إذا قدمها قريبا من نصف الليل فلا، و لعله عليه ينزل
خبر زرارة(4)عن الباقر (عليه السلام) «انما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثم إن شاء جلس و إن شاء نام و إن شاء ذهب حيث شاء»
و في الوسائل انه يدل على الجواز و ما سبق على الكراهة، فلا منافاة، و مقتضاه ثبوت الكراهة مطلقا، و فيه صعوبة، بل لعله ينافيه
خبر زرارة(5)عن الباقر (عليه السلام)
1) 1 الوسائل- الباب- 33- من أبواب التعقيب- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 35- من أبواب التعقيب- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 35- من أبواب التعقيب- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 51- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
ج7،
«إني لأصلي صلاة الليل و أفرغ من صلاتي و أصلي الركعتين فأنام ما شاء الله قبل أن يطلع الفجر، فان استيقظت عند الفجر أعدتهما»
أي الركعتين و الله أعلم.
و كيف كان فقد ظهر لك مما مر تأكد هذه النوافل، و انه لا ينبغي تركها على حال، لكن في الذكرى قد تترك النافلة لعذر، و منه الهم و الغم ل
رواية علي بن أسباط(1)عن عدة منا «ان الكاظم (عليه السلام) كان إذا اهتم ترك النافلة»
و عن معمر بن خلاد(2)عن الرضا (عليه السلام) مثله، قال في المدارك: و في الروايتين قصور من حيث السند، و الأولى أن لا تترك النافلة بحال، للحث الأكيد عليها في النصوص المعتمدة، و
قول أبي جعفر (عليه السلام)(3): «ان تارك هذا- يعني النافلة- ليس بكافر، و لكنها معصية، لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملا من خير أن يدوم عليه»
و
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان(4)الوارد فيمن فاته شيء من النوافل: «إن كان شغله في طلب معيشة لا بد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه، و ان كان شغله لدنيا يتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، و إلا لقي الله عز و جل و هو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله (صلى الله عليه و آله)»
و نحوه في الذخيرة، و فيه انه قد يجمع بين النصوص بإرادة الترك أداء و قضاء من الأخيرين كما يشعر به الصحيح الثاني، و الأداء خاصة من الأولين، و ربما يؤيده الاعتبار، ضرورة انه مع حصول الهم و الغم لا إقبال له بحيث يكون بين يدي ربه و يخاطبه، فتأمل جيدا.
ثم لا يخفى ان ظاهر ما سمعته من الأخبار السابقة بل و الفتاوى أن تمام النوافل في الليل و النهار إحدى و خمسون ركعة بمعنى هي التي يستحب مؤكدا فعلها في كل
ج7،
يوم و ليلة في الأوقات المخصوصة، لا التي يتفق عروض استحبابها في خصوص بعض الأيام أو الليالي أو لبعض العوارض أولا وقت مخصوص لها أصلا، و مع ذلك كله فالظاهر إرادة النوافل المتعارفة المستعملة من ذلك، و إلا فالمستفاد من النصوص أزيد من ذلك كما لا يخفى على المتصفح لها.
و منها ما ذكره غير واحد من الأصحاب الركعتان المسماتان بركعتي الغفيلة اللتان تصليان بين المغرب و العشاء، ففي
خبر هشام بن سالم(1)عن الصادق (عليه السلام) المروي في مصباح الشيخ و فلاح السائل «من صلى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الأولى الحمد، و قوله تعالى: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً إلى الْمُؤْمِنِينَ»(2)و في الثانية الحمد و «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ»(3)إلى آخر الآية. فإذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: «اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها غيرك أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا- و تقول-: أنت ولي نعمتي و القادر على طلبتي و تعلم حاجتي أسألك بمحمد و آله عليه و عليهم السلام لما قضيتها لي» و سأل الله حاجته أعطاه الله ما سأل» مع زيادة في الثاني «لا تتركوا ركعتي الغفيلة و هما ما بين العشاءين»
و في
خبر وهب و السكوني(4)عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): تنفلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين، فإنهما يورثان دار الكرامة، قيل: يا رسول الله و ما ساعة الغفلة؟ قال: ما بين المغرب و العشاء»
و
عن ابن طاوس روايته كذلك بزيادة «قيل: يا رسول الله و ما معنى خفيفتين؟
قال: يقرأ فيهما الحمد وحدها»
مضافا إلى ما ورد في هذه الساعة مما يناسب الصلاة
ج7،
فيها، ف
عن الباقر (عليه السلام)(1)«إن إبليس لعنه الله انما يبث جنوده جنود الليل من حين مغيب الشمس إلى حين مغيب الشفق، و يبث جنود النهار من حين مطلع الفجر إلى طلوع الشمس، و عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه كان يقول: أكثروا من ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين، و تعوذوا بالله عز و جل من شر إبليس لعنه الله و جنوده، و عوذوا صبيانكم فيهما، فإنهما ساعتا غفلة»
و
عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى(2)«وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها» ان كان دخول كان فيما بين المغرب و العشاء(3)
إلى غير ذلك.
و ظاهر الذكرى ان ركعتي الغفيلة غير الركعتين اللتين يقرأ فيهما الآيتان السابقتان، قال فيها: «السادس عشر يستحب ركعتان ساعة الغفلة، و قد رواها الشيخ بسنده عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام)- و ذكر خبر السكوني السابق ثم قال-: و يستحب أيضا بين المغرب و العشاء ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد و وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً إلى آخر ما سمعت» و لعل الذي دعاه إلى ذلك اعتبار قراءة الآيتين في أحدهما، و اعتبار الخفة المفسرة بقراءة الحمد وحدها في الآخر، و فيه أولا أن ظاهر «لو» الوصلية في خبر السكوني عدم اعتبار الخفة شرطا كي ينافي اعتبار قراءة الآية، بل أقصاه الاذن في تركهما، بل ظاهره انه الفرد الأدنى. و ثانيا أنه قد يراد بالوحدة في تفسير الخفة عدم قراءة سورة أخرى لا مطلق غير الحمد و لو آية. و ثالثا أن الزيادة التي سمعتها في الفلاح كالصريحة في الاتحاد، ضرورة بعد احتمال إرادة النهي عن ترك ركعتي الغفيلة في حد ذاتهما، لا أن المراد الإشارة إلى الركعتين السابقتين. و رابعا أنه قد يكون من
ج7،
ثمراتهما قضاء الحاجة و إن استحبا للوقت أيضا. و خامسا أنه لا دلالة في النصوص على التعدد، إذ أقصى الحاصل منها الأمر بركعتين في ساعة الغفلة، و الأمر بركعتين ما بين المغرب و العشاء يقرأ فيهما كذا، و الغرض أن ما بينهما ساعة الغفلة، فأصالة البراءة و عدم التعدد تقضي باتحاد المراد منهما، و لا ظهور في اللفظ كي يقطعها، بل قد عرفت الظهور بخلافه، إذ الظهور انما يسلم لو كان الأمران من أمر واحد، أما مع تعدده و احتمال إرادة الثاني منهما إبلاغ ما أبلغه الأول منهما فلا.
و قد يقال: إن ذلك كله فيما لو كان الأمران مطلقين أو مقيدين بقيدين متساويين، أما إذا كان أحدهما مطلقا و الآخر مقيدا كما في المقام لو تنزلنا عن دعوى تقييد الآخر منهما أيضا بقيد ينافي القيد الآخر على وجه يستلزم التعدد فهو من المسألة المعروفة، أي وجوب حمل المطلق في المندوبات على المقيد، و لعل التحقيق عدم الحمل، لعدم ظهور الوحدة المقتضية للتنافي الموجب للحمل و إلغاء أحد الدليلين. و دعوى الفهم العرفي ممنوعة، فالحق حينئذ مع الشهيد في التعدد المذكور، و يؤيده ظهور الخبر المزبور في كون الركعتين ذات الآيتين للحاجة لا لساعة الغفلة، مضافا إلى التسامح في السنن، و يدفعه بعد الإغضاء عن حمله(1)منه ظهور خبر ذات الآيتين على ما عن فلاح ابن طاوس في أنهما ركعتا الغفيلة.
و منه يعرف ما في إنكار ركعتي الغفيلة كما عن الأستاذ الأكبر حكاية عن بعضهم، و حمل جميع ما جاء فيها من النصوص على إرادة التأكيد و الحث على نافلة المغرب، لا أن المراد ركعتان غيرهما، ضرورة عدم رجحان قراءة الآيتين في نافلة المغرب، لخلو النصوص و الفتاوى عنها، بل الموجود فيهما قراءة غير ذلك من السور
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و بهامشها« عن جملة».
ج7،
كما لا يخفى على من لاحظهما، فاحتمال إرادة نافلة المغرب من ذلك خصوصا خبر ذات الآيتين في غاية الضعف، و إن كان ربما يؤيده ما سمعته من الأخبار المشتملة على عدد ما يصليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) مما هو ظاهر أو صريح في عدد لا يندرج فيه الركعتان المزبورتان، و احتمال عدم فعلهم (عليهم السلام) لها يدفعه أنهم أولى من غيرهم بما يأمرون به، و يحثون عليه، و ينهون عن تركه، بل قد يؤيده أيضا حرمة التطوع في وقت الفريضة إلا الرواتب، إذ لا ريب كما قيل في خروج وقت المغرب بالفراغ منها مع نافلتها لو فعلت بتؤدة(1)و دخول وقت العشاء بذهاب الشفق حينئذ، بل لو سلم عدم ذهابه إلا أنه لا إشكال عندنا في جواز إيقاع صلاة العشاء قبل، لتظافر الأخبار(2)بدخول وقت المغرب و العشاء بغروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، قصارى ما هناك خروج راتبة المغرب دون غيرها، فصلاة الغفيلة فيه حينئذ تطوع في وقت الفريضة، و فيه أولا أن الظاهر كون المراد بالنصوص السابقة بيان تمام ما يقع منه من الرواتب المعروفة المشهورة التي لها تعلق بالفرائض لا حصر جميع ما يقع منهم من الصلاة، و كيف و قد ورد(3)عنهم أنهم (عليهم السلام) يصلون في اليوم و الليلة ألف ركعة. و ثانيا ما قيل من أن اسم الوقت إذا أطلق فإنما يراد ما ضرب لها وحدت به في الاختيار من غيبوبة الشفق لا ما رخص فيه لذوي الأعذار و إن خفت أو في الأسفار، و الذي دل على دخول وقت الثانية بالفراغ من الأولى انما جاء في الثاني دون لأول ردا على أهل الخلاف في منعهم من الجمع ردا على الله و رسوله (صلى الله بثقل «مجمع البحرين»
ج7،
عليه و آله) و لذلك تظافرت النصوص به، لأن(1)ذلك هو الوقت الموظف لها بحيث يحرم فيه التطوع، فتأمل جيدا. و ثالثا أنه كما خرجت الرواتب بالدليل فكذا الغفيلة، لتظافر النصوص باستحبابها.
انما البحث حينئذ في المراد بقول (عليه السلام): «ما بين المغرب و العشاء» فهل هو فعلهما، فتصح حينئذ و إن وقعت بعد أن يذهب الشفق، أو وقت فضيلتهما، فلا تصح حينئذ إلا قبل ذهابه؟ فيشكل حينئذ بأنه لا يتسع لهما و لنافلة المغرب و الفريضة، خصوصا إذا صلى الأخيران بتؤدة، و قد يقال إن الظاهر الأول لكن لا على أن المراد الجواز و إن اتفق تأخير العشاء إلى آخر وقت الاجزاء، بل هو مبني على الغالب من عاداتهم قديما من أنهم كانوا إذا فرغوا من المغرب و نافلتها انفضوا إلى منازلهم حتى إذا ذهب الشفق و نادى المؤذن بالصلاة أقبل الناس يتسارعون، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) يرغب في تأخيرها في الجملة مراعاة للناس لاشتغالهم بالعشاء و قضاء الحاجة و تجديد الطهارة و الاستراحة و نحو ذلك، و يمكث (صلى الله عليه و آله) كيما يفرغوا و يجتمعوا حتى نادى جفاتهم نام الناس و الصبيان.
فمن المحتمل انه (صلى الله عليه و آله) ندبهم إلى التطوع في هذا الوقت بهذه الصلاة و غيرها، كصلاة الوصية التي رواها
الشيخ في مصباحه(2)عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: أوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد و إذا زلزلت ثلاث عشرة مرة، و في الثانية الحمد و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، فإن من فعل ذلك كل شهر كان من المتقين، فان فعل كل سنة مرة كتب من المحسنين، فان فعل في كل جمعة مرة كتب من المصلين، فان فعل ذلك في كل
ج7،
ليلة زاحمني في الجنة، و لم يحص ثوابه إلا الله»
و كركعتين أخريين
رواهما(1)هو فيه أيضا «يقرأ في الأولى منهما الحمد و عشر آيات من أول البقرة و آية السخرة وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ إلى قوله يَعْقِلُونَ، و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، و في الثانية الحمد و آية الكرسي و آخر سورة البقرة لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ إلى آخرها، و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، و يدعو بعدها بما أحب، ثم يقول- إلى آخره- و يقول عشر مرات أستجير بالله من النار، و عشر مرات أسأل الله الجنة، و عشر مرات أسأل الله الحور العين»
و
كأربع ركعات أخر هو رواها(2)فيه أيضا «يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و خمسين مرة قل هو الله أحد» قال: «روي أن من فعل ذلك انفتل من صلاته و ليس بينه و بين الله تعالى ذنب إلا و قد غفر له»
و كعشر ركعات هو
رواها(3)فيه أيضا «يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و قل هو الله أحد مرة قبل أن يتكلم إذا فرغ من نوافل المغرب، فإنه يعدل عتق عشر رقاب»
إلى غير ذلك مما هو لأجل تأخير العشاء و عدم الغفلة و النوم قبل صلاتها.
بل قد يستفاد من قوله (صلى الله عليه و آله): «و لو بركعتين خفيفتين» استحباب ما يتمكن من النوافل كما صرح به في المصباح أيضا، و إلا لو أريد بما بين العشاءين الوقت لم يسع لذلك كله قطعا، بل و لا أكثره، و قد يناقش بأن فعل ذلك كله لا يسعه ما تعارف من الفصل بين الفريضتين أيضا و لو بعد ذهاب الشفق في الجملة، بل هو يقضي بتأخير العشاء إلى غير المتعارف قطعا، خصوصا إذا فعل مع ذلك ما رواه الشيخ(4)في كيفية أداء الراتبة و ما يقال فيها و قبلها و بعدها، و من الغريب أنه هو
ج7،
رحمه الله قال بعد أن روى ذلك كله: «فإذا غاب الشفق فأذن للعشاء الآخرة» إلى آخره. و ظاهره إيقاع ذلك كله قبل ذهاب الشفق، و قد عرفت أنه لا يسعه الأول فضلا عن الثاني، اللهم إلا أن يريد بالأذان بعد غيبوبة الشفق و لو مع فاصل طويل لا ابتداء غيبوبته، و يدفع بأن ذلك وارد على الغالب في عادة الناس من عدم فعل الجميع، بل الأوحدي منهم انما يفعل البعض، فهو نظير ما ورد من المستحبات في الليل و النهار مما يقطع الواقف عليها بعدم سعتهما له، و لا مخلص منه إلا بما ذكرنا، أو يدفع بالتزام تأخير العشاء إلى مضي الثلث من الليل كما هو المحكي عن فعل الرضا (عليه السلام)، و الله أعلم، و لقد طال بنا الخطاب حتى خرجنا عما عزمنا عليه من وضع الكتاب، و الإنسان ذو شؤون، و الحديث ذو شجون.
و كيف كان فظاهر تقييد المصنف العدد المذكور بالحضر أنها ليست كذلك في غيره، و هو كذلك، إذ تسقط في السفر نوافل الظهر و العصر بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل في صريح الروضة و ظاهر السرائر أو صريحها و عن الخلاف و غيره الإجماع عليه، كظاهر الذكرى و عن المعتبر و المنتهى، بل و الأمالي حيث نسبه إلى دين الإمامية، و هو الحجة، مضافا إلى النصوص المعتبرة المستفيضة المروية في الكتب الأربع و غيرها، فمنها
خبر أبي بصير(1)عن الصادق (عليه السلام) «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب، فان بعدها أربع ركعات، لا تدعهن في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صل صلاة الليل و اقضه»
و نحوه غيره(2)بل في
خبر أبي يحيى الحناط(3)النص على نافلة النهار، قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: يا بني لو صلحت النافلة بالنهار
ج7،
في السفر تمت الفريضة»
ك
صحيح ابن مسلم(1)عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال: لا تصل قبل الركعتين و لا بعدهما شيئا نهارا»
إلى غير ذلك من النصوص، لكن ظاهر بعضها إن لم يكن صريحه اختصاص ذلك بنوافل النهار، و إن كان في اندراج مثل الأربعة الزائدة يوم الجمعة فيها نظر و تأمل كما عن الحواشي المنسوبة إلى الشهيد من الإطلاق، و من احتمال انصرافه إلى غيرها، و لعل الظاهر من الأخبار الأول، فتأمل.
و على كل حال فظاهر الأدلة نافلة النهار دون نافلة الليل و الفجر المدسوسة بها، و هو كذلك بلا خلاف أجده فيه فيما عدا الوتيرة، بل قد سمعت التصريح في خبر أبي بصير السابق بعدم سقوط نافلة المغرب، و النهي عن تركها سفرا و حضرا، و نحوه غيره كخبر الحرث بن المغيرة(2)و خبر سماعة(3)و خبر أبي الحرث(4)و غيرها(5)بل في
خبر رجاء بن أبي الضحاك(6)عن الرضا (عليه السلام) التصريح بعدم سقوط غيرها أيضا، قال: «كان في السفر يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب، فإنه كان يصليها ثلاثا، و كان لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر، و كان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئا»
و في
خبر آخر(7)«كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر و لا حضر»
إلى غير ذلك من النصوص التي لا فائدة في ذكرها، إذ قد عرفت أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم سقوط نافلة المغرب و الليل و الفجر.
1) 1 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض.
6) 6 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
7) 7 الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
ج7،
و لكن الكلام في الوتيرة خاصة من نوافل الليل، فالمشهور كما حكاه غير واحد السقوط، بل في الرياض انها شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن المنتهى نسبته إلى ظاهر علمائنا مشعرا بالإجماع عليه، كظاهر الغنية، بل هو صريح السرائر، لإطلاق
بعض النصوص(1)«ان الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء»
مع اقتصار آخر(2)على استثناء المغرب خاصة، فإن بعدها أربع ركعات، و لإشعار خبر أبي يحيى الحناط المتقدم باستلزام مشروعية النافلة الإتمام، بل أوضح منه إشعار
خبر الفضل بن شاذان(3)المشتمل على العلل التي سمعها من الرضا (عليه السلام)، قال فيه:
«انما قصرت الصلاة في السفر لأن الصلاة المفروضة أولا انما هي عشر ركعات، و السبع انما زيدت فيها، فخفف الله عز و جل عن العبد تلك الزيادة لموضع سفره و تعبه و نصبه و اشتغاله بأمر نفسه و ظعنه و إقامته لئلا يشتغل عما لا بد منه من معيشته، رحمة من الله عز و جل، و تعطفا عليه إلا صلاة المغرب، فإنها لم تقصر، لأنها صلاة مقصرة في الأصل، قال: و انما ترك تطوع النهار و لم يترك تطوع الليل لأن كل صلاة لا يقصر فيها فلا يقصر فيما بعدها من التطوع، و كذلك الغداة لا تقصير فيها فلا تقصير فيما قبلها من التطوع»
بل و أوضح منهما إشعارا
مرسل ابن مهزيار(4)المروي عن المحاسن عن الصادق (عليه السلام) «ما بال صلاة المغرب لم يقصر فيها رسول الله (صلى الله عليه و آله) في السفر و الحضر و لا في نافلتها؟ فقال: لأن الصلاة كانت ركعتين ركعتين فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى كل ركعتين ركعتين، و وضعهما عن المسافر، و أقر المغرب على وجهها في السفر و الحضر، و لم يقصر في ركعتي الفجر أن يكون تمام الصلاة سبع عشرة ركعة في السفر و الحضر»
بل يؤيد ذلك كله تعارف
ج7،
السؤال عن عدم سقوط نافلة المغرب دونها، و لو أنها غير ساقطة لكانت كذلك، بل هي أولى لقصر فريضتها.
مع أنه لم يقع السؤال عنها إلا في
خبر الفضل بن شاذان(1)عن الرضا (عليه السلام) «انما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنهما زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتان من التطوع»
و منه لخصوصيته و تعليله و اعتباره سنده- إذ ليس فيه إلا عبد الواحد و علي بن محمد، و هما كما قيل شيخا إجازة، و من الأصل و الإطلاق و
الرضوي(2)«و النوافل في السفر أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس»
إلى آخره. و خبر ابن الضحاك(3)المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) المشتمل على أحكام كثيرة مفتى بها عند الفقهاء كما قيل، و منها أنه كان يصلي الوتيرة في السفر، و التسامح في السنن، و تقييد بعض النصوص الساقط من النافلة بالنهار(4)و اشتمال آخر(5)على الأمر بصلاة الليل و قضائها مقابل صلاة النهار مما يشعر بإرادة مطلق ما يصلى بالليل لا خصوص الثلاثة عشر، و ظهور الأخبار السابقة في أن الساقط انما هو الراتب، و الوتيرة ليست منها، بل زيدت إما لتدارك الوتر كما دلت عليه بعض النصوص(6)أو لإكمال العدد كما دل عليه آخر(7)مما عرفته سابقا، فلا دلالة حينئذ في أكثر الأخبار السابقة إن لم يكن جميعها، كما أنه
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
2) 2 فقه الرضا عليه السلام ص 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8 لكن رواه في الوسائل عن ابن أبي الضحاك و هو الصحيح كما تقدم في ص 45.
4) 4 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.
6) 6 الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
ج7،
قد يقال بعدم دلالة الإطلاق السابق أيضا بعد ظهوره بملاحظة غيره من الأخبار في إرادة الظهرين من صلاة السفر التي نفي الشيء قبلها و بعدها، بل ربما يجزم به باعتبار أن صلاة العشاء قبلها نافلة المغرب، اللهم إلا أن يراد ليس قبلها لها، فتأمل. و إجماع السرائر ممنوع عليه كما عن كشف الرموز، و معارض بمثله كما ستعرف- كان ظاهر جماعة الترد في الحكم، بل هو صريح آخر، بل عن الشيخ في النهاية و أبي العباس في المهذب التصريح بعدم سقوطها، بل عن الخلاف لا تسقط عن المسافر نوافل الليل إجماعا، بل عن الأمالي من دين الإمامية انه لا يسقط من نوافل الليل شيء و قواه الشهيدان في الذكرى و الروضة، بل مال إليه في الذخيرة، و استجوده في المدارك لولا ضعف خبر ابن أبي الضحاك السابق بعبد الواحد و علي بن محمد كما عن شيخه ذلك أيضا لكن قال: لولا الإجماع.
و فيه أن الخبر الأول قاصر عن معارضة ما سمعته من الأدلة السابقة من وجوه، منها إعراض الأكثر عنه بل الجميع إلا النادر، بل قيل: إن الشيخ قد رجع عنه في جملة من كتبه كالحائريات و الجمل و العقود و المبسوط، و الشهيد و إن قواه في الذكرى لكن قال: إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه مشعرا بنوع تردد فيه، مع أن ظاهر عبارته في اللمعة و الدروس القول بالسقوط، مضافا إلى ما سمعته من دعوى الإجماع صريحا و ظاهرا التي يشهد لها التتبع، فمنه الآبي لها في غير محله، كمعارضتها بدعوى الإجماع من الخلاف و الأمالي الموهونة بذهاب المشهور، و أي شهرة نقلا و تحصيلا إلى السقوط، فهي أولى بالمنع، مع الإغضاء عن إفادة عبارة الأمالي الإجماع، بل قد يدعى عدم اندراج الوتيرة في نوافل الليل التي هي المعقد كعبارة الخلاف، بل هي أولى، إذ هي أضعف منها عموما و خصوصا، مع دعوى الإجماع فيها التي يبعد إرادته لما يشملها،
ج7،
كيف و مظنة الإجماع العكس.
و منها القصور في السند بعبد الواحد و علي الذين لم ينص على توثيقهما، و كونهما شيخي إجازة لا يستلزمها، كالقول بأن الحكم مستحب يتسامح فيه، فلا بأس بالقصور المزبور، ضرورة منع التسامح في المقام كما في الرياض، قال: «لأن الظاهر من السقوط في النصوص و الفتاوى الحرمة، بل صريح كتابي الحديث للشيخ عدم الاستحباب، فيكون تشريعا محرما، و التسامح المزبور عند من يقول به حيث لا يحتمل التحريم، و إلا فلا تسامح قولا واحدا، و ليس في النصوص(1)الدالة على تسويغ قضاء النوافل النهارية في الليل دلالة على مشروعيتها نهارا حتى تجعل دليلا، على أن المراد بالسقوط حيث يطلق الرخصة في الترك و رفع تأكد الاستحباب، و لو سلمت فهي معارضة ببعض الروايات(2)السابقة الدالة على عدم صلاحية النافلة في السفر كعدم صلاحية الفريضة، و عدم الصلاح يرادف الفساد لغة بل و عرفا مع شهادة المساق بذلك» و هو و إن كان جيدا إلا أنه قد يناقش بأن الذي يمنع جريان التسامح هو احتمال الحرمة الغير التشريعية لا هي، و إلا فلا ينفك المستحب المتسامح فيه عن احتمالها الذي لا يلتفت اليه بعد
عموم «من بلغه»(3)
و غيره من أدلة التسامح، بل يمكن منع أصل التشريع بعد فرض أن العبد جاء به لاحتمال انه مراد للسيد، فتأمل. اللهم إلا أن يدعى ظهور النصوص و الفتاوى في غير الحرمة التشريعية هنا، أو يفرق بين التشريعية التي منشأها عدم الدليل المعتبر على المشروعية مثلا مع قطع النظر عن دليل التسامح، و بين التشريعية التي منشأها مخالفة النهي عن الفعل كصلاة الحائض و نحوها، و ما نحن فيه من الثاني لا الأول.
ج7،
و أما خبر ابن أبي الضحاك فلم أجد ذلك فيه فيما حضرني من نسخة العيون، بل الموجود خلافه، و الرضوي ليس بحجة عندنا.
و التقييد بالنهار في النصوص السابقة- مع أنه في كلام السائل في البعض، و في آخر في كلام الامام (عليه السلام) تبعا للسائل، و مبني على حجية مثله، و عمومه قابل للتخصيص أو التقييد بما عرفته من الأدلة كالأصل و الإطلاق السابقين، و كون الحكمة في الوتيرة التدارك أو الإكمال- لا ينافي كونها من الرواتب، خصوصا بعد ذكر النصوص و الفتاوى لها في ضمنها و إدراجها إياها فيها حتى صارت بسببها الصلاة إحدى و خمسين، على أنه لا يعارض الدليل الخاص على سقوطها من الإجماع و غيره مما عرفت، و بذلك كله ظهر لك ما في أدلة عدم السقوط، و أن الأولى خلافه، و من هنا قال المصنف على الأظهر و الله أعلم.
ثم ان ظاهر المصنف كغيره سقوط النوافل المزبورة حتى في الأماكن الأربعة، و فيه نظر إذا اختار المكلف إيقاع فرائضه على وجه التمام الذي هو مستلزم لصلاحية الإتيان بالنافلة، بل لعل من التمام صحة فعلها، و لذا صرح بعضهم كالشهيد و غيره بعدم السقوط حينئذ، بل عن الشيخ نجيب الدين بن نما عن شيخه ابن إدريس أنه لا فرق بين أن يتم الفريضة أولا، و لا بين أن يصلي الفريضة خارجا عنها و النافلة فيها أو يصليهما معا فيها، و لعله لما أشرنا إليه من تبعيتها لصلاحية الإتمام في الفريضة لا لوقوعه منه، كما يومي اليه خبر الحناط(1)المتقدم، فما في المدارك و غيره- من أنه مشكل إذا صلى الفريضة خارجا عنها خصوصا مع تأخر النافلة أو مع تقدمها إذا كان من نيته صلاة الفريضة خارجا عنها- قد يدفع بما عرفت، فتأمل.
و من ذلك تعرف أن الظاهر عدم سقوط النافلة عن المسافر الذي هو بحكم الحاضر
1) 1 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
ج7،
ككثير السفر و نحوه، بل في ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع عليه، لما سمعت من أن صلاحية النافلة يتبع صلاحية الإتمام، كما أن سقوطها يتبع تعين القصر حتى إذا لم يكن مسافرا، كما إذا صلى قصرا للخوف، و به صرح في الدروس(1).
و كذا تعرف أيضا عدم سقوط النافلة عمن دخل وقتها عليه و هو حاضر و إن كان من نيته السفر بعدها و الصلاة قصرا في الطريق، و ربما يومي اليه في الجملة
الموثق(2)عن الصادق (عليه السلام) «سئل عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله ثم يخرج في سفر فقال: يبدأ فيصليها، ثم يصلي الأولى بتقصير ركعتين»
الحديث. هذا.
و ظاهر الفتاوى و كثير من النصوص السابقة أيضا سقوط ما عرفت من النوافل أداء، و لا ملازمة بينه و بين القضاء حتى لو كان الأداء محرما، إذ هو بفرض جديد كصوم الحائض، نعم ظاهر خبر سيف التمار(3)عن الصادق (عليه السلام) سقوطه أيضا كالأداء، قال: «قال بعض أصحابنا: إنا كنا نقضي صلاة النهار إذا نزلنا بين المغرب و العشاء الآخرة، فقال: لا، الله أعلم بعباده حين رخص لهم، انما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما و لا بعدهما شيء إلا صلاة الليل على بعيرك حيث توجه بك» ك
خبر العامري(4)عن أبي جعفر (عليه السلام) «و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صل صلاة الليل و اقضه»
1) 1 نظر فيه و لم يصرح بالسقوط منه رحمه الله.
2) 2 الوسائل- الباب- 23- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1 و في الوسائل« يبدأ بالزوال فيصليها».
3) 3 الوسائل- الباب- 22- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7 لكن رواه عن أبي بصير و لم نعثر على خبر العامري بهذا المضمون.
5) 5 الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
6) 6 الوسائل- الباب- 26- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
ج7،
و المراد منه نفي الاستحباب لا نفي الوجوب قطعا، و في
خبر ابن حنظلة(1)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إني سألتك عن قضاء صلاة النهار بالليل في السفر فقلت: لا تقضها، و سألك أصحابنا فقلت: اقضوا، فقال: أ فأقول لهم:
لا تصلوا؟ و إني أكره أن أقول لهم: لا تصلوا، و الله ما ذاك عليهم»
و في
خبر حنان ابن سدير(2)قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يقضي في السفر نوافل النهار بالليل، و لا يتم صلاة فريضة»
و
معاوية بن عمار(3)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقضي صلاة النهار بالليل في السفر فقال: نعم، قال إسماعيل بن جابر: أقضي صلاة النهار بالليل في السفر فقال: لا، فقال: إنك قلت: نعم، فقال: إن ذلك يطيق و أنت لا تطيق».
و ربما جمع بين هذه الأخبار بأنه لا إثم في القضاء و إن لم يكن مسنونا، و هو كما ترى، أو بالحمل على نفي التأكيد، أو بأن المراد بعد حمل خبر ابن سدير على الإنكار أنه لو صلوها بنية القضاء كانت نفلا مطلقا إذا لم يكن القضاء مشروعا، فلعل الامام (عليه السلام) لم ينههم عن ذلك لذلك، كما أومأ إليه في خبر ابن حنظلة السابق، فتأمل جيدا.
و النوافل كلها موقتها و غير موقتها ركعتان بتشهد و تسليم بعدهما إلا ما ستعرف مما قام عليه الدليل، ضرورة أن كيفية العبادة توقيفية كأصلها، و الثابت من فعلهم و قولهم: (عليهم السلام) إنها ركعتان، ففي
خبر أبي بصير(4)المروي في كتاب حريز عن الباقر (عليه السلام) «و افصل بين كل ركعتين من نوافلك
ج7،
بالتسليم»
و
خبر علي بن جعفر(1)المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يصلي النافلة أ يصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يسلم بينهن؟ قال: لا إلا أن يسلم بين كل ركعتين»
و المناقشة باحتمال إرادة الرواتب و نحوها خاصة من النافلة يدفعها ظهور اللفظ أولا، و الانجبار بالفتوى ثانيا، بل هو المعروف بين الأصحاب كما اعترف به في المدارك، بل في السرائر و عن إرشاد الجعفرية ان عليه الإجماع كظاهر الغنية، و في المحكي عن الخلاف «ينبغي أن يتشهد بين كل ركعتين، و أن لا يزاد على الركعتين إجماعا، و إن زاد خالف السنة- ثم قال أيضا-: و أما عندنا في كون الواحدة صلاة صحيحة فالأولى أن نقول لا يجوز، لأنه لا دليل في الشرع على ذلك، و
روى ابن مسعود(2)«ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن البتراء أي الركعة الواحدة»
بل لا أجد في ذلك خلافا صريحا بيننا» نعم قد يشم من عدم الترجيح في الذكرى- و من نسبة عدم جواز الزيادة على اثنتين إلى مبسوط الشيخ أو اليه و ابن إدريس في المحكي عن تحرير الفاضل و تذكرته و عدم جواز الاقتصار على الركعة إلى الشيخ في الذكرى و المحكي عن التذكرة أيضا و المنتهى و لفظ الأشبه و الأقرب و نحوهما في كلام بعضهم و نحو ذلك- نوع تردد فيه، بل في المحكي عن المنتهى و التذكرة «الأفضل في النوافل أن تصلي كل ركعتين بتشهد واحد و يسلم بعده» و هو كالصريح في مفضولية غيره، مع أن في الأول منهما بعد ذلك ان الذي ثبت فعله من النبي (صلى الله عليه و آله) انه كان يصلي مثنى مثنى فيجب اتباعه، و عن الغرية «منع أكثر علمائنا من الزيادة على الركعتين في تطوع الليل» و هو أيضا مشعر بوجود المخالف إلا أنا لم نتحققه.
ج7،
نعم قال المقدس الأردبيلي في المحكي عن مجمعه: «إن الدليل على عدم الزيادة و النقيصة غير ظاهر، و ما رأيت دليلا صريحا على ذلك، نعم ذلك مذكور في كلام الأصحاب، و الحكم به مشكل، لعموم مشروعية الصلاة، و صدق التعريف المشهور على الواحدة و الأربع، و لهذا جوزوا نذر الوتر و صلاة الأعرابي مع القيد اتفاقا، و على الظاهر في غيرهما، و ترددوا في كونهما فردي المنذورة المطلقة أم لا، و لو كان ذلك حقا لما كان لقولهم هذا معنى، و يؤيده صلاة الاحتياط فإنها قد تقع ندبا مع الوحدة، فيحتمل أن يكون مرادهم الأفضل و الأولى- إلى أن قال-: أو أن مرادهم بقولهم كل النوافل أنهم لم يجدوا فيها ما هو ركعة أو أزيد من ركعتين سوى الوتر و صلاة الأعرابي» إلى آخره. و هو عجيب إذ عدم الدليل بعد التسليم كاف في العدم، و عموم مشروعية الصلاة لا يثبت الكيفية من الكمية و نحوها قطعا، و صدق التعريف- مع ان المقصود منه ضبط المشروع من الصلاة في الجملة لا أن المراد به كل ما صدق عليه ذلك، فهو مشروع و صلاة قطعا- غير مجد، على أن الاستناد اليه مع التصريح من المعرفين و غيرهم بخلافه غريب، و أغرب منه الاستناد إلى جواز نذر الوتر و صلاة الأعرابي بعد ثبوتهما بالدليل، و أطرف شيء دعواه الظهور في غيرهما، و هو عين المتنازع فيه، و استدلاله بترددهم في كون الوتر و صلاة الأعرابي فردي المنذورة المطلقة أم لا، و هو عند التأمل عليه لا له، و تأييده ذلك بصلاة الاحتياط، و هو ثابت بالدليل، مع انها ليست مبنية على النفل من أول وهلة، و ذكره الاحتمالين المزبورين في كلام الأصحاب، و هو مناف لتصريحهم كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، بل لعله غير محتاج إلى ملاحظة، لأنه المعروف من مذهبهم و طريقتهم و عملهم الذي يقطع بأنه مأخوذ من أئمتهم (عليهم السلام)، انما يعرف من الشافعي كما حكي عنه أنه جوز الصلاة بأي عدة شاء أربعا و ستا و ثمانيا و عشرا شفعا أو وترا، قال: «و إذا زاد على مثنى فالأولى أن يتشهد عقيب كل
ج7،
ركعتين، فان لم يفعل و تشهد في أخراهن مرة واحدة أجزأه» و عن الإملاء «إن صلى بغير إحصاء جاز» و هو المحكي عن مالك، و أما أبو حنيفة فقيل: إنه وافقنا في بعض أقواله على المنع عن الواحدة، لكن قال: الأفضل أربعا أربعا ليلا أو نهارا، و إلا فأصحابنا لم يعرف بينهم إلا ما ذكرنا، حتى أنه لشهرة ذلك بينهم و معروفيته لم يحتاجوا في تنزيل إطلاق ما ورد من الأمر بالنافلة بل و إن كان بعدد مخصوص منها كأربع أو ثمان أو عشر أو غير ذلك على إرادة كل ركعتين بتسليم إلى دليل خاص.
بل لعل ترك التعرض له في أكثر النصوص خصوصا المتضمن منها للأمر بالأعداد المخصوصة أوضح قرينة على معروفية ذلك و معلوميته و استغنائه عن التصريح، و انه لو أريد خلافه لنص عليه ك الوتر و صلاة الأعرابي فإن الأول ليس بركعتين إجماعا عندنا محصلا و منقولا و نصوصا(1)متواترة، إذ هو إما موصول بالشفع على أن يكون ثلاث ركعات بتسليمة كما هو مذهب أبي حنيفة و بعض، بل ربما مال اليه بعض المتأخرين من أصحابنا، لكن على جهة التخيير كما ستعرفه مفصلا، أو مفصول عنه على أن يكون ركعة واحدة كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا في الذكرى و تحصيلا، بل فيها أنه أشهر الروايات، بل في المدارك و عن غيره انه المعروف من مذهب الأصحاب بل عن المنتهى انه مذهب علمائنا، قال فيه: «و اثنتان للشفع يسلم فيهما ثم يوتر بواحدة ذهب إليه علماؤنا- إلى أن قال-: و عثمان و سعد و زيد بن ثابت و ابن عباس و أبو عمر و ابن زبير و أبو موسى و عائشة و سعيد بن المسيب و عطاء و مالك و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق و أحمد و أبو ثور» و في المحكي عن التذكرة «الوتر عندنا واحد لا يزاد عليها، و ما يصلى قبلها ليس من الوتر» و حكى القول بذلك أيضا عن جماعة ممن سمعت، و كشف اللثام «ان الوتر عندنا واحدة» بل في المحكي عن الخلاف صريح الإجماع عليه، كما عن
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض.
ج7،
الأمالي «الشفع ركعتان، و الوتر ركعة واحدة من دين الإمامية» فيكون حينئذ الشفع اسما للركعتين، و الوتر للواحدة، و هو إطلاق معروف بين الأصحاب قدمائهم و متأخريهم، بل الظاهر انه حقيقة متشرعية ان لم تكن شرعية.
و من العجيب ما في المدارك و غيرها من أن المستفاد من الروايات الصحيحة أن الوتر اسم للركعات الثلاثة لا الركعة الواحدة الواقعة بعد الشفع كما يوجد في عبارات المتأخرين، و كأنه لم يلحظ ما وقفنا عليه أو نقل لنا من عبارات القدماء كالفقيه و الهداية و الأمالي و المقنع و المقنعة و النهاية و الخلاف و المصباح و جمل العلم و العمل و المراسم و الكافي و الوسيلة و الغنية و السرائر و غيرها من تصانيفهم.
و الأصل في ذلك ورود الشفع و الوتر بهذا المعنى في الأخبار المستفيضة، بل و في الكتاب العزيز على ما روي في بعض تلك الأخبار، فعن كتاب
دعائم الإسلام(1)عن الصادق (عليه السلام) في قول الله عز و جل(2): «وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ: الشفع الركعتان، و الوتر الواحدة التي يقنت فيها»
و عن
تفسير علي بن إبراهيم(3)«الشفع ركعتان و الوتر ركعة»
و لا ينافيه التفسير في بعض الأخبار بالخلق و الخالق(4)أو بالحسنين و أمير المؤمنين (عليهم السلام)(5)أو بيومي التروية و عرفة(6)أو غير ذلك، كما يشهد له قوله تعالى(7)«وَ لَيالٍ عَشْرٍ» فان المراد بها عشر ذي الحجة كما عن المشهور، إذ الكتاب يحتمل الوجوه المختلفة و البطون المتعددة، و إن كان الأوفق باللغة إرادة
ج7،
الشفع و الوتر من كل شيء، كما يقرب منه ما عن
مجمع الطبرسي(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «ان الشفع و الوتر هما الصلاة، منها شفع و منها وتر»
بل لعل مراده ما ذكرنا مع حمل ذلك منه على بيان الأفراد دون تعيين المراد، بل يمكن حمل الأخبار السابقة على ذلك أيضا، فتخرج الآية حينئذ عن الدلالة على المطلوب، لكن الخبرين الأولين و إن حملا أيضا على بيان الأفراد دالان عليه، ك
خبر الفضل بن شاذان(2)المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) في بيان شرائع الإسلام «و السنة من الصلاة أربع و ثلاثون- إلى أن قال-: و الشفع و الوتر ثلاث ركعات يسلم بعد ركعتين»
و
خبر الأعمش(3)المروي عن الخصال عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين «و السنة أربع و ثلاثون- إلى أن قال-: و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة»
قيل و نحوه المرسل عن تحف العقول(4)و
عن الرضا (عليه السلام) في المروي(5)عن روضة الواعظين «عليكم بصلاة الليل، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلي ثمان ركعات و ركعتي الشفع و ركعة الوتر و استغفر الله في قنوته سبعين مرة إلا أجير من عذاب القبر و من عذاب النار، و مد له في عمره، و وسع له في معيشته»
و
خبر عبد الرحمن بن كثير(6)عن الصادق (عليه السلام) المروي عن جنة الأمان عن تتمات المصباح لابن طاوس «كان أبي يقرأ في الشفع و الوتر بالتوحيد»
و في
المروي عن فقه الرضا (عليه السلام)(7)«و تقرأ في ركعتي الشفع في الأولى سبح اسم، و في الثانية قل يا أيها الكافرون،
1) 1 أرسله الطبرسي عن النبي صلى الله عليه و آله في تفسيره ذيل سورة الفجر و أسنده الفخر الرازي في تفسيره ج 8 ص 558 و كذا ابن كثير ج 4 ص 506.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 23.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 25.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 23.
5) 5 المستدرك- الباب- 33- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 16.
6) 6 المستدرك- الباب- 42- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.
7) 7 فقه الرضا عليه السلام ص 13.
ج7،
و في الوتر قل هو الله أحد»
و
المرسل «كان النبي (صلى الله عليه و آله) يفصل بين الشفع و الوتر»
و
آخر(1)«كان الرضا (عليه السلام) يسلم بين الشفع و الوتر و يقنت فيهما»
و ثالث (2)
عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «الوتر بركعة من آخر الليل»
و رابع(3)
انه (ص) قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة»
و خامس(4)
انه (صلى الله عليه و آله) «كان بالليل يصلي أحد عشر ركعة، يسلم بين كل ركعتين، و يوتر بواحدة»
و
الحسن كالصحيح(5)
«و الفريضة و النافلة إحدى و خمسون».
عن الصادق (عليه السلام) المروي في باب التفويض من أصول الكافي في حديث طويل «و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر»و
خبر أبي بصير(6)عنه (عليه السلام) أيضا المروي عن العلل «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر، قال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة قال: نعم، إنهما بركعة، فمن صلاها ثم حدث به حدث الموت مات على وتر، و إن لم يحدث به حدث الموت صلى الوتر في آخر الليل».
و العجب مما يحكى عن بعض المتبحرين من المحدثين قدس سره من أنه لم يرد بذلك خبر أصلا إلا حديث رجاء(7)و رده بالضعف و الشذوذ، و لعل عذره تفرق
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 24.
2) 2 صحيح النسائي ج 3- ص 233 المطبوع بالأزهر عام 1348.
3) 3 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 11.
4) 4 سنن البيهقي ج 2 ص 486.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2 و فيه
6) 6 الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 24.
ج7،
الأخبار المذكورة في كتب الأصحاب، و خروج أكثرها عن الكتب الأربعة التي عليها مدار النظر في الغالب.
نعم الأشهر في الروايات إطلاق الوتر على الركعات الثلاث، و هي المفردة و الركعتان قبلها، بل لعلها تجاوزت حد المتواتر، و في مفتاح الكرامة «انها ربما نافت على أربعين خبرا» إلى آخره. لكن هي أنواع.
منها ما اشتمل على تحديد الوتر بالثلاث، ك
صحيح أبي بصير(1)عن الصادق (عليه السلام) «و الوتر ثلاث ركعات مفصولة»
و
صحيحه الآخر(2)عنه (عليه السلام) أيضا «الوتر ثلاث ركعات، اثنتين مفصولة، و واحدة»
و
موثق سليمان بن خالد(3)عنه (عليه السلام) أيضا «الوتر ثلاث ركعات، تفصل بينهن و تقرأ فيهن جميعا بقل هو الله أحد»
و
موثق أبي بصير(4)في قضاء الوتر «الوتر ثلاث ركعات إلى زوال الشمس، فإذا زالت فأربع ركعات»
و ان كان ذيله محمولا على التقية، فإن الوتر يقضى عندنا وترا أبدا كما نطقت به الصحاح المستفيضة(5).
و منها ما استعمل فيه الوتر مع التصريح بإرادة الثلاث من غير تحديد فيه، ك
صحيح معاوية بن عمار(6)قال: «قال لي: اقرأ في الوتر في ثلاثهن بقل هو الله أحد و سلم في الركعتين»
و
صحيح عبد الله بن سنان(7)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوتر ما يقرأ فيهن جميعا؟ قال: بقل هو الله أحد، قلت: في ثلاثهن قال: نعم»
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.
3) 3 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 9.
4) 4 الوسائل- الباب- 10- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 12.
5) 5 الوسائل- الباب- 10- من أبواب قضاء الصلوات.
6) 6 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.
7) 7 الوسائل- الباب- 56- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.
ج7،
و
صحيح ابن الحجاج(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- أيضا- عن القراءة في الوتر فقال: كان بيني و بين أبي باب فكان إذا صلى يقرأ في الوتر قل هو الله أحد في ثلاثهن»
و
صحيح يعقوب بن يقطين(2)«سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن القراءة في الوتر و قلت: إن بعضا روى قل هو الله أحد في الثلاث، و بعضا روى المعوذتين، و في الثالثة قل هو الله أحد فقال: اعمل بالمعوذتين و قل هو الله أحد»
و
صحيح أبي ولاد الحناط(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا بأس أن يصلي الرجل الركعتين من الوتر ثم ينصرف فيقضي حاجته ثم يرجع فيصلي ركعة»
و
صحيحه الآخر(4)«سألته- أيضا- عن التسليم في ركعتي الوتر فقال: نعم، و ان كانت لك حاجة فاخرج و اقضها ثم عد و اركع ركعة»
و
موثق سليمان بن خالد(5)عن الصادق (عليه السلام) «ثم الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعا قل هو الله أحد، و تفصل بينهن»
و
موثق حنان(6)عنه (عليه السلام) أيضا «كان النبي (صلى الله عليه و آله) يصلي ثمان ركعات- إلى أن قال-: و ثلاث الوتر»
و
خبر البزنطي(7)عن أبي الحسن (عليه السلام) «انه عقد بيده الزوال ثمانية- إلى أن قال-: و الوتر ثلاثا»
و في المحكي
(8)عن فقه الرضا (عليه السلام) «و ثلاث ركعات الوتر، و هي صلاة الراغبين». و منها ما يفهم إرادة الثلاث منه بمعونة القرائن، كصحيحتي الحلبي(9)و معاوية بن وهب(10)المتضمنتين لتفريق النبي (صلى الله عليه و آله) لصلواته ثلاث أوقات، وقتين للثمان، و وقت للوتر و ركعتي الفجر، و الأخبار المستفيضة الدالة على
1) 1 الوسائل- الباب- 56- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 56- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 15- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 16.
6) 6 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.
8) 8 المستدرك- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.
9) 9 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
10) 10 الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
جواز تقديم صلاة الليل و الوتر و تأخيرهما لذوي الأعذار، كصحيح سليمان بن خالد(1)و حسنة عبد الله بن سنان(2)و رواية عمر بن يزيد(3)و رواية أبي جرير القمي(4)و رواية الحلبي(5)و خبر يعقوب بن سالم(6)و غيرها من الأخبار التي قوبل فيها الوتر بصلاة الليل التي هي الثمان، أو وسطت بينها و بين ركعتي الفجر، فان المعلوم بقرينة المقابلة أن المراد بها الثلاث دون الواحد، فهذه الأخبار و ما في معناها و جملتها خمسون حديثا أو أكثر قد تضمنت إطلاق الوتر على الركعات الثلاث و تحديده بها، و قد علم منها و من الروايات المتقدمة التي استعمل فيها الوتر في الركعة الواحدة وروده فيها بالمعنيين، و استفاضة النقل بهما، و ان كان استعماله في الثلاث أكثر و أغلب، و قد اجتمع الأمران في بعض الأخبار، كما انه ورد استعمال الوتر في روايات العامة في الواحدة و الثلاث و الخمس و السبع(7)و استفادوا منها كون الوتر هي صلاة الليل المقطوعة على وتر في آخرها، و ربما احتمله بعض أخبارنا أيضا، و الأمر في ذلك سهل.
انما الكلام في تعيين المعنى الحقيقي للوتر شرعا بحيث إذا أطلق يحمل عليه، و قد اختلف فيه أصحابنا و غيرهم بعد الاتفاق من الجميع على نقله عن معناه الأصلي و وضعه للصلاة، و عدم خروجه من صلاة الليل على أقوال، أحدها و هو ظاهر الأكثر من علمائنا انه حقيقة في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل، بل عن جملة من كتبهم تحديد الوتر بها و تحديدها به، بل قد سمعت فيما تقدم معقد صريح الإجماع و ظاهره من الصدوق و الشيخ و الفاضل و غيرهم مما هو صريح أو كالصريح في انه حقيقة عندهم
1) 1 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
7) 7 صحيح النسائي ج 3 ص 238 المطبوع بالأزهر عام 1348.
ج7،
في الركعة الواحدة، و قد يشهد له مضافا إلى ذلك و إلى ما عرفته من الاستعمال في كثير من الأخبار
قوله (صلى الله عليه و آله)(1): «الوتر ركعة من آخر الليل»
بل و
قوله (صلى الله عليه و آله): «إن الوتر صلاة واحدة»
لكن بناء على ما عندنا من أن الثلاث صلاتان إذ لا يكون حينئذ وترا إلا باعتبار انضمام إحدى الصلاتين إلى الأخرى، و بهذا الاعتبار يمكن صيرورتها وترا مع جميع الصلوات التي قبلها، بل صيرورة جميع الصلوات وترا، و الظاهر من تسمية الوتر بهذا الاسم كونها وترا بنفسها لا باعتبار أمر آخر كما هو واضح.
نعم لو قلنا بمقالة أبي حنيفة و من تابعه من أن الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة أمكن حينئذ المناقشة في الاستدلال بالخبر المزبور، لكنه في غاية الضعف عندنا، للنصوص السابقة و غيرها مما يمكن دعوى تواترها في ذلك، بل قد يقطع من لاحظها و ما اشتملت عليه من الأمر بإيقاظ الراقد و نفي البأس عن الكلام و الشرب و قضاء الحاجة و النكاح و نحو ذلك بين الركعتين و الركعة، و كثرة السؤال عن ذلك بأن المراد منها التعريض بأبي حنيفة و أصحابه القائلين بالوصل، بل يمكن أيضا تحصيل الإجماع على خلافه، بل قد سمعت دعواه ممن تقدم.
و ربما يشهد له التتبع، إذ لم نجد فيه خلافا من أحد إلا من بعض متأخري المتأخرين، فخير بين الفصل و الوصل جمعا بين الأخبار السابقة و بين
خبر كردويه الهمداني(2)«سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الوتر فقال: صله»
بشهادة
خبر منصور(3)عن مولى لأبي جعفر (عليه السلام) قال: «ركعتا الوتر إن شاء تكلم بينهما و بين الثالثة و إن شاء لم يفعل»
و صحيحتي معاوية بن عمار(4)و
يعقوب بن
ج7،
شعيب(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التسليم في ركعتي الوتر فقال (عليه السلام): إن شئت سلمت و إن شئت لم تسلم».
و هو في غاية الضعف، ضرورة قصور الخبر الأول عن المقاومة لما تقدم من وجوه، خصوصا بعد موافقته لمذهب أبي حنيفة، و عدم صراحة الأمر بالوصل فيه في عدم التسليم على الركعتين، و الجمع فرع المكافاة، على أن خبر التخيير الأول مع إرساله بل و إضماره في وجه لا صراحة فيه أيضا بعدم التسليم، و أما الصحيحتان فقد حملهما الشيخ تارة على أن المراد بالتسليم فيهما قوله: السلام علينا و على عباد الله الصالحين دون السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، لعدم وجوبهما معا في الخروج من الصلاة، و أخرى على أن المراد به ما يستباح به من الكلام و غيره تسمية للمسبب باسم السبب، و ثالثة على التقية، و لعله أولى من الأولين، و لا ينافيه وجوب الوصل عند أبي حنيفة لا التخيير، لعدم انحصار مذاهبهم فيه أولا، بل لعل مقتضى الحمل المزبور من الشيخ وجود قول لهم بالتخيير، و هو أعلم من غيره بهم، و إمكان منع اعتبار وجود قول لهم في ورود الأخبار مورد التقية ثانيا، كما ذهب اليه بعض الأفاضل، و يومي اليه
قوله (عليه السلام)(2):
«أنا أوقعت الاختلاف بينكم كي لا تعرفوا فتؤخذوا»
أو لأن ذلك أقرب في دفع التقية من تعيين الفصل، فلعل المقام كان يمكن رفعه بذلك، فذكره (عليه السلام) و اقتصر عليه و لم يأمر بالوصل، أو غير ذلك، و إن أبيت ذلك كله فلا بد من الطرح قطعا، لوضوح الضعف عن المقاومة لبعض ما ذكرنا فضلا عن جميعه، و احتمال تأييده بالأخبار المعتبرة المستفيضة جدا المتضمنة لإطلاق الوتر على الثلاث باعتبار إشعارها
ج7،
بالوصل يدفعه- مع انها معارضة بالأخبار المتضمنة لإطلاقه على الواحدة باعتبار إشعارها أيضا بالانفصال- انه لا تلازم بين الإطلاق على الثلاث و الوصل، إذ يمكن كون الوتر اسما للثلاثة المفصولة كما صرح به في بعض الأخبار السابقة، و يمكن كونه اسما للثالثة الموصولة، و يقوى في ظني أن كثرة إطلاق الوتر على الثلاث في تلك الأخبار و تحديده بها لإيهام الاتصال تقية.
و منه يظهر ضعف دعوى انه حقيقة في الثلاث، و هو القول الثاني كما في المدارك و الذخيرة و عن الفاضل البهائي و المدقق محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني و غير واحد من شراح الحديث و أبي حنيفة و أصحاب الرأي، بل قيل: إنهم حكوا ذلك عن علي (عليه السلام) و عمر و أبي و أنس و ابن مسعود و أبي أمامة و عمر بن عبد العزيز، لكثرة الاستعمال، و لما
ورد(1)من طريق العامة و الخاصة «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يوتر بثلاث ركعات»
و للتحديد بالثلاث في النصوص السابقة، و فيه أن الكثرة ليست من أمارات الحقيقة خصوصا بعد أن كان الداعي في هذا الاستعمال ما ذكرناه من إبهام الاتصال تقية، و منه يظهر ضعف الاستدلال بالآخرين.
و يؤيد ما ذكرنا مضافا إلى ما سمعت أنه لا إشكال في أن الوتر في عرف المتشرعة اسم للركعة الواحدة كما ظهر لك مما تقدم، و يشهد به استعمالهم الشائع المعروف زيادة على نص الفقهاء منهم، فيكون في عرف الشارع كذلك، و إلا لزم النقل المخالف للأصل و الظاهر أيضا، لاقتضائه هجر الحقيقة الشرعية في عرف المتشرعة، و هو مستبعد جدا، فإن الحقائق الشرعية حقائق في عرف المتشرعة، و لا يكاد يوجد شيء نقله
1) 1 صحيح النسائي ج 3 ص 235- المطبوع بالأزهر عام 1348 و مستدرك الوسائل- الباب- 41- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
الفقهاء إلى معنى آخر، و قد ذكر علماء الأصول في تحرير محل النزاع في الحقيقة الشرعية ان موضع الخلاف هي الألفاظ المتداولة على لسان المتشرعة التي هي حقائق عندهم في معانيها الشرعية، و مقتضى ذلك أن كل حقيقة شرعية حقيقة في عرف المتشرعة، فلو كان الوتر حقيقة في غير الواحدة في عرف الشارع لزم أن يكون كذلك في عرف المتشرعة، و المعلوم من حالهم خلاف ذلك.
فالأقوى حينئذ القول الأول، و دونه في القوة- و ان كان هو أقوى من الثاني إلا أنه لم نجد قائلا به بخلاف الثاني- احتمال اشتراط لفظ الوتر بين الكل و الجزء، للاستعمال فيهما على وجه يمكن دعوى استفادة كونه حقيقة في كل منهما.
و كيف كان فأقوال أصحابنا منحصرة في القولين و ان كانت الاحتمالات ثلاثة، نعم يحكى عن الزهري من العامة انه في شهر رمضان ثلاث ركعات و في غيره ركعة واحدة، و لا شاهد له من الأخبار، بل قيل و لم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء، و عن الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين عنهما ان الوتر كل فرد من صلاة الليل من الواحدة إلى الإحدى عشر، أقله الأول، و أكثره الثاني، و ما بينهما من الأفراد مترتبة في الفضل، و أدنى الكمال هو الثلاث، و أفضل منه الخمس، ثم السبع، ثم التسع، ثم الإحدى عشر، و لا يجوز الزيادة عليها، استنادا إلى الجمع بين ما
روي(1)
«فمن أحب أن يوتر بسبع فليفعل».
عنه (ص) انه قال: «الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بسبع فليفعل، و من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، و من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، و من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل»و ما
روي(2)أيضا «انه (ص) كان يوتر بأربع و ثلاث، و ست و ثلاث، و ثمان و ثلاث،
ج7،
و عشر و ثلاث، و لم يكن يوتر بأنقص من سبع و لا بأكثر من ثلاث عشر»
و حملا للركعتين في الخبر الثاني على سنة العشاء، فإنها عندهم ركعتان، أو افتتاح الوتر، و هي ركعتان خفيفتان، لما
روي(1)«انه (ص) كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، و يوتر بواحدة»
و يحكى أيضا عن مالك بن أنس و ابن عباس في إحدى الروايتين ان الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، أقله ركعتان، و لا حد لأكثره، ل
قوله (صلى الله عليه و آله)(2): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة يوتر لك ما صليت»
و عن الثوري و إسحاق أنه ثلاث و خمس و سبع و تسع و أحد عشر لا ينقص عن الثلاث و لا يزيد على الإحدى عشر، استنادا إلى ما مر في نفي الأكثر، و إلى ما
روي «انه (صلى الله عليه و آله) كان يوتر بثلاث»
في نفي الأقل.
و يسهل الخطب ان هذه الأقوال الأربعة مع وضوح ضعفها لم يذهب إليها أحد من أصحابنا، بل هي أقوال العامة و رواياتهم، و موضع الخلاف تعيين المعنى الموضوع له الوتر شرعا، و قد عرفت التحقيق فيه، و الحمد لله.
كما انك عرفت عدم الاشكال عندنا في مفصولية الشفع عن الوتر بالتسليم، و قضيته استحباب القنوت في الركعة الثانية منهما، لعموم ما دل(3)على استحبابه في كل صلاة فريضة و تطوع من نصوص و إجماعات، و خصوص
خبر رجاء بن الضحاك(4)عن الرضا (عليه السلام) «انه كان يقنت في الثانية من الشفع قبل الركوع، قال: فإذا
ج7،
سلم قام فصلى ركعة الوتر- إلى أن قال-: و قنت قبل الركوع و بعد القراءة، و يقول في قنوته»
إلى آخره. المنجبر ضعفه بالعمل، بل قيل: إنه نص عليه أكثر الأصحاب، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من المحكي عن البهائي كما اعترف هو به، قال في حاشية مفتاح الفلاح: «القنوت في الوتر انما هو في الثالثة، و أما الأوليان المسماتان بالشفع فلا قنوت فيهما» و استدل على ذلك ب
صحيح ابن سنان(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «القنوت في المغرب في الركعة الثانية، و في العشاء و الغداة مثل ذلك، و في الوتر في الركعة الثالثة»
قال: «و هذه الفائدة لم ينبه عليها علماؤنا» و ربما تبعه عليه بعض متأخري المتأخرين، بل عساه يفهم أيضا من مطاوي كلام سيد المدارك، إلا أنه لا ريب في ضعفه، ضرورة قصور الخبر عن معارضة ما سمعت من وجوه، خصوصا مع احتماله التقية من أبي حنيفة و أتباعه، بل الظاهر ان ذلك منه (عليه السلام) إيهاما لدفعها، لا أن المراد عدم القنوت في الثانية، إذ لا ريب في إشعاره باتصال الوتر و أن القنوت في الثالثة، أو يكون المراد أن الوتر فيه قنوت في الثالثة مع الثانية بخلاف الصلوات الأول، فإن فيها قنوتا واحدا في الركعة الثانية، فيراد من الوتر حينئذ الركعات الثلاثة و إن كانت مفصولة، كما سمعته سابقا في الإطلاقات السابقة، و خصه بالتنبيه دون القنوت في الثانية لخفائه باعتبار اشتهار أن القنوت في الركعتين، أو لبيان أن الركعة الثالثة صلاة مستقلة عن الأولين مفصولة عنهما، قيل أو يكون المراد الاخبار بالمغرب عن القنوت لا أنه ظرف لغو و كذا الوتر، فيكون التقدير القنوت في المغرب لا في غيرها حال كونه في الثانية، و القنوت في الوتر لا في غيرها حال كونه في الركعة الثالثة، على قياس
قوله (عليه السلام) في خبر وهب(2): «القنوت في الجمعة و العشاء و العتمة
ج7،
و الوتر و الغداة»
و غيره من الأخبار، فيحمل حينئذ حصر القنوت في ذلك على التأكد أو على التقية، ضرورة ثبوته في جميع الصلوات، و هو كما ترى مع بعده لا يدفع ضيما، إذ أقصى المراد منه نفي الدلالة على عدم القنوت في ثانية الوتر الذي مبناه حصر القنوت في الثالثة لو جعل خبرا له، و فيه انه مع ذلك هو دال بسبب التقييد بالحال المزبورة خصوصا مع عدم ذكره للثانية المذكورة في الفرائض السابقة، فتأمل جيدا، أو يكون المراد إذا صلاها موصولة للتقية يقنت في الثالثة لها أيضا، لأنه الكيفية المنقولة عنهم في فعل الوتر، على أنه ربما نوقش في سند الخبر المزبور أيضا بأنه رواه في الاستبصار عن فضالة عن ابن مسكان، و هو لا يروي عنه، و ان ابن سنان و إن كان المنساق منه عبد الله إلا أنه يحتمل كونه محمدا باعتبار أنه لم يصرح به فيه.
و بالجملة لا ينبغي التأمل في ضعف ذلك، بل احتمال زيادة القنوتات- على أن تكون ثلاثة في الثلاث ركعات كما حكي عن تصريح جماعة كثيرة به منهم المصنف في المعتبر، أو اثنان منهما في ثانية الشفع، أحدهما قبل الركوع، و الآخر بعد الركوع، و الثالث في الركعة الثالثة كما عساه في بالي عن بعض الناس- أقرب من احتمال النقيصة و جعل القنوت واحدا فقط في الوتر، و إن كنا لم نعثر لهم على دليل واضح، و ما في بعض الأخبار(1)من الأمر بالدعاء قبل الركوع و بعده لا يستلزم القنوت الذي يراد منه الكيفية الخاصة من رفع اليدين و نحوه لا المعنى اللغوي، لكن على كل حال فالقول باتحاد القنوت مع فرض أنهما صلاتان مستقلتان في غاية الضعف كما هو واضح، و قد يأتي لهذا تتمة إن شاء الله في بحث القنوت.
و أما صلاة الأعرابي ففي السرائر «ان فيها رواية إن ثبتت لا تتعدى» إلى آخره.
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب القنوت- الحديث 4.
ج7،
و قد أرسلها
الشيخ في المصباح(1)عن زيد بن ثابت قال: «أتى رجل من الأعراب إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله إنا نكون في هذه البادية بعيدا من المدينة، و لا نقدر أن نأتيك في كل جمعة، فدلني على عمل فيه فضل صلاة الجمعة، إذا مضيت إلى أهلي خبرتهم به، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا كان ارتفاع النهار فصل ركعتين تقرأ في أول ركعة الحمد مرة و قل أعوذ برب الفلق سبع مرات، و اقرأ في الثانية الحمد مرة واحدة و قل أعوذ برب الناس سبع مرات، فإذا سلمت فاقرأ آية الكرسي سبع مرات، ثم قم فصل ثماني ركعات بتسليمتين، و اقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة و إذا جاء نصر الله و الفتح مرة و قل هو الله أحد خمسا و عشرين مرة، فإذا فرغت من صلاتك فقل: سبحان الله رب العرش الكريم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم سبعين مرة، فو الذي اصطفاني بالنبوة ما من مؤمن و لا مؤمنة يصلي هذه الصلاة يوم الجمعة كما أقول إلا و أنا ضامن له الجنة، و لا يقوم من مقامه حتى يغفر له ذنوبه و لأبويه ذنوبهما»
و ظاهره أنها عشر ركعات بثلاث تسليمات، و قال غير واحد: إنها كالصبح و الظهرين، فإن أراد به ما ذكرنا كان جيدا، و ان أراد بحيث يشمل التشهد الوسط في الرباعيتين منها و نحوه كما يفهم من الروضة طولب بدليل ذلك.
و كيف كان فقد أفتى بمضمون الخبر المزبور المشهور كما قيل، و في مفتاح الكرامة قد استثناها جمهور الأصحاب، قلت: بل لا أجد أحدا أنكرها على البت، و لعله بذلك ينجبر المرسل المذكور المعتضد بمرسل السرائر خصوصا مع التسامح في أدلة السنن، إذ احتمال المناقشة فيه هنا- بأنه انما يجري فيما كان كليه مشروعا دون خصوصيته كالدعاء و الذكر و صلاة ركعتين في وقت خاص أو مكان خاص أو نحو ذلك، فيكفي حينئذ
1) 1 مصباح المتهجد للشيخ- ص 222.
ج7،
في ثبوتها الضعيف و المرسل و نحوهما، لا إذا كان الأصل أيضا غير ثابت كما في المقام- يدفعه إطلاق دليل التسامح، ك
قوله (عليه السلام)(1): «من بلغه»
و نحوه، نعم قد يناقش فيه بأنه خاص فيما لا يكون في الأدلة معارض له يقتضي الحرمة نحو ما نحن فيه، لما سمعته سابقا من الأدلة على حرمة الزيادة على ركعتين في النوافل، لكن قد يدفعها- بعد الإغضاء عما فيها نفسها، ضرورة إمكان دعوى عدم اعتبار ذلك في التسامح، لعموم دليله أو إطلاقه، فهو في الحقيقة حينئذ الحاكم على دليل الحرمة، خصوصا مثل هذه الحرمة التي لا تزيد على حرمة التشريع، لا نفس الخبر الضعيف مثلا، فتأمل- عدم قصور الخبر المزبور بعد انجباره بما عرفت عن تقييد دليل الحرمة أو تخصيصه لو سلم وجود دليل هناك كذلك، و إلا لو قلنا إن الدليل في المسألة السابقة عدم ثبوت مشروعية الزائد و ان قصر عن الركعتين لا ثبوت عدم و انه هو المنشأ للإجماع السابق ارتفع الاشكال من أصله، و كان تردد غير واحد من المتأخرين فيها في غير محله، بل لعله الآن هو كذلك أيضا، إذ هو انما صدر ممن لا يرى التسامح المزبور، أو لا يرى العمل بالضعيف المنجبر بفتوى المشهور، أو لا يرى العمل بأصل أخبار الآحاد، اللهم إلا أن يناقش في تحقق شهرة معتد بها بحيث تجبر الخبر المذكور.
و منه يعلم أن الأحوط ترك هذه الصلاة، و أولى منها في ذلك غيرها من بعض الصلوات التي ذكرها الشيخ في مصباحه و ابن طاوس فيما حكي عنه في تتمات المصباح لترك المشهور استثناءها، فما عن الموجز و شرحه من استثناء صلاة إحدى عشرة ركعة بتسليمة واحدة ليلة الجمعة، و صلاة أربع ركعات بتسليمة واحدة ليلتها أيضا محل للنظر و التأمل، خصوصا و لم نقف للأولى على مستند أصلا، و عدم صراحة دليل الثانية،
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمة العبادات.
ج7،
إذ هو ما أرسله
الشيخ(1)في المصباح أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «من صلى ليلة الجمعة أربع ركعات لا يفرق بينهن»
إلى آخره.
ضرورة احتماله عدم التفريق بالتعقيب و نحوه، و أما ما عن علي بن بابويه من أن صلاة العيد بغير خطبة أربع بتسليمة فستعرف ما فيه هناك إن شاء الله، على أنه ليست من النوافل الأصلية، كما انك عرفت ما في المحكي عن ولده من أن صلاة التسبيح أربع ركعات بتسليمة، لأنه كان مشروحا قبل المقام، و الله أعلم و سنذكر و يذكر المصنف تفصيل باقي الصلوات في مواضعها إن شاء الله فانتظر و ارتقب.
المقدمة الثانية في المواقيت
للصلوات الخمس و نوافلها، إذ هي من الواجب و المندوب الموقتين نصا و إجماعا، بل هو في الفرائض من ضروريات الدين، و مما دل(2)عليه الكتاب المبين، و تواترت فيه سنة سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله) حتى ورد فيها من الحث على المحافظة على مواقيتهن ما فيه بلاغ للمؤمنين و شفاء للمتقين الذين هم على صلاتهم يحافظون و ليسوا من الساهين الغافلين(3)و ان
«من أقام حدودهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنة، و من لم يقم حدودهن و لم يحافظ على مواقيتهن لقي الله و لا عهد له، إن شاء عذبه و إن شاء غفر له(4)
و
«ما من عبد اهتم بمواقيت الصلاة و مواضع الشمس إلا ضمنت له الروح عند الموت و انقطاع الهموم و الأحزان و النجاة من النار(5)كنا مرة رعاة الإبل فصرنا اليوم رعاة الشمس،»
و
«ان الصلاة إذا
ج7،
ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها و هي بيضاء مشرقة تقول: حفظتني حفظك الله، و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها و هي سوداء مظلمة تقول: ضيعتني ضيعك الله(1)»
و ما من أهل بيت مدر و لا شعر في بر و لا بحر إلا و يتصفحهم ملك الموت في كل يوم خمس مرات عند مواقيت الصلاة، فيلقن من يواظب عليها عند مواقيتها شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ينحي عنه جنود إبليس(2)و
«ما من يوم سحاب يخفى فيه على الناس وقت الزوال إلا كان من الله للشمس زجرة حتى تبدو، فيحتج على أهل كل قرية من اهتم بصلاته و من ضيعها(3)
و انه
«لا يزال الشيطان هائبا لابن آدم ذعرا منه ما صلى الصلوات الخمس لوقتهن، فإذا ضيعهن اجتزأ عليه فأدخله في العظائم(4)»
و انه
«لا ينال شفاعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) غدا من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها(5)
و ان الصلاة عند المواقيت أحد الثلاثة التي يمتحن الشيعة بها(6)و ان أحب الأعمال إلى الله الصلاة للمواقيت، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله(7)و ان
«في الديك الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء: معرفته بأوقات الصلوات و الغيرة و السخاوة و الشجاعة و كثرة الطروقة» فتعلموها منه(8)
و في
خبر زرارة(9)عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن العلل «لا تحتقرن بالبول و لا تتهاون به و لا بصلاتك، فان رسول الله
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 4 و 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 21 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 18 من كتاب الصلاة.
9) 9 الوسائل- الباب- 6- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.
ج7،
(صلى الله عليه و آله) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته و لا يرد علي الحوض لا و الله»
الحديث.
و الظاهر ان المراد تمام الوقت لا أوله مع احتماله بل تعينه في بعض النصوص(1)و حمل ذلك على المبالغة في تأكد استحباب أول الوقت و كراهة التأخير عنه، و ربما جاء أعظم من ذلك في ترك بعض المندوبات كغسل الجمعة الذي ورد فيه
«انه ملعون من تركه»
و غيره، و حينئذ ف
قول الصادق (عليه السلام)(2): «إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك»
لا يراد منه التأخير عن تمام الوقت لعذر فيصير قضاء كما حمله الشيخ، بل المراد منه أول الوقت الذي هو أفضل الوقتين، و ورد(3)في فضله أيضا من الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ما يغني عن تكلف الاعتبار و ما هو البشرى لأولي الأبصار، و ان الصلوات المفروضات في أول وقتها إذا أقيم حدودها أطيب ريحا من قضيب الآس حين يؤخذ من شجره في طيبه و ريحه و طراوته فعليكم بالوقت الأول(4)و
قال الصادق (عليه السلام)(5): «انه إذا دخل وقت صلاة فتحت أبواب السماء لصعود الأعمال، فما أحب أن يصعد عمل قبل عملي، و لا يكتب في الصحيفة أحد أول مني»
و
«ان الله يحب من الخير ما يعجل»(6)
و
«ان فضل الوقت الأول على الآخر خير للرجل من ولده و ماله»(7)
و
«ان فضله عليه كفضل الآخرة على الدنيا»(8)
و
«اوله رضوان الله كما أن الآخر عفو الله، و العفو
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 14 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 15 من كتاب الصلاة.
ج7،
لا يكون إلا عن ذنب»(1)
إلى غير ذلك.
مضافا إلى ما ورد في فضل انتظار الصلاة حتى يؤديها في أول وقتها،
فعن الصادق (عليه السلام)(2)«انه كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: من حبس نفسه على صلاة فريضة ينتظر وقتها فصلاها في أول وقتها فأتم ركوعها و سجودها و خشوعها ثم مجد الله عز و جل و عظمه و حمده حتى يدخل وقت صلاة أخرى لم يلغ بينهما كتب الله له كأجر الحاج المعتمر، و كان من أهل عليين»
و
«ان الرجل إذا دخل المسجد فصلى و عقب انتظارا للصلاة الأخرى فهو ضيف الله، و حق على الله أن يكرم ضيفه»(3)
و
«انه ما دام ينتظر في عبادة ما لم يغتب»(4)
و
«ان انتظار الصلاة بعد الصلاة كنز من كنوز الجنة»(5)
و
قال (صلى الله عليه و آله): «و ان ترهب أمتي القعود في المساجد انتظار الصلاة بعد الصلاة»(6)
و
قال (ص) أيضا: «يا أبا ذر ان الله يعطيك ما دمت جالسا في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة في الجنة، و تصلي عليك الملائكة، و يكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات، و يمحى عنك عشر سيئات، يا أبا ذر أ تعلم في أي شيء نزلت هذه الآية(7)«اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»؟
قلت: لا، قال: في انتظار الصلاة خلف الصلاة»(8)
الحديث.
و كيف كان فيقع النظر في مقاديرها و أحكامها، أما الأول فما بين زوال الشمس الذي ستعرفه إلى غروبها وقت للظهر و العصر و إن كان يختص الظهر
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
7) 7 سورة آل عمران- الآية 200.
8) 8 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
من أوله بمقدار أدائها بحيث لا يصح العصر فيه بحال من الأحوال و كذا العصر يختص من آخره بحيث لا يصح الظهر فيه بحال من الأحوال بمقدار أدائها و أما ما بينهما من الوقت ف مشترك بين الفرضين يصحان معا فيه، نعم يجب الترتيب بينهما في بعض الأحوال كما ستعرف، كل ذلك على المشهور بين الأصحاب، بل لا خلاف في كون الزوال مبدأ صلاة الظهر بين المسلمين كما عن المرتضى و غيره الاعتراف به عدا ما يحكى عن ابن عباس و الحسن و الشعبي من جواز تقديمها للمسافر عليه بقليل، و هو بعد انقراضه لا يقدح في إجماع من عداهم من المسلمين ان لم يكن ضروريا من ضروريات الدين.
فما في
صحيح الفضلاء عن الباقر و الصادق (عليهما السلام)(1)- من أن «وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان»
و
صحيح زرارة(2)عن الباقر (عليه السلام) «ان وقت الظهر بعد ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراعين من وقت الظهر، فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس»
بل عن
ابن مسكان(3)انه قال: «حدثني بالذراع و الذراعين سليمان بن خالد و أبو بصير المرادي و حسين صاحب القلانس و ابن أبي يعفور و من لا أحصيه منهم»
و
خبر عبد الله بن سنان(4)«انه كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل أن يظلل قامة، و كان إذا كان الفيء ذراعا و هو قدر مربض عنز صلى الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر»
و نحوه غيره، و
خبر إسماعيل الجعفي(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان فيء الجدار ذراعا صلى الظهر، و إذا كان ذراعين صلى
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
العصر، قلت: إن الجدار يختلف، بعضها قصير و بعضها طويل، فقال: كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يومئذ قامة»
و
خبر إسماعيل بن عبد الخالق(1)عن الصادق (عليه السلام) «ان وقت الظهر بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر، فان وقتها حين تزول الشمس»
و
مضمر ابن أبي نصر(2)«سألته عن وقت صلاة الظهر و العصر فكتب قامة للظهر و قامة للعصر»
و
خبر عمر بن سعيد ابن هلال(3)عن الصادق (عليه السلام) قال له: «قل لزرارة: إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، و إذا كان ظلك مثليك فصل العصر»
و
خبر سعيد الأعرج(4)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس؟ فقال:
بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة، فإن وقتها إذا زالت»
و
خبر ابن شعيب(5)عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن صلاة الظهر فقال: إذا كان الفيء ذراعا، قلت: ذراعا من أي شيء؟ قال: ذراعا من فيئك، قلت: فالعصر قال: الشطر من ذلك، قلت: هذا شبر قال: أو ليس شبر كثيرا؟»
و
خبر زرارة(6)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «وقت الظهر على ذراع»
و
خبر ذريح المحاربي(7)قال: «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) أناس و أنا حاضر- إلى أن قال-: فقال بعض القوم: إنا نصلي الأولى إذا كانت على قدمين، و العصر على أربعة أقدام، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): النصف من ذلك أحب إلى»
و
خبر أبي بصير(8)عن الصادق (عليه السلام) «الصلاة في الحضر ثمان ركعات إذا زالت الشمس ما بينك
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 15 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 20 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 21 من كتاب الصلاة.
ج7،
و بين أن يذهب ثلثا القامة، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة»
و
خبر عبيد بن زرارة(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل وقت الظهر قال: ذراع بعد الزوال، قال: قلت: في الشتاء و الصيف سواء قال: نعم»
و
خبر ابن بكير(2)قال:
«دخل زرارة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إنكم قلتم لنا في الظهر و العصر على ذراع و ذراعين، ثم قلتم: أبردوا بها في الصيف، فكيف الإبراد بها؟ و فتح الراحة ليكتب ما يقول فلم يجبه أبو عبد الله (عليه السلام) بشيء فأطبق الراحة و قال: إنا علينا أن نسألكم و أنتم أعلم بما عليكم، و خرج و دخل أبو بصير على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إن زرارة سألني عن شيء فلم أجبه و قد ضقت من ذلك فاذهب أنت رسولي إليه فقل له: صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك، و العصر إذا كان مثليك، و كان زرارة هكذا يصلي في الصيف، و لم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير»
إلى غير ذلك- محمول على إرادة الرخصة للمتنفل في تأخير الظهر هذا المقدار، و انه لا يتوهم حرمته للنهي عن التطوع وقت الفريضة كما يومي اليه الأمر بالظهر عند الزوال حيث لا تشرع النافلة فيه كالسفر و يوم الجمعة، و في
خبر زرارة(3)قال:
«قال لي: أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قال: قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يبلغ ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة»
و في
خبر محمد بن مسلم(4)«و انما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من أجل صلاة الأوابين»
لا أن المراد أن ذلك وقت الظهر بحيث لو أعرض المكلف و أراد فعلها و ترك النافلة لم يكن مجزيا، ضرورة مخالفته لإجماع المسلمين و للكتاب المبين
ج7،
و للمتواتر من سنة سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله).
و ما يفهم من
خبر عبد الله بن محمد(1)- من وقوع الخلاف في ذلك قديما قال:
«كتبت اليه جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) انهما قالا: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن بين يديها سبحة، إن شئت طولت و إن شئت قصرت، و روى بعض مواليك عنهما أن وقت الظهر على قدمين من الزوال، و وقت العصر على أربعة أقدام من الزوال، فان صليت قبل ذلك لم يجزك، و بعضهم يقول يجزئ و لكن الفضل في انتظار القدمين و الأربعة، و قد أحببت جعلت فداك أن أعرف موضع الفضل في الوقت، فكتب (عليه السلام) القدمان و الأربعة أقدام صواب جميعا»
بل قد يقال بوقوع الظهر في وقت فضيلته لو صليت عند الزوال و ان استلزم ترك راجح آخر أي النافلة، بخلاف ما إذا جاء بها ثم فعل الظهر على الذراع و الذراعين مثلا، فإنه جمع بين الراجحين حينئذ و الفضيلتين، و لا ينافيه الأمر المحمول على الفضل بإيقاع الظهر على الذراع مثلا، و لا إضافة الوقت إلى الظهر مرادا به الذراع، و لا فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لها كذلك، و لا غير ذلك مما هو ظاهر في أن ابتداء وقت الظهر الذراع المحمول كما عرفت على الفضيلة، ضرورة ابتناء ذلك كله على عدم ترك الناس النافلة، و انه لا بد من فعلهم لها، بل في عدم تعرض النصوص لفعل الظهر على تقدير عدم فعل النافلة إشعار ظاهر بتأكد فعل النافلة تأكيدا بليغا، و جعله كالمفروغ منه الذي لا ينبغي أن يفرض عدمه حتى يتعرض للحكم على تقديره، بل لعل قول
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 28 من كتاب الصلاة.
ج7،
الصادق (عليه السلام) في خبر عبيد بن زرارة ذراع بعد الزوال جواب سؤاله عن فضل وقت الظهر كذلك أيضا لا مطلقا، حتى أن من صلاها قبل ذلك بأن ترك نافلة لم تقع منه في وقت فضيلتها، بل و كذا
قوله (عليه السلام) في مكاتبة محمد بن الفرج(1): «و أحب أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين»
إلى آخره غيره من الأخبار، فيكون حينئذ ابتداء فضيلة الظهر من حين الزوال للمتنفل و غيره، كما هو ظاهر كثير من النصوص أو صريحها و الفتاوى، بل لم نقف على من جعل ابتداء وقت فضيلة الظهر غيره.
بل لعل الجميع اتفقوا على أن أول الوقت الأول للظهر ذلك و ان اختلفوا بعد ذلك أن الوقت الأول للفضيلة و الثاني للإجزاء، أو أن الأول للمختار و الثاني للمضطر ستعرف البحث فيه، و يشهد له ما دل(2)من النصوص على أن أول الوقت أفضله، كاد يكون صريح بعضها، بل و نصوص القامة و المثل و غيرهما، ضرورة إرادة تحديد الوقت الأول منهما بأنه من أول الزوال حتى يبلغ الظل المثل أو القامة، لكن و مع ذلك كله فقد يناقش بأن ظاهر نصوص الذراع و القدمين و نحوهما على كثرتها أن ابتداء وقت الظهر الذراع أو قبله بحيث يحصل الفراغ منه على ذراع، إلا أنه لما انعقد الإجماع على جواز الإيقاع بعد الزوال بلا فصل حملنا تلك النصوص على إرادة الفضيلة، مقتضاه ان الفضل إيقاع الظهر على ذلك المقدار من الوقت كما عساه صريح بعضها، و مكاتبة عبد الله بن محمد كالصريحة في ذلك، لأن جوابه (عليه السلام) انما كان بأن القدمين و الأربعة صواب جميعا، و الفرض ان الصورة الثانية من السؤال انما هي في
ج7،
أفضلية الانتظار، بل ما دل(1)من النصوص على اقتطاع هذا المقدار من الوقت لمكان النافلة دال عليه أيضا، ضرورة أن المراد بذلك صيرورة مثل هذا الوقت وقتا للنافلة، كي لا يقال تطوع في وقت الفريضة كما صرح به في بعض النصوص(2)و لا يتم ذلك بعد أن انعقد الإجماع على صحة الفريضة فيه إلا بأن يراد اقتطاعه من وقت الفضيلة، و ان الفضيلة انما يكون ابتداؤها بعد هذا الزمان، فيصح أن يقال توسعا ان النافلة ليست في وقت الفريضة، لأن المدار على وقتها الفضيلي دون مطلق الصحة و ان لم تكن على وجه الفضل و الرجحان، نعم ينبغي أن يخص ذلك بمن تشرع منه النافلة و خوطب بها و ان لم يكن عازما على فعلها لا مطلقا، لتصريح الأخبار(3)في المسافر و نحوه ممن لا نافلة عليه بعد الزوال بأن وقت الظهر بالنسبة إليه عند الزوال، و لعل فيه إيماء أيضا إلى محل البحث، فتأمل.
و كيف كان فلا ريب أنه الأحوط في تحصيل الفضيلة و إن كان في تعينه نظر، خصوصا مع استلزامه فوات فضيلة المبادرة و المسارعة، فتأمل جيدا فاني لم أجد من تصدى لتحرير المسألة على وجه شافي، نعم قد يظهر من الكاشاني في الوافي و المدقق الشيخ حسن في المنتقى على ما قيل الثاني كما عن صاحب الذخيرة الأول، و عن الناصريات الإجماع على قول الناصر: أفضل الأوقات أولها كلها، بل نقل الإجماع غير واحد على ذلك عند ذكرهم المواضع المرخص فيها بالتأخير عن أول الوقت.
و أما أن آخره في الجملة الغروب أو قبله بمقدار أداء العصر فلا خلاف معتد به
ج7،
فيه عندنا، و النصوص(1)متظافرة به بل متواترة، و الكتاب ناطق به، و ما عساه يتوهم من بعض الأخبار من خروج وقته بالقامة(2)أو بالذراع(3)أو غير ذلك محمول على إرادة وقت الفضيلة أو الاختيار قطعا كما ستسمعه، لا أن المراد عدم قابلية الوقت بعد لأدائه أصلا، و نحوه الكلام في العصر أيضا، فأوله الزوال بناء على الاشتراك، أو ما بعد أداء الظهر بناء على الاختصاص بلا خلاف صريح أجده فيه، بل هو مجمع عليه تحصيلا و نقلا، و النصوص(4)متظافرة أو متواترة فيه، و الكتاب دال عليه، و ما عساه يظهر من بعض الأخبار أن ابتداء وقته القدمان(5)كالعبارة المحكية عن الهداية، أو الذراعان(6)أو المثلان(7)أو نحو ذلك محمول على إرادة التأخير للنافلة كما سمعته في الظهر، أو على إرادة الفضيلة و إن لم يتنفل بناء على استحباب تأخيره إلى هذا المقدار و إن لم يتنفل كما هو أحد الوجهين في الظهر، و يأتي تحقيق البحث فيه.
و أما آخره في الجملة فهو الغروب بلا خلاف معتد به و لا إشكال لنحو ما سمعته في الظهر، انما البحث فيما ذكره المصنف ثانيا رفعا لما أوهمه أولا من اختصاص الظهر من أول الزوال بحيث لا يصح فيه العصر بحال من الأحوال كما هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل في المختلف نسبته إلى علمائنا عدا الصدوق، بل عن المنتهى ذلك من غير استثناء، بل في السرائر انه قول المحصلين من أصحابنا الذين يلزمون الأدلة و المعاني لا العبارات و الألفاظ، بل ربما يتوهم من موضع آخر فيها الإجماع، بل في ظاهر الغنية أو صريحها دعواه عليه، بل عن الشيخ نجيب الدين انه نقل الإجماع عليه جماعة، بل
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 3 و 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
ج7،
لا خلاف أجده فيه سوى ما يحكى عن ظاهر الصدوقين من الاشتراك، مع انهما كما قيل لم يذكرا شيئا سوى أن الأول منهما عبر بمضمون
خبر عبيد(1)الدال بظاهره على الاشتراك «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن هذه قبل هذه»
و الثاني رواه، و لعل من نسب اليه ذلك بناء على ما ذكره في أول كتابه من العمل بما يرويه فيه، لكن- مع ظهور عدوله عنه فيه كما لا يخفى على الخبير الممارس- يمكن المناقشة في دلالته على الاشتراك، كما يومي اليه ما حكي من ناصريات المرتضى الذي نذهب إليه انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف، ثم يختص أصحابنا بأنهم يقولون إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا إلا أن الظهر قبل العصر، قال:
و تحقيق هذا الموضع أنه إذا زالت دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى أربع ركعات، فإذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان، و معنى ذلك أنه يصح أن يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر و العصر بطوله، على أن الظهر مقدمة على العصر، ثم لا يزال في وقت منهما إلى أن يبقى إلى غروب الشمس مقدار أداء أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر و يخلص هذا المقدار للعصر كما خلص الوقت الأول للظهر، و لقد أجاد في المختلف حيث قال: إنه بناء على هذا التفسير يزول الخلاف، قلت: بل و على غيره مما ستسمعه في معنى الرواية المزبورة.
و من العجيب انه حكى في السرائر عن بعض الأصحاب و الكتب عبارة الاشتراك السابقة ثم أنكرها و جعلها ضد الصواب، و كأنه لم يعثر على النصوص المتضمنة لها، و لذا بالغ المحقق في الإنكار عليه، و قال: كأنه ما درى أن ذلك نص من الأئمة (عليهم السلام) أو درى و أقدم، و قد رواه زرارة(2)و عبيد(3)و الصباح بن سيابة(4)
ج7،
و مالك الجهني(1)و يونس(2)عن العبد الصالح و عن أبي عبد الله (عليهما السلام) على أن فضلاء الأصحاب رووا ذلك و أفتوا به، فيجب الاعتناء بالتأويل لا الاقدام بالطعن أ فترى انه لم يكن فيهم من يساوي هذا الطاعن في الحذق، و يستفاد منه كثرة من عبر بهذه العبارة من الأصحاب لا خصوص ابن بابويه، و لعله عثر على ما لم نعثر عليه، أو يريد المحدثين من أصحابنا، و كيف كان فالمتبع الدليل.
و قد ذكر للأول مضافا إلى ما عرفت الأخبار(3)المستفيضة في أن الحائض انما يجب عليها صلاة العصر خاصة إذا طهرت وقت العصر، و
الصحيح(4)«في الرجل يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر أنه يبدو بالعصر»
و الصحيح(5)المتضمن امتداد الوقت الاضطراري للعشاءين إلى الفجر، و سيأتي مع ضميمة عدم القول بالفصل، و
القوي(6)«قلت: فإن نسي الأولى و العصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر، و ان هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخرها فتفوته، فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلي العصر فيما بقي من وقتها، ثم ليصل الأولى على أثرها»
و
الخبر(7)«إذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة»
بضميمة عدم القول بالفصل، و
مرسلة داود ابن فرقد(8)المنجبرة بما سمعت عن الصادق (عليه السلام) «إذا زالت الشمس فقد
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- الحديث 3 و 5 و 14.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 18 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 19 من كتاب الصلاة.
8) 8 ذكر صدرها في الوسائل في الباب 4- من أبواب المواقيت- الحديث 7 و ذيلها في الباب 12 منها- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس، و إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، و إذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل»
و ظاهر خبر الشامة(1)و
قول النبي (صلى الله عليه و آله)(2): «و أما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله عز و جل من الجنة»
و
الرضا (عليه السلام)(3)عن العلل التي رواها الفضل «و لم يكن للعصر وقت معلوم مشهور، فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها»
و أمور أخر واضحة الضعف كما لا يخفى على من لاحظها في المختلف و الذخيرة و غيرهما.
بل بعضها مبني على توهم أن الاختصاص من لوازم الترتيب، و هو كما ترى، و آخر يقتضي الاختصاص حتى في الوقت المشترك، و ثالث لا دلالة فيه أصلا، و رابع غير معمول به كبعض أخبار الحائض(4)الدالة على أنها تصلي العصر ثم الظهر إذا كان قد اغتسلت في وقت العصر، ضرورة ظهوره في إرادة الفضيلة من وقت العصر فيه لا مقدار أدائه، كما يومي اليه الأمر بصلاتها الظهر بعد ذلك، إذ لو أريد مقدار أداء العصر لم يجب عليها الظهر حينئذ على ما تقدم في محله، فلا تكون حينئذ معمولا بها عند المعظم، لوجوب تقديم الظهر عليها إذا فرض طهرها في وقت فضيلة العصر، نعم تتم
ج7،
على ما يحكى من تهذيب الشيخ من استحباب الظهر لها إذا طهرت بعد ما مضى من الزوال أربعة أقدام، على أن تأخيره عن العصر عنده غير معلوم، لكن لعله لأن فعله قبله يكون من التطوع قبل الفريضة، مضافا إلى الخبر المذكور، و دعوى ان جميع ما ورد في الحائض من الأخبار تجري فيه ما سمعته من الكلام حتى ما أشرنا إليه منها في الأدلة يدفعها ملاحظة النصوص.
نعم قد يناقش بنحو ذلك في الصحيح السابق المذكور ثاني الأدلة، لظهور إرادة وقت الفضيلة من العصر فيه لا الاختصاصي، لندرته، و التعبير عنه بلفظ الدخول، فيكون حينئذ غير معمول به إلا على مذهب القائلين بأن للصلاتين وقتين اختياريا و اضطراريا و فرض تأخير الظهر عمدا، فإنه يتجه حينئذ عدم صلاة الظهر أداء بمجرد دخول وقت العصر، على أنه لا يخلو وجوب تعيين العصر سابقه على الظهر من إشكال، بل قضية ترتب الأدائية على القضائية خلافه، إذ احتمال اختصاص العصر بمقدار أدائها من أول وقتها بحيث لا يصح فيه الظهر و لو قضاء ضعيف لا تساعد عليه الأدلة، و لا أظن قائلا به من الأصحاب.
كما انه قد يناقش في الثالث بعده بأنه مبني على امتداد وقت الاضطرار للعشائين إلى الفجر، و ثبوت الاختصاص فيه أيضا عند القائلين به، و هو محل نظر أو منع، إلا أن هذه المناقشات كلها بعد تسليمها لا تقدح في صحة الدعوى بعد سلامة غيرها مما عرفت من الأدلة، و المناقشة فيها جميعها أو أكثرها كما وقع من صاحب الذخيرة لا يلتفت إليها بعد وضوح ضعفها، خصوصا مناقشته في خبر داود بن فرقد بالضعف في سنده الذي قد عرفت انجباره بما سمعت، و بمتنه باحتمال إرادة الوقت المختص بالظهر عند التذكر من وقت الظهر فيه، و كذا العصر، إذ هي كما ترى في غاية الضعف أيضا، إذ مثل ذلك لا ينبغي ان يختص بمقدار الأربع، بل هو كغيره مما عداه من الوقت، ضرورة عدم
ج7،
صحة فعل العصر مطلقا قبل الظهر عند التذكر.
و أطرف من هذا قوله فيها أيضا: و بالجملة إبقاء هذا الخبر على ظاهره و ارتكاب التأويل في معارضه فرع رجحانه عليه، و هو ممنوع، إذ من الواضح رجحانه عليه باعتضاده بما سمعت، و انجباره بما عرفت، و نصوصيته، بخلاف معارضه، إذ هو ليس إلا ما دل على دخول وقت الفريضة بمجرد الزوال من الآية(1)و الرواية كصحيحة زرارة(2)عن أبي جعفر (ع) و
ولده(3)عن الصادق (عليه السلام) قال في الأولى منهما:
«إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، و إذا غابت دخل الوقتان المغرب و العشاء»
و
قال في الثانية منهما: «صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه»
ك
خبره الآخر(4)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «سألته عن وقت الظهر و العصر فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا إلا أن هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس»
و نحوهما غيرهما(5)و إلا إطلاق ما دل على صحة الصلاة الثانية لو وقعت نسيانا قبل الأولى من غير فرق بين وقوعها في المختص أو المشترك، و الثاني واضح المنع، لأن مورد الحكم هناك مخصوص بالناسي، و نسيان الأولى في أول الوقت بعيد، على أنه مطلق كالأول يحكم عليه المقيد، بل لعل الاستثناء في الأول يقتضي ثبوت الاختصاص و الاشتراك فيما عداه، كما يومي اليه في الجملة قوله (عليه السلام): «ثم أنت في وقت منهما» إلى آخره على أن يكون المعنى إلا أن وقت هذه قبل وقت هذه على حذف مضاف، و مراد منه دخول الوقتين على التوزيع، و دفع ما يتوهم من أول التعبير، و هي عبارة مأنوسة
ج7،
في إفادة هذا المعنى، و الترتيب في سائر الوقت ليس محصورا دليله في هذه الأخبار، و احتمال أن المراد كون هذه يجب فعلها قبل هذه، و ذلك لا يقتضي وقوع الثانية في غير وقتها لو أتي بها في أول الوقت، كما لو فرض وقوعها في الوسط قبل الأولى خلاف ظاهر الاستثناء، فتأمل، لا أقل من احتمال العبارة كلا منهما، فلا تصلح للاستدلال، بل يجب حملها على تلك الأدلة الصريحة حتى لو كانت ظاهرة في ذلك أيضا، على أن التعبير بدخول الوقتين معا بزوال الشمس قد لا ينافي الاختصاص بعد فرض كون العصر متصلة بها و مترتبة عليها كاتصال الركعة الثانية بالأولى، خصوصا و لا وقت لها محدود كما نطق به خبر الفضل السابق(1)بل و
خبر زرارة(2)قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «بين الظهر و العصر حد معروف، فقال: لا».
كما انه ليس للظهر مقدار من الوقت معين، بل أي وقت فرض وقوعها فيه أمكن فرضها فيما هو أقل منه، حتى ربما كانت الظهر تسبيحة واحدة كصلاة شدة الخوف، فيكون وقت العصر بعدها حينئذ، بل لو ظن الزوال و صلى ثم دخل الوقت قبل إكمال الظهر بلحظة صح فعل العصر بعدها، فيكون حينئذ في أول الوقت إلا تلك اللحظة، فلا بأس حينئذ أن يقال إذا زالت الشمس دخل الوقتان، بل قد يدعى تعارف هذه العبارة في كل فعلين مترتبين على نحو صلاة الظهر و العصر، و لا ينافيه اختصاص الأولى من أول الوقت و الثانية من آخره، بل الظاهر ان هذه العبارة في هذا المعنى من ألخص العبارات و أحسنها، و بالجملة لا يتوقف صدق ذلك على صلاحية الوقت الأول لفعلها في بعض الأحوال، بل قد يقال يكفي في الصدق دخول وقت المجموع
ج7،
لا الجميع، كما يومي اليه ما في صحيح زرارة(1)و غيره المتضمن لكون الزوال أول وقت الفرائض الأربعة: أي الظهرين و العشاءين الذي لا وجه له إلا إرادة المجموع، فتأمل. و دعوى أن ذلك كله لا بد فيه من التجوز الذي لا ينبغي أن يرتكب مع التمكن من الحقيقة يدفعها- بعد التسليم، و إلا فقد صرح الشهيد الثاني بأنه حقيقة، و لعله كذلك- انه لا بأس به بعد قيام القرينة، و هي ما سمعته من الأدلة السابقة، على أنه لازم أيضا على تقدير الاشتراك في مثل صحيحة زرارة السابقة، ضرورة إرادة الوقت الواحد المشترك من لفظ الوقتين فيها، لعدم التعدد حقيقة، و رجحانه على المجاز في إسناد الدخول على تقدير الاختصاص باعتبار شدة القرب بين دخولهما، و عدم الحد المعروف المنضبط بينهما، فكأنهما بالزوال يدخلان معا ممنوع، بل لعله أرجح منه من وجوه لا تخفى، لا أقل من التساوي، فلا تدل على الاشتراك كي تنافي ما دل على الاختصاص، بل لو قطع النظر عن تلك الأدلة كان المتجه الوقوف في إثبات التوقيت أولا و آخرا على موضع اليقين، و هو ما بعد القدر المختص من الأول بالنسبة إلى العصر، و ما قبله من الآخر بالنسبة إلى الظهر، إذ النصوص بل الضرورة قاضية بوجوب الصلاة في وقت معين عند الشارع، و اشتراط صحتها به، فلا جهة للتمسك بالأمر المطلق بالصلاة، بل البراءة اليقينية من ذلك الشغل اليقيني موقوفة على ما ذكرنا و إن أجرينا الأصل في شرائط العبادة، فتأمل جيدا.
و قد ظهر لك من ذلك كله أنه لا مجال عن القول بالاختصاص، و أنه لا استبعاد فيه و إن لم يكن له حد معروف بالشرع، بل يختلف بحسب اختلاف المكلفين سفرا و حضرا، ضرورة ظهور التحديد في مرسلة ابن فرقد و المبسوط و الإرشاد و غيرهما
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
بالأربع في الحاضر، و إلا فالمراد نصا و فتوى قطعا مقدار أداء الظهر مثلا، كما عبر به في موضع آخر من السرائر، و ذلك مختلف بالسفر و الحضر و الاختيار و الاضطرار و السرعة و البطء الطبيعيين للمكلفين، بل و باعتبار سبق حصول بعض الأجزاء، كما لو صلى ظانا دخول الوقت، بل و الشرائط كرفع الحدث و إزالة الخبث و تحصيل المكان و الساتر المباحين و عدمه و نحو ذلك، بناء على اعتبار زمانها مع الركعات، فإنه حينئذ ربما كان وقت الاختصاص لمكلف بسبب ثقل لسانه و بطء حركاته و تحصيل ساتره و مكانه و إزالة الحدث و الخبث أكثر من الوقت المشترك، و ربما كان لحظة، كما لو دخل عليه الوقت و هو في حال الخوف و كان متطهرا مستترا طاهر الثوب و البدن، إذ وقت الاختصاص له مقدار تسبيحتين بدلا عن الركعتين، و لا يجب عليه الانتظار حتى يمضي مقدار أداء الأولى لغيره، و كذا لو نسي بعض الأفعال مما ليس بركن و لا يتدارك كالقراءة و الأذكار لا يجب عليه تأخير الثانية بقدر الأجزاء المنسية، و ربما قيل بالوجوب في ذلك كله، لورود التحديد بالأربع، لكنه في غاية الضعف، لانسياق إرادة مقدار الأداء من ذلك في النص و الفتوى، كما أومأت إليه بعض الأخبار(1)و صرح به بعضهم، بل هو معقد شهرة جامع المقاصد و غيره، و معقد إجماع الغنية، و المعروف من مذهب الأصحاب في المدارك، و لا ريب في ظهوره بشمول التامة و المقصورة كما اعترف به في كشف اللثام، بل صرح المصنف و أول الشهيدين بانتهاء القصر إلى تسبيحة، و نسيان بعض الأجزاء بعد أن جعل الشارع الصلاة حاله ما عداها لا نصيب له في الوقت قطعا، بل هو حينئذ كغيره مما لا تعلق له بالصلاة، و مثله كل ما أسقطه الشارع لسفر أو خوف من الكم أو الكيف، بل هو أولى منه، نعم جزم في المقاصد العلية و حاشية الإرشاد بوجوب تأخير الثانية عن فعل ما يتلافى من المنسي كالسجدة و التشهد، و قد
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
ج7،
يوهمه عبارة الدروس، لأنه جزء للصلاة حقيقة، مع أنه منعه عليه الطباطبائي في مصابيحه، لعدم ثبوت التوقيت، إذ القدر الثابت من نصيبه في الوقت إذا كان في محله، و وجوب المبادرة بالمنسي في أول أوقات الإمكان إن اقتضى فساد الشروع في الثانية فلاقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضد أو لغير ذلك، و هو خروج عما نحن فيه، و كذا الكلام في صلاة الاحتياط، بل لعل المنع فيها أولى، لقوة احتمال عدم جزئيتها، و أما سجدتا السهو فينبغي القطع بعدم لزوم التأخير عنهما، لأن ليس لهما نصيب من الوقت و ان جزم به في حاشية الإرشاد، بل إن كان فهو لوجوب المبادرة بهما، مع أن فيه بحثا يأتي في محله، بل الظاهر المنساق إلى الذهن من الأربع و الأداء في النص و الفتوى إرادة مقدار ذلك مع جميع شرائط الصحة للفاقد لها في وقت الاختصاص، كما صرح به المحقق الثاني و الشهيد الثاني و الخراساني، بل ظاهر الأخير انه بعض دعوى القائلين بالاختصاص بل هو مفروغ منه عندهم، و كأنه أخذه من تصريح البعض مع دعوى ظهور الباقين، و إلا فالأكثر على الظاهر عبروا بالأربع و بالأداء من غير تعرض لذلك، و لذا نسبه في كشف اللثام إلى القيل، بل قال: و فيه نظر، قلت: سيما لو احتاجت هي و الأداء إلى أكثر ما بين الزوال و المغرب، لقصور أدلة الاختصاص عن إخراج مثله عن إطلاق ما يقتضي الاشتراك، لكن مع ذا فالاحتياط لا ينبغي تركه، هذا.
و قد بان لك مما ذكرنا أن ثمرة الاختصاص هي عدم صحة العصر مثلا لو وقعت فيه و إن كان سهوا، بخلاف الوقت المشترك، ضرورة وقوع الأولى في غير وقتها، و النسيان غير عذر في مثل ذلك على الأصح كما ستعرفه في محله إن شاء الله، بخلاف الثانية و ان فات الترتيب، إلا أنه قادح مع العمد لا السهو، فمن صلى العصر حينئذ ناسيا و قد ذكر بعد الفراغ و كانت في المختص بطلت، و المدار في معرفته حينئذ على التقدير، و الظاهر مراعاة الوسط بالنسبة للسرعة و البطء الغير الطبيعيين، فلا يقدر غاية
ج7،
الطول الحاصل بسبب مراعاة أكثر المستحبات مثلا، و إن كان من عادته ذلك، إذ هو حال فعله للظهر كذلك لا يحتسب له غير الوسط من الاختصاص، كما أنه لا يقدر ضده أيضا بمراعاة الاقتصار على أقل الواجب إن لم يكن معتادا عليه، أما إذا كان فيحتمل مراعاته، نظرا إلى أن وقت الاختصاص بالنسبة إلى ما لو فعل الظهر ذلك المقدار و إن قل فيقدر، و يحتمل الوسط، للفرق بين التقدير و الفعل، إذ الأول يراعى فيه الوسط، كما في غالب التقديرات التي وردت فيها الروايات بخلاف الثاني، و لا ملازمة بين الاكتفاء به لو وقع و بين تقديره، و لعله لو وقع منه هذه المرة لكان على خلاف عادته، ضرورة عدم علم الإنسان بما يقع منه، فتأمل جيدا. و يكفي التقريبية في التقدير المزبور بالنسبة إلى الفساد، لتعذر التحقيقية، و لو شك في التقدير بنى على الفساد، للشغل مع أصالة عدم دخول الوقت.
لو ذكر في أثناء الفريضة ففي البيان و المقاصد العلية عدل إلى الظهر، و فيه نظر ظاهر، لعدم قابلية الوقت لصحة ما سبق من فعله، فلا يقاس على الواقع في الوقت المشترك، اللهم إلا أن يكونا بنياه على عذرية النسيان في تقديم الفريضة على وقتها كما هو المحكي عن أولهما فيما يأتي إن شاء الله، نعم قد يكون له العدول لو فرض شروعه في العصر في الوقت المختص بوجه شرعي كالظن و نحوه في مقام اعتباره ثم دخل عليه المشترك في الأثناء ثم بان له بعد ذلك قبل الفراغ، لحصول الصحة بدخول المشترك، و لذا لو لم يتبين له حتى فرغ صحت له عصرا كما صرح به في البيان و في المقاصد أيضا، إذ لا يزيد المختص على ما قبل الوقت بالنسبة إلى الظهر، و احتمال أنه لا يصح فيه العصر كلا و لا بعضا بوجه من الوجوه، و انه فرق بينه و بين ما قبل الظهر أولا بالدليل، و ثانيا بأن المراد من الاختصاص عند التأمل ذلك، بخلاف ما قبل الوقت، فان الفساد فيه لعدم الاذن لا للنهي عن الإيقاع فيه بالخصوص ضعيف جدا لا يلتفت اليه.
ج7،
و لو ظن الضيق إلا عن العصر فصلاها ثم بان السعة بمقدار ركعة أو أربع قيل لا إشكال في صحة العصر، لأن المرء متعبد بظنه، و أما الظهر فيصليها أداء فيما بقي من الوقت بناء على الاشتراك، و قضاء فيه أو ينتظر خروج الوقت ثم يقضيها بناء على الاختصاص، على اختلاف الوجهين أو القولين، و فيه أن المتجه فعلها فيه بعد الجزم بصحة العصر حتى على الاختصاص، ضرورة أن المنساق من النصوص و الفتاوى كونه وقت اختصاص للعصر إذا لم يكن قد أداها، و إلا فهو وقت صالح لأداء الظهر و قضاء غيره، نعم بناء على عدم صحة العصر- لفوات الترتيب الذي لم يعلم اغتفاره في المقام، لاختصاصه بالسهو و النسيان كما ستعرفه في محله، أو لاحتمال اختصاص الظهر من آخر الوقت كأوله أيضا بمقدار أدائها إذا لم يبق إلا مقدار العصر، كما حكاه في كشف اللثام بلفظ القيل، مؤيدا له بترتبهما في أصل الشرع، و هو ظاهر قواعد الشهيد أو صريحها- يتجه حينئذ عدم جواز فعل الظهر فيما بقي من الوقت، لأنه ينكشف ببقاء الأربع ركعات مثلا خاصة من الوقت وقوع العصر في وقت اختصاص الظهر، فتبطل، فتجب إعادة العصر في وقت اختصاصه، قال في القواعد: و يحتمل الاجزاء لتقارضهما، كأن العصر قد اقترضت من الظهر وقتها و عوضتها بوقت نفسها، و هو ضعيف، و إلا لكان ينوي في الظهر الأداء في هذه الأربع، و ظاهرهم عدمه، و إنما ينوي القضاء لو قلنا باجزاء العصر.
قلت: لكن ظاهر النصوص و الفتاوى و معقد إجماع الغنية اختصاص الظهر من أول الوقت خاصة، و الاشتراك بعده إلى أن يبقى مقدار الأربع، فيختص العصر بها، كما هو صريح مرسلة ابن فرقد و غيرها، و كونهما مترتبين بأصل الشرع لا يقتضي الاختصاص المزبور، و لعله الأقوى، للأصل و الإطلاق و غيرهما، بل في ظاهر منظومة الطباطبائي أو صريحها الإجماع عليه، قال بعد ذكر الوقت للظهرين و العشاءين:
ج7،
و خص الأولى من كلا الضربينبقدرها من أول الوقتين
و بالأخير منهما الأخرى تخصو شرك الباقي بإجماع و نص
فلا تبطل العصر حينئذ من هذه الجهة، و أما فوات الترتيب فالظاهر إلحاق نحو ذلك بالسهو و النسيان، و إلا فرض المثال فيهما، و حينئذ صح الإتيان بالظهر أداء لا للاقتراض المذكور، بل لما قدمناه من أن المنساق إلى الذهن من ظاهر النص و الفتوى اختصاص العصر بذلك المقدار إذا لم يكن المكلف قد أداها، اقتصارا على المتيقن خروجه من إطلاق الأدلة، و دعوى أن ظاهرهم نيتها فيه قضاء ممنوعة، و كأنه توهمه من إطلاقهم اختصاص العصر بذلك المقدار، و لا ريب أن المراد منه لمن لم يؤدها، و إلا لو أريد جريان حكم الاختصاص عليه و إن كان قد أدى لم يصح فعل الظهر مطلقا لا أداء و لا قضاء، أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلأن معنى الاختصاص عدم صحة الشريكة فيه قضاء، إذ هي لا تكون فيه إلا كذلك، ضرورة خروج وقتها، فمن ترك العصر في وقت اختصاصه و أراد صلاة الظهر فيه قضاء لم يصح له، و إلا مضت ثمرة الاختصاص، و الفرض في المقام جريان حكم الاختصاص عليه، كما لو لم يكن قد أدى العصر، و احتمال أن المراد بالاختصاص عدم وقوع الشريك فيه أداء خاصة لا أداء و قضاء- فمن صلى الظهر حينئذ في وقت اختصاص العصر و الفرض انه لم يكن صلى العصر صحت ظهره قضاء بناء على عدم النهي عن الضد- يدفعه ظهور لفظ الاختصاص في غير ذلك، و ان الأدائية و القضائية ليست من القيود التي تكون موردا للنفي، ضرورة عدم كونهما من المكلف، بل هي أوصاف من لوازم الفعل المكلف به من غير مدخلية للأمر، فلا يتوجه نفيه إليها، فتأمل جيدا فإنه دقيق، و إن كان بعد التأمل واضحا، كوضوح أن المراد باختصاص العصر بأربع من آخر الوقت عدم جواز ابتداء فعل الظهر فيه، لا عدم جوازه مطلقا كلا أو بعضا، فلو بقي حينئذ من الوقت مقدار
ج7،
خمس ركعات مثلا صلى الفرضين كما صرح به جماعة، بل في الخلاف نفي الخلاف فيه و إن وقعت ثلاث منه في وقت اختصاص العصر، لإطلاق
قوله (عليه السلام)(1): «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله»
و غيره مما مر في باب الحيض مفصلا، كما أنه قد مر هناك تمام الكلام فيه أيضا، و في بعض عبارات الأصحاب التي ظاهرها الخلاف و غير ذلك، فلاحظ، بل قد ذكرنا هناك أيضا أن ما دل على الاختصاص المزبور قاصر عن معارضة تلك الأدلة من وجوه.
كما انه لا يعارض ما وقع من العصر في وقت المغرب ما دل على اختصاصه من أول الوقت بثلاث، على أن الظاهر صيرورة الوقت المختص بالمغرب حينئذ ما بعد ثلاث العصر، لما سمعت سابقا من أن وقت الاختصاص هو أول آنات إمكان أداء الفرض، فلا يكون ثلاث العصر حينئذ في وقت اختصاص المغرب، و أيضا المراد بزمان اختصاص كل فريضة هو عدم جواز أداء شريكتها في الوقت فيه لا مطلق الفرض، و من هنا لم يكن للصبح وقت اختصاص، لعدم الشريك لها في بعض وقتها، و انما هو في خصوص الظهرين و العشاءين، فان البحث في الأخيرين كالبحث في الأولين، و لم يفصل أحد بينهما إلا ما يظهر من المبسوط، فلم يثبته أولا و لا آخرا، و هو مع ضعفه و ابتنائه على انتهاء وقت المغرب الاختياري بسقوط الشفق، و انه هو ابتداء وقت العشاء محجوج بما عرفت.
و لذا قال المصنف و كذا إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب، و تختص من أوله بمقدار ثلاث ركعات إن كان المكلف جامعا لجميع الشرائط، و إلا اختص بمقدارها مع الركعات ثم يشاركها العشاء حتى ينتصف الليل، و يختص العشاء من آخر
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة و نصه« من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
ج7،
الوقت بمقدار أربع ركعات إن كان حاضرا، و إلا فركعتين كما عرفته سابقا في الظهرين مفصلا، و لا أظنك بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا تحتاج إلى إعادة البحث هنا بعد أن كانت المسألتان من واد واحد، فبجميع ما تقدم حينئذ منا هناك تقدر على إجرائه هنا بأدنى التفات، إذ أكثر الأدلة مشتركة بين المسألتين حتى الإجماع المحكي، و قال في المختلف: كل من قال باشتراك الوقت بعد الزوال بمقدار أداء الظهر بينها و بين العصر قبل الغيبوبة بمقدار أداء العصر قال باشتراك الوقت بين المغرب و العشاء بعد مضي وقت المغرب إلى قبل انتصاف الليل بمقدار العشاء، و القول بالتفرقة خرق للإجماع.
لكن قد يتناقش فيه بأنه لا خلاف هناك في اشتراك العصر مع الظهر فيما بعد أدائها من الوقت، و أنه لا وقت لها مخصوص ينتظر غير أداء الظهر، و إن كان ربما يوهمه بعض أخبار الذراع و الذراعين و القامة و القامتين و نحوهما، إلا أنه لم يقل أحد بذلك كما سمعته سابقا، بخلافه هنا، لما حكي عن المقنعة و الهداية و الخلاف و المبسوط و المصباح و مختصره و النهاية و الاقتصاد و كتاب عمل يوم و ليلة و المراسم أن ابتداء وقته سقوط الشفق المغربي، بل عن المهذب البارع حكايته عن الحسن أيضا، نعم يحكى عن بعض هؤلاء جواز تقديمه قبل ذلك للمعذور، و سيجيء تمام البحث فيه عند تعرض المصنف له، كما انه سيجيء البحث أيضا في امتداد وقت العشاءين الاختياري و الاضطراري، إنما المقصود هنا بيان أصل الاختصاص و الاشتراك على قياس الظهرين، و إن كان انما يتم على تقدير عدم كون ابتداء وقت العشاء ذهاب الشفق، خصوصا بناء على أنه آخر وقت المغرب اختيارا أيضا، نعم قد يتصور فيه بالنسبة إلى اضطرارية و اختياري العشاء، فهل يختص حينئذ من أوله بمقدار أدائه أولا؟ كما انه يتصور أيضا في آخره الاضطراري الذي هو ربع الليل عندهم، بمعنى أنه لو صلى العشاء نسيانا في آخر وقت المغرب الاضطراري تقع صحيحة أولا، بل قد يتصور أيضا فيما قبل زوال
ج7،
الشفق بناء على جواز فعل العشاء فيه لعذر لا اختيارا حتى بالنسبة إلى أوله، بأن نسي و صلى العشاء و كان في الواقع قبل الغروب بركعة مثلا و وقعت ثلاث ركعات منه في أول المغرب، إلا أن يريدوا بتقديمه قبل الشفق لعذر ما لا يشمل أول الوقت، و كيف كان فلا تنقيح في شيء من كلماتهم لذلك، و يكفينا مؤنة تنقيحه ظهور فساد هذه الأقوال كلها عندنا كما ستعرفه، نعم قد يقوى امتداد وقت العشاءين للاضطرار من النصف إلى الفجر، كما دل عليه الصحيح(1)كما سيأتي البحث فيه، و الظاهر ثبوت الاختصاص بالنسبة إلى الآخر كما دل عليه الصحيح المزبور، و أما أوله فمقتضى الإطلاقات عدمه، إلا أن يثبت التلازم بين الاختصاص آخرا و بينه أولا و لو بعدم القول بالفصل، و الله أعلم.
و ما بين طلوع الفجر الثاني الصادق الذي كلما زدته نظرا أصدقك بزيادة حسنه و نحوه المستطير في الأفق و المعترض المنتشر فيه الذي هو كالقبطية البيضاء، و كنهر سوري، لا الأول الكاذب المستطيل في السماء المتصاعد فيها الذي يشبه ذنب السرحان على سواد يتراءى من خلاله و أسفله، و لا زال يضعف حتى ينمحي أثره إلى طلوع الشمس في أفق ذلك المصلي وقت في الجملة لصلاة الصبح بلا خلاف معتد به فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص متظافرة أو متواترة فيه، بل لعله من ضروريات مذهبنا، لكن اختلف في أنه كذلك للمختار و المضطر أو للثاني خاصة، و ستعرف التحقيق فيه، نعم ينبغي التربص فيه حتى يتبين و يظهر، خصوصا في ليالي البيض و الغيم، للاحتياط في أمر الصلاة، و إيماء التشبيه بالقبطية البيضاء و نهر
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
سوري اليه، و
خبر ابن مهزيار(1)قال: «كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) معي جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأفق و استبان، و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحده لي، و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه حتى يحمر و يصبح؟
و كيف أصنع مع الغيم؟ و ما حد ذلك في السفر و الحضر؟ فعلت إن شاء الله، و كتب بخطه و قرأته الفجر يرحمك الله هو الخيط الأبيض المعترض، و ليس هو الأبيض صعدا، فلا تصل في سفر و حضر حتى تبينه، فان الله تبارك و تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال(2)«كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل و الشرب في الصوم، و كذلك هو الذي توجب به الصلاة»
و على هذا يحمل
صحيح زرارة(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي ركعتين الفجر و هو الصبح إذا اعترض و أضاء حسنا»
و ما حكاه في المكاتبة المزبورة من صلاة بعض الشيعة الصبح في الفجر الأول، بل ظاهر السائل ان الجواز مفروغ عنه، و ان سؤاله عن الأفضلية لا يعد خلافا في المسألة، و لذا لم يحكه أحد من أصحابنا هنا، و لعله (عليه السلام) أمر بعضهم به للتقية أو غير ذلك أو كان يفعله لها و إن لم يأمره به أحد من أئمته (عليهم السلام) و الله أعلم.
و يعلم الزوال الذي قد أنيطت الصلاة به المعبر عنه في الكتاب العزيز ب الدلوك بأمور، أشهرها فتوى و رواية زيادة الظل الحاصل للشاخص بعد
ج7،
نقصانه أو حدوثه بعد عدمه كما في مكة و صنعاء و المدينة في بعض الأزمنة، و ذلك لأن الشمس إذا طلعت وقع لكل شاخص قائم على سطح الأرض بحيث يكون عمودا ظل طويل إلى جهة المغرب، ثم لا يزال ينقص كلما ارتفعت الشمس حتى تبلغ وسط السماء فينتهي النقصان مع بقائه إن كان عرض المكان المنصوب فيه المقياس مخالفا لميل الشمس في المقدار، و يعدم الظل أصلا إن كان بقدره، و ذلك في كل مكان يكون عرضه مساويا للميل الأعظم للشمس أو أنقص، فإنه يعدم حينئذ عند ميلها بقدر ذلك العرض بحيث يكون موافقا لها في الجهة، أي مسامتة لرؤوس أهله، ضرورة أن الظل الباقي للشخص عند الزوال يختلف باختلاف البلاد و الفصول بحسب قرب الشمس من مسامتة رأس الشخص و بعدها عنه، و لذا كان الباقي من الظل في فصل الشتاء و الخريف أطول منه في فصل الربيع و الصيف، لأن الشمس في الأولين في البروج الجنوبية بخلاف الأخيرين، فإنها في البروج الشمالية، و هي أبعد عن مسامتة الرأس منها، إذ كلما قربت الشمس من مسامتته كان الظل أقصر إلى أن تحصل المسامتة حقيقة، فينعدم الظل حينئذ أصلا، إلا أنه لا يكون في العراق و نحوها من النواحي الجنوبية، لنقصان الميل عن عرضها، فلا ينعدم الظل الشمالي فيها أصلا و ان اختلف قلة و كثرة باختلاف الأمكنة و الأزمنة بالنسبة إلى قرب المسامتة و عدمها، كما يومي اليه
خبر عبد الله بن سنان(1)عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم، و في النصف من تموز على قدم و نصف، و في النصف من آب على قدمين و نصف، و في النصف من أيلول على ثلاثة أقدام و نصف، و في النصف من تشرين الأول على خمسة و نصف، و في النصف من تشرين الآخر على سبعة و نصف، و في النصف من كانون الأول على تسعة و نصف، و في النصف من كانون الآخر على سبعة و نصف،
1) 1 الوسائل- الباب- 11- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
و في النصف من شباط على خمسة و نصف، و في النصف من آذار على ثلاثة و نصف، و في النصف من نيسان على قدمين و نصف، و في النصف من أيار على قدم و نصف، و في النصف من حزيران على نصف قدم»
إذ الظاهر منه إرادة بيان اختلاف الظل الباقي عند الزوال بحسب الأزمنة كما اعترف به الكاشاني في الوافي، و قال: الظاهر انه مختص بالعراقي كما قاله بعض علمائنا، لكن في المعتبر توقف فيها، قال لتضمنها نقصانا عما دل عليه الاعتبار.
و كيف كان فمن المعلوم عدم انعدام الظل في هذه النواحي، بل في غالب الربع المسكون، نعم قيل ينعدم في أطول أيام السنة بيوم تقريبا في مدينة الرسول (صلى الله عليه و آله) و ما قاربها في العرض، لمساواته للميل الأعظم إلا بدقائق لا تكاد تظهر للحس، فلا ينعدم حينئذ في غيره، إذ اليوم الثاني تأخذ فيه في الهبوط و يعود الظل الشمالي الأول، و كذا يتفق في مكة شرفها الله تعالى و ما قاربها في العرض قبل الانتهاء بستة و عشرين يوما، و بعده كذلك، لنقصان عرضها عن الميل الأعظم، فينعدم فيه حينئذ في يومين، الأول حال صعودها، و الثاني حال رجوعها، و كذا صنعاء و نحوه مما كان عرضها أنقص من الميل الأعظم، إلا أن اليومين فيها غيرهما في مكة قطعا، بين البلدين من الاختلاف في العرض على ما حكاه ثاني الشهيدين عن محققي هذه الصنعة كالمحقق نصير الدين الطوسي و غيره، قالوا: انما يكون في صنعاء عند كون الشمس في الدرجة الثامنة من برج الثور صاعدة، ثم تميل عنه نحو الشمال و يحدث لها ظل جنوبي إلى أن تنتهي و ترجع إلى الدرجة الثالثة و العشرين من برج الأسد، بحيث يساوي ميلها لعرض البلد، و هو أربع عشر درجة و أربعون دقيقة، و أما في مكة عند الصعود ففيما إذا كانت الشمس في الدرجة الثامنة من الجوزاء، و عند الهبوط في الدرجة الثالثة و العشرين من السرطان، لمساواة الميل في الموضعين لعرض مكة، و فيما بين هاتين
ج7،
الدرجتين من الأيام إلى تمام الانتهاء يكون ظل الشمس جنوبيا.
قلت: و من ذلك كله تعرف ما في الذكرى و غيرها تبعا للمحكي عن العلامة من التمثيل لانعدام الظل بأطول أيام السنة بمكة و صنعاء، إذ قد عرفت أنه ينعدم قبل الانتهاء بكثير خصوصا في صنعاء، لنقصان عرضهما عن الميل الأعظم للشمس، فكيف ينعدم الظل فيهما في ذلك اليوم، نعم هو فيه و في غيره من أيام الهبوط و الصعود قبل صيرورة الميل مساويا أو ناقصا عن العرض جنوبي، كما انه معدوم مع المساواة، و شمالي مع النقصان كما هو واضح محسوس، و من هنا قال في الروضة بعد أن حكى ذلك عنهما:
«و انه من أقبح الفساد، و أول من وقع فيه الرافعي من الشافعية، ثم قلده فيه جماعة منا و منهم من غير تحقيق المحل» إلى آخره. و أوضح فسادا منه ما حكاه في الذكرى عن بعضهم، و في مفتاح الكرامة عن المنتهى و التذكرة من استمرار الانعدام فيهما قبل الانتهاء بستة و عشرين يوما، و بعده إلى ستة و عشرين يوما آخر، فيكون مدة ذلك اثنين و خمسين يوما، ضرورة أنه يكون عند المسامتة للرأس، و ليس هو إلا يوما واحدا في الصعود، و آخر في الهبوط، إذ الشمس لا يبطل سيرها في آن من الآنات، اللهم إلا أن يراد انعدام الظل الشمالي خاصة لا مطلق الظل، أو أن المراد بالانعدام ما يشمل القليل، خصوصا إذا لم يتضح ظهوره للحس في أغلب الشواخص، مع إمكان المناقشة في الأخير بمنع عدم وضوح الظهور للحس في تمام هذه المدة، نعم قد يكون هو كذلك بعد يوم المسامتة أو قبلها ببعض الأيام، و لا ينافيه الاقتصار سابقا على الانعدام في يومين، لأن المراد منه الانعدام الحقيقي الذي لا يكون إلا في المسامتة الحقيقية، و ليس هو إلا يومين، و ما عداهما لا بد فيه من زوال في الجملة إذا اعتبره بمقياس مخروط محدد الرأس، ضرورة لزومه لزيادة الميل المتحقق في غير يوم المسامتة، كما هو واضح.
ج7،
و كيف كان فمعرفة الزوال معه تكون بحدوث الظل، و تركه المصنف لندرته، على أن النصوص لم يذكر فيها إلا الزيادة، ففي
مرفوعة سماعة(1)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «جعلت فداك متى وقت الصلاة؟ فأقبل يلتفت يمينا و شمالا كأنه يطلب شيئا، فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت: هذا تطلب، قال، نعم، فأخذ العود فنصب بحيال الشمس ثم قال: إن الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلا، ثم لا يزال ينقص حتى تزول، فإذا زالت زاد، فإذا استبنت الزيادة فصل الظهر»
و في
خبر علي ابن أبي حمزة(2)«ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام)- أيضا- زوال الشمس فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تأخذ عودا طوله ثلاثة أشبار، و إن زاد فهو أبين، فيقام فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل، فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت»
و في
مرسل الفقيه(3)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «تبيان زوال الشمس أن تأخذ عودا طوله ذراع و أربع أصابع، فتجعل أربع أصابع في الأرض، فإذا نقص الظل حتى يبلغ غايته ثم زاد فقد زالت الشمس، و تفتح أبواب السماء و تهب الرياح و تقضى الحوائج العظام»
فلذلك اقتصر المصنف عليها تبعا للنصوص، على أن معرفة الزوال بالزيادة فيما لا ينعدم الظل فيه تستلزم معرفته بالحدوث بعد العدم ضرورة، إذ ليست الزيادة إلا من جهة ميل الشمس عن دائرة نصف النهار الموهومة المتوسطة بين نقطتي الجنوب و الشمال، و هو كما انه سبب للزيادة المزبورة سبب للحدوث، بل الزيادة في الحقيقة حدوث الظل، و الأمر في ذلك سهل.
و هذه العلامة- مع أنها لا خلاف فيها بين الأصحاب، و دلت عليها النصوص السابقة، و يشهد بها الاعتبار- تامة النفع يتساوى فيها العامي و العالم، إذ ليس هي إلا
ج7،
وضع مقياس في الأرض بأي طور كان، و الأولى فيه ما سمعته في الخبر، ثم يخط على آخر ظله و ينتظر هل ينقص أو يزيد، فان نقص لم تزل حتى يأخذ بالزيادة، نعم عن الروض تقييد الظل بالمبسوط ليخرج الظل المنكوس، قال: «و هو المأخوذ من المقاييس الموازية للأفق، فإن زيادته تحصل في أول النهار و تنتهي عند انتهاء نقص المبسوط، فهو ضده، فلا بد من الاحتراز عنه» إلى آخره. و كأنه لمعلوميته ترك التقييد لإخراجه نصا و فتوى، لكن من المعلوم ان الزوال ليس عبارة عن هذه الزيادة و الحدوث، إذ هو ميل الشمس عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب، و هما في الظل، فإطلاق الزوال عليهما توسع باعتبار دلالتهما عليه و استلزامهما له التي لا ينبغي الشك فيها، ضرورة العلم بتحققه بتحققهما. أما أنهما يدلان على ابتدائية الزوال بحيث لم يتحقق قبل ذلك فقد يناقش فيها، بل في المقاصد العلية أن تحقق الزيادة بعد انتهاء النقصان لا يظهر إلا بعد مضي نحو ساعة من أول الوقت، و من هنا قيل: إن الأولى من ذلك في معرفته استخراج خط نصف النهار على سطح الأرض بنحو الدائرة الهندية(1)التي نص عليها غير واحد من الأصحاب أو الأسطرلاب، فإذا وصل ظل الشاخص اليه كانت الشمس على دائرة نصف النهار لم تزل بعد، فإذا خرج الظل عنه إلى جهة المشرق فقد تحقق زوالها، و هو ميلها عن تلك الدائرة إلى جهة المغرب، و كيفية الأولى أن تساوي موضعا من الأرض مثلا بحيث يكون خاليا من الارتفاع و الانخفاض، و تدير عليه دائرة بأي بعد شئت، و تنصب على مركزها مقياسا مخروطا محدد الرأس، يكون طوله قدر ربع الدائرة تقريبا نصبا مستقيما بحيث يحدث عن جوانبه زوايا قوائم، و يعرف ذلك بأن يقدر ما بين رأس المقياس و محيط الدائرة من ثلاثة مواضع، فان تساوت الأبعاد فهو عمود، ثم تنتظر وصول رأس الظل إلى محيط الدائرة يريد الدخول فيها فتعلم عليه
1) 1 و في النسخة الأصلية« الهندسية».
ج7،
علامة، ثم تنتظر خروجه بعد الزوال عن محيط الدائرة فتعلم عليه عند إرادته الخروج من المحيط علامة، ثم تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم، و تنصف ذلك الخط، ثم تصل ما بين مركز الدائرة و منتصف ذلك الخط بخط، فهو خط نصف النهار، ضرورة اتحاد زمان سير الشمس عند الدخول و الخروج، فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل تنظر إلى ظل المقياس. فمتى وصل إلى هذا الخط كانت الشمس في وسط السماء لم تزل، فإذا ابتدأ رأس الظل يخرج عنه فقد زالت.
و قال الكاشاني في الوافي: ربما لا يستقيم هذا الطريق في بعض الأحيان، بل يحتاج إلى تعديل حتى يستقيم، إلا أن الأمر فيه سهل، و الطريق الأسهل في استخراج هذا الخط الذي لا يحتاج إلى كثير آلة ان يخط على رأس ظل الشاقول أي المقياس المزبور خطا عند طلوعها، و عند غروبها آخر، فان اتصلا خطا واحدا نصف ذلك الخط بخط آخر على القوائم، و إن تقاطعا نصف الزاوية التي حصلت من تقاطعهما بخط فالخط المنصف في الصورتين هو خط نصف النهار، قلت: و يمكن استخراجه بغير ذلك، انما الكلام في اعتبار مثل هذا الميل في دخول الوقت بعد أن علقه الشارع على الزوال الذي يراد منه ظهوره لغالب الأفراد حتى انه أخذ فيه استبانته كما سمعته في الخبر السابق، و أناطه بتلك الزيادة التي لا تخفى على أحد على ما هي عادته في إناطة أكثر الأحكام المترتبة على بعض الأمور الخفية بالأمور الجلية كي لا يوقع عباده في شبهة كما سمعته في خبر الفجر، بل أمر بالتربص و صلاة ركعتين و نحوهما انتظارا لتحققه، فلعل الأحوط مراعاة تلك العلامة المنصوصة في معرفة الزوال و إن تأخر تحققها عن ميل الشمس عن خط نصف النهار بزمان، خصوصا و الاستصحاب و شغل الذمة و غيرهما موافقة لها و الله أعلم.
و أما معرفة الزوال بالعلامة الثانية التي ذكرها المصنف بقوله أو بميل الشمس إلى الحاجب الأيمن مما يلي الأنف لمن يستقبل القبلة من أهل العراق فقد ذكرها
ج7،
غيره من الأصحاب، بل في جامع المقاصد نسبتها إليهم، لكن مع التقييد بما سمعت، و لعله مراد المصنف كما صرح به في المعتبر و إن أطلق هنا كالفاضل في الإرشاد، اعتمادا على الظهور أو على العهدية، لأنها قبلته، بل في المدارك و عن غيرها تقييده أيضا بمن كان قبلته نقطة الجنوب منهم كأطرافه الغربية دون أوساطه و أطرافه الشرقية، فان قبلتهم تميل عن نقطة الجنوب، لكن عن شرح الرسالة أن هذه العلامة لأوساط العراق كالمشهدين الشريفين على مشرفهما السلام و بغداد و الكوفة و الحلة، و لعل الأولى جعل الضابط ما كان منها على نقطة الجنوب كما عن الفاضل الميسي، و إن كان مثل له أيضا بأطراف العراق كالموصل و ما والاها، قال: «أما غيره فإنه و إن كان كذلك إلا أنه لا يعلم إلا بعد زمان كثير» و فيه أن المدار إذا كان على استقبال نقطة الجنوب فلا يتفاوت الحال بين من كان قبلته عليها أو منحرفة عنها، و التمثيل بقبلة العراق بناء على أنها عليها، و إلا فلا خصوصية لها كما أومأ إليه في الذكرى بقوله لمن يستقبل قبلة العراق، ضرورة ظهوره في أنه و إن لم يكن قبلته كأهل العراق، نعم قال المحقق الثاني:
«الظاهر أنه صحيح فيما يلي هذا الجانب من خط الاستواء» و لعله لعدم تمكن استقبال هذه النقطة من الجنوب لغيرهم، كما أن الظاهر مساواة غير أهل العراق لهم إذا أمكن معرفة قدر التفاوت بين القبلتين و انتظر ميل الشمس إلى ذلك المقدار كما أومأ إليه الفاضل فيما حكي عنه من أن قبلة الشام يمكن تبين الزوال بها إذا صارت الشمس في طرف الحاجب مما يلي الإذن.
لكن الانصاف كما اعترف هو به أيضا أنها غير منضبطة، لعسر معرفة قدر التفاوت تحقيقا، بل ربما قيل بعدم انضباط هذه العلامة لو جعل المدار على استقبال القبلة للعراقي، لا ما ذكرناه من استقبال نقطة الجنوب، لاتساع جهة البعيد عن القبلة،
ج7،
بل في حاشية الإرشاد للمحقق الثاني كما عن الروض أنه لا يظهر له الميل إلا بعد زمن كثير، و لعله لذا قيد العلامة المزبورة في المنتهى و النهاية بمن كان بمكة مستقبل الركن العراقي ليضيق المجال و يتحقق الحال، لكن في فوائد الشرائع أنه إن كان المراد أن ذلك علامة لأول الزوال فليس كذلك، لاحتياجه إلى زمن كثير أيضا، و إن أراد أنه دليل على حصول الزوال في الجملة فهو حق، إلا أنه لا يختص بمكة، بل زاد في جامع المقاصد أن الركن العراقي الذي فيه الحجر ليس قبلة أهل العراق كما هو معلوم، بل قبلتهم الباب و المقام، فمن توجه اليه لم تصر الشمس على حاجبه الأيمن إلا بعد زمن كثير، و لعله لما حكي عن الروض من أنه أي الركن ليس موضوعا على نقطة الشمال حتى يكون استقباله موجبا لاستقبال نقطة الجنوب و الوقوف على خط نصف النهار، و انما هو بين المشرق و الشمال، فوصول الشمس اليه يوجب زيادة ميل عن خط نصف النهار كما لا يخفى.
و أنت خبير ان كثيرا من الكلام في المقام مما ذكرناه و ما لم نذكره خارج عن الفائدة، بل يقرب أن يكون مناقشة في عبارة أو مثال مع العلم بالمراد، لما عرفت أن المدار في هذه العلامة ميل الشمس من نقطة دائرة نصف النهار المستخرج بالدائرة الهندية أو غيرها، فان كانت قبلة أهل العراق عليه كما هو مقتضى بعض علاماتها الآتية تحقق الزوال بمجرد الميل عن القبلة، و يتحقق ذلك في زمن قصير يقرب من زيادة الظل بعد نقصه كما اعترف به ثاني الشهيدين فيما حكي عن روضه، و إلا كما يقتضيه البعض الآخر من علاماتها لم يتحقق، و لا يكون هو المدار، بل هو النقطة السابقة، و لا مدخلية لمن كان في مكة أو بعيدا عنها بعد أن علمت أن المدار ما ذكرناه، و إن ذكر القبلة انما هو لأنها على النقطة السابقة، و وجه دلالتها على الزوال حينئذ واضح لتحقق انحراف الشمس عن دائرة نصف النهار، مضافا إلى ظهور اتفاق الأصحاب عليها كما أومأ إليه ثاني المحققين، بل في المبسوط انه قد روي أن من يتوجه إلى الركن العراقي إذا استقبل و وجد الشمس
ج7،
على حاجبه الأيمن علم أنها قد زالت، و هو مشعر بتعرض الأخبار لهذه العلامة و إن كنا لم نجد ذلك فيما حضرنا من الكتب المعدة لها عدا ما رواه في
الوسائل(1)عن مجالسه مسندا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «ان رجلا سأل النبي (صلى الله عليه و آله) عن أوقات الصلاة فقال: أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن»
و ليس فيها تقييد ذلك بالركن العراقي، و الأمر سهل بعد وضوح الحال، و كون المزاد معرفة الزوال بأي طريق يكون و لو ظنا إن قلنا باعتباره، و إلا فلا بد من القطع كيف اتفق كما هو مقتضى الأصول و بعض النصوص(2)و أدلة الاحتياط، خصوصا فيما اشتغلت الذمة فيه، و لا ينافيه الأمر بالصلاة(3)عند صياح الديك ثلاثا ولاء أو مطلقا بعد أن كان موردها يوم الغيم الذي يكتفى فيه بالظن كما ستسمع البحث فيه مفصلا إن شاء الله، و ربما كان طرق أخر أيضا لاستخراج الزوال، و المدار ما ذكرنا، و لا بأس بتفاوت علامات الزوال بالنسبة إلى معرفة أوله أو ما بعده في الجملة، كما أنه لا بأس بتلازمها بعد اختلاف الناس فيما يتيسر له منها و في إرادة معرفة أوله أو ما بعده في الجملة، كما هو واضح.
و يعلم الغروب أي غروب الشمس الذي هو أول وقت صلاة المغرب إجماعا في الغنية و الذكرى و كشف اللثام و عن الخلاف و نهاية الأحكام و كشف الالتباس، بل في المعتبر و عن التذكرة بإجماع العلماء، بل عن المنتهى انه قول كل من يحفظ عنه العلم، بل هو من ضروريات الدين باستتار نفس القرص خاصة عن نظر ذلك المكلف فيما يراه من الأفق الذي لم يعلم حيلولة جبل و نحوه بينه و بينه، كما هو المحكي عن الكاتب
ج7،
و الصدوق في العلل و ظاهر الفقيه و ابن أبي عقيل و المرتضى و الشيخ و سلار و القاضي، و مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين كسيِّد المدارك و الخراساني و الكاشاني و المدقق الشيخ حسن و تلميذه فيما حكي عنهما و الأستاذ الأكبر، للنصوص المستفيضة غاية الاستفاضة و فيها الصحيح و غيره، بل ربما ادعي تواترها المتضمنة تعليق الصلاة و الإفطار على غيبوبة الشمس، و انه بذلك يدخل وقت المغرب، بل في بعضها التصريح بغيبوبة القرص ك
صحيح عبد الله بن سنان(1)عن الصادق (عليه السلام) «وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها»
و
الصحيح الآخر الذي رواه المشايخ الثلاثة، بل الصدوق منهم بأسانيد متعددة عن زرارة(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك، و تكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا»
و غيرهما، بل في بعضها التصريح بأن الذي علينا أن نصلي إذا غربت و إن كانت طالعة على قوم آخرين ك
خبر عبيد بن زرارة(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: صحبني رجل كان يمسي المغرب و يغلس بالفجر، و كنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس، و أصلي الفجر إذا استبان لي الفجر، فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا، و تغرب عنا و هي طالعة على آخرين بعد، قال: فقلت:
إنما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنا و إذا طلع الفجر عندنا، ليس علينا إلا ذاك، و على أولئك أن يصلوا إذا غربت عنهم»
بل في آخر منها التصريح بأن الحد في غيبوبتها عدم رؤياها لو نظرت ك
مرسل ابن الحكم(4)عن أحدهما (عليهما السلام) «انه سئل
ج7،
عن وقت المغرب فقال: إذا غاب كرسيها، قلت: و ما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت:
متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت اليه فلم تره»
فيكون الضمير في كرسيها راجعا إلى الشمس بمعنى الضوء، لإطلاقها عليه و على الجرم و عليهما مشبها للقرص بالكرسي للضوء لتمكنه فيه، بل
خبر الربيع بن سليمان و أبان بن أرقم و غيرهما المروي(1)عن المجالس كالصريح في نفي اعتبار الحمرة، قالوا: «أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بواد الأخضر إذا نحن برجل يصلي و نحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلي و نحن ندعو عليه حتى صلى ركعة و نحن ندعو عليه، و نقول: هذا من شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فنزلنا فصلينا معه و قد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا اليه فقلنا جعلنا فداك هذه الساعة تصلي، فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت»
و
خبر يحيى الخثعمي(2)قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي المغرب و يصلي معه حي من الأنصار يقال لهم بنو سلمة، منازلهم على نصف ميل، فيصلون معه ثم ينصرفون إلى منازلهم و هم يرون مواضع نبلهم»
و يقرب منه ما دل(3)على النهي عن صعود الجبل لتبين سقوط الشمس، خصوصا
خبر الشحام(4)قال: «صعدت مرة على جبل أبي قبيس أو غيره و الناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب، انما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت أبا عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك فقال لي: و لم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت، انما تصليها إذا لم ترها خلف الجبل
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 23 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة لكن رواه عن محمد بن يحيى الخثعمي.
3) 3 الوسائل- الباب- 20- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 20- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة و ليس فيه كلمة« أو غيره».
ج7،
غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها، و انما عليك مشرقك و مغربك»
إلى غير ذلك من النصوص.
و قيل بذهاب الحمرة من المشرق و هو الأشهر بل في كشف اللثام انه مذهب المعظم، بل هو المشهور نقلا و تحصيلا فتوى و عملا شهرة عظيمة سيما بين المتأخرين، بل في الرياض أن عليه عامتهم إلا من ندر، بل في المعتبر أن عليه عمل الأصحاب كما عن التذكرة، بل عن السرائر الإجماع عليه، بل في شرح المقدس البغدادي أن عليه أكثر المتقدمين و عامة المتأخرين، بل كاد يكون في سواد الإمامية ضرورة يعرفون بها، بل في المحكي عن السيد الداماد أن عليه العمل عند أصحابنا و عند أساطين الإلهيين و الرياضيين من حكماء يونان كما ستسمع كلامه بتمامه عند الفراغ من البحث في الأقوال المتعلقة في الظهرين، بل لعله مذهب ابن أبي عقيل أيضا و إن ظن خلافه، لقوله فيما حكي عنه: «أول وقت المغرب سقوط القرص، و علامة ذلك أن يسود أفق السماء من المشرق، و ذلك إقبال الليل، و تقوية الظلمة في الجو، و اشتباك النجوم» بل لعله مذهب الإسكافي أيضا، لأنه قال فيما حكي عنه: أول وقت المغرب وقوع اليقين بغيبوبة قرصها عن النظر، لما ستعرفه من أن اعتبار المشهور ذهابها للدلالة على غيبوبة القرص نفسه عن تمام أفق الأرض المستوية، و إلا فالجميع اتفقوا على دخول وقت المغرب بغيبوبة الشمس، و لعله يريد بقوله عن النظر نظر الجميع بحيث يشمل من لم يكن حائلا بينه و بين الأفق، و من ذلك يعلم أنه لا صراحة في المحكي عن هداية الصدوق و المرتضى أيضا و سلار و القاضي في المهذب و شرح الجمل، لأنهم إنما عبروا بذلك خاصة، بل حكى في التنقيح عن المفيد و المرتضى و سلار و الشيخ القول المشهور، و لعله أخذه من غير مقام، و إلا فالإنصاف أنه لا صراحة في العبارة بأحد الأمرين، خصوصا الأول، سيما و لم يقيدوا ذلك عن النظر كما فعل الإسكافي، بل و لا ظهور عند التأمل، نعم صرح المرتضى
ج7،
منهم فيما حكي من كلامه بعدم اعتبار النجوم الثلاثة في دخول الوقت، و نحن نقول به و إن كان اعتبارها لازما للقول بذهاب الحمرة أو قريبا منه، و منه يعلم حينئذ أنه مذهب الصدوقين في الرسالة و المقنع، لاعتبارهما فيما حكي عنهما ذلك، بل لعل ذلك قرينة على عبارته في الهداية، و لم يتعرض في فقيهه كما قيل سوى انه ذكر أخبار دخول المغرب بغيبوبة الشمس خاصة، و هو لا صراحة فيه، بل و لا دلالة إلا بمعونة ما ذكره في أول كتابه الذي قيل إنه عدل عنه، على أنه أورد هنا خبر بكر بن محمد(1)الآتي الذي هو كالصريح في عدم اعتبار غيبوبة القرص، بل لعله صريح في اعتبار الحمرة كما ستعرف، بل عن بعض الاستدلال به عليها.
و أما الشيخ فعن ظاهر السرائر انه موافق للمشهور في جميع كتبه، بل في مفتاح الكرامة أنه صريح الاستبصار و إن نسب إليه جماعة الخلاف فيه، و كأنهم لم يلحظوا تمام كلامه فيه، و نحوه في الرياض، و لا صراحة في مبسوطة بالخلاف، بل لعله إلى المشهور أقرب، خصوصا إن قلنا إن الاحتياط في عبارته للوجوب كما هي عادته في الاستدلال به في العبادات، فيقلّ الخلاف صريحا حينئذ، بل ينحصر بين القدماء في المحكي عن علل الصدوق، و لم يحضرنا عبارته فيها، و ليس النقل كالعيان، و هو نادر بينهم كندرة من عرفته من متأخري المتأخرين بينهم، على أنهم أو أكثرهم ممن لا يبالي بالشهرة كائنة ما كانت في جنب الخبر الصحيح، كما يشهد له ما في هذا المقام الذي قارب أن يكون ضروريا في زماننا، بل لعله كذلك، بل يمكن دعواها الزمن السابق أيضا كما يومي اليه خبر الربيع و ابن أرقم السابق(2)بل سواد المخالفين يعرفون ذلك منا فضلا عن الموافقين، كما أن سوادنا بالعكس حتى أنهم إذا أرادوا معرفة الرجل من أي الفريقين امتحن بصلاته و إفطاره، فالعجب من هؤلاء المتأخرين كيف أعرضوا
ج7،
عن ذلك و مالوا إلى القول الآخر مستندين إلى كثرة أخباره و صحتها عكس القول الآخر، و لم يعلموا أن ذلك في الحقيقة و النظر الصحيح شاهد عليهم لا لهم، لأن أمر التقية في المقام يقضي بورود أكثر من تلك النصوص، ضرورة كونه من الأمور الظاهرة التي تتكرر في كل يوم، و لا يسع التخفي فيها، فحفظوا أنفسهم و شيعتهم بذلك، فكثرة النصوص فيه دون الآخر أكبر شاهد على ما قلنا، و خصوصا و قد كان في الشيعة سابقا من لا يحافظ على التقية، و يفضح نفسه و إخوانه و إمامه، و لقد تأذى الصادق (عليه السلام) منهم حتى ألجأوه إلى التقية في قوله و فعله،
قال (عليه السلام) في خبر جارود(1): «يا جارود ينصحون فلا يقبلون، و إذا سمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص»
على أنهم (عليهم السلام) لم يألوا جهدا هنا في إظهار الحق و بيان الواقع تصريحا و كناية.
و من الغريب ما عن بعض الناس من دعوى قلة أخبار المشهور و ضعفها حتى أنه تعجب ممن أمر بالاحتياط أو غيره لكثرة الأخبار الدالة على المشهور، إذ لا يخفى على من لاحظ الوافي و الوسائل في المقام و في الحج و الصوم بلوغها إلى أول العقود أو أزيد، و فيها الصريح و الصحيح أو الموثق و غيرهما، ف
في موثق يونس بن يعقوب(2)كما في شرح المقدس البغدادي أو صحيحه كما في مفتاح الكرامة «قلت للصادق (عليه السلام):
متى الإفاضة من عرفات؟ قال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا، و أشار بيده إلى المشرق»
و في
صحيح زرارة(3)«سئل الباقر (عليه السلام) عن وقت إفطار الصائم فقال:
ج7،
حين يبدو ثلاثة أنجم»
ضرورة مناسبته لذهاب الحمرة دون القرص، ك
صحيح بكر بن محمد(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «سأله سائل عن وقت المغرب قال:
إن الله يقول في كتابه لإبراهيم (عليه السلام)(2)«فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً» فهذا أول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق»
و
صحيح إسماعيل بن همام(3)قال: «رأيت الرضا (عليه السلام) و كنا عنده لم نصل المغرب حتى ظهرت النجوم، قال: فصلى بنا على باب دار ابن أبي محمود»
و كونه حكاية فعل فلعله (عليه السلام) فعل ذلك لعذر لا لأنه وقت موظف قد يدفعه- بعد أصالة عدم العذر خصوصا مع عدم ذكر الراوي- ظهور نقل الراوي عنه ذلك في الثاني، و يؤيده ما ستسمعه من فقه الرضا (عليه السلام)(4)و
خبر محمد بن علي(5)قال: «صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد»
فان استمراره (عليه السلام) عليه ظاهر فيما قلناه، كما انه يدفع احتمال تأخيره للاستحباب ما ستعرفه إن شاء الله عن قريب، و
مرسل ابن أبي عمير(6)الذي هو بقوة المسند عن الصادق (عليه السلام) «وقت سقوط القرص و وقت الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص»
و
مرسل ابن أشيم(7)عنه (عليه السلام)
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
2) 2 سورة الأنعام- الآية 76.
3) 3 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
4) 4 المستدرك- الباب- 13- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
أيضا قال: «سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، أو تدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال: لأن المشرق مطل على المغرب هكذا، و رفع يمينه فوق يساره، فإذا غابت من هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا»
و
خبر يزيد بن معاوية(1)عن الباقر (عليه السلام) الذي رواه الكليني و الشيخ بغير واحد من الأسانيد، بل في بعضها من أصحاب الإجماع الذين لا يلتفت إلى من بعدهم في وجه، بل لعل التأمل فيه يورث الفقيه الماهر قطعا بصحته بالمعنى القديم، لكثرة القرائن الدالة على ذلك، قال: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها»
و
موثق عمار الساباطي(2)عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في التهذيب بل و مستطرفات السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب قال:
«إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس، فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب، و كان يصلي حين يغيب الشفق»
و
خبر محمد بن شريح(3)بل في المعتبر أنه رواه جماعة منهم محمد بن شريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن وقت المغرب فقال: إذا تغيرت الحمرة في الأفق و ذهبت الصفرة»
و
خبر يعقوب ابن شعيب(4)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال لي: مسوا بالمغرب قليلا، فان الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا»
و
خبر أبان بن تغلب(5)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «أي ساعة كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوتر؟
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 1 لكن رواه في الوسائل عن بريد بن معاوية و في الاستبصار ج 1 ص 265- الرقم 957 من طبعة النجف عن يزيد بن معاوية.
2) 2 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 13 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب»
و المحكي عن
فقه الرضا (عليه السلام)(1)«أول وقت المغرب سقوط القرص إلى مغيب الشفق- إلى أن قال-: و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق، و في الغيم سواد المحاجر، و قد كثرت الروايات في وقت المغرب و سقوط القرص، و العمل من ذلك على سواد المشرق إلى حد الرأس»
قيل: و أراد بسواد المحاجر سواد الأفق أعلاه و أسفله مع سائر جوانبه، من حيث أن ذلك انما يكون بزوال الحمرة من جانب المشرق بالكلية و ميلها إلى جانب المغرب، و يدل عليه
قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و العمل من ذلك على سواد المشرق إلى حد الرأس»
و
خبر عبد الله بن وضاح(2)قال: «كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص و يقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا و تستر عنا الشمس و ترتفع فوق الليل حمرة و يؤذن عندنا المؤذنون، فأصلي حينئذ و أفطر إن كنت صائما أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل؟ فكتب إلى أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائط لدينك»
ضرورة أن قوله (عليه السلام): «أرى» إلى آخره. إما لعلمه بابتلاء السائل بها أو لأنه (عليه السلام) اتقى من الأمر به، لا للاحتياط، و إلا فالإمام لا يأمر عند السؤال عن الحكم الشرعي بالاحتياط، إذ هو طريق الجاهل بالحكم لا الامام (عليه السلام) كما هو واضح، على أن الاحتياط هنا في فراغ الذمة المشغولة بيقين مع استصحاب النهار، و هو واجب لا يجوز تركه.
على أنه قد يمنع صراحة لفظ الاحتياط بالاستحباب بل ظهوره، لأن ذلك انما هو بالاصطلاح المتأخر بين الأصحاب، و إلا فالاحتياط هو الاستظهار و الأخذ بالأوثق، بل قيل هو كذلك في كلمة متقدمي الأصحاب، فاستفادة استحباب التأخير إلى زوال
ج7،
الحمرة من هذا الخبر- حتى جعل هو، و
خبر شهاب بن عبد ربه(1)عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «يا شهاب اني أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكبا»
شاهدا للجمع بين النصوص بحمل الأولى على دخول الوقت، و الثانية على استحباب التأخير إلى زوال الحمرة- كما ترى، على أن خبر شهاب- مع ضعف سنده، و عدم صراحته في ذلك، و احتمال أن إظهاره ذلك بعنوان المحبة للتقية و غير ذلك- غير مقبول الشهادة على إرادة الاستحباب من تلك النصوص المعتضدة بما عرفت من الأصل و الشغل و الشهرة العظيمة و الموافقة لما سمعت من آي الكتاب، و المخالفة للعامة، و المشتملة على التعليل بكون المشرق مطلا على المغرب، و بأن الشمس تغيب عندكم قبل أن تغيب عندنا، بل بعضها كالمشتمل على التعليل المزبور و نحوه غير قابل للحمل عليه، بل لعل الجميع كذلك، نظرا إلى ما دل على ضيق وقت المغرب، و أنه ليس لها إلا وقت واحد، و نحو ذلك كما سيمر عليك بعضه إن شاء الله مما هو ظاهر أو صريح في فضل صلاة المغرب بأول دخول وقتها.
بل في بعض النصوص(2)لعن من أخر صلاة المغرب طلبا لفضلها، و إن كان قد يقال: إن ذلك تعريض بأبي الخطاب و أصحابه الذين أفسدوا أهل الكوفة، و قد تظافرت النصوص بلعنهم، ففي
خبر القاسم بن سالم(3)عن الصادق (عليه السلام) قال: «ذكر أبا الخطاب فلعنه، و قال: إنه لم يكن يحفظ شيئا حدثته، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) غابت له الشمس في مكان كذا و كذا و صلى المغرب بالشجرة و بينهما ستة أميال فأخبرته بذلك في السفر فوضعه في الحضر»
و في
خبر زرارة(4)
ج7،
عنه (عليه السلام) قال في حديث: «أما أبو الخطاب فكذاب- و قال-: إني أمرته أن لا يصلي هو و أصحابه المغرب حتى يروا كوكب كذا يقال له القيداني و الله ان ذلك الكوكب ما أعرفه»
و في
مرسل سعيد بن جناح(1)عن الرضا (عليه السلام) «ان أبا الخطاب قد كان أفسد عامة أهل الكوفة، و كانوا لا يصلون المغرب حتى يغيب الشفق، و انما ذلك للمسافر و الخائف و لصاحب الحاجة»
و في
خبر الشحام(2)قال:
«قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام): أؤخر المغرب حتى تشتبك النجوم فقال:
خطابية، ان جبرئيل نزل بها على محمد (صلى الله عليه و آله) حين سقط القرص»
إلى غير ذلك مما سيمر عليك بعضه إن شاء الله.
و كيف كان فمن الواضح بعد حمل هذه النصوص على الاستحباب إن لم يكن فساده، و أولى منه بمراتب حمل أكثر تلك النصوص على ما أشارت إليه هذه النصوص من أن ذهاب الحمرة علامة على غيبوبة القرص من تمام الأفق، و به تخرج حينئذ عن أصل المعارضة، بناء على أنها كالمجمل و هذه كالمبين، و إلا كانت من المطلق و المقيد، و كأن الذي ألجأهم صلوات الله و سلامه عليهم إلى كثرة التعبير به لأصحابهم هو الجمع بين الواقع و بين ما تتأدى به التقية مع بيان كذب أبي الخطاب و شدة افترائه اعتمادا على ما ذكروه من تمام التفصيل في النصوص الأخر، مضافا إلى الاعتبار، ضرورة عدم بقاء الحرمة المشرقية مع فرض سقوط قرص الشمس عن الأفق، لأنه إن كان يبقى للشمس شعاع بعد سقوطها عن الأفق فهو في مقابلها من جهة الغرب لا الشرق، و احتمال أن العبرة بسقوطها عن أفق الناظر لا تمام الأفق مقطوع بعدمه، خصوصا بعد قوله
(عليه السلام): «فإنها تغيب عندكم قبل ما تغيب عندنا»
و قوله (عليه السلام):
«فإنها تغيب من شرق الأرض و غربها»
على أن المنساق من الغروب سقوطها عن تمام
ج7،
الأفق، و هو انما يكون متأخرا عن خفائها عن العين بسبب اختلاف الأرض و كروية الماء كما صرح به في المقاصد العلية، و ما في الذخيرة- من أن غيبوبة الشمس عن الأفق الحقيقي في الأرض المستوية حسا انما يتحقق بعد غيبوبتها عن الحس بمقدار دقيقة تقريبا، و هو أقل من ذهاب الحمرة، فكيف يناط به- يدفعه بعد تسليمه أنه لا قائل بالفصل، و انه قدر مجهول غير منضبط لا يمكن إحالة عامة المكلفين عليه، و سيما العوام منهم، على أنك ستعرف إن شاء الله أن الحمرة علامة لليقين بالمغرب لا أن زوالها غروب، فتأمل.
و قوله (عليه السلام) في خبر الشحام السابق: «انما عليك مشرقك و مغربك»
لا بد من تنزيله على أمر آخر من التقية و نحوها عندنا و عند الخصم، ضرورة عدم اكتفائه في سقوط القرص بمجرد عدم رؤياها و ان علم ان هناك حائلا يحتمل استتارها به أو يعلم، و لعل تعنيف الشحام على صنعه و تجسسه الذي هو مثار الفتنة، بل قد يومي صدره إلى ذلك، على أنه يمكن نهيه له عن التجسس بعد زوال الحمرة كما يومي اليه
قوله (ع):
«و انما عليك مشرقك و مغربك»
إذ لو كان المراد ذهاب القرص لم يكن لذكر المشرق ثمرة، و احتمال أنه ذكره لصلاة الفجر بعيد.
و أما مرسل ابن الحكم السابق فهو- مع أنه لا جابر له، و محتمل لإرادة أنك إذا لم ترها و لا أثرها كالحمرة و نحوها أو لم ترها إذا لم تحتمل الحائل بينك و بين الأفق أو غير ذلك- محمول على التقية كالخبرين اللذين بعده، خصوصا بعد إنكار الجماعة السابقين على أبي عبد الله (عليه السلام) ذلك، و خصوصا بعد ما قيل من رواية العامة نحو خبر الخثعمي عن جابر(1)عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، على أن قضيتها كغيرها من بعض النصوص دخول الوقت بزوال القرص عن النظر و إن بقي ضوؤه
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 20 من كتاب الصلاة لكن رواه في الوسائل عن عمرو بن شمر عن جابر.
ج7،
على الجدران و المنارة و الجبال و نحوها، و هو و إن كان صريح المبسوط انه مما يتفرع على هذا القول، بل في الرياض أنه هو القول المقابل للمشهور و ان ما عداه محدث، إلا أنه مع كونه خلاف ما يظهر من بعض أهل هذا القول أيضا كالخراساني بالنسبة إلى العمران في غاية الوضوح من الفساد، و إلا لزم اختلاف الوقت باختلاف أمكنة الناظرين سفلا و علوا من البئر إلى المنارة، على أن من المقطوع به عدم صدق غيبتها عن النظر مع رؤية ضوئها على قلل الجبال كما هو واضح.
و منه يعلم حينئذ تعين قول المشهور بناء على أن المقابل له هذا القول الذي هو واضح الفساد، و ان اعتبار بعض المتأخرين ذهاب الشعاع قول محدث، فتأمل جيدا.
كما أن منه يعلم إمكان الاستدلال على المختار أيضا ب
خبر الهاشمي(1)عن الصادق (عليه السلام) و ان استدل به للأول قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث يغيب حاجبها»
لأن المراد بالحاجب الضوء كما قيل، و في بعض النسخ «حاجها» من دون الموحدة، قال الكاشاني: «لعل المراد بحاجها ضوؤها الذي في نواحيها، فان حجاب الشمس يقال لضوئها، و حاجها لنواحيها» إلى آخره.
فظهر لك من ذلك كله ان تلك النصوص بين ما هو في الحقيقة لنا لا علينا، و هو المتضمن دخول الوقت بغيبوبة القرص، و لعله الأكثر، لما عرفت من أن المراد به عن تمام الأفق، و لا يكون إلا بعد ذهاب الحمرة كما صرحت به النصوص السابقة، و بين ما لا جابر لسنده و محمول على التقية.
فلا ريب حينئذ في رجحان هذه النصوص عليها من وجوه لا تخفى، بل كان المسألة من القطعيات و إن كنا قد أطنبنا الكلام فيها، لميل بعض الأعاظم ممن قارب عصرنا إلى ذلك القول النادر لبعض ما تقدم الذي قد عرفت ما فيه، و لأنه لو
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 27 من كتاب الصلاة.
ج7،
اعتبرت الحمرة المشرقية من حيث دلالتها على زوال القرص في الغروب لاعتبرت المغربية بالنسبة إلى الطلوع المعلوم خلافه، و فيه أولا ما قيل من أنه لا يرد على من التزم ذلك كثاني الشهيدين في المقاصد العلية، قال: و انما كان زوال الحمرة علامة على الغروب لأن الاعتبار في طلوعها و غروبها لما كان بالأفق الحقيقي لا المحسوس، و كان طلوعها يتحقق قبل بروزها بزمن طويل غالبا، و من ثم اعتبر لها أهل الميقات مقدارا في الطلوع يعلم به و ان لم يشاهدها، فكذلك القول في غروبها، لعدم الفرق، لكنك خبير أنه لا صراحة في كلامه بأن ظهور الحمرة في المغرب علامة على طلوعها بحيث تقع الصلاة بعد ذلك قضاء، بل أقصاه الحكم بالطلوع قبل البروز للعين، لا أن علامة ذلك ظهور الحمرة، نعم في كشف اللثام عند بيان آخر وقت الصبح «ثم إذا كان زوال الحمرة من المشرق علامة غروب الشمس فالظاهر أن ظهورها في المغرب علامة طلوعها، و قد روي(1)ذلك عن الرضا (عليه السلام)» و كأنه أشار إلى ما في المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) من أن آخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في أفق المغرب، و قد رخص للعليل و المسافر و المضطر إلى ما قبل طلوع الشمس، و هو مع عدم حجيته عندنا محمول على إرادة الكراهة في شدة التأخير، بل رخصته لمن عرفت دليل على بقاء الوقت، و نحوه ما في المحكي عن
دعائم الإسلام(2)عن الصادق (عليه السلام) «ان آخر الوقت أن يحمر أفق المغرب، و ذلك قبل أن يبدو قرن الشمس بشيء»
قال في البحار: اعتبار احمرار المغرب غريب، و قد جرب انه إذا وصلت الحمرة إلى أفق المغرب يطلع قرن الشمس.
و ثانيا إمكان الفرق بين الحمرتين، خصوصا بعد
قوله (عليه السلام): «إن المشرق مطل على المغرب»
فإنه قد يكون ذلك سببا لدلالة الحمرة على عدم الغروب بخلاف الطلوع، فلعل الحمرة المغربية حينه كالحمرة المشرقية الحاصلة قبل الطلوع بزمان كثير
ج7،
مرتفعة عن الأفق التي هي أشبه شيء بالشفق المغربي الحاصل بعد غروب الشمس و إن تفاوتا في طول الزمان و قصره من جهة ظهور المشرق و انخفاض المغرب. و ثالثا أنه اجتهاد في مقابلة النص، فلعل الشارع لم يعتبر ذلك الطلوع في صلاة الفجر، و اعتبره في المغرب، و المنع من عدم اعتباره في الفجر- لخبر الرضا (عليه السلام) و لأن الشارع علق الحكم على الطلوع المتحقق بظهور الحمرة، و لم يصرح بأن المراد رؤية نفس القرص- يدفعه- مع أن ذلك المعاصر لا يقول به- عدم اعتبار ما أرسله عن الرضا (عليه السلام) في قطع الاستصحاب و غيره، و القطع بعدم اكتفاء الشارع في هذا المعنى الذي ينساق إلى الذهن خلافه بمثل هذه العبارة من غير إشارة في شيء من النصوص الواردة فيه اليه كالفتاوى، بل تركهم له فيه بعد ذكرهم إياه في المغرب كالصريح في عدم اعتباره، لا أنه قرينة على إرادته كما هو واضح، و رابعا ما في الرياض من أن ذهاب الحمرة من المشرق علامة على تيقن الغروب الذي هو المعيار في صحة الصلاة، و انقطاع استصحاب عدم الغروب، و المفرغ للذمة بيقين لا أنه نفس الغروب، فلا يرد النقض حينئذ بظهور الحمرة المغربية بالنسبة للطلوع، إذ أقصاه حصول الشك بذلك في طلوع الشمس على الأفق المشرقي، و هو لا يقطع يقين الوقت، بل لا يقطعه إلا الطلوع الحسي، إذ الأمر فيه على العكس من الأول، و هو جيد لولا ظهور النصوص و الفتاوى بكون الحمرة علامة للغروب نفسه لا يقينه، نعم هو على كل حال مؤيد بالأصل و الاحتياط، بل مقتضاهما و مرسل ابن أبي عمير السابق(1)و الرضوي(2)التأخير حتى تذهب الحمرة إلى أن تجاوز سمت الرأس كما صرح به ثاني الشهيدين و الفاضل الهندي بل و الكليني
ج7،
و الميسي فيما حكي عنهما، و ربما يومي اليه خبر أبان بن تغلب(1)و خبر محمد بن شريح(2)بل لعله ظاهر كل ما دل على اعتبار ذهاب الحمرة من المشرق، ضرورة إرادة ربع الفلك منه، فيعتبر حينئذ ذهابها منه تماما من غير فرق بين ما يكون أمام المستقبل أو على جانبه، و لا ريب في أنه أحوط، بل لعل الاحتياط التأخير أيضا في بعض أيام الغيم عن ذهاب الحمرة التي تعلو ما كان منه في جانب الشرق إذا احتمل أنها من شعاع القرص، و الله أعلم.
هذا كله فيما يتحقق به زوال الشمس و غروبها و ذكر مواقيت الصلوات على الاجمال، أما التفصيل فالمشهور نقلا كما في المفاتيح و عن غيرها و تحصيلا أن لكل صلاة وقتين، بل الظاهر انه مجمع عليه، بل عن ناصريات المرتضى دعواه عليه و إن قيل إنه حكى القاضي عن بعض أصحابنا قولا بأن للمغرب وقتا واحدا عند الغروب، ل
صحيح الشحام(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت المغرب فقال: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلى الله عليه و آله) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب، فان وقتها واحد، و إن وقتها وجوبها»
و
صحيح أديم بن الحر(4)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن جبرئيل أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالصلوات كلها، فجعل لكل صلاة وقتين إلا المغرب، فإنه جعل لها وقتا واحدا»
و عن الكافي(5)انه رواه زرارة و الفضيل، قالا: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إن لكل صلاة وقتين غير المغرب، فان وقتها واحد، و وقتها وجوبها، و وقت فوتها سقوط الشفق»
و غيرها من النصوص.
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
إلا أنه قول نادر بين الطائفة مجهول القائل يجب على الفقيه طرحه و عدم الالتفات اليه إن أراد باتحاد وقتها عدم وقت آخر لها في جميع الأحوال الاختيارية و الاضطرارية، إذ هو- مع مخالفته لخصوص ما دل على تثنية الوقت للمغرب كخبر ذريح(1)و لعموم ما دل عليها لكل صلاة الذي يقصر حكم هذا الخاص عليه بسبب اعتضاده بظاهر الكتاب و السنة و الفتاوى و غيرها- مخالف لخصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على صحة فعلها في الجملة بعد الوقت المزبور، بل و كذا إن أريد بالاتحاد المذكور عدم اتساع الوقت الأول الذي هو للفضيلة أو للمختار، و انه ليس إلا مقدار أدائها من أول الغروب، إذ ظاهر النصوص و الفتاوى أيضا امتداده إلى ذهاب الحمرة المغربية المسماة بالشفق، ففي
خبر إسماعيل بن جابر(2)عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن وقت المغرب قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق»
و في
خبر إسماعيل بن مهران(3)عن الرضا (عليه السلام) «ان وقت المغرب ضيق، و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها إلى البياض في أفق المغرب»
إلى غير ذلك من النصوص التي مرت عليك بعضها، و يمر عليك آخر إن شاء الله.
نعم لا سعة فيه كالظهرين لما عرفته من أن ابتداء زوال القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية إلى ما يسامت الرأس، و آخره ذهاب الشفق، قال الكليني في الجمع بين روايتي الاتحاد و التثنية في المغرب: «أنه لأن المغرب يحصل بذهاب الحمرة إلى ما يسامت الرأس، و الشفق هو الحمرة المغربية، و ليس بين هذين الذهابين إلا قدر ما يصلى المغرب و نوافلها بتؤدة، و قد تفقدت ذلك غير مرة» قيل و لذا تجوز في التعبير عنه بالاتحاد، و هو جيد
ج7،
بناء على أن متعلق التثنية في غيرها الفضيلي كما يومي اليه بعض النصوص المتضمنة لمجيء جبرئيل (ع) بالوقتين كي يصح حينئذ استثناؤها بالخصوص من هذا الحكم لا هو و الاجزائي كما هو ظاهر الفتاوى، بل هو صريح بعضهم، و من هنا قال الأستاذ الأكبر بعد نقله الكلام المزبور عن الكليني: قضية قوله هذا أن المغرب بعد سقوط الشفق لا وقت لها أصلا كما سننقله عن الخلاف و غيره، و أما على طريقة الأصحاب فلا يتمشى هذا التوجيه، لأن المغرب وقتا بعد سقوط الشفق قطعا، سواء قلنا إنه وقت إجزاء أو اضطرار، إلا أن يقال: إن سائر الصلوات لها ثلاث أوقات: وقت الفضيلة و وقت الاجزاء و وقت الاضطرار، بخلاف المغرب، فان لها وقتين: وقت الفضيلة و الاجزاء، و كان وقت الاضطرار ليس بوقت حقيقة، قلت: و هو كما ترى بعيد مخالف لظاهر الأكثر، و لعله لذا حمل بعضهم هذه النصوص على استحباب المبادرة إلى فعلها، و هو غير الأول، لكن فيه أنه لا وجه حينئذ لاستثنائها من بين الفرائض، ضرورة اشتراك الكل في هذا المعنى، اللهم إلا أن يراد أنها أشد من غيرها طلبا بالنسبة إلى إيقاعها في الفضيلي من الوقتين، و ان إرادة المبادرة إليها بالسرعة إلى أدائها آكد من غيرها باعتبار ضيق وقتها الفضيلي و عدم سعته.
و كيف كان فالأمر سهل بعد وضوح الحال لديك،
انما الكلام في تحديد أواخر أوقات الصلوات، إذ قد عرفت مبتدأة فيها جميعها، و التحقيق امتداده للمختار في الظهرين إلى غروب الشمس، بناء على الاشتراك، و إلا فالظهر خاصة إلى ما قبله بأربع ركعات، و في العشاءين إلى انتصاف الليل كذلك، و في الصبح إلى طلوع الشمس كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا قديما و حديثا فتوى و عملا من السواد و العلماء، بل استقر المذهب عليه في هذه الأزمنة، بل ستعرف أن الخلاف فيه لفظي و إن توهم أنه معنوي، بل في الغنية و عن السرائر الإجماع عليه، بل عن الناصريات
ج7،
ذلك أيضا في الجملة، للأصل في وجه، و قوله تعالى(1)«أَقِمِ الصَّلاةَ» سواء فسر الدلوك بالزوال كما هو مستفاد من النصوص(2)بل حكي عن تصريح جماعة من أهل اللغة أيضا، بل في الذخيرة أن أكثر التابعين و المفسرين عليه، و نحوه في التنقيح، فيكون حينئذ دالا على التوسعة المزبورة في الأربع بناء على أن الغسق النصف لا أول الظلمة، و إلا كان دالا على الظهرين خاصة، و على كل حال فالمراد الدلالة و لو بضميمة عدم القول بالفصل المحكي عن المنتهى، إذ لا مجال لاحتمال انتهاء الوقت مثلا بالمثلين، لعدم صدق توسعة الوقت للمجموع حينئذ من الدلوك إلى غسق الليل، ضرورة توقفه على قابلية تمام الوقت لواحدة من أجزاء المجموع، و هو لا يكون في الظهرين مثلا إلا بتوسعتهما معا أو العصر خاصة إلى المغرب، و يتم بعدم القول بالفصل، أو فسر بالغروب، لدلالته حينئذ على التوسعة في المغرب و العشاء أو الأخير خاصة من غير تقييد بالضرورة، هذا كله مع قطع النظر عن ملاحظة تفسيره بما في
صحيحي زرارة(3)و عبيد ابنه(4)عن الباقر و ولده الصادق (عليهما السلام) قال في الثاني منهما: «ان الله افترض أربع صلوات أول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، و منها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه».
و النصوص المستفيضة بل هي متواترة معنى في الدلالة على ذلك، منها ما ورد في أفضلية الوقت الأول الظاهر في جواز غيره، و إن كان فيه ترك الأفضل، و الدال منها
ج7،
على المطلوب على اختلافها في الدلالة يقرب من اثني عشر خبرا، بل في بعضها التصريح بذلك، ك
صحيح زرارة(1)قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): أحب الوقت إلى الله عز و جل أوله حين يدخل وقت الصلاة، فصل الفريضة، فان لم تفعل فإنك في وقت منهما حتى تغيب الشمس»
و ما في وافي الكاشاني من أنه لا دلالة لأن ما يفعله المختار أفضل مما يفعله المضطر أبدا، و كما أن العبد بقدر التقصير متعرض للمقت من مولاه كذلك بقدر حرمانه عن الفضائل مستوجب للبعد عنه، نعم إذا كان الله هو الذي عرضه للحرمان فلا يعاقبه عليه، لأن ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر- بعد الإغضاء عما في دعوى أفضلية فعل المختار على المضطر مع عدم زيادة له اختيارية، بل هو محض اتفاق اختص به عن المضطر الذي كان اضطراره من أمر سماوي مثلا، و عما في تشبيهه الحرمان بالتأخير- يدفعه انه خلاف ظاهر إطلاق الأفضلية المقتضية اتحاد حالتي المكلف كما في غيره من المستحبات، على أن الغرض من هذه النصوص الحث و الترغيب في فعل الصلاة في الوقت الأول من حيث أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في الوقت الآخر، و لا يتصور ذلك في شأن المعذور، لأن عذره يمنعه عن إدراك الوقت الأول، فلا ريب حينئذ في بعد الاحتمال المزبور.
كما ان احتمال إرادة أول الوقت من الأفضلية المزبورة- ضرورة اتساع الوقت الأول في الجملة، لإتمام الوقت الأول بالنسبة إلى الآخر الذي هو الاجزاء عند المشهور كما يومي اليه التعليل في بعضها(2)بمحبة الله تعالى من الخير ما يعجل، و نحوه، بل يشهد له أيضا إضافة الأول إلى الوقت في بعضها لا وصف الوقت به كي يراد به الأفضلية بالنسبة إلى الوقت الآخر ليثبت المطلوب، بل قد يشهد له نصوص(3)إشارة جبرئيل
ج7،
على النبي (صلى الله عليه و آله) بالأوقات، ضرورة ظهورها خصوصا بمعونة خبر زرارة(1)منها المشتمل على اختلافه مع حمران في إرادة ما جاء به للنبي (صلى الله عليه و آله) في اليوم الأول بالوقت الأول، و ما جاء به في اليوم الثاني بالوقت الثاني، و هو انما جاءه في اليوم الأول حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر، و في اليوم الثاني حين زاد الظل قامة، و العصر في اليوم الأول بثاني وقت الظهر، و في اليوم الثاني حين زاد الظل قامتين، و المغرب في اليومين بوقت واحد، و العشاء عند سقوط الشفق و عند ذهاب ثلث الليل، و الصبح حين طلوع الفجر و حين تنوره، ثم قال: ما بينهما وقت، و نحوه غيره، لكن بإبدال القامة بالذراع، و آخر مع إبدال القامة و القامتين بالقدمين و الأربعة- يدفعه ملاحظة النصوص، خصوصا المتضمنة تثنية الوقت للصلاة، و ان أفضلهما أولهما، و التعليل بمحبة الله التعجيل كما ينطبق على أول الوقت الأول بالنسبة إلى آخره و غيره من الأوقات ينطبق أيضا على تمامه بالنسبة إلى الوقت الثاني، فيستفاد منه حينئذ الحث على المواظبة على أوائل الأوقات و الأوقات الأوائل كما اعترف به الكاشاني في الوافي، فلا تنافي الإضافة حينئذ أيضا، لظهورها أيضا في مفضولية غير أول الوقت الأول و غيره من أوائل الوقت الثاني و غيره، كما يشهد له
صحيح زرارة(2)قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك الله وقت كل صلاة أول الوقت أفضل أو وسطه أو آخره، فقال: أوله، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إن الله يحب من الخير ما يعجل».
على أن بعض النصوص التي أضيف الأول فيها إلى الوقت يمكن كونها من إضافة الصفة إلى موصوفها، بل ربما كان فيه ما يشهد لذلك ك
خبر عبد الله بن سنان(3)عن
ج7،
أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لكل صلاة وقتان، و أول الوقت أفضله، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا إلا في عذر من غير علة»
و أخبار إشارة جبرئيل لا دلالة فيها على تحديد أواخر الأوقات الأواخر، بل أقصاها تحديد أواخر الأوائل بأوائل الأواخر، على أن الخصم يوافق على سعة الوقت للمضطر، و من هنا قال بعض من وافقهم على تثنية الوقت للمختار و المضطر لا للفضل و الاجزاء بعد ذكره هذه النصوص: انما اقتصر فيها على بيان أوائل الأوقات و لم يتعرض لأواخرها، لأن أواخر الأوقات الأوائل تعرف من أوائل الأوقات الأواخر، و أواخر الأواخر كانت معلومة من غيرها، أو نقول لم يؤت للأواخر بتحديد تام، لأنها ليست بأوقات حقيقية، و انما هي رخص لذوي الأعذار كخارج الأوقات لبعضهم، و انما أتي بأوائلها ليتبين بها أواخر الأوائل التي كان بيانها من المهمات، و أهمل أواخرها لأنها تضييع للصلاة كما يأتي في الأخبار، و على الثاني لا خفاء في قوله (ع):
«و ما بينهما وقت» أو «ما بين هذين الوقتين وقت» و أما على الأول فلا بد من تأويل بأن يقال يعني بذلك أن ما بينهما و بين نهايتهما وقت، و بالجملة لا تستقيم هذه الأخبار إلا بتأويل، و هو في غاية الجودة، و ان كان احتماله الثاني فيه ما لا يخفى.
و منها مرسل داود بن فرقد المتقدم سابقا(1)و منها
خبر معمر بن يحيى(2)قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: وقت العصر إلى غروب الشمس»
و منها
خبر عبيد بن زرارة(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر
ج7،
و العصر فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر و العصر جميعا إلا أن هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس»
و منها
خبره الآخر(1)عن الصادق (عليه السلام) «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلا أن هذه قبل هذه»
و منها
خبر داود الصرمي(2)قال: «كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوما فجلس يحدث حتى غابت الشمس ثم دعا بشمع و هو جالس يتحدث، فلما خرجت من البيت نظرت و قد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب، ثم دعا بالماء فتوضأ و صلى»
و منها
خبرا عمر بن يزيد(3)قال في أحدهما: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أكون مع هؤلاء و أنصرف من عندهم عند المغرب، فأمر بالمساجد فأقيمت الصلاة فإن أنا نزلت أصلي معهم لم أتمكن من الأذان و الإقامة و افتتاح الصلاة، فقال: ائت منزلك و انزع ثيابك، و إن أردت أن تتوضأ فتوضأ و صل، فإنك في وقت إلى ربع الليل»
و منها
صحيح زرارة(4)عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس»
و منها ما دل(5)على جواز تأخير الصائم الصلاة في الصورتين المشهورتين، و منها
الموثق أيضا(6)عن الصادق (عليه السلام) «لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس،
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 24 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 8 و 11 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 26- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 6- من أبواب آداب الصائم- من كتاب الصوم.
6) 6 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
ج7،
و لا صلاة الليل حتى يطلع الفجر»
و
خبر ربعي(1)عن الصادق (عليه السلام) «إنا لنقدم و نؤخر، و ليس كما يقال من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك، و انما الرخصة للناسي و المريض و المدنف و المسافر و النائم»
بناء على انه كله من مقول القول المنفي، و منها النصوص(2)المتضمنة تحديد العشاء إلى نصف الليل، إلى غير ذلك من النصوص المروية في الكتب المعتبرة المنجبرة بالفتوى و العمل التي منها الواردة في الحائض(3)و غيرها الممنوع إرادة الخصوصية منها للعذر كما لا يخفى على من لاحظها و سياقها، و منها
خبر أبي بصير(4)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل، و أنت في رخصة إلى نصف الليل، و هو غسق الليل، فإذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة فلا رقدت عيناه»
و
خبره الآخر(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «لو لا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل»
و
المرسل(6)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «إذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل»
و
الآخر(7)عن أبي جعفر (عليه السلام) «ملك موكل يقول من نام عن العشاء الآخرة إلى نصف الليل فلا أنام الله عينيه»
و في
خبر عبيد بن زرارة(8)عنه (عليه السلام) أيضا «وقت الصلاتين إلى نصف الليل»
إلى غير ذلك من النصوص
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 4 و 6 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- الحديث 7 و 10 و 11 و 12.
4) 4 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 24 من كتاب الصلاة.
ج7،
التي هي أكثر من أن تحصى، و في كثير منها(1)الدلالة على عدم اعتبار ذهاب الشفق المغربي في وقت العشاء، كما ان في جملة منها التصريح بذلك، ك
خبر زرارة(2)«سألت أبا جعفر و أبا عبد الله (عليهما السلام) عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقال: لا بأس»
و غيره مما ستسمعه إن شاء الله.
و لكن مع ذلك كله قال آخرون و هم الشيخ في المبسوط و المحكي عن خلافه و جمله و سلار في المراسم و ابن حمزة في الوسيلة و القاضي ما بين الزوال حتى يصير ظل كل شيء مثله وقت للظهر للمختار، و للعصر من حين يمكن الفراغ من الظهر حتى يصير الظل مثليه للمختار أيضا دون المعذور و المضطر، فيمتد الوقت لهما إلى الغروب، قال في المبسوط: «و الأعذار أربعة أقسام: السفر و المطر و المرض و أشغال يضر به تركها في باب الدين أو الدنيا، و الضرورات خمسة: الكافر إذا أسلم و الصبي إذا بلغ و الحائض إذا طهرت و المجنون إذا أفاق و كذلك المغمى عليه» و الأولى تفسير الضرورة بما لا يتمكن معه من الصلاة في الوقت الأول، و العذر ما تضمن جلب نفع أو دفع ضرر، سواء تعلق بأمر الدين أو الدنيا، لأصالة عدم كون غير الوقت المزبور وقتا للمختار المقطوعة ببعض ما سمعته فضلا عن جميعه، و ل
صحيح ابن سنان(3)عن الصادق (عليه السلام) في حديث «لكل صلاة وقتان، و أول الوقتين أفضلهما، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنه وقت من شغل أو نسي أو سهى أو نام، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر أو علة»
و نحوه صحيحه الآخر(4)
«إلا في عذر من غير علة»
كما تقدم في ص 127.
عنهج7،
(عليه السلام) مع حذف قوله (عليه السلام): «و لا ينبغي» إلى قوله (عليه السلام):
«و ليس» منه، و
النبوي(1)الذي أرسله الصدوق عن الصادق (عليه السلام) أيضا «أوله رضوان الله، و آخره عفو الله، و العفو لا يكون إلا عن ذنب»
و
خبر الساباطي(2)المروي عن المجالس عنه (عليه السلام) أيضا في حديث «و من صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة، و هي تهتف به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني، و لا رعاك الله كما لم ترعني»
و
المروي(3)عن تفسير علي بن إبراهيم مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في قول الله عز و جل(4)«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» قال: «تأخير الصلاة عن أول الوقت لغير عذر»
إلى غير ذلك، بناء على أن المراد بأول الوقت الوقت الأول، و انه للظهر بلوغ الظل المثل، و للعصر المثلين، ل
صحيح أحمد(5)«سألته عن وقت صلاة الظهر و العصر فكتب قامة للظهر، و قامة للعصر»
و
زرارة(6)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الصلاة الظهر في القيظ فلم يجبني، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد بن هلال: إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فحرجت من ذلك، فاقرأه مني السلام و قل له: إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، و إذا كان ظلك مثليك فصل العصر»
و
خبر محمد بن حكيم(7)قال: «سمعت العبد الصالح (عليه السلام) و هو يقول: إن
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 20 من كتاب الصلاة.
4) 4 سورة الماعون- الآية 4 و 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة و فيه« قال لعمر بن سعيد» و هو سهو و الصحيح لعمرو بن سعيد كما في الاستبصار.
7) 7 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 27.
ج7،
أول وقت الظهر زوال الشمس، و آخر وقتها قامة من الزوال، و أول وقت العصر قامة، و آخر وقتها قامتان، قلت: في الشتاء و الصيف سواء قال: نعم»
و
أحمد بن عمر(1)عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن وقت الظهر و العصر فقال:
وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، و وقت العصر قامة و نصف إلى قامتين»
و موثق معاوية بن وهب(2)المتضمن إشارة جبرئيل بالأوقات، و أما الامتداد للعذر فلبعض ما ورد(3)في الحائض إذا طهرت قبل المغرب، و قوله (عليه السلام) فيما تقدم: «من غير عذر و علة» و إطلاق باقي النصوص المنزلة على ذلك بعد معارضتها بما سمعت.
و فيه- مع قصور أدلته عن المقاومة لبعض ما عرفت فضلا عن جميعه سندا و عددا و دلالة و سماحة و سهولة، و موافقة الكتاب، و مخالفة للعامة العمياء، و الشهرة العظيمة فتوى و عملا التي كادت تكون إجماعا، بل عرفت دعواه من المرتضى و الحلبي و الحلي فيما حكي عنهم، و غير ذلك، و مع الإغضاء عن معارضتها بأخبار الأذرع و الأقدام- انه لا دلالة في صحيحه الأول، بل في الأفضلية المذكورة فيه و لفظ «لا ينبغي» ظهور في عدمه، و احتمال إرادة عدم الجواز منه لا المرجوحية بقرينة قوله:
«و ليس» فيه بأولى من العكس، بل لعله هو قرينة على صحيحه الآخر و إن لم يكن فيه إلا لفظ «ليس» و المنساق إلى الذهن من مرسل الصدوق لو قلنا بأن تتمته من الامام لا من الصدوق إرادة المبالغة في مرجوحية التأخير لا المعصية التي يستحق عليها العذاب، و انه بحيث يستحق إطلاق اسم الذنب عليه ك ما ورد(4)في ترك النافلة أنه
ج7،
معصية، فالعفو حينئذ لترك الأولى كما في قوله تعالى(1)«عَفَا اللَّهُ عَنْكَ» و الذنب له أيضا كما في قوله تعالى(2)أيضا «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» قيل: و يمكن حمل الحديث على إرادة السببية للرضوان و العفو، بناء على قاعدة التكفير كما ذهب إليه أصحابنا، فلا يكون حجة لهذا القول، بل يكون بالدلالة على خلافه أشبه، ضرورة كون المراد حينئذ منه أن الصلاة في أول الوقت سبب لرضوان الله من العبد و تكفير المعاصي، و في آخره ليست إلا سببا للعفو عن المعاصي التي اقترفها العبد سابقا، و لا يترتب عليها رضوان، مضافا إلى ما ستسمعه من التهذيب، و إلى أنه لا جابر له، كخبر المجالس المحتمل لإرادة ما خرج من الوقت من قوله (عليه السلام): «بعد» فيه و لترتب ما ذكر فيه على عدم إقامة الحدود، على أن بعض ما ورد في المرجوحات أعظم من ذلك، و مرسل علي بن إبراهيم مع عدم الجابر له و ورد مثله في بعض المكروهات قد يراد به من يعتاد تأخيرها تساهلا بأمرها و استخفافا بما وعد لها و توعد عليها، كل ذلك بعد الإغضاء عما في إرادة مقدار المثل من أول الوقت، و عن غيره مما هو واضح، و صحيح أحمد- مع ابتنائه كغيره من أخبار القامة على إرادة المثل و المثلين المخالف لظاهر ما دل على أنها الذراع
و الذراعان- لا دلالة فيه على أن ذلك لفضيلته أو لاختيارية، و خبر زرارة- مع أن سنده ليس بتلك المكانة، لأن الناقل له عمرو بن سعيد، و دال على الأمر بوقوع الصلاة بعد بلوغ المثل لا أنه الغاية كما هو المدعى، و فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة أو السؤال- خاص بالقيظ، و الظاهر أنه صدر منه (عليه السلام) ذلك تفسيرا للإيراد الوارد بها كما يومي اليه
خبر زرارة(3)المروي عن كتاب الكشي
ج7،
قال: «دخل زرارة على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنكم قلتم لنا صلوا الظهر و العصر على ذراع و ذراعين، ثم قلتم أبردوا بها في الصيف، فكيف الإبراد بها؟
و فتح الراحة ليكتب ما يقول فلم يجبه أبو عبد الله (عليه السلام) بشيء، فأطبق الراحة فقال: إنما علينا أن نسألكم و أنتم أعلم بما عليكم، و خرج و دخل أبو بصير على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إن زرارة سألني عن شيء فلم أجبه و قد ضقت من ذلك فاذهب أنت رسولي إليه، فقل له: صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك، و العصر إذا كان مثليك، و كان زرارة هكذا يصلي في الصيف، و لم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير»
و هو ظاهر في أن زرارة لم يكن مراده بسؤاله حد الإجزاء لصلاة الظهر، و في هذا الخبر دلالة على تفسير الأمر بالإبراد الوارد في بعض النصوص(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) بما عرفت، خلافا للمحكي عن الصدوق من تفسيره بإرادة الاستعجال بها من البرد، و خبرا محمد و أحمد- مع ما فيهما أيضا من بعض المناقشات السابقة و مخالفتهما لما يقوله الخصم- لا صراحة فيهما، بل و لا ظهور في الاختياري خاصة، بل إرادة الفضيلي منهما أولى من وجوه، و كذا خبر إشارة جبرئيل (عليه السلام) مع دلالته على الفعل بعد القامة، و أما قوله (عليه السلام) فيه: «و ما بينهما وقت» مشعرا بعدم الوقت في غيره لا بد من تأويله عندنا و عند الخصم، و حمله على الفضيلة أولى من الاضطرار كما هو واضح.
كل ذلك مع ما في تعداده العذر و الضرورة من الإجمال الذي لا ينبغي توقيت مثل الصلاة به، بل لو أنصف المتأمل فيما ورد من النصوص الدالة على جواز التأخير لأحد أفراد العذر و الضرورة لعلم منه نفسه فضلا عن غيره أن ذلك وقت للصلاة أيضا، إلا أنه لشدة أمرها و أنها عمود الأعمال لا ينبغي تأخيرها عن وقتها الفضيلي إلا لعذر
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 3 و 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
أو ضرورة. لا أن الوقت قد انقضى، و هذا توقيت آخر لهذا الصنف من المكلفين، و إلا لوجب على الشارع تفسير العذر و الضرورة التي يسوغ تأخير الصلاة لأجلها، و تحديد الوقت و ضبطه، و لشاع ذلك و ذاع، لتكرر الصلاة و عظم أمرها و وجود الداعي لمعرفة مواقيتها، لا أنه يكتفي في ذلك بمثل هذه العبارات المجملة التي لا يكتفى فيها بالنسبة إلى الأقل من الصلاة فضلا عنها، بل المستفاد من الأخبار الاكتفاء بأدنى عذر في التأخير، فعند التأمل الصادق ذلك هو الدليل على المطلوب، لأن مطلق الواجب فضلا عن الصلاة لا يسوغ تفويته إلا لضرورة، بل ظني أن المخالف مراده ذلك أيضا، و إن عبر بما يقرب من مضامين النصوص لقدمه و معروفية التعبير في تلك الأوقات بمثل ذلك.
و يؤيده ما في التهذيب قال: «إذا كان أول الوقت أفضل و لم يكن هناك منع و لا عذر فإنه يجب فعلها فيه، و من لم يفعلها فيه استحق اللوم و التعنيف، و هو مرادنا بالوجوب، و لم نرد به هاهنا ما يستحق بتركه العقاب، لأن الوجوب على ضروب عندنا منها ما يستحق تاركه العقاب، و منها ما يكون الأولى فعله و لا يستحق بالإخلال به العقاب و ان كان يستحق به ضرب من اللوم و العتب» و قال في المبسوط في آخر الفصل:
«إن الوقت الأول أفضل من الوسط و الآخر غير انه لا يستحق عقابا و لا ذما و إن كان تاركا فضلا إذا كان لغير عذر» و من العجيب بعد ذلك نسبة هذا القول إلى الشيخ في جميع كتبه، و قال فيما حكي من نهايته: «لا يجوز لمن ليس له عذر أن يؤخر الصلاة من أول وقتها إلى آخره مع الاختيار، فإن أخرها كان مهملا لفضيلة عظيمة و إن لم يستحق العقاب، لأن الله تعالى قد عفا له عن ذلك» قيل: و نحوه عن القاضي في شرح الجمل، و قال فيما حكي عن عمل يوم و ليلة أيضا: «لا ينبغي أن يصلى آخر الوقت إلا عند الضرورة، لأن الوقت الأول أفضل» و هي كما ترى صريحة فيما ذكرنا، و لعل
ج7،
المراد من غيرها ذلك أيضا و إن عبر بلفظ لا يجوز و يجب و نحوهما، و لقد أجاد الطباطبائي في قوله:
و الكل منها فله وقتانللأول الفضل و يجزي الثاني
حال اختيار و الخلاف قد وقعفي ظاهر اللفظ و في المعنى ارتفع
على أنا لم نقف في النصوص على التصريح بتمام التفصيل المزبور من أنه إلى المثل وقت للمختار و بعده وقت للمضطر و المعذور، و ان العذر و الضرورة عبارة عما عرفت، و لعله لذا كان المحكي عن الخلاف و الجمل و القاضي إطلاق تحديد الوقت بالمثل من غير تقييد بالمختار، و ظاهرهما خروجه بذلك مطلقا، و هو و إن كان أضعف من سابقه إلا أنه ربما يوافقه ظاهر بعض النصوص.
و من العجيب بعد ذلك كله ترجيح بعض متأخري المتأخرين القول المذكور بصراحة أخباره، و أنه لا معارض لها إلا الإطلاقات التي يمكن إرادة تحديد مطلق الوقت للمضطر و المختار منها، ضرورة صدق اسم المجموع وقتا للفريضة بهذا الاعتبار، كما يشهد له
خبر إبراهيم الكرخي(1)«سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)- إلى أن قال-: فقلت متى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس، و ذلك من علة، و هو تضييع»
الحديث. إذ أنت خبير أن ذلك متجه لو حصلت المكافاة، و قد عرفت عدمها من وجوه، بل يمكن دعوى خروج المسألة من حيز الظنيات و دخولها في قسم القطعيات، و لقد كان الحري بنا ترك التعرض لسائر الخلافات الواقعة في تحديد الأوقات، خصوصا بعد ما عرفت من تلك العبارات، على أنه قليل الفائدة جدا، إذ هي إما نية الأداء و القضاء، و الحق عندنا عدم لزوم التعرض لهما، بل لو قلنا
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 30 من كتاب الصلاة.
ج7،
به فالظاهر عدمه هنا، لما في المصابيح من أنه لا خلاف في أنه لو صلى المختار في الوقت الثاني كان مؤديا للصلاة إلا من العماني، و أما العقاب في التأخير فقد قيل أيضا: إنه لا خلاف في سقوطه عنه بالفعل في الوقت الثاني إلا من العماني أيضا، نعم إن كانت فهي في مجرد استحقاق العقاب بالتأخير و إن عفي عنه و عدمه، و فيما لو اخترم في الوقت الثاني قبل أدائها، فيعصي حينئذ عليه دون المختار، و نحو ذلك، إلا أنه لما ذكرها المصنف وجب التعرض لها و لو على الإجمال.
[كيفية اعتبار المثل]
و كيف كان ف المماثلة المتقدمة المعتبرة غاية للاختيار أو الفضيلة انما هي بين الفيء الزائد و بين ما بقي من الظل الأول عند الشيخ في التهذيب و فخر المحققين فيما حكي عن إيضاحه، بل نسبه إلى كثير من الأصحاب و إن كنا لم نتحققه و قيل بل بلوغ الفيء الزائد مثل الشخص المنصوب مقياسا للوقت، و القائل الأكثر كما في المعتبر و جامع المقاصد و عن غيرهما، بل المشهور كما في الذكرى و كشف اللثام و المصابيح
للنبوي المرسل(1)الذي رواه العلامة على ما قيل قال (صلى الله عليه و آله):
«جاءني جبرئيل (عليه السلام) عند الباب مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، و صلى بي العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله، و صلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم التفت إلى فقال: يا محمد (ص) هذا وقت الأنبياء من قبلك، و الوقت فيما بين هذين الوقتين»
و لقوله (عليه السلام) في الموثق(2)و
الخبر(3)السابقين «إذا كان ظلك مثلك»
إذ احتمال إرادة ظلك الذي حصل بعد الزيادة مثل ظلك عند انتهاء النقصان كما ترى، على أنه
ج7،
في
بعض النصوص(1)«ظل مثلك»
بالإضافة، و الاحتمال المزبور فيه ممتنع، بل هو كذلك في الأول أيضا، خصوصا بناء على ما قيل من موافقة هذه النصوص للمعتبرة المستفيضة الدالة على تحديد الوقت الأول للظهر بالقامة و للعصر بالقامتين، ك
خبر أحمد ابن عمر منها(2)عن أبي الحسن (عليه السلام) الذي فيه «وقت الظهر إذا زالت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة»
الحديث. و
خبر يزيد بن خليفة(3)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال (عليه السلام):
إذن لا يكذب علينا قلت: ذكر أنك قلت: إن أول صلاة افترضها الله عز و جل على نبيه (ص) الظهر، و هو قول الله تعالى «أَقِمِ الصَّلاةَ» الآية. فإذا زالت لم يمنعك إلا سبحتك، ثم لا تزال في وقت الظهر إلى أن يصير الظل قامة، و هو آخر الوقت، فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر، فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، و ذلك المساء»
و
خبر معاوية بن وهب(4)المتضمن مجيء جبرئيل للنبي (صلى الله عليه و آله) بالمواقيت، قال فيه: «ثم أتاه حين زاد الظل قامة، فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد الظل قامتين، فأمره فصلى العصر»
و غيرها، و المراد بالقامة فيها قامة الإنسان كما هو المنساق من لفظ القامة دون قدر الذراع و الذراعين و إن ورد تفسيرها به في بعض الأخبار، ك
خبر ابن حنظلة(5)قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): القامة و القامتان الذراع و الذراعان في كتاب علي (عليه السلام)»
و
خبر علي بن أبي حمزة(6)عنه (عليه السلام) أيضا قال له أبو بصير: «كم القامة فقال ذراع، إن قامة رحل
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 13 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 14 من كتاب الصلاة.
ج7،
رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت ذراعا»
إلا أنه لا تصلح لدفع ذلك الانسباق الحاصل منها في تلك النصوص، خصوصا مع تضمن الخبر المتقدم أن آخر القامتين هو وقت المساء، و مع ما
في بعض النصوص(1)«ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قدر قامة، و إذا كان الفيء ذراعا صلى الظهر، و إذا كان ذراعين صلى العصر»
و المراد قامة الإنسان قطعا.
فيعلم منه أنه ليس عرفا مشهورا في ذلك الوقت و إن كان ذلك كله لا يخلو من نظر تعرفه، على أن الشائع في الشاخص الذي يجعل مقياسا لمعرفة الوقت أن يكون قدر ذراع تقريبا، و قد أشير إليه في بعض النصوص(2)السابقة في معرفة الزوال، فلو أريد بالقامة و القامتين الذراع و الذراعان كما ورد به التحديد كان مرجع التحديد بهما إلى المثل و المثلين للشخص كما ذكرنا.
و لاستلزام(3)الأول عدم الوقت مع انعدام الظل و قصره على وجه يقطع بعدمه، كما لو كان الباقي منه يسيرا جدا لا يسع الفرض فضلا عنه و عن نافلته، و شدة التفاوت بينه و بين باقي النصوص المستفاد منها تحديد آخر الوقت، و الاختلاف الفاحش في الوقت بحسب اختلاف الباقي في الأزمنة و الأمكنة، و هو- مع أنه لا معنى للتوقيت بغير المنضبط، و لعله لذلك أو غيره قال في فوائد القواعد فيما حكي عنه: إنه قول شنيع- مناف لظاهر الأدلة، و لصريح خبر محمد بن حكيم(4)المساوي بين الشتاء و الصيف، بل في المصابيح انه لم يقل أحد بالفرق بين الأزمنة في تحديد الأوقات،
ج7،
و دعوى رفع الاختلاف المزبور بأن القليل الباقي مثلا في الصيف يساوي الكثير الباقي في الشتاء من جهة البطء و السرعة يشهد الوجدان بخلافها، مع أنها لا ترفع الاختلاف في الأمكنة كما هو واضح.
و لاستبعاد(1)إرادة الشارع مثل ذلك مع عدم ضبط الباقي الذي قد عرفت اختلافه و عدم التعبير عنه بعبارة صريحة أو ظاهرة كالصريحة فضلا عن التعبير عنه بما عرفت، و دعوى استفادته مما في بعض النصوص(2)- و كثير من الفتاوى من التقدير بصيرورة ظل كل شيء مثله، لعود الضمير فيه إلى الظل لا الشيء، و من
مرسلة يونس(3)«سألت الصادق (عليه السلام) عما جاء في الحديث ان صل الظهر إذا كانت الشمس قامة و قامتين و ذراعا و ذراعين و قدما و قدمين من هذا و من هذا؟ فمتى هذا؟ و كيف هذا؟ و قد يكون الظل في بعض الأوقات نصف قدم، قال: انما قال: ظل القامة و لم يقل قامة الظل، و ذلك أن ظل القامة يختلف، مرة يكثر، و مرة يقل، و القامة قامة أبدا لا تختلف، ثم قال: ذراع و ذراعان و قدم و قدمان، فصار ذراع و ذراعان تفسير القامة و القامتين في الزمان الذي يكون فيه ظل القامة ذراعا و ظل القامتين ذراعين، فيكون ظل القامة و القامتين و الذراع و الذراعين متفقين في كل زمان معروفين مفسرا أحدهما بالآخر مسددا به، فإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة و كانت القامة ذراعا من الظل، فإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين فهذا تفسير القامة و القامتين»
و ذلك لأن السائل
ج7،
لما سأل عن اختلاف الراوية في تحديد الظهر و العصر و أنه جاء من هذا القبيل مرة، و من هذا القبيل مرة أخرى ففي أي وقت يكون هذا؟ و كيف يمكن أن يكون هذا في وقت يتفق فيه كون الظل الباقي نصف قدم؟ و امتداده إلى القامة و القامتين يفضى إلى توسعة كثيرة في الوقت، أو أن المراد «من هذا» بالفتح على معنى «ما» كما اعترف المجلسي بكثرة استعمالها في ذلك، أو على معنى من صاحب الحكم الأول و من صاحب الحكم الثاني؟ و كيف كان فأجابه (عليه السلام) بأن المراد ظل القامة لإقامة الظل، أي أطلق القامة في الخبر المسؤول عنه و أريد منها الباقي من ظلها عند الزوال مجازا، سواء كان ذراعا أو أقل أو أكثر، و التحديد حينئذ انما هو بصيرورة الفيء الزائد مثل الظل الباقي المعبر عنه بالقامة، و حاصل المعنى أنه إذا كانت الشمس مقدار القامة فصل الظهر، و مقدار القامتين فصل العصر، و اختلاف الأخبار حينئذ بالذراع و الذراعين و القدم و القدمين انما هو لاختلاف ذلك الباقي من الظل المعبر عنه بالقامة، فتارة يكون قدما، و تارة يكون ذراعا، و تارة يكون أزيد، و تارة يكون أقل، و لذا اختلفت الأخبار في هذا التقدير، فهي في الحقيقة تفصيل لذلك المجمل- يدفعها- مع انه خلاف المنساق من مرجع الضمير، خصوصا مع قرب لفظ الشيء اليه، و وضوح المعنى على تقديره من غير حاجة إلى تقدير بخلافه على الأول- ضرورة توقف صحة المعنى على إرادة صيرورة ظل كل شيء الحادث مثل الظل الباقي عند الزوال، مع انه قد لا يبقى ظل أصلا، و مرسلة يونس- مع إرسالها و إجمالها بل إشكالها من حيث أنه ليس في الخبر ذكر الظل أصلا لا بإضافته إلى القامة و لا بالعكس، فقوله: «انما قال ظل القامة» إلى آخره. غير منطبق، و من انه لم يتضح وجه تعجب السائل من كون الظل في بعض الأوقات نصف قدم هو ما سمعته، أو لأن التقدير بصيرورة الفيء مثل الظل يقتضي قصرا فاحشا في الوقت، أو لما قيل من أن ذلك يقتضي الاختلاف في وقت الفضيلة،
ج7،
خصوصا إذا قلنا: إن السائل فهم من القامة و نحوها بلوغ مجموع الظل الحادث و الباقي قامة، و لذا جاء الإشكال في الجمع بينه و بين أخبار الذراع و القدم، و في اختلاف وقت الفضيلة حينئذ اختلافا فاحشا، و من أن ما ذكره إن تم في بعضها فلا يتم في قوله أخيرا:
«فإذا كان» إلى آخره. بل هو ظاهر أو صريح في خلافه، و غير ذلك، و من عدم تعارف إطلاق لفظ القامة على ذلك الظل، بل هي إما قامة الإنسان كما قلناه سابقا، أو مقدار الذراع كما هو مضمون الأخبار السابقة، و من غير ذلك- لا تدل على مطلوبه، ضرورة كونها في بيان أول الوقت الأول، و المطلوب آخره.
و من ذلك و غيره قد يسلك في تفسيرها طريق آخر، و حاصله أنه قد تقرر كون قامة كل إنسان سبعة أقدام بإقدامه، و ثلاث أذرع و نصف بذراعه، فلذلك يعبر عن السبع بالقدم، و عن طول الشاخص الذي يقاس به الوقت بالقامة و إن كان في غير الإنسان، و قد جرت العادة بأن تكون قامة الشاخص الذي يجعل مقياسا لمعرفة الوقت ذراعا كما أشارت إليه بعض النصوص(1)فلأجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع، و عن الذراع بالقامة، و ربما يعبر عن الظل الباقي عند الزوال من الشاخص بالقامة أيضا، و كأنه كان اصطلاحا معهودا، و بناء هذا الحديث على إرادة هذا المعنى أي الشاخص الذي هو ذراع كما ستطلع عليه.
ثم ان كلا من هذه الألفاظ قد يستعمل لتعريف آخر وقتي فضيلتهما كما في بعض النصوص(2)و كلما يستعمل لتعريف الأول فالمراد به مقدار سبعي الشاخص، و كلما يستعمل لتعريف الآخر فالمراد به مقدار تمام الشاخص، ففي الأول يراد بالقامة الذراع، و في الثاني بالعكس، و ربما يستعمل لتعريف الأخير لفظة ظل مثلك و ظل
ج7،
مثليك، و يراد بالمثل القامة، و الظل قد يطلق على ما يبقى عند الزوال خاصة، و قد يطلق على ما يزيد بعد ذلك فحسب الذي يقال له الفيء، من «فاء يفيء» إذا رجع، و قد يطلق على مجموع الأمرين، و إن كان ربما قيل نقلا عن إرشاد الجعفرية إن الظل ما يكون من أول النهار إلى زوال الشمس، و الفيء من حين الزوال إلى الغروب، و اليه يرجع ما في حواشي الشهيد من أن الظل ما تنسخه الشمس، و الفيء ما ينسخ الشمس، إلا أن الانصاف عدم التزام ذلك في الإطلاقات كما لا يخفى، بل لا يبعد أنه في العرف للأعم منهما.
ثم ان اشتراك هذه الألفاظ بين هذه المعاني صار سببا لاشتباه الأمر في المقام، و حينئذ فيكون مراد السائل أنه ما معنى ما جاء في الحديث من تحديد أول وقت الظهر و العصر تارة بصيرورة الظل قامة و قامتين، و أخرى بصيرورته ذراعا و ذراعين، و أخرى قدما و قدمين، و جاء من هذا القبيل مرة، و من هذا أخرى؟ فمتى هذا الوقت الذي يعبر عنه بألفاظ متباينة المعاني؟ و كيف يصح التعبير عن شيء واحد بمعاني متعددة، مع أن الظل الباقي عند الزوال قد لا يزيد على نصف القدم؟ فلا بد من مضي مدة مديدة حتى يصير مثل قامة الشخص، فكيف يصح تحديد أول الوقت بمضي مثل هذه المدة الطويلة من الزوال، فأجاب (عليه السلام) بأن المراد بالقامة التي يجد بها أول الوقت التي هي بإزاء الذراع ليس قامة الشخص الذي هو شيء ثابت غير مختلف، بل المراد مقدار ظلها الذي يبقى على الأرض عند الزوال الذي يعبر عنه بظل القامة، و هو يختلف بحسب الأزمنة و البلاد، مرة يكثر، و مرة يقل، و انما يطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعا، فإذا زاد الفيء أعني الذي يزيد من الظل بعد الزوال بمقدار ذراع حتى صار مساويا للظل فهو أول الوقت للظهر، و إذا زاد ذراعين فهو أول الوقت للعصر، و أما
قوله (عليه السلام): «فإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر»
إلى آخره. فمعناه أن الوقت انما يضبط حينئذ بالذراع و الذراعين خاصة دون القامة و القامتين، و أما
ج7،
التحديد بالقدم فأكثر ما جاء في الحديث فإنما جاء بالقدمين و الأربعة، و هو مساو للتحديد بالذراع و الذراعين، و ما جاء نادرا بالقدم و القدمين فإنما أريد بذلك تخفيف النافلة و تعجيل الفريضة طلبا لفضل أول الوقت فالأول، و لعله (عليه السلام) لم يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك، و انه انما كان أكثر اهتمامه بتفسير القامة و طلب العلة في تأخير أول الوقت إلى ذلك المقدار، و حينئذ لا يكون في الخبر غبار و لا إجمال و لا شيء مما يرد على تفسير الشيخ له و إن رده غير واحد من الأصحاب لذلك، نعم يصير جزئيا مختصا بزمان خاص و مخاطب مخصوص، و لا بأس بذلك.
فان قيل: اختلاف وقتي النافلة في الطول و القصر بحسب الأزمنة و البلاد و تفاوت حد أول وقتي الفريضتين التابع لذلك لازم على أي التقادير، لما هو معلوم من سرعة تزايد الفيء تارة، و بطئه أخرى، فالذراع حيث يكون الباقي من الظل قليلا غيره إذا كان كثيرا، قلنا: نعم ذلك كذلك و لا بأس به، لأنه تابع لطول اليوم و قصره كسائر الأوقات في الأيام و الليالي، كما انه لا يكون هذا الخبر حينئذ منافيا للمختار بوجه من الوجوه، ضرورة كونه حينئذ كأخبار الذراع و نحوه مما هو وارد في تحديد أول الوقت الأول لا آخره كي ينافي المثل و المثلين كما ستعرفه مفصلا.
و كيف كان فابتداء التقدير انما هو من أول الفيء الحادث لا منه و من الظل الباقي، بل لم يقل أحد بذلك، بل عن الخلاف نفي الخلاف في ذلك، نعم ربما ذكره بعضهم احتمالا معترفا بعدم القائل به في قولهم: «يصير ظل كل شيء مثله» و فيه انه يلزم عليه الاضطراب و الاختلاف المترتبان على قول الشيخ أيضا كما هو واضح، بل قد يدفع بعض الاختلاف المترتب على كلام الشيخ بأن قصر الظل في بعض الأماكن
ج7،
و طوله في آخر لا يتفاوت بالنسبة إلى صيرورة الفيء مثله، ففي مقام يكون مثل الظل القصير يكون كذلك في المقام الآخر، ضرورة كون المتجدد كالباقي، بخلاف هذا القول، و على كل حال فهو واضح الضعف بالنسبة إلى المختار، فينبغي إرصاد رأس الظل الباقي عند الزوال حتى لا يختلط السابق و الحادث.
و أما بقية الأقوال في أصل المسألة التي وعدنا بذكرها على الاجمال فمنها ما أشار إليه المصنف أيضا بقوله و قيل: أربعة أقدام للظهر، و ثمان للعصر، هذا للمختار، و ما زاد على ذلك حتى تغرب الشمس وقت لذوي الأعذار و إن كنا لم نقف على قائله مصرحا بجميع ذلك، بل و لا من نسب إليه في الكتب المعدة لمثله، نعم حكي عن مصباح السيد و النهاية و عمل يوم و ليلة و موضع من التهذيب تحديد وقت الظهر خاصة للمختار بذلك من غير تصريح بالعصر أصلا، بل و لا من السيد منهم بامتداد وقت العذر في الظهر إلى المغرب، و ردد فيما حكي من مصباح الشيخ و مختصره و الاقتصاد بين ذلك و بين المثل للمختار، و هو عند التحقيق راجع إلى القول بالمثل، فيجري فيه ما عرفته، لكن على كل حال لا يخفى عليك ضعفه بعد ما سمعته سابقا من النصوص و غيرها، بل يمكن دعوى تحصيل القطع بخلافه من ملاحظة الفتاوى و النصوص على اختلافها، و من الغريب انه على كثرتها و شدة اختلافها لم نعثر على ما يدل منها على تمام هذا القول، نعم
خبر الكرخي(1)منها و غيره يدل على خصوص الظهر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام): متى يدخل وقت الظهر؟ قال: إذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام، و ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره، قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، فقلت: متى يخرج وقت العصر، فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس،
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 30 من كتاب الصلاة.
ج7،
و ذلك من علة، و هو تضييع، فقلت له: لو أن رجلا صلى الظهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام أ كان عندك غير مؤد لها؟ فقال: إن كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت لم تقبل منه، كما لو أن رجلا أخر العصر إلى قرب أن تغرب الشمس متعمدا من غير علة لم يقبل منه، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد وقت للصلوات المفروضات أوقاتا و حدودا في سنته، فمن رغب عن سنة من سننه الموجبات كان كمن رغب عن فرائض الله تعالى»
و
خبر الفضل بن يونس(1)«سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر، لأن وقت الظهر دخل عليها و هي في الدم، و خرج الوقت و هي في الدم».
و الأول- مع الطعن في سنده بجهالة إبراهيم، و اشتماله على ما اتفق الأصحاب على خلافه من أن أول وقت العصر آخر وقت الظهر، و عدم تضمنه تمام الدعوى، بل فيه ما يخالفها، و ظهوره في عدم صحة صلاة الظهر للمعذور أيضا بعد الوقت المزبور، لتخصيصه ذلك بالعصر، و قصوره عن معارضة غيره من وجوه- غير صريح في ذلك خصوصا بعد اعتباره في عدم القبول تعمد التأخير بقصد مخالفة السنة في الوقت لا بقصد الرخصة في التأخير، و بعد التعبير عنه في ذيله بكونه سنة من سنن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلا يبعد حينئذ حمل الخبر المزبور على إرادة الوقت الفضيلي من أوقات الفضيلة، ضرورة تفاوتها في الدرجات. و أما الثاني- فمع أن سنده ليس بتلك المكانة، و مخالفته للمعروف من مذهب الخصم، بل المجمع عليه ظاهرا من امتداد الوقت للعذر الذي أحد أفراده الحيض كما عرفت، و ما يحكى عن التهذيبين من التصريح بمضمون الخبر المذكور لا يقدح في الاتفاق ظاهرا، خصوصا في مثل الكتابين، و احتمال كون المراد
1) 1 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- الحديث 2.
ج7،
منه و إن بعد خروج وقت الظهر و بقاء وقت اختصاص العصر، و عدم اشتماله على تمام الدعوى، بل لا يدل على خصوص الظهر، إذ لعل للحائض خصوصية، و معارضته بخصوص موثقة عبد الله بن سنان(1)و غيرها مما دل على وجوب الفرضين عليها إذا طهرت و كان الوقت يسعهما الذي هو أرجح منها من وجوه، أحدها الاعتضاد بالمشهور شهرة عظيمة، و لذا لم يصح الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب و إن مال اليه بعض متأخري المتأخرين بعد أن قدم رجلا و أخر أخرى و اضطرب أشد اضطراب، و ما ذاك إلا للخلل في الطريقة- قاصر عن معارضة ما عرفته من الأدلة من وجوه لا تخفى بعد الإحاطة بما تقدم.
و منها ما في المقنعة من أن وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يرجع الفيء سبعي الشاخص، و العصر إلى أن يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب، و للمضطر و الناسي إلى الغروب، و لم أعرف له دليلا من الأخبار على كثرتها و شدة اختلافها، بل في كثير منها- كثرة تقرب إلى حد التواتر معنى، بل لعلها كذلك- ما يقتضي خلافه، و أخبار الذراع و القدمين- مع أن ظاهرها وقوع الفريضة بعد مضيهما لا أنهما الآخر كما هو ظاهر أول عبارته فيها، نعم كلامه بعد ذلك ظاهر أو صريح في إرادة الأول- كادت تكون صريحة في إرادة بيان أول الوقت للمتنفل، بل في جملة منها التصريح بذلك، كما أن في بعضها التصريح بالأفضلية، نعم يحكى عن الفقه الرضوي(2)الذي لم تثبت حجيته عندنا فضلا عن صلاحيته لمعارضة مثل المقام ما يوافقه بالنسبة إلى الظهر، كما انه في كشف اللثام عن الهداية روايته مرسلا عن الصادق (عليه السلام)(3)و لعله توهمه من أخبار الذراع و القدمين، و أما ما دل(4)على موتورية من أخر العصر حتى تصفر
ج7،
الشمس من النصوص فمع أنه لا دلالة فيه على تمام المدعي فهي في الدلالة على خلاف المطلوب أظهر، إذ الموتور كما فسر في هذه النصوص من ضيع ماله و أهله في الجنة، فيبقى يتضيف فيها و لا أهل و لا مال عنده، و هو انما يناسب ترتبه على فوات الفضيلة لا على المعصية، كما هو واضح.
و احتج له في
المختلف بالصحيح(1)عن الفقيه (عليه السلام) «آخر وقت العصر ستة أقدام و نصف»
قال: و هو إشارة إلى الاصفرار، لأن الظل إلى آخر النهار ينقسم سبعة أقسام، و هو كما ترى، و من ذلك كله يظهر ما في القول المنسوب إلى الحسن بن عيسى الذي هو أحد الأقوال في المسألة أيضا من أن أول وقت الظهر زوال الشمس إلى أن ينتهي الظل ذراعا واحدا أو قدمين من ظل قامته بعد الزوال، فان تجاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر، و ان العصر يمتد وقتها إلى أن ينتهي الظل ذراعين بعد زوال الشمس، فإذا جاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر، ضرورة اتحاده مع قول المفيد بالنسبة إلى الظهر، و ترديده بين الذراع و القدمين لا يصلح فارقا بعد معلومية اتحادهما، و يتأتى عليه بالنسبة إلى العصر نحو ما ذكرناه في الظهر.
و كذا يظهر لك مما قدمناه سابقا ما في المنسوب إلى النهاية و التهذيب من أن آخر وقت الظهر للمعذور اصفرار الشمس، على أنه لا دليل عليه، بل لعل مراده منه الغروب كما يومي اليه استدلاله عليه في التهذيب بأخباره، و أما ما يحكى عن أبي الصلاح- من أن آخر وقت المختار الأفضل للظهر أن يبلغ الظل سبعي القائم، و آخر وقت الاجزاء أن يبلغ الظل أربعة أسباعه، و آخر وقت المضطر أن يصير الظل مثله- فهو مع مخالفته لنصوص التثنية بمكانة من الضعف و منافاة للنصوص، بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافه بالنسبة للشق الثالث من دعواه، كما أنه يمكن دعوى تواتر النصوص بخلاف
1) 1 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
ج7،
الشق الأول منها، لما عرفت من دلالة كثير منها على أن ابتداء فضيلته للمتنفل ذلك لا انتهاءه، و أما الشق الثاني فهو و إن دل عليه خبر الكرخي(1)و غيره مما عرفته دليلا للقول المذكور في المتن، إلا أنه يجري فيه ما سمعته سابقا، و مثله في الضعف ما يحكى عن السيد من امتداد العصر للمختار حتى يصير الظل ستة أقدام، و إن كان قد يشهد له
قول الصادق (عليه السلام) في خبر سليمان بن خالد(2): «العصر على ذراعين، فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيع»
و في
خبر أبي بصير(3)«صل العصر يوم الجمعة على ستة أقدام»
لكنه لا يقاس في جنب ما يدل على خلافه، بل خبره الثاني مع اختصاصه في يوم الجمعة الذي لا نافلة فيه يقضي بوقوع الصلاة فيه على الستة، لا أنها الغاية، بل خبره الأول الدال على أن المؤخر مضيع ظاهر في عدم إرادة الحتم و الإلزام، خصوصا مع ملاحظة ما دل من باقي النصوص على أن جزاء المضيع صيرورته موتور الأهل و المال في الجنة.
و كيف كان فالظاهر امتداد وقت الاجزاء اختيارا أو اضطرارا إلى دخول وقت صلاة المغرب، و هو عندنا كما عرفت سقوط الحمرة المشرقية لا القرص، للأصل في وجه، و ظاهر الآية و النصوص التي تقدم بعضها الدالة على الامتداد إلى الغروب، بناء على ما سمعته هناك من أنه انما يتحقق بزوال الحمرة، لا أنه مقدمة لليقين كما عرفت البحث فيه، بل و على تقديره أيضا، ضرورة جريان الاستصحاب مع الشك في حصول مصداق الغاية، بل الظاهر أنا في غنية عن ذلك، لظهور بعض النصوص المزبورة في أن المراد من الغروب الذي هو غاية العصر أول وقت صلاة المغرب، فلا مجال حينئذ لاحتمال إرادة سقوط القرص فيه دون الحمرة، كي يبقى ما بين السقوطين واسطة بين
ج7،
الصلاتين، و لقد أجاد السيد الداماد فيما حكاه عنه في بحار الأنوار، حيث قال: «إن ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين (عليهم السلام) و ما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم إجماعا هو أن زمان ما بين الفجر إلى طلوع الشمس من النهار و معدود من ساعاته، و كذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك إمارة غروبها في أفق المغرب، فالنهار الشرعي في باب الصلاة و الصوم و سائر الأبواب من طلوع الفجر إلى ذهاب الحمرة المشرقية، و هذا هو المعتبر و المعول عليه عند أساطين الإلهيين و الرياضيين من حكماء يونان» انتهى.
و أما المغرب فقد عرفت البحث في أوله، كما أنك عرفت ما يدل على أن آخره الانتصاف من غير تقييد بالاضطرار من الآية و النصوص(1)و الإجماع المحكي المؤيدة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك، و بمخالفة العامة و موافقة السهولة و السماحة، و المناقشة في بعضها بإرادة امتداد مجموع الصلاتين إلى الانتصاف الذي يكفي في صدقه امتداد العشاء- مع انها خلاف الظاهر سيما في المشتمل منها على قوله (عليه السلام): «إلا أن هذه قبل هذه» بل كادت تكون خلاف صريح البعض كمعتبرة داود بن فرقد(2)- يمكن دفعها بعدم القول بالفصل، إذ لم يقل أحد بامتداد وقت العشاء اختيارا إلى ذلك دون المغرب، و منه حينئذ ينقدح الاستدلال بما دل عليه في العشاء متمما بما عرفت، كما أنه يمكن الاستدلال عليه أيضا بما عرفته في الظهرين من امتداد وقتهما اختيارا إلى الغروب، بناء على عدم القول بالفصل بينهما و بين العشاءين كما عن المصنف و الفاضل دعواه، بل و بما عرفته سابقا أيضا من النصوص(3)الظاهرة
ج7،
في جواز تأخير المغرب عن الشفق اختيارا. و لبعض الأعذار التي لا يصلح تأخير الواجب عن وقته لأجلها متمما بأنه متى ثبت ذلك إلى النصف، إذ لا قائل بجواز تأخيره عنه اختيارا و عدم امتداده اليه، خلافا للمحكي عن الهداية و الناصريات و الخلاف و المصباح للشيخ و الجمل و عمل يوم و ليلة و المراسم، فآخره غيبوبة الشفق المغربي، و الظاهر إرادتهم بالنسبة إلى المختار لا مطلقا، كما قيده به في المحكي عن المقنعة و المبسوط و التهذيب و الوسيلة و الكاتب و الكافيين و الاستبصار و مصباح السيد و الإصباح و الاقتصاد و النهاية، أما المضطر فالى ربع الليل كما فيما عدا الأول و الأخير، أما فيهما فالاقتصار على ذكر المسافر، و لعلهما أراد المثال، فيتحد حينئذ مع سابقهما، للجمع بين ما دل صريحا أو ظاهرا على أن آخره سقوط الشفق من النصوص المستفيضة(1)التي فيها الصحيح و غيره المؤيدة بما دل(2)على أن غايته اشتباك النجوم، و بين ما دل على أن آخره الربع، كخبر عمر بن يزيد(3)و غيره بشهادة جملة من النصوص، ك
قول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد(4)أيضا «إذا كان أرفق بك و أمكن لك في صلاتك و كنت في حوائجك فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل، قال: قال لي و هو شاهد في بلده»
و في
خبره الآخر(5)«وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل»
و
الرضا (عليه السلام) في جواب مكاتبة إسماعيل بن مهران(6)«ذكر أصحابنا أنه إذا زالت الشمس دخل
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 3 و 4 و 14 و غيرها من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
6) 6 ذكر صدره في الوسائل في الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 14 و ذيله في الباب 18 منها- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
وقت الظهر و العصر، و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء إلا أن هذه قبل هذه في السفر و الحضر، و ان وقت المغرب إلى ربع الليل، فكتب كذلك الوقت غير أن وقت المغرب ضيق، و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها إلى البياض في أفق المغرب»
بناء على أن المراد من قوله (عليه السلام): «كذلك» جميع ما في سؤال الكاتب، و أن المراد بقوله: «غير» التنبيه على وقت اختيارية، فتأمل. و بشهادة النصوص(1)الكثيرة جدا المتضمنة تخصيص الرخصة في تأخيره عن الشفق في العذر و العلة و السفر و الحاجة و نحو ذلك و إن لم يذكر فيها الغاية أنها الربع أو الأكثر، لأن الظاهر تنزيلها على الربع الذي تضمنته النصوص السابقة(2).
و فيه- مع استلزامه طرح النصوص(3)المتضمنة للنصف و الثلث، ضرورة عدم العمل بشيء منها في شيء من الأقوال السابقة التي ذكرناها، نعم في البحار عن المنتهى انه حكي عن الشيخ و مصباح السيد امتداد وقت المضطر إلى ما قبل النصف بأربع ركعات- انه لا يخفى رجحان ما تقدم من الأخبار(4)بالموافقة لظاهر الكتاب و للشهرة العظيمة و الإجماع المحكي المؤيد بما عرفته فيما تقدم، و بالمخالفة للعامة و بسهولة الملة و سماحتها و غير ذلك عليها، خصوصا مع ملاحظة اختلافها بالربع و الثلث و اشتباك النجوم و عدم
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 19 و الباب 19 الحديث 13 و 15 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 5 و 8 و 11 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 24 و الباب 19 الحديث 1 و 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 19- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
ج7،
تقدير الضرورة فيها، بل تارة يذكر فيها العلة، و أخرى العذر، و أخرى الحاجة، و أخرى السفر، بل في تضمنها نفسها بعض الأعذار التي لا تصلح أن تكون سببا لتأخير مطلق الواجب عن وقته- فضلا عن مثل الصلاة، و فضلا عن مثل صلاة المغرب- أقوى دلالة على المطلوب، إلى غير ذلك من القرائن و الأمارات التي يمكن أن تشرف الفقيه على القطع، بل قد عرفت في الظهرين ما يدل على المطلوب بوجوه، بل عرفت ما يمكن بسببه جعل النزاع لفظيا، و أن مرادهم من الوجوب شدة الاستحباب، و من عدم الجواز شدة الكراهة، إذ لا ينبغي أن ينكر أن الأولى لصاحب الدين السالك مسلك المتقين عدم التأخير لغير عذر أصلا، إذ ليس هو حينئذ إلا من المتساهلين في سنة سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله) خصوصا في صلاة المغرب التي بتأخيرها لغير عذر يشبه أبا الخطاب و أصحابه لعنهم الله الذين أفسدوا أهل الكوفة، و استفاضت النصوص(1)بلعنهم و البراءة منهم، إذ كانوا لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم و يغيب الشفق.
و أما العشاء فقد مر فيما سبق ما يدل(2)على دخول وقته قبل ذهاب الشفق المغربي، و عدم اعتباره فيه، سواء قلنا بالاشتراك أو بالاختصاص، بل أدلة الطرفين من تلك حجة على من اعتبره فيه، مضافا إلى ما سمعته سابقا من المختلف و إلى إجماعي الغنية و السرائر كما حكي عن ثانيهما المؤيدين بالشهرة العظيمة، بل هي إجماع من المتأخرين، بل لعله كذلك عند المتقدمين أيضا، بناء على ما سمعته في الظهرين من تعبيرهم عن الاستحباب المؤكد بالوجوب، و إن حكوه هنا عن الشيخين و سلار بل
ج7،
و الحسن في أحد النقلين، بل في خلاف ثاني الشيخين الإجماع عليه لكن في غير المعذور فيقدم، كما حكي عن الشيخين منهم التصريح به، و لعله للنصوص المستفيضة(1)التي هي حجة على من عداهما ممن أطلق، كسلار و الحسن كما حكي و إن جعله أولهما في المراسم رواية، بل على الثاني منهما في الكتاب الذي أطلق فيه المتضمنة نفي البأس عن تقديمه في السفر و الليلة المظلمة و الريح و المطر، و ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأئمة (عليهم السلام) فعل ذلك، إذ طرحها رأسا كما يوهمه إطلاق من أطلق لا وجه له، فيحمل حينئذ ما يستفاد من النصوص المستفيضة الأخر(2)من أن ابتداء وقتها ذهاب الشفق، كخبر مجيء جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأخبار على غير المعذور.
لكنه كما ترى يرد عليه أيضا ذلك بنفسه، ضرورة انه و إن قلنا بالتفصيل المزبور يستلزم الاعراض عن الأدلة الكثيرة جدا، بل لعل النصوص منها متواترة، مع تأيدها بالشهرة العظيمة و ظاهر الكتاب و مخالفة العامة و غير ذلك، بل مستلزم أيضا طرح بعض الأخبار التي هي ظاهرة، بل بعضها صريح في جواز التقديم من غير عذر، كخبر زرارة(3)و غيره(4)بل لعل ما ورد(5)في الرخصة بالجمع يدل عليه أيضا، إذ حمله على وقوع المغرب قبل الذهاب و العشاء بعده لا دليل عليه، بل لعل شدة الحث على أول وقت المغرب يدل على خلافه، و قال الحلبيان في
الموثق(6)«كنا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، و كان منا من يضيق
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت- الحديث 2- من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 31- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
ج7،
بذلك صدره، فدخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقال: لا بأس بذلك، قلنا: و أي شيء الشفق؟ قال: الحمرة»
و قوله فيه: «في الطريق» بعد أن كان ظرفا للتخاصم، و إطلاق السؤال لا يفيد التقييد بالسفر، و
سأل إسحاق بن عمار(1)الصادق (عليه السلام) أيضا في الموثق «عن الجمع بين المغرب و العشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علة فقال: لا بأس»
بل حكى
زرارة(2)في الموثق عن الصادق (عليه السلام) أيضا «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى بالناس المغرب و العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة، قال: و انما فعل ذلك ليتسع الوقت على أمته»
و حملها على ما يحكى عن تهذيب الشيخ من جواز الدخول فيه إذا علم غيبوبة الشفق في الأثناء كما ترى، و ليس بأولى من حمل تلك النصوص على الفضل خاصة في التأخير، أو مع كراهة التقديم كما عن المصنف و جماعة، بل هو أولى من وجوه لا تخفى، أو التقية من المحكي عن الجمهور كافة.
فلا ريب حينئذ في وضوح ضعف القول المزبور وضوحا لا يحتاج إلى إكثار من الأدلة، كوضوح ضعف القول بأن آخره الثلث مطلقا كما هو مقتضى إطلاق المحكي عن الهداية و المقنعة و الخلاف و المصباح و مختصره و الجمل و الاقتصاد و عمل يوم و ليلة و القاضي، و إن جعل الأخير النصف قولا، و الشيخ فيما عدا الأخير رواية، أو للمختار خاصة، و للمضطر النصف كما عن ثقة الإسلام و الشيخ في كتابي الحديث و المبسوط و الطوسي في الوسيلة أو آخره للمضطر الثلث كما عن النهاية من غير تحديد للمختار، أو الربع للمختار خاصة من غير تحديد للمضطر كما عن الحسن بن عيسى، أو مع التحديد له بالنصف كما عن التقي، و في
مضمر معاوية بن عمار(3)«ان وقت العشاء الآخرة إلى
ج7،
ثلث الليل»
و
الحلبي(1)عن الصادق (عليه السلام) «العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل، و ذلك التضييع»
و
«جاء جبرئيل (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه و آله) في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل و قال: ما بينهما وقت»(2).
لكن لا يخفى عليك أنه لا يسوغ للفقيه الالتفات إلى هذه في مقابلة ما دل على النصف من النصوص التي يمكن دعوى تواترها، بل هي كذلك، و الكتاب و الإجماع المحكي المؤيد بالشهرة العظيمة التي يمكن دعوى بلوغها حد الإجماع، بل لعلها كذلك، خصوصا بعد ما عرفت سابقا من ظهور عبارات القدماء في غير الوجوب المصطلح، بل كثيرا ما يوافق تعبيرهم ما في النصوص، فيتعين مرادهم بالمراد من الخبر، فأفضل أحوال هذه الأخبار الحمل على الندب و نحوه، كما يومي اليه ما في
جملة من النصوص(3)من أنه «لو لا أني أخاف أن أشق على أمتي لأخرت العتمة إلى ثلث الليل»
و ما أبعد ما بين هذه الأقوال و بين ما حكاه في ظاهر الرياض عن بعضهم تبعا للمفاتيح من امتداد وقت العشاءين اختيارا إلى طلوع الفجر و إن كنا لم نعرف قائله إلا ما ستسمعه من بعض عبارات الشيخ، نعم ظاهر المحكي عن الفقيه الامتداد للمضطر في الفرضين كما اعتمده في موضع من المدارك، و جعله في خصوص النائم و الناسي وجها قويا في آخر، و استحسنه الكاشاني، بل جزم به بعض علمائنا المعاصرين، بل هو ظاهر المحكي من بعض عبارات الخلاف أيضا، فإنه بعد أن ذكر سابقا أن الأظهر من مذهب أصحابنا أن آخر وقت العشاء الآخرة إذا ذهب ثلث الليل و قد روي نصف الليل، و قد روي إلى طلوع الفجر قال: «إذا أدرك بمقدار ما يصلى فيه خمس ركعات قبل الغروب لزمه الصلاتان بلا خلاف
ج7،
و إن لحق أقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا، و كذلك القول في المغرب و العشاء الآخر قبل طلوع الفجر» بل ظاهره كما ترى نفي الخلاف فيه، و لعل الشهيد في الذكرى أراد هذا فيما حكاه عن موضع من الخلاف من أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن أصحاب الأعذار إذا أدرك أحدهم قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة لزمه العشاء الآخرة، و قال فيما حكى عن المبسوط بعد أن ذكر أن وقت الضرورة يمتد في المغرب إلى ربع الليل، و في العشاء الآخرة إلى نصف الليل، و في أصحابنا من قال إلى طلوع الفجر قال:
«إذا لحق قبل الفجر مقدار ما يصلى ركعة أو أربع ركعات صلى العشاء الآخرة، و إذا لحق مقدار ما يصلى خمس ركعات صلى المغرب معها استحبابا، و انما يلزمه وجوبا إذا لحق قبل نصف الليل بمقدار ما يصلى فيه أربع ركعات أو قبل أن يمضي ربعه مقدار ما يصلى معه ثلاث ركعات» و الموجود فيما حضرني من نسخته «فأما من يجب عليه القضاء من أصحاب الأعذار و الضرورات فانا نقول هاهنا عليه القضاء إذا لحق قبل الفجر» إلى آخر ما سمعت، و هي كما ترى، و قال المصنف في المعتبر: «وقت الضرورة في العشاء من النصف إلى طلوع الفجر».
و كيف كان فالقول به لا يخلو من قوة، ل
قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح(1):
«إن نام الرجل و لم يصل صلاة العشاء و المغرب أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلي كلتيهما فليصلهما، و إن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة»
و
خبر عبد الله بن سنان(2)«إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر، و إن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء»
و نحوه خبرا الدجاجي(3)و عمر
1) 1 الوسائل- الباب- 62- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- الحديث 10.
3) 3 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- الحديث 11 و في الوسائل« الزجاجي» كما في الاستبصار و لكن في النسخة الأصلية من الإستبصار المقروة على شيخنا الحجة المجلسي عليه الرحمة« الدجاجي» كما أشير إليه في الاستبصار ج 1 ص 143 في التعليقة 1 من طبعة النجف.
ج7،
ابن حنظلة(1)مؤيدا ب
خبر عبيد بن زرارة المتقدم(2)«لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، و لا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتى يطلع الشمس»
و حمل هذه النصوص على الاستحباب كما سمعته من المبسوط لا شاهد عليه، نعم ربما قيل بالاقتصار على مضامينها من غير تجاوز إلى مطلق المضطر و المعذور فضلا عمن أخر ذلك عمدا، اللهم إلا أن يقال بمعونة ما سمعته من نفي الخلاف من الشيخ و خبر عبيد، و ملاحظة ما ورد في غيره من المضطرين بناء على القول به، و استبعاد التوقيت لخصوص بعض الأحوال، و لما سمعته من مذهب أهل الاضطرار في غير المقام، و نحو ذلك يقوى الظن بعدم الفرق بين المضطرين، بل يقوى أنه لو أخر عمدا أيضا يصلي أداء كما سمعته سابقا من القائلين بالاضطرار.
بل ربما يستفاد من جملة من نصوص الانتصاف المشتملة على دعاء الملك على النائم بعدم رقود عينيه(3)و على أنه يصبح صائما عقوبة له(4)و نحو ذلك كراهية التأخير إلى ما بعد الانتصاف كراهية شديدة، لغلبة التعبير بنحو ذلك عن المكروهات، و من هذا و غيره يظهر لك وجه ما عرفته من القول السابق الذي قلنا إنا لم نتحقق قائله.
لكن و مع ذلك كله فالحكم من أصله لا يخلو من إشكال، لمعارضة هذه النصوص- بعد ضعف سند الأخير منها، و احتمال إرادة دخول وقت صلاة الليل
ج7،
و فواتها منه، كاحتمال إرادة القضاء من أخبار الحائض(1)خصوصا بناء على المضايقة، و احتمال الصحيح الأول ما قبل النصف و إن كان بعيدا جدا- بما دل(2)على أن لكل صلاة وقتين، الظاهر في نفي الثالث، و دعوى أن هذا ليس من التوقيت بل هو رخصة لخصوص هؤلاء- و لذا لا يجوز تعمد التأخير إليه إجماعا، و لو كان وقتا مضروبا كالوقتين لجاز التأخير إليه مثلهما، يدفعها أنه لا معنى للتوقيت إلا صحة الفعل فيه أداء و لو في بعض الأحوال، فكونه لا يجوز التأخير إليه عمدا لا ينافي وقتيته، كما هو ظاهر القائلين بأن الوقت الثاني في غيره للمضطرين، فإنهم لا يجوزون التأخير إليه عمدا و إن كان هو وقتا عندهم، نعم هو كذلك عند خصوص القائلين بأن الثاني إجزائي. و بالآية و النصوص(3)المتكثرة التي جعلت الغاية النصف، بل في المرفوعة(4)منها التصريح بالقضاء لمن نام عن صلاة العشاء إلى النصف، و في
خبر سهل بن المغيرة(5)«أنه يصبح صائما عقوبة له»
و دعوى إرادة ما يتناول الأداء من القضاء فيها لا شاهد لها، مضافا إلى موافقة تلك النصوص للفقهاء الأربعة كما حكاه في الروض عنهم، و إن اختلفوا في أنه وقت اختيار أو اضطرار، فظهر حينئذ ضعفها عن مقاومة تلك الأدلة من وجوه.
و من هنا جزم في الرياض تبعا لغيره من المحققين بعدم العمل بها، بل لعله ظاهر كل من اقتصر على النصف و ما دونه في الغاية من الأصحاب، و هم الأكثر، و منه ينقدح حينئذ مضعف آخر لهذه النصوص، و هو الإعراض، إذ الذي عمل بها
1) 1 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 4 و 11 و 13 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 4 و 6 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 29- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة لكن رواه عن عبد الله بن المغيرة و هو الصحيح.
ج7،
آحاد من بعض الأعصار على وجل و ريبة، فلا ريب أن الأحوط عدم التعرض لنية الأداء و القضاء، كما أن الأحوط عدم التأخير عما بعد النصف إلى الصبح و إن قلنا بالمواسعة في القضاء.
و أما الصبح فقد عرفت أوله سابقا، كما أنك عرفت في أول البحث ما يدل على امتداده للمختار إلى طلوع الشمس، كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة عظيمة، بل قد عرفت دعوى أبي المكارم و تلميذه الإجماع التي يشهد لها التتبع، و هو الحجة، مضافا إلى ما تقدم من تلك النصوص عموما و خصوصا، بل قد تضمن جملة منها كخبر الأصبغ(1)و
موثق الساباطي(2)«انه متى أدرك ركعة وجبت الصلاة تامة»
و إن كان في دلالته على المطلوب نظر، إذ للخصم تسليمه مع تخصيصه بصورة الاضطرار، و احتمال التمسك بإطلاقها يدفعه أنه لا بد من حمل هذه النصوص على إرادة الاضطرار، ضرورة عدم جواز التأخير إلى مقدار الركعة اختيارا عند القائلين بامتداد وقت الإجزاء، لظهور الأدلة في فعل تمام الصلاة في الوقت لا بعضها، مع إشعار لفظ «أدرك» في الاضطرار، نعم الظاهر تناولها للمؤخر عمدا، فيصلي حينئذ أداء و إن أثم بالتأخير، فلا تدل حينئذ على التوسعة اختيارا إلى طلوع الشمس، اللهم إلا أن يدعى ظهورها في أن المشروع للاضطرار تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت بسبب إدراك الركعة، فيعلم منه أن إدراك الركعتين قبل طلوع الشمس إدراك لها في وقتها، بل ذلك كاد يكون صريح قوله: «من الوقت» فيه، فتأمل جيدا.
على أنا في غنية عن ذلك كله بما عرفت من الأدلة السالمة عن معارض معتد به، إذ ليس هو إلا
ج7،
و اللفظ للأول «لكل صلاة وقتان، و أول الوقتين أفضلهما، و وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنه وقت من شغل أو نسي أو سهى أو نام»
و في
الموثق(1)«في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر ان يصلي المكتوبة من الفجر إلى أن تطلع الشمس»
و
خبر يزيد بن خليفة(2)«وقت الفجر حين يبدو حتى يضيء»
و
خبر أبي بصير(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء، قلت: فمتى تحل الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك، فقلت: ألست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقال: لا، انما نعدها صلاة الصبيان، ثم قال: إنه لم يكن يحمد الرجل أن يصلي في المسجد ثم يرجع فينبه أهله و صبيانه»
و هي كما ترى ظاهرة في رجحان المبادرة و مرجوحية التأخير، لتصريحه في الصحيحين بالأفضلية، و التعبير بلفظ «لا ينبغي» و «لم يكن يحمد» و إطلاق الشغل و نحوها، فهي نفسها أدلة على المطلوب عند الانصاف مع قطع النظر عما يعارضها، فلا ريب حينئذ في ضعف ما عن المبسوط و التهذيب و النهاية و الخلاف و الاستبصار و الوسيلة من أنه إلى ظهور الحمرة المشرقية، و منها إلى طلوع الشمس للمضطر إن أراد الوجوب حقيقة، كالمنقول عن الشافعي و جميع أصحابه إلا الاصطخر لي، فقال: بفوات الوقت رأسا إذا أسفر.
و قد ظهر لك مما ذكرناه كله شرح قول المصنف و كذا من غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة للمغرب، و للعشاء من ذهاب الحمرة إلى ثلث الليل للمختار، و ما زاد عليه حتى ينتصف الليل للمضطر، و قيل إلى طلوع الفجر، و ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الحمرة للمختار في الصبح، و ما زاد على ذلك حتى تطلع الشمس للمعذور فلا حاجة
ج7،
إلى الإعادة، ثم قال و عندي أن ذلك التحديد كله الذي خصوا به المختار في الظهرين و العشاءين و الصبح للفضيلة لا أنه ينتهي أصل الوقت بانتهائه، و هو ظاهر في تعدد وقت الفضيلة بالنسبة إلى الظهرين، لأنه قد ذكر اختلاف التحديد فيهما.
و تحقيق البحث في جميع ذلك عندنا أن منتهى فضيلة الظهر المثل، و العصر المثلان، للصحاح المستفيضة(1)الدالة على تحديد الوقت الأول للظهر بالقامة، و للعصر بالقامتين التي بينا وجه دلالتها فيما تقدم من قول المصنف: «و المماثلة بين الفيء الزائد» إلى آخره. بل و ذكرنا هناك أيضا غير ذلك مما يدل على المطلوب من أخبار المثل(2)و غيرها المحمولة على الفضل كما عرفت، و ما في
خبر أحمد بن عمر(3)
« وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، و وقت العصر قامة و نصف إلى قامتين».
عن أبي الحسن (عليه السلام) «سأله عن وقت الظهر و العصر فقال: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة و نصف إلى قامتين»محمول على إرادة بيان وقت الفرضين، و إن لم يذكر العصر في الجواب اعتمادا على السؤال، أو أن المراد بالقامة فيه الذراع، أو غير ذلك، و إلا كان مطرحا.
ثم لا فرق في الوقت المزبور بين القيظ و الشتاء و إن اختص السؤال في موثق زرارة(4)بالأول، إلا أن إطلاق الجواب و عدم القائل بالفرق و بعض أخبار القامة(5)المصرحة بالتسوية بين الشتاء و الصيف تدل على عدم الفرق بينهما، نعم يستفاد من جملة
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 7 و 10 و 27 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 و 31 من كتاب الصلاة و المستدرك- الباب 9 منها- الحديث 14.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 7 و نصه
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 27 من كتاب الصلاة.
ج7،
من النصوص(1)المروية في طرقنا و طرقهم استحباب الإبراد بها في الصيف، و احتمال حمل جميع أخبار المثل و القامة على التقية ممكن، بل قوي، بل مال إليه في البحار، و لعله لاشتهار ذلك بينهم، و إشعار تأخيره (عليه السلام) الجواب لزرارة، و إسناد القامة و القامتين إلى فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) بأمر جبرئيل (عليه السلام)، بل كان تعبيرهم (عليهم السلام) بها مع تفسيرهم لها بالذراع و الذراعين و أن ذلك في كتاب علي (عليه السلام) كالصريح في إرادة الإيهام عليهم بالتعبير بها، و إلا فالمراد منها الذراع، و إشعار
قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة(2)لما سأله إنسان عن صلاة بعض الأصحاب الظهر، و الآخر العصر في وقت واحد: «أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد عرفوا فأخذوا برقابهم»
و ظهور أمره (عليه السلام) لزرارة(3)بالصلاة للمثل و المثلين في ذلك، إذ لم يقل أحد إن الفضل فيهما، بل أقصاه أنهما نهاية الفضل، بل لعل ما قبلهما أفضل منهما كما ستسمع، و
قول الراوي(4)لخبر زرارة: «إني لم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير»
و ظهور
خبر ابن أبي عمير(5)المروي عن رجال الكشي عن الصادق (عليه السلام) في أن أمره لزرارة بذلك كان لبعض المصالح التي هو يعلمها، قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: كيف تركت زرارة؟ فقلت: تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، قال: فأنت رسولي إليه فقل له: فليصل في مواقيت أصحابه، فإني قد حرقت،
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 3 و 4 و المستدرك الباب 7 منها- الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 7- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 31 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 31 من كتاب الصلاة.
5) 5 رجال الكشي ص 95 و قطعه في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت الحديث 14 من كتاب الصلاة.
ج7،
قال: فأبلغته ذلك فقال: أنا و الله أعلم أنك لم تكذب عليه، و لكن أمرني بشيء فأكره أن أدعه»
قال في البحار: النسخ هنا مختلفة، ففي بعضها بالحاء المهملة و الفاء على البناء على المجهول من التفعيل، أي غيرت عن هذا الرأي، فاني أمرته بالتأخير لمصلحة، و الآن قد تغيرت المصلحة، و يؤيده أن في بعض النسخ صرفت بالصاد المهملة بهذا المعنى، و في بعضها بالحاء و القاف كناية عن شدة التأثر و الحزن، أي حزنت لفعله ذلك، و في خبر آخر(1)من أخبار زرارة «فحرجت» من الحرج و هو الضيق، و على التقادير الظاهر أن قول الراوي حتى تغيب الشمس مبني على المبالغة و المجاز أي شارفت الغروب، إذ كان يصليها للمثلين اللذين هما المساء، و كان المصلحة في أمر زرارة و ابن بكير بذلك هي رفع تهمته (عليه السلام) بخلاف ما هم عليه من الوقت، لاشتهارهما في صحبة الصادق (عليه السلام) و معروفيتهما من بين أصحابه بمعرفة أقواله.
لكن الشهرة العظيمة بين الأصحاب- سيما مع ما قيل من أن الحمل على التقية إذا تعذر غيرها من الاحتمالات، لاستبعاد خفائها على الخاصة و البطانة التي كانوا يعرفونها بمجرد نقل بعض الرواة لهم خبرا حتى قالوا له: أعطاك من جراب النورة، و كون الحكم استحبابيا و غير ذلك- يقتضي المصير إلى الأول، و على كل حال فالظاهر رجحان ما قبله عليه خصوصا في غير أيام الصيف، بل و فيها، لعدم اقتضاء الإبراد المثل، و لكن و مع ذلك فالإنصاف أن الثاني قوي جدا كما ستعرف، بل قبله بكثير يتحقق.
و من هنا كان ظاهر المصنف و غيره تعدد وقت الفضيلة، بل هو صريح المجلسي و إن كان ذكره بصورة الاحتمال، قال: و المثل و المثلان وقت للفضيلة بعد الذراع و الذراعين: أي إذا أخرت الظهر عن الأربعة أقدام فينبغي أن لا يؤخر عن السبعة التي هي المثل، و إذا أخرت العصر عن الثمانية فينبغي أن لا تؤخر عن الأربعة عشر
1) 1 الاستبصار ج 1 ص 248 الرقم 891 من طبع الحديث.
ج7،
أعني المثلين، فالأصل من الأوقات الأقدام، لكن لا بمعنى أن الظهر لا يقدم على القدمين، بل بمعنى أن النافلة لا توقع بعد القدمين، و كذا نافلة العصر لا يأتي بها بعد الأربعة أقدام، فأما العصر فيجوز تقديمها قبل مضي الأربعة إذا فرغ من النافلة قبلها، بل التقديم فيهما أفضل، و أما آخر وقت فضيلة العصر فله مراتب: الأولى ستة أقدام، و الثانية قدمان و نصف، و الثالثة ثمانية أقدام، و الرابعة المثلان على احتمال، فإذا رجعت إلى الأخبار الواردة في هذا الباب لا يبقى لك ريب في تعين هذا الوجه في الجمع بينها، و مما يؤيده مرسلة يونس(1)المتقدمة سابقا في المماثلة، و هو جيد و إن كان فيما ذكره من الترتيب مناقشة في الجملة، لكن لا ريب في تفاوت وقت الفضيلة، و به يجمع حينئذ بين النصوص، ضرورة ظهور التنافي بينها في ذلك، و احتمال عدمه- بدعوى حمل أخبار التحديد بالذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة و بأداء النوافل طالت أو قصرت على إرادة
بيان أول الوقت الأول للمتنفل لا آخره كما يومي اليه ما دل من النصوص(2)على اقتطاع ذلك للنافلة، و انه يتنفل إلى أن يبلغ الفيء ذلك فيتركها و يصلي الفريضة المؤيد باستبعاد كون الوقت الأول للظهر مقدار أربع ركعات من آخر القدمين أو بعدهما، و العصر كذلك من آخر الأقدام الأربعة أو بعدها- يدفعه ظهور بعضها أو صراحته في خروج الوقت أيضا بذلك، ك
قوله (عليه السلام) في خبر الكرخي(3): «آخر وقت الظهر الأربعة»
و
بعض أخبار مجيء جبرئيل (عليه السلام)(4)إلى النبي (صلى الله عليه و آله) بحدود الأوقات «فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد في الظل قدمان فأمره فصلى العصر، ثم
ج7،
أتاه في الغد حين زاد في الظل قدمان فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد في الظل أربعة أقدام فأمره فصلى العصر، ثم قال: ما بينهما وقت»
و غيرهما المحمولة على الفضل و الاستحباب في الوقت الأول و غيرهما، بل هو إن تم ففي البعض خاصة لا الجميع كما لا يخفى على من لاحظ النصوص.
فالأولى حينئذ الجمع بين النصوص بما ذكرنا، إذ المستفاد من بعضها الاستحباب في أول الوقت، ك
قول الباقر (عليه السلام)(1): «أحب الوقت إلى الله عز و جل أوله حين يدخل وقت الصلاة»
و
الرضا (عليه السلام)(2)«إذا دخل الوقت عليك فصلهما فإنك ما تدري ما يكون»
و غيرهما مما اشتمل على محبة الله التعجيل(3)و نحوه، بل في
خبر أبي بصير(4)منها ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) «فقلت: كيف أصنع بالثماني ركعات؟ قال: خفف ما استطعت»
و اليه أشار العلامة الطباطبائي بقوله:
و الفضل في الأول للمعجلو في الأخير لمداني الأول
إذ المراد بالأول و الأخير في كلامه الوقت الأول و الوقت الأخير و من آخر(5)بعد الفراغ من النافلة طالت أو قصرت، لكن في
خبر زرارة(6)منها «أكره لك أن تتخذه وقتا دائما»
و لعله لخصوص زرارة، و يقرب من هذه الأخبار ما ورد(7)من التحديد بالقدم للظهر و قدم للعصر، بل
في بعضها(8)«أن ذلك أحب إلى»
و من ثالث(9)الذراع و الذراعان و القدمان و الأربعة من زوال الشمس على وجه لا على أنه البداية فقط، بل
في بعضها(10)«إني أحب أن يكون فراغك من
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 32.
8) 8 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 20.
9) 9 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2.
10) 10 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 29 من كتاب الصلاة.
ج7،
الظهر و الشمس على قدمين و العصر على أربعة»
و من رابع(1)الذراع للظهر، و شطره للعصر، و من خامس(2)أربعة أقدام للظهر، و من بعدها للعصر، و من سادس أن نهاية الفضل في الظهر المثل، و منه إلى المثلين فصل العصر، و به صرح العلامة الطباطبائي في منظومته، فقال:
و الحد في الظهر لوقت الفضلإلى بلوغ الظل قدر المثل
و منه للمثلين وقت العصرعلى الأحق عندنا بالنصر
بل صرح فيما بعد كالروضة و غيرها بأنه لا فضل في تقديمه على المثل، و ستسمع تمام البحث فيه إن شاء الله، و من سابع(3)ان آخر وقت العصر ستة أقدام و نصف، و من ثامن(4)ان من تركها إلى الستة فذلك المضيع، لكن
في أكثر النصوص(5)«انه من تركها حتى تصفر أو تغيب»
و
في بعضها(6)«ما خدعوك فيه من شيء فلا يخدعونك في العصر، صلها و الشمس بيضاء نقية»
و
في آخر(7)المروي عن المجالس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «صلوا بهم العصر و الشمس بيضاء حية في عضو من النهار حين يسار فيها فرسخان»
هذا.
و قد يحتمل أن منتهى الفضل الذراع و الذراعان بسبب تظافر أخبارهما أو تواترها، و ظهور قصدهم (عليهم السلام) التعريض بما عليه العامة العمياء من تأخير العصر كثيرا، و أنهم أخطأوا في فهم القامة و القامتين، لأنهما الذراع و الذراعان في
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 30 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 7 و 10 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 7.
7) 7 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 13 لكن رواه عن نهج البلاغة.
ج7،
كتاب علي (عليه السلام)، فيطابق ما كان يفعله النبي (صلى الله عليه و آله) بالقياس في جدار المسجد، و بسبب ما سمعته عند ما حكيناه عن المجلسي، و ان الأخبار(1)الواردة في أن المدار على الفراغ من السبحة مقصود منها ما هو الغالب المتعارف من الفراغ منها قبل الذراع و الذراعين، و أنه لا ينبغي تأخير الصلاة انتظار الذراع و الذراعين كما يفهم من سياق بعضها، لا أن المقصود منها كون المدار على الفراغ من النافلة و ان تجاوز هذا المقدار حتى بلغ المثل و المثلين، و كيف و قد سمعت الحث على فعل العصر قبل الستة أقدام، و أن من أخرها إليه هو المضيع، و من ذلك كله و غيره يظهر لك قوة ما سمعته من المجلسي، و الله أعلم.
و للمغرب إلى غيبوبة الشفق، و دونه إلى الربع، و دونه إلى الثلث، و دونه إلى النصف، و للعشاء من سقوط الشفق إلى الربع، و دونه الثلث، و دونه النصف، و المراد بالشفق الحمرة المغربية، و ليس الضوء و البياض منه، و إلا لكان إلى ثلث الليل تقريبا، و للصبح عند طلوع الفجر الذي تشهده ملائكة الليل و النهار، و يمتد من أول طلوعه إلى أن يتجلل الصبح السماء و يتحقق الاسفار و يتأكد الغلس بها كما صرحت به النصوص(2)و هو أول طلوع الفجر،
قال الصادق (ع) بعد أن سئل عن أفضل المواقيت(3)في الفجر مع طلوع الفجر، إن الله تبارك و تعالى يقول(4)«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل و ملائكة النهار، فإذا صلى العبد صلاة الصبح
ج7،
مع طلوع الفجر أثبتت له مرتين، أثبتها ملائكة الليل و ملائكة النهار»
و في
خبر الخلقاني(1)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل أن يستعرض، و كان يقول: و قرآن الفجر»
إلى آخره.
و ما في المحكي عن
دعائم الإسلام(2)عن الصادق (عليه السلام) «أن أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق، و آخر وقتها أن يحمر أفق المغرب، و ذلك قبل أن يبدو قرن الشمس من أفق المشرق بشيء، و لا ينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر، و أول الوقت أفضل»
محمول على إرادة بيان وقت الاجزائي لا الفضيلي كما يومي اليه ما في آخره، و قال في البحار: اعتبار احمرار المغرب غريب، و قد جرب أنه إذا وصلت الحمرة إلى أفق المغرب يطلع قرن الشمس، و منه يظهر ما في المحكي عن
فقه الرضا (عليه السلام)(3)من أن «أول وقت الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق، و هو بياض كبياض النهار، و آخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في أفق المغرب، و قد رخص للعليل و المسافر و المضطر إلى قبل طلوع الشمس»
و كيف كان فقد عرفت التحقيق و كان الأصحاب استفادوا من الاسفار و التجلل و نحوهما ظهور الحمرة المشرقية، فجعلوها هي الغاية في وقت الفضيلة و إن لم نجدها في النصوص، و الأمر سهل.
و أما الجمع بين أخبار الظهرين بإرادة الذراع من القامة لما عرفته سابقا من النصوص المتضمنة لذلك، أو بأن المراد مثل الباقي من الظل، و هو مختلف، و لذا اختلفت النصوص في التقدير المزبور ففيهما ما عرفته سابقا مفصلا، بل الثاني منهما مقطوع بفساده كما لا يخفى على من لاحظ ما تقدم عند قوله: «و المماثلة» إلى آخره. مع أن الأول منهما لا يجمع سائر ما سمعته من الاختلاف، و لا يتم في بعض النصوص المعلوم
ج7،
إرادة قامة الإنسان منها، نعم ربما جمع بينها بحمل هذا الاختلاف على الاختلاف في أداء النافلة بحسب البطء و السرعة الطبيعيين و التخفيف و التطويل بشهادة ما دل على اقتطاع هذا الوقت من الفريضة لها، و انه إذا زالت الشمس لم يمنعك من صلاة الظهر إلا سبحتها طالت أو قصرت، و كذلك العصر، و ستعرف تمام الكلام فيه، و يقرب منه حمل ما جاء بالمثل على من أراد التطويل بكثرة الدعاء و نحو ذلك، و بالقدمين على من يريد التخفيف، و نحوه ما عساه يقال من أن هذا الاختلاف لاختلاف الاعتبارات و الجهات و المصالح و الضمائم الراجحة، فتأمل جيدا.
هذا كله في وقت الفرائض
و أما وقت النوافل اليومية
ف للظهر من حين تحقق الزوال و تبينه، و عليه يحمل خبر الأصبغ(1)إلى أن يبلغ زيادة الفيء قدمين أي سبعي الشاخص و للعصر أربعة أقدام أي أربعة أسباعه، و هما الذراع و الذراعان كما هو معلوم، و يومي اليه
صحيح زرارة(2)عن الباقر (عليه السلام) «سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراعان من وقت الظهر فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس»
و ربما كان بينهما تفاوت ما، و لعله لذا جمع بينهما أبو علي فيما حكي عنه، فقال: يستحب للحاضر أن يقدم بعد الزوال و قبل فريضة الظهر شيئا من التطوع إلى أن تزول الشمس قدما أو ذراعا من وقت زوالها و قيل و القائل السيد أبو المكارم و الحلي فيما حكي عنه و الفاضلان و العلّيان على ما حكي عن الميسي منهما، و مال اليه الشهيدان، بل هو صريح الثاني منهما، بل هو ظاهر المبسوط و التهذيب و المحكي عن الإصباح، إذ في الأول و الثالث الامتداد إلى أن يبقى إلى آخر الوقت قدر أداء الفريضة، و الظاهر إرادتهما وقت المختار، فيكون حينئذ عين المحكي
ج7،
عن الجمل و العقود و المهذب و الجامع، بل في ظاهر الغنية الإجماع عليه ما دام وقت الاختيار أو الفضل على القولين باقيا و هو المثل و المثلان و قيل و القائل غير معروف باسمه و نسبه كما اعترف به جماعة يمتد وقتها بامتداد وقت الفريضة للاجزاء، و لعله الحلبي في الكافي كما قيل، لكن المحكي عنه كما عرفته أن آخر وقت الظهر عنده للمضطر المثل، و لغيره أربعة أقدام.
و على كل حال ف الأول أشهر بل هو المشهور فتوى و رواية نقلا و تحصيلا، بل قد يشعر بعض ما حكي من عبارات الخلاف الإجماع عليه، للنصوص(1)المستفيضة غاية الاستفاضة، بل لعلها متواترة، بل في
صحيح ابن مسكان عن زرارة(2)عن الباقر (عليه السلام) بعد أن ذكر الذراع و الذراعين «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة، فإن لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفيء ذراعا، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة، و إذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة»
و نحوه غيره، و
في التهذيب قال ابن مسكان: «و حدثني بالذراع و الذراعين سليمان بن خالد و أبو بصير المرادي و حسين صاحب القلانس و ابن أبي يعفور و من لا أحصيه منهم»
و كان المراد أنه أمر بفعل الفريضة دون النافلة، أو من غير تأخير إذا بلغ الفيء ذراعا أو ذراعين، لئلا يفعل النافلة في وقت الفريضة، أو أنه أمر بتأخير الفريضة ذراعا مثلا لئلا يكون وقت النافلة وقتا للفريضة، فيلزم فعلها في وقتها، أو الأمران معا، أو أن المراد أنه جعل ذلك وقتا للنافلة كي لا يكون فعلها فيه من التطوع وقت الفريضة، كما يومي اليه
ج7،
خبر إسحاق بن عمار(1)«و انما جعل الذراع و الذراعان لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة»
و ان احتمل أيضا أحد الوجوه السابقة، بل يمكن تنزيل ما في
موثق إسماعيل الجعفي(2)عن الباقر (عليه السلام) أيضا «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟
قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه»
على ما ذكرنا أيضا إذا جعل الإشارة فيه للفريضة و نافلتها، فيكون المعنى حينئذ أنه لا يجوز تأخير نوافلهما إليهما لئلا يؤخذ من وقت الفريضة للنافلة، أو أنه آخر وقتهما إلى المقدارين لتقع النوافل قبل وقتهما، و إن أمكن أن يراد منه أن التحديد بين الفريضتين للتمايز لئلا يؤخذ من وقت إحداهما و يدخل في وقت الأخرى، أو أنه لا ينبغي تقديم الفريضتين لئلا يقعا في وقت النافلة، لكنهما كما ترى غير صالحين أن يكونا حكمة و علة لذلك.
و كيف كان فالنصوص ظاهرة و صريحة في التحديد المزبور، بل في بعضها تصريح بالمنع عن النافلة بعد ذلك كما سمعت و تسمع فيما لو زاحمت النافلة الفريضة، فالأقوى حينئذ الاقتصار في توقيتهما على ذلك، و بناء صحة فعلهما و لو قضاء على ما ستعرفه من حكم التطوع في وقت الفريضة.
و أما القول بالامتداد للمثل و المثلين فلم نجد له شاهدا سوى الإجماع المحكي في الغنية الذي هو مع شهادة التتبع بخلافه لا يحصل منه الظن، لمعارضته بما هو أقوى منه، و سوى إطلاق الأمر بالنوافل الذي لا يدل عليه بالخصوص، و يجب الخروج عنه بما عرفت، و سوى النصوص(3)المستفيضة الدالة على أن المدار على فعل النافلة طالت
ج7،
أو قصرت، بل
قال الحارث بن المغيرة و عمر بن حنظلة و منصور بن حازم في خبر ابن مسكان(1)عنهم جميعا: «كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع، فقال لنا أبو عبد الله (عليه السلام): ألا أنبئكم بأبين من هذا؟ قال: قلنا: بلى جعلنا فداك، فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا أن بين يديها سبحة، و ذلك إليك إن شئت طولت و إن شئت قصرت»
و نحوه غيره: بل
في خبر أحمد بن محمد بن يحيى(2)التصريح بعدم اعتبار الأقدام، قال: «كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) روي عن آبائك القدم و القدمين و الأربع و القامة و القامتين و ظل مثلك و الذراع و الذراعين، فكتب (عليه السلام) لا القدم و لا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و بين يديها سبحة، و هي ثمان ركعات إن شئت طولت و إن شئت قصرت ثم صل الظهر»
و هي كالأول أيضا لا تدل على خصوص المثل و المثلين، بل قضيتها و إن زاد، فالأولى حملها على إرادة بيان المتعارف في وقوع النافلة، و أن ما ورد من التحديد بالقدمين و الأربعة لأطول ما تقع فيه، فيكون المقصود منه رفع ما يوهمه التحديد المزبور من لزوم الانتظار حتى لو فرغ منها قبل ذلك، لا أن المراد الاذن في تطويلها زائدا على ذلك.
و لقد أجاد الشيخ بعد نقله هذه المكاتبة في قوله: «إنما نفى القدم و القدمين لئلا يظن أن ذلك وقت لا يجوز غيره» على أنها معارضة ب
مكاتبة عبد الله بن محمد(3)«جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) انهما قالا: إذا زالت
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة، و جملة« قال: قلنا: جعلنا فداك» ليس في الوسائل و الكافي و انما ذكرت في الاستبصار.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 13 لكن رواه عن محمد بن أحمد بن يحيى.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 28 من كتاب الصلاة.
ج7،
الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن بين يديها سبحة، إن شئت طولت و إن شئت قصرت، و روى بعض مواليك عنهما أن وقت الظهر على قدمين من الزوال، و وقت العصر على أربعة أقدام من الزوال، فان صليت قبل ذلك لم يجزك، و بعضهم يقول:
يجزئ و لكن الفضل في انتظار القدمين و الأربعة أقدام، و قد أحببت جعلت فداك أن أعرف موضع الفضل في الوقت، فكتب القدمان و الأربعة صواب جميعا»
و هو كالصريح فيما ذكرنا من أن المقصود بتلك الأخبار رفع توهم لزوم مراعاة الحد المزبور، كما يومي اليه ما في الخبر الأول
«كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع»
و ما في هذا الخبر أيضا حيث نقل عن بعض مواليه أنه لا يجزئ التقديم على القدمين.
و سوى(1)ما في المعتبر من الاستدلال عليه بما في
خبر زرارة(2)و عبد الله ابن سنان(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر»
بناء على أن الحائط كان ذراعا، قال: فحينئذ ما روي من القامة و القامتين جار هذا المجرى، للنصوص(4)الدالة على إرادة الذراع من القامة، و بهذا الاعتبار يعود كلام الشيخ لفظيا، و فيه منع أن الحائط كان مقدار ذراع، بل في ذيل هذا الخبر لفظ «من» و لفظ «من» في صدره ما يدل(5)بظاهره على خلاف ذلك و انه كان قامة إنسان كما صرح به في المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام)(6)و يومي اليه زيادة على ذلك ذكر استحباب ذلك في أحكام المساجد تأسيا بالنبي (صلى الله عليه و آله)،
1) 1 قوله قدس سره:« و سوى ما في المعتبر» إلخ عطف على قوله:« سوى الإجماع».
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 25 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8 من أبواب المواقيت- الحديث 12 و 13 و 14 و 24.
5) 5 هكذا في النسخة الأصلية و الأولى أن يكتب لفظ« مما يدل» بدل« ما يدل».
6) 6 فقه الرضا عليه السلام ص 3.
ج7،
و إطلاق لفظ القامة مرادا بها الذراع في بعض الأحوال لا يقتضي حملها عليه و مخالفة ما هو المنساق منها أينما وقعت.
و لقد أجاد في الذكرى حيث قال: «و من أين يعلم أن هذه القامة مفسرة لتلك القامة؟ و الظاهر تغايرهما بدليل قوله: «فإذا مضى من فيئه ذراع» و لو كان الذراع نفس القامة لم يكن للفظ «من» هنا معنى» قلت: بل يأباه
خبر إسماعيل الجعفي(1)أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) المسؤول فيه عن اختلاف الجدار قصرا و طولا بعد التحديد بالذراع من فيئه و الذراعين، فقال: «كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يومئذ قامة»
و هو كما ترى بعيد عن حمل القامة على الذراع كما أشرنا إليه سابقا، على أن ذلك بعد التسليم يقتضي أفضلية وقوع الظهر للمثل و العصر للمثلين من غيرهما من الأوقات، لاستمرار مواظبة النبي (صلى الله عليه و آله) عليه، و كأنه مقطوع بعدمه بملاحظة نصوص الأقدام(2)و غيرها التي لا تنطبق على ما ذكره، مع أنها واضحة الانطباق على الذراع و الذراعين كما عرفته سابقا، بل هو كذلك بالنسبة إلى الظهر.
و سوى ما في الروضة من أن المنقول من فعل النبي و الأئمة (عليهم السلام) و غيرهم من السلف فعل نافلة صلاة العصر قبل الفريضة متصلة بها، و على تقدير الأقدام لا يجتمع فعل صلاة العصر في وقت فضيلتها الذي هو بعد المثل، و فعل النافلة متصلة بها، بل لا بد من الانفصال، ثم قال: و المروي(3)ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يتبع الظهر من سنة العصر و يؤخر الباقي إلى أن يريد صلاة العصر، و ربما أتبعها بأربع و ست و أخر الباقي، و هو السر في اختلاف المسلمين في أعداد نافلتيهما، و لكن
ج7،
أهل البيت (عليهم السلام) أدرى بما فيه، و فيه مع اختصاصه ببعض نافلة العصر منع اعتبار التأخير عن المثل في فضيلة العصر، بل ظاهر نصوص الأذرع و الأقدام و غيرهما خلافه، و ان النبي (صلى الله عليه و آله) كانت عادته فعلها بالأربعة أقدام من قامة الإنسان، و نصوص القامة مع موافقتها للمحكي عن الشافعي و أصحابه يمكن أن يراد منها الذراع كما كشفت عنه النصوص الأخر، و انه كان متعارفا إطلاقها على الذراع من ظل قامة الإنسان، بل هو كاد يكون صريح مرسلة يونس الطويلة(1)و دعوى ضعف النصوص المتضمنة لذلك، فلا يخرج بسببها عن المنساق إلى الذهن عند الإطلاق يدفعها شهادة القرائن بصحتها كذكرها في الكتب المعتمدة و تعددها، و رواية أمثال هؤلاء الأعيان لها، و فيهم بعض من روى القامة و القامتين كعمر بن حنظلة، و معروفية قصد التعريض بها على العامة حيث فهموا من القامة خلاف ذلك، على انها انما تضمنت بيان الموضوع الذي يكتفى فيه بالظن أو ما هو حكمه حكم الموضوع، و
قوله (ع) في بعض أخبار القامة و القامتين(2): «و ذلك المساء»
مشيرا إلى القامتين لا يستلزم إرادة قامة الإنسان، لمنع عدم صدقه مع مضي الذراعين، و كون الشاخص الذي يقاس به الوقت في ذلك معروفا بالذراع- فإذا أريد من القامة ذلك رجع إلى المثل و المثلين أيضا- يدفعه عدم ظهور في أخبار القامة، بل و لا إشعار بإرادة التقدير بها بالنسبة إلى مثل هذا الشاخص، إذ يمكن إرادة التقدير بها بالنسبة إلى ظل الإنسان، و
قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير(3): «كم القامة؟» فقال: ذراع، إن قامة رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت ذراعا»
لا دلالة فيه على التقدير بها من ظل الرحل، بل أقصاه
ج7،
الدلالة على إرادة ذراع من لفظ القامة، و تأخير النبي (صلى الله عليه و آله) بعض نافلة العصر إلى أن يريد صلاتها لا يقتضي أنه (صلى الله عليه و آله) كان يصليها بعد المثل حتى يستلزم وقوعها بعد المثل، بل لعله كان يؤخر العصر إلى بلوغ الظل أربعة أقدام، ضرورة زيادة هذا الوقت على فعل النافلة، إذ الظاهر انه كان يبلغ ساعة نجومية تقريبا، كما أن القدمين الأولين كذلك، و ستسمع إن شاء الله تمام البحث في ذلك.
و سوى ما يقال: من إن الحكمة في توسعة الفضل إلى المثل و المثلين بسبب النافلة كي يمتد وقتها، و فيه منع واضح، بل هو قول بغير علم، و تقول على الشارع بغير إذن.
و من ذلك كله يظهر لك ضعف القول الثالث، أي امتداد وقت النافلة بامتداد وقت إجزاء الفريضة و إن مال إليه في الذخيرة، إذ هو- مع أنه مجهول القائل كما قيل، و لعله كذلك، لأنه لم ينسب إلا إلى الحلبي، و قد عرفت أنه انما قال بالامتداد إلى آخر الوقت، و إن آخر الوقت عنده الأربعة للمختار، و المثل للمضطر، و لعله لذا نفي الخلاف في المحكي عن السرائر عن خروج وقت النافلة إذا صار المثل و المثلان- لا شاهد له، بل الشواهد على خلافه، و الأخبار(1)الدالة على كون النافلة بمنزلة الهدية، فكل وقت صالح لها- مع قصورها عن المقاومة لغيرها من وجوه، و مقطوعية عدم العمل على ظاهرها مطلقا- يمكن تنزيلها على إرادة عدم سقوط النافلة بخروج وقتها، بل غيره صالح لفعلها كالفرائض و لو قضاء، لأنها بمنزلة الهدية، و ليست هي كباقي النوافل الموقتة التي تذهب بذهاب وقتها، لا أن المراد منها صلاحية سائر الأوقات لأدائها، و كيف و النصوص يمكن دعوى تواترها في كونها موقتة، و أن وقتها غير ذلك، و من العجيب استفادة جواز تقديم النوافل على أوقاتها من هذه الأخبار التي وصفها في المعتبر بالندرة،
1) 1 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 3 و 7 و 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
و في الذكرى بعدم الشهرة كما ستسمعه إن شاء الله. و أما ما في
موثق سماعة(1)عن الصادق (عليه السلام)- الذي ذكره بعض الأصحاب في مسألة التطوع وقت الفريضة «و الفضل إذا صلى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها، فيكون فضل أول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت»
قيل: و كذا رواه في
الكافي(2)بتفاوت ما، و فيه «موسع أن يصلي الإنسان في أول دخول وقت الفريضة بالنوافل إلا أن يخاف فوت الفريضة»
ثم ان ظاهر أكثر النصوص إن لم يكن جميعها اختصاص النافلة بالقدمين و الأربعة بمعنى فعل الفريضة بعد القدمين و الأربعة، لا أنه يستثنى منها مقدار فعلهما أيضا حتى يكون القدمان وقتا للظهر و نافلتها، و الأربعة كذلك، نعم يستفاد من النصوص(3)استحباب تعجيل النافلة و تخفيفها ما استطاع محافظة على أول الوقت، و مكاتبة عبد الله ابن محمد(4)سؤالها يدل على استحباب انتظار القدمين و الأربعة لا جوابها، كما أن قوله في
مكاتبة محمد بن الفرج(5)المضمرة «إذا زالت الشمس فصل سبحتك، و أحب أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين، ثم صل سبحتك، و أحب أن يكون فراغك من العصر و الشمس على أربعة أقدام»
محمول على إرادة عدم الزيادة لا النقيصة،
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 15 و 37 من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 28 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 29 من كتاب الصلاة.
ج7،
و إلا فهي أشد حبا كما يظهر من النصوص الأخر(1)و مواظبة رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ذلك كما يظهر من أخبار الجدار(2)و غيرها لعلها كانت لحكمة أخرى من اجتماع الناس أو قصد إظهار التوسعة أو غير ذلك مما هو (صلى الله عليه و آله) و الله أعلم به، هذا على المختار من التقدير بالأقدام.
أما على المثل فعن المبسوط استثناء قدر الفريضتين كما في معقد إجماع الغنية و ما حكي عن المهذب و غيره، و كأنه متعين بناء على أنهما غاية المختار، ضرورة عدم جواز تأخيرهما عنهما اختيارا، اللهم إلا أن يجعلا لابتداء تضيقه، و هو خلاف ظاهرهم هناك، لكن في المسالك أن ظاهر الأصحاب أن الوقت بأجمعه للنافلة، و يحتمل استثناء قدر الفريضة، و في الذكرى و غيرها ردا على ما سمعته عن المبسوط أن الأخبار لا تساعده، لكنهما معا محل للنظر، نعم في مفتاح الكرامة أن الشيخ في المبسوط و الجمل و الإصباح لم يستثن قدر فريضة العصر من المثل، قال في المبسوط: «و نوافل العصر ما بين الفراغ من فريضة الظهر إلى خروج وقت المختار» قلت: يمكن منع ظهور العبارة فيما ذكر، و لو سلم حكم عليها غيرها من عباراته، و كذلك النصوص أيضا إن كانت مثلها، خصوصا بعد ما كان في
قوية سماعة(3)منها «و ليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخره»
و الأمر عندنا سهل بعد أن عرفت ضعف تحديد النوافل بذلك، و الله أعلم.
و على كل حال فان خرج وقت النافلة و قد تلبس منها أي النافلة و لو بركعة زاحم بها الفريضة و أتمها في وقتها أداء كما في الدروس و الذكرى و البيان تنزيلا لها منزلة صلاة واحدة أدرك ركعة واحدة منها مخففة جمعا بين الحقين و محافظة على
ج7،
أول الوقت للفريضة الذي من أجله أمر بالتخفيف ما استطاع حال عدم المزاحمة فضلا عنها، و المراد بتخفيفها هنا الاقتصار فيها على أقل المجزئ كالحمد و تسبيحة واحدة في الركوع و السجود كما عن جماعة التصريح به، بل مر سابقا في
بعض النصوص(1)الآمرة بركعتين خفيفتين بين المغرب أنه قيل: يا رسول الله «ما معنى خفيفتين؟ قال:
يقرأ فيهما الحمد وحدها»
كما انه ورد ذلك في صلاة الليل(2)أيضا، بل ربما حكي عن بعض المتأخرين إيتار الصلاة جالسا لو تأدى التخفيف به، و كأنه مال إليه في المدارك و إن كان فيه نظر، و لذا تأمل فيه في المسالك، بل ربما تأمل بعض الناس في أصل اعتبار التخفيف، لإطلاق النص و بعض الفتاوى، و فيه أنه يمكن إشعار القدم و نصفه في الموثق(3)بالتخفيف، على أن فيه مسارعة إلى فعل الواجب، هذا كله بناء على عدم حرمة التطوع وقت الفريضة و على عدم حرمة تأخير الفريضة عن الوقت الأول، و إلا فعليهما يتعين القول بالتخفيف، خصوصا على الأول اقتصارا على المتيقن، سيما مع قصور الموثق عن المقاومة لو كان فيه دلالة.
و إن لم يكن صلى شيئا بدأ بالفريضة و ترك النافلة بلا خلاف أجده فيه سيما بين المتأخرين، بل عن مجمع البرهان الإجماع عليه، ل
قوله (عليه السلام)(4): «من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله»
و النهي عن التطوع وقت الفريضة(5)و لما يأتي في مزاحمة صلاة الليل الصبح، و لما في
موثق الساباطي(6)عن أبي عبد الله (عليه السلام)
1) 1 المستدرك- الباب- 15- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 40- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- الحديث 4 مع اختلاف في اللفظ.
5) 5 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 40- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
«للرجل أن يصلي الزوال ما بين زوال الشمس إلى أن يمضي قدمان و إن كان قد بقي من الزوال ركعة واحدة، أو قبل أن يمضي قدمان أتم الصلاة حتى يصلي تمام الركعات، و إن مضى قدمان قبل أن يصلي ركعة بدأ بالأولى و لم يصل الزوال إلا بعد ذلك، و للرجل أن يصلي من نوافل الأولى ما بين الأولى إلى أن يمضي أربعة أقدام، فإن مضت الأربعة أقدام و لم يصل من النوافل شيئا فلا يصلي النوافل، و إن كان قد صلى ركعة فليتم النوافل حتى يفرغ منها ثم يصلي العصر، و قال: للرجل أن يصلي إن بقي عليه شيء من صلاة الزوال إلى أن يمضي بعد حضور الأولى نصف قدم، و للرجل إذا كان قد صلى من نوافل الأولى شيئا قبل أن يحضر العصر فله أن يتم نوافل الأولى إلى أن يمضي بعد حضور العصر قدم، و قال: القدم بعد حضور العصر مثل نصف قدم بعد حضور الأولى في الوقت سواء»
الحديث.
و المناقشة في سنده بعد انجباره و اعتضاده لا يلتفت إليها، خصوصا بعد كونه من قسم الموثق الذي هو حجة عندنا، و سهولة الأمر فيما تضمنه، إذ هو إما محافظة على سنة لم يتضيق وقت فريضتها، أو نهي عن التطوع وقت الفريضة مما هو مستفاد من غيره، كما أن اشتماله على تسمية ما قبل الظهر من النوافل بالزوال و ما بعدها بنوافل الأولى- و الظاهر إرادتها منها، و على ما لم نعثر على من أفتى به كما اعترف به في الذكرى و ان استحسنه هو فيها من اشتراط المزاحمة بأن لا يمضي بعد القدمين أو الأربعة أقدام نصف(1)قدم أو قدم، بناء على أن حضور الأولى عبارة عن القدمين، و حضور العصر عبارة عن الأربعة بقرينة ما تقدم في البعض، و ربما احتمل المثل و المثلان معهما أيضا، و على تعليق المزاحمة على صلاة شيء من النوافل مما يشمل الأقل من ركعة المصرح به في جامع المقاصد كظاهر غيره بعدم اعتبار غيرها حتى الركوع الذي ربما
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح« إلا نصف قدم أو قدم».
ج7،
قيل بتحقق مسماها به، و إن كان التحقيق خلافه كما أشبعنا الكلام فيه في بحث الخلل، فلاحظ. و على قوله (ع): «أو قبل أن يمضي قدمان» مما لم يتضح معناه- غير قادح أيضا بعد ظهور المقصود منه و إن ساء التعبير كما هو الغالب فيما يرويه عمار، و بعد صراحته في العصر، و لا قائل بالفرق، و إمكان استفادة المطلوب من قوله (ع) فيه بعد: «و إن مضى قدمان» إلى آخره. كما يومي اليه ما في المدارك من دعوى صراحة الخبر المزبور بسبب اقتصاره في نقله له على هذه الشرطية دون قوله: «فإن بقي» و الاجمال منها مع أنه إن لم يكن ترديدا منه أو سهوا من الأقلام و ان العبارة «صلى» مكان «بقي» و يكون «أو» سهوا يمكن أن يكون المراد أنه إن بقي من الزوال: أي ما قبل فرض الظهر من النوافل قدر ركعة، أو الزوال هنا الوقت من الزوال إلى قدمين، و على التقديرين قوله (عليه السلام): «أو قبل أن يمضي» تعبير عنه بعبارة أخرى للتوضيح.
و الظاهر كما في الذكرى و الدروس و غيرهما اختصاص المزاحمة بغير الجمعة، لكثرة الأخبار(1)بضيقها، و لظهور خبر عمار الذي هو الأصل في المقام في غيرها، لكن هل يختص بذلك الجمعة أو الصلاة يوم الجمعة؟ احتمالان ذكرهما في الروض، قال:
و يدل على الأول خبر زرارة(2)عن الباقر (عليه السلام) و ظاهر خبر إسماعيل بن عبد الخالق(3)الثاني، و هو في محله، كما أن ما فيه و جامع المقاصد من أنه لو ظن ضيق وقت الفضيلة فصلى الفرض ثم تبين بقاؤه فالظاهر أن وقت النافلة باق كذلك أيضا، لإطلاق الأدلة، و ظهور عدم اعتبار السبق في كونها أداء و إن كان هو معتبرا في نفسها، و مثله الناسي و غيره ممن كان معذورا في تقديم الفرض مع فرض بقاء وقت النافلة، إلا أن الأولى نية القربة المطلقة، بل قيل بأولوية عدم فعلها أصلا، حيث يكون فعل
ج7،
فريضة، كنافلة الظهر لأنه من التطوع وقتها حينئذ، و الاستثناء مختص بحكم التبادر من النص و الفتوى بفعلها في وقتها قبل فريضتها و إن كان لا يخلو من نظر.
و لا يجوز تقديمها أي النوافل على الزوال لظهور النصوص و الفتاوى في توقيتها بذلك كما عن كشف اللثام الاعتراف به، فيقتصر عليه، ضرورة أن الصلاة وظيفة شرعية فيقف إثباتها على مورد النقل، و المنقول فعلها بعده، و ل
صحيح ابن أذينة(1)عن عدة أنهم سمعوا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلي من النهار حتى تزول الشمس، و لا من الليل بعد ما يصلي العشاء حتى ينتصف الليل»
و
صحيح زرارة(2)عنه (عليه السلام) أيضا «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من الليل شيئا إذا صلى العتمة حتى ينتصف الليل، و لا يصلي من النهار حتى تزول الشمس»
لكن في خبر ابن مسلم(3)المروي في الكافي و التهذيب عن الباقر (عليه السلام) جواز تعجيل نافلة الزوال صدر النهار إذا علم انه يشتغل عنها فيه، و
خبر عمر بن يزيد(4)عن الصادق (عليه السلام) «اعلم ان النافلة بمنزلة الهدية، متى أتي بها قبلت»
و نحوه
خبر ابن عذافر(5)عنه (عليه السلام) أيضا مع زيادة «فقدم منها ما شئت و أخر منها ما شئت»
و يقرب منهما
خبر علي بن جعفر(6)عن أخيه المروي عن قرب الاسناد «نوافلكم صدقاتكم، فقدموها أنى شئتم»
و
قال إسماعيل بن جابر(7)لأبي عبد الله (عليه السلام): «اني أشتغل قال: فاصنع كما نصنع، صل ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر، يعني
1) 1 الوسائل- الباب- 36- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 30 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
ارتفاع الضحى الأكبر، و اعتد بها من الزوال»
و
القاسم بن الوليد الغساني(1)قال له (ع) أيضا: «جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال: ست عشرة في أي ساعات النهار شئت أن تصليها صليتها إلا أنك إذا صليتها في مواقيتها أفضل»
و في
مرسل ابن الحكم(2)عنه (عليه السلام) أيضا قال لي: «صلاة النهار ست عشرة ركعة أي النهار شئت، إن شئت في أوله و إن شئت في وسطه و إن شئت في آخره»
و
خبر عبد الأعلى(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نافلة النهار قال: ست عشرة ركعة متى ما نشطت، إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كانت له ساعات من النهار يصلي فيها، فإذا شغله ضيعة أو سلطان قضاها، إنما النافلة مثل الهدية متى أتي بها قبلت»
و في
صحيح زرارة(4)عن أبي جعفر (عليه السلام) «ما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الضحى قط، قال: فقلت له: أ لم تخبرني أنه كان يصلي في صدر النهار أربع ركعات؟ قال: بلى أنه كان يجعلها من الثمان التي بعد الظهر»
و المراد بالظهر هنا الزوال، و في
خبر أبي البختري(5)المروي عن كتاب التوحيد عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) في حديث «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين نزل فصلى أربع ركعات قبل الزوال»
الحديث. و في
خبر معاوية بن وهب(6)قال: «لما كان يوم فتح مكة ضربت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) خيمة سوداء من شعر بالأبطح، ثم أفاض عليه الماء من جفنة يرى فيها أثر العجين ثم تحرى القبلة ضحى، فركع ثمان ركعات لم يركعها رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل ذلك و لا بعد».
1) 1 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
لكن الأخير و سابقه كما ترى لا دلالة فيهما على الراتبة، بل ما في صحيح زرارة يدل على أن ذلك من التي ليست صلاة الضحى أيضا، كما أن كون أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين مسافرا و لم يعلم نية الإقامة منه شاهد آخر على أن الأربعة ليست من نوافل الزوال أيضا، بل لعل ما في صحيح زرارة من اعتداد النبي (صلى الله عليه و آله) بالأربعة من نافلة الزوال محمول على يوم الجمعة أو الاستغناء بها عنها لبعض العوارض، لا أنها هي مقدمة بقرينة ظهور لفظ «كان» فيه في الاستمرار الذي يشهد باقي النصوص المتضمنة لفعله (صلى الله عليه و آله) بخلافه، على أنه لا ريب في مرجوحيته على تقدير جوازه، و لا يستمر عليه، و خبر عبد الأعلى يحمل إن لم يكن ظاهره على إرادة القضاء كما يشهد له ما حكاه من فعل علي بن الحسين (عليهما السلام)، إذ احتمال إرادة مطلق الفعل من القضاء بعيد و لا داعي اليه، و منه حينئذ يعلم أن مرادهم (عليهم السلام) في التشبيه لها بالهدية بيان الحكمة في قضائها، أو بيان صلاحية مطلق الوقت لماهية النافلة، لا أن صاحبة الوقت منها تقدم على وقتها لذلك، و أخبار ابني يزيد و عذافر و علي بن جعفر (عليهما السلام) لا تأبى الحمل على ذلك، ضرورة عدم صراحتها بل و لا ظهورها في الرواتب، خصوصا الأول و الثالث، و إلا لجاز فعل الراتبة في كل وقت حتى الليل، و هو معلوم البطلان، و خبر ابن مسلم محمول على ما عرفت أيضا من إرادة صلاة مقدار الراتبة إذا علم اشتغاله عنها في وقتها عوضا عنها، كما يشعر به لفظ «من» في خبر ابن جابر، بناء على إرادة البدلية منها، بل الظاهر إرادة فعل هذا المقدار من النافلة المطلقة التي يستحب للإنسان في كل وقت فعلها من البدلية، لا أنه بدل مشروع بالخصوص بحيث لا يصح معه الإتيان بالمبدل عنه إذا اتفق ارتفاع المانع مثلا، ضرورة كون المراد ما في أيدي الناس من الاشتغال بطاعة عند فوات طاعة أخرى، فالبدلية فيها عرفية لا شرعية، و لهذه المناسبة مع التماثل في الصورة سميت نافلة زوال مقدمة.
ج7،
كل ذلك لقوة تلك الأدلة على أن النوافل من الموقت المعتضدة بالفتاوي بحيث لا يصلح ما سمعت لمعارضته بوجه من الوجوه، خصوصا بعد عدم الفتوى به من أحد، نعم ظاهر التهذيب العمل بخبر ابن مسلم السابق، و جعل في الذكرى و الدروس جوازه مطلقا وجها، و عن المقدس الأردبيلي استظهاره، و كأنه مال اليه تلميذه و الأستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك، بل في الذكرى، و لا ينافي ذلك حديث الاشتغال، لإمكان إدراك ثواب فعلها في الوقت مع العذر لا مع عدمه، و التحقيق ما عرفت، و به ينكشف المراد من تلك الأخبار التي بسببها مالوا إلى ذلك، سيما خبر الغشاني و مرسل ابن الحكم منها، للتصريح بالأفضلية في أولهما و التخيير في ثانيهما، و لو لا أن الحكم من الضروريات عندنا أو قريب منها و تطويل البحث فيه صرف للعمر في غير ما أعد له لأكثرنا من الشواهد على فساد ذلك، و الله أعلم.
و لا فرق فيما ذكرنا بين الأيام كلها إلا يوم الجمعة فيجوز التقديم، أو يرجح لما ستعرفه في محله إن شاء الله و تعرف أيضا انه يزاد في نافلتها أربع ركعات، اثنتان منها للزوال فيكون المجموع عشرين ركعة، و الله الموفق.
و نافلة المغرب أربع ركعات بعدها كما عرفته مفصلا، و يمتد وقتها من بعد المغرب في المشهور بين المتأخرين كما في الدروس إلى ذهاب الحمرة المغربية بمقدار أداء الفريضة المسماة بالشفق، بل في البيان و الذخيرة دعوى الشهرة عليه من غير تقييد، بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا، بل في المعتبر نسبته إلى علمائنا، بل في ظاهر الغنية و صريح بعض شروح الجعفرية، كما عن المنتهى الإجماع عليه، لأنه المعهود من فعلها من النبي (صلى الله عليه و آله) و غيره، و المنساق مما ورد فيه من النصوص(1)بل قد عرفت فيما مضى التصريح في غير واحد من الأخبار بضيق
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6 و 15 و 16 و غيرها.
ج7،
وقت المغرب، و أنه يخرج بذهاب الحمرة فضلا عن نافلتها، و لعله إلى ذلك كله أو بعضه أشار في المعتبر في استدلاله على المطلوب بأن ما بين صلاة المغرب و ذهاب الحمرة وقت يستحب فيه تأخير العشاء، فكان الإقبال فيه على النافلة حسنا، و عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض، فلا يصلح للنافلة، إلى آخره. قيل و يدل عليه أيضا أو يشهد له الأخبار(1)الناطقة بأن المفيض من عرفات إذا صلى المغرب في المزدلفة يؤخر النافلة إلى ما بعد العشاء، كما انه استدل عليه أيضا بالنهي عن التطوع في وقت الفريضة.
و نوقش في الأخير بأن المراد ضيق وقت الفريضة، و بأن الرواتب مستثناة من ذلك، و إلا لامتنع فعلها هنا قبل ذهاب الحمرة، بناء على دخول وقت العشاء بعد مضي ثلاث ركعات من الغروب، كما أنه قد يناقش في الأول أيضا بأن ذلك لعله لاستحباب الجمع فيها المفسر بعدم توسط التطوع، و بمعارضته ب
صحيح أبان بن تغلب(2)قال: «صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة، فلما انصرف أقام الصلاة فصلى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثم صليت معه بعد ذلك بسنة فصلى المغرب ثم قام فتنفل بأربع ركعات، ثم أقام فصلى العشاء الآخرة»
بل قيل
و خبر رجاء بن أبي الضحاك(3)«ان الرضا (عليه السلام) إذا صلى المغرب و سلم جلس في مصلاه يسبح الله و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله ثم يسجد سجدتي الشكر ثم يرفع رأسه فلم يتكلم حتى يقوم و يصلي أربع ركعات بتسليمتين»
و كأنه لذلك كله أو بعضه مال في المدارك تبعا للشهيد في الذكرى و الدروس إلى امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة، لأنها تابعة لها كالوتيرة، و ان كان الأفضل المبادرة بها، و استجوده في كشف اللثام، لكنه
ج7،
كما ترى، بل قد عرفت نفي الخلاف عن عدمه في الظهرين، و لا قائل بالفصل كما اعترف به في الرياض، و استثناء الرواتب مطلقا من إطلاق النهي عن التطوع وقت الفريضة مخالف لظاهر النصوص(1)و الفتاوى، كدعوى إرادة وقت ضيق الفريضة، و القول بأنه لولا ذلك لما جازت الراتبة في مثل الظهرين و المغرب بناء على دخول وقت العشاء قبل ذهابها بمكانة من الفساد، ضرورة عدم استلزام استثناء خصوص هذا الوقت من ذلك الجواز مطلقا خصوصا في مثل العشاء الذي قد عرفت مرجوحية وقوعه جدا قبل الذهاب، فكان وقته الذي ينسب اليه و ينساق إلى الذهن من إطلاق الإضافة ما عدا ذلك، على أنك قد عرفت فيما مضى النصوص(2)المعللة لضرب أوقات نوافل الظهرين بأنه لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة، و حاصله أنه بضرب الشارع هذا الوقت للنافلة صار كأنه لا يقال له تطوع في وقت الفريضة، فتأمل جيدا. و صحيح أبان لا صراحة فيه، بل و لا ظهور بأن فعله (ع) النافلة كان بعد ذهاب وقتها، و لا بأنه فعلها أداء، بل لعله فعلها قضاء بناء على عدم الحرمة، على أنه معارض بغيره، و يأتي إن شاء الله عند ذكر الأمكنة التي يستحب فيها الجمع و الأزمنة ما يفيد في المقام، كما انه ستعرف إن شاء الله تمام البحث في الحرمة و الكراهة، إنما البحث هنا و نظائره من حيث التوظيف المجرد عن الحرمة أو الكراهة الذي لا ريب في عدم ثبوته هنا زائدا على ذهاب الحمرة، فلا يتوهم بناء ما هنا على ذلك على كل حال، و الله أعلم.
و حينئذ فإن بلغ ذلك و لم يصل النافلة أجمع و لا ركعة منها بل و لا ابتدأ بها تركها و بدأ بالفريضة و إلا كان من التطوع وقت الفريضة، ضرورة صيرورتها
ج7،
قضاء على المختار، فيجري فيها ما تسمعه في المسألة الآتية، أما لو كان قد شرع في ركعة من الأربع قبل خروج الوقت فخرج فعن ابن إدريس إتمام الأربع، و لعله للقياس على نوافل الظهرين، و هو مع انه حرام عندنا مع الفارق، لمزاحمة كل منهما فريضتها لا فريضة أخرى، و فيه زيادة على الأصل بناء على تعليق المزاحمة هناك على الركعة، و هنا على مجرد الشروع، و من هنا قيل إنه لا وجه له إلا أن يكون إجماعا، و هو ضعيف جدا، لاشتهار خلافه بين الأصحاب كما في الذخيرة و ان اختلفوا في إطلاق الحكم كما هنا و القواعد و الإرشاد و التحرير و المنتهى، أو تقييده بما إذا لم يكن شرع في ركعتين منها، و إلا فيكملهما خاصة، أولتين كانتا أم أخيرتين كما ذكرهما الشهيدان و غيرهما، و لعل وجهه النهي عن إبطال العمل، و في الرياض هو حسن إن قلنا بتحريمه مطلقا، و إن خصصناه و قلنا بكراهته في النافلة كما عليه الشهيد الثاني رحمه الله أو مطلقا كما عليه هؤلاء الجماعة أشكل الاستثناء، لعموم أدلة تحريم النافلة في وقت الفريضة، و الابطال لا يستلزم غير الكراهة، و هي بالإضافة إلى التحريم مرجوحة بل منفية لاختصاصها بما إذا لم يعارضها حرمة، و قد عارضها في المسألة لعموم الأدلة على الحرمة، إلا أن يمنع و يدعى اختصاصها بحكم التبادر بابتداء النوافل في وقت الفريضة لا عدم وقوعها فيه مطلقا و هو غير بعيد، فما قالوه حسن سيما على المختار من عموم تحريم الابطال للنوافل أيضا، ثم قال: و ربما يشكل لو علم قبل الشروع فيها بمزاحمتها الفريضة في الأثناء، لقوة شمول أدلة حرمة النافلة في وقت الفريضة لمثل هذا، و فيه أنه لا وجه للجزم بحسنه بناء على التحريم، ضرورة حصول التعارض بين ما دل على حرمة الابطال و بين ما دل على حرمة التطوع في وقت الفريضة، و لا ريب في رجحان الثاني إن لم نقل بعدم صلاحية الأول لمعارضته، ضرورة اقتضائه البطلان، فلا إبطال، فتأمل. و أما ترجيح الأول بظهور الثاني في ابتداء النوافل فيه لا في نحو المقام فبعد تسليمه يقتضي عدم الفرق بين حرمة
ج7،
الابطال و كراهته، بل و يقتضي عدم الإشكال أيضا فيما ذكره أخيرا من أنه لو علم قبل الشروع إلى آخره. إذ علمه بعد عدم شمول الأدلة له غير مؤثر قطعا، فالتحقيق بناء المسألة على شمول أدلة حرمة التطوع أو كراهته له و عدمه، فعلى الأول يتجه البطلان، و على الثاني فإن قلنا بحرمة الابطال اتجه الإتمام، و إلا فمخير بين الأمرين، و لعل الإتمام أولى له، لأن الكراهة فيه بمعنى أقلية الثواب، فتأمل جيدا.
و على كل حال فذلك يقتضي الاقتصار على خصوص ما تلبس فيه من الركعتين، و ليس هو من المزاحمة و تحصيل وظيفة النافلة بشيء، فما في المدارك- بعد أن استضعف دليل عدم المزاحمة و ذكر ذلك عن الشهيد و استحسنه ثم قال: و أحسن منه إتمام الأربع بالتلبس بشيء منها كما عن ابن إدريس، و أولى من الجميع الإتيان بالنافلة بعد المغرب متى أوقعها المكلف، و عدم اعتبار شيء من ذلك- كما ترى مبني على مختاره السابق الذي عرفت ما فيه، لكن الانصاف بعد ذلك كله أن القول بالمزاحمة و تحصيل الوظيفة بإدراك الركعة لا يخلو من قوة، ل
عموم قوله (عليه السلام): «من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله»
و لامتداد وقت فضيلة العشاء، بل لعل تأخيرها أرجح و أولى، و لشدة التأكيد في الأربع، و انه لا تتركها و لو طلبتك الخيل، و لمشروعية المزاحمة في غيرها من النوافل، و لإشعار بعض النصوص التي يقف عليها المتتبع به زيادة على ما ذكره الخصم، و لغير ذلك، هذا كله مع مراعاة الوقت، أما لو اعتمد على استصحاب بقاء الشفق و صلى فلا إشكال في الجواز، ضرورة عدم اشتراط المشروعية بالعلم ببقاء الوقت الذي لا يقوم الاستصحاب مقامه كما هو واضح، و الله أعلم.
و الركعتان المسماتان بالوتيرة اللتان ذكرنا أنهما يصليان من جلوس حتما أو استحبابا يفعلان بعد صلاة العشاء حتى لو فعلت في آخر وقتها و من هنا قال المصنف كغيره، بل لعله لا خلاف فيه، بل في ظاهر المعتبر و صريح بعض شروح
ج7،
الجعفرية كما عن المنتهى الإجماع عليه يمتد وقتهما بامتداد وقت الفريضة لإطلاق الأدلة من غير معارض، لكن قد يقال باعتبار البعدية العرفية، لأنه المنساق، بل و المعهود، فلا يجوز صلاة العشاء مثلا في أول الوقت و تأخير الوتيرة من غير اشتغال بنافلة إلى النصف مثلا أو إلى الطلوع، بناء على امتداد الوقت اليه، أو اعتبار الاضطراري له، و قلنا به فيه تمسكا بالإطلاق الذي مقتضاه أوسع من ذلك، نعم لا بأس بتأخيرهما عن العشاء بما لا يخرج عن مسمى البعدية عرفا، و خصوصا إذا أراد الاشتغال بعد العشاء ببعض النوافل الموظفة مثلا في بعض الليالي الخاصة، لتظافر النصوص(1)باستحباب البيتوتة على وتر حتى أن في بعضها(2)اشتراط الايمان بذلك، و ليس المراد الوتر من صلاة الليل قطعا كما لا يخفى على من لاحظها، على أن الوتر المزبور لا بيتوتة معه غالبا، لاستحباب وقوعه في آخر الليل، اللهم إلا أن يقال بعدم استلزام البيتوتة النوم، بل المراد الفعل في الليل، كما أن ظل للفعل بالنهار، بل عن المصباح المنير عن الليث ان من قال: بات بمعنى نام فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول بات يرعى النجوم، و معناه ينظر إليها، و كيف ينام من يراقب النجوم، و قال ابن القطاع و غيره: بات يفعل كذا إذا فعله ليلا، و لا يقال بمعنى نام، و قال الأزهري: قال الفراء: بات الليل إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية، قلت: و لعل منه قوله تعالى(3)«وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً».
لكن الإنصاف ان ذلك كله مخالف للعرف، كما أن ما ذكروه لها أيضا من أنها بمعنى صار حتى جعلوا منه
قوله (عليه السلام)(4): «لا يدري أين باتت يده»
ج7،
و قول الفقهاء: بات عند امرأته ليلة أي صار سواء نام فيها أم لا كذلك مخالف للعرف، و لقد أجاد المجلسي (رحمه الله) حيث قال: و الحق ان بات في غالب الاستعمال يعتبر فيه النوم لا السهر، كما يظهر من الشيخ الرضي و غيره، و قال الرضي: و أما مجيء بات بمعنى صار ففيه نظر، فتأمل جيدا. فيكون المراد حينئذ من المبيت على وتر النوم بعد وقوعه، و هو ليس إلا الوتيرة، و يومي اليه أيضا زيادة على ما عرفت ما في بعض الأخبار(1)من تعليل ترك النبي (صلى الله عليه و آله) الوتيرة أنه كان يعلم عدم انقضاء أجله، و أنه يجلس و يصلي وترا، بخلاف غيره ممن لا يعلم ذلك فقد يموت في نومته، فتأمل جيدا.
و ظهر من ذلك كله انه كما قال المصنف تبعا للمحكي عن الشيخين و أتباعهما ينبغي له أن يجعلهما خاتمة نوافله لكن في المدارك أني لم أقف على مستند لاستحباب جعلها خاتمة النوافل التي يريد صلاتها تلك الليلة، نعم
روى زرارة(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) «و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك»
و هو لا يدل على المدعى، و فيه ما عرفت، و ان الدليل غير منحصر بهذا الخبر الذي يمكن دعوى ظهوره في الوتر من نافلة الليل، و الله أعلم.
و وقت صلاة الليل بعد انتصافه بلا خلاف محقق أجده، إذ ما حكي عن الهداية من أن وقتها الثلث الأخير محتمل لإرادة الأفضل، كالنصوص الموقتة لها بالآخر(3)أو السحر(4)أو الثلث الباقي(5)أو نحو ذلك جمعا بينها و بين ما دل
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.
2) 2 الوسائل- الباب- 42- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
على النصف(1)بشهادة ما في بعضها(2)من أن أحب صلاة الليل إليهم (عليهم السلام) آخر الليل، و نحو ذلك، فلا بأس حينئذ بدعوى الإجماع في المقام كما في المعتبر و المدارك و عن المرتضى و الخلاف و المنتهى و غيرها، لشهادة التتبع له، و هو الحجة بعد النصوص المعتبرة المستفيضة، منها المتضمن(3)لفعل النبي (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين يجب التأسي بهما، و أنهما ما كانا يصليان بعد العتمة شيئا حتى ينتصف الليل، و منها الصريحة و الظاهرة(4)بأن وقتها انتصاف الليل أو بعد انتصافه أو ما بين نصف الليل إلى آخره، بل في
خبر محمد(5)«انه كان زرارة يقول: كيف تصلي صلاة لم يدخل وقتها، انما وقتها بعد نصف الليل»
و منها النصوص(6)المستفيضة جدا المتضمنة وقت الوتر مع تتميمها بالإجماع على عدم الفصل بينه و بين غيره من صلاة الليل، و على أن ليس وقته خاصة الأخير فقط، و يؤيد ذلك كله ما استفاض من النصوص في مدح النصف الثاني من الليل، و أنه فيه الساعة التي يستجيب الله من عباده ما سألوه فيها، و أنها كما في خبر النيشابوري(7)ما بين النصف إلى الثلث الباقي، و في بعضها(8)انها في السدس الأول من النصف الباقي، و في آخر(9)إذا مضى نصف الليل، لكن في كشف اللثام بعد خبر النيشابوري انه لعل هذه الساعة الساعة التي
1) 1 الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 4 و الباب 36 الحديث 5 و 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 2 و 4 و 5 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الدعاء- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الدعاء- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
9) 9 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
يصل فيها كف الخضيب إلى سمت الرأس من السماء، و كان في ليلة السؤال و ما بعدها إلى آخر ليالي حياة السائل وقوعه بين النصف الأول و الثلث الباقي، فلا يخالف ما مر من الأخبار، و مراده أخبار الثلث، و أنه هو الذي يستجاب فيه الدعاء، فيكون وجه الجمع حينئذ أن خبر النيشابوري منزل على تلك الحال، إذ هي كما ستعرف من الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء، كهبوب الرياح و نحوه من الأحوال، و أخبار الثلث أو الربع أو الساعة الأخيرة منهما على وقت استجابة الدعاء، كشهر رمضان و غيره. فتأمل جيدا.
و منها الأخبار الآتية(1)المجوزة لفعلها قبله لعلة و نحوها، إذ هي كالصريحة في أن ذلك رخصة في تقديمها على وقتها، لا أنه وقت لها كما يتوهم من الموثقين
«لا بأس بصلاة الليل من أوله إلى آخره إلا أن أفضل ذلك إذا انتصف الليل» كما في أحدهما(2)
و
في الثاني(3)«عن وقت صلاة الليل في السفر، فقال من حين تصلي العتمة إلى أن ينفجر الصبح»
و
خبر محمد بن عيسى(4)«كتبت إليه أسأله يا سيدي روي عن جدك أنه قال: لا بأس بأن يصلي الرجل صلاة الليل في أول الليل، فكتب في أي وقت صلى فهو جائز»
و غيره من الأخبار، بل و ما تقدم في أخبار الهدية(5)و حيث كانت قاصرة عن المقاومة من وجوه اتجه حملها على ما عرفت من الرخصة في التقديم للضرورة كما أشار إليه جماعة، منهم الصدوق فيما حكي عنه، قال: و كلما روي من الإطلاق في صلاة الليل من أول الليل فإنما هو في السفر، لأن المفسر من الأخبار يحكم على المجمل، و زاد في التهذيب «ما لو غلب على ظن الإنسان أنه إن لم يصلها فاتته أو يشق عليه القيام في آخر الليل و لا يتمكن من القضاء فحينئذ يجوز تقديمها و لا بأس به» و ربما يرشد
1) 1 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 14 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 3 و 7 و 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
إليه
الخبر(1)«كتبت إليه في وقت صلاة الليل فكتب عند الزوال و هو نصفه أفضل، فإن فات فأوله و آخره جائز»
إذ هو مع تضمنه التوقيت بالزوال في جواب السؤال و التعبير بلفظ الفوات صرح بالأفضلية الظاهرة في الاشتراك، فلا يبعد إرادة ما لا ينافي الأول منها.
إذ احتمال العكس و هو تنزيل أخبار التنصيف(2)على الفضيلة، و الموثقين و غيرهما على التوقيت بتمام الليل ضعيف جدا مخالف لقواعد الفقه، بل و لما هو كالمقطوع به، خصوصا بعد ما سمعت من الإجماعات، بل في
خبر أبي الجارود(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم «اعلموا أنه لم يأت نبي قط إلا خلا بصلاة الليل، و لا جاء نبي قط بصلاة الليل في أول الليل»
و المراد بقوله: «إلا خلا» أي مضى من الدنيا مواظبا عليها، و يحتمل أن يكون من الخلوة: أي أوقعها في الخلوة، و ما عن بعض النسخ «إلا أول الليل» زيادة من النساخ، أو يكون المراد أنه كان وقت صلاتهم مخالفا لوقتها في هذه الشريعة، بل يمكن الاستدلال بآية المزمل(4)على المطلوب بناء على بعض الوجوه فيها، بل لعله أوجه ما قيل فيها، و يشهد له بعض الأخبار(5)الواردة في تفسيرها و غيره، و ذكر تمام الكلام فيها يقضي بإطناب تام و خروج عن مقتضى المقام، لأنها من الآيات المتشابهة التي لا يعلم تفسيرها إلا الله و الراسخون في العلم كما اعترف به المجلسي في البحار، بل لا يخفى على من لاحظ الكشاف و البيضاوي و تفسير الرازي و آيات الأحكام للأردبيلي و غيرها صعوبة الحال فيها،
ج7،
فلا مناص حينئذ عن حمل تلك الأخبار على ما عرفت، بل قد يقال فيها بنحو ما سمعته في نافلة الزوال و إن بعد من أن هذه النافلة المقدمة عوض عن صلاة الليل التي يغلب على ظنه عدم فعلها في وقتها، و عدم قضائها على حسب العوضية التي قررناها هناك، و المراد بالأفضلية حينئذ في الصنفين لا الشخص في الوقتين، و الله أعلم.
و كلما قرب من الفجر كان أفضل بلا خلاف معتد به، بل في المعتبر و عن الناصرية و الخلاف و المنتهى و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، للأمر بها في آخر الليل(1)المحمول على الفضيلة كما عرفته، و ل
قوله (عليه السلام) في بعضها(2)«ان أحب صلاة الليل إليهم (ع) آخر الليل»
و الأمر بها في الثلث الأخير(3)فضلا عما ورد(4)فيه من فضله و استجابة الدعاء فيه بالمغفرة و غيرها، و الأمر بها في السحر أيضا(5)كالمحكي من فعلهم (ع) لها فيه، مضافا إلى
ما ورد في تفسير قوله تعالى(6)«وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ» بالمصلين وقت السحر كما رواه الرضا عن أبيه(7)عن أبي عبد الله (عليهم السلام) كما عن مجمع البيان
، و قوله تعالى أيضا(8)«وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» كما عن
تفسير العياشي عن المفضل بن عمر(9)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك تفوتني صلاة الليل فأصلي الفجر فلي أن أصلي بعد صلاة الفجر ما فاتني من صلاة
1) 1 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 23 من كتاب الصلاة.
6) 6 سورة آل عمران- الآية 15.
7) 7 مجمع البيان- سورة آل عمران- الآية 15- ص 419 من طبعة صيدا.
8) 8 سورة الذاريات- الآية 18.
9) 9 المستدرك- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
و ان كان لا صراحة فيهما بكون الاستغفار الصلاة، لأن حمل المشتق على المشتق لا يقتضي حمل المبدأ على المبدأ، لكن الظاهر أن وجه تفسير المستغفرين بالمصلين مصاحبة الاستغفار للصلاة، لوقوعه فيها أو عقيبها، لعدم وقوع الاستغفار بالسحر ممن لا يصلي فيه غالبا، فان الناس يقومون بالأسحار للصلاة، و يقع الاستغفار منهم تبعا للصلاة، و هذا المقدار كاف في المطلوب.
فلا بأس حينئذ بإرادة المعنى الحقيقي من لفظ الاستغفار في الآيتين كما هو مختار أكثر المتأخرين من أئمة التفسير كالزمخشري و الرازي و النيشابوري و غيرهم على ما قيل، للأصل و الأخبار المستفيضة، كصحيح معاوية بن عمار(1)و موثق أبي بصير(2)و المرسلين عن هداية الصدوق(3)و مجمع البيان(4)و غيرها، و قد ذكرنا في أول البحث عن صلاة الليل استحبابه في نفسه بالسحر من دون الوتر، و إن كان هو فيه له فضل آخر، بل الظاهر استحبابه في جميع الأوقات، فإن من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، و
ما علم الله العباد الاستغفار إلا و هو يريد أن يغفر لهم كذا في الحديث(5)
و فيه «إن للقلوب صداء كصداء النحاس فاجلوها بالاستغفار»(6)
و
«إذا أكثر العبد الاستغفار رفعت صحيفته و هي تتلألأ»(7)
و يتأكد في الأسحار كما عرفت، و في ليالي الجمع طول الليل(8)و في كل يوم مائة مرة أو سبعين فهو غفران سبعمائة(9)، و في
1) 1 الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
3) 3 الهداية ص 35 المطبوعة بطهران عام 1377.
4) 4 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 44- من أبواب صلاة الجمعة من كتاب الصلاة.
9) 9 الوسائل- الباب- 92- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.
ج7،
الغداة و العصر سبعين(1)و في المجلس خمسا و عشرين(2)و عند استيلاء الهموم(3)و تعسر الرزق و جدوبة الأرض و حرمان الولد(4)كل ذلك للنص كما قيل، و الأصل في الاستغفار الندم و التوبة و إصلاح الباطن، فالمستغفر من الذنب المصر عليه كالمستهزئ بربه كما في الخبر(5)
و فيه «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لمن قال بحضرته:
أستغفر الله: ثكلتك أمك، أ تدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين، و هو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى، و الثاني العزم على ترك العود عليه أبدا، و الثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله ليس عليك تبعة، و الرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها تؤدي حقها، و الخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، و ينشأ بينهما لحم جديد، و السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول:
أستغفر الله»(6)
و الله أعلم.
و مضافا إلى ما ورد(7)في مدح السحر في نفسه مما يناسب وضع الصلاة فيه، لأنه لا إشكال في أنه من الأوقات المضروبة لجملة من الطاعات، و أن فيه فضيلة الإيثار و الاستغفار طول العام، و وقت السحور و الدعاء المأثور في شهر الصيام، و هو أفضل الأوقات و أشرفها و أحسن الساعات و ألطفها، و كم لله فيه من نفحة عطرة يمن بها على
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب التعقيب- الحديث 15 و الباب 27 منها من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذكر- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذكر- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 86- من أبواب جهاد النفس- الحديث 8 من كتاب الجهاد.
6) 6 الوسائل- الباب- 87- من أبواب جهاد النفس- الحديث 4 من كتاب الجهاد.
7) 7 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.
ج7،
من يشاء، و جائزة موفرة يخص بها من أخلص في الدعاء، و كم من عبادة فيه هبت عليها نسمات القبول، و دعوة من ذي طلبة مشفوعة ببلوغ المأمول، و مشكل من مسائل اتضح بمصابيح الهداية، و عويص من المطالب افتتح بمفاتيح العناية، فهو وقت للعلماء و العاملين و العرفاء و المتعبدين، و السعيد من سعد بإحياء هذا الوقت الشريف، و استدر به أخلاف الكرم من الجواد اللطيف، و جاء في جنبه للقيام بين يدي الجبار، و واظب فيه على الإنابة و الاستغفار مما اجترح في آناء الليل و النهار، و قد وقع الالتباس لكثير من الناس في هذا الوقت، فمنهم من توسع فيه حتى أتى بأعماله بعد العشاء متى شاء، أو تربص بها حتى مضى نصف الليل أو ثلثاه بلا مستند من الشرع و لا شاهد من اللغة أو العرف، و من حق العمل الموقت واجبا كان أو مندوبا مراعاة وقته المقدر له شرعا، فان ترك العمل من أصله أهون من الإتيان به في غير وقته، لمشاركته الترك في ترك المأمور به و زيادته عليه بالتشريع في تقديمه أو تأخيره.
من أحد طرفيه و هو الآخر معلوم، لاتصاله بالفجر بإجماع العلماء و أما طرفه الآخر و هو الأول المخالط لدجى الليل فربما اكتسى ثوب الاجمال، لعدم وقوع التصريح به من أكثر اللغويين و الأدباء كما قيل، غير أن المعلوم من كلماتهم و من محاورات أهل العرف و تتبع الاستعمالات الواردة بطلان ما ظن من التوسعة، و لعل أوسع ما قيل في معناه ما عن جامع الشيخ الثقة أبي علي الطبرسي و كشاف رئيس علماء اللغة و البلاغة جار الله الزمخشري و أبي حامد الغزالي و إحياء الفاضل القاساني السدس الأخير من الليل، بل قال بعض المتبحرين: «إني لم أجد لأحد من المعتبرين تحديده بالأكثر من ذلك، بل ظاهر الأكثر أنه أقل منه، كما أنه ربما يقاربه أو ينطبق عليه قول البعض: أما الزيادة فلا» و كأنه أراد بقول البعض تفسيره بآخر الليل كما في مجمع البحار، أو بقبيل الصبح كما في المجمل و الصحاح، أو قبله من دون تصغير كما في
ج7،
القاموس، ثم قال: و يقال لطرف كل شيء، هذا، و لكن العرف يشهد بسعة وقت السحر كما ذكرناه، بل قيل: إن النصوص تشهد أيضا بذلك، بل بأنه الثلث الأخير، و يؤيده ما ورد من الأدعية و غيرها فيه على وجه يستلزم سعته عن ذلك أيضا، فتأمل.
خصوصا في شهر رمضان.
و كيف كان فما يعمل فيه طول العام الدعاء، إذ هو خير وقت يدعى فيه، و لذا أخر يعقوب (عليه السلام) بنيه في الاستغفار إلى السحر، لأن دعاء السحر مستجاب، و منه إلى طلوع الشمس ساعة تفتح فيها أبواب السماء، و تقسم فيها الأرزاق، و تقضى فيها الحوائج العظام، و من قام آخر الليل فذكر الله تناثرت عنه الخطايا، فان تطهر و صلى ركعتين لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، و من كانت له إلى الله حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات: ساعة في يوم الجمعة، و ساعة تزول الشمس، و حين تهب الرياح، و تفتح أبواب السماء، و تنزل الرحمة، و ساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر، فان ملكين يناديان هل من تائب يتاب عليه، هل من مستغفر فيغفر له، هل من طالب حاجة فتقضي له، فأجيبوا داعي الله.
و الدعاء في الأصل مطلق الطلب، ثم خص في العرف الشرعي بسؤال العبد ربه على وجه الابتهال، و قد يطلق على التقديس و التمجيد و نحوهما، لكونه سؤالا بلطف و تعرضا للطلب بطريق خفي، و
منه(1)«خير الدعاء دعائي و دعاء الأنبياء من قبلي، و هو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و هو حي لا يموت، بيده الخير، و هو على كل شيء قدير»
قال بعض الأفاضل: قيل: سئل
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة- الحديث 3 من كتاب الحج.
ج7،
عطاء عن ذلك كيف سماه دعاء؟ و انما هو تمجيد و تقديس، فقال: هذا أمية بن الصلت يقول في عبد الله بن جذعان:
أ أذكر حاجتي أم قد كفانيحباءك؟ إن شيمتك الحباء
إذا اثني عليك المرء يوماكفاه عن تعرضه الثناء
أ فيعلم ابن جذعان ما يراد منه بالثناء، و لا يعلم رب العالمين ذلك؟ و الدعاء من أفضل العبادات، و أدلها على العبودية المطلوبة من العباد، قال الله تعالى(1)«قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ» و قال عز و جل(2)«ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» و
عن الباقر (عليه السلام)(3)«ما من شيء أفضل عند الله من أن يسأل و يطلب ما عنده، و ما أحد أبغض إلى الله ممن يستكبر عن عبادته و لا يسأل ما عنده»
و
عنه (عليه السلام)(4)«أفضل العبادة الدعاء»
و في
الصحيح(5)عن الصادق (عليه السلام) «في رجلين افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه، و دعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثم انصرفا في ساعة واحدة، أيهما أفضل؟ قال: كل فيه فضل، كل حسن، قلت: إني قد علمت أن كلا حسن و أن كلا فيه فضل، فقال: الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله عز و جل «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» هي و الله العبادة، هي و الله العبادة، هي و الله أفضل، أ ليست هي العبادة؟ هي و الله العبادة، هي و الله العبادة، أ ليست هي أشدهن؟
ج7،
هي و الله أشدهن، هي و الله أشدهن»
و
عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1)«أحب الأعمال إلى الله تعالى في الأرض الدعاء»
و
عنه (عليه السلام)(2)«الدعاء مفاتيح النجاح، و مقاليد الفلاح، و خير الدعاء ما صدر عن صدر نقي و قلب شجي، و في المناجاة سبب النجاة، و بالإخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتد الفزع فالى الله المفزع».
كالسحر من الليل(3)و الزوال منه(4)و من النهار(5)و أوقات الصلوات الخمس في اليوم و الليلة(6)و الجمعة في الأسبوع(7)و شهر رمضان في الشهور(8)و يوم عرفة(9)و ليلتي العيدين في السنة(10)و الأمكنة كالحطيم(11)و المستجار(12)و الروضة(13)و جميع المساجد(14)و المشاهد(15)
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الدعاء- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الدعاء- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الدعاء- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 40 و 41- من أبواب صلاة الجمعة من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 18- من أبواب أحكام شهر رمضان من كتاب الصوم.
9) 9 الوسائل- الباب- 14- من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة- الحديث 1 من كتاب الحج.
10) 10 الوسائل- الباب- 1- من أبواب بقية الصلوات المندوبة و الباب 10 من أبواب الوقوف بالمشعر من كتاب الحج، و الإقبال للسيد ص 271 و ص 421.
11) 11 الوسائل- الباب- 53- من أبواب أحكام المساجد- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
12) 12 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الطواف- الحديث 9 من كتاب الحج.
13) 13 الوسائل- الباب- 7- من كتاب المزار- الحديث 1.
14) 14 الوسائل- الباب- 39- من أبواب أحكام المساجد من كتاب الصلاة.
15) 15 الوسائل- الباب- 30- من كتاب المزار- الحديث 2.
ج7،
و الأحوال كحال الصوم(1)و الصلاة(2)و التعقيب(3)و القراءة(4)و السجود(5)و ما بين الأذانين(6)و ما بين نزول الامام من المنبر يوم الجمعة إلى أن تقام الصلاة(7)و عند الرقة(8)و الدمعة(9)و الغربة، و الاضطرار(10)
« أنت الذي أحببت عند الاضطرار دعوتي».
و هبوب الرياح(11)و التقاء الصفين(12)و أول قطرة من دم شهيد(13)و وصول كف الخضيب إلى وسط السماء، كل ذلك للنص كما قيل، و أحسن الأدعية القرآنية، ثم الأدعية المأثورة عن النبي و الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهي شفاء لصدور العالمين، و نجاح المطالب العابدين، و هذا حديث عرض في البين ما أحببنا خلو الكتاب عنه، فلنعد لما نحن فيه.و يدل على استحباب خصوص الوتر من صلاة الليل فيما يقرب من الفجر ما رواه
الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب(14)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
1) 1 أمالي الصدوق عليه الرحمة ص 159- المجلس 45- الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 6- من أبواب التعقيب- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 4 و 5- من أبواب التعقيب من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 17- من أبواب السجود- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأذان و الإقامة من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 30- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
9) 9 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الدعاء- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
10) 10 الصحيفة السجادية ص 298- الدعاء 51 و نصه
11) 11 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
12) 12 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
13) 13 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
14) 14 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة مع اختلاف فيه.
ج7،
أفضل الساعات للوتر فقال: الفجر الأول»
و
سأل إسماعيل بن سعد الأشعري في الصحيح(1)أبا الحسن الرضا (عليه السلام) «عن ساعات الوتر فقال: أحبها إلى الفجر الأول»
و في
الذكرى عن ابن أبي قرة عن زرارة(2)«ان رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الوتر أول الليل فلم يجبه، فلما كان بين الصبحين خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد فنادى أين السائل عن الوتر؟ نعم ساعات الوتر هذه، ثم قام فأوتر»
إلى غير ذلك، بل في المدارك أنه لو قيل باستحباب تأخير الوتر خاصة إلى أن يقرب الفجر دون الثمان ركعات كما يدل عليه صحيحة إسماعيل بن سعد المتقدمة كان وجها قويا، ثم قال: و يؤيده أن
عمر بن يزيد(3)سمع في الصحيح أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي و يدعو فيها إلا استجاب له، قلت: أصلحك الله فأي ساعة من الليل؟ قال: إذا مضى نصف الليل إلى الثلث الثاني»
و هو كما ترى لا صراحة فيه باستحباب صلاة الليل في هذا الوقت، ضرورة أن ما فيه أعم من ذلك، فالأولى تأييده ب
خبر الحسين بن علي بن بلال(4)قال: «كتبت إليه في وقت صلاة الليل فكتب عند زوال الليل و هو نصفه أفضل، فإن فات فأوله و آخره جائز»
و
خبر سماعة(5)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا بأس بصلاة الليل من أول الليل إلى آخره إلا أن أفضل ذلك إذا انتصف الليل».
لكن بعد إعراض الأصحاب عنهما و الطعن في سنديهما و اشتمالهما على ما قد
1) 1 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الدعاء- الحديث 1 من كتاب الصلاة و فيه« الباقي» بدل« الثاني».
4) 4 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 13 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
ج7،
عرفت خلافه يجب طرحهما أو تأويلهما بما لا ينافي ذلك من جعل الأفضلية للمجموع الذي يكفي في صدقه رجحانه على الأول خاصة، أو على إرادة ابتداء الفضل، أو نحو ذلك، كما أن ما دل(1)من الأخبار على استحباب التفريق أربعا و أربعا و ثلاثا، و أنه كان النبي (صلى الله عليه و آله) هكذا يفعل، و عن ابن الجنيد الفتوى به، و أنه كان (صلى الله عليه و آله) يقوم بعد ثلث الليل(2)و في الكافي في حديث آخر(3)انه كان يقوم بعد نصف الليل يجب حمله على كونه من خواص النبي (صلى الله عليه و آله) كما قيل، و إن كان يدفعه بعضها كما تقدم سابقا، أو على أنه إن أريد فعلها دفعة كان أفضل الأوقات لها الآخر، و إن أريد فعلها متفرقة كان الأولى مراعاة فعله (صلى الله عليه و آله) للتأسي، أو على أن لكل من التفريق و الوقت فضلا مختلفا، و يختلف باختلاف الترجيح و الاعتبار، أو غير ذلك، كل ذلك مراعاة، لما سمعته من الأصحاب من دعوى الإجماع، و إن كان الإنصاف أن إثبات الكلية من النصوص لا يخلو من عسر كما اعترف به المجلسي و غيره، بل أقصى ما يستفاد استحباب السحر و الثلث الأخير، و هو المعبر عنه في الأخبار بالثلث الباقي بالقاف، و ربما توهم فقرأ بالنون، و الله أعلم بحقيقة الحال.
و على كل حال فقد ظهر لك فيما تقدم من الأصل و النص و الإجماع أنه لا يجوز تقديمها أي صلاة الليل على الانتصاف نعم يستثنى منه ما أشار إليه بقوله إلا لمسافر يصده جده، أو شاب يمنعه رطوبة رأسه عن فعلها فيما بعده، وفاقا للأكثر، بل عن الخلاف الإجماع عليه، للنصوص المستفيضة(4)في الأول، و فيها الصحيح و المنجبر، و يتم في الثاني بعدم القول بالفصل، مضافا إلى صراحة ذيل
ج7،
خبر ابن وهب(1)المروي في الكافي و التهذيب فيه، و اعتبار تضيع القضاء فيه في ذلك كالمحكي عن المختلف و المنتهى لا يقدح في المطلوب، خصوصا بعد انسياقه إلى إرادة المحافظة على الأفضل، و هو القضاء، لا اشتراط أصل الجواز، بل قد يدعى عدم إرادة معنى الشرطية منه، بل ذكر تقريرا لما في السؤال، فتأمل. و مضافا إلى
خبر يعقوب الأحمر(2)«سألته عن صلاة الليل في الصيف في الليالي القصار في أول الليل، فقال:
نعم ما رأيت و نعم ما صنعت، ثم قال: إن الشاب يكثر النوم فانا آمرك به»
و هو صريح في أن كثرة النوم للشاب دون الشيخ ككلام الأصحاب و غيره من النصوص، و هو المتعارف، فما في
خبر أبان بن تغلب(3)من العكس يجب إرادة غير ذلك منه من النشاط و عدمه أو نحو ذلك، قال: «خرجت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة و كان يقول أما أنتم فشباب تؤخرون، و أما أنا فشيخ أعجل، و كان يصلي صلاة الليل أول الليل»
و لعله لذا نص في مصابيح الطباطبائي على أن الشيخوخة من الأعذار المسوغة للتقديم كالشباب و خائف البرد و الاحتلام و النوم و المسافر و المريض مستدلا عليه بالنص و الإجماع، و منه بل و من خبري يعقوب المزبور(4)و ليث المرادي(5)يستفاد الاكتفاء بمطلق خوف الفوات في الوقت، لقصر الليل أو شدة البرد أو خوف الجنابة، و لعله هو الذي أراده المحقق الثاني في حاشيته على الإرشاد حيث عد إرادة الجماع من الأعذار المسوغة للتقديم، بمعنى إرادتها آخر الليل، و يحتمل أن يريد إرادة الجماع في أول الليل و كان يصعب عليه الغسل فيقدم حينئذ صلاة الليل
1) 1 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 18 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
ج7،
ثم يجنب كي لا تفوته، و الأولى عدهما من الأعذار، إذ الفرض الاكتفاء بأي عذر كان من الأعذار، بل
خبر أبي بصير(1)ظاهر في ذلك أو صريح فيه، قال: «قال الصادق (عليه السلام): إذا خشيت أن لا تقوم آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصل صلاتك و أوتر من أول الليل»
بل لعل في نصوص السفر(2)إشعارا بذلك، ضرورة عدم الخصوصية له، بل في بعضها(3)تعليق الحكم على خوف الجنابة فيه أو في البرد، و هو صريح في عطفه على السفر، و قرينة على المراد مما لم يعد فيه حرف الجر من غيره، لا أن المراد يخاف الجنابة في السفر أو البرد فيه، و لعله لذا عمم الحكم بعض الأصحاب إلى مطلق العذر، بل هو معقد ما حكي من إجماع الخلاف، و يؤيده ما يستفاد من نصوص الهدية(4)و غيرها مما يستفاد منه سهولة الأمر في وقت النافلة، نعم يكره أن يتخذ ذلك خلقا كي لا يتوهم بدعيته.
و من هنا كان قضاؤها في النهار أفضل من التقديم المزبور اتفاقا في كشف اللثام و الرياض كما صرح بهما معا في خبر محمد(5)بل و خبر عمر بن حنظلة(6)و إن كان قد وقع فيه الأمر بالقضاء المحمول على الأفضلية بقرينة غيره من النصوص(7)التي هي شاهد آخر على المطلوب، ضرورة اقتضاء الأفضلية جواز الغير مرجوحا، فمن العجيب استدلال القائل بالمنع مطلقا كزرارة و ابن إدريس في المحكي عن سرائره و الفاضل في المحكي عن تذكرته بمثل هذه النصوص أو المشتمل منها على النهي الذي قد عرفت حمله على الكراهة المصرح بها فيما سمعت، أو بالقاعدة في الموقت التي يجب
1) 1 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 2 و 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 37- من أبواب المواقيت- الحديث 3 و 7 و 8 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
ج7،
الخروج عنها ببعض ذلك، بل نصوص الأفضلية المزبورة ظاهرة في عدم اعتبار تضييع القضاء في جواز التقديم أيضا كما عن المنتهى و المختلف، و القاعدة المزبورة المستثنى منها صورة تعذر القضاء محافظة على فعل السنن، و كأنه مال إليه في كشف اللثام حيث قال بعد أن نقل عن المنتهى ذلك: و يمكن اختصاص أخباره بهذا الموضع، و لا نصوصية في كون القضاء أفضل على جواز التقديم.
و يؤيد المنع
خبر مرازم(1)قال له (عليه السلام): «متى أصلي صلاة الليل؟
فقال: آخر الليل، قال: فاني لا أستنبه، فقال: تستنبه مرة فتصليها، و تنام فتقضيها، فإذا اهتممت بقضائها بالنهار استنبهت»
و
خبر معاوية بن وهب(2)قال: «إن رجلا من مواليك من صلحائهم شكى إلى ما يلقى من النوم و قال: إني أريد القيام بالليل فيغلبني النوم حتى أصبح، فربما قضيت الشهر المتتابع و الشهرين أصبر على ثقله، فقال: قرة عين و الله قرة عين و الله، و لم يرخص في الصلاة أول الليل و قال: القضاء أفضل»
و هو كما ترى، و الخبران لا دلالة فيهما على المنع خصوصا الأول بل و الثاني، بل قوله: «فيه أفضل» ظاهر في الجواز الذي لا ينافيه قول الراوي: «و لم يرخص» الصادق مع سكوته (عليه السلام) عن الرخصة، نعم
في ذيله الذي زيد في الكافي و التهذيب(3)دلالة على الاشتراط المزبور كما أشرنا إليه سابقا، قال: «قلت: فان من نسائنا أبكارا، الجارية تحب الخير و أهله، و تحرص على الصلاة فيغلبها النوم حتى ربما قضت و ربما ضعفت عن قضائه، و هي تقوى عليه أول الليل فرخص لهن في الصلاة أول الليل إذا ضعفن و ضيعن القضاء»
و قد عرفت الوجه فيه فيما تقدم.
ج7،
ثم ان إطلاق التقديم في النص و الفتوى يقضي بالجواز في أول دخول المغرب قبل العشاءين فضلا عما بعدهما، و هو ظاهر الروض أو صريحه، لكن المنساق إلى الذهن حتى من قوله أول الليل في بعضها(1)ما بعد وقت العشاء، بل في موثق سماعة(2)الآتي التصريح بذلك، بل لا يبعد رجحان التأخير الممكن في الجملة خصوصا إلى الثلث على التعجيل، و لعله إلى ذلك يشير
خبر علي بن جعفر (عليه السلام)(3)المروي عن قرب الاسناد للحميري «سأل أخاه (عليه السلام) عن الرجل يتخوف أن لا يقوم من الليل أ يصلي صلاة الليل إذا انصرف من العشاء الآخرة؟ و هل يجزيه ذلك أم عليه قضاء؟
قال: لا صلاة حتى يذهب الثلث الأول من الليل، و القضاء بالنهار أفضل من تلك الساعة»
إذ لم يقل أحد باعتبار ذهاب الثلث في رخصة التقديم، و هل ينوي الأداء إذا قدم للعذر كما يومي اليه ما في
موثق سماعة(4)من أن «وقت صلاة الليل في السفر من حين تصلي العتمة إلى أن ينفجر الصبح»
أو التعجيل لأنه هو المستفاد من التدبر في النصوص و الفتاوى، و لأنه لا قضاء أفضل من الأداء؟ وجهان، أقواهما و أحوطهما الثاني تبعا للرياض، و لعله الظاهر من كشف اللثام، بل لولا اتفاق الأصحاب ظاهرا على أن هذه المقدمة صلاة ليل معجلة لأمكن دعوى ما قلناه سابقا في نافلة الزوال من أنها صلاة كصلاة الليل شرعت عند خوف عدم إدراكها، بل هي ليست بدلا حقيقة عنها بحيث لو انتبه في الوقت لم يشرع له الفعل حينئذ، بل لعل ذكر الوجهين من بعض علمائنا المعاصرين(5)فيما لو انتبه في الوقت بعد أن قدمها أول الليل مشعر بذلك في الجملة بل استظهر في الروض الإعادة، و جعل عدمها احتمالا، ثم حكاه عن بعض فتاوى
1) 1 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 2 و 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 45- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 44- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
5) 5 سيد الرياض و شيخنا في شرح الرسالة منه رحمه الله.
ج7،
فخر المحققين، و الظاهر تناول صلاة الليل لركعتي الفجر، لما عرفته هناك من تعارف دخولهما فيها لفظا و معنى كما يومي اليه تسميتهما بالدساستين، فما في الروض من استثنائهما من رخصة التقديم لا يخلو من نظر، أما الوتر فلا ينبغي الشك فيه، و في جملة من نصوص المقام(1)التصريح به، بل في بعضها(2)الاقتصار عليه اعتمادا على أولوية غيره منه بذلك، أو على أن تقديمه مستلزم لتقديم غيره منها للترتيب.
و كيف كان فقد ظهر لك من جميع ما أسلفنا أن آخر وقتها أي صلاة الليل الأحد عشر ركعة طلوع الفجر الثاني الذي هو المنساق إلى الذهن من إطلاقه، بل هو الحقيقة و غيره المجاز، فما عن المرتضى- من جعله الغاية طلوع الفجر الأول الذي هو أول وقت ركعتي الفجر، و في الغالب لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت أخرى- في غاية الضعف، بل يمكن دعوى القطع بفساده بملاحظة الأصل و النصوص(3)و الفتاوى و معاقد الإجماعات و غيرها، مضافا إلى ما ستعرف من عدم تخصيص كل من ركعتي الفجر و الوقت المزبور بالآخر، كيف و النصوص(4)مستفيضة أو متواترة باستحباب وقوع الوتر خاصة فيه أو مع باقي صلاة الليل، على أنك قد سمعت فيما تقدم أن ركعتي الفجر من صلاة الليل، كل ذا مع خلو سائر النصوص عن الشهادة له إلا بالتأويل الذي يأباه الظاهر، مع أنه ليس حجة عندنا، و أما ما في الغنية و عن المهذب من جعل الغاية ما قبل الفجر فمع احتمال إرادتهما الفجر، ضرورة عدم العبرة بالآن الحكمي و التدقيق العقلي قال في كشف اللثام: إنهما اعتبر الشروع فيها، و غيرهما الفراغ منها، على أن
ج7،
الإجماع المحكي على لسان جماعة إن لم يكن محصلا و ظاهر مجموع النصوص كاف في ردهما إن لم ينزل كلامهما على ما ذكرنا.
ف حينئذ إن طلع الفجر و لم يكن قد تلبس منها بشيء أصلا صلى ركعتي الفجر ثم الفريضة، و لا يصلي في المشهور كما في الذكرى شيئا من صلاة الليل قبلها، بناء على حرمة التطوع وقت الفريضة، و إلا جاز له ذلك قضاء لا أداء، لخروج الوقت نصا(1)و فتوى، بل في الرياض نفي الخلاف فيه إلا ممن ستعرف، فما في جملة من النصوص (2)- من الأمر بفعلها أجمع أو الوتر منها خاصة بعد الفجر قبل الفريضة و إن عمل بمضمونها الصدوق في الجملة فيما حكي من كلامه و الشيخ و المصنف و غيرهما من متأخري المتأخرين بعد أن حملوا الأمر فيها على الرخصة التي هي مجردة عن الفضل أبعد مجازاته بعد الإغضاء عن سند بعضها و دلالة آخر عليه، و معارضتها بما في خبر إسماعيل(3)من النهي عن الإيتار بعد ما يطلع الفجر الدال على أولوية ما قبله بذلك، و إن منعها في الذخيرة، لكن منعه ممنوع، و غيره من الأخبار(4)التي تسمع بعضها إن شاء الله، بل في الرياض أنها في غاية الاستفاضة، بل لعلها متواترة- إما هو من الأدلة على عدم حرمة التطوع وقت الفريضة، فيكون المراد حينئذ حتى من كلام الشيخ فعلها قضاء، أو يراد الفجر الأول فيها، أو قبل الفجر الثاني بقليل جدا بحيث صلى فيه أربع ركعات، و لا ينافيه ما في بعضها(5)من النهي عن اتخاذه عادة، إذ لعله لاقتضاء ضيق الوقت
1) 1 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 3 و 8 و الباب 47 الحديث 2 و الباب 48 الحديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 3 و 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
عدم التوجه فيها و نحوه، أو يراد بما بعد الفجر بعد صلاته، أو التقييد بما إذا كان قد صلى أربعا، أو غير ذلك، على أنها قاصرة عن معارضة غيرها من وجوه لا تخفى، منها الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا كما في الرياض، و منها كثرة النصوص(1)المعارضة حتى ربما ادعي تواترها، و إن اختلفت في الدلالة على المطلوب صراحة و ظهورا بمفهوم الشرط و الغاية و الأولوية و نحوها، و منها المخالفة للعامة كما قيل بخلاف تلك، و منها الموافقة للاحتياط، و للنصوص المشهورة(2)الناهية عن التطوع وقت الفريضة، و للنصوص(3)المبالغة في المحافظة على صلاة الفجر في وقتها، و منها عدم صراحتها في الرخصة المزبورة كما ذكره الشيخ و من تبعه، أو مع عدم الاعتياد كما عليه الصدوق و الحسن في المنتقى فيما حكي عنهما، حتى
خبر عمر بن يزيد(4)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
«أقوم و قد طلع الفجر فإن أنا بدأت بالفجر صليتها في أول وقتها، و إن بدأت في صلاة الليل و الوتر صليت الفجر في وقت هؤلاء، فقال: ابدأ بصلاة الليل و الوتر»
ضرورة احتماله أيضا بعض ما ذكرنا.
و إما غيره فكذا إذا تلبس منها ب دون الأربع ركعات و قد طلع الفجر بدأ بركعتي الفجر قبل الفريضة حتى تطلع الحمرة المشرقية فيشتغل بالفريضة لأن حكم ما دونها حكم ما لم يتلبس بشيء منها كما هو صريح الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و ظاهر غيرها ممن علق المزاحمة و عدمها على الأربع و عدمها، بل مقتضاه القطع
1) 1 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 3 و 8 و الباب 47 الحديث 2 و الباب 48 الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 26- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 5 و الباب 28 منها من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
و الاشتغال بالفريضة و إن كان قبل رفع الرأس من السجدة الأخيرة فضلا عما قبل ذلك، بناء على توقف صدق تمام الركعة عليه، و لعله لخروج الوقت الموظف لها، و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر المفضل بن عمر(1): «فإذا أنت قمت و قد طلع الفجر فابدأ بالفريضة، و لا تصل غيرها»
الحديث. و مفهوم الشرط في خبر مؤمن الطاق(2)و فحوى النصوص(3)المسؤول فيها عن صلاة الليل مع تخوف طلوع الفجر، و غير ذلك، مضافا إلى النهي(4)عن التطوع في وقت الفريضة، لكن و مع ذلك كله ستسمع ما ينافي الجزم بالحكم المزبور، و أن فيه وجوها أخر.
ثم ان ظاهر المصنف جعل الغاية طلوع الحمرة، و هو لا يخلو من إشكال، بناء على أنه غاية وقت فضيلة الفريضة كما سمعته فيما تقدم، فالأولى حينئذ جعل الغاية ما قبل الطلوع بقدر أداء الفريضة، و لعل المراد ذلك نحو ما سمعته في نافلتي الزوال و العصر من تحديد غايتهما عند من عرفت بالمثل و المثلين، فالكلام هنا كما هناك، و عساك تسمع تمام الكلام إن شاء الله في البحث عن وقت ركعتي الفجر.
و أما ان كان قد تلبس بأربع ركعات منها ثم طلع الفجر تممها مخففة بالحمد أداء كما في الدروس و لو طلع الفجر كما هو: أي الإتمام المشهور نقلا و تحصيلا بل في مصابيح الطباطبائي الإجماع عليه، بل في الرياض نفي الخلاف فيه حاكيا له عن بعض الأجلة، لكن قيده بما إذا لم يخش فوات فضيلة الفرض، و قد خلى عنه النص و كثير من الفتاوى، و كيف كان فالأصل في الحكم المزبور
خبر مؤمن الطاق المنجبر
ج7،
بما سمعت و بما عن المنتهى، و في الذخيرة من أن عليه عمل الأصحاب «إذا كنت صليت أربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع الفجر أو لم يطلع»(1)
و
خبر يعقوب البزاز(2)«قلت له: أقوم قبل الفجر بقليل فأصلي أربع ركعات ثم أتخوف أن ينفجر الفجر أبدأ بالوتر أو أتم الركعات، قال: لا بل أوتر و أخر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار»
صحيح محمد بن مسلم(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن الرجل يقوم آخر الليل و هو يخشى أن يفجأه الصبح أ يبتدئ بالوتر أو يصلي الصلاة على وجهها حتى يكون الوتر آخر ذلك؟ قال: بل يبدأ بالوتر، و قال: أنا كنت فاعلا ذلك»
لكن على كل حال فالجمع بينه و بين الأول بالتخيير كما في الذخيرة و المعتبر، و استحسنه في البحار، أو أفضلية التأخير كما صرح به الشيخ و المحقق الثاني، و كأنه مال إليه في الذكرى لا يخلو من نظر، و لعل الجمع بحمل تقديم الوتر على ما إذا خشي انفجار الفجر و لم ينفجر بعد ليقع الوتر في وقته، و الإتمام على ما إذا انفجر الفجر أولى منه
ج7،
كما اعترف به المجلسي في البحار، و يمكن أن يريده كشف اللثام.
و أما الأمر بالتخفيف المفسر بقراءة الحمد وحدها فهو و إن كان قد صرح به المصنف و غيره و خلى عنه خبر مؤمن الطاق الذي هو الأصل في المسألة إلا أنه مناسب للجمع بين حقي الفريضة و النافلة، و يدل عليه
خبر إسماعيل بن جابر(1)أو عبد الله ابن سنان «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أقوم آخر الليل و أخاف الصبح قال: اقرأ الحمد و اعجل و اعجل»
لأولوية ما بعد الصبح مما قبله، فتأمل. فلا يقدح حينئذ تضمن سؤاله لخوف الصبح الذي هو غير ما نحن فيه من طلوعه عليه متلبسا.
و تفصيل البحث في هذا أن المتنفل إن قام في آخر الليل فاما أن يظن في الوقت سعة تسع تمام الصلاة، أو يظن ضيقه على الإتيان بها أجمع، أو يشك في ذلك، فان ظن السعة صلى، فان انكشف فساد ظنه أتم صلاته إن كان صلى أربعا لما عرفت، و كذا إن لم يكمل الأربع، و لكن قلنا بجواز ابتدائه بالصلاة بعد طلوع الفجر كما سمعته من الشيخ و المحقق، فإنه متى جاز الابتداء جازت الاستدامة بطريق أولى، أما على المختار فقد قيل إن في المسألة احتمالات، أحدها الاستمرار، لأن الأخبار انما دلت على المنع من الشروع بعد الطلوع، و هو لا يقتضي المنع عن الإتمام، و فيه منع اختصاص الأخبار بذلك، على أن جعل الغاية الطلوع في النص و الفتوى كاف في المنع، فظهور هذه النصوص في ذلك حينئذ غير قادح، و ثانيها أن يصلي الوتر و ركعتي الفجر و يؤخر الباقي، و لعله لخبر يعقوب البزاز المتقدم آنفا، و فيه مع ما عرفت سابقا أنه خارج عن موضوع المسألة من وجوه، ضرورة كون المفروض طلوع الفجر و لما يكمل الأربع ركعات، و الأولى الاستدلال له ب
صحيح عبد الله بن سنان(2)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا قمت و قد طلع الفجر فابدأ بالوتر ثم صل الركعتين ثم صل الركعات إذا
ج7،
أصبحت»
و إن كان خارجا عن موضوع المسألة، بل و معارضا أيضا بغيره خصوصا بالنسبة إلى الوتر المؤكد فعله في الليل، و خصوصا مع عدم الفتوى به فيما أعلم من أحد، و احتماله الفجر الكاذب، فيكون حينئذ كغيره مما أمر فيه بالوتر بالليل مع ضيق الوقت عن غيره، و انه به يدرك صلاة الليل،
قال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن وهب(1): «أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح فيوتر و يصلي ركعتي الفجر و يكتب له صلاة الليل»
و ثالثها أن يضيف إلى ما فعل ما يكمله وترا و يقضي صلاة الليل كلها بعد الفريضة، ل
خبر علي بن عبد الله بن عمران(2)عن الرضا (عليه السلام) «إذا كنت في صلاة الفجر فخرجت و رأيت الصبح فزد ركعة إلى ركعتين اللتين صليتهما قبل و اجعله وترا»
بناء على أن لفظ الفجر فيه من النساخ، و إلا فالصواب الليل بدله، لكنه- مع جهالة سنده و معارضته بغيره و عدم مشهورية العمل به- قاصر عن إفادة هذا الحكم المخالف لأصالة عدم النقل، خصوصا بعد الفراغ من الركعتين كما هو المفروض، اللهم إلا أن يدعى التسامح في أمر النافلة و انها صلاة واحدة، فلا عدول حقيقة فيها من صلاة إلى أخرى، قال في الذكرى بعد الخبر المزبور: فيه تصريح بجواز العدول من النفل إلى النفل، لكن ظاهره بعد الفراغ كما ذكر مثله في الفريضة، و يمكن حمل الخروج على رؤية الفجر في أثناء الصلاة، كما حمل الشيخ الفراغ في الفريضة على مقاربة الفراغ، و استبعده في البحار، قال: و يحتمل أن يكون المراد نافلة الفجر: أي إذا أوقعت نافلة الفجر و تركت صلاة الليل ثم خرجت فرأيت الصبح قد طلع فلا تترك الوتر و أضف إليهما ركعة، ليصير المجموع وترا، ثم صل بعد ركعتي الفجر، ثم صل الفجر، و عدول النية في النافلة بعد الفعل لا دليل على نفيه كما أشار اليه، و يحتمل أن
ج7،
يكون المراد بها فريضة الفجر: أي صلى الفريضة ظانا دخول الوقت: فلما خرج رأى انه أول طلوع الفجر، فعلم وقوع صلاته قبل الوقت، فأجاب (عليه السلام) بأن ما فعل ذلك يحسبها نافلة، و يضيف إليها ركعة لتصير وترا، ثم يصلي نافلة الفجر و فريضته، و الجميع كما ترى، سيما الأخير. رابعها قطع الصلاة و الإتيان بها بعد الفريضة، لأن الوجه في المنع عن ابتداء النافلة مزاحمة الفريضة، و هي حاصلة من الإتمام، و لفحوى صحيحتي محمد بن مسلم(1)و ابن وهب(2)و خبر إسماعيل أو عبد الله(3)المتقدمة آنفا، و هو أقواها إلا أنه يمكن الرخصة له في إتمام ما تلبس بهما من الركعتين إذا علم في الأثناء، سيما إذا كان بعد أن فعل منهما ركعة فصاعدا كما سمعت نظيره في المغرب، و قد أشار إليه هنا في الرياض، و الله أعلم.
و إن ظن الضيق فان قلنا بجواز الابتداء بعد الفجر فالأمر ظاهر، و إلا ففيه وجوه أيضا: الأول جواز الابتداء بالصلاة على وجهها، لثبوت التوقيت، و انتفاء المزاحمة حال الشروع فيستمر، لاختصاص المنع بالشروع، و فيه ما عرفت، الثاني لا يصلي بل يؤخر الجميع حذرا من لزوم المزاحمة أو الفصل، و هو ضعيف جدا بل مقطوع بفساده. الثالث يصلي ما اتسع له الوقت، لانتفاء المانع، و يؤخر الباقي لمزاحمة الفريضة، و لإشعار الروايات بذلك، و فيه ما لا يخفى إذا فرض إحراز الأربع. الرابع يوتر بالركعات الثلاثة كما في الدروس و يصلي ركعتي الفجر و يؤخر صلاة الليل، لصحيحتي ابني مسلم و وهب، و هو جيد و أفتى به في الدروس. الخامس التعجيل، لرواية إسماعيل ابن جابر أو عبد الله بن سنان المتقدمة، و لا بأس به أيضا مع فرض إمكانه، أو يكون المراد اعجل و إن طلع الفجر، و لعله الظاهر كما صرح به العلامة الطباطبائي، بل عن
ج7،
المنتهى جعل التخفيف بعد طلوع الفجر. السادس أن يصلي ما اتسع له الوقت، فإذا طلع الفجر عدل به إلى الوتر، لثبوت التوقيت بالأصل و العدول برواية علي بن عبد الله ابن عمران(1)و فيه ما عرفت. السابع أن يصلي ما اتسع له الوقت، فإذا طلع الفجر أوتر و أخر الباقي، ل
قوية المفضل بن عمر(2)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أقوم و أنا أشك في الفجر، فقال: صل على شكك، فإذا طلع الفجر فأوتر و صل الركعتين، فإذا أنت قمت و قد طلع الفجر فابدأ بالفريضة و لا تصل غيرها، فإذا فرغت فاقض مكانك، و لا يكون هذا عادة، و إياك أن تطلع على هذا أهلك فيصلون على ذلك و لا يصلون بالليل»
بناء على شمول الشك فيها للظن، كما أن الظاهر إرادة الإيتار فيما يقرب من طلوع الفجر على ما يومي اليه قوله (ع): «فإذا أنت» إلى آخره. الثامن يستمر على صلاته إن كان قد صلى أربعا قبل الفجر، و إن لم يكن صلى أربعا أخر الباقي، ل خبر مؤمن الطاق(3)و هو جيد. التاسع التخيير له بين ما تضمنته هذه النصوص المعتبرة و إن كان الأولى له اختيار ما في الصحيحين المزبورين(4)و لعله أقوى الوجوه.
و لو انكشف فساد ظنه صلى بقية صلاة الليل، و في إعادة الوتر حينئذ وجهان، من اقتضاء الأمر الاجزاء، و من أنه خاتمة النوافل، و انه تخيل الأمر،
قال علي بن عبد العزيز(5)للصادق (عليه السلام) في خبر علي بن الحكم: «أقوم و أنا أتخوف الفجر قال: فأوتر، قلت: فأنظر فإذا علي ليل، قال: فصل صلاة الليل»
و قال أيضا في
مرسل إبراهيم بن عبد الحميد(6)أو مسنده: «إذا قام الرجل من الليل فظن أن
1) 1 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 48- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 47- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 3 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
الصبح قد أضاء فأوتر ثم نظر فرأى أن عليه ليلا قال: يضيف إلى الوتر ركعة ثم يستقبل صلاة الليل ثم يوتر بعد ذلك»
لكنه قاصر عن إثبات هذا النقل و العدول المخالف للأصل، سيما بعد الفراغ و مع اختلاف الهيئة، و قال في الدروس و الذكرى: «لو ظن ضيق الليل اقتصر على الشفع و الوتر و ركعتي الفجر، فلو تبين بقاء الليل أضاف إلى ما صلى ستا و أعاد ركعة الوتر و ركعتي الفجر، قال المفيد و قال علي بن بابويه: يعيد ركعتي الفجر لا غير» و في المبسوط: «لو نسي ركعتين من صلاة الليل ثم ذكر بعد أن أوتر قضاهما و أوتر» انتهى معروف الوجه مما سمعت.
و أما إذا شك في الضيق و السعة و لم يظن أحدهما جاءت الوجوه المذكورة بأسرها مختلفة بالقوة و الضعف، لكن قد سمعت قوي المفضل بن عمر(1)السابق، و لعل العمل به هنا لا يخلو من قوة.
ثم من المعلوم أن جميع ما ذكرناه في هذه المباحث مبني على انتهاء الليل بطلوع الفجر، و ان النصف انما يلاحظ بالنسبة إليه، سواء قلنا بأن ساعة الفجر من النهار و اليوم كما هو المعروف، أو واسطة بينه و بين الليل كما دلت عليه بعض النصوص(2)التي تسمعها إن شاء الله، و إن أمكن على بعد بناؤه أيضا على أنها من الليل حتى بملاحظة الانتصاف بدعوى دلالة الأدلة على ذلك، و على امتداد وقت صلاة الليل إلى ذلك، إذ لا تلازم بين كونه منه و الامتداد إلى طلوع الشمس مثلا، لكن لما كان في غاية البعد خصوصا الانتصاف بل المحكي عن بعضهم خلافه كما ستعرف اتجه بناء المسألة على الأول، على انه هو الحق الموافق لأكثر اللغويين و المفسرين و الفقهاء و المحدثين و الحكماء الإلهيين و الرياضيين كما سمعته من السيد الداماد في البحث عن آخر وقت الظهرين،
ج7،
بل الظاهر ان الخلاف فيه قد اضمحل و انعقد الإجماع بعده، نعم بعض أهل الحرف و الصناعات لما كان ابتداء عملهم من طلوع الشمس قد يطلقون اليوم عليه، و ذكره بعض أهل اللغة لذلك، و لعله كان قديما كذلك بحيث صار فيه حقيقة أيضا، كما ان المنجمين قد يطلقون اليوم على ما بين الطلوع إلى الغروب، و على ما بين الطلوع إلى الطلوع، و على ما بين الغروب إلى الغروب، و على ما بين الزوال إلى الزوال، و كذا النهار على المعنى الأول، و الليل على ما بين غروب الشمس إلى طلوعها.
لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بلسان الشرع و العرف و اللغة ان المنساق من إطلاق اليوم و النهار و الليل في الصوم و الصلاة و مواقف الحج و القسم بين الزوجات و أيام الاعتكاف و جميع الأبواب أن المراد بالأولين من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب، و منه إلى طلوعه بالثالث كما قد نص عليه غير واحد من الفقهاء و المفسرين و اللغويين فيما حكي عن بعضهم، منهم الطبرسي في مجمعه في تفسير قوله تعالى(1)«وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً» و قوله تعالى(2)«وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» و قوله تعالى(3):
«وَ النَّهارَ مُبْصِراً»* و عند نقل الأقوال في الصَّلاةِ الْوُسْطى، و منهم الشيخ في الخلاف، بل حكى فيه ذلك عن عامة أهل العلم، ثم قال بعد أن نقل القول بالواسطة عن طائفة، و القول بأنها من الليل بحيث لا يحرم الأكل و الشرب على الصائم إلى طلوع الشمس عن الأعمش و غيره، و انه روي عن حذيفة أن هذا الخلاف قد انقرض و أجمع المسلمون، فلو كان صحيحا لما انقرض، و منهم العلامة في المنتهى في باب الصلاة و الاعتكاف، بل قال في الأول ردا على الأعمش و من تبعه: إنه اتفق المفسرون على أن المراد بطرفي النهار المأمور بقيام الصلاة عندهما صلاتي الصبح و العصر، و منهم المفيد و المرتضى و ابنا
ج7،
الجنيد و إدريس و أبو الصلاح، و إن تفاوتت بعض عباراتهم صراحة و ظهورا، و منهم الشهيد في الذكرى، بل نسبه فيها إلى الكل إلا الأعمش، ثم رده باستقرار الإجماع على خلافه، و بأن الشيخ قال: لم يختلفوا في أن المراد بالطرفين صلاتا الصبح و العصر، و منهم العلامة في التذكرة، بل نسبه فيها إلى عامة أهل العلم و إن حكى بعد ذلك خلاف الأعمش، و منهم الشهيد الثاني و سبطه، و منهم المصنف في ظاهر الكتاب في قسم الزوجات كغيره من الأصحاب و المعتبر، و منهم النيشابوري في تفسيره ناسبا له إلى الشرع كالراغب الأصفهاني في تفسيره، و منهم المقري كمصباح المنير و إن ذكر فيه أنه في عرف الناس من طلوع الشمس إلى غروبها، لكن ظاهر كلامه بعد ذلك أنه أخذه من تعارف الإجارة، مع انه حكم فيه بحمله على الأول فيها أيضا، قيل و قال في شمس العلوم: آخر الليل قبل الفجر، و منهم الرازي في تفسيره و إن كان قد ذكره في أثناء احتجاج القائل بأن الظهر الصلاة الوسطى أو العصر، لكن كلامه في تفسير قوله تعالى(1)«فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ» و قوله تعالى(2)«فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ» كالصريح في انتهاء الليلة بطلوع الفجر، و قريب منه كلامه كالبيضاوي في تفسير قوله تعالى(3)«بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ»* و منهم الزمخشري في ظاهر الأساس، و منهم الخليل بن أحمد في كتاب العين الذي هو الأصل في اللغة، و عليه المعول و المرجع، و منهم الطيبي في شرح المشكاة، إلى غير ذلك من كلمات المفسرين و الفقهاء المتفرقة في الآيات و المقامات المختلفة، كغسل يوم الجمعة و تراوح البئر و موقف الحج و نحوها.
و يؤيده مضافا إلى ذلك قوله تعالى(4)«أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ»
ج7،
فإنه و ان اختلف في إرادة العصر أو المغرب من أحد الطرفين إلا أن إرادة الصبح من الطرف الآخر لا خلاف فيها بين المفسرين و لا إشكال، كما أنه لا إشكال في دخول طرف الشيء فيه، فيتحقق حينئذ أن الفجر طرف النهار الأول، إذ احتمال إرادة طلوع الشمس منه و إطلاقه على زمان صلاة الصبح مجازا للقرب و المجاورة- كما أطنب فيه الإمام الرازي، بل لعله يكون شاهدا لمذهب أبي حنيفة من اعتبار التنوير في صلاة الفجر الذي هو أقرب من غيره في التجوز بإطلاق الطرف عليه، بل أولى منه، لأنه أقرب من احتمال إرادة المضيق من زمن صلاة الفجر مجازا أيضا للمجاورة بقرينة الأمر الذي لا يتم إرادة الوجوب منه على التعيين إلا بذلك، و إثبات الصحة حينئذ في غيره لدليل آخر- كما ترى، و مما سمعت تظهر الدلالة في قوله تعالى(1)«وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرافَ النَّهارِ» خصوصا مع ملاحظة المقابلة، و أن المراد من التسبيح الصلاة، و قوله تعالى(2)«سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» كما اعترف به غير واحد من المفسرين، و هو المنساق، إذ احتمال جعل الغاية تقييدا لإخراج بعض الليلة لا ينبغي أن يصغى اليه، و قوله تعالى(3)«وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ. وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» ضرورة اقتضاء المقابلة خروج الصبح عن مسمى الليل، مع أن الظاهر إرادة القسم بوقت واحد الذي هو إدبار الليل و إقبال الصبح، لتلازمهما أو ترادفهما، كما يومي اليه ما عن الرازي في قوله تعالى(4):
«وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» فلاحظ و تأمل ليظهر لك أن الآية الأخرى دليل آخر على المطلوب سواء أريد من «عسعس» الإقبال أو الادبار، و قوله تعالى(5):
«قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ» لما ستعرف
ج7،
من أن البيتوتة الزمان الذي نهايته طلوع الفجر، و لعله أراد ذلك الراغب الأصفهاني فيما حكي عنه من استدلاله بهذه الآية على أن النهار في الشرع اسم لما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، قال: لأن بات فلان يفعل كذا موضوعة لما يفعل بالليل، و ظل لما يفعل بالنهار، إذ ذلك مجردا لا يدل على مطلوبه كما هو واضح، و قوله تعالى(1):
«أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ»* و «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»*(2)و «لَيْلَةَ الصِّيامِ»(3)«فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ»(4)منضما إلى قوله تعالى(5)«حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» و لأصالة عدم النقل و التجوز من التقييد و غيره، و لا ينافيه قوله تعالى(6):
«ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ» عند التأمل، فما ظنه بعضهم من أن «ثم و الإتمام» قرينة على أن ساعة الفجر ليست من النهار، و قد قرر ذلك بتكلف شديد و تعسف بعيد في غير محله، فتأمل جيدا.
و قوله تعالى(7)«قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ» إلى قوله تعالى «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ» إلى آخره. إذ من المعلوم أن الواجب على النبي (صلى الله عليه و آله) القيام إلى الفجر و أنه هو الذي يلاحظ نصفه و ثلثه و ثلثاه كما دلت عليه الأخبار و اعترف به المفسرون كما قيل، و قوله تعالى(8): «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ- إلى قوله تعالى- إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟» فان من لاحظ ما ورد في القطع، و قوله تعالى(9)«نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ» و قوله تعالى(10)«وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ» و ما ورد(11)في مخاطبة لوط مع الملائكة جزم بخروج ما بعد الفجر عن الليل، كالجزم
1) 1 سورة البقرة- الآية 180.
2) 2 سورة البقرة- الآية 180.
3) 3 سورة البقرة- الآية 183.
4) 4 سورة البقرة- الآية 192.
5) 5 سورة البقرة- الآية 183.
6) 6 سورة البقرة- الآية 183.
7) 7 سورة المزمل- الآية 2.
8) 8 سورة هود عليه السلام- الآية 83.
9) 9 سورة القمر- الآية 34.
10) 10 سورة القمر- الآية 38.
11) 11 سورة هود عليه السلام- الآية 83.
ج7،
بالخروج أيضا للمقابلة في قوله تعالى أيضا(1): «وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» و في قوله تعالى(2)«فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» ضرورة ظهور المقابلة في الخروج عن المقابل الآخر، فتأمل. و قوله تعالى أيضا(3)«وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ، وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» إذ المراد بالايمان وجه النهار الصلاة في أوله التي ليست إلا الفجر، كما هو مستفاد مما ورد(4)في سبب نزول هذه الآية من موافقة بعض اليهود النبي (صلى الله عليه و آله) صباحا لما رأوه يصلي إلى قبلتهم، فلما حوله الله إلى الكعبة و كان في أثناء صلاة الظهر أو العصر كفروا به، فلاحظ و تأمل.
قوله تعالى(5)«وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» بمعونة ما ورد(6)من الأخبار في تفسيرها من أنه تشهدها ملائكة الليل صاعدة و النهار نازلة، و غير ذلك مما يفيد الجزم بأن أول النهار الفجر، و قوله تعالى(7)«وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ» فإنه أطلق على وقت عذابهم الصبح و البكرة، و قد صرح بأن الأخيرة عبارة عن أول النهار، و الفرض وقوع عذابهم الفجر، و قوله تعالى(8)«يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ» لأن الظاهر كما عن أكثر المفسرين الاعتراف به إرادة صلاة الفجر من التسبيح في الغداة، و قد صرح اللغويون كما قيل بأن الغداة من النهار، و قوله
ج7،
تعالى(1)«وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» و الكلام في البكرة كالكلام في الغداة، و كذا التسبيح فيها.
و منه حينئذ يظهر وجه الدلالة في قوله تعالى أيضا(2)«وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ» و قوله تعالى(3)«وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» بل يزيد هذا بالمقابلة المشعرة بما ذكرنا، كقوله تعالى أيضا(4)«وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ» إذ لا ريب في ظهوره في أن التسبيح قبل طلوع الشمس الذي يراد به صلاة الفجر في غير الليل، بل و كذا قوله تعالى(5)«وَ الْفَجْرِ. وَ لَيالٍ عَشْرٍ. وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ» إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالمطلوب بقرينة المقابلة و غيرها، و تفصيل الكلام فيها بل و فيما ذكرناه من الآيات يفضي إلى إطناب تام لا يناسب وضع الكتاب، كما أنه لا يناسبه أيضا ذكر جميع ما يدل على ذلك أو يشعر به من النصوص، سيما و هي أكثر من أن تحصى و أوسع من أن تستقصى، و قد جمع المجلسي في البحار شطرا منها يقرب إلى المائة من كتب متفرقة كالكافي و التهذيب و الفقيه و فقه الرضا (عليه السلام) و قرب الاسناد و دعائم الإسلام و الاحتجاج و العلل و الخصال و تفسير علي بن إبراهيم و العياشي و معاني الأخبار و تحف العقول و إرشاد القلوب و ثواب الأعمال و عدة الداعي و مجالس الصدوق و التوحيد و العيون و المصباح للشيخ و مسار الشيعة للمفيد و الإقبال و المقنعة و مجالس الشيخ و الخلاف له و المعتبر و الذكرى و غياث سلطان الورى و مصباح الكفعمي و دعوات الراوندي و السرائر في مقامات متشعبة، كالصلاة الوسطى و الصوم
ج7،
و صلاة الليل و الحج و تفسير بعض الآيات و الأذان و القسم بين الزوجات و الأغسال للجمعة و العيدين و غير ذلك، و إن كان في جملة مما تخيل دلالته على المطلوب مناقشة، لكن في الجملة الأخرى و وضوح الأمر مغناة.
خصوصا مع عدم دليل معتد به يشهد بخلاف ذلك، إذ ليس سوى ذكر بعض أهل اللغة له، و قد عرفت منشأه، سيما و الذاكر صاحب القاموس و نحوه ممن عادته الخلط و الخبط، و سوى قوله تعالى(1)«يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» إذ المراد من القلب جعل الفجر أولا و بالعكس، و هو لا يكون إلا بدعوى دخول الحمرة ثم الصفرة ثم البياض المتصل بطلوع الشمس في الليل، كي يكون ما وقع في أوله من الحمرة المسماة بالشفق ثم الصفرة ثم البياض ثم السواد داخلا في آخره، و كذا النهار، و فيه- مع أنه واضح التكلف و التعسف، بل و مناف لإيلاج الليل في النهار و تكويره عليه كما قيل، و ليس هو تقليبا لتمام الليل و النهار بل لنصفهما- أنه ليس بأولى من أن إيراد المعاقبة بينهما بتقليبهما، أو نقصان أحدهما و زيادة الآخر، أو تغير أحوالهما بالحر و البرد و الظلمة و النور، أو ما يعم ذلك، أو يقال إن كلا منهما مقلوب الآخر باعتبار أن ابتداء اليوم ظهور البياض، ثم يزداد إلى الزوال، ثم ينقص إلى الليل، و الليل ظهور الظلمة، ثم تزداد إلى الغسق، ثم تنقص إلى طلوع الفجر، بل ذلك أولى من وجوه، خصوصا الأخير، فتأمل.
و سوى قوله تعالى(2)«وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» إذ ليست هي إلا الشمس، و سوى
قول النبي (صلى الله عليه و آله)(3): «صلاة النهار عجماء»
و
انه (صلى الله عليه و آله) كان يغلس بصلاة الفجر(4)و قال: «صلها بغبش»
و الغلس
ج7،
و الغبش ظلمة آخر الليل كما عن بعض اللغويين النص عليه، و
خبر أبان الثقفي(1)المروي عن تفسير علي بن إبراهيم المسؤول فيه الباقر (ع) عن الساعة التي هي ليست من الليل و لا من النهار، فقال: «ساعة الفجر»،
و سوى
المروي في نهج البلاغة(2)عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما سئل عن مسافة ما بين المشرق و المغرب فقال: «مسيرة يوم للشمس»
و سوى إطلاق نصف النهار على الزوال في عدة أخبار(3)في باب الصوم و غيره، بل و في كلام اللغويين و الفقهاء و غيرهم، و سوى ما
ورد(4)أيضا في عدة عنهم (عليهم السلام) «انه كان لا يصلي من النهار حتى تزول الشمس»
و سوى
خبر عمر بن حنظلة(5)«انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له: زوال الشمس نعرفه بالنهار فكيف لنا بالليل؟ فقال: لليل زوال كزوال الشمس، قال: فبأي شيء نعرفه؟ قال: بالنجوم إذا انحدرت»
إلى غير ذلك.
و فيه انه لا توقف لصدق إضافة الآية إلى النهار على استغراقها لجميع أجزائه، على أن الظاهر حصول الابصار و الضوء بسببها من أول طلوع الفجر و ان لم يظهر جرمها من الأفق للحس، و لهذا اختلفت أوقات المطالع بحسب الأقاليم، بل في الذكرى منع أن الآية الشمس بل نفس الليل و النهار، و هو من إضافة التبيين كإضافة العدد إلى المعدود، و الخبر- مع عاميته، بل عن الدار قطني نسبته إلى الفقهاء مشعرا بتردد ما في
1) 1 المستدرك- الباب 49- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة لكن رواه عن عمر بن أبان الثقفي.
2) 2 نهج البلاغة ص 1218 الخطبة 286 من ج 6 المطبوع بطهران.
3) 3 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة و الباب 5 من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1 و 2 من كتاب الصوم.
4) 4 الوسائل- الباب- 36- من أبواب المواقيت- الحديث 5 و 6 و 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 55- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
سنده- محتمل لإرادة أغلب صلاة النهار، بل ينبغي القطع بإرادة ذلك بملاحظة الجمع بينه و بين غيره من الأخبار(1)خصوصا المسؤول فيها عن الجهر بالفجر مع أنها من صلاة النهار التي يخفت فيها، فأجاب (عليه السلام) بأنها لقربها من صلاة الليل أعطي حكمها، و الغلس و الغبش و إن فسرا بما سمعت يجب إرادة أول الفجر منهما مجازا و توسعا، و إلا فليس جميع ما بين الطلوعين يسمى غلسا و غبشا، و هو المدعى دخوله في الليل، و خبر أبان و غيره محمول على إرادة بيان ذلك على مذاق السائل الذي هو من أهل الكتاب المصطلح عندهم اليوم من طلوع الشمس، و خروج ساعة الفجر عن الليل و النهار كما يحكى عن براهمة الهند خروج ما بين الغروب إلى غروب الشفق عنهما أيضا، و منه يظهر الجواب أيضا عن خبر النهج، لأن الغالب كون السائلين بهذه المسائل من أهل الكتاب، أو يحمل على إرادة سيرها من حين الخروج من الأفق و إن لم تظهر إلى الحس إلا بعد حين كالغروب، أو على إرادة التقريب، و إلا ففي التحقيق مسيرة أقل من يوم، كما كشف عنه
الخبر الآخر المروي(2)عن الاحتجاج قال: «سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) كم بين المشرق و المغرب؟ قال: مسيرة يوم بل أقل من ذلك، فاستعظمه فقال له: يا عاجز لم تنكر هذا؟ إن الشمس تطلع من المشرق و تغرب في المغرب في أقل من يوم»
و إطلاق النصف مجاز شائع كما يومي اليه صدوره ممن يقول بابتداء النهار من طلوع الفجر، فلاحظ. و المراد أنه لا يصلى من نوافل النهار شيئا حتى تزول الشمس، لأنه كان يدس نافلة الفجر في صلاة الليل، و يؤيده سوق هذه الأخبار لبيان بدعية صلاة الضحى، أو المراد من النهار جزؤه مجازا أو غير ذلك،
ج7،
بل يمكن دعوى شهادة ذيل بعض هذه النصوص المتضمنة ذلك ك مرسل الصدوق(1)و خبر زرارة(2)للمطلوب فلاحظ و تأمل و خبر ابن حنظلة مع الطعن في سنده يمكن تنزيله على كواكب تنحدر في منتصف ما بين الغروب و طلوع الفجر، على أنه أمر تقريبي، إذ تعيين كواكب مخصوصة كل ليلة لا يتيسر لأكثر الخلق، مع أن الانحدار لا يتبين لهم إلا بعد مضي زمان من التجاوز عن دائرة نصف النهار، و في مثل ذلك لا يؤثر التقدم و التأخر بقدر ساعة أو أقل، بل الظاهر أن عمدة المقصود من هذه العلامة معرفة وقت أول صلاة الليل الذي لا ينبغي(3)الاحتياط فيه لأصالة عدم دخوله، و يمكن أن يقال: إن أكثر الكواكب لا تظهر للأبصار إلا بعد مضي زمان من غروب الشمس، فإذا حملت على الكواكب التي كانت عند ظهورها على الأفق فهي تصل إلى دائرة نصف النهار بعد مضي كثير من انتصاف الليل، و لو حملت على تقدير انها كانت عند الغروب على الأفق فهذا مما لا يهتدي إليه أكثر العوام بل الخواص أيضا، فلا بد من حملها على ما كانت ترى في البلدان في بدو ظهورها فوق الأبنية و الجدران، و الظاهر في أمثالها أنها تصل إلى دائرة نصف النهار قبل انتصاف الليل المعهود، فلذا اعتبر انحدارها بحيث يحصل منه الاطمئنان بصيرورة النصف لا أنه يقدر لها انحدار يساوي بعدها عن الأفق في أول طلوعها، لعسره على أغلب الناس بل جميعهم، و لا ينافيه التشبيه المزبور، إذ لا يجب أن يكون على التحقيق من جميع الوجوه حتى يلزم اعتبار الوسط فيه بين الغروب و الطلوع.
و منه يعلم الحال في
خبر ابن محبوب(4)عن الباقر (عليه السلام) «دلوك الشمس
1) 1 الوسائل- الباب- 31- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 31- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.
3) 3 ليس في النسخة الأصلية لفظة« ترك» و انما كتبت في هامشها و هو الصحيح لأن مقتضى أصالة عدم دخوله عدم ترك الاحتياط بالتأخير حتى يتيقن بالدخول.
4) 4 الوسائل- الباب- 55- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
زوالها، و غسق الليل بمنزلة الزوال»
و لعل هذا الوجه يرجع إلى ما ينساق إلى الذهن من هذا الخبر من أن المراد انحدار غالب النجوم لا كواكب مخصوصة، لأن الظاهر أن كثرة النجوم تكون في النصف الأخير في جهة الغرب، هذا. و لكن في الرياض بعد أن نقل القول باعتبار طلوع الشمس في النصف عند البحث في صلاة الليل عن بعض الأصحاب، و استدل عليه بالخبرين و طعن في سنديهما قال: إلا أنهما مناسبان لتوزيع الصلاة على أوقاتهما، و مع ذلك هو أحوط جدا، سيما مع وقوع التعبير عن الانتصاف بالزوال في غيرهما من الأخبار، و إن كان فيه أيضا قصور في السند، لاحتمال حصول الجبر بكثرة العدد، و كأنه يريد ذلك في خصوص صلاة الليل، و إلا فليس هو أحوط مطلقا في جميع الأحكام المعلقة على ذلك، كانتهاء صلاة العشاء و نحوه، على أن في كلامه نظرا من جهات أخر لا تخفى، فتأمل.
و كيف كان فمما ذكرنا يظهر لك ما في الذكرى و تبعه عليه غيره من أن المراد انحدار النجوم الطوالع عند غروب الشمس، ثم قال: «و الجعفي اعتمد على منازل القمر الثمانية و العشرين المشهورة، فإنه قال: إنها مقسومة على ثلاثمائة و ستين يوما، لكل منزل ثلاثة عشر يوما، فيكون الفجر مثلا بسعة الأخبية ثلاثة عشر يوما، ثم ينتقل إلى ما بعده و هكذا، فإذا جعل القطب الشمالي بين الكتفين نظر ما على الرأس و بين العينين من المنازل، فيعد منها إلى منزله، ثم يؤخذ لكل منزلة نصف سبع، و على هذا» إلى آخره.
قال: «و القمر يغرب في ليلة الهلال على نصف سبع من الليل، ثم يتزايد كذلك إلى ليلة أربعة عشر، ثم يتأخر ليلة خمسة عشر نصف سبع، و هكذا» و هذا تقريب، و هما معا ظاهران في اعتبار طلوع الشمس في التنصيف، لكن قيل إنه ينبغي للشهيد مع ذلك اعتبار موافقة قوس نهار الكوكب لقوس ليل درجة الشمس من منطقة البروج أو قريبا منه، كالسماك الأعزل بالنسبة إلى بعض درجات أواخر الحمل، و إلا فهو لا يستقيم في الآفاق المائلة
ج7،
عن خط الاستواء باعتبار قلة ميل معدل النهار عن سمت الرأس و كثرته، و قرب مدارات الكواكب بالنسبة إلى المعدل و بعده عنه، ضرورة اختلافه اختلافا فاحشا، إذ لو اتفق طلوع كوكب في أواسط المعمورة غروب الشمس فربما وصل إلى انتصاف النهار قبل انتصاف الليل بساعة كفرد الشجاع، و بساعتين تقريبا كالشعراء اليمانية، و ربما تأخر بساعة و نصف تقريبا كالسماك الرامح و رأس الجوزاء و فم الفرس، أو بساعتين تقريبا كالنسر الطائر و العيوق و نير الفكة، أو بثلاث ساعات تقريبا كالنسر الواقع، أو أربع ساعات كالردف، بل ربما اتفق وصول بعض الكواكب القريبة من القطب الشمالي إلى نصف النهار بعد طلوع الشمس، فلا بد حينئذ من التخصيص المزبور الذي يرجع إلى تخصيص هذا الاعتبار بأفق خط الاستواء، إذ هو المنصف لمدارات الكواكب، على أن الكاشاني مع أنه موافق الشهيد بإرادة الطوالع عند غروب القرص من النجوم المنحدرة
لكن قال: فان قيل إنه قد تحقق أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من الليل، فلا يقع انحدار تلك النجوم إلا بعد مضي نصف ذلك الزمان من زوال الليل، قلنا: كما أن ما بين الطلوعين ليس من الليل كذلك ليس ما بين غروب القرص و ذهاب الشفق الشرقي منه، و لهذا تؤخر صلاة المغرب إلى ذهاب الشفق، فينتقص هذا من أول الليل كما ينتقص ذلك من آخره، و هو جواب آخر عن الخبر المزبور، و إن كان فيه نظر واضح.
و أما الجعفي فحاصل كلامه يرجع إلى بناء استعلام زوال الليل تارة بمنازل القمر المعلومة بين العرب، و أخرى على غروب القمر و طلوعه، أما الأول فلأن العرب قسموا مدار القمر على ثمانية و عشرين قسما، و ضبطوا حدود تلك الأقسام بكواكب و سموها منازل القمر، و هي شرطين و بطين و غيرها من الأسماء المعروفة في محلها، و مدة قطع الشمس تلك المنازل ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و شيء، فإذا قسمت على المنازل يقع بإزاء كل
ج7،
منزل ثلاثة عشر يوما و شيء، فإذا حصل الاطلاع على منزل الشمس من تلك المنازل يمكن استخراج ما مضى من الليل و ما بقي منه بملاحظة الطالع و المنحدر و الغارب من تلك المنازل تقريبا بأدنى تأمل، إذ عند غروب الشمس يكون المنزل السابع من المنزل الذي فيه الشمس على نصف النهار، و السابع عشر على المشرق، و في كل نصف سبع من الليل يتفاوت بقدر منزل، فيكون التفاوت في ربع الليل بقدر ثلاثة منازل و نصف، و في نصف الليل بقدر سبعة منازل، و هكذا القياس، و هذا أيضا تقريبي، لاختلاف مدار الشمس و القمر و جهات أخر، و لو حملنا الخبر عليه حملنا النجوم على نجوم المنزل الذي يكون مقابلا للمنزل الذي فيه الشمس.
و أما الثاني فضابطه أن يضرب عدد ما مضى من أول الشهر إلى الرابع عشر أو من الخامس عشر إلى الثامن و العشرين في الستة، و قسمة الحاصل على السبعة، فالخارج في الأول قدر الساعات المعوجة الماضية من الليل إلى غروب القمر، و في الثاني قدر الساعات المذكورة إلى طلوعه، مثاله إذا ضربنا الأربعة في الستة حصل أربعة و عشرون، فإذا قسمناها على السبعة خرج ثلاثة و ثلاث أسباع، فيكون غروب القمر في الليلة الرابعة و طلوعه في الثامنة عشر بعد ثلاث ساعات و ثلاثة أسباع ساعة، و كذا إذا قسمنا الحاصل من ضرب الخمسة في الستة و هو الثلاثون على السبعة خرج أربعة و سبعان، فغروب القمر في الليلة الخامسة و طلوعه في التاسعة عشر بعد أربع ساعات و سبعي ساعة، و هكذا، و هذا أيضا تقريبي، للاختلاف بحسب كثرة الزمان بين خروج القمر من الشعاع و أول ليلة الغرة و قلته و غيرهما، هذا.
و عن بعض الأذكياء ذكر علامات لزوال الليل، فقال: علامته في أول الحمل طلوع الردف، و في أواسطه انحدار السماك الأعزل، و في آخره طلوع النسر الطائر
ج7،
و غروب الشعراء الشامية و العيوق، و في أوائل الثور انحدار السماك الرامح، و في أواسطه غروب فرد الشجاع، و في أواخره طلوع فم الفرس و انحدار نير الفكة و عنق الحية و غروب قلب الأسد، و في أوائل الجوزاء انحدار رأس الجوزاء، و في أواسطه انحدار قلب العقرب، و في أواخره إشراف النسر الواقع على الانحدار، و في أوائل السرطان انحدار النسر الواقع، و في أواسطه غروب السماك الأعزل، و في أواخره انحدار النسر الطائر، و في أوائل الأسد طلوع العيوق و انحدار الردف، و في أواسطه طلوع الثريا و غروب الرامح، و في أواخره طلوع عين الثور و انحدار فم الفرس و غروب عنق الحية، و في أوائل السنبلة إشراف نير الفكة على الغروب، و في أواسطه غروب نير الفكة، و في أواخره طلوع يد الجوزاء اليمنى و رجلها اليسرى، و في أوائل الميزان غروب رأس الجوزاء، و في أواسطه طلوع الشعراء اليمانية، و في أواخره إشراف النسر الطائر على الغروب، و في أوائل العقرب غروب النسر الطائر، و في أواسطه طلوع قلب الأسد و غروب النسر الواقع، و في أواخره طلوع فرد الشجاع، و في أوائل القوس انحدار عين الثور و غروب فم الفرس، و في أواسطه انحدار العيوق و رجل الجوزاء اليسرى و غروب الردف، و في أواخره انحدار يد الجوزاء اليمنى، و في أوائل الجدي انحدار اليمانية، و في أواسطه انحدار الشامية و طلوع الرامح، و في أواخره طلوع الأعزل و نير الفكة، و في أوائل الدلو إشراف قلب الأسد على الانحدار، و في أواسطه انحدار قلب الأسد و الفرد و طلوع العنق، و في أواخره إشراف رجل الجوزاء اليسرى على الغروب، و في أوائل الحوت طلوع الواقع و غروب رجل الجوزاء اليسرى، و في أواسطه غروب عين الثور، و في أواخره غروب اليمانية و يد الجوزاء اليمنى، و هذا كله و إن كان مبنيا على طلوع الشمس إلا أنه يسهل الخطب كونه تقريبا، فلا تفاوت تفاوتا فاحشا، و الله أعلم.
و أما وقت ركعتي الفجر ف بعد طلوع الفجر الأول لأنه المتيقن
ج7،
نصا(1)و إجماعا في البراءة عن التكليف الاستحبابي، و ل
خبر محمد بن مسلم(2)«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أول وقت ركعتي الفجر فقال: سدس الليل الباقي»
بناء على مساواته لطلوع الفجر الأول، خصوصا إن أريد النصف الثاني من لفظ الباقي فيه، و
قول الصادق (عليه السلام) في صحيحي ابن الحجاج(3)و البزاز(4): «صلهما بعد الفجر»
و المناقشة باحتمال عود الضمير إلى غير النافلة يدفعها معروفية السؤال عنها في النصوص، مع استبعاد بيان حكم غيرهما، سيما لمثل ابن الحجاج، كالمناقشة باحتمال إرادة الفجر الثاني كما هو المنساق عند الإطلاق، فيكونان محمولين على الرخصة أو التقييد، كما يومي اليه
خبر أبي بصير(5)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال: فقال لي: بعد طلوع الفجر، قلت له: إن أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن أصليهما قبل طلوع الفجر، فقال: يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمر الحق، و أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية»
و لعل من الشيعة ابني الحجاج و البزاز، إذ يدفعها أيضا أن المجاز الأول في غاية البعد، خصوصا بعد النهي عنهما بعده كما ستعرفه، بل هو غير جائز بناء على عدم جوازها بعد الفجر على ما يحكى عن بعضهم، و أصالة عدم التقية، و انه مهما أمكن تنزيل الخبر على غيرها قدم عليها، على أنه لو سلم كان خبر أبي بصير شاهدا للمطلوب، ضرورة كون المراد بقبل الفجر فيه ما لا يشمل قبل الفجر الأول، لعدم انصراف إطلاقها لما يتناول مثل ذلك و إن كان هو و غيره من مصاديق القبلية.
بل يؤيده التعبير في بعض النصوص(6)المستفيضة المتضمنة للأمر بهما قبل
1) 1 الوسائل- الباب- 50 و 51- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 51- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 51- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 52- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
ج7،
الفجر و بعده و معه بتصغير القبل و البعد، إذ هو باعتبار القلة قطعا، و الظاهر إرادة الفجر الثاني فيها لا الأول، لأنه المنساق منه عند الإطلاق، و لذا فهمه أبو بصير من إطلاق الصادق (عليه السلام) دون الكاذب المحتاج إلى التقييد به، أو القرينة كما في الخبر السابق، فتكون حينئذ جميعها بل كل ما ذكر فيه أنهما قبل الفجر من النصوص شاهدا للمطلوب، خصوصا المشتمل منها على التصغير، مضافا إلى
مرسل إسحاق بن عمار(1)عنه (عليه السلام) قال: «صل الركعتين ما بينك و بين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر»
بناء على إرادة الفجر الكاذب من الضوء المزبور كما فهمه الشيخ، لأنه هو الذي يحاذي الرأس و إن استصوب بعضهم إرادة الأسفار الذي يكون بعد الفجر الثاني منه، و يجعل آخر وقتي الركعتين، أو يكون محمولا على التقية، ك خبر ابن أبي العلاء(2)المشتمل على صلاتهما عند التنوير، إلا أن الأول أولى منه، فتأمل. و مضافا إلى موثق زرارة(3)و صحيح ابن عثمان(4)المتضمنتين لاعادتهما قبل الفجر لمن فعلهما بعد صلاة الليل ثم نام، كما تسمعهما فيما يأتي، إذ لا ريب في أن الإعادة لخصوصهما لحرمة وقتهما كما ذكرنا نظيره في مثل صلاة الليل التي تقدم على وقتها للسفر و نحوه إذا اتفق انه استيقظ وقتها، و إلا لم يكن وجه للإعادة إذا فرض صدور الفعل في وقته بعد كون الأمر للطبيعة، و النوم لو قدح لأمر بإعادة الجميع لا خصوصهما.
و لعله لهما قال المصنف و غيره
و يجوز أن يصليهما قبل ذلك، و الأفضل لمن صلاهما قبل الفجر الأول إعادتهما بعده إلا أنه كان عليه تقييده كالمحكي عن ابن فهد في المحرر بما إذا نام بعد دسهما في صلاة الليل و نحوه مما اشتملا عليه لا الإطلاق،
ج7،
اللهم إلا أن يدعى فهمه منهما و إن كان موردهما خاصا، لكنه لا يخلو من تأمل، بل كان عليه أيضا عدم تقييد ذلك بما إذا فعلهما قبل الفجر، لإطلاق الخبرين المزبورين(1)و على كل حال هذا منه لا ينافي توقيتهما بالفجر الأول أولا، لأنه رخصة في التقديم لا توقيت، و فرق واضح بينهما، فالاستدلال حينئذ بهذين الخبرين و غيرهما من الأخبار(2)المستفيضة الآمرة بدسهما و حشوهما في صلاة الليل حتى لو فعلها في أول النصف الذي هو أول وقتها كما يشعر به جملة(3)منها، بل في صريح صحيح زرارة(4)و ظاهر غيره انهما من صلاة الليل على عدم توقيتهما بذلك و أنهما كصلاة الليل لا يخلو من تأمل، ضرورة عدم الدلالة عليه بوجه، بل في الأمر بحشوهما و دسهما فيها إشعار بخلافه، بل لو أريد مشاركتهما لصلاة الليل في الوقت المذكور لم يكن لاعتبار بعدية صلاة الليل في فعلهما كما يشعر به هذه النصوص وجه، بل لم يوجد خبر أمر فيه بفعلهما بعد النصف مثلا إن لم يختر المكلف لفعل صلاة الليل، بل لعل ذلك مناف لاضافتهما للفجر، و كونهما نافلة له أو لفريضته، بل لا نافلة لوقت أو فريضة تقدم عليه كذلك غيرهما، و الحكم بأنهما من صلاة الليل- إن لم نقل بأن المراد فعلها في الليل لا بعد الطلوع تعريضا بالعامة كما يشعر به ذيل الخبر المزبور فلاحظ، و لم نقل بأن الأمر بهما مع صلاة الليل إذا صادفت طلوع الفجر الأول، لأنه الغالب و الأفضل فعل صلاة الليل خصوصا الوتر في مثل هذا الوقت- محمول على إرادة الدس و الحشو المزبورين، بل النظر الدقيق يعطي من هذه النسبة تطفلهما عليها، و أنها من التوابع و اللواحق لا أنه توقيت لهما
1) 1 الوسائل- الباب- 51- من أبواب المواقيت- الحديث 8 و 9 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 6 و 8 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 9 و الباب 14 الحديث 1 و الباب 43 من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
بذلك، فضلا عن الامارات الأخر من الحشو و الدس و الأمر بإعادتهما و اعتبار بعدية صلاة الليل فيهما و نحو ذلك.
فظهر لك حينئذ ان ما يحكى عن كافة المتأخرين إلا النادر- بل قيل إنه المشهور بين الأصحاب من عدم توقيتهما بذلك، و أنهما بعد صلاة الليل، بل عن ظاهر السرائر في موضعين و المعتبر و المنتهى و ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع عليه، و إن كان في النقل عن المعتبر خلل، بل لعل غيره مثله لهذه النصوص و شبهها ردا على المحكي عن المرتضى و سلار و الشيخ في المبسوط من توقيتهما بذلك- في غير محله، إلا أن يكون هؤلاء الثلاثة و أتباعهم منعوا من التقديم و لو رخصة، أو يكون المتأخرون أثبتوا ذلك توقيتا، و ليس شيء منهما ثابتا، بل لعل الثابت خلافه في البعض، إذ المحكي في المدارك و غيرها عن الشيخ منهم و جماعة استحباب إعادتهما لو صلاهما قبل الفجر الأول، و هو صريح في جواز فعلهما قبله، و منه تعرف أن في تحرير جماعة هنا للنزاع بين الأصحاب خللا واضحا، بل ربما يمكن دعوى لفظية النزاع بناء على ما ذكرنا، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
و كيف كان ف يمتد وقتهما حتى تطلع الحمرة ثم تصير الفريضة أولى خلافا للإسكافي و الشيخ في كتابي الأخبار كما قيل، فمنعا من وقوعهما بعد الفجر، و لعله ل خبر أبي بصير السابق(1)و الأمر بهما قبل الفجر في النصوص(2)المستفيضة على وجه ظاهر في المنع منهما بعده، خصوصا
صحيح زرارة منها(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي أفتى الشيعة فيما نحن فيه بمر الحق دون التقية، قال: «سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر، انهما من صلاة الليل، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع إذا دخل
ج7،
عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة»
بل في بعضها(1)النهي عنهما بعد الفجر، بل يستفاد من خبر أبي بصير السابق تنزيل كلما جاء من الأمر بهما بعد الفجر خصوصا إذا كان من الصادق (عليه السلام) على التقية، مع احتمال تنزيله على الفجر الكاذب، كما يشهد له الصحيحان السابقان(2)كي توافق غيرها من الأخبار.
لكن المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل في الرياض لعلها كذلك خلافهما، و في مصابيح العلامة الطباطبائي أن المخالف شاذ بل لم نعلم الخلاف، للنصوص(3)المستفيضة المرخصة في فعلهما قبل الفجر و بعده و معه المستبعد حملها جميعها على الفجر الكاذب الذي ينساق إلى الذهن من إطلاقه غيره لو سلم كون اللفظ حقيقة فيه، أو التقية التي هي خلاف الأصل في أخبارهم، خصوصا و بعضها عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي أفتى الشيعة هنا بمر الحق دون التقية كما سمعته في خبر أبي بصير، على أن المعروف من مذهب المخالفين أنهما لا يصليان إلا بعد طلوع الفجر لا جواز الثلاثة كما هو مضمون تلك النصوص، و دعوى إرادة التقية على الفاعلين بالفعل دون اللفظ كما ترى لا ينبغي أن يصغى إليها هنا بعد أن ذكر فيها ما بعد الفجر منضما إلى الأمرين الآخرين لا منفردا، و خبر أبي بصير يراد به الأمر بهما بعد الفجر كما يقوله العامة، لا مطلق الاذن و لو على جهة المرجوحية المستفادة من النهي في أخبار الخصم كما صرح بها الطباطبائي في مصابيحه، و خبر زرارة و إن كان ظاهره الحرمة إلا أنه ينبغي حمله على تعليم زرارة من جهة غلبة بحثه مع المخالفين لطريق المقايسة معهم و الإلزام لهم على مذاقهم لو ادعوا لزوم الإتيان بهما بعد الفجر قياسا على نوافل الظهرين مثلا، أو غير ذلك.
ج7،
نعم قد يتوقف في الامتداد المزبور و إن كان مشهورا نقلا و تحصيلا، بل في ظاهر الغنية أو صريحها كما عن السرائر الإجماع عليه، لكن لا دليل عليه إلا إطلاق البعدية الممنوع انصرافه إلى مثل ذلك، خصوصا مع التصغير في بعضها، و مرسل إسحاق بن عمار(1)السابق الذي قد عرفت احتمال حمل الضوء فيه على الفجر الكاذب، و
خبر ابن أبي العلاء(2)الذي هو في غاية الظهور في التقية «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقوم و قد نور بالغذاة، قال: فليصل السجدتين اللتين قبل الغداة، ثم ليصل الغداة»
و
خبر سليمان بن خالد(3)الذي هو مع اضطراب متنه ادعى الشهيد ظهوره في الامتداد إلى آخر وقت الاجزاء، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين اللتين قبل الفجر قال: يتركهما»
و في الذكرى بخط الشيخ «يركعهما حين يترك الغداة انهما قبل الغداة» ثم قال: و هذا يظهر منه امتدادهما بامتدادها، و هو ليس ببعيد، و كأنه فهم أن المراد الاذن في فعلهما إلى حين تضيق الفريضة بحيث يؤدي فعلهما إلى تركها، و لعله هو المراد أيضا بناء على غير خط الشيخ و إن كان عليه أوضح، مع احتمال إرادة التقديم على الفجر على خط الشيخ، كاحتمال إرادة النهي عن تأخيرهما عن الفجر الثاني، و الأمر بتركهما إذا أدى فعلهما إلى ترك الغداة في أول وقتها أو وقت فضلها، على أن الموجود فيما حضرني من نسخة الوافي ما حكاه عن خط الشيخ لكن «حين تنزل» بالزاي المعجمة و اللام، قال: يعني ابتداء نزولها، لأنها قبل صلاة الغداة، و عليه حينئذ لا دلالة فيه على الامتداد المشهور فضلا عما ذكره، إذ هو حينئذ كباقي الأخبار الدالة على فعلهما حين الفجر، ك خبر الحضرمي(4)الآمر بفعلهما حين
ج7،
يعترض الفجر، و هو الذي تسميه العرب الصديع، و غيره(1)من النصوص، كما أنه لا دلالة فيه أيضا على هذا التقدير مع تبديل «يركعهما» بيتركهما، بل هو حينئذ دال على ما ذهب اليه الشيخ و الإسكافي من عدم فعلهما بعد الفجر، نعم هو صريح في امتداد المشهور بناء على ما في الذخيرة «يركعهما حتى تنور الغداة» بالنون و الراء المهملة.
فمن الغريب ميل الذكرى إلى هذا الامتداد لهذا الخبر المعارض بغيره مما عرفت هنا و في بحث وقت نوافل الظهرين، و بخصوص
صحيحة ابن يقطين(2)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخرهما؟ فقال: يؤخرهما»
و ب
خبر إسحاق بن عمار(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين اللتين قبل الفجر قال: قبيل الفجر و معه و بعده، قلت: و متى أدعهما حتى أقضيهما؟ قال قال: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة»
و ما في الذكرى من أن الأمر بتأخيرهما عن الاسفار و الإقامة جاز كونه لمجرد الفضيلة لا توقيتا تهجس من غير مقتض، كاستدلاله على ما ادعاه أيضا بالخبر(4)المشتمل على فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لهما قبل الغداة في قضاء الغداة، فالأداء أولى، إذ هو كما ترى- بعد تسليم صحة مثل ذلك الخبر المشتمل على ما عساه مناف لمرتبة النبوة- واضح المنع، ضرورة عدم الأولوية، و لقد أجاد في كشف اللثام بإنكاره وجها لهذه الأولوية، كل ذلك مضافا إلى مزاحمة الفريضة في وقت فضيلتها المؤكد كمال التأكيد على المحافظة عليه، و أنه تشهده ملائكة الليل و النهار، بل قد عرفت سابقا استحباب الغسل فيها، و من ذلك كله تعرف ما في الامتداد المشهور أيضا، و لذا
ج7،
كان الأحوط فعلهما بعيد الفجر، و أحوط منه قبل الفجر، و الله أعلم.
و يجوز أن يقضى الفرائض الخمس في كل وقت ما لم يتضيق وقت الفريضة الحاضرة نصا و إجماعا و كذا يصلى بقية الصلوات المفروضات لوجود المقتضي و ارتفاع المانع و تصلى النوافل ما لم يدخل وقت الفريضة و كذا قضاؤها بلا خلاف و لا إشكال، لإطلاق الأدلة و عمومها، أما إذا دخل فالأقوى في النظر جوازه أيضا وفاقا للشهيد و المحقق الثاني و الكاشاني و الخراساني و ظاهر القاضي فيما حكي عنه و المدارك و ربما مال إليه في كشف اللثام، بل لعله مذهب الكليني و غيره ممن روى أخبار الجواز، بل في الدروس أنه الأشهر، بل عن التذكرة نفي العلم بالخلاف عن عدم كراهية التنفل قبل العصر و الصبح لمن لم يصلهما، و لعله من التطوع وقت الفريضة، بل قيل إنه قد يفهم ذلك من إجماع الخلاف هناك و شهرة المنتهى القريبة من الإجماع، و ستسمعه إن شاء الله، للأصل و إطلاق الأمر بها(1)و عمومات(2)قضاء الرواتب منها متى شاء التي اعترف في الرياض بتكثرها كثرة قريبة من التواتر، و أن فيها الصحاح و غيرها، و لإشعار التعريض(3)بين النفل و الإتمام في صلاة الاحتياط، بل قد تتمحض للأول كما إذا ظهر التمام في أثنائها، و لكثير من النصوص المتفرقة في الأبواب و كتب الأدعية في خصوص بعض نوافل في أوقات الفرائض، مثل ا لصلوات الواردة(4)بين الظهرين خصوصا يوم الجمعة، و بين المغرب و العشاء مطلقا كالغفيلة(5)و غيرها مما عرفت،
1) 1 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 18- من أبواب أعداد الفرائض من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة- الحديث 3 و 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 مصباح المتهجد- ص 264.
5) 5 الوسائل- الباب- 20- من أبواب بقية الصلوات المندوبة من كتاب الصلاة.
ج7،
أو في بعض الأزمنة كشهر رمضان(1)و ليالي الجمع(2)و غيرها كثرة يعسر استقصاؤها، و يبعد معها دعوى اختصاصها ككثير من النصوص المتقدمة سابقا في الرواتب، و مزاحمتها للفرائض، خصوصا مع اختلافها في تحديد أوقاتها و الأمر بها في أوقات الفرائض من دون تحديد بأمر منضبط صالح لإناطة الحرمة، و غير ذلك مما يظهر منه التسامح و التساهل فيه ظهورا تاما، ضرورة عدم اعتيادهم (عليهم السلام) أمثاله في الحرمة، و لا الاكتفاء في بيانها بنحو ما ستعرفه مما هو في نفسه غير صالح لإفادتها، فضلا عنه بملاحظة معارضه، خصوصا مثل الحرمة في المقام التي ربما يستغربها أذهان العوام من جهة جواز تأخير الفريضة للاشتغال ببعض المباحات بل المكروهات و عدمه للاشتغال بالنوافل التي ورد(3)الحث الشديد و الترغيب البالغ و التأكيد على فعلها أداء و قضاء، و أنها من الصلاة التي هي خير موضوع، و قرة عين النبي (صلى الله عليه و آله) و خير العمل، و أفضل ما يتقرب به العبد، و غير ذلك مما إذا سمعه المكلف لم يخطر في باله المنع عنها بوجه من الوجوه، بل أذهان الخواص أيضا.
و لذا استدل في كشف اللثام على الجواز هنا بالأولوية، قال: و لجواز التأخير من غير اشتغال بصلاة، فمعها أولى، و إن كان في دعوى القطع بالأولوية المزبورة كي تكون مثمرة نظر واضح، اللهم إلا أن يدعى حصوله بملاحظة ما ذكرنا و غيره من القرائن الكثيرة التي منها أنه لو كان الحكم كذلك لاشتهر بين جميع المتشرعة الرواة و المتفقهة و المقلدة و أتباعهم غاية الاشتهار، بل كانت الخطباء خطبت به على رؤوس المنابر، و حذرت منه، لأنه مظنة وقوع الناس فيه، بل من المقطوع به بسبب ما اشتهر
ج7،
من أمر الصلاة و الحث عليها كما هو واضح، و لأن
سماعة(1)سأل الصادق (عليه السلام) في موثقه المروي في الكتب الثلاثة «عن الرجل يأتي المسجد و قد صلى أهله أ يبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال: إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة، و إن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة، و هو حق الله، ثم ليتطوع بما شاء، الأمر موسع أن يصلي الإنسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل إلا أن يخاف فوت الفريضة، و الفضل إذا صلى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها، ليكون فضل أول الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت»
و هو دال على المطلوب من وجوه حتى صدره مع التأمل، فلا يقدح فيه حينئذ احتمال كون قوله (عليه السلام): «و الفضل» إلى آخره من الكليني، مع أنه خلاف الظاهر.
و
ابن مسلم في الحسن كالصحيح(2)قال الصادق (عليه السلام) أيضا: «إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة قال: إن الفضل أن تبدأ بالفريضة»
الحديث.
و المناقشة فيه بأن الفضل يجامع الوجوب إذ هو غير الأفضل كما ترى، و
قال (عليه السلام) أيضا في خبر عمار(3): «إذا أردت أن تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدأ فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة، ثم اقض ما شئت»
و ل
خبر منهال(4)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوقت الذي لا ينبغي لي إذا جاء الزوال- أي نافلته كما أطلق كذلك في غيره- قال: ذراع أو
ج7،
مثله»
فان في قوله فيه «لا ينبغي» إشعارا بالجواز مع تقرير الامام (عليه السلام) إياه، بل و في ترديده (عليه السلام) بين الذراع و المثل، و إن قال في الوافي: أراد به ما يقرب منه، فإنه يتفاوت بتطويل النافلة و تقصيرها، و مثله
صحيح عمر بن يزيد(1)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرواية التي يروون أنه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إن الناس يختلفون في الإقامة، قال: المقيم الذي تصلي معه»
بل مقتضاه أن أصل الرواية بلفظ «لا ينبغي» أو بمعناه المشعر بعدم الحرمة، و ليس المراد من قوله: «يروون» العامة، إذ الظاهر كما يستفاد من غيره من الأخبار عدم وجود رواية لهم بهذا المعنى، على أن في تحديد ذلك ك خبر إسحاق بن عمار(2)المتقدم في ركعتي الفجر بما إذا أخذ المقيم المختلف غاية الاختلاف كما اعترف به السائل إيماء ظاهرا إلى عدم الحرمة، بل و في جوابه (عليه السلام) أخيرا بأنه المقيم الذي تصلي معه، و هو غير مضبوط أيضا في نفسه باعتبار الأحوال و الأوقات، مع اقتضائه اختلاف التحديد بحسب اختلاف المكلفين فيمن يصلون معه.
و ل
موثق إسحاق بن عمار(3)«قلت: أصلي في وقت فريضة نافلة، قال: نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام يقتدى به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة»
بناء على إرادته وقت فضيلة الفريضة بعد مضي وقت النافلة كما هو المعهود من هذا الإطلاق في غيره من النصوص، بل ينبغي الجزم بها هنا بملاحظة تفصيله في الجواب، أو يريد
ج7،
نافلة غير الراتبة كما يومي اليه تنكيرها، و ل
موثق أبي بصير(1)عن الصادق (عليه السلام) «إن فاتك شيء من تطوع النهار و الليل فاقضه عند زوال الشمس، و بعد الظهر عند العصر، و بعد المغرب، و بعد العتمة، و من آخر السحر»
بل لعله قرينة على إرادة التطوع من صلاة النهار أيضا في
صحيح ابن مسلم(2)«سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار قال: يقضيها إن شاء بعد المغرب، و إن شاء بعد العشاء»
و
الحسن كالصحيح(3)«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: متى شاء، إن شاء بعد المغرب، و إن شاء بعد العشاء»
بل ينبغي الجزم به بناء على المضايقة في قضاء الفرائض و ترتب الحواضر عليها، للقطع حينئذ بعدم إرادته منهما، على أن في ترك الاستفصال فيه كفاية، و ل
خبر علي بن جعفر(4)المروي عن قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليهما السلام) «سألته عن رجل نسي صلاة الليل و الوتر و يذكر إذا قام في صلاة الزوال قال: ابتدأ بالظهر، فإذا صلى صلاة الظهر صلى صلاة الليل، و أوتر ما بينه و بين صلاة العصر أو متى أحب»
و ل
صحيح سليمان بن خالد(5)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد و افتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن و أقام الصلاة قال: فليصل ركعتين، ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، و لتكن الركعتان تطوعا»
و
للصحيح(6)عن الصادق (عليه السلام) «إذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم فان كانت الأولى فليجعل الفريضة في الركعتين الأولتين، و إن كانت العصر فليجعل الأولين نافلة و الأخيرتين فريضة».
1) 1 الوسائل- الباب- 57- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 49- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 56- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
قال في كشف اللثام: فان هذه النافلة إما قضاء أو ابتداء، فإذا جاز ابتداء النافلة وقت الفريضة فقضاؤها أولى، ثم قال: و فيه أنه لإدراك فضيلة الجماعة مع التجنب عن التنفل بعد العصر لكراهته، ثم النافلة ليست إلا الفريضة المعادة، لكن قد يناقش بإطلاق الخصم المنع، و كراهة العبادة لا تقدم على الحرمة، و كون النافلة ليست إلا الفريضة المعادة- لأن الفرض بقاء العصر على المسافر و قد جعلها في الركعتين الأخيرتين، فما صلاة من الركعتين الأولين نفلا ليس إلا الفريضة المعادة، لعدم صلاحية الجماعة في غيرها، و إلا كان من الشواذ التي يجب طرحها- لا يقتضي تخصيصا لأدلة حرمة التطوع في وقت الفريضة بعد أن أطلقت الفتوى بمضمونها، و ما في الرياض- من أنه لا ربط لهذا الصحيح في المقام بناء على إرادة الفريضة المعادة، كما لا ربط للصحيح الذي قبله به أيضا، لكن هذه النافلة مستثناة إجماعا كما سيأتي في محله إن شاء الله- يدفعه أنه لا إجماع قطعا على خصوص مضمون الصحيح المزبور، و ضرورة أن ما ذكروه في بحث الجماعة من استحباب الإعادة لمن صلى وحده أعم من ذلك و مما لا يستلزم تطوعا في وقت فريضة، كما إذا كان قد صلى الفرضين، أو أنه جعل ما فعله منفردا نافلة على أحد الوجهين المذكورين هناك، أو غير ذلك، على أنك قد عرفت إطلاق المانع، و عدم إشعار في كلامه باستثناء مثل ذلك، كما أنه لا إشعار في الأدلة الدالة على الجواز كهذين الصحيحين(1)و غيرهما به أيضا، فجعلهما مخصصين ليس بأولى مما ستسمعه من حمل النهي عن التطوع على بيان المرجوحية و نحوها مما لا ينافيهما، بل هذا أولى قطعا، كما أن تلك النصوص الدالة على مشروعية جملة من النوافل في أوقات الفرائض التي أشرنا إليها في أول البحث كذلك أيضا، فما في الرياض- من أنها لا ربط لها بالمقام أيضا، لأنه
1) 1 الوسائل- الباب- 56- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1 و الباب 18 الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
ارتضاها الأصحاب و استثنوها بالخصوص- كما ترى، على أن أكثرها لم يتعرض لها الأصحاب في كتب الفقه، و ما تعرضوا له كالغفيلة ربما شكك فيها بعضهم، على أن خلو هذه الأدلة و غيرها- مع تعددها و كثرتها عن الإشارة بوجه من الوجوه إلى التخصيص، و انه مستثنى من تلك الكلية- أكبر شاهد عند الفقيه الماهر على عدمه و عدم إرادة المنع من هذا النهي و النفي، خصوصا مع عدم صراحة شيء مما ذكر في أدلة المنع فيه كي يرتكب لأجله أمثال ذلك، إذ هو ليس إلا أخبار(1)الذراع و الذراعين المتقدمة في نوافل الزوال التي لا صراحة فيها في الحرمة، لاحتمال كون التقدير لرفع الكراهة، و للجمع بين فضيلتي الفريضة و النافلة، و مفهوم قوله في بعضها(2):
«فان لك» إلى آخره. مع أنه ضعيف جدا يمكن إرادة الرخصة المجردة عن تفويت فضيلة أول وقت الفريضة و عن المرجوحية منه، و إلا بعض النصوص المتقدمة في ركعتي الفجر التي قد عرفت معارضته فيها بما هو أقوى منه، و أنه لم يفت به هناك إلا النادر، بل هي عند التأمل الجيد شاهدة للمختار هنا، ضرورة موافقة مضمونها للنصوص المذكورة هنا حتى في معظم الألفاظ ك
قوله (عليه السلام)(3): «لا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة»
و غيره من أمر المقايسة و نحوها، و الفرض إرادة الكراهة منها هناك حتى من الخصم، إذ لم يحك الفتوى بها إلا من الإسكافي و الشيخ، بل قد عرفت أن الطباطبائي نفي الخلاف هناك أصلا، فليكن المراد الكراهة هنا كذلك.
و منه يعلم حال استدلالهم هنا
بالمروي(4)عن حبل المتين و غيره الموصوف
ج7،
بالصحة و إن لم نتحققها عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلي نافلة و عليَّ فريضة أو في وقت فريضة قال: لا، إنه لا يصلى نافلة في وقت فريضة، أ رأيت لو كان عليك صوم من شهر رمضان كان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني و ما كان يقايسني»
إذ هو مثل صحيحه المتقدم في ركعتي الفجر الذي قد عرفت تنزيله على غير الحرمة عند أكثر الأصحاب، و أن المقايسة تعليما لزرارة كيفية البحث معهم لو أرادوا إنكار المرجوحية، أو أرادوا لزوم الإتيان ببعض النوافل في أوقات الفرائض كنافلة الفجر، أو نحو ذلك، بل لعله هو ذلك الخبر، و رواه هؤلاء بالمعنى كما يومي اليه عدم وجوده في الكتب الأربع، فدعوى صراحة هذين الصحيحين في الحرمة من جهة المقايسة و التنظير بما هي معلومة فيه- بل في الرياض الإجماع عليها فيه على وجه لا يمكن حملها على الكراهة- في غاية الغرابة بعد أن وافق في ركعتي الفجر اللتين ورد فيهما أحد هذين الصحيحين على جواز وقوعهما بعد الفجر، خصوصا و المعلوم أن المراد بهذا القياس الذي بطلانه من ضروريات مذهبهم مجرد الإلزام به، و أن مقتضاه الحرمة على مذاقهم، بل لعل المراد التبكيت به في بادئ النظر، و إلا فالمقيس النافلة في وقت الفريضة الظاهرة في الحاضرة سيما مع قرينة السؤال، و المقاس عليه التطوع بالصوم لمن عليه قضاء شهر رمضان، و كان الذي ينبغي قياس الشق الأول من السؤال عليه، اللهم إلا أن يريد به من دخل عليه نفس شهر رمضان كما فهمه في الذخيرة مع حمل القضاء فيه على مطلق الفعل و التأدية على ما هو المعروف في النصوص لا المقابل للأداء المشهور في لسان المتشرعة، لكن فيه حينئذ أنه أيضا غير تام باعتبار عدم التمكن من الجمع بين النفل و الفرض في أيام شهر رمضان بخلاف ما نحن فيه من الصلاة، و من هنا يعلم كون المراد منه الإلزام في بادئ النظر، و الله أعلم.
ج7،
و سوى
موثق ابن مسلم(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال لي رجل من أهل المدينة: يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوع بين الأذان و الإقامة كما يصنع الناس؟
فقلت: إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع»
و هو- مع قراءة ما بعد «لا» فعلا لا اسما منصوبا كما يشهد له السياق- لا صراحة فيه بالحرمة، بل و لا ظهور، بل لو قرئ اسما كان المراد منه بمعونة السياق أيضا ذلك، مضافا إلى تعارف هذا التركيب في نفي الكمال، و إلى إرادته من دخول الوقت شروع المؤذن في الأذان، و هو لا يقول به الخصم، كما أنه لا يقول في شمول النهي لمثل الرواتب التي هي المراد على الظاهر بهذا الخبر قبل مضي أوقاتها، و ليس هو المانع هنا، بل شروع المؤذن في الأذان، مع أنه جعل الحد لركعتي الفجر في خبر إسحاق ابن عمار المتقدم(2)قول المؤذن: «قد قامت الصلاة» فتأمل جيدا. و سوى بعض النصوص(3)التي ستعرف حالها في التطوع لمن عليه فائتة.
و من ذلك كله يعلم الحال في
خبر أبي بكر(4)عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «إذا دخل وقت صلاة مفروضة فلا تطوع»
بل و
خبر أديم بن الحر(5)عن الصادق (عليه السلام) «لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت فريضة- إلى أن قال-: إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها»
إذ هما مع قصور سنديهما غير صريحين أيضا، فلا بأس بحمل النهي و الأمر فيهما و في غيرهما كصحيحي زرارة(6)أيضا المروية أحدهما في مستطرفات
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 52- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 8 و الباب 61 الحديث 3 من كتاب الصلاة.
ج7،
السرائر خصوصا بقرينة ما ذكرناه من الأدلة على الكراهة و الندب الذين هما من أشهر المجازات فيهما، بل ادعي مساواتهما للحقيقة، و يكون الحاصل ترجيح مراعاة فضل أول الوقت للفريضة الذي هو كفضل الآخرة على الدنيا، بل خير للمؤمن من ماله و ولده، بل لا يقابله شيء أبدا، مع أنه لا بدل له، إذ غيره إما أدنى منه فضلا، أو لا فضل فيه أصلا على النافلة التي لها بدل، و هو القضاء، بل لعله أرجح منها ببعض الاعتبارات التي لا تنافي قاعدة رجحان الأداء على القضاء، و لهذا أمر
أبو جعفر (عليه السلام) نجبة بهما(1)قال: «قلت له: تدركني الصلاة فأبدأ بالنافلة فقال: لا، و لكن ابدأ بالمكتوبة و اقض النافلة»
و لعل هذا و شبهه هو السر في النهي عن التطوع في أوقات الفرائض كما صرح به في الجملة موثق سماعة المتقدم(2)بل يومي اليه ظهور نصوص المنع أو أكثرها في إرادة الوقت الفضيلي من وقت الفريضة لا ما يشمل الاجزائي، و هو مضعف آخر لدلالتها على ما يقول الخصم.
بل قد يومي اليه زيادة على ذلك و على خبر نجبة المتقدم آنفا
خبر زياد بن أبي عتاب(3)قال: «سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها، فلا يضرك أن تترك ما قبلها من النوافل»
إذ الظاهر منه إرادة إمكان جبر ضرر الترك بالقضاء، بخلاف عدم البدأة بالمكتوبة في أول الوقت، فإنه ضرر لا جابر له، بل لعل في هذا التعليل في الخبر المزبور إشعارا أيضا بالمختار، بل ما
عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(4)في النهج «لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض»
و
قوله (عليه السلام)(5)أيضا: «إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها»
مبني على ذلك أو نحوه.
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
فمن العجيب بعد ذلك كله المبالغة في الإنكار من فاضل الرياض لهذا القول، فتارة بدعوى الإجماع الممنوع أشد المنع عليه على خلافه، مع أنه لم يدعه أحد قبله، نعم ظاهر المعتبر نسبته إلى علمائنا مشعرا به، مع أن الظاهر عدم إرادته منه ذلك، بل مقصوده ذكر الشيخين و ابني حمزة و إدريس إياه، كما حكى عنهم غيره ذلك أيضا، و زاد نسبته له و للفاضل في أكثر كتبه، و من المعلوم عدم بلوغ ذلك حد الشهرة فضلا عن الإجماع كما هو واضح، و أخرى بحمل نصوصه على التقية مستنبطا لها من صحيحي المقايسة(1)و موثق ابن مسلم(2)المتقدمة التي هي في غاية البعد بالنسبة إلى أخبارهم كما اعترف هو بذلك في ركعتي الفجر، و أنها لا ترتكب إلا عند الضرورات، مع إمكان دعوى قرائن هنا تنفيها أيضا، و أنهم (عليهم السلام) لم يستعملوا التقية كما أومأ إليه موثق ابن مسلم المزبور، إما لظهور القياس الذي يمكن أن يفحم به الخصم أو لغيره، على أنه يمكن كون مذهبهم في ذلك الجواز من غير كراهة، و أنه لا فرق بينهما في وقت الفريضة و عدمها، فتأبى حينئذ الحمل عليها، ضرورة صراحة بعضها و ظهور آخر بخلافه، و ثالثة بدعوى القصور في أسانيد البعض الذي هو غير قادح مع التعاضد المزبور و كفاية البعض الآخر، و رابعة بدعوى عدم مقاومتها لأدلة المنع من وجوه كالشهرة و نحوها، و قد عرفت أنها أولى منها بعدم المقاومة من وجوه لا تخفى عليك بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا أو بعضه، لا أقل من اقتضاء العمل بتلك طرح هذه أو كالطرح بخلاف العكس، فإن الكراهة مجاز شائع.
كما أنه لا يخفى عليك أولوية جواز التطوع لمن عليه فائتة بناء على المواسعة من
ج7،
الحاضرة، بل لعل الجواز ظاهر المتن و القواعد، بل صرح به الصدوق في ركعتي الصبح الفائتة مع الفريضة، بل حكاه في الذخيرة عن ابن الجنيد و الشهيدين، بل لعله ظاهر الكليني أيضا و غيره ممن روى أخبار نوم النبي (صلى الله عليه و آله)، خصوصا مع قوله كالصدوق فيما حكي عنهما أن الله أنام النبي (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح رحمة للأمة، بل لعله ظاهر الأكثر أيضا كما اعترف به في كشف اللثام، حيث اعتبروا في الرخصة عدم دخول وقت الفريضة الذي هو ظاهر في الحاضرة، بل لعل أكثر النصوص كذلك، فيستفاد منها حينئذ و لو بالمفهوم جوازه في غيرها، مضافا إلى بعض الأدلة التي مرت عليك سابقا، كعمومات القضاء في أي ساعة و غيرها، و إلى خصوص
خبر أبي بصير(1)سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس فقال: يصلي الركعتين ثم يصلي الغداة»
و الأخبار(2)المشتملة على رقود النبي (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح و نافلتها، و أنه قضاهما مقدما للنافلة على الفريضة، سيما
صحيح زرارة(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) منها المشتمل على قصته مع الحكم ابن عتيبة و أصحابه، و أنه لما ذكر له قضاء النبي (صلى الله عليه و آله) كذلك قال له:
نقضت حديثك الأول مشيرا به إلى ما رواه زرارة لهم أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة» فحكى ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقال له: «أ لا أخبرتهم أنه قد فاته الوقتان جميعا، و أن ذلك كان قضاء من رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و المناقشة في هذه الأخبار باحتمال كون الركعتين اللتين صلاهما النبي (صلى الله عليه و آله)
ج7،
فريضة فائتة لا نافلة، و بمنافاتها لمرتبة النبوة يدفعها ظهور بعضها أو جميعها بل صراحة آخر في التطوع، و عدم إحاطة العقل بحكم ذلك و مصالحه، و قد ذكرنا بعض الكلام فيه في باب القضاء، و لعله لذا لم أقف على راد لها من هذه الجهة كما اعترف به في الذكرى، و نحوها المناقشة فيه و في سابقه أيضا باحتمال حملها على منتظر الجماعة المغتفر له ذلك بالنسبة إلى الحاضرة فضلا عن الفائتة، ضرورة عدم إشعار في خبر أبي بصير بذلك، بل لعل ظاهره خلافه، لعدم تعارف انعقاد الجماعة للقضاء، خصوصا عند طلوع الشمس، و التأخير في هذه النصوص من النبي
(صلى الله عليه و آله) لا من المأمومين، و في استحبابه لانتظار الجماعة كالمأمومين نوع تأمل و إن نص عليه بعضهم فيما يأتي، إلا أنه على كل حال فالتأخير في نفسه مستحب، و هو غير التنفل، كما هو مضمون هذه النصوص، بل في بعضها انه هو (صلى الله عليه و آله) أمرهم بصلاة الركعتين، لكن في الرياض بعد أن اعترف أن ظاهر النافع و غيره من الجماعة الجواز قال: «إن الأشهر الأظهر عدم الفرق و انه يحرم عليه أيضا ذلك- إلى أن قال-: و بالجملة لم يعرف قائل بالفرق بين المسألتين فيما أجده» و فيه أنه و إن كان المتجه على مذهبه من المضايقة عدم الجواز، بل و أولى من الحاضرة، إلا أن ظاهر دعواه عدم الفرق، و الفارق بين المسألتين حتى على المواسعة تبعا للشهيد الثاني في الروض محل منع، و إن كان القول بعدم الجواز أيضا من القائلين بعدمه في الحاضرة ممكنا أيضا، بل حكى عن النهاية و المنتهى و التذكرة التصريح به، بل عن حواشي الشهيد في بحث القضاء سأله أي فخر المحققين على الظاهر هل هنا خلاف أي في عدم جواز النافلة لمن عليه فريضة؟ فقال: لا، لعموم لا صلاة لمن عليه صلاة، بل عن جماعة كثيرين التصريح أيضا في بحث القضاء بأن من تلبس في نافلة ثم ذكر أن عليه فريضة أبطلها و استأنف، بل قيل: إنه يظهر من القواعد الإجماع على ذلك.
ج7،
و لعله يومي إلى المنع أيضا صحيح زرارة(1)المشتمل على المقايسة، بل قد يدعى إيماء الجواب فيه إلى تناول لفظ وقت الفريضة للفائتة أيضا، و
خبر آخر(2)له أيضا «لا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة كلها»
و
المرسل(3)«لا صلاة لمن عليه صلاة»
و
خبر يعقوب بن شعيب(4)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، أ يصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلي حين يستيقظ، قال: يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال: يبدأ بالفريضة»
لكن قد عرفت الكلام في صحيح زرارة، بل قد عرفت إمكان اختصاص الثاني منهما فضلا عن الأول بالحاضرة كما مال إليه في الذخيرة، قال: و قوله فيه: «عليَّ فريضة» و إن كان ظاهره عموم القضاء و الأداء لكن وقوع الرواية على هذا الوجه غير معلوم لمكان الترديد، و على هذا يكون المراد من شهر رمضان الأداء و إن كان فيه نظر واضح، لظهوره في أن «أو» فيه لتقسيم المسؤول عنه لا للترديد في السؤال، فالأولى حينئذ دعوى اختصاص الجواب بالحاضرة كما سمعته منا سابقا، و أما خبره الآخر فمع معارضته بغيره، خصوصا ما دل على افتتاح القضاء بركعتين تطوعا ك موثق سماعة(5)المتقدم سابقا، و جريان بعض ما ذكرنا في الحاضرة فيه يمكن إرادة الفعل من لفظ القضاء فيه، كما أنه يمكن حمل النفي فيه على إرادة الكمال من جهة شدة استحباب المبادرة إلى الفائتة.
و منه يعلم الحال في المرسل الذي بعده، سيما مع عدم القائل بعمومه، و طعن فيه في الروض بأنه لم يثبته الأصحاب من طريقهم، و انما أورده الشيخ في المبسوط و الخلاف
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 المستدرك- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 35- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
و لم يذكره في كتابي الأخبار، بل و يعلم الحال أيضا في خبر يعقوب بن شعيب، و لا ينافيهما وقوع ذلك من النبي (صلى الله عليه و آله)، ضرورة اختلاف ذلك باختلاف المرجحات، فتارة يرجح مثلا المبادرة، و أخرى التطوع لمكان انتظار الجماعة مثلا، أو غيرها من المرجحات الأخر، و على هذا يمكن التوقف في الكراهة هنا فضلا عن أصل الجواز، و إن ذكرها غير واحد من الأصحاب حملا لهذا النهي و النفي عليها، إلا أنه يمكن استفادة عدمها من صحيح زرارة المشتمل على قصة الحكم بن عتيبة، ضرورة ظهور كلام الامام (عليه السلام) بل صراحته في عدم اندراج حكم الفائتة في الحاضرة، و الفرض أن حكمها الكراهة على المختار، فليس إلا نفيها هنا، كي يتجه الفرق بينهما، إذ احتمال الشدة و الضعف في غاية البعد، و الأمر سهل، خصوصا في مثل هذه الكراهة المتعلقة بالعبادة، هذا.
و ينبغي القطع بانتفائها فضلا عن الحرمة في التطوع لمن كان عليه قضاء للغير بإجارة، لانصراف الأدلة عدا المرسل الذي لم يجسر على الفتوى بمجرده إلى غيره، خصوصا بعد ما عرفت من شدة المبالغة في أمر التطوع و الحث عليه، على أن مقتضاه ذلك أيضا في كل من اشتغلت ذمته بصلاة بنذر أو أمر سيد أو والد أو إجارة على عمل اشترطت صحته بها، أو تعارف دخولها فيه، أو غير ذلك، و هو في غاية الإشكال، خصوصا إذا أريد من الصلاة المنفية ما يشمل الرواتب في مواقيتها، اقتصارا فيها على مزاحمتها لخصوص فرائضها دون غيرها، و الاعتماد في جميع ذلك على عموم مثل هذا المرسل كما ترى، بل هو أشبه شيء بدعوى جريان جميع ما ذكرناه من البحث في غير الصلاة من التطوعات مما هو معلوم خلافه، اعتمادا على نفيه الشامل لجميع الأفراد في وقت الفريضة.
نعم لا ينبغي الفرق في الحكم المزبور كراهة أو تحريما بين ذوات الأسباب و غيرها كما صرح به في الروضة، و لا بين الرواتب و غيرها كما صرح به في غيرها إلا
ج7،
في الوقت الذي اقتطعه الشارع لها من وقت الفريضة، لتواتر الأخبار(1)به بل كاد يكون من الضروريات، و لعله هو الذي يريده البعض في استثناء الرواتب من هذا الحكم لا مطلقا، ضرورة صيرورتها في غيره قضاء، فيندرج في تلك الأدلة المزبورة السالمة عن المعارض المذكور فيه، بل في كثير منها أو بعضها إرادة الرواتب، و إلا كان من الأقوال الغريبة، و ما أبعد ما بينه حينئذ و بين ما يحكى عن البعض هنا من ترجيح فعل الفريضة في أول الوقت على فعل النافلة، تمسكا ببعض النصوص(2)السابقة الآمرة بفعل الفريضة فيه و قضاء النافلة بعد ذلك و إن اشتركا معا في الغرابة، أما الأول فلما عرفت، و أما الثاني فلتواتر النصوص(3)عنهم (ع) فعلا و قولا بخلافه، كالسيرة القطعية و فتاوى علماء الملة الحنيفية، فيكون المراد حينئذ من أول الوقت المزبور بالنسبة إلى المتنفل ما بعد وقت النافلة كالذراع و الذراعين و نحوهما، و الله أعلم.
و لو نذر التطوع أو وجب عليه بسبب من الأسباب خرج عن موضوع المسألة، لتغير الوصف الذي هو المدار، إذ احتمال الاكتفاء بما كان عليه قبل الوصف من التطوع في غاية البعد، نعم ينبغي تقييد النذر مثلا بما إذا لم يقيده في وقت ما هو متلبس به من الحاضرة أو الفائتة، بل نذره مطلقا و إن كان قد صدر النذر منه في وقت خطابه بهما إلا أنه أوقعه مطلقا، و احتمال الاجتزاء به حتى مع التقييد المزبور لتغير الوصف أيضا يدفعه منع تأثير النذر لزومه كي يتبدل الوصف، لاشتراطه بالمشروعية قبل النذر، و هي مفقودة في المقيد ضرورة بناء على الحرمة، فتأمل جيدا.
ج7،
و أما النظر في أحكامها أي المواقيت الذي هو أحد شقي المقدمة الثانية ففيها مسائل
قد تقدم الكلام مفصلا في باب الحيض في معظم ما يتعلق ب الأولى و هي إذا حصل للمكلف أحد الأعذار المانعة من التكليف ب الصلاة كالجنون و الحيض و الإغماء و نحوها و قد مضى من الوقت مقدار أقل الواجب من الطهارة المكلف بها في مثل ذلك الوقت خاصة أو هي مع سائر الشرائط و مقدار أداء الفريضة (11) كذلك و لم يكن قد فعل وجب عليه قضاؤها (12) بلا خلاف و لا إشكال و يسقط القضاء إذا كان دون ذلك على الأظهر (13) الأشهر، بل المشهور بل المجمع عليه نقلا إن لم يكن تحصيلا، خلافا للمحكي عن ظاهر ابني الجنيد و بابويه و المرتضى، و لا فرق في ذلك بين أول الوقت و أثنائه بمعنى أنه لو أفاق المجنون مثلا في الأثناء ثم جن أو أغمي عليه في الوقت اعتبر في وجوب القضاء عليه اتساع زمن الإقامة لإدراك الصلاة و الطهارة أو سائر الشرائط و لو زال المانع فإن أدرك (14) من آخر الوقت ما يسع الطهارة (15) خاصة أو مع سائر الشرائط على القولين و (16) مسمى ال ركعة من الفريضة (17) الذي يحصل برفع الرأس من السجدة الأخيرة على الأصح كما تسمع الكلام فيه في مبحث الخلل من الكتاب لزمه أداؤها (18) و فعلها لعموم «من أدرك» و غيره مما هو مذكور في باب الحيض، فلاحظ و يكون (19) بذلك مؤديا (20) لا قاضيا و لا ملفقا على الأظهر (21) الأشهر بل المشهور، بل عن الخلاف الإجماع عليه، و هو الحجة بعد كون الصلاة على ما افتتحت عليه، و بعد وجود خاصية الأداء فيه. ضرورة ظهور نص إدراك الركعة و غيره مما دل على الحكم المزبور في ذلك، أقصاه صيرورة الخارج وقتا اضطراريا، و في أنه بمنزلة الاختياري المقتضية بإطلاقها المشاركة في الأحكام التي منها نية الأداء، و إنكار ظهور النص المزبور فيما ذكرنا مكابرة، بل يكفي فيه أن إدراك القضاء لا يشترط فيه إدراك
ج7،
الركعة، و أن أخبار القضاء(1)لا تشمله، بل و لا صالحة لتناوله بالخصوص، كما يشهد له القطع حتى من الخصم بعدم جريان جميع أحكام القضاء عدا النية عليه أو أكثرها، بخلاف ما لو أدرك أقل من ركعة فإنها جميعها من الترتيب على الفائتة السابقة و غيره جارية عليها، إذ لا خلاف عندنا كما في كشف اللثام في كونها حينئذ قضاء.
خلافا للمحكي عن المرتضى فقضاء، لأن خروج الجزء يوجب خروج المجموع، و لأن الركعة المدركة وقعت في وقت الركعة الثانية عند التحليل، و لصدق عدم فعلها في الوقت مع ملاحظة التمام، بل بها يصدق الفوات أيضا، و للمحكي عن غيره فركبها منهما، نظرا إلى كونها كذلك في الواقع، فهو مقتضى العدل فيها، فيجدد النية حينئذ في الركعة الثانية، أو يكتفي بالتوزيع في ابتداء النية، و هما معا ضعيفان، لما عرفت من ظهور الأدلة في أن دخول هذا الجزء موجب لدخول الجميع لا العكس، و الأولى و الثانية وقعتا في الوقت و ما هو بمنزلته شرعا، فلا يقدح الصدق المزبور بعد كون المراد منه الوقت حقيقة لا ما يشمل ما كان بمنزلته، و إلا كان كاذبا، و من ذلك ظهر فساد التلفيق المزبور، بل يمكن دعوى عدم مشروعية مثله، ضرورة كون المستفاد من الأدلة إما قضائية و إما أدائية، لكن يسهل الخطب في ذلك عدم فائدة معتد بها عدا الالتزام بيمين و نحوه معلقا على الأداء و القضاء، إذ التعرض في النية لأحد الأمرين غير واجب عندنا، و ترتب الفائتة السابقة عليها كما في كشف اللثام و الذكرى و حواشي الشهيد الثاني على القواعد مقطوع بعدمه و إن قلنا إنها قضاء، للإجماع كما في المدارك على تقديم المدرك من وقتها ركعة عليها على كل حال.
و حينئذ ف لو أهمل و لم يفعل مع الإدراك المذكور و لم يطرأ في الوقت المسقط من الجنون أو الحيض قضى واجبا على الأقوال الثلاثة، و وجهه واضح،
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب قضاء الصلوات من كتاب الصلاة.
ج7،
و لو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف الليل إحدى الفريضتين لزمته تلك لا غير لاستحالة التكليف بهما معا في وقت لا يسعهما، و لأن المختار عندنا اختصاص الوقت من الأخير في الأخيرة، فلو أدرك قبل الغروب مقدار أربع ركعات خاصة في الحضر أو ركعتين في السفر وجبت العصر خاصة عندنا، و هو مع وضوحه منصوص(1)و للشافعي فيما حكي عنه قول بوجوبهما إذا أدرك ركعة من العصر، و آخر إذا أدرك ركعة و تكبيرة، و آخر إذا أدرك الطهارة و ركعة، و الكل باطل عندنا و إن كان ربما توهم بعض النصوص(2)وجوبهما بإدراك شيء من اليوم، و حملت على إدراك وقتهما، و كان إطلاق المصنف إحداهما ظاهر في القول بالاشتراك، بناء على مشروعية التخيير له بين الفرضين على هذا التقدير، إلا أن يريد إحداهما المعينة، لكن هي الأولى على الاشتراك كما جزم به في المدارك لسبقها، و توقف صحة الثانية عليها عند التذكر، و الثانية على الاختصاص، فالإطلاق حينئذ يتأتى على المذهبين.
و إن أدرك الطهارة و خمس ركعات قبل المغرب لزمته الفريضتان لعموم(3)
«من أدرك»
و غيره مما مر في باب الحيض، لكن مقدار الأربع من الخمس في الأصل للظهر، أو مقدار ما عدا الأولى للعصر و إن زاحمها الظهر فيها وجهان كما في القواعد و غيرها من الخلاف السابق، إذ على القول بأداء الجميع يكون مقدار ثلاث وقتا اضطراريا للظهر، و على الآخرين للعصر، قيل: و تظهر الفائدة في المغرب و العشاء، فعلى الأول يجبان معا لو أدرك أربع ركعات من الانتصاف كما عن بعض العامة التصريح به، مخرجا له على أنه إذا أدرك خمسا من الظهرين مثلا تكون الأربع للظهر لسبقها، و وجوب تقديمها عند الجمع، و لأنه لو لم يدرك سوى ركعة لم يجب الظهر، و لو أدرك أربعة معها
ج7،
وجبت، فدل على أن الأربع لها، و عارضوه بأن الظهر هنا تابعة للعصر في الوقت و اللزوم، فإذا اقتضى الحال إدراك الصلاتين وجب أن يكون الأكثر في مقابلة المتبوع و الأقل في مقابلة التابع، فيكون الأربع للعصر.
و لا يخفى عليك أن هذه الخرافات لا تناسب مذهب الإمامية المهتدين بأنوار الأئمة الهداة (ع)، و كان الحري بأصحابنا عدم ذكرها منسوبة إليهم في كتبهم فضلا عن ذكرها فيما لهم من الاحتمالات، أما أولا فلأن ما دل على اختصاص العصر بأربع للحاضر مثلا يجب أن لا يخرج ذلك الوقت عن الوقتية باعتبار ما، و وقوع شيء من الظهر فيه لا يصيره وقتا له، كما في ثلاث العصر و واحدة الصبح بعد طلوع الشمس، ففي الفرض أدرك ركعة من آخر وقت الظهر فاستتبعت ثلاثا من وقت العصر، لقوله (عليه السلام): «من أدرك» كما أن العصر استتبعت ثلاثا من وقت المغرب لذلك و لعله هو الذي يريده في المدارك بقوله: «إن الحكم بتقديم الأولى يستدعي كون ذلك القدر من الزمان الواقعة فيه وقتا لها قطعا، و إن كان بعضه وقتا للعصر لولا إدراك الركعة، لا أنه يريد كون مقدار الأربع للظهر مثلا محافظة على الوقت المضروب لها شرعا، إذ التحقيق كما عرفت أن الأربع الأخيرة للعصر و إن زاحمها الظهر بثلاث منها، فصار في حكم وقتها، مضافا إلى نصهم (عليهم السلام)(1)على ذلك فيه في العشاء، و منه يستفاد اختصاص العصر بها أيضا، مع أنه منصوص(2)أيضا.
و أما ثانيا فلأنه لو سلمنا أن الأربع للظهر مثلا فلا ريب أيضا في اشتراطه ببقاء ركعة، أما في مثل أربعة العشاء فلم يبق للمغرب شيء كي يحتمل كون الثلاث لها، نعم بناء على اشتراك الوقت يمكن دعوى وجوبهما معا حينئذ، لتمكنه منهما معا أداء على
ج7،
المختار و عدمه(1)و إن بقي الاشتراك، لأنهما إن صليتا صار العشاء قضاء أو مركبة أو مؤخرة إلى الوقت الاضطراري اختيارا، و لا ريب في حرمته، و احتمال أن التأخير اضطراري، لمكان المغرب الذي يجب على المكلف أداؤها مع إمكانه يدفعه أنه لا دليل على وجوبها في هذا الحال كي يكون عذرا في التأخير، لعدم اندراجه في عموم «من أدرك ركعة» قطعا و فيه أنه يكفي دليل أصل وجوبها سابقه على العشاء مع صلاحية الوقت بل يمكن دعوى وجوبها دون العشاء بناء على الاشتراك فيما لو بقي ركعة فضلا عن الأربع، فالمتجه حينئذ عليه وجوب الفرضين دون الاختصاص، فبناء المسألة على ذلك أولى من بنائها على ما عرفت.
و أما ثالثا فلعدم التلازم بين القول بالأدائية و بين القول بكون الأربع للظهر أصالة، إذ هي تأتي على ذلك و على كونه بمنزلة الوقت شرعا، كما أنه لا تلازم بين القول بالقضائية أو التركيب و بين القول بكونها للعصر أصالة، إذ لعله يخص ذلك في المدرك خمسا بالأخيرة التي صار إدراك وقتها بسبب الركعة، لا الأولى التي أوجبها أصل الأمر بها دون إدراك ركعة من وقتها، فيكون اختصاص العصر عنده بالأربع إذا بقي من الوقت مقدارها خاصة، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
المسألة الثانية الصبي المتطوع بوظيفة الوقت بناء على شرعية أفعاله إذا بلغ في أثناء صلاته أو بعد الفراغ منها بما لا يبطل الطهارة كالسن و الوقت الذي يتمكن من أداء الفعل فيه و لو اضطرارا باق استأنف صلاته على الأشبه الأشهر، بل في المدارك نسبته إلى خلاف الشيخ و أكثر الأصحاب، للعمومات التي لم يخرج عن مقتضاها بفعله الأول الذي هو مقتضى أمر آخر غيرها، ضرورة عدم كون المراد بشرعية أفعاله أن الأمر في قوله تعالى(2)«أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* و نحوه
ج7،
مما هو ظاهر في المكلفين مراد منه الندب بالنسبة اليه، و إلا كان مستعملا في الحقيقة و المجاز، بل المراد استحباب متعلقة بأمر آخر غيره، فيكون اللذان تواردا على الصبي في الفرض أمرين ندبيا و إيجابيا، و من المعلوم عدم إجزاء الأول عن الثاني، بل لو كان حتميا كان كذلك أيضا، لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب، خصوصا في مثل المقام الذي منشأ التعدد فيه اختلاف موضوعين، كل منهما تعلق به أمر، و هما الصبي و البالغ، فما يحكى عن ظاهر المبسوط من الاجتزاء بالإتمام عن الاستيناف ضعيف جدا.
و أضعف منه احتجاجه له في المختلف بأنها صلاة شرعية يجب إتمامها للآية، و إذا وجب سقط الفرض بها، لاقتضاء الأمر الاجزاء، و فيه أولا إمكان منع شرعيتها باعتبار كون المصحح لها سابقا أنها نافلة و قد انقطع ذلك هنا، ضرورة دوران نفليتها على الصبا، فشرعيتها حينئذ بالنسبة إلى ذلك كتمرينيتها تنقطع بالبلوغ، و إن احتمل المحقق الثاني و تبعه غيره إتمامها على التمرينية أيضا عند عدم معارضة الصلاة لها، نظرا إلى أن صورة الصلاة كاف في صيانتها عن الابطال، و إلى أنها افتتحت على حالة لم يتحقق الناقل عنها كما هو الفرض، فيستصحب ما كان، و
افتتاحها غير مندوبة لا ينافي إتمامها مندوبة بعد أن كان المانع من ندبيتها قبل عدم التكليف، و قد زال ببلوغه، و صار التمرين ممتنعا، فإتمامها لا يكون إلا مستحبا، و هو كما ترى، و ثانيا إمكان منع عموم الآية للنافلة لما ستعرفه من النزاع فيه في محله، و ثالثا إمكان منع إنه إبطال، بل أقصاه كونه بطلانا، و رابعا أن امتثال الأمر يقتضي الاجزاء عن خصوص الأمر بالإتمام لا أمر الصلاة، و هما متغايران قطعا.
فالأولى الاستدلال له بما أومأنا إليه سابقا من إمكان دعوى اتحاد المكلف به و ان اختلفت صفته في الوجوب و الندب في الحالين، و إن كان هو ممنوعا عليه كما عرفت، و بالحمل على من بلغ في الحج قبل الموقف و إن كان هو قياسا على المنصوص، مع الفارق
ج7،
من الإجماع و الحرج و انفراد كل من الأفعال بالحج، و لذا يجب انفراده بنية، و عليه لا فرق حينئذ بين الأثناء و ما بعد الفراغ، بخلاف ما ذكره العلامة دليلا و ما ذكرناه نحن ثانيا، فإنه خاص بالأول، لكن يسهل الخطب في ذلك ضعف هذا الخلاف، بل لعل الشيخ غير مخالف، إذ لم يحك عنه سوى إيجاب الإتمام على البالغ في الأثناء، و هو كما ترى أعم من ذلك، اللهم إلا أن يكون أوجب الإتمام عليه و إن اقتضى عدم التمكن بعد من الاستيناف لضيق الوقت، إذ لا يتم حينئذ إلا على الاجتزاء به عن الاستيناف، مع إمكان دعوى أن الإتمام للنهي عن الابطال لا للاجتزاء، أقصاه دوران الأمر عند البلوغ بين قطع ما هو متلبس به من النافلة، و الفرض حرمته، و بين ترك الصلاة، و لا ريب في تعين الثاني عليه، لاشتراط وجوبها بالتمكن المفقود، إذ الممنوع شرعا كالممنوع عقلا، اللهم إلا أن يقال إن امتناع الصلاة عليه موقوف على النهي عن الابطال سابقا على فعل الصلاة، و ليس، ضرورة اتحاد زمان توجه الأمر و النهي إليه بالبلوغ الذي هو سبب تعلق هذه الخطابات و نحوها به، فمقتضى القاعدة التخيير إن لم يحصل إمارة معتد بها شرعا تعين أحدهما، و لعلها هنا بالنسبة إلى الصلاة، نظرا إلى الأهمية و غيرها، و إلا فالتخيير، لكنه عند التأمل مما يقتضي وجوده عدمه، إذ متى فرض جواز قطع النافلة له وجبت الصلاة، لعدم المانع حينئذ، إلا أن يكون المراد بالتخيير ما هو في التكليف لا المكلف به، بناء على عدم حصر ذلك في تعارض الأخبار خاصة، بل هو كتخيير الحائض في تحيضها بالسبعة و الثلاثة مثلا من الشهرين، أو يقال إن التخيير ما أثبتناه إلا بعد رفع مقتضى كل من الأمر و النهي مما تضادا فيه، فالإذن بالقطع ثبت مع الاذن بترك الصلاة دفعة، فان اقتضى ذاك وجوب الصلاة فليقض الاذن بتركها تعين وجوب الإتمام، لعدم المقتضي حينئذ للقطع، و لتمام البحث في المسألة و نظائرها مقام آخر، لكن على كل حال ليس في المحكي عن الشيخ تصريح بالاجتزاء،
ج7،
بل و لا ظهور، كما أنه لا ظهور في الأمر بالاستيناف بمجرده من المصنف و الفاضل و غيرهما بالقطع مع السعة، بل و لا مع الضيق، بل أقصاه بيان عدم الاجتزاء بفعله عن الإعادة مع التمكن و لو بإدراك ركعة مع الطهارة مثلا.
نعم قد يستفاد ذلك من قول المصنف و إن بقي من الوقت دون الركعة بنى على نافلته وجوبا على المحكي عن المبسوط، لأنها الصلاة عنده، أو على القول بحرمة قطع النافلة بناء على أنها نافلة و إن بلغ في أثنائها، و ندبا بناء على عدم الحرمة، أو على التمرينية في وجه سمعته من جامع المقاصد و غيره فيما تقدم و على كل حال إلا على المحكي عن المبسوط لا يجدد نية الفرض حيث حصر البناء على النافلة الذي هو بمعنى عدم القطع فيما لو بقي دون الركعة، و مقتضاه عدم البناء عليها إذا كان الباقي ركعة مثلا، و هو عين ما ذكرناه من مسألة التعارض، و يكون اختياره القطع حينئذ ترجيحا للأمر بالصلاة على النهي عن الإبطال، أو لعدم حرمة قطع النافلة، أو لأن ضيق الوقت يكشف عن وقوع النافلة في غير وقتها، فيكون عدم انعقاد أصلا لا بطلانا فضلا عن الابطال، كمن ظن سعة الوقت من المكلفين فشرع في نافلة ثم تبين له في أثنائها ضيق الوقت، فإنه لا ريب في وجوب الشروع في الصلاة عليه، كما أنه لا ريب في عدم كونها من موضع التعارض، لكن قد يناقش في الأخير بوضوح الفرق بين المكلف المشتبه و بين من حدث تكليفه الذي لا اشتباه فيه و لا تبين خطأه.
ثم لا يعتبر في الاستيناف أزيد من إدراك الركعة إذا فرض إحرازه الطهارة كما عن التذكرة التصريح به هنا، أو هي مع باقي الشرائط على القول الآخر، و لا يجب عليه استيناف الطهارة بناء على المعنى المعروف من شرعية عباداته، لارتفاع الحدث بالطهارة المندوبة عندنا كالواجبة، نعم هو متجه بناء على التمرين، لعدم تأثيرها حينئذ،
ج7،
و لعله لذا اعتبر في كشف اللثام سعة الوقت لإدراك الركعة و الطهارة و إن كان متطهرا سابقا، وفاقا لما حكاه عن البيان و الذكرى و التحرير و المنتهى و جامع المقاصد و غيرها، كما أن القول بالاستيناف متجه عليه أيضا، سواء في ذلك الأثناء أو ما بعد الفراغ، بل و على الشرعية أيضا لو كان البلوغ في الأثناء بما هو مبطل كالانزال، و الوجه في الجميع واضح، كوضوح مساواة الصبية للصبي في ذلك كله، و الله أعلم.
المسألة الثالثة إذا كان له طريق إلى العلم بالوقت مشاهدة كان أو غيرها لم يجز التعويل على الظن لأصالة حرمة العمل به حينئذ المشهورة في ألسنة العلماء المستفادة من النهي عن اتباعه كتابا(1)و سنة(2)و غيره، و إليها أشار الطباطبائي بقوله في منظومته:
و كل من أمكنه العلم فلايبن على الظن لأصل أصلا
و لتوقف نية القربة و البراءة عن الشغل و الحكم باندراجه في المطيعين الممتثلين لأوامر رب العالمين و أوليائه الغر الميامين (ع) عليه، و للإجماع المحكي على لسان غير واحد إن لم يكن المحصل المعتضد بالشهرة العظيمة، بل بعدم الخلاف فيه فيما أجد كما اعترف به غير واحد أيضا سوى ما يحكى عن ظاهر الشيخين من إطلاق الاجتزاء به، مع أن المنساق منه حال عدم التمكن، بل إطلاق المفيد منهما غير مساق لذلك، كما أن إطلاق الطوسي في نهايته التي هي غالبا متون أخبار و غير معدة للفتوى ظاهر في إرادة بيان انحصار صحة الصلاة في العلم و الظن، و أنها بدونهما لا تصح و إن كان اعتبار الثاني إذا لم يتمكن من الأول، لا أنه يكفي الحاصل منهما على كل حال، و لتظافر النصوص(3)
ج7،
أو تواترها بالمحافظة على معرفة المواقيت و ملاحظتها و كيفية معرفتها و طرق العلم بصيرورتها على وجه ظاهر في إرادة العلم بصيرورتها، بل هو صريح بعضها، خصوصا الوارد في الفجر و الزوال الناهي عن الصلاة قبل التبين(1)، كالآية(2)الذي هو بمعنى العلم، بل لعل الآية شاهدة بضميمة عدم القول بالفصل بين الصوم و الصلاة في ذلك، و لإشعار موثق سماعة(3)الآتي به أيضا، و ل
خصوص خبر علي بن جعفر(4)عن أخيه (عليهما السلام) «في الرجل يسمع الأذان فيصلي الفجر و لا يدري أ طلع الفجر أم لا غير أنه يظن لمكان الأذان أنه طلع قال: لا يجزيه حتى يعلم أنه طلع»
إلى غير ذلك مما يعسر حصره.
فما عساه يستفاد من إطلاق بعض نصوص(5)الديكة و المؤذنين، و خبر إسماعيل بن رياح (6)من الاجتزاء به مطلقا يجب تقييده بعدم التمكن، لما سمعت و تسمع، و إن تردد في الذخيرة في المسألة ل
خبر ابن رياح(7)عن الصادق (عليه السلام) الذي لم يسق إطلاقه لذلك، قال: «إذا صليت و أنت ترى أنك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك»
بل مع التأمل لا ظهور فيه أصلا، ضرورة صدقه في صورة كفاية الظن، فلعل المراد بيان حكمه، نعم ربما كان فيه إشعار ضعيف لا يعبأ به هنا قطعا، بل ربما يسلم إذا لم يكن صورة للظن معلومة الجواز، و إلا كانت هي المنساقة من مثل هذا الإطلاق، فدعوى إرادة الظن حينئذ من لفظة «ترى»
1) 1 الوسائل- الباب- 58- من أبواب المواقيت- الحديث 2 و 3 من كتاب الصلاة.
2) 2 سورة البقرة- الآية 183.
3) 3 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 58- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت- و الباب 3 من أبواب الأذان و الإقامة من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 25- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 25- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
لكونه معناه أو لعدم انطباق الحكم المزبور في الخبر إلا عليه غير مجدية، و كذا تردده فيها في أول كلامه في التعويل على أذان الثقة الذي يعرف منه الاستظهار، بل لم يستبعده بعد ذلك، كما أنه جزم به في المعتبر، لأن الغرض من شرعيته الاعلام، و ل
قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح(1): «صل الجمعة بأذان هؤلاء، فإنهم أشد شيء مواظبة على الوقت»
و
خبر محمد بن خالد القسري(2)قال له أيضا: «أخاف أن أصلي الجمعة قبل أن تزول الشمس، فقال: انما ذلك على المؤذنين»
و
قول علي (عليه السلام) في خبر الهاشمي(3): «المؤذن مؤتمن»
كالنبوي(4)«المؤذنون أمناء»
و إيماء النهي(5)عن الاعتماد على أذان ابن أم مكتوم، و الأمر به على أذان بلال، و غير ذلك.
لكن الاعتماد عليها- مع ما في سند بعضها، و عدم اشتمال شيء منها على تمام ما ذكراه، بل في بعضها ما يخالفه، و معارضتها بخبر علي بن جعفر المتقدم و غيره من تلك الأدلة المعتضدة بما سمعت من اتفاق الأصحاب نقلا إن لم يكن تحصيلا، و احتمالها العذر و حصول العلم به، خصوصا إذا كان المراد منه الاطمئنان التام المسمى عند أهل العرف بالعلم، و من الصلاة بسماعه التهيؤ لها بفعل الوضوء و نحوه مما يقطع الإنسان بدخول الوقت بعد فعله، ضرورة كون السبق إن كان فهو قليل جدا، و لعل هذا هو المراد بالإعلام المقصود من شرعية الأذان، أو المراد التنبيه لذوي الأعذار أو لمراعاة الوقت لغيرهم- مما لا يليق بالفقيه الماهر.
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 و 3 و 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
ثم لا يخفى ظهور بعض هذه النصوص في الاكتفاء به في الزوال، أو هو مع العصر، و لعله لغلبة كون المؤذنين في تلك الأزمان من المخالفين المتفقين معنا فيه دون الصبح مثلا و إن وافقنا بعضهم فيه، و لعل المصنف كالخراساني يريدان ذلك أيضا و إن أطلقا، كما أنهما يريدان من الثقة الموثوق به لا العدل الشرعي، لعدم نصبه للأذان في تلك الأزمان غالبا، فتأمل.
و أما شهادة العدلين ففي الذخيرة أن ظاهر أكثر الأصحاب الاكتفاء بها، و لعله لعموم ما دل(1)على قبولها و إن كان لم يحضرني شيء من ذلك بحيث يكون شاملا لما نحن فيه من حيث أنها شهادة، و إلا فالاستناد إلى أدلة خبر الواحد يقضي بعدم اختصاصها بذلك، اللهم إلا أن يحتج بها لها، ثم استفادة التعدد مما دل على اعتباره في كل شهادة، مع دعوى أن المقام منها، فحينئذ لا يكتفى بالعدل الواحد كما استظهره في الذخيرة أيضا، قال: لفقد الدليل، و مفهوم آية التثبت(2)غير ناهض، و فيه- بعد إمكان منع عدم نهوضه، و إلا لم يكن دليل للشهادة أيضا- أن المقام باعتبار عمومية المخبريه، و عدم تعلقه بخاص أقرب إلى اندراجه في قسم الاخبار من الشهادة، نعم قد يومي إلى عدم اعتباره اشتهار عدم التعويل على أذان العدل العارف للمتمكن، كما أنه قد يومي إلى اعتباره صحيح زرارة(3)الآتي المتضمن للاخبار لمن غره القمر فصلى بليل، بناء على عدم الفرق في قبوله بين الوقت و خارجه، بل في الوسائل استدل بخبر القزويني(4)المروي عن العيون الذي ستسمعه فيما يأتي، لكن فيه أنه مع التعذر عن
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة و الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2 من كتاب الأطعمة و الأشربة.
2) 2 سورة الحجرات- الآية 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 59- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
العلم بالحبس، و على كل حال لا ريب في أن الأحوط إن لم يكن الأقوى اعتبار العلم و عدم الاكتفاء بالشهادة فضلا عن الخبر، و الله أعلم.
و كيف كان فان فقد طرق العلم بالوقت لغيم و نحوه اجتهد، فان لم يحصل له ظن بل كان شاكا أخر حتى يعلم أو يظن كما صرح به في البيان، بل هو ظاهر الجميع أيضا، و وجهه واضح و إن غلب على ظنه دخول الوقت صلى و لا يجب عليه التأخير حتى يعلم، للأصل و الحرج و تعذر اليقين و الإجماع المحكي في التنقيح و غيره على قيام الظن مقام العلم عند التعذر، و لقبح التكليف بما لا يطاق مع فرض عدم سقوط الخطاب بالصلاة في أول الوقت، و لنصوص(1)الأذان السابقة، و
للمرسل المشهور على ألسنة الفقهاء «المرء متعبد بظنه»
و نصوص الديكة التي يظهر من رواية الفقيه و غيره لها الاعتماد عليها، ف
في حسن الفراء(2)منها الذي هو كالصحيح، قال: «قال رجل من أصحابنا للصادق (عليه السلام): إنه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقال: تعرف هذه الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك فقال: نعم، قال:
إذا ارتفعت أصواتها و تجاوبت فقد زالت الشمس، أو قال: فصله»
و
مرسل ابن المختار(3)عنه (عليه السلام) أيضا المروي في الفقيه و الكافي بلا إرسال «قلت له:
إني رجل مؤذن، فإذا كان يوم الغيم لم أعرف الوقت فقال: إذا صاح الديك ثلاثة أصوات ولاء فقد زالت الشمس و دخل وقت الصلاة»
و ينبغي القطع به إذا علم من عادة الديك ذلك، بل في كشف اللثام إمكان استفادة العلم منه، كما أنه ينبغي القطع بعدم اعتباره إذا علم من عادته الكذب بحيث لا يفيد ذلك منه ظنا، أما إذا لم يعلم شيء من الحالين فلا يبعد اعتباره لهذه النصوص.
ج7،
و لقد أجاد في الذكرى في قوله: «و نفي ذلك في التذكرة بالكلية محجوج بالخبرين» فما في المدارك من أن ضعف سندها يمنع من التمسك بها في غير محله، و ل
موثق سماعة(1)«سألته عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم تر الشمس و لا القمر و لا النجوم فقال: تجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك»
و لما يشعر به لفظ التوسعة في
خبر إسماعيل بن جابر(2)المروي عن تفسير النعماني عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) «إن الله تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلاة فموسع عليهم تأخير الصلوات ليتبين لهم الوقت بظهورها، و يستيقنوا أنها قد زالت»
و الاكتفاء به في القبلة، و لخبر إسماعيل بن رياح(3)المتقدم سابقا، و
موثق ابن بكير(4)المروي في التهذيب و مستطرفات السرائر عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: «قلت: إني ربما صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زوال النهار، فقال: لا تعد و لا تعد»
ضرورة عدم وقوع الصلاة منه بيقين بل و لا بقطع، لبعده في الفرض في الغاية، و منه يظهر وجه دلالة
صحيح زرارة(5)أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك»
الحديث. و
خبر أبي الصباح الكناني(6)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت و في السماء علة فأفطر ثم ان السحاب
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 58- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 25- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 16- من أبواب المواقيت- الحديث 17 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 51- من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك الحديث 3 من كتاب الصوم.
ج7،
انجلى فإذا الشمس لم تغب، قال: قد تم صومه و لا يقتضيه»
بناء على عدم الفرق و الفارق بين الصلاة و الصوم كما في ظاهر الذخيرة، و
خبر أحمد بن عبد الله القزويني(1)عن أبيه المروي عن العيون قال: «دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح، فقال لي: ادن مني فدنوت منه حتى حاذيته، ثم قال لي: أشرف إلى البيت في الدار فأشرفت، فقال لي: ما ترى في البيت؟ قلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا فتأملته و نظرت فتيقنت فقلت: رجل ساجد- إلى أن قال-: فقال لي: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، إني أتفقده الليل و النهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحالة التي أخبرك بها، إنه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، و قد وكل من يترصد له الزوال، فلست أدري متى يقول له الغلام قد زالت الشمس إذ وثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يحدث وضوء، فأعلم أنه لم ينم في سجوده و لا أغفا، و لا يزال إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا إلى أن تغيب الشمس- إلى أن قال-: فلست أدري متى يقول الغلام: قد طلع الفجر إذ وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبه منذ حول إلى»
إلى غير ذلك مما هو معتضد بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، إذ لم نقف على مخالف فيه إلا من الإسكافي، و ربما مال إليه في المدارك، فاعتبرا العلم و لو بالتأخير حتى يحصل، و ان كان يفهم من بعض متأخري المتأخرين نسبته إلى المرتضى أيضا، لكنه في غير محله، إذ نزاعه على الظاهر في صحة الصلاة و عدمها إذا انكشف فساد الظن و كان قد دخل عليه الوقت و هو في أثناء الصلاة، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه المحكي عنه في المختلف، و هو أعم مما نحن فيه، بل لعله يستلزم الموافقة فيه، و من هنا حكى بعض الأفاضل خلافه، و من تبعه كالفاضل في
1) 1 الوسائل- الباب- 59- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
المختلف فيها لا هنا، فلاحظ و تأمل، و لذا قال الطباطبائي:
و الظن كاف لذوي الأعذارو يوم غيم غيمه يواري
نعم يمكن التأمل في استفادة هذه الكلية المزبورة في المتن و غيره مما سمعته من الأدلة إن لم يكن إجماعا، إذ ليس في المعتمد منها ظهور أو صراحة في عدم الفرق في ذلك بين الغيم و العمى و الحبس في ظلمة و غيرها، و لا بين الفرائض و النوافل، و لا بين الزوال و غيره، و لا بين الأذان و صياح الديك و غيرهما من أمارات الظن كالورد من الدرس و الصنعة و شبههما، و الإجماع المحكي في التنقيح الذي ذكرناه سابقا يظهر من حاكيه عدم إرادة المحصل المثمر منه، لكلام ذكره بعد ذلك، فلاحظ.
و بالجملة ليس في شيء منها عموم على وجه يكون قاعدة يرجع إليها في سائر ما يندرج تحتها، خصوصا بناء على ما يظهر من بعضهم من أن من أفرادها الأعمى، و أنه لا يكلف بتحصيل الخبر المحفوف بالقرائن أو المتواتر، و فيه أن الظاهر كون المراد بذل الجهد كما يومي اليه موثق سماعة(1)المتقدم سابقا، فان لم يحصل إلا الظن اكتفى به، لا أنه يجتزئ به مطلقا و إن أمكن له تحصيل العلم بالتواتر و نحوه كما يقتضي به إطلاق الكركي في الجعفرية و غيره جواز تقليد الأعمى و شبهه غيره، ضرورة منافاة ذلك لقولهم: لا يجوز التعويل على الظن مع التمكن من العلم، و اشتراطهم اعتباره بتعذر العلم بغير التأخير، بل و مناف أيضا لإيجاب الاجتهاد، و لذا قال في البيان: «و يجب أي على المعذور الاجتهاد مع إمكانه» بل هو ظاهر غيره من الأصحاب ممن أطلق اعتبار الاجتهاد عند تعذر العلم من غير تفصيل في أسباب العذر بين العمى و الحبس و الغيم و غيرها، بل ربما كاد يكون صريح بعضهم، لكن ظاهر الدروس و صريح الذكرى
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
الفرق بين الأعمى و غيره، فيقلد الأول و يجتهد الثاني، و أن في الأعمى العامي الذي لا يعرف الوقت و المحبوس و غيره، بل ظاهره كل ممنوع يمانع غير عام لسائر الخلق كالغيم و نحوه، بل كان خاصا به من العمى و الحبس و عدم المعرفة و نحوها، فإنه يقلد حينئذ، بخلاف ما إذا كان المانع عاما فيجتهد حينئذ، و فيه- مع أنه مناف لإطلاقهم اعتبار الاجتهاد أو الظن مع تعذر العلم من غير فرق بين أسباب التعذر- انه لا دليل على هذا التفصيل، بل ظاهر الأدلة السابقة خلافه، و الاعتماد على قول الغير مع انحصار طرق الظن فيه نوع من الاجتهاد لا تقليد، و بالجملة لا أجد فرقا بين سائر المكلفين في ذلك، فمن تمكن من العلم منهم وجب، و إلا اجتزى بما يحصل له من الاجتهاد، فقد يجتزي باخبار العدل عن علم بأذان أو غيره، بل ربما يجتزي باجتهاد مجتهد آخر أعرف منه، و ليس ذا من التقليد في شيء، بل انحصار إمارة الظن بذلك و نحوه كما هو الفرض.
لكن في الذكرى «أنه لو تعذر العلم فأخبره عدل عن علم بأذان أو غيره فالظاهر أنه كالممنوع من عرفانه، فيكتفي بقوله: و يمكن المنع، لأن الاجتهاد في حقه ممكن، و هو أقوى من التقليد، أما لو أخبره عدل عن اجتهاد لم يعتد بقوله قطعا، لتساويهما في الاجتهاد، و زيادة اجتهاد الإنسان على غيره بالنسبة إلى ما يجده من نفسه، و لو قدر رجحان اجتهاد غيره في نفسه أمكن العدول إلى الغير، لامتناع العمل بالمرجوح مع وجود الراجح، و يمكن التربص ليصير ظنه أقوى من قول الغير، و هو قوي، بخلاف القبلة، لأن التربص فيها غير موثوق فيه باستفادة الظن، فيرجح هناك ظن رجحان اجتهاد غيره، بل يمكن وجوب التأخير للمشتبه عليه الوقت مطلقا حتى يتيقن الدخول، و لا يكفيه الاجتهاد و لا التقليد، لأن اليقين أقوى، و هو ممكن، أما لو كان الصبر لا يحصل منه اليقين فلا إشكال في جواز الاجتهاد و التقليد، لأنه معرض بالتربص لخروج الوقت، و الوجه عدم وجوب التربص مطلقا لأن مبنى شروط العبادات و أفعالها
ج7،
على الظن في الأكثر، و البقاء غير موثوق به، و هذا الفراغ جزئي من جزئيات صلاة أصحاب الأعذار مع التوسعة أو مع الضيق، و سيأتي» انتهى كلامه بلفظه.
و الظاهر إرادته من كان فرضه الاجتهاد ممن تعذر عليه العلم لغيم و نحوه، و حينئذ احتمال التقليد فيه مقطوع بعدمه، لما عرفته من الأدلة السابقة خصوصا الموثق الأمر فيه بالاجتهاد، اللهم إلا أن ينحصر أمارات اجتهاده في قول الغير، لكن على ذلك ينبغي عدم الفرق بين المخبر عن اجتهاد أو علم، و أما احتماله وجوب الصبر عليه كي يكون ظنه أقوى فهو كما ترى، و بالجملة هذا الكلام منه بعد أن ذكر سابقا مسألة الاعتماد على الظن عند تعذر العلم لا يخلو من تشويش ما، و قد عرفت أن التحقيق عدم الفرق في أسباب التعذر بين العمى و غيره، لإطلاق النص و الفتوى، و أن مبنى قبول خبر العدل بالوقت على الاكتفاء بخبر العدل، أو لا بد من الشهادة، أو لا يجزئ شيء منهما بل لا بد من العلم، و قد ذكرنا البحث في هذه المسألة سابقا، و كذا عرفت أن المدار على مطلق حصول الظن عند التعذر من غير فرق بين أسبابه.
نعم قد يقال بوجوب الترجيح على المجتهد هنا بين الامارات و تمييز القوي من الضعيف و نحو ذلك مما هو معلوم في الاجتهاد في الأحكام الشرعية المكلف فيها أولا بالعلم، لتوقف أصل حصول الظن على ذلك عند التأمل، لكن السيرة و الطريقة و إطلاق الفتاوى و بعض النصوص و خبر القزويني و العسر و الحرج تأبى ذلك، فلا يجب عليه انتظار إمارة قوية إن حصل له بعض الامارات و لو كانت ضعيفة، و هو المناسب لأصل مشروعية هذا الحكم من التخفيف، و لأنه لو وجب عليه انتظار القوي لانتظر حصول العلم، و الاحتياط لا يترك، كما أنه لا ينبغي أن يترك أيضا لو فقد العلم بغير التأخير أصلا، خروجا من شبهة الخلاف، و استظهارا في البراءة عن الشغل اليقيني، و موافقة
ج7،
لمحبة الصادق (عليه السلام)
قال في خبر الحسن العطار(1): «لأن أصلي الظهر في وقت العصر أحب إلى من أن أصلي قبل أن تزول الشمس»
و مخافة من
قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير(2): «من صلى في غير وقت فلا صلاة له»
و لذا قال الطباطبائي بعد البيت السابق.
و الأفضل التأخير حتى يعلماو بالوجوب قال بعض العلماء
و الله أعلم.
فإن انكشف له فساد الظن حتى بان أن صلاته تماما وقعت قبل دخول الوقت استأنف الصلاة إجماعا محصلا و منقولا و نصوصا، منها مضافا إلى ما سبق
صحيح زرارة(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر و نام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل قال: يعيد صلاته»
بناء على عدم الفرق بين انكشاف فساد الظن و بين الجهل المركب، و على انه تبين له ذلك بحيث علم أن صلاته وقعت بليل، و إلا فلا عبرة بالشك في مثل الوقت بعد الفراغ بل و لا الظن، اللهم إلا أن يدعى أن خبر العدل فضلا عن شهادة العدلين كاف في ذلك مع فرض كون المخبر في الفرض عدلا، و كيف كان فما نحن فيه لا إشكال فيه بوجه من الوجوه، لما عرفت مما يخص به قاعدة الاجزاء إن قلنا إن المقام من مواردها، و الظاهر وقوعها حينئذ باطلة حتى لو كان الانكشاف في أثنائها قبل الدخول في ركوع الثالثة لعدم نيتها نافلة، بل افتتحت على أنها فريضة، و عن الفاضل التصريح به، فما في الذكرى- من احتمال صيرورتها نافلة لو كان الانكشاف قبل الدخول في ركوع الثالثة، بل و لو بعده أيضا بناء على صيرورتها أيضا كإعادة اليومية نفلا، لعموم النهي عن الابطال، و لايماء
ج7،
ركعات الاحتياط- ضعيف جدا كدليله، و ليس له حينئذ العدول إلى فائتة بالأولى كما صرح به في الدروس ضرورة فسادها، نعم في الذكرى لو عدل بها قبل انكشاف الخطأ صح قطعا، مع أنه لا يخلو من تأمل أيضا، و من الغريب احتماله فيها جواز العدول بها إلى فائتة في الصورة الأولى حتى على تقدير القول بوقوعها باطلة لا نافلة كما هو الظاهر من عبارته، فلاحظ و تأمل.
و إن كان قد انكشف فساده و الوقت الذي تصح فيه لا كوقت اختصاص الظهر للعصر قد دخل عليه و هو متلبس بها و لو قبل التسليم أو فيه بناء على أنه من الصلاة لم يعد على الأظهر الأشهر، بل المشهور بل لا أعرف فيه خلافا إلا من المرتضى، و تبعه بعض متأخري المتأخرين و الفاضل في المختلف في أول كلامه، و تردد فيه في آخره، للتردد في حال إسماعيل بن رياح، كظاهر المصنف في المعتبر، و أما الإسكافي فهو و إن كان قد حكي موافقته له هنا أيضا، لكن قد عرفت أنه لا يجوز الدخول بغير اليقين أصلا، اللهم إلا أن يتكلف و يفرض له صورة القطع عوض الظن التي تجامع التخلف، نعم ربما يستشعر من المحكي عن ابن أبي عقيل موافقته أيضا، و فيه تأمل، فمن العجيب نسبة المرتضى ما ذهب إليه إلى محققي أصحابنا و محصليهم.
و على كل حال فلا ريب في أن الأول أقوى، لقاعدة الإجزاء المستفادة من الأمر بالعمل بالظن هنا نصا و فتوى، خرج منها الصورة الأولى بالإجماع، و بقي الباقي، و احتمال عذرية هذا الأمر فيحكم بالصحة ما لم ينكشف الخلاف خلاف الظاهر و أضعف منه احتمال تعدد الأمر ظاهرا و واقعا، و أن الأول لا يجزئ عن الثاني بعد انكشاف الحال، بل هو معلوم الفساد بأدنى تأمل، مضافا إلى أصالة البراءة لو فرض ظهور الحال له بعد الفراغ، و ل خبر إسماعيل بن رياح(1)المنجبر بالشهرة، و بهما معا يخرج عما يفهم
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
من تلك الأدلة السابقة من اعتبار وقوع تمام الصلاة في الوقت، و أن من صلى قبله فلا صلاة له إن قلنا بظهور مثل الأخير فيما يشمل المقام، و إلا لو حمل على إرادة إيقاع تمام الصلاة، أو أنه قصد الوقوع قبل الوقت لم نحتج إلى التخصيص كما هو واضح، و إن أطنب فيه الفاضل في مختلفة، و في كثرة الأدلة للمرتضى (رحمه الله) التي لا ترجع إلى محصل، إذ هي بين ممنوع و مسلم يجب تخصيصه أو تقييده بما عرفت، فلاحظ و تأمل و دعوى المرتضى (رحمه الله) ورود روايات في مختاره لم نتحققها، اللهم إلا أن يريد إطلاقات الأمر بالصلاة للوقت و النهي عنها قبله و نحوها مما يجب الخروج عنها بما سمعت.
نعم الظاهر الاقتصار على صورة الظن، أما القطع حال عدم تعذر اليقين كما لو اعتمد على خبر محفوف بقرائن، أو زعم التواتر فيه، أو نحو ذلك ففي جريان الحكم المزبور عليه بحيث يحكم بالصحة لو فرض دخول الوقت عليه و هو متلبس بها إشكال، و لعل مقتضى القاعدة العدم، إذ لا أجزاء، ضرورة كونه من تخيل الأمر لا أمر حقيقة، و خبر ابن رياح و إن كان الذي فيه «ترى» لكن الذي صرح به غير واحد إرادة الظن منه، اللهم إلا أن يراد منه خلاف اليقين كما يومي اليه تعليلهم ذلك بالتخلف الممتنع في اليقين، فيجري عليه حكم الظن، بل هو منه، و لعل لفظ «ترى» أقرب إليه من الظن، بل يمكن دعوى القطع بعدم الفرق بينهما في ذلك إذا كان المقام مما يحصل فيه الظن لأغلب الناس لعلة في السماء و نحوها إلا أنه اتفق القطع له بالنظر من جهة تعدد الامارات ثم انه انكشف الخطأ بعد دخول الوقت عليه و هو متلبس في الصلاة، إذ احتمال مدخلية الظن في الحكم المزبور مقطوع بعدمه، بل لعله هو أولى منه به.
نعم لو كان المقام مما يمكن تحصيل اليقين فيه بالمشاهدة و نحوها مما تمنع تجويز الخطأ من المعتقد و غيره، و اعتمد هو على ما يحصل منه القطع الذي لم يجوز المعتقد نفسه احتمال الخلاف فيه و إن جوزه غيره فاتفق خطأه و دخول الوقت عليه في الأثناء أمكن
ج7،
المناقشة في جريان الحكم المزبور عليه، مع احتماله أيضا قويا للخبر المذكور، اللهم إلا أن يدعى عدم جواز الاعتماد على القطع مع التمكن من اليقين بالمشاهدة مثلا، و هو كما ترى، ضرورة مساواته لليقين في اعتقاد المعتقد و إن افترقا بتجويز الخطأ من الغير و عدمه.
و ما يقال- من أن الفرض المزبور من الجهل الذي نص المصنف و غيره بل نسب إلى الأكثر على بطلان الصلاة معه حيث قال و لو صلى قبل دخول الوقت عامدا أو جاهلا أو ناسيا كانت صلاته باطلة دخل الوقت في أثناء الفعل أو لا، بل هو المعروف بالجهل المركب- يدفعه- مع أن المحكي عن كافي أبي الصلاح التصريح بالصحة في الجهل إن صادف شيئا من الوقت، و احتمال إرادة الفراغ منها جميعا قبل الوقت- إمكان إرادة الجاهل بالحكم منه من شرطية الوقت، أو وجوب مراعاته، أو غيرهما كما صرح به العلامة الطباطبائي حيث قال:
و لا كذاك عامد و ناسو جاهل بالحكم ذو التباس
و غير القاطع بالدخول و عدمه و لو كان ظانا في حال عدم اعتبار الظن فان وجه البطلان في الجميع واضح، ضرورة وجوب التعلم، و عدم الدليل على إخراج الجهل الشرط عن كونه شرطا، و إلى ذلك كله أو بعضه أشار في الذكرى قال: يمكن تفسير الجاهل بجاهل دخول الوقت، فيصلي لأمارة على دخوله أو لا لامارة بل بتجويز الدخول، و بجاهل اعتبار الوقت في الصلاة، و بجاهل حكم الصلاة قبل الوقت، فإن أريد الأول فهو معنى الظان، و قد مر، و إن أريد باقي التفسيرات فالأجود البطلان، لعدم الدخول الشرعي في الصلاة، و توجه الخطاب على المكلف بالعلم بالتكليف، فلا يكون جهله عذرا، و إلا لارتفع المؤاخذة على الجاهل، بل الظاهر البطلان في الثاني حتى لو صادف الوقت بتمام الصلاة أيضا، لعدم إمكان نية التقرب منه، و لعل هذا هو الذي يريده الطباطبائي بقوله:
ج7،
و لا صلاة قبل وقت مطلقاو لا لمن لم يرعه و اتفقا
أما لو فرض تصورها منه فان الظاهر حينئذ الصحة، لاندراجه حينئذ في مقتضاها كتابا و سنة، إذ احتمال اعتبار سبق العلم بدخول الوقت فيها لا دليل عليه، بل ظاهر إطلاق الأدلة خلافه، و انه مطلوب مقدمة للحصول في الوقت، أما الجاهل بالحكم ففي الصحة و عدمها مع المصادفة للواقع خلاف معروف، و يقوى في النظر الصحة، للسيرة القطعية، و الحرج الشديد، و ما يظهر من استقراء أسئلة النصوص و غير ذلك مما ليس هنا محل ذكره، على أنه يمكن في المقام و شبهه من الساتر و المكان و نحوهما دعوى ظهور خصوص أدلته في أن المراد الصلاة للوقت و لو مصادفة مع فرض نية القربة كالساتر و المكان و نحوهما، بل يمكن تنزيل عبارة من أفتى بفساد صلاة الجاهل بالوقت أو بالحكم هنا و إن صادفت على الصورة التي تتعذر معها نية القربة، كما لو كان متفطنا لوجوب العلم و البحث و قصر، و ربما يشهد له بعض تعليلاتهم له.
و منه ينقدح لفظية النزاع بحمل كل من العبارتين على صورة، قال في الذكرى:
تنبيه لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت أو الحكم ففي الإجزاء نظر، من عدم الدخول الشرعي، و من مطابقة العبادة ما في نفس الأمر، و الأول أقوى، و أولى بالبطلان تارك الاجتهاد مع القدرة عليه، أو تارك التقليد مع العجز عن الاجتهاد، لعصيانهما، و لو لم يتذكر الاجتهاد و التقليد فكالأول، فإن الدخول الذي ليس بمشروع ظاهر في الصورة المزبورة كما يومي اليه ما في كشف اللثام، قال:
و لو صادف الوقت جميع صلاته فالوجه الاجزاء إذا لم يكن دخل فيها لمجرد التجويز مع علمه بوجوب تحصيل العلم به أو الظن، فإنه دخول غير مشروع، و إن أمكن تعميمه بقرينة ذكر الناسي معه للصورتين على معنى إرادة غير المأمور به بالخصوص من غير المشروع، و كيف كان فالأقوى ما ذكرنا.
ج7،
و منه يعلم وجه الصحة في الناسي مع المصادفة بتمام صلاته وفاقا للدروس و كشف اللثام، سواء كان نسيانه للمراعاة أو للشرطية أو لغيرهما، و خلافا لما سمعته من الذكرى، لعدم الدخول الشرعي، لانحصاره في العلم و الظن مع تعذره دون الغفلة، و فيه أنهما يعتبران حال عدم الغفلة لا معها، نعم لو تنبه في أثناء صلاته لعدم مراعاة الوقت و لم يمكنه معرفته حينئذ توجه القطع و الاستيناف بعد المراعاة، ضرورة شرطية الوقت لكل جزء من الصلاة مع احتمال الإتمام، ثم إن بان أنها وقعت تماما في الوقت صحت، و إلا فلا، للنهي عن الابطال و مشروعية دخوله، و عدم احتياجه إلى ما عدا الاستدامة على حكم النية الأولى، بل و عدم تناول ما دل على اعتبار العلم بالوقت لمثل هذا البعض من الصلاة، و أصالة البراءة من وجوب القطع و الاستيناف، لكن و مع ذلك فالاحتياط بالإتمام ثم الاستيناف لا ينبغي تركه.
أما لو صلى قبل دخول الوقت نسيانا فدخل عليه في أثنائها فالمتجه البطلان، وفاقا للمشهور، بل عن التذكرة الإجماع عليه، لعدم ثبوت عذرية النسيان في رفع شرطية الوقت المستفادة من نحو خبر أبي بصير(1)السابق و غيره، ك
قوله (عليه السلام)(2): «لا تعاد الصلاة»
و شبهه، فتبقى أصالة الشغل حينئذ بحالها، إذ رفع النسيان معناه رفع الإثم، و تنزيل إدراك البعض منزلة إدراك الكل مطلقا ممنوع، كمنع دخول الفرض في خبر ابن رياح، و مصادفة بعض الأجزاء للوقت لا تثمر في المركبات التي يكفي في فسادها فساد بعضها لا صحتها صحته، فما في البيان و عن الكافي و ظاهر النهاية و المهذب من الحكم بالصحة لذلك ضعيف جدا، نعم يمكن القول بها لو فرض
ج7،
صورة النسيان تندرج في خبر ابن رياح على إشكال أيضا من الإجماع المحكي و غيره.
و من ذلك كله ظهر لك أنه لا إشكال في بطلان صلاة العامد و إن دخل عليه الوقت و هو فيها، بل هو من الضروريات، و إلا خرج الوقت عن كونه شرطا، فليس ما نواه حينئذ من الصلاة المختصة بذلك الوقت. و لا مما يمكن التقرب به إلى الله تعالى، لكن في كشف اللثام و قد يوهم الصحة النهاية و المهذب و إن كانت ليست مرادة قطعا، كما هو واضح، و إلا كان من المقطوع بفساده.
و لو صلى المقلد بالتقليد في الوقت فانكشف الفساد ففي الذكرى «أن الأقرب كونه كالظان، فيلحقه أحكامه، لتعبده بذلك، و لو عارضه أخبار آخر بعدم الدخول فان تساويا أو كان الأول أرجح فلا التفات، و إن كان الثاني أرجح فحكمه حكم التعارض في القبلة» و هذا منه بناء على الفرق بين المعذورين بالتقليد و الاجتهاد، و أما على ما ذكرنا فهو من أفراد الظن فحكمه شامل له، و إلا أشكل مساواته له في ذلك، كما أنه يمكن عدم الالتفات إلى المخبرين بعد البناء على التقليد، إذ لا ينافيه إخبار غير من قلده بعدم حصول الوقت، و ليس مداره على الترجيح، فتأمل.
ثم ان الظاهر من إطلاق الفتاوى اعتبار الظن عند التعذر عدم الفرق في ذلك بين وقتي الفريضة و النافلة، بل يمكن جريان حكم الظن من الصحة لو دخل الوقت و هو فيها و عدمها عليها أيضا، و إن كان المنساق من النص و الفتوى الفريضة، و كذا الظاهر أيضا أنه كما يعتمد عليه في الدخول يعتمد في الخروج أيضا، فليس حينئذ له استصحاب ما حصل بالظن من الوقت لو فرض انه ظن خروجه، تنزيلا للظن هنا في قطع الاستصحاب منزلة العلم، و لو دخل بالظن فصادف خروج الوقت صحت صلاته كالعكس، لعدم وجوب نية الأداء و القضاء عندنا، و عدم قدح نية كل منهما في الآخر، بل و على القول باعتبار نيتهما أيضا، كما هو ظاهر الذكرى و الدروس، لأنه إنما نوى فرضه من
ج7،
غير فرق في ذلك بين الفراغ و الأثناء، نعم ذكر الإعادة في الجميع احتمالا، و لا ريب في ضعفه، و الله أعلم.
المسألة الرابعة التي قد أشبعنا الكلام فيها في مبحث القضاء من الكتاب، و هي أن الفرائض اليومية مرتبة في القضاء السابقة فواتا فالسابقة فلو دخل في فريضة فذكر أن عليه سابقه عدل بنيته ما دام العدول ممكنا، و إلا استأنف المرتبة فلاحظ و تأمل جيدا.
المسألة الخامسة يكره النوافل المبتدأة عند طلوع الشمس و عند غروبها كما هو المشهور بين الأساطين من المتقدمين و المتأخرين شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الغنية و المحكي عن الخلاف و ظاهر التذكرة، بل في جامع المقاصد و المحكي عن المنتهى أنه مذهب أهل العلم، ل
صحيح ابن مسلم(1)عن الباقر (عليه السلام) «يصلى على الجنازة في كل ساعة، انها ليست بصلاة ذات ركوع و سجود، و انما يكره الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود، لأنها تغرب بين قرني شيطان، و تطلع بين قرني شيطان»
و
المرسل(2)المنجبر بما عرفت الشاهد مع ذلك لصدق الصحيح السابق أيضا، قال: «قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام): الحديث الذي روي عن أبي جعفر (عليه السلام) ان الشمس تطلع بين قرني شيطان قال: نعم إن إبليس لعنه الله اتخذ عرشا بين السماء و الأرض، فإذا طلعت الشمس و سجد في ذلك الوقت الناس قال إبليس لشياطينه: إن بني آدم يصلون لي»
و
حديث المناهي(3)المروي عن المجالس و غيرها مسندا عن جعفر بن محمد عن آبائه
ج7،
(عليهم السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها و عند قيامها»
و في
خبر طويل(1)رواه الصدوق بإسناده عن الحسن (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) مشتمل على أسرار الفرائض «و أما صلاة الفجر فان الشمس إذا طلعت تطلع على قرن شيطان، فأمرني ربي عز و جل أن أصلي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة، و قبل أن يسجد لها كافر، لتسجد أمتي لله عز و جل»
و
خبر سليمان بن جعفر الجعفري(2)المروي في الوسائل و البحار عن العلل «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: لا ينبغي لأحد أن يصلي إذا طلعت الشمس، لأنها تطلع على قرني شيطان، فإذا ارتفعت وصفت فارقها، فتستحب الصلاة ذلك الوقت و القضاء و غير ذلك، فإذا انتصف النهار قارنها، فلا ينبغي لأحد أن يصلي في ذلك الوقت، لأن أبواب السماء قد غلقت، فإذا زالت الشمس و هبت الريح فارقها»
و
النبوي(3)المروي عن المجازات النبوية مرسلا «إذا طلع حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تبرز، و إذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب»
سواء أريد بالحاجب أول ما يبدو أو يغيب منها، أو الشعاع الذي يكون بين يديها في الحالين.
بل لعل بعض النصوص الدالة على الكراهة في الثالث و الرابع و الخامس و هو عند قيامها و بعد صلاة الصبح و بعد صلاة العصر دالة عليهما أيضا، ك
خبر الحسين ابن مسلم(4)«قلت لأبي الحسن الثاني (عليه السلام): أكون في السوق فأعرف الوقت و يضيق علي أن أدخل فأصلي، قال: إن الشيطان يقارن الشمس في ثلاثة أحوال:
ج7،
إذا ذرت و إذا كبدت و إذا غربت، فصل بعد الزوال، فان الشيطان يريد أن يوقعك على حد يقطع بك دونه»
ضرورة ظهوره في نفسه بقرينة الأمر بها بعد الزوال فضلا عن ملاحظة ما تقدم في إرادة عدم إيقاع الصلاة في أحوال مقارنة الشيطان لها الثلاثة، عند كونها في الكبد أي الوسط، و هو معنى قيامها، و إذا ذرت أي طلعت، و إذا غربت، أي صل بعد الزوال و الطلوع و الغروب، و إن اقتصر فيه على الأول كما هو واضح، و لا يقدح في ذلك ظهور سؤاله في الفريضة بعد ظهور الجواب فيما يشمل ما نحن فيه، و ك
خبر الحلبي(1)عن الصادق (عليه السلام) «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، و تغرب بين قرني شيطان، و قال: لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب»
إذ لا ريب في ظهوره بقرينة التعليل بل و بدونه في دخول الغاية في حكم المغيا، و هو المراد بقولنا عند طلوع الشمس، و أما الغروب فمن الواضح استفادته من الأخير بعد جعل الغاية صلاة المغرب، و مثله
خبر ابن عمار(2)عن الصادق (عليه السلام) «لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب، و لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس»
و
المرسل عن الجعفي «كان الصادق (عليه السلام) يكره أن يصلي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع، و بعد العصر حتى تغرب»
إلى غير ذلك.
اللهم إلا أن يقال إن النهي عن الصلاة في هذه الأخبار عن النافلة من حيث تعقيبها لصلاة الفجر و العصر حتى أنه لو فرض عدم فعلهما لم ينه عنها لا من حيث الطلوع و الغروب، كما يومي اليه أيضا جعلهما كما قبلهما مما هو بعد الصلاتين من الزمان في هذا الحكم، بل هو يومي إلى ذلك و إن لم نقل بكون النهي من حيث الفعل، بل كان المراد
ج7،
النهي عنها بعد زمان صلاتي الصبح و العصر، ضرورة عدم إرادة خصوص وقتي الطلوع و الغروب من ذلك، و إلا لم يشرك معهما غيرهما بلفظ «حتى» و «إلى» و فيه أن الأول خلاف ظاهر بعضها كالمشتمل على التعليل بطلوع الشمس بين قرني الشيطان و نحوه، بل و غيره و إن كان هو خلاف المشهور، بل في كشف اللثام أن الأصحاب قاطعون به، و لعله ظاهر الشهيد حيث حكى ظاهر خبر الحلبي و غيره عن بعض العامة خاصة، بل عن الخلاف الإجماع صريحا على تعلقها بالفعل دون الوقت، بل عن التذكرة أنه لا يعلم خلافا فيه بينهم فيطول حينئذ وقت الكراهة و يقصر بتعجيل الفريضتين و عدمه، و الثاني لا ينافي استفادة النهي عنهما أيضا، إذ لا مانع من تعدد الجهة في ذلك.
نعم يمكن إنكار دلالتها على المطلوب بأن المراد بالطلوع الذي نيطت الكراهة به ذهاب الحمرة كما عن المقنعة، أو أنه يمتد الكراهة منه إلى أن ترتفع الشمس و يقوى سلطانها كما في الروضة و الروض و المحكي عن كشف الالتباس مع زيادة ذهاب الحمرة في أول الثلاثة و في الذكرى في
الخبر المروي(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «حتى ترتفع»
و عن الحسن بن عيسى جعل الغاية الزوال، و بالغروب ذهاب الصفرة كما عن المقنعة، و غياه في الذكرى بذهاب الشفق المشرقي، قال: و يراد به ميلها إلى الغروب و هو الاصفرار حتى يكمل الغروب، و لعله هو مراد من عبر بكمال الغروب، كما أنه قد يشهد له أيضا
ما رووه عن عامر بن عقبة(2)نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة في ثلاث إلى أن قال: و إذا تضيفت
أي الشمس للغروب، أي مالت، و منه الضيف، و الذي جعل غاية في النصوص السابقة لكراهة الصلاة بعد العصر
ج7،
و الصبح بشهادة التبادر نفس طلوع القرص و غروبه، إذ هو المعنى الحقيقي لهذا اللفظ، فلا تدل حينئذ هذه النصوص على حكم الوقتين المزبورين، بل ربما كان في جعلهما غاية شهادة على نفيها قبل ذهاب الحمرة و الارتفاع و قوة السلطان، فتكون منافية لا شاهدة.
و فيه منع الفرق بينهما، ضرورة اتحاد اللفظ بالنسبة إلى معناه في المقامين، بل في المروي(1)عن المجازات النبوية المتقدم آنفا ظهور في ذلك، و ان اعتبار تلك الأمور الزائدة لا بد و أن يكون مستفادا من دليل آخر ك مرسل الذكرى(2)و خبر العلل(3)السابق و غيرهما، لا من تلك العبارة، و حينئذ لا ينافي استفادة الكراهة حال الطلوع من هذه النصوص، و الزيادة مما عرفت، و به يخرج عن مفهوم الغاية إن قلنا برجحانه عليه، و إلا كانت الكراهة مخصوصة بحال الطلوع و الغروب، بل عن المهذب التصريح بإرادة غروب نفس القرص احترازا عن الغروب الشرعي الذي هو ذهاب الحمرة، و إن كان قد يناقش فيه بأن نصوص الغروب الشرعي كشفت عن عدم تحقق الغروب قبل ذهاب الحمرة لا أنه أمر زائد اعتبره الشارع.
و كيف كان فقد ظهر لك دليل الحكم في المقامات الخمسة، مضافا إلى النصوص الأخر، خصوصا بالنسبة إلى الثلاثة الأخيرة المشهور فيها الحكم أيضا كالسابقين شهرة عظيمة أيضا نقلا و تحصيلا فتوى و رواية، بل في الغنية و عن الخلاف و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، و به و بالإجماعات السابقة في الأولين و بالتصريح بها في الصحيح الأول(4)و المرسل(5)و إشعار لفظ «لا ينبغي» بها في خبر العلل، بل هو المنساق من النصوص
1) 1 المستدرك- الباب- 30- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
2) 2 سنن النسائي ج 1 ص 280 المطبوعة بالأزهر.
3) 3 الوسائل- الباب- 38- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.
5) 5 فروع الكافي ج 1 ص 290 المطبوعة بطهران عام 1377.
ج7،
كلها بملاحظة التعليل و نحوه مما يصلح غالبا للكراهة، و عموم استحباب السجود و الركوع لله و الذكر، و أن الصلاة خير موضوع يخرج عن مقتضى ظاهر النهي من الحرمة، مضافا إلى النصوص(1)الكثيرة المتضمنة لفعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) الركعتين بعد صلاة العصر، و أن ذلك كانت عادته، بل في
خبر أبي بكر بن عبد الله بن قيس(2)عن أبيه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «من صلى البردين دخل الجنة يعني بعد الغداة و بعد العصر»
و قال الصدوق بعد إيراد هذه النصوص: مرادي بإيراد هذه الأخبار الرد على المخالفين، لأنهم لا يرون بعد الغداة و بعد العصر صلاة، فأحببت أن أبين أنهم قد خالفوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في قوله و فعله، و هو ظاهر أو صريح في اختصاص المخالفين بالحرمة، و أن القول بها في غاية الضعف، لكن الظاهر أن هذه النصوص عامية كما هو مقتضى توسط عائشة في كثير منها، و به صرح في كشف اللثام.
لكن على كل حال القول بالحرمة في غاية الضعف، و إن حكي الفتوى بها عن المرتضى في الثلاثة الأول مدعيا عليها الإجماع و عن ظاهر الناصر و الحسن و الكاتب، بل و الصدوق في العلل فيها و في الرابع، و عن الأولين خاصة فيها و في الخامس، بل قيل إنه قد يظهر من تعبير الأول منهما بلفظ عندنا الإجماع عليها أيضا، لكن الجميع كما ترى، ضرورة كون خلافه مظنة الإجماع، بل في المختلف رد المرتضى بمخالفة الإجماع، كما عن كشف الرموز نفي التحريم بالاتفاق، و من هنا احتمل بعضهم إرادته صلاة الضحى كي يكون دعواه الإجماع في محلها، و ربما يؤيده أن المحكي عنه ما نصه، و مما انفردت الإمامية به كراهية صلاة الضحى، فان التنفل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى الزوال
ج7،
محرمة إلا يوم الجمعة خاصة، و هو ظاهر في ذلك، كما أنه يمكن إرادة الكراهة فيه أيضا من نفي الجواز و من النهي، و نحوه في عبارات بعض أولئك.
و على كل حال فما أبعد ما بينه على تقدير الحرمة و بين الصدوق في نفي الكراهة أصلا عنها عند الطلوع و الغروب، و ربما تبعه عليه بعض متأخري المتأخرين، بل هو ظاهر المحكي عن المفيد في كتابه المسمى بكتاب افعل و لا تفعل، و لعله
للتوقيع(1)الذي رواه الصدوق و غيره، بل قال الأول: إنه رواه لي جماعة من مشايخنا، و هو مشعر باستفاضته «و أما ما سألت عن الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها فلئن كان كما يقول الناس: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان بشيء أفضل من الصلاة فصلها و أرغم أنف الشيطان»
بل يستفاد منه أيضا حمل نصوص النهي على التقية التي ربما ترجح على الحمل على الكراهة، و لذا جزم بقربه في الوسائل و غيره، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت خصوصا بعد التسامح في الكراهة، مع احتمال إرادة التعريض بهم في التعليل لا المرجوحية، و من هنا بالغ المفيد فيما حكي عنه في الإنكار عليهم بذلك، قال: لأنهم كثيرا ما يخبرون عن النبي (صلى الله عليه و آله) بتحريم شيء و بعلة تحريمه، و تلك العلة خطأ لا يجوز أن يتكلم بها النبي (صلى الله عليه و آله) و لا يحرم الله شيئا، فمن ذلك ما أجمعوا عليه من النهي عن الصلاة في وقتي طلوع الشمس و غروبها، فلولا أن علة النهي أنها تطلع بين قرني شيطان لكان ذلك جائزا، فإذا كان آخر الحديث موصولا بأوله، و آخره فاسد فسد الجميع، و هذا جهل من قائله، و الأنبياء (ع) لا تجهل، فلما بطلت هذه الرواية بفساد آخر الحديث ثبت أن التطوع جائز فيهما، و لعله يريد بذلك نفي الحرمة
1) 1 الوسائل- الباب- 38- من أبواب المواقيت- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
ج7،
لا الكراهة، و مع احتمال كونه كلام العمري لا القائم (عليه السلام)، إذ المروي في الفقيه بإسناده عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي أنه ورد عليه فيما ورد من جواب مسائله من محمد بن عثمان العمري، و كأنه هو الذي فهمه في المعتبر حيث أسند مضمون التوقيع السابق إلى بعض فضلائنا، لكن فيه أن المحكي عن إكمال الدين و إتمام النعمة و الاحتجاج التصريح بكون الجواب من صاحب الدار (عليه السلام)، هذا. و المراد بطلوع الشمس و غروبها بين قرني شيطان الكناية عن شدة تسلط الشيطان على بني آدم في هذين الوقتين حتى أغواهم فجعلهم يسجدون لها، نحو ما ورد في بعض الأراضي أنها مطلع قرن الشيطان، و قال الطيبي فيما حكي عنه من شرح المشكاة أن فيه وجوها:
أحدها انه ينتصف قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه أي فوديه، فيكون مستقبلا لمن يسجد للشمس، فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان، و ثانيها أن يراد بقرينة حزباه اللذان يبعثهما لإغواء الناس، و زاد في كشف اللثام أو حزباه المتبعون له من عبدة الشمس من الأولين و الآخرين، أو أهل المشرق و المغرب، أو أهل الشمال و الجنوب، و عبر عن طلوعها و غروبها بين قرون عبدتها بهما بين قرني الشيطان، و ثالثها أنه من باب التمثيل شبه الشيطان فيما يسول لعبدة الشمس، و يدعوهم إلى معاندة الحق بذوات القرون التي تعالج الأشياء و تدافعها بقرونها، و رابعها أن يراد بالقرن القوة من قولهم أنا مقرن له أي مطيق، و معنى التثنية تضعيف القوة، كما يقال ما لي بهذا الأمر يد و لا يدان: أي لا قدرة و لا طاقة، و زاد في الكشف أيضا التعليل بأن قوة ذي القرن بقرنه و ذي اليد في يديه، و منه(1)«وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» انتهى. و لعل التأمل في بعض النصوص يشعر ببعض ما ذكرنا، فتأمل. و عن بعض العامة أن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الأوقات ليكون
1) 1 سورة الزخرف- الآية 12.
ج7،
الساجد للشمس ساجدا له، و ربما يومي اليه
ما رووه(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «ان الشمس تطلع و معها قرن الشيطان»
الحديث. و على كل حال فالأمر سهل.
نعم كان على المصنف
من الثالث كما فعل غيره، بل هو المشهور، بل في جامع المقاصد نسبته إلى أكثر أهل العلم، بل في الغنية و عن الانتصار و الناصرية و الخلاف و ظاهر المنتهى الإجماع عليه، بل في كشف اللثام و عن مجمع البرهان كأنه لا خلاف فيه، و لعله ل
صحيح علي بن جعفر(2)عن أخيه موسى (عليهما السلام) «سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الأذان أو بعده قال: قبل الأذان»
و في
صحيح ابن سنان(3)«لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة»
و عن بعض الشافعية استثناؤه من الأولين أيضا، لما في
بعض الأخبار «ان جهنم تسعر في الأوقات الثلاثة إلا يوم الجمعة»
و عن
احتجاج الطبرسي(4)«إن صاحب الزمان (عليه السلام) لما سأله محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أفضل أوقات صلاة جعفر قال: أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، و في أي الأيام شئت و في أي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز»
بل قد يفهم منه استثناء صلاة جعفر مطلقا، كما يشهد له أيضا
خبر أبي بصير(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «صل صلاة جعفر في أي وقت شئت من ليل أو نهار»
لكن قد يقال بأن صلاة جعفر من ذوات الأسباب على ما ستعرفه
1) 1 تيسير الوصول ج 2 ص 201 المطبوع بمصر عام 1346.
2) 2 الوسائل- الباب- 11- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة جعفر عليه السلام- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة جعفر عليه السلام- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
من بعضهم من أنه ما اختص بوضع من الشارع لا ما يفعله المكلف من النافلة، أو يقال إن ذلك لا ينافي الكراهة المراد بها هنا أقلية الثواب في أحد الوجوه لا عدم الانعقاد، و إن احتمله في المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام إلا أنه في غاية الضعف، بل هو قول بالحرمة في المعنى، ضرورة إرادة التشريعية أو كالتشريعية منها.
قال في الذكرى: و عليه يبنى نذر الصلاة في هذه الأوقات، فعلى قولنا ينعقد، و على المنع جزم الفاضل بعدم انعقاده، لأنه مرجوح، و لقائل أن يقول بالصحة أيضا، لأنه لا يقصر عن نافلة لها سبب، و هو عنده جائز، و لأنه جوز إيقاع الصلاة المنذورة في مطلق هذه الأوقات، قلت: و يمكنه الفرق، هذا.
و قد يعتذر للمصنف من عدم استثنائه بأن تفصيل الكلام في الجمعة مؤخر في محله، أو بأن المستفاد من الصحيح الأول صلاة ركعتي الزوال خاصة، و هي من ذوات الأسباب، أقصاه أنها تقدمت على سببها، و البحث في غيرها كما ستعرف، و لعل الصحيح الثاني منزل على ذلك أيضا، نعم لو استثنى مطلق الصلاة في هذا الوقت منها كان على المصنف استثناؤه، و فيه أن إطلاق الاستثناء نصا و فتوى و أصالة الاتصال فيه يقتضي ذلك، إلا أن يدعى انسياقه إلى المعروف المعهود، و هو الركعتان، قال في المحكي عن التذكرة: إن عللنا ذلك بغلبة النعاس و مشقة المراقبة و عدم العلم بدخول الوقت جاز أن يتنفل بأكثر من ركعتين، و إلا اقتصرنا على المنقول، و لا يخفى عليك ما في التعليل المزبور كما اعترف به في جامع المقاصد، ثم قال: الذي يقتضيه النظر أن النص إن اقتضى حصر الجواز في ركعتين اقتصر عليهما، و إلا فلا، و قد عرفت أن الأولى الثاني، هذا. و لكن ظاهر الرياض أن المراد من الاستثناء في عبارة من استثنى نوافل يوم الجمعة مطلقا لا خصوص الركعتين منها، قال بعد أن ذكر الاستدلال على ذلك:
«لا خلاف أجده فيه إلا من إطلاق نحو العبارة، و ليس نصا بل و لا ظاهرا في المخالفة،
ج7،
سيما مع إمكان إدراجها في النوافل الراتبة المستثناة، فإنها منها، لكونها النوافل النهارية قدمت على الجمعة، و زيادة الأربع ركعات فيها لا يخرجها عن كونها راتبة» انتهى.
و هو جيد لو أن نوافل الجمعة كلها وظيفتها الوقوع في وقت قيام الشمس في الوسط كي يحتاج إلى هذا الاعتذار، أما إذا كان ما عدا الركعتين منها تقع في محل تكون الشمس فيه في محل العصر كما ستعرفه في محله فهو في غنية عن ذلك، و الأمر سهل.
و كيف كان ف لا بأس بما له سبب كصلاة الزيارة و الحاجة و قضاء النوافل المرتبة وفاقا للمشهور نقلا و تحصيلا، بل في الرياض أن عليه عامة المتأخرين، بل ظاهر «عندنا» في المحكي عن الناصرية الإجماع عليه، بل في المحكي عن الخلاف الإجماع صريحا عليه، لكن فيما كره للفعل أي بعد الفجر و العصر، و عن المنتهى تارة الإجماع على أنه يصلى صلاة الطواف المندوب في أوقات النهي، و أخرى الإجماع على عدم كراهة قضاء الرواتب بعد العصر، بل فيه أيضا، و في المحكي عن التحرير و السرائر و ظاهرية الناصرية و التذكرة الإجماع على قضاء الفرائض، بل لعله ظاهر كل من حكاه على ما يقتضي التضييق، كما أن فيه نفي الخلاف بين علماء الإسلام في عدم كراهة صلاة الكسوف في الأوقات الخمسة، و فيه و في المحكي عن التذكرة إجماع علماء الإسلام على عدم كراهة صلاة الجنازة بعد العصر و بعد الصبح، و إجماعنا على عدم كراهتها في الأوقات الثلاثة الأخر، إلى غير ذلك، بل لعله مفروغ منه بالنسبة إلى ما عدا التطوع من الفرائض كما لا يخفى على من لاحظ نصوص المقام، و خبر عبد الرحمن(1)و غيره مما يدل على الكراهة في صلاة الجنازة و غيرها محمول على التقية أو غيرها لا الكراهة، كأخبار المنع في البعض و إن حملناه في غيره عليها، لوضوح الفرق بين المقامين بالشهرة و عدمها، فلا بأس حينئذ في سائر الفرائض حتى المنذورة مثلا قبل حصول سبب الكراهة مع
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.
ج7،
عدم تقييد النذر به، و لعله ينزل عليه ما يحكى عن المنتهى أيضا من أنه قد يظهر منه الإجماع على عدم كراهة المنذورة مطلقا، أما المنذور حاله فلا يخلو من إشكال، أفرغنا البحث فيه في مقام آخر، انما الكلام فيما له سبب من التطوع.
و يدل عليه مضافا إلى ما عرفت و إلى الأصل خصوص ما ورد(1)مستفيضا في قضاء النوافل منها و في ركعتي الطواف الذي يمكن دعوى مساواته للزيارة، فيستفاد حينئذ من ركعتيه ركعتاها و الإحرام و صلاة الغدير و التحية مما هو ظاهر أو صريح في عدمها سيما بالنسبة إلى ما يتعلق بالفعل مع ضميمة عدم القول بالفصل، و من الغريب ما في الذخيرة من إنكار ظهور هذه النصوص في نفي الكراهة، بل قال: إن بينها و بينها تعارض العموم من وجه، و الترجيح محتاج إلى دليل، إذ لا يخفى على من لاحظها خصوصا المشتمل على التعليل بأنه من سر آل محمد (صلى الله عليه و آله) المخزون و نحوه مما هو صريح في التعريض بالمخالفين ظهورها إن لم يكن صراحتها في إرادة نفي ذلك، و إن كانت مشتملة على الأمر بالفعل و نحوه فقط، فلاحظ و تأمل، و إطلاق ما دل على شرعية ذوات الأسباب عند حصول أسبابها الشامل لهذه الأوقات و غيرها، فان التعارض بينه و بين دليل الكراهة السابق و إن كان من وجه لكن لا ريب في رجحانه عليه بالأصل، و ما دل على رجحان أصل الصلاة، و الشهرة العظيمة و الإجماع المحكي و الكثرة، و خصوص نصوص بعض أفراده من قضاء النوافل و نحوها مما يوهن به عموم الكراهة أيضا، لتخصيصها بتلك قطعا، لكون التعارض بينها بالخصوص مطلقا لا من وجه، بل يمكن استفادة استثناء مطلق ذات السبب من خصوص
مكاتبة ابن بلال(2)«في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و من بعد العصر إلى أن تغيب الشمس،
ج7،
فكتب إلى لا يجوز ذلك إلا للمقتضي، فاما لغيره فلا»
بناء على أن المراد من قضاء النافلة مطلق تأديتها و فعلها، و ان المراد من المقتضي مطلق السبب مقابل غير ذات المقتضي و هي المبتدأة، فيكون حينئذ صريحا في المطلوب، و أما احتمال إرادة القضاء من المقتضي فيه فيبعده عدم تعارف هذه اللفظة في هذا المعنى أولا، و عدم حسن الجواب على هذا التقدير ثانيا، ضرورة إرادة المقابل للأداء من القضاء في السؤال حينئذ لا مطلق الفعل، إذ هو أولى من لفظ المقتضي في ذلك، فتأمل. أو احتمال إرادة مطلق الداعي و المرجح لفعل المكروه، لمخالفته حينئذ لفتوى الأصحاب كما اعترف به في كشف اللثام، و من
قول الرضا (عليه السلام) في الجملة في العلل التي رواها الفضل(1)عنه (عليه السلام):
«انما جوزنا الصلاة على الميت قبل المغرب و بعد الفجر لأن هذه الصلاة انما تجب في وقت الحضور و العلة، و ليست هي موقتة كسائر الصلوات، و إنما هي صلاة تجب في وقت حدث، و الحدث ليس للإنسان فيه اختيار، و انما هو حق يؤدي، و جائز أن يؤدي في أي وقت كان إذا لم يكن الحق موقتا»
و من النهي عن التحري في
النبوي «لا يتحرى أحدكم بذات السبب هذه الأوقات»
إذ لا ريب في إشعاره بعدم البأس إذا لم يتحر، و من هنا حكي عن التذكرة و جامع المقاصد التصريح بكراهة التحري المزبور للمرسل المذكور، ثم قال في الأخير كما عن نهاية الأحكام: و لو تعرض بسبب النافلة في هذه الأوقات كما لو زار مشهدا أو دخل مسجدا لم يكره لصيرورتها ذات سبب، قلت: و ليس هو من التحري بها قطعا، مضافا إلى ما عرفت من البحث في الجملة في أصل دليل الكراهة، و أن ظاهر النهي فيه كالتعليل موافق للعامة، و أن الشهرة هي التي أقامت تلك الأخبار و نزلتها على الكراهة، فينبغي أن يدور الأمر مدارها، هذا أقصى ما يقال في وجه الاستثناء المزبور و إن كان فيه ما فيه، خصوصا مع ملاحظة
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.
ج7،
ما دل على الكراهة، و إطلاقه إطلاقا ظاهرا في عدم الفرق بين النوافل، سيما المشتمل على التعليل بالطلوع و الغروب بين قرني شيطان، و بأن صلاة الجنازة ليست ذات ركوع و سجود، بل في المحكي عن
كتاب الاستخارات لابن طاوس انه روى أحمد بن محمد ابن يحيى(1)عن الصادق (عليه السلام) في الاستخارة بالرقاع «فتوقف إلى أن تحضر صلاة مفروضة فقم فصل ركعتين كما وصفت لك، ثم صل الصلاة المفروضة، أو صلهما بعد الفرض ما لم يكن الفجر أو العصر، فأما الفجر فعليك بالدعاء بعدها إلى أن تنبسط الشمس ثم صلهما، و أما العصر فصلهما قبلها ثم ادع الله بالخيرة»
و هو ظاهر في عدم الفرق كظهور غيره أو صراحته من النصوص الواردة في الطواف، فلاحظ.
و من ذلك كله و غيره قال في كشف اللثام تارة: إن الاقتصار على ما نص على جواز فعله في هذه الأوقات أو نص فيه على التعميم حسن إلا أن يثبت الإجماع الذي في الناصريات، و أخرى انه إن قيل إن ذوات الأسباب ان كانت المبادرة إليها مطلوبة للشارع كالقضاء و التحية لم تكره و إلا كرهت كان متجها، و قال في الحدائق: إن الاشكال باق فيما عدا القضاء من ذوات الأسباب و ركعتي الطواف و صلاة الإحرام، و كأنه لم يلتفت إلى ما ورد في صلاتي الغدير(2)و التحية(3)لعدم نصه على شيء من الأوقات بالخصوص، كالمحكي عن مجمع البرهان، قال: الظاهر إما عدم الكراهة مطلقا، لعدم صحة الدليل الخاص، أو الكراهة مطلقا سوى الخمس المذكورة في الخبر أي
خبر أبي بصير(4)و نحوه «خمس صلوات يصليهن في كل وقت: صلاة الكسوف
ج7،
و الصلاة على الميت و صلاة الإحرام و الصلاة التي تفوت و صلاة الطواف من الفجر إلى طلوع الشمس و بعد العصر إلى الليل»
أو
صحيح ابن عمار(1)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس صلوات لا تترك على كل حال: إذا طفت بالبيت و إذا أردت أن تحرم و صلاة الكسوف و إذا نسيت فصل إذا ذكرت و صلاة الجنازة»
و هما بمعنى، و عليهما اقتصر في المحكي عن الهداية و المصباح و الوسيلة و الجمل و العقود و الجامع عدا الأخير، فزاد تحية المسجد، و في الفقيه على ما في
صحيح زرارة(2)«أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أديتها، و صلاة ركعتي طواف الفريضة، و صلاة الكسوف، و الصلاة على الميت، هذه يصليهن الرجل في الساعات كلها».
و يمكن إرادة ما يعم الفرض و النفل من الفائتة في هذه الأخبار، خصوصا الأول، و خصوصا مع ملاحظة باقي النصوص، ك
مكاتبة محمد بن يحيى بن حبيب(3)للرضا (عليه السلام) «تكون علي الصلاة النافلة متى أقضيها؟ فكتب في أي ساعة شئت من ليل أو نهار»
و
خبر سليمان بن هارون(4)عن الصادق (عليه السلام) سأله «عن قضاء الصلاة بعد العصر فقال: إنما هي النوافل فاقضها متى ما شئت»
و غيرهما حتى صحيح ابن أبي يعفور(5)و حسن الحسين بن أبي العلاء(6)المشتملين على الأمر بقضاء صلاة النهار في أي وقت شاء من ليل أو نهار، مع إمكان دعوى تناول لفظ صلاة النهار لهما، بل يمكن دعوى ظهوره في النفل خاصة، فتأمل. فيتجه حينئذ
1) 1 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 39- من أبواب المواقيت- الحديث 13 من كتاب الصلاة.
ج7،
استثناؤها من الكراهة في هذه الأوقات لذلك و لغيره مما تقدم.
فما عن النهاية من الحكم بكراهته أيضا عند الطلوع و الغروب مع تصريحه سابقا باستثناء الخمس التي في خبري أبي بصير(1)و معاوية بن عمار(2)لا يخلو من نظر، كالمحكي عن المفيد مما هو نحو ذلك، قال: «لا بأس أن يقضي الإنسان نوافله بعد صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس، و بعد صلاة العصر إلى أن يتغير لونها بالاصفرار، و لا يجوز ابتداء النوافل و لا قضاء شيء منها عند طلوع الشمس و لا عند غروبها- قال-:
و يقضي فوائت النوافل في كل وقت ما لم يكن وقت فريضة أو عند طلوع الشمس أو عند غروبها، و يكره قضاء النوافل عند اصفرار الشمس حتى تغيب- قال-: و من حضر بعض المشاهد عند طلوع الشمس و غروبها فليزر و يؤخر صلاة الزيارة حتى تذهب حمرة الشمس عند طلوعها، و صفرتها عند غروبها» و مثله في ذلك أيضا الشيخ فيما حكي من خلافه، فإنه فرق أيضا بين الكراهة للفعل و بينها للوقت، فخص الأولى بالمبتدأة بخلاف الثانية، فإن الأيام و البلدان و الصلوات فيها سواء، قال: إلا يوم الجمعة، فله أن يصلي عند قيامها النوافل، و وافقنا الشافعي في جميع ذلك، و استثنى من البلدان مكة، فأجاز الصلاة فيها في أي وقت شاء، و من الصلوات ما لها سبب، و في أصحابنا من قال الصلوات التي لها سبب مثل ذلك، و لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الإحاطة بما تقدم، و أنه لا ينبغي التأمل في البعض كالقضاء و نحوه.
و أغرب منه ما عن الجعفي «و كان يكره يعني الصادق (عليه السلام) أن يصلى من طلوع الشمس حتى ترتفع، و نصف النهار حتى تزول، و بعد العصر حتى تغرب، و حين يقوم الامام يوم الجمعة إلا لمن عليه قضاء فريضة أو نافلة من يوم الجمعة» كما ان ما عن الحسن- من أنه لا نافلة بعد طلوع الشمس إلى الزوال، و بعد العصر إلى أن
ج7،
تغيب الشمس إلا قضاء السنة، فإنه جائز فيهما، و إلا يوم الجمعة- لا يخلو إطلاقه النهي عن النافلة بعد الطلوع إلى الزوال من غرابة في الجملة أيضا، نعم قد عرفت أن استفادة استثناء جميع ذوات الأسباب من النصوص محل للنظر بل المنع، و كيف و لم يعرف التعبير بلفظ ذات السبب و المبتدأة كالحكم إلا في لسان الفقهاء، لكن الأمر بعد أن كان في الكراهة و عدمها سهل.
و المنساق من ذات السبب الصلاة التي شرعت بسبب آخر غير رجحانها نفسها كصلاة الحاجة و الاستسقاء و الاستخارة و الإحرام و غيرها حتى لو كان بفعل المكلف كدخول مسجد أو مشهد، بل قال الشهيد و غيره فيما حكي عنهم: لو تطهر في هذه الأوقات جاز أن يصلي ركعتين و لا يكون هذا ابتداء، للحث على الصلاة عقيب الطهارة، و لأن
النبي (صلى الله عليه و آله) كما روي(1)انه قال لبلال: «حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دق نعليك بين يدي في الجنة قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أنني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور، ما كتب لي أن أصلي، و أقره النبي (صلى الله عليه و آله) على ذلك»
و في كشف اللثام ليسا من النص في ذلك على شيء لاحتمالهما الانتظار إلى زوال الكراهة، و فيه أنه يكفي النص على التعميم كما اعترف به هو سابقا، على أنه يمكن أن يكون مراد الشهيد إثبات أنها من ذوات الأسباب بذلك، فيثبت الحكم حينئذ و لو من غير هذين، لا ان المراد إثبات الحكم بهما، بل لعل ذلك هو الظاهر من عبارته، فلاحظ و تأمل.
نعم قد يناقش بأنه لا دلالة في الحث على نفي الكراهة، و إلا لنفاها بالنظر إلى أصل النافلة التي ورد فيها أنها خير موضوع، و ان صلاة ركعتين تدخل الرجل الجنة، إلى غير ذلك، و بما في الحدائق من أن الخبر المزبور عامي و كذب صريح، لتضمنه
1) 1 كنز العمال ج 2 ص 167.
ج7،
دخول بلال الجنة قبل النبي (صلى الله عليه و آله)، و قد بينا ما فيه من المفاسد في مقدمة كتاب السلاسل، فعدها حينئذ من ذوات الأسباب لذلك لا يخلو من نظر.
و على كل حال فما عن جامع المقاصد و فوائد القواعد من أن حاصل المراد بالسبب هو ما خصه الشارع بوضع و شرعية خلاف ما يحدثه المكلف من مطلق النافلة- و لعل الذي حمله عليه المقابلة بالمبتدأة التي يصعب إن لم يمنع اندراج مثل ذلك فيها أيضا- فهو محل للتأمل، ضرورة عدم معروفية السبب بهذا المعنى، و إن كان عليه يندرج في الاستثناء كثير من النوافل، كصلاة جعفر و غيرها، بل يمكن دعوى دخول إعادة المنفرد الصبح و العصر جماعة فيها، و الركعتين اللتين حصلا من المسافر إذا ائتم بالحاضر في مثل العصر، إذ هو مخير بين جعل الأولتين الفريضة و الأخيرتين نافلة و العكس كما عن الذكرى التصريح بهما معا، و إن ناقشه فيهما في الحدائق، و زاد الأخير إشكالا بعدم الجماعة في النافلة، و هذا ليس من المواضع المستثناة، لكن الذي يهون الخطب خلو النصوص عدا ما سمعت من النبوي العامي على الظاهر عن هذين اللفظتين كي يحتاج إلى البحث عن المراد بهما، انما العمدة النظر إلى دليل الاستثناء، فان شمل مثل ذلك أخرج عن الكراهة و إن قلنا بظهور ذات السبب في غيرها، و إلا دخلت و إن كانت من ذات السبب، و قد عرفته، فلاحظ و تأمل، اللهم إلا أن يقال إنه و إن خلت النصوص عنهما، لكنهما في معقد الإجماع و في فتاوى الأصحاب التي هي العمدة في المقام من جهة جبر الأخبار بالشهرة و عدمها.
ثم ان المنساق من الأدلة كراهة الشروع في النافلة في هذه الأوقات، أما لو دخل عليه أحد الأوقات و هو في الأثناء لم يكره إتمامها كما صرح به بعضهم فيما حكي عنه، حتى لو علم من أول الأمر دخوله عليه كذلك، بل الظاهر أنه المراد من مثل ما في القواعد، و يكره ابتداء النوافل عند كذا و كذا إلا ما له سبب، لظهور الاتصال في
ج7،
الاستثناء، إذ لو لم يكن المراد من لفظ الابتداء الشروع كان منقطعا، أو كان لفظ ابتداء مستدركا كما هو واضح.
و لا يندرج مطلق السجود في الصلاة المنهي عنها قطعا، و لذا صرح الفاضل فيما حكي من تذكرته بعدم كراهة سجدة الشكر و سجدة التلاوة معللا ذلك بأنهما ليستا بصلاة، و بأن لهما أسبابا، و قد يشكل بالنظر إلى الكراهة في الوقت بشمول التعليل المزبور، و بأنه لا دليل على خروج كل ذي سبب، إذ قد عرفت ما فيه في النافلة فضلا عن غيرها، على أن مقتضاه الكراهة في الابتدائي من السجود، و بأن الموجود في رواية عمار(1)النهي عن فعل سجود السهو حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها، و إن كان العمل به لا يخلو من إشكال بناء على الفورية في السجود، و لأنه موافق للعامة.
المسألة السادسة ما يفوت من النوافل ليلا يستحب تعجيله و لو في النهار، و ما يفوت نهارا يستحب تعجيله و لو ليلا و لا ينتظر بها النهار هنا كما لا ينتظر الليل هناك على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، للأمر بالمسارعة(2)و ثبوت ذلك في الفرائض على الوجوب أو الندب إن لم نقل بشمول بعض النصوص لهما، و
خبر محمد ابن مسلم(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان إذا فاته شيء من الليل قضاه بالنهار، و إذا فاته شيء من اليوم قضاه من الغد أو في الجمعة أو في الشهر، و كان إذا اجتمعت الأشياء عليه قضاها في شعبان حتى يكمل له عمل السنة كلها كاملة»
و
خبر أبي بصير(4)قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إن قويت
ج7،
فاقض صلاة النهار بالليل»
و
خبر إسحاق بن عمار(1)المروي في الذكرى «لقيت أبا عبد الله (عليه السلام) بالقادسية عند قدومه على أبي العباس فأقبل حتى انتهينا إلى طراناباد(2)فإذا نحن برجل على ناقته يصلي و ذلك عند ارتفاع النهار، فوقف عليه أبو عبد الله (عليه السلام) و قال: يا عبد الله أي شيء تصلي؟ فقال: صلاة الليل فاتتني أقضيها بالنهار، فقال: يا معتب حط رحلك حتى نتغدى مع الذي يقضي صلاة الليل بالنهار، فقلت: جعلت فداك تروي فيه شيئا قال: حدثني أبي عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الله يباهي بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي كيف يقضي ما لم أفترضه عليه، أشهدكم اني قد غفرت له»
و
خبر جميل(3)المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: «قال رجل: ربما فاتتني صلاة الليل الشهر و الشهرين و الثلاثة فأقضيها بالنهار أ يجوز ذلك؟ قال: قرة عين لك و الله ثلاثا، إن الله يقول(4)«وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً» فهو قضاء صلاة الليل بالنهار، و هو من سر آل محمد (عليهم السلام) المكنون»
إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على تفسير الآية المزبورة بذلك، بل في
المرسل(5)عن الصادق (عليه السلام) الاحتجاج بها، قال: «كل ما فاتك من صلاة الليل فاقضه بالنهار، قال الله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ» الآية. يعني أن يقضي الرجل ما فاته بالليل بالنهار،
1) 1 الوسائل- الباب- 57- من أبواب المواقيت- الحديث 15 من كتاب الصلاة.
2) 2 كذا في النسخة الأصلية، و في الوسائل و الذكرى« طرناباد» و في معجم البلدان ج 6 ص 79« طيزناباد».
3) 3 الوسائل- الباب- 57- من أبواب المواقيت- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
4) 4 سورة الفرقان- الآية 63.
5) 5 الوسائل- الباب- 57- من أبواب المواقيت- الحديث 4 و 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
و ما فاته بالنهار بالليل، فاقض ما فاتك من صلاة الليل أي ساعة شئت من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة، قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الله ليباهي ملائكته بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار، فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه، أشهدكم اني قد غفرت له»
و
المرسل(1)الآخر الذي أرسله الحسن عنهم (عليهم السلام) «وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ(2)أي يديمون على أداء السنة، فان فاتتهم بالليل قضوها بالنهار، و إن فاتتهم بالنهار قضوها بالليل».
و لو لا الشهرة الجابرة لهذه النصوص سندا و دلالة لأمكن أن يناقش في الأول بأنه حكاية فعل لا عموم فيه، مع أن قوله فيه: «قضاه من الغد» قد ينافي ذلك، بل لعل ذيله أيضا عند التأمل كذلك، و بإرادة الإباحة من الأمر الواقع في مقام توهم الحظر كما لا يخفى على من لاحظ النصوص، ضرورة ظهور أسئلتها بل و أجوبتها في ذلك، كالاحتجاج بالآية، و ما في بعضها انه «من سر آل محمد (عليهم السلام) المكنون» و قول السائل: «أ يجوز» و لا أقل من استبعاد وقوع صلاة الليل في النهار و بالعكس و نحو ذلك، على أن الأمر به لا يقضي بعدم رجحان غيره، فلعلهما متساويان في الفضيلة، كما يشهد له
خبر ابن أبي العلاء(3)عن الصادق (عليه السلام) قال: «اقض صلاة النهار أي ساعة شئت من ليل أو نهار، كل ذلك سواء»
فيكون الأمر حينئذ بأحدهما على أنه أحد الفردين، و باحتمال كون المباهاة بأصل القضاء كما يومي اليه عدم ذكر لفظ النهار في قول الله للملائكة، لا أنها بالكون في النهار، اللهم إلا أن يدعى أن هذا القول من الله حال وقوع القضاء بالنهار كما هو ظاهر الخبر المزبور، و بأن مقتضى الأخير
ج7،
الاستحباب من حيث النهار و ان لم يستلزم التعجيل، بل لعل ذلك هو مقتضى غيره من النصوص عند التأمل، و هو خلاف ظاهر فتوى الأصحاب، خصوصا مثل عبارة المتن، و باضطراب المرسل الأول، و بإرادة مطلق القضاء من المرسل الثاني، و بغير ذلك، لكن الانصاف بقاء شك في النفس مع الشهرة أيضا سيما بعد صراحة أدلة اعتبار المماثلة التي اعتبرها المفيد و الكاتب فيما حكي عنهما، و نسبه في الروضة إلى جماعة إلا أني لم أجد غيرهما كما اعترف به شيخنا في مفتاح الكرامة، نعم قال فيه تبعهما صاحب المفاتيح.
و كيف كان فيدل عليه
صحيح معاوية بن عمار(1)قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، و ما فاتك من صلاة الليل بالليل، قلت: أقضي و ترين في ليلة قال: نعم اقض وترا أبدا»
و
خبر إسماعيل الجعفي(2)قال أبو جعفر (عليه السلام): «و أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل، و صلاة النهار بالنهار، قلت: و يكون وتران في ليلة واحدة قال: لا، قلت: و لم تأمرني أن أوتر وترين في ليلة فقال: أحدهما قضاء»
و
صحيح زرارة(3)«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل قال: اقضها في وقتها الذي صليت فيه، فقال: قلت: يكون وتران في ليلة قال: ليس هو وتران في ليلة، أحدهما لما فاتك»
و
خبر إسماعيل بن عيسى(4)سأل الرضا (عليه السلام) «عن الرجل يصلي الأولى ثم يتنفل فيدركه وقت من قبل أن يفرغ من نافلته فيبطئ بالعصر يقضي نافلته بعد العصر أو يؤخرها حتى يصليها في وقت آخر قال: يصلي العصر و يقضي نافلته في يوم آخر».
ج7،
لكن قد يقال ليس شيء ما سوى خبر الجعفي نصا في الفضل، فيجوز إرادة الإباحة فيها لتوهم المخاطب أن لا وترين في ليلة، أو لزوم قضاء نافلة اليوم في يومه، كما أنه يمكن أن يراد بخبر إسماعيل و إن بعد أن الأفضل قضاء صلاة الليل في ليلها، و صلاة اليوم في يومها، و لا يكون قول السائل: «فيكون وتران في ليلة» سؤالا متفرعا على قضاء صلاة الليل بالليل، بل مبتدء، مضافا إلى ما في الحدائق عن بعض متأخري المتأخرين من حمل هذه الأخبار على التقية، قال: و لا يحضرني الآن مذهب العامة، فإن كان كذلك اتجه الحمل المزبور، و إلا كانت المسألة محل إشكال، قلت:
قد حكى في التذكرة عن الشافعي المماثلة في القضاء، لكن في بالي أن بعض العامة منع أيضا من تعدد الوتر في ليلة واحدة و لو قضاء، و مقتضاه مخالفة هذه النصوص للعامة لا الموافقة، فتترجح حينئذ على الأولى من هذه الجهة، كما أنه ترجح عليها أيضا بأنها أصرح دلالة منها، بل يمكن دعوى عدم معارضتها لها كما هو ظاهر الذكرى، إذ ليس في الأولى إلا الفضل من جهة المسارعة أو غيرها، و هو لا ينافي أفضلية غيره.
و لعل الأوجه بملاحظة مجموع الأدلة و المرجحات من الشهرة و غيرها أن يقال باستحباب كل منهما من جهتي المماثلة و المسارعة و إن كانت الجهة الأولى أولى من حيث اقتضائها رجحانا ذاتيا بخلاف الثانية، فإن المسارعة جهة خارجية لا مدخلية لها هنا بالخصوص استأهلت إطلاق الأفضلية عليها في الخبر المزبور، نعم لو قلنا بأن المخالفة من حيث كونها مخالفة جهة مرجحة كما يمكن دعواه من النصوص أمكن حينئذ مساواة الجهتين، و كان مقتضاهما التسوية في الفضل كما هو مضمون الخبر السابق، و إن كان لكل جهة، و الأمر في ذلك كله سهل بعد ثبوت الجواز بل الاستحباب، و أما
موثق
ج7،
عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر كيف يصنع؟ أ يجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لا يجوز له، و لا يثبت له، و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل»
فهو من شواذ الأخبار و غرائبها المخالفة للكتاب و المستفيض من السنة، و لا غرو بعد أن كان راويه مثل عمار المعروف بنقل أمثال ذلك، و ربما حمل على خصوص المسافر، لاحتمال أن يكون الأفضل له التأخير إلى الليل، لعدم تيسر القضاء له غالبا في النهار إلا على الراحلة أو الدابة أو ماشيا، مضافا إلى كثرة شواغل البال عن التوجه و الإقبال، و الله أعلم بحقيقة الحال.
و الظاهر اتحاد كيفية القضاء في الفرائض و النوافل، فيجهر فيما يجهر فيه منها، و يخفت فيما يخفت فيه منها، بل لعل ذلك هو الموافق لمعنى القضاء، عند التأمل، و من هنا حكي عن الخلاف التصريح بالجهر بالليلية في النهار، و بالإخفات بالنهارية في الليل ناقلا للخلاف فيه عن بعض العامة، مشعرا بعدم الخلاف فيه منا، و لعله كذلك، و الله العالم.
المسألة السابعة الأفضل في كل صلاة أن يؤتى بها في أول وقتها إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا أو متواترا كالنصوص(2)التي تقدم الإشارة إليها، و إلى أنه ربما ظن منها الوجوب، مضافا إلى ما دل على المسارعة للخير و تعجيله من الكتاب(3)و السنة(4)أيضا، بل و العقل في الجملة إلا المغرب و العشاء الآخرة ل خصوص من أفاض من عرفات، فإن تأخيرهما إلى المزدلفة بكسر اللام، و هي المشعر الحرام
ج7،
أولى و لو صار إلى ربع الليل اتفاقا كما في كشف اللثام، بل بإجماع أهل العلم كما عن المنتهى، و للنصوص(1)بل في
صحيح ابن مسلم(2)عن أحدهما (عليهما السلام) النهي عن الصلاة قبل ذلك و لو إلى ثلث الليل قال: «لا تصلي المغرب حتى تأتي جمعا و إن ذهب ثلث الليل»
و إلا العشاء الآخرة أيضا مطلقا، فإن الأفضل تأخيرها حتى يسقط الشفق الأحمر للنصوص(3)السابقة أيضا التي قد ظن منها أنه أول وقتها، و أنه لا يجوز فعلها قبله، و
في بعضها(4)«لو لا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل»
و
في آخر(5)«لو لا نوم الصبي و عيلة الضعيف لأخرت العتمة إلى ثلث الليل»
و ربما يستفاد منهما استحباب التأخير إلى الثلث إلا أنه لم أجد أحدا أفتى به كما اعترف به العلامة الطباطبائي في مصابيحه، و لعله لأن التعليق على ما ليس بمطلوب يدل على عدم الطلب، قيل: و يؤيده ورود هذا المضمون إلى النصف مع ما في الصحيح(6)أن ذلك هو التضييع، لكن قد يشكل بفهم أهل العرف من مثل هذه العبارة الندب بعد أن يكون المعلق الوجوب، لكن قد يمنع هنا، كما أنه يمنع احتمال فهم الندب على تقدير أن يكون هو المعلق أيضا، فتأمل جيدا، و كيف كان فما في
خبر العمري(7)عن صاحب الزمان (ع) «ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم»
يراد منه المغرب قطعا تعريضا بأبي الخطاب و أصحابه كما يكشف عنه باقي
1) 1 الوسائل- الباب- 5 و 6- من أبواب الوقوف بالمشعر من كتاب الحج.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1 من كتاب الحج.
3) 3 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة،.
5) 5 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة، و فيه« و غلبة» بدل« و عيلة».
6) 6 الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
ج7،
النصوص(1)بل في بعضها(2)هذا اللفظ بعينه مع تبديل العشاء بالمغرب، أو غير ذلك.
و إلا المتنفل فإن الأفضل له أن يؤخر الظهر و العصر حتى يأتي بنافلتيهما بلا خلاف أجده فيه نصا و فتوى، بل هو المعلوم من سيرة السلف و الخلف، نعم ظاهر المتن اختصاص ذلك بالمتنفل دون غيره، فلا يستحب له التأخير عن أول الوقت أصلا، و هو أحد الوجهين أو القولين اللذين مر البحث فيهما سابقا في أول المواقيت، كما أن ظاهره أيضا أن غاية التأخير الإتيان بالنافلتين سواء زاد ذلك عن التقدير بالأقدام و الأذرع أو نقص، و إن كان بقرينة ما تقدم منه سابقا ينبغي تنزيله و على مراعاة الأقدام، أو يكون التحديد بها فيما مضى لبيان أقصى الاذن في فعل النافلة، و إلا فالمدار على الفراغ منها و إن لم يبلغ الظل القدمين أو الأربعة، أو لبيان أن النافلة غالبا لا يطول فعلها أزيد من القدمين، أو غير ذلك.
و بالجملة لا إشكال في استحباب تأخير الظهر للمتنفل بمقدار النافلة أو إلى القدمين، و أما العصر فالذي يظهر من ملاحظة النصوص و ما تضمنته من انتظار الصلاة بعد الصلاة(3)و من إضافة الوقت فيها إلى العصر(4)و ان لكل صلاة وقتين(5)و ان المواقيت خمس(6)و تأخير المستحاضة(7)و المسافر الظهر إلى وقت العصر(8)و ان
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 7 و 12 و 17 و 19 و 22 و 23 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 18- من أبواب المواقيت- الحديث 6 و 20 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 2- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 4 و 11 و 13 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 14 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- الحديث 1.
8) 8 الوسائل- الباب- 6- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
ج7،
الجمع رخصة للسفر أو العلة أو الجمعة(1)أو نحو ذلك مما لا يخفى على من استقرأ جميع نصوص الباب الواردة في الكتب الأربعة و غيرها أنها تؤخر عن أول الوقت، و ان لها وقتين اجزائيين سابق و لاحق كالعشاء، بل ظاهر خبر عمر بن حنظلة(2)و خبر أحمد بن أبي نصر(3)و خبر أحمد بن عمر(4)و خبر زرارة(5)و خبر ابن وهب(6)و خبر ابن ميسرة(7)و خبر الفضل بن شاذان(8)المروي عن العلل و العيون المشتمل على علل المواقيت، و خبر المجالس(9)المشتمل على تعليم محمد بن أبي بكر لما ولي مصر، و ما في نهج البلاغة(10)و غير ذلك مما لا يسع الفقيه تعداده و إحصاؤه، لكن بناء على إرادة قامة الإنسان من القامة في بعضها لا الذراع كون التأخير إلى المثل الذي هو منتهى فضيلة الظهر، و يؤيده محافظة العامة على هذا الوقت، إذ الظاهر أنهم أخذوها يدا عن يد إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، و أنهم لم يغيروا سنته في ذلك، لعدم تعلق غرض لهم به، و لأن أمر الصلاة مشهور بين كافة الناس، و لأن ترويج أمرهم كان بملازمتهم للصور التي كانت من النبي (صلى الله عليه و آله) حتى إذا وجدوا فرصة انتهزوها، و إلا فهم في أول أمرهم في غاية الإظهار لاتباع النبي (صلى الله عليه و آله) و الاقتداء بسنته المشهورة المعروفة، و من هنا ورد الأمر بالصلاة بأذانهم و أنهم أشد
1) 1 الوسائل- الباب- 31- من أبواب المواقيت- و الباب 8 من أبواب صلاة الجمعة.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 10 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
9) 9 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
10) 10 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 13 من كتاب الصلاة.
ج7،
الناس مواظبة على الوقت، إلا أن أئمتنا صلوات الله و سلامه عليهم لما رأوا إلزام العامة العمياء بالوقت المخصوص، و أنه لا يجوز ما عداه على الاختيار، و كان في ملازمة النبي (صلى الله عليه و آله) و السلف لهذا الوقت تشبث تام لهم لم يألوا جهدا في الإكثار من القول الدال على عدم وجوبه و عدم إلزامه، و إن اختلفت طرق التأدية لذلك باعتبار اختلاف إرادتهم بيان النافلة مع ذلك و عدمه، مضافا إلى ملاحظتهم (عليهم السلام) أن لا يعرفوا الشيعة بوقت خاص لهم كي لا يعرفوا فيؤخذوا، فتارة ذكروا أنه إذا زالت الشمس دخل الوقتان، و أخرى جعلوا المدار على الأقدام، و ثالثة على الأذرع، و رابعة على الفراغ من النافلة طالت أو قصرت، إلى غير ذلك مما ذكروه مما يفيد جواز الجمع صريحا أو ظاهرا.
و الغرض من الجميع عدم الإلزام الذي عند القوم، و ربما توهم من غلبة مداومة النبي (صلى الله عليه و آله) عليه لا بيان أفضل أوقات العصر، و لذلك لم يصرح به في أكثرها، بل و لا يظهر منه، و إن أمر به بعد الذراعين أو الفراغ من نافلته مثلا، لكنه ظاهر في الاذن و الإباحة بعد أن عرفت أنه في مقام توهم الحظر كما يومي اليه الإنكار و العجب في بعض النصوص من الجمع و عدم التفريق بالزمان، فصل بالنافلة أولا، و ما
في بعضها(1)- انه «كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قامة، فإذا بلغ ذراعا صلى الظهر، و إذا بلغ ذراعين صلى العصر»
بعد تسليم إرادة قامة الإنسان من القامة فيه- محمول على إرادة اتفاق وقوع ذلك من النبي (صلى الله عليه و آله) لا الدوام أو الاستمرار و ان كان ظاهر «كان» ذلك، أو يراد منه أنه لا يصلي العصر
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة مع اختلاف في اللفظ.
ج7،
إلا بعد الذراعين، فيصدق و إن أخرها إلى المثل، أو يقال إنها لا تنافي ما هو الأرجح في النظر من أنه (صلى الله عليه و آله) كان يفرق زمانا بين الظهرين إلا أن مقدار التفرقة لم يعلم.
فالنصوص(1)السابقة تقضي بالمثل، و أخرى(2)بالذراعين و الأربعة أقدام، بل في بعضها(3)أن تأخيرها إلى الستة أقدام التضييع، و في آخر تعريض بما عليه العامة و أنه لا ينبغي صلاة العصر في وقتهم،
قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر أبي بصير(4):
«ما خدعوك فيه من شيء فلا يخدعونك في العصر، صلها و الشمس بيضاء نقية، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: الموتور أهله و ماله من ضيع صلاة العصر، قيل:
و ما الموتور أهله و ماله؟ قال: لا يكون له أهل و لا مال في الجنة، قال: و ما تضييعها؟
قال: يدعها و الله حتى تصفر أو تغيب الشمس»
و نحوه غيره في تفسير التضييع بذلك، لكن المعروف الآن بين العامة عدم تأخيرها إلى ذلك، فلعل المراد سوادهم، و كفى بهذه النصوص على كثرتها و استفاضتها دلالة على معروفية التفريق زمانا قديما، ضرورة أنه هو المناسب حينئذ للحث عليها و عدم تضييعها و نحوهما، و مع ذلك لم يأمروا بجمعها مع الظهر كما هو المتعارف الآن.
فلا يبعد استحباب التفريق زمانا بينهما و ان اختلف، فتارة يكون إلى المثل، و تارة يكون إلى الذراعين، و ربما كان أزيد أو أنقص، و أما الفصل بالنافلة فقط فلا يحصل به ثواب التفريق المفهوم من النصوص، و نصوص(5)الفصل بالنافلة لا دلالة فيها
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 11 و 31 من كتاب الصلاة و المستدرك- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 9- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6 و 7 و 8 و 9 و غيرها.
ج7،
على الفضل و الاستحباب، بل أقصاها الدلالة على الجواز، بل في بعضها ظهور في أن هذه الكيفية من أداء الظهرين لم تكن معروفة في الزمن السابق لا من النبي (صلى الله عليه و آله) و لا من الصحابة و التابعين، و ما يحكى عن المصنف- في جواب تلميذه يوسف ابن حاتم الشامي لما سأله أن النبي (صلى الله عليه و آله) إن كان يجمع بين الصلاتين فلا حاجة إلى الأذان للثانية، إذ هو للاعلام، و للخبر(1)المتضمن انه عند الجمع بين الصلاتين يسقط الأذان، و إن كان يفرق فلم ندبتم إلى الجمع و جعلتموه أفضل، من أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يجمع تارة، و يفرق أخرى، و ان الجمع يستحب عندنا مع الإتيان بالنوافل، لأنه مبادرة إلى تفريق من الفرض- لم نتحققه، بل المعروف من غالب أحوال النبي (صلى الله عليه و آله) التفريق.
و لقد أجاد الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك حيث قال: و إذا كانت المبادرة مستحبة فلا وجه لاختيار النبي (صلى الله عليه و آله) في بعض الأوقات التفريق مع انه مشقة ظاهرة منضمة إلى ترك فضيلة، و جواز التفريق المرجوح حينئذ يتأتى بالقول، كيف و غالب الأوقات كان (صلى الله عليه و آله) يفرق، و ما كان يجمع إلا نادرا كما يظهر من الأخبار و يعضدها الاعتبار الحاصل من الآثار، قلت: و منه يعلم حال ما في المدارك لما حكى عن الذكرى الجزم باستحباب التفريق بين الفرضين، لأنه معلوم من حاله (صلى الله عليه و آله) و لأنه كما علم من مذهب الإمامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقا علم منه استحباب التفريق بشهادة النصوص و المصنفات، ثم استحسنه إلا أنه قال:
يتحقق التفريق بتعقيب الظهر و فعل نافلة العصر، إذ هو كما ترى بعيد عن النصوص و المصنفات، بل بعض منها لا يقبل ذلك كما اعترف به الأستاذ الأكبر في الحاشية المزبورة أيضا، بل هو غير خفي على كل من له أدنى درية و معرفة بحال السلف
1) 1 الوسائل- الباب- 32- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 11 من كتاب الصلاة.
ج7،
و بكيفيات الخطابات.
نعم لا يعتبر في التفريق المثل كما سمعته و إن اعتبره الشهيدان و المحقق الثاني و الفاضل المقداد و العلامة الطباطبائي في منظومته، بل ربما نسب للمصنف و العلامة حيث أنهما حملا على الفضل و الاستحباب بعض النصوص(1)المتضمنة إشارة جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و آله) بالأوقات مما هو دال على المطلوب، بل نسب أيضا للمفيد و أبي علي، بل حكي شهرة المتأخرين عليه، لكن الإنصاف أنه غير لازم و ان شهدت له بعض النصوص(2)إلا أنه ينبغي حملها على إرادة بيان بعض صور التفريق لا أنه هو لا غير.
و كيف كان يكون للعصر حينئذ وقتان إجزائيان سابق و لاحق كالعشاء، و لكن قد يدعى أفضلية أولهما على الآخر، لما فيه من المسارعة، و لما تقدم في الأبحاث السابقة، بل لعل لذلك تختلف إجزاء الأول أيضا كغيره من أوقات الفضيلة و الاجزاء، خلافا لما عساه يظهر من منظومة الطباطبائي فأطلق الفضل في الاجزائي المداني وقت الفضيلة، و هو و إن كان لا يخلو من وجه إلا أنه يمكن أن لا يريد ما يشمل ذلك، و الأمر سهل.
و إلا المستحاضة الكبرى، فإنها تؤخر الظهر و المغرب إلى آخر وقت فضلهما، ثم تغتسل لتجمع به العصر و العشاء كما تقدم البحث فيه في باب الحيض، بل ذكرنا هناك أنه ربما قيل بوجوب ذلك، لظاهر الأمر به في النصوص(3)المحمول على إرادة الرخصة، و إلا فلا ريب في جواز غسلها في أول الوقت للظهر، ثم غسل آخر
ج7،
للعصر إذا أرادت فعلها في وقتها الفضيلي كما ذكرنا البحث فيه مفصلا، بل منه و مما ذكرناه هناك أيضا من عدم جواز إيقاعهما بغسل واحد مع التفريق يشكل الاستحباب المزبور حينئذ و إن ذكره غير واحد من الأصحاب، فلاحظ و تأمل.
ثم من المعلوم أن المصنف كالفاضل في القواعد لم يريدا حصر الاستثناء فيما ذكراه، ضرورة ثبوته أيضا في غيره كتأخير ذوي الأعذار مع رجاء الزوال، بل قيل بوجوبه، كتأخير من عليه القضاء على ما سيأتي في محله إن شاء الله، و الصائم الذي تتوق نفسه إلى الإفطار، أو كان له من ينتظره، و الطالب للإقبال في العبادة، إلا أنه لا ينبغي أن يتخذه عادة كما أومأنا إليه سابقا، بل قد ذكرنا نوع تأمل فيه، و منتظر الجماعة لكن بشرط أن لا يصل بذلك حد الإضاعة، و في التنقيح و المتمكن من استيفاء الأفعال و المندوبات، و بالجملة كل من تعذر عليه كمال الصلاة و يرجو
حصوله يستحب له التأخير، و المربية للصبي التي قد ذكرنا البحث فيها سابقا، و أنها تؤخر الظهرين كي يحصل لها بغسل واحد الفرائض الأربع، و مدافع الأخبثين، بل كل مانع إلى أن يرفعه، و المرخص له بالدخول في الوقت بالظن للغيم إلى أن يحصل له العلم، و ربما أوجبه بعضهم كما سمعته سابقا، و المسافر المستوفز، و تأخير الظهر للأمر بالإبراد بها في صحيحي معاوية ابن وهب(1)و زرارة(2)و دعوى الصدوق إرادة الإسراع و التعجيل منه من البريد غير ثابتة يشهد بخلافها اللغة و العرف، و قرائن الأحوال و الأقوال في الخبرين(3).
نعم في كشف اللثام ان الفاضل احتمل في نهاية الأحكام ما يعطيه الوسيلة و الجامع من كون التأخير لذلك رخصة، فان احتملها و صلى في أول الوقت كان أفضل، و فيه أن حمل الأمر على الندب أولى و إن استلزم التخصيص، خصوصا بعد فتوى غير واحد
ج7،
من الأصحاب به، و الظاهر تحديد غاية الإبراد بها إلى المثل كما في صحيح زرارة لا أن ذلك هو الحد، بمعنى أن فاعلها قبله لم يأت بوظيفة الإبراد كما فهمه زرارة و ابن بكير و تفردا به من بين الشيعة، و كان اختصاص الظهر بذلك في الفتاوى دون العصر مع أن في صحيح زرارة الإبراد بهما معا لتعارف التفريق في ذلك الزمان المقتضي لحصول الإبراد بها، بل لعل الإبراد بالظهر مقتض لحصوله فيها أيضا، و من هنا اقتصر عليه، كما أنه ينبغي قصر الحكم فيها على شدة الحر للبلاد أو لغيره، فلا يندب تأخيرها في البلاد الباردة، و لذلك قيده به بعضهم، و كأنه فهمه من نفس الأمر بالإبراد، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) الآمر بذلك كانت بلاده شديدة الحر، و لغير ذلك، مضافا إلى الاقتصار على المتيقن في الخروج عن فضل أول الوقت الذي هو كالضروري، بل قيد أيضا بما إذا صليت في المسجد جماعة لذلك أيضا، لكنه لا يخلو من إشكال، هذا. و فيه بعد ذكر استثناء الإبراد و ذوي الأعذار و من عليه القضاء و الغيم قال:
و زيدت مواضع يمكن إرجاعها إلى المذكورات، و كأنه أومأ إلى ما في الروضة من أن أول الوقت أفضل من غيره إلا في مواضع ترتقي إلى خمسة و عشرين ذكر أكثرها المصنف في النفلية، و حررناها مع الباقي في شرحها، و لعل قوله فيها من غيره دون خصوص التأخير ليدخل فيه استثناء تعجيل عصري الجمعة و عرفة كما تعرفه إن شاء الله فيما يأتي، و لقد تبعه المحدث البحراني في حدائقه في تعدادها، و ذكر الأدلة لكل واحد منها، إلا أنه أنهاها إلى أربعة و عشرين، و نظر في ثبوت الاستحباب في بعضها، كما انه جعل موضوع البحث أعم من الفرض و الندب، فلعل من التأمل فيما ذكرناه هنا و في الأبحاث السابقة كتأخير صلاة الليل و غيرها تعرف الوجه في كثير مما ذكرا استثناءه، بل لعل بانضمام بعض الاعتبارات تزداد على المذكور هنا، و لذلك و غيره تركنا الإطناب في تحرير الأدلة على ذلك، و إن كان المقام محتاجا اليه، لعدم جريان قاعدة التسامح فيه،
ج7،
لأن المستثنى منه على الظاهر مع كونه مستحبا أيضا أدلته في غاية الوضوح و المعلومية، فتخصيصها حينئذ محتاج إلى دليل معتبر، مع احتمال الاجتزاء بما يندرج في دليل التسامح الذي يستغنى باعتباره عن اعتبار خصوص المعارض، و الله أعلم.
المسألة الثامنة قد علم من النصوص(1)المستفيضة أو المتواترة و الإجماع بقسميه ترتب الفرائض الحاضرة في الأداء، بمعنى عدم جواز تقديم العصر على الظهر و العشاء على المغرب لكن مع التذكر لا الغفلة و النسيان، ف لو ظن أو قطع انه صلى الظهر فاشتغل بالعصر فان ذكر و هو فيها و لو قبل التسليم بناء على انه منها و لو مستحبا كما صرح به غير واحد، لكن قد يشكل باحتمال النص و الفتوى إرادة قبل الفراغ من الواجب لا الأعم منه و من الندب، ضرورة صدق أنه صلى على الأول، و يدفع بالظهور، و صدق «في الصلاة» في صحيح زرارة(2)«و هو يصلي» في حسن الحلبي(3)مضافا إلى الاستصحاب، و على كل حال عدل بنيته إلى الظهر وجوبا إجماعا محكيا في حاشية الإرشاد و عن غيرها إن لم يكن محصلا، ل
حسن الحلبي(4)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل أم قوما في العصر فذكر و هو يصلي أنه لم يكن صلى الأولى قال: فليجعلها الأولى التي فاتته، و يستأنف بعد صلاة العصر، و قد قضى القوم صلاتهم»
و
صحيح زرارة(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «فان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك منها فانوها الأولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان أربع»
و غيرهما، و ما عن المنتهى من أنه لا نعلم خلافا بين أصحابنا في جواز العدول يمكن إرادة الوجوب من الجواز فيه، لأنه
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
يمكن أن يقال بعد وجوب الترتيب أنه متى جاز وجب.
و العشاءان كالظهرين في هذا الحكم بلا خلاف أجده فيه، بل هو من معقد محكي الإجماع لكن بشرط أن يكون ذكره قبل تجاوز محل العدول، و هو الدخول في ركن كما هو المشهور أو واجب على ما تعرفه إن شاء الله في مبحث القضاء، و
خبر الصيقل(1)مع جهل الراوي و الاعراض عنه يمكن تأويله- و إن بعد، قال فيه: «سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل نسي الأولى حتى صلى ركعتين من العصر، قال: فليجعلها الأولى و يستأنف العصر، قال: قلت: فإنه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر قال: فليتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب، قال: قلت له: جعلت فداك قلت حين نسي الظهر ثم ذكر و هو في العصر يجعلها الأولى ثم يستأنف، و قلت لهذا يتم صلاته بعد المغرب ثم يستأنف، فقال: ليس هذا مثل هذا، إن العصر ليس بعدها صلاة، و العشاء بعدها صلاة»
قلت لهذا يتم صلاته بعد المغرب، و السائل إنما سأل الوجه في التعبير بالقضاء هنا و الاستيناف في العصر، فأجاب (عليه السلام) بأن العصر صلاة منفردة لا تتبعها صلاة، ثم قال: و يجوز ابتناء الخبر على خروج وقت المغرب إذا غاب الشفق و عدم دخول وقت العشاء قبله، فإذا شرع في العشاء لم يعدل إلى المغرب بناء على عدم وجوب العدول من الحاضرة إلى الفائتة، فيكون بعد مضموما، و المغرب منصوبا مفعول ليقض، و كلام السائل قلت لهذا يتم صلاته و قلت بعد المغرب، و الجواب بيان العلة في استمرار الظهر إلى قريب انقضاء وقت العصر دون المغرب إلى قريب انقضاء وقت العشاء، و الحمل على ضيق وقت العشاء بعيد جدا، قلت: ما ذكره أيضا أبعد منه أو مساو له،
1) 1 الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
ج7،
فالأولى رد الخبر إلى أهله كما أمرنا به.
ثم ان إطلاق المتن و غيره كصريح المدارك و كشف اللثام و غيرهما عدم الفرق بين وقت الاختصاص و الاشتراك، و لعله لإطلاق الأدلة، و لأنها بالنية انكشف كونها ظهرا في وقت اختصاصه لا أنها عصر صارت من حين العدول ظهرا حتى يشكل بأن الركعات الأولى وقعت باطلة في الواقع بوقوعها في غير وقتها، فالعدول بها إلى الظهر غير مجد، مع احتماله استنادا في ذلك إلى إطلاق الأدلة المزبورة الذي يكون الاستبعاد معه اجتهادا في مقابلة الدليل، اللهم إلا أن يجعل ذلك سببا للشك في شمول الدليل له، و مثله يجري فيمن صلى العصر قبل الوقت فدخل عليه وقت اختصاص الظهر قبل الفراغ، ثم ذكر انه لم يكن قد صلى الظهر فعدل به إلى الظهر، بل هو أقوى إشكالا من الصورة الأولى، خصوصا مع تصريح بعضهم في تلك المسألة باشتراط الصحة بدخول الوقت و هو في الأثناء بما إذا لم يكن وقت اختصاص الظهر، لكن لعل المراد هناك عدم صحتها بذلك عصرا، و انه ليس من محل العدول، لعدم فرض ما ذكرناه من المثال الذي يمكن دعوى اختصاص العدول في نحوه لا فيما يشمل من شرع في العصر فظهر له فساد ما فعله من صلاة الظهر، ضرورة كونه على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على المتيقن، اللهم إلا أن ينقح مناطا للمسألتين بالإجماع، أو بدعوى ظهور النصوص في إرادة الأعم من الغافل عن الفعل أصلا أو فساده، فإنهما معا لم يصليا صلاة صحيحة، بل يصدق سلب اسم الصلاة عن الثاني بناء على وضع اسم العبادة للصحيح، و بالجملة المدار على من دخل في العصر مثلا دخولا مشروعا ثم ظهر له بقاء شغل ذمته بالظهر، فتأمل جيدا.
و كيف كان ف ان لم يذكر حتى فرغ من صلاته، فان كان صلى في أول وقت الظهر أي المختص به أعاد بعد أن يصلي الظهر على الأشبه الأشهر
ج7،
من ثبوت وقت اختصاص له، إذ ثمرته عدم صحة العصر فيه نسيانا، و به يقيد حينئذ إطلاق ما دل على الصحة من النصوص الآتية، خصوصا مع ندرة الفرض كي يشمله إطلاقها، و ليس له أن ينوي بها الظهر، لأن الصلاة على ما نويت لا تنقلب إلى غيرها بالنية بعد إكمالها، و لو لم تكن النصوص و الإجماع على انقلابها في الأثناء لم نقل به، و لم نعرف في ذلك خلافا إلا من نادر لا يقدح خلافه، و لذا حمل الشيخ و غيره ما في صحيح زرارة(1)السابق على القرب من الفراغ و إن كان ضعيفا كما في كشف اللثام، قال: و يمكن حمله على كونه في نية الصلاة أو بعد فراغه من النية، و يقربه قوله متصلا به:
«و إن ذكرت أنك لم تصل الأولى و أنت في صلاة العصر و قد صليت منها ركعتين فانوها الأولى ثم صل الركعتين الباقيتين، و قم فصل العصر»
و كذا
خبر ابن مسكان عن الحلبي(2)«سأله عن رجل نسي أن يصلي الأولى حتى صلى العصر قال: فليجعل صلاته التي صلى الأولى، ثم ليستأنف العصر»
بمعنى دخوله في صلاة العصر، و يجوز فيهما أن يكون المصلي ابتدأ بالظهر ثم نسي في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها أنه نوى الظهر ثم ذكر أنه كان ابتدأ بالظهر فليجعلها الظهر، فإنها على ما ابتدأ به، و كل من الظهر و العصر أربع، بخلاف ما إذا نسي أنه نوى المغرب فذكر بعد الفراغ من العشاء، فإنها لا تكون إلا العشاء، و احتمل بعض الأصحاب العمل على ظاهر الخبرين، و وقوع العصر عن الظهر إذا لم يتذكر إلا بعد الفراغ، و هو نادر، قلت: إلا أنه لا يخلو من قوة، لظاهر الخبرين اللذين من الواضح ضعف التأويلات المزبورات فيهما، مضافا إلى ما في ذيل عبارة كشف اللثام، و لعل الأولى منها حملهما على إرادة أنه صلى ناويا ما في ذمته معجلا، لكن كان يزعم أنه العصر، أو على غير ذلك، أما على القول بعدمه و أنهما معا على الاشتراك من دلوك الشمس إلى غسق الليل فالمتجه الصحة، لاختصاص
ج7،
اشتراط الترتيب عندنا في العمد، بل في كشف اللثام اغتفرت مخالفة الترتيب نسيانا بالنصوص(1)و الإجماع و للأصل و الحرج و رفع النسيان و إن كان بعضه كما ترى، و إن كان قد ذكر و هو في الوقت المشترك أو دخل و هو فيها أجزأته و أتى بالظهر لما عرفته من عدم اشتراط الترتيب في هذا الحال، و لما تقدم سابقا من صحة ما وقع قبل الوقت باذن شرعية ثم دخل الوقت عليه قبل الفراغ و قبل التنبه، و في
صحيح زرارة(2)«إن كنت صليت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم و صل المغرب»
و في
صحيح صفوان(3)و قد سأله عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلى العصر «إن أمكنه أن يصليها قبل أن يفوته المغرب بدأ بها، و إلا صلى المغرب ثم صلاها»
إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره بعد وضوح المسألة، و الظاهر عدم اعتبار ما يعتبر في أصل النية من القربة و نحوها في نية العدول هنا، بل يكفي قصد ما فعله و بقي للظهر مثلا، نعم لا يجوز له أن يوقع شيئا من الأفعال قبل هذه النية، كما هو واضح بحمد الله.
المقدمة الثالثة في البحث عن القبلة و يقع النظر في أربعة: ماهية القبلة و المستقبل بالفتح و ما يجب له و أحكام الخلل.
أما الأول فعن القاموس أن القبلة بالكسر التي يصلى نحوها، و الجهة، و الكعبة،
ج7،
و كل ما يستقبل، و ما له في هذا قبلة و لا دبرة بكسرهما أي وجهة، و هو كما ترى على عادته من الخلط و الخبط، و الأولى أنها الاستقبال على هيئة، أو الحالة التي عليها الإنسان حال استقبال الشيء، و عرفا المستقبل و هو عند التحقيق المكان الواقع فيه البيت شرفه الله الممتد من تخوم الأرض إلى عنان السماء لا نفس البناء، كما يومي اليه
خبر عبد الله بن سنان(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله رجل قال:
صليت فوق جبل أبي قبيس العصر فهل يجزئ ذلك و القبلة تحتي؟ قال: نعم انها قبلة من موضعها إلى السماء»
و لذا لو أزيلت البنية أو نقلت إلى مكان آخر وجب استقبال ذلك الفضاء و لم تصح الصلاة إلى نفس البناء كما هو واضح، و الظاهر اتحاد المعنى المنقول إليه بشهادة عرف المتشرعة الذين لا يعرفون غير الكعبة قبلة، حتى أنهم يلقنون بذلك موتاهم، بل هو من الضروريات عندهم، فيكون عند الشرع كذلك، إذ هو العنوان لمثله كما حرز في الأصول، فاحتمال تعدده- فيكون مشتركا لفظيا بينها و بين المسجد و الحرم- في غاية الضعف، كاحتمال الاشتراك معنى بين الثلاثة المزبورة مخالف للاستعمال عرفا و سنة، و إطلاق القبلة على الجهة عرفا على ضرب من التجوز باعتبار احتمال وجود القبلة فيها كما لا يخفى على من دقق النظر في استعمالات العرف.
و من ذلك تعرف ما في القول بأن القبلة هي الكعبة لمن كان في المسجد و المسجد لمن كان في الحرم، و الحرم لمن خرج عنه و إن قال المصنف انه كذلك على الأظهر وفاقا للمبسوط و الخلاف و المصباح و الجمل و العقود و المحكي عن الإصباح و المهذب و المراسم، بل في المسالك نسبته إلى كثير، بل في الذكرى و الروضة إلى الأكثر، بل في المحكي عن مجمع البيان نسبته إلى أصحابنا، بل في الخلاف الإجماع
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب القبلة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
ج7،
عليه، و ربما حكي عن المفيد و أبي المكارم أيضا، لكن ما وصل إلينا- من مقنعة الأول «القبلة هي الكعبة ثم المسجد قبلة من نأى عنها، لأن التوجه اليه توجه إليها- ثم قال بعد أسطر-: و من كان نائيا عنها خارجا من المسجد الحرام توجه إليها بالتوجه اليه» و من غنية الثاني «القبلة هي الكعبة الحرام، فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجه إليها، و من شاهد المسجد الحرام و لم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجه اليه، و من لم يشاهده توجه نحوه بلا خلاف»- لا يطابق الحكاية، إذ لم يذكر في شيء منهما الحرم، بل هما إلى القول بأن الكعبة القبلة عينا أو جهة أقرب من ذلك قطعا، كما أن المحكي عن ابن شهراشوب من نفي الخلاف عن استقبال المسجد على من بعد عنه لا ينافيه أيضا، ضرورة اتحاد جهة الكعبة و المسجد للبعيد، و منه يعلم أن الآية لا تنافي القول بأن الكعبة القبلة، لأن موردها البعيد، و جهة المسجد و ناحيته هي ناحية الكعبة و جهتها.
و كيف كان فلم نعرف حجة لهذا القول بعد الإجماع المعتضد بما عرفت إلا
مرسل الحجال(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ان الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، و جعل المسجد قبلة لأهل الحرم، و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا»
و نحوه خبر بشر بن جعفر الجعفي(2)و مرسل الصدوق(3)بل لعل الأخير هو أحدهما للمعلوم من عادته، و أصالة عدم التعدد، فينحصر الاستدلال حينئذ بالخبرين، نعم يؤيدهما بعض النصوص(4)المشتملة على تعليل استحباب اليسار بما يقتضي كون الحرم قبلة، و أما
خبر أبي غرة(5)عن الصادق (عليه السلام) «البيت قبلة المسجد، و المسجد قبلة مكة، و مكة قبلة الحرم، و الحرم قبلة الدنيا»
فلم أجد من عمل به، مع أنه كان المتجه
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب القبلة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب القبلة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب القبلة- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب القبلة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب القبلة- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
لأهل القول المزبور تقييد الإطلاق الأول به، لكنه قد يخرج مؤيدا أيضا في الجملة، و زاد في الخلاف بأنه لو كلف التوجه إلى عين الكعبة لوجب إذا كان في صف طويل خلف الامام أن يكون صلاتهم أو صلاة أكثرهم إلى غير القبلة، أو يلزمهم أن يصلوا حول الامام دورا كما يصلى في جوف الكعبة، و كل ذلك باطل بالإجماع، و ليس لهم أن يقولوا إنما كلف الجهة هربا من ذلك، لأن جهات القبلة غير منحصرة، بل جهة كل واحد من المصلين غير جهة صاحبه، و لا يمكن أن يكون الكعبة في الجهات كلها، فالسؤال لازم لهم، و لا يلزمنا مثل ذلك، لأن الفرض التوجه إلى الحرم، و الحرم طويل يمكن أن يكون كل واحد من الجماعة متوجها إلى جزء منه.
إلا أن الأقوى مع ذلك كله كون القبلة الكعبة خاصة عينا للمتمكن من ذلك و لو بواسطة ما لا يشق تحمله من المقدمات كالصعود إلى مرتفع و نحوه، و جهة لغيره، وفاقا لأكثر المتأخرين أو عامتهم، إذ المصنف و إن خالف هنا لكنه وافق في النافع، و للمحكي عن الكاتب و السيد في المصباح و الجمل و الحلي من غيرهم، بل ربما نسب إلى الأكثر أو المشهور من غير تقييد للنصوص المستفيضة(1)و منها الصحيح و غيره الدالة على أن القبلة الكعبة بأنواع الدلالة حتى أن في
المروي(2)عن قرب الاسناد منها عن الصادق (عليه السلام) كمال التصريح بذلك، قال: «إن لله عز و جل حرمات ثلاث ليس مثلهن شيء: كتابه، و هو حكمة و نور، و بيته الذي جعله قياما للناس و أمنا لا يقبل من أحد توجها إلى غيره و عترة نبيكم (ع)»
و الذي حضرني الآن منها خمسة عشر خبرا فلا بأس بدعوى تواترها، بل قد عرفت أن ذلك من الضروريات الذي تلقن بها الأموات و تكرره الأحياء في كل يوم، بل يعرفه الخارج عن الإسلام كاليهود و النصارى من أهله فضلا عنهم، و لا ينافي ذلك عدم التصريح في كثير من النصوص المزبورة
ج7،
بالتفصيل المذكور، مع أن بعضها صريح أو كالصريح فيه،
كالنبوي المروي عن احتجاج الطبرسي(1)بإسناده إلى العسكري (عليه السلام) قال فيه: «فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي تكون بها فأطعناه، فلم نخرج في شيء من ذلك عن أمره»
و كأن عدم التعرض في أكثرها لذلك استغناء عنه بالأمر باستقبال الكعبة، و كونها قبلة، ضرورة ظهوره في إرادة الجهة من غير المتمكن و العين من المتمكن تحصيلا للصدق فيهما، فلا وجه للتوقف في ذلك من هذه الجهة.
فمن الغريب بعد ذلك كله وقوع النزاع فيه، و لعله لفظي، إذ أقصى ما يتصور من الثمرة بين القولين هو جواز استقبال غير الكعبة من المسجد أو الحرم لمن كان متمكنا منها على الأول و عدمه على الثاني، و وجوب استقبال المسجد و الحرم لغير المشاهد على الأول وجهة الكعبة على الثاني، و يدفع الأولى ما عن جماعة ممن عرفت الخلاف منهم كالشيخ في مبسوطة و جمله و مصباحه و القاضي في مهذبه و الكيدري في إصباحه و أبي الصلاح في الكافي من التصريح بوجوب استقبال العين لمن كان متمكنا منها، قال في الأول: «المكلفون على ثلاثة أقسام، منهم من يلزمه التوجه إلى نفس الكعبة، و هو كل من كان مشاهدا لها بأن يكون في المسجد الحرام، أو في حكم المشاهد بأن يكون ضريرا أو يكون بينه و بين الكعبة حائل، أو يكون خارج المسجد بحيث لا تخفى عليه جهة الكعبة» و قال في الثاني: «القبلة على ثلاثة أقسام، فالكعبة قبلة من كان مشاهدا لها أو في حكم المشاهد، و المسجد قبلة من لم يشاهد الكعبة و شاهده أو غلب في ظنه جهته ممن كان في الحرم، و الحرم قبلة من نأى عنه عن الحرم(2)» إلى غير ذلك،
ج7،
و لعله لذا استدل في المعتبر عليه بإجماع العلماء، و في التذكرة «الكعبة القبلة مع المشاهدة إجماعا» و عن النهاية «إجماعنا على ذلك» و في المحكي من شرح الشيخ نجيب الدين «القبلة عين الكعبة المشرفة لمن أمكنه علمها بالإجماع كأهل مكة» و في كنز العرفان «الإجماع عليه أيضا» و قد سمعت نفي الخلاف عنه في الغنية، بل في الرياض انه قد يفهم أيضا من الذكرى و جملة ممن تبعه حيث اكتفوا في احتمال لفظية النزاع باحتمال أن ذكر المسجد و الحرم إشارة إلى الجهة مشعرين بانحصاره ثمرة النزاع في الثانية، و إلا لم يكتف في لفظيته بالاحتمال المزبور، لما عرفت من اقتضاء ظاهر عبارة الخصم كالنصوص الثمرة الأولى أيضا، فلا يرتفع الخلاف بذلك إلا بعد فرض وفاقهم على عدم جواز استقبال غير الكعبة للمشاهد و من بحكمه.
و من ذلك يعرف اندفاع الثانية أيضا، ضرورة احتمال إرادة الجهة من المسجد و الحرم، و أنهم انما ذكروا ذلك على سبيل التقريب إلى الأفهام، إظهارا لسعة الجهة حتى المصنف منهم، لما تسمعه منه فيما يأتي «و أهل كل إقليم» إلى آخره. ضرورة عدم انطباقه إلا على الجهة، نعم قد أبي ذلك خصوص عبارة الخلاف السابقة و ما شابهها التي يرد عليها مثل ما أورده على جهة الكعبة حرفا بحرف فيما لو استطال الصف لمتحدي العلامة من إقليم بحيث يقطع بزيادته عن الحرم، فإنه لا استقبال حينئذ لجزء منه، إذ من المعلوم سعة سمتهم على مساحة الحرم، و كذا لو استطال في الحرم بحيث خرج عن مساحة المسجد، و دعوى منع ذلك لكروية الأرض أو غير ذلك مما يعارض الوجدان غير مسموعة، على أنها قد تقابل أيضا بما في الذكرى من أن الجرم الصغير كلما ازداد القوم عنه بعدا ازدادوا له محاذاة، و إن كان الظاهر أن ذلك لا يقتضي استقبال العين، إذ لو أخرجت خطوط متوازية من مواقف البعيد المتباعدة المتفقة الجهة على وجه يزيد على جرم الكعبة لم تتصل الخطوط أجمع بالكعبة، و إلا لخرجت عن كونها متوازية،
ج7،
لكن و إن صدق استقبال العين للبعيد بذلك الاستقبال الصوري إلا أنه لا يتوقف على الموازاة المزبورة، بل الظاهر تحققه و إن لم يعلم، بل و إن علم العدم، و به يظهر الفرق بين العين و الجهة كما تسمعه محررا إن شاء الله، هذا. و إن أبيت عن قبول كلامهم لشيء مما ذكرنا فلا ريب في قبول النصوص الاحتمال المزبور، خصوصا مع معارضتها بما عرفت من النصوص، بل الضرورة، على أنها بنفس هذا اللفظ مروية من طرق العامة، و إلى بعض ذلك أشار العلامة الطباطبائي بقوله:
و قيل بل يستقبل النائي الحرمو من به فالمسجد الحرام أم
و من به فالبيت للروايةو أولت للنص و الدراية
و من ذلك كله تعرف ما في إجماع الشيخ، إذ هو في مفروض الثمرتين مقطوع بعدمه أو مظنون، و الآية(1)إن لم تدل على المختار فلا تدل على عدمه، ضرورة صراحتها أو ظهورها في جهة المسجد و ناحيته مما هو مخالف لوجوب استقبال عين الحرم الذي هو مذهب الخصم في مثل مورد الآية، نعم قد يقضي عموم الآية باستقبال جهة المسجد و إن تمكن من مشاهدة الكعبة، و من هنا قال في المدارك بعد أن حكي عن المعتبر إجماع العلماء كافة على استقبال العين للقريب: إنه إن تم كان هو الحجة، و إلا أمكن المناقشة فيه، إذ الآية الشريفة انما تدل على وجوب استقبال شطر المسجد، و الروايات خالية من هذا التفصيل.
لكن قد يقال: إن المراد من الآية تعميم أماكن البعيد، لمعلومية الحال في القريب، و لو قيل بإرادة الكعبة من المسجد الحرام و لو بمعونة ما عرفت لم يرد عليه شيء من ذلك، أما لو أريد من الشطر الجانب فمعلوم أيضا إرادة جهته في نحو مفروض الآية من البعيد، و قد عرفت اتحاد جهته مع جهة الكعبة، و بالنسبة إلى القريب يمكن
1) 1 سورة البقرة- الآية 139.
ج7،
إرادة الجانب الذي ينطبق على عين الكعبة، و بالجملة لا يكاد يخفى على من له أدنى تأمل انه ليس المراد من الآية كون المسجد نفسه قبلة، و إلا لجرى الكلام و البحث في الصلاة في وسطه كالصلاة في جوف الكعبة، و من المعلوم ضرورة خلافه، كل ذلك مع قطع النظر عن المراد بالآية الثانية(1)و إلا لو قلنا بإرادة ما يشمل القبلة من القيام فيها كانت حينئذ مفسرة لهذه الآية و نصا في المطلوب، و عن اختلاف المسجد زيادة و نقصا بحيث لا يعلم مقداره وقت نزول الآية، و عن الاحتياط المطلوب في مثل الصلاة، و هو منحصر باستقبال الكعبة، بل لعله متعين هنا و إن قلنا بالتمسك بالأصل في نفي ما شك في شرطيته لكن المقام بعد التنزل من إجمال الشرط لا من الشك فيه فالواجب الاقتصار فيه حينئذ على المتيقن، كما هو واضح.
و منه يعلم عدم جواز استقبال شيء من الحجر و إن قال في الدروس: «المشهور انه من البيت» و في المحكي عن التذكرة «عندنا أنه من الكعبة» و عن نهاية الأحكام «يجوز أن يستقبله، لأنه كالكعبة عندنا، و قيل إنه من الكعبة» و في الذكرى «ظاهر كلام الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره و قد دل عليه النقل، و انه كان منها في زمن إبراهيم و إسماعيل على نبينا و آله و عليهما السلام إلى أن بنت قريش الكعبة فأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه، و كان ذلك في عهد النبي (صلى الله عليه و آله)، و نقل عنه (صلى الله عليه و آله) الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة، و بذلك احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها، ثم أخرجه الحجاج بعده و رده إلى مكانه، و لأن الطواف يجب خارجه، و للعامة خلاف في كونه من الكعبة بأجمعه أو بعضه أو ليس منها، و في الطواف خارجه، و بعض الأصحاب له فيه كلام أيضا مع إجماعنا على وجوب إدخاله في الطواف، و انما الفائدة في جواز استقباله في الصلاة بمجرده، فعلى القطع بأنه من الكعبة يصح، و إلا امتنع،
1) 1 سورة البقرة- الآية 144.
ج7،
لأنه عدول عن اليقين إلى الظن» قلت: و أين حصول القطع مع ما في
الصحيح(1)ان معاوية بن عمار سأل الصادق (عليه السلام) «عن الحجر أ من البيت هو؟ فقال:
لا و لا قلامة ظفر، لكن إسماعيل (عليه السلام) دفن أمه فيه فكره أن يوطأ، فجعل عليه حجرا، و فيه قبور أنبياء (ع)»
و
قال (عليه السلام) في خبر آخر له(2): «دفن في الحجر عذارى بنات إسماعيل»
و في
خبر أبي بكر الحضرمي(3)«ان إسماعيل دفن أمه في الحجر، و حجر عليها لئلا يوطأ قبر أم إسماعيل»
و
سأله يونس بن يعقوب(4)فقال: «إني كنت أصلي في الحجر، فقال رجل: لا تصل المكتوبة في هذا الموضع فان الحجر من البيت فقال: كذب، صل فيه حيث شئت»
و في المحكي عن
السرائر عن نوادر البزنطي(5)«أن الحلبي سأله (عليه السلام) عن الحجر فقال: إنكم تسمونه الحطيم، و إنما كان لغنم إسماعيل مراحا دفن فيه أمه و كره أن يوطأ قبرها فحجر عليه، و فيه قبور أنبياء (عليهم السلام)»
و في كشف اللثام بعد أن حكى عن الذكرى ما سمعته قال: «و ما حكاه إنما رأيناه في كتب العامة، و يخالفه أخبارنا» قلت: و هو كذلك، نعم
أرسل في الكافي و الفقيه(6)«انه كان طول بناء إبراهيم (عليه السلام) ثلاثين ذراعا»
و هو قد يعطي دخول شيء من الحجر فيها، لأن الطول الآن خمس و عشرون ذراعا، كالمحكي عن التذكرة من أن البيت كان لاصقا بالأرض و له بابان شرقي و غربي، فهدمه السيل قبل مبعث النبي (صلى الله عليه و آله) بعشر سنين، و أعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم، و قصرت الأموال الطيبة
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الطواف- الحديث 1 من كتاب الحج.
2) 2 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الطواف- الحديث 4 من كتاب الحج.
3) 3 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الطواف- الحديث 2 من كتاب الحج.
4) 4 الوسائل- الباب- 54- من أبواب المساجد- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الطواف- الحديث 10 من كتاب الحج.
6) 6 فروع الكافي ج 2- ص 217 المطبوعة بطهران عام 1377.
ج7،
و الهدايا و النذور عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعضا، و قطعوا الركنين الشاميين من قواعد إبراهيم (عليه السلام)، و ضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا، و هو الذي سمي الشاذروان، لكن في الحدائق الظاهر أن هذه الرواية
من طرق المخالفين، فإنهم رووا عن عائشة(1)انها قالت: «اني نذرت أصلي ركعتين في البيت فقال النبي (صلى الله عليه و آله):
صل في الحجر، فان فيه ستة أذرع من البيت».
و على كل حال فلا ريب في اقتضاء الاحتياط المزبور عدم استقبال شيء منه، و إدخاله في الطواف لعله ل
ما أرسله في الفقيه(2)عن النبي و الأئمة (عليهم السلام) قال: «صار الناس يطوفون به لأن أم إسماعيل دفنت في الحجر، ففيه قبرها، فطيف كذلك لئلا يوطأ قبرها»
أو لغير ذلك، و كأن ما سمعته من النهاية من تعليل جواز استقباله بأنه كالكعبة أخذه من الطواف به، و فيه ما عرفت، لكن المحكي في كشف اللثام عنها نحو عبارة التذكرة، و الله أعلم، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي بقوله مشيرا الى بعض ما ذكرناه:
و ما من البيت مكان الحجركلا و لا قلامة من ظفر
فلا تصل نحوه و إن دخلكالبيت في الطواف في بعض العلل
و صل فيه الفرض مطلقا بلاحجر و في الكعبة منع قد جلا
فظهر حينئذ أن الأقوى و الأحوط عدم استقبال شيء من الحجر، كما أنه ظهر لك سابقا أن الأقوى و الأحوط أيضا كون الكعبة خاصة القبلة للقريب و البعيد،
ج7،
و كيفية استقبالها أمر عرفي لا مدخلية للشرع فيه، و الظاهر تحقق الصدق و إن خرج بعض أجزاء البدن التي لا مدخلية لها في صدق كون الشخص مستقبلا و حالته استقبالا من غير فرق في ذلك بين القريب و البعيد، لكن في القواعد انه «لو خرج بعض بدنه عن جهة الكعبة بطلت صلاته» بل قيل إنه كذلك في نهاية الأحكام و التحرير و التذكرة و الذكرى و البيان و الموجز و كشف الالتباس و جامع المقاصد و فوائد القواعد، و في كشف اللثام في شرح العبارة المزبورة «و لو خرج بعض بدنه عن جهة الكعبة كإحدى يديه أو رجليه أو بعض منهما بطلت صلاته لوجوب الاستقبال بجميع البدن، قطع به هنا و في التحرير و النهاية و التذكرة و كذا الشهيد، و هو أحد وجهي الشافعي، لأن المراد في الآية كما في المجمع و روض الجنان بالوجه الذات، و بتولية الوجه تولية جميع البدن، و تخصيص الوجه لمزيد خصوصية له في الاستقبال و استتباعه سائر البدن، و يؤيده قوله تعالى(1)«فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها» و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله ابن سنان(2): «و بيته الذي جعله قياما للناس، لا يقبل من أحد توجها إلى غيره»
و
قول حماد(3)«انه (عليه السلام) في بيان الصلاة: استقبل بأصابع رجليه جميعا لم يحرفهما عن القبلة»
و ثاني وجهي الشافعي الاجتزاء بالاستقبال بالوجه» و هو كما ترى صريح في عدم الفرق في ذلك بين القريب و البعيد، ضرورة كونه مورد خبر حماد بل و غيره من الأدلة المسطورة في البعيد، و سمعت لفظ الجهة في عبارة القواعد، لكن في المحكي عن فوائد القواعد المراد بالجهة عين الكعبة، لأن الجهة انما تعتبر في البعيد، و لا يتصور فيها خروج بعض البدن عنها دون بعض، قيل: و يؤيده أنه صرح في التذكرة
ج7،
و نهاية الأحكام و التحرير و الذكرى و الموجز و شرحه في المسألة بالمشاهد لها، و في جامع المقاصد في شرح العبارة المزبورة ينبغي عود هذا إلى جميع ما سبق من عند قوله:
«و المشاهد لها» أي لو خرج بعض بدن كل واحد من هؤلاء أعني المشاهد لها و المصلي في وسطها و لو بعد انهدامها إلى آخره بطلت صلاته، لفوات الاستقبال حينئذ، إلا أن قوله: «عن جهة الكعبة» قد يشعر باختصاص الحكم بالمصلي على جبل أبي قبيس.
قلت: لا ريب في تصور خروج بعض أجزاء البدن عن الجهة التي ستعرف أن ضابطها الامارات المزبورة، فلو صلى منحرف الوجه أو القدم مثلا إلى المشرق أو المغرب لم يصدق عليه استقبال الجهة بالجزء المزبور قطعا، انما البحث في اعتبار ذلك شرطا بعد فرض صدق الاستقبال بالمجموع الذي لا ينافيه شيء مما سمعته من كشف اللثام، و قول حماد كان في بيان الصلاة الكاملة بالاشتمال على أكثر المندوبات كما لا يخفى على من لاحظه، و ربما يومي إلى ما ذكرنا في الجملة ما حكي عن جماعة في مسألة تحريم الاستقبال بالبول و الغائط من أنه لو انحرف عنها ببعض بدنه أو بفرجه لا يكفي في رفع الحرمة، و كذا ما تسمعه فيما يأتي إن شاء الله مما ظاهرهم الاتفاق عليه إلا النادر في القواطع من كراهية الالتفات بالوجه يمينا و شمالا، اللهم إلا أن يدعى في الأول أن المراد بالاستقبال فيه ما لا ينافيه الانحراف بالبعض، بخلاف استقبال الصلاة، و في الثاني أن كراهية الالتفات المزبور لا تنافي الاشتراط في ابتداء الصلاة، و هما معا كما ترى.
و التحقيق عدم اشتراط ما يزيد على صدق الاستقبال، للأصل و إطلاق الأدلة و السيرة القطعية في استقبال الجهة، و دعوى توقف الصدق المزبور على الاستقبال بجميع أجزاء البدن يكذبها الوجدان فيما لم يذكر فيه متعلق الأمر بالاستقبال جميع البدن بل اقتصر على قوله استقبل و نحوه كما هو واضح بأدنى تأمل، بل قد يشكل المراد بالاستقبال باليد و نحوها من الأجزاء، إلا أنه و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، لتسالم من
ج7،
عرفته من أجلاء الأصحاب على الحكم المذكور من غير تردد أو توقف من أحد منهم.
و كيف كان فلا ريب في توقف صدق الاستقبال للشيء عرفا على حصول المقابلة له من المستقبل، و إلا لم يكن مستقبلا له قطعا، و الظاهر اعتبار ذلك فيما نحن فيه أيضا من غير فرق بين القريب و البعيد في ذلك، نعم لا يعتبر في الصدق المزبور وقوع خط المستقبل حال استقباله على المستقبل بالفتح مطلقا، ضرورة تحققه عرفا في المشاهد من الأجرام من بعد و إن قطعنا بعدم اتصال جميع الخطوط بها، و من أراد معرفة ذلك فليعتبر بالأنجم و النقط الموهومة لقطب الجنوب و الشمال و بغيرها من الأجرام التي تشاهد من بعد، و يصدق استقبالها على الأشخاص الكثيرة القائمة على خط مستو زائد على عرضها أضعافا مضاعفة، فان اتصال جميع الخطوط به حينئذ محال كما هو واضح، و لقد أومأ إلى ذلك ما سمعته من الذكرى تبعا للمحكي عن نهاية الأحكام من أن الجرم الصغير كلما ازداد بعدا ازداد محاذاة، ضرورة عدم إرادة ذات اتصال الخطوط من المحاذاة.
و من ذلك ينقدح أن من بعد عن الكعبة بعدا لا تغيب عن مشاهدته لا يعتبر في استقباله العلم باتصال خط موقفه بها، و لا ينافيه تسالم الأصحاب على وجوب استقبال العين للمشاهد أو القريب، إذ الظاهر أن مدارهم في ذلك على الصدق المزبور من غير مدخلية للمشاهدة و القرب النسبي و عدمهما، فمن كان قريبا منها بحيث ينتفي عنه اسم الاستقبال بمجرد عدم اتصال خط موقفه بها وجب عليه مراعاة الاتصال المزبور، و من لم يكن كذلك بل كان يصدق عليه انه مستقبل لها و إن لم يعلم اتصال خط موقفه بل و إن علم العدم لم يعتبر فيه ذلك، ضرورة أنه ليس في الأدلة إلا الأمر بالاستقبال الذي قد فرض صدقه، فالمشاهدة و عدمها لا مدخلية لها قطعا، و دعوى أنه ليس صدقا حقيقيا بل هو مسامحة عرفية يكذبها الوجدان و العمل، كدعوى أن ذلك مسلم مع المشاهدة
ج7،
للجرم من بعد، أما مع غيبوبته عن البصر بسبب زيادة البعد فلا مقابلة صورية يتحقق بها صدق الاستقبال عرفا، إذ من الواضح أن المقابلة المزبورة ليست وهمية محضة تحصل بسبب الابصار و اتصال شعاع البصر، بل هي شيء متحقق في نفس الأمر يحصل تصوره مع فرض قطع النظر عن الابصار أصلا، فيكفي في الصدق عرفا تقدير الابصار، بمعنى أنها تصدق المقابلة بمجرد فرض فضاء الكعبة المتصل إلى عنان السماء مما يرى و يشاهد، كما هو واضح بأدنى تأمل، بل ربما ادعي إمكان مشاهدته من جهة علوه و ارتفاعه و اتصاله بعنان السماء، إلا أنه لا يشخص لاشتباهه في غيره، فوضعت هذه العلامات لتمييزه من بينها و لو على جهة الظن، فهو حينئذ كالمشاهد المستقبل من بعد و إن كان فيها ما فيها.
و على كل حال فليس المدار حينئذ في القريب و البعيد إلا استقبال الكعبة التي لم يقبل الله من أحد توجها إلى غيرها، نعم لما كان البعيد بسبب زيادة البعد و غيبوبة المستقبل عن المشاهدة لم يكن له طريق إلى إحراز هذه المقابلة أي مقابلة البعيد من حيث كونها مقابلة بعيد التي قد عرفت عدم اعتبار اتصال الخطوط فيها إلا باستعمال الامارات الهيئية، لانحصار حصول الظن الواجب مراعاته بعد انتفاء العلم بسبب الأمر بتحري القبلة على حسب الجهد و الطاقة غالبا بها، فهي حينئذ بالنسبة إلينا لا تفيد إلا الظن في حصول الجهة بمعنى المقابلة المزبورة، و لعلها كذلك لأهلها أيضا، ضرورة توقفها على إرصاد و إعمال لا يأمن الخطأ فيها مستعملها، نعم ربما يحصل العلم للمتوغل في معرفتها الآمن على نفسه الخطأ في كيفية الاستعلام بها، كما أنه ربما يحصل العلم بالجهة المزبورة بفعل المعصوم المعلوم تنزيهه عن الخطأ في تحصيل الجهة المذكورة، لما فيه من النقص المنفر للطباع عنه، كالتحير في تحصيل القبلة، و يكفي في النقص عليه معرفة خطأه في ذلك و لو عند علماء الهيئة العارفين في تحصيل الجهة، و كيف يجوز عاقل قصور سلطان الخلق عن معرفة بعض ما عند رعيته، و ربما أدى ذلك إلى السخرية عليه و الاستخفاف
ج7،
به عند أهل الفن المزبور، خصوصا إذا أخطأ بالاستدبار و نحوه.
فمن الغريب تخيل بعض الناس جواز الخطأ عليه في ذلك و أنه ممن هو مكلف باستعمال الأمارات الظنية، كتكليفه بالحكم بالبينة و اليمين و الشاهد و غيرهما من الأحكام الظاهرية، ضرورة وضوح الفرق بين ما كان خطأه فيه لقصور في معرفة العلم المؤدي لذلك و بين ما لا يكون كذلك، فان النقص الواجب تنزيهه عنه متحقق في الأول بخلاف الثاني، فإنه لا نقص عليه بذلك حتى لو علم بالعلم الإلهي الخارج عن طريق البشر خلاف ما حكم به، فان الظاهر عدم تكليفهم (عليهم السلام) بالعلم المزبور، لما ثبت(1)متواترا انهم كانوا عالمين بجميع ما وقع عليهم قبل وقوعه لكنه بالطريق الإلهي الخارج عن مقتضى الطاقة البشرية التي هي مدار التكاليف، و بالجملة لا ريب في حصول النقص بالخطإ المذكور، و لعله من هنا ذكر غير واحد من الأصحاب أن محراب المعصوم (عليه السلام) الثابت نصبه منه أو صلاته فيه من غير انحراف مثلا بالتواتر و نحوه مما يفيد العلم، بل أرسله إرسال المسلمات، و هو كذلك لما عرفت، لكن المراد العلم بحصول الجهة بالمعنى المذكور أي مقابلة البعيد للكعبة من غير اعتبار اتصال الخطوط، ضرورة عدم التكليف بذلك بنص الآية و الرواية، و ليس هو من الأحكام العذرية، بل بناء التكليف من أول الأمر على ذلك، فلا بأس بصلاة المعصوم (عليه السلام) في أمكنة متعددة متساوية في الحظ أوسع من عرض الكعبة بحيث يقطع بعدم اتصال الخطوط بها بعد حصول المقابلة المزبورة، و ما ورد(2)في محراب المدينة من أنه زويت له (صلى الله عليه و آله)
ج7،
الأرض حتى نصبه بإزاء الميزاب- مع إمكان حمله كما في جامع المقاصد على إرادة المقابلة المزبورة لا المحاذاة المعتبر فيها اتصال الخطوط- غايته علمه (صلى الله عليه و آله) بالعين، و لا يدل على وجوب توجهه (صلى الله عليه و آله) إليها فضلا عن غيره، فما في القواعد من أن المصلي بالمدينة ينزل محراب رسول الله (صلى الله عليه و آله) في مسجدها منزلة الكعبة لا يريد به وجوب استقباله حيث يشاهد، و بطلان صلاة من لم يحاذه، لفساده ضرورة، بل بمعنى انه دليل قطعي على حصول مقابلة الكعبة بالمعنى المذكور، بحيث لا يجوز فيه الاجتهاد يمينا و شمالا كباقي المحاريب المنصوبة بالأمارات الهيئية المحتمل تطرق الخطأ إليها، و مثله باقي ما ثبت بالتواتر مثلا من محاريبهم (عليهم السلام)، أو القبور التي وضعها أحدهم، و قد تسمع إن شاء الله التعرض لبعضها.
فظهر من ذلك كله حينئذ أن المكلف به من غير فرق بين القريب و البعيد المقابلة المزبورة التي مع تعذر العلم بها ينتقل إلى الظن، فإن أراد الأصحاب بالجهة المذكورة في كلامهم للبعيد في مقابلة العين المذكورة للقريب ذلك فمرحبا بالوفاق، و إلا كان للنظر فيها تفسيرا و دليلا مجال، و قد ذكروا في تعريفها عبارات مختلفة، ففي المعتبر أنها السمت الذي فيه الكعبة، ثم قال: و هذا متسع يوازي جهة كل مصل، و به عرفها في كشف اللثام، ثم قال: و محصله السمت الذي يحتمل كل جزء منه اشتماله عليها، و يقطع بعدم خروجها عن جميع أجزائه، و قد يناقش بأنه لا مدخلية للاحتمال و القطع المزبورين في الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، ضرورة حصوله مع القطع بخروج نفس الكعبة عن بعض الخطوط كما في الصف المستطيل المتصل بمحراب النبي (صلى الله عليه و آله)، بناء على أنه منصوب على الميزاب، فإنه لا ريب في حصول القطع بعدم كون الكعبة في خطوط مواقف المصلين فيما يزيد على مقدار الميزاب إلى الآخر، و من المعلوم ضرورة صحة صلاة الجميع، و ليس هو إلا لحصول الاستقبال و المحاذاة للبعيد من حيث كونه بعيدا
ج7،
التي قد عرفت عدم توقف الصدق فيها على اتصال الخطوط، و لو أريد بالاحتمال المنشئية و نحوها ارتفعت المناقشة، و انطبق على ما ذكرنا، لكن يكون الاقتصار حينئذ على ما في المعتبر أجود منه، لخلوه من الإبهام المزبور، و مراده بكون الكعبة في السمت بقرينة قوله و هذا متسع إلى آخره أنها في خط من خطوطه و إن خلا منها الباقي، إلا أن الاستقبال يتحقق قطعا أو ظنا، و هو عين ما ذكرناه.
و من ذلك تعرف دفع ما حكي عن الروض من الاعتراض عليه بأنه إن أراد بالسمت المعنى اللغوي و رد عليه صلاة الصف المستطيل و صلاة أهل إقليم واحد بعلامة واحدة، و إن أراد المعنى الاصطلاحي و هو النقطة من دائرة الأفق إذا واجهها الإنسان كان مواجها للكعبة فالطريق الموصل إليها تقريبية لا يتحقق معها نفس الكعبة، لأنها مأخوذة من طول البلد و عرضها، و معلوم أن مقدار الفرسخ و الفرسخين يؤثر في اختلاف ذلك تأثيرا بينا بحيث يترتب عليه سمت آخر، و حينئذ يلزم من استخراج السمت بذلك الطريق على طرف فرسخ كون الصلاة على ذلك السمت في الطرف الآخر غير صحيحة، لعدم كون الكعبة فيه، و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما سمعت من تنزيل كلام المحقق على ما ذكرنا الذي عنه هذا الكلام بمعزل، بل منه يعلم ما في المحكي من نهاية الأحكام من تعريف الجهة بأنها ما يظن به الكعبة حتى لو ظن خروجه عنها لم يصح، و ما في التذكرة من أنها ما يظن أنه الكعبة حتى لو ظن خروجه عنها لم يصح، و إن فرق بينهما في المحكي عن الروض، و قال: إن أولهما قريب مما في المعتبر، و قد حكى في جامع المقاصد عن التذكرة ما سمعته، و نظر فيه بوجهين: أحدهما ما عرفته من صلاة الصف المستطيل المتصل بمحراب النبي (صلى الله عليه و آله)، و الثاني أن البعيد لا يشترط في صحة صلاته ظنه محاذاة الكعبة، لأن ذلك لا يتفق غالبا، فان البعد الكثير يخل بظن محاذاة الجرم اللطيف، فيمتنع اشتراطه في الصلاة، قلت: يمكن على بعد إرجاعه إلى
ج7،
ما ذكرنا من إرادة أنه بسبب صورة استقباله لها يتراءى له حتى يظن أي يحتمل أن الكعبة في كل خط من خطوطه في نفسه و حد ذاته، و إلا فقد يقطع بالعدم من جهة أمر خارجي و إن بقي صورة الاستقبال المورث للاحتمال لولا سبب العلم من خارج، فتأمل.
و كذا الكلام في تعريفها في الذكرى، و المحكي عن الجعفرية من أنها السمت الذي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق الجهة.
و أغرب ما وقع في تفسير الجهة ما يحكى عن المقداد و المحقق الثاني في شرح الألفية، قال أولهما: «جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خط مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليين، و يمر بسطح الكعبة، فالمصلي حينئذ يفرض نظره خطا يخرج إلى ذلك الخط، فان وقع عليه على زاوية قائمة فذاك هو الاستقبال، و إن كان على حادة و منفرجة فهو إلى ما بين المشرق و المغرب» و فيه أنه لا يصدق عليه استقبال الكعبة عرفا و لا شرعا، إذ هذا الخط ليس كعبة كي يكون استقباله استقبالها، و قال ثانيهما: «إنها ما يسامت الكعبة عن جانبيها بحيث لو خرج خط مستقيم من موقف المستقبل تلقاء وجهه وقع على خط جهة الكعبة بالاستقامة بحيث يحدث عن جنبيه زاويتان قائمتان، فلو كان الخط الخارج من موقف المصلي واقعا على خط الجهة لا باستقامة بحيث يكون إحدى الزاويتين حادة و الأخرى منفرجة فليس مستقبلا لجهة الكعبة» و ظني أن الذي أوقع هؤلاء الفضلاء في مثل هذا الوهم التعبير بلفظ الجهة، و لو أنهم عبروا بما في النصوص من أنه يجب على كل أحد استقبال الكعبة، و أنه لا يقبل الله من أحد توجها إلى غيرها، و أنها هي قبلة المسلمين لم يقع أحد منهم في هذا الوهم، ضرورة كون المدار على صدق الاستقبال و إن اختلفت أفراده و مصاديقه بحسب القرب و البعد، و ليس استقبال الجهة بالمعنى المزبور منها قطعا، ضرورة اجتماعها مع فرض كون الكعبة
ج7،
على اليمين و الشمال للبعيد من حيث كونه بعيدا، كما هو واضح بأدنى تأمل.
و أما ما في الروضة و عن غيرها من تعريفها بأنها القدر الذي يجوز على كل جزء منه أن الكعبة فيه، و يقطع بعدم خروجها عنه لأمارة شرعية فقريب الانطباق على ما ذكرنا بعد إرادة المنشئية بسبب الاستقبال الصوري من التجويز و القطع، و به يندفع ما يورد على طرده بفاقد العلامات أصلا، لتجويزه على كل جزء من جميع الجهات أنه الكعبة، فينبغي اكتفاؤه بصلاة واحدة إلى أي جهة شاء، و كذا من قطع بنفي جهة أو جهتين و شك في الباقي، فإنه يصدق عليه التعريف المزبور و ليس بجهة القبلة، ضرورة أنه بناء على إرادته ما ذكرنا لا يرد عليه شيء من ذلك، بل و لا يرد عليه أيضا أنه يجتمع فيه العلم و الاحتمال في محل واحد، ضرورة اختلاف المتعلق، فان محل العلم حيث لا يكون مشخصا بدلالة معصوم و نحوه الفرد المنتشر على البدل، و الاحتمال الجميع.
و أقرب انطباقا منه على ما ذكرنا ما في جامع المقاصد، حيث أنه بعد أن ذكر ما في التذكرة و الذكرى و أورد عليهما ما سمعته قال: «و الذي ما زال يختلج بخاطري أن جهة القبلة هي المقدار الذي شأن البعيد أن يجوز على كل بعض منه أن يكون هو الكعبة بحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموعه، و هذا يختلف سعة و ضيقا باختلاف حال البعيد» و هو ظاهر فيما قلناه، لكنه قال: «فان قلت: يرد عليه المصلي بعيدا عن محراب المعصوم بأزيد من سعة الكعبة، فإنه لا يجوز على ذلك السمت أن يكون فيه، لأن المحراب يجب أن يكون إلى الكعبة، لاستحالة الغلط على المعصوم (عليه السلام).
قلت: لما كانت قبلة البعيد هي الجهة تعين أن يكون محراب المعصوم إليها بحيث لا يحتمل الانحراف أصلا و لو قليلا، أما كونه محاذيا لعين الكعبة فليس هناك قاطع يدل عليه، فيبقى التجويز المعتبر في تعريف الجهة بحاله» و لا يخفى عليك أنه لو أراد ما ذكرنا كان في غنية عن تكلف الجواب المزبور، فان القطع بخروج العين عن الخط لا ينافي المنشئية
ج7،
الحاصلة من الاستقبال الصوري بسبب البعد، خصوصا و قد اعترض بمثل هذا سابقا على ما في التذكرة، بناء منه على أن محراب المدينة إلى الميزاب عينا لا جهة، و جوابه لا يدفع ذلك عنه، و كون قبلة البعيد الجهة لا ينافي نصب المحراب إلى عين الميزاب و إن لم يكن ذلك واجبا، كما أنه لا حاجة أيضا إلى الجواب بأنه خبر واحد لا يفيد القطع، فالتجويز قائم، أو أن المراد جهة الميزاب لا عينه، إذ قد عرفت أنه لا ينافي الجهة بالمعنى المزبور على الفرض المذكور فضلا عن هذه الاحتمالات.
و لقد عثرت على رسالة في القبلة لولد المحقق المزبور، قال فيها بعد أن حكى تعريف الذكرى الموافق لما في التذكرة و ما اعترض به والده من الوجهين: و مختار والدي و ذكر التعريف المزبور، ثم قال: «و عندي أنها السمت الذي يظن محاذاة الكعبة فيه حسا، و اليه يرشد كلام العلامة في النهاية حيث قال: فان الجرم الصغير كلما ازداد بعدا ازداد محاذاة، لامتناع ذلك في المحاذاة الحقيقية، فلا يرد إخلال البعد بظن المحاذاة، إذ هو مؤكد له حينئذ، و لا خروج بعض الزائد طوله على مقدار الكعبة، لأن ذلك انما هو في المحاذاة الحقيقية، و من أراد التنبه لذلك فليعتبر بالأنجم بل بالنقط الموهومة كما في القطب الجنوبي و الشمالي» و هو إلى هنا كالنص فيما قلناه، لكن قال بعد ذلك:
«و أما الاستقبال فيكفي في تحققه من القريب كون العمود الخارج من قدام مارا بالكعبة سواء كان عمودا عليها أو مائلا يحدث عن جنبيه زاويتان، إحداهما أكبر من الأخرى، و أما البعيد فان قلنا: إن قبلته الجهة كما هو المختار وجب في تحققه منه كون العمود الخارج من قدامه عمودا على الخط المار بالكعبة أيضا، و ذلك لما قررناه من اعتبار ظن المحاذاة الحسية في الجهة، فعند تحصيل السمت بالعلامات التي تفيد ظنا به يمتنع جواز الانحراف عليه و لو يسيرا، إذ مع البعد الكثير و عدم المشاهدة لا يؤمن الانحراف الفاحش في الحس أيضا بالقليل منه، فيفوت الظن المعتبر تحققه شرعا، و إن قلنا:
ج7،
إن قبلته العين كان تحقق الاستقبال منه على نحو ما مر في القريب» و قد يظن مما ذكره في كيفية استقبال البعيد مخالفة ما قدمنا، إلا أنه يمكن أن يقال مع عدم سلامة النسخة المزبورة من الغلط: إن مراده المرور الحسي لا الحقيقي بمعنى أنه بسبب البعد يظهر للحس مرور العمود بالكعبة، لما هو عليه من الاستقبال الصوري، كما يكشف عنه أول كلامه و آخره، و لقد أجاد فيما ذكره أخيرا من الضرر بالانحراف اليسير لما فيه من تفويت الظن بالاستقبال الصوري، إذ لعله كما نجده الآن من الانحراف عن النجوم و بعض النقط، و حينئذ فالأولى جعل المدار فيما لا يجوز من الانحراف على المفوت للظن المزبور القائم مقام العلم بعد تعذره، و لعله غير المستفاد من الأدلة مما ستعرفه من تفاوت العلامات المزبورة، و مما يؤكد إرادته ما ذكرنا في كيفية استقبال البعيد ما عثرنا عليه من كلامه أيضا في شرح الإرشاد، فإنه بعد أن حكى عن والده الاعتراض الأول المزبور على تعريف التذكرة قال: «قلت: قد يحمل المحاذاة على الحسية، بل ذلك هو المتعارف على لسان أهل الشرع على نحو ما اشتهر بينهم من أهل العراق مثلا و إن طالت صفوفهم و استوت مواقفهم يجعلون الجدي بحذاء المنكب الأيمن على نحو واحد، و من المعلوم امتناع ذلك بحسب نفس الأمر، لاختلاف أشخاصهم فيه، و إنما يمكن تحققه بحسب الحس، فعلى هذا ليس البعد مخلا بظن المحاذاة، بل كلما ازداد اتسع السمت الذي تظن هي فيه» و هو صريح فيما ذكرنا أولا و آخرا، على أن ذلك كله منا مماشاة لبعض الأذهان التي تستوحش من التفرد بالقول، و لم تتفطن إلى أن الوحشة من الباطل و إن كثر القائل به، و الانس بالحق و إن قل.
و ربما كان أيضا بعض ما يحكى عن روض الشهيد الثاني إشارة إلى ما قلناه، فإنه بعد أن اعترض على التذكرة بما سمعته من المحقق الثاني من الصف المستطيل قال:
فان قيل: القطع بخروج بعض الصف متعلق بأفراد المجموع على الإشاعة لا على التعيين،
ج7،
فلا ينافيه ظن كل واحد على التعيين أنه مستقبل، و أجاب بأن الظن لا بد من استناده إلى أمارة شرعية، و هذا القطع ينافيه، ثم قال: و لو قيل بأن هذا لا يتحقق مع البعد، لأن الجرم الصغير كلما ازداد الإنسان عنه بعدا اتسعت جهة المحاذاة، فيمكن محاذاة العشرة للشخص الواحد، فليكن الصف المستطيل كذلك، و أجاب بأن هذا تحقيق أمر الجهة دون المعنى الذي ذكره، إذ التحقيق أن محاذاة القوم للجرم الصغير عن موقفهم ليست إلى عينه و إن أوهم ذلك، لأنا نفرض خطوطا خارجة من موقفهم نحوه بحيث تخرج متوازية فإنها لا تلتقي أبدا و إن خرجت إلى غير النهاية، و العلامات المنصوبة من الشارع تقضي بعدم ذلك، إذ هو خصوصا قوله: إن هذا تحقيق أمر الجهة كالصريح فيما قلناه الذي منه يعرف ما في المحكي عن البهائي في رسالته التي أفردها في ذلك من أن الجهة أعظم سمت يشتمل على الكعبة قطعا أو ظنا بحيث تتساوى نسبة أجزائه إلى هذا الاشتمال من دون ترجيح، قال: «و انما اعتبرنا أعظم سمت لئلا ينتقض طرده بأجزاء الجهة، و لم نقتصر على الظن لئلا ينتقض عكسه بالسمت الذي يقطع بعدم خروج الكعبة عنه، و لا على القطع لئلا ينتقض بالجهة المظنون كون الكعبة فيها عند العجز عن تحصيل القطع بذلك، و أما قيد الحيثية فلا خراج سمت يكون اشتمال بعض أجزائه على الكعبة أرجح، إذ الحق أن الجهة ليست مجموع ذلك السمت، بل بعضه أعني الأجزاء التي يترجح اشتمالها على الكعبة بشرط تساوي نسبة الرجحان إلى جميعها، فلا يجوز للمصلي استقبال الأجزاء المرجوحة الاشتمال عليها، خلافا للمستفاد من جماعة».
و أنت خبير بأن المهم بيان حقيقة الجهة المذكورة في كلامهم بحيث ينطبق على الأدلة الشرعية لا هذه الاحترازات، و قد عرفت أنه لا مدخلية للقطع و الظن و الاحتمال فيها، بل هي أمور تتعلق بها، بل ليس المراد منها إلا المقابلة و المحاذاة الحسية للبعيد من حيث كونه بعيدا، نعم يختلف كيفية معرفة ذلك، فتارة بالعلم، و أخرى بالظن
ج7،
كمراعاة هذه العلامات، و لقد استراح من عرفها بذلك كالأردبيلي و العلامة الطباطبائي، قال الثاني منهما:
و للبعيد الجهة المعينةبما لها من آية مبينة
فمحراب المعصوم (عليه السلام) و هذه الامارات و غيرها انما هي أدلة على الجهة كما نص عليه المحقق الثاني في فوائد الشرائع لا العين، ضرورة عدم معقولية دلالتها عليها بالخطوط المستوية مع اشتراك الإقليم الواحد بها فيما يقطع بعدم مقابلته العين حقيقة، لسعة عرضه عليه أضعافا متعددة، و كروية الأرض لا مدخلية لها في ذلك قطعا، كما أن كون أهل الأرض مستديرين حول الكعبة كذلك، إذ ليس استدارتهم كمحيط الدائرة كما اعترف به المحقق الثاني في فوائد الشرائع و إلا ما صلى المتوسطون في الجهة إلى سمت واحد، ثم ان دلالتها على الجهة مختلفة، فالمحراب و نحوه مما يفيد القطع بها، لما عرفت و تعرف من منافاة الخطأ في ذلك العصمة، و غيره يفيد الظن بها، لاحتمال الخطأ في تحصيل القبلة(1)المقابلة بها كما أوضحناه سابقا، و نص عليهما معا المحقق الثاني هنا في فوائده.
فمن الغريب ما وقع لبعض الأعلام كالشهيد في الذكرى و المحقق البهائي من أن هذه الامارات تفيد الظن الغالب بالعين و القطع بالجهة، كما أنه من الغريب ما وقع لبعض علماء العصر من الإنكار على ما وقع من غير واحد من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق عليه من أن محراب المعصوم (عليه السلام) مما يفيد العلم بالقبلة قائلا ليس تكليف المعصوم (عليه السلام) مع البعد إلا تكليف غيره من الاستقبال إلى الجهة، و لذا كان يصلي قطعا في أمكنة متعددة يقطع بسعة عرضها على الكعبة من دون انحراف منه، فكيف يكون محرابه مما يفيد العلم بالقبلة، إذ لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقا
1) 1 ليس لفظ «القبلة» في النسخة الأصلية المسودة لكنه موجود في المبيضة و لا يخفى ان وجوده مخل بالعبارة.
ج7،
من أن المراد إفادته العلم بالجهة بالمعنى الذي ذكرناه: أي المقابلة الحسية لو كانت الكعبة مرئية لا العين، و تجويز الخطأ عليه في ذلك نفي لعصمته، لما فيه من النقص، إذ هو أجل من أن يقصر عن علماء الهيئة كما أوضحناه سابقا.
و لقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عن وضع الكتاب إلا أنه كان المقام حقيقا به فإنه قد خفي في هذا العصر المراد بالجهة حتى أنه التجأ متفقهته للجهل بها إلى ما أحدثه الأردبيلي، و تبعه عليه بعض الناس مما هو مخالف لإجماع الأصحاب بقسميه من عدم اعتبار هذا التدقيق في أمر القبلة، و أنه أوسع من ذلك، و ما حاله إلا كأمر السيد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية التي لا ريب في تحقق امتثال العبد له بمجرد التوجه إلى جهة تلك البلد من غير حاجة إلى رصد و علامات و غيرها مما يختص بمعرفته أهل الهيئة المستبعد أو الممتنع تكليف عامة الناس من النساء و الرجال خصوصا السواد منهم بما عند أهل الهيئة الذي لا يعرفه إلا الأوحدي منهم، و اختلاف هذه العلامات التي نصبوها- و خلو النصوص عن التصريح بشيء من ذلك سؤالا و جوابا عدا ما ستعرفه مما ورد(1)في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين، و أخرى بجعله على اليمين مما هو مع اختلافه و ضعف سنده و إرساله خاص بالعراقي مع شدة الحاجة لمعرفة القبلة في أمور كثيرة، خصوصا في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال، و تركها كفر، و لعل فسادها و لو بترك الاستقبال كذلك أيضا، و توجه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لما بلغهم انحراف النبي (صلى الله عليه و آله)، و غير ذلك مما لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملة السهلة السمحة- أكبر شاهد على شدة التوسعة في أمر القبلة، و عدم وجوب شيء مما ذكره هؤلاء المدققون، قال في المدارك: «و اعلم أن للأصحاب اختلافا كثيرا في تعريف الجهة، و لا يكاد يسلم تعريف منها من الخلل، و ليس لهم في هذا الاختلاف
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب القبلة.
ج7،
دليل نقلي يصلح للاستناد اليه، و لا اعتبار عقلي يعول عليه، و المستفاد من الأدلة الشرعية الاكتفاء بالتوجه إلى ما يصدق عليه عرفا أنه جهة المسجد و ناحيته، كما يدل عليه قوله تعالى(1)«فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»* و
قوله (عليه السلام)(2): «ما بين المشرق و المغرب قبلة»
و
«ضع الجدي في قفاك و صل»(3)
و خلو الأخبار مما زاد على ذلك مع شدة الحاجة إلى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة، و إحالتها على علم الهيئة مستبعد جدا، لأنه علم دقيق كثير المقدمات، و التكليف به لعامة الناس بعيد من قوانين الشرع، و تقليد أهله غير جائز، لأنه لا يعلم إسلامهم فضلا عن عدالتهم، و بالجملة التكليف بذلك مما علم انتفاؤه ضرورة» و زاد في الحدائق بأنه مما يؤيد ذلك أوضح تأييد ما عليه قبور الأئمة (عليهم السلام) في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينها على وجه يقطع بانحراف القبلة مع استمرار الأعصار و الأدوار من العلماء الأبرار على الصلاة عندها و دفن الأموات و نحو ذلك، و هو أظهر ظاهر في التوسعة، كما أنه في غيرها زيادة الإشكال في التعويل على قواعد علم الهيئة بأنها مبنية على كروية الأرض، و ما ذكروه في إثبات ذلك لا يثمر ظنا فضلا عن القطع، خصوصا بعد عدم موافقة الفقهاء لهم على ذلك، بل ظاهر الكتاب العزيز بخلافهم، قال تعالى(4)«الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً» و قال تعالى(5)«أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً» و قال تعالى(6):
«وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» إلى غير ذلك مما لفقه أتباع المقدس المزبور مما هو معلوم المخالفة لما أجمع عليه الأصحاب قديما و حديثا قولا و عملا منهم و من مقلدتهم
ج7،
في سائر الأعصار و الأمصار، و لما هو المستفاد من الكتاب و السنة، بل الضرورة من الدين من استقبال الكعبة للقريب و البعيد الذي لا يتحقق عرفا إلا باستقبالها حقيقة الذي منه استقبال الجهة بالمعنى الذي ذكرناه سابقا، لا الجهة العرفية المبنية على التسامح و عدم الاستقبال حقيقة، و أمر السيد عبده بسبب قرائن الأحوال محمول عليها، بل هو عند التحقيق مراد منه جهة الجهة، و إلا فلو فرض عدم القرينة على ذلك وجب بذل الجهد في تحصيل الاستقبال حقيقة.
و احتمال أن الشارع مراده هذا التسامح يدفعه عدم القرينة على ذلك كي يحمل عليه الخطاب المزبور، ضرورة عدم كون المسامحات العرفية حقائق تحمل الألفاظ عليها بدونها، و ثانيا أن ملاحظة الفتاوى و ما تسمعه من النصوص-(1)التي فيها التفرقة بين طريق الحج و غيره بوضع الجدي على اليمين و القفا مع سهولة التفاوت بينهما، و فيها(2)انه المراد من قوله تعالى(3)«وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» و فيها(4)جعل ما بين المشرق و المغرب قبلة لخصوص المخطئ و المتحير، و فيها(5)الأمر بالتحري لغير المتمكن من العلم، و بالصلاة لأربع لفاقدهما، و فيها غير ذلك- تشرف الفقيه على القطع بعدم إرادة هذا التسامح الذي يقتضي عدم الاستعداد له بعلامة أصلا، و عدم إشكال الحال على السائل المسافر، بل ستسمع ما في المروي(6)عن رسالة المحكم و المتشابه منها ما يزيد ذلك كله تأكيدا.
نعم لما كان استعداد الناس و فطانتهم مختلفة أشد اختلاف حتى أن منهم من
ج7،
يصل إلى كثير من نتائج العلوم المدونة من غير حاجة إلى أهلها و مقدماتها، و منهم من ليس له إلا قابلية التقليد ناط الشارع هنا التكليف بالعلم مع التمكن منه بلا عسر و حرج، كما يتيسر لكثير من أفراد الناس الممارسين المتنبهين من أهل البادية و القرى، بل لعل اتفاق ذلك في الأولين أكثر، و مع عدم التمكن فالتحري، و مع عدمهما فالأربع جهات، فلا عسر و لا حرج في ذلك على عامة المكلفين، إذ لم يكلفهم بمعرفة قواعد علم الهيئة الذي هو دقيق المقدمات، و لا يعرفه إلا أوحدي الناس، بل إنما أمر بالعلم بحصول الاستقبال للمتمكن كما هو القاعدة في كل موضوع، و بالظن لغيره، و بالعلم الإجمالي لفاقدهما، فمن كان حسن الفطنة يتمكن من حصول العلم بسبب معرفته في علم الهيئة أو بغير ذلك وجب عليه، و إلا أخذ بالأحرى فالأحرى على حسب استعداده أيضا، و ما يتيسر له من أسباب الظن إلى أن يصل إلى التقليد و أدون.
و لعل هذا موافق للقاعدة المعلومة، و هي قيام الظن مقام العلم عند التعذر في موضوعات الأحكام، خصوصا في المقام الذي يقطع فيه بعدم سقوط الصلاة، و بعدم سقوط الاستقبال فيها، و بعدم حرمة السكنى في المواضع التي يتعذر فيها حصول العلم، و بعدم التكليف بفعل سائر الأفراد المحتملة، تحصيلا لليقين، و بقبح التكليف بما لا يطاق عندنا فان الرجوع هنا حينئذ إلى الظن متعين كما هو واضح و اختلاف العلامات المنصوبة للقبلة اختلاف يسير لا يقدح في تحصيل القطع باستقبال الجهة فضلا عن الظن، أو يقتصر في العفو على مثله، لا أنه يتعدى إلى غيره، على أن هذا الاختلاف يمكن أن يكون لاختلاف الأنظار في بعضها، فلا يقدح، أو لغير ذلك مما ستعرفه، و بيان الموضوعات التي لا تتوقف على النية ليست وظيفة الشرع قطعا و إن مست الحاجة إليها، و لذا يرجع إلى قول اللغوي و النحوي و الصرفي و أصالة العدم و أصالة البقاء و القرائن الظنية و قول أهل الخبرة في الأرش و أمثاله و قول الطبيب و غير ذلك من الظنون، انما على الشارع
ج7،
بيان الحكم، و يرجع في موضوعه إلى الطرق المعروفة في تحصيله، مع أن النصوص هنا غير خالية عن ذلك كما ستعرف، بل لعل جل العلامات المنصوبة مستفادة منها و لو بالمقايسة للمنصوص فيها، كما يعرف عموم التعرف بالجدي لسائر الأصقاع بالمقايسة للثابت فيها من كونه علامة للعراقي، و الضعف و الإرسال هنا غير قادح بعد الانجبار بالفتاوى، و بالموافقة للقواعد البرهانية، و توجه أهل مسجد قبا- مع إمكان وجود العارف الخبير الممارس فيهم، بل الغالب فيهم فطنة ذلك، لكثرة أسفارهم، و قرب الكعبة منهم، و كثرة ترددهم إليها- انما كان لأن تكليفهم في ذلك الوقت ليس إلا ذلك، إذ الفرض أنهم في أثناء الصلاة، فيلزمهم حينئذ الرجوع إلى الجهة العرفية مع فرض تعذر الامارة الشرعية كما صرح به العلامة الطباطبائي في منظومته بقوله:
و يكتفي بالجهة العرفيةمن فقد الأمارة الشرعية
و سهولة الملة و سماحتها لا تقتضي التساهل في أحكامها المستفادة من خطاباتها التي مدار التكليف عليها، فان ذلك في الحقيقة تسامح و تساهل فيها و العياذ بالله لا أنها هي سمحة سهلة، و قد عرفت أن العقل و النقل يقتضي استقبال الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، و هو المصداق العرفي الحقيقي لا التسامحي للآية التي مرجعها إلى صدق استقبال الكعبة كما أوضحناه سابقا، و نصوص ما بين المشرق و المغرب ما كان منها قابلا لإرادة الموافق لوضع الجدي علامة كما ستعرفه ممن جعل ذلك من جملة العلامات لا دلالة فيه على التوسعة، و ما كان منها ظاهرا أو صريحا في إرادة التوسعة بجعل أي جزء منه قبلة مراد منه تحديد القبلة في جميع الأحوال، أو يراد منه خصوص المخطئ و المتحير كما هو صريح أو ظاهر بعضها، بل قوله فيها: «قبلة» الظاهر في إرادة التنزيل كالصريح في كون القبلة غيره، و إلا كانت مخالفة للضرورة من المذهب، فضلا عن باقي الأدلة القطعية و الظنية نصا و ظاهرا بحيث لا يحتاج من له أدنى دراية إلى جمعها و تنقيحها، و كان إطناب الأستاذ
ج7،
الأكبر في ذلك في شرحه على المفاتيح لزيادة التشنيع على من استدل بها على التوسعة المزبورة و نحوها، كما أن الأخذ بإطلاق وضع الجدي في القفا ثم الصلاة معلوم البطلان بالضرورة، و من هنا نزل على العراق و ما سامتها.
و حيث عرفت و تعرف إن شاء الله قيام الظن هنا مقام العلم عقلا و نقلا لم يكن بأس في الرجوع إلى القواعد الهيئة، و لا بتقليد أهلها في ذلك، بل ربما استفاد الماهر فيها العلم بالاستقبال، كما أنه لا ريب في حصول الظن به منها، بل الظاهر أنه أقوى من غيره، و لذا عول أصحابنا عليها، و وضعوا كثيرا من العلامات بمراعاتها كما اعترف به بعضهم، فمن الغريب دعوى عدم استفادة شيء من العلم أو الظن من كلامهم، مع أن أكثره كما قيل ثابت بالبراهين القطعية و الدلائل الهندسية التي لا يتطرق إليها شبهة، و لا يحوم حولها وصمة ريب، و عدم الوثوق بإسلامهم فضلا عن عدالتهم لا يمنع حصول الظن، كما لا يمنع من حصوله في غيره من اللغة و الصرف و النحو و الطب و غير ذلك الذي من المعلوم ضرورة الرجوع اليه، و ليس المراد التقليد في الحكم الشرعي المشترط فيه ذلك، بل المراد حصول الظن الذي لا ينبغي إنكاره و لا التعويل عليه، و إن أطنب في بيان ذلك المحقق البهائي في حبله، و تبعه الأستاذ الأكبر في شرحه، لكنا بحمد الله في غنية عنه، إذ هو من الواضحات المسلمات عندنا، خصوصا بعد ما تعرفه إن شاء الله منا و من غيرنا من العمل بالظن من قول الكافر و نحوه إذا لم يكن ظن أقوى منه، فالتكليف به حينئذ مع فرض كونه الأحرى و عدم العسر في تحصيله ثابت بالضرورة لا منفي، و دعوى عدم استفادة الظن من الأدلة على كروية الأرض التي هي مبنى العلم المزبور واضحة المنع عند أهل الفن، كدعوى إنكار أهل الشرع كرويتها، إذ ليس لهم في ذلك كلام محرر، بل المحكي عن العلامة منهم في كتاب الصوم من التذكرة التصريح بكروية الأرض مفرعا عليها جواز رؤية الهلال في بلد دون آخر، لأن حدبية
ج7،
الأرض مانعة عن ذلك، بل قال: قد رصد ذلك أهل المعرفة، و شوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب الغربية لمن جد في السير نحو المشرق و بالعكس، و كذا حكي عن ولده فخر المحققين، و كونها فراشا و مهادا و مسطحة لا ينفي كونها كروية باعتبار عظم حجمها بحيث يحصل ذلك فيها و ترى مسطحة كما عن الزمخشري التصريح ببعض ذلك في آية الفراش، بل هو المحكي عن المرتضى (رحمه الله) أيضا، و دعوى اختلاف قبور الأئمة (عليهم السلام) مع قربها اختلافا لا يتسامح فيه في استقبال البعيد و لو ظنا مع استمرار السيرة القطعية على إيقاع ما يشترط فيه الاستقبال على ذلك ممنوعة أشد المنع على مدعيها، و كان المسألة بحمد الله من الواضحات التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلة و البينات، و لو لا سريان هذه الشبهة إلى جماعة من أهل هذا العصر لكان ما صدر منا من الكلام فضلا عن الزيادة عليه من تضييع العمر في الفضولات، و الله أعلم بحقيقة الحال.
و كيف كان فهذا كله في تحقيق الجهة التي أمر أصحاب البعيد باستقبالها، و قد تطلق الجهة في كلامهم على غير ذلك كقول المصنف و جهة الكعبة هي القبلة لا البنية فلو زالت البنية صلى إلى جهتها كما يصلي من هو أعلى موقفا منها أو أسفل، ضرورة كون مراده بالجهة هنا القضاء الذي حوت بعضه البنية، و شغل الأرض بعضا آخر منه، و بقي الثالث متصلا إلى عنان السماء، لا الجهة بالمعنى المزبور، و من هنا لم يعرف خلاف بين العلماء كما اعترف به في المدارك في كون المدار في القبلة على ذلك، و خلاف شاذان في غير ذلك كما ستعرف الحال فيه، مع أنه على تقديره لا يعبأ به، إذ الآجر و الجص و التراب مما ينقل و يضمحل، و
قد سئل الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان(1)«عن رجل صلى فوق أبي قبيس العصر، و الكعبة تحته فهل تجزئ؟ فقال:
نعم انها قبلة من موضعها إلى السماء»
ك
قوله (عليه السلام) أيضا(2): «لا بأس»
ج7،
لما سأله خالد أبو إسماعيل عن الرجل على أبي قبيس يستقبل القبلة، و كذلك الحال في المصلي في سرداب مثلا نازل عن بناء الكعبة، و قد تقدم، و يأتي الإشارة إلى ذلك كله، مع أنه بوضوحه مستغن عن كثرة الكلام، كما انه تقدم سابقا وجوب العلم بتحقق صدق الاستقبال للمتمكن و إن توقف على صعود إلى سطح أو جبل أو نحوهما من المقدمات التي لا حرج على المكلف في تحصيلها على ما هو مقتضى القواعد المقررة التي شهد لها العقل و النقل، فما في المدارك- من أنه لا يكلف الصعود إلى الجبال ليرى الكعبة للحرج بخلاف الصعود إلى السطح، و أوجب الشيخ و العلامة في بعض كتبهما صعود الجبل مع القدرة، و هو بعيد- فيه ما لا يخفى، اللهم إلا أن يريد بقرينة تعليله ما فيه الحرج، لكن من المستبعد إيجاب الشيخ و الفاضل عليه ذلك معه، لعدم الدليل، بل المعلوم من أصول هذه الملة سقوط ما فيه الحرج من سائر أحكامها، و ظني أن الخلاف لفظي، ثم قال في المدارك بعد الكلام المزبور: «و إن قلنا بالاكتفاء باستقبال الجهة مطلقا سقط هذا البحث من أصله» و فيه أنك قد عرفت مما تقدم سابقا عدم قائل بذلك، بل لا مجال لاحتماله، إذ وجوب استقبال العين لمن كان مشاهدا لها من الضروريات، و لا يكفيه استقبال جهة العين بمعنى الفضاء المتصل بها يمينا و شمالا، إذ هو ليس استقبالا للكعبة قطعا، بل هو غير مجز للبعيد فضلا عن القريب على ما عرفته مفصلا، و إن أراد بالجهة غير ذلك لم يكن وجه لسقوط هذا البحث من أصله، و من ذلك يعرف ما في مناقشته للمعتبر في شرح المتن السابق كما تقدم لنا ما يزيده وضوحا و تفصيلا، فلاحظ و تأمل إن شئت.
و إن صلى في جوفها مختارا و مضطرا فريضة أو نافلة جاز و استقبل أي جدرانها شاء لكن على كراهية في الفريضة بلا خلاف أجده فيه فيما عدا الأول، بل الإجماع بقسميه عليه، بل لعله من المسلمين، و هو الحجة بعد المحكي من فعل النبي
ج7،
(صلى الله عليه و آله) في
صحيح معاوية بن عمار(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يدخل الكعبة في حج و لا عمرة و لكنه دخلها في الفتح فتح مكة، و صلى ركعتين بين العمودين، و معه أسامة بن زيد»
و غيره من النصوص، بل صرح الشيخ و الفاضل كما عن غيرهما باستحباب النافلة فيها، بل في المنتهى لا نعرف خلافا فيه بين العلماء إلا ما نقل عن محمد ابن جرير الطبري، بل عن المعتبر و الروض و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، نعم في كشف اللثام أني لم أظفر بنص على استحباب كل نافلة، و انما الأخبار باستحباب التنفل لمن دخلها في الأركان و بين الأسطوانتين، و لكنه يتأتى بفعل الرواتب اليومية و نحوها فيها، و ربما تسمع تمام البحث في ذلك إن شاء الله في مكان المصلي، مضافا إلى ما علم من نصوص الفرقة المحقة و إجماعاتهم من عدم سقوط الصلاة بحال.
و منه الاضطرار إلى الفريضة في الكعبة لو قلنا بعدم جوازها اختيارا فيها، مع أن الأقوى الجواز وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل عن السرائر الإجماع عليه، بل لم أجد فيه خلافا إلا من المحكي عن الشيخ في الخلاف و التهذيب و حج النهاية و القاضي في المهذب ل
موثق يونس بن يعقوب(2)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «حضرت الصلاة المكتوبة و أنا في الكعبة أ فأصلي فيها، قال: صل» المؤيد بظاهر قوله تعالى(3)«طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ»
لضعف المناقشة في دلالتها، و بما يشعر به
صحيح ابن مسلم(4)عن أحدهما (عليهما السلام) «لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة»
بل رواه في الوسائل بطريق آخر بإسقاط «لا» بل قال: لفظة «لا» غير موجودة في النسخة التي قوبلت بخط الشيخ، و بأن
ج7،
المستفاد من
قولهم (عليهم السلام): «الكعبة قبلة»
بعد تعذر إرادة المجموع بعدم إمكان استقباله، ضرورة كون المصلي خارجها انما يستقبل ما يحاذيه منها لا كل جزء منها من غير فرق بين المقاطر له حال كونه خارجا و غيره، و دعوى صدق استقبال الكعبة بالأول خاصة دون الثاني قد تمنع، إذ لا ريب في عدم إرادة المجموع بشرط الاجتماع من الكعبة في قوله: الكعبة قبلة» ضرورة كونها اسما للفضاء من تخوم الأرض إلى عنان السماء، فمن استقبل الجزء المقاطر منها ليس مستقبلا للكعبة: أي تمامها قطعا، و ليس ذلك كضرب زيد المتحقق بضرب البعض، على أن البحث في قوله: «الكعبة قبلة» لا استقبل الكعبة، بل خبر عبد الله بن سنان المتقدم المتضمن نفي البأس عن الصلاة على أبي قبيس و الكعبة تحته معللا ذلك بأنها قبلة من موضعها إلى السماء كالصريح في تحقق القبلة باستقبال البعض دون البعض، فيعلم حينئذ منه أن المراد كل جزء من أجزاء الكعبة قبلة من نحو التركيب المزبور، و تخصيصه بالمقاطر دون غيره لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، بل لو سلم عدم ظهوره أمكن دعواه و لو بملاحظة الشهرة العظيمة التي لم يعرف خلافها إلا ممن عرفت، بل المحكي عن الشيخ في باقي كتبه موافقة الأصحاب و منه يعلم ترجيح ما عن السرائر من الإجماع على إجماعه الموهون بما عرفت، كالصحيح المستدل به له
عن أحدهما (عليهما السلام) «لا تصل المكتوبة في الكعبة»
المتعين لما سمعته للحمل على الكراهة، خصوصا مع اتحاد الراوي فيه و راوي الصحيح المزبور، و نحوه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) المتقدم سابقا، بل هو أولى منه بذلك، ضرورة عدم صلاحية التعليل للحرمة، إذ ترك النبي (صلى الله عليه و آله) أعم من ذلك، بل ربما يستدل بما في ذيله من صلاة الركعتين المعلوم جوازها في الكعبة كما عرفت على المطلوب، بناء على عدم جواز فعل النافلة لغير قبلة مع الاستقرار و الاختيار كما تسمع البحث في ذلك إن شاء الله محررا، و لعله إليه أشار العلامة في
ج7،
التذكرة في استدلاله على الجواز بأن كل بقعة جاز أن يتنفل فيها جاز أن يفترض كالمسجد.
و من الغريب وسوسة بعض المتأخرين في الحكم المزبور لصحة سند المعارض و تعدده و تأييده بأصالة الشغل و إجماع الخلاف و ما تسمعه من النص(1)على منع الصلاة على السطح قائما، و
ما أرسله الكليني من أنه «روي أنه يصلي في أربع جوانبها إذا اضطر إلى ذلك»
إذ هو مع اشتماله على الشرط المزبور مشعر بكون القبلة المجموع لا كل جزء كما اعترف به في الذكرى، و
خبر عبد الله بن مروان(2)«إذا حضرته صلاة الفريضة و هو في الكعبة و لم يمكنه الخروج منها استلقى على قفاه، و يصلي إيماء»
و احتمال الموثق الضرورة أو التقية، و بأن المأمور به تولية الجهة التي لا تتحقق مع الصلاة في الجوف، و بحصول الاستدبار لو صلى فيها، و بغير ذلك، و فيه أن الشهرة أولى بالترجيح كأولوية إجماع السرائر الذي يشهد له التتبع من إجماع الشيخ، و الكراهة في النهي المشهور فيه ذلك من الضرورة أو التقية، خصوصا و المحكي عن مالك و أحمد و إسحاق جواز النافلة دون الفريضة على حسب مضمون الصحيح السابق، و شغل الذمة ينقطع بظاهر الدليل، و مرسل الكليني و الخبر لا عامل بهما، بل الإجماع بقسميه على استقبال أي جدرانها شاء حيث يصلى فيها كما عرفت سابقا، بل و على استقبال الباب أيضا إلا من شاذان بن جبريل من أصحابنا فيما حكي عنه من رسالته المسماة بإزاحة العلة في معرفة القبلة، فلم يجوز الصلاة إلى الباب المفتوح، و هو معلوم الضعف بمعلومية كون القبلة موضع البيت لا البنية، و لذا لو نقلت آلاتها إلى غير موضع لم يجز الصلاة إليها،
ج7،
و لا يسقط وجوب الاستقبال، بل يستقبل الفضاء المزبور و صحت صلاته كالمرتفع و المنخفض عنهما كما تقدم الإشارة اليه، و استدبار البعض بعد استقبال الآخر غير قادح، إذ الشرط استقبال القبلة، و قد حصل، و المانع الاستدبار المفوت للاستقبال، فلا ريب أن الأقوى الجواز لكن على كراهة، و الله أعلم.
و مما ذكرنا يعلم انه لا إشكال في جواز الصلاة على سطحها، ف لو صلى حينئذ على سطحها جاز لكن أبرز بين يديه شيئا منها أي ما يصلى اليه ليستقبله في جميع أحوال الصلاة المشترط في كل جزء منها الاستقبال، فلو سجد على نقطة الانتهاء بطلت، لعدم الاستقبال حينئذ، نعم يقوى عدم اشتراط اتحاد المستقبل في جميع الأحوال، فلو استقبل شيئا من الفضاء حال القيام بحيث لو ركع و سجد من غير تأخر عنه خرج عن القبلة إلا أنه عند الركوع و السجود تنحى حتى حصل له ما يستقبله حالهما صح، للأصل من غير معارض.
و قيل و القائل الصدوق في الفقيه و الشيخ في الخلاف و النهاية و القاضي في المهذب و الجواهر على ما حكي عنهم يستلقي المصلي على السطح على ظهره و يصلي إلى البيت المعمور في السماء الثالثة أو الرابعة على الخلاف فيه كما في المبسوط، و فيه أيضا أنه يعرف بالضراح بالضاد المعجمة، بل عن ظاهر الأولين جواز ذلك اختيارا، بخلاف الباقي فقيدوه بحال الضرورة و لا ريب أن الأول أصح وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن روض الجنان الإجماع عليه، لبعض ما سمعته سابقا، ضرورة عدم مدخلية البناء في القبلة، بل هما عند التحقيق من واد واحد، إذ لو اتفق ارتفاع أرض الكعبة حتى صار السطح الآن جوفها كان من المسألة قطعا، فحينئذ كل ما استدل به هناك يمكن جريانه في المقام و لو باتحاد طريق المسألتين،
ج7،
أو غيره من الفحوى و نحوه، فما في
خبر الحسين بن زيد(1)عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة على ظهر الكعبة»
محمول على الكراهة، بل لا يخلو ما قبله و ما بعده من الاشعار بذلك، لكن الشيخ منعه من الصلاة في جوفها اختيارا، و جوزها هنا، كما أنه و القاضي وافقا الأصحاب على الظاهر هناك في الصلاة و لو اضطرارا من غير استلقاء بخلاف ما هنا.
و لعل ذلك بعد الإجماع المدعى في الخلاف ل
خبر عبد السلام بن صالح(2)عن الرضا (عليه السلام) في الذي تدركه الصلاة و هو فوق الكعبة قال: «إن قام لم يكن له قبلة، و لكن يستلقي على قفاه و يفتح عينيه إلى السماء، و يعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور و يقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، فإذا أراد أن يرفع رأسه فتح عينيه، و السجود على ذلك»
و نسبه في المبسوط إلى رواية أصحابنا، و هو مع احتمال اختصاصه بمن كان فوق حائط الكعبة بحيث لا يمكنه التأخر عنه و لا إبراز شيء أمامه ضعيف عن مقاومة ما سمعته من الأدلة السابقة، و ما دل على لزوم الأفعال الواجبة من القيام و الركوع و غيرهما، و لا جابر، إذ إجماع الشيخ موهون بمصير الأكثر إلى خلافه، بل هو نفسه في المبسوط جوز الصلاة على السطح قائما، بل لعل مراده الوجوب كما عن المحقق الجزم به، لأن القيام شرط مع الإمكان، فمتى جاز وجب، و إن كان يمكن أن يقال إنه بناء على أن القبلة مجموع الكعبة كما هو خيرة الشيخ في تلك المسألة فعند القيام يفوته الاستقبال، و عند الاستلقاء القيام و الركوع و السجود و الرفع منهما، فيجوز عند الضرورة التخيير بينهما و أن لا يتعين شيء منهما، لتضمن كل منهما فوات ركن، لكن فيه كما في الرياض أن الاستقبال المأمور به كتابا و سنة فائت على التقديرين، فيتعين
ج7،
القيام و الركوع و السجود حينئذ للتمكن منها، و فيه أن مبنى المسألة على كون القبلة بالنسبة إليه البيت المعمور الذي لا يحصل استقباله إلا بالاستلقاء، فلا ريب حينئذ في حصول التعارض المزبور، نعم قد يقال إنه بناء عليه يمكن أولوية المحافظة على ذلك من الاستقبال، و يقال أيضا إن الشيخ في المبسوط ممن جوز الصلاة في الجوف على كراهة، و مقتضاه كون القبلة عنده البعض مطلقا، فلا يتجه له هذا التعارض، و إن كان نظره إلى الخبر المزبور وجب العمل بظاهره من الوجوب لا الجواز.
و على كل حال فلا ريب في أن الأقوى الجواز اختيارا، و انه كالصلاة في جوف الكعبة، كما أن المتجه بناء على فوات الاستقبال أو الأفعال الاقتصار في الجواز على الضرورة، كما عن الجامع و المهذب النص عليه، اللهم إلا أن يدعى ظهور الخبر المزبور و لو بترك الاستفصال فيه في صحة الكيفية المزبورة اختيارا بل وجوبها، لكنك خبير بقصور الخبر المزبور عن إثبات مثل هذا الصنف من التكليف المقتضي هدم كثير من الأدلة القطعية في غير الفرض.
و قد ظهر لك من ذلك انه لا يحتاج عندنا إلى أن ينصب بين يديه شيئا حال الصلاة، للأصل و إطلاق الأدلة، و لأن القبلة عندنا القضاء، و الفرض أنه أبرز بين يديه شيئا منه، خلافا للشافعي فأوجبه، و لا ريب في ضعفه و كذا لا إشكال لو صلى في وسطها أو خارجها إلى بابها و هو مفتوح مع العتبة و دونها إجماعا بقسميه، و خلاف شاذان من أصحابنا و الشافعي من غيرهم غير قادح فيه، على أن الأدلة مع قطع النظر عن الإجماع وافية بالمقصود كما عرفت الإشارة إليها سابقا، بل لا يخفى على المتأمل في كلام شاذان في رسالته المحكية بتمامها في البحار أنه ليس خلافا فيما نحن فيه، بل الظاهر إرادته الكراهة من عدم الجواز كما في غير الكعبة من الأبواب المفتوحة، لأنه قد صرح بجواز الصلاة في العرصة مع فرض زوال البنيان، و صرح
ج7،
بجوازها على السطح سواء كان بين يديه سترة من نفس البناء أو لا، و غير ذلك مما هو كالصريح فيما ذكرنا، فلاحظ و تأمل.
و لو استطال صف المأمومين في المسجد الحرام مثلا حتى خرج بعضهم عن سمت الكعبة بطلت صلاة ذلك البعض عندنا، قربوا من الكعبة أم بعدوا، خلافا للحنفية مطلقا و الشافعية في الأخير، و يأتي في بحث الجماعة إن شاء الله كيفية الصلاة جماعة بالاستدارة، فلاحظ و تأمل و كيف كان ف أهل كل إقليم أي صقع من الأرض، و لعله ليس عربيا كما عن ابن الجواليقي، لكن عن الأزهري أحسبه عربيا، قال: و كأنه سمي إقليما لأنه مقلوم من الإقليم الذي يتاخمه أي مقطوع عنه يتوجهون إلى سمت أي ما يسامت الركن الذي على جهتهم لكن على حسب ما قررناه من مسامتة البعيد التي لا يعتبر فيها اتصال الخطوط، نعم قد يناقش بأنه لا يوافق مختاره سابقا من كون قبلة البعيد الحرم، و يدفع بأن ذلك منه شاهد على إرادة سعة الجهة منه كما ذكرناه سابقا، أو يقال لا فرق بين جهة الركن و الحرم من بعد، و احتمال إرادة عين الحرم لا جهته كما سمعته من خلاف الشيخ بعيد، إلا أن يحمل على إرادة مقابلة البعيد للحرم نحو ما ذكرناه سابقا في الكعبة، و حينئذ يظهر فرق بين الجهتين، ضرورة اختلافهما بذلك ضيقا و سعة، و الأمر سهل بعد الإحاطة بما عرفت، و من المعلوم إرادة ما بين الركنين من الركن في كلامه لا الركن بنفسه، ضرورة عدم وجوب ذلك و عدم مسامتة جميع البلدان له، كما هو واضح، فما في المدارك- من أنه قد تقدم أن المعتبر عند المصنف في البعيد استقبال الحرم، و عند آخرين الجهة، و هما أوسع من ذلك، فلا يتم الحكم بوجوب التوجه إلى سمت الركن نفسه- لا يخلو من نظر إن أراد بذلك المناقشة في الركن نفسه، بل و كذا إن أراد المناقشة فيما يوهمه لفظ السمت، لما عرفت، فقوله متصلا بما سمعت منه- انه قال في المعتبر: و كل إقليم
ج7،
يتوجهون إلى سمت الركن الذي يليهم، لما بيناه من وجوب استقبال الكعبة ما أمكن، و الذي يمكن أن يستقبل أهل كل إقليم الركن الذي يليهم، و هو غير جيد أيضا، إذ الذي سبق منه وجوب استقبال جهة الكعبة للبعيد لا نفس الكعبة- في غير محله أيضا، للقطع بعدم إرادته اتصال الخطوط بالعين من ذلك، بل المراد جهة الركن الذي يليهم دون غيره من الأركان، لعدم تمكنهم منه، فهو في الحقيقة بيان ما هم عليه في الواقع.
و كيف كان فأهل العراق و من شاركهم إلى العراقي و هو الذي فيه الحجر و كذا أهل الشام إلى الشامي، و المغرب إلى المغربي، و اليمن إلى اليماني بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، لكن في كشف اللثام عن بعض من عاصره أنه وضع آلة يستعلم بها نسبة البلاد إلى جهات الكعبة، فاستعلم منها أن الحجر الأسود إلى الباب في جهة بعض بلاد الهند، كهلوازه، و الباب في جهة بعضها الآخر كدهلا و اكره و بافرس و الصين و تهامة و منصورة سند، و من الباب إلى منتصف هذا الضلع في جهة الأحساء و القطيف و البحرين و قندهار و كشمير و ملتان و بست و سجستان و كرمان و بدخشان و تيبت و خانبالق و شيراز و بلخ و فارياب، و منه إلى السدس الرابع جهة هراة و ختن و بيش بالق و يزدومر و قراقوم و ترشين و نون و سمرقند و كاشغر و سرخس و كش و خجند و بخارا و رامهرمز و طوس و بناكت و المالق و سبزوار، و منه إلى السدس الخامس جهة أصفهان و البصرة و كاشان و الأستراباد و كركانج و قم و ري و ساري و قزوين و ساوة و لاهيجان و همدان، و السدس الأخير المنتهى إلى الشامي جهة كوما مدينة روس و شماخى و بلغار و باب الأبواب و بردعة و تفليس و أردبيل و تبريز و بغداد و الكوفة و سر من رأى، فخطأ الأصحاب قاطبة في قولهم: إن ركن الحجر قبلة أهل العراق، و زعم أن قبلتهم الشامي و أنه العراقي أيضا، و هو خلاف المعروف بين الأصحاب قديما و حديثا.
ج7،
و عن إزاحة العلة في معرفة القبلة للشيخ أبي الفضل شاذان بن جبريل القمي، و هو من أجلاء فقهائنا كما في الذكرى أن أهل العراق و خراسان إلى جيلان و جبال الديلم و ما كان في حدوده مثل الكوفة و بغداد و حلوان إلى الري و طبرستان إلى جبل سابور و إلى ما وراء النهر إلى خوارزم إلى الشاش و إلى منتهى حدوده و من يصلي إلى قبلتهم من أهل المشرق يتوجهون إلى المقام و الباب، و أن أهل البصرة و البحرين و اليمامة و الأهواز و خوزستان و فارس و سجستان إلى تبت إلى الصين يتوجهون إلى ما بين الباب و الحجر الأسود، قال في كشف اللثام: «و لا ينافي اتفاق هذه البلاد في جهة القبلة اختلافها في العروض و الأقاليم، فإن الكل في سمت واحد» و فيه منع اتحاد السمت بعد الاختلاف في الطول المصرح به من أهل الخبرة، ثم قال: نعم أورد عليه بعض المعاصرين أنها لو كانت كذلك لم يكن سمت قبلة العراق أقرب إلى نقطة الجنوب منه إلى مغرب الاعتدال، بل كان الأمر بالعكس، و هو إنما يرد لو كانت هذه البلاد أقل عرضا من مكة أو مساوية لها، و فيه أن المؤثر في ذلك اختلاف الطول الثابت في أكثر العراق.
ثم أجاب عما خطأ به جميع الفقهاء بأن العراق و ما والاه لما ازدادت على مكة طولا و عرضا فلهم أن يتوجهوا إلى ما يقابل الركن الشامي إلى ركن الحجر، و بالجملة إلى أي جزء من هذا الجدار من الكعبة فبأدنى تياسر يتوجهون إلى ركن الحجر، و هو أولى بهم من أن يشرفوا على الخروج عن سمت الكعبة خصوصا و سيأتي أن الحرم في اليسار أكثر، ثم ان تقليل الانتشار مهم، فإذا وجدت علامة تعم جميع ما في هذا السمت من الكعبة من البلاد كانت أولى بالاعتبار عن تمييز بعضها من بعض تيامنا و تياسرا، فلذا اعتبروا علامة توجه الجميع إلى ركن الحجر، و إن كان يمكن اعتبار علامة في بعضها تؤديه إلى الشامي أو ما يقرب منه، قلت: هو جيد لو أن اعتراض
ج7،
المعترض مجرد الإمكان، أما إذا كان المراد أن أهل العراق بعلامتهم المشهورة لهم لا يحصل لهم إلا استقبال الركن الشامي، بل لو أرادوا أن يستقبلوا غيره لم يكن لهم علامة يطمئن بتحصيلها لذلك، بخلاف ما يقوله الفقهاء من أن استقبالهم ركن الحجر فلا يجدي هذا الجواب كما هو واضح، فتأمل.
و كيف كان ف أهل العراق و من والاهم و سامتهم إذا أرادوا معرفة القبلة يجعلون الفجر على المنكب الأيسر، و المغرب على الأيمن، و الجدي بإسكان الدال المهملة، و هو نجم معروف، قيل و يصغره أهل الهيئة فرقا بينه و بين البرج، و عن ابن إدريس إنكار تصغيره، و انه سأل إمام اللغة في بغداد عن ذلك فقال: لا يصغر، و على كل حال فالمراد جعله محاذي خلف المنكب الأيمن، و عين الشمس عند زوالها على الحاجب الأيمن، و القمر ليلة السابع عند الغروب، و إحدى و عشرين عند الفجر و سهيل عند طلوعه مقابل المنكب الأيسر، و تفصيل ذلك أن يعلم أولا أن أكثر العلامات المذكورة في كتب الأصحاب أو جميعها مستخرجة من علم الهيئة، إذ لم نعرف نصا في شيء منها سوى
خبر محمد بن مسلم(1)عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن القبلة قال: ضع الجدي في قفاك و صل»
و
مرسل الصدوق(2)قال رجل للصادق (عليه السلام): «إني أكون في السفر و لا أهتدي إلى القبلة بالليل فقال: أ تعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت: نعم قال: اجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك»
و
صحيح زرارة(3)عن الباقر (عليه السلام) «لا صلاة إلا إلى القبلة، قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة
ج7،
كله»
و
خبر إسماعيل بن زياد(1)المروي عن تفسير العياشي عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال: هو الجدي، لأنه لا يزول، و عليه بناء القبلة، و به يهتدي أهل البر و البحر»
و
آخر(2)مروي عنه أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى(3):
«وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» قال: «ظاهر و باطن الجدي، عليه تبنى القبلة، و به يهتدي أهل البر و البحر، لأنه نجم لا يزول»
و
المروي(4)عن رسالة المحكم و المتشابه عن تفسير النعماني بسنده إلى الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى(5):
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ*، قال: «معنى شطره نحوه إن كان قريبا، و بالدلائل و الأعلام إن كان محجوبا، فلو علمت القبلة لوجب استقبالها و التولي و التوجه إليها، و لو لم يكن الدليل عليها موجودا حتى تستوي الجهات كلها فله حينئذ أن يصلي باجتهاده حيث أحب و اختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المثبوتة، فإن مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غربا و الغرب شرقا زال معنى اجتهاده و فسد حال اعتقاده، قال: و قد جاء عن النبي (صلى الله عليه و آله) خبر منصوص مجمع عليه أن الأدلة المنصوبة إلى بيت الله الحرام لا تذهب بكليتها حادثة من الحوادث منا من الله تعالى على عباده في إقامة ما افترض عليهم»
و ما عساه يظهر من سؤال موثق سماعة(6)عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب القبلة- الحديث 3 لكن رواه في الوسائل عن إسماعيل ابن أبي زياد و هو الصحيح.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب القبلة- الحديث 4 لكن رواه في الوسائل عن إسماعيل ابن أبي زياد و هو الصحيح.
3) 3 سورة النحل- الآية 16.
4) 4 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 4.
5) 5 سورة البقرة- الآية 139.
6) 6 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 2.
ج7،
الذي قد أمر في جوابه باجتهاد الرأي و تعمد القبلة منتهى الجهد، و غير ذلك.
لكن لا يخفى إجمال الجميع و قصوره عن إفادة الواقع تفصيلا، نعم يمكن تنزيل الخبر الأول بقرينة بلد السائل فيه و موافقته لمقتضى قانون الهيئة على العراقي بعد إرادة المنكب من القفا فيه بقرينة المرسل الآخر، أو خصوص ما يكون فيه على القفا من العراق كالموصل و نحوه، أو يبنى على التسامح في ذلك، أو على أن كلا منهما محصل للمحاذاة من بعد، أو غير ذلك، كما أن المرسل أيضا ينبغي تنزيله كذلك، للقطع بعدم إرادة إطلاقه، خصوصا و المخاطب فيه خاص، و الاشتراك في التكليف فرع المشاركة في الموضوع، فتأمل جيدا. و صحيح زرارة يجب حمله على إرادة بيان أن ذلك منتهى القبلة و لو في بعض الأحوال، لا أنه يجزئ استقبال أي نقطة من ذلك اختيارا كما هو مقتضى لفظ «كل» فيه، لبطلانه سنة و كتابا و إجماعا بل و ضرورة من المذهب إن لم تكن من الدين، و لو لا لفظ «كل» المزبور أمكن حمله على إرادة بيان العلامة الأولى بعد حمل لفظ الحد في السؤال على إرادة معرف القبلة للعراقي بقرينة السائل أيضا، و لعل لفظ «كل» فيه لتعميم اجزاء ما بين المشرق و المغرب، لاستطالة السمت فيه، أو لتعميم المشارق و المغارب كما تسمعه إن شاء الله، أو غير ذلك مما لا ينافي ما ذكرنا. و من الغريب ما في الذكرى من أن هذا الصحيح نص في الجهة، ضرورة أنه لا ينطبق ظاهره على كل حال، إذ من قال بالجهة لا يتوسع فيها إلى هذا الحد، و لئن كان فالضرورة حجة عليه كما هو واضح، فلا ريب في أولوية ما ذكرناه من ذلك، بل لعله هو مراد الشهيد أيضا لا التوسعة المزبورة، فيوافق حينئذ إطلاق المصنف و غيره من الأصحاب كونهما علامة.
خلافا لجماعة فقيدوهما بالاعتداليين، و لعله لشدة التفاوت فيهما باختلاف الفصول المقتضي لعدم كون العلامة مطلق المشرق و المغرب، و لو كان كل منهما من فصل تفاوت
ج7،
ذلك أشد تفاوت، و ربما أدى إلى الانحراف إلى المشرق أو أزيد من ذلك، و تخصيصهما بما يوافق وضع الجدي للعراقي يوجب سقوط فائدة العلامة، و لعل هذا هو مراد الشهيد الثاني في الروضة بقوله: «إنه إن أريد منهما الجهتان العرفيتان انتشر الفساد كثيرا بسبب الزيادة فيهما و النقصان الملحق لهما تارة بعلامة الشام، و أخرى بالعراق، و ثالثة بالزيادة عليهما، أو يريد المتسامح فيهما من العرفيتين» لكن قد يدفع ذلك كله بدعوى كون المتبادر مشرق كل يوم و مغربه، فلا يقدح حينئذ فيهما اختلاف الفصول، لاتفاق الجميع حينئذ على استقبال نقطة الجنوب، لكن فيه انها قبلة بعض العراق، بل النادر، بل قيل لم يوجد، و من هنا جزم والد البهائي فيما حكاه ولده عنه بأن إطلاق الأصحاب أولى من التقييد المزبور، لما فيه من تعميم الفائدة بخلافه، إذ لا يعرف الاعتدالي منهما في سائر الأوقات إلا الأوحدي من الناس القادر على استخراج خط الاعتدال، و مع ذلك فليس هو أضبط مما سمعت إلا مع تدقيق تام، لأن استخراجه بالدائرة الهندية و نحوها تقريبي لابتنائه على موازاة مدارات الشمس للمعدل، و هذا التقريب قريب من ذلك، فلا داعي إلى التقييد، و لا ريب في جودته إن كان لا يختلف ذلك باختلاف الفصول.
نعم قد يشكل ذلك كما لو أريد منه الاعتدالي أو الجهتان المصطلح عليهما، و هما المتقاطعان لجهتي الجنوب و الشمال بخطين بحيث يحدث عنهما زوايا قوائم بأنه مخالف لمفاد العلامة الثانية، ضرورة اقتضائها الانحراف عن نقطة الجنوب إلى المغرب، بخلاف ما نحن فيه المقتضي لاستقبال نقطة الجنوب، و مقتضاه كون الجدي حينئذ بين الكتفين، لأنه حال استقامته يكون على دائرة نصف النهار المارة بنقطتي الجنوب و الشمال، فجعل المشرق و المغرب على اليمين و اليسار يوجب جعل الجدي بين الكتفين قضية للتقاطع، و دعوى اغتفار التفاوت المزبور لا شاهد عليها، و في كشف اللثام أن
ج7،
العلامة جعل الفجر فجر الاعتدال كما في السرائر أو غيره على المنكب الأيسر: أي بإزائه خلفه، و المغرب مغرب الاعتدال أو غيره على المنكب الأيمن قدامه، و العبرة بكون الجدي عند غاية ارتفاعه أو انحطاطه بحذاء المنكب الأيمن: أي خلفه، فبذلك يتقدر تأخر الفجر و تقدم المغرب، و لا يتفاوت في الصحة أن يراد الاعتداليان منهما و الأعم، و ماله إلى ما ذكره في الروض من أن المراد جانب المشرق المائل عن نقطة الاعتدال نحو الجنوب، و المغرب المائل عن نقطة اعتداله نحو الشمال، فتساوى العلامتان.
إلا أن الجميع كما ترى غير حاسم للإشكال الوارد على ظاهر عبارات الأصحاب، لكنه أولى من القول بأنه علامة في الجملة و لو لبعض أهل العراق كالموصل و ما سامتها المساوية لمكة طولا كما جزم به بعضهم، لأن أكثر بلاد العراق منحرفة عن نقطة الجنوب نحو المغرب و إن اختلفت في الزيادة و النقصان، أما ما سامت منه نقطة الجنوب فهو نادر قليل لا يكاد يدخل في مسمى العراق كموصل و سنجار، فلا تحمل عليه، على أن النص انما ورد بالعلامة الثانية، فحملها حينئذ عليها مع الإمكان أولى، بل لعل ذلك وجه جمع بين الخبرين المزبورين بناء على إرادة العلامة الأولى من الصحيح منهما، و يمكن الجمع بين العلامات الثلاث باغتفار هذا التفاوت، أو أنه لا يقدح فيما ذكرناه من الجهة بالمعنى المزبور، أو غير ذلك، لكن الاحتياط الموافق لما ذكرناه سابقا في الجهة الاقتصار على المعلوم إفادته الظن بها مع الإمكان لا المظنون أو المحتمل منه.
و أما العلامة الثانية التي ذكرتها النصوص كما عرفت فلا خلاف أجده فيها بين الأصحاب، نعم قيده جماعة منهم بما إذا كان الجدي في غاية الارتفاع و الانخفاض، بمعنى صيرورته إلى الأرض و الفرقدين إلى السماء أو بالعكس، لا إذا كان أحدهما في المشرق أو فيما بين المشرق و المغرب، و لعله لأنه حينئذ يكون في دائرة نصف النهار المارة بالقطبين محاذيا للنجم الصغير المسمى بالقطب، لشدة قربه منه، بخلافه في غير
ج7،
الحالين، فإنه منحرف مشرقا أو مغربا، فجعله في الحال الأول على المنكب الأيمن ينطبق على القبلة، لاقتضائه الانحراف عن نقطة الجنوب إلى الشمال(1)بما هو مقتضى التفاوت بين طولي البلدين الذي هو المدار في القبلة.
و من هنا كان المعروف بينهم أن الأوثق منه في الحالين المزبورين و المتعين للعلامة في غيرهما نجم خفي في وسط الأنجم- التي في صورة الحوت لا يدركه إلا حديد البصر، حوله أنجم دائرة في أحد طرفيها الفرقدان، و في الآخر الجدي، و بين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق، و ثلاثة من أسفل- يسمى بالقطب، لأنه أقرب الكواكب اليه، يدور حوله كل يوم و ليلة دورة لطيفة لا تكاد تدرك، فهو العلامة للقبلة حينئذ، ضرورة كون المدار على الانحراف عن نفس القطب، فالقريب إليه أولى بالعلامة، فلو علم كان أوثق من الجدي في الدلالة، إلا أنه صرح غير واحد منهم انه يجعل حينئذ خلف الأذن اليمنى لا المنكب، لكن لخفائه على أكثر الناس و سهولة التفاوت بين دائرته و دائرة الجدي في الحالين المزبورين أقيم الجدي مقامه في تعرف القبلة، و لعله للتفاوت المزبور بينهما تفاوتت كيفية وضعهما للدلالة، بناء على إرادة مجمع العضد و الكتف من المنكب، و إلا فلا تفاوت معتد به كما ستعرف، فما في المدارك من التخالف بين الكلامين في غير محله.
نعم قد يناقش في ذلك بما حكاه الأردبيلي عن خاله الذي لم يسمح الزمان بمثله بعد نصير الملة و الدين من أن الجدي أقرب إلى القطب من تلك النجمة كما برهن عليه في كتب الهيئة، بل قال المقدس المزبور: إنا وضعنا قصبة و رأينا منها الجدي في أول الليل مثلا و علمنا على تلك النجمة علامة تحاذيها ثم نظرنا بعد نصف الليل بكثير رأيناه من تلك القصبة و رأينا تلك النجمة خرجت عن محاذاة تلك العلامة بكثير تقريبا أكثر
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية لكن الصحيح أن يكون «المغرب» بدل «الشمال».
ج7،
من ثلث دائرة، ثم نظرنا قريب الصباح ما رأيناه منها و قد وصلت تلك إلى نصف دائرة كبيرة تقريبا، و هو واضح لمن جرب و تأمل، و بما حكاه هو أيضا عن خاله من أنه ليس الجدي حال الاستقامة على القطب الشمالي، بل له أوضاح متعددة، و هو انما يكون على القطب و خط نصف النهار حال كونه مائلا إلى المغرب كثيرا و هو أيضا معلوم بالبرهان و الأسطرلاب و غيره، قال: و يؤيده أنهم يجعلونه حال الاستقامة و عكسها محاذيا للمنكب، فيلزم كون قبلة العراق خط نصف النهار، مع أنه معلوم العدم، و هم صرحوا بأنها مائلة عنه إلى الغرب، و استخرجه سلمه الله تعالى في الكوفة و النجف الأشرف، قال: إنها مائلة عنه باثني عشر درجة تخمينا.
لكنك خبير بضعف الظن من كلام هذين المقدسين في مقابلة كلام أولئك الأساطين، خصوصا دعوى أن الجدي حال الاستقامة ليس على القطب، و من الغريب تأييده بما سمعت المقتضي للانحراف في القبلة لا ما ذكره، نعم يمكن دعوى العبرة بالجدي من غير تقييد بما عرفت، لإطلاق النصوص السابقة و المحكي من فتاوى كثير من الأصحاب كالشيخين و شاذان و بني حمزة و إدريس و سعيد و الفاضل و الشهيد و غيرهم، إما للتسامح في هذا التفاوت، أو لغير ذلك، إلا أن الأحوط مراعاته، و الله أعلم.
قيل: و المراد بالمنكب مجمع العضد و الكتف كما في الصحاح و القاموس و حاشية النافع و الروض و المقاصد العلية و آيات الأردبيلي و مجمعه و المدارك و شرح رسالة صاحب المعالم، بل في الآيات المذكورة أن كون الكتف منه لا دليل عليه من اللغة و الشرع، قلت فيما حضرني من مختصر النهاية الأثيرية انه ما بين الكتف و العنق، بل هو كصريح جامع المقاصد، بل قيل إنه الظاهر من نهاية الأحكام و التنقيح و إرشاد الجعفرية أيضا، و ربما يؤيده أيضا ما عرفت من تصريح غير واحد منهم بوضع القطب بحذاء الاذن اليمنى، و الفرض أنهم صرحوا بمحاذاة الجدي له في الحالين اللتين يكون عندهما علامة،
ج7،
و الجمع بإرادة الجزء المحاذي للأذن من المنكب بناء على تفسيره بما عرفت أولى مما ذكرناه سابقا، فحينئذ ليس العلامة وضعه على أي جزء من المنكب، بل الجزء الخاص منه كما صرح به في جامع المقاصد، و الإطلاق محمول على ذلك أو على المسامحة في مثله أو على غيرهما.
كما أنه يجب حمل إطلاق هذه العلامة على أواسط العراق كالكوفة و بغداد و نحوهما مما يناسبه هذا الانحراف عن نقطة الجنوب، أما ما لا انحراف فيه لمساواته لمكة في الطول كالموصل أو ما احتاج إلى انحراف أكثر من ذلك كالبصرة فلا معنى للعلامة المزبورة فيه، بل يضعه في الأول بين المنكبين، لأن قبلته نقطة الجنوب، و في الثاني مقابل الأذن اليمنى، و لقد أشار إلى ذلك كله العلامة الطباطبائي بقوله:
فاجعله خلف المنكب الأيمن فيأواسط العراق مثل النجف
و كربلاء و سائر المشاهدو ما يدانيها و لم يباعد
و اجعله في شرقية كالبصرةفي الأذن اليمنى ففيه النصرة
و بين كتفيك برأي أعدلفي الجانب الغربي نحو الموصل
قلت: و من ذلك يعلم أن ما ذكره غير واحد من الأصحاب بل ربما نسب إليهم مشعرا بدعوى الإجماع عليه من مساواة خراسان للعراق في القبلة في غير محله، لما قيل من كونه أطول من العراق، و عليه المدار في شدة الانحراف و عدمه كما ستعرف إن شاء الله، اللهم إلا أن يراد بعض العراق كالبصرة فإن الظاهر تقاربهما، و إن كان التحرير التام كما قيل يقتضي لهم زيادة انحراف يسير نحو المغرب كانحراف البصرة بالنسبة إلى بغداد، لكن لا يصل إلى حد منتصف القوس التي بين نقطة الجنوب و الشمال، و أما احتمال بناء الإطلاق على اغتفار التفاوت المزبور و إن لم يحصل به الجهة بالمعنى الذي ذكرناه فإنه و إن كان ممكنا و قد ذكرناه سابقا لكنه لا دليل يقطع العذر عليه، كما انه قد يبعد
ج7،
احتمال بنائه على أن هذا التفاوت لا يقدح في حصول الجهة بالمعنى المزبور أن البعيد كلما بعد بأدنى انحراف يخرج عن المسامتة و المقابلة الحسيين كما هو المشاهد في نحو الجدي و غيره من الأجسام البعيدة المشاهدة، فلا ريب في أن الأحوط مراعاة الانحراف المزبور قدر الإمكان، للقطع بحصول الظن بالمقابلة معه بخلاف غيره، و قد عرفت سابقا أن المدار على ذلك.
و منه يعرف الكلام في العلامة الثالثة التي مبناها استخراج الزوال بغير مراعاة القبلة حتى تكون علامة لها، و هي كالعلامة الأولى لا تنطبق إلا على من كان قبلته من العراق نقطة الجنوب كالموصل و نحوه لا أواسطه، ضرورة أن الشمس انما تزول عن محاذاة القطب الجنوبي، و حينئذ انما تكون على الحاجب الأيمن لمن تكون قبلته نقطة الجنوب، و ليس هؤلاء كذلك، لما عرفت من انحرافهم عنها إلى المغرب، و إلا لجعلوا الجدي بين الكتفين، و انما تصير الشمس على حاجبهم بعد الزوال بمدة، و احتمال إرادة ذلك من نحو العبارة لا أول الزوال كما ترى، خصوصا بعد تصريح جماعة بالأول، و بعد عدم تقرير المزبورة المتوقف معرفة العلامة عليها، و كذا احتمال إرادة الطرف الأيمن من الحاجب الأيسر في العبارة و ما ضاهاها، للقطع بإرادة الجميع و إن اختلفوا في التعبير في الجملة وضع الشمس أول الزوال على الطرف الذي يلي الأنف من الحاجب الأيمن، فلا بد من حمله على ما عرفت من اغتفار هذا التفاوت، أو عدم القدح بالجهة بالمعنى الذي ذكرنا، أو أن المراد كونها علامات للعراق في الجملة، لاختلاف طول بلدانه المقتضي لاختلاف قبلته، أو غير ذلك مما عرفته مفصلا، و الله أعلم.
و من ذلك يعلم أن كل من شارك العراقي في استقبال هذا الركن و كان أطول منه بلادا احتاج إلى زيادة انحراف نحو المغرب، لكن عن إزاحة العلة لشاذان أن أهل البصرة و البحرين و اليمامة و الأهواز و خوزستان و فارس و سجستان إلى الصين
ج7،
يتوجهون إلى ما بين المغرب و الجنوب، و لكنهم إلى الغروب أميل منهم إلى الجنوب، و علامتهم جعل النسر الطائر إذا طلع بين الكتفين، و الجدي إذا طلع: أي ارتفع على الخد الأيمن، و الشولة إذا نزلت للمغيب بين عينيه، و المشرق على أصل المنكب الأيمن، و الصبا على الأذن اليمنى، و الشمال على العين اليمنى، و الدبور على الخد الأيسر، و الجنوب بين العينين، ثم قال: «و ممن يتوجه إليه أيضا من قبلته أقرب إلى المغرب من أولئك، و هم أهل السند و الهند و ملتان و كابل و قندهار و جزيرة سيلان و ما وراء ذلك، و علامتهم جعل بنات نعش إذا طلعت على الخد الأيمن، و كذا الجدي إذا ارتفع، و الثريا إذا غابت على العين اليسرى، و سهيل إذا طلع خلف الأذن اليسرى، و المشرق على اليد اليمنى، و الصبا على صفحة الخد الأيمن، و الشمال مستقبل الوجه، و الدبور على المنكب الأيسر، و الجنوب بين الكتفين، و منهم من قبلته ما بين المغرب و الشمال، و هم أهل سومنان و سرأنديب و ما في جهتهما، و هم يتوجهون إلى جنبة هذا الركن إلى اليماني، و علامتهم كون الجدي و بنات نعش على الخد الأيمن» و ظاهره اتفاق البلدان المزبورة في الطول أو تقاربها، كما أن ظاهره عدم بلاد قبلته المغرب كما اعترف به في كشف اللثام، و هم أدرى بذلك كله.
لكن الذي وصل إلينا من المحكي عن أرباب هذا الفن أن الأقاليم السبعة المسكونة و ما فيها كلها في النصف الشمالي في الأرض بعد خط الاستواء القاسم للأفق نصفين شمالي و جنوبي، و النصف الجنوبي غير مسكون لاستيلاء الحرارة و الماء عليه، و النصف الشمالي المعمور فيه أيضا انما هو نصفه المتصل بخط الاستواء، و هو الذي فيه الأقاليم السبعة، و النصف الآخر خراب لشدة البرد، و قد أثبتوا لهذه الأقاليم طولا و عرضا، فالطول عبارة عن طرف العمارة من جانب الغرب، و هو ساحل البحر من
ج7،
جزائر الخالدات إلى منتهاها من جانب الشرق، و جملة ذلك مائة و ثمانون جزءا نصف دائرة من دوائر الفلك، لأن كل دائرة منها مقسومة بثلاثمائة و ستين جزءا و تسمى هذه الأجزاء درجات، و العرض من خط الاستواء في جهة الجنوب إلى منتهى الربع المعمور في جهة الشمال، و ذلك تسعون جزءا ربع دائرة عظمى، و حينئذ فطول البلد عبارة عن بعدها عن منتهى العمارة من جانب الغربي، و عرض البلد عبارة عن بعدها عن خط الاستواء، و على هذا فإذا ساوى طول البلد طول مكة فإن كان عرضها أكثر كموصل و سنجار فقبلة تلك البلد نقطة الجنوب، و إن كان أقل فنقطة الشمال، فهما غنيان بذلك عن العلامات كالمساويين لها بالعرض دون الطول، فان قبلتهما نفس المشرق أو المغرب، و ربما فرق بين المساوي طولا فقط و المساوي عرضا فقط، فيحتاج الثاني إلى العلامات دون الأول بما لا محصل له عند التأمل، فالمحتاج حينئذ إلى العلامات في تحصيل سمت القبلة أقسام أربعة لما فيها من الميل عن النقط المعلومة، و هي ما إذا زادت مكة طولا و عرضا، فان سمت القبلة حينئذ بين نقطتي المشرق و الشمال، و إن نقصت فيهما فهو بين نقطتي الجنوب و المغرب، و إن زادت طولا و نقصت عرضا فهو بين نقطتي الجنوب و المشرق، و إن انعكس فبين نقطتي المغرب و الشمال.
و أكثر البلدان على الانحراف، و من المنحرف عن نقطة الجنوب إلى المغرب بلاد البحرين بسبع و خمسين درجة و ثلاث و عشرين دقيقة، و الحساء بتسع درجات و ثلاثين دقيقة، و البصرة بثمان و ثلاثين درجة، و واسط بعشرين درجة و أربع و خمسين دقيقة، و الأهواز بأربعين درجة و ثلاثين دقيقة، و الحلة باثني عشر درجة، و المدائن بثمان درجات و ثلاثين دقيقة، و بغداد باثني عشر درجة و خمس و أربعين دقيقة، و الكوفة باثني عشر درجة و إحدى و ثلاثين دقيقة، و سرمنرأى بسبع درجات و ست و خمسين دقيقة، و كاشان بأربع و ثلاثين درجة و إحدى و ثلاثين دقيقة، و قم بإحدى
ج7،
و ثلاثين درجة و أربع و خمسين دقيقة، و ساوة بتسع و عشرين درجة و ست عشرة دقيقة، و أصبهان بأربعين درجة و تسع و عشرين دقيقة، و قزوين بتسع و عشرين درجة و أربع و ثلاثين دقيقة، و تبريز بخمس عشرة درجة و أربعين دقيقة، و مراغة بست عشرة درجة و سبع عشرة دقيقة، و استراباد بثمان و ثلاثين درجة و ثمان و أربعين دقيقة، و طوس و المشهد الرضوي (عليه السلام) بخمس و أربعين درجة و ست دقائق، و نيسابور بست و أربعين درجة و خمس و عشرين دقيقة، و سبزوار بأربع و أربعين درجة و اثنين و خمسين دقيقة، و شيراز بثلاث و خمسين درجة و ثمان و عشرين دقيقة، و همدان باثنين و عشرين درجة و ست و عشرين دقيقة، و تون بخمسين درجة و ثمان و عشرين دقيقة، و طبس باثنين و خمسين درجة و خمسة و خمسين دقيقة، و أردبيل بسبع عشرة درجة و ثلاث عشرة دقيقة، و هراة بأربع و خمسين درجة و ثمان دقائق، و قائن بأربع و خمسين درجة، و سمنان بست و ثلاثين درجة و سبع عشرة دقيقة، و دامغان بثمان و ثلاثين درجة، و بسطام بتسع و ثلاثين درجة و ثلاث عشرة دقيقة، و لاهجان بثلاث و عشرين درجة، و آمل بثلاثين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و قندهار بخمس و سبعين درجة، و الري بسبع و ثلاثين درجة و ست و عشرين دقيقة، و كرمان باثنين و ستين درجة و إحدى و خمسين دقيقة، و تفليس بأربع عشرة درجة و إحدى و أربعين دقيقة، و شيروان بعشرين درجة و تسع دقائق، و كذا الشماخي، و سجستان بثلاث و ستين درجة و ثمان عشرة دقيقة، و طالقان بتسع و عشرين درجة و ثلاث و ثلاثين دقيقة، و بلخ بستين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و بخارى بتسع و أربعين درجة و ثمان و ثلاثين دقيقة، و بدخشان بأربع و ستين درجة و تسع دقائق، و سمرقند باثنين و خمسين درجة و أربع و خمسين دقيقة، و كاشغر بثمان و خمسين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و تبت بست و ثلاثين درجة و ست و عشرين دقيقة، و هرموز بأربعة و سبعين درجة، و أبهر بأربع و عشرين درجة،
ج7،
و كازران بإحدى و خمسين درجة و ست و خمسين دقيقة، و جزباذقان بثمان و ثلاثين درجة، و خوارزم بأربعين درجة.
و أما الانحراف من الجنوب إلى المشرق فالمدينة المشرفة منحرفة قبلتها عن نقطة الجنوب إلى المشرق بسبع و ثلاثين درجة و عشرين دقيقة، و مصر بثمان و خمسين درجة، و قسطنطينية بثمان و ثلاثين درجة و سبع عشرة دقيقة، و موصل بأربع درجات و اثنين و خمسين دقيقة، و بيت المقدس بخمس و أربعين درجة و ست و خمسين دقيقة.
و أما الانحراف من الشمال إلى المغرب فأكره بتسع و ثمانين درجة، و سر أنديب بسبعين درجة و اثني عشر دقيقة، و چين بخمس و سبعين درجة، و سومنات بخمس و سبعين درجة و أربع و ثلاثين دقيقة.
و أما ما كان من الشمال إلى المشرق فصنعاء بدرجة و خمس عشرة دقيقة، و عدن بخمس درجات و خمس و خمسين دقيقة، و جرمي دار ملك الحبشة بسبع و أربعين درجة و خمس و عشرين دقيقة، و سائر البلاد القريبة تعرف من تلك البلاد المتوسطة بالمقايسة، و قد ذكر جميع ذلك أو أكثره المجلسي في البحار ناقلا له عن المحققين من علماء الهيئة، و من ذلك يعرف ما في المحكي عن إزاحة العلة.
لكن قال في الحدائق: «لا يخفى على من عرف ما عليه هذه البلدان من القبلة في جميع الأزمان فإنه لا يوافق شيئا مما ذكر في هذا المكان مع استمرار السلف و الخلف عليها من العلماء الأعيان، و من ذلك قبلة البحرين و القطيف و الأحساء، فإنها نقطة المغرب، و هكذا جميع البلدان، و لقد اتفق في هذه السنين التي مضت لنا مجيء رجل من الفضلاء يسمى الشيخ حسين ممن يصلي الجمعة و الجماعة في بلدة بهبهان فانحرف عن قبلة مساجد بها، بناء على الضابطة التي ذكرها علماء الهيئة، و صلى إلى تلك الجهة التي هي موافقة لكلام علماء الهيئة، و حمل الناس على الصلاة إليها، فتناولته الألسن من كل
ج7،
مكان، و كثر الطعن عليه في جميع البلدان حتى كأنه ممن أبدع بالدين و افترى على الملك الديان» قلت: لعل الإنكار عليه لبعد إصابته و خطأ جميع من تقدم مع معرفتهم بالأمارات الهيئية، و لو جوزنا له نفسه الاجتهاد يمينا و شمالا لشدة معرفته ما كنا لنجوز لغيره تقليده و رفع اليد عما عليه الناس في تلك الأزمنة، كما ستعرف تمام البحث فيه عند تعرض المصنف له، و ليس إنكارهم عليه لأنه أخذ بمقتضى علم الهيئة من حيث أنه كذلك، و إلا كان الإنكار منكرا عليهم، ضرورة جواز الأخذ به، بل بناء القبلة في سائر البلدان عليه، لكن على وجه التقريب و المسامحة لا المداقة كما عرفته من النصوص و الفتاوى، و الله أعلم.
و عليهما مبنى العلامة الرابعة و الخامسة، فإن الظاهر عدم كون القمر كذلك على وجه التحقيق و التدقيق في جميع الفصول، فذكر العلامة له في التذكرة و التحرير مبني على ذلك قطعا، و لذا حكي عنه في بعض كتبه التعبير بقرب القبلة، و يؤيده إشعار سؤال موثق سماعة(1)بإمكان تعرف القبلة بالقمر، بل يمكن للعارف بمنازل القمر و تفاوت ما بينها تعرف القبلة بغير ذلك، و أما الرياح فمن الواضح بناء التعرف بها على التقريب، و أنها أضعف الامارات، لاضطراب هبوبها، و المعول عليه منها أربع: أولها الجنوب، و محلها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتداليين، و ثانيها الصبا، و محلها ما بين مطلع الشمس إلى الجدي، و ثالثها الشمال، و محلها ما بين الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال، و تمر إلى مهب الجنوب، كما أن الجنوب تمر إلى مهب الشمال، و رابعها الدبور، و هي من مغرب الشمس إلى سهيل، و هي مقابلة الصبا، و لا يخفى معرفة كيفية ملاقاة مهبها للعراقي و الشامي و غيرهما بعد معرفة سمت كل منهم، و لعل معرفتها نفسها مع فرض عدم معرفة القبلة و عدم العلم بمطلع الشمس و مغربها مثلا تحصل برطوبة بعضها
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة- الحديث 2.
ج7،
و عدمه في آخر، و إثارته التراب و عدمه، و حصول الغيم به و عدمه، و غير ذلك، فحينئذ يجعل مهب كل منها على ما علم من حال العراقي إن كان عراقيا، و الشامي إن كان شاميا، لكن الحق انه لا يعرف ذلك إلا آحاد في الناس كما اعترف به في المسالك و غيرها، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي بقوله:
و في الرياح بالجهات الأربعشواهد لعارف مطلع
و أما سهيل فالظاهر تعرف القبلة به عند غاية ارتفاعه، فإنه حينئذ يكون مسامتا لنقطة الجنوب كما في غاية ارتفاع كل كوكب، و حينئذ كيفية العلم به عكس الجدي، ضرورة كونه حينئذ في أواسط العراق مقابلا للمنكب الأيسر، و في شرقية للخد الأيسر، و في غربيه بين العينين كما هو واضح، و اليه أشار في المنظومة بقوله:
و في سهيل ما يزيح العلةعكس الجدي في بيان القبلة
إلى غير ذلك من الامارات التي يمكن استنباطها و لو بالمقايسة للمنصوص منها، قال في كشف اللثام: «الجدي وضعه الشارع إمارة لسمت من السموت، و لكنها تفيد أمارات لسائر السموت بمعاونة الحس و القواعد الرياضية المستندة إلى الحس» قلت: و لعله لذا اشتهر في ألسنة الأصحاب إطلاق الأمارات الشرعية على العلامات المذكورة في كتبهم للعراقي و غيره، و إلا فقد عرفت أن الموجود في النصوص منها الجدي و المشرق و المغرب في وجه، نعم ربما كان فيها إشعار بأن النجوم و الشمس و القمر و نحوها علامات للقبلة في الجملة، و لعله اعتمادا على معرفة الناس في ذلك الوقت لم يذكر كيفية الاستدلال بها، أو لأن ذلك ليس وظيفته (عليه السلام)، بل هو موضوع يرجع إلينا في كيفية الاستدلال به على القبلة، أو لاغتفار التسامح بما يخشى الخطأ منه، أو لغير ذلك، و ربما كان الأخير لا يخلو من قوة، لما عرفت من اختلاف مؤدى الامارات السابقة مع إطلاق النصوص و الفتاوى، و ما ذاك إلا للتسامح.
ج7،
و ربما يشهد له أيضا ما ذكره المصنف و غيره، بل هو المشهور نقلا و تحصيلا من أنه يستحب لهم أي العراقيين التياسر إلى يسار المصلي منهم قليلا ضرورة أنه لولا التسامح المزبور أمكن الإشكال على هذا الحكم بما عن أفضل المحققين نصير الملة و الدين لما حضر مجلس درس المصنف يوما و اتفق الكلام في هذه المسألة من أن التياسر أمر إضافي لا يتحقق إلا بالإضافة إلى صاحب يسار متوجه إلى جهة، فإن كانت تلك الجهة محصلة لزم التياسر عما وجب التوجه اليه، و هو حرام، لأنه خلاف مدلول الآية، و إن لم تكن محصلة لزم عدم إمكان التياسر، إذ تحققه موقوف على تحقق الجهة التي يتياسر عنها، فكيف يتصور الاستحباب، بل المتجه حينئذ وجوب التياسر المحصل لها، إذ التحقيق في جوابه بناء على كون القبلة الكعبة للبعيد لا الحرم، و على أن الحكم استحباب لا وجوب أن المراد استحباب التياسر عن الجهة المدلول عليها بالعلامات التقريبية حينئذ، و لعله لأنه أكمل في المحاذاة المعتبرة التي قد سمعت تفسير الجهة بها، ضرورة عدم دوران الأمر بين حصول المعتبر من المحاذاة و عدمه كي يتجه الاشكال المزبور، و دعوى معلومية انعدام حصول المحاذاة في البعيد بأدنى انحراف يدفعها بعد إمكان منعها انه كذلك في المحاذاة التحقيقية لا التقريبية.
نعم قد يشكل ذلك بأنه مخالف للنصوص الواردة في المقام التي هي مستندهم لهذا الحكم بحسب الظاهر، ك
خبر المفضل بن عمر(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، و عن السبب فيه، فقال: إن الحجر الأسود لما أنزل به من الجنة و وضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، و عن يسارها ثمانية أميال، كله اثني عشر ميلا، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة، لقلة أنصاب
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب القبلة- الحديث 2.
ج7،
الحرم، و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة»
و
مرفوع علي بن محمد(1)«قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟
فقال: لأن الكعبة ستة حدود، أربعة منها على يسارك، و اثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار»
و لا منافاة بينه و بين سابقه بعد إرادة الأميال الثمانية و الأربعة من الحدود الأربعة و الاثنين فيه، و
المحكي(2)عن فقه الرضا (عليه السلام) «إن أردت توجه القبلة فتياسر مثل ما تتيامن، فان الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال، و عن يسارها ثمانية أميال»
ضرورة ظهور الجميع في أن التياسر للوقوع في الحرم، و من هنا بنى المصنف هذا الحكم في رسالته المعمولة في هذه المسألة التي أعرضها على المحقق المزبور فاستحسنها و تبعه غيره على القول بأن القبلة للبعيد الحرم لا الكعبة، فيتجه حينئذ رده أو التوقف فيه ممن لا يقول بذلك، بل و ممن قال به، لضعف المستند، و لما عرفته من الاشكال السابق، و لاقتضاء التعليل استحباب التيامن للمقابل للعراقي جهة للاستظهار المزبور، و لم نعرف أحدا صرح به، بل ظاهرهم اختصاص العراقي بذلك، مع أنه يقتضي رجحان التياسر على التيامن لا الاعتدال، و منه و سابقه يقوى حينئذ احتمال كون الأمر بالتياسر فيها لما قيل من غلبة التيامن في قبلة العراق في ذلك الزمان من المخالفين حتى في مسجد الكوفة كما هو مشاهد، فأمروا بالتياسر تحصيلا للاعتدال، لكن ذكروا التعليل المزبور تخلصا من شرهم، و لغير ذلك، و للأول أو الثاني توقف فيه في ظاهر النافع و المعتبر و كشف الرموز و التذكرة و المنتهى و التنقيح على ما حكي عن البعض، بل رده في ظاهر أو صريح السرائر و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و حاشية الميسي و الروض و المسالك و فوائد القواعد و إرشاد الجعفرية و المدارك
ج7،
و المفاتيح على ما نقل عن جملة منها، بل هو صريح بعضها كالمحكي عن فخر المحققين، بل قيل: إنه لم يتعرض له أصلا الصدوق و أبو الصلاح و أبو المكارم و غيرهم، فقد ضعفت دعوى الشهرة على الاستحباب، بل هو يضعف أيضا لعدم الجابر حينئذ لنصوصه السابقة.
و قد يدفع بعد كون الحكم استحبابا بأن دليل التياسر غير منحصر في التعليل المزبور، بل ظاهر هذه النصوص معلومية الحكم في ذلك الزمان، مع أنه يمكن توجيهها بناء على أن القبلة الكعبة لا الحرم بما عرفته سابقا من أن الخارج لا يجوز له التوجه إلى غير الحرم، للعلم بخروجه حينئذ عن سمت الكعبة لا لكون قبلته الحرم، كما أنه قد يناقش في حملها على التقية بأن مراعاة التقية على تقدير ثبوت بناء محاريب المساجد على التيامن تقتضي أمر الشيعة متابعة قبلة هؤلاء الفجرة كي لا يعرفوا فيقتلوا لا أن يؤمروا بالمخالفة لهم فيؤخذ برقابهم، خصوصا في المخالفة لهم في الصلاة إلى غير قبلتهم، اللهم إلا أن يكون التياسر قليلا ممن لا يتفطن له، خصوصا في البعيد عن المحراب، لكن على كل حال احتمال ذلك فيها لا ينافي الاستدلال بها على الحكم الاستحبابي المعلوم التسامح فيه، سيما بعد قبول كثير من الأصحاب لها، حتى ادعى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه، و إن كان ظاهر عبارته فيه الوجوب حيث قال: «على أهل العراق» كالمحكي عن النهاية و الجمل و الوسيلة، بل في المبسوط «و يلزم أهل العراق» لكن المراد الندب على الظاهر، و إلا كان ضعيفا، للأصل و إطلاق ما دل على الأمارات المزبورة من نص و إجماع، و موهونية إجماعه بمصير الأكثر إلى خلافه، و ضعف النصوص السابقة سندا و دلالة عن إثبات الوجوب حتى الرضوي المشتمل على الأمر منها، إلا أنه ليس حجة عندنا، و لا يخلو من إجمال بالنسبة إلى تشبيهه.
ج7،
فظهر لك حينئذ من ذلك كله أن الحكم بالاستحباب لا يخلو من قوة، و أن التحقيق في الجواب عن الاشكال عليه ما عرفت لا ما قيل من منع الحصر، لأن حاصل السؤال أن التياسر إما إلى القبلة فيكون واجبا لا مستحبا، و إما عنها فيكون حراما، و الجواب منه الحصر، بل التياسر عنها إليها، و جاز اختصاص بعض جهات القبلة بمزيد الفضيلة على بعض، أو حصول الاستظهار بالتوسط بسبب الانحراف، خصوصا على ما سمعته من بعض معاصري الفاضل الهندي من أن قبلة الكوفة و بغداد الركن الشامي و العراقي، فيتياسر استظهارا، اللهم إلا أن يريد هذا المجيب ما ذكرناه، بل يمكن المناقشة عند التأمل فيما أجاب به المصنف أيضا، إذ كون القبلة الحرم لا يقتضي ذلك، خصوصا بناء على إرادة جهة الحرم لا عينه، ضرورة الخروج عن المحاذاة للبعيد بأدنى انحراف، كما هو مشاهد في استقبال الأجرام البعيدة، أما لو أريد المحاذاة الحقيقية للحرم كما هو ظاهر أو صريح بعض القائلين بذلك على ما عرفت سابقا أمكن الإشكال بأنه لا يعلم اتصال الخطوط إلا بالتياسر دون غيره، مع أن مقتضاه حرمة الغير و وجوب التياسر لا استحبابه المقتضي لجواز غيره حتى التيامن القليل، فلا بد في الجواب من ملاحظة تقريبية العلامات المزبورة، و أن التياسر عنها لعله أدخل في حصول المحاذاة كما ذكرناه سابقا، و هو لا يخص القول المزبور، بل يتجه على المختار أيضا، و من هنا أفتى به العلامة و غيره ممن مذهبه استقبال الكعبة لا الحرم، فتأمل جيدا.
ثم إن صريح أكثر الفتاوى اختصاص ذلك بالعراقي كظاهر خبر المفضل(1)و هو كوفي، بل غالب الرواة عنهم (عليهم السلام) عراقيون، لكن في الذكرى التعبير بأهل المشرق، و لعله يريد العراقيين منهم، خصوصا مع قوله بعد ذلك: «فرع: إذا قلنا بهذا التياسر فليس بمقدر، بل مرجعه الى اجتهاد المصلي، و من ثم جعلنا المسألة من
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب القبلة- الحديث 2.
ج7،
مسائل الاجتهاد، و لا ريب في اختلاف ذلك بحسب اختلاف بلدان المشرق، و لعل البالغ في المشرق الى تخومه يسقط عنه هذا التياسر، بل لا يجوز له للقطع بأنه يخرج عن العلامات المنصوبة لهم، و الخبران لا يدلان على غير أهل العراق، لأن المفضل كوفي، و غالب الرواة عراقيون» و هو كما ترى ظاهر في الاختصاص.
هذا كله في الركن العراقي،
و أما الركن الثاني من ركني الباب فهو لأهل الشام و غيرهم، و قد ذكروا لأهل الشام و ما سامته منهم علامات متعددة: أحدها جعل بنات نعش حال غيبوبتها خلف الاذن اليمنى بلا خلاف أجده فيه و المراد بغيبوبتها غاية انحطاطها إلى جهة المغرب كما عن جماعة التصريح به، و لعل اليه يرجع ما عن حواشي الشهيد من أنه حال مجاورتها البحر، لكن عن فوائد القواعد و المقاصد العلية أن المراد بغيبوبتها ميلها عن دائرة نصف النهار لا الغيبوبة المتعارفة، و هو نهاية انحطاطها و خفاؤها على تقديره، لأنها حينئذ تميل عن قبلة الشامي و عن مسامتة الأذن كما لا يخفى، و الذي يراد جعله خلف الأذن اليمنى إما الموضع الذي تدنو فيه من الغروب أو وسطها تقريبا، لكن في كشف اللثام و عن غيره جعل كل من بنات نعش الكبرى، و لعله لاختلاف وقت مغيبها، و الأمر سهل.
ثانيها وضع الجدي على حساب ما مر في العراقي خلف الكتف اليسرى، و ربما عبر بالمنكب، و الأول أولى، لأن انحراف الشامي كما في الروضة أقل من العراقي المتوسط، و بالتحرير التام ينقص الشامي عنه جزءين من تسعين جزء مما بين الجنوب و المشرق أو المغرب، و ذلك لأن بين نقطة الجنوب و المشرق تسعين جزء، و بينها و بين نقطة المغرب تسعين جزء أيضا، و انحراف الشامي نحو المشرق أحد و ثلاثون جزءا من التسعين، و انحراف العراقي نحو المغرب ثلاثة و ثلاثون جزءا فينقص الشامي عن العراقي جزءين، لأن الكتف أقرب إلى ما بين الكتفين من المنكب، فيتفاوت بهما
ج7،
الانحراف، و يمكن إرادة الكتف من المنكب هنا، فيتجه الجميع حينئذ، أو هو مبني على التسامح في ذلك كالتسامح في ذكر هذه العلامات لأهل الشام، و لا ريب في تفاوتهم، إذ الشرقيون منهم المجاورون للعراق لا يحتاجون الى انحراف غيرهم، و ربما يعلم ذلك مما سمعته في العراق، و بنات نعش معروفة سبعة كواكب، أربعة نعش و ثلاثة بنات، و لعل التقييد بالكبرى من بعضهم لإرادة الأولى أو الثانية.
ثالثها وضع سهيل عند طلوعه بين العينين، و عليه يحمل إطلاق اللمعة كونه علامة بين العينين، و المتبادر من الطلوع أول ما يبدو و يرى في الأرض المستوية من الشام، لكن عن الحواشي المنسوبة إلى الشهيد أن المراد به الانتهاء في الصعود، و فيه مع أنه لا قرينة على إرادة ذلك من الطلوع أنه لا يوافق ما قيل من أنه إذا طلع يكون منحرفا عن نقطة الجنوب إلى جانب المشرق، و كلما أخذ في الارتفاع مال الى المغرب، فيكون مغربا عن قبلة الشامي.
رابعها جعل مغيبه على العين اليمنى، و ربما أشكل ذلك بأنه إن أريد به المعنى المعتبر في غيبوبة بنات نعش خالف غيره من العلامات، لأن جعله حينئذ على العين اليمنى يوجب استقبال نقطة الجنوب، و هو لا يطابق قبلة الشامي، لأنها مائلة نحو المشرق، و إن اعتبرت غيبوبته المقابلة لطلوعه، و هو نهاية انحطاطه نحو المغرب و خفاؤه أو قربه خرج عن مسامتة العين، خصوصا مع مراعاة طلوعه بين العينين، فان المراد به أول بروزه عن الأفق في الأرض المعتدلة في بلاد الشام ليطابق سمت قبلتها، قلت: لعل المراد بغيبوبته وصوله إلى دائرة نصف النهار، لأن وقت غيبوبته إذا بلغ نصف النهار، و حينئذ يكون بين كتف اليمنى و على العين اليمنى للشامي.
خامسها و سادسها كون مهب الصبا على الخد الأيسر و الشمال على الكتف، و هما
ج7،
كغيرهما من الرياح السابقة لا ينبغي التعويل عليها إلا عند فقد غيرها من الامارات التي هي أقوى منها في الدلالة، و في كشف اللثام أنه زاد شاذان جعل المشرق على العين اليسرى، و الدبور على صفحة الخد الأيمن، و الجنوب مستقبل الوجه، و ذكر أنها علامات لعسفان و ينبع و المدينة و دمشق و حلب و حمص و حماة و آمد و أربد و ميافارقين و افلاد الى الروم، و سماوة و الحوران الى مدين شعيب و الى الطور، و تبوك و الدار و بيت المقدس و بلاد الساحل كلها، و ان قبلتهم من الميزاب الى الركن الشامي، و أن التوجه من مالطة و سمساط و الجزيرة إلى الموصل و ما وراء ذلك من بلاد آذربايجان و الأبواب الى حيث يقابل الركن الشامي إلى نحو المقام، و علامتهم جعل بنات نعش خلف الأذن اليسرى، و سهيل إذا نزل للمغيب بين العينين، و الجدي إذا طلع بين الكتفين، و المشرق على اليد اليسرى و المغرب على اليمنى، و العيوق إذا طلع خلف الأذن اليسرى، و الشمال على صفحة الخد الأيمن، و الدبور على العين اليمنى، و الجنوب على العين اليسرى.
الركن الثالث الذي هو ثاني ركني جدار الشام لأهل المغرب، و علامتهم جعل الثريا حال طلوعها على اليمين، و العيوق كذلك على اليسار، و الجدي حال استقامته أو مطلقا كما جزم به في كشف اللثام على صفحة الخد الأيسر، قيل و المراد بالمغرب بعضهم كالحبشة و النوبة لا المغرب المشهور كقرطبة و رذيلة و تونس و قيروان و طرابلس، فان قبلته تقرب من نقطة المشرق، و بعضها تميل عنه نحو الجنوب يسيرا، و عن شاذان أن أهل المغرب أيضا يجعلون الشولة إذا غابت بين الكتفين، و المشرق بين العينين، و الصبا على العين اليسرى، و الجنوب على اليمنى، و الدبور على المنكب الأيمن، و ذكر أنها علامات للصعيد الأعلى من بلاد مصر و بلاد الحبشة و النوبة و البجة و الزعارة و الدمانس و التكرور و الزيلع و ما وراءها من بلاد السودان، و أنهم يتوجهون الى حيث يقابل
ج7،
ما بين الركن الغربي و اليماني، و أن بلاد مصر و الإسكندرية و القيروان الى تاهرت الى البربر إلى السوسي الأقصى و إلى امروم و إلى البحر الأسود يتوجهون الى ما بين الغربي و الميزاب، و علامتهم جعل الصليب إذا طلع بين العينين، و بنات نعش إذا غابت بين الكتفين، و الجدي إذا طلع على الأذن اليسرى، و الصبا على المنكب الأيسر، و الشمال بين العينين، و الدبور على اليد اليمنى، و الجنوب على العين اليسرى.
و الركن الرابع اليماني الذي أحد طرفيه ركن المغرب، و ثانيه أحد ركني الباب، و علامتهم جعل الجدي وقت ارتفاعه: أي وصوله إلى دائرة نصف النهار بين العينين، و سهيل وقت غيبوبته التي تحصل عند بلوغه نصف النهار في الارتفاع بين الكتفين، و مهب الجنوب على أسفل الكتف اليمنى، و عن شاذان زيادة جعل المشرق على الأذن اليمنى، و الصبا على صفحة الخد الأيمن، و الشمال على العين اليسرى، و الدبور على المنكب الأيسر، و ذكر أنها علامات نصيبين و اليمن و التهائم و صعدة إلى صنعاء و عدن الى حضرموت، و كذلك الى البحر الأسود، و انهم يتوجهون الى المستجار و الركن اليماني، هذا. و في اللمعة أن اليمن مقابل الشام، و لازم هذه المقابلة أن أهل اليمن يجعلون سهيلا بين الكتفين مقابل جعل الشامي له بين العينين، و أنهم يجعلون الجدي محاذيا لأذنهم اليمنى بحيث يكون مقابلا للمنكب الأيسر، فإن مقابله يكون إلى مقدم الأيمن، و هو مخالف لما عرفت مما صرح به غير واحد من الأصحاب، و هو يقتضي مقابلته العراقي في الجملة لا الشامي، لكن في الروضة أن التحقيق أن المقابل للشام من اليمن هو صنعاء و ما ناسبها، و هي لا تناسب شيئا من هذه العلامات، و إنما المناسب لها عدن و ما والاها، و لعله لذا قال العلامة الطباطبائي في بيان تعرف القبلة بالجدي لأهل هذا الركن:
و بين عينيك بأطراف عدنو الأذن اليمنى لصنعاء اليمن
ج7،
هذا. و يمكن معرفة القبلة أيضا بطرق أخر مستفادة من المهارة في علم الهيئة، و لعل أولاها ما ذكره بعض علمائنا مختارا له من بين الطرق، و هو طريقان: الأول ما أورده سلطان المحققين نصير الملة و الدين في التذكرة قال: «ما نصه أن الشمس تكون تارة بسمت رأس مكة شرفها الله تعالى حين كونها في الدرجة الثامنة من الجوزاء، و الدرجة الثالثة و العشرين من السرطان وقت انتصاف النهار، و الفضل بين نصف نهارها و نصف نهار سائر البلدان أن يكون بقدر التفاوت بين الطولين، فليؤخذ التفاوت و يؤخذ لكل خمسة عشر جزء منه ساعة، و لكل جزء أربع دقائق، فيكون ما اجتمع ساعات البعد عن نصف النهار، و ليرصد في ذلك اليوم ذلك الوقت قبل نصف النهار إن كانت مكة شرفها الله تعالى شرقية، أو بعده إن كانت غربية قسمت الظل حينئذ سمت القبلة» انتهى. قيل و وجه مرور الشمس حال كونها في كل من الدرجتين المذكورتين في سمت رأس مكة ما ثبت من أن ميل كل منهما عن المعدل بقدر عرضها، و وجه مساواة الفضل المذكور لما بين الطولين إلى آخر ما قاله أن ما بين الطولين قوس من المعدل واقع بين دائرتي نصف نهار البلدين، و لما كانت أجزاء المعدل ثلاثمائة و ستين، و كل منها ستون دقيقة، و كان زمان الدورة أعني اليوم بليلته أربعا و عشرين ساعة مستوية، كل منها دقيقة كان حصة كل خمسة عشر جزءا ساعة واحدة، و حصة كل جزء أربع دقائق، فإذا أخذنا لما بين الطولين حصته من الساعات و الدقائق كان المجتمع زمان ما بين انتصاف النهار بمكة و انتصافه بغيرها، فإذا بقي أو مضى من انتصافه فيه بقدر ذلك الزمان يكون الشمس على سمت رأس مكة و ظل المقياس حينئذ مسامتا للقبلة، لمرور دائرة ارتفاع الشمس بسمت رأس مكة، فإذا جعل المصلي خطابين قدميه و سجد عليه متوجها الى المقياس يكون متوجها الى القبلة، لأنه يكون قد سجد على قوس من عظيمة أرضية مارة بما بين قدميه و موضع سجوده و مكة شرفها الله تعالى،
ج7،
ثم لا يخفى عليك اختصاص هذه الطريق في البلدان المخالفة لمكة في الطول.
الطريق الثاني و هو المشتهر بالدائرة الهندية و العمل فيه بعد تسوية الأرض و رسم الدائرة و استخراج خطي الاعتدال و الزوال القاسمين لها أرباعا على ما مر في بحث المواقيت أن يقسم كل ربع منها تسعين قسما متساوية، ثم تعد من نقطة الجنوب أو الشمال بقدر ما بين الطولين إلى المغرب إن زاد طول البلد على طول مكة شرفها الله تعالى، و إلى المشرق إن نقص، و من نقطة المشرق أو المغرب بقدر ما بين العرضين إلى الشمال إن نقص عرضه، و إلى الجنوب إن زاد عليه، و يخرج من منتهى الأجزاء الطولية خطا موازيا لخط الزوال، و من منتهى الأجزاء العرضية خطا موازيا لخط الاعتدال، فيتقاطع ذلك الخطان داخل الدائرة غالبا فصل بين مركزهما، و نقطة التقاطع بخط منته الى محيطها، فهو على صوب القبلة، و لا يخفى أيضا أن هذا الطريق في المخالفة لمكة طولا و عرضا خاصة، فهو أقل من سابقه ثمرة، بل ربما نوقش في اقتضائه التوجه الى العين تحقيقا، نعم انما هو تقريبي، لكن قيل إنه كذلك بالنسبة إلى العين كما هو مشرب علماء الهيئة، و أما بالنظر الى إفادتها الجهة كما هو مذهب الفقهاء قدس الله أرواحهم فتحقيقية، و لذا لم يلتفتوا الى تعديلها بما يقربها الى التحقيق في زعم أولئك، و فيه نظر يعرف مما قدمناه سابقا، و لعله الى هذين الطريقين أشار العلامة الطباطبائي بقوله:
و تعلم القبلة في بحر و برفي غير مسطور بشيء مستطر
و الله أعلم.
الثاني في أحكام المستقبل بالكسر و هي كثيرة، منها أنه يجب عليه الاستقبال في الصلاة الواجبة و الذبح كذلك وجوبا شرعيا على الأصح من وجوب المقدمة، و لخصوص الأدلة لا شرطا خاصة مع العلم بجهة القبلة لما دل على وجوب الطاعة و الانقياد من العقل
ج7،
و النقل(1)و يحصل العلم باخبار المعصوم (عليه السلام) و بصلاته التي يعلم خلوها عن التقية بناء على ما ذكرنا سابقا من منافاة الإمامة الخطأ في جهة القبلة، و بنصبه محرابا، و لذلك ذكر غير واحد من الأصحاب بل ظاهرهم الاتفاق عليه أن المحراب الذي نصبه المعصوم (عليه السلام) أو صلى فيه مما يفيد العلم بذلك، و وجهه ما ذكرنا لكن بشرط القطع بصلاته فيه من غير تيامن و لا تياسر و أنه لا تقية، نعم يصعب ثبوت محراب عندنا الآن كذلك، إذ أقربها الى ذلك محراب النبي (صلى الله عليه و آله)، لكونه مأخوذا يدا بيد، مع أن المحكي عن الشيخ نجيب الدين أنه قال: وقع في محرابه (صلى الله عليه و آله) بالمدينة بعض تغيير، و أما مسجد الكوفة فإنه و إن ذكر جماعة معلومية نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) له، و صلاة الحسن و الحسين (عليهما السلام) فيه، و أنه لذلك لا يجوز الاجتهاد فيه يمينا و يسارا، بل في المحكي عن آيات الأردبيلي أن الأصحاب يقولون: إن قبلة الكوفة يقينية، كما أن المحكي عن مجمعه نقل حكاية التواتر أيضا، لكن في
خبر الأصبغ بن نباتة(2)عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «ويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة نوح (عليه السلام)»
و
خبر محمد بن إبراهيم النعماني(3)في حديث عنه (عليه السلام) «أما أن قائمنا (عليه السلام) إذا قام كسره و سوى قبلته»
و
مرسل الصدوق(4)«إن حد مسجد الكوفة آخر السراجين، قيل له من غيره؟
قال: أول ذلك الطوفان، ثم غيره أصحاب كسرى، ثم غيره زياد بن أبي سفيان»
و قد سمعت سابقا أن المجلسي (رحمه الله) قال: الوجه في استحباب التياسر أو وجوبه لأهل
ج7،
العراق أن قبلة مسجد الكوفة متيامنة، و بقية المساجد تابعة له، و التقية منعت عن التصريح بذلك، فورد الأمر بالتياسر لأهل العراق على ذلك بأحسن وجه، و قد ذكر بعض الأصحاب أيضا أنه لا يوافق المشاهد الآن من قبلته العلامات المعلوم نصبها من الشارع، كوضع الجدي على الكتف، اللهم إلا أن يدفع ذلك بأنه بعد فرض معلوميته يكون هو الشاهد على وضع الجدي لا العكس، و من هنا أيد بعضهم القول بأن العلامة وضع الجدي على المنكب الأيمن بمعنى مجمع عظم العضد و الكتف بموافقته للمشاهد الآن لقبلة مسجد الكوفة، إلا أن الانصاف عدم وصول تواتره إلينا بطريق قطعي، بل أقصاه الطريق الظني باعتبار نقل جماعة من أجلاء الأصحاب، و في جريان أحكام المقطوع به عليه باعتبار ثبوته بطريق شرعي إشكال بل منع، ضرورة صلاحية معارضته بظن آخر أقوى من ذلك، و أولى منهما في عدم ثبوت التواتر غيرهما من المساجد، كمسجد سرمنرأى و طوس و البصرة و المدائن و غيرها من المساجد المدعى فيها القطع بنصب معصوم لمحاريبها أو صلاته فيها على وجه لا تيامن و تياسر فيه، بل و كذا قبور الأئمة (عليهم السلام)، فإنه و إن كان الثابت عندنا أن المعصوم (عليه السلام) لا يقبره غير المعصوم إلا أن قبورهم (عليهم السلام) قد تغيرت بسبب وضع الشبابيك و الصناديق و الحضرات و نحوها، و بها حصل التغيير.
و من هنا قال بعض مشايخنا: إن الحضرة الشريفة في سرمنرأى و شباكها و السرداب الشريف على خلاف الجهة قطعا، و ما ذاك إلا للتصرف المزبور، و هذا كلام عرض بالبين، و إلا فوظيفة الفقيه إناطة الحكم بعلم الجهة من غير تعرض لأسباب العلم، ضرورة اختلافه باختلاف الناس، فقد يستفاد أيضا من تواتر الجهة و شياعها و أخذها يدا بيد، و اتفاق أهل النظر، و غير ذلك، قيل و من ذلك استعمال العلامات المفيدة لذلك كالجدي و نحوه على بعض الوجوه، و قد عرفت فيما مضى أنه ذكر غير واحد
ج7،
من الأصحاب حصول العلم بالجهة من سائر الأمارات الرياضية التي هي عندهم تدل على العين، و أنه لا يخلو من نظر، لا لأن الوضع المراد غير متيسر باعتبار البعد، ضرورة إرادة الظاهر للحس منه لا النصب الحقيقي المتعذر، و إلا لم يكن علامة، بل لأن دلالتها على الجهة عندنا منحصرة فيما لا يفيد إلا الظن، و الإجماع على العمل بوضع الجدي مثلا المستفاد بمقايسته باقي العلامات لا يفيد القطع بالجهة، ضرورة عدم التلازم بينهما، و من هنا قال في القواعد: «يجب الاستقبال مع العلم بجهة القبلة، فإن جهلها عول على ما وضعه الشرع إمارة، و القادر على العلم لا يكفيه الاجتهاد المفيد للظن» و هو كالصريح في استفادة الظن بذلك، و كذا كشف اللثام و غيره، نعم هي كالعلم شرعا في وجوب العمل، بل لا يبعد في النظر عدم وجوب تقديم العلم حسا عليها، لإطلاق دليل العمل بها و ظهور اتفاق الأصحاب على إرادتها من العلم المأمور به للقبلة و العلم القطعي بعدم الحرج على من كان في زمن التمكن من استعلام المعصوم (ع) في العمل بهذه العلامات، و لغير ذلك مما يظهر بأدنى تأمل.
و من هنا يقوى الظن بإرادة المصنف من قوله فان جهلها عول على الأمارات المفيدة للظن غير الأمارات الشرعية التي قد عرفت عدم تقييد العمل بها على الظاهر بعدم العلم القطعي بالجهة، بدليل عدم ذكره الاجتهاد بعد ذلك، فيعلم منه حينئذ إرادته من هذه العبارة، و لا ريب في توقف اعتباره على انتفاء العلامات الشرعية، و ان استعمالها ليس من الاجتهاد في شيء، إذ هو في الغالب لتحصيل الجهة التي كانت تستفاد منها، و إطلاق الاجتهاد على الحاصل منها في بعض العبارات لضرب من التجوز، و من هنا عمم العلم للحسي و الشرعي في كشف اللثام في شرح قول الفاضل السابق: «و القادر على العلم لا يكفيه الاجتهاد المفيد للظن» لكن ظاهره أو صريحه في شرح ما قبل ذلك اشتراط جواز العمل بها بعدم التمكن من العلم الحسي الحاصل من إخبار معصوم
ج7،
أو محرابه، و هو و إن كان لا يخلو من وجه إلا أن خلافه أيضا لا يخلو من وجه، لما عرفت.
نعم هي لا عبرة بها لو خالفت ما اتفق علم المكلف به من الجهة بقول معصوم مثلا أو فعله، لا أنه يشترط جواز العمل بها بعدم التمكن من سؤاله مثلا، و لعل عبارة المتن و القواعد المذكورة سابقا و ما ضاهاها لا تنافي ذلك، ضرورة خلوها عن الاشتراط المزبور، بل يمكن إرادة ما يشملها من العلم في نحو قولهم: لا يجوز التعويل على الظن في القبلة مع التمكن من العلم، و أن المراد الاجتهادي من الظن فيها لا مثل الظن الحاصل منها الذي قد عرفت الدليل من النص و الإجماع على العمل به، فتأمل. و من ذلك يعرف ما في المحكي عن فوائد القواعد في تفسير عبارتها المذكورة سابقا من أن المراد بالعلم بها للبعيد استفادتها من محراب المعصوم أو قوله، و مع تعذره يرجع إلى ما نصبه الشارع علامة و إن كان بعضه مفيدا للعلم، إلا أنه لا يرجع إليه حينئذ مطلقا، لما تحقق من عدم جواز الاجتهاد بتلك العلامات بما يخالف محراب المعصوم، فان فيه نظرا من وجوه، و كذا ما في جامع المقاصد في شرح العبارة المزبورة أيضا من أن أكثر ما سبق من العلامات يفيد القطع بالجهة في الجملة، فكان حق العبارة أن يقول فان جهلها عول على ما يفيد القطع من العلامات، ثم على ما يفيد الظن، ثم قال: و يمكن أن يقال العلامات المذكورة و إن أفاد بعضها القطع بالجهة في الجملة إلا أنها بالإضافة إلى نفس الجهة انما تفيد الظن، لأن محاذاة الكواكب المخصوصة على الوجه المعين مع شدة البعد انما يحصل به الظن، فيندرج الجميع فيما وضعه الشارع إمارة، بل و ما في فوائد الكتاب في شرح المتن من أن المراد من جهلها على وجه لا يستطيع معرفتها بالعلامات المثمرة لليقين، كمحاذاة الجدي و المشرق و المغرب مثلا، فان هذه محصلة لليقين في الجملة و إن لم يحصل بها نفس السمت يقينا، ثم قال: و المراد بالأمارات المفيدة للظن نحو الضوء الكثير آخر النهار في يوم الغيم المفيد للظن أن ذلك الجانب هو المغرب، و لقد أصاب فيما ذكر أنه
ج7،
المراد بالأمارات، و إن كان في تعليله السابق نظر، كالذي في المسالك، قال في شرح المتن: ليس المراد بالأمارات هنا ما هو مذكور في كتب الفقه لتحصيل الجهة كالجدي و نحوه، فان تلك مفيدة للعلم بالجهة إذا أحرزت على وجهها، بل المراد بالأمارات المفيدة للظن الرياح الأربع و منازل القمر و نحوهما مما لا ينضبط غالبا، فإنهم جوزوا التعويل عليها عند تعذر غيرها من الامارات المفيدة للعلم بالجهة كالكواكب، أما الرياح فإنما تكون علامة عند تحققها، و لا يكاد يتفق لغير الماهر في معرفة طبائعها و منازلها و مثار أفعالها إلا مع العلم بالجهات الأربع، و معه يستغنى عن الاستدلال بها، و أما القمر فإنه يكون ليلة سبع من الشهر في قبلة العراقي أو قريبا منها عند المغرب، و ليلة الرابع عشر منه نصف الليل، و ليلة الحادي و العشرين عند الفجر، إلا أن ذلك كله تقريبي لا يستمر على وجه واحد، لاختلاف حركات القمر، فلذلك اشترط التعويل عليها بفقد العلامات الثابتة كالجدي، و قد تبع فيما ذكره أخيرا ما في جامع المقاصد، حيث قال بعد ما ذكر جملة من الكلام: فيستفاد من قول العلامة: «و القادر على العلم» إلى آخره. أن القادر على القبلة حال استقامته مثلا لا يكفيه التعويل على كون القمر ليلة السابع من الشهر في وقت المغرب محاذيا لقبلة المصلي، و ليلة الرابع عشر منه نصف الليل، و ليلة الحادي و العشرين منه عند الفجر، فإنه ينتقل في المنازل، فيغرب في ليلة كونه هلالا على نصف سبع الليل، لأن ذلك تقريبي يزيد و ينقص، إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا يخفى عليك ما فيها بعد الإحاطة بما قدمنا.
و كيف كان فلا ريب في تقدم هذه الامارات على الاجتهاد، و أما جواز العمل بها بناء على أنها انما تفيد الظن مع التمكن من العلم الحسي ففيه وجه إذا لم يعلم مخالفتها له، حتى القمر عند من جعله علامة بسبب مراعاته له في سائر الفصول مقايسا له بالجدي الثابت كونه علامة، لكن يظهر من جماعة اشتراط جواز العمل بها بانتفاء العلم، و للنظر
ج7،
فيه مجال، لكن على كل حال لا خلاف أجده بين المسلمين فضلا عن الخاصة في العمل بها، و أنه لا يصلي إلى أربع جهات بمجرد فقد العلم و إن تمكن من إعمالها، و به اعترف في كشف اللثام.
نعم قد يظهر من قول الشيخين في المقنعة و النهاية و المبسوط و الجمل و الاقتصاد و المصباح- على ما حكي عن بعضها بعد ذكرهما الامارات السماوية أن من فقدها صلى أربعا مع الاختيار، و مع الضرورة يصلي إلى جهة- عدم جواز العمل بالاجتهاد بمعنى الظن الناشئ من غير الأمارات الشرعية، بل هو في الحقيقة ظن بالجهة التي كانت تستفاد من تلك الامارات كما هو ظاهر المحكي عن ابن حمزة أو صريحه من أن فاقد الامارات يصلي أربعا مع الاختيار، و مع الضرورة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، و على ذلك ينزل ما حكاه في الذكرى عن ظاهر الشيخ في التهذيب و الخلاف من أن الاجتهاد لا يكون إلا عند الضرورة: أي تعذر الصلاة إلى أربع جهات، لا أن المراد بالاجتهاد ما يشمل الحاصل من تلك الامارات بناء على إفادتها الظن.
و إن كان الأقوى خلافه أيضا وفاقا للمعظم، بل الإجماع ممن عداهما، بل لعله ظاهر معقد إجماع المنتهى أو صريحه بعد التدبر في آخر كلامه، و محتمل أو ظاهر إجماع التحرير أيضا، بل يمكن دعوى تحصيل الإجماع عليه فضلا عن محكيه، و يدل عليه مع ذلك
صحيح زرارة(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) «يجزئ التحري أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة»
و
موثق سماعة(2)«سألته عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشمس و القمر و لا النجوم، فقال: اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك»
و غيرهما من النصوص التي تسمعها إن شاء الله في الأعمى و فيمن بان لها الخطأ بعد خروج الوقت أو قبله، فان فيها التصريح بالاجتهاد و التحري، و بذلك كله يخرج عن مقتضى قاعدة وجوب تحصيل
ج7،
العلم الإجمالي بعد تعذر العلم التفصيلي لو سلم اقتضاؤها الأربع حينئذ.
كما أنه بذلك يجب حمل
خبر خداش(1)على إرادة التحري لا الامارة، قال للصادق (عليه السلام): «جعلت فداك أن هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فلتصل لأربع وجوه»
بقرينة قوله: «أطبقت السماء» و «أظلمت» ضرورة ظهورهما في انه لا إمارة يظن منها القبلة، أو على إرادة بيان أن ذلك حكمنا لولا الدليل، بخلاف المخالفين فان عندهم التكليف بالاجتهاد أولا و لا احتياط، أو على غير ذلك مما لا بأس به بعد قوة المعارض، بل لا بأس بالتزام الطرح بالنسبة إلى ذلك لأجله، خصوصا و حجية الخبر المزبور محتاجة إلى جابر، و ليس، بل ضده موجود كما عرفت، و من ذلك يعلم ما في حمل النصوص المزبورة على إرادة الاجتهاد بعد تعذر الأربع، أو على إرادة الاجتهاد بالأمارات الشرعية، أو نحو ذلك مما يقطع بفساده بعد الإحاطة بما عرفت الذي بالتأمل فيه يعلم الخلل في النقل و غيره فيما وقع في الرياض في تحرير هذه المسألة، و أعجب ما فيه نقله الخلاف في ذلك عن المبسوط خاصة في وجه، و أنه على تقديره شاذ محكي على خلافه الإجماع من المسلمين كافة في كثير من العبارات كالمعتبر و المنتهى و التحرير و التذكرة و الذكرى، و أن به صرح بعض الأجلة حيث قال: و هل له الاجتهاد إذا أمكنه الصلاة إلى أربع جهات؟ الظاهر إجماع المسلمين على تقديمه وجوبا على الأربع قولا و فعلا، و ان فعل الأربع حينئذ بدعة، فان غير المشاهد للكعبة و من بحكمه ليس إلا مجتهدا أو مقلدا، فلو تقدمت الأربع على الاجتهاد لوجبت على عامة الناس، و هم غيرهما أبدا، و لا قائل به، إلى آخر ما قال، و نعم ما قال معرضا بذلك لما في كشف اللثام، فان ذلك نص عبارته، و من تأملها إلى آخرها علم أن مراده القول
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب القبلة- الحديث 5.
ج7،
بتقديم الأربع على الاجتهاد حتى الأمارات الشرعية، و هو كما قال لم يقل به أحد من المسلمين، انما الكلام في الظن الحاصل من غيرها، و هو الذي فيه خلاف الشيخ، و هو نفسه قد احتمله في آخر عبارته مستظهرا له من الكتب السابقة، و كذلك الكلام في بعض معاقد إجماعات المسلمين التي حكاها عن الكتب المزبورة، فإنها ظاهرة في الأمارات الشرعية أو في الأعم منها، و لا ريب في أنه لم يقل أحد من المسلمين بتقديم الأربع عليها مطلقا، فلاحظ و تأمل جيدا.
و كيف كان فقد ظهر لك أن الأصح تقديم الاجتهاد على الأربع، نعم يقدم عليه بحسب الظاهر شهادة العدلين، و في جامع المقاصد يلوح من عبارة شيخنا الشهيد في قواعده عدم الخلاف في الرجوع إليها، و فيه قوة، لأنها حجة شرعية، قلت: لكن بين ما دل على اعتبارها و بين ما دل على وجوب الاجتهاد مع انتفاء العلم تعارض العموم من وجه، اللهم إلا أن ترجح بالاكتفاء بها في كثير مما اعتبر فيه العلم، و أما خبر العدل فإنه و إن كان التعارض فيهما كذلك، إلا أنه يمكن إنكار رجحانه في المقام الظاهر من الأصحاب عدم الالتفات اليه إلا من حيث كونه إمارة اجتهادية في وجه، لكن في كشف اللثام لم أر من اشترط التعدد، فهو خبر: أي يكتفي فيه بما يكتفي به في الأحكام الشرعية، و إلا فكل خبر شهادة، لكن خص ما فيه زيادة تحقيق و تدقيق للنظر باسم الشهادة، فلما كان الله لطيفا بعباده حكم في حقوقهم بشاهدين فصاعدا، و اكتفى في حقوقه و أحكامه بالرواية، و هذا منها، و ظاهره الاكتفاء به، و قد تقدم سابقا في إخبار العدل و العدلين بالنجاسة و الوقت ماله نفع في أصل المسألة، فلاحظ و تأمل.
و مما يشهد لما ذكرنا من عدم التفات الأصحاب إلى خبر العدل قول المصنف:
ف إذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده قيل يعمل على اجتهاده، و يقوى عندي أنه إذا كان ذلك المخبر أوثق في نفسه عول عليه و إلا فلا، ضرورة شموله لاخبار العدل
ج7،
عن يقين و حس، بل لعل ظاهر الاخبار ما لا يشمل الخبر عن الاجتهاد، و ما قوي عند المصنف ليس عملا بالخبر من حيث كونه خبرا بل لأنه اجتهاد رافع للاجتهاد الأول، و لذا لم يفرق بين العدل و غيره، بل لم أجد بعد التتبع قولا لأحد من معتمدي الأصحاب بالعمل بخبر العدل من حيث أنه حجة شرعية، نعم أرسله في جامع المقاصد عن بعضهم و لم أعرفه، فقال: قيل بالاكتفاء بشهادة العدل المخبر عن يقين في ذلك و في الوقت، و هو ضعيف، لأنه مخاطب بالاجتهاد فيهما، و لم يثبت الاكتفاء بذلك، بل قد يظهر من القيل في عبارة المصنف و غيرها عدم اعتبار الخبر هنا مطلقا و إن كان الظن به أقوى، إما لأن الرجوع إلى الغير نوع من التقليد، و هو غير جائز للقادر على الاجتهاد، و إما لأن ظاهر التحري و اجتهاد الرأي ما لا يشمل الظن الناشئ من إخبار الغير، سواء كان عن اجتهاد أو حس، بل لعله هو مقتضى إطلاق قول الفاضل:
«و لو تعارض الاجتهاد و إخبار العارف رجع إلى الاجتهاد» بل عن كشف الالتباس أن ظاهر المصنفات ذلك في المخبر عن حس فضلا عن غيره، بل كاد يكون صريح المسالك أيضا، حيث أنه بعد أن ذكر أن وجه القوة التي أشار إليها المصنف رجحان خبر الغير في نفسه، فيكون المصير إليه أولى من الطرف المرجوح، قال: و يضعف بأن الرجوع إلى الغير تقليد لا يجوز المصير اليه مع إمكان الاجتهاد، نعم لو كان المخبر عدلين عن علم اتجه تقديمهما على اجتهاده، و في الذكرى و لو اجتهد و أخبر بخلافه أمكن العمل بأقوى الظنين، لأنه راجح، و هو قريب، و وجه المنع أنه ليس من أهل التقليد، و به علل في جامع المقاصد عبارة الفاضل المزبورة، ثم قال: و في الذكرى أن رجوعه إلى أقوى الظنين قريب، لأنه راجح، و الأصح المنع إلا أن ينضم إلى الاخبار مرجحات أخر، فيكون التعويل على الاجتهاد لا على الاخبار، و لا فرق في ذلك بين
ج7،
كون المخبر قاطعا بالقبلة أو مجتهدا، سواء العدل و غيره، و الوقت كالقبلة في ذلك، و ظاهره عدم العمل به إن كان الرجحان منه لا غير، و هو غريب لم أعرف به قائلا قبله.
و التحقيق ما قواه المصنف، وفاقا لجماعة، لإطلاق الأمر بالاجتهاد و التحري الشاملين ضرورة للظن الناشئ منه، و دعوى عدم صدقهما على مثل ذلك ممنوعة، كدعوى عدم العبرة بهذا الظن كالمجتهد بالفروع، ضرورة كون التحقيق فيه حجية ظن مخصوص له، بخلاف المقام الذي لا دليل على خصوصية ظن له، و لو قيل هناك بفتح باب الظنون له أيضا اتجه له العمل بناء على فرض حصول الظن له بخلاف اجتهاده.
و من هنا يظهر لك أنه لا فرق بين إخبار العدل و غيره، و بين كونه عن حس أولا بعد فرض حصول الظن له به، بل و منه يظهر أنه لا فائدة معتد بها في قول المصنف بعد ذاك و لو لم يكن له طريق إلى الاجتهاد فأخبره كافر قيل لا يعمل بخبره، و يقوى عندي انه إن أفاده الظن عمل به و أنه لا معنى لفرضها في عدم الطريق له، إذ المتجه بناء على ما عرفت اتباع الظن و إن كان له طريق أيضا من غير فرق بين الكافر و الفاسق و الصبي و الامرأة و العبد و غيرهم سواء أخبروا عن حس أو عن اجتهاد، لاشتراك الجميع في جهة العمل المزبورة، و هي فرض قوة الظن له من باقي الامارات، نعم قد تترتب غالبا في حصول الظن و عدمه، و ليس العمل بها من حيث الخبرية و عدمها كي يشترط العدالة و عدمها و كونه عن حس و عدمه، و ما في كشف اللثام من الفرق بين الاخبارين إن أراد بالنسبة إلى الظن و عدمه غالبا فحق، و إلا كما هو ظاهره فممنوع، كما هو واضح، فتأمل جيدا، فان كلمات الأصحاب في المقام لا يخلو من تشويش، نعم يجب عليه بذل تمام الجهد في تتبع أمارات الظن ل
قوله (عليه السلام): «اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك»
فلا يجتزى حينئذ بأول ما اتفق له من الامارات، و منه حينئذ قد يقال بوجوب التأخير عليه إلى ضيق الوقت و إن لم نقل به في سائر ذوي الأعذار،
ج7،
لعدم حصول اليقين له ببذل تمام الجهد حتى يضيق الوقت، اللهم إلا أن يدعى تحقق مصداق عرفي لإطلاق العبارة المزبورة بدون ذلك، فالمتجه حينئذ دوران الأمر عليه، و هو الأقوى في النظر، فتأمل، و الله أعلم.
و يعول على قبلة البلد بلاد المسلمين إذا لم يعلم انها بنيت على الغلط إجماعا في التذكرة و المحكي عن كشف الالتباس معتضدا بالتتبع لكلمات الأصحاب، و بالسيرة القطعية في جميع الأعصار و الأمصار، و بان استمرار عملهم من أقوى العلامات المفيدة للقبلة، و منها المحاريب المنصوبة في جوارهم التي يغلب مرورهم عليها، أو في قرية صغيرة نشأت قرون منهم فيها، و لا فرق في ذلك بين أن يكون متمكنا من مراعاة الأمارات الشرعية أولا، بل و سواء كان متمكنا من العلم بالجهة كما إذا كان فيها محراب معصوم أو لا، فما في المنتهى من أن البصير في الحضر يتبع قبلة أهل البلد إذا لم يكن متمكنا من العلم لا يخلو من نظر إن لم يرد ما ذكرنا، نعم قد يتأمل في المظنون بناؤها على ذلك و إن كان الإجماع المحكي مطلقا، إلا أن المتيقن منه كالسيرة المزبورة غير الصورة المذكورة، و لعله لذا قال في المبسوط: «إذا دخل غريب إلى بلد جاز أن يصلي إلى قبلة البلد إذا غلب في ظنه صحتها، فإذا غلب على ظنه أنها غير صحيحة وجب أن يجتهد و يرجع إلى الأمارات الدالة على القبلة» و نحوه عن المهذب، اللهم إلا أن يريد بغلبة الظن العلم، أو يريد الأصحاب العكس، فيتفق الجميع حينئذ، و لعل الأول أولى، لتصريح غير واحد من الأصحاب، بل لا يعرف فيه خلاف بينهم أنه لا يجوز العمل على الاجتهاد فيها جهة، بل في الذكرى و جامع المقاصد القطع بذلك، و هو منهما كالإجماع، و ليس ذاك إلا لعدم العبرة بهذا الظن الحاصل من الاجتهاد في مقابلة فعل المسلمين على مرور الأعصار، و لو كان ظن الغلط معتبرا لوجب التعويل على اجتهاده المزبور لا عدمه، لكن في كشف اللثام بعد أن حكى عن الذكرى أنه لا يجوز الاجتهاد في الجهة قطعا
ج7،
قال: أي العمل على وفقه لأنه عمل بالظن في مقابلة العلم، و هو غير ظن الغلط الذي حكيناه عن المبسوط و المهذب، و لا مستلزم له، فان استلزمه انقلب العلم و هما، و فيه أنه لا ريب في الانقلاب المزبور مع فرض حصول الاجتهاد بما ينافيه، و لعله حمل كلام الشيخ على ظن غلطها الحاصل من غير الاجتهاد، لا منه الذي حصول الغلط فيه أولى من الغلط فيها، و مع ذلك لا يخلو من نظر أيضا، فالأولى ترك الاجتهاد، لعدم وجوبه قطعا، فلو اجتهد فظن الغلط ملاحظا لاستمرار فعل المسلمين كان الأحوط له الصلاة إلى الجهتين.
و أما الاجتهاد فيها يمينا و شمالا فقد صرح جماعة من الأصحاب بجوازه، بل لا أجد فيه خلافا بينهم إلا من المحكي عن نهاية الأحكام، حيث قال: «و لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلافها فان كانت بنيت على القطع لم يجز العدول إلى الاجتهاد، و إلا جاز» و الظاهر اكتفاؤه في البناء على القطع باستمرار صلاة المسلمين إليها من غير معارض، كما أن دليله على الظاهر أقربية احتمال إصابة الخلق الكثير من احتمال إصابة الواحد فيه، لكن يرده ما في الذكرى من جواز ترك الخلق الكثير الاجتهاد في ذلك، لأنه غير واجب عليهم، فلا يدل مجرد صلاتهم على تحريم اجتهاد غيرهم، و انما يعارض اجتهاد العارف لو ثبت وجوب اجتهاد الكثير أو ثبت وقوعه، و كلاهما في حيز المنع، بل لا يجب الاجتهاد قطعا، قال: و قد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق، فان فيها تياسرا عن القبلة مع انطواء الأعصار الماضية على عدم ذلك، و قال أيضا عن عبد الله بن المبارك انه أمر أهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحج، قلت: إن أريد باليمين و الشمال ما لا يقدح عدمه في الصلاة فلا ثمرة معتد بها لهذه المسألة، ضرورة أنه يجوز ترك العمل به و لو بعد الاجتهاد، و إن أريد ما يقدح منهما فهو كالخطإ في الجهة مستبعد على الخلق الكثير في الأزمنة المتطاولة، خصوصا و قد عرفت أن
ج7،
استمرار الخلق مما يفيد بناءها على القطع و اليقين لا الظن و التخمين.
و قد ادعى الوجدان في الحدائق على مخالفة قبلة جميع ما شاهده من البلدان للقواعد الرياضية، و منها الداخل في الإسلام في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) و عين فيها ولاة من جهته، إلى أن قال: «و اللازم من ذلك أحد أمرين، إما بطلان صلاة أهل تلك البلدان في جميع الأزمان، أو عدم اعتبار هذه العلامات و إن أفادت اليقين كما ذكروه دون الظن و التخمين، و الأول أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى البيان، سيما و جملة منها صلى فيها الأئمة (عليهم السلام) كالمدينة و خراسان و مسجد الكوفة، و دعوى التغيير في هذه البلدان عما كانت عليه في سابق الأزمان دعوى بغير دليل، بل مخالفة لما جرت عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل، فتعين الثاني» قلت: لا يفهم المراد من هذا الكلام، إذ هذه الأمارات أكثرها شرعية، ضرورة كونها مأخوذة من نص الشارع أو بالمقايسة لما نص عليه و لو تقريبا، فإن أراد مخالفة قبلة البلدان المزبورة لهذه الامارات مخالفة تؤدي إلى فساد الصلاة ففيه منع، و إن أراد مخالفتها للقواعد الرياضية من الدوائر و الاسطرلابات و نحوها فقد عرفت أنه لا عبرة بهذا الاختلاف الذي منشأه مراعاة التحقيق في القواعد المزبورة، و بناء القبلة على التقريب كما أومأ إليه اختلاف ما جعله الشارع علامة لذلك على ما قدمناه سابقا، و إن أراد أن قبلة البلد لا يعارضها الاجتهاد في اليمين و الشمال القادحين فضلا عن غيرهما فمرحبا بالوفاق، لما أشرنا إليه سابقا، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
و الظاهر أن المدار على ما ثبت أنها قبلة البلد، فلا يكفي ظنها و لو من إخبار صاحب الدار إلا أن تنضم معه قرائن يعلم منها صدقه، و ليس التعويل عليها بصحة فعل المسلم، و إلا لجاز التعويل على قبلة الشخص الواحد من غير حاجة إلى التقييد بالبلد، بل العمل عليها للاطمئنان الحاصل من اتفاق الخلق الكثير في الأزمنة المتطاولة، فينبغي أن يجعل
ج7،
على ذلك المدار، فلا يفرق بين محاريب البلدان و قبورها و الطرق التي يكثر عليها مرور المسلمين و القرى و غيرها مما يفيد ما ذكرنا، بخلاف محاريب الطرق التي يندر مرور المسلمين عليها و القرى الخربة و البلد التي لا يعلم كونها بلاد إسلام و غيرها مما لا يفيد ذلك، كما هو واضح، و الله أعلم، و من ذلك و ما تقدم سابقا يظهر لك ما في المدارك و تبعه عليه غيره من أن إطلاق كلامهم يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين ما يفيد العلم بالجهة أو الظن، و لا بين أن يكون المصلي متمكنا من معرفة القبلة بالعلامات المفيدة للعلم أو الاجتهاد المفيد للظن أو ينتفي الأمران، و ربما ظهر من قولهم: «فان جهلها عول على الامارات» عدم جواز التعويل عليها للمتمكن من العلم إلا إذا أفادت اليقين، و هو كذلك، لأن الاستقبال على اليقين ممكن، فيسقط اعتبار الظن، فلاحظ و تأمل فيما قدمنا كي تعرف محال النظر من كلامه، و الله أعلم.
و من ليس متمكنا من الاجتهاد فضلا عن العلم أو ما يقوم مقامه كالأعمى يعول على غيره مخبرا أو مجتهدا على المشهور بين الأصحاب في الأعمى نقلا و تحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا صريحا إلا من الشيخ في الخلاف، فيصلي إلى الأربع، قال فيه:
إنه و من لا يعرف أمارات القبلة تجب عليهما الصلاة أربعا مع الاختيار، و عند الضرورة يصليان إلى أي جهة شاءا، و نسب الرجوع إلى الغير إلى الشافعي، ثم قال: و أما إذا كان الحال حال الضرورة جاز لهما أن يرجعا إلى غيرهما، لأنهما مخيران في ذلك و في غيرها من الجهات، و إن خالفاه كان لهما ذلك، لأنه لم يدل دليل على وجوب القبول من الغير، نعم قيل إنه يظهر من الألفية و يلوح من المقنعة و النهاية و المراسم و الوسيلة و السرائر موافقته لقولهم من لم يتمكن من ذلك لغيم أو غيره و فقد سائر الامارات و العلامات صلى إلى أربع جهات، و لم يتعرضوا لخصوص الأعمى، إلا أنه على كل حال لا ريب في ضعفه، قيل: للأصل و العسر و عموم خبر العدل أو إطلاقه و أخبار الائتمام
ج7،
به إذا وجه،
قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي(1)منها: «لا بأس أن يؤم الأعمى القوم و إن كانوا هم الذين يوجهونه»
و
قال (عليه السلام) أيضا في خبر السكوني(2): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: «لا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة»
و في
حسن زرارة أو صحيحه(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قلت له: أصلي خلف الأعمى قال: نعم إذا كان له من يسدده و كان أفضلهم»
إلى غير ذلك.
لكن قد يناقش فيها بانقطاع الأصل بباب المقدمة، و منع العسر، و إطلاق خبر العدل لا يخص الأعمى و لا يشمل رجوعه للمخبر عن اجتهاد الذي هو بعض الدعوى، بل لعل التعبير بالتقليد من بعضهم يختص بالثاني، و بظهور كون المراد منها توجيهه إلى القبلة المعلومة باماراتها، و لعله يحصل له القطع و لو بخبر الواحد المحفوف بالقرائن، و بأنها مساقة لبيان أن ذلك لا ينقصه عن مرتبة الإمامة، لا لبيان أن حكمه في القبلة التقليد، كما هو واضح بأدنى تأمل.
فالأولى الاستدلال عليه حينئذ بصحيح زرارة(4)و موثق سماعة(5)السابقين، و كأنه يومي اليه الاستدلال من بعضهم بأن خبر العدل من الامارات المفيدة للظن، ضرورة ابتنائه على الاجتزاء بمطلق الظن له، و حينئذ يكون فرضه الاجتهاد و إن قلت أمارات الاجتهاد بالنسبة إليه، بل هي منحصرة غالبا في الرجوع للغير، و لعل المراد بالتقليد في بعض العبارات خصوص هذا القسم من الاجتهاد، لا أنه مرتبة ثالثة، و ربما كان ترك ذكر الأعمى في العبارات المزبورة لإدراجه فيمن يعمل بالظن بعد فقد العلم من غير فرق بين الأعمى و غيره، و إن اختلفوا بالنسبة إلى تعدد الامارات و عدمها
ج7،
لا للموافقة للشيخ في عدم العبرة بالظن للأعمى، كما يشهد له حصر الخلاف فيه من غير واحد ممن يتصدى لنقل الوفاق و الخلاف من الأصحاب، بل يشهد لأصل الدعوى أيضا ما تسمعه فيما يأتي من إناطة الصلاة إلى الأربع بفقد العلم و الظن الظاهر في عدم مرتبة ثالثة هي التقليد، و في أن الأعمى و غيره سواء في اعتبار الظن بعد فقد العلم.
و حينئذ يسقط البحث عن كثير من الأمور المذكورة عند الأصحاب كاعتبار العدالة في الغير و عدمه، حتى حكي عن رسالة صاحب المعالم و شرحها أن الأكثر على اعتبار كون المخبر عدلا، بل قيل إنه خيرة الأحمدي و المبسوط و المهذب و الإصباح و التذكرة و نهاية الأحكام و المختلف و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز الحاوي و جامع المقاصد و الجعفرية و شرحها و فوائد الشرائع و حاشية الفاضل الميسي و الروض و الروضة و المسالك و غيرها، بل في كشف اللثام رجلا كان أو امرأة حرا أو عبدا كما في المبسوط و كتب الشهيد و نهاية الأحكام، و لعله لما في الذكرى من أن المعتبر بالمعرفة و العدالة، و ليس من الشهادة في شيء، ثم قال فيها:
«فان تعذر العدل فالمستور، فان تعذر ففي جواز الركون إلى الفاسق مع ظن صدقه تردد، من قوله تعالى(1)«فَتَبَيَّنُوا» و من أصالة صحة إخبار المسلم، أما لو لم يجد سوى الكافر ففيه وجهان مرتبان أي على الوجهين في الفاسق- ثم قال-: و أولى بالمنع، لأن قبول قوله ركون اليه، و هو منهي عنه، و يقوى فيهما الجواز، إذ رجحان الظن يقوم مقام العلم في العبادات» و في كشف اللثام «قلت: نعم في ظن اعتبر طريقه شرعا أو انحصر الطريق فيه و لم يكن أقوى منه فالاحتياط تقليدهما إذا لم تمكن الصلاة أربعا، و إلا فالجمع بينهما» و عن المبسوط و المهذب و الجامع و التذكرة و نهاية الأحكام و جامع المقاصد و شرحي الجعفرية و حاشية الميسي و الروض إطلاق المنع من تقليد الكافر و الفاسق، لكن عن المبسوط جواز تقليد الصبي
1) 1 سورة الحجرات- الآية 6.
ج7،
مع اشتراطه العدالة كما عرفت، قيل و هو خيرة المعتبر، خلافا لنهاية الأحكام و المختلف و غيرهما فالمنع، بل في كشف اللثام أن ظاهر المختلف المنع في الامرأة أيضا، قال:
قال فيه: لنا أن الضابط في قبول خبر الواحد العدالة، فلا يثبت القبول مع عدمها، لأن مطلق الظن لا يجوز الرجوع اليه، أما أولا فلعدم انضباطه، و أما ثانيا فلحصوله بالكافر، فلا بد له من ضابط، و ليس إلا خبر العدل، لأنه أصل ثبت في الشرع اعتباره في خبر الواحد و التقليد كما عرفت، و أطلق في القواعد كالكتاب، و عن جملة من كتب الأصحاب الرجوع إلى الغير، و في الذكرى ثم التقليد هو قبول قول الغير المستند إلى الاجتهاد، فلو أخبر العدل عن يقين القبلة كما في المواقف المفيدة لليقين في التيامن و التياسر فهو من باب الاخبار، و يجوز التعويل عليه بطريق أولى، ثم قال:
«و لو أخبر المكفوف بصير بمحل القطب و هو عالم بدلالته فهو إخبار أيضا».
و في كشف اللثام و لو تعدد المخبر رجع إلى الأعلم الأعدل كما في المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام و الذكرى، و في الدروس إلى الأعلم، و في البيان إلى الأعلم فالأعدل، فلو رجع الى المفضول بطلت صلاته كما في المنتهى خلافا للشافعي، و فيه أيضا أنه لا عبرة بظن المقلد هنا، فان ظن إصابة المفضول لم تمنعه من تقليد الأفضل، فإن تساويا قلد من شاء منهما كما في المنتهى و نهاية الأحكام، و في الأخير احتمال وجوب الأربع و اثنتين الى غير ذلك من الأحكام المذكورة التي علمت سقوطها بناء على ما ذكرنا، ضرورة كون المدار فيه على الظن المندرج به تحت التحري و تعمد القبلة بحسب جهده من غير تقييد بظن مخصوص، كما سمعته سابقا فيمن فرضه الاجتهاد، بل هذا قسم منه، فلا فرق حينئذ بين العدل و الفاسق و الذكر و الأنثى و الصبي و البالغ و الفاضل و المفضول و العدل و الأعدل و غيرها، بل يدور مدار الظن، و احتمال إرادة الأصحاب بيان
ج7،
أسباب الظن و إماراته لا التخصيص و الاشتراط- مع أنه لا يلائم جملة من كلماتهم و أدلتهم- يدفعه انه لا يناسب الفقيه التعرض له، لاختلافه بحسب المقامات أشد اختلاف، اللهم إلا أن يريدوا الغالب، لكن لا يلائم اشتراط العدالة ممن عرفت.
و كذا احتمال إرادة التعبد بهذه الامارات بمعنى كون العبرة خصوص ظن خبر العدل مثلا لا مطلق الظن، إذ قد عرفت أنها تهجسات بلا مستند، و لو سلمنا لهم كون الدليل للأعمى نصوص توجيه الغير لا خبري التحري و الاجتهاد، و قلنا بشمولها للمجتهد و المخبر كان المتجه العمل حينئذ بمطلق الغير من غير اشتراط لعدالة و أفضلية، اللهم إلا أن يكون ذلك ترجيحا لما دل على اشتراط العدالة في المخبر، لكون التعارض بينهما من وجه، و لا يرد أنه يتم في المخبر عن علم لا عن اجتهاد، للاحتياج إلى العدالة أيضا في ثبوت اجتهاده، فإنه لا طريق غالبا اليه إلا أخباره، نعم يرد عليه أن مقتضى ذلك عدم قبول خبر غير العدل أصلا و إن لم يوجد العدل كما هو خيرة من سمعت، اللهم إلا أن يستند حينئذ إلى إطلاق الغير، أو إلى قاعدة فتح الظن هنا بعد تعذر العلم أو ما يقوم مقامه، لكنهما هنا معا محل للنظر، ضرورة عدم بقاء الإطلاق بعد ترجيح ما دل على اشتراط العدالة و تقييده به، و ان القاعدة الرجوع إلى العلم الإجمالي بعد انتفاء التفصيلي لا الظن، نعم إن سلم ذلك فهو بعد تعذر الإجمالي أيضا لعسر و نحوه، و علم بقاء التكليف أو ظنه و لو باستصحابه في وجه، بناء على عدم شرطية التكليف بالعلم، و انما هو طريق للعلم بالامتثال، فبعد فرض انتفائه يخلفه الظن، لقبح التكليف بما لا يطاق، و الإجماع المحكي على هذه القاعدة.
على أن ذلك كله لا يصحح لهم ما سمعته في فرض تعدد المجتهد الذي هو ظاهر في معاملته لهم معاملة المقلد في الأحكام الشرعية، و في أن البناء على الظن مع التعارض، أو على التعبد بما من شأنه حصول الظن، فلا يقدح حينئذ ظن إصابة المفضول في الرجوع
ج7،
إلى الأفضل كما سمعته من المنتهى، و على المعاملة المزبورة بني التخيير له في صورة المساواة، و إلا فهو غير ظان بقول كل واحد منهما، نعم يظن عدم خروج القبلة عنهما، و المرجع له بعد تعذر العلم الظن الخصوصي لا الإجمالي، و لعله من هنا احتمل في النهاية وجوب الأربع عليه، و سقوط اعتبار هذا الظن الإجمالي، كما أن احتمال الاثنتين مبني على انحصار تكليفه الظاهري بإحدى هاتين الجهتين، و لا ترجيح كما هو الفرض، فهو كمن علم كون القبلة في إحدى الجهتين، و أما احتمال التخيير فلا طلاق الغير، و لا يتوهم اختصاص هذه الوجوه الثلاثة بناء على التقليد بل لو قلنا بأن ذلك له لأنه أمارة اجتهاد تجري أيضا، بل تجري في المجتهد غير الأعمي أيضا.
لكنك خبير في أن التحقيق سقوط كثير من هذه الكلمات، و أنها جميعا لا تجتمع على أمر صحيح، و أن الأصح كون الأعمى من أفراد المجتهد الذي قلَّت بعض إماراته، فميزانه حينئذ بذل جده و جهده في تحصيل القبلة من إخبار أو غيره، فيدور مع الظن الحاصل له بعد بذل الجهد الذي لم يصل إلى حد العسر من غير فرق بين العدل و الفاسق كما عرفته سابقا، و هذا و إن قل المصرح به إلا أن جملة من أدلتهم لا تنطبق إلا عليه، كما أن جملة من العبارات كمنظومة العلامة الطباطبائي و شرح المفاتيح للأستاذ الأكبر و غيرهما كالصريحة فيه، فلاحظ و تأمل كي يظهر لك أنه ليس عندنا إلا مرتبتان في تحصيل القبلة العلم و ما يقوم مقامه، و الاجتهاد لا غير، و إذا فقدهما صلى إلى أربع جهات.
و منه حينئذ يظهر انه لا وجه لاحتمال التخيير للأعمى بين ما ذكرنا و بين الصلاة إلى أربع جهات، ضرورة كونه حينئذ ممن فرضه الاجتهاد، فهو كغيره من أفراد المجتهدين الذي قد عرفت سابقا أنه لا مجال لاحتمال التخيير فيهم، نعم قد يقال بإضافة الصلاة إلى الجهات الثلاث إلى الجهة التي حصلها من الغير احتياطا من خلاف الشيخ، و الظاهر كون الحكم كذلك بناء على أنه تقليد له أيضا لا اجتهاد، إذ قول المصنف و غيره:
ج7،
عول على غيره و رجع و قلد و نحوها- ظاهر في ذلك، بل هو المحكي عن صريح نهاية الأحكام، بل في كشف اللثام التصريح به أيضا، قال بعد الاستدلال على التقليد:
و هل يتعين عليه ذلك، أو يتخير بينه و بين الصلاة أربعا؟ وجهان، و كلام ابني الجنيد و سعيد يعطي التعين، و كذا الدروس، و هو ظاهر الكتاب و الشرائع و الإرشاد و التحرير و التلخيص، و هو الأظهر، لكثرة أخبار التسديد و ضعف مستند الأربع، قلت: لكن قيل إنه قد يظهر من المبسوط و المسالك و بعض من عبر بالجواز الثاني، إلا أنه لا ريب في ضعفه، خصوصا بناء على ما سمعته منا من أنه من الاجتهاد، و لا يتوهم أن الصلاة إلى أربع جهات يحصل بها اليقين من البراءة، لاندراج جهة التقليد أو الاجتهاد فيها، لأنه يمكن مخالفة جهة الاجتهاد أو التقليد للأربعة قطعا، فطريق الاحتياط منحصر فيما ذكرنا من جعل التربيع على حسب جهة الاجتهاد أو التقليد لا الاعراض عنهما و الصلاة إلى الأربع كما هو واضح.
و إذ قد ظهر أنه ليس عندنا في تحصيل القبلة إلا مرتبتان العلم و ما يقوم مقامه، و الاجتهاد المسمى في لسان الجماعة بالتقليد وجب القول بأن العامي الذي لا بصيرة له بحيث إذا عرف لا يعرف حكمه حكم الأعمى بلا خلاف أجده فيه، و إن أطلق جماعة لفظ التقليد عليه كالأعمى، ففرضه حينئذ عندنا الاجتهاد فيما يحصل له من الغير على حسب ما سمعته فيه مفصلا، لأن هذا هو المقدور من التحري و الاجتهاد بالنسبة إليه، فيندرج في
قوله (عليه السلام)(1): «يجزي التحري»
و في
قوله (عليه السلام)(2):
«اجتهد رأيك»
و غيرهما كالأعمى، نعم قد يشكل إلحاقه بالأعمى- بعد حرمة القياس عندنا، خصوصا مع الفارق بوجود حاسة البصر و عدمه، بناء على أن الرجوع إلى الغير فيه من التقليد الذي قد شرعته النصوص فيه، و إلا فليس من الاجتهاد و التحري-
ج7،
بأن النصوص(1)خاصة في الأعمى، فإلحاق غيره به قياس، و إن علل بأن فقد البصيرة أعظم من فقد البصر و نحوه مما لا يصيره مقطوعا به كي يكون من مفهوم الموافقة و نحوه من القياس القطعي، مع أنا لا نجد في إلحاقه هنا خلافا ممن لم يخالف في الأعمى، نعم ذكر بعضهم فيه الأربع احتمالا، سواء قلنا بها في الأعمى أولا، و قيل: إن ظاهر الإرشاد اختصاص التقليد بالأعمى، و إلا فالمعروف بين الأصحاب مساواته للأعمى في الرجوع حتى حكي عن الشيخ في المبسوط ذلك، قال: «إن من لا يحسن أمارات القبلة إذا أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها جاز له الرجوع اليه» و نحوه المهذب، و من هنا حكم باختلاف قولي الشيخ في الكتابين، لكن لعله يريد في المبسوط الاخبار كما يومي اليه الاستدلال من بعضهم بآية النبإ، و في الخلاف التقليد الذي قد عرفت تفسيره بما في الذكرى.
و كيف كان فهذا كله مما يشهد لما ذكرنا من أن الرجوع للغير في الأعمى من حيث كونه تحريا و اجتهادا، فيشتركان حينئذ في الحكم المزبور، لاشتراكهما في شمول دليل الاجتهاد و ان انحصر طريق الاجتهاد لهما في إخبار الغير، و لعله إليه أومأ من استدل عليه بأن قول العدل إحدى الأمارات المفيدة للظن، فيجب العمل به مع فقد معارض أقوى، بل في المحكي عن المنتهى لا يقال إن له عن التقليد مندوحة، فلا يجوز له فعله، لأن الوقت إن كان واسعا صلى إلى أربع، و إن كان ضيقا تخير، لأنا نقول القول بالتخيير مع حصول الظن باطل، لأنه ترك للراجح و عمل بالمرجوح.
و هو كالصريح فيما قلنا مما عرفته سابقا الذي منه يظهر بأدنى تأمل جواز الرجوع للجاهل الذي يتمكن من التعلم أيضا إذا ضاق الوقت عليه و لم يتعلم و لو بتقصير منه، فان ذلك تمام جهده في تلك الحال، بل لو قلنا بعدم وجوب معرفة القبلة عينا، بل هو
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب القبلة.
ج7،
من فروض الكفاية كما احتمله في الذكرى لم يكن تقصير منه بترك التعلم مع وجود القائم بقدر الكفاية، قال في الذكرى: و يحتمل كون ذلك من فروض الكفاية كالعلم بالأحكام الشرعية، يعني كما أن معرفتها واجبة و يكفي التقليد، و انما يجب الاجتهاد فيها كفاية إجماعا، لانتفاء الحرج و العسر في الدين، قال: و لندور الاحتياج إلى مراعاة العلامات، فلا يكلف آحاد الناس بها، و لأنه لم ينقل عن النبي و الأئمة بعده (عليهم الصلاة و السلام) إلزام آحاد الناس بذلك، ثم قال: فان قلنا بأنه من فروض الكفاية فللعامي أن يقلد كالمكفوف و لا قضاء عليه.
لكن قد يناقش أولا بأن التكليف بالصلاة المشترط فيها الاستقبال يقتضي وجوب تحصيل الشرط عينا، و لا يخرج عنه إلا بدليل. و ثانيا بأنه لا تلازم بين كون ذلك من فروض الكفاية و بين الرجوع إلى الغير في جهة القبلة، إذ لعله يجب عليه السؤال عن أمارات القبلة ثم العمل عليها و إن لم يكن يعرف أنها أمارات، و لعل ذلك هو الأقوى في النظر بمعنى الوجوب العيني لكن لا على الاجتهاد المستلزم للعسر و الحرج، فان الظاهر مشروعية التقليد للعامي في الحكم الشرعي و في الموضوعات و مصاديقها النظرية المحتاجة إلى بحث و ترجيح لا يصلح له إلا الأوحدي من الناس، نعم الظاهر عدم وجوب ذلك قبل تحقق الخطاب بالصلاة، إذ هو من المقدمات التي لا تجب قبل وجوب ذيها، و لعله إليه أومأ في الذكرى بقوله: و يحتمل قويا وجوب تعلم الامارات عند عروض حاجته إليها عينا بخلاف ما قبله، لأن توقع ذلك و إن كان حاصلا لكنه نادر، إلا أنه قال بعد ذلك: يكفي في الحاجة إرادة السفر عن بلده، و فيه ما لا يخفى، كما أن قوله- قبل هذا الاحتمال و احتمال الكفاية: الأقرب أنه أي وجوب تعلم القبلة من فروض الأعيان، لتوقف صحة فرض العين عليه، فهو كباقي شرائط الصلاة، سواء كان يريد السفر أولا، لأن الحاجة إليه قد تعرض بمجرد مفارقة الوطن- لا يخلو من
ج7،
نظر أيضا، فالتحقيق حينئذ انه من فروض الأعيان لكن لا على جهة الاجتهاد، بل يكفي للعامي قول المجتهد: ضع الجدي على منكبك الأيمن في العراق مثلا، و لا يجب عليه معرفة الدليل على كفاية ذلك من الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي أو غيرها، و انه لا يجب تطلب ذلك إلا عند الخطاب بالواجب المتوقف وجوده عليه كغيرها من الشرائط و الواجبات.
و من هذا و غيره مما تقدم يظهر لك ما في كشف اللثام حيث انه بعد أن ذكر وجوب التعلم على القابل له فارقا بينه و بين الأحكام الشرعية بما في تعلمها من المشقة و طول الزمان بخلاف أدلة القبلة قال: «لا يقال انما يسهل تعرف الجدي مثلا و ان من وقف بحيث حاذى منكبه الأيمن كان مستقبلا، و معرفة مجرد ذلك تقليد، و أما دليل كونه مستقبلا إذا حاذى منكبه الأيمن فهو إما الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي فهو كسائر أدلة سائر الأحكام، مع أن النص انما ورد بالجدي على وجهين، و ما بين المشرق و المغرب كما مر، و هو مع ضعف الطرق مخصوص ببعض الآفاق، و لا إجماع على سائر العلامات، و انما استنبطت بالبراهين الرياضية. لأنا نقول يكفي في الدليل مشاهدة المسلمين في بلدة متفقين على الصلاة إلى جهة، إذ يكفي العامي حينئذ أن يريه معلمه الجدي أو سائر العلامات بحيث يحصل له العلم، نعم لا تكفيه إذا سافر إلى ما يقابل جهة قبلة تلك الجهة أو ينحرف عنها، فان تيسر له معرفة الانحراف أو المقابلة بجهة مسير و ما يشاهده من الأمور السماوية سهل عليه التعلم، و إلا كان من القبيل الأول أي ممن لا يعرف إذا عرف» و فيه أنك قد عرفت وجوب التقليد عليه في ذلك كالأحكام، و إلا فلا يجديه صلاة المسلمين المعلوم أنهم مقلدة أيضا، على أنه قد لا يعرف صلاة المسلمين إلى جهة تلك العلامة التي أخذها من مجتهده، لعدم استعماله إياها إلا وقت الحاجة مثلا، نعم الظاهر أنه ليس له الرجوع الى الأمارات الهيئية بظنه قبل تقليد مجتهده في جواز
ج7،
الرجوع إليها، أو في أن المدار على الظن حال عدم التمكن من العلم من غير تخصيص بأسبابه، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
و كيف كان فلا ريب في صحة صلاة غير المتعلم إلى القبلة المعلومة له بصلاة المسلمين و نحوها حتى على القول بوجوبه المضيق، بناء على التحقيق من عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و كذا لو قصر عن التعلم حتى ضاق الوقت فقلد أو صلى إلى أربع جهات، لعدم سقوط الصلاة بحال، و لاقتضاء دليل التحري و الاجتهاد و الصلاة الى أربع جهات شموله، إذ تحريه و اجتهاد رأيه انما هو منحصر في الرجوع للغير، و كأنه لا خلاف فيه بين أصحابنا فيما أجد إلا من خالف في الأعمى و العامي الذي إذا عرف لا يعرف، بل و لا حكاه أحد ممن عادته التعرض لذلك، و احتمال أنه كفاقد الأمارات أو متعارضها ليس بأولى من احتمال كونه كالأعمى و العامي الذي إذا عرف لا يعرف، بل هو أولى، إذ قابلية التعلم مع عدم تأثيرها كالعدم، فهو في هذا الحال كالأعمى، على أنك قد عرفت اقتضاء الدليل ذلك من غير مدخلية لهذه الاعتبارات، بل التحقيق ذلك فيهما أيضا، إذ قد عرفت أن الرجوع الى الغير إحدى أمارات الاجتهاد فمع فرض عدم غيره أو تعارضه يتعين الرجوع إليه، لأنه من التحري و من اجتهاد الرأي و تعمد القبلة بحسب الجهد، كما أوضحناه سابقا من غير فرق بين الاخبار أو الظن مع فرض حصول الظن منه للمكلف.
خلافا لجماعة منهم الشهيد و المحقق الثاني و الفاضل الأصبهاني بل الأكثر كما قيل، فأوجبوا عليهما الصلاة الى أربع، بل في جامع المقاصد أنه ظاهر الأصحاب، بل عنه في شرح الألفية أنه لم يقل بالتقليد أحد، قلت:- مع أن المتبع الدليل و قد عرفته- قد قيل إنه خيرة المختلف و المنتهى و البيان و الألفية و ظاهر الكتاب و اللمعة و الدروس و بعض عبارات القواعد، بل و موضع من المبسوط، قال فيه: «متى فقد أمارات
ج7،
القبلة أو يكون ممن لا يحسن ذلك و أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها جاز له الرجوع اليه» لكن قال فيه أيضا: «متى كان الإنسان عالما بدليل القبلة غير أنه اشتبه عليه الأمر لم يجز له أن يقلد غيره في الرجوع إلى إحدى الجهات، لأنه لا دليل عليه، بل يصلي إلى أربع جهات مع الاختيار و مع الضرورة إلى أي جهة شاء، و إن قلده في حال الضرورة جازت صلاته، لأن الجهة التي قلده فيها هو مخير في الصلاة إليها و الى غيرها» قيل و نحو هذه العبارة في المهذب و الجامع، و لعل الشيخ فرق بين الأخبار و التقليد، فيكون حينئذ من أهل القول الأول، أو يفرق بين من اشتبه عليه الأمر للتعارض و بين من فقد الأمارات أصلا.
و كيف كان فلا ريب أن الأقوى ما قلناه، و العجب ممن جعل إخبار الغير أو رأيه من بعض أمارات الاجتهاد، و ربما قدما على غيرهما إذا فرض قوة الظن فيهما، و رجح هنا عدم الرجوع إليهما مع فرض انحصار الطريق فيهما، مع أنهما ليسا في هذا الحال إلا كتحصيل بعض الامارات غيرهما و فقد الباقي أو تعارضه، فإنه لا ريب في الرجوع الى تلك الأمارة، لأن الظن الناشئ منها حينئذ هو التحري و غاية الجهد في تعمد القبلة، نعم يحسن ذلك ممن منع من كونهما من التحري و بذل الجهد مطلقا، و لعله الى هذا أو ما يقرب منه أومأ في المحكي عن المختلف بالاستدلال على رجوعهما للغير بأنه مع الاشتباه كالعامي، إذ لا طريق الى الاجتهاد، فيتعين إما التقليد و إما الصلاة أربعا، و الرجوع الى العدل أولى، لأنه يفيد الظن، و العمل بالظن واجب في الشرعيات، و بأنه ان وجب الرجوع الى قول العدل مع ضيق الوقت وجب مع سعته، لأنه إذا كان حجة مع الضيق كان حجة مع السعة، و ان كان فيه ما فيه، خصوصا الثاني، لكن و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، و هو انما يحصل بإضافة الثلاثة إلى الجهة التي أخبر بها
ج7،
الغير، بل ربما أوجب ذلك بعضهم تحصيلا ليقين البراءة، كما أنه أوجب الصلاة إلى الجهة المزبورة عند ضيق الوقت لذلك و للتخلص من ترجيح المرجوح، و هو جيد لو قلنا بوجوب هذا الاحتياط، خصوصا بعد أن كان الظاهر من النصوص عندنا ما عرفت، و لا يعارضه ما في الذكرى من أن القدرة على أصل الاجتهاد حاصلة، و العارض سريع الزوال، إذ هو- مع أنه اعتبار، و انما يفيد التأخير إلى زوال العارض- لا يصلح معارضا، لأن هذا الرجوع عندنا من الاجتهاد، و إطلاق اسم التقليد عليه لضرب من المجاز كما قدمناه سابقا، فتأمل جيدا، فان هذه المسائل لا تخلو من تشويش و اضطراب في كلام الأصحاب كما أومأنا إليه سابقا، بل هو لا يخفى على كل ناظر متأمل، خصوصا في أدلتهم بآية النبإ و نحوها المقتضية للاقتصار على خصوص إخبار العدل، مع أنك قد عرفت البحث فيه سابقا، و أنه ربما قيل بحجيته في نفسه، و انه لا اجتهاد حينئذ مع حصوله، نعم يدخل في البحث بناء على عدم حجيته هنا، فهو كظن العدل بل و ظن غيره، إذ المدار على حصول الظن للمكلف، و الظاهر الاقتصار في خبر العدل، بناء على حجيته في نفسه على ما إذا أخبر عن حس كرؤيا جدي أو غيره من أمارات القبلة، إما قطعه الاستنباطي فقد يتوقف فيه، و ربما ظهر من كشف اللثام دخوله تحت التقليد، إلا أنه قد يشكل بما هو مقرر في محله من عدم اشتراط صدق الخبر بكونه عن حس، و الله أعلم.
و كيف كان ف مع فقد العلم و الظن فان كان الوقت واسعا صلى الصلاة الواحدة إلى أربع جهات لكل جهة مرة على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا بين القدماء و المتأخرين شهرة عظيمة، بل في صريح الغنية و ظاهر جامع المقاصد و التذكرة و موضع من الذكرى و المحكي عن المعتبر و المنتهى و الغرية الإجماع عليه، و إن حكاه الأولان و الأخير في خصوص العارف إذا غمت عليه الأمارات، إلا أن المسألة من واد واحد، و هي حيث يتعذر عليه العلم و الظن، و هو الحجة، مضافا إلى
مرسل
ج7،
خداش(1)قال: «جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصل إلى أربع وجوه»
و
في الكافي(2)«روي أن المتحير يصلي إلى أربع جوانب»
و
في الفقيه(3)«قد روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلي إلى أربعة جوانب»
و لعلهما غير مرسل خداش، بل الظاهر كونهما صحيحين عندهما خصوصا الثاني منهما الذي لا يذكر في كتابه إلا ما هو حجة بينه و بين ربه، و من هنا استظهر بعض الأساطين منهما التخيير لروايتهما الروايتين.
و على كل حال فلا ريب في حجية الجميع في المقام، و انه لا يقدح الإرسال بعد الانجبار بما سمعت و بقاعدة المقدمة التي كان ينبغي تقديمها على مرتبة الظن، لكن للأدلة السابقة عكسنا، و المناقشة- بأن الأربع غير محصلة لليقين بالجهة، ضرورة تعدد المحتملات فيها و عدم انحصارها فتسقط، كما في كل مقدمة غير محصورة يستلزم الإتيان بها العسر و الحرج المنفيين بالآية(4)و الرواية(5)و بأنه متى سقط بعض أفراد مقدمة اليقين سقط الجميع، لأنها انما وجبت تحصيلا لليقين بالمكلف به، فوجوب الأربع حينئذ إن كان فهو ليس إلا من الدليل لا القاعدة المزبورة- يدفعها
ان ظاهر الخبر المزبور أو صريحه كالفتاوى كون الأربع تحصيلا لليقين، و إلا كان الأمر أسوأ حالا من العامة المكتفين بالصلاة إلى جهة من الجهات بلا مقتض لتخصيصها، و هذا هو الاجتهاد المنكر عليهم، فلا بد حينئذ من إرادة تحصيل اليقين بما بين المشرق و المغرب بذلك الذي هو قبلة في
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب القبلة- الحديث 5.
2) 2 الوسائل- الباب- 8- من أبواب القبلة- الحديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 8- من أبواب القبلة- الحديث 1.
4) 4 سورة البقرة- الآية 181 و سورة المائدة- الآية 9 و سورة الحج الآية- 77.
5) 5 الوسائل- الباب- 10- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة و الباب 39 من أبواب الوضوء- الحديث 5 من كتاب الطهارة.
ج7،
الخطأ، و المقام منه، إذ لو صلى كذلك فاتفق ظهور خطئه فهو إلى ما بين المشرق و المغرب، و لا ضرر فيه إذا كان بغير تقصير، فقاعدة المقدمة إلى حصول اليقين بالمكلف به في هذا الحال بحالها جابرة للمراسيل المزبورة التي تلقتها الفرقة بالعمل.
و من ذلك يعلم سقوط المناقشة المزبورة بعد الإغضاء عن الثانية منها، لما ستعرفه إن شاء الله، كالمناقشة بأنه لو كان ذلك مقدمة لليقين المذكور لاجتزأ بالثلاث، ضرورة حصول جهة ما بين المشرق و المغرب بالصلاة إلى ثلاث جهات على وجه يقسم فيه الفضاء مثلثا، فإنه يقطع بعدم خروجها عن الخطوط الثلاثة، كما هو واضح، إذ يدفعها أيضا احتمال أن ذلك جار مجرى ما في أذهان غالب الناس من الجهات الأربع، مضافا إلى ما فيه من زيادة الاستظهار، بل قيل إن اغتفار ما دون التسعين يختص بمن صلى بالاجتهاد أو التقليد حيث يسوغ، أو ناسيا للمراعاة مع الخطأ كما يشعر به مستند الحكم، و هذا بالنسبة إلى فاقد الأمارات إمارة و اجتهاد، فالصلاة إلى الأربع تستلزم الانحراف بثمن المحيط، و إلى الثلاث بسدسه، و هو أقرب إلى الصواب، فتأمل جيدا، و قد أطنب الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح في الإنكار على ما فيها من أن الاحتياط يحصل بالثلاث على حسب ما سمعت، فلاحظ و تأمل.
و من الغريب بعد ذلك كله وسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور حتى مال إلى ما عن العماني و الصدوق، و جنح اليه الفاضل في المختلف و الشهيد في الذكرى من الاكتفاء بالصلاة إلى جهة من الجهات نحو ما يقوله العامة، ل
مرسل ابن أبي عمير(1)عن زرارة «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير فقال: يصلي حيث يشاء»
و
صحيح زرارة و محمد بن مسلم(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) «يجزئ المتحير أبدا أينما يتوجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة»
و ما في
الصحيح المروي في الفقيه عن معاوية
ج7،
ابن عمار(1)«عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال: قد مضت صلاته، فما بين المشرق و المغرب قبلة»
و نزلت هذه الآية(2)في المتحير «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» مع الطعن في الإجماع بعدم المسموعية في محل النزاع، و في الأصل بمنع وجوب المقدمة أولا، و بوجوب تقييدها بهذه النصوص ثانيا، إذ هي كسائر الأدلة اللفظية بل أضعفها، و الخبر في السند بالإرسال و الضعف، و المتن باقتضائه سقوط الاجتهاد من أصله الذي قد عرفت الإجماع على بطلانه عندنا، و فيه أن النزاع غير قادح في حجية المحكي من الإجماع، خصوصا مثل هذا الإجماع و هذا النزاع، و أما النصوص فلا ريب في عدم مقاومتها لما عرفت، على أن العمدة منها صحيح الفاضلين، و هو ليس إلا في الفقيه دون الكافي و التهذيب و الاستبصار التي علم من عادتها التعرض لما في الفقيه، سيما الأخير الذي دأبه ذكر النصوص المتعارضة، فعدم ذكره ذلك معارضا لمرسل خداش مما يؤيد عدم كونه كذلك فيما عندهم من نسخ الفقيه، و أنه محرف بقلم النساخ عن الصحيح الآخر «يجزئ التحري» المعروف في كتب الأصحاب، بل لم يذكر كثير منهم هذه الصحيحة، خصوصا مثل الفاضل في المختلف الذي قد عرفت منه الميل إلى مذهب العماني لما ذكر له من الأدلة التي هي أوهن من بيت العنكبوت بالنسبة الى هذه الصحيحة.
فكان الأولى الاستدلال له بها لا بصحيح التحري و موثق الاجتهاد الذين هما كما ترى لا دلالة فيهما على ما ذكره من الصلاة الى جهة عند فقد العلم و الظن، و انما هما دالان على الاجتزاء بالتحري و بذل الجهد في تحصيل القبلة عند عدم العلم بها الذي لا خلاف معتد به فيه عندنا، و احتمال إرادة مطلق اختيار الجهة من التحري و الاجتهاد
ج7،
فيهما مقطوع بعدمه، خصوصا الثاني الذي فيه «اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك» بل و الأول، إذ التحري لغة هو تعمد الشيء و طلب الأحرى بالاستعمال في غالب الظن، و من هذا و غيره حكي عن المجلسي في شرح الفقيه الجزم بأن هذه الصحيحة هي صحيحة زرارة السابقة مؤيدا له بتأييدات كثيرة، و زادها الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، من أرادها فليراجعها، على أنه قد يناقش في سند هذه الصحيحة أيضا بأنه رواها في الفقيه مرسلة إلى زرارة و محمد، و لم يذكر طريقه إليهما مجتمعين، و انما ذكر طريقه الى زرارة خاصة، و الى محمد بن مسلم كذلك، و الأول صحيح، و الثاني فيه مجهول و من فيه دغدغة، و يحتمل أن يكون طريقه إليهما مجتمعين غير ذلك، كما أنه قد يناقش في متنها باحتمال إرادة الاجتهاد منها على معنى أينما توجه مما قوي في ظنه، فتتحد مع الصحيحة السابقة لا أنها معارضة لها من حيث دلالتها على نفي الاجتهاد الذي قد عرفت كونه إجماعيا أو بمنزلته، بل لعل نحوه يجري في مرسل ابن أبي عمير عن زرارة أيضا على إرادة ما رجح و قوي في نفسه مما شاء، لمعلومية أن العاقل لا يشاء إلا لمرجح فيما يشاؤه، و على تقديره يكفي ذلك موهنا لها، و احتمال اختصاص المتحير بفاقد الظن أيضا مع العلم خلاف ظاهر الصحيح المزبور و غيره من ثبوت التحير بمجرد فقد العلم، بل هو موجب لإخراج «إذا» عن معنى الشرط و إرادة الوقت خاصة منها، بل قد يقال أيضا يمكن تنزيلها على حال الضيق، ضرورة إمكان العلم بالصلاة إلى جهة القبلة في غيره، بأن يأتي بالأربع، و تنزيله على إرادة نفي العلم التفصيلي يمكن منعه سيما بملاحظة حال باقي الشرائط من الصلاة بالثوب الطاهر و غيره.
و أما صحيح معاوية فمع معارضته بما في كثير من النصوص(1)من أن هذه
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 17 و الباب 15 الحديث 18 و 19 و 23.
ج7،
الآية نزلت في النوافل، و احتمال نزولها فيهما معا ينفيه ظاهر كل منهما لا يخفى على المتأمل فيه و في عدم ارتباط بعضه ببعض الذي لا يليق بغير الامام، فضلا عنه (عليه السلام) بناء على كون ذلك من تتمته، و في خلو هذا الصحيح عن ذلك في رواية الشيخ له أن ذلك من كلام الصدوق لا من الصحيح، بل لعله أخذه من بعض المفسرين، و إلا فلم نعثر على رواية في ذلك كما اعترف به بعض المتبحرين، نعم يحكى عن هذا المفسر انه قال: لم يهتد أصحاب الرسول (صلى الله عليه و آله) في بعض الأسفار إلى القبلة فصلى كل منهم إلى جهة و خط، فلما أصبحوا ظهر أن صلاة الجميع وقعت على غير القبلة، فنزلت هذه الآية، مع أنه يمكن أن تكون صلاتهم هذه كانت باجتهاد، و نزول الآية تصويب لهم في العمل باجتهادهم لا أنها فيما نحن فيه، الى غير ذلك مما لا يخفى، فلا ريب في ضعف القول المزبور.
و أضعف منه ما يحكى عن ابن طاوس في الأمان من الخطأ(1)من الاجتزاء بالقرعة، لكونها لكل أمر مشكل، إذ هو- مع اقتضائه طرح الأدلة السابقة الرافعة للإشكال بهذا الخبر الذي هو من المشكلات- مخالف للإجماع بسيطه و مركبة محصله و منقوله، بل لم يعهد استعمال القرعة في معرفة الأحكام الشرعية التكليفية و الوضعية حتى من السيد المزبور في غير المقام كما اعترف به الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، لكن و مع ذلك فالجمع بينها و بين الأربع نهاية الاحتياط.
و كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه في أدلة المختار اعتبار كون الأربعة محصلة لليقين كأن تكون متقاطعة على زوايا قوائم، مع أنه المتبادر من النص الموافق للاحتياط الذي هو مناط الأربع المزبورة كما أومأ إليه الخبر السابق، فما في البيان من احتمال الاجتزاء بها كيف اتفق ضعيف جدا، قال فيه: و هل يشترط في الأربع انقسامها
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و بهامشها «الاخطار» بدل «من الخطأ» و هو الصحيح.
ج7،
الجهات على خط مستقيم؟ يحتمل ذلك، لأنه المفهوم منه، و يحتمل إجزاء أربع كيف اتفق، لأن الغرض إصابة جهة القبلة لا عينها، و هو حاصل، نعم يشترط التباعد في الجهات بحيث لا يكون بين الجهة الثانية و الأولى ما يعد قبلة واحدة لقلته، و كأنه مال إليه في كشف اللثام، قال: و هل يشترط تقابل الجهات؟ وجهان، من إطلاق النص و الفتاوى و أصل البراءة، و من الاحتياط و التبادر، و هو خيرة المقنعة و السرائر و جمل العلم و العمل، نعم يشترط كما في البيان أن لا يعد ما اليه جهتان أو أزيد قبلة واحدة لقلة الانحراف، و إلا لم يفد التعدد، قلت: يمكن إرادة معتبر التقابل الكيفية المحصلة لليقين بحصول الجهة المجزية في هذا الحال، فيكون النزاع حينئذ لفظيا، إذ احتمال وجوب المقابلة المزبورة و إن لم يتوقف عليها حصول اليقين المزبور بعيد، و إن أمكن أن يكون وجهه انسياقه الى الذهن من النص و الفتوى و الاقتصار على المتيقن اغتفاره من الانحراف، كاحتمال الاكتفاء بالأربع كيفما اتفق، مع أنك قد عرفت التصريح من البيان بخلافه، فلا يتوجه حينئذ عليه ما عن المقاصد العلية و روض الجنان من منع إصابة الجهة بالصلاة إلى أربع كيف اتفق، و عدم إمكان رفع احتمال كون القبلة المطلوبة بين جهتين، لأن القبلة لا تنحصر في الأربع عندنا و لا في عشر، و انما اكتفى الشارع بالأربع لا لاستلزامه إصابة العين أو الجهة، بل لما ذكرناه من أنها إذا وقعت على الاستقامة استلزمت إما الإصابة أو الانحراف الى ما لا يبلغ حد اليمين أو اليسار، و انما يتوجه ما ذكر في البيان على مذهب بعض العامة حيث جعل المشرق قبلة أهل المغرب و إن صلوا الى منتهى خطه، و بالعكس كذلك، و كذلك القول في الجنوب و الشمال، فالجهة عندهم منحصرة في الأربع جهات، قلت: مراد الشهيد بالجهة هنا ما يدخل فيها الانحراف دون اليمين و اليسار لا الجهة الاختيارية قطعا، كما هو صريح كلامه عند التأمل، نعم لم يعتبر التقابل في تحصيل اليقين بالجهة المزبورة، لحصوله بغيره كما هو واضح، فتأمل جيدا.
ج7،
و على كل حال لو كان عليه صلاتان فالظاهر جواز صلاته الثانية إلى أربع جهات تخالف جهات الأولى كما عن الشيخ نجيب الدين التصريح به، و لعله للإطلاق و الأصل، و إصابة جزء مما بين المشرق و المغرب في كل منهما، و غير ذلك، و هل يجب عليه مع ترتب الفرضين إيقاع الثانية إلى أربع بعد تمام أربعة الأولى كما عن صريح ابن فهد و ثاني الشهيدين و الصيمري، بل قيل إنه ظاهر بعض الإجماعات، أو يجوز أن يصليهما معا الى أولى جهة، و كذلك الثانية و الثالثة و الرابعة كما عن نهاية الأحكام و العلامة الطباطبائي و شيخنا المعتبر، بل قيل إنه ظاهر إطلاق جماعة و بعض الإجماعات و لم يستبعد في المدارك جوازه في الصلاة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما مما هو نظير المقام؟ قولان، أحوطهما أولهما إن لم يكن أقواهما، لترتب العصر على الظهر مثلا، و مع الشك في المرتب عليه لا يتصور الجزم الذي هو من مقومات النية بأن ما يفعله عصرا(1)و عدم الجزم به من حيث عدم الجزم بأن خصوص تلك الجهة قبلة لا يقتضي جوازه من غير هذه الحيثية بعد حرمة القياس، و كونه مع الفارق بالمقدمة التي يغني الجزم بالتقرب بامتثال أمرها عن الجزم بأنه عصر و عدمها، ضرورة تمكنه من إتيان العصر بعد ظهر متيقنة.
و ما يقال إن المرتب العصر اليقينية على الظهر اليقينية، و المحتملة على المحتملة، و ما نحن فيه من الثاني، و بعد الفراغ من سائر الاحتمالات يحصل اليقين بحصول الترتيب الواقعي لا محصل له عند التأمل، بل لعله مغالطة، إذ ليس الثابت من الترتيب سوى العصر الواقعي على الظهر الواقعي، و الفرض إمكانه بتأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر.
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و لكن الظاهر انه مرفوع لأنه خبر «ان».
ج7،
و لا يرد عليه أنه يتجه على ذلك تعين الأربع للعصر لو فرض عدم إدراك الزائد عليها من آخر الوقت حتى أنه التزم به في الروض على ما قيل، لكن عن الموجز الحاوي و كشف الالتباس أنه يصلي الظهر إلى ثلاث و يخص العصر بالباقي، و كذا المغرب و العشاء، لأنه يمكن أولا دعوى خروج ذلك عما نحن فيه بأدلة الاختصاص، فيتجه حينئذ ما في الروض تنزيلا للأربع صلوات منزلة الركعات الأربع، و لأن فعل المجموع مقدار أدائها الذي اختصت به في خبر داود بن فرقد(1). و ثانيا أنه قد يمنع الاختصاص المزبور لمعلومية ترجيح امتثال خطاب الأصل على خطاب المقدمة، و إمكان تنزيل أدلة الاختصاص على إرادة ذلك بالنسبة إلى الفعل و مقدمات الصحة لا مقدمات اليقين، فيتجه حينئذ ما في الموجز من فعل الظهر إلى ثلاث، و اختصاصه حينئذ بالمقدمة لسبقه، و لذا و سابقه احتمال الوجهين في كشف اللثام، قال: و كذا إن بقي مقدار سبع أو أقل فهل يصلي الظهر أربعا أو ثلاثا مثلا، و لا بأس به، فتأمل جيدا.
و كذا لا يرد عليه أن مقتضاه لو لزمه الاحتياط بالقصر و الإتمام وجوب صلاة الظهر أولا مقصورة و تامة ثم يصلي العصر كذلك، إذ لا بأس بالالتزام به، مع انه قيل يمكن الفرق بين المسألتين بأنه هنا يجوز له أن يصليهما تامتين، نعم ليس له أن يصلي العصر مقصورة قبل أن يصلي الظهر مقصورة و إن كان قد صلى الظهر تامة، و إن كان هو كما ترى، فالتزامه في الجميع حينئذ هو الوجه، و نحوه لو لزمه الاحتياط بالجمع بين الجمعة و الظهر في يوم الجمعة، فإنه لا يصلي العصر قبل أن يصلي الظهر و الجمعة، و كذا غيره من موارد الاحتياط.
لكن مع ذلك كله قد يقال إن الظهر و العصر مترتبان فعلا لا أمرا، و إلا
1) 1 ذكر قطعة منه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت- الحديث 7 و قطعة منه في الباب 17- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
لكان وجوب العصر مشروطا بأداء الظهر لا مطلقا، فحينئذ يتجه مراعاتهما معا بالنسبة إلى الجهة، إذ هما حينئذ بعد التأمل كالفعل الواحد المترتب بعضه على بعض، فان
قوله (عليه السلام)(1): «إذا زالت الشمس صلى الظهر و العصر إلا أن هذه قبل هذه»
ظاهر في إرادتهما معا بأمر واحد إلا أن هذه قبل هذه، ففي الفرض يصليهما معا إلى جهتين، و لا يختص العصر بالأربع و لا الظهر بالثلاث، نعم لو كان الباقي ثلاثا مثلا أمكن القول بصلاتهما معا إلى جهة، و اختصاص العصر بالثلاثة، لأنه مع فرض عدم إصابة الجهة في فعلها يختص العصر بالأربعة المزبورة، و لا جهة صحة للظهر فيها، و لذا اختصت العصر بذلك، و فيه أنه لا داعي إلى هذه التكلفات، ضرورة كونهما فعلين مستقلين معتبرا(2)في كل منهما نية مستقلة، و اشتراط صحة الثاني منهما في بعض الأحوال بأداء الأول لا وجوبه لا ينافي ذلك قطعا، و الله أعلم.
و إن ضاق الوقت مثلا عن ذلك أي الصلاة الى الأربع صلى من الجهات ما يحتمله الوقت، و إن ضاق إلا عن صلاة واحدة صلاها الى أي جهة شاء و اكتفى بها بلا خلاف صريح أجده في شيء من ذلك مع عدم تقصيره في التأخير، للأصل و عدم سقوط الميسور بالمعسور، و لأن دليل المقدمة من الأدلة اللفظية قابل للتخصيص و نحوه، فالمتعذر منه بلا تقصير كالمفعول لا يقدح في وجوب فعل الباقي، فدعوى- أن الأصل في مقدمة اليقين سقوطها بمجرد سقوط شيء منها، لعدم حصول اليقين بعد بالباقي، فلا يجب، لأنه هو السبب في الوجوب، و لأن الأصل البراءة، نعم لما كانت الصلاة لا تسقط بحال وجب فعلها مرة إلى أي جهة، كما لو ضاق إلا عن
ج7،
جهة- في غير محلها، و إن كان ربما تخيل أن ذلك ظاهر المقنعة و جمل السيد و المبسوط و الوسيلة و السرائر، لقولهم: فان لم يقدر على الأربع فليصل إلى أي جهة شاء أو ما يقرب منه، لكن لعل مرادهم عدم القدرة إلا على واحدة من الأربع، فلا خلاف حينئذ، و إن أبيت فهم محجوجون بما عرفت، خصوصا مع استصحاب الوجوب، بل قد تقرر المقدمة فيه أيضا بأنه لما كلف بالصلاة إلى القبلة نهي عن تركه، و لا يتم له اليقين بامتثال النهي إلا بفعل الباقي، كما أنه لا يحصل له اليقين ببراءته من التكليف إلا بفعل الباقي، و إن لم يتيقن حصول نفس المأمور به فيما أتى به، مضافا الى إطلاق نصوص الجهة الواحدة التي خرجنا عنها لمكان المعارض في صورة الاختيار و التمكن.
و من ذلك كله يظهر لك أنه لا فرق بين التأخير بتقصير و عدمه، لاشتراكهما في جميع ما ذكرنا، لكن عن المقاصد العلية النظر في إجزاء ذلك في التأخير بتقصير، قال: من ان المجموع قائم مقام صلاة واحدة فلا يتحقق وقوع ركعة منها في الوقت الموجب لصحة الصلاة إلا بإدراك ما أقله ثلاث صلوات و ركعة من الرابعة، فالتقصير الى ما دون ذلك كالتقصير في إدراك ركعة من الصلاة حالة العلم بالقبلة، و من عدم المساواة لها في كل وجه، و إلا لما وجبت الصلاة بإدراك قدرها إلى جهة بل ثلاث جهات، و هو خلاف المفروض، لكن لا يخفى عليك ما في الوجه الأول من أنه دعوى بلا دليل، فلا ريب حينئذ في ضعفه كالمحكي عن نهاية الأحكام من احتمال وجوب الأربع في التأخير اختيارا مطلقا أو مع ظهور الخطأ، بناء على وجوب الأربع عليه، فعليه قضاء الفائتة منها، إذ ظهور الخطأ كاشف عن وجوب غيرها أصالة، إذ فيه أن دليل القضاء لا يشمل مثل ذلك قطعا، كما أن قاعدة الإجزاء تقتضي الاكتفاء بما فعله و إن ظهر بعد ذلك الخطأ إلا في الاستدبار على قول، و الأصح خلافه كما ستعرفه في محله، و الإثم في التأخير لو قلنا به لا ينافي شيئا من ذلك، مع انه احتمل في النهاية أيضا جواز التأخير له اختيارا،
ج7،
رجاء لحصول العلم له أو الظن، و إن كان هو قد قرب المنع بعد ذلك، و هو الوجه في الرجاء فضلا عن عدم الرجاء، لما فيه من ترك اليقين الى المحتمل، مضافا الى إطلاق أدلة الوجوب من النص و غيره، لكن قد يظهر من التذكرة الإجماع على جواز التأخير للرجاء، قال: فان كان يرجو حصول الظن بانكشاف الغيم مثلا احتمل وجوب التأخير إلى آخر الوقت ثم يتخير، و جواز التقديم فيصلي إلى أربع جهات كل فريضة، ذهب إليه علماؤنا، اللهم إلا أن يريد جواز التقديم على مقدار الأربع مثلا، فيكون الاحتمال الأول التحير بالحاء المهملة، أو يريد الوجوب من الجواز، أو غير ذلك.
و كيف كان فالتحقيق ما عرفت، لكن ينبغي أن يعلم أنه يمكن خروج الثلاث عن هذا البحث أصلا بناء على ما عرفت من إمكان حصول اليقين بها بالصلاة على هيئة الشكل المثلث، و على كل حال هو مخير في الجهات مع فرض تساويها في احتمال القبلة، أما لو فرض حصول الظن له مرددا بين جهتين مثلا فالمتجه اختيارهما و إسقاط المحتملة، خصوصا لو قلنا إن مثله من الاجتهاد، فإنه لا يلتفت الى المحتملة حينئذ مع السعة فضلا عن الضيق، و إن كان هو لا يخلو من نظر، لظهور أدلة الاجتهاد في المظنون بالخصوص، و الله أعلم بحقيقة الحال.
و كيف كان ف المسافر شرعا أو عرفا يجب عليه استقبال القبلة في كل ما وجب فيه ذلك إجماعا بقسميه إن لم يكن ضرورة، لعموم الأدلة و إطلاقها، و خصوص بعضها، إذ السفر من حيث كونه سفرا لا يسقط ذلك كما لا يسقط سائر ما وجب في الصلاة شرطا أو جزء إلا ما دل عليه الدليل من القصر و نحوه و حينئذ ف لا يجوز له أن يصلي شيئا من الفرائض على الراحلة إلا عند الضرورة إذا كان ذلك مفوتا لبعض ما يعتبر فيها من الاستقبال و الطمأنينة و القيام و الركوع و السجود إجماعا بقسميه، بل من المسلمين فضلا عن المؤمنين، و
قال الصادق (عليه السلام) في
ج7،
صحيح عبد الرحمن(1): «لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل القبلة، و تجزيه فاتحة الكتاب و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء، و يومي في النافلة إيماء»
و في
موثق عبد الله بن سنان(2)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «أ يصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا إلا من ضرورة»
و نحوهما غيرهما.
بل لعل إطلاق الفريضة في النص و الفتوى يشمل المنذورة و نحوها مما وجب بالعارض كما صرح به بعضهم، بل لا خلاف أجده فيه، بل في الذكرى لا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا إجماعا، لاختلال الاستقبال و إن كانت منذورة، سواء نذرها راكبا أو مستقرا على الأرض، لأنها بالنذر أعطيت حكم الواجب، و قد يستظهر منه الإجماع كالتذكرة، قال: لا تصلى المنذورة على الراحلة، لأنها فرض عندنا، ثم نقل عن أبي حنيفة أنه لو نذرها و هو راكب يؤديها على الراحلة، ثم قال: و ليس بشيء، لكن قد يناقش فيه إن لم يتم الإجماع عليه بأنه مخالف للأصل و عموم ما دل(3)على وجوب الوفاء بالنذر، و خصوص
خبر علي بن جعفر(4)«سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي كذا و كذا هل يجزيه أن يصلي ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال: نعم»
و ما في المدارك من أن في الطريق محمد بن أحمد العلوي و لم يثبت توثيقه قد يدفعه ما قيل من تصحيح الفاضل في غير موضع من المنتهى و المختلف روايته، و أنه ممن يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى، و لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة، بل في شرح المفاتيح أنه ربما يظهر من ترجمة العمركي كونه من شيوخ أصحابنا، و يروي عنه الأجلاء، مضافا
ج7،
إلى موافقة الخبر المزبور لمقتضى الأصل و القاعدة، و الى انه مروي بطريقين: أحدهما ما عرفته، و الثاني رواه الشيخ عن علي بن جعفر، و طريقه اليه صحيح، و قد تدفع بعموم دليل المنع الذي هو أخص منهما، و بأن الخبر غير معلوم الحجية، لعدم ثبوت صحته، مع أنه غير صريح الدلالة، بل و لا ظاهرها إلا من حيث العموم لحالتي الاختيار و الضرورة، و يمكن تخصيصه بالأخيرة جمعا، اللهم إلا أن يمنع عموم دليل المنع، لاختصاصه بحكم التبادر، و عدم عموم اللغوي فيه، بناء على التحقيق من كون نفي الطبيعة من باب المطلق المنصرف الى الفرد الشائع، خصوصا مع غلبة التعبير بلفظ الفريضة المستعمل كثيرا في النصوص فيما استفيد وجوبه من الكتاب لا السنة بالصلوات الخمس اليومية، أو بالفرض الأصلي، بل في شرح المفاتيح أنه هو الفرد المتبادر الشائع الغالب، لا ما يشمل العارضي الذي مقتضى استصحاب حاله ثبوت حكمه لحال الوجوب العارضي، و هو أخص من دليل المنع لو سلم عمومه لذلك.
و من هنا كان القول بخروج النافلة المنذورة عن الحكم المذكور لا يخلو من قوة و إن كان الأحوط المنع، تحصيلا للبراءة اليقينية، سيما مع مقابلة الفريضة بالنافلة في
خبر منصور بن حازم(1)قال: «سأله أحمد بن النعمان فقال: أصلي في محملي و أنا مريض فقال: أما النافلة فنعم، و أما الفريضة فلا»
و هو مشعر بالعموم، لكن الاشعار لا يصلي الاستناد إليه في المنع، مضافا الى ضعف السند بالإضمار و الجهالة، بل في الرياض و تضمن ذيله عدم جواز الفريضة على الراحلة و لو حال الضرورة، و لم يقل به أحد من الطائفة، و فيه أن ذيله قال: «و ذكر أحمد شدة وجعه، فقال: أنا كنت مريضا شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة فينحوني، فاحتمل بفراشي فأوضع و أصلي
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب القبلة- الحديث 10.
ج7،
ثم أحتمل بفراشي فأوضع في محملي» و هو مع أن(1)فعل أحمد بن النعمان قد يكون لا مشقة عليه في ذلك، و لا ضرورة تدعو الى خلافه، فيتجه حينئذ وجوبه تحصيلا لبعض ما يفوت بالركوب من الاستقرار و نحوه، و عن الشيخ أنه حمله على الاستحباب، و لعله لعدم المشقة المقتضية للوجوب، أو أن الصلاة في المحمل للمريض من الرخص لا العزيمة التي تكون الصلاة مع خلافها فاسدة.
و منه ينقدح الفرق بين أفراد الضرورة، فمنها ما تقتضي الثاني كالخوف و نحوه، و منها ما تقتضي الأول كالمرض المستلزم للمشقة في الصلاة بغير المحمل، فتأمل جيدا، فان التمييز بينهما محتاج إلى لطف قريحة، ضرورة مآله إلى الفرق بين الضرورة في مقدمات الفعل و بين الضرورة فيه، و على كل حال فالقول المزبور على قوته- خصوصا إذا نذرها راكبا مثلا، فإن الجرأة على بطلان هذا النذر الجامع للشرائط الفاقد للموانع، أو الحكم بصحته و وجوبها جامعة لشرائط المختار مع أنه لم ينوه و لم ينوه و لم يقصده، بل كان المقصود غيره، و ليس هو بمنزلة النذرين في الفرض المزبور بمجرد ظهور لفظ الفريضة و نحوها مما عرفته- في غاية الصعوبة لا يرتكبه فقيه، و دعوى ظهور النصوص(2)في أن التسامح المزبور في النافلة لمكان وصف النفل الذي ينافيه الوجوب العارضي يمكن منعها على مدعيها، خصوصا في المقام، فتأمل جيدا، و قد يأتي إن شاء الله بعض البحث في ذلك، و الله الموفق.
نعم لا فرق على الظاهر بين الفرائض بالذات حتى صلاة الجنازة إجماعا كما عن إرشاد الجعفرية إذا ظهر الأركان فيها القيام و الاستقبال المفروض فواتهما، أو فوات أحدهما، و لو سلم ظهور تلك النصوص(3)في اليومية خاصة أو فيما لا يشملها أمكن
ج7،
الاستناد إلى إطلاق ما دل على اشتراط ذلك فيها السالم عن معارضة ما يقتضي جوازها على الراحلة المفوتة لذلك اختيارا.
أما الفرائض التي عرض لها وصف الاستحباب ففي إجراء حكم النافلة عليها و بقاء حكم الفرض وجهان، أقواهما الثاني، خصوصا مثل الفريضة المعادة احتياطا استحبابا، ضرورة توقف الاحتياط على مراعاة أحكام المحتاط فيه، و تسمع إن شاء الله بعض الكلام في ذلك في أحكام الخلل من الكتاب عند تعرض المصنف لحكم الشك في النافلة.
كل ذلك مع الاختيار، أما الضرورة فلا خلاف في جوازها حينئذ، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص(1)متظافرة أو متواترة فيه، بل قوله تعالى(2)«فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» دال عليه في الجملة، نعم يحكى عن العامة التي جعل الله الرشد في خلافها منعها عند الضرورة أيضا إلا أن يخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة، فيصلي ثم يعيد إذا نزل عنها، و هو مخالف لما عندنا من وجهين، أحدهما التفصيل بين أفراد الضرورة، و الثاني وجوب الإعادة المخالف لقاعدة الاجزاء، و للمراد من نفي البأس على الظاهر
في توقيع صاحب الزمان (ع) جعلت فداه لما كاتبه محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري(3)«عن رجل يكون في محمله و الثلج كثير بقامة رجل، فيتخوف إن نزل الغوص فيه، و ربما يسقط الثلج و هو على تلك الحال، و لا يستوي له أن يلبد شيئا منه لكثرته و تهافته، هل يجوز أن يصلي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياما، فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟ فأجاب لا بأس به عند الضرورة و الشدة»
ج7،
و التقييد بالشديدة في
مكاتبة عبد الله بن جعفر(1)أبا الحسن (عليه السلام) «روى جعلني الله فداك مواليك عن آبائك (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الفريضة على راحلته في يوم مطر، و يصيبنا المطر و نحن في محاملنا و الأرض مبتلة و المطر يؤذي فهل يجوز لنا يا سيدي أن نصلي في هذا الحال في محاملنا أو على دوابنا الفريضة إن شاء الله؟ فوقع (عليه السلام) يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة»
لا يشهد لأول الوجهين قطعا، بل الظاهر إرادة الضرورة المسوغة لذلك، و هي التي لا تتحمل عادة، لكن من المعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها.
و لذا قال المصنف و يستقبل القبلة مع التمكن منها، لإطلاق ما دل على اعتبارها السالم عن معارضة مقتضى الضرورة بالفرض فان لم يتمكن من الاستقبال بالجميع استقبل القبلة بما أمكنه من صلاته، و ينحرف إلى القبلة كلما انحرفت الدابة، و إن لم يتمكن استقبل القبلة بتكبيرة الإحرام، و لو لم يتمكن من ذلك أجزأته الصلاة و إن لم يكن مستقبلا بلا خلاف معتد به أجده في شيء من ذلك، لما عرفت، و لبعض المعتبرة(2)في السفينة التي جعل الصادق (عليه السلام) المحمل بمنزلتها في خبر ابن عذافر(3)و المحكي عن المنتهى «لو اضطر إلى صلاة الفريضة على الراحلة صلى عليها و استقبل القبلة بما يمكنه، ذهب إليه علماؤنا أجمع» فإطلاق النصوص(4)الذي لم يسبق لبيان ذلك يجب تنزيله على ما عرفت، لكن
قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة(5)«الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة المواقفة إيماء على دابته- ثم قال-:
ج7،
و يجعل السجود أخفض من الركوع، و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة»
و يستفاد منه كما في المدارك عدم وجوب الاستقبال إلا بتكبيرة الإحرام خاصة، كالمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام)(1)و لعله يحمل على إرادة المثال أو على عدم تمكنه من الاستقبال في غيرها، كما يومي اليه عدم الركوع و السجود و الاكتفاء بالإيماء عنهما، على أن الغالب في خائف اللص و السبع الذي صلاته صلاة المواقفة عدم التمكن من أن يدور إلى القبلة كلما انحرفت دابته، مع أنها ما تنحرف إلى جهة إلا و هو محتاج إليها غالبا، نعم ربما يتيسر له ذلك في أول الصلاة، فيستقبل حينئذ و يبقى مستمرا الى حال عدم التمكن، أو على بيان ندرة عدم التمكن من الاستقبال فيها لقصر زمانها، مع أنها من أركان الصلاة و افتتاحها، و بها يحصل إحرام الصلاة، و كذا يحمل على ذلك بعض العبارات المقتصرة عليها كعبارة القواعد «و يستقبل بتكبيرة الافتتاح وجوبا مع المكنة» خصوصا مع قوله قبل ذلك: «و لو اضطر في الفريضة صلاها كذلك، فان صلى و الدابة إلى القبلة فحرفها عمدا لا لحاجة بطلت صلاته، و إن كان لجماح الدابة لم تبطل و إن طال الانحراف إذا لم يتمكن من الاستقبال» و احتمال إرادة الفرق بين التكبيرة و غيرها باشتراط الاستقبال في الأولى و عدم الانحراف عن القبلة لو اتفق انه كان عليها في غيرها كما ترى، فلا ريب في وجوب مراعاة القبلة بما أمكنه من غير فرق بينها و بين غيرها، و كذا باقي ما يعتبر في الصلاة من القيام و الاستقرار و غيرهما، نعم لا إشكال في السقوط مع التعذر.
و هل يجب عليه تحري الأقرب فالأقرب، لأن للقرب أثرا عند الشارع، و لهذا افترقت الجهات في الاستدراك لو ظهر خطأ الاجتهاد، أولا للأصل و للخروج عن القبلة، فتتساوى الجهات؟ قولان كما في المدارك، بل فيها تبعا للذكرى «لو قيل يجب تحري
1) 1 المستدرك- الباب- 10- من أبواب القبلة- الحديث 2.
ج7،
ما بين المشرق و المغرب دون باقي الجهات لتساويها في الاستدراك لو ظهر خطأ الاجتهاد، و ل
قولهم (ع): ما بين المشرق و المغرب قبلة
كان قويا» و زاد في الذكرى «و حينئذ يترجح المشرق و المغرب على الاستدبار على القول بالقضاء فيه مع خروج الوقت» الى آخره لكن الأول و الأخير كما ترى لا يجترئ الفقيه على الجزم بشيء منهما بهذه الأمور التي لا تصلح للعذر بعد حرمة القياس و الاستحسان و نحوهما عندنا، فلا يقاس ما نحن فيه على الغافل و الناسي بجامع الاضطرار، فالقول حينئذ بالسقوط أصلا هو الأقوى، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه.
و منه يعلم أيضا ما في المحكي عن العلامة في النهاية من أنه إن لم يتمكن من الاستقبال جعل صوب الطريق بدلا عن القبلة، لأن المصلي لا بد أن يستمر على جهة واحدة لئلا يتوزع فكره، و لما كان الطريق في الغالب لا ينفك من معاطف يلقاها السالك يمنة و يسرة فيتبعه كيف كان للحاجة، و إن قال في المدارك و هو حسن، إلا أن وجهه لا يبلغ حد الوجوب، و كيف كان فيومي للركوع و السجود إذا لم يتمكن منهما و لو بالنزول حالهما، أما إذا تمكن من النزول مثلا وجب قطعا و ليس من الفعل الكثير في الصلاة، ضرورة كونه لأجزائها، و كذا لو تمكن من الانحناء وجب لما سمعته سابقا في محله مما لا حاجة الى إعادته هنا كبعض الأحكام المذكورة هناك حتى وضع الوجه على شيء أو وضعه عليه، و إن دل صحيح عبد الرحمن(1)السابق على وجوب الأول هنا، و لعله يريد به السجود على القربوس و نحوه مع عدم المشقة و التخوف من نفور الدابة، حتى و أخفضية السجود من الركوع في الإيماء و غيرهما مما لا يخفى جريانه هنا، إذ الظاهر عدم خصوصية للمقام.
و كذا الحكم في المضطر إلى الصلاة ماشيا ضرورة عدم الفرق عندنا
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب القبلة- الحديث 1.
ج7،
بين المشي و الركوب و غيرهما في جميع ما سبق من الأحكام حال الاختيار و الاضطرار و الكيفية، فلا يجوز للماشي فعل الفريضة مع الاختيار و الأمن عند أهل العلم كافة كما في المحكي عن المنتهى، بل فيه أيضا و إذا اضطر يصلي على حسب حاله ماشيا يستقبل القبلة ما أمكنه، و يومي بالركوع و السجود، و يجعل السجود أخفض من الركوع، ذهب إليه علماؤنا أجمع، و قال الله تعالى(1)«فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» بل قد يدعى ظهورها في التخيير بين الأمرين عند الاضطرار، و يؤيده أن احتمال ترجيح المشي حينئذ لحصول ركن القيام معارض باحتمال ترجيح الركوب، لأن الراكب مستقر بالذات و إن تحرك بالعرض، بخلاف الماشي، خصوصا مع الركوب في المحمل الذي هو بمنزلة السفينة في الخبر، نعم لو فرض إمكان استيفاء بعض الأفعال الأخر كالركوع و السجود في أحدهما أمكن حينئذ تقديمه، و دعوى عدم ظهور الآية في التخيير، لجواز كونها لبيان شرعية الأمرين و إن كان بينهما ترتيب كآية كفارة الصيد(2)يدفعها ان الاحتمال لا ينافي الظهور المزبور إذا لم يكن شاهد له، على أنه يكفي في ثبوت التخيير عدم الدليل المعتبر على الترتيب، كما أنه لا دليل كذلك على وجوب كيفية خاصة لمشي المكلف حال الصلاة أو راحلته. فللراكب حينئذ الركض على دابته، و للماشي العدو من غير ضرورة، لأنهما فردان منهما كما عن نهاية الأحكام التصريح به، و مجرد انقداح الترتيب بين أفراد المشي في النفس من غير دليل شرعي لا يصلح عذرا و إن كان هو كذلك واقعا، كما هو واضح من أصول الإمامية.
نعم ينبغي اعتبار التوقي عن النجاسة كغير الماشي، لإطلاق الأدلة، و كذا غير ذلك من الشرائط، بل يقتصر على ما قضت الضرورة بعدمه كالاستقرار و نحوه من
ج7،
غير تعد لغيره، لما عرفته سابقا من تقدر الضرورة بقدرها، سواء في ذلك الراكب و الماشي و غيرهما من المضطرين، إذ الجميع من واد واحد، لكن تقييد المصنف خاصة من بين الأصحاب هنا بقوله مع ضيق الوقت و إطلاقه في الراكب يشعر بالفرق بينهما، اللهم إلا أن يريد رجوعه إليهما، و فيه حينئذ أن وجوب الانتظار في ذوي الأعذار و عدم جواز البدار مع رجاء الزوال متجه فيما لم يعلق الحكم فيه على موضوع يتحقق عرفا قبل الضيق كالمقام المعلق فيه الحكم على الخائف و نحوه، ضرورة اقتضاء الإطلاق حينئذ مشروعية البدار بمجرد تحقق موضوع الحكم فضلا عن ظهور فحاوي النصوص(1)بذلك، و مناسبة سهولة الملة، و الاهتمام بالمبادرة للصلاة، و كون الحكمة في مشروعية هذه الأحكام التخفيف و نحو ذلك، بخلاف غيره الذي جاء عدم السقوط فيه من قوله: لا تسقط الصلاة بحال و نحوه، لتوقف تحقق معنى الاضطرار فيه على ضيق الوقت، إذ هو مكلف بالصلاة الجامعة للشرائط في مجموع الوقت، و لم يعلم عدم التمكن حتى يضيق، و ليس الخطاب بالصلاة منحلا الى خطابات متعددة باعتبار تعدد الأحوال و إلا لاقتضى جواز فعل الصلاة الاضطرارية في أول الأوقات و إن علم بالتمكن في ثانيها، و هو مقطوع بعدمه في الشريعة و تمام الكلام في حكم ذوي الأعذار في غير المقام، لكن على كل حال لا وجه للفرق بين الاضطرار للصلاة ماشيا و راكبا، و الله أعلم.
و لو كان الراكب بحيث يتمكن من الركوع و السجود و فرائض الصلاة هل يجوز له الفريضة على الراحلة اختيارا؟ قيل: نعم و اختاره في المدارك و غيرها من كتب متأخري المتأخرين، بل هو المحكي عن صريح نهاية الفاضل، و إشعار نهاية الشيخ و السرائر، و ربما يشهد له ظهور المتن في وجود القائل قبله بذلك و قيل: لا، و هو الأشبه عند المصنف و الفاضل و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، بل قيل: إنه المشهور،
1) 1 الوسائل- الباب- 13 و 14 و 15 و 16- من أبواب القبلة.
ج7،
بل في مجمع البرهان يكاد أن لا يكون فيه خلاف، لكن الأقوى في النظر الأول، للأصل و إطلاق الأدلة السالم عن المعارض، ضرورة ظهور النهي عن الصلاة على الرحلة في غير الجامعة، كما يومي اليه زيادة على الانسياق ذكر جملة من الأحكام كالايماء و الاستقبال بالتكبير أو بما أمكن و غيرهما للصلاة على الراحلة، و ليس إلا لغلبة احتياج الصلاة عليها إلى ذلك، و دعوى العموم اللغوي فيها بالنسبة إلى الأحوال عموما لا يتفاوت فيه النادر و غيره ممنوعة على مدعيها، و استثناء المريض في صحيح عبد الرحمن(1)السابق مع أنه لا يقتضي العموم قد ذكر غير و احد من الأصحاب انه انما يفيده بالنسبة إلى الفاعل لا الدابة، فهي حينئذ على إطلاقها و كونها في سياق النهي لا يجدي في زيادة معنى الإثبات، إذ النفي انما هو له، خصوصا و التحقيق في استفادة العموم من مثل ذلك اقتضاء نفي الطبيعة نفي الأفراد، فهي كالحكم المقتضي ثبوته للطبيعة ثبوته للفرد كالحل و الحرمة و نحوهما، فكما لا يخرج ذلك عن الإطلاق المنصرف إلى الأفراد الشائعة كذلك لا يخرج هذا، و مثل ذلك النكرة في سياق النفي المستفاد منها العموم أيضا بواسطة اقتضاء نفي الواحد لا بعينه الذي هو مفادها ذلك، إذ دعوى ثبوت الوضع الجديد مساويا لعموم «كل» و «جميع» لا شاهد لها كما هو محرر في محله، فليس مفاد النكرة في الإثبات و النفي إلا معنى واحدا و إن اختلفا في العموم البدلي و الشمولي، فدعوى ظهور
قول الصادق (عليه السلام) في موثق ابن سنان(2): «لا تصل شيئا من المفروض راكبا»
شمول ما نحن فيه، لكونه من العموم اللغوي لا الإطلاق ليس في محلها كما هو واضح بأدنى تأمل، فالتحقيق حينئذ خلو نصوص المقام عن الدلالة على الفرض، بل يبقى على مقتضى الأصول و الإطلاقات، و لا ريب في اقتضائها الصحة عندنا، بل الظاهر أن إطلاق الفتاوى أيضا كذلك.
ج7،
و أظرف شيء ما يحكى عن فخر المحققين من الاستدلال على الفساد بقوله تعالى(1):
«حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى» بتقريب أن المراد بالمحافظة المداومة و حفظها من المفسدات و المبطلات، و انما يتحقق ذلك في مكان اتخذ للقرار عادة، فإن غيره كظهر الدابة في معرض الزوال، و ب
قوله (صلى الله عليه و آله)(2): «جعلت لي الأرض مسجدا»
أي مصلى، فلا يصح إلا فيما في معناها، و انما عديناه إليه بالإجماع و لم يثبت هنا، ضرورة كون المراد من الآية عدم التضييع بالترك و نحوه، و بالخبر كون الأرض محلا للسجود، و على أنه قد يفرض محل البحث فيما إذا اطمأن بعدم عروض المفسد للصلاة على الظهر، و الإجماع قائم على كل مكان يمكن استيفاء ما دل على اعتباره في الصلاة فيه من غير تخصيص، و لو سلم كون البحث في غير المطمئن به في استيفاء الأفعال خاصة أمكن منع اشتراط هذا الاطمئنان في صحة الصلاة، للأصل و إطلاق الأدلة، و دعوى عدم إمكان النية يدفعها أنها ممكنة عرفا و لو بأصالة عدم عروض المانع، كما في ذات العادة التي تظن عروض الحيض لها في اليوم الذي نوت صومه، و كل محتمل أو ظان عروض المانع في الأثناء و غير ذلك من الأحوال المعلوم عدم اشتراط صحة الصلاة بالطمأنينة في إحراز عدمها أو إحراز التمكن منها، كما هو واضح.
و كذا دعوى أن إطلاق أدلة الصلاة ينصرف إلى القرار المعهود، و ظهر الدابة ليس منه، لمنع الإطلاق المراد منه المعهود، بل عدم اعتناء الأصحاب بتحرير ذلك في المكان أقوى شاهد على عدم الفرق بين سائر الأمكنة الصالحة لاستيفاء الأفعال، بل من الأمكنة المخترعة ما يقطع بندوره و عدم دخوله في الإطلاق الذي يفرض إرادة
ج7،
المعهود منه، خصوصا بعد
صحيح علي بن جعفر(1)سأل أخاه «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الرف المعلق بين نخلتين فقال (عليه السلام): إن كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس»
و
مضمر أحمد بن محمد(2)«في الرجل يصلي على السرير و هو يقدر على الأرض فكتب صل فيه»
و
خبر إبراهيم بن أبي محمود(3)عن الرضا (عليه السلام) «في الرجل يصلي على سرير من ساج و يسجد على الساج قال: نعم»
و غيرها مما هو مسطور في مكان المصلي، مع أن الجميع ليس من القرار المعهود، إلا أنها يمكن فرض استيفاء أفعال الصلاة عليها، لعدم قدح الحركة اليسيرة التي يتعقبها الاستقرار، بل يمكن إرادة الأرجوحة من الرف المعلق بين النخلتين لا المسمر بالمسامير الذي قد ادعى في كشف اللثام أنه المعروف منه، قال في البحار بعد ذكره الصحيح المزبور: و هو يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد شد الرف بالنخلتين، فالسؤال باعتبار احتمال حركتهما، و الجواب مبني على أنه يكفي الاستقرار في الحال، فلا يضر الاحتمال، أو على عدم ضرر تلك الحركة، و ثانيهما أن يكون المراد تعليق الرف بحبلين مشدودين بنخلتين، و فيه إشكال، لعدم تحقق الاستقرار في الحال، و الحمل على الأول أولى و أظهر، و يؤيده ما ذكره الفيروزآبادي في تفسير الرف أنه شبه الطاق، قلت:
و على كل حال فشهادته للمطلوب لا تنكر.
و من ذلك كله يظهر لك أنه لا وجه للإشكال في الصلاة على الدابة المتمكن من استيفاء الأفعال معها كما في قواعد الفاضل، فضلا عن المنع ممن عرفت كالمصنف و غيره،
ج7،
اللهم إلا أن يريدوا السائرة التي تستلزم حركتها حركة المصلي و عدم استقراره كما هو الغالب في الركوب على الدابة، و يومي اليه فرض المسألة في ذلك في الذكرى على الظاهر، قال: «لو تمكن الراكب من الاستقبال و استيفاء الأفعال كالراكب في السفينة أو على بعير معقول ففي صحة صلاته وجهان، أصحهما المنع، أما الأول فلعدم الاستقرار، و لهذا لا يصح صلاة الماشي مستقبلا مستوفيا للأفعال، لأن المشي أفعال كثيرة خارجة عن الصلاة، فيبطلها» و هو كالصريح فيما قلناه، خصوصا بعد قوله في آخر البحث: «و لو كانت الدابة واقفة و أمكن استيفاء الأفعال فهي مرتبة على المعقولة، و أولى بالبطلان هنا، لأن الحركة إليها أقرب» إذ هو كالصريح في إرادة السائرة من الأول، و لعله مراد المصنف و غيره، و حينئذ فالبطلان متجه، و احتمال كونها حينئذ كالسفينة في أن الراكب بنفسه مستقر بالذات و انما يتحرك بالعرض بالراحلة كما في كشف اللثام
يدفعه وضوح الفرق باعتبار غلبة حصول وصف الاستقرار لراكب السفينة بخلاف الدابة، فيختص الحكم بالبطلان في عبارة المتن و ما شابهه بذلك لا الواقفة و المعقولة و غيرهما مما يمكن معه استيفاء الأفعال من الاستقرار و غيره، كالسرير المحمول و نحوه، خصوصا المطمأن ببقائه على هذا الحال إلى آخر الصلاة، لكن في قواعد العلامة «و في صحة الفريضة على بعير معقول أو أرجوحة معلقة بالحبال نظر» بل عن المنتهى و الإيضاح و الموجز و الجعفرية و شرحيها و حاشية الميسي الجزم بالعدم فيهما، و الشهيدين في المعقول، بل الأول منهما في الأرجوحة أيضا و إن احتمل الجواز فيها، لصحيح علي بن جعفر(1)المزبور، مع أن المحكي عن تذكرته و نهايته و غيرهما الصحة، لما عرفت من ضعف مقتضى البطلان من كون الأول في معرض الزوال كالدابة الواقفة و إن كان أبعد، و الشك في تحقق الاستقرار في الثاني، و خروجهما عن القرار المعهود فضلا عن أن يعارض ما سمعته من
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج7،
مقتضى الصحة، خصوصا الأخير الذي قد عرفت دفعه بأنه لا دليل على إرادة المعهود من القرار، بل ظاهر الأدلة و الفتاوى خلافه.
بل قد يشهد لذلك في الجملة مضافا إلى ما عرفت و تعرف في المكان ما دل على جواز الصلاة في السفينة اختيارا من النصوص المعتضدة بفتاوى الأصحاب، ك
صحيح جميل(1)قال لأبي عبد الله (عليه السلام): «تكون السفينة قريبة من الجدد فأخرج و أصلي قال: صل فيها، أما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام)؟»
و خبري
يونس بن يعقوب(2)و المفضل بن صالح(3)سألا أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الصلاة في الفرات و ما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة فقال: إن صليت فحسن، و إن خرجت فحسن»
و
خبر صالح بن الحكم(4)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة فقال: إن رجلا سأل أبي (ع) عن الصلاة في السفينة فقال له: أ ترغب عن صلاة نوح (ع)؟»
إلى غير ذلك من النصوص الدالة بإطلاقها على المطلوب و ليس منها النصوص(5)المسؤول فيها عن جواز الجماعة في السفينة فأجيب بنفي البأس، ضرورة كون المراد منها جواز ذلك حيث تصح الصلاة في السفينة من غير تعرض لحال الصحة هل هو الاختيار أو ليس إلا الاضطرار، كما هو واضح، و لا النصوص المسؤول فيها عن الكيفية، و إن ظنه في المدارك فاستدل بصحيح معاوية(6)و حسن حماد(7)منها، بل قد استدل قبلهما بصحيح عبد الله بن سنان(8)المتضمن سؤاله للخوف من السبع و اللصوص مع الخروج، و لعدم طاعة رفقائه له على الخروج، و هو غير ما نحن فيه قطعا، اللهم إلا أن
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 11.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 10.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 4 و 9 و 12.
6) 6 الوسائل- الباب- 14- من أبواب القيام- الحديث 8 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب القبلة- الحديث 13.
8) 8 الوسائل- الباب- 14- من أبواب القيام- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
ج7،
يريد الاستدلال ب
قوله (عليه السلام) في الجواب: «لا عليه أن لا يخرج، فان أبي سأله (ع) عن مثل هذه المسألة رجل فقال له: أ ترغب عن صلاة نوح (ع)؟»
و فيه أنه باعتبار الضمير لا إطلاق فيه.
بل قد يستفاد من التعليل فيه و مما تسمعه في خبر الخزاز(1)ضعف الاستدلال بما في صحيح جميل السابق و غيره مما اشتمل على ذكر صلاة نوح (ع)، ضرورة ظهوره في اضطرار نوح (عليه السلام) لتلك الصلاة، فمن ساواه في ذلك لم يكن له ليرغب عن صلاته، فلا يشمل المتمكن من الصلاة على الجدد بلا مشقة و لا ضرورة تلجئه إلى الصلاة في السفينة المقتضية في بعض الأحوال فوات كثير من الواجبات كالركوع و الاستقبال و السجود و القيام و الاستقرار، فيمكن حمل الصحيح المزبور و غيره على إرادة غير هذا الفرد من الصلاة في السفينة، على أنه بعد الإغضاء عن ذلك ليس هو إلا مطلقا كالأخبار التي بعده، و الاستدلال به على جواز الصلاة في السفينة المفوتة لما عرفت- فضلا عن غيرها و إن كان متمكنا من الجدد و نحوه مما لا يفوت به شيء من ذلك- معارض بجميع ما دل على وجوب كل منها من النصوص المتواترة و الإجماعات و الآيات و غيرها مما هو مسطور في محله، و التعارض بينهما بالعموم من وجه، و لا ريب في رجحانه على هذه الأخبار من وجوه، خصوصا و لم يعرف في غير المقام سقوط الركوع و السجود و القيام و نحو ذلك اختيارا، بل المعروف منهم اختصاص سقوطها في حال الاضطرار، مضافا إلى ترجيحها بما في
مضمر علي بن إبراهيم(2)«و لا يصلي في السفينة و هو يقدر على الشط»
و ما في
الحسن كالصحيح(3)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فان لم تقدروا
ج7،
فصلوا قياما، فان لم تستطيعوا فصلوا قعودا و تحروا القبلة»
و ما عساه يشعر به سؤال صحيح عبد الله بن سنان من معلومية اعتبار الاضطرار في الصلاة في السفينة، ك
سؤال علي بن جعفر(1)أخاه فيما روي من كتابه، قال: «سألته عن قوم لا يقدرون أن يخرجوا إلى الطين و الماء هل يصلح لهم أن يصلوا الفريضة في السفينة؟ قال: نعم»
و إلا لحسن من الامام (عليه السلام) بيان جواز ذلك اختيارا ردا للإشعار المزبور، بل
صحيح ابن أبي عمير(2)عن الخزاز كالصريح في ذلك، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا ابتلينا و كنا في سفينة فأمسينا و لم نقدر على مكان نخرج فيه فقال أصحاب السفينة: ليس نصلي يومنا ما دمنا نطمع في الخروج، فقال: إن أبي كان يقول: تلك صلاة نوح (ع)، أ و ما ترضى أن تصلي صلاة نوح؟ فقلت: بلى جعلت فداك فقال: لا يضيقن صدرك، فان نوحا قد صلى في السفينة، قال: قلت: قائما أو قاعدا، قال: بل قائما، قال: قلت: فاني ربما استقبلت القبلة فدارت السفينة قال:
تحر القبلة جهدك».
و ما عساه يشعر به
خبر ابن عذافر(3)قال لأبي عبد الله (عليه السلام): «رجل يكون في وقت الفريضة و لا يمكنه الأرض من القيام عليها من كثرة الثلج و الماء و المطر و الوحل أ يجوز له أن يصلي الفريضة في المحمل؟ فقال له: نعم هو بمنزلة السفينة إن أمكنه قائما، و إلا قاعدا، و كل ما كان من ذلك فالله أولى بالعذر»
و احتمال معارضة ذلك كله بترجيح هذه الأخبار بفهم الأصحاب يدفعه عدم ثبوت ذلك منهم، قال في الذكرى: إن كثيرا من الأصحاب جوزوا الصلاة في السفينة و لم يذكروا الاختيار،
ج7،
قلت: بل قيل: إنه يلوح من الجمل و المراسم و الكافي و الغنية و السرائر الاختصاص بحال الضرورة، بل قال في الدروس: «ظاهر الأصحاب أن الصلاة في السفينة مقيدة بالضرورة إلا أن تكون مشدودة».
قلت: بل قد يشعر استدلال المانعين عن الصلاة فيها اختيارا كالذكرى و المسالك و الموجز و حاشية الميسي و روض الجنان و مجمع البرهان على ما حكي عن بعضها، بل و التقي و العجلي إلا أنه لم يثبت ذلك عن الأخيرين بعدم قرار المصلي و كثرة الحركات منه مما يندرج به في الفعل الكثير في الصلاة بعدم إرادة القائل بالجواز ثبوته اختيارا و إن فات الركوع و السجود و الاستقبال و القيام و الاستقرار الذاتي للمصلي، و إلا لاتجه إلزامه به، ضرورة أولويته من ذلك قطعا، بل هو مشعر بكون النزاع في الصلاة في السفينة من حيث الحركة لها إذا كانت سائرة، أو واقفة مضطربة، أو عدم استقرارها على الأرض لو كانت واقفة لا حركة فيها و إن كان المصلي فيها مستقرا ساكنا غير مضطرب، فناس قالوا بالجواز، لعدم ثبوت مانعية اضطراب المكان و عدم استقراره من صحة الصلاة إذا لم يؤد إلى اضطراب في المصلي عرفا، بل كان يصدق عليه انه مستقر مطمئن، و ناس قالوا بالعدم، اقتصارا على المتيقن في الصحة من مكان المستقر على الأرض، و لعل التأمل في كلام كثير منهم يشهد بأولوية تحرير النزاع في ذلك من الأول، بل قد يظهر من المحقق الثاني في جامع المقاصد و الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح و المحكي عن الجعفرية و شرحيها معلومية كون النزاع بينهم فيه، و أنه لا مجال لاحتمال غيره، و يؤيده زيادة على ذلك انه لم يحك في الكتب المعدة لنقل كلام الأصحاب عن أحد منهم التصريح بالجواز اختيارا و إن فاتت تلك الأفعال، نعم حكي ذلك عن ظاهر المبسوط و النهاية و الوسيلة و المهذب و نهاية الأحكام، قال في الأول: «أما من كان في السفينة فإن تمكن من الخروج منها و الصلاة على الأرض خرج، فإنه أفضل،
ج7،
فان لم يفعل أو لا يتمكن منه جاز أن يصلي فيها الفرائض و النوافل سواء كانت صغيرة أو كبيرة، و إذا صلى فيها صلى قائما مستقبلا للقبلة، فإذا دارت السفينة دار معها و استقبل القبلة، فان لم يمكنه استقبل بأول تكبيرة القبلة، ثم صلى كيفما دارت، و قد روي أنه يصلي إلى صدر السفينة، و ذلك يخص النوافل، و إذا لم يجد فيها ما يسجد عليه سجد على خشبها، فان كان مقيرا غطاه بثوب و يسجد عليه، فان لم يقدر سجد على القير عند الضرورة و أجزأه» قال في كشف اللثام و نحوه الباقي مع إهمال الضرورة في السجود على القير عدا الأخير، فليس فيه حديث السجود، و لعله غير مراد لهم.
قلت: و هو مع اختصاصه بفوات الاستقبال و القيام خاصة يمكن أن يكون ذلك منه بيانا لحال عدم التمكن من الخروج، لا لعدم الفعل اختيارا، على أنه لو سلم كون المراد من هذه العبارات ذلك فهو مع اختصاصه في الاستقبال و القيام دون الشهرة بمراتب فضلا عن دعوى فهم الأصحاب فلا وجه للترجيح به، فضلا عن أن يعارض ما عرفت من المرجحات السابقة، و كذا لا وجه للقول بأن المراد بالصلاة في السفينة التي لا يعلم فوات الأفعال المزبورة منها ابتداء، أما المعلومة فلا إشكال في عدم الجواز فيها اختيارا لما ذكرت، و حينئذ فالشارع في الصلاة في السفينة برجاء التمكن منها تامة الأفعال إذا عرض له في الأثناء ما لا يتمكن معه من ذلك انقلب تكليفه، لاضطراره بالتلبس بالصلاة المحرم قطعها، و لمعلومية مراعاة حالي الاختيار و الاضطرار في كل جزء من الصلاة، فالصحيح لو عرض له ما يقتضي الجلوس في الأثناء جلس، كما أن المريض يقوم لو اتفق له الصحة لذلك، و ليس هذا معارضة لوجوب هذه الأفعال في الصلاة كي يتجه الكلام السابق، إذ فيه أولا انه خلاف إطلاق عبارة المجيز و دليله، ضرورة اقتضائهما جواز ذلك في السفينة و ان علم به من أول الأمر، خصوصا بالنسبة للقيام الذي جعل في بعض
ج7،
النصوص(1)مدار فعله و عدمه على كون السفينة ثقيلة لا يخشى عليها الانكفاء به، و خفيفة يخشى عليها ذلك به، إذ هو كالصريح في أن له فعل ذلك ابتداء، و كذا غيره من النصوص(2)المتضمنة لسقوط الاستقبال الظاهرة أو الصريحة أيضا في أنه يجوز و إن علم بذلك من أول الأمر، و ثانيا أنا نمنع انقلاب التكليف هنا، لابتنائه على بقاء الخطاب بالصلاة التي قد تلبس بها في هذا الحال حتى يشرع له حينئذ الانتقال إلى تلك الأبدال الاضطرارية، و هو ممنوع، لاقتضاء جميع ما دل على وجوب تلك الأفعال بطلان خصوص ذلك الفرد، و استئناف فرد جديد جامع للأفعال، و ليس هو إبطالا للعمل، بل هو بطلان.
و من ذلك يظهر الفرق بينه و بين عروض غيره من أحوال الاضطرار المعلقة على موضوع قد فرض تحققه من غير ملاحظة وجوب إتمام ذلك الفرد من الصلاة، و لم يفرق فيه بين الابتداء و الأثناء، فالمرض الذي يؤمر له بالجلوس لو عرض في أثناء الصلاة جلس له كما لو كان في الابتداء، نعم لو عرض له و قد علمنا زواله في ثاني الأوقات و لم نقل بجواز البدار لمثله من ذوي الأعذار مع العلم بالزوال قبل فوات وقت الصلاة اتجه القول بعدم الاجتزاء بإتمام ذلك الفرد أيضا، بل يجب عليه استئناف فرد جديد له كما هو واضح، و أولى منه ما نحن فيه قطعا، و دعوى أنه و إن كان ذلك مقتضى الضوابط لكن يمكن القول به في خصوص السفينة، لإطلاق أدلة الجواز السابقة، فيكون ذلك حينئذ خصوصية في السفينة المستفادة من النص و الفتوى يدفعها أنه بناء عليها يعود البحث السابق بعينه، إذ التعارض حينئذ بالعموم من وجه، و الترجيح بما عرفت، و احتمال أن الترجيح على هذا التقرير لأدلة الجواز في السفينة كما ترى، لعدم
ج7،
الفرق بين التقريرين بما يقتضي ذلك، إذ التعارض عليهما معا بين ما دل على وجوب تلك الأفعال في الصلاة و بين إطلاق دليل الجواز في السفينة، فالكلام الكلام، و البحث البحث، فلاحظ و تأمل.
فظهر من ذلك كله أن تحرير النزاع على هذا الوجه مما لا ينبغي، أو أن الحق عدم الجواز اختيارا على تقديره، كما أنه ظهر لك مما قدمناه سابقا أن التحقيق الجواز اختيارا، بناء على تحريره بما سمعته سابقا، وفاقا لجماعة بل الأكثر إن لم يكن المشهور، بل في جامع المقاصد الاتفاق على الجواز في السفينة الواقفة مع عدم الحركات الفاحشة، و هو الحجة، مضافا إلى ما سمعته سابقا في الصلاة على الدابة الواقفة و المعقولة و الرف المعلق بين نخلتين و السرير المحمول و نحو ذلك، بل ما هنا أولى، للأمن من حصول الحركة المنافية للصلاة غالبا، و عدم كون قرارها الأرض بل الماء لا يصلح مانعا بعد إطلاق النص و الفتوى و عدم ذكر ذلك في شرائط المكان أو موانع الصلاة، على أن أدلة الجواز في السفينة لا معارض لها هنا إلا المضمر(1)و الحسن(2)السابقان من وجه، و لا ريب في رجحان أدلة الجواز المعتضدة بما سمعت عليهما، خصوصا مع عدم حجية الأول منهما، و خصوصا بعد إشعارهما أو ظهورهما في فوات بعض الأفعال كالقيام و الاستقبال لا من حيث السفينة.
بل هو كذلك أيضا بالنسبة إلى السائرة أيضا، إذا لم يحصل بسيرها اضطراب للمصلي و عدم طمأنينة، بل كان يصدق عليه الاستقرار و الطمأنينة، إذ لا معارض لها فيه أيضا إلا الخبران السابقان من وجه، و ترجح عليهما بقوة الدلالة أولا، ضرورة انسياق هذا الفرد من أدلة الجواز إلى الذهن من بين الأفراد، و بالتعدد ثانيا، و بصحة
ج7،
السند ثالثا، و بالاعتضاد بما عرفت من أن الجواز مقتضى الأصول و الإطلاقات، لعدم ثبوت اشتراط عدم حركة مكان المصلي الذي لا يقتضي حركته و انتقاله حركة المصلي و انتقاله، بل لعل الثابت عدمه رابعا، و دعوى الشك ممنوعة، مع أن الأصل عندنا عدم شرطية المشكوك فيه، فما في الذكرى- من أن الأصح المنع إلا لضرورة، لأن القرار ركن في القيام، و حركة السفينة تمنع من ذلك، و لأن الصلاة فيها مستلزمة للحركات الكثيرة الخارجة عن الصلاة- في غير محله، ضرورة عدم منع السفينة من ذلك، و العرف أعدل شاهد فيه و في عدم صدق الحركة عليه أصلا، فضلا عن كونها كثيرة تندرج تحت الفعل الكثير، كما في كل ساكن بالذات متحرك بالعارض، و فرض البحث في ذلك خروج عن تحرير محل النزاع بما عرفته سابقا من كون المصلي مستوفيا لجميع ما يعتبر في الصلاة، و انه ليس إلا سير السفينة، و إلا فالأقوى عدم الجواز حينئذ اختيارا كما ذكرنا الكلام فيه مفصلا على تقدير كون النزاع في ذلك، فتأمل. ثم قال:
و بما قلناه قال أبو الصلاح و ابن إدريس في باب صلاة المسافر، حيث قال: و من اضطر إلى الصلاة في سفينة فأمكنه أن يصلي قائما لم يجزه غير ذلك، و إن خاف الغرق و انقلاب السفينة جاز أن يصلي جالسا، و فيه أنه لا صراحة في ذلك في اشتراط الاضطرار و إن كان مستوفيا لجميع الأفعال، و من هنا قال في كشف اللثام بعد أن حكى عن الشهيد ما سمعت، قلت: لم يصرحا بذلك، نعم انما تعرضا للمضطر إلى الصلاة فيها، و كذا السيد في الجمل، فانحصر التصريح بالمنع حينئذ فيه و في بعض من تأخر عنه، لكن قد عرفت أنه قال في الدروس: و ظاهر الأصحاب أن الصلاة مقيدة بالضرورة إلا أن تكون مشدودة، و فيه- مع اعترافه في الذكرى بأن كثيرا من الأصحاب جوزوه و لم يذكروا الاختيار- أنه لا ظهور في كلمات الأصحاب بذلك كما اعترف به في كشف اللثام، و احتمال أنه أخذه من اشتراطهم الاستقرار و منعهم من الفعل الكثير بناء على
ج7،
فقدهما فيما نحن فيه ليس بأولى من نسبة الجواز حينئذ إليهم بناء على ما عرفت من كون التحقيق حصولهما، و أن ليس للمصلي إلا حركة عرضية، نعم ربما كان نوع إشعار في العبارتين المزبورتين كالمحكي عن الغنية و المراسم و الجمل أيضا، لكن ذلك لا يجوز النسبة إلى ظاهرهم فضلا عن ظاهر الأصحاب، خصوصا بعد أن عرفت ظهور عبارة المبسوط و النهاية و الوسيلة و المهذب و نهاية الأحكام في الجواز اختيارا و إن فاتت تلك الأفعال، بل هي في محل البحث كما هو واضح.
و كيف كان فحيث يصلي في السفينة يجب عليه مراعاة ما يعتبر في الصلاة ما أمكن و لو في البعض، و إطلاق بعض النصوص(1)الدوران مع السفينة حيث تدور يراد به إلى القبلة، أو مقيد بما في النصوص الأخر(2)من عدم التمكن من الاستقبال، و أما التوجه إلى الصدر فهو مختص بالنوافل كما يكشف عنه بعض النصوص(3)و سمعت التصريح به من المبسوط، أو يحمل على ما إذا لم يدر أين القبلة لا من علمها و لكن لا يتمكن من استقبالها مخافة انكفاء السفينة مثلا، و أما السجود على القير و القفر الذين قد تضمنهما
موثق ابن عمار(4)و خبر ابن ميمون(5)قال الصادق (عليه السلام) في أولهما: «و تصلي على القير و القفر، و تسجد عليه و تسجد عليه» و قيل له في ثانيهما:
«و يسجد على ما فيها و على القير فقال: لا بأس»
فلم أجد من عمل بهما على إطلاقهما، و قد سمعت ما في المبسوط من التقييد بالضرورة، و يمكن إرادة مباشرتهما حال السجود و لو على ما يصح السجود عليه، بمعنى أنه لا يجب عليه تغطيته بثوب و نحوه، لا السجود عليهما بمعنى وضع الجبهة عليه، لما ستعرفه إن شاء الله فيما يسجد عليه، و الله أعلم.